رابطة العلمانيين العراقيين في المهجر تُساند أبناء مدينة الموصل الحدباء الصامدة

  تناقلت الوكالات  والصحف العربية والأجنبية

قرار أبناء مدينة الموصل الحدباء الصامدة رفض  حكومة المالكي ودكتاتوريته الطائفية

والتي هربت أمام داعش ولم تدافع عن الحدباء

وفي الوقت ذاته قرر أبناء الحدباء بعزم قوي على تحرير الحدباء من موجات داعش التترية

والتصدي لها بكل تاريخها الحضاري المجيد وسواعد شبابها الأبطالِ

ومن ثم العودة بمدينة الحدباء إلى مسارها الأصيل

وستكون الحدباء رمزاً يُحرك كل العراقيين

ويعودة بهم إلى طريق الإخوة  والوحدة والمواطنة

التي لا علاقة لها بالفكر الطائفي ورجال الطوائف

كل العراقيين والعرب مع الحدباء وأهلها الطيبين

رابطة العلمانيين العراقيين في المهجر 

الباب مفتوح للتسجيل في رابطة العلمانيين العراقيين

وإعتزازاً بالأعضاء الجدد سننشر الأسماء بالتتابع

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

ملاحظة للقارئ العزيز

من أجل المحافظة على حقنا في التأليف

تم بداية من هذا العدد رفع جميع هوامش الأبحاث ومن خلال الكومبيوتر

ولكل من يرغب بالحصول على العدد كاملاً بهوامشه 

يُرجى مراسلتنا على الإيميل الأتي

mgfarhan@hotmail.com

بعد التبرع للمجلة والمساهمة في إستمرارها

وسنرسل المجلة على 

PDF

لكل مُتبرع

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

 

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

العدد الثالث عشر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / شتاء – ربيع 2014

أوراق فلسفية جديدة
الفلسفة : حُب الحكمة     الفيلسوف : مُحب الحكمة
والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة
نحو مدرسة فلسفية مُتجددة
—————————————————————————————
13
شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان
الفلسفة والعلم
في تفكير الوجودي الألماني كارل ياسبرز
مع العدد كتابنا المسلسل
الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية
حانا إرنديت (1906 – 1975) وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل
5
الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

 Dr. MOHAMAD FARHAN      DR. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – إنتاريو – كندا
رئيس التحرير – الأكاديمي الدكتور محمد جلوب الفرحان
سكرتيرة التحرير – الأكاديمية الدكتورة نداء إبراهيم خليل
مجلة أوراق فلسفية جديدة
الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة
لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة بيراع أكاديميين إثنين فقط
يُفضل قراءة هذا العدد بصحبة الإستماع إلى رائعة الموسيقار الإلماني جوهانز برامز (1833 – 1897) والتي حملت عنوان لوليبي أي ليلة سعيدة (والتي كتبها عام 1868) والمتوافرة على اليوتوب .
—————————————————————————————
في هذا العدد :
1 – نظرة إلى حياة ياسبرز
2 – تحدي إينو ياسبرز ومآساته
3 – كارل ياسبرز مؤلفاً
4 – الإتجاهات الفلسفية والعلمية في عصر ياسبرز
5 – فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية
6 – مساهمة فرانز برنتانو في بيئة ياسبرز الثقافية الأكاديمية
7 – مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي
8 – الفيلسوفة حانا آرنديت والقديس أوغسطين
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
المقدمة
تكتسي الكتابة عن العلاقة بين الفلسفة والعلم في تفكير الوجودي الألماني المعاصر كارل ياسبرز (1883 – 1969) أهمية ذات طابع خاص في تاريخ الفكر الفلسفي الغربي المعاصر عامة ، وتاريخ الفكر الفلسفي الوجودي خاصة ، وذلك من نواح عديدة :
أولاً – إن الوجودية لم تكن معنية بالعلاقة بين العلم والفلسفة (أو ما يُسمى بمضمارالفلسفة العلمية) في نصوصها على الإطلاق . غير إن جُل إهتمامها كان متمركزاً حول الإنسان المحكوم بمواقفه . ومن هنا تأتي مكانة ياسبرز وزميله الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر (1889 – 1976) . فقد لاحظنا إن الأول (أي ياسبرز) شغل نفسه في العلاقة بين العلم والفلسفة ، وبالتحديد في كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة (1931) . أما الثاني (أي هيدجر)
فقد ركز أبحاثه الأكاديمية الأساس على آلة الفلسفة ولُب الفلسفة العلمية ، وهو علم المنطق ، وخصوصاً في إطروحته للدكتوراه الأولى ، والتي جاءت بعنوان نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (1914) وإطروحته للدكتوراه الثانية ، والتي كانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس (1265 – 1308) وكتبها هيدجر تحت إشراف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت (1863 – 1936) في العام 1916 . ومن ثم نشر كتابه الإنجيلي المعنون الوجود والزمن (1927) .
ثانياً – إن ياسبرز لم يدرس الفلسفة دراسة أكاديمية ، فهو لم يتخرج من قسم الفلسفة ، بل ولم يدخل أبوابها ، ولم يدرس فصلاً دراسياً في الفلسفة .
ثالثاً – بدأ ياسبرز دراسته الأكاديمية طالباً في القانون والتشريع ، وبعد ثلاثة فصول دراسية وبسبب مرضه المزمن أقنع والده رجل القانون وبتوصية من طبيبه بالإنتقال من دراسة القانون إلى دراسة الطب .
رابعاً – بعد إكماله لإثنتي عشر فصلاً دراسياً تخرج من كلية الطب ، وأخذ يعمل طبيباً متدرباً في العيادة النفسية في مستشفى جامعة هيدلبيرك . وفي الوقت ذاته تفرغ لكتابة إطروحته في الدكتوراه وفي إختصاص الطب النفسي . وفعلاً فقد كان عنوان إطروحته للدكتوراه الأولى ” الهومسك (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” (1909) . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه (وهي شرط للتأهيل في التدريس الأكاديمي) وكانت بعنوان علم النفس المرضي العام (1913) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) . ومن ثم جاء في العام 1931 ظهور رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والذي جاء ظهورها إلى دائرة النور بعد إنتظار طويل . إذ إنه لم ينشر شيئاً على الإطلاق منذ إن أصبح في العام 1920 رئيساً لكلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك .
لقد كان إنجاز رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة في أجواء إحتجاجات الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك على الأهلية الأكاديمية للبروفسور ياسبرز في مضمار البحث الفلسفي . وكان يقود الكانطيين الجدد في إحتجاجاتهم ، بروفسور الفلسفة المتمرس ، والرمز الكبير في حركة الكانطية الجديدة في هيدلبيرك هنريخ ريكارت ، والذي إتهم ياسبرز بعجزه وعدم إمكانيته في الكتابة بعد إن أخذته الشؤون الإدارية ، ونضبت أفكاره من عملية الإبداع في مضمار الفلسفة . وهكذا جاء نشر الكتاب صدمة للبروفسور هنريخ ريكارت (وبالطبع لمجموعة الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك) والذين لاذوا إلى دائرة الصمت .
كما وتزامن التحضير لكتابة رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وصول الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حانا أرنديت (1906 – 1975) إلى جامعة هيدلبيرك ، لكتابة إطروحتها للدكتوراه تحت إشراف كارل ياسبرز ، وقد شاركت في مناقشات أطراف من موضوعات الكتاب خلال السيمنارات والمناقشات المباشرة مع ياسبرز أثناء إعداد مقالاته للنشر ، وخصوصاً في طرف رئيس من فصول هذا الكتاب ، وهو الخاص بالفعل يتفلسف . ومن الملاحظ إن ياسبرز قد أغفل الإعتراف بجهود حانا أرنديت (والتي تدربت في التحليل الفيللوجي على يد مارتن هيدجر) أو الإشارة إليها مباشرة أو غير مباشرة . ولكن مترجم الكتاب إلى الإنكليزية الأستاذ أي . . أشتون قد إشار إلى حانا أثناء حديثه عن المعنى الفيللوجي لكلمة التفلسف ، والفعل يتفلسف . وكل ذلك جاء في مقدمة المترجم إلى النشرة الإنكليزية .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(1)
نظرة إلى حياة ياسبرز ومؤلفاته
الدكتور محمد جلوب الفرحان
مؤشرات عن سيرة ياسبرز ومصادر تكوين ذهنيته الفلسفية
ونحسب بداية إنه من الضروري إعلام القارئ والباحث بأن كتابتنا عن سيرة الفيلسوف كارل ياسبرز قد إعتمدت في الأساس على الرسائل المتبادلة بين كارل ياسبرز ووالديه ، والتي قامت الباحثة سوزانا كيركبرايت بترجمتها إلى الإنكليزية ، والمنشورة بشكل واسع في كتابها المعنون ” كارل ياسبرز : سيرة ذاتية وإبحار في الصدق ” / وبالتحديد في ملاحق الكتاب . والحقيقة إن هذا الأسلوب من التخاطب قد دشنته الوالدة هنريت (أم ياسبرز كما سترى ذلك) ، ومن ثم أصبح تقليداً تربوياً – تعليمياً ووسيلة تخاطب بين أفراد العائلة ، ومن ثم وسعته ليشمل الأقارب والمعارف ومن ثم شمل أبناء مدينة أولدنبيرك . وهو الأسلوب من التخاطب الذي سيطوره الفيلسوف ياسبرز إلى ما سيعرف فيما بعد بطريق التخاطب الوجودي .
ولد كارل ثيودور ياسبرز في 23 شباط عام 1883 في مدينة أولدنبيرك في شمال ألمانيا . وتربى في أحضان عائلة بروتستانتية منفتحة وذات تركيب ثقافي ومهني متنوع . فمن طرف الوالدة هنريت ياسبرز (1862 – 1941) فقد أحب ياسبرزالريف وتعلق به وذلك لأن والدته جاءت من مجتمع فلاحي محلي . ومن طرف الوالد فقد كان رجل قانون وليبرالي وله ” وجهات نظر نقدية للحياة الدينية ” ولكنه لم يتطلع على الإطلاق إلى التأثير على إتجاهات أولاده الثلاثة (ولدان وبنت واحدة) وهم كل من كارل ، إرنا وإينو . فمثلاً كارل إرتبط بالكنيسة البروتستانتية عندما كان إبن الخامسة عشر . إلا إنه مثل والده كان حساساً من تأثير التعاليم المسيحية في الحياة العملية . والحقيقة إن إتجاهات الوالد الشكوكية لعبت دور الإنموذج في شخصية وتفكير وسلوك الولد ياسبرز” .
وهكذا فبتأثير الوالد تكونت شخصية الطفل ياسبرز المحب للحرية . كما ومن طرف والده بدأ دراسته الجامعية أولاً مع القانون ، ومن ثم تخلى عنها إلى الطب ، وبالتحديد الطب النفسي . ولكن قدر ياسبرز قد حددته السنوات الأولى من حياته ، والتي كان للوالدة دوراً كبيراً في رسم إتجاهته بصورة عفوية يومذاك . فقد كانت الوالدة تستعير من المكتبة المحلية ، العديد من الكتب الفلسفية ، وإن ذكرى هذه الكتب وماتركته من أثار عميقة في شخص الصبي ياسبرز ستلعب دوراً في حسم أمره مع الطب النفسي ، وبالتحديد بعد وصوله إلى العقد الرابع من عمره ، وبعد شهرة في مضمار الطب النفسي ، ومجموعة من الكتب فيها ، قرر ترك الطب النفسي ، والصعود إلى عالم الفلسفة . وهذه قضية سنفصل فيها لاحقاً .
لقد بدأ مشواره التعليمي والتربوي في شكلين من التعليم ، الرسمي في المدرسة والذي كانت فيه حياته عاصفة بالصراع مع الأراء المحافظة والتي تمثلت بشخصية مدير المدرسة . والحقيقة إن حياته المدرسية مختلفة على الإطلاق من بيئة البيت الهادئة المستقرة ، حيث بدأ تعليمه الخاص مع أخته إرنا ومع معلم خاص والتي ستستمر فيه شأنها شأن بنات جيلها . في حين سينتقل ياسبرز إلى مدرسة النحو عندما قارب العمر الذي أهله للدخول إلى هذه المدرسة .
وفي مدرسة النحو حصل ياسبرز على التدريب في مضمار الإنسانيات (الكلاسيكيات) والتي ضمت اللغتين اليونانية والرومانية (منا = الأدق اللغة اللاتينية حيث أصبحت البديل اللغوي الجديد ومن ثم أزاحت اللغة اليونانية ، وتحولت إلى لغة السياسة والدين والثقافة ..) وبهذا الطرف ربطت الإنسانيات الفتى ياسبرز بوشائج قوية بالوضع الثقافي ورجال الفكر الحر يومذاك . ولا غرابة إن طورت دروس مدرسة النحو ، في بواكير شبابه ، علاقات قوية ببعض الرموز الثقافية الألمانية من أمثال غوته (1749 – 1832) وشيلر (1759 – 1805) . وفعلاً فإن والدته هنريت ياسبرز إعترفت في كلمتها التي ألقتها في هيدلبيرك ، وبمناسبة عيد ميلاد ولدها الفيلسوف كارل ياسبرز (الخمسين) ، بأنها ” إستعارت له (وكذلك كارل فعل بنفسه) بعض الكتب حول الفلسفة من المكتبة المحلية ” . ومن ثم قرأ إسبينوزا (1632 – 1677) وكانط (1724 – 1804) . وربما أعمال هؤلاء الكبار من الفلاسفة
لعبت دوراً في إيقاظ وعيه وتوجيهه ليعمل بإتجاه الحياة والإنسجام والتوافق .
ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن نمو ياسبرز الفكري قد تكون في رعاية رجل قانون ليبرالي (نقصد والد كارل ياسبرز) متشكك لا يستقر على حال ثابت ولا يسلم أمره لعقائد لا تصمد أمام التجربة الحياتية والأختبار . وفعلاً إن ماحدث في هذه المرحلة إن برنامجه التعليمي هيمنت عليه المعارف الكلاسيكية ، وإذا كان هذا منهج مدرسي مفروض ، وإن ياسبرز خضع له وتعلم منه الكثير إلا إنه كان مرحلة تعليمية ولم يكن خياره الدائم ، ولذلك تحول من التربية التي تقودها الكلاسيكيات ، وإنتقل إلى التربية عن طريق الخبرة ، والتي تستهدف القلب ، وتركز على المنافع والميول . وهذا التحول ترك أثراً فعالاً على خياراته التي حددت نوع المهنة التي يتطلع إليها في مستقبله . ولعل واحداً من الأمثلة الكلاسيكية البارزة في مسيرته الفلسفية ، إنه بدأ يقرأ الفيلسوف كانط بإمعان وتفصيل ، ولكنه في النهاية بدأ يكتشف كانط الحقيقي ، وهنا حدثت المواجهة مع فلسفة كانط .
كما ولعبت الأم هنريت في تدشين نوع من التقليد التربوي التعليمي المتفرد ، والذي تمثل في شكل من أدب الإتصال والتخاطب (المراسلات) بين أفراد العائلة والأقارب ومن ثم وسعتها لتشمل دائرة واسعة من أبناء مدينتها كما ذكرنا ذلك . ومن هذا الطرف دفعت الأم هنريت ولدها إلى المشاركة في هذا الفن من الإتصال . فكانت فعلاً تجربة رائعة مكنت ياسبرز إن يطور قدراته في الكتابة ، ويصقل مهارته في عملية الإنشاء والتأليف . وهذا الجنس من الإتصال سيطوره ياسبرز ، والذي سيُعرف فيما بعد بأدب الإتصال أو التخاطب الوجودي . ولعل من المناسب الإشارة إلى إن الوالدة هنريت لم تكتف بذلك ، فقد قامت بتوثيق كل هذا التقليد التربوي (المراسلات) ، فقامت عام 1929 بطبعها وقدمتها هدية في عيد ميلاد كيرترود (1879 – 1974) زوجة ولدها ياسبرز .
وبالرغم من أن ياسبرز عاش في أحضان عائلة تنتمي في وضعها الأقتصادي والثقافي إلى أعالي الطبقة الوسطى ، التي وفرت العيش الرغيد لها ولأطفالها ، فإن حياة الطفل ياسبرز لم تنعم بكل هذه الأجواء السعيدة ، فقد مرت طفولته ، وبالتحديد منذ كان في الثالثة من عمره في إمتحان صحي (إعتلال مرضي) عسير صاحبها حالة حزن وفقدان معنى البهجة في الحياة ، وإنتهت إلى موجات من السعال . وهذا الحال أقلق العائلة التي كانت تسعى بكل جهدها إلى البحث عن فرص الشفاء لطفلها ياسبرز . وفعلاً فكانت تقوم بسفرات خلال العطل سعياً لتوفير الشفاء له .
أما من طرف الوالدة هنريت فكانت حساسة وقلقة على أوضاع ولدها البكر ، وكانت مهمومة في رصد الأعراض المرضية وتطورها . ولما بلغ كارل الخامسة عشر من عمره لاحظت هنريت إنه بدأ مرة ثانية يعاني من موجات السعال الشديد والذي صاحبه حالة إنفلونزا . وقد كشفت واحدة من الرسائل التي بعثها الوالد إلى الوالدة ، الغرض من هذه السفرات القصيرة ، والتي فيها طلب الشفاء من أعراض مرض الطفل ياسبرز . فقال : ” إن كلي (وهذا هو أسم كارل كما كانت العائلة تطلقه عليه) هادئ ونشيط ، ولكنه لازال في الوقت ذاته يقرقر ويسعل بشدة في المساء ، وإنه لا ينام إلا فترة قصيرة ، وأحسب إن ذلك العلاج قد ساعد بصورة عامة على تحسين أوضاعه الصحية ، خصوصاً في حالة تنفسه ، ولذلك يتطلب (يقول والد كارل لزوجته هنريت) منا أن نستمر في إستحمامه وتوفير الراحة له ، وما علينا إلا أن ننتظر ونراقب الموقف ” .
لقد عاش ياسبرز خلال الفترة التي قضاها في مدرسة النحو ، نوعين من الصراع ؛ صراع مع المرض الذي عرضه إلى الغياب المتكرر من المدرسة ، كما وسبب له العزلة من رفاقه في الفصل الدراسي . وصراع مع مدير المدرسة الأستاذ هري ستينفورث ، والذي يُوصف بكلمات كُتاب سيرة كارل ياسبرز ، بأنها ” كانت معقدة ” . ولعل من المناسب هنا أن نشير إلى إن التقليد الذي خطه المدير ، هو قبل مغادرة الطلاب للمدرسة والذهاب إلى الجامعة ، مطلوب منهم إلقاء خطاب باللغة اللاتينية . ومن طرف الفتى ياسبرز الشخصية الحرة ، فقد تمرد على المدير ، ورفض إلقاء الخطاب باللغة اللاتينية ودافع عن موقفه المستقل . وفي النهاية كان لازماً على ياسبرز أن يزور المدير قبل المغادرة . وفعلاً ذهب إلى زيارة المدير ، والمدير من طرفه رحب بياسبرز ، بالكلمات التي تترجم العلاقة المعقدة بين الطالب المتمرد ، والمدير الصارم . فقال المدير هري :
” لا شئ يمكن أن يتحول على أية حال ، وذلك بسبب إن مرضك حقيقة عضوية للحياة ” . والحقيقة إن هذا التعليق العدائي من قبل المدير ، سجل المنافع الرئيسة من تمرد الطالب ياسبرز على مدير المدرسة ستينفورث .
وإن إهمية هذه المرحلة تكمن في إنها شهدت مناقشات مفتوحة بين الفتى ياسبرز ووالده ، والذي كان يستمع بإمعان لأراء ولده ويسانده على الدوام ، إلا إن الأب في قضية المدير ستينفورث بين لولده كارل الخطوط الحمر التي لا يجوز تجاوزها في علاقته بالمدير ، ولذلك حذر ولده من النتيجة غير السارة ، خصوصاً إذا ولده إستمر على لوي يد (سلطة) مدير المدرسة ومن ثم عزمه على هزيمته . وفي الوقت ذاته فإن تسوية قد تمت مع المدير بخصوص الحالة المرضية للفتى ياسبرز ، والتي ساهمت من طرفها في عزله من معظم زملائه في الصف . كل هذه الأوضاع حملت الفتى ياسبرز إلى الإفتنان بتاريخ الفن ، والذي إستهله بجمع البطاقات البريدية (والطوابع) واللوحات الفنية . ويحسب الباحثون في سيرته الذاتية إن إهتمامه بالفن أثارته هواية والده في الرسم بالألوان المائية . وفعلاً فإن لوحات والده للمناظر الطبيعية ، وخصوصاً مناظر البحر قد فتحت أمامه الطريق ، والتي حضرت فيه الحياة وخلال توسط الفن الذي جلب الحقيقة إلى دائرة الإنتباه ، ورتبت الأشياء في حالة إنسجام هارموني .
صحيح إن ياسبرز صمت في أعمال مرحلة النضوج ، ولم يفصل الحديث عن الفن فيها . إلا إن المفهوم النقدي للفنون الجميلة ، شكل مساراً يتساوق وإعجابه باللوحات التي رسمتها ريشة والده . ولعل اللذة والمتعة التي جناها من ملاحظة تلك اللوحات أضافت بعداً ذوقياً خاص إلى جملة الأثار الشخصية القوية التي تركها والده عليه . وإن الحاصل من كل ذلك وإضافة إلى التربية الكلاسيكية ، هو التغيير في القلب وخطة المستقبل في مسيرة ياسبرز المهنية ومن ثم في تجربته الفلسفية .
وفي نهاية هذه المرحلة من حياة ياسبرز ، وبالتحديد في نهايات شهر نيسان / أبريل عام 1901 ودع دروس الكلاسيكيات ومدرسة النحو ، وتوجه بعيداً عن مدينته ، فرحل إلى الجنوب حيث جامعة فريبيرك وذلك لدراسة القانون . ويبدو إنه ذهب للعلاج وتشخيص مرضه وفقاً لخطة سرية بدأت بفكرة الوالد بزيارة الدكتور فرانكيل ، وفعلاً فقد صرف الفصل الأول من دراسته للقانون ، في عيادة الدكتور ألبرت فرانكيل ، وهو صديق حميم لعائلة آل ياسبرز ، وذلك لتشخيص حالته المرضية . وقد كتب ياسبرز رسالة من هناك إلى والديه ، قال فيها :
” بادينويلر 27 أبريل 1901
الوالدان العزيزان
يعتقد الدكتور فرانكيل ، إنه من الضروري أن أعلق دراستي في الفصل الجامعي القادم ، وأن أنصرف للعلاج .. والذي سيكون باهضاً . ولكنني أحسب إن موارد الوالد المالية ستسمح بذلك العلاج . ومعلوم أن صحتي مرهونة بذلك ، بل وإن مجمل حياتي فيما بعد ستكون مرهونة بمثل هذا النوع من العلاج …
وأنا لم أكن سيداً في إسلوبي الألماني ، ولا مدركاً بل ولا أعتقد بأنني محتاج لوصف الحال بأنه يحمل الكثير من السرور . ولهذا السبب كتبت إليكم بصورة صريحة تماماً ، وأستطيع أن أقول بكل قناعة ، وكما طلب مني الدكتور فرانكيل (ووعدني أن يكون صريحاً تماماً) وهو إنه لا يوجد شئ مزعج لحد الأن ، بل والأكثر من ذلك يجب أن أكون سعيداً لأن سبب مرضي المزمن ، على الأقل تم تشخيصه وإكتشافه وفي الإمكان علاجه … والمرض بحد ذاته هو إلتهاب الرئة ، وهو في كل الحالات مرض مميت . وهذا كما يبدو بوضوح تام إنها نظرة خاطئة . وإذا لم يكن مرض السل قد أصابني وإنتشر ، فأنا في صدمة قوية عندما سمعت بالأخبار أولاً ، ولكن سمحت لنفسي أن تتوقع الأفضل .
وسأتوقع منكم إرسال برقية إلى فندق هوف وذلك لأتأكد بسرعة ، وأخطط للذهاب في هذه الحالة إلى البروفسور بويملر وذلك للإستماع إلى نصيحته في الموضوع ذاته . وأنا أستطيع البقاء في بادينويلر
مع أشواقي وتحياتي
إبنكم كلي ” .
وما دام ياسبرز تحت العلاج في عيادة الدكتور فرانكيل ، وبالتحديد خلال شهور الصيف التي إمتدت من مايس وحتى أواسط شهر تموز 1901 ، فأن حاله الصحي أخذ بالتحسن والدليل على ذلك زيادة وزنه المستمر ومن ثم إستقر عند وزنه الطبيعي . وعلى أساس هذا الحال الصحي الجديد ، بدأ ياسبرز برنامجاً خاصاً في القراءة وأعمال الفن . ولذلك طلب بعض الكتب من البيت . ونحسب إن عناوين هذه الكتب والموضوعات التي تناولتها ، لها من الأهمية في توجهات ياسبرز الفيلسوف خصوصاً بعد تخليه عن الطب النفسي (السايكيتري) مهنة وتفضيله الصعود إلى طوابق الفلسفة العالية مهنته وهو قدره الذي لا خيار يُعلى عليه . وهذه الكتب وبالطبع بينها مجلات دورية ، هي : مجلة تاريخ الفن ، معجم القانون الروماني ، ومجموعة كتب فلسفية مثل ؛ كتاب بولسين المعنون مقدمة في الفلسفة (وهذا الكتاب من المصادر المهمة في كتابة ياسبرز لرائعته ثلاث مجلدات في الفلسفة) ، وكتاب الجيب المعنون الأخلاق عند سبينوزا . وهذه القائمة من الكتب تحمل حسن طالع واعد لوضع ياسبرز الصحي وربما عودة قريبة إلى مقاعد الدراسة الجامعية .
صحيح جداً إن هذه القائمة من الكتب التي طلبها ياسبرز ، تكشف عن رغبته في طلب المتعة والترفيه في هدفها المعلن . إلا إنها في الوقت ذاته بعثت من جديد في روح ياسبرز خطة دروس الرسم ضمن الفصول الأولى من إلتحاقه بجامعة فريبيرك . والتي سرعان ما صرف النظر من الرسم بعد ما فشل معلم الرسم في أن يرتقي إلى مستوى تطلعات ياسبرز . وفعلاً فقد شارك ياسبرز ذلك الشعور مع والده في الرسالة التي بعثها في 21 مايس 1901 ، فقال فيها :
” العزيز بابا
أنا جداً متمتع بالرسم ، ولكن المشكلة إن معلم الرسم ليس بالمستوى المطلوب ، فالبارحة رسمت شجرة بلوط قديمة ، وفعلاً فقد رسمت جذع الشجرة بصورة جيدة ، ولكنني لم أتمكن من رسم الأوراق ، فطلبت من معلم الرسم ، إذا سمح أن يبين لي كيف ترسم الأوراق … أنه لم يكن قادر على أن يبين لي بطريقة مقبولة كيف ترسم الأوراق ، ولم يستخدم سوى جملتين لشرحها ، إضافة إلى إن الدرس الواحد يكلفني ثلاثة ماركات . ولذلك قررت التوقف من هذه الدروس ، والقيام بالرسم إعتماداً على نفسي .
تحياتي وأشواقي للجميع
إبنكم كلي ” .
ومن النافع أن نشير هنا إلى إن هذا الإهتمام بالفن ، وخصوصاً بلوحات والده وما أثارته فيه من ولع في إكتشاف عالم الفن ، إنه سيتطور لاحقاً في مشروع كتابة عن الرسام الإنطباعي فان خوخ ( 1853 – 1890) وبالتحديد في كتابه عام 1922 .
وبعد علاج إستمر شهور عدة ، سمح الأطباء لياسبرز ومن ضمنهم الدكتور فرانكيل بمغادرة العيادة ، وربما العودة إلى دراسة القانون ، ففضل زيارة البيت . ومن ثم في منتصف إكتوبر ذهب إلى جامعة هيدلبيرك لدراسة القانون والتي إستمرت سنة واحدة (ومعلوم إن هناك فصل دراسي صيفي لم يكمله في جامعة فريبيرك) . ولكنه إستمر في فصل دراسي شتوي في هيدلبيرك ، وفصل صيفي في ميونيخ . وخلال هذه السنة بدأ ياسبرز يفكر جدياً في تغيير الإختصاص . ويبدو إن إلهاماً روحياً حدث لياسبرز بعد ما شخص الدكتور فرانكيل حالته المرضية .
وفعلاً فإن قارئ كتاب ياسبرز المعنون المموار الفلسفي (وهو سيرة فلسفية بقلم ياسبرز) ، يرى كيف يصور ياسبرز التحولات التي أصابت القلب ومن ثم إمتدت فطالت الإختصاص الأكاديمي والمهني على حد سواء . ولعل العنوان الذي إختاره كارل ياسبرز يكفي للتدليل على هذا التغيير ، وهو القدر والإرادة (وهو العنوان الفرعي للممواره الفلسفي) . ويبدو لنا بوضوح الأثر الشوبنهوري على تفكير ياسبرز في هذه المرحلة ، والذي حدد قدره الأكاديمي وشحذ إرادته وحملها على إتخاذ القرار . وهناك شواهد جاءت من خلال مراسلات عائلة ياسبرز والتي ردد فيها بقوة المصطلح الشوبنهوري ، ونعني كلمة الإرادة . إضافة إلى إن ياسبرز في الفصل الأول من دراسته في جامعة هيدلبيرك ، قد ذكر بصورة موجزة إلى إنه قرأ كتاب شوبنهور (1788 – 1860) العالم كإرادة وصورة ، كما وتؤيد ذلك رسائله التي بعثها إلى والديه ، والتي فيها يكشف عن تحمسه لفلسفة شوبنهور خلال أجواء التشائم التي لازمت
عزلته هناك . والحقيقة إن في الرسالة شواهد كافية على كل ذلك الأثر الشوبنهوري . يقول ياسبرز :
” الوالدان العزيزان
أنا ميال إلى حياة العزلة في غرفتي ، وإلى القراءة … فقد طلبت شراء كتب شوبنهور ، وذلك لأن فلسفته كما تبدو لي ، قد كتبت عن حالتي … تحيات وأشواق من إبنكم كلي ” .
كما كشفت رسائل ياسبرز في هذه المرحلة عن إهتمامه الخاص بكتب نيتشه (1844 – 1900) . ونحسب إن هذه الكتب النيتشوية ، هي التي وجهت تفكير ياسبرز إلى شواطئ
عالم النفس ، ومن ثم حملته على التخلي من دراسته الجامعية في ميدان القانون والتشريع ، وبالتحديد التحول إلى مضمار الطب النفسي . وفعلاً فإن قارئ رسالته التي بعثها إلى والديه من سيلس/ إيطاليا ، والمؤرخة في 1 أغسطس 1902 تكشف عن إنشغال تفكير ياسبرز في فلسفة نيتشه . ويبدو إن قدر ياسبرز ونيتشه كان واحداً على الأقل في زيارة سيلس . كما إن قدرهما (أي حالتهما المرضية) هي التي دفعت بهما إلى زيارة هذه المنطقة . وبعد وصف لجمال الطبيعة ، ختم رسالته بالحديث عن عظمة القوى الطبيعية التي لها صدى في موسيقى فاغنر ، وهو زميل نيتشه ومعاصره وله كتابات (أي نيتشه) عن موسيقى فاغنر . قال : ” يبدو إنه كان من المفروض على نيتشه ، أن يصرف خمس سنوات من حياته هنا . أما بخصوص حالتي الصحية فهي ممتازة جداً
تحياتي وأشواقي
ولدكم كلي ” .
ونحسب إن دافع ياسبرز في الكتابة عن أعمال نيتشه في الرسالة التي بعثها لوالديه ، هو ليبين لهم في هذا الوقت المبكر ، قيمة هذه الأعمال النيتشوية ، وخصوصاً إسلوبه المجازي في كتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” وفكرته فيما أسماه بالبعث الأبدي من طرف ، وليعلمهم من طرف أخر إلى إرتباط نيتشه بمنطقة سيلس التي زارها ياسبرز . ويبدو إن هذا الإهتمام بفلسفة نيتشه ، هو الذي لعب دوراً حاسماً في ترك دراسة القانون والتحول إلى مضمار الطب النفسي والإهتمام بقضايا النفس الإنسانية . والحقيقة إن قوة الأثر النيتشوي على ياسبرز لا يقف عند حدود التحول إلى مضمار النفس ، وإنما سيتطور في مشاريع ياسبرز الفيلسوف لاحقا ، والتي تمثلت في مشرع محاضراته عن نيتشه .
والواقع إن هذا الإهتمام بنيتشه وفلسفته مثل معلماً قوياً في أبحاث الفيلسوفين الصديقين مارتن هيدجر وكارل ياسبرز (صداقتهما إستمرت حتى عام 1933 ، ثم أصابها مد وجزر سياسي) وهما اللذان كانا الرمزين الفلسفيين اللذان تركا طبعات قوية على تفكير طالبتهما الفيلسوفة حانا أرنديت ، والتي إرتبط إسمها ملهمة لكتاب هيدجر الوجود والزمن ، ومساهمة في مناقشات وإعداد مشروع ياسبرز الفلسفي المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وعلى هذا الأساس يصبح النقد الموجه لهيدجر من قبل خصومه طلاب مدرسة فرانكفورت / النسخة الأمريكية ، وبالتحديد في إهتمامه بينتشه له دوافع معاداة للسامية هاوياً لا يستند إلى دليل ، وذلك لأن ياسبرز الخصم العنيد للنازية ، هو الأخر إهتم حتى النخاع بفلسفة نيتشه ، وبفكرة السوبرمان ” زرادشت ” في كتاب نيتشه المعنون هكذا تكلم زرادشت .
وهكذا جاء قرار ياسبرز بترك دراسة القانون ، والتحول إلى مضمار الطب بعد إقناع والده وبرسالة مدعومة من قبل الدكتور فرانكيل . وفعلاً بدأ دراسته للطب في 1902 في جامعة برلين ، وإستمرت حتى 1908 . ولعل رسالة والدته التي بعثتها لوالده في 25 إكتوبر 1902 ، تكشف عن هذا التحول الإيجابي لصالح ياسبرز ومن ثم حدث التحول فيما بعد . تقول الوالدة هنريت :
” في الحقيقة إن بابا وافق تماماً على شراء كل ما تحتاجه ، وهو يؤيد دراستك ، وربما إنك تحتاج أن تشتري أطلس جديد ، وشكل جديد للجهاز العظمي . وقال بابا إن كل ما يساعدك في الدراسة هو مال يمكن إستثماره بصورة حكيمة ، وأنا أحسب أنه جيد لك . وإذا كان من الممكن وخلال دراستك في الغرفة ، أن تضع الشكل الإيضاحي للجهاز العظمي أمام ناظريك دائماً ” .
ومن المؤشرات المهمة في حياته وبالتحديد نحو توجه العلمي والطبي ، إن والده في العطلة الصيفية لعام 1904 ، رتب له فرصة عمل تدريبي في المحطة الفيزيولوجية في هولكولاند ، حيث كانت للوالد علاقات شخصية مع مدير المحطة ، وكانت غرفة عمل كارل في المنارة الضوئية لهداية السفن ، وكانت مطلة على البحر . كما إنها كانت فرصة ممتازة لإقامة علاقات مع باحثين أخرين ، والتي ألهمته في إستمرار دراساته الخاصة في مكتبة المحطة (وبالطبع دراسة الطب والتدريب في هذه المحطة يكشفان عن مصادر ياسبرز في فهم علاقة الفلسفة بالعلم وهو موضوع هذا الكتاب وجوهر كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة) . وبعد ثلاثة سنوات من التدريب الطبي (ستة فصول دراسية) ، إجتاز ياسبرز الإمتحان الأول بنتائج ممتازة والتي توافقت مع عيد ميلاده الثاني والعشرين (المصادف في 23 شباط / فبروري 1905 .
ورغم هذا التحول نحو جادة العلوم وقيامه بالتجارب ، فإن مشاعره في هذه المرحلة لم تكن مستقرة ، وربما إن هذا الطرف من التوجه سد عليه الطريق من إدراك هدفه الرئيس وإهتماماته المركزية ، والمقصود هو أن يتعلم عن الكائن البشري بالمعنى الإنساني . ولعل هذا الهم كشفته واحدة من ملاحظاته التي خطها قلمه فيما يمكن أن نسميها يومياته في كوتنكن ، وبالتحديد في العام 1904 / 1905 ، حيث قال فيها بالنص : ” كل واحد منهم (أي العلم والإنسانيات) يصف جانباً وحيداً ، ووحيداً فقط ، ولكن الفكرة الحقيقة ، هو السؤال : ما هي طبيعة الإنسان ككل ووحدة ” .
وتعتقد سوزان كيركبرايت ربما هذا جاء من طريق الشاعر الألماني غوته ، الذي كان ياسبرز في ذلك الوقت يقرأ روايته المعنونة الإلفة الإنتخابية ، وإعتقدت إن ياسبرز قد تداولها في يومياته ، وهي تقترح هذا النص من الرواية : ” ويتمتع الفرد بحرية في شغل نفسه بكل ما يجذبه ، وبكل شئ يمنحه اللذة ، ومع كل شئ يبدو له نافعاً : ولكن الدراسة المناسبة للكائن البشري ، هي دراسة الإنسان ” . وهذا الهم الياسبرزي (نسبة إلى ياسبرز) ستحمله عناوين أبحاث ومؤلفات لما يسمى باللاهوت الوجودي ، والذي ستشاركه فيه طالبته الفيلسوفة حانا إرنديت ، وللإستشهاد وليس الحصر كتابها المعنون الشرط الإنساني أو الحالة الإنسانية .
كما إن حضور ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، لعب دوراً في تكوين علاقة زمالة مع عدد من طلاب دفعته ، والتي ستكون في طرف منها ، ما يحدد التكوين المتفرد لعائلة ياسبرز (وإن كان في المستقبل فيها الكثير من الألام وخصوصاً بعد صعود الحزب النازي لسدة الحكم في ألمانيا وإستغلالها سبباً في تعليق أستاذيته وإحالته على التقاعد) . فمثلاً عندما ” وصل ياسبرز إلى هيدلبيرك ، طريق حياته بدأ يتغير نحو الأفضل ، وأخذت دائرة معارفه وزملائه من الطلبة تتسع ، ولم تقتصر على صديقه الوحيد فيرتز زور لويي . إنها إمتدت وشملت زميله في الدراسة إرنست ماير . وكان ماير مثل ياسبرز في الفصل العاشر من دراسته الطبية . صحيح إن تشخيص الدكتور فرانكيل حرره من مرضه المزمن . كما وصحيح جداً إنه يمتلك قوى وقدرات عقلية ممتازة مثل الذكاء والحساسية العالية . إلا إنهما غير كافيان لإستيعاب الصدمة التي خلقها تشخيص الدكتور فرانكيل . حقيقة إن ما يحتاج إليه ياسبرز ، هو إنعاش الجانب الروحي ، ولهذا كان الطرف من هذا الإنعاش ، هو الرحلة إلى سيلس . غير إن قرار زميله إرنست ماير بتعريف ياسبرز على أخته كيرترود ، كان هو طريق الإنعاش الحقيقي ، فقد وفر لياسبرز أجواء الصحبة مع عائلة ماير ، فكانت النتيجة إن تحولت حياة ياسبرز إلى أجواء مملوء بالسعادة والبهجة ” .
وبالمناسبة إن ياسبرز تعرف لأول مرة على كيرترود في 14 تموز (جُلاي) 1907 ، ولم تمضي إلا بضعة شهور ، حتى أصبح بعدها ياسبرز خطيباً لها بصورة رسمية . ومن ثم تلاه قرار سريع بالزواج دون علم والدي كيرترود وبعض أفراد عائلتها . وفي 29 سبتمبر 1910 حدثت مراسيم الزفاف ، وكانت عادية وهادئة للغاية ولسريتها فلم يحضرها أحد من عائلة ياسبرز ولا عائلة كيرترود . وإن الأحتفال تم في مكتب كاتب العدل في مدينة زاهليندوف ، والتي كان يعيش فيها كوستاف ماير الأخ الأكبر للعروسة كيرترود . وفعلاً فقد جاهدت كيرترود على إخفاء أخبار الزفاف عن عائلتها مدة أطول قدر الإمكان . ولهذا فإن والديها كانا أخر من عرف بهذا الزواج هذا من طرف . ومن طرف أخر فإن عائلة ياسبرز كانت عارفة بالوضع الصحي لولدها ، فمثلاً في تموز 1907 كان والدي ياسبرز يتوقعون بأن ياسبرز ربما لم يبقى على قيد الحياة ليحتفل بعيد ميلاده الثلاثين وهذه هي توقعات الأطباء كذلك .
وفي ضوء هذه الشكوك الخطيرة حول صحة ياسبرز ، فإنه من الممكن أن تتحول كيرترود إلى أرملة في المستقبل العاجل . ولهذا تحمل الأخ الأكبر كوستاف ماير ، مسؤولية ترتيب الأمور المالية لمساعدة أخته وبطريقة معقولة ، تتناسب وإلتزاماته العائلية . أما من طرف الدكتور ياسبرز (السايكايتري / الطبيب النفسي) فقد كتب تقريراً لوالديه ملغوماً بالرمزية وغير واضح ، يفصل فيه واجباته في عيادة الطب النفسي في هيدلبيرك ، ومن ثم حشر فيها ملاحظة متفائلة حذرة ، يُظهر فيها إهتمامه الإنساني بسيدة شابة عمرها بحدود الثامنة والعشرين تتردد على العيادة النفسية ، وأخترع لها إسم فرويلين ماير . وكان في الحقيقة يسعى إلى ذكر إسم كيرترود بطريقة تلفظ مشابهة لإسم صديقه الطالب إرنست ماير . وعملها بطريقة مدروسة لتكون إسما لشخص مجهول . وعلى هذا الأساس قدم المعلومات التي تبدو مشابهة لواحدة من مرضاه ، والتي لها تاريخ في العلاج النفسي .
ونحسب من النافع أن نذكر بأن كيرترود أكبر سناً من ياسبرز بإربع سنوات ، ولها خبرة مع أعراض المرض العقلي في عائلتها (عائلة ماير) . فقد كانت أختها الأصغر منها عايدة ، ضحية للإنهيار العصبي . ومن الملاحظ إن مثل هذه الحقائق قد تم الإشارة إليها في رسالة ياسبرز التي ذكر مقابلته (تعرفه) لأول مرة على كيرترود من خلال أخيها إرنست ماير .
كما ويبدو إن السبب وراء سرية زواج كيرترود وياسبرز يعود إلى إن ديفيد ماير/ والد كيرترود ، كان من الرموز الكبيرة للجماعة اليهودية في المنطقة . ولعل السؤال الصعب الذي كان يدوي في تفكيره ؛ كيف سيكون موقفه من الجماعة إذا تسامح وقبل زواج إبنته اليهودية من ياسبرز البروتستانتي ؟ صحيح إن القضية الدينية من طرف ياسبرز وعائلته ليست مهمة على الإطلاق . وعلى هذا الأساس ظلت الخطوبة مقبولة بحدود ما . أما الزواج فبقي مشروعاً معلقاً .
وفي الوقت نفسه فقد وصلت أخبار زواجه إلى عائلة ياسبرز ، وذلك من خلال مصادر متنوعة . فمثلاً كوستاف ماير فكر بحكمة في إيجاد حل للمشكلة المادية لأخته كيرترود ومستقبلها مع وضع الإعتبار لحالة ياسبرز المرضية قبل إن يُفاتح عائلتيهما بالموضوع ، وخصوصاً في التفاهم مع والد ياسبرز في الدعم المادي للزوجين من طرف وتأمين وضع أخته في الوقت ذاته . وصادف إن جاء إلى هيدلبيرك إينو (1889 – 1931) / أخو ياسبرز لبداية دراسته في القانون ، وتعرف على كيرترود ، وعرف إينو الحال المُشكل في علاقة أخيه وزوجته كيرترود . فقدم إينو دليلاً على إمكانية إيجاد حل مناسب على الرغم من إن كيرترود ليست هي الخيار الذي كان يتوقعه لأخيه . ولكنه (أي إينو) رأى إن كيرترود مجرد هواء منعش له . وفي رسالة له بعثها لوالديه في 27 نيسان 1909 ، وفيها تشع الكثير من المشاعر تجاه كيرترود . يقول إينو :
” الولدان العزيزان
فرو ماير من الناحية المادية إسم على غير مسمى . وهي تعمل مثل الحصان ، وهي في هذه اللحظة دمرت أعصابها معه . وعلى أي حال ، فبعد التدقيق في رأيها ورأي كلي (أي ياسبرز) ، فإنها ستتعافى بسرعة مرة أخرى . وإنها شخصية فردية رائعة . والحقيقة إنه من الصعوبة جداً وصفها . إنها تماماً مختلفة على عكس ما تصورت ، وذات ذكاء عاطفي وليس عقلي فقط . إنها حقاً أكثر إنوثة وذكية جداً ، وقد عانت الكثير . وعلاقتها مع كلي (ياسبرز) هي خالصة وقائمة على أساس الصداقة . ولا تحاولوا وصفها بطريقة مختلفة . فمثلاً هي قالت : ” أذا أنا تزوجت أخيك ، فليس هناك ما يثير السؤال … ألخ (هكذا في الرسالة) ، وهي تقيم جسم كلي (ياسبرز) كما كلي يقيم نفسه (…)
تحيات وأشواق إلى أرنا (منا : أخت ياسبرز وإينو) كذلك
ولدكم
إينو ” .
ويبدو إنه بعد وصول رسالة إينو ، بعث والدي ياسبرز رسالة إلى ديفيد ماير ، تقدما له بطلب الموافقة على زواج ياسبرز من كيرترود . وفعلاً فقد لاحظ الباحث إن هناك ما يشير إلى العديد من الرسائل بعثتهما أسرة ياسبرز إلى إسرة ماير ، وبالتحديد رسالة بعثها الوالد ياسبرز إلى ديفيد ماير في 23 سبتمبر 1910 ، وفيها الكثير من المشاعر تجاه كيرترود ، ورسائل من الوالدة هنريت ياسبرز إلى والدة كيرترود كلارا ماير في 23 سبتمبر 1910 ، ورسالة من كلارا ماير إلى هنريت ياسبرز في 27 سبتمبر 1910 .
كما إننا وجدنا نص أولي لرسالة بعثها ياسبرز إلى خاله السياسي المعروف والوزير في جمهورية فايمر ثيودور تانتزين (1877 – 1947) والمؤرخة في 23 سبتمبر 1910 ، والتي جاء فيها :
” عزيزي ثيو
في 29 سبتمبر كيرترود وأنا سنتزوج وبحضور إخوتنا وأخواتنا في برلين / زهيلندورف … وقد أرسلت رسالة طويلة إلى جدتي شرحت فيها كل شئ . وأسألك العفو والغفران ..
تحياتي وأشواقي
إبنكم
كلي ” .
وبعد تردد وافق ديفيد ماير على مشروع الزواج . ولعل رسالة ديفيد ماير إلى والدي ياسبرز ، فيها الكثير من الدلالات . يقول ديفيد ماير :
” برنزلوي 27 سبتمبر 1910
المحترم السيد ياسبرز
المحترمة السيدة ياسبرز
لقد فرحنا بجد عال برسالتكم ، وخصوصاً كلمات المودة من قبل الكريمة زوجتكم .
بعد إنصراف وقت طويل فاتحت إبنتنا كيرترود والديها ، وإعترفت بأنها سلمت قلبها ، بل وإكتشفت إنها في علاقة حب مع رجل كان من المفروض أن لا تقترن به ، ولكنها سلمت قلبها إخلاصاً للحب ، وهي تتمتع بقيمة وشرف . والحقيقة كما تعلم أنت وحرمكم ، فإن ملاحظتكم صحيحة جداً ، فقد تصارعت كثيراً مع نفسي للوصول إلى الموافقة على هذا الزواج . وأنا لم أكن متعصباً ولا صاحب عقائد منحازة وذلك للإنتظار للتغلب عليها ، فأنا رجل متحرر منها . ولكنني كنت أتصارع مع المبادئ المتجذرة عميقاً بحق أجدادي ، والذين لا أستطيع أن أقطع جذوري معهم .
والأن أنا أعتمد على الحقائق وأستطيع مقابلة الزوجين ، وأمنحهم بركات الوالد وبقلب مملوء بالإيمان . وربما أطفالنا الآن يدخلون في وحدة صادقة ، مملوءة بالسعادة ، والتوافق والصحة والإلتزام المتبادل . مع السعادة والبهجة للوالدين من الطرفين . وآمانينا المشتركة ، وإن نكون الملجأ الآمن لأطفالنا . كما وقد وصل إلى سمعي من إبنتنا كيرترود ومن كل الأطراف ، كل ما هو مجيد ومشرف حول شخصكم وعائلتكم المخلصة . ونحسب إن الوقت لقريب لنتعرف على بعضنا ونشارك وجهات نظرنا .
وأنا أتمنى لأبنتي بالولد الصالح ، حتى تفوز بحب وتقدير والدي زوجها .
ومع كل الإحترام إذا سمحت ، فإنني أتقدم لحرمكم هنريت ياسبرز بكل تقدير ولكل أفراد عائلتك .
محترمكم
ديفيد ماير ” .
ومع زواج ياسبرز وكيرترود وإلتأم العائلتين ينتهي فصل مهم من حياة الطبيب النفسي كارل ياسبرز .
—————————————————————————————————-
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————————-
(2)
تحدي إينو ياسبرز ومآساته
الدكتور محمد جلوب الفرحان
صحيح إن كارل ياسبرز كان الولد البكر لعائلة آل ياسبرز ، وكانت له مكانة في العائلة ، خصوصاً بما يتعلق بمرضه المزمن ” المميت ” الذي وصفه كارل في رسالته إلى والديه كما ذكرنا ذلك أعلاه ، وبالتأكيد إن هذا المرض ترك الكثير من الأثار في حياة كارل وعلاقته مع والديه وأخيه إينو وإخته إرنا ومن ثم زواجه السري لزوجته كيرترود . كما إن كل ذلك قاد إلى جملة من التحولات التي حدثت في حياته المدرسية والأكاديمية ، وخصوصاً في تركه دراسة القانون وتحوله إلى مضمار الطب النفسي (السايكيتري) ، ومن ثم سيقود إلى التخلي عن الطب النفسي والصعود إلى طوابق الفلسفة العالية .
حقيقة إن قارئ كتابات كارل ياسبرز ، وبالتحديد ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، يلحظ إهتمام كارل الفيلسوف بالموت ، إهتماماً غير إعتيادي ، مما يحملنا ذلك على القول إن حياة إينو المملوءة بالنشاط إنطفأت لحظة وذلك في إقدام إينو على الإنتحار فجأة . وإن هذين الطرفين المتعارضين ؛ الحياة الصاخبة والموت المفاجأ قد لونا كتابات كارل ياسبرز . صحيح إن الأدب الفلسفي الوجودي قد وقف عند الموت والإنتحار ، وعالجه في أطار النشيد الوجودي المتداول : يولد الإنسان ، ليتعذب ويموت . إلا إن موت إينو ياسبرز كانت له قصة ، وجاء بعد حياة صاخبة ، مملوءة بالفرح والبهجة ، فكان مأساة للعائلة ، ومأساة فلسفية للفيلسوف كارل ياسبرز الذي لم يتوقف قلمه من تناوله ، وخصوصاً في إنجيله الفلسفي الوجودي المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي نشرها بعد عام واحد من موت أخيه إينو .
في الواقع إن الباحث إعتمد هنا على نصوص من مذكرات كارل ياسبرز ورسائله التي وردت في كتاب سوزانا كيرك برايت المعنون كارل ياسبرز : سيرة ذاتية (إبحار نحو الصدق) ، خصوصاً الملاحق والفصل الثامن (ص ص 92 – 107) .
لقد كان إينو ياسبرز صورة مغايرة تماماً لأخيه كارل ياسبرز ، خصوصاً في الضبط والنظام الغذائي اليومي . فمثلاً إينو كان صاحب سلوك صاخب (نشط) بينما كان كارل يتميز بسلوك وتصرف هادئين . وكان إينو مبتهجاً بالحياة بصورة مسرفة (متطرفة) ، في حين كان أخيه كارل على العكس عليلاً ، مما جعل حظوظه محدودة ، ومستقبله معتم ، وخصوصاً في ميدان العمل والوظيفة . والحقيقة إنه ليس هناك ما يدل على إن إينو كان أقل ذكاءً من كارل وأخته إرنا ، ولكن الواضح إن إينو كان الأكثر إهملاً والأقل إكتراثاً مقارنة بكارل وأرنا . فمثلاً كان إينو يصرف بسرعة مصروفه الشهري ويبذره ، بينما كان كارل يتعامل مع مصروفه بصورة منظمة ، وبدرجات عالية من العقلانية في الصرف ولذلك تلحظ هناك مدخرات في رصيد كارل ، في حين نضوب دائم في رصيد إينو .
ولاحظ ياسبرز في وقت مبكر جانباً من القساوة (الحوشية) في شخصية أخيه إينو . وعلى أساس هذه الملاحظة عاد ياسبرز مؤخراً فحدد خمسة مبادئ تعمل وتحكم تصرفاته تجاه أخيه إينو . وهذه المبادئ كتبها ياسبرز في مذكرات كوتنكن ، والتي كتبها عام 1903 . ولكن هذه المذكرات لم تقدم تفاصيلاً لمعالجات فعلية لياسبرز الأخ الأكبر . إلا إنها في الوقت ذاته تعرض مؤشرات عن طبيعة علاقة الأخوين في ذلك الوقت .
ويبدو إن ثلاثة من هذه المبادئ ذات صلة وثيقة بسلوك إينو وعلاقة الأخوين من طرف ، وإنها مبادئ صحيحة وذلك من حيث كونها تتمتع بمكانة أخلاقية عالية من طرف ثان . والأول منها ، هو إنه كان من المطلوب من الأخ الكبير كارل ، أن يبذل جهداً في تعديل عقلانيته ، والتي وصفها بأنها كانت العائق في قيام صداقة حقيقية بين الأخوين . وثانياً إن كارل كان على الدوام يُقارن إسلوبه بطرق ووسائل أخيه الصغير المملوءة بالفرح والبهجة وحسن الحظ . وثالثاً إنه كان لا يتوقع على الإطلاق من أخيه الصغير أن يقدم له أي شئ ما يخلق السرور والرضاء لديه . ورابعاً إن الأخ الكبير كارل قدم وصفاً فيه الكثير من الدلالات على طبيعة العلاقة بأخيه الصغير إينو ، فقد بين عادته التي يبدو فيها كارل سيداً في المدرسة ، والتي تحمل في ثناياها الكثير من الإشكاليات ، والتي رغب أن لا تقدمه مثالاً وقدوة لأخيه إينو . والمبدأ الخامس تمثل في إدخال ملاحظة غير عادية في تسجيلات ياسبرز اليومية ، والتي فيها ندم الأخ كارل من حالة البرود التي ظل محافظاً عليها في علاقته بأخيه الصغير ، والتي تخفي حسده وغيرته من أساليب إينو في التمتع باللذة والحياة السعيدة . والتي تبدو خالية من أي تعبير أو شكل من الإنتقام .
ولعبت الأخت إرنا دور الوسيط بين الأخوين وذلك بحكم الأخت الأكبر لإينو والأخت الأصغر والأقرب عمراً إلى كارل . وفعلاً فقد كانت إرنا تقوم في مناسبات عديدة بعمل الطرف الثالث الذي يحافظ على السلام بين الطرفين ؛ كارل وإينو . وكارل أدرك ذلك بصورة واعية ، فوجد في أخته إرنا الوسيط الفاعل . وكتب كارل في مذكراته يصف ما تتميز به إرنا من هدوء وسمات الشخصية الإيجابية ، وكان يرى فيها شخصية ذكية وتتمتع بحس دبلوماسي . إن كل ذلك جاء مسجلاً في مقطع مهم ضمته مذكراته التي تصعد إلى عام 1905 ، وحينها كان كارل في كوتنكن يدرس الطب . فقال برواية إرنا :
” كارل غير مستنير ، غريب الأطوار ، غريب عن العالم (على الأغلب الأعم بسبب مرضه) . (…) دائماً على نمط واحد ، ويفضل ماهو أخلاقي (…) .
أما إينو فهو مُحبُ كثيراً للملذات ومفتنُ بالمباهج والمسرات ، وقليلاً ما يكون غريب الأطوار ، يحبُ العالم ، ومعنوياته عالية على الدوام (…) . يتطلع إلى التعليم في الوقت الراهن . ولكن تفكير غائم معتم مقارنة بتفضيلاته الأخرى (…) . إينو يحتاج إلى التغيير ، رغم إنه يفضل أفعالاً فيها شئ من التطرف ، ويحتاج إلى قليل من ضبط النفس ، وهو يندفع أكثر من اللازم بعض الأحيان . ويُشارك كارل في كل هذه الخصائص ، ولكن بحدود أقل .
بينما إرينا فهي كانت دائماً الجسر الذي يتوسط بين هذين القطبين المتطرفين . وهي تتطلع إلى تجاوز القيم التي تحكم تصرفات الأخوين . وإن علاقتها الحميمة منظمة (و …) ومشاعرها تطورت ونمت خلالها ، بعمق ومصداقية عالية ” .
وترى الباحثة سوزانا كيركبرايت إلى إن ملاحظات الأخ كارل عن الجوانب النفسية المختلفة بينه وبين أخيه نينو ، بدت بعض الأحيان غير حقيقية (ومظهرية في معظمها) . إلا إنها دللت من طرف أخر على إهتمامات كارل ياسبرز المبكرة في مضمار علم النفس . إضافة إلى إنها تقدم شهادة على إن الأخوين كانا في علاقة متشابكة وقريبة جداً . أما من الناحية الأكاديمية فإن إنجاز كارل يدلل على مستقبل واعد ، كما إن حصول إينو على شهادة الثانوية تشهد على كفاءته ، ويبدو إن إينو مكتوب عليه ما أسمته ” إختيار طريق الفعل ” . وهو العامل الذي سيحمل تطورات تراجيدية في حياة إينو لاحقاً . كما وظهرت المبادئ الأخلاقية التي حكمت رؤية الأخ الكبير كارل لتصرفات أخيه الأصغر غير دقيقة (بل وسخيفة) .
إن الفهم الحقيقي للظروف التي أحاطت حياة الأخ إينو ، تتجاوز مبادئ كارل الأخلاقية . فمثلاً إن الأوضاع التي واجهها إينو عندما إنتقلت من حال سئ إلى ؛ أكثر سوءً مع سلسلة متكررة من سوء الحظ ، والتي تمثلت في تصرفات مالية طائشة وغير حكيمة ، وضياع العديد من فرص العمل ، وفض ثلاثة خطوبات ، فإن كل ذلك سبب كارثة للأخ الصغير إينو ، وإن الأخ الكثير كارل لم يتمكن من إنقاذ أخيه من كارثتين نهائيتين ، وهما الإفلاس والإدمان على المخدرات .
ومن طرف أخر إن حوليات كارل التي تسجل أهم الأحداث في علاقته بأخيه إينو وأخته إرنا تكشف عن حقيقة مهمة للقارئ والباحث ، وهي إن إينو هو الأنا البديلة لكارل ، فإينو هو الأخ المحبُ للمتع والحياة ، يتمتع بالنشاط والحيوية ، والتي كانت بالتأكيد فيها إمكانية في عكس صورة كارل وأهدافه الشخصية . والشئ الوحيد هو إن إينو لم يُبلى بالمرض الذي عانى منه كارل . والعودة إلى الرسائل المتبادلة المبكرة بين الأخوين ، فيها الكثير من الشواهد على التلاحم بين الشخصيتين . والحقيقة إن هذه المراسلات بدأت عندما إستهل إينو أول عمل براتب له ، ككاتب بنك متدرب في مكتب شركة كارل أف . بلامب في بريمان . وخلال الأشهر الستة الأولى من عمله هناك بدأ إينو مراسلاته المتبادلة ، ومناقشاته الموسعة مع أخيه كارل ، والتي فيها عرض لما أسماه الستراتيجيات العاطفية التي يتداولها أخيه الأكبر وذلك من أجل حمايته . كما ويبدو إن إينو وضع أنظار كارل على التقارير المملوءة بالمرح وروح الفكاهة التي كانت تكتب عن إينو خلال فترة التدريب . وإن إينو كان من خلالها يتحدى أخيه ، ودعوته إلى التحرر مما أسماه درع المحافظة الغليظ ، وطالبه بنوع من التسماح والتي هي من المكونات الجوهرية للحياة الفكرية لكارل ياسبرز . ويبدو إن جزع إينو من كارل أخذ يتطور إلى شكل من الرسائل ذات روح من الفكاهة والتندر ، وفيها كشف عن طبيعة السأم التي لفت تجاربه مع أخيه كارل .
ولنقدم للقارئ العربي ولأول مرة نماذج من المراسلات بين إينو وأخيه الأكبر كارل ياسبرز ، والتي نعتقد فيها الكثير من الشواهد والدلالات على طبيعة العلاقة بين الأخوين . وخصوصاً من زاوية إينو الغائب إلى الأبد ، وإن مذكرات كارل وميمواره متداولين ، وبالطبع إنهما يعكسان وجهة نظر الأخ الكبير كارل .وهنا نحاول إحياء إينو وتجديد رسائله ونضعها في لحظات تحدي لأخيه الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . الحقيقة بدأت هذه المراسلات في عام 1907 كما يؤشر التاريخ الذي تحمله الرسالة الأولى المتوافرة لدينا .
بريمان 2 أذار 1907
العزيز كلي (هذا الأسم الذي تطلقه العائلة على كارل ياسبرز)
(…) إن عملي من أكثر الوظائف المملة والمملوءة بالضجر ، والذي يشمل
1 – دفع الأموال 2 – إستلام المال (ودفعه) نقداً 3 – والذهاب إلى مكتب البريد والبنك المركزي 4 – إستنساخ وتسجيل . وإن الأنماط الثلاثة الأولى من العمل ، هو للتدريب والتأكد من إن عضلات ساقيك لا تتعب وتكلُ من الركض والتنقل من مكان إلى أخر . أما الرابعة فهي تتطلب منك اليقضة ، وعدم الغفلة والنوم خلال العمل . وكل هذا الروتين يسبب لديك فقدان المتعة ولا يحملك على طلب الفهم لمجريات العمل ، فهو امر غير ضروري على الإطلاق . وفعلاً بعد فترة من الصعوبات التي تخطيتها ، وبالتحديد بعد نصف سنة تحول العمل عندي إلى روتين يومي ، وأصبح خال من أية متعة . حيث إن مجمل العمل ككاتب في البنك ، يتكون من إستنساخ الأوراق للأخرين (…)
مع تحيات مملوءة بالمودة
إينو .
وفعلاً فإن هذه الرسالة شكلت تحدياً للأخ الكبير كارل ، وجاءت إستجابة كارل في وصف نمو أخيه الأصغر إينو ” بكونه بطيئاً ، وهو يعكس مرحلة معينة ، وليس مجمل عمله المهني برمته . وهو متعاطف معه ، غير إنه يتعامل مع تحدي أخر ، وهو أكمال متطلبات الدكتوراه ، وخصوصاً في إتصالاته المبكرة مع المرضى في عيادة الطب النفسي في هيدلبيرك ” . ولاحظت سوزانا كيركبرايت إنه بينما كان إينو يطور حواراته مع أخيه الأكبر بإسلوب الصداقة الحميمة ، كان الأخ الكبير كارل يأخذ تساؤلات أخيه الصغير بجدية عالية . ومن ثم بعد أشهر عدة من التدريب ، تشكى إينو من إن رسائل أخيه كارل كانت سطحية ، بل وفيها روح من التبرير على إنه مشغول بالعمل والواجب . ورغب إينو إلى إستكشاف وجهات النظر المختلفة حول ماهو تافه ، وما هو متعة ، والفارق البديل بين الإلتزام واللذة . ويبدو إن إتهامات إينو لأخيه الكبير ، في عدم الشفافية والإنسحاب إلى الذات ، فيها الكثير من الحدة .
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على الرسالة الأولى أعلاه ، كتب إينو رسالته الثانية ، والتي جاء نصها بالصورة الأتية :
بريمان ، 5 تموز 1907
العزيز كلي
(…) الأن أنت في حال مُسر جداً ، حيث يمكنك على الدوام من صياغة أوصافك الشخصية في إطار ملاحظات عامة . وبهذه الطريقة ، فإنك متمكن من عدم إرغام نفسك على الكتابة عن القضايا الشخصية ، والتي تمنحك الحرية الحقيقية من إنحيازاتك وشعورك الدائم بالتفوق . وإذا تطلعت إلى الكتابة ففي الحقيقة إنه من السخف أن لا تمس الجوانب الشخصية . بل على العكس إنه من المشاعر الجميلة في وصف شخص ما بأنه يحتاج إلى الشفقة ويؤمن بها . وعندما تكون هذه هي الحقيقة ، فإنه من الخطأ تماماً (على الوجه الأعم) إن شخص ما لا يستطيع أن يُقنع نفسه بذلك . فإن جسمك يمنعك من القيام بإنجاز أشياء كثيرة ، وذلك لنقص في تجربتك الشخصية . إن كل ذلك يبدو لي غير مُقنعاً .
وهناك الكثير من الكلام في الرسالة القادمة !
مع تحيات مملوءة بالمودة
إينو
وفي عقيدة الكاتبة سوزانا كيركبرايت (وهي كاتبة سيرة الفيلسوف كارل ياسبرز) إن غرض الأخ الأصغر إينو من تبادل هذه الرسائل مع أخيه الكبير كارل ، هو أن تقربه هذه الرسائل إلى أخيه وتساعد أخيه الكبير كارل على تحرير نفسه (منا : من معاقل الإنغلاق على الذات) . وفعلاً فإن إينو يرى :
أولاً – إن أخيه كارل يمتلك مفهوماً فقيراً عن التجربة الشخصية . وبإيجاز إن إينو يتهم كارل بإنه كثيراً ما يتكأ على مرضه عكازاً في التبرير والدفاع وذلك ليتجنب التواصل مع الأخرين . والحقيقة إن إتهامات إينو ذات الطبيعة الإنفعالية وغير المبررة كانت حادة ومثيرة للإعصاب ، خصوصاً عندما زعم بأن وجود كارل درع مظهري ، يتخفى وراءه كارل من معرفة الأخرين لحقيقة تجاربه .
ثانياً – إن إينو حدد إمكانية كارل على التعميم بإسلوب عقلاني للتجربة الذاتية ، والتي تتضمن مثل هذه التعميمات والتي هي خلاصات ملائمة لمجمل وسائل النزوات الشخصية ، من مثل أحب ، وأكره والإنحيازات ، والتي هي في إعتقاد كارل قضايا شخصية ذات طبيعة سليمة من الناحية الكونية (يونفيرسل = العامة أو الكلية)، وإينو يفترض إن ذلك يُسبب الحيرة لكل خصوم كارل ، وبالطبع من ضمنهم أخيه الأصغر إينو والذي يبحث عن أرضية مشتركة وكان يتطلع إلى تنمية وجهة نظر مستقلة .
وإستجابة لكل ذلك إستلم إينو من أخيه كارل رسالة (رد فعل) تكونت من سبع صفحات مكتوبة بوجهين ، كتبها كارل من هيلدبيرك بتاريخ 5 تموز 1907 ، بين فيها كارل قدراته وإمكانياته على كتابة حجة تأملية في عرض تجاربه الشخصية كنقاط إنطلاق وبداية . وهناك جملة في رسالة كارل في غاية الأهمية وتلقي الضوء على جو وطبيعة المناقشة بين الأخوين . يقول كارل ” إنك مسكتني في مكان هو من أكثر مناطقي الحساسة ” .
وهذا الطرف من المناقشات تطور وأخذ مساراً جديداً ، وذلك عندما حضر إينو ياسبرز جلسات في مدينة بريمان عن علم النفس التجريبي ، الذي أسسه عالم النفس الألماني فليهلم فونت (1832 – 1920) وأنشأ له أولى المختبرات التجريبية . وهذه الجلسات ساعدت إينو على الإستمرار في الحوار مع أخيه كارل ، وبالتحديد في مضمار علم النفس ، كفاعلية خلاقة تتضمن وصفات للمشكلات الإقتصادية والسياسية القومية . وفي ذلك الوقت ، كان جُل تفكير إينو ، يدور حول مستقبله المهني ، وبالتحديد أن يكون محامياً (رجل قانون) . ومن هذا الطرف أخذ يفكر في ما يجلبه التدريب الجامعي ، من منافع . وهو بالتأكيد مسار يتناغم بإنسجام عال ، مع الإصطلاح الذي أطلقه عليه ، وهو ” رؤية العالم ” . ولعل في إصطلاح رؤية العالم ، محاولة من إينو للإستفسار من أخيه ، عن إمكانية إنجاز مثل هذا الهدف .
وكارل ياسبرز من طرفه أبتهج بسرور عال من مثالية إينو ، ورأى فيها فرصة إيجابية ، إذا ما إستمر إينو في المحافظة على مشروعه النقدي للتعليم المعمق الذي يتطلع إلى إنجازه ، فإنه (أي إينو) بالتأكيد سيحقق طموحاته بسرعة .
وفيما يتعلق بالطرف السايكولوجي (النفسي) ، فإن كارل ياسبرز ، توصل إلى نتيجة تفاؤلية حذرة ، تؤكد على الضبط والتدريب ، نقطة البداية لمستقبل أخيه إينو ، ودعم كارل وجهة نظره ، بنص من الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط . وفعلاً فإن دفتر ملاحظات كارل الشخصية يُدلل على إنه إقتبس النص كاملاً من كتاب كانط والمعنون ” الإنثروبولوجيا من وجهة نظر براجماتية ” (1798) ، وبالتحديد في النصف الثاني من النص الوارد ، والذي جاء بالصورة الآتية :
” أيها الرجل الشاب ، إعتز بالعمل وأبتهج به ، وتنكر لكل الشهوات ، ولكن بشرط التعفف منها حسب الإمكان ، وضع الشهوات دائماً أمام ناظريك (وحساباتك = منا) . ولا تدفع بحواسك إلى مستوى البلادة (والكسل) ، حيث إن الوصول بها إلى ذلك المستوى ، يكون عن طريق الإنغماس في الشهوات (اللذات) ، خصوصاً في بواكير حياتك . وسوف لا تندم في عمر النضوج على الإطلاق من إختيارك ، حالة التعفف من الإنغماس في الملذات الجسدية . كما إن هذه التضحيات من طرف أخر ، ستضمن لك منافع وقناعة (مع إطمئنان = منا) ، والتي ستكون متحررة من الصدف من طرف ، ومن قوانين الطبيعة من طرف أخر . ” .
وكما يبدو وفقاً لملاحظة سوزانا كيركبرايت ، فإن إينو ياسبرز إنتبه بآذان صاغية إلى نصيحة أخيه حول ما أسمته سوزانا ” بتعديل سلوكه المنفلت ” والناهض على نص كانطي ، إقتبسه كارل ياسبرز ، من مؤلف كانط الشهير ” الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية “. ونحسب من المفيد أن نشير إلى هذا الإهتمام بكانط وفلسفته ، سيتتوج لاحقاً في محاضرة ياسبرز الإحتفالية بالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط لاحقاً ، وهو عميد كلية الفلسفة في هيدلبيرك ، وخلال الأجواء النقدية والإعتراضات التي قادها ضده الفيلسوف الكانطي الجديد ، هنريخ ريكت ، والتي زعم خلالها بأن ” ياسبرز عاجز ولم يكتب لأكثر من عقدين من الزمن شيئاً مهماً في مضمار الفلسفة ” . ومن ثم جاء رد ياسبرز وبمساعدة هيدجر وحانا أرنديت في ترتيب كتاب ياسبرز الشهير ثلاث مجلدات في الفلسفة .
وفعلاً فإن إينو أخذ بنصيحة أخيه كارل ياسبرز ، وقرر بالتحديد في نهايات صيف عام 1909 ، بتأجيل إنخراطه في دراسة القانون في الجامعة ، وبدلاً من ذلك إختار ، إكمال الخدمة العسكرية الإجبارية ، والتي إستمرت سنة كاملة . ومن ثم صرف أسابيع عديدة في بورنماوث ، لأغراض تحسين اللغة الإنكليزية . كانت فرصة مناسبة لإينو ليتمتع برحلة الإبحار من طرف . كما إن هذه الزيارة الصيفية الإنكليزية ، كان لها طرف أخر من المنافع ، فقد ألهمت إينو ، وحملته على تقدير إسلوب حياة الرجل الإدواردي (الإنكليزي) . وذلك واضح في الرسالة التي بعثها إينو إلى والديه :
” بورنماوث ، 14 أب (أوغسطس) 1909
العزيزان الوالدان
اليوم كنت في جزيرة وايت ، وبالضبط والتحديد في كاوز (…) والمدينة بحد ذاتها مدينة مواجهة للبحر . وإن البيوت المواجهة للبحر يمتلكها اللوردات والأثرياء الإنكليز. غير إن سمعتها تأتي من إنها تحتضن اليخت الملكي ، وهي بهذا الحال تشبه اليخت الإمبراطوري الألماني . وهو بالطبع إسطول صغير ، دائم التواجد على ساحل الميناء . وفي الأسابيع القليلة الماضية ، أُقيمت سلسلة من سباقات للزوارق في ميناء كاوز ، وذلك بمناسبة تكريم القيصر ، الذي كان بالطبع حاضراً هناك ، إضافة إلى حضور العديد من اليختات الإنكليزية ، والكثير من السفن الفرنسية والهولندية ، والتي كانت راسية هناك . إن مشاهدة كل ذلك ، يُعدُ منظراً رائعاً . أما الأرياف في هذه المنطقة ، فهي جميلة وساحرة جداً . في حين إن الجرف الصخري الطباشيري ، ينحدر بإستقامة ملفتة للنظر ، بحيث يمس مياه البحر الزرقاء . إنه حقاً منظر أخاذ جميل . أما الغابات فتحتشد بكثافة ، وتتلامس بصورة رائعة مع الجرف الطباشيري المطلُ مباشرة على البحر . والواقع إن الطبيعة توفر للناظر مشهداً في غاية الجمال والروعة ، لم أراه من قبل على الإطلاق . (…) .
مع تحياتي الغالية
إبنكم إينو ” .
ونحسب إن نصيحة أخيه كارل ياسبرز من طرف ، والحياة الإنكليزية ، وإسلوب العمل والروتين اليومي ، التي عاشها بتفاصيل خلال زيارته من طرف أخر ، حملاه برأينا على تبني إسلوب حياة (روتين) جديد ، مما كان له الأثر في شخصية وسلوك الأخ الصغير إينو . ولعل الشاهد على ذلك التفاصيل ، الرسالة التي بعثها لوالديه ، وبالتحديد من بورنماوث – بريطانيا ، وبتاريخ 14 أب (أوغسطس) عام 1909 التي شرح بها إينو لوالديه ، روتين حياته ، فقال مفصلاً : ” في كل صباح ، وبالضبط في الساعة الثامنة ، أبدأ السباحة في البحر . وفي التاسعة أتناول فطوري , وفي الواحدة والخامسة عشر أتناول غذائي ، ومن ثم في السادسة والنصف هو موعد عشائي . وبالطبع كل عصر (ساعات ما بعد الظهر) ، وبالتحديد في الساعة الرابعة ، هناك فترة شاي العصر ” .
ويبدو إن زيارة إينو إلى بريطانيا ، والتجربة القصيرة التي عاشها هناك ، قد تركت أثراً على إينو أولاً ، ومن ثم ستلهم أخيه كارل ياسبرز وزوجته كيرترود وبنات عمومتها ، وتحملانهما على التخطيط بالقيام برحلة إلى بريطانيا . وهذه نقطة مهمة في التقارب بين الأخ الصغير إينو والأخ الكبير كارل ياسبرز . كما وفيها إشارة على قناعة الأخ الكبير ، بإن تحولاً ما قد حدث في شخصية أخيه الصغير ، ومن ثم قناعة الأخ الكبير بمصداقية روتين حياة إينو الجديد في بريطانيا (وربما يمكن القول إن الأخ الكبير إقتنع بولادة شخصية جديدة للأخ الصغير إينو ، وفي هذا مفتاح فرج يُعلن عن بداية تقارب بين الأخوين المتنافرين على الدوام) .
صحيح جداً إن تجربة إينو في بريطانيا ، لم يكن فيها قطيعة تامة عن حياة الترف ، والبحث عن المتع واللذات المادية والحسية ، وهي السمة الغالبة على حياة إينو ، والتي كانت من طرف أخيه كارل ياسبرز ، موضوع نقد وإستهجان كما كشفت رسائل كارل السابقة . ولكن الجديد في روتين حياة إينو ، إنها ذهبت مذهباً خال من نمط اللذات التي كان عليها إينو في ألمانيا ، وبالتحديد قبل سؤال أخيه كارل بنصيحة الأعتدال كما جاء في بعض من الرسائل السابقة . وفعلاً فإن مُتع ولذات إينو ، أخذت في بريطانياً مساراً مختلفاً ، فمن الملاحظ إن ” في رحلته إلى الأولى إلى لندن ، شملت نزهات ورحلات جماعية للمدينة ، وزيارة المواقع الأثرية – والسياسية المهمة . ففي رحلة لندن ، زار كتدرائية القديس بولس . كما إنه كان مفتوناً بإندهاش بالملكية الإنكليزية والتاريخ العسكري الإنكليزي . وفي ظل هذا المناخ ، لاحظ إينو الإختلافات الحضارية بين القطرين (منا = بريطانيا وألمانيا) ، وذلك من خلال المقارنات التي قام بها إينو بين إسلوب البناء المعماري لكاتدرائية القديس بولس ، وكتدرائية كولونيا (منا = وهي عمارة تنتمي إلى العصر القوطي – ألمانيا) . كما إن إينو تقدم بطلب للسماح له ، أن يكون زائراً لجلسة البرلمان ، مجلس العموم (منا = البريطاني) ” .
ونحسبُ في مقارنة الباحثة سوزانا كيركبرايت بين وصف الأخوين في زيارتهما إلى بريطاني ، فيها الكثير من الحق والصدق وهذه مسألة محسوبة لصالح الأخ إسلوب الأصغر على حساب إسلوب الأخ الأكبر . فقد بينت الفارق بين إسلوب الأخوين ، فذهبت إلى إن وصف إينو ، كان مُفعماً بالحيوية ، مقارنة بحديث الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، والذي تغلب عليه روح التقدير الحذر (منا = القلق) للحياة الإنكليزية في المدن ، وهو الحديث المتعلق بزيارته لبريطانيا في أواخر آب (أغسطس) من عام 1925 (أي بعد زيارة إينو بستة عشر عاماً)، والذي إستمر عدة أيام ، قضاها في بلومزبري، وبرفقة زوجته كيرترود ، وأبناء عمومتها ، كل من جوليا وإرنست كوتسجوك .
إضافة إلى كل ذلك ، فإن هناك فارقاً كبيراً في الزيارتين ، فزيارة الأخ إينو كانت رحلة سياحية خالصة ، وقد قام بها قبل إنخراطه في الخدمة العسكرية ، بل ودخوله الجامعة . بينما رحلة الأخ كارل ، يبدو إنها كانت رحلة أكاديمية ، وغرضها مختلف جداً عن غرض رحلة الأخ الأصغر . كما إن هناك عاملاً أخر ، حكم رحلة كارل ، ويومها كان بروفسوراً في جامعة هيدلبيرك . ولعل رسالة كارل في 2 إكتوبر 1907 ، توضح ذلك بجلاء . كما إن كتاب رئيس جامعة هيدلبيرك بالألمانية والمترجم بالإنكليزية ، يبين أغراض زيارة البروفسور كارل ياسبرز . فأفاد : ” الدكتور كارل ياسبرز ، هو بروفسوراً في جامعتنا ، وينوي بالقيام بزيارة دراسية إلى إنكلترا . ومن طرفي فأنا أوصي بزيارته وبمساعدته .
البروفسور كارل هامبي
رئيس جامعة هيلدبيرك ” .
وبعد رحلة إينو إلسياحية إلى بريطانيا ، إنخرط في الخدمة العسكرية ، وذلك لأكمال فترة سنة واحدة في التدريب العسكري الإلزامي ، وبالتحديد إلتحق لأكمالها في أولدنبيرك . ومن ثم بعد إكمال متطلبات الخدمة العسكرية ، بدأ تدريبه في مضمار القانون ، في هيدلبيرك ، حيث إنتفع هناك من علاقات أخيه كارل بالنخب الفكرية . وفعلاً فإن كارل عرفه بعدد من الأصدقاء من مثل صديقه بروفسور القانون غاستوف رادبروك ، سهل عملية تحويل إينو إلى جامعة بون ، حيث أكمل فيها متطلبات إمتحان الدخول لدراسة القانون ، وبالتحديد في شباط 1913 . وفي هذا الطرف من البحث ، نحسب من النافع الإشارة إلى إن الأخ الأكبر كارل ، إستمر في رسائل المساعدة والتعضيد لأخيه الأصغر إينو . إلا إنها في هذا الوقت أخذت مساراً في غاية الأهمية . ففي بداية أب من عام 1914 ، وكان إينو في رحلة في القطار من أولدنبيرك ، ومتجه نحو فرنسا ، فقد أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا . وبالتحديد في 4 أب 1914 ، كتب الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، رسالة إلى أخيه الأصغر إينو . وفيها الكثير من الوصف والمشاعر والهموم التي غلفت علاقتهما الأخوية . وهذا نص الرسالة :
” أولدنبيرك 4 / 8 / 1914
العزيز إينو
إني متشوق جداً إليك . وأنا على الدوام أود أن أعبر عن أخوتي ، وحبي لك . ولكننا لم نفعل مثل ذلك . وإن الثقة الفطرية بالقدر ، هو إنك عائد إلينا بصحة جيدة ، وإن الحياة تبدو ممكنة . وإن الشئ الوحيد الذي أتمناه ، هو أن أمتلك القوة للذهاب معك ، ولذلك يمكن مساعدة أحدنا للأخر ! إنا أحبك حباً لا حدود له .
أخوك كارل .
والواقع إن إينو لم يكن في خطوط المواجهة ، التي باشرتها المناورات العسكرية في بلجيكا وفرنسا ، كما إنه لم يُشارك في معارك المارن في عام 1915 . إلا إنه في الحقيقة أرسل مع قوات المشاة إلى مارن . وفي هذا الحال حالة فرج ونوع من الإرتياح سادت أجواء العائلة . وهذه المشاعر جاءت منثورة على سطور رسالة كارل ياسبرز ، والتي كتبها بُعيد أيام معدودات من رحيل إينو . وغعلاً فقد جاء فيها : ” لم يمضي وقت طويل ، بُعيد مغادرتك ، إجتمعنا بالوالد . وكان الوالد والوالدة يتمشون ، وهم في حالة إنفصال بعضهم عن البعض الأخر ؟ وكانا كلاهما يذرفون الدموع . ولكنهما كانا متماسكان بشجاعة ، ولم يُفكرا بشئ ، سوى عودتك إلينا بسلامة تامة ” .
ومن الثابت إن الحرب ، خيارمدمر في حياة الشعوب ، وتراجيديا نازفة في تاريخ الإنسانية . إلا إنها مناسبة كشفت عن المضموم والخفي في تفكير الأخ الأكبر كارل ياسبرز . ونحسبُ في مراسلات كارل مع أخيه إينو ، الكثير من الشواهد الدالة والمعاني والعبر . صحيح جداً إن إينو ذهب مُحارباً في صفوف قوات المشاة . وهذه قضية واضحة للجميع مثل شروق الشمس في الصباح الباكر . أما الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، فإن ظل يترنح بين باطن مخفي وظاهر مكشوف من المواقف . وخصوصاً بُعيد موجة الحماس للذهاب إلى الحرب ، التي عمت أوربا الغربية ، والتي رافقت عملية إغتيال ” الأرشيدوق فرانز فرديناند ” (1863 – 1914) في سراييفو .
والواقع إن المزاج المتوتر الذي رافق عملية الإغتيال ، ودعوات الحرب ، قد وصلت بحراراته العالية إلى أولدنبيرك . وفعلاً فإن الرد الألماني في أولدنبيرك ، تمثل بتوقيع أساتذة الجامعة على رسالة تضامن ومساندة مع العلم الألماني ، وبالطبع كان كارل ياسبرز ، واحداً من الذين وقعوا على هذه الرسالة . وقد أوضح كارل الأسباب التي حملته على التوقيع ، في رسالة بعثها إلى أخيه أينو ، وشرح فيها له الأسباب . وجاء فيها إنه (أي كارل ياسبرز) رغب في أن يترك سجلاً يحتفظ بوجهة نظره عن العلم الألماني ، كعلم يتفوق على كل ما لدى الشعوب من مفاهيم ، وبإمتياز أكاديمي عال .
ولعل التبرير الذي تقدم به كارل لتوقيع الرسالة ، فيه الكثير من المعاني والدلالات على مواقف كارل السياسية الباطنية الخفية ، فقد بين لأخيه إينو ، بأن الأسباب التي حملته على التوقيع ، منها وجهة نظر إرستقراطية محافظة ، فيها نوع من الوفاء لذكرى ماكس فايبر. وعلى كل حال فإن الباحثة سوزانا كيركبرايت ، ترى إن القضية بمجملها غير واضحة في الموقف الذي حمل كارل ياسبرز على توقيع رسالة العلم الألماني . ولهذا وجدناها غير مقتنعة بموقف كارل ، وترددت في حسم موقفه ، من بين إفتراضات تقدمت بها ، منها ربما إن كارل وقع الرسالة لأن كان مقتنع بروح القرار ولذلك صوت محمولاً بعاطفة ومبادرة صادقتين . أو ربما فعل ذلك ليقف ويتساند مع أخيه إينو . ويبدو إن كارل ياسبرز قد رفض المفهوم البريطاني لما أسماه باللعبة العادلة ، ولهذا الحال وقع الوثيقة . ولكن كارل ياسبرز فوق كل ذلك ، كان واعياً إلى إن الحرب ستضع إسلوب حياته كأكاديمي في خطورة . ولهذا كتب إلى أخيه إينو رسالة أوضح فيه :
” اولدنبيرك 3 / 10 / 1914
العزيز إينو
(…) إن المسألة البالغة الأهمية هنا ، هو إن الأساتذة الألمان نشروا إعلان ” العسكرة ” . وعلى هذا الأساس فإن روح العلم ليست منفصلة من وجودنا ، ونحن في هذه اللحظة جميعنا في حالة إنتماء وفي جبهة واحدة . وأنا في هذا الوقت ، أُشددُ على هذه المسألة ، فقد قمت بنفسي التوقيع على هذا الإعلان . والإعلان في حقيقته موجهُ ضد إنكلترا . وإن إنكلترا هي بينت بأن العلم الألماني ، والعسكرة الألمانية ، أمران مختلفان . وإن الحرب أُعلنت ضد العسكرة الألمانية . وأنا من طرفي أعتقدُ بأن العلم الحقيقي يزدهر في ألمانيا على أسس ثابتة . ومن الملاحظ إنه في كل مكان ، إن عظمة الأفراد تكمن في تقليد ألمانيا . والحقيقة إنه لا يوجد مكان أخر بمستوى ما وصل إليه العلم الحقيقي هذه الأيام في ألمانيا . ومن طرفي فأنا لا أحبُ أن أنتمي إلى منظمة علمية أجنبية . وبمراجعة هذه الإمكانيات الحقيقية ، فإن كل شئ يصبح واضحاً تماماَ .
تحياتي وأشواقي ، وآمل أن تكون بصحة وعافية .
أخوك كلي ” .
ونحسب في هذا النمط من التخاطب بين الأخوين ، له أهميته البالغة في الكشف عن البعد الحقيقي والجوهري في شخصية الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز في هذه الفترة على أقل إحتمال . ولهذا نُعمم رأينا في ياسبرز الفيلسوف ، ونقول إن ما هو تحت السطح ، هو الحقيقي ، وإن ما على السطح ، هو نوع من التزويق اللفظي والإعلامي . خصوصاً بعد فترة التحولات التي حدثت في حياة كارل بُعيد طرده من الجامعة من قبل النظام النازي . فمن المعلوم إن خطابات ياسبرز (وبالطبع تشمل كتاباته) ما قبل صعود النازية إلى سدة الحكم ، كانت شبيهة بدرجات وخطابات القوميين الوطنيين الألمان (ويمكن ملاحظة تحفظات زميله وأخ زوجته كيرترود إرنست ماير) .
وعلى هذا الأساس نرى إن كارل جامل عائلة زوجته كيرترود في كثير من الجوانب ، والتي كانت له أراء مختلفة حتى في بداية زواجه من كيرترود (أنظر مثلاً تعليقاته على أدموند هوسرل ، بعد زيارته له ، وتعليقه على الزيارة ، بأنها أشبه بتجمع لليهود ، هذا هو كارل ياسبرز الحقيقي ، وقد أشرنا إلى هذا في مقالاتنا عن حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل). ولكل ذلك نقترح البحث في رسائل كارل ياسبرز التي تداولها مع والديه ومع إينو ، وكذلك مع زوجته كيرترود ، فأن فيها الشئ الكثير من المواقف الأصيلة للفيلسوف كال ياسبرز ، والتي تتقاطع مع خطابه الأعلامي بعد إنهيار النازية .
وللمقارنة بين مواقف الأخ الصغير إينو ، والأخ الكبير كارل ياسبرز . فإن الفارق كبير ، فالأخ الصغير في رحم الحرب ، يعيش تفاصيلها يومياً . بينما مواقف الفيلسوف كارل تكشف أمراً مُغايراً ولا يتناغم مع أقواله التي صرح بها ، وهو يوقع على إعلان التضامن مع العلم الألماني . فمثلاً قد أشارت سوزانا كيركبرايت ، إلى إن مواقف كارل يومذاك ، كانت مسكونة بحالة رعب حقيقي ، وبالتحديد بُعيد إستلامه لدعوة أن يكون ” حارس الوطن ” ، وكان في أعلى درجات الإهتياج العصبي ، وهو يُغادر البرج العاجي للعلم .
ولعل الشاهد على ذلك الرسالة التي كتبها إلى والديه ، وهو في حالة إهتياج عالية ، ويُطيل التفكير في حالة تعيينه حارساً للوطن . وحسب تأملاته يومذاك ، إن العمل حارساً للوطن ، ربما يتضمن عملاً جسدياً ، وهو غير قادر على القيام به . وفعلاً فقد أخذ يتأمل في وضعه كمواطن مريض عليل . إلا إنه من طرف أخر مواطن مؤهل ، ومتدرب طبياً . وفي هذا الحال هناك إمكانيات المساهمة في المجهود الحربي ، وربما يعمل في واحدة من العيادات الطبية في هيدلبيرك . ولكي يضمن كارل ياسبر سلامة التعبير القانوني لموقفه ، فإنه عاد إلى ماكس فايبر ، والذي نصحه بالحصول على وثائق طبية صادرة من عدد من الأطباء ، وذلك لتسهيل عمله المكتبي . وبالرغم من ثقة فايبر بأن هذا هو عرض شكلي للحالة . فإن كارل ياسبرز
كتب إلى البيت ، وهو في حالة قلق ملحوظة ، فقال :
” (…) إنه من الحالات المرعبة ، هو إن تكون مريضاً عليلاً . ولكن في مثل الأيام ، فإنه من المثير للشفقة واليأس ، إن الإمبراطورية الألمانية برمتها ، لا تعني لي شيئاً على الإطلاق . ومن طرفي فأنا لا أرى إن هناك يتوافر مصدراً لنوع من الحماس الصادق في أي مكان . كما وإن هناك موجة من الرغبات ، تحمل المرء أن يكون جزءاً من هذه القوة . ولعل البديل عن كل ذلك هو حياتي مجملها . وإنه من المحزن أن أضع طريقي من خلال كل ذلك . من أجل أن أحافظ على وجودي ” .
وترى سوزانا كيركبرايت ، إن موقف كارل ياسبرز بعيون بعض الكتاب ، هو مثل موقف أخيه إينو ، أي إن كلا الأخوين يعيشان في أجواء الحرب . إلا إن هناك فارقاً جوهرياً فيه تحدي لكارل ولحساب إينو . فبينما كان إينو يُحارب في قلب الأحداث في فرنسا ، كان موقف كارل بالمقابل يراقب الأحداث العالمية ، وهو في قلب بلده ألمانيا . ومن هذا الطرف كان كارل حذراً ومتحسساً بدرجات من الآتي ، خصوصاً إذا تم إنكار أية نجاحات حققتها ألمانيا في الجبهات الحربية . وفي هذه الحالة حسب كارل ، فإنه من الضروري على الإنسانية ، أن تسجل لنا الإنتصار .
كما وكشفت الرسائل المتبادلة بين الأخوين ، في إن كارل لم يتردد من الإعلان بأنه من المؤيدين للحرب ، وإنه يأمل بإنتصار ألمانيا . غير دوافع كارل ، وكذلك رغبات زوجته كيرترود ، كانت إنسانية في جوهرها العام . والشاهد على ذلك متابعته للفعاليات الحربية ، التي تقوم بها الكتيبة العسكرية لأخيه إينو ، ومن خلال ماتنشره الصحف الألمانية هذا طرف . ولعل التحدي المهم الذي قام به الأخ الصغير إينو في هذه الفترة ، هو إلتحاقه في نهاية سبتمبر 1914 بسلاح الفرسان ، وذلك لكونه يتمتع بمهارات خبرة عسكرية . وفعلا شغل منصب ضابطاً في فرقة سلاح الفرسان . ومن ثم تلاحقت الأحداث ، فتم في كانون الثاني من عام 1915 بنقل إينو إلى فيلق الهندسة والمهندسين ، والذي كانت مهمته بناء الجسور في فرنسا .
ولعل من المفيد أن نذكر للباحثين وخصوصاً طلاب الفلسفة ، والمهتمين بفلسفة كارل ياسبرز وتحديات أخيه الأصغر إينو في مسار تفكيره ومواقفه ، هو إن الباحثة سوزانا كيركبرايت تحسب إن العديد من رسائل إينو بقيت محفوظة ، ولكن ليست في إصولها ، وذلك بسبب إن الوالدة هنريت قد قامت بنسخها ، ومن ثم حفظتها وبعد ذلك أرسلتها إلى كارل ياسبرز في هيدلبيرك . وإن المهم في هذه الرسائل ، إنها كشفت بوضوح شخصية إينو ، فقد بينت بأنه كان يتمتع بذكاء عال ، وقابليات في الطرفين العقلي والجسدي ، ويمتلك نزعة فطرية لحب المغامرة ، وإنه وظفها بآداء جيد .
وبحلول الربيع ، فإن إينو شارك في معركة قتالية ، في غالسيا الغربية . ومن ثم في نهاية سبتمبر 1915 ، إلتقيا الأخوين ياسبرز ولفترة قصيرة ، وذلك عندما تمتع إينو بإجازة لمدة أسابيع عدة . وفعلاً فإن إينو قام بزيارة أخيه كارل في هيدلبيرك . وبعد مرور مايُقارب السنة على الحرب ، فإن كارل لاحظ بأن ثمن الحرب كان غالياً ، وذلك لأنها فصلت بينه وبين أخيه . ولهذا أخذ كارل يُفكرُ في خطة جديدة لإنعاش علاقته بأخيه إينو ، خصوصاً بعد نهاية الحرب . وكان إجازة إينو العسكرية ، فرصة للتقارب بين الأخوين . وفعلاً فقد صرف إينو أسابيع عدة في هيدلبيرك للراحة والإسترخاء .
ويبدو إن حياة الأخوين في هذه الفترة ، كانت تسير في إتجاهين مختلفين ، وذلك لظروفهما المتباينة ؛ فبينما كان إينو في وضع تحدي مع حقيقة الحرب . كان كارل سجين الجامعة . وسعى كارل إلى إنجاز خطوة تحول من بيئته الأكاديمية الموضوعية ، وبإتجاه مساندة وجهة نظر أخيه إينو . وهذا التحول جاء من خلال رفضهما المشترك لأفكار السياسي الألماني فردريك نومان (1860 – 1919) والتي جاءت في كتابه المعنون ” أوربا الوسطى ” . ونحسبُ من النافع الإشارة إلى ألعون الذي ساعد الأخوين ياسبرز على رفض أفكار السياسي فردريك نومان ، وعد قبول ماجاء في كتابه من أفكار جيو – بولتكسية (السياسة – الجغرافية) ، هو تواريخ المؤرخ السويسري بالولادة والألماني بالثقافة والتعليم كارل ياكوب (يعقوب) بوركهاردت (1818 – 1897) . وكانت تواريخه من الكتب المفضلة عند الأخ الكبير كارل ياسبرز . كما إقترح كارل على أخيه إينو ، بقراءة أعمال الكاتب الألماني يوهان فون غوته (1749 – 1832) . ونحسب هذه الإشارة إلى غوته ، لها أهمية بالغة ، وذلك في تتبع الأثر الذي تركه غوته في ذهنية كارل ياسبرز ومن ثم في كتاباته ذات الطبيعة الفنية والجمالية .
إضافة إلى ذلك فإن كارل ياسبرز أهدى لأخيه في أعياد الميلاد ، مجموعة كتب ، من ضمنها نسخة من حملة غوته في فرنسا (1792) وأرفقها برسالة بعثها إلى إينو ، يقول فيها : ” إنها جداً مهمة ، من طرف إنها مصدر للمقارنة بما هو الحال الآن ، فهي تتحدث إلينا كسجل يومي ، وتقرير عن الأحداث في عام 1792 . وربما ترغب في قراءتها في أوقات فراغك . خصوصاً إنها مكان منطقة الحملة ، وقد تردد ذكرها كثيراً في هذه الأيام . وأسألك ؛ كيف حال الحرب هذه الأيام ! ” .
وهنا حاول كارل أن يوجه إينو خلال تجربته في الصراع (الحرب) لتكون متناغمة مع برنامجه الطامح في البحث . وفعلاً فإن سوزانا كيركبرايت قد لاحظت ، إنه من المحتمل أن يكون صيغة من التبرير بدأها كارل ، وذلك ما أشار إليه في رسالة بعثها إلى أخته ، وذكر فيها ما أسماه بوجوده المترف . ولعل كتاب ياسبرز الثاني ، والمعنون علم نفس النظر إلى العالم (1919) عكس بحثه المفصل في أعمال كيركيجارد ونيتشه الفلسفية ، في الوقت الذي كان يُعاني السكان المدنيين من تأثيرات الحرب المدمرة . وكذلك لاحظت سوزانا كيركبرايت بأن محاضرات ياسبرز بدأت بحضور عدد متواضع جداً من الطلبة ، وهذا يعكس تناقص أعداد الكلبة الذكور . ولعل تقرير زوجته كيرترود شاهد على ذلك . فقد ذكرت في تقريرها الإحصائي ، والذي بعثته إلى والدي زوجها (أي والدي كارل ياسبرز) ، والذي يعبر عما يجري من قيل وقال في هيدلبيرك :
” هيدلبيرك 18 / 5 / 1915
العزيزان الوالدان
(…) كلي بحالة جيدة ، وأنا سعيدة بذلك . ويحضر محاضراته عدد جيد حتى الآن ، والأحصاءات التي أبعثها إليكم هي بالصورة الآتية :
الشباب الشابات
11 19
17 22
11 24
13 29
وتلاحظون بأن أعداد البنات أخذ يتصاعد . ومع سوء الحظ مجملهم أغبياء (هكذا ورد نصاً ، ونحن نتحفظ على ذلك وخصوصاً إن الكلام صادر من أمرأة ذات حظ من الثقافة ..) . وأنا أنتظر للإجور الدراسية التي ستدفع . وحديثاً جاء إلى سمعي ، في إحياء ذكرى بسمارك ، الحوار الذي دار بين إثنين من الطلاب الشباب :
الطالب الأول : ” نعم إنه طويل إلى درجة ممقتة ، وأنا دائماً أراه في هابتستراب ، ويبدو غريباً في طوله ” .
الطالب الثاني : ” ياسبرز من المفروض أن يكون مهماً “
الطالب الأول : ” نعم ، من المحتمل أن يكون شخصية مهمة في جامعتنا ” .
وأنتم لا تتصورن ، كم كنت متشوقة للإستماع إلى حوارهم . وبالتأكيد كلي (أي كارل) سيغضب ، إذا عرف ، إني كتبت عن ذلك إليكم . ولكنني سأعترف له بذنبي فيما بعد . ومتأكدة ، لإنه متعة لكم كذلك .
عندما تسمعون عن إينو ، فإننا نود معرفة ذلك ؟
مع تحياتي وأشواقي
إبنتكم كيرترود ” .
وفي بواكير عام 1916 أعلن إينو عن قرار بالغ الأهمية في حياته (وبالطبع في حياة عائلته) ، وهو الإنخراط في مستوى جديد من خدمته العسكرية ، وهو تطوعه على التدريب ليكون طياراً . وإستجابة لذلك ، كتب كارل ياسبرز رسالة إندفاعية متعجلة ، عبرت عن همومه :
” هيدلبيرك 24 / 3 / 1916
العزيز إينو
لقد إستلمت رسالتك العزيزة تواً . ومن طرفي ، أنا في حالة صدمة أولية بالطبع ، ونحن في حالة تمكننا من التفكير بك دون قلق ؛ ولحد الآن فإنه ليس من الصحيح ، أن تسيطر علي مثل هذه المشاعر . وهذا واضح لي بلاشك . إن طريقتك بالكتابة عن الحقائق ، بسيطة جداً وخالية من كل وهم . وهذا حسن بالنسبة لي . وأنا من طرفي أحب وأقدر رجولتك ، التي هي في الحقيقة بعيدة عني ، ولكنني في الوقت ذاته أشعر بأني قريب جداً. (…) أنا أعتقد إن في نجمك الطيب يكمن قدرك ؛ ومن أعماق قلبي ، أنا أتمنى لك الإنجازات العظيمة . ولكن من طرف أخر ، فإن بقاءك حياً وفاعلاً من أجل إنجازات السلام .
وأنك حقاً الرجل ، الذي يتعامل مع نفسه بجدية عالية ، ولا يُخاطر بشئ لا معنى له . إن فعلك التطوعي ، حملني على الإبتهاج ، غير إن تطوعك طياراً ، فهو خيار لا يخلو من خطورة . وهذا الخيار حملني على أن أتوقع بأنك ستتلمس إنجازات حياتك ، وذلك عن طريق تركيز طاقاتك على إنجازاتك (وبعض الناس يتكلمون عن حياة ” الأعمال “) . في ضمان عالم نشاطاتنا ، فنحن لا نعرف شيئاً حول مثل الإنجازات .
سامحني ، عزيزي إينو ، فقد قدمت إجابة على رسالتك البسيطة في عدد من الكلمات . وإنه من السهولة لرجل الأفعال ، أن يكون أقل إنفعالاً .
تحياتي وأشواقي
أخوك كلي .
وكيرترود في رحلة إلى برنزالو ، وأنا أرسلت لها رسالتك ” .
وبعد تدريب على الطيران إستمر عدة أشهر ، ودروس في الأنواء الجوية ، والمراقبة والرصد وتصوير المواقع ، مهمة إينو كطيار إستطلاع بدأت فعلاً . وفي البداية تم تعيين مهمة عمله في إقليم فلاندرز (وهو واحد من الأقاليم الفندرالية للملكة البلجيكية ، ويحتل الجزء الشمالي من بلجيكا ، واليوم يُشار إلى لبجزء الذي يتكلم سكانه الهولندية) . وفي بواكير خريف عام 1917 ، نقلت والدته هنريت ياسبرز ، أخباراً وصلتها من خلال برقية وصلتها ، إلى إن أينو أُصيب بجروح .
وتصور لنا الباحثة سوزانا كيركبرايت المشهد وبالإعتماد على الرسائل المتبادلة بين إينو وأمه وبين العائلة بمجمل أفراده . فذهبت إلى إنه عندما قرأت الأم البرقية ، أصيبت بضربة حسن الحظ ، وخلاصة أخبار إينو ، هي من أحسن ما تأمله العائلة ، والذي جاء التعبير عنه بلسان هنريت ياسبرز ” إننا جداً محظوظين وسعداء ، في كيف كانت الإطلاقة سهلة وبسيطة ، عندما ضربت رأس إينو ” . ومن ثم تلت ذلك تبادل رسائل تفصيلية عديدة بين هيدلبيرك وكولونيا ، حيث أُرسل لإجراء عملية جراحية في ساقه ، وفي هذه الرسائل كارل أبلغ إينو حول العواقب الطبية التي سترتب على هذه العملية . مع الإشارة إلى إن العلاج كان ناجحاً . ولكن نقاهة إينو إستمرت عدة أشهر ، وإن الحرب أصبحت منتهية بالنسبة له . إلا إن شفاء إينو متعلق بالعديد من الجوانب غير المرئية . فمثلاً إينو لاحظ بأن هناك رضاء قليل ومحدود بالحياة المدنية ، بسبب إنه غير قادر على النجاح في أي طرف منها ، وهي بالتأكيد الأطراف التي تُشكل مصدر التقدير الإجتماعي . إضافة إلى إن إينو أصبح عاجز من الحفاظ على أي نوع من العلاقات ، سواء كانت ذات طبيعة مهنية أو شخصية .
ولاحظت الباحثة سوزانا كيركبرايت ، ومن خلال كتابتها عن سيرة كارل ياسبرز ، وبالتحديد قراءة رسائله المتبادلة بين أفراد العائلة ، إن أخيه الأصغر إينو ، بدأ في هذه الفترة ، يتصرف بصورة غريبة ، وملفتة لأفراد عائلته ، حيث كونت العلامات المبكرة ، على المحنة التي سببتها الحرب . وهذه العلامات تمثلت في عدم إكتراثه بمصروفاته المالية . فمثلاً قدر أخيه كارل ، مجموع المبالغ المالية التي إستدانها ، بمقدار 1600 مارك ألماني يومذاك . وإن نصف هذه المبالغ ، كانت مصادرها كل من الأخ كارل وأخته . وهذا الحال حمل كارل إلى الإستنتاج ” بأنه ما دامت الحرب مستمرة ، فإن المطلوب منا تلبية متطلباته ، وذلك لأن الرجل واجه الموت ، وهو الذي سيقرر ما هو الصحيح بنفسه ” . وبالطبع في ظروف السلام ، فإن العائلة ستكون لها توجهات مختلفة . مع الإشارة إلى إن إينو من طرفه عمل بجد إلى إعادة تأهيل نفسه للعمل في مهنة المحاماة من جديد . وفعلاً فقد عمل لفترة سنة كاملة ، في شركة محاماة محلية محترمة . ومن ثم بعد تقاعد والده عام 1921 ، ترقى إينو وأصبح المدير المشارك في مصرف والده ، وإستمر في العمل للفترة من كانون الثاني عام 1922 وحتى نهاية عام 1925 .
وهنا تغيرت الظروف العمل ، وذهبت في إتجاهات معاكسة لمصالح إينو ، ولم يستطع كارل من إنقاذ عمل إينو من الإنهيار ، بالرغم من إن كارل هو الأكبر ، ويمتلك سمعة عالية في العمل المصرفي ، وسبب الأنهيار ، هو إن إينو قام بمغامرة في ربيع عام 1926 ، وكانت هذه المغامرة وراء إنهيار عمله المصرفي . ومن حسن حظ إينو ، إنه كان مشاركاً في عمل شركة هولندية ، فشجعته على العودة إلى العمل بصورة موقتة في البنك ، وذلك ليعيد تأسيس عمله من جديد ، وكرجل إعمال مرموق في مضمار الطيران .
ومن المفيد الإشارة إلى إن إينو في بداية عام 1926 ، كان يعيش في برلين ، وبالتحديد في شقة ثرية واسعة ، في منطقة دهلام المشجرة ، وكان وقتها يعيش مع خطيبة جديدة ، من طبقة النبلاء ، وهي الكونتيسة شارلوت فون آرنيم ، وهي مظلقة وكان عمرها أحد وثلاثين ربيعاً . وكان يبدو إختيار موفقاً للأخ إينو بمعايير الخبرة من طرف . ومن طرف أخر إنها تتناغم وأمال إينو في التطلع نحو مستقبل مزدهر وناجح .
وفعلاً فإن عائلة آل ياسبرز ، وافقت على خطبة إينو على شارلوت بشروط مقيدة . وفعلاً فإن الوالدة هنريت ياسبرز زارت برلين ، وكانت كما يظهر ، متأكدة (دون توافر أسباب مقنعة) بأن خطوبة إينو الجديدة (وهي بالطبع الثانية) ستنهي بالزواج . وبعد الإعلان عن الخطوبة بشهر واحد ، فإن توقعات زواج إينو أخذت فرصها بالتناقص ، وذلك حين أصبح أصبح إينو مُلاحقاً بتسديد ديونه الكبيرة . ولعل حجم الديون يعكس حالة المآزق المالي الذي يمر به ، وهو في الوقت ذاته يكشف عن الوضع الإقتصادي غير المستقر في العشرينات من القرن المنصرم (أي عشرينات ألف وتسعمائة) .
كما ويبدو إن مناقشات إينو لشراء أسهم ، لتغطية ديون مقدارها 14000 مارك ، كانت مؤسسة على تقدير متفائل غير واقعي للشركة الهولندية . كما إن عقد إينو مع الشركة ، لم يكن كافياً لتغطية الدين الحقيقي بجدية مقبولة . ولذلك كان عليه في 1 تموز 1926 أن يدفع كما هو خطط ، مبلغ مقداره 40000 ماركاً . وإن الدين تم الوفاء به بتدخل والده ، وبمساهمة أخيه كارل بدفع 4000 مارك كدين . إضافة إلى 25000 مارك من بيع ملكية ريفية ، مع خطة في إطلاق أكثر من 50000 مارك خلال السنة الحالية .
وكان جزء من خطة الطوارئ المالية ، هو أن يتخلى إينو من شقته في برلين – دهلام ، ويبيع الأثاث الغالية ، وتأجيل زواجه من الكونتيسة شارلوت إلى أجل غير مسمى . وبذلك أصبحت آماله في العافية الإقتصادية ممكنة ، فأخذ يتأمل في إمكانية حصوله على وظيفة جديدة ، وفي بنك مختلف . وبالفعل فإن فرصة العمل عُرضت عليه ، وهناك إحتمال للإنتقال إلى فايمر لمباشرة العمل هناك . ويومها كانت العائلة مُحيطة به ، رغم إن تعليقاً صدر من الأم هنريت ، فيه إشارة إلى هم الجميع ورغبتهم بالتعقل ، فقالت موضحة في ردها على كل هذه الهواجس والرغبات : ” لقد أخبرت إينو بكل شئ وبوضوح ، وإن هذه المبالغ من المال جداً مهمة للعائلة ، وكذلك فإن البابا (والد إينو وكارل) قال سوف لن أتحدث عن ذلك طويلاً ” .
والحقيقة إن إينو حصد بعض المنافع من هواجس العائلة . فمثلاً إن الأموال التي قُدمت لمساعدته ، هي ليست أمواله ، وإنما هي مساعدات الوالد . ولهذا وضعت شروط على حياة إينو ، منها أن ينتقل ويعيش في مدينة كوتنكن ، وأن يُرافق ذلك تغيير جوهري في مظاهر حياته ، فقد طُلب منه أن يعيش في غرفة منفردة ، وفي بيت يتكون من مجموعة غرف ، والذهاب إلى السينما والمسرح في المناسبات فقط .
ولعل من المفيد أن نشير إلى التقرير ، الذي كتبه الأخ كارل ياسبرز عن إينو ، وبعثه إلى والديه من كاسل ، وهو تقرير يتكون من ثلاثة عشر صفحة ، وهو تفسير تحليلي تقدم به كارل ياسبرز ، وكان يغلبُ عليه إسلوب الإقتباس والتوثيق بنصوص مباشرة من الأحاديث التي درت مع الأخ الصغير إينو . وهناك إحتمال إلى إنها خرجت من سياقها العام . وهذه الرسالة – التقرير ، يمكن النظر إليها كمجاميع من الأمثال والحكم ، والتي فيها إمكانية تقويم لتصرفات لإينو المالية الطائشة ، وفي الوقت ذاته إنها شاهد على حالته العقلية اليائسة . وإن العامل الأساس في تفسير كارل ياسبرز ، جاء في الصفحة رقم 11 ، والتي قدمت لنا مثالاً دالاً على تصرفات إينو المالية . يقول كارل :
” يتشكى كارل من قلة المال . وأنا ، وبالطبع الوالد ندفع تآمين الحاجات الأساسية ، من مثل السفر ، وتكاليف العيش والتي ينبغي أن تكون كافية .
يقول إينو : ولهذا أنا أسافر كرجل نبيل . وفي فايمر ، أنا أمكث في أحسن الفنادق . ولإندهاشي ، فإنه رد علي قائلاً : ذلك جداً ضروري . خصوصاً إذا الناس إكتشفوا ، بأن ليس في حوزتي مالاً على الإطلاق . فالنتيجة إن كل شئ وصل إلى نهايته . وإذا ما حدث ، إن إستفسروا عن الفندق الذي أعيش فيه ، فبالتأكيد إن جوابي ، هو فندق من الدرجة الأولى ” .
وعلى هذا الأساس فإن التحليل يكشف عن إختلاف الأخوين ، حول طريقة التصرف بالمال . وهذا الحال لم يُساعد كارل على التعاطف مع حالة إينو ، ولذلك جاء تأكيد كارل على تعليقات أخيه ، بأنها لم تأخذ بالإعتبار ضرورة التركيز على الحاجات الأساسية للحياة . فقال كارل معلقاً : ” على أية حال ، هذا الكلام ذات طبيعة سرية . وبصورة عامة ، هو تكلم بموضوعية ، وواقعية . ولكنك من الصعب إن تلاحظ بأن هناك فنطازية (خيالية) ، خصوصاً عنما تخصص وقتك للحوار مع إينو ” . ومن طرف آخر فإن كارل بين همه الخاص ، وهو إن العائلة ربما ستتخلى عن إينو ، وتتركه وحيداً . وفعلاً ففي الصفحة ما قبل الأخيرة من تقريره ، وصف كارل الطرف الذي يُثير القلق في سلوك إينو . فقال :
” إنا لا أحتاج إلى أي شئ ، غير حبي لإينو . وأنا في الوقت ذاته أخاف ليس من أجله ، بل أخاف منه . وهو لا يستطيع أن يعمل أي شئ لنفسه ، وإنما هو مسكون بالطمع من أجل المرح والترفيه والمغامرة ، وذلك هو الشئ الوحيد الذي يلبي حاجاته المالية . وأنا أرى إينو كتلة صبيانية ، وطبيعة طيبة ، تعوزه اللياقات الشكلية ، وإطلاق نار لا يتوقف ، وصاحب تطلع أناني من أجل المال ، ومن أجل الإستهلاك ، وليس من أجل المال ، أساساً ووسيلة للحياة ومن أجل المستقبل . ولكن من أجل المال الذي يسميه ” القذارة ” ” .
وفي هذا الوقت ، أخذت الهواجس تُراود كارل بعد الإطلاع على رسالة إينو ، والتي بعثها إلى والديه . بأن أمراً ما سيحدث في حياة إينو . وسبب هذه الهواجس ، إن إينو كان متفائلاً بصورة غير إعتيادية بمشروعات جديدة . وهذا فعلاً ما جاء في رسالة إينو إلى والديه ، حيث أفاد : ” أشعر أنا ، ومن الزاويتين العقلية والجسدية بأنني قادر ومتمكن من إنجاز ما لم أستطع عمله في السنوات الحاضرة على الإطلاق . وهذا الشعور بالقوة منحني الإطمئنان والثقة . وكان الحاصل من ذلك إن وجودي إستقر على هذه الثقة وفي تناغم مع الأشياء ” .
ويبدو إن آمال إينو في نهايات نوفمبر عام 1926 قد تحولت من العمل المصرفي (المالي والذي تركه جانباً) إلى العمل في المحاماة . وفعلاً فقد عمل محامياً في هامبورك . وفي هذه الأثناء بدت مظاهر واضحة على تبدل في مزاج إينو ، صعوداً ونقوصاً ، ومن ثم تبين في إعترافه ” بأنه يتعاطى مخدر الكوكايين ” . ومع الأسف كانت والدته هنريت عارفة بذلك ، ولكنها قررت إخفاء الأمر عن أبيه وخاله الوزير في حكومة فايمر ثيودور تانتزين .
ومن ثم أخذت مخاوف العائلة تتصاعد ، وبالتحديد في الشهور الستة الأخيرة قبيل موت إينو ، وكيف إنه أكد على التغلب على الإدمان في تناول مخدر الكاكويين ، مع الرفض المتكرر لطلب أخيه كارل من تقديم معلومات آمينة . كما وإن مماطلات إينو حول وضعه المالي الواقعي ، حملت أخيه كارل إلى كتابة رسائل دفاع عن مواقف العائلة ، والتي تفيد بأن العائلة في حل على الإطلاق من محاولتها إنقاذ إينو من صعوباته المالية التي مر بها خلال عام 1926 . وبالمقابل قدم كارل لأخيه فرصة العلاج في عيادة الطب النفسي ، وبشرط إذا فوضه إينو على المساعدة ، ووافق على عملية علاجه من حالة الإدمان . ومن طرف كارل فقد عرض مساعدة مالية لعلاج أخيه في دار الضيافة في بيئة ريفية ، وذلك لقطع الطريق على إينو من شراء الكاكويين من مصروفه الخاص .
وفي بواكير شباط عام 1931 ، كان إينو في وضع مالي صعب جداً ، فطلب مساعدة مالية من أُخته أرينا ياسبرز ، وبمبلغ مقداره 4000 مارك ، وذلك لتحويله إلى سيدة مجهولة الهوية . إضافة إلى 2000 مارك مقدمة ، مطلوب منه دفعها قبل 2 آذار . وهذه المعلومات وصلت إلى مسامع أخيه كارل ، فقرر أن يتحمل المسؤلية . وفي الوقت ذاته ، قدم كارل 50 ماركاً ، مبلغاً إضافياً (وفي ثلاثة دفعات) وذلك لتوفير وجبات الطعام لإينو ، وإنه لن يموت جوعاً . وفي هذا الحال ، تكون هناك إمكانية في أن يستمر إينو في العمل محامياً في هامبورك . ونلحظ في رسالة كارل إلى إخته أرينا ، الكثير من الإفصاح عن الحال الذي يمر به أخيه إينو . فقال : ” إن إينو سيعلنُ ، بأن حياته بمجملها ، ومن ضمنها ماحدث له ، هي دائماً مسؤليتنا ، وإننا المذنبون في تدمير آفاقه المستقبلية الوهاجة . وهذا بالطبع سوف لا يغضبنا ” .
صحيح جداً إن توجيهات كارل ياسبرز كانت حادة جداً ، إلا إن أفعاله خلال عام 1931 ، كان محاولة في جمع المعلومات الدقيقة حول نمط حياة إينو . وفي هذه الأثناء برقية وصلت إلى هيدلبيرك ، وبالتحديد في 8 آذار 1931 ، وهو اليوم السابق على اليوم ، الذي تناول فيه إينو السم . وهذا هو نص الرسالة – البرقية التي بعثتها الأم هنريت إلى كارل ياسبرز :
” أولدنبيرك 8 / 3 / 1931
عزيزنا إينو ، البارحة مساءً ، وبالتحديد في الساعة العاشرة ، إستلقينا في المنام بإرتياح ، ولم يكن هناك شجار على وصيته . وكان هنا منذ ليلة الخميس . أطلب منك أن لا تأتي ، بسبب صحتك ، والرياح شرقية باردة جداً ، وهناك الكثير من الإنفلونزا منتشرة . وسوف أكتب لك اليوم بالتفصيل . ونحن الآن في حالة هدوء تام . وسوف نأتي لزيارتك في مايس . الأم الأب ” .
ومن النافع إن نشير إلى توقعات الأم هنريت المتفائلة بحال ولدها إينو . وهذه التوقعات جاءت في الرسالة التي بعثتها هنريت إلى أختها آنا هدويج . وفيها هنريت تصف حالة الآمل والفرج ، بعودة إينو إلى بيت العائلة . وفيها إشارة إلى إنها قادرة على التصالح مع إينو ، بالرغم من أفعاله ، وستقوم بالعناية به لعدة ساعات ، وبذلك فهي تستحق من إينو الكثير من الشكر . وبالمناسبة إن كارل ياسبرز ، وصف لاحقاً ظروف موت أخيه إينو إلى تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت ، وبالطبع بعد خمس وثلاثين عاماً ، برسالة بعثها إلى حانا أرنديت من باسيل ، وبالتحديد بتاريخ 17 آب 1966 .
ويبدو إن الأعراض المرئية الوحيدة على عذابات وآلام إينو ، جاءت في الرسالة الفاجعة ، وهي الرسالة الأخيرة التي كتبها إلى أخيه كارل ياسبرز . وهذه هي الرسالة الختام في رحلة المحامي والمصرفي إينو ياسبرز :
” أولدنبيرك 8 آذار 1931
العزيز كلي !
أنا في نهايتي . في هذه اللحظة أنا أعمل مسحوق ، مرة قد ذكرته لك ، أنني أمتلك منه . والعائلة سوف تهتدي إلى مكانه لاحقاً . أنظر بجدية ، أنا حقيقة مُحطم ، وأنا أعترف ، بأن كل الذنب هو ذنبي . وإن كل أفراد العائلة تمنوا لي كل ما هو أفضل ألخ . وفي النهاية فإن غريزة الفلاح العجوز ، تدفعه إلى الذهب ، الذي يتطلب البحث عنه وإكتشافه . ولكن الرجل مات والدوقية (العملة المالية) في حرز محفوظ .
الوداع
أخوك إينو ” .
وفي الختام تحسب الباحثة سوزانا كيركبرايت ، إنه من الصعوبة بمكان ، من فصل قدر إينو من الكارثة التي سببتها الحرب العالمية الأولى ، والتي عاش إينو تفاصيلها في مواقع عسكرية ومعارك فتاكة خارج حدود بلده ألمانيا . وبالطبع إن نتائج الحرب إعتلال صحته الجسمية والعقلية . كما كان من آثارها تصرفاته المالية والديون المالية الكبيرة ، والتي عمل زوج إخته أرينا ، يوجين دوجند على علاجها . وفعلاً فإن رسالة يوجين إلى كارل ياسبرز ، إن ديون إينو بلغت 13183 ماركاً ألمانياً ، وإن معظمها تحملته العائلة ، مع مساهمة يوجين بدفع حوالي رُبع المبلغ ، والربع الأخر حصلت العائلة على تخفيض ، والبقية دفعتها العائلة .
ولعل من المفارقات في مراسيم دفن جثمان إينو ، أن أخيه الأكبر كارل ياسبرز لم يحضر المراسيم ، بسبب الصدمة الكبيرة التي حلت عليه ، فكان مشلولاً ، لاحول ولا قوة له ، ولذلك لم يتمكن من حضور مراسيم الدفن ، وبسبب مخاوف والدته على صحته . ولذلك حضرت زوجته كيرترود مراسيم العزاء نيابة عنه . وفعلاً بعد عدة أيام من دفن جثمان إينو ، وبرفقة يوجين دوجند ؛ حضرت كيرترود إحتفالية ذكرى إينو ، وكتبت إلى كارل ياسبرز ، وكيف إنها كانت قريبة جداً ، وهي تشاهد المهاد الأخير لأخيه إينو ، وإستشهدت بعبارة دينية متداولة ، فقالت ” أحسب إنكم جئت من التراب ، وإلى التراب راجعين ” . والأن يشعر إينو ، ربما بقبول الصورة التي رسمناها له ..” . ونحسب إن الموت هو اليقين لجميع البشر على أرض البسيطة .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس/ العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(3)
الدكتور ياسبرز : الباحث الأكاديمي والإنجاز الفكري
الدكتور محمد جلوب الفرحان
بعد إنجاز ياسبرز لأثنتي عشر فصلاً دراسياً في الكلية الطبية دخل الإمتحان في كانون الثاني / جنيوري 1908 ، ومن ثم عمل ياسبرز متدرباً في العيادة الطبية النفسية (للأمراض العقلية) في هيدلبيرك وحتى عام 1915 ، وهذا الموقع أهله لكتابة والدفاع عن إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” هومسكنس (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” ، وكان دفاعه عنها في 1909 .
ومن ثم ظهرت مقالته المعنونة ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” والتي فعلاً نشرت في عام 1912 . وهذه المقالة هي جزء من مجموعة تحليلات ياسبرز الرئيسية . والكلمة المفتاح هي الفينومنولوجيا ، وهي طبعة مكثفة لنتائج بحثه التي سيضمها الكتاب الذي كلفه بكتابته يوليوس سبرنكر في 1911 وليكون كتاباً أساسياً (مصدراً) للأطباء والطلبة خلال التدريب . وكان هذا الكتاب المصدر ، هو الطبعة الأولى لمؤلفه الشهير الذي حمل عنوان ” علم النفس المرضي العام ” والذي نشر في مطبعة يوليوس سبرنكر / برلين 1913 . وفي حينها طبع وبعنوان فرعي ” دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس (السيكولجست) ” .
وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت ، ويقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد :
إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان .
لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938) ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف ياسبرز بذلك ، فقد
سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 .
وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) للطبيب النفسي كارل ياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه . وهنا نحسبُ إن ياسبرز وهوسرل يلتقيان وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل في بواكير النزعة الفينومنولوجية ، والتي كان فيها هوسرل مناصراً للنزعة النفسية في الفلسفة والعلم (أنظر الهامش رقم 117) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :
” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911
الوالدان العزيزان
أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …
تحياتي وأشواقي
ولدكم
كلي (منا : أي كارل) ” .
ونحسب إن هناك إشارة بالغة الأهمية والخطورة في تعليقات ياسبرز قد صدرت منه في الفترة التي تصعد إلى بدايات حياته الأكاديمية ،وبالتحديد بعد مرور ثلاث سنوات على زواجه من كيرترود السامية / اليهودية ، والتي تكشف عن المناخ الألماني (الذي تنفست منه ألفريدا هيجر ، وهيدجر بدرجات أقل ، وياسبرز بدرجات معلنة وبأسلوب الفكاهة والتندر) . ففي نهاية سبتمبر من عام 1913 ” ذهب ياسبرز لزيارة عمه فيرتز ، وكان تحت العلاج من عملية جراحية في بون ، ومن ثم توقف في كوتنكن ، وكانت فرصة له ليقابل هوسرل ، وبعد ذلك شكى بحزن وشفقة إلى كيرترود ، قائلاً : ” إن هوسرل وجميع مساعديه هم من اليهود ” . وأحسب إن ياسبرز تكلم بسذاجة ودون وعي عن يهودية هوسرل ، وتناسى إن في كلامه ما يشمل زوجته كيرترود اليهودية .
وفي 1913 صدر كتابه المعنون ” الأمراض النفسية العامة ” ، وهو في الحقيقة إطروحة دكتوراه ثانية ، تؤهل ياسبرز للتدريس الجامعي (وهذا هو التقليد الجامعي الألماني) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) (8). وفعلاً فقد تم تعيين ياسبرز محاضراً في كلية الفلسفة . والكانطي الجديد وندلباند ، هو من مدرسة بايدن للكانطية الجديدة . ولعل من الأثار التي تركها على ياسبرز ، دعوته إلى ضرورة أن تقوم الفلسفة بفتح الحوار بين الإنسانيات والعلوم الطبيعية . وهو مهتم بعلم النفس والعلوم الثقافية الحضارية . وكان لوندلباند إرتباط قوي بالرمز القيادي للكانطية الجديدة هنريخ ريكت (1863 – 1936) ومن الملاحظ إن طلاب ويندلباند لم يكونوا حواريون فلاسفة فقط ، وإنما كان بعض منهم علماء إجتماع من أمثال ماكس فايبر (1864 – 1920 وماكس سيترك أثاراً على كارل ياسبرز الذي سينضم إلى حلقة أل فايبر المشهورة) وبعض منهم رجال لاهوت من أمثال إرنست ترولتسيش (1865 – 1923) . كما وبالمناسبة إن هيدجر صديق ياسبرز ، قد تخرج مع هنريخ ريكت ، وبدأ عمله المهني مساعداً لريكت ، ومن ثم كتب هيدجر إطروحته الثانية للدكتوراه تحت إشراف هنريخ ريكت .
وفي عام 1916 تم ترقيته إلى أستاذ مساعد في علم النفس ، وبعد ثلاث سنوات ، وبالتحديد في عام 1919 أصدر كتابه المعنون سيكولوجيا النظر إلى العالم . وهذا الكتاب حمل تحولاً كبيراً في تفكير ياسبرز ، حيث ربطه بقوة في مضمار الفلسفة . وفي هذا الكتاب يظهر أثر مناقشاته مع والده حول اللوحات التي رسمهما والده ، وأثر كانط وخصوصاً كتابه نقد الحكم ، والذي خصص له دراسة في نهاية الكتاب . وهي الدراسة التي تعتقد سوزانا كيركبرايت التي أعدها في سيمنارات أميل لاسك (1875 – 1915) عن كانط . ومن ثم أثر منهج ماكس فايبر في الموضوعية .
والحق إن ياسبرز يصف لوالده بصورة غير مباشرة صراعه مع منهج ماكس فايبر في الموضوعية . ويبدو إن ياسبرز في هذه المرحلة كان حساساً بدرجة عالية من ربط أرائه الفلسفية بتفكير ومنهج ماكس فايبر . ولذلك سعى بتوجيه الأنظار والحذر من ربط تفكيره بقرابة حميمة مع منظومة أفكار ماكس فايبر .
والحقيقة إن القارئ المدقق لا يستسلم لمثل هذه المصادرة البسيطة التي تطلع ياسبرز إلى إقناعنا وغلق الباب وعدم التساؤل حول إمكانية ربط آراء ياسبرز بمنظومة أفكار ماكس فايبر . ونحسب إن هناك الكثير من الحقائق المتوافرة من داخل خطابات ياسبرز وأبحاثه تدلل بقوة على وجود مثل هذه المقاربة العميقة بين تفكير الرجلين : ماكس فايبر وكارل ياسبرز .
والبداية سؤال : ما حجم الأثر الذي تركه عالم الإجتماع ماكس فايبر على أعمال ياسبرز ؟ والحقيقة إن ياسبرز يعترف بمكانة فايبر خصوصاً في بداية مسيرته الأكاديمية في كلية الفلسفة عندما بدأ عمله محاضراً ، وكان يكرر دائماً بأن حيائه (حياء وخجل ياسبرز) منعه من الأنخراط الحقيقي في حوار مع ماكس . إلا إنه كان يتابع نشاطاته البحثية ويقرأ ما يكتب . ومن ثم أسهمت زوجة ياسبرز السيدة كيرترود في تنشيط العلاقة مع فايبر وعائلته ، وخصوصاً مع زوجته ماريان ، فأصبحت كيرترود صديقة لها . وهذه الصداقة مكنت ياسبرز أن يحضر دون حياء وتردد إلى حلقة عائلة فايبر .
ففي رسالة بعثها إلى والديه من هيدلبيرك في 27 / 2 / 1910 . يقول فيها :
” الوالدان العزيزان
في الجمعة حضرنا أنا وكرهل في بيت ماكس فايبر (…) وأنا أعرف الرجل (ماكس) من خلال النظر وقراءة كتاباته . أنا بصدق أحبه . هو شخص نادر من بين الأكاديميين المثقفين ، ومتحمس تماماً لقيمة العقل . وإنه يتمتع بدرجة ذكاء عالية . وعلى الأقل يمكن أن يقال عنه إنه عبقري ، وأنا أتواصل معه من بعيد ، شخص إلى شخص (…) . وأنا لدي تعاطف عام تجاه الشخصيات الفكرية والروحية . وهم النخبة التي يتطلب منك أن تعرفهم ، لا ليقوموا بإلهامك وتثق بهم شخصياً ، إنهم يفتقدون لكل مصداقية ، وفارغون … تحكمهم عواطفهم ، تنقصهم الرجولة … أما ماكس فايبر فهو تمام مختلف ، إنه يأسرك بحضوره وثقته منذ اللحظة الأولى . ولكن الشئ الوحيد الذي يُثير القلق ، هو التعابير التي تظهر على وجهه ، وعيونه الثاقبة ، حيث تخشى إنه في أي لحظة يصبح عصبياً وإنه مريض لفترة سنتين . وربما يبدو لك إنه يتصارع مع جهازه العصبي وكأنه سيعيش فترة من الإثارة . والمعركة لا تقدم أي شاهد على هذا الطريق . وزوجته تمتلك إسلوباً رائعاً في التخفيف من تأثيرها عليه . وتلاحظ إنه يدين لها بالكثير في هذا الطرف . ويبدو إن زواجهما جيد (…) وأنا دائماً أسأل بطريقة حميمة ، وأتصل بالهاتف وأطلب تعديل موعد اللقاء . ولكن لدي شكوك فيما أنا حقاً أنتمي إلى هذه الحلقة (أي حلقة عائلة فايبر) . الناس اللذين يحضرون جلساتها أذكياء جداً . وأنا أظن لا أمتلك شيئاً لأقدمه في جلسات هذه الحلقة .
تمنياتي وأشواقي
ولدكم كلي ” .
كما إن ياسبرز أصيب بصدمة عند سماع مرض فايبر بالإنفلونزا ، وعطل رحلته وذلك للإطمئان على صحة فايبر . غير إن الموت كان أسرع ، وفعلاً فقد مات ماكس فايبر في 14 حزيران عام 1920 وعمره ست وخمسين ربيعاً . صحيح إن ماكس فايبر كان عالم إجتماع ، إلا إن ياسبرز في كلمته التي ألقاها في التأبين ، ومن ثم في نشاطته البحثية والكتابية ومحاضراته ، ركز على ماكس فايبر الفيلسوف . ونحن نتفق مع ياسبرز في أهمية تقديم ماكس فايبر فيلسوفاً . وفي هذا الطرف يتكشف المطمور المتخفي من الأثار التي تركها ماكس فايبر على فلسفة ياسبرز . ولعل أثار صدمة ياسبرز والإعتراف بماكس فايبر فيلسوفاً ، تحمل أطرافها رسالته التي بعثها إلى والديه بتاريخ 16 حزيران 1920. حيث يقول فيها :
” والدي العزيزان
ريما تصفحتم الصحف ، فأن فيها خبر موت ماكس فايبر . لقد مات نتيجة الإصابة بالإنفلونزا . وفي الوقت الحاضر فإن القليل من الناس من يفكر ويثير السؤال ؛ ماذا يعني موت ماكس فايبر ؟ حقيقة أنا مصاب بالشلل ، ولكن في الوقت ذاته أنا جداً متحمس لحبي هذا العقل وبالمعنى الموضوعي التام . وذلك لأنه فيلسوف عصرنا الوحيد ، وليس لدي شك في إنه سيحصل على الإعتراف بمثل ذلك في المستقبل . وبالنسة لي فإن العالم أصبح يبدو لي مختلفاً ، ونحن مصانون في عالمنا العقلي بسبب وجود ماكس فايبر ، الذي كان الضمان العظيم في الإمكان تحقيقه اليوم . والآن أشعر إنه لا يوجد من هو أرقى مني في مستوى التفكير العقلي في عالم يبدو فارغاً (…) . والأن أصبحنا كائنات فانية ، ونبحث عن مكاننا في العلم وبالإعتماد على فضائلنا . وأشعر إن مسؤوليتنا أصبحت مختلفة وذلك بعد إن إنطفأت الشعلة ، وحتى تتوهج الشرارة يتطلب أن تقدح من جديد .
ماذا قال لي ماكس فايبر في المرة الأخيرة ، وقد غادرنا إلى عالم العتمة . قال بطريقة حميمة حول كتابي الأخير ” إنه يستحق كل تقدير ” ومن ثم كرر ذلك مرتين وبطريقته المعتادة والتي فيها تشديد ” أشكرك على هذا الكتاب ” ومن ثم قال : ” أتمنى لك نجاحاً وإنتاجاً كبيريين ” . وأخيراً فقد أضاف : ” سأحاول أن أعلق على كتابك في كل مكان ” . والآن لم يكن في وسعه أن يعمل شيئاً . ولكن لدي شعور بأنه وجد في هذا النوع من الشرارة المتوهجة ، وأنا أرغب أن أكافح بكل إمكانياتي إنجاز كل ماهو ممكن في مضمار الفلسفة . وسأحاول تقديم التفسير في هذا الميدان لكل الشباب اليوم شارحاً أفكاره وأعماله …
مع أطيب التمنيات والأشواق
ولدكم كلي ” .
وعلى الرغم مما قاله ياسبرز عن فايبر الفيلسوف ، إلا إننا لم نجد بحث فلسفياً واحداً في قائمة أبحاث ماكس فايبر ، يُقنعنا بأن الرجل كان فيلسوفاً . فمثلاً الإطروحة الأولى للدكتوراه كانت في تاريخ القانون . والإطروحة الثانية كانت بحث تاريخي قانوني وكانت بعنوان ” تاريخ الملكية الزراعية الرومانية ودلالته في القانون العام والخاص ” . ولعل البحث الأقرب إلى مضمار الفلسفة ، هو الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية . لكن الرجل عالجه من زاوية عالم الإجتماع (الديني) وليس بمنظار الفيلسوف .
كما إن أثار ماكس فايبر واضحة من خلال حلقة فايبر التي حضرها ياسبرز مع زوجته كيرترود صديقة مارين فايبر زوجة ماكس ، أو بصحبة زملاء أخرين . وهنا
نود العودة إلى دائرة التوثيق وندع الباحثة سوزانا كيركبرايت تقرأ علينا رواية ياسبرز حول حلقة فايبر ، ومن كان يحضرها بالإضافة إليه ، وبعض ما كان يدور فيها . تقول سوزانا :
” بعد بداية الحرب ببضع أشهر ، كيرترود (منا : زوجة ياسبرز) وصفت إلى والد زوجها إهتمام ياسبرز بما كان يسمى المساءات الثقافية الفلسفية . وبالتحديد منذ نهاية عام 1914 أخذ يتقابل مع الشاب جورج لوكاش ، إرنست بلوك ، وماكس شيلر (1874 – 1928 مشهور بتطوير المنهج الفلسفي القائم على الفينومنولوجيا) ، وقبل الإستماع إلى أحاديث ماكس فايبر المشهورة ، كان ياسبرز يتطلع إلى إستكشاف وجهة نظر فلسفية جديدة ، والتي إدعى إن كتابه الأول قدم وصف حقيقي لها . وإعتماداً على تقارير كيرترود فإن في التجمع الثقافي الفلسفي كانت دروس في موضوع الميتافيزيقا . وإن حضور ياسبرز في هذه الإجتماعات كما يبدو لم تمكنه من عرض نتائج سلبية ، والسبب كما تشرح كيرترود : بأن الميتافيزيقيين الحقيقيين في الإجتماع واجهوا تعليقات ياسبرز بعنف وناقشوها بساعات قليلة جداً . وفي وصفها لهذه الإجتماعات فإنها تلمح إلى إن ياسبرز قج حصل فعلاً على الشجاعة في المشاركة والمناقشة ، وربما تكونت لديه قناعة حول الإتجاه الفلسفي لعمله في المستقبل ” .
ومن ثم إستمرت الباحثة سوزانا شارحة ما حصل في هذه الحلقة أي حلقة فايبر ، والشخصيات التي قابلها ياسبرز ، وفيها كشف عن المصادر التي تركت أثرها على فلسفته سلباً وإيجاباً . فأفادت : ” وهذه اللقاءات كانت فرصة للتبادل الفكري ، وهي التي جذبت إهتمام كارل وكيرترود ياسبرز إلى إجتماعات فايبر في مساءات الأحد ، حيث قابلوا فيها عدد أخر من الباحثين الأكاديميين من أمثال (منا : الكانطي الجديد) أميل لاسك ، (منا : الكانطي الجديد) جورج ساميل (1858 – 1918) ، (منا والرمز الكبير في الكانطية الجديدة) هنريخ ريكت ” . وهكذا كان ياسبرز محاطاً بماكس فايبر وصحبة عدد من مشاهير الكانطية الجديدة والفينومنولوجيا وهيجليين (نسبة إلى الفيلسوف هيجل) …
ويبدو إن هذه الهيمنة والإهتمام غير الإعتيادي بما أسماه ياسبرز الفيلسوف ماكس فايبر ، قد أثار حفيظة زوجته كيرترود والتي نبهته على ذلك ، وهو إهتمام متطرف وصل إلى ذروته في العبارات الأخيرة من كتابه المعنون فلسفة (صدر عام 1932) والتي عزم فيها ياسيرز للتدليل على تبجيله لماكس فايبر ولكنه في الوقت ذاته أيد الدعوة التي تصاعد صوتها ، إلى ضرورة وضع صداقته لماكس فايبر ، موضع التقويم النقدي ، وذلك عندما وصف ” فايبر بأنه سقراط العصر الحديث ” وعلى أية حال إن ” ما أراده ياسبرز هو أن تظل مثل فايبر حية بعد موته النهائي ” . وفعلاً فقد شعرت كيرترود بالثقل الكبير لموت عالم الإجتماع ، ولذلك شجعت ياسبرز على تجديد المعاني الراقية في العبارات التي قالها فايبر ، وهو في النزعات الأخيرة من موته ” .
ومسك الختام في هذا الطرف ، هو الحديث عن مصير رواية ياسبرز التي تتحدث عن ماكس فايبر الفيلسوف ، الحقيقة إنها تظل مجرد رواية متحمس . ومهما حاول ياسبرز أن يُدافع عن ماكس فايبر الفيلسوف ، فإن هناك حقائق ثابتة من داخل السيرة الذاتية للرجل ماكس تفند دعوى ياسبرز وتربط ماكس فايبر باللاهوت البروتستانتي وفي طرفه الكاليفيني . ففي الصراع بين والدي ماكس فايبر ، الوالد رجل دُنيا مُحب للشهوات ، وأمه هلين زاهدة كاليفينية ، فكانت النتيجة تقاطع إلى حد العظم بين الوالدين ، ووقف ماكس فايبر مع إمه وقطع علاقته بوالده . وبذلك إنحاز إلى اللاهوت البروتستاني (ولعل الشاهد على ذلك فيما بعد كتابه الشهير الإخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (والذي كان موضوع إهتمام ياسبرز غير الإعتيادي) وكتابته عن علم إجتماع الدين ، وخصوصاً سوسيولوجيا الدين الصيني والهندي واليهودية القديمة…) ويبدو إن رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز قد أستبطن هذا الطرف وعمل على أساسه . فالمسألة في الأساس هي علاقة عالم إجتماع الدين ماكس فايبر برجل اللاهوت الوجودي ياسبرز .
هذا ما تركه ماكس فايبر على ياسبرز وتفكيره ، وهو كثير كثير . أما الأثر الأخر فقد جاء من طرف الفيلسوف مارتن هيدجر . صحيح إن مارتن كان أصغر من ياسبرز بستة سنوات في العمر . فياسبرز ولد عام 1883 وهيدجر ولد عام 1889 . إلا إن هيدجر كان أعمق فلسفة وصاحب مدرسة فلسفية ، هو مؤسسها وله طلاب يعتزون بإنتمائهم إلى هيدجر رغم خلافاتهم السياسية معه حين إختار الإنتماء إلى الحزب النازي ، فقد ترك هيدجر اللاهوت وترك معه الكاثوليكية وفاز بالفلسفة وكتب إطروحتيه الأولى والثانية في المنطق ، وهو قلب الفلسفة ومنهجها الأول منذ إن كتب أرسطو اليوناني أول أورغانون (الألة) للفلسفة ، فقد كان عنوان إطروحته الأولى ” نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (وكتبها في العام 1914) . والإطروحة الثانية كانت بعنوان ” نظرية المقولات عند دنس سكوتس ” (وكتبها في العام 1916) . ومن ثم كتب مؤلفه الإنجيلي في بداية عمله الأكاديمي والمعنون الوجود والزمن ، والذي إعترف مرات عديدة بأن الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حنا أرنديت قد ألهمته بفكرة الكتاب وساهمت في مناقشة أطراف منه وحثته على أكماله ، وكان شرطاً طالبته الجامعة ليكون خليفة لهوسرل في رئاسة قسم الفلسفة (أو كلية الفلسفة) والذي نشر في العام 1927 . هذا هو ثقل هيدجر .
أما من طرف ياسبرز فإن هذا البحث بين إنه لم يدرس الفلسفة أكاديمياً ، وإنما كان طالب قانون لثلاث فصول ، وترك القانون ودرس الطب وكتب إطروحته للدكتوراه في الطب النفسي وكانت بعنوان ” الهومسك والجريمة ” . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه وكانت بعنوان ” الأمراض النفسية العامة ” . كما إن من الصحيح إن ياسبرز لم يؤسس مدرسة فلسفية على الإطلاق ، وصحيح جداً إن ياسبرز كان رجل لاهوت وجودي أكثر من كونه فيلسوف وجودي وهذا الأمر تكشفه سيرته الأكاديمية وجوهر مؤلفاته وإن حملت عنوان الفلسفة .
والسؤال : كيف تعامل ياسبرز مع الصديق مارتن هيدجر ؟ حقيقة إن علاقة رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز بفيلسوف فينومنولوجيا الحياة ، علاقة معقدة حكمتها شروط جداً مركبة ، فيها حسابات أكاديمية تطلع كل من ياسبرز وزوجته كيرترود في شخصية الفيلسوف الشاب هيدجر الكثير من الأمال في الإشتراك في أبحاث أو مشاريع مشتركة ، بعدما تيقنا إن هيدجر عقل فلسفي خلاق ممكن الإستثمار . وهذا ما أشارت إليه إليزابيتا إيتنكر ، حين ناقشت نظريات ياسبرز وحنا أرنديت حول ما أسمتها ” إبداعية هيدجر ” . ورأت بأن كلاهما فشل وذلك عندما تعاملا ببساطة شديدة ” في أهمية الإبداع في تفكير هيدجر المفكر (والأدق الفيلسوف) ” .
أما من طرف هيدجر فقد وقف بوجه الكانطيين الجدد (وخصوصاً كان واحد منهم هنريخ ريكت زميله الأكاديمي ومن ثم المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه) عندما إعترضوا على الجامعة في تعيين ياسبرز رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ، وسعوا إلى إزاحته ، فوقف وقفة الفيلسوف الشجاع الصديق ، وكانت محنة كبيرة لياسبرز وزوجته كيرترود ، ولا أحسب إن كلاهما ينسى ذلك العون الهيدجري الصديق ، ولكن ذاكرة التاريخ خلدت وقفة هيدجر لياسبزر ، في حين دارت الدنيا ، وطردت القوات الفرنسية المحتلة هيدجر من التعليم الجامعي ، ومن ثم فتحت أبواب العودة له بشرط تزكية من صديق جامعي ، وطلب من صديقه القديم ياسبرز تزكية ، فرفض ياسبرز وسجل التاريخ ذلك ، وعادت القوات الفرنسية فطلبت منه كلمة ، فقال كلمته الشهيرة التي عاد بها إلى التدريس الجامعي ” إنه في تلك السنوات تابع غريزة القطيع ” فكانت عبارة التوبة والفداء . ولم يعتذر هيدجر على الإطلاق . إلا إنه في جلسات خاصة أعلن قائلاً ” إنها كانت حالة غباء كبيرة في حياته ” . ونحسب من الأهمية بمكان ، أن نذكر بأن ” هيدجر بعد زيارته لياسبرز وعائلته في نهاية حزيران عام 1933، لم يزرهم مرة ثانية على الإطلاق ” .
كانت البداية حديث عن سخاء وكرم ياسبرز الإنسانيين تجاه الشاب مارتن هيدجر . ولكن الحقيقة خلاف ذلك لا سخاء ولا كرم وإنما قرض من زوجته كيرترود دفع عنها هيدجر فائدة لها . وهنا نحاول تقديم الحقيقة ومن مصادر ياسبرز التي لا خلاف حولها تقول الباحثة سوزانا كيركبرايت :
” عندما وجه ياسبرز الدعوة لهيدجر للزيارة ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود … بأنه أرسل إلى هيدجر ألف مارك ألماني لتغطية نفقات سفر هيدجر ” . وفي هامش النص السابق ذكرت سوزانا الطرف الثاني من الحقيقة أعلاه . فأعلمتنا ” إن هيدجر رد المبلغ فيما بعد مع فائدة ” ووثقت ذلك بالرسالة رقم 64 / ماربورك / 2 حزيران 1928 ، والرسالة رقم 66 / هيدلبيرك / 6 حزيران 1928 .
والسؤال : ما هو الغرض من زيارة هيدجر إلى ياسبرز ؟ إن القارئ سيندهش من الحقيقة المُحزنة (والتي فيها كرم ياسبرز المثير للشفقة …!؟) ، وهي إن هيدجر سيعمل مع ياسبرز في طرف مهم من قلب أبحاث كتاب ياسبرز القادم ثلاث مجلدات في الفلسفة وهو فعل التفلسف . وبالمناسبة إن هيدجر وهذا ما راهن عليه ياسبرز ، إنه عالم بالفيللوجيا (علم فقه اللغة حاله حال نيتشه) وهنا تكمن جوهر مساعدة هيدجر لياسبرز في مضمار التفلسف ، وهو الميدان الذي ستشارك في أطراف أخرى من مشروع ياسبرز (أي ثلاث مجلدات في الفلسفة) الطالبة السابقة (الفيلسوفة) حانا أرنديت ، وبالتحديد خلال كتابتها للدكتوراه مع ياسبرز . ولنعود إلى جادة التوثيق فهي ملاذنا العلمي الوحيد . وفعلاً بعد وصول هيدجر ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود بأن مالها أستثمر لغرض نبيل : ” فنحن (أي ياسبرز وهيدجر) نعمل بجد عال في موضوع التفلسف ” .
ولعل فيما كتبته زوجة ياسبرز كيرترود ، كل الحقيقة حول مشروع إستثمار عقلية هيدجر الشاب الخلاقة في مضماري الفيللولوجيا والفلسفة . فقالت : ” إنها طبيعة هيدجر في البحث بعقله في الفلسفة والدين ، هو باحث أكاديمي وعالم فيللولوجيا ، ولكنه عاجز عن عرض كل شئ منهجياً في تفكيره ” . ويبدو من الجملة الأخيرة إن هذه هي مهمة ياسبرز كما رسمتها زوجته كيرترود في مشروع التعاون الواعد بين هيدجر وياسبرز .
ولما كان مشروع التعاون بين الطرفين ولد على فكرة إستثمار عقل هيدجر الخلاق ، فنحسب إنه ولد مشروعاً يحمل موته العاجل . وفعلاً فإن ما قالته سوزانا في تعليقها على دور كيرترود ما يدلل على حقيقة هذا المشروع الذي ينتظر لحظات موته ” إن كيرترود هي التي عملت هذا اللقاء بين العقلين حقيقة . وهي التي كانت شاهد على مواجهتهم التي سارت من قوة إلى قوة . وحالاً توقفت من الإعتقاد بهيدجر ، فأوقفت مساعدتها المعنوية . ولذلك أصبح من الصعوبة على ياسبرز الإستمرار في صداقته ” .
وعلى أساس تاريخ رسالة كيرترود لياسبرز في 12 آذار 1925 فإن آل ياسبرز حسموا موقفهم وحددوا علاقاتهم مع هيدجر سلباً . إلا إن هيدجر إستمر في علاقته الإيجابية مع ياسبرز حتى عام 1933 كما بينا أعلاه . ونحسب إن مواقف آل ياسبرز السلبية من هيدجر تصعد إلى فترة أبعد من 12 آذار 1925 . وبالتحديد تعود إلى عام 1919 ، وهو تاريخ صدور الكتاب الثاني ، والذي يحمل عنوان سيكولوجيا النظر إلى العالم . فقد كتب هيدجر مراجعة نقدية ، ومن ثم بدأت صداقتهما (منا : وإن ألتقيا قبل ذلك في عيد ميلاد هوسرل يوم كان هيدجر يعمل مساعداً لهوسرل) . وفعلاً فقد أرسل هيدجر نسخة من مراجعته إلى ياسبرز في حزيران عام 1921 . وتصادف في هذا الوقت إن ياسبرز كان يعمل على إصدار الطبعة الثانية من هذا الكتاب ، والتي صدرت في عام 1922 والتي حملت تعديلات غير جوهرية . وفيما بعد زعم ياسبرز ” إن مراجعة هيدجر مملة وغير مثمرة ” ومن ثم رفض مراجعة هيدجر .
ولم يكتف ياسبرز بذلك وإنما أعلن عن عدم إتفاقه مع النقد الذي وجهه هيدجر للكتاب ، وكتب على نسخته الخاصة من الطبعة الثانية من سيكولوجيا النظر إلى العالم ، في إنه ” لم يحدث أي تغيير في الطبعة الثانية ، وإنه لا يستطيع تعديل الكتاب من دون أن يبدأ بكتابته من نقطة الصفر ” . ويبدو إن هذا الحال سبب جُرحاً نازفاً لياسبرز ، وهو صاحب الذات المتخمة بعد موت ماكس فايبر وهذا ما كشفته رسائله لوالديه . فكان رد فعل ياسبرز لنقد هيدجر ، إن أغلق كل أبواب الحوار مع هيدجر . أما هيدجر فمن طرفه ألح على التواصل مع ياسبرز . وفعلاً فقد إستجاب عندما أرسل له ياسبرز نسخة من كتابه الجديد ستراندبيرك وفان جوخ والذي صدر عام 1922.
ونلحظ هنا إن نقد هيدجر تحول نحو شواطئ جديدة ، فيها فتح هيدجر مناقشة حول ما أسماه بالإختلافات (المفارقات) التي شغلت إهتمامه في ذلك الوقت ، وهي المفارقات التي تحولت إلى سؤاله المفضل ، والذي يدور حول التقسيم بين ” الحياة ” و ” الوجود ” ، وفي هذه الحدود أيد هيدجر ياسبرز بأن دراسته كانت دراسة إستبطانية (منا : تلاحق أثر المرض على أعمال الفنان) وإن كانت مرتبطة بالوجود . وهيدجر لاحظ بأن واحداً من أهداف ياسبرز في دراسة فان جوخ هو التشديد على إستعمال المقولات التي تصف ظاهرة الشيزوفرينيا . في حين إن المشكلة بالنسبة لهيدجر هي ليست مشكلة روحية على الإطلاق . ومن ثم عاد هيدجر يحتج في إعتراضه على ياسبرز بالسيمنار الذي قدمه ياسبرز عن كيركيجارد ونيتشه ، وذهب إلى إن مفاهيم ياسبرز يعوزها الكثير من الدقة ، وإنه ” حرث في أرض لا يعرف حدودها ” .
غير إن الصداقة بين هيدجر وياسبرز تجددت على الأقل خلال الفترة التي دخلت فيها حانا أرنديت إلى الجامعة عام 1924 وحتى 1933 . وكان هيدجر يزور ياسبرز ويراسله . ولعل الرسائل المتبادلة بين حانا وهيدجر تدلل على ذلك . وإن هيدجر بعد ما أخذت شكوك زوجته الفريدا تتزايد عمل على إقناع ياسبرز بالإشراف على إطروحة حانا للدكتوراه ، وبالتحديد في موضوع مفهوم القديس أوغسطين في الحب .
وإستمرت العلاقة بينهما حتى قبول هيدجر بمنصب رئيس جامعة فريبيرك وإلقاء خطابه في 27 مايس 1933 . والحقيقة إن أخر زيارة لهيدجر لياسبرز كانت في نهاية حزيران 1933 ولم يلتقيا بعد ذلك كما أشرنا أعلاه .
أما إهتمام ياسبرز بفيلسوف الوجودية الرائد نيتشه ، فله طعم خاص إذ يكشف المعايير المزدوجة للنقاد في تقويم اللاهوت الوجودي لياسبرز وفلسفة مارتن هيدجر خصوصاً في دراستهما للفيلسوف الوجودي الرائد نيتشه . والحقيقة هناك حيرة لم يجد لها الباحثون حلاً سوى الإقرار بأن هناك تناقضاً في محاضرات ياسبرز المعنونة نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية / 1936 ومحاضرته المعنونة ” العلو الفارغ (أو الذي لاقيمة له) / 1960″ . وللقارئ أقول إن هناك فارقاً زمنياً بين منتوج ياسبرز ، نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية ، ومحاضرة ياسبرز العلو الفارغ . نقول فارقاً زمنياً يتحدد بربع قرن من الزمن ، فنيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية أنتجه ياسبرز والنازيون في السلطة ، وفلسفة العلو الفارغة ألقاها بعد تحرير (؟) القوات الأمريكية لجامعة هيدلبيرك بخمسة عشر عاماً . ولكن النقاد صمتوا عن هذه الحقيقة لصالح ياسبرز ، وصمتهم دليل على إنهم كالوا البضاعة بمكيالين .
وبالمقابل فإن المكيال النقدي مع هيدجر كان مختلفاً . فقد درس مارتن فلسفة نيتشه مثلما درسها صديقه ياسبرز . وقال النقاد خصوصاً من طلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية ، الكثير ضده ، ووظفوه في مهاجمتهم له ومن ثم على النازية الألمانية التي إنتمى إليها . وهنا يُشارك هيدجر في الإهتمام بنيتشه وفلسفته ياسبرز خصم النازية والذي إكتوى بنيرانها . إذن القضية في أساسها مسألة توظيف ضد هيدجر ، ومسألة توظيف لصالح ياسبرز . هذا هو المنطق الأكاديمي المكسور لطلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية .
والحقيقة إننا لا نعرف شيئاً عن دوافع ياسبرز وراء الأعداد لهذه المحاضرات . ولكن الشئ المؤكد ، هو إن نيتشه من المروجين لما يُعرف بفلسفة العلو (ولعل فكرة السوبرمان في هكذا تكلم زرادشت مثالاً والأمثلة النيتشوية كثيرة) . وفلسفة العلو فكرة مكروهة عند ياسبرز (أنظر محاضراته أعلاه : العلو الفارغ) . الشئ الثاني إن تاريخ الأعداد لهذه المحاضرات ، هو عام 1933 ، وهو تاريخ صعود الحزب النازي إلى الرايخ الثالث برئاسة هتلر ، وتاريخ تعيين هيدجر . والشئ الثالث إن زميله الطبيب إرنست ماير (وهو أخو زوجته كيرترود) كانت لديه شكوك حول مشروع محاضرات نيتشه . وفعلاً عندما أرسل له ياسبرز في حزيران عينة من المخطوطة حول فردريك نيتشه ” ، طلب إرنست ماير من ياسبرز أن يراجع المخطوطة كاملة ، وبعد ذلك أخذ يعلن عن شكوكه ، ويفضل عدم المشاركة في هذا المشروع ” .
ومن ثم أنجز ياسبرز مشروعه في ديسمبر عام 1935 وكان رؤية شاملة لحياة نيتشه وأعماله . بينما ماير يعترف إنه حصل على مقدمة لهذا العمل في ربيع 1934 . على كل إن ياسبرز أشار في هذا الجزء من المخطوطة في إنه واجه مشكلة ، وتطلع إلى نصيحة من ماير . فقال ياسبرز ” هنا هي المشكلة : أنا أردت أن أقتبس بالضبط ما هو ممكن ، وأدع أفكاري تتحدث خلال نيتشه . ولكن يجب أن يقرأ النص بصورة كاملة … دون أن يتركها القارئ ” . ماير إعترض على هذا الإسلوب . وهنا زعم ماير ” إنه عارف بالمحتويات أفضل من ياسبرز نفسه ” .
وإذا كان هيدجر الرجل الغريب ، الكاثوليكي – النازي الذي إنتقد أعمال ياسبرز ، ، فكيف الحال مع الصديق الأول إرنست ماير ، وهو الأخ للزوجة العزيزة كيرترود . إنها مسألة تنز بالألم . حقيقة منذ البداية تحفظ ماير من الفصل التمهيدي ، وإشتكى من إنه فصل حمل الكثير من التفاصيل عن موسيقى فاغنر وإزمة نيتشه ، بعيد إنهيار علاقة الصداقة بين الطرفين . أما ياسبرز فقد جادل بأن غرضه لم يستهدف تحليل نيتشه الفنان ، ولا بيان محاولته في التأليف الموسيقي . ورد ماير جاء في كلماته الآتية : ” إن ما كتبته عن فاغنر مهم ، وما دمت أنا لا أفهم الموسيقى ، فإن العرض بالطبع ينبغي أن يركز على نيتشه ” . وبدلاً من الإستمرار في المناقشة ، زعم ياسبرز بأن ما قرأه ماير في عمله ، هو ” إن ما خطط إليه ماير ، هو شطب كل شئ ” . غير إن ماير قام بمراجعة المشروع ، ومن ثم أبلغ ياسبرز بضرورة أن يكون عنوانه ” نقد نيتشه ” وفي الوقت ذاته إشتكى ماير بمرارة من إن نص ياسبرز هو تدخل في السيرة الذاتية المؤسسة على إسلوب حياة الكاتب . ولما كان نقد ماير إنفعالياً ، فقد إنتهىت المناقشة إلى النهاية الميتة في التفاهم . ونحسب إن من الإنصاف القول بأن بضع من ملاحظات ماير كانت إيجابية ، فقد أفاد : إنه بالرغم من كل ذلك ” فإن كتاب ياسبرز عرض شواهد تدلل على شروح مثيرة ” . إن نقد ماير في المحصلة الآخيرة ، كان حاداً ، وفيه إمكانية للتدمير ، وهو الصديق القريب والرفيق الصادق ، والأخ للعزيزة كيرترود .
ونختتم حديثنا بالعودة إلى هيدجر وياسبرز وجدلهما حول نيتشه ، وهي قضية مهمة في عصرهما ، كما هي مهمة اليوم للدارس والقارئ . وبالمناسبة إن الباحثة سوزانا كيركبرايت ترى ” إن كتاب ياسبرز متفرد عن نيتشه مقارنة بمحاضرات هيدجر ، والتي كانت بعنوان ” نيتشه : الإرادة والقوة من زاوية الفن ” ، والتي ألقاها في جامعة فريبيرك في الفصل الدراسي الشتوي لعام 1936 / 1937 ، وإن إستنتاجات ياسبرز تتعادل في قيمتها مع تفكير هيدجر . فمثلاً ياسبرز ذكر إن الجمال هو فقط إنجاز نبؤة ذاتية ، ولذلك فإن كل أنواع الفن هي من نتاج الخالق . وكوفمان يعترض على إن ياسبرز ” رفض في الأخذ بفكرة السوبرمان ، والإنتعاش ، وإرادة القوة ، والسمو ، أو غير ذلك من المفاهيم ” .
أما هيدجر فقد أوضح عدم الإنسجام ما بين الحقيقة والفن ، والذي شرحها في ضوء فكرته التي تذهب إلى إن سيرة نيتشه ذات أهمية ، وألح على قراءات تتلائم مع الأسلوب المجازي النيتشوي ، والتفسيرات النظرية للحقيقة . وهذه هي مشكلة رواية ياسبرز ، والتي سبق أن أثارها صديقه الحميم وصهره إرنست ماير . ونعني إن ياسبرز قرأ الإستعارة (وإسلوب المجاز) الذي إستخدمه نيتشه ” الإنعاش الأبدي ” كما إنها ” آوامر آخلاقية تتطلب منا أن نعيش كل شئ كما نشعر ، نريد ، نعمل وبمعايير واحدة ..” . الحقيقة إن طريقة ياسبرز في تفسير إستعارات نيتشه ، هي التي أزعجت هيدجر ، وحملته على النقد الحاد على كتاب ياسبرز . وعلى هذا الأساس قرأ هيدجر تأثير نيتشه الخلاق في العبارة الآتية : ” الفن له قيمة أكثر من الحقيقة ” . بل وذهب هيدجر أبعد ، فإعتقد إن ياسبرز ” قد خدع نفسه بتبجيل سيرة حياة نيتشه ” .
ونحسب إنه من النافع أن ننهي الحديث عن هذا الطرف بالإشارة إلى إن هيدجر في جامعة فريبيرك ، ظهر أكثر عدوانية وذلك من خلال رد فعله على كتاب ياسبرز نيتشه (1936) لإن الهدف هو الكشف عن مفهوم نيتشه ” الإرادة قوة ” ، وهو عمل ظل في دائرة النسيان ولم يُنشر ، وذلك لأن حزب الإشتراكية الوطنية (الحزب النازي) يدعي إن ” الإرادة قوة ” هو شعارها ، وهي التي أنتجته بنفسها .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(4)
الإتجاهات الفلسفية والعلمية في عصر كارل ياسبرز
الدكتور محمد جلوب الفرحان
تعلم صاحب اللاهوت الوجودي كارل ياسبرز ، وكاتب مشروع فينومنولوجي الأمراض النفسية في البيئة الثقافية الألمانية . ومن ثم في ظلها كتب هو وزميله فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر نصوصهما الفلسفية التي مست طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم . وكانت في هذه البيئة قد نمت إتجاهات فلسفة العلم أو الفلسفة العلمية ، نمواً مطرداً سواء في الجامعات الألمانية (والكلام هنا أوسع من البعد الجغرافي لألمانيا كدولة وإنما يشمل جميع البلدان التي تتكلم الألمانية) . فمثلاً هناك أولاً أسماء مرموقة من المعلمين الأكاديميين (الفلاسفة الروحيين) الذين أشرفوا عليهما في كتابة أطاريحهما للدكتوراه والرموز الأكاديمية التي تركت لمساتها القوية على تفكيرهما ومنهجهما الفلسفي ، وهي بالتأكيد ستُعرفنا بعمق على الإتجاهات العلمية التي حكمت علاقة الفلسفة بالعلم خلال فترة طلب العلم وتكوين الذهنية الفلسفية والتدريب الأكاديمي . ثانياً من الرموز الألمانية التي عملت في مضمار فلسفة العلم في عصر كارل ياسبرز ومارتن هيدجر ، كل من ويندلباند وكينو فشر ، وهرمان لوتزه وأدمون هوسرل (وكان مساعد هوسرل مارتن هيدجر / زميل كارل ياسبرز) ، وماكس فايبر ، وهنريخ ريكارت وتلميذه مارتن هيدجر الذي كان بالطبع زميلاً للوجودي كارل ياسبرز . ولنبدأ الرحلة مع هذه الأسماء ، والتي هي بالطبع ستوسع من دائرة المصادر التي أثرت على ياسبرز في قضية العلاقة بين الفلسفة والعلم .
أثر الكانطي الجديد الألماني ويلهلم ويندلباند
لقد كان الكانطي الجديد ويلهلم ويندلباند (1848 – 1915) المشرف على إطروحة كارل ياسبرز للدكتوراه الثانية المعنونة علم النفس المرضي العام ، والتي أنجزها في كلية الفلسفة – جامعة هيدلبيرك عام 1913 وقبيل وفاة أستاذه ويندلباند بسنتين فقط . وعلى هذا الأساس يكون الإستاذ ويندلباند هو أول معلم أكاديمي في مضمار الفلسفة للفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . ونحسب إن البروفسور ويندلباند ومؤلفاته لعبت دوراً مؤثراً في تكوين ذهنية الطالب كارل ياسبرز الفلسفية ، وبالتحديد في علاقة الفلسفة بالعلم . ولبيان ذلك الأثر العميق ، نلقي بعض الضوء على إهتمامات الدكتور ويندلباند الفلسفية والعلمية (وبالطبع أساتذته وعلاقاته بفلاسفة عصره) ، والتي تساعدنا في معرفة ما تركه الأستاذ على التلميذ كارل ياسبرز .
والحقيقة إن ويندلباند قبل أن يشرف على إطروحة كارل ياسبرز ، كان معروفاً في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك خاصة ودائرة الثقافة الألمانية عامة بإهتماماته الخاصة بعلم النفس ، ومحاولاته الجدية في صياغة حدود جديدة له . ومن الطرف الفلسفي الذي ستظهر أثاره على ياسبرز ، هو إن ويندلباند كان كانطياً جديداً من أعضاء مدرسة بايدن للكانطية الجديدة . إلا إنه كان معارضاً للكانطيين الجدد في عصره ، ولهذا حافظ على حد تعبيره على ” فهم كانط بصورة صحيحة ، وذلك عن طريق تجاوز كانط ” .
ومن الملاحظ إن ويندلباند في نزعته الكانطية الجديدة ، الهادفة إلى تخطي كانط ، قد إستندت إلى مجموعة من الفلاسفة ، من أمثال جورج ويلهلم هيجل (1770 – 1831) ، والفيلسوف التربوي وعالم النفس جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) وهربرت من فلاسفة ما يُعرف بحقبة ما بعد الكانطية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (1817 – 1881) . وويندلباند كان زميلاً مقرباً من الكانطي الجديد (الرمز القيادي لمدرسة بايدن) هنريخ ريكارت ، والذي سيقود الكانطيين الجدد في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ضد كارل ياسبرز (كل ذلك حدث بعد موت ويندلباند بأكثرمن عقد من السنين ، ومن النافع الإشارة إلى إن الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر قد وقف مع زميله الوجودي كارل ياسبرز ضد الكانطيين الجدد ، ومن بينهم أستاذه المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، ولا تنسى بأن هيدجر سيدخل هو الأخر في جدل حامي الوطيس مع الكانطيين الجدد ممثلاً بالفيلسوف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر (1874 – 1945)) . وكان من حواريي ويندلباند يومذاك الفيلسوف وعالم الإجتماع ماكس فايبر .
ومن القضايا البالغة الأهمية التي جادل فيها ويندلباند ، وستترك أثرها على العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ودور الفلسفة في تنشيط الحوار بينهما . هي ضرورة إنخراط الفلسفة في حوار إنساني مع العلوم الطبيعية . كما كان لإهتماماته بعلم النفس والعلوم الحضارية (الثقافية) إن وقف بوجه المدرستين النفسية والتاريخية . ولعل من أهم مؤلفات ويندلباند :
1 – تاريخ الفلسفة (1893) وأعيد طبعه في مجلدين عام 1901 .
2 – تاريخ الفلسفة القديمة (1899) .
3 – مدخل إلى الفلسفة (1895) .
4 – النظريات المنطقية
5 – التاريخ والعلم الطبيعي .
الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة الألماني كينو فيشر
ونحسب إنه بالإضافة إلى تأثير ويندلباند ، فإن الكانطي كينو فيشر (1824 – 1907) والذي كتب ويندلباند عنه بحثاً بعنوان كينو فيشر في جامعة يانا ، قد ترك أثراً على ياسبرز وذلك من خلال قراءة ياسبرز لهذا البحث أو من خلال ما تركه فيشر من أثر في كتبه ومحاضراته وأحاديثه مع تلميذه الدكتور النفسي (السايكايتري) كارل ياسبرز . ولعل أهمية فيشر على تفكير ياسبرز تكمن في إنه كانطي (ينتمي للمدرسة الهيجلية) ومن الكتاب الذين كتبوا عن حياة كانط وفلسفته ، ومن نتائج كتاب فيشر ، إنطلقت على أساسه حركة العودة إلى كانط ، ومن ثم ظهرت الكانطية الجديدة ومدارسها المتنوعة . وإن ياسبرز بدوره سيحتفل في جامعة هيدلبيرك ، ويلقي خطاباً بمرور مائتي عام على ولادة الفيلسوف عمانوئيل كانط .
والفيلسوف الألماني كينو فيشر ، هو مؤرخ أكاديمي للفلسفة وناقد . وبعد دراسة الفلسفة في جامعتي لايبزك وهيل ، عمل في العام 1850 محاضراً في جامعة هيدلبيرك . إلا إنه واجه في العام 1853 (أي بعد ثلاث سنوات من عمله الأكاديمي) قراراً بمنعه من التعليم ، والذي أصدرته حكومة بايدن ، وذلك بحجة أن أفكاره تحررية (ليبرالية) . ولكن هذا المنع عمل لصالخ الفيلسوف الكانطي فيشر ، فقد سبب تنامي تعاطف الجمهور الكبير مع وجهات نظره . ومن ثم تزامن مع حصوله على درجة بروفسور في جامعة يانا (وبالتحديد في العام 1856) ونتيجة لذلك إكتسب سمعة في الأوساط الأكاديمية والشعبية . وفي العام 1872 وبعد إنتقال البروفسور أدورد زيلر (1814 – 1908) إلى جامعة برلين ، والذي إشتهر يومذاك بكتابه فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي أصبح مرجعاً أكاديمياً في معظم الجامعات الأوربية بعد ترجمته إلى معظم اللغات الأوربية . وإن أخر نشرة له كانت عام 1902 ، خلفه فيشر بروفسوراً للفلسفة وتاريخ الأدب الألماني الحديث في جامعة هيدلبيرك وهي الجامعة التي عمل فيها ويندلباند فيما بعد وسيعمل فيها كارل ياسبرز وسيكتب إطروحته للدكتوراه الثانية فيها .
إن أهمية فيشر في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تعلم فيها ياسبرز ، وتطور تفكيره الفلسفي ، ومن ثم كتب ثلاثيته في الفلسفة ، تعود إلى الأطراف الآتية : أولاً إن كينو فيشر بنظر معظم الأكاديميين الألمان ، هو واحد من أتباع المدرسة الهيجلية ، وإن كتاباته في هذا المسار ، وخصوصاً محاولته في تفسير كانط ، حملته على الدخول في جدل عريض حاد مع البروفسور الفيلسوف والفيللوجي فردريك أدولف ترندلينبرك (1802 – 1872) في جامعة برلين وطلابه . فكان جدلاً عاشته البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية على وجه الخصوص .
ثانياً إن ترندلينبرك كان موضوع تقدير الرائد الوجودي سورين كيركيجارد (1813 – 1855) ، والذي ألهم الوجودي كارل ياسبرز . فقد قيم سورين كيركيجارد طريقة تدريس كينو فيشر بتقدير عال ، وقال عنه بالحرف الواحد : ” إنه واحد من أفضل العقلاء في مضمار الفيللوجيا الفلسفية الذين عرفتهم في حياتي ” .
ثالثاً إن كينو فيشر هو نقطة إنطلاق لحركة أكاديمية وثقافية عارمة ستُعرف بالكانطية الجديدة ، والتي طبعت البيئة الثقافية التي تعلم فيها كارل ياسبرز ، كما وكان الكانطيون الجدد أساتذة له (مثل ويندلباند) ومن ثم زملاء وخصوم كما عرفنا (مثل هنريخ ريكارت) . وفعلاً فإن كتاب فيشر المعنون كانط : حياته وأسس عقيدته ، والذي نشره في العام 1860 ، وهي أول محاولة أكاديمية سعت وألهمت الأنظار الألمانية إلى تكوين حركة فلسفية رفعت شعار العودة إلى كانط . كما إنه لم يكتف بذلك بل كتب واحداً من أهم كتبه عن كانط (بالطبع بعد كتابه الأول : كانط : حياته …) وهو كتابه المعنون شرح على كانط ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ ج . ب . ماهفي وبعنوان الناقد والعقل الخالص ، والذي صدر في العام 1866 .
رابعاً وتكمن أهمية كينو فيشر في مساهمته المتفردة في تاريخ الفلسفة ، والتي ليس في الإمكان محوها من ذاكرة الفلسفة . ونعني مساهمته التي ميزت بين التجريبية (منا : العلوم التجريبية) والعقلية (منا : العلوم العقلية) في مقولات الفلاسفة ، خصوصاً فلاسفة القرنيين السابع عشر والثامن عشر ، والتي شملت كل من جون لوك (1632 – 1704) ، جورج باركلي (1685 – 1753) وديفيد هيوم (1711 – 1776) في مقولات التجريبية (منا : وبالطبع تصعد إلى تراث الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561 – 1626) . وضمت كل من رينيه ديكارت (1596 – 1650) ، باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) ، وكوتفريد لايبنز (1646 – 1716) في مقولات العقلية . فالتجريبية تزعم إن المعرفة البشرية تأتي عن طريق الحواس (أو التجربة) . بينما العقلية تدعي بأن المعرفة اليقينية يمكن إكتسابها عن طريق مبادئ نظرية (خالصة) وهذا يحدث ما قبل التجربة .
خامساً ونحسب إن شخصية كينو فيشر / مؤرخ الفلسفة في غاية الأهمية للوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً لمعرفة مصادر ثلاثيته في الفلسفة (على الأقل في النسخة الإنكليزية) التي لاتحمل إلا إشارات نادرة إليها . ولعل موسوعية كينو فيشر المؤرخ في مضمار تاريخ الفلسفة ، ربما أعانت ياسبرز في كتابة ثلاثيته (وهناك إحتمال إلى إن الكانطي الجديد الدكتور ويندلباند (وهو تلميذ كينو فيشر) قد لفت أنظار تلميذه ياسبرز ومن خلال جلسات الإشراف على إطروحته للدكتوراه الثانية ، ولا تنسى إن ويندلباند قد كتب كتابه الشهير عن كينو فيشر وبعنوان كينو فيشر في جامعة يانا) . وهنا سنحاول ذكر عناوين كتب كينو فيشر والتي غطت تاريخ أطرافاً مهمة من تاريخ الفلسفة (وبالمناسبة قد ترجمت أغلبها إلى الإنكليزية) . وذلك لنوفر لقارئ الفلسفة فرصة لمعرفة حجم المستبطن من كتب فيشر في ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .
وهذه المصادر الفيشرية هي : دايتما : فكرة الجمال (صدر في العام 1849) . وبالمناسبة دايتما أو دايتيما المنتينية هي معلمة سقراط ، وقد خصها إفلاطون في سمبوزيوم (المآدبة) . وقد كتبنا عنها بحثاً واسعاً بعنوان الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية . كما إن ياسبرز درس موضوع الفن (والجمال) في كتابين : الأول ستراندربيك وفان جوخ والثاني محاضرات عن نيتشه . ولكن الغائب هو قفز ياسبرز على صفحات تاريخ الفن وعلم الجمال … ثم جاء كتاب كينو فيشر الثاني والذي حمل العنوان الاتي ” نظام المنطق والميتافيزيقا أو عقيدة المعرفة ” (صدر في عام 1852) . والحقيقة إن ياسبرز خص الميتافيزيقا في المجلد الثالث . ومن كتب فيشر الخطيرة والتي تكشف علاقة الأكاديمي بالسلطة السياسية ، كتابه المعنون تحريم محاضراتي (صدر عام 1854) .
ومن ثم جاء المصدر المهم لكل باحث أكاديمي في عصر كارل ياسبرز ، وهو في الحقيقة موسوعة فلسفية ، والتي جاءت بعنوان تاريخ الفلسفة الحديثة (صدر في 6 مجلدات ، ونشر للفترة مابين 1854 – 1877) . وهذه الملحمة الفلسفية تُعد بنظر الأكاديميين من المساهمات البالغة الأهمية ، ونتوقع أن ياسبرز مؤلف ثلاثة مؤلفات في الفلسفة ، قد إطلع عليها (وخلاف ذلك فقد أغفل مصدر أكاديمي لا عذر له على الإطلاق) . ونرى على الأكثر إن أستاذه ويندلباند قد لفت نظره إليه . وهذا الكتاب الموسوعة ، قد ضم مجموعة رسائل متخصصة عن ديكارت ، كانط ، فيخته ، شيلنج وعدد أخر من كبار الفلاسفة ونزولاً حتى شوبنهور . وكتابه المعنون مدرستان لفلسفة كانط في جامعة يانا (صدر عام 1862) . وكتابه المعنون باروخ إسبينوزا : حياته وشخصيته . وأخيراً إنتخبنا من كتبه الكثيرة ، كتابه المعنون شرح على كانط : نقد العقل النظري ، والذي ترجمه الأستاذ ج . ماهفي عام 1866 . ومسك الختام كتابه المعنون ديكارت ومدرسته ، والذي ترجمه ج . ب كوردي عام 1887 .
الفيلسوف وعالم المنطق الألماني هرمان لوتزه
إما الفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه الذي كتب عنه ويندلباند بحثه المعنون هرمان لوتزه في جامعة كوتنكن (وهو القسم الثاني من بحثه الواسع والمعنون كينو فيشر في يانا وهرمان لوتزه في كوتنكن) فقد ترك تأثيراً ملحوظاً في البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية خاصة والتي تطور فيها تفكير كارل ياسبرز شأنه شأن أبناء جيله . ولهذا نود أن نستذكر لوتزه فيلسوف العلم وعالم منطق ، وخصوصاً إذا تذكرنا بأن ياسبرز قرأ أبحاث هوسرل المنطقية ومقالته في العلوم الدقيقة والتي نحسب فيها حضور للأثر المنطقي الذي خطه عالم المنطق لوتزه . كما إن لوتزه هو عالم المنطق الذي ظهرت أثاره واضحة على كتاب النظريات المنطقية الذي ألفه ويندلباند أستاذ ياسبرز .
ومن طرف الفيلسوف الألماني وعالم المنطق رودلوف هرمان لوتزه ، والذي حمل تفكيره ويندلباند وقدمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تلميذه كارل ياسبرز ، سواء في الحديث عنه أو من خلال قراءة ياسبرز لما كاتبه ويندلباند عن لوتزه . هو في الأصل يحمل درجة دكتور في الطب شأنه شأن كارل ياسبرز ، وحاله حال ياسبرز فإن دراساته الطبية مكنته من أن يكون رائداً في مضمار علم النفس المؤسس على قواعد علمية . وهناك قصة تقف وراء دراسته للطب ، فبعد إن تخرج من الجيمنزيوم (تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك كطالب في الفلسفة والعلوم الطبيعية . إلا إنه ما بلغ السابعة عشر ربيعاً من عمره ، حتى حزم أمره وتحول إلى دراسة الطب .
ومن ثم سارت دراسات لوتزه المبكرة بإتجاهين متميزين ؛ الأول نهض على الأبحاث الرياضية والفيزيائية (منا : هذه أجناس من العلوم) وأنجزها تحت إشراف كل من الطبيب إرنست هنريخ (1795 – 1878) وهو مؤسس علم النفس التجريبي ، وعالم الفيزيولوجيا ويلهلم فولكمان (1801 – 1877) ، وعالم النفس التجريبي غوستاف فيشنر (1801 – 1887) . والثاني فني جمالي (منا : هذه أجناس من الفلسفة) وطوره لوتزه تحت رعاية الفيلسوف البروتستانتي كريستين هرمان ويس (1801 – 1866) . وكريستين كان مُشايعاً في البداية للهيجلية ، ومن ثم تحول إلى شواطئ فلسفة فردريك ويلهلم شيلنج (1775 – 1854) .
وهنا تأتي حكاية بالغة الأهمية في حديثنا عن لوتزه وربما نبه الأستاذ ويندلباند أنظار تلميذه ياسبرز إليها ، وهي حكاية تتعلق بموضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم . فمن الملاحظ إن لوتزه كان مفتوناً مثل ياسبرز بالعلم والتفلسف ، ولكن بالتخصيص إن إهتمام لوتزه كان إهتماماً مشروطاً بالإنتماء إلى التقاليد الفلسفية العريقة ، ولذلك كان مفتوناً بالعلم وبمثالية (منا : فلسفة) جوهان جوتلوب فيخته (1762 – 1814) ، وفردريك ويلهلم شيلنج ، وجورج هيجل . وكانت أولى مقالات لوتزه ، هي إطروحته للدكتوراه في الطب (منا : لاحظ علاقة الفلسفة بالعلم ممثلة بالطب أو الأدق البايولوجيا) والمعنونة الأسس الفلسفية للبايولوجيا (1838) ، والذي حصل عن طريقها على درجة الدكتوراه في الطب . وقبلها بأربعة أشهر حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة (وذلك لكون إطروحته ذات طبيعية ثنائية ، فيها طرف علمي طبي (بايولوجي) . وطرف فلسفي وعلى هذا الأساس حصل على درجتي الدكتوراه في الفلسفة والطب) .
ونحسب إنه من النافع الإشارة إلى إن هذه الدراسة الأكاديمية المزدوجة في مضمار الطب (أو البايولوجيا) والفلسفة (والتي تم إنجازها في عام 1838) كونت إنموذجاً من الأبحاث الأكاديمية المبكرة ، التي عنت بالعلاقة بين الفلسفة والعلم (الفلسفة والطب أو البايولوجيا) . وقد كتبها لوتزه قبل ولادة كارل ياسبرز بأقل من نصف قرن (وبالتحديد خمسة وأربعين عاماً) . ويبدو إن أستاذ ياسبرز المشرف ويندلباند قد وجه أنظار تلميذه إليها خاصة ، كما وجهه إلى قراءة مؤلفات لوتزه المهمة في مضمار علم النفس والتي ستعين ياسبرز في كتابة إطروحته الثانية . وبالمناسبة إن أبحاث لوتزه كونت حقلاً جديداً أخذت دوائر البحث تصطلح عليه بفلسفة علم النفس .
ومن ثم صاغ لوتزه أسس نظامه الفلسفي في الميتافيزيقا (لايبزك 1841) (منا : وهذا الموضوع جدا جدا مهم لكارل ياسبرز والذي نزل إليه مباشرة من كتب لوتزه أو من خلال أستاذه ويندلباند ، وبالتحديد مهم للمجلد الثالث من رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وبالمناسبة المجلد الثالث جاء بعنوان الميتافيزيقا) . وفعلاً فقد نشر أولاً بالألمانية ، ومن ثم ترجم نظام لوتزه الفلسفي في الميتافيزيقا إلى الإنكليزية ، وحمل عنوان الميتافيزيقا في ثلاثة كتب : الإنطولوجيا ، الكوسومولوجيا ، وعلم النفس) . وأحسب إن طرف من المجلد الثاني لكتاب ياسبرز ، قد حمل عنوان علم نفس الإرادة ، والذي يثير السؤال في دائرة البحث في تفكير الطبيب ياسبرز وعلاقته بأبحاث الطبيب لوتزه في علم النفس ، ومن ثم في الميتافيزيقا . وفي العام 1843 ظهر إلى النور بحثه المنطقي ، والذي نشر بالإنكليزية بعنوان المنطق في ثلاثة كتب : الفكر ، البحث ، والمعرفة . وبالمناسبة يُنظر إلى لوتزه على إنه الخليفة الحقيقي للفيلسوف الألماني لايبينز (1646 – 1716) . وهذا موضوع (أي منطق لوتزه ولايبينز) سنتناوله في مقال أخر .
عالم الرياضيات وفيلسوف الفينومنولوجيا أدموند هوسرل
إعترف ياسبرز إلى والديه برسائل عديدة بمكانة الفيلسوف أدموند هوسرل مؤسس الفينومنولوجيا ، وتقويمه العالي لمنهجه الفينومنولوجي . وفعلاً فقد إستخدم ياسبرز طريقة الفينومنولوجيا في إطروحته للدكتوراه الثانية والتي كانت بعنوان علم النفس المرضي (حصل عليها عام 1913) ، والتي أشرف عليها الكانطي الجديد ويندلباند ، والتي نشر ياسبرز خلاصة عنها في مقالته المشهورة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية (نشرت عام 1912) . ومن ثم تحول هذا الكتاب الإطروحة إلى دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس في الأمراض النفسية .
وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت يقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد : ” إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان ” .
لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938) ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف ياسبرز بذلك فقد سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 .
وإدموند غوستاف البريشت هوسرل ، هو فيلسوف وعالم رياضيات ، ومؤسس لأهم مدرسة فلسفية في القرن العشرين ، ألا وهي مدرسة الفينومنولوجيا (الظاهراتية) . وهوسرل إنشق عن النزعة الوضعية في الفلسفة والعلم في عصره ، ومن ثم قام بنقد النزعتين التاريخية والنفسية في المنطق (منا : مع الإنتباه إلى إن هوسرل في بواكير بحثه كان مناصراً للنزعة النفسية في المنطق ولهذا وجه إليه جوتلوب فريجة نقداً في حينها) . كما إنه وسع من حدود التجريبية ولذلك إعتقد إن التجربة هي مصدر كل المعرفة … .
ونحسب إن المهم في مراجعة سيرة الفيلسوف وعالم الرياضيات هوسرل ، هو إلقاء الضوء على التحولات الأكاديمية التي حدثت له ، والتي تشابهت في مسارها العام مع التحولات في حياة الطبيب النفسي – الوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً في تركهما الإختصاص الأول (بالنسبة لهوسرل الرياضيات ، والطب النفسي بالنسبة لكارل ياسبرز) وتحولهما إلى شواطئ الفلسفة الدافئة . وبالطبع في هذا التحول فهم عميق لعلاقة الفلسفة بالعلم عند المعلم هوسرل والتلميذ ياسبرز (بالطبع الأستاذية والتلمذة هنا لا نعني بها بالطريقة المباشرة وإنما بالقراءة والتبني للفينومنولوجيا في حالة التلميذ ياسبرز) . ولعل المهم في حياة هوسرل الأكاديمية ، وما حملته من دروس ، وأثر الرموز الأكاديمية في تطور تفكيره الفلسفي ، والتي نظن إن التلميذ ياسبرز من طرفه قد وضعها موضع الدراسة والإستثمار . ولهذا فضلنا عرضها بالصورة الآتية :
أولاً – بعد إن تخرج هوسرل من الجومنزيوم في فينا (منا : تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك وللفترة ما بين 1876 وحتى عام 1878 وخلالها درس الرياضيات ، والفيزياء ، و علم الفلك . وهناك إفتتن هوسرل بمحاضرات الفلسفة ، التي كان يُقدمها الفيلسوف الطبيب وعالم النفس الألماني (والفيزيولوجي) وليهلم فونت (1832 – 1920) ، وهو واحد من من مؤسسي علم النفس الحديث . ولعل أهمية فونت كذك ، تكمن في مضمار البحث عن علاقة الفلسفة بالعلم ، وخصوصاً أهمية فونت من طرف رجل الفينومنولوجيا هوسرل
(وبالطبع من خلاله على كارل ياسبرز) ، إلذي ينظر إلى علم النفس بمنظار ثنائي ، فهناك جزء منه ينتمي إلى البايولوجيا (علم الأحياء) . وهناك جزء ثان يلتحق بالفلسفة .
وتصعد البدايات التاريخية لفينومنولوجيا هوسرل الأستاذ ، وفينومنولوجيا ياسبرز التلميذ إلى هذه الفترة من طلب العلم من حياة هوسرل ، فقد صادف إن كان الموجه الأكاديمي لهوسرل ، هو توماس ماسريك (1850 – 1937) ، وهو تلميذ سابق للفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو (1838 – 1917) . وهذا موضوع سنتناوله في محور خاص فيما بعد إكمال حديثنا عن هوسرل على الرغم من إنه أستاذ هوسرل . ولعل المهم هنا أن نذكر ما تركه تلميذ فرانز برنتانو ، توماس ما سريك عل تفكير هوسرل المنطقي ، فقد كتب المعلم ماسريك كتاباً مهماً في علم المنطق وكان بعنوان أسس المنطق الحقيقي (1885) ومن ثم صدر بالألمانية في فينا في عام 1887 .
وكان تفكير هوسرل في هذه الفترة ، في حالة تحول دائم بين طرفين ؛ طرف الفلسفة وطرف العلم ممثلاً بالرياضيات . وفعلاً في هذه الفترة تحول إلى جامعة هامبولت في برلين وبالتحديد في عام 1878 . ومن ثم إستمر في دراسة الرياضيات ، وتحت إشراف ليوبولد كرونكر (1823 – 1891) ، وهو عالم رياضيات وواحد من العاملين في مضماري نظرية الأعداد والجبر . ويُنظر إليه كناقد لعالم الرياضيات جورج كانتور (1845 – 1918) ونظريته في المجموعات .
ثانياً – كما إن هوسرل حضر محاضرات فردريك بولسين (1846 – 1908) في الفلسفة . وهذه المحاضرات ستكون كتاب بولسين (وبالعنوان ذاته) والذي سيعتمده كارل ياسبرز مصدراً أساسياً (ونبالغ إذا قلنا الوحيد) لرائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والحقيقة إن بولسين فيلسوف ألماني ومربي ، بداية تلقى تعليمه العالي في جامعتي بون وبرلين ، ومن ثم أصبح بروفسوراً (متميزاً) للفلسفة والبيداغوجيا (علم التربية) وكان ذلك في العام 1878 . ويقترن إسم التلميذ بولسين بإسم أستاذه الفيلسوف وعالم النفس التجريبي غوستاف ثيدور فشنر (1801 – 1887) بل وينظر إلى بولسين على إنه واحد من أكبر حواريي فشنر . ويبدو إنه من خلال كتابات بولسين قد عبرت إلى دائرة تفكير كارل ياسبرز ، الكثير من الحقائق التي سيضمها كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وخصوصاً فيما يخص مضمار علم النفس ، والذي سيشغل مباحث مهمة من المجلد الثاني / القسم الثاني ، والذي جاء بعنوان علم نفس الإرادة وحدوده (ص ص 133 وما بعد) .
ولاحظ الأكاديميون إن تحولاً قد حدث في حياة البروفسور بولسين الأكاديمية ، وذلك عندما تقاعد في العام 1895 بروفسور الفلسفة أدورد زيلر (1814 – 1908) من جامعة برلين ، فشغل مقعده البروفسور بولسين أستاذاً للفلسفة الأخلاقية في جامعة برلين . ولعل أهمية زيلر في حياة بولسين ومن ثم في عمل الأكاديمي ياسبرز ، وبالتحديد مصدراً لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب زيلر الموسوعي ، والمعنون فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي صدر خلال الفترة ما بين عامي 1944 و1852 . والواقع إن هذا الكتاب مر بتاريخ من التطور والبحث الموسع ، حتى وصل إلى أخر نشرة له صدرت في العام 1902 . أي قبل أن ينشر ياسبرز كتابه ثلاثة مجلدات بأقل من ثلاثة عقود من الزمن . وبالتأكيد قد تحدث عنه أولاً بولسين ومن ثم إن هناك إحتمالاً قوياً إن ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام قد لفت إليه أنظاره . أو ربما جاءت الإشارة إليه في أبحاث فيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، والذي تبنى طريقته الفينومنولوجيا ياسبرز في إطروحته الثانية كما سبق إن أشرنا إليها سابقاً .
وتكمن أهمية بولسين في موضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم ، في أنه تجاوز أستاذه فيشنر ، وحاول تقديم (في العام ) 1892 تفسيراً أبستمولوجياً للمعرفة الفيزيائية – السايكولوجية . وهذا التفسير قاده إلى التسليم بفرضية كانط في المعنى الداخلي ، والتي مفادها ” إننا حالات عقلية واعية ” . وإنطلاقاً من هذه الفرضية إعتقد بولسين بأن ” الوعي هو معرفة الشئ بذاته ” . ومن المعلوم للجميع إن هذه القضية قد نفاها كانط على الإطلاق . وعلى الرغم من إن ياسبرز قد إعتمد على كتاب بولسين المعنون محاضرات في الفلسفة ، مصدراً لثلاثيته في الفلسفة (أنظر : كارل ياسبرز ؛ الفلسفة / التوسعة للطبعة الألمانية الثالثة / عام 1955 ، وهي توسعة لم تظهر في الطبعة الأولى لعام 1931) . فإن شهرة بولسين قد تجاوزت فضاء الفلسفة ، ولامست مضمار البيداغوجيا / التربية . ولعل الشاهد على ذلك كتابه الذائع الصيت : التربية الألمانية : الماضي والحاضر ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ أ . لورنز في العام 1907 .
وقبل إن نغادر حضرة الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة بولسين ، نود أن نذكر حقيقة بالغة الأهمية ، والتي نحسب إنها سجلت حضوراً قوياً في نصوص كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة (وربما عبرت بصورة مباشرة أو من خلال التلميذ أدموند هوسرل) . وهي إن بولسين تحدث عن النفس ومن خلال ربطها بمفهوم الإرادة الشوبنهوري . والحقيقة إن هذا الطرف ستظهر أثاره على نصوص ياسبرز وبالتحديد على مضماري الإرادة وعلم نفس الإرادة . وفعلاً فإن بولسين إستنتج على أساس دور الوعي الأبستمولوجي (أنظر أعلاه) ، إن النفس هي حقيقة عملية (وهنا يتفق بولسين مع شوبنهور (1788 – 1860)) ، والتي يمكن معرفتها من خلال فعل الإرادة . ولكن هذه الإرادة بالفهم البولسيني (نسبة إلى بولسين) ، هي ليست برغبة عقلية ، أو إرادة لا عقلية لا واعية ، ولا إرادة ذكية واعية . وإنما هي غريزة والتي هي إراداة الحياة ، والتي غالباً ما تكون الضمير ، الذي يتطلع نحو شواطئ الغايات … .
ثالثاً وفي العام 1884 حضر هوسرل وبالتحديد في جامعة فينا ، محاضرات فرانز برنتانو في مادتي الفلسفة وعلم النفس الفلسفي . وخلال هذه المحاضرات عرف برنتانو تلميذه هوسرل على كتابات الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق برنارد بولزانو (1781 – 1848) والذي ترك أثراً واضحاً على الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (تحدثنا عنه أعلاه) ، والفيلسوف وعالم المنطق الإستقرائي جون ستيوارت مل (1806 – 1873) والفيلسوف التجريبي الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) . وهنا يكمن التحول العميق في مضماري الفلسفة والعلم في كتابات المعلم هوسرل اللاحقة ، ومن ثم ستطبع توجهات التلميذ كارل ياسبرز كذلك .
رابعاً كتب هوسرل إطروحته الأولى للدكتوراه ، وإطروحته للدكتوراه الثانية في مضمار العلاقة بين الفلسفة والعلم ، وبالتحديد في العلاقة بين الفلسفة والرياضيات . فقد كان عنوان إطروحته الأولى مساهمات في حساب المتغيرات ، وكانت تحت إشراف ليو كونكسبيرك (1837 – 1921) والتي حصل عليها من جامعة فينا عام 1883. أما إطروحته للدكتوراه الثانية فكانت بعنوان مفهوم العدد ، والتي حصل عليها من جامعة هيل كما ذكرنا أعلاه ، وبالتحديد في عام 1887 . وكونت الإطروحة الأخيرة الأساس لعمله المهم الأول والمعنون فلسفة الحساب ، والذي صدر عام 1891 .
والحقيقة إن هوسرل في هذا الكتاب قد ربط بين الرياضيات والفلسفة على أساس سايكولوجي ، وهو الذي أثار حفيظة فيلسوف العلم وعالم المنطق الرمزي جوتلوب فريجه ، وحمله على توجيه نقد حاد لنزعة هوسرل السايكولوجية ، والتي سيتبرأ منها هوسرل لاحقاً ويتحول إلى ناقد للنزعة السايكولوجية .
وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) لياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه (منا : وهنا يلتقي ياسبرز وهيدجر وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :
” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911
الوالدان العزيزان
أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …
تحياتي وأشواقي
ولدكم
كلي ” .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(5)
فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية
الدكتور محمد جلوب الفرحان
يُلاحظ القارئ لسيرة فيلسوف العلم بولزانو ، إنه ترعرع في أحضان عائلة ذات تركيب إثني متنوع ، فالوالد برنارد بومبيز بولزانو جاء من إصول إيطالية . وفعلاً فقد تحول إلى براغ (عاصمة جيكيا) ومن ثم تزوج ميريا سيسليا ميرار ، وهي تتكلم الألمانية ، ووالدها تاجر من مدينة براغ . وأنجبا أثنتا عشر طفلاً ، ولكن لم يبقى منهما على قيد الحياة لمرحلة النضوج سوى طفلين فقط . وكان الفيلسوف بولزانو واحداً منهما .
دخل بولزانو جامعة براغ في العام 1796 ودرس الرياضيات والفلسفة والفيزياء (لاحظ توجهات بولزانو العلمية الأولى : رياضيات وفيزياء ومن ثم الفلسفة التي توسطت في مرحلة طلب العلم الأكاديمي . وهذا الأمر جداً مهم في علاقة الفلسفة بالعلم وهو الأمر الذي قدمه هوسرل المعلم إلى تلميذه بالقراءة والتبني الفكري كارل ياسبرز وذلك من خلال حديثه عن معلمه فرانز برنتانو وما قدمه له من رموز فلسفية علمية في محاضراته ، ومنهم خصوصاً برنارد بولزانو) .
وفي سيرة بولزانو ماهو إيجابي تمثل في صعوده الأكاديمي وإن كان بعكاز لاهوتي كاثوليكي ، فهو مبهج ومُسر . ولكن فيها ماهو سلبي ينز بالألم وعدم شفافية السلطات الأكاديمية والسياسية والذي تمثل بقرارها بطرده من الجامعة ووقفه من النشر ومن ثم تعريضه إلى النفي . وهذا الطرف يكون ما نصطلح عليه بالتحولات الفكرية (وبالطبع فيها ربح وخسارة وهذا ما حدث لرمزنا الكبير برنارد بولزانو) التي أصابت ذهنية الفيلسوف بولزانو . وفعلاً ففي بداية عام 1800 تحول من جادة الفلسفة والرياضيات والفيزياء ، وتوجه إلى شواطئ اللاهوت ، وكرس نفسه لدراسته لمدة أربع سنوات ، ومن ثم أصبح قسيساً في العام 1804 . وهكذا بدأ يتسلق في سلم الصعود ؛ فعين في عام 1805 رئيساً لقسم فلسفة الدين (وهو قسم جديد تم فتحه) .
والخطوة التالية في صعوده تمثلت بأنه أخذ يُقدم محاضرات جماهيرية ، فأظهر مهارات المحاضر الناجح ، فذاعت سمعته في الأطراف . وهذه المحاضرات لم تقتصر على ميدان الدين واللاهوت الكاثوليكي ، وإنما شملت مضمار الفلسفة . وعلى هذا الأساس تم إنتخاب بولزانو رئيساً لقسم الفلسفة ، وذلك في العام 1818. ولكن بعد ذلك أخذ نجم بولزانو يكسف وسمعته تضعف شيئاً فشيئاً ، وإنتهت به المسيرة في حالة إغتراب (وتقاطع) مع الرموز القيادية الكبيرة في الكلية والكنيسة ، والسبب هو تعاليمه التي هاجمت الطرف العسكري والدعوات إلى الحرب . إضافة إلى كونه قاد حملة تطالب بالإصلاح الشامل للإنظمة الإقتصادية والإجتماعية والتربوية ، وبرأيه هي التي ستقود الأمة نحو شواطئ السلام بدلاً من النزاع المسلح بين الشعوب (الأمم) .
ويبدو إن كل محاولات رجال اللاهوت الكاثوليكي والسياسة الهادفة إلى عودة النعجة التائهة إلى قطيع اللاهوت ، قد باءت بالفشل الذريع ، وذلك لتمسك بولزانو بمبادئه ، وإيمانه بسلامة ما يعتقد ، ورفضه القاطع على تغيير عقائده ، فقد قررت القيادات الكاثوليكية والسياسية طرد بولزانو من الجامعة وذلك في العام 1819 . كما إن قناعاته السياسية (والتي كان على الدوام ينشرها بين زملائه) قد كانت دليلاً كافياً على إنه كان ليبرالياً متطرفاً كما بدى للسلطات النمساوية . ولذلك قررت نفيه إلى الريف ، حيث كرس كل طاقاته هناك لكتاباته الإجتماعية والدينية والفلسفية وفي علوم الرياضيات . كما كان من شروط النفي ، منعه من النشر في المجلات العامة . غير إن بولزانو إستمر في تطوير أفكاره وتمكن من نشرها على حسابه الخاص أو في مجلات أوربا الشرقية . وفي العام 1842 عاد من نفيه إلى براغ ، ومات هناك في عام 1848 .
لقد ضيعت علينا السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والإدارات الأكاديمية السياسية وذلك لعدم شفافيتها في التعامل مع فيلسوف العلم بولزانو ، وحرمت أجيال من الشباب الألمان ، من الفرص العديدة التي كان يخطط بولزانو من الكتابة والإبداع فيها وبالتحديد في مضماري الفلسفة والمنطق والرياضيات ، وهي الفضاءات التي كان فيلسوف العلم وعالم المنطق برنارد بولزانو في أعلى درجات نضوجه فيها ، وبقرار لا إنساني فيه الكثير من الجبروت فقامت بطرده من الجامعة ، ومن ثم نفيه ، وعطلت تفكيره وقلمه من الإبداع ، وفوق كل ذلك منعته من النشر والتعليم لمدة تجاوزت العقدين من السنيين (وبالتحديد ثلاث وعشرين عاماً) وربما ثلاثة عقود إذا وضعنا في حساباتنا عام 1819 عندما طردته السلطات اللاهوتية الكاثوليكية من التعليم الأكاديمي وسنة وفاته ، وهي عام 1848 .
تراث فيلسوف العلم والمنطق والرياضيات بولزانو في ميزان التقويم
ونحسب في البداية الإشارة إلى إن فيلسوف اللغة وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجه ، قد قرأ تراث بولزانو وإستفاد منه الكثير . وهذه الإشارة جداً مهمة في تقويم ما تركه بولزانو من تراث في فلسفة العلم والمنطق على أقل تقدير . وفعلاً فبعد وفاة بولزانو بقليل ، ظهر إلى النور كتابه الشهير ” معارضات (تناقضات) اللانهاية ” ، وهو كتاب أثار إعجاب العديد من علماء المنطق المبرزين ، والذين جاءوا بعد وفاته وعملوا في هدا المضمار ، ومنهم الفيلسوف البراجماتي الأمريكي (وعالم المنطق والرياضيات) شارلز سندروز بيرس (1839 – 1914) وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية المجموعات) جورج كانتور (1845 – 1918) ، وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية العدد الجبري) ريتشارد ديدكيند (1831 – 1916) .
وينظر مؤرخو الرياضيات إلى كتاب بولزانو المعنون معارضات اللانهاية ، على إنه عمل خص به بولزانو نظرية المجموعات . فمثلاً مؤرخ الرياضيات ديفيد بورتن ، يُعلق على أهمية هذا الكتاب في تايخ نظرية المجموعات ، فيقول : نشر كتاب معارضات اللانهاية لبولزانو في عام 1851 ، أي بعد وفاة بولزانو بثلاث سنوات فقط ، وقام بنشره أحد أصدقائه الأوفياء . وهذا الكتاب إحتوى على نتائج بالغة الأهمية في مضمار نظرية المجموعات . وللإنصاف فإن بولزانو يعترف بأن عمله ، هو إمتداد موسع لعمل غاليلو غاليلي (1564 – 1642) المعنون : معارضة غاليلو . إلا إنه والحق يُقال إن بولزانو عرض تفاصيل واسعة وأمثلة كثيرة تدلل على التطابق بين مبادئ المجموعة اللانهائية والمجموعات الفرعية للمجموعة اللانهائية . والأهم من كل ذلك إن بولزانو يُسجل التاريخ إسمه على إنه أول من نحت بنفسه إصطلاح المجموعة .
ولعل من أهم مؤلفاته التي ظهرت خلال محنته مع السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والذي كتبه بولزانو في فترة نفيه في الريف ، هو كتابه الرائعة المعنون نظرية العلم ، والذي صدر في عام 1937 ويتألف من أربعة مجلدات . وهو عمل إنجيلي في مضمار فلسفة العلم والمنطق بالمعنى الحديث . إضافة إلى كونه بحث في الأبستمولوجيا والبيداغوجيا العلمية (نظرية التربية العلمية) . ولعل المهم في هذا العمل الإشارة إلى إنه طور نظرية منطقية كونت بحد ذاتها تحولاً جذرياً (ثورياً) في مضمار البحث المنطقي . والشاهد على ذلك إنه حاول صياغة الأسس المنطقية لكل العلوم . وهذه المحاولة بتقدير الباحثين ، هي إمتداد وتطوير لأفكاره في حقل فلسفة الرياضيات ، والتي تصعد إلى عام 1810 .
لقد بدأ بولزانو عمله في نظرية العلم بشرح منهجي عال لما يعنيه بنظرية العلم ، والعلاقة بين معرفتنا ، والحقائق والعلوم . وفيما يخص المعرفة البشرية ، فقد ذهب موضحاً ، فقال : إن المعرفة تتكون من الحقائق (أو القضايا الصادقة) وهي التي يعرفها البشر أو سبق إن عرفوها . وهي على أي حال ، تكون جزء صغير من الحقائق في هذا العالم . وهذا يعني إن الطريق أمام الإنسان طويل لمعرفة مجمل الحقائق . وعلى هذا الأساس فإن معرفتنا يمكن تقسيمها إلى مجموعة من الأجزاء التي في الإمكان إدراكها . ومثل هذه المجموعة من الحقائق ، هو ما يُطلق عليها بولزانو معنى العلم . ومن الملاحظ أن تعرف بأن ليس كل القضايا الصادقة قد تم معرفتها من قبل البشر . وعلى هذا الأساس فإننا نعمل في هذا الميدان ، ونتطلع إلى الإكتشافات المستمرة في العلم .
ولعل من أفضل السُبل لإدراك وفهم حقائق العلم ، أن يكون عن طريق إصطناع مرجعيات ، وهي الوسيلة الوحيدة التي نُسجل فيها القضايا الصادقة للعلم ، والتي تم معرفتها من قبل البشر . ولكن السؤال الذي يظل مرفوعاً ؛ ما هو السبيل الذي يحملنا على تقسيم معرفتنا ؟ وبالتأكيد يتبعه سؤال مهم أخر ، وهو ؛ كيف نعرف إن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ؟ إن جواب بولزانو حملته كلماته الأتية ؛
في النهاية فإننا سنعرف كل ذلك من خلال التفكير ، وإننا سنصل إلى القواعد التي تم إشتقاقها من عملية تقسيم معرفتنا بالعلوم ، وسندرك بأن هذا مجال علم خاص بذاته ، وهذا هو العلم الذي سيخبرنا بأن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ، وإن شرحها سيتم على أساس كتاب علم مرجع ، وهو نظرية العلم .
كما علاج بولزانو في كتابه نظرية العلم ، موضوع الميتافيزيقا ، وقبل ذلك نود أن نشير .إن أراءه في الميتافيزيقيا يمكن الوقوف عليها (بالإضافة إلى نظرية العلم) في بحثين مهمين كتبهما بولزانو في فترتين تاريخيتين مختلفتين ؛ الأول كتبه قبل نظرية العلم ، وكان بعنوان إثنسيا أو أسباب خلود النفس ، والذي نشره عام 1827 . والثاني كتابه الشهير نقائض (معارضات) اللانهاية والذي نشر بعد موته في العام 1851 . أما كتاباته الأخرى فظلت بعيدة عن النور إلى أن قام تلميده فرينسكي بتقديم شرح موسع عنها وبعنوان ذرية بولزانو ، والذي نشره عام 1857 .
ومن النافع الإشارة إلى إن كتاب الإثنسيا أو أسباب خلود النفس قد نشر في عام 1827 بإسم مجهول ، ولكن الطبعة الثانية ، والتي ظهرت عام 1838 (وكان بولزانو حياً يُرزق) قد حملت إسم بولزانو ، وفيها عبارة بقلم المؤلف (وكأنها عنوان فرعي) تقول : هو كتاب لكل شخص مثقف يتطلع إلى سلام العقل … .
والميتافيزيقا هو من الموضوعات التي سيشتغل عليها الوجودي كارل ياسبرز في كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي إشتغل عليها مارتن هيدجر في كتابه الوجود والزمن قبله بعدة سنوات وقبلهما حفر فيها ملهمهما أدموند هوسل في الفينومنولوجيا . ونشعر بأن هناك شيئاً مشتركاً في بحث الإثنين ؛ بولزانو وياسبرز بالرغم من إن ياسبرز أدخل مفهوم الأصفار وهو مضمار جديد على مبحث الميتافيزيقا كذلك .
والحقيقة إن إهتمام بولزانو بمبحث الميتافيزيقا هدف إلى معالجة ثلاثة حقول يبدو فيها شيئاً من الجدة (أو الخروج) على موضوعات الميتافيزيقا منذ إن كتب فيها أرسطو رسائله (أو كتبه) الأربعة عشر ، ومن ثم نحت طلاب مدرسته المشائية إصطلاح الميتافيزيقا ليكون عنواناً لأبحاثه التي جاءت بعد أبحاثه في الفيزيقا (الطبيعة) ، وحقول الميتافيزيقا عند بولزانو هي :
أولاً – مضمار اللغة ، والتي تتألف من الكلمات والجمل .
ثانياً – مضمار الفكر ، والذي يتكون من الأفكار الذاتية والأحكام (أو الحجج) .
ثالثاً – مضمار المنطق ، والذي يتألف من الأفكار الموضوعية (أو الأفكار بذاتها) والقضايا بذاتها .
كما إن بولزانو كرس أطراف من موسوعته الرائعة نظرية العلم لشرح هده الحقول الثلاثة من الميتافيزيقا ، ومن ثم بين العلاقة بين بعضهما البعض . كما إنه أشار إلى حقيقتين متميزيتين في نظامه وهما : الأولى التمييز بين الأجزاء والكليات ، والمثال على ذلك الكلمات التي هي أجزاء من الجمل ، والأفكار الذاتية التي هي جزء من الحجج (الأحكام) ، والأفكار الموضوعية التي هي أجزاء من القضايا بذاتها . ثانياً إن كل الموضوعات تُقسم إلى هذه الموجودات . وهذا يعني إنها مرتبطة سببياً ، وتوجد في زمان ومكان . أما الموضوعات التي لاتوجد في زمان ومكان فيزعم بولزانو إنها في الأصل تكون موضوعات المنطق .
ونحسب في نهاية حديثنا عن موسوعة بولزانو الفلسفية المعنونة نظرية العلم ، الإشارة إلى إن كتابات برنارد بولزانو في فلسفة العلم ظلت في دائرة النسيان لفترة طويلة ، إلى أن تم أكتشافها على يد إثنين من تلاميذ فرانز برنتانو ، وهما كل من أدموند هوسرل ، والفيلسوف وعالم المنطق البولندي كازميرز تاوردسكي (1866 – 1938) . وبعد ذلك أصبح واضحاً تأثير بولزانو على المدرستين الفلسفيتين ؛ الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية . ونكتفي بهدا الطرف ونتحول للكلام عن جوانب أخرى من تراث بولزانو .
أما أبحاث بولزانو في مضمار فلسفة الرياضيات ، فقد ضمتها رائعته في الرياضيات ، والتي جاءت بعنوان نظرية الكميات ، وهو عمل رائد إلا إنه مع الأسف من الأعمال التي لم يكملها بولزانو . ومن الجدير بالإشارة إلى إن أولى الأعمال التي نشرها بولزانو في العام 1804 كان بعنوان إعتبارات حول بعض موضوعات الهندسة الأولية . وبعد ستة سنوات من هذه النشرة عاد فنشر في الفترة الممتدة ما بين عام 1810 وعام 1817 أعملاً في مضمار الرياضيات أكثر عمقاً . ويبدو إن هذه العودة إلى الرياضيات كانت محكومة بدافع صياغة أسس جديدة للرياضيات بصورة شاملة . وفعلاً فقد نجح في عمل ذلك ، إلا إن عمله لم يكن كاملاً ، وإنما جاء جزئياً وفي أطراف صغيرة (شدرات) .
صحيح جداً إن بواكير أعماله في فلسفة الرياضيات ، بدأت ببحثه في الهندسة . ولكن من الصحيح جداً إنه صاغ معايير حديثة في بحثه المعنون برهان تحليل نظري (خالص) والذي يصعد إلى عام 1817 . وهذا العمل بحد ذاته إحتوى على ما سيعرف بمبرهنة بولزانو – ويرستراس (وهو كارل ثيدور ويرستراس 1815 – 1897 وهو عالم رياضيات ألماني ، وهو أبو التحليل الحديث) . ولاحظ الباحثون إن في هذ البحث (أي برهان تحليلي ..) وردت أمثلة على ما يسمى بدالات المتغيرات . كما إن من الصحيح جداً إن ويرستراس ، هو أول من إكتشف الدالات .
كما لاحظ الباحثون إن طرف أخر من أبحاثه الرائدة في فلسفة الرياضيات ترتبط بنظرية المجموعات . وفعلاً فإن بولزانو في كتابه نقائض اللانهاية (1851) وكتابه نظرية الكميات ،
قام بأول خطوة في مضمار تطوير نظرية المجموعة ، وعرض الكثير من الأفكار المتعلقة بها
. وبرهان بولزانو على وجود مجموعة اللانهاية كان معروفاً لعدد من الرياضيين ، وهو فعلاً كان مرجعاً لكل من كانتور عام 1883 / 1884 ، وديديدكيند عام 1888 ورسل عام 1903 . كما أسهم في صياغة أسس جديدة للرياضيات وهذا ما جاء ذكره أعلاه .
ومن ثم جاء كتابه المعنون مصدر في علم الدين ، والذي نشره طلابه في العام 1834 (دون أن يذكروا إسم المؤلف لأن بولزانو كان ممنوعاً عليه النشر خلال فترة النفي) . وهذا الكتاب بحث جرئ في مضمار فلسفة الدين واللاهوت . وفيه عرض بولزانو وجهات نظر متقدمة على عصره (وفيها روح مستقلبية) . ولهذا واجهت اراءه الرفض والمعارضة لأن في نقاط كثيرة منها تقاطع مع عقائد الكنيسة وهنا تكمن خطورة أفكاره .
وبحق هذا الفيلسوف المتفرد المتنوع الإهتمامات ، والذي بدأ رحلته فيلسوف رياضيات ، ومن ثم تحول إلى دائرة اللاهوت وكتب رائعته المعنونة علم الدين أو فلسفة الدين ، والتي أزعجت الدوائر الكاثوليكية التي إنتمى إليها أولاً ، ومن ثم إنقلبت عليه وحركت السلطان الى طرده من التعليم الأكاديمي ، ومنعه من النشر ونفاه إلى الريف . نقول بحق هذا الفيلسوف نود توضيح الحقائق الآتية :
أولاً – متابعة كارل ياسبرز للفيلسوف بولزانو في مضمار الميتافيلوسفي
إن قارئ رائعة كارل ياسبرز المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة (كانت طبعته الأولى عام 1931) يلحظ إن هناك ما يشبه المتابعة الحرفية من قبل ياسبرز ، وبالتحديد لمضمار التفلسف الدي درسه بولزانو في عمله المعنون ما هي الفلسفة ؟ (من كتبه التي ألفها فترة المنع عليه والتي بدأت منذ عام 1819 وحتى موته ) وهذا الكتاب نشر بعد موته بعام واحد ، أي بالتحديد عام 1849 .
والحقيقة إن بولزانو في هذا الكتاب تجاوز مضمار الفلسفة ، وتطلع إلى إنشاء بحث رائد وهو ما يطلق عليه الباحثون مضمار الميتافيلوسفي (أو الفلسفة الفوقية) وإذا كانت الفلسفة تتداول في مباحثها لغة رقم 1، وهي لغة التداول الفلسفي اليومي والتي تتألف من إصطلاحات معينة (ويحدد معانيها ودلالاتها قاموس المصطلاحات الفلسفية) ، فإن مضمار الفلسفة الفوقية تسودها لغة عالية ، ويطلق عليها إصطلاح اللغة رقم 2 ، وهي مضمار يعرض تحليلاً فلسفياً عالياً للإصطلاحات التي تتداولها اللغة رقم 1 ومثالاً على ذلك إن اللغة رقم 1 ، إستخدمت إصطلاح التفلسف ، فإن لغة الميتافيلوسفي ، تقدم تحليلاً عالياً لمفهوم التفلسف . والحقيقة إن ياسبرز في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة ، تحدث عن هذه المستويات المتنوعة للغة ، وذكر المستويات اللغوية (اللغة رقم 1 واللغة رقم 2) والتي تحدث عنها بولزانو . إلا إن ياسبرز تحدث عن اللغة رقم 3 ، وخصوصاً في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة . وياسبرز ربما أطلع على عمل بولزانو من خلال هوسرل ، والذي قام هو وزميله البولندي (تاوردسكي) بإكتشاف أعمال بولزانو ، وبتوجيه من قبل أستاذهما الفيلسوف الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .
والحقيقة إن أهمية عمل بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ تعود إلى إنه أوضح مفهوم الفلسفة والتفلسف . وبالمناسبة إن كتاب ياسبرز موضوع بحثنا ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، قد عالج بشكل واسع ، وعبر المجلدات الثلاثة ، فعل التفلسف وكلمة تفلسف ، وفضلها على الفلسفة الإصطلاح التقليدي (بالرغم من عنوان ثلاثيته حملت عنوان الفلسفة) . وهنا أود أن أشير إلى إن مارتن هيدجر ساعد صديقه كارل ياسبرز في تحديد معاني التفلسف وهو علم في الفيللوجيا وهذا التعاون رتبت له زوجة كيرترود (أي زوجة كارل ياسبرز) ودفعت مساعدة بمقدار ألف مارك لتغطية نفقات سفر هيدجر إلى هيدلبيرك . وهذا الأمر ساعدت فيه من طرفها الفيلسوفة (طالبة الدكتوراه يومها) حانا أرنديت أستاذها ياسبرز حين جاءت إلى جامعة هيدلبيرك ليشرف على إطروحتها الأولى للدكتوراه والتي كانت بعنوان الحب في مفهوم القديس أوغسطين ، وهي طالبة هيدجر والمتمرسة في التحليل الفيللوجي . وكذلك فقد إنتبه مترجم كتاب ياسبرز إلى الإنكليزية المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، الأستاد إي . ب . أشتون حين إعتمد على رأي الفيلسوفة حانا أرنديت في شرح معاني الفعل يتفلسف في مقدمة المترجم التي كتبها . ولكن فات الثلاثة هيدجر وأرنديت وأشتون من إكتشاف متابعة ياسبرز الحرفية للفعل يتفلسف وكلمة تفلسف عند بولزانو كما وفاتهم العودة إلى بحثه المعنون ماهي الفلسفة ، ويقفوا على المعاني التي قدمها بولزانو للفعل يتفلسف ويكتشفوا بأنفسهم حقيقة متابعة ياسبرز لبرنارد بولزانو ، ويعترفوا بأن بولزانو كان مصدر ياسبرز (وربما المصدر الوحيد) لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة وعلى الأقل في مضمار الفعل يتفلسف وكلمة التفلسف التي شغلت أجزاء ملحوظة من المجلدات الثلاثة . وللإنصاف نقول إن ياسبرز سيعيد إنتاجها وبتفاصيل وصورة موسعة .
وفعلاً فإن القارئ لبحث بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ يلحظ بأنه صاغ مجموعة أفكار تطلع من خلالها إلى تحديد وظيفة الفلسفة ، ومن ثم تحول إلى شواطئ التفلسف ، وهو فعل ليس مقيد بمضمار محدد من المعرفة . وإنما هو حالة إستفسار وتساؤل عن الأسباب ، ووفقاً لبولزانو ، فإنك تكون في حالة تفلسف . وهذا ممكن أن يحدث في كل مجالات العلوم والتي تقع خارج الميدان الحقيقي للفلسفة . وعلى الرغم من إن ياسبرز يتقدم جميع الفلاسفة الذين تابعوا بولزانو . فإن هناك عدداً من الفلاسفة والمناطقة قد فعلوا مثلما فعل بولزانو ، ومن أمثال لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) ، مورتيز شيليك (1882 – 1939) ورودلف كرناب (1891 – 1970) .
كما نحسب إن بولزانو كان موضوع إهتمام مشترك لكل من جوتلوب فريجه وأدموند هوسرل . وإن هوسرل (وتارودسكي) هما اللذان إكتشفا كتابات بولزانو . وإن فريجه من طرفه ، قد قرأ بولزانو . ولعل الكتاب الذي وضعه ب . ج . ساندهولم والمعنون : متى ، ولماذا قرأ فريجه بولزانو ؟ هو شاهد أخر على عبور بولزانو وتفكيره الفلسفي في الرياضيات والمنطق إلى فريجه ، وهو واحد من جهابدة فلاسفة العلم والمنطق الرياضي في الربع الأول من القرن العشرين . وعلى أساس فهم بولزانو لمعنى كلمة يتفلسف (والتي ستشغل ياسبرز في ثلاثيته الفلسفية) ، فإنه لا يوجد مضمار محدد للمشكلات الفلسفية والموضوعات الفلسفية وهذا المعنى تلقفه ياسبرز مباشرة من بولزانو أو ربما عن طريق هوسرل (وهناك إحتمال إنه جاء من خلال مؤرخ الفلسفة بولسين الدي تفرد كتابه محاضرات في الفلسفة (والذي يحتمل أن يكون المصدر الوحيد) في ثلاثية ياسبرز .
ثانياً – كارل ياسبرز ومؤرخ الفلسفة برنارد بولزانو
سهلت لنا مهمة الإمساك بالمصدر الذي إتصل به كارل ياسبرز ، وهو يدرس الفعل يتفلسف وكلمة تفلسف واللذان تفردت بهما رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب بولزانو المعنون ماهي الفلسفة ؟ كما عرفنا خلال الأوراق السابقة بأن بحث ياسبرز في الميتافيزيقا والذي كان ذات طبيعة متفردة (بإستثناء بحث الأصفار) بأن إصوله تصعد إلى أبحاث بولزانو ، وبالتحديد في كتابي بولزانو ؛ نظرية العلم ، و نقائض اللانهاية . وهنا نتطلع إلى تقديم بولزانو مؤرخاً للفلسفة ، ويبدو إن دائرة تفكير ياسبرز قد تشربت الكثير من معارفه الفلسفية من خلال مؤلفات بولزانو ، وخصوصاً في رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي كان فيها ياسبرز ظنيناً علينا في الإباحة عنها ، وإن تخفى وراء عبارة عامة فيها تكمن الكثير من أسرار مصادر ياسبرز المسكوت عليها ، وهي العبارة القائلة : ” إن تطلعنا قاد إلى الوعي الفلسفي الهادف ، والذي حملنا إلى الإستماع فقط إلى عدد قليل جداً (منا : ؟ لماذا عدد قليل) من الفلاسفة الكبار اللذين تحدثوا إلينا من الماضي . ولكن معرفتنا بفلسفة الماضي ، هي ليست الفلسفة الحقيقية . بينما التفلسف يحتاج دائماً إلى مصادر الحاضر . كما إن تفلسف المعاصرين بين لنا كيف إنهم تابعوا الوجود لإعانة أنفسهم . إن الإشتراك في فرص الإنجاز المتساوية ، مكنتهم من إخبار الأخرين عما سمعوهم من مصادر متفردة . وعلى هذا الأساس قام فعل التفلسف في الحاضر بتحويل عظمة الماضي الفلسفية وعملها حاضر جديد ” . تشعر وأنت تقرأ نص ياسبرز عن ” تفلسف المعاصرين ” إنه يتكلم عن بولزانو ومثابرته الرائدة في كتابه المعنون ما هي الفلسفة ، والتي خط فيها مساراً جديداً ، هو مسار التفلسف ، والذي لم يكتف بذلك ، وإنما قدم تفسيرات لمعانيه ودلالاته خارج الحدود التقليدية لإصطلاح الفلسفة .
وفعلاً إن الشواهد كثيرة في كتابات بولنزانو ، والتي تدلل بعمق على إنه درس تاريخ الفلسفة ، وإمتلك معرفة تاريخية واسعة ، والتي ظهرت في العديد من أعماله . فمثلاً في الطبعة الثانية من كتابه إثنيسيا (أسباب خلود النفس) قد أضاف ملحقاً ، فيه الكثير من التفاصيل التاريخية الواسعة ، والذي جاء بعنوان ” بحث نقدي للتراث المتعلق بالخلود ومنذ عم 1827 ” . إضافة إلى إن مقالة بولزانو المعنونة ” مفهوم الجمال ” هي الأخرى إحتوت على تفاصيل لقائمة من التعريفات لمفهوم الجمال (أو الجمالي) ، والتي صاغها عدد متنوع من الفلاسفة . وفوق كل ذلك فإن كتابه الشهير نظرية العلم ، ضم مادة تاريخية ثرية بحيث ترشحه مصدراً أساسياً لمؤرخ علم المنطق .
ثالثاً – كارل ياسبرز وحلقة بولزانو
الحقيقة إن بولزانو لم يكن شخصاً مغموراً ، وإنما كان نار على علم ، فقد عرفه هوسرل ومن خلال محاضرات الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، كما إن بولزانو كان له حواريين وأصدقاء يتحلقون حوله في حلقة علمية مشهورة في عصره ، وربما تكلم هوسرل عنها لياسبرز أو ربما ذكرها له أستاده المشرف على إطروحته الثانية البروفسور ويندلباند . وهنا نقدم بعض المعلومات عن هده الحلقة .
لقد تكونت هذه الحلقة في وقت مبكر من حياة بولزانو ، والتي ضمت أصدقاء وطلاب ، والذين تحملوا مهمة نشر أفكاره وظلوا محافظين على علاقتهم به رغم قرار الطرد من الجامعة ، ومنعه من النشر ، وهو القرار الذي أصدرته الإمبراطورية النمساوية يومذاك . وفعلاً فقد ذكر الباحثون ثلاثة حواريين للفيلسوف بولزانو . منهم كل من مايكل جوزيف فيسل (1788 – 1864) و فرانز فرينسكي (1788 – 1859) . والأول فيسل كان التلميذ والصديق الحميم للفيلسوف بولزانو . وكان من المعجبين والمتحمسين لأراء أستاذه ، ومن المعلوم إن الأستاذ بولزانو كان قساً كاثوليكياً ، وبروفسور العقيدة الدينية في كلية الفلسفة في جامعة براغ هذا طرف . والطرف الثاني إن أفكار بولزانو اللاهوتية والسياسية التقدمية قد سببت للأستاذ بولزانو الكثير من المشكلات له مع رؤسائه ورجال الدين (كلريكس) . وعلى هذا الأساس قرروا طرده من الجامعة عام 1819 ونفيه إلى الريف ومنعه من النشر في المجلات العامة . ونحسب إن هذه الظروف وضعت التلميذ والصديق فيسل في دائرة الضوء . وفعلاً عندما أقدم على تأليف جماعة عُرفت بتحالف المسيحيين ، والتي كانت وراء إتهامه بالخيانة ، فحكم عليه بالسجن .
إن المهم في علاقة الأستاذ بولزانو والتلميذ فيسل ، مجموعة رسائل تبادلها الطرفان خلال الفترة الممتدة ما بين عام 1815 وعام 1827 . وهذه الفترة شهدت صعود الفيلسوف الأستاذ بولزانو إلى الطوابق العليا في لاهوت الكنيسة الكاثوليكية وجامعة براغ ، كما وسجلت حالات التقاطع مع الكنيسة والطرد من الجامعة والنفي هذا طرف ، ودخول التلميذ السجن بسبب تهمة الخيانة العظمى . صحيح إن بولزانو وتلميذه فيسل تبادلا الرسائل لفترة إمتدت لأكثر من إثنتي عشر سنة . إلا إن هذه الرسائل لم تتطرق للقضايا الفلسفية والرياضية التي أبدع فيها الأستاذ بولزانو . وإنما جاء فيها نقاش للموقف السياسي ، وأسئلة تتعلق بالإيمان والأزلية . وهي بشكل عام تكشف عن الظروف السياسية غير المستقرة في بوهيميا ، وبالتحديد خلال القرن الثامن عشر . كما وتصور هذه الرسائل عمق الصداقة بين الأستاذ والتلميذ في تلك الفترة ، وحجم تبادل الأفكار بين الطرفين . ونحسب إن قيمة هذه الرسائل عالية لكل من المؤرخين ورجال اللاهوت .
أما الحواري الثاني فهو (فرانز فرينسكي) والذي عمل مع الحواري السابق فيسل في مساعدة المعلم بولزانو على نشر مؤلفاته خلال فترة النفي والمنع الذي أصدرته السلطات النمسارية . كما وكتبا المقدمات للعديد من طبعات أعماله ، ووضعا مراجعات لكتبه ، وشاركا في العديد من المناقشات التي دارت حول كتبه ، وردا على بعض المراجعات العدائية . والحقيقة إن بولزانو كان من خلف الستار يقدم لهما بعض الأفكار المختصرة .
في حين كان الحواري الثالث البروفسور روبرت زيمرمان (1824 – 1894) ، وهو جيكي بالولادة وفيلسوف نمساوي ، وعندما مات أستاذه بولزانو في عام 1848 كان عمره أربعة وعشرين ربيعاً . وكان في الأصل أحد طلاب بولزانو في الفلسفة والرياضيات . والحقيقة إن بولزانو كان معلمه الخصوصي . وزيمرمان هو الطالب الوحيد الذي حصل على مكانة أكاديمية . وفعلاً فقد عين أولاً رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة براغ وبالتحديد في عام 1852 . وفي العام 1859 إستدعاه الوزير (النمساوي المسؤول عن التعليم العالي) ليشغل رئاسة قسم الفلسفة في جامعة فينا ، ومن ثم مارس العمل الفعلي في عام 1861 . وبالمناسبة كان الفيلسوف الكبير فرانز برنتانو زميلاً له في القسم خلال هذه الفترة .
ويبدو إن البروفسور التلميذ لم يجري أبحاثاً كافية في أوراق أستاذه بولزانو الفلسفية والرياضية وذلك لأن إهتماماته محددة بمجال فلسفي واحد ، وهو علم الجمال (ولكن هذا الأمر لم يعفيه من المسؤلية لأن بولزانو كتب في علم الجمال وفلسفة الفن) . على كل إن أهمية الحواري زيمرمان تكمن في إنه حافظ على معظم مخطوطات بولزانو والتي كان يملكها وحتى عام 1882 ، وحينها قام بتسليمها إلى الأكاديمية النمساوية للعلوم (أي حافظ عليها شخصياً مدة أربع وثلاثين سنة وبالتحديد بعد موت أستاذه بولزانو) .
وفعلاً إن إهتمام زيمرمان الرئيسي بعلم الجمال حمله شيئاً فشيئاً إلى التحول من مضمار فلسفة أستاذه بولزانو ، والتوجه نحو شواطئ فلسفة جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) . وجوهان هربرت هو فيلسوف وعالم نفس الماني ، ومؤسس البيداغوجيا (التربيةوالتعليم) مجالاً أكاديمياً . وهو من فلاسفة ما بعد الكانطية . والمشهور بمخالفته للفيلسوف الألماني هيجل في علم الجمال (وهذه المخالفة لا تندرج في تفسير فكرة التربية) . ومن أهم كتاباته في علم الجمال ، كتابه المعنون علم التربية والإلهام الجمالي للعالم ، والذي ترجم إلى الإنكليزية في العام 1892 . ويلاحظ إن بحثه الجمالي قد خالط الأخلاق والتربية ويبدو إن هذا الربط بين الجمالي والأخلاق والتربية ، هو السبب في تحول زيمرمان إلى معسكر هربرت وتخليه عن أستاذه بولزانو .
والحواري البروفسور زيمرمان عارف كل المعرفة ، وهو الحافظ على مخطوطات إستاذه بولزانو لمدة أربعة وثلاثين عاماً بأنه فيلسوف الجمال ، والذي نشر رسالتين في علم الجمال ؛ الأولى كانت بعنوان حول مفهوم الجميل ، والتي نشرت في حياته . والثانية التي كانت بعنوان حول تقسيم الفنون الجميلة ، والتي قدمها في الجمعية الملكية البوهيمية للعلوم في عام 1847 والتي نشرت بعد وفاته .
ونحسب إن هذا التحول من علم جمال بولزانو إلى علم جمال هربرت سبباً غير كاف لأقناع فضول الباحث الأكاديمي . ويبدو إن هناك أسباباً أعمق من ذلك ، وقد تكون الظروف السياسية التي لفت قضية الأكاديمي بولزانو الذي طردته السلطات النمساوية من الجامعة ونفته ومنعته من النشر ، أو قد يكون السبب هو إتهام حواريه الحميم فيسل بالخيانة العظمى ومن ثم الحكم عليه بالسجن … أو قد يكون كل ذلك ، فقرر زيمرمان التحول نحو جادة فلسفية أخرى ، وتبرئة نفسه من كل العلاقات بالأستاذ بولزانو وذلك بتسليم مخطوطاته إلى السلطات النمساوية ممثلة بالأكاديمية النمساوية للعلوم ، وفي هذا الخيار آمان وراحة بال .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(6)
مساهمة فرانز برنتانو في بيئة ياسبرز الثقافية والأكاديمية
الدكتور محمد جلوب الفرحان
لعب الفيلسوف وعالم النفس الألماني فرانز برنتانو (1838 – 1917) دوراً مؤثراً في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تطور فيها تفكير الفيلسوف وعالم النفس الوجودي كارل ياسبرز . كما ونزل إلى ياسبرز الكثير من أراء برنتانو أولاً النفسية ومن ثم ثانياً الفلسفية من خلال أساتذة ياسبرز المباشرين وغير المباشرين ، فقد كان أدموند هوسرل مثلاً واحداً من تلاميذ برنتانو إضافة إلى كازمير تاودرسكي وأليكس مينيك (وبالطبع ترك أثراً على سيجموند فرويد) . وهؤلاء لم يكتفوا بالتأثر به ، بل تابع بعض منهم خُطاه ، وعملوا تعديلات لها لتتوائم وتطلعاتهم الفلسفية والنفسية .
صحيح جداً إن كارل ياسبرز كتب ونشر أبحاثه الأولى ، وكان فيها برنتانو حياً يُرزق ، وأفكاره ومؤلفاته لها وقع كبير في الساحتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين . فمن المعروف إن برنتانو مات عام 1917 وكان ياسبرز قد نشر ثلاثة من أعماله الأكاديمية الرئيسية في علم النفس (الطب النفسي) ، الأول وكان بعنوان الهومسك والجريمة ، وهي إطروحته للدكتوراه الأولى والتي دافع عنها عام 1909 . والثاني كان مقالته الأكاديمية الشهيرة والمعنونة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ، والتي نشرها في مجلة الزايمر عام 1912 ، وهو خلاصة لتحليلاته النفسية في إطروحته للدكتوراه الثانية . ومن ثم ظهر كتابه علم النفس المرضي العام ، والذي ظهر في العام 1913 ، وهو إطروحته للدكتوراه الثانية وكانت بإشراف الفيلسوف وعالم النفس الكانطي الجديد ويندلباند (1848 – 1915) . وفي المقال والكتاب أظهر ياسبرز أثار هوسرل وطريقته في الفينومنولوجيا على تفكيره وتحليلاته ، وبالطبع من خلاله أثر الأب الروحي للفينومنولوجيا وأستاذ هوسرل ، الفيلسوف وعالم النفس فرانز برنتانو . كما ونحسب إن ياسبرز كتب أجزاء من كتابه الشهير سايكولوجيا النظر إلى العالم ، وكان الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو حياً . إلا إن هذا الكتاب نشر بعد وفاة برنتانو بأقل من سنتين ، فقد ظهر الكتاب إلى النور في عام 1919 .
والسؤال : من هو الفيلسوف فرانز برنتانو ؟ هو فرانز كليمنس هندورتس هرمان برنتانو ، ويرى الباحث ماريو بوكليسيا ، في مقاله المعنون ” فرانز برنتانو : شذرات من سيرته الذاتية ” إلى إن إسم مؤسس علم النفس والأب الروحي للفينومنولوجيا ، برنتانو يُخبرنا بأنه من إصول عائلة إيطالية مشهورة . وهي تقليدياً ترتبط بإسم الفارس برنتايوس ، والذي كان يسكن في العام 1166 في قلعته الواقعة على ضفاف نهر برنتا ، والتي هي جزء من مقاطعة (أو إمارة) تايرول الإيطالية .
ويبدو إن الإسم برنتا ظهر لأول مرة في العام 1465 ، ومن ثم تحول إلى برنتانو . وفي القرن السابع عشر وإعتماداً على سجلات الحروب ، فإن عائلة برنتانو التي يصعد إليها الفيلسوف الروحي للظاهراتية فرانز برنتانو ، كانت مسجلة في قيودها . ومن ثم غادرت العائلة أراضيها الإيطالية ، وإستقرت في محافظة الراين .
جاءت ولادة الطفل فرانز في مقاطعة مارينبيرك / الراين ، وبالتحديد في 16 كانون الثاني من العام 1838 . وترع في أحضان عائلة ذات ثقافة عالية ، فقد كان والده كاتباً ، وأمه إرنيلا جنجر كانت زاهدة متعففة ، وسيدة عالية الثقافة . كما وأحاطت الطفل فرانز دائرة من أسماء الأقارب اللامعة يومذاك من أمثال أعمامه كل من سافكني وكليمنس برنتانو ، وسوفيا ، ولورشي ، وبيتني فون أرتيما . فمثلاً كان عمه كليمنس وخالته بيتني من كبار الكتاب في مرحلة الرومانتيكية الألمانية . وكان عمر فرانز ثلاثة عشر ربيعاً عندما توفي والده .
ويُلاحظ إن فرانز أظهر منذ بواكير شبابه ميلاً غير إعتيادي نحو الدراسة ، كما وكرس أطرافاً من سنوات شبابه للحياة الدينية ، وهذا جاء نتيجة التربية الدينية التي زرعتها أمه بحُب في برنامجه التعليمي المبكر . وفي الثانوية إتصل بفلاسفة السكولاستيكية (الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى) . وبعد فترة ذهب ليعيش مع عمه سافكي في برلين وليحضر بعض الفصول الدراسية في الجامعة . وخلال حضوره الفصول الدراسية تعرف على البروفسور فردريك أدولف ترندلنبيرك (1802 – 1872) . وفرانز يحترم بتقدير عال
أستاذه الفيلسوف ترندلنبيرك ، فهو الذي عرفه على أرسطو ، وزرع فيه حب وإحترام الفيلسوف اليوناني . وسنلاحظ لاحقاً إن دروس ترندلنبيرك ستوجه برنتانو نحو شواطئ الفلسفة ، وبالتحديد نحو معاني الوجود عند أرسطو (إطروحة برنتانو الأولى للدكتوراه) وعلم النفس عند أرسطو (إطروحة الدكتوراه الثانية للدكتوراه) .
وفي خريف من عام 1856 سجل فرانز برنتانو في كلية الفلسفة في ميونخ ، وأصبح على معرفة بمؤرخ الكنيسة الكبير إكناتيوس دولنكر (1799 – 1890) الذي كان يُعد في ذلك
الوقت واحداً من كبار رجال اللاهوت الأرثذوكس في مرحلة الكاثوليكية الألمانية . ومن ميونخ ذهب برنتانو إلى جامعة توبنكن وهناك حصل على درجة الدكتوراه ، وبالتحديد في 17 تموز من عام 1862 ، وكانت بعنوان حول المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو . وفي العام ذاته نشرها وكانت أول كتاب له ، وأهداه إلى أستاذه ترندلنبيرك .
وتنوعت دروس فرانز برنتانو الأكاديمية وقراءاته التي غطت مساحة واسعة من الميادين المعرفية والتي ستمكنه من تدشين الكتابة في مجالات متنوعة ، فيها الكثير من الريادة والتجديد . فمثلاً درس في كل من جامعة ميونخ وفيرزبيرك وبرلين الرياضيات ، والشعر واللاهوت . كما وإطلع في نهايات المدرسة الثانوية على الفلسفة المدرسية . وأشرنا أعلاه إلى إنه في جامعة برلين درس آرسطو مع ترندلبيرك ، ومن ثم قرأ الفيلسوف الفرنسي أوجست كومت (1798 – 1857) إضافة إلى الفلاسفة التجريبيين الإنكليز ، وخصوصاً جون ستيوارت مل (1806 – 1873) ، والذين تركوا أثاراً كبيرة على كتاباته .
وكان من حصاد التربية الدينية التي زرعت بذورها المبكرة والدة برنتانو ، إن كرس حامل الدكتوراه فرانز في فلسفة أرسطو ، نفسه للعمل الديني الكاثوليكي . وفعلاً بعد إستكمال متطلبات الدكتوراه ، ومن ثم التخرج ، بسنتين أي في عام 1864 أدى فرانز برنتانو اليمين ، ورُسم قساً كاثوليكياً . ولم يؤثر هذا الحال على عمله الأكاديمي ، فقد إستمر في العمل في جامعة فيرزبيرك وأكمل في العام 1867 متطلبات إطروحته للدكتوراه الثانية (الدكتوراه المهنية) وكانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ورغم تحفظات (بل وإعتراضات) العمادة على درجته الدينية (قساً) للعمل الأكاديمي ، فإنه في النهاية (أي في عام 1873) أصبح بروفسوراً كاملاً .
وإذا تصالحت الجامعة مع الكنيسة ، ومن ثم تسامحت مع البروفسور برنتانو وسمحت له بالدراسة ومن ثم التدريس الأكاديمي المستقل عن الكنيسة ونشاطاتها الدينية ، فإن برنتانو بنفسه لم يشعر بالسلام وكان هناك أمراً فكرياً وعقيدياً عميقاً يشغل تفكيره ويُقلقه على الدوام ولم يتمكن من قبوله والتعايش معه . وفعلاً ففد عاش برنتانو خلال هذه الفترة صراعاً حاداً ، وأخذت دراجاته تتزايد ، وخصوصاً مع العقيدة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية والمتعلقة بعقيدة عصمة البابا من الخطأ ، والتي فرضها الفاتيكان في عام 1870 . وهكذا جاء قرار البروفسور برنتانو الشجاع بعد فترة قصيرة من ترقيته في جامعة فيرزبيرك إلى درجة الأستاذية ، والذي تمثل بإنسحابه من أن يكون قساً في الكنيسة الكاثوليكية ، وتنازله عن درجة الأستاذية في جامعة فيرزبيرك . ومع قراره الشجاع تطاير الزائل الدنيوي وبقي اللقب الخالد الذي لا تتقدم على حضرته مسميات أكاديمية يتخفى وراءها جيش من العرضحالجية وأنصاف المتعلمين وقُراء الخيرة وكتاب أدعية السلطة والسلطان ومحققي الأخطاء الإملائية في مخطوطات طوق الحمام … وإبن الروند … وهكذا إنطمرت وضاعت أسماء العرضحالجية وبقي اللقب الخالد يحمله الفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .
ونحسب من النافع أن نُخبر القارئ الكريم بأن برنتانو بدأ بعد إطروحته للدكتوراه الثانية
علم النفس عند آرسطو ، بنشر مؤلفات واسعة وكان هدفه يتطلع إلى إرساء أسس علم النفس . وهذه المؤلفات نشرت بعنوان علم النفس من زاوية تجريبية . وفعلاً فقد حمل المجلد هذا العنوان ، والذي ظهر إلى النور في عام 1874 . ومن ثم جاء المجلد الثاني بعنوان تصنيف الظاهرة العقلية ، والذي نشر عام 1911 ، وتلاه أجزاء من المجلد الثالث ، والذي طبع في عام 1928 وبعنوان الحس والوعي العقلي (ونُشر بعد موته) .
ولعب نشر الجزء الأول من هذه السلسة دوراً في تغيير حياة برنتانو الأكاديمية ، فقد إستلم وظيفة بروفسور في جامعة فينا . وفيها حقق نجاحات فائقة في التعليم الأكاديمي وذاعت شهرته في الأوساط الجامعية والثقافية . إلا إن برنتانو وخلال السنوات العشرة التي قضاها في جامعة فينا تعرض هو ومؤلفاته إلى إنتقادات شديدة . ولذلك توقف من نشر الكتب ، وتحول إلى طبع محاضراته الأكاديمية المتنوعة ، والتي ضمت بين دفتيها موضوعات درست علم الجمال والمعرفة والأخلاق ، فمثلاً في علم الجمال ظهر واحد منها بعنوان الشر موضوعا للصورة الشعرية . ومن ثم نشر كتابه الشهير ، الذي حمل عنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ . وهذا الكتاب عالج فيه برنتانو وجهات نظره حول الأخلاق . ويُعد كتاب إصول معرفة الصحيح والخطأ من كتبه الأولى التي ترجمت إلى الإنكليزية . وفعلاً فقد نشر في عام 1902 . وكان هذه الترجمة مناسبة جداً مهمة في تعريف فرانز برنتانو بالعالم الناطق بالإنكليزية وهو حي يُرزق .
ومن الأحداث المهمة في حياته على الصعيد الشخصي ، ومن الأحداث المؤلمة في الوقت ذاته وسببت له محنة أكاديمية وقانونية مع السلطات النمساوية ، حين قرر برنتانو في عام 1880 وعايدة فون ليبن على الزواج . فكان قراراً واجه تحديات قوانين الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية في ذلك الوقت . فقد كان من سياسات الأمبراطورية عدم السماح لشخص رُسم قسيساً من الزواج . وكان الحاصل من ذلك إن تخلى برنتانو عن جنسيته النمساوية ، ومن ثم تبع ذلك تخليه عن وظيفته الأكاديمية في جامعة فينا . فغادرها وعايدة إلى سكسوني وتزوجا هناك .
وبعد بضعة أشهر عاد إلى فينا ، غير إن السلطات النمساوية لم تسمح له بالعودة إلى موقعه الأكاديمي (بروفسوراً براتب ثابت) ، ولكنه عاد محاضراً (وهي حسب التقاليد الأكاديمية يومذاك يقوم بالتعليم ولكنه يستلم إجوراً على محاضراته) وليس له حق في الإشراف على أطاريح طلبة الدكتوراه . وبعد سنوات من الكفاح لإسترداد وظيفته الأكاديمية ، فإن جهوده لم تثمر وباءت بفشل مطلق . ومن ثم تزامن كل ذلك بفاجعة موت زوجته (وبالتحديد عام 1895) . فقرر برنتانو هجر النمسا وقلبه مملوء بالحسرة والخيبة .
ولعل من ثمار هذه الخيبة من السلطات النمساوية ، إن بدأ ينشر سلسلة مقالات ، ثلاثة منها نشرتها الصحف في فينا ، وبعنوان تمنياتي الأخيرة للنمسا ، والتي ظهرت فيما بعد في كتاب هو أشبه بدفاع عن الذات . وفي هذا الكتاب أوجز برنتانو موقفه الفلسفي ، إضافة إلى مشروعه في علم النفس . كما فيه نقد شديد للموقف القانوني النمساوي من القسان السابقين . وفي عام 1896 إستقر في فلورنسا ، وهناك تزوج مرة ثانية من إيملي ربرشت (وبالتحديد في عام 1897) .
وبالمناسبة إن برنتانو خلال سنواته في فلورنسا عاد إلى نشاطه الإعتيادي في التأليف والنشر . وفعلاً إنه في عام 1907 طبع مجموعة نصوص قصيرة في علم النفس (إضافة إلى المجلد الثاني من علم النفس من زاوية تجريبية) . كما إنه نشر كتابين عن الفيلسوف اليوناني أرسطو ؛ الأول كان بعنوان أرسطو ونظرته إلى العالم . والثاني تفسير لفلسفة أرسطو . وهنا تجددت المناقشات مع البروفسور ومؤرخ الفلسفة أدور زيلر (1814 – 1908) . والحقيقة إن هذه المناقشات الجدلية تصعد إلى فترة مبكرة ، وبالتحديد إلى الستينات من القرن التاسع عشر ، ويومها كان زيلر بروفسوراً للاهوت ومن ثم للفلسفة في جامعة توبنكن ، وإن برنتانو كتب إطروحته للدكتوراه الأولى والمعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو في جامعة توبنكن هذا طرف من الإتصال بين الإثنين . والطرف الثاني إن برنتانو إنتقد زيلر على تفسيره لأرسطو ، وظهر هذا النقد في إطروحة برنتانو الثانية للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ومن ثم تحول الجدل بينهما إلى معركة فكرية حامية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينات من القرن التاسع عشر .
وعندما دخلت إيطاليا الحرب ضد ألمانيا والنمسا خلال الحرب العالمية الأولى ، شعر برنتانو بأنه مواطن لهذه الأقطار الثلاثة ، فإنتقل من فلورنسا إلى سويسرا المحايدة وإستقر فيها ، ومات في زيورخ ، وبالتحديد في 17 أذار من عام 1917 .
الإطروحات الأكاديمية ومؤلفات فرانز برنتانو
صحيح جداً عندما يُذكر إسم الفيلسوف فرانز برنتانو ، يتبادر إلى أذهان الباحثين الأكاديميين كتاباته الرائدة في مضمار فلسفة علم النفس ، وخصوصاً في إدخاله لمفهوم القصدية (ومن خلاله سينتقل إلى تلميذه أدموند هوسرل …) وإلى الفلسفة المعاصرة . كما وتستذكره دوائر التفكير الفلسفي بمساهماته المهمة المتنوعة في ميادين مثل الأخلاق ، الإنطولوجيا ، المنطق ، تاريخ الفلسفة ، وكذلك في اللاهوت الفلسفي . ومن النافع أن نذكر هنا ، حقيقة مهمة لفت تفكير برنتانو بمجمله ، وهي إنه تأثر بقوة بأرسطو والسكولائية (والشاهد على ذلك إطروحتيه للدكتوراه الأولى والثانية) . وهو يعترف بأنه تأثر بالحركة الوضعية والتجريبية في بواكير القرن التاسع عشر .
ولاحظ الأكاديميون الغربيون إن مكانة برنتانو في تاريخ الفلسفة الغربية (وبالطبع علم النفس) ، تكمن في إنه دشن إستخدام مناهج وطرق بحث متنوعة . فمثلاً إنه إعتمد على منهج الإستبطان في وصف الوعي (الشعور) ومن وجهة نظر الشخص الأول من ناحية . ومن ناحية أخرى تطلع إلى إستخدام إسلوب بحث فعال للفلسفة ، ولذلك دعا إلى أن تسخدم الفلسفة طرائق بحث دقيقة مثل الطرق التي تستخدمها العلوم . كما يُنظر إلى برنتانو إلى إنه الأب الروحي (الرائد) للحركتين الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية .
ويشهدُ تلاميذه الذين كونوا ما يُعرف في تاريخ الفلسفة الغربية بمدرسة برنتانو ، على إنه كان معلماً جذاباً (كرازما) يمتلك مهارات عالية في التدريس والحوار . وفعلاً فقد ترك أثاراً قوية على أعمال كل من أدموند هوسرل ، أليكس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، كازمير تاوردسكي ، كارل ستامبف وإنطون مارتي وأخرون ، والذين لعبوا دوراً فعالاً في تطور الفكر الفلسفي في قلب القارة الأوربية في بواكير القرن العشرين .
أولاً – حول المعاني المتعددة للوجود عند آرسطو (1862) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1975 ، وهي إطروحة الدكتوراه الأولى . وقد قرأها فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر في مراحل أكاديمية مختلفة ، وإستفاد منها في تأليف كتابه الإنجيلي الوجود والزمن .
ثانياً – علم النفس عند آرسطو (1867) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1978 . ومن المفيد الإشارة إلى إن الكانطي الجديد ويندلباند قد ألف في علم النفس ، ومن ثم أشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام .
ثالثاً – علم النفس من وجهة نظر تجريبية (1874) . والذي ترجمته لندا ماكلستر إلى الإنكليزية . وأصبح معلوم للقارئ إن إطروحتي ياسبرز الأولى الهومسك والجريمة والثانية علم النفس المرضي العام ، يدوران في هذا المضمار . إضافة إلى إن كتابه الثالث (أي ياسبرز) كان بعنوان سايكولوجيا النظر إلى العالم ، هو الأخر يندرج في هذا المضمار . ولا تنسى بأن برنتانو هو الأب الروحي للفينومنولوجيا . وإن أستاذ ياسبرز في مضمار الفينومنولوجيا ، هو أدموند هوسرل الذي كان تلميذاً للفيلسوف فرانز برنتانو . وإن أدموند هوسرل قد حاضر في علم نفس الفينومنولوجيا ، وأصدرها بكتاب يحمل عنوان ” محاضرات في علم نفس الفينومنولوجيا ” . وإن ياسبرز كتب تحليلاته في إطروحته الثانية ونشرها في مجلة الزايمر بعنوان ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” .
رابعاً – إفلوطين (أو ضد إفلوطين) (1876) . وينظر الأكاديميون الغربيون إلى هذه المقالة الرسالة التي كتبها برنتانو ، إلى إن فيها هجوم على إفلوطين ورد فكره إلى إصول شرقية ، وخصوصاً الأبونشياد الهندية . ونحسب على خلاف الأكاديميين الغربيين إن في آراء برنتانو الكثير من الصحة والحقيقة ، إذا ما تذكرنا بأن إفلوطين كان طامحاً جداَ بزيارة بابل وإيران والهند وذلك للإطلاع على الفكر الفلسفي الشرقي (البابلي الكلداني ، والإيراني الزرادشتي ، والهندي المتمثل بفلسفة الهنود العراة ..) . وفعلاً فقد إلتحق إفلوطين في مصر بحملة عسكرية يونانية متجهة نحو بلاد فارس ، ولكن الحملة العسكرية فشلت فشلاً ذريعاً ، ففر بجلده .
خامساً – إصول المعرفة بالصحيح والخطأ (1889) أو كما ترجمه إلى الإنكليزية سيسل هوكو وبعنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ ، والتي صدرت في العام 1902 .
سادساً – أرسطو ونظرته إلى العالم (1911) وترجمه إلى الإنكليزية كل من أر . جورج & أر . أم . كيسولم (1978) .
سابعاً – تصنيف الظاهرة العقلية (1911) .
ثامناً – الصدق والدليل ، وترجمه إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم وأيس بوليتزر وكورت فيشر عام 1966 . وضم الجزء الأول من الكتاب في نشرته الإنكليزية ، محاضرة في غاية الأهمية ، قدمها فرانز برنتانو إلى الجمعية الفلسفية في فينا (في 27 آذار 1889) وكانت بعنوان مفهوم الصدق . وإحتوى الكتاب على مراسلات بين الأستاذ برنتانو والتلميذ أدموند هوسرل والذي عبرت من خلاله الفينومنولوجيا إلى تلميذه كارل ياسبرز . كما وفي الكتاب نقد وجهه برنتانو إلى الكانطي الجديد ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية ، والتي نشر عنها الأخير مقالة حملت خلاصة تحليلاته النفسية في مجلة الزايمر ، والتي كانت بعنوان مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية .
تاسعاً – البحث الفلسفي في المكان ، الزمان والظاهرة ، وترجمه إلى الإنكليزية بري سميث عام 1988 .
عاشراً – علم النفس الوصفي ، وترجمه إلى الإنكليزية بنيتو ميلر عام 1995 .
أحد عشر – أسس وبنية الأخلاق ، وترجمته إليزابيث سكينوند عام 1973 .
إثنا عشر – الأوجه الأربعة للفلسفة ووضعها الحالي ، وقام بتحقيقه والإشراف على نشره كل من ب . ميزي وبري سميث ، ونشر في العام 1998 .
ثلاثة عشر – حول وجود الله ، وقامت بترجمته إلى الإنكليزية سوزان كرانتز ، ونشر عام 1987 .
أربعة عشر – الحس والوعي العقلي ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية أم . شتل وأل . ماكلستر ، وتم نشره في العام 1981 .
خمسة عشر – نظرية المقولات ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم ونوربرت كوترمان ، ونشر عام 1981 . ونحسب إن هذا الكتاب الذي كتبه فرانز برنتانو قد لفت أنظار مارتن هيدجر ، وربما حفزه على إختيار عنوان إطروحته الثانية في مضمار نظرية المقولات إلا إنه إختار المنطقي في العصور الوسطى دنس سكوتس ، فكانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس وقد بينا حينها الإشكال في إطروحة هيدجر ونبهنا إليه. وكان المشرف على هيدجر الفيلسوف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، وهو زميل هوسرل ، ومن ثم زميل كارل ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، كما كان هنريخ وكارل ياسبرز يحضران سوية في مساء الأحد حلقة عائلة عالم الإجتماع ماكس فايبر ، وهنريخ هو الذي قاد الكانطيين الجدد ، في حملته على إزاحة كارل ياسبرز من رئاسة كلية الفلسفة ، ولكنهم فشلوا بعد نشر ياسبرز لثلاثيته في الفلسفة وهي قصة رددناها في أكثر من مقام .
ومن ثم جاءت طبعات جديدة عديدة لكتابه : علم النفس من زاوية تجريبية ، خذ مثلاً الطبعة الألمانية وللفترة ما بين 1924 و1928 والتي ظهرت في ثلاث مجلدات وبإشراف أوسكار كراوس ، ومن ثم جاءت النشرة الألمانية لعام 2008 ، والتي كانت بإشراف مارو أنتونيل هيوستام .
ولاحظنا بأن إثنين من طلاب الفيلسوف الأستاذ برنتانو من تحمل مسؤلية نشر مؤلفات الأستاذ بعد موته . وفعلاً فإن برنتانو ترك بعد موته عدداً كبيراً من المخطوطات غير المنشورة ، والتي تغطي مساحة واسعة من موضوعات الفلسفة . ومن ثم قام كل من الفريد كاسيتل (1874 – 1950) وأوسكار كراوس (1872 – 1942 وهو فيلسوف جيكي وقابل برنتانو عام 1893) . وهما من تلاميذ إنطون مارتي في جامعة براغ . والحقيقة إنهما (أي كاستيل وكراوس) إستهلا عملهما بنشر محاضرات برنتانو ، ومن ثم نشرا ملاحظاته والرسائل الذي تبادلها مع طلابه وفلاسفة أخرون (منا : وبالمناسبة إن هناك رسائل تبادلها مع تلميذه هوسرل) .
وكان هدف كاستيل وكراوس العمل على تقديم مخطوطات برنتانو في أحسن صورة لها . ولهذا قاما بترتيب نصوصه ، وضم بعضها إلى بعض وذلك إعتقاداً من إنهما يُشكلان أطرافاً من موضوع واحد . وكانا يتطلعان إلى تقديم نشرة كاملة لأعماله . ولكن مثل هذا العمل لا زال تحت النشر ، ولم يكتمل لحد الآن .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(7)
مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي
الدكتور محمد جلوب الفرحان
بداية البحث في مدرسة برنتانو الفلسفية ، إشارة إلى إن برنتانو كان فيلسوفاً أستاذاً ، وقد تحلق حوله مجموعة متميزة من الطلاب ، والذين كونوا معه مدرسة فلسفية ، عُرفت فيما بعد بإسم مدرسة برنتانو الفلسفية هذا طرف . أما الطرف الثاني فإنه كان حسب وصف طلابه على الإجماع ” كان معلماً كرازمياً غير إعتيادي ” فخلال حياته الأكاديمية قد ترك أثاراً عميقة على تفكير عدد من طلابه ، الذين أصبحوا فيما بعد فلاسفة وعلماء نفس وهم بدورهم أنشأوا مدارسهم الخاصة وتحلق حولهم عدد من الطلاب الحواريون . ولعل من النافع أن نقدم جرداً بأسماء اللامعين من طلاب برنتانو وأعضاء مدرسته . فقد كان من بينهم كل من أدموند هوسرل ، أليكسس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، إنطون مارتي ، كارل ساتمبف ، كازمير توردسكي ، وحتى سيجموند فرويد .
ونحسب إن الحديث عن حكاية مدرسة برنتانو لا تنتهي عند هذه الحدود ، بل تتعدى ذلك حيث الجامعات والعمل الأكاديمي . ففعل تُخبرنا الحكاية بأن عدداً من طلابه تحولوا إلى أساتذم متميزون في العدديد من الأكاديميات المنتشرة عبر الحدود الجغرافية للإمبراطورية النمساوية الهنغارية . فمثلاً مارتي وإهرنفيلز كانا أستاذين في جامعة براغ ، وميننك كان أستاذاً في جامعة كراز (منا : وهي ثاني أكبر مدينة نمساوية (بالطبع أكبر مدينة هي فينا) ، وتُعرف بجامعة كارل فرنسين كذلك) ، وتوردسكي في جامعة لفيف (منا : لفيف هي العاصمة التاريخية لمنطقة غاليسيا / جيكسلوفكيا) .
ولهذا الحضور الأكاديمي الواسع لطلاب برنتانو ، إن تحولت البرنتانونزم (نسبة إلى برنتانو) إلى موجة فلسفية – نفسية (ومنهجية فينومنولوجية) عارمة عمت كل زوايا الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية . وتعززت هذه الموجة في جيكسلوفاكيا ، وذلك عندما أصبح واحد من طلاب برنتانو ، وهو توماس ماسريك ، المؤسس وأول رئيس لجمهورية جيكسلوفاكيا (وبالتحديد للفترة من 1918 وحتى 1934) . وفعلاً فقد عمل توماس على إنشاء خلايا علمية وحلقات بحث لدراسة فلسفة برنتانو . إن كل هذه العوامل ، تقدم للدارس فهماً شاملاً للتطور الذي مرت به فلسفة برنتانو ، وخصوصاً في قلب القارة الأوربية ، والذي أصبح يُطلق عليه إصطلاح الفلسفة الكلاسيكية النمساوية .
لقد كان المعلم الفيلسوف برنتانو فعلاً يؤكد بإلحاح على تعليم طلابه طريقة التفكير النقدي وتمكينهم من تداول إسلوب علمي ، يرفض الإنحياز والتعصب الأعمى . وبالمقابل إحترام وجهات نظر جميع المدارس والتقاليد الفلسفية . فكان الحاصل من طريقة تعليم التفكير النقدي ، إن بدأ طلاب برنتانو بمراجعة تفكير إستاذهم ، وتوجيه نقد لعقائده الفلسفية ، ومن ثم قاموا بتحويرها لتتوائم وتوجهاتهم الفلسفية . إلا إن المفارقة التاريخية كشفت عن ضيق أفق صاحب التفكير النقدي ، فكان رد فعله سلبياً (فيه الكثير من السخط والإنفعال) ، ولم يقبل هذا النقد ، ورد عليهم بمرارة ، حتى وصلت إلى رفضه اللقاء بهم ومناقشة إنتقاداتهم . والنتيجة إن أخذ الفيلسوف فرانز برنتانو بالإنسحاب إلى دائرة الظل ، في حين تسارعت خُطى طلابه إلى الصفوف الأمامية ، وهم يسعون إلى تطوير نمط جديد من الفلسفة البرنتانوية .
صحيح إن مدرسة برنتانو ليست بمدرسة كلاسيكية (تقليدية) بالمعنى الحرفي . غير إن برنتانو سعى بكل جهوده للمحافظة على شكل من أشكال الإنسجام في المدرسة . إلا إن هذا الإنسجام كان أمنية المعلم برنتانو . وفعلاً فإن إثنين من حواريه المشاهير ، وهما أليكسس ميننك وأدموند هوسرل ، قد ذهبا في تفسير نظريات المعلم بإتجاه راديكالي ، فيه الكثير من التطرف ، والخروج على المسار الذي حدده المعلم برنتانو لها . وهنا نقدم خارطة تتوزع في داخلها كل مكونات مدرسة برنتانو وممثليها (وهم بالطبع طلابه وحوارييه) وبالصورة الآتية :
أولاً – كارل ستامبف (1848 – 1939) وأصبح رئيس مدرسة برلين لعلم النفس التجريبي .
ثانياً – أدموند هوسرل
ثالثاً – أليكسس ميننك / رئيس مدرسة كراز
رابعاً – كريستين فون أهرينفلز
خامساً – كازميرز تافردسكي (1866 – 1939) وهو الأب الروحي والمؤسس لمدرسة وارشو المنطقية
سادساً – إنطون مارتي (1847 – 1914) والذي يرتبط بمدرسة براغ
سابعاً – سيجموند فرويد (1856 – 1939) مؤسس مدرسة التحليل النفسي
ثامناً – ومن طلاب برنتانو ، كل من ألويس هوفلر (1853 – 1922) ، وبينو كيري (1858 – 1889) ، وتوماس ماسريك (1850 – 1937) وهو أول رئيس لجيكسلوفلكيا ، ورودلف شتاينر (1861 – 1925) .
فيلسوف الفينومنولوجيا كارل ستامبف
يصفُ الفيلسوف البراجماتي الأمريكي وعالم النفس وليم جيمس (1842 – 1910) صديقه فيلسوف الفينومنولوجيا وعالم النفس التجريبي الألماني كارل ستامبف ، في كتابه (أي كتاب جيمس) المعنون مبادئ علم النفس ، بالعبارات القائلة ” كان ستامبف الأكثر عُمقاً فلسفياً من بين جميع الكتاب ، وأنا مدين له بالكثير ” . كما إن أهمية الفيلسوف كارل ستامبف تكمن في إنه إرتبط تاريخياً بحركة الفينومنولوجيا ، وبالتحديد منذ بواكير القرن العشرين ، وذلك من خلال كونه الأستاذ المشرف على إطروحة الدكتوراه الثانية لتلميذه وصديقه إدموند هوسرل عام 1887 . ومن المعروف لدينا إن بحث هوسرل الإنجيلي ، كان كتابه المعنون أبحاث منطقية ، والذي أهداه إلى أستاذه المشرف ستامبف ، وذلك إعترافاً منه بصداقته وبمساهمة الأستاذ ستامبف في هذا الكتاب .
ويُعد كارل ستامبف واحداً من حواريي الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، غير إنه لم يقف عند حضرة فلسفة المعلم برنتانو ، وإنما قام بإنجاز مشروع فلسفي تجاوز مناطق فلسفة المعلم ، وتطلع إلى تكوين نظامه الفلسفي الخاص ، وذلك من خلال عملية مزج لفلسفة المعلم برنتانو بفلسفة ومنطق هرمان لوتزه . وهو فوق هذا وذاك مؤسس مدرسة برلين للفينومنولوجيا وعلم النفس التجريبي ، والتي كانت الحضن الدافئ الذي تولد فيه علم نفس الجشطالت . وإنه بنظر جميع الأكاديميين ، هو الرائد في مضماري علم الموسيقى المعاصرة وعلم موسيقى الشعوب . وفعلاً فقد درس ستامبف إصول المعرفة الإنسانية ، وترك سجلات فريدة في هذا المضمار . ولعل الشاهد على ذلك كتابه المعنون إصول الموسيقى ، الذي صدر في عام 1911 .
صحيح إن أدموند هوسرل هو واحد من تلاميذ برنتانو ، كما إن الأخير ومن خلال محاضراته في جامعة فينا هو الذي عرف هوسرل على تراث الفيلسوف بولزانو . ولكن من الصحيح جداً إن برنتانو هو الأب الروحي للفينومنولوجيا ، وإن هوسرل هو الذي أعاد تأسيس الفينومنولوجيا . وفعلاً فإن هوسرل أسس مدرسته في الفينومنولوجيا أو الأدق حركة الفينومنولوجيا ، والتي تمثلت في تيارين كبيرين :
الأول – فينومنولوجيا ميونخ : وهو تجمع فلسفي متنوع ضم فلاسفة وعلماء نفس وفينومنولوجيين ، وجميعهم درسوا وعملوا في جامعة ميونخ ، وبالتحديد في بداية القرن العشرين . فمن الملاحظ إنه ما إن نشر أدموند هوسرل رائعته المعنونة أبحاث منطقية حتى وبدأت معها موجة فلسفية منهجية (وتضمنت أبستمولوجيا ومباحث في الجمال) وعرفت هذه الموجة بالحركة الفينومنولوجية ، كما وتندرج وجهات نظر أصحاب هذه الحركة تحت عنوان جوهر الفينومنولوجيا . وقد رفعت هذه الحركة شعار العودة إلى الحدس الذي درسه هوسرل في أبحاثه المنطقية . وضمت كل من جوهانز ديوبرت (1877 – 1947) ، أدولف رينيخ (1883 – 1917) ، إليكسندر بافندر (1870 – 1941) ومورتيز كيجر (1880 – 1937) .
الثاني – فينومنولوجيا الوجودية : وهو تيار فلسفي بدأ بالفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، وبالتحديد مع نشرة رائعته الناقصة الوجود والزمن ، والتي ظهرت إلى النور في العام 1927 . وهيدجر تأثر بكتابة هذا العمل بكل من فرانز برنتانو وفينومنولوجياته الرائدة وخصوصاً إطروحته للدكتوراه الأولى المعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو ، وكتابات الرائد الوجودي سورين كيركيجارد وفينومنولوجيا أدموند هوسرل .
ومن النافع الإشارة إلى إن هناك إختلاف بين الأستاذ هوسرل وتلميذه هيدجر ، فهيدجر قدم الإنطولوجيا على الأبستمولوجيا ، وإعتقد إنه يجب على الفينومنولوجيا أن تنهض على الملاحظة وتحليل الوجود (أي الوجود – هناك) ، الوجود الإنساني والبحث في الإنطولوجيا الأساسية . وإضافة إلى هيدجر فقد ضمت قائمة الفلاسفة فينومنولوجيا الوجودية كل من الفيلسوفة حانا أرنديت (1906 – 1975) (وهي تلميذة كل من هوسرل ، وفيلسوفا الوجودية ؛ هيدجر وكارل ياسبرز) ، وعمانوئيل ليفينس (1906 – 1995) والذي درس تحت إشراف هوسرل ولكنه تحمس لهيدجر وخصوصاً وجوديته في الوجود الزمن ،
وجبريل مارسيل (1889 – 1973) وجان بول سارتر (1905 – 1980) وموريس ميرلو بونتي (1908 – 1961) .
ثم نشأت حركة فلسفية في أمريكا تابعت خُطى الفينومنولوجيا الوجودية ، ولكنها نزعت منزعاً مسيحياً (والأدق كتب لاهوتاً فينومنولوجياً وجودياً مسيحياً) . ومثلها رجل اللاهوت كريك بالو (1968 – معاصر) ، وهو أمريكي من إصول إيطالية ، وقد قام بصياغة عنوان لهده الحركة الفينومنولوجية ، وهو الفينومنولوجيا الأوغسطينية . ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن هذا الموضوع له جذور في كتاب هيدجر الوجود والزمن ، وفي إطروحة حانا أرنديت للدكتوراه والمعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين والتي أشرف عليها الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز .
وبالمناسبة إن الحديث عن الفينومنولوجيا الوجودية ، يتططلب منا أن نذكر بأن الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز كان أسبق من مارتن هيدجر في تطبيق الفينومنولوجيا الهوسرلية (نسبة إلى هوسرل) . فقد نشر خلاصة تحليلاته الفينومنولوجية على الأمراض النفسية (وهي خلاصة إطروحته للدكتوراه الثانية) في مجلة الزايمر وبعنوان مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية في العام 1912 ، أي قبل أن ينشر هيدجر رائعته الوجود والزمن بما يقارب العقد والنصف من السنين .
أما أليكسس ميننك (1853 – 1920) فله أهمية في البيئتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين اللتان نشأ فيهما كارل ياسبرز . فإضافة إلى كون ميننك أحد طلاب فرانز برنتانو الأب الروحي للفينومنولوجيا وأحد أعضاء مدرسته الفلسفية ، فهو مهم من الزاوية الأكاديمية الأكاديمية ، وذلك لكونه كتب إطروحتين للدكتوراه ؛ الأولى كان فيها فرانز برنتانو ممتحناً . والثانية كان فيها مشرفاً . كما إن أليكسس فيلسوف نمساوي ، إشتهر بواقعيته خصوصاً في مضمار إنطولوجياته . وكان للفترة ما بين 1875 و1878 رئيس مدرسة كراز / فينا . كما له مساهمات في فلسفة العقل ونظرية القيم .
لقد جاء ميننك إلى فينا طالباً على نفقته الخاصة وعمره لم يتجاوز العشرة سنوات ، ومن ثم بدأ دراسته في الجيمنزيم (الثانوية) في فينا . وخلال الفترة ما بين 1868 – 1870 تحول إلى طالباً رسمياً وذلك بعد حصوله على درجات عالية . وفي جامعة فينا حضر فصلين دراسين في الفلسفة مع فرانز برنتانو كما ودرس في فصول عدة الإقتصاد مع كارل منيجر . وفي العام 1874 حصل ميننك على دكتوراه فلسفة في التاريخ وفي علم فقه (الفيللوجيا) اللغة الألمانية (وهو إختاص مزدوج) . والحقيقة هي إطروحة الدكتوراه الأولى والتي كانت بعنوان تاريخ أورلوند البريشي (نسبة إلى بريشا) (1090 – 1155) وكان فرانز برنتانو واحداً من الممتحنين .
وفي العام 1875 حضر ميننك أربعة فصول دراسية في مواد فلسفية متنوعة مع البروفسور برنتانو ، ومن ثم في عام 1878 كتب أليكسس ميننك إطروحته الثانية للدكتوراه في جامعة فينا ، والتي كانت تحت إشراف البروفسور برنتانو ، وكانت بعنوان دراسات هيوم ( الفيلسوف التجريبي البريطاني) . وبعدها أصبح محاضراً في فينا ، ومن ثم حصل على درجة بروفسور في جامعة كراز .
ومن ثم أصبح رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة كراز ، كما وأسس في العام 1894 المعهد النفسي في كراز . وأنشأ مدرسة كراز لعلم النفس التجريبي . وكان أليكسس المشرف على إطروحة كريستين فون إهرنفيلز للدكتوراه . وبالمناسبة إن إهرنفيلز هو المؤسس لعلم نفس الجشتالت . وكذلك أشرف أليكسس على مجموعة من أطاريح الدكتوراه للتأهيل للتدريس الجامعي (وتعرف بإطروحة الدكتوراه الثانية) . منها إطروحة الدكتوراه الثانية التي كتبها الويس هوفلر وإنطوان أولزلت . وترك أليكسس تأثيراً تتحدث عنه كتابات الأكاديميين الغربيين على كل من ستيفن وتسيك (1870 – 1915) والويس هوفلر (1853 – 1922) وفيتوريو بينسي (1878 – 1927) وبرتراند رسل (1878 – 1972) .
تأمل في مؤلفات أليكسس ميننك
توفي الفيلسوف ميننك في العام 1920 وهو العام الذي إستلم فيه الفيلسوف الوجودي (وممكن الحديث عن كارل ياسبرز فيلسوفاً من مدرسة الفينومنولوجيا لفرانز برنتانو وأدموند هوسرل) رئاسة كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ؛ ما هي أهمية كل ذلك على تفكير ياسبرز الفلسفي والسايكولوجي عامة ، وعلى كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة خاصة ؟ الحقيقة في طرف من الإجابة عن هذا السؤال ، الحديث عن مؤلفات أليكسس ، ونحسب إن هذا الحديث له طعم خاص ، وذلك من جهة إن كارل ياسبرز سيُشارك الفيلسوف ميننك بالإهتمام بموضوعات نفسية أولاً ، ومن ثم فلسفية ثانياً ، وهي الموضوعات ذاتها التي تداولتها مؤلفات أليكسس ميننك . والبداية مقدمة نتحدث فيها عن علمانية ميننك ، والتي نظن إن لها صدى سيتردد في تفكير ياسبرز عامة ، وتشعر به وأنت تقرأ صفحات ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .
لقد نشأ أليكسس ميننك في أحضان عائلة كاثوليكية (شأنه شأن مارتن هيدجر ، وحاله حال كارل ياسبرز والفارق إن ياسبرز كان بروتستانتياً وهذا له أهمية في مضمار عملية التدوين النقدي للدين أي نقد الكاثوليكية …) ، ولكن ميننك بدأ في وقت مبكر ، وهو على مقاعد الدراسة الجامعية ، يُراجع العقيدة الكاثوليكية (وهذا الأمر سيتجدد فيما بعد لهيدجر وعقيدته الكاثوليكية) ، ويُثير الكثير من الأسئلة حول تكوينها العقيدي . وفعلاً بدأت يتخذ بعض المواقف النقدية منها . ومن ثم إختار شيئاً فشيئاً الإبتعاد عن الكنيسة الكاثوليكية . ولعل الشاهد على إطروحته الأولى للدكتوراه . فقد إختار موضوعاً لها ، شخصية وتفكير وأعمال الناقد والمتمرد (بل الثائر) الشهيد أرنولد البريشي (نسبة إلى مدينة بريشا) . هذا طرف من علمانية ميننك ، والذي سيحمله إلى ترك مضمار التاريخ والتحول إلى رحاب الفلسفة الواسع والتفكير النقدي …
أما الطرف الأخر من علمانية ميننك ، فيتمثل في مناصرته للدعوة القائلة ؛ بالفصل بين الديني والعلماني وفكرة المساواة السياسية في جميع المجالات . كما وتمثلت علمانيته في النقد الذي وجهه للتربية والتعليم الدينيين في النمسا (التعليم الثانوي) . وبين بصورة واضحة إن هذا النمط من التربية والتعليم غير ملائمين (أصبحا من الذمة التاريخية) . وأكد في نقده بأن في هذا الشكل من التربية والتعليم ، حجر على حريات الرأي . وإقترح بأنه من اللازم على المؤرخين (وليس رجال الدين) أن يتولوا عملية تعليم تاريخ تطور الأديان ، وبطرق متنوعة بحيث تلبي الحاجات الدينية للطلاب . بعد هذا الحديث عن علمانية الفيلسوف ميننك ، نتحول إلى مضمار مؤلفاته :
1 – كتب الفيلسوف أليكسس ميننك مقالاته المبكرة ، بعد إطروحته الأولى للدكتوراه في مضمار الفلسفة وليس في مضمار التاريخ (إختصاصه الأول وإن ظل مرتبطاً بصورة عضوية في إختصاصه الثاني ، وهو الفيللوجيا وذلك من خلال البحث الفلسفي الذي إختاره مسارأ مهنياً ومنهج حياة وتفكير ..) . وفعلاً فقد كتب مقالتين بعنوان دراسات هيوم (الفيلسوف التجربية البريطاني) . وكان الجزء الأول منها ، هي إطروحته للدكتوراه الثانية (1877) . أما الجزء الثاني فقد ظهر بعد خمسة سنوات وبعنوان دراسات هيوم : نظرية العلاقات (1882) . ومن الملاحظ إن ميننك قد كتب هاتين المقالتين تحت تأثير إستاذه المشرف الفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو . وفي كلتا المقالتين ، أظهر ميننك ميلاً نحو التجريبية البريطانية . وبالمقابل إبتعد عن الكانطية والمثالية الألمانية . والحقيقة إن هذا الميل نحو التجريبية يتوائم ونظرية ميننك في الموضوع . ولاحظنا خلال قراءتنا لثلاثية كارل ياسبرز في الفلسفة ، إن هناك صدى لأطراف من نظرية الموضوع التي صاغها الفيلسوف الفينومنولوجي أليكسس ميننك في عناوين وبعض نصوص ياسبرز .
2 – أما كتاب الفيلسوف ميننك الأول ، فقد كان بعنوان حول العلم الفلسفي وطبيعة دراسته (1885) والذي رأى النور بعد ثلاثة سنوات من نشره للجزء الثاني من رائعته دراسات هيوم . والواقع إن كتاب حول العلم الفلسفي … ، هو كتاب نقدي للتعليمات التي أصدرتها وزارة الثقافة ، والتي من خلالها قطعت ساعات تعليم الدراسات الفلسفية في التعليم الثانوي ، والتي شملت علم النفس ، وعلم المنطق والفلسفة . وهذا الكتاب حسب رأي الأستاذ جوهان بريك ، ما هو إلا مقالة كتبها الفيلسوف ميننك ليعرض فيها وجهات نظره حول الفلسفة وعلم النفس . أما فيما يخص الفلسفة ( منا : وهي مسألة في غاية الأهمية في تاريخ الفلسفتين الألمانية والنمساوية عامة ، والبيئة الثقافية والأكاديمية التي نشأ فيها كارل ياسبرز ، وتطور فيها فكره الفلسفي العلمي .) فقد تطلع ميننك إلى تأسيسها على قواعد علمية ، بدلاً من أن تكون نوعاً من التأمل . وفيما يتعلق بعلم النفس ، فإن ميننك نظر إليه مضمار أساس وفرع من الفلسفة (وهذا النهج الذي يحافظ على إرتباط علم النفس في رحم البحث الفلسفي ، هو ما سعينا إلى إرسائه في قسم العلوم التربوية والنفسية في بداية الثمانينيات من القرن العشرين أمام موجة ساذجة يقودها زملاء يتطلعون إلى إمكانية إخراج علم النفس من أحضان الفلسفة الدافئ إلى مضمار العلوم التجريبية … ومثلما فشل ماركس فشلاً ذريعاً في تحويل الماركسية إلى علم وقال ببؤس الفلسفة . فكان الحاصل بؤس الماركسية علماً وظلت رغم مزاعم ماركس واحداً ولا يوجد لها على الإطلاق قسم في كليات العلوم. فقد فشل زملاء الثمانينيات في دعوته البائسة في تحويل علم النفس إلى علم لا فلسفة له) .
وعلى أساس هذا التوجه (أي تأسيس الفلسفة على قواعد علمية وإبقاء علم النفس فرع أساس من الفلسفة) ذهب إلى إن تعليم علم النفس والفلسفة لا يمكن أن يكون محاولة تعرض نتائج نهائية ونظريات مقبولة . وعلى خلاف ذلك ، فإن الفيلسوف ميننك رأى إن تعليم علم النفس والفلسفة ينبغي أن ينهض على تجارب والإنخراط في مناقشات . وهذا التوجه قاد ميننك في النهاية إلى إقتراح مؤسسات لكل من المختبر السايكولوجي والسيمنار الفلسفي ، والتي تمثلت في معاهد أكاديمية في جامعة كراز . ومن طرف الفيلسوف الأكاديمي ميننك ، فقد عمل بجد على توفير الوقت الكافي لمناقشة الموضوعات الفلسفية مع الكلبة والأصدقاء والزملاء .
3 – ومن ثم جاء كتاب أليكسس ميننك المعنون البحث النفسي والإخلاقي في نظرية القيمة (1894) . والواقع إن الفيلسوف ميننك قد ناقش في هذا الكتاب نظريات القيمة الإقتصادية الذاتية ، والتي ترتبط بشخصية إثنين من الإقتصاديين النمساويين ، وهما كل من كارل مينجر (1840 – 1921 وهو مؤسس المدرسة النمساوية للإقتصاد) وفريدريك فون فيزر (1851 – 1926 وهو من الجيل الأول من المدرسة النمساوية للإقتصاد) . ولم يكتف ميننك بمناقشة نظرياتهما ، وإنما تبنى نهجهما الذاتي ، ومن ثم قام بتحويره ، ووسعه بحيث يعالج موضوع القيم بصورة عامة ، وبذلك تخطى ميننك مضمار القيم الإقتصادية وصعد إلى طوابق القيم العالية .
ومن ثم في العام ذاته (أي عام 1894) طور ميننك وبتفاصيل واسعة فكرته القائلة : بأن الأخلاق هي التي تقرر (وبالطبع تميز بين) ما له قيمة ، وما ليس له قيمة . ومن ثم كتب بحثه الصغير في عام 1895 والمعنون حول الإتجاهات القيمية والقيمة . ولاحظ الباحثون الأكاديميون إن في أعمال ميننك الأخرى من مثل العرض الإنفعالي (1917) وأعمال متأخرة أخرى قد عالج فيها أطراف متنوعة من نظرية القيمة . إلا إن ما وجده الباحثون ، هو تحول ميننك إلى معاقل النظرة الموضوعية . وعلى هذا الأساس يمكن فهم دواعي ربط ميننك بين التحليل السايكولوجي للقيم ونظريته في الموضوعات . كما ويمكن النظر إلى القيم والمعايير كأنواع خاصة للموضوعات . وبالطبع هذا لا يشمل القيم الشخصية فقط ، وإنما يضم القيم الموضوعية (خاصة قيم العلاقات مع الأخرين) .
4 – توزعت أبحاث ميننك (على الأقل في الفترة الممتدة من عام 1891 ونزولاً حتى وفاته وخلال أبحاث طلابه التي صدرت في تكريمه وهو حي يرزق ) في طرفين ؛ الفلسفة وعلم النفس أو بدقة الإنطولوجيا والظاهرة النفسية (وكلاهما كونا ركنين أساسيين من مدرسته الفينومنولوجيا التي نزلت إليه من أستاذه فرانز برنتانو الأب الروحي لحركة الفينومنولوجيا) .
فمثلاً في العام 1891 نشر بحثه ميننك المعنون في علم نفس العُقد والعلاقات . ومن ثم نشر بحثه في علم النفس والفيزيولوجيا ، والذي كان بعنوان حول أهمية قانون فايبر : مساهمات في علم نفس المقارنة والقياس (للتعريف بالطبيب الألماني إرنست هنريخ فايبر وقانونه الهامش رقم 304) ، والذي نشرته مجلة علم نفس وفيزيولوجيا الأعضاء الحسية .
وصدر له في العام 1899 بحثه المعنون حول موضوعات النظام الأعلى وعلاقتها بالإدراك الداخلي ، والذي نشرته له مجلة علم النفس والفيزيولوجيا . ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن أعمال ميننك السايكولوجية قد إهتمت بصورة غير إعتيادية بمنهجية علم النفس ، والتي أطلق عليها الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، إصطلاح علم النفس الوصفي ، وهي في الحقيقة نوع من التصنيف أو الجرد للمكونات العقلية ، من مثل : الأساس التجريبي ، النظرية السببية للحادثة العقلية (والسايكولوجية) . وقد كتبها تحت تأثير كتابات تاوردسكي (1894) ولكن بطريقية نقدية . وهنا تجدر الإشارة إلى إن ميننك قد ربط في بحثه حول موضوعات النظام الأعلى … بين الموضوعات النفسية الوصفية والموضوعات الأبستمولوجية والإنطولوجية .
ومن ثم جاء الكتاب المعنون أبحاث في نظرية الموضوعات وعلم النفس ، والذي صدر في عام 1904 ، وكان من منشورات مدرسة كراز لنظرية الموضوع وعلم النفس التجريبي ، وتلته مساهمة قام بها تلاميذ ميننك ، وبعنوان عشر مساهمات فلسفية ونفسية لتلاميذ ميننك ، وقام بمراجعتها الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ولعل من المساهمات المهمة جداً ، والتي لا يمكن إغفالها في الحديث عن الفيلسوف أليكسس ميننك ، مساهمة رودريك كويسهولم ، في نشر نظرية الموضوعات (وترجمتها إلى الإنكليزية) في الكتاب الذي أشرف على تحريره مع عدد من المختصين ، وبعنوان الواقعية والخلفيات التاريخية للفينومنولوجيا .
5 – غطت الأعمال التي كتبها الفيلسوف ميننك الأخيرة ، موضوعات فلسفية متنوعة ، منها
حول الإفتراضات ، وحول الإمكانية والإحتمال (1915) ، ومن ثم جاء كتابه حول العرض الإنفعالي (العاطفي) (1917) . كما ويندرج في كتابات هذه الفترة العمل الذي كتبه في العام 1904 ، والذي حمل عنوان نظرية الموضوعات ، وهو نوع من البيان الفلسفي . وإستمر في كتاباته اللاحقة ، يُدافع عن كتابه نظرية الموضوعات ، وبصورة منهجية ، وفي هذا الصدد يمكن ذكر كتابه المعنون حول الأسس التجريبية لمعرفتنا ، والذي نُشر عام 1906 ، ومن ثم ظهر في طبعة أعمال ميننك الكاملة ، وفيه إضافة تقول رسالة أبستمولوجية حول المعرفة التجريبية ، وإضافة أخرى تقول الإدراك الخارجي والداخلي في مغايرة للمعرفة الأولية وكذلك يمكن أن يُدرج في كتابات هذه الفترة كتابه المعنون مكانة نظرية الموضوعات في نظام العلوم ، والذي صدر عام 1907 . والحقيقة إن برتراند رسل قد ثمن ميننك وشكره على طرف من طريقته في بحث نظرية الموضوعات (وخصوصاً البدء من القاع) ، وبالتحديد فيما أسماه بالمسار التجريبي للبحث . وقبيل وفاته كتب سيرة فكرية مختصرة جاءت بعنوان ميننك : عروض ذاتية ، ومن ثم ظهرت بعنوان أخر الفلسفة الألمانية الراهنة : عروض ذاتية .

—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(8)
الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين
الدكتور محمد جلوب الفرحان الدكتورة نداء إبراهيم خليل
تقديم :
تأتي أهمية هذا البحث ، من إن الحب والقديس أوغسطين ، كان أول عمل أكاديمي كتبته الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا إرنديت ، وتحت إشراف البروفسور الفيلسوف الوجودي (المسيحي – البروتستانتي) كارل ياسبرز . وهذا صحيحُ كل الصحة ولا خلاف عليه . ولكن وراء حب القديس أوغسطين ، قصة حب عارمة عاشتها حانا أرنديت مع أستاذها وحبيبها الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، في بيته الصيفي وخلال كتابة مارتن هيدجر لرائعته المشهورة الوجود والزمن ، والتي ساهمت حانا في مناقشة أطراف منها مع هيدجر في لقائاتهما في البيت الصيفي . ومثلما كان الحب الجنسي العارم الذي عاش تفاصيله القديس أوغسطين بعد إن كان على دين والده ، والذي يتمثل بالعقيدي اليوناني (الوثني بمنظار المسيحية) ، ومن ثم على العقيدي المانوي قبل أن يتحول إلى شواطئ المسيحية . كان نوعاً من الحب التابو (مُحرم) على رئيس القساوسة أوغسطين بُعيد تحوله من ضفاف المانوية إلى معاقل المسيحية . وفيما يُشابه ظروف أوغسطين ، كان الحب بين الفيلسوف الوجودي هيدجر وطالبته حانا فيه تابو خطير ، خصوصاً بعد شكوك الفريدا زوجة مارتن هيدجر . ومن ثم إدراك مارتن هيدجر بأن العاصفة قادمة لا محالة منها .
وهكذا رتب الفيلسوف الوجودي هيدجر ، للفيلسوفة حانا أن تكتب إطروحتها للدكتوراه عن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، ليس تحت إشرافه ، وإنما فكر بالبروفسور كارل ياسبرز ، ولذلك سافر مارتن هيدجر للقاء بالفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وأقنعه بالإشراف على طالبة الدكتوراه حانا أرنديت . وكان حينها كارل ياسبرز يعيش ضغوط نفسية عالية ، فقد إتهمه الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، بالعطب الفلسفي وعدم إمكانيته كتابة شئ مرموق في مضمار الفلسفة . وكان قدر حانا إن تأتي في ظل هذه الظروف لتكتب إطروحتها ، ولتُشارك البروفسور ياسبرز في مناقشة أطراف من رائعته المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وخصوصاً مناقشة عميقة لفعل التفلسف ، الذي صاغه كارل ياسبرز وتميز به ، رغم إن جذوره تصعد إلى فيلسوف العلم برنارد بولزانو ، وخصوصاً مناقشاته لفعل التفلسف في كتابه المعنون ما هي الفلسفة .
وهكذا تحول الحب عند القديس أوغسطين ، إلى جسر يربط بين حانا أرنديت ومارتن هيدجر والبروفسور كارل ياسبرز الذي أشرف على إطروحتها هذا من طرف . كما إن أوغسطين من طرف أخر ، هو موضوع التقريب واللقاء بين كارل ياسبرز وحانا أرنديت ، وثلاثية ياسبرز المعنونة ثلاث مجلدات في الفلسفة . وعلى هذا الأساس يمكن القول ، إن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، والوجود والزمن ، وثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هي ثلاثية ولدت في ظل ظروف حانا ومارتن وياسبرز .
ونحسب في ضوء هذا الواقع التي ولدت فيه هذه الروائع الفلسفية الثلاث ، نتفهم القضية التي أثارها كل من جونا سكوت وجوديث ستارك في المقدمة التي كتباها لنشرة الترجمة الإنكليزية لإطروحة الدكتوراه التي خطتها حانا أرنديت بالألمانية أصلاً ، وحملتها معها عندما هجرت بلدها الأصلي ألمانيا ، ولاذت بها إلى فرنسا ، ومن بعد ذلك إستقرت مع حانا في مهادها الأخير في الولايات المتحدة الأمريكية . ومن ثم بدأت حانا بجد في فترة ما قبل موتها بترجمتها إلى الإنكليزية . غير إنها غادرت هذا العالم ، ولم ترى النشرة الإنكليزية على الإطلاق . وبعد أكثر من عقدين من الزمن على وفاتها ، ظهرت النشرة الإنكليزية ، وبالتحديد في العام 1996 .
الحقيقة إن القضية التي أثارها الأكاديميتان كل من جونا ف . سكوت و جوديث س . ستراك ، تثير الإستغراب والإستهجان ، ومفادها ، هو : كيف تُقدم طالبة يهودية على كتابة إطروحتها للدكتوراه عن رئيس القساوسة (المسيحي) القديس أوغسطين ؟ وكيف تعمل طالبة يهودية مع رمزين من رموز الفلسفة الوجودية الألمانية ، وهما كل من الكاثوليكي مارتن هيدجر ، والبروتستانتي كارل ياسبرز ؟ ومن طرفنا القضية واضحة ، وهو إن دين الفلاسفة ، هو عقيدي فلسفي لا علاقة له بدين العامة والأمهات العجائز والأجداد الشيوخ . ورغم ذلك فسنترك هانز جونز (1903 – 1993) ، وهو زميل الفيلسوفة حانا لفترة طويلة (في ألمانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وعملا معاً في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي في جامعة مدينة نيويورك) ، يُدلي بشهادته ، والتي تضمنتها مقدمة كل من سكوت وستراك للنشرة الإنكليزية لإطروحة حانا للدكتوراه ، والتي جاءت بعنوان ” إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين ” . وفي شهادة جونز هانز ، يأتي الجواب الشافي على السؤالين المرفوعين أعلاه . فقال ” يبدو إن مثل هذا الموضوع ، لم يكن غريباً على الجامعات الألمانية في ذلك الوقت ” . ويحسبُ جونز إن عمل حانا أرنديت عن أوغسطين ” كان بحد ذاته مفهوماً تماماً ” وذلك منذ إن كان ” كل من من هيدجر وياسبرز قد حولوا إهتمامهم إلى عدد من المفكرين ، بحثاً عن جذور الوجودية . وفي هذا الإطار حولوا واجهتهم نحو أوغسطين ، وإستجابوا لرسالته الوجودية ” .
ومن الجدير بالذكر إن هانز جونز ، هو اليهودي الآخر ، الذي إختار أوغسطين ، ودرس مشكلة الحرية في تفكيره ، وهو أول عمل أكاديمي له في جامعة كوتنجن الألمانية عام 1930 . ويرى جونز ، إلى إن موضوع حانا أرنديت ، جاء نتيجة لقراءاتها المشروطة بإهتمامات كارل ياسبرز يومذاك ، وكان ياسبرز مُعتاداً على الكلام كثيراً عن المفكرين المسيحيين من أمثال أوغسطين ، باسكال وكيركيجارد ، والتي كانت موضوعات ذات حرارة عالية يومذاك في الجامعات الألمانية . ويُضيف جونز إلى ذلك ، فيفيد إلى إن من الموضوعات المركزية التي يجري الحديث عنها ، هو إعترافات أوغسطين . وبمنظار فلسفي وجدوا (على ألقل كل من ياسبرز وتلميذته حانا) في الإعترافات ، نمطاً من التفكير الأصيل الملفت للنظر مقارنة بالفكر الهيليني .
ولعل من الملفت للنظر في عالم الفلسفة ، الذي يزنُ الإمور بميزان علماني رحب وإنساني راقي ، هو إثارة الإستفهام والسؤال حول فكرانية حانا أرنديت الدينية ، وهي التي ولدت وترعرعت في أحضان عائلة (من جهة الوالد والوالدة) لا تهتم بالعقيدي ولا تُبالي بالطقوس والشعائر الدينية . كما إن العائلة إختارت الممرضة آد لتعمل ممرضة – مربية للطفلة حانا . إن و إن آد آمرأة مسيحية وإعتادت قراءة التراتيل المسيحية على الطفلة حانا ، وكانت حانا من طرفها تردد هذه التراتيل بإتقان ملفت للنظر … ، وتركت المربية آد الكثير من التأثير على حانا هذا طرف . ومن طرف أخر إن الوالدة مارثا آرنديت كانت من رفاق الفيلسوفة الماركسية (الشيوعية) روزا لوكسمبيرك (1871 – 1919) . وفعلاً فإن الفيلسوفة حانا تتذكر عندما حضرت بصحبة والدتها مناقشات روزا لوكسمبيرك ، والتي أشعلت فتيل الإنتفاضة التي عمت الشوراع ، وكانت الأم مارثا أرنديت من بينهم تركض وتنادي على إبنتها حانا قائلة : ” إنتبهي يا حانا ، هذه هي اللحظة التاريخية ” . وإن حانا من طرفها كانت زوجة الشيوعي الألماني السابق هنريخ بلوشر (1899 – 1970) .
ولكل هذا نحسب إن الحديث عن يهودية الفيلسوفة حانا أرنديت ، هي عودة إلى ذمة التاريخ ، التي فقدت معناها في قاموس حانا الفلسفي الإنساني الخالص . كما وفيها فكرانية سياسية ، خصوصاً بعد مواقفها المعلنة ، والتي أزعجت الكثير من رجلات السياسية في إسرائيل ، بعد حضورها لجلسات محاكمة الجنرال النازي رودلوف إيكمان (1906 – 1962) ، والذي تمت عملية إختطافه من الأرجنتين من قبل السلطات الإسرائيلية ، وجلبته إلى القدس للمحكمة . وفعلاً فقد كتبت الفيلسوفة حانا أرنديت سلسلة من المقالات لتغطية جلسات المحكمة لصالح صحيفة نيويورك الجديد الأمريكية ، ومن ثم صدرت فيما بعد في كتاب ، بعنوان إيكمان في القدس : تقرير عن تفاهة الشر . وهذا الكتاب أثار زوبعة من الجدل ، وذلك للأراء والحقائق التي أدلت بها الفيلسوفة أرنديت ، مما أزعجت دوائر الفكرانية السياسية الإسرائيلة . وبذلك تم جرد إسم الفيلسوفة حانا أرنديت في قوائم المحذور عليهم ، وربما تحدث بعضهم عنها ، وهي السامية الأصل ، بأنها أنتسيماتزم (ضد السامية) .
ومن ثم تبع ذلك جدل واسع في مجتمع نيويورك ومن ثم في العالم ، حول عبارتها في العنوان الفرعي من كتابها إيكمان ، والقائلة ” تفاهة الشر ” ، والتي لم يقبل أن يسمعها رجلات السياسة ومروجي الإعلام المضاد ، لكونها تتنافر وتوجهاتهم التي إبتكروها أساطيراً ، فنسوا مصادرها الإسطورية المخترعة . وعندما ذكرت الفيلسوفة حانا بمصادرها الواقعية ، إنقلبت الدنيا رأساً على عقب ، وإنزعج الأهل والأصحاب ، لكونهم آمنوا بأن الإسطورة حقيقة ، وإن الحقيقة التي قالتها حانا أرنديت ، هي محض تلفيق روائي خالص . وذلك حين أكدت الفيلسوفة حانا أرنديت على عبارة ” تفاهة الشر” بأن ” الرموز الكبيرة من رجالات اليهود تعاونوا مع رجالات السلطة النازية على تهجير الجماعة اليهودية ” . وبحثاً في قاموس الفيلسوفة حانا أرنديت ، وذلك للوقوف بدقة على عبارتها التي وصفت بها محكمة إيكمان ، والقائلة ” عدم أصالة الشر ” . تقول حانا ” إن إيكمان لم يكن نصيراً متحمساً ، ولا سايكوباثياً (مريضاً نفسياً) ، وإنما هو رجل عادي ، آمن بعقائد دولته ، ونفذ آوامرها ، وهي بالنسبة له أفعال عادية ” .
الحب والقديس أوغسطين : حكاية إطروحة دكتوراه
صحيح إن هذه الإطروحة – الكتاب ظهرت في نشرتها الإنكليزية بعد موت الفيلسوفة حانا أرنديت بأكثر من عقدين من السنيين (21 عاماً) . ولكن من الصحيح جداً بأن القارئ الإنكليزي ، قد عرف هذه الإطروحة في وقت مبكر ، وذلك من خلال كتاب إليزابيث يونك بروهيل ، والمعنون حانا أرنديت : من أجل حُب العالم ، والذي ظهر في طبعته الأولى عام 1982 ، أي بعد وفاة الفيلسوفة حانا ، بحدود السبعة سنوات فقط . وهذا يعني إن القارئ الإنكليزي قد عرف إطروحة حانا للدكتوراه بما يُقارب العقد والنصف من السنين قبل النشرة الإنكليزية لكل من سكوت وستارك (1996) . كما إن العنوان في هذه النشرة الإنكليزية ، قد ظهر فيه بعض الإختلاف عن النشرة الألمانية لعام 1929 ، والذي جاء بالصيغة الآتية : مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . والحال كذلك في ملخص إليزابيث بروهيل ونشرتها في عام 1982 . أما في نشرة سكوت وستراك (1996) فجاءت تحت عنوان الحب والقديس أوغسطين (ولذلك نحسب في هذا العنوان تغيير جذري للحدود المنهجية لبحث إطروحة الدكتوراه في عام 1929 والتي تتطلب منهجياً إن يكون على الأقل فصلاً موسوعاً عن حياة المعلم المانوي ومن ثم القديس أوغسطين).
واليوم تتوافر لدينا وثيقتان من إطروحة الدكتوراه التي كتبتها حانا أرنديت ؛ واحدة هي خلاصة للإطروحة ، والتي خصتها الكاتبة إليزابيث برهيل في الملحق رقم 3 . والإطروحة كاملة ، والتي جاءت بعنوان مختلف بعض الشئ ، وهو الكتاب الذي بدأت حانا أرنديت بتحضير ترجمته الإنكليزية قبيل موتها ، ثم راجعه وأشرف على إعداده في نشرة إنكليزية كل من سكوت وستراك .
والحق إن هذه النشرة مختلفة بالإضافة إلى إنها جاءت كاملة ، فقد إحتوت على مقدمة بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين . ومن ثم جاء نص الإطروحة ، والتي تكونت من مدخل . ومن ثلاثة أقسام (والحقيقة في هذه النشرة أضاف الناشران إليها قسماً رابعاً ، وهو في الأصل ليس جزء من الإطروحة في اساس نشرة سبرنكر الألمانية عام 1929) ؛ وكان القسم الأول بعنوان الحبُ حنين : المستقبل المأمول . وهذا القسم تكون من ثلاثة فصول – محاور ؛ الأول وجاء بعنوان تركيب أو بنية الحنين (الشهوات) . في حين كان عنوان الفصل – المحور الثاني الإحسان والرغبة . بينما جاء الفصل – المحور الثالث بعنوان نظام الحب .
أما القسم الثاني من إطروحة حانا أرنديت ، فحمل العنوان الأتي : الخالق والمخلوق: الماضي الحاضر في الذاكرة ، والذي تكون بدوره من ثلاثة فصول – محاور ، وجاءت على التوالي ؛ الأول وحمل عنوان الأصل . والثاني كان بعنوان الشفقة والحب . وحب الجار جاء عنوان الفصل – المحور الثالث . وجاء القسم الثالث والأخير من الأطروحة الأصلية ، بعنوان الحياة الإجتماعية . وهو قسم عام جاء وكأنه حديث عن عالم الإنسان وخال من الفصول المحاور التي عرفناها في القسم الأول والثاني .
وأشرنا في البداية إلى أن هناك قسماً رابعاً ، وهو من أضافة الباحثين – الناشرين والمراجعين لأطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت . وهو قسم ليس من أصل الإطروحة ، وأنما هو قسم شارح لأطراف منها ، وهو كما قلنا كُتب بقلم كل من سكوت وستراك . وجاء بعنوان إعادة إكتشاف حانا أرنديت . وهو تقريباً بحجم الإطروحة الأصلية ، وبالطبع إذا أضفنا المقدمة ، يكون حجم المكتوب بقلم سكوت وستراك أكثر بقليل من إطروحة حانا الأصلية . وتكون القسم الرابع من أربعة فصول – محاور . وجاءت بالصورة الآتية ؛ الأول بعنوان المدخل: البدايات الجديدة . وحمل الثاني عنوان قطار الأفكار . بينما كان عنوان الثالث هيدجر : ما بين الماضي والمستقبل . وجاء الفصل – المحور الرابع بعنوان ياسبرز: أرنديت والفلسفة الوجودية . وهناك في خاتمة القسم قائمة بالمصادر التي إستخدمها الباحثين .
ونشعر إن الخلاصة التي تقدمت بها الباحثة إليزابيث يونك بروهل من الأهمية بمكان ، وذلك لكونها إعتمدت على الإطروحة في أصلها الألماني . صحيح إنها جاءت في ملحق مستقل من كتابها عن الفيلسوفة حانا أرنديت ، والمعنون حانا أرنديت: من أجل حب العالم . وهكذا تحولت حانا من حب القديس أوغسطين المشروط بعقيدي مرة مانوي ومرة مسيحي ، إلى حب إنساني يلف العالم برمته . وقبل تقديم عرض لهذه الخلاصة عن إطروحة حانا أرنديت ، نقدم أشياء من سيرة الباحثة إليزابيث يونك بروهل (1946 – 2011) والتي لها علاقة عضوية بالفلسفة بصورة عامة ، وبالفيلسوفة حانا أرنديت بصورة خاصة .
فهي فيلسوفة ، وعالمة في التحليل النفسي ، وكاتبة سير ذاتية . فقد كتبت السيرة الذاتية لأثنين من النساء المؤثرات في ثقافة القرن العشرين . ألا وهما حانا أرنديت وآنا فرويد . بدأت إليزابيث بروهل مشوارها الأكاديمي ، بحضور دروس في كتابة الشعر مع الشاعرة الأمريكية ميوريل راكايس (1913 – 1980) في كلية سارا لورنس . ولكنها تركت دراسة الشعر ، وذهبت إلى مدينة نيويورك لدراسة الثقافات المضادة خلال منتصف الستينات . وبعدها أكملت دراساتها الأكاديمية الأولية في المدرسة الجديدة ، والتي ستُعرف فيما بعد بالمدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي . حيث هناك إلتقت بزوجها السابق روبرت بروهل (1946 – 2011) . وخلال هذه الفترة إلتحقت الفيلسوفة حانا أرنديت ، عضواً تدريسياً في كلية الخريجين للمدرسة الجديدة . ومن ثم سجلت إليزابيث إطروحتها للدكتوراه في الفلسفة . وكانت حانا الموجه الفكري لها ، والمشرفة على إطروحتها . وفي عام 1974 بدأت إليزابيث رحلتها الأكاديمية ، وذلك بتدريس الفلسفة في كلية لترز – جامعة وسيلاين في كونكتيك .
وبعد سنة واحدة (أي عام 1975) تُوفيت الفيلسوفة حانا أرنديت ، فإتصل بإليزابيث بروهل ، عدد من أصدقاء حانا ، وطلبوا منها كتابة سيرتها الذاتية . وفعلاً جاءت ولادة رائعتها ، والتي حملت عنوان حانا أرنديت : من أجل حب العالم ، والتي نُشرت عام 1982 ، والتي تُرجمت إلى لغات عديدة . كما إن كتاب سيرة حانا الذاتية ، قد لعب دوراً في تزايد إهتمام إليزابيث بروهل بالتحليل النفسي . وفعلاً تتوج هذا الإهتمام بقدومها على التسجيل في عيادة التدريب على التحليل النفسي . وكان مكاناً تعرفت فيه على عدد من زملاء آنا فرويد (1895 – 1982) وقد وجُهت لها الدعوة بكتابة السيرة الذاتية لآنا فرويد ، فكان حصيلتها كتابها الرائد ، والذي حمل عنوان آنا فرويد : سيرة ذاتية ، والذي نُشر عام 1988 .
ونحسب إن من أهم مؤلفات إليزابيث الفلسفية ، التي سبقت كتاباتها في السير الذاتية ، كتابها الشهير عن الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز ، والذي جاء بعنوان الحرية وفلسفة كارل ياسبرز ، والذي صدر عام 1981 . وما دام إهتمامنا بالفلسفة والمرأة (أو الأدق الفكر الفمنستي) ، ففي هذا المقام ، يجب الإشارة إلى كتابين مهمين في هذا المضمار كتبتهما الفيلسوفة المعاصرة إليزابيث يونك بروهل ، وهما ؛ فرويد والنساء ، وهو كتاب جماعي أشرفت عليه ، وصدر عام 1992 . والثاني بعنوان ؛ السيرة الذاتية : التحليل النفسي ، الفمنستية (النسوية) ، وحياة النساء الكاتبات ، والذي صدر عام 1999 . وكتب أخرى .
تكونت الخلاصة التي كتبتها إليزابيث بروهل من عشرة صفحات ، وحملت عنوان إطروحة حانا أرنديت للدكتوراه : موجز . ونرى في هذا الموجز بعض الأفكار المهمة ، في مضمار تفكير الفيلسوفة حانا أرنديت عامة ، وفي طرف وصف إطروحتها الخاصة عن موضوع الحب عند القديس أوغسطين . فالإطروحة بنسختها الألمانية طُبعت بخط قوطي (نسبة إلى اللغة القوطية) ، وهي مملوءة بإقتباسات لاتينية ويونانية غير مترجمة ، وكُتبت بإسلوب النثر الهيدجري (نسبة إلى الفيلسوف مارتن هيدجر) ، وهي بالتأكيد عمل غير ميسر وليس بالسهل . ومن النافع أن نذكر بأن إي . ب . أشتون قد أعد للإطروحة ترجمة في بداية الستينات من القرن الماضي (1960) . غير إن الفيلسوفة حانا أرنديت ، لم تقتنع بعد مراجعة الترجمة ، ولذلك لم توافق على نشرها . وأظن إن السبب لا علاقة له بترجمة الأستاذ إشتون (إرنست باش) والمشهود له بالدقة . وإنما بطبيعة إطروحة الحب عند القديس أوغسطين . ولهذا السبب كانت حانا أرنديت تتطلع في ضم إضافات جديدة إليها ، لتساعد في توضيح أطراف من الإطروحة . وفي عام 1965 تخلت حانا تماماً عن الموضوع ، وذلك لشعورها بالإحباط ، وإقتناعها بأن نشر إطروحتها يحتاج إلى جهد كبير هذا من طرف . ومن طرف أخر إنها كانت يومذاك مشغولة بمهمات أخرى .
والحقيقة إن هذا الموجز للأطروحة ، فيه أساس لفهم أطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، وكنت أتمنى على ستوك وستراك ، أن يقوما بنشر هذه الخلاصة مدخلاً لكتاب الحب والقديس أوغسطين ، في نشرة عام 1996 أو على الأقل الإشارة إليها ، ومن ثم تقديم عرض لما حملته من أفكار تُساعد في فهم إطروحة حانا . ولكن الذي حدث ، هو إهمال هذا النص وعدم الإشارة إليه . ونحسب في ذلك عيب أكاديمي لا مبرر له ، كما نرى في الخلاصة صوت له سلطة قوية في فهم إطروحة حانا أرنديت في وقت تفردت به ، فقد كانت الكتاب الوحيد في دائرة الثقافة الإنكليزية يومذاك ، بل وظل يمارس التأثير لمدة ما يُقارب القرن والنصف قبل إن يظهر كتاب الحب والقديس أوغسطين بنشرة كل من سكوت وستراك .
وهذا الموضوع سنعود إليه عند مناقشة بحث سكوت وستراك والمعنون إعادة إكتشاف حانا أرنديت ، وهو البحث الواسع ، والذي كون القسم الرابع من كتاب إطروحة حانا الحب والقديس أوغسطين . وقبل أن نغادر هذا الموضوع ، نرغب بالإشارة إلى إشكال منهجي ليس من طرف إطروحة حانل أرنديت للدكتوراه ، وإنما من جهة ضم البحث الواسع لكل من سكوت وستراك إلى لحمة كتاب الحب والقديس أوغسطين . ففي الواقع تكون البحث بحد ذاته من 102 صفحة / ص ص 113 – 215 ، إضافة إلى مقدمة كتبها سكوت وستراك ، وجاءت بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين وتكونت من 13 صفحة . وبذلك يكون مجموع ما كتبه سكوت وستراك ما مجموعه 115 صفحة ، فهي أكبر حجماً من إطروحة حانا . إما الإطروحة بحد ذاته فتكونت من 112 صفحة . ومن الزاوية المنهجية يظل السؤال يطرح نفسه حول درجات التوزان في كتاب – إطروحة عنوانها الحب والقديس أوغسطين ، خال من أي حديث عن سيرة القديس أوغسطين . ونظن كان من الأفضل أن يأتي الحديث في بحث سكوت وستراك عن سيرة أوغسطين التي أغفلتها الإطروحة ، كما وأغفلها الموجز في كتاب إليزابيث ، وذلك لأن مفهوم الحب عند أوغسطين وهو على دين والده مختلف ، عن مفهوم الحب وأوغسطين بدرجة معلم وهو معتنق للمانوية ، ومختلف بالتأكيد عن مفهوم الحب عند القديس المسيحي أوغسطين . هذه الأطراف لم تُعالج برمتها في إطروحة حانا . وتجاهلها كل من إليزابيث ، وستوك وستراك .
القديس أوغسطين : سيرة ذاتية غائبة
هذا هو الطرف الغائب من إطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، والحقيقة في هذه السيرة ، كشف عن ثلاث مراحل مهمة في حياة أوغسطين ، وكان لها الأثر العميق في التحولات التي طرأت على صياغة مفهوم الحب الأوغسطيني . ورغم إن القديس أوغسطين قطع علاقته كما يبدو ظاهرياً بالمرحلتين الأولى والثانية من حياته ، حين تحول إلى شواطئ المسيحية . ولكن قبول هذا الأمر على المستويين المثدولوجي والفلسفي هو إنكار وشطب مقصود ، وبدافع عقيدي متعمد أو جهل بحقيقة تفكير القديس أوغسطين . وفي كلا الحالين عيب منهجي وفكري في محاولة قراءة وفهم فكر رئيس القساوسة أوغسطين والمعلم المانوي السابق . ونرى منهجياً إن هذا الحضور القوي للعقيدي اليوناني في مرحلته الأولى ، والعقيدي المانوي في المرحلة الثانية ، شواهد دالة على إستمرارها تحت جلد أوغسطين وفي طبقات من تفكيره في المرحلة المسيحية الثالثة . ولكل ذلك نتفق مع بعض من الأكاديمين ، الذين أطلقوا عليها إصطلاح البعد الهرطقي في تفكير القديس أوغسطين .
وبالطبع البعد الهرطقي إشارة إلى دين والده اليوناني (في حين كانت والدته على العقيدي المسيحي وتكافح بجد على إيمانه بالمسيحة ولكن باب أوغسطين مسدودة أمامها) كما إن الهرطقة تعني الطرف المانوي من تفكير أوغسطين ، والذي وصل إلى درجة معلم مانوي . وهذه مسألة بالغة الأهمية في إدراك التحولات التي طرأت على مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، وقد فات إدراكها على كل من الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز وحانا أرنديت ، والثلاثي الثاني ؛ إليزابيث بروهل وسكوت وستارك .
ولوضع إطروحة حانا أرنديت المعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين بنشرتها الإلمانية الأصل عام 1929 وخلاصتها بالإنكليزية في كتاب إليزابيث بروهل عام 1982، والحب والقديس أوغسطين في النشرة الإنكليزية الكاملة ، والتي أشرف عليها وكتب لها مقدمة وبحث واسع كون القسم الرابع من الكتاب الذي صدر في عام 1996كل من سكوت وستراك . نقول لوضع الإطروحة ومفهوم الحب عند القديس أوغسطين في مناخها الأوغسطيني ، نقوم بتقديم رصد لحياة أوغسطين وأثر التحولات العقيدية الملونة والثلاثية على مفهوم الحب عنده , ونحسُب في هذا الرصد ملأ الهوة الكبيرة التي يحتاجها مثل هذا البحث – الإطروحة ، والتي غابت على الثلاتي الأكاديمي الألماني الأول ؛ هيدجر وياسبرز وتلميذتهما الفيلسوفة حان أرنديت . كما وغابت على الثلاثي الأكاديمي الثاني ؛ إليزابيث وسكوت وستارك .
وهذه هي أطراف من الغائب في تفكير الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز ، وبالطبع في إطروحة تلميذتهما حانا أرنديت ، والمعنونة مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . وكذلك الغائبة في خلاصة الأكاديمية إليزابيث بروهل ، وفي الكتاب الذي أشرف عليه الأكاديميين سكوت وستراك ، والمعنون الحب والقديس أوغسطين :
1- القديس أوغسطين : بين الرواية المانوية واللاهوت المسيحي
كتب الفيلسوف المانوي الجزائري المنبت أوغسطين (354 – 430م) أو رجل اللاهوت المسيحي القديس أوغسطينوس بعد تحوله من المانوية إلى المسيحية ، العديد من المؤلفات البالغة الأهمية سواء في مضمار تاريخ فلسفة التاريخ أو في تطوير العقيدي المسيحي والذي سيطلق عليه فيما بعد حشد من الأكاديميين وغير الأكاديميين إصطلاح الفلسفة المسيحية الغربية .
ونحسب إن الكثير من أفكار المرحلة المانوية (التي إستمرت على الأقل تسع سنوات وكان فيها أوغسطين على مستوى المستمع ومن ثم أصبح بدرجة معلم في صفوفها) من تفكير القديس أوغسطين وجدت لها مكانة قوية في داخل رائعته الفلسفية التاريخية المعنونة مدينة الله . كما إن من المهم لدينا في مضمار الدراسات في فلسفة التاريخ ، هو تأملات أوغسطين الفلسفية التي إستبطنت الكثير من مشروع إفلاطون في رائعته الجمهورية التي عبرت إلى القديس أوغسطين خلال مسارات متنوعة منها على سبيل التمثيل وليس الحصر شيشرون وجمهوريته ، إفلوطين وفلسفة ولاهوت الإفلاطونية المحدثة .
عاش وكتب أوغسطين في فترة دقيقة من تاريخ التحول في الثقافة الغربية ، التحول من العقيدي اليوناني – الروماني المتسور بالفلسفة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي إلى دائرة اللاهوت المسيحي المتنامي . وفعلاً فقد عاش وكتب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين (وهو تاريخ نضال دموي مع ما يسميه كتاب الكنيسة بالفكر الوثني اليوناني ومن ثم تسويات عقيدية مع الإمبراطورية وصلت إلى حد تلوين العقيدي بثوابت وثنية لم تتنازل عنها الإمبراطورية وطبعت العقيدي المسيحي بطابعها الوثني وإلى الأبد …) تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية التي إحتضنت مدارس فلسفية متنوعة ، وهذه المدراس ستظل لها أدوراً فاعلة في الدوائر الثقافية في عموم الإمبراطورية وحتى بعد وفاة القديس أوغسطين بما يُقارب القرن من الزمن ، وإستمرت حتى غلقها الإمبراطور الروماني جوستنيان (482 / 483 – 565م) في العام 529م .
إن محاولة فهم ماذا حدث في العقود الثلاثة الأولى من حياة القديس أوغسطين ، وبالتحديد أثنتين وثلاثين عام من عمره الفكري قبل أن يتحول إلى المسيحية ضرورة علمية . ففيها الكثير من الشواهد على المنعطفات العقيدية والفلسفية . صحيح إن الكتاب المسيحيين لا يرغبون في الكتابة عنها ، ويتمنون شطبها وإلغاءها من حياة القديس أوغسطين . ولكن من الزاوية الأكاديمية هي مطلب ملح لمعرفة المعارف التي تلقاها الرجل ، والتجارب التي عاشها ، والتحولات العقيدية من المانوية وإلى الشكية الأكاديمية التي إستقر فيها بعد تخليه عن المانوية والأدق تحوله عنها . فهي مرحلة مفيدة في فهم تحوله الأخير إلى المسيحية وتخليه عن الحياة والزواج والزوجة والعائلة … والسؤال : هل هذا التحول حمل قطيعة كاملة مع الحياة والمانوية والشكية الأكاديمية ؟ نحن لا نجد في كتابات القديس ما يقدم جواباً شافياً لصالح القطيعة ، بل على العكس هناك شواهد على إستمرار الأثر المانوي والفلسفي الشكي الأكاديمي على الأقل في رائعته مدينة الله .
ولذلك نحسب إن الطرف الوثني من حياة القديس أوغسطين جداً مهم في فهم الحياة العقلية والتحولات العقيدية والخط التطوري في فكره اللاهوتي وفي تحديد حجم مساهمته فيما يسمى بالفلسفة المسيحية الغربية . ومن الملاحظ إنه خلال هذه العقود الثلاث (32 سنة) قد عاش حياة جنسية صاخبة ، وتم فيها إنبات الكثير من البذور الأولى لحياته العقلية اللاحقة وذلك من خلال برنامج التعليم وإستلامه العقيدي المانوي ، ومن ثم تشربه للطرف الفلسفي المتمثل بالشكية الأكاديمية ، وتبنيه لأفكار إفلاطون من خلال جمهورية شيشرون وإفلوطين والإفلاطونية المحدثة وقراءته لكتاب أرسطو المنطقي وهو المقولات وهو أول رسالة منطقية في تحليل اللغة. ولهذا نحن نخلاف الكتاب المسيحين ولا نحسب إنها توقفت أو إنطفأت يوماً من الأيام بعد إن تحول إلى العقيدي المسيحي ، بل على العكس إنها ظلت تلعب دوراً قوياً تحت جلد القديس أوغسطين وتوجه تفكيره وتقود قلمه .
لقد إمتدت هذه الفترة منذ ولادة الطفل الجزائري أوغسطين عام 354 وإلى لحظة إنفتاحه على المسيحية عام 386 (وكان عمره إثنتين وثلاثين ربيعاً) وذلك من خلال سماعه بقصة باسليونس وأصدقائه عندما قرأوا لأول حياة القديس إنثوني الصحراوي أو إنثوني المصري (251 – 356م) . وهكذا تلاه تحول اوغسطيني من قصة حياة القديس إنثوني إلى الإنجيل ، وبالتحديد إلى إنجيل بولس والذي قرأ منه رسالة بولس إلى الرومان والمعنونة بتحولات المؤمنين .
2 – البيئة العائلية ومراحل التعليم الأولى
ولد أوغسطين في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي ، وبالتحديد في عام 354م في مدينة تكاست الجزائرية ، والتي كانت جزء من الإمبراطورية الرومانية . ومن الملاحظ إن الطفل أوغسطين قد ترعرع في أحضان عائلة ذات تكوين عرقي وعقيدي متنوع . فمن طرف الوالد باترسيوس كان وثنياً (منا = وربما كان على عقائد الدين الروماني ذات الإصول اليونانية ولهذا نتحفظ على كلمة وثني لأنها تتضمن تصنيف عقيدي مسيحي) . ومن جهة الأم مونيكا أو القديسة مونيكا (331 – 387م) فقد كانت مسيحية من البربر ، وهي ” من أوائل القديسات المسيحيات ” . وفعلاً فقد ذكر الباحثون الأكاديميون في إصول القديس أوغسطين ، إلى إن أسلافه ينتمون إلى تنوع عرقي متفرد ، فهم ينتمون إلى البربر ، واللاتين والفينيقيين . ولكن العائلة كانت من الناحية القانونية ، عائلة رومانية وهي تتمتع بالمواطنية الرومانية الكاملة ، وعلى الأقل قبل ولادة أوغسطين بأكثر من قرن من الزمن . كما إن عائلته كانت تنتمي إلى الطبقات العليا من المجتمع الروماني يومذاك ، وإن لغته الأولى هي اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية .
ويبدو لنا إن الطفل أوغسطين تلقى دروسه الأولى في التعليم في البيت وفي المنطقة التي تعيش فيها العائلة . ولما كانت المنطقة جزء من الإمبراطورية الرومانية ، فإن الثقافة التي كانت سائدة هي الثقافة الوثنية بالمفهوم المسيحي ، إضافة إلى إن الأم مونيكا كانت مسيحية ، فإن قدر الطفل أوغسطين كان موضوع تجاذب بين ثقافتين متقاطعتين حتى النخاع ، وهما ؛ الثقافة الوثنية (الرومانية – اليونانية) وهي ثقافة الوالد ، وثقافة مسيحية تبثها الأم من خلال قراءتها للإنجيل والصلوات والترانيم الدينية . وإن هذا التجاذب ظل فاعلاً في حياة وتفكير القديس أوغسطين على الأقل خلال العقود الثلاثة الأولى من حياته .
ولما بلغ الحادية عشرة من عمره رغبت العائلة إرساله للتعليم في المدارس الرسمية ، ولكن هذه الرغبة العائلية ليست باليسيرة وذلك لعدم توافر مدرسة يومذاك في المنطقة التي تعيش فيها العائلة ، فتم إرسال أوغسطين ليتلقى تعليمه في مدينة مدراس حيث توجد فيها مدرسة . وفعلاً كانت المدرسة فرصة تعليمية متفردة لأوغسطين ، التي إتصل من خلال دروسها بالأدب اللاتيني والذي يشمل مقالات ، وكتب تاريخية ، وقصائد ومسرحيات ونصوص كُتبت باللغة اللاتينية . وهذا التقليد التربوي بدأ في القرن الثالث قبل الميلاد ، ومن ثم أصبح بعد القراءة والكتابة باليونانية القديمة وحتى عصر ماركوس أورليوس (121 – 180م)) وضم الأدب اللاتيني في عصر أوغسطين قراءة وكتابة نصوص كل من الخطيب والفيلسوف شيشرون والشاعر الروماني فيرجيل (70 – 19 ق.م) والشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 18م) والشاعر والفيلسوف الأبيقوري لوكريتوس (99 – 55 ق.م) . إضافة إلى كل ذلك فإن أوغسطين تشرب الكثير من العقائد الرومانية (التي هي إحياء للعقيدي اليوناني) ومارس طقوسها اليومية كفعالية من المنهج الدراسي .
ولاحظ الدارسون وكتاب سيرته ، إنه خلال عودته من المدرسة إلى البيت ، وبالتحديد في عامي 369 و370 وكان في الخامسة عشرة من عمره ، قرأ واحدة من محاورات شيشرون والمعنونة هورتنسيوس أو حول الفلسفة (وكتبها شيشرون عام 45 ق.م وفيها إستبطان لأراء أرسطو وتوسيع ، وهي من المحاورات الضائعة والتي حملت أسم صديق شيشرون وهو الخطيب والسياسي الروماني هورتنسيوس (114 – 50 ق.م) وقد تركت هذه المحاورة أثاراً قوية على تفكير أوغسطين وخصوصاً توجهاته الفلسفية ، فيصفها أوغسطين قائلاً ” كانت محاورة هورتنسيوس مثل الشرارة التي قدحت في الإهتمام بالفلسفة ” . وهنا إنتهى فصل من حياة طالب العلم أوغسطين ، وستلعب الطروف دوراً إيجابياً في فتح أبواب التعليم العالي أمامه وهذا فصل جديد سيخوض غماره بعيداً عن مرابض الأهل والعشيرة ، حيث سيتوجه إلى قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا .
3 – الرحلة العلمية إلى قرطاج والتجربة المانوية والجنسية المبكرة
وفعلاً لما بلغ أوغسطين السابعة عشر ربيعاً ، حصل على منحة دراسية تقدم بها مُحسن روماني له ، فشد الرحال وذهب للدراسة في قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا الرومانية . وفعلاً فقد بدأ أوغسطين برنامجه التعليمي العالي في قرطاج في موضوع الخطابة والبيان وهو من الموضوعات المرغوبة في العصر الروماني ، إذ تُهيأ المتخصص في العمل في المرافعات والدفاع في المحاكم .
ونحسب من النافع أن نشير إلى إن رحلة أوغسطين إلى قرطاج لم تكن في جميع أطرافها رحلة في طلب العلم . وإنما كانت تجربة شخصية متنوعة ، ففي قرطاج حدث تحولاً جوهرياً في مضمار العقيدي حمله على الإيمان بالمانوية . ومن الملاحظ على صعيد التحول العقيدي ، إن أوغسطين تخلى عن الدين الروماني (الوثني بإصطلاحات المسيحية ) وهو دين والد أوغسطين ، ووضع وراء ظهره العقيدي المسيحي ، وهو يمثل ديانة مونيكا (القديسة مونيكا فيما بعد) وهي أم أوغسطين ، فكانت النتيجة خيبة للأم والأب وهذا الطرف سنتناوله في مقال قادم . كما إن أوغسطين عاش تجربة جنسية مع إمرأة إستمرت لأكثر من ثلاثة عشر سنة مملوءة بالحب العارم ، وكان حصيلتها ولادة ولده أديوداتوس (والتي تخلى عنها بعد ثلاثة عشر سنة حسب روايات البعض ، وهناك من يرى إنه تركها عندما ناهز ولده السابعة عشرة ربيعاً ، وبالتحديد في عام 389م وذلك عندما تحول إلى المسيحية ، وكان أوغسطين يومها إبن خمس وثلاثين ربيعاً) . وهذه العلاقة الجنسية وما إرتبط بها ستترك أثاراً على حياته الإجتماعية والفكرية ، وعلاقته بإمه التي ستكافح بإتجاه إنتخاب الزوجة المناسبة له … وهذا طرف سنبحثه في مقال خاص كذلك .
4 – الأكاديمي أوغسطين والتعليم العالي
بعد إكمال دراساته في قرطاج ، عاد أوغسطين إلى مدينة تكاست الجزائرية ، وأخذ يعلم فيها النحو وبالتحديد خلال عامي 373 و374 ، ولكنه لم يستقر فيها ، فقرر العودة إلى قرطاج ، وأدار هناك مدرسة للخطابة والبيان . وفعلاً إستمر هناك لمدة تجاوزت التسع سنوات . ومن ثم أخذ ينزعج من تصرفات الطلاب غير اللائقة ، فرأى إنه من الأسلم ترك قرطاج والتحول إلى روما عاصمة الثقافة الأولى للإمبراطورية الرومانية . وفعلاً في العام 383 إنتقل إلى روما ، وأسس فيها مدرسة له . وكان يعتقد أوغسطين إنه في روما يتوافر الكثير من أفضل رجال الخطابة . ولكن حال أوغسطين لم يسير بيسر في روما ، فسرعان ما خابت أماله بمدارس الخطابة فيها ، وخصوصاً عندما تجاهلته ولم تهتم به هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر فإنه مل من تصرفات الطلاب في روما ، وهي كثيرة . فمرة وهو ينتظر حلول إستلام الأجور الدراسية التي يدفعها طلاب الخطابة لمدرسته ، هرب الطلاب ولم يدفعوا له شيئاً .
ورغم هذا الحال المخيب للآمال ، فإن الصدفة لعبت دوراً في فتح أبواب جديدة أمام معلم الخطابة أوغسطين ، والتي فيها بوراق من الأمل . فقد كان له صديق من المانويين ، والذي لعب دوراً في تقديمه إلى محافظ مدينة روما ، وهو كونتويس أورليوس سامكيوس (345 – 402م) وحينها كان يبحث المحافظ عن بروفسوراً للخطابة ، وذلك ليشغل هذه الوظيفة في المحكمة الإمبراطورية في ميلانو . وفعلاً فقد نجح أوغسطين في الحصول على هذه الوظيفة الأكاديمية من بين عدد من المرشحين . وبدأ العمل بالتحديد في نهايات عام 384 .
ونحسب من المفيد الإشارة إلى إن أوغسطين في هذه الفترة أظهر ميولاً واضحة لصالح العقيدي المانوي مع محافظة على مستوى واطئ في تراتبية المانوية ، فقد ظل بمنزلة مستمع في الحلقات المانوية ، ومن ثم أصبح معلماُ . وأخذ بعد ذلك ينسحب شيئاَ فشيئاً منها (وهناك مؤشرات لبداية هذا الإنسحاب قد حدثت في قرطاج وهذه قصة سنبحثها في مقالنا المعنون مانوية القديس أوغسطين) وتحول إلى الضفاف الآمنة للمذهب الفلسفي الشكي الذي هيمن على مصير أكاديمية إفلاطون ، وبالتحديد فيما يُسمى بالمرحلة الوسطى للأكاديمية ، وأصبح من مناصري حركة الأكاديمية الجديدة .
ومن طرف أخر فقد كانت عيون مونيكا والدة أوغسطين تُراقب عن كثب تحولات ولدها أوغسطين العقيدي والفلسفي ، وحسبت إن في هذا التحول نحو معاقل الشكية الفلسفية تباشير مشجعة لها لتعمل من جديد على إقناع ولدها للتحول إلى شواطئ المسيحية . إلا إن أمالها تبددت حين فضل أوغسطين العمل بجد على إنجاز دراساته الخاصة حول الإفلاطونية المُحدثة خصوصاً وإن صديقه المحافظ ساميكوس كان يُشجعه بإلحاح على السير في هذا الإتجاه .
أوغسطين كاتب سيرة ذاتية وفيلسوف تاريخ
قبل الخوض في مسألتين مهمتين في تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما تقديم أولاً – أوغسطين كاتباً لأول سيرة ذاتية في تاريخ السير ، والتي تمثلت في رائعته التي حملت عنوان الإعترافات . وثانياً – التأمل في رائعته الفلسفية – التاريخية (وبالطبع اللاهوتية) المعنونة مدينة الله ، نود تعريف القارئ بأوغسطين مؤلفاً وكاتباً ، وهي مسألة في غاية الأهمية في بيان المكانة التي إحتلتها الإعترافات ومدينة الله بينها . في الحقيقة إن أوغسطين كتب قبل الإعترافات ومدينة الله العقيدي المسيحي ، فيها رد ونقد وتفنيد (هجوم) على المانوية التي إعتنقها لمدة تسع سنوات ، والوثنية اليونانية – الرومانية التي كانت دين والده (أي والد أوغسطين) . فمثلاً تشير الدراسات إلى إنه كتب ما يُقارب المئة عنواناً . وقد صنفها الباحثون في تراث أوغسطين إلى :
أولاً – الأعمال الدفاعية (دفاع عن العقيدي المسيحي ضد هرطقات صادرة من رجال لاهوت مسيحيين وغير مسيحيين) : والتي شملت هرطقات كل من الإريوسية (وهي فرقة مسيحية) ترتبط بإسم مؤسسها إريوس الإسكندراني المصري (250 – 336م) والذي سبب سخط الكنيسة عليه في مناقشة العلاقة بين الله – الأب والله – الأبن ، وإعتبر كلامه عن الله – الإبن وحدة منفصلة من الوحدة الكلية لله – الأب ، كلام هرطقة أيده مجمع نيكا عام 325م . وهذا الأمر حدث قبل ولادة القديس أوغسطين بحدود الثلاثين عاماً . ولكن يبدو إن هذه الفرقة كان لها وجود في العصر الذي تحول فيه أوغسطين إلى معاقل المسيحية ، فبدأ كتاباته في هذا المضمار والذي صدر عليه شجب من المجمع الكنسي كما قلنا .
والحركة المسيحية الهرطقية الثانية التي كتب عنها ، ويبدو إنها كانت منتشرة بين البربر ، وفي الجزائر خصوصاً ، فهي الدوناتاسية ، وهي فرقة مسيحية ترتبط بإسم الإسقف البربري دوناتاس مكنيوس (أصبح رئيس أساقفة في قرطاج عام 313م) . وهذه الحركة إنتشرت في الجزائر وجرى حولها الجدل ، على الأقل قبل ولادة القديس أوغسطين بنصف قرن من الزمن . ولعل الأمر الذي حمله على الكتابة عنها ، هو إن لها وجود مستمر في مرابض أهل أوغسطين في عنابة الجزائر .
ومن ثم جاء موضوع العقيدي الأول (المانوية) والذي تحول ليصبح الخصم اللاهوتي الهرطقي للمسيحية على يد أوغسطين ، وهو المؤمن بها (لفترة تجاوزت التسع سنوات وأثارها عليه ظلت إلى الآبد) وهو العارف الخبير بتفاصيلها وطقوسها ، قوتها ونقاط الهشاشة فيها . ومن المعروف إن المانوية خالطت العقيدي المسيحي ، وإنتشرت بين المسيحيين وغير المسيحيين وفي عموم الإمبراطورية الرومانية ، وخصوصاً في العاصمة روما (ولا تنسى قصة الصديق المانوي الذي كان صديق محافظ روما وصديق أوغسطين ، وهو الذي عرفه بالمحافظ ، ومن خلال ذلك حصل على وظيفة بروفسور…) .
صحيح إن العقيدي المانوي ، هو عقيد ثنائي ينهض على الإيمان بقوتين تحكمان كل شئ في العالم وحياة الإنسان ، وهما في حالة صراع مستمر ؛ الخير ، وهو عالم روحي يمثله الضوء ، والشر ، وهو عالم مادي تمثله العتمة . وهذا الصراع يغطي تاريخ الإنسانية برمته (مع وجود فترات يسود فيها الخير فيملأ الأرض عدلاً ، وفترات يهيمن الشر فيملأها ظلماً) . ومن الصحيح إن القديس أوغسطين تخلى عن العقيدي الثنائي المانوي ، إلا إنه إنتقل إلى العقيدي المسيحي الذي يؤمن بالثالوث (ثلاثة أقانيم : الأب والأبن وروح القدس) . وهكذا هرب أوغسطين من مشكل الثنائية المانوية ، ليجد نفسه أمام مشكل أكثر تعقيداً وهو مشكل الثالوث المسيحي .
ومن ثم كتب أوغسطين عن فرقة هرطقية أخرى ، وهي فرقة البيلاجيانية نسبة إلى مؤسسها الزاهد بيلاجيوس (354 – 420 / أو 420م) والذي كان معاصراً لأوغسطين ومن هنا تأتي أهميته . أثار بيلاجيوس النقاش حول قضية الخطيئة الأصلية حسب العقيدي المسيحي . وذهب في نقاشه مذهباً بعيداً عن شواطئ المسيحية . بل وفيه مخالفة لإعتقاد المسيحية في الخطيئة الأصلية . فهو يرى إن الخطيئة الأصلية لم تُفسد الطبيعة الإنسانية ، وإنما على العكس إن الإرادة الإنسانية (الفانية) لازالت قادرة على الإختيار بين ما هو خير وشر ، دون الحاجة إلى عون إلهي .
إن أهمية ما كتبه أوغسطين ، يأتي من إنه معاصر لهذا الناسك المسيحي ، وإن فرقته كان له الأثر في الحياة المسيحية يومذاك ، وهكذا سخر أوغسطين للرد عليهم وتفنيد دعواهم التي لا تتناغم والإنجيل وقوله بالخطيئة الأصلية التي لوثت الطبيعة البشرية ، ولهذا فهي محتاجة إلى عون إلهي ، وهذا ما يُقدمه الفادي (المسيح) للبشر ليخلصهم من خطيأتهم الأصلية ، والتي تحولت إلى عقيدة أصيلة في مشروع الإنقاذ المسيحي للبشرية . وهكذا وجد أوغسطين نفسه مسؤلاً في الرد عليهم وكشف هرطقتهم ، ومن ثم الدفاع عن عقيدة الخطيئة الأصلية التي يقوم عليها اللاهوت المسيحي برمته والنظر إلى المسيح مخلصاً وفادياً للإنسانية .
ثانياً – الأعمال العقيدية المسيحية (اللاهوتية المسيحية)
كتب أوغسطين مجموعة رسائل وكتب ، هدف منها إلى تعزيز ثقة المسيحيين في عقيدتهم الدينية وتقديم شرح وتبسيط لها ، وهدف من كتابة بعضها لظروف عصيبة مرت بها الإمبراطورية الرومانية . ولنبدأ بالنوع الأخير من الكتابات ، وهي كتابات التحديات والتي جاءت بعنوان قوط غربيون وكتبه للتحدي الذي قامت به هذه الجماعة للإمبراطورية ، ومن ثم إحتلال أراضيها ، حتى إنها تمكنت من إجتياح روما في العام 410م وكان القديس أوغسطين حياً ، وهو إبن الرابعة والستين .
ومن ثم كتب حول الثالوث والذي كان رسالة سايكولوجية ، ويُنظر إليها كواحدة من روائعه في اللاهوت . وألف في الإختيار والإرادة وعالج في هذه الرسالة قضية الشر التي تشغل الأديان جميعاً ، ولكن إوغسطين عالجها من خلال حرية الإرادة وفيه وجه نقد للمانوية عقيدة الأمس ، وجادل في تفضيل النزعة الفلسفية الشكية . كما كتب أعمالاً أخرى في مضمار اللاهوت ، منها العقيدة المسيحية ، ورسالة بولس إلى الرومان ، وسفر التكوين ، والمزامير ، ومجموعة خطب دينية ورسائل …
الإعترافات : السيرة الذاتية من زاوية فلسفة التاريخ
لم يكن كتاب الإعترافات (وفي عنوان أخر إعترافات القديس أوغسطين) هو أول الكتب التي كتبها أوغسطين كما بينا أعلاه . إلا إنه يتصدر قائمة الكتب التي تحدثت عن الحياة الشخصية في تاريخ الثقافة الغربية ، ومن بعده سار على هذا النهج الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 – 1650) خصوصاً في تجربته العقلية والتي أودعها كتابه المعنون تأملات في الفلسفة الأولى (حياة الشك في المحسوسات والعقليات وإقترب من الوثوقيات الدينية وتوقف خوفاً مما حدث لغاليلو غاليلي …) وجان جاك روسو (1712 – 1778) الذي كتب سيرته الجريئة تحت عنوان القديس أوغسطين ذاته الإعترافات . ولكن مع إضافة إسمه ، فجاءت بالصورة الآتية إعترافات جان جاك روسو ، والتي غطت الثلاثة والخمسين سنة الأولى من حياته ، والذي كتبه عام 1770 ، ولم ير النور إلا بعد موته بإثنتي عشر سنة (نشر عام 1782) … والقائمة طويلة .
كما إن أوغسطين كتب الإعترافات بالتأكيد قبل ملحمته مدينة الله . فقد كتب الإعترافات في العقد الأخير من القرن الرابع الميلادي . في حين كانت مدينة الله من إنتاج يراعه في القرن
الخامس الميلادي . وإن كتاب الإعترافات هو من أوائل النصوص التي كُتبت في مضمار السير الذاتية في دائرة الثقافة الغربية . ويتألف من ثلاثة عشر كتاباً (أو جزءً) . وكتبه أوغسطين باللغة اللاتينية ، والتي كانت يومها لغة السياسة والإدارة والعلم والثقافة في الإمبراطورية الرومانية (ومن ثم إستمرت لغة العلم والثقافة حتى العصور الحديثة . فمثلاً كتب ديكارت وكانط مؤلفاتهما بالاتينية …) . وصرف أوغسطين في إكمال كتاب الإعترافات ثمانية سنوات ، بدأت منذ عام 389 وإستمرت حتى عام 397 الميلادية .
أما نشرته الإنكليزية فقد حملت عنوان إعترافات القديس أوغسطين ، وذلك لتمييزها من كتب الإعترافات التي حملت العنوان ذاته . والحقيقة إن العنوان الأصلي لكتاب أوغسطين جاء بالعنوان الآتي : الإعترافات في ثلاثة عشر كتاباً . ويرى الباحثون في مضمار فلسفة التاريخ عامة ، وفي ميدان السير الذاتية خاصة ، على إن كتاب الإعترافات للقديس أوغسطين تحول ليكون موديلاً (إنموذجاً) لعدد من الكُتاب المسيحيين ، وفرض هيمنته وتأثيره في العصور الوسطى ولمدة تجاوزت العشرة قرون من الزمن .
مع الإشارة إلى أن كتاب الإعترافات ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة ، وذلك لأن المؤلف كتبه وهو في الأربعينيات من عمره (وإن هناك ما يُقارب الثلاثة عقود والنصف من عمره ، والتي لم يعيشها أوغسطين بعد ولذلك لم يكتب عنها شيئاً في الإعترافات) وعلى هذا الأساس ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة . والكتاب برمته من زاوية فلسفة التاريخ ، هو نوع من التأمل الفلسفي في تاريخ البطل أوغسطين ، أفعاله وإختياراته ، إنجازاته وكبواته ، خطاياه وندمه ومن ثم رحلة الإنقلاب والتحول إلى شواطئ المسيحية …
والكتاب فيه تجارب وفلسفة وعبر (وهذا الأمر يضمه إلى أحضان فلسفة التاريخ بإستحقاق عال) . فالإعترافات كتاب الندم من حياة الخطيئة التي عاشها (التي إستمرت لمدة سبعة عشر عاماً) والتي كادت أن تخنق فيه روح كل ماهو أخلاقي . وفيها عبرة وندم على متابعة العقيدي المانوي (والذي إستمر لمدة تسع من السنيين) ، وندم من الإعتقاد بالتنجيم ، وكشفه عن دور نبرايدوس (منا = وهو صديق لأوغسطين جاء ذكره في رسائل أوغسطين كذلك) في إقناعه بالإعتقاد بالتنجيم . ويرى أوغسطين إن اعتقاده بالتنجيم ليس خطأ فحسب ، بل هو شر بحد ذاته . وبالمقابل بين دور القديس إمبروز (340 – 397م) في إقناعه للتحول إلى شواطئ المسيحية . وبالمناسبة إن القديس إمبروز مات في السنة ذاتها التي أنجز القديس أوغسطين كتابه الإعترافات .
ونحسب من زاوية فلسفة التاريخ إن هناك إشكالاً في كتاب الإعترفات من طرف المنهج الذي إعتمد عليه القديس أوغسطين ، فالكتب التسعة الأولى هي فعلاً سيرة ذاتية تتحدث عن البطل القديس أوغسطين . في حين إن الكتب الأربعة الأخيرة ، هي شروح ومزامير . ويبدو إنه لا علاقة لها بالسيرة الذاتية . ولكن في الواقع إن هناك جسوراً من الإتصال بين الكتب التسعة الأولى والكتب الأربعة الأخيرة ، وهي إن خطيئة القديس (البطل) أوغسطين أو الأصح خطاياه حملته على البحث عن وسائل تكفيرعن الخطايا ، فكانت الكتب الأربعة الأخيرة هي الوسائل والتي تمثلت بالصلوات وترانيم التكفير ، والتي تتقدمها مزامير داود . وهنا نقدم جرداً مختصراً لكتاب الأعترافات ونقترح توزيعه في بابين :
الأول – ويضم الكتب التسعة الأولى من الإعترافات والتي غطت فعلاً سيرة القديس (البطل) أوغسطين الجزائري (ونحسب إنها سيرة الخطيئة والذنوب بلغة أوغسطين المسيحي) . وجاءت بالشكل الأتي :
الكتاب الأول والذي كان بعنوان السنوات الخمسة عشر الأولى .
الكتاب الثاني ركز على عمر أوغسطين في السادسة عشرة .
الكتاب الثالث عالج حياة أوغسطين من السادسة عشرة وحتى الثامنة عشرة .
الكتاب الرابع قدم وصفاً لما حدث لأوغسطين من الثامنة عشر وإلى السابعة والعشرين
الكتاب الخامس شرح فيه الأحداث التي عاشها في السنة الثامنة والعشرين من عمره .
الكتاب السادس وحمل عنوان التاسعة والعشرين .
الكتاب السابع وجاء بعنوان في الثلاثين .
الكتاب الثامن في عمر الحادية والثلاثين .
الكتاب التاسع في الثانية والثلاثين .
الثاني – وشمل الكتب الأربعة الأخيرة من الإعترافات ، والتي تناولت وسائل العزاء والتكفير عن خطايا وذنوب البطل أوغسطين ، وهي سيرة أوغسطين الحاضرة (وهو يعيش في رحاب المسيحية) والتي جاءت بالصورة الآتية :
الكتاب العاشر وحمل عنوان إعترافات أوغسطين عن حياته الراهنة (المسيحي الراهن مقابل ماضي الخطيئة والذي ضمته الفصول التسعة قبل أن يصبح مسيحياً والتي غطت إثنتين وثلاثين سنة من عمره) .
الكتاب الحادي عشر وجاء بعنوان حول الله والخلق وسفر التكوين .
الكتاب الثاني عشر وكان عنوانه الجنة (السماء) والأرض .
الكتاب الثالث عشر وقدم وصفاً لأيام الخلق (سفر التكوين) .
مدينة الله : بين التاريخ والفلسفة واللاهوت
من القار الثابت لدينا إن أوغسطين وكما أشار علانية في الكتاب الرابع من إعترافاته إلى إنه قرأ كتاب المقولات للفيلسوف اليوناني أرسطو . وأرسطو هو تلميذ إفلاطون لمدة أكثر من عشرين سنة و داينمو أكاديمية إفلاطون . وهذا الكلام له دلالات كثيرة في مضمار كتابة رائعة أوغسطين الشهيرة مدينة الله . وذلك من طرف إن الأستاذ إفلاطون كتب عن المدينة اليونانية المثالية ، وإن التلميذ أرسطو وكتابه المقولات كانا موضوع قراءة من طرف القديس أوغسطين . ولهذا نحسب إن مدينة الله التي كتبها القديس أوغسطين تحتاج إلى دراسة عربية تقارن بين أفكار إفلاطون وأرسطو والرواقية وشيشرون وأفكار أوغسطين وأسوارها الإنجيلية في تكوين مدينته أو مدينة الله .
كما إن أوغسطين يعترف في كتابه الإعترافات ، وبالتحديد في الكتاب الثالث على إنه قرأ شيشرون في بواكير حياته الدراسية ، وخصوصاً جمهوريته ، والتي نحسب إن فيها إستبطان كثير لرائعة الفيلسوف اليوناني إفلاطون . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الكثير من أفكار إفلاطون (إذا لم يقرأها أوغسطين مباشرة من إفلاطون وجمهوريته أو من خلال مدينة الرواقية والمواطن الرواقي العالمي الذي تبنته المسيحية) فتكون قد عبرت إلى أوغسطين عن طريقين : الأول جمهورية شيشرون . والثاني الإفلاطونية المحدثة التي كان أوغسطين ميالاً لها ، وخصوصاً من طرف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري الذي تقدم بشرح أو إختصار لجمهورية إفلاطون كما تشير إلى ذلك قائمة مؤلفاته .
صحيحُ إن أوغسطين كتب مدينة الله باللاتينية (ولذلك كان عنوانها اللاتيني هو دي سفيتاتي ديا كونترا بيكينز (مع بعض التحفظ على كونترا بيكنز ، والذي نعتقد إنها إضافة متأخرة والعنوان الأصلي هو دي سفيتاتي ديا أي بالعربية مدينة الله) ، ومن ثم تُرجم إلى الإنكليزية بعنوان مدينة الله المعارضة (ضد) الوثنيين (منا = اي مدينة الله المعارضة للمدن الوثنية) أو مدينة الله كتاب الفلسفة المسيحية كتبه أوغسطين في بواكير القرن الخامس الميلادي .
ويبدو لنا إن العنوانين الأخيريين جاءا من مخطوطة تعود إلى فترة متأخرة وذلك لأن الحديث عن معارضة المدن الوثنية (أو الوثنيين) أو الإشارة إلى الفلسفة المسيحية (في عنوان كتابه مدينة) في عصر أوغسطين يتعارض مع حقائق التاريخ التي تكشف بأن العالم الروماني (الوثني بعقائده من زاوية المسيحية) وفلسفاته المتنوعة عصر أوغسطين كان في مواقع القوة ، في حين كانت المسيحية في مواقع الدفاع . وإن هذا الأمر سيستمر حتى بعد قيام الإمبراطور الروماني جوستنيان بغلق المدارس الفلسفية عام 529 م (أي القرن السادس الميلادي) .
وكتاب مدينة الله في حساب الأكاديميين الغربيين ، هو واحد من أعمال أوغسطين الكبرى ، والذي يحتل مكانة بجوار رائعته الإعترافات ، وكتاب إنكريدين (باللاتينية) وبالعربية الكتاب الدليل (ويشمل الإعتقاد ، الأمل والحب) ، وكتابه العقيدة المسيحية (أو التعاليم المسيحية) ،
وكتابه الثالوث (والذي ناقش معانيه في ضوء المفهوم الفلسفي اللوغوس (العقل الكوني) .
كما وشكل كتاب مدينة الله من زاوية فلسفة التاريخ ، قلب المدنية الغربية ، وإن أوغسطين هو رمز من الرموز المسيحية الكبيرة في مضمار ما يُسمى بالمسيحية الغربية .
دوافع كتابة مدينة الله
يبدو إن فشل الإمبراطورية الرومانية في صد هجمات القوط الوثنيين بمنظار المسيحيين (وبالطبع أوغسطين واحداً منهم) كان الدافع وراء كتابة مدينة الله (الرسالة التي وجهها أوغسطين لعموم المسيحين بعد صدمة سقوط روما عاصمة الإمبراطورية بيد القوط الوثنيين) . ولذلك نحسب إن قضية سقوط الحضارة الرومانية (والسقوط تحول إلى موضوع دراسة لفلاسفة التاريخ وظهر عنواناً للعديد من مؤلفات فلاسفة التاريخ) هو الموضوع الذي حرك يراع أوغسطين ليكتب مدينة الله وليشرح فيها علاقة المسيحية (وهي في حالة تنافس) بالأديان والفلسفات الرئجة يومذاك هذا طرف . والطرف الثاني ليبين علاقة المسيحية بالإمبراطورية الرومانية ، والتي أخذت العلاقة بينهما تتداخل وتتشابك بدرجات متصاعدة يوماً بعد يوم . والشاهد على ذلك إنه كتب مدينة الله حال سقوط روما بيد القوط عام 410م ، وهي الحادثة التي هزت عالم الرومان والتي صاحبها إعتقاد شاع في الأوساط الرومانية ، إن سقوط روما رمز هيبة الإمبراطورية الرومانية جاء بسبب تخلي الرومان عن ديانة الأجداد التقليدية ، والتحول إلى شواطئ الكاثوليكية المسيحية .
إذن في ظل هذه الأجواء العصيبة ، كتب أوغسطين مدينة الله ، وذلك ليقدم العزاء والسلوى للمسيحيين ، وليبين لهم بأن القواعد الأرضية للإمبراطورية تعرضت للإنهيار (سقوط مدينة الأرض أو مدينة الإنسان) ، فإن في مدينة الله (المملكة المسيحية) سيكون الفوز والإنتصار المبين . وفعلاً فإن أنظار أوغسطين تحولت نحو السماء (الجنة) وهي مدينة الله . والحقيقة إن هذا الموضوع الذي كتب فيه أوغسطين سيكون موضوعاً مشتركاً للعديد من الكتاب المسيحيين يومذاك والفترة اللاحقة .
وبريشة فيلسوف التاريخ رسم أوغسطين تاريخ الإنسانية على إنه صراع بين ما أسماه مدينة الإنسان ومدينة الله . وإن قدر هذا الصراع محسوم لطرف مدينة الله ، وذلك لأن الناس في مدينة الله قد تخلوا عن المباهج واللذات الأرضية الزائلة ، ورهنوا بالمقابل حياتهم للحقائق الأزلية (الله = لاهوت مسيحي) وهي بالتأكيد تشكل مكونات العقيدي المسيحي . بينما الناس على شاطئ مدينة الأرض والإنسان قد غرقوا في المباهج واللذات الأرضية (لذات عالم زائل) .
صحيح جداً إن مدينة الله فيها متابعة واضحة للاهوت المسيحي . إلا إن الفكرة الأساس التي تدور حولها آليات المدينة ، هي فكرة الصراع ما بين قوتين الخير والشر . وهذه الفكرة بتقدير إجماع الأكاديميين الغربيين ، هي فكرة نزلت إلى مدينة الله من المانوية عقيدة أوغسطين السابقة (تذكر إن أوغسطين كما ذكرنا ظل في صفوف المانوية فترة تجاوزت التسع سنين ، وكان فيها بمستوى مستمع ، ومن ثم صعد إلى مصاف معلم) . وفي الحقيقة إن فلسفة المانوية تنهض على فكرة الصراع ما بين الضوء والظلمة (العتمة) أو الخير والشر . وفي حالة مدينة الله فإنها تمثل مدينة الضوء ، بينما مدينة الإنسان (الأرض) فهي مدينة الظلمة والعتمة . ونحسب على هذا الأساس (ونضيف إنه بقلمه إعترف في كتابه الإعترافات بعقيدته المانوية السابقة وهذا ما بيناه أعلاه) إستنتجوا إن أوغسطين إستبطن الأفكار المانوية في البناء الفلسفي لمدينة الله .
كما إنه من الصحيح عندما تخلى أوغسطين عن عقيدته المانوية السابقة ، تحول إلى ضفاف الشكية أولاً ومن ثم إستقر في أحضان فلسفة الإفلاطونية المُحدثة (أنظر معالجتنا لكتاب أوغسطين الإعترافات) . وهذا الكلام له دلالات مهمة ، منها إن أوغسطين لون فكرته عن مدينة الله بإطار فلسفي إفلاطوني مُحدث مع إستبطان لأفكار مانوية ، وخصوصاً في فكرة الصراع ما بين : الضوء والعتمة أو الخير والشر .
توزع كتاب مدينة الله في جزئين :
الأول – كان نقدياً (سلبياً) وضم عشرة كتب (من الأول وحتى العاشر) .
الثاني – بنائي (إيجابي تكويني) وشمل إثنتي عشر كتاباً (من الحادي عشر وحتى الثاني والعشرين) .
ركز الجزء الأول النقدي من كتاب مدينة الله على طرفين ؛ الأول وكان بعنوان نقد الرومان (وبكلماته نقد روما) وقدم فيه أوغسطين تقويماً نقدياً (وبالطبع من زاوية القس المسيحي أوغسطين) وخصص له خمسة كتب (من الأول وحتى الخامس) . وهو في الحقيقة نقد
لجوهر المكون الثقافي – الحضاري للرومان . والثاني كان بعنوان نقد الفلسفة الوثنية ، والذي تكون من خمسة كتب (من السادس وحتى العاشر) . وبالطبع جاء نقد الفلسفة اليونانية من زاوية رجل اللاهوت المسيحي أوغسطين .
أما الجزء الثاني من كتاب مدينة الله ، فدرس أطراف عدة ؛ الأول كان بعنوان إصول المدينتين (أي مدينة الإنسان ومدينة الله) وتألف من أربعة كتب (من الحادي عشر وحتى الرابع عشر) . والثاني جاء بعنوان تاريخ المدينتين (أي تاريخ مدينة الإنسان وتاريخ مدينة الله) وفكرة تطورهما (أو تقدمهما) . وتكون هذا الطرف من أربعة كتب (من الخامس عشر وحتى الثامن عشر) . والطرف الثالث والأخير من الجزء الثاني لكتاب مدينة الله فقد كان بعنوان قدر المدينتين المحتوم . وتشكل من أربعة كتب أيضاً (من التاسع عشر وحتى الثاني والعشرين) .
تعقيب
يبدو لنا إن القديس أوغسطين أو ما يسمى بفيلسوف المسيحية الغربية (وهو الشرقي الجزائري ، من مدينة عنابة) لم يكتب (أو على الأقل لم ينشر) شيئاً قبل تحوله إلى أحضان العقيدي المسيحي (وهو الذي قاوم محاولات والدته المسيحية القديسة مونيكا للإعتقاد بالمسيحية) ولمدة تجاوزت العشرين عاماً . وإذا صح هذا الإفتراض (إفتراض عدم الكتابة قبل عمر الثلاثين وقبل أن يكون مسيحياً) ، فإن كتاباته بالتأكيد تلونت بعقيدي مسيحي مُنحاز . وهذا أمر طبيعي في تاريخ حركة التفكير وتكوين العقول والذهنيات عامة وأوغسطين إنموذجاً . ولكل هذا فهناك الكثير من الأسئلة تُثار حول حيادية وموضوعية قلم القديس أوغسطين حين كتب عن الموضوعات الحساسة مثل المانوية التي كانت عقيدته لفترة تجاوزت التسع سنيين من عمره ، والديانات الرومانية – اليونانية (وهي ديانة الوالد والأصدقاء) والتي أصبحت بجرة قلم وثنية ، والإتجاهات الفلسفية من أكاديمية شكية وإفلاطونية مُحدثة ، والتي تحول إليها بُعيد إن تخلى من المانوية ، وأصبح بروفسوراً أكاديمياً للخطابة في المحكمة الإمبراطورية الرومانية في ميلانو ، نقول بجرة قلم تحولت إلى فلسفات هرطقية .
حقيقة هذا هو قدرنا في التعامل مع مؤلفات القديس أوغسطين . ولكن نحن من طرف أخر محظوظين بكتاب أوغسطين الإعترافات ، ففيه العديد من الإمكانيات التي تُساعدنا على تكوين معايير للتمييز بين الموضوعية واللاحيادية في تفكير أوغسطين بُعيد تحوله إلى معاقل المسيحية ، ومن ثم دخوله في دوامة المصالح والحسابات في عملية الإنشاء والتأليف ، خصوصاً بعد إحتلاله منزلة عالية في تراتبية الكنيسة (رئيس أساقفة) ورجل لاهوت مدافع عن العقيدي المسيحي ضد ما يُسمى بالهرطقة (وبالتحديد المانوية التي كانت عقيدته لمدة تسع سنوات وشغل فيها مستمعاً ومن ثم ترقى إلى درجة معلم) .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

مجلة أوراق فلسفية جديدة والمفكر العراقي العلماني علي الوردي ومؤتمر الجامعة الأمريكية في بيروت

أوراق فلسفية جديدة

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية متجددة

———————————————————————————-

 يُشارك الدكتور محمد جلوب الفرحان في المؤتمر العالمي الذي تقيمه الجامعة الأمريكية في بيروت ، إحتفالاً

بمرور مئة عام على ولادة المفكر العراقي علي الوردي . وكان بحث الدكتور الفرحان بعنوان الطرف الفلسفي من تفكير العالم العراقي علي الوردي.

The Philosophical Side in the Thoughts of the Iraqi Sociologist Ali Al – Wardi

 Dr. Mohamad J. Farhan

وبالمناسبة إن هذا المؤتمر سيُعقدُ في شباط 2014 ، وللفترة من 25 – 26 ، ويشارك فيه ثلاثة من الأكاديميين الكنديين من إصول عراقية ، وهم كل من البروفسور طارق إسماعيل من جامعة كيلكري ، والأستاذ الدكتور ثابت عبد الجبار عبد الله*  من جامعة يورك ، إضافة إلى الدكتور محمد جلوب الفرحان (رئيس قسم الفلسفة بجامعة الموصل سابقاً) وحالياً رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة . وبالطبع هناك حشدُ من الأكاديميين والباحثين من العراق ومن لبنان ومصر وبريطانيا ومن جامعات مختلفة …

——————————————–

* والدكتور ثابت عبد الله هو إبن عالم الفيزياء (الفلك) العراقي الشهير الدكتور عبد الجبار عبد الله (1911 – 1969) طيب الله ثراه ، والذي كان واحداً من تلاميذ عالم الفيزياء ألبرت أنشتاين ، والدكتور عبد الجبار عبد الله كان رئيساً لجامعة بغداد للفترة (1959 – 1963) .

Posted in مؤتمر علمالإجتماع العراقي إحتفالية بالعالم العراقي علي الوردي, البروفسور الدكتور ثابت عبد الجبار عبد الله / جامعة يورك / كندا, البروفسور طارق إسماعيل / جامعة كيلكري/ كندا, الجامعة الأمريكية في بيروت, عالم الفيزياء العراقي الكبير الدكتور عبد الجبار عبد الله | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

2013 in review

The WordPress.com stats helper monkeys prepared a 2013 annual report for this blog.

Here’s an excerpt:

The concert hall at the Sydney Opera House holds 2,700 people. This blog was viewed about 36,000 times in 2013. If it were a concert at Sydney Opera House, it would take about 13 sold-out performances for that many people to see it.

Click here to see the complete report.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

مجلة أوراق فلسفية جديدة / العددان 12 / 11 صيف – خريف 2013

أوراق فلسفية جديدة

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية مُتجددة

—————————————————————————————

العدد المزدوج

11 / 12

 صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

 فلسفة التاريخ وحضورها في الفكر العربي المعاصر

مالك بن نبي إنموذجاً

مع العدد كتابنا المسلسل

الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية

حانا إرنديت (1906 – 1975) وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل

4

الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز

القسم الثاني (وهو بحث واسع)

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN     DR. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – إنتاريو – كندا

رئيس التحرير – الأكاديمي الدكتور محمد جلوب الفرحان

سكرتيرة التحرير – الأكاديمية الدكتورة نداء إبراهيم خليل  

مجلة أوراق فلسفية جديدة

الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة

لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة بيراع أكاديميين إثنين فقط

يُفضل قراءة هذا العدد بصحبة الإستماع إلى رائعة الموسيقار الإنكليزي المعاصر رالف فون ويليامز (1872 – 1958) والتي حملت عنوان العروج والمتوافرة على اليوتوب .  

—————————————————————————————

في هذا العدد :

1 – تأمل في بعض مناحي فلسفة التاريخ

2 – سيرة مالك بن نبي من زاوية ثقافية

3 – حضور فلسفة التاريخ والحضارة في الخطاب المالكي

4 – حضور فيلسوف التاريخ هرمان دي كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي

5 – المشروع النهضوي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي

6 – الصعود من عتبات التاريخ إلى طوابق فلسفة التاريخ

7 – مُثابرة مالكية في التفسير الإسلامي للتاريخ

8 – الفهم المالكي للدورات التاريخية (الحضارية)

9 – إنموذج تطبيقي من التفسير الإسلامي للتاريخ

10 – الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وبالإشتراك مع الأكاديمية الدكتورة نداء إبراهيم خليل

فتمتعوا بقراءة هذا العدد الممتاز ، والمتفرد من مجلة أوراق فلسفية جديدة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس التحرير

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

المقدمة

  صحيح جداً من طرف فلسفة التاريخ ، التي هي محور هذا العدد ، القول إن مالك بن نبي (1905 – 1973) هو إبن خلدون القرن العشرين (بشهادة زميله عمار الطالبي) . كما إنه من الصحيح القول إن إبن خلدون (1332 – 1406م) هو مالك بن نبي في القرنيين الرابع عشر – الخامس عشر الميلاديين .  وإن كلاهما من طرف العقيدي الذي وجه وقاد تفكيرهما في مضمار عملية النقد الفلسفي عامة ، وفي ميدان فلسفة التاريخ خاصة ، هو الينبوع الكلامي الأشعري الصافي .

  ونحسب إن العقيدي الأشعري كان حاضراً بقوة في مقدمة إبن خلدون ، وهو الذي مكن إبن خلدون من نقد الفلسفة (إن لم نقل هدم الفلسفة وتقويضها بمفهوم الغزالي الذي تابعه إبن خلدون على الأقل في مقدمته ، وفي الفصل المعنون إبطال الفلسفة) (1) . كما إن العقيدي الأشعري مُستبطن في مجمل نصوص مالك بن نبي في فلسفة التاريخ عامة (2) ، وفي نقده لفلاسفة التاريخ شرقاً وغرباً خاصة وعلى الأقل في المنهج الأشعري القائم على عرض بضاعة الخصم الفكرية (أو الأصح العقيدية) ومن ثم تقديم نقداً (أو تقويضاً) للنقاط الرخوة في البناء الفكري للخصم (3) .

  ومن الثابت لدى جيش من الأكاديميين الغربيين بإن إبن خلدون هو الرائد في مضمار فلسفة التاريخ ، وإن مقدمته هي أول بحث في فلسفة العمران والتاريخ . كما إن مالك بن نبي ، هو الأب الروحي والمؤسس لمباني فلسفة التاريخ في دائرة الثقافة العربية في القرن العشرين ، والتي إحتوت في رحم مباني فلسفة التاريخ ، على اللحظتين الأشعريتين (والتي نزلت إليه من الفكر الأشعري مباشرة أو من خلال إبن خلدون الأشعري) ، وهما اللحظتان ، الأولى النقدية – الهدمية . والثانية التقويمية – البنائية (4) . ولعل الشاهد على متابعة مالك بن نبي لخُطى إبن خلدون واضحة ، فمثلاً في نظرية مالك المشهورة بالظاهرة الإستعمارية ، كان إبن خلدون الرافد التراثي لنظرية مالك ، ونقصد النظرية الخلدونية في الغالب والمغلوب ، وتقليد المغلوب للغالب في لباسه وطعامه … (5) .

   ولكن مالك لم يكتف بالرافد التراثي الخلدوني ، وإنما إنفتح من خلال قراءاته الواسعة على التراث الغربي في مضماري الحضارة وفلسفة التاريخ ، وبالتحديد على مجمل المدارس والإتجاهات في فلسفة التاريخ ، مع إنتخاب خاص لفيلسوف التاريخ الألماني هرمان دي كيسرلنج (1880 – 1946) وتبنيه لوجهة نظره الفلسفية في كتابه الرائعة المعنون موزائيك أوربا. ولهذا فضلنا (فيما يخص مالك بن نبي من هذا الكتاب) أن نبدأ بحثنا بالتعريف بسيرة مالك بن نبي مدخلاً يُساعدنا على معرفة العوامل الأسرية والبيئية في طرفيها الثقافي والسياسي في مدينة تبسة ، والإشارة الى الشخصيات التي أُعجب بها وطبعت أثاراً في تكوينه الفكري ، والتي لم تمحوها الأيام ، بل وظل يتذكرها ومن ثم سجلها في كتابه المعنون مُذكرات شاهد العصر ، وهو سيرة ذاتية بالغة الأهمية لكل من يتطلع للكتابة عن مالك بن نبي ومن ثم فهم الخطوط العامة لتطوره الفكري . وجاء من ثم الحديث عن انماط التعليم التي خضع لها مالك بن نبي سواء في حلقات التعليم الديني أو في المدارس الرسمية ، وبيان حجم التأثير الذي تركه المعلمون في تكوين ذهنيته ، وتكوين إتجاهاته نحو بعض العلوم والأداب والفنون . مع الإشارة إلى الكتب التي قرأها في فترة إكتساب المعرفة والتي تركت أثاراً على شخصية الكاتب والمفكر مالك بن نبي .

  ولما كان موضوع كتابنا يُركز على شخصية مالك بن نبي حارثاً في مضمار فلسفة التاريخ ، فقد بينا بأنه كان من الرواد الأوائل الذين كتبوا نصوصاً أولية في تقويم المدارس المتنوعة لفلسفة التاريخ ، وأشرنا إلى إنه حفر في شخصيات وكتابات حشد من فلاسفة التاريخ غرباً وشرقاً . وعلى هذا الأساس كانت كتابات مالك بن نبي مدرسة فكرية متفردة في التعريف بمدارس وفلاسفة التاريخ الغربيين . صحيح إن نصوصه كانت تجنح نحو الإيجاز الشديد الشبيهة بصيغ المعادلات الرياضية ، إلا إنها في الوقت ذاته فتحُ رائدُ في دائرة الثقافة العربية  ، إذ فتحت أبواباً واسعة على مجمل مدارس فلسفة التاريخ والحضارة في وقت تأخر فيه البحث الأكاديمي العربي ، ولهذا ظلت أبحاث مالك ملهمة لجيل من الأكاديميين العرب في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة .

   كما ونحسب من حق مالك علينا القول بأن الجامعات العربية ومؤسسات التعليم العالي قد فشلت (حين دشن مالك مضمار الكتابة في فلسفة التاريخ والحضارة) من إنتاج عقلية كاتب واحد يرقى إلى عقلية مالك بن نبي في عملية التدوين في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . ومقابل ذلك وجدنا إن عدداً ملحوظاً من الأكاديميين العرب كانوا عيالاً على مالك  ، فقد إعتمدوا على كتابات مالك بن نبي ، وإستبطنوها في مؤلفاتهم التي حملت عناوين من مثل المفصل في فلسفة التاريخ أو التفسير الإسلامي للتاريخ … أو فلسفات الحضارة  ، مع الأسف إنهم فشلوا في الإشارة بصراحة إلى شخصية ونصوص مالك بن نبي . والحال تجاوز ذلك إلى دائرة السياسة والسياسيين (أو ما يُسمى بمفكريها) فقد أصدروا كتباً في الحضارة والثقافة ، ونُشرت بصورة واسعة ، ومن ثم تحولت إلى كتب مدرسية في أكاديميات عديدة  . ولكنهم مرة أخرى مع الأسف فشلوا في الإعتراف بحق مالك في الإشارة والإستشهاد . ولذلك ظلت نصوصهم في التقويم الأخير مؤلفات أعادت إنتاج المادة المعرفية التي كتبها مالك بن نبي في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة والثقافة .

   وهذا الحال حملنا على أن نقدم فصلاً تمهيدياً نافعاً (وجاء بعنوان تأمل في مناحي فلسفة التاريخ) وذلك لفهم مساهمة مالك بن نبي الرائدة في دائرة الثقافة العربية ، والتي جاءت في أواخر النصف الأول من القرن العشرين ، وبالتحديد في عام 1947 وهو تاريخ صدور رائعته المعنونة الظاهرة القرآنية التي كتبها بالفرنسية ، وفيها طرف يخص مضمار فلسفة التاريخ  عامة والإسلامي خاصة ، وكتب لها مقدمة بالفرنسية الديكارتي الأزهري الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز (6)، والتي حملت خلاصة فكرية لمذهبه الفلسفي في تفسير التاريخ الإسلامي .

  لقد شرحنا في هذا الفصل التمهيدي أولاً – المحاولات التجديدية في فلسفة التاريخ في دائرة الثقافة الغربية في الربع الأخير من القرن العشرين (أي بعد موت مالك بن نبي ، والتي غابت عن ذهن مالك ، وهي إتجاهات تعكس حالة الجدل بين فلاسفة التاريخ في الغرب) . ومن ثم ثانياً قدمنا صور عن جنس من الكتابات الأولى في فلسفة التاريخ (وبالتحديد في القسم الأول الذي كان بعنوان التاريخ موضوع تأمل فلسفي ، وأهم الإتجاهات التي تهيمن على مضمار فلسفة التاريخ وبما يتناسب وهذا الكتاب من طرف ، ويُقدم من طرف أخر فهماً لحجم الإستيعاب الذي إمتلكته إطروحة مالك بن نبي لهذه الإتجاهات في فلسفة التاريخ . صحيح إن الإطروحة المالكية (نسبة إلى مالك بن نبي) إنها إستوعبت أغلب المدارس في فلسفة التاريخ ، وأشارت إليها نقداً وتقويماً . إلا إنها في الوقت ذاته كانت أمام فعل إختيار وإنتخاب . ولهذا لاحظنا هيمنة إطروحات فيلسوف التاريخ الألماني الكونت هرمان دي كيسرلنج على إفادات مالك بن نبي ، بل ويمكن القول بدقة بأن مالك قام تبناها وأوجد لها تطبيقات على التاريخ الإسلامي بعد إن طبقها كيسرلنج على تاريخ المسيحية (7) .

   وبالطبع هذا الأمر لم يُعجب بعض الأكاديميين العرب ، فطلبوا من طلبتهم (طلاب دكتوراه) حذف كل ما له صلة بإطروحات الكونت الألماني كيسرلنج من نصوص مالك بن نبي ، بحجة أكاديمية غريبة عجيبة ، وذلك إعتقاداً منهم بأن ذكر ذلك فيه عيب منهجي وإنتقاص من فيلسوف التاريخ مالك بن نبي . هذا إنموذج من الصدق الأكاديمي العربي في جامعاتنا العربية العتيدة … (هذا الأمر فصلنا فيه في كتابينا ؛ الأول بعنوان الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي . والثاني بعنوان الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي) .

  ونحسبُ إنه من المفيد أن نذكر القارئ بأن مالك بن نبي كان قارئً جيداً لتاريخ الفلسفة الغربية ، وكان في قراءاته قريباً من الجهود الأولى التي تطلعت إلى تأسيس مضمار مستقل لفلسفة التاريخ . والشاهد على ذلك قراءاته التي شملت تاريخ الفلسفة الغربية برمته (بل وحتى الفترة التي سبقت قيام الفلسفة والتي تُعرف بما قبل الفلسفة) ، فقد أطلع على الفلسفة اليونانية ، والفلسفة المسيحية في العصور الوسطى ، ولمح لفلسفة عصر النهضة ، والفلسفة الحديثة ومن ثم الفلسفة المعاصرة +.

  لقد قرأ مالك فعلاً الفلسفة اليونانية إنتخاباُ ، فمثلاً إنه قرأ عن سقراط ، وكان عارفاً بإفلاطون وجمهوريته التي شكلت (مع زميله أكسانوفان) منبتا مهماً لمباحث سيتناولها فلاسفة التاريخ فيما بعد . وعرف الفكر المنطقي والسياسي لأرسطو الذي قدم فيه نظرة تاريخية أكثر واقعية من أستاذه إفلاطون الذي تطلع إلى السماء (عالم المثال) في صياغة جمهوريته . بينما تلميذه أرسطو درس واقع المدن اليونانية في عصره ، والتي أودعها في رائعته المعروفة بكتاب السياسة .

  كما ذكر مالك بن نبي القديس أوغسطين وبذلك كان قريباً من كتابه الرائعة مدينة الله ، والذي يُنظر إليه بعيون الأكاديميين الغربيين الذين حفروا بحثاً عن المحاولات الرائدة في مضمار فلسفة التاريخ ، على إنه مس في أطراف كثيرة من مباحثه فلسفة التاريخ . ويبدو لنا إن فيكو ورائعته المهمة في فلسفة التاريخ المعنونة إصول العلم الحديث (والتي منحته الريادة في مضمار فلسفة التاريخ في العصور الحديثة) قد غاب من إطروحة مالك بن نبي في فلسفة التاريخ . إلا إنه من الصحيح القول إن مالك ركز بدلاً من فيكو (وهو على حق من زاوية تاريخية ومن منظور فلسفة التاريخ) على إبن خلدون والذي يتقدم على فيكو بثلاثة قرون على الأقل .

  أما في مضمار الفلسفة الحديثة فقد كان مالك فعلاً قارئ جيداً للفلسفة الحديثة ، وخصوصاً الفلسفتين الألمانية والفرنسية . وفيما يخصُ الفلسفة الألمانية التي تلقفت الكثير من إطروحات فيكو (إصول العلم الحديث والتي تُرجمت مبكراً إلى الألمانية ، وهي يومها لا تحتاج إلى ترجمة لأنه كتبها ونشرها أولاً باللاتينية لغة الأكاديميات الغربية ، ومن ثم بلغته الأم الإيطالية) وخصوصاً تلميذ الفيلسوف عمانوئيل كانط ، ونقصد الفيلسوف المؤرخ جوهان كوتفريد هاردر ، والذي يُعد أول من تداول في تاريخ الثقافة الألمانية مصطلح فلسفة التاريخ عنواناً لثلاثة كتب من مؤلفاته . ولكن من الصحيح كذلك الإشارة إلى إن أستاذ هاردر ، الفيلسوف الألماني كانط والذي قرأه مالك جيداً قد عالج موضوعاً مهماً في مضمار فلسفة التاريخ ، وهو التاريخ العالمي والسلام العالمي .

  ولكل هذا نحسب إن العودة إلى الموضوع – الكتاب الذي نشرناه على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة ، وبعنوان : حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً ، ربما يُساعد في فهم الحاضر والغائب في مسارات فلسفة التاريخ في الإطروحة التي كتبها مالك بن نبي ، ومن ثم بيان حجم الإفادة منها .

  والحقيقة إن هذا الكتاب (فلسفة التاريخ وحضورها في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً) يتفرد بموضوعه في دائرة الثقافة العربية المعاصرة في ثلاثة أطراف :

الأول – تقديم مالك بن نبي حارث رائد في فلسفة التاريخ في القرن العشرين .

الثاني – عرض نماذج متقدمة في مضمار فلسفة التاريخ (خصوصاً أكسانوفان تلميذ شهيد الفلسفة سقراط ، والقديس أوغسطين في كتابيه الإعترافات ومدينة الله ، والفيلسوف الإيطالي فيكو ورائعته إصول العلم الحديث) (قدمنا هنا خلاصات وتركنا التفصيل لكتابنا القادم المعنون فلسفة التاريخ ” تاريخ ومدارس ونزعات) .

الثالث – بيان مفصل عن فيلسوف التاريخ الألماني الكونت هرمان دي كيسرلنج والذي كان معاصراً لفيلسوف التاريخ إسوالد إشبنجلر ، وخصوصاً رائعة هرمان المعنونة موزائيك أوربا . وهذا موضوع لم يكتب فيه أحد قبلنا في دائرة الثقافة العربية المعاصرة .

  وأخيراً نتطلع إلى أكمال مشروع كتابنا المعنون فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات ، وهو يتألف من أربعة مباحث كبرى ، يتوزع كل منها في فصول . فالمبحث الأول يحمل عنوان التاريخ موضوع تأمل فلسفي . والثاني فجاء بعنوان فلسفة التاريخ في عصر الأنوار . والثالث عالج موضوع المدارس والنزعات في فلسفة التاريخ في القرن العشرين . والرابع خص النزعات الجديدة في فلسفة التاريخ الراهنة .

  ونتمى إنجازها ومن ثم نشرها في بدايات العام 2015 ، وبالتأكيد سننشره على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة .

———————————————————

الهوامش :

+ أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً / مجلة أوراق فلسقية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

1 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تصنيف العلوم عند إبن خلدون (دراسة مقارنة) / إطروحة دكتوراه / ص ص 61 وما بعد

2 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي (مخطوطة)

3 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي (مخطوطة)

4 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب ، مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان 1986 .

الحقيقة كون الفكر الكلامي الأشعري في دائرة الثقافة الإسلامية ، مضماراً معرفياً نقدياً للفلسفة الإسلامية (التي هي بإعتقاد الأشاعرة تحمل إطاراً فكرياً مشائياً يونانياً غريباً على العقيدي الإسلامي) . وعلى هذا الأساس يكون من الصحيح جداً إطلاق إصطلاح دائرة النقد الفلسفي على الحركة الفكرية المقاومة التي قادتها حركة الأشاعرة ضد الفلسفة الإسلامية والفلاسفة الإسلاميين . وهنا أرجو الإنتباه إلى إن الحركة النقدية قد إستبطنت فكر فلسفياً يونانياً هي الأخرى ولذلك تصبح دعوتها في مقاومة المشائية ضعيفة جداً (هو مزيج من الرواقية والأبيقورية ومنطق الشكاك) . نقول تصبح دعوتها في مقاومة المشائية والحفاظ على الهوية والعقيدي الإسلاميين ضعيفة جداً . وهنا تتعادل قضية الترويج لفلسفة غريبة على الطرفين ؛ طرف الفلاسفة المسلمين وطرف نُقادهام من الإشاعرة . وهذا واضح على سبيل المثال وليس الحصر في كتاب الأشعري إبن تيمية المعنون الرد على المنطقيين .

   لقد عمت حركة النقد الفلسفي (الفكرانية الأشعرية) تاريخ الفكري الإسلامي ، وكان لها ممثلون كبار من أمثال الإمام الإشعري ، الإمام الجويني ، والإمام الغزالي ، وإبن تيمية … والقائمة طويلة .. وقد تناولنا ذلك في أبحاثنا وكتبنا . أنظر مثلاً :

أ – الجدل الثقافي عند العرب (مصدر سابق) ، والذي بنيناه على الإطروحة الفيزيائية النيوتينية (نسبة إلى إسحاق نيوتن) والقائلة لكل فعل رد فعل يُساويه في المقدار ويُعاكسه في الإتجاه (وهو جدل بين الفلاسفة من طرف والإشاعرة ومن تبنى إطروحتهم وتداول منهجهم) .

ب – تصنيف العلوم عند إبن خلدون (مصدر سابق) وخصوصاً الفصل المعنون : تصنيف العلوم في مرحلة النقد الفلسفي (ص ص 29 – 37) .

ج – فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس / شتاء 2012 .

5 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الثقافي – المعرفي (مصدر سابق)

6 – أنظر :

مالك بن نبي ؛ الظاهرة القرآنية ، ترجمة عبد الصبور شاهين ، تقديم محمد عبد الله دراز ومحمود محمد شاكر ، دار الفكر العربي ، بيروت 1987

ولاحظنا في ورقة مستقلة كتبها الأستاذ عمر مسقاوي (كان وزير الكهرباء فترة إقامتنا في بيروت) ، أشار فيها إلى المقدمة التي وضعها الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز . يقول المسقاوي : ” الأستاذ الدكتور دراز من كبار العلماء الذين خدموا القرآن والفلسفة وعلم الأخلاق ، ومن الرواد الأزهرين الأوائل ، الذين إتصلوا بالثقافة الغربية … وهو من الذين بلغوا الفكر الإسلامي بوسائل الحضارة الحديثة لغة ومنهجاً .

  لذا تبدو مقدمة الدكتور دراز ، صدى لذلك التكوين الفكري المتأثر بالديكارتية (التشديد منا) بوصفها منهج تفكير …” ص 8

7 – أنظر مباحث هذا العدد فقد فصلنا لأول مرة في دائرة الثقافة العربية عن درجات حضور الفيلسوف الألماني الكونت هرمان دي كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي في فلسفة التاريخ .

—————————————————————————————

مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(1)

تأمل في بعض مناحي فلسفة التاريخ

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  ننظرُ إلى فلسفة التاريخ مضماراً ينتمي لحماً وعظماً إلى دائرة الفلسفة ، وبالتحديد إلى ميدان فلسفة العلوم ، حاله حال فلسفة السياسة ، وفلسفة القانون ، وفلسفة الفن ، وفلسفة اللغة ، وفلسفة الرياضيات ، وفلسفة المنطق ، وفلسفة الفيزياء … وفلسفة التاريخ هي بحق مجمل تأملات الفيلسوف في التاريخ . وهذا يعني ببساطة إن التاريخ أصبح موضوعاً للتحليل الفلسفي وعلى هذا الأساس نفهم ظهور المدارس الفلسفية المتنوعة في تاريخ فلسفة التاريخ . كما لاحظنا إن فلاسفة التاريخ (وليس المؤرخون وإن كان هناك إستثناء وخروج على القاعدة لكن الغالبية منهم تخرجوا من أقسام الفلسفة أو تدربوا فيها ، وجاءوا من مدارس فلسفية متنوعة ولذلك تلونت كتاباتهم في فلسفة التاريخ بألوان وأطياف هذه المدارس الفلسفية . وهذا ما سنبينه في شواهد منتخبة) كتبوا أطناناً من المؤلفات في دوائر الفلسفة غرباً وشرقاً . ولهذا تلحظ جدباً مكشوفاً في المعالجة الفلسفية للعقيدة التي إنطلق منها فيلسوف التاريخ عندما يكون الباحث غير متخرج من أقسام الفلسفة أو لم يحصل له تدريب في أروقتها ، فالمنهج الفلسفي متنوع ومتداخل مع العلوم وهناك من يرجح منهجاً بايولوجياً (مثل إشبنجلر وتوينبي) أو جيولوجياً (مثل إشبنجلر في دراسته للحضارة العربية الإسلامية) ويستخدم أنواعاً متنوعة من المنطق (منها تقليدية على شكل من الإستدلالية والإستقرائية … وحديثة تجاوزت حدود المفهوم التقليدي للإستدلال والإستقراء)  .

  وهنا أقف وأقول إن الفيلسوف إشبنجلر لا يمكن فهمه دون قراءة إطروحته للدكتوراه التي كتبها عن فيلسوف التغير والصيرورة هرقليطس ، كما لا يمكن فهم الحقب التاريخية التي إقترحها إشبنجلر للحضارة الغربية الثلاثة : وهي مرحلة آبولو (إله يوناني روماني) ، والمرحلة السحرية (إعتماداً على بحث النفس وهو موضوع فلسفي خالص والذي نزل إلى اليونان من خلال إتصال الفيلسوف اليوناني طاليس وتلميذه فيثاغورس بالكلدان البابليين وتبني إطروحات أورفيوس البابلي) والمرحلة الفاوستية (التي تتطلب بحثاً فلسفياً يقف على مفهوم فاوست في العصور الوسطى ورحلته في تفكير الشاعر الألماني الفيلسوف غوته الذي تبنى منه إشبنجلر إصطلاح فاوست الذي طبع به الحضارة الغربية وصاغ قانونها الجبري الذي حكم عليها بالموت الحتمي حسب رأي إشبنجلر (1) .

   في حين نلحظ بالمقابل إن مسيحية توينبي منحته نوعاً من الأمل حمله على تكييف جبرية إشبنجلر لصالح إيجاد حل لمآزق الحضارة الغربية ، فردد توينبي كلمات السيد المسيح تمسك وإنتظر .. وهكذا وجد توينبي بعد الإنتظار العلاج الروحي للحضارة الغربية في العقيدة البهائية الجامعة . والتي يتطلب فهمها معرفة فلسفية لاهوتية بالمناقشات الفلسفية التي حدثت على هوامش العقيدي الإسلامي – الشيعي بداية من القرن العاشر ، والتي تطورت في أنماط من الدعوات التجديدية للرسالة الإسلامية المتمثلة بشخصية الإمام الذي يجدد نبض الرسالة ، والتي إتخذت أشكالاً تمثلت بالشيخية ، والبابية ومن ثم إستقرت في صورة البهائية ، التي تبناها توينبي حلاً للمأزق الروحي الذي تمر به الحضارة الغربية .

  كما إنه من الصحيح القول إن تاريخ مضمار فلسفة التاريخ يُخبرنا بأن المحاولات الأولى لفهم حركة الأحداث التاريخية وتقديم تفسير لها لا ترتبط بفلسفة الأنوار والقرن الثامن عشر ، وإنما تصعد بعيداً جداً ، حيث المرحلة الأسطورية من التفكير الإنساني (اليوناني) ، ونحسب إن المفكر الإسلامي مالك بن نبي كان قريباً جداً من إدراكها والإمساك بها ، وذلك حين إهتم بالشاعر الملحمي اليوناني هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) . إلا إن المحاولة الرائدة في فهم أحداث التاريخ ، ووضعها في صورة حقب تاريخية متتابعة لا تعود إلى هوميروس ، وإنما هي من إبداع معاصره (شاعر الفلاحين والرعاة) الشاعر الملحمي هزيود (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) والذي قدم أول رؤية تاريخية تشاؤمية للتاريخ . وعلى هذا الأساس نحسب هزيود ، هو أول من تأمل في مضمار فلسفة التاريخ وأسهم في تقسيم مساراته في شكل حقب تاريخية متتالية ، معتمداً على المعدن الذي كان مهيمناً يومذاك مع إدخال عصر الأبطال في فهم شبكة تتابعها وتحولاتها (وهذا ما أوضحناه في أطراف من أبحاث هذا العدد) .

   هذا طرف من الريادة في فهم أحداث التاريخ والتي كما قلنا لا ترتبط بعصر الأنوار والقرن الثامن عشر الذي شهد كتابات متخصصة في فلسفة التاريخ والتاريخ الإنساني . والطرف الثاني الذي لا يرتبط بعصر الأنوار كذلك ، هو إجماع أكاديمي غربي على إن العربي المسلم إبن خلدون (1332 – 1406م) ، هو واحد من آباء فلاسفة التاريخ بالمعنى العلمي الدقيق . وإن كتابه المعنون المقدمة ، هو من النصوص الأولى في فلسفة التاريخ ، والذي إنتهى من كتابته في العام 1377م وكان عمره يومذاك خمس وأربعين ربيعاً (1) . وبالمناسبة إن مالك بن نبي قد قرأ مقدمة إبن خلدون في أوقات مبكرة من تكوينه الفكري ، وبالطبع ليس في نصها العربي ، وإنما في ترجمتها الفرنسية .

———————————————–

1 – أنظر :

Frannz Rosenthal and N. J. Dawood, Ibn Khaldun,The Mugaddim: An Introdution to History, Princeton University Press 1967, p. x

———————————————-

  فعلاً لقد نهج إبن خلدون في كتابه المقدمة نهجاً نقدياً (في أغلبه نقد مؤسس على الفكرانية الأشعرية) (2) وخصوصاً في مضمار التاريخ فقد إنتقد بشدة الخرافات وقام بالتنديد بها وثابر

———————————————

2 – للتفاصيل عن منهج إبن خلدون النقدي وإبستمولجيته النقدية أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تصنيف العلوم عند إبن خلدون : دراسة مقارنة يونانية – إسلامية ، إطروحة دكتوراه بإشراف البروفسور مدني صالح 1994 (هناك نية بنشرها على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة) .

——————————————–

 على عزلها من النص التاريخي . بل ودعا إلى عدم قبول المعطيات والبيانات التاريخية ، إلا بشرط إخضاعها إلى منهج نقدي . وعلى هذا الأساس أدخل إبن خلدون الطريقة العلمية إلى فلسفة التاريخ ، والتي تُعدُ منهجاً جديداً في عصره ، وإعتبرها علماً جديداً (3) ، وهي اليوم يُطلق عليها علم التاريخ (والذي يُطلق عليه بالإنكليزية بالهستريوكروفي) وهو علم يهتم بدراسة المنهج والتطور التاريخيين (4) .

——————————————

3 – أنظر :

Franz Rosenthal and Dawood, Op. Cit,

4 – لمزيد من الإطلاع على علم التاريخ / الهستريوكروفي وعلاقته بفلسفة التاريخ ، أنظر :

Aviezer Tucker (ed.), A Companian to the Philosophy of History and Historigraphy, Chichester, U. K. 2009

——————————————

  ونحسب من الإنصاف أن نحتفل نحن الأكاديميون العرب بإبن خلدون مثلما إحتفل الأكاديميون الغربيون به ، وبالطبع إحتفلوا بإبن خلدون قبلنا بقرون عديدة ، وبالتحديد في إنجازه على الأقل في مضماري فلسفة التاريخ وعلم الإجتماع (وبلغة إبن خلدون علم العمران) . فمثلاً إنتبهت الدوائر الثقافية والأكاديمية الغربية منذ وقت مبكر إلى أهمية إبن خلدون ، وبالتحديد كان الإتصال الغربي الأول بإبن خلدون في عام 1697م ، وذلك عندما ظهرت سيرته في كتابات المستشرق الفرنسي بارتليمي هربلو (1625 – 1695) والذي صرف جُل حياته في عمله الكبير المعنون ببلوغرافيا مشرقية … ومات ولم يكمله ، إلا إن إنطوان جلاند (1646 – 1715) هو الذي أكمله ونشره في عام 1697م (وبالمناسبة إن إنطوان هو المترجم الأول لكتاب ألف ليلة وليلة وحكايات أخرى ، والتي ظهرت في 12 مجلداً فيما بين 1704 و 1717) . والحقيقة إن ببلوغرافيا مشرقية مؤسسة على النسخة العربية لكتاب كشف الظنون لحاجي خليفة (5) .

——————————————-

5 – للتفاصيل أنظر :

Hugh Chisholm (ed.), Encyclopeadia Britannica, Cambridge University Press, 11th ed. 1911

——————————————-

   ومن ثم تصاعدت وتائر الإهتمام الأوربي بإبن خلدون وأعماله وخصوصاً كتابه الإنجيلي المقدمة . ففي عام 1806 قام المستشرق (أو الأدق المستعرب) الفرنسي إنطوان دي ساسي (1758 – 1838م) بنشر سيرة إبن خلدون مع ترجمة أجزاء من المقدمة (6) . وبعد عشرة سنوات وبالتحديد في العام 1816 أعاد نشر سيرة إبن خلدون مع ترجمة حملت تفاصيل موسعة لأقسام من كتابه المقدمة (7) . وإنصرفت على هذه الجهود ما يزيد على أربعة عقود من الزمن وبالتحديد في عام 1858 ظهرت النشرة العربية الكاملة لكتاب المقدمة / ومن ثم تلتها الترجمة الفرنسية الكاملة (8) .

—————————————–

6 – أنظر :

Muhammed Abdullah Enan, Ibn Khaldun: Its Life an Works, 2007, p. 118

7 – أنظر :

Ibid, pp. 118 – 119

8 – أنظر :

Ibid, p. 119

——————————————

   ومنذُ ظهور النشرتين العربية والفرنسية الكاملتين ، تحولت أعمال إبن خلدون إلى موضوع دراسات مكثفة وإهتمام خاص في العالم الغربي . وهنا نقدم أمثلة وشواهد :

1 – إهتمام فيلسوف التاريخ (المؤرخ) البريطاني أرنولد توينبي (1889 – 1975) بمقدمة إبن خلدون ، والتي وصفها بإنها حقاً مقدمة في فلسفة التاريخ ، والتي هي حسب قوله ” بلا شك أعظم عمل في هذا المضمار ، والذي لم يتقدم عليه عقل في أي مكان وزمان ولم ينجز أحد مثلما عمله إبن خلدون ” (9) .

——————————————-

9 – أنظر :

Encyclopaedia Britannica, 15th, Vol. 9, p. 148

——————————————-

2 – ونظر في أعمال إبن خلدون ، وقيم جهوده في فلسفة التاريخ ، الفيلسوف البريطاني روبرت فلينت (1838 – 1910) . والفيلسوف فلينت في الحقيقة رجل لاهوت إسكتلندي وعالم إجتماع وبروفسوراً للفلسفة الأخلاقية في جامعة سانت أندروز في العام 1864 ، ومن أهم كتبه في مضمار فلسفة التاريخ ، كتابه المعنون فلسفة التاريخ في فرنسا وألمانيا (1874) ومؤلفه المعنون الفلسفة التاريخية في فرنسا (1894) وكتابه المشهور الفلسفة : علم العلوم (1904) وكتابه عن فيلسوف التاريخ الإيطالي جيامباتيستا فيكو (1668 – 1744) (10) . فقد قال الفيلسوف فلينت مقيماً جهود إبن خلدون ” … هو منظر في التاريخ لا نجد له نظير في أي عصر أو بلاد ، بل وحتى فيكو الذي ظهر بعده بأكثر من ثلثمائة سنة ، وقبله إفلاطون وأرسطو وأوغسطين لا يجارونه وليسوا بأنداد له ، وإن الكثير من أمثال هؤلاء لا يستحقون أن تذكر أسمائهم عند الحديث عن إبن خلدون ” (11) . وقد كتبنا قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن بحثاً بعنوان البناء الفلسفي للتاريخ عند إبن خلدون ، ومن ثم أُعيد نشره فصلاً في كتابنا المعنون الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ +

——————————————-

10 – أنظر :

Hugh Chisholm (ed.), Encyclopeadia Britannica, Cambridge University Press, 11th ed. 1911

11 – أنظر :

Abderrahmane Lakhsassi, Ibn Khaldun, In S. H. Nasr and O. Leaman (eds.), History of Islamic Philosophy, Routledge, London 1996, Ch. 25, pp. 350 – 364

+ أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ ، مطابع جامعة الموصل 1987 ، الفصل الثاني المعنون البناء الفلسفي للتاريخ ، ص ص 29 – 40

——————————————-

إتجاهات جديدة في فلسفة التاريخ

  نتطلع هنا ولأول مرة في دائرة الثقافة العربية ، إلى الحوار مع عينة من الكتب الإنكليزية التي كُتبت في القرن العشرين (تقريباً في الربع الأخير من القرن العشرين فصاعداً) وركزت مباحثها على فلسفة التاريخ ، والكتاب الذي تم إنتخابه ، هو في الواقع من سلسلة قراءات أكسفورد في الفلسفة ، وكان بعنوان فلسفة التاريخ ، وهو في حقيقته عمل أكاديمي جماعي ، وكان بإشراف الأستاذ باتريك لانكستر كاردنر (1922 – 1997) ، وهو فيلسوف أكاديمي بريطاني (يحمل شهادة البكلوريوس في التاريخ ، وبكلوريوس ثانية في السياسة والفلسفة والإقتصاد من أكسفورد) . نشر أول كتاب له في مضمار فلسفة التاريخ ، وكان بعنوان طبيعة التفسير التاريخي (1952) (1) . وإشتهر أكاديمياً بدراساته عن الفيلسوف الألماني شوبنهور (1963) (2) ، وعن الفيلسوف الوجودي الرائد سورين كيركيجارد (1988) (3) . أما في تجربة التحضير والإشراف على الكتب الأكاديمية الجماعية ، فكانت له تجربتين ، الأولى إشرافه على كتاب الفلسفة في القرن التاسع عشر (1969) (4) ، ومن ثم تلتها تجربته الثانية في موضوع فلسفة التاريخ (1974) ، وهو موضوعنا الحالي (5) .

   تكون كتاب فلسفة التاريخ من عشرة مباحث ، ساهم في كتابتها عشرة من المؤلفين (الفلاسفة) ، وبعض منهم من المشاهير في مضمار فلسفة التاريخ . وبالطبع إن الكتاب يخلو من أية مناقشة لإصطلاح فلسفة التاريخ ، ولكن رغم هذا الحال فإن كل مباحث الكتاب تُشكل مكونات أساسية لفلسفة التاريخ (أو جدل ومناقشات بين فلاسفة التاريخ في الربع الأخير من القرن العشرين…) .

أولاً – الطبيعة البشرية (الإنسانية) والتاريخ الإنساني (6) .

   تم إختيار هذا المبحث من كتاب البروفسور روبن جورج كولينجود (1889 – 1943) ، المعنون فكرة التاريخ (وهذا المبحث تم إنتخابه  من كتاب فكرة التاريخ ، وشغل الصفحات من 205 وحتى 231  من نشرة 1946) +، وهذا الكتاب لم يرى النور في حياة كولينجود ،

—————————————————-

+ وبالمناسبة إن هذا الكتاب درسه صاحب القلم (الدكتور محمد جلوب الفرحان) على طلبة الصفوف الرابعة / قسم التاريخ – كلية الآداب بجامعة الموصل في نهايات السبعينيات من القرن المنصرم / وللتدريس والكتاب له قصة (بينا فيها عدم دقة وتسرع الدكتور عماد الدين خليل في غضبه على الدكتور الفرحان لا لسبب سوى إن الفرحان درس مادة فلسفة التاريخ بعد إن نقلت الدكتور عماد جامعة الموصل إلى متحف الأثار ومنعته من التدريس ، وإن الدكتور عماد غضب على الفرحان لأنه إختار كتاباً لفيلسوف في التاريخ بريطاني ، هو كولينجود والمعنون فكرة التاريخ ، بديلاً لكتابه التفسير الإسلامي للتاريخ ، وهذه القصة الأكاديمية تناولناها على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة .

—————————————————–

وإنما بعد موته ، وقد قام بجمع إصوله ومن ثم نشره تلميذه (أي تلميذ كولينجود) ت . أم . نوكس . وتحول هذا الكتاب إلى مصدر ملهم في فلسفة التاريخ في العالم الذي يتكلم الإنكليزية . وكولينجود هو بروفسور الفلسفة الميتافيزيقية في أكسفورد ، وهو مشهور بكتاباته في علم الجمال (الفن) وفلسفة التاريخ . وتأثر بالفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشه (خصوصاً في كتاباته في فلسفة الفن) وبرادلي وفيكو . كما إن رسالته التي كتبها في موضوع الفلسفة الفوقية (أو مايسمى بالميتا – فيلوسفي) والتي جاءت بعنوان مقالة حول المنهج الفلسفي (7) هي في الواقع من المحاولات الفلسفية البالغة الأهمية في النصف الأول من القرن العشرين .

  ولعل من أهم أعماله التي ظهرت في حياته : الدين والفلسفة (1916) ، وخارطة المعرفة (1924) (8) ، ومختصر فلسفة الفن (1925) ، والسيرة الذاتية (1939) ، ومقالة في الميتافيزيقا (1940) . أما الأعمال التي ظهرت بعد موته ، فمنها ؛ فكرة الطبيعة (1945) والتي أكملها قبيل موته ، وفكرة التاريخ (1946) ، ومقالات في فلسفة التاريخ (1965) ، ومبادئ التاريخ وكتابات أخرى في فلسفة التاريخ (2001) … (9) .

  ويلحظ قارئ هذا الفصل – المبحث ، إن كولينجود قد فضل الحديث عن فكرة التاريخ ، والفكر التاريخي بدلاً من فلسفة التاريخ والفلسفة التاريخية . والشاهد على ذلك إن هذا المبحث تكون من ثلاثة محاور ونتيجة ؛ المحور الأول جاء بعنوان علم الطبيعة الإنسانية (10) . والمحور الثاني حمل العنوان الآتي مضمار الفكر التاريخي (11) . في حين كان عنوان المحور الثالث التاريخ معرفة عقلية (12) . أما في نتيجة البحث (13) فقد خلص إلى مسألتين في غاية الأهمية ؛

الأولى إنه فيما يخص التاريخ ” فإن مناهج (طرق) البحث التاريخي الحديث قد نمت في ظلال طريقة (أسماها أخت قديمة) ، وهي طريقة (منهج) العلم الطبيعي ” . ورأى ” إن ذلك ساعد في بعض النواحي وخصوصاً من خلال إنموذجها قدمت الكثير . إلا إنها من نواح أخرى عوقت البحث وسدت أبوابه ” . ولهذا إعتقد كولينجود إن هذه المقالة – المبحث ” ضرورية للإنخراط في كفاح ضد ما يُسمى بالفهم الوضعي للتاريخ ، أو الأصح سوء الفهم الوضعي للتاريخ ” (14) .

الثانية إنه فيما يتعلق ” بمحاولات الماضي في بناء التاريخ علماً ، فإن الوظيفة الوضعية ، وبالتحديد فيما يُدعى بعلوم العقل الإنساني كلياً أو جزئياً (والتي يُسميها كولينجود دراسات من مثل نظرية المعرفة ، نظرية الأخلاق ، النظرية السياسية ، النظرية الإقتصادية وغير ذلك) قد أسيئ فهمها بقصد ” (15) .

   ومن ثم إنتهى كولينجود بسؤال ترك الباب مفتوحاً أمام البحث في فلسفة التاريخ حسبما نظن ، وليس أمام الفكر التاريخي كما إعتقد كولينجود . وهذا السؤال الكولينجودي ؛ ما هي الوظيفة التي يقوم بها علم النفس ؟ ويبدو للوهلة الأولى إن هناك إلتباس يتحمل معنيين متعارضين ؛ فمن ناحية إن علم النفس يدعي إنه من علم العقل (التفكير) . وإذا صح ذلك فإن إدواته ، هي الطريقة العلمية ، والتي هي مجرد ثمرة تشابه زائف ، وهذا الأمر إنتقل إلى مضمار التاريخ . ومن ناحية أخرى إن علم النفس يدعي بانه مهتم بدراسة وظائف العقل بحد ذاته (16) . والمشكلة كلها إن علم النفس معني بالنمو والتطور وهذا الموضوع ليس طبيعي وإنما تاريخي . وإن علم النفس إذا تطلع إلى تجنب الخطورة ونفى تدخله في موضوع التاريخ ، فإنه سيعود إلى مضمار العلم الخالص للطبيعة . وهذا يعني إنه سيتحول إلى فرع من الفيزيولوجيا ، يعالج حركة العضلات والأعصاب (17) .

ثانياً – مفاهيم وأفعال (18)

  إنتخب الناشر باتريك كاردينر هذا المبحث – الفصل الصغير (وهو الفصل الأخير) من كتاب الفيلسوف البريطاني بيتر كي وينش (1926 – 19979 المعنون فكرة العلم الإجتماعي وعلاقته بالفلسفة (وهذا المبحث شغل من هذا الكتاب ، الصفحات من 121 وحتى 136 / وهو من نشرة روتلدج وكين بول 1958) . وتأثر الفيلسوف بيتر وينش بثلاثة رموز فلسفية معاصرة ؛ الأول الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) . والثاني الفيلسوف راش ريس (1905 – 1989) وهو واحد من حواريي فيتجنشتاين وناشري كتبه بعد موته (19). والثالث فيلسوف التاريخ كولينجود . والحقيقة إن الفيلسوف بيتر وينش هو بروفسور للفلسفة في كلية كنك – لندن ، ورئيس المجمع الأرسطي للفترة ما بين عامي 1980 و1981 . ومن أهم مؤلفاته : دراسات في فلسفة فيتجنشتاين (1969) . والأخلاق والفعل (1972) .

  ونحسب إن المشرف على هذا الكتاب (الأستاذ باتريك كاردينر) لم يحالفه النجاح في إختيار هذا الفصل الصغير الذي لا تتجاوز صفحاته العشر ، فصلاً لكتاب عنوانه فلسفة التاريخ . ولنقف عند عتبات المفاهيم والفعل ، لنرى الحق والباطل في ضم هذا الفصل لكتاب يبحث في فلسفة التاريخ (20). والشاهد على ذلك إن المبحث تكون من ثلاثة محاور وإستنتاج عام إنتهى به المبحث . ويبدو إن عناوين المحورين الأوليين لا علاقة لهما بكتاب عنوانه فلسفة التاريخ . أما المحاور الثالث فليست له علاقة بفلسفة التاريخ ولكن جاءت فيه الإشارة إلى التاريخ .

  لقد جاء عنوان المحور الأول فيه نوعاً من الكونية ، وهو عالمية (أو كونية) العلاقات الإجتماعية (21) . وحتى لا نظلم الفيلسوف وينش ، فإنه تكلم عن ” العلاقات بين الرجال والأفكار التي هي تجسيد لأفعال الرجال ، وهي الأفعال التي في حقيقة الأمر تتشابه حتى من وجهات نظر مختلفة . وأنا (أي الفيلسوف بيتر وينش) أرغب التأمل في الفكرة العامة لما يحدث وذلك عندما تتعرض الأفكار الحالية إلى التغير في المجتمع . والمثال على ذلك إن الأفكار الجديدة تدخل إلى مضمار اللغة ، وإن الأفكار القديمة تغادرها تاركة المجال للأولى الجديدة …” (22) .

   أما المحور الثاني فكان بعنوان الأفكار الإستدلالية (المنطقية) والأفكار اللامنطقية (اللا إسستدلالية) (23) . ونلحظ إن هذا المحور مثل المحور السابق لا يمسُ مضمار فلسفة التاريخ مباشرة (وإن كان يمس المنهج وذلك من طرف إستدلاليته (منطقيته) ولا إستدلاليته ( لا منطقيته)) ، وحديثه ركز على التمييز بين العلاقات الإجتماعية والتفاعل الإجتماعي ، فذهب مجادلاً  ” بل ومؤكداً على إن العلاقات الإجتماعية هي علاقات داخلية ، مع التأكيد من طرف أخر على إن تفاعل الرجال هو تجسيد للإفكار ” (24) .

  ونحسبُ إن المحور الوحيد الذي ربما يندرج بدرجات ما في مضمار فلسفة التاريخ ، بل والأدق مضمار الفكر التاريخي ، هو المحور الثالث والمعنون العلوم الإجتماعية والتاريخ (25) . وفيه إعتراف بالعودة إلى أفكار فيلسوف التاريخ كولينجود . يقول بيتر وينش ” يحملنا النظر إلى هذا الموضوع ، أن نثمن مفهوم كولينجود القائل : إن تاريخ الإنسانية برمته ، هو تاريخ الفكر ” (26) وبالمناسبة إن كولينجود هو فيلسوف ينتمي إلى المدرسة الفلسفية المثالية العتيدة .

   ونذكر هنا القارئ بالمناقشة التي قام بها كولينجود لعلم النفس وسؤاله ؛ هل هو علم من العلوم الطبيعية أم إنه نوع من الدراسة الإنسانية ؟ . ونحسب هذه المناقشة الكولينجودية هيمنت على تفكير الأستاذ بيتر وينش ، وظهرت ظلالها في هذا المحور المعنون العلوم الإجتماعية والتاريخ . ويبدو إن الفيلسوف وينش شعر بالحرج ، فرغب أن يلعب دور اللاعب في مفهوم الفيلسوف كولينجود ، فأبعد تفكيره ولو ظاهرياً من متابعة كولينجود إلى النهاية ، فقال وهو يعلق على مفهوم كولينجود القائل : إن تاريخ الإنسانية برمته ، هو تاريخ الفكر : ” لا ريب إن هناك مبالغة ، وإن مفهوم وظيفة المؤرخ ، هو إعادة التأمل بأفكار المشاركين في الأحداث التاريخية ، وخلاف ذلك فهي عملية تشويه عقلي (فكري) ” (27) .

   ومن ثم يعود الفيلسوف بيتر وينش إلى دائرة فيلسوف التاريخ كولينجود ، فيقول ” لقد كان كولينجود على حق ، ولكن بشرط إذا سلم بأنها تكون الطريق الذي نتكأ عليه في فهم الأحداث التاريخية (الوقائع التاريخية) وفي لحمة التاريخ الإنساني ” . ومن ثم جادل بيتر وينش ، فذهب معلقاً ” بأنه حتى إذا كان ذلك حق ، فإنها لا تقدم عرضاً طبيعياً للأحداث ، وعلى إنها صراع (أو تطور) بين الأفكار المنطقية (العقلية) ، بل إنها تماثلات ، هي أكثر قرباً إلى أن تكون طريقاً لفهم تعبيرات الأفكار ، مما هي طريق نفهم من خلاله العمليات الفيزيائية (الطبيعية) ” (28) .

   أما الإستنتاج الذي إنتهى إليه الفيلسوف بيتر وينش ، فهو إستنتاج يربط بين نظريات علم الإجتماع (السيسولوجيا) والرواية التاريخية (وبدرجات متفاوتة لا تتوافر فيها درجات من اليقينية) . فلنستمع له يُعلق على هذه القضية : ” إن العلاقة بين النظريات السوسيولوجية والرواية التاريخية ، هي كما يظهر أقل درجة من العلاقة بين القوانين العلمية وتقارير التجارب القائمة على الملاحظات . ويبدو إنها تشبه العلاقة بين نظريات المنطق والحجج في إطار لغات معينة ” (29) .   

  ونرى إن مبحث الفيلسوف بيتر وينش يظلُ حاله حال مبحث فيلسوف التاريخ كولينجود ، رسالة في الفكرة والأفكار . إضافة إلى إن بيتر وينش بحث في الفعل والأفعال . وهو موضوع في أحسن الأحوال يندرج في ميدان الفكر التاريخي (وليس في مضمار فلسفة التاريخ) المدروس من زاوية السوسيولوجيا والعلاقات الإجتماعية والتفاعل الإجتماعي . وإن الموضوع اليتيم في مبحث بيتر وينش المهم من زاوية الفكر التاريخي (وبدرجات بمنظار فلسفة التاريخ) هو العلوم الإجتماعية والتاريخ .

ثالثاً – مشكلة القوانين السائدة في التاريخ (30) .

   كتب هذا المبحث الفيلسوف الأمريكي موريس ماندلبوم (1908 – 1987) وهو بروفسور الفلسفة في جامعة جونز هوبكنز منذ عام 1957 . تخرج عام 1929 من كلية دارتموث ، ومن ثم حصل على الماجستير من الكلية ذاتها عام 1932 ، وكتب الدكتوراه في جامعة ييل عام 1936 . وصرف ما يُقارب الخمسين عاماً من عمره في التعليم . وبدأ عمله الأكاديمي (أستاذاً مساعداً) في كلية دارتموث وللفترة من 1931 – 1932 ، وأستاذاً مشاركاً للفلسفة في كلية سورتمور وللفترة من 1934 – 1947 . وعاد إلى دارتموث بروفسوراً للفلسفة وللفترة من 1947 – 1957 . وتحول في عام 1957 إلى جامعة جونز هوبكنز بروفسوراً للفلسفة ، وأصبح رئيساً لقسم الفلسفة فيها وللفترة من 1958 – 1968 . ومن ثم تقاعد من جامعة جونز هوبكنز في العام 1974 وإن ظل محاضراً فيها لبعض الوقت .

   من أهم مؤلفات الفيلسوف موريس ماندلبوم :

1 – مشكلة المعرفة التاريخية عام 1938

2 – الفينومنولوجيا والخبرة الإخلاقية عام 1955

3 – الفلسفة ، العلم والإدراك الحسي عام 1964

4 – التاريخ ، الإنسان والعقل عام 1971

5 – تشريح المعرفة التاريخية عام 1977

6 – الفلسفة ، التاريخ والعلوم عام 1984 (31) .  

   ونحسب إنه من النافع أن نبين إلى إن مساهمة الفيلسوف موريس ماندلبوم المبكرة كانت في الفكر التاريخي وفلسفة التاريخ ، ولذلك نحسب إنه من المفيد الإشارة إلى مقالاته المبكرة في هذا المضمار وبالشكل الآتي :

1 – التحليل السببي للتاريخ (1942) وهي من المقالات المغمورة والتي جاء ذكرها في أعمال الفيلسوف موريس ماندلبوم الأولى (32) .

2 – نقدُ لفلسفات التاريخ (1948) (33) .

3 – معنى التاريخ الإنساني (1948) (34) .

4 – بعض المشكلات الفلسفية المهملة في مضمار التاريخ (1952) (35) .

5 – ما هي فلسفة التاريخ (1952) (36) .

6 – الحتمية والمسؤلية الأخلاقية (1960) (37) . وبالطبع هناك عدد كثير من المقالات التي كتبها الفيلسوف ماندلبوم في مضمار الفلسفة العام خلال الخمسين عاماً من عمله الأكاديمي .

  لقد كتب الأستاذ لويس وايت بيك مقالاً عن زميله الفيلسوف ماندلبوم في سنة وفاته (عام 1987) وفي هذا المقام قيم جهود موريس ماندلبوم الفيلسوف ورئيس الجمعية الفلسفية الأمريكية ، فقال : ” كان موريس ماندلبوم صديق لي لمدة تجاوزت الأربعين عاماً . وهنا أنا أتكلم عنه كمربي للجمهور العام .. وأحسب إن ذكراه ستظل خالدة في أمرين ؛ الأول هو إدارته الحكيمة للجمعية الفلسفية الأمريكية . والأمر الثاني إنه كان حقاً فيلسوفاً عميقاً ، وخصوصاً في فلسفة التاريخ ، وتاريخ الفلسفة ، والأبستمولوجيا ، والأخلاق الفوقية (ميتا – إثيك) وفلسفة العلوم الإجتماعية ” (38) .

  إستهل الفيلسوف موريس ماندلبوم تأملاته الفلسفية في موضوع التفسير التاريخي بالإعلان عن إن بحثه المعنون مشكلة القوانين … هو في واقع الأمر إستمرار للمناقشات الجارية بين الفلاسفة البريطانيين والأمريكان حول السؤال المتعلق بالتاريخ ، وهو السؤال الذي فرض هيمنة خاصة على جميع الأسئلة الأخرى (39) . كما إنه كشف بوضوح بأن كتاب وليم دراي (1921 – 2009) المعنون القوانين والتفسير في التاريخ ، هو الذي كان محور هذه المناقشات .

  ومن حق الفيلسوف وليم هربرت دراي علينا (فهو كندي وأنا كندي) أن أقف أمام حضرته مُعرفاً بعض الشئ وبما ينفع موضوع التفسير التاريخي وفلسفة التاريخ . فهو فيلسوف كندي في التاريخ ، وبروفسوراً للفلسفة في جامعة أتوا (عاصمة كندا) . وكان رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة ترنت قبل أن يتحول إلى جامعة أتوا .

  إن الحديث عن الفيلسوف دراي ، هو الحديث عن مساهماته المتفردة في مضمار الفلسفة التحليلية للتاريخ والعلوم الإجتماعية . فهو واحد من النقاد العنيدين للنزعات الوضعية ، فتراه دائماً يُجادل ويؤكد على إن موديل التفسير الذي تتداوله العلوم الطبيعية لا يصلح إطلاقاً في مضمار العلوم الإنسانية . وله مساهمات في دراسة علم التاريخ (الهستروغرافيا) وخصوصاً الحرب الأهلية في إنكلترا ، والتي أثارت إهتمام فلاسفة التاريخ من أمثال كولينجود .

  ولعل من أهم مؤلفاته التي ترجمت إلى العديد من اللغات كتابه الذي يتحدث عنه الفيلسوف موريس ماندلبوم والمعنون القوانين والتفسير في التاريخ (1957) ، وكتابه فلسفة التاريخ (1964) ، ورائعته التحليل الفلسفي للتاريخ (1978) ، وكتابه وجهات نظر حول التاريخ (1980) ، ومؤلفه حول التاريخ وفلاسفة التاريخ (1989) ، والتاريخ إعادة بناء : كولينجود وكتابه فكرة التاريخ (1995) (40) .

  وهذه مناسبة أقدم فيها عرضاً سريعاً لفصول رائعة فيلسوف التاريخ دراي ، لأوفر للقارئ فرصة للمقارنة بين ما كتبه الفيلسوف دراي والفيلسوف موريس ماندلبوم ، ومعرفة حجم التأثير الذي تركه الفيلسوف الكندي على كتابات موريس ماندلبوم . تألف كتاب القوانين والتفسير في التاريخ من ستة فصول ، وجاءت بالشكل الأتي :

1 – موديل القانون السائد

2 – عقيدة التعريف الضمني

3 – التفسير والتكهن

4 – القوانين السببية والتحليل السببي

5 – مفهوم (وصفة) الفعل

6 – تفسير لماذا ؟ وتفسير كيف ؟ (41) . 

 وبعد هذا عودة إلى مبحث الفيلسوف ماندلبوم ، فقد إستعار عنوان بحثه من الفصل الأول من كتاب الفيلسوف الكندي وليم دراي المعنون التفسير في التاريخ . وفعلاً فقد تابع ماندلبوم المناقشة ، فأشار إلى إن دراي كان يخص مجموعة معينة من المنظرين ، الذين بحثوا في موضوع القوانين التي تغطي التاريخ ، وكان أغلبهم فلاسفة علوم من أمثال كارل بوبر (1902 – 1994) والمشهور بكتابه ذائع الصيت والمعنون فُقر(أو عُقم) النزعة التاريخية (أو التاريخانية) والذي صدر في العام 1936 (42) وكارل غوستاف هامبل (1905 – 1997) وكذلك فيلسوف التاريخ المعاصر باتريك كاردينر (تحدثنا عنه في مقدمة هذا المحور) .

   أما كارل هامبل ، فهو فيلسوف علم ، ومن الرموز الكبيرة في الوضعية المنطقية . والمتداول في كتب فلسفة العلوم ، إنه كان أول من قدم موديلاً للتفسير العلمي ، وهو موديلاً عالياً للتفسير العلمي خلال الخمسينات والستينات . ومن أهم كتبه في فلسفة التاريخ ، كتابه المعنون وظيفة القوانين العامة في التاريخ ، والذي صدر في العام 1942 . وكتابه الشهير التفسير العلمي ، الذي ظهر في العام 1967 (43) .

  والحقيقة إن موريس ماندلبوم ، هو من المعارضين لوجهات نظر كارل بوبر ، وكارل هامبل وباتريك كاردينر . تكون بحث ماندلبوم المعنون مشكلة القوانين التي تغطي التاريخ ، وهو العنوان الذي إستعاره من أحد فصول فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي كما ذكرنا أعلاه ، تكون من مقدمة (كما نحسبها) وثلاثة محاور (كما نظنها) . ففي المقدمة التي نفترضها ، تحدث ماندلبوم عن معسكرين من فلاسفة التاريخ ؛

الأول معسكر المنظرين للقوانين في التاريخ ، من أمثال بوبر وهامبل وكاردينر  .

والثاني معسكر فلاسفة رد الفعل (فلاسفة التاريخ أصحاب رد الفعل) ومنهم وليم هربرت دراي ، وفيلسوف التاريخ ألن دونكن (1925 – 1991) ومن أهم كتبه ، رائعته المعنونة الفلسفة المتأخرة لفيلسوف التاريخ كولينجود (1962) (44) ، والفيلسوف الإنكليزي باتريك نويل سميث (1914 – 2006) (ومن بواكير كتاباته ، مقالته المعنونة حرية الإرادة والمسؤلية الأخلاقية والتي نشرها في مجلة العقل عام 1948) ، وفيلسوف التاريخ الروسي – البريطاني إيزايا برلين (1909 – 1997) وهو الذي أدخل طرق الفلسفة التحليلية في فلسفة التاريخ ، وله معارضات للتنوير وفلاسفة التاريخ خلالها (وخصوصاً الألمان) (45) .

    وهؤلاء حسب رأي موريس ماندلبوم ، ميزوا أنفسهم من مجموعة من الفلاسفة الذين رفضوا تفسير القوانين من أمثال بيندتو كروتشه وكولينجود (والذين حسب كلام موريس ماندلبوم) يشكلون معسكر المثالية في فلسفة التاريخ (46) . ولاحظ في حالة فيلسوف التاريخ البريطاني وليم هنري ولش (1913 – 1986) (وهو متأثر بفيلسوف التاريخ كولنجود ، ومستوعب للتراث المثالي حول التاريخ ، وخصوصاً ريكارت ، وديلثي وكروتشه بصورة واضحة ) (47) ولعل أهم كتب وليم هنري ولش رائعته المعنونة فلسفة التاريخ : مدخل (1951) . ولكن حسب ماندلبوم إن ولش قد بين بأن المسافة بين المشروعين جدا قريبة (أي بين معسكر فلاسفة العلم وفلاسفة أصحاب رد الفعل على النزعة الوضعية) (48) .

  وعلى هذا الأساس فإن المقال إشتغل على هذا الجدل بين فلاسفة التاريخ من الوضعين (بوبر وهامبل وكاردينر ) من طرف ، وفلاسفة رد الفعل ، ومن ثم الإحتجاج بمواقف معسكر فلاسفة التاريخ المثاليين . وفعلاً فإن موريس ماندلبوم في هامش الصفحة (رقم 53) يكشف صراحة عن موقفه من فلاسفة التاريخ الوضعيين والقائلين بالقوانين في التاريخ ، فيقول : ” إنه من الملاحظ إن هناك صلة بين هامبل وكاردينر ، خصوصاً في إنتقاداتهم المؤلمة لي (ماندلبوم) .. ويبدو إن فيلسوف التاريخ دراي كان متعاطفاً معهم ” .

  الحقيقة إن موريس ماندلبوم كان في حيرة وهو يسعى إلى تصنيف المواقف داخل أجواء الجدل بين معسكر القائلين بالقوانين في التاريخ ومعسكر المعارضين لهم ، وحيرته كانت واضحة في الإصطلاح – العنوان الذي إختاره للمعارضين ، فأسماهم بفلاسفة رد الفعل . ونحسب إن ماندلبوم لم يكن موفقاً في هذا العنوان ، فهو عنوان ملتبس عام ، وكان من الأفضل عليه إن يكون صريحاً ، ويختار عنوان المعارضين للقوانين في التاريخ . وهكذا يصبح لدينا معسكرين : الأول معسكر القائلين بالقوانين ، والثاني معسكر المعارضين لوجود مثل هذه القوانين . وبالطبع معسكر القائلين بالقوانين ، هم فلاسفة علوم ومنهم من ينتمي إلى مدرسة فلسفية عريقة الجذور وهي الوضعية المنطقية (حالة الفيلسوف هامبل) ومنهم من ينتمي إلى مدرسة الفلسفة التحليلية والتي هي الأخرى إنبثقت من الوضعية المنطقية (كما في حالة الفيلسوف كارل بوبر صاحب كتاب عُقم التاريخ) .

  ومن الملاحظ إن أغلب مقالات ماندلبوم (ومؤلفاته كذلك) تدور حول التفسير التاريخي هذا من طرف . والطرف الثاني إنه كان كاتباً متخصصاً في مضمار فلسفة التاريخ (إضافة إلى مؤلفاته في ميدان الفلسفة عامة) . وإنه بدأ عملية الكتابة والتدوين في الثلث الأول من القرن العشرين ، وهذه منزلة تضعه بجوار حضرة فيلسوف التاريخ كولينجود .

رابعاً – التفسير التاريخي للأفعال (49)

  كتب هذا المبحث فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي (تكلمنا عنه سابقاً) . وإستهله بالتذكير إلى إنه خلال السنوات العشرة (وهو يتحدث يومها في العام 1963) ظهرت كتابات في غاية الأهمية ، عالجت من زاوية تحليلية فلسفية ، طبيعة التفسير التاريخي . ومن ثم حدث جدل حول الطريقة التي يكون عليها هذا التفسير ، ومنها  السؤال عن حجم المتابعة (والتطبيق) لمثل هكذا تفسير للقوانين الإمبريقية (التجريبية) . ومن ثم تلت ذلك أي بحدود خمسة سنوات ، مثابرة قام بها في كتابه المعنون القوانين والتفسير في التاريخ ، وهي  مساهمة في الجدل والمناقشات الدائرة يومذاك (50) .

   وكان دراي صريحاً ، فهو لايريد العودة إلى كل القضايا التي عالجها في كتابه القوانين والتفسير في التاريخ ، وإنما العودة إلى سؤال واحد ، وواحد فقط ، وهو : السؤال التحليلي الذي يدور حول التفسير الوصفي ، لما أسماه العوامل التاريخية (الأفراد). وهنا كما أشار ” أنا لا أقصد فقط الأفعال الإنسانية الفردية ، التي هي بالتأكيد موضوع التفسير التاريخي ..” ولذلك فأن الفيلسوف دراي إتفق مع موريس ماندلبوم ، في ” إن أفعال الأفراد لها مصلحة تاريخية

مناسبة ، وأنهم يدخلون التاريخ عندما تكون لهم أهمية مجتمعية ” (51) . إذن في البحث

 ردود على أطراف دخل معها فيلسوف التاريخ دراي في جدل ، ومنهم على الأخص البروفسور موريس ماندلبوم .

  تكون المبحث من أربعة محاور ؛ المحور الأول إستهله بعبارة فيلسوف العلم هامبل ، والتي ركزت على نظرية القانون (الذي يغطي الأحداث التاريخية) في التاريخ ، والتي جاءت في مقالته المشهورة ، والتي حملت عنوان : وظيفة القوانين العامة في التاريخ ، وهنا ذهب دراي إلى مناقشة المقصود بالتفسير ، ومن ثم في مرجعية إلى القوانين (التي تغطي الحدث التاريخي) . وذهب موضحاً حجته ، فأفاد إلى إنه بالطبع هناك من إتفق مع البروفسور هامبل في تطبيقاتها العالمية على نظرية التفسير ، وبالطبع هناك حجج معارضة ، ولكن هذا لا يعني الدخول في صراع مع الحجج التي قدمها حشد من المؤرخين الذين فشلوا في عملهم والذي لا يُلبي شروط ومتطلبات هذه النظرية  حسب رأي فيلسوف التاريخ وليم هربرت دراي (52) .

 وإختتم المحور بإزالة سوء الفهم الذي يخلط بين التطبيق المناسب للقوانين التي تغطي الحدث التاريخ ، وبين الموديلات العقلية والتي لا علاقة لها بالسؤال الذي يدور حول التفسيرات التاريخية ، والتي تتعلق بحدود أفكار الناس أو بحدود الشروط الموضوعية لبيئاتهم الطبيعية والإجتماعية . ويرى دراي إلى إن البروفسور هامبل يبدو غير متأكد ، ولا مطمأن من تحليلات ورؤى فلاسفة المادية في التاريخ (53) .  

   ثم خصص فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي ، المحور الثاني للرد على عدد من النُقاد  ، الذين وجدوا أسباباً حملتهم على عدم الإتفاق معه في تفسيره العقلاني للتاريخ (54) . وخصوصاً إعتراضات الفيلسوف نويل سميث ، والذي جادل الفيلسوف دراي ، فذهب مُعلقاً ” حتى إذا وجدنا العامل التاريخي ، فإنه ليس بمقدورنا أن نستمر في حساباتنا الممكنة ، ولهذا فإن التفسير بالتأكيد سيكون كاذباً ” . ويعلق الفيلسوف دراي على إعتراض الفيلسوف سميث ، فيقول مجادلاً ” ويبدو إن البروفسور سميث يفترض إن هناك بعض العوامل موجودة ، ولكنها تعمل فيما أسماه في مناطق الوعي الذاتي ” (55) . وإستمر في المحور الثالث في ردوده وحواره مع فلاسفة التاريخ ، الذين لم يقبلوا تحليلاته ، من مثل السير إيزيا برلين ، والذين ” لم يقبلو على الأقل بأنه ليس هناك خطأ في الصيغة الأصلية للقوانين التي تغطي التاريخ ، بشرط إذا كان هناك توضيح لبنية (التركيب) التفسير في التاريخ ” (56) .

  وبالمناسبة إن فيلسوف التاريخ السير برلين ، هو فيلسوف روسي – بريطاني ، ومؤرخ للتاريخ الفكري (الأفكار) ، ومنظر سياسي . ولعل من أولى مقالته التي كتبها قبل كتابه الشهير : كارل ماركس : حياته وبيئته ، مقالته المعنونة الإستقراء والفرضيات (1937) (57) .

   ويُتابع فيلسوف التاريخ مناقشته ، فيرى إن هناك عدداً أخراً من فلاسفة التاريخ ، من أمثال

الفيلسوف (والإقتصادي ، ورجل الإحصاء) النمساوي – البريطاني فردريك أغسطس هيك (1899 – 1992) من أهم مؤلفاته الطريق إلى العبودية (58) ، والفيلسوف الألماني – الأمريكي ليو ستراوس (1899 – 1973) والذي كان من كتاباته الأولى ، مؤلفه المعنون نقد إسينوزا للدين (عام 1930) (59) ، والفيلسوف البريطاني بيتر ونش ، المشهور بكتابه المعنون فكرة العلم الإجتماعي وعلاقته بالفلسفة (1958) والذي هاجم النزعة الوضعية في العلوم الإجتماعية ، والذين (حسب رأي فيلسوف التاريخ دراي) قد ذهبوا بعيداً ، ورأى إن   

مفهوم الحقيقة التاريخية أو الأجتماعية ، بمعناه الإعتيادي ، هو مفهوم شبه معياري . وإن القوانين في مثل هذه المفاهيم ، هي الأخرى معيارية كذلك (60) .

   أما المحور الرابع والأخير من مبحث فيلسوف التاريخ دراي ، فقد تكلم فيه عن التحويرات التي جرت على نظرية القوانين التي تغطي التاريخ (61) . ومن ثم إعترف بأنه يتمسك بموقف ليبرالي (متحرر) قاده إلى الإعتقاد بأن الموديل العقلي في التفسير ، بسبب إن له منافع للجميع . كما إن منافعه يمكن ملاحظاتها بطريقة التفسير التي تُقدم للتاريخ من طرف ، ويكون منطقياً منافساً للنزعات اللاجبرية المتعلقة بالأفعال الإنسانية من طرف أخر (62) .

خامساً – حُجج حول القوانين (التي تغطي الأحداث التاريخية) في التفسير التاريخي (63)

   كتب هذا المبحث – الفصل فيلسوف العلم كارل هامبل ، وقد قام الفيلسوف كاردينر بإنتخابه لأغراض هذا الكتاب الجماعي ، والذي سبق إن نشر في كتاب بعنوان الفلسفة والتاريخ : الإجتماع (عام 1963) (ص ص 143 – 163) .  درس الفيلسوف كارل هامبل الرياضيات والفيزياء والفلسفة في جامعة كوتنكن ، وهيدلبيرك وبرلين الألمانية . وفي كوتنكن واجه هامبل عالم الرياضيات (والمنطق البديهي) المعروف ديفيد هلبرت (1862 – 1943) ومنذ تلك اللحظة طبع هلبرت لمسات قوية على هامبل ، وخصوصاً في مثابرته الرياضية – المنطقية التي نزعت إلى تأسيس الرياضيات على أسس منطقية صلبة ، ومشتقة من عدد محدود من البديهيات .

  ومن ثم تحول هامبل إلى جامعة برلين وشارك في مؤتمر الفلسفة العلمية والذي إنعقد في عام 1929 ، حيث قابل عالم المنطق رودلف كرناب (1891 – 1970) وأصبح فاعلاً مع فلاسفة حلقة برلين ، والتي إرتبطت بحلقة فينا . وفي عام 1934 حصل على الدكتوراه من جامعة برلين وبإطروحة كتبها عن نظرية الإحتمال . ومن أهم مؤلفاته :

1 – دراسات في الإثبات (التأييد) (1943) .

2 – منطق التحليل الدالي (1959) .

3 – الأوجه المتعددة للتفسير العلمي (1965) .

4 – فلسفة العلم الطبيعي (1966) .

5 – التفسير العلمي (1967) (64) .

  وتكون هذا المبحث من أربعة محاور ؛ الأول كان بعنوان التفسير الإستدلالي (الإستنباطي) والتفسير الإحتمالي عن طريق القوانين التي تغطي التاريخ (65) . وفيه عاد إلى مبحث فيلسوف التاريخ وليم هربرت دراي والمعنون القوانين والتفسير في التاريخ . ورأى بأن دراي ” طور فعلاً عدداً من الحجج البالغة الأهمية ضد كفايتها ، وخصوصاً في مضمار البحث التاريخي ” (66) . إذن المحور برمته محاجة وجدل بين فيلسوف العلم الوضعي هامبل وفيلسوف التاريخ دراي حول معاني ودلالات مصطلح موديل القانون (الذي يغطي التاريخ) في التفسير . وحسب هامبل إن الفيلسوف دراي قد تداول المصطلح موديل القانون (الذي يغطي التاريخ) ليقصد به ” الطرف الإستنتاجي في التفسير ، والذي يكون حاله حال الطرف الإستدلالي في إطار القوانين التي تغطي التاريخ ” (67) . وهناك مسألة في غاية الأهمية تتعلق بحجج الفيلسوف دراي ، وهي إن مثل هذا النوع من التفسير يلعب دوراً مهماً في فروع مختلفة من العلوم الإمبريقية (التجريبية) ، والتي حسب فيلسوف العلم هامبل ، ” هي تفسير القانون الذي يغطي التاريخ … وبإيجاز إن السيد دراي قد لمح في بحثه بأن بعض القوانين التي تغطي التاريخ ، هي شكل من القوانين الإحصائية الإحتمالية ” (68) .

   أما المحور الثاني فقد جاء بعنوان الشرط الضروري لكفاية التفسير (69) . وعالج فيه نوعين من التفسير اللذان ينهضان على القوانين التي تغطي التاريخ ؛ فهما يفسران الحادثة من خلال ظروف خاصة محددة وقوانين عامة . وإن حدوثها متوقع (بالمعنى المنطقي الخالص) باليقين الإستنباطي أو بالإحتمال الإستقرائي . وبهذا الحال فإن كلا الضربين من التفسير مقنعان للحادثة هذا من طرف (70) . ومن طرف ثان فإن مفاهيم القانون التاريخي التي يقوم عليها التفسير (والتي تُعرض من خلال الموديلات) ترتبط بمرجعية ، وهذه المرجعية هي علم المنطق ، وليس علم النفس  . وعلى هذا الأساس فإن التفسير حاله مثل حال مفاهيم البرهان الرياضي ، والتي سيكون مرجعيتها علم المنطق كذلك وليس علم النفس ، وكما إن هدف البرهان الرياضي ، هو البرهنة على المبرهنات الرياضية . والبراهين والتفسيرات من طرفهما كافيان بالمعنى البراجماتي – النفسي (71) .

  وإنتخب فيلسوف العلم والتاريخ كارل هامبل للمحور الثالث من بحثه ” حجج حول القوانين التي تغطي التاريخ ، عنوان ” الأحداث الفردية والتفسير الكامل ” (72) . وهو عنوان مقصود ، وذلك ليكمل هامبل عملية الجدل والنقاش ، وتصفية الحساب مع فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي . وإستهل هامبل المناقشة بالإشارة إلى إن بحث السيد دراي قد مس بصورة موجزة هذا الموضوع ، ولذلك حصل على إهتمام في أدب المناقشات الجارية . والذي يتلخص في السؤال : هل الأحداث الفردية تسمح بتفسير كامل ؟ وهل مثل هذا التفسير ممكن إنجازه بوسائل القوانين التي تغطي التاريخ ؟ وأود هنا إن أعلق بإيجاز على هذه القضية ، فأقول إنه في أي تفسير للحادثة الفردية عن طريق القوانين التي تغطي التاريخ ، فإن الحادثة في السؤال ، هي دائماً توصف بعبارة ، وهذه العبارة ، هي بالتأكيد عبارة التفسير (73) .

   ومن ثم تلاه المحور الرابع والأخير ، والذي جاء بعنوان الأفعال التفسيرية بواسطة العقول (74) . وفيه إستمر الجدل بين هامبل ودراي حول هذا الطرف من تفسير الأفعال . ويلاحظ هنا إن هامبل لم يكتفي بفيلسوف التاريخ دراي ، وإنما أدخل أسماء أخرى في الجدل . وهذا ما سنشير إليه . إستهل هامبل هذا المحور :

 أولاً بعنوان فرعي يقول ” إستنتاج دراي ” . وبعدها أفاد ” أنا أتحول الآن إلى بعض التعليقات على الموضوع الرئيسي لبحث السيد دراي . وأقصد مفهوم التفسير العقلي . والحقيقة إن دراي يعتقد بأن المنهج الذي يتداوله المؤرخين ، هو تفسير الأفعال الإنسانية في حدود العقل ، والتي لا يمكن أن تُفسر (ولا يمكن ضمانها) في إنموذج القانون الذي يغطي التاريخ . ولهذا دراي يقول ” إذا رغبت أن تقوم بإعادة تركيب خاطئ ، فإنك ستحصل على تفسير خاطئ ” . وحسب رأي هامبل إن حجة دراي لا تدعم الحكم ، وذلك لأن إسنتنتاجه البديل لمثل هذا التفسير ، هو شكل من المساهمة الأساس بإتجاه صياغة وتوضيح القضايا المحيرة  ” (75) .

 وثانياً بعنوان أخر ، هو مشكلة معايير العقلانية . ولاحظ هامبل إنه ليس هناك معنى واضح للسؤال : ما هو معيار العقلانية ؟ ويتابع القضية ، فيذهب إلى إن هناك بعض الكتاب في الفترة الراهنة ” يفترضون بأن هناك مفهوم واحد واضح للعقلانية في المعنى المطلوب هنا . إلا إنهم لم يقدموا أي تعريف واضح ، ولذلك فالشكوك أثيرت حول إمكانية صياغة معياركاف عام للعقلانية بحيث يمكن تأيده بواسطة النظرية الرياضية …” (76) .

  والخلاصة إن إقتراح دراي ، حسب إعتقاد هامبل ، للتفسيرات الإستنتاجية التي تستند إلى العقل ، في أساسها تعاني من عجز منطقي ، وذلك لأنها جاءت نتيجة ولادتها من نظرة ترى بأن من مثل هذه التفسيرات يجب أن تُؤسس على مبادئ الفعل بدلاً من تُبنى على قوانين عامة . (77) . ومن ثم دخل على الخط حسب إنتخاب فيلسوف العلم والتاريخ هامبل ، الفيلسوف الأسترالي جون باسمور (1914 – 2004) والمعروف بكتابيه الفلسفيين ؛ الأول نوايا هيوم (1952) . والثاني الإستدلال الفلسفي (1961) ، وبالطبع نشر كتاباً في تاريخ الفلسفة بعنوان الفلسفة في مئة عام (1956) . والنقطة الأساس في إعتراض باسمور حسب فيلسوف العلم والتاريخ هامبل ، هي ” إن التفسير من خلال المرجعية إلى مبدأ الفعل أو العقل الجيد ، هو ليس بحد ذاته تفسير على الإطلاق … والعقل يكون عقلاً جيداً بمعنى وجود مبدأ يمكن شخص ما أن يتكأ عليه في تبرير فعل شخص ما ، ودون أن يكون له في الواقع أي تأثير علينا ” (78) . وهذه المعالجة جاءت في مقالة باسمور (التي هي في الأصل مراجعة) وبعنوان القانون والتفسير في التاريخ (1958) والذي ذهب بصورة موجزة إلى إن التفسير عن طريق العقول (الأسباب) يرتفع إلى التفسير عن طريق الإحالة إلى العبارة العامة . فمثلاً لو سلمنا بأن العقل (السبب) ليكون التفسير الواقعي لتصرف الشخص … للتأكيد على الأقل … على العبارة العامة : الناس من فئة أكس ، في موقف واي ، فالفعل في مثل هذا الحال ، هو المحافظة على المبدأ زد ” (79) .

وثالثاً بعنوان العقلانية والأفعال العفوية (غير المدروسة) . إن التفسير العقلي الإستنتاجي يمكن أن يقدم حلاً للصعوبات المتعلقة بوجهة نظر السيد دراي ، والتي وردت في كتابه سالف الذكر ، والتي أشار إليها بإيجاز في بحثه هذا . ووفقاً للفيلسوف داري ، فإن ” هناك أفعال محددة هي مؤهلة أن تكون عقلية ، رغم إنها بالقرار خالية من أية منفعة في الحسابات والدراسات الواقعية ” (80) . وحسب رأي فيلسوف العلم والتاريخ هامبل ” إن الفيلسوف دراي يجادل حقاً في كتابه ، فيذهب إلى إن الفعل غرضي على الإطلاق ، مهما يكن مستوى الدراسة الواعية ، إذا كان قابلاً للتفسير العقلي ، وذلك بسبب هناك حسابات يمكن حسابها لصالحه ” (81) .

  إن الممتع والمتفرد في مبحث فيلسوف العلم والتاريخ كارل هامبل ، هو إنه إستخدم اللغة الرمزية في أمثلته ومناقشاته ، وهي لغة الرياضيات والمنطق الرمزي (والرياضي) الذي يتطلع إلى الدقة العالية ، وخصوصاً في الأمثلة التي عرضها ، وهو يُدافع عن أهمية ومكانة القوانين في التفسير التاريخي (وهذا يشمل في طرف منه الفيلسوف الأسترالي جون باسمور كذلك) .

سادساً – المعنى الإجتماعي وتفسير الفعل الإجتماعي (82)  

  كتب هذا المبحث – الفصل مؤرخ الفكر السياسي كونتين سكنر (1940 – لازال حياً) وهو بروفسور في الإنسانيات في جامعة لندن . ولعل أهم ما إشتهر به ، هي محاضراته في أكسفورد عن فيلسوف التاريخ توماس كارليل (1795 – 1881) صاحب نظريات البطل والبطولة (والرجل العظيم)  . وذاع صيت كونتين سكنر في الأعمال التي كتبها في النظرية السياسية والفكر السياسي وتاريخهما ، والتي شملت ميكافيلي (1469 – 1527) ، وتوماس مور (1478 – 1535) وتوماس هوبز (1588 – 1679) . ومن أهم مؤلفات كونتين سكنر:

1 – أسس التفكير السياسي الحديث (المجلد الأول) : عصر النهضة (1978) .

2 – أسس التفكير السياسي الحديث (المجلد الثاني) : عصر الإصلاح (1978) .

3 – مكيافيلي (1981)

4 – العقل والخطاب في فلسفة هوبز (1996)

5 – الحرية قبل الليبرالية (1998)

6 – الفلسفة والتاريخ (1984) وهو كتاب أكاديمي جماعي أشرف عليه (83) .

  وتكون بحث البروفسور سكنر من خمسة محاور عالجت بصورة كافية المعنى الإجتماعي والأفعال الإجتماعية ، وهو موضوع لم يمس فلسفة التاريخ بالطبع . إلا إن فيه جدل حول الأفعال الإجتماعية ولهذا السبب نظن إن فيلسوف التاريخ باتريك كاردينر إنتخبه وضمه إلى مباحث كتاب فلسفة التاريخ ، وهو الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه .

سابعاً – المفاهيم الضمامة (القابلة لضم / أو فهم مجموعة من الأحداث) في التاريخ (84)

  كتب هذا المبحث الفيلسوف البريطاني وليم هنري ولش (1913 – 1986) ، وهو بروفسور المنطق والميتافيزيقا في جامعة أدنبرة ، للفترة ما بين (1960 – 1970) . وفيلسوف أكسفوردي ، تدرب في الأصل في الفلسفة الحديثة ، وهو متأثر بفيلسوف التاريخ كولينجود . من أهم مؤلفاته : مدخل إلى فلسفة التاريخ ، الذي نشره في العام 1951 (أنظر الهامش رقم 47) .

  جاء هذا المبحث مقالة خالية من التقسيم المنهجي إلى محاور كما رأينا في أغلب مباحث – فصول هذا الكتاب الجماعي . ونحسب من الإنصاف أن نقوم بتوزيع الحقوق بين فلاسفة التاريخ (أو المؤرخين الذين كتبوا في مضمارها فمسوا بعض الأطراف منها مساً خفيفاً) . وهنا نود أن نشير إلى الريادة في عملية نحت أو إدخال مفاهيم جديدة في عملية الجدل والنقاش حول فلسفة التاريخ  ، (وهي من الموضوعات المهمة) وبالتحديد في عنوان الفيلسوف ولش ” المفاهيم الضمامة في التاريخ ” . حقيقة إن المفاهيم الضمامة ، هو إصطلاح تبناه فيلسوف التاريخ وليم هنري ولش من مؤرخ العلم الإنكليزي (وفيلسوف العلوم الإستقرائية) وليم ويهول (1794 – 1866) (85) . والواقع إن فيلسوف التاريخ ولش يعترف صراحة سواء في هذا المبحث أو في كتابه المعنون مدحل إلى فلسفة التاريخ ، بأنه لم يكن المخترع لإصطلاح ” المفهوم الضمام / الجامع) أو المفاهيم الضمامة . وإنما يعترف إن ” ويهول هو أول من أدخل هذا الإصطلاح إلى الفلسفة ” (86) . فالمبحث برمته متابعة متنوعة حول المفاهيم الضمامة في التاريخ .

ثامناً – الموضوعية في التارريخ (87)

  كتب هذ المبحث الفيلسوف الإسترالي جون باسمور (1914 – 2004) . والذي حصل على بكلوريوس شرف بالأدب الإنكليزي والفلسفة من جامعة سدني . وفي عام 1934 أصبح محاضراً مساعداً للفلسفة في جامعة سدني . وفي عام 1948 ذهب للدراسة في جامعة لندن . وكان بروفسوراً للفلسفة في جامعة أتاكوا – النيوزيلندية للفترة من 1950 – 1955 . وهو مؤرخ لتاريخ الفلسفة ، ودراساته ركزت على المشكلات التاريخية والفلسفية . ونشر حوالي عشرين كتاباً . من أهمها :

1 – الفيلسوف الإنكليزي الإفلاطوني (من كيمبريدج) رالف كادورث (1951)

2 – نوايا هيوم (1952)

3 – الفلسفة في مئة عام (1956)

4 – الإستدلال الفلسفي (1961)

5 – رجل اللاهوت الإنكليزي جوزيف بريستلي (1965)

6 – الإنسان الكامل (1970)

7 – مسؤلية الإنسان تجاه الطبيعة (1974)

8 – فلسفة التعليم (1980)

9 – ميموار الأسترالي المعتزل (1997) (88) .

  إستهل الفيلسوف باسمور بحثه ، بالإشارة إلى حادثة عاشها مع زميل مؤرخ عندما سمع بعنوان بحثه ” الموضوعية في التاريخ ” . وحسب رواية الفيلسوف ، فإن زميله المؤرخ قال ” تلك هي المشكلة التي لا تقلق المؤرخين العاملين على الإطلاق ” . ورد باسمور على قول زميله  بكلمات صريحة ” إنه كان على خطأ ” (89) . وكلام المؤرخ الزميل جلب إنتباه الفيلسوف باسمور على عبارة ” المؤرخين العاملين ” من طرف ، وأثار السؤال حول المناقشات التي لا تهدأ بين المؤرخين حول طبيعة الأبحاث التي يقومون بها . ومن هذا الجانب ، فإن هذا الزميل بكلمات الفيلسوف باسمور ” على حق ” (90) . غير إن تفكير هذا الزميل تحول صوب الجدل الدائر بين رجال الأبستمولوجيا ، والجدل الدائر حول إمكانية المعرفة . والمؤرخون كما شعر هذا الزميل حقاً ” لا تزعج عقولهم مثل هذه الموضوعات ” (91) .

  وفعلاً فإن المؤرخ عندما يسأله شخص ما ” هل يمكن أن يكون التاريخ موضوعياً ؟ فإنه ” لن يُعاني من التعميم من الطرفين الأبستمولوجي أو الشكي . وهذه هي بعض صور البحث . فمثلاً في مضمار الفيزياء ، هو يعتقد بأن البحث يمكن أن يكون موضوعياً ، وهو لا يشك في ذلك على الإطلاق . ولكن السؤال الوحيد بالنسبة له (أي المؤرخ) : هل ممكن أن يكون ذلك صادقاً تماماً على التاريخ ” (92) . ومن ثم إستشهد الفيلسوف بمقالة كروستفور بليك والتي نشرها في مجلة عقل (عام 1955) والتي تساءل فيها : هل ممكن أن يكون التاريخ موضوعياً ؟ والذي إستند فيه إلى ” مبدأ عدم فراغ الطرف المقابل ” ، وهو المبدأ الذي يمنعنا من إنكار الموضوعية في التاريخ … (93) . وهكذا فالبحث بمجمله مناقشة بين الفيلسوف والمؤرخ حول موضوعية ولا موضوعية البحث في التاريخ .

تاسعاً – الحتمية التاريخية (94)

   كتب هذا المبحث – الفصل فيلسوف التاريخ السير إيزايا برلين (1909 – 1987) ، هو فيلسوف روسي – بريطاني ، ومؤرخ للتاريخ الفكري (الأفكار) ، ومنظر سياسي . ولعل من أولى مقالته التي كتبها قبل كتابه الشهير : كارل ماركس : حياته وبيئته ، مقالته المعنونة الإستقراء والفرضيات (1937) .

 تأثر في بداياته بالمثالية الإنكليزية (خصوصاً برادلي وبوزانكيت ..) ، ومن ثم تحول إلى واقعية مور . وبعد سنوات إعتنق مبادئ الوضعية المنطقية لحلقة فينا ، وقرأ الكتابات المبكرة لفيتجنشتاين ، ومن ثم عاد إلى كتابات التجريبيين الإنكليز . كما إنه تأثر بالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط وخلفائه . وفي أكسفورد حيث فيلسوف التاريخ كولينجود ، الذي رعى إهتمام برلين ، خصوصاً في تاريخ الأفكار ، وهو الذي عرفه بكل من فيكو وهردر .

  من أهم مؤلفات فيلسوف التاريخ إيزايا برلين :

1 – كارل ماركس : حياته وبيئته (1939)

2 – عصر التنوير : فلاسفة التنوير (1956)

3 – أصالة مكيافيلي (1972)

4 – فيكو وهردر : دراسات في تاريخ الأفكار (1976)

5 – ضد التيار : مقالات في تاريخ الأفكار (1979)

6 – معنى الواقعية : دراسات في الأفكار وتاريخها (1996)

7 – ثلاثة نقاد للتنوير (فيكو ، هامان وهردر) (2000)

8 – قوة الأفكار (2000)

9 – الحرية ومُزيفيها : ستة أعداء للحرية الإنسانية (2002)

10 – الأفكار السياسية في العصر الرومانتيكي : صعودها وتأثيرها في الفكر الحديث (2006) (95) .

   بدأ فيلسوف التاريخ إيزيا برلين بحثه بعبارته القائلة ” إن المفهوم (أي الحتمية) هو الذي يرى إن التاريخ يخضع (أو يطيع) القانون ، سواء قانون طبيعي أو فوقطبيعي ” . وإن ذلك يعني إن كل حادثة في الحياة الإنسانية ، ما هي إلا عنصر من عناصر هذا النظام الضروري ، وإن مثل هذا الفهم ، له إصول ميتافيزيقية عميقة . وهو موضوع فيه إعجاب وإفتتان بالعلوم الطبيعية ، التي تغذي هذا المسار . وهو بالطبع ليس المصدر الوحيد لمفهوم التاريخ ، ولا المصدر الرئيس له (96) . ويرى فيلسوف التاريخ إيزايا برلين إلى إن هناك نظرة تيلولوجية (غائية) تصعد بجذورها إلى بدايات التفكير الإنساني ، والتي إتخذت صور مختلفة لها . إلا إن المشترك بينها ، هو الإعتقاد بأن ” الناس وجميع الكائنات الحية ، وربما الأشياء الجامدة كذلك

لها وظائف وتعمل على إنجاز غايات (أغراض) . وهذه الأغراض أما هي قرار من الخالق الذي صنعها ، وجعل من كل شخص ، وشئ أن يعمل على إنجاز هدف معين . أو إن هذه الأغراض لم تُفرض من قبل الخالق . وإنما هي داخلية بطبيعتها وتعود إلى مالكها ، وهذا يعني إن كل كيان له ” طبيعة ” وهي تعمل على إنجاز هدف ، هو طبيعي لها . وإن مقياس كمالها يعتمد بدرجات ما على إنجازها لهذا الهدف . وإن الشر ، والرذيلة ، وعدم الكمال (الإعتلال والنقص ..) ، وكل صور الفوضى والأخطاء ، هي صور من الإحباط (خيبة الأمل) تُحيل بين الأنسان والأشياء من تحقيق أهدافها . والفشل يُعزى في هذه الرؤية أما لسوء الحظ الذي وضع عقبات سدت طريق الإنجاز الذاتي . أو سوء توجيه إنجاز بعض الأهداف ، التي ليست بأهداف طبيعية للموجود ، وهذا يضع الموجود في دائرة التساؤل ” (97) .  وعلى هذا الأساس فإن مبحث فيلسوف التاريخ إيزايا برلين إنشغل برمته في معالجة مفهوم الحتمية في التاريخ بأطرافه الميتافيزيقية والطبيعية وما لفهما من مواقف متنوعة . وسنتحول إلى مبحث أخر عالج موضوع الحتمية في التاريخ ، وإخترنا ترجمة له الجبرية وهي كلمة مرادفة للحتمية ، وبالطبع الجبرية (أو الحتمية) هما وجهة نظر ميتافيزيقية تتعارض والموقف الفلسفي المشهور حرية الإرادة . ففي الجبرية (أو الحتمية) لا وجود لحرية الإرادة (وهناك أنواع من النظريات في الحتمية أو الجبرية سنلخصها في الهامش) (+) .

الجبرية في التاريخ (98)

   كتب هذا المبحث – الفصل فيلسوف العلم الأمريكي الوضعي المنطقي إرنست نايجل (1901 – 1985) ، والذي ولد في الأصل في سلوفاكيا ، يوم كانت جزء من الإمبراطورية الهنغارية – النمساوية . وهاجر مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان في سن العاشرة من عمره . ومن ثم حصل على درجة بكلوريوس علوم من كلية مدينة نيويورك عام 1923 . وكتب إطروحته للدكتوراه في جامعة كولومبيا عام 1931 وكان عنوانها مفهوم المقاييس . وأصبح بروفسوراً في جامعة كولومبيا عام 1967 . وعمل في مضمار فلسفة الرياضيات (فلسفة الهندسة ، نظرية الإحتمالات وميكانيكا الكم) . من أهم أعماله رائعته المعنونة بنية (أو تركيب) العلم ، والتي جاءت تتويجاً للفلسفة التحليلية للعلم . ومن ثم قام بتوسيع وشرح أنماط مختلفة من التفسير ، وذلك لتكون مناسبة لأنواع مختلفة من العلوم . وتقدم بخطوة في إطار نظرية التفسير ، فسعى إلى توحيدها في إطار واحد (وهو شكل من وحدة العلوم) .

   وكتب من أهم المؤلفات في مضمار المنطق وفلسفة العلوم ، منها :

1 – مدخل إلى علم المنطق والمنهج العلمي (بالإشتراك مع موريس كوهين) (1934)

2 – صياغة المفاهيم الحديثة للمنطق الصوري (الرمزي) ودوره في تطور الهندسة (1939)

3 – معنى الرد (التخفيض / التقليص) في العلوم الطبيعية (1949)

4- منطق المقاييس

5 – سلطة العقل (1954)

6 – علم المنطق بلا ميتافيزيقا (1957)

7 – برهان كودل (عالم المنطق الرياضي كارل كودل 1906 – 1978) (وبالإشتراك مع ج. أر. نيومان) (1958)

8 – بنية العلم : مشكلات في المنطق والتفسير العلمي (1961)

9 – الملاحظة ونظرية العلم (بالإشتراك مع أخرين) (1971)

10 – الجبرية في التاريخ (نشر في كتاب جماعي بعنوان فلسفة التاريخ) (1974)

11- الغائية ومقالات أخرى في الفلسفة وتاريخ العلم (1979) (99) .

   إستهل فيلسوف العلم إرنست نايجل بحثه المعنون الجبرية (الحتمية) في التاريخ ، بالإشارة إلى إنه ” قبل أكثر من ثلاثين سنة مضت (بالطبع كان يتحدث في عام 1960) (100) دقق مؤرخ مشهور بالتأثيرات الحاسمة التي مارستها بعض الشخصيات المهمة على الأحداث التاريخية ، مثال ذلك الإصلاح البروتستانتي في إنكلترا ، الثورة الأمريكية ، وتطور الحكومات البرلمانية . ومن ثم قيم هذا المؤرخ ، إفتراضاً الدور الحاسم للقرارات والأفعال التي لعبتها هذه الشخصيات في ولادة هذه الأحداث . ومن ثم قام بتعميم نتائجها ، وإستنتج ما يلي :

تبدو هذه التغييرات كبيرة ، وإنها جاءت نتيجة حتمية مؤكدة ، وتبدو إنها نزعة مستقلة في الأحداث ، وهي ضرورة لا ترحم ، تسيطر على تقدم الحياة الإنسانية … وفحصها عن قرب ، ووزنها ، وقياسها بعناية ، تصل إلى إنها مجموعة من وجهات نظر صادقة ، والتي تشمل القضايا الشخصية ، والعلاقات السببية ، وتأثيرات الأفراد في التاريخ ، كلها ذات أهمية في الدورة التاريخية العظيمة التي تلف كل شئ . والأحداث تظهر لتتحدث ، هذه هي الحقيقة . وإن الأحداث جاءت منسجمة ومتساوقة ، وليس في الإمكان تجنبها ، وهي قاعدة مثل الأسباب ، التي هي ليست ظاهرة فيزيائية وحسب ، وإنما تلف الأفعال الإنسانية كذلك . وهكذا كان مفهوم القانون في التاريخ . ويترتب على هذا إن مسار الأعمال الإنسانية ، هو ليس نتيجة جهود إختيارية من طرف الأفراد واالجماعات ، والحظوظ هنا محدودة ، وإنما كل شئ خاصع إلى القانون ” (101) .

   والحقيقة إن الفيلسوف إرنست نايجل قد إستند في هذا النص الذي يرسم أطراف الجبرية في التاريخ ، على أدورد ب. شيني ، وبالتحديد على كتابه المعنون القانون في التاريخ ومقالات أخرى (102) . وبالمناسبة إن أدورد بوتس شيني (1861 – 1947) هو مؤرخ أمريكي مشهور بكتاباته عن التاريخين الأنكليزي والأمريكي . تخرج من جامعة بنسلفانيا عام 1883 ، وزار العديد من الجامعات الألمانية . ودرس في المتحف البريطاني ، وهو أصغر بروفسور في جامعة بنسلفانيا يومذاك . وكان رئيس الجمعية التاريخية الأمريكية وللفترة ما بين 1922 و1923 . وكتب العديد من المؤلفات التاريخية ، والتي تعد من الكتب الأكاديمية التي تدرس للطلبة في القاعات الدراسية . من أهم مؤلفاته :

1 – التبدلات الإجتماعية في إنكلترا خلال القرن السادس عشر (1896)

2 – التاريخ الصناعي والإجتماعي لإنكلترا (1901)

3 – تاريخ مختصر لإنكلترا (1904)

4 – الخلفية الأوربية للتاريخ الأمريكي (1904)

5 – قراءات في التاريخ الإنكليزي (1908)

6 – تاريخ إنكلترا ، من هزيمة الأرمادا (البحرية الأسبانية) وحتى موت إليزابيث (مجلدان) (1914) (103) .

7 – حرية البحث والتعبير (1940) (104) .

 

———————————————————– 

الهوامش :

1 – أنظر :

Patrick Gardiner, The Nature of Historical Explanation, Oxford University press, 1952

2 – أنظر :

Patrick Gardiner, Schopenhauer,Penguin Books, 1963

3 – أنظر :

Patrick Gardiner, Kierkegaard, Oxford University Press, 1988

4 – أنظر :

Patrick Gardiner (Ed.), Nineteenth – Century Philosophy, Free Press, New York, 1969

5 – أنظر :

Patrick Gardiner (Ed.), The Philosophy of History, Oxford Reading in Philosophy, 1974

6 – أنظر :

Ibid, pp. 17 – 40

7 – أنظر :

James Connelly, Robin George Collingwood, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010 (On Line)

8 – أنظر :

Louis Mink, Mind, History and Dialectic, Indiana University Press, 1969

ولويس مينك (1921 – 1983)هو فيلسوف تاريخ ، وكان معاصراً لفيلسوف التاريخ كولينجود ، وتُعد مؤلفات البروفسور مينك تحدياً لكولينجود ، وكان رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة ويسلاند .

9 – أنظر :

James Connelly, Op. Cit,

10 – أنظر :

Collingwood, Human Nature and Human History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 17 – 21

11 – أنظر :

Ibid, pp. 21 – 28

12 – أنظر :

Ibid, pp. 28 – 37

13 – أنظر :

Ibid, pp. 37 – 40

14 – أنظر :

Ibid, p. 37

15 – أنظر :

Ibid, p. 38

16 – أنظر :

Ibid, p. 39

17 – أنظر :

Ibid, p. 40

18 – أنظر :

Ibid, pp. 41 – 50

19 – أنظر :

Colin Lyas, Philosophy Now (Introduction: Peter Winch, a glimpse of a life), 1999

20 – أنظر :

Peter Winch, Concepts and Actions, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 41 – 50

21 – أنظر :

Ibid, pp. 41 – 45

22 – أنظر :

Ibid, p. 41

23 – أنظر :

Ibid, pp. 45 – 47

24 – أنظر :

Ibid, p. 45

25 – أنظر :

Ibid, pp. 47 – 50

26 – أنظر :

Ibid, p. 47

27 – أنظر :

Ibid,

28 – أنظر :

Ibid,

29 – أنظر :

Ibid, p. 49

30 – أنظر :

Murice Mandelbaum, The Problem of Covering Laws, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 51 – 65

31 – أنظر :

Lewis White Beck, Maurice H. Mandelbaum 1908 – 1987, American Philosophical Association , 1987, Vol. 60, No. 5, pp. 858 – 861

32 – أنظر :

Maurice Mandelbaum(1942). Causal Analysis in History, In Works By Maurice Mandelbaum (On Line) .

33 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1948), Acritique of Philosophies of History, Journal of Philosophy, 45 (14), pp. 365 – 378

34 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1948), The Meaning of Human History, The Review of Metaphysics, 2 (1), pp. 107 – 115

35 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1952), Some Neglected Philosophic Problems Regarding History, Journal of Philosophy, 49 (10), pp. 317 – 329

36 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1952), What is Philosophy of History, Journal of Philosophy, 49 (10), pp. 350 – 362

37 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1960), Determinism and Moral Responsibility, Ethics, 70 (3), pp. 204 – 219

38 – أنظر :

Lewis White Beck, Op. Cit,

39 – أنظر :

Maurice Mandelbaum, The Problem of Covering Laws, In The Philosophy of History, (Op. Cit), p. 51

40 – أنظر :

David Raynor, William Herbert Dray, The Canadian Encyclopedia, 2012, (On Line) .

41 – أنظر :

William H. Dray, Laws and Explanation in History, New Edition, 1979

وهو كتاب متوسط يتكون من 174 صفحة .

42 – وهو الفيلسوف البريطاني النمساوي ، ومعروف عنه معارضته للتفسير التبريري الكلاسيكي للمعرفة . وقام بوبر بتبديله بالعقلية النقدية ، وهو ” أول من قدم فلسفة لا تبريرية في فلسفة التاريخ ” . ونشر قبل كتابه عُقم أو فقر النزعة التاريخانية :

1 – مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة (1930 – 1933) .

2 – منطق الإكتشافات العلمية (1936) وصدر في العام الذي نُشر فيه كتاب فُقر النزعة التاريخانية . ومن الجدير بالذكر إن المرحوم الفيلسوف العراقي ياسين خليل عبد الله قد قرره مصدراً من مصادر مادة المنطق العلمي الحديث التي كان يدرسها لنا في قسم الفلسفة في نهاية الستينات من القرن المنصرم .

  وبعد كتابه فقر النزعة التاريخانية ، نشر كتابه الشهير : المجتمع المفتوح وخصومه / المجلد الأول عام 1945 . هذه منتخبات من كتبه الكثيرة . أنظر :

Mario Bunge, The Critical Approach to Science and Philosophy, The Free Press og Glence, 1964, Section No. 9

43 – أنظر :

W. Essler, H. Putnam & W. Stegmuller (Eds.), Epistemology, Methodology and Philosophy of Science: Essays in Honour of Karl G. Hempel on the Occasion of his 8oth Birthday, January 8th 1985, Holland, 1985 .

44 – أنظر :

  وهو فيلسوف له تأثير في القرن العشرين ، وهو متفرد في نظرياته التي تدور حول فلسفة التاريخ وطبيعة القيم الأخلاقية . وجادل مؤكداً على إن القيم النابعة من الأرث العبري – المسيحي ، هو الأرضية المشتركة لكل من توما الإكويني والفيلسوف عمانوئيل كانط (ونحسب إنه جانب الحق عندما أغفل الترجمات العربية في القرن الثاني عشر والعقدين الأولين من القرن الثالث عشر (خصوصاً تراث أبن رشد الحاضن لنزعة أرسطية متطرفة) وكونت نزعتين عبرية رشدية عارمة وللاتينية رشدية عارمة والتي لونت الفكر الأوربي في جامعات إيطاليا وفرنسا ، وعلى وجه التحديد فكر القديس توما الإكويني الذي إقتبس من إبن رشد بإعترافة أكثر من خمسمائة مرة ، ونحسب إنه إستحوذ إستحوذاً كبيراً على مؤلفات إبن رشد ووضع إسمه عليها (وبإعترافه إنه قام بدور المنظف لها مما أسماه الوثني الإسلامي . وبرأينا إن هناك جهل كبير في فهم الفكر الأوربي بعد العقدين الأولين من القرن الثالث عشر ، وأحسب إن الحديث عن التراث العبري – المسيحي هنا كلام غير دقيق ، ونحسب إنه يستقيم إذا أضاف إليه مصدره الملهم وهو التراث الرشدي) . من أهم مؤلفات ألن دونكن :

1 – الفلسفة المتأخرة لكولينجود (أكسفورد 1962) .

2 – فلسفة التاريخ (كتاب جماعي) كان بإشرافه مع بربارا دونكن (ماكميلان 1965)

3 – نظرية القيم الأخلاقية (شيكاغو (الطبعة الثانية) 1979)

4 – الإختيار : المبادئ الأساسية للفعل الإنساني (روتلدج و كيكن بول 1987)

5 – إسبينوزا (شيكاغو 1988) .

   ونحسب إن هذا الكتاب بدد كل شك حول رأينا بالفيلسوف ألن دونكن ، فهو شهادة قوية على إنه جاهل بالمصادر التي كونت الذهنية الحديثة للعقل الغربي (وإسبينوزا إنموذجاً) أو على خلاف ذلك إنه عارف بالحقيقة وحاول تجاهلها (ونحن نشك في ذلك ونرجح عامل الجهل) . إن فهم إسبينوزا وفلسفته لا يمكن إن  إنجازها دون معرفة حجم الأثر الذي تركه تلميذ إبن رشد غير المباشر الفيلسوف العبري إبن ميمون على فلسفة إسبينوزا الذي يعترف الأخير بذلك صراحة . وإبن ميمون هو الحامل للفكر الفلسفي الرشدي إلى فلسفة إسبينوزا . أنظر للتفاصيل عن حياة الفيلسوف ألن دونكن :

Brabara Donagan, Alan Donagan: A Memoir, In Ethics, University of Chicago Press, Vol. 104, No. 1, 1993, pp. 148 – 150

45 – أنظر للتفاصيل :

John Gray, Isaiah Berlin, Princeton University Press, 1996

46 – أنظر :

Maurce Mandelbaum, The Problem of Covering Laws, (Op. Cit), p. 51

47 – أنظر :

M. B. Foster, An Introduction to Philosophy of History by W. H. Walsh, Philosophy, Cambridge University Press, Vol. 27, No. 103 (1951), pp. 378 – 381

48 – أنظر :

Maurice Mandelbaum, Op. Cit,

49 – أنظر :

William Dray, The Historical Explanation of Actions Considered, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 66 – 89

50 – أنظر :

Ibid, p. 66

51 – أنظر :

Ibid,

52 – أنظر :

Ibid, pp.67 – 68

53 – أنظر :

Ibid, p. 70

54 – أنظر :

Ibid, pp. 70 – 75

55 – أنظر :

Ibid, pp. 70 – 71

56 – أنظر :

Ibid, p.75

57 – أنظر :

Joshua Cherinss & Henry Hardy, Isaiah Berline, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010 (On Line)

58 – جاء الفيلسوف فردريك هيك من عائلة أكاديمية . عمل أولاً رجل إحصاء وللفترة من 1927 – 1931 . ومن ثم أصبح محاضراً في الإقتصاد في جامعة فينا عام 1929 ، وتحول إلى جامعة لندن عام 1931 ، وجامعة شيكاغو عام 1951 . وإنتقل إلى جامعة فيربيرك عام 1962 وإستمر فيها حتى نهاية الثمانيات ، وتوفي عام  1992 . من أهم مؤلفاته :

1 – تداول المعرفة في المجتمع (1945) .

2 – الفردية والنظام الإقتصادي (1948) .

3 – الحرية ، العقل والتقاليد (1958) .

4 – دستور الحرية (1960) .

5 – دراسات جديدة في الفلسفة ، السياسة والإقتصاد ، وتاريخ الأفكار (1978) . أنظر :

David Schmidtz, Friedrick Hauek, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2012 (On Line)

59 – الفيلسوف ستراوس (أو شتراوس) صرف معظم حياته الأكاديمية بروفسوراً للعلم السياسي (الفلسفة السياسية) في جامعة شيكاغو ، ونشر خمسة عشر كتاباً . بدأ نشاطه الفلسفي كانطياً جديداً ، وركز دراساته على فينومنولوجيا هوسرل ، ومارتن هيدجر . وفي النهاية إهتم بفلسفة إفلاطون وأرسطو ، والفلسفة العبرية والإسلامية في العصور الوسطى . من أهم مؤلفاته :

1 – نقد إسبينوزا للدين (1930)

2 – الفلسفة السياسية عند هوبز (1936)

3 – الحق الطبيعي والتاريخ (1953)

4 – أفكار حول مكيافيلي (1958)

5 – العقيدي والفلسفة السياسية : مراسلات بين ستراوس وإيرك فوجلين (1934 – 1964)

6 – الفلسفة والقانون : مساهمات في فهم إبن ميمون وأسلافه (1995)

وأحسب إن الحديث (كما أفترض) جرى عن إبن رشد الذي تفرغ له إبن ميمون أكثر من عقد من الزمن دراسة وبحثاً ، وحث طلابه على الإهتمام به ، فإنبثقت أكبر حركة عبرية رشدية عرفها التاريخ والتي كانت وراء الحركة اللاتينية الرشدية التي لفت الجامعات الإيطالية والباريسية الفرنسية ومعها القديس توما الإكويني الذي إتهمه خصومه بالمروج للرشدية …

7 – بعض الملاحظات حول العلم السياسي عند إبن ميمون والفارابي (1990)

8 – الفلسفة العبرية ومشكلة الحداثة (1997)

أنظر :

Leora Batnitzky, Leo Strauss, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010 (On Line(

60 – أنظر :

William Dray, Historical Explanation of Actions Reconsidered, (Op. Cit), p. 76

61 – أنظر :

Ibid, pp. 86 – 89

62 – أنظر :

Ibid, p. 87

63 – أنظر :

Carl G. Hempel, Reasons and Coverning Laws in Historical Explantion, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 90 – 105

64 – أنظر :

W. Essler, H. Putnam & W. Stegmuller (Eds.), Epistemology, Methodology and Philosophy of Science: Essays in Honour of Karl G. Hempel on the Occasion of his 8oth Birthday, January 8th 1985, Holland, 1985 .

65 – أنظر :

Carl Hempel, Op. Cit, pp. 90 – 92

66 – أنظر :

Ibid, p. 90

67 – أنظر :

Ibid,

68 – أنظر :

Ibid, p. 91

69 – أنظر :

Ibid, pp. 92 – 95

70 – أنظر :

Ibid, pp. 92 – 93

71 – أنظر :

Ibid, p. 93

72 – أنظر :

Ibid, pp. 95 – 98

73 – أنظر :

Ibid, p. 95

74 – أنظر :

Ibid, pp. 98 – 105

75 – أنظر :

Ibid, p. 98

76 – أنظر :

Ibid, p. 99

77 – أنظر :

Ibid, p. 102

78 – أنظر :

Ibid,

79 – أنظر :

John Passmore, (Review Article), Law and Explanation in History, Australian Journal of Politics and History, 4 (1958), p. 275

80 – أنظر :

Carl G. Hempel, Op. Cit, p. 104

81 – أنظر :

Ibid,

82 – أنظر :

Quentin Skinner, Social Meaning and The Explantion of Social Action, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 105 – 126

83 – أنظر :

James Tully (Ed.), Meaning and Context: Quentin Skinner and his Critics, Princeton University Press, 1988

84 – أنظر :

W. H. Walsh, Colligatory Concepts in History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 127 – 144

85 – الفيلسوف وليم ويهول ، هو فيلسوف العلوم الإستقرائية ، ومؤرخ الأفكار العلمية . ونحسب في هذا الهامش أن نعرف بمؤلفاته ، فعناوينها تفصح للقارئ العربي تنوع إهتمامات هذا الفيلسوف ، ونقدم جرداً لأهمها :

1 – مراجعة بعنوان : خطاب أولي حول دراسة الفلسفة الطبيعية (1831) وهو من كتاباته الأولى .

2 – علم الفلك والفيزياء : تأمل ومرجعية إلى اللاهوت الطبيعي (1833)

3 – تاريخ العلوم الإستقرائية : من العصور المبكرة وحتى العصور الراهنة (1837)

4 – فلسفة العلوم الإستقرائية : أساسها وتاريخها (1940)

5 – مبادئ القيم الأخلاقية (1845)

6 – محاضرات حول القيم الأخلاقية (1846)

7 – الإستقراء : مع مرجعية خاصة إلى علم المنطق عند جون ستيوارت مل (1849)

8 – التفسير الرياضي لبعض مبادئ الإقتصاد السياسي (1850)

9 – محاضرات في تاريخ فلسفة القيم الأخلاقية (1852)

10 – تاريخ الأفكار العلمية (1858)

11 – حول فلسفة الإكتشافات : فصول تاريخية وفصول نقدية (1860)

12 – أوغست كومت والوضعية (1860) وكتب أخرى . أنطر للتفاصيل :

Laura J. Snyder, William Whewell, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2012 (On Line)

86 – أنظر :

W. H. Walsh, Op. Cit, p. 133

 87 – أنظر :

John Passmore, The Objectivity of History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 145 – 160

88 – للتفاصيل أنظر :

Papers of John Passmore, National Library of Australia, Ms 7613, Scope and Note (On Line)

89 – أنظر :

John Passmore, Op. Cit, p. 145

90 – أنظر :

Ibid,

91 – أنظر :

Ibid,

92 – أنظر :

Ibid,

93 – أنظر :

Ibid,

94 – أنظر :

Sir Isaiah Berlin, Historical Inevitability, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 161 – 186

95 – أنظر :

Joshua Cherinss & Henry Hardy, Isaiah Berline, (Op. Cit),

96 – أنظر :

Sir Isaiah Berline, Op. Cit, p. 161

97 – أنظر :

Ibid,

(+) – الحتمية أو الجبرية هي موقف فلسفي ميتافيزيقي يرى إن كل شئ يحدث بشروط ، ودون هذه الشروط لا شئ يحدث على الإطلاق . وهناك العديد من النظريات الحتمية والتي تعتمد على شروط الحادثة الأولية ، وهي التي تُقرر إن الحادثة محكومة بشروطها المحتومة . وفعلاً فإن هناك نظريات في الحتمية ذات منطلق إمبريقي (تجريبي) والتي إنبثقت من رحم الفيزياء أو فلسفة الفيزياء . وبالطبع الحتمية تتعارض وحرية الإرادة . وهناك وجهة نظر أخرى في الحتمية سيناقشها إرنست نايجل في كتابه المعنون : بنية العلم : مشكلات المنطق والتفسير العلمي (1979) (ولهذا إختار المشرف على كتاب فلسفة التاريخ ، فيلسوف التاريخ باتريك كاريدنر مبحثين ؛ واحد كتبه الفيلسوف إيزايا برلين ، والثاني كتبه فيلسوف العلم إرنست نايجل) .

   وعلى هذا الأساس يمكن الحديث عن أنواع من الحتمية ، مثل الحتمية الغائية ، والحتمية السببية ، والحتمية المنطقية ، والحتمية البيئية ، والحتمية الثقافية (الحضارية) ، والحتمية السايكولوجية ، والحتمية السلوكية ، والحتمية اللغوية (النكوستية) ، والحتمية الإقتصادية ، والحتمية التكنولوجية . وبالطبع الحتمية التاريخية …

   وفعلاً لقد قدم تاريخ الفلسفة قائمة طويلة من اسماء الفلاسفة الذين شغلتهم الحتمية ، فقلبوا في مناقشاتهم أطرافاً منها . منهم عل سبيل المثال الفيلسوف الرواقي (والإمبراطور الروماني) ماركوس أورليوس (121 – 180م) ، والفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1588 – 1679) ، والفيلسوف الهولندي باروخ إسبينوزا (1632 – 1677 والذي تغذى عن طريق إبن ميمون بأفكار إبن الرشد ، وغذى من طرفه هيجل) ، والفيلسوف الألماني كوتفريد ليبنز (1646 – 1716) ، والفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) ، وفيلسوف التنوير الألماني – الفرنسي بارون دي هولباخ (جدل حول ولادته ووفاته) ، وعالم الفلك والرياضيات الفرنسي بيير لابلاس (1749 – 1827 ويُعرف بنيوتن فرنسا) ، والفيلسوف الألماني أرثر شوبنهور (1788 – 1860) ، والفيلسوف البراجماتي الأمريكي وليم جيمس (1842 – 1910) ، والفيلسوف والفيللوجي الألماني فردريك نيتشه (844 – 1900) ، وعالم الفيزياء النظرية ألبرت أنشتاين (1879 – 1955) . أنظر للتفاصيل :

Richard Langdon Frankline, Free Will and Determinism: A Study of Rival Conceotion of Man, Routledge & K. Paul, 1968

John Earman, Aspects of Determinism In Modern Physics, In J. Butterfield & J. Earman (Eds.), Philosophy of Physics, Holand, 2007

  وهناك مقالة ممتازة كتبها كارل هوفر في موسوعة ستانفورد للفلسفة ، بعنوان الحتمية السببية ، وأحسب فيها أطراف مهمة للقارئ ، تكونت المقالة من :

1 – مدخل

2 – مفاهيم في الحتمية ، وتناول فيها : العالم ، وضع الأشياء في الزمن ، قوانين الطبيعة ، الثبات .

3 – أبستمولوجيا الحتمية ، ودرس فيها : القوانين ، الخبرة ، الحتمية والفوضى ، الحجج الميتافيزيقية .

4 – مقام الحتمية في النظريات الفيزيائية ، وعالج فيها : الميكانيكا الكلاسيكية ، فيزياء النسبية الخاصة ، فيزياء النسبية العامة ، ميكانيكا الكم .

5 – الصدفة (أو الحظ) والحتمية

6 – الحتمية والفعل الإنساني

للتفاصيل راجع :

Carl Hoefer, Causal Determinism, In Stanford Encyclopedia of Philosophy , 2010 (On Line)

98 – أنظر :

Ernest Nagel, Determinism in History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 187 – 215

99 – للتفاصيل أنظر :

Andrew J. Reck, The New American Philosophers: An Exploration of Thought Scince World War ll, A Delta Book, New York, 1968

100 – أنظر للتفاصيل :

Ernest Nagel, Philosophy and Phenomenological Research, 20, 3 (1960), pp. 291 – 317

101 – أنظر :

Ernest Nagel, Determiism in History, (Op. Cit), p. 187

102 – أنظر :

Edward P. Cheney, Law in History and Other Essays, New York, 1927, p. 7

103 – أنظر :

Edward P. Cheney, Law In History, American Historical Association, Washinton, 2000 (On Line)

104 – أنظر :

Hans H. Gerth, Freedom of Inquiry and Expression By Edward P. Cheney, Journal of The History of Science Society (Isis), The University of Chicago Press, Vol. 32, No. 1 (Jul. 1940), pp. 200 – 203

التاريخ : موضوع تأمل فلسفي

  إشتغل عدد من الفلاسفة بالتاريخ موضوعاً في تأملاتهم الفلسفية ومنذ وقت مبكر ، حيث يصعد هذا الإهتمام إلى بواكير الفلسفة اليونانية ، وتتوافر لدينا سجلات ووثائق تكشف عن إهتمام الفيلسوف بالتاريخ موضوعاً ، ومثابرته في إنتهاج طريقة خاصة به في عرض المادة التاريخية أو كتابة سيرة ذاتية عن فلاسفة أخرين وبالتحديد من كانوا أساتذة له ومحاولة دراسة فلسفتهم وبعض الأحيان تقويمها وتوجيه نقد لها (خصوصاً لفلاسفة درس على أيدهم إلا إنه لم يقتنع في بعض القضايا الفلسفية التي يروج لها هؤلاء الفلاسفة المعلمون ، فتحول عنهم إلى مدارس فلسفية أخرى) . فمثلاً فيلسوف اليونان الأول طاليس (ونحن قد بينا في أبحاثنا بأنه لم يكن الفيلسوف الأول الوحيد ) وتلميذه الفيلسوف فيثاغوراس كانا من المصادر التاريخية الأولى التي أباحت لنا بالكثير من الحقائق التاريخية التي كشفت عن جسور الإتصال ما بين بابل والفلسفة اليونانية … (12) .

———————————————

12 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يونان / مقدمة لكتاب الإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / شتاء 2013

———————————————

   كما إن مفهوم النفس الأورفي الذي جلبه فيثاغوراس ، وهو بالطبع غريب على اليونان ، سيجد له مكانة مرموقة في تراث إفلاطون النفسي ، وسيشيع من خلاله في طول وعرض تاريخ الفلسفة الغربية ، وسيجد له صدى في كتابات فلاسفة التاريخ وخصوصاً في التقسيم الحقبي الذي إقترحه فيلسوف التاريخ الألماني إسوالد إشبنجلر ، والذي نهض على مفهوم النفس (أنظر الحقبة التاريخية الثانية التي سيطرت عليها النفس السحرية ، والتي تشمل الحضارتين الوسطويتين المسيحية والإسلامية) (13) .   وهنا نقدم أمثلة ونماذجاً دالة على

——————————————–

13 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ ، طبع بمطابع جامعة الموصل 1987 ، الفصل الثالث والمعنون ” التآويل الجيولوجي – البايولوجي للتاريخ عند إشبنجلر ” ، ص  59 وما بعد 

——————————————–

إهتمام الفيلسوف بالتاريخ وكتابته للتاريخ من وجهة نظر فلسفية ، والتي آمن بها أو درسها وشايعها ومن ثم عرضها في مؤلفات دافع فيها عن ممثليها من الفلاسفة :

1 – فيلسوف التاريخ السقراطي إكسانوفان : الرواية التاريخية وتاريخ الفلسفة 

  كتب المؤرخ اليوناني والمحارب والفيلسوف السقراطي اليوناني أكسنوفان الآثيني (430 – 354 ق.م) العديد من المؤلفات التي غطت جوانب متنوعة من الحياة الثقافية اليونانية . ولعل أهمية إكسنوفان من الناحية التاريخية إنه كان شاهداً على الأحداث التاريخية التي كتب عنها . فمثلاً كتب عن الفيلسوف وشهيد الفلسفة الأول سقراط ، فقد كان إكسنوفان واحداً من حواريه وشاهداً على دفاعه في المحكمة ضد التهم التي وجهت له ومن ثم إعدامه (في حين كان إفلاطون متغيباً (وهناك من يرى إن إكسانوفان هو الأخر كان متغيباً)) عن حضور المحكمة والإستماع مباشرة إلى دفاع سقراط ، والذي سيكتب عنه إفلاطون محاورة الدفاع ويبدو إن إفلاطون إستمع إلى تفاصيل دفاع سقراط من مصادر ليست أولية وإنما من السماع والرواية . ولذلك نحسب إن كتاباته (أي كتابات إكسانوفان) الفلسفية هي سجل لأقوال الفيلسوف سقراط المكتوبة من زاوية المؤرخ والحواري المؤرخ إكسنوفان الشاهد والحاضر في المحكمة .

  كما إنه كان شاهد في كتاباته التاريخية التي غطت سني حياته التي عاشها في القرن الرابع قبل الميلاد ، والتي هي في نظر الباحث سجلات تاريخية تصف الحياة اليونانية في طرفيها الأثيني والإسبرطي . وكمؤرخ محارب شارك في الحروب الفارسية ، فأن كتاباته عن الحروب الفارسية تقدمه مؤرخاً شاهد تفاصيل الحروب وعاشها وإشترك فيها . ونقصد حروب الإمبراطورية الفارسية الإخمينية (وهي أولى الإمبراطوريات الفارسية والتي غطت تاريخاً يمتد من 550 – 330 ق.م) . وهنا لابد من القول بأن أكسنوفان المؤرخ قد شارك في تدشين مسار البحث التاريخي ، مع كل من مؤرخيُ اليونان الشهيرين هيرودتس (484 – 425 ق.م) في كتابه التواريخ ، وثيوسيديدس (460 – 395) . وأحسب إن كتابات هيرودتس ، وثيوسيديدس وإكسنوفان كونت مصادر دراسة ومرجعيات إستشارة عسكرية في إدارة الحرب لكل من الإسكندر الكبير وقواده في حروبه ضد الإمبراطورية الفارسية فيما بعد* (1) .

ـــــــــــــــــــــــــ

*والتي إنتهت بإنهيار الإمبراطورية الفارسية ، وسيطرة الإسكندر على البلاط الفارسي وزواجه من الفارسية روكسانة التي حملت وريثه على الحكم . إلا إن موت الأسكندر المفاجئ وعدم وجود وريث للحكم قاد إلى حروب ونزاعات بين قواده إمتدت خمسين عاماً  ، إنتهت بسيطرة القائد المقدوني ” سلوقس ”  والذي لعب دوراً في قيام الإمبراطورية السلوقية التي ضمت تركيا وسوريا والعراق وإيران وأفغانستان والهند ، والتي إمتدت في الحكم (312– 60 ق.م وكانت بداية تأسيس الإمبراطورية السلوقية في بابل ومن ثم شملت كل أجزاء الإمبراطورية الأخمينية الفارسية ما عدا مصر التي بقيت تحت حكم البطالسة) (2) . ومن خطتنا الكتابة عن واقع الفلسفة والفلاسفة (وبالطبع فيها إنتشرت المدرسة الفلسفية البابلية وفروعها) في ظل الإمبراطورية السلوقية وبالتحديد خلال حوالي الثلاثة قرون والنصف .

ــــــــــــــــــــــــ

  ليس هناك تاريخ محدد لولادة مؤرخ الفلسفة اليونانية ” أكسنوفان ” . وبالرغم من هذه الحقيقة ، فإننا نلحظ في المصادر الإنكليزية والمترجم إليها ، إتفاقاً بين الباحثين الأكاديميين على إنه ولد حوالي عام 431 ق.م . وكانت ولادته في منطقة الريف القريبة من أثينا . وفعلاً فإن مؤرخ الفلاسفة ديوجانس لارتيوس يرى إن أكسانوفان ” هو إبن كريلوس ، وكان مواطناً أثينياً ، ورجلاً متواضعاً وفائق الوسامة ، وقابل سقراط في الطريق صدفة ، وأصبح واحداً من حوارييه … وإكسانوفان هو أول من أخذ يكتب ملاحظات ، ويسجل أقوال سقراط ومناقشاته ، وجمعها في مجموع حمل عنوان ميموربيلا ” (3) . وإكسانوفان حسب رأي ديوجانس لارتيوس ” هو أول من كتب تاريخاً للفلاسفة ” (4) .

  ولد إكسانوفان خلال السنوات الأولى من الحرب البولبونزية ، والتي إمتدت للفترة من 431 – 404 ق.م . وكانت له إتصالات بالفيلسوفة اليونانية المشهورة إسبيشيا

والتي كان يزورها سقراط مع زوجته ويستمع إليها (5) والتي ذكرها أكسانوفان في كتابه المعنون الإقتصاد / التدبير المنزلي (6) . وعاش في أحضان عائلة تنتمي إلى الطبقات العالية في المجتمع الأثيني . وهذا الحال منحه حضوة  ، فقد تمتع بالإمتيازات التي يحصل عليها أبناء الإرستقراط ومنطقة أثيكا القديمة (اليونان القديمة) . ومنذ وقت مبكر تحول إهتمامه بالتاريخ العسكري ، فإنخرط في بعض الحملات العسكرية . وفعلاً فقد شارك حينما كان في بواكير شبابه في حملة عسكرية قادها الأمير الفارسي (الإيراني) قورش الأصغر (ولد بعد عام 424 – ومات 401) ضد أخيه الملك (الشاه) الفارسي أردشير الثاني (الذي كان ملكاً عام 401 وحتى عام 404 ق.م) . وبعد فشل الحملة ومقتل الأمير الفارسي قورش الصغير ، عاد أكسانوفان (الذي أصبح جنرالاً) بالحشود اليونانية المنهزمة عبر البحر الأسود إلى اليونان …(7) .

  ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس فإن إكسانوفان إزدهر في السنة الرابعة من الأولومبياد الرابع والتسعين ، ومن ثم شارك في حملة قورش التي ذكرناها في سنة واحدة قبل وفاة أستاذه سقراط (8) . وبعد عودته إلى اليونان ، عاد فإستقر في أثينا ، ولكنه طرد ونُفي منها فيما بعد ، فإنخرط في جيوش دولة – مدينة إسبارطة العدو التقليدي لدولة – مدينة أثينا . وفعلاً فهناك من يعتقد إن طرده من أثينا هو الذي حمله على أن يُقاتل تحت قيادة الملك الإسبرطي أغاسليوس الثاني (444 – 360 ق.م) ضد أثينا في معركة كورنا . إضافة إلى إنه كان من حواريي الفيلسوف الشهيد سقراط الذي أعدمه نظام الحكم الديمقراطي الأثيني عام 399 ق.م ، ولسبب خدمته العسكرية للقوات الفارسية . وعلى هذا الأساس وهبه الإسبرطيون أملاكاً في سيسلوس قرب أولومبيا ، حيث كتب هناك مؤلفه الشهير المعنون أناباسيس وبالعربية يعني الصعود .

   ولعل من المفارقات إن إبن أكسانوفان كريلوس قاتل ومات مع الأثينيين في معركة مانيتنا ، وكان يومها أكسانوفان حياً يُرزق وقد قام بتأبينه (ألتعزية) بخطبة مشهورة (9) ، وقد حفظها لنا الفيلسوف أرسطو (384 – 322 ق.م) وفيما بعد كتب أرسطو محاورة حملت إسم كريلوس ، وهو إبن الفيلسوف إكسانوفان ، والتي إنتقد فيها وجهات نظر الخطيب اليوناني إيسقراط (436 – 338 ق.م) (10) . ومات إكسانوفان في كورنثيا في السنة الأولى من الأولومبياد الخامس بعد المئة ، وفي السنة التي إرتقى فيها عرش مقدونيا فيليب بن أميانتس (11) ، وهو جد الإسكندر ، وفيلب كان ملكاً لمقدونيا من عام 392 وحتى وفاته عام 370 ق.م (12) . 

  والحقيقة إن مؤرخ الفلاسفة ديوجانس لارتيوس قد أشار إلى إن الفيلسوف السقراطي المؤرخ أكسانوفان كتب على الأقل أربعين كتاباً ، وكل واحد منها يتألف من عدة كتب . ومن هذه الكتب المؤلفات الأتية :

1 – أناباسيس وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية الصعود .

2 – كوربيديا وهو العنوان اليوناني (أو اللاتيني) وبالفارسية يعني كوروش نامه / وهي سيرة ذاتية للأمير الإيراني قوروش الشاب .

3 – هيلينيكا وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية اليونان (أو الكتابة عنها) .

4 – ميموربيلا وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية مجموعة المحاورات السقراطية .

5 – سمبوزيوم وهو العنوان اليوناني ، وهي محاورة سقراطية ، وتعني بالعربية محاورة المآدبة (أو الإجتماع) .

6 – إيكونوميكس وهو العنوان اليوناني (أو اللاتيني) ، وهي محاورة سقراطية ، ويمكن ترجمتها بالعربية إلى التدبير المنزلي والزراعة .

7 – بيري هبيكس وهو العنوان اليوناني ويعني بالعربية حول الفروسية (أو تدريب الخيالة) .

8 – كينكتيوس ، وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية الصيد بصحبة الكلاب .

9 – هيباركيوس وهو العنوان اليوناني (وهو بحث حول واجبات جنرال الفرسان) . والترجمة العربية قائد الخيالة . وهناك عنوانين أخرين قد حملتهما بعض المخطوطات ؛ الأول – قائد الفرسان . والثاني – جنرال الفرسان .

10 – الأبولوجي وهو المقابل الإنكليزي للعنوان اليوناني (أي دفاع سقراط) ، وهو محاورة سقراطية ، والعنوان الكامل عند أكسانوفان دفاع سقراط في المحكمة (وبالطبع هو جزء من الميموربيلا أو الأدق إن إصوله في الميموربيلا) .

11 – بوريا وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالإنكليزية والعربية الطرق والوسائل . وهذا الكتاب ظهر في عنوان أخر ، وهو حول الثروات ، وغرض أكسانوفان هو معالجة مشكلة الفقر التي تعاني منها دولة – مدينة أثينا

12 – هايارو الأول وهو العنوان اليوناني ، وهو يعالج مسألة الإستبداد ومن خلال شخصية الطاغية هايارو الأول السيركوزي (سيسلي – إيطاليا) (478 – 467 ق.م) . وهذا النص مهم جداً في معالجة شخصية الحاكم الطاغية فقد ألهم عدد قليل جداً من المعاصرين ، وهو يحتاج إلى دراسة أكاديمية عربية . وحسب إنطباعاتنا الأولية إن الفيلسوفة المعاصرة حانا أرنديت لم تلتفت إلى كتاب أكسانوفان عندما كتبت رائعتها المعنون أنظمة الإستبداد الشمولية (تتوتاليتريزم) .

13 –  أكسليوس ، وهو العنوان اليوناني ، وهو الملك الإسبرطي أكسليوس الثاني (444 – 360 ق.م) . وفي هذا العمل إعادة لجزء عالجه أكسانوفان في كتابه هيلينيكا أو اليونان .

14 – الدستور الآثيني والدستور الإسبرطي (ومن يرى الدستور الإسبرطي فقط) (13) .

  وبعد إن ذكر ديوجانس لارتيوس هذه القائمة من مؤلفات الفيلسوف السقراطي المؤرخ إكسانوفان ، عاد فعلق عليها ، قائلاً ” إن دميتريوس مكنيسا (منا : هو عالم نحو يوناني ، وكاتب سير ، عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، وكان معاصراً لشيشرون (106 – 43 ق.م)) (14) يرفض أن تكون المؤلفات الثلاثة الأخيرة (وهي : هايارو الأول ، أكسليوس والدستور الأثيني والإسبرطي) هي من أعمال أكسانوفان … وكانت هناك نوع من الغيرة والتنافس بينه (منا : أي أكسانوفان) وبين إفلاطون ” (15) (وللتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف السقراطي أكسانوفان مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، سيظهر فصلاً في كتاب : الفلسفة اليونانية بعيون مؤرخيها (كتاب منجز يتردد الكاتب في نشره خلال الأزمة التي يمر بها لبنان والوطن العربي خلال اللاربيع العربي وعودة أجواء العصور الوسطى المظلمة وطقوس بخورها وممارسات ذبح الإنسان بعد غياب الدولة المستقلة من سلطان المسجد والحسينية والكنيسة بكل تفاصيلها) . بالطبع المعالجة الكاملة لفيلسوف التاريخ السقراطي أكسانوفان ، ستظهر فصلاً في كتابنا القادم والمعنون فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .   

——————————————-

1 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ إبوة التالريخ : بين هيرودوتس ، ثيوسيدس والفيلسوف السراطي المؤرخ إكسانوفان / مخطوطة بحث / ستظهر منه أوراق على صفحات موقع الفيلسوف .

2 – أنظر للتفاصيل :

جورج راولنسون ؛ تاريخ المملكة السورية السلوقية (بالإنكليزية) / نشرة المطبعة الكولونية ، نيويورك 1899 .

3 – أنظر :

Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers,Life of Xenophon, Trans. By Robert Drew Hicks, A Loab Classical Library, 1925, Book 2, 48

وشمل الجزء الخاص بحياة إكسانوفان الفقرات من رقم 48 وحتى الفقرة 59

4 – أنظر :

Ibid,

5 – للإطلاع على تفاصيل عن الفيلسوفة إسبيشيا أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

والذي تحول إلى موجة عارمة نشرته عدد من المجلات والمواقع الأكاديمية والمواقع المهتمة بشؤون المرأة ، ومن ثم أختير فصلاً في كتاب الفلسفة والنسوية الذي ساهم به عدد من الأكاديميين العرب ، صدر عن دار الضفاف والإختلاف 2013

6 – أنظر :

Xenophon, Oeconomicus , Ed. and Trans. By Sarah B. Pomerey, Clarendon Press, Oxford 1994

7 – أنظر :

Christopher J. Tuplin, Xenophn, Encyclopadia Britannica, 2009 (On Line) .

8 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 55

9 – أنظر :

Xenophon, Spartan Constitution, Ed. and Trans. By M. Lipka, Berlin 2002, pp. 14 – 18

10 – أنظر :

Christopher Tuplin, Op. Cit,

11 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 56

12 – أنظر :

N. G. L. Hammond, A History og Greece to 322 B.C, 3 Edition, Oxford University Press 1986 , p. 479

13 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 57

14 – أنظر :

William Smith, Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology, Little Brown & Company, Boston 1867

15 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit,

2 – إفلاطون : المؤرخ الفيلسوف

    لاحظ الباحث إن المحاورات والرسائل التي كتبها الفيلسوف إفلاطون (427 / 428 – 348 / 347 ق.م) ، كونت أول نصوص فلسفية كاملة وصلت إلينا ولم تندرس أوتتعرض للنسيان . وإن في هذه النصوص الإفلاطونية تباشير لما سيطلق عليه المحدثون إصطلاح فلسفة التاريخ أو الفلسفة التاريخية ، ففي كل محاورة هناك وصف للأحداث التاريخية التي تلف أو تحيط بالمحاوراة وشخصياتها الذين كانوا فلاسفة أو ممثلون لمدارس فلسفية وسياسيون وسفسطائيون وخطباء ورجال دولة ، وهناك بالطبع شخصية البطل الفيلسوف سقراط . وهكذا فالمحاورة الأفلاطونية هي مرآة تاريخية من طرف وفيها فلسفات تتحاور وتتخاصم وفي الأخير هناك هزيمة فلسفية ورابح فيلسوف هو بالطبع سقراط في محاورات الشباب وسقراط الإفلاطوني في محاورات الكهولة والشيخوخة (1) . وللقارئ نقول لدينا مشروع بحث نحاول إنجازه ، ويركز على قراءة كل محاورة من محاوراة  إفلاطون (ورسالة من رسائله) من زاوية فلسفة التاريخ وذلك من خلال كشف الأحداث التاريخية التي ترسمها المحاورة ، والفلسفات التي تم حضورها خلال الحدث التاريخي ، ومنها بالتأكيد المواقف الفلسفية لسقراط ومن ثم للتلميذ إفلاطون . وبذلك نُعيد ربط المواقف الفلسفية بالتاريخ .

   كما إن في محاورات إفلاطون الكثير من الشواهد الدالة على تجاور النزعتين الفلسفتين التي عرفهما تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما النزعة التأملية والنزعة التحليلية (التفكيكية) النقدية لتاريخ المدارس الفلسفية (2) ، إضافة إلى نزعة فلسفية ثالثة (لم يتحدث عنها أدب فلسفة التاريخ وإن كانت واضحة على الأقل في نصوص ثلاثة من كبار فلاسفة التاريخ وهم كل من إشبنجلر في كتابه تدهور الحضارة الغربية ، وتوينبي في كتابه المعنون دراسة للتاريخ ، وكولن ويلسون في كتابه المعنون سقوط الحضارة) وهي النزعة التركيبية ، وهي النزعة ذاتها التي ميزت النظام الفلسفي الإفلاطوني القائم على ضم ثلاثة مدارس فلسفية يونانية كبرى في داخل رحم بنائه الفلسفي ، وهي المدرسة الإيلية التي ضمت الطابق العلوي (الثالث) أو ما يسمى بنظرية المثل ، والطابق الثاني الذي تحتله المدرسة الفيثاغورية والتي قبلها إفلاطون بعد إن وجه نقداً وتقويماً لها وخصوصاً في إن بعض قضاياها تحتوي مضموناً حسياً . والطابق الأرضي الذي تسكنه الفلسفة الطبيعية التي يمثلها هرقليطس وفلاسفة مدرسته والتي رفضها إفلاطون (3) .

  ولما كان موضوع فلسفة التاريخ ، هو التاريخ العالمي أو تاريخ الإنسانية (خذ مثلاً كتاب فيلسوف التاريخ الألماني جوهان كوتفريد هاردر والمعنون تأملات في فلسفة تاريخ البشر ، والصادر بالألمانية عام 1791) (4) . وعلى هذا الأساس فإننا نجد في محاورات إفلاطون ، وخصوصاً في محاورة الجمهورية تأسيساً فلسفياً للتاريخ وربما الأدق تأسيساً فلسفياً ينهض على إسطورة الأم – الأرض أو إسطورة المعادن (شكل من أشكال التأويل الجيولوجي) لظهور الإنسان والمجتمع والدولة ، وأنماط الحكم (الملك – الفيلسوف …) والممزوج بمفهوم النفس الذي نزل إليه من أورفيوس البابلي (يوم كانت سوريا جزء من مملكة بابل الكبرى) عن طريق فيثاغوراس ومدرسته .

  وفعلاً فإن قارئ محاورة الجمهورية (كتبها عام 360 ق.م) يلحظ إن إفلاطون قدم فهماً فلسفياً – إسطورياً لبداية حركة تاريخ الإنسان ، فذهب (فيما يُطلق عليها بالإكذوبة النبيلة) إلى إن : كل مواطن ولد في أحضان أرض الأم (الدولة) . وإن هناك معادن مختلفة تكون جوهر نفوسهم ، فالذهب مكون لجوهر نفوس الحكام ، والفضة مكون لنفوس المساعدين (الحراس والجنود) ، والنحاس مركب لنفوس الزراع والتجار ورجال المهن وعامة الناس (5) . ونحسب إفلاطون في هذا الفهم الجيولوجي (الناهض على نوع المعدن) قد إستبطن الإطار الإسطوري لحركة التاريخ عند الشاعر الملحمي اليوناني هزيود ، وأعاد إنتاجه ليعمل لصالح طبقة الإستقراط من طرف ، وجعل الطبقات الثلاثة مغلقة بمفاتيح جبرية حديدية لا تسمح بالخروج والدخول بين الطبقات . وهذا هو القانون العام (وهذا يُذكرنا بصورة إسطورية لقوانين الحتمية التي جرى الجدل والنقاش بين فلاسفة التاريخ في الثلث الأخير من القرن العشرين وهذا ما بيناه في المبحث سالف السابق والمعنون تأمل في مناحي فلسفة التايخ : إتجاهات جديدة في فلسفة التاريخ) . ولكن إفلاطون عاد فوضع شروط تفتح فيها أبواب الطبقات ، فتسمح بصعود بعض الأفراد الأذكياء الأفذاذ ، كما في الوقت ذاته تنزل (تُسفل) وتدفع ببعض الأفراد خارج الطبقات التي ولدوا فيها وذلك لكون معدنهم لا يتوافق والطبقة التي ولدوا فيها .

    فمثلاً إذا ولد طفل في طبقة النحاس ، وكان جوهر نفسه الذهب (درجات عالية من الذكاء العقلي ويتمتع بمهارات عالية) . فإن سياج الطبقات الحديدي يُفتح أبوابه ليسمح بترقية هذا الطفل من طبقة النحاس التي ولد فيها إلى الطبقة العالية ، طبقة الذهب (طبقة الحكام والملوك – الفلاسفة) التي تتوافق ومعدن نفسه . أما إذا ولد الطفل في طبقة الذهب ، وكان معدنه فضة أو نحاساً ، فإنه يُنزل (يُسفل) إلى الطبقة التي تتناسب ومعدنه ، فيكون جندياً إذا كان معدنه فضة ، أو يكون فلاحاً (تاجراً أو مهنياً أو من عامة الشعب) إذا كان معدن نفسه من النحاس .

   يقول إفلاطون في الكتاب الثالث من الجمهورية ، وهو يقدم وصفاً لظروف الولادات المختلفة من آباء جوهر نفوسهم تتعارض ومعدن نفوس أولادهم ، ومن ثم يتأمل في الأحوال الكارثية التي ستتعرض لها دولة – المدينة : ” يحدث بعض الأحيان أن يكون الآباء من معدن الذهب ، فينجبون ولداً معدن نفسه من الفضة ، فإنه لا يصلح أن يكون حاكماً ، وإنما يكون حارساً أو جندياً مقاتلاً .. وإذا أصبح الحراس من رجل جوهر نفسه من النحاس (أو الحديد) فإن مثل هذه المدينة مكتوب عليها الدمار والإندثار ” (6) . هذا الخطاب الإفلاطوني خطاب في فلسفة التاريخ ، وكاتبه إفلاطون فيلسوف تاريخ .

    قدم إفلاطون نفسه في محاوراته المختلفة ، مؤرخاً للمدارس الفلسفية التي سادت قبله والتي كان لها ممثلون من الفلاسفة في عصره ، ومن ثم عرض نقداً وتقويماً لها . ومن هذه المدارس ؛ المدرسة الطبيعية (وكان هرقليطس فيلسوف التغير والتحول علماً من أعلامها) وكان الفيلسوف كراتليوس أحد تلاميذ هرقليطس وهو معاصر لإفلاطون ، بل وكان واحداً من أساتذة إفلاطون . وقد خص إفلاطون هذه المدرسة بمحاورة متخصصة حملت إسم هذا الفيلسوف وكانت بعنوان كراتليوس . والمدرسة الفيثاغورية والتي خصها بمحاورات أخرى ، والمدرسة الإيلية والتي خصها بمحاورات منه على سبيل الإستشهاد محاوراة بارمنيدس وهو رئيس هذه المدرسة  (7) .

   ويُنظر إلى إفلاطون بأنه كاتب سيرة إستاذه سقراط ، فقد كتب عنه محاورة الدفاع التي عرضت القضايا التي رفعها خصوم سقراط ضده في المحكمة ومن ثم دفاعه وموته بطريق شرب السم . وإضافة إلى هذه المحاورة فقد كان سقراط الشخصية الرئيسية في مجمل المحاورات التي كتبها إفلاطون . ومن المدارس الفلسفية التي تعرض لها إفلاطون بالنقد والتنديد ، المدرسة السفسطائية والتي خصها بمجموعة محاورات ، ورغم العدواة بين إفلاطون والسفسطائيين لأنهم كانوا والحركة الديمقراطية وراء إعدام سقراط ، فإن إفلاطون المؤرخ هو اليوم واحداً من المصادر المتفردة في الكتابة عن الحركة السفسطائية وفلاسفتها ، وخصوصاً محاورات ؛ السفسطائي وبروتاغوراس وجورجياس وهيبياس … 

 كما إن إفلاطون المؤرخ مصدراً مهماً في الكتابة عن أحداث عصره ، فهو مصدر تاريخي فيه كشف عن تفاصيل كثير من الرحلات السياسية والعلمية التي قام بها ، والتي كابد خلال بعضها الكثير من المحن ، فقد سجن وبيع مثل ما يُباع العبيد ، وقبل دعوات الطغاة سعياً في إقامة جمهوريته المثالية والتي أعجبت جيل جديد من الحكام ، وبذلك تعرف عن قرب على شخصيات هؤلاء الحكام وكتب عنها . ومن ثم قام برحلات إلى مصر وكتب عنها في محاورته المشهورة القوانين ، ووصف بعين المؤرخ شاهد العيان عن أطراف من حياة المصريين ، وخصوصاً رجال الدين المصريين الذين تعلم منهم الكثير ، وكتب عن الألعاب التي يمارسها أو يستخدمها الأطفال من المصريين . كما زار ميغارى وإلتقى بالفيلسوف إقليدس الميغاري وإطلع على النظام التعليمي لمدرسة ميغارى والتي إستفاد منها في تأسيس أكاديميته المشهورة . وهكذا إحتوت محاوراته على مادة تاريخية تتوزع على صورة تواريخ مختصرة مكثفة للأشخاص الفلاسفة والسياسيين والعلماء ورجال السفسطة . إضافة إلى تاريخ للفلسفة مكتوب من زاوية إفلاطون أو الأدق من زاوية الفلسفة الأفلاطونية ، ومن ثم من زاوية فلاسفة مدرسته المعروفة بالأكاديمية (8) .

  صحيح جداً إن إفلاطون لم يذكر شيئاً صريحاً عن الشاعر الملحمي هزيود الذي يُعدً أول من قدم تفسيراً تشاؤمياً للتاريخ في الثقافة اليونانية (وهو طرف تشتغل عليه فلسفة التاريخ) ، وإعتمد تفسيراً جيولوجياً لحركة التاريخ ، وعرض فهماً لعصور التاريخ يعتمد على المعدن المستخدم في أدوات القتال والحرب . ولكننا نعرف بصورة مؤكدة على إنه قرأ تراث هوميروس الشعري الملحمي ، وهوميروس كان معاصراً للشاعر الملحمي هزيود  هذا طرف مهم . والطرف الثاني إن محاورة الجمهورية كما قلنا ، وبالتحديد في الكتاب الثالث قد إعتمدت على إسطورة الأم – الأرض أو إسطورة المعادن أو الكذبة النبلية ، وعلى أساس المعادن الثلاثة ؛ الذهب والفضة والنحاس (أو الحديد) قدم إفلاطون فهماً لحركة التاريخ والإنسان والمجتمع وظهور دول – المدن وإنهيارها . وهذا التفسير الجيولوجي (بحدوده)عند إفلاطون يحملنا على القول إن هذا التشابه بين عمل هزيود وفعل إفلاطون لم يكن إنتاجاً بريئاً عفوياً ، وإنما متابعة إفلاطونية واعية لما أنتجه الشاعر الملحمي اليوناني هزيود . ومن طرف مالك بن نبي وإطروحته في تفسير التاريخ على فعل الأبطال ما يؤكد على إن هناك مقاربة فكرية مالكية متفهمة للتفسير التاريخي الذي قدمه هزيود وبالتحديد للعصر الذي أسماه هزيود بعصر الأبطال وهو حقبة تاريخية أقحمها هزيود في تفسيره الجيولوجي الذي يعتمد على المعادن في تحديد هوية العصر والحقبة التاريخية . كما إن مالك قرأ إفلاطون وهذا ما بيناه في كتابنا المعنون حضور الفلسفة في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً (9) . للتفاصيل عن الفكر الفلسفي التاريخي عند إفلاطون ترقب كتابنا القادم ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .

———————————————

- أنظر :

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الأول / موقع الفيلسوف / 5 سبتمبر 2011

2 – أنظر :

W. H. Walsh, An Introducation to Philosophy of History, New Jersey 1967, pp. 15 – 29

فهو فصل في غاية الأهمية حيث فيه كشف للسؤال الذي رفعه المؤلف : ما هي فلسفة التاريخ !

3 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مصادر التجربة الإفلاطونية في مضمار الأبستمولوجيا الفلسفية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع / صيف 2012

4 – أنظر :

Johann Gottfried Herder, Reflections on the Philosophy of the History of Mankind, abridged, with an Introduction By Frank E. Manuel, University of Chicago press 1968

5 – أنظر :

Plato, Republic, Trans. By Benjamin Jowett, Cosimo Inc, New York 2008, 415a

6 – أنظر :

Ibid, 414e – 415c

7 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق

8 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الثاني والذي

كان بعنوان محاورات إفلاطون من زاوية تاريخية / موقع الفيلسوف / 2 نوفمبر 2011

9 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الفلسفة في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

———————————————

3 – أرسطو : بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم

   إهتم الفيلسوف اليوناني أرسطو (384 – 322 ق.م) بالتاريخ موضوعاً وعلماً من العلوم في مدرسته اللوقيون أو المشائية . فقد كان يُدرس التاريخ لعدد من طلابه ، والذين تحولوا فيما بعد إلى فلاسفة ، وقاد بعض منهم مدرسته المشائية . كما وظهر علم التاريخ في التصنيف الذي تقدم به لعلوم عصره (وفي مضمار العلوم الواعدة) . إضافة إلى إنه كتب أول موسوعة في علم المنطق ، وتحدث في أطراف منها مؤرخاً لعلم المنطق والرياضيات وكان فيها ناقداً للرواد في المنطق ولعلماء الرياضيات وخاصة عالم الرياضيات بيرسون ومحاولته تربيع الدائرة (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، بغداد 1983) .

  وكذلك كتب أرسطو أول موسوعة في علم الحيوان ، تحدث في أطراف منها حديث المؤرخ . وفي كتابه الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) كان يكتب من زاوية الفيلسوف المؤرخ ، وبذلك يمكن القول إنه عرض تاريخ نقدي للفلسفة اليونانية والفلاسفة قبل سقراط ، ومن ثم شمل سقراط وإستاذه إفلاطون . وعلى هذا الأساس قدم أرسطو تاريخ الفلسفة اليونانية مكتوب بقلم الفيلسوف أرسطو (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف أرسطو مؤرخاً للفلسفة اليونانية / من مخطوطة بحث منجز) . وترقب التفاصيل في فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .

4 – القديس أوغسطين : بين الرواية المانوية واللاهوت المسيحي

   كتب الفيلسوف المانوي الجزائري المنبت أوغسطين (354 – 430م) أو رجل اللاهوت المسيحي القديس أوغسطينوس بعد تحوله من المانوية إلى المسيحية (1) ، العديد من المؤلفات البالغة الأهمية سواء في مضمار تاريخ فلسفة التاريخ أو في تطوير العقيدي المسيحي والذي سيطلق عليه فيما بعد حشد من الأكاديميين وغير الأكاديميين إصطلاح الفلسفة المسيحية الغربية .

  ونحسب إن الكثير من أفكار المرحلة المانوية (التي إستمرت على الأقل تسع سنوات وكان فيها أوغسطين على مستوى المستمع ومن ثم أصبح بدرجة معلم في صفوفها) من تفكير القديس أوغسطين وجدت لها مكانة قوية في داخل رائعته الفلسفية التاريخية المعنونة مدينة الله . كما إن من المهم لدينا في مضمار الدراسات في فلسفة التاريخ ، هو تأملات أوغسطين الفلسفية التي إستبطنت الكثير من مشروع إفلاطون في رائعته الجمهورية والتي عبرت إلى القديس أوغسطين من خلال مسارات متنوعة منها على سبيل التمثيل وليس الحصر شيشرون وجمهوريته (2) ، إفلوطين وفلسفة ولاهوت الإفلاطونية المحدثة (3) .

  عاش وكتب أوغسطين في فترة دقيقة من تاريخ التحول في الثقافة الغربية ، التحول من العقيدي اليوناني – الروماني المتسور بالفلسفة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي إلى دائرة اللاهوت المسيحي المتنامي . وفعلاً فقد عاش وكتب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين (4) (وهو تاريخ نضال دموي مع ما يسميه كتاب الكنيسة بالفكر الوثني اليوناني ومن ثم تسويات عقيدية مع الإمبراطورية وصلت إلى حد تلوين العقيدي بثوابت وثنية لم تتنازل عنها الإمبراطورية وطبعت العقيدي المسيحي بطابعها الوثني وإلى الأبد …) تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية التي إحتضنت مدارس فلسفية متنوعة ، وهذه المدراس ستظل لها أدوراً فاعلة في الدوائر الثقافية في عموم الإمبراطورية وحتى بعد وفاة القديس أوغسطين بما يُقارب القرن من الزمن ، وإستمرت حتى غلقها الإمبراطور الروماني جوستنيان (482 / 483 – 565م) في العام 529م (5) . 

  إن محاولة فهم ماذا حدث في العقود الثلاثة الأولى من حياة القديس أوغسطين ، وبالتحديد أثنتين وثلاثين عاماً من عمره الفكري قبل أن يتحول إلى المسيحية ضرورة علمية . ففيها الكثير من الشواهد على المنعطفات العقيدية والفلسفية . صحيح إن الكتاب المسيحيين لا يرغبون في الكتابة عنها ، ويتمنون شطبها وإلغاءها من حياة القديس أوغسطين . ولكن من الزاوية الأكاديمية هي مطلب ملح لمعرفة المعارف التي تلقاها الرجل ، والتجارب التي عاشها ، والتحولات العقيدية من المانوية وإلى الشكية الأكاديمية التي إستقر فيها بعد تخليه عن المانوية والأدق تحوله عنها . فهي مرحلة مفيدة في فهم تحوله الأخير إلى المسيحية وتخليه عن الحياة والزواج والزوجة والعائلة … والسؤال : هل هذا التحول حمل قطيعة كاملة مع الحياة والمانوية والشكية الأكاديمية ؟ نحن لا نجد في كتابات القديس ما يقدم جواباً شافياً لصالح القطيعة ، بل على العكس هناك شواهد على إستمرار الأثر المانوي والفلسفي الشكي الأكاديمي على الأقل في رائعته مدينة الله .

  ولذلك نحسب إن الطرف الوثني من حياة القديس أوغسطين جداً مهم في فهم الحياة العقلية والتحولات العقيدية والخط التطوري في فكره اللاهوتي وفي تحديد حجم مساهمته فيما يسمى بالفلسفة المسيحية الغربية . ومن الملاحظ إنه خلال هذه العقود الثلاث (32 سنة) قد عاش حياة جنسية صاخبة ، وتم فيها إنبات الكثير من البذور الأولى لحياته العقلية اللاحقة وذلك من خلال برنامج التعليم وإستلامه العقيدي المانوي ، ومن ثم تشربه للطرف الفلسفي المتمثل بالشكية الأكاديمية ، وتبنيه لأفكار إفلاطون من خلال جمهورية شيشرون وإفلوطين والإفلاطونية المحدثة وقراءته لكتاب أرسطو المنطقي وهو المقولات وهو أول رسالة منطقية في تحليل اللغة. ولهذا نحن نخلاف الكتاب المسيحين ولا نحسب إنها توقفت أو إنطفت يوماً من الأيام بعد إن تحول إلى العقيدي المسيحي ، بل على العكس إنها ظلت تلعب دوراً قوياً تحت جلد القديس أوغسطين وتوجه تفكيره بحرية وتقود قلمه بإطمنان دون خوف وتهديد (مع الإشارة إلى إن القديس لم يسلم من عمليات كشف لهرطقته ومانويته في مرحلة لاحقة) .

   لقد إمتدت هذه الفترة منذ ولادة الطفل الجزائري أوغسطين عام 354 وإلى لحظة إنفتاحه على المسيحية عام 386 (وكان عمره إثنتين وثلاثين ربيعاً) وذلك من خلال سماعه بقصة باسليونس وأصدقائه عندما قرأوا لأول حياة القديس إنثوني الصحراوي أو إنثوني المصري (251 – 356م) . وهكذا تلاه تحول اوغسطيني من قصة حياة القديس إنثوني إلى الإنجيل ، وبالتحديد إلى إنجيل بولس والذي قرأ منه رسالة بولس إلى الرومان والمعنونة بتحولات المؤمنين (6) .

البيئة العائلية ومراحل التعليم الأولى

   ولد أوغسطين في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي ، وبالتحديد في عام 354م في مدينة تكاست الجزائرية ، والتي كانت جزء من الإمبراطورية الرومانية . ومن الملاحظ إن الطفل أوغسطين قد ترعرع في أحضان عائلة ذات تكوين عرقي وعقيدي متنوع . فمن طرف الوالد باترسيوس كان وثنياً (7) (منا = وربما كان على عقائد الدين الروماني ذات الإصول اليونانية ولهذا نتحفظ على كلمة وثني لأنها تتضمن تصنيف عقيدي مسيحي) . ومن جهة الأم مونيكا أو القديسة مونيكا (331 – 387م) فقد كانت مسيحية من البربر ، وهي ” من أوائل القديسات المسيحيات ” (8) . وفعلاً فقد ذكر الباحثون الأكاديميون في إصول القديس أوغسطين ، إلى إن أسلافه ينتمون إلى تنوع عرقي متفرد ، فهم ينتمون إلى البربر ، واللاتين والفينيقيين . ولكن العائلة كانت من الناحية القانونية ، عائلة رومانية وهي تتمتع بالمواطنية الرومانية الكاملة ، وعلى الأقل قبل ولادة أوغسطين بأكثر من قرن من الزمن (9) . كما إن عائلته كانت تنتمي إلى الطبقات العليا من المجتمع الروماني يومذاك ، وإن لغته الأولى هي اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية (10) .

  ويبدو لنا إن الطفل أوغسطين تلقى دروسه الأولى في التعليم في البيت وفي المنطقة التي تعيش فيها العائلة . ولما كانت المنطقة جزء من الإمبراطورية الرومانية ، فإن الثقافة التي كانت سائدة هي الثقافة الوثنية بالمفهوم المسيحي ، إضافة إلى إن الأم مونيكا كانت مسيحية ، فإن قدر الطفل أوغسطين كان موضوع تجاذب بين ثقافتين متقاطعتين حتى النخاع ، وهما ؛ الثقافة الوثنية (الرومانية – اليونانية) وهي ثقافة الوالد ، وثقافة مسيحية تبثها الأم من خلال قراءتها للإنجيل والصلوات والترانيم الدينية . وإن هذا التجاذب ظل فاعلاً في حياة وتفكير القديس أوغسطين على الأقل خلال العقود الثلاثة الأولى من حياته .

  ولما بلغ الحادية عشرة من عمره رغبت العائلة إرساله للتعليم في المدارس الرسمية ، ولكن هذه الرغبة العائلية ليست باليسيرة وذلك لعدم توافر مدرسة يومذاك في المنطقة التي تعيش فيها العائلة ، فتم إرسال أوغسطين ليتلقى تعليمه في مدينة مدراس حيث توجد فيها مدرسة رسمية عامة . وفعلاً كانت المدرسة فرصة تعليمية متفردة لأوغسطين ، التي إتصل من خلال دروسها بالأدب اللاتيني (11) والذي يشمل مقالات ، وكتب تاريخية ، وقصائد ومسرحيات ونصوص كُتبت باللغة اللاتينية . وهذا التقليد التربوي بدأ في القرن الثالث قبل الميلاد ، ومن ثم أصبح بعد القراءة والكتابة باليونانية القديمة وحتى عصر ماركوس أورليوس (121 – 180م)) وضم الأدب اللاتيني في عصر أوغسطين قراءة وكتابة نصوص كل من الخطيب والفيلسوف شيشرون والشاعر الروماني فيرجيل (70 – 19 ق.م) والشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 18م) والشاعر والفيلسوف الأبيقوري لوكريتوس (99 – 55 ق.م) (12) . إضافة إلى كل ذلك فإن أوغسطين تشرب الكثير من العقائد الرومانية (التي هي إحياء للعقيدي اليوناني) ومارس طقوسها اليومية كفعالية من المنهج الدراسي (13) .

   ولاحظ الدارسون وكتاب سيرته ، إنه خلال عودته من المدرسة إلى البيت ، وبالتحديد في عامي 369 و370 وكان في الخامسة عشرة من عمره ، قرأ واحدة من محاورات شيشرون والمعنونة هورتنسيوس أو حول الفلسفة (وكتبها شيشرون عام 45 ق.م وفيها إستبطان لأراء أرسطو وتوسيع ، وهي من المحاورات الضائعة والتي حملت أسم صديق شيشرون وهو الخطيب والسياسي الروماني هورتنسيوس (114 – 50 ق.م) وقد تركت هذه المحاورة أثاراً قوية على تفكير أوغسطين وخصوصاً توجهاته الفلسفية ، فيصفها أوغسطين قائلاً ” كانت محاورة هورتنسيوس مثل الشرارة التي قدحت في الإهتمام بالفلسفة ” (14) . وهنا إنتهى فصل من حياة طالب العلم أوغسطين ، وستلعب الظروف دوراً إيجابياً في فتح أبواب التعليم العالي أمامه وهذا فصل جديد سيخوض غماره بعيداً عن مرابض الأهل والعشيرة ، حيث سيتوجه إلى قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا .  

الرحلة العلمية إلى قرطاج والتجربة المانوية والجنسية المبكرة

  وفعلاً لما بلغ أوغسطين السابعة عشر ربيعاً ، حصل على منحة دراسية تقدم بها مُحسن روماني له ، فشد الرحال وذهب للدراسة في قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا الرومانية . وبدأ أوغسطين برنامجه التعليمي العالي في قرطاج في موضوع الخطابة والبيان (15) وهو من الموضوعات المرغوبة في العصر الروماني ، إذ تُهيأ المتخصص في العمل في المرافعات والدفاع في المحاكم .

  ونحسب من النافع أن نشير إلى إن رحلة أوغسطين إلى قرطاج لم تكن في جميع أطرافها رحلة في طلب العلم . وإنما كانت تجربة شخصية متنوعة ، ففي قرطاج حدث تحولاً جوهرياً في مضمار العقيدي حمله على الإيمان بالمانوية . ومن الملاحظ على صعيد التحول العقيدي ، إن أوغسطين تخلى عن الدين الروماني (الوثني بإصطلاحات المسيحية ) وهو دين والد أوغسطين ، ووضع وراء ظهره العقيدي المسيحي ، وهو يمثل ديانة مونيكا (القديسة مونيكا فيما بعد) وهي أم أوغسطين ، فكانت النتيجة خيبة للأم والأب على حد سواء (16) وهذا الطرف سنتناوله في مقال قادم  . كما إن أوغسطين عاش تجربة جنسية مع إمرأة إستمرت لأكثر من ثلاثة عشر سنة مملوءة بالحب العارم ، وكان حصيلتها ولادة ولده أديوداتوس (والتي تخلى عنها بعد من يقول ثلاثة عشر سنة ، وهناك من يرى إنه تركها عندما ناهز ولده السابعة عشرة ربيعاً ، وبالتحديد في عام 389م وذلك عندما تحول إلى المسيحية ، وكان أوغسطين يومها إبن الخامسة والثلاثين ربيعاً (17)) . وهذه العلاقة الجنسية وما إرتبط بها ستترك أثاراً على حياته الإجتماعية والفكرية ، وعلاقته بإمه التي ستكافح بإتجاه إنتخاب الزوجة المناسبة له … (18) وهذا طرف سنبحثه في مقال خاص كذلك .   

الأكاديمي أوغسطين والتعليم العالي

   بعد إكمال دراساته في قرطاج ، عاد أوغسطين إلى مدينة تكاست الجزائرية ، وأخذ يعلم فيها النحو وبالتحديد خلال عامي 373 و374 ، ولكنه لم يستقر فيها ، فقرر العودة إلى قرطاج ، وأدار هناك مدرسة للخطابة والبيان . وفعلاً إستمر هناك لمدة تجاوزت التسع سنوات (19) . ومن ثم أخذ ينزعج من تصرفات الطلاب غير اللائقة ، فرأى إنه من الأسلم ترك قرطاج والتحول إلى روما عاصمة الثقافة الأولى للإمبراطورية الرومانية . وفعلاً في العام 383 إنتقل إلى روما ، وأسس فيها مدرسة له . وكان يعتقد أوغسطين إنه في روما يتوافر الكثير من أفضل رجال الخطابة . ولكن حال أوغسطين لم يسير بيسر في روما ، فسرعان ما خابت أماله بمدارس الخطابة فيها ، وخصوصاً عندما تجاهلته ولم تهتم به هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر فإنه مل من تصرفات الطلاب في روما ، وهي كثيرة . فمرة وهو ينتظر حلول إستلام الأجور الدراسية التي يدفعها طلاب الخطابة لمدرسته ، هرب الطلاب ولم يدفعوا له شيئاً .

  ورغم هذا الحال المخيب للآمال ، فإن الصدفة لعبت دوراً في فتح أبواب جديدة أمام معلم الخطابة أوغسطين ،  والتي فيها بوراق من الأمل . فقد كان له صديق من المانويين ، والذي لعب دوراً في تقديمه إلى محافظ مدينة روما ، وهو كونتويس أورليوس سامكيوس (345 – 402م) (20) وحينها كان يبحث المحافظ عن بروفسوراً للخطابة ، وذلك ليشغل هذه الوظيفة في المحكمة الإمبراطورية في ميلانو . وفعلاً فقد نجح أوغسطين في الحصول على هذه الوظيفة الأكاديمية من بين عدد من المرشحين . وبدأ العمل بالتحديد في نهايات عام 384 . 

  ونحسب من المفيد الإشارة إلى إن أوغسطين في هذه الفترة أظهر ميولاً واضحة لصالح العقيدي المانوي مع محافظة على مستوى واطئ في تراتبية المانوية ، فقد ظل بمنزلة مستمع في الحلقات المانوية ، ومن ثم أصبح معلماُ . وأخذ بعد ذلك ينسحب شيئاَ فشيئاً منها(21) (وهناك مؤشرات لبداية هذا الإنسحاب قد حدثت في قرطاج وهذه قصة سنبحثها في مقالنا المعنون مانوية القديس أوغسطين) وتحول إلى الضفاف الآمنة للمذهب الفلسفي الشكي الذي هيمن على مصير أكاديمية إفلاطون ، وبالتحديد فيما يُسمى بالمرحلة الوسطى للأكاديمية ، وأصبح من مناصري حركة الأكاديمية الجديدة (22) .

  ومن طرف أخر فقد كانت عيون مونيكا والدة أوغسطين تُراقب عن كثب تحولات ولدها أوغسطين العقيدي والفلسفي ، وحسبت إن في هذا التحول نحو معاقل الشكية الفلسفية تباشير مشجعة لها لتعمل من جديد على إقناع ولدها للتحول إلى شواطئ المسيحية . إلا إن أمالها تبددت حين فضل أوغسطين العمل بجد على إنجاز دراساته الخاصة حول الإفلاطونية المُحدثة (23) خصوصاً وإن صديقه المحافظ ساميكوس كان يُشجعه بإلحاح على السير في هذا الإتجاه (24) .   

أوغسطين كاتب سيرة ذاتية وفيلسوف تاريخ

  قبل الخوض في مسألتين مهمتين في تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما تقديم أوغسطين كاتباً لأول سيرة ذاتية في تاريخ السير ، والتي تمثلت في رائعته التي حملت عنوان الإعترافات . وثانياً – التأمل في رائعته الفلسفية – التاريخية (وبالطبع اللاهوتية) المعنونة مدينة الله (أنظر للتفاصيل : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات (قيد الإنجاز)) .

  يبدو لنا إن القديس أوغسطين أو ما يسمى بفيلسوف المسيحية الغربية (وهو الشرقي الجزائري ، من مدينة عنابة) لم يكتب (أو على الأقل لم ينشر) شيئاً قبل تحوله إلى أحضان العقيدي المسيحي (وهو الذي قاوم محاولات والدته المسيحية القديسة مونيكا للإعتقاد بالمسيحية) ولمدة تجاوزت العشرين عاماً . وإذا صح هذا الإفتراض (إفتراض عدم الكتابة قبل عمر الثلاثين وقبل أن يكون مسيحياً) ، فإن كتاباته بالتأكيد تلونت بعقيدي مسيحي مُنحاز . وهذا أمر طبيعي في تاريخ حركة التفكير وتكوين العقول والذهنيات عامة وأوغسطين إنموذجاً . ولكل هذا فهناك الكثير من الأسئلة تُثار حول حيادية وموضوعية قلم القديس أوغسطين حين كتب عن الموضوعات الحساسة مثل المانوية  التي كانت عقيدته لفترة تجاوزت التسع سنيين من عمره ، والديانات الرومانية – اليونانية (وهي ديانة الوالد والأصدقاء) والتي أصبحت بجرة قلم وثنية ، والإتجاهات الفلسفية من أكاديمية شكية وإفلاطونية مُحدثة ، والتي تحول إليها بعيد إن تخلى من المانوية ، وأصبح بروفسوراً أكاديمياً للخطابة في المحكمة الإمبراطورية الرومانية في ميلانو ، والتي تحولت إلى فلسفات هرطقية .

  حقيقة هذا هو قدرنا في التعامل مع مؤلفات القديس أوغسطين . ولكن نحن من طرف أخر محظوظين بكتاب أوغسطين الإعترافات ، ففيه العديد من الإمكانيات التي تُساعدنا على تكوين معايير للتمييز بين الموضوعية واللاحيادية في تفكير أوغسطين بعيد تحوله إلى معاقل المسيحية ، ومن ثم دخوله في دوامة المصالح والحسابات في عملية الإنشاء والتأليف ، خصوصاً بعد إحتلاله منزلة عالية في تراتبية الكنيسة (رئيس أساقفة) ورجل لاهوت مدافع عن العقيدي المسيحي ضد ما يُسمى بالهرطقة . للتفاصيل ترقب كتابنا المعنون : فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .

—————————————————

1 – للتفاصيل عن المرحلة المانوية من تفكير القديس أوغسطين أنظر :

Jason David BeDuhn, Augustine,s Manichaean dilemma: Conversion and apostasy, 373 – 388 C.E, University of Pennsylvania Press 2009, p. 163

2 – أنظر :

Johannes Brachtendore, Cicero and Augustine on the Passions, 1997, pp. 389 – 308

3 – أنظر :

Frank Cross & Elizabth Livingstone (Eds.), Platonsim, In The Oxford Dictionary of the Christian Church, Oxford University Press 2002

وللتفاصيل عن إفلوطين ومدرسته الفلسفية المعروفة بالإفلاطونية المحدثة أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة (كتاب) فصول متنوعة / منشور على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012 .

4 – للإطلاع على تفاصيل حياة القديس أوغسطين الجزائري ورئيس أساقفة عنابة أنظر :

Peter Brown, Augustine of Hippo: A Biography, University of California Press 2000

5 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق / المحور المعنون : دمسقس الرئيس الأخير لمدرسة أثينا الفلسفية .

6 – أنظر :

Augustine of Hippo, Confessions, Trans. By Henry Chadwick, Oxford University Press 2008, pp. 153 -

7 – أنظر :

Kim Power, “Family, Relatives”, In August through the ages: an encyclopdia, Ed. By Allan Fitzgerald, Grand Rapids, 1999, pp. 353 – 354

8 – للتفاصيل عن القديسة مونيكا (أم القديس أوغسطين) أنظر :

A – Michael Brett & Elizabeth Fertress, The Berbers, Wiley – Blackwell, 1997

B – Paula Scott, Santa Monica: a history on the edge, Arcadia Publishing , 2004

9 – أنظر :

Serge Lancel, Saint Augustine, Hymns Ancient & Modern , SCM Press, London 2002, p. 5

10 – أنظر :

Kim Power, Op. Cit,

11 – أنظر :

Andrew Knowles & Pachomios Penkett, Augustine and his World, Lion Publishing, England, 2004, Ch. 2 (Saved Without Power).

12 – أنظر :

A – Charles Eliot, Letters of Marcus Cicero and Letters of Gaius Plinius, Kessinger Publishing 2004

B – Susanna Morton Braund, Latine Literature, Routledge 2002

13 – أنظر :

Andrew Knowles & Pachomios Penkett, Op. Cit,

14 – أنظر :

Encyclopedia Americana, Grolier, Danbury, 1997 , Vol. 2, p. 685

15 – أنظر :

Ibid,

16 – أنظر :

Hugh Pope, “Saint Monica”, In Cathholic Encyclopedia, 2012 (On Line)

وهناك نص في غاية الأهمية يكشف عن حالة الألم التي عاشتها الأم المسيحية بعد تحول ولدها الى العقيدي المانوي ، وهذه ترجمتنا لهذا النص : ” في قرطاج تحول أوغسطين إلى المانوية ، وعندما عاد إلى البيت أخذ يُردد عدداً من القضايا العقيدية المانوية (الهرطقية من زاوية الأم المسيحية) ، والتي سببت لها إنزعاجاً ، فطردته من مائدتها . وبعد ذلك جاءتها الرؤيا (الحلم) وطلبت منها أن تسدعيه ، وفي ذلك الوقت ذهبت الأم مونيكا إلى واحد من رؤساء القساوسة (لم تذكر إسمه) وطلبت منه العون والنصيحة في كيفية التعامل مع ولدها الذي غير عقيدته الدينية ، فجبر رئيس القساوسة بخاطرها ، وواساها وقال كلماته الشهيرة ” إن هذا الطفل الذي تُذرف عليه الدموع سوف لا يهلك ” .

17 – أنظر :

A – Heinman Uta Rank. Eunuchs for the Kingdom of Heaven: the Chtholic Church and Sexuality, Penguin Book, 1998

B – John ABecket. ” Adeodatus”, In Catholic Encyclopedia (Op. Cit).

18 – أنظر :

John ABecket, Op. Cit,

وهناك نص يتعلق بولد أوغسطين نود ترجمته إلى القارئ : ” إن رؤية الذكاء الإعجوبي لولده ، أشعر أوغسطين بنوع من الصدمة . فقال أوغسطين ” إن عظمة عقله ، وضعتني في حالة من الرُعب ” .

19 – أنظر :

Encyclopedia of Americana, (Op. Cit), Vol. 2, p. 685

20 – وكونتويوس أورليوس ساميكوس هو رجل الدولة الروماني (نسبة إلى روما) وخطيب وصاحب رسائل . عمل في مكاتب الحاكم في أفريقا عام 373م ، ومحافظاً لروما خلال عامي 384 و385 ومستشاراً عام 391 . وهو من الجيل الأخير الذين حافظوا بصلابة على الديانات الرومانية التقليدية أمام إجتياح العقيدي المسيحي ، وخصوصاً في الوقت الذي تخلت عنه الطبقة الإرستقراطية وتحولت إلى شواطئ المسيحية . وله مواقف شجاعة في هذا الإطار ، فقد إعترض على قرار الإمبراطور الروماني جراتيان (359 – 383م) القاضي بإزالة مذبح النصر من بناية الجمعية العامة (البرلمان) في روما . للتفاصيل أنظر :

Cristiana Songno, Q. Aurelius Symmachus: A Political Biography, University of Michigan Press, 2006

21 – أنظر :

Eugene Portalie, Op. Cit,

22 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخلفيات الفلسفية للتجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة / سابعاً – حضور فلاسفة الأكاديمية في أجواء صياغة الإفلاطونية المُحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

23 – للتفاصيل عن الإفلاطونية المُحدثة أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة (مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

24 – أنظر :

Encyclopedia of Americana, Op. Cit,

 

5 – فيلسوف التاريخ جيامباتيستا فيكو

   يُعد الفيلسوف – المؤرخ الإيطالي جيوفاني باتستا (أو غيامباتيستا) فيكو (1668 – 1744) واحداً من الرواد في العصور الغربية الحديثة في مضمار فلسفة التاريخ ، ولعل أهمية فيكو الفيلسوف  تعود إلى إنه من المعارضين للفلسفة الديكارتية ، وهي (الكارتينيزم أو الديكارتية) النزعة الفلسفية العارمة التي نشأت على فلسفة الفيلسوف الفرنسي رينه ديكارت (1596 – 1650) (1) وبالمقابل إنبثقت موجة فلسفية وأبستمولوجية معارضة لها (2) . ومن النافع أن نشير إلى إن فيكو ولد بعد موت ديكارت بثمانية عشر سنة . إضافة إلى ذلك فإن فيكو يحتل مكانة رائدة في حركة الأبستمولوجيا المعاصرة ، والتي أخذ يُطلق عليها بالأبستمولوجيا التركيبية (البنيوية) وذلك لأن فيكو من أوائل من نبه إلى مشكلة توسيع مديات العقلانية في الفلسفة والأبستمولوجيا على حد سواء ، بل وكان من النُقاد الأوائل للعقلانية (وهذا مضمار يحتاج إلى مقال مستقل) .   

   ونحسب إن أهميته الرائدة في طرف فلسفة التاريخ تكمن في رائعته المعنونة مبادئ أو إصول العلم الجديد ، والتي نشرها باللاتينية ومن ثم بالإيطالية . وجاءت النشرة الأولى عام 1725 أي قبيل وفاته بربع قرن من الزمن . والواقع رغم منح الباحثون الريادة لفيكو في فلسفة التاريخ الحديثة ، فإن مصطلح فلسفة التاريخ لا يوجد له أي أثر في نص رائعته إصول العلم الجديد .

  ولد جيوفاني باتستا فيكو في مدينة نابولي (مملكة نابولي ) الإيطالية ، وجاءت ولادته في الثالث والعشرين من حزيران عام 1668 ، وترعرع في أحضان عائلة تعيش على بيع الكتب ، فقد كان والده بياعاً للكتب واُمه بنت صانع عربات (3) . وتلقى تعليمه الرسمي في مدارس النحو في نابولي ، وعلى يد العديد من أساتذة الجزيوت . وفي عمر السابعة تعرض إلى حالة مرضية (يبدو مرض الحصبة) كان نتيجتها كآبة وحزن عميق وتوتر شديد في المزاج ، مما أدى إلى تغيبه مدة ثلاث سنوات من المدرسة ، فتحول خلالها إلى نظام التعليم البيتي (أو مدرسة البيت) . .

  ووفقاً لتقارير من سيرته الذاتية ، وبسبب إنقاطعه من المدرسة ، إن توجه نحو القراءة الذاتية ولذلك يصفُ فيكو حاله فيما بعد ” بإنه كان مُعلماً لنفسه ” . والحقيقة إن عادة القراءة تعود إلى مهنة والده بائع الكتب ، وتوجيهاته لولده وحثه على القراءة . ومن ثم إلتحق بجامعة نابولي وحصل على تدريب في الفقه (التشريع) . وقرأ خلال ذلك العديد من الكتب في الكلاسيكيات ، وفقه اللغة (الفيللوجيا) والفلسفة . وهذه القراءات تركت أثرها الواضح على تطوير وجهات نظره الأصيلة حول التاريخ ، وعلم التاريخ (هستروكرافيا) والثقافة (الحضارة) .

    وقبل فيكو في العام 1686 وظيفة معلم خاص في منطقة فراتسيوني في جنوب ساليرنو . وبعد ذلك كتب إطروحته للدكتوراه في جامعة نابولي ، وكانت في مضمار القانون الكنسي والمدني وحصل عليها وتخرج من الجامعة عام 1694 . وفي عام 1699 تزوج من صديقة طفولته تريزا ديستيتو ، وقبل رئاسة قسم الخطابة في جامعة نابولي . وفعلاً فقد صرف فيكو معظم حياته بروفسوراً للخطابة في جامعة  نابولي ، وكان يتطلع للحصول على رئاسة قسم فقه التشريع فيها . ولكن لسوء الحظ لم يحدث ذلك ، فظل أستاذاً ورئيساً لقسم الخطابة حتى عام 1734 . ومن ثم عُين مؤرخاً ملكياً لشارلز الثالث (1716 – 1788) وحصل على مرتباً عالياً تجاوز مرتبه بروفسوراً للخطابة بكثير ، وعاد رئيساً لقسم الخطابة حتى تقاعد في العام 1741 ومن ثم تقاعد وخلفه في شُغل هذه الدرجة الأكاديمية ولده البروفسور جينرو فيكو ، ومات الفيلسوف فيكو في 22 / 23 كانون الثاني عام 1644 وقد بلغ من العمر الخامسة والسبعين (4) .

 رائعة فيكو إصول العلم الجديد : من زاوية فلسفة التاريخ

   يذهب بعض الأكاديميين الغربيين إلى إن فيكو هو أول فيلسوف تاريخ في العصر الحديث . ولعل الدوافع التي حملتهم على الحديث عن ريادة فيكو في مضمار فلسفة التاريخ  ، هو رائعته المعنونة مبادئ أو إصول العلم الحديث . وبالرغم من إن فيكو لم يذكر إصطلاح فلسفة التاريخ على الإطلاق ، فإن أطراف من كتابه العلم الحديث يمكن أن تُقرأ على إنها أوراق في فلسفة التاريخ . وعلى هذا الأساس نسعى إلى مراجعة رائعة فيكو إصول العلم الحديث (والتي جاء عنوانها في ترجمة أخرى العلم الحديث) والتي نشرها أولاً باللاتينية ، ومن ثم بالأيطالية ، والألمانية وتلتها ترجمات إلى الإنكليزية (للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات (قيد الإنجاز)) .

     بعد ثلاثين سنة من موت فيكو ، ظهرت رائعة رائدة في فلسفة التاريخ (هي تنتمي إلى عصر الأنوار) كتبها الفيلسوف جوهان كوتفريد هردر (وهو من تلاميذ الفيلسوف عمانوئيل كانط ) وكانت بعنوان (الترجمة الإنكليزية) فلسفة أخرى للتاريخ تتعلق بتطور الإنسانية (صدر بالألمانية لأول مرة عام 1774 وكان عمره ثلاثين سنة فقط) (33) . ومن ثم كتب مؤلفات أخرى حملت عناوين صريحة في مضمار فلسفة التاريخ (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات ، كتاب قيد الإنجاز (هذا بعض من الجزء الأول منه) .

—————————————————–

1 – والكارتينيزم هي النزعة الفلسفية – الأبستمولوجية التي تطلق على العقيدة الفلسفية (أو المدرسة ) للفيلسوف ديكارت ، والذي هو أول فيلسوف حديث ألح على دور العقل في إنشاء العلوم الطبيعية (وبالطبع هو عالم رياضيات كذلك) . والكارتية أو الديكارتية ترى إن العقل منفصل عن الجسم المادي ، وإن الحواس هي مصدر الوهم ، وإن الحقائق اليقينية موجودة في العقل . ومن الكارتيين الأوائل وبعضهم كان معاصراً لديكارت (مثلاً وليس حصراً) كل من رجل الرياضيات واللاهوت إنطونيو إرنلاد (1616 – 1698) ، والكاتب في مضماري

الفلسفة واللاهوت بالثسير بيركر (1634 – 1698) ، والفيلسوف الألماني ورجل اللاهوت ورئيس جامعة ديوبيسبيرك جوهانز كلوبيرك (1622 – 1665) والذي كان يُعرف بالأكاديمي الديكارتي والقائمة طويلة .  أنظر للإطلاع على موجة الفلسفة (الكارتينيزم) الديكارتية :

Emily Grosholz, Cartesian Method and the Problem of Reduction, Oxford University Press, 1991

2 – للإطلاع على الحركة المعارضة للكارتية (الديكارتية) أنظر :

Ted Schmaltz (ed.), Receptions of Descartes. Cartesianism and Anti-Cartesianism in Early Modern Europe, Routledge, New York, 2005

3 – أنظر :

Timothy Costelloe, ” Giambattista Vico ” In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2012 (On Line) .

4 – أنظر :

Ibid,

تعقيب

  صحيحُ جداً إن الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط قد إهتم بالتاريخي العالمي والسلم العالمي ، وكتابه الشهير الدين بحدود (أو شروط) العقل ، هي موضوعات تمسها فلسفة التاريخ . إلا إن تلميذه جوهان كوتفريد هاردر (أو هردر) هو الرائد في الفلسفة الألمانية في تداول إصطلاح فلسفة التاريخ (وإن تقدم عليه فولتير في فرنسا) ، فقد إستخدم هردر هذا الإصطلاح عنواناً لبعض من مؤلفاته ، من مثل :

الأول – فلسفة أخرى لتاريخ النوع البشري ، والذي كتبه عام 1774 أي بعد ثلاثين سنة من موت فيلسوف التاريخ الأول في العصر الحديث فيكو . وكان عمر هردر حين نشر الكتاب ثلاثين ربيعاً . وهذا الكتاب جاء بعد نشر عدة مؤلفات ، فقد نشر أول كتاب له عندما كان إبن إحدى وعشرين عاماً ، وكان بعنوان كيف تصبح الفلسفة أكثر شيوعاً وفائدة للناس ، والذي نشره عام 1965 ، وتلاه كتابه الأكثر أهمية والذي كان في مضمار فلسفة اللغة والأدب (وبعنوان شذرات في الأدب الألماني الراهن) والذي إشتغل عليه للفترة الممتدة مابين عامي (1767 – 1768) ومن ثم نشر في العام 1769عمله الفلسفي المهم في علم الجمال ، والذي حمل عنوان الغابات الحرجة (النقدية) (1) .

الثاني – كتابه المعنون تأملات حول فلسفة التاريخ للنوع البشري (الإنسانية) ، وهو من كتابات مرحلة النضوج ، وألفه في الفترة الممتدة مابين 1784 –  1791 (2) . وأحاول هنا أن أقدم عرضاً لفصول كتاب تأملات حول فلسفة التاريخ لأضع أنظار القارئ أمام الموضوعات التي عالجها فيلسوف التاريخ هاردر في هذا الكتاب :

1 – العبقرية القومية والبيئة (3) .

2 – الإنسانية نهاية الطبيعة البشرية (4) .

3 – البدايات الشرقية (5) .

4 – اليونان (أو فلسفة التاريخ وولادة اليونان) (6) .

5 – ولادة روما وسقوطها (7) .

6 – إنتشار المسيحية الأولى (8) .

7 – عالم العصور الوسطى (9) .

8 – إصول أوربا الحديثة (10) .

 ويبدو في جهة الثقافة الفرنسية إن الإهتمام بفلسفة التاريخ في عصر الأنوار على أشدها ، وهي لا تقل نشاطاً عن مثيلاتها في الطرف الإلماني (الذين ألهمهم الإيطالي فيكو) . تقدم الفرنسيين في مضمار فلسفة التاريخ الفيلسوف فولتير (1694 – 1778) وهو إسم مستعار إصطنعه للكتابة ، والإسم الحقيقي ، هو فرانسوا ماري أرويه ، وذلك ليتخفى وراءه ، ويتحرر من الخوف من الإضطهاد والتردد في الكتابة بصراحة (11) . ولعل المهم في الموضوع ، هو ريادة فولتير لفلسفة التاريخ في عصر الأنوار ، وخصوصاً في الدائرتين الثقافيتين الفرنسية والإنكليزية التي إستقر فيها ردحاً من الزمن . فقد كتب مؤلفه المعنون فلسفة التاريخ في العام 1764 (12) . وهذا التاريخ جداً مهم وذلك لبيان الحقائق الأتية التي تلف قضية الريادة في الكتابة في فلسفة التاريخ في عصر الأنوار :

أولاً – إن فولتير كان معاصراً لفيلسوف التاريخ الإيطالي فيكو ، فقد مات الآخير وعمر فولتير خمسين عاماً .

ثانياً – إن فولتير كتب كتابه فلسفة التاريخ بعد موت فيكو بعشرين سنة (للتذكير فيكو مات عام 1744) .

ثالثاً – كتب هردر مؤلفه في فلسفة التاريخ بعد ما يُقارب الأربعين عاماً من نشر فيكو لرائعته في فلسفة التاريخ والمعنونة إصول العلم الحديث (نشرها فيكو عام 1725) .

رابعاً – إن نشرة فولتير تتقدم بعشرة سنوات على نشرة الفيلسوف الألماني هردر (كتابه الأول المعنون فلسفة أخرى لتاريخ الإنسانية) .

  كما إن أهمية فولتير تكمن في فلسفة التاريخ ، في إنه لعب دوراً مؤثراً في تطوير علم التاريخ (الهسترغرافيا) ، فقد إنتخب نهجاً جديداً في النظر إلى الماضي ، والشاهد على ذلك كتاباته التي سبقت نشر كتابه في فلسفة التاريخ ، ونحسب إن كتابه في فلسفة التاريخ جاء خلاصة لتلك الأعمال التاريخية . منها :

1 – كتابه تاريخ شارلز الثاني عشر (ملك السويد) والذي نشر عام 1727 ، وكان يومها فيكو بروفسوراً في جامعة نابولي . وجاء بعد نشر فيكو لرائعته في فلسفة التاريخ المعنونة إصول العلم الحديث بسنتين فقط .

2 – كتابه عصر لويس الرابع عشر ، والذي نشره في العام 1733 (13) .

3 – مقالته المعنونة الأعراف والتقاليد وروح الأمم ، والتي صدرت عام 1756 .

4 – عصر لويس الخامس عشر (1746 – 1752) .

   وعلى هذا الأساس من النهج الجديد الذي إنتخبه فولتير في الكتابة التاريخية ، صدرت بحقه تقويمات أكاديمية أعلت من مقامه . ولعل من الأمثلة على ذلك ، ما قاله بعض الأكاديميين ، الذين رأوا ” إن فولتير كتب تاريخاً جيداً ، ومحص في الحقائق ، وكان ذو عناية عالية في البحث عن الإدلة التاريخية ، كما إن جُل عنايته النظر إلى الحضارة (أو المدنية) بمنظار كُلي ووحدة شاملة ” (14) .   

هذه منتخبات من كتابنا الجديد الذي سيحمل عنوان فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات . صحيح إن المنتخبات السابقة غطت مرحلة تاريخية مهمة (وهي المرحلة الأولى) من تطور مضمار فلسفة التاريخ . إلا إننا نحسب إن المرحلة الثانية ( والتي قدمنا منها إنمودجين : هردر الألماني وفولتير الفرنسي) في غاية الأهمية والتي حملت عنوان فلسفة التاريخ وعصر الأنوار ، والتي شملت :

1 – فلسفة التاريخ عند الفرنسي فولتير  

2 – التاريخ والفيلسوف المعلم كانط

3 – فلسفة التاريخ والفيلسوف التلميذ هاردر

4 – فلسفة التاريخ : الفيلسوف فيخته إنموذجاً

5 – الفيلسوف هيجل وجهوده في فلسفة التاريخ

6 – الفيلسوف ماركس والمفهوم المادي للتاريخ

  أما المرحلة الثالثة من تطور فلسفة التاريخ ، فقد أطلقنا عليها فلسفة التاريخ في القرن العشرين ، والتي ستشمل مدارس جيولوجية – بيولوجية ، ووضعية ، ووجودية …

—————————————————

الهوامش :

1 – أنظر :

Micheal Forster. Johann Gottfried von Herder, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2007 (On Line)

2 – أنظر :

Johann Gottfried von Herder, Reflections on the Philosophy of the History of Mankind, Abridged and with an Introduction By Frank E. Manuel, The University of Chicago Press, 1968

3 – أنظر :

Ibid, pp. 3 – 78

4 – أنظر :

Ibid, pp. 79 – 118

5 – أنظر :

Ibid, pp. 119 – 164

6 – أنظر :

Ibid, pp. 165 – 219

7 – أنظر :

Ibid, pp. 220 – 268

8 – أنظر :

Ibid, pp. 269 – 311

9 – أنظر :

Ibid, pp. 312 – 356

10 – أنظر :

Ibid, pp. 257 – 398

11 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فولتير من زاوية عراقية وتداعيات المشهد الثقافي المصاحب للإحتلال / موقع الفيلسوف / 12 إكتوبر 2011

12 – أنظر :

Voltarie, The Philosophy of History (1765), The Philosophical Library, New York, 1965

13 – أنظر :

A – Peter Gay, Carl Beckers Heavenly City, In Political Science Quarterly 1957, No. 72, pp. 182 – 199

B – J. B. Shank. Voltaire, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2009  (On Line) .

14 – أنظر :

J. B. Shank, Op. Cit,

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

 (2)                                  

سيرة مالك بن نبي من زاوية ثقافية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    لعبت السنوات الاولى من حياة مالك دوراً مؤثراً في تكوين شخصيته وخصوصاً العائلة ومن ثم برامج التعليم التي أنخرط فيها يومذاك . فقد كان قدر مالك ان تكون مؤسسات التعليم ذات طبيعة مزدوجة ، فمن ناحية كان مالك تلميذاً مواظباً في الكتاتيب ، وهي شكل من اشكال التعليم التقليدي . ومن ناحية اخرى كان منخرطاً في مؤسسات التعليم الحديثة .

   خلق هذا الوضع أزدواجية في حياة الطفل مالك بين طرفين ؛ التقليد والعصر ، وان هذه الازدواجية ستترك اثارها على تفكيره ومن ثم على خطابه الثقافي المعرفي . فقد أجبر مالك على وضع نصف من ذاته هناك حيث التراث ، ووضع نصفه الثاني في مؤسسات التعليم الفرنسية ، حيث الغرب بكل ثقافته الحديثة . انها بالتاكيد ثقافة الاغراء والجذب ، فكان الحاصل من ذلك أنحياز الطفل مالك رغم التهديد والعقاب نحو التعليم الفرنسي ومن ثم توقفه من المواظبة على التعليم في الكتاتيب .

    إلا ان هذه الازدواجية في التعليم لم يتوقف فعلها عند هذا الانتصار لمؤسست التعليم الحديثة والثقافة الغربية . بل ان فعل هذه الإزدواجية ظل قائما ، وعمل بقوة مؤثرة في التكوين الثقافي المعرفي للفتى مالك . والشاهد على ذلك تجاور الثقافتين في شخصيته : ثقافة العرب وثقافة الغرب . فمثلا كان مالك يتشرب الثقافة العربية وينهل منها كلما توافر لديه منشور في مكتبة او مقالا في صحيفة . وفي الوقت ذاته كان جاداً في إمتصاص الثقافة الغربية بكل تفاصيلها . أنه خيار مالكي لم يتعطل فعله لحظة . فمثلا وفرت المدرسة الفرنسية لمالك العديد من المصادر التي أعانته على إكمال ما تحتاج إليه الذات .

    واذا كان فعل الكتاب والمنشور الثقافي بهذا الحجم من الأثر على شخصية مالك ، فإن الوسط الإجتماعي الذي عاش فيه قدم له نماذجاً من الشخصيات التي كان لها حضوراً مؤثراً في تكوين شخصية مالك . وفعلاً نلحظ إن الفتى مالك قد تأثر بشخصية العراقي يونس بحري وبشخصية إبن باديس . وبذلك يمكن القول إن مصادر تكوين الذات الثقافية لدى مالك لم تكن هي المؤسسات التعليمية وبرامجها فقط ، وإنما الوسط الإجتماعي وما حفل به من نماذج من الشخصيات وما صدر منها من أفعال وتصرفات . وهذه الشخصيات هي من النوع الذي لم تُغادر مكانها وزمانها إلا وتترك في الجيل الناشئ أثاراً قوية من الصعوبة محوها .

   وعلى هذا الاساس فان هذا الفصل يسعى الى تقديم اجابة على الاسئلة الاتية :

أولا – ماذا قدمت السنوات الأولى من حياة الطفل مالك ، وبالتحديد ماذا قدمت على صعيد تكوين الذات الثقافية  ، من خبرات كان لها الأثر في تشكيل الملامح العامة لدربه الثقافي ونهجه المعرفي ؟

ثانيا – ما طبيعة الاتجاهات الثقافية السائدة في مدينة تبسة ؟ وما الدور الذي لعبته في تكوين الذات الثقافية لدى مالك ؟

ثالثا – ما نوع المصادر المعرفية العربية التي قرأها مالك . وما هي الأثار التي تركتها في خطابه الثقافي المعرفي ؟

رابعا – ما طبيعة المصادر المعرفية الغربية التي إطلع عليها مالك و تشرب افكارها ؟ وما حجم الأثار التي تركتها في عمارته الثقافية المعرفية ؟

خامسا – ما هي النماذج التي قدمتها بيئة مالك الإجتماعية والتي تركت أثارها في شخصيته ومن ثم في خطابه الثقافي المعرفي ؟

1 – السنوات الاولى وازدواجية مؤسسات التعليم :

    في البدء نتسائل : ما هي المؤشرات الثقافية المهمة في السنوات الأولى من نمو مالك الثقافي  المعرفي ؟ سؤال نحسب إنه مشروع ، نثيره في بداية سعينا لصياغة الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . وذلك لأن السنوات الأولى من حياة الإنسان حسب إفادات علماء النفس هي الركيزة الأساس لتكوين الشخصية . وان مايأتي بعد ذلك ، وبالتحديد من خلال برامج التعليم ، وما تقدمه الثقافات و اللياقات في فترات لاحقة ، ما هي إلا مثابرات تسعى الى تجميل الشخصية الإنسانية . في حين إن اللب قد تشكل إطاره الأساس في تلك السنوات الاولى .

   إستناداً الى ذلك يمكن القول إن السنوات الأولى من حياة مفكرنا مالك جداً مهمة ، فهي تعيننا على معرفة ما حدث فيها ، ومن ثم تيسر مهمتنا الساعية الى فهم شخصيته ومعرفة المحركات في خطابه الثقافي المعرفي . ولذلك نحسب إنه من المفيد أن نبدأ خطوتنا الأولى بقراءة بطاقته الشخصية ، فهي المفتاح لعالم المفكر مالك بن نبي . كما ولأن في هذه البطاقة من الدلالات والمؤشرات النافعة في مضمار البحث والدراسة . ولعل المدخل الى عالم مالك هو السؤال الاتي :

    ماذا نقرأ في بطاقة مالك الشخصية  ؟ نقرأ المعلومات التالية : هو ” مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي ” المولود في ” تبسة ” وهي من اعمال مدينة ” قسنطينة ” بالجزائر عام 1905 م  وينتمي الى عائلة فقيرة الحال (1) . ولم يترك قلم مالك هذه الحادثة دون تعليق ثقافي عليها ، فقد وجدناه يعتقد إن ولادته كانت في مرحلة الإنتقال والتحول ، وهي في الوقت ذاته مرحلة الإتصال بالماضي وذلك من خلال ” من بقي حياً من شهوده ” ، كما وإنها لحظة إستشراف المستقبل والإمساك بخيوطه في ساحة الراهن التي تصطرع في بنيتها قيم الماضي وتطلعات وامنيات المستقبل وذلك ” عبر الأوائل من رواده ” (2) .

     والحقيقة إن فقر العائلة لم يقف عائقاً إمام إهتمامها بالعلم والثقافة . فقد كان والد مالك متعلماً ، وإن كان تعليمه محدوداً فقد أهله للحصول على وظيفة في الإدارة الحكومية . مما كان لذلك من الأثر في توجيه إهتمام العائلة بتعليم  الطفل مالك . وكانت العائلة تسعى إلى توفير كل الفرص لتعليمه وحتى الى درجة الاقدام على بيع ” سرير نوم الوالدة ” . وعن هذا المؤشر التربوي المهم في حياة عائلته ، يتذكر مالك ذلك ويسجله في مذكراته فيقول ” ولا أزال أذكر كيف : انها اضطرت ( ام مالك) ذات يوم لكي تدفع لمعلم القرأن الذي يتولى تدريسي ، بدل المال سريرها الخاص ” ( 3 ) .

    والمهم لدينا في هذه الإفادات المالكية هو الوجه الأخر منها ، فقد كشفت عن طبيعة الدروس الأولى التي تلقاها مالك ، وهي دروس القرأن والتي سيكون لها أثاراً قوية في البنية الفكرية المالكية على وجه الخصوص ، ومن ثم ستظهر لها أثاراً واضحة في الطوابق المتنوعة من الخطاب الثقافي المعرفي المالكي  على وجه العموم .

     ومن المؤشرات المهمة التي تركتها العائلة وظهرت أثارها في بنية الخطاب الثقافي المالكي ، هي الأثار التي تركتها حكايات جدة مالك ، وهي بالتأكيد حكايات عمل فيها الخيال دوراً قوياً . ونحسب إن هذه الحكايات كان لها دوراً كبيراً في تشكيل الافق الثقافي المعرفي المالكي . حقيقة إن دائرة تفكير مالك لم تنس تلك الحكايات ، بل ظل مالك يذكرها بقوة ، مما يؤكد مقدار سلطتها على تفكيره ، حيث تحولت الى مصدر معرفي أسهم في توسيع ذهنيته ومن ثم تنمية تفكيره . وعن هذا المصدر الثقافي ، راجع مالك ذاكرته قائلا ” أخذت أدرك الى أي حد كنت مدينا لتلك الجدة العجوز ” ( 4) .

    ومن الحقائق المهمة التي تروي لنا ما حدث في السنوات الأولى من حياة الطفل مالك ، الحقيقة القائلة إن الطفل مالك قد عانى الكثير من أزدواجية التعليم ، وبسبب ذلك فإنه لم يتمكن من تحقيق النجاح المطلوب في إكتساب العلم في شكليه المختلفين : تعليم علوم الذات وإكتساب العلوم الحديثة المجلوبة من دائرة الحضارة الغربية . كما إن العلوم الحديثة تفتح أبواب الارتزاق الواسعة ، وتؤدي الى الصعود الى طوابق متنوعة من التعليم العالي . هذه الإختيارات كانت أمام أنظار مالك وكان عليه أن يختار واحداً من شكلي التعليم ، وفعلاً فإن الإختيار من قبل طفل طموح مثل مالك سيكون صوب طريق تعليم العلوم الحديثة . ومالك قد تذكر كل ذلك وبين مواقفه من الثقافتين وتقنيات كل منهما ، والنزعة التربوية والمعلمين وطرائق التدريس لكل منهما . فأفاد قائلا ” لقد أرسسلوني الى المدرسة الفرنسية . إلا إنني في الوقت نفسه ثابرت على التردد على مدرستي القديمة لتعلم القرأن . فكنت أقصدها كل يوم في الصباح الباكر لأكون فيما بعد عند الثامنة صباحاً في المدرسة الفرنسية وكنت أجد في ذلك صعوبة كبيرة ، أضف الى هذا إن الفارق الذي كنت أحس به بين المدرستين والمعلمين كان يجعلني لا أطيق هذا الوضع ، فبدأت أتغيب عن مدرسة القرأن  … مما كان يعرضني لعقاب متواصل من أبي ومن معلم القرأن . وهذا زادني كرهاً بمدرسة القرأن ” (5) .

    تركت مؤسسات التعليم الحديثة أثراً قوياً في ذاكرة مالك ، وذلك من خلال ما توفره من مناخات علمية حقيقية ، وخصوصاً في جانب العلاقة بين المعلمين والمتعلمين . وكذلك فقد لعبت شخصية المعلم دوراً فاعلاً في تحبيب مالك للمؤسسة التعليمية الحديثة وتفضيلها على الشكل التقليدي . إن ذاكرة مالك تتذكر بقوة شخصية ” مدام بيل ” وهي معلمته في المدرسة الفرنسية . فقد تركت هذه المعلمة أثاراً لم تتمكن الايام من محوها .

   لقد كان مالك صادقاً كل الصدق في تعليل العلاقة بينه وبين مدام بيل ، فذهب معللاً بالإعتماد على مدرسة التحليل النفسي . ويبدو إن هذه العلاقة قد حفرت في شخصيته أخاديداً عميقة . ونلحظ إن مالك عندما راجع سيرته ورغب تسجيلها ، كانت تلك العلاقة بين الطفل ومعلمته حاضرة . إن كل ذلك جاء في الإفادات الآتية ” الذي بقي في ذاكرتي هو الحب الصاعق الذي جذبني بقوة نحو مدام بيل ، ففي صباح أحد الأيام إستيقظت وأنا أستشعر حباً جنونيا نحو معلمتي الجديدة كما لو كانت أمي بالذات . ولعل من السهل تفسير هذه الحادثة إذا ما لجأنا الى نظريات فرويد . والغريب ان هذه السيدة قد إستجابت لنزوة قلبي الصغير ” (6) .

   يبدو للقارئ إن الإزدواجية في التعليم قد توقفت وذلك من خلال إنتصار مالك للعلوم الغربية وإنخراطه في المدرسة الفرنسية وقطع علاقته بالتعليم التقليدي ( الكتاتيب ) . إلا إننا نرى إن هذه الإزدواجية لم تتوقف لحظة وذلك لأن سنوات التعليم الأولى لها من الآثر على تكوين شخصية الإنسان ومالك خصوصاً . وإذا مالك قطع فعلاً علاقته بالتعليم التقليدي ( التراثي ) ، فإنه ظل ينهل من الثقافة التراثية ، وبالتحديد من خلال المصادر التي تتوافر له . ولذلك كانت الثقافة التراثية تشكل ركناً مهماً من أركان ذهنية الطالب مالك يومذاك .

2 – تبسة وازدواجية تكوين الذات الثقافية :

      يستهل هذا المبحث مضماره في سؤال وهو : ما طبيعة الاتجاهات الثقافية السائدة في مدينة تبسة ؟ وما الدور الذي لعبته في تكوين الذات الثقافية لدى مالك ؟ كانت مدينة تبسة رمزا ثقافيا بعيون الطفل مالك ، وهذا هو الحال في عيون اطفال كل المدن مهما تواضعت في مساهمتها المعرفية . فقد شهدت مدينة تبسة صراعا بين تيارات ثقافية عدة ، كان لها الاثر في تشكيل ذهنية مالك و ثقافته . وهذه التيارات لا تخرج في حقيقتها عن صورة نمطين ثقافيين :

      الاول – يمثل الماضي ( التراث = الذات )

     الثاني – ينتمي الى ثقافة العصر ( الغرب = الاخر )

 والواقع ان ذاكرة مالك كشفت بصورة واضحة عن اثر هذين التيارين في تكوين ذهنيته ، ولهذا جاء خطابه عبارة عن اعلان ثقافي فيه بيان عن مكونات ومصادر ثقافته ومعرفياته ” كانت تبسة عبارة عن مركز ثقافي تلتفي فيه عناصر الماضي بطلائع المستقبل ، وبالطبع فان مداركي كانت تنمو متاثرة بهذين التيارين ” ( 7) .

   ويبدو ان البذور الاولى لمواقف مالك من عموم القضايا الفكرية والاجتماعية قد نبتت في تبسة ، ومن ثم تم رعايتها وتنميتها لاحقا . فمثلا مواقف مالك من الطرق الصوفية تشكلت في مرحلة متقدمة من طفولته وهي المرحلة ذاتها التي اتصل مالك بهذه الطرق . وكان السبيل الى معرفته بها هو جده وهو الصديق الحميم يومذاك لمالك . كان الجد واحدا من اركان طريقة ” الزاوية العيسوية ” ، وان ذاكرة مالك حملت تفاصيلا دقيقة عن الصوفية فكرا وطقسا ، فلكلورا وكرامات ومن ثم رموزا دالة  ” تعرفت على جدي الذي اصبح صديقا لي بسرعة .. ( وكان ) .. يقودني احيانا الى الزاوية العيسوية التي كان احد اركانها . وكانت تحيي كل سبت حلقة من الذكر تعرض فيها الكرامات المدهشة والعجائب ” (8) . 

    ولبيان دور ازدواجية المصادر المعرفية التي اسهمت في تكوين شخصية مالك الثقافية . نسعى هنا الى كشف الاثار التي تركتها شخصيتين ثقافيتين في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي : احداهما تنتمي الى التراث والاخرى ترتبط بثقافة العصر . فقد لعبت شخصية الشيخ عبد المجيد ، الاستاذ في المدرسة التي حصل منها مالك على منحة ليكون ” عدلا في الشرع الاسلامي ” لعبت دورا في تشكيل بعض المواقف الثقافية . وفي الوقت ذاته لعبت شخصية  اخرى تنتمي الى الثقافة الغربية دورا مختلفا وهي شخصية ” مسيو مارتان ” . كون كل من هاتين الشخصيتين في عقل مالك خطين ثقافيين مختلفين سيحددان فيما بعد مجمل ميوله الفكرية (9) .

   ولعل اهمية الدروس التي كان يلقيها الشيخ عبد المجيد تتأتى من انها غذت الجانب التراثي من شخصية مالك . وكذاك تمثلت في اذكاء روح الكره والعداء للطرق الصوفية في نهجه الفكري . ولهذا استبعد مالك الطرق الصوفية ان تكون حركة اصلاح . وعن هذا الموقف افاد شارحا فعل الشيخ عبد المجيد الثقافي ، فقد ” كان يعطي دروسه في النحو كل صباح في الساعة السابعة في المسجد … وسرعان ما ادركنا عداءه لبعض التقاليد السائدة في المجتمع الاسلامي كالطرق الصوفية وكراهيته لتجاوزات الادارة الفرنسية ” (10)

   اما أثر مسيو مارتن على توجهات مالك الثقافية ، فقد حدده مالك في نوعين من الاثار :

الاول –  عمل مسيو مارتان على تنمية الثروة اللغوية للتلاميذ ، ومن بينهم مالك . فقد حملهم على تذوق فن الكتابة ، وذلك من خلال قيامه بقراءة ” القطع الجيدة التي كتبها من هم اكبر … والذين قضوا في مدرسته اكثر من سنة ” (11) .

الثاني – عمل مسيو مارتان على تنمية عادات طيبة في القراءة . فقد كان يحرص على تعويد الطلاب على وضع برنامج للقراءة في العطل الاسبوعية ، وكان هدفه من ذلك اثراء ثقافة الطالب . كما ان من فضائل هذا الاستاذ انه كان في ” مساء كل سبت … يُعير الكتب للتلاميذ ” . هذه العاذة تركت اثرها في خطاب مالك الثقافي المعرفي وذلك من خلال ما وفرته له من فرص لقراءة ” كل كتب جول فيرن  …. و … روايات الرداء والسيف ” (12) .

ومن الرموز التي اثرت في خطاب مالك وربطته بروح العصر وكان لها حضور دائم هي شخصية عمه ، فقد تعلم منه اشياء لم تقدمها المدرسة او الكتب والمناهج الدراسية . فقد تعلم منه الاقدام على عيش الحياة بتفاصيلها ، واكتسب منه كيفية التذوق الجمالي وحب الموسيقى . ان كل ذلك سيظهر اثره في الخطاب الثقافي المالكي وخصوصا فعل التربية الجمالية وتذوق الفن . وعن ذلك يقول مالك ” مع عمي تعلمت اشياء اخرى فقد كان رجلا مُحبا للحياة وتدربت معه على العزف على الة موسيقية ” (13) .

   ولعب الاساتذة العرب دورا حيويا في تحصين تفكير مالك وزملائه ، مما ساعدهم على عدم الانزلاق في درب التقليد لثقافة الغرب .  تمثل هذا الدور الشيخ  مولود بن موهوب الذي سعت دروسه الى تنمية الجوانب الروحية لدى التلاميذ وتوجيه انظارهم الى الامجاد دون نسيان الكوارث والمأسي .  ان مالكا استوضح هذا الدور التربوي للاساتذة العرب في العبارات الاتية : ” استطاعت الدروس ذاتها خاصة مع اساتذتنا العرب ان تنمي فينا الروح وتغذيها الاهتمام بالشرق امجاده ومأسيه ، وكنا نجد شيئا ما أكثر لدى الشيخ مولود بن موهوب ” (14) .

  وفعلا فقد جذبت دروس الشيخ مولود عقل مالك وزملائه ، ووجهت افكارهم نحو الخط الفكري للحركة الاصلاحية .الا ان من الملاحظ على مسيرة التلاميذ الفكرية ، ومالك الاظهر بينهم ، لم تصل الى النهاية التي رسمها الشيخ وذلك لان هناك  أشياء خفية في روح التلاميذ عجز الشيخ عن إدراكها . وهذه الاشياء الخفية تمثلت في عوامل اخرى كان لها دورها في تكوين شخصية الفتيان . ان افادات مالك وصفت فعل الشيخ وما كان يفتعل في نفوس مالك وزملائه ، فذهبت مبينة الى ان ” الشيخ ( مولود بن موهوب ) جذب افكارنا وعقولنا الى خط تلك الحركة التقليدية القديمة ، ولكنها وجدت في ارواحنا عناصر جديدة اضيفت الى بنائها ” (15) .

   واذا كان هذا هو حاصل فعل الاساتذة العرب على الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ، فماذا كانت النتيجة الفكرية والحصيلة المنهجية التي وفرها الاساتذة الفرنسيون لثقافة مالك ومنهجه الثقافي المعرفي ؟ تمثلت النتيجة الاولى في إستبطان المكون الثقافي المالكي منهجية مرجحة لديكارت واطروحته المعرفية . فمن الملاحظ على عمل هؤلاء الاساتذة انهم نشروا بين التلاميذ ثقافة ذات “محتوى ديكارتي” ، كان من أثارها حسب الافادات المالكية أفعال تبديد ” الضباب الذي نمت فيه العقلية الميثولوجية التي تتعاطف مع الخرافات النامية في الجزائر ” (16) .

   انها افادة مالكية في غاية الاهمية فقد صورت لنا حالة التعارض بين ثقافتين ونهجين : ثقافة الغرب المتمثلة بالنهج والفلسفة الديكارتية والثقافة الشرقية ومن خلالها ثقافة اسطورية متداولة في الشارع الجزائري . ومن المعروف ان منهج ديكارت يتكأ على الشك بداية وسعيا من ثم للوصول الى اليقين الذي ينهض عليه مجمل البناء المعرفي والثقافي (17) . في المقابل ان النهج الاسطوري الخرافي يعتمد المعجزة ودور العصا السحرية وفعل الاقدار .

    كما وان من نتائج ما عمله الاساتذة الفرنسيون هو غرس بذور المنهج العلمي في دائرة تفكير التلاميذ هذا من طرف وإضعاف النهج الخرافي من طرف أخر . ان ذاكرة مالك لم تنسى مثابرتهم التي كان لها دورا في تحريك تفكير مالك نحو الاهتمام بعلم النفس ومنهج التحليل الذي تعتمده العلوم النفسية . ولتغذية هذا الاهتمام نلحظ ان التلميذ مالك سعى الى البحث عن مصادر معرفية تحقق له هذا الهدف ، وفعلا وجد ما يلبي حاجته المعرفية خصوصا في قصة ” التلميذ لبيار بورجي ” ، فقد تركت قراءة هذه القصة فعلها المعرفي المؤثر على عقل الفتى مالك  والذي تمثل في تحرير عقله من ” اوهامه وسذاجته ” وفتحت امام انظاره خبايا وحقائق ” عالم النفس ” (18) .

   لقد كان الحاصل من هذه القراءات وتوجهات الاساتذة الفرنسيون ، ان اندفع مالك بقوة نحو الثقافة الغربية ، وكاد ان يغرق في محيطها المعرفي الثقافي ، ومن ثم يتماهى في اطروحاتها الفكرية والى حد طمس هويته الجزائرية . الا ان لحظة الغرق الثقافي لم تكتمل ، وان فعل التماهي لم يتم وذلك بفضل دروس الشيخ  مولود بن موهوب . فقد كانت كما يفيد مالك ، فرصة تذكير قوية بعودة روح مالك ” الى الطريق الصحيح ” (19) .

3 – حضور المصادر الثقافية المعرفية العربية :

  ركز هذا المبحث على سؤاليىن مهمين وهما : ما نوع المصادر العربية التي قرأها مالك ؟ وما هي الاثار التي تركتها في بنية الخطاب الثقافي المالكي ؟ كونت مجموعة من المصادر الثقافية العربية ، التي عثر عليها مالك في مكتبة النجاح ، ينابيع اساسية في تشكيل اتجاهه الثقافي المعرفي . ولعل من اهم هذه المصادر كتابين : الاول ” كتاب الافلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق لاحمد رضا ” . والثاني ” رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ، وقد تولى الشيخ مصطفى عبد الرازق ومستشرق فرنسي ترجمته للفرنسية ” (20) .

  لقد ترك كتاب احمد رضا اثارا عميقة في شخصية مالك الفكرية ، اذ حفزه على انجاز تحولات فكرية لصالح التراث . وكذاك كان له دور مهم في صياغة هويته الثقافية . ان كتاب الافلاس عرض حسب الافادات المالكية الكثير من الشواهد عن ” بهاء المجتمع الاسلامي في ذروة حضارته ” (21) . ولعل الحصيلة الناتجة من قراءة هذا الكتاب ، طاقة فكرية مكنت مالك من صياغة معياره المعرفي لقياس “البؤس الاجتماعي” الذي يعيشه المجتمع الاسلامي ” في العصر الحاضر ” (22) .

 كما ولعب كتاب الشيخ محمد عبده دورا فاعلا مثلما فعل كتاب احمد رضا ، وبتقدير مالك ان مقدمة رسالة التوحيد قد اكدت على ” غنى الفكر الاسلامي عبر العصور ” (23) . ومن طرف تاثير هذه القراءة على نهج مالك الثقافي المعرفي ، انها كونت ” قاعدة ” مكنته من اصدار حكم بحق واقع الفكر الاسلامي . قاعدة مالكية قررت فقر الفكر الاسلامي وحاله ” المحزن اليوم ” (24) .

   ومن المصادر المهمة والتي تركت أثارها الحاضرة في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ، هو القرأن الكريم . الا ان هذه المرة لم يكن التأثير من خلال القراءة ، وانما من خلال الصحبة والزمالة اللتان وفرتا لمالك فرص الحوار الثقافي والتبادل المعرفي . فقد لعبت مثابرة زميل له في توجيه نزعته الفكرية نحو مضمار ” تفسير القرأن ” . ان كل هذا حدث من خلال الحوار مع الزميل “محمد الساعي ” والذي استحضرت اسمه ذاكرة مالك يوم كتابة ” مذكرات شاهد العصر ” .

  مكن هذا الحوار الخطاب المالكي ، من الامساك بقائمة من الايات الكريمة التي تم استثمارها لمعالجة قضايا المجتمع الاسلامي يومذاك . فقد اشار مالك الى اثار الساعي الفريدة في نهجه في الكتابة والتفكير وبالافادة القائلة : ” كنت استمع الى طريقته في توجيهه الايات القرأنية لتتخذ تفسيرا اجتماعيا لحالة المجتمع الاسلامي الحاضرة وكان ذلك يؤثر في نفسي ” (25) .

   ومن المصادر الثقافية العربية التي قرأها مالك وتركت أثارها في مابعد على الخطاب المالكي ، المصادر التي قدمت الادب العربي والمتمثلة بديوان الشعر العربي قديمه وحديثه . ومن خلالها وقف على عبقرية الشاعر الجاهلي ، ومن ثم ادرك بفهم عال على ما حققه الشعر المتولد في الفترتين الاموية والعباسية ، وما انجزه من صعود الى الطوابق العليا من طوابق الابداع والجمال من عمارة الشعر العربي . ونحاول هنا ان نجعل من افادات مالك تقول كلمتها بحق الاثر الذي تركته على خطابه النازع الى تقويم جمالية الشعر العربي : فقد استرعى اهتمامي ” امرؤ القيس ولذ لي استماع الشنفرى ، واسترسل لي عنترة في احلام البطولات ، اما الفرزدق والاخطل وابو نؤاس فقد مارس كل منهم اغراءه في نفسي ” (26) .

      ونحسب ان قائمة اخرى من مصادر الثقافة العربية قد تداولها مالك وابناء جيله ، وكان لها اثرها على اهتماماتهم الادبية والثقافية . وهذه المصادر تمثلت في دواوين مجموعة من شعراء العرب من امثال ” حافظ ابراهيم والرصافي ” ، كما اكتشف مالك وابناء جيله ” شعراء العربية في المهجر كجبران خليل جبران وايليا ابي ماضي ” (27) .كما واثرت كتابات ” المنفلوطي ” : ” النظرات والعبرات ” على مالك وابناء جيله . وحسب الافادة المالكية ، فان هذين الكتابين تركا ” فينا الكثير من التنهيدات ” (28) .

   كما ان مالكا قرأ العديد من الصحف التي كانت تصدر بالعربية ، والتي ظل لها حضورا في ذاكرته . ان هذا الحضور يؤكد على ان هذه الصحف تركت اثرها على خطابه الثقافي المعرفي . فمثلا ان مالكا قرأ ” صحيفة الاقدام التي كان يصدرها الامير خالد ” (29) . وكان يطالع كذلك “صحيفة تونسية تكتب بالعربية هي ( العصر ) قد بدأت تصل الى تبسة لانها تخصصت بشؤون العالم الاسلامي ” (30) . وعرف المجلة التي كانت تصدرها شركة الشيخ ( ابن باديس ) المعنونة  ” الشهاب ” والتي يذكرها مالك ، فيقول : انها ” جاءت في اعقاب احتجاب ( المنقذ ) ” (31) .

   واشتغل تفكير مالك بموضوع النهضة الاسلامية ، وكان كتاب ” ام القرى ” الذي كتبه عبد الرحمن الكواكبي ، هو المصدر الثقافي الذي قرأه في هذه الفترة من حياته . وكان لاهمية هذا الموضوع ، ان أنكب التلميذ مالك مع زملائه على قراءة هذا الكتاب ” كله في ليلة ” (32) . ان هذا الكتاب احدث صدمة قوية في وعي مالك ، ووضعته امام حقيقة جديدة وهي ان الاسلام اخذ بعدا مختلفا عما كان عليه ، إسلام بدأ يبعث روحه من جديد . ويصف خطابه الثقافي المعرفي هذه اللحظة فيقول ” ان هذا الكتاب ترك فينا بسبب خصائصه الخيالية تاثيرا عجيبا … فقد عرفني باسلام بدأ ينظم صفوفه ليدافع عن نفسه ويقوم بحركة بعث جديد . انه كتاب خيالي لكنه معبر يحمل شعورا بدأ يعقل في العالم الاسلامي على الاقل في بعض الانفس كالكواكبي ” (33) .

  واخيرا فان مالك قرا اثناء وجوده في المدرسة الفرنسية كتابين مهمين من مصادر المعرفة العربية وهما ” مقدمة ابن خلدون ” و ” مروج المسعودي ” . غير ان القراءة لم تكن هذه المرة باللغة العربية وانما كانت باللغة الفرنسية  . فقد عثر مالك في مكتبة المدرسة على ” كتاب ابن خلدون في ترجمة فرنسية قام بها ( سلفسترساي ) ومروج الذهب للمسعودي ” في ترجمة  ضاع اسم صاحبها من ذاكرة مالك لحظة تدوين كتابه ” مذكرات شاهد العصر ” (34) .

 لقد تركت هذه القراءة اثارا واضحة ، وولدت نتائجا في غاية الاهمية على الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . ويتذكرمالك هذه المصادر وفعلها المؤثر ، فيشير الى اثرها مقيما : أنها ” كانت كبيرة للغاية ” (35) . وكان مالك مسكونا بروح التنقل والترحال ، ولذلك اندفع يقرأ كتب الاسفار والرحلات التي ألفها ابن بطوطة والمسعودي (36) . فكان الحاصل من هذه القراءة ، ان حركت في نفس مالك حب المغامرة والسفر .

  والخلاصة ان مصادر الثقافة العربية كانت حاضرة بحدود ما امام انظار مالك . وكان لها من الاثر في توجيه تفكيره وتمكين مالك من صياغة المعادل الفكري الذي يضبط التوازن داخل خطابه الثقافي المعرفي ، التوازن بين ثقافة الذات ( التراث ) وثقافة الغرب ( الاخر ) .

4 – حضور المصادر الثقافية المعرفية الغربية :

  يسعى هذا المبحث الى وضع اجابة عن السؤالين الاتيين : ما طبيعة المصادر الثقافية المعرفية الغربية التي اطلع عليها مالك وتشرب منها افكاره التي صاغ على اساسها خطابه الثقافي المعرفي ؟ وماحجم الاثار التي تركتها في عمارة مالك الثقافية ؟ أولا لابد من القول ان الفكر الديكارتي ومنهجيته كانا حاضرين في تفكير التلميذ مالك وزملائه وذلك من خلال الثقافات التي كان يقوم بترويجها الاساتذة الفرنسيون وخصوصا ” مسيو مارتان ” الذي سبق الاشارة اليه .

  لقد قرأ مالك العديد من المصادر الغربية وفي حقول معرفية متنوعة ، فكان لها من الاثر في صياغة مركبه الثقافي وكان لها حضورا في ذاكرة مالك . و من هذه المصادر رائعة لامارتين “البحيرة” التي وصف ما تركته من اثار في تكوين اتجاهه الثقافي ، بقوله : ” جعلتنا نتعرف الى لون جديد من الادب الفرنسي تولى ترجمته اساتذة الادب العربي المعاصرين . كان المنفلوطي سيد هذه المدرسة في ذلك الحين ” (37) .

   أتصل مالك بالثقافة الغربية من خلال قنوات متنوعة يسرت له الحوار الفكري وتبادل الخبرات المعرفية ، مما كان الحاصل من ذلك انتقال مالك الى ساحة ثقافة وعقائد الأخر . والحقيقة ان هذا الانتقال مثمر فيه ما ينشط الحوار واكتشاف الحقيقة ( او الباطل ) بعيون هي ليست عيون الذات التي غالبا ما تكون منحازة لاسباب كثيرة . الا انه في هذا الانتقال خطورة اذا لم يواكبه على صعيد الذات المحاورة لثقافة الغرب ، فعل استيعاب لمجمل فكرانية الامة وتراثها ، فان حركة تنقلها في ساحة الاخر غير مأمونة ومحفوفة بالمخاطر. حصيلتها الانزلاق في دروب الفكرانية والثقافة المقابلة .

   ان الشاهد المالكي يبين لنا بان مالكا انتقل الى ساحة البعثات التبشيرية الانجيلية ، فقد كان يتردد مع الزملاء بهدف اجراء المناقشات حول ما يسميه ” بعض الموضوعات ” . ان مالك يستعيد ذكرى هذه المناقشات ومن ثم يبين اثرها في خطابه الثقافي : فهو يخبرنا بانه تعرف في الارساليات و” لاول مرة على الانجيل . كان النقاش يدور حول ألوهية السيد المسيح . وكان يشاركني فيه طالب علم في الشريعة قديم حفظ القرأن كله في زاوية ( بن سعيد ) ثم اعتنق فيما بعد البروتستانية على يد أمرأة انكليزية يدعوها اهالي تبسة ( السيدة بينا ) . وهناك ايضا تعرفت الى بعض تلامذة الشيخ ( ابن باديس ) الذين جاؤا ايضا ليدافعوا عن الاسلام ” (38) .

    ويلاحظ القارئ ان مالكا في هذه المرحلة من نموه الثقافي والمعرفي ، كان يتمتع بتفكير منفتح على الاخر ، وفيه قابلية للحوار وتبادل الافكار ، وخصوصا حول العقائد والثقافات الانسانية . ولعل هذا الحال الفكري تكون بتأثير ما كان يحيط به من ثقافات غربية . ان مالكا ذهب واصفا هذا الحال الثقافي ، بأنه مرحلة قادته للشعور” بروابط قوية تشده الى تلك الفئة من الطلبة ، والتي تجعل من تفكيره وتفكير هؤلاء في اتجاه واحد ” (39) .

     ومن الطبيعي في ظل هذه المرحلة العمرية ، وفي أجواء هذه الظروف الدراسية ، وبرنامج التعليم ذو الثقافة المزدوجة ، ان عاش مالك مرحلة قلق فكري وعدم استقرارعلى نمط ثقافي معين . ولذلك شهدت هذه المرحلة حركة تحول وانقلاب من نمط ثقافي ينتمي الى الاخر ( الغرب ) الى نمط ثقافي مترشح من الذات  ( التراث العربي ) .  وقد تذكر مالك هذه الحال وما صاحبها من قلق ثقافي ومعرفي . والامثلة كثيرة غير اننا انتخبنا مثالا يعكس حالة القلق والتحول ، يقول مالك : ” كان اسم الشيخ ( اي ابن باديس ) قد بدأ يتردد في المدينة ، وتعرفي على بعض تلامذته جعلني ادرك اننا ننتمي الى عائلة فكرية واحدة ستسمى فيما بعد في الجزائر ( حركة الاصلاح ) (40) .

    لعبت الصحف التي قرأها مالك دورا متميزا في ضبط معادل الموازنة بين ثقافة الذات وثقافة الاخر . وهنا نود العودة الى افادات مالك ، نتعرف من خلالها على حقيقة الصحف التي قرأها ، وبالتحديد الصحف التي تروج لثقافة الغرب . قرأ مالك في هذه المرحلة ، صحيفة ( الراية ) التي كان يصدرها ( دندان ) والتي كان يتلقاها والد مالك (41) . وهكذا توفرت فرصة لمالك ليقرأ هذه الصحيفة ويتزود منها بمادة معرفية ، سيكون لها اثرمحسوب في الوزن المعرفي لثقافة الاخر داخل مكونات الخطاب المالكي .

  اضافة الى الصحف التي قرأها مالك ، فان مصادر ثقافية غربية اخرى لعبت دورا مؤثرا في بنية الخطاب الثقافي المالكي . فعلا ان كتاب ” في ظلال الاسلام الدافئة ” الذي كتبته ايزابيل ايرهارت ، كان نقطة تحول في توجهات مالك الفكرانية نحو ثقافة الذات ، بعد شهادة غربية جاءت لصالح الاسلام . وعن اثر هذه الشهادة الغربية ، يفيد مالك قائلا : ” لقد قرأت مرارا كتاب تلك المرأة المغامرة ( ايزابيل ايرهارت ) …. كنت أبكي أنا اقرأ ذلك الكتاب المسمى (في ظلال الاسلام الدافئة) والذي عرفت فيه شاعرية الاسلام وحنين الصحراء ” (42) .

   ان هذه الافادة التقويمية لكتاب في ظلال الاسلام الدافئة ، لها دلالاتها في فهم المسارات التي تكونت فيها ثقافة مالك . فالرجل لم يتعرف على الاسلام من خلال مصادر الذات . كما وان دروسه في القرأن لم تمكنه من التعرف على حقيقة الاسلام . وان دروس الشيخ عبد المجيد في مدرسة المنحة الفرنسية لم تضع الفرصة بيده . وكذلك فان الشيخ (مولود بن موهوب ) لم تكن كافية في هذا المضمار . وان الذي نجح في تنمية معرفته بحقيقة الاسلام ، هو كتاب من خارج دائرة الذات ، هو كتاب في ظلال الاسلام الدافئة . انها قضية تدعو الى النظر والدرس والتأمل ، وتتطلب بحثا مستقلا ، يهدف انجاز دراسة مقارنة بين ما تتناوله مصادر الذات التي تتحدث عن الاسلام ، وبالتحديد اختيار عينة من مصادر الذات ، وبين ما قدمه كتاب في ظلال الاسلام الدافئة .

   والحق ان مالك ادرك اهمية الدراسات المقارنة التي تقابل المناهج والابحاث المكتوبة في موضوع واحد من زاويتين ثقافتين مختلفتين ، وذلك لما له من اهمية في الكشف عن جوانب جديدة لم تتمكن الدراسة الواحدة المكتوبة من زاوية ثقافة احادية من انجازه . ان مالك قدم لنا درسا تعليميا في الدراسات المقارنة .  فمثلا ان كتاب في ظلال الاسلام بمنظور مالك ، احدث صدمة مثلما احدث ذلك كتاب ام القرى للكواكبي . وعن هذه المقارنة بين الكتابين ، يفيد واصفا الصدمة ” لقد استشعرت صدمة اكملت ما تركه في نفسي كتاب (في ظلال الاسلام الدافئة ) ، وضع امامي اسلاما شاعريا ، ولكنه اسلام غير ميال يبحث عن النسيان في المخدرات ” (43) .

   ولعبت مجموعة مصادر ثقافية غربية في تكوين اتجاها فكرانيا لدى مالك ، اتجاها نلحظ فيه ميلا نحو الثقافة اليسارية ، والتي تمثلت بالشيوعية . فقد اخذ مالك يتجه الى قراءة صحيفة ” الانسانية ” وهي صحيفة شيوعية . وكانت لها مكانة في برنامجه في القراءة . وبمنظور مالك فان هذه الصحيفة ” كانت تروي اكثر ظمئي الوطني ” (44) . وكان مولعا بقراءة المقالات التي ينشرها في هذه الصحيفة ، كل من ” كاشان ” و ” فايان كوتورية ” . وعن اهمية هذه المقالات يقول مقوما اثرها : كانت ” تثير في نفسي ثورة الغضب او تصب في قلبي اطيب عزاء ” (45) . اضافة الى انه كان يقرأ صحيفة ” الكفاح الاجتماعي التي يصدرها فيكتور سيولمان ” (46) .

     وكان لبعض الرموز الثقافية في حياة مالك اثرا في توجيه قراءاته نحو دائرة الثقافة الغربية . ومن هذه الرموز ” بوبريتي ” ،الاستاذ في المدرسة الفرنسية ، والذي تميزت دروسه بكونها ذات طبيعة اغرائية . ان هذا الاستاذ ، وكذلك دروسه حفرا مكانة متميزة في ذاكرة التلميذ مالك . اضافة الى ذلك ، فقد نمى الاستاذ بوبريتي لدى طلبته ومنهم مالك حب القراءة والاطلاع على الثقافات والمعارف ، وذلك من خلال اعارة الطلبة احد اعداد مجلة ” الاخبار الادبية ” ومجلة “كونفيرانسيا “اللتان مكنتا مالك من اكتشاف الشاعر الهندي “رابندرانت طاغور ” (47) . 

   ونلحظ ان مالك يدرج اثر الشاعر طاغور كبعد ثالث ضمن ثلاثة ابعادا كونت مركبه الثقافي يومذاك . البعد الثقافي الاول هو فكر معاصر، تمثل باعمال ” رابليه ” و ” فيكتورهوجو “، وهما ركنان مهمان في الثقافة الفرنسية .والبعد الثقافي الثاني غطته الثقافة العربية ، وبالتحديد ضمت قراءات مالك للشاعرين ” امرؤ القيس ” و ” حافظ ابراهيم ” . اما البعد الثقافي الثالث ، فتمثل بثقافة شرقية حمل لواءها الشاعر ” طاغور” . ويتذكر مالك فعل طاغور الثقافي ، فيقول ” اما اكتشافي لطاغور فقد اضاف بعدا ثالثا ذاك هو الفيدا ” (48) .

  الحقيقة ان شخصية طاغور لعبت دورا مؤثرا في إعادة التوازن في المركب الثقافي المعرفي المالكي . فقد كان لاكتشاف طاغور فعل ايقاف للانجراف وراء الثقافة الغربية وما تحمله من امكانات التماهي هذا من طرف . ومن طرف اخر كان له تاثير في اعادة ترتيب ثقافة الانسان داخل اطار الثقافة الغربية .

   ومن المصادر الثقافية الغربية التي قرأها مالك ، ومن ثم تركت اثارا في دائرة تفكيره ، وطريقته في الكتابة ، كتاب وضعه ” اوجين يونغ ” بعنوان ” الاسلام بين الحوت والدب ” . فقد صعد هذا الكتاب ” حرارة التيار المعادي للاستعمار ” بين ابناء جيل مالك بن نبي (49) . كما تابع مالك ما قام به ” لينين ” من مثابرات في بناء روسيا (50) . وكذلك استوعبت دائرة تفكيره مساهمة ” ماوتسي تونغ ” (51) النازعة  الى توليد تجربة الصين الجديدة .

  لقد وضعت بعض المصادر مالكا في طريق المواجهة مع الثقافة الغربية وبالتحديد في طرف منها . ومثالا على ذلك اطروحات ” الاب زويمر” ، وخصوصا اطروحاته حول” قضية تنصير المسلمين ” (52) . والحوار السلبي بين الاسلام والمسيحية ، الذي تمثل في مشروع الكاردينال الفرنسي “لافيجاري ” والذي اصبح ناجزا بقيام ” اخوية الاباء البيض ” واختراعه الوسائل الناجعة في تنصير ” اطفال بيسكرا والقبائل ” (53) . واثناء كتابة ” مذكرات شاهد العصر ” يتذكر مالك هذا الحوار ويقيم حصيلة الناتج من المواجهات مع الاخر ، فيرى انها تركت أثارا موجعة ، خصوصا اعلانهم سئ الصيت  ” انهزام الاسلام ” (54) .

    تركت هذه المواجهة الثقافية جروحا عميقة في ذات المثقفين من جيل مالك . ولذلك توقفوا لمراجعة حال الذات الثقافية وحساب كل حجج الجبهة الثقافية الغربية ومن ثم الاستعداد لمجابهة ما تخطط له الجبهة الثقافية الغربية من افعال مدمرة على الارض الجزائرية. وعن التفكير في هذا التحدي وما يحمله من اثار فاجعة على الحياة والثقافة افاد مالك مبينا ” اتخذ تفكيرنا في ذلك الحين ومع الاب زويمر اتجاها جديدا يهدف للبحث في مرامي مستقبل ذلك الصراع ” (55) .

  ومن الرموز الفكرية التي اعانت مالك في تكوينه الفكري ، واضافت لونا جديدا الى مركبه الثقافي ، واكسبته منهجية في ادارة الحوار الفكري مع الاخر، شخصية المفكر الاسلامي ” السيد امير علي ” . ففي هذه الحقبة قرأ مالك كتابه ” روح الاسلام ” (56) . وهكذا كان تفكير مالك على اتصال مستمر بالاطروحات الجديدة في العالم الاسلامي ، خصوصا الناشدة الى احداث فعل النهضة . وكان في الوقت ذاته واقفا على نقاط القوة والضعف في اطروحة الغرب ، خصوصا فيما يتعلق بالحوار مع الاسلام .

  تميزت قراءات مالك في هذه الفترة بالتركيز على فهم بعض جوانب الاساس الفلسفي للثقافة الغربية الذي تتقوى به في معاندة الاساس الفكراني للثقافة الاسلامية . وهنا نجد من اللازم الاشارة الى ان قراءاته تركزت على دراسة ما كتبه كل من الفيلسوف الفرنسي ” كوندياك ” الذي عاش في القرن الثامن عشر.  وكذلك قراءة ما دونه الفيلسوف الامريكي ” جون ديوي ” . ولم يترك مالك هذه المناسبة دون بيان لاثر هذين الفيلسوفين في صياغة اتجاهه الثقافي . فيقول ” باختصار كان هؤلاء … يعملون على تحديد شخصيتي في ذلك العصر ” خصوصا ” كاندياك وجون ديوي ” ( 57) .

   كما وقرأ كتاب المفكر “رومان لاند ” المعنون ” الهند الفتية ” والذي يؤشر البدايات الاولى لذيوع وانتشار ” اسم غاندي في العالم ” (58) . وقرأ ” الاجزاء الضخمة الثلاثة او الاربعة من كتاب تاريخ الانسانية الاجتماعي ” .  وهنا يتذكر مالك السبيل الذي حصل فيه على هذا الكتاب ، فيذهب الى ان والده كان ” قد اضافه مؤخرا الى مكتبته الصغيرة ” (59) . ومن ثم قرأ رسائل ” مدام دو سافيني ” (60) ، وكتاب ” انسان يعيش على ماضيه ” والذي تلاشى اسم مؤلقه من ذاكرة مالك لحظة كتابة “مذكرات شاهد العصر” ، واخيرا قرأ كتاب ” السفر ضرب من الموت ” (61) . وكان الحاصل من ذلك قرار مالكي بركوب البحر وخوض مخامرة السفر .

5 – دلالات بعض النماذج في الخطاب الثقافي :

 تركت بعض الشخصيات التي تتحرك على ارض الحياة يومذاك ، اثرا حمل دلالات طبعت الخطاب الثقافي الذي كونه المفكر مالك بن نبي . وهذه الشخصيات كان مالك يلتقيها يوميا ، ويراقبها بعمق ، ويتأمل في جوانب من سماتها الشخصية . ومن ثم يستبطن في دواخل الذات تفاصيلا من طريقة  تفكيرها وسلوكها . ولهذا نسعى أكمالا لمتطلبات هذا الفصل ان نقف على الدلالات التي تركها حضور هذه الشخصيات في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي .

  والبداية سؤال ومن ثم بحث في افادات مالك عن اجابة على هذا السؤال :

ما هي النماذج التي قدمتها بيئة مالك الاجتماعية ، وتركت اثرها في شخصيته ومن خلال ذلك في خطابه الثقافي ؟ قدمت بيئته الاجتماعية شخصيات عديدة ، الا ان من اهمها ، هي شخصية المثقف العراقي ” يونس بحري ” ، وشخصية المصلح الجزائري ” ابن باديس ” . ومالك يتذكر جيدا لقائه بيونس بحري ، ويسجل في كتابه ” مذكرات شاهد العصر ” تلك اللحظات . والحقيقة ان يونس بحري كان يمتلك شخصية جذابة ، تتسم بالاغراء والتحريض على خوض تجربة الترحال والاسفار . اضافة الى ذلك فقد كان يونس مذيعا في اذاعة برلين والتي منحته انتشارا في العالم العربي . وعن الاثار التي تركها لقاءه بهذا المثقف المثير للجدل والاشكاليات ، يفيد مالك موضحا ” تعرفنا على شخصية لا تقل غرابة وقد لعبت ايضا بطريقة لا شعورية دورا مؤلفا لافكارنا واندفاعها في اتجاه معين . انه ( يونس بحري ) ” (62) .

    الحقيقة ان مالكا وضع التأثير الذي تركه يونس بحري على خطابه الثقافي المعرفي بنفس الوزن الذي تركه الفيلسوفان ” كوندياك ” و ” جون ديوي ” . ويصف مالك الأثر الذي تركه الثلاثة ، مقدما تأثير يونس بحري على الفيلسوفين : ” باختصار كان هؤلاء الاشخاص جميعا يعملون على تحديد شخصيتي في ذلك العصر ، يونس البحري … وكاندياك وجون ديوي ” (63) . وسنبحث تفاصيل هذا الاثر في فصل خصصناه لذلك  + .

     ونتسائل : ما هو الاثر الذي تركه المصلح الاسلامي الشيخ ” ابن باديس ” على تفكير مالك في هذه المرحلة من تكوينه الثقافي  ؟  حقيقة لقد لعبت شخصية المصلح الاسلامي الشيخ “ابن باديس ” دورا فاعلا في دغدغة عواطف مالك ، وذلك من خلال ما حملته شخصية الشيخ من نقاط قوة ، وافكاره وطريقته من عناصر جذب لم يتمكن مالك من مقاومتها . فقد كان مالك يراقب الشيخ اثناء مروره امام  ” مقهى بن يمينة ” . ويقارن مالك بين الشيخ ” ابن باديس ” و الشيخ ” بن موهوب ” وبعبارات دقيقة ، يفصح مالك إنحيازه لشخصية الشيخ ” ابن باديس ” مع ذكر الفضل  في السبق للشيخ ( بن موهوب ) ، فقال مقارناً : ” كان منظر الشيخ (ابن باديس ) عند مروره امام مقهى بن يمينة في طريقه الى مكتبه قد بدأ يثير اهتمامنا ، فكثير من افكارنا وارائنا تتصل بشخصيته اكثر من اتصالها بالشيخ ( بن موهوب ) الذي كان اول من زرعها في نفوسنا ” ( 64) .

  ولم يقف مالك عند حدود الترجيح لمكانة ابن باديس ، وانما قدم التفسير الذي حمله وابناء جيله الى منح شخصية ابن باديس مكانة ميزته عن سواه من الشخصيات الاخرى التي عملت في مضمار الاصلاح . ولذلك نلحظ ان مالكا يكتب بقلمه ذلك التفسير ، فيذهب الى انه ” ربما كان ذلك لان الشيخ بن باديس قد بدا في ناظرينا خارج الاطار الاستعماري . فقد قطع صلته بعائلته وخاصة والده وهو تاجر كبير وبشقيقه المحامي ، وزوجه البورجوازية المترفة . هكذا بدا لنا اقرب الى نفوسنا ” (65) .

  وبتأثير الشيخ ابن باديس تحول مالك صوب دائرة التأليف والكتابة ، أو على الوجه الادق التفكير في إمكانية القيام بوضع مشروع في الإنشاء والتدوين . وفعلاً فإن مالكا فكر بعنوان لهذا المشروع ، وكذلك في المضمون الفكري له . وعن هذا المشروع ومحاولة التفكير في الإنجاز ، ومن ثم الدخول الى عالم التأليف والكتابة ، يصرح واصفاً حاله يومذاك : ” كنت افكر ايضا بتاليف كتاب تحت عنوان ( الكاتب المنفي ) ، لماذا هذا العنوان ؟ وماذا سيكون محتوى الكتاب ؟ تلك اسئلة تحرجني لو ان احدا سألنيها . ولكن الفكرة استهوتني فأخذت اتحدث  …. وكانت الفكرة تجعلني اكثر أستلطافا للشيخ بن باديس الذي يمثل بنظري الرجل المنفي بسبب وضعه العائلي” (66) . ان تفاصيلاً للأثر الذي تركه الشيخ ابن باديس سنبحثه في فصل ضمه كتابنا المعنون الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي + .

   وبعد : ماهي حصيلة كل هذه المثابرات المعرفية على تكوين مالك الثقافي المعرفي ؟ في الحقيقة ان كل هذه المثابرات المعرفية التي قام بها ، وبالتحديد خلال اكتسابه للعلم في الجزائر ، حفرت اخاديدا اختلفت في درجات عمقها في شخصيته ، واخذت تضغط على تفكيره ، ومن ثم على قلمه وطريقته في الكتابة لاحقا . فكانت فعالياته الفكرية ، ومن ثم كتاباته مشروطة بأثار ثلاثة مصادر : مصادر الذات ( الثقافة العربية ) ومصادر الاخر ( الثقافة الغربية ) ومصادر البيئة الاجتماعية ( والتي تمثلت في اثار شخصيتين : يونس بحري والشيخ ابن باديس ) . انه اشتراط طبع الفكر و الخطاب الثقافي المالكي بسمات تميز بها وجعلته يتفرد بعمارته المعرفية المتنوعة .

الهوامش  :

+ يتقدم المؤلف بالشكر والعرفان للزميلن الطيبين:المفكرالعربي علي زيعور ، و للاستاذ الباحث مصطفى مغنية الكاتب في الفكر التنموي عند مالك بن نبي ، مرتين : اولا للوقت الذي صرفاه معه في مناقشة هذا الكتاب منذ كان فكرة . وثانيا لتوفير مجمل مؤلفات مالك بن نبي  فترة مكوث المؤلف في لبنان .

(1) – أنظر :

          مالك بن نبي : مذكرات شاهد العصر ، دار الفكر المعاصر ، ط 2 ، بيروت 1984 ، القسم الاول ( الطفل ) ، ص 15     وكذلك زكي احمد : مالك بن نبي ومشكلات الحضارة ، تقديم جودت سعيد ، دار الصفوة ، ط 1 ، بيروت 1992 ، ص 38

(2) – مالك بن نبي : المصدر السابق

(3) – المصدر السابق ، ص 19

(4) – المصدر السابق ، ص 20     

(5)– المصدر السابق ، ص 24 

(6) – المصدر السابق ، ص  25

(7) – المصدر السابق ، ص 28   

(8) – المصدر السابق ، ص 33    

(9) – المصدر السابق ، ص 47           

(10) – المصدر السابق ، ص ص 47 – 48  

(11) – المصدر السابق ، ص 48 

(12) – المصدر السابق

(13) – المصدر السابق

(14) – المصدر السابق ، ص 64

(15) – المصدر السابق ، ص 65  

(16) – المصدر السابق

(17) – أنظر:

      الفرحان ، محمد جلوب : حقيقة ديكارت و الديكارتية والدرس المستفاد ( مخطوطة كتاب ) ،  خصوصا الفصل الثالث والذي بعنوان ” ديكارت وفلسفة عصر النهضة ” ، ص 93 

(18) – مالك بن نبي : مذكرات شاهد العصر ، ص 66

(19) – المصدر السابق

(20) – المصدر السابق

(21) – المصدر السابق

(22) – المصدر السابق 

(23) – المصدر السابق

(24) – المصدر السابق

(25) – المصدر الصابق ، ص 67 

(26) – المصدر الصابق ، ص ص 67 – 68 

(27) – المصدر السابق ، ص 68 

(28) – المصدر السابق

(29) – المصدر السابق ، ص 83

(30) – المصدر السابق

(31) – المصدر السابق ، ص 85

(32) – المصدر السابق ، ص 87

(33) – المصدر السابق ، ص ص 86 – 88

(34) – المصدر السابق ، ص 113

(35) – المصدر السابق

(36) – المصدر السابق ، ص 187

(37) – المصدر السابق ، ص 68

(38) – المصدر السابق ، ص 73 

(39) – المصدر السابق

(40) – المصدر السابق ، ص 74

(41) – المصدر السابق ، ص 83

(42) – المصدر السابق ، ص 87 

(43) – المصدر السابق ، ص ص 87 – 88

(44) – المصدر السابق ، ص 89

(45) – المصدر السابق

(46) – المصدر السابق

(47) – المصدر السابق ، ص90 

(48) – المصدر السابق ، ص ص 90 –  91

(49) – المصدر السابق ، ص 92 

(50) – المصدر السابق ، ص 94

(51) – الصدر السابق

(52) – المصدر السابق ن ص 95

(53) – المصدر السابق

(54) – المصدر السابق

(55) – المصدر السابق ، ص 96

(56) – المصدر السابق

(57) – المصدر السابق ، ص 115

(58) – المصدر السابق ، ص 117

(59) – المصدر السابق ، ص 125

(60) – المصدر السابق ، ص 187

(61) – المصدر السابق ، ص 195

(62) – المصدر السابق ، ص 109

(63) – المصدر السابق ، ص 115

+ – انظر الفصل السابع من هذا الكتاب والمعنون ” حضور الفكر الاصلاحي والنهضوي ” .

(64) – المصدر السابق ، ص 130  هذه الافادة واحدة من افادات كثيرة تشكل درسا في الدقة والصدق في منهج مالك بن نبي . فهو يعطي لكل صاحب حق حقه بموضوعية لا غبار عليها .  انها واحدة من ميزات الموضوعية التي يتسم بها الخطاب الثقافي المعرفي المالكي .

(65) – المصدر السابق

(66) – المصدر السابق ، ص ص 130 – 131

+ – انظر الفصل السابع من هذا الكتاب والمعنون ” حضور الفكر الاصلاحي والنهضوي ” .

 

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(3)

حضور فلسفة التاريخ والحضارة في الخطاب المالكي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

1

  شكلت فلسفة التاريخ والإطروحات المعرفية التي كتبها العلماء عامة ، وعلماء النفس خاصة ، وبعض النصوص الأدبية على وجه التعيين مضماراً معرفياً غير إعتيادي في خطاب المفكر الإسلامي مالك بن نبي . كما وإن تجربته الكتابية التي ضمت معطيات هذه الحقول المعرفية المتنوعة في خطاب ثقافي واحد ، قد وفرت لنا مجموعة شواهد دللت على طبيعة المنهج الخاص الذي إنتخبه  في عملية التدوين والإنشاء .

  ولعل المكشوف من شواهد تدلل على إن منهجه كان إنتخابياً قائماً على إختيار الإطروحات المعرفية التي تتلائم وتوجهاته الفكرانية ونبض مدركاته العقيدية الإسلامية . وعلى هذا الأساس لاحظنا إن هناك ترجيحاً لبعض التجارب في فلسفة التاريخ والحضارة ، وتفضيلاً لها وتصعيداً لها إلى طوابق عالية من عمارته في فلسفة التاريخ والحضارة . في حين أدار ظهره لفعل تجارب فلسفية تاريخية وحضارية أخرى .

   كما إن هناك ميلاً نحو بعض العلوم ، وتغليباً لمكانة بعض المدارس في علم النفس ، وإنتخاباً لبعض النصوص الأدبية دون سواها . ونحسب إن قلم مالك لم يتوقف عند حدود هذه المثابرة ، وإنما جاهد بكل طاقة على إيجاد تكييف لبعض الإطروحات والمناهج وذلك لتكون قادرة على تحريك تقنياتها مع نبض حركة التاريخ والحضارة العربيين الإسلاميين .

  والحقيقة إن الإفادات المعرفية المالكية في مضمار فلسفة التاريخ والعلم ، وعلم النفس والنصوص الأدبية ، تكون مضماراً خصباً على الرغم من إسلوب الإقتصاد في التعبير ، والإختصار في صياغة العبارة . وهي في الوقت ذاته فرصة معرفية تمكن الحارث فيها من البحث في أطرافها المختلفة بعقل هادئ منفتح ، مؤمن بمنهج الحوار المعرفي والتبادل الثقافي النازع إلى الأخذ بأية فكرة ، ومن أي مصدر ، ما دامت مؤسسة تأسيساً منهجياً ، وتكون قد نهضت على مجموعة معطيات علمية موثوق بها ومتعارف عليها . وفي الوقت ذاته فإن هذا المنهج لا يغادر أرض الإفادات دون فحص الإطار الفكراني الذي يحيط بالفكرة ويتغذى منها ويغذيها ، ويضعها على طاولة التأمل والنقد والتقويم .

  ولذلك فإن هذه السلسلة من المقالات تحاول تقديم إجابات على التساؤلات الآتية :

أولاً – ما حجم حضور الإتجاهات المتداولة في دوائر فلسفة التاريخ الغربية في الخطاب الذي كتبه مالك ؟ وهل إستوعب مالك جميع المناهج والإتجاهات في هذا المضمار ؟

ثانياً – هل كان لإختصاص مالك العلمي من الأثر في ترجيح بعض الإطروحات العلمية التي كتبها العلماء على غيرها من الإطروحات العلمية الأخرى ؟ وما اثر هذا الترجيح في كتابة الخطاب الثقافي المالكي ؟

ثالثاً – ما طبيعة الإفادات النفسية التي ولدتها دوائر علم النفس ، ووظفها مالك في خطابه الثقافي ؟ وهل أظهر مالك ميلاً نحو بعض المدارس النفسية دون سواها ؟

رابعاً – ما هي النصوص الأدبية المتداولة في الخطاب الذي كتبه مالك ؟ وما مقدار الإفادة منها في كتابة الخطاب الثقافي المالكي ؟

حضور فلسفة التاريخ والحضارة

   في البدء نتساءل : هل ألمت دائرة تفكير مالك بكل الإتجاهات في فلسفة التاريخ والحضارة ؟ والجواب إن دائرة تفكير مالك قد إنتخبت فعلاً مجموعة كبيرة من الإتجاهات والمناهج في فلسفة التاريخ والحضارة . وعلى أساس هذا الجواب ، نتساءل : ماذا قرأ مالك ؟ وماذا إختار وإنتخب ؟ وكيف تعامل مع المنتخب المختار ؟ وما حجم حضوره في الخطاب الثقافي المالكي ؟

  ولنبدأ بتقديم توصيف لخارطة معرفية نؤشر على مضمارها حجم الحضور الذي سجلته النصوص الشعرية والتاريخية نقطة إنطلاق . ومن ثم الوقوف على النصوص الفلسفية التاريخية والحضارية ، التي إستند إليها مالك أثناء كتابته للخطاب الثقافي الذي تناول فيه موضوعات فلسفة التاريخ والحضارة ، ونسعى من خلال ذلك إلى الإعلان عن الأسماء التي كتبت هذه النصوص وذلك لمعرفة المصادر التي إستمد منها مالك مادته المعرفية في البحث والكتابة .

  لقد إستند مالك في كتابة إطروحته الفلسفية في التاريخ والحضارة إلى شعراء كتبوا العديد من الملاحم الشعرية  ، والتي تمكنت من إختراق الجدران الجغرافية ، وتحولت إلى تراث مشترك للإنسانية برمتها . فقد إعتمد مالك على واحد من أكبر هذه المجموعة من الشعراء ، وهو الشاعر اليوناني ” هوميروس ” وبالتحديد درس ما قدمته ملحمتيه الشعريتين ” الأوديسة والإلياذة ” (مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 22) ، من إفادات في مضمار البحث التاريخي والحضاري (تناولنا هذه الإطروحة بالتفصيل في الجزء الثاني من كتابنا ” الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي ” الفصل المعنون ” التفسير الفلسفي للتاريخ ” . ومن النافع أن نذكر القارئ الكريم ، إلى إننا لم نتناول ” إبن خلدون ” في هذا المضمار الخاص بحضور ثقافة الغرب ، وسيجد معالجة ذلك في مقالات لاحقة) .

 والسؤال : من هو هوميروس ؟ وما مضمون ملحمتيه الشعريتين الأوديسا والإلياد اللتان أشار إليهما المفكر الإسلامي مالك بن نبي ؟ وهل كان مالك موفقاً في إنتخاب هوميروس وإهمال شاعر ملحمي معاصر له ؟ تذكر المصادر التاريخية التي إعتنت بدراسة التراث الهوميروسي ، إلى إن هناك جدلاً بين الباحثين حول تاريخ ميلاده الحقيقي . فبالنسبة إلى ” أبي التاريخ ” المؤرخ اليوناني ” هيرودوتس ” (484 – 425 ق.م) والذي كتب رائعته المعنونة ” التواريخ ” والتي يقدر فيها ” إن هوميروس عاش أربعمائة سنة قبل عصره ” . ومن ثم على هذا الأساس إقترح إنه ” عاش حوالي عام 850 ق.م ” (هيرودوتس ؛ التواريخ ، ترجمة روبن وترفيلد وكرولاين ديولد ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1998 / المجلد الثاني ، ص 53) .

  في حين تزعم مصادر قديمة إلى إن هوميروس عاش بحدود قريبة من الحروب الطروادية والتي كتب عن أطراف منها في ملحمتيه ، فقد عاش بالتحديد في القرن الثاني عشر قبل الميلاد (أنظر: بربارة كرازوسي ؛ إبداع هوميروس ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2002 ، ص 98 وما بعد) . بينما يزعم مارتن ويست بأن ” هوميروس ” ليس بإسم شاعر له وجود تاريخي ، وإنما هو شخصية روائية مخترعة أو مركبة (أنظر: مارتن ويست ؛ إختراع هوميروس / المجلة الفصلية الكلاسيكية 1999 ، العدد 49 ، ص 369) .

  على كل كتب هوميروس قصيدتين شعريتين طويلتين كما ذكر المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، وهما : الإلياد والأوديسا . وعلى أساسهما منحه الغربيون ومنذ وقت مبكر ، لقب ” أعظم شاعر ملحمي يوناني قديم ” . ويرون إن البداية الحقيقية للأدب الغربي كانت مع الإلياد والأوديسا . واللتان تركتا أثراً كبيراً على تاريخ الأدب بمجمله . ويعتقد الأكاديميون في العصر الحديث إلى إن ” عصر هوميروس ” لايتعلق بزمن الشاعر هوميروس ، بقدر ما يتعلق بالفترة التي تم فيها كتابة هاتين الملحمتين الشعريتين . كما إن هناك إجماع بين الباحثين على إن تاريخ الإلياد والأوديسا يصعد إلى القرن الثامن قبل الميلاد . وكذلك يجمعون على إن ملحمة الإلياد كتبت قبل ملحمة الأوديسا بعقود (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الملاحم الشعرية ودورها في ولادة الفكر الفلسفي اليوناني).

  تدور ملحمة الإلياد او ” الإلياذة ” كما ذكرها المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، حول الحرب الطروادية وبالتحديد السنة العاشرة من حصار قوات تحالف المدن اليونانية لمدينة ” إلوم ” . والملحمة تصف المعارك وبعض الأحداث التي وقعت خلال أسابيع القتال بين الملك إجمامنون والمحارب أخيل . والملحمة تغطي كذلك بعض الأسابيع من السنة الأخيرة للحرب . وتذكر الملحمة او تلمح إلى العديد من اساطير البطولة اليونانية حول الحصار . ومقارنة مع ملحمة الأوديسا ، فالإلياد تعد أقدم نص أدبي غربي ، ويعتقد إنها كتبت في نسخة جديدة بحدود القرن الثامن قبل الميلاد (أنظر: هوميروس ؛ الإلياد ، ترجمة ريشموند ليتمور ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 1951)

  تتألف هذه الملحمة من خمسة عشرألف بيتاً شعرياً . ويرجح إنها كتبت أولاً باللهجة اليونانية الأيونية ، ومن ثم كتبت بلهجات أخرى (المصدر السابق) . تعد ملحمة الأوديسا هي الأخرى من النصوص الأدبية الغربية الأولى . ومن المحتمل إن هوميروس كتبها في نهايات القرن الثامن قبل الميلاد ، وفي مكان ما من مستعمرة أيونيا اليونانية والتي هي اليوم جزء من تركيا الحديثة (أنظر: د. س. ريو ؛ المدخل إلى أوديسا ، نشرة مطبعة بنجوين 2003 / المقدمة ، ص 9) . وتركز الملحمة بصورة رئيسة على شخصية البطل ” أوديسا ” ورحلته الطويلة في العودة إلى بيته بعد سقوط طروادة . وهي الرحلة التي صرفت عشرة سنوات من حياة البطل أوديسا حتى وصوله إلى مدينته ” أثيكا ” (أنظر: أم . أ . فيانيلي : عالم الأوديسا ، نشرة ماكيملان ، نيويورك 1959) . وبسب غياب أوديسا وإنقطاع أخباره ، فقد أعتقد الناس في بلده إنه مات وطواه النسيان ، ولهذا واجهت زوجته ” بينيلوب ” وولده ” تيلماكيوس ” طلبات بالزواج من ” بينيلوب ” . وهكذا تنافس الرجال في طلب يدها والزواج منها …

  والملحمة في شكلها الأول كانت شعراً شفهياً غنائياً ، وهي حسب ” ريو ” كانت ذات طبيعة غنائية أكثر مما هي موضوع للقراءة (ريو؛ المصدر السابق) . وتتألف ملحمة الأوديسا من إثنتي عشر ألف ومئة وعشر بيتاً شعرياً (فيانيلي ؛ المصدر السابق) وهي على هذا الأساس أقصر من ملحمة الإلياد بحوالي ألفين وثمنمائة وتسعين بيتاً شعرياً .

ولاحظ الباحثون تعدد موضوعات أو قصص الملحمة والأحداث المرافقة ، ويبدو إن ذلك يعود إلى تعدد الإختيارات التي تقوم بها النساء والعبيد ، ودورهم في تحريك أفعال المقاتلين من الرجال . وفي اللغة الإنكليزية وكما في لغات أخرى ، أصبحت كلمة ” الأوديسا ” تعني ” الرحلة البحرية الملحمية ” .

  وبعد هذا نتساؤل : ما هو الغرض المالكي من الإشارة إلى عنواني الملحمتين حسب الإفادة التي وردت في خطاب مالك بن نبي الثقافي : ” الأوديسة والإليادة ” ؟ أقول دون تردد إن الغرض هو الإشارة إلى دور الأبطال في التاريخ وهو محور سيشتغل عليه ملك في مضمار فلسفة التاريخ (أنظر: محمد جلوب الفرحان : الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي / الفصل المعنون ” المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ)

غياب الشاعر الملحمي هزيود 

  ونحسب إن درجات التوفيق المالكي تتناقص عندما نقارن عمل هوميروس الملحمي بعمل شاعر ملحمي يوناني كان معاصراً لهوميروس ، وكان أكثر إهتماماً منه بحركة التاريخ وحقبه ، وقدم لنا أول صورة تشاؤمية في تفسير التاريخ , ونقصد به الشاعر اليوناني ” هزيود ” .  ولعل سؤال القارئ الكريم : من هو هزيود ؟ وماهي طبيعة ملاحمه الشعرية التي ربطته شاعراً ملحمياً معاصراً لشاعر اليونان الكبير هوميروس ؟

 ينظر إلى هزيود بمنظار مختلف عن شاعر الإرستقراط هوميروس ، فهزيود هو شاعر الفلاحين والرعاة  ، وهو برأي الكثير من الأكاديميين قد إزدهر للفترة ما بين 650 – 750 ق . م (أنظر: مارتين ويست : أنساب الآلهة ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1960 ، ص 40) . ومنذ عصر المؤرخ اليوناني ” هيرودتس ” أصبح متداولاً إن كلا من هزيود وهوميروس ، هما من أوائل شعراء اليونان ، التي ظلت ملاحمهما الشعرية محفوظة ولم يطويها النسيان (أنظر: هيرودوتس ؛ التواريخ / المجلد الأول / ص 53) .

  والحقيقة إن هناك تنازع بين الباحثين حول من هو السابق هوميروس أو هزيود . ولكن المهم في كتابات الشاعر هزيود ، إنها ظلت مصدراً مهماً في ” الأساطير اليونانية ” وتقنيات الشعر الغنائي ، والفكر الإقتصادي ، والتقاويم .. ولهذا السبب ينظر إليه الكثير من الباحثين على إنه ” رجل الإقتصاد الأول ” (أنظر: روثبارد موري ؛ الفكر الإقتصادي قبل آدم سميث ، نشرة أدورد إيكلر 1995 / المجلد الأول / ص 8).

كتب هزيود ملحمتين شعريتين ؛ الأولى أنساب الآلهة (وهي قصيدة ملحمية تركز على أنساب الألهة اليونان وطبقاتهم ، وخلق العالم ..) والثانية الأعمال والأيام (وتتألف من ثمانمائة بيتاً شعرياً وهي تدور حول العمل) (أنظر: روبرت لامبرتون ؛ هزيود ؛ الجنة الجديدة ، نشرة مطبعة جامعة ييل 1988 / خصوصاً الفصل الثاني ، ص ص 38 – 104) .

   إن المهم في عمل هزيود في مضمار البحث في فلسفة التاريخ ، والذي تطلع المفكر الإسلامي مالك بن نبي إنجازه ، هو إنه حمل الكثير الكثير لصالح مالك على الرغم من إن مالك قد أدار ظهره له ولعمله . ونحن نرجح بأن دائرة معرفة مالك يوم كتابة ” شروط النهضة ” لم تتوافر لها مصادر عن الشاعر الملحمي اليوناني هزيود . وعلى كل فإن المهم في عمل هزيود إنه قدم أول تفسير تشاؤمي للتاريخ يتألف من خمس مراحل ، والتي إعتقد هزيود إن الجنس البشري مر بها حتى عصره . وهذه المراحل أو العصور هي : (1) العصر الذهبي (أي عصر السلام وفيه عاش الناس في سعادة) . (2) العصر الفضي (خلق الآلهة جيلاً أحط منزلة من الأول) . (3) العصر النحاسي (خلق زيوس جيلا أخر أعضاؤهم وأسلحتهم وبيوتهم من نحاس فتقاتلوا فسلط عليهم الموت الأسود) . (4) العصر البرونزي (خلق زيوس جيل الأبطال الذين حاربوا في طروادة). (5) العصر الحديدي (عصر الحزن والبغضاء وجيله شر الناس وهم فاسدون) (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ النفس الإنسانية ، طبع مديرية دار الكتب / جامعة الموصل 1986 ، ص 25) . وإن هذا الموضوع شكل مبحثاً متفرداً في فلسفة التاريخ عند المفكر مالك بن نبي وبالتحديد في مضمار ” الدورات الحضارية ” .

2

  لاحظ الباحث إن المفكر الإسلامي المتنور مالك بن نبي قد أدار حوار فكرياً عالياً مع مجموعة من فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين ، وقرأ مؤلفاتهم بعقل مفتوح ، ولم يتردد من الإشارة إلى درجات الإفادة ، بل وأن يعلن دون تردد عن تبنى منهج بعضهم في دراسة الحضارة العربية . كما ولاحظنا إن مالكاً كان أكثر صدقاً وأمانة في الإعلان الصريح من بعض الدراسات الأكاديمية التي تناولت فكره الفلسفي في التاريخ والحضارة خلال العقود الثلاثة الماضية . والتي قامت بشطب تصريحات مالك وأهملتها بحجة إن ذلك يضعف من مقام المفكر الإسلامي في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . ولهذا نحسب إن مثل هذه الدراسات الأكاديمية قد فقدت مصداقيتها الأكاديمية وتجاوزت على موضوعية المنهج الأكاديمي .

    وهي بهذا الفعل إرتكبت خطأين : الأول أكاديمي ، فهي لم تقدم دراسة موضوعية أكاديمية حقيقية عندما أهملت إفادات مالك في تبني بعض الأطروحات الفلسفية والمناهج الغربية وذلك لأنه وجد فيها إمكانية التطبيق على واقع التاريخ والحضارة العربيين الإسلاميين . والثاني إنها لم تكن صادقة مع القارئ ومع النفس وذلك عندما إكتشفت حقيقة فعل التبني المالكي للإطروحة الغربية في فلسفة التاريخ والحضارة ، ورأت إن الحل الأسلم المرضي للذات هو تجاهل إفادات مالك وشطبها من البحث وكأن شيئاً لم يكن .

   حقيقة لقد كان مالك صادقاً مع نفسه ومع قرائه ، في حين غاب الصدق والأمانة والموضوعية من بعص الدراسات الأكاديمية العربية التي صدرت من مؤسسات أكاديمية عالية ، وتحت إشراف أساتذة أكاديميين مرموقين ، وتم إجازتها من لجنة مناقشة أكاديمية مشهودة . على كل هذا ماحدث مع فكر المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي الذي قال الصدق للقارئ ولأمته وللإنسانية ، فكان مفكراً قل من أمثاله في الربع الأخير من القرن العشرين في دارنا الثقافية العربية الإسلامية .

حضور فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين

  إحتفلت مؤلفات مالك بن نبي بقائمة كبيرة من أسماء فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين ، كما وأنها تناولت مؤلفاتهم  بالدرس والتعليق وأخذت طريق الحوار في المنهج الذي إعتمدت عليه والنتائج التي إنتهت إليه . كما إن مالكاً كان عارفاً بدرجات عالية بالمعلن والمضموم المتخفي من فلسفات وعقائد مطمورة خلف المناهج الغربية . كما إنه كان عارفاً في الوقت نفسه إن مسارات التاريخ والحضارة قد تأخذ أشكالاً مختلفة ويكون نبضها متسارعاً في لحظات حضارية مصيرية . كما إن مدياتها الحضارية قد تتداخل فيتم إختصار المسافات التاريخية الحضارية .

   وصحيح كذلك إن مالكاً كان عارفاً بأن الأمة العربية الإسلامية جزء حيوي من المجموعة الإنسانية ، فقد تتشابه المراحل ويكون نبضها الإنساني متناغماً هنا في أرضنا العربية الإسلامية ، وهناك حين قبل الغرب الفكرة الدينية المسيحية التي نهضت في الأصل في مناخاتنا الجغرافية وحملت تطلعات جزء من منطقتنا إلى عالم روحي يتعالى على العالم المادي الفاني . ولهذا لعبت الفكرة دوراً مهماً في مباني التفكير الفلسفي المالكي في مضماري التاريخ والحضارة . وكانت الفكرة ” البارومتر المالكي ” في فحص مسارات التاريخ والحضارة هنا في الأرض العربية الإسلامية مهبط الفكرة الأسلامية التي كانت المحرك وراء حركة تاريخ وحضارة عربيين إسلاميين ، كما وكانت الفكرة المسيحية هي المحرك في إنتشار نمط حضاري غربي هناك .

قائمة من فلاسفة التاريخ والحضارة

  في البدء سؤال : ما هي أسماء فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين التي وردت في القائمة التي إحتضنتها المؤلفات التي كتبها مالك بن نبي ؟ وما هي قوائم أسماء المؤلفات الغربية التي تعرف عليها مالك ، وأفاد منها في تشكيل خطابه في فلسفة التاريخ والحضارة ؟  إن الملفت للباحث الأكاديمي  ، هو تصدر إطروحة فيلسوف التاريخ الألماني ” هرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) والمعنونة ” الفكرة الدينية في التاريخ ” وإحتلالها مكاناً غير إعتيادي في الخطاب الذي كتبه مالك في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . والحقيقة إن فيلسوف التاريخ ” دي كيسرلنج ” قد تناولها بالدراسة في كتابه المعنون ” البحث التحليلي لأوربا ” (أنظر: مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 13) . وإن مالك أعلن صراحة ودون تردد على تبني فكرته ، وذلك لأنه وجد فيها إمكانية تطبيق على التاريخ والحضارة العربية الإسلامية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بنب نبي / الفصل الرابع من كتابنا المعنون “الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي “) .

  ولعل من أهم الإتجاهات المتداولة في دوائر فلسفة التاريخ والحضارة الغربية ، والتي عرفها مالك وأفاد منها في كتابة نصوصه ، فكرة ” فالتر شوبرت ” التي عالجت قضية الإنبعاث الحضاري والتي ذهبت إلى إن الإنبعاث الحضاري لا يتحقق ” إلا بالعقيدة الدينية ” وهي الفكرة التي أودعها ” شوبرت ” كتابه ” أوربا وروح الشرق ” (المصدر السابق ، ص 75) .

     كما وإستند مالك في إقامة منهجه في البحث المقارن بين الحضارات ، وخصوصاً الحضارتين الإسلامية والمسيحية على بعض الإطروحات المعرفية التي ولدتها دائرة المؤرخين الغربيين . فقد إعتمد مالك في هذا المضمار على إفادات المؤرخ ” هنري بيرن ” الواردة في كتابه ” محمد وشرلمان ” والتي كانت عينة ممتازة في المقارنة بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية (المصدر السابق ، ص 83) .

حضور فيلسوف التاريخ إسوالد شبنجلر

  وكذلك إعتمد في قضية ” موت الحضارات ” على ” إسوالد شبنجلر ” (1880 – 1936) الذي إستعمل إصطلاحاً دالاً على الموت الحضاري ، وهو ” الأفول ” أو ” الإنهيار ” . وفعلاً جاء ذلك في كتابه الذي حمل عنوان ” أفول الغرب ” (المصدر السابق ، ص ص 85 – 86) . وهنا لدينا تحفظ على مالك ومن خلاله ينسحب تحفظنا على عنوان كتاب شبنجلر ذاته . فالكتاب بنشرته الإنكليزية جاء بعنوان ” تدهور الغرب ” . ونحسب سواء أكان كتاب شبنجلر بلغة الخطاب المالكي ” أفول الغرب ” أو بترجمته الإنكليزية ” تدهور الغرب ” . إن العنوانين لا يعبران بدقة عن الموضوع الذي درسه شبنجلر . فقد وجدنا إن كتاب شبنجلر يتألف من مجلدين ؛ الأول خاص بالحضارة الغربية . والثاني خاص بالحضارة الإسلامية . وعلى هذا الأساس نشعر إن العنوان ليس من الشمولية بحيث يستوعب مادة المجلدين التي درسها شبنجلر ، فقد ذكر الغرب وحضارته وتدهورهما ، وشطب الحضارة الأسلامية من عنوان كتابه ، وكأنه ألغى المجلد الثاني من مضمار بحثه هذا طرف . أما الطرف الثاني فأن الثورة المعرفية التي إحتفل بها كتاب شبنجلر تتألف من مسارين معرفيين أو الأدق تنهض على منهجين مختلفين ؛ الأول بايولوجي طبقه على الحضارة الغربية ومن خلاله أعلن عن حتمية موتها . وهو منهج متناغم مع دعوة الموت الحضاري للغرب . أما المنهج الثاني فهو منهج جيولوجي طبقه شبنجلر على الحضارة الأسلامية ومن خلاله أصدر أحكاماً مختلفة عن أحكام المنهج البايولوجي ، فهناك كان الموت الحضاري المحتوم . وهنا التشكل الجيولوجي الصادق والتشكل الجيولوجي الكاذب . وبرأي شبنجلر إن الحضارة الإسلامية هي تشكل حضاري كاذب . وهنا لا نهتم بأحكام شبنجلر وذلك لأننا درسناها بالتفصيل في كتابنا ” الفيلسوف والتأريخ ” الفصل الثالث والمعنون ” التأويل الجيولوجي والبايولوجي للتأريخ عند أشبنجلر ” (نشرة مطابع جامعة الموصل 1987  ص ص 41 – 69) . إن المهم هنا إن عنوان الكتاب ” تدهور الغرب ” قد ركز على الغرب وممكن أن نضيف إنه شمل المنهج البايولوجي المتعلق بالغرب . في حين تجاهل موضوع المجلد الثاني ، وهو الحضارة العربيةالإسلامية والمنهج الجيولوجي الذي طبقه شبنجلر عليها .

  ومن النافع أن نشير إلى إن كتاب شبنجلر ” تدهور الغرب ” هو أكبر مغامرة معرفية ، كتبها فيلسوف تاريخ في بدايات العقود الأولى من القرن العشرين . والواقع إن دائرة تفكير مالك قد إعتمدت عليه تلميحاً وتوثيقاً ، وخصوصاً فكرة ” أفول الحضارات ” وعدم إمكانية بعثها من جديد وهو موضوع إختلف فيه المفكر الإسلامي مع فيلسوف التاريخ الألماني وصاحب نظرية ” الموت الحضاري ” المحتوم .

منهج مالك بن نبي وحضور المؤرخ اليوناني ” ثيوسيديدس “

   كما إن من الملاحظ على منهج مالك في كتابة خطابه في فلسفة التاريخ كان محكوماً بإسلوبه الذي يشبه المعادلات الرياضية ولغتها الرمزية المكثفة المختصرة . وهذا بتقديرنا كان لا يعمل لصالح الخطاب ، وخصوصاً إذا كان نص الخطاب في فلسفة التاريخ والحضارة ، والذي يحتاج إلى التوضيح والإستطراد الضروريين في بعض الأحيان . ولهذا سد الأسلوب الرياضي الرمزي المختصر باب الفهم الدقيق لمرامي المفكر الإسلامي وترك الباب مفتوحاً لتأويلات قد تصيب هدف مالك أو تذهب بعيداً فتجانب الرغبة المالكية .

  وعلى هذا الأساس تحولت عملية الكتابة إلى صورة تشبه ” الشفرات ” أو ” الرموز ” . ولعل الشاهد على ذلك إن المفكر الإسلامي قدم لنا في هذا المضمار قائمة فقط من أسماء المؤرخين وفلاسفة التاريخ والحضارة . منهم مثلاً المؤرخ اليوناني ” توسيديد ” (أو كما نسميه ثيوسيديدس) والذي ذكر إسمه دون أي تعليق . وثيوسيديدس هو صاحب الكتاب الشهير ” تاريخ الحرب البلوبونيزية ” .  والذي  يتنازع مع المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوتس على لقب إبوة التاريخ والذي غاب حضوره في الخطاب المالكي على الرغم من مكانة كتابه الشهير ” التواريخ ” ، والذي يعد أول سجل تاريخي حضاري وصلنا مكتوباً ، ففيه هيرودوتس كان مؤرخاً فيلسوفاً وفيلسوف حضارة متقدم على عصره بقرون عدة . 

  صحيح إن ” هيرودوتس ” ولد قبل ” ثيوسيديدس ” بأربع وعشرين سنة ، وتوفي قبله بثلاثين عاماً . فمن المعروف إن هيرودتوس ولد عام (484 ق.م) وإن ثيوسيديدس ولد عام (460 ق.م) . وإن الأول توفي عام (425 ق.م) ، وإن الثاني توفي عام (395 ق.م). وصحيح جداً إن هيرودوتس كان الأكبر سناً ، إلا إنهما عاشا وعملا سوية في عصر واحد وعلى الأقل لمدة أكثر من عقدين من الزمن . وإذا كان هيرودوتس أباً للتاريخ بلا منازع ، فإن ثيوسيديدس كان أباً للتاريخ العلمي بإستحقاق وجدارة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبوة التاريخ بين هيرودوتس وثيوسيديدس : تأمل فلسفي في الثقافة اليونانية / بحث سينشر على صفحات موقع الفيلسوف) .

  وإضافة إلى ثيوسيديدس فقد ضم مالك إلى قائمته المؤرخ ” فرانسو جيزو ” (1787 – 1874) (أنظر: مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 23) . و ” السير جون هالفورد ” (المصدر السابق ، ص 96) ، و ” أرنولد توينبي ” (1890 – 1975) (المصدر السابق ، ص 97) ، و ” هيجل ” (1770 – 1831) (المصدر السابق ، ص 18) ، و ” ماركس ” (1818 – 1883) (المصدر السابق ، ص 19) . كما وقد غابت من دائرة تفكير مالك أسماء مهمة أخرى من فلاسفة التاريخ والحضارة ، أسماء كانت لها دوراً مؤثراً في كتابة نصوص عالجت محاور بالغة الأهمية في مضماري فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة .

حضور فيلسوف التاريخ ” توينبي “

  ولما كان المفكر الإسلامي مالك بن نبي معني بقيام الحضارات وأفولها ، فإننا نجد من الازم أن نقف قليلاً عند المؤرخ وفيلسوف التاريخ الإنكليزي ” توينبي ” ، نستوضح موقفه من إزدهار الحضارات وتدهورها . حقيقة إن توينبي حاله حال إشبنجلر ، فقد إعتمد عليه  ، وكان قارئ جيداً لموسوعته ” تدهور الغرب أو إفول الحضارة الغربية ” . كما إنه أخذ بمنهجه البايولوجي ووضعه في إطار ” التحدي والإستجابة ” ، ولكنه  في الوقت ذاته رفض الجبرية الصارمة الملازمة له ، وإقترح بدلاً عن ذلك هامشاً من الحرية ، فقد رأى إن بعض الحضارات قد نجحت عندما وصلت إلى نقطة الإنطفاء ، وفعلاً تمكنت من تجديد نفسها وتجاوزت ” المأزق الحضاري ” لحظة الدخول إلى عالم الإنطفاء والسقوط . ونشعر في هذه النقطة إن قلب مالك وضميره قد خفقا وتعاطفا مع فكرة ” الإستمرار الحضاري ” أو ” تجاوز المأزق التاريخي ” ..

   لقد كتب توينبي موسوعته المعنونة ” بحث في التأريخ ” وهي شبيهة بمغامرة إشبنجلر . والواقع إن بحث في التأريخ يعد أغرب تسجيل لرحلة روحية في القرن العشرين قام بها فيلسوف التاريخ ” توينبي ” وهي بالتأكيد مسبوقة بالموسوعة الإشبنجرية ” سقوط الغرب ” . وتوينبي يعترف بأن الرؤية التي دفعته إلى تأليف بحث في التأريخ ، هي محاولة إدراك ” اللغز الذي يتمثل في جرائم البشر وحماقاتهم ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ ، نشرة مطابع جامعة الموصل 1987 ن ص 90) .

   إن إتجاه توينبي كإتجاه شبنجلر ، يحمل دعوى إحتجاج ضد أولئك المؤرخين الذين يكتبون وكأنهم يقفون خارج التأريخ . كما إن توينبي يتفرد في مفهومه للإزدهار الحضاري ، فهو يرفض التسليم بان البشر يزدهرون في أسهل الظروف . ويرى إنهم يزدهرون في الظروف التي تتحداهم أشد تحد ؛ فكلما ” إزداد التحدي صار الذين يواجهونه أشد عظمة ” (المصدر السابق ، ص 91) .

  ومن ثم يتساءل توينبي : لماذا تتدهور الحضارات ؟ وهو السؤال الذي سيكون موضوع إهتمام المفكر الإسلامي مالك بن نبي . ويرى توينبي إن السبب يعود إلى إن النوابغ يتخلون عنا ، ولذلك ينظر إلى الإنهيار الحضاري بإعتباره ” خسارة في الطاقة المبدعة التي تضم بين جنباتها ، نفوس المبدعين ، أو الأقليات المبدعة ، وهي خسارة تجردهم من قدراتهم السحرية على التأثير على نفوس الجماهير العاطلة من الإبتداع .. فإن الزمار (الموسيقي) الذي يفقد مهارته ، يعجز .. عن إغراء أرجل الجمع بالإستجابة للرقص ” (المصدر السابق ، ص 93) .

  ونحسب إن مالكاً قد تدارس بعناية فائقة أفكار ومناهج  فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” شبنجلر ” . كما وإعتنى بمنهج التحدي والإستجابة عند فيلسوف التاريخ والحضارة الإنكليزي ” توينبي ” . ولم يقف مالك عند ذلك ، بل حاورهما بندية عالية ، وتمكن من مقارنة وتقويم فلسفاتهما ومناهجهما مع المتولد من مناهج وفلسفات غربية متنوعة وخصوصاً إطروحات فيلسوف التاريخ ” هرمان دي كيسرلنج ” ، وفي ضوء مسارات التاريخ والحضارة الإسلاميين .

3

  عرفت دائرة تفكير المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي في فلسفة التاريخ ، العديد من الإتجاهات الفلسفية أو المناهج التي تناولت التاريخ والحضارة بالدراسة والتحليل والبحث . وهي بالتأكيد الإتجاهات أو المناهج التي ولدها العقل الغربي والتي حملت في أحشائها نتائج التجربة الحياتية والنفسية والأقتصادية والسياسية والتقنية التي عاشتها الذات الغربية أو كما يقول إشبنجلر ” النفس الفاوستية ” (نسبة إلى فاوست بطل غوته) خصوصاً في تجربتها الحديثة التي ورثت ” الحيرة وفقدان الإيمان ” من تراث بديلها الوسطوي ” النفس السحرية ” .. وهنا نسعى إلى بيان درجات حضور هذه الإتجاهات في الخطاب الثقافي المعرفي الذي كتبه مالك بن نبي .

الإتجاه المثالي في تفسير التاريخ

    سجل هذا الإتجاه من التفسير الفلسفي للتاريخ حضوراً ملحوظاً وبصور مختلفة في خطاب مالك . فمثلاً إن الصورة التي كانت لها مكانة راجحة ، هي حضور الفيلسوف الألماني ” جورج ويلهلم هيجل ” (1770 – 1831) ومعروف إن كتابه ” محاضرات في فلسفة التاريخ ” قد ترجم من الألمانية إلى الفرنسية في وقت مبكر بعيد نشره لأول بالألمانية والتي كانت بعد ست سنوات من موت هيجل وبالتحديد في العام 1837 . وفعلاً إن ولده شارلز هيجل ، هو الذي قام بمهمة نشرها وذلك عندما قام بجمع الملاحظات من الطلاب الذين حضروا محاضراته الأكاديمية ، ومن ثم قارنها بإصول محاضرات  والده المودوعة في مخطوطة هيجل لعام 1822 .

  والسؤال : هل قرأ مالك هذا الكتاب في ترجمته الفرنسية ؟ أو قرأ عنه مراجعة في المجلات والدوريات الفرنسية المعنية في فلسفة التاريخ والحضارة يومذاك ؟ إن نصوص مالك المتوافرة لا تقدم لنا أي جواب على سؤالنا هذا . ولما كان التاريخ عند هيجل هو زحف ، فإن حركته محكومة بالإيقاع الثلاثي لمنهجه الدايلكتيكي ، والمتمثل بثلاثية : الأطروحة ، النقيضة والتركيب ، والتي شرحها ماركس لاحقاً بالشكل الأتي : فمثلاً الإطروحة = الملكية في فرنسا ، النقيضة = الثورة الفرنسية ، التركيب = نابليون الذي حمل معه طرف من الملكية الفرنسية وطرف من الثورة الفرنسية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فلسفة التاريخ ؛ دراسة في الإصطلاح والتأسيس / سيظهرعلى موقع الفيلسوف) . 

كما وصاحب الحديث عن هيجل في الخطاب المالكي، حضور التفسير الديني للتاريخ . وبحدود الإطروحة المالكية ، فأن هذا الحضور إتخذ شكلين :

الأول – التفسير المسيحي للتاريخ والمتمثل بإطروحة ” هيرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) .

الثاني – التفسير القرآني ” الإسلامي ” للتاريخ والذي تقدم به مالك بن نبي (أنظر:  محمد جلوب الفرحان ؛ المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي / الفصل

الرابع من كتابنا الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي) .

الإتجاه المادي (الإقتصادي) في تفسير التاريخ

 مثل هذا الإتجاه في أدبيات فلسفة التاريخ المتداولة ” كارل ماركس ” (1818 – 1883) والذي ولد بعد موت هيجل بثلاثة عشر عاماً ، ولا تبين جريدة مؤلفاته إنه خص فلسفة التاريخ بكتاب عالج فيه موضوع فلسفة التاريخ من زاوية ماركسية . ولكن الحق إن ماركس عالج حقب التاريخ في مؤلفاته (مثل المشاعية الأولى ، والعبودية أو الرق  ، والإقطاع والبرجوازية … ) في كتابه المشتركة مع زميله ” فردريك إنجلز (1820 1895) والمعنون ” شروط الطبقة العاملة في إنكلترا (1844) وكذلك في كتابه رأس المال . وهذا موضوع سيكتب عنه خلفاء ماركس  والذين حفروا في نصوصه ونصوص زميله إنجلز والتي كونت مضمار ”  التفسير الماركسي للتاريخ ” .

  والحقيقة إن مالك ذكر ماركس فقط .. ولم يذكر شيئاً على الإطلاق عن الكتاب الماركسين الأخرين ، والذين دشنوا دائرة الثقافة الغربية بكتاباتهم الرائدة في مضمار التفسير المادي للتاريخ . صحيح إن إنجلز ومن ثم فلاديميرلينين (1870 – 1924) قد كتبا في المادية التاريخية . ولكن حتى هذه الفترة لم يظهر كتاب بعنوان التفسير المادي للتاريخ في دائرة الثقافة الماركسية . ولعل التباشير الأولى لهذا النمط من الكتابات في التفسير المادي للتاريخ جاءت على يد كل من الألمانيين ” أدورد برنستين ” (1850 – 1932) (أنظر كتاباته المختارة من 1900 – 1921) و ” كارل كوتسكي ” (1854 – 1938) خصوصاً في كتابه المعنون ” الثورة العمالية ” والصادر عام 1924 .

  أما القصة الحقيقية لمضمار فلسفة التاريخ من زاوية ماركسية ، فإنها تبدأ مع الروسي “جورجي بليخانوف ” (1857 – 1918) . وكان شخصية غير مريحة للرفيق لينين ، وكان موته المبكر راحة للرفيق لينين .  كان بليخانوف فيلسوفاً حقيقياً ، وفيلسوفاً منتجاً في فلسفة التاريخ  . فقد أصدر العديد من المؤلفات ، مثل كتابه الشهير ” المفهوم المادي للتاريخ ” (نشر عام 1891) . وتلاه كتابه الرائع ” تطور النظرة الواحدية للتاريخ ” (نشر عام 1895) . ومن ثم تبعه كتابه ” مقالات في تاريخ المادية ” (نشر عام 1896) وكتب رائعته التي أثارت جدلاً والتي لازلت تثير الجدل ، والمعنونة ” أسئلة حول دور الفرد في التاريخ ” (نشر عام 1898) . إن كل هذه الأعمال المهمة في فلسفة التاريخ كانت غائبة من أنظار مفكرنا الإسلامي مالك بن نبي رغم إن ترجماتها الفرنسية كانت متوافرة له يومذاك .

 ولكن بالمقابل عرف مالك ماركس ونظرته الأحادية في تفسير التاريخ . وهذا الإتجاه من التفسير تعامل معه مالك أخذاً ونقداً ، تقويماً وتعديلاً . كما إن حضوره كان واضحاً في الخطاب الثقافي الذي كتبه المفكر الإسلامي والذي عالج فيه موضوعي التاريخ والحضارة (أنظر : مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص ص 18 – 19) .

الإتجاه البايولوجي – الجيولوجي في تفسير التاريخ

  يرتبط هذا النمط من التفسير البايولوجي – الجيولوجي للتاريخ والحضارة بكل من فيلسوف التاريخ الألماني ” إسوالد إشبنجلر ” ، وفيلسوف التاريخ البريطاني ” إرنولد توينبي ” والذي تابع الثورة الإشبنجلرية في طرفها البايولوجي المستبطن لبايولوجيا داروين ، والذي عطل فيه طرف جيولوجيتها المتفرد . إنه خيار توينبي وإنتخاب لطرف وشطب لطرف لا يتناغم والخليط العقيدي الذي رجحه داينمو جديد ينقل الحضارة الغربية من مأزق الموت الحضاري (كما ردد توينبي لكلمة السيد المسيح : تمسك وإنتظر) إلى محط الولادة الحضارية المرتبط بعملية إنبات روح شرقية متجددة في جسم الحضارة الغربية المادي التكنولوجي (والذي تمثل بكلمات توينبي بدور الخليط العقيدي البهائي ألمستبطن للإسلام واليهودية والمسيحية في التحريك للروح الحضاري الغربي الذي أصابه التخشب) .

   حقيقة إن الأول إشبنجلر ، وهو صاحب الثورة في فلسفة التاريخ ، قد سجل حضوراً في الخطاب المالكي ، وبالتحديد في حتميته البايلوجية في إفول الحضارات وموتها (مالك بن نبي ؛ المصدر السابق ، ص 95) مع لفت نظر القارئ الكريم إلى إن دائرة تفكير مالك قد أهملت حتى التعليق على خطورة التفسير الجيولوجي المجحف للحضارة العربية الإسلامية حين طبق عليها إشبنجلر التفسير الجيولوجي للحضارة ، وبالتحديد في المجلد الثالث من موسوعته المعنونة ” تدهور الحضارة الغربية أو إنهيار الغرب ” ووصم الحضارة العربية الإسلامية ، بأنها حضارة تشكلت تشكيلاً كاذباً مثلما تتشكل بعض الصخور بطريقة كاذبة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف والتاريخ ، نشرة جامعة الموصل  1987 ، الفصل الثالث ، ص 54 وما بعد) .

  أما الثاني توينبي ، وهو المستبطن للثورة الإشبنجلرية في طرفها البايولوجي ، فقد كان حاضراً في الخطاب المالكي في بايلوجيته التاريخية في طرفيها ” التحدي والإستجابة ” (أنظر: مالك بن نبي ؛ المصدر السابق ، ص 20) . إن حضور هذا الإتجاه بشكليه في الإطروحة المالكية كان بيناً وواضحاً . أما ما يهمنا من التفسير الإشبنجلري ، هو الطرف الجيولوجي والذي مثله المجلد الثالث من كتابه ” تدهور الغرب ” أو كما يسميه مالك ” إفول الغرب ” . ونحسب إن هذه المنهجية الإشبنجلرية الجيولوجية أو نقدها كانا غائبان عن دائرة تفكير مالك وإهتمامه لحظة كتابة خطابه في فلسفة التاريخ .

الإتجاه الجغرافي في تفسير التاريخ

   إحتضن الخطاب الثقافي الذي كتبه المفكر الإسلامي مالك بن نبي شكلاً من أشكال هذا الإتجاه . ومن الملاحظ على التفسير الجغرافي لحركة التاريخ وإنشاء الحضارات ، قد نهض بحدود الإطروحة المالكية على بيان لأثر الفكرة الدينية ” حين ترتبط بعنصر المكان ” (مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 54) . وهنا إستند مالك إلى مقال كتبه بيير دي فونتين ” (1685 – 1745) والذي تقدم فيه بملحمة أخاذة حسبما يرى مالك عن ” التفسير الديني في الجغرافية الإنسانية ” ( المصدر السابق ، ص 56) . كما إنه إعتمد على إفادات المؤرخ الفرنسي ، وفيلسوف التاريخ ” فرانسواز جيزو ” (1787 – 1874) (مالك بن نبي ؛ المصدر السابق ، ص 55) .

  ونحسب إنه قد غاب عن دائرة تفكير مالك مصدر مهم في تأويل الجغرافي للتاريخ . ونقصد ” مونتسكيو ” 01689 – 1755) صاحب كتاب ” روح القوانين ” . فقد أدلى مونتسكيو بأفكار في غاية الأهمية في مضمار إنشاء التأويل الجغرافي للتاريخ ، وبالتحديد دور المناخ في حياة الشعوب والحضارات ، والذي جاء في كتابه ” الملكية العالمية ” والصادر عام 1734 .

الإتجاه النفسي في تفسير التاريخ

   عرفت دائرة تفكير مالك الإطروحات النفسية التي إعتنت بدراسة ” الأحداث التاريخية ” وحركة الناس في التاريخ . وكان لتلك الإطروحات النفسية حضوراً واضحاً في الخطاب الثقافي المالكي ، والذي أخذ أشكالاً من الإعتماد على المنهج النفسي في التحليل ، أو على الأقل إستند إلى مقولات علم النفس والإستعانة بها في فهم حركة الأفعال البشرية . فعلاً لقد إعتمد مالك على مدرسة التحليل النفسي لسجموند فرويد (1856 – 1939)  والفريد أدلر (1870 – 1937) وكارل يونغ (1875 – 1961) في تفسير الفعل المباشر الذي تتركه الفكرة الدينية ” في الوقائع النفسية الإجتماعية التي تكون ظاهرة التاريخ ” (مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 13) .

  ويبدو لنا إن مالكاً كان يسعى إلى تحليل التاريخ الإسلامي من وجهة نظر نفسية ، قائمة على التعامل مع أحداث التاريخ على إنها ” أمراض ” إجتماعية تتطلب المعالجة النفسية . إضافة إلى إن الإطروحة المالكية قد نزعت إلى فهم أفعال البشر في التاريخ ولحظة إنشاء الحضارات ، إلى التمييز بين ما هو ” عقدة ” ، وما هو نابع من قرار ” السوية ” (مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 41) .

  كما وإعتمد في تفسير حركة التاريخ والحضارة ، والمجتمع ومن ثم تكوين شبكة علاقاته الإجتماعية على معطيات نفسية عامة . إلا إن مالكاً تحول إلى شواطئ التخصص في علم النفس . وهذا تحول مهم في دائرة تفكير مالك .فقد إستندت إلى إطروحات عالم النفس الروسي ” إيفان بافلوف ” (1849 – 1936) في بيان أسباب تمزق شبكة العلاقات الإجتماعية ، ومن ثم الإيذان بدخول الحضارة مرحلة الإفول (المصدر السابق ، ص ص 60 – 61) .

إتجاه البطولة والأبطال في تفسير التاريخ

   حقيقة كان هذا الشكل من التفسير لأحداث التاريخ ، حاضراً في الخطاب الثقافي الذي كتبه يراع المفكر مالك بن نبي . ولكن يبدو إن مالكاً لم يقبل بهذا الشكل من التفسير ، ولذلك قدم له نقداً وتقويماً ، على الرغم من إن صفحات التاريخ الإسلامي متخمة بقصص الأبطال والبطولة . فقد ذهب مالك إلى وصف هذا التفسير بكونه ” إسطوري ” وذلك لأن الأبطال على حد عبارات مالك ” أقرب إلى الإسطورة ” منها ” إلى التاريخ ” (مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 22) . ولأن الأبطال حسب فهم مالك ” يقاتلون من أجل الطموح ، وإكتساب المجد ، وليس من أجل مجتمعاتهم ” (المصدر السابق) ولهذا جاءت رؤيته إلى البطل ، على إنه شبح أو ” كأنه حلم طواه النوم ” (المصدر السابق) .

الإتجاه الإجتماعي في تفسير التاريخ

   تداولت دائرة تفكير مالك هذا الشكل من أشكال التفسير للتاريخ ، وتعاملت معه وذلك لتمكينها من فهم الأحداث التاريخية وخصوصاً حركة الناس في الحياة ، وفهم الكيفية التي تتشكل فيها مواقفهم ودور الحدث التاريخي في إستقطابهم وتجمعهم . ويرى مالك إن الفهم الإجتماعي يقدم زاداً معرفياً فيه الكثير من الفائدة ، وخصوصاً في معرفة عوامل حركة التاريخ . وبالتحديد في فهم طرفي العملية التاريخية ؛ الإنطلاقة الأولى ونقطة التوقف والإفول .

  ونحسب إن مالكاً كان الرائد والحارث الأول في مضمار التفسير الإجتماعي لحركة التاريخ في دارنا الثقافية العربية المعاصرة ، وذلك عندما إعتمد على مقولتي ” تكون شبكة العلاقات الإجتماعية ” و ” تمزق شبكة العلاقات الإجتماعية ” (المصدر السابق ، ص 25) . حيث تصاحب الأولى البداية الحقيقية لنشوء المجتمعات والحضارة . وترافق الثانية لحظة تفكك المجتمعات ودخول الحضارة دائرة ” الإفول ” . ومالك يعتقد بأن هذا التفسير ينطبق على ” المجتمع الإسلامي ” (المصدر السابق ، ص 26) .

الإتجاه الوثني في تفسير التاريخ

   تعاملت دائرة تفكير مالك مع شكل أخر من أشكال التفسير لحركة التاريخ ونشوء أنماط من الحضارات . وهذا التفسير يمكن الإصطلاح عليه ” بالتفسير الوثني للتاريخ “. والحقيقة إن مالكاً إعتمد على مفهوم ” الوثنية ” معياراً فسر على أساسه أسباب توقف نسغ الحضارة ، وتحول معطياتها إلى صور من الذاكرة ، والتي إختارت لها مكاناً في الذمة التاريخية . كما ويستند إلى مفهوم الوثنية من أجل فهم الإنكسارات والإنحرافات الحادثة في مسيرة الشعوب ، والتي تؤدي إلى شطب مساهمتها في البناء الحضاري الإنساني .

     وينهض هذا الشكل من التفسير على مفهوم ” الوثنية ” ، والذي يعني ببساطة إن ” الفكرة ” ولأسباب ما تتوقف من فعلها الروحي المؤثر ، وتتحول إلى ” صنم ” أو ” وثن ”  (المصدر السابق ، ص 36) . والحاصل من كل هذا إن هذا الصنم يجر معه الأحداث وأفعال الناس والوقائع الإجتماعية وما يتعلق بها من عادات وطقوس وتقاليد ،  إلى دائرة التحجر والإنجماد ، فتدخل الحياة والحضارة بداية في مأزق  ومن ثم الإفول وذمة التاريخ .

تعقيب ختامي

 كتب المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي العديد من النصوص التي تناولت التاريخ وفلسفته . حقيقة ان هذه النصوص بينت بصورة واضحة حجم المثابرة المالكية ، الساعية الى تحويل التاريخ ، وعلى الادق التاريخ الاسلامي ، موضوعا للتأمل الفلسفي . ولعل الحاصل من ذلك مواقف مالكية ، تكشف عن فعل متابعة ، وبعض الاحيان أستحواذ لاراء فلاسفة التاريخ والحضارة ، على الاطروحة المالكية هذا من طرف . وفيها من طرف اخر ، الكثير من الانتاج والريادة والتكييف مع المنهج الذي انتخبه مالك في دراسة التاريخ  ، ومساهمته في صياغة فلسفة خاصة به .

    ان ما كتبه مالك في التاريخ والحضارة وفلسفتهما ، يشكل ” ظاهرة معرفية ” في الدار الثقافية العربية . وان قراءة افادات هذه الظاهرة ، تبين لنا بأن مالك قد وفر للقارئ ، ومن ثم للباحث ، زادا معرفيا واسعا ، تعرضه جمل مختصرة ، تتجاور في داخل ابنيتها اراء مدارس متنوعة في فلسفة التاريخ . وكذلك تتقابل فيها نتائج ابحاث ، انجزها فلاسفة ومؤرخون كان لهم حضورا في دائرة الثقافة الغربية . في حين غابت بشكل ملحوظ مدارس فلسفية أخرى في التاريخ .

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / ربيع – خريف 2013

—————————————————————————————

(4)

حضور فيلسوف التاريخ ” هرمان دي كيسرلنج “

                في خطاب مالك بن نبي

1

  إهتم المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي ، بشكل ملفت للنظر بفيلسوف التاريخ الألماني الكونت  ” هرمان كيسرلنج ” (1880 – 1946) . حيث لاحظ الباحث  تصدر إطروحة  ” كيسرلنج ” والمعنونة ” الفكرة الدينية في التاريخ ” الواجهة المهمة من العمارة الفلسفية المالكية ، بل إنها إحتلت مكاناً غير إعتيادي في الخطاب الذي كتبه مالك في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . والحقيقة إن فيلسوف التاريخ ” كيسرلنج ” قد تناولها بالدراسة والبحث في كتابه المعنون ” البحث التحليلي لأوربا ” كما ورد في نصوص مالك (أنظر: مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 13) . ولا أعرف إن كان هذا العنوان هو عنوان الترجمة الفرنسية التي قرأها مالك أو كان عنواناً لإحدى المقالات الفرنسية التي تناولت كتاب كيسرلنج بالتحليل والتي إطلع عليها مفكرنا مالك .

  ولكن من طرفنا الأكاديمي نشعر بمسؤولية التدقيق في العناوين  وهي في الحقيقة مسؤولية وضعها مالك على عاتقنا وذلك عندما كان يدقق في الأسماء ومسمياتها . فقد كان حريصاً على تسميةالأشياء بأسماءها الحقيقية بحيث لا تترك مجالاً للغموض وساحة معتمة قابلة للتأويلات المتعارضة . ومن هنا  نحسب إنه من الضروري أن نخبر القارئ والباحث في مضماري فكر بن نبي وفلسفة التاريخ . بأن عنوان كتاب كيسرلنج في ترجمته الإنكليزية ، لم يحمل أية إشارة إلى ” بحث تحليلي ” وإنما جاء بعنوان عام هو ” أوربا ” . أما االمنهج الذي إستخدمه كيسرلنج في كتابه هذا ، فكان منهج التحليل الطيفي لواقع الشعوب الأوربية المتنوعة . وقد أنجز ترجمته الإنكليزية الأكاديمي الروماني الأصل ، والبريطاني الولادة والأمريكي الجنسية ” موريس صمويل ” (1895 – 1972) والتي نشرته دار هاركورت في نيويورك عام 1928 . ولكن عندما عدنا إلى قوائم كتب الفيلسوف كيسرلنج بالألمانية ، وجدنا إن عنوان الكتاب جاء بالشكل الأتي :

    أي ” طيف (موزائيك) أوربا ” Das Spektrum Europas 

 ولكن الباحث وجد نشرة للكتاب باللغة الفرنسية ، جاءت بالعنوان الأتي :

Analyse Spectrale de l’Europ

مما يدل على إن المفكر الإسلامي ، إعتمد على عنوان الترجمة الفرنسية ، التي فيها الإشارة واضحة إلى ” تحليل طيفي لأوربا ” أو كما ترجمه مالك ” بحث تحليلي لأوربا ” . وكذلك لاحظنا إن إسم الفيلسوف الذي ظهرت فيه لفظة ” دي ” جاء من الترجمة الفرنسية وليس من الأسم الألماني للفيلسوف الكونت كيسرلنج .والحقيقة إن مالكاً أعلن صراحة ودون تردد على تبني فكرته ، وذلك لأنه وجد فيها إمكانية تطبيق على التاريخ والحضارة العربية الإسلامية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي / الفصل الرابع من كتابنا المعنون “الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي “) .

 يهدف هذا المقال إلى :

أولاً – التعريف بشخصية فيلسوف التاريخي الألماني كيسرلنج ؛ إنساناً ومؤلفاً وفيلسوفاً . وبالتأكيد من وجهة نظر المصادر الإنكليزية وما ترجم إليها .

ثانياً – التأمل من زاوية فلسفة التاريخ في رائعة كيسرلنج ” أوربا ” في عنوانها الإنكليزي ، والتي أسماها مالك بن نبي ” بحث تحليلي لأوربا ” .

ثالثاُ – تحديد مكانة كيسرلنج في الخطاب الذي كتبه مالك في مضماري فلسفة التاريخ والحضارة .

رابعاً – مناقشة الأسباب التي حملت بعض الأكاديميات العربية والباحثين الأكاديميين فيها إلى شطب الإطروحة الكيسرلنجية من أطروحات طلبتها للدكتوراه ، وهي الجزء الذي يعتز به المفكر الإسلامي مالك بن نبي وأعلن صراحة عن تبني فكرته وعمل بكل صدق على تطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين .

هرمان كيسرلنج : إنساناً وفيلسوفاً

  جاء الفيلسوف الألماني ” هرمان الأسكندر كريف وهو لقب أرستقراطي) كيسرلنج ” من عائلة ألمانية إرستقراطية ثرية جداً . وكانت تسكن في السواحل الشرقية من بحر البلطيق ، والتي تشكل اليوم أراضي كل من دولتي إستونيا ولاتفيا (للتفاصيل راجع : كريستين أريك ؛ الحملات الصليبية الشمالية : سكان الثغور البلطيقية والكاثوليكية من عام 1100 وإلى عام 1525 ، والمنشور بالإنكليزية عام 1980) . ولد الطفل هرمان (في 20 تموز عام 1880) في قرية كونو التابعة إلى منطقة برنا التي كانت خاضعة للإمبراطورية الروسية يومذاك (واليوم هي جزء من دولة إستونيا) .

  ويحمل الفيلسوف هرمان كيسرلنج لقب ” الكونت ” أو ” كريف  ” باللغة الألمانية . ووفقاً لرواية ولده البروفسور والرمز الروحي ” إرنولد كيسرلنج ” ، فإن هذا اللقب المضاف إلى إسمه ، هو لقب توارثته العائلة منذ إن كانت تعيش في الريف البلطيقي من إستونيا ( البروفسور كيسرلنج (الإبن) : الكونت هرمان كيسرلنج : الفيلسوف ومؤسس مدرسة الحكمة / موقع إلكتروني / تحديث تموز 2010) .

   وبحكم مكانة عائلته الإرستقراطية فقد حصل على تعليم أكاديمي عالي . حيث ذكر كتاب سيرته ، إلى إنه إلتحق بعد تعليمه الثانوي بعدة جامعات مرموقة مثل جامعة تارتو (يطلق عليها اليوم جامعة إستونيا) ، وجامعة هيدلبيرك وهي من أقدم الجامعات الألماني (فقد تأسست عام 1386) وهي واحدة من أربعة جامعات أسستها الإمبراطورية الرومانية المقدسة . ومن ثم تابع دراساته الأكاديمية في جامعة فينا (وهي من أقدم الجامعات الألمانية في النمسا والعالم الذي يتكلم الألمانية على حد سواء ، فقد أسسها الدوق رودلوف الرابع عام 1365) . وكان مولعاً بالعلوم الطبيعية والفلسفة .

    ولاحظ الباحثون في سيرته الذاتية إلى إنه إنخرط قبيل الحرب العالمية الأولى في عدة فصول جامعية لدراسة الجيولوجيا . وإنه خلال هذه الفترة كتب العديد من المقالات التي تدور في مضمار ثقافة الجمهور . ومن ثم قام برحلات حول العالم ، إتصل خلالها بشعوب وثقافات متنوعة ، كان لها الأثر في تكوين أفقه الفلسفي الإنساني المنفتح ،  والتي كانت بدورها المحرك في تأسيسه لمدرسة الحكمة ، والتي ضمت بالإضافة له عدداً من المفكرين الذين سيكون لهم شأن في تكوين الأفاق الثقافية والمعرفية لعالم القرن العشرين .

  ولهذا ينظر الباحثون إلى هرمان كيسرلنج بتقدير عال ، وذلك لكونه أول مفكر غربي أعلى من مكانة ” الثقافة ” وسعى إلى تعزيز دورها بعيداً عن النزعات ” القومية ” و ” الإثنية ” . ودعا إلى الإعتراف بالثقافات والفلسفات ” اللاغربية ” . وإن تكون لها قيمة متساوية وعلى قدم وساق مع الثقافة الغربية (أنظر: البرفسورأورلوند كيسرلنج ؛ المصدر السابق) .

  وفي العام 1911 قام برحلة حول العالم ، والتي صرف فيها سنة كاملة من حياته . ومن ثم تفرغ لمدة ست سنوات لاحقة للكتابة عن التجارب التي ضمتها هذه الرحلة ، والتي نشرها بعنوان ” يوميات رحلة الفيلسوف ”  . وهي بالتأكيد رحلة روحية كما يصفها هرمان (البرفسور كيسرلنج (الإبن) ؛ المصدر السابق) . 

  وحملت الثورة الروسية التي حدثت في العام 1917 ، والتي أنهت حكم القياصرة ، وقادت إلى قيام الإتحاد السوفيتي ، حملت معها أثاراً مؤذية على هرمان كيسرلنج . فقد حرمته الثورة من ممتلكاته في لفونيا (وكانت جزء من الأمبراطورية الروسية ، اليوم تقع أجزاء منها في إستونيا وأجزاء في لاتفيا) ، وعلى الرغم من خسارة ممتلكاته بعد قيام الثورة الروسية ، فإنه إستثمر ما تبقى لديه من ثروة في تأسيس مدرسته الشهيرة التي عرفت بمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة ،  وذلك في العام 1920 والتي أقامها في مدينة دارمشتات التي تقع في الطرف الجنوبي من منطقة الراين .

   ووفقاً لرأي البروفسور كيسرلنج ، فإن مدرسة الحكمة نهضت على أسس مدارس الحكمة الأصلية التي إنتشرت قبل ألفين سنة في شمال الهند  والتي كانت خاضعة للقواعد التي وضعها “ بوذا ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة الحكمة ومكانتها الروحية في الغرب / قيد الإنجاز) . ولعل من النافع أن نشير إلى إن كيسرلنج الإبن يرى إن والده يختلف عن المتداول اليوم من الزعماء الروحيين . فهو لم يضع نفسه في مكانة عالية كقائد روحي أو ” كورو ” ، كما إنه لم ينشأ طائفة مرتبطة بإسمه . بل على العكس من ذلك شجع المشاركة المتساوية للجميع ، ومن ضمنهم أصدقائه كل من عالم النفس ” كارل يونك ” (1875 – 1961) ، وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم (1873 – 1930) ، وشاعر الهند الكبير طاغور (1861 – 1941) والروائي هرمان هس (1877 – 1962) (المصدر السابق) .

   كما كانت وظيفة المدرسة التركيز على الإهتمام بالجانب الفكري (العقلي) الألماني ، والدعوة إلى الإنفتاح الألماني على العالم ، والأخذ بالمبادئ الديمقراطية ، وذلك لأن الفيلسوف هرمان تيقن بأن النزعة الألمانية العسكرية قد ماتت وطوتها روح العصر. وإن الأمل الوحيد أمام ألمانيا هو تبني النزعة العالمية والأخذ بمبادئ الديمقراطية . ولعل أثر رحلاته حول العالم  ، هو الذي منحه هذا الأفق العقليً الجديد ، ولذلك تطلع أن يكون أفقاً ألمانياً جديداً . وإن الشاهد على ذلك كتابه المعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” والتي تصف رحلاته إلى أسيا وأميركا وجنوب أوربا (المصدر السابق) .

علاقة كيسرلنج بالفلاسفة الغربيين

  ومن النافع الإشارة إلى إنه كانت للفيلسوف هرمان كيسرلنج ، علاقات حميمة مع عدد من مشاهير الفلاسفة الغربيين يومذاك ، والذين سجلوا حضوراً في الخطاب الثقافي المعرفي الذي كتبه المفكر الإسلامي مالك بن نبي . و من أمثال هؤلاء الفلاسفة ،  الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” (1872 – 1970) . فقد أشار الباحث ” أورمز ستورب ” إلى إن زيارة الفيلسوف البريطاني إلى إستونيا في عام 1920 . ولكن هذا لايعني إنها دشنت مرحلة إتصال أولى بين فيلسوف السلام والمفكرين الأستونيين ، بل إن علاقتاته مع الفلاسفة الألمان من إصول بلطيقية تصعد إلى فترة أبعد من ذلك بكثير . فقد كانت له علاقات  متقدمة زمنية على زيارته مع الكونت هرمان كيسرلنج ، وأخته الكونتيسة ” لوني كيسرلنج ” (1887 – 1845) . وهي تحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هيدلبيرك عام 1912  ، وكان عنوان إطروحتها ” التطورات الدينية والسياسية .. ” والتي نشرت في هيدلبيرك شتاء العام 1913 في كتاب بعنوان ” التطورات الدينية والسياسية للفترة 1816 – 1820″ . ومن ثم أصبحت أستاذاً للفلسفة في جامعة شنغهاي .

  ويرجح الكاتب إلى إن العلاقات الشخصية بين رسل وآل كيسرلنج تعود إلى عام 1903 ،  فقد ذكر الفيلسوف هرمان في سيرته الذاتية ، إلى إنه في  هذه الفترة كان يعيش في فينا ، ومن ثم في باريس ، ومن هناك قام بزيارة إنكلترا (أنظر : أورمز ستورب ؛ برتراند رسل في إستونيا ، نشرة معهد اللغة الإستونية / وكذلك منشور في مجلة دراسات برتراند رسل ، مركز بحث برتراند رسل – جامعة ماكمستر (كندا) / العدد 26 صيف 2006 ، ص 55 ، 60 وما بعد) .

  وفي رسالة تعود إلى 30 أب 1916 ، بعثتها الفيلسوفة ليوني كيسرلنج إلى الفيلسوف برتراند رسل . تقول فيها :

  أخي وأنا قد إنتهينا تواً من قراءة كتابك ” العدل زمن الحرب ” . ونحن نعبر عن إعجابنا وتقديرنا (وبعد تفاصيل ومدح للكتاب ، ومناقشة للسياسات العالمية .. ) تقول :

إن حديثي معك يبقى من أهم الذكريات الإنكليزية .

(ومن ثم تسأله عن بنت أخته كارين كوستلو) ( المصدر السابق) .

  هذا فيما يخص الفيلسوف البريطاني وعلاقته بالفيلسوف هرمان كيسرلنج ، ويبدو إن علاقتهما أخذت بعض الأحيان مداً وجزراً . أما علاقته بالفلاسفة الغربيين الأخرين ، فقد ذكرهم عندما إسترجع ذاكرته فقال :

في الفترة التي عشت فيها في فينا وباريس ، غالباً ما أسافر وألتقي ببعض الشخصيات الروحية في أوربا  ” (المصدر السابق ) من أمثال ” برغسون ” (1859 – 1941) ، ” جورج سايمل ” (1858 – 1918) وهو فيلسوف كانطي ، ” ولثير راثينو ” (1867 – 1922) وهو سياسي ووزير خارجية ألمانيا خلال جمهورية فايمر ، والأخوين عالمي الإجتماع ماكس (1964 – 1920) والفريد فايبر (1868 – 1958) ، والفيلسوف الفرنسي ” أميل بوترو ” (1845 – 1921) ، والفيلسوف البراجماتي ” فيرديناد سكوت شيلر ” (1864 – 1937) ، والفيلسوف الإيطالي ” بينيدتو كروتشه ” (1866 – 1952) .

  أما الحديث عن كيسرلنج المؤلف ، فهو موضوع له طعم خاص . وهذه قصة سيتناولها المبحث القادم والذي سيبين خلالها ؛ كم كان مالك بن نبي مفكراً إنسانياً راقياً ، فهو لم يتردد لحظة في الأخذ بالحق من أي معسكر فكري كان والإعتراف به . وبذلك جسد لنا صورة من الصدق ، وخصوصاً الصدق في البحث الأكاديمي ؛ منهجه وآلياته وآمانته وموضوعيته . ولكن مع الأسف إن إثنين من الأكاديميات العربية المشهورة ، قد أجازت بحثين للدكتوراه  فيهما تجاوز صارخ على المنهج الأكاديمي ، خصوصاً حين تم شطب الإشارة إلى فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” الكونت هرمان كيسرلنج ” . وذلك لأنهما ومن منطلق فكراني ، حسبا إن في الإشارة إلى كيسرلنج ما يضعف الإطروحة المالكية في مضمار التاريخ والحضارة الإسلاميين . وهذا شاهد على إن مالك بن نبي كان يفكرفي الطوابق الإنسانية العالية ، في حين إن الأبحاث الأكاديمية العربية التي أنجزت عنه وعن فلسفته في الحضارة والتاريخ كانت قد تمت في مناخات أكاديمية عاجزة عن قول الصدق والإلتزام بالآمانة والموضوعية الأكاديمية ..   

2

  أن الحديث عن كيسرلنج المؤلف ، حديث له طعم خاص إذا ما تم النظر إليه من زاوية المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي ، والذي أعلى من مكانته كفيلسوف للتاريخ والحضارة ، وأعلى من مكانة كتابه الرائد ” موزائيك أوربا ” أو كما أسماه مالك إعتماداً على الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب ، والتي جاءت بعنوان ” البحث التحليلي لأوربا ” .

   صحيح إن الفكرة الدينية التي طبقها كيسرلنج على التاريخ والحضارة الأوربية كانت حاضرة ومهيمنة في الخطاب الفلسفي التاريخي الحضاري المالكي . وذلك من خلال الإعلان المالكي بالتبني لها ، ومن خلال الإدراك المالكي بأن هناك إمكانية على تطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين . ولكن صحيح جداً إن هناك أشياء كثيرة غابت عن الخطاب الثقافي المعرفي الذي كتبه مالك بن نبي . وهذا المقال فيه معالجة للحاضر من فكر كيسرلنج ، وفيه تعريف للقارئ في الجوانب التي غابت لحظة الكتابة عن قلم المفكر التنويري مالك بن نبي .

التجارب الكتابية الأولى وإمتهان حرفة الكتابة

   بدأ الشاب هرمان الكتابة وهو في مرحلة التعليم وإكتساب المعرفة الأكاديمية . فمن الملاحظ إنه كتب العديد من المقالات ، يوم كان طالب علم جامعي . وفعلاً نشر مقالات تصب في مضمار ثقافة الجمهور . كما نشر في مضمار الفلسفة كتاباً في غاية الأهمية ،  وكان بعنوان ” شوبنهور  ” والذي قامت بنشره دار إكيروات عام 1910  . وهذا الكتاب شاهد أولي يساعد في  فهم دوافع كيسرلنج في الرحلة إلى الشرق ، ومن ثم الإهتمام بالفلسفة الهندية (وبالتحديد البوذية) . فالفيلسوف شوبنهور كان من أوائل الفلاسفة الألمان الذي إهتموا بالفلسفات الشرقية وعلى الأخص البوذية منها .

   الحقيقة إن الفيلسوف هرمان لم يفكر يوماً بإمتهان الكتابة حرفة له ، وذلك بحكم مكانته الإجتماعية وثرواته الطائلة . إلا إنه بعد إن فقد ممتلكاته بقيام الثورة الروسية ، وبعد سنوات من الترحال والكتابة الهادئة  ، فر من بلده إستونيا ولاذ لاجئاً في مكان ” فقير ” في ألمانيا . صحيح إنه رجل فكر وصاحب مهارات فكرية عالية .  وصحيح إنه كان يدير ممتلكاته الكبيرة دون صعوبات ، إلا إنها كانت روتين متوارث وإدارة تقليدية . إن ما كان يعوز هرمان هو مهارات إدارة الأعمال . ولهذا عاش في محنة مالية فيما بعد ، حملته على إمتهان الكتابة حرفة للعيش والإرتزاق .

  ومع كتاباته ، كما يصفها البروفسور كيسرلنج الإبن ، سيختبرالعالم أعمالاً فكرية هي من نتاج عقل لم ير مثله من قبل . فالفيلسوف هرمان ، رجل من نخبة نبيلة و صاحب ثقافة عالية ، ولم يكتب للإعلان والترويج . بل إن كتاباته تعكس الصدق والموضوعية ، فهو ” كاتب عضوي ” بلغة شبنجلر ، وليس ” منظف أتربة أكاديمي ” وهذا الجانب هو الذي حمل المفكر مالك بن نبي أن يتبنى منهجه ويعلن عن إمكانية تطبيقه على التاريخ والحضارة الإسلاميين .(يذكرني هذا الإصطلاح بزميل أكاديمي سابق ، فقد عمل منظف أتربة أكاديمي طوال العمر ، ولم يتطور وينقلب على هذا المنهج ، فهو يراسل الزملاء ويطلب منهم كتابة سيرهم ، وإن كل ما يعمله إضافة سطور فقط عن علاقته بهم ،  ومن ثم يقوم بنشرها ويعدها لعمل موسوعي ، فيأتي مقال الأستاذ المؤرخ كشكول غير مؤتلف . وإن المظلوم فيها هو القارئ البرئ الذي سلم أمره للكاتب وأمن بصدق رسالته وموضوعيتها) .

   ولهذا ستلقى  كتابات الفيلسوف هرمان كيسرلنج صدى في الواقع الثقافي العام وفي الدوائر الثقافية النخبوية الخاصة . ولذلك عاش الكونت كيسرلنج حالة إندهاش كبير عندما أصبح كتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” من أكثر الكتب مبيعاً في المكتبات . فكانت إستجابة الجمهور لكتاباته ملفتة للنظر . فتحول الكونت إلى مؤلف مشهور في عالم كتب الفلسفة ، خصوصاً في أسواق عالم الكتب في العالم . ومن النافع أن نذكر القارئ بأن هذا الكتاب الفلسفي الروحي الكبير قد غاب عن الخطاب الثقافي المعرفي ، ولم يلتفت إليه المفكر الإسلامي مالك بن نبي .

   ومع نشوة الشهرة   وبالتحديد في العام 1919 تزوج من ” جوديل  بيسمارك ” وهي حفيدة رجل الدولة والسياسي الشهير ” أوتو إدوارد بيسمارك ” (1815 – 1898) (أنظر: أريك أيسك ؛ بيسمارك والإمبراطورية الألمانية / منشور بالإنكليزية عام 1964 / ص ص 58 – 68) . والتي ستكتب بعيد وفاة مؤسس مدرسة الحكمة كتاباً مهماً عن زوجها الفيلسوف هرمان كيسرلنج .

جريدة مؤلفات الفيلسوف كيسرلنج

    إن الحديث عن الحاضر والغائب في الخطاب الثقافي المعرفي عند مالك بن نبي يتطلب منا الإشارة إلى إن الفيلسوف هرمان بدأ في نشر مجموعة مؤلفات (وهنا نشير إلى طبعاتها الإنكليزية والتي نقترح ترتيبها بالشكل أدناه) منها :

1 – الشرق والغرب : بحث عن الحقيقة المشتركة ، نشرة مطبعة شنغهاي ، شنغهاي 1912 .

2 – في الإعتقاد ، نشرة مطبعة فاستا ، مادرس 1912 .

3 – بعض الإقتراحات حول الثيوصوفيا (منا = هي طريقة الكشف الصوفي لمعرفة الله) ، مادرس 1912 .

4 – الهرمونيا ، نشرة فيشر ، برلين (؟191) (وهو في الموسيقى) .

5 – مقالات سياسية لعدد من الكتاب ، نشرها بالإشتراك مع فون كليشنروسورم ، دارمشتات 1919 .

6 – من السيرة الذاتية وقائمة بالأعمال ، دارمشتات 1919 .

7 – السلام أو الحرب الدائمة ، بوسطن 1920 .

8 – الكونت هرمان كيسرلنج (بالألمانية) ، نشرة دار مينر ، لايبزك 1923 .

ونحسب إن هذه المؤلفات قد ضمت بين دفتيها مانشره الفيلسوف هرمان كيسرلنج من مقالاته السابقة . ولكن نقطة التحول في مضمار الكتابة ، حدثت مع كتاب يوميات .

9 – يوميات رحلة الفيلسوف ، ترجمة هولرويد ريس ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1925 (وهو سيرة ذاتية) . ومن النافع أن نشير إلى إن الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” قد قرأ هذه اليوميات . كما ولاحظ الباحث إن هذا الكتاب ظهر في طبعة دار بيهفن – بومباي 1959 بعنوان فيه تخصيص جغرافي محدد : يوميات رحلة الفيلسوف إلى الهند .

10 – ملاحظات هرمان كيسرلنج إلى لويس مامفورد ، نشرة أليسون شيلي للمخطوطات 1926 .

   وهي مجموعة ملاحظات (وهناك من يعتقد رسائل) أرسلها كيسرلنج إلى لويس مامفورد . وقد كتبها في دارمشتت الألمانية في 22 نوفمبر 1926 ، وفيها شكر لمامفورد على الكتاب ، وعبر عن رغبته في زيارة إنكلترا ، (ربما) في شتاء 1928

11 – كتاب الزواج ؛ تفسير جديد ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1926 . وعندما طلب هرمان من رسل أن يشارك في هذا الكتاب ، رفض الأخير العرض معللاً ذلك ، بأنه ليس خبيراً في الموضوع ( أنظر : برتراند رسل في إستونيا ، ص 63 ويبدو إن هناك تعارض بين رؤية رسل التحررية ، ومنظور كيسرلنج المحافظ) .

12 – أبجدية الحياة ، نشرة 1926 .

13 – تحرير أمريكا ، نشرة دار هاربر ، نيويورك 1929 .

14 – عالم في إطار التكوين ، ترجمة موريس صمويل ، دار هاركورت ، نيويورك 1927 .

15 – أوربا ، ترجمة موريس صمويل ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1928 . ومن المهم أن نشير إلى إن الفيلسوف الإنكليزي ” برتراند رسل ” قد قرأ هذا الكتاب وعلق عليه (أنظر : أورمز ستروب : برتراند رسل في إستونيا ، ص 63) .

  وهذا هو الكتاب الذي سجل حضوراً غير إعتيادي في الخطاب الذي كتبه مالك بن نبي في مضماري فلسفة التاريخ والحضارة ، وأعلن صراحة عن تبني فكرته وسعى إلى تطبيقها على التاريخ الإسلامي ، مثلما طبقها كيسرلنج على تاريخ أوربا المسيحية. ولعل دور الفكرة الدينية في التاريخ والحضارة ، كانت الافع وراء تبني مالك لكيسرلنج ومنهجه الفلسفي على التاريخ والحضارة الإسلاميين .

16 – الفهم الخلاق ، دار هاربر ، لندن – نيويورك 1929 .

17 – إكتشاف الحقيقة ، بالإشتراك مع بول فوهر ، دار هاربر ، لندن – نيويورك 1929 .

18– تأملات في أمريكا الجنوبية ؛ الجحيم والفردوس في روح الإنسان ، بالإشتراك مع تيريسا دورر ، نشر دار هاربر ، لندن – نيويورك 1932 .

19 – مشكلات الحياة الشخصية ، بالإشتراك مع السيدة مرسيدس باركس ، لندن 1934 .

20 – ذكريات في غاية الأهمية ، كلكتا 1937

21 – فن الحياة ، بالإشتراك مع ك . أس . شلفنكار ، دار نشر بلاونت ، لندن 1937

22 – النشاط الصامت ، ترجمة باتكريانا كوش 1937 .

23 – الأزلية ؛ نقد للعلاقات بين عمليات الطبيعة وأفكار الإنسان عن العالم ، بالإشتراك مع جين مارشل ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن – نيويورك 1938.

24 – من العذاب وإلى الإنجاز ، بالإشتراك مع جين مارشال ، نشرة دار بيتموستر ،

لندن 1938

25– ماذا يعني السود إلى أمريكا ، بلا مكان وتاريخ الطبع .

26 – إقتصاديات العمل والعلاقات الصناعية : الأسواق والمؤسسات ، بالإشتراك مع بول ستودهار ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1994 .

وبالتأكيد هناك كتب أخرى بالألمانية . كما إننا فضلنا ترك الكتب التي شارك في تأليفها مع جماعة رواد مدرسة الحكمة ، وهذا موضوع له قصة مختلفة سنخصص لها مقال خاص . حقيقة إن هذه الجريدة من المؤلفات الكيسرلنجية كانت جميعها غائبة ، ما عدا كتاب المغامرة الفلسفية الحضارية ” موزائيك أوربا ” التي إحتفل بها الخطاب الثقافي المعرفي المالكي بصورة ملفتة للنظر .

وقفة تأمل أمام عتبات ” يوميات رحلة الفيلسوف “

  شكل كتاب هرمان كيسرلنج الأول والمعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” إنجيلاً فلسفياً لمدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج . وقد أشرنا أعلاه إلى إن نشرة الكتاب في مطبعة بيهفن – بومباي ، قد ظهر بعنوان جغرافي محدد ، وهو ” يوميات رحلة الفيلسوف إلى الهند ” . ولما كان هرمان قد توفي عام 1946 ، وإن طبعة بومباي كانت عام 1959 ، فلهذا الحال نحسب إنه لا يوجد مجال لمعرفة درجات رضاء هرمان على هذا التخصيص الجغرافي لرحلته الفكرية . وكذلك فإننا لم نسمع من أرملته تعليقاً أو تحفطاً وهي التي أكملت ” ميمواره ” أي سيرته الذاتية .  كما ولم نعثر على شئ مفيد من ولده البروفسور أرنولد كيسرلنج بخصوص نشرة بومباي .

   إن كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” قد صرف من حياة كيسرلنج سبعة سنوات ، سنة كاملة كانت الرحلة البحرية ، وست سنوات قضاها في التأمل في دروس الرحلة الروحية ومن ثم كتابة اليوميات . وهذا الكتاب وكتاب ” موزائيك أوربا ” يعدان من المغمارات الفكرية المتفردة في القرن العشرين ، وقد جرى الكتاب والفلاسفة في التاريخ على مقارنتهما بكتاب ” إسوالد إشبنجلر ” المعنون ” ساعة القرار” .

  صحيح إن مدرسة الحكمة ونشاطاتها الفكرية وفعل روادها في الحياة الأوربية قد غابت في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . ولكن من الصحيح إن الطريقة التأملية لمدرسة الحكمة التي أسسها وقادها الفيلسوف هرمان كيسرلنج كانت في روحها بوذية . وصحيح إن أصول مدرسة الحكمة ، تعود إلى مدارس الحكمة القديمة والتي كانت منتشرة في شمال الهند قبل أكثر من ألفين سنة وخاضعة لقواعد وضعها بوذا . إضافة إلى إن واحداً من رواد مدرسة الحكمة ، هو شاعر الهند الكبير طاغور . أما الرواد الآخرون ، فهم كل من عالم النفس كارل يونغ ، وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم ، والروائي هرمان هس . فإنه من الصحيح كذلك إن الروح البوذية كانت مكشوفة ومتخفية بين سطور كتاب ” موزائيك أوربا ” الذي إعتنى به مفكرنا مالك بن نبي .

   ولهذا الدور الذي لعبته البوذية ، نحسب إنه من السذاجة الأكاديمية في الوطن العربي ، أن يُحسب الفيلسوف كيسرلنج فيلسوفاً تحركه فكرانية مسيحية . ولذلك وجدت إنه من العيب الفكري والعقيدي السماح للباحثين الأكاديميين في فكر مالك بن نبي من تناولها وحتى إن أشار إليها مالك صراحة ، وأعلن بقلمه إنه ساعي على تبنيها وتطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين . ولذلك جاء القرار الأكاديمي العربي يومذاك مع الأسف ، إنه من أجل السلامة الأكاديمية ، يحبذ شطب كل ما له علاقة بالفيلسوف كيسرلنج وكأن شيئاً لم يكن .

   لقد عرف مالك إن كيسرلنج كان صادقاً كل الصدق في وصف دور الفكرة الدينية عندما طبقها على التاريخ والحضارة الأوربيين . وكان مالك بدوره صادقاً كل الصدق في التبني للفكرة الدينية والسعي إلى تطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين .  

3

الغائب والحاضر

   في البدء سؤال : ما هو الغائب وما هو الحاضر من مؤلفات فيلسوف التاريخ الألماني كيسرلنج في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ؟ لاحظ الباحث إن مؤلفات مالك بن نبي قد غيبت معظم مؤلفات فيلسوف التاريخ الألماني ” هرمان دي كيسرلنج ” . ولم تحتفل إلا بكتاب واحد ، هو  ” موزائـيك أوربا ” . ونحسب إنه كان في إمكان المفكر الإسلامي التويري أن يستثمر الكثير الكثير من الإطروحات الكيسرلنجية التي ضمتها القائمة الطويلة من مؤلفات هذا الفيلسوف المتفرد . ورغم هذا الحال ، فإننا نشعر إن الحظ كان في صف القارئ العربي ، وذلك حين إهتم فيلسوف التاريخ والحضارة مالك بن نبي ، بكتاب كيسرلنج موزائيك أوربا ، وحتظنه وسعى إلى تطبيق فكرته على التاريخ والحضارة الإسلاميين . وللحقيقة والتاريخ نقول إن مالك بن نبي كان المفكر العربي الوحيد الذي ذكركتاب موزائيك أوربا ومؤلفه كيسرلنج وقدمه للقارئ العربي منذ إن نشر كتابه شروط النهضة .

    لقد ظلت الكتابات العربية المعاصرة تعتمدعلى الإشارات التي كتبها مالك بن نبي عن موزائيك أوربا ، بل وكانت عيالاً عليها ، ولم تستطع أن تتقدم في مجال البحث الكيسرلنجي في دائرة الثقافة العربية ، خطوة أبعد مما فعل مالك بن نبي . واليوم كاتب السطور يقدم الحلقة الثالثة (والأخيرة) من التعريف بهذا الفيلسوف الألماني الذي إستسلم له قلم المفكر الإسلامي وأعلن صراحة عن تبني فكرته ومن ثم طبقها في مضماري التاريخ والحضارة . وهنا أُجدد دعوتي مرة أخرى لأقسام الفلسفة في الجامعات العربية ، وأحثها على توجيه أنظار طلبتها من الجيل الجديد من الباحثين إلى الإهتمام بفكر كيسرلنج وإنجاز رسائل ماجستير وإطروحات دكتوراه عن هذا الفيلسوف الذي خرج على التقليد الغربي ، وأعلن عن إنحيازه إلى ثقافات الشرق . ولهذا نحسب إن في بضاعته الفلسفية الكثير الكثير من الفوائد التي تُغذي ثقافتنا العربية المعاصرة ، خصوصاً إذا ما عرفنا بأنه كان الصديق الحميم لشاعر الهند الكبير طاغور . بل وإن الأخير كان واحداً من الرواد الروحيين لمدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج  (أنظر محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة الحكمة وروادها / سيظهر قريباً على موقع الفيلسوف)

رائعة كيسرلنج ” موزائيك أوربا ” من زاوية فلسفة التاريخ

   ترك هذا الكتاب أثاراً واضحة على الخطاب الذي كتبه المفكر التنويري مالك بن نبي  . ولعل الملفت للنظر والإستغراب ، هو إن إثنين من الأكاديميات العربية قد شطبتا  الإشارة إلى كيسرلنج وكتابه موزائيك أوربا ، من إطروحتين للدكتوراه  أنجزهما طالبان في محافلهما العلمية  . وذلك لأن المشرفين ولجنة المناقشة وجدوا في ذلك عيباً يضعف من الخطاب المالكي في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . في حين بالمقابل ودون الإنتباه إرتكبت هاتين الأكاديميتين مخالفة لمعايير البحث العلمي الموضوعي النزيه . كما إرتكبتا في الوقت ذاته خطأ أكاديمي أضعف من مقامهما الأكاديمي العالي ، ووضع منهجهما العلمي الأكاديمي موضع شك وتساؤل . وللقارئ نقول إن هاتين الأطروحتين قد تم كتابتهما في مصر ” عين شمس ” ولبنان ” الأوزاعي ” ، ومن ثم نشرت هاتين الأطروحتان في كتابين وهما متوفران في المكتبة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كيف نقرأ مالك بن نبي / سلسلة مقالات نشرها جريدة البلاد الغراء بدءً من عام 2004) .

   حقيقة لقد كان كيسرلنج قارئ موضوعي لأطياف أوربا والتي وجد من خلال منهج التحليل الطيفي ، إن فكرة المسيحية كانت المحرك في حياة وتاريخ وحضارة الشعوب الأوربية المتنوعة . لقد ذكرنا إن كتاب الفيلسوف هرمان كيسرلنج  موزائيك أوربا ، ظهر في الإنكليزية بترجمة موريس صمويل ، وقامت بنشره دار هاركورت ، نيويورك 1928 . 

    ويحسبُ كتاب “ موزائيك أوربا ” بعنوانه المتداول في الدراسات الأكاديمية الغربية أو على الأقل الإنكليزية ، من الروائع التي كتبها هرمان كيسرلنج في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . ولاحظ الباحث إن الأكاديميين الغربيين إعتادوا على عقد مقارنات ومقاربات بين رائعة الألماني كيسرلنج ” موزائيك أوربا ” (1928) ورائعة فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” إسوالد شبنجلر ” المعنونة ” ساعة القرار ” (1934) .

   صحيح جداً إن شبنجلر حقق شهرة واسعة بين الجمهور أكثر من كيسرلنج . إلا إن الأخير كان في السنوات الأولى من جمهورية فايمر(وهي الجمهورية الألمانية الجديدة التي قامت عام 1919  نتيجة لخسارة ألمانيا في الحرب العامية الأولى وإستمرت حتى عام 1933) معروفاً أكثر من شبنجلر (أنظر: توماس بيرتينو : كورو القارة (الرموز الروحية) ؛ أوربا كيسرلنج وساعة القرار لشبنجلر ، منشور على صفحات مجلة بروسلس الإلكترونية) . فالجمهور يتحدث كثيراً عن شبنجلر ، إلا إنهم يقرأون كيسرلنج ، صاحب الإسلوب العذب السيال .

   إن كتاب أوربا أو موزائيك أوربا يصدم القارئ ، وذلك بكثرة المقارنات التي تظهر الإختلاف والتنوع بين الشعوب والدول الأوربية . ويصدم القارئ بمنهج التحليل الطيفي الذي إستخدمه كيسرلنج . فمثلاً يصدم القارئ في المقارنة بين القومية والنزعة الفردية في واقع الشعوب الأوربية . فهناك تفرد متميز للشعوب والدول الأوربية من جانب . وهناك علاقات معقدة بين بعضهم البعض من جانب أخر . وهذا فعلاً ما أراد أن يقوله المفكر التنويري مالك بن نبي . ولكنه سكت بعد إن حفز القارئ العربي ودفعه إلى البحث عن موازئيك أوربا ، وذلك ليجد فيه زاداً روحياً مهماً لفهم واقع الشعوب العربية المتفرد ، ويفهم العلاقات المعقدة بين بعض العرب والعرب . إنها إلتفاتة رائعة من قبل المفكر الأسلامي في زمن كان من الصعوبة أن يتحث العربي للعربي بصدق وصراحة ، خصوصاً في صيغ المشاريع الوحدوية المفروضة من قبل جنرالات عسكرية ذات ذهنيات طوبائية ، لا علاقة لأحلامها الوحدوية الساذجة بواقع الشعوب العربية ..

  وعلى هذا الأساس يقدم كيسرلنج الحجة القائلة : إذا ما سعت أوربا إلى صياغة الوحدة أو الإتحاد الإداري . فإن الشرط الأول ، هو شطب هواجسها ومخاوفها من قضية الإختلاف والتنوع ، وأن يكون الطريق الوحيد أمام قيام الإتحاد ، هو طريق منح الحقوق الكاملة ، والإعتراف بالشرعية التامة لهذا الموزائيك للشعوب الأوربية (الإختلاف والتنوع) . كما إن كيسرلنج يفضل قيام حكومة أوربية شاملة . وإن تكون وظيفتها الرئيسة ، هو التوسط في فظ النزعات بين حكومات الشعوب الأوربية (أنظر : المصدر السابق) . إنه أمل وحلم كيسرلنجي خال من أية تفاصيل تُحدد الستراتيجيات والأليات . ولكن مع كل ذلك ، نُذكر  القارئ الكريم ، بأن هذا الحلم الكيسرلنجي قد أصبح اليوم واقعاً معيوشاً بعد قيام الإتحاد الأوربي .

  تألف كتاب موزائيك أوربا من مقدمة وعشرة فصول وفهارس . وجاء في طبعته الإنكليزية بالشكل الأتي :

1 – المقدمة (ص 1 – 10) .          2 – إنكلترا (ص 11 – 38) 

3 – فرنسا (ص 39 – 72) .          4 – أسبانيا (ص 73 – 94) . 

5 – ألمانيا (ص 95 – 150) .        6 – إيطاليا (ص 151 – 180) .

7 – هنغاريا (ص 181 – 220) .     8 – سويسرا (ص 221 – 250) .

9 – هولندا (ص 251 – 270) .      10 – السويد (ص 271 – 290) .

11 – دول البلطيق (ص 291 – 316) .  12 – دول البلقان (ص 317 – 346)

13 – أوربا (ص347 – 394) .      كما وضم الكتاب فهارس (ص 395 ومابعد) .

  هذا هو الكتاب الذي ألهم المفكر مالك بن نبي ، وهو الذي حمله على تبني فكرته ومن ثم وجد فيها إمكانية تطبيق على مضماري التاريخ والحضارة الإسلاميين . 

مكانة كيسرلنج في خطاب مالك في فلسفة التاريخ

  تذكر الافادات المالكية الى ان المفكر الاسلامي إعتمد في صياغة رؤيته الفلسفية للتاريخ الاسلامي على اطروحة فيلسوف التاريخ ” هرمان دي كيسرلنج ” والتي أودعها كتابه ” البحث التحليلي لاوربا ”  والإدق موزائيك أوربا . وهذه الإطروحة الكيسرلنجية حقيقة تدور حول بيان دور ” الفكرة الدينية في التاريخ ” (مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 13) .

   ان الاجابة على السؤال : ما حجم الإفادة المالكية من الوافد الثقافي الكيسرلنجي في صياغة التفسير الإسلامي للتاريخ ؟ تتطلب منا ان نشير أولا وقبل كل شئ الى ان المثابرة المالكية وهي تسعى الى صياغة تفسير إسلامي للتاريخ ، قد إستفادت كثيراً من أطروحة فيلسوف التاريخ الالماني ” هرمان دي كيسرلنج ” . ومن الملاحظ ان الاطروحة الكيسرلنجية قد إمتلكت سلطة على الإفادات المالكية ، ومن ثم إستحوذت على تفسير مالك للتاريخ الإسلامي .

  لقد نزعت الإطروحة الكيسرلنجية ومن خلال حضورها في الإفادة المالكية إلى بيان ” أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة ” وذلك من حيث صياغة  المركب ومن خلال دخول الفكرة الدينية ، والتأثير في ” التركيب البيولوجي لأحدى الحضارات ” (المصدر السابق ، ص 91) . إن الإفادة المالكية لم تقف عند حدودها الكيسرلنجية ، بل سعت الى توسيعها بحيث تمتلك إمكانية تطبيق على التاريخ الاسلامي ، بعد ان طبقها كيسرلنج على التاريخ الغربي المشدود إلى إيقاع الفكرة الدينية المسيحية .

   ساعدت مالك  على الحد من إستحواذ الإطروحة الكيسرلنجية على مشروعه  الإسلامي لفلسفة التاريخ ، أشكالاً مختلفة من المذاهب الفلسفية للتاريخ والحضارة والتي كانت حاضرة أمام انظاره . حقيقة إن هذه المذاهب الفلسفية حررت مالك من سلطة كيسرلنج هذا طرف . وإن مالك من طرف اخر إستفاد من رؤية المذاهب الفلسفية ، ومن مناهجها في التحليل أو من المقولات التي إستخدمتها في فهم الأحداث التاريخية .

 وأُود هنا ان أذكر بالحوار الذي أجراه مالك مع الهيجلية ، الماركسية ، التوينبية والجيزوية وقائمة طويلة من الفلاسفة ولعل على سبيل المثال وليس الحصر شبنجلر وفاليري .. .(أنظر محمد جلوب الفرحان : المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي / وهو الفصل الرابع من كتاب الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي)

  وفي سؤال أثرناه ونحن نروم إلى فتح الباب واسعة لفهم  التفسير اسلامي للتاريخ عند مالك بن نبي  : هل التاريخ وحركاته وأفعاله تتطابق والمبدأ القرأني ؟ رأى مالك إن دورة التاريخ تبدأ فعلاً من ” بعث قوة فعالة في العناصر الثلاثة للمركب الحضاري ( الانسان ، التراب ، والوقت ) ”  . وحقيقة إن المفكر الاسلامي قد إستعار من (هرمان دي كيسرلنج ) فكرته القائلة : ” أثر الدين او الفكرة في دورة الحضارة ” (المصدر السابق ، ص 74) . ومن ثم قام بوضعها في أحضان التاريخ الاسلامي لتعمل وتشتغل . وللإنصاف نقول إن مالكاً لم يقف عند ذلك ، بل قدم لها شواهدا تاريخية إسلامية ، وجعل لها إيقاعاً يتناغم ونبض التاريخ الإسلامي . وذلك من حيث إن هذا الفهم جاء  ترجمة لإيمان مالك في إن الحضارة الإسلامية تكمن في بذورها الاولى في الدين الإسلامي .

   ولهذا لاذت الإفادات المالكية إلى التاريخ الإسلامي وحركة إنتاجه الحضاري ، وبالتحديد في مضماره الثقافي ، باحثة عن إستدلالات وشواهد لهذه الفكرة الكيسرلنجية اولاً والمالكية ثانياً . وهنا وجدنا مالك يردد العبارة الواردة في الكتب الدينية القديمة ، فيقول : ” ومن هنا يستطيع المؤمن إدراك الحقيقة الساطعة التي يفسرها التاريخ في الفقرة التي وردت في أحد الكتب المنزلة القديمة : (في البدء كانت الروح) ” (المصدر السابق ، ص 75) .

  كما  إن مالكاً كان صحيحا كل الصحة عندما تحدث عن ” أُفول الروح أو الفكرة الدينية ” والتي إستبطنها من فيلسوف التاريخ كيسرلنج . إلا إن مالكاً علمنا بأن الروح الإسلامية ستتحذ صوراً أُخرى من التصاعد وستصل إلى قمم من الرقي والإبداع الفكري والحضاري بعد واقعة صفين بأطوار زمنية بعيدة .

   والسؤال الضروري المفتاح لفهم إطروحة مالك المستنبطة للإطروحة الكيسرلنجية : ” هل المؤثر الديني يمنح النفس مبدأ الشعور ؟ ” . نقول إن حل المشكلة حسبما يرى مالك يكون في ” التركيب الضروري ” القائم على ” مزج الانسان والتراب والوقت ” (المصدر السابق ، ص 87) . ولعل إعادة طرح السؤال مفيد لإيضاح وجلاء معالم الطريق الحضاري الإسلامي الراهن : هل نمتلك إمكانية تحقيق ” المبدأ القرآني ” في الحالة الراهنة للشعوب الإسلامية ؟  إن الإجابة المبدئية على مثل هذا السؤال المهم في مضمار فلسفة التاريخ عامة ، وفلسفة التاريخ الإسلامي خاصة ، تنهض على إعتراف بأن الفكرة الدينية قوة تمنح التماسك لعناصر الحضارة وذلك من حيث إن الدين ” مؤثر صالح في كل زمان ومكان ” (المصدر السابق) . إنها دعوة مالكية تحمل النفس الإسلامية من جديد الى ” حظيرة الإيمان ” (المصدر السابق ، ص 88) .  

تعقيب

  لاحظ الباحث إن تعامل الأكاديميات العربية مع فكر مالك بن نبي ومنذ وقت مبكر ، لم يكن تعاملاً بريئاً  ، وتُحكمه أعراف وتقنيات المنهج الأكاديمي الموضوعي النزيه . وإنما كان تعاملاً مُقيداً بالفكرانيات المهيمنة على مساقات التعليم العالي يومذاك ، وذهنية الكوادر المُشرفة على رسائل وأطاريح الطلبة فيها . فمثلاً  قد تم تغييب حضور فيلسوف التاريخ الألماني  ” هرمان دي كيسرلنج ” ، وشطب الإطروحة الكيسرلنجية برُمتها من مضمار دراستين أكاديميتين . ولعل السبب هو الأعتقاد الأكاديمي المغلوط ، إن ذكر الإطروحة الكيسرلنجية فيها إضعاف لفكر مالك بن نبي . ولذلك جاء قرار المُشرفين على الإطروحتين ، إنه من الأسلم من الزاوية الأكاديمية ، هو أن تُشطب  الإشارة إلى كيسرلنج . وفي هذا راحة بال وغلق لكل الأبواب التي تجلب التعب ورياح الجدل .. هذا حدث في جامعة الإمام الأوزاعي ، وبالتحديد مع إطروحة الباحث أسعد السحمراني ، والمعنونة : ” مالك بن نبي ” مفكراً إصلاحياً ” / نشرة دار النفائس ، ط2 ، بيروت 1986) . ومن ثم تكرر الحدث الأكاديمي في جامعة عين شمس / كلية التربية للبنات ، وبالتحديد مع إطروحة الباحث سليمان الخطيب ، والموسومة ” فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي / نشرة المؤسسة الجامعية للدراسات ، ط1 ، بيروت 1993) .

4

   صحيح جداً إن المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، لم يذكر شيئاً في نصوصه عن مدرسة الحكمة . إلا إن الباحث لاحظ في الوقت نفسه إهتماماً غير إعتيادي بالمؤسس للمدرسة وقائدها الروحاني الفيلسوف هرمان كيسرلنج ، وبرائدين من روادها ، وهما كل من شاعر الهند الكبير طاغور وعالم النفس كارل يونك . ولأهمية مدرسة الحكمة في الحياة الفكرية لمؤلف كتاب ” موزائيك أوربا ” الذي ألهم المفكر مالك بن نبي ، وأشتغل على خطاه في  فهم دور الفكرة الدينية في التاريخ والحضارة الإسلاميين . ولكون كتاب ” موزائيك أوربا ” وكتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” من الأدبيات الكلاسيكية الأولى ” الأناجيل ” للمدرسة  . فإننا في هذا المبحث / الملحق نسعى إلى النظر في التكوين البنيوي لمدرسة الحكمة ، ودور المؤسس هرمان ، والرواد الأوائل ، ومكانتها الروحية في الغرب ، وأخيراً تقويم فعل الوريث الروحي البروفسور أرنولد كيسرلنج في قيادة المدرسة وبذلك نكمل الصورة الفكرية الكاملة لحضور فيلسوف التاريخ الألماني الكونت هرمان كيسرلنج في دائرة فلسفة التاريخ عند مالك بن نبي ، وبذلك نضع منها ما حضر ، وما غاب منها إى إن صدى له ظل ما بين سطور النصوص التي كتبها المفكر الإسلامي مالك بن نبي .  

المؤسس والرائد الروحي

  قلنا سابقاً بأن الفيلسوف كيسرلنج قد خسر ممتلكاته بقيام الثورة الروسية . وقلنا كذلك بأنه على الرغم من خسارة ممتلكاته بعد قيام الثورة الروسية ، فإنه إستثمر ما تبقى لديه من ثروة في تأسيس مدرسته الشهيرة التي عرفت بمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة ،  وذلك في العام 1920 والتي أقامها في مدينة دارمشتات التي تقع في الطرف الجنوبي من منطقة الراين .

   ووفقاً لرأي البروفسور كيسرلنج (إبن فيلسوف التاريخ هرمان كيسرلنج) ، فإن مدرسة الحكمة نهضت على أسس مدارس الحكمة الأصلية التي إنتشرت قبل ألفين سنة في شمال الهند  والتي كانت خاضعة للقواعد التي وضعها “ بوذا ” . ولعل من النافع أن نشير إلى إن كيسرلنج الإبن يرى إن والده يختلف عن المتداول اليوم من الزعماء الروحيين . فهو لم يضع نفسه في مكانة عالية كقائد روحي أو ” كورو ” ، كما إنه لم ينشأ طائفة مرتبطة بإسمه . بل على العكس من ذلك شجع المشاركة المتساوية للجميع ، ومن ضمنهم أصدقائه كل من عالم النفس ” كارل يونك ” (1875 – 1961) ، وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم (1873 – 1930) ، وشاعر الهند الكبير طاغور (1861 – 1941) والروائي هرمان هس (1877 – 1962) (المصدر السابق) .

   كما كانت وظيفة المدرسة التركيز على الإهتمام بالجانب الفكري (العقلي) الألماني ، والدعوة إلى الإنفتاح الألماني على العالم ، والأخذ بالمبادئ الديمقراطية ، وذلك لأن الفيلسوف هرمان تيقن بأن النزعة الألمانية العسكرية قد ماتت وطوتها روح العصر. وإن الأمل الوحيد أمام ألمانيا هو تبني النزعة العالمية والأخذ بمبادئ الديمقراطية . ولعل أثر رحلاته حول العالم  ، هو الذي منحه هذا الأفق العقليً الجديد ، ولذلك تطلع أن يكون أفقاً ألمانياً جديداً . وإن الشاهد على ذلك كتابه المعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” والتي تصف رحلاته إلى أسيا وأميركا وجنوب أوربا (المصدر السابق) .

   كما إن تعاليم المدرسة تنهض على إعادة تكوين الإنسان على أسس جديدة سببتها الحرب ، والحقيقة إن هذه التعاليم متجسدة في كتاب الفيلسوف كيسرلنج المعنون ” نظرية المعرفة الخلاقة “ ، نشرة دار رايشل ، دارمشتات 1922 (أنظر : كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، المجلد الأول ، ص 7) . وعنوان الكتاب يثيري إهتمامي ، ويدعوني إلى ألفات النظر إلى أهمية الدراسة المقارنة بين مضمار نظرية المعرفة الخلاقة عند الفيلسوف كيسرلنج وأفكار صديقه الفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” صاحب نظرية الدافع إو التطور الخلاق .

  لقد قاد كيسرلنج هذه الحركة الروحية الجديدة ، وصرف معظم وقته في إلقاء المحاضرات وفي الحديث إلى الجمهور . ولذلك جسد في شخصه ومفردات حياته الخصائص الحقيقية لشخصية المفكر العضوي ، والتي قد لا تتوافر بصورتها الجوهرية الكاملة خلال قراءة كتاباته .

عالم النفس ” كارل يونك “

   صحيح إن كارل يونك كان العضو الرائدا الثاني(طبعاً الرجل الأول هو الفيلسوف كيسرلنج وهذه التراتبية لا قيمة لها في مدرسة الحكمة ، لأن كيسرلنج بحد ذاته يرفض مثل هذه التراتبية كما أشرنا أعلاه ، ونحن نستخدمها للتبسيط فقط) في مدرسة الحكمة ، وصحيح كذلك إنه رحل إلى الهند حيث مواطن العقيدي البوذي ومدارس حكمتها القديمة . فكان الحاصل إن فكره تلون بطبقات من الفكرانية البوذية . وفي هذين الطرفين شارك كارل يونك الفيلسوف كيسرلنج في الكثير الكثير من السمات الفكرانية على وجه الخصوص ، ومع أعضاء مدرسة الحكمة على وجه العموم . ولكن هناك أطراف من العلاقة المسكوت عنها بين أعضاء مدرسة الحكمة (والتي فيها تحفظ وربما فيها تقويم ونقد) ، والتي أخذت أشكالاً من المد والجزر . ونحسب إن البداية هو أن  نقدم تعريف بشخصية عالم النفس كارل يونغ .

   ولد الطبيب النفسي السويسري ” كارل غوستاف يونك ” في 26 تموز عام 1875 ، وهذا التاريخ يؤشر على إنه أكبر من الفيلسوف كيسرلنج بخمس سنوات . على كل كانت ولادة الطفل كارل في مدينة كاسويل التابعة لمنطقة ثورغو السويسرية . وهو الطفل الرابع للقس الفقير ” بول أشيل يونك ” (والذي كان يومها يعمل في الأرياف) وكارل كان الطفل الوحيد الذي بقي على قيد الحياة . وهذه الوفيات المتكررة كانت طرفاً في كآبة الأم ” أميلي ” ، وسبباً وراء حزنها ومرضها الغامض ..

  ويبدو إن التفاوت الإجتماعي والإقتصادي بين والد كارل يونك ، وأمه ” أميلي ” التي جاءت من عائلة سويسرية ثرية وذات سمعة عريضة (فوالدها هو البروفسور ” صمويل بيرسورك ” وهو أستاذ اللغة العبرية) ، قد خلق للطفل كارل أجواءً متوترة ، فقد عاش بي بيت محكوم بعلاقات مضطربة بين الوالد ” أشيل ” والأم ” أميلي ، كان الحاصل منها كآبة مزمنة للأم ، حملتها على الأعتزال في الليل في غرفتها . ومن ذكريات الطفل كارل عن حالة أمه يومذاك :

إنها كانت تدعي إن روحاً تزورها في الليل  (أنظر : كلارا دون ؛ كارل يونك : معالج النفس المجروح (سيرة ذاتية) ، نشرة كتب باربولا ، نيويورك 2000 ، ص 3 ومابعد) .

  وعلى أساس هذا الوضع العائلي ، نمت علاقة حميمية بين الطفل كارل ووالده القس أشيل ، ويومها أعتقد الطفل بأن ” والده واضح وسهل التعامل معه وعلى العكس من أمه التي كان يصفها ” بأنها كانت مشكلة ” . وهذا الحال وضع أمام أنظار الطفل كارل صورة حياتين للوالدة : واحدة في غرفتها في الليل . والثانية سهلة التعامل في النهار . ويتذكر كارل لحظات الرعب التي كان يعيشها في الليل ، الرعب من غرفة أمه ، والتي يصف سلوكها ، فيفيد : ” بأنها في الليل تكون غريبة الأطوار وموضوع أسرار خفية ” .  ويدعي الطفل كارل ” بأنه في واحدة من الليالي ، شاهد ضوء خافت صادر من غرفتها على صورة شبح مقطوع الرأس من الرقبة ، وهو طائر في الهواء ، يلاحق جسمه الذي فر أمامه ” .  

  ولهذا الحال غابت الأم كثيراً من حياة الطفل كارل ، منها دخولها المستشفى مرات عديدة قرب بازل ولأسباب عدة . مما كان لها أثراً في عدم إستقرار الطفل ، فمثلاً أخذه الوالد ليعيش مع عمته أميلي (أخت الوالد) ، ومن بعد تحسن أوضاع الوالد جلبه مرة ثانية ليعيش معه في الأبرشية . ويتذكر كارل جيداً ، فيشير إلى إن كآبة أمه وغيابها من طفولته ، ولدت لديه إتجاهات سلبية نحو النساء ، وكونت ذهنيته الأبوية والتي ستكون موضوع نقد فمنستي في دوائر الفلسفة الفمنستية فيما بعد .

  حقيقة إن شخصية والدة عالم النفس التحليلي كارل يونك ، تركت أثارها على تفكيره ، فإقتنع بأن حاله حال والدته ، له شخصيتين ؛ واحدة شخصية سويسرية حديثة . والثانية في داخل البيت شخصية القرن الثامن عشر السلطوية . والتي عبر عنها في كتاباته ، في حدود ما أسماها ” الشخصية رقم 1 ” وهي شخصية طالب المدرسة الذي يعيش في أحضان عصره . و ” الشخصية رقم 2 ” وهي شخصية الرجل صاحب السلطة الذي ينتمي إلى الماضي (أنظر : كيري لوكمان ؛ يونك الصوفي ، نشرة دار بنكوين 2010) .

  وقبيل نهاية السنة الأولى من دراسته الثانوية (الجيمنزيم) في بازل ، وكان عمره إثنتي عشر سنة ، تدافع مع صبي في المدرسة ، فسقط على الأرض ، فاقداً الوعي لمدة دقيقة ، فكانت السبب في إنقطاعه عن المدرسة ، وبعد ستة أشهر بدأ الدراسة في البيت ، وحينها أقتنع الأب إن ولده ” ربما مصاب بالصرع ” وفعلاً إنه تعرض لنوبات من فقدان الوعي ، إلا إنه تغلب عليها فيما بعد . وبدأ بدراسة قواعد اللغة اللاتينية .

 والحقيقة لم يفكر الفتى كارل يوماً في مضمار الطب النفسي ، ولم تكن لديه خطة في دراسة هذا الحقل العلمي ، خصوصاً إن النظرة الإجتماعية للطب النفسي يومذاك كانت معوقاً وتسد الطريق أمام كل من يتطلع لدراسته وإتخاذه مهنة . ولكن توافرت في يد كارل نسخة من كتاب أكاديمي في الطب النفسي ، ومنذ اللحظات الأولى من قراءة الكتاب ، أصبح مولعاً جداً جداً بهذا التخصص ، وخصوصاً عندما قرأ فيه : إن الأعراض النفسية سببها أمراض في الشخصية . وحالاً إقتنع إن هذا هو المضمار العلمي المفضل لديه ، وأخذ يفكر في التخصص فيه . وخاصة عندما وجد إن هذا الحقل يشمل طرفين ؛ بايولوجي وروحي  (أنظر : كلارا دون ؛ المصدر السابق) .

  وفي عام 1895 بدأ بدراسة الطب في جامعة بازل ، ومن ثم في العام 1900 عمل في مستشفى ” بركولزلي ” للأمراض النفسية التابعة لجامعة زيورخ السويسرية ، وكذلك عمل مع الطبيب النفسي ” يوجين بلولر ” (1857 – 1939) الذي كان مديراً للمستشفى ، ومشرفاً على عدد من أطاريح الدكتوراه في الطب النفسي ( أنظر للتفاصيل عن يوجين بلولر : إي فلازدر ؛ قصة العلاقة المتداخلة : فرويد ويوجين بلولر / مجلة علم النفس التحليلي ، حزيران 2007 / 52 (3) ، ص ص 343 – 368) . ونشر في العام 1903 إطروحته للدكتوراه وكانت بعنوان ” علم نفس وعلم أمراض الظاهرة السرية (الخفايا) ”  . وتلاها بعام واحد (أي عام 1906) نشر كتابه المعنون ” دراسات في معنى الترابط أو الإقتران ” ومن ثم أرسل نسخة منه إلى عالم النفس ” سيغموند فرويد ” (1856 – 1939) ، فتعمقت الصداقة بينهما والتي إستمرت إلى ستة أعوام . إلا إن هذه الصداقة لم تستمر على ما يرام ، فقد حدث إنفراط لها بعد إن نشر كارل يونك في العام 1912 كتابه المعنون في ترجمته الإنكليزية ” علم نفس اللاوعي ” والذي بعده تراشق الطرافان بالنقد ، ومزاعم وقوع الخطأ في جبهة الأخر (أنظر : بيتر كي ؛ فرويد : حياة لعصرنا ، لندن 1988 ، ص 202) .  وخلال ذلك إندلعت الحرب العالمية الأولى وعاش كارل تجربة صعبة ، تمثلت في تجنيده طبيباً ، وفعلاً أخذ يعالج الضباط والجنود الإنكليز ضحايا الحرب (سويسرا كانت على الحياد يومذاك) . وكان يشجعهم على الإنخراط في فصول دراسية في الجامعة (أنظر : فيفيان كراولي ؛ يونك : رحلة التحولات ، نشرة دار كتب كوست 1999 ، ص 56 وما بعد) .

  وفي العام 1903 تزوج يونك من الكاتبة وعالمة التحليل النفسي ” أميا روخنباخ ” (1882 – 1955) ، وهي من عائلة سويسرية ثرية ، وأنجبت له خمسة أطفال ، هم كل من أكاثا ، كرت ، فرانز ، مريانا ، وهلين . وزواجه إستمر حتى وفاة أميا في العام 1955 .(أنظر : رونالد هايمن ؛ حياة يونك ، نشرة شركة نورتن ، نيويورك 1999 ، ص 84 وما بعد) .

 وتذكر مراسلاته مع فرويد ، ومذكرات وكتابات كل من الطبيبة ” صابينا سبلرين ” (1885 – 1942) وعالمة التحليل النفسي اليونكي (نسبة إلى يونك) ” تونيا ولف ” (1888 – 1953) ، إنه كانت ليونك علاقات مفتوحة مع نساء أخريات منهن مريضات ، ومنهن صديقات . ولعل من أشهرهن ” صابينا سبلرين ” وهي أول عالمة في التحليل النفسي ، وكانت طالبة يونك أولاً ، ومن ثم زميلة وصديقة ( أنظر أطروحة الدكتوراه التي كتبها ستيفن باركر ، وبعنوان ” النساء وكارل يونك ، 9 نوفمبر 2010 ” وقد إعتمد على مذكرات صابينا التي عثر عليها في العام 1977. وللتفصيل أنظر كذلك : جون كير ؛ الطريقة الأكثر خطورة : يونك ، فرويد وصابينا سبلرين ، نيويورك 1993) . ومنهن ” تونيا ولف ” والتي كانت طالبة له ، ومن ثم مساعدة ، وحبيبة صرفت الكثير من أيامها في بيته ، وساهمت في تطوير الكثير من مفاهيمه النفسية ، وكانت شاهد على أحلامه ، وأوهامه .. ولعل من أهم ما كتبته ” الأشكال البنيوية للنفس النسوية ” (1956) والذي ترجم إلى الإنكليزية (أنظر: فيرن جنسن ؛ يونك ، أميا يونك وتونيا ولف ، مجموعة مذكرات ، نشرة نادي علم النفس التحليلي 1983) . ونتطلع أنا والدكتورة نداء إبراهيم ، إلى الكتابة عن ” صابينا سبلرين ” وتونيا ولف ” كعالمات في التحليل النفسي (من زاوية فمنستية) ونتوقع نشره في العدد السادس من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، ربيع 2012 .

الرحلة خارج أوربا وإهتمام كارل يونك بالفلسفات الشرقية

  كان حال يونك مثل حال الفيلسوف كيسرلنج ، وهو التطلع إلى الرحلة حيث ديار الفلسفة الشرقية ، ليرتوي من مصادرها الأصيلة في بلاد الهند . وهذا الأمر وحد بين جهودهما ، وعملا سوية تحت ظلال مدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج . حقيقة إن مشروع يونك الفلسفي كان فيه رحاب واسعة للأنفتاح على كل الأديان ، والنظر إليها كتجارب روحية خالصة ولذلك زار أمريكا وأفريقيا (وكان يتطلع لدراسة البدائيين وصياغة ما أسماه علم نفس البدائيين) . ونحسب إن البداية حديث عن رحلاته خارج القارة الأوربية ، ومن ثم حديث عن الرحلة إلى الهند ، ومن ثم يأتي الحديث عن مشروع يونك الفلسفي – الروحي .

  كانت رحلة يونك الأولى نحو أمريكا ، وفعلاً فقد ذهب في العام 1909  إلى جامعة كلارك في أتلنتا ، لحضور مؤتمر ، خطط له المربي وعالم النفس الأمريكي ” جرانفيل ستانلي هال ” (1844 – 1924) . والمؤتمر ضم سبع وعشرين طبيباً نفسياً , وعالماً في الأعصاب و النفس . والحقيقة إن المؤتمر بحد ذاته كان شهادة على قبول حركة التحليل النفسي في شمال أمريكا ، وفي الوقت ذاته ترحيب أمريكي بعالم النفس يونك (أنظر : صول روزنسوك ؛ فرويد ، يونك وهال : الرحلة التاريخية إلى أمريكا 1909 ، نشرة مطبعة دار رنا ، سياتل 1992) . ومن النافع أن نذكر القارئ بأن هذه الرحلة ، وإنعقاد المؤتمر جاء في الفترة الذهبية من العلاقة بين يونك وفرويد . ويومها لم ينشر يونك كتابه ” علم نفس اللاوعي ” الذي سبب التوتر بينهما  ومن ثم إنفراط علاقتهما .

  وتكررت رحلاته إلى أمريكا ، منها رحلاته إلى إلقاء محاضرات في جامعة فورهام في 1912 ، والتي إستمرت ستة أسابيع . وجاءت الرحلة الثالثة المهمة والتي كانت نسبياً أطول رحلة له مقارنة بالرحلتين السابقتين  ، والتي تطلع فيها يونك إلى التعرف على حياة وثقافة الهنود الأمريكيين . وفعلاً زار منطقة ” تازو بابلو ” وهي مواطن الهنود الأمريكيين (القائمة بشكلها القديم والتي لازال يعيش فيها الهنود) ، قرب تازو في مكسيكو الجديدة (أنظر : وليم ماكوير ؛ علاقة يونك ببريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية / مقالة منشورة في مجلة علم النفس التحليلي / 40 (3) ، ص 301 وما بعد) . وإذا كانت رحلة يونك الأولى قد حدثت قبل رحلة الفيلسوف كيسرلنج بسنتين ، وإن الرحلة الثانية حدثت خلال رحلة كيسرلنج . فإن الرحلة الثالثة تمت ما بين 1924 – 1925 ، أي حدثت بعد نشر كيسرلنج لكتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” ، وبعد تأسيس الأخير لمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة بأربعة سنوات ، وكان يومها يونك عضواً فاعلاً في المدرسة كما نرجح .         

  وفي إكتوبر عام 1925 باشر رحلته البحرية الإستطلاعية الطموحة (والتي إستمرت خمسة أشهر ، وإنتهت في العام 1926) إلى شرق إفريقيا وكان عمره حينها خمسين ربيعاً ، والتي يطلق عليها بالرحلة الإستطلاعية النفسية  ، وصاحبه فيها عالم التحليل النفسي ” بيتر باينز ” (1882 – 1942) (وهو الذي نضم له سيمنارين في كورنول في العام 1923 ، والأخر في العام 1925 ، وهو المترجم لبعض مؤلفاته ومقالاته) ، وشاركهما عالم التحليل النفسي اليونكي الأمريكي ” جورج باكوث ” (1896 – 1931) . وخلال الرحلة تعرف على إمرأة إنكليزية تُدعى ” روث بيلي ” والتي إلتحقت بهم ببضع أسابيع . وقامت الجماعة برحلتها خلال كينيا وأوغندا ووصلت إلى ” إلكون ” وهو جبل بركاني قديم . وكان يونك يتطلع إلى زيادة فهمه بعلم نفس البدائيين . وفعلاً قام بإجراء أحاديث مع السكان الذين كانوا يعيشون في هذه المنطقة المعزولة . وفيما بعد شكلت هذه الأحاديث مادة معرفية للمقارنات التي قام بها مع علم النفس الأوربي ، والتي شكلت بدايات جديدة في علم النفس اليونكي (أنظر : يونك في أفريقيا ، نشرة كونتيوم ، لندن 2005) .

  وقبل قيامه بالرحلة إلى الهند ، رحل مرتين إلى أمريكا ؛ الأولى في العام 1936 والثانية في العام 1937 وذلك لإلقاء محاضرات . ولعل أهمية هذه المحاضرات ، وخصوصاً محاضرات 1937 التي ألقاها في جامعة ييل ، إنها شكلت مضماراً مهماً في الإهتمام اليونكي (ومن خلالها في إهتمامات مدرسة الحكمة) ، يطلق عليه مضمار علم النفس والدين . ومن ثم جاء ديسمبر من عام 1937 ، والذي ترك يونك وراءه زيورخ ، وبدأ رحلته الواسعة في الهند . وصاحبه فيها ” فولر مكورمك ” . وفي الهند شعر يونك لأول مرة بالتأثير المباشر للثقافة الأجنبية عليه . وإذا كانت هناك حواجز لغوية لعبت في رحلته إلى أفريقيا ، ففي الهند لا توجد مثل هذه الحواجز اللغوية . ولذلك قاد يونك حوارات عميقة وتفصيلية ، وكان الحاصل منها إن شكلت الفلسفة الهندية عناصراً مهمة من فهمه لدور الرموز وحياة اللاوعي . ولكنه تعرض هناك إلى إضطرابات نفسية حادة ، أجبرته على دخول المستشفى في كلكتا ، وصرف فيها إسبوعين ، فقرر العودة ، ومن ثم إقتصر رحلاته في داخل أوربا فقط (أنظر : بيير دايردر ؛ يونغ : السيرة الذاتية ، نشرة لتل براون ، نيويورك 2003 ، ص ص 417 وما بعد) .

  لقد إقتنع يونك من خلال تحليله لشخصة ، ومن خلال تعامله مع مرضاه ، إلى إن للحياة هدف روحي يقف وراء الأغراض المادية . ولهذا عمل بكل جد على إكتشاف وإنجاز إمكانياتنا الداخلية العميقة . وإن هذه القتاعة اليونكية جاءت حصيلة دراسته للمسيحية ، والهندوسية ، والبوذية ، والغنوصيات الدينية ، والطاوية والتقاليد الدينية الأخرى . وهو يعتقد بأن العملية في مجملها كانت رحلة حملت العديد من التحولات والمراحل ، والتي يطلق عليها إصطلاح ” الإندفجوشن ” ( وهي تشمل دمج الوعي واللاوعي ولها مراحل) . وهي برأيه الجوهر الصوفي للأديان ، وهي مرحلة مواجهة الذات وجه لوجه ، ومواجهة الإلهي كذلك . وهو يعتقد على خلاف فرويد ، بأن الخبرة الروحية هي الجوهر الأساس لوجودنا الإنساني (أنظر : فيفيان كروالي ؛ المصدر السابق) .

  وتتوج هذا البعد الروحاني اليونكي ، في نشر يونك في العام 1944 كتابه المعنون ” علم النفس والخيمياء (الكيمياء القديمة) ” والذي حلل فيه الرموز السرية للخيمياء وبين علاقتها المباشرة بعملية التحليل النفسي . وفعلاً جادل في هذا الكتاب ، وذهب إلى إن العملية الخيميائية بحد ذاتها هي عملية تحويل للنفس غير الصافية (غير الطاهرة) (وهي مثل عنصر الرصاص) إلى نفس كاملة (الذهب) وهو مجاز لعملية الإندفجوشين (وهي مراحل تحول الوعي واللاوعي ودمجهما)(أنظر : كارل يونك ؛ علم النفس والخيمياء / منشور في أعمال يونك / المجلد 12 ، نشرة روتلدج ، لندن 1968) . ومات يونك في 6 حزيران عام 1961 ومات وجُل إهتمامه بالفلسفة والصوفية ونزعاتها الرمزية ذات الطبيعة السرية .

  واليوم يُنظر الباحثون الأكاديميون إلى كارل يونك ، على إنه كاتب منتج ، فمجموعة أعماله وملفاته كونت 19 مجلداً . وهناك العديد من أعماله لازالت بالألمانية ولم تترجم إلى الإنكليزية حتى بعد وفاته . ولعل من أهم مؤلفاته الكتاب الأحمر الذي ترددت العائلة على نشره . وهو في الحقيقة مجموعة ملاحظات شخصية بدأها أولاً في العام 1913 وذلك عندما عانى يونك (وكان في الثامنة والثلاثين ربيعاً) مما أسماه ” تحديات اللاوعي ” والتي تمثلت أعراضها في رؤية صور غريبة ، وسماع أصوات ، وهلوسات ، والتي أطلق عليها ” خيالات حادة ” وإعتقد بأنها أعراض الشيزوفرينيا ، وتيقن إنها تجربة ثرية ، وبدأ بتسجيلها في كتاب ملاحظات غلافه من جلد أحمر . وقد صرف في كتابته ستة عشر عاماً ومات يونك ولم ينشر هذا الكتاب .

  وظلت عائلته تترد في نشره ، وتدخل العديد من الشخصيات وحاولوا إقناع العائلة إلى أهمية هذا الكتاب في بيان نظريات يونك الخاصة في علم نفس اللاوعي . وفعلاً إقتنعت العائلة أخيراً وطبع بالألمانية في 7 إكتوبر عام 2009 ، ومن ثم ترجم إلى الإنكليزية مع مقدمة كتبها المؤرخ البريطاني ” سونو شامداسني ” وهو بروفسور في تاريخ الطب في كلية لندن الجامعية (وهو بدوره حاول ولمدة ثلاث سنوات على إقناع ورثة يونك على أهمية نشر الكتاب الأحمر) .       

عالم اللاهوت ” ريتشارد ويلهلم “

  والشخصية الثالثة من شخصيات مدرسة الحكمة أو الفلسقة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج ، هو رجل اللاهوت البروتستانتي ” ريتشارد ويلهلم ” ، وهو عالم متخصص باللغة والأدب الصيني ، والحارث الأكاديمي في مختلف إتجاهات الفلسفة الصينية . ووفقاً للسيرة الذاتية لصديقه عالم النفس كارل يونك :

  ويلهم كان أكثر من كونه باحث أكاديمي ، وعالم في اللنكوستيك (فقه اللغة) ، فهو باحث روحي تسربت إلى أعماقه الروح الصينية ، مع محافظة على المرجعية الأوربية . وقد عاش في الصين لأكثر من عشرين عاماً ، وهو المصدر الأول والشاهد الذي رأى بأم عينيه الإختلافات الروحية بين الشرق والغرب (أنظر : كارل يونك : مذكرات وأحلام وأفكار ، ترجمة ريتشارد وكلارا وينسون ، نشرة دار رندم ، تورنتو 1989) .

   ولد الطفل ريتشارد في 10 مايس من العام 1873 ، في مدينة توبنكن الألمانية . وحسب رواية يونك كان طالباً في مدرسة مرموقة ، وهي مدرسة ” توبنكر سليفت ” وكان ذو إهتمامات ثقافية واسعة ، كما كان مولعاً بأعمال الشاعر الألماني ” جوهان غوته ” . وريتشارد بطبعه كان شخصية روحية عميقة ، ولذلك تحولت دراساته إلى مضمار علم اللاهوت . وفي العام 1895 ، وكان عمره أثنتين وعشرين ربيعاً  رُسم

باستراً (أي قساً بالأصطلاحات الكاثوليكية) . وعمل لفترة باستراً في الأبرشية .

  ولما كان الشاب ريتشارد مثالياً ، ومتطلعاً لعالم أوسع ويحب المغامرة ، فإنه في سن السادسة والعشرين إلتحق بمهمات التبشير البروتستانتي ، ومن ثم وافق للعمل في التبشير في المستعمرة الألمانية في مدينة ” تسنكتو ” الصينية (أنظر : كارل يونك ؛ المصدر السابق) .

 وما حطت أقدامه على أرض المستعمرة ، حتى إكتشف تفتُح قريحته على تعلم اللغة الصينية بشكل خلاق ملفت للنظر . وفعلاً كما يذكر يونك ، إن مجموعة المبشرين قد سمحوا لريتشارد أن يصرف بعض الوقت في دراسة اللغة الصينية . وفي العام 1905 ولد ولده ” هاملت ” ، وفي هذا العام بدأ بترجمة كتابه الصيني الأول إلى الألمانية . وإن دراساته وترجمته للحياة الدينية الصينية إستمرت حتى يوم وفاته (المصدر السابق) .  وهكذا تحول من التبشير والوعظ الديني إلى باحث أكاديمي ومترجم من الطراز الأول للتراث الفلسفي الصيني والنصوص الدينية الصينية .

   وبعد تعلم ريتشارد للغة الصينية ، وجد نفسه مفتوناً بالنصوص الدينية الصينية ، التي بدأ بدراساتها . وفعلاً تنامى لديه نوع من التعاطف مع الثقافة الصينية ، وخصوصاً نصوصها الدينية . وفي تسنكتو وبكين بدأ بالدراسة في الجامعة ، وهناك  قابل العديد من قادة الثقافة الصينية في عصره . ووفقاً لزوجة ويلهم كان :

شخصية دافئة ، ولديه الإمكانيات لعقد صداقات مع العديد من الصينيين ، وتعلم طريقتهم في الحياة . وهذا الإرتباط باللغة والثقافة الصينيتين ، عملا على إحداث تحولات جذرية في شخصه ، ومن ثم خلقا منه إنساناً جديداً . وفعلاً بدأ ينظر إلى العالم من زاوية صينية (المصدر السابق)

   وفي العام 1911 قابل ويلهلم رجلاً رسم له مستقبلاً أكاديمياً متفرداً ، وشكل له قدراً معرفياً متميزاً ، خصوصاً في مضمار المعرفة الفلسفية والدينية الصينية . هذا الرجل هو الحكيم الصيني ” ليو ناي هاسان ” (1843 – 1921) . كما وإكتشف

 ويلهم الجمعية الكونفوشية في تسنكتو ، وأصبح الحكيم مرشداً له . ولعل القارئ

للمقدمة التي كتبها ” ريتشارد ويلهلم ” للترجمة التي أنجزها للكتاب الصيني القديم (والذي يُعرف بالشنك) وهو ” كتاب التغييرات ” (وخصوصاً بعد الثورة الصينية ، وتحول المستعمرة إلى مواطن لعيش عدد من الباحثين من أعضاء المدرسة القديمة) يقف عل الوصف الذي قدمه ويلهم لمكانة حكيمه الصيني :

   هو من الباحثين المشاهير من المدرسة القديمة ، وهو الوحيد على قيد الحياة من بينهم ، وهو معلمي المبجل ، وهو من الباحثين القلائل المتطلعين إلى التغيير ، وهو يتوقع أن تأتي قريباً عزلة الصين من العالم إلى نهايتها ، وهو الحكيم الحقيقي ، وينتمي إلى عائلة كونفشيوس ، وهو ماهر بعمق في اليوغا والطرق النفسية للتقاليد الطاوية . وإنه كان خبيراً بكتاب شنك ، ومحباً له ، وإن هذا الحب إنتقل بسرعة إلي (أي ويلهلم . وهكذا أصبح ليو مبشراً متفرداً ، وويلهلم (الذي جاء مبشراً) تحول إلى تلميذ ، ولأول مرة فإن التقاليد الروحية الصينية تم مشاركتها مع الأوربي (المصدر السابق) .

  وتعاون ريتشارد ويلهلم مع حكيمه الصيني خلال السنوات العشر التي جاءت بعد العام 1913 على ترجمة كتاب ” شنك ” من الصينية وإلى الألمانية . وهذه الترجمة قد ثبتت بأنها من أقوى الترجمات الغربية ، التي نقلت بصدق مضمون النص الصيني القديم . كما إن هذه الترجمة قد ترجمت إلى العديد من اللغات الأخرى .

 وكتب ويلهلم يصف الجانب الإجرائي للترجمة ، فيقول :

لقد فتح الحكيم الصيني ليو ذهنيتي على كتاب التغييرات ، وقادني خطوة خطوة لأقف على روائعه . وتحت إشرافه المهني العالي ، بدأت أتنقل مسحوراً في أركان وزوايا هذا العالم الغريب المؤلف .

  إن ترجمة هذا النص قد تمت بعد مناقشة التفاصيل معه ، وبعد إكمال النسخة الإلمانية ، أُعيد ترجمتها مرة ثانية إلى الصينية ، وبعد التحقق من تطابق المعنى على النص تماماً ، إعتقدنا إن النسخة الإلمانية كانت صحيحة جداً وجاهزة للطبع .

  وفي العام 1921 وصلت الصفحة الأخيرة من تصحيحات الناشر لكتاب شنك ، وتوفي الحكيم الصيني ليو . وعمل ويلهلم بعض الإضافات  ، وفعلاً لم يصدر كتاب ” شنك : التغييرات ” إلا في العام 1923 . وفي العام 1924 عاد ويلهلم إلى ألمانيا ، وعمل بروفسوراً للدراسات الصينية في جامعة فرانكفورت . ومن ثم في العام 1925 أسس المعهد الصيني ، وفي هذه الفترة تعرف على عالم النفس التحليلي ” كارل غوستاف يونك ” ، وأصبح صديقاً مقرباً له ، وكتب يونك مقدمتين لكتابي ويلهم ؛ الأول ” شنك : كتاب التغييرات ” . والثاني ” تاوست : رسالة الخيمياء (سر الوردة الصفراء) ” . ويحسب ويلهلم إن علاقتهما لم تقف عند حدود المقدمتين لهذين الكتابين ، وإنما تخطت إلى ظهور أثرهما على نظريات يونك وكتاباته .

  لقد كان ويلهلم مثالاً للفيلسوف الصادق ، الذي تخلى عن مهمته الدينية التبشرية التي ذهب إلى الصين لإنجازها ، وبالمقابل تمسك بمبادئه الإنسانية وهو يعيش على الأراضي الصينية ، وكثيراً ما إنحاز إلى الروح الإنسانية . فقال :

  أعتقد إن على المسيحيين أن يتطلعوا إلى الصين ، ويجدوا الله بينهم ، بدلاً من محاولة تنصيرهم . ومن ثم أخبر يونك عن حياته التي قضاها في الصين ، فقال :

لم أقم بتعميد شخص صيني واحد على الإطلاق . وشعر بأن مهمته هو تأسيس جسر بين الروحين الشرقي والغربي . وعالم النفس يونك كتب من طرفه في مذكراته يصف شخصية ويلهلم ، فقال :  كان ويلهلم الحواري الوفي للحكيم الصيني ليو ناي هوسان ، وحقق رغبته وحلمه (كارل يونك : مذكرات ، أحلام وأفكار ، ترجمة ريتشارد وكلارا ونسون ، نشرة دار رندم ، تورنتو 1989 ، ص 373 – 377) .

  ويبدو ويلهلم إنموذجاً صينياً مثالياً في سلوكه ، أكثر من كتاباته وأحاديثه ، وأن الثقافة الصينية القديمة قد تشربت في شخصة ، وإستقرت في أعماق روحه وتفكيره . كما إن الهوية الصينية للفيلسوف ويلهلم كانت من طرف أخر مصدراً من مصادر الصراع الداخلي ، والتي كانت وراء العديد من الصعوبات التي واجهها بعد عودته إلى أوربا . ويونك أحس بأن ويلهلم كان يعاني من ضغط الروح الأوربي عليه . وإن الصراع النفسي كان قوياً وعميقاً بين طرفيه الشرقي والغربي . ومات ريتشارد ويلهلم في العام 1930 ، وكان عمره سبع وخمسين ربيعاً فقط (أنظر : ريتشارد ويلهلم : السيرة الذاتية (أون لاين)) . 

 وفي موقع مدرسة الحكمة تعريف بشخصية ريتشارد ويلهم ، نرغب في توفيرها للقارئ العربي ترجمة :

   يُعدُ ريتشارد ويلهلم ماركو بولو العالم الداخلي للصين ، وهو أكثر من ذلك ، فهو الذي إتخذ على عاتقه مسؤلية فتح أبواب العالم الغربي على التراث الروحي الصيني وعموم أسيا . وقام ويلهلم بترجمة الأعمال الفلسفية الكبرى من الصينية إلى الألمانية ، ومن ثم تُرجمت إلى معظم اللغات الأخرى ومن بينها الإنكليزية . وتقف ترجمته لكتاب ” شنك : التغييرات ” الذي نشره في العام 1923 نداً لجميع الترجمات الأخرى ، بل وتتفوق عليها .

  وريتشارد ويلهلم هو الذي أدخل كتاب شنك ، والفلسفة الصينية إلى مدرسة الحكمة ، ومنذ فتح أبوابها في العام 1920 . وإن أفكاره تحولت إلى جزء من برامجها . وإن ريتشارد ويلهلم ، والحكماء الصينيين القدماء ، شكلوا المنابع الأساسية لمدرسة الحكمة (أنظر : مدرسة الحكمة / تاريخها ، موقع (أون لاين)) .

  وأخيراً فإن ويلهلم حسب رواية يونك ، قد شارك في كتاب كيسرلنج ” حول الزواج ” . وفعلاً كتب فصلاً بعنوان ” الزواج عند الصينيين ودلالته الروحية ” ، وشارك في مدرسة الحكمة في دارمشتات ، وترك أثاراً على كل من الأب كيسرلنج والولد أرنولد كيسرلنج ، خصوصاً في الفلسفة الصينية ، وكتاب شنك الذي أصبح ركناً مركزياً من منهج مدرسة الحكمة (يونك : المصدر السابق) .

شاعر الهند الكبير ” طاغور “

  وكان الشاعر الهندي الكبير ” ربند راند طاغور ” (1861 – 1941) هو الفيلسوف الرابع من فلاسفة مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج . وهو يتحدر من عائلة لها دور في التجديد في الفلسفة البراهمية ، فمثلاً كان جده ” دابند راند ” من جهة والده ، هو الذي أعاد صياغة الفلسفات البراهمية التي تبناها صديقه المصلح البراهمي ” رام موهان روي ” (1772 – 1833) ، ومن ثم تحول جد طاغور إلى رمز كبير ومتحدث في الجمعية البراهمية بعد موت المصلح ” روي ”  (أنظر : تاكي شاركر ؛ وجوه متعددة للحب ، مقال منشور في كتاب : برديب كومر ديتا ” رابند راند طاغور : البيت والعالم (صحبة نقدية) ، نشرة دار بلاك بيرممنت ، 1995 ، ص 36 وما بعد) .

   لقد ولد الطفل ” رابي” (الشاعر طاغور) في منزل العائلة الكبير (جورسانكو مانشن) في كلكتا الهندية ، في 7 مايس عام 1861 ، وكان الطفل الأصغر سناً بين إخوانه الثلاثة عشر من الأحياء (المصدر السابق ، ص ص 8 – 9) . وبسبب موت والدته في طفولته المبكرة ، وترحال والده الدائم لأغراض العمل ، إن أعتنى الخدم بتربية الطفل رابي . ومن الملاحظ إن رابي ترعرع في بيت مملوء بمجلات الأدب ، والمسرح ، كما إن الغناء البنغالي والموسيقى الكلاسيكية الغربية يشكلان الأجواء المعتادة في المنزل ، والذي كان في الوقت ذاته مركزاً للجماعة المحبة للفن .

 إن سيرته الذاتية تقدم لنا صورة غنية عن التنوع الثقافي في داخل أسرة الطفل رابي ، فقد كان أخوه الأكبر ” دواجيند راند ” فيلسوفاً محترماً وشاعراً ، كما إن أخيه الأخر ” ستيند راند ” أول هندي عُين في ” نخبة الخدمة المدنية الهندية الأوربية ” وكان مقرباً من العائلة المالكة الإنكليزية . وكان أخيه ” جويتيرند راند ” موسيقاراً وكاتب مسرحيات . إضافة إلى إن أخته ” سوراند ” كانت روائية .. (أنظر : أدورد جون تامبسون ؛ رابندراند طاغور : الشاعر وكاتب الدراما ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن 1926 ، ص 20 ، وكذلك : ديتا وروبنسون (ناشران) ؛ رسائل طاغور المختارة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1997 ، ص 10) . إن كل هذا يؤشر  الجو الثقافي العائلي الثري المتنوع الذي ترعرع فيه الطفل رابي طاغور ، وبالتأكيد سيكون له من الأثر في تنمية وتحديد إتجاهاته الثقافية والفلسفية فيما بعد .

   أما الحديث عن مراحل تعليمه ، فلها قصة ممتعة ، فالطفل رابي كان لا يفضل الإنخراط في صفوف مدرسية منظمة ، ورغب في تعلم السنسكريتية في مراكز ” بولبور ” و ” بناهاتي ” التي كانت تزورها العائلة (أنظر : تامبسون ؛ المصدر السابق ، ص 21) . وكان أخوه ” هامند راند ” معلمه الخصوصي ، والذي أشرف عليه في التربية المدنية ، وإشترط عليه تعلم السباحة ، والجري عبر التلول ، والجمناستيك ، والجودو والمصارعة . وتعلم طاغور الرسم ، والتشريح ، والجغرافية والتاريخ والأدب والرياضيات ، واللغة السنسكريتية والإنكليزية التي كانت الموضوع المحبب لديه  (أنظر ديتا و روبنسون ؛ طاغور : رجل صاحب عقل متعدد ، نشرة مطبعة القديس مارتن ، 1995 ، ص ص 48 – 49) .

 وفعلاً إن طاغور أظهر إحتقاراً للتعليم الرسمي ، وفضل الرحلة إلى الكلية الرئاسية المحلية ، وكان يصرف يوماً كاملاً هناك . وهي كلية هندوسية جامعة في كولكتا غرب البنغال ، أسسها المصلح البراهمي ” راج رام موهان روي ” في العام 1817

وبعد بلوغه الحادية عشرة سافر مع والده (في شباط 1873) في رحلة إستمرت شهور عدة ، زار أملاك والده في منطقة الهملايا . وهناك بدأ يقرأ السير الذاتية . وكان والده هو المعلم الخصوصي له خصوصاً في موضوعات من مثل : التاريخ والفلك واللغة السنسكريتية . وقرأ بالمناسبة السيرة الذاتية للمفكر الإمريكي المتعدد الإهتمامات ” بنجامين فرانكلين ” (1706 – 1790) . وناقش الأبن والأب كتاب المؤرخ الإنكليزي ” أدورد كيبون ” (1737 – 1794) المعنون ” تاريخ تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية ” (والذي يتألف من ستة مجلدات ، ظهر المجلد الأول منها في العام 1776 ، وظهر المجلد السادس في العام 1789 . للتفاصيل أنظر : بيتر كوش ؛ عصور كيبون المظلمة : ملاحظات حول أصول الإنحطاط والسقوط / مجلة الدراسات الرومانية ، العدد 73 سنة 1983 ، ص ص 1 – 23) ، وقرأ شعر الكاتب السنسكريتي ” كالديسا ” (من القرن الرابع الميلادي) (أنظر : ديتا و روبنسون ؛ المصدر السابق ، ص ص 54 – 55) .

 وعاش مع والده في الأشهر الأخير في بيت قريب من الشلالات ، تجربة قاسية في الدراسة وروتين الحياة اليومية . وأخذا يس