الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد – 2 – أيلول 2014

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

(2)

  أيلول / 2014 

——————————————————————————

فصيلة شهرية 

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات 

لندن – إنتاريو – كندا

رئيس التحرير                     سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان         الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث التي تنشر فيها للتحكيم الأكاديمي

——————————————————————————————-

تأمل في كتاب صامويل هنتنجتون ” تصادم الحضارات “

Samuel P. Huntington: The Clash of Civilizations

Dr. MOHAMAD FARHAN   SARA FARHAN / PHD Candidate

الدكتور محمد جلوب الفرحان          طالبة الدكتوراه / سارة الفرحان

—————————————————————————————

 تقديم :

  يُشكل موضوع ” تصادم الحضارات ” مادة نافعة في تصنيف علوم الفلسفة التي شغلها التاريخ والحضارة موضوعاً من موضوعات التأمل الفلسفي الكلاسيكية . وهذا الموضوع  يندرج في مجالين فلسفيين عتيدين مُتداخلين ويعملان سوية ، وهما ” فلسفة التاريخ ” و” فلسفة الحضارة ” . ونحسبُ إن هذا التداخل بين مضماري فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة في الموضوع الحالي ، سببه عنوان مقال كتبه بروفسور العلوم السياسية الأمريكي ” صامويل هنتنجتون ” (1927 – 2008) والذي حمل عنوان ” تصادم الحضارات ” [1] وظهر لأول مرة في صيف عام 1993 ومن ثم عاد فنشره مرة أخرى في كتاب موسع عام 1996 ضم معه مناقشات متنوعة ومن شواطئ مثديولوجية وفكرية ملونة وثم ظهر إسم البروفسور هنتنجتون مُؤلفاً (النص الذي كتبه هنتنجتون بحدود 300 صفحة) وناشراً لكتاب ” تصادم الحضارات ” في نشرته الجديدة عام 1996[2] .

  ونحن نعرف بالتأكيد لا الكاتب البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” فيلسوفاً في التاريخ  ، ولا البروفسور ” فؤاد عجمي ” فيلسوفاً في الحضارة . ولكن نحسب في الوقت ذاته إن لهما الحق في القراءة والكتابة والمعارضة ومن ثم الأتفاق خصوصاً من طرف البروفسور عجمي . وإذا كان لهما الحق في الكتابة في مضمار الفلسفة ، فلنا الحق (على الأقل من طرف الدكتور محمد الفرحان) نحن طلاب الفلسفة وسدنتها ، ومحبي الحكمة وراهني حياتنا في محبتها لأكثر من أربعة عقود ونصف من السنين ، أن نراجع كتاب ” تصادم الحضارات ” ومن ثم مناقشة البروفسور ” هنتنجتون ” والبروفسور ” عجمي ” خصوصاً على المعارضة والمعاندة في طور مبكر من حياة البروفسور عجمي الأكاديمية ، ومن ثم عاد في مرحلة متأخرة إلى جادة الإتفاق والقبول بإطروحة ” هنتجتون ” تصادم الحضارات . وهي المرحلة العجمية التي حكمتها قوانين التحول والتغير في حياة الأكاديمي ” فؤاد عجمي ” طيب الله ثراه [3] . وهذا الجانب يُشكل ما إصطلحنا عليه ” بالطرف الفلسفي والإستشراقي في نهج فؤاد عجمي ” وهو طرف سنمسه بلطف في مضمار مقال قادم [4] .

  ومن النافع أن نُذكر هنا بأن المفكر الأمريكي – العربي ” أدورد سعيد ” طيب الله ثراه قد تصدى أكاديمياً لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وفي وقت مبكر جداً وعارضه أكاديمياً ، بمقالة حملت عنواناً نقدياً ألا وهو ” تصادم الجهل [5] ولأهمية معارضة المرحوم ” أدورد سعيد ” للبروفسور هنتنجتون ، فستكون لنا وقفة عند عتبات مقالته ” تصادم الجهل ” . كما ذكرنا بمشروع الكاتب الباكستاني – البريطاني ” طارق علي ” والمعنون ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة ” .

  والحقيقة سبقت محاولتنا لتحليل مثابرة المفكر ” أدور سعيد ” والبروفسور عجمي النقديتين ، وقفة تأملية عند عتبات بعض الإتجاهات النقدية الغربية العامة لكتاب – مقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” . ومن ثم تلاها عرض لمثابرتين أكاديميتين ، واحدة جاءت من مرابض الحضارة اليابانية (الناهضة على أسس عقيدية بوذية) وهي مثابرة البروفسور ” سيزابارو ساتو ” والمعنونة ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات من خلال التعليم المتبادل ” .  ومن ثم وقفة عند الموقف النقدي لكل من الأكاديميين الأمريكيين ” إيرول هندرسن ” و ” ريتشارد توكر ” والذي حمل عنوان ” الوضوح وحضور الغرباء : تصادم الحضارات والصراع الدولي ” .

صامويل هنتنجتون من زاوية أكاديمية

  تعود أهمية البروفسور هنتنجتون إلى إنه في مقاله ” تصادم الحضارات ” ظل عالم سياسة وتنكب بعيداً من أن يكون فيلسوف تاريخ وفيلسوف حضارة . والحق إنه لأغراض العلم السياسي قام بمحاولة تجسير بين السياسة والفلسفة أو الأدق توظيف موضوع فلسفة الحضارة لصالح السياسة وأغراضها . والدليل على ذلك إن ” تصادم الحضارات ” هي إطروحة لما أسماه هنتنجتون ” ما بعد الحرب الباردة وإعادة بناء نظام العالم ” [6] . وهو إصطلاح ساد في التداول بعد لقاءات الرئيس الروسي ” ميخائيل كورباتشوف ” (1931 لازال حياً ويبلغ من العمر83 عاماً) [7] والرئيس الأمريكي ” جورج بوش الأب ” (1924 ولازال حياً) [8] وهو اللقاء الذي حدث خلال نهاية الحرب الباردة [9] .

  والحقيقة إن هنتنجتون هو أستاذ أمريكي متخصص في العلوم السياسية ، وهو محافظ متزمت في رؤيته وميثدولوجيته الأكاديمية . ولد صامويل هنتنجتون في 18 نيسان (أبريل) من عام 1927 في مدينة نيويورك ، وهو إبن ” دورثي سانبورن (فيلبس) ” ، كاتبة القصة القصيرة الأمريكية المشهورة . وهو إبن ” ريتشارد توماس هنتنجتون ” ناشر مجلات التجارة الفندقية . كما إن جده من طرف أمه ، كان هو الأخر ناشراً مشهوراً ، وهو ” جون سانبورن فيليبس ” (1861 – 1949) [10] .

  إلتحق هنتنجتون بجامعة ييل وتخرج منها بإمتياز . وفي عمر الثامنة عشر خدم في صفوف الجيش الأمريكي . ومن بعد التخرج من جامعة ييل سجل في جامعة شيكاغو وحصل منها على درجة الماجستير . وكتب إطروحته للدكتوراه في جامعة هارفرد ، ومن ثم بدأ فيها التعليم وكان عمره ثلاثة وعشرين ربيعاً [11] . ومن أول مؤلفاته الأكاديمية ، كتابه المعنون ” الجندي والدولة : النظرية السياسية للعلاقات العسكرية – المدنية ” والذي نُشر عام 1957 ، وكان موضوع جدل واسع حين صدوره . ولكن ” اليوم يُعدُ من أهم الكتب الكلاسيكية التي تركت أثراً واضحاً على العلاقات العسكرية – المدنية في أمريكا ” [12] .

  ونسعى هنا إلى أن نبين للقارئ العربي الكريم ، بإن كتاب أو مقالة هنتنجتون المعنونة ” تصادم الحضارات ” لم يكن من كتبه ومقالاته الأولى ، وإنما سبقته مقالات وتأليفات عدة ، وبالتحديد جاء نشره بعد ” تسع وثلاثين سنة ” من نشر كتابه الأول ” الجندي والدولة … ” والذي نشره عام1957 . ولذلك نقدم هنا جرداً بكتبه التي كتبها قبل ” تصادم الحضارات ” ومن ثم نشير إلى كتبه أو مقالاته التي كتبها بعد مقالته ” تصادم الحضارات ” :

 أولاً – الكتب والمقالات التي كتبها قبل صدور ” تصادم الحضارات “

1 – ” الجندي والدولة : نظرية سياسات العلاقات العسكرية – المدنية ” والذي صدر عام 1957 .

2 – ” الدفاع المشترك : برامج سيتراتيجية في السياسات القومية ، ونشر عام 1961 وتقريباً صدر بعد ما يُقارب الأربعة سنوات من كتابه الأول ” الجندي والدولة … ” .

3 – ” النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة ” ، وصدر عام 1968 أي ظهر إلى النور بعد سبع سنين من كتابه الثاني ” الدفاع المشترك … ” .

4 – ” أزمة الديمقراطية : حول قابلية الحكومة في النظم الديمقراطية ” والذي نُشر في عام 1976 وجاء تداوله في المكتبات بعد ثمان سنوات من كتابه المعنون ” النظام السياسي …” .

5 – ” السياسات الأمريكية : الواعدة بالتنافر ” وصدر عام 1981 أي بعد خمسة سنوات من كتابه ” أزمة الديمقراطية … ” .

6 – ” الموجة الثالثة : الديمقراطية في نهايات القرن العشرين ” والذي توافر للقارئ الأمريكي في عام 1991 ، وبالتحديد نشر بعد عشر سنوات من كتابه ” السياسات الأمريكية … ” .

ثانياً – الكتب والمقالات التي كتبها بعد صدور ” تصادم الحضارات ” والذي كان المقال رقم (7) في التسلسل والذي صدر في عام 1993 وأعاد نشره في كتاب موسع للمقال ، ومعه مناقشات ومناظرات لباحثين أخرين عام 1996 .

8 – ” قضايا حضارية : كيف تُشكل القيم التطور الإنساني ” والذي طبع عام 2000 وجاء بعد نشر مقال ” تصادم الحضارات ” في طبعته الأولى بسبع سنوات ، وأربعة سنوات بعد نشرته الثانية في كتاب .

9 – ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” وهو مقال ظهر في عام 2004 أي بعد النشرة الأولى لمقال ” تصادم الحضارات ” بإحدى عشرة سنة ، وبعد النشرة الثانية بثمانية سنيين ، وبعد كتابه أو مقاله ” قضايا حضارية … ” بأربعة سنوات . هذا هو تراث البروفسور هنتنجتون ومن ثم مكانة مقاله ” تصادم الحضارات ” بينها من طرف تاريخ النشر .

تصادم الحضارات بعيون أكاديمية

   نحاول هنا تقديم قراءة لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” بصورته الأولى التي عرفها القارئ والأكاديمي على حد سواء . وبدايتنا التأكيد على إن بروفسور العلوم السياسية ” هنتنجتون ” نشر هذا المقال لأول مرة في دورية ” قضايا أجنبية ” [13] . وتكون المقال من عدة محاور مختصرة (ويبدو لنا المقال هو مخطط مستقبلي لبحث أكثر شمولاً أو كتاب وهذا فعلاً ما حدث بعد ما دار جدل حول المقال ومن ثم تتوج في توسعة ضمها الكتاب مع مناقشات متنوعة والذي نُشرعام 1996) . وجاء المقال في نشرة عام 1993 بالشكل الأتي :

1 – إنمودج أو نمط الصراع القادم [14] .

2 – طبيعة الحضارات [15] .

3 – لماذا ستتصادم الحضارات [16] .

4 – المناطق الرخوة (المتصدعة) ما بين الحضارات [17] .

5 – الحضارة الجامعة : الأعراض المرضية للقطر القريب [18] .

6 – الغرب في مواجهة البقية [19] .

7 – الأقطار المُمزقة [20] .

8 – الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي [21] .

9 – الأثار المترتبة على الغرب [22] .

    هذا فيما يخص مقال ” تصادم الحضارات ” في نشرة دورية ” قضايا أجنبية ” . إلا إن البروفسور هنتنجتون توسع فيه ومن ثم ضم إليها مناقشات متنوعة ومن ثم صدرت نشرة جديدة ، هي نشرة عام 1996 والتي ظهر فيها إسم هنتنجتون مشرفاً وناشراً وليس مؤلفاً فحسب . وهنا سنقدم دراسة مركزة لمقال ” تصادم الحضارات ” [23] . ومن النافع أن نعود إلى نشرة عام 1993 ، والتي كانت فكرة المقال في الأصل محاضرة قدمها البروفسور هينتنجتون عام 1992 في معهد المشروع (الأنتبرايز) الأمريكي ، ومن ثم طورها إلى مقال عام 1993 .

  ولكن في الحقيقة إن كل ذلك غير كاف  ، فإن مقال البروفسور هينتنجون بجملته جاء إستجابة إلى كتاب تلميذه السابق ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [24] . وفرنسيس فوكياما هو بروفسور العلوم السياسية ومدير برنامج ” الإنماء العالمي ” التابع لمعهد الدراسات العالمية المتقدم في جامعة هوبكنز .

  وكما ذكرنا إن البروفسور هينتنجون قام بتوسيع مقاله ” تصادم الحضارات ” والذي نشره لأول مرة في مجلة ” قضايا أجنبية ” عام 1993 ، ومن ثم نشر التوسعة في كتاب عام 1996 مع تغييرات طفيفة في العنوان ” تصادم الحضارات وإعادة بناء النظام الجديد ” . ويبدو إن عبارة عنوان كتاب البروفسور هنتنجون ” تصادم الحضارات ” لم تكن من إنشائه الخاص ، بل إنها وردت قبل ذلك بثلاث سنوات في مقال للمؤرخ والباحث في الإستشراق  الأمريكي – البريطاني ” برنارد لويس ” (1916 – تناهز عمره الآن 98 عاماً) ، وبالتحديد في مقاله المعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي ظهر في مجلة ” إتلانتك ” الشهرية وبالتحديد في عام 1990 [25] .

  ومن ثم إنكب الأكاديميون الغربيون في البحث عن جذور ومصادر عبارة أو عنوان هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” فوجدوا إنها كانت متداولة في مصادر تصعد إلى فترة بعيدة عن  كتابات ” برنارد لويس ” التي تم الإشارة إليها سابقاً . وهذا الحال يحملنا على القول بإن ” برنارد لويس ” هو الأخر ربما تلقفها من العنوان الفرعي لكتاب ” باسيل ماثيوس ” والمعنون ” الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات ” والذي صدر في عام 1926 [26] . أي قبل مقال ” برنارد لويس ” بما يُقرب ستة عقود ونصف (قبل أربع وستين عاماً) .

  وكذلك لاحظنا إن هناك عدداً أخر من الباحثين من أمثال المستشرق الفرنسي ” لويس ماسينيون ” (1883 – 1962) صاحب دعوة الحوار المسيحي – الإسلامي ، الذي يرى إن تعبير ” تصادم الحضارات ” يصعد حتى إلى فترة تتخطى تاريخ صدور كتاب ” باسيل ماثيوس ” ويعود بها إلى الفترة الإستعمارية [27] ، والتي تم فيها إشتقاق التعبير من ” صراع الثقافات ” ، وهي الفترة ذاتها التي يُطلق عليها في فرنسا بالحقبة الجميلة ، والتي بدأت عام 1871 وإنتهت مع الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، والتي يُحدد هويتها الأكاديميون ” بالتفاؤل والسلام في الوطن وفي عموم أوربا ، والتي صاحبتها تكنولوجيا جديدة وإكتشافات علمية … والتي تُصف على إنها العصر الذهبي [28] .

   بينما إستهل هنتنجتون بحثه في ” تصادم الحضارات ” بتقديم عرض متنوع لطبيعة ” السياسات الكونية لفترة ما بعد الحرب الباردة ” ، فإن هناك عدداً من الباحثين ومنهم تلاميذ للبروفسور هنتنجتون ، من أمثال البروفسور ” فرنسيس فيوكاما ” يحسبون إن ” التاريخ وكذلك الإنسان وصلا إلى نهايتهما بالمفهوم الهيجلي ” [29] . في حين إن هنتنجتون بالمقابل يعتقد إنه مادام ” عصر الأيديولوجيا قد إنتهى ، فإن العالم عاد إلى الدولة التي تُعالج شؤون الصراع الحضاري ” . ومن ثم يجادل في ” إن المحاور الرئيسة لمثل هذا الصراع ستتخذ في المستقبل صوراً حضارية ودينية ” [30] .

التنوع الحضاري وتصادم الحضارات

  لاحظ الباحث إن هنتنجتون يفترض بأن مفهوم ” الحضارات المختلفة ” ، هو بحد ذاته من المفاهيم التي تنتمي إلى ” القشرة العالية ” التي يسميها ” بالهوية الحضارية ” . وإعتقد بإن هذا المفهوم سيلعب دوراً ذات أهمية متزايدة في تحليل ” إحتمالية الصراع ” . وفعلاً عالج ذلك في مقاله السابق والمعنون ” تصادم الحضارات ” . ونقف عند عتبات الأسئلة التي أثارها هنتنجتون ونقدم لها إجابات ملخصة مختارة من النصوص التي كتبها هنتنجتون بقلمه :

 ما نمط الصراع القادم في العالم الجديد ؟ 

ونحسب إن هنتنجتون رد على هذا السؤال وأفاد موضحاً : ” إن فرضيتي ترى إن المصدر الرئيس للصراع في هذا العالم الجديد ، سوف لن يكون أيديولوجياً كما لن يكون إقتصادياً ، بل إن المصدر الرئيس في تقسيم الناس ، والمصدر المهيمن في الصراع هو المصدر الحضاري . كما إن دول الشعوب والأمم ستبقى من أغلب العوامل القوية والأكثر فاعلية في شؤون العالم ، ولكن الصراع الأساس في سياسات العالم سيحدث بين الشعوب والأمم وجماعات من حضارات مختلفة . ولهذا فإن تصادم الحضارات سوف يُهيمن على سياسات العالم . وإن خطوط التصدع بين الحضارات ستكون هي خطوط المعركة في المستقبل ” [31] .

 ما هي طبيعة الحضارات ؟

   نحسبً في البداية الإشارة إلى إن ” هنتنجتون ” تخلى عن تقسيم دول العالم إلى ” ثلاثة عوالم ” كما كان سائداً في الأدب السياسي الكلاسيكي خلال ” الحرب الباردة ” . وهو الأدب الذي إعتاد على الحديث عن ” العالم الأول ” والذي يضم الدول الرأسمالية . والعالم الثاني والذي يضم منظومة ما كان يُسمى ” بالدول الشيوعية أو الإشتراكية على النمط الروسي ” . والعالم الثالث الذي يشمل ما كان يُصطلح عليه ” بدول عدم الإنحياز ” وبتسميات أخرى مثل ” الحياد الإيجابي ” والتي كانت متداولة يومذاك .

  ولهذا يرى هنتنجتون إن هذه ” التقسيمات لدول العالم ” لم تعد ” مناسبة ، بل وفقدت معناها اليوم ” . وإن الحديث عن تقسيم دول العالم ” على أساس نُظمها الإقتصادية والسياسية أو حتى الحديث عن حدود تطورها الإقتصادي ” فإنه حديث لا معنى له في عالم اليوم . وإن التصنيف الدقيق أن ينهض على أساس ” مستواها الثقافي والحضاري [32] .

  ويتساءل هنتجتون ؛ ماذا نعني بإصطلاح ” الحضارة ” في حديثنا ؟ ومن ثم يذهب موضحاً ، فيُفيد إلى إن ما نعنيه ، هو إن الحضارة بطبيعتها هي ” وحدة حضارية ” ومن هذا الطرف هي تضم ” قرى ومناطق وجماعات إثنية وقوميات وجماعات دينية ” والتي تمتلك ” مستويات مختلفة من عدم التجانس الحضاري ” . ولم يقف هنتجتون عند عتبات التنظير ، وإنما عززها بأمثلة حضارية . فمثلاً لاحظ إن ” الحضارة في قرية في جنوب إيطاليا مختلفة عما هو الحال عليه في قرية في شمال إيطاليا . ولكن كلاهما يُشاركان الحضارة الإيطالية ، والتي تُميزهما عن القرى الألمانية ” [33] .

ويخلص هنتنجتون من بحثه إلى الحقيقة القائلة ؛ إن ” الحضارات في دايناميك ” حيث إنها في حركة صعوداً وهبوطاً ، تبدأ بما أسماه ” بصعود ” ومن ثم يتلوها ” سقوط ” . وبعد ذلك تتعرض إلى ناموسي ” الإنقسام ” و ” الإندماج ” . والخاتمة التي يعرُفها طلاب التاريخ ، هو إن ” الحضارات ستتلاشى من الوجود ” فتنطفأ و ” تُدفن في رمال الزمن ” . ويحسبُ هنتنجتون بأن ” الغربيين ميالون إلى الإعتقاد بإن الدول ستظل من العوامل الرئيسة الفاعلة في تقرير مصير العالم ، وستبقى حية لبضع قرون ، ومن ثم تصل إلى مدياتها في تاريخ الإنسانية الذي هو بالطبع مضمار تاريخ الحضارات ” [34] . ومما لاحظه الباحث على المنهج الميثدولوجي للدكتور هنتنجتون إنه أشار إلى مصدره اليتيم في معالجة هذا الطرف من بحثه ” تصادم الحضارات ” وهو إعتماده على كتاب فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” (1889 – 1975) المشهور والمعنون ” دراسة التاريخ ” [35] ، والذي حدد فيه توينبي 21 حضارة من الحضارات الكبرى ، والتي بقيت منها 6 حضارات حية في عالمنا المعاصر [36] .

  ويبدو لنا إن البروفسور هنتنجتون قد إستبطن بصورة واعية فكرة توينبي في ” الجيل الثالث ” من نشوء الحضارات ، وبالتحديد المجلد الثالث من موسوعته الفلسفية – التاريخية ، الموسومة ” دراسة التاريخ [37] . وكان عنوان المجلد الثالث ” تنامي الحضارات [38] . وهنا نقف ونترك  القارئ الحصيف يُقارن بنفسه بين أفكار وردت في أطراف متنوعة من مقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وعناوين ومضمونات المجلدات العشرة الأولى من موسوعة ” توينبي ” دراسة التاريخ ” . 

 لماذا تتصادم الحضارات ؟

  يعتقد هنتنجتون إن ” هوية الحضارة ” ستُشكل طرفاً بالغ الأهمية في مستقبل العالم الجديد ، وذلك لأن الصورة الجوهرية للعالم ستتكون من خلال ” تفاعل سبع أو ثمان حضارات كبرى ، وهي الحضارة الغربية ، والكونفوشيوسية (منا : الصينية) ، واليابانية (منا : البوذية) ، والإسلامية ، والهندوسية (منا : الهند) ، وسلافك أورثوذوكس ، والأمريكية اللاتينية ، وإحتمال الحضارة الأفريقية ” [39] . ويتأمل هنتنجتون في قضية تصادم الحضارات في العالم الجديد ، فيرى إن الصراعات الأكثر أهمية التي ستحدث في المستقبل ، هي الصراعات التي ستندلع نيرانها فيما أسماه ” بالمناطق الرخوة (أو المتصدعة) ، وهي المناطق التي تفصل الحضارات بعضها عن البعض الأخر ” [40] . والحقيقة إن الشواهد والأمثلة التي إستشهد بها كثيرة ، منها :

أولاً – إن الإختلافات الظاهرة على سطح الحضارات وواجهاتها الأمامية ، هي ليست مجرد إختلافات وحسب ، بل هي إختلافات أساسية . ولعل الباحث يلحظ إن الحضارات تتميز كل واحدة منها عن الأخرى بالتاريخ ، واللغة ، والثقافة ، والتقاليد والأعراف . وإن الطرف الأكثر أهمية في الإختلاف هو الدين . والشواهد على ذلك كثيرة منها ، إن الشعوب من جميع الحضارات ، يختلفون في نظرتهم للعلاقات بين ” الله والإنسان ” وبين ” الفرد والجماعة ” وبين ” المواطن والدولة ” وبين ” الأباء والأبناء (الأطفال) ” وبين ” الزوجة والزوج ” . إضافة إلى إنهم يختلفون في وجهات نظرهم حول ” الحقوق والواجبات ” و ” الحرية والسلطة ” و ” هرمية (أو منازل) المساوات (منا الهرمية السياسية والإجتماعية والإقتصادية …) ” . وهذه الإختلافات هي نتاج قرون عديدة من السنيين . وبالتأكيد سوف لن تختفي حالاً أو في المستقبل القريب . وهي إختلافات جوهرية ومترسخة في الأعماق ، وهي بالطبع ليست مجرد ” إختلافات في الأيديولوجيات والأنظمة السياسية ” [41] .

ثانياً – كما إن العالم أصبح مكاناً جغرافياً صغيراً ، حيث سهل هذا الحال ” تزايد التفاعل بين الشعوب من حضارات مختلفة ” ، وبدوره أدى إلى ” تزايد حدة الوعي الحضاري ” ومن ثم ” الإلتفات إلى الإختلاف بين الحضارات ” [42] .  وقدم هنتنجتون العديد من الأمثلة والشواهد ، وعلى سبيل الإختيار والإنتخاب ، منها ” الهجرة من شمال أفريقيا إلى فرنسا ، والتي ولدت مواقف عدائية بين الفرنسيين ” في حين بالمقابل ” تزايدت درجات الإستقبال للمهاجرين من الدول الأوربية الكاثوليكية ” . والحال كذلك بالنسبة ” للأمريكان فقد كانت لهم مواقف سلبية تجاه المستثمرين من اليابان ، مقارنة بالعدد الكبير من المستثمرين من كندا والبلدان الأوربية ” [43] .

ثالثاً – أدت عملية التحديث الإقتصادي والتغيير الإجتماعي التي حدثت في بنية العالم ، إلى ” فصل الشعوب من هويتها المحلية ” . وبالمقابل سببت ” ضعف الدولة الوطنية ” من أن تكون مصدراً من ” مصادر الهوية ” . ولملاً هذا الفراغ تحركت ديانات العالم ، وفعلاً جسرت وملأت هذه ” الهوة ” بصورة حركات دينية ، يمكن الإصطلاح عليها ” بالحركات الإصولية أو النزعات المتطرفة ” . ومن الأمثلة التي يستشهد بها هنتنجتون ” المسيحية الغربية ، واليهودية ، والبوذية ، والهندوسية ، إضافة إلى الإسلام (منا : مع نسيان هنتنجتون للكونفوشيوسية ” [44] .

  ومن الملاحظ إن ” الفئة الأكثر فعالية ” في الحركات الأصولية / المتطرفة ، وبالطبع في أغلب البلدان ، وأغلب الديانات ، هي ” فئة الشباب الذين تخرجوا من الكليات ، والإختصاصيون والمهنيون ورجال الأعمال من أبناء الطبقة الوسطى ” . وعلى أساس هذا الحال ” فإن العالم لم يعد علمانياً ” بحدود ما .  ويحسب هنتجتون إن هذا الواقع ، هو الذي حمل ” جورج فيجل ” (1951 – ) وهو متخصص في الكتابة عن الكنيسة والكاثوليكية [45] ، إلى ملاحظة إن واحدة من الحقائق الإجتماعية التي هيمنت على أواخر القرن العشرين ، هي ” إنتعاش الدين ” وبلغة كيلز كيبل [46] هي الحقيقة التي شكلت ” أساساً للهوية ، وهذا الإلتزام قاد إلى تخطي الحواجز القومية والتوحيد بين الحضارات ” [47] . أي التوحيد بين الحضارات على أساس ديني عقيدي .

رابعاً – تعزز نمو ” الوعي الحضاري ” عن طريق ” الدور المزدوج الذي لعبه الغرب ” . فمن طرف إن الغرب في قمة ” القوة والسلطة ” . ومن طرف أخر إن الغرب عاد إلى ” جذور الظاهرة التي حدثت بين الحضارات اللاغربية ” . ولعل الشاهد على ذلك إن المرء بدأ يسمع عن ” نزعات عادت إلى مايُسمى ” بالأسيوية في اليابان ” و ” نهاية تراث نهرو ” و ” النزعة الهندوسية في الهند ” و ” فشل الأفكار الإشتراكية الغربية ” و ” فشل الأفكار القومية ” و الحديث عن ” نزعة التحويل الإسلامي للشرق الأوسط ” ، ومن ثم الكلام عن المنافسة الدائرة بين ” النزعتين الغربية والروسية في بلاد بوريس بولسن ” وإن ” الغرب في قمة قوته يتحدى اللاغرب ” ومن ثم ” تزايد الرغبة والإرادة والمصادر إلى إعادة تشكيل العالم بطرق لاغربية ” [48] .

    كما إن من الملاحظ إن النخب في المجتمعات اللاغربية في الماضي ، كانت دائماً مهتمة بشكل غير إعتيادي في الغرب . فمثلاً هذه النخب شدت الرحال وذهبت تتعلم في جامعات الغرب ، من مثل ” أكسفورد ” و” السوربون ” وغيرها ، ومن ثم تشربوا الإتجاهات والقيم الغربية . وفي الوقت ذاته فإن ” الجمهور العريض من هذه الأقطار اللاغربية ظلت منغمسة ومتشربة حتى النخاع في ثقافة السكان الأصليين ” . أما اليوم فإن حال العلاقات بين الطرفين إنقلبت بإتجاه معاكس ، حيث إن النخب في العالم اللاغربي أخذت ” بالإبتعاد عن الغرب والإنغماس في نزعات الثقافة المحلية للسكان الأصليين ” .  وفي الوقت ذاته إن الغرب ، وخصوصاً في أمريكا ، فإن الثقافات ، وأساليب الحياة والعادات أصبحت سائدة ومهيمنة بين صفوف الجمهور الواسع [49] .

خامساً – تتميز الخصائص والإختلافات الحضارية ” بنوع من الثبات النسبي ” ، وهي ” أقل قبولاً للمساومات والحلول ” مُقارنة بالأطراف السياسية والإقتصادية . فمثلاً في الإتحاد السوفيتي السابق ، ممكن أن يكون ” الشيوعيون ديمقراطيون ” و ” الأغنياء ممكن أن يصبحوا فقراء ” و ” ممكن أن يتحول الفقراء إلى أغنياء ” . ولكن ” من غير الممكن أن يتحول الروس إلى إستونيين ” ، و ” من غير الممكن أن يتحول الأذربجانيون إلى أرمن ” . إلا إنه في ” الصراع الطبقي والأيديولوجي ”  يُثار السؤال الأساس ، وهو ” مع من ستصطف ؟ ” .

  وفعلاً فإن الشعب يستطيع أن يختار من بين الأطراف ، وقادر على أن يُغير هذه الأطراف . بينما السؤال في مضمار الصراع مختلف ، وهو ” من أنت ؟ ” وذلك لأن الأمر غير قابل للتغير والتبدل . ومن خلال معرفتنا التي تمتد من ” بوسنيا وإلى القوقاس وحتى السودان ” نستطيع القول ” إن الجواب الخطأ على السؤال ممكن أن يكون إطلاقة نار في الرأس ” بل وأكثر حدة من التمييز العنصري بين الناس على أساس الإثنيات والدين ” . فمثلاً ” الشخص ممكن أن يكون نصفه فرنسياً ونصفه الأخر عربياً ” وبذلك ممكن أن يكون ” مواطناً في بلدين ” . ولكن من الصعوبة ” أن يكون نصفه كاثوليكياً ونصفه مسلماً ” [50] .

وأخيراً – نلحظ إن النزعة الإقليمية (أو نزعة المجموعات) الإقتصادية أخذت بالنمو المتزايد وهذ ما نتوقعه في المستقبل القريب . وإن نجاح المجموعات الإقتصادية سيؤدي إلى ” تعزيز الوعي الحضاري ” الذي أخذ يضرب بجذوره في الأبعاد العميقة ” للحضارة المشتركة ” . فمثلاً إن ” الجماعة الأوربية ” ستستقر على ” أسس مشتركة من الحضارة الأوربية والديانة المسيحية الغربية ” . كما إن نجاح ” التجارة الحرة في شمال أمريكا سيعتمد على شكل من التجمع الذي هو في دور التطور حالياً ، والذي يضم الحضارات الثلاثة ؛ الأمريكية – الكندية – المكسيكية ” . في حين بالمقابل ” إن اليابان تواجه صعوبات في خلق وحدة إقتصادية في شرق أسيا ، وذلك بسبب إن المجتمع الياباني ، والحضارة اليابانية ، هما شكلان متفردان بطبعهما ” ونظن إن البروفسور هنتنجتون لم يلتفت إلى البوذية وأطيافها التي كونت الأساس الديني الذي هو طريق التقريب والتوحيد من اليابان وحتى التبت والصين وروسيا وعبر الهند ومنكوليا ودول جيران عديدة [51] . ورغم هذه الإختلافات الحضارية حسب فهم هنتنجتون ، فإن ” قوة التجارة والإستثمارات اليابانية ، ربما تحمل اليابان إلى تطوير نوع من العلاقات مع البلدان الأسيوية الشرقية ، مما يكون الحاصل تعزيز شكل من أشكال التكامل الإقتصادي مثل ما حدث في أوربا وأمريكا الشمالية ” [52] . وعلى عكس ما ذهب إليه هنتنجتون نرى إن الأساس العقيدي البوذي كان سوراً روحياً قوياً لتقريب اليابان وشدها مع مجموعة عريضة من دول أسيا الشرقية .

  ويُلخص هنتنجتون حديثه عن المستويات التي ” تتصادم فيها الحضارات ” ويحددها في مستويين إثنين :

الأول – صدام الحضارات على مستوى ” مايكرو ” أي صدام الحضارات على مستوى (جزئي – صغير) . والمثال النظري الذي قدمه هنتنجتون ، هو إن ” الجماعات المتجاورة في المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ، تدخل في كفاح مع بعضها البعض من أجل السيطرة على أراضي الجماعات الأخرى ” [53] .

الثاني – صدام الحضارات على مستوى ” ماكرو ” أي صدام  الحضارات على مستوى (كلي – شامل) . والشاهد الذي عرضه هنتنجتون ، هو إن ” دول من حضارات مختلفة ” تدخل في تنافس من أجل ” هيمنتها العسكرية والإقتصادية ” ، ولهذا ” تدخل في صراع ” ، وهي تتطلع إلى ” مكانة عالمية لها ” . وهدفها من كل هذا التنافس هو ” تعزيز ومن ثم فرض قيمها السياسية والدينية ” [54] .

ماهي المناطق الرخوة (المتصدعة) ما بين الحضارات ؟

   تُعدُ قضية ” المناطق الرخوة أو المتصدعة  ما بين الحضارات ” من القضايا البالغة الأهمية في الرؤية ” الجيوسياسية ” المُتشابكة مع مضماري ” فلسفة التاريخ ” و” فلسفة الحضارة ” والتي تجعل من بحث البروفسور هنتنجتون موضع تساؤل تتجاذبه ثلاثة مجالات لها مناهج أبستمولوجية (معرفية) مختلفة . صحيح جداً إن هنتنجتون جاء من فضاء ” العلوم السياسية ” وهذا هو مجاله الذي تخصص فيه ونجح فيه من زاوية الأبستمولوجيا للعلوم السياسية إلى حد ما . غير إنه ظل ” غريباً ” في الفضاءات الأبستمولوجية لمضماري ” فلسفة التاريخ ” و ” فلسفة الحضارة ” وبقي في أحسن الأحوال التي بحث فيهما ، يسبح على السطح ولم يتمكن من الغوص بعيداً في أعماق فلسفتي التاريخ والحضارة .

  ولعل السبب إنه لم يتدرب أكاديمياً في عوالم فلسفتي التاريخ والحضارة ، وبالتحديد في ” ميتافيزيقا التاريخ ” و” ميتافيزيقا الحضارة ” [55] . ولكن والحق يُقال إن الرجل إقترب من موضوعات فلسفية عالجتها فلسفة التاريخ والحضارة وعلى الأقل في التصنيف الحضاري والعناوين المرتبطة بها . ونحسب إن مصادر هنتنجتون المعرفية في فلسفة التاريخ على الأقل كانت يتيمة ، حيث إقتصرت على موسوعة فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” والمعنونة ” دراسة التاريخ ” .

  ولكل هذا فإن الباحث الأكاديمي المتخصص في أبستمولوجيات فلسفتي التاريخ والحضارة يشعر بالخيبة عندما يحاول تقويم أبحاث هنتنجتون من زاويتي فلسفتي التاريخ والحضارة ، وبالتحديد قراءة مقاله المعنون ” تصادم الحضارات ” ومن ثم كتابه الذي حمل العنوان ذاته . ونحسب من المفيد أن نخبر القارئ العربي إلى إن هذا الطرف من مقال هنتنجتون مهم جداً جداً ، ففيه أدلى البروفسور صماويل هنتنجتون بالكثير من الأمثلة عن الصراع أو بإصطلاحه ” المناطق الرخوة ” التي حدث فيها التصادم الحضاري بين ” عرب – الإسلام والغرب ” ولذلك ستكون لنا وقفة تأمل بحدود ما وذلك لتعريف القارئ العربي على الأراء التي أنتجها هنتنجتون ودونها بقلمه في هذا الصدد .

  وبعد هذا الإيضاح المنهجي نعود إلى دائرة التساؤل ، ونرفع السؤال من جديد ؛ ما هي المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ؟ بدأ هنتنجتون بحثه لهذا المحور بالإشارة إلى ” إن المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” حولت ” الحدود الأيديولوجية والسياسية للحرب الباردة ” إلى ” نقاط ساخنة ومناطق أزمات شهدت الكثير من المجازر الدموية ” . ومن ثم حفر في تاريخ العالم المعاصر ، فخلص إلى إن ” الحرب الباردة بدأت مع الأثار التي ولدها ” الجدار الحديدي ” والتي تمثلت ” بشطر أوربا سياسياً وأيديولوجياً ” . ومن ثم ” إنتهت الحرب الباردة ، ومعها تلاشى الجدار الحديدي كذلك ” [56] .

  وعلى هذا الأساس وصل هنتنجتون إلى النتيجة الطبيعية ، وهي إن ” التقسيم الأيديولوجي لأوربا ، هو الأخر تلاشى ” ، ففسح المجال لتقسيم جديد ” وهو التقسيم الحضاري ” الذي فرض هيمنته وسطوته ، فكان الحاصل من ذلك إستقطاب ” وتقسيم حضاري ” بين ” المسيحية الغربية من طرف ” و ” المسيحية الأرثوذوكسية والإسلام من طرف أخر ” [57] . وللتذكير نقول أن هنتنجتون وقع في مطب ميثدولوجي وفكري عندما ربط هنا بين ” المسيحية الأورثوذكسية والإسلام ” ومن ثم سيربط في محور لاحق بين ” الكونفوشيوسية والإسلام ” ونحسب في هذا الربط تنافر صارخ بين عقيدي أورثوذكسي (وفيه درجات من المشاركة العقيدية بدرجات ما) وعقيدي كونفوشيوسي يتعارض حتى العظم مع العقيدي الأرثوذكسي وبالطبع مع الإسلام كذلك  . فكيف حدث هذا ؟ سؤال يحتاج إلى حضور هنتنجتون من العالم الأخر ليقدم لنا فهماً لهذه الحيرة الأكاديمية بطرفيها الميثدولوجي والعقيدي . ونحن نعرفُ بأن العودة مستحيلة مثلما عملية التعادل بين الكونفوشيوسية من خلال العامل المشترك وهو الإسلام .

   كما ولاحظنا إن هنتنجتون قد رسم بدقة ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” وذلك من خلال الرسم ” الجيوسياسي ذو المنبت الحضاري – الديني ” الذي قسم حدود أوربا ” وهي بالطبع مسألة بالغة الأهمية من الزاوية الميثدولوجية . إلا إن من الحق أن نُشير إلى إن فكرة  ” حدود التقسيم ” الحضاري – الديني ، قد نزلت إلى هنتنجتون عن طريق إطروحة ” وليم ويلس ” وهو الأكاديمي البريطاني (1941 – ) [58] التي ناقشها عندما إقترح  ” الحدود الشرقية للمسيحية الغربية في عام 1500 ” [59] .

  وهذه الحدود أو المناطق الرخوة تُشكل في الحقيقة مضمار حدودها التخوم الفاصلة ما بين ” فنلندا وروسيا ” و” دول البلطيق وروسيا ” وتقطع ” بيلاروسيا ويوكرينيا ” والتي تفصل ” معظم يوكرينيا الغربية الكاثوليكية ” من ” يوكرينيا الشرقية الأورثوذكسية ” . كما وتميل هذه الحدود غرباً لتفصل ” ترانسيلفانيا (وهي الجزء المركزي من رومانيا) من بقية رومانيا ” . ومن ثم ” تمتد إلى يوغسلافيا وتمتد على طول لتفصل كرواشيا وسلوفينيا من بقية يوغسلافيا ” . وفي ” البلقان فإن هذه الحدود تتطابق والحدود التاريخية بين إمبراطورية هايسبورغ (مملكة النمسا) والإمبراطورية العثمانية ” [60] .  ولعل ما يُميز هذه الشعوب ، وبالطبع التي تسكن في الشمال والغرب من هذه الحدود ، إنهم أما ” بروتستانت ” أو ” كاثوليك ” وهم جميعاً ” يشاركون خبرات وتجارب التاريخ الأوربي ، والفترة الإقطاعية ، وعصر النهضة ، والإصلاح والتنوير والثورة الفرنسية ، والثورة الصناعية ” . كما إن ” أحوالهم الإقتصادية بصورة عامة ، هي أفضل بكثير من الشعوب التي تعيش في الشرق . وفي الوقت ذاته فهم يتطلعون لزيادة إنخراطهم في الإقتصاد الأوربي ، والتمسك بالإنظمة السياسية الديمقراطية ” [61] .

  ويحسبُ هنتنجتون بالمقابل إن الشعوب التي تعيش في الشرق والجنوب من هذه الحدود ، فهم أما ” أرثوذوكس ” أو ” مسلمين ” وهم تاريخياً  ينتمون إلى ” الإمبراطورية العثمانية ” أو ” الإمبراطورية الروسية القيصرية ” . وإن إتصالهم كان ضعيفاً في الأحداث الواقعة في بقية أوربا ، وهم على العموم ” أقل تقدماً إقتصادياً ” . كما إنهم ” أقل نزوعاً نحو تطوير أنظمة سياسية ديمقراطية مستقرة ” [62] .

   كما وتداول هنتنجتون في مُعجمه التاريخي (وبالطبع الحضاري – السياسي) إصطلاحات من مثل ” الصمام الحديدي للحضارة ” و ” الجدار الحديدي الأيديولوجي ” ورأى إن ” الصمام الحديدي للحضارة ” أزاح ” الجدار الحديدي الأيديولوجي ” وحل مكانه ومن ثم إستشهد ” بالأحداث التي وقعت في يوغسلافيا ” وهي بالطبع لا تمثل ” حدود الإختلاف ” وإنما هي تمثل البعد الزمني ” لحدود الصراع الدموي ” [63] .

  وفعلاً إن هذا الصراع حدث حسب فهم هنتنجتون ” في المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ، والذي إمتد لفترة 1300 سنة ، وبالتحديد مع بزوغ شمس الإسلام ، وإنسياح العرب والمورو (المورش) [64] غرباً وشمالاً ، والذي توقف في عام 732م عند عتبات تور ” [65] . ومن ثم حدث تحول كبير في ” المناطق الرخوة ” فمن القرن الحادي عشر وحتى القرن الثالث عشر الميلاديين ” نجح الصليبيون بصورة موقتة من السيطرة على مناطق من الأراضي المقدسة (فلسطين) وجلبوا معهم المسيحية (منا المسيحية الغربية أو الأوربية) والحكم المسيحي ” . ولاحظ هنتنجتون إلى إنه مع ” تباشير القرن الرابع عشر وحتى القرن السابع عشر ، تمكن الأتراك العثمانيون من إعادة التوازن في المنطقة ” ، ومن ثم تقوت شوكتهم ” فإمتدت سلطتهم إلى الشرق الأوسط وبلاد البلقان ، وفرضوا هيمنتهم على القسطنطينية (إسطنبول) وتمكنوا من حصار مدينة فينا مرتين ” [66] .

  ومن ثم يستشهد بالأحداث التي وقعت في ” المناطق الرخوة ما بين الحضارات ” فيذهب مفسراً وموضحاً إلى إنه مع ” القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين أخذت السلطة العثمانية بالضعف والإعتلال ” ، فبدأت ملامح تاريخ جديد يفرض ظلاله على المنطقة . وفعلاً فإن ” البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين جاءوا إلى المنطقة ، وأعادوا السيطرة الغربية على معظم شمال أفريقيا والشرق الأوسط ” [67] .

  ولعل الشواهد التاريخية على ” تصادم الحضارات ” التي إستشهد بها هنتنجتون تحت مظلة ما أسماه ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ” شواهد ذات أهمية منها النزعات التي هزت الطرف العربي من منطقة الشرق الأوسط . وهنا ينبغي أن نحتفل بالبروفسور ” صماويل هنتنجتون ” وبالتحديد على ” صوته الشجاع ” الذي يُشكل صورة مضيئة في تاريخ رجل أكاديمي قال كلمة ” الحق ” التي صمتت عنها الغالبية العظمى من ” عقول أكاديمية ” بوعي وبقصد إرضاء ” الفكرانيات الأكاديمية ” ومغازلتها على حساب الحقيقة . يقول هنتنجتون بصراحة ما بعدها صراحة وهو يُعلق على الحروب بين  ” العرب وإسرائيل ” كطرف من أطراف النزاع في ” المناطق الرخوة والمتصدعة ما بين الحضارات ” بأن ” إسرائيل هي من صنع الغرب[68] وكلام هنتنجتون يعني بقوة بأن ” الحروب المستمرة بين العرب وإسرائيل هي من صنع الغرب ” . وأشعر بصوت خفي ما بين سطور هنتنجتون تهمس وتقول ” وكذلك فإن مأساة اليهود الغربيون على يد هتلر وما ترتب عليها من بحث الغرب عن وطن قومي لهم والذي تتوج بوعد بلفور هي من صنع الغرب ” وبتأييد ومباركة ملكية حجازية – عربية [69] .

  هذه بعض من الشواهد على ” تصادم الحضارات ” والأمثلة كثيرة التي إستشهد بها البروفسور صماويل هنتنجتون ومنها ماحدث بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي أخذ فيها ” صراع الحضارات ” وجهة جديدة أكثر بربرية ودموية . فالغرب ” أخذ يعتمد على الدول العربية في طاقته ” وبالتحديد على ” نفط العرب ” . والعرب من طرفهم تطلعوا إلى ” إمتلاك السلاح الغربي ” . ولعل ما قلناه عن ” حروب العرب مع إسرائيل ” مثالاً حياً نعيش مآساته اليوميه وهو شريان إقتصادي نازف وفيه تبديد للإقتصاد العربي وفيه ضحايا وتضييع لفرص حضارية يمكن أن تُستثمر لصالح الإنسانية . والأمثلة كثيرة منها إن ” فرنسا قاتلت بدموية مع الشعب الجزائري في الخمسينات من القرن العشرين ” . كما وإن ” فرنسا وبريطانيا (ومعهم إسرائيل) إحتلوا مصر في عام 1956 ” ، ومن ثم ” في عام 1958 تحركت القوات الأمريكية صوب لبنان ” [70] . كلها شهادات بقلم البروفسور الأمريكي ” صماويل هنتنجتون .

  والحقيقة إن القائمة طويلة وتتخطى العرب وصراعهم مع الغرب ، فهناك أمثلة على ” تصادم الحضارات ” مع إيران سواء في تصادمها مع الغرب أو تصادمها مع العرب (العراق إنموذجاً) . كما إن ” عودة أمريكا إلى لبنان ” ، والهجوم على ليبيا ” و ” مواجهة إيران ” ، ومن ثم تصاعد الحرب بين العرب والغرب في عام 1990 وذلك عندما ” أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها المسلحة الضاربة إلى الخليج بسبب إحتلال قطر عربي لقطر عربي أخر ” . كما يصف هنتنجتون مشاعر العرب وبالتحديد ” مشاعر الفخر والزهو وذلك عندما هاجم صدام حسين إسرائيل ووقف بوجه الغرب ” . ولاحظ إن ” حالة من التعقيد أصابت العلاقات بين الإسلام والغرب ، وخصوصاً في مضماري ” الديمقراطية ” و” الإصلاح السياسي ” وعلى هذا الأساس كانت مظاهر ” تصادم الإسلام والغرب ” … [71]

 ما هي الحضارة الجامعة ؟ وما هي الأعراض المرضية للقطر القريب ؟

      لاحظ الباحث إن البروفسور هنتنجتون قد إستهل بحثه لهذا المحور بما يشبه المقدمة النظرية ، وفي معظمها كانت ” تعميم إفتراضي ” في أحسن الأحوال من الزاوية الميثدولوجية يظل موضوع ” تمحيص ومراجعة وتدقيق ” يندرج في مضمار ” التأملات ” التي يلعب فيها ” الخيال الإنساني ” دوراً ملحوظاً وبذلك خلت من عملية المسح الإستقرائية التي يتميز بها البحث في طرفيه التاريخي والحضاري . وربما هذا التأمل والإفتراض يكون مقبولاً في مضمار العلوم السياسية وهو المجال الأكاديمي الذي تخصص فيه البروفسور هنتنجتون .

  ولنبدأ بإفتراض هينتنجتون والذي يذهب فيه إلى إن ” جماعات أو دول ، والتي تنتمي إلى حضارة واحدة ، تدخل في حرب مع شعب من حضارة مختلفة . وطبيعياً إن هذه الجماعات والدول تحاول أن تستقطب أعضاء من حضارتها ، وتطلب منهم الدعم والمساعدة ” [72].

ويرى هنتنجتون إن هذا حدث في الفترة التي أعقبت ” الحرب الباردة ” ، والتي تميزت بسمة ” الحضارة الجامعة (أو المشتركة) والأعراض المرضية للقطر القريب ” وهذه العبارة الواصفة لهذه السمة ، قد تبناها هتنجتون من الكاتب الصحفي المخضرم في شؤون الحروب والصراعات  ” هيك ديفيد سكوت كرينوي ” [73] .

  ومن النافع الإشارة إلى إن عبارة – إصطلاح ” هيك كرينوي ” حسب هنتنجتون قد حلت مكان العبارات التقليدية من مثل ” الأيديولوجيا السياسية ” و ” إعتبارات قوى التوازن التقليدية ” ومن ثم تحولت إلى ” أسس مبدئية في التعاون والتحالف ” . وفعلاً فإن هذا تم ملاحظته في ” إندلاع صراعات في فترة ما بعد الحرب الباردة في منطقة الخليج الفارسي (هكذا وردت وفيها إنحياز غربي وإصرار غربي على عدم تسميتها بالخليج العربي رغم إن معظم الدول المُطلة عليه هي دول عربية وإنما بقصد غربي لزرع ألغام جغرافية وإصطلاحات سياسية – حضارية وترويجها لتفجير موجات عداء مستمرة …) كذلك في القوقاز وبوسنيا ”  .

  وحسب عقيدة هنتنجتون إن ” لا واحدة من هذه البلدان في حروبها ” تندرج تحت ما أسماه ” بالحروب ما بين الحضارات ” [74] . إلا إنه يعود ويؤكد على ” إن كل واحدة من هذه البلدان تُشارك في مبادئ وأطراف من الحضارة الجامعة (أو المشتركة) ” . والتي كما تبدو ” إنها أصبحت أكثر أهمية في الصراع الجاري ، ومن المحتمل إن تحمل دليلاً مُنذراً للمستقبل ” . ومن الأمثلة التي يستشهد بها هينتنجتون :

أولاً – إن ما حدث في ” حرب الخليج العربي ، إن واحدة من الدول العربية إحتلت دولة عربية أخرى . ومن ثم إندلع قتال قادته قوى تحالف عربي وغربي وشاركت به دول أخرى ” . وبينما ساند ” صدام حسين (1937 – 2007) عدد قليل من الحكومات الإسلامية ” ، فإن ” العديد من النُخب العربية ” كانت ” مُبتهجة وتُعبر عن سعادتها الشخصية له ” ، والذي كان (أي صدام حسين) على حد تعبير هنتنجتون : شخصية شعبية لفئات عريضة من الجمهور العربي ” . وكذلك ” ساندت العراق الحركات الإصولية الإسلامية ” . بينما كانت ” حكومة الكويت والسعودية مدعومتين بمساندة الحكومات الغربية ” [75] .

  ونحسبُ إن البروفسور هنتنجتون وهو يبحث في تفاصيل ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” قد واجه مُعضلة منهجية كبيرة ، وهوكيف يُصنف الحرب بين العراق والغرب (ومع الغرب العرب المستغربين) هذا طرف . والطرف الثاني الذي يحمل تحدياً للبروفسور إن عنوان مقاله وكتابه ، هو ” تصادم الحضارات ” وإن عنوان المضمون الداخلي للمقال والكتاب ، هو ” صراع الحضارات ” . فما كان عليه إلا إن يقف موقف المتشكك ، ويحسم القضية بترجيح يُفيد بأن هذه الحرب ليست ” حرب حضارات ” [76] .

  وهنا أشعر كأكاديمي متمرس في البحث بحجم المعضلة المنهجية التي واجهها هنتنجتون ، وهي كيفية إقناع القارئ الأكاديمي وكذلك القارئ العام بأن هناك ” تصادم حضارات ” و ” حرب حضارات ” . وبجرة قلم قرر إنها ” حرب حضارات ” . حقيقة إننا ندرك إنه من الصعوبة بمكان على هنتنجتون أن يتخلى عن إصطلاحاته وعنوان مقاله وكتابه ” تصادم الحضارات ” ومن ثم يتخلى عن المضمون الداخلي لهما ، وهو ” صراع الحضارات ” . فجاء حله السحري وليس الأكاديمي بالطبع ، فقام برمي الحجر على الشاطئ الأخر ، وإستشهد بإفادة عربية ومن ثم إسلامية ، ودفع بأصحابها أن يتكلموا بإسمه ويصفون الحرب بإصطلاحاته السابقة والتي تخلى عنها في هذا المحور من مقاله ” تصادم الحضارات ” . والسبب رغبة غربية عند هنتنجتون في تعطيل إصطلاحه وتشغيل بدلاً عنه عنوان جديد ، هو ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” وذلك ليتخفى خلفه ويضع إطروحته الحضارية في تناقض صارخ .  

  هذا قدرنا نحن الأكاديميون الإنسانيون في الحوار والتعامل مع إطروحات حضارية صادرة من دوائر أكاديمية غربية موجهة توجيهاً أيديولوجياً سياسياً . فمن الملاحظ إن هنتنجتون قد جاهد في هذا المقال – الكتاب على ” فصل الطرف الحضاري عن الطرف الإيديولوجي والسياسي ” وهذا هو الأساس لإطروحته ” تصادم الحضارات ” . إلا إن هنتنجتون عندما جاء إلى ما حدث في الخليج العربي خصوصاً (ويشمل مناطق القوقاز والبوسنه) عاد وجدد الروح في الطرف الأيديولوجي – السياسي الذي تعطل حسب إعلان هنتنجتون ومات مع ” الحرب الباردة ” . ونحسبً إن الأكاديمي هنتنجتون قد تخلى عن منهجه الأكاديمي في هذه اللحظة من البحث ، و” عانق صنمه الأيديولوجي – السياسي ” ودثره بإصطلاح تبناه من الصحفي الأمريكي ” هيك ديفيد سكوت كرينوي” وهو ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” [77] .

   يقول هنتنجتون ولما تنكر العرب وداروا ظهورهم (إلى صدام حسين) ، فإن صدام حسين مال إلى المسلمين وناشدهم صراحة ” ولذلك يحسب البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” إن صدام حسين وكل الذين وقفوا معه حاولوا تحديد الحرب بأنها ” حرب حضارات ” وإنها ” ليست بحرب العالم ضد العراق ” . وهذا الأمر وصفه ” الشيخ السعودي الدكتور سفر عبد الرحمن الحوالي ” [78] وهو عميد الدراسات الإسلامية في جامعة ” أم القرى ” في مكة ، بأنها ” حرب الغرب ضد الإسلام ” [79] . ويؤكد هنتنجتون على إن المسلمين تناسوا عداوتهم وتنافسهم وبالتحديد ما حدث بين ” العراق وإيران ” والشاهد على ذلك ” دعوة القائد الديني الإيراني آية الله علي خامنئي إلى الحرب المقدسة ضد الغرب ” ومن ثم ناشد خامنئي (1939 – لايزال حياً وعمره جاوز 75 عاماً ” المسلمين للكفاح ضد الإعتداء الأمريكي ، والطمع والخطط والسياسات الأمريكية ، وسنحسبه (هكذا قال خامنئي) جهاداً ، وإن أي شخص سيُقتل في هذا الطريق هو شهيد ” [80] .

  وقدم هنتنجتون مثالاً عربياً مُعاصراً له دلالته ومصداقيته على مضمون ” الحرب التي قادها الغرب وشارك فيها الأشقاء العرب ” وهو المثال الذي لازال شاخصاً أمام أنظار العالم عرباً وشرقاً وغرباً ، فذهب مُشيراً إلى إن ” الملك حسين ” (1935 – 1999) ملك الأردن والذي جادل في هذه القضية ، وذهب إلى إن هذه الحرب ” ضد العرب جميعاً ، وضد المسلمين جميعاً ، وهي ليست ضد العراق لوحده ” [81] .

  كما لاحظ هنتنجتون بأن مجاميع ملحوظة من ” النُخب العربية والشعبية قد وقفت مع صدام حسين ” . وهذ الحال ” سبب للحكومات العربية التي شكلت تحالفاً مُعارضاً للعراق (مآزقاً) ولذلك أخذت تُخفف من نشاطاتها وتُعدل من خطاباتها للجمهور العريض ، ومن ثم سعت إلى أن تنأى بنفسها بعيداً من الضغوط الغربية على العراق ، وخصوصاً فيما يخص منطقة الحظر الجوي التي فرضتها في صيف 1992 ، وكذلك في قصف العراق في كانون الثاني عام 1993 ” . والحاصل من ذلك إن تحول ” التحالف الغربي – الروسي التركي العربي ” ضد العراق في 1993 . نقول تحول إلى مجرد تحالف ” يقتصر فقط على الغرب والكويت ضد العراق ” [82] .

  ومن ثم أشار هنتنجتون إلى إن ” المسلمين أخذوا يُقارنون بين أفعال الغرب ضد العراق ” ومعايير الغرب المزدوجة . فمثلاً إن ” الغرب فشل فشلاَ ذريعاً في حماية البوسنيين من هجمات الصرب ” . كما فشل ” الغرب في فرض عقوبات على إسرائيل في عنفها وإختراقها لقرارات الأمم المتحدة ” . ولذلك (كما يذكر هنتنجتون) زعم المسلمون بأن ” الغرب يستخدم معايير مزدوجة ” وإن ” عالم تصادم الحضارات ” هو ” عالم محتوم عليه أن يكون عالم ذات معايير مزدوجة ” . فالشعوب ” تستخدم معايير خاصة لأقطارها الغربية ، ومعايير أخرى مختلفة للأخرين ” [83] .

ثانياً – إن الأعراض المرضية للقطر القريب قد ظهرت كذلك في ” بلدان الإتحاد السوفيتي السابق ” . وفعلاً كما يقول هنتنجتون ” إن الجيش الأرميني نجح في عامي 1992 و1993 من إثارة الأتراك ودفعهم إلى أن يُصعدوا من مساعدتهم لإخوانهم في الدين والإثنية واللغة في أذربيجان ” . وتأتي مصاداقية ذلك في ما قاله في عام 1992 واحد من الساسة القيادين الأتراك ، فأفاد ” إن شعبنا التركي يشعر بتعاطف عال وكأنهم أذربيجانيين ” . وكل هذا جاء متناغماً مع ما صرح به ” الرئيس التركي تورغوت أوزال ” (1927 – 1993) والذي أفاد ” إننا نواجه ضغوط كبيرة ، وإن صحفنا مملوءة بالصور التي تفصح عن الفضائح العدوانية ، وشعبنا يتساءل ؛ هل إننا لا نزال جادون في سياستنا الحيادية ، وإنه من الأفضل أن نبين للأرمن بأن تركيا الكبرى لازالت في المنطقة ” [84] .

  ومن الملاحظ إنه في السنوات الأخيرة من وجود الإتحاد السوفيتي ” إن الحكومة الروسية قد ساعدت الأذربيجانيين بسسب إن الغالبية في الحكومة الأذربيجانية كانوا شيوعيون ” . ولكن مع نهاية الإتحاد السوفيتي ، فإن ” الإعتبارات السياسية أخذت طريقاً جديداً ، فحلت محلها الإعتبارات الدينية ، فالقوات الروسية أخذت تقاتل جنباً بجنب الأرمن ، والأذربجانيون إتهموا الحكومة الروسية بأنها تغيرت 180 درجة ووقفت مع الأرمن المسيحيين [85] .

ثالثاً – يحترم هنتنجتون كل الإعتبارات التي رافقت ” القتال في يوغسلافيا السابقة ” كما إنه متفهم ” لتعاطف الجمهور الغربي مع البوسنيين المسلمين ، وهذا كان واضح في مساعدتهم في لحظات الرعب والخوف التي سببها لهم الصرب ” . وبالمقابل فإن الإهتمام الغربي أخذ نبرة عدم المبالات ” حول إعتداءات الكرواشيون على المسلمين ، وتقطيعهم البوسنه – والهرسك إلى أوصال ممزقة ” . ولاحظ هنتنجتون بأنه ” في بداية تفكك يوغسلافيا ” ، فإن ألمانيا لعبت دوراً غير معهود لها ” فقامت بمبادرة دبلوماسية ، حيث دعت 11 عضواً من الجماعة الأوربية ، وقادتهم للإعتراف بسلوفانيا وكرواشيا ” . ونتيجة لذلك فإن البابا قرر ” مساعدة هذين القطرين الكاثوليكيين ، بل وإن الفاتيكان إعترف بهما قبل إعتراف الجماعة الأوربية ” . ومن ثم ” تابعت الولايات المتحدة الأمريكية القيادات الأوربية ” . وهكذا كما يحسب هنتنجتون ” إن القيادات الفاعلة في الحضارة الغربية قد تجمعت بصف هذا التحالف ” [86] .

  وفعلاً فإن التقارير جاءت لتكشف عن تسليح ” كرواشيا بالعتاد العسكري ، وإن التجهيزات العسكرية وصلت من بلدان أوربا المركزية . كما إن حكومة بوليس يلسن قد لعبت دوراً وسطاً ، فمن جهة كانت متعاطفة مع الصرب الأرذوكس ، ومن طرف أخر كانت غير راغبة في عزل روسيا عن الغرب ” . كما إن ” الجماعات الروسية المحافظة والقوميين الروس قد هاجموا الحكومة في ترددها في مساعدة الصرب ، ويبدو إن رد الفعل تمثل في بواكير عام 1993 فقد ذكرت التقارير بإن بضعة مئات من المقاتلين الروس قد شاركوا القوات الصربية في القتال . ومن ثم أكدت التقارير بأن الجيش الروسي أخذ يُساعد الصربيين بالتجهيزات العسكرية ” [87] .   

  ومن طرف أخر كما يرى هنتنجتون إن الجماعات والحكومات الإسلامية وبخت الغرب بشدة على تأخرها في الدفاع عن البوسنيين . فمثلاً إن القادة الإيرانيون ألحوا على جميع الأقطار الإسلامية بتقديم المساعدات إلى البوسنيين . بل وخرقت قرارات الأمم المتحدة المفروضة على حظر توريد الأسلحة إلى المناطق المتنازعة عليها في يوغسلافيا السابقة ، فمثلاً إن إيران قامت بتوفير التجهيزات العسكرية والرجال المتطوعين للقتال مع البوسنيين . كما إن الجماعات الإيرانية واللبنانية قامت بإرسال ” رجال العصابات ” من أجل تدريب وتنظيم القوات البوسنية . وفعلاً فإن التقارير تشير إلى إن أعداد المسلمين المسلحين قد وصلت إلى 4000 مقاتل جاءوا من أقطار إسلامية متنوعة وكان جميعهم يُقاتلون في البوسنه  .

  وفي ظل هذه الأجواء ، وجدت حكومات مثل المملكة العربية السعودية وأقطار أخرى نفسها تحت ضغوط شعبية وخصوصاً من جماعات إصولية تطالب مجتمعاتها بالمزيد من المساعدات  الجدية إلى البوسنيين . وفعلاً ففي نهاية عام 1992 إن المملكة العربية السعودية – كما تذكر التقارير – قامت بتقديم التجهيزات الأساسية ، ودعم بالمال من أجل توفير التجهيزات العسكرية والمعدات للبوسنيين وذلك لزيادة قدراتهم الدفاعية ضد الصرب [88] .

  ويُعلق هنتنجتون على ما حدث في أقطار يوغسلافيا السابقة ، ويُقارن ذلك بما رافق الحرب الأهلية الأسبانية في الثلاثينات من القرن المنصرم (1930) فيقول ” إن الحرب الأهلية الإسبانية ، حملت العديد من الأقطار للتدخل في الحرب ، والتي كانت ذات أنظمة سياسية مختلفة ، منها أنظة فاشية وشيوعية وديمقراطية . وفي تسعينيات القرن المنصرم (1990) فإن الصراع اليوغسلافي أثار ودفع بتدخل أقطار إسلامية ، ومسيحية أرذوكسية وأقطار مسيحية غربية ” . ومن جهة أخرى ” إن الحرب في البوسنه والهرسك أصبحت مُعادلاً من الناحية العاطفية للحرب ضد الفاشية في الحرب الأهلية الأسبانية ” . وهذا ما لاحظه واحداً من الكتاب السعوديين فقال ” إن هؤلاء الذين قاتلوا هناك (منا : أي في البوسنه والهرسك) يُعدون شهداء وحاولوا إنقاذ إخوانهم من المسلمين ” [89] .

 ولاحظنا إن البروفسور هنتنجتون في خاتمة هذا المحور يعود إلى عنوان مقاله – الكتاب ” تصادم الحضارات ” ويصيغ طريق العودة على شكل ” توقع أو تكهن ” ، فيقول ” ويبدو إنه في السنوات القادمات ، إن هذه الصراعات المحلية على الأغلب ستتصاعد إلى صورة حروب كبرى ، وهي الصراعات في البوسنه والقوقاز ، والتي تُشكل اليوم مناطق ” الحدود الرخوة أو المتصدعة بين الحضارات ” . وإن ” الحرب العالمية القادمة إذا ما حدثت فإنها ستكون بين الحضارات [90] .  

كيف ستكون مواجهة الغرب للبقية ؟

  نحسب بداية أن نشير إلى الحقيقة التي تناساها البروفسور هنتنجتون ، وهي حقيقة يعرفها كل من إشتغل في مضماري ” فلسفة التاريخ والحضارة ” غرباً وشرقاً ، وهي مساهمة ومشاركة الشعوب ومن ثم النتاج الحضاري لأمم متنوعة في الحضارة الغربية ، وخصوصاً في مرحلة التأسيس والإنطلاق . ولعل القارئ الأكاديمي المتخصص يعرف مقدار وحجم الإنجاز الحضاري العربي ومن ثم العبري والأسيوي في إنشاء قاعدة الإقلاع الحضاري الغربي هذا طرف . وإن المتابع المعاصر للحركة العلمية والفكرية في الغرب يلحظ إن أسماء كبيرة تقود عملية التطوير العلمي سواء في الأكاديميات الغربية أو في المخابر العلمية . ولهذا فإن السؤال الملحاح ؛ هو أي حضارة غربية يتحدثون عنها ، إنها لم تعد غربية بالمعنى التقليدي إنها نتاج إنساني متوارث وصل إلى درجات من الرقي العلمي والتقني في بلاد الغرب .

  هذه مسألة غابت (وليس لدينا شك بأن البروفسور هنتنجتون تناساها بقصد) من ذهنية بروفسور العلوم السياسية ولهذا نظن إن هنتنجتون لو تدرب أكاديمياً ليكون ” فيلسوف تاريخ أو حضارة ” لقدم بحثاً في مضمار ” تصادم الحضارات ” إنسانياً يتعالى على الحدود الضيقة التي سجن نفسه فيها ، فظل بحثه مخنوقاً ولم يتمكن من الصعود إلى الطوابق العالية الإنسانية من البحث الفلسفي في التاريخ والحضارة .

  وفعلاً فقد بدأ هنتنجتون بحثه في هذا المحور بالإشارة إلى إن ” الغرب اليوم هو في مصاف القوى الكبرى (منا : التي إنفردت بالعالم مع كل الأسف) والتي تحتل ” قمة الهرم العالي ” في ” علاقاتها مع الحضارات الأخرى ” [91] ، ومن ثم يستمر فيضيف إلى إن ” القوى الكبرى التي كانت تُعادي الغرب قد إختفت من الخارطة (منا : هذا كلام إنشائي عام غير صحيح مع الأسف أن نقول للبروفسور هنتنجتون) ، كما إن الصراعات العسكرية بين الدول الغربية بعضها مع البعض الأخر غير واردة . كما إن القوى الغربية العسكرية هي ليست في حالة تنافس وتمحور وإستقطاب [92] .

  حقيقة لقد تناسى البروفسور هنتنجتون حقيقة إقتصادية خطيرة ، منها هي إن إقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية (الدولة العظمى الغربية) مرهون ومُجير إلى أجل غير مسمى بيد الحكومة الأسيوية – الشرقية الصين (التي أطلق عليها هنتنجتون وعلى مجموعتها إصطلاح الدول الكونفوشيوسية) البُعبع المتخفي في المصباح السحري لعلي بابا ، إن أمريكا أصبحت عاجزة من تسديد ديونها للمارد الإقتصادي الصيني وإنها لم تتمكن من إطفاءها لعقود من السنيين ، وإستسلمت فقط إلى دفع الفوائد الباهضة على ديونها منذ سنيين . إن كُتاب السياسة عاجزون عن إدراك عوامل النخر والتصدع في جسم الحضارات … أو إنهم بقصد يحاولون ”  تضليل الشعب الأمريكي ” ومن خلاله الشعوب الأخرى ومسخ الحقيقة وتسمية الأشياء بغير مسميتها …

     ويبدو إن الغرب في حيرة ويعيش ” صدمة حضارية جديدة ” ، فهناك ” بعبع جبار جديد متخفي في مصباح علاء الدين السحري  وهو ” المارد الإقتصادي الياباني ” (والذي هو مرشح لقيادة مجموعة الدول البوذية) [93] وهي (أي اليابان) عدو الماضي القريب و ” الحليف مع ألمانيا النازية ” . وهناك بُعبع ثالث يتنامى بنبض متوالية هندسية سريعة وهو بعبع كوريا الشمالية ، إضافة إلى بُعبع الهند الرابع (والمتسور بهندوسية والمُرشح بقيادة الدول الهندوسية أو البراهمية) [94] والذي لا يتوقع أحد متى سيُفاجئ الجميع بنهوضه .. زائداً بُعبع خامس نهض وتم قمعه وتحدث عنه المفكر الإسلامي النهضوي المعاصر ” مالك بن نبي ” ، وهو محور ” دول طنجا – جكارتا ولا أحد يعرف متى سيطل من جديد مارداً عالمياً جباراً …[95]

  وعودة إلى البُعبع والمارد الياباني فإن الغرب وخصوصاً أمريكا ، يسعيان بقوة جبرية إلى ضمه تحت تحالف ينسف مفهوم ” الغرب والحضارة الغربية المُتسيدة ” ، وبدلاً من ذلك حل محله الحديث إذا ما تم تداول إصطلاحات غربية جديدة ، من مثل ” الجماعة أو المجموعة العالمية ” . وهي المظلة السياسية التي تسمح بضم اليابان إليها ، وهو المارد الإقتصادي المنفلت والمتخفي من سيطرة الغرب .

  وفعلاً فقد لاحظنا إن البروفسور هنتنجتون قد تابع التطور في حركة نمو الإصطلاحات ، وتخلى عن إصطلاح الغرب (وبالطبع نحسب إن هذا يتضمن تخليه عن إصطلاح الحضارة الغربية وهذا يشمل تصادم الحضارات عنوان كتابه الذي سيكون فيه غياب للحضارة الغربية كذلك…) مثلما تخلى رئيس الوزراء البريطاني ” جون ميجر ” عنه في حديثه الذي أورده هنتنجتون في هامش (ص 39) من مقاله ” تصادم الحضارات ” . وفعلاً فإن ” ميجر ” قام بتصحيح نفسه عندما ذكر ” الغرب ” وكأنه أصبح إصطلاح ينتمي إلى ” ميراث الماضي المطمور ” وإن إصطلاح ” المجوعة أو الجماعة العالمية (الدولية) ” هو الإصطلاح المناسب والمنسجم مع ” النبض السياسي والحضاري للنظام العالمي ” الذي تكون جديداً وخلف وراءه  التراث السياسي والحضاري للغرب دون رجعة .

  يقول رئيس الوزراء السابق ” جون ميجر ” وإعتماداً على رواية البروفسور هنتنجتون ، ” إن قادة الغرب يزعمون بأنهم غالباً ما يتصرفون نيابة عن الجماعة الدولية ، ولكن زلة اللسان أو هفوة حدثت خلال حرب الخليج (ومن زاوية علم النفس الفرويدي وهو غربي لحماً ودماً وتفكيراً إن زلة اللسان والهفوة هي كل الحقيقة قبل أن تتدثر بغطاء من الزيف والكذب) . ففي مقابلة مع جريدة ” صباح الخير أمريكا ” ، وفي 21 ديسمبر 1990 قال رئيس الوزراء البريطاني السابق ” جون ميجر ” وهو يشير إلى أفعال الغرب التي إتخذتها يومذاك ضد الرئيس العراقي صدام حسين ، وبسرعة سحرية ينتبه ” ميجر ” من صحوته ، ويقوم بتصحيح هفوته ، ويشير بدلاً من الغرب إلى الإصطلاح السياسي المعتم الجديد ، وهو ” الجماعة أو المجموعة الدولية ” . ومن ثم يُعلق البروفسور هنتنجتون على ذلك المشهد ، فيقول ” لقد كان جون ميجر ، على أية حال ، على صح عندما أخطأ ” [96] . وهناك تفاصيل على هذا المحور ونكتفي بهذه الأمثلة في كيف إن الغرب واجه العالم وبلغة هنتنجتون ” البقية ” [97] .        

ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟

  يبدو لنا إن عنوان هذا المحور ومن ثم مضمونه يتعارض من الزاوية الميثدلوجية مع عنوان ومضمون محور سابق عالجه البروفسور هنتنجتون بقلمه ، وهو محور كان بعنوان ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” . وهذا الحال ما كنا نتمناه للبروفسور وهو الأكاديمي المتمرس أن ينتهي إليه في فهم ” مسيرة الحضارات ومناطق إختناقاتها ” . ولعل هذا الحال فيه حق كثير ، يحملنا على القول ” إن السبب هو بسيط ، وهو إن قلم هنتنجتون في معالجة الموضوع كان بيراع رجل السياسة ، الذي لم يكن مؤهلاً أكاديمياً من الصعود إلى الطوابق العالية لمبحثي ” فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة ” وهما المبحثين العتيدين في ” دراسة قضايا الحضارات ” . ومن المعلوم لقارئ هذا البحث ، إن عنوان مقال وكتاب هنتنجتون هو ” تصادم الحضارات ” والمضمون فيه معالجة طاغية لصراع الحضارات . والذي كان مقبولاً إلى حد ما في المحور السابق .

  غير إن عنوان المحور الحالي يتضمن معنى أساس متخفي وهو ” تعاون الحضارات ” أو ” تقارب الحضارات ” والذي سيكون المقياس المخرمي لمعرفة ” الحضارات المتعاونة أو المتقاربة ” وبالمقابل تشخيص ” الحضارات المفككة ” و ” الحضارات المتوارية ” والتي إنتهت أقطارها إلى ” حالة من التمزق والتشرذم ” بعد إن غادرت بقصد أو بإجبار حالة ” المشاركة الحضارية أو التجمع الحضاري ” .

  ولنعود إلى النص الهنتنجتوني (نسبة إلى البروفسور هنتنجتون) وذلك من أجل البحث عن جواب وماصدق ودلالة على سؤاله ” ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟ ” [98] . إستهل هنتنجتون حديثه عن الأقطار الممزقة ، بالكلام عن ” المستقبل ” وهذا الكلام يدخل في باب ” الذي يأتي ولا يأتي ” [99] وفقاً لعنوان الشاعر العراقي الكبير ” عبد الوهاب البياتي ” (1926 – 1999) ، وهو باب يعمل ويشتغل فيه الخيال الإنساني أكثر مما يعمل فيه عالم السياسة الذي يتعامل مع الواقع ويحلل مايجري ويُحاكمه ومن ثم يُقيمه . وفي أضعف الإيمان هو مضمار يـتأمل فيه فيلسوف التاريخ والحضارة . وفي كلا الحالين غابت شخصية البروفسور هنتنجتون وهو يبحث عن إجابة من الناحية الميثدولوجية لسؤاله (ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟) لقد قلنا قبل قليل إن هنتنجتون إستهل جوابه بالحديث عن ” المسقبل ” وهو باب ” الخيال والأحلام ” ، يقول هنتنجتون ” في المستقبل ستُميزُ الشعوب نفسها بالحضارة ، وإن الأقطار التي تتكون من عدد من الشعوب ذات الحضارات المختلفة من مثل الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا ، فهي مُرشحة ” للإنقسام والتشرذم ” [100] .

 ومن ثم يُجادل هنتنجتون ، فيذهب إلى إن ” بعض من البلدان إمتلكت بدرجات ما بعض التجانس الحضاري ” . غير إنها منقسمة حول قضية إن ” مجتمعاتهم تنتمي مرة إلى واحدة من الحضارات ، ومرة إنها تنتمي إلى حضارة أخرى ” . وهذا الأمر ” مزق هذه البلدان ” ، إلا إن ” قادتهم مارسوا ضغوطاً ستراتيجية حقيقية وعملوا من بلدانهم أعضاء من مجموعة الدول الغربية ” . وبالمقابل إن ” تاريخ وحضارة وتقاليد وإرث بلدانهم ، تدلل بصورة واضحة على إنها ليست ببلدان غربية ” . ومن الأمثلة الإنموذجية على البلدان الممزقة هي تركيا [101] .

  ومن النافع الإشارة هنا إلى إنه ” في نهاية القرن العشرين تابع القادة الأتراك التقليد الأتاتوركي [102] ، وعرفوا تركيا بأنها دولة غربية حديثة ، وإنها دولة علمانية ، وشعبها شعب غربي . كما إن تركيا تحالفت مع الغرب من خلال حلف النتو في حرب الخليج . إضافة إلى إنهم تقدموا بطلب الإنضمام عضوا في المجموعة الغربية (الأوربية) ” . وفي الوقت ذاته فإن ” هناك جزء من المجتمع التركي ساند الخصم المسلم ، وهذا الجزء جادل بأن تركيا هي مجتمع إسلامي شرق أوسطي ” . في حين إن ” النُخب التركية تُعرف تركيا بأنها مجتمعاً غربياً . إلا إن النُخب الغربية ترفض قبول تركيا كما هي ” . وعلى هذا الأساس فإن ” تركيا سوف لن تكون عضواً في الجماعة الأوربية ” والسبب الحقيقي كما قال الرئيس التركي أوزال ” إننا مسلمون ، وهم مسيحيون وإن لم يقولوها ” وإنا ” رفضنا مكة (منا : أي رفضنا الإنتماء إلى الإسلام) ، فإن بروكسل (عاصمة بلجيكا والإتحاد الأوربي) سترفضنا (منا : أن نننتمي إلى الغرب) ، إذن ماذا تتطلع إليه تركيا ؟ [103] .

  ويشترط هنتنجتون في إعادة تعريف ” الهوية الحضارية للبلدان الممزقة ” أن تتوافر فيها ثلاثة من المؤهلات ، وهي :

أولاً – أن تكون نُخبها السياسية والإقتصادية على العموم متحمسة ، بل وتساعد على أن تسير الحركة بهذا الإتجاه .

ثانياً – أن يكون جمهورها صاحب إرادة على قبول إعادة التعريف .

ثالثاً – أن تمتلك الجماعات المهيمنة والمستلمة للحضارة ، الإرادة على تبني هذا التحول .

  ومن الملاحظ إنه في ” البلدان الممزقة ” إن الجزء الأكبر من هذه المؤهلات الثلاثة كانت متوافرة مثلاً على ذلك بلد مثل المكسيك . أما الجزء الأكبر من المؤهلات الأولى والثانية فكانت متوافرة لتركيا . وبالمقابل فليس هناك وضوح كاف في أن هذه المؤهلات متوافرة لروسيا لتكييفها ولنقل تطبيعها لتلتحق بركب الغرب . فمثلاً هناك صراع بين ” الديمقراطية الليبرالية ” و ” الماركسية – اللينينية ” رغم إنهما يشتركان في الإهداف النهائية في ” الحرية والمساواة والإزدهار ” . ولكن (منا : واللعنة على لكن) إن ” روسيا التقليدية ، الإستبدادية (الدكتاتورية) والقومية ، ربما تكون لها أهداف مختلفة تماماً ” [104] .   

   وبعد هذا العرض نحسب البروفسور هنتنجتون وقع في ” مطب منهجي وأكاديمي كبير ” وذلك عندما غابت من أنظاره ” حالتين غربيتين ” تتناغمان على الأقل (إذا إستثنيا تركيا لأغراض الجدل) مع إيقاع حالتي ” الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا ” ، وهما ” الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا ” . فأمريكا وفقاً لإحصاءات السكان في هذا العام ” كشفت عن نسبة السكان من إصول أسبانية – لاتيننو تُشكل الأكثرية ، وهم بالطبع ينتمون إلى ” حضارة مختلفة ويتكلمون لغة مختلفة ” . كما وإن واقع ألمانيا ليس بأحسن حالاً من الولايات المتحدة ، فإن الأحصاءات الرسمية ” كشفت بتنامي أعداد الألمان من إصول غير ألمانية بصورة ” تهدد الهوية الحضارية الألمانية التقليدية (والحال يشمل فرنسا كذلك) . وهذا يُشكل تحدياً لمفهوم ” الحضارة الجامعة ” .

  ولكل ذلك نحسب إن هنتنجتون كان مُتعجلاً في هذه القضية ولم يُفكر بنتائجها المدمرة على مستوى ” وحدة الدول الأوربية ” و ” وحدة الولايات المتحدة الأمريكية ” . ولو سمح هنتنجتون لنفسه وأخذ وقت من التفكير لتخلى عن هذا العنوان وذلك لأن فيه التوقع الحتمي ” لمصير الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن ثم ألمانيا وكذلك فرنسا …وبالطبع هو ” مستقبل ” معتم إذا ما تخيل هنتنجتون ” الولايات المفككة (أو بإصطلاحه الممزقة) الأمريكية ” و ” ألمانيا المفككة (الممزقه بإصطلاحه) ” و” فرنسا الممزقة ” …

  ونظن إن هذا أمر سيرفضه المهيمنون من الجمهوريين ومن ثم الديمقراطيون الأمريكيون على شؤون السياسة في ” بلاد العم سام ” ، وسيلومون البروفسور هنتنجتون على ترويج مثل الأفكار الخطيرة على الأقل على ” وجود الولايات المتحدة الأمريكية ” وعلى وجود حلفاءها من الألمان والفرنسيين ولو دققنا في هذه الأطروحة الهنتنجتونية لشملت معظم الدول الأوربية ولم ينجو أحد بسلام منها إلا بشرط واحد وواحد فقط ، وهو رفض مفهوم ” تصادم الحضارات ” ومفهوم ” صراع الحضارات ” وإحلال محلهما مفهوم ” تعاون الحضارات ” . وفعلاً فإن القارئ لكتاب هنتنجتون الأخير والمعنون ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” والذي صدر في عام 2004 ، يقف على ” توقعات هنتنجتون لمصير الولايات المتحدة الأمريكية ” . وفي هذا الكتاب ” يُحذر هنتنجتون من موجات المهاجرين اللاتينو ” والذي ” سيؤدي إلى تقسيم الولايات المتحدة الأمريكية إلى شعبين وحضارتين ولغتين [105] .  

  هذا ما قاله البروفسور هنتنجتون صراحة ، ونحسب إنه أمر صمت عنه الكثير ، ونحن متفهمون لأشاراته ومنها إشارته التي ذكرناها سابقاً ، وهو ” إن الغرب هو المسؤول ” عن الصراع العربي – الإسرائيلي . وعلى أساس هذا الهم الهنتنجتوني يمكن ” أن نتوقع في المسقبل غير المنظور إنقسامات عميقة في المجتمع الإسرائيلي ومن ثم تفككه إلى أوصال حسب مفهوم هنتنجتون ، وذلك لأنه يضم يهوداً جاءوا من حضارات متنوعة ” ومنهم من جاء من روسيا ومنهم من جاء من أوربا الشرقية ، ومن ألمانيا ، ومن البلاد العربية ومن أفريقيا ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن كل بقاع العالم . وهذا التجمع الحضاري سيكون حسب إطروحة هنتنجتون مرشحاً بالتفكك والإنقسام والتشرذم ” . وإن ما قاله هنتنجتون عن الولايات المتحدة الأمريكية وإنقسامها إلى شعبين وحضارتين ولغتين ، فإن إسرائيل مرشحة (والتي يُشكل فيها العرب المسلمون والمسيحيون والدروز أكثر من 22 % من السكان) لهذا الحال قبل الولايات المتحدة إذا سلمنا وقبلنا بإطروحة هنتنجتون التي أودعها كتابه المعنون ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” [106] .

ما طبيعة العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ؟

  نحسب من خلال تجربتنا الأكاديمية التي تمتد أكثر من أربعة عقود من الزمن ، إنه لا يتوافر لدينا أي دليل علمي على ” وجود علاقات تواصل عقيدي بين الكونفوشيوسية والإسلام ” . ورغم هذا الحال سنقبل بصورة أولية فرضية البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” ونذهب معه فيما زعم ما دام هو أكاديمي وحاله حالنا هو البحث عن الحقيقة وليس أقل من الحقيقة حكماً فيصلاً بين الطرفين . وبالمناسبة إن لدينا كتاب أكاديمي رائد في هذا المضمار ، وفيه فصل بعنوان ” القدوة في الحضارة الصينية ” [107] .  وهذا الكتاب فاز بإختيار كلية التربية – جامعة الموصل والذي تم إختياره من مجاميع من المشروعات التي تقدمت بها الأقسام العلمية المختلفة يومذاك . وهذا الكتاب كان بعنوان ” القدوة : دراسة تحليلية في مواصفات الشخصية المثالية ” والذي صدر قبل ما يُقارب الربع قرن من الزمن [108] .

  ولنعود إلى مقال – كتاب هنتنجتون ونرفع السؤال من جديد ؛ ما طبيعة العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ؟ بدأ هنتنجتون هذا المبحث كعادته المثدولوجية بمقدمة عامة ، أشار فيها إلى ” المعوقات ” التي تسدُ الباب أمام ” البلدان غير الغربية ” من الإرتباط والإلتحاق بركب ” الغرب المتنوع ” والذي يضم على الأقل بُلداناً من  ” أمريكا اللاتينية ” و ” أوربا الشرقية ” . وفي كلتاهما فإن هذه البلدان تتمتع ” بمكانة كبيرة ” وبالتحديد في ” البلدان الأرثوذكسية في الإتحاد السوفيتي السابق ” . وإن هذه ” البلدان لا تزال لها مكانة كبيرة في المجتمعات الإسلامية والكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية [109] .

   ونحسبُ إن هذه القضية التي أثارها هنتنجتون تحتاج إلى تدقيق أكاديمي ودراسة تفصيلية وذلك لأنه قفز من شاطئ إلى شاطئ ، وإن من الصعوبة بهذا الكلام المكثف العام ” تجسير الهوة ” بين ” شاطئ البلدان الأرثوذكسية ” و ” شواطئ حضارية متنوعة تضم مجتمعات إسلامية ، وكونفوشيوسية وهندوسية وبوذية ” . وإذا قبلنا من الزاوية الميثدولوجية وضع ” البلدان الأرثوذكسية ” في سلة منفردة . فإنه من الصعوبة مثدولوجياً قبول شد ” مجتمعات وعقائد متنوعة وفيها إختلافات تصل إلى كسر العظم العقيدي في سلة واحدة ” .

  ومن المعلوم إن اليابان بوذية وبوذيتها هوية حضارية وهي كتلة ثقافية متفردة . وهنا عاد إليها هنتنجتون بمنهج ” غير حضاري ” بل منهج ” سياسي – أقتصادي (وهو منهج حسب رؤية هنتنجتون أصبح عاطل وجزء من ذمة التاريخ) ليقطع جذورها البوذية الضاربة في قواعد حضارتها إلى أوصال ، ويقفز بها لتكون ” شريكاً ” للغرب . فحسب رؤيته إن ” اليابان أسست لها مكانة متفردة ” فكانت ” عضواً مشاركاً مع الغرب ” [110]. والسؤال المشروع أكاديمياً ؛ كيف تخلت اليابان عن هويته البوذية الخاصة والتي تُشكل البعد الحضاري العميق للهوية اليابانية ؟ سؤال لا جواب له إلا بالإشارة إلى إن خطاب هنتنجتون ليس خطاباً وتحليلاً حضارياً ، وإنما هو مجرد خطاب سياسي .

  وهكذا شطب بجرة قلم هنتنجتوني جذورها البوذية الشرقية ، ورفع منها ” عضواً مهيأً لمشروع المشاركة الغربية ” . ونظن إن هنتنجتون بفعل التجريد للخصوصية الحضارية التي تتمتع بها اليابان وبالطبع شطب ” الهوية البوذية ” يكون قد شطب بيده عنوان مقاله وكتابه ” تصادم الحضارات ” . وإنه لا شعورياً يتحدث عن عنوان جديد هو ” تعاون الحضارات ” وعلى الأقل بين ” الحضارة اليابانية المتسورة بالعقيدي البوذي ” و” الحضارة الناهضة على مسيحية غربية ” . فهل من الممكن شد هذين الحضارتين المختلفتين برباط واحد ، والتوفيق بين العقيدتين البوذية والمسيحية الغربية في مذبح واحد . إنها ” تلفيق لا منطقي على الإطلاق ” وفيها إشكالية فلسفية ومثدولوجية وعقيدية معقدة لا يقبلها ” الياباني البوذي ” ولا ” الأوربي صاحب العقيدة المسيحية الغربية ” [111] .

  ويبدو لنا إن هذا التلفيق اللامنطقي وهذا الإشكال الفلسفي الميثدولوجي والعقيدي المعقد ، لا يقبله ” المسلم ” ولا ” الكونفوشيوسي ” . وهذ ما سنحاول معالجته في هذا الطرف من البحث وبالطبع خلال الحوار مع البروفسور هنتنجتون . ونحسب إنه من المفيد أن نشير إلى إن العلاقة الوحيدة التي نتصورها ، هي ” علاقة سياسية إقتصادية بين الصين (وربما بحدود جيوسياسية بحيث تتسع لبلدان يمكن ضمها تحت مظلة الكونفوشيوسية) والبلدان الإسلامية ” وبالتحديد في مضمار ” توريد السلاح التقليدي وتطوير السلاح غير التقليدي ” وفي إطار التعاون الكونفوشيوسي – الإسلامي محور إتحاد جيوسياسي وحسب . وفي هذا الباب يمكن فهم ما أسماه هنتنجتون ” بالعلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ” .

  وربما هنا مسكنا طرفاً من ” ضميمة بروفسور العلوم السياسية الأمريكي صامويل هنتنجتون ، وهو ليس الحديث عن ” تلفيق عقيدي كونفوشيوسي – إسلامي ” بقدر ما هو إصطلاح سياسي أراد به التصنيف لمجموعة دول أو محور مُخاصم للغرب . وهذا هو ” جوهر وكبد الخطاب الأيديولوجي السياسي الهنتنجتوني) . ولنعود إلى مقال هنتنجتون ” تصادم أو صراع الحضارات ” نقدم منه شواهد وأمثلة على مفهوم ” الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي ” الذي تحدث عنه هنتنجتون وبالصورة الأتية :

أولاً – مهد هنتنجتون للحديث عن الترابط أو العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية بالكلام عن ” علاقة اليابان بالغرب ” ومنها أقلع لمعالجة الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي . وفي الحديث عن علاقات اليابان بالغرب كشف هنتنجتون عن حقيقة مهمة تخص علاقة اليابان بالغرب وتمتد لتشمل كذلك ” المحور الكونفوشيوسي – الإسلامي ” .

  يقول هنتنجتون ” إن اليابان في بعض الإعتبارات هي مع الغرب ، ولكن اليابان بصورة واضحة ليست مع الغرب في مستوايات بالغة الأهمية ” . ولهذا السبب ” الحضاري وتوازن القوى ” فإن هذه البلدان ” لا ترغب ، بل ولا تستطيع أن تدخل في تنافس مع الغرب (وهي تتطلع) إلى تطوير إقتصاديات ، وقدرة سياسية وعسكرية لوجودها ” . وإنهم يسلكون هذا الطريق ” من أجل تعزيز تطورهم الداخلي ، وعن طريق التعاون مع بلدان غير غربية ” ومن النماذج المشهورة في مثل هذا التعاون ، هو ” الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي ” والذي إنبثق حسب رأي هنتنجتون ” لتحدي سلطة وقيم ومصالح الغرب [112] .

  وهذا الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي حسب فرضية هنتنجتون يضم ” مجموعة الدول الكونفوشيوسية التي تتمحور مع الصين وربما تشمل بحدود ودرجات ما الهند ” (وربما تتطلع في بعض الحلات إلى التحالف مع اليابان البوذية) و ” مجموعة الدول الإسلامية وبالتحديد إيران والعراق والباكستان وليبيا والجزائر … ” . ولعل التحدي الذي يواجه تصنيف هنتنجتون ، هو إن أبوابه الحديدية مغلقة تماماً أمام دول إسلامية حليفة للغرب من مثل ” الكويت وقطر والإمارات العربية ومملكة البحرين والمملكتين العربية السعودية والأردن إضافة إلى المملكة المغربية. إن كل هذه المجموع الإسلامي العربي يقع خارج حدود ” الترابط الكونفوشيوسي الإسلامي ” هذا من طرف .

  ونحسب من طرف ثان إن هذا التصنيف ، جاء تصنيفاً سياسياً على الأقل  ” من وجهة نظر الخصم المعادي ” وليس تصنيف ” حضاري ” قائم على ” خصائص التقارب الحضاري الذي فيه روح تعبير عن مقاربة حضارية تعكس القواسم المشتركة ما بين ” جوهر ولب الحضارتين الكونفوشيوسية والإسلامية ” . ولهذا نلحظ في هذه المحطة من تفكير البروفسور هنتنجتون تراجع إلى الوراء حيث ” الذمة التاريخية” وبالتحديد إلى أجواء ” الحرب الباردة ” التي ودعها هنتنجتون بقلمه وقبل ذلك بتفكيره عندما كتب مقاله – الكتاب وإختار لهما عنوان ” صراع الحضارات ” في المضمون أو كما جاء على غلاف الكتاب ” تصادم الحضارات ” .

  إن خطاب هنتنجتون هذا فتح لنا الباب للحديث عن ” تعاون حضاري ” أوسع مما تحدث عنه هنتنجتون ، وعلاقات أوسع ، هي ” علاقات بوذية – إسلامية ” (وذلك لأن اليابان بوذية وهي حليف متخفي للترابط الكونوفوشيوسي – الإسلامي) إضافة إلى ” علاقات حضارية كونفوشيوسية – إسلامية ” . ونحن نلتزم ” بالطرف الحضاري ” ولا نتخلى عنه مثلما تخلى عنه البروفسور هنتنجتون وعاد إلى ” المحاور الأيديولوجية – السياسية ” التي هجرها عندما خط عنوان مقاله ” تصادم الحضارات ” ومضمونه المهيمن على النص هو ” صراع الحضارات ” . ولهذا نُخالف هنتنجتون ونؤكد على ” التعاون الحضاري ” بين البوذية والإسلام ، وبين الكونفوشيوسية والإسلام وهي أشد وأقوى من ” العلاقات السياسية والإقتصادية والتقنية وأسلحة الدمار الشامل … ” .

ثانياً – ركز الصراع  حسب رأي بروفسور العلوم السياسية على العلاقات بين ” الغرب والدول الكونفوشيوسية – الإسلامية بصورة كبيرة رغم إنه لم يكن شمولياً على الأسلحة النووية والكيميائية والبايولوجية والصواريخ البلاستيكية والوسائل غير التقليدية والأكثر ذكاءً ، والخطط للإنتاج المتقدم والعمليات الإستخبارية والقدرات التكنولوجية في إنجاز الهدف [113].  ومن المعلوم إن الغرب صاغ ” معايير وفرض معاهدات ” لعدم إنتشار مثل هذه الأسلحة ، وإبتكر ” وسائل التفتيش ” عن هذه الأسلحة بهدف ” تحقيق هذه المعايير وإلتزام الدول بهذه المعاهدات ” . كما إن الغرب هدد بفرض ” عقوبات متنوعة على البلدان التي تُعزز وتنشر مثل هذه الأسلحة ” وبالمقابل لوح ” الغرب بتقديم فوائد للبلدان التي توقفت عن مشاريعها في تطوير ونشر مثل هذه الأسلحة ” .

  والواقع إن إهتمام الغرب كان على البلدان والشعوب المعادية أو على الشعوب والبلدان التي ممكن أن تفكر في مضمار ” تحدي الغرب ” . ولاحظ هنتنجتون إن ” الشعوب غير الغربية ” من طرفها أكدت على حقها الطبيعي ” في الحصول ونشر كل أنواع الأسلحة ، التي تعتقد إنها ضرورية لحماية آمنها القومي ” . وفي ظل هذه الأجواء فإن هذه الشعوب كانت ” متفهمة بصورة عالية لإستجابة وزير الدفاع الهندي عندما تساءل : ” ما هو الدرس الذي تعلمه من حرب الخليج ؟ ” فقال بصراحة واقعية ” لا تُقاتل الولايات المتحدة الأمريكية إذا لم تمتلك أسلحة نووية [114] .

ثالثاً – يتصور البروفسور هنتنجتون إن الترابط والإتصال العسكري الكونفوشيوسي – الإسلامي أخذ يتنامى ويتطور بحدود فهمنا الذي فيه تعديل للرؤية الهنتنجتونية من ” الإمكان ” إلى ” الفعل ” وحسب تعابير هنتنجتون ” إن هذا الإتصال العسكري الكونفوشيوسي – الإسلامي تحول إلى وجود [115] . وهذا النمط من الإتصال العسكري ” تم تصميمه عن طريق إمتلاك أعضائه للإسلحة وتنكنولوجيا الأسلحة التي تحتاجها في مواجهة القوة العسكرية للغرب ” . وهنا عزز البروفسور هنتنجتون رأيه بتعبير عضو الكونكرس الأمريكي الديمقراطي ” ديف ما ككيوري ” [116] والذي قال ” إنها في صورتها الراهنة إتفاق ودعم متبادل بين المتمردين ، والذي يتم فيه تصريف شؤونهم عن طريق طرفين هم ناشري الأسلحة والمراهنين عليهم [117] . وهي بالطبع ” شكل جديد من التنافس العسكري الذي يحكم علاقة الدول الكونفوشيوسية – الإسلامية والغرب ، وهو جنس عسكري من الطراز القديم ، وفيه يحاول كل طرف تطوير أسلحته من أجل التوازن أو إنجاز فعل تفوق على الطرف الأخر ” . بينما في الشكل الجديد من التنافس العسكري ، فإن واحداً من الأطراف يطور أسلحته ، في حين إن الطرف الأخر لا يطور أسلحته من اجل التوازن ، بل للحد ومنع الأسلحة وتخفيض القدرات العسكرية [118] .

ما هي الآثار المترتبة على الغرب ؟

   كشف البروفسور هنتنجتون عن حدود مقالته ، فأشار إلى إنه ” لم تكن من مهمة هذا المقال ، الجدل بأن الهويات الحضارية ستحل محل جميع هويات الأخرين ” . كما وإنه لم يزعم بأن ” الدول الوطنية سوف تتلاشى من الوجود . وإن كل حضارة ستتحول إلى وحدة (منا : كتلة) سياسية متجانسة ومتفردة ” . وإن ” الجماعات في الحضارة الواحدة سوف لا تتصارع ولا تدخل في عراك ولا تتقاتل مع بعضها البعض ” .

  وإنما هذا البحث إنطلق من ” فرضيات ” تؤكد على إن ” الإختلاف بين الحضارات حقيقي وذات أهمية بالغة ، وإن ” الوعي الحضاري آخذ بالتزايد ، وإن الصراع بين الحضارات سوف يُزيحُ من الطريق الأشكال الأيديولوجية للصراع وغيرها ، والذي كان الشكل العالمي للصراع ”  والذي كان بدوره مهيمناً على ” العلاقات الدولية التي كانت اللعبة التاريخية وبالتأكيد لعبتها مع الحضارة الغربية . ومن طرفها سوف تتزايد بحيث لايكون صراعاً غربياً ، وإنما سيصبح لعبة للحضارات غير الغربية ” . وبالطبع هذه ليست من الموضوعات البسيطة ، ولكن كما يبدو إن ” المؤسسات الإقتصادية والأمنية والسياسية ، هي المؤسسات الأكثر نجاحاً ونمواً في داخل الحضارات بدلاً من أن تكون عبر الحضارات [119] .

  وتنبأ البروفسور هنتنجتون بصورة الصراع القادم ، فذهب إلى إنه سيحدث ” بين الجماعات في الحضارات المختلفة ” وسيكون هو السائد وسيستمر لفترات طويلة ، ويكون ” أكثر عنفاً ” في الصراعات الحادثة بين ” الجماعات في حضارة واحدة ” . كما إن ” الصراعات الأكثر عنفاً ” بين ” الجماعات من حضارات مختلفة ” والذي سيُشكل ” مصدراً خطيراً ” وسيقود إلى ” حروب عالمية ” قادمة [120] .

 ومن ثم يعود ليؤكد على إن المحور الأساس للسياسات العالمية ، هو ” العلاقات بين الغرب والبقية ” . وبالمقابل إن النُخب في بعض البلدان ” غير الغربية الممزقة ” ستحاول العمل على ” جعل بلدانها جزء من الغرب ” إلا إنها في معظم الحالات ستواجه صعوبات كبيرة لإنجاز هذه المهمة . ويبدو إن الصراع المركزي في المستقبل القريب ، سيندلع بين ” الغرب والدول الكونفوشيوسية – الإسلامية [121] .

   وهذا لايعني بأية صورة من الصور ، هو الدفاع عن ” الرغبة في الصراع الحضاري ” وإنما هي ” مجموعة إفتراضات وصفية ” من مثل ما هي الصورة التي سيكون عليها المستقبل ؟ وإذا كانت هذه فرضيات معقولة (أو صادقة بحدود ما) ، فمن الضروري ” التأمل في تطبيقاتها على السياسات الغربية ” . وهذه التطبيقات يمكن تقسيمها إلى قسمين ؛ ” المنافع قصيرة الآمد ، وتكييفات طويلة الأمد ” . ومن طرف المنافع القصيرة الآمد ، فهي بالتأكيد تعمل ” لصالح الغرب الذي يتطلع إلى تعزيز تعاون واسع ” ، وتوحيد لأطراف من العالم تحت ” إطار الحضارة الغربية ” وبصورة خاصة بين ” البلدان الأوربية وبلدان أمريكا الشمالية ” . ومن ثم العمل على إندماج ” مجتمعات أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية ” والتي تكون ” حضاراتها قريبة إلى الغرب ” .

   وكذلك العمل على المحافظة وتعزيز ” علاقات التعاون مع روسيا واليابان ” . إضافة إلى العمل الجاد على منع تصاعد ” الصراعات الداخلية – المحلية ” والحد منها ووقف ” تحولها إلى حروب حضارية داخلية كبيرة ” . وفي الوقت ذاته الحد من ” توسع القوة العسكرية للدول الكونفوشيوسية – الإسلامية ” . ومقابل ذلك العمل الجاد على ” تحديث القُدرات العسكرية الغربية ، والمحافظة على التفوق العسكري في الشرق وجنوب غرب أسيا ” ، و إستثمار كل الإختلافات وجميع أشكال الصراعات بين ” الدول الكونفوشيوسية – الإسلامية ” .

   ومن ثم ينتهي هنتنجتون إلى التأكيد على المرامي الغربية التي لا يستطيع أن يتخلى عنها البروفسور هنتنجتون عالم السياسة الغربي والعامل في ” مختبرات التنظير السياسي الغربية ” . وهكذا وصلت الرحلة الهنتنجتونية إلى شواطئها النهائية التي ليس فيها ” أمل للحضارات اللاغربية ” من التعايش والإستمرار في الحياة مع ” الحضارة الغربية الحديثة ” وحسب رأي هنتنجتون إن الحضارة الغربية ، هي ” الحضارة الوحيدة الحديثة ” وإن الحداثة الحضارية هي غربية . وعلى هذا الأساس إن الحضارات اللاغربية سائرة إلى نهايتها حيث ” الذمة التاريخية ” .  

   هذا هو قدر الحضارات اللاغربية في رؤية البروفسور هنتنجتون . ولكننا وجدنا إن هناك نوعاً من الأمل لجماعات من الحضارات الأخرى (أي اللاغربية) في مشروع ” تصادم الحضارات ” ، آملُ فيه تجاوز لشواطئ ” الذمة التاريخية ” والموت الحضاري الهنتنجتوني . إلا إن هذا الأمل الهنتنجتوني والأصح الغربي مشروط  ، حيث يتحقق بمساعدة غربية ومشروع تعاون غربي ” للجماعات من الحضارات الأخرى والمتعاطفة مع المصالح والقيم الغربية ” هذا من طرف ومن طرف ثان هذا يتحقق من خلال مسار سياسي ناهض على ” تقوية المؤسسات الدولية التي تعكس المشروعية الغربية والمصالح والقيم الغربية ” و تشجيع إنضمام ” الدول اللاغربية في هذه المؤسسات الدولية [122] .

  كما وإن هنتنجتون يختتم مقاله – الكتاب لا بمسك الختام الحضاري ، وإنما بخطاب أيديولوجي – سياسي ، حيث يعلن فيه صراحة إلى إنه ” لم يعد هناك مكاناً بعد اليوم للحديث عن معايير أخرى ” والسبب برأيه إن الحضارة الغربية قد سدت كل الأبواب على الحضارات الأخرى ، وتحولت إلى ” حضارة غربية حديثة ” . ويحسبُ إن جميع الحضارات اللاغربية حاولت أن تصبح ” حديثة ولكن دون أن تصبح غربية ” . ولعل الحضارة اللاغربية الوحيدة التي نجحت تماماً في مطلبها ، هي ” اليابان ” . وهذا مجرد لعبة سياسية فارغة من أي أساس حضاري ، حيث البوذية اليابانية ضاربة بجذورها في الأعماق وعصية الإدراك على رجل السياسة الغربي .

  ويتوقع عالم السياسة والمتخصص في أيديولوجياتها المعاصرة هنتنجتون (وبالطبع ليس الحارث في أخاديد الحضارات وفلسفاتها في التاريخ والحضارة) بأن ” الحضارات اللاغربية ” ستستمر في مثابرتها للحصول على المزيد من ” الثروات والتكنولوجيا والمهارات والعُدد الميكانيكية والأسلحة ” وهذا برأيه هو الطرف الوحيد من ” وجودها الحديث ” . كما إنها ستحاول من طرف آخر على ” التصالح ” مع هذا الشكل من ” الحداثة الحضارية ” و ” حضارتها وقيمها التقليدية ” . ومن المعلوم للجميع بأن القوة العسكرية والإقتصادية لدول الحضارات اللاغربية ستكون ” محدودة نسبياً ” إلى قوة الغرب المتزايدة . وعلى هذا الأساس فإن الغرب سيحاول على الدوام ” تكييف هذه الحضارات اللاغربية ” والتي أخذت بالتقارب من الغرب ، ولكن ” قيمها ومصالحها ” مختلفة بصورة ملفتة للنظر عن ” قيم ومصالح الغرب [123] .

  ولكل هذا يتكهن هنتنجتون ، ويقترح على الغرب أن يُحافظ على الدوام ” على قوته الإقتصادية والعسكرية الضرورية لحماية مصالحه في علاقاتها مع هذه الحضارات ” . كما وإن هذا الحال يشترط على الغرب ، تطوير ” فهم معمق ” للأسس ” الدينية والفلسفية ” التي تعمل في مضمار هذه الحضارات . إضافة إلى فهم الطرق التي تستخدمها شعوب هذه الحضارات وهي تنظر إلى مصالحهم . وفوق كل ذلك يتطلب معرفة ” العناصر المشتركة ” في لب الحضارة الغربية والحضارات اللاغربية . وقبل أن يتوقف قلم البروفسور هنتنجتون من الكتابة باغتنا بتوقع جديد مفاده ؛ إنه ” في المستقبل القادم سوف لا تكون هناك حضارة كونية ” . ولكن بدلاً من ذلك ستكون ” حضارات عالمية مختلفة ” كل واحدة منها ستتعلم كيف ” تتعايش ” مع الحضارات الأخرى [124] . وبالطبع ليس على أسس حضارية مشتركة بين حضارات العالم ، وإنما على أسس أيديولوجية وسياسية فيها إعتراف بهيمنة الغرب على مُقدرات العالم ، وتفوقه الحضاري على حضارات العالم الأخرى التي فقدت سمة المعاصرة ، التي هي السمة الوحيدة التي تتميز بها حضارة الغرب [125].

  ونحسبُ إن هذا النص الهنتنجتوني هو ” نصيحة وإستشارة للحكومات الغربية ” تقدم بها بروفسور العلوم السياسية صامويل هننجتون ، وهي مع الآسف فعل إغتيال لأمكانيات ظهرت هنا وهناك في مثابرته الحضارية ” تصادم الحضارات ” والتي سبق أن أعلن فيها عن شطب التفسير الأيديولوجي والسياسي اللذان ينتميان إلى الحرب الباردة والتي غادرها العالم دون رجعة ومن ثم دخلت الذمة التاريخية . إلا إنه مع الأسف (مرة أخرى) عطل التفسير الحضاري في النهاية ، وشغل التفسير الأيديولوجي السياسي ، وهكذا إنكفأت هذه المثابرة الحضارية على وجهها وعانقت ” المضامين اللا حضارية ” التي ظلت نسغاً أيديولوجياً يعمل في واجهة وهوامش ” تصادم الحضارات ” . ونشعر بالخيبة الأكاديمية على هذا المشروع ” الذكي الممتاز ” وذلك لتعثره الأيديولوجي ومن ثم توقفه عند عتبات ” فلسفة التاريخ ” و ” فلسفة الحضارة ” ولم يتقدم إنملة واحدة إلى الأمام حيث المذبح المقدس الذي يؤدي إلى ” تعايش الحضارات ” و ” تعاون الحضارات ” و ” تفاهم الحضارات ” و ” تقارب الحضارات ” و ” إتصال الحضارات ” …

هنتنجتون وتصادم الحضارات ومواقف النقاد

   تعرض البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” وبالتحديد في كتابه ” تصادم الحضارات ” إلى موجة عريضة من النقد الأكاديمي . ونحاول هنا أن نمسها بلطف وتعريف وكشوف . ولعل البداية الإشارة إلى إن مقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” والمعنون ” تصادم الحضارات ” أحدث مناقشة واسعة بين الأكاديميين وغير الأكاديميين [126] وبالتحديد منذ صدوره في مجلة ” قضايا أجنبية ” في عام 1993 . ومن ثم تصاعدت حرارة الجدل حوله بين الأكاديميين المتخصصين في ” العلاقات الدولية ” وصدرت عنهم ردود فعل متنوعة ومتباينة . والحقيقة إن أطراف من هذه المناقشات ضمها الكتاب الذي حمل عنوان ” تصادم الحضارات : وإعادة بناء العالم الجديد [127] وهو صورة موسعة للمقال السابق .

  ولكن من الصحيح جداً القول إن المقال في تصنيفه الأكاديمي العام ، هو ليس بحث في ” فلسفة التاريخ ” أو في ” فلسفة الحضارة ” كما يوحي العنوان الذي يُذكرنا بكتب وإطروحات شهيرة تداولناها قراءةً وتعليماً وبحثاً وكتابةً ، والتي تصعد إلى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين وصعوداً وبالتحديد مع كتاب فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” إسوالد إشبنجلر ” (1880 – 1936) والمعنون ” إفول الغرب ” أو ” تدهور الحضارة الغربية ” [128] والذي يُعد وليداً شقيقاٌ لكتاب فيلسوف التاريخ والحضارة ” هرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) والمعنون ” موزائيك أوربا ” وهو الأخر إشتغل على قدر الحضارات [129] .  

   وكذلك فإن مقال هنتنجتون المعنون ” تصادم الحضارات ” والمضمون ” صراع الحضارات يُذكرنا بموسوعة فيلسوف التاريخ ” أرنولد توينبي ” ” دراسة التاريخ ” وبالتخصيص المجلد الرابع والمعنون ” إنهيار الحضارات ” [130] والمجلدان الخامس والسادس واللذان يحملان عنواناً مشتركاَ وهو  ” إنحلال الحضارات ” [131] إضافة إلى كتاب الفيلسوف الوجودي الإنكليزي ” كولن ويلسون ” والمعنون ” سقوط الحضارة ” [132] .

  كما إن تاريخ الحضارتين اليونانية والإسلامية يقدم لنا شواهد تُدلل على فكرة ” الإتصال والتواصل الحضاري ” فمثلاً ” إنسياح قوات الإسكندر المقدوني حتى وصلت إلى الهند ” قد حملت معها ” الحضارة اليونانية ووطنتها في العراق نظاماً سياسياً إدارياً (خلال الفترة السلوقية) أولاً في بابل ومن ثم في سلوقيا دجلة وإيران وشمال الهند والتي إمتدت بحدود أقل من ثلاثة قرون وبالتحديد من عام 312 ق.م وحتى عام 63 ق.م [133] . والشاهد الثاني هو إن إنسياح الإسلام إلى أسبانيا والبرتغال وأجزاء من فرنسا وحتى صقلية إيطاليا ، والذي سجل حضوراً للعرب والمسلمين منذ عام 711م وحتى 1492م ، ومن ثم إستمر حضورهم في أسبانيا رغم إجبارهم على التحول إلى العقيدي المسيحي وحتى عام 1727 حيث تم محاكمة المسلمين ” في محاكم التفتيش ” بعد إكتشافهم يتعبدون ويمارسون الطقوس الإسلامية سراً  [134] .   غير إن مقال ” هنتنجتون ” لا يُصنف في قائمة هذه الكتب التي يتتوج بها تاريخ فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة في القرن العشرين . وإنما هو مقال في العلوم السياسية ، وفيه ” وصف جيوسياسي لما بعد الحرب الباردة ” هذا من طرف . ومن طرف آخر إن هذا المقال الذي كتبه الأستاذ جاء إستجابة بل ورد فعل ثقافي على كتاب إطروحة التلميذ البروفسور ” فرنسيس فيكوياما ” والمعنونة ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [135] .

  ومعلوم إن البروفسور هنتنجتون قام بتوسيع هذا المقال ” تصادم الحضارات ” إلى شكل كتاب ، وصدر عام 1996 وبعنوان فيه إضافة بحدود ما وبالصورة الأتية ” تصادم الحضارات : إعادة تشكيل النظام العالمي ” . والحقيقة إن هذا الكتاب – المقال في أصله بين بشكل مخالف للإطروحات السابقة والمتداولة في الأدب السياسي ، وذهب إلى إن الصراع والعنف الحادثان ، سببهما ” حضاري ” وليس ” الإختلافات الأيديولوجية ” . وبينما كانت الحرب الباردة ، حرب بين ” الغرب الرأسمالي ” و ” الشرق الشيوعي ” فإن اليوم لم يكن الصراع حادثاً ” لأسباب أيدولوجية ” وإنما حادث بين ” حضارات كبرى ” وفي الإمكان حصرها ” في سبع حضارات ” ، وهناك إحتمال أن تكون ” ثمان حضارات ” وهي :

1 – الحضارة الغربية     2 – الحضارة الأمريكية اللاتينية     3 – الحضارة الإسلامية

4 – الحضارة الصينية (وفي نص ” تصادم الحضارات تداول هنتنجتون الكونفوشيوسية)      5 – حضارة الهند (وكما وردت حضارة الهندو)

6 – الحضارة الأرثوذوكسية    7 – الحضارة اليابانية (منا أو البوذية)

8 – الحضارة الأفريقية

  وحسب فهم هنتنجتون إن هذه التكوينات أو الأشكال الحضارية تُولدُ تعارضاً بين ” العالم المعاصر ” و ” الشعوب التقليدية ” و ” الدول ذات السيادات ” . ولفهم ” الصراعات في الحاضر والمستقبل ” وما يرافقها من ” تصدعات حضارية ” يجب أن يُفهم ” في ضوء الحضارة ” وليس في ” إطار الدولة ” . وعلى هذا الأساس يتطلب قبول ” الطرف الحضاري ” سبباً لفهم الحروب . وإن الشعوب الغربية سوف لن ” تستمر في الهيمنة ” إذا ما فشلت في تشخيص طبيعة ” التوترات الحضارية ” . وفعلاً فإن هنتنجتون يجادل ويذهب إلى إنه ما بعد الحرب الباردة تم التحول من التركيز على ” البنية والتنظيم الجغرافي ” إلى ” البنية والتنظيم الحضاري ” . وإن هذا الفهم يتطلب من الغرب أن ” يقوي ذاته حضارياً ” [136] .

   فعلاً لقد واجه هنتنجتون موجة من النقد الأكاديمي المتنوع ، والذي صدر من مجموعة من الكتاب ، والذين تحدوا مزاعمه تجريبياً وتاريخياً ومنطقياً وأيديولوجياً . وهنا سنشير إلى بعض منها :

تأمل في بعض الأراء النقدية الغربية

   ألقت أراء النقاد الغربيين الضوء على النقاط الرخوة والضعيفة في الإطروحة التي حملها عنوان ومضمون مقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” . وفي الإمكان حصرها بالشكل الأتي :

المواقف الغربية العامة من مقال تصدام الحضارات  

  يحسبُ بعض النقاد الغربيون إن مقال ” تصادم الحضارات : وإعادة بناء النظام العالمي ” هو محاولة نظرية مشروعة تطلعت إلى وضع الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى منفردة ، وكانت لها اليد الطولى والضاربة في الخطوط الأولية للعدوانية الغربية وبالتحديد على كل من ” الصين ” و” العالم الإسلامي ” و ” الحضارات الأرثوذوكسية ” . بينما جادل عدد أخر من النقاد ، وذهبوا إلى إن ” مشروع هنتنجتون في ” تصنيف الحضارات ومن ثم الدول التي تنتمي إلى هذه الحضارات ” هو مشروع ” مُبسطُ ” فيه ” روح من السيطرة والإنفراد بالعالم ” . وإنه في الوقت ذاته مشروع يتجاهل ” الديناميكا الداخلية ” و ” التوترات بين الدول ” وبالتحديد في مضمار الحضارات وتنوعاتها .

  كما لاحظ نُقاد أخرون من إن هنتنجتون قد تعمد بقصد إلى تجاهل ” الإستقطابات الأيديولوجية ” التي تقوم بها النُخب . إضافة إلى إنه شطب بوعي ” الحاجات الإقتصادية والإجتماعية ” و” الإختلافات السياسية ” التي تُشكل ” الأسباب الحقيقية للصراع ” . وفي الوقت ذاته إستبعد ” الصراعات ” التي لا تتطابق ومقولاته ، وخصوصاً في مضمار ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” . ولفت عدد من النقاد الأنظار إلى مسألة في غاية الأهمية ، وذلك عندما أشاروا إلى إن كل ما قام هنتنجتون ، هو إحلال إصطلاح ” الحضارات ” محل إصطلاح ” الدول [137] وفي هذه العملية سهلت له مهمة الإنتقال إلى المضمار ” الحضاري ” وتخلى إلى الأبد من المضمار ” السياسي والإقتصادي ” الذي فيه صدى للبعبع الماركسي المتخفي . ورغم هذا الحال فإن قلم هنتنجتون لم يتمكن على الدوام من التخفي وراء الحضاري ، بل في مناطق كثيرة من مقاله ومن ثم في كتابه عاد وعانق من جديد الأطراف الأيديولوجية والسياسية ومن ثم الإقتصادية .

  وأخيراً إنتبه النقاد إلى الأثر الذي تركه هنتنجتون على السياسات الأمريكية ووجدوا إن هذا الأثر فيه مُقاربة مع ” النظريات الدينية ” التي قال بها المؤرخ البريطاني وفيلسوف التاريخ ” توينبي ” وخصوصاً حول ” القيادات الصينية في بواكير القرن العشرين ” . كما وإن ست من ثمان من الحضارات المعاصرة التي ذكرها هنتنجتون في تصنيفه قد أخذها من توينبي حرفاً ونصاً ، وبالتحديد من كتاب الأخير المعنون ” دراسة التاريخ ” كما سبق إن ذكرنا ذلك سابقاً .

تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات من خلال التعليم المتبادل

  كتب البروفسور ” سيزابارو ساتو ” (1932 – 199) مقالاً بعنوان ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل ” . والبروفسور ساتو هو مدير معهد دراسات السياسات الدولية في جامعة طوكيو . من مؤلفاته ” مصادر مستقبل الصراع العالمي : تحديات الأمن لليابان وأوربا ” 1994 . و” الأساطير الثمانية حول الإصلاح السياسي في اليابان ” 1994 ، و” مستقبل العلاقات الأمريكية اليابانية ” 1988 ، و ” بعض خصائص عملية التحديث في اليابان ” 1983 .

   ولعل المهم في هذا المقال عنوانه الفرعي والذي جاء بالصورة الأتية ” هل أنجز هنتنجتون نظرية القدر ؟ [138]. وتكون البحث برُمته من عدة محاور ، وكل محور منها عالج طرف من أطراف البحث المعنون ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل ” . وهذه المحاور جاءت بالشكل الآتي :

1 – صورة نظام العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة

2 – نماذج من الإتصالات ما بين الحضارات الكلاسيكية

3 – الحضارة الكلاسيكية والحضارة الصناعية الحديثة

4 – عالم ما بعد الحرب الباردة

5 – المجابهات بين الحضارات المنضوية

    ونحسبُ إن البحث الحالي بدأ فيما يشبه التمهيد ، وفيه جاءت الإشارة إلى أهم المحاولات في هذا المضمار ، وهما في الحقيقة محاولتان ؛ الأولى محاولة ” فرنسيس فيكوياما ” والمعنونة ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [139] . والثانية محاولة ” صامويل هنتنجتون ” والمعنونة ” تصادم الحضارات : إعادة بناء النظام العالمي ” [140] . وهما المحاولتان المهمتان من طرف إنهما عرضا موقفين متغايرين في فهم ” الديمقراطية الليبرالية ” أو ” الحضارة الغربية ” بوجه عام .

   ومن طرف فيكوياما فإنه إعتقد إن الديمقراطية الليبرالية تفوقت بنجاح على جميع الأيديولوجيات . وبهذا النجاح رسمت نهاية التاريخ ومن ثم خطت المحطة الأخيرة للمواجهة بين الأيديولوجيات . ويلفت البروفسور ساتو الأنظار إلى أن التعبير الأخير من عنوان كتاب فيكوياما ، وهو ” الإنسان الأخير ” هو العنوان ذاته الذي تداوله الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) والذي كان بدوره من أوائل المفكرين الغربيين الذين فقدوا إيمانهم بمستقبل العصر الحديث الغربي [141].

  ومن الصحيح القول بأن ” نيتشه ” إمتلك رؤية خاصة لمفهوم الديمقراطية الليبرالية ، والتي بدورها كانت الوليد الشرعي من ” رحم الحضارة الغربية ” . ومن ثم تحول مفهوم الديمقراطية الليبرالية إلى ” مفهوم كوني مقبول ” ، واليوم حسب ما يرى ” فيكوياما ” إن العالم أخذ ” يتحرك بصورة أساسية نحو إعتناق هذا المفهوم للديمقراطية ” [142] .

  أما من طرف ” صماويل هنتنجتون ” فإن الصورة مختلفة تماماً حسب رؤية البروفسور ” ساتو ” ، والذي يعتقد إن هنتنجتون جادل وذهب إلى ” إنه ليس من الخطأ وحسب ، بل ومن الغطرسة والخطورة التفكير بأن الحضارة الغربية إمتلكت طبيعتها العالمية ” . كما إن كتابه المعنون ” تصادم الحضارات ” (منا : نشرة 1996 وهو توسيع لمقال 1993) تكون من ” أكثر من 300 صفحة في النص فقط (منا : هناك مناقشات وتعليقات تم ضمها إلى النشرة) ” [143] .

  وفي تقويم البروفسور الياباني ” ساتو ” لكتاب هنتنجتون ” تصادام الحضارات ” فقد ذهب إلى أنه ” كتاب يعوزه التناسق والإنسجام ، خصوصاً من طرف تحليلات هنتنجتون ، والتي جعلت من الكتاب من زاوية القارئ ، مملوء بصعوبات جمة بحيث سدت الطريق في متابعة مسار الأفكار ، وكان من الأفضل أن يقوم بتركيز البحث ويتجنب الإطناب وذلك لتحقيق التتابع ” [144] .

   ويحسبُ البروفسور ” ساتو ” إن هنتنجتون قسم الحضارات الكبرى المعاصرة إلى ” ستة حضارات محورية ” (منا : في نص مقال هنتنجتون ثمانية وليست ستة ، كما وإن البروفسور ” ساتو ” لم يلتفت إلى مصادر هنتنجتون ، وهو كتاب فيلسوف التاريخ البريطاني ” توينبي ” المعنون ” دراسة التاريخ ” والذي إستمد منه الحضارات الست المعاصرة ومن ثم إضاف إثنين من الحضارات الممكنة وهذا الأمر أشرنا إليها في أطراف سابقة من هذا البحث)، وهذه الحضارات هي ” الحضارة الغربية التي نهضت على الكاثوليكية والبروتستانتية (وتضم أوربا الغربية وأمريكيا الشمالية) والحضارة التي قامت على قواعد الكنيسة الأرثوذوكسية (وتشمل روسيا وأوربا الشرقية) والحضارة الإسلامية ، والحضارة الهندوسية ، والحضارة الصينية والحضارة اليابانية . بينما أمريكا الجنوبية وشبه الصحراء الأفريقية ، فهي موجودة ومرشحة أن تكون حضارات . وهناك إحتمال إن تكون حضارات متميزة بذاتها ” [145] .

  ونتوقع إن القارئ الأكاديمي سيتأمل في نصوص كل من البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” والبروفسور ” ساتو ” . وسيدرك بأن هذا التقسيم للحضارات تم على أساس ديني عقيدي في حين فات الأثنين الإشارة إلى إن المفهوم الحضاري أوسع من العقيدي الديني هذا طرف . وإن الحضارات مهما كانت أسسها العقيدية الدينية ، فإنها تمكنت من تكوين أفق علماني شمولي ، ضم الجماعات الدينية التي تنتمي إلى طوائف ملونة في داخل العقيدة الواحدة وهذا ما أشار إليه كل من صاحب المصدر هنتنجتون والمستفيد بروفسور ساتو في التمثيل على تقسيم الحضارات ، مثلاً الكاثوليكية والبروتستانتية . ومن المعلوم إن الخلافات العقيدية بينهما تصل إلى كسر العظم العقيدي ومن ثم تتصاعد إلى درجات التكفير والإتهام بالمروق والخروج من دائرة الإيمان المسيحي وضياع فرصة الخلود في جنة المسيح .

   كما إن في هذا التقسيم خروج على قواعد تقسيم الحضارات على أسس دينية عند تصنيف كل من حضارات الهند ، والصين واليابان ، فهناك طرف ديني عقيدي وضعه البروفسور هنتنجتون على هامش الباحث ، وهو إن هذه الحضارات الثلاثة الكبرى يجمعها في أطراف مهمة موحد عقيدي ديني وهي الكونفوشيوسية (رغم إن هنتجتون أشار إلى الصين وإستبعده من اليابان ومن الهند بدرجات أقل وبلدان شرق – أسيوية تكون كتلة ثقافية كونفوشيوسية ذات وزن ثقيل) .

      ومن الملاحظ كذلك إن كلا الباحثين ؛ الأصل هنتنجتون والمستفيد في كتابة مقاله البروفسور الياباني ساتو قد أغفلا حضارة قارة كاملة وهي قارة إستراليا من هذا التقسيم الحضاري وهي قضية فيها نظر من التقسيم الحضاري ، كما وتجاهلا الطيف الحضاري في دولة ” جنوب أفريقيا ” التي تصادمت فيها الحضارة الغربية مع الحضارة الأفريقية المنفتحة على الحضارة الهندوسية (يوم حضور مهاتما غاندي وقيادته لحركة التمرد المدني هناك وبعد ذلك حملها معه في عودته للهند ليؤسس حركة عالمية سيجددها في أمريكا القس الدكتور مارتن لوثر كنج جنير ، ومن ثم سيحمل شعلتها في جنوب أفريقيا الراحل نيلسن مندلا وينجزها بنجاح باهر) .

   لقد كشف البروفسور الياباني ” ساتو ” الخطورة في إطروحة البروفسورالأمريكي ” هنتنجتون ” ولذلك ذهب ساتو أولاً مُدققاً في تفاصيل إطروحة هنتنجتون ، ومن ثم ثانياً سيبين الأطراف الخطيرة فيها . ومن طرف التدقيق رأى إن خمسة حضارات من بين الحضارات الستة أو الثمانية التي ذكرها هنتنجتون ، ” تمحورت في إطار دول ، وهي الحضارة الغربية والتي تضم دول الإتحاد الأوربي ودول أمريكا الشمالية . والحضارة الأرثوذكسية والتي تضم روسيا (منا : إلفت نظر القارئ هنا إلى إنه تم شطب من التقسيم الهنتنجتوني للحضارات دول أوربا الشرقية وهي بالطبع أرثوذوكسية حتى النخاع) والحضارة الهندوسية (الهند) والحضارة الصينية (الصين) (ولا أعرف لماذا جردها من عقيدتها الدينية التي إعتمدها في تقسيم الحضارات ، وهي الحضارة الكونفوشيوشية عند توينبي المصدر وعند هنتنجتون المستفيد) والحضارة اليابانية (اليابان) (ولانعرف لماذا جردها من النمط العقيدي اليابانية الخاص للعقيدة البوذية وهو الياباني) ” [146] .

  بينما يعتقد البروفسور ساتو إن هنتنجتون قد جرد الحضارة الإسلامية المعاصرة من إطار الدولة المركزية . وفعل هنتنجتون أمراً مختلفاً فيما يخص دول أمريكا الجنوبية ودول شبه الصحراء الأفريقية (هذه هي إصطلاحات البروفسور ساتو وبدرجات أقل إصطلاحات هنتنجتون) فهي لم تمتلك لحد الأن الشروط الضرورية لتكوين حضارات كبرى هذا طرف من الخطورة في إطروحات هنتنجتون .

  ولكن الطرف الأكثر خطورة حسب البروفسور ” ساتو ” هو إن ” هنتنجتون ” يروج في كتابه ” تصادم الحضارات ” رأياً سياسياً لا علاقة له بإطروحتة الحضارية التي شطبت إلى الأبد الطرفيين الأيديولوجي والإقتصادي ومن المعروف إنهما من تركات فترة الحرب الباردة . إلا إن هذه العودة إلى الإيديولوجيا فيها الكثير من الأسئلة حول درجات الصدق في إطروحة تصادم الحضارات . وبقلم بروفسور العلوم السياسية وليس بروفسور الحضارة ، يقول هنتنجتون برواية البروفسور ” ساتو ” : ” إن الحضارتين الصينية والإسلامية من أخطر التحديات للحضارة الغربية [147] .  

  ومن ثم يستنتج هنتجتون الأطراف الخطيرة القادمة من الحضارتين الصينية والإسلامية  حسب رواية البروفسور الياباني ” ساتو ” ، فيرى إن ” إن الحضارة الصينية ستشكل تهديد كبير للغرب ، خصوصاً بعد إن تحولت الصين على عتبات الدولة ذات القوة العسكرية الضاربة (منا : بل والمارد الإقتصادي العالمي في حين تختنق الولايات المتحدة بالديون الصينية الغير قادرة على تسديدها وإنها قادرة فقط على تسديد الفوائد الباهضة عليها ، هنا حقاً يكمن الخطر القادم في المستقبل الذي يأتي بالتأكيد ، وفي أحشائه صورة نظام عالمي جديد ، وهي صورة الكابوس الذي يتعمد علماء السياسة الأمريكيون من أمثال هنتنجتون أن يديروا ظهورهم عنه ويدثرونهُ بخطاب حضاري ملتبس .. لا ينفع بقدر ماهو في أحسن الأحوال تعتيم للحقيقة القادمة وستدق الأبواب وتعلن عن ولادة نظام عالمي جديد …) بينما الدول الغربية تدخل في صراعات حضارية داخلية … [148] .

  ويستنتج البروفسور ” ساتو ” وبالطبع بالإعتماد على التحليل السابق ، بأن هنتنجتون ” ليس دقيقاً وحسب ، أو إنه على خطأ في إدراكه لبعض الحقائق التاريخية ، وإنما مشكلته إنه يقدم تحليلاً خطيراً جداً ، خصوصاً إذا ما تم الإعتماد عليه كمشروع سياسي ” وبالتحديد بعد ” إنفراد الولايات المتحدة بمقدرات العالم ” فإن الخطورة تكمن إذا ما حاولت ” الولايات المتحدة الأمريكية أن تبث الروح في أفكار هنتنجتون ، وتقبل صورة العالم كما رسمها وتتبناها ، ومن ثم ستعزز سياسات مؤسسة عليها ” فإن ردود الأفعال من بلدان تنتمي إلى عالم حضاري مختلف عن الحضارة الغربية ، ستقوم بفرض وإختبار معايير مختلفة لمواجهة مثل هذا التوجه الأمريكي ، ومن طرفها ستولد ردود أفعال ، وربما ستحول تحليلات هنتنجتون في إطروحة ” تصادم الحضارات ” إلى حقيقة واقعة . وكما يبدو إن أفكار هنتنجتون ” ستترك أثاراً قوية ” وبرأينا مدمرة وواسعة على عموم العالم [149] .                

الموقف النقدي لكل من إيرول هندرسن وريتشارد توكر

  شارك كل من البروفسور ” إيرول هندرسن ” (جامعة مشيغان 1993) والبروفسور ” ريتشارد توكر ” ( جامعة زايد – الإمارات العربية) في بحث بعنوان ” الوضوح وحضور الغرباء : تصادم الحضارات والصراع الدولي ” . بينً الباحثان فيه ، بأن هنتنجتن ذهب في إطروحته ” تصادم الحضارات ” إلى إن ” الدول التي تنتمي إلى حضارات مختلفة ، يبدو إنها على الأغلب تتورط في صراعات مع الدول الأخرى ” [150] . ولإختبار دقة مزاعم هنتنجتون من الزاوية التجريبية الإختبارية ، قام الباحثان بالتدقيق ” في العلاقات بين الدول من أعضاء حضارة معينة ومقارنة ذلك مع دول متداخلة حضارياً وهي في حالة حرب ، وبالتحديد منذ عام 1816 وحتى عام 1992 ” . وتوصل الباحثان إلى إن ” الدول الإعضاء في حضارة ما لا تدلل بصورة ذات أهمية عند مقارنتها مع الدول التي تورطت في حروب خلال الحرب الباردة ، وللفترة الممتدة من 1946 وحتى 1988 ، وهي واحدة من ثوابت إطروحة هنتنجتون ” .

  وعلى أية حال فإن الباحثين وجدا بأن ” الفترة التي سبقت الحرب الباردة ، والتي تمتد ما بين عامي 1816 و 1945 كشفت بأن ” الدول التي تنتمي إلى حضارات متشابهة ، هي الأكثر دلالة على قتال بعضها الأخر ، بل وأكثر دلالة من دول الحضارات المختلفة ” . وهذا بالطبع يتناقض وإطروحة هنتنجتون .

  ولعل الأمر الأكثر أهمية ودلالة ، هو إن تحليلات الباحثين كشفت عن ” إنه خلال فترة ما بعد الحرب الباردة (1989 – 1992) ، وهي الفترة التي شملها بحث هنتنجتون ، تبدو على الأكثر إن فيها دول الحضارات المتشابهة لا تدخل في حروب مع دول منخرطة فيها ، كما إقتنع هنتنجتون بأنها هي الفترة ذاتها التي سيحدث فيها تصادم الحضارات بصورة واضحة . إلا إن نتائج البحث الحالي تحدت مزاعم هنتنجتون ، وقوضت بصورة أكيدة التوصيات السياسية التي تقدم بها ، ودفعت بها إلى خارج مضمار إطروحة ” تصادم الحضارات ” [151] .

الموقف النقدي للمفكر الأمريكي – العربي ” أدورد سعيد “

    ولد أدورد وديع سعيد في أحضان عائلة عربية مسيحية في القدس (1935 – 2003) وبالتحديد خلال ما عُرف بفترة الإنتداب الإستعماري للبلاد العربية وبالطبع لفلسطين كذلك . وأدور سعيد مفكر فلسطيني أمريكي ، وساهم في تأسيس ” النظرية النقدية ما بعد الفترة الإستعمارية ” . وأدورد ووالده يحملان الجنسية الأمريكية . وصرف سنوات طفولته وتعليمه الأولى في القدس والقاهرة حيث إلتحق بالمدارس البريطانية . ومن ثم رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وحصل على بكلوريوس في الأداب من جامعة برنستن . ومن ثم الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنكليزي من جامعة هارفارد

  ومن ثم بدأ مشواره الأكاديمي في جامعة كولومبيا عام 1963 وحتى وصل إلى درجة بروفسور في اللغة الإنكليزية والأدب المقارن عام 1991 . وإشتهر بكتابه ذائع الصيت والمعنون ” الإستشراق ” والذي صدر عام 1978 وفي هذا الكتاب عارض سعيد شيخ المستشرقين برنارد لويس ، ومن ثم إستمرت المعارضة وعدم الإتفاق حتى وفاة سعيد عام 2003 . ومن مؤلفات سعيد الأولى ، كتابه المعنون ” جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية ” والذي صدر عام 1966 . وهو إمتداد لإطروحته للدكتوراه . ومن مؤلفاته الشهيرة والتي لها علاقة بدرجات كبيرة بكتابه الإستشراق ، كتابه المعنون ” تغطية الإسلام : وكيف وسائل الإعلام والخبراء يطلبون منا أن ننظر إلى العالم ” والذي صدر عام 1997 . وله كتب أربعة في الموسيقى ومن المعروف إن سعيد عازف ممتاز على البيانو … [152] .

   كتب الدكتور ” سعيد ” مقالاً مُعارضاً  لمقال البروفسور ” صماويل هنتنجتون ” والمعنون ” تصادم الحضارات ” . ولعل عنوان مقال ” سعيد ” شهادة كافية على تلك المعارضة ، فقد جاءت تحت راية ” تصادم الجهل ” أو ” تصادم الأمية ” وتبعه عنوان فرعي في غاية الأهمية من الزاويتين الفكرية والميثدولوجية ، يُفيد إلى ” إن عناوين وتسميات مثل ” الغرب ” و” الإسلام ” هي تعمل لإرباكنا حول حقيقة الفوضى أو عدم النظام فقط [153]، ومن المعلوم إن مقال المفكر ” أدورد سعيد ” قد نُشر في 22 إكتوبر عام 2001 . والذي ركز فيه على المفهوم الغامض ، المتداول في مقال ” هنتنجتون ” ، وهو مفهوم ” الهوية الحضارية ” .

  لقد ذهب هنتنجتون كما بينا في هذا المقال ، إلى إن ” التفاعل وردود الأفعال ” في العالم المعاصر ، حادث بين ” سبعة أو ثمان من الحضارات الكبرى ” ، ونضيف إلى كلام ” سعيد ” ليستقيم ميثدولوجياً ، إلى إن هنتنجتون إعتمد على ” أرنولد تويبي ” مصدراً معرفياً ، إستقى منه هذا التقسيم للحضارات المعاصرة (صحيح إن توينبي قال بست حضارات معاصرة وقد تبناها هنتنجتون ومن ثم أضاف السابعة وإلحق بها بتردد الثامنة ، وهي الحضارة الأفريقية [154]) ، وبالتحديد إعتمد سعيدعلى رائعة ” تويبي ” الإنجلية ” دراسة التاريخ ” وهذا جانب ناقشناه في طرف من هذا البحث وزودناه بهامش عرضنا فيه بصورة مختصرة المجلدات الثانية عشر من هذه الرائعة التوينبية .  

  إلا إن هنتنجتون برأي ” أدورد سعيد ” قد منح ” حصة الأسد ” للصراع بين ” الإسلام والغرب ” هذا من طرف . ومن طرف أخر وهو الأساس في رأينا من الزاوية الميثدولوجية ، هو إن ” سعيد ” كشف للقارئ ، بأن هنتنجتون إعتمد بصورة رئيسية على مقال شيخ المستشرقين ” برنارد لويس ” والمعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي صدر عام 1990 والذي تم الإشارة إليه في ثنايا البحث الحالي . وحسب رأي ” سعيد ” الناقد للطرفين ، وهما كل من ” هنتنجتون ” و ” برنارد لويس ” سوية ، قد بين إلى إن ” مقال لويس قد تلون بأراء أيديولوجية ” ، وهذا واضح في عنوان المقال ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” .

 ويرى ” سعيد ” إن كلا المقالين (أي مقال برنارد لويس وصماويل هنتنجتون) مملوءان بأراء شخصية كثيرة ” حول ” الغرب  ” و ” الإسلام ” وخصوصاً فيما يتعلق بطرفي المصطلحين الهنتنجتونيين على الأقل ” الهوية ” و ” الحضارة ” .

  وبحصافة ” أدور سعيد ” أشار في نقده لكل من ” برنارد لويس ” المصدر ، وللبروفسور هنتنجتون المستفيد من المصدر في كتابة مقاله ” تصادم الحضارات ” ، فقال بالتأكيد لا لهنتنجتون ولا لبرنارد لويس ، وحسب إنه لو كان يتوافر لهما الوقت الكافي لوقفا عند عتبات الدايناميك الداخلي والتعددية المتنوعة في كل حضارة ، وإنه من أجل الحقيقة القول إن التنافس الكبير كان في أغلب الحضارات الحديثة ، هو ” تعريف ” أو ” تأويل ” كل حضارة . ولعل من المحاولات غير المقبولة ، هي المعالجة الديموغاجية و الجهل والأمية وذلك عند التورط في الحديث بفرضيات عن الأديان ككل والحضارات ككل . كلا ! إن الغرب هو الغرب ، والإسلام هو الإسلام [155] .  

  ولعل في النتيجة الميثدولوجية النهائية من مقال “سعيد ” خير الكلام في خاتمة الحديث عن ” تصادم الحضارات ” و ” تصادم الأمية أو الجهل ” ، وخصوصاً بعد إن أشار إلى ” حقيقة التواصل بين الأديان السماوية الثلاثة ؛ اليهودية والمسيحية والإسلام ، وإن الإسلام هو خاتمة هذا الخط الديني [156] وشبهها بمياه من محيط التاريخ الواسع .

   لقد صور المفكر ” آدورد سعيد ” للقارئ ” نقاط الخلاف ” بين رؤية ” هنتنجتون ” ورؤية صاحب ” تصادم الجهل ” بوصف روائي رائع فقال ” كلنا إختبر السباحة في تلك المياه ، الغربيون والمسلمون وكذلك الآخرون ، ومادامت المياه هي جزء من محيط التاريخ ، فإن محاولة الجرف والتقسيم بحواجز هي محاولة عقيمة . ولعل من الأفضل التفكير بحدود الجماعات الأكثر قوة ، وبحدود الجماعات التي لا حول لها ولا قوة ، ومن ثم التفكير خلال سياسات علمانية وسياسات الجهل والأمية ، والتأمل من خلال المبادئ الكونية للعدالة والمبادئ الكونية للظلم . ولهذا فإن البحث في المجردات الضخمة ربما يوفر قناعة موقتة . ولكن قليل من المعرفة بالذات والتحليل في إطروحة ” تصادم الحضارات ” تحملك على القول إنها ” حيلة ذكية ” من مثل ” حروب العالم ” . وإنه من الأفضل تعزيز كبرياء وفخر دفاعي بدلاً من تقديم فهم نقدي  لعصرنا في مصفوفة كلام مُحير ” [157] .

فؤاد عجمي والموقف المتردد من كتاب ” تصادم الحضارات “ 

  لقد أنهى الفتى ” فؤاد عجمي ” دراساته الثانوية في لبنان ” في عمر الثامنة عشرة ، ومن ثم شد الرحال في السنة التالية (التاسعة عشرة) نحو الولايات المتحدة ، ووصلها بالتحديد في ” خريف عام 1963 ” وسجل في بعض ” الفصول الدراسية ” في ” كلية أورغن الشرقية ” والتي أصبحت فيما بعد ” جامعة أورغن الشرقية ” . ومن ثم أكمل متطلبات التخرج في ” جامعة واشنطن ” والتي كتب فيها مشروع إطروحته للدكتوراه في ” العلاقات الدولية ” و ” الحكومة العالمية ” وحصل على ” درجة الدكتوراه ” [158] .

  لقد كتب البروفسور ” فؤاد عجمي ” العديد من المؤلفات ذات النهج الأكاديمي ، ولكن بعضها تم بإختيار ” لاشعوري ” ومحرك لا يخلو من إنحياز عرقي ” فارسي ” ورائحة ” طائفية – شيعية ” لم تتمكن سنوات الكد الأكاديمي في الجامعات الأمريكية من تعطيل فعله المؤثر تحت الجلد الإنساني والتي تظهر بوعي ودون وعي في نصوص وعناوين مؤلفات ومشاريع كتب ومقالات . وهذا ما وجدناه في المشاريع التي إشتغل عليها المرحوم البروفسور ” فؤاد عجمي ” . وهنا نقدم شواهداً وأمثلة دالة .

  كتب فؤاد عجمي في شتاء عام 1980 / 1981مقالة بعنوان ” مصير عدم الإنحياز ” ونشرته مجلة ” الشؤون الأجنبية ” . وفيها لخص الطريق الذي سلكه ” العالم الثالث ” وكيف إنه تخلى من سياسات ” عدم الإنحياز ” وهجرها ، وبالتحديد في النص السياسي لفترة ” ما بعد الحرب الباردة ” [159] . وقد لقى هذا الكتاب رضاء الدوائر الأكاديمي الموجهة بستراتيجيات ” الكاوبوي ” . وفعلاً فقد جاء العطاء الأكاديمي كريماً ، وتمثل في تعيين ” الدكتور فؤاد عجمي مديراً لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز … ” [160] .

   نشر الدكتور عجمي ، بعد سنة واحدة من وصوله إلى ” معهد الدراسات العالمية العالي ” في جامعة جونز هوبكنز ، كتابه الأول والذي كان بعنوان ” المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 ” . وفيه تحليل ووصف للأزمة الفكرية والسياسية التي إجتاحت العالم العربي بعيد هزيمتها على يد القوات الإسرائيلة في ” حرب الأيام الستة ” عام 1967 [161] .

   وبعد فترة إنشغال إمتدت ما يُقارب الخمسة سنوات ، نشر كتاباً بعنوان ” الإمام المُغيب : موسى الصدر وشيعة لبنان ” والذي صدر في العام 1986[162] . وهو من الموضوعات التي حيرت الجميع ، وظلت أسرارها مقيدة ضد مجهول ثنائي ” القوى السياسية الشيعية في لبنان والقذافي وحكومته في ليبيا ” .

  وكان بيروت : مدينة الندم  ، كتاب بالإشتراك مع المصور إيليا ريد ، وصدر هذا الكتاب بعد سنتين من صدور كتاب ” الإمام المُغيب … ” . والكتاب من القطع الصغير ، وتألف من 128 صورة ملونة ، ونص كتبه البروفسور فؤاد عجمي وتكون من 47 صفحة [163] . ومن كتب فؤاد عجمي ، كتابه المعنون ” قصر العرب الوردي (الحالم) : جيل أوديسا ” ، وصدر عام 1998 [164] . ومن كتبه الأخيرة ، كتابه المعنون ” هبة الإجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق ” ، والذي صدر في عام 2006 . وهو يدور حول إحتلال أمريكا للعراق [165] .       

     أشرنا في مقالين سابقين ؛ الأول كان بعنوان ” في رحيل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي ” [166] . والثاني حمل عنوان ” الطرف السياسي من عمل الأكاديمي اللبناني فؤاد عجمي ” [167] . نقول أشرنا إلى إن البروفسور عجمي رفض في الطور الأول من حياته الأكاديمية أراء البروفسور ” صماويل هنتنجتون ” في مقاله ” تصادم الحضارات ” . ولكن عندما دارت حركة الكواكب والأفلاك وعمل البروفسور عجمي في واجهات الحزب الجمهوري الأمريكي ومن ثم أصبح مُقرباً من وزيرة الخارجية الأمريكية ” كوندليزا رايس ” ومن ثم أيد وشجع على إحتلال العراق ، فعاد وقبل كل ” إطروحات هنتنجتون دون تحفظ ” .

  ولعل الشاهد على ذلك مقال البروفسور ” فؤاد عجمي  ” الصادر في 6 كانون الثاني 2008 والمنشور في جريدة ” نيويورك تايمز ” وبعنوان ” التصادم ” والذي قال فيه بالنص ” إن إطروحة هنتنجتون حول التصادم الحضاري تبدو لها سلطتها علي اليوم ، وليس كما بدت لي من قبل  ” . والعبارة الأخيرة من كلام الدكتور عجمي ” وليس كما بدت لي من قبل ” هي إشارة إلى مواقفه النقدية للبروفسور هنتنجتون وكتابه ” تصادام الحضارات ” التي وردت في مقاله المبكر والذي نشره عجمي في مجلة ” شؤون أجنبية ” وبالتحديد في العدد المؤرخ في سبتمبر – إكتوبر 1993 . وفيه يجد القارئ بصورة مكشوفة إن هناك شخصيتين مختلفتين للبروفسور عجمي ؛ الأولى صورة البروفسور عجمي الناقد والرافض لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وفيها ” كسر عظم نقدي ” ومن ثم أدلى بأفكار مخالفة لهنتنجتون ” في دور الحضارات في العلاقات والصراعات الدولية ” . في حين إن عجمي يؤكد على إستمرار ” الدول والعلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة ” [168] .

  ومن ثم أكد البروفسور عجمي في هذا المقال على نقده للبروفسور هنتنجتون وذلك لتجاهله ” للصعوبات التجريبية ومصالح الدول التي هي وراء الصراعات بين الحضارات ” . وعجمي يومذاك كان متيقناً على خلاف هنتنجتون بأن ” الدول ستبقى عاملاً مهيمناً على العالم وتفاعلاته ” . ويجادل الدكتور عجمي فيؤكد على إن ” الروابط الحضارية سوف تستفيد وتتقوى فقط من خلال الدول والجماعات ” وبالتحديد عندما يكون من ” مصلحة هذه الدول والجماعات أن تُشغل العلاقات الحضارية ” . وإستشهد البروفسور عجمي بمثال من الطبقة الوسطى الهندية ، فبين بأن ” الحضارات سوف لن تتمكن من السيطرة على الدول ، وإنما العكس هو الصحيح إن الدول ستسيطر على الحضارات [169].

  أما في مقال عجمي المعنون ” التصادم ” فنحسب إنه عودة عجمية جديدة لمقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” المعنون ” تصادم الحضارات ” وتقويم جديد لجهوده ومشروعه السياسي حول تصادم الحضارات . فقد لاحظنا في ما يمكن أن نسميه مقدمة المقال رؤية إيجابية فيها إنقلاب على ما أدلى به عجمي من أراء نقدية سابقة ، خصوصاً في مقال 1993 . يقول البروفسور عجمي بالنص ” إن صامويل هنتنجتون ، هو رجل جاد وصارم ، وصاحب صنعة عالية ، إضافة إلى كونه عالم سياسي أصيل ، وطبع بأثاره فترة شغلت النصف الإخير من القرن . وكان على الدوام يسبح ضد تيار الأراء المتداولة والشائعة ” [170] .   

  وفي أدلة التعديل للموقف النقدي الذي أدلى به البروفسور عجمي في عام 1993 ، وفيه تخلي في الوقت ذاته عن طرفين من معادل تكوين هويته ؛ الأول تخليه عن إيرانيته الإسلامية من طرف والديه وأجداده ، ومن ثم تخليه عن لبنانيته العربية بالولادة والتربية في مضارب الجنوب اللبناني حيث قرية عرنون التي شهدت مسقط رأسه . يقول عجمي في تعديله للموقف النقدي لهنتنجتون ، فيقول : ” قبل ما يُقارب الخمسة عشر عاماً (كان عجمي يتكلم عام 2008) ، فإن إطروحة هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” لها سلطة وسطوة ، أكثر مما كنت أراه يوم كتبت النقد في ذلك الوقت ” ومن ثم قدم تفاصيل حول مصداقية نظرية هنتنجتون ، فأشار إلى أمثلة تتساوق وأراء هنتنجتون وتوقعاته ، فمثلاً قال ” إن البناء الضخم للكمالية (نسبة إلى النظام السياسي العلماني الذي شيده مصطفى كمال أتاتورك في تركيا) تعرض إلى إعتداءات مُهينة ، وذلك عندما تم في تركيا إنتخاب رئيس إسلامي لتركيا ، وبالطبع فيه تحدي مكشوف للنخب البيروقراطية والعسكرية [171] .  وهذا حمل دليل على هيمنة الإسلاميين والذي يتعارض مع توجهات الأتاتوركية ومن ثم جيل من السياسيين الأتراك الذين يتطلعون في إنضمام تركيا العلمانية إلى الإتحاد الأوربي . وهذا برأي عجمي يأتي دليلاً أخر على قوة أراء هنتنجتون لقضية علاقة ” الغرب والبقية ” والتي رددتها مقولة هنتنجتون ” نشيداً حضارياَ يحكم علاقة ” الغرب والبقية ” وخصوصاً ” الغرب والإسلام ، فقال ” سبق إن رفضت تركيا مكة (إشارة إلى الإسلام) ، بينما رفضت بروكسل (إشارة إلى الغرب) إنضمام تركيا إليها [172] .  

  ومُسك الختام إشارة إلى إن البروفسور عجمي ، كان أمريكياً جمهورياً حتى النخاع الأخير ، ولم تبقى في خلايا تفكيره ” دماء إيرانية إسلامية ” تجري  ، ولا ” دماء لبنانية عربية ” رعتها مناخات ” قرية عرنون ” . ولكل ذلك رأى عجمي إن ” مخاوف هنتنجتون ” ؛ ” هو إن الإسلام سيبقى إسلاماً كما هو ” . بينما ” شكوك هنتنجتون ” تتركز حول ” هل إن الغرب سيبقى حقيقة كما هو ، وإنه سيبقى ملتزماً بمهمته كما هي [173] .

طارق علي و ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة ”  

  ومن المفيد الإشارة إلى مثابرة مهمة لاحقة  ، حملت عنواناً فيه الجزء الأول من عنوان مقال – كتاب ” صامويل هنتنجتون ” ” تصادم الحضارات ” وهو كتاب البريطاني من إصول باكستانية طارق علي (1943 وبعمر 71 عاماً) والمعنون ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة [174] ومن مؤلفات الإعلامي طارق علي ، كتاب ” الباكستان : قواعد العسكر أو سلطة الشعب ” والصادر عام 1970 ، وكتاب ” بوش في بابل ” والذي رأى النور عام 2003 وكتاب ” مناقشات مع أدور سعيد ” والذي ظهر عام 2005 ومن ثم كتابه المعنون ” الأعراض المرضية للرئيس الأمريكي أوباما ” والذي صدر عام 2010 [175].

  وهذا الكتاب ينهض على مجموعة فرضيات صاغها ” طارق علي ” ، وهي في غاية الأهمية وإن كانت تًصاحبها موجة من الإثارة في الوقت ذاته . حقيقة إن أهمية هذا الكتاب تأتي من إنه محاولة تنهض على الجدل الذي يذهب إلى إن ” ما إختبرناه من العودة إلى التاريخ في أشكاله البطولية ” هو إن هناك ” رموز دينية ملأت مساحات جزئية ” منه ، والذي تمظهرعلى مستوى طرفين ؛ الأول طرف إنتقام الله . والثاني طرف الله معنا والله يحفظ أمريكا . ومن ثم مسكنا بطرف ثالث متخفي في كتابات ” طارق علي ” وهو إن العنف المرئي الملموس في سبتمبر 11 ، هو إستجابة إلى العنف اللامرئي واللا ملموس الذي عانت منه الشعوب في أفغانستان وباكستان والعراق والعربية السعودية ومصر وفلسطين والشيشان .

  ويحسبُ ” طارق علي” على إن ما حدث لهذه البلدان بصورة مباشرة ، هو من مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا . وإن هذا الكتاب يُقدم تفسيراً واسعاً لصعود موجات المتطرفين المسلمين والأشكال الجديدة للنزعة الإستعمارية [176] .    

تعقيب ختامي :

أولاً – هل هو ” تصادم حضارات ؟ ” أم هو ” صراع حضارات ؟ ” . الحقيقة إن القارئ الأكاديمي للمقال الذي كتبه هنتنجتون في عام 1993 أو في توسعته اللاحقة والذي نشره في كتاب عام 1996 ، يلحظ إن عنوان المقال وكذلك عنوان الكتاب جاء تحت شعار سحري دراماتيكي هو  ” تصادم الحضارات ” . وهذا في الحقيقة الأمر الأول . إلا إن قارئ الكتاب من زاوية المضمون يجد بأن هنتنجون قد تداول كلمة ” الصراع أو الكونفلكت بالإنكليزية ” في شرح قضية تصادم الحضارات أو  ” كلاش أوف زفلايزشين ” بالإنكليزية ” وهذا الأمر الثاني . وعلى هذا الأساس نحسب إن كتاب هنتنجتون على مستوى عنوان المقال والكتاب هو ” تصادم الحضارات ” . أما على مستوى مضمون المقال والكتاب ، فهو ” صراع الحضارات ” .

ثانياً – ظهر لنا بصورة واضحة إن هنتنجتون لم يكن الرائد والكاتب الأول الذي نحت وتداول أكاديمياً إصطلاح ” تصادم الحضارات ” بل تقدم عليه عدد من الأكاديمين والكتاب الرواد من طرف نحت إصطلاح ” تصادم / كلاش ” وكذلك إصطلاح ” صراع / كونفلكت ” وتداولوه في كتاباتهم وبالتحديد قبل هنتنجتون بسنوات قريبة من عمله الأكاديمي ، وسنوات أخرى بعيدة حتى قبيل ولادته . فمثلاً إننا بينا في هذا المقال إن عبارة ” تصادم الحضارات ” قد وردت قبل مقال هنتنجتون (1993) بثلاث سنوات ، وبالتحديد في مقال المؤرخ وشيخ المستشرقين الأمريكي – البريطاني ” برنارد لويس ” والمعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي ظهر في مجلة ” إتلانتك ” الشهرية في عام 1990 .

 ولاحظ الباحثون الأكاديميون الغربيون بأن ” برنارد لويس ” هو الأخر تلقفها من العنوان الفرعي لكتاب ” باسيل ماثيوس ” والمعنون ” الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات ” والذي ظهر في عام 1926 ، وبالتحديد قبل ظهور مقال ” برنارد لويس ” بما يُقارب ستة عقود ونصف من السنين . بينما لاحظ المستشرق الفرنسي ” لويس ماسينيون ” (1883 – 1962) إن تعبير ” تصادم الحضارات ” وكذلك ” صراع الحضارات ” يصعدان إلى فترة زمنية تتخطى تاريخ صدور كتاب ” باسيل ماثيوس ” بل ويعانقا الفترة الإستعمارية ، وهي الفترة التي يُطلق عليها الفرنسيون ” بالفترة الجميلة ” والتي بدأت عام 1871 .

ثالثاً – سعينا في همنا الأكاديمي النازع إلى معرفة الجذور التاريخية والفكرية لإصطلاح ” تصادم الحضارات ” الذي إنتخبه وتداوله البروفسور صماويل هنتنجتون عنواناً أولاً لمقاله الذي صدر عام 1993 ومن ثم ثانياً عنواناً رئيساً مع إضافة عنوان فرعي لكتابه الذي ظهر عام 1996 ، نقول إن الفكرة الأصلية والمصدر الحقيقي  للمقال ومن ثم للكتاب ، هي محاضرة قدمها هنتنجتون في عام 1992 وبالتحديد في ” معهد الأنتربرايز الأمريكي ” . والمحاضرة (ومن ثم المقال) جاء إستجابة هنتنجتونية أكاديمية لكتاب تلميذه السابق ، البروفسور ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” . وعلى أساس هذه المصادر الثلاثة (اي النقاط الثلاث من تعقيبنا) يمكن فهم وتقويم إصطلاح ” تصادم الحضارات ” والمستبطن صراحة لإصطلاح ” صراع الحضارات ” في كل من متن المقال والكتاب عند البروفسور صامويل هنتنجتون .

——————————————————-

الهوامش    

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (بالإنكليزية) ، مجلة قضايا أجنبية (بالإنكليزية) / المجلد 72 ، العدد 3 صيف عام 1993 ، ص   [1]

ص 22 – 49

 – إن القارئ الأكاديمي لكل من مقال ومن ثم كتاب ” هنتنجتون ” تصادم الحضارات ومن زاوية ميثدولوجية يشعر بحجم المشكلة التي تولدت مع [2]

تحويل المقال إلى كتاب . ومن طرفنا كنا نتمنى لو رفض ” هنتنجتون ” الإغراءات ودوافع الناشرين في قبول التوسيع في المقال . وذلك لإعتقادنا إن المقال كان وحده كاف لخلود ” هنتنجتون ” رغم عدم قناعتنا بإن الكتاب كان رسالة أكاديمية بريئة وذلك من حيث إن توجهات الكتاب (وبدرجات أقل توجهات المقال) قد خدمت من طرف الترويج للسياسات الأمريكية في الإنفراد والإستحواذ على العالم . ورغم هذا الحال فإن في الكتاب أراء لا أعرف كيف مرت على دوائر التفكير السياسي الأمريكي ، وهو توقع ” هنتنجتون ” تفكك ” الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد إن أعلن وفق الإحصاءات السكانية والتي تدلل بصورة خطيرة على زيادة السكان من إصول إسبانية (أمريكا اللاتينية)والتي تشكل اليوم أكثر من نصف سكان أمريكا والذين بإعتراف ” هنتنجتون ” ينتمون إلى حضارة وثقافة ولغة غير إنكليزية  ، كما وفيه إشارات ذكية فيما يخص إسرائيل وإمكانية تفككها في المستقبل على أساس إطروحة ” هنتنجتون ” في الثقافة والحضارة والدين ، فقد أشار إلى إن العرب في المجتمع الإسرائيلي يشكلون 20% من مجموع السكان وإن تزايدهم بمتوالية هندسية كما تدلل إحصاءات الولادات بين العرب وإنحسارها في طرف الإسرائيليين . ومن المفيد أن نخبر القارئ العربي بأن كتاب ” تصادم الحضارات ” قد ترجم إلى اللغة العربية . للتفاصيل أنظر : صماويل هنتنجتون ؛ صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي ، ترجمة طلعت الشايب ، وتقديم د. صلاح قنصوة 1999 (تكون من 554 صفحة ، والمقدمة وحدها تكونت من 21 صفحة / ص ص 9 – 28) والمقدمة راجعت الكثير من أفكار ” هنتجتون ” لكنها لم تمس على الإطلاق إصول نظريته وهذا هو المهم في التقديم لنظرية صدام الحضارات ، والحق إن كلمة يتيمة جاءت في الجملة الأخيرة من التقديم أشار فيها كاتب المقدمة إلى تلميذ هنتنجتون ” فوكياما ” ص 28 من المقدمة . هذا فيما يخص ما قال الأستاذ ” قنصوة ” . ولكن في الحقيقة إن مقال ” هنتجتون ” ومن ثم بالطبع كتابه ” تصادم الحضارات ” هو في الحقيقة إستجابة إلى كتاب تلميذه السابق ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير “. ونحسب كان من المهم في كتابة المقدمة مراجعة مقال وكتاب ” هنتنجتون  ” من زاوية كتاب ” فوكياما ” ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” . وكلمتنا الأخيرة إن مشروع التوسيع الذي قام به ” هنتنجتون ” جعل من الكتاب من الزاوية الميثدولوجية ، دراسة متخمة بالإحصاءات ، وبحث مترهل غير متساوق وفيه إعادة فيما يخص الإسلام والصحوة الإصولية  حتى بدى الكتاب من الزاوية الميثدولوجية لملمة وتجميع لمقالات كتبها أو أعدها (حسب ظننا المؤسس على إعتراف هنتنجتون بصراعه مع الزمن وإشارته إلى بعض أسماء طلابه ..) في صورتها الأولية طلبة وبإشراف البروفسور هنتنجتون

 – أنظر : أ – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الطرف السياسي من عمل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي / موقع الفيلسوف 2 يونيو 2014 [3]

ب – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ في رحيل الأكاديمي الأمريكي – اللبناني فؤاد عجمي / موقع الفيلسوف 27 يونيو 2014

 – أنظر مشروع المقال القادم للدكتور محمد جلوب الفرحان ” برنارد لويس وظلال النزعة الإستشراقية ” [4]

 – للتفاصيل أنظر : أدور سعيد ؛ تصادم الجهل (بالإنكليزية) ، مجلة الأمة الأمريكية / 22 إكتوبر 2001 [5]

 – أنظر هنتنجتون ؛ المصدر السابق [6]

 – وهو أخر رؤساء الإتحاد السوفيتي السابق وفي وقتها كان السكرتير العام للحزب الشيوعي للإتحاد السوفيتي .. للتفاصيل أنظر ” إنكوس [7]

روكسبيرك ” الثورة الروسية الثانية : الكفاح من أجل السلطة في الكرميلن (بالإنكليزية) ، لندن 1991  

 – وفي الأصل كان مديراً للمخابرات المركزية الأمريكية ، ومن ثم أصبح رئيس الولايات المنحدة الأمريكية الواحد والأربعين .. للتفاصيل أنظر :[8]

جورج بوش : الأشياء الجميلة ، جورج بوش : حياتي في رسائل وكتابات أخرى (بالإنكليزية) ، دار نشر سكرنبر – نيويورك 1991  

 – للتفاصيل أنظر : رالف بيترس ؛ القتال من أجل المستقبل : هل ستنتصر أمريكا (بالإنكليزية) ، دار نشر كتب ستاكبوت ، بنسلفانيا 1999 [9]

 – أنظر : دان هارت ؛ صامويل هنتنجتون : عالم السياسية في هارفاد (وفاة) (بالإنكليزية) ، أخبار بلومبرك ، 27 ديسمبر 2008 .[10]

 – أنظر مقال جريدة التايمز اللندنية ، وبعنوان ” البروفسور صامويل هنتنجتون : مؤلف تصادم الحضارات ، 29 ديسمبر 2008 .[11]

 – مايكل ديسش ؛ الجنود والدول والبُنى : نهاية الحرب الباردة وضعف السيطرة المدنية الأمريكية ، نشرة جمعية القوى العسكرية ، العدد الثالث [12]

1998 ، ص ص 389 – 405

 – أنظر : صماويل هنتنجتون : تصادم الحضارات ، دورية ” قضايا أجنبية ” (بالإنكليزية) ، صيف 1993 ، ص ص 22 – 49 [13]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 22 – 23 [14]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 23 – 25 [15]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 25 – 29 [16]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 29 – 35 [17]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 35 – 39 [18]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 39 – 41 [19]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 42 – 45 [20]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 45 – 48 إشارة إلى العقيدة الكونفوشيوسية ، للتفاصيل أنظر ؛ الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدوة : دراسة  [21]

تحليلية تاريخية في مواصفات الشخصية المثالية ، نشرة وزارة التعليم العالي – جامعة الموصل 1990 ، الفصل الرابع والمعنون ” القدوة في الحضارة الصينية ” ، وخصوصاً الصفحات 50 – 54  . وهذا الكتاب فاز به المؤلف بترشيح مجلس كلية التربية – جامعة الموصل وتم إنتخابه من بين عدد من الترشيحات من أغلب أقسام كلية التربية ، وطبع على حساب وزارة التعليم العالي ، وحصل المؤلف على منحة مالية مجزية وكتاب شكر من عميد كلية التربية الدكتور خضر جاسم الدوري طيب الله ثراه .

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 48 – 49 [22]

 – أنظر صماويل هنتنجتون ، تصادم الحضارات وإعادة بناء النظام الجديد (بالإنكليزية) ، نشرة دار سايمون وشستر ، نيويورك 1996 [23]

 – أنظر : بوشاهيرو فرنسيس فوكيما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير (بالإنكليزية) ، نشرة المطبعة الحرة 1992 [24]

 – أنظر : برنارد لويس ؛ جذور الغضب الإسلامي العارم (بالإنكليزية) ، مجلة إيتلانتيك الشهرية ، مجلد رقم 266 ، سبتمبر 1990 [25]

 – أنظر : باسيل ماثيوس ؛ الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات (بالإنكليزية) ، دار نشر كيسنجر 2007 ، ص 196 [26]

والكتاب يتألف من 248 صفحة .

 – أنظر : لويس ماسينيون ؛ علم النفس الإسلامي (بالفرنسية) ، باريس 1931[27]

 – والعصر الذهبي ، هو مفهوم صاغه كل من مارك توين وشارلز دودلي ويرنر في كتابهما المشترك والمعنون ؛ العصر الذهبي : حكاية اليوم  [28]

(بالإنكليزية) وهو رواية ، مطبعة أكسفورد 1873 وأعيد طبعه عام 2007 (ويتألف من 268 صفحة) .

 – بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ؛ نهاية التالريخ والإنسان الأخير ( مصدر سابق) .[29]

 – أنظر : رشاد ماهبلوي ؛ الحضارات ، طبيعتها وإمكانية تصادمها ، الجامعة الأوربية المركزية – بودباست (هنكاريا) ، خريف 2010 [30]

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (المصدر السابق) ، ص 22 [31]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 23 [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 23 – 24 [33]

 – المصدر السابق ، ص 24[34]

 – للتفصيل عن فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” أنظر : [35]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ ، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 90 – 97 

 – صماويل هنتنجتون ؛ المصدر السابق ، ص 25 [36]

 – تكون هذا العمل الإنجيلي في فلسفة التاريخ من 12 مجلداً ، وتألف من 7000 صفحة ، وجاء بالشكل الأتي : [37]

الأول – مدخل وبعنوان ” تكوين الحضارات ” – القسم الأول (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الثاني – تكوين الحضارات – القسم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الثالث – نمو الحضارات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الرابع – إنهيار الحضارات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

الخامس – إنحلال الحضارات – القسم الأول (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

السادس – إنحلال الحضارات – القسم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

السابع – الدول العالمية والكنائس العالمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954 ومن ثم ظهر بمجلدين .

الثامن – العصر البطولي : إتصال الحضارات في المكان (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954

التاسع – إتصال الحضارات في الزمان (النهضات : القانون والحرية في التاريخ وواجهات الحضارة الغربية) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة أكسفورد

1954

العاشر – إلهام المؤرخين : ملاحظة على الكرونولوجيا أو التسلسل الزمني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954

الحادي عشر – أطلس تاريخي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1959

الثاني عشر – مراجعات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1961

  ومن ثم قام الكاتب ” ديفيد شرشل سومرفيل ” (1885 – 1965) بتلخيصه في مجلدين ، ومن مؤلفاته المشهورة ” التاريخ المختصر لديننا ” 1922 و ” الفكر الإنكليزي في القرن التاسع عشر ” 1929 ، وجاء هذين المجلدين بالصورة الأتية :

الأول – دراسة التاريخ : موجز للمجلدات الستة الأولى وبتقديم توينبي ، مطبعة جامعة أكسفورد 1946

الثاني – دراسة التاريخ : موجز للمجلدات من السابع وحتى العاشر ، مطبعة جامعة أكسفورد 1947

ومن ثم ظهر مجلد واحد ضم خلاصة المجلدات العشرة وبتقديم توينبي ، مطبعة جامعة أكسفورد 1960 .

 – أنظر : توينبي ؛ نمو الحضارات (مصدر سابق) [38]

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [39]

 – المصدر السابق[40]

 – المصدر السابق [41]

 – المصدر السابق [42]

 – المصدر السابق ، ص ص 25 – 26 [43]

 – المصدر السابق ، ص 26 [44]

 – وهو كاتب أمريكي وناشط سياسي وإجتماعي ، له العديد من المؤلفات في الأديان وخصوصاً المسيحية الكاثوليكية وإصلاح الكنيسة الكاثوليكية[45]

منها : 1 – الكاثوليكية وتجديد الديمقراطية الأمريكية (بالإنكليزية) ، مطبعة بوليست 1989  2 – مجرد حرب وحرب الخليج والأخلاق (بالإنكليزية) ، منشورات مركز السياسة الجماهيرية 1991  3 – الثورة الأخيرة : مقاومة الكنيسة وإنهيار الشيوعية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1992

4 – الإيمان والعقل ، والحرب ضد الجهادية : الدعوة إلى فعل (بالإنكليزية) ، دار نشر دبلدي 2007  5 – الكاثوليكية الإنجيليكانية : الإصلاح في القرن الحادي والعشرين للكنيسة الكاثوليكية (بالإنكليزية) ، دار نشر الكتب الأساسية 2013

 – وكيلز كيبل (1955 – ) بروفسور فرنسي في العلوم السياسية ، ومتخصص في الإسلام والعالم العربي المعاصر ، من مؤلفاته المشهورة : 1 -[46]

 إنتقام الله : عودة الإسلام ، المسيحية واليهودية في العالم الحديث (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة كيمبريدج 1994   2 – الله في الغرب : الحركات الإسلامية في أمريكا وأوربا (بالإنكليزية) ، نشرة أكسفورد 1997  3 – حرب العقول الإسلامية : الإسلام والغرب (الترجمة الإنكليزية من الفرنسية) ، نشرة كيمبريدج 2004  4 – جذور التطرف في الإسلام (بالإنكليزية) ، دار نشر الساقي – لندن 2005  5 – ما بعد الإرهاب واالشهادة : مستقبل الشرق الأوسط  (بالإنكليزية) ، كيمبريدج 2008  

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 26 [47]

 – المصدر السابق [48]

 – المصدر السابق ، ص ص 26 – 27 [49]

 – المصدر السابق ، ص 27 [50]

 – لمزيد من التفاصيل عن البوذية  وأساسها في الحضارة الأسيوية أنظر : بيتر هارفي ؛ مدخل إلى البوذية : تعاليم وتاريخ وطقوس (بالإنكليزية) ،[51]

مطبعة جامعة كيمبريدج 1990  

 – المصدر السابق ن ص ص 27 – 28 [52]

 – المصدر السابق ، ص 29 [53]

 – المصدر السابق [54]

 – للتفاصيل أنظر المثابرة الرائدة في دائرة الثقافة العربية في أبستمولوجيات فلسفتي التاريخ والحضارة :[55]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدر والإنسان : بحث أبستمولوجي في تواريخ اليعقوبي وإبن الأثير ، دار الطليعة – بيروت 1986 ، المقدمة ، ص ص 5 – 14

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق  [56]

 – المصدر السابق ، ص ص 29 – 30 [57]

 – هو وليم جون لورنس ويلس ، وهو أكاديمي بريطاني ، سافر إلى الولايات المتحدة ، وصرف ثلاث سنوات في كتابة إطروحته للدكتوراه ،    [58]

والتي ركزت إهتمامها على ” إحياء الليبرالية من عام 1955 وحتى عام 1966 . ومن ثم عمل مديراً للمعهد الملكي للشؤون العالمية وللفترة من 1978 وحتى عام 1990 . وفي عام 1999 أصبح بروفسوراً للعلاقات الدولية في ” مدرسة لندن للعلوم السياسية والإقتصادية ” . ومن أهم مؤلفاته ” تحولات أوربا الغربية ” والذي صدر في نيويورك عام 1992 . وهو كتاب صغير بحدوما إذ تألف من 128 صفحة فقط . وهو المصدر الذي إعتمد عليه هنتنجتون في الحديث أعلاه عن ” الحدود الشرقية للمسيحية الغربية في عام 1500م . وصدرت له مؤلفات وأبحاث قبل هذا الكتاب منها : السياسة الخارجية والعملية السياسية : دراسة في السياسة المقارنة ، نيويورك 1991 (وهو كتاب صغير تألف من 80 صفحة) . ومنها ؛ الباب المفتوح : توسيع النيتو والوحدة الأوربية ، مركز الإصلاح الأوربي 1996 (وتألف من 49 صفحة) وغيرها كثير .

  والحقيقة إن أسم الأكاديمي البريطاني ” وليم ويلس ” يتداخل مع إسم القائد العسكري الإسكتلندي ” وليم ويلس ” (1270 – 1305م) وهو القائد خلال حرب التحرير الإسكتلندية ، والذي أُلقي القبض عليه في أب 1305 وسلم إلى ملك إنكلترا ” أدورد الأول ” وإتهم وليم ويلس بالخيانة وعذب بصورة تتنافى والقيم الإنسانية ، وشتق إلا إنه ظل حياً ، فقطع جثمانه إلى أربعة أجزاء ، فظل رمزاً من الرموز الإسكتدلندية الخالدة  … وللتفاصيل أنظر : كريست براون ؛ وليم ويلس : القصة الصادقة للقلب الشجاع ، شركة ناميس للنش 2005 .  

 – للتفاصيل أنظر هنتنجتون المصدر السابق ، ص 30 [59]

 – المصدر السابق [60]

 – المصدر السابق [61]

 – المصدر السابق ، ص ص 30 – 31 [62]

 – المصدر السابق ، ص 31[63]

 – والمورو أو المورش جاءوا من شمال أفريقيا (المغرب) وعبروا مضيق جبل طارق وإستقروا في شبه جزيرة ليبريا (الأندلس – أسبانيا ) ومن ثم[64]

إنساحوا شمالأ . وهم في الأصل من إصول عربية وبربرية وأجدادهم عاشوا في ظل الدولة الأموية في الأندلس وبالتحديد في بداية القرن الثامن الميلادي . وهناك من يرى إن المورش هم المسلمون في العصور الوسطى ، والذين سكنوا المغرب وشبه جزيرة ليبريا وصقلية ومالطا . وفعلاً فإن المورش إحتلوا شيه جزيرة ليبريا عام 711 وأطلقوا عليها بلاد الأندلس ، والتي شملت حينها كل من مضيق جبل طارق ، ومعظم أسبانيا والبرتغال وأجزاء من جنوب فرنسا . كما كان لهم حضور في جنوب إيطاليا ، وخصوصاً في سيسلي (صقلية) . ومن ثم إحتلوا مازر الصقلية في عام 827 . وفي عام 1224م تم طرد المسلمون إلى مستوطنة لوتشرا، ومن ثم تم تدمير المستوطنة عام 1300 . والحقيقة إن الإختلافات الدينية للمسلمين المورش قد سبب صراعاً طويلاً مع الممالك المسيحية الأوربية ، والذي إمتد لقرون عديدة ومن ثم إنتهى بسقوط غرناطة رمز المسلمين في الأندلس عام 1492 والذي سجل نهاية للمسلمين في الأندلس (ليبريا / أسبانيا) . للتفاصيل أنظر : 1 – مريا روزا مينوسيل ؛ جوهرة العالم : كيف كون المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة التسامح في أسبانيا العصور الوسطى (بالإنكليزية) ، دار نشر ليتل براون 2002 . 2 – ديفيد كولدنبيرك ؛ لعنة حام : التمييز العنصري والعبودية في بواكير اليهودية والمسيحية والإسلام (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة برنستن 2003 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [65]

وهي من أكبر مدن المركز الفرنسي يومذاك والتي تقدم إلى إحتلالها القائد العربي عبد الرحمن الغافقي . وفعلاً فإنه في عام 732 قاد قوات ضاربة من الفرسان المسلمين ، ومن ثم تغلغلوا بحدود 500 كيلومتر في أعماق الأراضي الفرنسية . غير إنهم واجهوا مقاومة شديدة وإنتهت بمعركة التور (بلاط الشهداء) وكانت نتيجتها إندحار القوات الإسلامية . وكان يقود القوات الفرنسية القائد العسكري الفرنسي شارل مارتيل (688 – 741م) … للتفاصيل أنظر : ماستينك توماز ؛ السلام الصليبي : المملكة المسيحية والعالم الإسلامي والنظام السياسي الغربي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا 2002 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق[66]

 – المصدر السابق [67]

 – المصدر السابق [68]

 وعد بلفور (أو إعلان بلفور) هو في الأصل الرسالة التي أرسلها ” أرثر جيمس بلفور ” (1848 – 1930 وعمل وزير خارجية لبريطانيا ومن  – [69]

ثم رئيس وزراء) بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ” ليونيل ولتر دي روتشيلد ” وفيها تأييد الحكومة البريطانية على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين . وقد صدر بعد إتفاق الأمير فيصل ممثل ملك الحجاز مع ” حاييم وازيزمان الصهيوني ” والتي وقعت عام 1915 ، وتم إعتمادها في إتفاقية باريس 1919 وذلك لتطبيق وعد بلفور … للتفاصيل أنظر : جونثان سكينر ؛ وعد بلفور : إصول الصراع العربي الإسرائيلي (بالإنكليزية) ، دار نشر راندم 2010 .  

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [70]

 – المصدر السابق ، ص ص 31 – 32 ولتفاصيل أكثر أنظر ص ص 31 – 35 [71]

 – المصدر السابق ، ص 35 [72]

 – وهيك كرينوي  تخرج من أكاديمية ميلتون ، جامعة ييل ، وجامعة أكسفورد وجامعة هارفارد ومن ثم عمل زميلاً باحثاً فيها . وخدم في القوات [73]

البحرية الأمريكية من عام 1958 وحتى عام 1960 . ومن ثم بدأ عمله الصحفي وإستهله مع صحيفة ” تايم لايف ” في لندن ، وفي الواشنطن ، وبوسطن ، والأمم المتحدة . وعمل منذ عام 1972 وحتى عام 1978 في ” الواشنطن بوست ” . ومنذ عام 1978 وحتى عام 2000 عمل ناشراً للقضايا الأجنبية ، وناشراً للقضايا القومية . ومن ثم ناشراً في مجلة ” قضايا أجنبية ” . أنظر : مايك مينهان ؛ الإعلامي هيك ديفيد سكوت كرينوي (بالإنكليزية) ، أون لاين ، ربيع 2006 . ومن ثم نشر” هيك كرينوي ” مذكراته تحت عنوان ” مراسل أجنبي : ميموار ” (بالإنكليزية) دار نشر سايمون وشوستر 2014 (320 صفحة) .  

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [74]

 – المصدر السابق [75]

 – المصدر السابق [76]

 – أنظر الهامش رقم 64 من هذا البحث [77]

 – وهو من الأكاديميين السعوديين والذي كان من الرموز الكبيرة والرائدة في ” حركة الصحوة السلفية ” والتي عارضت تواجد القوات الأمريكية [78]

في الجزيرة العربية . والأكاديمي ” سفر عبد الرحمن الحوالي (1950) يحمل شهادة الدكتوراه في اللاهوت الإسلامي (علم الكلام) – جامعة أم القرى بمكة عام 1986 . وفي التسعينات من القرن الماضي ألقت السلطات السعودية القبض عليه وأودعته السجن لفترة ، وذلك بسبب نقده للحكومة ودعوته إلى إسقاطها . وفي العام 1994 أصدر عالم الدين الوهابي ” الشيخ عبد العزيز بن باز ” فتوى شجب فيها تصرفات الشيخ سفر الحوالي وجماعته وطلب منهم بوقف هذه التصرفات وخلاف ذلك حرم عليهم المحاضرات والإجتماعات ونشر التسجيلات الصوتية .

  من أهم مؤلفات الشيخ سفر الحوالي ؛ رسالته للماجستير والتي كانت بعنوان ” العلمانية ” وهذه الرسالة كانت بإشراف المصري محمد قطب (1919 – 2014) وهو شقيق المفكر الإسلامي ” سيد قطب ” (1906 – 1966) . وفي رسالة الماجستير تابع الأكاديمي سفر الحوالي ” تاريخ الفصل بين الكنيسة والدولة ” وبين أهمية ” هذه الفكرة للعالم الإسلامي ” . وفي إطروحته للدكتوراه قام بتحليل قضية ” الفصل ما بين  العقيدة وإعمال العبادة ” . ولعل أهمية هذا الشيخ إنه بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي الأبن ” جورج بوش ” عارض فيها تبرير الحرب على العراق . وهي محاولة (أي تبرير الحرب) قام بها ما يُقارب 66 من المفكرين الأمريكيين … للتفصيل أنظر : 1 – منصور جاسم الشمسي ؛ الإسلام والإصلاح السياسي في المملكة العربية السعودية : مطالب في التغيير السياسي والإصلاح (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 2011  2 – روبرت لاسي ؛ في داخل المملكة العربية السعودية : الملوك ، رجال الدين والمُجددون والإرهابيون والكفاح من أجل المملكة  (بالإنكليزية) ، فايكنك 2009 .

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ صدام الحضارات ، ص 35 [79]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 35 – 36 [80]

 – المصدر السابق ، ص 36 [81]

 – المصدر السابق [82]

 – المصدر السابق [83]

 – للتفاصيل أنظر : المصدر السابق [84]

 لمصدر السابق ، ص ص 36 – 37 [85]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص 37 [86]

 – أنظر المصدر السابق [87]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 37 – 38 [88]

 – المصدر السابق ، ص 38 [89]

 – المصدر السابق ، ص 39 [90]

 – المصدر السابق [91]

 – المصدر السابق [92]

 – للتفاصيل أنظر : روبرت باسويل ؛ إنسكلوبيديا البوذية (بالإنكليزية) ، دار كتب ماكميلان 2003 [93]

 أنظر : أرثر نويلاين باشم ؛ إصول وتطور الهندوسية الكلاسيكية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1989 [94]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مالك بن نبي والمشروع الإسلامي للإقتصاد / مجلة الإجتهاد ، بيروت ، العدد 37 ، خريف 1997   [95]

 – أنظر الهامش في هنتنجتون ؛ المصدر السابق ، ص 39 [96]

 – المصدر السابق ، ص 39 [97]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 42 – 45 [98]

 – عبد الوهاب البياتي ” الذي يأتي ولا يأتي ، الطبعة الأولى ، دار الأداب 1969 (69 صفحة) .[99]

 – نتنتجتون ؛ المصدر السابق ، ص 42 [100]

 – المصدر السابق [101]

 – وهو التقليد الذي أرسى قواعده الرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك (1881 – 1938) وهو في الأصل ضابط تركي ، ومن ثم رجل سياسي [102]

من الإصلاحين ، وهو أول رئيس وزراء ورئيساً لتركيا الحديثة . ولكونه المؤسس لتركيا الحديثة ، فيُطلق عليه لقب ” الأب لتركيا ” وقد حصل على هذا اللقب عام 1934 وحرم البرلمان التركي من إطلاق هذا اللقب على أي شخص بعده . وفعلاً فقد كان ضابطاً في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى ، وبعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، قاد أتاتورك الحركة القومية التركية وخصوصاً خلال حرب الإستقلال التركية ، وأسس حكومة محافظة أنقره . ومن ثم هزم قوات التحالف وإنتهت حملته العسكرية بإنتصار تركيا في حرب الإستقلال . ومن ثم باشر أتاتورك برنامجاً سياسياً إقتصادياً ، وإصلاح حضاري تتوج بتحويل الإمبراطورية العثمانية السابقة إلى دولة قومية علمانية حديثة . وتحت قيادته أسس ألاف المدارس وجعل التعليم الأولي مجاني وإجباري ، ومن ثم منح النساء حقوقهن المدنية والسياسية المتساوية ، وخفف الضرائب من المزارعين . والحقيقة إن مبادئ أتاتورك في الإصلاح هي التي نهضت عليها تركيا الحديثة والتي يُطلق عليها ” تركيا الكمالية ” نسبة إلى الرئيس التركي ” مصطفى كمال أتاتورك ” . للتفاصيل أنظر : أندرو جيمس مانكو ؛ أتاتورك : السيرة الذاتية لمؤسس تركيا الحديثة (بالإنكليزية) ، مطبعة أوفرلوك 2002 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [103]

 – المصدر السابق ، ص 44 [104]

 – للتفاصيل أنظر : صماويل هنتنجتون ؛ من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية (بالإنكليزية) ، دار نشر سايمون وشوستر 2004 (يتألف من[105]

448 صفحة) .

 – أنظر المصدر السابق [106]

 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدوة : دراسة تحليلية في مواصفات الشخصية المثالية ، نشرة وزارة االتعليم العالي – جامعة الموصل ، مطابع [107]

التعليم العالي 1990 ،  وفيه حديث عن الكونفوشيوسية ،  ص ص 50 – 54  

 – أنظر للتفاصيل المصدر السابق (والكتاب من القطع الكبير وتألف من 168 صفحة) .[108]

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 45  [109]

 – أنظر المصدر السابق [110]

 – أنظر للتفاصيل : أوليفر ألفانسو برنكلي ؛ المسيحية الغربية وإنتشار الشيوعية (بالإنكليزية) ، جامعة فرجينيا 1951 (تألف من 176 صفحة) .[111]

 – أنظر : هنتنجتون ؛ المصدر السابق [112]

 – المصدر السابق ، ص 46 [113]

 – المصدر السابق [114]

 – المصدر السابق ، ص 47 [115]

 – وهو ” ديفيد كيث ماككيوردي ” (ولد في 30 أذار 1950) محامي وسياسي محافظ عضو ديمقراطي في الكونكرس الأمريكي ، ورئيس مؤسسة [116]

الغاز الأمريكية . تخرج من  جامعة مدينته أوكلاهوما عام 1972 ومن ثم حصل في العام 1975 على درجة القانون من الجامعة ذاتها . ودرس الإقتصاد العالمي في جامعة أدنبرا في إسكتلندا . وخدم في القوات الجوية الأمريكية ووصل إلى درجة كابتن ، وعمل مساعداً للمدعي العام لولاية أوكلاهوما وبالتحديد من عام 1975 وحتى عام 1977 . وكان عضواً في الكونكرس الأمريكي للفترة الممتدة من عام 1981 وحتى عام 1995 ، وهو متخصص في الأمن القومي وقضايا المخابرات … للتفاصيل أنظر : جورج ستيفن أبولص ؛ كلهم إنسانيون : التربية السياسية (بالإنكليزية) ، دار نشر لتل بروان وشركاؤه 2000  

 – هنتنجتون ؛ صدام الحضارات (مصدر سابق) [117]

 – المصدر السابق ، ص ص 47 – 48 [118]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 48 [119]

 – أنظر المصدر السابق [120]

 – المصدر السابق [121]

 – للتفاصيل أنظر المصدر السابق ، ص ص 48 – 49 [122]

 – المصدر السابق ، ص 49 [123]

 – المصدر السابق [124]

 – أنظر للتفاصيل : المصدر السابق [125]

 – مثلاً حدث في عالمنا العربي والإسلامي جدل حول ” تصادم الحضارات ” قاده رجال دين وكانت مصادرهم على الأغلب خلاصات ونُقول  [126]

مترجمة من الإنكليزية وترجمات من لغات أوربية متنوعة .

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادام الحضارات : إعادة بناء النظام العالمي (بالإنكليزية) ، دار نشر سايمون وشوستر 1996 [127]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ ، مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، [128]

الفصل الثالث والمعنون ” التأويل الجيولوجي – البايولوجي للتاريخ ” ، ص ص 41 – 69

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور فيلسوف التاريخ الألماني هرمان دي كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي / ثلاثة أقسام / جريدة[129]

البلاد اللندنية – كندا الأعداد التالية : 117 سبتمبر 2011 ، 118 إكتوبر 2011 و119 نوفمبر 2011 ، وكذلك أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ موزائيك إسلامي : دعوة لصياغة مشروع سياسي نهضوي مدني / صحيفة الناس البغدادية / العدد 90 الأربعاء 7 أيلول 2011 .

 – أنظر : توينبي ؛ إنهيار الحضارات ، المجلد الرابع من موسوعته ” دراسة التاريخ (مصدر سابق) [130]

 – أنظر : المصدر السابق ، المجلد الخامس والسادس (مصدر سابق) .[131]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ ” نموذج من التأويل الوجودي للتاريخ ” ، المصدر السابق ، الفصل الرابع ، ص ص 71 – 114 [132]

 – للتفاصيل أنظر : بول كوسمين ؛ أرض الملوك الفيلة : المكان والأرض وأيديولوجيا الإمبراطورية السلوقية ، مطبعة جامعة هارفرد 2014 [133]

 – لأكثر من التفاصيل أنظر : ستيفن أوشي ؛ بحر الإيمان : الإسلام والمسيحية في البحر المتوسط خلال العصور الوسطى ، شركة والكر ، [134]

نيويورك 2006  

 – أنظر : فرنسيس فيكوياما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير (مصدر سابق) . وهو في الأصل مقالة ومن ثم قام بتوسيعها ، وسبق إن نشرها [135]

وبعنوان ” نهاية التاريخ ” ، مجلة ” المصالح القومية ” ، صيف 1989  

 – للتفاصيل أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات : إعادة بناء النظام العالمي (مصدر سابق)  [136]

 – للتفاصيل أنظر : ريتشارد روبنسن وجاري كروكر ؛ تحديات هنتنجتون (بالإنكليزية) ، منشور في مجلة ” السياسة الأجنبية ” ، العدد 96 ،   [137]

خريف 1994 ، ص ص 113 – 128

 – أنظر : سيزابارو ساتو ؛ تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل (بالإنكليزية) ، معهد أوكاموتو للبحث والشؤون الدولية ،[138]

طوكيو ، إكتوبر 1997

 – أنظر : فرنسيس فيكوياما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير (مصدر سابق)[139]

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات : إعادة تشكيل النظام العالمي (مصدر سابق) [140]

 – أنظر : سيزابارو ساتو ؛ المصدر السابق [141]

 – أنظر المصدر السابق [142]

 – أنظر : المصدر السابق [143]

 – المصدر السابق [144]

 – المصدر السابق [145]

 – المصدر السابق [146]

 – المصدر السابق [147]

 – المصدر السابق [148]

 – المصدر السابق [149]

 – أنظر : إيرول هندرسن وريتشارد توكر ؛ الوضوح وحضور الغرباء : صدام الحضارات والصراع الدولي ، المجلة الفصلية ” دراسات دولية ” ،[150]

العدد 45 سنة 2001 ، ص ص 317 – 338

 – أنظر ألمصر السابق [151]

 – أنظر للتفاصيل : روبن أندرو (المشرف والناشر) ؛ الإنسانية ، الحرية والنقد : أدورد سعيد وما بعد (كتاب جماعي بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة[152]

جورج تاون ، واشنطن 2005 ، ومن الجدير بالذكر إن شقيقة الدكتور سعيد ، الدكتورة ” روزماري سعيد زحلان ” (1937 – 2006)هي الأخرى أكاديمية ولها مؤلفات عن دول الخليج العربي مثل ” الكويت “و ” البحرين “و ” قطر ” و” الإمارات العربية ” و ” عمان ” و ” فلسطين ودول الخليج ” وهي ممثلة وكاتبة مسرح كذلك …

 – أدورد سعيد ؛ تصادم الجهل (بالإنكليزية) ، مجلة الأمة ، 22 إكتوبر 2001 [153]

 – أنظر : هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 25 [154]

 – أنظر المصدر السابق [155]

 – المصدر السابق [156]

 – المصدر السابق [157]

 – أنظر : كليبرت مويلر ؛ قارئ العالم الجديد : التفكير والكتابة عن المجتمع العالمي ، دار هوفتن مايفلين 2007 [158]

 – فؤاد عجمي ؛ مصير عدم الإنحياز (بالإنكليزية) ، مجلة الشؤون الأجنبية ، شتاء 1980 / 1981 [159]

 – أنظر : الأخبار الأمريكية وتقرير العالم ، 24 آب عام 2010 [160]

 – فؤاد عجمي ؛ المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1992 وتألف من [161]

300 صفحة ، والنشرة الأولى صدرت عام 1981 .

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ الإمام المُغيب : موسى الصدر وشيعة لبنان (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة كورنيل – نيويورك 1986 ، والكتاب يتألف[162]

من 228 صفحة .

 – أنظر إيليا ريد و فؤاد عجمي ، بيروت : مدينة الندم (بالإنكليزية) ، نشرة دار نورتن 1988 .[163]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ قصر العرب الوردي (الحالم) : جيل أوديسا (بالإنكليزية) ، نشر در كتب فاينتج 1999 [164]

 – أنظر ؛ فؤاد عجمي ؛ هبة الأجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق (مصدر سابق)[165]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ في رحيل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي ، موقع الفيلسوف 27 حزيران 2014 [166]

 – أنظر: الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الطرف السياسي من عمل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي ، موقع الفيلسوف ، 2 تموز 2014 [167]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ الإستدعاء (بالإنكليزية) ، مجلة شؤون أجنبية ، 74 / 4 ، سبتمبر – إكتوبر 1993 ، ص 2[168]

  أنظر : فؤاد عجمي ؛ المصدر السابق  -[169]

 – فؤاد عجمي ؛ مقالة التصادم (بالإنكليزية) ، منشورة في ” نيويورك تايمز ” / مراجعة كتاب ، 6 كانون الثاني 2008 [170]

 – المصدر السابق [171]

 – المصدر السابق [172]

 – المصدر السابق [173]

 – أنظر : طارق علي ؛ تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة (بالإنكليزية) ، دار نشر فيرسو 2003 (يتكون من 432 صفحة) [174]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ طارق علي وتصادم المتطرفيين : الصليبيون والجهاديون والحداثة ، موقع الفيلسوف / مقالات قادمة[175]

 – للتفاصيل أنظر : طارق علي ” المصدر السابق [176]

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد – 1 – آب 2014

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

(1)

آب / 2014

——————————————————————————

فصيلة شهرية 

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات 

لندن – إنتاريو – كندا

رئيس التحرير                     سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان         الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث التي تنشر فيها للتحكيم الأكاديمي

——————————————————————————

في أدب المرايا السياسية – الإجتماعية الإسلامية

دراسة في أقدم نص سياسي إسلامي (38 هجرية)

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————

تنبيه : هذا البحث كتبه الدكتور الفرحان في بيروت قبل أكثر من عقد ونصف من السنين ، وترك عاصمة الثقافة العربية بألم وهاجر إلى كندا ، حيث أفاق الثقافة الإنسانية الرحبة والمتسامحة ، وظل هذا البحث مخطوطاً ومركوناً مع ملفات ومشاريع كثيرة ولم يرى النور ، وبالمناسبة فقد إطلع عليه يومها بعض من زملاءنا الأكاديميين اللبنانيين . واليوم نشعر بأهمية نشره ، خصوصاً بعد صعود موجة وعاظ السلاطين ومُفكري الطوائف الذين كرس لهم المفكر العراقي علي الوردي كتابه النقدي المتفرد ، والذي حمل عنوان وعاظ السلاطين . وبمناسبة إنعقاد مؤتمر ترعاه الجامعة الأمريكية في بيروت عن هذا الرمز العلماني المتنور ، وبعنوان علم الإجتماع في العراق : إحتفالية بالمفكر علي الوردي

                                         وللفترة ما بين 25 – 26 شباط 2014

   وبالمناسبة إن الدكتور الفرحان يُشارك في هذا المؤتمر ببحثه الذي حمل عنوان : الطرف الفلسفي من تفكير المفكر العراقي العلماني علي الوردي .

   ونحسب إن موجة وعاظ السلاطين نشطة جداً هذه الأيام في الوطن العربي ، حيث جنودها يشوشون على الإسلام ، ويشوهون تعاليمه الإنسانية التي جاء بها الرسول ، ويدفعون بصور الإسلام التي إخترعوها إلى مغادرة الحياة والعصر وبصورة مُلفتة للأنظار . ولهذا عُدنا إلى الملفات القديمة ، ووجدنا هذا البحث القديم الجديد . وحسبنا إن الوقت مناسبُ لنشره ، ففيه بيان حقيقي للمشروع السياسي الإسلامي الإنساني ، والذي تحكمه مُثل وقيم إنسانية عالية ، لا علاقة له بكل دعاوي وعاظ السلاطين ومزاعم مفكري الطوائف الذين كانوا في الأمس قوميين علمانيين وماركسيين إشتراكيين ، فهربوا من فردوسهم الحالم إلى جحيم الطائفية الذي لا يرحم أحد ، ولا يعفي أحد ، ويدفع بالجميع إلى مستقبل مملوء بالكوارث ، والتشرذم وحمامات الدم ، وحرق الأخضر واليابس ، وصولاً إلى بلدان مُخربة وموت ومقابر جماعية …

—————————————————————————————

تقديم :

  إنتخب هذا البحث عينة تاريخية متفردة لدراسته ، وهي في الحقيقة عهد الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب لواليه على مصر ” مالك بن الأشتر ” ، وذلك لأن هذا العهد كُتب في فترة متقدمة من الناحية التاريخية على كل ما كُتب في تاريخ أدب المرايا السياسية والإجتماعية في دار الثقافة العربية الإسلامية * . فقد كتبه علياً عام 38 هجرية ، وخلال فترة إعتلال عانت منها المؤسسة السياسية عامة وجدل وصراع دموي في مصر خاصة .

—————————————–

* - أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ العقل العربي الإسلامي والمؤسسة السياسية (مع دراسة وتحقيق كتاب ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية ، لأبي الفرج بن هندو) ، ط الأولى ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 2001

—————————————–

  والعهدُ في حقيقته يُشكل مشروعاً سياسياً إسلامياً أصيلاً . غير إنه لم ير النور بسبب الظروف الظالمة ، والقوى التي خططت لتعطيله ، وذلك من خلال إقدامها على إغتيال الأشتر بُعيد وصوله إلى الحدود المصرية (ونجاحهم من قتل والي مصر محمد بن إبي بكر (إبن الخليفة الراشدي الأول) والذي كان الإبن الروحي للخليفة الراشدي الرابع) .

  ونحسبُ في هذه الدراسة إجراء تعديل في الثابث القار في تاريخ الأدب السياسي الإسلامي . فقد لاحظنا في كتابات المستشرقين ومن تبعهم من الكُتاب العرب والإسلاميين ، الذين أجمعوا على إن عملية التدوين في هذا الجنس من الكتابة ، لم تبدأ في دار الثقافة الإسلامية إلا بعد عملية الحوار الثقافي والتبادل الأبستمولوجي (المعرفي) مع المجلوبات الثقافية المنقولة إلينا من الحضارات الإيرانية ، والهندية ، ومن ثم اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي . ولكل هذا تُردد الكتاباتُ المتداولة في الأدب السياسي الإسلامي إلى إن أول نص كُتب في هذا الشكل من التربية السياسية ، جاءنا من رسائل عبد الحميد الكاتب (تُوفي عام 132 هجرية) ، ومن رسائل عبد الله بن المقفع (تُوفي سنة عام 142 هجرية) . وتُرجح هذا السبقُ في كتابتهما إلى تكوينهما الثقافي المزدوج ، وذلك من حيث إنهما دشنا هذا النمط من الأدب السياسي ، لكونهما يمتلكان لغة أخرى غير العربية ، مكنتهما من الإطلاع على الأدب السياسي عند الإيرانيين والهنود .

  ونحن نرى خلاف ذلك ، ونذهب إلى إن عهد الأشتر يقلبُ الثابت القار في دائرة تاريخ الأدب السياسي الإسلامي ، ويُحركه صعوداً إلى أكثر من قرن من الزمن ، وبذلك يقترحُ بدلاً من عام 123 هجرية (أو على الأقل في نهايات القرن الهجري الأول) ، بداية الكتابة في الأدب السياسي الإسلامي . نقول نقترحُ عام 38 هجرية ، وهو تاريخ كتابة عهد الأشتر ، ونُرجح إنه كان البداية الحقيقية لهذا النمط من الأدب السياسي ، والذي سيعرفُ فيما بعد ” بمرايا الأمراء ” . هذا أمر والأمر الأخر هو إن هذا العهد كُتب في مرحلة حساسة في تاريخ الإسلام والمسلمين ، مرحلة تتقدم  بقرن من الزمن تقريباً على مرحلة الإتصال الثقافي ، والحوار الأبستمولوجي (المعرفي) مع المجلوب من الحضارات الأخرى . ومن هذا الطرف فإن عهد الأشتر يحملُ بحد ذاته مشروع إستقلال ثقافي ، دال على إن العقل الإسلامي فكر وتأمل بصورة مستقلة بأوضاع المؤسسة السياسية ومن جوانبها المختلفة . ولهذا نحسبُ إن عهد الأشتر إقترح برنامج إصلاح سياسي دون أن يكون المحرك للكتابة المجلوب الثقافي الوافد ، وإن كان الوافد الثقافي حسب مذهبنا الفكري ، له أهميته في الحوار مع تراث الغير ، وهو بالتأكيد مطلوب وضروري ، وذلك لأن العقل الإسلامي لم يكن في يوم من الأيام عقلاً منغلقاً منطوياً على ذاته .

أسئلة الدراسة وحدود بحثها :

  أما حدود هذه الدراسة ، فهي في الحقيقة بحث عن إجابات على الأسئلة الآتية :

أولاً - ما هي المكانةُ التي يشغُلها عهد الأشتر في تاريخ الأدب السياسي الإسلامي ؟

ثانياً - ما هي الشروط  السياسية - التربوية التي إقترحها العهد ، سعياً إلى صياغة الإنموذج المثالي للوالي (الحاكم) ؟ وما هو البرنامج التربوي - السياسي الذي إستند إليه في إنجاز مثل هذه الشروط ؟

ثالثاً - ما هي العلاقات الإجتماعية - المثالية التي نشد عهد الأشتر قيامها بين الحاكم والأعوان ؟ وما طبيعة البرنامج التربوي - السياسي الذي تقدم به العهد لبناء شخصية الوزير واالمستشار والقاضي والكاتب والعمال والجند ؟

رابعاً - ما نوع العلاقة المثالية التي طالب عهد الأشتر تأسيسها بين الحاكم والرعية ؟ وما طبيعة البرنامج التربوي – السياسي الناشد إلى إعادة تربية الرعية وبما يُجنب المؤسسة السياسية ، الكثير من التحديات ، ويمنحها في الوقت ذاته ، الإستقرار و المنعة ؟

مكانة عهد الأشتر في تاريخ الأدب السياسي الإسلامي :

  في البدء سؤال : ما المكانة التي يحتلها عهد الأشتر في خارطة الأدب السياسي الإسلامي ؟ والجواب المفيد ، هو إن الموضوعات التي بحث فيها العهد ، سيكون لها حضوراً بإطرها وتفاصيلها ، في نصوص عديدة من الأدب السياسي الإسلامي ، والتي ستُعرف لدى الباحثين ” بمرايا الأمراء ” ، بل ونستطيع أن نقول وبالإعتماد على دراستنا لمختلف نصوص المرايا ، إن عهد الأشتر قد سجل حضوراً قويا في ثنايا تلك النصوص (1) .

  ومثل نصوص المرايا على الأغلب الأعم ، كان مُشكل المؤسسة السياسية ، هو الموضوع الرئيس الذي تناوله بالبحث والتأمل عهد الأشتر . فمن المعروف إن كتابة العهد جاءت بسبب ظروف الإضطراب السياسي ، التي عاشتها مصر في أيام أميرها محمد بن أبي بكر ، فما كان هناك خيار أمام الخليفة علي بن أبي طالب ، إلا من عزله (2) ، وتعيين مالك بن الأشتر بدلاً عنه (3) . وكان مالك من أقرب الرجال إلى نفس الإمام الخليفة (بعد قتل والي مصر محمد بن أبي بكر ، والذي كان بمنزلة الولد الروحي للخليفة الراشدي الرابع) ، فكتب الإمام الخليفة العهد وزود به مالك الأشتر الوالي الجديد على مصر ، وذلك ليكون دستوراً وموجهاً له في إدارة شؤون المؤسسة الساسية ، ومن خلاله تنظيم الحياة بمختلف جوانبها في مصر .

  إن العهد في حقيقته نص متفرد في تاريخ كتابته في الأدب السياسي ، فقد هدف إلى إصلاح المؤسسة السياسية ، ومن خلال برنامج تربوي يهدف إلى إصلاح الحاكم (والي مصر المأمول) والرُتب السياسية الأخرى التي تُعينه في إدارة شؤون الدولة . صحيحُ جداً إن مالك بن الأشتر هو المقصود . إلا إنه من الصحيح كذلك إن العهد يستهدف المؤسسة السياسية والحاكم وإعوانه في كل مكان وزمان من عالم الإسلام .

   لقد أعلن عهد الأشتر ، شأنه شأن كل نصوص أدب المرايا السياسية والإجتماعية (4) ، عن إن نجاح الحاكم هو دالُ على نجاح المؤسسة السياسية التي يُديرها ، وخصوصاً إذا تمكن من تنظيم الحياة عامة ، وضبط إيقاع الحياة السياسية خاصة ، وتمكن من إدارة مُحركاتها بما يتناغم ومصالح المؤسسة السياسية ، وبما يُرضي الرعية . وأن يكون في الوقت ذاته ملتزماً بالعقيدي الإسلامي ، ومستنداً إليه في مواجهة التحديات التي تواجهها المؤسسة السياسية .

  وفعلاً فإن حال عهد الأشتر حال النصوص في أدب المرايا ، فقد حدد له مجموعة أهداف . ونحسب إنه من الضروري ونحن نتطلع إلى بيان مكانة عهد الأشتر في تاريخ الأدب السياسي ، أن نقف عند عتبات هذه الأهداف :

أولاً - هدف إلى الإعلان عن إن نجاح المؤسسة السياسية ، يتحقق من خلال ضبط السياسة المالية ، والتي تتمثل في ” جباية خراجها ” (5) . والحقيقة هذا الهدف ، سجل حضوراً قوياً في نصوص كثيرة من أدب المرايا السياسية والإجتماعية (6) .

ثانياً – هدف العهد إلى دفع كل ما يسببه العدو ، ومواجهة تحدياته بحزم وقوة ، وذلك لأن في هذه التحديات إضعاف المؤسسة السياسية ، وتمكين العدو من غزوها وإحتلالها . وإن دفع كل ذلك يتحقق عن طريق ” جهاد عدوها ” (7) . والواقع إن هذا الهدف سيتردد بقوة في جملة من نصوص أدب المرايا (8) .

ثالثا - كشف عهد الأشتر ، بصورة واضحة  ، وهو إن واحداً من أهم أهداف المؤسسة السياسية ، العمل على خلق حالة الإستقرار ، وشيوع الأمن ، وإنجاز مشروع تغيير حقيقي في حياة العباد (الناس) ، وذلك من خلال قيام المؤسسة السياسية بمشروع ” إستصلاح أهلها ” (9) . ومن الملاحظ إن معظم نصوص أدب المرايا التي جاءت بعد عهد الأشتر ، قد ركزت على هذا الهدف ، وأولته أهمية بالغة في برنامجها الإصلاحي للحياة وبالطبع للمؤسسة السياسية كذلك ، ومن خلال طرفي المعادلة السلطانية ؛ عدالة السلطان وطاعة (خضوع) الرعية (10) .

رابعاً - هدف عهد الأشتر إلى إنجاز مشروع سياسي متكامل للحياة الإسلامية عامة . وفعلاً فإن العهد تداول مصطلحاً إسلامياً في غاية الأهمية ، وهو مصطلح الإعمار ، وبلغة عهد الأشتر ” عمارة البلاد ” (11) . والواقع إن العهد شارك في الإهتمام بإعمار الحياة الإسلامية أو عمارة البلاد الإسلامية ، العديد من نصوص أدب المرايا السياسية والإجتماعية ، والتي تداولت وعالجت هذا الموضوع بتفاصيل مختلفة (12) .

  وإذا إنتقلنا من مضمارالأهداف العامة ، وتوجهنا نحو ميدان الموضوعات التفصيلية التي عالجها عهد الأشتر ، وبنهج مقارن مع نصوص الأدب السياسي (أي أدب المرايا السياسية والإجتماعية) ، فإننا نكتشف بأن العهد كان سباقاً ومتقدماً على كل هذه النصوص . وهذه الحقيقة تحملنا على القول ، إن هذه الموضوعات الواردة في عهد الأشتر ، قد وجدت مرادفات (ما يشبهها) في نصوص أدب المرايا . ولبيان كل ذلك نقوم بقراءة الموضوعات التفصيلية التي درسها العهد ، والتي شكلت فيما بعد ، أنواعاً من الأدب التي تطرقت لها نصوص المرايا .

  وللإستشهاد لاحظ الباحث ، إن عهد الأشتر مثلاً ، قد تناول ما يُسمى بجنس ” أدب الوالي أو الحاكم ” (13) . وفعلاً فإننا وجدنا إن نصوص المرايا تُشارك العهد في دراسة هذا الجنس من الأدب السياسي الخاص بالوالي أو الحاكم (14) . كما ودرس عهد الأشتر ” أدب الوزير ” (15) . وبالطبع فإن قارئ كتب أدب المرايا ، يلحظ إنها أفردت مؤلفات خاصة في أدب ” الوزير ” أو فصولاً متنوعة عالجت جوانب مختلفة من شخصية الوزير (16) .

   ومن ثم تحول العهد ، ليبحث في شواطئ أخرى من شواطئ أدب المرايا (أو الفكر السياسي الإسلامي) . فقد درس مضماراً إنشغلت به كُتب المرايا فيما بعد وأصبح حقلاً شائعاً في الكتابات السياسية الإسلامية ، وهو حقل أدب المستشار . وفعلاً فإن قارئ عهد الأشتر ، يجد بوضوح إن هذا النص كان سباقاً على جميع نصوص أدب المرايا ، في تداول إصطلاح ” أدب المستشار ” (17) . ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن كُتب المرايا قد عالجت أدب المستشار في مباحث متخصصة ، مثالاً على ذلك وليس حصراً كتاب أبي بكر المرادي (توفي عام 489 هجرية) والذي جاء بعنوان ” الإشارة إلى أدب الإمارة ” (18) .

  كما وتناول عهد الأشتر ، وبنصوص عدة ، خصائص القاضي المثالي ، والتي تكون بمجملها مجالاً معرفياً (إبستمولوجياً) يمكن الإصطلاح عليه دون تردد بمضمار ” أدب القاضي ” (19) . ونحسب إن هذا المجال كون مقدمة وموجهاً لكل من سيكتب في مضمار أدب المرايا ، وخصوصاً في أدب ” مرايا القاضي ” . ولعل خير مثال نحسب فيه درجات ما من صدى عهد الأشتر ، كتاب أبي الحسن علي الماوردي (364 – 450 هجرية / 974 – 1058م) المعنون ” قوانين الوزارة ” (20) وعالجه في أبواب خاصة ، ومن ثم ظهر في طبعة منفصلة بعنوان ” أدب القاضي ” (21) .

  ولاحظنا إن عهد الإشتر ، قد عالج في طرف منه ، خصائص الكاتب المثالي (موظف في المؤسسة السياسية يومذاك) ، وعلى صعيد جوانب متنوعة (22) . وإن كل هذه المادة المعرفية المتوافرة في نص العهد ومقارنتها مع نصوص من أدب المرايا التي جاءت فيما بعد ، تحمل الباحث على القول إن عهد الأشتر في هذا المضمار شكل مقدمة ومدخلاً نظرياً ، ألهم كُتاب نصوص أدب المرايا الذين كتبوا نصوصهم في تاريخ الفكر السياسي – الإجتماعي الإسلامي ، وتحت إصطلاح ما يُعرف بجنس ” مرايا الكاتب ” أو ” أدب الكاتب ” (23) .

   كما وجد الباحث إن العهد تناول بالدرس نوعاً أخراً من الأدب السياسي ، والذي عرفه  بإصطلاحات سياسية إسلامية (وبالطبع بلغة عهد الأشتر) ، بإصطلاحات من مثل ” أدب العمال ” و ” أدب أهل الجباة ” (24) . وفعلاً فإن الباحث وجد إن نصوص أدب المرايا الإسلامية ، التي كُتبت بعد عهد الإشتر ، قد عالجت هذا الجنس من الأدب بالنهج الأشتري (نسبة إلى عهد الأشتر) ذاته ، ولكن بتفاصيل تتفاوت بحجمها من نص لأخر (25) . وكذلك درس العهد جنساً أخراً من الأدب السياسي الإسلامي ، والذي جاء بحث في ميدان الجُند ، وبالطبع شكل مضماراً عُرف في إصطلاحات العهد السياسية – الإدارية بجنس ” أدب الجُند ” (26) . ولعل من الملاحظ إن كُتب أدب المرايا الإسلامية ، قد أفردت أبواباً مختلفة ، عالجت فيها هذا الموضوع ، ومن جوانبه المتنوعة (27) .

  ونحسب ، بعد كل هذا الدرس المُقارن ، إن عهد الأشتر شبيه بنصوص أدب المرايا ، وذلك من طرف إهتمام العهد بواقع المؤسسة السياسية الإسلامية لحظة الكتابة ، وبصورة ملفتة للنظر ، حيث إنه ركز بحثه وتأملاته حول الواقع السياسي الإسلامي ، وما تُحيط به من ظروف ، وما تعتمل فيه من مُحركات وتبدلات حضارية ، تُسبغ عليه طابعاً خاصاً . ولهذا نبه العهد الوالي وطالب الولاية ، بالإرتقاء إلى المستوى الحضاري (وبالطبع يتضمن السياسي والإجتماعي والإقتصادي) ذاته ، الذي لون هوية مصر ، وبالتحديد عند إدارته أطراف المؤسسة السياسية المختلفة في مصر ، وبالطبع تشمل تعامله مع الرعية (أهالي مصر) . وهنا إفادات العهد ، رددت كلمات الخليفة – الأمام علي بن أبي طالب ، والتي ووجهها إلى الأشتر : ” أعلم يا مالك : إني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك ” (28) .

   والطرف الأخر الذي يتشابه فيه عهد الأشتر مع نصوص أدب المرايا السياسية الإسلامية ، هو إنه تقدم بصياغة معيارية لشخصية الحاكم (والي مصر المأمول) ، أي بصيغة مثالية ، وبحدود ما ينبغي أن تكون عليه شخصية الحاكم المثالي . مع الإنتباه إلى إن مثالية عهد الأشتر ، كانت متمسكة بقوة وسلطة العقيدي الإسلامي المقروء من زاوية الخليفة – الإمام المُنتفض (الثائر بلغة المفكر العلماني العراقي علي الوردي) . بينما مثالية نصوص المرايا ، كانت محكومة ببراجماتية ، تشترطها مصلحة السلطان ومؤسسته السياسية ، وطموحات كاتب أدب المرايا ، والذي يتطلع من نصيحته السياسية للسلطان ، الفوز بمنصب سياسي أو كسب (ربح) مادي . وهذا هو الفارق بين عهد الأشتر وأدب المرايا ؛ فالعهد كتبه الخليفة – الإمام إلى الوالي ، أي جاءت كتابته بيراع الأعلى إلى الأدنى في الرتبة السياسية . بينما أدب المرايا ، فإنه دائماً كُتب من الأدنى ، وتقدم به إلى الأعلى ، فهو رسالة عرضت نصيحة أو مرايا (لا تخلو مما يسميه المفكر علي الوردي من وعظ) موجه إلى السلطان .

خصائص الإنموذج المثالي للوالي (الحاكم) : 

  ما هي الإشتراطات السياسية والتربوية ، التي إقترحها عهد الأشتر ، وهدف منها صياغة الإنموذج المثالي للوالي (الحاكم) ؟ حقيقة إن الأدب السياسي الإسلامي عامة ، وعهد الأشتر خاصة ، قد ذهبا إلى إن عملية إصلاح المؤسسة السياسية (السلطانية) مرهون ببرنامج إصلاح الوالي (الحاكم) . وعلى هذا الأساس يمكن القول دون تردد ، إن صلاحية المؤسسة السياسية تتقرر بصلاحية الحاكم أو الوالي . وخلاف ذلك فإن عدم صلاحية المؤسسة السياسية مرتبط بعدم صلاحية الحاكم .

  ولهذا نلحظ إن الأدب السياسي الإسلامي ، وعهد الأشتر بالطبع إنموذجاً ، قد إنشغلا بصورة رئيسة بصلاحية الحاكم . وفعلاً فإن قارئ العهد ، يتلمس بصورة ملفتة للنظر ، بأنه تطلع إلى إنجاز مثل هذه الصلاحية ، ولذلك تقدم العهد بصياغة معيارية للإنموذج المثالي للحاكم ، أي ما ينبغي أن تكون عليه الشخصية المثالية للحاكم . وهنا قدم العهد ، خطاباً تربوياً بحث في أدب الحكام والسلاطين ..

  إن المتأمل في جوهر العهد في هذا الطرف من البحث ، يجد إنه حدد قائمة من السمات ، والتي تتطلع إلى توافرها في شخصية الحاكم المثالي . والواقع إن كل سمة من هذه السمات ، تُشكل في جوهرها ، مفردة من مفردات برنامج تربوي ، ينزع إلى غرس هذه السمات (الفضائل) وتنميتها في شخصية الحاكم . كما وكشفت هذه القائمة عن خصائص مضادة (الرذائل) ، والتي جاهد البرنامج التربوي للحاكم المثالي ، من إضعاف سطوتها ، وتطلع إلى إجتثاثها ، وذلك من خلال تصفيتها إذا كانت على صورة أفكار أو موجهات للتعامل والتصرف ، ومن ثم العمل على إحلال بدلاً عنها مفردات من قائمة الفضائل ..

   ونقف هنا ونعود إلى دائرة التساؤل والإستفهام ، ونرفع السؤال الأتي : ما هي السمات التي إشترط عهد الأشتر ، توافرها في شخصية الحاكم المثالي ؟ والواقع إن قراءة العهد ، وفرت لنا القائمة الآتية :

أولاً - أن يكون الحاكم مُتشرباً (ومتمسكاً) بالفكرانية الإسلامية (الطرف العقيدي للحياة ، والنظري الذي يقود الأعمال يومذاك ويحكم التصرفات) ، فهي الدليل العقيدي والموجه النظري (الذي يحتوي على قوائم بما ينبغي (الفضائل) ، وقوائم مقابلة تشكل ما لا ينبغي (الرذائل)) . ونحسبُ إن نظرية التقوى الإسلامية ، نظرية معيارية (لا تنسى طرفيها ؛ ما ينبغي – الفضائل ، وما لا ينبغي – الرذائل) . ونظرية التقوى تنهض على مفهوم الطاعة ، الذي يتضمن في جوهره الإتباع ، وهو مرادف للطاعة . كما إن المقابل لنظرية التقوى ، نظرية اللا تقوى والتي فيها تمرد وتذمر وشقاء ، وفيها جحود للطاعة ، وتبديد لمنافع الإتباع .

   وعودة إلى عهد الأشتر ، فإن الباحث لاحظ إن لغة خطابه تداولت معياراً إسلامياً ، وذلك لضبط ميزان شخصية وأعمال الحاكم المسلم . فإشترطت أن يكون الحاكم تقياً متمسكاً ” بتقوى الله ” (29) . وأن يكون هدف الحاكم الطاعة ، أي أن يكون طائعاً لكل ما أمر الله به ” في كتابه من فرائضه وسننه ، التي لا يسعدُ أحد إلا بإتباعها . ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها ” (30) . وإن تمسكه بالفكرانية الإسلامية بطرفيها ؛ العقيدي والعملي ، أن يكون ناصراً لله ” بقلبه ويده ولسانه ” (31) . وهذه هي شروط الفكرانية الإسلامية ، التي فيها ثلاثية عقيدية متكاملة ، ومتناغمة بحدود عصرها ، ثلاثية عقيدية تتوزع بين شروط الإيمان (القلب) والعمل (اليد) والدفاع (اللسان) .

   في الحقيقة إن نصوص الأدب السياسي الإسلامي التي جاءت فيما بعد ، وبصيغة المرايا السياسية ، قد سارت بالإتجاه ذاته الذي بحث فيه عهد الأشتر . ولهذا لاحظنا إن العديد من نصوص أدب المرايا ، قد أعاد إنتاج هذه السمة التي (ينبغي) أن يتمتع بها الحاكم المثالي ، والتي تؤكد على ضرورة التمسك بالطرف العقيدي (الفكرانية الإسلامية) (32) .

ثانياً - وبالإعتماد على مبادئ ومعايير الفكرانية الإسلامية ، إشترط عهد الأشتر أن يكون الحاكم مُعتدلاً (يتمتع بدرجات عالية من العفة) . وبلغة خطاب العهد المتداولة في النصف الأول من القرن الأول الهجري ، أن لا يكون (وبحدود العهد المعيارية : لا ينبغي) الحاكم راكضاً ومندفعاً ، ومُتدافعاً بنهم وراء شهواته الدنيوية (المصالح الشخصية والمنافع الفردية) وبمختلف صورها وأشكالها . ولأنجاز مثل هذه السمة في شخصية الحاكم المثالي المأمول (حاكم المستقبل) ، إشترط العهد ، وهو يُخاطب والي المستقبل المأمول مالك بن الأشتر ، أن ” يكسر نفسه من الشهوات ” ، وأن يحملها على منازعة مثل هذه الشهوات ، وذلك لأن ” النفس أمارة بالسُوء ” (33) .

  وفي مضمار تكوين شخصية الحاكم العفيف ، ذهب العهد مفصلاً في الأطراف الأدائية من مشروع ولادة الحاكم المثالي ، فإشترط العهد أن يتمتع الحاكم بنوع من القدرة (الإمكان) ، وفعل من السيطرة (سلطة) على الأهواء (المزاج والإنفعالات) ، وأن يتسامى ، ويبتعد عن كل ما ” لا يحل لك ” (34) . كما ونبه عهد الأشتر الحاكم إلى أهمية ميزان الإعتدال ، فطالبه بضرورة السيطرة على شهوات النفس . مع أهمية الإنتباه إلى طرف التوازن ، وبلغة العهد  ” الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت (التشديد منا) ” (35) .

  ولعل من المفيد أن نشير ونحن نُقارن بين نصوص أدب المرايا وعهد الأشتر ، إلى إن نصوص المرايا تتباين في إقترابها من إفادات العهد . ففد لاحظنا إن منها من دعا السلطان إلى الإعتدال في إشباع شهواته (36) . ومنها من تدخل فإقترح برنامجاً ، يُنظم هذه الأطراف من حياة السلطان ، وخصوصاً في مطعمه ومشربه … (37) .

ثالثاً - وإشترط عهد الأشتر في شخصية الحاكم المثالي ، الذي تطلع العهد إلى صياغتها ، أن يكون رمزاً لعملية التغيير السياسي والإجتماعي في نهاية العقد الرابع الهجري من ولادة المشروع الإسلامي للحياة العربية . نقول إشترط العهد ، أن يتوافر في شخصية الحاكم المأمول ، ذهنية وفعلاً ، الحس النقدي الذاتي . وأن ينتفع من عملية نقد أخطاء الأخر . وذلك لأن الرعية تترصد سلوك الحاكم الجديد ، وتحاسبه بمنطق يُقارن سلوكه مع سلوك الحاكم السابق . وإن ميزان المحاسبة ومعيار التقويم ، هو الرعية (الجمهور/ الناس) . ولهذا أفاد عهد الإشتر بخطاب مباشر ، خال من نفاق رجال السياسة ، فقال : إن الرعية : ” ينظرون من إمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم (التشديد منا) ” (38) . ونحسب في هذا الخطاب ، إمكانية عالية ، للقول بأن عهد الأشتر ، رسم دوراً مهماً لمشاركة الرعية (الجمهور أو الناس) في نقد الحاكم ، كما وفيه فعل تقويم لسلوكه وحصاد مؤسسته السياسية خلال فترة حكمه على حد سواء *.

—————————————————–

  * وهذا ما تتطلع إليه بلداننا التي حُكم عليها بالمؤبد بإدارات سياسية فاشلة ، وحكام طغاة وحروب ..  إنها تتطلع إلى خطاب سياسي بمثل هذا الوزن يُعيد الإعتبار إلى فعل الرعية (الشعب) في حق نقد الحاكم ، وتقويم سياسته ، وبالطبع حساب درجات النجاح والفشل ، والإستثمار وضياع الفرص ، التي حققتها مؤسسته السياسة .. هذا كل ما تتطلع إليه بلداننا العربية والإسلامية بصبر إمتد لعقود . ومن بعد كل ذلك سلام على أيديولوجيات القرن العشرين بطرفيها الشيوعي الإشتراكي ، والغربي الرأسمالي . فكوارث العرب في القرن العشرين والمستمرة حتى الأن كافية وفيها دليل إستصراخ يهز العروش ويُقيم الدنيا ويُقعدها بعد نوم طويل ، كان حصيلتها الوحيدة ثورات كارثية ، جلبت الكثير الكثير من الموت والخراب ، وعاد الطغاة من جديد ، بعد هزيمتهم الشنعاء ، يحملون قرآناً مزوراً غير قرآن الرسول الكريم ، ويتفاخرون بلكنة أعجمية ، ويرتدون جلباباً وعمامة صوفيتين ، وتحت الجلباب يخفون رشاشة أهداها لهم العم سام .

—————————————————-  

  والواقع إن مواقف الأدب السياسي الإسلامي ، التي جاءت بعد عهد الإشتر ، قد توزعت من هذه المسألة في ثلاثة مواقف : منها من دعا إلى الإفادة من تجربة السلطان السابق ، مع زيادة في الحذر (39) . ومنها من حثه على معرفة إصول إدارة وتداول السلطة ، وأن يكون ” بعيد الغوص ” (40) . ومنها من سهلت له الأمر ، ويسرته عن طريق ” الإستشارة ” ، ومن ثم وفرت له فرص الإنتفاع من النصائح ، التي يُقدمها له ” المستشار ” في هذا المضمار (41) .

رابعاً - ودرس عهد الأشتر بنهج معياري ، سمة أخرى من سمات الحاكم المثالي ، وهي سمة الحاكم العادل (والتي كتب فيها وعاظ السلاطين حسب لغة الوردي طيب الله ثراه الأطنان من الكتب) . وفعلاً فإن قارئ العهد يلحظ إنه تطلع بقوة وبفعل عقيدي صلب إلى إنجازها فكراً وفعلاً في شخصية الإشتر ، ومن ثم نشرها إنموذجاً سياساً إسلامياً ، إذا ما نجح في ولايته على مصر . ولكن من المعلوم إن هذا المشروع السياسي لم يرى النور ، فقد مات قبل ولادته ، وذلك بعد إن نجح الطغاة وفكر الطغيان من إغتيال الأشتر وهو يحمل هذا العهد المتفرد ، وهو في طريقه إلى مصر . وبذلك ظل هذا العهد ذكرى مشروع سياسي مأمول ، تتدارسه وتتأمل فيه الأجيال .

  فعلاً لقد إشترط العهد أن يكون الحاكم عادلاً ، وفي الوقت ذاته ، أن يكون كارهاً للظلم والجور وأهلهما . وهي سمة مطلوبة في السيتراتيجية السياسية للحاكم ، وخصوصاً مع الرعية . ومن ثم العمل بجد في جعل هذه السمة ، طابعاً عاماً لمؤسسته السياسية ، حيث تكون مؤسسة العدالة المأمولة ، والتي يتطلع إلى قيامها القريب من أبناء العشيرة ، و الغريب الأجنبي . ولهذا فإن عهد الأشتر ، ألزم الحاكم بأن يتذكر على الدوام ” ما معنى .. حكومة عادلة ، أو سنة فاضلة ” (42) .

  والواقع إن مقارنة ما قال به عهد الأشتر ، بما ترويه كُتب المرايا ، يحملُ الباحث على القول ، بإن هناك إجماعاً في كُتب الأدب السياسي الإسلامي (أي المرايا) ، على أن يكون الحاكم عادلاً . وبالطبع إن ما سيترتب على عدالة الحاكم ، هو ولادة المؤسسة السياسية العادلة ، بكل رُتبها وفعالياتها ، وهذا هو السبيل الذي يتحقق فيه إنجاز مهمتين في أن واحد ، وهما ؛ إنصاف الرعية ، وحمل الرعية على طاعة السلطان (43) .

خامساً - إشترط عهد الإشتر مجموعة من القيم في شخصية الحاكم المثالي ، ورأى أن في توافرها ما يُساعد على ضبط التصرفات والسلوك ، وفهم المكانة التي يشغلها الطرف العقيدي من مكونات شخصيته . ولهذا إقترح العهد مثلاً أن يكون الحاكم صالحاً في أداء عمله ، بل وإشترط قبل ذلك ان يكون صالحاً في عباداته وتفكيره ، وكذلك في تعامله مع الرعية . وذهب العهد مؤكداً على إن نجاح المؤسسة السياسة في أداءها السياسي مرهون بشخصية الحاكم الصالح . ولهذا لاحظنا إن عهد الأشتر ، يُلفت أنظار الحاكم إلى ضرورة أن ” يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبُ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح (التشديد منا) ” (44) .

  ويبدو إن صلاحية الحاكم ، هي ملحُ الأرض الذي يُحافظ على عافية الرعية ، والذي من طرفه يساعدُ على إنبثاق قيم متولدة منها ، من مثل أن يكون الحاكم رحيماً للرعية ، مُحباً ودوداً لهم ، وفي الوقت ذاته يحذره من أن ” لا تكونن عليهم سبعاً ضارياً (التشديد منا) ” (45) . وأن تتوافر في شخصيته القدرة على العفو والصفح عندما تزل أقدام الرعية ، ويسقطوا في معاقل الخطأ . وهنا يلفت العهد أنظار الحاكم إلى الطرف العقيدي الذي فيه دروساً حاضرة ، وتذكر بعفو الله وصفحه ، ولهذا أفاد العهد معلقاً ؛ إن ” مثل الذي تحبُ وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ” (46) .

  وفعلاً فقد شاطرت نصوص أدب المرايا السياسية والإجتماعية ، الإفادات التي تحدث عنها عهد الإشتر ، وخصوصاً في السمات التي ينبغي أن يتحلى بها الحاكم ، وهي من مثل  السمات الرباعية التي رددها عهد الإشتر ، وهي كل من ” الصالح ” و ” الرحيم ” ، وقدرته على ” العفو والصفح ” . وبالتحديد في مصادر متنوعة من مصادر المرايا الإسلامية (47) .

سادساً - ومن ثم بحث عهد الإشتر في طرف معياري أخر من سمات شخصية الحاكم المثالي . وهذه المرة إقترح أن يكون الحاكم متواضعاً . ورأى إن إنجاز مثل هذه السمة يتطلب برنامج إعادة تكوين أو ولادة شخصية الحاكم المثالي ، التي ليس لها علاقة فكراً وسلوكاً (وفعلاً) بكل صور فيها ” أبهة أو مخيلة ” . ولأنجاز مثل هذه الشخصية المتواضعة المثالية ، رفض العهد أن يكون الحاكم جباراً ومختالاً ، وذلك لأن ” الله يذلُ كل جبار ويهين كل مختال ” (48) . وفي الوقت ذاته طالب العهد الحاكم المتواضع المثالي ، أن يتجنب كل شكل من أشكال ” الإعجاب ” بالنفس ، و” الثقة ” التي تولد إعجاب الحاكم (49) . وأن لا يكون مناناً على رعيته ، بل على العكس أن يكون مُحسناً لهم بكل ما في إستطاعته (50) . وفعلاً فقد لا حظنا ونحن نقرأ عهد الأشتر ، ونقارنه بنصوص أدب المرايا ، بأن نصوص المرايا قد تناولت هذه السمات التي عالجها وبحث فيه عهد الأشتر . ولكن من زوايا نظر تتفاوت في درجات مخاطبتها للسلطان (51) .

سابعاً - وعالج العهد بنهجه المعياري (أي منطق ما ينبغي أو لا ينبغي) سمة أخرى من سمات الحاكم المثالي . فطالبه بأن يكون منصفاً ( ووفقاً للمنطق المعياري الإنصاف فضيلة) ، وأن لا يكون ظالماً للرعية ، أو للأعوان الذين يعملون بمعيته في إدارة شؤون الدولة ، وتداول السلطة (وعلى أساس المنطق المعياري الظلم رذيلة) . وفعلاً فإن العهد إشترط عليه أن يكون منصفاً للناس من نفسه ، ونبهه إلى أن يكون واعياً للسبيل الذي يسلكه في حكم الرعية ، ونحسبُ إن هذا السبيل المعياري له رأسين متعارضين ، لا يلتقيان معاً ولا ثالث لهما . وإستناداً لهذا المنطق المعياري ، فإن الحاكم أما أن يكون حاكماً منصفاً ، وهذا هو الذي تطلع إليه عهد الأشتر.  أو خلاف ذلك يكون حاكماً ظالماً فيفتقد لسمة الإنصاف وسلطتها العقيدية – الإنسانية القوية المتفردة . وفي حديث عهد الأشتر في باب الإنصاف ، طلب من الحاكم أن يكون منصفاً للناس ” من نفسك ، ومن خاصة أهلك ، ومن لك فيه هوى من رعيتك ” وهذا يمثل الطرف الأول من المنطق المعياري . وبخلاف هذا الطرف ، يكون الحاكم ظالماً ، وبخطاب عهد الأشتر ؛ إن كل ” من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده (التشديد منا) ” (52) .

   ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى إن عهد الأشتر ، وهو يتحدث عن طرفي شخصية الحاكم المأمول ، فإنه عرض إنموذجين للحاكم ؛ الأول إنموذج إيجابي (رجل الفضيلة) ، والمتمثل في شخصية الحاكم المُنصف ، وهذا ما تطلع العهد إلى ولادته في شخص مالك بن الأشتر ، الوالي المأمول على مصر . والثاني إنموذج سلبي (رجل الرذيلة) ، والذي جسدته شخصية الحاكم الظالم . وبالمناسبة إن كتب المرايا الإسلامية ، قد تناولت السمات السلبية ، بالدراسة والبحث ، وأكدت على إنها من المضادات للفضائل ، والتي تتمظهر بصور من الرذائل ، وإشترط على البرنامج التربوي الذي يعتني في تكوين شخصية الحاكم المثالي (المنصف) ، أن يتصدى لرذيلة الظلم ، ويقوم بإقتلاعها من الذات السلطانية (53) ، ويحل محلها سمة الإنصاف ، وفي هذه اللحظة ، تتم ولادة الوالي المسلم المثالي أو الحاكم المنصف (وهي شخصية الحاكم الثائر على الظلم وأهله) والذي يتطلع إلى ولادة مجتمع العدالة والإنصاف .

ثامناً - وإشترط عهد الأشتر في الحاكم المثالي أو والي مصر المأمول ، أن يكون ورعاً وصادقاً ، ومُحباً لأهل ” الورع والصدق ” . وهذه سمات إيجابية مرغوبة ومطلوب توافرها شرطاً عقيدياً – سياسياً في شخصية والي مصر المأمول ، وفي الوقت ذاته إنموذجاً لشخصية الحاكم المسلم المأمول عامة . إلا إن العهد كما هو معلوم تاريخاً ، كُتب في فترة تاريخية حساسة ، فقد كانت الأنظار الإسلامية شاهد على حالات التشرذم والتنازع الذي عاصرت خلافة عثمان ومن ثم إغتياله ، وتبع ذلك إضطرابات تتوجت بمطالبة (الأمويين ، ومعاوية إنموذجاً) الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب بالإقتصاص من قتلة الخليفة الراشدي عثمان ، والتي كان للمصريين حصة من الإتهام بها … ولذلك نحسب إن كل هذا ووأضاع الولاية في مصر أثناء ولاية محمد بن أبي بكر* ، وحالات تذمر المصريين المستمرة منذ خلافة عثمان ،

—————————————————

 * وتربى محمد بن أبي بكر في أحضان علي بن أبي طالب ، وكان بمنزلة ولده بعد إن تزوج علي أمه أسماء وكانت زوجة الخليفة الراشدي أبي بكر وقبل ذلك زوجة جعفر الطيار الأخ غير الشقيق لعلي بن أبي طالب… ومحمد إبن أبي بكر من المتهمين بمقتل الخليفة الراشدي عثمان بن عفان .

————————————————–

ومن ثم مقتل والي مصر محمد بن أبي بكر ، هي التي حملت علي بن أبي طالب على تعيين مالك بن الأشتر (والمصادر التاريخية تتحدث عن مقتل محمد بن إبي بكر الذي عينه علي والياً على مصر عام 36 هجرية ، مما حمل علي على تعيين مالك إبن الأشتر ، ويبدو إن قصة عزل علي لمحمد إبن أبي بكر ، رواية تاريخية فيها الكثير من الإختلاق وذلك للحط من مكانة محمد بن أبي بكر ، ولبيان ضعف شخصيته في الإدارة السياسية في مصر…) ، ومن ثم كتابة العهد للأشتر ، وإعتماده دليلاً سياسياً لمشروع الإصلاح الإداري في مصر ، وإنموذجاً للإصلاح السياسي والإداري لعموم الديار الإسلامية يومذاك .

  وإن هذه الظروف الحساسة التي صاحبت كتابة عهد الأشتر ، تمنحنا فرصة لفهم الأساس العقيدي والسياسي الذي نهض عليه نص العهد عامة ، وفهم الأسباب التي حملته إلى الإهتمام بالحاكم المثالي الورع والصادق ، والمحب لأهل الورع والصدق . وفي الوقت ذاته نفهم لماذا حذر العهد الوالي – الحاكم الأشتر ، من أهل ” الإطراء ” ؟ والجواب الذي قدمه العهد ، هو لأن الأطراء يؤدي إلى ” الزهو ” (54) . وبالمقابل إشترط عليه أن يكون مُحباً للحق ، وذلك لأن فيه رضاء ” الرعية ” ورضاء ” الخاصة ” (55) . وهذا هو منطق عهد الأشتر الذي فهم الحقيقة ، جوهراً معيارياً يقع ما بين طرفين ؛ طرف العام وطرف الخاص . وفيه فهم عقيدي – سياسي لحركة الحياة والتاريخ والمجتمع والمؤسسة السياسية …

  ونحسب إن نهجنا المقارن ما بين عهد الأشتر وكُتب المرايا ، ينفعنا في الإستنتاج ، ومن ثم القول بأن نصوص الأدب السياسي الإسلامي (المرايا) ، قد سجلت فيها حضوراً ملحوظاً لأفادات عهد الأشتر ، حيث إنها تداولت ما يشبه هذه الإفادات ذاتها لحماً وعظماً ، حين خاطبت السلطان ، وإعتمدت عليها في إعادة تكوين أو بناء الذات السلطانية المأمولة وبالإستناد إلى الفضائل ذاتها (56) . 

تاسعاً - عالج العهد سمة بالغة الأهمية من سمات الوالي المثالي ، وخصوصاً في فترة إختيار الأشتر ، حاكماً ووالياً مأمولاً على الديار المصرية . وهي سمة أو فضيلة الشجاعة (57) بالمعنى الفلسفي الأخلاقي * . والحقيقة إن قارئ العهد ، ونهج البلاغة بصورة عامة ، يتلمس

———————————————–

* صحيحُ إن هناك إجماع في المصادر العربية القديمة والحديثة ، على إنكار الأثر الفلسفي اليوناني ، بطرفيه الهيليني والهيلينستي على التفكير والثقافة العربية قبل الأسلام وأطراف من التفكير الإسلامي في المرحلة الراشدية ، وذلك بحجة الدفاع عن أصالة الفكر والثقافة العربية الأسلامية خصوصاً في مرحلة تشكلها الأولى . ونحسب إن هذه الدعوة لا تصمد أمام البحث والدراسة ، فإن الجزيرة العربية لم تكن مغلقة بسياج حديدي لا يسمح بالدخول والخروج للأراء والثقافات الوافدة والمجلوبة ، على الأقل إن رواية القرآن وحديثه يؤكدان على إن للعرب كانت رحلتان موسميتان ، وهما رحلة الشتاء والصيف . كما وهذا لا يصمد أمام الثوابت التاريخية التي تؤكد على إن قلب الجزيرة العربية كانت فيها كنائس وبيعات عامرة للعرب المسيحيين ، وكان فيها إحتفال ملفت للنظر بالفلسفة اليونانية ومدارسها الهيلينستية المتنوعة .. وهناك معابد يهودية مشهورة في خيبر ، وهذه المعابد إحتضنت حلقات ثقافية تستبطن الكثير من التراث الفلسفي اليوناني وخصوصاً الإفلاطوني المحدث .. ولا تنسى بأن رواد الإفلاطونية المحدثة في مصر كانوا يرددون بأن إفلاطون هو النبي موسى الذي يتكلم اليونانية .. وكذلك من الثابت القار إن عرب الجزيرة كانت لهم إتصالات مستمرة مع عرب المناذرة في العراق ، وكما هو متداول تاريخياً إن أعداداً منهم بحكم علاقاتهم بالفرس ، إعتنقوا الزرادشتية ، وبالمقابل إن عرب سوريا الغساسنة كانوا نصارى ولهم علاقات قوية (إن لم يكونوا جزءً) من الإمبراطورية الرومانية التي كانت لها مدارس فلسفية يونانية في ديار الشام (مثل رواقية الشام مثلاً وليس حصرا) …ولا تنسى الأثر الفلسفي الذي تركته إحتلالات الأسكندر المقدوني لمصر والعراق والشام وكان عازماً على إحتلال الجزيرة ، ولكن موته المفاجئ عطل هذا المشروع . ومن الحقائق التاريخية إنه بعد موت الإسكندر تمكن واحد من قواده من تأسيس إمبراطورية السلوقيين التي إمتد حكمها أكثر من ثلاثة قرون ، وكانت عاصمتها أولاً بابل العراقية الشهيرة ، ثم تحولوا منها صوب نهر دجلة ، وأسسوا عاصمتهم الجديدة المعروفة بسلوقية بابل (أسسها سلوقس عام 305 قبل الميلاد ، وظلت مزدهرة حتى عام 165 ميلادية والتي تقابل على نهر دجلة من الضفة الأخرى عاصمة الفرس طيسفون ، واليوم تعرف بسلمان باك)، والتي كان فيها (أي سلوقية بابل) مسقط رأس الفيلسوف العراقي اليوناني الرواقي ديوجانس البابلي أو السلوقي (تُرجح المصادر إنه عاش في الفترة ما بين 230 – 150 أو 140 ق.م) والذي تخرج من المدرسة الرواقية في سلوقيا العراق وشد العزم وذهب إلى أثينا وأصبح الرئيس الخامس للمدرسة الرواقية في أثينا . كما نشأت خلال الإمبراطورية السلوقية مدن وعواصم ثقافية أخرى ، كانت في الحقيقة مراكزاً لنشاط العديد من المدارس الفلسفية وخصوصاً الرواقية ، من مثل صور وطرسوس وإنطاكيا وأفياما … للتفاصيل في هذا الموضوع ، أنظر :

أ – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ التجارب الأبستمولوجية في عالم يوناني – هيلينستي متنوع / موقع الفيلسوف / 1 سبتمبر 2012

ب – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المعطيات التاريخية والثقافية لأوضاع العرب قبل ولحظة بزوغ شمس الإسلام 16/ موقع الفيلسوف / 16 فبراير 2012

ج – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ دور الإسلام في تطوير الفكر العربي / مجلة العلوم الإجتماعية / جامعة الكويت 1981

———————————————–

الأثر الفلسفي ، والذي حضر بصور صريحة بعض الأحيان ، وبصور مستبطنة في النص في أغلبها … والشاهد على ذلك من الناحية المنهجية ، هو علو مكانة المنطق المعياري ، الذي هو ذاته المنطق المعياري المهيمن في الطرف الإخلاقي (أي ما ينبغي .. أو لا ينبغي ..) والذي تداولته المباحث الفلسفية اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي .. والذي تجسد في خطاب عهد الإشتر ، وبالتحديد في سمات الحاكم أو بلغة العهد ، المواصفات الشخصية لوالي مصر المأمول .

  وفعلاً إن قارئ عهد الأشتر ، يلحظ بوضوح إنه إشترط على الحاكم ، أن يكون شجاعاً في إتخاذ القرار ، وإنتخاب الموقف المناسب ، التي تجنب مؤسسته السياسية ، كل ما يُسبب لها المخاطر ، ويجلب لها الشرور . ولاحظ الباحث إن العهد دعا إلى غرس فضيلة الشجاعة ، والعمل بكل جد على تنميتها في شخصية الحاكم المأمول . وجاء ذلك عندما طالب العهد من والي مصر المأمول ، أن لا يُقرب منه جباناً . وذلك لأن الجبان من وجهة نظر العهد ” يُضعفك عن الأمور ” (58) . وفي الوقت ذاته إشترط عليه مراعاة الظروف ، وأن لا يتعجل الأمور ” قبل أوانها ” (59) .

  ومن الملاحظ إن نصوص المرايا السياسية الإسلامية التي جاءت بعد عهد الأشتر ، قد أفرزت فصولاً متنوعة ، درست فيها سمة الشجاعة ، وأولتها أهمية ، بل وإعتبرتها ضرورية جداً ، وإشترطت توافرها في شخصية الحاكم ، كما ومنحتها مكانة في تكوين وبناء الذات السلطانية . وذلك لأن السلطان في حالة تعرض البلاد للمخاطر ، فإنه لا بد له من قيادة الجند والدفاع عن مؤسسته السياسية (60) . 

عاشراً - وفي سعي عهد الأشتر في صياغة شخصية الحاكم المثالي أو الأدق والي مصر المأمول ، إشترط بميزانه المعياري الأخلاقي (وهنا توجد إمكانية فلسفية في حدود ما ينبغي .. وما لا ينبغي ..) أن يكون والي مصر المأمول سخياً . ومن الملاحظ إن العهد في إشتراطه لهذه السمة الأخلاقية المعيارية ، وفر برنامج تربوي مصاحب ، وهدفه هو أن يعمل بكل جد على غرس فضيلة السخاء في شخصية الحاكم المسلم عامة ، وشخص مالك بن الأشتر والي مصر المأمول . ولجعل هذه الفضيلة سمة ناجزة في ذات والي مصر ، إشترط البرنامج التربوي في نص العهد ، على الوالي – الحاكم المثالي ، أن يستبعد من إدارته البخلاء من العاملين والمساعدين . وكذلك أن لا يدخل في دائرة إستشارته ” بخيلاً ” . لأن ذلك سيتحول إلى قيد يمسكُ يد الحاكم ، ويمنعه من العطاء و ” الفضل ” ، وسينتهي به إلى معاقل ” الفقر ” (61) .

   والحقيقة إن نصوص أدب المرايا الإسلامية ، قد شاركت عهد الأشتر في هذا الهم السياسي . ولذلك وجدناها تضم هذه الفضيلة إلى قائمة الفضائل ، الذي تطلع البرنامج التربوي النازع إلى تكوين وبناء شخصية السلطان ، أن تكون طرفاً من أطراف شخصيته  . ومن هذا الطرف أكدت نصوص المرايا (وحالها حال عهد الأشتر) على ضرورة توافرها في قائمة الفضائل السلطانية (62) .

إحدى عشر - كون العلم والحكمة سمات جوهرية في شخصية الحاكم المثالي عامة ، وبالطبع فضائل في الميزان المعياري لعهد الأشتر ، وهو يتأمل بالصورة التي ستكون عليها شخصية والي مصر المأمول . وفعلاً فإن العهد إشترط أن يكون الوالي (وبالطبع الحاكم) مُحباً للعلم والحكمة ، وراغباً بجد ونشاط عال في ” مدارسة العلماء ، ومناقشة الحكماء ” . ولعل السبب هو الإفادة من العلماء والحكماء ، وتمكين والي مصر المأمول ، في رسم طريق الصلاح لمصر والرعية . وهي حسب خطاب العهد ، سُنةً ” إستقام بها الناس قبلك ” (63) .

  والحقيقة إن هذه الفضيلة التي ذكرها عهد الأشتر ، قد رددتها فيما بعد جميع النصوص في أدب المرايا السياسية والإجتماعية ، وسجلت لها حضوراً في برامجها التربوية ، التي تتطلع إلى تكوين وصياغة شخصية السلطان المأمول (64) .

طبيعة الأداء الإداري والسياسي للحاكم (الوالي المأمول) :

   في البدء سؤال : ما طبيعة الأداء الإداري والسياسي ، الذي تطلع والي مصر المأمول خاصة ، والحاكم المثالي عامة ، أن يقوم بإنجازه (وبالتأكيد من خلال الإفادات التي تقدم بها نص عهد الأشتر) ؟ ويترتب على هذا السؤال ، سؤال أخر ومفاده : ما هي الوظيفة التي تنهض بها المؤسسة السلطانية ، وعبر أداء الوالي أو الحاكم ؟ والإجابة على هذين السؤالين ، تقتضي أن نقدم أولاً عرضاً للتوصيف الذي إقترحه عهد الأشتر لوظيفة الوالي المأمول أو الحاكم المثالي . ولعل من أهم إفادات العهد ، دعوة الحاكم إلى أن يُنظم عمله ، وبإتجاه يمكنه من إنجازه خطوة خطوة . ومن أوليات ما يبدأ به عمله ، هو الرد على كتب العمال . وأن يُلبي ” حاجات الناس يوم ورودها ” . وأن يلتزم بإنجاز العمل اليومي ، وأن لا يتعود على تأجيله إلى يوم أخر . وأن يقترح لكل تلك الأعمال ” مواقيت ، وأن يعمل لوجه الله ولصالح الرعية (التشديد منا) ” (65) .

  وإشترط عهد الأشتر ، وهو يُحدد وظيفة المؤسسة السياسية ، أن تنهض على ” سُنة صالحة ” *، بحيث تحقق ولادة ” الأمة ” ، وتجتمع بها ” الإلفة ” ، وعليها ” تصلح

——————————————————-

 * عهد الإشتر : مرايا إصلاح للمؤسسة السياسية

   من الثابت تاريخياً إن الخليفة الراشدي عثمان بن عفان الأموي القريشي ، قُتل عام 35 هجرية ، وإن عهد الأشتر كُتب عام 38 هجرية خطاب إصلاح سياسي وإداري لولاية مصر (وأرجو أن لا تنسى مشاركة المصريين في الثورة على عثمان ، بل وذهب بعضهم إلى داره وهم مصممون على الإطاحة بخليفة الرسول ، والمصادر التاريخية تؤكد على مشاركتهم في قتل عثمان) . وكما إنه من الصحيح جداً القول بأن عهد الأشتر كُتب في ظروف حساسة جداً ،هي نتيجة لأحداث كبرى هزت الإسلام والمسلمين . أحداث يقف على رأسها وفاة الرسول والفراغ الكبير الذي تركه ، وبالطبع أحدث صدمة كبيرة هزت حياة المسلمين .

   وبموت الرسول إنتهى الفصل الأخير من إسلام الوحي ، وإسلام كان يعيشه ويُعلمه محمد ، وليبدأ إسلام الخلفاء (وفيه رجعة للإعرابية وقيم البداوة وعصبية العشير حسب المنطق الخلدوني) سالت فيه دماء الكثير من المرتدين الحقيقين على الإسلام (وكان شعارهم إن الإسلام مات بموت الرسول) ، كما وسالت فيه دماء مسلمين حقيقيين . وهكذا إختلطت دماء الطرفين بإختلاط أوراق المطالبة بالحق بأوراق الباطل .. وهكذا بدأت صفحات تاريخ جديد لأسلام جديد ، في عنوانه هو الإسلام ، وفي جوهره إختلاق وتحريف كثير … تعتبره المذاهب الإسلامية الكبرى ؛ السنة والشيعة على حد سواء من الثوابت المقدسة ..

     وكان من النتائج التي ترتبت على موت الرسول (وغياب نص صريح بالوصاية أو إن هذه الوصية موجودة ولكن المتمكنين رفضوا الإعتراف بها) حادثتين كبيرتين ، سيكون لكل منهما دوره في تشكيل صورة جديدة للإسلام وحياة المسلمين بعد موت النبي . وهما كل من حادثة السقيفة ، وما رافقها من جدل بين الأنصار والمهاجرين ، وأحقية كل طرف منهم في خلافة الرسول ، وتدافع الصحابة وتراشقهم ، ومن ثم تم إنتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين (والرسول متزوج من عائشة بنت أبي بكر ، وهي الأخت غير الشقيقة لمحمد بن أبي بكر ، وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الأخ غير الشقيق لعلي بن أبي طالب ، وكان يحيى بن علي بن أبي طالب الأخ غير الشقيق لمحمد إبن أبي بكر) . وهكذا تم حسم الإمور لا بالعقيدي الإسلامي ، وإنما بالعودة إلى قيم الإعرابية والقبيلة ، وهذا كان أول حدث هز المسلمين ووضعهم في مفترق طرق وخيارات لا علاقة لها بدين محمد (حين كان حياً يُرزق) ورسالته الإنسانية الجديدة . فعادت قيم العشيرة والإعرابية مثلما كانت قبل الإسلام لها سلطتها الأولى . والحدث الثاني الكبير والمبكر في تاريخ الإسلام والمسلمين ، هو الردة (والتي هي ليست في مجملها ردة ضد الإسلام ، وإنما ردة على الإسلوب القبلي لتداول السلطة بعد وفاة الرسول التي كانت مفاجأة للجميع) ، وبالتحديد بعد إختيار أبي بكر خليفة للرسول ، ومن ثم تتوجت بظهور قضية الوصية التي أوصى بها الرسول إلى علي بن أبي طالب ، وما كان لها من دور في مناقشة شرعية الخلافة ، وهو جدل كان ولازل حاداً بين المذاهب الإسلامية والشيعة على وجه الخصوص ، وهو هل كان هناك نص يعترف به المسلمون بالوصاية لعلي الذي كان أصغر سناً (والتي تُعرف بالتاريخ الإسلامي بخطاب حجة الوداع الذي حمل نص وصية النبي لعلي) ، وهو شرط لا تستسيغه قيم الإعرابية التي عاد لها جمهور الأنصار والمهاجرين في أجواء الجدل والتراشق والتدافع التي عمت السقيفة ، ومن ثم إن الحل العسكري – الدموي الذي إختاره الخليفة الراشدي الأول أبي بكر في القضاء على الردة (وإن أعداداً من المرتدين لم يرتدوا على الإسلام ، بل إعترضوا على طريقة إختيار أبي بكر وخصوصاً من صف الإنصار والمهاجرين الذين حضروا إجتماع السقيفة ، ولم يبايعوا أبوبكر خليفة للمسلمين) ، والتي كانت صدمة كبيرة راح ضحيتها أعداد من المسلمين ، وولدت جروحاً ظلت تنزف في تاريخ الإسلام ، ولم تتمكن الأيام من معالجتها . وتبع خلافة أبي بكر ، إختيار عمر بن الخطاب خليفة (وكانت حفصة بنت عمر زوجة الرسول) ، والحقيقة إن طريقة إختياره سارت بالمنطق الإعرابي الذي لا علاقة له بقيم الإسلام التي تُحارب الإعرابية وقيم العشيرة وأعراف البداوة (وكان لعمر دوراً في إختيار أبي بكر خليفة للمسلمين وسد الطريق على المسلمين من المهاجرين والأنصار على حد سواء) . وكان نتيجة ذلك مقتل عمر ، فولد تشققاً كبيراً في وحدة المسلمين الرخوة ، وفي هذه الأجواء تم إنتخاب عثمان (وهو متزوج بإثنين من بنات الرسول وكان لذلك يُطلق عليه لقب ذي النورين) . نقول تم إنتخاب عثمان بالمنطق ذاته فكان رد الفعل دموياً ومدمراً لوحدة الإسلام والمسلمين ، فكان حاصل رد الفعل قتل الخليفة بصورة درامية لا تليق ولا تتناغم وقيم الإسلام أو منطق الأعرابية والبداوة . ومن ثم تولدت قضية خطيرة جداً في تاريخ الإسلام والمسلين ، قضية الإقتصاص من قتلة عثمان (والتي سُميت بقضية قميص عثمان) ، وكان من المتورطين فيها أولاد للخلفاء الراشدين وصحابة الرسول (خذ مثلاً وليس حصراً محمد بن أبي بكر (ولد عام 10 هجرية ، وقُتل عام 38 هجرية لإتهامه بقتل عثمان وهو العام الذي كتب علي العهد للأشتر ليخلف محمد إبن أبي بكر والياً على مصر ، وكانت أم محمد إبن أبي بكر أسماء بنت عميس زوجة علي بن أبي طالب يومذاك ، ومن قبله زوجة الخليفة أبي بكر ، وقبله كانت زوجة جعفر الطيار الأخ غير الشقيق لعلي بن أبي طالب) . ودخل الأمويون مادة وقيادة للجدل في قضية الإقتصاص من قتلة الخليفة عثمان ، فكان رد الفعل حروب الجمل وصفين ومن ثم مقتل الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب (وهو متزوج من فاطمة الزهراء بنت الرسول وأولادها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة بحديث الرسول عنهما) . وبهذا إنتهى فصل مهم من تاريخ الإسلام ، وكان فصلاً دموياً درامياً . وتبعه فصل جديد مدني – سياسي (ولكنه لم يخلو من ستراتيجية دموية ، مثالاً على ذلك مقتل الحسن بن علي حفيد الرسول ، ومن ثم دموية كربلاء ومقتل الحسين (وجدهم الرسول محمد) وأخيه (أي الحسين) العباس أولاد علي مع سبي حشد من أولادهم ونساءهم وأطفالهم بطريقة بربرية لا علاقة لها بقيم الإسلام …) وهو فصل لا علاقة له بإسلام محمد والعقيدي الإسلامي . وهكذا بدأت مرحلة  العقيدي الأموي والسلطة الأموية التي تحكمها قوانين العصبية حسب منطق إبن خلدون . فتحول الإسلام إلى إسلام فرق وشيع ومذاهب وإسلام سياسي يعمل لخدمة السلطة والسلاطين ، وهذا هو الذي شاع وأصبح متداولاً في المساجد والحسينيات ، في حين دخل إسلام محمد في ذمة التاريخ ، وتحول إلى طقس روحي يتقوى به المسلمون في أوقات الصلاة ، وخطبة وعظ يرددها وعاظ السلاطين كما يصفها المفكر العراقي علي الوردي في كتابه الإنجيلي المشهور وعاظ السلاطين .

—————————————————

الرعية ” (66) . وفي الوقت ذاته دعا العهد ، الحاكم (والي مصر المأمول) أن يختار لمؤسسته السياسية ، مساراً صحيحاً ، يُمكنه من إقتراح سياسة مالية ، تتناسب وإمكانيات السلطة ، وبما يُحقق الفائدة للرعية ، وذلك ” لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله ” ومن نتائجه ” عمارة الأرض ” (67) .

  ونعود إلى دائرة التساؤل ، ونرفع السؤال الآتي : ما هي معالم البرنامج التربوي السياسي ، والتي يُمكن إستنباطها من قراءة عهد الأشتر ؟ إنها الأنماط التربوية الآتية :

أولاً - نمط من التربية الدينية (وبلغة خطابنا المعاصر تشمل طرفين ؛ طرف فلسفي وطرف أيديولوجي) ، والتي تتطلع من خلالها إلى إعداد شخصية الحاكم (وبالطبع الحديث يشمل والي مصر المأمول) إعداداً دينياً ، وبحيث يتشرب العقيدي الإسلامي ، وبما يُمكنه من أن يكون حاكماً تقياً ، مخلصاً ومطيعاً لكل ما أمر به الله ، ومجاهداً بكل ما يملك ، وعاملاً بقلبه ولسانه ويده .

ثانياً - نمط التربية النفسية والتي من خلاله يتم ترويض النفس الإنسانية ، وبإتجاه يحقق للحاكم ، سيطرة على شهواته المختلفة ، وتمكينه في الوقت ذاته من كسر شوكة النفس ونزوعها نحو الشهوات التي حرمها الله .

ثالثاً - نمط من التربية النقدية ، والتي تنشد إلى تنمية الحس النقدي للذات السلطانية ، وذلك من خلال تعويدها على المحاسبة المستمرة لكل ما تقوم به من أفعال ، ومن ثم تقويمها ووضعها على طريق الصلاح .

رابعاً - نمط من التربية الأخلاقية ، والتي تهدف إلى غرس مجموعة من الفضائل في الذات السلطانية ، من مثل : العدالة والصلاح والرحمة والتودد للرعية والتواضع والورع والعلم والحكمة والصدق والكرم والشجاعة .. وذلك سعياً إلى تكوين شخصية الحاكم المثالي (أو والي مصر المأمول) ، والقادر على إدارة المؤسسة السياسية والإبحار بها (خلال الأمواج العاصفة) إلى شواطئ الآمان الدافئة .

العلاقات المثالية بين الحاكم (والي مصر المأمول) والأعوان :

   يتحدد نجاح المؤسسة السياسية في تحقيق أهدافها ، على فعل الإنجاز ، والأداء الوظيفي  الذي تقوم به كل الرُتب السلطانية . ولما كان عمل هذه الرُتب السلطانية محاط بحساسية عالية من طرف إرتباطها بالسلطان ، وبمصالح هذه الرُتب من جهة إنها تعمل مع بعضها في مناخات الإختلاف والتنوع الوظيفي ، وفي ظل قواعد التعامل الإداري بين الأعلى والأدنى وهذا طرف ثان .  ومن طرف ثالث إن غاية السلطة والسلطان والرتب السلطانية على حد سواء ، هو تقديم خدمات للرعية ، وبأداء متوازن و متناغم ، بحيث يُحقق العمل في هدفه النهائي ، رضاءً لحاجات الرعية و مراعاة مصالحها .

  والواقع إن الإفادات التي قدمها عهد الأشتر ، والتي فيها توصيف للأدوار التي تقوم بها الرُتب السلطانية ، تحملنا على تصور المؤسسة السياسي في عملها السلطاني ، على شكل    

هرم يتربع على قمته الحاكم (أو والي مصر المأمول) ، ومن ثم تتوزع في منازله الرُتب السلطانية نزولاً وصعوداً . وسنحاول هنا البحث في العلاقات المثالية بين الحاكم (والي مصر المأمول) والأعوان (الرُتب السلطانية) في ضوء هذا التصور وبالشكل الآتي :

أولاً - علاقة السلطان بالوزير :

   تهدف العلاقات السلطانية داخل المؤسسة السياسية ، إلى تيسير عملها . وبما يحقق نجاحاً لبرامجها ، ويضمن السلامة لها (وبالطبع من خلالها سلامة السلطان الحاكم) ، ويُجنبها الكثير الكثير من المشاكل والتحديات . كما إن نجاح المؤسسة (وبالتأكيد نجاح الحاكم) يتحقق عن طريق الأداء الذي يقوم به الوزير ، والذي يُترجم تطلعات الحاكم (والي مصر المأمول) ، وخصوصاً في علاقة الوزير برُتب سلطانية أخرى من طرف ، وفي علاقته بالرعية من طرف أخر .

  ويلحظ قارئ عهد الأشتر بيُسر إن العهد في جوهره ، شكل وثيقة سياسية إسلامية ، ورافداً ثقافياً لكل من تطلع وسعى للكتابة في هذا الجنس من الأدب السياسي ، والذي ينزعُ إلى البحث في الأداء الذي يقوم به الوزير . كما وفي هذا الأدب السياسي ، كشف وبيان للسلوك السياسي والإداري الصادر عنه تجاه الحاكم (والي مصر المأمول) ، ومن يشاركه في إدارة المفاصل المتنوعة من المؤسسة السياسة ، وبإتجاه خدمة الرعية .

  ونقف هنا ونتساءل : ما هي الإفادات التي تقدم بها عهد الإشتر ، وشكلت مضماراً للأدب السياسي الباحث في أداء الوزير ؟ وما هي معالم البرنامج التربوي ، الساعي إلى تكوين شخصية الوزير المأمول ؟ نقول إنها الإفادات الآتية :

أ - طالب العهد من الحاكم (والي مصر) أن يتجنب الوزراء الأشرار ، وخصوصاً من كشفت التجربة السياسية حالهم ، وبينت مقدار ” الآثام ” التي إرتكبوها عندما كانوا ” أعوان الأثمة ، وإخوان الظلمة  (التشديد منا) ” (68) .

ب - دعا العهد الحاكم ، أن ينتخب الأخيار من الوزراء ، ويعتمد على نصائحهم وأراءهم ، ويتعاون معهم في أداء عمل المؤسسة السياسية ، وأن يتخير من الوزراء من أثبتت الخبرة السياسية ، من إنهم لم يُساندوا ” ظالماً على ظلمه ، ولا آثماً على إثمه ، أولئك أخف عليك مؤونة ، وأحسن معونة ” (69) .

ج - تحدث العهد عن مواصفات الوزير المأمول ، والذي سيختاره الحاكم لخلواته الخاصة . فإشترط فيه (توافر مجموعة قيم معيارية تذكرنا بالمعايير الأخلاقية الفلسفية) ، من مثل أن يكون ورعاً وصادقاً ، ويمتلك القدرة على قول الحق ورفض الباطل ، وأن يكون أقل الوزراء في تداول إسلوب الإطراء ، وذلك لأن ” كثرة الإطراء تُحدث الزهو ، وتُدني من العزة ” (70) . 

  أما إيقاعات البرنامج التربوي الذي وصفه عهد الأشتر ، والتي تطلعت إلى صياغة شخصية الوزير المأمول ، فقد تم إستنباطها من الإفادات الإشترية (نسبة إلى عهد الأشتر) السابقة . والتي إشترطت في البرنامج التربوي أن يعمل على حرق رذيلة الشر في الذات الإنسانية ، وغرس في الوقت ذاته بدلاً عنها فضيلة الخير ، وإستثمار كل الظروف التي تُساعد على تنميتها . كما وتتطلع إلى تنمية فضيلة ” العدالة ” ، وإبطال فعل رذيلة ” الظلم ” ، وتنشيط أفعال فضائل أخرى مثل : ” الورع ” و ” الصدق ” ، والإنتصار للحق ومجابهة الباطل ، والإبتعاد قدر الإمكان من أساليب التبجح والإطراء ، وذلك نزوعاً إلى بناء شخصية الوزير الذي يمتلك كل المقومات التي تمكنه من أداء عمله على خير وجه ، وبما يُحقق إستقراراً للمؤسسة السياسية ، وإنصافاً للرعية .

   ومن النافع الإشارة هنا إلى إن إفادات عهد الأشتر قد كونت مقدمات بالغة الأهمية ، وستتوج في نوع من الأدب الذي سيُعرف في دائرة الأدب السياسي الإسلامي ، بجنس ” أدب الوزير ” أو ” مرايا الوزير ” . ونقصد به ذلك الجنس ، الذي خصته بالبحث كتب المرايا ، ببعض مؤلفاتها وفصولها المتخصصة (71) .

ثانياً - علاقة السلطان بالمستشار :

   إهتم عهد الأشتر بنوع أخر من العلاقة السلطانية (وكان حديثه موجهاً إلى والي مصر المأمول) ، وهي العلاقة التي تنهض بين الحاكم والمستشار . وهنا نحسب من المفيد الإشارة إلى إن العهد إعتنى بصورة ملفتة بأدب ” الإستشارة ” ، وأولاها أهمية في التعامل السلطاني ، سواء كان ذلك في تداول السلطة ، أو في التعامل مع الرعية . وفي هذا المقام قدمت إفادات عهد الأشتر توصيفاً لشخصية المستشار المثالي ، الذي يتولى مسؤولية تقديم ” المشورة ” للحاكم (والي مصر المأمول) . ولم يفت العهد أن يُذكر ببعض الصفات السلبية (غير المرغوب توافرها في شخص المستشار) والتي فعلاً سجلت لها حضوراً في بعض شخصيات من المستشارين . ولذلك نبه العهد الحاكم (ومن خلاله والي مصر المأمول) ، وحذره من الإعتماد على إستشارة هذا النفر من المستشارين .

  ونتساءل : ما هي المواصفات التي طالب عهد الإشتر ، أن يتحلى بها المستشار ؟ وما طبيعة التربية ، التي يمكن الإعتماد عليها في غرس مثل هذه المواصفات (أو الفضائل) في شخصية المستشار ، وفي الوقت ذاته العمل على حرق الرذائل المقابلة لها ؟ الحقيقة إنها المواصفات الآتية :

أ - أن لا يكون المستشار الذي يعتمد عليه الحاكم المثالي (وبالطبع والي مصر المأمول) ” بخيلاً ” . وذلك لأن البخيل ” يعدل بك عن الفضل ، ويعدُك الفقر (التشديد منا) ” (72) .

ب - أن لا يكون المستشار ” جباناً ” لأن مثل هذه الرذيلة ستسبب إضعاف الأعوان ، ومن ثم ” يُضعفك ” (73) أي إضعاف الأشتر والي مصر المأمول . ويُعرض بالتأكيد المؤسسة السياسية للتحديات والمخاطر .

ج - أن لا يكون المستشار ” حريصاً ” ، والحرص في ميزان عهد الأشتر المعياري من الرذائل . ولذلك نبه العهد المستشار إلى إن في الحرص ” الشره ” ومن ثم ” الجور ” (74) . ويُعلق العهد شارحاً ، فيذهب إلى إن ” البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله ” (75) .

  كما ويتطلب البرنامج التربوي ، النازع إلى صياغة شخصية المستشار المثالي (المأمول) ، نمطاً من التربية تتحرك على طرفين ؛ طرف يحرق الرذائل ، من مثل : البخل والجبن والحرص من ذات المستشار . وطرف يتطلع إلى غرس في ذات المستشار المأمول ، فضائل من مثل : الشجاعة و الكرم والإعتدال . وإن تحقق كل ذلك ، فأن المستشار يكون قادراً على المشاركة في الحياة السياسية ، وذلك من خلال ما يُقدمه من نصائح للحاكم ، وبما ينفع المؤسسة السلطانية والرعية على حد سواء .

  ولكل هذا نحسبُ إن هذه الإفادات التي تقدم بها عهد الأشتر في موضوع ” الإستشارة ” وفي مواصفات المستشار ، سيكون لها حضوراً وصدى بدرجات متفاوتة في العديد من النصوص التي كتبها العقل السياسي الإسلامي (76) .

ثالثاً - علاقة السلطان بالكاتب :

  يرى عهد الأشتر إن من الرُتب السلطانية المهمة ، هي رُتبة أو وظيفة الكاتب . ويحسبُ إن نجاح الحاكم (وبالتأكيد والي مصر المأمول) ومن خلاله المؤسسة السلطانية ، يعتمدان على الأداء الذي يقوم به الكاتب ، وعلى ما يمتلكه من خصائص (عناصر قوة) وظيفية ، تمكنه من إنجاز الأهداف السلطانية ، وعلى نوعية العلاقة القائمة بينه وبين الوالي (الحاكم) .

  ونتساءل : ما هي السمات الشخصية التي طالب عهد الأشتر ، توافرها في شخصية الكاتب المأمول ، والتي ستشكل مقدمة لما سيُعرف لدى كُتاب المرايا ، بجنس ” أدب الكاتب ” أو ” مرايا الكاتب ” ؟ نقول إنها السمات الأتية :

أ - أن يُدقق الحاكم (والي مصر المأمول) في عينة من الكُتاب ، وأن يختار من بينهم ، من هو أكثر جودة ، وذلك تمسكاً وإهتداءً بالموجه العقيدي القائل ” فول على أمورك خيرهم ” (77) .

ب - أن يتحلى الكاتب الذي إتخذه والي مصر المأمول ، حافظاً ” لمكائده وأسراره ” ، بجملة فضائل ، منها : أن يكون ” صالح الأخلاق ” ، وأن لا يكون بطراً ، وأن لا يمتلك الجرأة على إشاعة أسرار الحاكم (78) .

ج - أن يكون الكاتب مؤهلاً بصورة تامة ، وهذا يأتي نتيجة إعداده إعداداً مهنياً عالياً . وإن كل ذلك يمكنه من أداء وظيفته ، وبما يرضي السلطان والرعية على حد سواء . وفعلاً فقد عدد عهد الأشتر ، بعض الخصائص المهنية ، التي ينبغي (أرجو الإنتباه إلى لفظة ينبغي المعيارية) أن تتوافر في شخصية الكاتب المثالي (المأمول به) ومنها : أن لا يكون غفلاً ، وأن قادراً على إصدار جميع المكاتبات الواردة من العمال ، عارفاً بكتابة العقود المختلفة (79) .

د - نبه عهد الأشتر والي مصر المأمول ، على أن لا يعتمد على فراسته ، في إنتخاب الكُتاب ، والسبب إن هناك الكثير منهم ، من هو متفنن في إصطناع : ” حُسن الخدمة ” . وبالمقابل فإن العهد بين للوالي ، الطريق الصحيح في الإنتخاب والتفضيل ، وهو أن يتخير من بينهم ، من عمل مع الولاة الصالحين ، ومن كانت له سمعة حسنة لدى الرعية ، ومن عُرف ” بالأمانة ” (80) .

  وهذا الحال يحملنا على الإعلان بأن عهد الأشتر ، وبالتحديد في هذا الطرف ، شكل محاور رسالة موجهة إلى كُتاب الوالي المأمول على مصر . ونحسب إنها شكل من أشكال الأدب السياسي التربوي ، الذي يتطلع إلى إعداد شخصية الكاتب المأمول . وهنا يصحُ القول بدرجات ما ، إن هذه المحاور سجلت حضوراً في بعض من النصوص التي تداولها الأدب السياسي الإسلامي ، والتي جاءت بعد كتابة العهد بفترة زمنية ملحوظة ، وعُرفت بجنس ” مرايا الكتاب ” ، وهو بالتأكيد جنس أدبي سياسي – إداري ، تطلع إلى تكوين شخصية الكاتب المثالي (81) .

رابعاً - علاقة السلطان بالقاضي :

   ومن الرُتب السلطانية التي تحدث عنها عهد الأشتر ، ونبه والي مصر المأمول الإهتمام بها ، هي رُتبة القاضي . وذلك من حيث إن وظيفة القاضي تُساعد السلطان على أداء عمله بصورة أفضل ، وهي دليل على أن المؤسسة السياسية مستقرة مأمونة الجانب ، وإن الحياة الإجتماعية تسير وبما يتناغم وإستقرار المؤسسة السياسية ورضاء الرعية . ونحسبُ إن عهد الأشتر ، قد صور القاضي ووظيفته التي يقوم بها ، حلقة الإتصال المباشر ، بين السلطان والرعية . وإذا نجح القاضي في إحقاق الحق ، وإنتصر للمظلوم ، وحارب الباطل ، نجحت معه المؤسسة السلطانية ، وشاع عنها بين الرعية ، إنها عادلة . وإذا فشل القاضي في عمله ، فإن المؤسسة السلطانية برأي الرعية ظالمة لا تعرف الإنصاف .

  وهنا نقف ونرفع السؤال الآتي : ما المواصفات التي طالب عهد الأشتر ، توافرها في شخصية القاضي المأمول ، والتي شكلت مقدمة ، لما سيُعرفُ فيما بعد العهد ، بجنس ” أدب القاضي ” ؟ الواقع إنها المواصفات الآتية :

أ - دعا عهد الأشتر والي مصر المأمول (الحاكم) ، إلى أن يختار للقضاء ” الحكم ” ، من بين أفضل من يتمتع بعالي المؤهلات في القضاء ، وذو مرونة ورحب التفكير ، وبخطاب العهد ، من الذين ” لا تضيق به الأمور ” (82) .

ب - وإشترط العهد بأن يتحلى القاضي المأمول بمجموعة خصائل (فضائل أي معيارية ما ينبغي أن يكون عليه القاضي) ، بحيث تمكنه من القيام بعمله ، وبكل عدالة وإنصاف ، ومنها ؛ أن لا يتأثر بما يُظهرهُ ” الخصوم ” ، وأن ” لا يتمادى في الزلة ” ، وأن ينتصر للحق ” إذا عرفه ” ، وأن يترفع من أي ” طمع ” دنيوي (83) .

ج - ونبه العهد القاضي ، بضرورة التحري عن الحقيقة ، وبإستخدام كل الطرق ، وأن يتوسل بمختلف الوسائل المتوافرة ، التي تساعده على تكوين ” فهم ” مؤسس على قوة ” الحجج ” ، وأن يتميز من بين القضاة ، بكونه ” أقلهم تبرماً بمراجعة الخصم ” (84) .

د - وتأمل العهد في شخصية القاضي المأمول ، وتمنى أن يتميز بقدرته العالية على الصبر ، وذلك لكشف ” الإمور ” . وأن يكون صارماً ” عند إتضاح الحكم ” ، وأن لا يقع تحت تأثير ” الإطراء ” و ” لا يستميله إغراء ” . والحقيقة إن العهد عارف بأنه يتحدث عن شخصية القاضي المثالي ، ولذلك إعترف بأن هذا النمط من القضاة ” قليل ” (85) في عالم تعصف به المصالح والعصبيات ..

د - وإشترط العهد من والي مصر المأمول (الحاكم المثالي) أن يهتم بحاجات القاضي المادية والمعنوية ، بحيث يوفر للقاضي ما يكفيه ، و ” يُزيل علته ” هذا طرف . ومن طرف أخر غلق باب القاضي أمام ” حاجته إلى الناس ” ووضع نزاهته موضع السؤال وأحاديث الرعية .  ولفت العهد إنتباه الوالي والقاضي على حد سواء ، إلى حقيقة أن تكون منزلة القاضي رفيعة ، ومأمونة من طرف السلطان ، حيث يكون جانب القاضي ” لا يطمع فيه غيره ” (86) .

   في الواقع إن هذه الفضائل (ما ينبغيات معيارية) تُشكل مفردات برنامج تربوي ، يسعى إلى صياغة شخصية القاضي المثالي ، والذي تتطلع جميع المجتمعات إلى توافره في مرابضها . كما ونحسب إن هذه المواصفات – الفضائل التي ذكرها عهد الأشتر ، قد ظهر لها صدى ، وبدرجات متفاوتة ، في العديد من نصوص الأدب السياسي الإسلامي (وخصوصاً كتب المرايا) ، والتي كُتبت في فترات لاحقة بعد العهد (87) ، مما يحمل الباحث إلى الترجيح بأن إصولها في الإمكان تلمُسها في نص عهد الأشتر .

خامساً - علاقة السلطان بالعمال :

    وإشتغل عهد الأشتر برتبة أخرى من الرتب السلطانية ، وذلك من خلال توصيفه للعلاقة المأمولة بين السلطان والعمال . ولاحظ الباحث إن من أولويات الأمور التي إعتنى بها العهد ، وتأمل فيها ، هو كيفية إنتخاب والي مصر لعماله . وفي هذا الطرف كشف العهد ، بأن إختيار الوالي للعمال ، وخصوصاً من تتوافر فيهم شروط الأداء السليم ، يلعب دوراً فاعلاً في قيام علاقة مثالية بين الحاكم والعمال ، والتي ستكون من نتائجها ، صوراً من الإستقرار للمؤسسة السلطانية ، وفيها شكل من الإنصاف للرعية .

  ويلعب العمال دوراً مهماً في حياة السلطة والسلطان ، وذلك من حيث إن العامل ، يشغلُ رتبة سلطانية مهمة وخطيرة في هرمية المؤسسة السلطانية ، فهو الأقرب إلى الرعية ، ويمثل السلطان على الرقعة الجغرافية التي يعمل فيها .  ونحسبُ إن العهد رهن نجاح السلطة والسلطان بتوفيق ونجاح العامل مع الرعية . والواقع إن العهد إشترط في نجاح العامل ، أن يكون عادلاً ومنصفاً للرعية . وإذا تحقق ذلك فعلاً للرعية ، فإن العامل من هذا الطرف ، سيحملهم على الإعتراف بأن هذه المؤسسة السلطانية عادلة . أما إذا حدث خلاف ذلك ، وكان العامل جائراً ومعتدياً أثماً على حقوق الرعية . فإن الرعية بالتأكيد سترى في هذه المؤسسة ، إنموذجاً لسلطة الجور والظلم .

  ولكل ذلك طالب عهد الأشتر ، والي مصر المأمول (والحاكم عامة) ، أن يتخير عماله بدقة عالية ، ومن خلال عملية إختبار ، بحيث يكون ترشيحهم خال من أي ” محاباة وأثرة ” (88) . وأن يضع أمام أنظاره ، مجموعة شروط عند إختيار العامل ، وهي :

أ - لاحظ الباحث في هذا الشرط ، طرفين ؛ طرف عقيدي (يُذكرنا بالطرف الأيديولوجي – السياسي في التعيين في البلدان العربية في هذا الزمان) . وطرف أخلاقي - معياري (أي ماينبغيات السلوك) . والواقع إن عهد الأشتر خلط بين الطرفين في بنية هذا الشرط . فمثلاً طالب أن يكون العامل من ” أهل التجربة والحياء ” ، ومن ” البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام “. وأن يكون كريم الإخلاق ، وشريفاً وأميناً و ” أقل في المطامع ” .

ب - وإشترط العهد على والي مصر المأمول ، أن يوفر للعامل من ” الأرزاق ” ما يُلبي حاجاته اليومية ، وما يكفيه بحيث يُجنبه من التطلع إلى ما يملكه الأخر ، فيكون  ذلك سبباً في الطمع ، وفقدان أمانة العامل .

ج - ويحثُ عهد الأشتر والي مصر المأمول على التدقيق ومراقبة أداء العامل . ونحسب في هذا الطرف من العهد ، بذوراً أولية لنظام إسلامي في مراقبة العمال ومحاسبتهم ، وهو النظام الذي سيُعرف فيما بعد ، وبتوسيع صورة فعله الإجمالي في الحياة ، بجنس ” أدب / أو نظام الحسبة ” . وفعلاً فإن العهد ، حدد نظام مراقبة العمال ومحاسبتهم ، بكلمات موجزات ، فأفاد : ” ثم تفقد أعمالهم ، وأبعث العيون من أهل الصدق ، والوفاء عليهم ” ، وذلك لبيان ” آمانتهم ” و ” الرفق بالرعية ” (89) .

  ونُرجح إن هذه الإفادات التي أدلى به عهد الأشتر ، ستؤلف إصولاً لمضمار في الأدب السياسي الإسلامي ، والذي سيُعرف بجنس ” أدب العمال ” ، وسيكون له صدى بدرجات متفاوتة ، وبمعالجات متشابهة في كتب المرايا السياسية والإجتماعية (90) .

سادساً - علاقة السلطان بالجند :

  وعالج عهد الإشتر رتبة سلطانية في غاية الأهمية لمصير ومستقبل السلطة والسلطان ، وهي رُتبة الجند ، والتي نحسب إن إفاداته تندرج ضمن مضمار أدب الجند . وفعلاً تتحسس ، وأنت تقرأ العهد بحرارة كلامه ، وهو يتحدث عن الجند ومكانتهم في كيان المؤسسة السلطانية . فهم يشكلون مفصلاً مهماً من مفاصل المؤسسة السلطانية ، وهم الذين يتحملون مسؤلية حفظ الآمن والإستقرار للطرفين الحاكم والرعية . كما وهم الذين يردون على العدوان ، ويدافعون عن الثغور في حالة وقوع الغزو والإعتداء . والحقيقة إن عهد الأشتر يحتوي على نص ممتاز ، يتحدث فيه عن جنس ” أدب الجند ” ، وهو مضمار يتناول تربية الجند وإعدادهم قتالياً للدفاع عن المؤسسة وتوفير الأمن للرعية .

  ولنقف هنا نتعرف على مجمل الإفادات الواردة في عهد الأشتر ، والتي تؤلف برمتها جنس ” أدب الجند ” أو ديوان الجند ، والذي يتضمن برنامج إعدادهم ، وأنواع العلاقات التي تقوم بينهم وبين الرتب السلطانية الأخرى . ومن ثم بينهم وبين الرعية ، وشروط إختيار ” رؤوس الجند ” ، والعلاقة بين الرؤوس والجند . وفضلنا عرض هذه الإفادات بالشكل الآتي :

أ - بين العهد المكانة التي يشغُلها الجند على أربعة أطراف ؛ طرف الرعية ، وذلك من حيث إنهم ” حصن الرعية ” . ومن طرف والي مصر المأمول (أو الحاكم المثالي) ، فهو ” زين الولاة ” . وأما من طرف العقيدي الإسلامي ، فالجند هم ” عز الدين ” . في حين جاء الطرف الرابع ، وهو طرف في غاية الأهمية والخطورة على حد سواء ، وهو يتوزع في رأسين ، رأس يُدافع عن الرعية ، ورأس يدافع عن المؤسسة السلطانية (إضافة إلى حماية السلطان الرمز السياسي للرعية والأمة) . وقد أختصر العهد وظيفة الطرف الرابع ، فأفاد إلى إن الجند هم ” سًبل الأمن ” .

ب - وشدد العهد على والي مصر المأمول ، على أن يوفر للجند كل المتطلبات المادية (وهو مطلب إقتصادي) ، وهذه المتطلبات تمكنهم من جهاد الأعداء من جانب . ومن جانب أخر تلبي وتسد ” حاجاتهم ” (91) .

ج - أما في شروط إختيار الجند ، فقد طالب عهد الأشتر ، من والي مصر ، أن يلتزم في عملية إنتخاب الجند بطرفين ؛ طرف عقيدي وهو أن يختار من الرعية ، من هو ” أنصحهم ” أي أنصحهم ” لله ورسوله ولإمامك ” . وطرف قيمي – أخلاقي (معياري على صورة فضائل الماينبغيات) من مثل : أن يكون نقياً وحليماً ، وبطئ الغضب ، و ” يرأف بالضعفاء ، و ينبو على الأقوياء ، وممن لا يُثيره العُنف ، ولا يقعد به الضعف ” (92) . وإذا كان ذلك توصيف عام ، فإنه إنتقل إلى مضمار التوصيف الخاص للجندي ، وتمنى أن تتوافر في شخصيته ، الفضائل (القيم المعيارية) الآتية ، وهي أن يكون من أهل ” المروءات ” ومن ” البيوتات الصالحة ” ، ومن ” أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة ” (93) .

د - وأفرد العهد جانباً من حديثه عن أدب الجند ، حديثاً عن العلاقة المأمولة بين والي مصر وجنوده . وتطلع إلى أن تكون بالضبط شبيهة بجنس علاقة الوالد بالولد هذا من طرف الحاكم . أما من طرف الجند ، فقد دعاهم العهد إلى تقديم النصيحة للوالي ، وأن يُظهروا حقيقة ” حُسن الظن ” به .  ومن جانب إختيار ” رؤوس الجند ” فإشترط العهد على الوالي ، أن يتم إنتخابهم على أساس مايبذلونه من معونة له ، وعلى جديتهم في ” جهاد العدو ” (94) .

   حقيقة إنها كانت إفادات في غاية الأهمية ، وذلك من حيث إن الكثير منها سيتردد بإطاره العام أو في تفاصيله ، في العديد من نصوص الأدب السياسي الإسلامي ، وبالتحديد في مؤلفات المرايا السياسية والإجتماعية الإسلامية (95) ، ومما يحملُ الباحث على القول بإطمئنان بأن عهد الأشتر (أرجو أن لاتنسى بأنه كُتب عام 38 هجرية) شكل أصلاً فكرياً للعديد من مصادر المرايا ، والتي جاءت بعده على الأقل بستة عقود من الزمن .

العلاقات المأمولة (المثالية) بين السلطان والرعية :

   في البدء سؤال ؛ مانوع العلاقة التي تطلع عهد الأشتر إلى تأسيسها بين والي مصر المأمول والرعية ؟ أن أول ما لاحظه الباحث على إفادات العهد ، إنها وزعت الناس في منازل ورُتب إجتماعية* (ربما يحق للماركسيين أن يسمونها طبقات) ، مما سيكون لذلك من الأثر في إنشاء

————————————————-

 * وهذا التوزيع للناس في رُتب ومنازل إجتماعية ، يحملنا على القول بأن عهد الأشتر ، هو من الوثائق المتقدمة في الفكر الإقتصادي – الإجتماعي والسياسي العربي الإسلامي في تقسيم الناس في منازل ورتب إجتماعية .

————————————————- 

 نوع من العلاقة بين السلطان والمؤسسة السلطانية وطبقة معينة من الطبقات . ونحسب من النافع الإشارة إلى ريادة عهد الأشتر في تداول فكرة التعاون الإجتماعي بين طبقات الناس . ولذلك أفاد مُخاطباً والي مصر المأمول : ” أعلم أن الرعية طبقاتُ لا يصلحُ بعضها إلا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض ” (96) .

  وفعلاً فقد قسم العهد الناس ، ووزعهم في الطبقات (والقارئ لنصوص العهد يستشعر بصدى الطرف الإقتصادي في تحديد الطبقات التي يتحدث عنها العهد) الأتية :

أولاً - طبقة عاملة في المؤسسة السلطانية ، والتي تضم ” جنود الله .. وكتاب العامة والخاصة .. وقضاة العدل .. وعمال الإنصاف ” .

ثانياً - طبقة ” أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ” .

ثالثاً - طبقة ” التجار وأهل الصناعات ” .

رابعاً - الطبقة السفلى ” من ذوي الحاجة والمسكنة ” (97) .

  والواقع إن هذا التقسيم للناس في طبقات ، سيتردد صداه وبذات المنازل الإقتصادية ، وربما الإجتماعية والإدارية ، ومن ثم يختصر إلى ثلاثة رُتب إجتماعية ، في عدد من نصوص الأدب السياسي الأسلامي (وبالتحديد في أدب المرايا) (98) .

  أما فيما يخصُ علاقة السلطان بالطبقة العاملة في المؤسسة السلطانية ، فقد تناولناه في المحور السابق (والمعنون : العلاقات المثالية بين الحاكم (والي مصر المأمول) والأعوان ، وبالتحديد في المبحث المعنون : خامساً – علاقة السلطان بالعمال) . ولذلك سنركز البحث هنا على علاقة السلطان بالطبقات الثلاثة المتبقية ، والتي تُشكل حقيقة الرعية خارج إطار المؤسسة السلطانية .

  ولنعود إلى عهد الأشتر ، لننقب عن بعض الإفادات الخاصة بالطبقة الثانية (أي طبقة أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس) ، ومن خلال التساؤل الآتي : ما هي الإفادات التي ذكرها عهد الأشتر ، والتي تُلقي الضوء على العلاقة بين السلطان وهذه الطبقة الإجتماعية ؟ ويبدو إن العهد قد حسم موقفه من طبقة أهل الجزية وسلم بحالة التعامل معهم كثابت عقيدي . ومن ثم تحول للحديث عن برنامج الإصلاح في طبقة أهل الخراج . إن كل هذا جاء في الإفادات الآتية :

أ - طالب العهد بإجراء إصلاح فيما أسماه ” أمر الخراج ” ، وحسب إن في هذا الإصلاح ، الذي سيقوم به والي مصر المأمول ، ما ” يُصلحُ أهله ، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم .. لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله ” (99) .

ب -  دعا العهد الحاكم بصورة عامة ، ووالي مصر المأمول بصورة خاصة إلى تقديم 

المساعدة ، وتخفيف الأعباء عن طبقة الخراج ، وذلك عند تعرض أراض هذه الطبقة ، لظروف من مثل ” إنقطاع شرب أو بالة ، أو حالة أرض إغتمرها غرق أو أجحف بها عطش ” . وطالبه أن يُخفف عنهم ، بحيث يؤدي إلى إصلاح ” أمرهم ” (100) .

ج - حث العهد والي مصر المأمول على أن تكون من أولوياته ، الإهتمام بعمارة الأرض ، وأن يكون هذا الإهتمام مُرجحاً على ” إستجلاب الخراج ” . ومن ثم ذهب العهدُ مُجادلاً الوجه المخالف لهذه الحقيقة  ، فرأى إن ” طلب الخراج بغير عمارة ” سيترتب حتماً ، خراب ” البلاد ” ، وفي نهاية المطاف هلاك ” العباد ” (101) .

   ونعود إلى دائرة السؤال والإستهام ، ونرفع السؤال الآتي : ما هي الإفادات التي أدلى به عهد الأشتر ، والتي خص بها العلاقة بين السلطان وطبقة التجار وأصحاب الصناعات ؟ نقول إنها الإفادات الآتية :

أ - طالب العهد الحاكم عامة ، ووالي مصر المأمول خاصة ، برعاية هذه الطبقة والإهتمام بها ، وذلك لإعتقاده الثابت ، بأن أفرادها ، هم ” مواد المنافع وأسباب المرافق ، وجلابها من المباعد ” . وفي الوقت ذاته نبههما (أي الحاكم والوالي) إلى إن هذه الطبقة تحتاج لنمو مواردها ، إلى ” السلم ” و ” الصلح ” (102) .

ب - كما وبصر العهد الحاكم والوالي إلى ضرورة معرفة طبيعة هذه الطبقة ، وهي بالتأكيد ثلاثية الأبعاد والتطلعات  ، وهي ” الإنتفاع ” والإحتكار والتحكم ” في البياعات ” . وفي ميزان العهد وتقويمه لهذه الأبعاد والتطلعات ، ذهب مجادلاً أضرارها ، ومن ثم وزع الضرر على جبهتين ؛ أولهما فيها ضرر للرعية ، وثانيهما فيها ” عيب على الولاة ” . ولذلك دعا والي مصر المأمول إلى منع كل شكل من أشكال ” الإحتكار ” (103) .

ج - وإشترط العهد على الحاكم بأن يتحمل مسؤولية ضبط البيع والموازين والأسعار ، بحيث يكون ” البيع بيعاً سمحاً : بموازين عدل ، وأسعار لاتجحف بالفريقين من البائع والمبتاع ” (104) .

   أما علاقة السلطان بالطبقة السفلى ، وهي طبقة المحتاجين والمساكين ، فقد حددها عهد الأشتر بالإفادات الآتية : 

أولاً - دعا العهد والي مصر المأمول ، إلى الإهتمام بهذه الطبقة ، وإنطلاقاً من موجهات العقيدي الإسلامي ، وذلك لأن لها حق حدده الله . وعلى هذا الأساس فإن مهمة الوالي ، أن يجعل ” لهم من بيت ” المال قسماً ، و” قسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد ” (105) .

ثانياً - ونبه العهد الوالي من عدم نسيان طبقة المحتاجين والمساكين ، ومن ثم يتشاغل عنهم لأي سبب من الأسباب مهما كان ، وبالمقابل سأله بتفقد ” إمور من لا يصل إليك منهم ” . وأكد عليه أن يختار من الثقات من المقربين لديه ، ليُتابع حاجاتهم ، وأن يرفع إلى الوالي ” أمورهم ” ، وأن يعمل على توفيرها (106) .

ثالثاً - وتطلع عهد الأشتر إلى تنظيم عملية مساعدة طبقة المحتاجين والمساكين ، وتلبية حاجاتهم . ولتحقيق ذلك إشترط العهد على والي مصر المأمول ، أن يكون له ” مجلساً عاماً ” يتفرغ فيه ” لذوي الحاجات ” ، وبالتخصيص من ” أهل اليتم وذوي الرقة في السن ” . ولتأمين أجواء تحفظ كرامة طبقة المحتاجين والمساكين ، طالبه العهد بأن يكون منفتحاً عليهم (بسرية عالية وهذا هو شرط العقيدي الإسلامي) ، وبالتحديد بعيداً عن أنظار الجند والأعوان والحراس والشرطة (107) .

  ولاحظنا في مضمار علاقة الحاكم بالرعية على وجه العموم ، إن عهد الأشتر قد نبه والي مصر المأمول إلى ضرورة ، أن يتوافر لديه ميزان ، يُمكنه من حساب وقياس سلوك الرعية . وعلى أساسه يستطيع أن يميز ما بين ” المُحسن ” من الرعية ، وما بين ” المُسئ ” منهم . وإستناداً إلى هذا الميزان ، يحسب درجات الإحسان و الإساءة . وبخلاف ذلك فإن غياب مثل هذا الميزان ، يتساوى المُحسن و المسئ . ولذلك خاطبه العهد مباشرة ، فأفاد : ” لا يكونن المُحسن والمُسئ عندك بمنزلة سواء . فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان ، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة ! وإلزم كلاً منهم ما ألزم نفسه ” (108) .

  في الواقع إن الأدب السياسي الإسلامي (أدب المرايا) ، قد عالج مثل هذه الموضوعات التي تناولها عهد الأشتر (وبالطبع عهد الأشتر متقدم عليها على الأقل بستة عقود من الزمن) . وإن جميع نصوص الأدب السياسي (الإجتماعي والإقتصادي والتربوي بالطبع) قد بحثت في علاقة السلطان (أو الحاكم / والي مصر المأمول في عهد الأشتر) بالرعية ، وقدمتها من خلال عدالة السلطان وطاعة الرعية (109) .

تعقيب ختامي :

  لقد أصبح من الثابت القار لدينا ، إن العهد الذي كتبه الخليفة – الإمام الراشدي الرابع ، وزوده لواليه على مصر ” مالك الأشتر ، منهاج عمل سياسي - إداري ، من أقدم النصوص في الأدب السياسي – الإداري الإسلامي . ومن المعروف إن علياً كتبه عام 38 هجرية ، أي قبل مرحلة الإتصال الثقافي ، والتبادل المعرفي مع النتاج الثقافي المترجم والمجلوب إلى دائرة الثقافة العربية – الإسلامية ، وبحدود القرن من الزمن

  والسؤال الذي يُثار هنا : ما هي المكانة التي يشغُلها عهد الأشتر في خارطة النتاج الثقافي – الحضاري (الإيراني والهندي واليوناني) في الأدب السياسي ؟ إنه حق سؤال كبير ، غير إن هدفنا في هذا التعقيب ، تقديم بعض المؤشرات العامة (والتي تنفعُ في مشروعات بحوث قادمة) ، وبالصورة الآتية :

أولاً - إن العقل الإيراني السياسي ، كتب فعلاً عهداً متداولاً في كُتب المرايا ، وكان بعنوان ” عهد إردشير ” (110) . وقد عرف العقل الإسلامي بعض من فقراته وضمنها في كتاباته (111) . ونحسبُ إنه من النافع أن نشير إلى حقيقة طبعت جوهر العهدين ، عهد أردشير وعهد الأشتر ، وهو إن الأول قدم وعكس فلسفة الحياة الإيرانية قبل الإسلام . في حين إن عهد الخليفة – الإمام الراشدي علي ، عرض لنا فلسفة الإسلام السياسية – الإدارية .

ثانياً - كتب العقل السياسي الهندي ، بعض النصوص في نصائح الملوك ، وبعنوان ” حُكم ساناق السندي للملك برقما نص الهندي ” . وقد عرفها العقل الإسلامي في مرحلة التبادل الثقافي (112) . وهي عبارة عن فقرات محدودة ، في حقيقتها تعكس فلسفة الشعب الهندي ، التي تنهض على محاربة الدنيوي – المادي الحسي ، مما يجعلها غريبة عن الأجواء الإسلامية . وفي هذا الجانب تقدم عهد الأشتر عليها ، وشكل المشروع السياسي الإسلامي الأصيل .

ثالثاً - لاحظ الباحث من خلال دراسته لأدب المرايا ، إن هناك كتاباً منسوباً للفيلسوف اليوناني إفلاطون (427 / 428 – 347 / 348 ق.م) وبعنوان ” كتاب العهود اليونانية ” . وهذا هو العنوان الرئيسي ، أما العنوان الفرعي ، فهو ” المستخرجة من رموز كتاب السياسة لإفلاطون وما إنضاف إليه ” ومكتوب عليه من تأليف (أحمد بن يوسف بن إبراهيم) (113) . والكتاب يتألف من ثلاثة عهود :

1 – عهد الملك إلى إبنه

2 – عهد الوزير إلى ولده

3 – عهد العامي إلى ولده

  وتتميز نصوص العهود اليونانية ، بكونها عبارة عن جمل مسبوكة منفصلة (مستقلة بعضها عن البعض الأخر) ، وتحمل الطابع اليوناني ، الغريب على الأجواء الإسلامية . ويبدو إن نصوص العهود اليونانية قد تُرجمت في مرحلة تاريخية متأخرة نسبياً .

رابعاً - كتب العقل الإسلامي بعض النصوص المتفردة ، والتي تناولت مصادر الأدب السياسي ، وهي من النصوص المهمة ، ومنها :

1 – حُنين بن إسحاق (215 – 298 هجرية / 830 – 910م) ؛ آداب الفلاسفة ، إختصره محمد بن علي بن إبراهيم الأنصاري (114) .

2 – إبن هندو (حوالي 331 – 420 هجرية) ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية (115) .

3 – مسكويه (932 – 1030م) ؛ الحكمة الخالدة (جاويدان خرد) (116) .

4 – المبشر بن فاتك (حوالي 500 هجرية / 1106م) ؛ مختار الحكم ومحاسن الكلم (117) .

  وفعلاً فقد سجلت هذه المصادر ، حضوراً للمنتوج الثقافي للأدب السياسي الإيراني والهندي واليوناني ومن ثم العربي . وقد إنفرد مسكويه بكتابة مبحثاً في غاية الأهمية ، في كتابه الحكمة الخالدة (جاويدان خرد) عن الإفادات السياسية الواردة في خطب الإمام علي . كما وردت إفادات منها في كتاب إبن هندو الكلم الروحانية … ” ، وبعض الإشارات عند إبن فاتك مختار الحكم … ” . 

———————————————————-

هوامش البحث :

1 – من المصادر المهمة للأدب السياسي الإسلامي ، والتي سجلت حضوراً للإفادات السياسية التربوية للخليفة – الإمام علي بن أبي طالب :

أبو علي مسكويه ؛ الحكمة الخالدة (جاويدان خرد) ، تحقيق وتقديم الدكتورعبد الرحمن بدوي ، دار الأندلس ، بيروت ، بلا تاريخ ، ص ص 110 – 113

2 – أنظر :

نهج البلاغة ، ضبطه ووضع فهارسه الدكتور صبحي الصالح ، دار الكتب اللبناني ، ط1 ، بيروت 1967 ، ص ص 407 – 408

3 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 410 – 411

4 – من النصوص التي تتحرك في أجواء عهد الأشتر في هذا الطرف ، النصوص الآتية :

أ – أبو عثمان الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك ، تحقيق فوزي عطوي ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، بلا تاريخ

ب – إبن قتيبة الدينوري ؛ الإمامة والسياسة ، تحقيق علي شيري ، دار الأضواء ، ط1 ، بيروت 1990 (جزءان)

ج – الفارابي ؛ أراء أهل المدينة الفاضلة ، قدم له وحققه ألبير نصري نادر ، ط1 ، بيروت 1959

د – محمد الطرطوشي ؛ سراج الملوك ، تحقيق جعفر البياتي ، ط1 ، لندن 1990

5 – عهد الإمام علي إلى الأشتر النخعي ، منشور في نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي (الدكتور صبحي الصالح ؛ مصدر سابق) ، ص 427 

6 – من النماذج الدالة على ذلك :

أ – الخواجة نظام الملك الطوسي ؛ سياست نامه (سير الملوك) ، ترجمة الدكتور يوسف حسين بكار ، دار القدس ، بيروت ، بلا تاريخ ، ص ص 274 – 275

ب – أبو بكر المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة ، تحقيق رضوان السيد ، دار الطليعة ، ط1 ، بيروت 1981 ، ص ص 207 – 210

ج – محمد بن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، تحقيق رضوان السيد ، دار الطليعة ، ط1 ، بيروت 1983 ، ص ص 127 وما بعد

7 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 427

8 – قارن ذلك في عينة من مصادر نصوص المرايا الأتية :

أ – أبو الحسن الماوردي ؛ الأحكام السلطانية ، دار الكتب العلمية ، ط1 ، بيروت 1985 ، ص 18

ب – المرادي ، الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص ص 122 – 123

9 – عهد الأمام علي إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 427

10 – قارن ذلك بالنصوص السلطانية الأتية :

أ – عبد الله بن المقفع ؛ الأدب الكبير ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت 1987 ، ص 74

ب – أبو حامد الغزالي ؛ التبر المسبوك في نصيحة الملوك ، دراسة وتحقيق محمد أحمد دمج ، المؤسسة الجامعية للدراسات ، ط1 ، بيروت 1987 ، ص 195

11 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 427

12 – من نصوص أدب المرايا التي تشارك عهد الأشتر في هذا المضمار ، النصوص المنتخبة الآتية :

أ – الماوردي ؛ تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملوك وسياسة الملك ، تحقيق رضوان السيد ، دار العلوم العربية ، ط1 ، بيروت 1987 ، ص ص 207 – 209

ب – الطرطوشي ؛ سراج الملوك (مصدر سابق) ، ص 370

13 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص ص 427 – 428 ، 431

14 – قارن ذلك في نصوص المرايا الآتية :

أ – إبن أبي الربيع ؛ سلوك المالك في تدبير الممالك ، دار الأندلس ، ط3 ، بيروت 1983

ولعل من أقدم التحقيقات العلمية لهذا الكتاب ، هو تحقيق المصري ، الدكتور حامد عبد الله ربيع (1925 – 1989) وهو مختص بالفكر السياسي والنظرية السياسية . ومن ثم ظهر بتحقيق العراقي الدكتور ناجي عباس القصاب (التكريتي) . والسؤال الذي يُثار هنا ؛ هل هناك أسباب علمية حملت الدكتور ناجي إلى إعادة التحقيق لكتاب قام بتحقيقه أكاديمي مشهور ومتخصص في الفكر السياسي والنظرية السياسية ؟ سؤال لا يعرف الجواب عليه غير الأكاديميين المصريين (لأن الدكتور حامد ربيع في ذمة الخلود) والدكتور ناجي التكريتي ، وهو خريج قسم التاريخ / جامعة المستنصرية المسائية أيام زمان ، ومن ثم تحول بفعل قادر إلى مضمار الفلسفة العتيد ، بعد إن قام بإعادة تحقيق نصوص سبق إن حققها أكاديميون لهم سمعة أكاديمية عالية ، من زمن بعيد وقريب . وبفعل إلهي فذ أصبح رمزاً من رموز مدرسة بغداد الفلسفية الميمونة . فسلام على مدرسة بغداد ، وسلام على فلاسفتها الميامين . ولله في خلقه شؤون . ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .

ب – قابوس بن وشكمير ؛ كتاب النصيحة ، ترجمة صادق نشأت وأمين بدوي ، منشور في كتاب محمد أحمد دمج ؛ مرايا الأمراء ، مؤسسة بحسون ، ط1 ، بيروت ، 1994

15 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 430

16 – من مصادر أدب المرايا التي عالجت أدب الوزير ، المصادر الآتية :

أ – الماوردي ؛ قوانين الوزارة ، تحقيق رضوان السيد ، دار الطليعة ، ط2 ، بيروت 1993

ب – لسان الدين بن الخطيب ؛ الإشارة إلى أدب الوزارة ، تحقيق محمد كمال شبانة ، مطبعة الساحل ، الرباط ، بلا تاريخ

17 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 430

المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة (مصدر سابق) ، ص ص 61 – 71

19 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص ص 434 – 435

20 – أنظر :

الماوردي ؛ قوانين الوزارة (مصدر سابق) ، ص 239

21 – أنظر :

الماوردي ؛ أدب القاضي ، تحقيق محمد هلال السرحان ، مطبعة الإرشاد ، بغداد 1971

وإضافة إلى كل ذلك ، فالماوردي يُعد من الكتاب الرواد في مضمار الإقتصاد الإسلامي ، وكان لصاحب القلم (الدكتور محمد جلوب الفرحان) الشرف في الكتابة عن تأملاته الإسلامية في الإقتصاد ، وخلال إقامته في عاصمة الثقافة العربية بيروت ، وللفترة من 1995 وحتى 1 دسمبر 1998 . للتفاصيل أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الإقتصادي في كتابات الماوردي ، مجلة الإجتهاد ، بيروت – لبنان / العدد المزدوج (34 – 35) شتاء – ربيع 1997 ، وهو من الأبحاث التي لاقت إهتماماً واسعاً في دوائر أكاديمية عربية مختلفة ، وخصوصاً في مضمار الدراسات العليا ، وعلى صعيدي الماجستير والدكتوراه ، وتم التنويه به والإحالة إليه .

22 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 437

23 – أنظر في هذا المضمار :

عبد الحميد الكاتب ؛ رسالة إلى الكُتاب ، منشورة في كتاب جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة ، جمع أحمد زكي صفوت ، دار المطبوعات العربية ، بلا تاريخ ، ج 2 ، ص 406

24 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص ص 435 – 436

25 – قارن ذلك في نصوص أدب المرايا ، مثالاً وليس حصراً :

الماوردي ؛ تسهيل النظر (مصدر سابق) ، ص 239 ، ص ص 240 – 243

26 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص ص 432 – 434

27 – من نصوص أدب المرايا التي عالجت هذا الموضوع ، مثلاً وليس حصراً :

المرادي : كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة (مصدر سابق) ، ص ص 121 – 134

28 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 427

29 – المصدر السابق

30 – المصدر السابق

31 – المصدر السابق

32 – من النصوص التي إقتربت من عهد الأشتر :

أ – الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك (مصدر سابق) ، ص ص 12 – 13

ب – الغزالي ؛ التبر المسبوك في نصيحة الملوك (مصدر سابق) ، ص 195

ج – الماوردي ؛ الأحكام السلطانية (مصدر سابق) ، ص ص 6 – 7

   لقد تداول الباحث (أي الدكتور محمد جلوب الفرحان) إصطلاح الفكرانية الإسلامية ، ويعني به النظر إلى الإسلام ، نظرية حياة شاملة ، تتوزع بحد ذاتها إلى فكرانيات متفرعة منها ، مثلاً : فكرانية سياسية ، وفكرانية إقتصادية  ، وفكرانية إجتماعية ، وفكرانية تربوية  ، وفكرانية أبستمولوجية ، ومن ثم فكرانية علمية  … وهكذا . وربما من الفكرانية الإجتماعية الإسلامية ، تتفرع منها ما يمكن أن نتناول فيه موقف الإسلام بشواطئه المتنوعة من المرأة ، والتي نحسبها تشكل مضمار الفكرانية الفمنستية الإسلامية … وفي إصطلاح الفكرانية نزعة خروج على الإنغلاق المذهبي (الطائفي) المقيت ، والتعامل مع الشواطئ الفقهية الإسلامية المتنوعة ، بروح من الإنفتاح والحوار الإيجابي ، والإقرار بإنها صور من الإجتهاد الإسلامي ، والإعتراف بأنها ألوان الإسلام الزاهية . وفي الإصطلاح دعوة إلى الإنتقال من التحارب والتراشق الطائفي ، إلى حوار وإنفتاح ذو طبيعة مدنية إنسانية راقية ، وفيها إحترام للشاطئ الأخر ، والوقوف بوجه السخفاء بحزم ، وهجر كل النقد الطائفي السوقي الهابط ، ورفع شعار نحو إخوة إنسانية يرضى الله عنها ورسوله .  وتذكر الثوابت الأتية :

أ – إن القرآن كان محفوظاً على صدور المسلمين ، وبلهجات مختلفة ، وليس لهجة واحدة .

ب – إن تسجيل القرأن حدثت في خلافة عثمان ، والذي جمع القرأن ، وطلب كتابته بلهجة قريش ، وحرق جميع النسخ التي كان فيها القرآن محفوظاً بلهجات أخرى ولفترة إمتدت من نزول الوحي وحتى خلافة عثمان .

ج – إن الحديث النبوي الشارح للقرآن ، كما يعرف جميع المسلمين ، ومن مختلف المذاهب الإسلامية ، قد أصابه الوضع ، وأرجو أن لا تنسوا إعتراف أبي هريرة بوضع الكثير الكثير من الأحاديث النبوية … فإختلط فيه الصحيح مع المخترع ، ومن ثم ظهر علم الجرح والتعديل لتصنيف الأحاديث النبوية … ولكل هذ الحال مطلوب من المسلمين كافة ، أن يعترفوا بما حدث ، وأن يكونوا حلماء ، وأن يتوقفوا من التراشق المذهبي ، وأن يكونوا متسامحين ، وترك الخلاف ، وقبول التعايش السلمي هو الطريق الذي يُرضي الله ورسوله ، وهو سبيل النجاة في هذا الدار والدار الأخر … والباحث يشاطرُ إسلام الوحي ، إسلام الرسول وحتى وفاته ، ولا يُشاطر إسلام التشرذم والإنقسام والطوائف (وتراشق الصحابة والتحريض على قتل بعضهم للبعض) الذي إنبثق في مناخات السقيفة وما بعدها ، وخلاله سالت دماء المسلمين الزكية بيد بعضهم البعض ، وتحت عناوين تتعارض وجوهر الإسلام ورسالته السمحاء …

33 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 427

34 – المصدر السابق

35 – المصدر السابق ، ص 428

36 – من نصوص أدب المرايا التي عالجت فكرة أو معيار الإعتدال :

المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة (مصدر سابق) ، ص 75

37 – من مصادر أدب المرايا التي إعتنت ببرنامج التدخل ، كثيرة منها مثلاً :

الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك (مصدر سابق) ، صفحات مختلفة

38 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 427

39 – أنظر :

عبد الحميد الكاتب ؛ رسالة في نصيحة ولي العهد / منشورة في كتاب جمهرة رسائل العرب (مصدر سابق) / ج 2 / ص 414

40 – أنظر :

المرادي ؛ الإشارة إلى أدب الإمارة (مصدر سابق) ، ص 117

41 – أنظر :

أبن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، تحقيق ودراسة رضوان السيد (وكان من الزملاء الأكاديميين اللبنانيين خلال إقامتنا في بيروت) ، نشرة دار الطليعة – بيروت 1983 ، ص 65

42 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 445

43 – قارن ذلك في نصوص المرايا الآتية :

أ – إبن عبد ربه ؛ العقد الفريد ، تحقيق محمد سعيد العريان ، دار الفكر ، بيروت بلا تاريخ ، ج 1 ، ص 5

ب – الغزالي ؛ التبر المسبوك في نصيحة الملوك ، ص ص 172 – 173

ج – الماوردي ؛ الأحكام السلطانية ، ص ص 6 – 7

د – المرادي ؛ الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص 145

44 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 427 

45 – المصدر السابق

46 – المصدر السابق ، ص 428

47 – قارن ذلك في مصادر المرايا الآتية :

أ – أبن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، ص 67

ب – إبن المقفع ؛ كليلة ودمنه ، دار مكتبة الحياة ، بلا تاريخ ، ص 16

ج – الماوردي ؛ الأحكام السلطانية ، ص 18 

48 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 428

49 – المصدر السابق ، ص ص 443 – 444

50 – المصدر السابق ، ص 444

51 – قارن ذلك في نصوص المرايا الآتية :

أ – إبن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، ص 68

ب – الجاحظ ، كتاب التاج في أخلاق الملوك ، ص 59

ج – الغزالي ؛ التبر المسبوك في نصيحة الملوك ، ص 203

52 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 428 

53 – راجع للمقارنة والبحث المصادر الأتية :

أ – الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك ، ص 60

ب – الماوردي ؛ قوانين الوزارة ، ص 197

54 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 430

55 – المصدر السابق ، ص 429

56 – أنظر حضور هذه المسألة في المصادر الآتية :

أ – عبد الله بن المقفع ؛ الأدب الوجيز للولد الصغير ، ترجمة محمد غفراني الخراساني ، القاهرة 1341 هجرية / منشور في كتاب عبد الأمير شمس الدين ؛ الفكر التربوي عند إبن المقفع ، دار الكتاب العربي ، ط1 ، بيروت ، ص 204

ب – الغزالي ؛ التبر المسبوك في نصيحة الملوك ، ص 203

57 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 430

58 – المصدر السابق

59 – المصدر السابق ، ص 444

60 – قارن ذلك في كتب المرايا الآتية :

أ – الماوردي ؛ الأحكام السلطانية ، ص 7

ب – الفارابي ؛ أراء أهل المدينة الفاضلة ، ص ص 89 – 90

ج – إبن سينا ؛ علم الأخلاق ، رسالة منشورة في رسائل إبن سينا ، القاهرة ، 1328 هجرية ، ص 194

61 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 430

62 – للإطلاع على أمثلة وشواهد من كتب المرايا ، التي ناقشت هذه الفضيلة ، أنظر :

أ – إبن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، ص 142

ب – الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك ، ص 142

63 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 431 

64 – قارن ذلك في نصوص أدب المرايا الآتية :

أ – الخواجة نظام الملك الطوسي ؛ سياسات نامة (سير الملوك) مصدر سابق ، ص 115

ب – الماوردي ؛ تسهيل النظر وتعجيل الظفر ، تحقيق محيي هلال السرحان ، دار النهضة العربية ، ط 1 ، بيروت 1981 ، ص ص 288 – 292

ج – عبد الحميد الكاتب ؛ رسالة في نصيحة ولي العهد ، ص 408
د – إبن عبد ربه ؛ العقد الفريد ، تحقيق محمد قميحة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، بلا تاريخ ، ج 2 ، ص ص 82 – 83

65 – عهد الإمام إلى الأشتر (مصدر سابق) ، ص 440

66 – المصدر السابق ، ص 443

67 – المصدر السابق ، ص 436

68 – المصدر السابق ، ص 430

69 – المصدر السابق

70 – المصدر السابق

71 – قارن ذلك في كتب المرايا الآتية :

أ – إبن المقفع ؛ الأدب الكبير ، ص 71 . وكليلة ودمنة ، ص ص 187 ، 297

ب – الماوردي ؛ قوانين الوزارة ، خصائص الوزير ، ص 159 وما بعد

ج – إبن عبد ربه ؛ العقد الفريد ، ج 1 ، ص 24

د – الغزالي ؛ التبر المسبوك في نصيحة الملوك ، ص 240

و – المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص 63

72 – عهد الإمام إلى الأشتر ، ص 430

73 – المصدر السابق

74 – المصدر السابق

75 – المصدر السابق

76 – للإطلاع قارن ذلك في المصادر الآتية :

أ - الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك ، ص 16 وما بعد

ب - الخواجه نظام الملك الطوسي ؛ سياست نامه ، ص 115

ج - المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص ص 61 – 71

د - إبن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، ص 65 وما بعد

77 – عهد الإمام إلى الأشتر ، ص 437

78 – المصدر السابق

79 – المصدر السابق

80 – المصدر السابق

81 – قارن ذلك في مصادر أدب المرايا الآتية :

أ - عبد الحميد الكاتب ؛ رسالة إلى الكُتاب ، ص 456

ب - إبن عبد ربه ، العقد الفريد ، ج 4 ، ص ص 253 ، 354

ج - المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص ص 105 ، 107

د - الماوردي ؛ الأحكام السلطانية ، صفحات مختلفة

82 – عهد الإمام إلى الأشتر ، ص 434

83 – المصدر السابق

84 – المصدر السابق ، ص ص 434 – 435

85 – المصدر السابق ، ص 435

86 – المصدر السابق

87 – قارن ذلك في كتب المرايا الآتية :

أ - الماوردي ؛ تسهيل النظر ، ص 239

ب - الخواجة نظام الملك الطوسي ؛ سياست نامه ، ص 85

ج - إبن المقفع ؛ كليلة ودمنة ، ص ص 226 – 228

د - إبن عبد ربه ؛ العقد الفريد ، ج 1 ، ص 62

88 – عهد الإمام إلى الأشتر ، ص 435

89 – المصدر السابق (الكلام التشديد منا ، والكلام المحصور بين أقواس صغيرة مقتبس بإنتخاب من عهد الأشتر) .

90 – قارن ذلك في كتب ومصادر المرايا الآتية :

أ - الماوردي ؛ تسهيل النظر ، ص ص 240 – 243

ب - الخواجة نظام الملك الظوسي ؛ سياست نامة ، ص ص 60 ، 85

91 – عهد الإمام إلى الأشتر ، ص 432

92 – المصدر السابق ، ص ص 432 – 433

93 – المصدر السابق ، ص 433

94 – المصدر السابق

95 – قارن ذلك في كتب المرايا الأتية :

أ - الماوردي ؛ تسهيل النظر ، ص ص 239 – 240 ، وكذلك قوانين الوزارة ، ص 240

ب - الخواجة نظام الملك الطوسي ؛ سياست نامة ، ص ص 125 ، 161

ج - المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص ص 122 ، 122 – 123

96 – عهد الإمام إلى الأشتر ، ص 431

97 – المصدر السابق ، ص ص 431 – 432

98 – أنظر للمقارنة مع نصوص الأدب السلطاني الإسلامي ، النصوص الآتية :

أ - إبن أبي الربيع ؛ سلوك المالك في تدبير الممالك ؛ ص 104

ب - المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص 155

99 – عهد الإمام إلى الأشتر ، ص 436 

100 – المصدر السابق

101 – المصدر السابق 

102 – المصدر السابق ، ص 438

103 – المصدر السابق 

104 – المصدر السابق

105 – المصدر السابق ، ص ص 438 – 439

106 – المصدر السابق ، ص 439

107 – المصدر السابق

108 – المصدر السابق ، ص ص 430 – 431

109 – للمقارنة والإطلاع راجع المصادر الآتية :

1 – عبد الله بن المقفع ؛ الأدب الكبير ، ص 57

2 – عبد الحميد الكاتب ؛ رسالة في نصيحة ولي العهد ، ص 414

3 – الماوردي ؛ تسهيل النظر ، ص ص 283 – 288

4 – الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك ، ص 167

5 – إبن عبد ربه ؛ العقد الفريد ، ج 1 ، ص 19

6 – الغزالي ؛ التبر المسبوك في نصيحة الملوك ، ص 195

7 – المرادي ؛ كتاب الإشارة إلى أدب الإمارة ، ص 155

110 – أنظر :

عهد أردشير ، نشرة إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت 1967

111 – أنظر للإستشهاد :

1 – الجاحظ ؛ كتاب التاج في أخلاق الملوك (مصدر سابق) ، ص 23

2 – الطرطوشي ؛ سراج الملوك ، ص 354

112 – أنظر

الطرطوشي ؛ المصدر السابق ، ص 540

113 – أنظر :

أحمد بن يوسف (إبن الداية) ؛ كتاب العهود اليونانية ، منشور في كتاب الأصول اليونانية للنظريات السياسية ، حققه عبد الرحمن بدوي ، القاهرة 1954

114 – تحقيق عبد الرحمن بدوي ، معهد المخطوطات العربية ، الكويت 1985

115 – نشرة مصطفى القباني الدمشقي ، القاهرة 1900 ، ومن ثم صدر بنشرة علمية – أكاديمية واسعة تفصيلية جديدة مع تحقيق النص ، أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ العقل السياسي العربي الإسلامي والمؤسسة السياسية ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 2001 ، والكتاب تألف من قسمين ، الأول دراسة عن المؤلف لإبن هندو وكتابه الكلم الروحانية من الحكم اليونانية وتكون من مئة وأربع وأربعين صفحة (ص ص 5 – 144) . والقسم الثاني هو تحقيق  نص كتاب الكلم الروحانية .. مع مقارنة في الهامش مع نصوص المرايا السياسية الإسلامية .

116 – تحقيق عبد الرحمن بدوي ، دار الأندلس ، بلا تاريخ

117 – حققه عبد الرحمن بدوي ، مطبعة المعهد المصري للدراسات الإسلامية ، ط1 ، مدريد 1958 . 

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

رابطة العلمانيين العراقيين في المهجر تُساند أبناء مدينة الموصل الحدباء الصامدة

  تناقلت الوكالات  والصحف العربية والأجنبية

قرار أبناء مدينة الموصل الحدباء الصامدة رفض  حكومة المالكي ودكتاتوريته الطائفية

والتي هربت أمام داعش ولم تدافع عن الحدباء

وفي الوقت ذاته قرر أبناء الحدباء بعزم قوي على تحرير الحدباء من موجات داعش التترية

والتصدي لها بكل تاريخها الحضاري المجيد وسواعد شبابها الأبطالِ

ومن ثم العودة بمدينة الحدباء إلى مسارها الأصيل

وستكون الحدباء رمزاً يُحرك كل العراقيين

ويعودة بهم إلى طريق الإخوة  والوحدة والمواطنة

التي لا علاقة لها بالفكر الطائفي ورجال الطوائف

كل العراقيين والعرب مع الحدباء وأهلها الطيبين

رابطة العلمانيين العراقيين في المهجر 

الباب مفتوح للتسجيل في رابطة العلمانيين العراقيين

وإعتزازاً بالأعضاء الجدد سننشر الأسماء بالتتابع

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

ملاحظة للقارئ العزيز

من أجل المحافظة على حقنا في التأليف

تم بداية من هذا العدد رفع جميع هوامش الأبحاث ومن خلال الكومبيوتر

ولكل من يرغب بالحصول على العدد كاملاً بهوامشه 

يُرجى مراسلتنا على الإيميل الأتي

mgfarhan@hotmail.com

بعد التبرع للمجلة والمساهمة في إستمرارها

وسنرسل المجلة على 

PDF

لكل مُتبرع

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

 

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

العدد الثالث عشر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / شتاء – ربيع 2014

أوراق فلسفية جديدة
الفلسفة : حُب الحكمة     الفيلسوف : مُحب الحكمة
والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة
نحو مدرسة فلسفية مُتجددة
——————————————————————————–
13
شتاء – ربيع 2014
——————————————————————————–
الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان
الفلسفة والعلم
في تفكير الوجودي الألماني كارل ياسبرز
مع العدد كتابنا المسلسل
الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية
حانا إرنديت (1906 – 1975) وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل
5
الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين
——————————————————————————–
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
——————————————————————————–
NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

 Dr. MOHAMAD FARHAN      DR. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – إنتاريو – كندا
رئيس التحرير – الأكاديمي الدكتور محمد جلوب الفرحان
سكرتيرة التحرير – الأكاديمية الدكتورة نداء إبراهيم خليل
مجلة أوراق فلسفية جديدة
الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة
لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة بيراع أكاديميين إثنين فقط
يُفضل قراءة هذا العدد بصحبة الإستماع إلى رائعة الموسيقار الإلماني جوهانز برامز (1833 – 1897) والتي حملت عنوان لوليبي أي ليلة سعيدة (والتي كتبها عام 1868) والمتوافرة على اليوتوب .
—————————————————————————————
في هذا العدد :
1 – نظرة إلى حياة ياسبرز
2 – تحدي إينو ياسبرز ومآساته
3 – كارل ياسبرز مؤلفاً
4 – الإتجاهات الفلسفية والعلمية في عصر ياسبرز
5 – فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية
6 – مساهمة فرانز برنتانو في بيئة ياسبرز الثقافية الأكاديمية
7 – مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي
8 – الفيلسوفة حانا آرنديت والقديس أوغسطين
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
المقدمة
تكتسي الكتابة عن العلاقة بين الفلسفة والعلم في تفكير الوجودي الألماني المعاصر كارل ياسبرز (1883 – 1969) أهمية ذات طابع خاص في تاريخ الفكر الفلسفي الغربي المعاصر عامة ، وتاريخ الفكر الفلسفي الوجودي خاصة ، وذلك من نواح عديدة :
أولاً – إن الوجودية لم تكن معنية بالعلاقة بين العلم والفلسفة (أو ما يُسمى بمضمارالفلسفة العلمية) في نصوصها على الإطلاق . غير إن جُل إهتمامها كان متمركزاً حول الإنسان المحكوم بمواقفه . ومن هنا تأتي مكانة ياسبرز وزميله الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر (1889 – 1976) . فقد لاحظنا إن الأول (أي ياسبرز) شغل نفسه في العلاقة بين العلم والفلسفة ، وبالتحديد في كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة (1931) . أما الثاني (أي هيدجر)
فقد ركز أبحاثه الأكاديمية الأساس على آلة الفلسفة ولُب الفلسفة العلمية ، وهو علم المنطق ، وخصوصاً في إطروحته للدكتوراه الأولى ، والتي جاءت بعنوان نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (1914) وإطروحته للدكتوراه الثانية ، والتي كانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس (1265 – 1308) وكتبها هيدجر تحت إشراف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت (1863 – 1936) في العام 1916 . ومن ثم نشر كتابه الإنجيلي المعنون الوجود والزمن (1927) .
ثانياً – إن ياسبرز لم يدرس الفلسفة دراسة أكاديمية ، فهو لم يتخرج من قسم الفلسفة ، بل ولم يدخل أبوابها ، ولم يدرس فصلاً دراسياً في الفلسفة .
ثالثاً – بدأ ياسبرز دراسته الأكاديمية طالباً في القانون والتشريع ، وبعد ثلاثة فصول دراسية وبسبب مرضه المزمن أقنع والده رجل القانون وبتوصية من طبيبه بالإنتقال من دراسة القانون إلى دراسة الطب .
رابعاً – بعد إكماله لإثنتي عشر فصلاً دراسياً تخرج من كلية الطب ، وأخذ يعمل طبيباً متدرباً في العيادة النفسية في مستشفى جامعة هيدلبيرك . وفي الوقت ذاته تفرغ لكتابة إطروحته في الدكتوراه وفي إختصاص الطب النفسي . وفعلاً فقد كان عنوان إطروحته للدكتوراه الأولى ” الهومسك (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” (1909) . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه (وهي شرط للتأهيل في التدريس الأكاديمي) وكانت بعنوان علم النفس المرضي العام (1913) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) . ومن ثم جاء في العام 1931 ظهور رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والذي جاء ظهورها إلى دائرة النور بعد إنتظار طويل . إذ إنه لم ينشر شيئاً على الإطلاق منذ إن أصبح في العام 1920 رئيساً لكلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك .
لقد كان إنجاز رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة في أجواء إحتجاجات الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك على الأهلية الأكاديمية للبروفسور ياسبرز في مضمار البحث الفلسفي . وكان يقود الكانطيين الجدد في إحتجاجاتهم ، بروفسور الفلسفة المتمرس ، والرمز الكبير في حركة الكانطية الجديدة في هيدلبيرك هنريخ ريكارت ، والذي إتهم ياسبرز بعجزه وعدم إمكانيته في الكتابة بعد إن أخذته الشؤون الإدارية ، ونضبت أفكاره من عملية الإبداع في مضمار الفلسفة . وهكذا جاء نشر الكتاب صدمة للبروفسور هنريخ ريكارت (وبالطبع لمجموعة الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك) والذين لاذوا إلى دائرة الصمت .
كما وتزامن التحضير لكتابة رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وصول الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حانا أرنديت (1906 – 1975) إلى جامعة هيدلبيرك ، لكتابة إطروحتها للدكتوراه تحت إشراف كارل ياسبرز ، وقد شاركت في مناقشات أطراف من موضوعات الكتاب خلال السيمنارات والمناقشات المباشرة مع ياسبرز أثناء إعداد مقالاته للنشر ، وخصوصاً في طرف رئيس من فصول هذا الكتاب ، وهو الخاص بالفعل يتفلسف . ومن الملاحظ إن ياسبرز قد أغفل الإعتراف بجهود حانا أرنديت (والتي تدربت في التحليل الفيللوجي على يد مارتن هيدجر) أو الإشارة إليها مباشرة أو غير مباشرة . ولكن مترجم الكتاب إلى الإنكليزية الأستاذ أي . . أشتون قد إشار إلى حانا أثناء حديثه عن المعنى الفيللوجي لكلمة التفلسف ، والفعل يتفلسف . وكل ذلك جاء في مقدمة المترجم إلى النشرة الإنكليزية .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(1)
نظرة إلى حياة ياسبرز ومؤلفاته
الدكتور محمد جلوب الفرحان
مؤشرات عن سيرة ياسبرز ومصادر تكوين ذهنيته الفلسفية
ونحسب بداية إنه من الضروري إعلام القارئ والباحث بأن كتابتنا عن سيرة الفيلسوف كارل ياسبرز قد إعتمدت في الأساس على الرسائل المتبادلة بين كارل ياسبرز ووالديه ، والتي قامت الباحثة سوزانا كيركبرايت بترجمتها إلى الإنكليزية ، والمنشورة بشكل واسع في كتابها المعنون ” كارل ياسبرز : سيرة ذاتية وإبحار في الصدق ” / وبالتحديد في ملاحق الكتاب . والحقيقة إن هذا الأسلوب من التخاطب قد دشنته الوالدة هنريت (أم ياسبرز كما سترى ذلك) ، ومن ثم أصبح تقليداً تربوياً – تعليمياً ووسيلة تخاطب بين أفراد العائلة ، ومن ثم وسعته ليشمل الأقارب والمعارف ومن ثم شمل أبناء مدينة أولدنبيرك . وهو الأسلوب من التخاطب الذي سيطوره الفيلسوف ياسبرز إلى ما سيعرف فيما بعد بطريق التخاطب الوجودي .
ولد كارل ثيودور ياسبرز في 23 شباط عام 1883 في مدينة أولدنبيرك في شمال ألمانيا . وتربى في أحضان عائلة بروتستانتية منفتحة وذات تركيب ثقافي ومهني متنوع . فمن طرف الوالدة هنريت ياسبرز (1862 – 1941) فقد أحب ياسبرزالريف وتعلق به وذلك لأن والدته جاءت من مجتمع فلاحي محلي . ومن طرف الوالد فقد كان رجل قانون وليبرالي وله ” وجهات نظر نقدية للحياة الدينية ” ولكنه لم يتطلع على الإطلاق إلى التأثير على إتجاهات أولاده الثلاثة (ولدان وبنت واحدة) وهم كل من كارل ، إرنا وإينو . فمثلاً كارل إرتبط بالكنيسة البروتستانتية عندما كان إبن الخامسة عشر . إلا إنه مثل والده كان حساساً من تأثير التعاليم المسيحية في الحياة العملية . والحقيقة إن إتجاهات الوالد الشكوكية لعبت دور الإنموذج في شخصية وتفكير وسلوك الولد ياسبرز” .
وهكذا فبتأثير الوالد تكونت شخصية الطفل ياسبرز المحب للحرية . كما ومن طرف والده بدأ دراسته الجامعية أولاً مع القانون ، ومن ثم تخلى عنها إلى الطب ، وبالتحديد الطب النفسي . ولكن قدر ياسبرز قد حددته السنوات الأولى من حياته ، والتي كان للوالدة دوراً كبيراً في رسم إتجاهته بصورة عفوية يومذاك . فقد كانت الوالدة تستعير من المكتبة المحلية ، العديد من الكتب الفلسفية ، وإن ذكرى هذه الكتب وماتركته من أثار عميقة في شخص الصبي ياسبرز ستلعب دوراً في حسم أمره مع الطب النفسي ، وبالتحديد بعد وصوله إلى العقد الرابع من عمره ، وبعد شهرة في مضمار الطب النفسي ، ومجموعة من الكتب فيها ، قرر ترك الطب النفسي ، والصعود إلى عالم الفلسفة . وهذه قضية سنفصل فيها لاحقاً .
لقد بدأ مشواره التعليمي والتربوي في شكلين من التعليم ، الرسمي في المدرسة والذي كانت فيه حياته عاصفة بالصراع مع الأراء المحافظة والتي تمثلت بشخصية مدير المدرسة . والحقيقة إن حياته المدرسية مختلفة على الإطلاق من بيئة البيت الهادئة المستقرة ، حيث بدأ تعليمه الخاص مع أخته إرنا ومع معلم خاص والتي ستستمر فيه شأنها شأن بنات جيلها . في حين سينتقل ياسبرز إلى مدرسة النحو عندما قارب العمر الذي أهله للدخول إلى هذه المدرسة .
وفي مدرسة النحو حصل ياسبرز على التدريب في مضمار الإنسانيات (الكلاسيكيات) والتي ضمت اللغتين اليونانية والرومانية (منا = الأدق اللغة اللاتينية حيث أصبحت البديل اللغوي الجديد ومن ثم أزاحت اللغة اليونانية ، وتحولت إلى لغة السياسة والدين والثقافة ..) وبهذا الطرف ربطت الإنسانيات الفتى ياسبرز بوشائج قوية بالوضع الثقافي ورجال الفكر الحر يومذاك . ولا غرابة إن طورت دروس مدرسة النحو ، في بواكير شبابه ، علاقات قوية ببعض الرموز الثقافية الألمانية من أمثال غوته (1749 – 1832) وشيلر (1759 – 1805) . وفعلاً فإن والدته هنريت ياسبرز إعترفت في كلمتها التي ألقتها في هيدلبيرك ، وبمناسبة عيد ميلاد ولدها الفيلسوف كارل ياسبرز (الخمسين) ، بأنها ” إستعارت له (وكذلك كارل فعل بنفسه) بعض الكتب حول الفلسفة من المكتبة المحلية ” . ومن ثم قرأ إسبينوزا (1632 – 1677) وكانط (1724 – 1804) . وربما أعمال هؤلاء الكبار من الفلاسفة
لعبت دوراً في إيقاظ وعيه وتوجيهه ليعمل بإتجاه الحياة والإنسجام والتوافق .
ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن نمو ياسبرز الفكري قد تكون في رعاية رجل قانون ليبرالي (نقصد والد كارل ياسبرز) متشكك لا يستقر على حال ثابت ولا يسلم أمره لعقائد لا تصمد أمام التجربة الحياتية والأختبار . وفعلاً إن ماحدث في هذه المرحلة إن برنامجه التعليمي هيمنت عليه المعارف الكلاسيكية ، وإذا كان هذا منهج مدرسي مفروض ، وإن ياسبرز خضع له وتعلم منه الكثير إلا إنه كان مرحلة تعليمية ولم يكن خياره الدائم ، ولذلك تحول من التربية التي تقودها الكلاسيكيات ، وإنتقل إلى التربية عن طريق الخبرة ، والتي تستهدف القلب ، وتركز على المنافع والميول . وهذا التحول ترك أثراً فعالاً على خياراته التي حددت نوع المهنة التي يتطلع إليها في مستقبله . ولعل واحداً من الأمثلة الكلاسيكية البارزة في مسيرته الفلسفية ، إنه بدأ يقرأ الفيلسوف كانط بإمعان وتفصيل ، ولكنه في النهاية بدأ يكتشف كانط الحقيقي ، وهنا حدثت المواجهة مع فلسفة كانط .
كما ولعبت الأم هنريت في تدشين نوع من التقليد التربوي التعليمي المتفرد ، والذي تمثل في شكل من أدب الإتصال والتخاطب (المراسلات) بين أفراد العائلة والأقارب ومن ثم وسعتها لتشمل دائرة واسعة من أبناء مدينتها كما ذكرنا ذلك . ومن هذا الطرف دفعت الأم هنريت ولدها إلى المشاركة في هذا الفن من الإتصال . فكانت فعلاً تجربة رائعة مكنت ياسبرز إن يطور قدراته في الكتابة ، ويصقل مهارته في عملية الإنشاء والتأليف . وهذا الجنس من الإتصال سيطوره ياسبرز ، والذي سيُعرف فيما بعد بأدب الإتصال أو التخاطب الوجودي . ولعل من المناسب الإشارة إلى إن الوالدة هنريت لم تكتف بذلك ، فقد قامت بتوثيق كل هذا التقليد التربوي (المراسلات) ، فقامت عام 1929 بطبعها وقدمتها هدية في عيد ميلاد كيرترود (1879 – 1974) زوجة ولدها ياسبرز .
وبالرغم من أن ياسبرز عاش في أحضان عائلة تنتمي في وضعها الأقتصادي والثقافي إلى أعالي الطبقة الوسطى ، التي وفرت العيش الرغيد لها ولأطفالها ، فإن حياة الطفل ياسبرز لم تنعم بكل هذه الأجواء السعيدة ، فقد مرت طفولته ، وبالتحديد منذ كان في الثالثة من عمره في إمتحان صحي (إعتلال مرضي) عسير صاحبها حالة حزن وفقدان معنى البهجة في الحياة ، وإنتهت إلى موجات من السعال . وهذا الحال أقلق العائلة التي كانت تسعى بكل جهدها إلى البحث عن فرص الشفاء لطفلها ياسبرز . وفعلاً فكانت تقوم بسفرات خلال العطل سعياً لتوفير الشفاء له .
أما من طرف الوالدة هنريت فكانت حساسة وقلقة على أوضاع ولدها البكر ، وكانت مهمومة في رصد الأعراض المرضية وتطورها . ولما بلغ كارل الخامسة عشر من عمره لاحظت هنريت إنه بدأ مرة ثانية يعاني من موجات السعال الشديد والذي صاحبه حالة إنفلونزا . وقد كشفت واحدة من الرسائل التي بعثها الوالد إلى الوالدة ، الغرض من هذه السفرات القصيرة ، والتي فيها طلب الشفاء من أعراض مرض الطفل ياسبرز . فقال : ” إن كلي (وهذا هو أسم كارل كما كانت العائلة تطلقه عليه) هادئ ونشيط ، ولكنه لازال في الوقت ذاته يقرقر ويسعل بشدة في المساء ، وإنه لا ينام إلا فترة قصيرة ، وأحسب إن ذلك العلاج قد ساعد بصورة عامة على تحسين أوضاعه الصحية ، خصوصاً في حالة تنفسه ، ولذلك يتطلب (يقول والد كارل لزوجته هنريت) منا أن نستمر في إستحمامه وتوفير الراحة له ، وما علينا إلا أن ننتظر ونراقب الموقف ” .
لقد عاش ياسبرز خلال الفترة التي قضاها في مدرسة النحو ، نوعين من الصراع ؛ صراع مع المرض الذي عرضه إلى الغياب المتكرر من المدرسة ، كما وسبب له العزلة من رفاقه في الفصل الدراسي . وصراع مع مدير المدرسة الأستاذ هري ستينفورث ، والذي يُوصف بكلمات كُتاب سيرة كارل ياسبرز ، بأنها ” كانت معقدة ” . ولعل من المناسب هنا أن نشير إلى إن التقليد الذي خطه المدير ، هو قبل مغادرة الطلاب للمدرسة والذهاب إلى الجامعة ، مطلوب منهم إلقاء خطاب باللغة اللاتينية . ومن طرف الفتى ياسبرز الشخصية الحرة ، فقد تمرد على المدير ، ورفض إلقاء الخطاب باللغة اللاتينية ودافع عن موقفه المستقل . وفي النهاية كان لازماً على ياسبرز أن يزور المدير قبل المغادرة . وفعلاً ذهب إلى زيارة المدير ، والمدير من طرفه رحب بياسبرز ، بالكلمات التي تترجم العلاقة المعقدة بين الطالب المتمرد ، والمدير الصارم . فقال المدير هري :
” لا شئ يمكن أن يتحول على أية حال ، وذلك بسبب إن مرضك حقيقة عضوية للحياة ” . والحقيقة إن هذا التعليق العدائي من قبل المدير ، سجل المنافع الرئيسة من تمرد الطالب ياسبرز على مدير المدرسة ستينفورث .
وإن إهمية هذه المرحلة تكمن في إنها شهدت مناقشات مفتوحة بين الفتى ياسبرز ووالده ، والذي كان يستمع بإمعان لأراء ولده ويسانده على الدوام ، إلا إن الأب في قضية المدير ستينفورث بين لولده كارل الخطوط الحمر التي لا يجوز تجاوزها في علاقته بالمدير ، ولذلك حذر ولده من النتيجة غير السارة ، خصوصاً إذا ولده إستمر على لوي يد (سلطة) مدير المدرسة ومن ثم عزمه على هزيمته . وفي الوقت ذاته فإن تسوية قد تمت مع المدير بخصوص الحالة المرضية للفتى ياسبرز ، والتي ساهمت من طرفها في عزله من معظم زملائه في الصف . كل هذه الأوضاع حملت الفتى ياسبرز إلى الإفتنان بتاريخ الفن ، والذي إستهله بجمع البطاقات البريدية (والطوابع) واللوحات الفنية . ويحسب الباحثون في سيرته الذاتية إن إهتمامه بالفن أثارته هواية والده في الرسم بالألوان المائية . وفعلاً فإن لوحات والده للمناظر الطبيعية ، وخصوصاً مناظر البحر قد فتحت أمامه الطريق ، والتي حضرت فيه الحياة وخلال توسط الفن الذي جلب الحقيقة إلى دائرة الإنتباه ، ورتبت الأشياء في حالة إنسجام هارموني .
صحيح إن ياسبرز صمت في أعمال مرحلة النضوج ، ولم يفصل الحديث عن الفن فيها . إلا إن المفهوم النقدي للفنون الجميلة ، شكل مساراً يتساوق وإعجابه باللوحات التي رسمتها ريشة والده . ولعل اللذة والمتعة التي جناها من ملاحظة تلك اللوحات أضافت بعداً ذوقياً خاص إلى جملة الأثار الشخصية القوية التي تركها والده عليه . وإن الحاصل من كل ذلك وإضافة إلى التربية الكلاسيكية ، هو التغيير في القلب وخطة المستقبل في مسيرة ياسبرز المهنية ومن ثم في تجربته الفلسفية .
وفي نهاية هذه المرحلة من حياة ياسبرز ، وبالتحديد في نهايات شهر نيسان / أبريل عام 1901 ودع دروس الكلاسيكيات ومدرسة النحو ، وتوجه بعيداً عن مدينته ، فرحل إلى الجنوب حيث جامعة فريبيرك وذلك لدراسة القانون . ويبدو إنه ذهب للعلاج وتشخيص مرضه وفقاً لخطة سرية بدأت بفكرة الوالد بزيارة الدكتور فرانكيل ، وفعلاً فقد صرف الفصل الأول من دراسته للقانون ، في عيادة الدكتور ألبرت فرانكيل ، وهو صديق حميم لعائلة آل ياسبرز ، وذلك لتشخيص حالته المرضية . وقد كتب ياسبرز رسالة من هناك إلى والديه ، قال فيها :
” بادينويلر 27 أبريل 1901
الوالدان العزيزان
يعتقد الدكتور فرانكيل ، إنه من الضروري أن أعلق دراستي في الفصل الجامعي القادم ، وأن أنصرف للعلاج .. والذي سيكون باهضاً . ولكنني أحسب إن موارد الوالد المالية ستسمح بذلك العلاج . ومعلوم أن صحتي مرهونة بذلك ، بل وإن مجمل حياتي فيما بعد ستكون مرهونة بمثل هذا النوع من العلاج …
وأنا لم أكن سيداً في إسلوبي الألماني ، ولا مدركاً بل ولا أعتقد بأنني محتاج لوصف الحال بأنه يحمل الكثير من السرور . ولهذا السبب كتبت إليكم بصورة صريحة تماماً ، وأستطيع أن أقول بكل قناعة ، وكما طلب مني الدكتور فرانكيل (ووعدني أن يكون صريحاً تماماً) وهو إنه لا يوجد شئ مزعج لحد الأن ، بل والأكثر من ذلك يجب أن أكون سعيداً لأن سبب مرضي المزمن ، على الأقل تم تشخيصه وإكتشافه وفي الإمكان علاجه … والمرض بحد ذاته هو إلتهاب الرئة ، وهو في كل الحالات مرض مميت . وهذا كما يبدو بوضوح تام إنها نظرة خاطئة . وإذا لم يكن مرض السل قد أصابني وإنتشر ، فأنا في صدمة قوية عندما سمعت بالأخبار أولاً ، ولكن سمحت لنفسي أن تتوقع الأفضل .
وسأتوقع منكم إرسال برقية إلى فندق هوف وذلك لأتأكد بسرعة ، وأخطط للذهاب في هذه الحالة إلى البروفسور بويملر وذلك للإستماع إلى نصيحته في الموضوع ذاته . وأنا أستطيع البقاء في بادينويلر
مع أشواقي وتحياتي
إبنكم كلي ” .
وما دام ياسبرز تحت العلاج في عيادة الدكتور فرانكيل ، وبالتحديد خلال شهور الصيف التي إمتدت من مايس وحتى أواسط شهر تموز 1901 ، فأن حاله الصحي أخذ بالتحسن والدليل على ذلك زيادة وزنه المستمر ومن ثم إستقر عند وزنه الطبيعي . وعلى أساس هذا الحال الصحي الجديد ، بدأ ياسبرز برنامجاً خاصاً في القراءة وأعمال الفن . ولذلك طلب بعض الكتب من البيت . ونحسب إن عناوين هذه الكتب والموضوعات التي تناولتها ، لها من الأهمية في توجهات ياسبرز الفيلسوف خصوصاً بعد تخليه عن الطب النفسي (السايكيتري) مهنة وتفضيله الصعود إلى طوابق الفلسفة العالية مهنته وهو قدره الذي لا خيار يُعلى عليه . وهذه الكتب وبالطبع بينها مجلات دورية ، هي : مجلة تاريخ الفن ، معجم القانون الروماني ، ومجموعة كتب فلسفية مثل ؛ كتاب بولسين المعنون مقدمة في الفلسفة (وهذا الكتاب من المصادر المهمة في كتابة ياسبرز لرائعته ثلاث مجلدات في الفلسفة) ، وكتاب الجيب المعنون الأخلاق عند سبينوزا . وهذه القائمة من الكتب تحمل حسن طالع واعد لوضع ياسبرز الصحي وربما عودة قريبة إلى مقاعد الدراسة الجامعية .
صحيح جداً إن هذه القائمة من الكتب التي طلبها ياسبرز ، تكشف عن رغبته في طلب المتعة والترفيه في هدفها المعلن . إلا إنها في الوقت ذاته بعثت من جديد في روح ياسبرز خطة دروس الرسم ضمن الفصول الأولى من إلتحاقه بجامعة فريبيرك . والتي سرعان ما صرف النظر من الرسم بعد ما فشل معلم الرسم في أن يرتقي إلى مستوى تطلعات ياسبرز . وفعلاً فقد شارك ياسبرز ذلك الشعور مع والده في الرسالة التي بعثها في 21 مايس 1901 ، فقال فيها :
” العزيز بابا
أنا جداً متمتع بالرسم ، ولكن المشكلة إن معلم الرسم ليس بالمستوى المطلوب ، فالبارحة رسمت شجرة بلوط قديمة ، وفعلاً فقد رسمت جذع الشجرة بصورة جيدة ، ولكنني لم أتمكن من رسم الأوراق ، فطلبت من معلم الرسم ، إذا سمح أن يبين لي كيف ترسم الأوراق … أنه لم يكن قادر على أن يبين لي بطريقة مقبولة كيف ترسم الأوراق ، ولم يستخدم سوى جملتين لشرحها ، إضافة إلى إن الدرس الواحد يكلفني ثلاثة ماركات . ولذلك قررت التوقف من هذه الدروس ، والقيام بالرسم إعتماداً على نفسي .
تحياتي وأشواقي للجميع
إبنكم كلي ” .
ومن النافع أن نشير هنا إلى إن هذا الإهتمام بالفن ، وخصوصاً بلوحات والده وما أثارته فيه من ولع في إكتشاف عالم الفن ، إنه سيتطور لاحقاً في مشروع كتابة عن الرسام الإنطباعي فان خوخ ( 1853 – 1890) وبالتحديد في كتابه عام 1922 .
وبعد علاج إستمر شهور عدة ، سمح الأطباء لياسبرز ومن ضمنهم الدكتور فرانكيل بمغادرة العيادة ، وربما العودة إلى دراسة القانون ، ففضل زيارة البيت . ومن ثم في منتصف إكتوبر ذهب إلى جامعة هيدلبيرك لدراسة القانون والتي إستمرت سنة واحدة (ومعلوم إن هناك فصل دراسي صيفي لم يكمله في جامعة فريبيرك) . ولكنه إستمر في فصل دراسي شتوي في هيدلبيرك ، وفصل صيفي في ميونيخ . وخلال هذه السنة بدأ ياسبرز يفكر جدياً في تغيير الإختصاص . ويبدو إن إلهاماً روحياً حدث لياسبرز بعد ما شخص الدكتور فرانكيل حالته المرضية .
وفعلاً فإن قارئ كتاب ياسبرز المعنون المموار الفلسفي (وهو سيرة فلسفية بقلم ياسبرز) ، يرى كيف يصور ياسبرز التحولات التي أصابت القلب ومن ثم إمتدت فطالت الإختصاص الأكاديمي والمهني على حد سواء . ولعل العنوان الذي إختاره كارل ياسبرز يكفي للتدليل على هذا التغيير ، وهو القدر والإرادة (وهو العنوان الفرعي للممواره الفلسفي) . ويبدو لنا بوضوح الأثر الشوبنهوري على تفكير ياسبرز في هذه المرحلة ، والذي حدد قدره الأكاديمي وشحذ إرادته وحملها على إتخاذ القرار . وهناك شواهد جاءت من خلال مراسلات عائلة ياسبرز والتي ردد فيها بقوة المصطلح الشوبنهوري ، ونعني كلمة الإرادة . إضافة إلى إن ياسبرز في الفصل الأول من دراسته في جامعة هيدلبيرك ، قد ذكر بصورة موجزة إلى إنه قرأ كتاب شوبنهور (1788 – 1860) العالم كإرادة وصورة ، كما وتؤيد ذلك رسائله التي بعثها إلى والديه ، والتي فيها يكشف عن تحمسه لفلسفة شوبنهور خلال أجواء التشائم التي لازمت
عزلته هناك . والحقيقة إن في الرسالة شواهد كافية على كل ذلك الأثر الشوبنهوري . يقول ياسبرز :
” الوالدان العزيزان
أنا ميال إلى حياة العزلة في غرفتي ، وإلى القراءة … فقد طلبت شراء كتب شوبنهور ، وذلك لأن فلسفته كما تبدو لي ، قد كتبت عن حالتي … تحيات وأشواق من إبنكم كلي ” .
كما كشفت رسائل ياسبرز في هذه المرحلة عن إهتمامه الخاص بكتب نيتشه (1844 – 1900) . ونحسب إن هذه الكتب النيتشوية ، هي التي وجهت تفكير ياسبرز إلى شواطئ
عالم النفس ، ومن ثم حملته على التخلي من دراسته الجامعية في ميدان القانون والتشريع ، وبالتحديد التحول إلى مضمار الطب النفسي . وفعلاً فإن قارئ رسالته التي بعثها إلى والديه من سيلس/ إيطاليا ، والمؤرخة في 1 أغسطس 1902 تكشف عن إنشغال تفكير ياسبرز في فلسفة نيتشه . ويبدو إن قدر ياسبرز ونيتشه كان واحداً على الأقل في زيارة سيلس . كما إن قدرهما (أي حالتهما المرضية) هي التي دفعت بهما إلى زيارة هذه المنطقة . وبعد وصف لجمال الطبيعة ، ختم رسالته بالحديث عن عظمة القوى الطبيعية التي لها صدى في موسيقى فاغنر ، وهو زميل نيتشه ومعاصره وله كتابات (أي نيتشه) عن موسيقى فاغنر . قال : ” يبدو إنه كان من المفروض على نيتشه ، أن يصرف خمس سنوات من حياته هنا . أما بخصوص حالتي الصحية فهي ممتازة جداً
تحياتي وأشواقي
ولدكم كلي ” .
ونحسب إن دافع ياسبرز في الكتابة عن أعمال نيتشه في الرسالة التي بعثها لوالديه ، هو ليبين لهم في هذا الوقت المبكر ، قيمة هذه الأعمال النيتشوية ، وخصوصاً إسلوبه المجازي في كتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” وفكرته فيما أسماه بالبعث الأبدي من طرف ، وليعلمهم من طرف أخر إلى إرتباط نيتشه بمنطقة سيلس التي زارها ياسبرز . ويبدو إن هذا الإهتمام بفلسفة نيتشه ، هو الذي لعب دوراً حاسماً في ترك دراسة القانون والتحول إلى مضمار الطب النفسي والإهتمام بقضايا النفس الإنسانية . والحقيقة إن قوة الأثر النيتشوي على ياسبرز لا يقف عند حدود التحول إلى مضمار النفس ، وإنما سيتطور في مشاريع ياسبرز الفيلسوف لاحقا ، والتي تمثلت في مشرع محاضراته عن نيتشه .
والواقع إن هذا الإهتمام بنيتشه وفلسفته مثل معلماً قوياً في أبحاث الفيلسوفين الصديقين مارتن هيدجر وكارل ياسبرز (صداقتهما إستمرت حتى عام 1933 ، ثم أصابها مد وجزر سياسي) وهما اللذان كانا الرمزين الفلسفيين اللذان تركا طبعات قوية على تفكير طالبتهما الفيلسوفة حانا أرنديت ، والتي إرتبط إسمها ملهمة لكتاب هيدجر الوجود والزمن ، ومساهمة في مناقشات وإعداد مشروع ياسبرز الفلسفي المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وعلى هذا الأساس يصبح النقد الموجه لهيدجر من قبل خصومه طلاب مدرسة فرانكفورت / النسخة الأمريكية ، وبالتحديد في إهتمامه بينتشه له دوافع معاداة للسامية هاوياً لا يستند إلى دليل ، وذلك لأن ياسبرز الخصم العنيد للنازية ، هو الأخر إهتم حتى النخاع بفلسفة نيتشه ، وبفكرة السوبرمان ” زرادشت ” في كتاب نيتشه المعنون هكذا تكلم زرادشت .
وهكذا جاء قرار ياسبرز بترك دراسة القانون ، والتحول إلى مضمار الطب بعد إقناع والده وبرسالة مدعومة من قبل الدكتور فرانكيل . وفعلاً بدأ دراسته للطب في 1902 في جامعة برلين ، وإستمرت حتى 1908 . ولعل رسالة والدته التي بعثتها لوالده في 25 إكتوبر 1902 ، تكشف عن هذا التحول الإيجابي لصالح ياسبرز ومن ثم حدث التحول فيما بعد . تقول الوالدة هنريت :
” في الحقيقة إن بابا وافق تماماً على شراء كل ما تحتاجه ، وهو يؤيد دراستك ، وربما إنك تحتاج أن تشتري أطلس جديد ، وشكل جديد للجهاز العظمي . وقال بابا إن كل ما يساعدك في الدراسة هو مال يمكن إستثماره بصورة حكيمة ، وأنا أحسب أنه جيد لك . وإذا كان من الممكن وخلال دراستك في الغرفة ، أن تضع الشكل الإيضاحي للجهاز العظمي أمام ناظريك دائماً ” .
ومن المؤشرات المهمة في حياته وبالتحديد نحو توجه العلمي والطبي ، إن والده في العطلة الصيفية لعام 1904 ، رتب له فرصة عمل تدريبي في المحطة الفيزيولوجية في هولكولاند ، حيث كانت للوالد علاقات شخصية مع مدير المحطة ، وكانت غرفة عمل كارل في المنارة الضوئية لهداية السفن ، وكانت مطلة على البحر . كما إنها كانت فرصة ممتازة لإقامة علاقات مع باحثين أخرين ، والتي ألهمته في إستمرار دراساته الخاصة في مكتبة المحطة (وبالطبع دراسة الطب والتدريب في هذه المحطة يكشفان عن مصادر ياسبرز في فهم علاقة الفلسفة بالعلم وهو موضوع هذا الكتاب وجوهر كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة) . وبعد ثلاثة سنوات من التدريب الطبي (ستة فصول دراسية) ، إجتاز ياسبرز الإمتحان الأول بنتائج ممتازة والتي توافقت مع عيد ميلاده الثاني والعشرين (المصادف في 23 شباط / فبروري 1905 .
ورغم هذا التحول نحو جادة العلوم وقيامه بالتجارب ، فإن مشاعره في هذه المرحلة لم تكن مستقرة ، وربما إن هذا الطرف من التوجه سد عليه الطريق من إدراك هدفه الرئيس وإهتماماته المركزية ، والمقصود هو أن يتعلم عن الكائن البشري بالمعنى الإنساني . ولعل هذا الهم كشفته واحدة من ملاحظاته التي خطها قلمه فيما يمكن أن نسميها يومياته في كوتنكن ، وبالتحديد في العام 1904 / 1905 ، حيث قال فيها بالنص : ” كل واحد منهم (أي العلم والإنسانيات) يصف جانباً وحيداً ، ووحيداً فقط ، ولكن الفكرة الحقيقة ، هو السؤال : ما هي طبيعة الإنسان ككل ووحدة ” .
وتعتقد سوزان كيركبرايت ربما هذا جاء من طريق الشاعر الألماني غوته ، الذي كان ياسبرز في ذلك الوقت يقرأ روايته المعنونة الإلفة الإنتخابية ، وإعتقدت إن ياسبرز قد تداولها في يومياته ، وهي تقترح هذا النص من الرواية : ” ويتمتع الفرد بحرية في شغل نفسه بكل ما يجذبه ، وبكل شئ يمنحه اللذة ، ومع كل شئ يبدو له نافعاً : ولكن الدراسة المناسبة للكائن البشري ، هي دراسة الإنسان ” . وهذا الهم الياسبرزي (نسبة إلى ياسبرز) ستحمله عناوين أبحاث ومؤلفات لما يسمى باللاهوت الوجودي ، والذي ستشاركه فيه طالبته الفيلسوفة حانا إرنديت ، وللإستشهاد وليس الحصر كتابها المعنون الشرط الإنساني أو الحالة الإنسانية .
كما إن حضور ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، لعب دوراً في تكوين علاقة زمالة مع عدد من طلاب دفعته ، والتي ستكون في طرف منها ، ما يحدد التكوين المتفرد لعائلة ياسبرز (وإن كان في المستقبل فيها الكثير من الألام وخصوصاً بعد صعود الحزب النازي لسدة الحكم في ألمانيا وإستغلالها سبباً في تعليق أستاذيته وإحالته على التقاعد) . فمثلاً عندما ” وصل ياسبرز إلى هيدلبيرك ، طريق حياته بدأ يتغير نحو الأفضل ، وأخذت دائرة معارفه وزملائه من الطلبة تتسع ، ولم تقتصر على صديقه الوحيد فيرتز زور لويي . إنها إمتدت وشملت زميله في الدراسة إرنست ماير . وكان ماير مثل ياسبرز في الفصل العاشر من دراسته الطبية . صحيح إن تشخيص الدكتور فرانكيل حرره من مرضه المزمن . كما وصحيح جداً إنه يمتلك قوى وقدرات عقلية ممتازة مثل الذكاء والحساسية العالية . إلا إنهما غير كافيان لإستيعاب الصدمة التي خلقها تشخيص الدكتور فرانكيل . حقيقة إن ما يحتاج إليه ياسبرز ، هو إنعاش الجانب الروحي ، ولهذا كان الطرف من هذا الإنعاش ، هو الرحلة إلى سيلس . غير إن قرار زميله إرنست ماير بتعريف ياسبرز على أخته كيرترود ، كان هو طريق الإنعاش الحقيقي ، فقد وفر لياسبرز أجواء الصحبة مع عائلة ماير ، فكانت النتيجة إن تحولت حياة ياسبرز إلى أجواء مملوء بالسعادة والبهجة ” .
وبالمناسبة إن ياسبرز تعرف لأول مرة على كيرترود في 14 تموز (جُلاي) 1907 ، ولم تمضي إلا بضعة شهور ، حتى أصبح بعدها ياسبرز خطيباً لها بصورة رسمية . ومن ثم تلاه قرار سريع بالزواج دون علم والدي كيرترود وبعض أفراد عائلتها . وفي 29 سبتمبر 1910 حدثت مراسيم الزفاف ، وكانت عادية وهادئة للغاية ولسريتها فلم يحضرها أحد من عائلة ياسبرز ولا عائلة كيرترود . وإن الأحتفال تم في مكتب كاتب العدل في مدينة زاهليندوف ، والتي كان يعيش فيها كوستاف ماير الأخ الأكبر للعروسة كيرترود . وفعلاً فقد جاهدت كيرترود على إخفاء أخبار الزفاف عن عائلتها مدة أطول قدر الإمكان . ولهذا فإن والديها كانا أخر من عرف بهذا الزواج هذا من طرف . ومن طرف أخر فإن عائلة ياسبرز كانت عارفة بالوضع الصحي لولدها ، فمثلاً في تموز 1907 كان والدي ياسبرز يتوقعون بأن ياسبرز ربما لم يبقى على قيد الحياة ليحتفل بعيد ميلاده الثلاثين وهذه هي توقعات الأطباء كذلك .
وفي ضوء هذه الشكوك الخطيرة حول صحة ياسبرز ، فإنه من الممكن أن تتحول كيرترود إلى أرملة في المستقبل العاجل . ولهذا تحمل الأخ الأكبر كوستاف ماير ، مسؤولية ترتيب الأمور المالية لمساعدة أخته وبطريقة معقولة ، تتناسب وإلتزاماته العائلية . أما من طرف الدكتور ياسبرز (السايكايتري / الطبيب النفسي) فقد كتب تقريراً لوالديه ملغوماً بالرمزية وغير واضح ، يفصل فيه واجباته في عيادة الطب النفسي في هيدلبيرك ، ومن ثم حشر فيها ملاحظة متفائلة حذرة ، يُظهر فيها إهتمامه الإنساني بسيدة شابة عمرها بحدود الثامنة والعشرين تتردد على العيادة النفسية ، وأخترع لها إسم فرويلين ماير . وكان في الحقيقة يسعى إلى ذكر إسم كيرترود بطريقة تلفظ مشابهة لإسم صديقه الطالب إرنست ماير . وعملها بطريقة مدروسة لتكون إسما لشخص مجهول . وعلى هذا الأساس قدم المعلومات التي تبدو مشابهة لواحدة من مرضاه ، والتي لها تاريخ في العلاج النفسي .
ونحسب من النافع أن نذكر بأن كيرترود أكبر سناً من ياسبرز بإربع سنوات ، ولها خبرة مع أعراض المرض العقلي في عائلتها (عائلة ماير) . فقد كانت أختها الأصغر منها عايدة ، ضحية للإنهيار العصبي . ومن الملاحظ إن مثل هذه الحقائق قد تم الإشارة إليها في رسالة ياسبرز التي ذكر مقابلته (تعرفه) لأول مرة على كيرترود من خلال أخيها إرنست ماير .
كما ويبدو إن السبب وراء سرية زواج كيرترود وياسبرز يعود إلى إن ديفيد ماير/ والد كيرترود ، كان من الرموز الكبيرة للجماعة اليهودية في المنطقة . ولعل السؤال الصعب الذي كان يدوي في تفكيره ؛ كيف سيكون موقفه من الجماعة إذا تسامح وقبل زواج إبنته اليهودية من ياسبرز البروتستانتي ؟ صحيح إن القضية الدينية من طرف ياسبرز وعائلته ليست مهمة على الإطلاق . وعلى هذا الأساس ظلت الخطوبة مقبولة بحدود ما . أما الزواج فبقي مشروعاً معلقاً .
وفي الوقت نفسه فقد وصلت أخبار زواجه إلى عائلة ياسبرز ، وذلك من خلال مصادر متنوعة . فمثلاً كوستاف ماير فكر بحكمة في إيجاد حل للمشكلة المادية لأخته كيرترود ومستقبلها مع وضع الإعتبار لحالة ياسبرز المرضية قبل إن يُفاتح عائلتيهما بالموضوع ، وخصوصاً في التفاهم مع والد ياسبرز في الدعم المادي للزوجين من طرف وتأمين وضع أخته في الوقت ذاته . وصادف إن جاء إلى هيدلبيرك إينو (1889 – 1931) / أخو ياسبرز لبداية دراسته في القانون ، وتعرف على كيرترود ، وعرف إينو الحال المُشكل في علاقة أخيه وزوجته كيرترود . فقدم إينو دليلاً على إمكانية إيجاد حل مناسب على الرغم من إن كيرترود ليست هي الخيار الذي كان يتوقعه لأخيه . ولكنه (أي إينو) رأى إن كيرترود مجرد هواء منعش له . وفي رسالة له بعثها لوالديه في 27 نيسان 1909 ، وفيها تشع الكثير من المشاعر تجاه كيرترود . يقول إينو :
” الولدان العزيزان
فرو ماير من الناحية المادية إسم على غير مسمى . وهي تعمل مثل الحصان ، وهي في هذه اللحظة دمرت أعصابها معه . وعلى أي حال ، فبعد التدقيق في رأيها ورأي كلي (أي ياسبرز) ، فإنها ستتعافى بسرعة مرة أخرى . وإنها شخصية فردية رائعة . والحقيقة إنه من الصعوبة جداً وصفها . إنها تماماً مختلفة على عكس ما تصورت ، وذات ذكاء عاطفي وليس عقلي فقط . إنها حقاً أكثر إنوثة وذكية جداً ، وقد عانت الكثير . وعلاقتها مع كلي (ياسبرز) هي خالصة وقائمة على أساس الصداقة . ولا تحاولوا وصفها بطريقة مختلفة . فمثلاً هي قالت : ” أذا أنا تزوجت أخيك ، فليس هناك ما يثير السؤال … ألخ (هكذا في الرسالة) ، وهي تقيم جسم كلي (ياسبرز) كما كلي يقيم نفسه (…)
تحيات وأشواق إلى أرنا (منا : أخت ياسبرز وإينو) كذلك
ولدكم
إينو ” .
ويبدو إنه بعد وصول رسالة إينو ، بعث والدي ياسبرز رسالة إلى ديفيد ماير ، تقدما له بطلب الموافقة على زواج ياسبرز من كيرترود . وفعلاً فقد لاحظ الباحث إن هناك ما يشير إلى العديد من الرسائل بعثتهما أسرة ياسبرز إلى إسرة ماير ، وبالتحديد رسالة بعثها الوالد ياسبرز إلى ديفيد ماير في 23 سبتمبر 1910 ، وفيها الكثير من المشاعر تجاه كيرترود ، ورسائل من الوالدة هنريت ياسبرز إلى والدة كيرترود كلارا ماير في 23 سبتمبر 1910 ، ورسالة من كلارا ماير إلى هنريت ياسبرز في 27 سبتمبر 1910 .
كما إننا وجدنا نص أولي لرسالة بعثها ياسبرز إلى خاله السياسي المعروف والوزير في جمهورية فايمر ثيودور تانتزين (1877 – 1947) والمؤرخة في 23 سبتمبر 1910 ، والتي جاء فيها :
” عزيزي ثيو
في 29 سبتمبر كيرترود وأنا سنتزوج وبحضور إخوتنا وأخواتنا في برلين / زهيلندورف … وقد أرسلت رسالة طويلة إلى جدتي شرحت فيها كل شئ . وأسألك العفو والغفران ..
تحياتي وأشواقي
إبنكم
كلي ” .
وبعد تردد وافق ديفيد ماير على مشروع الزواج . ولعل رسالة ديفيد ماير إلى والدي ياسبرز ، فيها الكثير من الدلالات . يقول ديفيد ماير :
” برنزلوي 27 سبتمبر 1910
المحترم السيد ياسبرز
المحترمة السيدة ياسبرز
لقد فرحنا بجد عال برسالتكم ، وخصوصاً كلمات المودة من قبل الكريمة زوجتكم .
بعد إنصراف وقت طويل فاتحت إبنتنا كيرترود والديها ، وإعترفت بأنها سلمت قلبها ، بل وإكتشفت إنها في علاقة حب مع رجل كان من المفروض أن لا تقترن به ، ولكنها سلمت قلبها إخلاصاً للحب ، وهي تتمتع بقيمة وشرف . والحقيقة كما تعلم أنت وحرمكم ، فإن ملاحظتكم صحيحة جداً ، فقد تصارعت كثيراً مع نفسي للوصول إلى الموافقة على هذا الزواج . وأنا لم أكن متعصباً ولا صاحب عقائد منحازة وذلك للإنتظار للتغلب عليها ، فأنا رجل متحرر منها . ولكنني كنت أتصارع مع المبادئ المتجذرة عميقاً بحق أجدادي ، والذين لا أستطيع أن أقطع جذوري معهم .
والأن أنا أعتمد على الحقائق وأستطيع مقابلة الزوجين ، وأمنحهم بركات الوالد وبقلب مملوء بالإيمان . وربما أطفالنا الآن يدخلون في وحدة صادقة ، مملوءة بالسعادة ، والتوافق والصحة والإلتزام المتبادل . مع السعادة والبهجة للوالدين من الطرفين . وآمانينا المشتركة ، وإن نكون الملجأ الآمن لأطفالنا . كما وقد وصل إلى سمعي من إبنتنا كيرترود ومن كل الأطراف ، كل ما هو مجيد ومشرف حول شخصكم وعائلتكم المخلصة . ونحسب إن الوقت لقريب لنتعرف على بعضنا ونشارك وجهات نظرنا .
وأنا أتمنى لأبنتي بالولد الصالح ، حتى تفوز بحب وتقدير والدي زوجها .
ومع كل الإحترام إذا سمحت ، فإنني أتقدم لحرمكم هنريت ياسبرز بكل تقدير ولكل أفراد عائلتك .
محترمكم
ديفيد ماير ” .
ومع زواج ياسبرز وكيرترود وإلتأم العائلتين ينتهي فصل مهم من حياة الطبيب النفسي كارل ياسبرز .
——————————————————————————————-
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
——————————————————————————————-
(2)
تحدي إينو ياسبرز ومآساته
الدكتور محمد جلوب الفرحان
صحيح إن كارل ياسبرز كان الولد البكر لعائلة آل ياسبرز ، وكانت له مكانة في العائلة ، خصوصاً بما يتعلق بمرضه المزمن ” المميت ” الذي وصفه كارل في رسالته إلى والديه كما ذكرنا ذلك أعلاه ، وبالتأكيد إن هذا المرض ترك الكثير من الأثار في حياة كارل وعلاقته مع والديه وأخيه إينو وإخته إرنا ومن ثم زواجه السري لزوجته كيرترود . كما إن كل ذلك قاد إلى جملة من التحولات التي حدثت في حياته المدرسية والأكاديمية ، وخصوصاً في تركه دراسة القانون وتحوله إلى مضمار الطب النفسي (السايكيتري) ، ومن ثم سيقود إلى التخلي عن الطب النفسي والصعود إلى طوابق الفلسفة العالية .
حقيقة إن قارئ كتابات كارل ياسبرز ، وبالتحديد ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، يلحظ إهتمام كارل الفيلسوف بالموت ، إهتماماً غير إعتيادي ، مما يحملنا ذلك على القول إن حياة إينو المملوءة بالنشاط إنطفأت لحظة وذلك في إقدام إينو على الإنتحار فجأة . وإن هذين الطرفين المتعارضين ؛ الحياة الصاخبة والموت المفاجأ قد لونا كتابات كارل ياسبرز . صحيح إن الأدب الفلسفي الوجودي قد وقف عند الموت والإنتحار ، وعالجه في أطار النشيد الوجودي المتداول : يولد الإنسان ، ليتعذب ويموت . إلا إن موت إينو ياسبرز كانت له قصة ، وجاء بعد حياة صاخبة ، مملوءة بالفرح والبهجة ، فكان مأساة للعائلة ، ومأساة فلسفية للفيلسوف كارل ياسبرز الذي لم يتوقف قلمه من تناوله ، وخصوصاً في إنجيله الفلسفي الوجودي المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي نشرها بعد عام واحد من موت أخيه إينو .
في الواقع إن الباحث إعتمد هنا على نصوص من مذكرات كارل ياسبرز ورسائله التي وردت في كتاب سوزانا كيرك برايت المعنون كارل ياسبرز : سيرة ذاتية (إبحار نحو الصدق) ، خصوصاً الملاحق والفصل الثامن (ص ص 92 – 107) .
لقد كان إينو ياسبرز صورة مغايرة تماماً لأخيه كارل ياسبرز ، خصوصاً في الضبط والنظام الغذائي اليومي . فمثلاً إينو كان صاحب سلوك صاخب (نشط) بينما كان كارل يتميز بسلوك وتصرف هادئين . وكان إينو مبتهجاً بالحياة بصورة مسرفة (متطرفة) ، في حين كان أخيه كارل على العكس عليلاً ، مما جعل حظوظه محدودة ، ومستقبله معتم ، وخصوصاً في ميدان العمل والوظيفة . والحقيقة إنه ليس هناك ما يدل على إن إينو كان أقل ذكاءً من كارل وأخته إرنا ، ولكن الواضح إن إينو كان الأكثر إهملاً والأقل إكتراثاً مقارنة بكارل وأرنا . فمثلاً كان إينو يصرف بسرعة مصروفه الشهري ويبذره ، بينما كان كارل يتعامل مع مصروفه بصورة منظمة ، وبدرجات عالية من العقلانية في الصرف ولذلك تلحظ هناك مدخرات في رصيد كارل ، في حين نضوب دائم في رصيد إينو .
ولاحظ ياسبرز في وقت مبكر جانباً من القساوة (الحوشية) في شخصية أخيه إينو . وعلى أساس هذه الملاحظة عاد ياسبرز مؤخراً فحدد خمسة مبادئ تعمل وتحكم تصرفاته تجاه أخيه إينو . وهذه المبادئ كتبها ياسبرز في مذكرات كوتنكن ، والتي كتبها عام 1903 . ولكن هذه المذكرات لم تقدم تفاصيلاً لمعالجات فعلية لياسبرز الأخ الأكبر . إلا إنها في الوقت ذاته تعرض مؤشرات عن طبيعة علاقة الأخوين في ذلك الوقت .
ويبدو إن ثلاثة من هذه المبادئ ذات صلة وثيقة بسلوك إينو وعلاقة الأخوين من طرف ، وإنها مبادئ صحيحة وذلك من حيث كونها تتمتع بمكانة أخلاقية عالية من طرف ثان . والأول منها ، هو إنه كان من المطلوب من الأخ الكبير كارل ، أن يبذل جهداً في تعديل عقلانيته ، والتي وصفها بأنها كانت العائق في قيام صداقة حقيقية بين الأخوين . وثانياً إن كارل كان على الدوام يُقارن إسلوبه بطرق ووسائل أخيه الصغير المملوءة بالفرح والبهجة وحسن الحظ . وثالثاً إنه كان لا يتوقع على الإطلاق من أخيه الصغير أن يقدم له أي شئ ما يخلق السرور والرضاء لديه . ورابعاً إن الأخ الكبير كارل قدم وصفاً فيه الكثير من الدلالات على طبيعة العلاقة بأخيه الصغير إينو ، فقد بين عادته التي يبدو فيها كارل سيداً في المدرسة ، والتي تحمل في ثناياها الكثير من الإشكاليات ، والتي رغب أن لا تقدمه مثالاً وقدوة لأخيه إينو . والمبدأ الخامس تمثل في إدخال ملاحظة غير عادية في تسجيلات ياسبرز اليومية ، والتي فيها ندم الأخ كارل من حالة البرود التي ظل محافظاً عليها في علاقته بأخيه الصغير ، والتي تخفي حسده وغيرته من أساليب إينو في التمتع باللذة والحياة السعيدة . والتي تبدو خالية من أي تعبير أو شكل من الإنتقام .
ولعبت الأخت إرنا دور الوسيط بين الأخوين وذلك بحكم الأخت الأكبر لإينو والأخت الأصغر والأقرب عمراً إلى كارل . وفعلاً فقد كانت إرنا تقوم في مناسبات عديدة بعمل الطرف الثالث الذي يحافظ على السلام بين الطرفين ؛ كارل وإينو . وكارل أدرك ذلك بصورة واعية ، فوجد في أخته إرنا الوسيط الفاعل . وكتب كارل في مذكراته يصف ما تتميز به إرنا من هدوء وسمات الشخصية الإيجابية ، وكان يرى فيها شخصية ذكية وتتمتع بحس دبلوماسي . إن كل ذلك جاء مسجلاً في مقطع مهم ضمته مذكراته التي تصعد إلى عام 1905 ، وحينها كان كارل في كوتنكن يدرس الطب . فقال برواية إرنا :
” كارل غير مستنير ، غريب الأطوار ، غريب عن العالم (على الأغلب الأعم بسبب مرضه) . (…) دائماً على نمط واحد ، ويفضل ماهو أخلاقي (…) .
أما إينو فهو مُحبُ كثيراً للملذات ومفتنُ بالمباهج والمسرات ، وقليلاً ما يكون غريب الأطوار ، يحبُ العالم ، ومعنوياته عالية على الدوام (…) . يتطلع إلى التعليم في الوقت الراهن . ولكن تفكير غائم معتم مقارنة بتفضيلاته الأخرى (…) . إينو يحتاج إلى التغيير ، رغم إنه يفضل أفعالاً فيها شئ من التطرف ، ويحتاج إلى قليل من ضبط النفس ، وهو يندفع أكثر من اللازم بعض الأحيان . ويُشارك كارل في كل هذه الخصائص ، ولكن بحدود أقل .
بينما إرينا فهي كانت دائماً الجسر الذي يتوسط بين هذين القطبين المتطرفين . وهي تتطلع إلى تجاوز القيم التي تحكم تصرفات الأخوين . وإن علاقتها الحميمة منظمة (و …) ومشاعرها تطورت ونمت خلالها ، بعمق ومصداقية عالية ” .
وترى الباحثة سوزانا كيركبرايت إلى إن ملاحظات الأخ كارل عن الجوانب النفسية المختلفة بينه وبين أخيه نينو ، بدت بعض الأحيان غير حقيقية (ومظهرية في معظمها) . إلا إنها دللت من طرف أخر على إهتمامات كارل ياسبرز المبكرة في مضمار علم النفس . إضافة إلى إنها تقدم شهادة على إن الأخوين كانا في علاقة متشابكة وقريبة جداً . أما من الناحية الأكاديمية فإن إنجاز كارل يدلل على مستقبل واعد ، كما إن حصول إينو على شهادة الثانوية تشهد على كفاءته ، ويبدو إن إينو مكتوب عليه ما أسمته ” إختيار طريق الفعل ” . وهو العامل الذي سيحمل تطورات تراجيدية في حياة إينو لاحقاً . كما وظهرت المبادئ الأخلاقية التي حكمت رؤية الأخ الكبير كارل لتصرفات أخيه الأصغر غير دقيقة (بل وسخيفة) .
إن الفهم الحقيقي للظروف التي أحاطت حياة الأخ إينو ، تتجاوز مبادئ كارل الأخلاقية . فمثلاً إن الأوضاع التي واجهها إينو عندما إنتقلت من حال سئ إلى ؛ أكثر سوءً مع سلسلة متكررة من سوء الحظ ، والتي تمثلت في تصرفات مالية طائشة وغير حكيمة ، وضياع العديد من فرص العمل ، وفض ثلاثة خطوبات ، فإن كل ذلك سبب كارثة للأخ الصغير إينو ، وإن الأخ الكثير كارل لم يتمكن من إنقاذ أخيه من كارثتين نهائيتين ، وهما الإفلاس والإدمان على المخدرات .
ومن طرف أخر إن حوليات كارل التي تسجل أهم الأحداث في علاقته بأخيه إينو وأخته إرنا تكشف عن حقيقة مهمة للقارئ والباحث ، وهي إن إينو هو الأنا البديلة لكارل ، فإينو هو الأخ المحبُ للمتع والحياة ، يتمتع بالنشاط والحيوية ، والتي كانت بالتأكيد فيها إمكانية في عكس صورة كارل وأهدافه الشخصية . والشئ الوحيد هو إن إينو لم يُبلى بالمرض الذي عانى منه كارل . والعودة إلى الرسائل المتبادلة المبكرة بين الأخوين ، فيها الكثير من الشواهد على التلاحم بين الشخصيتين . والحقيقة إن هذه المراسلات بدأت عندما إستهل إينو أول عمل براتب له ، ككاتب بنك متدرب في مكتب شركة كارل أف . بلامب في بريمان . وخلال الأشهر الستة الأولى من عمله هناك بدأ إينو مراسلاته المتبادلة ، ومناقشاته الموسعة مع أخيه كارل ، والتي فيها عرض لما أسماه الستراتيجيات العاطفية التي يتداولها أخيه الأكبر وذلك من أجل حمايته . كما ويبدو إن إينو وضع أنظار كارل على التقارير المملوءة بالمرح وروح الفكاهة التي كانت تكتب عن إينو خلال فترة التدريب . وإن إينو كان من خلالها يتحدى أخيه ، ودعوته إلى التحرر مما أسماه درع المحافظة الغليظ ، وطالبه بنوع من التسماح والتي هي من المكونات الجوهرية للحياة الفكرية لكارل ياسبرز . ويبدو إن جزع إينو من كارل أخذ يتطور إلى شكل من الرسائل ذات روح من الفكاهة والتندر ، وفيها كشف عن طبيعة السأم التي لفت تجاربه مع أخيه كارل .
ولنقدم للقارئ العربي ولأول مرة نماذج من المراسلات بين إينو وأخيه الأكبر كارل ياسبرز ، والتي نعتقد فيها الكثير من الشواهد والدلالات على طبيعة العلاقة بين الأخوين . وخصوصاً من زاوية إينو الغائب إلى الأبد ، وإن مذكرات كارل وميمواره متداولين ، وبالطبع إنهما يعكسان وجهة نظر الأخ الكبير كارل .وهنا نحاول إحياء إينو وتجديد رسائله ونضعها في لحظات تحدي لأخيه الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . الحقيقة بدأت هذه المراسلات في عام 1907 كما يؤشر التاريخ الذي تحمله الرسالة الأولى المتوافرة لدينا .
بريمان 2 أذار 1907
العزيز كلي (هذا الأسم الذي تطلقه العائلة على كارل ياسبرز)
(…) إن عملي من أكثر الوظائف المملة والمملوءة بالضجر ، والذي يشمل
1 – دفع الأموال 2 – إستلام المال (ودفعه) نقداً 3 – والذهاب إلى مكتب البريد والبنك المركزي 4 – إستنساخ وتسجيل . وإن الأنماط الثلاثة الأولى من العمل ، هو للتدريب والتأكد من إن عضلات ساقيك لا تتعب وتكلُ من الركض والتنقل من مكان إلى أخر . أما الرابعة فهي تتطلب منك اليقضة ، وعدم الغفلة والنوم خلال العمل . وكل هذا الروتين يسبب لديك فقدان المتعة ولا يحملك على طلب الفهم لمجريات العمل ، فهو امر غير ضروري على الإطلاق . وفعلاً بعد فترة من الصعوبات التي تخطيتها ، وبالتحديد بعد نصف سنة تحول العمل عندي إلى روتين يومي ، وأصبح خال من أية متعة . حيث إن مجمل العمل ككاتب في البنك ، يتكون من إستنساخ الأوراق للأخرين (…)
مع تحيات مملوءة بالمودة
إينو .
وفعلاً فإن هذه الرسالة شكلت تحدياً للأخ الكبير كارل ، وجاءت إستجابة كارل في وصف نمو أخيه الأصغر إينو ” بكونه بطيئاً ، وهو يعكس مرحلة معينة ، وليس مجمل عمله المهني برمته . وهو متعاطف معه ، غير إنه يتعامل مع تحدي أخر ، وهو أكمال متطلبات الدكتوراه ، وخصوصاً في إتصالاته المبكرة مع المرضى في عيادة الطب النفسي في هيدلبيرك ” . ولاحظت سوزانا كيركبرايت إنه بينما كان إينو يطور حواراته مع أخيه الأكبر بإسلوب الصداقة الحميمة ، كان الأخ الكبير كارل يأخذ تساؤلات أخيه الصغير بجدية عالية . ومن ثم بعد أشهر عدة من التدريب ، تشكى إينو من إن رسائل أخيه كارل كانت سطحية ، بل وفيها روح من التبرير على إنه مشغول بالعمل والواجب . ورغب إينو إلى إستكشاف وجهات النظر المختلفة حول ماهو تافه ، وما هو متعة ، والفارق البديل بين الإلتزام واللذة . ويبدو إن إتهامات إينو لأخيه الكبير ، في عدم الشفافية والإنسحاب إلى الذات ، فيها الكثير من الحدة .
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على الرسالة الأولى أعلاه ، كتب إينو رسالته الثانية ، والتي جاء نصها بالصورة الأتية :
بريمان ، 5 تموز 1907
العزيز كلي
(…) الأن أنت في حال مُسر جداً ، حيث يمكنك على الدوام من صياغة أوصافك الشخصية في إطار ملاحظات عامة . وبهذه الطريقة ، فإنك متمكن من عدم إرغام نفسك على الكتابة عن القضايا الشخصية ، والتي تمنحك الحرية الحقيقية من إنحيازاتك وشعورك الدائم بالتفوق . وإذا تطلعت إلى الكتابة ففي الحقيقة إنه من السخف أن لا تمس الجوانب الشخصية . بل على العكس إنه من المشاعر الجميلة في وصف شخص ما بأنه يحتاج إلى الشفقة ويؤمن بها . وعندما تكون هذه هي الحقيقة ، فإنه من الخطأ تماماً (على الوجه الأعم) إن شخص ما لا يستطيع أن يُقنع نفسه بذلك . فإن جسمك يمنعك من القيام بإنجاز أشياء كثيرة ، وذلك لنقص في تجربتك الشخصية . إن كل ذلك يبدو لي غير مُقنعاً .
وهناك الكثير من الكلام في الرسالة القادمة !
مع تحيات مملوءة بالمودة
إينو
وفي عقيدة الكاتبة سوزانا كيركبرايت (وهي كاتبة سيرة الفيلسوف كارل ياسبرز) إن غرض الأخ الأصغر إينو من تبادل هذه الرسائل مع أخيه الكبير كارل ، هو أن تقربه هذه الرسائل إلى أخيه وتساعد أخيه الكبير كارل على تحرير نفسه (منا : من معاقل الإنغلاق على الذات) . وفعلاً فإن إينو يرى :
أولاً – إن أخيه كارل يمتلك مفهوماً فقيراً عن التجربة الشخصية . وبإيجاز إن إينو يتهم كارل بإنه كثيراً ما يتكأ على مرضه عكازاً في التبرير والدفاع وذلك ليتجنب التواصل مع الأخرين . والحقيقة إن إتهامات إينو ذات الطبيعة الإنفعالية وغير المبررة كانت حادة ومثيرة للإعصاب ، خصوصاً عندما زعم بأن وجود كارل درع مظهري ، يتخفى وراءه كارل من معرفة الأخرين لحقيقة تجاربه .
ثانياً – إن إينو حدد إمكانية كارل على التعميم بإسلوب عقلاني للتجربة الذاتية ، والتي تتضمن مثل هذه التعميمات والتي هي خلاصات ملائمة لمجمل وسائل النزوات الشخصية ، من مثل أحب ، وأكره والإنحيازات ، والتي هي في إعتقاد كارل قضايا شخصية ذات طبيعة سليمة من الناحية الكونية (يونفيرسل = العامة أو الكلية)، وإينو يفترض إن ذلك يُسبب الحيرة لكل خصوم كارل ، وبالطبع من ضمنهم أخيه الأصغر إينو والذي يبحث عن أرضية مشتركة وكان يتطلع إلى تنمية وجهة نظر مستقلة .
وإستجابة لكل ذلك إستلم إينو من أخيه كارل رسالة (رد فعل) تكونت من سبع صفحات مكتوبة بوجهين ، كتبها كارل من هيلدبيرك بتاريخ 5 تموز 1907 ، بين فيها كارل قدراته وإمكانياته على كتابة حجة تأملية في عرض تجاربه الشخصية كنقاط إنطلاق وبداية . وهناك جملة في رسالة كارل في غاية الأهمية وتلقي الضوء على جو وطبيعة المناقشة بين الأخوين . يقول كارل ” إنك مسكتني في مكان هو من أكثر مناطقي الحساسة ” .
وهذا الطرف من المناقشات تطور وأخذ مساراً جديداً ، وذلك عندما حضر إينو ياسبرز جلسات في مدينة بريمان عن علم النفس التجريبي ، الذي أسسه عالم النفس الألماني فليهلم فونت (1832 – 1920) وأنشأ له أولى المختبرات التجريبية . وهذه الجلسات ساعدت إينو على الإستمرار في الحوار مع أخيه كارل ، وبالتحديد في مضمار علم النفس ، كفاعلية خلاقة تتضمن وصفات للمشكلات الإقتصادية والسياسية القومية . وفي ذلك الوقت ، كان جُل تفكير إينو ، يدور حول مستقبله المهني ، وبالتحديد أن يكون محامياً (رجل قانون) . ومن هذا الطرف أخذ يفكر في ما يجلبه التدريب الجامعي ، من منافع . وهو بالتأكيد مسار يتناغم بإنسجام عال ، مع الإصطلاح الذي أطلقه عليه ، وهو ” رؤية العالم ” . ولعل في إصطلاح رؤية العالم ، محاولة من إينو للإستفسار من أخيه ، عن إمكانية إنجاز مثل هذا الهدف .
وكارل ياسبرز من طرفه أبتهج بسرور عال من مثالية إينو ، ورأى فيها فرصة إيجابية ، إذا ما إستمر إينو في المحافظة على مشروعه النقدي للتعليم المعمق الذي يتطلع إلى إنجازه ، فإنه (أي إينو) بالتأكيد سيحقق طموحاته بسرعة .
وفيما يتعلق بالطرف السايكولوجي (النفسي) ، فإن كارل ياسبرز ، توصل إلى نتيجة تفاؤلية حذرة ، تؤكد على الضبط والتدريب ، نقطة البداية لمستقبل أخيه إينو ، ودعم كارل وجهة نظره ، بنص من الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط . وفعلاً فإن دفتر ملاحظات كارل الشخصية يُدلل على إنه إقتبس النص كاملاً من كتاب كانط والمعنون ” الإنثروبولوجيا من وجهة نظر براجماتية ” (1798) ، وبالتحديد في النصف الثاني من النص الوارد ، والذي جاء بالصورة الآتية :
” أيها الرجل الشاب ، إعتز بالعمل وأبتهج به ، وتنكر لكل الشهوات ، ولكن بشرط التعفف منها حسب الإمكان ، وضع الشهوات دائماً أمام ناظريك (وحساباتك = منا) . ولا تدفع بحواسك إلى مستوى البلادة (والكسل) ، حيث إن الوصول بها إلى ذلك المستوى ، يكون عن طريق الإنغماس في الشهوات (اللذات) ، خصوصاً في بواكير حياتك . وسوف لا تندم في عمر النضوج على الإطلاق من إختيارك ، حالة التعفف من الإنغماس في الملذات الجسدية . كما إن هذه التضحيات من طرف أخر ، ستضمن لك منافع وقناعة (مع إطمئنان = منا) ، والتي ستكون متحررة من الصدف من طرف ، ومن قوانين الطبيعة من طرف أخر . ” .
وكما يبدو وفقاً لملاحظة سوزانا كيركبرايت ، فإن إينو ياسبرز إنتبه بآذان صاغية إلى نصيحة أخيه حول ما أسمته سوزانا ” بتعديل سلوكه المنفلت ” والناهض على نص كانطي ، إقتبسه كارل ياسبرز ، من مؤلف كانط الشهير ” الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية “. ونحسب من المفيد أن نشير إلى هذا الإهتمام بكانط وفلسفته ، سيتتوج لاحقاً في محاضرة ياسبرز الإحتفالية بالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط لاحقاً ، وهو عميد كلية الفلسفة في هيدلبيرك ، وخلال الأجواء النقدية والإعتراضات التي قادها ضده الفيلسوف الكانطي الجديد ، هنريخ ريكت ، والتي زعم خلالها بأن ” ياسبرز عاجز ولم يكتب لأكثر من عقدين من الزمن شيئاً مهماً في مضمار الفلسفة ” . ومن ثم جاء رد ياسبرز وبمساعدة هيدجر وحانا أرنديت في ترتيب كتاب ياسبرز الشهير ثلاث مجلدات في الفلسفة .
وفعلاً فإن إينو أخذ بنصيحة أخيه كارل ياسبرز ، وقرر بالتحديد في نهايات صيف عام 1909 ، بتأجيل إنخراطه في دراسة القانون في الجامعة ، وبدلاً من ذلك إختار ، إكمال الخدمة العسكرية الإجبارية ، والتي إستمرت سنة كاملة . ومن ثم صرف أسابيع عديدة في بورنماوث ، لأغراض تحسين اللغة الإنكليزية . كانت فرصة مناسبة لإينو ليتمتع برحلة الإبحار من طرف . كما إن هذه الزيارة الصيفية الإنكليزية ، كان لها طرف أخر من المنافع ، فقد ألهمت إينو ، وحملته على تقدير إسلوب حياة الرجل الإدواردي (الإنكليزي) . وذلك واضح في الرسالة التي بعثها إينو إلى والديه :
” بورنماوث ، 14 أب (أوغسطس) 1909
العزيزان الوالدان
اليوم كنت في جزيرة وايت ، وبالضبط والتحديد في كاوز (…) والمدينة بحد ذاتها مدينة مواجهة للبحر . وإن البيوت المواجهة للبحر يمتلكها اللوردات والأثرياء الإنكليز. غير إن سمعتها تأتي من إنها تحتضن اليخت الملكي ، وهي بهذا الحال تشبه اليخت الإمبراطوري الألماني . وهو بالطبع إسطول صغير ، دائم التواجد على ساحل الميناء . وفي الأسابيع القليلة الماضية ، أُقيمت سلسلة من سباقات للزوارق في ميناء كاوز ، وذلك بمناسبة تكريم القيصر ، الذي كان بالطبع حاضراً هناك ، إضافة إلى حضور العديد من اليختات الإنكليزية ، والكثير من السفن الفرنسية والهولندية ، والتي كانت راسية هناك . إن مشاهدة كل ذلك ، يُعدُ منظراً رائعاً . أما الأرياف في هذه المنطقة ، فهي جميلة وساحرة جداً . في حين إن الجرف الصخري الطباشيري ، ينحدر بإستقامة ملفتة للنظر ، بحيث يمس مياه البحر الزرقاء . إنه حقاً منظر أخاذ جميل . أما الغابات فتحتشد بكثافة ، وتتلامس بصورة رائعة مع الجرف الطباشيري المطلُ مباشرة على البحر . والواقع إن الطبيعة توفر للناظر مشهداً في غاية الجمال والروعة ، لم أراه من قبل على الإطلاق . (…) .
مع تحياتي الغالية
إبنكم إينو ” .
ونحسب إن نصيحة أخيه كارل ياسبرز من طرف ، والحياة الإنكليزية ، وإسلوب العمل والروتين اليومي ، التي عاشها بتفاصيل خلال زيارته من طرف أخر ، حملاه برأينا على تبني إسلوب حياة (روتين) جديد ، مما كان له الأثر في شخصية وسلوك الأخ الصغير إينو . ولعل الشاهد على ذلك التفاصيل ، الرسالة التي بعثها لوالديه ، وبالتحديد من بورنماوث – بريطانيا ، وبتاريخ 14 أب (أوغسطس) عام 1909 التي شرح بها إينو لوالديه ، روتين حياته ، فقال مفصلاً : ” في كل صباح ، وبالضبط في الساعة الثامنة ، أبدأ السباحة في البحر . وفي التاسعة أتناول فطوري , وفي الواحدة والخامسة عشر أتناول غذائي ، ومن ثم في السادسة والنصف هو موعد عشائي . وبالطبع كل عصر (ساعات ما بعد الظهر) ، وبالتحديد في الساعة الرابعة ، هناك فترة شاي العصر ” .
ويبدو إن زيارة إينو إلى بريطانيا ، والتجربة القصيرة التي عاشها هناك ، قد تركت أثراً على إينو أولاً ، ومن ثم ستلهم أخيه كارل ياسبرز وزوجته كيرترود وبنات عمومتها ، وتحملانهما على التخطيط بالقيام برحلة إلى بريطانيا . وهذه نقطة مهمة في التقارب بين الأخ الصغير إينو والأخ الكبير كارل ياسبرز . كما وفيها إشارة على قناعة الأخ الكبير ، بإن تحولاً ما قد حدث في شخصية أخيه الصغير ، ومن ثم قناعة الأخ الكبير بمصداقية روتين حياة إينو الجديد في بريطانيا (وربما يمكن القول إن الأخ الكبير إقتنع بولادة شخصية جديدة للأخ الصغير إينو ، وفي هذا مفتاح فرج يُعلن عن بداية تقارب بين الأخوين المتنافرين على الدوام) .
صحيح جداً إن تجربة إينو في بريطانيا ، لم يكن فيها قطيعة تامة عن حياة الترف ، والبحث عن المتع واللذات المادية والحسية ، وهي السمة الغالبة على حياة إينو ، والتي كانت من طرف أخيه كارل ياسبرز ، موضوع نقد وإستهجان كما كشفت رسائل كارل السابقة . ولكن الجديد في روتين حياة إينو ، إنها ذهبت مذهباً خال من نمط اللذات التي كان عليها إينو في ألمانيا ، وبالتحديد قبل سؤال أخيه كارل بنصيحة الأعتدال كما جاء في بعض من الرسائل السابقة . وفعلاً فإن مُتع ولذات إينو ، أخذت في بريطانياً مساراً مختلفاً ، فمن الملاحظ إن ” في رحلته إلى الأولى إلى لندن ، شملت نزهات ورحلات جماعية للمدينة ، وزيارة المواقع الأثرية – والسياسية المهمة . ففي رحلة لندن ، زار كتدرائية القديس بولس . كما إنه كان مفتوناً بإندهاش بالملكية الإنكليزية والتاريخ العسكري الإنكليزي . وفي ظل هذا المناخ ، لاحظ إينو الإختلافات الحضارية بين القطرين (منا = بريطانيا وألمانيا) ، وذلك من خلال المقارنات التي قام بها إينو بين إسلوب البناء المعماري لكاتدرائية القديس بولس ، وكتدرائية كولونيا (منا = وهي عمارة تنتمي إلى العصر القوطي – ألمانيا) . كما إن إينو تقدم بطلب للسماح له ، أن يكون زائراً لجلسة البرلمان ، مجلس العموم (منا = البريطاني) ” .
ونحسبُ في مقارنة الباحثة سوزانا كيركبرايت بين وصف الأخوين في زيارتهما إلى بريطاني ، فيها الكثير من الحق والصدق وهذه مسألة محسوبة لصالح الأخ إسلوب الأصغر على حساب إسلوب الأخ الأكبر . فقد بينت الفارق بين إسلوب الأخوين ، فذهبت إلى إن وصف إينو ، كان مُفعماً بالحيوية ، مقارنة بحديث الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، والذي تغلب عليه روح التقدير الحذر (منا = القلق) للحياة الإنكليزية في المدن ، وهو الحديث المتعلق بزيارته لبريطانيا في أواخر آب (أغسطس) من عام 1925 (أي بعد زيارة إينو بستة عشر عاماً)، والذي إستمر عدة أيام ، قضاها في بلومزبري، وبرفقة زوجته كيرترود ، وأبناء عمومتها ، كل من جوليا وإرنست كوتسجوك .
إضافة إلى كل ذلك ، فإن هناك فارقاً كبيراً في الزيارتين ، فزيارة الأخ إينو كانت رحلة سياحية خالصة ، وقد قام بها قبل إنخراطه في الخدمة العسكرية ، بل ودخوله الجامعة . بينما رحلة الأخ كارل ، يبدو إنها كانت رحلة أكاديمية ، وغرضها مختلف جداً عن غرض رحلة الأخ الأصغر . كما إن هناك عاملاً أخر ، حكم رحلة كارل ، ويومها كان بروفسوراً في جامعة هيدلبيرك . ولعل رسالة كارل في 2 إكتوبر 1907 ، توضح ذلك بجلاء . كما إن كتاب رئيس جامعة هيدلبيرك بالألمانية والمترجم بالإنكليزية ، يبين أغراض زيارة البروفسور كارل ياسبرز . فأفاد : ” الدكتور كارل ياسبرز ، هو بروفسوراً في جامعتنا ، وينوي بالقيام بزيارة دراسية إلى إنكلترا . ومن طرفي فأنا أوصي بزيارته وبمساعدته .
البروفسور كارل هامبي
رئيس جامعة هيلدبيرك ” .
وبعد رحلة إينو إلسياحية إلى بريطانيا ، إنخرط في الخدمة العسكرية ، وذلك لأكمال فترة سنة واحدة في التدريب العسكري الإلزامي ، وبالتحديد إلتحق لأكمالها في أولدنبيرك . ومن ثم بعد إكمال متطلبات الخدمة العسكرية ، بدأ تدريبه في مضمار القانون ، في هيدلبيرك ، حيث إنتفع هناك من علاقات أخيه كارل بالنخب الفكرية . وفعلاً فإن كارل عرفه بعدد من الأصدقاء من مثل صديقه بروفسور القانون غاستوف رادبروك ، سهل عملية تحويل إينو إلى جامعة بون ، حيث أكمل فيها متطلبات إمتحان الدخول لدراسة القانون ، وبالتحديد في شباط 1913 . وفي هذا الطرف من البحث ، نحسب من النافع الإشارة إلى إن الأخ الأكبر كارل ، إستمر في رسائل المساعدة والتعضيد لأخيه الأصغر إينو . إلا إنها في هذا الوقت أخذت مساراً في غاية الأهمية . ففي بداية أب من عام 1914 ، وكان إينو في رحلة في القطار من أولدنبيرك ، ومتجه نحو فرنسا ، فقد أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا . وبالتحديد في 4 أب 1914 ، كتب الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، رسالة إلى أخيه الأصغر إينو . وفيها الكثير من الوصف والمشاعر والهموم التي غلفت علاقتهما الأخوية . وهذا نص الرسالة :
” أولدنبيرك 4 / 8 / 1914
العزيز إينو
إني متشوق جداً إليك . وأنا على الدوام أود أن أعبر عن أخوتي ، وحبي لك . ولكننا لم نفعل مثل ذلك . وإن الثقة الفطرية بالقدر ، هو إنك عائد إلينا بصحة جيدة ، وإن الحياة تبدو ممكنة . وإن الشئ الوحيد الذي أتمناه ، هو أن أمتلك القوة للذهاب معك ، ولذلك يمكن مساعدة أحدنا للأخر ! إنا أحبك حباً لا حدود له .
أخوك كارل .
والواقع إن إينو لم يكن في خطوط المواجهة ، التي باشرتها المناورات العسكرية في بلجيكا وفرنسا ، كما إنه لم يُشارك في معارك المارن في عام 1915 . إلا إنه في الحقيقة أرسل مع قوات المشاة إلى مارن . وفي هذا الحال حالة فرج ونوع من الإرتياح سادت أجواء العائلة . وهذه المشاعر جاءت منثورة على سطور رسالة كارل ياسبرز ، والتي كتبها بُعيد أيام معدودات من رحيل إينو . وغعلاً فقد جاء فيها : ” لم يمضي وقت طويل ، بُعيد مغادرتك ، إجتمعنا بالوالد . وكان الوالد والوالدة يتمشون ، وهم في حالة إنفصال بعضهم عن البعض الأخر ؟ وكانا كلاهما يذرفون الدموع . ولكنهما كانا متماسكان بشجاعة ، ولم يُفكرا بشئ ، سوى عودتك إلينا بسلامة تامة ” .
ومن الثابت إن الحرب ، خيارمدمر في حياة الشعوب ، وتراجيديا نازفة في تاريخ الإنسانية . إلا إنها مناسبة كشفت عن المضموم والخفي في تفكير الأخ الأكبر كارل ياسبرز . ونحسبُ في مراسلات كارل مع أخيه إينو ، الكثير من الشواهد الدالة والمعاني والعبر . صحيح جداً إن إينو ذهب مُحارباً في صفوف قوات المشاة . وهذه قضية واضحة للجميع مثل شروق الشمس في الصباح الباكر . أما الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، فإن ظل يترنح بين باطن مخفي وظاهر مكشوف من المواقف . وخصوصاً بُعيد موجة الحماس للذهاب إلى الحرب ، التي عمت أوربا الغربية ، والتي رافقت عملية إغتيال ” الأرشيدوق فرانز فرديناند ” (1863 – 1914) في سراييفو .
والواقع إن المزاج المتوتر الذي رافق عملية الإغتيال ، ودعوات الحرب ، قد وصلت بحراراته العالية إلى أولدنبيرك . وفعلاً فإن الرد الألماني في أولدنبيرك ، تمثل بتوقيع أساتذة الجامعة على رسالة تضامن ومساندة مع العلم الألماني ، وبالطبع كان كارل ياسبرز ، واحداً من الذين وقعوا على هذه الرسالة . وقد أوضح كارل الأسباب التي حملته على التوقيع ، في رسالة بعثها إلى أخيه أينو ، وشرح فيها له الأسباب . وجاء فيها إنه (أي كارل ياسبرز) رغب في أن يترك سجلاً يحتفظ بوجهة نظره عن العلم الألماني ، كعلم يتفوق على كل ما لدى الشعوب من مفاهيم ، وبإمتياز أكاديمي عال .
ولعل التبرير الذي تقدم به كارل لتوقيع الرسالة ، فيه الكثير من المعاني والدلالات على مواقف كارل السياسية الباطنية الخفية ، فقد بين لأخيه إينو ، بأن الأسباب التي حملته على التوقيع ، منها وجهة نظر إرستقراطية محافظة ، فيها نوع من الوفاء لذكرى ماكس فايبر. وعلى كل حال فإن الباحثة سوزانا كيركبرايت ، ترى إن القضية بمجملها غير واضحة في الموقف الذي حمل كارل ياسبرز على توقيع رسالة العلم الألماني . ولهذا وجدناها غير مقتنعة بموقف كارل ، وترددت في حسم موقفه ، من بين إفتراضات تقدمت بها ، منها ربما إن كارل وقع الرسالة لأن كان مقتنع بروح القرار ولذلك صوت محمولاً بعاطفة ومبادرة صادقتين . أو ربما فعل ذلك ليقف ويتساند مع أخيه إينو . ويبدو إن كارل ياسبرز قد رفض المفهوم البريطاني لما أسماه باللعبة العادلة ، ولهذا الحال وقع الوثيقة . ولكن كارل ياسبرز فوق كل ذلك ، كان واعياً إلى إن الحرب ستضع إسلوب حياته كأكاديمي في خطورة . ولهذا كتب إلى أخيه إينو رسالة أوضح فيه :
” اولدنبيرك 3 / 10 / 1914
العزيز إينو
(…) إن المسألة البالغة الأهمية هنا ، هو إن الأساتذة الألمان نشروا إعلان ” العسكرة ” . وعلى هذا الأساس فإن روح العلم ليست منفصلة من وجودنا ، ونحن في هذه اللحظة جميعنا في حالة إنتماء وفي جبهة واحدة . وأنا في هذا الوقت ، أُشددُ على هذه المسألة ، فقد قمت بنفسي التوقيع على هذا الإعلان . والإعلان في حقيقته موجهُ ضد إنكلترا . وإن إنكلترا هي بينت بأن العلم الألماني ، والعسكرة الألمانية ، أمران مختلفان . وإن الحرب أُعلنت ضد العسكرة الألمانية . وأنا من طرفي أعتقدُ بأن العلم الحقيقي يزدهر في ألمانيا على أسس ثابتة . ومن الملاحظ إنه في كل مكان ، إن عظمة الأفراد تكمن في تقليد ألمانيا . والحقيقة إنه لا يوجد مكان أخر بمستوى ما وصل إليه العلم الحقيقي هذه الأيام في ألمانيا . ومن طرفي فأنا لا أحبُ أن أنتمي إلى منظمة علمية أجنبية . وبمراجعة هذه الإمكانيات الحقيقية ، فإن كل شئ يصبح واضحاً تماماَ .
تحياتي وأشواقي ، وآمل أن تكون بصحة وعافية .
أخوك كلي ” .
ونحسب في هذا النمط من التخاطب بين الأخوين ، له أهميته البالغة في الكشف عن البعد الحقيقي والجوهري في شخصية الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز في هذه الفترة على أقل إحتمال . ولهذا نُعمم رأينا في ياسبرز الفيلسوف ، ونقول إن ما هو تحت السطح ، هو الحقيقي ، وإن ما على السطح ، هو نوع من التزويق اللفظي والإعلامي . خصوصاً بعد فترة التحولات التي حدثت في حياة كارل بُعيد طرده من الجامعة من قبل النظام النازي . فمن المعلوم إن خطابات ياسبرز (وبالطبع تشمل كتاباته) ما قبل صعود النازية إلى سدة الحكم ، كانت شبيهة بدرجات وخطابات القوميين الوطنيين الألمان (ويمكن ملاحظة تحفظات زميله وأخ زوجته كيرترود إرنست ماير) .
وعلى هذا الأساس نرى إن كارل جامل عائلة زوجته كيرترود في كثير من الجوانب ، والتي كانت له أراء مختلفة حتى في بداية زواجه من كيرترود (أنظر مثلاً تعليقاته على أدموند هوسرل ، بعد زيارته له ، وتعليقه على الزيارة ، بأنها أشبه بتجمع لليهود ، هذا هو كارل ياسبرز الحقيقي ، وقد أشرنا إلى هذا في مقالاتنا عن حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل). ولكل ذلك نقترح البحث في رسائل كارل ياسبرز التي تداولها مع والديه ومع إينو ، وكذلك مع زوجته كيرترود ، فأن فيها الشئ الكثير من المواقف الأصيلة للفيلسوف كال ياسبرز ، والتي تتقاطع مع خطابه الأعلامي بعد إنهيار النازية .
وللمقارنة بين مواقف الأخ الصغير إينو ، والأخ الكبير كارل ياسبرز . فإن الفارق كبير ، فالأخ الصغير في رحم الحرب ، يعيش تفاصيلها يومياً . بينما مواقف الفيلسوف كارل تكشف أمراً مُغايراً ولا يتناغم مع أقواله التي صرح بها ، وهو يوقع على إعلان التضامن مع العلم الألماني . فمثلاً قد أشارت سوزانا كيركبرايت ، إلى إن مواقف كارل يومذاك ، كانت مسكونة بحالة رعب حقيقي ، وبالتحديد بُعيد إستلامه لدعوة أن يكون ” حارس الوطن ” ، وكان في أعلى درجات الإهتياج العصبي ، وهو يُغادر البرج العاجي للعلم .
ولعل الشاهد على ذلك الرسالة التي كتبها إلى والديه ، وهو في حالة إهتياج عالية ، ويُطيل التفكير في حالة تعيينه حارساً للوطن . وحسب تأملاته يومذاك ، إن العمل حارساً للوطن ، ربما يتضمن عملاً جسدياً ، وهو غير قادر على القيام به . وفعلاً فقد أخذ يتأمل في وضعه كمواطن مريض عليل . إلا إنه من طرف أخر مواطن مؤهل ، ومتدرب طبياً . وفي هذا الحال هناك إمكانيات المساهمة في المجهود الحربي ، وربما يعمل في واحدة من العيادات الطبية في هيدلبيرك . ولكي يضمن كارل ياسبر سلامة التعبير القانوني لموقفه ، فإنه عاد إلى ماكس فايبر ، والذي نصحه بالحصول على وثائق طبية صادرة من عدد من الأطباء ، وذلك لتسهيل عمله المكتبي . وبالرغم من ثقة فايبر بأن هذا هو عرض شكلي للحالة . فإن كارل ياسبرز
كتب إلى البيت ، وهو في حالة قلق ملحوظة ، فقال :
” (…) إنه من الحالات المرعبة ، هو إن تكون مريضاً عليلاً . ولكن في مثل الأيام ، فإنه من المثير للشفقة واليأس ، إن الإمبراطورية الألمانية برمتها ، لا تعني لي شيئاً على الإطلاق . ومن طرفي فأنا لا أرى إن هناك يتوافر مصدراً لنوع من الحماس الصادق في أي مكان . كما وإن هناك موجة من الرغبات ، تحمل المرء أن يكون جزءاً من هذه القوة . ولعل البديل عن كل ذلك هو حياتي مجملها . وإنه من المحزن أن أضع طريقي من خلال كل ذلك . من أجل أن أحافظ على وجودي ” .
وترى سوزانا كيركبرايت ، إن موقف كارل ياسبرز بعيون بعض الكتاب ، هو مثل موقف أخيه إينو ، أي إن كلا الأخوين يعيشان في أجواء الحرب . إلا إن هناك فارقاً جوهرياً فيه تحدي لكارل ولحساب إينو . فبينما كان إينو يُحارب في قلب الأحداث في فرنسا ، كان موقف كارل بالمقابل يراقب الأحداث العالمية ، وهو في قلب بلده ألمانيا . ومن هذا الطرف كان كارل حذراً ومتحسساً بدرجات من الآتي ، خصوصاً إذا تم إنكار أية نجاحات حققتها ألمانيا في الجبهات الحربية . وفي هذه الحالة حسب كارل ، فإنه من الضروري على الإنسانية ، أن تسجل لنا الإنتصار .
كما وكشفت الرسائل المتبادلة بين الأخوين ، في إن كارل لم يتردد من الإعلان بأنه من المؤيدين للحرب ، وإنه يأمل بإنتصار ألمانيا . غير دوافع كارل ، وكذلك رغبات زوجته كيرترود ، كانت إنسانية في جوهرها العام . والشاهد على ذلك متابعته للفعاليات الحربية ، التي تقوم بها الكتيبة العسكرية لأخيه إينو ، ومن خلال ماتنشره الصحف الألمانية هذا طرف . ولعل التحدي المهم الذي قام به الأخ الصغير إينو في هذه الفترة ، هو إلتحاقه في نهاية سبتمبر 1914 بسلاح الفرسان ، وذلك لكونه يتمتع بمهارات خبرة عسكرية . وفعلا شغل منصب ضابطاً في فرقة سلاح الفرسان . ومن ثم تلاحقت الأحداث ، فتم في كانون الثاني من عام 1915 بنقل إينو إلى فيلق الهندسة والمهندسين ، والذي كانت مهمته بناء الجسور في فرنسا .
ولعل من المفيد أن نذكر للباحثين وخصوصاً طلاب الفلسفة ، والمهتمين بفلسفة كارل ياسبرز وتحديات أخيه الأصغر إينو في مسار تفكيره ومواقفه ، هو إن الباحثة سوزانا كيركبرايت تحسب إن العديد من رسائل إينو بقيت محفوظة ، ولكن ليست في إصولها ، وذلك بسبب إن الوالدة هنريت قد قامت بنسخها ، ومن ثم حفظتها وبعد ذلك أرسلتها إلى كارل ياسبرز في هيدلبيرك . وإن المهم في هذه الرسائل ، إنها كشفت بوضوح شخصية إينو ، فقد بينت بأنه كان يتمتع بذكاء عال ، وقابليات في الطرفين العقلي والجسدي ، ويمتلك نزعة فطرية لحب المغامرة ، وإنه وظفها بآداء جيد .
وبحلول الربيع ، فإن إينو شارك في معركة قتالية ، في غالسيا الغربية . ومن ثم في نهاية سبتمبر 1915 ، إلتقيا الأخوين ياسبرز ولفترة قصيرة ، وذلك عندما تمتع إينو بإجازة لمدة أسابيع عدة . وفعلاً فإن إينو قام بزيارة أخيه كارل في هيدلبيرك . وبعد مرور مايُقارب السنة على الحرب ، فإن كارل لاحظ بأن ثمن الحرب كان غالياً ، وذلك لأنها فصلت بينه وبين أخيه . ولهذا أخذ كارل يُفكرُ في خطة جديدة لإنعاش علاقته بأخيه إينو ، خصوصاً بعد نهاية الحرب . وكان إجازة إينو العسكرية ، فرصة للتقارب بين الأخوين . وفعلاً فقد صرف إينو أسابيع عدة في هيدلبيرك للراحة والإسترخاء .
ويبدو إن حياة الأخوين في هذه الفترة ، كانت تسير في إتجاهين مختلفين ، وذلك لظروفهما المتباينة ؛ فبينما كان إينو في وضع تحدي مع حقيقة الحرب . كان كارل سجين الجامعة . وسعى كارل إلى إنجاز خطوة تحول من بيئته الأكاديمية الموضوعية ، وبإتجاه مساندة وجهة نظر أخيه إينو . وهذا التحول جاء من خلال رفضهما المشترك لأفكار السياسي الألماني فردريك نومان (1860 – 1919) والتي جاءت في كتابه المعنون ” أوربا الوسطى ” . ونحسبُ من النافع الإشارة إلى ألعون الذي ساعد الأخوين ياسبرز على رفض أفكار السياسي فردريك نومان ، وعد قبول ماجاء في كتابه من أفكار جيو – بولتكسية (السياسة – الجغرافية) ، هو تواريخ المؤرخ السويسري بالولادة والألماني بالثقافة والتعليم كارل ياكوب (يعقوب) بوركهاردت (1818 – 1897) . وكانت تواريخه من الكتب المفضلة عند الأخ الكبير كارل ياسبرز . كما إقترح كارل على أخيه إينو ، بقراءة أعمال الكاتب الألماني يوهان فون غوته (1749 – 1832) . ونحسب هذه الإشارة إلى غوته ، لها أهمية بالغة ، وذلك في تتبع الأثر الذي تركه غوته في ذهنية كارل ياسبرز ومن ثم في كتاباته ذات الطبيعة الفنية والجمالية .
إضافة إلى ذلك فإن كارل ياسبرز أهدى لأخيه في أعياد الميلاد ، مجموعة كتب ، من ضمنها نسخة من حملة غوته في فرنسا (1792) وأرفقها برسالة بعثها إلى إينو ، يقول فيها : ” إنها جداً مهمة ، من طرف إنها مصدر للمقارنة بما هو الحال الآن ، فهي تتحدث إلينا كسجل يومي ، وتقرير عن الأحداث في عام 1792 . وربما ترغب في قراءتها في أوقات فراغك . خصوصاً إنها مكان منطقة الحملة ، وقد تردد ذكرها كثيراً في هذه الأيام . وأسألك ؛ كيف حال الحرب هذه الأيام ! ” .
وهنا حاول كارل أن يوجه إينو خلال تجربته في الصراع (الحرب) لتكون متناغمة مع برنامجه الطامح في البحث . وفعلاً فإن سوزانا كيركبرايت قد لاحظت ، إنه من المحتمل أن يكون صيغة من التبرير بدأها كارل ، وذلك ما أشار إليه في رسالة بعثها إلى أخته ، وذكر فيها ما أسماه بوجوده المترف . ولعل كتاب ياسبرز الثاني ، والمعنون علم نفس النظر إلى العالم (1919) عكس بحثه المفصل في أعمال كيركيجارد ونيتشه الفلسفية ، في الوقت الذي كان يُعاني السكان المدنيين من تأثيرات الحرب المدمرة . وكذلك لاحظت سوزانا كيركبرايت بأن محاضرات ياسبرز بدأت بحضور عدد متواضع جداً من الطلبة ، وهذا يعكس تناقص أعداد الكلبة الذكور . ولعل تقرير زوجته كيرترود شاهد على ذلك . فقد ذكرت في تقريرها الإحصائي ، والذي بعثته إلى والدي زوجها (أي والدي كارل ياسبرز) ، والذي يعبر عما يجري من قيل وقال في هيدلبيرك :
” هيدلبيرك 18 / 5 / 1915
العزيزان الوالدان
(…) كلي بحالة جيدة ، وأنا سعيدة بذلك . ويحضر محاضراته عدد جيد حتى الآن ، والأحصاءات التي أبعثها إليكم هي بالصورة الآتية :
الشباب الشابات
11 19
17 22
11 24
13 29
وتلاحظون بأن أعداد البنات أخذ يتصاعد . ومع سوء الحظ مجملهم أغبياء (هكذا ورد نصاً ، ونحن نتحفظ على ذلك وخصوصاً إن الكلام صادر من أمرأة ذات حظ من الثقافة ..) . وأنا أنتظر للإجور الدراسية التي ستدفع . وحديثاً جاء إلى سمعي ، في إحياء ذكرى بسمارك ، الحوار الذي دار بين إثنين من الطلاب الشباب :
الطالب الأول : ” نعم إنه طويل إلى درجة ممقتة ، وأنا دائماً أراه في هابتستراب ، ويبدو غريباً في طوله ” .
الطالب الثاني : ” ياسبرز من المفروض أن يكون مهماً “
الطالب الأول : ” نعم ، من المحتمل أن يكون شخصية مهمة في جامعتنا ” .
وأنتم لا تتصورن ، كم كنت متشوقة للإستماع إلى حوارهم . وبالتأكيد كلي (أي كارل) سيغضب ، إذا عرف ، إني كتبت عن ذلك إليكم . ولكنني سأعترف له بذنبي فيما بعد . ومتأكدة ، لإنه متعة لكم كذلك .
عندما تسمعون عن إينو ، فإننا نود معرفة ذلك ؟
مع تحياتي وأشواقي
إبنتكم كيرترود ” .
وفي بواكير عام 1916 أعلن إينو عن قرار بالغ الأهمية في حياته (وبالطبع في حياة عائلته) ، وهو الإنخراط في مستوى جديد من خدمته العسكرية ، وهو تطوعه على التدريب ليكون طياراً . وإستجابة لذلك ، كتب كارل ياسبرز رسالة إندفاعية متعجلة ، عبرت عن همومه :
” هيدلبيرك 24 / 3 / 1916
العزيز إينو
لقد إستلمت رسالتك العزيزة تواً . ومن طرفي ، أنا في حالة صدمة أولية بالطبع ، ونحن في حالة تمكننا من التفكير بك دون قلق ؛ ولحد الآن فإنه ليس من الصحيح ، أن تسيطر علي مثل هذه المشاعر . وهذا واضح لي بلاشك . إن طريقتك بالكتابة عن الحقائق ، بسيطة جداً وخالية من كل وهم . وهذا حسن بالنسبة لي . وأنا من طرفي أحب وأقدر رجولتك ، التي هي في الحقيقة بعيدة عني ، ولكنني في الوقت ذاته أشعر بأني قريب جداً. (…) أنا أعتقد إن في نجمك الطيب يكمن قدرك ؛ ومن أعماق قلبي ، أنا أتمنى لك الإنجازات العظيمة . ولكن من طرف أخر ، فإن بقاءك حياً وفاعلاً من أجل إنجازات السلام .
وأنك حقاً الرجل ، الذي يتعامل مع نفسه بجدية عالية ، ولا يُخاطر بشئ لا معنى له . إن فعلك التطوعي ، حملني على الإبتهاج ، غير إن تطوعك طياراً ، فهو خيار لا يخلو من خطورة . وهذا الخيار حملني على أن أتوقع بأنك ستتلمس إنجازات حياتك ، وذلك عن طريق تركيز طاقاتك على إنجازاتك (وبعض الناس يتكلمون عن حياة ” الأعمال “) . في ضمان عالم نشاطاتنا ، فنحن لا نعرف شيئاً حول مثل الإنجازات .
سامحني ، عزيزي إينو ، فقد قدمت إجابة على رسالتك البسيطة في عدد من الكلمات . وإنه من السهولة لرجل الأفعال ، أن يكون أقل إنفعالاً .
تحياتي وأشواقي
أخوك كلي .
وكيرترود في رحلة إلى برنزالو ، وأنا أرسلت لها رسالتك ” .
وبعد تدريب على الطيران إستمر عدة أشهر ، ودروس في الأنواء الجوية ، والمراقبة والرصد وتصوير المواقع ، مهمة إينو كطيار إستطلاع بدأت فعلاً . وفي البداية تم تعيين مهمة عمله في إقليم فلاندرز (وهو واحد من الأقاليم الفندرالية للملكة البلجيكية ، ويحتل الجزء الشمالي من بلجيكا ، واليوم يُشار إلى لبجزء الذي يتكلم سكانه الهولندية) . وفي بواكير خريف عام 1917 ، نقلت والدته هنريت ياسبرز ، أخباراً وصلتها من خلال برقية وصلتها ، إلى إن أينو أُصيب بجروح .
وتصور لنا الباحثة سوزانا كيركبرايت المشهد وبالإعتماد على الرسائل المتبادلة بين إينو وأمه وبين العائلة بمجمل أفراده . فذهبت إلى إنه عندما قرأت الأم البرقية ، أصيبت بضربة حسن الحظ ، وخلاصة أخبار إينو ، هي من أحسن ما تأمله العائلة ، والذي جاء التعبير عنه بلسان هنريت ياسبرز ” إننا جداً محظوظين وسعداء ، في كيف كانت الإطلاقة سهلة وبسيطة ، عندما ضربت رأس إينو ” . ومن ثم تلت ذلك تبادل رسائل تفصيلية عديدة بين هيدلبيرك وكولونيا ، حيث أُرسل لإجراء عملية جراحية في ساقه ، وفي هذه الرسائل كارل أبلغ إينو حول العواقب الطبية التي سترتب على هذه العملية . مع الإشارة إلى إن العلاج كان ناجحاً . ولكن نقاهة إينو إستمرت عدة أشهر ، وإن الحرب أصبحت منتهية بالنسبة له . إلا إن شفاء إينو متعلق بالعديد من الجوانب غير المرئية . فمثلاً إينو لاحظ بأن هناك رضاء قليل ومحدود بالحياة المدنية ، بسبب إنه غير قادر على النجاح في أي طرف منها ، وهي بالتأكيد الأطراف التي تُشكل مصدر التقدير الإجتماعي . إضافة إلى إن إينو أصبح عاجز من الحفاظ على أي نوع من العلاقات ، سواء كانت ذات طبيعة مهنية أو شخصية .
ولاحظت الباحثة سوزانا كيركبرايت ، ومن خلال كتابتها عن سيرة كارل ياسبرز ، وبالتحديد قراءة رسائله المتبادلة بين أفراد العائلة ، إن أخيه الأصغر إينو ، بدأ في هذه الفترة ، يتصرف بصورة غريبة ، وملفتة لأفراد عائلته ، حيث كونت العلامات المبكرة ، على المحنة التي سببتها الحرب . وهذه العلامات تمثلت في عدم إكتراثه بمصروفاته المالية . فمثلاً قدر أخيه كارل ، مجموع المبالغ المالية التي إستدانها ، بمقدار 1600 مارك ألماني يومذاك . وإن نصف هذه المبالغ ، كانت مصادرها كل من الأخ كارل وأخته . وهذا الحال حمل كارل إلى الإستنتاج ” بأنه ما دامت الحرب مستمرة ، فإن المطلوب منا تلبية متطلباته ، وذلك لأن الرجل واجه الموت ، وهو الذي سيقرر ما هو الصحيح بنفسه ” . وبالطبع في ظروف السلام ، فإن العائلة ستكون لها توجهات مختلفة . مع الإشارة إلى إن إينو من طرفه عمل بجد إلى إعادة تأهيل نفسه للعمل في مهنة المحاماة من جديد . وفعلاً فقد عمل لفترة سنة كاملة ، في شركة محاماة محلية محترمة . ومن ثم بعد تقاعد والده عام 1921 ، ترقى إينو وأصبح المدير المشارك في مصرف والده ، وإستمر في العمل للفترة من كانون الثاني عام 1922 وحتى نهاية عام 1925 .
وهنا تغيرت الظروف العمل ، وذهبت في إتجاهات معاكسة لمصالح إينو ، ولم يستطع كارل من إنقاذ عمل إينو من الإنهيار ، بالرغم من إن كارل هو الأكبر ، ويمتلك سمعة عالية في العمل المصرفي ، وسبب الأنهيار ، هو إن إينو قام بمغامرة في ربيع عام 1926 ، وكانت هذه المغامرة وراء إنهيار عمله المصرفي . ومن حسن حظ إينو ، إنه كان مشاركاً في عمل شركة هولندية ، فشجعته على العودة إلى العمل بصورة موقتة في البنك ، وذلك ليعيد تأسيس عمله من جديد ، وكرجل إعمال مرموق في مضمار الطيران .
ومن المفيد الإشارة إلى إن إينو في بداية عام 1926 ، كان يعيش في برلين ، وبالتحديد في شقة ثرية واسعة ، في منطقة دهلام المشجرة ، وكان وقتها يعيش مع خطيبة جديدة ، من طبقة النبلاء ، وهي الكونتيسة شارلوت فون آرنيم ، وهي مظلقة وكان عمرها أحد وثلاثين ربيعاً . وكان يبدو إختيار موفقاً للأخ إينو بمعايير الخبرة من طرف . ومن طرف أخر إنها تتناغم وأمال إينو في التطلع نحو مستقبل مزدهر وناجح .
وفعلاً فإن عائلة آل ياسبرز ، وافقت على خطبة إينو على شارلوت بشروط مقيدة . وفعلاً فإن الوالدة هنريت ياسبرز زارت برلين ، وكانت كما يظهر ، متأكدة (دون توافر أسباب مقنعة) بأن خطوبة إينو الجديدة (وهي بالطبع الثانية) ستنهي بالزواج . وبعد الإعلان عن الخطوبة بشهر واحد ، فإن توقعات زواج إينو أخذت فرصها بالتناقص ، وذلك حين أصبح أصبح إينو مُلاحقاً بتسديد ديونه الكبيرة . ولعل حجم الديون يعكس حالة المآزق المالي الذي يمر به ، وهو في الوقت ذاته يكشف عن الوضع الإقتصادي غير المستقر في العشرينات من القرن المنصرم (أي عشرينات ألف وتسعمائة) .
كما ويبدو إن مناقشات إينو لشراء أسهم ، لتغطية ديون مقدارها 14000 مارك ، كانت مؤسسة على تقدير متفائل غير واقعي للشركة الهولندية . كما إن عقد إينو مع الشركة ، لم يكن كافياً لتغطية الدين الحقيقي بجدية مقبولة . ولذلك كان عليه في 1 تموز 1926 أن يدفع كما هو خطط ، مبلغ مقداره 40000 ماركاً . وإن الدين تم الوفاء به بتدخل والده ، وبمساهمة أخيه كارل بدفع 4000 مارك كدين . إضافة إلى 25000 مارك من بيع ملكية ريفية ، مع خطة في إطلاق أكثر من 50000 مارك خلال السنة الحالية .
وكان جزء من خطة الطوارئ المالية ، هو أن يتخلى إينو من شقته في برلين – دهلام ، ويبيع الأثاث الغالية ، وتأجيل زواجه من الكونتيسة شارلوت إلى أجل غير مسمى . وبذلك أصبحت آماله في العافية الإقتصادية ممكنة ، فأخذ يتأمل في إمكانية حصوله على وظيفة جديدة ، وفي بنك مختلف . وبالفعل فإن فرصة العمل عُرضت عليه ، وهناك إحتمال للإنتقال إلى فايمر لمباشرة العمل هناك . ويومها كانت العائلة مُحيطة به ، رغم إن تعليقاً صدر من الأم هنريت ، فيه إشارة إلى هم الجميع ورغبتهم بالتعقل ، فقالت موضحة في ردها على كل هذه الهواجس والرغبات : ” لقد أخبرت إينو بكل شئ وبوضوح ، وإن هذه المبالغ من المال جداً مهمة للعائلة ، وكذلك فإن البابا (والد إينو وكارل) قال سوف لن أتحدث عن ذلك طويلاً ” .
والحقيقة إن إينو حصد بعض المنافع من هواجس العائلة . فمثلاً إن الأموال التي قُدمت لمساعدته ، هي ليست أمواله ، وإنما هي مساعدات الوالد . ولهذا وضعت شروط على حياة إينو ، منها أن ينتقل ويعيش في مدينة كوتنكن ، وأن يُرافق ذلك تغيير جوهري في مظاهر حياته ، فقد طُلب منه أن يعيش في غرفة منفردة ، وفي بيت يتكون من مجموعة غرف ، والذهاب إلى السينما والمسرح في المناسبات فقط .
ولعل من المفيد أن نشير إلى التقرير ، الذي كتبه الأخ كارل ياسبرز عن إينو ، وبعثه إلى والديه من كاسل ، وهو تقرير يتكون من ثلاثة عشر صفحة ، وهو تفسير تحليلي تقدم به كارل ياسبرز ، وكان يغلبُ عليه إسلوب الإقتباس والتوثيق بنصوص مباشرة من الأحاديث التي درت مع الأخ الصغير إينو . وهناك إحتمال إلى إنها خرجت من سياقها العام . وهذه الرسالة – التقرير ، يمكن النظر إليها كمجاميع من الأمثال والحكم ، والتي فيها إمكانية تقويم لتصرفات لإينو المالية الطائشة ، وفي الوقت ذاته إنها شاهد على حالته العقلية اليائسة . وإن العامل الأساس في تفسير كارل ياسبرز ، جاء في الصفحة رقم 11 ، والتي قدمت لنا مثالاً دالاً على تصرفات إينو المالية . يقول كارل :
” يتشكى كارل من قلة المال . وأنا ، وبالطبع الوالد ندفع تآمين الحاجات الأساسية ، من مثل السفر ، وتكاليف العيش والتي ينبغي أن تكون كافية .
يقول إينو : ولهذا أنا أسافر كرجل نبيل . وفي فايمر ، أنا أمكث في أحسن الفنادق . ولإندهاشي ، فإنه رد علي قائلاً : ذلك جداً ضروري . خصوصاً إذا الناس إكتشفوا ، بأن ليس في حوزتي مالاً على الإطلاق . فالنتيجة إن كل شئ وصل إلى نهايته . وإذا ما حدث ، إن إستفسروا عن الفندق الذي أعيش فيه ، فبالتأكيد إن جوابي ، هو فندق من الدرجة الأولى ” .
وعلى هذا الأساس فإن التحليل يكشف عن إختلاف الأخوين ، حول طريقة التصرف بالمال . وهذا الحال لم يُساعد كارل على التعاطف مع حالة إينو ، ولذلك جاء تأكيد كارل على تعليقات أخيه ، بأنها لم تأخذ بالإعتبار ضرورة التركيز على الحاجات الأساسية للحياة . فقال كارل معلقاً : ” على أية حال ، هذا الكلام ذات طبيعة سرية . وبصورة عامة ، هو تكلم بموضوعية ، وواقعية . ولكنك من الصعب إن تلاحظ بأن هناك فنطازية (خيالية) ، خصوصاً عنما تخصص وقتك للحوار مع إينو ” . ومن طرف آخر فإن كارل بين همه الخاص ، وهو إن العائلة ربما ستتخلى عن إينو ، وتتركه وحيداً . وفعلاً ففي الصفحة ما قبل الأخيرة من تقريره ، وصف كارل الطرف الذي يُثير القلق في سلوك إينو . فقال :
” إنا لا أحتاج إلى أي شئ ، غير حبي لإينو . وأنا في الوقت ذاته أخاف ليس من أجله ، بل أخاف منه . وهو لا يستطيع أن يعمل أي شئ لنفسه ، وإنما هو مسكون بالطمع من أجل المرح والترفيه والمغامرة ، وذلك هو الشئ الوحيد الذي يلبي حاجاته المالية . وأنا أرى إينو كتلة صبيانية ، وطبيعة طيبة ، تعوزه اللياقات الشكلية ، وإطلاق نار لا يتوقف ، وصاحب تطلع أناني من أجل المال ، ومن أجل الإستهلاك ، وليس من أجل المال ، أساساً ووسيلة للحياة ومن أجل المستقبل . ولكن من أجل المال الذي يسميه ” القذارة ” ” .
وفي هذا الوقت ، أخذت الهواجس تُراود كارل بعد الإطلاع على رسالة إينو ، والتي بعثها إلى والديه . بأن أمراً ما سيحدث في حياة إينو . وسبب هذه الهواجس ، إن إينو كان متفائلاً بصورة غير إعتيادية بمشروعات جديدة . وهذا فعلاً ما جاء في رسالة إينو إلى والديه ، حيث أفاد : ” أشعر أنا ، ومن الزاويتين العقلية والجسدية بأنني قادر ومتمكن من إنجاز ما لم أستطع عمله في السنوات الحاضرة على الإطلاق . وهذا الشعور بالقوة منحني الإطمئنان والثقة . وكان الحاصل من ذلك إن وجودي إستقر على هذه الثقة وفي تناغم مع الأشياء ” .
ويبدو إن آمال إينو في نهايات نوفمبر عام 1926 قد تحولت من العمل المصرفي (المالي والذي تركه جانباً) إلى العمل في المحاماة . وفعلاً فقد عمل محامياً في هامبورك . وفي هذه الأثناء بدت مظاهر واضحة على تبدل في مزاج إينو ، صعوداً ونقوصاً ، ومن ثم تبين في إعترافه ” بأنه يتعاطى مخدر الكوكايين ” . ومع الأسف كانت والدته هنريت عارفة بذلك ، ولكنها قررت إخفاء الأمر عن أبيه وخاله الوزير في حكومة فايمر ثيودور تانتزين .
ومن ثم أخذت مخاوف العائلة تتصاعد ، وبالتحديد في الشهور الستة الأخيرة قبيل موت إينو ، وكيف إنه أكد على التغلب على الإدمان في تناول مخدر الكاكويين ، مع الرفض المتكرر لطلب أخيه كارل من تقديم معلومات آمينة . كما وإن مماطلات إينو حول وضعه المالي الواقعي ، حملت أخيه كارل إلى كتابة رسائل دفاع عن مواقف العائلة ، والتي تفيد بأن العائلة في حل على الإطلاق من محاولتها إنقاذ إينو من صعوباته المالية التي مر بها خلال عام 1926 . وبالمقابل قدم كارل لأخيه فرصة العلاج في عيادة الطب النفسي ، وبشرط إذا فوضه إينو على المساعدة ، ووافق على عملية علاجه من حالة الإدمان . ومن طرف كارل فقد عرض مساعدة مالية لعلاج أخيه في دار الضيافة في بيئة ريفية ، وذلك لقطع الطريق على إينو من شراء الكاكويين من مصروفه الخاص .
وفي بواكير شباط عام 1931 ، كان إينو في وضع مالي صعب جداً ، فطلب مساعدة مالية من أُخته أرينا ياسبرز ، وبمبلغ مقداره 4000 مارك ، وذلك لتحويله إلى سيدة مجهولة الهوية . إضافة إلى 2000 مارك مقدمة ، مطلوب منه دفعها قبل 2 آذار . وهذه المعلومات وصلت إلى مسامع أخيه كارل ، فقرر أن يتحمل المسؤلية . وفي الوقت ذاته ، قدم كارل 50 ماركاً ، مبلغاً إضافياً (وفي ثلاثة دفعات) وذلك لتوفير وجبات الطعام لإينو ، وإنه لن يموت جوعاً . وفي هذا الحال ، تكون هناك إمكانية في أن يستمر إينو في العمل محامياً في هامبورك . ونلحظ في رسالة كارل إلى إخته أرينا ، الكثير من الإفصاح عن الحال الذي يمر به أخيه إينو . فقال : ” إن إينو سيعلنُ ، بأن حياته بمجملها ، ومن ضمنها ماحدث له ، هي دائماً مسؤليتنا ، وإننا المذنبون في تدمير آفاقه المستقبلية الوهاجة . وهذا بالطبع سوف لا يغضبنا ” .
صحيح جداً إن توجيهات كارل ياسبرز كانت حادة جداً ، إلا إن أفعاله خلال عام 1931 ، كان محاولة في جمع المعلومات الدقيقة حول نمط حياة إينو . وفي هذه الأثناء برقية وصلت إلى هيدلبيرك ، وبالتحديد في 8 آذار 1931 ، وهو اليوم السابق على اليوم ، الذي تناول فيه إينو السم . وهذا هو نص الرسالة – البرقية التي بعثتها الأم هنريت إلى كارل ياسبرز :
” أولدنبيرك 8 / 3 / 1931
عزيزنا إينو ، البارحة مساءً ، وبالتحديد في الساعة العاشرة ، إستلقينا في المنام بإرتياح ، ولم يكن هناك شجار على وصيته . وكان هنا منذ ليلة الخميس . أطلب منك أن لا تأتي ، بسبب صحتك ، والرياح شرقية باردة جداً ، وهناك الكثير من الإنفلونزا منتشرة . وسوف أكتب لك اليوم بالتفصيل . ونحن الآن في حالة هدوء تام . وسوف نأتي لزيارتك في مايس . الأم الأب ” .
ومن النافع إن نشير إلى توقعات الأم هنريت المتفائلة بحال ولدها إينو . وهذه التوقعات جاءت في الرسالة التي بعثتها هنريت إلى أختها آنا هدويج . وفيها هنريت تصف حالة الآمل والفرج ، بعودة إينو إلى بيت العائلة . وفيها إشارة إلى إنها قادرة على التصالح مع إينو ، بالرغم من أفعاله ، وستقوم بالعناية به لعدة ساعات ، وبذلك فهي تستحق من إينو الكثير من الشكر . وبالمناسبة إن كارل ياسبرز ، وصف لاحقاً ظروف موت أخيه إينو إلى تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت ، وبالطبع بعد خمس وثلاثين عاماً ، برسالة بعثها إلى حانا أرنديت من باسيل ، وبالتحديد بتاريخ 17 آب 1966 .
ويبدو إن الأعراض المرئية الوحيدة على عذابات وآلام إينو ، جاءت في الرسالة الفاجعة ، وهي الرسالة الأخيرة التي كتبها إلى أخيه كارل ياسبرز . وهذه هي الرسالة الختام في رحلة المحامي والمصرفي إينو ياسبرز :
” أولدنبيرك 8 آذار 1931
العزيز كلي !
أنا في نهايتي . في هذه اللحظة أنا أعمل مسحوق ، مرة قد ذكرته لك ، أنني أمتلك منه . والعائلة سوف تهتدي إلى مكانه لاحقاً . أنظر بجدية ، أنا حقيقة مُحطم ، وأنا أعترف ، بأن كل الذنب هو ذنبي . وإن كل أفراد العائلة تمنوا لي كل ما هو أفضل ألخ . وفي النهاية فإن غريزة الفلاح العجوز ، تدفعه إلى الذهب ، الذي يتطلب البحث عنه وإكتشافه . ولكن الرجل مات والدوقية (العملة المالية) في حرز محفوظ .
الوداع
أخوك إينو ” .
وفي الختام تحسب الباحثة سوزانا كيركبرايت ، إنه من الصعوبة بمكان ، من فصل قدر إينو من الكارثة التي سببتها الحرب العالمية الأولى ، والتي عاش إينو تفاصيلها في مواقع عسكرية ومعارك فتاكة خارج حدود بلده ألمانيا . وبالطبع إن نتائج الحرب إعتلال صحته الجسمية والعقلية . كما كان من آثارها تصرفاته المالية والديون المالية الكبيرة ، والتي عمل زوج إخته أرينا ، يوجين دوجند على علاجها . وفعلاً فإن رسالة يوجين إلى كارل ياسبرز ، إن ديون إينو بلغت 13183 ماركاً ألمانياً ، وإن معظمها تحملته العائلة ، مع مساهمة يوجين بدفع حوالي رُبع المبلغ ، والربع الأخر حصلت العائلة على تخفيض ، والبقية دفعتها العائلة .
ولعل من المفارقات في مراسيم دفن جثمان إينو ، أن أخيه الأكبر كارل ياسبرز لم يحضر المراسيم ، بسبب الصدمة الكبيرة التي حلت عليه ، فكان مشلولاً ، لاحول ولا قوة له ، ولذلك لم يتمكن من حضور مراسيم الدفن ، وبسبب مخاوف والدته على صحته . ولذلك حضرت زوجته كيرترود مراسيم العزاء نيابة عنه . وفعلاً بعد عدة أيام من دفن جثمان إينو ، وبرفقة يوجين دوجند ؛ حضرت كيرترود إحتفالية ذكرى إينو ، وكتبت إلى كارل ياسبرز ، وكيف إنها كانت قريبة جداً ، وهي تشاهد المهاد الأخير لأخيه إينو ، وإستشهدت بعبارة دينية متداولة ، فقالت ” أحسب إنكم جئت من التراب ، وإلى التراب راجعين ” . والأن يشعر إينو ، ربما بقبول الصورة التي رسمناها له ..” . ونحسب إن الموت هو اليقين لجميع البشر على أرض البسيطة .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس/ العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(3)
الدكتور ياسبرز : الباحث الأكاديمي والإنجاز الفكري
الدكتور محمد جلوب الفرحان
بعد إنجاز ياسبرز لأثنتي عشر فصلاً دراسياً في الكلية الطبية دخل الإمتحان في كانون الثاني / جنيوري 1908 ، ومن ثم عمل ياسبرز متدرباً في العيادة الطبية النفسية (للأمراض العقلية) في هيدلبيرك وحتى عام 1915 ، وهذا الموقع أهله لكتابة والدفاع عن إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” هومسكنس (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” ، وكان دفاعه عنها في 1909 .
ومن ثم ظهرت مقالته المعنونة ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” والتي فعلاً نشرت في عام 1912 . وهذه المقالة هي جزء من مجموعة تحليلات ياسبرز الرئيسية . والكلمة المفتاح هي الفينومنولوجيا ، وهي طبعة مكثفة لنتائج بحثه التي سيضمها الكتاب الذي كلفه بكتابته يوليوس سبرنكر في 1911 وليكون كتاباً أساسياً (مصدراً) للأطباء والطلبة خلال التدريب . وكان هذا الكتاب المصدر ، هو الطبعة الأولى لمؤلفه الشهير الذي حمل عنوان ” علم النفس المرضي العام ” والذي نشر في مطبعة يوليوس سبرنكر / برلين 1913 . وفي حينها طبع وبعنوان فرعي ” دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس (السيكولجست) ” .
وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت ، ويقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد :
إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان .
لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938) ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف ياسبرز بذلك ، فقد
سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 .
وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) للطبيب النفسي كارل ياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه . وهنا نحسبُ إن ياسبرز وهوسرل يلتقيان وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل في بواكير النزعة الفينومنولوجية ، والتي كان فيها هوسرل مناصراً للنزعة النفسية في الفلسفة والعلم (أنظر الهامش رقم 117) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :
” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911
الوالدان العزيزان
أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …
تحياتي وأشواقي
ولدكم
كلي (منا : أي كارل) ” .
ونحسب إن هناك إشارة بالغة الأهمية والخطورة في تعليقات ياسبرز قد صدرت منه في الفترة التي تصعد إلى بدايات حياته الأكاديمية ،وبالتحديد بعد مرور ثلاث سنوات على زواجه من كيرترود السامية / اليهودية ، والتي تكشف عن المناخ الألماني (الذي تنفست منه ألفريدا هيجر ، وهيدجر بدرجات أقل ، وياسبرز بدرجات معلنة وبأسلوب الفكاهة والتندر) . ففي نهاية سبتمبر من عام 1913 ” ذهب ياسبرز لزيارة عمه فيرتز ، وكان تحت العلاج من عملية جراحية في بون ، ومن ثم توقف في كوتنكن ، وكانت فرصة له ليقابل هوسرل ، وبعد ذلك شكى بحزن وشفقة إلى كيرترود ، قائلاً : ” إن هوسرل وجميع مساعديه هم من اليهود ” . وأحسب إن ياسبرز تكلم بسذاجة ودون وعي عن يهودية هوسرل ، وتناسى إن في كلامه ما يشمل زوجته كيرترود اليهودية .
وفي 1913 صدر كتابه المعنون ” الأمراض النفسية العامة ” ، وهو في الحقيقة إطروحة دكتوراه ثانية ، تؤهل ياسبرز للتدريس الجامعي (وهذا هو التقليد الجامعي الألماني) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) (8). وفعلاً فقد تم تعيين ياسبرز محاضراً في كلية الفلسفة . والكانطي الجديد وندلباند ، هو من مدرسة بايدن للكانطية الجديدة . ولعل من الأثار التي تركها على ياسبرز ، دعوته إلى ضرورة أن تقوم الفلسفة بفتح الحوار بين الإنسانيات والعلوم الطبيعية . وهو مهتم بعلم النفس والعلوم الثقافية الحضارية . وكان لوندلباند إرتباط قوي بالرمز القيادي للكانطية الجديدة هنريخ ريكت (1863 – 1936) ومن الملاحظ إن طلاب ويندلباند لم يكونوا حواريون فلاسفة فقط ، وإنما كان بعض منهم علماء إجتماع من أمثال ماكس فايبر (1864 – 1920 وماكس سيترك أثاراً على كارل ياسبرز الذي سينضم إلى حلقة أل فايبر المشهورة) وبعض منهم رجال لاهوت من أمثال إرنست ترولتسيش (1865 – 1923) . كما وبالمناسبة إن هيدجر صديق ياسبرز ، قد تخرج مع هنريخ ريكت ، وبدأ عمله المهني مساعداً لريكت ، ومن ثم كتب هيدجر إطروحته الثانية للدكتوراه تحت إشراف هنريخ ريكت .
وفي عام 1916 تم ترقيته إلى أستاذ مساعد في علم النفس ، وبعد ثلاث سنوات ، وبالتحديد في عام 1919 أصدر كتابه المعنون سيكولوجيا النظر إلى العالم . وهذا الكتاب حمل تحولاً كبيراً في تفكير ياسبرز ، حيث ربطه بقوة في مضمار الفلسفة . وفي هذا الكتاب يظهر أثر مناقشاته مع والده حول اللوحات التي رسمهما والده ، وأثر كانط وخصوصاً كتابه نقد الحكم ، والذي خصص له دراسة في نهاية الكتاب . وهي الدراسة التي تعتقد سوزانا كيركبرايت التي أعدها في سيمنارات أميل لاسك (1875 – 1915) عن كانط . ومن ثم أثر منهج ماكس فايبر في الموضوعية .
والحق إن ياسبرز يصف لوالده بصورة غير مباشرة صراعه مع منهج ماكس فايبر في الموضوعية . ويبدو إن ياسبرز في هذه المرحلة كان حساساً بدرجة عالية من ربط أرائه الفلسفية بتفكير ومنهج ماكس فايبر . ولذلك سعى بتوجيه الأنظار والحذر من ربط تفكيره بقرابة حميمة مع منظومة أفكار ماكس فايبر .
والحقيقة إن القارئ المدقق لا يستسلم لمثل هذه المصادرة البسيطة التي تطلع ياسبرز إلى إقناعنا وغلق الباب وعدم التساؤل حول إمكانية ربط آراء ياسبرز بمنظومة أفكار ماكس فايبر . ونحسب إن هناك الكثير من الحقائق المتوافرة من داخل خطابات ياسبرز وأبحاثه تدلل بقوة على وجود مثل هذه المقاربة العميقة بين تفكير الرجلين : ماكس فايبر وكارل ياسبرز .
والبداية سؤال : ما حجم الأثر الذي تركه عالم الإجتماع ماكس فايبر على أعمال ياسبرز ؟ والحقيقة إن ياسبرز يعترف بمكانة فايبر خصوصاً في بداية مسيرته الأكاديمية في كلية الفلسفة عندما بدأ عمله محاضراً ، وكان يكرر دائماً بأن حيائه (حياء وخجل ياسبرز) منعه من الأنخراط الحقيقي في حوار مع ماكس . إلا إنه كان يتابع نشاطاته البحثية ويقرأ ما يكتب . ومن ثم أسهمت زوجة ياسبرز السيدة كيرترود في تنشيط العلاقة مع فايبر وعائلته ، وخصوصاً مع زوجته ماريان ، فأصبحت كيرترود صديقة لها . وهذه الصداقة مكنت ياسبرز أن يحضر دون حياء وتردد إلى حلقة عائلة فايبر .
ففي رسالة بعثها إلى والديه من هيدلبيرك في 27 / 2 / 1910 . يقول فيها :
” الوالدان العزيزان
في الجمعة حضرنا أنا وكرهل في بيت ماكس فايبر (…) وأنا أعرف الرجل (ماكس) من خلال النظر وقراءة كتاباته . أنا بصدق أحبه . هو شخص نادر من بين الأكاديميين المثقفين ، ومتحمس تماماً لقيمة العقل . وإنه يتمتع بدرجة ذكاء عالية . وعلى الأقل يمكن أن يقال عنه إنه عبقري ، وأنا أتواصل معه من بعيد ، شخص إلى شخص (…) . وأنا لدي تعاطف عام تجاه الشخصيات الفكرية والروحية . وهم النخبة التي يتطلب منك أن تعرفهم ، لا ليقوموا بإلهامك وتثق بهم شخصياً ، إنهم يفتقدون لكل مصداقية ، وفارغون … تحكمهم عواطفهم ، تنقصهم الرجولة … أما ماكس فايبر فهو تمام مختلف ، إنه يأسرك بحضوره وثقته منذ اللحظة الأولى . ولكن الشئ الوحيد الذي يُثير القلق ، هو التعابير التي تظهر على وجهه ، وعيونه الثاقبة ، حيث تخشى إنه في أي لحظة يصبح عصبياً وإنه مريض لفترة سنتين . وربما يبدو لك إنه يتصارع مع جهازه العصبي وكأنه سيعيش فترة من الإثارة . والمعركة لا تقدم أي شاهد على هذا الطريق . وزوجته تمتلك إسلوباً رائعاً في التخفيف من تأثيرها عليه . وتلاحظ إنه يدين لها بالكثير في هذا الطرف . ويبدو إن زواجهما جيد (…) وأنا دائماً أسأل بطريقة حميمة ، وأتصل بالهاتف وأطلب تعديل موعد اللقاء . ولكن لدي شكوك فيما أنا حقاً أنتمي إلى هذه الحلقة (أي حلقة عائلة فايبر) . الناس اللذين يحضرون جلساتها أذكياء جداً . وأنا أظن لا أمتلك شيئاً لأقدمه في جلسات هذه الحلقة .
تمنياتي وأشواقي
ولدكم كلي ” .
كما إن ياسبرز أصيب بصدمة عند سماع مرض فايبر بالإنفلونزا ، وعطل رحلته وذلك للإطمئان على صحة فايبر . غير إن الموت كان أسرع ، وفعلاً فقد مات ماكس فايبر في 14 حزيران عام 1920 وعمره ست وخمسين ربيعاً . صحيح إن ماكس فايبر كان عالم إجتماع ، إلا إن ياسبرز في كلمته التي ألقاها في التأبين ، ومن ثم في نشاطته البحثية والكتابية ومحاضراته ، ركز على ماكس فايبر الفيلسوف . ونحن نتفق مع ياسبرز في أهمية تقديم ماكس فايبر فيلسوفاً . وفي هذا الطرف يتكشف المطمور المتخفي من الأثار التي تركها ماكس فايبر على فلسفة ياسبرز . ولعل أثار صدمة ياسبرز والإعتراف بماكس فايبر فيلسوفاً ، تحمل أطرافها رسالته التي بعثها إلى والديه بتاريخ 16 حزيران 1920. حيث يقول فيها :
” والدي العزيزان
ريما تصفحتم الصحف ، فأن فيها خبر موت ماكس فايبر . لقد مات نتيجة الإصابة بالإنفلونزا . وفي الوقت الحاضر فإن القليل من الناس من يفكر ويثير السؤال ؛ ماذا يعني موت ماكس فايبر ؟ حقيقة أنا مصاب بالشلل ، ولكن في الوقت ذاته أنا جداً متحمس لحبي هذا العقل وبالمعنى الموضوعي التام . وذلك لأنه فيلسوف عصرنا الوحيد ، وليس لدي شك في إنه سيحصل على الإعتراف بمثل ذلك في المستقبل . وبالنسة لي فإن العالم أصبح يبدو لي مختلفاً ، ونحن مصانون في عالمنا العقلي بسبب وجود ماكس فايبر ، الذي كان الضمان العظيم في الإمكان تحقيقه اليوم . والآن أشعر إنه لا يوجد من هو أرقى مني في مستوى التفكير العقلي في عالم يبدو فارغاً (…) . والأن أصبحنا كائنات فانية ، ونبحث عن مكاننا في العلم وبالإعتماد على فضائلنا . وأشعر إن مسؤوليتنا أصبحت مختلفة وذلك بعد إن إنطفأت الشعلة ، وحتى تتوهج الشرارة يتطلب أن تقدح من جديد .
ماذا قال لي ماكس فايبر في المرة الأخيرة ، وقد غادرنا إلى عالم العتمة . قال بطريقة حميمة حول كتابي الأخير ” إنه يستحق كل تقدير ” ومن ثم كرر ذلك مرتين وبطريقته المعتادة والتي فيها تشديد ” أشكرك على هذا الكتاب ” ومن ثم قال : ” أتمنى لك نجاحاً وإنتاجاً كبيريين ” . وأخيراً فقد أضاف : ” سأحاول أن أعلق على كتابك في كل مكان ” . والآن لم يكن في وسعه أن يعمل شيئاً . ولكن لدي شعور بأنه وجد في هذا النوع من الشرارة المتوهجة ، وأنا أرغب أن أكافح بكل إمكانياتي إنجاز كل ماهو ممكن في مضمار الفلسفة . وسأحاول تقديم التفسير في هذا الميدان لكل الشباب اليوم شارحاً أفكاره وأعماله …
مع أطيب التمنيات والأشواق
ولدكم كلي ” .
وعلى الرغم مما قاله ياسبرز عن فايبر الفيلسوف ، إلا إننا لم نجد بحث فلسفياً واحداً في قائمة أبحاث ماكس فايبر ، يُقنعنا بأن الرجل كان فيلسوفاً . فمثلاً الإطروحة الأولى للدكتوراه كانت في تاريخ القانون . والإطروحة الثانية كانت بحث تاريخي قانوني وكانت بعنوان ” تاريخ الملكية الزراعية الرومانية ودلالته في القانون العام والخاص ” . ولعل البحث الأقرب إلى مضمار الفلسفة ، هو الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية . لكن الرجل عالجه من زاوية عالم الإجتماع (الديني) وليس بمنظار الفيلسوف .
كما إن أثار ماكس فايبر واضحة من خلال حلقة فايبر التي حضرها ياسبرز مع زوجته كيرترود صديقة مارين فايبر زوجة ماكس ، أو بصحبة زملاء أخرين . وهنا
نود العودة إلى دائرة التوثيق وندع الباحثة سوزانا كيركبرايت تقرأ علينا رواية ياسبرز حول حلقة فايبر ، ومن كان يحضرها بالإضافة إليه ، وبعض ما كان يدور فيها . تقول سوزانا :
” بعد بداية الحرب ببضع أشهر ، كيرترود (منا : زوجة ياسبرز) وصفت إلى والد زوجها إهتمام ياسبرز بما كان يسمى المساءات الثقافية الفلسفية . وبالتحديد منذ نهاية عام 1914 أخذ يتقابل مع الشاب جورج لوكاش ، إرنست بلوك ، وماكس شيلر (1874 – 1928 مشهور بتطوير المنهج الفلسفي القائم على الفينومنولوجيا) ، وقبل الإستماع إلى أحاديث ماكس فايبر المشهورة ، كان ياسبرز يتطلع إلى إستكشاف وجهة نظر فلسفية جديدة ، والتي إدعى إن كتابه الأول قدم وصف حقيقي لها . وإعتماداً على تقارير كيرترود فإن في التجمع الثقافي الفلسفي كانت دروس في موضوع الميتافيزيقا . وإن حضور ياسبرز في هذه الإجتماعات كما يبدو لم تمكنه من عرض نتائج سلبية ، والسبب كما تشرح كيرترود : بأن الميتافيزيقيين الحقيقيين في الإجتماع واجهوا تعليقات ياسبرز بعنف وناقشوها بساعات قليلة جداً . وفي وصفها لهذه الإجتماعات فإنها تلمح إلى إن ياسبرز قج حصل فعلاً على الشجاعة في المشاركة والمناقشة ، وربما تكونت لديه قناعة حول الإتجاه الفلسفي لعمله في المستقبل ” .
ومن ثم إستمرت الباحثة سوزانا شارحة ما حصل في هذه الحلقة أي حلقة فايبر ، والشخصيات التي قابلها ياسبرز ، وفيها كشف عن المصادر التي تركت أثرها على فلسفته سلباً وإيجاباً . فأفادت : ” وهذه اللقاءات كانت فرصة للتبادل الفكري ، وهي التي جذبت إهتمام كارل وكيرترود ياسبرز إلى إجتماعات فايبر في مساءات الأحد ، حيث قابلوا فيها عدد أخر من الباحثين الأكاديميين من أمثال (منا : الكانطي الجديد) أميل لاسك ، (منا : الكانطي الجديد) جورج ساميل (1858 – 1918) ، (منا والرمز الكبير في الكانطية الجديدة) هنريخ ريكت ” . وهكذا كان ياسبرز محاطاً بماكس فايبر وصحبة عدد من مشاهير الكانطية الجديدة والفينومنولوجيا وهيجليين (نسبة إلى الفيلسوف هيجل) …
ويبدو إن هذه الهيمنة والإهتمام غير الإعتيادي بما أسماه ياسبرز الفيلسوف ماكس فايبر ، قد أثار حفيظة زوجته كيرترود والتي نبهته على ذلك ، وهو إهتمام متطرف وصل إلى ذروته في العبارات الأخيرة من كتابه المعنون فلسفة (صدر عام 1932) والتي عزم فيها ياسيرز للتدليل على تبجيله لماكس فايبر ولكنه في الوقت ذاته أيد الدعوة التي تصاعد صوتها ، إلى ضرورة وضع صداقته لماكس فايبر ، موضع التقويم النقدي ، وذلك عندما وصف ” فايبر بأنه سقراط العصر الحديث ” وعلى أية حال إن ” ما أراده ياسبرز هو أن تظل مثل فايبر حية بعد موته النهائي ” . وفعلاً فقد شعرت كيرترود بالثقل الكبير لموت عالم الإجتماع ، ولذلك شجعت ياسبرز على تجديد المعاني الراقية في العبارات التي قالها فايبر ، وهو في النزعات الأخيرة من موته ” .
ومسك الختام في هذا الطرف ، هو الحديث عن مصير رواية ياسبرز التي تتحدث عن ماكس فايبر الفيلسوف ، الحقيقة إنها تظل مجرد رواية متحمس . ومهما حاول ياسبرز أن يُدافع عن ماكس فايبر الفيلسوف ، فإن هناك حقائق ثابتة من داخل السيرة الذاتية للرجل ماكس تفند دعوى ياسبرز وتربط ماكس فايبر باللاهوت البروتستانتي وفي طرفه الكاليفيني . ففي الصراع بين والدي ماكس فايبر ، الوالد رجل دُنيا مُحب للشهوات ، وأمه هلين زاهدة كاليفينية ، فكانت النتيجة تقاطع إلى حد العظم بين الوالدين ، ووقف ماكس فايبر مع إمه وقطع علاقته بوالده . وبذلك إنحاز إلى اللاهوت البروتستاني (ولعل الشاهد على ذلك فيما بعد كتابه الشهير الإخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (والذي كان موضوع إهتمام ياسبرز غير الإعتيادي) وكتابته عن علم إجتماع الدين ، وخصوصاً سوسيولوجيا الدين الصيني والهندي واليهودية القديمة…) ويبدو إن رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز قد أستبطن هذا الطرف وعمل على أساسه . فالمسألة في الأساس هي علاقة عالم إجتماع الدين ماكس فايبر برجل اللاهوت الوجودي ياسبرز .
هذا ما تركه ماكس فايبر على ياسبرز وتفكيره ، وهو كثير كثير . أما الأثر الأخر فقد جاء من طرف الفيلسوف مارتن هيدجر . صحيح إن مارتن كان أصغر من ياسبرز بستة سنوات في العمر . فياسبرز ولد عام 1883 وهيدجر ولد عام 1889 . إلا إن هيدجر كان أعمق فلسفة وصاحب مدرسة فلسفية ، هو مؤسسها وله طلاب يعتزون بإنتمائهم إلى هيدجر رغم خلافاتهم السياسية معه حين إختار الإنتماء إلى الحزب النازي ، فقد ترك هيدجر اللاهوت وترك معه الكاثوليكية وفاز بالفلسفة وكتب إطروحتيه الأولى والثانية في المنطق ، وهو قلب الفلسفة ومنهجها الأول منذ إن كتب أرسطو اليوناني أول أورغانون (الألة) للفلسفة ، فقد كان عنوان إطروحته الأولى ” نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (وكتبها في العام 1914) . والإطروحة الثانية كانت بعنوان ” نظرية المقولات عند دنس سكوتس ” (وكتبها في العام 1916) . ومن ثم كتب مؤلفه الإنجيلي في بداية عمله الأكاديمي والمعنون الوجود والزمن ، والذي إعترف مرات عديدة بأن الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حنا أرنديت قد ألهمته بفكرة الكتاب وساهمت في مناقشة أطراف منه وحثته على أكماله ، وكان شرطاً طالبته الجامعة ليكون خليفة لهوسرل في رئاسة قسم الفلسفة (أو كلية الفلسفة) والذي نشر في العام 1927 . هذا هو ثقل هيدجر .
أما من طرف ياسبرز فإن هذا البحث بين إنه لم يدرس الفلسفة أكاديمياً ، وإنما كان طالب قانون لثلاث فصول ، وترك القانون ودرس الطب وكتب إطروحته للدكتوراه في الطب النفسي وكانت بعنوان ” الهومسك والجريمة ” . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه وكانت بعنوان ” الأمراض النفسية العامة ” . كما إن من الصحيح إن ياسبرز لم يؤسس مدرسة فلسفية على الإطلاق ، وصحيح جداً إن ياسبرز كان رجل لاهوت وجودي أكثر من كونه فيلسوف وجودي وهذا الأمر تكشفه سيرته الأكاديمية وجوهر مؤلفاته وإن حملت عنوان الفلسفة .
والسؤال : كيف تعامل ياسبرز مع الصديق مارتن هيدجر ؟ حقيقة إن علاقة رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز بفيلسوف فينومنولوجيا الحياة ، علاقة معقدة حكمتها شروط جداً مركبة ، فيها حسابات أكاديمية تطلع كل من ياسبرز وزوجته كيرترود في شخصية الفيلسوف الشاب هيدجر الكثير من الأمال في الإشتراك في أبحاث أو مشاريع مشتركة ، بعدما تيقنا إن هيدجر عقل فلسفي خلاق ممكن الإستثمار . وهذا ما أشارت إليه إليزابيتا إيتنكر ، حين ناقشت نظريات ياسبرز وحنا أرنديت حول ما أسمتها ” إبداعية هيدجر ” . ورأت بأن كلاهما فشل وذلك عندما تعاملا ببساطة شديدة ” في أهمية الإبداع في تفكير هيدجر المفكر (والأدق الفيلسوف) ” .
أما من طرف هيدجر فقد وقف بوجه الكانطيين الجدد (وخصوصاً كان واحد منهم هنريخ ريكت زميله الأكاديمي ومن ثم المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه) عندما إعترضوا على الجامعة في تعيين ياسبرز رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ، وسعوا إلى إزاحته ، فوقف وقفة الفيلسوف الشجاع الصديق ، وكانت محنة كبيرة لياسبرز وزوجته كيرترود ، ولا أحسب إن كلاهما ينسى ذلك العون الهيدجري الصديق ، ولكن ذاكرة التاريخ خلدت وقفة هيدجر لياسبزر ، في حين دارت الدنيا ، وطردت القوات الفرنسية المحتلة هيدجر من التعليم الجامعي ، ومن ثم فتحت أبواب العودة له بشرط تزكية من صديق جامعي ، وطلب من صديقه القديم ياسبرز تزكية ، فرفض ياسبرز وسجل التاريخ ذلك ، وعادت القوات الفرنسية فطلبت منه كلمة ، فقال كلمته الشهيرة التي عاد بها إلى التدريس الجامعي ” إنه في تلك السنوات تابع غريزة القطيع ” فكانت عبارة التوبة والفداء . ولم يعتذر هيدجر على الإطلاق . إلا إنه في جلسات خاصة أعلن قائلاً ” إنها كانت حالة غباء كبيرة في حياته ” . ونحسب من الأهمية بمكان ، أن نذكر بأن ” هيدجر بعد زيارته لياسبرز وعائلته في نهاية حزيران عام 1933، لم يزرهم مرة ثانية على الإطلاق ” .
كانت البداية حديث عن سخاء وكرم ياسبرز الإنسانيين تجاه الشاب مارتن هيدجر . ولكن الحقيقة خلاف ذلك لا سخاء ولا كرم وإنما قرض من زوجته كيرترود دفع عنها هيدجر فائدة لها . وهنا نحاول تقديم الحقيقة ومن مصادر ياسبرز التي لا خلاف حولها تقول الباحثة سوزانا كيركبرايت :
” عندما وجه ياسبرز الدعوة لهيدجر للزيارة ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود … بأنه أرسل إلى هيدجر ألف مارك ألماني لتغطية نفقات سفر هيدجر ” . وفي هامش النص السابق ذكرت سوزانا الطرف الثاني من الحقيقة أعلاه . فأعلمتنا ” إن هيدجر رد المبلغ فيما بعد مع فائدة ” ووثقت ذلك بالرسالة رقم 64 / ماربورك / 2 حزيران 1928 ، والرسالة رقم 66 / هيدلبيرك / 6 حزيران 1928 .
والسؤال : ما هو الغرض من زيارة هيدجر إلى ياسبرز ؟ إن القارئ سيندهش من الحقيقة المُحزنة (والتي فيها كرم ياسبرز المثير للشفقة …!؟) ، وهي إن هيدجر سيعمل مع ياسبرز في طرف مهم من قلب أبحاث كتاب ياسبرز القادم ثلاث مجلدات في الفلسفة وهو فعل التفلسف . وبالمناسبة إن هيدجر وهذا ما راهن عليه ياسبرز ، إنه عالم بالفيللوجيا (علم فقه اللغة حاله حال نيتشه) وهنا تكمن جوهر مساعدة هيدجر لياسبرز في مضمار التفلسف ، وهو الميدان الذي ستشارك في أطراف أخرى من مشروع ياسبرز (أي ثلاث مجلدات في الفلسفة) الطالبة السابقة (الفيلسوفة) حانا أرنديت ، وبالتحديد خلال كتابتها للدكتوراه مع ياسبرز . ولنعود إلى جادة التوثيق فهي ملاذنا العلمي الوحيد . وفعلاً بعد وصول هيدجر ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود بأن مالها أستثمر لغرض نبيل : ” فنحن (أي ياسبرز وهيدجر) نعمل بجد عال في موضوع التفلسف ” .
ولعل فيما كتبته زوجة ياسبرز كيرترود ، كل الحقيقة حول مشروع إستثمار عقلية هيدجر الشاب الخلاقة في مضماري الفيللولوجيا والفلسفة . فقالت : ” إنها طبيعة هيدجر في البحث بعقله في الفلسفة والدين ، هو باحث أكاديمي وعالم فيللولوجيا ، ولكنه عاجز عن عرض كل شئ منهجياً في تفكيره ” . ويبدو من الجملة الأخيرة إن هذه هي مهمة ياسبرز كما رسمتها زوجته كيرترود في مشروع التعاون الواعد بين هيدجر وياسبرز .
ولما كان مشروع التعاون بين الطرفين ولد على فكرة إستثمار عقل هيدجر الخلاق ، فنحسب إنه ولد مشروعاً يحمل موته العاجل . وفعلاً فإن ما قالته سوزانا في تعليقها على دور كيرترود ما يدلل على حقيقة هذا المشروع الذي ينتظر لحظات موته ” إن كيرترود هي التي عملت هذا اللقاء بين العقلين حقيقة . وهي التي كانت شاهد على مواجهتهم التي سارت من قوة إلى قوة . وحالاً توقفت من الإعتقاد بهيدجر ، فأوقفت مساعدتها المعنوية . ولذلك أصبح من الصعوبة على ياسبرز الإستمرار في صداقته ” .
وعلى أساس تاريخ رسالة كيرترود لياسبرز في 12 آذار 1925 فإن آل ياسبرز حسموا موقفهم وحددوا علاقاتهم مع هيدجر سلباً . إلا إن هيدجر إستمر في علاقته الإيجابية مع ياسبرز حتى عام 1933 كما بينا أعلاه . ونحسب إن مواقف آل ياسبرز السلبية من هيدجر تصعد إلى فترة أبعد من 12 آذار 1925 . وبالتحديد تعود إلى عام 1919 ، وهو تاريخ صدور الكتاب الثاني ، والذي يحمل عنوان سيكولوجيا النظر إلى العالم . فقد كتب هيدجر مراجعة نقدية ، ومن ثم بدأت صداقتهما (منا : وإن ألتقيا قبل ذلك في عيد ميلاد هوسرل يوم كان هيدجر يعمل مساعداً لهوسرل) . وفعلاً فقد أرسل هيدجر نسخة من مراجعته إلى ياسبرز في حزيران عام 1921 . وتصادف في هذا الوقت إن ياسبرز كان يعمل على إصدار الطبعة الثانية من هذا الكتاب ، والتي صدرت في عام 1922 والتي حملت تعديلات غير جوهرية . وفيما بعد زعم ياسبرز ” إن مراجعة هيدجر مملة وغير مثمرة ” ومن ثم رفض مراجعة هيدجر .
ولم يكتف ياسبرز بذلك وإنما أعلن عن عدم إتفاقه مع النقد الذي وجهه هيدجر للكتاب ، وكتب على نسخته الخاصة من الطبعة الثانية من سيكولوجيا النظر إلى العالم ، في إنه ” لم يحدث أي تغيير في الطبعة الثانية ، وإنه لا يستطيع تعديل الكتاب من دون أن يبدأ بكتابته من نقطة الصفر ” . ويبدو إن هذا الحال سبب جُرحاً نازفاً لياسبرز ، وهو صاحب الذات المتخمة بعد موت ماكس فايبر وهذا ما كشفته رسائله لوالديه . فكان رد فعل ياسبرز لنقد هيدجر ، إن أغلق كل أبواب الحوار مع هيدجر . أما هيدجر فمن طرفه ألح على التواصل مع ياسبرز . وفعلاً فقد إستجاب عندما أرسل له ياسبرز نسخة من كتابه الجديد ستراندبيرك وفان جوخ والذي صدر عام 1922.
ونلحظ هنا إن نقد هيدجر تحول نحو شواطئ جديدة ، فيها فتح هيدجر مناقشة حول ما أسماه بالإختلافات (المفارقات) التي شغلت إهتمامه في ذلك الوقت ، وهي المفارقات التي تحولت إلى سؤاله المفضل ، والذي يدور حول التقسيم بين ” الحياة ” و ” الوجود ” ، وفي هذه الحدود أيد هيدجر ياسبرز بأن دراسته كانت دراسة إستبطانية (منا : تلاحق أثر المرض على أعمال الفنان) وإن كانت مرتبطة بالوجود . وهيدجر لاحظ بأن واحداً من أهداف ياسبرز في دراسة فان جوخ هو التشديد على إستعمال المقولات التي تصف ظاهرة الشيزوفرينيا . في حين إن المشكلة بالنسبة لهيدجر هي ليست مشكلة روحية على الإطلاق . ومن ثم عاد هيدجر يحتج في إعتراضه على ياسبرز بالسيمنار الذي قدمه ياسبرز عن كيركيجارد ونيتشه ، وذهب إلى إن مفاهيم ياسبرز يعوزها الكثير من الدقة ، وإنه ” حرث في أرض لا يعرف حدودها ” .
غير إن الصداقة بين هيدجر وياسبرز تجددت على الأقل خلال الفترة التي دخلت فيها حانا أرنديت إلى الجامعة عام 1924 وحتى 1933 . وكان هيدجر يزور ياسبرز ويراسله . ولعل الرسائل المتبادلة بين حانا وهيدجر تدلل على ذلك . وإن هيدجر بعد ما أخذت شكوك زوجته الفريدا تتزايد عمل على إقناع ياسبرز بالإشراف على إطروحة حانا للدكتوراه ، وبالتحديد في موضوع مفهوم القديس أوغسطين في الحب .
وإستمرت العلاقة بينهما حتى قبول هيدجر بمنصب رئيس جامعة فريبيرك وإلقاء خطابه في 27 مايس 1933 . والحقيقة إن أخر زيارة لهيدجر لياسبرز كانت في نهاية حزيران 1933 ولم يلتقيا بعد ذلك كما أشرنا أعلاه .
أما إهتمام ياسبرز بفيلسوف الوجودية الرائد نيتشه ، فله طعم خاص إذ يكشف المعايير المزدوجة للنقاد في تقويم اللاهوت الوجودي لياسبرز وفلسفة مارتن هيدجر خصوصاً في دراستهما للفيلسوف الوجودي الرائد نيتشه . والحقيقة هناك حيرة لم يجد لها الباحثون حلاً سوى الإقرار بأن هناك تناقضاً في محاضرات ياسبرز المعنونة نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية / 1936 ومحاضرته المعنونة ” العلو الفارغ (أو الذي لاقيمة له) / 1960″ . وللقارئ أقول إن هناك فارقاً زمنياً بين منتوج ياسبرز ، نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية ، ومحاضرة ياسبرز العلو الفارغ . نقول فارقاً زمنياً يتحدد بربع قرن من الزمن ، فنيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية أنتجه ياسبرز والنازيون في السلطة ، وفلسفة العلو الفارغة ألقاها بعد تحرير (؟) القوات الأمريكية لجامعة هيدلبيرك بخمسة عشر عاماً . ولكن النقاد صمتوا عن هذه الحقيقة لصالح ياسبرز ، وصمتهم دليل على إنهم كالوا البضاعة بمكيالين .
وبالمقابل فإن المكيال النقدي مع هيدجر كان مختلفاً . فقد درس مارتن فلسفة نيتشه مثلما درسها صديقه ياسبرز . وقال النقاد خصوصاً من طلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية ، الكثير ضده ، ووظفوه في مهاجمتهم له ومن ثم على النازية الألمانية التي إنتمى إليها . وهنا يُشارك هيدجر في الإهتمام بنيتشه وفلسفته ياسبرز خصم النازية والذي إكتوى بنيرانها . إذن القضية في أساسها مسألة توظيف ضد هيدجر ، ومسألة توظيف لصالح ياسبرز . هذا هو المنطق الأكاديمي المكسور لطلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية .
والحقيقة إننا لا نعرف شيئاً عن دوافع ياسبرز وراء الأعداد لهذه المحاضرات . ولكن الشئ المؤكد ، هو إن نيتشه من المروجين لما يُعرف بفلسفة العلو (ولعل فكرة السوبرمان في هكذا تكلم زرادشت مثالاً والأمثلة النيتشوية كثيرة) . وفلسفة العلو فكرة مكروهة عند ياسبرز (أنظر محاضراته أعلاه : العلو الفارغ) . الشئ الثاني إن تاريخ الأعداد لهذه المحاضرات ، هو عام 1933 ، وهو تاريخ صعود الحزب النازي إلى الرايخ الثالث برئاسة هتلر ، وتاريخ تعيين هيدجر . والشئ الثالث إن زميله الطبيب إرنست ماير (وهو أخو زوجته كيرترود) كانت لديه شكوك حول مشروع محاضرات نيتشه . وفعلاً عندما أرسل له ياسبرز في حزيران عينة من المخطوطة حول فردريك نيتشه ” ، طلب إرنست ماير من ياسبرز أن يراجع المخطوطة كاملة ، وبعد ذلك أخذ يعلن عن شكوكه ، ويفضل عدم المشاركة في هذا المشروع ” .
ومن ثم أنجز ياسبرز مشروعه في ديسمبر عام 1935 وكان رؤية شاملة لحياة نيتشه وأعماله . بينما ماير يعترف إنه حصل على مقدمة لهذا العمل في ربيع 1934 . على كل إن ياسبرز أشار في هذا الجزء من المخطوطة في إنه واجه مشكلة ، وتطلع إلى نصيحة من ماير . فقال ياسبرز ” هنا هي المشكلة : أنا أردت أن أقتبس بالضبط ما هو ممكن ، وأدع أفكاري تتحدث خلال نيتشه . ولكن يجب أن يقرأ النص بصورة كاملة … دون أن يتركها القارئ ” . ماير إعترض على هذا الإسلوب . وهنا زعم ماير ” إنه عارف بالمحتويات أفضل من ياسبرز نفسه ” .
وإذا كان هيدجر الرجل الغريب ، الكاثوليكي – النازي الذي إنتقد أعمال ياسبرز ، ، فكيف الحال مع الصديق الأول إرنست ماير ، وهو الأخ للزوجة العزيزة كيرترود . إنها مسألة تنز بالألم . حقيقة منذ البداية تحفظ ماير من الفصل التمهيدي ، وإشتكى من إنه فصل حمل الكثير من التفاصيل عن موسيقى فاغنر وإزمة نيتشه ، بعيد إنهيار علاقة الصداقة بين الطرفين . أما ياسبرز فقد جادل بأن غرضه لم يستهدف تحليل نيتشه الفنان ، ولا بيان محاولته في التأليف الموسيقي . ورد ماير جاء في كلماته الآتية : ” إن ما كتبته عن فاغنر مهم ، وما دمت أنا لا أفهم الموسيقى ، فإن العرض بالطبع ينبغي أن يركز على نيتشه ” . وبدلاً من الإستمرار في المناقشة ، زعم ياسبرز بأن ما قرأه ماير في عمله ، هو ” إن ما خطط إليه ماير ، هو شطب كل شئ ” . غير إن ماير قام بمراجعة المشروع ، ومن ثم أبلغ ياسبرز بضرورة أن يكون عنوانه ” نقد نيتشه ” وفي الوقت ذاته إشتكى ماير بمرارة من إن نص ياسبرز هو تدخل في السيرة الذاتية المؤسسة على إسلوب حياة الكاتب . ولما كان نقد ماير إنفعالياً ، فقد إنتهىت المناقشة إلى النهاية الميتة في التفاهم . ونحسب إن من الإنصاف القول بأن بضع من ملاحظات ماير كانت إيجابية ، فقد أفاد : إنه بالرغم من كل ذلك ” فإن كتاب ياسبرز عرض شواهد تدلل على شروح مثيرة ” . إن نقد ماير في المحصلة الآخيرة ، كان حاداً ، وفيه إمكانية للتدمير ، وهو الصديق القريب والرفيق الصادق ، والأخ للعزيزة كيرترود .
ونختتم حديثنا بالعودة إلى هيدجر وياسبرز وجدلهما حول نيتشه ، وهي قضية مهمة في عصرهما ، كما هي مهمة اليوم للدارس والقارئ . وبالمناسبة إن الباحثة سوزانا كيركبرايت ترى ” إن كتاب ياسبرز متفرد عن نيتشه مقارنة بمحاضرات هيدجر ، والتي كانت بعنوان ” نيتشه : الإرادة والقوة من زاوية الفن ” ، والتي ألقاها في جامعة فريبيرك في الفصل الدراسي الشتوي لعام 1936 / 1937 ، وإن إستنتاجات ياسبرز تتعادل في قيمتها مع تفكير هيدجر . فمثلاً ياسبرز ذكر إن الجمال هو فقط إنجاز نبؤة ذاتية ، ولذلك فإن كل أنواع الفن هي من نتاج الخالق . وكوفمان يعترض على إن ياسبرز ” رفض في الأخذ بفكرة السوبرمان ، والإنتعاش ، وإرادة القوة ، والسمو ، أو غير ذلك من المفاهيم ” .
أما هيدجر فقد أوضح عدم الإنسجام ما بين الحقيقة والفن ، والذي شرحها في ضوء فكرته التي تذهب إلى إن سيرة نيتشه ذات أهمية ، وألح على قراءات تتلائم مع الأسلوب المجازي النيتشوي ، والتفسيرات النظرية للحقيقة . وهذه هي مشكلة رواية ياسبرز ، والتي سبق أن أثارها صديقه الحميم وصهره إرنست ماير . ونعني إن ياسبرز قرأ الإستعارة (وإسلوب المجاز) الذي إستخدمه نيتشه ” الإنعاش الأبدي ” كما إنها ” آوامر آخلاقية تتطلب منا أن نعيش كل شئ كما نشعر ، نريد ، نعمل وبمعايير واحدة ..” . الحقيقة إن طريقة ياسبرز في تفسير إستعارات نيتشه ، هي التي أزعجت هيدجر ، وحملته على النقد الحاد على كتاب ياسبرز . وعلى هذا الأساس قرأ هيدجر تأثير نيتشه الخلاق في العبارة الآتية : ” الفن له قيمة أكثر من الحقيقة ” . بل وذهب هيدجر أبعد ، فإعتقد إن ياسبرز ” قد خدع نفسه بتبجيل سيرة حياة نيتشه ” .
ونحسب إنه من النافع أن ننهي الحديث عن هذا الطرف بالإشارة إلى إن هيدجر في جامعة فريبيرك ، ظهر أكثر عدوانية وذلك من خلال رد فعله على كتاب ياسبرز نيتشه (1936) لإن الهدف هو الكشف عن مفهوم نيتشه ” الإرادة قوة ” ، وهو عمل ظل في دائرة النسيان ولم يُنشر ، وذلك لأن حزب الإشتراكية الوطنية (الحزب النازي) يدعي إن ” الإرادة قوة ” هو شعارها ، وهي التي أنتجته بنفسها .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(4)
الإتجاهات الفلسفية والعلمية في عصر كارل ياسبرز
الدكتور محمد جلوب الفرحان
تعلم صاحب اللاهوت الوجودي كارل ياسبرز ، وكاتب مشروع فينومنولوجي الأمراض النفسية في البيئة الثقافية الألمانية . ومن ثم في ظلها كتب هو وزميله فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر نصوصهما الفلسفية التي مست طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم . وكانت في هذه البيئة قد نمت إتجاهات فلسفة العلم أو الفلسفة العلمية ، نمواً مطرداً سواء في الجامعات الألمانية (والكلام هنا أوسع من البعد الجغرافي لألمانيا كدولة وإنما يشمل جميع البلدان التي تتكلم الألمانية) . فمثلاً هناك أولاً أسماء مرموقة من المعلمين الأكاديميين (الفلاسفة الروحيين) الذين أشرفوا عليهما في كتابة أطاريحهما للدكتوراه والرموز الأكاديمية التي تركت لمساتها القوية على تفكيرهما ومنهجهما الفلسفي ، وهي بالتأكيد ستُعرفنا بعمق على الإتجاهات العلمية التي حكمت علاقة الفلسفة بالعلم خلال فترة طلب العلم وتكوين الذهنية الفلسفية والتدريب الأكاديمي . ثانياً من الرموز الألمانية التي عملت في مضمار فلسفة العلم في عصر كارل ياسبرز ومارتن هيدجر ، كل من ويندلباند وكينو فشر ، وهرمان لوتزه وأدمون هوسرل (وكان مساعد هوسرل مارتن هيدجر / زميل كارل ياسبرز) ، وماكس فايبر ، وهنريخ ريكارت وتلميذه مارتن هيدجر الذي كان بالطبع زميلاً للوجودي كارل ياسبرز . ولنبدأ الرحلة مع هذه الأسماء ، والتي هي بالطبع ستوسع من دائرة المصادر التي أثرت على ياسبرز في قضية العلاقة بين الفلسفة والعلم .
أثر الكانطي الجديد الألماني ويلهلم ويندلباند
لقد كان الكانطي الجديد ويلهلم ويندلباند (1848 – 1915) المشرف على إطروحة كارل ياسبرز للدكتوراه الثانية المعنونة علم النفس المرضي العام ، والتي أنجزها في كلية الفلسفة – جامعة هيدلبيرك عام 1913 وقبيل وفاة أستاذه ويندلباند بسنتين فقط . وعلى هذا الأساس يكون الإستاذ ويندلباند هو أول معلم أكاديمي في مضمار الفلسفة للفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . ونحسب إن البروفسور ويندلباند ومؤلفاته لعبت دوراً مؤثراً في تكوين ذهنية الطالب كارل ياسبرز الفلسفية ، وبالتحديد في علاقة الفلسفة بالعلم . ولبيان ذلك الأثر العميق ، نلقي بعض الضوء على إهتمامات الدكتور ويندلباند الفلسفية والعلمية (وبالطبع أساتذته وعلاقاته بفلاسفة عصره) ، والتي تساعدنا في معرفة ما تركه الأستاذ على التلميذ كارل ياسبرز .
والحقيقة إن ويندلباند قبل أن يشرف على إطروحة كارل ياسبرز ، كان معروفاً في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك خاصة ودائرة الثقافة الألمانية عامة بإهتماماته الخاصة بعلم النفس ، ومحاولاته الجدية في صياغة حدود جديدة له . ومن الطرف الفلسفي الذي ستظهر أثاره على ياسبرز ، هو إن ويندلباند كان كانطياً جديداً من أعضاء مدرسة بايدن للكانطية الجديدة . إلا إنه كان معارضاً للكانطيين الجدد في عصره ، ولهذا حافظ على حد تعبيره على ” فهم كانط بصورة صحيحة ، وذلك عن طريق تجاوز كانط ” .
ومن الملاحظ إن ويندلباند في نزعته الكانطية الجديدة ، الهادفة إلى تخطي كانط ، قد إستندت إلى مجموعة من الفلاسفة ، من أمثال جورج ويلهلم هيجل (1770 – 1831) ، والفيلسوف التربوي وعالم النفس جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) وهربرت من فلاسفة ما يُعرف بحقبة ما بعد الكانطية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (1817 – 1881) . وويندلباند كان زميلاً مقرباً من الكانطي الجديد (الرمز القيادي لمدرسة بايدن) هنريخ ريكارت ، والذي سيقود الكانطيين الجدد في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ضد كارل ياسبرز (كل ذلك حدث بعد موت ويندلباند بأكثرمن عقد من السنين ، ومن النافع الإشارة إلى إن الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر قد وقف مع زميله الوجودي كارل ياسبرز ضد الكانطيين الجدد ، ومن بينهم أستاذه المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، ولا تنسى بأن هيدجر سيدخل هو الأخر في جدل حامي الوطيس مع الكانطيين الجدد ممثلاً بالفيلسوف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر (1874 – 1945)) . وكان من حواريي ويندلباند يومذاك الفيلسوف وعالم الإجتماع ماكس فايبر .
ومن القضايا البالغة الأهمية التي جادل فيها ويندلباند ، وستترك أثرها على العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ودور الفلسفة في تنشيط الحوار بينهما . هي ضرورة إنخراط الفلسفة في حوار إنساني مع العلوم الطبيعية . كما كان لإهتماماته بعلم النفس والعلوم الحضارية (الثقافية) إن وقف بوجه المدرستين النفسية والتاريخية . ولعل من أهم مؤلفات ويندلباند :
1 – تاريخ الفلسفة (1893) وأعيد طبعه في مجلدين عام 1901 .
2 – تاريخ الفلسفة القديمة (1899) .
3 – مدخل إلى الفلسفة (1895) .
4 – النظريات المنطقية
5 – التاريخ والعلم الطبيعي .
الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة الألماني كينو فيشر
ونحسب إنه بالإضافة إلى تأثير ويندلباند ، فإن الكانطي كينو فيشر (1824 – 1907) والذي كتب ويندلباند عنه بحثاً بعنوان كينو فيشر في جامعة يانا ، قد ترك أثراً على ياسبرز وذلك من خلال قراءة ياسبرز لهذا البحث أو من خلال ما تركه فيشر من أثر في كتبه ومحاضراته وأحاديثه مع تلميذه الدكتور النفسي (السايكايتري) كارل ياسبرز . ولعل أهمية فيشر على تفكير ياسبرز تكمن في إنه كانطي (ينتمي للمدرسة الهيجلية) ومن الكتاب الذين كتبوا عن حياة كانط وفلسفته ، ومن نتائج كتاب فيشر ، إنطلقت على أساسه حركة العودة إلى كانط ، ومن ثم ظهرت الكانطية الجديدة ومدارسها المتنوعة . وإن ياسبرز بدوره سيحتفل في جامعة هيدلبيرك ، ويلقي خطاباً بمرور مائتي عام على ولادة الفيلسوف عمانوئيل كانط .
والفيلسوف الألماني كينو فيشر ، هو مؤرخ أكاديمي للفلسفة وناقد . وبعد دراسة الفلسفة في جامعتي لايبزك وهيل ، عمل في العام 1850 محاضراً في جامعة هيدلبيرك . إلا إنه واجه في العام 1853 (أي بعد ثلاث سنوات من عمله الأكاديمي) قراراً بمنعه من التعليم ، والذي أصدرته حكومة بايدن ، وذلك بحجة أن أفكاره تحررية (ليبرالية) . ولكن هذا المنع عمل لصالخ الفيلسوف الكانطي فيشر ، فقد سبب تنامي تعاطف الجمهور الكبير مع وجهات نظره . ومن ثم تزامن مع حصوله على درجة بروفسور في جامعة يانا (وبالتحديد في العام 1856) ونتيجة لذلك إكتسب سمعة في الأوساط الأكاديمية والشعبية . وفي العام 1872 وبعد إنتقال البروفسور أدورد زيلر (1814 – 1908) إلى جامعة برلين ، والذي إشتهر يومذاك بكتابه فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي أصبح مرجعاً أكاديمياً في معظم الجامعات الأوربية بعد ترجمته إلى معظم اللغات الأوربية . وإن أخر نشرة له كانت عام 1902 ، خلفه فيشر بروفسوراً للفلسفة وتاريخ الأدب الألماني الحديث في جامعة هيدلبيرك وهي الجامعة التي عمل فيها ويندلباند فيما بعد وسيعمل فيها كارل ياسبرز وسيكتب إطروحته للدكتوراه الثانية فيها .
إن أهمية فيشر في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تعلم فيها ياسبرز ، وتطور تفكيره الفلسفي ، ومن ثم كتب ثلاثيته في الفلسفة ، تعود إلى الأطراف الآتية : أولاً إن كينو فيشر بنظر معظم الأكاديميين الألمان ، هو واحد من أتباع المدرسة الهيجلية ، وإن كتاباته في هذا المسار ، وخصوصاً محاولته في تفسير كانط ، حملته على الدخول في جدل عريض حاد مع البروفسور الفيلسوف والفيللوجي فردريك أدولف ترندلينبرك (1802 – 1872) في جامعة برلين وطلابه . فكان جدلاً عاشته البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية على وجه الخصوص .
ثانياً إن ترندلينبرك كان موضوع تقدير الرائد الوجودي سورين كيركيجارد (1813 – 1855) ، والذي ألهم الوجودي كارل ياسبرز . فقد قيم سورين كيركيجارد طريقة تدريس كينو فيشر بتقدير عال ، وقال عنه بالحرف الواحد : ” إنه واحد من أفضل العقلاء في مضمار الفيللوجيا الفلسفية الذين عرفتهم في حياتي ” .
ثالثاً إن كينو فيشر هو نقطة إنطلاق لحركة أكاديمية وثقافية عارمة ستُعرف بالكانطية الجديدة ، والتي طبعت البيئة الثقافية التي تعلم فيها كارل ياسبرز ، كما وكان الكانطيون الجدد أساتذة له (مثل ويندلباند) ومن ثم زملاء وخصوم كما عرفنا (مثل هنريخ ريكارت) . وفعلاً فإن كتاب فيشر المعنون كانط : حياته وأسس عقيدته ، والذي نشره في العام 1860 ، وهي أول محاولة أكاديمية سعت وألهمت الأنظار الألمانية إلى تكوين حركة فلسفية رفعت شعار العودة إلى كانط . كما إنه لم يكتف بذلك بل كتب واحداً من أهم كتبه عن كانط (بالطبع بعد كتابه الأول : كانط : حياته …) وهو كتابه المعنون شرح على كانط ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ ج . ب . ماهفي وبعنوان الناقد والعقل الخالص ، والذي صدر في العام 1866 .
رابعاً وتكمن أهمية كينو فيشر في مساهمته المتفردة في تاريخ الفلسفة ، والتي ليس في الإمكان محوها من ذاكرة الفلسفة . ونعني مساهمته التي ميزت بين التجريبية (منا : العلوم التجريبية) والعقلية (منا : العلوم العقلية) في مقولات الفلاسفة ، خصوصاً فلاسفة القرنيين السابع عشر والثامن عشر ، والتي شملت كل من جون لوك (1632 – 1704) ، جورج باركلي (1685 – 1753) وديفيد هيوم (1711 – 1776) في مقولات التجريبية (منا : وبالطبع تصعد إلى تراث الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561 – 1626) . وضمت كل من رينيه ديكارت (1596 – 1650) ، باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) ، وكوتفريد لايبنز (1646 – 1716) في مقولات العقلية . فالتجريبية تزعم إن المعرفة البشرية تأتي عن طريق الحواس (أو التجربة) . بينما العقلية تدعي بأن المعرفة اليقينية يمكن إكتسابها عن طريق مبادئ نظرية (خالصة) وهذا يحدث ما قبل التجربة .
خامساً ونحسب إن شخصية كينو فيشر / مؤرخ الفلسفة في غاية الأهمية للوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً لمعرفة مصادر ثلاثيته في الفلسفة (على الأقل في النسخة الإنكليزية) التي لاتحمل إلا إشارات نادرة إليها . ولعل موسوعية كينو فيشر المؤرخ في مضمار تاريخ الفلسفة ، ربما أعانت ياسبرز في كتابة ثلاثيته (وهناك إحتمال إلى إن الكانطي الجديد الدكتور ويندلباند (وهو تلميذ كينو فيشر) قد لفت أنظار تلميذه ياسبرز ومن خلال جلسات الإشراف على إطروحته للدكتوراه الثانية ، ولا تنسى إن ويندلباند قد كتب كتابه الشهير عن كينو فيشر وبعنوان كينو فيشر في جامعة يانا) . وهنا سنحاول ذكر عناوين كتب كينو فيشر والتي غطت تاريخ أطرافاً مهمة من تاريخ الفلسفة (وبالمناسبة قد ترجمت أغلبها إلى الإنكليزية) . وذلك لنوفر لقارئ الفلسفة فرصة لمعرفة حجم المستبطن من كتب فيشر في ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .
وهذه المصادر الفيشرية هي : دايتما : فكرة الجمال (صدر في العام 1849) . وبالمناسبة دايتما أو دايتيما المنتينية هي معلمة سقراط ، وقد خصها إفلاطون في سمبوزيوم (المآدبة) . وقد كتبنا عنها بحثاً واسعاً بعنوان الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية . كما إن ياسبرز درس موضوع الفن (والجمال) في كتابين : الأول ستراندربيك وفان جوخ والثاني محاضرات عن نيتشه . ولكن الغائب هو قفز ياسبرز على صفحات تاريخ الفن وعلم الجمال … ثم جاء كتاب كينو فيشر الثاني والذي حمل العنوان الاتي ” نظام المنطق والميتافيزيقا أو عقيدة المعرفة ” (صدر في عام 1852) . والحقيقة إن ياسبرز خص الميتافيزيقا في المجلد الثالث . ومن كتب فيشر الخطيرة والتي تكشف علاقة الأكاديمي بالسلطة السياسية ، كتابه المعنون تحريم محاضراتي (صدر عام 1854) .
ومن ثم جاء المصدر المهم لكل باحث أكاديمي في عصر كارل ياسبرز ، وهو في الحقيقة موسوعة فلسفية ، والتي جاءت بعنوان تاريخ الفلسفة الحديثة (صدر في 6 مجلدات ، ونشر للفترة مابين 1854 – 1877) . وهذه الملحمة الفلسفية تُعد بنظر الأكاديميين من المساهمات البالغة الأهمية ، ونتوقع أن ياسبرز مؤلف ثلاثة مؤلفات في الفلسفة ، قد إطلع عليها (وخلاف ذلك فقد أغفل مصدر أكاديمي لا عذر له على الإطلاق) . ونرى على الأكثر إن أستاذه ويندلباند قد لفت نظره إليه . وهذا الكتاب الموسوعة ، قد ضم مجموعة رسائل متخصصة عن ديكارت ، كانط ، فيخته ، شيلنج وعدد أخر من كبار الفلاسفة ونزولاً حتى شوبنهور . وكتابه المعنون مدرستان لفلسفة كانط في جامعة يانا (صدر عام 1862) . وكتابه المعنون باروخ إسبينوزا : حياته وشخصيته . وأخيراً إنتخبنا من كتبه الكثيرة ، كتابه المعنون شرح على كانط : نقد العقل النظري ، والذي ترجمه الأستاذ ج . ماهفي عام 1866 . ومسك الختام كتابه المعنون ديكارت ومدرسته ، والذي ترجمه ج . ب كوردي عام 1887 .
الفيلسوف وعالم المنطق الألماني هرمان لوتزه
إما الفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه الذي كتب عنه ويندلباند بحثه المعنون هرمان لوتزه في جامعة كوتنكن (وهو القسم الثاني من بحثه الواسع والمعنون كينو فيشر في يانا وهرمان لوتزه في كوتنكن) فقد ترك تأثيراً ملحوظاً في البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية خاصة والتي تطور فيها تفكير كارل ياسبرز شأنه شأن أبناء جيله . ولهذا نود أن نستذكر لوتزه فيلسوف العلم وعالم منطق ، وخصوصاً إذا تذكرنا بأن ياسبرز قرأ أبحاث هوسرل المنطقية ومقالته في العلوم الدقيقة والتي نحسب فيها حضور للأثر المنطقي الذي خطه عالم المنطق لوتزه . كما إن لوتزه هو عالم المنطق الذي ظهرت أثاره واضحة على كتاب النظريات المنطقية الذي ألفه ويندلباند أستاذ ياسبرز .
ومن طرف الفيلسوف الألماني وعالم المنطق رودلوف هرمان لوتزه ، والذي حمل تفكيره ويندلباند وقدمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تلميذه كارل ياسبرز ، سواء في الحديث عنه أو من خلال قراءة ياسبرز لما كاتبه ويندلباند عن لوتزه . هو في الأصل يحمل درجة دكتور في الطب شأنه شأن كارل ياسبرز ، وحاله حال ياسبرز فإن دراساته الطبية مكنته من أن يكون رائداً في مضمار علم النفس المؤسس على قواعد علمية . وهناك قصة تقف وراء دراسته للطب ، فبعد إن تخرج من الجيمنزيوم (تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك كطالب في الفلسفة والعلوم الطبيعية . إلا إنه ما بلغ السابعة عشر ربيعاً من عمره ، حتى حزم أمره وتحول إلى دراسة الطب .
ومن ثم سارت دراسات لوتزه المبكرة بإتجاهين متميزين ؛ الأول نهض على الأبحاث الرياضية والفيزيائية (منا : هذه أجناس من العلوم) وأنجزها تحت إشراف كل من الطبيب إرنست هنريخ (1795 – 1878) وهو مؤسس علم النفس التجريبي ، وعالم الفيزيولوجيا ويلهلم فولكمان (1801 – 1877) ، وعالم النفس التجريبي غوستاف فيشنر (1801 – 1887) . والثاني فني جمالي (منا : هذه أجناس من الفلسفة) وطوره لوتزه تحت رعاية الفيلسوف البروتستانتي كريستين هرمان ويس (1801 – 1866) . وكريستين كان مُشايعاً في البداية للهيجلية ، ومن ثم تحول إلى شواطئ فلسفة فردريك ويلهلم شيلنج (1775 – 1854) .
وهنا تأتي حكاية بالغة الأهمية في حديثنا عن لوتزه وربما نبه الأستاذ ويندلباند أنظار تلميذه ياسبرز إليها ، وهي حكاية تتعلق بموضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم . فمن الملاحظ إن لوتزه كان مفتوناً مثل ياسبرز بالعلم والتفلسف ، ولكن بالتخصيص إن إهتمام لوتزه كان إهتماماً مشروطاً بالإنتماء إلى التقاليد الفلسفية العريقة ، ولذلك كان مفتوناً بالعلم وبمثالية (منا : فلسفة) جوهان جوتلوب فيخته (1762 – 1814) ، وفردريك ويلهلم شيلنج ، وجورج هيجل . وكانت أولى مقالات لوتزه ، هي إطروحته للدكتوراه في الطب (منا : لاحظ علاقة الفلسفة بالعلم ممثلة بالطب أو الأدق البايولوجيا) والمعنونة الأسس الفلسفية للبايولوجيا (1838) ، والذي حصل عن طريقها على درجة الدكتوراه في الطب . وقبلها بأربعة أشهر حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة (وذلك لكون إطروحته ذات طبيعية ثنائية ، فيها طرف علمي طبي (بايولوجي) . وطرف فلسفي وعلى هذا الأساس حصل على درجتي الدكتوراه في الفلسفة والطب) .
ونحسب إنه من النافع الإشارة إلى إن هذه الدراسة الأكاديمية المزدوجة في مضمار الطب (أو البايولوجيا) والفلسفة (والتي تم إنجازها في عام 1838) كونت إنموذجاً من الأبحاث الأكاديمية المبكرة ، التي عنت بالعلاقة بين الفلسفة والعلم (الفلسفة والطب أو البايولوجيا) . وقد كتبها لوتزه قبل ولادة كارل ياسبرز بأقل من نصف قرن (وبالتحديد خمسة وأربعين عاماً) . ويبدو إن أستاذ ياسبرز المشرف ويندلباند قد وجه أنظار تلميذه إليها خاصة ، كما وجهه إلى قراءة مؤلفات لوتزه المهمة في مضمار علم النفس والتي ستعين ياسبرز في كتابة إطروحته الثانية . وبالمناسبة إن أبحاث لوتزه كونت حقلاً جديداً أخذت دوائر البحث تصطلح عليه بفلسفة علم النفس .
ومن ثم صاغ لوتزه أسس نظامه الفلسفي في الميتافيزيقا (لايبزك 1841) (منا : وهذا الموضوع جدا جدا مهم لكارل ياسبرز والذي نزل إليه مباشرة من كتب لوتزه أو من خلال أستاذه ويندلباند ، وبالتحديد مهم للمجلد الثالث من رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وبالمناسبة المجلد الثالث جاء بعنوان الميتافيزيقا) . وفعلاً فقد نشر أولاً بالألمانية ، ومن ثم ترجم نظام لوتزه الفلسفي في الميتافيزيقا إلى الإنكليزية ، وحمل عنوان الميتافيزيقا في ثلاثة كتب : الإنطولوجيا ، الكوسومولوجيا ، وعلم النفس) . وأحسب إن طرف من المجلد الثاني لكتاب ياسبرز ، قد حمل عنوان علم نفس الإرادة ، والذي يثير السؤال في دائرة البحث في تفكير الطبيب ياسبرز وعلاقته بأبحاث الطبيب لوتزه في علم النفس ، ومن ثم في الميتافيزيقا . وفي العام 1843 ظهر إلى النور بحثه المنطقي ، والذي نشر بالإنكليزية بعنوان المنطق في ثلاثة كتب : الفكر ، البحث ، والمعرفة . وبالمناسبة يُنظر إلى لوتزه على إنه الخليفة الحقيقي للفيلسوف الألماني لايبينز (1646 – 1716) . وهذا موضوع (أي منطق لوتزه ولايبينز) سنتناوله في مقال أخر .
عالم الرياضيات وفيلسوف الفينومنولوجيا أدموند هوسرل
إعترف ياسبرز إلى والديه برسائل عديدة بمكانة الفيلسوف أدموند هوسرل مؤسس الفينومنولوجيا ، وتقويمه العالي لمنهجه الفينومنولوجي . وفعلاً فقد إستخدم ياسبرز طريقة الفينومنولوجيا في إطروحته للدكتوراه الثانية والتي كانت بعنوان علم النفس المرضي (حصل عليها عام 1913) ، والتي أشرف عليها الكانطي الجديد ويندلباند ، والتي نشر ياسبرز خلاصة عنها في مقالته المشهورة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية (نشرت عام 1912) . ومن ثم تحول هذا الكتاب الإطروحة إلى دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس في الأمراض النفسية .
وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت يقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد : ” إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان ” .
لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938) ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف ياسبرز بذلك فقد سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 .
وإدموند غوستاف البريشت هوسرل ، هو فيلسوف وعالم رياضيات ، ومؤسس لأهم مدرسة فلسفية في القرن العشرين ، ألا وهي مدرسة الفينومنولوجيا (الظاهراتية) . وهوسرل إنشق عن النزعة الوضعية في الفلسفة والعلم في عصره ، ومن ثم قام بنقد النزعتين التاريخية والنفسية في المنطق (منا : مع الإنتباه إلى إن هوسرل في بواكير بحثه كان مناصراً للنزعة النفسية في المنطق ولهذا وجه إليه جوتلوب فريجة نقداً في حينها) . كما إنه وسع من حدود التجريبية ولذلك إعتقد إن التجربة هي مصدر كل المعرفة … .
ونحسب إن المهم في مراجعة سيرة الفيلسوف وعالم الرياضيات هوسرل ، هو إلقاء الضوء على التحولات الأكاديمية التي حدثت له ، والتي تشابهت في مسارها العام مع التحولات في حياة الطبيب النفسي – الوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً في تركهما الإختصاص الأول (بالنسبة لهوسرل الرياضيات ، والطب النفسي بالنسبة لكارل ياسبرز) وتحولهما إلى شواطئ الفلسفة الدافئة . وبالطبع في هذا التحول فهم عميق لعلاقة الفلسفة بالعلم عند المعلم هوسرل والتلميذ ياسبرز (بالطبع الأستاذية والتلمذة هنا لا نعني بها بالطريقة المباشرة وإنما بالقراءة والتبني للفينومنولوجيا في حالة التلميذ ياسبرز) . ولعل المهم في حياة هوسرل الأكاديمية ، وما حملته من دروس ، وأثر الرموز الأكاديمية في تطور تفكيره الفلسفي ، والتي نظن إن التلميذ ياسبرز من طرفه قد وضعها موضع الدراسة والإستثمار . ولهذا فضلنا عرضها بالصورة الآتية :
أولاً – بعد إن تخرج هوسرل من الجومنزيوم في فينا (منا : تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك وللفترة ما بين 1876 وحتى عام 1878 وخلالها درس الرياضيات ، والفيزياء ، و علم الفلك . وهناك إفتتن هوسرل بمحاضرات الفلسفة ، التي كان يُقدمها الفيلسوف الطبيب وعالم النفس الألماني (والفيزيولوجي) وليهلم فونت (1832 – 1920) ، وهو واحد من من مؤسسي علم النفس الحديث . ولعل أهمية فونت كذك ، تكمن في مضمار البحث عن علاقة الفلسفة بالعلم ، وخصوصاً أهمية فونت من طرف رجل الفينومنولوجيا هوسرل
(وبالطبع من خلاله على كارل ياسبرز) ، إلذي ينظر إلى علم النفس بمنظار ثنائي ، فهناك جزء منه ينتمي إلى البايولوجيا (علم الأحياء) . وهناك جزء ثان يلتحق بالفلسفة .
وتصعد البدايات التاريخية لفينومنولوجيا هوسرل الأستاذ ، وفينومنولوجيا ياسبرز التلميذ إلى هذه الفترة من طلب العلم من حياة هوسرل ، فقد صادف إن كان الموجه الأكاديمي لهوسرل ، هو توماس ماسريك (1850 – 1937) ، وهو تلميذ سابق للفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو (1838 – 1917) . وهذا موضوع سنتناوله في محور خاص فيما بعد إكمال حديثنا عن هوسرل على الرغم من إنه أستاذ هوسرل . ولعل المهم هنا أن نذكر ما تركه تلميذ فرانز برنتانو ، توماس ما سريك عل تفكير هوسرل المنطقي ، فقد كتب المعلم ماسريك كتاباً مهماً في علم المنطق وكان بعنوان أسس المنطق الحقيقي (1885) ومن ثم صدر بالألمانية في فينا في عام 1887 .
وكان تفكير هوسرل في هذه الفترة ، في حالة تحول دائم بين طرفين ؛ طرف الفلسفة وطرف العلم ممثلاً بالرياضيات . وفعلاً في هذه الفترة تحول إلى جامعة هامبولت في برلين وبالتحديد في عام 1878 . ومن ثم إستمر في دراسة الرياضيات ، وتحت إشراف ليوبولد كرونكر (1823 – 1891) ، وهو عالم رياضيات وواحد من العاملين في مضماري نظرية الأعداد والجبر . ويُنظر إليه كناقد لعالم الرياضيات جورج كانتور (1845 – 1918) ونظريته في المجموعات .
ثانياً – كما إن هوسرل حضر محاضرات فردريك بولسين (1846 – 1908) في الفلسفة . وهذه المحاضرات ستكون كتاب بولسين (وبالعنوان ذاته) والذي سيعتمده كارل ياسبرز مصدراً أساسياً (ونبالغ إذا قلنا الوحيد) لرائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والحقيقة إن بولسين فيلسوف ألماني ومربي ، بداية تلقى تعليمه العالي في جامعتي بون وبرلين ، ومن ثم أصبح بروفسوراً (متميزاً) للفلسفة والبيداغوجيا (علم التربية) وكان ذلك في العام 1878 . ويقترن إسم التلميذ بولسين بإسم أستاذه الفيلسوف وعالم النفس التجريبي غوستاف ثيدور فشنر (1801 – 1887) بل وينظر إلى بولسين على إنه واحد من أكبر حواريي فشنر . ويبدو إنه من خلال كتابات بولسين قد عبرت إلى دائرة تفكير كارل ياسبرز ، الكثير من الحقائق التي سيضمها كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وخصوصاً فيما يخص مضمار علم النفس ، والذي سيشغل مباحث مهمة من المجلد الثاني / القسم الثاني ، والذي جاء بعنوان علم نفس الإرادة وحدوده (ص ص 133 وما بعد) .
ولاحظ الأكاديميون إن تحولاً قد حدث في حياة البروفسور بولسين الأكاديمية ، وذلك عندما تقاعد في العام 1895 بروفسور الفلسفة أدورد زيلر (1814 – 1908) من جامعة برلين ، فشغل مقعده البروفسور بولسين أستاذاً للفلسفة الأخلاقية في جامعة برلين . ولعل أهمية زيلر في حياة بولسين ومن ثم في عمل الأكاديمي ياسبرز ، وبالتحديد مصدراً لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب زيلر الموسوعي ، والمعنون فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي صدر خلال الفترة ما بين عامي 1944 و1852 . والواقع إن هذا الكتاب مر بتاريخ من التطور والبحث الموسع ، حتى وصل إلى أخر نشرة له صدرت في العام 1902 . أي قبل أن ينشر ياسبرز كتابه ثلاثة مجلدات بأقل من ثلاثة عقود من الزمن . وبالتأكيد قد تحدث عنه أولاً بولسين ومن ثم إن هناك إحتمالاً قوياً إن ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام قد لفت إليه أنظاره . أو ربما جاءت الإشارة إليه في أبحاث فيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، والذي تبنى طريقته الفينومنولوجيا ياسبرز في إطروحته الثانية كما سبق إن أشرنا إليها سابقاً .
وتكمن أهمية بولسين في موضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم ، في أنه تجاوز أستاذه فيشنر ، وحاول تقديم (في العام ) 1892 تفسيراً أبستمولوجياً للمعرفة الفيزيائية – السايكولوجية . وهذا التفسير قاده إلى التسليم بفرضية كانط في المعنى الداخلي ، والتي مفادها ” إننا حالات عقلية واعية ” . وإنطلاقاً من هذه الفرضية إعتقد بولسين بأن ” الوعي هو معرفة الشئ بذاته ” . ومن المعلوم للجميع إن هذه القضية قد نفاها كانط على الإطلاق . وعلى الرغم من إن ياسبرز قد إعتمد على كتاب بولسين المعنون محاضرات في الفلسفة ، مصدراً لثلاثيته في الفلسفة (أنظر : كارل ياسبرز ؛ الفلسفة / التوسعة للطبعة الألمانية الثالثة / عام 1955 ، وهي توسعة لم تظهر في الطبعة الأولى لعام 1931) . فإن شهرة بولسين قد تجاوزت فضاء الفلسفة ، ولامست مضمار البيداغوجيا / التربية . ولعل الشاهد على ذلك كتابه الذائع الصيت : التربية الألمانية : الماضي والحاضر ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ أ . لورنز في العام 1907 .
وقبل إن نغادر حضرة الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة بولسين ، نود أن نذكر حقيقة بالغة الأهمية ، والتي نحسب إنها سجلت حضوراً قوياً في نصوص كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة (وربما عبرت بصورة مباشرة أو من خلال التلميذ أدموند هوسرل) . وهي إن بولسين تحدث عن النفس ومن خلال ربطها بمفهوم الإرادة الشوبنهوري . والحقيقة إن هذا الطرف ستظهر أثاره على نصوص ياسبرز وبالتحديد على مضماري الإرادة وعلم نفس الإرادة . وفعلاً فإن بولسين إستنتج على أساس دور الوعي الأبستمولوجي (أنظر أعلاه) ، إن النفس هي حقيقة عملية (وهنا يتفق بولسين مع شوبنهور (1788 – 1860)) ، والتي يمكن معرفتها من خلال فعل الإرادة . ولكن هذه الإرادة بالفهم البولسيني (نسبة إلى بولسين) ، هي ليست برغبة عقلية ، أو إرادة لا عقلية لا واعية ، ولا إرادة ذكية واعية . وإنما هي غريزة والتي هي إراداة الحياة ، والتي غالباً ما تكون الضمير ، الذي يتطلع نحو شواطئ الغايات … .
ثالثاً وفي العام 1884 حضر هوسرل وبالتحديد في جامعة فينا ، محاضرات فرانز برنتانو في مادتي الفلسفة وعلم النفس الفلسفي . وخلال هذه المحاضرات عرف برنتانو تلميذه هوسرل على كتابات الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق برنارد بولزانو (1781 – 1848) والذي ترك أثراً واضحاً على الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (تحدثنا عنه أعلاه) ، والفيلسوف وعالم المنطق الإستقرائي جون ستيوارت مل (1806 – 1873) والفيلسوف التجريبي الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) . وهنا يكمن التحول العميق في مضماري الفلسفة والعلم في كتابات المعلم هوسرل اللاحقة ، ومن ثم ستطبع توجهات التلميذ كارل ياسبرز كذلك .
رابعاً كتب هوسرل إطروحته الأولى للدكتوراه ، وإطروحته للدكتوراه الثانية في مضمار العلاقة بين الفلسفة والعلم ، وبالتحديد في العلاقة بين الفلسفة والرياضيات . فقد كان عنوان إطروحته الأولى مساهمات في حساب المتغيرات ، وكانت تحت إشراف ليو كونكسبيرك (1837 – 1921) والتي حصل عليها من جامعة فينا عام 1883. أما إطروحته للدكتوراه الثانية فكانت بعنوان مفهوم العدد ، والتي حصل عليها من جامعة هيل كما ذكرنا أعلاه ، وبالتحديد في عام 1887 . وكونت الإطروحة الأخيرة الأساس لعمله المهم الأول والمعنون فلسفة الحساب ، والذي صدر عام 1891 .
والحقيقة إن هوسرل في هذا الكتاب قد ربط بين الرياضيات والفلسفة على أساس سايكولوجي ، وهو الذي أثار حفيظة فيلسوف العلم وعالم المنطق الرمزي جوتلوب فريجه ، وحمله على توجيه نقد حاد لنزعة هوسرل السايكولوجية ، والتي سيتبرأ منها هوسرل لاحقاً ويتحول إلى ناقد للنزعة السايكولوجية .
وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) لياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه (منا : وهنا يلتقي ياسبرز وهيدجر وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :
” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911
الوالدان العزيزان
أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …
تحياتي وأشواقي
ولدكم
كلي ” .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(5)
فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية
الدكتور محمد جلوب الفرحان
يُلاحظ القارئ لسيرة فيلسوف العلم بولزانو ، إنه ترعرع في أحضان عائلة ذات تركيب إثني متنوع ، فالوالد برنارد بومبيز بولزانو جاء من إصول إيطالية . وفعلاً فقد تحول إلى براغ (عاصمة جيكيا) ومن ثم تزوج ميريا سيسليا ميرار ، وهي تتكلم الألمانية ، ووالدها تاجر من مدينة براغ . وأنجبا أثنتا عشر طفلاً ، ولكن لم يبقى منهما على قيد الحياة لمرحلة النضوج سوى طفلين فقط . وكان الفيلسوف بولزانو واحداً منهما .
دخل بولزانو جامعة براغ في العام 1796 ودرس الرياضيات والفلسفة والفيزياء (لاحظ توجهات بولزانو العلمية الأولى : رياضيات وفيزياء ومن ثم الفلسفة التي توسطت في مرحلة طلب العلم الأكاديمي . وهذا الأمر جداً مهم في علاقة الفلسفة بالعلم وهو الأمر الذي قدمه هوسرل المعلم إلى تلميذه بالقراءة والتبني الفكري كارل ياسبرز وذلك من خلال حديثه عن معلمه فرانز برنتانو وما قدمه له من رموز فلسفية علمية في محاضراته ، ومنهم خصوصاً برنارد بولزانو) .
وفي سيرة بولزانو ماهو إيجابي تمثل في صعوده الأكاديمي وإن كان بعكاز لاهوتي كاثوليكي ، فهو مبهج ومُسر . ولكن فيها ماهو سلبي ينز بالألم وعدم شفافية السلطات الأكاديمية والسياسية والذي تمثل بقرارها بطرده من الجامعة ووقفه من النشر ومن ثم تعريضه إلى النفي . وهذا الطرف يكون ما نصطلح عليه بالتحولات الفكرية (وبالطبع فيها ربح وخسارة وهذا ما حدث لرمزنا الكبير برنارد بولزانو) التي أصابت ذهنية الفيلسوف بولزانو . وفعلاً ففي بداية عام 1800 تحول من جادة الفلسفة والرياضيات والفيزياء ، وتوجه إلى شواطئ اللاهوت ، وكرس نفسه لدراسته لمدة أربع سنوات ، ومن ثم أصبح قسيساً في العام 1804 . وهكذا بدأ يتسلق في سلم الصعود ؛ فعين في عام 1805 رئيساً لقسم فلسفة الدين (وهو قسم جديد تم فتحه) .
والخطوة التالية في صعوده تمثلت بأنه أخذ يُقدم محاضرات جماهيرية ، فأظهر مهارات المحاضر الناجح ، فذاعت سمعته في الأطراف . وهذه المحاضرات لم تقتصر على ميدان الدين واللاهوت الكاثوليكي ، وإنما شملت مضمار الفلسفة . وعلى هذا الأساس تم إنتخاب بولزانو رئيساً لقسم الفلسفة ، وذلك في العام 1818. ولكن بعد ذلك أخذ نجم بولزانو يكسف وسمعته تضعف شيئاً فشيئاً ، وإنتهت به المسيرة في حالة إغتراب (وتقاطع) مع الرموز القيادية الكبيرة في الكلية والكنيسة ، والسبب هو تعاليمه التي هاجمت الطرف العسكري والدعوات إلى الحرب . إضافة إلى كونه قاد حملة تطالب بالإصلاح الشامل للإنظمة الإقتصادية والإجتماعية والتربوية ، وبرأيه هي التي ستقود الأمة نحو شواطئ السلام بدلاً من النزاع المسلح بين الشعوب (الأمم) .
ويبدو إن كل محاولات رجال اللاهوت الكاثوليكي والسياسة الهادفة إلى عودة النعجة التائهة إلى قطيع اللاهوت ، قد باءت بالفشل الذريع ، وذلك لتمسك بولزانو بمبادئه ، وإيمانه بسلامة ما يعتقد ، ورفضه القاطع على تغيير عقائده ، فقد قررت القيادات الكاثوليكية والسياسية طرد بولزانو من الجامعة وذلك في العام 1819 . كما إن قناعاته السياسية (والتي كان على الدوام ينشرها بين زملائه) قد كانت دليلاً كافياً على إنه كان ليبرالياً متطرفاً كما بدى للسلطات النمساوية . ولذلك قررت نفيه إلى الريف ، حيث كرس كل طاقاته هناك لكتاباته الإجتماعية والدينية والفلسفية وفي علوم الرياضيات . كما كان من شروط النفي ، منعه من النشر في المجلات العامة . غير إن بولزانو إستمر في تطوير أفكاره وتمكن من نشرها على حسابه الخاص أو في مجلات أوربا الشرقية . وفي العام 1842 عاد من نفيه إلى براغ ، ومات هناك في عام 1848 .
لقد ضيعت علينا السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والإدارات الأكاديمية السياسية وذلك لعدم شفافيتها في التعامل مع فيلسوف العلم بولزانو ، وحرمت أجيال من الشباب الألمان ، من الفرص العديدة التي كان يخطط بولزانو من الكتابة والإبداع فيها وبالتحديد في مضماري الفلسفة والمنطق والرياضيات ، وهي الفضاءات التي كان فيلسوف العلم وعالم المنطق برنارد بولزانو في أعلى درجات نضوجه فيها ، وبقرار لا إنساني فيه الكثير من الجبروت فقامت بطرده من الجامعة ، ومن ثم نفيه ، وعطلت تفكيره وقلمه من الإبداع ، وفوق كل ذلك منعته من النشر والتعليم لمدة تجاوزت العقدين من السنيين (وبالتحديد ثلاث وعشرين عاماً) وربما ثلاثة عقود إذا وضعنا في حساباتنا عام 1819 عندما طردته السلطات اللاهوتية الكاثوليكية من التعليم الأكاديمي وسنة وفاته ، وهي عام 1848 .
تراث فيلسوف العلم والمنطق والرياضيات بولزانو في ميزان التقويم
ونحسب في البداية الإشارة إلى إن فيلسوف اللغة وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجه ، قد قرأ تراث بولزانو وإستفاد منه الكثير . وهذه الإشارة جداً مهمة في تقويم ما تركه بولزانو من تراث في فلسفة العلم والمنطق على أقل تقدير . وفعلاً فبعد وفاة بولزانو بقليل ، ظهر إلى النور كتابه الشهير ” معارضات (تناقضات) اللانهاية ” ، وهو كتاب أثار إعجاب العديد من علماء المنطق المبرزين ، والذين جاءوا بعد وفاته وعملوا في هدا المضمار ، ومنهم الفيلسوف البراجماتي الأمريكي (وعالم المنطق والرياضيات) شارلز سندروز بيرس (1839 – 1914) وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية المجموعات) جورج كانتور (1845 – 1918) ، وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية العدد الجبري) ريتشارد ديدكيند (1831 – 1916) .
وينظر مؤرخو الرياضيات إلى كتاب بولزانو المعنون معارضات اللانهاية ، على إنه عمل خص به بولزانو نظرية المجموعات . فمثلاً مؤرخ الرياضيات ديفيد بورتن ، يُعلق على أهمية هذا الكتاب في تايخ نظرية المجموعات ، فيقول : نشر كتاب معارضات اللانهاية لبولزانو في عام 1851 ، أي بعد وفاة بولزانو بثلاث سنوات فقط ، وقام بنشره أحد أصدقائه الأوفياء . وهذا الكتاب إحتوى على نتائج بالغة الأهمية في مضمار نظرية المجموعات . وللإنصاف فإن بولزانو يعترف بأن عمله ، هو إمتداد موسع لعمل غاليلو غاليلي (1564 – 1642) المعنون : معارضة غاليلو . إلا إنه والحق يُقال إن بولزانو عرض تفاصيل واسعة وأمثلة كثيرة تدلل على التطابق بين مبادئ المجموعة اللانهائية والمجموعات الفرعية للمجموعة اللانهائية . والأهم من كل ذلك إن بولزانو يُسجل التاريخ إسمه على إنه أول من نحت بنفسه إصطلاح المجموعة .
ولعل من أهم مؤلفاته التي ظهرت خلال محنته مع السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والذي كتبه بولزانو في فترة نفيه في الريف ، هو كتابه الرائعة المعنون نظرية العلم ، والذي صدر في عام 1937 ويتألف من أربعة مجلدات . وهو عمل إنجيلي في مضمار فلسفة العلم والمنطق بالمعنى الحديث . إضافة إلى كونه بحث في الأبستمولوجيا والبيداغوجيا العلمية (نظرية التربية العلمية) . ولعل المهم في هذا العمل الإشارة إلى إنه طور نظرية منطقية كونت بحد ذاتها تحولاً جذرياً (ثورياً) في مضمار البحث المنطقي . والشاهد على ذلك إنه حاول صياغة الأسس المنطقية لكل العلوم . وهذه المحاولة بتقدير الباحثين ، هي إمتداد وتطوير لأفكاره في حقل فلسفة الرياضيات ، والتي تصعد إلى عام 1810 .
لقد بدأ بولزانو عمله في نظرية العلم بشرح منهجي عال لما يعنيه بنظرية العلم ، والعلاقة بين معرفتنا ، والحقائق والعلوم . وفيما يخص المعرفة البشرية ، فقد ذهب موضحاً ، فقال : إن المعرفة تتكون من الحقائق (أو القضايا الصادقة) وهي التي يعرفها البشر أو سبق إن عرفوها . وهي على أي حال ، تكون جزء صغير من الحقائق في هذا العالم . وهذا يعني إن الطريق أمام الإنسان طويل لمعرفة مجمل الحقائق . وعلى هذا الأساس فإن معرفتنا يمكن تقسيمها إلى مجموعة من الأجزاء التي في الإمكان إدراكها . ومثل هذه المجموعة من الحقائق ، هو ما يُطلق عليها بولزانو معنى العلم . ومن الملاحظ أن تعرف بأن ليس كل القضايا الصادقة قد تم معرفتها من قبل البشر . وعلى هذا الأساس فإننا نعمل في هذا الميدان ، ونتطلع إلى الإكتشافات المستمرة في العلم .
ولعل من أفضل السُبل لإدراك وفهم حقائق العلم ، أن يكون عن طريق إصطناع مرجعيات ، وهي الوسيلة الوحيدة التي نُسجل فيها القضايا الصادقة للعلم ، والتي تم معرفتها من قبل البشر . ولكن السؤال الذي يظل مرفوعاً ؛ ما هو السبيل الذي يحملنا على تقسيم معرفتنا ؟ وبالتأكيد يتبعه سؤال مهم أخر ، وهو ؛ كيف نعرف إن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ؟ إن جواب بولزانو حملته كلماته الأتية ؛
في النهاية فإننا سنعرف كل ذلك من خلال التفكير ، وإننا سنصل إلى القواعد التي تم إشتقاقها من عملية تقسيم معرفتنا بالعلوم ، وسندرك بأن هذا مجال علم خاص بذاته ، وهذا هو العلم الذي سيخبرنا بأن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ، وإن شرحها سيتم على أساس كتاب علم مرجع ، وهو نظرية العلم .
كما علاج بولزانو في كتابه نظرية العلم ، موضوع الميتافيزيقا ، وقبل ذلك نود أن نشير .إن أراءه في الميتافيزيقيا يمكن الوقوف عليها (بالإضافة إلى نظرية العلم) في بحثين مهمين كتبهما بولزانو في فترتين تاريخيتين مختلفتين ؛ الأول كتبه قبل نظرية العلم ، وكان بعنوان إثنسيا أو أسباب خلود النفس ، والذي نشره عام 1827 . والثاني كتابه الشهير نقائض (معارضات) اللانهاية والذي نشر بعد موته في العام 1851 . أما كتاباته الأخرى فظلت بعيدة عن النور إلى أن قام تلميده فرينسكي بتقديم شرح موسع عنها وبعنوان ذرية بولزانو ، والذي نشره عام 1857 .
ومن النافع الإشارة إلى إن كتاب الإثنسيا أو أسباب خلود النفس قد نشر في عام 1827 بإسم مجهول ، ولكن الطبعة الثانية ، والتي ظهرت عام 1838 (وكان بولزانو حياً يُرزق) قد حملت إسم بولزانو ، وفيها عبارة بقلم المؤلف (وكأنها عنوان فرعي) تقول : هو كتاب لكل شخص مثقف يتطلع إلى سلام العقل … .
والميتافيزيقا هو من الموضوعات التي سيشتغل عليها الوجودي كارل ياسبرز في كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي إشتغل عليها مارتن هيدجر في كتابه الوجود والزمن قبله بعدة سنوات وقبلهما حفر فيها ملهمهما أدموند هوسل في الفينومنولوجيا . ونشعر بأن هناك شيئاً مشتركاً في بحث الإثنين ؛ بولزانو وياسبرز بالرغم من إن ياسبرز أدخل مفهوم الأصفار وهو مضمار جديد على مبحث الميتافيزيقا كذلك .
والحقيقة إن إهتمام بولزانو بمبحث الميتافيزيقا هدف إلى معالجة ثلاثة حقول يبدو فيها شيئاً من الجدة (أو الخروج) على موضوعات الميتافيزيقا منذ إن كتب فيها أرسطو رسائله (أو كتبه) الأربعة عشر ، ومن ثم نحت طلاب مدرسته المشائية إصطلاح الميتافيزيقا ليكون عنواناً لأبحاثه التي جاءت بعد أبحاثه في الفيزيقا (الطبيعة) ، وحقول الميتافيزيقا عند بولزانو هي :
أولاً – مضمار اللغة ، والتي تتألف من الكلمات والجمل .
ثانياً – مضمار الفكر ، والذي يتكون من الأفكار الذاتية والأحكام (أو الحجج) .
ثالثاً – مضمار المنطق ، والذي يتألف من الأفكار الموضوعية (أو الأفكار بذاتها) والقضايا بذاتها .
كما إن بولزانو كرس أطراف من موسوعته الرائعة نظرية العلم لشرح هده الحقول الثلاثة من الميتافيزيقا ، ومن ثم بين العلاقة بين بعضهما البعض . كما إنه أشار إلى حقيقتين متميزيتين في نظامه وهما : الأولى التمييز بين الأجزاء والكليات ، والمثال على ذلك الكلمات التي هي أجزاء من الجمل ، والأفكار الذاتية التي هي جزء من الحجج (الأحكام) ، والأفكار الموضوعية التي هي أجزاء من القضايا بذاتها . ثانياً إن كل الموضوعات تُقسم إلى هذه الموجودات . وهذا يعني إنها مرتبطة سببياً ، وتوجد في زمان ومكان . أما الموضوعات التي لاتوجد في زمان ومكان فيزعم بولزانو إنها في الأصل تكون موضوعات المنطق .
ونحسب في نهاية حديثنا عن موسوعة بولزانو الفلسفية المعنونة نظرية العلم ، الإشارة إلى إن كتابات برنارد بولزانو في فلسفة العلم ظلت في دائرة النسيان لفترة طويلة ، إلى أن تم أكتشافها على يد إثنين من تلاميذ فرانز برنتانو ، وهما كل من أدموند هوسرل ، والفيلسوف وعالم المنطق البولندي كازميرز تاوردسكي (1866 – 1938) . وبعد ذلك أصبح واضحاً تأثير بولزانو على المدرستين الفلسفيتين ؛ الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية . ونكتفي بهدا الطرف ونتحول للكلام عن جوانب أخرى من تراث بولزانو .
أما أبحاث بولزانو في مضمار فلسفة الرياضيات ، فقد ضمتها رائعته في الرياضيات ، والتي جاءت بعنوان نظرية الكميات ، وهو عمل رائد إلا إنه مع الأسف من الأعمال التي لم يكملها بولزانو . ومن الجدير بالإشارة إلى إن أولى الأعمال التي نشرها بولزانو في العام 1804 كان بعنوان إعتبارات حول بعض موضوعات الهندسة الأولية . وبعد ستة سنوات من هذه النشرة عاد فنشر في الفترة الممتدة ما بين عام 1810 وعام 1817 أعملاً في مضمار الرياضيات أكثر عمقاً . ويبدو إن هذه العودة إلى الرياضيات كانت محكومة بدافع صياغة أسس جديدة للرياضيات بصورة شاملة . وفعلاً فقد نجح في عمل ذلك ، إلا إن عمله لم يكن كاملاً ، وإنما جاء جزئياً وفي أطراف صغيرة (شدرات) .
صحيح جداً إن بواكير أعماله في فلسفة الرياضيات ، بدأت ببحثه في الهندسة . ولكن من الصحيح جداً إنه صاغ معايير حديثة في بحثه المعنون برهان تحليل نظري (خالص) والذي يصعد إلى عام 1817 . وهذا العمل بحد ذاته إحتوى على ما سيعرف بمبرهنة بولزانو – ويرستراس (وهو كارل ثيدور ويرستراس 1815 – 1897 وهو عالم رياضيات ألماني ، وهو أبو التحليل الحديث) . ولاحظ الباحثون إن في هذ البحث (أي برهان تحليلي ..) وردت أمثلة على ما يسمى بدالات المتغيرات . كما إن من الصحيح جداً إن ويرستراس ، هو أول من إكتشف الدالات .
كما لاحظ الباحثون إن طرف أخر من أبحاثه الرائدة في فلسفة الرياضيات ترتبط بنظرية المجموعات . وفعلاً فإن بولزانو في كتابه نقائض اللانهاية (1851) وكتابه نظرية الكميات ،
قام بأول خطوة في مضمار تطوير نظرية المجموعة ، وعرض الكثير من الأفكار المتعلقة بها
. وبرهان بولزانو على وجود مجموعة اللانهاية كان معروفاً لعدد من الرياضيين ، وهو فعلاً كان مرجعاً لكل من كانتور عام 1883 / 1884 ، وديديدكيند عام 1888 ورسل عام 1903 . كما أسهم في صياغة أسس جديدة للرياضيات وهذا ما جاء ذكره أعلاه .
ومن ثم جاء كتابه المعنون مصدر في علم الدين ، والذي نشره طلابه في العام 1834 (دون أن يذكروا إسم المؤلف لأن بولزانو كان ممنوعاً عليه النشر خلال فترة النفي) . وهذا الكتاب بحث جرئ في مضمار فلسفة الدين واللاهوت . وفيه عرض بولزانو وجهات نظر متقدمة على عصره (وفيها روح مستقلبية) . ولهذا واجهت اراءه الرفض والمعارضة لأن في نقاط كثيرة منها تقاطع مع عقائد الكنيسة وهنا تكمن خطورة أفكاره .
وبحق هذا الفيلسوف المتفرد المتنوع الإهتمامات ، والذي بدأ رحلته فيلسوف رياضيات ، ومن ثم تحول إلى دائرة اللاهوت وكتب رائعته المعنونة علم الدين أو فلسفة الدين ، والتي أزعجت الدوائر الكاثوليكية التي إنتمى إليها أولاً ، ومن ثم إنقلبت عليه وحركت السلطان الى طرده من التعليم الأكاديمي ، ومنعه من النشر ونفاه إلى الريف . نقول بحق هذا الفيلسوف نود توضيح الحقائق الآتية :
أولاً – متابعة كارل ياسبرز للفيلسوف بولزانو في مضمار الميتافيلوسفي
إن قارئ رائعة كارل ياسبرز المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة (كانت طبعته الأولى عام 1931) يلحظ إن هناك ما يشبه المتابعة الحرفية من قبل ياسبرز ، وبالتحديد لمضمار التفلسف الدي درسه بولزانو في عمله المعنون ما هي الفلسفة ؟ (من كتبه التي ألفها فترة المنع عليه والتي بدأت منذ عام 1819 وحتى موته ) وهذا الكتاب نشر بعد موته بعام واحد ، أي بالتحديد عام 1849 .
والحقيقة إن بولزانو في هذا الكتاب تجاوز مضمار الفلسفة ، وتطلع إلى إنشاء بحث رائد وهو ما يطلق عليه الباحثون مضمار الميتافيلوسفي (أو الفلسفة الفوقية) وإذا كانت الفلسفة تتداول في مباحثها لغة رقم 1، وهي لغة التداول الفلسفي اليومي والتي تتألف من إصطلاحات معينة (ويحدد معانيها ودلالاتها قاموس المصطلاحات الفلسفية) ، فإن مضمار الفلسفة الفوقية تسودها لغة عالية ، ويطلق عليها إصطلاح اللغة رقم 2 ، وهي مضمار يعرض تحليلاً فلسفياً عالياً للإصطلاحات التي تتداولها اللغة رقم 1 ومثالاً على ذلك إن اللغة رقم 1 ، إستخدمت إصطلاح التفلسف ، فإن لغة الميتافيلوسفي ، تقدم تحليلاً عالياً لمفهوم التفلسف . والحقيقة إن ياسبرز في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة ، تحدث عن هذه المستويات المتنوعة للغة ، وذكر المستويات اللغوية (اللغة رقم 1 واللغة رقم 2) والتي تحدث عنها بولزانو . إلا إن ياسبرز تحدث عن اللغة رقم 3 ، وخصوصاً في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة . وياسبرز ربما أطلع على عمل بولزانو من خلال هوسرل ، والذي قام هو وزميله البولندي (تاوردسكي) بإكتشاف أعمال بولزانو ، وبتوجيه من قبل أستاذهما الفيلسوف الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .
والحقيقة إن أهمية عمل بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ تعود إلى إنه أوضح مفهوم الفلسفة والتفلسف . وبالمناسبة إن كتاب ياسبرز موضوع بحثنا ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، قد عالج بشكل واسع ، وعبر المجلدات الثلاثة ، فعل التفلسف وكلمة تفلسف ، وفضلها على الفلسفة الإصطلاح التقليدي (بالرغم من عنوان ثلاثيته حملت عنوان الفلسفة) . وهنا أود أن أشير إلى إن مارتن هيدجر ساعد صديقه كارل ياسبرز في تحديد معاني التفلسف وهو علم في الفيللوجيا وهذا التعاون رتبت له زوجة كيرترود (أي زوجة كارل ياسبرز) ودفعت مساعدة بمقدار ألف مارك لتغطية نفقات سفر هيدجر إلى هيدلبيرك . وهذا الأمر ساعدت فيه من طرفها الفيلسوفة (طالبة الدكتوراه يومها) حانا أرنديت أستاذها ياسبرز حين جاءت إلى جامعة هيدلبيرك ليشرف على إطروحتها الأولى للدكتوراه والتي كانت بعنوان الحب في مفهوم القديس أوغسطين ، وهي طالبة هيدجر والمتمرسة في التحليل الفيللوجي . وكذلك فقد إنتبه مترجم كتاب ياسبرز إلى الإنكليزية المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، الأستاد إي . ب . أشتون حين إعتمد على رأي الفيلسوفة حانا أرنديت في شرح معاني الفعل يتفلسف في مقدمة المترجم التي كتبها . ولكن فات الثلاثة هيدجر وأرنديت وأشتون من إكتشاف متابعة ياسبرز الحرفية للفعل يتفلسف وكلمة تفلسف عند بولزانو كما وفاتهم العودة إلى بحثه المعنون ماهي الفلسفة ، ويقفوا على المعاني التي قدمها بولزانو للفعل يتفلسف ويكتشفوا بأنفسهم حقيقة متابعة ياسبرز لبرنارد بولزانو ، ويعترفوا بأن بولزانو كان مصدر ياسبرز (وربما المصدر الوحيد) لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة وعلى الأقل في مضمار الفعل يتفلسف وكلمة التفلسف التي شغلت أجزاء ملحوظة من المجلدات الثلاثة . وللإنصاف نقول إن ياسبرز سيعيد إنتاجها وبتفاصيل وصورة موسعة .
وفعلاً فإن القارئ لبحث بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ يلحظ بأنه صاغ مجموعة أفكار تطلع من خلالها إلى تحديد وظيفة الفلسفة ، ومن ثم تحول إلى شواطئ التفلسف ، وهو فعل ليس مقيد بمضمار محدد من المعرفة . وإنما هو حالة إستفسار وتساؤل عن الأسباب ، ووفقاً لبولزانو ، فإنك تكون في حالة تفلسف . وهذا ممكن أن يحدث في كل مجالات العلوم والتي تقع خارج الميدان الحقيقي للفلسفة . وعلى الرغم من إن ياسبرز يتقدم جميع الفلاسفة الذين تابعوا بولزانو . فإن هناك عدداً من الفلاسفة والمناطقة قد فعلوا مثلما فعل بولزانو ، ومن أمثال لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) ، مورتيز شيليك (1882 – 1939) ورودلف كرناب (1891 – 1970) .
كما نحسب إن بولزانو كان موضوع إهتمام مشترك لكل من جوتلوب فريجه وأدموند هوسرل . وإن هوسرل (وتارودسكي) هما اللذان إكتشفا كتابات بولزانو . وإن فريجه من طرفه ، قد قرأ بولزانو . ولعل الكتاب الذي وضعه ب . ج . ساندهولم والمعنون : متى ، ولماذا قرأ فريجه بولزانو ؟ هو شاهد أخر على عبور بولزانو وتفكيره الفلسفي في الرياضيات والمنطق إلى فريجه ، وهو واحد من جهابدة فلاسفة العلم والمنطق الرياضي في الربع الأول من القرن العشرين . وعلى أساس فهم بولزانو لمعنى كلمة يتفلسف (والتي ستشغل ياسبرز في ثلاثيته الفلسفية) ، فإنه لا يوجد مضمار محدد للمشكلات الفلسفية والموضوعات الفلسفية وهذا المعنى تلقفه ياسبرز مباشرة من بولزانو أو ربما عن طريق هوسرل (وهناك إحتمال إنه جاء من خلال مؤرخ الفلسفة بولسين الدي تفرد كتابه محاضرات في الفلسفة (والذي يحتمل أن يكون المصدر الوحيد) في ثلاثية ياسبرز .
ثانياً – كارل ياسبرز ومؤرخ الفلسفة برنارد بولزانو
سهلت لنا مهمة الإمساك بالمصدر الذي إتصل به كارل ياسبرز ، وهو يدرس الفعل يتفلسف وكلمة تفلسف واللذان تفردت بهما رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب بولزانو المعنون ماهي الفلسفة ؟ كما عرفنا خلال الأوراق السابقة بأن بحث ياسبرز في الميتافيزيقا والذي كان ذات طبيعة متفردة (بإستثناء بحث الأصفار) بأن إصوله تصعد إلى أبحاث بولزانو ، وبالتحديد في كتابي بولزانو ؛ نظرية العلم ، و نقائض اللانهاية . وهنا نتطلع إلى تقديم بولزانو مؤرخاً للفلسفة ، ويبدو إن دائرة تفكير ياسبرز قد تشربت الكثير من معارفه الفلسفية من خلال مؤلفات بولزانو ، وخصوصاً في رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي كان فيها ياسبرز ظنيناً علينا في الإباحة عنها ، وإن تخفى وراء عبارة عامة فيها تكمن الكثير من أسرار مصادر ياسبرز المسكوت عليها ، وهي العبارة القائلة : ” إن تطلعنا قاد إلى الوعي الفلسفي الهادف ، والذي حملنا إلى الإستماع فقط إلى عدد قليل جداً (منا : ؟ لماذا عدد قليل) من الفلاسفة الكبار اللذين تحدثوا إلينا من الماضي . ولكن معرفتنا بفلسفة الماضي ، هي ليست الفلسفة الحقيقية . بينما التفلسف يحتاج دائماً إلى مصادر الحاضر . كما إن تفلسف المعاصرين بين لنا كيف إنهم تابعوا الوجود لإعانة أنفسهم . إن الإشتراك في فرص الإنجاز المتساوية ، مكنتهم من إخبار الأخرين عما سمعوهم من مصادر متفردة . وعلى هذا الأساس قام فعل التفلسف في الحاضر بتحويل عظمة الماضي الفلسفية وعملها حاضر جديد ” . تشعر وأنت تقرأ نص ياسبرز عن ” تفلسف المعاصرين ” إنه يتكلم عن بولزانو ومثابرته الرائدة في كتابه المعنون ما هي الفلسفة ، والتي خط فيها مساراً جديداً ، هو مسار التفلسف ، والذي لم يكتف بذلك ، وإنما قدم تفسيرات لمعانيه ودلالاته خارج الحدود التقليدية لإصطلاح الفلسفة .
وفعلاً إن الشواهد كثيرة في كتابات بولنزانو ، والتي تدلل بعمق على إنه درس تاريخ الفلسفة ، وإمتلك معرفة تاريخية واسعة ، والتي ظهرت في العديد من أعماله . فمثلاً في الطبعة الثانية من كتابه إثنيسيا (أسباب خلود النفس) قد أضاف ملحقاً ، فيه الكثير من التفاصيل التاريخية الواسعة ، والذي جاء بعنوان ” بحث نقدي للتراث المتعلق بالخلود ومنذ عم 1827 ” . إضافة إلى إن مقالة بولزانو المعنونة ” مفهوم الجمال ” هي الأخرى إحتوت على تفاصيل لقائمة من التعريفات لمفهوم الجمال (أو الجمالي) ، والتي صاغها عدد متنوع من الفلاسفة . وفوق كل ذلك فإن كتابه الشهير نظرية العلم ، ضم مادة تاريخية ثرية بحيث ترشحه مصدراً أساسياً لمؤرخ علم المنطق .
ثالثاً – كارل ياسبرز وحلقة بولزانو
الحقيقة إن بولزانو لم يكن شخصاً مغموراً ، وإنما كان نار على علم ، فقد عرفه هوسرل ومن خلال محاضرات الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، كما إن بولزانو كان له حواريين وأصدقاء يتحلقون حوله في حلقة علمية مشهورة في عصره ، وربما تكلم هوسرل عنها لياسبرز أو ربما ذكرها له أستاده المشرف على إطروحته الثانية البروفسور ويندلباند . وهنا نقدم بعض المعلومات عن هده الحلقة .
لقد تكونت هذه الحلقة في وقت مبكر من حياة بولزانو ، والتي ضمت أصدقاء وطلاب ، والذين تحملوا مهمة نشر أفكاره وظلوا محافظين على علاقتهم به رغم قرار الطرد من الجامعة ، ومنعه من النشر ، وهو القرار الذي أصدرته الإمبراطورية النمساوية يومذاك . وفعلاً فقد ذكر الباحثون ثلاثة حواريين للفيلسوف بولزانو . منهم كل من مايكل جوزيف فيسل (1788 – 1864) و فرانز فرينسكي (1788 – 1859) . والأول فيسل كان التلميذ والصديق الحميم للفيلسوف بولزانو . وكان من المعجبين والمتحمسين لأراء أستاذه ، ومن المعلوم إن الأستاذ بولزانو كان قساً كاثوليكياً ، وبروفسور العقيدة الدينية في كلية الفلسفة في جامعة براغ هذا طرف . والطرف الثاني إن أفكار بولزانو اللاهوتية والسياسية التقدمية قد سببت للأستاذ بولزانو الكثير من المشكلات له مع رؤسائه ورجال الدين (كلريكس) . وعلى هذا الأساس قرروا طرده من الجامعة عام 1819 ونفيه إلى الريف ومنعه من النشر في المجلات العامة . ونحسب إن هذه الظروف وضعت التلميذ والصديق فيسل في دائرة الضوء . وفعلاً عندما أقدم على تأليف جماعة عُرفت بتحالف المسيحيين ، والتي كانت وراء إتهامه بالخيانة ، فحكم عليه بالسجن .
إن المهم في علاقة الأستاذ بولزانو والتلميذ فيسل ، مجموعة رسائل تبادلها الطرفان خلال الفترة الممتدة ما بين عام 1815 وعام 1827 . وهذه الفترة شهدت صعود الفيلسوف الأستاذ بولزانو إلى الطوابق العليا في لاهوت الكنيسة الكاثوليكية وجامعة براغ ، كما وسجلت حالات التقاطع مع الكنيسة والطرد من الجامعة والنفي هذا طرف ، ودخول التلميذ السجن بسبب تهمة الخيانة العظمى . صحيح إن بولزانو وتلميذه فيسل تبادلا الرسائل لفترة إمتدت لأكثر من إثنتي عشر سنة . إلا إن هذه الرسائل لم تتطرق للقضايا الفلسفية والرياضية التي أبدع فيها الأستاذ بولزانو . وإنما جاء فيها نقاش للموقف السياسي ، وأسئلة تتعلق بالإيمان والأزلية . وهي بشكل عام تكشف عن الظروف السياسية غير المستقرة في بوهيميا ، وبالتحديد خلال القرن الثامن عشر . كما وتصور هذه الرسائل عمق الصداقة بين الأستاذ والتلميذ في تلك الفترة ، وحجم تبادل الأفكار بين الطرفين . ونحسب إن قيمة هذه الرسائل عالية لكل من المؤرخين ورجال اللاهوت .
أما الحواري الثاني فهو (فرانز فرينسكي) والذي عمل مع الحواري السابق فيسل في مساعدة المعلم بولزانو على نشر مؤلفاته خلال فترة النفي والمنع الذي أصدرته السلطات النمسارية . كما وكتبا المقدمات للعديد من طبعات أعماله ، ووضعا مراجعات لكتبه ، وشاركا في العديد من المناقشات التي دارت حول كتبه ، وردا على بعض المراجعات العدائية . والحقيقة إن بولزانو كان من خلف الستار يقدم لهما بعض الأفكار المختصرة .
في حين كان الحواري الثالث البروفسور روبرت زيمرمان (1824 – 1894) ، وهو جيكي بالولادة وفيلسوف نمساوي ، وعندما مات أستاذه بولزانو في عام 1848 كان عمره أربعة وعشرين ربيعاً . وكان في الأصل أحد طلاب بولزانو في الفلسفة والرياضيات . والحقيقة إن بولزانو كان معلمه الخصوصي . وزيمرمان هو الطالب الوحيد الذي حصل على مكانة أكاديمية . وفعلاً فقد عين أولاً رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة براغ وبالتحديد في عام 1852 . وفي العام 1859 إستدعاه الوزير (النمساوي المسؤول عن التعليم العالي) ليشغل رئاسة قسم الفلسفة في جامعة فينا ، ومن ثم مارس العمل الفعلي في عام 1861 . وبالمناسبة كان الفيلسوف الكبير فرانز برنتانو زميلاً له في القسم خلال هذه الفترة .
ويبدو إن البروفسور التلميذ لم يجري أبحاثاً كافية في أوراق أستاذه بولزانو الفلسفية والرياضية وذلك لأن إهتماماته محددة بمجال فلسفي واحد ، وهو علم الجمال (ولكن هذا الأمر لم يعفيه من المسؤلية لأن بولزانو كتب في علم الجمال وفلسفة الفن) . على كل إن أهمية الحواري زيمرمان تكمن في إنه حافظ على معظم مخطوطات بولزانو والتي كان يملكها وحتى عام 1882 ، وحينها قام بتسليمها إلى الأكاديمية النمساوية للعلوم (أي حافظ عليها شخصياً مدة أربع وثلاثين سنة وبالتحديد بعد موت أستاذه بولزانو) .
وفعلاً إن إهتمام زيمرمان الرئيسي بعلم الجمال حمله شيئاً فشيئاً إلى التحول من مضمار فلسفة أستاذه بولزانو ، والتوجه نحو شواطئ فلسفة جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) . وجوهان هربرت هو فيلسوف وعالم نفس الماني ، ومؤسس البيداغوجيا (التربيةوالتعليم) مجالاً أكاديمياً . وهو من فلاسفة ما بعد الكانطية . والمشهور بمخالفته للفيلسوف الألماني هيجل في علم الجمال (وهذه المخالفة لا تندرج في تفسير فكرة التربية) . ومن أهم كتاباته في علم الجمال ، كتابه المعنون علم التربية والإلهام الجمالي للعالم ، والذي ترجم إلى الإنكليزية في العام 1892 . ويلاحظ إن بحثه الجمالي قد خالط الأخلاق والتربية ويبدو إن هذا الربط بين الجمالي والأخلاق والتربية ، هو السبب في تحول زيمرمان إلى معسكر هربرت وتخليه عن أستاذه بولزانو .
والحواري البروفسور زيمرمان عارف كل المعرفة ، وهو الحافظ على مخطوطات إستاذه بولزانو لمدة أربعة وثلاثين عاماً بأنه فيلسوف الجمال ، والذي نشر رسالتين في علم الجمال ؛ الأولى كانت بعنوان حول مفهوم الجميل ، والتي نشرت في حياته . والثانية التي كانت بعنوان حول تقسيم الفنون الجميلة ، والتي قدمها في الجمعية الملكية البوهيمية للعلوم في عام 1847 والتي نشرت بعد وفاته .
ونحسب إن هذا التحول من علم جمال بولزانو إلى علم جمال هربرت سبباً غير كاف لأقناع فضول الباحث الأكاديمي . ويبدو إن هناك أسباباً أعمق من ذلك ، وقد تكون الظروف السياسية التي لفت قضية الأكاديمي بولزانو الذي طردته السلطات النمساوية من الجامعة ونفته ومنعته من النشر ، أو قد يكون السبب هو إتهام حواريه الحميم فيسل بالخيانة العظمى ومن ثم الحكم عليه بالسجن … أو قد يكون كل ذلك ، فقرر زيمرمان التحول نحو جادة فلسفية أخرى ، وتبرئة نفسه من كل العلاقات بالأستاذ بولزانو وذلك بتسليم مخطوطاته إلى السلطات النمساوية ممثلة بالأكاديمية النمساوية للعلوم ، وفي هذا الخيار آمان وراحة بال .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(6)
مساهمة فرانز برنتانو في بيئة ياسبرز الثقافية والأكاديمية
الدكتور محمد جلوب الفرحان
لعب الفيلسوف وعالم النفس الألماني فرانز برنتانو (1838 – 1917) دوراً مؤثراً في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تطور فيها تفكير الفيلسوف وعالم النفس الوجودي كارل ياسبرز . كما ونزل إلى ياسبرز الكثير من أراء برنتانو أولاً النفسية ومن ثم ثانياً الفلسفية من خلال أساتذة ياسبرز المباشرين وغير المباشرين ، فقد كان أدموند هوسرل مثلاً واحداً من تلاميذ برنتانو إضافة إلى كازمير تاودرسكي وأليكس مينيك (وبالطبع ترك أثراً على سيجموند فرويد) . وهؤلاء لم يكتفوا بالتأثر به ، بل تابع بعض منهم خُطاه ، وعملوا تعديلات لها لتتوائم وتطلعاتهم الفلسفية والنفسية .
صحيح جداً إن كارل ياسبرز كتب ونشر أبحاثه الأولى ، وكان فيها برنتانو حياً يُرزق ، وأفكاره ومؤلفاته لها وقع كبير في الساحتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين . فمن المعروف إن برنتانو مات عام 1917 وكان ياسبرز قد نشر ثلاثة من أعماله الأكاديمية الرئيسية في علم النفس (الطب النفسي) ، الأول وكان بعنوان الهومسك والجريمة ، وهي إطروحته للدكتوراه الأولى والتي دافع عنها عام 1909 . والثاني كان مقالته الأكاديمية الشهيرة والمعنونة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ، والتي نشرها في مجلة الزايمر عام 1912 ، وهو خلاصة لتحليلاته النفسية في إطروحته للدكتوراه الثانية . ومن ثم ظهر كتابه علم النفس المرضي العام ، والذي ظهر في العام 1913 ، وهو إطروحته للدكتوراه الثانية وكانت بإشراف الفيلسوف وعالم النفس الكانطي الجديد ويندلباند (1848 – 1915) . وفي المقال والكتاب أظهر ياسبرز أثار هوسرل وطريقته في الفينومنولوجيا على تفكيره وتحليلاته ، وبالطبع من خلاله أثر الأب الروحي للفينومنولوجيا وأستاذ هوسرل ، الفيلسوف وعالم النفس فرانز برنتانو . كما ونحسب إن ياسبرز كتب أجزاء من كتابه الشهير سايكولوجيا النظر إلى العالم ، وكان الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو حياً . إلا إن هذا الكتاب نشر بعد وفاة برنتانو بأقل من سنتين ، فقد ظهر الكتاب إلى النور في عام 1919 .
والسؤال : من هو الفيلسوف فرانز برنتانو ؟ هو فرانز كليمنس هندورتس هرمان برنتانو ، ويرى الباحث ماريو بوكليسيا ، في مقاله المعنون ” فرانز برنتانو : شذرات من سيرته الذاتية ” إلى إن إسم مؤسس علم النفس والأب الروحي للفينومنولوجيا ، برنتانو يُخبرنا بأنه من إصول عائلة إيطالية مشهورة . وهي تقليدياً ترتبط بإسم الفارس برنتايوس ، والذي كان يسكن في العام 1166 في قلعته الواقعة على ضفاف نهر برنتا ، والتي هي جزء من مقاطعة (أو إمارة) تايرول الإيطالية .
ويبدو إن الإسم برنتا ظهر لأول مرة في العام 1465 ، ومن ثم تحول إلى برنتانو . وفي القرن السابع عشر وإعتماداً على سجلات الحروب ، فإن عائلة برنتانو التي يصعد إليها الفيلسوف الروحي للظاهراتية فرانز برنتانو ، كانت مسجلة في قيودها . ومن ثم غادرت العائلة أراضيها الإيطالية ، وإستقرت في محافظة الراين .
جاءت ولادة الطفل فرانز في مقاطعة مارينبيرك / الراين ، وبالتحديد في 16 كانون الثاني من العام 1838 . وترع في أحضان عائلة ذات ثقافة عالية ، فقد كان والده كاتباً ، وأمه إرنيلا جنجر كانت زاهدة متعففة ، وسيدة عالية الثقافة . كما وأحاطت الطفل فرانز دائرة من أسماء الأقارب اللامعة يومذاك من أمثال أعمامه كل من سافكني وكليمنس برنتانو ، وسوفيا ، ولورشي ، وبيتني فون أرتيما . فمثلاً كان عمه كليمنس وخالته بيتني من كبار الكتاب في مرحلة الرومانتيكية الألمانية . وكان عمر فرانز ثلاثة عشر ربيعاً عندما توفي والده .
ويُلاحظ إن فرانز أظهر منذ بواكير شبابه ميلاً غير إعتيادي نحو الدراسة ، كما وكرس أطرافاً من سنوات شبابه للحياة الدينية ، وهذا جاء نتيجة التربية الدينية التي زرعتها أمه بحُب في برنامجه التعليمي المبكر . وفي الثانوية إتصل بفلاسفة السكولاستيكية (الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى) . وبعد فترة ذهب ليعيش مع عمه سافكي في برلين وليحضر بعض الفصول الدراسية في الجامعة . وخلال حضوره الفصول الدراسية تعرف على البروفسور فردريك أدولف ترندلنبيرك (1802 – 1872) . وفرانز يحترم بتقدير عال
أستاذه الفيلسوف ترندلنبيرك ، فهو الذي عرفه على أرسطو ، وزرع فيه حب وإحترام الفيلسوف اليوناني . وسنلاحظ لاحقاً إن دروس ترندلنبيرك ستوجه برنتانو نحو شواطئ الفلسفة ، وبالتحديد نحو معاني الوجود عند أرسطو (إطروحة برنتانو الأولى للدكتوراه) وعلم النفس عند أرسطو (إطروحة الدكتوراه الثانية للدكتوراه) .
وفي خريف من عام 1856 سجل فرانز برنتانو في كلية الفلسفة في ميونخ ، وأصبح على معرفة بمؤرخ الكنيسة الكبير إكناتيوس دولنكر (1799 – 1890) الذي كان يُعد في ذلك
الوقت واحداً من كبار رجال اللاهوت الأرثذوكس في مرحلة الكاثوليكية الألمانية . ومن ميونخ ذهب برنتانو إلى جامعة توبنكن وهناك حصل على درجة الدكتوراه ، وبالتحديد في 17 تموز من عام 1862 ، وكانت بعنوان حول المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو . وفي العام ذاته نشرها وكانت أول كتاب له ، وأهداه إلى أستاذه ترندلنبيرك .
وتنوعت دروس فرانز برنتانو الأكاديمية وقراءاته التي غطت مساحة واسعة من الميادين المعرفية والتي ستمكنه من تدشين الكتابة في مجالات متنوعة ، فيها الكثير من الريادة والتجديد . فمثلاً درس في كل من جامعة ميونخ وفيرزبيرك وبرلين الرياضيات ، والشعر واللاهوت . كما وإطلع في نهايات المدرسة الثانوية على الفلسفة المدرسية . وأشرنا أعلاه إلى إنه في جامعة برلين درس آرسطو مع ترندلبيرك ، ومن ثم قرأ الفيلسوف الفرنسي أوجست كومت (1798 – 1857) إضافة إلى الفلاسفة التجريبيين الإنكليز ، وخصوصاً جون ستيوارت مل (1806 – 1873) ، والذين تركوا أثاراً كبيرة على كتاباته .
وكان من حصاد التربية الدينية التي زرعت بذورها المبكرة والدة برنتانو ، إن كرس حامل الدكتوراه فرانز في فلسفة أرسطو ، نفسه للعمل الديني الكاثوليكي . وفعلاً بعد إستكمال متطلبات الدكتوراه ، ومن ثم التخرج ، بسنتين أي في عام 1864 أدى فرانز برنتانو اليمين ، ورُسم قساً كاثوليكياً . ولم يؤثر هذا الحال على عمله الأكاديمي ، فقد إستمر في العمل في جامعة فيرزبيرك وأكمل في العام 1867 متطلبات إطروحته للدكتوراه الثانية (الدكتوراه المهنية) وكانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ورغم تحفظات (بل وإعتراضات) العمادة على درجته الدينية (قساً) للعمل الأكاديمي ، فإنه في النهاية (أي في عام 1873) أصبح بروفسوراً كاملاً .
وإذا تصالحت الجامعة مع الكنيسة ، ومن ثم تسامحت مع البروفسور برنتانو وسمحت له بالدراسة ومن ثم التدريس الأكاديمي المستقل عن الكنيسة ونشاطاتها الدينية ، فإن برنتانو بنفسه لم يشعر بالسلام وكان هناك أمراً فكرياً وعقيدياً عميقاً يشغل تفكيره ويُقلقه على الدوام ولم يتمكن من قبوله والتعايش معه . وفعلاً ففد عاش برنتانو خلال هذه الفترة صراعاً حاداً ، وأخذت دراجاته تتزايد ، وخصوصاً مع العقيدة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية والمتعلقة بعقيدة عصمة البابا من الخطأ ، والتي فرضها الفاتيكان في عام 1870 . وهكذا جاء قرار البروفسور برنتانو الشجاع بعد فترة قصيرة من ترقيته في جامعة فيرزبيرك إلى درجة الأستاذية ، والذي تمثل بإنسحابه من أن يكون قساً في الكنيسة الكاثوليكية ، وتنازله عن درجة الأستاذية في جامعة فيرزبيرك . ومع قراره الشجاع تطاير الزائل الدنيوي وبقي اللقب الخالد الذي لا تتقدم على حضرته مسميات أكاديمية يتخفى وراءها جيش من العرضحالجية وأنصاف المتعلمين وقُراء الخيرة وكتاب أدعية السلطة والسلطان ومحققي الأخطاء الإملائية في مخطوطات طوق الحمام … وإبن الروند … وهكذا إنطمرت وضاعت أسماء العرضحالجية وبقي اللقب الخالد يحمله الفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .
ونحسب من النافع أن نُخبر القارئ الكريم بأن برنتانو بدأ بعد إطروحته للدكتوراه الثانية
علم النفس عند آرسطو ، بنشر مؤلفات واسعة وكان هدفه يتطلع إلى إرساء أسس علم النفس . وهذه المؤلفات نشرت بعنوان علم النفس من زاوية تجريبية . وفعلاً فقد حمل المجلد هذا العنوان ، والذي ظهر إلى النور في عام 1874 . ومن ثم جاء المجلد الثاني بعنوان تصنيف الظاهرة العقلية ، والذي نشر عام 1911 ، وتلاه أجزاء من المجلد الثالث ، والذي طبع في عام 1928 وبعنوان الحس والوعي العقلي (ونُشر بعد موته) .
ولعب نشر الجزء الأول من هذه السلسة دوراً في تغيير حياة برنتانو الأكاديمية ، فقد إستلم وظيفة بروفسور في جامعة فينا . وفيها حقق نجاحات فائقة في التعليم الأكاديمي وذاعت شهرته في الأوساط الجامعية والثقافية . إلا إن برنتانو وخلال السنوات العشرة التي قضاها في جامعة فينا تعرض هو ومؤلفاته إلى إنتقادات شديدة . ولذلك توقف من نشر الكتب ، وتحول إلى طبع محاضراته الأكاديمية المتنوعة ، والتي ضمت بين دفتيها موضوعات درست علم الجمال والمعرفة والأخلاق ، فمثلاً في علم الجمال ظهر واحد منها بعنوان الشر موضوعا للصورة الشعرية . ومن ثم نشر كتابه الشهير ، الذي حمل عنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ . وهذا الكتاب عالج فيه برنتانو وجهات نظره حول الأخلاق . ويُعد كتاب إصول معرفة الصحيح والخطأ من كتبه الأولى التي ترجمت إلى الإنكليزية . وفعلاً فقد نشر في عام 1902 . وكان هذه الترجمة مناسبة جداً مهمة في تعريف فرانز برنتانو بالعالم الناطق بالإنكليزية وهو حي يُرزق .
ومن الأحداث المهمة في حياته على الصعيد الشخصي ، ومن الأحداث المؤلمة في الوقت ذاته وسببت له محنة أكاديمية وقانونية مع السلطات النمساوية ، حين قرر برنتانو في عام 1880 وعايدة فون ليبن على الزواج . فكان قراراً واجه تحديات قوانين الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية في ذلك الوقت . فقد كان من سياسات الأمبراطورية عدم السماح لشخص رُسم قسيساً من الزواج . وكان الحاصل من ذلك إن تخلى برنتانو عن جنسيته النمساوية ، ومن ثم تبع ذلك تخليه عن وظيفته الأكاديمية في جامعة فينا . فغادرها وعايدة إلى سكسوني وتزوجا هناك .
وبعد بضعة أشهر عاد إلى فينا ، غير إن السلطات النمساوية لم تسمح له بالعودة إلى موقعه الأكاديمي (بروفسوراً براتب ثابت) ، ولكنه عاد محاضراً (وهي حسب التقاليد الأكاديمية يومذاك يقوم بالتعليم ولكنه يستلم إجوراً على محاضراته) وليس له حق في الإشراف على أطاريح طلبة الدكتوراه . وبعد سنوات من الكفاح لإسترداد وظيفته الأكاديمية ، فإن جهوده لم تثمر وباءت بفشل مطلق . ومن ثم تزامن كل ذلك بفاجعة موت زوجته (وبالتحديد عام 1895) . فقرر برنتانو هجر النمسا وقلبه مملوء بالحسرة والخيبة .
ولعل من ثمار هذه الخيبة من السلطات النمساوية ، إن بدأ ينشر سلسلة مقالات ، ثلاثة منها نشرتها الصحف في فينا ، وبعنوان تمنياتي الأخيرة للنمسا ، والتي ظهرت فيما بعد في كتاب هو أشبه بدفاع عن الذات . وفي هذا الكتاب أوجز برنتانو موقفه الفلسفي ، إضافة إلى مشروعه في علم النفس . كما فيه نقد شديد للموقف القانوني النمساوي من القسان السابقين . وفي عام 1896 إستقر في فلورنسا ، وهناك تزوج مرة ثانية من إيملي ربرشت (وبالتحديد في عام 1897) .
وبالمناسبة إن برنتانو خلال سنواته في فلورنسا عاد إلى نشاطه الإعتيادي في التأليف والنشر . وفعلاً إنه في عام 1907 طبع مجموعة نصوص قصيرة في علم النفس (إضافة إلى المجلد الثاني من علم النفس من زاوية تجريبية) . كما إنه نشر كتابين عن الفيلسوف اليوناني أرسطو ؛ الأول كان بعنوان أرسطو ونظرته إلى العالم . والثاني تفسير لفلسفة أرسطو . وهنا تجددت المناقشات مع البروفسور ومؤرخ الفلسفة أدور زيلر (1814 – 1908) . والحقيقة إن هذه المناقشات الجدلية تصعد إلى فترة مبكرة ، وبالتحديد إلى الستينات من القرن التاسع عشر ، ويومها كان زيلر بروفسوراً للاهوت ومن ثم للفلسفة في جامعة توبنكن ، وإن برنتانو كتب إطروحته للدكتوراه الأولى والمعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو في جامعة توبنكن هذا طرف من الإتصال بين الإثنين . والطرف الثاني إن برنتانو إنتقد زيلر على تفسيره لأرسطو ، وظهر هذا النقد في إطروحة برنتانو الثانية للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ومن ثم تحول الجدل بينهما إلى معركة فكرية حامية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينات من القرن التاسع عشر .
وعندما دخلت إيطاليا الحرب ضد ألمانيا والنمسا خلال الحرب العالمية الأولى ، شعر برنتانو بأنه مواطن لهذه الأقطار الثلاثة ، فإنتقل من فلورنسا إلى سويسرا المحايدة وإستقر فيها ، ومات في زيورخ ، وبالتحديد في 17 أذار من عام 1917 .
الإطروحات الأكاديمية ومؤلفات فرانز برنتانو
صحيح جداً عندما يُذكر إسم الفيلسوف فرانز برنتانو ، يتبادر إلى أذهان الباحثين الأكاديميين كتاباته الرائدة في مضمار فلسفة علم النفس ، وخصوصاً في إدخاله لمفهوم القصدية (ومن خلاله سينتقل إلى تلميذه أدموند هوسرل …) وإلى الفلسفة المعاصرة . كما وتستذكره دوائر التفكير الفلسفي بمساهماته المهمة المتنوعة في ميادين مثل الأخلاق ، الإنطولوجيا ، المنطق ، تاريخ الفلسفة ، وكذلك في اللاهوت الفلسفي . ومن النافع أن نذكر هنا ، حقيقة مهمة لفت تفكير برنتانو بمجمله ، وهي إنه تأثر بقوة بأرسطو والسكولائية (والشاهد على ذلك إطروحتيه للدكتوراه الأولى والثانية) . وهو يعترف بأنه تأثر بالحركة الوضعية والتجريبية في بواكير القرن التاسع عشر .
ولاحظ الأكاديميون الغربيون إن مكانة برنتانو في تاريخ الفلسفة الغربية (وبالطبع علم النفس) ، تكمن في إنه دشن إستخدام مناهج وطرق بحث متنوعة . فمثلاً إنه إعتمد على منهج الإستبطان في وصف الوعي (الشعور) ومن وجهة نظر الشخص الأول من ناحية . ومن ناحية أخرى تطلع إلى إستخدام إسلوب بحث فعال للفلسفة ، ولذلك دعا إلى أن تسخدم الفلسفة طرائق بحث دقيقة مثل الطرق التي تستخدمها العلوم . كما يُنظر إلى برنتانو إلى إنه الأب الروحي (الرائد) للحركتين الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية .
ويشهدُ تلاميذه الذين كونوا ما يُعرف في تاريخ الفلسفة الغربية بمدرسة برنتانو ، على إنه كان معلماً جذاباً (كرازما) يمتلك مهارات عالية في التدريس والحوار . وفعلاً فقد ترك أثاراً قوية على أعمال كل من أدموند هوسرل ، أليكس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، كازمير تاوردسكي ، كارل ستامبف وإنطون مارتي وأخرون ، والذين لعبوا دوراً فعالاً في تطور الفكر الفلسفي في قلب القارة الأوربية في بواكير القرن العشرين .
أولاً – حول المعاني المتعددة للوجود عند آرسطو (1862) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1975 ، وهي إطروحة الدكتوراه الأولى . وقد قرأها فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر في مراحل أكاديمية مختلفة ، وإستفاد منها في تأليف كتابه الإنجيلي الوجود والزمن .
ثانياً – علم النفس عند آرسطو (1867) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1978 . ومن المفيد الإشارة إلى إن الكانطي الجديد ويندلباند قد ألف في علم النفس ، ومن ثم أشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام .
ثالثاً – علم النفس من وجهة نظر تجريبية (1874) . والذي ترجمته لندا ماكلستر إلى الإنكليزية . وأصبح معلوم للقارئ إن إطروحتي ياسبرز الأولى الهومسك والجريمة والثانية علم النفس المرضي العام ، يدوران في هذا المضمار . إضافة إلى إن كتابه الثالث (أي ياسبرز) كان بعنوان سايكولوجيا النظر إلى العالم ، هو الأخر يندرج في هذا المضمار . ولا تنسى بأن برنتانو هو الأب الروحي للفينومنولوجيا . وإن أستاذ ياسبرز في مضمار الفينومنولوجيا ، هو أدموند هوسرل الذي كان تلميذاً للفيلسوف فرانز برنتانو . وإن أدموند هوسرل قد حاضر في علم نفس الفينومنولوجيا ، وأصدرها بكتاب يحمل عنوان ” محاضرات في علم نفس الفينومنولوجيا ” . وإن ياسبرز كتب تحليلاته في إطروحته الثانية ونشرها في مجلة الزايمر بعنوان ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” .
رابعاً – إفلوطين (أو ضد إفلوطين) (1876) . وينظر الأكاديميون الغربيون إلى هذه المقالة الرسالة التي كتبها برنتانو ، إلى إن فيها هجوم على إفلوطين ورد فكره إلى إصول شرقية ، وخصوصاً الأبونشياد الهندية . ونحسب على خلاف الأكاديميين الغربيين إن في آراء برنتانو الكثير من الصحة والحقيقة ، إذا ما تذكرنا بأن إفلوطين كان طامحاً جداَ بزيارة بابل وإيران والهند وذلك للإطلاع على الفكر الفلسفي الشرقي (البابلي الكلداني ، والإيراني الزرادشتي ، والهندي المتمثل بفلسفة الهنود العراة ..) . وفعلاً فقد إلتحق إفلوطين في مصر بحملة عسكرية يونانية متجهة نحو بلاد فارس ، ولكن الحملة العسكرية فشلت فشلاً ذريعاً ، ففر بجلده .
خامساً – إصول المعرفة بالصحيح والخطأ (1889) أو كما ترجمه إلى الإنكليزية سيسل هوكو وبعنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ ، والتي صدرت في العام 1902 .
سادساً – أرسطو ونظرته إلى العالم (1911) وترجمه إلى الإنكليزية كل من أر . جورج & أر . أم . كيسولم (1978) .
سابعاً – تصنيف الظاهرة العقلية (1911) .
ثامناً – الصدق والدليل ، وترجمه إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم وأيس بوليتزر وكورت فيشر عام 1966 . وضم الجزء الأول من الكتاب في نشرته الإنكليزية ، محاضرة في غاية الأهمية ، قدمها فرانز برنتانو إلى الجمعية الفلسفية في فينا (في 27 آذار 1889) وكانت بعنوان مفهوم الصدق . وإحتوى الكتاب على مراسلات بين الأستاذ برنتانو والتلميذ أدموند هوسرل والذي عبرت من خلاله الفينومنولوجيا إلى تلميذه كارل ياسبرز . كما وفي الكتاب نقد وجهه برنتانو إلى الكانطي الجديد ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية ، والتي نشر عنها الأخير مقالة حملت خلاصة تحليلاته النفسية في مجلة الزايمر ، والتي كانت بعنوان مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية .
تاسعاً – البحث الفلسفي في المكان ، الزمان والظاهرة ، وترجمه إلى الإنكليزية بري سميث عام 1988 .
عاشراً – علم النفس الوصفي ، وترجمه إلى الإنكليزية بنيتو ميلر عام 1995 .
أحد عشر – أسس وبنية الأخلاق ، وترجمته إليزابيث سكينوند عام 1973 .
إثنا عشر – الأوجه الأربعة للفلسفة ووضعها الحالي ، وقام بتحقيقه والإشراف على نشره كل من ب . ميزي وبري سميث ، ونشر في العام 1998 .
ثلاثة عشر – حول وجود الله ، وقامت بترجمته إلى الإنكليزية سوزان كرانتز ، ونشر عام 1987 .
أربعة عشر – الحس والوعي العقلي ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية أم . شتل وأل . ماكلستر ، وتم نشره في العام 1981 .
خمسة عشر – نظرية المقولات ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم ونوربرت كوترمان ، ونشر عام 1981 . ونحسب إن هذا الكتاب الذي كتبه فرانز برنتانو قد لفت أنظار مارتن هيدجر ، وربما حفزه على إختيار عنوان إطروحته الثانية في مضمار نظرية المقولات إلا إنه إختار المنطقي في العصور الوسطى دنس سكوتس ، فكانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس وقد بينا حينها الإشكال في إطروحة هيدجر ونبهنا إليه. وكان المشرف على هيدجر الفيلسوف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، وهو زميل هوسرل ، ومن ثم زميل كارل ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، كما كان هنريخ وكارل ياسبرز يحضران سوية في مساء الأحد حلقة عائلة عالم الإجتماع ماكس فايبر ، وهنريخ هو الذي قاد الكانطيين الجدد ، في حملته على إزاحة كارل ياسبرز من رئاسة كلية الفلسفة ، ولكنهم فشلوا بعد نشر ياسبرز لثلاثيته في الفلسفة وهي قصة رددناها في أكثر من مقام .
ومن ثم جاءت طبعات جديدة عديدة لكتابه : علم النفس من زاوية تجريبية ، خذ مثلاً الطبعة الألمانية وللفترة ما بين 1924 و1928 والتي ظهرت في ثلاث مجلدات وبإشراف أوسكار كراوس ، ومن ثم جاءت النشرة الألمانية لعام 2008 ، والتي كانت بإشراف مارو أنتونيل هيوستام .
ولاحظنا بأن إثنين من طلاب الفيلسوف الأستاذ برنتانو من تحمل مسؤلية نشر مؤلفات الأستاذ بعد موته . وفعلاً فإن برنتانو ترك بعد موته عدداً كبيراً من المخطوطات غير المنشورة ، والتي تغطي مساحة واسعة من موضوعات الفلسفة . ومن ثم قام كل من الفريد كاسيتل (1874 – 1950) وأوسكار كراوس (1872 – 1942 وهو فيلسوف جيكي وقابل برنتانو عام 1893) . وهما من تلاميذ إنطون مارتي في جامعة براغ . والحقيقة إنهما (أي كاستيل وكراوس) إستهلا عملهما بنشر محاضرات برنتانو ، ومن ثم نشرا ملاحظاته والرسائل الذي تبادلها مع طلابه وفلاسفة أخرون (منا : وبالمناسبة إن هناك رسائل تبادلها مع تلميذه هوسرل) .
وكان هدف كاستيل وكراوس العمل على تقديم مخطوطات برنتانو في أحسن صورة لها . ولهذا قاما بترتيب نصوصه ، وضم بعضها إلى بعض وذلك إعتقاداً من إنهما يُشكلان أطرافاً من موضوع واحد . وكانا يتطلعان إلى تقديم نشرة كاملة لأعماله . ولكن مثل هذا العمل لا زال تحت النشر ، ولم يكتمل لحد الآن .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(7)
مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي
الدكتور محمد جلوب الفرحان
بداية البحث في مدرسة برنتانو الفلسفية ، إشارة إلى إن برنتانو كان فيلسوفاً أستاذاً ، وقد تحلق حوله مجموعة متميزة من الطلاب ، والذين كونوا معه مدرسة فلسفية ، عُرفت فيما بعد بإسم مدرسة برنتانو الفلسفية هذا طرف . أما الطرف الثاني فإنه كان حسب وصف طلابه على الإجماع ” كان معلماً كرازمياً غير إعتيادي ” فخلال حياته الأكاديمية قد ترك أثاراً عميقة على تفكير عدد من طلابه ، الذين أصبحوا فيما بعد فلاسفة وعلماء نفس وهم بدورهم أنشأوا مدارسهم الخاصة وتحلق حولهم عدد من الطلاب الحواريون . ولعل من النافع أن نقدم جرداً بأسماء اللامعين من طلاب برنتانو وأعضاء مدرسته . فقد كان من بينهم كل من أدموند هوسرل ، أليكسس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، إنطون مارتي ، كارل ساتمبف ، كازمير توردسكي ، وحتى سيجموند فرويد .
ونحسب إن الحديث عن حكاية مدرسة برنتانو لا تنتهي عند هذه الحدود ، بل تتعدى ذلك حيث الجامعات والعمل الأكاديمي . ففعل تُخبرنا الحكاية بأن عدداً من طلابه تحولوا إلى أساتذم متميزون في العدديد من الأكاديميات المنتشرة عبر الحدود الجغرافية للإمبراطورية النمساوية الهنغارية . فمثلاً مارتي وإهرنفيلز كانا أستاذين في جامعة براغ ، وميننك كان أستاذاً في جامعة كراز (منا : وهي ثاني أكبر مدينة نمساوية (بالطبع أكبر مدينة هي فينا) ، وتُعرف بجامعة كارل فرنسين كذلك) ، وتوردسكي في جامعة لفيف (منا : لفيف هي العاصمة التاريخية لمنطقة غاليسيا / جيكسلوفكيا) .
ولهذا الحضور الأكاديمي الواسع لطلاب برنتانو ، إن تحولت البرنتانونزم (نسبة إلى برنتانو) إلى موجة فلسفية – نفسية (ومنهجية فينومنولوجية) عارمة عمت كل زوايا الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية . وتعززت هذه الموجة في جيكسلوفاكيا ، وذلك عندما أصبح واحد من طلاب برنتانو ، وهو توماس ماسريك ، المؤسس وأول رئيس لجمهورية جيكسلوفاكيا (وبالتحديد للفترة من 1918 وحتى 1934) . وفعلاً فقد عمل توماس على إنشاء خلايا علمية وحلقات بحث لدراسة فلسفة برنتانو . إن كل هذه العوامل ، تقدم للدارس فهماً شاملاً للتطور الذي مرت به فلسفة برنتانو ، وخصوصاً في قلب القارة الأوربية ، والذي أصبح يُطلق عليه إصطلاح الفلسفة الكلاسيكية النمساوية .
لقد كان المعلم الفيلسوف برنتانو فعلاً يؤكد بإلحاح على تعليم طلابه طريقة التفكير النقدي وتمكينهم من تداول إسلوب علمي ، يرفض الإنحياز والتعصب الأعمى . وبالمقابل إحترام وجهات نظر جميع المدارس والتقاليد الفلسفية . فكان الحاصل من طريقة تعليم التفكير النقدي ، إن بدأ طلاب برنتانو بمراجعة تفكير إستاذهم ، وتوجيه نقد لعقائده الفلسفية ، ومن ثم قاموا بتحويرها لتتوائم وتوجهاتهم الفلسفية . إلا إن المفارقة التاريخية كشفت عن ضيق أفق صاحب التفكير النقدي ، فكان رد فعله سلبياً (فيه الكثير من السخط والإنفعال) ، ولم يقبل هذا النقد ، ورد عليهم بمرارة ، حتى وصلت إلى رفضه اللقاء بهم ومناقشة إنتقاداتهم . والنتيجة إن أخذ الفيلسوف فرانز برنتانو بالإنسحاب إلى دائرة الظل ، في حين تسارعت خُطى طلابه إلى الصفوف الأمامية ، وهم يسعون إلى تطوير نمط جديد من الفلسفة البرنتانوية .
صحيح إن مدرسة برنتانو ليست بمدرسة كلاسيكية (تقليدية) بالمعنى الحرفي . غير إن برنتانو سعى بكل جهوده للمحافظة على شكل من أشكال الإنسجام في المدرسة . إلا إن هذا الإنسجام كان أمنية المعلم برنتانو . وفعلاً فإن إثنين من حواريه المشاهير ، وهما أليكسس ميننك وأدموند هوسرل ، قد ذهبا في تفسير نظريات المعلم بإتجاه راديكالي ، فيه الكثير من التطرف ، والخروج على المسار الذي حدده المعلم برنتانو لها . وهنا نقدم خارطة تتوزع في داخلها كل مكونات مدرسة برنتانو وممثليها (وهم بالطبع طلابه وحوارييه) وبالصورة الآتية :
أولاً – كارل ستامبف (1848 – 1939) وأصبح رئيس مدرسة برلين لعلم النفس التجريبي .
ثانياً – أدموند هوسرل
ثالثاً – أليكسس ميننك / رئيس مدرسة كراز
رابعاً – كريستين فون أهرينفلز
خامساً – كازميرز تافردسكي (1866 – 1939) وهو الأب الروحي والمؤسس لمدرسة وارشو المنطقية
سادساً – إنطون مارتي (1847 – 1914) والذي يرتبط بمدرسة براغ
سابعاً – سيجموند فرويد (1856 – 1939) مؤسس مدرسة التحليل النفسي
ثامناً – ومن طلاب برنتانو ، كل من ألويس هوفلر (1853 – 1922) ، وبينو كيري (1858 – 1889) ، وتوماس ماسريك (1850 – 1937) وهو أول رئيس لجيكسلوفلكيا ، ورودلف شتاينر (1861 – 1925) .
فيلسوف الفينومنولوجيا كارل ستامبف
يصفُ الفيلسوف البراجماتي الأمريكي وعالم النفس وليم جيمس (1842 – 1910) صديقه فيلسوف الفينومنولوجيا وعالم النفس التجريبي الألماني كارل ستامبف ، في كتابه (أي كتاب جيمس) المعنون مبادئ علم النفس ، بالعبارات القائلة ” كان ستامبف الأكثر عُمقاً فلسفياً من بين جميع الكتاب ، وأنا مدين له بالكثير ” . كما إن أهمية الفيلسوف كارل ستامبف تكمن في إنه إرتبط تاريخياً بحركة الفينومنولوجيا ، وبالتحديد منذ بواكير القرن العشرين ، وذلك من خلال كونه الأستاذ المشرف على إطروحة الدكتوراه الثانية لتلميذه وصديقه إدموند هوسرل عام 1887 . ومن المعروف لدينا إن بحث هوسرل الإنجيلي ، كان كتابه المعنون أبحاث منطقية ، والذي أهداه إلى أستاذه المشرف ستامبف ، وذلك إعترافاً منه بصداقته وبمساهمة الأستاذ ستامبف في هذا الكتاب .
ويُعد كارل ستامبف واحداً من حواريي الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، غير إنه لم يقف عند حضرة فلسفة المعلم برنتانو ، وإنما قام بإنجاز مشروع فلسفي تجاوز مناطق فلسفة المعلم ، وتطلع إلى تكوين نظامه الفلسفي الخاص ، وذلك من خلال عملية مزج لفلسفة المعلم برنتانو بفلسفة ومنطق هرمان لوتزه . وهو فوق هذا وذاك مؤسس مدرسة برلين للفينومنولوجيا وعلم النفس التجريبي ، والتي كانت الحضن الدافئ الذي تولد فيه علم نفس الجشطالت . وإنه بنظر جميع الأكاديميين ، هو الرائد في مضماري علم الموسيقى المعاصرة وعلم موسيقى الشعوب . وفعلاً فقد درس ستامبف إصول المعرفة الإنسانية ، وترك سجلات فريدة في هذا المضمار . ولعل الشاهد على ذلك كتابه المعنون إصول الموسيقى ، الذي صدر في عام 1911 .
صحيح إن أدموند هوسرل هو واحد من تلاميذ برنتانو ، كما إن الأخير ومن خلال محاضراته في جامعة فينا هو الذي عرف هوسرل على تراث الفيلسوف بولزانو . ولكن من الصحيح جداً إن برنتانو هو الأب الروحي للفينومنولوجيا ، وإن هوسرل هو الذي أعاد تأسيس الفينومنولوجيا . وفعلاً فإن هوسرل أسس مدرسته في الفينومنولوجيا أو الأدق حركة الفينومنولوجيا ، والتي تمثلت في تيارين كبيرين :
الأول – فينومنولوجيا ميونخ : وهو تجمع فلسفي متنوع ضم فلاسفة وعلماء نفس وفينومنولوجيين ، وجميعهم درسوا وعملوا في جامعة ميونخ ، وبالتحديد في بداية القرن العشرين . فمن الملاحظ إنه ما إن نشر أدموند هوسرل رائعته المعنونة أبحاث منطقية حتى وبدأت معها موجة فلسفية منهجية (وتضمنت أبستمولوجيا ومباحث في الجمال) وعرفت هذه الموجة بالحركة الفينومنولوجية ، كما وتندرج وجهات نظر أصحاب هذه الحركة تحت عنوان جوهر الفينومنولوجيا . وقد رفعت هذه الحركة شعار العودة إلى الحدس الذي درسه هوسرل في أبحاثه المنطقية . وضمت كل من جوهانز ديوبرت (1877 – 1947) ، أدولف رينيخ (1883 – 1917) ، إليكسندر بافندر (1870 – 1941) ومورتيز كيجر (1880 – 1937) .
الثاني – فينومنولوجيا الوجودية : وهو تيار فلسفي بدأ بالفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، وبالتحديد مع نشرة رائعته الناقصة الوجود والزمن ، والتي ظهرت إلى النور في العام 1927 . وهيدجر تأثر بكتابة هذا العمل بكل من فرانز برنتانو وفينومنولوجياته الرائدة وخصوصاً إطروحته للدكتوراه الأولى المعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو ، وكتابات الرائد الوجودي سورين كيركيجارد وفينومنولوجيا أدموند هوسرل .
ومن النافع الإشارة إلى إن هناك إختلاف بين الأستاذ هوسرل وتلميذه هيدجر ، فهيدجر قدم الإنطولوجيا على الأبستمولوجيا ، وإعتقد إنه يجب على الفينومنولوجيا أن تنهض على الملاحظة وتحليل الوجود (أي الوجود – هناك) ، الوجود الإنساني والبحث في الإنطولوجيا الأساسية . وإضافة إلى هيدجر فقد ضمت قائمة الفلاسفة فينومنولوجيا الوجودية كل من الفيلسوفة حانا أرنديت (1906 – 1975) (وهي تلميذة كل من هوسرل ، وفيلسوفا الوجودية ؛ هيدجر وكارل ياسبرز) ، وعمانوئيل ليفينس (1906 – 1995) والذي درس تحت إشراف هوسرل ولكنه تحمس لهيدجر وخصوصاً وجوديته في الوجود الزمن ،
وجبريل مارسيل (1889 – 1973) وجان بول سارتر (1905 – 1980) وموريس ميرلو بونتي (1908 – 1961) .
ثم نشأت حركة فلسفية في أمريكا تابعت خُطى الفينومنولوجيا الوجودية ، ولكنها نزعت منزعاً مسيحياً (والأدق كتب لاهوتاً فينومنولوجياً وجودياً مسيحياً) . ومثلها رجل اللاهوت كريك بالو (1968 – معاصر) ، وهو أمريكي من إصول إيطالية ، وقد قام بصياغة عنوان لهده الحركة الفينومنولوجية ، وهو الفينومنولوجيا الأوغسطينية . ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن هذا الموضوع له جذور في كتاب هيدجر الوجود والزمن ، وفي إطروحة حانا أرنديت للدكتوراه والمعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين والتي أشرف عليها الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز .
وبالمناسبة إن الحديث عن الفينومنولوجيا الوجودية ، يتططلب منا أن نذكر بأن الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز كان أسبق من مارتن هيدجر في تطبيق الفينومنولوجيا الهوسرلية (نسبة إلى هوسرل) . فقد نشر خلاصة تحليلاته الفينومنولوجية على الأمراض النفسية (وهي خلاصة إطروحته للدكتوراه الثانية) في مجلة الزايمر وبعنوان مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية في العام 1912 ، أي قبل أن ينشر هيدجر رائعته الوجود والزمن بما يقارب العقد والنصف من السنين .
أما أليكسس ميننك (1853 – 1920) فله أهمية في البيئتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين اللتان نشأ فيهما كارل ياسبرز . فإضافة إلى كون ميننك أحد طلاب فرانز برنتانو الأب الروحي للفينومنولوجيا وأحد أعضاء مدرسته الفلسفية ، فهو مهم من الزاوية الأكاديمية الأكاديمية ، وذلك لكونه كتب إطروحتين للدكتوراه ؛ الأولى كان فيها فرانز برنتانو ممتحناً . والثانية كان فيها مشرفاً . كما إن أليكسس فيلسوف نمساوي ، إشتهر بواقعيته خصوصاً في مضمار إنطولوجياته . وكان للفترة ما بين 1875 و1878 رئيس مدرسة كراز / فينا . كما له مساهمات في فلسفة العقل ونظرية القيم .
لقد جاء ميننك إلى فينا طالباً على نفقته الخاصة وعمره لم يتجاوز العشرة سنوات ، ومن ثم بدأ دراسته في الجيمنزيم (الثانوية) في فينا . وخلال الفترة ما بين 1868 – 1870 تحول إلى طالباً رسمياً وذلك بعد حصوله على درجات عالية . وفي جامعة فينا حضر فصلين دراسين في الفلسفة مع فرانز برنتانو كما ودرس في فصول عدة الإقتصاد مع كارل منيجر . وفي العام 1874 حصل ميننك على دكتوراه فلسفة في التاريخ وفي علم فقه (الفيللوجيا) اللغة الألمانية (وهو إختاص مزدوج) . والحقيقة هي إطروحة الدكتوراه الأولى والتي كانت بعنوان تاريخ أورلوند البريشي (نسبة إلى بريشا) (1090 – 1155) وكان فرانز برنتانو واحداً من الممتحنين .
وفي العام 1875 حضر ميننك أربعة فصول دراسية في مواد فلسفية متنوعة مع البروفسور برنتانو ، ومن ثم في عام 1878 كتب أليكسس ميننك إطروحته الثانية للدكتوراه في جامعة فينا ، والتي كانت تحت إشراف البروفسور برنتانو ، وكانت بعنوان دراسات هيوم ( الفيلسوف التجريبي البريطاني) . وبعدها أصبح محاضراً في فينا ، ومن ثم حصل على درجة بروفسور في جامعة كراز .
ومن ثم أصبح رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة كراز ، كما وأسس في العام 1894 المعهد النفسي في كراز . وأنشأ مدرسة كراز لعلم النفس التجريبي . وكان أليكسس المشرف على إطروحة كريستين فون إهرنفيلز للدكتوراه . وبالمناسبة إن إهرنفيلز هو المؤسس لعلم نفس الجشتالت . وكذلك أشرف أليكسس على مجموعة من أطاريح الدكتوراه للتأهيل للتدريس الجامعي (وتعرف بإطروحة الدكتوراه الثانية) . منها إطروحة الدكتوراه الثانية التي كتبها الويس هوفلر وإنطوان أولزلت . وترك أليكسس تأثيراً تتحدث عنه كتابات الأكاديميين الغربيين على كل من ستيفن وتسيك (1870 – 1915) والويس هوفلر (1853 – 1922) وفيتوريو بينسي (1878 – 1927) وبرتراند رسل (1878 – 1972) .
تأمل في مؤلفات أليكسس ميننك
توفي الفيلسوف ميننك في العام 1920 وهو العام الذي إستلم فيه الفيلسوف الوجودي (وممكن الحديث عن كارل ياسبرز فيلسوفاً من مدرسة الفينومنولوجيا لفرانز برنتانو وأدموند هوسرل) رئاسة كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ؛ ما هي أهمية كل ذلك على تفكير ياسبرز الفلسفي والسايكولوجي عامة ، وعلى كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة خاصة ؟ الحقيقة في طرف من الإجابة عن هذا السؤال ، الحديث عن مؤلفات أليكسس ، ونحسب إن هذا الحديث له طعم خاص ، وذلك من جهة إن كارل ياسبرز سيُشارك الفيلسوف ميننك بالإهتمام بموضوعات نفسية أولاً ، ومن ثم فلسفية ثانياً ، وهي الموضوعات ذاتها التي تداولتها مؤلفات أليكسس ميننك . والبداية مقدمة نتحدث فيها عن علمانية ميننك ، والتي نظن إن لها صدى سيتردد في تفكير ياسبرز عامة ، وتشعر به وأنت تقرأ صفحات ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .
لقد نشأ أليكسس ميننك في أحضان عائلة كاثوليكية (شأنه شأن مارتن هيدجر ، وحاله حال كارل ياسبرز والفارق إن ياسبرز كان بروتستانتياً وهذا له أهمية في مضمار عملية التدوين النقدي للدين أي نقد الكاثوليكية …) ، ولكن ميننك بدأ في وقت مبكر ، وهو على مقاعد الدراسة الجامعية ، يُراجع العقيدة الكاثوليكية (وهذا الأمر سيتجدد فيما بعد لهيدجر وعقيدته الكاثوليكية) ، ويُثير الكثير من الأسئلة حول تكوينها العقيدي . وفعلاً بدأت يتخذ بعض المواقف النقدية منها . ومن ثم إختار شيئاً فشيئاً الإبتعاد عن الكنيسة الكاثوليكية . ولعل الشاهد على إطروحته الأولى للدكتوراه . فقد إختار موضوعاً لها ، شخصية وتفكير وأعمال الناقد والمتمرد (بل الثائر) الشهيد أرنولد البريشي (نسبة إلى مدينة بريشا) . هذا طرف من علمانية ميننك ، والذي سيحمله إلى ترك مضمار التاريخ والتحول إلى رحاب الفلسفة الواسع والتفكير النقدي …
أما الطرف الأخر من علمانية ميننك ، فيتمثل في مناصرته للدعوة القائلة ؛ بالفصل بين الديني والعلماني وفكرة المساواة السياسية في جميع المجالات . كما وتمثلت علمانيته في النقد الذي وجهه للتربية والتعليم الدينيين في النمسا (التعليم الثانوي) . وبين بصورة واضحة إن هذا النمط من التربية والتعليم غير ملائمين (أصبحا من الذمة التاريخية) . وأكد في نقده بأن في هذا الشكل من التربية والتعليم ، حجر على حريات الرأي . وإقترح بأنه من اللازم على المؤرخين (وليس رجال الدين) أن يتولوا عملية تعليم تاريخ تطور الأديان ، وبطرق متنوعة بحيث تلبي الحاجات الدينية للطلاب . بعد هذا الحديث عن علمانية الفيلسوف ميننك ، نتحول إلى مضمار مؤلفاته :
1 – كتب الفيلسوف أليكسس ميننك مقالاته المبكرة ، بعد إطروحته الأولى للدكتوراه في مضمار الفلسفة وليس في مضمار التاريخ (إختصاصه الأول وإن ظل مرتبطاً بصورة عضوية في إختصاصه الثاني ، وهو الفيللوجيا وذلك من خلال البحث الفلسفي الذي إختاره مسارأ مهنياً ومنهج حياة وتفكير ..) . وفعلاً فقد كتب مقالتين بعنوان دراسات هيوم (الفيلسوف التجربية البريطاني) . وكان الجزء الأول منها ، هي إطروحته للدكتوراه الثانية (1877) . أما الجزء الثاني فقد ظهر بعد خمسة سنوات وبعنوان دراسات هيوم : نظرية العلاقات (1882) . ومن الملاحظ إن ميننك قد كتب هاتين المقالتين تحت تأثير إستاذه المشرف الفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو . وفي كلتا المقالتين ، أظهر ميننك ميلاً نحو التجريبية البريطانية . وبالمقابل إبتعد عن الكانطية والمثالية الألمانية . والحقيقة إن هذا الميل نحو التجريبية يتوائم ونظرية ميننك في الموضوع . ولاحظنا خلال قراءتنا لثلاثية كارل ياسبرز في الفلسفة ، إن هناك صدى لأطراف من نظرية الموضوع التي صاغها الفيلسوف الفينومنولوجي أليكسس ميننك في عناوين وبعض نصوص ياسبرز .
2 – أما كتاب الفيلسوف ميننك الأول ، فقد كان بعنوان حول العلم الفلسفي وطبيعة دراسته (1885) والذي رأى النور بعد ثلاثة سنوات من نشره للجزء الثاني من رائعته دراسات هيوم . والواقع إن كتاب حول العلم الفلسفي … ، هو كتاب نقدي للتعليمات التي أصدرتها وزارة الثقافة ، والتي من خلالها قطعت ساعات تعليم الدراسات الفلسفية في التعليم الثانوي ، والتي شملت علم النفس ، وعلم المنطق والفلسفة . وهذا الكتاب حسب رأي الأستاذ جوهان بريك ، ما هو إلا مقالة كتبها الفيلسوف ميننك ليعرض فيها وجهات نظره حول الفلسفة وعلم النفس . أما فيما يخص الفلسفة ( منا : وهي مسألة في غاية الأهمية في تاريخ الفلسفتين الألمانية والنمساوية عامة ، والبيئة الثقافية والأكاديمية التي نشأ فيها كارل ياسبرز ، وتطور فيها فكره الفلسفي العلمي .) فقد تطلع ميننك إلى تأسيسها على قواعد علمية ، بدلاً من أن تكون نوعاً من التأمل . وفيما يتعلق بعلم النفس ، فإن ميننك نظر إليه مضمار أساس وفرع من الفلسفة (وهذا النهج الذي يحافظ على إرتباط علم النفس في رحم البحث الفلسفي ، هو ما سعينا إلى إرسائه في قسم العلوم التربوية والنفسية في بداية الثمانينيات من القرن العشرين أمام موجة ساذجة يقودها زملاء يتطلعون إلى إمكانية إخراج علم النفس من أحضان الفلسفة الدافئ إلى مضمار العلوم التجريبية … ومثلما فشل ماركس فشلاً ذريعاً في تحويل الماركسية إلى علم وقال ببؤس الفلسفة . فكان الحاصل بؤس الماركسية علماً وظلت رغم مزاعم ماركس واحداً ولا يوجد لها على الإطلاق قسم في كليات العلوم. فقد فشل زملاء الثمانينيات في دعوته البائسة في تحويل علم النفس إلى علم لا فلسفة له) .
وعلى أساس هذا التوجه (أي تأسيس الفلسفة على قواعد علمية وإبقاء علم النفس فرع أساس من الفلسفة) ذهب إلى إن تعليم علم النفس والفلسفة لا يمكن أن يكون محاولة تعرض نتائج نهائية ونظريات مقبولة . وعلى خلاف ذلك ، فإن الفيلسوف ميننك رأى إن تعليم علم النفس والفلسفة ينبغي أن ينهض على تجارب والإنخراط في مناقشات . وهذا التوجه قاد ميننك في النهاية إلى إقتراح مؤسسات لكل من المختبر السايكولوجي والسيمنار الفلسفي ، والتي تمثلت في معاهد أكاديمية في جامعة كراز . ومن طرف الفيلسوف الأكاديمي ميننك ، فقد عمل بجد على توفير الوقت الكافي لمناقشة الموضوعات الفلسفية مع الكلبة والأصدقاء والزملاء .
3 – ومن ثم جاء كتاب أليكسس ميننك المعنون البحث النفسي والإخلاقي في نظرية القيمة (1894) . والواقع إن الفيلسوف ميننك قد ناقش في هذا الكتاب نظريات القيمة الإقتصادية الذاتية ، والتي ترتبط بشخصية إثنين من الإقتصاديين النمساويين ، وهما كل من كارل مينجر (1840 – 1921 وهو مؤسس المدرسة النمساوية للإقتصاد) وفريدريك فون فيزر (1851 – 1926 وهو من الجيل الأول من المدرسة النمساوية للإقتصاد) . ولم يكتف ميننك بمناقشة نظرياتهما ، وإنما تبنى نهجهما الذاتي ، ومن ثم قام بتحويره ، ووسعه بحيث يعالج موضوع القيم بصورة عامة ، وبذلك تخطى ميننك مضمار القيم الإقتصادية وصعد إلى طوابق القيم العالية .
ومن ثم في العام ذاته (أي عام 1894) طور ميننك وبتفاصيل واسعة فكرته القائلة : بأن الأخلاق هي التي تقرر (وبالطبع تميز بين) ما له قيمة ، وما ليس له قيمة . ومن ثم كتب بحثه الصغير في عام 1895 والمعنون حول الإتجاهات القيمية والقيمة . ولاحظ الباحثون الأكاديميون إن في أعمال ميننك الأخرى من مثل العرض الإنفعالي (1917) وأعمال متأخرة أخرى قد عالج فيها أطراف متنوعة من نظرية القيمة . إلا إن ما وجده الباحثون ، هو تحول ميننك إلى معاقل النظرة الموضوعية . وعلى هذا الأساس يمكن فهم دواعي ربط ميننك بين التحليل السايكولوجي للقيم ونظريته في الموضوعات . كما ويمكن النظر إلى القيم والمعايير كأنواع خاصة للموضوعات . وبالطبع هذا لا يشمل القيم الشخصية فقط ، وإنما يضم القيم الموضوعية (خاصة قيم العلاقات مع الأخرين) .
4 – توزعت أبحاث ميننك (على الأقل في الفترة الممتدة من عام 1891 ونزولاً حتى وفاته وخلال أبحاث طلابه التي صدرت في تكريمه وهو حي يرزق ) في طرفين ؛ الفلسفة وعلم النفس أو بدقة الإنطولوجيا والظاهرة النفسية (وكلاهما كونا ركنين أساسيين من مدرسته الفينومنولوجيا التي نزلت إليه من أستاذه فرانز برنتانو الأب الروحي لحركة الفينومنولوجيا) .
فمثلاً في العام 1891 نشر بحثه ميننك المعنون في علم نفس العُقد والعلاقات . ومن ثم نشر بحثه في علم النفس والفيزيولوجيا ، والذي كان بعنوان حول أهمية قانون فايبر : مساهمات في علم نفس المقارنة والقياس (للتعريف بالطبيب الألماني إرنست هنريخ فايبر وقانونه الهامش رقم 304) ، والذي نشرته مجلة علم نفس وفيزيولوجيا الأعضاء الحسية .
وصدر له في العام 1899 بحثه المعنون حول موضوعات النظام الأعلى وعلاقتها بالإدراك الداخلي ، والذي نشرته له مجلة علم النفس والفيزيولوجيا . ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن أعمال ميننك السايكولوجية قد إهتمت بصورة غير إعتيادية بمنهجية علم النفس ، والتي أطلق عليها الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، إصطلاح علم النفس الوصفي ، وهي في الحقيقة نوع من التصنيف أو الجرد للمكونات العقلية ، من مثل : الأساس التجريبي ، النظرية السببية للحادثة العقلية (والسايكولوجية) . وقد كتبها تحت تأثير كتابات تاوردسكي (1894) ولكن بطريقية نقدية . وهنا تجدر الإشارة إلى إن ميننك قد ربط في بحثه حول موضوعات النظام الأعلى … بين الموضوعات النفسية الوصفية والموضوعات الأبستمولوجية والإنطولوجية .
ومن ثم جاء الكتاب المعنون أبحاث في نظرية الموضوعات وعلم النفس ، والذي صدر في عام 1904 ، وكان من منشورات مدرسة كراز لنظرية الموضوع وعلم النفس التجريبي ، وتلته مساهمة قام بها تلاميذ ميننك ، وبعنوان عشر مساهمات فلسفية ونفسية لتلاميذ ميننك ، وقام بمراجعتها الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ولعل من المساهمات المهمة جداً ، والتي لا يمكن إغفالها في الحديث عن الفيلسوف أليكسس ميننك ، مساهمة رودريك كويسهولم ، في نشر نظرية الموضوعات (وترجمتها إلى الإنكليزية) في الكتاب الذي أشرف على تحريره مع عدد من المختصين ، وبعنوان الواقعية والخلفيات التاريخية للفينومنولوجيا .
5 – غطت الأعمال التي كتبها الفيلسوف ميننك الأخيرة ، موضوعات فلسفية متنوعة ، منها
حول الإفتراضات ، وحول الإمكانية والإحتمال (1915) ، ومن ثم جاء كتابه حول العرض الإنفعالي (العاطفي) (1917) . كما ويندرج في كتابات هذه الفترة العمل الذي كتبه في العام 1904 ، والذي حمل عنوان نظرية الموضوعات ، وهو نوع من البيان الفلسفي . وإستمر في كتاباته اللاحقة ، يُدافع عن كتابه نظرية الموضوعات ، وبصورة منهجية ، وفي هذا الصدد يمكن ذكر كتابه المعنون حول الأسس التجريبية لمعرفتنا ، والذي نُشر عام 1906 ، ومن ثم ظهر في طبعة أعمال ميننك الكاملة ، وفيه إضافة تقول رسالة أبستمولوجية حول المعرفة التجريبية ، وإضافة أخرى تقول الإدراك الخارجي والداخلي في مغايرة للمعرفة الأولية وكذلك يمكن أن يُدرج في كتابات هذه الفترة كتابه المعنون مكانة نظرية الموضوعات في نظام العلوم ، والذي صدر عام 1907 . والحقيقة إن برتراند رسل قد ثمن ميننك وشكره على طرف من طريقته في بحث نظرية الموضوعات (وخصوصاً البدء من القاع) ، وبالتحديد فيما أسماه بالمسار التجريبي للبحث . وقبيل وفاته كتب سيرة فكرية مختصرة جاءت بعنوان ميننك : عروض ذاتية ، ومن ثم ظهرت بعنوان أخر الفلسفة الألمانية الراهنة : عروض ذاتية .

—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(8)
الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين
الدكتور محمد جلوب الفرحان        الدكتورة نداء إبراهيم خليل
تقديم :
تأتي أهمية هذا البحث ، من إن الحب والقديس أوغسطين ، كان أول عمل أكاديمي كتبته الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا إرنديت ، وتحت إشراف البروفسور الفيلسوف الوجودي (المسيحي – البروتستانتي) كارل ياسبرز . وهذا صحيحُ كل الصحة ولا خلاف عليه . ولكن وراء حب القديس أوغسطين ، قصة حب عارمة عاشتها حانا أرنديت مع أستاذها وحبيبها الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، في بيته الصيفي وخلال كتابة مارتن هيدجر لرائعته المشهورة الوجود والزمن ، والتي ساهمت حانا في مناقشة أطراف منها مع هيدجر في لقائاتهما في البيت الصيفي . ومثلما كان الحب الجنسي العارم الذي عاش تفاصيله القديس أوغسطين بعد إن كان على دين والده ، والذي يتمثل بالعقيدي اليوناني (الوثني بمنظار المسيحية) ، ومن ثم على العقيدي المانوي قبل أن يتحول إلى شواطئ المسيحية . كان نوعاً من الحب التابو (مُحرم) على رئيس القساوسة أوغسطين بُعيد تحوله من ضفاف المانوية إلى معاقل المسيحية . وفيما يُشابه ظروف أوغسطين ، كان الحب بين الفيلسوف الوجودي هيدجر وطالبته حانا فيه تابو خطير ، خصوصاً بعد شكوك الفريدا زوجة مارتن هيدجر . ومن ثم إدراك مارتن هيدجر بأن العاصفة قادمة لا محالة منها .
وهكذا رتب الفيلسوف الوجودي هيدجر ، للفيلسوفة حانا أن تكتب إطروحتها للدكتوراه عن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، ليس تحت إشرافه ، وإنما فكر بالبروفسور كارل ياسبرز ، ولذلك سافر مارتن هيدجر للقاء بالفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وأقنعه بالإشراف على طالبة الدكتوراه حانا أرنديت . وكان حينها كارل ياسبرز يعيش ضغوط نفسية عالية ، فقد إتهمه الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، بالعطب الفلسفي وعدم إمكانيته كتابة شئ مرموق في مضمار الفلسفة . وكان قدر حانا إن تأتي في ظل هذه الظروف لتكتب إطروحتها ، ولتُشارك البروفسور ياسبرز في مناقشة أطراف من رائعته المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وخصوصاً مناقشة عميقة لفعل التفلسف ، الذي صاغه كارل ياسبرز وتميز به ، رغم إن جذوره تصعد إلى فيلسوف العلم برنارد بولزانو ، وخصوصاً مناقشاته لفعل التفلسف في كتابه المعنون ما هي الفلسفة .
وهكذا تحول الحب عند القديس أوغسطين ، إلى جسر يربط بين حانا أرنديت ومارتن هيدجر والبروفسور كارل ياسبرز الذي أشرف على إطروحتها هذا من طرف . كما إن أوغسطين من طرف أخر ، هو موضوع التقريب واللقاء بين كارل ياسبرز وحانا أرنديت ، وثلاثية ياسبرز المعنونة ثلاث مجلدات في الفلسفة . وعلى هذا الأساس يمكن القول ، إن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، والوجود والزمن ، وثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هي ثلاثية ولدت في ظل ظروف حانا ومارتن وياسبرز .
ونحسب في ضوء هذا الواقع التي ولدت فيه هذه الروائع الفلسفية الثلاث ، نتفهم القضية التي أثارها كل من جونا سكوت وجوديث ستارك في المقدمة التي كتباها لنشرة الترجمة الإنكليزية لإطروحة الدكتوراه التي خطتها حانا أرنديت بالألمانية أصلاً ، وحملتها معها عندما هجرت بلدها الأصلي ألمانيا ، ولاذت بها إلى فرنسا ، ومن بعد ذلك إستقرت مع حانا في مهادها الأخير في الولايات المتحدة الأمريكية . ومن ثم بدأت حانا بجد في فترة ما قبل موتها بترجمتها إلى الإنكليزية . غير إنها غادرت هذا العالم ، ولم ترى النشرة الإنكليزية على الإطلاق . وبعد أكثر من عقدين من الزمن على وفاتها ، ظهرت النشرة الإنكليزية ، وبالتحديد في العام 1996 .
الحقيقة إن القضية التي أثارها الأكاديميتان كل من جونا ف . سكوت و جوديث س . ستراك ، تثير الإستغراب والإستهجان ، ومفادها ، هو : كيف تُقدم طالبة يهودية على كتابة إطروحتها للدكتوراه عن رئيس القساوسة (المسيحي) القديس أوغسطين ؟ وكيف تعمل طالبة يهودية مع رمزين من رموز الفلسفة الوجودية الألمانية ، وهما كل من الكاثوليكي مارتن هيدجر ، والبروتستانتي كارل ياسبرز ؟ ومن طرفنا القضية واضحة ، وهو إن دين الفلاسفة ، هو عقيدي فلسفي لا علاقة له بدين العامة والأمهات العجائز والأجداد الشيوخ . ورغم ذلك فسنترك هانز جونز (1903 – 1993) ، وهو زميل الفيلسوفة حانا لفترة طويلة (في ألمانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وعملا معاً في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي في جامعة مدينة نيويورك) ، يُدلي بشهادته ، والتي تضمنتها مقدمة كل من سكوت وستراك للنشرة الإنكليزية لإطروحة حانا للدكتوراه ، والتي جاءت بعنوان ” إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين ” . وفي شهادة جونز هانز ، يأتي الجواب الشافي على السؤالين المرفوعين أعلاه . فقال ” يبدو إن مثل هذا الموضوع ، لم يكن غريباً على الجامعات الألمانية في ذلك الوقت ” . ويحسبُ جونز إن عمل حانا أرنديت عن أوغسطين ” كان بحد ذاته مفهوماً تماماً ” وذلك منذ إن كان ” كل من من هيدجر وياسبرز قد حولوا إهتمامهم إلى عدد من المفكرين ، بحثاً عن جذور الوجودية . وفي هذا الإطار حولوا واجهتهم نحو أوغسطين ، وإستجابوا لرسالته الوجودية ” .
ومن الجدير بالذكر إن هانز جونز ، هو اليهودي الآخر ، الذي إختار أوغسطين ، ودرس مشكلة الحرية في تفكيره ، وهو أول عمل أكاديمي له في جامعة كوتنجن الألمانية عام 1930 . ويرى جونز ، إلى إن موضوع حانا أرنديت ، جاء نتيجة لقراءاتها المشروطة بإهتمامات كارل ياسبرز يومذاك ، وكان ياسبرز مُعتاداً على الكلام كثيراً عن المفكرين المسيحيين من أمثال أوغسطين ، باسكال وكيركيجارد ، والتي كانت موضوعات ذات حرارة عالية يومذاك في الجامعات الألمانية . ويُضيف جونز إلى ذلك ، فيفيد إلى إن من الموضوعات المركزية التي يجري الحديث عنها ، هو إعترافات أوغسطين . وبمنظار فلسفي وجدوا (على ألقل كل من ياسبرز وتلميذته حانا) في الإعترافات ، نمطاً من التفكير الأصيل الملفت للنظر مقارنة بالفكر الهيليني .
ولعل من الملفت للنظر في عالم الفلسفة ، الذي يزنُ الإمور بميزان علماني رحب وإنساني راقي ، هو إثارة الإستفهام والسؤال حول فكرانية حانا أرنديت الدينية ، وهي التي ولدت وترعرعت في أحضان عائلة (من جهة الوالد والوالدة) لا تهتم بالعقيدي ولا تُبالي بالطقوس والشعائر الدينية . كما إن العائلة إختارت الممرضة آد لتعمل ممرضة – مربية للطفلة حانا . إن و إن آد آمرأة مسيحية وإعتادت قراءة التراتيل المسيحية على الطفلة حانا ، وكانت حانا من طرفها تردد هذه التراتيل بإتقان ملفت للنظر … ، وتركت المربية آد الكثير من التأثير على حانا هذا طرف . ومن طرف أخر إن الوالدة مارثا آرنديت كانت من رفاق الفيلسوفة الماركسية (الشيوعية) روزا لوكسمبيرك (1871 – 1919) . وفعلاً فإن الفيلسوفة حانا تتذكر عندما حضرت بصحبة والدتها مناقشات روزا لوكسمبيرك ، والتي أشعلت فتيل الإنتفاضة التي عمت الشوراع ، وكانت الأم مارثا أرنديت من بينهم تركض وتنادي على إبنتها حانا قائلة : ” إنتبهي يا حانا ، هذه هي اللحظة التاريخية ” . وإن حانا من طرفها كانت زوجة الشيوعي الألماني السابق هنريخ بلوشر (1899 – 1970) .
ولكل هذا نحسب إن الحديث عن يهودية الفيلسوفة حانا أرنديت ، هي عودة إلى ذمة التاريخ ، التي فقدت معناها في قاموس حانا الفلسفي الإنساني الخالص . كما وفيها فكرانية سياسية ، خصوصاً بعد مواقفها المعلنة ، والتي أزعجت الكثير من رجلات السياسية في إسرائيل ، بعد حضورها لجلسات محاكمة الجنرال النازي رودلوف إيكمان (1906 – 1962) ، والذي تمت عملية إختطافه من الأرجنتين من قبل السلطات الإسرائيلية ، وجلبته إلى القدس للمحكمة . وفعلاً فقد كتبت الفيلسوفة حانا أرنديت سلسلة من المقالات لتغطية جلسات المحكمة لصالح صحيفة نيويورك الجديد الأمريكية ، ومن ثم صدرت فيما بعد في كتاب ، بعنوان إيكمان في القدس : تقرير عن تفاهة الشر . وهذا الكتاب أثار زوبعة من الجدل ، وذلك للأراء والحقائق التي أدلت بها الفيلسوفة أرنديت ، مما أزعجت دوائر الفكرانية السياسية الإسرائيلة . وبذلك تم جرد إسم الفيلسوفة حانا أرنديت في قوائم المحذور عليهم ، وربما تحدث بعضهم عنها ، وهي السامية الأصل ، بأنها أنتسيماتزم (ضد السامية) .
ومن ثم تبع ذلك جدل واسع في مجتمع نيويورك ومن ثم في العالم ، حول عبارتها في العنوان الفرعي من كتابها إيكمان ، والقائلة ” تفاهة الشر ” ، والتي لم يقبل أن يسمعها رجلات السياسة ومروجي الإعلام المضاد ، لكونها تتنافر وتوجهاتهم التي إبتكروها أساطيراً ، فنسوا مصادرها الإسطورية المخترعة . وعندما ذكرت الفيلسوفة حانا بمصادرها الواقعية ، إنقلبت الدنيا رأساً على عقب ، وإنزعج الأهل والأصحاب ، لكونهم آمنوا بأن الإسطورة حقيقة ، وإن الحقيقة التي قالتها حانا أرنديت ، هي محض تلفيق روائي خالص . وذلك حين أكدت الفيلسوفة حانا أرنديت على عبارة ” تفاهة الشر” بأن ” الرموز الكبيرة من رجالات اليهود تعاونوا مع رجالات السلطة النازية على تهجير الجماعة اليهودية ” . وبحثاً في قاموس الفيلسوفة حانا أرنديت ، وذلك للوقوف بدقة على عبارتها التي وصفت بها محكمة إيكمان ، والقائلة ” عدم أصالة الشر ” . تقول حانا ” إن إيكمان لم يكن نصيراً متحمساً ، ولا سايكوباثياً (مريضاً نفسياً) ، وإنما هو رجل عادي ، آمن بعقائد دولته ، ونفذ آوامرها ، وهي بالنسبة له أفعال عادية ” .
الحب والقديس أوغسطين : حكاية إطروحة دكتوراه
صحيح إن هذه الإطروحة – الكتاب ظهرت في نشرتها الإنكليزية بعد موت الفيلسوفة حانا أرنديت بأكثر من عقدين من السنيين (21 عاماً) . ولكن من الصحيح جداً بأن القارئ الإنكليزي ، قد عرف هذه الإطروحة في وقت مبكر ، وذلك من خلال كتاب إليزابيث يونك بروهيل ، والمعنون حانا أرنديت : من أجل حُب العالم ، والذي ظهر في طبعته الأولى عام 1982 ، أي بعد وفاة الفيلسوفة حانا ، بحدود السبعة سنوات فقط . وهذا يعني إن القارئ الإنكليزي قد عرف إطروحة حانا للدكتوراه بما يُقارب العقد والنصف من السنين قبل النشرة الإنكليزية لكل من سكوت وستارك (1996) . كما إن العنوان في هذه النشرة الإنكليزية ، قد ظهر فيه بعض الإختلاف عن النشرة الألمانية لعام 1929 ، والذي جاء بالصيغة الآتية : مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . والحال كذلك في ملخص إليزابيث بروهيل ونشرتها في عام 1982 . أما في نشرة سكوت وستراك (1996) فجاءت تحت عنوان الحب والقديس أوغسطين (ولذلك نحسب في هذا العنوان تغيير جذري للحدود المنهجية لبحث إطروحة الدكتوراه في عام 1929 والتي تتطلب منهجياً إن يكون على الأقل فصلاً موسوعاً عن حياة المعلم المانوي ومن ثم القديس أوغسطين).
واليوم تتوافر لدينا وثيقتان من إطروحة الدكتوراه التي كتبتها حانا أرنديت ؛ واحدة هي خلاصة للإطروحة ، والتي خصتها الكاتبة إليزابيث برهيل في الملحق رقم 3 . والإطروحة كاملة ، والتي جاءت بعنوان مختلف بعض الشئ ، وهو الكتاب الذي بدأت حانا أرنديت بتحضير ترجمته الإنكليزية قبيل موتها ، ثم راجعه وأشرف على إعداده في نشرة إنكليزية كل من سكوت وستراك .
والحق إن هذه النشرة مختلفة بالإضافة إلى إنها جاءت كاملة ، فقد إحتوت على مقدمة بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين . ومن ثم جاء نص الإطروحة ، والتي تكونت من مدخل . ومن ثلاثة أقسام (والحقيقة في هذه النشرة أضاف الناشران إليها قسماً رابعاً ، وهو في الأصل ليس جزء من الإطروحة في اساس نشرة سبرنكر الألمانية عام 1929) ؛ وكان القسم الأول بعنوان الحبُ حنين : المستقبل المأمول . وهذا القسم تكون من ثلاثة فصول – محاور ؛ الأول وجاء بعنوان تركيب أو بنية الحنين (الشهوات) . في حين كان عنوان الفصل – المحور الثاني الإحسان والرغبة . بينما جاء الفصل – المحور الثالث بعنوان نظام الحب .
أما القسم الثاني من إطروحة حانا أرنديت ، فحمل العنوان الأتي : الخالق والمخلوق: الماضي الحاضر في الذاكرة ، والذي تكون بدوره من ثلاثة فصول – محاور ، وجاءت على التوالي ؛ الأول وحمل عنوان الأصل . والثاني كان بعنوان الشفقة والحب . وحب الجار جاء عنوان الفصل – المحور الثالث . وجاء القسم الثالث والأخير من الأطروحة الأصلية ، بعنوان الحياة الإجتماعية . وهو قسم عام جاء وكأنه حديث عن عالم الإنسان وخال من الفصول المحاور التي عرفناها في القسم الأول والثاني .
وأشرنا في البداية إلى أن هناك قسماً رابعاً ، وهو من أضافة الباحثين – الناشرين والمراجعين لأطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت . وهو قسم ليس من أصل الإطروحة ، وأنما هو قسم شارح لأطراف منها ، وهو كما قلنا كُتب بقلم كل من سكوت وستراك . وجاء بعنوان إعادة إكتشاف حانا أرنديت . وهو تقريباً بحجم الإطروحة الأصلية ، وبالطبع إذا أضفنا المقدمة ، يكون حجم المكتوب بقلم سكوت وستراك أكثر بقليل من إطروحة حانا الأصلية . وتكون القسم الرابع من أربعة فصول – محاور . وجاءت بالصورة الآتية ؛ الأول بعنوان المدخل: البدايات الجديدة . وحمل الثاني عنوان قطار الأفكار . بينما كان عنوان الثالث هيدجر : ما بين الماضي والمستقبل . وجاء الفصل – المحور الرابع بعنوان ياسبرز: أرنديت والفلسفة الوجودية . وهناك في خاتمة القسم قائمة بالمصادر التي إستخدمها الباحثين .
ونشعر إن الخلاصة التي تقدمت بها الباحثة إليزابيث يونك بروهل من الأهمية بمكان ، وذلك لكونها إعتمدت على الإطروحة في أصلها الألماني . صحيح إنها جاءت في ملحق مستقل من كتابها عن الفيلسوفة حانا أرنديت ، والمعنون حانا أرنديت: من أجل حب العالم . وهكذا تحولت حانا من حب القديس أوغسطين المشروط بعقيدي مرة مانوي ومرة مسيحي ، إلى حب إنساني يلف العالم برمته . وقبل تقديم عرض لهذه الخلاصة عن إطروحة حانا أرنديت ، نقدم أشياء من سيرة الباحثة إليزابيث يونك بروهل (1946 – 2011) والتي لها علاقة عضوية بالفلسفة بصورة عامة ، وبالفيلسوفة حانا أرنديت بصورة خاصة .
فهي فيلسوفة ، وعالمة في التحليل النفسي ، وكاتبة سير ذاتية . فقد كتبت السيرة الذاتية لأثنين من النساء المؤثرات في ثقافة القرن العشرين . ألا وهما حانا أرنديت وآنا فرويد . بدأت إليزابيث بروهل مشوارها الأكاديمي ، بحضور دروس في كتابة الشعر مع الشاعرة الأمريكية ميوريل راكايس (1913 – 1980) في كلية سارا لورنس . ولكنها تركت دراسة الشعر ، وذهبت إلى مدينة نيويورك لدراسة الثقافات المضادة خلال منتصف الستينات . وبعدها أكملت دراساتها الأكاديمية الأولية في المدرسة الجديدة ، والتي ستُعرف فيما بعد بالمدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي . حيث هناك إلتقت بزوجها السابق روبرت بروهل (1946 – 2011) . وخلال هذه الفترة إلتحقت الفيلسوفة حانا أرنديت ، عضواً تدريسياً في كلية الخريجين للمدرسة الجديدة . ومن ثم سجلت إليزابيث إطروحتها للدكتوراه في الفلسفة . وكانت حانا الموجه الفكري لها ، والمشرفة على إطروحتها . وفي عام 1974 بدأت إليزابيث رحلتها الأكاديمية ، وذلك بتدريس الفلسفة في كلية لترز – جامعة وسيلاين في كونكتيك .
وبعد سنة واحدة (أي عام 1975) تُوفيت الفيلسوفة حانا أرنديت ، فإتصل بإليزابيث بروهل ، عدد من أصدقاء حانا ، وطلبوا منها كتابة سيرتها الذاتية . وفعلاً جاءت ولادة رائعتها ، والتي حملت عنوان حانا أرنديت : من أجل حب العالم ، والتي نُشرت عام 1982 ، والتي تُرجمت إلى لغات عديدة . كما إن كتاب سيرة حانا الذاتية ، قد لعب دوراً في تزايد إهتمام إليزابيث بروهل بالتحليل النفسي . وفعلاً تتوج هذا الإهتمام بقدومها على التسجيل في عيادة التدريب على التحليل النفسي . وكان مكاناً تعرفت فيه على عدد من زملاء آنا فرويد (1895 – 1982) وقد وجُهت لها الدعوة بكتابة السيرة الذاتية لآنا فرويد ، فكان حصيلتها كتابها الرائد ، والذي حمل عنوان آنا فرويد : سيرة ذاتية ، والذي نُشر عام 1988 .
ونحسب إن من أهم مؤلفات إليزابيث الفلسفية ، التي سبقت كتاباتها في السير الذاتية ، كتابها الشهير عن الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز ، والذي جاء بعنوان الحرية وفلسفة كارل ياسبرز ، والذي صدر عام 1981 . وما دام إهتمامنا بالفلسفة والمرأة (أو الأدق الفكر الفمنستي) ، ففي هذا المقام ، يجب الإشارة إلى كتابين مهمين في هذا المضمار كتبتهما الفيلسوفة المعاصرة إليزابيث يونك بروهل ، وهما ؛ فرويد والنساء ، وهو كتاب جماعي أشرفت عليه ، وصدر عام 1992 . والثاني بعنوان ؛ السيرة الذاتية : التحليل النفسي ، الفمنستية (النسوية) ، وحياة النساء الكاتبات ، والذي صدر عام 1999 . وكتب أخرى .
تكونت الخلاصة التي كتبتها إليزابيث بروهل من عشرة صفحات ، وحملت عنوان إطروحة حانا أرنديت للدكتوراه : موجز . ونرى في هذا الموجز بعض الأفكار المهمة ، في مضمار تفكير الفيلسوفة حانا أرنديت عامة ، وفي طرف وصف إطروحتها الخاصة عن موضوع الحب عند القديس أوغسطين . فالإطروحة بنسختها الألمانية طُبعت بخط قوطي (نسبة إلى اللغة القوطية) ، وهي مملوءة بإقتباسات لاتينية ويونانية غير مترجمة ، وكُتبت بإسلوب النثر الهيدجري (نسبة إلى الفيلسوف مارتن هيدجر) ، وهي بالتأكيد عمل غير ميسر وليس بالسهل . ومن النافع أن نذكر بأن إي . ب . أشتون قد أعد للإطروحة ترجمة في بداية الستينات من القرن الماضي (1960) . غير إن الفيلسوفة حانا أرنديت ، لم تقتنع بعد مراجعة الترجمة ، ولذلك لم توافق على نشرها . وأظن إن السبب لا علاقة له بترجمة الأستاذ إشتون (إرنست باش) والمشهود له بالدقة . وإنما بطبيعة إطروحة الحب عند القديس أوغسطين . ولهذا السبب كانت حانا أرنديت تتطلع في ضم إضافات جديدة إليها ، لتساعد في توضيح أطراف من الإطروحة . وفي عام 1965 تخلت حانا تماماً عن الموضوع ، وذلك لشعورها بالإحباط ، وإقتناعها بأن نشر إطروحتها يحتاج إلى جهد كبير هذا من طرف . ومن طرف أخر إنها كانت يومذاك مشغولة بمهمات أخرى .
والحقيقة إن هذا الموجز للأطروحة ، فيه أساس لفهم أطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، وكنت أتمنى على ستوك وستراك ، أن يقوما بنشر هذه الخلاصة مدخلاً لكتاب الحب والقديس أوغسطين ، في نشرة عام 1996 أو على الأقل الإشارة إليها ، ومن ثم تقديم عرض لما حملته من أفكار تُساعد في فهم إطروحة حانا . ولكن الذي حدث ، هو إهمال هذا النص وعدم الإشارة إليه . ونحسب في ذلك عيب أكاديمي لا مبرر له ، كما نرى في الخلاصة صوت له سلطة قوية في فهم إطروحة حانا أرنديت في وقت تفردت به ، فقد كانت الكتاب الوحيد في دائرة الثقافة الإنكليزية يومذاك ، بل وظل يمارس التأثير لمدة ما يُقارب القرن والنصف قبل إن يظهر كتاب الحب والقديس أوغسطين بنشرة كل من سكوت وستراك .
وهذا الموضوع سنعود إليه عند مناقشة بحث سكوت وستراك والمعنون إعادة إكتشاف حانا أرنديت ، وهو البحث الواسع ، والذي كون القسم الرابع من كتاب إطروحة حانا الحب والقديس أوغسطين . وقبل أن نغادر هذا الموضوع ، نرغب بالإشارة إلى إشكال منهجي ليس من طرف إطروحة حانل أرنديت للدكتوراه ، وإنما من جهة ضم البحث الواسع لكل من سكوت وستراك إلى لحمة كتاب الحب والقديس أوغسطين . ففي الواقع تكون البحث بحد ذاته من 102 صفحة / ص ص 113 – 215 ، إضافة إلى مقدمة كتبها سكوت وستراك ، وجاءت بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين وتكونت من 13 صفحة . وبذلك يكون مجموع ما كتبه سكوت وستراك ما مجموعه 115 صفحة ، فهي أكبر حجماً من إطروحة حانا . إما الإطروحة بحد ذاته فتكونت من 112 صفحة . ومن الزاوية المنهجية يظل السؤال يطرح نفسه حول درجات التوزان في كتاب – إطروحة عنوانها الحب والقديس أوغسطين ، خال من أي حديث عن سيرة القديس أوغسطين . ونظن كان من الأفضل أن يأتي الحديث في بحث سكوت وستراك عن سيرة أوغسطين التي أغفلتها الإطروحة ، كما وأغفلها الموجز في كتاب إليزابيث ، وذلك لأن مفهوم الحب عند أوغسطين وهو على دين والده مختلف ، عن مفهوم الحب وأوغسطين بدرجة معلم وهو معتنق للمانوية ، ومختلف بالتأكيد عن مفهوم الحب عند القديس المسيحي أوغسطين . هذه الأطراف لم تُعالج برمتها في إطروحة حانا . وتجاهلها كل من إليزابيث ، وستوك وستراك .
القديس أوغسطين : سيرة ذاتية غائبة
هذا هو الطرف الغائب من إطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، والحقيقة في هذه السيرة ، كشف عن ثلاث مراحل مهمة في حياة أوغسطين ، وكان لها الأثر العميق في التحولات التي طرأت على صياغة مفهوم الحب الأوغسطيني . ورغم إن القديس أوغسطين قطع علاقته كما يبدو ظاهرياً بالمرحلتين الأولى والثانية من حياته ، حين تحول إلى شواطئ المسيحية . ولكن قبول هذا الأمر على المستويين المثدولوجي والفلسفي هو إنكار وشطب مقصود ، وبدافع عقيدي متعمد أو جهل بحقيقة تفكير القديس أوغسطين . وفي كلا الحالين عيب منهجي وفكري في محاولة قراءة وفهم فكر رئيس القساوسة أوغسطين والمعلم المانوي السابق . ونرى منهجياً إن هذا الحضور القوي للعقيدي اليوناني في مرحلته الأولى ، والعقيدي المانوي في المرحلة الثانية ، شواهد دالة على إستمرارها تحت جلد أوغسطين وفي طبقات من تفكيره في المرحلة المسيحية الثالثة . ولكل ذلك نتفق مع بعض من الأكاديمين ، الذين أطلقوا عليها إصطلاح البعد الهرطقي في تفكير القديس أوغسطين .
وبالطبع البعد الهرطقي إشارة إلى دين والده اليوناني (في حين كانت والدته على العقيدي المسيحي وتكافح بجد على إيمانه بالمسيحة ولكن باب أوغسطين مسدودة أمامها) كما إن الهرطقة تعني الطرف المانوي من تفكير أوغسطين ، والذي وصل إلى درجة معلم مانوي . وهذه مسألة بالغة الأهمية في إدراك التحولات التي طرأت على مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، وقد فات إدراكها على كل من الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز وحانا أرنديت ، والثلاثي الثاني ؛ إليزابيث بروهل وسكوت وستارك .
ولوضع إطروحة حانا أرنديت المعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين بنشرتها الإلمانية الأصل عام 1929 وخلاصتها بالإنكليزية في كتاب إليزابيث بروهل عام 1982، والحب والقديس أوغسطين في النشرة الإنكليزية الكاملة ، والتي أشرف عليها وكتب لها مقدمة وبحث واسع كون القسم الرابع من الكتاب الذي صدر في عام 1996كل من سكوت وستراك . نقول لوضع الإطروحة ومفهوم الحب عند القديس أوغسطين في مناخها الأوغسطيني ، نقوم بتقديم رصد لحياة أوغسطين وأثر التحولات العقيدية الملونة والثلاثية على مفهوم الحب عنده , ونحسُب في هذا الرصد ملأ الهوة الكبيرة التي يحتاجها مثل هذا البحث – الإطروحة ، والتي غابت على الثلاتي الأكاديمي الألماني الأول ؛ هيدجر وياسبرز وتلميذتهما الفيلسوفة حان أرنديت . كما وغابت على الثلاثي الأكاديمي الثاني ؛ إليزابيث وسكوت وستارك .
وهذه هي أطراف من الغائب في تفكير الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز ، وبالطبع في إطروحة تلميذتهما حانا أرنديت ، والمعنونة مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . وكذلك الغائبة في خلاصة الأكاديمية إليزابيث بروهل ، وفي الكتاب الذي أشرف عليه الأكاديميين سكوت وستراك ، والمعنون الحب والقديس أوغسطين :
1- القديس أوغسطين : بين الرواية المانوية واللاهوت المسيحي
كتب الفيلسوف المانوي الجزائري المنبت أوغسطين (354 – 430م) أو رجل اللاهوت المسيحي القديس أوغسطينوس بعد تحوله من المانوية إلى المسيحية ، العديد من المؤلفات البالغة الأهمية سواء في مضمار تاريخ فلسفة التاريخ أو في تطوير العقيدي المسيحي والذي سيطلق عليه فيما بعد حشد من الأكاديميين وغير الأكاديميين إصطلاح الفلسفة المسيحية الغربية .
ونحسب إن الكثير من أفكار المرحلة المانوية (التي إستمرت على الأقل تسع سنوات وكان فيها أوغسطين على مستوى المستمع ومن ثم أصبح بدرجة معلم في صفوفها) من تفكير القديس أوغسطين وجدت لها مكانة قوية في داخل رائعته الفلسفية التاريخية المعنونة مدينة الله . كما إن من المهم لدينا في مضمار الدراسات في فلسفة التاريخ ، هو تأملات أوغسطين الفلسفية التي إستبطنت الكثير من مشروع إفلاطون في رائعته الجمهورية التي عبرت إلى القديس أوغسطين خلال مسارات متنوعة منها على سبيل التمثيل وليس الحصر شيشرون وجمهوريته ، إفلوطين وفلسفة ولاهوت الإفلاطونية المحدثة .
عاش وكتب أوغسطين في فترة دقيقة من تاريخ التحول في الثقافة الغربية ، التحول من العقيدي اليوناني – الروماني المتسور بالفلسفة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي إلى دائرة اللاهوت المسيحي المتنامي . وفعلاً فقد عاش وكتب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين (وهو تاريخ نضال دموي مع ما يسميه كتاب الكنيسة بالفكر الوثني اليوناني ومن ثم تسويات عقيدية مع الإمبراطورية وصلت إلى حد تلوين العقيدي بثوابت وثنية لم تتنازل عنها الإمبراطورية وطبعت العقيدي المسيحي بطابعها الوثني وإلى الأبد …) تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية التي إحتضنت مدارس فلسفية متنوعة ، وهذه المدراس ستظل لها أدوراً فاعلة في الدوائر الثقافية في عموم الإمبراطورية وحتى بعد وفاة القديس أوغسطين بما يُقارب القرن من الزمن ، وإستمرت حتى غلقها الإمبراطور الروماني جوستنيان (482 / 483 – 565م) في العام 529م .
إن محاولة فهم ماذا حدث في العقود الثلاثة الأولى من حياة القديس أوغسطين ، وبالتحديد أثنتين وثلاثين عام من عمره الفكري قبل أن يتحول إلى المسيحية ضرورة علمية . ففيها الكثير من الشواهد على المنعطفات العقيدية والفلسفية . صحيح إن الكتاب المسيحيين لا يرغبون في الكتابة عنها ، ويتمنون شطبها وإلغاءها من حياة القديس أوغسطين . ولكن من الزاوية الأكاديمية هي مطلب ملح لمعرفة المعارف التي تلقاها الرجل ، والتجارب التي عاشها ، والتحولات العقيدية من المانوية وإلى الشكية الأكاديمية التي إستقر فيها بعد تخليه عن المانوية والأدق تحوله عنها . فهي مرحلة مفيدة في فهم تحوله الأخير إلى المسيحية وتخليه عن الحياة والزواج والزوجة والعائلة … والسؤال : هل هذا التحول حمل قطيعة كاملة مع الحياة والمانوية والشكية الأكاديمية ؟ نحن لا نجد في كتابات القديس ما يقدم جواباً شافياً لصالح القطيعة ، بل على العكس هناك شواهد على إستمرار الأثر المانوي والفلسفي الشكي الأكاديمي على الأقل في رائعته مدينة الله .
ولذلك نحسب إن الطرف الوثني من حياة القديس أوغسطين جداً مهم في فهم الحياة العقلية والتحولات العقيدية والخط التطوري في فكره اللاهوتي وفي تحديد حجم مساهمته فيما يسمى بالفلسفة المسيحية الغربية . ومن الملاحظ إنه خلال هذه العقود الثلاث (32 سنة) قد عاش حياة جنسية صاخبة ، وتم فيها إنبات الكثير من البذور الأولى لحياته العقلية اللاحقة وذلك من خلال برنامج التعليم وإستلامه العقيدي المانوي ، ومن ثم تشربه للطرف الفلسفي المتمثل بالشكية الأكاديمية ، وتبنيه لأفكار إفلاطون من خلال جمهورية شيشرون وإفلوطين والإفلاطونية المحدثة وقراءته لكتاب أرسطو المنطقي وهو المقولات وهو أول رسالة منطقية في تحليل اللغة. ولهذا نحن نخلاف الكتاب المسيحين ولا نحسب إنها توقفت أو إنطفأت يوماً من الأيام بعد إن تحول إلى العقيدي المسيحي ، بل على العكس إنها ظلت تلعب دوراً قوياً تحت جلد القديس أوغسطين وتوجه تفكيره وتقود قلمه .
لقد إمتدت هذه الفترة منذ ولادة الطفل الجزائري أوغسطين عام 354 وإلى لحظة إنفتاحه على المسيحية عام 386 (وكان عمره إثنتين وثلاثين ربيعاً) وذلك من خلال سماعه بقصة باسليونس وأصدقائه عندما قرأوا لأول حياة القديس إنثوني الصحراوي أو إنثوني المصري (251 – 356م) . وهكذا تلاه تحول اوغسطيني من قصة حياة القديس إنثوني إلى الإنجيل ، وبالتحديد إلى إنجيل بولس والذي قرأ منه رسالة بولس إلى الرومان والمعنونة بتحولات المؤمنين .
2 – البيئة العائلية ومراحل التعليم الأولى
ولد أوغسطين في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي ، وبالتحديد في عام 354م في مدينة تكاست الجزائرية ، والتي كانت جزء من الإمبراطورية الرومانية . ومن الملاحظ إن الطفل أوغسطين قد ترعرع في أحضان عائلة ذات تكوين عرقي وعقيدي متنوع . فمن طرف الوالد باترسيوس كان وثنياً (منا = وربما كان على عقائد الدين الروماني ذات الإصول اليونانية ولهذا نتحفظ على كلمة وثني لأنها تتضمن تصنيف عقيدي مسيحي) . ومن جهة الأم مونيكا أو القديسة مونيكا (331 – 387م) فقد كانت مسيحية من البربر ، وهي ” من أوائل القديسات المسيحيات ” . وفعلاً فقد ذكر الباحثون الأكاديميون في إصول القديس أوغسطين ، إلى إن أسلافه ينتمون إلى تنوع عرقي متفرد ، فهم ينتمون إلى البربر ، واللاتين والفينيقيين . ولكن العائلة كانت من الناحية القانونية ، عائلة رومانية وهي تتمتع بالمواطنية الرومانية الكاملة ، وعلى الأقل قبل ولادة أوغسطين بأكثر من قرن من الزمن . كما إن عائلته كانت تنتمي إلى الطبقات العليا من المجتمع الروماني يومذاك ، وإن لغته الأولى هي اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية .
ويبدو لنا إن الطفل أوغسطين تلقى دروسه الأولى في التعليم في البيت وفي المنطقة التي تعيش فيها العائلة . ولما كانت المنطقة جزء من الإمبراطورية الرومانية ، فإن الثقافة التي كانت سائدة هي الثقافة الوثنية بالمفهوم المسيحي ، إضافة إلى إن الأم مونيكا كانت مسيحية ، فإن قدر الطفل أوغسطين كان موضوع تجاذب بين ثقافتين متقاطعتين حتى النخاع ، وهما ؛ الثقافة الوثنية (الرومانية – اليونانية) وهي ثقافة الوالد ، وثقافة مسيحية تبثها الأم من خلال قراءتها للإنجيل والصلوات والترانيم الدينية . وإن هذا التجاذب ظل فاعلاً في حياة وتفكير القديس أوغسطين على الأقل خلال العقود الثلاثة الأولى من حياته .
ولما بلغ الحادية عشرة من عمره رغبت العائلة إرساله للتعليم في المدارس الرسمية ، ولكن هذه الرغبة العائلية ليست باليسيرة وذلك لعدم توافر مدرسة يومذاك في المنطقة التي تعيش فيها العائلة ، فتم إرسال أوغسطين ليتلقى تعليمه في مدينة مدراس حيث توجد فيها مدرسة . وفعلاً كانت المدرسة فرصة تعليمية متفردة لأوغسطين ، التي إتصل من خلال دروسها بالأدب اللاتيني والذي يشمل مقالات ، وكتب تاريخية ، وقصائد ومسرحيات ونصوص كُتبت باللغة اللاتينية . وهذا التقليد التربوي بدأ في القرن الثالث قبل الميلاد ، ومن ثم أصبح بعد القراءة والكتابة باليونانية القديمة وحتى عصر ماركوس أورليوس (121 – 180م)) وضم الأدب اللاتيني في عصر أوغسطين قراءة وكتابة نصوص كل من الخطيب والفيلسوف شيشرون والشاعر الروماني فيرجيل (70 – 19 ق.م) والشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 18م) والشاعر والفيلسوف الأبيقوري لوكريتوس (99 – 55 ق.م) . إضافة إلى كل ذلك فإن أوغسطين تشرب الكثير من العقائد الرومانية (التي هي إحياء للعقيدي اليوناني) ومارس طقوسها اليومية كفعالية من المنهج الدراسي .
ولاحظ الدارسون وكتاب سيرته ، إنه خلال عودته من المدرسة إلى البيت ، وبالتحديد في عامي 369 و370 وكان في الخامسة عشرة من عمره ، قرأ واحدة من محاورات شيشرون والمعنونة هورتنسيوس أو حول الفلسفة (وكتبها شيشرون عام 45 ق.م وفيها إستبطان لأراء أرسطو وتوسيع ، وهي من المحاورات الضائعة والتي حملت أسم صديق شيشرون وهو الخطيب والسياسي الروماني هورتنسيوس (114 – 50 ق.م) وقد تركت هذه المحاورة أثاراً قوية على تفكير أوغسطين وخصوصاً توجهاته الفلسفية ، فيصفها أوغسطين قائلاً ” كانت محاورة هورتنسيوس مثل الشرارة التي قدحت في الإهتمام بالفلسفة ” . وهنا إنتهى فصل من حياة طالب العلم أوغسطين ، وستلعب الطروف دوراً إيجابياً في فتح أبواب التعليم العالي أمامه وهذا فصل جديد سيخوض غماره بعيداً عن مرابض الأهل والعشيرة ، حيث سيتوجه إلى قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا .
3 – الرحلة العلمية إلى قرطاج والتجربة المانوية والجنسية المبكرة
وفعلاً لما بلغ أوغسطين السابعة عشر ربيعاً ، حصل على منحة دراسية تقدم بها مُحسن روماني له ، فشد الرحال وذهب للدراسة في قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا الرومانية . وفعلاً فقد بدأ أوغسطين برنامجه التعليمي العالي في قرطاج في موضوع الخطابة والبيان وهو من الموضوعات المرغوبة في العصر الروماني ، إذ تُهيأ المتخصص في العمل في المرافعات والدفاع في المحاكم .
ونحسب من النافع أن نشير إلى إن رحلة أوغسطين إلى قرطاج لم تكن في جميع أطرافها رحلة في طلب العلم . وإنما كانت تجربة شخصية متنوعة ، ففي قرطاج حدث تحولاً جوهرياً في مضمار العقيدي حمله على الإيمان بالمانوية . ومن الملاحظ على صعيد التحول العقيدي ، إن أوغسطين تخلى عن الدين الروماني (الوثني بإصطلاحات المسيحية ) وهو دين والد أوغسطين ، ووضع وراء ظهره العقيدي المسيحي ، وهو يمثل ديانة مونيكا (القديسة مونيكا فيما بعد) وهي أم أوغسطين ، فكانت النتيجة خيبة للأم والأب وهذا الطرف سنتناوله في مقال قادم . كما إن أوغسطين عاش تجربة جنسية مع إمرأة إستمرت لأكثر من ثلاثة عشر سنة مملوءة بالحب العارم ، وكان حصيلتها ولادة ولده أديوداتوس (والتي تخلى عنها بعد ثلاثة عشر سنة حسب روايات البعض ، وهناك من يرى إنه تركها عندما ناهز ولده السابعة عشرة ربيعاً ، وبالتحديد في عام 389م وذلك عندما تحول إلى المسيحية ، وكان أوغسطين يومها إبن خمس وثلاثين ربيعاً) . وهذه العلاقة الجنسية وما إرتبط بها ستترك أثاراً على حياته الإجتماعية والفكرية ، وعلاقته بإمه التي ستكافح بإتجاه إنتخاب الزوجة المناسبة له … وهذا طرف سنبحثه في مقال خاص كذلك .
4 – الأكاديمي أوغسطين والتعليم العالي
بعد إكمال دراساته في قرطاج ، عاد أوغسطين إلى مدينة تكاست الجزائرية ، وأخذ يعلم فيها النحو وبالتحديد خلال عامي 373 و374 ، ولكنه لم يستقر فيها ، فقرر العودة إلى قرطاج ، وأدار هناك مدرسة للخطابة والبيان . وفعلاً إستمر هناك لمدة تجاوزت التسع سنوات . ومن ثم أخذ ينزعج من تصرفات الطلاب غير اللائقة ، فرأى إنه من الأسلم ترك قرطاج والتحول إلى روما عاصمة الثقافة الأولى للإمبراطورية الرومانية . وفعلاً في العام 383 إنتقل إلى روما ، وأسس فيها مدرسة له . وكان يعتقد أوغسطين إنه في روما يتوافر الكثير من أفضل رجال الخطابة . ولكن حال أوغسطين لم يسير بيسر في روما ، فسرعان ما خابت أماله بمدارس الخطابة فيها ، وخصوصاً عندما تجاهلته ولم تهتم به هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر فإنه مل من تصرفات الطلاب في روما ، وهي كثيرة . فمرة وهو ينتظر حلول إستلام الأجور الدراسية التي يدفعها طلاب الخطابة لمدرسته ، هرب الطلاب ولم يدفعوا له شيئاً .
ورغم هذا الحال المخيب للآمال ، فإن الصدفة لعبت دوراً في فتح أبواب جديدة أمام معلم الخطابة أوغسطين ، والتي فيها بوراق من الأمل . فقد كان له صديق من المانويين ، والذي لعب دوراً في تقديمه إلى محافظ مدينة روما ، وهو كونتويس أورليوس سامكيوس (345 – 402م) وحينها كان يبحث المحافظ عن بروفسوراً للخطابة ، وذلك ليشغل هذه الوظيفة في المحكمة الإمبراطورية في ميلانو . وفعلاً فقد نجح أوغسطين في الحصول على هذه الوظيفة الأكاديمية من بين عدد من المرشحين . وبدأ العمل بالتحديد في نهايات عام 384 .
ونحسب من المفيد الإشارة إلى إن أوغسطين في هذه الفترة أظهر ميولاً واضحة لصالح العقيدي المانوي مع محافظة على مستوى واطئ في تراتبية المانوية ، فقد ظل بمنزلة مستمع في الحلقات المانوية ، ومن ثم أصبح معلماُ . وأخذ بعد ذلك ينسحب شيئاَ فشيئاً منها (وهناك مؤشرات لبداية هذا الإنسحاب قد حدثت في قرطاج وهذه قصة سنبحثها في مقالنا المعنون مانوية القديس أوغسطين) وتحول إلى الضفاف الآمنة للمذهب الفلسفي الشكي الذي هيمن على مصير أكاديمية إفلاطون ، وبالتحديد فيما يُسمى بالمرحلة الوسطى للأكاديمية ، وأصبح من مناصري حركة الأكاديمية الجديدة .
ومن طرف أخر فقد كانت عيون مونيكا والدة أوغسطين تُراقب عن كثب تحولات ولدها أوغسطين العقيدي والفلسفي ، وحسبت إن في هذا التحول نحو معاقل الشكية الفلسفية تباشير مشجعة لها لتعمل من جديد على إقناع ولدها للتحول إلى شواطئ المسيحية . إلا إن أمالها تبددت حين فضل أوغسطين العمل بجد على إنجاز دراساته الخاصة حول الإفلاطونية المُحدثة خصوصاً وإن صديقه المحافظ ساميكوس كان يُشجعه بإلحاح على السير في هذا الإتجاه .
أوغسطين كاتب سيرة ذاتية وفيلسوف تاريخ
قبل الخوض في مسألتين مهمتين في تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما تقديم أولاً – أوغسطين كاتباً لأول سيرة ذاتية في تاريخ السير ، والتي تمثلت في رائعته التي حملت عنوان الإعترافات . وثانياً – التأمل في رائعته الفلسفية – التاريخية (وبالطبع اللاهوتية) المعنونة مدينة الله ، نود تعريف القارئ بأوغسطين مؤلفاً وكاتباً ، وهي مسألة في غاية الأهمية في بيان المكانة التي إحتلتها الإعترافات ومدينة الله بينها . في الحقيقة إن أوغسطين كتب قبل الإعترافات ومدينة الله العقيدي المسيحي ، فيها رد ونقد وتفنيد (هجوم) على المانوية التي إعتنقها لمدة تسع سنوات ، والوثنية اليونانية – الرومانية التي كانت دين والده (أي والد أوغسطين) . فمثلاً تشير الدراسات إلى إنه كتب ما يُقارب المئة عنواناً . وقد صنفها الباحثون في تراث أوغسطين إلى :
أولاً – الأعمال الدفاعية (دفاع عن العقيدي المسيحي ضد هرطقات صادرة من رجال لاهوت مسيحيين وغير مسيحيين) : والتي شملت هرطقات كل من الإريوسية (وهي فرقة مسيحية) ترتبط بإسم مؤسسها إريوس الإسكندراني المصري (250 – 336م) والذي سبب سخط الكنيسة عليه في مناقشة العلاقة بين الله – الأب والله – الأبن ، وإعتبر كلامه عن الله – الإبن وحدة منفصلة من الوحدة الكلية لله – الأب ، كلام هرطقة أيده مجمع نيكا عام 325م . وهذا الأمر حدث قبل ولادة القديس أوغسطين بحدود الثلاثين عاماً . ولكن يبدو إن هذه الفرقة كان لها وجود في العصر الذي تحول فيه أوغسطين إلى معاقل المسيحية ، فبدأ كتاباته في هذا المضمار والذي صدر عليه شجب من المجمع الكنسي كما قلنا .
والحركة المسيحية الهرطقية الثانية التي كتب عنها ، ويبدو إنها كانت منتشرة بين البربر ، وفي الجزائر خصوصاً ، فهي الدوناتاسية ، وهي فرقة مسيحية ترتبط بإسم الإسقف البربري دوناتاس مكنيوس (أصبح رئيس أساقفة في قرطاج عام 313م) . وهذه الحركة إنتشرت في الجزائر وجرى حولها الجدل ، على الأقل قبل ولادة القديس أوغسطين بنصف قرن من الزمن . ولعل الأمر الذي حمله على الكتابة عنها ، هو إن لها وجود مستمر في مرابض أهل أوغسطين في عنابة الجزائر .
ومن ثم جاء موضوع العقيدي الأول (المانوية) والذي تحول ليصبح الخصم اللاهوتي الهرطقي للمسيحية على يد أوغسطين ، وهو المؤمن بها (لفترة تجاوزت التسع سنوات وأثارها عليه ظلت إلى الآبد) وهو العارف الخبير بتفاصيلها وطقوسها ، قوتها ونقاط الهشاشة فيها . ومن المعروف إن المانوية خالطت العقيدي المسيحي ، وإنتشرت بين المسيحيين وغير المسيحيين وفي عموم الإمبراطورية الرومانية ، وخصوصاً في العاصمة روما (ولا تنسى قصة الصديق المانوي الذي كان صديق محافظ روما وصديق أوغسطين ، وهو الذي عرفه بالمحافظ ، ومن خلال ذلك حصل على وظيفة بروفسور…) .
صحيح إن العقيدي المانوي ، هو عقيد ثنائي ينهض على الإيمان بقوتين تحكمان كل شئ في العالم وحياة الإنسان ، وهما في حالة صراع مستمر ؛ الخير ، وهو عالم روحي يمثله الضوء ، والشر ، وهو عالم مادي تمثله العتمة . وهذا الصراع يغطي تاريخ الإنسانية برمته (مع وجود فترات يسود فيها الخير فيملأ الأرض عدلاً ، وفترات يهيمن الشر فيملأها ظلماً) . ومن الصحيح إن القديس أوغسطين تخلى عن العقيدي الثنائي المانوي ، إلا إنه إنتقل إلى العقيدي المسيحي الذي يؤمن بالثالوث (ثلاثة أقانيم : الأب والأبن وروح القدس) . وهكذا هرب أوغسطين من مشكل الثنائية المانوية ، ليجد نفسه أمام مشكل أكثر تعقيداً وهو مشكل الثالوث المسيحي .
ومن ثم كتب أوغسطين عن فرقة هرطقية أخرى ، وهي فرقة البيلاجيانية نسبة إلى مؤسسها الزاهد بيلاجيوس (354 – 420 / أو 420م) والذي كان معاصراً لأوغسطين ومن هنا تأتي أهميته . أثار بيلاجيوس النقاش حول قضية الخطيئة الأصلية حسب العقيدي المسيحي . وذهب في نقاشه مذهباً بعيداً عن شواطئ المسيحية . بل وفيه مخالفة لإعتقاد المسيحية في الخطيئة الأصلية . فهو يرى إن الخطيئة الأصلية لم تُفسد الطبيعة الإنسانية ، وإنما على العكس إن الإرادة الإنسانية (الفانية) لازالت قادرة على الإختيار بين ما هو خير وشر ، دون الحاجة إلى عون إلهي .
إن أهمية ما كتبه أوغسطين ، يأتي من إنه معاصر لهذا الناسك المسيحي ، وإن فرقته كان له الأثر في الحياة المسيحية يومذاك ، وهكذا سخر أوغسطين للرد عليهم وتفنيد دعواهم التي لا تتناغم والإنجيل وقوله بالخطيئة الأصلية التي لوثت الطبيعة البشرية ، ولهذا فهي محتاجة إلى عون إلهي ، وهذا ما يُقدمه الفادي (المسيح) للبشر ليخلصهم من خطيأتهم الأصلية ، والتي تحولت إلى عقيدة أصيلة في مشروع الإنقاذ المسيحي للبشرية . وهكذا وجد أوغسطين نفسه مسؤلاً في الرد عليهم وكشف هرطقتهم ، ومن ثم الدفاع عن عقيدة الخطيئة الأصلية التي يقوم عليها اللاهوت المسيحي برمته والنظر إلى المسيح مخلصاً وفادياً للإنسانية .
ثانياً – الأعمال العقيدية المسيحية (اللاهوتية المسيحية)
كتب أوغسطين مجموعة رسائل وكتب ، هدف منها إلى تعزيز ثقة المسيحيين في عقيدتهم الدينية وتقديم شرح وتبسيط لها ، وهدف من كتابة بعضها لظروف عصيبة مرت بها الإمبراطورية الرومانية . ولنبدأ بالنوع الأخير من الكتابات ، وهي كتابات التحديات والتي جاءت بعنوان قوط غربيون وكتبه للتحدي الذي قامت به هذه الجماعة للإمبراطورية ، ومن ثم إحتلال أراضيها ، حتى إنها تمكنت من إجتياح روما في العام 410م وكان القديس أوغسطين حياً ، وهو إبن الرابعة والستين .
ومن ثم كتب حول الثالوث والذي كان رسالة سايكولوجية ، ويُنظر إليها كواحدة من روائعه في اللاهوت . وألف في الإختيار والإرادة وعالج في هذه الرسالة قضية الشر التي تشغل الأديان جميعاً ، ولكن إوغسطين عالجها من خلال حرية الإرادة وفيه وجه نقد للمانوية عقيدة الأمس ، وجادل في تفضيل النزعة الفلسفية الشكية . كما كتب أعمالاً أخرى في مضمار اللاهوت ، منها العقيدة المسيحية ، ورسالة بولس إلى الرومان ، وسفر التكوين ، والمزامير ، ومجموعة خطب دينية ورسائل …
الإعترافات : السيرة الذاتية من زاوية فلسفة التاريخ
لم يكن كتاب الإعترافات (وفي عنوان أخر إعترافات القديس أوغسطين) هو أول الكتب التي كتبها أوغسطين كما بينا أعلاه . إلا إنه يتصدر قائمة الكتب التي تحدثت عن الحياة الشخصية في تاريخ الثقافة الغربية ، ومن بعده سار على هذا النهج الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 – 1650) خصوصاً في تجربته العقلية والتي أودعها كتابه المعنون تأملات في الفلسفة الأولى (حياة الشك في المحسوسات والعقليات وإقترب من الوثوقيات الدينية وتوقف خوفاً مما حدث لغاليلو غاليلي …) وجان جاك روسو (1712 – 1778) الذي كتب سيرته الجريئة تحت عنوان القديس أوغسطين ذاته الإعترافات . ولكن مع إضافة إسمه ، فجاءت بالصورة الآتية إعترافات جان جاك روسو ، والتي غطت الثلاثة والخمسين سنة الأولى من حياته ، والذي كتبه عام 1770 ، ولم ير النور إلا بعد موته بإثنتي عشر سنة (نشر عام 1782) … والقائمة طويلة .
كما إن أوغسطين كتب الإعترافات بالتأكيد قبل ملحمته مدينة الله . فقد كتب الإعترافات في العقد الأخير من القرن الرابع الميلادي . في حين كانت مدينة الله من إنتاج يراعه في القرن
الخامس الميلادي . وإن كتاب الإعترافات هو من أوائل النصوص التي كُتبت في مضمار السير الذاتية في دائرة الثقافة الغربية . ويتألف من ثلاثة عشر كتاباً (أو جزءً) . وكتبه أوغسطين باللغة اللاتينية ، والتي كانت يومها لغة السياسة والإدارة والعلم والثقافة في الإمبراطورية الرومانية (ومن ثم إستمرت لغة العلم والثقافة حتى العصور الحديثة . فمثلاً كتب ديكارت وكانط مؤلفاتهما بالاتينية …) . وصرف أوغسطين في إكمال كتاب الإعترافات ثمانية سنوات ، بدأت منذ عام 389 وإستمرت حتى عام 397 الميلادية .
أما نشرته الإنكليزية فقد حملت عنوان إعترافات القديس أوغسطين ، وذلك لتمييزها من كتب الإعترافات التي حملت العنوان ذاته . والحقيقة إن العنوان الأصلي لكتاب أوغسطين جاء بالعنوان الآتي : الإعترافات في ثلاثة عشر كتاباً . ويرى الباحثون في مضمار فلسفة التاريخ عامة ، وفي ميدان السير الذاتية خاصة ، على إن كتاب الإعترافات للقديس أوغسطين تحول ليكون موديلاً (إنموذجاً) لعدد من الكُتاب المسيحيين ، وفرض هيمنته وتأثيره في العصور الوسطى ولمدة تجاوزت العشرة قرون من الزمن .
مع الإشارة إلى أن كتاب الإعترافات ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة ، وذلك لأن المؤلف كتبه وهو في الأربعينيات من عمره (وإن هناك ما يُقارب الثلاثة عقود والنصف من عمره ، والتي لم يعيشها أوغسطين بعد ولذلك لم يكتب عنها شيئاً في الإعترافات) وعلى هذا الأساس ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة . والكتاب برمته من زاوية فلسفة التاريخ ، هو نوع من التأمل الفلسفي في تاريخ البطل أوغسطين ، أفعاله وإختياراته ، إنجازاته وكبواته ، خطاياه وندمه ومن ثم رحلة الإنقلاب والتحول إلى شواطئ المسيحية …
والكتاب فيه تجارب وفلسفة وعبر (وهذا الأمر يضمه إلى أحضان فلسفة التاريخ بإستحقاق عال) . فالإعترافات كتاب الندم من حياة الخطيئة التي عاشها (التي إستمرت لمدة سبعة عشر عاماً) والتي كادت أن تخنق فيه روح كل ماهو أخلاقي . وفيها عبرة وندم على متابعة العقيدي المانوي (والذي إستمر لمدة تسع من السنيين) ، وندم من الإعتقاد بالتنجيم ، وكشفه عن دور نبرايدوس (منا = وهو صديق لأوغسطين جاء ذكره في رسائل أوغسطين كذلك) في إقناعه بالإعتقاد بالتنجيم . ويرى أوغسطين إن اعتقاده بالتنجيم ليس خطأ فحسب ، بل هو شر بحد ذاته . وبالمقابل بين دور القديس إمبروز (340 – 397م) في إقناعه للتحول إلى شواطئ المسيحية . وبالمناسبة إن القديس إمبروز مات في السنة ذاتها التي أنجز القديس أوغسطين كتابه الإعترافات .
ونحسب من زاوية فلسفة التاريخ إن هناك إشكالاً في كتاب الإعترفات من طرف المنهج الذي إعتمد عليه القديس أوغسطين ، فالكتب التسعة الأولى هي فعلاً سيرة ذاتية تتحدث عن البطل القديس أوغسطين . في حين إن الكتب الأربعة الأخيرة ، هي شروح ومزامير . ويبدو إنه لا علاقة لها بالسيرة الذاتية . ولكن في الواقع إن هناك جسوراً من الإتصال بين الكتب التسعة الأولى والكتب الأربعة الأخيرة ، وهي إن خطيئة القديس (البطل) أوغسطين أو الأصح خطاياه حملته على البحث عن وسائل تكفيرعن الخطايا ، فكانت الكتب الأربعة الأخيرة هي الوسائل والتي تمثلت بالصلوات وترانيم التكفير ، والتي تتقدمها مزامير داود . وهنا نقدم جرداً مختصراً لكتاب الأعترافات ونقترح توزيعه في بابين :
الأول – ويضم الكتب التسعة الأولى من الإعترافات والتي غطت فعلاً سيرة القديس (البطل) أوغسطين الجزائري (ونحسب إنها سيرة الخطيئة والذنوب بلغة أوغسطين المسيحي) . وجاءت بالشكل الأتي :
الكتاب الأول والذي كان بعنوان السنوات الخمسة عشر الأولى .
الكتاب الثاني ركز على عمر أوغسطين في السادسة عشرة .
الكتاب الثالث عالج حياة أوغسطين من السادسة عشرة وحتى الثامنة عشرة .
الكتاب الرابع قدم وصفاً لما حدث لأوغسطين من الثامنة عشر وإلى السابعة والعشرين
الكتاب الخامس شرح فيه الأحداث التي عاشها في السنة الثامنة والعشرين من عمره .
الكتاب السادس وحمل عنوان التاسعة والعشرين .
الكتاب السابع وجاء بعنوان في الثلاثين .
الكتاب الثامن في عمر الحادية والثلاثين .
الكتاب التاسع في الثانية والثلاثين .
الثاني – وشمل الكتب الأربعة الأخيرة من الإعترافات ، والتي تناولت وسائل العزاء والتكفير عن خطايا وذنوب البطل أوغسطين ، وهي سيرة أوغسطين الحاضرة (وهو يعيش في رحاب المسيحية) والتي جاءت بالصورة الآتية :
الكتاب العاشر وحمل عنوان إعترافات أوغسطين عن حياته الراهنة (المسيحي الراهن مقابل ماضي الخطيئة والذي ضمته الفصول التسعة قبل أن يصبح مسيحياً والتي غطت إثنتين وثلاثين سنة من عمره) .
الكتاب الحادي عشر وجاء بعنوان حول الله والخلق وسفر التكوين .
الكتاب الثاني عشر وكان عنوانه الجنة (السماء) والأرض .
الكتاب الثالث عشر وقدم وصفاً لأيام الخلق (سفر التكوين) .
مدينة الله : بين التاريخ والفلسفة واللاهوت
من القار الثابت لدينا إن أوغسطين وكما أشار علانية في الكتاب الرابع من إعترافاته إلى إنه قرأ كتاب المقولات للفيلسوف اليوناني أرسطو . وأرسطو هو تلميذ إفلاطون لمدة أكثر من عشرين سنة و داينمو أكاديمية إفلاطون . وهذا الكلام له دلالات كثيرة في مضمار كتابة رائعة أوغسطين الشهيرة مدينة الله . وذلك من طرف إن الأستاذ إفلاطون كتب عن المدينة اليونانية المثالية ، وإن التلميذ أرسطو وكتابه المقولات كانا موضوع قراءة من طرف القديس أوغسطين . ولهذا نحسب إن مدينة الله التي كتبها القديس أوغسطين تحتاج إلى دراسة عربية تقارن بين أفكار إفلاطون وأرسطو والرواقية وشيشرون وأفكار أوغسطين وأسوارها الإنجيلية في تكوين مدينته أو مدينة الله .
كما إن أوغسطين يعترف في كتابه الإعترافات ، وبالتحديد في الكتاب الثالث على إنه قرأ شيشرون في بواكير حياته الدراسية ، وخصوصاً جمهوريته ، والتي نحسب إن فيها إستبطان كثير لرائعة الفيلسوف اليوناني إفلاطون . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الكثير من أفكار إفلاطون (إذا لم يقرأها أوغسطين مباشرة من إفلاطون وجمهوريته أو من خلال مدينة الرواقية والمواطن الرواقي العالمي الذي تبنته المسيحية) فتكون قد عبرت إلى أوغسطين عن طريقين : الأول جمهورية شيشرون . والثاني الإفلاطونية المحدثة التي كان أوغسطين ميالاً لها ، وخصوصاً من طرف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري الذي تقدم بشرح أو إختصار لجمهورية إفلاطون كما تشير إلى ذلك قائمة مؤلفاته .
صحيحُ إن أوغسطين كتب مدينة الله باللاتينية (ولذلك كان عنوانها اللاتيني هو دي سفيتاتي ديا كونترا بيكينز (مع بعض التحفظ على كونترا بيكنز ، والذي نعتقد إنها إضافة متأخرة والعنوان الأصلي هو دي سفيتاتي ديا أي بالعربية مدينة الله) ، ومن ثم تُرجم إلى الإنكليزية بعنوان مدينة الله المعارضة (ضد) الوثنيين (منا = اي مدينة الله المعارضة للمدن الوثنية) أو مدينة الله كتاب الفلسفة المسيحية كتبه أوغسطين في بواكير القرن الخامس الميلادي .
ويبدو لنا إن العنوانين الأخيريين جاءا من مخطوطة تعود إلى فترة متأخرة وذلك لأن الحديث عن معارضة المدن الوثنية (أو الوثنيين) أو الإشارة إلى الفلسفة المسيحية (في عنوان كتابه مدينة) في عصر أوغسطين يتعارض مع حقائق التاريخ التي تكشف بأن العالم الروماني (الوثني بعقائده من زاوية المسيحية) وفلسفاته المتنوعة عصر أوغسطين كان في مواقع القوة ، في حين كانت المسيحية في مواقع الدفاع . وإن هذا الأمر سيستمر حتى بعد قيام الإمبراطور الروماني جوستنيان بغلق المدارس الفلسفية عام 529 م (أي القرن السادس الميلادي) .
وكتاب مدينة الله في حساب الأكاديميين الغربيين ، هو واحد من أعمال أوغسطين الكبرى ، والذي يحتل مكانة بجوار رائعته الإعترافات ، وكتاب إنكريدين (باللاتينية) وبالعربية الكتاب الدليل (ويشمل الإعتقاد ، الأمل والحب) ، وكتابه العقيدة المسيحية (أو التعاليم المسيحية) ،
وكتابه الثالوث (والذي ناقش معانيه في ضوء المفهوم الفلسفي اللوغوس (العقل الكوني) .
كما وشكل كتاب مدينة الله من زاوية فلسفة التاريخ ، قلب المدنية الغربية ، وإن أوغسطين هو رمز من الرموز المسيحية الكبيرة في مضمار ما يُسمى بالمسيحية الغربية .
دوافع كتابة مدينة الله
يبدو إن فشل الإمبراطورية الرومانية في صد هجمات القوط الوثنيين بمنظار المسيحيين (وبالطبع أوغسطين واحداً منهم) كان الدافع وراء كتابة مدينة الله (الرسالة التي وجهها أوغسطين لعموم المسيحين بعد صدمة سقوط روما عاصمة الإمبراطورية بيد القوط الوثنيين) . ولذلك نحسب إن قضية سقوط الحضارة الرومانية (والسقوط تحول إلى موضوع دراسة لفلاسفة التاريخ وظهر عنواناً للعديد من مؤلفات فلاسفة التاريخ) هو الموضوع الذي حرك يراع أوغسطين ليكتب مدينة الله وليشرح فيها علاقة المسيحية (وهي في حالة تنافس) بالأديان والفلسفات الرئجة يومذاك هذا طرف . والطرف الثاني ليبين علاقة المسيحية بالإمبراطورية الرومانية ، والتي أخذت العلاقة بينهما تتداخل وتتشابك بدرجات متصاعدة يوماً بعد يوم . والشاهد على ذلك إنه كتب مدينة الله حال سقوط روما بيد القوط عام 410م ، وهي الحادثة التي هزت عالم الرومان والتي صاحبها إعتقاد شاع في الأوساط الرومانية ، إن سقوط روما رمز هيبة الإمبراطورية الرومانية جاء بسبب تخلي الرومان عن ديانة الأجداد التقليدية ، والتحول إلى شواطئ الكاثوليكية المسيحية .
إذن في ظل هذه الأجواء العصيبة ، كتب أوغسطين مدينة الله ، وذلك ليقدم العزاء والسلوى للمسيحيين ، وليبين لهم بأن القواعد الأرضية للإمبراطورية تعرضت للإنهيار (سقوط مدينة الأرض أو مدينة الإنسان) ، فإن في مدينة الله (المملكة المسيحية) سيكون الفوز والإنتصار المبين . وفعلاً فإن أنظار أوغسطين تحولت نحو السماء (الجنة) وهي مدينة الله . والحقيقة إن هذا الموضوع الذي كتب فيه أوغسطين سيكون موضوعاً مشتركاً للعديد من الكتاب المسيحيين يومذاك والفترة اللاحقة .
وبريشة فيلسوف التاريخ رسم أوغسطين تاريخ الإنسانية على إنه صراع بين ما أسماه مدينة الإنسان ومدينة الله . وإن قدر هذا الصراع محسوم لطرف مدينة الله ، وذلك لأن الناس في مدينة الله قد تخلوا عن المباهج واللذات الأرضية الزائلة ، ورهنوا بالمقابل حياتهم للحقائق الأزلية (الله = لاهوت مسيحي) وهي بالتأكيد تشكل مكونات العقيدي المسيحي . بينما الناس على شاطئ مدينة الأرض والإنسان قد غرقوا في المباهج واللذات الأرضية (لذات عالم زائل) .
صحيح جداً إن مدينة الله فيها متابعة واضحة للاهوت المسيحي . إلا إن الفكرة الأساس التي تدور حولها آليات المدينة ، هي فكرة الصراع ما بين قوتين الخير والشر . وهذه الفكرة بتقدير إجماع الأكاديميين الغربيين ، هي فكرة نزلت إلى مدينة الله من المانوية عقيدة أوغسطين السابقة (تذكر إن أوغسطين كما ذكرنا ظل في صفوف المانوية فترة تجاوزت التسع سنين ، وكان فيها بمستوى مستمع ، ومن ثم صعد إلى مصاف معلم) . وفي الحقيقة إن فلسفة المانوية تنهض على فكرة الصراع ما بين الضوء والظلمة (العتمة) أو الخير والشر . وفي حالة مدينة الله فإنها تمثل مدينة الضوء ، بينما مدينة الإنسان (الأرض) فهي مدينة الظلمة والعتمة . ونحسب على هذا الأساس (ونضيف إنه بقلمه إعترف في كتابه الإعترافات بعقيدته المانوية السابقة وهذا ما بيناه أعلاه) إستنتجوا إن أوغسطين إستبطن الأفكار المانوية في البناء الفلسفي لمدينة الله .
كما إنه من الصحيح عندما تخلى أوغسطين عن عقيدته المانوية السابقة ، تحول إلى ضفاف الشكية أولاً ومن ثم إستقر في أحضان فلسفة الإفلاطونية المُحدثة (أنظر معالجتنا لكتاب أوغسطين الإعترافات) . وهذا الكلام له دلالات مهمة ، منها إن أوغسطين لون فكرته عن مدينة الله بإطار فلسفي إفلاطوني مُحدث مع إستبطان لأفكار مانوية ، وخصوصاً في فكرة الصراع ما بين : الضوء والعتمة أو الخير والشر .
توزع كتاب مدينة الله في جزئين :
الأول – كان نقدياً (سلبياً) وضم عشرة كتب (من الأول وحتى العاشر) .
الثاني – بنائي (إيجابي تكويني) وشمل إثنتي عشر كتاباً (من الحادي عشر وحتى الثاني والعشرين) .
ركز الجزء الأول النقدي من كتاب مدينة الله على طرفين ؛ الأول وكان بعنوان نقد الرومان (وبكلماته نقد روما) وقدم فيه أوغسطين تقويماً نقدياً (وبالطبع من زاوية القس المسيحي أوغسطين) وخصص له خمسة كتب (من الأول وحتى الخامس) . وهو في الحقيقة نقد
لجوهر المكون الثقافي – الحضاري للرومان . والثاني كان بعنوان نقد الفلسفة الوثنية ، والذي تكون من خمسة كتب (من السادس وحتى العاشر) . وبالطبع جاء نقد الفلسفة اليونانية من زاوية رجل اللاهوت المسيحي أوغسطين .
أما الجزء الثاني من كتاب مدينة الله ، فدرس أطراف عدة ؛ الأول كان بعنوان إصول المدينتين (أي مدينة الإنسان ومدينة الله) وتألف من أربعة كتب (من الحادي عشر وحتى الرابع عشر) . والثاني جاء بعنوان تاريخ المدينتين (أي تاريخ مدينة الإنسان وتاريخ مدينة الله) وفكرة تطورهما (أو تقدمهما) . وتكون هذا الطرف من أربعة كتب (من الخامس عشر وحتى الثامن عشر) . والطرف الثالث والأخير من الجزء الثاني لكتاب مدينة الله فقد كان بعنوان قدر المدينتين المحتوم . وتشكل من أربعة كتب أيضاً (من التاسع عشر وحتى الثاني والعشرين) .
تعقيب
يبدو لنا إن القديس أوغسطين أو ما يسمى بفيلسوف المسيحية الغربية (وهو الشرقي الجزائري ، من مدينة عنابة) لم يكتب (أو على الأقل لم ينشر) شيئاً قبل تحوله إلى أحضان العقيدي المسيحي (وهو الذي قاوم محاولات والدته المسيحية القديسة مونيكا للإعتقاد بالمسيحية) ولمدة تجاوزت العشرين عاماً . وإذا صح هذا الإفتراض (إفتراض عدم الكتابة قبل عمر الثلاثين وقبل أن يكون مسيحياً) ، فإن كتاباته بالتأكيد تلونت بعقيدي مسيحي مُنحاز . وهذا أمر طبيعي في تاريخ حركة التفكير وتكوين العقول والذهنيات عامة وأوغسطين إنموذجاً . ولكل هذا فهناك الكثير من الأسئلة تُثار حول حيادية وموضوعية قلم القديس أوغسطين حين كتب عن الموضوعات الحساسة مثل المانوية التي كانت عقيدته لفترة تجاوزت التسع سنيين من عمره ، والديانات الرومانية – اليونانية (وهي ديانة الوالد والأصدقاء) والتي أصبحت بجرة قلم وثنية ، والإتجاهات الفلسفية من أكاديمية شكية وإفلاطونية مُحدثة ، والتي تحول إليها بُعيد إن تخلى من المانوية ، وأصبح بروفسوراً أكاديمياً للخطابة في المحكمة الإمبراطورية الرومانية في ميلانو ، نقول بجرة قلم تحولت إلى فلسفات هرطقية .
حقيقة هذا هو قدرنا في التعامل مع مؤلفات القديس أوغسطين . ولكن نحن من طرف أخر محظوظين بكتاب أوغسطين الإعترافات ، ففيه العديد من الإمكانيات التي تُساعدنا على تكوين معايير للتمييز بين الموضوعية واللاحيادية في تفكير أوغسطين بُعيد تحوله إلى معاقل المسيحية ، ومن ثم دخوله في دوامة المصالح والحسابات في عملية الإنشاء والتأليف ، خصوصاً بعد إحتلاله منزلة عالية في تراتبية الكنيسة (رئيس أساقفة) ورجل لاهوت مدافع عن العقيدي المسيحي ضد ما يُسمى بالهرطقة (وبالتحديد المانوية التي كانت عقيدته لمدة تسع سنوات وشغل فيها مستمعاً ومن ثم ترقى إلى درجة معلم) .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

مجلة أوراق فلسفية جديدة والمفكر العراقي العلماني علي الوردي ومؤتمر الجامعة الأمريكية في بيروت

أوراق فلسفية جديدة

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية متجددة

———————————————————————————-

 يُشارك الدكتور محمد جلوب الفرحان في المؤتمر العالمي الذي تقيمه الجامعة الأمريكية في بيروت ، إحتفالاً

بمرور مئة عام على ولادة المفكر العراقي علي الوردي . وكان بحث الدكتور الفرحان بعنوان الطرف الفلسفي من تفكير العالم العراقي علي الوردي.

The Philosophical Side in the Thoughts of the Iraqi Sociologist Ali Al – Wardi

 Dr. Mohamad J. Farhan

وبالمناسبة إن هذا المؤتمر سيُعقدُ في شباط 2014 ، وللفترة من 25 – 26 ، ويشارك فيه ثلاثة من الأكاديميين الكنديين من إصول عراقية ، وهم كل من البروفسور طارق إسماعيل من جامعة كيلكري ، والأستاذ الدكتور ثابت عبد الجبار عبد الله*  من جامعة يورك ، إضافة إلى الدكتور محمد جلوب الفرحان (رئيس قسم الفلسفة بجامعة الموصل سابقاً) وحالياً رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة . وبالطبع هناك حشدُ من الأكاديميين والباحثين من العراق ومن لبنان ومصر وبريطانيا ومن جامعات مختلفة …

——————————————–

* والدكتور ثابت عبد الله هو إبن عالم الفيزياء (الفلك) العراقي الشهير الدكتور عبد الجبار عبد الله (1911 – 1969) طيب الله ثراه ، والذي كان واحداً من تلاميذ عالم الفيزياء ألبرت أنشتاين ، والدكتور عبد الجبار عبد الله كان رئيساً لجامعة بغداد للفترة (1959 – 1963) .

Posted in مؤتمر علمالإجتماع العراقي إحتفالية بالعالم العراقي علي الوردي, البروفسور الدكتور ثابت عبد الجبار عبد الله / جامعة يورك / كندا, البروفسور طارق إسماعيل / جامعة كيلكري/ كندا, الجامعة الأمريكية في بيروت, عالم الفيزياء العراقي الكبير الدكتور عبد الجبار عبد الله | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

2013 in review

The WordPress.com stats helper monkeys prepared a 2013 annual report for this blog.

Here’s an excerpt:

The concert hall at the Sydney Opera House holds 2,700 people. This blog was viewed about 36,000 times in 2013. If it were a concert at Sydney Opera House, it would take about 13 sold-out performances for that many people to see it.

Click here to see the complete report.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً