الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس / نوفمبر – ديسمبر 1914

الفصيلة

من  أوراق فلسفية جديدة

(5)

 2014 / نوفمبر – ديسمبر

———————————————————————-

فصيلة تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

لندن – أونتاريو – كندا

 رئيس التحرير                                 سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان                        الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث التي تنشر فيها للتحكيم الأكاديمي

——————————————————————————

 المذهب الإقتصادي في الإسلام : الغائب والحاضر

من زاوية ميثديولوجية أكاديمية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————--

تقديم :

  كونت الإفادات الإقتصادية التي كتبها يراع الفقيه محمد باقر الصدر (1933 أو 1935 – 1980) مضماراً معرفياً قابلاً للدراسة والقراءة المقارنة المتجددة ، وخصوصاً مع نصوص تراثية ومعاصرة تقدمت عليها من الناحية الزمنية ، وبالتحديد قبل ولادة الفقيه ” الصدر ” ومنها من نشر والصدر كان فتى يافعاً . وعلى هذا الأساس فإن إفادات ” الصدر ” لم تكن الأولى في تاريخ الفكر الإقتصادي الإسلامي بطرفيه التراثي والمعاصر[1] كما يتصورها ” نفر” من الكُتاب المُتعجلين والمعصوبة عيونهم عن رؤية حقيقة تاريخ الفكر الإقتصادي الإسلامي ، وبالتخصيص في مضمار الفقه الإقتصادي والتطورات التي حدثت على لُبه وهوامشه .

  كما ويصحُ لكل من قرأ الإفادات الإقتصادية التي كتبها ” محمد باقر الصدر ” ، بصورة منتزعة من أساسها التراثي والمعاصر ، من القول بأنها دشنت نهجاً جديداً في عملية التدوين والإنشاء في دائرة الإقتصاديات الإسلامية . وكذلك في الإمكان التصريح بأن في هذا النهج حوار تحسُ بدرجة حرارته الساخنة مع مذهبين إقتصاديين عتيدين ، ولدتهما دائرة الإقتصاديات الغربية بطرفيها الرأسمالية والماركسية . وفوق ذلك فيه عودة فكرية إلى الينابيع ، حيث دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية . ولعل الحاصل من هذا الحوار ولادة ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” والذي جاهد يراع ” الصدر ” وقبله تفكيره إلى العمل إلى إعادة إكتشافه .

  توزعت الإفادات الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” في مشروع فكري شامل في عملية التدوين والإنشاء في دائرة الإقتصاديات الإسلامية ومضمارها الفكري ، والتي شغلت في الحساب الثقافي لما أنتجه يراع ” الصدر ” عقداً من السنين . فقد كانت البداية كتاب ” إقتصادنا ” والذي صدر في طبعته الأولى عام 1961 ، ومن ثم تلاه كتاب ” الإنسان المعاصر والمشكلة الإجتماعية ” والذي صدر في طبعته الأولى عام 1964 . ومن بعد ذلك جاء كتاب ” ماذا تعرف عن الإقتصاد الإسلامي ” والذي رأى النور في طبعته الأولى عام 1964 . وتبعه بحدود الخمس سنوات كتاب ” البنك اللاربوي في الإسلام ” والذي نُشر في عام 1969 . وتلته سلسلة من الأبحاث والمقالات والخطب والتي طبعت بعنوان ” الإسلام يقود الحياة [2] .

  في الواقع إن ما يُميز ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” جانبين ؛ الأول هدمي - نقدي وتقويمي للتجربة الإقتصادية الغربية بطرفيها الرأسمالي والماركسي . والثاني بنائي - تكويني فيه رفض التبعية للتجربة الإقتصادية الغربية ، كما وفيه نزعة إلى الإستقلال وإختيار الطريق الخاص الذي يُؤكد على الهوية الإسلامية . ومن الناحية الميثدولوجية فإن هذا البحث في جوهره مُثابرة فكرية تُصاحب الإفادات الإقتصادية التي كتبها يراع ” الصدر ” وتُعيدُ قراءتها بحثاً عن إجابات على الأسئلة الآتية :

أولاً - ما هي الإتجاهات العامة للنصوص الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” ؟

ثانياً - ما طبيعة اللغة والأبجديات الإقتصادية التي تداولتها النصوص الإقتصادية التي ولدتها دائرة تفكير ” الصدر ” ؟

ثالثاً - ما حدود المثابرة النقدية التي أنجزها يراع ” الصدر ” للمذاهب الإقتصادية التي أنتجها العقل الإقتصادي الغربي ؟

رابعاً - ما جوهر المجاهدة التي أنجزها ” الصدر ” في مضمار التقويم النقدي للتجارب الإقتصادية في العالم الإسلامي ؟

خامساً - ما حقيقة العمارة الفكرية التي شيدها ” الصدر ” لما إصطلح عليه ” بالمذهب الإقتصادي في الإسلام ” ؟

سادساً - هل في الإمكان صياغة مُقاربة فكرية في ” الهم الإقتصادي الإسلامي ” بين ما أنتجته دائرة تفكير ” الصدر ” وما توصلت إليه الإفادات الإقتصادية التي دونها يراع المفكر الإسلامي مالك بن نبي (1905 – 1973) وهو يخُطُ ” المشروع الإسلامي في الإقتصاد ” ؟

الإتجاهات العامة للنصوص الإقتصادية

  تُشكل النصوص الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” أبحاثاً متعددة الواجهات ، وهي تتناول ” ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” . ولاحظ الباحث إنه في كل واجهة منها إشتغلت عمليتين متوازيتين ؛ الأولى هدمية ، فيها نقد وتقويم للتجربة الإقتصادية الغربية وبطرفيها الرأسمالي والماركسي . والثانية تكوينية ، فيها بناء وتشكيل قواعد المذهب الإقتصادي في الإسلام . ولهذا نحسبُ إن نصوص كتاب ” إقتصادُنا ” قد حملت المعالجتين ؛ التنظيرية والعملية (التطبيقية) لما يمكن أن نقترحه بمباني ” عمارة المذهب الإقتصادي في الإسلام ” ومقابل العمارتين الفكريتين الغربيتين ؛ الرأسمالية [3] والماركسية [4] . ولهذا نعتقد بأن ما جاء بعد كتاب ” إقتصادنا ” هو تفصيل وشروح للنظريات وإمكانيات التطبيق للمذهب الإقتصادي في الإسلام والذي جاهد ” الصدر ” من أجل إعادة إكتشافه في الربع الثالث من القرن العشرين .

  ومن الناحية الميثديولجية إن هذا الكلام ، يحملنا على القول إن كتاب ” إقتصادنا ” ليس برسالة إقتصادية واحدة ، وإنما هو مجموعة رسائل إقتصادية ، عالجت كل واحدة منها إتجاه من إتجاهات المذهب الإقتصادي في الإسلام . ولبيان حقيقة هذه الإتجاهات سنقوم بجولة فكرية في هذه الرسائل الإقتصادية . ولعل أول ما نلحظه على كتاب ” إقتصادنا ” إنه بدأ مشاوره ، بمقدمة كتبها ” الصدر ” ، وهي في الحقيقة رسالة إقتصادية ، ناقشت جملة من الإتجاهات للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وفيها عرض لحقيقة ” التجارب الإقتصادية في العالم الإسلامي ” . وبالتأكيد هي التجارب المستفيدة من تجربة البناء في ” الحضارة الغربية الحديثة ، وهما الإقتصاد الحر القائم على أساس رأسمالي والإقتصاد المُخطط القائم على أساس إشتراكي [5]. ومن ثم تبعية التخطيط للتنمية وإمكانية التخطيط خارج المنهجين المتولدين من الحضارة الغربية [6]، وحضور العقيدة الدينية في بناء المذهب الإقتصادي في الإسلام [7]،  وأخلاقية المذهب الإقتصادي في الإسلام [8]، والبعد الإجتماعي للتنمية [9]. وإن المذهب الإقتصادي هو جزء من بناء كلي وصيغة عامة هي الإسلام ، الذي يوجه بدوره الإقتصادي ، وكل صغيرة وكبيرة في حياة المسلم [10]. وذلك لأن الإسلام حسب مفهوم ” الصدر ” ، هو صرح والإقتصادي هو بنية من ” البنيات الفوقية في ذلك الصرح الإسلامي ” [11].

  وإذا كانت تلك الإتجاهات التي ضمتها مقدمة الطبعة الثانية ، فإن مقدمة الطبعة الأولى التي كتبها ” الصدر ” كونت بحد ذاتها رسالة إقتصادية . وفعلاً فإن القارئ الحصيف ، يمكن أن يتلمس فيها الإتجاهات الإقتصادية الآتية : محاولة ضبط دلالة ” الإقتصاد الإسلامي ” ، ومن ثم التمييز بين ” علم الإقتصاد ” و ” المذهب الإقتصادي ” وذلك سعياً إلى إدراك ” مدى التفاعل بين التفكير العلمي والتفكير المذهبي [12].

   والحقيقة وردت في هذه المقدمة إشارة مكثفة بقلم ” الصدر ” والتي كونت من الزاوية الميثدولوجية ، عائقاً معرفياً في حساب وزن المشاركة والمساعدة التي قام بها ” محمد باقر الحكيم ” في كتابة الرسائل الإقتصادية لكتاب ” إقتصادنا ” . ولنبدأ أولاً بقراءة النص الذي كتبه ” الصدر ” بيراعه ، حيث قال : ” بالرغم من الجهود التي بذلتها بالتضامن مع عضدي المفدى العلامة الجليل السيد محمد باقر الحكيم ، في سبيل إنجاز هذه الدراسة … (هكذا وردت ) ” [13]. والسؤال الميثديولوجي البالغ الأهمية ؛ ما حجم المساهمة (أو لنقل المساعدة) التي قدمها ” الحكيم ” في إنجاز كتابة ” إقتصادنا ” ؟

  ونحسب هذا حق ، خصوصاً وإن شهادة ” الصدر ” مسجلة في الكتاب ومحفوظة في كل الطبعات التي صدر بها الكتاب . ومات ” الصدر ” ولم يسأله كاتب عن دلالات هذا ” الخطاب الملغز ” . كما ولم تظهر دراسة أو بحث يبين حقيقة هذا المشكل الميثديولوجي الذي ورد صريحاً في خطاب ” الصدر ” . وكذلك لم يثير أحدُ هذا المُشكل أمام أنظار ” الحكيم ” وهو حي يرزق (والذي عاش بحدود الثلاثة عقود من الزمن بعد موت ” الصدر”) . وهكذا دُفن سر هذا المشكل الميثديولوجي مع وفاة الإثنين .

   والباحث هنا يحدوه آمل في أن يجري نقاش وتكتب أبحاث فيها مقابلات مع المقربين من ” الصدر ” و ” الحكيم ” وبالتحديد حول هذا المشكل الميثديولوجي . وعلى هذا الأساس يُحدد حجم ما أنتجه ” الصدر ” من كتاب إقتصادنا ، وهو بالتأكيد كبير و رئيس ، وإن يبين مقدار وحجم مساهمة ” الحكيم ” في كتابة إقتصادنا وذلك لترجمة خطاب ” الصدر ” السابق إلى حقيقة واضحة للجميع وخصوصاً للأكاديميين الذين يحملون ” فانوس ديوجانس ” وهم يتطلعون إلى رؤية الحقيقة في النهار ، فيكون مهادهم اليقين الذي يُبدد كل شكوك ما أدركته الحواس وما وعته العقول .

  ولعل من المنصف التأكيد على سمة تميز بها يراع ” الصدر ” ، وهي سمة التواضع ، وهو العالم والمفكر المتمكن من الدرب الذي يحرث فيه ، فيقول بتواضع العلماء : إن هذا الكتاب ” هو محاولة بدائية …للغوص في أعماق الفكرة الإقتصادية في الإسلام وصبها في قالب فكري ليقوم على أساسها صرح شامخ للإقتصاد الإسلامي ” [14] . إنه متواضع في محصول عصارة فكره وما خطه قلمه ، بالرغم من علو مكانته العلمية ، فهو يتحسس هنا مسؤوليته النازعة إلى تعليم الأجيال أخلاق الإسلام ، التي ترفض ” التكبر والتعالي ” .

  ولهذا كان كتاب إقتصادنا ” محاولة بدائية ” حسب خطاب ” الصدر ” . إنها كلمات مهمة من الزاوية الميثديولوجية من طرف . كما وإن لها دلالة عميقة في وجدان الباحث ، ودرس تربوي ينبغي أن نتعلمه من هذا المفكر الإسلامي . ونحسب إن المهم في هذه الأجواء من التواضع ، هو تأكيده على ما يميز المثابرة البشرية مهما كان إبداعها ، فيقول ” فيجب إذن أن يُدرس هذا الكتاب بوصفه بذرة بدائية لذلك الصرح الإسلامي [15] .

  والسؤال ؛ ماهي الإتجاهات التي ضمتها فصول كتاب إقتصادنا ؟ والجواب إن الفصل الأول كان رسالة إقتصادية تبحث في العمارة الفكرية للمذهب الماركسي [16] . وتوزع هذا الفصل بدوره في مضمارين ؛ الأول تدارس علم الإقتصاد والتاريخ الماركسي [17] . والثاني بحث في مذهب الماركسية في الإقتصاد [18] . وكان الفصل الثاني رسالة إقتصادية ركزت بحثها حول المذهب الرأسمالي [19] ، وتناولته من طرفين ؛ الأول ” الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية ” [20] . والثاني ” الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمها الأساسية ” [21] .

  أما الفصل الثالث فيكون بحد ذاته إتجاهاً خاصاً من المذهب الإقتصادي في الإسلام ، فهو مشروع دراسة كبير ، وتوزع في مجموعة رسائل إقتصادية تناولت كل واحدة منها مفصلاً من مفاصل ” إقتصادنا في معالمه الرئيسية [22] . ولاحظنا إن الرسالة الأولى قد درست ما أسماه ” الصدر ” الهيكل العام للإقتصاد الإسلامي [23] ، وفي ثلاثة جوانب ؛ الأول مبدأ الملكية [24] ، والثاني مبدا الحرية الإقتصادية [25] ، والثالث مبدأ العدالة الإجتماعية [26] .

  في حين جاءت الرسالة الثانية بعنوان ” الإقتصاد الإسلامي جزء من كل [27] والتي تناولت مضماراً في غاية الأهمية وذلك لأن الإقتصاد الإسلامي حسب رؤية ” الصدر ” يُشكل ” جزء من صيغة عامة للحياة ” ويعتقد إن في هذا التناول للإقتصاد ” يستقيم منهج البحث في الإقتصاد الإسلامي ، حيث يدرس الإقتصاد الإسلامي بما هو مخطط مترابط ، وبوصفه جزءاً من الصيغة الإسلامية العامة للحياة ” [28] .

  بينما بحثت الرسالة الثالثة ، والتي كانت بعنوان ” الإطار العام للإقتصاد الإسلامي [29] في سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام [30] . وعالجت الرسالة الرابعة موضوعاً في غاية الأهمية والذي جاء بعنوان ” الإقتصاد الإسلامي ليس علماً [31] وذلك لأن المذهب الإسلامي كما يعتقد الصدر ” لا يزعم لنفسه الطابع العلمي ، كالمذهب الماركسي ، كما إنه ليس مجرداً عن أساس عقائدي معين ونظرة رئيسية إلى الحياة والكون ، كالرأسمالية[32] .

  وتلت ذلك الرسالة الإقتصادية الخامسة ، والتي جاءت بعنوان ” علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج [33] والتي بحثت في عمليتين مختلفتين ، وهما عملية الإنتاج وعملية التوزيع [34] . أما الرسالة السادسة فدرست موضوعاً بالغ الأهمية ، وهو موضوع ” المشكلة الإقتصادية في نظر الإسلام ، وحلولها [35] .

  وإذا إنتقلنا إلى الفصل الرابع ، فإننا نُمسكُ بواحد من أهم الإتجاهات الإقتصادية في كتاب إقتصادنا . ونحسبُ على أساس الفهم العام لهذا الفصل ، إنه مثابرة صدرية عالية في التحليل المعرفي والكد الفكري النازع إلى ” إكتشاف المذهب الإقتصادي [36]. وهذا الفصل بحد ذاته تألف من جملة رسائل إقتصادية بحثت في جزئيات من فعل إكتشاف المذهب الإقتصادي في الإسلام . والشاهد على ذلك إنها درست ” المذهب الإقتصادي والإسلام ” [37]، و ” النظام المالي ” [38] ، و ” منطقة الفراغ في التشريع الإقتصادي ” [39] ، و ” عملية الإجتهاد والذاتية ” [40] .

  ولعل من النافع الإشارة إلى إن الفصول السابقة والتي كتبها ” الصدر ” مُجمعة ، وفي رسائلها الإقتصادية المتنوعة ، شكلت إتجاهاً إقتصادياً عاماً ، فيه حوار نقدي ساخن مع المذهبين الإقتصاديين الغربيين (أي الرأسمالية والماركسية) وبالإستناد إلى مرجعية إسلامية . وهذا صحيح بحدود الفصول السابقة ، إلا إن القضية تختلف حينما ندخل إلى عتبات الفصول اللاحقة ، والتي بدورها تعاملت فعلاً مع إتجاه إقتصادي من نوع مختلف ، إتجاه فيه رجعة فكرية إلى معاقل الروافد الفقهية الإقتصادية الإسلامية ، ونصوصها المتداولة لفترة قرون من الزمن مضت . وفعلاً فإن البحث في تفاصيل هذا الإتجاه الإقتصادي ، يحملنا على القول إن الفصل الخامس والذي حمل عنوان ” نظرية توزيع ما قبل الإنتاج ” ، هو نوع من البحث في الأحكام [41]. وبالطبع سيعود ” الصدر ” إلى هذه النظرية في الفصل السادس .

  والحقيقة إن الفصل الخامس ، هو رسالة إقتصادية إسلامية ، تحمل الكثير من المُقاربات مع جهود ناجزة في دائرة الإقتصاديات الإسلامية . وللإستشهاد التاريخي ، نذكر أمثلة ، منها ما قام به ” الماوردي ” (972 – 1058م) في كتاباته الإقتصادية [42] ، والنصوص التي عالجت الإقتصاديات في مضمار الأدب السلطاني ، من مثل نصوص ” الطرطوشي ” (1059 – 1127م) في كتابه الشهير المعنون ” السراج [43] ، و ” إبن الحداد ” (649 هجرية) في كتابه ” الجوهر النفيس [44].

  ومن الفصول التي كتبها قلم ” الصدر ” وفيها عودة فكرية إلى دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية ، الفصل السادس والذي حمل عنوان ” نظرية توزيع ما قبل الإنتاج [45]. وهو في حقيقته بحث في مضمون النظرية الإقتصادية . وفيه جهد معرفي في الإقتصاديات ، يعتمد نهجاً نقدياً تركيبياً ، ينزع فيه نحو شواطئ إنشاء نظرية إقتصادية إسلامية ، وفعلاً فإنه أسس عمارتها على قراءة عالية للنصوص الإقتصادية الإسلامية . وأحسبُ في عنوان متعلق بهذا الفصل ، والذي جاء بعنوان ” ملاحظات [46] ، يواجهنا إشكال من الزاوية الميثدولوجية فيه خلط لأوراق مبحث النظرية الإقتصادية في مضمار المعايير الإخلاقية . وهو من منظور ” الصدر ” من الموضوعات البالغة الأهمية في مضمار ” النظام الإقتصادي في الإسلام ” . وإن أهمية هذا الموضوع تأتي من طرف إنها ناقشت سمة من سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام . ونعني بها ” أخلاقية النظام الإقتصادي ” . وفعلاً عالج ” الصدر ” فيه الإتجاه الأخلاقي للإقتصاديات الإسلامية ، وتحت عنوان ” التفسير الخلقي للملكية في الإسلام [47].

  كما وقدم ” الصدر ” في الفصل السابع ، شهادة على إتجاه العودة الفكرية إلى دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية وهذا هو الطرف الأول من هذا الفصل ، أما الطرف الثاني فهو يقدم لنا شخصية ” الصدر ” وهو في الطوابق العالية من عمارة التكييف للإفادات الإقتصادية الإسلامية لتتناغم مع حركة الثروة والإنتاج في العالم الإسلامي ، ولذلك جاء هذا الفصل يحمل عنواناً دالاً ، وهو ” نظرية التوزيع ما بعد الإنتاج [48]. وفعلاً فإنه في هذا الفصل ناقش خصائص المذهب الإقتصادي في الإسلام ، مع ملاحظة إنه تخطى النصوص الإقتصادية الإسلامية ، وحلق عالياً ، فعقد مُقارنات مُستفيضة مع المذهبين الإقتصاديين الغربيين ؛ الرأسمالية [49] والماركسية [50]. ولاحظنا إن إشكالاً ميثدولوجياً واجه ” الصدر ” في هذا الفصل وهو يدرس أطرافاً أخرى من البحث ، ووجدناه يفضل مناقشتها تحت عنوان فرعي ، حمل يافطة ” ملاحظات[51] وتحت ظلالها ناقش قضايا إقتصادية أخرى ، وهي في جوهرها الأساس ، بعض من سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام . ونحسبُ من الزاوية الميثدولوجية إن هذا التقطيع لأوصال البحث ، فيه إنحياز غير مبرر لبعض السمات ، والتي وضعها فعلاً في قلب الواجهات الأمامية . في حين سحب سمات أخرى ووضعها في عنوان هامشي ” ملاحظات ” وهو هامش مقطوع الصلة ، ولا رابط يصله بوريد الواجهات .

  وكون الفصل الثامن والذي جاء بعنوان ” نظرية الإنتاج ” مُثابرة معرفية عالية ، وكد فكري فريد نزع إلى إستنباط موقف إقتصادي إسلامي تجاه قضية بالغة الأهمية في دائرتي الإقتصاديات الإسلامية والإقتصاديات الغربية الوافدة إلى دارنا الإسلامية . وفعلاً فإن هذا الموقف الإسلامي تولد خلال مجاهدة قلم ” الصدر ” وهو يبحث في ” وسائل الإنتاج في الإسلام ” وفي الرأسمالية والماركسية [52].

  وعندما نصل في رحلتنا المعرفية مع كتاب إقتصادنا ، عند عتبات الفصل التاسع ، والذي جاء بعنوان ” مسؤولية الدولة في الإقتصاد الإسلامي [53] ، فإننا ندخل إلى أجواء التأصيل النظري العالي ، الذي أنجزه ” الصدر ” للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وفعلاً فقد قام بفعل تكييف فكري للإفادات الإقتصادية والمدركات الإسلامية ، وذلك سعياً إلى توليد مجموعة سمات طبعت المذهب الإقتصادي في الإسلام . ومن خلالها رسم ” الصدر ” الطريق المستقل للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وكل ذلك جاء في مثابرته الباحثة في ” الضمان الإجتماعي وأسسه [54] ، و ” التوازن الإجتماعي [55] و ” مبدأ تدخل الدولة في الحياة الإقتصادية ” سمات مضافة إلى سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام [56].

  ونواجه في الفصل الأخير والذي حمل عنوان ” الملاحق [57] ، عودة فكرية صدرية إلى دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية ، وهي في جوهرها فعل إعادة إنتاج لها لتكون جزءاً من مضمار المذهب الإقتصادي في الإسلام . والحقيقة هذه العودة الصدرية الفكرية تناولت بالبحث موضوعات إقتصادية ، من مثل ” بحث في إستثناءات من ملكية المسلمين لأراضي الفتح ” [58] ، و ” بحث في شمول حكم الأرض الخراجية لموات الفتح ” [59] ، و ” بحث في أثر إحياء الأرض هو الملكية أو الحق ” [60] ،  ومن ثم ” بحث في جواز الأرض المحياة ” [61] ، و بحث ” لا تمييز بين أنواع الأرض التي أسلم عليها أهلها ” [62] ، و ” حكم العيون النابعة في الأرض المملوكة ” [63] ، و ” بحث في تملك للعين التي يستنبطها ” [64] ، و ” بحث في وجوب إعارة القناة عند الإستغناء عنها ” [65] ، و ” إلحاق المعدن بالأرض ” [66] ، و ” الطير يُملك بالصيد وإن لم تتم حيازته ” [67] ، و ” الفرق بين التملك بالصيد والتملك بالحيازة ” [68] ، و ” بحث في تملك الشخص لما يحوزه المتبرع أو الوكيل أو الأجير ” [69] ، و ” بحث في إن المالك بالحيازة هو المحاز له لا الحائز ” [70] .

  وبالرغم من إنها نصوص إقتصادية ، فإنها تجاهلت حركة الزمن وقيام حكومات مختلفة وأنظمة سياسية متنوعة تدير شؤون البلدان الإسلامية عامة والعراق على وجه الخصوص ، ولها سياسات إصلاح زراعي حولت النصوص الفقهية الإقتصادية عامة ، والفقهيات الخاصة بملكية وحيازة الأرض إلى حكاية لفها التاريخ في ذمته . فهي في التقويم النهائي نصوص إقتصادية فقهية معجونة بطعم فقهي صدري ، يرقى إلى مصاف النصوص الإقتصادية التي ولدتها دائرة الإقتصاديات الإسلامية في عصرها الذهبي . وفي الوقت ذاته لاحظنا إنها مثابرة صدرية نزعت إلى إنشاء مذهب إقتصادي يتوسط بين المذهبين الإقتصاديين الغربيين (أي مذهب إقتصادي إسلامي يتوسط بين الرأسمالية والماركسية) . وهذا منح المذهب الإقتصادي في الإسلام ، إمكانية تخطى بها دائرة الفقهيات الإقتصادية ، ومس الواقع المتجدد للعالم الإسلامي . كل ذلك تحقق من خلال نجاح قلم ” الصدر ” في رصد وتحليل واقع العالم الإسلامي ، وقدرته في تكييف الإفادات الفقهية في الإقتصاد لتتناغم وتتوائم والمستجدات الحادثة في قشرته ولُبه .

طبيعة اللغة وأبجديتها الإقتصادية

  وفي البدء أسئلة ؛ ما هي طبيعة اللغة الإقتصادية التي سادت في النصوص الإقتصادية التي دونها قلم ” الصدر ” ؟ وما هو الطريق الذي إختاره لتحديد المفهوم الإقتصادي ؟ لاحظ الباحث إن اللغة التي تداولها ” الصدر ” في نصوصه الإقتصادية ، قد تميزت بدرجات عالية من الدقة والوضوح . ولعل ذلك يعود حسب إعتقادنا إلى علو كعبه في الدراسات المنطقية [71] ، وبالتحديد في مضمار نظرية التعريف [72] . فمن الملاحظ إن قلمه لم يبدأ مناقشة أي موضوع إقتصادي ، إلا وإستهلها بضبط معنى المفهوم الإقتصادي ودلالته . وهذا يعني من زاوية البحث المنطقي ، إن تحديد المفاهيم وضبط معانيها وتعيين دلالاتها ، هي الخطوة الأولى الصحيحة في مسار البحث .

  ونحسبُ إن ما يُميزُ عمل ” الصدر ” في مضمار التدوين والكتابة الإقتصادية ، إهتمامه غير الإعتيادي في تركيب الجملة الإقتصادية . فالقارئ لكتاب إقتصادنا مثلاً ، يلحظ إن التركيب اللغوي للجملة ينساب ، دون مبالغة أو تكلف ، إنسياب نهر حركته هادئة ، إلا إنها تروي ضمأ الأراضي العطشى . والحقيقة إن ما حملنا على تناول هذا المبحث المهم والخطير في مضمار العلوم عامة ، والعلوم الإنسانية خاصة ، إن قلم ” الصدر ” أكد بصورة صريحة على الدور الذي تلعبه المفاهيم في تحديد معالم المذهب الإقتصادي في الإسلام . فقد أشار بوضوح إلى أهمية المفاهيم ، وما لها من وظيفة ، فأفاد قائلاً : إنها ” تُشكل جزءاً مهماً من الثقافة الإسلامية [73].

  ولعل الشاهد على حضور نظرية التعريف في النصوص الإقتصادية التي كتبها ، إنه إستهل أبحاثه بتحديد للفظة ” المفهوم ” . فقد لاحظنا إنه يُعرفه بكونه ” كل رأي للإسلام يُفسرُ واقعاً كونياً أو إجتماعياً أو تشريعياً ” [74]. إن هذا الضبط لمعنى المفهوم ودلالاته المتنوعة ، يُعدُ مثابرة صدرية في صياغة المفاهيم والإصطلاحات الإقتصادية ، وذلك سعياً إلى وضع أو صياغة ” مُعجم إقتصادي ” حيث يشمل كل جوانب اللغة وأبجديتها الإقتصادية .

  كما وقدم في هذا المضمار كشفاً عن الدور الذي تلعبه المفاهيم ، فهي حسب رؤيته ، تُفيدنا في معرفة جوهر ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” ، وخصوصاً ذلك ” القسم من المفاهيم الإسلامية الذي يتصل بالحياة الإقتصادية وظواهرها .. ” [75]. ولاحظنا إنه لم يكتف بالتنظير ، وإنما تطلع إلى تقديم درس تطبيقي ، وذلك لبيان الدور الذي تلعبه المفاهيم . وفعلاً فإنه إختار مفهومين إسلاميين في الإقتصاد ؛ الأول هو مفهوم الملكية الخاصة [76]. والثاني مفهوم التداول [77]. ومن ثم بين إن وظيفة المفاهيم ، هي القيام ” بدور الإشعاع على بعض الأحكام ، وتيسير مهمة فهمها من نصوصها الشرعية ” [78].

 وبإلتفاتة صدرية بالغة الأهمية ، لاحظ ” الصدر ” الدور الذي تلعبه المفاهيم في شرح معالم الطريق الذي يُؤدي إلى إنارة ما يُسمى بالمناطق الفارغة والتي تحتاج إلى تدخل فقهي ، وذلك من حيث إن ” بعض المفاهيم يقوم بإنشاء قاعدة يرتكز على أساسها ملء الفراغ الذي أعطي لولي الأمر حق ملئه . فالمفهوم الإسلامي عن التداول … يصحُ أن يكون أساساً لإستعمال الدولة صلاحيتها في مجالات تنظيم التداول ، فتمنع … كل محاولة من شأنها الإبتعاد بالتداول عن الإنتاج وجعله عملية لإطالة الطريق بين المستهلك و السلعة المنتجة ، بدلاً عن أن يكون عملية إعداد للسلعة وإيصال لها إلى يد المستهلك ” [79].

  ومن ثم تابع الفقيه ” الصدر ” دراسته في تحديد موضوع المفاهيم . وهذه المتابعة جاءت بهدف إنجاح عملية الإجتهاد ، ولذلك أعلن إن ذلك لا يتحقق إلا من خلال الضبط اللغوي لمعاني المفاهيم ودلالاتها . ونحسب إن هذه العملية تُساعد بدورها على فهم النص ، ولذلك فصل ” الصدر ” في مستويات الضبط اللغوي لمعاني المفاهيم ، فأشار إلى إن ” من الإطارات الفكرية ” التي تلعب ” دوراً فعالاً في عملية فهم النص ؛ الإطار اللغوي ، كما إذا كانت الكلمة الأساسية في النص لفظاً مشحوناً بالتاريخ ، أي ممتداً ومتطوراً عبر الزمن … فمن الطبيعي أن يُبادر الممارس بصورة عفوية إلى فهم الكلمة ، كما تدل عليه في واقعها ، لا في تاريخها البعيد . وقد يكون هذا المدلول حديثاً في عمر الكلمة ، ونتاجاً لغوياً لمذهب جديد ، أو حضارة ناشئة ، ولأجل ذلك يجب عند تحديد معنى النص الإنتباه الشديد إلى عدم الإندماج في إطار لغوي حادث ، لم يعش مع النص منذ ولادته [80].

  ولاحظ الباحث الأكاديمي في نصوص ” الصدر ” الإقتصادية ، إلى إنه قدم في مضمار اللغة الإقتصادية ، مثابرة تطبيقية نزعت إلى تحديد المصطلح الإقتصادي . وهذه المثابرة برمتها تكشف عن إدراك واع لأهمية توافر المُعجم الإقتصادي ، ودوره في فهم المباني الشاملة للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وفعلاً فقد أعلن في مثابرته التطبيقية ، عن ضرورة تحديد بعض الإصطلاحات ” منذ البدأ [81] ، أي الخطوة الأولى ، وبالتحديد من مثل ” مبدأ الملكية المزدوجة ” ، ومن ثم ذهب مُعرفاً هذا المصطلح بكونه ” المبدأ الإسلامي في الملكية الذي يُؤمن بأشكال ثلاثة لها وهي : الملكية الخاصة ، وملكية الدولة ، و الملكية العامة [82].

  ونلحظ إن ” الصدر ” وسع من مثابرته ، وفعلاً تناول بالتعريف إصطلاحات إقتصادية ، من مثل ” ملكية الأمة ” وعرفها بكونها ” نوعاً من الملكية العامة ” [83] و ” ملكية الناس ؛ وهي أيضاً نوع من الملكية العامة ” [84] و ” الحق الخاص ” والذي يعني به ” درجة من إختصاص الفرد بالمال ” [85] ، و ” الإباحة العامة ” ، وهي ” حكم شرعي يسمح بموجبه لأي فرد بالإنتفاع بالمال وتملكه ملكية خاصة ” [86].

  ومن الإصطلاحات المهمة التي إنشغل بها مُعجم الصدر الإقتصادي ، وتطلع فعلاً إلى ضبط معانيها ودلالاتها ، إصطلاح ” الثروة ” والتي كما يبدو فضلها على إصطلاح ” رأس المال ” ، بالرغم من ملاحظتنا من إن نصوصاً إقتصادية صدرية متنوعة قد تداولته . ومن الأمثلة التي تداول فيها إصطلاح ” الثروة ” ، المضمار الذي جاء بعنوان ” مفهوم الإسلام عن الثروة ” وفيه بحث عن هذا الإصطلاح ، فأشار إلى إن تنمية الثروة ” هدف من الأهداف المهمة ولكنه هدف طريق لا هدف غاية ، فليست الثروة هي الهدف الأصيل الذي تضعه السماء للإنسان الإسلامي على وجه الأرض ، وإنما هي وسيلة يؤدي بها الإنسان الإسلامي دور الخلافة [87]. ومن ثم يتابع في توضيح مسارات حركة ” الثروة ” ، فيذهب إلى إن الإسلام ” يريد من الإنسان الإسلامي أن يُنمي الثروة ليُسيطرعليها ، وينتفع بها في تنمية وجوده ككل ، لا لتسيطر عليه الثروة … وتمحو من أمامه الأهداف الكبرى [88].

  والحقيقة إن ما يُميز المثابرة الفكرية التي أنجزها ” الصدر ” في عملية التدوين الإقتصادية الإسلامية في القرن العشرين ، عن سواها من الدراسات الأخرى ، إنها تميزت بضبط معنى ودلالة المُفردة الإقتصادية . وهنا نحاول القيام بفعل مسح إستقرائي للمفاهيم الإقتصادية التي تداولها نص إقتصادنا ، وهدفنا توفير للقارئ مُعجماً إقتصادياً لهذا الكتاب . وبالتأكيد سنسعى إلى تقديم الإمثلة و الإستشهادات كلما كان ذلك ممكناً وساعدنا النص .

  فعلاً تداولت النصوص الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” مادة أولية لكتابة معجم يتألف من مفاهيم إقتصادية متنوعة ، من مثل : ” التخلف الإقتصادي ” و ” التقدم الإقتصادي ” و ” التبعية الإقتصادية ” و ” المجال الإقتصادي ” و ” الحياة الإقتصادية ” و ” التطوير الإقتصادي ” و ” البناء الإقتصادي ” و ” الإقتصاد الحر ” و ” الإقتصاد الإشتراكي ” [89] ، و ” التنمية ” و ” التنمية الإقتصادية ” [90]، و ” التحدي الإقتصادي ” و ” الصعيد الإقتصادي ” و ” المنهج الإسلامي ” و ” النظام الإقتصادي ” و ” النظام الإقتصادي في الإسلام ” و ” وجهة نظر إقتصادية ” [91]، و ” فاعلية الإقتصاد ” و ” المذاهب الإقتصادية ” و ” المنهج الإقتصادي ” [92].  وبالطبع ” علم الإقتصاد ” والتي جرد ” الصدر ” الإقتصاد الإسلامي منها ، وفضل إطلاق إصطلاح المذهب عليه بدلاً من إصطلاح العلم كما أشرنا سابقاً .

   لقد أسهمت دائرة تفكير ” الصدر ” في تكوين مُعجم إقتصادي ، وكان الهدف إشاعة لغة إقتصادية ، تتشكل من ألف باء إقتصادي ، وحصيلته النهائية إثراء الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة . وهنا نرغب في وضع القارئ في أجواء هذه المثابرة المعجمية التي أنجزها ” الصدر ” في مضمار ما إصطلح عليه ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” ، فأفاد ” بودي أن أقول هنا وفي المقدمة شيئاً عن كلمة … الإقتصاد الإسلامي … وما أعنيه بهذه الكلمة حين أطلقها لأن كلمة الإقتصاد ذات تاريخ طويل … وقد أكسبها ذلك شيئاً من الغموض نتيجة للمعاني التي مرت بها ، وللإزدواج في مدلولها بين الجانب العلمي من الإقتصاد والجانب المذهبي [93].

  صحيحُ جداً إن واحدة من أهم مشكلات اللغة في التداول اليومي وكذلك المعرفي ، هو تعدد معاني ودلالات المفردة الواحدة ، والتي أطلق عليها ” الصدر ” الإصطلاح المركب ” و” الإزدواج في المدلول ” . وإن حل هذا الإشكال اللغوي ، ونزعه من ساحة التداول في المضمار المعرفي ، يتطلب الإقدام على صياغة معجم متخصص ، يضبط معاني المفاهيم الإقتصادية ، ويُحددُ دلالاتها . وفعلاً تقدم ” الصدر ” بضبط معاني ودلالات ” علم الإقتصاد ” و ” المذهب الإقتصادي ” . وهي جزء من شواهد تطبيقية على النزعة المعجمية للإقتصاد في الإسلام ، والتي تطلع ” الصدر ” من خلالها إلى ضبط اللغة وأبجديتها الإقتصادية . ولهذا عرف ” علم الإقتصاد ” بكونه ” العلم الذي يتناول تفسير الحياة الإقتصادية وأحداثها وظواهرها ، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيها ” [94]. ومن ثم عرف ” المذهب الإقتصادي ” بكونه ” عبارة عن الطريقة التي يفضل المجتمع إتباعها في حياته الإقتصادية ، وحل مشاكلها العملية ” [95].

  وإذا كانت هذه التعريفات نماذج وأمثلة ، فإن الكتاب (أي إقتصادنا) نص ركز بحثه على مثل هذه التعريفات ، والتي سنشير إليها كلما إحتاج البحث إليها . غير إننا نعود إلى دائرة الإصطلاح الإقتصادي و المفردة الإقتصادية ، التي تداولتها النصوص التي كتبها ” الصدر ” . ومن هذه المفردات والأدق المفاهيم ، هي القائمة الآتية ؛ ” الحرية الإقتصادية ” و ” التفكير الإقتصادي ” و ” علم الإقتصاد السياسي ” و ” سياسة إقتصادية ” و ” القيمة والصادرات ” [96]، ومن ثم ” الإنتاج الزراعي ” و ” قيمة السلعة ” و ” الربح والتوزيع ” [97].

  ونحسب من الناحية الميثديولوجية ، إن من التعريفات المهمة ، التي كان يتوجب أن تتصدر المعجم الإقتصادي المأمول ، هو تعريف ” الإقتصاد الإسلامي ” وهو المفهوم المركزي والمفتاح في آن واحد والذي كان من الناحية المنهجية الأكاديمية أن يبدأ تعريفه في السطور الأولى من مقدمة كتاب إقتصادنا . وفعلاً إن ” الصدر ” إنتبه إلى أهمية هذا التعريف المفتاح ، فتقدم بصيغة تعريف له جاءت بُعيد ” سبع وعشرين صفحة من المقدمة ” ، وعرفه بأنه ” المذهب الإقتصادي للإسلام ، الذي تتجسد فيه الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الإقتصادية ، بما يملك هذا المذهب ويدل عليه من رصيد فكري ، يتألف من أفكار الإسلام الأخلاقية والأفكار العلمية الإقتصادية أو التاريخية التي تتصل بمسائل الإقتصاد السياسي أو بتحليل تاريخ المجتمعات البشرية ” [98].

  ومن النافع إخبار القارئ إلى إن قلم الفقيه ” الصدر ” ، قد ألم بإصطلاحات المذهب الإقتصادي الماركسي ، وكان في الواقع إلمام بدرجات عالية . ولهذا سنتابع مراجعة نصوص ” الصدر ” والتي كان فيها حضور للإقتصاد الماركسي . ولعل أول ما نشير إليه ، هو إن عينات النصوص الصدرية ، قدمت لنا الإصطلاحات الماركسية الآتية ؛ ” المسائل الإقتصادية “[99] و ” الحقائق الإقتصادية ” و ” قوانين الإقتصاد ” [100]. وضمت القائمة ” العامل الإقتصادي “[101] و ” الوضع الإقتصادي ” [102] و ” الإنتاج ” و ” علاقات الإنتاج ” و ” علاقات الملكية ” [103] و” القوى المنتجة ” و”وسائل الإنتاج ” [104] و” الأداة المنتجة ” [105] و ” الملكية الإشتراكية ” [106]و” الملكية الشيوعية ” و ” الظروف الإقتصادية ” [107]و” العلاقات الإقتصادية “[108] و ” الألوان الإقتصادية “[109] و ” النفوذ الإقتصادي ” و ” المصالح الإقتصادية “[110] و ” المصلحة الإقتصادية الطبقية [111] و ” قوى العامل الإقتصادي “[112] و ” الرأسمال الصناعي “[113] و ” الكيان الإقتصادي ” و ” الطابع الإقتصادي ” و ” فائض القيمة “[114] و ” العمليات الإقتصادية “[115] و ” التكوين الإقتصادي “[116] و ” الإطار الإقتصادي “[117] و ” الأساس الإقتصادي “[118] و ” الشروط الإقتصادية “[119] و ” القوى الإقتصادية “[120] و ” القاعدة الإقتصادية “[121] و ” الظاهرة الإقتصادية ” و ” القيمة التبادلية “[122] و ” القيم الإقتصادية “[123] و ” المفهوم الإقتصادي “[124] و ” الجهاز الإقتصادي ” و ” المداخيل “[125] و ” التحول الإقتصادي “[126] و ” الأشكال  الإقتصادية ” و ” التركيب الإقتصادي ” و ” إقتصاديات البيت “[127] و ” الإستثمار “[128] و ” التراكم الرأسمالي “[129] و ” الطبيعة الإقتصادية “[130] و ” الوجه الإقتصادي “[131] و ” ريع الأرض ” و ” الريع العقاري “[132] و ” الريع التفاضلي ” و ” الريع المطلق ” و ” القيمة الإستعمالية ” و ” القيمة التبادلية “[133] و ” قانون القيمة ” و ” قوانين العرض و الطلب “[134] و ” الندرة أو المنفعة الحدية “[135] و ” قيمة السلعة ” و ” القيمةالفائضة “[136] و ” الربح الرأسمالي “[137] و ” الحاجة والفاقة “[138] و ” الضرورة الإقتصادية “[139] و ” الإحتكار “[140] و ” العلوم الإقتصادية “[141] و ” التوزيع “[142] و ” الإقتصاد الرأسمالي ” و ” الإقتصاد الماركسي [143] و ” الإقتصاد المزدوج [144] و ” التخطيط الإقتصادي المركزي “[145] و ” التأميم ” و ” محو الملكية الخاصة “[146] و ” مبدأ التوزيع : من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ” [147]

  ونحسب إنه من المفيد الإشارة إلى إن  هذا الطرف من المعجم الإقتصادي ، ضم مثابرة نقدية للإصطلاحات الإقتصادية الماركسية  ، ومن ثم تقويم يستند إلى مرجعية المذهب الإقتصادي في الإسلام الذي كونه ” الصدر ” بيراعه الفقهية .

  كما وتكشف النصوص التي كتبها ” الصدر ” عن مثابرة نقدية تحليلية لإصطلاحات المذهب الإقتصادي الرأسمالي . وبينت هذه المثابرة في الوقت ذاته عن فعل إستيعاب لمضمون هذه الإصطلاحات ، التي تولدت ، ومن ثم نمت في أرض الثقافة الغربية ، التي كانت الأرض الشرعية الحاضنة لها . ولذلك نرى إن حضورها في المعجم الإقتصادي المأمول ، هو حضور الوافد الثقافي ، ولهذا جاء التعامل معه من زاوية نقدية تقويمية وبالإستناد إلى المذهب الإقتصادي في الإسلام . ومن هذه الإصطلاحات ؛ ” الملكية الخاصة “[148] و ” الحركة الإقتصادية ” و ” حرية الإستهلاك ” و ” حرية الإستغلال ” و ” الحرية في الإنفاق ” و ” حرية التملك “[149] و ” الأحداث الإقتصادية “[150] و ” قوانين الإقتصاد الطبيعية ” و ” الإقتصاد العلمي ” و ” الإقتصاد المذهبي [151] و ” قانون الغلة المتزايدة ” و ” قانون العرض والطلب “[152] و ” قوانين الإقتصاد الكلاسيكي ” و ” الإنسان الإقتصادي “[153] و ” قوانين توزيع الدخل ” و ” الربح والفائدة والريع ” و قوانين الأجور [154] و ” جهاز السوق ” و ” تحديد الأسعار “[155] و ” الحرية الإقتصادية ” و ” مصالح الفرد “[156] و ” تنمية الإنتاج “[157] و ” الموقف الإقتصادي “[158] و ” الشركة والشركات ” و ” النشاط الإقتصادي “[159] و ” المعترك الإقتصادي “[160] و ” المجال الإقتصادي “[161].

  وإن إستناد الباحث إلى صيغة الحساب الثقافي للإصطلاحات الواردة في المعجم الإقتصادي المأمول ، والذي نهض على قراءة إستقرائية للنصوص التي كتبها ” الصدر ” في كتاب إقتصادنا ، فإنه يلحظ بصورة واضحة ترجيحاً لإصطلاحات المذهب الإقتصادي في الإسلام ، وبالتخصيص في مثابرة التكوين والإستشهاد والتعريف . ولعل الشاهد على ذلك ، هو تصدر المعجم إصطلاحات من مثل ” مبدأ الملكية المزدوجة “[162] و ” الملكية الخاصة ” و ” الملكية العامة “[163] و ” مبدأ الحرية الإقتصادية في نطاق محدود “[164] و ” مبدأ العدالة الإجتماعية “[165] و ” المخططات الإقتصادية “[166] و ” المضاربة والتكافل العام والتوازن الإجتماعي ” و ” إلغاء رأس المال الربوي [167] و ” الفائدة الربوية ” و ” الإكتناز ” و ” الحياة الإقتصادية في المجتمع الإسلامي “[168] و ” علم الإقتصاد الإسلامي ” و ” التجارب الإقتصادية “[169] و” عملية الإنتاج ” و ” عملية التوزيع ” ، و ” أدوات الإنتاج ” و ” علاقات التوزيع ” و ” أشكال الإنتاج “[170] و ” المصلحة و الحاجة “[171] و ” المشكلة الإقتصادية “[172] و ” الصعيد الإقتصادي ” و ” جهاز التوزيع ” و ” العمل والحاجة “[173] و ” رأس مال تجاري أو ربوي[174] و ” ثروات خاصة وعامة “[175] و ” التداول “[176] .

  ومن الملاحظ إن ” الصدر ” حدد تعريف علم الإقتصاد بكونه ” علم قوانين الإنتاج [177] ، ومن ثم عرف المذهب الإقتصادي بأنه ” فن توزيع الثروة [178]. وهذا يعني إن ” الصدر ” جرد المذهب الإقتصادي في الإسلام من هويته العلمية وإنشغاله بقوانين الإنتاج ، وحول مهمته إلى أن تكون فن توزيع الثروة وحسب . ولذلك  نفهم الأسباب التي حملت رجل الفقه ” الصدر ” ، وبالطبع ليس عالم الإقتصاد إلى التحفظ من علم الإقتصاد ومن ثم تفضيل الحديث عن المذهب الإقتصادي كما أشرنا سابقاً . وهذا الحديث الصدري عن علم الإقتصاد يُثير إشكالاً ميثديولوجياً وفكرياً في بنية كتاب إقتصادنا وتفكير ” الصدر ” الإقتصادي على حد سواء .

  ونحسب أنه من المفيد الإشارة إلى إن هناك قائمة متنوعة من الإصطلاحات ، قد وردت في هذا الطرف من كتاب إقتصادنا ، وهي بالطبع تُشكل ركناً مهماً من المعجم الإقتصادي . وهذه الإصطلاحات من مثل ” النظام المالي [179] و ” إستثمار المال [180] و ” التشريع الإقتصادي “[181] و ” العلاقات الإقتصادية “[182] و ” توزيع الثروة “[183] و ” الثروة الأم ” و ” الثروة البنت ” و ” مصادر الإنتاج ” و ” السلع المنتجة ” و ” الدخل الأصلي “[184] و ” الإقطاع “[185] و ” الإنتفاع والإستثمار ” و ” الإحتكار والإستثمار ” و ” الحيازة “[186] و ” الصفة الإقتصادية “[187] و ” الثروات المنقولة “[188] و ” الإعمال المنتجة “[189] و ” إسلوب الأجرة ” و ” إسلوب المشاركة “[190] و ” الكسب ” و ” العمل المنفق “[191] و ” المال التجاري “[192] و ” رأس المال النقدي ” و ” الربا “[193] و ” قانون الغلة المتناقصة ” و ” السياسة الإقتصادية “[194] و ” تنمية الإنتاج “[195] و ” الإنفاق الإنتاجي ” و ” الإنفاق الإستهلاكي “[196] و ” ندرة مواد الإنتاج “[197] و ” عدالة التوزيع “[198] .

  ومن ثم تقدم ” الصدر ” بتعريف للإنتاج ، فذهب إلى إنه ” عملية تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان [199]. ويُعرف التداول بكونه ” نقل الأشياء من مكان إلى آخر “. وهذا هو المعنى المادي . أما معناه القانوني في حدود تعريف ” الصدر ” ، فهو ” مجموع عمليات التجارة التي تتم عن طريق عقود المقايضة ، من بيع ونحوه “[200] . ومن الإصطلاحات الأخرى التي سجلت حضوراً في النص الإقتصادي الصدري ، إصطلاحات من مثل ؛ ” التكافل العام “[201] و ” مصادر الثروة “[202] و ” رأس المال الفردي “[203] و ” الإستثمار الرأسمالي “[204] و ” الخمس [205] و ” الأرض الخراجية [206] و ” عقد الإجارة “[207] و ” الثروة الطبيعية ” و ” الثروة المحازة [208] و ” التفاوت [209] .

  ونحسبُ إن دراسة إمكانية صياغة معجم إقتصادي للإصطلاحات والمفاهيم التي تداولتها دائرة تفكير ” الصدر ” ، هو موضوع بكر ، حيث لم يسبق أحد ، إن حرث في أرضه وتناوله بدراسة أكاديمية في دائرة الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة . وهو بالتأكيد يتحمل إنجاز أبحاث عديدة ، تتسع لتناول كتب ” الصدر ” عينات للبحث ، والتي فيها إمكانية لصياغة معجم إجتماعي ، وإصولي ، وفلسفي وفقهي وسياسي .. فهو موضوع في غاية الأهمية نلفت الأنظار إليه .

مثابرة نقدية صدرية للمذاهب الإقتصادية الغربية

  والبداية سؤال ؛ ما حدود المثابرة النقدية التي أنجزها ” الصدر ” للمذاهب الإقتصادية التي ولدها العقل الغربي ؟ ونستهل الجواب على هذا السؤال ، بإشارة نلفت فيها الأنظار إلى إن المذهبين الإقتصاديين الغربيين ؛ أي الرأسمالية والماركسية ، ورصيدهما الفكري ، قد سجلا حضوراً إستعراضياً ، ومن ثم نقدياً في الإفادات الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” . وهنا نتطلع إلى معرفة حجم هذا الحضور ودرجات ميزانه . وإنجاز ذلك نعتمد على منهج الحساب الثقافي ، ومن ثم نضبط ميزان الحضور ، ونبين أية كفة من الميزان كانت هي الراجحة .

  وفعلاً فقد لاحظنا إن المثابرة النقدية التي أنجزها ” الصدر ” بدأت بالمذهب الإقتصادي الماركسي . وكان من المفروض من الزاوية الميثديولوجية أن تكون البداية بالرأسمالية ، وذلك لكونها من الطرف التاريخي هي الأسبق في النشوء ، والأسبق في الدخول إلى ساحة حياة العالم العربي الإسلامي ، وبالتحديد من خلال أنظمة حكومية متنوعة . بينما من المعروف تاريخياً إن الماركسية ظهرت لاحقاً ، ومن ثم حدث حوار معها ومن خلال توجه العقل العربي الإسلامي نحو شواطئها ، وحدث هذا التوجه نحو الماركسية بعد خيبة أمل بالرأسمالية . مع الإشارة إلى إن الماركسية وبطرفيها الشيوعي والإشتراكي وجدت لها مواقع قدم في طوابق متنوعة حكومية وشعبية خلال فترة تصعد بأشواط بعيدة من الخمسينات وصعوداً نحو المستقبل وعصر الدراما السياسية التي عاشتها الأيديولوجيات القومية العربية وعناوين لافتاتها الإشتراكية الملونة .

  ومن هذا الطرف ، فقد كشف منهج الحساب الثقافي الذي إعتمدناه ، والذي صاحب المثابرة النقدية التي دشنها الفقيه ” الصدر ” ، خطوة خطوة . نقول كشف عن إن الماركسية ، قد شغلت فعلاً مكانة كبيرة في كتاب إقتصادنا ، بل وسجلت حضوراً غير إعتيادي في الإفادات التي ضمها هذا الكتاب . ومن زاوية منهج الحساب الثقافي ، فقد ملئت أبحاث ” الصدر ” عن الماركسية ، الصفحات الممتدة ما بين الصفحة 35 وحتى الصفحة 236 من كتاب إقتصادنا . وإن القضية لم تقف عند هذه الحدود ، بل يُضاف إليها صفحات المقدمات التي كتبها ” الصدر ” وفي الحقيقة هي صفحات عالجت الماركسية من زاوية الميثديولوجيا النقدية .

 ونحسبُ هذا التغليب للماركسية ، له دواعي وأسباب تبرره وتدافع عنه . فيوم كتب ” الصدر ” كتاب إقتصادنا ، كانت المواجهة التي قادها ” الصدر ” وتنظيماته الدينية ضد الماركسية والمنظمات الشيوعية العراقية ، وخصوصاً في مدينتي النجف والكاظمية ، في أعلى درجاتها في الشارع الثقافي العراقي . ولذلك نظن إنه كان من الطبيعي ، وليس من زاوية المنهج ، أن يأتي الميزان الثقافي في بُعده النقدي ، قد إنحازت كفته وسجلت حضوراً لصالح الماركسية ، وعلى حساب كفة الزاوية المنهجية التي بحثت في الرأسمالية .

  كما وبين لنا ميزان الحساب الثقافي في الوقت ذاته ، بأن معالجة الرأسمالية بمنظار العرض والنقد الذي قام به قلم الفقيه ” الصدر ” ، قد شغلت مساحة إهتمام أقل من زاوية ميزان الماركسية . وفعلاً فإن أبحاث ” الصدر ” عن الرأسمالية ، ملئت الصفحات الممتدة من الصفحة 237 وحتى الصفحة 276 من كتاب إقتصادنا . مع الإشارة إلى إن الأجزاء الخاصة من كتاب ” إقتصادنا ” ، والتي تناولت المذهب الإقتصادي في الإسلام ، والممتدة من الصفحة 277 وحتى الصفحة 728 ، قد إحتوت على دراسات فيها مقارنات بين المذهب الإقتصادي في الإسلام والرأسمالية و الماركسية وبطول وعرض هذه الصفحات . وعلى هذا الأساس سنلتزم في بيان حجم المثابرة النقدية التي أنجزها قلم ” الصدر ” لكل من المذهبين الإقتصاديين الغربيين بالمنهج التاريخي . ونبدأ بالرأسمالية ، ومن ثم بالماركسية . وبذلك نُخالف في هذا المضمار ، المنهج الذي نهض عليه كتاب إقتصادنا .

المذهب الإقتصادي الرأسمالي في ميزان النقد والتقويم

  إن القراءة الأكاديمية لكتاب إقتصادنا ، قادتنا إلى الإمساك بالإشكال الأبستمولوجي و الميثدولوجي الذي يلف هذا النص الفكراني – الإقتصادي الإسلامي . والسؤال ؛ أي شكل من أشكال الرأسمالية يتحدث ” الصدر ” ؟ والجواب ؛ إن ” الصدر ” يتحدث عن الرأسمالية بمنطق العموم والشمول ، حيث يُوحي للقارئ وكأن الرأسمالية شكلاً واحداً خلال عمرها الذي يلف أكثر من خمسمائة وخمس عقود من السنين . وهذا ما نتطلع إلى بيانه ، ومن ثم إضافة مساهمة فكرية إلى مثابرة ” الصدر ” الإقتصادية المتفردة في دائرة الثقافة العربية الإسلامية في الربع الثالث من القرن العشرين .

  وقبل الدخول في بحث هذا الطرف ، نود إخبار القارئ الكريم ، إلى إن الأكاديميات الغربية ، طورت مضمار بحث أكاديمي جديد ، وبالتحديد في عام 2000 وبعنوان ” تاريخ الرأسمالية ”  ويتكون من فصول دراسية متنوعة ، ويُدرس في أقسام التاريخ ، وتشمل مواد هذه الفصول ؛ التأمين ، المصارف ، التعليمات والضوابط ، الأبعاد السياسية ، أثر الطبقة الوسطى ، الفقراء والنساء والأقليات [210].   

  وفي البدء تعريف بفكرانية الرأسمالية ، والمراحل التي مرت بها خلال تطورها في حياة الغرب الإقتصادية ، وبالتحديد في العصور الوسطى ، وخصوصاً من القرن الثاني عشر وصعوداً حتى  القرن الرابع عشر [211]. ونحسبُ وفقاً لشهادات وثائق التاريخ الإقتصادي العربي الإسلامي ، إلى إن الرأسمالية في نمطها التجاري ، تصعد إلى فترات أبعد من ذلك ، فتمس أطرافاً من تاريخ العرب المسلمين ، الذي شهد بزوغ شكل من أشكال الرأسمالية التجارية في القرن التاسع الميلادي[212]. والحقيقة إن هذا الفهم التاريخي لولادة أشكال من الرأسمالية في الحضارتين الوسطويتين ؛ العربية – الإسلامية ومن ثم الغربية – المسيحية ، له دلالته المهمة في إلتحام الرأسمالية في بداية تشكلها ، وبالتخصيص في شكلها التجاري بالمباني الإسلامية والمسيحية على حد سواء .

  مع الإشارة إلى إن الإسلام والمسيحية وخصوصاً الكاثوليكية ،  واجها بتحدي عقيدي كبير مشكلة ” الربا ” حين بدأ التفكير بإنشاء البنوك التي هي شريان الحياة الإقتصادية . والمسيحية البروتستانتية لم ترى هناك مشكلة ، بل هو دليل نجاح في هذا العالم ، فنشطت الحياة الإقتصادية وإزدهرت ومن ثم تم إنشاء البنوك . ولعل كتاب عالم الإجتماع الإلماني ” ماكس فايبر ” (1864 – 1920) والمعنون ” الإخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية [213] شاهد على ذلك . في حين نجد بالمقابل ، إن ” الصدر ” حل مشكلة ” الربا ” التي تواجه إنشاء بنوك في البلدان الإسلامية ، وبالطبع إنشاء نوع من البنوك اللاربوية التي تسهل المعاملات الإقتصادية ، وخصوصاً التجارية في الحياة الإسلامية . ولعل كتاب ” الصدر ” المعنون ” البنك اللاربوي [214] شاهد على هذا الحل الإسلامي .

  ولاحظنا إن المؤرخين المعنيون بشأن التاريخ الإقتصادي ، قد تداولوا في كتاباتهم إصطلاح ” الرأسمالية التجارية ” ويقصدون به الوجه المبكر لتطور الرأسمالية كنظام إقتصادي وإجتماعي . ويجمعون على إن الصور المبكرة للرأسمالية التجارية ، قد شهد تطورها العالم الإسلامي في العصور الوسطى ، وبالتحديد في القرن التاسع الميلادي ، أي قبل ظهورها في أوربا بثلاث قرون على الأقل . وكذلك لاحظوا إن هذه الصور من الرأسمالية التجارية ، قد تطورت في أوربا في القرن الثاني عشر ، ومن ثم تحولت الرأسمالية التجارية ، قوة إقتصادية مهمة في القرن السادس عشر [215].

  وفعلاً فإن هذه الصور المبكرة من الرأسمالية التجارية ، نمت وتطورت في أقطار أوربا الغربية خلال العصور الوسطى . إلا إنها أخذت تتطور في صورها الحديثة خلال الفترة الحديثة المبكرة ، وبالتحديد في البلدان البروتستانتية ، التي تقع في أوربا الغربية – الشمالية ، وخصوصاً في كل من هولندا وبريطانيا . فمثلاً التجار في إمستردام ولندن أسسوا شركات مساهمة ، وأخرى لبيع الأسهم ، ومصارف ومؤسسات للتأمين . وفعلاً فإنه خلال فترة الخمسمائة سنة الماضية (أو بحدود ذلك أو أكثر) ، قد تراكم رأس المال بطرق مختلفة ، وبمعايير متنوعة ، مما كان الحاصل من ذلك تركيز للقوة الإقتصادية والثروة [216]. ولاحظ المؤرخون إنه خلال هذه الفترة ذاتها ، قد حدث تطور للرأسمالية وأشكالها المتنوعة .

  كما ويشير بعض المؤرخين إلى إن النظام الرأسمالي الحديث ، له إصوله في ” أزمة القرن الرابع عشر ” ، وخصوصاً الصراع الذي حدث بين الإرستقراط من ملاك الأراضي والمزارعين (الفلاحين) ورقيق الأرض … وهذه التطورات قادت إلى بروز شكلاً من الرأسمالية ، هي الرأسمالية الزراعية (والرعوية) [217]. وبالمناسبة إن ماركس في كتابه رأس المال ، يتحدث عن هذه المرحلة ، ويصنفها تحت لافتة ” المرحلة ما قبل الرأسمالية ” وبالطبع تولدت في رحمها ” مرحلة الرأسمالية ” [218].

  والحقيقة إن هذا البحث كان من الممكن أن يتوافر للفقيه ” الصدر” ، وأن ينتفع منه في معالجة شكل من أشكال الرأسمالية ، وهي الرأسمالية الزراعية . ولو فعل ذلك لجعل كتاب إقتصادنا ، كتاباً إقتصادياً يمس بقوة واقع العراق والبلدان العربية . وفعلاً إن هذا الكتاب أو مصادر أخرى تناولت الرأسمالية الزراعية لو توافرت  للفقيه ” الصدر” لقدم بحثاً واقعياً يُعالج مضمار الرأسمالية الزراعية في العراق والعالم الإسلامي . على كل إنها مجرد أمنية أكاديمي . ولذلك لاحظنا إن الباحث ” ألين ميكسن وود ” درس عدة محاور في بالغ الأهمية لكتاب مثل كتاب إقتصادنا . منها :

1 – ما هي طبيعة الرأسمالية الزراعية ؟

2 – هل الرأسمالية حقيقة رأسمالية ؟

3 – ظهور الملكية الرأسمالية ؟

4 – دروس من الرأسمالية الزراعية [219]. والحقيقة إن ” الصدر” تناول أطرافاً من ذلك  وبالتحديد في إطار مفهوم ” الملكية ” كما ستبين ذلك الصفحات اللاحقة من هذا البحث .

  ومن المفيد الإشارة إلى إنه يجري بين المفكرين الإقتصاديين الغربين ، جدل حول أشكال الرأسمالية ، ويُفضل البعض أن يطلق عليها مراحل الرأسمالية .والواقع هي أشكال وفيها تتضمن مراحل تطور الرأسمالية . ونحسبُ إنها جداً مهمة في الحديث عن تاريخ الرأسمالية وتطورها . وبالتأكيد إن بحثها فيه إضاءة وإشعاع على كتاب مثل كتاب إقتصادنا . ولهذا السبب نود أن نمر عليها ، ومن ثم نُحرض الباحثين إلى دراستها وضمها توسعة على رسائل كتاب إقتصادنا . ونُفضل الحديث عن هذه الأشكال وربما الحقب الإقتصادية بالصورة الآتية :

أولاً – الرأسمالية الزراعية (والرعوية) ، وبعض الأحيان يُطلق عليها ” إقطاعية السوق ” . وهي بالطبع شكل رأسمالي كلاسيكي (تقليدي) يتوسط بين ” الإقطاعية ” و ” الرأسمالية” . ويبدو إن ” علاقات السوق ” قد شغلت بعض من مكانتها . ولكن ” العلاقات الإقطاعية ” ظلت فاعلة في المجتمع [220].

ثانياً – الرأسمالية المركنتالية أو التجارية ، وهي نزعة إقتصادية قامت بها الحكومات القومية بهدف المحافظة على التوزانات الإيجابية للتجارة والحصول على الملايين من الذهب . ولعل الشواهد على كتابات هذا الشكل من الرأسمالية ، مؤلفات الإقتصادي الإنكليزي ” توماس مان ” (1571 – 1641) ، وهو واحد من منظري الرأسمالية التجارية ، ومن دعواته الإقتصادية المشهورة ” زيادة الصادرات على حساب الواردات ” ومن خلال ذلك ساعد الرأسمالية بقوة . ومن مؤلفاته المبكرة ، كتابه المعنون ” الخطاب التجاري من إنكلترا وحتى الهند الشرقية ” والذي نشر عام 1921 . وكتابه المعنون ” ذخيرة إنكلترا في التجارة الخارجية ” [221].

ثالثاً - الرأسمالية الصناعية ، وهي موجة أقتصادية ، تميزت بإستعمالها الواسع للألات (التكنولوجيا) ، وظهر فيها تقسيم العمل بصورة واسعة . ومن النافع الإشارة إلى إن ظهور الرأسمالية الصناعية ، صاحبها بروز عدد من المنظرين الإقتصاديين الغربيين ، من أمثال الفيلسوف والإقتصادي ” ديفيد هيوم ” (1711 – 1776)[222] وفيلسوف الأخلاق والرائد في الإقتصاد السياسي ” أدم سميث ” (1723 – 1790) ومن أشهر مؤلفاته ، كتابه المعنون ” بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم ” [223]ومن ثم في فترة لاحقة إختصر عنوانه إلى ” ثروة الأمم ” وهو كتاب إنجيلي في الإقتصاد . ونحسب على أساس هذه المساهمة الرائدة ، منحه المؤرخون ، لقب ” أب الإقتصاد الحديث [224].

رابعاً – الرأسمالية الإحتكارية ، وهي في الأصل مفهوم ماركسي ، شاع وتم تداوله بعد الحرب العالمية الثانية . وهو يصعد إلى ” لينين ” وبالتحديد إلى عام 1916 . غير إنه لم ينشر نظريته في هذا الموضوع . والرأسمالية الإحتكارية تعود إلى البيئة التي تتدخل فيها الدولة في الإقتصاد ، وذلك لحماية الأعمال الإحتكارية الكبيرة من منافسة الشركات الصغيرة [225]. وهناك من يطلق عيها إصطلاح ” رأسمالية الدولة ” وهي من المراحل التاريخية النهائية للرأسمالية . وقد وجدت رأسمالية الدولة مجالاً لها في نظريات التروتسكية الجديدة . والشاهد على ذلك كتاب التروتسكي الجديد ” طوني كليف ” (1917 – 2000) والمعنون ” التروتسكية بعد تروتسكي “[226] و ” رأسمالية الدولة في روسيا ” [227]. ومن التروتسكيين الجدد ، الماركسي الأمريكي (من إصول بولندية) ” ماكس شكتمن ” (1904 – 1972) وأصبح عام 1928 من المؤازرين للزعيم الروسي ” ليون تروتسكي ” . وعلى أساس هذه العلاقة طُرد من الحزب الشيوعي ، وبالتحديد في إكتوبر عام 1928 . وزار ” تروتسكي ” في منفاه في جزيرة ” الأمير ” الروسية ، القريبة من إسطنبول التركية . إلا إن علاقته بتروتسكي لم تستمر طويلاً ، فقد إختلفا خلال الحرب العالمية الثانية ، وذلك عندما عارض ” المادية الديالكتيكية ”  [228].

خامساً – الرأسمالية المالية ، وهي شكل من أشكال الرأسمالية ، وهي تنهض على سلسلة عمليات مالية ، تبدأ بالمصارف ، التأمين والإستثمارات ، والعملات والسندات (الأوراق المالية) والأسهم والعقود الآجل وغيرها من العقود ، وتشمل القروض المالية ، والرهن والفوائد … [229].

سادساً – رأسمالية المجتمع ، ويتداول الأكاديميون في كتاباتهم إصطلاحات مرادفة لها ، من مثل ” الرأسمالية المستقرة ” أو ” رأسمالية العائلة ” أو ” رأسمالية أصحاب المصالح ” . وهي في الحقيقة مشروع في الرأسمالية ، يتطلع إلى نوع من الإستقرار للمجتمع برمته ، وليس الإستقرار للمحظوظين ، اللذين هم بالطبع القلة القليلة . والحديث هنا عن المجتمع قد يشمل مجتمع العاصمة ، أو المنطقة أو القطر برمته [230].

سابعاً – رأسمالية الأصحاب (ذوي العلاقات الحميمة) ، وهي مفهوم يُقدم وصفاً لحالة الإقتصاد ، الذي حقق نجاحات في المصالح والأعمال ، التي تعتمد على العلاقات الحميمة بين أصحاب المصالح والموظفين الحكوميين . وهذا الشكل من الرأسمالية ، ممكن ملاحظته في الدوائر الحكومية التي تمزج إنواع مختلفة من الإقتصاد . ويتمثل في إن الحكومة تُقدم منحاً ، تقدم عروضاً بضرائب خاصة ، وتشمل تدخلات الدولة الأخرى . ومن الأمثلة التي تذكرها الدراسات الأكاديمية على رأسمالية الأصحاب ، ما حدث في عام 2014 لثلاثة دول تعمل في إطار هذا الشكل من الرأسمالية ، والذي جاء ترتيبها بالصورة الهايرريكية الأتية :

هونكونك

روسيا

ماليزيا  [231].

ثامناً – الرأسمالية المتفوقة (السوبر) ، والحقيقة هذا هو القسم الأول من عنوان كتاب ، ألفه برفسور الإقتصاد السياسي الأمريكي ” روبرت برنارد رايش ” (1946) ، والذي كان وزير العمل فترة الرئيس ” كلينتون ” ، وكتبه ” رايش ” في الفترة التي هيمنت فيها الرأسماية المتفوقة . ومن المفيد أن نُعلم القارئ بالعنوان الكامل ، ففيه الكثير من الدلالات والإيضاح ” الرأسمالية المتفوقة : تحولات المصالح ، الديمقراطية والحياة اليومية [232]. وفعلاً ففي منتصف القرن العشرين ، تحولت الرأسمالية إلى رأسمالية عالمية . وعلى أساس هذا التحول ، يُحلل ” رايش ” في كتابه ، العلاقة بين الرأسمالية المعاصرة والديمقراطية ، ومن ثم يجيب على السؤال المرفوع والقائل ” لماذا إنتصرت الرأسمالية ؟ ولماذا ضعفت الديمقراطية وتخلفت ؟ .

تاسعاً – الرأسمالية التكنولوجية ، وواضح للقارئ ، إن هذا الشكل من الرأسمالية ، يتكون من طرفين ؛ الرأسمالية والتكنولوجيا . وهي تُشير وتُدلل على التغيرات الحادثة في بنية الرأسمالية بسبب إنبثاق أنواع من التكنولوجيات الجديدة ، ومن ثم تزايد سلطة المؤسسات التجارية ، وظهور أشكال جديدة من المنظمات . والحقيقة هذا الشكل من الرأسمالية ، ظهر عنواناً لكتاب البروفسور ” لويس سورزي فيلا ” والمعنون ” الرأسمالية التكنولوجية : وجهة نظر نقدية حول التجديدات التكنولوجية والمؤسسات التجارية [233]. وله كتاب أخر يتعلق بهذا الموضوع ، وحمل العنوان القائل ” العولمة والرأسمالية التكنولوجيا : الإقتصاد السياسي للسلطة التجارية وهيمنة التكنولوجيا [234]. والواقع إن البروفسور ” فيلا ” يستكشف في هذين الكتابين ، الرؤيا الجديدة للقرن الحادي والعشرين حول الرأسمالية المؤسسة على التكنولوجيا والعلم ، ومن ثم أثر الإتصاد السياسي لسلطة المؤسسات التجارية المرتبطة بها .

عاشراً – رأسمالية الرفاه ، وهي شكل من أشكال الرأسمالية ، وتشمل سياسات ترفيه إجتماعي شامل . وبالطبع تتضمن خدمات ترفيه للعاملين فيها . كما ويتداول الكتاب في الحديث عنها ، مصطلح ثان للدلالة عليها ، وهو ” الأبوية الصناعية ” وذلك من حيث إنها تُركز على الصناعيين الذين يمتلكون مهارات عمل عالية . وهذا الشكل من الرأسمالية إنبثق في منتصف القرن العشرين . واليوم ترتبط رأسمالية الرفاه بأشكال الرأسمالية ، التي تتواجد في القارة الأوربية ، وبالتحديد في شمال أوربا . ومن الملاحظ إنه في بعض حالات رأسمالية الرفاه ، هناك مزج لأقتصاديات متنوعة ، والدولة ربما تتدخل وتصدر تعليمات وضوابط [235]

سادساً – رأسماليات متنوعة ، ويجري الحديث اليوم في المصادر الإقتصادية الأكاديمية في الغرب ، عن أنواع مختلفة من الرأسماليات ، من مثل الرأسمالية الفوضوية (اللاسلطوية) ، وبعض الأحيان يُشار إليها بإصطلاح ” فوضوية السوق الحرة ” أو ” فوضوية السوق ” أو ” فوضوية الملكية الخاصة ” أو ” الفوضوية الليبرالية ” . وهي نزعة سياسية (وبالطبع إقتصادية) تُدافع عن إلغاء دور الدولة وتفضيل سلطة الفرد والملكية الخاصة والأسواق الحرة [236]. ومنها ” الرأسمالية المتأخرة ” . والحقيقة هو إصطلاح تداوله الماركسيون الجدد ، وذلك للإشارة إلى شكل من أشكال الرأسمالية إنبثق حوالي عام 1945 وصاعداً ، وتشعر فيه نقد تاريخي ، ومحاولة لإدخال الرأسمالية مرحلة في التاريخ ، بدلاً من تحديد خصائصها والتأكيد على إستمرارها في المستقيل في حياة المجتمع الإنساني . ولاحظ الناقد الأمريكي ” فردريك جيمسون ” (ولد عام 1934) إن هذا المصطلح (أو التسمية) جاءت في كتابات الإقتصادي الماركسي النمساوي ” رودلف هيلفيردنك ” (1877 – 1941)[237]. بينما يُفضل الفيلسوف الفرنسي ” جاك دريدا ” (1930 – 2004) تداول إصطلاح ” الرأسمالية الجديدة [238]على كل من إصطلاحي ” مابعد الرأسمالية ” و ” الرأسمالية المتأخرة ” .

  أما الرأسمالية الجديدة ، فهي أيديولوجيا إقتصادية ، قامت بدمج بعض مبادئ الرأسمالية في بنية أنظمة أخرى . والرأسمالية الجديدة هي شكل من أشكال الرأسمالية التي تصعد إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية . وإصطلاح الرأسمالية الجديدة ، إصطلاح تداوله الكتاب اليساريين الفرنسيين والبلجيكيين خلال فترة الخمسينات والستينات . وإن أول من تداوله ، هو الكاتب النمساوي ” أندري كورز ” وهو الأسم القلمي للكاتب ” جيرارد هورست ” (1923 – 2007) . ومن ثم قام بنشره في الثقافة الإنكليزية وبصورة واسعة ، الإقتصادي الماركسي ” إرنست ماندل ” في كتابه المعنون ” مدخل إلى النظرية الإقتصادية الماركسية [239]

  بينما جاء إصطلاح ” ما بعد الرأسمالية ” في حقيقته كما نحسبُ ، عنواناً كبيراً ، لا يخلو من الكثير من الخلط وإعادة صيغ من الماضي والذمة التاريخية لحركة الإقتصاد ، وبث الروح فيها . ويبدو إن المنظرين في هذا المضمار ، مشدودي الأعصاب وعلى عجل من أمرهم لخلق بديل للرأسمالية . ولعل الشاهد على ذلك عناوين مشاريعهم . وفعلاً إن القارئ لمجموعة المشاريع ، يلحظ ببساطة إنها بقيت مجرد عناوين تحت لافتة ” النظام الإقتصادي الجديد “.

  فمثلاً ووفقاً لرأي الماركسيين الكلاسيكيين ، وبعض منظري الثورة الإشتراكية ، فإنهم يحسبون إن ” المجتمع ما بعد الرأسمالية ” ربما يصل بعد ما تنحل الرأسمالية ، إلى تطوير عفوي لمشاريع إقتصادية أخرى ، ومن ثم إقتراح موديلات تتطلع إلى إحلالها محل الرأسمالية من مثل اليوتبيا التكنولوجية ، والإصلاحية . ولاحظنا إن الأمثلة التي يتحدث عنها المنظرون في فترة ما بعد الرأسمالية ، الأمثلة والنزعات الآتية :

أولاً – النزعات الفوضوية ، وهي على أشكال متنوعة [240].

ثانياً – النزعة الليبرالية [241].

ثالثاً – الإشتراكية ، وهي على أشكال مختلفة ، وأبرزها ” الإشتراكية الديمقراطية [242].

رابعاً – التكنوقراط .

خامساً – حركات ضد الرأسمالية ، وتشمل حركات متنوعة ، وأفكار وإتجاهات تُعارض الرأسمالية . وهي على العموم حركات تتطلع إلى إحلال أنماط من النظام الإقتصادي محل الرأسمالية[243].  كما وإن الرأسمالية إلتحمت منذ بدايتها بالنزعة الإستعمارية . وهذا مضمار سيشتغل عليه الفقيه محمد باقر الصدر من طرف نقده للرأسمالية . صحيح جداً قد غابت الكثير من أشكال الماركسية التي تكلمنا عنها أعلاه ، وذلك لسببين ؛ الأول إنه تكلم عن الماركسية على وجه العموم وليس على وجه التخصيص . والثاني إنه كتب مؤلفه إقتصادنا في الستينات ، وإن الكثير الكثير من التطورات قد حدثت على الرأسمالية بعد هذه الفترة . ولكل هذه التطورات التي حدثت في بنية الفكرانية الإقتصادية الرأسمالية ، يتطلب إنجاز قراءة جديدة لكتاب إقتصادنا وفق هذا التحول في تاريخ الرأسمالية . ولعل الأمر الذي نحتفل به في هذا الطرف من البحث ، هو إن الفقيه ” الصدر ” تكهن ” بموت الرأسمالية [244]. وهذا ما يكفي ، حيث إنه توقع بدخولها في ذمة التاريخ .   

  وفعلاً فإن الباحثُ لاحظ على وجه العموم ، وهو يقرأ النصوص التي كتبها ” الصدر ” ، إن منهجه السائد في مثابرته الإقتصادية ، قد توزع في ناحيتين إثنيين ؛ الأولى كانت هدمية نقدية مارسها وهو يُقوم الرأسمالية والماركسية . والثانية جاءت بنائية تكوينية ، وبالتحديد بعد إن صفى حسابه مع المذهبين الإقتصاديين الغربيين . وهما في الحقيقة يُشكلان اللحظتين الفكريتين من حركة المنهج عند ” الصدر ” . وهنا سنركز البحث حول اللحظة الفكرية الهدمية النقدية ، وسنؤجل الكلام عن اللحظة الفكرية البنائية التكوينية إلى مبحث المذهب الإقتصادي في الإسلام .

  تناول ” الصدر ” المذهب الإقتصادي الرأسمالي بقلم باحث علمي ، ديدنه الوحيد هو التدقيق بموضوعية في ركائز المذهب وأسسه الفكرية ، أو ما أطلق عليه ” الرصيد الفكري ” للرأسمالية . ووضع كل ذلك في ميزان النقد والتقويم ، والذي بالطبع يستند إلى مرجعية مُغايرة لمرجعية الرأسمالية ، مرجعية في الحقيقة هي واقع العالم الإسلامي ورصيده الفكري . ولهذا أبتعد قلم ” الصدر ” من نهج الإختراع والإصطناع على الرأسمالية والتكلف عليها . وعلى هذا الأساس فضل البحث أن يتناول في البداية الركائز الأساسية للرأسمالية ، ومن ثم يبين فعل التقويم النقدي الصدري لها . وفعلاً فقد رأى ” الصدر ” في إفاداته الإقتصادية ، إن المذهب الرأسمالي ينهض على ركائز رئيسية ثلاثة :

أولاً - الأخذ بمبدأ الملكية بصورة لا حدود لها .

ثانياً - السماح لكل فرد بإستغلال ملكيته وقابلياته بالصورة التي يُفضلها ، وبالطريقة التي يختارها لتنمية ثرواته ، وأنه حر في الإستعانة بكل الأساليب التي تحقق كل ذلك له .

ثالثاً - توفير كل الضمانات للفرد في حرية الإستهلاك والإستغلال ، حيث إن لكل فرد ” الحرية في الإنفاق من ماله ، وهو الذي يختار نوع السلع التي يستهلكها “[245].

  كما وإن ” الصدر ” أدرك بوعي عال ، الحقيقة الفكرية التي توجه حركة الإقتصاد الرأسمالي . فالمذهب الرأسمالي محكوم بكونه ” مذهب فردي ، يُقدس الدوافع الذاتية ، ويعتبر الفرد المحور الذي يجب على المذهب أن يعمل لحسابه ، ويضمن مصالحه الخاصة ” [246]. وعلى أساس هذه الحقيقة التي تعبر عن الجوهر الفكري للرأسمالية ، تولدت فكرتان أساسيتين ينهض عليهما المذهب الإقتصادي الرأسمالي :

الأولى – إن الحياة الإقتصادية ” تسير وفقاً لقوى طبيعية محددة ، تتحكم في كل الكيان الإقتصادي للمجتمع ” .

الثانية – إن القوانين الطبيعية ، هي التي يتطلع ” علم الإقتصاد ” إلى ” إستكشافها ” وهي التي تكون مسؤولة عن ضمان ” السعادة البشرية ، إذا … أتيح لجميع أفراد المجتمع التمتع بالحريات الرأسمالية ” والتي هي من مثل حرية ” التملك ، والإستغلال ، والإستهلاك [247].

  وبعد تدقيق ” الصدر ” في هاتين الفكرتين ، رد أولاً على مزاعم الرأسمالية ، والقائلة بوجود قوانين لعلم الإقتصاد ، ومن ثم كشف عن حقيقة هذا المذهب الإقتصادي وإدعاءاته ، فرأى إن المذهب الرأسمالي ” ليس له طابع علمي ، ولا يستمد مبرراته ووجوده من القوانين العلمية في الإقتصاد [248]. وهنا أرجو الإنتباه إلى إن ” الصدر ” يعترف بوجود قوانين علمية في الإقتصاد . إلا إنه جردها من المذهب الرأسمالي هذا طرف . والطرف الثاني إن الأراء التي أدلى بها ” الصدر ” تُشكل مضمار قراءة إسلامية للرأسمالية ، وبالتحديد ما لها وما عليها . وهي قراءة تحتل مكانة متقدمة بين القراءات التي قام بها العقل الإسلامي في القرن العشرين في دارنا الثقافية العربية والإسلامية على حد سواء .

  ولاحظنا إن منهج القراءة الذي إعتمده ” الصدر ” للرأسمالية ، هو منهج يستند على رؤية جدلية ، تفترض أولاً صحة مزاعم الخصم الفكرية ، ومن ثم الإنتقال معه ، خطوة خطوة ، وذلك لبيان تهافت هذه المزاعم . فمثلاً وجدنا قلم ” الصدر ” يفترض جدلاً وجود قوانين في علم الإقتصاد . ومن ثم تصورنا ” الصدر ” يثير السؤال القائل : ” إذن ، ماذا يترتب على ذلك من فهم لقوانين علم الإقتصاد ؟ ” نقول يترتب على ذلك ، حقيقة تطالب بتعديل الفهم الرأسمالي لهذه المسألة ، وهو أن يكون الحديث عن هذه القوانين ، أن يحتوي حديثاً عن ” قوانين الحياة الإقتصادية ” والتي تكون ذات صلة ” بإرادة الإنسان نفسه ، نظراً إلى إن الحياة الإقتصادية ليست إلا مظهراً من مظاهر الحياة الإنسانية العامة ، التي تلعب فيها الإرادة دوراً إيجابياً فعالاً ” [249]. وبهذه الطريقة الجدلية ، جرد ” الصدر ” الحياة الإنسانية من إمكانية صياغتها في صيغ مما يسمى بالقوانين العلمية . وبالطبع السبب بسيط ، وهو إن المكون الإفتراضي لجوهر الإنسان السحري الإرادة ” لا يمكن قياسه رياضياً من طرف الكم ، ولا يمكن ضبطه علمياً من طرف التجريب والملاحظة . وهكذا إنتهت مزاعم الرأسمالية حول قوانين علم الإقتصاد الرأسمالي إلى دائرة التهافت .

  صحيح جداً إن قلم ” الصدر ” قد وضع المذهب الرأسمالي تحت عدسات مجهره النقدي ، وكشف من خلال فعل التقويم عن تهافت هذا الأساس . وفي الوقت ذاته بين بحق عما يحمله من كوارث وفواجع للإنسانية عامة ، والشعوب الفقيرة خاصة ، وبالتخصيص بلدان العالم الإسلامي . وفعلاً فإن منهج ” الصدر ”  إستهل بحثه بإخضاع الإطروحة الفكرية للرأسمالية ، إلى منهج التدقيق والنقد والتقويم ، وكان الأساس الفكري الذي إستند إليه ، هو ” حرية الإنسان في الحقل الإقتصادي بمختلف مجالاته ، من تملك وإستغلال وإستهلاك . فالحرية … هي الأساس الذي تنبثق منه كل الحقوق والقيم المذهبية ، التي تنادي بها الرأسمالية ، بل إن القوانين العلمية للإقتصاد الرأسمالي نفسها ، ليست إلا تفسيراً للواقع الموضوعي … في إطار هذه الحرية “[250].

  ولاحظنا إن الإفادت التي كتبها ” الصدر ” قد إشتغلت على بيان حقيقة مزاعم التفكير الرأسمالي في الحرية . وبالطبع هي المزاعم التي أكدت على النواحي الآتية :

أولاً - التوافق بين ” مصالح الفرد ” و ” مصالح المجتمع ” .

ثانياً - التأكيد على إن الحرية الإقتصادية ، هي ” أفضل قوة دافعة للقوى المنتجة ” ، كما إنها ” أكفأ وسيلة لتفجير كل الطاقات والإمكانات ” و ” تجنيدها للإنسان العام ” .

ثالثاً - التشديد على إن الحرية على وجه العموم ، هي ” حق إنساني أصيل ” و ” تعبير عملي عن الكرامة البشرية ” ، وهي في المحط الأخير ” شعور الإنسان بها “[251].

  درس الفقيه ” الصدر ” هذه الأفكار التي ينهض عليها المذهب الإقتصادي الرأسمالي ، بمثديولوجيا بما يشبه المنهج التحليلي (التفكيكي) . وكانت البداية تفكيك منظومة أفكار المذهب الإقتصادي الرأسمالي ، ودراستها فكرة فكرة . فكان المتولد من ذلك موقفاً إسلامياً من الحرية الإنسانية . وهذا الموقف في الحقيقة ، بالغ الأهمية من طرف إن فيه نقض ونقد ، كما فيه من التقويم للرأسمالية ، وما أحدثته من أضرار للإنسانية . ولهذا السبب كانت ” الحرية التي تُنادي بها الرأسمالية ، مجردة من كل الإطارات والقيم الخلقية والروحية ” . ولذلك كانت الرأسمالية حسب الفهم الصدري ، محاولة إنكار ورفض للقيم الخلقية والروحية ، وذلك من جهة إنها ” لا تعترف بضرورة هذه القيم ” بهدف ضمان ” مصلحة المجتمع ” بل وتزعم الرأسمالية في إمكانية ” الإستغناء عنها (منا : الإستغناء من القيم الخلقية والروحية) عن طريق توفير الحريات للأفراد [252] . وفوق كل ذلك ، فإن الرأسمالية تحسب إنه ” لا حاجة للفرد ” أن يستمع ، ومن ثم يتغنى بمواعظ و حكم رنانة ” تحثه على المساهمة في أعمال البر و الإحسان ، والإهتمام بمصالح المجتمع ، لأنه يندفع إلى ذلك بدافع من مصلحته الخاصة ، بوصفه جزءاً من المجتمع “[253] .

  ونتسائل ؛ ما هو الموقف التقويمي ، الذي أصدره ” الصدر ” بحق المذهب الرأسمالي ، ومن ثم تقويم تجربته في الحياة الغربية ؟ وما حجم الكوارث التي سببتها الرأسمالية ، وطوت حياة شعوب البلدان المتخلفة ، ومنها الشعوب الإسلامية على وجه الخصوص ؟ بين ” الصدر ” أولاً تهافت المزاعم الرأسمالية ، وبالتحديد في حديثها عن إمكانية ” التوافق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية ، في الحرية الرأسمالية ” ورأى إن هذه المزاعم ، هي ” أدعى إلى السخرية [254]. وثانياً قال بصراحة لا لبس فيها ، في إن التجربة الرأسمالية قد سببت الكثير من الإضرار ، وعلى جبهتين ؛ جبهة الحياة الإقتصادية ، وجبهة المضمون الخلقي للمجتمع . فمثلاً على جبهة الحياة الإقتصادية للمجتمع الرأسمالي ، تحولت ” الحرية الرأسمالية المطلقة ” إلى سلاح جاهز ” بيد الأقوياء يشُق لهم الطريق … على جماجم الأخرين “[255] .

  أما على جبهة المضمون الخلقي للمجتمع ، فقد لاحظ ” الصدر ” ، إن ” الحرية المطلقة ” التي تُنادي بها الرأسمالية قد سببت ألاماً مريرة وأوجاعاً عميقة ” حيث تتلاشى بصورة عامة مشاعر البر والخير والإحسان ، وتطغى مفاهيم الإنانية والجشع [256]. إضافة إلى ذلك فقد خلقت الرأسمالية توتراً دائماً في ” علاقات المجتمع الرأسمالي بغيره من المجتمعات ” ، فكان الحاصل من كل ذلك ” أحوالاً مروعة ” عانت منها الشعوب ، وكابدتها الإنسانية على ” يد المجتمعات الرأسمالية ” وذلك ” نتيجة لخوائها الخلقي وفراغها الروحي ، وطريقتها الخاصة في الحياة ” [257].

  ومن ثم دقق في فكرة الرأسمالية القائلة ” الحرية سبب لتنمية الإنتاج ” ، وكان إسلوب التدقيق ، هو النهج التقويمي النقدي ، وبالطبع المستند إلى المذهب الإقتصادي في الإسلام . وهو المعيار الذي يُراقب بعيون موضوعية تجربة الرأسمالية ، وما إنتهت إليه من نتائج تتناقض وفكرة ” الحرية سبب لتنمية الإنتاج ” . وفعلاً مرة أخرى بين ” الصدر ” تهافت هذا الزعم الرأسمالي ، وذلك لأن النتيجة النهائية ليست ” تنمية الإنتاج ” وإن كان يبدو في خطواتها الأولى ، وإنما الإحتكار . فمن المعروف المتداول ، إن ” الحرية الرأسمالية في هذا الحال تفسح المجال للتنافس ، الذي سرعان ما يُؤدي إلى صراع عنيف ، تحطم فيه المشاريع القوية غيرها ، وتبدأ بإحتكار الإنتاج تدريجياً ، حتى تختفي كل ألوان التنافس وثمراته في مضمار الإنتاج ، فالتنافس الحر بالمعنى الذي يُنمي الإنتاج لا يواكب الحرية الرأسمالية إلا شوطاً محدداً ، ثم يُخلي الميدان بعد ذلك للإحتكار [258] .

  ومن ثم تحول صوب الفكرة الرأسمالية الثالثة ، والقائلة : إن ” الحرية تعبير أصيل عن الكرامة الإنسانية ” . والحقيقة هذا الإمتحان جرى لهذه الفكرة على أساس نوعين من الحريات ” الحرية الإجتماعية الجوهرية ” و ” الحرية الإجتماعية الشكلية ” . وكانت النتيجة لهذا الإمتحان ، هو إن المذهب الرأسمالي ” يتبنى الحرية الإجتماعية الشكلية ” وذلك لأنه يعتقد (أي المذهب الرأسمالي) بأن الحرية الشكلية هي التجسيد الكامل لمفهوم الحرية . أما الحرية الجوهرية … فهي تعني في رأيه القدرة على الإستفادة من الحرية “[259].

  ولعل الحاصل من كل ذلك ، بيان أعلنه ” الصدر ” بحق الرأسمالية . وهو بيان يكشف الموقف السلبي للرأسمالية ، وبالتحديد ” من فكرة الضمان والحرية الجوهرية ” . وإن هذا الموقف الرأسمالي جاء بسبب الموقف الإيجابي ، الذي إتخذته تجاه ” الحرية الشكلية [260] .

وهذا الموقف من الحرية يكشف بوضوح عن إرتباط الرأسمالية ” جذورها الفكرية ، ومفاهيمها الرئيسية عن الكون والإنسان ، عن التاريخ والدين والأخلاق [261] .

  هذه هي حقيقة الرأسمالية بميزان النقد والتقويم ، وخصوصاً بمنظار الإفادات التي كتبها ” الصدر ” . وإذا كان هذا هو رصيد الرأسمالية ؛ فما هو رصيد الماركسية بميزان النقد والتقويم الصدري ؟ هذا مضمار سنبحث في الطرف القادم من البحث .

المذهب الإقتصادي الماركسي في ميزان النقد

  ونحسبُ نقطة البداية ، إشارة إلى إن هناك إشكال أبستمولوجي وميثديولوجي في كتاب إقتصادنا ، وهو يتحدث عن الماركسية . والسؤال ؛ أي شكل من أشكال الماركسية يتحدث ” الصدر” ؟ من المعروف إن هناك أشكالاً متنوعة من الماركسية . صحيح إن ” الصدر ” تناول في أبحاثه الإقتصادية ، الماركسية الكلاسيكية ، والماركسية الأرثوذكسية ، وهي الماركسية اللينينية ، وهي ماركسية الأحزاب الشيوعية . ولتوسيع دائرة تفكير ” الصدر ” للقارئ، نتطلع إلى إنجاز دراسة شاملة لكل أشكال الماركسية ، وخصوصاً الماركسية الغربية ، والتروتسكية التي إلتحمت بها عندما إستقر ” ليون تروتسكي ” في أوربا (فرنسا ..) ومن ثم  إختار بعد ذلك المكسيك وكون خلايا التروتسكية الأمريكية .  

  تناولت المثابرة النقدية التقويمية ، التي أنجزها ” الصدر ” بالدراسة ، هذه المرة ، مضماراً لها جاء بعنوان ” المذهب الإقتصادي الماركسي ” وهو عنوان دقيق يتجاوز الخلط بين ما هو إشتراكي وما هو شيوعي . ولعل أول ما لاحظناه على حركة المثابرة الصدرية ، إنها بحثت في البناء الفكري الماركسي برُمته . ولذلك توسعت في ميثديولوجيتها ، فذهبت تدقق في عمارة الماركسية الفلسفية ، وفي منهجها ، وتفسيرها للتاريخ . جاء كل ذلك من خلال إفادات ماركسية متنوعة ، صادرة عن أقلام ماركسية مختلفة ، من مثل أقلام الجيل الأول ، وبالتحديد كل من الألمانيين ” كارل ماركس ” (1818 – 1883)[262] وعضيده ” فردريك إنجلز ” (1820 – 1895)[263] . ومن ثم من أقلام الجيل الثاني ، والتي ضمت الروسيين ” فلاديمير لينين ” (1870 – 1924)[264] و ” ليون تروتسكي “[265] وصحبهم الأخرين . أما أقلام الجيل الثالث التي إعتمد عليها ” الصدر ” في مناقشاته للماركسية (وأسسها الفلسفية) في كتابه إقتصادنا ، فقد شملت كل من الإنكليزي ” موريس كورنفورث ” (1909 – 1980)[266] و الهنغاري – الفرنسي ” جورج بوليتزر ” (1903 – 1942)[267] وآخرون . ولهذا سنحاول الوقوف بإختصار عند عتبات الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية) والماركسية الغربية ، وذلك لملء الفراغات التي سببتها نصوص ” الصدر ” في كتابه إقتصادنا .

  ولذلك نحسب إنه من الضروري فهم شكل الماركسية التي يتحدث عنها ” الصدر ” . وإن الإمساك بهذا الشكل من الماركسية ، يُسهل لنا فهم النقد والتقويم الذي خص به شكل محدد من الماركسية ، وهو بالطبع لا يتسع لأشكال أخرى من الماركسية التي لم تطلع عليها دائرة تفكير ” الصدر ” لحظة إنشاء إقنصادنا . صحيح جداً إن دائرة تفكير ” الصدر ” تداولت مصادر الماركسية في الستينات والتي كان بعض منها سائداً في العراق ودوائر النشر العربية . وبسبب هذه المصادر كانت على الأعم مصادر سياسية وليست هي دراسات أكاديمية ، فقد تحولت إلى عائق معرفي ، تمثل في تقديم الشكل الكلاسيكي للماركسية . وهو شكل فرض هيمنته في ستينات القرن المنصرم ، وفي الوقت ذاته سد طريق الإنفتاح على أشكال الماركسية الأخرى . ومع الأسف إن هذه المشكلة في مصادر الماركسية ، إنتقلت برمتها إلى بنية التفكير الصدري . وذلك لأنه سجن منهجه النقدي والتقويمي على الماركسية الكلاسيكية ، والسبب معلوم هو إنه دخل في منازلة حامية مع الحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين في مدينة النجف ، والتي إحتضنت يومذاك قيادات منها . وعلى هذا الأساس سنقدم مساهمة توسع من دائرة فهم ” الصدر ” وتتخطى معها معاقل الماركسية الكلاسيكية وتنفتح معها على شواطئ الماركسية الغربية التي غابت على الإطلاق من النص الصدري ..

  ولنبدأ أولاً بالتعريف بمفاصل الماركسية الكلاسيكية التي تداولتها نصوص ” الصدر ” . فمن الملاحظ إنه من الناحية التاريخية إن روسيا القيصرية ، قد أخذت تتخلى عن منظومتها الفكرية ، لنمط من التفكير الماركسي الوافد من الغرب ، وبالتحديد الوافد من ألمانيا وبريطانيا ، ومن ثم مع منتصف العقد الثاني من القرن العشرين المنصرم ، تفاقمت أزمات النظام القيصري بصورة دراماتيكية ، فكان الحاصل إندلاع الثورة الروسية[268] ، والتي صاحبتها بلورة نزعات داخل بنية الفكرانية الماركسية ، فيها خروج على التقليد الكلاسيكي للماركسية التي صاغتها مثابرة العضيدين المؤسسين ، كل من ” ماركس ” و ” إنجلز ” ، وهذا حدث بالتحديد مع تباشير الثورة الروسية عام 1917 . وفعلاً فقد أخذ الإعلام الروسي يروج لنمط جديد من الماركسية  فيها طعم شرقي ، هي الماركسية اللينينية (نسبة إلى لينين) . صحيح جداً إن الزعيم الشيوعي الروسي ” جوزيف ستالين ” (1878 – 1953) ، هو الذي إخترع إصطلاح الماركسية اللينينية ، ونحسب إن نوايا ” ستالين ” كانت تتطلع إلى منح الماركسية ، هوية روسية خالصة ، وفك إرتباطها بالتقليد الكلاسيكي الألماني . إلا إنه من الصحيح القول ، إلى إن ” ستالين ” هو أول من قاد فعل الخروج على النمط الماركسي اللينيني ، وتطلع إلى إقامة نزعة ستالينية بديلة عنها . ولعل الشاهد على ذلك ، الشعار الذي رفعه ، والقائل ” الإشتراكية في بلد واحد [269] وهو خروج على كل من الماركسية الكلاسيكية و الماركسية اللينينية .

  ومن ثم صاحبت الماركسية اللينينية بطعمها الستاليني ، خروج ماركسي جديد ، تمثل في نزعة التروتسكية ، والتي دشنها ” تروتسكي ” بإختلافه مع التقليد اللينيني والستاليني ، ولعل الشاهد على ذلك كتابه الشهير ” أخلاقهم وأخلاقنا [270] ، والتي إنتهت به إلى النفي وتصفية أفراد من عائلته ، ومن ثم تم إغتياله في المكسيك على يد عملاء يعملون لصالح ” ستالين “. هذه التحولات التي حدثت على الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية) في روسيا ، غابت عن ذاكرة ” الصدر ” وهو يكتب كتابيه ” فلسفتنا ” و ” إقتصادنا ” ، ولذلك جاء خطابه عن الماركسية يبحر في شواطئ بعيدة عن تاريخ التحولات التي صاحبت تاريخ الماركسية بطرفيها الأرثوذوكسي والغربي .

   ذلك ما خص الماركسية الأرثوذوكسية ، أما الماركسية الغربية ، فهي الأخرى كانت غائبة عن نصوص ” الصدر ” الفكرية للمذهب الإقتصادي الماركسي . وهنا نحاول أن نقدم دراسة مختصرة عنها ، وبهدف يُحقق ملءً للفراغات التي خلفتها النصوص الصدرية. في الحقيقة إن الماركسية الغربية ، هي إطار فكري ، يجمع عدد متنوع من المنظرين الماركسيين ، والذين نشطوا بالتحديد ، من زاوية النظر الجغرافية ، في وسط أوربا وأوربا الغربية ، وهي نزعة ماركسية تتخالف مع الفلسفة التي كانت مهيمنة في مرابض الإتحاد السوفيتي الذي دخل ذمة التاريخ .  

  لقد تبلورت الماركسية الغربية في العشرينات من القرن العشرين ، وبالتحديد في عملين أنجيليين ، نشرهما الماركسيان كل من الهنغاري  ” جورج لوكاش ” ( 1885 – 1971) و الألماني ” كارل كورش ” (1886 – 1961) ، فقد نشر ” لوكاش ” كتابه الإنجيلي للماركسية الغربية ، والذي حمل عنوان ” التاريخ والوعي الطبقي : دراسات في الديالكتيك الماركسي ” والذي صدر بالألمانية عام 1923 [271]. أما كتاب ” كورش ” فهو الأخر من المصادر الأولى للماركسية الغربية ، فقد جاء بعنوان ” الماركسية والفلسفة ” والذي صدر بالألمانية عام 1923 كذلك[272] .

  والحقيقة إن الماركسية الغربية ضمت نزعات وفلاسفة من مناهج معرفية مختلفة . وهنا نقدم شواهد ونترك التفصيل إلى بحث قادم ، وبعنوان ” تأملات في الماركسية الغربية ” . فمن الفلاسفة الذين يمكن الحديث عنهم تحت مظلتها ، كل من فيلسوف الفينومنولوجيا الفرنسي ” موريس مارلوبونتي ” ( 1908 – 1961) والذي ترك أثراً مبكراً على صياغة أطر الماركسية الغربية [273] . ومن ثم الفيلسوف الماركسي الإيطالي ” إنطونيو غرامشي ” (1891 – 1937) والذي ينتمي إلى الجيل الأول من رواد الماركسية الغربية ، والتي ظلت كتاباته بعيدة عن الأضواء ، إلى إن تم ترجمتها إلى الإنكليزية في فترة متأخرة نسبياً [274]. ولعل من أهم مساهماته المعاصرة في الماركسية ، وخصوصاً الماركسية الغربية ، نظريته في ” الهيمنة الثقافية (الحضارية) “[275].

  ومن الجدير بالذكر بأن العديد من مدارس التفكير الماركسي ، أخذت تُميز نفسها وتبتعد بصورة واضحة عن الماركسية - اللينينية ، من مثل الماركسية - النمساوية [276]، أو الشيوعية - اليسارية ، لكل من الماركسي الهولندي ” إنطوني بانكوك ” ( 1873 – 1960) و الماركسية البولندية – الألمانية ” روزا لوكسمبيرك ” (1871 – 1919) [277]. وبالطبع أخذت تتكون حركات ماركسية معارضة (معارضة للماركسية اللينينية) ، من مثل الشيوعية اليسارية البريطانية 1914 – 1945 ، والشيوعية اليسارية الروسية عام 1918 ، والشيوعية اليسارية الإيطالية عام 1926 ، والشيوعية اليسارية الهولندية - الألمانية عام 1933 ، ومن ثم الشيوعية اليسارية العالمية ، وفيه تم تبني إنتقادات ” روزا لوكسمبيرك ”  وخصوصاً أفكارها التي ضمها مقالها الشهير والمعنون ” ماركسية أو لينينية ” والتي فيها رفضت الحركة الشيوعية البلشفية . ومن ثم تبلورت الشيوعية اليسارية الفرنسية [278].

  كما ولعب الأكاديميون البريطانيون في الستينات دوراً في بلورة الماركسية الغربية ، وذلك من خلال مشاركتهم في كثير من أفكارها . والشاهد على ذلك أفكار الأكاديمي البريطاني ” ريموند وليمز ” (1921 – 1988) وبالطبع هو رمز كبير من حركة اليسار الجديد ، كما له مساهمات في نقد الماركسية في مضمار الثقافة والفنون [279].

  ويُضاف إلى هذا الرصيد ، النظريات التي عرضتها مدرسة فرانكفورت ، والتي كونت من طرفها ، مصدراً مهماً للدراسات الأكاديمية الثقافية البريطانية . ومن المفيد الإشارة هنا إلى إن واحداً من رموز مدرسة فرانكفورت ، وهو الفيلسوف الماركسي الألماني ” هربرت ماركوز ” (1898 – 1979) تحول ليصبح الأب الروحي لحركة اليسار الجديد [280]. كما يمكن الإشارة إلى دور الفيلسوف الوجودي الفرنسي ” جان بول سارتر ” (1905 – 1980) والشاهد على مساهمته في تيار الماركسية الغربية ، و تطويره شكلاً فلسفياً عُرف بالماركسية الوجودية . وجاء ذلك في كتابه المعنون ” نقد العقل الديالكتيكي [281] والذي صدر في ترجمته الإنكليزية في مجلدين[282]. والحقيقة إن كتاب ” سارتر ” يذكرنا بكتاب صديقه الفيلسوف ” موريس ميرلوبونتي ” والمعنون ” مغامرات الديالكتيك ” والذي نشره بالفرنسية عام 1955 [283] وكان حصيلة شكوكه في الماركسية ، و” ميرلوبونتي ” من طرفه ترك أثراً واضحاً على ” سارتر ” . والأخير يعترف بأن ” ميرلوبونتي ” هو الذي هداه إلى الماركسية .

  كما ويُضاف إلى هذا الرصيد من الفلاسفة الذين كان لهم مكانة في بنية الماركسية الغربية ، الفيلسوف الماركسي الفرنسي ” لويس بيير ألتوسير ” (1918 – 1990) ، والذي يُشار إليه بلقب ” الماركسي البنيوي [284] ، والفيلسوف الماركسي الفرنسي ” هنري لوفر ” (1901 – 1991) والتي دارت أعماله حول الديالكتيك و الإغتراب ونقد الستالينية ، والوجودية والبنيوية .. [285] والفيلسوف الماركسي الألماني ” إرنست بلوخ ” (1885 – 1977) ، وهو زميل للفيلسوف الماركسي ” جورج لوكاش ” وهو واحد  من رواد الماركسية الغربية [286]، ومن أهم مؤلفات ” إرنست بلوخ ” كتابه المعنون ” الإلحاد في المسيحية : دين العودة والمملكة [287] . كما وكونت الماوية والتروتسكية مصادراً للماركسية الغربية . والماوية في الأساس هي شكل ماركسي مقاوم للماركسية الينينية ، وتطورت خلال الخمسينات والستينات [288] .

   أما التروتسكية  فهي الأخرى قد تركت أثاراً بينة على الماركسية الغربية ، وذلك من طرف إن ” تروتسكي ” تحول إلى ناقد للماركسية اللينينية ، وعارض فكرة إقامة الإشتراكية في قطر واحد ، وندد بالبيروقراطية ، التي نمت في ظلال حكم ” ستالين “[289] . ومن ثم إلتحمت ” التروتسكية ” بالماركسية الغربية خلال الفترة التي قضاها في فرنسا ، ومن ثم رحيله إلى منفاه الجديد في المكسيك وإتصال بعدد من الماركسيين والشيوعين الأمريكان [290]، من أمثال الأمريكي المؤمن بالتروتسكية ” جيمس باتريك كانون ” (1890 – 1974) والذي كان عضواً في الحزب الشيوعي الأمريكي حتى عام 1928 ، ومن ثم تحول إلى التروتسكية . ومن أهم مؤلفاته ” كفاح البروليتاريا ودفاع تروتسكي عن الماركسية ” . ولهذا قرر ” ستالين ” معاقبة كل من ” كانون ” و ” تروتسكي ” وذلك لإنشقاقهم عن معسكر ” ستالين ” ، وفعلاً فقد تم إغتيال ” تروتسكي ” على يد عملاء يعملون لصالح ” ستالين ” . كما وإتهمت الحكومة الأمريكية ” كانون ” ورفاقه وحكمت عليهم بالسجن [291].

  ومن التروتسكيين الأمريكان ، القائد العمالي الإشتراكي الأمريكي (من إصول نرويجية) ” جوزيف لوري هانسن ” (1910 – 1979) وخلال فترة الكساد الإقتصادي ، إقتنع بالإشتراكية ، فإلتحق بجماعة التروتسكيين الأمريكيين ، الذين يقودهم ” جيمس كانون ” . وعمل ” هانسن ” سكرتيراً لتروتسكي وحارسه الشخصي ، وبالتحديد من عام 1937 ولفترة سنوات . وخلال هذه الفترة تمكن الشيوعي الإسباني ” رامون ميركادير ” من النجاح في قتل ” تروتسكي ” بفأس عام 1940 ، فعاد ” هانسن ” إلى الولايات المتحدة وخاض الإنتخاب وفاز بمقعد سنتور عن نيويورك . من أهم مؤلفاته ” دايناميك الثورة الكوبية : من وجهة نظر تروتسكية [292]. وكتابه عن ” تروتسكي ” والذي حمل عنوان ” ليون تروتسكي : الرجل وأعماله [293].

  ولعل الشاهد الأخر على حضور التروتسكية في الولايات المتحدة الأمريكية ، هو المؤرخ والسياسي التروتسكي الأمريكي ” فيريل دوبس ” (1907 – 1983) والذي كان جمهورياً محافظاً ، ومن ثم خلال فترة الكساد وملاحظته محنة العمال ، تحول نحو اليسار ، وإلتقى بالإخوة الثلاثة من عائلة دونا ، وهم كل من ” ميلز ، وفينست وكرانت دونا ” وإنضم إلى الجمعية الأمريكية الشيوعية . وفي عام 1939 عمل في حزب العمال الإشتراكي ، وقابل القائد الروسي الثوري ” ليون تروتسكي ” وذلك عندما زار المكسيك ، وبفترة قصيرة قبيل مقتل ” تروتسكي ” عام 1940 .

  ومن ثم أتهمت الحكومة الأمريكية ” فيريل دوبس ” مع مجموعة من رفاقه بسبب معارضته للحرب العالمية الثانية مع قيادين أخرين بتهمة الإنقلاب على الحكومة الأمريكية ، وسُجن أكثر من سنة ، وكان ذلك بالتحديد في عام 1944 وإستمر في السجن حتى عام 1945 . وكتب العديد من المؤلفات . وهنا نستشهد بالمجلدين التاريخيين ، اللذان أكملهما عن حركة الماركسية في الولايات المتحدة الأمريكية . وجاء المجلد الأول بعنوان ” إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : السنوات المبكرة 1848 – 1917 “[294] . أما المجلد الثاني فحمل عنوان ” إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : ولادة حركة الشيوعية 1918 – 1922″ [295].  

  وكل أطراف هذا التمهيد ، تُقدم لنا شواهد على غياب مصادر الماركسية الغربية برمتها ، بل وحتى غياب التروتسكية والتطورات التي حدثت عليها بعد مغادرة ” تروتسكي ” موسكو لاجئاً إلى فرنسا ومن ثم إستقراره في المكسيك وتبلور التروتسكية نمطاً من الماركسية الرافضة للماركسية اللينينية . والحقيقة إن غياب هذه المصادر عن دائرة تفكير ” الصدر ” جعل من كتاب إقتصادنا ومصادره الخاصة بالماركسية في ذمة التاريخ ، وذلك لأن مصادره في الماركسية ، هي الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية) وهي مصادر الحزب الشيوعي الروسي . ولهذا الحال ضاعت فرصة معرفية ممتازة لكتاب إقتصادنا ، وهي توفير مادة ثقافية نقدية وتقويمية لمصادر الماركسية الإرثوذوكسية . وهي بالتأكيد مادة ثقافية ثرية ، وهي التي حملت التروتسكية أولاً والماركسية الغربية ثانياً إلى التقاطع مع الماركسية الأرثوذوكسية (ويحق لك أن تُسميها الماركسية الشرقية أو الروسية).

    وعلى هذا الأساس فأن ” الصدر ” تعامل في إقتصادنا (وبالطبع هذا يشمل فلسفتنا) مع شكل واحد من الماركسية ، وهو الشكل الذي كان متوافراً له في الثقافة العربية ، وبالتحديد هو الشكل الماركسي الذي تنشره دوائر إعلام الأحزاب الشيوعية سواء في الإتحاد السوفيتي ونشراته في العربية أو من خلال المنشور العربي تأليفاً وعلى الأغلب ترجمة . وفعلاً فإن ” الصدر ” في ستينات القرن المنصرم ، واجه ما أسماه بهرطقات الماركسية ، وعاش يومه في مواجهة حامية معها ، سواء على الشارع الثقافي في مدينته النجف على وجه الخصوص أو في مدن العراق على وجه العموم . وهذا الحال تطلب منه ، وهو الفقيه والمرجع ، أن يشد العزم ويعمل مع خلايا طلابه ومريديه ، على كشف أوراق الخصم بكل تفاصيلها ، ومن ثم يُبينُ العقبات الأبستمولوجية (المعرفية) والميثديولوجية (المنهجية) ، وبالطبع الإقتصادية والخلقية والإنسانية ، وفوق كل ذلك العقيدية ، التي تقف عائقاً  بين الماركسية وواقع العالم الإسلامي ، وما إحتوته أرضه من تجارب روحية ، تتصادم بكل تفاصيلها مع التجربة الماركسية .

وفعلاً فقد نبه ” الصدر ” القارئ لكتاب إقتصادنا ، إلى إنه سبق إن تناول التجربة الماركسية بالنقد والتقويم في كتابه المعنون فلسفتنا . وهنا لاحظ الباحث إن قلم ” الصدر ” أعاد إنتاج أوراق كتاب ” فلسفتنا ” لُيُقدمها إستهلالات نقدية حتي يصل إلى بوابات المذهب الإقتصادي الماركسي ، وليس في ذلك عيب على الإطلاق ، ولكن نذكرها من باب تدقيقنا في المنهج ومصادر البحث . و” الصدر ” كان على حق في إنتخاب وصياغة هذه الإستهلالات ، وذلك لكونها ضرورية في كشف أوراق الماركسية من طرف ، ولكونها تبين بوضوح إن المذهب الإقتصادي الماركسي مرتبط بها ، وفيها يتحقق الكثير من الفهم عن طبيعة المذهب الإقتصادي الماركسي .

  وهنا نفترض إن تلك الإستهلالات النظرية حاضرة في ذهنيات غالبية القراء المتابعين ، وذلك لكثرة ما تم الحديث في المنشور الثقافي العربي حول حكاية الماركسية هذا طرف . ونريد من طرف آخر أن نكون مع أنفسنا أكثر صرامة بالإلتزام بحدود بحثنا ، وهو المضمار الإقتصادي . ولذلك سنمسكُ بقوة بحدود بحثنا ، ونركز مهمتنا على ميزان النقد والتقويم الذي أجراه ” الصدر ” للمذهب الإقتصادي الماركسي . وعلى هذا الأساس سنُصاحب قلم ” الصدر ” في تقويمه النقدي لركائز المذهب الإقتصادي الماركسي الأساسية ونظرياته الكبرى ، وبالصورة الآتية :

أولاً – نظرية القيمة الفائضة :

  نحسبُ إن هذه النظرية في حقيقتها ، عمارة يتداخل فيها الفكري في المضمار الإقتصادي . وهذا الحال يحملنا على القول بإن عمارة نظرية القيمة ، لها واجهات متنوعة في الفهم الماركسي . فهناك البناء الفكري الكلي لنظرية القيمة . كما إن هناك واجهة القيمة الإستعمالية ، وواجهة القيمة التبادلية . ولنبدأ البحث برفع التساؤلات الآتية :

  ما هي حدود الفهم الماركسي للقيمة الإستعمالية ؟ وما هي حدود القيمة التبادلية بالمنظار الماركسي ؟ وما هي الإعتراضات التي تقدم بها الفقيه ” الصدر ” وتحفظ عليها ؟ وما هو مسعاه إلى إعادة تعديل الفهم الماركسي ؟ كونت نظرية القيمة ، حجر الزواية في البناء الفكري للمذهب الإقتصادي الماركسي . وفعلاً إن ” ماركس ” في كتابه الإنجيلي ” رأس المال [296] قد تناولها بالبحث والتنظير ، وكان إستدلاله على ” جوهر القيمة ” يستند على التفريق بين ” القيمة الإستعمالية ” للشئ ، و ” القيمة التبدالية ” للشئ . ومن خلال إسلوب التمثيل والإستشهاد قدم فهماً ماركسياً لهذا الفرق بين القيمتين . يقول ماركس كما جاء في منقولات ” الصدر ” عنه : إن ” السرير والملعقة ورغيف الخبز ” هي ” مجموعة من السلع ” . وإن كل واحدة منا تتضمن ” قيمة إستعمالية معينة ” وذلك لأنها تُقدم منفعة . وإنها (أي القيمة الإستعمالية) تختلف بإختلاف المنفعة التي يحصل عليها الإنسان .

  كما إن لكل سلعة نوعاً آخر من القيمة ، فمثلاً : إن ” السرير الخشبي الذي ينتجه الصانع ” يمكن الإنتفاع منه في النوم ، وهذه هي القيمة الإستعمالية . وإن هذا السرير في الوقت ذاته يمكن إستبداله بثوب يلبسه الصانع . ” وهذا يعبر عن القيمة التبادلية ” . ولاحظ ماركس بأن هناك تناقضاً بين المنفعة والقيمة الإستعمالية لكل من الثوب والسرير . إلا إنهما من طرف آخر ” يشتركان في قيمة تبادلية واحدة ، أي إن كلاً منهما يمكن إستبداله بالآخر في السوق ” وذلك لأن ” سريراً خشبياً واحداً يساوي ثوباً حريرياً من نوع معين ” [297].

  ومن ثم يشرح ” ماركس ” بخطاب ” الصدر” حقيقة الإشتراك بين ” شيئين مختلفين ” ، فيذهب إلى إن هذا المشترك بينهما يساوي ” شئ ثالث ” هو في حقيقته ليس ” سريراً ولا ثوباً حريرياً ” وإنما هو ” العمل البشري ” وذلك من طرف إن كلاً من ” السرير والثوب ” يُعينان كم خاص من العمل . وعلى أساس تساوي الكميتان اللتان تم صرفهما على السرير والثوب ، فإن الحاصل ، هو ” تساويهما في القيمة التبادلية ” [298]. وهذا يعني في المحط الآخير ، إن ” العمل هو جوهر القيمة التبادلية “[299] ، ومن ثم على أساس هذا الفهم الماركسي ، يتحدد ثمن السلعة في السوق ، وذلك وفقاً ” لقانون القيمة التبادلية ” أي ” لكمية العمل البشري المتجسد فيها “[300].

  ومن الإختراقات التي تحدث في جدار قانون القيمة ، وتُعطل من فاعليته وشغله ” حالات الإحتكار ” وفي مثل هذا الظرف ، فإن القيمة تتحدد وفقاً ” لقوانين العرض والطلب ” وبالطبع يتحكم فيها المحتكرون ، ومن ثم يلفت الأنظار إلى إن هذا الأمر لا ينطبق ” على بعض ألوان الإنتاج الفني والأثري ” [301]. إنها شواهد كانت حاضرة أمام أنظار ” ماركس ” قبل غيره ، وهي شواهد تُدلل على توقف ” قانون القيمة ” وفك إرتباطه بكمية العمل المتجسد في السلعة . ونلحظ ذلك جاء في منقولة عن ماركس وردت في خطاب ” الصدر ” الذي أشار فيه إلى ” ثمن الألوان الفنية ” التي تتمثل بإرتفاع أثمانها ، وذلك بسبب ” طابعها الفني والتاريخي رغم الضآلة النسبية لكمية العمل الممثلة فيها ” . ولكل هذه الإشتراطات أعلنت الماركسية عن ” إن قانون القيمة القائم على أساس العمل يتوقف أولاًعلى توافر المنافسة التامة ” . وهذا بالطبع لا يسري على ” حالات الإحتكار ” . وثانياً يتوقف ” على كون السلعة نتاجاً إجتماعياً يمكن إيجاده عن طريق العمل الإجتماعي دائماً ” . إلا إنه يستدرك ، فيذهب إلى إن هذا القانون لا ” يسري … على الإنتاج الفردي الخاص ، كاللوحة الفنية والرسالة الخطية ” [302].

  وبعد ذلك إستلم قلم الفقيه ” الصدر ” نظرية القيمة بالفهم الماركسي بالنظروالتدقيق ، ومن ثم ركز في تقويمه النقدي على الربط بين القيمة التبادلية والعمل . ونحسب هنا إن المضموم في عملية النقد الذي أغفلته الماركسية ، وبينه ” الصدر ” بوضوح ، هو الطرف المشترك ” بين السلع ” واذي يجري على أساسه ” التبادل في السوق ” ، وهو بالطبع ” غير العمل المتجسد فيها ” وإنما هو طرف مشترك ” موجود في السلع المنتجة إنتاجاً فردياً ، كما يوجد في السلع التي تحمل طابع الإنتاج الإجتماعي ” [303].

  ولاحظنا إن المثال الذي إعتمده ” الصدر ” في مثابرته النقدية لنظرية القيمة وهو مثال جداً مهم من زاوية مصادر الماركسية الغربية التي غابت من مصادر ” الصدر ” قد وجهت نقداً لاذعاً لتراث الماركسيتين ؛ الكلاسيكية (ماركس وإنجلز) والماركسية اللينينية (ماركسية الإحزاب الشيوعية أي الماركسية الأرثوذوكسية : شرقية روسية) . وفي هذا المثال ، يستند ” الصدر ” إلى شواهد من مضمار الآثار والفن . فيذهب مثلاً إلى إن ” اللوحة الأثرية ” أو ” المخطوطة ” التي تباع بثمن لا يتحدد بالعمل المتجسد في اللوحة أو المخطوطة . هذه أمثلة وشواهد صارخة على توقف عمل قانون القيمة في هذا طرف .  ومن المفيد الإشارة إلى إن مصادر ” الصدر ” عن الماركسية كانت وراء الحدود الضيقة التي حاصرت مثابرته النقدية للماركسية .

  ولتوضيح هذه القضية ، نحسبُ إنه من الصحيح جداً القول ؛ إن الماركسية الكلاسيكية ، ماركسية ماركس وإنجلز قد أغفلت ذلك . كما ومن الصحيح القول إن الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية – الروسية) المتجسدة في أيديولوجيات الأحزاب الشيوعية ، والتي يصطلح عليها بالماركسية اللينينية قد أغفلت هي الأخرى ذلك . غير إن الغائب والمضموم في هذا النقد الصدري ، هو طرف الماركسية الغربية التي تأملت في الأعمال الفنية ، وإنتقدت الموقف الماركسي الكلاسيكي والأرثوذوكسي من الفن وعلم الجمال والإنتاج الفني ، وكونت تراثاً متعدد الطوابق في فلسفة الفن وعلم الجمال بوجه عام وعلم الجمال الماركسي بوجه خاص ..

   وعلى هذا الأساس ندعو إلى مراجعة كتابي ” الصدر ” وهما فلسفتنا وإقتصادنا من زاوية التراث الثري المتجدد للماركسية الغربية ، وبالطبع يضاف إلى ذلك التروتسكية لحظة إلتحامها بالماركسية الغربية ، وبالتحديد منذ حط ” تروتسكي ” الرحال لاجئاً في فرنسا والنرويج ، ومن ثم إستقراره في المكسيك ، وتكوينه حلقات التروتسكيين الأمريكيين . وفي مثل هذه المراجعات ما يثري الثقافة الماركسية العربية ويسهل لها فك إسرها من قيود الماركسية الأرثوذوكسية  ، كما ويثري الفكر الفلسفي والإقتصادي الإسلاميين الذي كد ” الصدر ” في تكوينه في الرائعتين التي أنجزهما ، وهما كل من فلسفتنا وإقتصادنا .

  أما الطرف الآخر النقدي لحدود الفهم الماركسي بطرفيه الكلاسيكي والأرثوذوكسي ، فهو الطرف ، الذي تعطل فيه عمل قانون القيمة ، حسب إفادات ” الصدر ” ، فإنه يتكشف في ” القيمة المضاعفة التي تحصل من إستخدام كل أرض فيما هي أكثر صلاحية له ” وليس نتيجة للعمل (الطاقة) الذي تم إنجازه ” في الإنتاج ” . وهكذا رجح ” الصدر ” الدور ” الإيجابي الذي تلعبه الأرض نفسها في تنمية الإنتاج وتحسينه ” [304]. كما وضع ” الصدر ” يديه على طرف ثالث ، يتعطل فيه عمل ” قانون القيمة ” وذلك عندما تتضائل الرغبة الإستعمالية ، مما يؤدي إلى تحديد القيمة التبادلية للسلعة . ومن ثم بين إن كل سلعة إذا ” تضاءلت الرغبة فيها ” فإنها تفقد ” جزءاً من قيمتها التبادلية ” [305].

 وكذلك لاحظ ” الصدر ” إن ” ماركس ” في صياغته لنظرية القيمة الفائضة ، قد إستند إلى قانونه الخاص في القيمة . وعلى أساس قانونه الخاص ، إنطلق يُفسرُ ” طبيعة الربح الرأسمالي ” ومن ثم خلص إلى القول بأن ” التناقض الأساس في الرأسمالية ، يكمن في الربح الرأسمالي ” وذلك بوصفه بالمقولات الماركسية ” سرقة يقتطعها المالك من القيمة التي يخلقها العامل المأجور [306].

  ولعل المحصلة النهائية التي إنتهى إليها التفسير الماركسي ، حسب منقولات ” الصدر ” المستمدة من مصادر الماركسية الكلاسيكية ومصادر الماركسية الأرثوذوكسية (الماركسية اللينينية) ، هي إن المناطق التي توصل إليها بعد صياغة ” قانون القيمة ونظرية القيمة الفائضة ” ، هي مناطق ” التناقض الأساس في الرأسمالية ” . وعلى أساس ” قانون التناقض ” فإن هذه المناطق ستشهد ” موت الرأسمالية ” المحتوم . وقانون التناقض حسب الصيغ الماركسية ، هو ” قانون الصراع والكفاح الطبقي الذي يخوضه العمال (الأجراء) ” ضد الرأسمالية ” [307].

  ومن ثم تحولت إفادات ” الصدر ” الإقتصادية صوب قانون أخر من قوانين الإقتصاد الماركسي ، وهو ” قانون إنخفاض الربح ” [308]. وهذا القانون حسب الماركسية ، يعمل عندما يعتمد الإنتاج الرأسمالي على ” الألات والمعدات ” . وإن الحاصل من ذلك ، هو نقصان في ” الكمية التي يحتاجها من العمل بصورة متناسبة ، مع تقدم الألات وتكاملها ، وهذا يعني إنخفاض القيمة الجديدة التي يخلقها الإنتاج ، تبعاً لإنخفاض كمية العمل المنفق في هذا السبيل ، فينخفض الربح الذي يعبر عن جزء من تلك القيمة الجديدة “[309].

  ولاحظ الفقيه ” الصدر ” ، وهو يُدقق في الإرتباط بين ” الصراع الطبقي ” و ” التناقض ” الحاصل في الربح ، إلى إن قانون الصراع الطبقي ” يتوقف مصيره على نظرية القيمة الفائضة ، فإذا إنهارت هذه النظرية … تلاشى التناقض العلمي المزعوم ، وبطلت فكرة الصراع الطبقي المستوحاة من ذلك التناقض ” [310].  

ثانياً – نظرية الماركسية في ظهور الإستعمار :

  يعزو الكتاب الماركسيون ، نشوء الرأسمالية إلى النزعة الإستعمارية لدى بعض الدول الأوربية ، مثل البرتغال وأسبانيا ، بريطانيا وهولندا ، روسيا وفرنسا . والإستعمار هو نظام مؤسساتي ، قائم على سياسات الإستغلال ، والهيمنة وتوسيع المستعمرات في أراضي الغير وإحتلالها بواسطة جماعات جاءت من مناطق أخرى . والحاصل قيام علاقات غير متساوية (وفيها الكثير من الإجحاف) بين القوى الإستعمارية والبلدان المستعمرة ، وغالباً بين المستعمرين والسكان الأصليين[311].

  وشغلت الفترة الإستعمارية من تاريخ الإنسانية ، الفترة الممتدة من القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن العشرين . وإن القارئ لتاريخ الفترة الإستعمارية ، يلحظ إن الدول الإستعمارية إعتادت على إشاعة ثقافة (فكرانيات سياسية) ملفقة بين الجمهور ، منها إن البلدان الإستعمارية في إستعمارها لبلدان الشعوب الأخرى ، ستجلب لها الكثير من المنافع ، من مثل إحداث ترقيات لمستويات حياة وعيش سكان هذه المستعمرات ، وتحسين مؤسسات الصحة والتربية ، وإرساء قواعد القانون والنظام … [312].

  ويبدو إن الأثار السيكولوجية للإستعمار على البلدان التي إستعمرتها لازالت عميقة ، ولم تُدرس بصورة كافية ، وعلى أساس ستراتيجيات علاج الشعوب المستعمرة  سيكولوجياً ، وخصوصاً في البلدان التي تم إستهداف هويتها الثقافية من خلال برامج مسخ للهوية الثقافية أو برامج التهميش والأهمال ، وهما ستراتيجيتان إستعمارتين ، مارسمتهما إنموذجاً كل من الإمبراطوريتين ؛ الفرنسية والبريطانية[313].

  ونحسب من النافع أن نشير إلى إن معالجة الفقيه ” الصدر ” للظاهرة الإستعمارية ، قد جاءت بمنطق العموم ، وليست بالتخصيص . إذ إن الظاهرة الإستعمارية ، لم تكن شكلاً واحداَ ، وإنما هي على أشكال . وهنا نقدم مساهمة نظرية عن هذه الأشكال التي غابت في النص الذي كتبه رجل الفقة ” الصدر ” . وبالصورة الآتية :

1 - الإستعمار الإستيطاني ، وهو شكل من الإستعمار يسعى إلى توطين مجاميع من العائلات الأجنبية في الأراضي التي تم إستعمارها . والمستوطنين من وجهة نظر السلطات الإستعمارية ، هم الأعلى في الرس من السكان الأصليين . وهذا الشكل من الإستعمار مختلف عن الأشكال الأخرى وذلك من طرف إن المستوطنين الإجانب كونوا جوهر وهوية هذا النوع من الإستعمار . والسلطات الإمبريالية ترى إن هجرة هؤلاء المستوطنين قد حصل لها موافقة من قبل الحكومة التي إمتلكت سلطة يومذاك . وتستخدم السلطات الإستعمارية وسائل متنوعة لتفريغ المنطقة التي يسكنها المواطنون الأصليون ، ومن ثم تعمل على توطين المهاجرين الجدد ..

  ومن النافع الإشارة إلى إن الأرض ، هي المصدر الأساس في الإستعمار الإستيطاني . وبالطبع الأرض هي مصدر ” الذهب والقطن والنفط ” . كما إن هناك مصدر بشري والذي يضم العمال وشبكة التجار . وهكذا فإن المصادر الطبيعية هي الأصول الأساس لهذا الشكل من الإستعمار [314].

2 – الإستعمار الإستغلالي ، وهي ستراتيجية سياسية – إقتصادية قومية للبلد المُستعمر ، وتهدف إلى إستغلال مصادره الطبيعية ، وبالطبع إستغلال سكانه الأصليين . والإستعمار الإستغلالي يختلف عن الإستعمار الإستيطاني .. والمثال على الإستعمار الإستيطاني ، الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط  [315].  

  وهذه المقدمة مهمة جداً ، حيث تقدم لقارئ كتاب إقتصادنا تعريفاً بإنواع الإستعمار التي عاشتها الدول العربية ، وبصورتيها ؛ الإستعمار الإستيطاني ومثالاً على ذلك الإستعمار الفرنسي للجزائر والإستعمار البريطاني الذي سهل الإستيطان الإسرائيلي في فلسطين . أما الإستعمار الإستغلالي ، فيتمثل بالإنتداب البريطاني للعديد من الأقطار العربية ومنها العراق .  

  كما وغابت عن دائرة تفكير ” الصدر ” واحداً من الإتجاهات الماركسية المعاصرة ، والتي درست الظاهرة الإستعمارية ، وقدمت إجتهاداً ماركسياً جديداً ، وهذا الإتجاه يُعرف بالماركسية – الفانونية ، التي إرتبطت بشخص الماركسي ” فرانز عمر فانون ” (1925 – 1961) . ولعل السؤال الذي يرفعه القارئ ؛ من هو المفكر الماركسي المجتهد فرانز فانون ؟ إنه الطبيب النفساني والفيلسوف والثائر الأسود ، وهو من جزيرة ” مارتنيك ” في البحر الكاريبي (وهي مستعمرة فرنسية) وأصبح جزائرياً خلال حرب التحرير . أكمل دراساته الثانوية في بلده جزيرة مارتنيك ، ودرس الطب في فرنسا ، ومن ثم تخصص في الطب النفسي . وفي الوقت ذاته درس الآدب والفلسفة . وكان بعض الأحيان يحضر محاضرات الفيلسوف الماركسي – الوجودي ” مارلو بونتي ” (1908 – 1961) .

  أصبح  ” فرانز فانون ” في العام 1951 طبيباً نفسياً ، وأثناء فترة الإقامة في المستشفى ، تعرف على الطبيب النفسي المشهور ” فرنسيس توكولس ” (1912- 1994) ، الذي لعب دوراً مهماً في توجيه تفكيره للإهتمام بالثقافة في علم النفس المرضي ، وذهب في العام 1953 للعمل  في الجزائر طبياً نفسياً في الجيش الفرنسي  فترة الإحتلال ، ومن ثم أصبح رئيس الأطباء النفسانيين  . وهناك كان فانون رائداً في إستخدام المؤثرات الثقافية الحضارية في معالجة مرضاه النفسيين .

  أصدر  فانون في فرنسا كتابه الأول المعنون ” الجلد الأسود والقناع الأبيض ” عام 1952 . وكان هذا الكتاب في الحقيقة إطروحته للدكتوراه التي قدمها إلى جامعة ليون الفرنسية والتي كانت بعنوان “ إندماج الإنسان الأسود ” والتي رفضتها جامعة ليون . فما كان أمام فانون من إختيار ليواجه الجامعة ، إلا أن يقوم بنشرها في كتاب . وفعلاً فإن الفيلسوف اليساري ” فرنسيس جونسن ” عمل على ذلك وإقترح على فانون عنواناً جديداً هو ” الجلد الأسود والقناع الأبيض ” وكتب له مقدمة . فكان هذا الكتاب هو باكورة  أعمال فانون في عالم الكتابة والتأليف [316].

  وأثناء عمله في الجزائر ، عرف عن قرب قسوة المستعمرين الفرنسيين في التعامل مع الشعب الجزائري ، فكتب في العام 1956 رسالة إستقالة ، ومن ثم طرد من الجزائر في العام 1957 .  وفي العام 1959 أصدر كتابه الشهير ” موت النزعة الإستعمارية ” . إن هذا الكتاب وصاحبه فانون لفتا أنظار شعوب العالم الثالث وأصبح فانون مفكراً رائداً في مناهضة النزعة الإستعمارية في القرن العشرين .

  وعاد إلى الجزائر سراً ، فدخل من تونس وعمل محرراً ومستشاراً صحفياً ، وناطقاً رسمياً لحركة التحرير الجزائرية ، ومن ثم سفيراً للجزائر في غانا . وبسبب التنقل المستمر داخل الصحراء والإجهاد ، أصيب بسرطان الدم وذهب للعلاج للإتحاد السوفيتي ، وقابل الفيلسوف الوجودي ” سارتر ” في روما أثناء فترة العلاج ، وكانت هذه المقابلة قد تمت قبل سفره للعلاج إلى أمريكا . ومات فانون في ولاية ميرلاند الأمريكية في 6 ديسمبر 1961 ، ودفن في تونس لفترة قليلة ، ومن ثم نقلت رفاته إلى مقبرة الشهداء في الجزائر.

  نشر فانون كتابه الشهير ” معذبو الأرض ” في عام 1961 والذي كتب له مقدمة الفيلسوف الوجودي ” جان بول سارتر ” (1905 – 1980) . والحقيقة إن فانون ناقش فيه دور ” الطبقة ” و ” الجنس / الأصل ” و ” الثقافة ” و ” العنف ” في حركة التحرير الوطني . ومن ثم نشر في العام 1961 وقبل موته قصة قصيرة . وبعد موته  جمعت أوراقه وصدر له في العام  1964  كتاب بعنوان ” علم إجتماع الثورة ” ، و ” نحو ثورة أفريقية ” ..

 لقد لعبت كتابات فانون دوراً مؤثراً في مضمار ” دراسات ما بعد المرحلة الإستعمارية ” والنظرية النقدية . وكماركسي فقد كان ينظر إليه كصاحب نزعة ” إنسانية راديكالية ” . كما إنه كان من الرواد في حقل ما عرف بدراسة الأمراض النفسية للإستعمار . وإذا كان هناك من كلمة تقال بحق فانون في التقويم الآخير ، فهي إن كتاباته كانت ” إنجيلاً ” ألهم الكثير من سياسي ومفكري العالم الثالث . كما أقتبست منه الحركات المناهضة للإستعمار الكثير الكثير ولمدة أكثر من أربعة عقود [317].  ونحسب إنه من المفيد التنويه إلى نصوص ” الصدر ” عن الماركسية و الظاهرة الإستعمارية تحتاج إلى دراسة أكاديمية مقارنة من زاوية مؤلفات ” فرانز فانون ” وخصوصاً كتابيه ؛ الأول – ” موت النزعة الإستعمارية [318]. والثاني – ” معذبو الأرض [319].

  كما إنه من الصحيح الإشارة إلى إن أشكال الإستعمار ” الإستيطاني والإستغلالي ، بل وحتى عملية التحرر وإنهاء الإستعمار ، ومن ثم الدخول في المرحلة التي تُعرف بمرحلة ما بعد الإستعمار [320]، والتي مرت بها الشعوب التي أبتليت بالإستعمار . كلها غابت برمتها من دائرة تفكير ” الصدر ” و كتابه إقتصادنا . وبالمقابل فإن القارئ يلحظ إن خطاب ” الصدر ” جاء عاماً ، وفيه متابعة للتفسير الماركسي .  وعلى هذا الأساس يستقيم خطاب ” الصدر ” في إقتصادنا ، وبالتحديد عندما تحدث عن الظاهرة الإستعمارية بمنظار ماركسي .. والحق إن ” الصدر ” وجه نقداً وتقويماً للتفسير الماركسي الإقتصادي في فهم الظاهرة الإستعمارية .

  وفعلاً فإن ” الصدر ” أشار إلى إن الظواهر التي أولتها الماركسية ، إهتماماً كبيراً في إطروحاتها عامة ، وإطروحاتها الإقتصادية خاصة ، هي ظاهرة ” الإستعمار ” . والماركسية كعادتها ، تسعى إلى رد كل الأحداث إلى ” العوامل الإقتصادية ” . وهكذا فإن نظرتها إلى الإستعمار ، أي ظهوره قد جرت بالطريقة ذاتها . ولعل القارئ لمنقولات ” الصدر ” عن الماركسية في النظر إلى ظاهرة الإستعمار ، يلحظ دون بذل جهد ، إن الماركسية فسرتها ” تفسيراً إقتصادياً خالصاً ” ورأت فيه نتيجة ” حتمية للمرحلة العليا من الرأسمالية ، حين تعود الأسواق والخيرات الداخلية ، غير كافية لتمشية مصالح الطبقة الرأسمالية . فتضطر إلى إمتلاك أسواق وخيرات البلاد الخارجية عن طريق الإستعمار [321].

  ومن ثم دقق في الفهم الماركسي لنشوء ظاهرة الإستعمار ، وذهب مذهباً مغايراً للماركسية ، وجلب الأنظار إلى حقيقة خفيت عليها ، وهي إن ” الإستعمار ليس تعبيراً إقتصادياً عن المرحلة المتأخرة من الرأسمالية ، وإنما هي التعبير العملي بصورة أعمق عن العقلية المادية بمقاييسها الخلقية ، ومفاهيمها عن الحياة ، وأهدافها وغاياتها “[322]. وهذا حق بدرجات ما ، وذلك لأن الماركسية تنطلق في معالجتها لأي ظاهرة ، ومنها ظاهرة الإستعمار بالإستناد إلى ركائزها الفلسفية . وهكذا تحولت هذه الركائز إلى قيود ميثديولوجية وفلسفية ، تُعيق حركة تفكير الماركسي ، وتجمد تفكيره ، لأن كل شئ مُقرر مسبقاً ، وحتى تفاصيل الجهاز اللغوي بإصطلاحته وتعابيره حاضراً ، وما على الباحث (أو المنظر) إلا أن يحفظ كل ذلك ويتدرب عليه .

  كما إلتفت دائرة تفكير ” الصدر ” إلى مسألة في غاية الأهمية ، تُلازم الفهم للظاهرة الإستعمارية ، وتُعينُ ظروف إنبثاقها . وهي في الواقع مسألة تكشف عن طبيعة العقلية الغربية ، التي كان الإستعمار وليداً شرعياً لها . وهي بالطبع ” العقلية ” التي ” جعلت الحصول على أكبر ربح مادي ممكن ، هو الهدف الأعلى ، بقطع النظر عن نوعية الوسائل ، وطابعها الخلقي ، ونتائجها في المدى البعيد “[323]. ولهذا فإن الإستعمار جاء نتيجة ومظهراً لهذه العقلية ، بل وتجسيداً لها في مضمار حصد الأرباح بعيداً عن أي حساب أخلاقي وتبكيت ضمير .

  ويختتم ” الصدر ” موقفه النقدي للظاهرة الإستعمارية بالمفهوم الماركسي ، بتقويم يحمل صورة تعديل للموقف الماركسي ، وبإتجاه يصله بعتبات الدرب الإسلامي . ولهذا بين إن السبب الأصيل لبروز ظاهرة الإستعمار ، هو ” الواقع الروحي والمزاج الخلقي للمجتمع ، لا في مجرد السماح بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج ” ومن ثم يفترض إنه إذا ” سمح بهذه الملكية في مجتمع يتمتع بواقع روحي وخلقي وسياسي ، يختلف عن الواقع الرأسمالي ، فليس الإستعمار بمفهومه الرأسمالي قانوناً حتمياً له “[324].

ثالثاً – الإشتراكية والشيوعية

  نحسبُ بداية ومن الناحية الميثديولوجية أن نبين للقارئ ، بأن من المقولات التي تداولتها الماركسية ، وبالطبع كان لها حضوراً غير إعتيادي في منقولات ” الصدر ” ، هي مقولتي ؛ الإشتراكية والشيوعية . والحقيقة هي ليست مقولات في الفهم الماركسي (وربما هي مراحل ومحطات) والأدق هي أنظمة حياة ، وفي الوقت ذاته هي أنظمة إقتصادية رسمت في بنيتها الماركسية كل تفاصيل الفعاليات الإقتصادية ، حيث يمكن القول عنها ، إنها أشكالاً وصوراً للحياة الإقتصادية .

  ونحاول هنا أن نبين حدود المثابرة النقدية التقويمية التي أجراهل ” الصدر ” للإشتراكية والشيوعية . ونظن من الطرف الميثديولوجي ، ملزمين أن نقوم بالعودة إلى المصادر المصادر الأكاديمية الغربية ، نستعين بها في تحديد الإشتراكية والشيوعية من زاوية الفهم الماركسي ، ومن ثم ننظر بعد ذلك في منقولات ” الصدر ” ونتعرف على كيفية فهمه لهما . ولنبدأ أولاً بالإشتراكية .

  يتداول الماركسيون في معجمهم السياسي – الإقتصادي ، إصطلاح الإشتراكية العلمية ، وخصوصاً فردريك إنجلز الذي يصفُها بكونها ” نظرية إقتصادية – سياسية وإجتماعية ” ويشيرون إلى إن الرائد فيها ، هو كارل ماركس . والسؤال الذي يُثار على الدوام ؛ لماذا هذا النمط من الإشتراكية ، هي إشتراكية علمية ؟ ويبدو إن السبب يعود إلى إنهم يعارضون شكلاً آخر من الإشتراكية ، وهي الإشتراكية الطوباوية . والإشتراكية الطوباوية هي ” وصف خيالي للمجتمعات المثالية ” ودخلت في تنافس حاد مع الماركسية من طرف ، وألهمت الحركات الديمقراطية – الإشتراكية الثورية . والحقيقة إن الإشتراكية الطوباوية عنوان كبير ، يضم العديد من الإشتراكيين المحدثين ، من أمثال ” سان سيمون ” (1760 – 1825) وهو الرائد الفرنسي لنظريات الإشتراكية وترك أثاراً واضحة على كل من الوضعية والماركسية[325] و ” شارل فورييه ” (1772 – 1837)[326] و ” روبرت أوين ” (1771 – 1858) وهو واحد من مؤسسي الإشتراكية الطوباوية[327].

   ويُعرف الأكاديميون الغربيون ، الإشتراكية العلمية بكونها بكونها ” منهج أو طريقة ” لفهم الظواهر الطبيعية (المادية) والإقتصادية والإجتماعية ، والتكهن بها ، وذلك من خلال التدقيق والنظر في إتجاهاتها التاريخية . ومن ثم الإستعانة بالطريق العلمية بهدف إستخلاص النتائج المترتبة عليها ، والتكهن بالتطورات المستقبلية المتوقعة . وهي تتعارض مع الإشتراكية الطوباوية ، كما وتتعارض مع الليبرالية الكلاسيكية والقانون الطبيعي الذي ينهض على المفاهيم الميتافيزيقية للإخلاق ، بدلاً من تأسيسها على المفهوم المادي الفيزياوي المتحرك للعالم [328].

  ولما كانت الإشتراكية بالمفهوم الماركسي ، هي نظرية ماركسية ، فإن الإشتراكية هي المرحلة الدنيا من الشيوعية ، وإعتاد الأدب الماركسي يتحدث عنها بإستخدام إصطلاح ” الشكل الإشتراكي للإنتاج ” وهو شكل تاريخي من التطور الإقتصادي ، ويصف مجموعة من العلاقات الإجتماعية . وعلى أساس الفهم الماركسي للإشتراكية ، والذي يُعرفها بأنها ” ضرب من الإنتاج ” . فإن المعيار الوحيد للإنتاج ، هو ” القيمة الإستعمالية ” . وهذا يعني إن قانون القيمة ، ليس له فعل في توجيه النشاط الإقتصادي على الإطلاق . وتوزيع الحاصل الإقتصادي على مبدأ ” كل وفقاً لمساهمته ” . كما إن العلاقات الإجتماعية للإشتراكية ، يتم وصفها عن طريق الطبقة العاملة ، التي تمتلك وسائل الإنتاج ، والتي تهدف إلى المحافظة على الحياة [329].  

  ونتساءل هنا ؛ ما مفهوم الإشتراكية في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية ؟ لخص ” الصدر ” الفهم الماركسي للإشتراكية ، وكان غرضه ، هو بيان حقيقتها كنظام إقتصادي . وعلى هذا الأساس ذهب إلى إن الإشتراكية تتطلع إلى تحقيق الجوانب الأتية :

1 – ” محو الطبيقية وتصفية حساباتها نهائياً ” وإن ذلك يتحقق من خلال تكوين ” المجتمع اللاطبقي ” .

2 – إمساك البروليتاريا بالسلطة السياسية ، وإنفرادها في تشكيل ” حكومة دكتاتورية ، قادرة على تحقيق الرسالة التاريخية للمجتمع الإشتراكي ” .

3 – السعي إلى ” تأميم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج الرأسمالي في البلاد وإعتبارها ملكاً للمجموع ” .

4 – الإلتزام بالتوزيع على قاعدة ” من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله [330].

  أما الشيوعية ، فأمرها مختلف ، فهي مرحلة مقترحة في تاريخ الإنسانية الغابر ، وأحلام فلاسفة الإفلاطونية ومدينته الفاضلة في كتاب الجمهورية ، وهو الإنجيل الفلسفي السياسي الذي كتبه الفيلسوف اليوناني ” إفلاطون ” (427/428 – 347/348ق.م) . كما وكانت شعارات أيديولوجية تتغنى بها الإحزاب الشيوعية ، ومثلما يتصورها المؤمن الزاهد ومن كل الإديان بجنة الخلد التي تجري من تحتها الإنهار ، وهي البلسم السرمدي والحياة الأبدية للجميع …

 وفعلاً فإن القارئ الحصيف لتاريخ لشيوعية ، يلحظ بيُسر إن هناك صور متنوعة من الشيوعية ، وليست هناك صورة واحدة كما تحدث عنها ” الصدر ” في كتاب إقتصادنا . وهنا نحاول أن نقدم مساهمة تملأ الفرغات التي ظهرت في خطاب ” الصدر ” وهو يتحدث عن الشيوعية ، ومن ثم سنتبعه ببيان مفهوم الشيوعية في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية . ولعل الصورة الأولى من الشيوعية التي يتحدث عنها مجموعة من المؤرخين ، هي الشيوعية البدائية (أو المشاعية الأولى) ، وعلى الأخص في المراحل التاريخية التي إقترحتها الماركسية في تصورها لحياة الإنسانية ومن ثم لحركة التاريخ . فمثلاً ” كارل ماركس ” والمنظرون الشيوعيون الأوائل ، يتحدثون عن نمط من الشيوعية ، عرفته مجتمعات ” الصيد واللقاطة ” خلال العصور الحجرية القديمة . وهي كانت على شكل جماعات متساوية ، تتقاسم وتشارك ما تحصل عليه من صيد وما تجمعه من ثمار الأشجار وطيبات النباتات [331]..

  ولاحظ المؤرخون إن المسيحية في نصوص ” العهد الجديد ” تقدم تصويراً لشكل من أشكال الشيوعية ، هي الشيوعية المسيحية أو الأدق المشاعية المسيحية (وفي كثير من الأحيان يجري الحديث عن الشيوعية الدينية) . فمثلاً إن المتداول في تاريخ المسيحية ، وبالتحديد في بواكير المسيحية ، إنها شجعت على شكل من الملكية المشتركة ، والتي نهضت على تعاليم العهد الجديد ، وهي التعاليم التي تؤكد على مشاركة الجميع في هذه الملكية ، والعيش المشترك في جماعات ، حيث تحكم حياتهم معايير من المساواة . ولازالت صور وصدى من هذه المشاعية بشكل وآخر ، في البيعات المسيحية وفي دور الرهبان والراهبات. [332]

  كما ويذكر المؤرخون إلى إن بعض الطوائف اليهودية القديمة من مثل الأسينيون كانت حياتهم تُجسد شكلاً من المشاعية القائمة على الزهد والتقشف والعزوبية ، وإزدهرت هذه الظائفة وذاع صيتها في القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي . وعاش الأسينيون في جماعات وفي مدن عديدة ، وبعض منهم فضل حياة العزلة فعاش في مناطق نائية صحراوية في القرب من البحر الميت . والسمة الطابعة على إسلوب حياتهم الزهد والتقشف . وبعض الجماعات منهم تُفضل حياة العزوبية والفقر ، والمصادر التي كتبت عنهم تذكر إنهم لا يتزوجون ولا يملكون أي شئ من المال . وكانت أعداد كبيرة منهم تعيش في منطقة يهودا في العصر الروماني[333].

  صحيح جداً إن هناك عدد من المفكرين الغربيين قبل ” ماركس ” و” إنجلز ” قد تكلموا وكتبوا عن شكل من أشكال الشيوعية ، وبالتحديد في ثلاثة قرون قبل ماركس وإنجلز . وعلى هذا الأساس يمكن تتبع أثار الفكر الشيوعي الحديث في كتابات القرن السادس عشر ، وبالتخصيص في أعمال الكاتب الإنكليزي ” توماس مور ” (1478 – 1535) ، وبالتحديد مقالته التي حملت عنوان اليوتبيا ، والتي كتبها عام 1916 . وفيها تصور المجتمع قائم على أساس الملكية المشتركة (الإشتراكية) وقواعدها تعتمد على التطبيق العقلاني [334].

  ومن ثم إنبثق الفكر الشيوعي مرة أخرى في إنكلترا وفي إطار الحركة الكالفينية في القرن السابع عشر ، حيث إرتبط بتفكير مجموعة من رجال الدين البروتستان (وبالطبع هذا تجديد وشكل أخر من الشيوعية المسيحية) والذين كانوا يتجمعون تحت لافتة البيورتان ، أي الطاهرون أو المتطهرون . وهم جماعة البروتستانت الكلفان ، نسبة إلى رجل اللاهوت الإنكليزي البروتستانتي ” جون كالفين ” ( 1509 – 1564) والذي قاد حركة الإصلاح البروتستانتي والتي يتحدث عنها المؤرخون بعنوان التقليد الكالفيني . وإطلق عليهم إصطلاح جماعة الحفارين ، وهي حركة دعت إلى محو الملكية الخاصة للأراضي [335]. وهي حركة إشتراكية زراعية ، بدأها ” جيرارد وينستنالي ” (1609 – 1670) في عام 1949 ، ومن ثم أصبحت تُعرف بالحفارين ، وذلك لمحاولتهم حراثة وزراعة الأرض العامة [336].

  ولاحظنا إن السياسي الألماني ” أدور بيرنستاين ” (1850 – 1932) والذي كان من المقربين جداً إلى كل من ” ماركس و ” إنجلز ” ، قد جادل في رائعته المعنونة ” كرومويل والشيوعية [337] ، وذهب إلى إن مجموعات في الحرب الأهلية الإنكليزية ، وخصوصاً مجموعة الحفارين ، قد تشربوا بصورة واضحة الأفكار الزراعية الشيوعية . وإن القيادي الإنكليزي العسكري والسياسي ” أوليفر كرومويل ” (1599 – 1658) قد عاملهم بتردد وعدائية [338].

  كما إستمر النقد لفكرة الملكية الخاصة في القرن الثامن عشر وخلال عصر التنوير[339]. ومن طرف عدد من المفكرين والفلاسفة ، من أمثال ” جان جاك روسو ” (1712 – 1778) في فرنسا ، وبعد فترة هيجان صاحبت الثورة الفرنسية ، إنبثقت الشيوعية عقيدة سياسية [340]. أما الشيوعية في صورتها الحديثة ، فقد تم صياغتها (وبالمفهوم الماركسي إكتشافها مثل إكتشاف قوانين الفيزياء …) خارج حدود الحركة الإشتراكية ، وبالتحديد في القرن التاسع عشر . ولما كانت الثورة الصناعية في أطوار التقدم والتصاعد ، فإن النقاد الإشتراكيين ، يلومون الرأسمالية على الحالة المزرية التي تعيشها البروليتاريا ، الطبقة الجديدة ، والتي تضم عمال  المصانع ، والذين يعملون في ظروف مُزرية غير إنسانية . وكان من بين هؤلاء النقاد كل من ماركس وعضيده إنجلز . وفعلاً فقد شهد القرن التاسع عشر ، تأسيس الشيوعية على أسس فلسفية (ويزعم ماركس وإنجلز إنهما أسسا الشيوعية على أسس علمية ) ، وهي الأسس الماركسية . وفي عام 1848 قدم كل ماركس وإنجلز تعريفاً جديداً للشيوعية ، ومن ثم قاما بنشره وترويجه من خلال كتاب حمل عنوان ” المنفستو (البيان) الشيوعي [341]. وهذه هي الشيوعية الماركسية (شيوعية ماركس وعضيده إنجلز). وذلك من خلال صياغتهما لأيديولوجيا الحركة الشيوعية . وحسب فهمهما إن الشيوعية هي تجسيد للإشتراكية العلمية ، وليس إنشاء إنموذجاً للمجتمع المثالي [342].

 ننتقل بعد ذلك للحديث عن أنواع من الشيوعيات الماركسية التي ظهرت بعد تحديد الشيوعية الماركسية في البيان الشيوعي الذي خطه يراع إنجلز أولاً ومن ثم راجعه وأضاف إليه ماركس . وسنتبعها بالحديث عن أنواع من الشيوعيات اللا ماركسية . وحديثنا عن الشيوعيات الماركسية ، نستهله بالشيوعية اليسارية [343]، وهي شكل من الإتجاهات الليبرالية المبكرة للماركسية ، وهي نزعة ماركسية تضم إطاراً إقتصادياً واسعاً ، وفلسفات سياسية ، وهي ضد نزعات التسلط التي عرفتها الشيوعية ، وبالتحديد هي معارضة لنزعة التسلط في الشيوعية الماركسية اللينينية  ، وإتجاهاتها من مثل الستالينية ، والماوية ، والتروتسكية في شكلها الروسي [344].

   والحقيقة إن الشيوعية اليسارية ، هي شيوعية نقدية للمواقف الإصلاحية التي تمسكت بها الديمقراطيات الإشتراكية . ولفتت الإنظار إلى أعمال كل من ماركس وإنجلز المتأخرة ، وخصوصاً ما يُسمى بالمخطوطة الناقصة ، والتي حملت عنوان ” خلاصات في نقد الإقتصاد السياسي ، وهي مخطوطة عام 1885 ، والتي أهملت ولم تر النور حتى في عام 1939 ، وكذلك مخطوطة ” الحرب الأهلية في فرنسا ” ، مخطوطة 13 حزيران عام 1871 [345].

كما ويمكن ضم تحت راية الشيوعية اليسارية ، عصبة سبارتكوز ، التي أسستها الإشتراكية الراديكالية ، البولندية – الألمانية ” روزا لوكسمبيرك ” (1871 – 1919) وأخرون [346].

  ومن أشكال الشيوعية ، شيوعية المجلس ، وهي حركة شيوعية يسارية (متطرفة) . تأسست في ألمانيا وهولندا في العشرينات من القرن العشرين . وشكلها الأولي ، هو حزب العمال الشيوعي الألماني ، وهو مستمر حتى اليوم ، بصورة موقف نظري في كل من جناح الماركسية اليسارية ، والإشتراكية الليبرالية على حد سواء . والحجر الأساس في مواقف شيوعية المجلس ، إنها تُعارض كل من الديمقراطية الإشتراكية والشوعية اللينينية (وأرجو الإنتباه إلى ما ذكرناه سابقاً ، وهو إن الماركسية اللينينية صيغة إخترعها ستالين) .

  والمبدأ الرئيس لشيوعية المجلس ، هو إن الحكومة والإقتصاد ، يتطلب بالضرورة ضبطهما من خلال جلس العمال ، والذي يتألف من مندوبين ، يتم إنتخابهم في مواقع العمل . ولهذا فشيوعية المجلس ، تُعارض الدولة السلطوية ، ودولة الإشتراكية ورأسمالية الدولة ، كما وتُعارض الحزب الثوري . وتعتقد شيوعية المجلس ، إن الثورة التي يقودها الحزب ، بالضرورة ستنتهي إلى دكتاتورية حزبية . وبالمقابل فإن شيوعية المجلس تدعم ديمقراطية العمال ، والتي تمارس من خلال إتحادات مجالس العمال . ولعل أفضل من يمثل شيوعية المجلس ، عالم الفلك والمنظر الماركسي الهولندي البروفسور إنطونيو بانخوخ (1873 – 1960) [347]

  ومنها الشيوعية الأوربية ، أو الشيوعية الغربية ، والتي يُصطلح عليها خارج حدود أوربا الغربية بإصطلاح الشيوعية الجديدة . ونحسبُ فيما يخص إصطلاح الشيوعية الجديدة ، فيه نزعة إلحاح على النظرية الشيوعية المستقلة . وهذه النزعة الشيوعية تبلورت خلال السبعينات والثمانينات من القرن العشرين في بُنى العديد من الأحزاب الشيوعية في بلدان أوربا الغربية . وبالتخصيص على المستويين ؛ النظري والتطبيق . ومن الملاحظ إن بلدان أوربا الغربية قد عاشت تحولات إجتماعية كبيرة من طرف ، كما إن هذه البلدان من طرف آخر كانت أقل إرتباطاً بالحزب الشيوعي السوفيتي  الذي مارس دوراً قياداً على الكثير من الأحزاب الشيوعي في العالم ، وبالتحديد على الأحزاب الشيوعية في بلدان أوربا الشرقية  . أما  سيطرته على أحزاب أوربا الغربية فتكاد أن تكون ضعيفة . ولذلك نظن إن إصطلاح الشيوعية الجديدة ، الذي يُطلق عليها ، هي رغبة منها للتأكيد على نظريتها المستقلة [348].

  والحقيقة إن الأسس النظرية الرئيسية للشيوعية الأوربية ، جاءت من كتابات الماركسي الإيطالي ” إنطونيو غرامشي ” (1891 – 1937) والتي دارت حول النظرية الماركسية ، التي أثارت السؤال حول الفرقية في حركة اليسار . ونحسبُ إن أهمية ” غرامشي ” لا تقتصر على النظرية السياسية والسوسيولوجيا ، وإنما تتعدى ذلك إلى اللنكوستيك . وهو مضمار نحتفل به . كما إنه كان عضواً مؤسساً للحزب الشيوعي الإيطالي ، وأصبح بعض الوقت القائد له . وغرامشي مشهور بنظريته في ” الهيمنة الثقافية [349].

  ومن ثم شهدت أوربا الغربية ، تحولاً سريعاً في مسارات الأحزاب الشيوعية الأوربية نحو معاقل الشيوعية الأوربية ، وقطع صلتها من هيمنة قيادات الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي . وفعلاً فقد تحول الحزب الشيوعي الإيطالي ، والأسباني ، ومن ثم الفرنسي بعد تأخر إلى أحضان الشيوعية الأوربية ، وبالتحديد بعد منتصف السبعينات ونهاياتها من القرن العشرين ، وتلتها الأحزاب الشيوعية في كل من بريطانيا ، وبلجيكا ، وهولندا والنمسا [350].

  غير إن الأحزاب الشيوعية الأوربية ، التي ظلت تتابع خط الحزب الشيوعي خلال فترة الإتحاد السوفيتي ، بقيت تؤمن بذلك المسار الشيوعي العتيد ، ونظرت إلى الشيوعية الأوربية ، على إنها نزعة ” ضد الشيوعية ” . ولعل الشاهد على ذلك كتاب ” إينفر هوكسا ” والمعنون ” الشيوعية الأوربية نزعة ضد الشيوعية : نقد ماركسي لينيني [351] و ” هوكسا ” هو السكرتير الأول للجنة المركزية لحزب العمل الألباني . ودخلت الأحزاب الشيوعية في ظل قيادة الإتحاد السوفيتي في ذمة التاريخ ، بينما بقيت أحزاب الشيوعية الأوربية حية تتجدد ..

   وأخيراً وجدنا من الضروري أن نقف عند عتبات إتجاه شيوعي غربي (ربما في حدوده أوسع من الشيوعية الأوربية) ألا وهو الشيوعية الفمنستية (النسوية) أو الفمنستية الحمراء . ونحسب أن نقدم أولاً تمهيداً موجزاً عن الماركسية الفمنستية ، ومن ثم ننتقل مباشرة إلى الشيوعية الفمنستية ، ونستشهد أخيراً بكتاب ” الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة ” وهو الرائعة النسوية ، التي كتبتها ” كيت ويند [352].

  و الماركسية الفمنستية (وممكن أن نتحدث عن الشيوعية الفمنستية كذلك) هي فرع من حركة أوسع هي الفمنستية أو الفلسفة النسوية ، التي تركز في بحثها على تقديم تفسير لطرق إضطهاد النساء خلال نظامي لرأسمالية والملكية الخاصة . ووفقاً لحركة الفمنستية الماركسية ، فإن طريق تحرير النساء الوحيد ، يكون من خلال إعادة بناء راديكالي للإقتصاد الرأسمالي ، وبالتحديد إنه يدور حول عمل النساء الذي لم يُعوض أو تُدفع أجره بعدالة على الإطلاق[353].

  صحيحُ جداً إن أعمال كل من ” ماركس ” وعضيده ” إنجلز ” الإنجيلية ، كونت الأساس الفلسفي والسياسي لملامح حركة ماركسية فمنستية . وبالتحديد كل من كتاب ” المنفستو الشيوعي ” والذي صدر عام 1848 [354]، وكتاب ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” والذي رأى النور عام 1859 [355]، وبالطبع فيهما الأسس لصياغة الخطاب الماركسي المبكر حول العلاقة بين الرأسمالية والإضطهاد ، وهي الطريقة التي طورها ” ماركس ” وعُرفت بالمادية التاريخية .

  ومن ثم في عام 1884 نشر ” إنجلز ” كتابه المعنون ” أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة [356] والذي بين فيه الإنتقال من الإقطاعية إلى الملكية الخاصة للأرض ، والذي ترك تأثيراً كبيراً على أوضاع النساء ، ونظام الملكية الخاصة ، والأفراد الذين لا يملكون الأرض أو أي نمط من أنماظ الإنتاج ، هم في حالة من العبودية . وجادل ” إنجلز ” وبين بأن تهميش المرأة ، هو ليس لأسباب بايولوجية ، ولكن بسبب العلاقات الإجتماعية ، وجهود الرجال التي تطلعت إلى إشباع حاجاتهم ، وعن طريق السيطرة على عمل النساء ، وخصوصاً فعالياتهن الجنسية ، والتي تم ضبطها في داخل العائلة النيوكليرية (المصغرة) .

  والواقع إن الحركة الفمنستية الماركسية (أو الشيوعية) قد إستوعبت التراث الماركسي حول شروط العمل النسوي ، وبدأت حملات من أجل ” إجور العمل المنزلي “وهي الحملات التي تصعد بجذورها إلى الفمنستية وعالمة الإجتماع الأمريكية شارلوت بيركينز كيلمان ” (1860 – 1935) والتي كان يُنظر إليها كفمنستية طوباوية . من أهم مؤلفاتها ، رائعتها التي حملت عنوان ” دينه ودينها : دراسة في إعتقاد آباؤنا وعمل آمهاتنا [357] ورائعتها النسوية ، التي جاءت بعنوان ” النساء والإقتصاد : دراسة في العلاقة بين الرجل والمرأة كعامل في التطور الإجتماعي [358] . وهي ظاهرة نسوية أمريكية متميزة وذلك لكثرة كتاباتها في مضمار تحقيق العدالة لعموم النساء . وربما نكتب عنها مقالاً مستقلاً في القادمات من الأيام .

  والمحط الأخير ، وقفة عند عتبات كتاب ” كيت ويند ” المعنون ” الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة ” . والحقيقة نمسه بخطاب لطيف ، فالكتاب على العموم ، هو بحث جديد في جوهره . وذلك من طرف إنه متابعة للإثار ، التي تركتها التطورات المتجددة ، التي حدثت للخط الشيوعي للحركة الفمنستية الأمريكية ، وخصوصاً بداياتها التي صاحبتها إشكالات في الثلاثينات من القرن العشرين . وبالطبع تطورت في صيغة كونكرس النساء الأمريكيات خلال السنوات المبكرة من الحرب الباردة . وكان الحاصل من ذلك إنبثاق دوائر الحزب الشيوعي في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين .

 ولاحظنا إن الكاتبة ” كيت ويند ” تُناقش بقناعة ، رغم الأثار المدمرة التي تركتها نزعات من مثل ” ضد الشيوعية ” و ” الستالينية ” على اليسار التقدمي في الخمسينات ، فإن مجموعة من المُنظرات في حركة الفمنستية الشيوعية ، من أمثال ” سوزان إنثوني ” و ” بيتي ميلارد ” و ” إلينور فليكسينر ” تمكنوا من الصمود والإستمرار ، عناصراً مهمة ، وخصوصاً في أعمالهم خلال الستينات . وكانت النتيجة ، ولادة أجيال جديدة ، إستلموا راية ” سوزان .. وبيتي .. وإلينور ” وشيدوا حركة مؤثرة من أجل تحرير النساء .

  والواقع إن كتاب ” الفمنستية الحمراء … ” يُقدم لنا عرضاً لوجهة نظر مركبة لتاريخ الحركة النسوية الحديثة ، ويضع في متناولنا عدداً من الناشطين الشيوعيين الرئيسيون ، الذين تمكنوا من فهم الجندر ، والجنسانية ، والرس ، مكونات للثقافة (الحضارة) والإقتصاد والسياسة في المجتمع الأمريكي [359].        

  أما الشيوعيات اللا ماركسية ، فتضم الشيوعية الفوضوية ، وهي الشيوعية الإنراكية ، والتي تُعرف بالشيوعية الحرة ، والشيوعية الليبرالية  ، والإنراكية الشيوعية (اللاسلطوية) [360]. والشيوعية اللاسلطوية (الفوضوية) ، هي نظرية تتطلع إلى إلغاء الدولة ، الرأسمالية ، الإجور والملكية الخاصة (مع إعتبار للملكية الشخصية)[361]. وهي تُفضل الملكية العامة (المشتركة) لوسائل الإنتاج ، والديمقراطية المباشرة . مع الإشارة إلى إنه في الفوضوية الشيوعية ، توجد جمعيات تطوعية ، ومجالس للعمال . أما الإنتاج والإستهلاك فينهضان على مبدأ رئيس ، وهو ” من كل حسب طاقته ، إلى كل حسب حاجته [362].

  وهناك أنواع من الشيوعية الفوضوية ، وهنا نفضل أن نُعرف بتاريخها ومن خلال المنظرين في الشيوعية اللاسلطوية . صحيح جداً إن الشيوعية اللاسلطوية تطورت خارج تيارات الإشتراكية الراديكالية ، وظهرت لها أشكالاً مبكرة ، وبالتحديد خلال الحرب الإنكليزيى الأهلية ، والثورة الفرنسية في القرنيين السابع عشر والثامن عشر . ففي بريطانيا مثلها ” جيرارد وينستلي ” ( 1609 – 1676) والذي كان جزءاً من حركة الحفارين الراديكالية . وفي عام 1649 كتب مؤلفاً صغيراً ، وبعنوان ” القانون الجديد للعدالة ” والذي كتب فيه بعض الأراء التي ستداولها الشيوعية اللاسلطوية ، من مثل ” سوف لا يوجد بيع وشراء ، ولا إجور ولا أسواق ، وإن الأرض برمتها ستكون كنزاً لكل البشر ” ، ومن ثم ” سوف لا يوجد سيد يده فوق الأخرين . بل كل واحد سيكون سيد بذاته “[363].

  أما خلال الثورة الفرنسية ، فقد كان الفيلسوف والإشتراكي الطوباوي ” سيلفان مارسيل ” (1750 – 1803) مثالاً يُستشهد به في هذا الصدد ، وخصوصاً رائعته ، التي حملت عنواناً دالاً ، وهو ” منفستو المساوات ” والذي رأى النور عام 1796 [364]. والذي كتبه قبل ولادة ” كارل ماركس ” بإثنين وعشرين سنة فقط ، و يُذكرنا برائعة ” كارل ماركس ” المعنونة ” المنفستو الشيوعي ” والذي نشره مع عضيده ” فردريك إنجلز ” في عام 1848 أي بعد خمس وأربعين سنة من وفاة صاحب كتاب ” منفستو المساواة ” . ألا إنها قضية تستدعي التأمل والنظر ومن ثم البحث والمقارنة .

  وفي الإمكان أن نذكر في هذا الطرف من البحث ، الكاتب والشاعر الفرنسي ” جوزيف جاك ” (1821 – 1864) الذي تداول لأول مرة كلمة ” التحررية ” والذي إنتقد عام 1857 السياسي الفوضوي ” بيير جوزيف برودون ” (1809 – 1865) وذلك لمواقف ” برودون ” الجنسية حول النساء[365]. إلا إن المؤرخ الفوضوي الألماني ” ماكس هنريخ نتيليو ” (1865 – 1944) هو أول من تداول ، إصطلاح ” الشيوعية التحررية ” وكان ذلك في نوفمبر عام 1880 وحينذاك أخذ الكونكرس الفرنسي للفوضويين بتداوله . ومن ثم بعد ذلك أسس الصحفي الفوضوي العلماني الفرنسي ” سبستيان فاوري ” (1858 – 1942) إنسكلوبيديا الفوضوية ، والذي كان المشرف عليها . وفعلاً فقد صدرت بأربعة مجلدات ، وكان عنوانها ” التحرير [366].

  ومن ثم صعد نجم حركة الفوضوية أو الأدق ” اللاسلطوية الجامعة ” والتي تركز عقيدتها على مبدأ لاسلطوي ، يُدافع عن محو الدولة ، وإنطفاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج . وتذكر المصادر التي تتحدث عنها ، على أن أول من صاغ أسسها مجموعة من المفكرين الإيطاليين ، ومنهم ” كارلو كافيرو ” (1846 – 1892) وأخرون . إلا إنها إرتبطت بالروسي الفوضوي الثوري ” ميخائيل باكونين ” (1814 – 1876) ويُعد برأي البعض ، هو المؤسس لها . ومن أهم مؤلفاته ” كتابه المعنون ” الله والدولة ” وهو جزء من مشروع كبير ، كان بعنوان ” الإمبراطورية والثورة الإشتراكية ” وهو يُصنف إبستمولوجياً تحت مضمار ” الإنراكية والدين ” … [367].

   ولعل من أبرز المنظرين في مضمار الشيوعية الإنراكية (اللا سلطوية) ، المنظر الروسي الثوري ، وعالم الفيللوجيا (فقه اللغة) ورجل الإقتصاد ” بيوتر كروبوتكين ” (1842 – 1921) والذي إشتهر برائعته التي ضمت أفكاره الإقتصادية (وهو بالطبع موضوع إهتمامنا ونحن نعالج كتاب إقتصادنا للفقيه محمد باقر الصدر) والتي كانت بعنوان ” الإستيلاء على الخبز ” والذي كتبه أصلاً بالفرنسية ، ومن ثم نشره بسلسة مقالات في صحيفة الإنراكي . ومن ثم جمعت وطبعت في كتاب في باريس عام 1892 ، وكتب له مقدمة الإنراكي الفرنسي ” أليس جاك ركلوس ” (1830 – 1905) ومن ثم في عام 1995 طبع باللغة الإنكليزية وبترجمة من الفرنسية [368]. وتحول كتاب ” الإستيلاء على الخبز ” إلى إنجيل الشيوعية الإنراكية (اللاسلطوية) .

  ومن ثم إستمر السجال والجدل بين الشيوعية الماركسية والشيوعية الإنراكية ، وخصوصاً الشيوعية الجمعية . ومن النافع أن نشير إلى عالم اللنكوستيك الأمريكي المعاصر ” نعوم شومسكي ” هو واحد من الإنراكية الأحياء ، ويشهد على ذلك كتابه الذي حمل عنوان ” حول الإنراكية (اللا سلطوية) [369].

   والشكل الآخر من أشكل الشيوعية اللا ماركسية ، هي الشيوعية المسيحية ، والتي هي نمط من الشيوعية الدينية ، والتي تنهض بالطبع في إصولها على المسيحية . وهي نظرية سياسية لاهوتية مؤسسة على تعاليم السيد المسيح . وهي نزعة تتطلع إلى إقناع المسيحين على قبول الشيوعية ، نظاماً إشتراكياً مثالياً . ومن الملاحظ إنه لا يوجد إتفاق عام على تاريخ مُحدد لتأسيس مثل هذه الشيوعية المسيحية .

  كما إن هناك عدد من المسيحيين الشيوعيين يؤكدون على توافر الدليل في الإنجيل على إن المسيحيين الأوائل ، وهذا بالطبع يشمل الرسل ، الذين أسسوا بأنفسهم ، مجتمعهم الشيوعي الصغير . وهذا حدث بالتحديد في السنوات التي تلت موت السيد المسيح ، ومن ثم عروجه إلى السماء . ولهذا فإن العديد من المدافعين عن الشيوعية المسيحية ، يجادلون ويؤكدون على إن ذلك كان جزءاً من التعاليم التي علمها السيد المسيح ، وجزء من التقاليد التي مارسها الرسل بأنفسهم .

   وهناك من ينظر إلى الشيوعية المسيحية على إنها صورة راديكالية من الإشتراكية المسيحية ، رغم إن عدداً من الشيوعيين المسيحيين ، قد يتفقون (أو لا يتفقون) مع أطراف متنوعة من الماركسية . وعلى العموم هم لا يتفقون معها (أي الماركسية) في نظرتها المعادية للدين ، وهي النظرة التي يتمسك بها الماركسيون العلمانيين . إلا إنهم يتفقون على بعض الأطراف الإقتصادية ، المتوافرة في النظرية الماركسية ، من مثل فكرة ، إن الرأسمالية تستغل الطبقة العاملة ، وذلك عن طريق إقتطاع فائض القيمة من العمال على صورة أرباح . وإن العمل المأجور ، هو آلة تغريب إنسانية ، وسلطة إستبدادية ظالمة .

  والشيوعية المسيحية مثل الماركسية ، تعتقد إن الرأسمالية تُشجع على تنمية مظاهر سلبية في الطبيعة البشرية . وبالمقابل تزيح قيماً إيجابية من مثل التراحم ، والطيبة والعدالة والتعاطف ، وتفضل الجشع والأنانية والطموح الأعمى . كما وتُشارك الشيوعية المسيحية  الماركسية في بعض من أهدافها السياسية ، من مثل إحلال الإشتراكية بديلاً عن الرأسمالية ، وإن الشيوعية ستتبعها في مرحلة ما في المستقبل المأمول .

  وبالرغم من إن الشيوعيين المسيحيين ، قد لا يتفقون مع الماركسيين (وخصوصاً اللينينيين منهم) على الطريق الذي سيسلكه المجتمع الإشتراكي أو الشيوعي . ولكن على العموم إن الشيوعية المسيحية تطورت بصورة مستقلة عن الماركسية . والحقيقة إن معظم الشيوعيين المسيحيين يشاركون الشيوعية الماركسية في النتائج ، ولكنهم لا يؤمنون بمقدمات الشيوعية الماركسية . ومن الملاحظ إن أغلب الشيوعيين المسيحيين كانوا أساقفة ورجال دين ، والذين طوروا نوعاً من اللاهوت عُرف بلاهوت التحرر ، والتي كانت إصوله كاثوليكية ، وخصوصاً في أمريكا اللاتينية . وهذا النوع من اللاهوت نمى في الستينات والسبعينات من القرن العشرين . وقد وقف رجال لاهوت التحرر ، مواقف ساندت الجبهة الساندينيية للتحرير الوطني في نيكاراغو ، وشجبوا إحتلال الولايات المتحدة الأمريكية لنيكاراغو .

  ومن مشاهير الشيوعية المسيحية ، القس الكاثوليكي الأمريكي ” توماس جوزيف هاكرتي ” (1862 – 1920؟) [370] ومن أهم مؤلفاته الإقتصادية ، كتابه المعنون ” السخط الإقتصادي وعلاجه [371]. ومنهم الراهبة الفرنسيسكانية الدكتورة الأكاديمية وعالمة الرياضيات ” ديان جويس روفنبروك ” (1929 أو 1930 – 2013) والتي تُعرف بإسمها الكنسي ” الأخت مادلين صوفي ” . وكانت إشتراكية مسيحية ، وهي نائب الرئيس عن الحزب الإشتراكي الأمريكي الذي خاض إنتخابات الرئاسة عام 1980 . وهي تحمل شهادة الدكتوراه في الرياضيات من جامعة إلينويز عام 1963 [372]. ومنهم القس الكولومبي كاميلو تورس ريستربو ” (1929 – 1966) وهو شيوعي مسيحي ، وعمل على المصالحة بين الكاثوليكية والماركسية والثورة الشيوعية . وهو رمز من رموز لاهوت التحرر . ولذلك كان يُطلق عليه لقب الشيوعي في كل من الفاتيكان ، والحكومة الأمريكية . كما إلتحق بصفوف المقاتلين في كولومبيا . وكان مشهوراً عنه ، عبارته القائلة ” إذا كان المسيح حياً اليوم ، فإنه سيكون في صفوف المقاتلين [373].

  إن هذه الأمثلة والنماذج التي قدمتها مساهمتنا النظرية عن تاريخ الشيوعية ، دللت على غيابها بدرجات من الشمول من دائرة تفكير الفقيه ” الصدر ” . بل وإن حديثه عن الشيوعية ، جاء حديثاً عاماً ، وخال من الإستشهاد بهذا التنوع الذي عرفه تاريخها الطويل . وللإنصاف إن حديثه وقف عند عتبات نمطين يتيمين ، هما الشيوعية التي نهضت على الماركسية الأرثوذوكسية (ماركس وإنجلز) و الشيوعية التي نبعت من الماركسية اللينينية (والتي صاغها ستالين) . والحقيقة إن تاريخ الشيوعية ، كشف عن شيوعيات متنوعة ، وليست شيوعية واحدة كما قدم خطاب ” الصدر ” فهماً عنها . وهي بالطبع ليست شيوعية ماركسية كما تحدث عنها كتاب إقتصادنا ، وكذلك كتاب فلسفتنا . صحيح جداً إن هناك شيوعيات ماركسية ، ولكن هناك شيوعيات غير ماركسية . وهكذا غاب الكثير من شيوعيات الماركسية ، وغابت الشيوعية الأوربية على الإطلاق ، كما وغابت بالميزان ذاتها كل إتجاهات الشيوعية غير الماركسية .

   ولكل هذا نتساءل ؛ ما مفهوم الشيوعية في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية ؟ ونحسب في البدء الإشارة إلى إن الشيوعية ، هي الفردوس الإرضي ، المُتخيل في العقل الماركسي ، وهي نظام حياة متكامل ، ويتفرع من نظام إقتصادي . كما إن إفادات ” الصدر ” التي حملت نقولاً للموقف الماركسي في فهم الشيوعية ، بينت بأن الإشتراكية ، هي خطوة في الطريق نحو ” الشيوعية ” . ولهذا فإن ما تحقق في الخطوة الإشتراكية ، فيه إمكانية إحتفاظ وتطوير في مرحلة الشيوعية . وجاءت الإشارة إليه في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية ، وذهبت إلى إن الشيوعية تحتفظ بطرف ” محو الطبقية ” وتعمل على إطفاء ” حكومة البروليتاريا ” و ” تلغي الملكية الخاصة إلغاءً تاماً ” . وقبل ذلك تسعى بعزم إلى إلغاء نظام العائلة ، وتنفيذ التوزيع على مبدأ ” من كل حسب طاقته ، ولكل حسب حاجته ” [374].

  ومن الملاحظ من الزاوية الميثديولوجية إن مثابرة ” الصدر ” التقويمية للإطروحات الماركسية حول الإشتراكية والشيوعية ، بدأت بكشف مناطق الفراغ في التفسير الماركسي ، والتي ظلت فارغة ، ولم يتم إملاءها وذلك لعدم إمكانية ماركس (أو عزوفه بقصد) من الإستناد ” في تبرير الإشتراكية والشيوعية إلى قيم ومفاهيم خلقية معينة في المساواة ” . ولعدم توافر مثل هذه الإمكانية (أو إلغاءها أصلاً) في ملء الفراغ ، فإن ماركس تحول إلى ” قوانين المادية التاريخية ، التي تفسر حركة التاريخ في ضوء تطورات القوى المنتجة وأشكالها المختلفة ” [375].

  كما إن ” الصدر ” فعل مثلما فعل ” ماركس ” في الرد على الماركسية ، فعاد يُنقب في تاريخ الإنسانية ، وهي مسألة لام فيها ” ماركس ” ، فكانت العودة الصدرية إلى التاريخ مقبولة ، وعودة ” ماركس ” مرفوضة . والحقيقة إن ” ماركس ” ظل ملتزماً بحدود منهجه الإقتصادي . بينما نقل ” الصدر ” الموضوع الإقتصادي إلى مضمار الإخلاقيات والقيم ، وهو بالطبع مضمار مختلف على الإطلاق من موضوع ومنهج حركة الإقتصادي . على كل إن تحول ” الصدر ” إلى تاريخ الإنسانية ، مكنه من الرد على الرؤية الماركسية في التفسير الإقتصادي للأحداث ، وبالطبع ردها وكل شئ معها وبصورة حتمية إلى عامل وحيد ، هو ” العامل الإقتصادي ” .

   كما إن إستخلاص ” الصدر ” هو بحد ذاته فرضية مثل كل الفرضيات ، وليست حقيقة علمية وقانون رياضي . ولذلك إحتج ” الصدر ” بفرضيته القائمة على قراءة تاريخ الإنسانية بمنهج أسسه وفرضياته تتعارض إلى حد كسر العظم مع المنهج الماركسي . ومن ثم قدم فرضيته التي تذهب إلى إن ” الواقع التاريخي لإنسانية ، لا يسير في موكب المادية التاريخية ، ولا يستمد محتواه الإجتماعي من وضع القوى المنتجة وتناقضتها وقوانينها ” . والجزء الأخير الخاص بالمحتوى الإجتماعي يحتاج إلى ترويجه إلى تفاصيل إقتصادية ، وخلاف ذلك يظل زعم فرضي لأغراض المخاصمة والمخالفة .

  ونحن نعرف إن قلم ” الصدر ” يوم كتب كتاب إقتصادنا ، كان متوتراً بسبب المواجهة اليومية في الشارع العراقي بين الحزب الشيوعي العراقي ، وخصوصاً بعض قيادته النجفية والتي يمت بعضها بأوصر قرابة قوية لتاريخ المرجعية الشيعية يومذاك . ونحن متيقين لو توفرت ظروف هادئة لقلم الفقيه ” الصدر ” في كتابة إقتصادنا ، لتخلى عن أطراف وكتبها بروح نقدية مختلفة ، ولكن هذه هو قدرنا ، وهو إن هذه الرائعة الإقتصادية الإسلامية المعاصرة ، كتبت في فترة مواجهة يومية إن لم نقل لحظوية ، ولهذا تشعر وأنت تقرأ النص ، التوتر والدماء التي تقود القلم تغلي

تعقيب ختامي :

  والحقيقة إن خلاصة المثابرة الصدرية التقويمية النقدية للتجربتين الإقتصاديتين الغربيتين ؛ الرأسمالية والتجربة الماركسية ، هو الإعلان عن طريق مذهب إقتصادي ثالث ، وهو مسار ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” . ومن الثابت إن الإسلام لعب دوراً فعالاً ” في تغيير مجرى الحياة الإقتصادية وقوانينها الطبيعية ” وإن ذلك حدث من خلال تغيير ” الإنسان نفسه وخلق شروط روحية وفكرية جديدة له ” . ومن هنا ندرك حجم الخطأ وفداحة الضرر المتولد عند إخضاع المجتمع الذي ” يتمتع بهذه الخصائص والمقومات إلى القوانين ذاتها ، التي يخضع لها مجتمع رأسمالي ، زاخر بالإنانية والمفاهيم المادية ” [376]. ونحسب من الضروري الإشارة إلى إن هذا الحكم فيه عام وخاص ، والعام فيه تلميح إلى إن الماركسية هي حل لأزمة الرأسمالية في المجتمع الغربي ، والخاص إنها لا تتناغم وظروف المجتمع الذي يتسور بالإسلام وعقيدته . ومن ثم أردف ” الصدر ” مفصلاً ، فذهب إلى إن هذا الحال ينطبق على المجتمع الماركسي ، الذي نظر له الماركسيون ، وبالتأكيد إن المجتمع الإسلامي مختلف جذرياً عنه ، وذلك لأن قوانين المجتمع الإسلامي ، هي غير القوانين التي جرت بها إطروحات المذهب الماركسي . وكما هو ثابت ، إن المذهب الماركسي ” لا يعترف بالحريات الفردية ، بل يُهدرها في سبيل القضية الأساسية ، قضية المجتمع بكامله ” [377]. والحقيقة هذا النقد الصدري ، فيه عودة إلى معاقل الرأسمالية والتصالح مع نزعتها الفردية المُشبعة بالإنانية والجشع والتي سبق إن سأم منها ” الصدر ” في نقده لها في النص السابق كما يُلاحظ القارئ الحصيف …

  إن ما يُميز المذهب الإقتصادي في الإسلام ، هو إنه المذهب الجماعي ، الذي يُقابل ” النظرة الماركسية ” ، فالمذهب الإقتصادي في الإسلام ، هو ” المذهب الذي يُربي في كل فرد شعوراً عميقاً بالمسؤلية تجاه المجتمع ومصالحه ، ويفرض عليه لذلك أن يتنازل من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة ، في سبيل المجتمع وسبيل الأخرين ” ، إنه ” المذهب الذي يحفظ حقوق الأخرين وسعادتهم لا بلإثارة دوافعهم الذاتية ” [378]. وهذا خطاب فقيه مسلم ورع ، لا تخلو من أحلام بإقامة مجتمع العدالة الإسلامي ، وفيه إمكانية إجراء لدراسة مقارنة بأفكار الشيوعية الماركسية الطوباوية والشيوعية اللا ماركسية الطوباوية [379].

——————————————————————————————————–

الهوامش 

 – للتفاصيل أنظر :[1]

أ – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الإقتصادي في كتابات الماوردي ، مجلة الإجتهاد ، بيروت – لبنان ، العدد المزدوج 34 / 35 شتاء – ربيع 1997 ، ص ص 169 – 204

ب – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مالك بن نبي والمشروع الإسلامي للإقتصاد ، مجلة الإجتهاد، بيروت – لبنان ، العدد 37 ، خريف 1997 ، ص ص 15 – 57

ج – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ محمد باقر الصدر والمذهب الإقتصادي في الإسلام (نشرت خلاصة منه) ، مجلة البلاد ، بيروت – لبنان 1998

 – أنظر : محمد باقر الصدر ؛ الإسلام يقود الحياة ، بيروت 1990 [2]

 – للتفاصيل أنظر : جيمس فلوشر ؛ الرأسمالية : مدخل موجز (بالإنكليزية) ، أكسفورد 2004 . [3]

ولعل من الملفت في هذا الكتاب ، إن المؤلف أشار إلى التطورات التي صاحبت إزمة الرأسمالية في السبعينات ، فيقول ” إن الإنموذج الليبرالي الجديد للرأسمالية ، قد فرض هيمنته فكرياً وأيديولوجياً … ” ص 58  

 – للمزيد حول الماركسية ، أنظر : ديفيد ماكملين ؛ الماركسية بعد ماركس (بالإنكليزية) ، دار نشر ماكميلان 2007 [4]

  يكشف تاريخ الماركسية عن تطورات بنيوية قد حدثت في جوهر الماركسية ، تمثلت في نزعات متنوعة ومتخالفة . وللإستشهاد نشير إلى الماركسية الأرثوذوكسية والماركسية الغربية ، ومن ثم الماركسية التحليلية ، والماركسية الفرويدية ، والماركسية اللينينية ، والتروتسكية والماوية ، والماركسية اليسارية ، والماركسية الإنسانية ، والماركسية الفمنستية (النسوية) …

 – محمد باقر الصدر ؛ إقتصادنا ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت 1991 ، ص 9 [5]

 – المصدر السابق ، ص 11 وما بعد [6]

 – المصدر السابق ، ص 16 وما بعد [7]

 – المصدر السابق[8]

 – المصدر السابق ، ص 17 وما بعد [9]

 – المصدر السابق ، ص 23 [10]

 – المصدر السابق ن ص 25 [11]

 – المصدر السابق ، ص 26 [12]

 – المصدر السابق ، ص 26 [13]

 – المصدر السابق ، ص 32 [14]

 – المصدر السابق ، ص 33 [15]

 – المصدر السابق ، ص ص 37 – 236 [16]

 – المصدر السابق ، ص ص 39 – 211 [17]

 – المصدر السابق ، ص ص 213 – 236 [18]

 – المصدر السابق ، ص ص 239 – 276 [19]

 – المصدر السابق ، ص ص 244 – 254 [20]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 276 [21]

 – المصدر السابق ، ص ص 279 – 325 [22]

 – المصدر السابق ، ص ص 279 – 290 [23]

 – المصدر السابق ، ص ص 279 – 282 [24]

 – المصدر السابق ، ص ص 286- 290  [25]

 – المصدر السابق ن ص ص 291 – 298 [26]

 – المصدر السابق ، ص 292 [27]

 – المصدر السابق [28]

 – المصدر السابق ، ص ص 299 – 310 [29]

 – المصدر السابق [30]

 – المصدر السابق ، ص ص 311 – 315 [31]

 – المصدر السابق ، ص 311 [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 316 – 325 [33]

 – المصدر السابق ، ص 316 [34]

 – المصدر السابق ، ص ص 329 – 354 [35]

 – المصدر السابق ، ص ص 307 – 405 [36]

 – المصدر السابق ، ص ص 307 – 371 [37]

 – المصدر السابق ، ص ص 371 – 378 [38]

 – المصدر السابق ، ص ص 378 – 380 [39]

 – المصدر السابق ، ص ص 380 – 405 [40]

 – المصدر السابق ، ص ص 409 – 495 [41]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الإقتصادي في كتابات الماوردي ، مجلة الإجتهاد ، بيروت ، العددان 34 / 35 شتاء – ربيع 1977 ، [42]

ص ص 169 – 204  

 – الطرطوشي ؛ سراج الملوك ، تحقيق جعفر البياتي ، ط1 ، لندن 1990 [43]

 – إبن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، تحقيق رضوان السيد ، ط1 ، بيروت 1983 [44]

 – محمد باقر الصدر ؛ إقتصادنا ، ص ص 499 – 524 [45]

 – المصدر السابق ، ص ص 525 – 542 [46]

 – المصدر السابق ، ص ص 533 – 542  [47]

 – المصدر السابق ن ص ص 543 – 597 [48]

 – المصدر السابق ، ص ص 550 – 556 [49]

 – المصدر السابق ، ص ص 557 وما بعد  [50]

 – المصدر السابق ، ص ص 599 – 610 [51]

 – المصدر السابق ، ص ص 611 – 655 [52]

 – المصدر السابق ن ص ص 659 – 687 [53]

 – المصدر السابق ، ص ص 659 – 666 [54]

 – المصدر السابق ، ص ص 667 – 679 [55]

 – المصدر السابق ، ص ص 680 – 687 [56]

 – المصدر السابق ، ص ص 687 – 728 [57]

 – المصدر السابق ، ص ص 689 – 698 [58]

 – المصدر السابق ، ص ص 698 – 700  [59]

 – المصدر السابق ، ص ص 701 – 705 [60]

 – المصدر السابق ، ص ص 706 – 708 [61]

 – المصدر السابق ، ص ص 708 – 711 [62]

 – المصدر السابق ، ص 712 [63]

 – المصدر السابق ، ص ص 712 – 714 [64]

 – المصدر السابق ، ص ص 714 – 716 [65]

 – المصدر السابق ، ص ص 716 – 717 [66]

 – المصدر السابق ، ص 717 [67]

 – المصدر السابق ، ص ص 717 – 718 [68]

 – المصدر السابق ، ص ص 718 – 727 [69]

 – المصدر السابق ، ص 778 [70]

 – أنظر على سبيل المثال : محمد باقر الصدر ؛ الأسس المنطقية للإستقراء ، دار التعارف للمطبوعات ، ط4 ، بيروت 1983 [71]

 – أنظر لمعرفة الدور الذي تلعبه نظرية التعريف في بنية العلوم : [72]

أ – محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل آرسطو للعلم البرهاني (رسالة ماجستير 1976) ، دار الحرية ، بغداد 1983 ، القسم الثاني ، الفصل الخامس والمعنون ” نظرية التعريف ” ، ص ص 137 – 155

ب – محمد جلوب الفرحان ؛ نظرية التعريف عند إبن سينا ، المجلة العربية للعلوم الإنسانية – جامعة الكويت ، العدد 25 ، المجلد السابع ، شتاء 1987 ، ص ص 8 – 34  

 – الصدر ؛ إقتصادنا ، ص 374 [73]

 – المصدر السابق [74]

 – المصدر السابق ، ص 375 [75]

 – المصدر السابق [76]

 – المصدر السابق ، ص 376 [77]

 – المصدر السابق [78]

 – المصدر السابق ، ص 377 [79]

 – المصدر السابق ن ص 385 [80]

 – المصدر السابق ، ص 409 [81]

 – المصدر السابق [82]

 – المصدر السابق [83]

 – المصدر السابق [84]

 – المصدر السابق ، ص 410 [85]

 – المصدر السابق [86]

 – المصدر السابق ن ص ص 634 – 635 [87]

 – المصدر السابق ، ص 635 [88]

 – المصدر السابق ، ص 9 [89]

 – المصدر السابق ، ص 10 [90]

 – المصدر السابق ، ص 11 [91]

 – المصدر السابق ، ص 12 [92]

 – المصدر السابق ، ص 26[93]

 – المصدر السابق [94]

 – المصدر السابق ، ص 27 [95]

 – المصدر السابق [96]

 – المصدر السابق ، ص 28 [97]

 – المصدر السابق ، ص 29 [98]

 – المصدر السابق [99]

 – المصدر السابق ، ص 37 [100]

 – المصدر السابق ، ص 40 [101]

 – المصدر السابق ، ص 41 [102]

 – المصدر السابق ، ص 43 [103]

 – المصدر السابق ، ص 44 [104]

 – المصدر السابق ، ص 53 [105]

 – المصدر السابق ، ص 60 [106]

 – المصدر السابق ، ص 61 [107]

 – المصدر السابق ، ص 65 [108]

 – المصدر السابق ، ص 70 [109]

 – المصدر السابق ، ص 84 [110]

 – المصدر السابق ، ص 88 [111]

 – المصدر السابق ، ص 89 [112]

 – المصدر السابق ، ص 93 [113]

 – المصدر السابق ، ص 94 [114]

 – المصدر السابق ، ص 97 [115]

 – المصدر السابق ، ص 105 [116]

 – المصدر السابق ، ص 106 [117]

 – المصدر السابق ، ص 110 [118]

 – المصدر السابق ، ص 112 [119]

 – المصدر السابق ، ص 117 [120]

 – المصدر السابق ، ص 129 [121]

 – المصدر السابق ، ص 131 [122]

 – المصدر السابق ، ص 135 [123]

 – المصدر السابق ، ص 137 [124]

 – المصدر السابق ، ص 138 [125]

 – المصدر السابق ، ص 157 [126]

 – المصدر السابق ، ص 162 [127]

 – المصدر السابق ، ص 164 [128]

 – المصدر السابق ، ص 165 [129]

 – المصدر السابق ، ص 169 [130]

 – المصدر السابق ، ص 175 [131]

 – المصدر السابق ، ص 177 [132]

 – المصدر السابق ، ص 179 [133]

 – المصدر السابق ، ص 182 [134]

 – المصدر السابق ، ص 188 [135]

 – المصدر السابق ، ص 201 [136]

 – المصدر السابق ، ص 205 [137]

 – المصدر السابق ، ص 209 [138]

 – المصدر السابق ، ص 210 [139]

 – المصدر السابق ، ص 211 [140]

 – المصدر السابق ، ص 213 [141]

 – المصدر السابق ، ص 215 [142]

 – المصدر السابق ، ص 217 [143]

 – المصدر السابق ، ص 218 [144]

 – المصدر السابق ، ص 224 [145]

 – المصدر السابق ، ص 225 [146]

 – المصدر السابق ، ص 228 [147]

 – المصدر السابق ، ص 240 [148]

 – المصدر السابق ، ص 241 [149]

 – المصدر السابق ، ص 244 [150]

 – المصدر السابق ، ص 245 [151]

 – المصدر السابق ، ص 249[152]

 – المصدر السابق ، ص 251 [153]

 – المصدر السابق ، ص 253 [154]

 – المصدر السابق ، ص 254 [155]

 – المصدر السابق ، ص 255 [156]

 – المصدر السابق ، ص 256 [157]

 – المصدر السابق ، ص 263 [158]

 – المصدر السابق ، ص 269 [159]

 – المصدر السابق ، ص 270 [160]

 – المصدر السابق ، ص 271 [161]

 – المصدر السابق ، ص 279 [162]

 – المصدر السابق ، ص 280 [163]

 – المصدر السابق ، ص 282 [164]

 – المصدر السابق ، ص 286 [165]

 – المصدر السابق ، ص 291 [166]

 – المصدر السابق ، ص 296 [167]

 – المصدر السابق ، ص 314 [168]

 – المصدر السابق ، ص 315 [169]

 – المصدر السابق ، ص 316 [170]

 – المصدر السابق ، ص 320 [171]

 – المصدر السابق ، ص 329 [172]

 – المصدر السابق ، ص 331 [173]

 – المصدر السابق ، ص 341 [174]

 – المصدر السابق ، ص 342 [175]

 – المصدر السابق ، ص 345 [176]

 – المصدر السابق ، ص 359 [177]

 – المصدر السابق [178]

 – المصدر السابق ، ص 371 [179]

 – المصدر السابق ، ص 375 [180]

 – المصدر السابق ، ص 378 [181]

 – المصدر السابق ، ص 399 [182]

 – المصدر السابق ، ص 409 [183]

 – المصدر السابق ، ص 411 [184]

 – المصدر السابق ، ص 481 [185]

 – المصدر السابق ، ص 508 [186]

 – المصدر السابق ، ص 510 [187]

 – المصدر السابق ، ص 516 [188]

 – المصدر السابق ، ص 519 [189]

 – المصدر السابق ، ص 581 [190]

 – المصدر السابق ، ص584 [191]

 – المصدر السابق ، ص 589 [192]

 – المصدر السابق ، ص 591 [193]

 – المصدر السابق ، ص 613 [194]

 – المصدر السابق ، ص 615 [195]

 – المصدر السابق ، ص 619 [196]

 – المصدر السابق ، ص 637 [197]

 – المصدر السابق ، ص 640 [198]

 – المصدر السابق ، ص 643 [199]

 – المصدر السابق [200]

 – المصدر السابق ، ص 660 [201]

 – المصدر السابق ، ص 662 [202]

 – المصدر السابق ، ص 678 [203]

 – المصدر السابق ، ص 679 [204]

 – المصدر السابق ، ص 693 [205]

 – المصدر السابق ، ص 698 [206]

 – المصدر السابق ، ص 722 [207]

 – المصدر السابق ، ص 728[208]

 – المصدر السابق ، ص 729[209]

 – أنظر: جينفر شوسلر ؛ الرأسمالية : فصول دراسية في قسم التاريخ ، صحيفة نيويورك تايمس ، 6 نيسان 2013 .[210]

 – أنظر : رودني هلتون (المشرف) ؛ التحولات من الإقطاعية إلى الرأسمالية (كتاب جماعي بالإنكليزية) ، لندن 1976 ، مناظرة كل من موريس [211]

دوب وبول سويزي .

 – للتفاصيل ، أنظر: لبيب سبهي ؛ الرأسمالية في إسلام العصور الوسطى (بالإنكليزية) ، دورية التاريخ الإقتصادي / المجلد 29 / العدد الأول [212]

1969 ، ص ص 79 – 96 .  

 – للتفاصيل ، أنظر: روبرت كرين (المشرف) ؛ مُعضلات المدنية الأوربية : البروتستانية والرأسمالية (بالإنكليزية) ، بوسطن 1959 ، وفيه [213]

دراسة لكتاب ” ماكس بايبر ”  الأخلاق البروتستانية وروح الرأسماية ونقادها .  

 – أنظر : محمد باقر الصدر ؛ البنك اللاربوي في الإسلام (مصدر سابق) .[214]

 – أنظر : جيرس بناجي ؛ الإسلام وبلدان البحر المتوسط ونشوء الرأسمالية (بالإنكليزية) / دورية المادية التاريخية / المجلد 15 / العدد الأول[215]

، ص ص 47 – 74 .

 – أنظر : جون سكوت ومارشل جوردن ؛ ” الرأسمالية ” (بالإنكليزية) ، قاموس علم الإجتماع ، مطبعة جامعة أكسفورد 2005 (أون لاين) . [216]

 – للتفاصيل عن الرأسمالية الزراعية ، أنظر: ألين ميكسن وود ؛ الأصول الزراعية للرأسمالية (بالإنكليزية) / دورية مراجعات شهرية ، [217]

حزيران 1998 ، المجلد 50 ، العدد الثاني

 – أنظر : كارل ماركس ” رأس المال ، ترجمه إلى الإنكليزية بين فوكس ، كتب بنجوين – لندن 1976 .[218]

 – أنظر : ألين ميكسن وود ؛ المصدر السابق [219]

 – أنظر ؛ المصدر السابق  [220]

 – أنظر : ديفيد أونكنك ؛ الأيديولوجيا والسياسة الخارجية في بواكير أوربا الحديثة (1650 – 1750) (بالإنكليزية) ، دار أشكيت للناشرين ،[221]

2011 ، ص 257 .

 – ديفيد هيوم ؛ الخطابات السياسية (بالإنكليزية) ، دار دونالد – أدنبرة  1752 (صورة مصورة من جامعة أكسفورد 2008) .[222]

 – أنظر : آدم سميث ؛ بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1977 . [223]

 – أنظر : أيان سمبسون روس ؛ حياة آدم سميث (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1995 .[224]

 – أنظر: ديفيد ميلر (المشرف ) ؛ إنسكلوبيديا الفكر السياسي )بالإنكليزية) ، دار ويلي بلاك ويل ، 1991 (تألفت من 588 صفحة) .[225]

 – أنظر : طوني كليف ؛ التروتسكية بعد تروتسكي (بالإنكليزية) 1999 (أون لاين) .[226]

 – أنظر : طوني كليف ؛ رأسمالية الدولة في روسيا (بالإنكليزية) 1955 (أون لاين) .[227]

 – أنظر : بيتر دوكر ؛ ماكس شكتمن وحياته (بالإنكليزية) ، مطبعة الإنسانيات 1994 ، ص ص 246 – 247 [228]

 – أنظر : فردريك جيمسون ؛ الحضارة والرأسمالية المالية (بالإنكليزية) ، دار قارئ جيمسون 2005 . [229]

 – أنظر : كراهام كبسون ؛ سياسات ما بعد الرأسمالية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة مينسوتا 2006 . [230]

 – أنظر : ديفيد كنك ؛ أسعار التحويل ورأسمالية الأصحاب في شرق أسيا (بالإنكليزية) دورية السياسات المقارنة ، المجلد 35 / العدد 4 عام [231]

2003 .

 – أنظر : روبرت برنارد رايش ؛ الرأسمالية المتفوقة : تحولات المصالح ، الديمقراطية والحياة اليومية (بالإنكليزية) دار نوبف دبول دي [232]

وجماعة الناشرين ، سلسلة فانتج 2008 (تألف من 272 صفحة) .  

 – أنظر : لويس فيلا ؛ الرأسمالية التكنولوجيا : من وجهة نظر نقدية حول التجديدات التكنولوجية والمؤسسات التجارية (بالإنكليزية) ، مطبعة [233]

جامعة تمبل 2009 .  

 – أنظر : لويس فيلا ؛ العولمة والرأسمالية التكنولوجية : الإقتصاد السياسي لسلطة المؤسسات التجارية (بالإنكليزية) ، دار إشكات للنشر – [234]

لندن 2012 .  

 – أنظر : برانديز ستورت ؛ رأسمالية الرفاه الأمريكية (1880 – 1940) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1976 . [235]

 – أنظر للتفاصيل عن الرأسمالية الفوضوية (اللاسلطوية) : ريتشارد سليفان ؛ الفوضوية : صحبة مع الفلسفة السياسية المعاصرة (بالإنكليزية) ، [236]

دار نشر بلاك ويل ، 1995 . وكذلك : تري بيرلن ؛ الفوضوية المعاصرة (بالإنكليزية) ، دار نشر التقاطع ، نيوبرانزويك 1979 .

 – للتفاصيل عن الرأسمالية المتأخرة ، أنظر : إرنست ماندل ؛ الرأسمالية المتأخرة (بالإنكليزية) ، مطبعة الإنسانيات – لندن 1975 .[237]

 – أنظر : كاثرين مالبو وجاك دريدا ؛ الرحلة مع جاك دريدا ، ترجمه من الفرنسية إلى الإنكليزية ديفيد ويلز ، مطبعة جامعة ستانفورد  2004 [238]

(تألف من 330 صفحة) .

 – للتفاصيل أنظر : ميشيل ميلر ؛ ملاحظات حول الرأسمالية الجديدة (بالإنكليزية) / دورية النظرية والمجتمع ، ربيع 1975 / المجلد الثاني / العدد[239]

الأول ، ص ص 1 – 35  

 – أنظر : تشارلز مديسن ؛ الفوضوية في الولايات المتحدة الأمريكية (بالإنكليزية) ، دورية تاريخ الأفكار ، حزيران 1945 / المجلد 6 ، العدد[240]

الأول ، ص 53

 – أنظر : ميشيل ألبرت ؛ الحياة بعد الرأسمالية (بالإنكليزية) ، دار نشر بيرسو – لندن 2003 . [241]

 – أنظر : ألبرت لندمان ؛ تاريخ الإشتراكية الأوربية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ييل 1983 . [242]

 – أنظر : ديفيد لوز ؛ قاموس ضد الرأسمالية (بالإنكليزية) ، دار كتب زد – لندن 2006 . [243]

 – أنظر ؛ النص من هذا البحث هامشه رقم 307 .[244]

 – محمد باقر الصدر ؛ إقتصادنا (مصدر السابق) ، ص ص 240 – 241 [245]

 – المصدر السابق ن ص 241 [246]

 – المصدر السابق ، ص 244 [247]

 – المصدر السابق ، ص 248 [248]

 – المصدر السابق ، ص 249 [249]

 – المصدر السابق ، ص 255 [250]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 256 [251]

 – المصدر السابق ، ص ص 257 – 258 [252]

 – المصدر السابق ، ص ص 258 – 259 [253]

 – المصدر السابق ، ص 259 [254]

 – المصدر السابق [255]

 – المصدر السابق ، ص ص 260 – 261 [256]

 – المصدر السابق ، ص 261 [257]

 – المصدر السابق ، ص 263 [258]

 – المصدر السابق ، ص 269 [259]

 – المصدر السابق ، ص 271[260]

 – المصدر السابق ، ص 275 [261]

 – للتفاصيل عن حياة ماركس والتحولات في تفكيره ، أنظر : ديفيد ماكلين ؛ كارل ماركس : السيرة ذاتية (بالإنكليزية) ، دار ماكميلان ، ط 4 ،[262]

2006 .

 – للمزيد عن التحولات في حياة إنجلز ، أنظر : روي وايتفيلد ؛ الحياة المزدوجة لفردريك إنجلز (بالإنكليزية) ، دورية مراجعة تاريخ مانشستر ، [263]

1980 ، المجلد 2 / العدد الأول .  

 –  للإطلاع على سيرته الذاتية والتحولات في حياته ، أنظر : ديمتري فولكنوف ؛ لينين : سيرة ذاتية جديدة (بالإنكليزية) ، المطبعة الحرة (سيمون [264]

وشوستر) ، نيويورك 1994 .

 – للتفاصيل أنظر : روبرت سيرفس ؛ تروتسكي : سيرة ذاتية (بالإنكليزية) ، كيمبريدج (ماسشيوست) 2009 .[265]

 – ولعل من أشهر مؤلفاته المتأخرة ، كتابه المعنون ” الشيوعية والفلسفة : العقائد المعاصرة والتحولات في الماركسية (بالإنكيزية) ، دار نشر[266]

لورنس ويشهارت ، لندن 1980 وهو من أكبر أعماله المتأخرة .

 – وحاضر في الفلسفة وعلم النفس من وجهة نظر نقدية ، بالطبع وجهة نظر ماركسية ، وكتب الكثير عن الماركسية ، وتحولت نصوصه التي [267]

ترجمت في الستينات إلى العربية (وهي فترة المواجهة بين الإسلاميين والماركسيين أو الشيوعيين) إلى ثقافة شعبية رائجة في المدن العراقية ، وكاتب السطور كان شاهد على ذلك . كما وكتب ” بولتيزر” نصوص نقدية مهمة عن الفرويدية والبرغسونية . ولعل من أشهر مؤلفاته التي نُشرت بعد موته ، كتابه المعنون ” المبادئ الأساسية للفلسفة ” وهو في الحقيقة مجموعة محاضرات ألقاها في الجامعة العمالية التي أسسها في باريس ، وجمعها طلابه وتم نشرها في كتاب . أنظر : جورج بولتيزر ؛ المبادء الأساسية في الفلسفة (بالإنكليزية) ، دار النشر العالمية 1976 .

 – للتفاصيل عن أزمات النظام القيصري ، أنظر : روبرتا ميننك ؛ أزمة النظام القديم في روسيا : النبلاء والحكومة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة [268]

برنستون 2003 .

 – للمزيد أنظر : أدم برنو ألام ؛ البلاشفة : التاريخ الفكري والسياسي لأنتصار الشيوعية في روسيا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة هارفارد 1965 .[269]

 – أنظر : ليون تروتسكي ؛ أخلاقهم وأخلاقنا (بالإنكليزية) ، ط 5 ، مطبعة باثفايندر – نيويورك 1973 . وألف تروتسكي هذا الكتاب عام 1938 ، [270]

وتألف من 126 صفحة . وفيه رد من قبل الفيلسوف البراجماتي الأمريكي ” جون ديوي ” (1859 – 1952) وفيه جواب ماركسي تقدم به ، زميل تروتسكي ، السياسي الشيوعي التروتسكي الأمريكي ” جورج نوفاك ” (1905 – 1992) ومن أهم مؤلفاته ” النظرية الماركسية للإغتراب ” . للتفاصيل أنظر : جورج نوفاك وأرنست ماندل ؛ النظرية الماركسية للإغتراب (بالإنكليزية) ، ط2 ، مطبعة باثفايندر – نيويورك 1973 .

 – أنظر : جورج لوكاش ؛ التاريخ والوعي الطبقي : دراسات في الديالكتيك الماركسي (بالإنكليزية) ، مطبعة مارلين 1971 (تألف من 356 [271]

صفحة) .

 – أنظر : كارل كورش ؛ الماركسية والفلسفة (بالإنكليزية) ، لندن 1972 .[272]

 – أنظر : مارتن جي ؛ الماركسية والشمولية : من لوكاش وحتى هابرمس (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، 1984 (تألف من 576[273]

صفحة) وهو كتاب جامع ، ضم بين دفاته الحديث عن أجيال متنوعة من فلاسفة الماركسية الغربية .

 – للتفاصيل أنظر : كارل بوكس ؛ غرامشي ومعضلات الماركسية الغربية (بالإنكليزية) ، المطبعة الجنوبية – لندن 1984 .[274]

 – للتفاصيل عن نظرية غرامشي في ” الهيمنة الثقافية ” ، أنظر : أنطونيو غرامشي ؛ مختارات من كتاب ملاحظات السجن (بالإنكليزية) ، إشراف [275]  وتقديم جيفري نويل سميث ، دار نشر لورنس وويشهارت المحدودة – لندن 1998 .

 – للتفاصيل ، أنظر : ت . بوتمور و ب . كوود (الناشران) ؛ الماركسية النمساوية (بالإنكليزية) مطبعة كيرندن – أكسفورد 1978 . [276]

 – للتفاصيل ، أنظر : روزا لوكسمبيرك ؛ أعمال روزا لوكسمبيرك الكاملة (بالإنكليزية) ، 14 مجلداً ، نيويورك 2011 . [277]

 – للتفاصيل أنظر الكتاب الجماعي والمعنون ؛ الماركسية اللا لينينية (بالإنكليزية) ، دار الناشرين السوداء والحمراء ، سانت بطرسبيرك 2007 [278]

وفيه نصوص بالغة الأهمية لكل من الشاعر الهولندي ” هيرمان كورتر ” (1864 – 1927) ، والشيوعية اليسارية البريطانية ” سيلفيا بنكهارست ” (1882 – 1960) و الماركسي الألماني ” أوتو روهل ” (1874 – 1943) وهو من رفاق ” روزا لوكسمبيرك ” وعصبة بارتكوز .

 – أنظر : جون هاينز ؛ ريموند وليمز : الأدب ، الماركسية والمادية الثقافية 0بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 1999 .[279]

 – للتفاصيل ، أنظر : فان كوزي ” نشاطات حركة اليسار الجديد 1950 – 1975 : تاريخ موجز (بالإنكليزية) ، مطبعة إلينيوز1993 . [280]

 – أنظر : جان بول سارتر ؛ نقد العقل الديالكتيكي ، ترجمه إلى الإنكليزية ألين شيردين سميث ، الجزء الأول ، دار نشر فيرسو 1976 (تألف من [281]

835 صفحة) .

 – أنظر : سارتر : نقد العقل الديالكتيكي ، ترجمة ألين سميث ، دار فيرسو 1991 (تألف من 467 صفحة) . [282]

 – أنظر : موريس ميرلوبونتي ؛ مغامرات الديالكتيك ، ترجمه إلى الإنكليزية جوزيف بين ، مظبعة بيكون – بوسطن 1969 .[283]

 – أنظر : إنطونيو كيلري وديفيد روشو (المشرفان) ؛ المادية ما بعد الحداثة ومستقبل النظرية الماركسية : مقالات حول الإرث التوسيري (نسبة [284]

إلى الفيلسوف ألتوسير) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ويسلاين 1995 .

 – أنظر : مارك بوستر ؛ الماركسية والوجودية في فرنسا ما بعد الحرب (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة برنستون 1975 .[285]

 – أنظر : ديك هوارد وكارل كلير (المشرفان) ؛ الأبعاد غير المعروفة للماركسية الأوربية منذ لينين (بالإنكليزية) ، الكتب الأساسية ، نيويورك [286]

1972 .  

 – أنظر : أرنست بلوخ ؛ الإلحاد والمسيحية : دين النزوح والمملكة ، ترجمه إلى الإنكليزية ج . ت . سوان ، وتقديم بيتر تومسن ، دار نشر [287]

فيرسو 2009 (تألف من 258 صفحة) .

 – أنظر : جيمس كريكور ومريا هيسا شنك ؛ الماوية والماركسية من زاوية معاصرة (بالإنكليزية) / دورية مراجعات سياسية ، مطبعة جامعة [288]

كيمبريدج / المجلد 40 / العدد 3 ، تموز 1978 ، ص ص 307 – 327 .

 – أنظر : ليون تروتسكي ؛ مدرسة ستالين للإدعاء الكاذب (بالإنكليزية) ، دار نشر باثفايندر ، 1971 .[289]

 – أنظر : فيلدرز بيلدن ؛ التروتسكية والماوية : النظرية والتطبيق في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية (بالإنكليزية) ، دار نشر بريكر [290]

1989 .

 – أنظر : كونستنس إشتون مايرز ؛ الجيش النبوي : التروتسكية في أمريكا (1928 – 1941) بالإنكليزية ، مطبعة كرين وود 1977 .[291]

 – أنظر : جوزيف لوري هانسن ؛ ديناميك الثورة الكوبية : من وجهة نظر تروتسكية (بالإنكليزية) ، مطبعة باثفايندر ، 1978 .[292]

 – أنظر : جوزيف لوري هانسن ؛ ليون تروتسكي : الرجل وأعماله (بالإنكليزية) ، دار نشر ميرت – نيويورك 1969 . [293]

 – أنظر : فيرل دوبس ؛ إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : السنوات المبكرة 1848 – 1917 (بالإنكليزية) ، مطبعة موناد – [294]

نيويورك ، 1980 .

 – أنظر : فيرل دوبس ؛ إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : ولادة الحركة الشيوعية 1918 – 1922 (بالإنكليزية) ، مطبعة [295]

موناد – نيويورك 1983 .  

 – إن العنوان الكامل لكتاب ” رأس المال ” الذي ظهر لأول مرة باللغة الألمانية ، هو ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” وكان يتطلع [296]

” ماركس ” إلى إنجازه في تسع مجلدات ، وهي في الأصل مقالات وأبحاث منشورة وأخذ يجمعها . وفعلاً فإنه جمع منها ثمان مجلدات ونشرها في عام 1867 . غير إنه لم ينشر المجلد التاسع في حياته . وبعد وفاته قام زميله فردريك إنجلز ، بجمع مقالات ومواد المجلد التاسع ، وكتاب ” رأس المال ” هو من أهم الكتب الفكرية التي صدرت في القرن التاسع عشر . ويُصنف مع الكتب الفكرية الكبرى ، ولكل من روح القوانين ، الذي كتبه شارلز مونتسكيو (1689 – 1755) ، وكتاب ثروة الأمم الذي كتبه آدم سميث (1723 – 1790) . وفيما يخص كتابي رأس المال لماركس ، وإقتصادنا للصدر ، فإن آدم سميث ، هو أول من بحث في القيمة الإستعمالية والقيمة التبدالية … للتفاصيل عن كتاب ” ماركس ” رأس المال ، والقيمتين الإستعمالية والتبادلية ، أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال ، نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية ) ترجمه من الألمانية كل من بين فوكس وديفيد فينباخ ، وتقديم إرنست مندل ، كلاسيكيات 1976 ، المجلد الأول (تألف من 1152 صفحة) .  

 – محمد باقر الصدر ، إقتصادنا (مصدر سابق) ، ص 179 [297]

 – المصدر السابق ، ص ص 179 – 180 [298]

 – المصدر السابق ، ص 180 [299]

 – المصدر السابق [300]

 – المصدر السابق ، ص 181 [301]

 – المصدر السابق [302]

 – المصدر السابق ، ص 183 [303]

 – المصدر السابق ، ص 185 [304]

 – المصدر السابق ، ص 186 [305]

 – المصدر السابق ، ص 205 [306]

 – المصدر السابق ، ص ص 205 – 206 [307]

 – المصدر السابق ، ص 206 [308]

 – المصدر السابق ، ص 207 [309]

 – المصدر السابق ، ص 208 [310]

 – أنطر للتفاصيل : فردريك كوبر ؛ النزعة الإستعمارية في سؤال : النظرية ، المعرفة ، التاريخ (عمل جماعي بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة [311]

كليفورنيا 2005 (تألف من 327 صفحة) .

 – المصدر السابق [312]

 – أنظر : جنيفر بيتس ؛ التحول إلى الإمبراطورية : صعود الليبرالية في بريطانيا وفرنسا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة برنستن 2005 . [313]

 – أنظر للتفاصيل : سوزان بيدرسون وكورالين اليكنز (المشرفان) ؛ الإستعمار الإستيطاني في القرن العشرين (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج [314]

2005 .  

 – أنظر  للتفاصيل : لويس روجر ؛ الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط  (1945 – 1951): حركة القومية العربية ، الولايات المتحدة  [315]

الأمريكية ، والإمبريالية ما بعد الحرب (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1980 .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الماركسية والفانونية في خظاب مالك بن نبي (ثلاث مقالات) : 1 – البلاد اللندنية – كندا / العدد[316]

110 شباط 2011 . 2 – البلاد اللندنية – كندا / العدد 111 آذار 2011 . 3 – البلاد اللندنية – كندا / العدد 113 أبريل 2011 .

 – للتفاصيل أنظر : باتريك إهلان ؛ فرانز فانون : السيرة الروحية (بالإنكليزية) ، دار طرق مفترقة – نيويورك 2001 . [317]

 – أنظر : فرانز فانون ؛ موت النزعة الإستعمارية ، ترجمه إلى الإنكليزية هاكون شفيلر ، مطبعة كروف – نيويورك 1965 [318]

 – أنظر : فرانز فانون ؛ معذبو الأرض ، ترجمه إلى الإنكليزية ريتشارد فيلكونس ، دار نشر إتلانتك وكروف 2005 (تألف من 320 صفحة) .[319]

وفي دوائر الثقافة الغربية عندما تذكر رائعة ” فانون ” معذبو الأرض ” تذكر معها رائعة العربي الأمريكي ” أدورد سعيد ” الإستشراق . وبالطبع هناك ترجمة عربية لكتاب ” معذبو الأرض ” قام بها سامي الدروبي وجمال الأتاسي … وبالمناسبة إن كاتب السطور أنجز دراسة عنه عندما كان طالباً في الصف الثالث في قسم الفلسفة وتحت إشراف البروفسور مدني صالح .  

 – للتفاصيل أنظر : ماركريت كوهن وكلي ميكبيرد ؛ النظريات السياسية لنهاية الإستعمار : ما بعد الإستعمار ومشكلة التأسيس (بالإنكليزية) ، [320]

مطبعة جامعة أكسفورد 2011 (تألف من 224 صفحة) .

 – الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 210 [321]

 – المصدر السابق [322]

 – المصدر السابق [323]

 – المصدر السابق ، ص 211 [324]

 – للتفاصيل أنظر ؛ ميشيل نيومان الإشتراكية : مدخل موجز (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2005 [325]

 – أنظر : جونثان بيشر وريتشارد بينفينو (المشرفان) ؛ الرؤيا الطوباوية لشارل فورييه : أعمال مختارة (بالإنكليزية) ، مطبعة بيكون – بوسطن [326]

1971 .

 – أنظر : أي . أل . مورتن ؛ حياة وأفكار روبرت آوين (بالإنكليزية) ، دار نشر لورنس وويشهارت – لندن 1962 .[327]

 – أنظر : فيري إينريكو ؛ الإشتراكية والعلم الحديث (داروين ، سبنسر وماركس) (بالإنكليزية) ، دار شارلز وكير – شيكاغو 1917 (متوفر أون[328]

لاين) .

 – أنظر : أريك فروم ؛ المفهوم الماركسي للإشتراكية (بالإنكليزية) ، دار نشر فردردريك إنكر – نيويورك 1961 (أمن لاين) .[329]

 – الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 215 [330]

 – أنظر : جون سكوت وجوردن مارشيل ؛ معجم علم الإجتماع (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2007 ، مادة ” الشيوعية البدائية ” .[331]

وكذلك : فردريك إنجلز ؛ أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة (بالإنكليزية) ، تقديم إيفلين ريد ، مطبعة باثفايندر 1983 .

 للتفاصيل عن الشيوعية الماركسية ، أنظر : ميراندا بورفيرو جوز ؛ الشيوعية في الإنجيل (بالإنكليزية) ، دار ستوك ويبف للناشرين 2004 . -[332]

 – أنظر : عزرا بيرنز ؛ النزعة الطائفية للأسينيون والإختلاف الإجتماعي في يهودا بع عام 70 ق.م (بالإنكليزية) / دورية المراجعة اللاهوتية -[333]

جامعة هارفارد / المجلد 99 / العدد 3 ، ص ص 247 – 274 .

 – أنظر : توماس مور ؛ اليوتبيا / منشورة أعمال توماس مور ، ترجمة جون دولن ، المكتبة الأمريكية الجديدة – نيويورك 1967 [334]

 – أنظر : منفستو أو إعلان الحفارين ، وصد بأسماء تسعة من رجال الدين البروتستان من الكلفان ، منهم ريتشارد سميث ، وتحت شعار : الأرض [335]

أرضنا ، والأرض هي الحرية ، أنظر : ريتشارد سميث وأخرون ؛ منفستو الحفارين ، كليز كالفرت – لندن 1650

 – أنظر للتفاصيل : كوف كندي ؛ الحفارون ، الرافعون للتربة والرأسمالية الزراعية : الفكر السياسي الراديكالي في إنكلترا القرن السابع عشر [336]

(بالإنكليزية) ، الولايات المتحدة الأمريكية 2008 .

 – أنظر : أدورد بيرنستاين ؛ كرومويل والشيوعية : الإشتراكية والديمقراطية في الثورة الإنكليزية الكبرى (بالإنكليزية) ، دار سبوكمان – [337]

نوتنكهام 1980 (اون لاين) .

 – أنظر : المصدر السابق [338]

 – وعصر التنوير او عصر العقل ، هو حركة ثقافية وفكرية لعدد من المفكرين والفلاسفة الغربيين . وبدأت في القرن السابع عشر ، وبالتحديد في [339]

أوربا الغربية . وكان شعارها التأكيد على العقل والنزعة الفردية بدلاً من التراث والتقاليد . وإنتشرت في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . وإستمرت حتى نهاية القرن القرن الثامن عشر . وكان هدفها إصلاح المجتمع عن طريق إستخدام العقل ، وتحدي الأفكار المؤسسة على التقاليد والإعتقاد . وعملت بجد على تقدم المعرفة ومن خلال إستخدام الطريقة العلمية . كما عززت من مكانة التفكير العلمي ، والشك .. وهي في التقويم الأخير ثورة في الفكر الإنساني . ونمت وتطورت حول عدد من الفلاسفة والعلماء الغربيين ، من أمثال ” فرنسيس بيكون ” (1562 – 1626) و ” رينيه ديكارت ” (1596 – 1650) و ” باروخ إسبينوزا ” ( 1632 – 1677) و ” جون لوك ” ( 1632 – 1704) و (بيير بايل ” (1647 – 1706) و ” فولتير ” (1694 – 1778) و ” فرنسيس هاتشسن ” (1694 – 1746) و ” ديفيد هيوم ” ( 1711 – 1776) و الإيطالي ” سيزاري بيكاريا ” (1738 – 1794) و ” عمانوئيل كانط ” ( 1724 – 1804) و ” إسحق نيوتن ” (1643 – 1727) .. أنظر حول التنوير : دوريندا أوترم ؛ التنوير (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط2 ، 2005 .  

 – أنظر : جون سكوت وجوردن مارشيل ؛ الشيوعية / في معجم علم الإجتماع (مصدر سابق) .[340]

 – للإطلاع على المراحل التي مرت بها كتابة البيان الشيوعي ، ودور كل من إنجلز وماركس فيه ، ومكوناته ، أنطر : ماركس وإنجلز ؛ المنفستو[341]

الشيوعي (بالإنكليزية) ، وبتقديم مارتين مالي ، مطبعة بنجوين – نيويورك 1998 .

 – للتفاصيل ، أنظر : كارل ماركس ؛ الأيديولوجيا الألمانية (بالإنكليزية) ، شركة الكتاب الإلكتروني (تألف من 212 صفحة) .[342]

 – أنظر : جورتر هيرمان وآخرون ؛ الماركسية اللالينينية : كتابات حول مجالس العمال (بالإنكليزية) ، دار الأحمر والأسود للناشرين 2007 ،[343]

(تألف من 176 صفحة) .

 – أنظر : نورمان ديفيس ؛ الشيوعية : صحبة  أكسفورد للعالم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2001 . [344]

 – أنظر : جورتر هيرمان وآخرون ؛ الماركسية اللا لينينية (بالإنكليزية) ، دار الأحمر والأسود للناشرين 2007 (تألف من 176 صفحة) .[345]

 – للتفاصيل ، أنظر : ج . ب . ناتي ؛ روزا لوكسمبيرك (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1969 ، ص ص 487 – 490 [346]

 – للتفاصيل أنظر : إنطونيو بانخوخ ؛ لينين فيلسوفاً : الفحص النقدي للأسس الفلسفية للينينية ، الترجمة الإنكليزية ، نيويورك 1948 (أون [347]

لاين) . ونشر أولاً بالهولندية في أمستردام عام 1938 . وتكون من مدخل وثمانية فصول ، وملحق كتبه كارل كورش عام 1938 وبالطبع للطبعة الهولندية وترجم كذلك للنشرة الإنكليزية .

 – أنظر مادة ” الشيوعية الجديدة ” ، قاموس مريم ويبستر  أون لاين ، مريم ويبستر 2013 .[348]

 – للتفاصيل عن ” غرامشي ” أنظر : إنطونيو غرامشي ؛ مذكرات السجن (بالإنكليزية) بإشراف جوزيف بوتكيج ، مطبعة جامعة كولومبيا – [349]

نيويورك (المدينة) 1992 ، وكذلك ؛ دانتي جيرمينو ؛ إنطونيو غرامشي : معمار علم السياسة الحديثة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة لويزيانا 1990

 – أنظر : نيكولاي بوكارين ؛ كتابات محتارة حول الدولة والتحولات في الإشتراكية (بالإنكليزية) ، دار شارب – نيويورك 1980 . [350]

 – أنظر : إينفر هوكسا ؛ الشيوعية الأوربية نزعة ضد الشيوعية (بالإنكليزية) ، أون لاين . [351]

 – أنظر : كيت ويند ؛ الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز 2002 (تألف من[352]

240 صفحة) .  

 – أنظر : آن فريكسن وروزمري هينسي ؛ وجهة نظر فمنستية حول الطبقة والعمل (بالإنكليزية) ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة (أون لاين) ، [353]

2010 .  

 – أنظر : ماركس وإنجلز ؛ البيان الشيوعي (بالإنكليزية) (مصدر سابق) . [354]

 – أنظر : ماركس ؛ مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، ترجمة أس . رايزنسكي ، دار التقدم للناشرين ، موسكو 1993 [355]

 – أنظر ؛ إنجلز ؛ أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة (بالإنكليزية) ترجمة أليك ويست 1942 (أون لاين) .[356]

 – أنظر : شارلوت كيلمان ” دينه ودينها : دراسة في عقائد أباؤنا وعمل آمهاتنا (بالإنكليزية) ، لندن 1923 .[357]

 – أنظر : شارلوت كيلمان ؛ النساء والإقتصاد : دراسة في العلاقة بين الرجل والمرأة كعامل في التطور الإجتماعي[358]

 – أنظر : كيت ويند ؛ الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة (مصدر سابق) .[359]

  – أنظر : جرجيس فونتنيس ؛ منفستو (بيان) الشيوعية التحررية (بالإنكليزية) ، نشر إتحاد الفوضويين ، 2009 (كتيب صغير تألف من 31 [360]

صفحة) . وكذلك : ماكس نتيليو ؛ تاريخ مختصر للإنراكية (الفوضوية) (بالإنكليزية) ، مطبعة الحرية 1996 .  

للتفاصيل : إلكسندر بيركمان ؛ ما هي الفوضوية الشيوعية ؟ أو ما هي الإنراكية ؟ (بالإنكليزية) ، دار الناشر المستقلة – أوكلاند   – أنظر [361]

2003  وهو روسي – أمريكي .  

 – أنظر : الإيطالي لوجي فابري ؛ الفوضوية والشيوعية (بالإنكليزية) 13 إكتوبر 2002 (أون لاين) . [362]

 – أنظر : روبرت كراهام ؛ اللاسلطوية : تاريخ موثق للأفكار التحررية (بالإنكليزية) ، الجزء الأول والمعنون ” من الفوضى وإلى الفوضوية ، [363]

(300م وحتى 1939) ، دار بلاك – روز للكتب 2005 .

 – أنظر : المصدر السابق [364]

 – أنظر : المصدر السابق ، والذي ضم ترجمة لرسالة ” جوزيف جاك ” التي أرسلها عام 1857 إلى ” برودون ” .[365]

 – أنظر : ماكس هنريخ نتيليو ؛ المصدر السابق ، ص 145 [366]

 – أنظر : بول مالفلاين ؛ ميخائيل باكونين : الأسس الفلسفية لنزعته اللاسلطوية (بالإنكليزية) ، دار نشر الكورا – نيويورك 2002 .[367]

 – أنظر : بيتر كروبوتكين ؛ الإستيلاء على الخبز وكتابات أخرى (بالإنكيزية) الناشر مارشل شاتز ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1995 (تكون من [368]

304 صفحة) .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية ، دورية الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد [369]

المزدوج الثالث والرابع / إكتوبر 2014 .  

 – للتفاصيل ، أنظر : روبرت دورتي ؛ توماس هاكرتي ، الكنيسة والإشتراكية (بالإنكليزية) ، دورية تاريخ العمل ، شتاء 1962 / المجلد [370]

3 / العدد الأول ، ص ص 39 – 56 .

 – أنظر : توماس هاكرتي ؛ السخط الإقتصادي وعلاجه (بالإنكليزية) ، شركة ستاندر للنشر 1902 (تألف من 48 صفحة) .[371]

 – أنظر : ديان جويس روفنبروك ؛ حملتنا (بالإنكليزية) 1980 (أون لاين) .[372]

 – أنظر : صحيفة س د س المناطقية / شتاء 1966 / المجلد الأول / العدد 8 [373]

 – الصدر ؛ إقتصادنا (مصدر سابق) ، ص ص 215 – 216 [374]

 – المصدر السابق ، ص ص 216 – 217 [375]

 – المصدر السابق ، ص 253 [376]

 – المصدر السابق ، ص 242 [377]

 – المصدر السابق ، ص ص 242 – 243 [378]

 – للتفاصيل ، راجع ما كتبناه سابقاً عن الشيوعية الماركسية الطوباوية ، والشيوعية اللا ماركسية الطوباوية …[379]

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد المزدوج 3 و 4 / إكتوبر 2014

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

العدد المزدوج 3 /  4

إكتوبر/ 2014

———————————————————————-

فصيلة شهرية

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

لندن – أونتاريو – كندا

     رئيس التحرير                             سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان                             الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث التي تنشر فيها للتحكيم الأكاديمي

——————————————————————————

The CHOMSKY – FOUCAULT debate

ON HUMAN NATURE
Dr. MOHAMAD FARHAN PHILOSOPHER

شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية

    مع مرجعية إلى إصول نظرياتهم الفلسفية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————

تقديم :

    قدمت لي إبنتي الباحثة البايولوجية ياسمين الفرحان (تحمل ماجستير في البايولوجيا من جامعة وسترن – كندا وتعمل حالياً في جامعة كوليف – كندا) هدية بمناسبة عيد ميلادي في الأول من تموز ، وهي عبارة عن كتاب صدر باللغة الإنكليزية بعنوان مناظرة بين شومسكي وفوكو : حول الطبيعة الإنسانية ، ويتقدمه تصدير بقلم البروفسور جون راجمان . ومن الملفت للنظر إن المناظرة جرت باللغتين الإنكليزية والفرنسية . وإن هذه المناظرة قد بثها التلفزيون الهولندي قبل نشرها في كتاب ، وهي واحدة من سلسلة مناظرات كانت في الأصل دعوة من قبل المفكر الهولندي والأدق البروفسور – الفيلسوف فونز أليدرز ، وكونت هذه المناظرات مشروع فلسفي متفرد أشرف عليه وركز فيه على دعوة إثنين من الفلاسفة في القرن العشرين ومن إتجاهات فكرية مختلفة وعلى الأغلب متعارضة ، والغرض هو تقديم مناظرة حية فيها يتحدي الفيلسوفان أحدهما الأخر ، وكل ذلك حدث أمام جمهور من الطلبة والأكاديميين والعامة وتم بثه على شاشة التلفزيون [1] .  

  ونحسبُ بعد طبع المناظرة في كتاب ، إنها لم تعد مناظرة ما بين شومسكي وفوكو ، أو مناظرة بين مدرستين لنكوستيكيتين [2] ، الأولى أمريكية مثلها ” نعوم شومسكي ” والثانية أوربية (فرنسية) مثلها ” ميشيل فوكو ” .  وإن ما لاحظناه إنه بين صوتي المدرستين ، إنبثق صوت ثالث ، وهو صوت الفيلسوف البولندي – الأمريكي البروفسور ” جون راجمان ” الذي تقدم على الصوتين وكتب تصديراً للمناظرة – الكتاب .

  ونحسب ُبالتصدير الذي كتبه الفيلسوف راجمان إكتملت ملامح المثلث الفلسفي (وهناك إمكانية للحديث عن مربع فلسفي في حالة إضافة الدور الذي لعبه البروفسور ” فونز أليدرز ” ولكن نكتفي بالثلاثي الفلسفي ونقف عند عتبات المثلث الفلسفي : راجمان شومسكي وفوكو) ، حتى أصبح الضلع الفلسفي الثالث الذي كتبه راجمان جزءً عضوياً من عملية فهم المناظرة – الكتاب ، بل واصبح تصدير راجمان عتبة دخول وإنتقال إلى عالمي شومسكي وفوكو . وهكذا كُتب على القارئ قدراً ثقافياً وهو أن يقرأ تصدير الفيلسوف راجمان أولاً ومن ثم الحاصل من ذلك إنه سيتأثر بكل أو بعض ما يحمله التصدير من أطياف فكرية وميثدولوجية وسيحمل كل ذلك معه وهو يعبر إلى عالمي شومسكي وفوكو . وبالطبع هذه الأطياف هي ليس أطياف شومسكية أو فوكوية بحتة ، وإنما فيها ملح بولندي راجماني خالص (نسبة إلى البروفسور جون راجمان) .

الفصل الأول

نعوم شومسكي : مؤشرات من سيرته وتكوينه الفكري

  ولد عالم اللنكوستيك الأمريكي ” إفرام نعوم شومسكي ” في 7 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1928 . ويطلقُ عليه الباحثون الأكاديميون المعاصرون لقب ” الأب الروحي المعاصر لمضمار اللنكوستيك ” .  وهو بالإضافة إلى ذلك يُعدُ من الباحثين القلائل الذين إمتلكوا ” منهجاً شمولياً متنوعاً ” ، منهجاً إنفتح به على أجناس مختلفة من العلوم ، حيث كان ” فيلسوف لغة ” و” عالم في المنطق ” و ” متخصصاً في المعرفيات ” ، وهو ” رمز كبير من رموز الفلسفة التحليلية [3] .

  كما إنه كان ” شارحاً وناشطاً سياسياً ” وخصوصاً ضد الحرب [4] ، حيث وقف مع الفلسطينيين في محنتهم وإنتقد بشدة سياسات إسرائيل العدوانية [5] . كما وندد بقوة بحرب الرئيس الأمريكي ” جورج بوش الإبن ” على العراق [6] الذي لم تكن له علاقة على الإطلاق بهجوم أسامة بن لادن والقاعدة على أمريكا في ” سبتمبر 11 من عام 2001 ” إلا بشرط واحد وواحد فقط ، وهو أن ” يكون معتوهاً تماماً ” يفكر في العراق مثلما يُفكر ويبحث عن قطة سوداء في ليل دامس وفي غرفة مظلمة . وكان الحاصل من هذه الجريمة اللا إنسانية تحويل بلاد الرافدين إلى خرائب مدمرة فعمت فوضى طائفية عارمة إحترق فيها اليابس والأخضر ، والتي لم تُعرف مديات إنتشارها في المنطقة وربما العالم ومنها بلاد العم سام .

  وبعدُ فإن المفكر (الفيلسوف بحق) نعوم شومسكي ، هو ظاهرة ثقافية فرضت هيمنتها على القرنين العشرين والحادي والعشرين . والشاهد على ما نقول ، هو إنه كتب ” أكثر من مئة كتاب ” ولذلك حصل بإمتياز على لقب ” الرمز الثقافي المهيمن ” في التصويت الذي جرى في عام 2005 ، والذي جاء فيه ” إن شومسكي هو من أشهر المفكرين الذين تمتعوا بشهرة شعبية في العالم [7].

  ولد الطفل ” إفرام نعوم شومسكي ” في أحضان عائلة أمريكية – يهودية ، وبالتحديد من اليهود الإشكناز[8] (وهي تعني ” اليهودية الألمانية ” وبالطبع هي تقسيمات طائفية في العقيدة اليهودية تصعد الى الألفية الأولى ، وخصوصاً فترة الإمبراطورية الرومانية المقدسة [9]) .

ومن طرف والده ” وليم شومسكي ” فهو يهودي يوكرني بالولادة ، ولكونه ” يهودي إشكنازي ” هرب في عام 1913 وإستقر في الولايات المتحدة الأمريكية . أما من طرف أم نعوم شومسكي ، فهي ” إليزا شومسكي ” فهي يهودية من بيلاروسيا (حدودها مع يوكرنيا وروسيا وبولندا) وكلاهما درس في جامعة جونز هوبكنز .

  ومن ثم أصبح والد نعوم مديراً لمدرسة دينية ، وتحول في عام 1923 ليكون محاضراً في كلية كارتز في فيلادليفيا . و بدأ الوالد ” وليم شومسكي ” خطواته الأولى في البحث في مضمار ” اللغة العبرية في العصور الوسطى ” ، ومن ثم كانت حصيلة البحث ” سلسلة من الكتب والأبحاث في اللغة العبرية ” . والحقيقة إن الوالد ” وليم ” والوالدة ” أليزا ” تقابلا في هذه الكلية ، حيث كان كل من هما يُدرس اللغة العبرية فيها [10] . وهذا الإهتمام ومن ثم تخصص الوالدين باللغة العبرية ، بحثاً وتدريسياً سيكون له الأثر الملحوظ على توجهات ” نعوم شومسكي ” نحو شواطئ اللنكوستيك وفلسفة اللغة ومن ثم الدراسات المنطقية على حد سواء .

  وكان من حظ الطفل ” إفرام نعوم شومسكي ” إنه ولد في أحضان عائلة ، يتمتعان فيها الوالدين بخصائص شخصية متميزة ، فظهرت أثارها على شخصية ولدهما إفرام فيما بعد . وبهذا الصدد نحسب من المفيد الإشارة إلى ” إن الوالدين شكلا كتلة عائلية موحدة متكاملة ، فيها الكثير من الحرية وأطياف الإستقلالية ، وخصوصاً في أطراف التفكير ، والمشاركة في العمل ، وهكذا كانت أجواء الحياة العائلية ذات معنى عال ، وإن لها قيمة يستحقها الجميع ” . وفعلاً فإن ” إفرام نعوم شومسكي ” قد تربى على كل ذلك وأصبح جزءً أساسياً من شخصيته [11] .

  ومن الأن سنترك الحديث عن ” إفرام ” ونركز حديثنا على ” نعوم ” الذي إرتبط به طول حياته . وفعلاً فقد كان نعوم الطفل الأول في عائلة آل شومسكي . ومن ثم ولد أخيه الأصغر ” ديفيد ألي شومسكي ” (ورغم مشاركة ديفيد لأخيه الأكبر نعوم في دراسة العبرية في مراحل مختلفة ، إلا إنه توجه نحو الطب وأصبح طبيباً) والذي ولد بعد نعوم بخمسة سنوات . وكانت علاقة الأخوين جداً حميمة رغم إن هناك سمة تنافسية من طرف الأخ الأكبر نعوم . ومن المعلوم إن لغة الوالدين هي اللغة اليديشية (ونحسب إن هذا جداً مهم في فهم إهتمام نعوم شومسكي في اللنكوستيك وفلسفة اللغة فيما بعد) . واليديشية هي اللغة التاريخية لليهود الإشكنازية ، والتي تطورت في القرن التاسع الميلادي . وبالتحديد في ” وسط أوربا ” وفيها الكثير من المفردات الألمانية . واليديشية تنهض على ألف باء لفظي نابع من العبرية وحال اللغة اليديشية كلغة منطوقة حال اللغة العربية [12]. وهذا أمر جداً مهم في ولع وإهتمام ” شومسكي ” باللغة العربية في وقت مبكر من حياته الأكاديمية .

  ويُنقل عن ” نعوم شومسكي ” قوله بإنه كان في داخل عائلته نوعاً من ” التابو ” (المُحرمات) ” الكلام باللغة اليديشية ” . ويبدو لنا من الكلام عن الزوجة والأم ” إليزا ” إن الزوج والأب كان يتداول الحديث باللغة اليديشية . بينما كانت ” إليزا ” على عكس زوجها تتكلم ” لغة نيويورك الإنكليزية [13] . وهذا التنوع في داخل العائلة سيترك بالتأكيد أثاره على الولدين كل من نعوم وديفيد من طرف . كما وإن الطفلين من جهة أخرى ترعرعا في بيئة يهودية ، كان التعليم فيها ” باللغة العبرية ” وكان من الإعتيادي في داخل أجواء العائلة أن تدور المناقشات حول ” النظريات السياسية للصهيونية ” وهذ الطرف جداً مهم في فهم التحولات التي ستحدث لاحقاً في مسيرة ” نعوم شومسكي ” وخصوصاً من طرف مواقفه من ” الصهيونية السياسية ” .

  وفعلاً فإن عائلة آل شومسكي كانت متأثرة بشكل خاص فيما يُسمى بالكتابات ” الصهيونية اليسارية ” وبالتحديد كتابات المفكر الصهيوني ” آحاد هعام ” (1856 – 1927) . وهذا هو الإسم القلمي ، أما إسمه الصحيح ، فهو ” هيريخ كنسبيرك ” وهو مؤسس ” الصهيونية الثقافية ” ، وهو صاحب نزعة علمانية [14] ، والتي كانت على خلاف مع نزعة اليهودي الهنغاري – النمساوي ” ثيودور هيرز ” (1860 – 1904) التي أنشأها تحت عنوان ” الصهيونية السياسية ” ، والذي يُعدُ ” الأب الحديث للصهيونية السياسية [15] . وكان ” هعام ” يناضل من أجل ” دولة يهودية وليس دولة لليهود [16] . وكل هذا الواقع السياسي والثقافي كان أمام مسامع وأنظار نعوم شومسكي وأخيه ديفيد شومسكي .

  ومن النافع أن نشير إلى طرف جداً مهم في فهم سُبة ستلتصق بالفتى ” نعمان شومسكي ” لاحقاً (ونحسب إنها ستلازم حياته برمتها) وهي ” ضد السامية ” التي يُطلقها اليهود على      المعارضين السياسيين سواء كانوا يهوداً أو غير يهود حتى تحولت إلى أعراض ” مرضية ” سياسية في تاريخ الحركة الصهيونية . والحقيقة أن ” شومسكي ” كان متأثراً بالصهيونية الثقافية ، التي أسسها ” آحاد هعام ” . وبالطبع تُعد اليوم صهيونية هعام الثقافية ، بنظر العديد من الصهاينة ، حركة ” ضد السامية ” . وربما هذه القضية تُلقي الضوء على دعوى إتهام ” نعوم شومسكي ” بكونه ” ضد السامية ” .

  وأن تكون يهودياً (منا : أو لا تكون يهودياً) هي القضية التي واجهت ” نعوم شومسكي ” منذ وقت مبكر من حياته ، بل وتصعد إلى أشواط من سنوات فتوته الأولى (كان عمر نعوم يومذاك إثنا عشر عاماً فقط) ، والتي إرتبطت بها ” دعوى سياسية غير بريئة ” ، وهو أما أن تكون ” سامياً ” أو أن تكون ” ضد السامية ” وأنت ” السامي القُح ” .  وفعلاً فإن ” نعوم شومسكي ” يتذكر جيداً سُبة ” ضد السامية ” التي سمعها من ” الجماعات الإيرلندية والإلمانية التي كانت تعيش في فيلادليفيا ” . وهي السُبة التي أطلقوها عليه عندما وصف حفلات الألمان ” بحفلات البيرة التي إبتهجت بسقوط باريس بيد النازيين [17] . وبالطبع هي الحادثة التي تُعرف بمعركة باريس (في 10 مايس 1940) والتي تلاها إحتلال الألمان لفرنسا وبلجيكا وهولندا [18] .

    ولعل ما جاءت به مصادر ” شومسكي ” من طرف العائلة ، وتركت أثاراً عميقة على شخصيته ومن ثم على توجهاته الأكاديمية و تفكيره وبالطبع على كتاباته لاحقاً ، هو إن والديه في التصنيف السياسي يومذاك ، كانوا يُحسبون مما يُعرف بديمقراطيي روزفلت [19] ، والذين ينتمون إلى ” مواقع الوسط ” من اليساريين في الطيف السياسي الأمريكي يومذاك . ولكن المصادر التي كانت مقربة من عائلة آل شومسكي ، تُشير إلى إن الأم ” إليزا ” كانت أكثر يسارية من زوجها ” وليم ” . ومن طرف الأم تشرب ولدها ” نعوم ” الكثير من الأفكار اليسارية . إضافة إلى إنه ورث منها شيئاً من الإنطواء والخجل [20] .

   كما يجب الإشارة إلى إن ” نعوم شومسكي ” تعرض إلى تأثير أخر من طرف العائلة ، جاء هذه المرة من إتجاه يساري أبعد من يسارية الوالدين ، وبالتحديد من واحد من أفراد العائلة ، والذي كان إشتراكياً ، وينتمي إلى ” إتحاد عاملات وعمال الخياطة العالمي [21] . وفعلاً فقد تأثر ” نعوم ” بعمه (أو خاله) الذي كان يمتلك ” صحيفة في نيويورك ” وهي موالية لليسار اليهودي ، وكان أعضاء هذا اليسار يُشاركون دائماً في المناقشات التي تًشغل الشارع الأمريكي يومذاك [22] .

   وأصبح الفتى ” نعوم شومسكي ” مسكوناً بهاجس قوي على زيارة أقاربه في مدينة نيويورك ، وهو هاجس متعدد الإغراض . فإضافة إلى زيارة الأقارب ، فرصة للإقتراب من اليساريين اليهود ، والإتصال بمحلات كتب الفوضويين ، والإطلاع بشغف على الأدب السياسي عامة . ونحسب إن هذه الزيارات المتكررة زرعت البذور الأولى لفكرة كتاب ” نعوم شومسكي ” حول ” الفوضوية [23] ، وكانت الفوضوية عتبة الدخول النقدي ، التي مكنت ” نعوم شومسكي ” من أن يكون ” ناقداً  لأيديولوجيات الجناح اليساري الراديكالي ، والمقصود الماركسية – اللينينية [24] .

مؤشرات عن برامج التعليم المدرسية والإكاديمية

  ذلك ما جاء من خلال حياة العائلة وتراثها وإتصالاتها السياسية بالديمقراطيين ، ومن خلال الأقاراب وعلاقاتهم الحميمة مع اليسار اليهودي ، وهو واضح في البنية الفكرية والسياسية للنتاج الثقافي الضخم الذي أنتجه قلم ” نعوم شومسكي ” خلال السنوات الطويلة من رحلته في البحث والعمل الأكاديمي . والسؤال بالتحديد ؛ ماذا جاء عن طريق التعليم المدرسي والأكاديمي ؟ الحقيقة إن شومسكي مر بمراحل تعليمية متنوعة ، وفي الإمكان توزيعها في محطات ، منها :

أولاً – التعليم ما قبل الجامعة

   وهذا النمط من التعليم شمل التعليم الإبتدائي والمتوسط والثانوي . ولاحظنا إنه بتأثير والديه وتخصصهما في التعليم من طرف ، وكونهما من حركة اليسار اليهودي من طرف ثان ، إن إختارا لولدهما التعليم الرسمي الأمريكي العام ، وهو نظام تعليمي يغلب فيه الطرف العلماني . وفعلاً فإن الطفل ” نعوم ” تلقى تعليمه الأولي في مدرسة ” أوك لين كنتري ” ، وهي مدرسة تركز على ” برامج تعليمية تلبي ميول ومصالح التلاميذ ” .

  ومن المفيد الإشارة إلى إن ” نعوم ” كتب في هذه المدرسة أول مقال له ، وكان عمره بحدود العاشرة ، وكان يدور حول ” إنتشار الفاشية [25] والتي جاءت إلى الحكم بعد سقوط برشلونه في الحرب الأهلية الأسبانية . وخلال المرحلة العمرية من  إثني عشر أو ثلاثة عشر تعرف نعوم ” بصورة كاملة على سياسات الفوضوية [26] . ومن ثم إنتقل ” نعوم ” وهو في عمر الثالثة عشر إلى المرحلة المتوسطة ، وبالتحديد إلى المدرسة الثانوية المركزية ، وإنضم إلى العديد من النوادي والجمعيات . إلا إنه واجه صعوبات جمة مع هرمية ومناهج النظام التعليمي السائدة يومذاك [27] .

ثانياً – التعليم الأكاديمي

  والذي إستمر فترة عشر سنوات ، وهي الفترة التي إمتدت بين عامي 1945 –  1955 . ومن المعروف إن ” نعوم شومسكي ” قد باشر الدراسة الأكاديمية في البرنامج العام في جامعة بنسلفانيا ، وكان عمره ستة عشر عاماً . وكانت رغبته الأولى دراسة اللغة العربية . وفعلاً فإن الباحث ” روبرت بارسكي ” وهو المتخصص في تفكير شومسكي يُخبرنا بأن ” شومسكي في السنة الأولى من الجامعة درس اللغة العربية أكاديمياً وكان الطالب الوحيد في الفصل الدراسي [28] . ومن ثم تمكن الطالب شومسكي من التخطيط لذلك بحكمة عالية ، وهو أن يظل يعيش في البيت ، وأن يُغطي النفقات المالية للدراسة من خلال تعليم اللغة العبرية في المدرسة العبرية في المساء وأيام الأحد [29] .

   وفي هذا الوقت لم يكن شومسكي مبتهجاً بالنظام الجامعي ولم يقتنع بصرامته الحديدية . إلا إنه في هذه الظروف الأكاديمية الصعبة ، تلقى تشجيعاً مُلفت النظر من عالم اللنكوستيك الأمريكي – الروسي بالولادة ” زيلخ سبتا هاريس ” (1909 – 1992) وكان شاباً حينذاك وهو أكبر من شومسكي ” بتسعة عشر عاماً ” . وهاريس في الأصل متخصص في اللغات السامية . ومن أهم مؤلفاته ” اللنكوستيك البنيوي ” وكتابه ” تحليل الخطاب ” وكتب أخرى  [30] . ومن ثم تحول ” زيلخ هاريس ” إلى الموجه الروحي والمشرف على ” نعوم شومسكي ” في مراحل مختلفة من تعليمه العالي (الماجستير والدكتوراه) [31] .

تأمل في بعض مصادر تفكير وكتابات شومسكي

   أحسبُ أولاً إن كتابات شومسكي ومشاريعه الأكاديمية تحتاج إلى دراسة تقويمية نقدية في ضوء مؤلفات عالم اللنكوستيك ” زيلخ هاريس ” وقبل ذلك من زاوية عالم اللنكوستيك والسيموطيقا السويسري ” فرديناند دي سوسور ” (1957 – 1913) والذي مارس تأثيراً قوياً على ” شومسكي ” وكذلك على إستاذه ” زيلخ هاريس ” . ولهذا أقترح وأنا المتخصص في علم المنطق ورصيد من أبحاث متنوعة عن منطق اللغة عند جوتلوب فريجه والسنتاكس والسيمنطيقا والبراجماطيقا عند رودلوف كرناب .. تصور أولي لمشروع بحث واسع يتم فيه مراجعة كتابات شومسكي في ضوء كتب عالم اللنكوستيك البنيوي ” زيلخ هاريس ” وما حضر فيها من أثار ” فرديناند دي سوسور ” وبالصورة الأولية الأتية :

أولاً – دراسة وتحليل كتب ” زيلخ هاريس ” قبل أن يكتب ” شومسكي ” بحثه للبكلوريوس والذي وسعه وأعاد تنقيحه وقدمه للماجستير ، ومن ثم مقارنة ذلك بإطروحته للدكتوراه . ولعل من أهم مؤلفات ” زيلخ هاريس ” التي نشرها وكانت متداولة أكاديمياً قبل عام 1955 وهو العام الذي حصل فيه شومسكي على درجة الدكتوراه وبإطروحة عنوانها يوحي على الكثير من التقارب مع إهتمامات ” زيلخ هاريس ” ، فقد كانت بعنوان ” النحو التحويلي ”  . ولنبدأ أولاً – التعريف بأبحاث ” هاريس ” قبل عام 1955 ، والتي جاءت بالشكل الأتي :

1 – نحو (قواعد) اللغة الفينيقية / إطروحة دكتوراه عام 1936 وكان عمر ” هاريس ” 25 ربيعاً) [32] .  

2 – تطور اللهجة الكنعانية : بحث في تاريخ اللنكوستيك [33] .

3 – من الصرف إلى التلفظ (وهو بحث في اللسانيات) [34] .

4 – طرق اللنكوستيك البنيوي [35] .

5 – تحليل الخطاب [36] .

 وللمقارنة هنا سنكتفي بعناوين ما كتبه شومسكي في البكلوريوس والماجستير والدكتوراه .

 وبالصورة الأتية :

1 – بحث شومسكي للبكلوريوس ، إطروحة شرف وكانت بعنوان ” الصرف (اللسانيات) في اللغة العبرية الحديثة ” .

2 – بحث شومسكي للماجستير وهو ذاته بعنوان ” الصرف في اللغة العبرية الحديثة ” وهو بحث منقح ومن ثم نشر في كتاب [37] . وألفت الأنظار إلى بحث ” زيلخ هاريس ” رقم 3 أعلاه والذي حمل عنوان ” من الصرف إلى التلفظ (بحث في اللسانيات) .

3 – بحث شومسكي للدكتوراه وكان بعنوان ” النحو (قواعد) التحويلي (1955) ، ومن ثم نشرها في عام 1975 بعنوان جديد ، وهو ” البنية المنطقية للنظرية اللنكوستية ” [38] . ويحملك عنوان الإطروحة بشكله الأول والثاني على الشعور بأن هناك مقاربة بين ما قام به شومسكي وجوهر أبحاث أستاذه ” زيلخ هاريس ” عامة والتي أنجزها قبل كتابة شومسكي لإطروحته للدكتوراه ، وبالتحديد بحثي ” زيلخ هاريس ” في عام 1946 و 1951 . وهذا موضوع سنعود إليه في بحث قادم . فبالنسبة لإطروحة الدكتوراه التي كتبها ” زيلخ ” فهي من الزاوية التاريخية تتقدم على إطروحة التلميذ شومسكي ” بتسعة عشر عاماً ” . أما كتاب زيلخ المعنون ” اللنكوستيك البنيوي ” فيتقدم على إطروحة شومسكي ” بأربعة سنوات ” .

ثانياً – مقارنة مؤلفات ” زيلخ هاريس ” بالمؤلفات التي كتبها شومسكي بعد الدكتوراه وخصوصاً مؤلفاته الفلسفية والمنطقية وكتبه وأبحاثه في اللنكوستيك وما له علاقة بها ، ولنبدأ أولاً بتعريف بالأبحاث والمؤلفات التي كتبها ” زيلخ هاريس بعد عام 1955 وهو العام الذي ناقش فيه ” نعوم شومسكي ” إطروحته للدكتوراه :

1- التحليل الخطي لتركيب الجملة [39] .

2 – البُنى الرياضية للغة [40] .

3 – أوراق في اللنكوستيك البنيوي والتحويلي [41] .

4 – أوراق حول السنتاكس [42] .

5 – قواعد اللغة الإنكليزية المؤسسة على مبادئ رياضية [43] .

6 – اللغة والمعلومات [44] .

7 – صورة المعلومات في العلم : تحليل للغة العصية [45] .

8 – نظرية اللغة والمعلومات : مشروع رياضي [46] .

  ومن كتب فيلسوف اللنكوستيك الحديث ” زيلخ هاريس ” والتي نحسبُ إنها مارست تأثيراً ملحوظاً على إهتمام ” نعوم شومسكي ” خارج مضمار اللنكوستيك ، هو كتاب ” زيلخ هاريس ” المعنون ” تحولات المجتمع الرأسمالي ” والذي نشره بالتحديد في عام 1997 ، وهو من أهم الكتب التي ظهرت في التسعينات [47] . وهذه مسألة تفتح عيون الباحث على الإنتباه إلى حجم المتوازي في كتابات ” نعوم شومسكي ” ومن ثم بيان حجم الأثار التي تركها البروفسور هاريس على تلميذه نعوم .

   والحقيقة نُفكر بالعودة إلى تفكير ” زيلخ هاريس ” السياسي ومن ثم بيان التوازي بين ما طرحه في كتابه ” تحولات المجتمع الرأسمالي ” من أفكار وما حضر منها في كتابات التلميذ ” نعوم شومسكي ” . وعودتنا سيتناولها مقالنا المعنون ” تأملات في مشروع اليسار الأمريكي – اليهودي الجديد : زيلخ هاريس من اللنكوستيك إلى السياسة ” .

  ومن ثم ظهر كتاب إحتفالي بعد رحيل فيلسوف اللنكوستيك ” زيلخ هاريس ” وبعنوان ” خلفيات تحليل اللغة الفوقية والتحويلية ، مدخل إلى ميراث زيلخ هاريس : اللغة والمعلومات في القرن الحادي والعشرين [48] .

   وبعد كل ذلك عقد دراسة تقويمية مقارنة لكل ذلك التراث الذي كتبه الأستاذ ” زيلخ ” ومن ثم التلميذ ” شومسكي ” من زاوية مؤلفات ” فرديناند دي سوسور ” . ولأهمية هذا الموضوع على الأقل في اللغة العربية ، أحاول هنا أن أقدم دراسة عن عالم اللنكوستيك السويسري ” سوسور ” وبما يتناسب وهذا البحث المتفرد في الثقافة العربية المعاصرة .

  يعترف حشدُ من الأكاديميين الغربيين ومن مختلف المدارس الفلسفية والميثدولوجية ، إلى إن أفكار عالم اللنكوستيك والسيموطيقا السويسري ” سوسور ” هي التي قادت إلى تأسيس ومن ثم تطوير ما يُعرف في تاريخ الفلسفة وفلسفة اللغة بصورة خاصة ، بحركة ” اللنكوستيك والسيموطيقا ” في القرن العشرين [49] .  ولهذا صح لهم بكل تأكيد ومشروعية أن يمنحوه بإستحقاق لقب ” الأب الشقيق ” للنكوستيك في القرن العشرين . وبالطبع يُشاركه في هذه ” الإبوة ” بطرفيها ” اللنكوستيك والسيموطيقا ” الفيلسوف المؤسس للفلسفة البراجماتية تشارلز ساندروز بيرس ” (1839 – 1914) [50] . ومن النافع أن نشير إلى إن كل من ” شومسكي ” و ” فوكو ” قد إنتفاعا في أبحاثهما في مضمار السيموطيقا واللنكوستيك من كل من ” سوسور ” و” بيرس ” [51] .

   تُشير المصادر التي كتبت عن سيرة حياته الأكاديمية ، إلى إنه أظهر علامات من الذكاء في سنوات مبكرة من تعليمه ، وبالتحديد في سن الرابعة عشر من فتوته ، وخصوصاً في مضمار اللغات ، وفعلاً بدأ يدرس اللغات اللاتينية و اليونانية والسنسكريتية ، ومن ثم درس في جامعة جنيفا بعض الفصول الدراسية ، ومن ثم إنتقل إلى جامعة زرويخ وتخرج منها عام 1876 . ولعل من الظواهر الملفتة للنظر والتأمل في الحياة العقلية والأكاديمية لفيلسوف اللغة بطرفيها اللنكوستيكي والسيمونطيقي ” سوسور ” هو إنه بعد سنتين من تخرجه من الجامعة نشر رائعته التي حملت عنوان ” نظام حروف العلة في اللغات الهندو – أوربية ” . وهي بالطبع رائعة رائدة من روائع تاريخ اللنكوستيك والسيمونطيقا [52] .

  ومن ثم ذهب إلى جامعة برلين ودرس لمدة سنة دراسية كاملة تحت إشراف البروفسور ” هنريخ زيمر ” وهو المتخصص في فقه اللغة السنسكريتية ، ومن أهم مؤلفاته ، كتابه المعنون ” الإسطورة والرموز : الفن الهندي والحضارة والفلسفات الهندية [53] . ومن ثم إشتغل ” سوسور ” في مضمار اللغة السنسكريتية وتحت إشراف البروفسور ” هرمان أولدنبيرك ” (1854 – 1920) وهو باحث ألماني متخصص بالدراسات الهندية وخصوصاً البوذية وكتبها المقدسة [54]. ومن أهم مؤلفاته ” سجل تاريخي بوذي قديم [55] .

  ومن ثم عاد ” سوسور ” من برلين إلى جامعة لايبزك للدفاع عن إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” إستعمال المضاف إليه في اللغة السنسكريتية ” وحصل على شهادة الدكتوراه في شباط عام 1880 . وعمل مباشرة في باريس وأخذ يُدرس السنسكريتية ، والقوطية والألمانية القديمة [56]. ودرس في أعلى المؤسسات التعليية الفرنسية ولمدة إستمرت أحد عشر عاماً وحصل على تشريف عال ومنح درجة فارس . ومن ثم عُرض عليه كرسي بروفسور في جامعة جنيفا ، فعاد “ سوسور ” إليها في العام 1891 ، وأخذ يدرس فيها السنسكرتية واللغات الهندو – أوربية [57] .

  ومن الملاحظ إن ” سوسور ” خلال هذه الفترة لم يُدرس اللنكوستيك ، ولم يبدأ تدريسها إلا في مرحلة متأخرة من عمله الأكاديمي ، وبالتحديد في عام 1907 ، حيث درس فصلاً دراسياً وبعنوان ” اللنكوستيك العام ” وهو فصل يُقدم ثلاثة مرات في السنة الدراسية ، ومن ثم توقف عن تقديمه في العام 1911 . وتوفي في عام 1913 . إلا إن سيرته الأكاديمية تكشف حقيقة مهمة فيما يخص مضمار اللنكوستيك ، وهي إنه حاول العديد من المرات على التأليف ، وبالتحديد في الثمانينات من القرن التاسع عشر (1880 وما بعد) والتسعينات (أي 1890 ومابعد) وكان يدور ” حول موضوعات اللنكوستيك العام ” .

  كما إن له محاضرات ” حول المبادئ المهمة في اللغة ” والتي قُدمت في جنيفا ما بين 1907 و1911 . وقد جُمعت وطبعت من قبل طلابه بعد موته في كتاب ظهر في عام 1916 وبعنوان ” فصل في اللنكوستيك العام ” . وبعض مقالات هذا الكتاب غير كاملة ، والتي تم إكتشافها في عام 1996 ، وطبعت في كتاب بعنوان ” كتابات في اللنكوستيك العام ” رغم إن إغلب مواد هذا الكتاب ، سبق إن نُشرت في طبعة نقدية وفي كتاب حمل عنوان ” فصل دراسي في عام 1967 وعام 1974 [58] .

  وهذا الكتاب وفقاً لتلميذي ” سوسور ” السابقين كل من عالم اللنكوستيك الفرنسي ” شارلز بيلي ” (1865 – 1947) وعالم اللنكوستيك السويسري ” إلبرت سيشهاي ” (1870 – 1946) واللذان قاما بجمع المواد ومن ثم الإشراف على طبعها في كتاب أستاذهما ” سوسور ” والمعنون ” فصل دراسي … ” ، هو مجرد ملاحظات على محاضرات ” سوسور ” التي قدمها في جامعة فينا ما بين عام 1906 وعام 1911 ، وطبعت عام 1916 بعد موته . وهي في الحقيقة تؤشر بداية ما يُعرف باللنكوستيك البنيوي ، وهو المشروع اللنكوستيكي الذي شاع في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين [59]

  ونحسب إن من الكتب المهمة التي صدرت باللغة الإنكليزية عن عالم اللنكوستيك والسيموطيقا ” سوسور ” كتاب في غاية الأهمية ولأطراف متنوعة من بحثنا الحالي ، وكان بعنوان ” صُحبة كيمبريدج مع سوسور ” وهو كتاب أكاديمي جماعي ، وتكون من 303 صفحة [60] . وإحتفالاً بعالم اللنكوستيك والسيموطيقا السويسري ” فريديناند دي سوسور ” نقف عند عتبات هذا الكتاب المتفرد .

1 – سوسور واللنكوستيك الهندو – أوربي ، والذي كتبته الباحثة ” آنا مورباكو ديفيز ” (ص ص 9 – 29) .

2 – سنوات سوسور في باريس ، وكتبته المشرفة على هذا الكتاب الجماعي ” كارول ساندرز ” (ص ص 30 – 44) .

3 – تنظيم فصل دراسي في اللنكوستيك العام (ص ص 47 – 58) .

4 – العلامات (الإشارات) اللنكوستيكية (ص ص 59 – 75) .

5 – اللغة والحرية المشروطة (ص ص 76 – 87) .

5 – نظام القيم اللازمة (ص ص 88 – 104) .

6 – وما بعد الفصل الدراسي (ص ص 105 – 1069 .

7 – سوسور واللنكوستيك الأمريكي (ص ص 107 – 123) .

8 – سوسور واللنكوستيك البنيوي الأوربي (ص ص 124 – 138) .

9 – النقد الروسي لسوسور (ص ص 139 – 155) .

10 – سوسور وعالم اللنكوستيك الفرنسي رونالد بيرث (1915 – 1980) والبنيوية (ص ص 156 – 173) .

11 – سوسور وإعادة ترتيب الحروف (ص ص 174 – 185) .

12 – سوسور و دريدا (186 – 202) .

13  – سوسور والسيمانطيقا الناقصة (ص ص 205 – 218) .

14 – نظرية اللنكوستيك عند سوسور وفلسفة العلم (ص ص 219 – 239) .

15 – سوسور وميراث السيموطيقا (ص ص 240 – 260) .

16 – أعمال سوسور (ص ص 267 – 272) . .

  والفصل السابع من الكتاب أعلاه  والمعنون ” سوسور واللنكوستيك الأمريكي ” لوحده يقدم شهادة على المسكوت عنه من مصادر كونت إصول نظرية اللنكوستيك عند ” نعوم شومسكي ”  . ورغم ذلك نحسب ُإن هذا الفصل يحتاج لوحده إلى دراسة تقويمية نقدية – مقارنة توزان بين ميراث ” شومسكي ” في اللنكوستيك والتراث اللنكوستيكي قبله وخصوصاً إنجازات جهابذة اللنكوستيك الأمريكيين من أمثال عالم الفيللولوجيا (فقه اللغة) واللنكوستيك (وليم وتني) (1827 – 1894) وهو من الرواد في المدرسة الأمريكية في اللنكوستيك .

  ونحسب إن ” وتني ” دشن هذا المضمار اللنكوستيكي ، ومن طرف تركيز دراساته على اللغة السنسكرتية قبل ” سوسور” بوقت يصعد إلى عام 1850 وكان يومها ” سوسور ” لم يُولد بعد فقد ولد بعد ذلك بسبع سنين(أي ولد عام 1857) ” . فقد ذهب ” وليم وتني ”  إلى ألمانيا لدراسة اللغة السنسكريتية لمدة ثلاث سنوات وفي الشتاء درس في برلين تحت إشراف ” البريشت فايبر ” (1825 – 1901) وهو متخصص بالسنسكريتية والأدب الهندي القديم … [61] وعمل ” وليم وتني ” كذلك تحت إشراف عالم اللنكوستيك الألماني ” فرانز بوب ” (1791 – 1867) والذي إشتهر بأعماله المقارنة بين اللغات الهندو – أوربية [62] .

  أما في الصيف فتوجه ” وتني ” إلى توبنكن ودرس تحت إشراف ” رودلوف فون روث [63] ودرس ما يُسمى الهندولوجيا أي علم الدراسات الهندية والذي يشمل التاريخ والحضارة واللغات ، وبالطبع السنسكريتية . ويظل السؤال يدور حول الطريقة التي إتصل فيها عالم اللنكوستيك السويسري ” سوسور ” بتراث عالم اللنكوستيك الأمريكي ” وليم وتني ” محل بحث وفرضيات رغم أسبقية ” وليم وتني ” على ” سوسور ” وكتاباته وتاريخ نشرها تشهد على ذلك …[64]

  ومن أهم مؤلفات ” وليم وتني ” في مضمار اللنكوستيك :

1 – بالإشتراك مع أستاذه المشرف ” رودلوف فون روث ” ؛ الكتب الهندوسية المقدسة (1856 – 1857) .

2 – اللغة ودراسة اللغة : إثنا عشر محاضرة حول مبادئ علم اللنكوستيك (1867) .

3 – المادي والصوري في اللغة (1872) .

4 – الدراسات اللنكوستيكية والإستشراقية ، السلسلة الأولى / الفيدا والفيستا وعلم اللغة (1872) .

5 – الدراسات اللنكوستيكية والإستشراقية ، السلسة الثانية / الشرق والغرب ، الدين والإسطورة وعلم الفلك الهندوسي (1874) .

6 – الدارونية واللغة (1874) .

7 – حياة ونمو اللغة : موجز لعلم اللنكوستيك (1875) .

8 – النحو السنسكريتي : في اللغة الكلاسيكية واللهجات القديمة في الفيدا والبراهما (ط2 1879) .

9 – اللغة ودراساتها : مع مرجعية خاصة إلى الهندو – أوربية (محاضرات) عام 1880 .

10 – الإتساق المنطقي في وجهات النظر اللغوية (1880) .

11 – الخلط (بين الفصحى واللهجات المحلية) في اللغة 1881 .

12 – مُعجم القرن (1889 – 1891) .

13 – ماكس ميلر وعلم اللغة : النقد (1892) [65] .

 وكل هذا التراث الذي أنجزه ” وليم وتني ” يحتاج إلى دراسة نقدية تقويمية مع مؤلفات ” سوسور ” و ” بلومفيلد ” و ” وزيلخ ” ومن ثم مقارنة مع مؤلفات التلميذ ” نعوم شومسكي ” .  كما وإن أبحاث ” شومسكي ” من طرف آخر تحتاج إلى دراسة نقدية توازن بين أبحاث البراجماتي ” تشارلز بيرس ” وأبحاثه في اللنكوستيك والسيموطيقا ، وابحاث ” زيلخ هاريس ” في اللنكوستيك ومقارنة مع دراسات اللنكوستيكي الأمريكي ” ليونارد بلومفيلد ” والتي إحتج بها ” شومسكي ” خصوصاً في معارضة توجهات أستاذه ” زيلخ ” اللنكوستيكية والتطلع نحو تأسيس نزعته المستقلة .      

  وهنا نتذكر بجد كتابات البراجماتي ” تشارلز بيرس ” في اللنكوستيك والأدق في فلسفة اللغة والسيموطيقا ، وبهذه الذكرى نكون قد مسكنا بقوة بمصدر أخر من المصادر المعرفية والتاريخية في مضمار اللنكوستيك في القرن العشرين ، وهو بالطبع مصدر أمريكي ، وهو الأقرب من أي مصدر أخر إلى الوريد اللنكوستيكي الشومسكي ، وهو مصدر في غاية الأهمية ، خصوصاً في الجدل عن إصول كتابات ” نعوم شومسكي ” في مضمار اللنكوستيك . والحقيقة إن هذا الحال يحملنا إلى الدعوة إلى إنشاء دراسة تقويمية تُلقي الضوء على المسكوت عليه من المصادر المتقدمة  ، وبالتحديد المصادر التي هي من إنشاء دائرة الثقافة الأمريكية في القرن العشرين ، والتي تعرف عليها ” شومسكي ” وتعلم في ظلالها الأكاديمية ، وثابر في قراءة مصادرها ، وإمتص الكثير من منابعها المعرفية والثقافية ، ومن ثم كتب بتأثيرها نصوصه في مضمار النكوستيك . وهذه قضية تحتاج إلى بحث مستقل .

  وإذا صح الحديث عن مدرسة أمريكية لنكوستيكية [66]جذورها الأكاديمية ألمانية و بدأت مع ” وليم وتني ” و” تشارلز بيرس ” وإستمرت حتى ” نعوم شومسكي ” عبر أبحاث ” بلومفيلد ” و ” زيلخ هاريس ” . فإنه يحق لنا أن نتحدث عن مدرسة أوربية في اللنكوستيك ، وبالتحديد مدرسة ألمانية – فرنسية مع ” سوسور ” ، ومدرسة ألمانية – بريطانية مع ” ماكس ميلر” ، وهو عالم الفيللوجيا والإستشراق الألماني  – البريطاني ” ماكس ميلر ” (1823 – 1900) ودرس في جامعة لايبزك ، ومن ثم درس وعاش جُل حياته في بريطانيا ، وتوفي في أكسفورد وهو متخصص في الدراسات الهندية . ولعل شهرته تأتي من إشرافه على المجلدات الخمسين في مضمار الهندولوجي والمعنونة الكتب المقدسة للشرق ، وخصوصاً الترجمة الإنكليزية [67] .

  درس ” ميلر ” الفيللوجيا في جامعة لايبزك عام 1841 وتخرج عام 1843 وكانت إطروحته للتخرج عن الفيلسوف إسبينوزا (1632 – 1677) وبعنوان ” الأخلاق عند إسبينوزا ” وفي الوقت ذاته كان مهتماً بتعلم اللغات مثل اليونانية و اللاتينية والعربية والفارسية والسنسكريتية [68] .

 ومن أهم مؤلفاته :

1 – تاريخ الأدب السنسكريتي ومرجعية إلى الديانة البراهمية القديمة (1859) .

2 – محاضرات حول علم اللغة (وهي سلسلة محضرات قدمت في المعهد الملكي البريطاني خلال نيسان ومايس وحزيران 1861) .

3 – محاضرات في علم اللغة (ترجم إلى الروسية ونشر لأول مرة في المجلة العلمية الروسية للنكوستيك عام 1866) .

4 – علم التفكير (مجلدان ونشر عام 1887) .

5 – الدين الطبيعي (وسبب جدلاً واسعاً ونشر في مجلدين عام 1889) .

6 – الدين الفيزيائي (1991) .

7 – الدين الإنثروبولوجي (1892) [69] .

مراجعة أكاديمية لبعض مؤلفات شومسكي

  وإكمالاً لأطراف هذا البحث سنقوم بالإستشهاد بالأبحاث والمؤلفات التي كتبها فيلسوف اللنكوستيك ” نعوم شومسكي ” وبالتحديد في مضمار اللنكوستيك وما يتعلق بها وخصوصاً في الفترة التي يطلق عليها الأكاديميون الغربيون بالفترة المبكرة من عمل نعوم شومسكي الأكاديمية ، وبالشكل الأتي :

1 – كتابه الأكاديمي الأول وبعنوان ” السنتاكس والبنية ” والذي صدر عام 1957 أي بعد إطروحته للدكتوراه بسنتين . وكان يومها أستاذه ” زيلخ هاريس ” حياً يُرزق وهو في قمة عطائه وكتاباته في مضمار اللنكوستيك . والحقيقة إن التلميذ شومسكي في هذا البحث بين فيه متابعة لطرف السنتاكس المنطقي ، مع الإشارة إلى إنه كان الرائد في مضمار اللنكوستيك في القرن العشرين . وبالمناسبة إن بحث ” السنتاكس والبنية قاد شومسكي إلى فكرته الأساس في النحو (قواعد) التحويلي [70] .

  وهذا الكتاب فيه مشروع معارضة مع أستاذه ” زيلخ هاريس ” وأرائه اللنكوستيكية التي تعود إلى مدرسة اللنكوستيكي الأمريكي ” ليونارد بلومفيلد ” (1887 – 1949) والتي عُرفت بالمدرسة البلومفيلدية ، ويومها فرضت هيمنتها على مباحث اللنكوستيك [71] . ومن المعلوم إن بلومفيلد ، هو الذي طور اللنكوستيك في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهيمن خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين . ولعل كتابه المعنون ” اللغة ” والذي صدر عام 1933 [72] ، هو من الكتب الأكاديمية التي مارست تأثيراً واسعاً في دوائر البحث اللنكوستيكي يومذاك  . ومن ثم أخذ اللنكوستيك البنيوي بالتلاشي من ساحة اللنكوستيك ، وبالتحديد في الخمسينات والستينات وذلك عندما بدأت تظهر أبحاث شومسكي في حقل ” النحو التوليدي [73] والتي أخذت بالهيمنة في مضمار اللنكوستيك .

  ومن المفيد الإشارة إلى إن شومسكي في هذه الفترة (أي عام 1957) ركز تفكيره نحو نقد النظريات السلوكية في مضمار اللغة وخصوصاً نظريات عالم النفس الأمريكي ” بورهوس فردريك سكينر ” (1904 – 1990) والذي كان بروفسوراً في جامعة هارفارد للفترة من 1958 وحتى تقاعده عام 1974 [74] . فقد نشر شومسكي مراجعة نقدية لأراء سكينر في السلوك اللفظي وبين  تجاهله للنشاط الإنساني ، ونشرها بالتحديد في مجلة اللغة وأكد فيها على دور الطرف الإنساني في الإبداعية اللفظية والتي تظهر في سن مبكر لدى الإطفال . ورفض الطريق السلوكي في وصف اللغة بحدود غامضة من مثل ” المثير ” و” الإستجابة ” و ” العادة ” و ” الإشتراط ” و” التعزيز ” [75] .

2- وكتب ” نعوم شومسكي ” كتابه المعنون ” اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني ” في العام 1960 [76] . وهذا الكتاب أثار للوهلة الأولى تفكير الباحث وحثه إلى التساؤل ؛ هل قرأ شومسكي كتاب فيلسوف الفينومنولوجيا الألماني ” أدموند هوسرل ” والمعنون ” تأملات ديكارتية ” والذي صدر في عام 1929 أي قبل نشرة كتاب ” اللنكوستيك الديكارتي ” بما يُقارب أكثر من ثلاثة عقود من الزمن . ولهذا يقترح الباحث إنجاز بحث يوازن بين الكتابين ؛ كتاب هوسرل ” تأملات ديكارتية ” [77] وهو بحث في الفينومنولوجيا الديكارتية ، وكتاب شومسكي المعنون ” اللنكوستيك الديكارتي … ” .

  ومن النافع الإشارة إلى إن غرض شومسكي من تأليف هذا الكتاب ، هو محاولة تعميق فهمنا بما يتعلق ” بطبيعة اللغة والعملية العقلية الملازمة لها ، وبيان التراكيب (أو البُنى) السائدة في اللغات الإنسانية ” . والكتاب فيه عودة تاريخية إلى أشكال من اللنكوستيك التي تطورت في عصر ” رينيه ديكارت ” وبالتحديد في القرن السابع عشر (ومن ديكارت وحتى الفيلسوف الألماني ويلهم فون همبولت (1767 – 1835)) [78] .

3- ومن ثم كتب شومسكي كتابه الذي حمل عنوان ” الواجهات المتنوعة لنظرية السنتاكس” والذي نشره لأول مرة عام 1965 ، وكان يُعرف في دوائر البحث اللنكوستي بصيغته المختصرة ” الواجهات ” [79] . والحقيقة إن شومسكي كتب هذا الكتاب ليقدم مراجعة لأفكاره ويكشف عن العيوب المتنوعة التي إكتشفها في ” النحو التحويلي التوليدي ” وليعرض نظرية جديدة في السنتاكس وبالتحديد في الخمسينات وخصوصاً مع نشرة كتابه ” البُنى السنتاكسية “. ونحسب فيها كذلك نقد مستبطن لكتاب أستاذه ” زيلخ هاريس ” المعنون ” أوراق في اللنكوستيك البنيوي والتحويلي ” . ولكن شومسكي في كتابه ” الواجهات ” وفر دراسة معمقة حملت في الوقت ذاته توسيعاً وصياغة لقواعد النحو التحويلي التوليدي[80] .

4- وكتب بحثاً وصدر في كتاب بعنوان ” موضوعات في نظرية النحو التوليدي ” في عام 1966 [81] . وكتب في عام 1967 بحثاً بعنوان ” اللغة والعقل ” [82] .

5 – الطرف السياسي من تفكير ” نعوم شومسكي “

  كتب ” شومسكي ” العدد الكبير من المقالات والكتب التي تناولت القضايا السياسية وحروب العالم وتورط بلده أمريكا فيما أسماه ” حروبها ضد الإنسانية ” . وكان هو العقل والضمير الإمريكي الشريف الذي يتألم مع الشعوب والإنسانية وينتقد بصراحة وقوة الإمبريالية الأمريكية ، ويفضح جرائمها سواء صدرت من قيادات جمهورية أو ديمقراطية . ولعل من مقالاته التي تعود إلى الستينات من القرن العشرين ونقدمها شاهداً على ذلك ، مقالته التي حملت عنوان ” مسؤولية المفكرين [83] والتي إكتسب من خلالها في عام 1967 سمعة عالمية ، وذلك كصوت معارض لحرب أمريكا على فيتنام ، وهي المقالة التي إرتبطت بحركة ما يسمى ” باليسار الجديد ” التي قادها الفيلسوف الماركسي ” هربرت ماركوز ” (1898 – 1979) [84] .  

   ولعل أهمية هذا المقال تعود إلى طرفين ؛ الأول – إن شومسكي هاجم ثقافة النخب الأمريكية والتي تضم علماء إجتماع وتكنوقراط والذين بإعتقاد ” شومسكي ” قدموا تبريرات علمية زائفة عن جرائم الحرب الأمريكية في فيتنام . والثاني – إن شومسكي إستلهم موضوع مقاله ” مسؤولية المفكرين ” من مقالات الفيلسوف الأمريكي والناقد السياسي الجذري ” ديوايت مكدونالد ” ( 1906 – 1982) والتي كتبها بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي تساءل فيها ” إلى أي حد يمكن الشعب الألماني والشعب الياباني مسؤولاً عن الجرائم العدوانية التي إرتكبتها حكوماتهم ؟ [85] . وفعلاً فإن ” شومسكي ” أعاد طرح سؤال ” مكدونالد ” على فضائح الحرب الفيتنامية ، وتساءل ” إلى أي حد يمكن أن يكون الشعب الأمريكي والشعب البريطاني مسؤولاً عن الجرائم العدوانية التي إرتكبتها حكوماتهم ؟ [86]. ويخلص إلى القول إلى إنه ” بالتأكيد إن الجرائم التي أرتكبت في هورشيما ونكازاكي هي من أبشع الجرائم المسكوت عنها في التاريخ ” [87] .

6 – ومن ثم جاء كتابه المعنون ” التركيب المنطقي للنظرية اللنكوستيكية ” عام 1975 [88] . وفي هذا الكتاب شرح ” شومسكي ” المبادئ الأساسية لقواعد علم النحو التوليدي – التحويلي وبين علاقته بالتراكيب العامة لنظرية اللغة . وقام بإجراء تطبيقات على اللغة الإنكليزية .

7 – وإشتغل في عام 1985 على بحث بعنوان ” معرفة اللغة : طبيعتها ، إصولها وتداولها ” [89]. وهذا الكتاب صدر مجلداً بحد ذاته ، ومن سلسلة بعنوان ” التقارب ” والذي أشرفت عليه الفيلسوفة الأمريكية المعاصرة ” روث ناندا أنشين ” (1900 – 2003) وهي أكبر من ” شومسكي ” بثمان وعشرين عاماً ومن أهم مؤلفاتها الأولى ” الحرية : معانيها[90] والذي صدر في عام 1940 وكان عمر ” شومسكي ” إثنا عشر عاماَ وهو من المصادر التي كانت متداولة بين ما يسمى باليسار اليهودي الذي إرتبط به ” شومسكي ” وهو فتى يافع . و ” تشريح الشر ” (نشرة 1985) [91] وفي نشرة عام 1972 ظهر بعنوان مختلف ” حقيقة الشيطان : الشر في الإنسان “. ونحسبُ إنها شاهد فلسفي ومصدر مهم في معرفة الكثير عن التطور الفكري الذي مر به البروفسور ” نعوم شومسكي ” .

  ولعل أهمية ” روث أنشين ” في حياة ” شومسكي ” تعود إلى إمرين ؛ الأول – إنها كانت تلميذة الفيلسوف البريطاني الأمريكي ” ألفرد نورث وايتهيد ” (1861 – 1947) وهو أستاذ وزميل فيلسوف الرياضيات (والمنطق فلسفة اللغة) البريطاني ” برتراند رسل ” (1872 – 1970) . ونظن على هذا الأساس إن ” روث ” و ” وايتهيد ” و” رسل ” تحتاج إلى دراسة لمعرفة حجم المصادر والأفكار التي تسربت إلى دائرة تفكير ” شومسكي ” من خلال أثار الثلاثة . والثاني – إن كتاب الفيلسوفة الأمريكية ” روث أنشين ” والمعنون ” اللغة : بحث في معناها ووظيفتها [92] هو من المصادر المهمة في فلسفة اللغة في الخمسينات . وهنا نكون قد مسكنا بمصدر مهم من مصادر ” شومسكي ” في مضمار فلسفة اللغة والذي نشر وهو بداية تلمسه طريقه الأكاديمي . وبالتحديد في عام 1957 وهي السنة ذاتها التي نشر فيها ” شومسكي ” إطروحته للدكتوراه والتي حملت عنوان ” السنتاكس والبنية [93] .

8 – كتاب ” شومسكي ” ” حول الفوضوية والأصح في مذهبنا اللاسلطوية “

 وهو واحد من كتب ” نعوم شومسكي ” المهمة في الفكر السياسي الأمريكي ، وعنوانه الكامل ” حول الفوضوية ومقالات أخرى ” [94]. وهذا الكتاب يُذكرنا بواحد من مصادر ” شومسكي ” في التفكير السياسي ، وهو الفيلسوف الأمريكي والكاتب السياسي ” ديوايت مكدونلاد ” . ونحسب إن كتاب الأخير المعنون ” الفوضوية الفردية ” [95] والذي نظن إنه كان أقرب إلى حبل الوريد الشومسكي يوم كتب رائعته ” حول الفوضوية ومقالات أخرى ” . ونحسب إنه ليس النزعة الفوضوية وحدها قد نزلت إلى ” شومسكي ” بل ونرى إن المصادر الماركسية غير الأرثوذكوسية قد وجدت طريقها من خلال ” ديوايت مكدونلاد ” إلى دائرة تفكير ” شومسكي ” كذلك .

  وبالمناسبة إنه قبل يتحول ” ديوايت مكدونلاد ” إلى شواطئ ” الفوضوية ” كان قريباً من الماركسي الثوري ” ليون تروتسكي ” (1879 – 1940)[96] ثم إختلفا وإنفصل عنه [97] ، وعارض الإنظمة الشمولية ومن ضمنها الفاشية والشيوعية ، وتحول صوب شواطئ الإشتراكية الديمقراطية [98]. ويظهر لنا إن ” شومسكي ” أخذ الكثير من ” ديوايت مكدونلاد ” وبالتحديد في إهتمامه بالفوضوية واليسار الجديد (ولا تنسى اليسار اليهودي الذي إرتبط به شومسكي كما بينا أعلاه) والتي كانت برمتها قنوات نقل لماركسية من نمط جديد فيها نقد وإنفتاح ماركسي إضافة إلى الدور الذي لعبته مدرسة فرانكفورت التي حل فلاسفتها بصعود النازية ضيوفاً على الولايات المتحدة الأمريكية وكان من بينهم الفيلسوف الماركسي الألماني ” هربرت ماركوز [99].

  ومع الفيلسوف والكاتب السياسي ” ديواين مكدونلاد ” نكون قد مسكنا بقوة بمصادر مهمة من مصادر تفكير ” نعوم شومسكي ” السياسي ، وبالتحديد في نزعته الفوضوية والماركسية واليسار الجديد . ولهذا ندعو إلى مراجعة كتابات ” شومسكي ” السياسية وخصوصاً الطرف الماركسي منه وكذلك نصوصه عن الفوضوية من زاوية كتابات الفيلسوف الأمريكي ” ديوايت مكدونلاد ” وتحديد حجم الإفادة الشومسكية منها . وهنا يتقارب ” شومسكي ” و ” فوكو ” من جديد . فمن المعلوم إن ماركسية ” فوكو ” جاءت من خلال الفيلسوف الفرنسي ” التوسير ” كما بينا لاحقاً ، وهي بالطبع الماركسية الغربية وليست الماركسية الأرثوذوكسية .

9 – ماذا يريد العم سام حقيقة ؟ : قصص حقيقية [100]

  حقيقة هذا هو عنوان كتاب الفيلسوف والمفكر السياسي ” نعوم شومسكي ” ونحن اليوم نحتفل بالبرفسور ” شومسكي ” في هذا الكتاب وذلك لشعورنا بالغبطة في إننا والمفكر ” شومسكي ” نشترك في منطقة واحدة من هموم ومشاغل التفكير . والمناسبة إننا تناولنا سياسات العم سام في مقالات تصعد إلى فترة بعيدة بحدود ما من هذا المقال [101].

    وهذا الكتاب هو سلسلة قصص حقيقية كتبها المفكر ” شومسكي ” بقلم إنساني وصاحب قيم عالية يتألم فيها على مصير الشعوب المغلوبة والتي لا حول لها وقوة ، وهي تتألم بسبب الإعتداءات الأمريكية وما تُحدثه من كوارث وتهديد لهويتها الوطنية ، والسبب كما يعتقد ” شومسكي ” هو الخروج على الجبروت والهيمنة الأمريكية . بسبب إنها فكرت وإختارت طريقها الخاص . فكانت النتيجة تدمير أمريكي حتى لايتحول هذا البلد إلى مثال يحتدى . والشواهد التي عرضها كثيرة ، مثل لاوس وجرينادا ونيكاراكوا والسلفادور وجواتيمالا وبنما وبلدان جنوب شرق أسيا وحرب الخليج وإيران وأوربا الشرقية(منا = وبالطبع لاتنسوا مآساة القرن الحادي والعشرين بإحتلال أمريكا للعراق بعد تدميره) [102] .

  ومن الملاحظ إن هذه البلدان هي بلدان فقيرة وضعيفة … والسبب حسب ما يرى ” شومسكي ” إن البلد الفقير والضعيف هو أكثر خطورة وذلك لأن بلد مثل جرينادا البلد الفقير والصغير والذي من الصعوبة معرفة مكانه على الخارطة ، فإذا ما نجح في خلق حياة جيدة لشعبه ، فإنه سيكون مثالاً قابل للإحتذاء من قبل الشعوب الأخرى ، والتي تبدأ بالسؤال ؛ لماذا نحن لا نقوم بالثورة ؟ ولهذا تعمل أمريكا إلى تدمير كل محاولة للتفكير في صياغة مثال للإقتداء وفيه خروج على القوة العظمى وجبروتها [103] .

 ومسك الختام سؤال ؛ ماذا يريد العم سام ؟ أو بمعنى أخر ؛ ماذا تريد أمريكا ؟ إنها تريد ” الإستقرار ” والذي يعني الأمن للطبقات العليا والشركات الأجنبية الكبيرة ، والتي تستطيع أن تنجز كل ذلك بالوسائل الديمقراطية المتداولة ، مثل ما هو حادث في بريطانيا . وإذا لم يحدث ذلك ، فإن خلافه ، هو ” تهديد للإستقرار ” وهذا يتطلب بالمنطق الأمريكي أن يُجابه دون تردد بالتدمير قبل أن يتحول إلى ” مثال جيد ” يتبعه الأخرون [104]

10 – أفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل [105].

  وفي هذا الكتاب قدم ” شومسكي ” مساهمة متفردة في دراسة اللغة والعقل ، وبالتحديد من زاوية فلسفية . وهذه المساهمة الشومسكية في حقيتها ، هي سلسلة مقالات بدد فيها ” شومسكي ” كل واجهات الغموض ، ودرجات الإنحياز التي لفت دراسة اللغة والعقل . وفيها عرض حلولاً جديدة للمشكلات الفلسفية الكلاسيكية ، ووفر في الوقت ذاته إطار فهم جديد ، فيه الكثير من المتعة والحرفة الفلسفية . ولعل من أبرز هذه المشكلات ؛ مشكلة العلاقة بين الجسم والعقل ، وفي مضمونه فكرة التجسير التي تقود إلى وحدة العلم [106].

  ومن المفيد إخبار القارئ بإن الطرف الميثدولوجي الذي إنتخبه ” نعوم شومسكي ” قد لعب دوراً في إنجاح تقنيات الدراسة للوصول بها إلى بر الآمان ، فقد مزج بين منهج التخيل وإسلوب المتعة الذي لايخلو من نهج اللعب والحيلة مع القارئ ، خصوصاً في تحليل العينات اللنكوستيكية . كما ودافع عن وجهة النظر التي تذهب إلى القول ، إن معرفة اللغة ، هي عملية جوانية (داخلية) للعقل البشري .

  ومما يُلاحظ على ” شومسكي ” في هذا الكتاب ، هو إستخدامه النهج الجدلي للدفاع عن رؤيته التي تؤكد على إن من المناسب في دراسة اللغة ، هو التركيز على التراكيب الذهنية أو لنقل العقلية . مع الإشارة إلى إن اللغة البشرية حسب الفهم الشومسكي ، هي ” موضوع البايالوجيا ” وعلى هذا الأساس تتطلب دراسته إستخدام ” ميثدولوجيات العلوم ” . وفعلاً فإن الأمثلة التي عرضها والتحليلات التي قدمها جاءت متساوقة ومتساندة في هذا الكتاب ، وبتداول نهج متفرد إمتلك سلطة عالية في مضماري اللغة والعقل على حد سواء [107] .  

  هذا بعض مُنتخب مما كتبه ” شومسكي ” في مضماري اللنكوستيك والسياسي وهو كثير ولكنه يكفي هنا للإستشهاد ، وربما سنعود إليه في قادمات الأيام ونخصه ببحث واسع مستقل أو ربما مشروع كتاب فالرجل يستحق منا أن نتفرغ له بعض الوقت ونتناول مساهماته في فلسفة اللغة أو كما نرغب في منطق اللغة بصورة عامة . ولعل خاتمة المسك في الحديث عن اللنكوستيكي ” نعوم شومسكي ” هو مشاركة القارئ العربي بمصدر معاصر مهم درس اللنكوستيك الأمريكي وفيه فصول عن ” شومسكي ” ومصادره في الكتابة والإنشاء في مضمار اللنكوستيك وما يتعلق بها وجاء بعنوان ” من وليم وتني وحتى شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيكس الأمريكي [108].  

الفصل الثاني

ميشيل فوكو : ملامح من حياته وتطور ذهنيته

    يُعدُ ” ميشيل فوكو” (15 إكتوبر 1926 – 25 حزيران 1984) واحداً من الرموز الأكاديمية الفرنسية المهمة في القرن العشرين ، وهو كاتب متعدد الواجهات ، فهو فيلسوف (ليس بالمعنى التقليدي) ومؤرخ للفكر ، ومنظر إجتماعي . إضافة إلى كونه فيللوجست – لنكوستيك [109]. وهذا مضمار فيه ” نقد أدبي وتاريخي ولنكوستيكي ” ، وهو الطرف الذي يُكونُ عتبة أساس في التقريب بين ” ميشيل فوكو ” وعالم اللنكوستيك ” نعوم شومسكي ” إضافة إلى ” الطبيعة الإنسانية ” الموضوع الذي دارت حوله المناظرة بين الرمزين الكبيرين ؛ نعوم الأمريكي وميشيل الفرنسي ، وهو طرف مهم في بحثنا الحالي .

  ولد ” ميشيل فوكو ” في بواتييه - والتي تقع في قلب فرنسا ، وجاء من عائلة فرنسية تعيش في ” بحبوبة وإزدهار إقتصادي ” وذلك من حيث إنها تنتمي إلى ” القشرة العليا ” من الطبقة الوسطى  . وكان في تسلسه الطفل الثاني من بين ثلاثة أطفال [110] . أما والد ” فوكو ” فهو الطبيب الجراح ” بول فوكو ” (1893 – 1959) وكان من الجراحين الناجحين في بواتييه ، وهو في الأصل من باريس وجاء إلى بواتييه ليمارس مهنة الطب ومن ثم إستقر فيها بعد إن تزوج من ” أنا ملابرت ” [111] والتي أنجبت له أبنائه الثلاثة . وهي في الحقيقة بنت الجراح الدكتور ” بوسير ملابرت ” وكان يمتلك عيادته الخاصة ، وفي الوقت ذاته يدرس ” علم التشريح ” في كلية الطب بجامعة بواتييه [112] .

   ذكرنا سابقاً إن ” ميشيل فوكو ” كان الطفل الثاني في حين كانت شقيقته ” فرانسين ” هي الطفل الأول في عائلة آل فوكو . أما الطفل الثالث ، فكان ” دينس ” [113] . والأطفال الثلاثة نشأوا على العقيدة ” الكاثوليكية للرومان ”  ،  وكانوا دائماً يُحافظون على حضور القُداس والشعائر الدينية في كنيسة القديس سانت بورجير ، ومن ثم أصبح ” ميشيل ” فتى المذبح [114] . وهذه إشارة مهمة ربما فيها تفسير خفي لحالة ” الجنوح ” التي ربما تعرض لها وهو ” فتى المذبح ” في الكنيسة ، والتي سيتحدث عنها بإختصار شديد في السنوات المتأخرة من حياته . وفعلاً فإن ” ميشيل فوكو ” أباح الشئ القليل حول طفولته ، فقد وصف شخصيته بصراحة ما بعدها صراحة ، فقال إنه كان ” فتى جانحاً [115]. وزعم إن والده كان ” صارماً ” وغالباً ماكان يُعاقبه بقسوة [116] .

  وبدأ ” ميشيل فوكو ” تعليمه الأولي في ” كلية هنري الرابع المحلية ” مبكراً ، وبالتحديد في عام 1930 وكان عمره يومها أربعة سنوات . ودرس فيها سنتين وقبل أن يدخل إلى ” كلية هنري الرابع الرئيسة ” والتي ظل فيها حتى عام 1936 ، ومن ثم بدأ تعليمه المتوسط والذي إستمر أربع سنوات ، وكان متميزاً في اللغات ؛ الفرنسية واليونانية واللاتينية والتاريخ . إلا إنه كان ضعيفاً في الرياضيات [117] . وفي عام 1939 إندلعت الحرب العالمية الثانية ، ومن ثم إحتلت قوات ألمانيا النازية فرنسا وحتى عام 1945 . وكان والدي ” ميشيل فوكو ” من المعارضين للإحتلال النازي وللنظام الفيشي (1940 – 1942) وهو الذي يُسيطر على الجزء الجنوبي من فرنسا ، والذي كان بقبضة ” فيليب بيتان ” (1856 – 1951) ، بينما يحتل النازيون شمال فرنسا . غير إن والدي ” فوكو ” لم يلتحقا بالمقاومة [118] .

  وفي عام 1940 سجلته والدته في كلية سانت ستانليز ، وهي معهد كاثوليكي للروم وتحت إدارة الجزيوت [119]. ومن ثم يتذكر ” فوكو ” هذه السنوات التي قضاها في مدرسة الجزويت ، ويصفها من طرف بأنها كانت ” محنة وبلاء ” في حياته . غير إنه يعود فيصفها من طرف أخر ، بأنها كانت ” ممتازة وعالية ” من الزاوية الأكاديمية ، وخصوصاً في مجالات ” الفلسفة والتاريخ والأدب [120] . وفي عام 1942 وصل إلى السنة النهائية ، وكان التركيز فيها على ” الفلسفة ” وفعلاً في عام 1943 حصل على شهادة ” البكلوريا [121] .

  عاد بعد ذلك إلى ” الكلية المحلية لهنري الرابع ” ودرس فيها ” التاريخ والفلسفة ” ولفترة سنة كاملة [122] . وكان المشرف عليه خلال هذه السنة الفيلسوف ” لويس جيرارد ” وهو بروفسور الفلسفة ومن تلاميذ الفيلسوف الوجودي موريس مارلوبونتي (1908 – 1961) [123] وهو فيلسوف الفينومنولوجيا – الوجودية ، والذي نزل إليه من طرف مارتن هيدجر (1889 – 1976) وإدموند هوسرل (1859 – 1938) وفيها طعم ماركسي تذوقه لأول مرة جون بول سارتر (1905 – 1980) من خلال ميرلوبونتي كما يزعم [124] . وهذه مصادر جداً مهمة في فهم القادم والوافد إلى دائرة تفكير ” ميشيل فوكو ”  .

  وخلال هذه الفترة طلب والد ” ميشيل فوكو ” منه أن يتخصص في الطب ، وبالتحديد أن يكون ” جراحاً ” ،  إلا إنه رفض رغبة والده . وفي عام 1945 رحل ” فوكو ” إلى باريس وسجل في واحدة من أشهر المدارس (المقصود الكليات) العالية ، وهي ” كلية هنري الرابع ” في باريس ، ودرس هناك تحت إشراف الفيلسوف الوجودي ” جين هيبولت ” (1907 – 1968) . والحقيقة هذا البروفسور الفيلسوف ترك أثاراً واضحة على توجهات وكتابات ” فوكو ” فيما بعد .

  وفعلاً فقد كان البروفسور ” هيبولت ” متخصصاً في أعمال وتفكير الفيلسوف الألماني ” جورج ويلهلم هيجل ” (1770 – 1831) وخلال إشرافه على ” فوكو ” كان يعمل على مشروع توحيد بين النظريات الوجودية والنظريات الديالكتيكية لكل من هيجل وكارل ماركس (1818 – 1883) . وهذه الأفكار تركت أثاراً قوية على ذهنية التلميذ الفيلسوف ” فوكو ” . ومن ثم تبنى التلميذ ” فوكو ” قناعات الإستاذ ” هيبولت ” والذي طالب الفلسفة ” أن تتطور من خلال دراسة التاريخ [125] . كما إنه وخلال فترة دراسة ” ميشيل فيكو ” كان يعمل الأستاذ ” هيبولت ” على كتابه المعنون ” إصول وبنية فينومنولوجيا الروح عند هيجل [126] .

  وهذا الكتاب لعب دوراً مهماً في الحياة الثقافية عامة والأكاديمية الفرنسية خاصة ، كما وترك أثاراً واضحة على عدد من الفلاسفة الفرنسيين ، والذين كانوا تلاميذ المعلم ” هيبولت ” والذي قدم لهم ولأول مرة ” هيجل ” بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة . وخصوصاً على كل من طلابه كل من ” فوكو ” و ” ديلوز ” و ” دريدا ” الذين درسوا تحت يديه [127] .

  لقد حصل ” فوكو ” على نتائج ” عالية ممتازة ” في عام 1946 وذلك عندما دخل إمتحانات الدخول والمناقشة التي أهلته للإنخراط في ” مدرسة الأساتذة العالية ” ، وكان الرابع في مستوى تفوقه للدخول من بين ” مئة ” من المتقدمين وحصل على السكن الجامعي . ولكنه ظل مغموراً وكان من أعضاء لجنة الإمتحان والمقابلة الشفهية كل من فيلسوف العلم والطبيب ” جورج كانكايلهم (1904 – 1995) وهو متخصص في الأبستمولوجيا ، ونظن إنه كان مصدراً من مصادر إهتمام ” فوكو ” في الإبستمولوجيا فيما بعد [128] والفيلسوف الفرنسي – اليهودي ” بيير ماكسيم ساهيل ” (1902 – 1984) والذي حصل على الدكتوراه عام 1934 وكانت بالتحديد في مضمار ” الفلسفة اليونانية ” وكان عنوان إطروحته ” مقالات حول تكوين الفكر اليوناني : مدخل تاريخي لدراسة الفلسفة الإفلاطونية [129] . كما وله كتابات في تاريخ العلم وتاريخ الفكر ، ويبدو إن كتابات ” ماكسيم ” قد لعبت دور الموجه لذهنية التلميذ ” ميشل فوكو ” وبالتحديد في إهتمامه بمضمار تاريخ الأفكار .     

  كما وإن من المُلاحظ إن حياة ” ميشيل فوكو ” خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1946 و 1951 قد تعرضت إلى حالات صعود من الزاوية الأكاديمية ، فقد أدى إمتحان الدخول إلى مدرسة الإساتذة ، وهي معهد أكاديمي عال في فرنسا تخرج منه عدد من الحاصلين على جوائز نوبل ورؤساء وزراء ووزراء . أما مشاهير الفرنسيين من الأكاديميين الذين تخرجوا منه فبالإضافة إلى ” ميشيل فوكو ” ، كان منهم كل من ” لويس ألتوسير ” و ” جاك دريدا ” والذين سيكون من طرفهم تأثير على ذهنية ” ميشيل فوكو ” وهذا ما سنشير إليه .

  ولكن حياة ” فوكو ” الشخصية من طرف آخر تعرضت إلى هبوط وعواصف فيها الكثير من المخاطر . فقد وصف زملائه إن تصرفاته إتسمت بنوع من العنف ومحاولات الإنتحار ، وذلك بسبب مثليته الجنسية ، والتي كانت مُحرمة في فرنسا يومذاك [130] . ومن ثم تدخل الوالد وعرض مساعداته ، وذلك بإرساله إلى الطبيب النفسي ” جين ديلي ” (1907 – 1987) وهو عالم أعصاب وكاتب وإشتغل على السكيزفرينيا [131] . ورغم كل هذا الحال ، فقد كان ” فوكو ” منكباً على برنامجه في القراءة المكثفة بصورة ملفتة للنظر ، إضافة إلى إنخراطه في نشاظات جنسية مثلية ، وفي محلات المثليين السرية والمخدرات وفقاً لكاتب سيرته ” جيمس ميلر [132] .

  صحيحُ جداً إن حضور ” فوكو ” في ” مدرسة الإساتذة العالية ” سواء في الدراسات الأكاديمية الأولية أو في الدراسات العليا قد لعبت دوراً فاعلاّ في تكوين ذهنيته الفلسفية والإهتمام بتاريخ الفكر والعلم وعلى وجه الخصوص بالأبستمولوجيا . ولعل الشاهد على ذلك ” دراسته الأكاديمية التي شملت موضوعات متنوعة ” . إلا إنه من الصحيح كذلك إن إهتمامات ” فوكو ” الشخصية في مضمار الفلسفة ، حددت إتجاهات قراءاته ، ومن ثم عينت جنس المصادر الفلسفية التي إنشغل بها . وفعلاً فقد أخذ يقرأ ” هيجل ” و ” ماركس ” وكذلك ” عمانوئيل كانط ” و ” أدموند هوسرل ” وبصورة إستثنائية قرأ ” مارتن هيدجر [133] .

  ذكرنا بأن تاريخ العلم والأبستمولوجيا كان لهما فعلاً مؤثراً في تكوين ذهنية ” فوكو ” وخصوصاً في مرحلة الدراسات العليا . ولاحظنا إنه أخذ يقرأ ويهتم بشغف أكاديمي عالي بمنشورات البروفسور وفيلسوف العلم الفرنسي المعاصر ” غاستون باشلار ” (1884 – 1962) . ونحسب من المفيد أن نقف عند عتبات هذا الفيلسوف – الكيميائي الشامخ ومؤلفاته التي تركت أثارها الواضحة على التلميذ ” فوكو ” . والبداية إشارة إلى إن ” باشلار” أصبح رئيساً لمضماري تاريخ العلوم وفلسفة العلوم في جامعة السوربون ، وبالتحديد في فترة أكاديمية جداً مهمة في حياة ” فوكو ” ، وهي الفترة الممتدة من 1930 وحتى 1940 .

  كما إن ” باشلار ” هو الذي أدخل الأبستمولوجيا ، وخصوصاً الأبستمولوجيا التاريخية في البرنامج التعليمي الأكاديمي في فرنسا . ولعل من أهم مؤلفاته التي نستشهد بها في هذا الصدد : الروح العلمية الجديدة  [134] ، فلسفة لا : فلسفة العقل العلمي الجديد [135] ، العلم والموضعية [136] ، صياغة العقل العلمي : مساهمة في التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية  [137]. ومن ثم كتب فصلاً رائعاً بعنوان ” المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم [138] وكان عن عالم الفيزياء النظرية الألماني والمبدع لمضمار ميكانيكا الكم ” فيرنر كارل هايزنبيرك ” (1901 – 1976) [139].

  ومن هذا الطرف ترك فيلسوف العلم والأبستمولوجيا ” غاستوف باشلار ” أثاراً على حشد من الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين ، يتقدم القائمة ” كانكايلهم ” وتلميذه ” فوكو ” و ” لويس ألتوسير ” و ” جاك دريدا ” . وهذه شهادة على عمق الأثر الذي مارسه ” باشلار ” على إتجاهات التفكير الفرنسي المعاصر عامة ، والتفكير الفلسفي العلمي خاصة [140]. وفعلاً فقد قرأ أو على أقل تقدير إطلع ” ميشيل فوكو ” على أعمال فيلسوف العلم ” غاستوف باشلار ” الإستكشافية لتاريخ العلم [141] .

  ونحسبُ من النافع أن نذكر بأن مصادر الماركسية نزلت إلى ” فوكو ” من خلال عدد من الفلاسفة الأكاديميين الفرنسيين والذين علموه وأشرفوا على دراساته للتأهيل في العمل الأكاديمي ، ومنهم الفيلسوف الفرنسي ” لويس ألتوسير ” الذي أصبح عام 1948 المشرف عليه . والمعروف إن ” التوسير ” كان ” فيلسوفاً ماركسياً [142].  وهذا مصدر يبوح لنا بالكثير عن ذهنية التلميذ ” ميشيل فوكو ” وذلك من خلال إشراف البروفسور ” لويس ألتوسير ” عليه وعلى عدد من زملائه ، وكذلك من خلال ما قدمه لطلابه من زاد من التفكير يجمعُ بين ” الماركسية والبنيوية ” وتأكيده على أثار النزعة التجريبية في مباني النظرية الماركسية ، وإشارته إلى دور الطرف الإنساني والإشتراكية الإصلاحية ، اللذان كونا المعلمان الواضحان وراء الإنقسامات في الأحزاب الشيوعية الأوربية [143] .

  كما ونجح البروفسور ” التوسير ” في إقناع تلميذه ” فوكو ” وعدد من زملائه الطلاب في الإنضمام إلى الحزب الشيوعي الفرنسي . وفعلاً فإن ” فوكو ” إنتمى إلى الحزب في العام 1950 . غير إنه لم ينخرط في نشاطات الحزب الشيوعي الفرنسي ، ولم يتبنى على الإطلاق وجهة النظر الأرثوذوكسية الماركسية ، كما وعارض ” لُب ” العقيدة الماركسية وبالتحديد في ” الصراع الطبقي [144]. ومن ثم فقد القناعة بالتعصب الأعمى لهرمية الحزب الشيوعي ، وتعرض إلى تجربة شخصية فيها الكثير من الخوف أو ” رهاب المثلية ” وعاش حالة رعب من عناوين تم تداولها وشيوعها ، من مثل ” ضد السامية ” خلال هيمنة الإتحاد السوفيتي ، والتي تجسدت خلال ما عُرف بمؤامرة الأطباء في عصر ستالين (1878 – 1953) والتي إستمرت ما بين عامي 1952 و 1953 والتي شملت الأطباء من ” اليهود وغير اليهود ” واللذين تم طردهم من وظائفهم وإعتقالهم [145] .

  وفي ضوء كل هذا الحال ، قرر ” ميشيل فوكو ” وبالتحديد في عام 1953 قطع علاقته بالحزب الشيوعي الفرنسي وغادره دون رجعة . إلا إنه ظل صديقاً للفيلسوف التوسير ومدافعاً عنه طول حياته  [146]. ومن ثم تقدم في عام 1950 بطلب للعمل في مضمار التعليم الثانوي في الفلسفة غير إنه لم يفلح في المرة الأولى ، وحاول مرة ثانية في عام 1951 [147]. وبعد ذلك أُعفي من الخدمة لأسباب مرضية . ولهذا عزم أمره لأكمال دراسته في الدكتوراه ، وكان مشروع بحثه في مضمار ” فلسفة السايكولوجي [148] .

  وبعد سنوات معدودات ، شرع ” ميشيل فوكو ” بالعمل في مشاريع أبحاث متنوعة ، ومن ثم بدأ تجربته في التدريس [149] . وفعلاً فإنه في الفترة ما بين عام 1951 وحتى عام 1955 كان يُدرس السايكولوجيا في مدرسة الأساتذة العليا في باريس وبدعوة ووجهها إليه أستاذه الفيلسوف ” لويس ألتوسير [150]. وكان يومها ” فيكو ” يُشارك أخيه في السكن والذي كان يتدرب ليصبح طبيباً جراحاً ، ويتنقل ” فوكو ” يومها كل ثلاثة أيام في الإسبوع من شقة أخيه في باريس إلى شمال فرنسا ، حيث مدينة ليل ليُدرس السايكولوجيا في جامعة ليل والتي إستمرت محاضراته فيها للفترة من 1953 وحتى 1954 [151]. وكانت هذه المحاضرات بتقدير الكثير من الطلبة إيجابية [152] .

  وفي الوقت ذاته كان مُنكباً على كتابة إطروحته للدكتوراه ، وكثيراً ما يتردد على المكتبة القومية الفرنسية في باريس [153] ، وذلك لقراءة أعمال علماء النفس من أمثال الروسي ” إيفان بافلوف ” (1849 – 1936) وبالتحديد في طرف الإنعكاس الشرطي [154] ، والفيلسوف وعالم النفس السويسري ” جان بياجيه ” (1896 – 1980) وصاحب الدراسات الأبستمولوجية وخصوصاً عند الأطفال [155] ، والفيلسوف والسايكايتري الألماني ” كارل ياسبرز ” (1883 – 1969) وخصوصاً في مجالات ” الهومسك والجريمة ” و ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” و ” علم النفس المرضي العام [156]  . وفعلاً فإن هؤلاء الثلاثة كونوا مرجعية معرفية لكتابات ومحاضرات ” فوكو ” ،  ولذلك نحسبُ إن هذا الثلاثي السايكولوجية يحتاج إلى دراسة أكاديمية تبين بموازنة نقدية حجم حضورها في النصوص التي دونها ” ميشيل فوكو ” في مضمار السايكولوجي وفلسفته على حد سواء .

   إضافة إلى ذلك فإن الأبحاث الأكاديمية التي قام بها ” فوكو ” في مضمار السايكايتري ، كشفت بصراحة عن مرجعية ومصادر معرفية بالغة الأهمية في تكوين ذهنيته السايكولوجية من طرف والتي لونت وحددت نمط كتاباته السايكايترية الأكاديمية من طرف آخر . فمثلاً لاحظنا إن عدداً من الباحثين الذين تخصصوا في الكتابة عن تفكير ” ميشيل فوكو ” عامة ، وتفكيره السايكايتري خاصة من أمثال ” إيربون إيدير ” و ” ديفيد ميسي ” و ” جيمس ميلر ” قد وضعوا أيديهم على المصادر التي جاءت من طرف علم النفس التحليلي الفرويدي (نسبة إلى سيجموند فرويد ” (1856 – 1939) . وأضافوا إلى إن ” ميشيل فوكو ” قام بإنجاز أبحاث سايكايترية وبين فيها العلاقة ما بين الطبيب (السايكايتري) والمريض [157]. وبالتخصيص أشاروا إلى إن ” فوكو ” إستند إلى نظريات فرويد في تفسير الأحلام [158].

  ومن ثم إرتبط ” فوكو ” بعلاقة رومانتيكية مع المؤلف الموسيقي السيريالي جين هنري الفونس باريك ” (1925 – 1973) وسوية إتفقا على تجاوز المحظور وتخطي الحدود الحمراء ، ومن ثم إنخرطا في تعاطي المخدرات وبصورة مبالغ فيها وذلك لأعتقادهما إن ذلك ربما ييسر لهما إنجاز أعمال كبيرة ، كما ومارسا معاً نشاطات جنسية مثلية ذات طبيعة سادية – مازوخية [159].

  وفي بواكير الخمسينات من القرن العشرين مارست مؤلفات الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) تأثيراً غير إعتيادي على تفكير ” ميشيل فوكو ” وهذا الأثر صعده ” فوكو ” إلى مستوى ” الوحي والإلهام ” . وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة مستقلة تسعى إلى بيان الظاهر والمتخفي من أثار نيتشه على تفكير وكتابات ” ميشيل فوكو ” . وللإستشهاد نشير إلى إنه في عام 1953 وبينما ” فوكو ” وصاحبه الموسيقي ” باريك ” في إيطاليا لقضاء عطلة إستجمام ، عاش الفيلسوف ” فوكو ” تجربة إنغماس تام في عمل الفيلسوف ” نيتشه ” والمعنون ” تأملات سرمدية ” والتي جاءت بترجمة أخرى بعنوان ” الملاحظات الغريبة ” وبترجمة ثانية بعنوان ” أفكار خارج الموسم ” وتألفت من أربعة مقالات تتعلق بالظروف المعاصرة لأوربا ، وخصوصاً ألمانيا . والتي بدأها عام 1873 وأكملها عام 1876 [160] .

  وبعد هذه التجربة وصف ” ميشيل فوكو ” عملية الإنغماس في أعمال ” نيتشه ” بأنها ” إلهام ورسالة وحي ” . ونحسب إن قراءة هذا الكتاب وربما بتأثير المخدرات التي تناولها ” فوكو ” مع صاحبه الموسيقي السريالي ونشاطهما الجنسي المثلي ، جعله أن يُصعد هذا النص النيتشوي إلى مصاف نصوص إلهامية ذات تأثير روحي عميق ، فوصف التجربة برمتها ، بأنها كانت ” لحظة فاصلة ” في حياته [161] .

  ومن ثم تكررت تجربة الإلهام والوحي مرة أخرى ، وهذه المرة كانت في أطار ما أسماها ” تجربة إلهام ذاتي ” والتي عاش لحظاتها عام 1953 . وفعلاً حدثت كما يخبرنا ” ميشيل فوكو ” عندما كان يُشاهد عروض مسرحية للروائي  ” صامويل بيكت ” (1906 – 1989) والتي حملت عنوان ” في إنتظار جودو [162]. وهذه المسرحية هي من مسرحيات العبث ، ويُصنف  الروائي بيكت على إنه من أواخر جيل الحداثة ، والبعض يضعه في قائمة كتاب ما بعد الحداثة [163] . وعودة جودو هي محض ضرب من التفكير الغيبي العبثي وليس نوعاً من الإلهام ، وقد يكون نوعاً من الصرع سببه تناول المخدرات الثقيلة والخوف مما يأتي به المستقبل أو لا يأتي به على الإطلاق ويظل مجرد إنتظار ممل قد يُحرض على الإنتحار في مثل حالة وظروف ” ميشيل فوكو ” .

  ومن المصادر المعرفية التي تركت بصمات واضحة على تفكير ومن ثم كتابات ” ميشيل فوكو ” ، مصادر سايكيترية وسايكولوجية وسوسيولوجية وإنثربولوجية والتي كان ” فوكو ” فعلاً له إتصال بها . ومنها على سبيل الإستشهاد أعمال السايكيتري السويسري ” لودفيغ بنسونكر ” (1881 – 1966) وهو من تلاميذ كل من ” كارل يونك ” (1875 – 1961) و” سيجموند فرويد ” ، وهو الرائد في مضمار ” علم النفس الوجودي [164] ويعدُ واحداً من المتميزين في ” علم النفس الفينومنولوجي [165] وهو يتابع خطوات الفيلسوفين الألمانيين كل من ” مارتن هيدجر ” و أساتذه الفيلسوف الفينومنولوجي ” أدموند هوسرل ” . وكان لودفيغ بنسونكر عضواً في ” جماعة فرويد ” التي كان يقودها ” كارل يونك ” . ولعل من أهم مقالات ” لودفيغ بنسونكر ” ، مقالته المعنونة ” التحليل النفسي والسايكيتري العيادي [166] .

  وبالمناسبة إن ” فوكو ” وفقاً لرواية ” جيمس ميلر ” ساعد زميلة له ، وهي ” جاكلين فيردو ” على ترجمة أعمال ” لودفيغ بنسونكر” إلى الفرنسية ، ومنها على وجه الخصوص بحثه المعنون ” الحلم والوجود ” والذي نشره ” بنسونكر ” في عام 1930 ، وجاكلين من طرفها كانت تتطلع من ” فوكو ” أن يكتب مدخلاً له . وفعلاً وافق ” فوكو ” وكتب مدخلاً صفحاته كانت ضعف صفحات بحث ” بنسونكر ” [167] . وكان ” فوكو ” في هذا المدخل يُجادل ويذهب إلى إن الأحلام تتضمن ” ولادة العالم ” وبذلك عبر بعمق عن رغباته العقلية [168].

  وهذا الأمر يحملنا على الإشارة إلى إن المصادر الأكاديمية التي درست مساهمات ” فوكو ” في علم النفس والسايكيتري ، قد نظرت إليها من زاوية فينومنولوجية [169]. ونحسب إن أبحاث وكتب ” ميشيل فوكو ” تحتاج إلى دراسة أكاديمية تُراجعها وتُعيد تقويمها من زاوية سايكولوجية وسايكيترية فينومنولوجية مع متابعة أثار كل من الثلاثي الألماني أولاً ” مارتن هيدجر ” و ” أدموند هوسرل ” و ” كارل ياسبرز ” وثانياً بيان الأثر الذي تركه السويسري ” لودفيغ بنسونكر ” .

ميشيل فوكو والبيئة الأكاديمية لتفكيره ومصادر مؤلفاته

   البداية إعلان وإشارة إلى إن بعض الكُتاب والأكاديميين يحلوا لهم أن يُصنفوا تفكير  و كتابات  ” ميشيل فوكو ” على إنها ” جنس من الكتابة والإنشاء ” اللذان ينتميان إلى ” ما بعد البنيوية ” مرة [170] ، ومرة يُوصف  على إنه واحد من ” الفوضويين الجُدد ” وبالتحديد في ضوء كتاباته في ” الجنون ” و ” الجنسانية ” و ” السلطة والنفوذ ” [171] . ونحسبُ إنه في مضمار ” الفوضوي الجديد ” نتلمس مقاربة بين ” فوكو ” وشومسكي وكتابه المعنون ” حول الفوضوية [172] ، وكذلك كتابه ” ما بعد الحدائة ” مرة أخرى [173] . فإن ” فوكو ” بحد ذاته يرفض هذه ” اليافطات والعناوين ” ، ويُفضل أن يُصنف تفكيره في إطار ” تاريخ نقدي للحداثة ” . ونحسبُ إن كل ذلك التأويل جاء بسبب إنه مارس تأثيراً على المستويين ؛ الأكاديمي والجماعات الناشطة في الحياة العامة وعلى حد سواء .  

 وللتذكير فقد أشرنا إلى إن ” ميشيل فوكو ” تعلم في كلية هنري الرابع ، وهي مدرسة ثانوية عامة في باريس ، وهي واحدة من ست كليات في فرنسا ، والسنوات الأربعة الأولى منها هي مدرسة ثانوية ، وفيها صفوف لتأهيل الطلبة للدخول إلى التعليم العالي (وفقاً لنظام التعليم الفرنسي) ، ومن ثم تحول  إلى ” مدرسة الأساتذة العليا ” وهي نوع من التعليم الجامعي العالي . والتي تأسست في عام 1793 وتم الإعتراف بها من قبل ” نابليون بونابرت ” (1769 – 1821)  ، وتضم دراسات عليا للماجستير والدكتوراه  .

  وفعلاً لقد كانت ” مدرسة الأساتذة العليا ” هي المعهد العلمي الذي صاغ شخصية ” فوكو ” من طرف إنه كان المكان لولادة العديد من المنظرين الفرنسيين ، بالطبع من أمثال ” فوكو ” وزملائه الذين تبادل معهم الخبرة والإهتمام والبحث / ومن أمثال ” لويس ألتوسير ” (1918 – 1990) والذي كان أكبر منه بثمان سنوات . و ” جاك دريدا ” و ” بيير بورديو ” (1930 – 2002) اللذان كانا أصغر من ” ألتوسير ”  بإثني عشر عاماً .

  والسؤال ؛ ماذا قدمت هذه الأسماء وهي من الرموز الفكرية والثقافية الكبيرة التي عاصرت المفكر  ” ميشيل فوكو ” من زاد فكري وميثديولوجي أسهم في تكوين ذهنيته الفكرية سلباً وإيجاباً ؟ ، وماذا رسمت بفعلها من إتجاهات في تفكيره وبنية مؤلفاته في مضمار فلسفة اللغة (اللنكوستيك) والطبيعة الإنسانية ؟ وللإجابة على هذين السؤالين نسعى إلى تقديم دراسة عن مؤلفاتهم التي ربما لعبت دوراً في توجهات ” فوكو القادمة ” بعد إن قرأها وتتلمذ عليها وخصوصاً ” لويس ألتوسير ” مع الإشارة إلى إننا تناولنا ” التوسير ” أعلاه وخصوصاً في قضية تحريض ” فوكو ” للإنضمام إلى الحزب الشيوعي الفرنسي . وغايتنا هنا مختلفة ، وهي أن نركز على مؤلفات الأستاذ ” التوسير ” والتي إطلع عليها التلميذ ” فوكو ” . وبالصورة الأتية :

1 – ماركس وقراءة رأس المال ، وهو يتكون من مقالات الأربعينيات [174].

2 – المسيحية والماركسية وهي من مقالات 1946 و1951 [175].

3 – الماركسية والهيغلية ( وهي إطروحة التوسير عام 1947) .

4 – ماركس وليس هيغل ( وهي مقالات كتبها في بواكير الخمسينات) .

5 – الأعمال التاريخية : مونتسكيو وفيورباخ (كتابات منتصف الخمسينات) .

6 – الأعمال الكلاسيكية والتي كتبها في الستينات (ومنها منشور وغير منشور) ونشرت في التسعينات وبعد موت ” التوسير ” ، والتي شملت نصوص فلسفية في الميتافيزيقا والأبستمولوجيا وفلسفة العلم وعلم التاريخ والفلسفة السياسية . ومن الملاحظ إن معظمها جاءت إجابة على سؤال : كيف نقرأ ماركس ؟ [176]. ونحسب إن من المفيد أن نذكر القارئ بأن مباحث الفلسفة الكلاسيكية التي وصلت من الأستاذ ” التوسير ” إلى التلميذ ” فوكو ” لم تصل صافية بحيث تترك هامش من الإستقلال للتلميذ ” فوكو ” وإنما جاءت ملونة ببعدين ماركسيين ؛ الأول ما يسمى بالماركسية الغربية (ويصح القول الفرنسية) [177] وهي بالطبع ليست الماركسية الأرثوذوكسية أي ماركسية ماركس وإنجلز هذا طرف وإنها من طرف أخر قدمت شكلاً آخراً من الماركسية وهي ماركسية ألتوسير .

  وهكذا كان قدر التلميذ ” ميشيل فوكو ” من طرف ثالث أن يتعامل مع مباحث الفلسفة التقليدية والتي كتب عنها مباحثاً ومن ثم مؤلفات ، إن مصادرها الأكاديمية لم تقدم له نصوص موضوعية خالية من الطيف الماركسي إضافة إلى الطيف الألتوسري (نسبة إلى لويس ألتوسير) . وعلى هذا الأساس لم تكن مباحث الميتافيزيقا والأبستمولوجيا وفلسفة العلم وعلم التاريخ وفلسفة السياسية مباحث أكاديمية بحتة ، وإنما جاءت معروضة بخطاب مكتوب من زاوية ماركس وإنجلز مرة ، ومن زاوية ماركسية ألتوسير مرة أخرى . يُضاف إلى إن ألتوسير قدم لتلميذه ” فوكو ” خاصة والقارئ عامة شكلاً من التفكير البنيوي [178] ممزوجاً بماركسية ألتوسيرية [179] .

  كما وتبادل ” ميشيل فوكو ” الكثير من الأفكار والمثدولوجيات السائدة في الأكاديميات الفرنسية مع إثنين من الفلاسفة المعاصرين له ، وهم كل من ” جاك دريدا ” و ” بيير بورديو ” . ونحسب إنهم الثلاثة كونوا مثلثاً فلسفياً فرنسياً معاصراً وبالتحديد في تباشير النصف الثاني من القرن العشرين . إضافة إلى إنهم إشتركوا في إمتصاص الزاد الفلسفي – الأبستمولوجي عن طريق محاضرات وكتابات أستاذهم البروفسور ” لويس ألتوسير “.

  ومن طرف ” دريدا ” فهو فيلسوف فرنسي ولد في الجزائر وجاء من إصول يهودية جزائرية ، وترتبط بإسمه حركة أو نظرية السيموطيقا [180] ، والتي تتقاسم مباحثها الفلسفة والمنطق والإنثروبولوجيا ، ومن ثم شاع تداولها وعُرفت على يد ” جاك ألي دريدا ” بحركة ” التفكيكية [181] . وهو واحد من الرموز الكبيرة في مضماري الحركة الفلسفية الفرنسية ، وهما المضماران اللذان عُرفا بما بعد البنيوية [182] وما بعد الحداثة [183].

  لقد كتب الفيلسوف ” دريدا ” الكثير من المؤلفات والمقالات ، حتى وصلت مؤلفاته إلى أربعين كتاباً ، ونشر مئات المقالات وفي مجالات متنوعة من المعرفة مثل الفلسفة والأدب والقانون [184] والإنثروبولوجيا [185] وعلم التاريخ [186] واللنكوستيك [187]وخصوصاً اللنكوستيك السوسيولوجي [188] والتحليل النفسي [189] والنظرية السياسية والفمنست . كما له مناقشات حول الإنطولوجيا والأبستمولوجيا والأخلاق وعلم الجمال وفلسفة اللغة

   ونحسبُ إن علاقة الفيلسوف الجزائري الأصل ” جاك دريدا ” بزميله الأكبر ” ميشيل فوكو ” لم تكن مستقرة على حال واحد ، بل كانت على الأغلب علاقة فيها شدُ ونقد إن لم نقل إنها مرت بمراحل من التوتر والتنافر . وسببها برأينا ” عدم شفافية الفلاسفة ” في قبول النقد . وفعلاً إن ” دريدا ” وجه نقداً لكتابات ” ميشيل فوكو ” ، وهو النقد الذي حمله مقال ” دريدا ” المعنون ” تاريخ الجنون : من الكتابة والإختلاف ” والقسم الأول من عنوان ” دريدا ” يخص كتاب ” ميشيل فوكو ” (وهو في الوقت ذاته عنوان إطروحة فوكو للدكتوراه) ” الحماقة والجنون : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ” (1961) ومن ثم طبع عنها ملخص بالفرنسية وبعنوان ” الجنون والحضارة : تاريخ الحماقة في عصر العقل ” (1964) ، وتم  ترجمتها الكاملة إلى الإنكليزية عام 1961 ، وطبعت عام 2006 وبعنوان ” تاريخ الجنون [190] . وسنعود إلى كتاب ” ميشيل فوكو ” تاريخ الجنون لنقدم عنه دراسة من زاوية فلسفة الحضارة وهو موضوع نتطلع إلى إنجازه في الأيام القريبات .

  والحقيقة إن مقال ” جاك دريدا ” الذي جاءت الإشارة إليه أعلاه والمعنون ” تاريخ الجنون : من الكتابة والإختلاف ” هو في الأصل محاضرة قدمها الفيلسوف ” دريدا ” في 4 أذار عام 1963 في مؤتمر دارت جلساته حول الفيلسوف الفرنسي المعاصر ” جين أندري ويهل ” (1888 – 1974) وهو من طلاب الفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” (1859 – 1941) ، وهو في الوقت ذاته من المتابعين في نظامه الفلسفي لكل من الفيلسوفيين الأمريكيين ” وليم جيمس ” (1842 – 1910) والفيلسوف من إصول أسبانية ” جورج سانتيانا ” (1863 – 1952) [191] .     

 وبالمناسبة نحن نحتفل بالفيلسوف ” جاك دريدا ” فيلسوفاً عربياً (من إصول جزائرية) يهودياً فرنسياً ، حيث ولد وترعرع في الجزائر . ولكننا نعتز به أكثر لشيئين أخرين ، الأول إنه أسس علاقات مع المفكرين الفلسطينيين ، وقابلهم خلال زيارته للقدس عام 1988 . ونعتز به ثانياً بكونه إنساناً وقف ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ومن خلال مساندته ، والعمل مع نيلسون مانديلا وبالتحديد في بداية عام 1983 .

  ونضع أمام حضرة القارئ مختارات من كتابات ” جاك دريدا ” للمقارنة مع مؤلفات وأبحاث زميله الأكبر ” ميشيل فوكو ” مع الإشارة إلى إن رسالته في الماجستير كانت عن رائد الفينومنولوجيا الألماني ” إدموند هوسرل ” ولكنها كانت في الهندسة ولها علاقة جوهرية بتخصص هوسرل الأكاديمي الأول . ونُذكر إلى إن من أبحاث ” دريدا ” المبكرة ، بحث جاء بعنوان ” مشكلة إصول فلسفة هوسرل ” (1953) [192] . ومن ثم في عام 1962 جاءت رسالته للماجستير وكانت بعنوان ” مدخل إلى إصول الهندسة عند هوسرل [193] . ومن خلال أبحاث ” دريدا ” عن هوسرل عبر تراث سايكولوجي في تحليل الرياضيات ، والنازل إلى هوسرل من خلال مدرستين ألمانيتيين عريقيتين ، وهما مدرسة فرانز برنتانو (1838 – 1917) ، ومدرسة برنارد بولزانو (1781 – 1848) [194]

  ومن ثم نشر ” دريدا ” كتبه الثلاثة الأولى دفعة واحدة في عام 1967 ، فكان مقدمة دخول قوية له في عالم الفلسفة الفرنسية والقارة الأوربية ، وجاءت على التوالي ؛

الأول – الكتابة والإختلاف [195]. وهي مجموعة محاضرات مقالات مبكرة كتبها في الفترة الممتدة ما بين عامي 1959 و1966 ، وتكونت من :

1 – جدل حول البنيوية ، وهي في الأصل محاضرة قدمها ” دريدا ” عام 1966 في جامعة جونز هوبكنز ، وفيها غير عنوان الفصل الدراسي وأسماه ” جدل حول البنيوية ” [196] . وهذه المحاضرة حققت له سمعة كبيرة خارج فرنسا ، وكان عنوانها الأصلي ” الإشارة والمسرحية في خطاب العلوم الإنسانية ” والتي طبعت فصلاً في كتاب ” الكتابة والإختلاف ” وفيه مناقشة لعالم الإنثروبولوجيا ” كلود ليفي ستراوس ” (1908 – 2009) . وهذه المحاضرة أشرت تاريخاً لحركة ما بعد البنيوية [197] .

2 – كوجيتو وتاريخ الجنون ، وهي مقالة نقدية للفيلسوف ” ميشيل فوكو ” . وهي في الأصل محاضرة قدمها ” جاك دريدا ” في المؤتمر الفلسفي وبالتحديد في 4 آذار عام 1963 وحضرها ” ميشيل فوكو ” بدعوة من ” دريدا ” . وسببت هذه المحاضرة صعوبات بين الفيلسوفيين [198] . وكانت دافعاً حملت ” فوكو ” إلى تأليف إثنين من مؤلفاته المهمة ؛ الأول – نظام الأشياء (أو الكلمات والأشياء) والذي ظهر بالفرنسية عام 1966 ومن ثم ظهرت ترجمتها الإنكليزية [199].

 والثاني – حفريات المعرفة والذي ظهر بالفرنسية عام 1969 ومن ثم تُرجم إلى الإنكليزية [200] .

3 – العنف والميتافيزيقا ، وهي مقالة تعليقية – شارحة على كتابات الفيلسوف الوجودي الليثواني – الفرنسي ” إيمانويل ليفيناس ” (1906 – 1995) [201] . والنصف الأول من كتاب الكتابة والإختلاف مقالة إحتفالية بالفيلسوف الفرنسي ” رينيه ديكارت ” (1596 – 1650) [202].

الثاني – كتابه المعنون ” الكرامتولوجي ” بالفرنسية وموضوعه يبحث في العلاقة بين اللنكوستيك والكتابة . وكتبه ” جاك دريدا ” أولاً بالفرنسية وظهر عام 1967 ومن ثم تبعتها الترجمة الإنكليزية عام 1997 [203]. وقدم هذا الكتاب نص أساس فيما يسمى بالنقد التفكيكي الذي أبدعه ” دريدا ” والتي شاعت معه شهرته غرباً وشرقاً .

الثالث – كتاب ” دريدا ” المعنون ” الكلام والظاهرة ومقالات أخرى عن هوسرل ونظريته في الإشارات ” وظهر بالفرنسية عام 1967 ومن ثم جاءت ترجمته الإنكليزية عام 1973 [204] .

   أما من طرف ” بيير بورديو ” (1930 – 2002) فإضافة إلى كونه تلميذ الفيلسوف الماركسي ” لويس ألتوسير ” وحاله حال ” دريدا ” و “ميشيل فوكو ” . فقد كان ” بورديو ” فيلسوفاً فرنسياً وعالم في الإنثروبولوجيا والسوسيولوجيا . وهو من المعارضين للنزعة المثالية في الفلسفة الغربية . وبالرغم من إن تكوينه الفكري إمتص مما يمكن أن نسميه ” ماركسية ألتوسير ” فإنه شيد أساسه الفلسفي بالإعتماد على كل من الفيلسوف الألماني ” مارتن هيدجر ” والفيلسوف البريطاني – النمساوي ” لودفيغ فيتيجنشتاين ” (1889 – 1951) وعالم الرياضيات وفيلسوف الفينومنولوجيا ” أدموند هوسرل ” وفيلسوف العلم والإبستمولوجيا الفرنسي ” جورج كانكايلهم ” و ” كارل ماركس ” و ” غاستون باشلار ” والفيلسوف الألماني وعالم الإجتماع ” ماكس فايبر ” (1864 – 1920) … [205] .

   ومن أهم مصادر التأثير على ذهنية ” بورديو ” وكتاباته جاءت هذه المرة من طرف الفيلسوف الفرنسي وعالم الرياضيات ” بليز باسكال ” (1623 – 1662) . وعلى هذا الأساس يُعد كتاب ” بورديو ” المعنون ” التأملات الباسكيلية ” نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي وعالم الرياضيات ” بليز باسكال ” (1623 – 1662) واحد من أهم الأعمال في مضمار السوسيولوجيا في القرن العشرين بنظر جمعية السوسيولوجيا العالمية [206]. وهذا الكتاب كما يبدو ألفه ” بورديو ” في مراحل متأخرة من حياته ، حيث طبع باللغة الإنكليزية عام 2000 ، وهو من روائعه النقدية في القرن العشرين وفيها بحث أكاديمي معجون بمسحة ساخرة ، والكتاب ركز على الأبستمولوجيا والأخلاق وعلم الجمال والتي أخصعها إلى منهج نقدي من زاوية الميثدولوجيا .    

  ومن المعروف إن باسكال ولد وعمر الفيلسوف الفرنسي ” رينيه ديكارت ” كان سبع وعشرين سنة وإن كلاهما كان عالماً في الرياضيات . وإن فيلسوف الفينومنولوجيا الألماني ” أدموند هوسرل ” كتب كتاباً بعنوان ” التأملات الديكارتية : مدخل إلى الفينومنولوجيا ” [207]. وهو في الأصل مجموعة محاضرات قدمها في جامعة السوربون للفترة ما بين 23 – 25 شباط عام 1929 . وحينها لم يكن بعد الفيلسوف الفرنسي ” بورديو ” مولوداً بعد . وكتاب هوسرل فيه إستبطان على الأقل لعنوان كتاب ديكارت المعنون ” تأملات في الفلسفة الأولى ” والذي صدر باللاتينية لأول مرة عام 1641ومن ثم بالفرنسية عام 1647 وبعد ذلك ظهرت له ترجمة بالإنكليزية عام 1901 [208].

  ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن ” بورديو ” هو الرائد في مضمار التربية السوسيولوجية ، ونظرية السوسيولوجيا ، وسوسيولوجيا علم الجمال . ومن أشهر مؤلفاته ، كتابه المعنون ” التمييز : النقد السوسيولوجي وحكم الذوق ” وهذا الكتاب يُعد بنظر جمعية السوسيولوجيا العالمية ، واحد من أهم مصادر السوسيولوجيا في القرن العشرين [209]. ومن مؤلفاته في الفلسفة السياسية ، رائعته المعنونة ” الإنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر ” 1991 [210] . وكتابه الذي حمل عنوان ” اللغة والسلطة الرمزية ” وهو من الكتب المهمة التي تخص بحثنا الحالي من طرف إن ” بورديو ” ركز في جوانب منه على مساهمة كل من عالم السيموطيقا واللنكوستيك السويسري ” فرديناند دي سوسور ” (1857 – 1913) ، وعالم اللنكوستيك الأمريكي ” نعوم شومسكي ” [211] وأخرون .

  وبالإشتراك مع ” مونيك دي سينت مارتين ” و ” جين كلود بيرسون ” كتب ” بورديو ” الكتاب البالغ الأهمية في تاريخ اللنكوستيك ، وبعنوان ” الخطاب الأكاديمي : سوء فهم اللنكوستيك والسلطة المهنية ” 1996 [212] . ومن ثم جاء كتابه الذي حمل عنوان ” العقل العملي : حول نظرية الفعل ” 1998 [213] . وتلاه كتابه المعنون ” شرف الدولة : المدارس النخبوية في ميدان السلطة ” 1998 [214] . وإخترنا أخيراً كتابه المعنون ” أفعال المقاومة : ضد دكتاتورية السوق ” ، 1999 [215] .

  إذن هذه هي الملامح الرئيسية للبيئة الأكاديمية التي رعت ” ميشيل فوكو ” وتعلم في رحابها وتبادل الحوار مع رموزها الأكاديمية وبالتحديد مع كل من أستاذه ” لويس ألتوسير ” وزميليه ” جاك دريدا ” و” بيير بورديو ” ، وفي إطار هذه البيئة فكر ” ميشيل فوكو ” في مشروعاته الأكاديمية ، ومن ثم عزم أمره وبدأ رحلته في عالم الإنشاء والكتابة ومن ثم النشر …    

مراجعة أكاديمية لأهم كتابات ميشيل فوكو

1 – قصة ومحنة كتابه الأول والمعنون ” الأمراض العقلية والشخصية ”  

   ونحسب من النافع الإشارة إلى إن كتاب ” ميشيل فوكو ” الأول لم يكن على الأقل في عنوانه كتاباً في مضمار الفلسفة العتيد ، وإنما كان في ميدان السايكولوجيا والسايكيتري . وفعلاً فإن ” ميشيل فوكو ” نشر في عام 1954 أول كتاب له ، وكان بعنوان ” الأمراض العقلية والشخصية ” والذي عرض فيه الأثر النازل إليه من مصادر التفكير الماركسي والهيدجري . كما وكشف عن إفادته في الإطار العام للبحث من علم النفس الإشتراطي النازل إليه من ” بافلوف ” ومن مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية وبالتحديد من ” سيجموند فرويد ” . إضافة إلى إنه ضمن بحثه بآراء علماء الإجتماع والإنثروبولوجيا من أمثال ” أميل دوركهايم ” (1858 – 1917)[216] و ” مارجريت ميد ” (1901 – 1978) [217] . ومن ثم عرض نظريته حول ” الأمراض ” وأكد علاقتها بالطرفين الثقافي – الحضاري [218] . ونحسب من النافع أن نشير هنا إلى إن هناك عدد من المصادر الأكاديمية التي درست ” مساهمات فوكو في مضماري السايكولوجيا والسايكيتري ” قد أشارت إلى إمكانية ” النظر إليها من زاوية الفينومنولوجيا ” [219] .

    ومن المناسب أن نشير إلى إن كاتب سيرته الذاتية ، الأستاذ ” جيمس ميلر ” قد لاحظ بإن كتاب ” فوكو ” المعنون ” الأمراض العقلية ” ، كان ” شهادة على سعة إطلاعه ، ودليل على موهبته ” غير إن الكتاب في الوقت ذاته خال من ” الحرارة والمهارة ” ، واللتان سيهتم بهما ويمنحهما الكثير من الإهتمام في أعماله اللاحقة [220] . ويبدو إن ملاحظة ” ميلر ” كانت في محلها وتحمل الكثير من الحقيقة ، فإن هذا الكتاب من طرف لم يحتفل به النقاد وظل موضوع تجاهل من قبلهم ، حيث لم يتلقى سوى ” مراجعة يتيمة واحدة في ذلك الوقت ” [221] .

  والحاصل من ذلك إن تصاعدت درجات حرارة كراهية ” فوكو ” لكتابه ” الأمراض العقلية ” وربما ندم كثيراً على نشره . ولعل الشاهد على ذلك إنه أعلن مرات عديدة عن كرهه ومقته الشديد لهذا الكتاب . بل تجاوز هذا الكره خطوطه الحمراء ، حتى وصل إلى رفضه إعادة نشره من جديد ، كما ورفض ترجمته إلى الإنكليزية . غير إنه لم يفلح في محاولاته في ذلك الوقت [222] .

  كما إن قارئ سيرة ” ميشيل فوكو ” الذاتية ، يلحظ إنه صرف الفترة الممتدة ما بين عامي 1955 و1960 (بحدود الخمسة سنوات) في كل من ” السويد ” و ” بولندا ” و ” ألمانيا الغربية ” كما تعرف يومذاك . وكان يعمل فيها ” دبلوماسياً لشؤن الثقافة ” وهي فترة ممتازة من الناحية الأكاديمية فقد أنجز خلالها مجموعة نصوص في تاريخ الطب ، وهي جزء من أبحاثه التي كان مُثابراً على إكمالها في هذا المضمار [223]. هذا من طرف كما إنها من طرف آخر كانت مشواره المتفرد والذي تطلع فيه إلى الإنتهاء من كتابة إطروحته للدكتوراه والتي كان يأمل أن تقبلها جامعة أوبسلا (وهي من الجامعات السويدية العريقة) . إلا إن آماله ذهبت أدراج الرياح وذلك عندما رفض مؤرخ العلم ستين لندروث (1914 – 1980) منح ” فوكو ” الدكتوراه في جامعة أوبسلا . وجاء في تقرير رفضه إلى ” إنه لم يكن مقتنعاً بها ” ، وإنها جاءت متخمة بالتعميمات النظرية ” وتفتقر بصورة ملفتة إلى ” الطرف التاريخي ” . وربما لهذا السبب ولأسباب أخرى غادر ” فوكو ” السويد [224] وهذه المرة أنظاره كانت تتطلع نحو بولندا .

  وفعلاً وصل ” فوكو ” إلى مدينة وارشو البولندية وبالتحديد في إكتوبر من عام 1958 ، وبدأ العمل في المركز الفرنسي في جامعة وارشو [225] . إلا إنه إكتشف إن الحياة صعبة جدا في بولندا وذلك من طرف النقص الشديد في المواد الغذائية والخدمات ، وهي بالطبع نتيجة من نتائج التدمير الذي تعرضت له خلال الحرب العالمية الثانية . ورغم هذا الحال فإنه بقي في بولندا ، ومن ثم أصبح ” مُلحقاً ثقافياً ” وأخذ يتنقل في أرجاء بولندا ويُلقي فيها المحاضرات [226].

  ولعل السبب الأخر وراء بقائه في بولندا ، إنها كانت يومذاك حالها حال فرنسا والسويد ، متسامحة من الناحية القانونية مع ” المثليين جنسياً ” . إلا إنها لازالت من الناحية الإجتماعية تسود فيها وتهيمن عليها الكثير من المواقف المحافظة وذات درجات من الحساسية العالية . والشاهد على ذلك القصة التي عاشها ” فوكو ” وهي القصة التي تحكي الموقف البولندي العام من ” المثليين الجنسيين ” . والقصة تذهب إلى إن ” فوكو ” إنخرط في علاقات مع مجموعة من الرجال ، وكان واحد منهم ، رجل مخابرات سري ، وكان يتطلع الأخير من صيد ” فوكو ” في مواقف جنسية مُحرجة وهذا هو هدفه الإستخباري القريب ، ومن ثم وضع السفارة الفرنسية في موقف دبلوماسي صعب وهذا هدفه الإستخباري البعيد . ونجح رجل المخابرات البولندي وعُرفت القضية ” بالفضيحة الدبلوماسية الفرنسية ” . وكان من نتائجها أوامر صدرت ، تُطالب ” فوكو ” بمغادرة بولندا ونقله إلى مكان آخر [227] .

  وفعلاً كانت هناك مواقع دبلوماسية فرنسية فارغة في ألمانيا الغربية ، وهكذا تم تحويله للعمل الدبلوماسي في مدينة هامبورك (ثاني أكبر مدينة ألمانية) وأخذ يُدرس الفصول الدراسية ذاتها التي كان يُدرسها في جامعتي أوبسلا و وارشو [228] . وفي الوقت ذاته كان يصرف جُل وقته في الأماكن الجنسية الحمراء في مدينة هامبورك وإندمج في علاقات جنسية مع مجموعة من المثليين ، بل وتجاوز ذلك إلى ممارسة تقاليد الترانسفيستزم (وهي إرتداء ملابس الجنس الأخر ) [229] .

2 – قصة ومحنة إطروحة الدكتوراه

  ذكرنا قبل قليل أطراف من محنة ” فوكو ” مع إطروحته للدكتوراه في جامعة أوبسلا السويدية ، وكيف إن مؤرخ العلم السويدي ” ستين لندوف ” لم يكن مقتنعاً بها ورفض منحه درجة الدكتوراه . وأثناء تحوله في العمل الدبلوماسي إلى ألمانيا الغربية أكمل كتابة إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” الحماقة والجنون : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ” . وهي في الحقيقة (وبحدود ما) عمل فلسفي قام ” فوكو ” بتأسيسه على تاريخ الطب . ونحسب هنا إن ” فوكو ” قد جدد نهج فلسفي قديم ، وأنعش فيه روح معاصرة ، ونعني به نهج الفيلسوف – الطبيب جالينوس الذي يصعد إلى القرن الثاني الميلادي إذ إن من المعروف والمستقر إن جالينوس ولد عام 130م وتوفي عام 200م  ، وهو في الواقع إنموذج متفرد  حيث ربط كلاهما ؛ جالينوس وفوكو الطب والفلسفة بعلاقة أخوية حميمة [230].

  والواقع إن ” فوكو ” قد ناقش وبين ” كيف عالج المجتمع الأوربي الغربي ظاهرة الجنون ؟ ومن ثم ألقى الضوء على الدور الذي تلعبه الإوضاع الإجتماعية في تحديد هوية الإمراض العقلية . وفعلاً فقد أنجز رحلة بحث تاريخية ، صاحب فيها مفهوم الجنون ووقف على مراحل نشوءه وتطوره . وبالتحديد من خلال ثلاثة مراحل تاريخية ، وهي :

أولاً – عصر الرينساس (النهضة) .

ثانياً – من أواخر القرن السابع عشر .

ثالثاً – تجربة العصور الحديثة .

  ويعترف ” فوكو ” بصراحة بتأثير أفكار الشاعر الفرنسي والكاتب المسرحي ” إنطونين آرتو ” والتي تركت طباعات خاصة على تفكيره وكتاباته [231]. ونحسب إن لها تأثير خاص وإحتفالي على عنوان ومضمون إطروحته للدكتوراه حول تاريخ الجنون . ولعل ذلك جاء من طرف ” إنطونين آرتو ” الذي صرف فترات من حياته (مايُقارب الخمسة سنوات ) في مصح الأمراض النفسية ، ومات وحيداً في مستشفى الأمراض العقلية ، وهناك من يرى إنه مات منتحراً . ووفقاً للأعراض التي كان يُعاني منها من زاوية الطب النفسي (السايكيتري) ، فإنه كان يُعاني من الشيزوفرينيا [232] . ومن أهم مؤلفات ” إنطونين آرتو ” الشهيرة ” فون جوخ : الرجل الذي إنتحر بيد المجتمع ” والذي طبع في باريس قبيل وفاته بسنة واحدة (أي عام 1947) ، ومسرح القسوة ، والمسرح وإزدواجيته والذي طبع عام 1938 وبالمناسبة كان ” ميشيل فوكو ” يومذاك طفلاً  وبالتحديد إبن عشرة سنوات فقط . ومن النافع أن نشير إلى إن ” آرتو ” مات وعمر ” فوكو ” عشرين ربيعاً [233] . ونظن إن تراث ” فوكو ” وبالتحديد أطراف من إطروحته للدكتوراه يحتاج إلى دراسة نقدية تقويمية من زاوية حياة وكتابات ” إنطوين آرتو ”  .

  ويُعدُ كتاب – إطروحة ” ميشيل فوكو ” المعنون ” الحماقة والجنون : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ” من الكتب الضخمة ، فقد تألف في صورته الأولى من 943 صفحة في النص الأصلي إضافة إلى ببلوغرافيا [234] . ومن ثم سلمها إلى جامعة باريس ، ويومها كانت تعليمات الجامعة لمنح شهادة الدكتوراه تتطلب تسليم إطروحة الدكتوراه الأصلية كاملة ، وإن ترفق معها إطروحة دكتوراه ملخصة [235] . وفي عام 1964 قام بتلخيصها وفق شروط الناشر فتم طبعها ، وبعد سنة واحدة تُرجمت إلى الإنكليزية وظهرت بعنوان ” الجنون والحضارة [236] .

3 – إطروحة ” فوكو ” الثانية للدكتوراه

    وإطروحة ” فوكو ” كانت بعنوان ” مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط [237] وهي في الحقيقة ترجمة وشرح على مضمون كتاب الفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” والمعنون ” الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية ” والذي صدر في نسخته الألمانية عام 1788 . وإن إطروحة ” ميشيل فوكو ” برمتها مناقشة لنص كانط ، وإن كان في شرحه متأثر بأراء الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” [238] . وهذه الإطروحة كانت بإشراف أستاذ ” فوكو ” القديم ” جان هيبوليت ” والذي كان متبحراً بتفاصيل الفلسفة الألمانية [239] .

4 – ولادة العيادة : حفريات في الإدراك الطبي

 هذا الكتاب نشر أولاً بالفرنسية عام 1963 ومن ثم ترجم إلى اللغة الإنكليزية سنة 1973 ، وموضوعاته لها علاقة بإطروحته للدكتوراه والتي صدرت في كتاب بعنوان ” الجنون والحضارة … ” . وفي كتابه ” ولادة العيادة .. ” يتتبع ” فوكو ” التطورات التي حدثت في مضمار العمل الطبي ، وخصوصاً المؤسسات الطبية (العيادات) والتي يقصد بها الطرف التعليمي من عمل المستشفيات ، والذي يدور حول مفهوم المعاينة الطبية [240] . وإن هذه الفكرة ستحتل حيزاً في كتابه اللاحق والذي سيحمل عنوان ” نظام الأشياء ” .

5 – الكلمات والأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية

  في عام 1966 ظهر بالفرنسية كتاب ” فوكو ” المعنون ” الكلمات والأشياء ” ومن ثم ترجم إلى الإنكليزية وبعنوان فيه إختلاف ” الكلمات والأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية ” [241] .

وفيه يستكشف ” فوكو ” الفترات التاريخية التي تحول فيها الإنسان إلى موضوع للمعرفة ، وكان هدفه وضع اليد على تراث الإنسانية وبالتحديد في طرف شروط الصدق في معرفة الإنسان ، وبيان ما هو مقبول من زاوية الخطاب العلمي . وجادل ” فوكو ” موضحاً بأن هذه الشروط الملازمة للخطاب العلمي قد تعرضت للتغيير والتبدل بصورة عامة ، كما إنها تغيرت من فترة أبستمولوجية وفترة أخرى [242] .

  ولعل المدهش حتى للفيلسوف ” فوكو ” إن هذا الكتاب كان من أفضل الكتب في قوائم البيع في فرنسا ، فمنحه سمعة قربته من العديد من الفلاسفة الفرنسيين في عصره ، ومن ثم ظهرت كتابات تصنفه من مدارس متنوعة من مثل البنيوية والوجودية [243]. ومن ثم رفض ” فوكو ” صياغة وتصنيف أفكاره في إطار هاتين المدرستين ، ودخل في صراع مع كل من ” سارتر ” و ” سيمون دي بوفوار ” واللذان هاجماه بعنف شديد ومن طرفه رد عليهما بهجوم نقدي ساخر [244] .

6 – حفريات المعرفة وخطاب اللغة

  وهذا الكتاب له قصة في النشر ، بدأت بنشر ” خطاب اللغة ” بالفرنسية عام 1971 أولاً ، ومن ثم ظهرت له ترجمة إنكليزية قام بها ” روبرت سوير ” في عام 1971 ذاته [245] . وبعد ذلك ظهرت له طبعة جديدة ، وكون ملحقاً من كتاب بعنوان ” حفريات المعرفة وخطاب اللغة ” [246] وطبع الملحق بحرف صغير مختلف عن حرف أجزاء ” حفريات المعرفة ” [247] مما سبب تعباً لرؤية القارئ وهو الجزء الذي نحتفل به من تفكير ” فوكو ” في هذا المقال وذلك لأن فيه جسور تقريب ومشاركة بين ” فوكو ” و ” نعوم شومسكي ” .

7 – الأخلاق : الذاتية والصدق

    في عام 1994 وبمناسبة مرور عشرة سنوات على وفاة الفيلسوف ” ميشيل فوكو ” قام ناشر أعماله بالفرنسية غليمار بإصدار أول مجموعة كاملة لأعماله ونشرها في ثلاثة مجلدات وبإشراف بول ربينو . ومن ثم قامت المطبعة الجديدة بطبع المجلد الأول والذي ضم ملخاصاته عن الفصول الدراسية التي كان يقدمها في الكلية الفرنسية وبالتحديد للفترة الممتدة من 1970 وحتى 1982 (إلا إنها ضمت أعمال تصعد إلى عام 1954) والتي لم تكن متوافرة باللغة الإنكليزية .

   والحقيقة إن هذا المجلد يكشف عن الخط التطوري لأفكار وكتابات ” فوكو ” وهي تضم مجالات من مثل السايكيتري (الطب النفسي) والبايوبوليتيك وموضوعات حديثة والقسم الثاني إحتوى على المقابلات التي أجراها وكتاباته الأساسية في الأخلاق ، ومن بين الأعمال التي ضمها هذا المجلد ” الأخلاق : الذاتية والصدق ” [248] .  وهو العمل الذي لم ير النور في حياة ” ميشيل فوكو ” .

8 – علم الجمال ، الميثدولوجيا (المنهج) والأبستمولوجيا

  وهذا الكتاب في حقيقته مجموعة مقالات نشرت في فترات سابقة ، وتقدمه مدخل كتبه ” جيمس فيبون ” [249] . وتألف من قسمين ؛ الأول درس فيه علم الجمال [250] . وتناول فيه ” الأب ” (لا) [251] ، والكلام والرؤية عند ريمون روسل [252]، ومدخل إلى محاورات روسو [253] ، إنها المعرفة القاسية [254] ، مدخل إلى الخطيئة [255] ، لغة إلى اللانهاية [256] … كما وخصص القسم الثاني لدراسة الطرائقية (المنهج) والأبستمولوجيا [257] . وبحث فيه موضوعات من مثل الفلسفة والسايكولوجيا [258] ، الكلمات والأشياء [259] ، نيتشه ، فرويد وماركس [260] ، في طرق كتابة التاريخ [261] ، في حفريات العلوم : إستجابة إلى دائرة الإبستمولوجيا [262] ، الجنون والمجتمع [263]

9 – في النقد الأدبي ” الموت والمتاهة : عالم ريمون روسل “

  وهو التجربة الوحيدة في مثل هذا الجنس من الإنشاء ، وخصصها ” ميشيل فوكو ” للشاعر والروائي الفرنسي ” ريمون روسل ” (1877 – 1933) . ونحسب إن إهتمام ” فوكو ” بالشاعر ” ريمون روسل ” يعود إلى إنه ” عينة سايكيترية ” ممتازة . فهو من طرف كاتب متفرد ومتنوع الإهتمامات ، فإضافة إلى كونه شاعر وروائي ، فهو كاتب مسرحي وموسيقي . ومن طرف أخر عانى من ” أزمة عقلية ” قادته إلى ” العيادة السايكيترية ” [264] . فمن المعروف إنه أخذ يتردد على الطبيب النفسي الفرنس الشهير ” بيير جانيه ” (1859 – 1947) وهو واحد من مؤسسي علم النفس الحديث (فهو يشارك الألماني ” ويلهلم فونت (1832 – 1920) والأمريكي ” وليم جيمس ” (1842 – 1910)) . وربما إهتم به ” فوكو ” كذلك بسبب موته التراجيدي ، فقد مات بتناوله جرعات زائدة من المخدرات [265]. وهذه قضية عاشها وإختبرها ” ميشيل فوكو ” كما بينا ذلك في الحديث عن سيرته الذاتية .

  من أهم أعمال ” ريمون روسل ” رواية بعنوان ” إنطباعات عن أفريقيا ” والتي تحولت إلى مسرحية . وقصيدته الشعرية الطويلة التي حملت عنوان ” إنطباعات جديدة عن أفريقيا ” والتي تألفت من 1274 بيتاً شعرياً [266] ، ولكل هذا وكتب وأعمال أخرى ، هي التي حملت ” ميشيل فوكو ” أن يخصص كتابه الوحيد في الأدب والنقد الأدبي والسيموطيقا للشاعر والروائي ” ريمون روسل ” . ومن الطرف السيموطيقي فإن هذا الكتاب يُقرب ” ميشيل فوكو ” كثيراً من عالم اللنكوستيك والسيموطيقا ” نعوم شومسكي ” .

10 – كتابات فوكو السياسية

  لقد أشرنا سابقاً إلى إنتماء ” ميشيل فوكو ” إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وبتأثير إستاذه ” التوسر ” ومن ثم إنفرطت علاقته بالحزب الشيوعي وغادره دون رجعة وإن ظل وفياً لإستاذه ” التوسر” . ومن المعلوم إن ” فوكو ” مس الطرف السياسي كثيراً في كتاباته المتنوعة وخصوصاً في كتابيه ” الحماقة والجنون … ” وكتابه المعنون ” الضبط والعقاب : تاريخ السجن ” [267] . ونحسب إنه من المهم في هذا المقام الإشارة إلى ” سلسلة محاضرات ” فوكو والتي حملت عنوان ” الأمن ، الأراضي والسكان والتي قدمها عامي 1978 و 1979 [268] . وكذلك يمكن التنبيه في هذا المضمار إلى مشروعه البحثي الذي حمل عنوان ولادة سياسات البايولوجيا (أو البايوبولتيك) [269] .

  وهذه أمثلة وشواهد على مشاغل ” فوكو ” في الطرف السياسي وهو الموضوع الفلسفي العتيد الذي نزل إليه وفقاً لكتابات الأدب السياسي التقليدي من إفلاطون ومحاورته الجمهورية الشهيرة وعصر بزوغ شمس الفلسفة السياسية [270] … وحسب ظننا إن الطرف السياسي في نصوص الأدب السياسي اليوناني تصعد إلى قرون عدة أبعد من عصر إفلاطون وتاريخ كتابته الجمهورية بزمن يتجاوز ذلك بقرون [271] .

  ومسك الختام الإشارة إلى إن الفيلسوف ” ميشيل فوكو ” مات في المستشفى ذاتها التي عمل فيها دراساته التي مهدت لكتابة رائعته الأولى والتي حملت عنوان ” الجنون والحضارة … ” فقد دخل المستفى في 9 حزيران عام 1984 وتوفي فيها في 25 حزيران من العام ذاته (أي عام 1984) . وكانت مناسبة دفن جثمانه إحتفالية خاصة ، فقد كان خلال المراسيم  يقرأ زميله الفيلسوف الفرنسي ” جيل دولوز ” مقطعاً من رائعة ” فوكو ” الشهيرة ” تاريخ الجنسانية ” في الوقت ذاته يوارى جثمانه بالتراب [272] .

    ومثلما إهتم ” نعوم شومسكي ” بالطرف اللنكوستيكي عند فيلسوف العقلانية الفرنسية ” رينيه ديكارت ” وبالتخصيص في كتابه المعنون ” اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني ” فإن ” ميشيل فوكو ” هو الأخر إهتم بطرف من العقلانية ، وهي ” عقلانية الألماني عمانوئيل كانط ” (1724 – 1804) وبالتحديد في كتابه ” مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط من زاوية براجماتية ” وهي بحثه للدكتوراه الثانية والذي قدمه عام 1961 [273] . وهذه الإطروحة من طرفها فيها الكثير من المقاربة بين شومسكي وفوكو عبر عقلانية ديكارت والعقلانية النقدية للفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” . وهناك إمكانية للتقارب بين مشروعي اللنكوستيك العقلاني بطرفيه الديكارتي والكانطي .

         كما إن هناك إهتمام مشترك بين الإثنين في مضماري اللنكوستيك والسيموطيقا (شومسكي) وحفريات اللغة وتحليل الخطاب (فوكو) .. ولا تنسى أطراف من الماركسية الغربية عند الإثنين تُشكل جسراً يربط بين شواطي التفكير الشومسكي والفوكي . ولعل كتاباتهما السياسية رغم التنوع والذي يعمل لصالح ” شومسكي ” فإن فيه درجات وحدود من التقريب بين الإثنين .

——————————————————————————-

الهوامش

 – أنظر ؛ نعوم شومسكي و ميشيل فوكو ؛ ” مناظرة بين شومسكي وفوكو حول الطبيعة الإنسانية ” بإشراف المفكر الهولندي ” فونز أليدرز ” ، [1]

(بالإنكليزية) ، المطبعة الجديدة – نيويورك 2006 ، التصدير الذي كتبه البروفسور جون راجمان ، ص 1 .  

 – واللنكوستيك (اللغويات) هي الدراسة العلمية للغة . واللنكوستيك يحلل اللغة الإنسانية من ثلاثة أطراف : الصوت والرمز (الإشارة) والمعنى . [2]

وتاريخياً ينسب العاملون في مضمار اللنكوستيك أولى المحاولات اللنكوستيكية إلى عالم النحو السنسكريتي ” بانيني ” (عاش 500ق.م) في الهند القديمة . وبانيني هو الذي قدم أول وصف للغة السنسكريتية في تاريخ اللنكوستيك ، وذلك من خلال صياغته قواعد النحو للغة السنسكريتية . كما وعرض تحليل للغة السنسكريتية من زاوية السنتاكس والسيمانطيقا . وفعلاً فإن عالم النحو السنسكريتي ” بانيني ” صاغ 3959 قاعدة نحوية .

  وإن هناك ثلاثة ميادين تركز عليها الدراسات اللنكوستيكية ، وهي :

أولاً – مضمار يدرس الأصوات المنطوقة من قبل المتكلم .

ثانياً – مضمار يدرس  التحولات الفيزياوية للصوت من المتكلم وإلى المستمع .

ثالثاً – مضمار يدرس إستقبال أصوات الكلام من قبل المستمع . للتفاصيل أنظر : فريست ستيل ؛ الكونيات : المنطق واللنكوستيك الهنديين (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1988 . وكذلك : ديفيد كريستل ؛ اللنكوستيك (بالإنكليزية) ، دار بنجوين للكتب 1990 .

 – أنظر : روبرت أويدي (الناشر) ؛ قاموس كيمبريدج للفلسفة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 (يتجاوز الألف صفحة) ، ص 138 [3]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الدول الفاشلة : سوء إستخدام القوة والإعتداء على الديمقراطية (مشروع الإمبراطورية الأمريكية) ، دار نشر كتب [4]

ميتروبوليتين 2006 (يتألف الكتاب من 314 صفحة) .

 – أنظر : نعوم شومسكي : 1 – إسرائيل ، هولكوست (المحرقة النازية) وضد السامية / حوار عام 1992 (أون لاين) . 2 – لماذا المفاوضات [5]

الفلسطينية الإسرائيلية تمثيلية  – مهزلة ، 2 سبتمبر (أون لاين) .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الدول الفاشلة … (مصدر سابق)[6]

 – أنظر للتفاصيل : كامبيل دونكن ؛ ” صوت العالم وكان شومسكي في القمة ” / الأخبار العالمية / صحيفة الكارديان في 29 مايس 2013 [7]

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ نعوم شومسكي : حياة المعارضة ، مطبعة ماسشيوست للتكنولوجيا 1998 ، ص 9  [8]

 – للتفاصيل أنظر : أليكسندر بيدار ؛ قاموس الأسماء الإشكنازية : إصولها ، تركيبها وتلفظها والهجرة ، إفتونيا 2001 [9]

 – أنظر : بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص ص 9 – 10 [10]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 11 [11]

 – للتفاصيل عن اللغة اليديشية ، أنظر : نيل جاكوبز ؛ اليديشية : مدخل لنكوستيكي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2005 [12]

 – أنظر : أمي كودمان ؛ حياة وزمن نعوم شومسكي / مقابلة (بالإنكليزية) ، 26 نوفمبر 2004 (أون لاين) .[13]

 – للتفاصيل أنظر : آحاد هعام ؛ الدولة اليهودية والمشكلة اليهودية (بالإنكليزية) ، ترجمة ليون سايمون ، الجمعية الأمريكية اليهودية للنشر 1912 .[14]

 – أنظر : شلمو أفينري ؛ ثيودور هيرزل وتأسيس دولة اليهود (بالإنكليزية) ، لندن 2013 .[15]

 – للتفاصيل أنظر : آحاد هعام ؛ المصدر السابق  [16]

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص 15 [17]

 – أنظر : جوليان جاكسن ؛ سقوط فرنسا والإحتلال النازي عام 1940 ، مطبعة جامعة أكسفورد 2003 [18]

 – نسبة إلى الرئيس الأمريكي الديمقراطي ” فرانكلين روزفلت ” (1882 – 1945) وهو الرئيس الثاني والثلاثين ، وتم إنتخابه أربع مرات ، وحكم[19]

أمريكا للفترة الممتدة من أذار عام 1933 وحتى وفاته في نيسان 1945 . وكان من الرموز السياسية الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين ، وقاد أمريكا خلال فترة الكساد الإقتصادي والحرب العالمية الثانية … لكثير من التفاصيل أنظر : ألين وينكلير ؛ فرانكلين روزفلت وصناعة أمريكا الحديثة (بالإنكليزية) ، دار نشر لونكمان 2006 .

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ نعوم شومسكي : حياة المعارضة (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا ، 1997 (237 صفحة) .[20]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 14 [21]

وإتحاد عاملات وعمال الخياطة العالمي ، هو من أكبر إتحادات العمل في الولايات المتحدة الأمريكية يومذاك ، وتأسس عام 1900 وضم في عام 1969 بحدود 250 ألف عاملة وعامل . وإقتصر أولاً على العاملات ومن ثم توسع ليضم العمال كذلك .  وكان الغالبية من العمال من المهاجرين اليهود والبولنديين والإيطاليين ، وممن كانت لهم ميول إشتراكية .. للتفاصيل أنظر : كيز تايلور ؛ نظرة إلى إتحاد العمال : تاريخ إتحاد عاملات الخياطة (بالإنكليزية) ، نييورك 1995 .  

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص 23 [22]

 – أنظر : نعوم شومسكي (والمشرف على النشر بيري بيتمان) ؛ نعوم شومسكي حول الفوضوية (بالإنكليزية) ، دار نشر اليسار والفوضوية 2005[23]

(الكتاب تألف من 256 صفحة) .

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص 17 وما بعد [24]

 – والفاشية هي شكل من أشكال السلطة القومية الراديكالية ، والتي إنبثقت في السنوات الأولى من القرن العشرين في أوربا . وفي الأصل تولدت [25]

الفاشية في إيطاليا ، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة . والفاشية مزجت سوية ” سياسات اليمين ” و ” مبادئ سياسات اليسار ” وهي تعارض الليبرالية والماركسية والنزعات المحافظة . وعلى هذا الأساس فإن الفاشية حلت محل اليسار واليمين في الطيف السياسي الأوربي . ويتطلع الفاشيون إلى توحيد شعوبهم من خلال دولة إستبدادية ، تعمل على إستقطاب الجمهور في مجتمع قوي يمتلك قياة تقود حركة سياسية ثورية ، وتهدف إلى الإعتراف بأن الشعب هو أساس السلطة في الإيديولوجيا الفاشية . والفاشية تتضمن عنف سياسي ، وحروب ، والإمبريالية تعني لديهم وسيلة لتجديد الشعب وقيادة قوية (مثل الرئيس الإيطالي موسليني) . كما تؤكد على شعب قوي له الحق في توسيع حدوده وضم أراضي الشعوب الضعيفة المجاورة … للتفاصيل أنظر : سابرين بليميرز ؛ فاشية العالم : موسوعة تاريخية (بالإنكليزية) ، كليفورنيا 2006 ، المجلد الأول .

-  والفوضوية حركة قديمة لها جذور تاريخية بعيدة في الحضارتين الصينية واليونانية ، إلا إنها في التعريف المتداول في الكتابات السياسية ، هي    [26]

فلسفة سياسية تُدافع عن مجتمعات ” بلا حكومات ” وتحكم ذاتها عن طريق ” مؤسسات تطوعية ” . وهناك من يرى ” إنها مؤسسات حرة خالية من أي شكل من أشكال الهرمية ” . والفوضوي يعتقد ” إنه لا حاجة ولا ضرورة إلى الدولة التي هي السبب وراء كل المشاكل والمآسي … وتاريخ الفوضوية يطوي تاريخ الإنسانية بحقبه المتنوعة … أما المدارس الفكرية للفوضية الكلاسيكية ، فهي الفوضوية المتبادلة ، الفوضوية الفردية ، الفوضوية الإجتماعية ، الفوضوية الإنتخابية … وهناك مدارس فكرية للفوضوية ما بعد الكلاسيكية ، منها ما بعد الفوضوية ، والفمنستية الفوضوية ، وما بعد الفوضوية اليسارية ، والرأسمالية الفوضوية .. وهذا يحتاج إلى مقال خاص . للتفاصيل أنظر : بول ماكليفلت ؛ الفوضوية والسلطة : مدخل فلسفي إلى الفوضوية الكلاسيكية (بالإنكليزية) ، إشكيت 2007 .

 – أنظر : بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص ص 21 – 22 [27]

 – المصدر السابق ، ص 47 [28]

 – أنظر المصدر السابق  [29]

 –  أنظر : نعوم شومسكي : حياة المعارضة (مصدر سابق) / القسم الخاص بعالم اللنكوستيك ” زيلخ هاريس ” .[30]

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ زيلخ هاريس : من اللنكوستيك الأمريكي وإلى الصهيونية الإشتراكية (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد بنسلفانيا للتكنولوجيا[31]

2011 (الكتاب يتألف من 376 صفحة) .

 – أنظر : زيلخ هاريس ” نحو اللغة الفينيقية (بالإنكليزية) ، سلسلة الإستشراق الأمريكية ، رقم 8 سنة 1936 [32]

 – أنظر: زيلخ هاريس ؛ تطور اللهجة الكنعانية : بحث في تاريخ اللنكوستيك (بالإنكليزية) ، سلسلة الإستشراق الأمريكية ، رقم 16 سنة 1939  [33]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ الصرف والتلفط (بالإنكليزية) ، دورية اللغة ، المجلد 22 ، العدد 3 ، عام 1946 ، ص ص 161 – 183 .[34]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ طرق اللنكوستيك البنيوي (بالإنكليزية) 1951 .[35]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ تحليل الخطاب (1952) ، منشور في ” أوراق في اللنكوستيك التحويلي والبنيوي ، نشرة سبرنك 1970 (ص ص 1 -[36]

30) .

 – أنظر: روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص ص 51 – 52 .[37]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ البنية المنطقية للنظرية اللنكوستية (بالإنكليزي ) ، نشرة سبرنكر 1975 (ويتألف من 592 صفحة) .[38]

 – زيلخ هاريس ؛ التحليل الخطي لتركيب الجملة (بالإنكليزية) (1962) ، دار هيكو وشركاؤه 1965 (يتألف من 70 صفحة) .[39]

 – زيلخ هاريس ؛ البُنى الرياضية للغة (بالإنكليزية) ، دار الناشرين للعلوم 1968 ( تألف من 230 صفحة) .[40]

 – زيلخ هاريس ؛ أوراق في اللنكوستيك البنيوي والتحويلي (بالإنكليزية) ، دار رايدل 1970 (850 صفحة) .[41]

 – زيلخ هاريس ؛ أوراق حول السنتاكس (بالإنكليزية) ، دار رايدل 1981 .[42]

 – زيلخ هاريس ؛ قواعد اللغة الإنكليزية المؤسسة على مبادئ رياضية (بالإنكليزية) ، دار نشر ويلي وأولاده 1982 (تألف من 429 صفحة) .[43]

 – أنظر : ميراث زيلخ هاريس : اللغة والمعلومات في القرن الواحد والعشرين (بالإنكليزية) ، شركة نشر جون بنيامين 2002 .[44]

 – زيلخ هاريس ؛ صورة المعلومات في العلم : تحليل للغة العصية (بالإنكليزية) (1991) ، دار نشر سبرنكر 1989 (يتألف من 590 صفحة) .[45]

الأمريكية ، سبتمبر 1994 ، ص ص 585 – 588 .

 – زيلخ هاريس ؛ نظرية اللغة والمعلومات : مشروع رياضي (بالإنكليزية) ، دورية اللغة ، المجلد 70 ، العدد 3 ، الجمعية اللنكوستيكية[46]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ تحولات المجتمع الرأسمالي (بالإنكليزية) ، شركة رومان والناشرين 1997 (256 صفحة) .[47]

 – أنظر : الكتاب الأحتفالي ” خلفيات تحليل اللغة الفوقية والتحويلية (مدخل إلى ميراث زيلخ هاريس) : اللغة والمعلومات في القرن الحادي [48]

والعشرين (بالإنكليزية) وبإشراف بروس نفين ، شركة نشر جون بنجامين 2002 ، وهو المجلد الأول / فلسفة العلم ، السنتاكس والسيمانطيقا) .

 – أنظر: روبرت روبنز ؛ تاريخ مختصر للنكوستيكا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إنديانا 1967 (تكون من 248 صفحة) .[49]

 – أنظر : نوث وينفريد ؛ في السيموطيقيا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إنديانا 1995 (تكون من 576 صفحة) .[50]

  ولكون هذا الكتاب مهم للقارئ العربي ودائرة الثقافة العربية على حد سواء ، أحاول تقديم عرض لفصوله بإيجاز شديد . تكون الكتاب من

1 – مدخل ناقش فيه ؛ السيموطيقا ، والتعددية في السيموطيقا ، وهل السيموطيقا علم أم حركة ؟ ، وبحث في مضمار السيموطيقا ، ومصادر السيموطيقا (ص ص 3 – 6) . 2 – ومن ثم بحث في قسم في غاية الأهمية وهو الأخطر في الكتاب ، وجاء بعنوان ” تاريخ السيموطيقا الكلاسيكية والحديثة ” ودرس فيه تاريخ السيموطيقا ، بيرس ، موريس و سوسور وأخرون (ص ص 9 – 77) . 3 – ودرس الإشارة والمعنى (ص ص 77 – 103) . 4 – وفي موضوع مهم جداً تناول ” السيمانطيقا والسيموطيقا ” (ص ص 103 – ومابعد) … 5 – ولعل الفصل البالغ الأهمية ، هو الفصل المعنون ” من البنيوية وحتى نص السيموطيقا ” (ص ص 292 – 305)

 – للإستشهاد أنظر مثلاً فيما يخص ” فوكو ” المحور المعنون ” ميشيل فوكو والتاريخ البنيوي للمعرفة ” (ص 303 وما بعد) والمحور المعنون [51]

” فوكو وتاريخ السيموطيقا ” (ص 305 وما بعد) . أنظر : نوث وينفريد ؛ المصدر السابق  .

 – أنظر : روي هاريس و ج . تايلور ؛ مؤشرات أساسية في الفكر اللنكوستيكي (1) : التقليد الغربي من سقراط وحتى سوسور (بالإنكليزية) ، [52]

مطبعة السايكولوجيا 1989 الفصل السادس عشر وبعنوان ” سوسور واللغة والفكر ” ص ص 209 – 224 .

 – أنظر : ماركريت كيس ؛ هنريخ زيمر القادم لوحده  (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة برنستون 1994 .[53]

 – أنظر : هرمان أولدنبيرك ؛ الكتب المقدسة (البوذية) (بالإنكليزية) ، ترجمة ماكس ميلر ، مطبعة كليمرندون – أكسفورد ، المجلد الأول 1896 ،[54]

المجلد الثاني 1892 .

 – أنظر : هرمان أولدنبيرك ؛ سجل تاريخي بوذي قديم ، ترجمة إنكليزية، الناشر وليمز ونةركيتا – لندن 1879 .[55]

 – أنظر : كارول ساندرز ؛ صُحبة كيمبريدج مع سوسور (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2004 ، الفصل الثاني والمعنون ” سنوات [56]

سوسور في باريس ” ، ص ص 30 – 44 .

 – أنظر : المصدر السابق [57]

 – أنظر : روي هاريس ؛ قراءة سوسور : شرح نقدي لكتاب ” فصل دراسي في اللنكوستيك العام (بالإنكليزية) ، مطبعة الكورت المفتوح – الينويوز[58]

1987 .

 – أنظر : سوسور ؛ فصل دراسي في اللنكوستيك العام (محاضرات عام 1916) إشراف شارلز بيلي و ألبرت سيشهاي وأخرون ، ترجمة دبليو [59]

بسكين ، غلاسكو 1977 .

 – كارول ساندروز  ؛ صحبة كيمبريدج مع سوسور (المصدر السابق)  [60]

 الموسوعة العالمية الجديدة ، نشرة عام 1905 ، مادة ” فايبر ” (بالإنكليزية) (أون لاين) .[61]

 – أنظر : هيك كيسهولم ؛ فرانز بوب (بالإنكليزية ) ، الموسوعة البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج  1911  العدد 11[62]

 – الموسوعة العالمية الجديدة ، (مصدر سابق) ، مادة ” رودلوف فون روث ” (بالإنكليزية) . [63]

 – للتفاصيل عن المدرسة الأمريكية في اللنكوستيك وخصوصاً عن عالم اللنكوستيك الأمريكي ” وليم وتني ” أنظر : جون أيرل جوزيف ؛ من وتني [64]

وحتى شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيك الأمريكي (بالإنكليزية) ، دار نشر جون بنجامين 2002 وتكون من تسعة فصول وبحدود 234 صفحة . وفيه إجابة عن سؤالنا كيف إتصل سوسور بعالم اللنكوستيك وليم وتني ؟ جاء الفصل الأول بعنوان ” الغموض المتنوع حول هوية المدرسة الأمريكية في اللنكوستيك ” ص ص 1 – 17 . والفصل الثاني وهو مهم جداً في علاقة ” سوسور” باللنكوستيكي الأمريكي ” وليم وتني ” وجاء بعنوان ” وتني الأمريكي وميراثه الأوربي ”  ص ص 19 – 46 . أما الفصل الثالث فبحث في ” لنكوستيك القرن العشرين في أمريكا وأوربا ” ص ص 47 – 70 . . وتلاه الفصل الرابع الذي درس في ” مصادر فرضيات ” سبير – ورف ” وأدور سبير (1884 – 1939) وبنجامين لي ورف (1897 – 1941) هم من الرموز المهمة في التطور المبكر لمضمار اللنكوستيك الأمريكي ” ص ص 71 – 106 . أما الفصل الخامس فإشتغل على ” إصول اللنكوستيك الإجتماعي الأمريكي ” ص ص 107 – 132 .ونحسب الفصل السادس من الفصول المهمة في بحثنا الحالي ، فقد كشف عن ” قراءات بلومفيلد وشومسكي لكتاب ” سوسور ” المعنون ” فصل دراسي في اللنكوستيك العام ” ص ص 133 – 156 . وبحث الفصل السابع في ” البنيوي والبنيوية الأمريكية ” ص ص 157 – 168 . وتحول الفصل الثامن نحو ضفاف ” السلوكي والسلوك اللفظي ” ص ص 169 – 180 . أما الفصل التاسع والأخير فكشف النقاب عن ” الشائع من التفسيرات الخاطئة عن بنجامين ورف ونعوم شومسكي ” و” ماهو المشترك بينهما ” وكيف ولماذا حدث ذلك ؟ ص ص 181 – 196 . وضم الكتاب مراجع ص ص 197 – 222 وفهارس ص 223 وما بعد .

 – للتفاصيل أنظر :[65]

أ – ستيفن ألتر : وليم وتني وعلم اللغة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز 2005 .

ب – جون أيرل جوزيف ؛ وتني الأمريكي وميراثه الأوربي / منشور في كتاب ؛ من وليم وتني وحتى نعوم شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيك الأمريكي ، دار نشر جون بنجامين 2002 ، ص ص 19 – 47 . 

 – هل فعلاً هناك مدرسة لنكوستيكية أمريكية ؟ سؤال واجه الباحث ” جون أيرل جوزيف ” وهو يبحث وينقب عن ملامح هذه المدرسة ، والحقيقة [66]

كان ” جوزيف ” أميناً جداً فقد تردد مرات كثيرة في الحديث عن مدرسة أمريكية لنكوستيكية ، ولعل الشهادة على ذلك يُقدمها الفصل الأول من كتابه المعنون ” من وتني وحتى شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيك الأمريكي ” وهو الفصل الذي جاء بعنوان صريح ” الغموض المتنوع حول هوية المدرسة الأمريكية اللنكوستيكية ” (مصدر سابق ، ص ص 1 – 17) . وتساءل المؤلف ” جوزيف ” عن هوية الطرف الأمريكي في عبارة ” اللنكوستيك الأمريكي ” . وفي تقديم الحجة تساءل مرة أخرى ” هل إن جاكبسون الذي صرف نصف حياته في أمريكا ، هو جزء من حركة اللنكوستيكين الأمريكية ؟ وبالمناسبة إن ” رومان جاكبسون (1896 – 1982) هو عالم اللنكوستيك الروسي – الأمريكي ، وهو من رواد التحليل البنيوي للغة ، وهو رمزاً كبيراً فرض هيمنته في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين … أنظر للتفاصيل : أي . هولنستاين ؛ مشروع جاكبسون للغة : البنيوية الفينومنولوجية ، مطبعة جامعة إنديانا 1975) وتساءل ” جوزيف ” ” كيف تحول مفهوم ” وليم وتني ” الحقيقي للغة إلى مفهوم للديمقراطية ؟ ” ” وكيف تطورت اللنكوستيكيات الأمريكية في القرن العشرين ؟ ” . ” وما علاقة هذه التطورات اللنكوستيكية الأمريكية بالنزعات الثقافية الحادثة خارج أمريكا ؟ ” . وهذا الكتاب هو تجربة بحثية إنجزها ” جوزيف ” لفترة إمتدت خمسة عشر عاماً ، والتي إكتشف من خلالها اللقاء الذي حدث بين ” وليم وتني ” و ” سوسور ” . كما وكشف فيها إصول فرضيات كل من ” سبير وورف ” واللنكوستيك الإجتماعي ، وتحديده لقراءات كل من بلومفيلد وشومسكي لسوسور . ومن ضن ما إكتشفه ، هو ” لماذا البنيوية الأمريكية لم تنتهي مع شومسكي ، وإنما بدأت معه ؟ وكيف نجح بلومفيلد في في قراءة سوسور كسلوكي ؟ ولماذا تجلى سكينر منتصراً على شومسكي ؟ … وكيف كانت مناقشة وتني وماكس ميلر في القرن التاسع عشر وعلاقتها بالإختلافات بين كتابات شومسكي اللنكوستيكية وكتاباته السياسية ” … أنظر : جون أيرل جوزيف ؛ المصدر السابق .

 – أنظر : جورجينا ميلر ؛ حياة ورسائل ماكس ميلر (بالإنكليزية) ، دار نشر لونكمان 1902 ، المجلد الأول .[67]

 – أنظر المصدر السابق [68]

 – أنظر : ستيفن ألتر ؛ المعركة مع ماكس ميلر / وليم وتني ، مطبعة جامعة جون هوبكنز 2005 ، ص ص 174 – 207 .[69]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ البُنى السنتاكسية (بالإنكليزية) ، دار نشر ماوتن وشركاؤه ، 1957 (ويتألف من 117 صفحة) .[70]

 – أنظر للتفاصيل : روبرت هول ؛ ليونارد بلومفيلد : مقالات في حياته وأعماله (بالإنكليزية) كتاب جماعي ، دار نشر جون بنجامينز – فيلادلفيا[71]

1987 .  

 – أنظر : ليونارد بلومفيلد ؛ اللغة (بالإنكليزية) ، دار نشر موتيلا باتريسايد 1994 (ويتألف من 566 صفحة) .[72]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ موضوعات حول النحو التوليدي (بالإنكليزية) ، دار نشر والتر ودي كروتير 1966 (تألف من 95 صفحة) .[73]

 – أنظر : الإكسندرا روثرفورد ؛ ما وراء الصندوق : المذهب السلوكي التكنولوجي لسكينر من المختبر إلى الحياة (الخمسينات – السبعينات من [74]

القرن العشرين) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة تورنتو 2009 .

 – أنظر ” نعوم شومسكي ؛ السلوك اللفظي عند سكينر ، دورية اللغة ، المجلد 35 ، العدد 1 سنة 1959 ، ص ص 26 – 58 [75]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج – نيويورك 2009 [76]

(تكون من 164 صفحة) .

 – تم الإستشاهد به في ثنايا البحث الحالي .[77]

 – أنظر : هانز أرسيلف ؛ تاريخ اللنكوستيك والبروفسور شومسكي (بالإنكليزية) ، مجلة اللغة / المجلد 46 سنة 1970 / العدد 3 ، ص ص 570 [78]

- 585 .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الواجهات المتنوعة لنظرية السنتاكس (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا 1969 (وتكون من 261 [79]

صفحة) .

 أنظر للتفاصيل عن النحو التوليدي كمشروع دراسة للسنتاكس ؛ نعوم شومسكي ؛ الواجهات المتنوعة لنظرية السنتاكس ، مطبعة معهد ماسشيوست -[80]

للتكنولوجيا 1965 (مصدر سابق) .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ موضوعات حول نظرية النحو التوليدي (بالإنكليزية) ، دار نشر والتر دي كروتير 1966 (وتألف من 95 صفحة) .[81]

 أنظر : نعوم شومسكي ؛ اللغة والعقل (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2006 والكتاب في الأصل نشرت منه فصول في عام 1960 . -[82]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ مسؤلية المفكرين ، نشرت في ملحقاً خاصاً في مراجعات نيويورك للكتب في 23 شباط 1967 .[83]

 – للتفاصيل أنظر : ثيودور ماسيمو (الناشر المشرف) ؛ اليسار الجديد : تاريخ توثيقي (بالإنكليزية) ، دار نشر جونثان كب – لندن 1970 .[84]

واليسار الجديد هي حركة سياسية نشأت في بريطانيا وأمريكا خلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين وهي معارضة لليسار الماركسي ، ويُعد الفيلسوف الماركسي ” هربرت ماركوز ” الأب الروحي لحركة اليسار الجديد ، وهو من الرموز الكبيرة لمدرسة فرانكفورت .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ المصدر السابق . وبالمناسبة إن الفيلسوفة الأمريكية – الألمانية ” حانا إرنديت ” قد كتبت مدخلاً لكتاب ” ديوايت  [85]

مكدونالد ” المعنون ” السياسات ” والذي نشر أولاً مراجعة في ” مراجعات الكتب / نيويورك (هي مجلة نصف شهرية) 1 آب 1968 .  

 – المصدر السابق [86]

 – المصدر السابق [87]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ البنية المنطقية للنظرية اللنكوستيكية (بالإنكليزية) ، دار نشر سبرنكر 1975 (تكون من 592 صفحة) .[88]

أنظر : نعوم شومسكي ؛ معرفة اللغة : طبيعتها ، إصولها وتداولها (بالإنكليزية) ، مطبعة جماعة كرين وود للنشر 1986 (تكون الكتاب من 307 -[89]

صفحة) .

 – أنظر : روث ناندا أنشين ؛ الحرية : معانيها (بالإنكليزية) ، دار نسر بيرس وشركاؤه 1940 ( وتكون من 686 صفحة) .[90]

 – أنظر : روث ناندا أنشين ؛ تشريح الشر (بالإنكليزية) ، دار نشر موير بيل 1985 (تكون من 212 صفحة) .[91]

 – أنظر : روث ناندا أنشين ؛ اللغة : بحث في معناها ووظيفتها (بالإنكليزية) ، وهي من سلسلة علم الحضارة ، دارنشر هاربر 1957 (تكون من [92]

366 صفحة) وخصوصاً الفصل المعنون ” اللغة كفكرة ” ص ص 3 – 17 ، وطبيعة اللغة ، ص ص 18 – 40 ، ووظيفة اللغة ، ص ص 41 وما بعد

 – للمزيد من التفاصيل أنظر الصفحات السابقة .[93]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ حول الفوضوية ومقالات أخرى ، دار أقرأ كما تريد 2013 ( تكون من 500 صفحة) .[94]

 – أنظر : بيتر بروك ويانك نايجل ؛ الحركة السلمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة سيراكيوز – – نيويورك 1999 .[95]

 – خلال مكوث ” تروتسكي ” في منفاه في المكسيك ، أقام علاقات وثيقة بما سمي باليسار الثوري الأمريكي ، وبشكل خاص بجماعة من قيادي [96]

حزب العمال الإشتراكي الأمريكي من أمثال ” جيمس كانون ” (1890 – 1974) وهو قائد الحزب وفي حقيقته كان تروتسكياً أمريكياً ، وقبل ذلك كان عضواً في الحزب الشيوعي الأمريكي . ومن أهم مؤلفاته ، كتابه المعنون الثورة الأمريكية قادمة (دار نشر مطبعة الرواد – نيويورك 1947) . و” جوزيف هانس ” (1910 – 1979) وهو ” تروتسكي أمريكي ” ومن قيادي حزب العمال الإشتراكي الأمريكي ، وعمل سكرتيراً وحارساً شخصياً لتروتسكي من سنة 1937 ولمدة ثلاث سنوات . وكذلك ” فيرل دوبز ” (1907 – 1983) وهو تروتسكي أمريكي ومؤرخ وسياسي … للتفاصيل أنظر : بلامر براين ؛ جيمس كانون وإصول اليسار الثوري الأمريكي (1980 – 1928) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إلينويز 2007 .

 – للتفاصيل عن حياة ” تروتسكي ” وتفكيرة ، أنظر : إرنست ماندل ؛ تروتسكي وديناميكية تفكيره (بالإنكليزية) ، دار شوكن للكتب – نيويورك  [97]

1979 .

 – أنظر : كيفن ماتسن ؛ المفكرون في فعل : إصول اليسار الجديد والنزعة التحررية الراديكالية (1945 – 1970) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة  [98]

ولاية بنسلفانيا 2002 ، ص 34 .

 – للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة فرانكفورت وإتجاهاتها الفكري ، مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد 3 ، العدد 6 ، ربيع[99]

2012 .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ ماذا يريد العم سام حقيقة : قصص حقيقية (بالإنكليزية) ، مطبعة أودنين 1992 (تكون من 111 صفحة) .[100]

 – الدكتور : محمد جلوب الفرحان ؛ خطاب أخر الليل في نعي ديمقراطية العم سام ، موقع الفيلسوف / 4 يوليو 2013 . وأنظر الدكتور محمد جلوب[101]

الفرحان ؛ وجع فلسفي خاص من ديمقراطية العم سام / ميموار فلسفي / الحلقة 12 / 11 نوفمبر 2011 .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ ماذا يريد العم سام (مصدر سابق) .[102]

 – أنظر المصدر السابق [103]

 – أنظر المصدر السابق [104]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ أفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل (بالإنكليزية) ، تصدير نيل سميث ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2000 (تكون من [105]

250 صفحة) .  

 – أنظر المصدر السابق [106]

 – أنظر المصدر السابق [107]

 – للتفاصيل أنظر : جون أيرل جوزيف ؛ من وليم توني وحتى نعوم شومسكي … (مصدر سابق) .[108]

 – هناك فصل في غاية الأهمية فيه بيان عن العلاقة بين ” الفيللوجيا واللنكوستيك ” ، للتفاصيل أنظر : إي . أف . كورنر ؛ مقالات في تاريخ [109]

اللنكوستيك : طرق وموديلات في اللنكوستيك (بالإنكليزية) ، نشرة جون بنجامينز 1989 (تكون من 454 صفحة) .

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ حياة ميشيل فوكو (بالإنكليزية) ، دار هيتشسن – لندن 1993 ، ص 3 [110]

 – المصدر السابق [111]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ الإعتداء وأتكون مثلياً (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ديوك 2004 (وخصص المؤلف 150 صفحة من الكتاب[111]

للحديث عن حياة ” ميشيل فوكو ” وأعماله .

 – أنظر المصدر السابق [112]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 5 [113]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 4  [114]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ عاطفة ميشيل فوكو (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة هارفارد 2000 (تكون من 496 صفحة) وهو سيرة ذاتية فيها الكثير [115]

من التفاصيل عن حياته المبكرة …

 – المصدر السابق [116]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 8 – 9 [117]

 – المصدر السابق ، ص 7 [118]

 – أسس مجتمع المسيح (الجزويت) الفارس الأسباني ” إغناطيوس دي لويلا ” (1491 – 1556) في 15 أب 1537 .. للتفاصيل أنظر : هيرو[119]

هوبفي ؛ الفكر السياسي للجزويت : مجتمع المسيح والدولة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2004 .

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 39 – 40 [120]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 10 [121]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 13 [122]

 – أنظر : ميشيل فوكو : الفيلسوف الفرنسي ، كلية الدراسات العليا الأوربية (مقال) (أون لاين) .[123]

 – أنظر : توماس بالدوين ؛ مدخل إلى مارلوبونتي وعالم الإدراك الحسي (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 2008 .[124]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 11 وما بعد [125]

  – أنظر ؛ جين هيبولت ؛ إصول وبنية فينومنولوجيا الروح عند هيجل (بالإنكليزية) ، ترجمه من الفرنسية  كل من صامويل شيرماك وجون [126]

هيكمان  ،  مطبعة جامعة ويست نورثن 1979 (تكون من 609 صفحة) .  

 – المصدر السابق [127]

 – أنظر : كري كينك ؛ كانكايهلم وتاريخ العلم (فصل في كتاب فوكو : أركيولوجيا العقل العلمي : العلم وتاريخ العقل ) ، مطبعة جامعة كيمبريدج [128]

1989 ، ص ص 32 – 52

 أنظر : بيير ماكسيم ساهيل ؛ مقالة حول تكوين الفكر اليوناني : مدخل تاريخي لدراسة الفلسفة الإفلاطونية (بالفرنسية) وهي إطروحة دكتوراه  – [129]

كتبها للفترة (1934 – 1949)  

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 55 [130]

 – أنظر : أر . أي . كاندل ؛ البحث في الذاكرة : ظواهر العلم الجديد للعقل ، نورتن 2007 [131]

 _ أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 55 – 56 [132]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 46 [133]

 – أنظر : غاستون باشلار ؛ الروح العلمية الجديدة ، ترجمه إلى الإنكليزية أ . كولدامر ، دار نشر بيكون 1986 (تكون من 214 صفحة) .[134]

 - أنظر : غوستاف باشلار ؛ فلسفة لا : فلسفة العقل العلمي الجديد ، ترجمه إلى الإنكليزية ج . س . وترستون ، مطبعة أورين – نيويورك 1968 .[135]

 – أنظر : غاستون باشلار : العلم والموضوعية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1985 ( تكون من 268 صفحة) .[136]

 – أنظر : غاستون باشلار ؛ صياغة العقل العلمي : مساهمة في التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية ، ترجمه إلى الإنكليزية ماري ماكلستر [137]

جون ، دار نشر كلنمان 2002 (تكون من 258 صفحة) .

 – أنظر : أف . دوجنت ؛ غاستون باشلار / منشور في قاموس السيرة العلمية (بالإنكليزية) ، دار نشر سكرنبر وأولاده – نيويورك 1970 ،[138]

  ص ص 365 – 366 .

 – أنظر : فيرنر هايزنبيرك ؛ المواجهة مع إينشتاين : ومقالات أخرى حول الناس والأماكن والجزئيات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة [139]

برنستن 1993 (تكون من 141 صفحة) .

 – للتفاصيل أنظر : دومنيك ليكورت ؛ الماركسية والأبستمولوجيا : باشلار ، كانكايلهم وفوكو (بالإنكليزية) ، نشرة دار كتب اليسار – لندن 1975 .[140]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 60 – 61 [141]

 – أنظر : بول روبرت ريسش ؛ التوسير وتجديد النظرية الإشتراكية الماركسية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا – براكلي 1992 .[142]

 – أنظر للتفاصيل : وليم لويس ؛ التوسير وتقاليد الماركسية الفرنسية (بالإنكليزية) ، دار نشر كتب ليكسنكن 2005 .[143]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 51 – 55 [144]

 – أنظر للتفاصيل : رومان بريكمان ؛ الفايل السري لجوزيف ستالين : الحياة الخفية (بالإنكليزية) ، دار نشر فرانك كيس 2001 .[145]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 39 – 40 [146]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 61 [147]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 45 – 46 [148]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 61 [149]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 50 [150]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 47 [151]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 56 [152]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 61 – 62[153]

 – أنظر : إي . إسراتين ؛ إيفان بافلوف : حياته وأعماله (بالإنكليزية) ، دار النشر باللغات الأجنبية ، موسكو 1953 .[154]

 – أنظر : جان بياجيه ؛ السايكولوجيا والأبستمولوجيا : نحو نظرية المعرفة (بالإنكليزية) دار نشر بنجوين 1977 .[155]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز ، مجلة أوراق فلسفية جديدة [156]

المجلد الخامس ، العدد العاشر ، ربيع 2013 .

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 41 وما بعد ، وكذلك : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 56 وما بعد [157]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص30  ، وكذلك : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 62 – 63  [158]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 89 وما بعد [159]

 – أنظر : فردريك نيتشه ؛ الملاحظات الغريبة ، ترجمها وكتب لها مدخل ريتشارد كري (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ستانفورد 1995 ،  [160]

(تكون الكتاب من 432 صفحة) .

 – أنظر : إيربون إيدير ، المصدر السابق ، ص 52 [161]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 64 – 65 [162]

 – للتفاصيل أنظر : رونان ماكدونالد (المشرف والناشر) ؛ مدخل كيمبريدج إلى صامويل بيكت (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2007 .[163]

 – أنظر : إرنست كارل بوهلير ؛ ” التحليل الوجودي والتحليل النفسي : الإختلافات النوعية والعلاقة الشخصية بين لودفيغ بنسونكر وسيجموند [164]

فرويد (بالإنكليزية) ، المجلة الأمريكية للعلاج النفسي / المجلد 58 / العدد الأول سنة 2004 ، ص ص 34 – 50 .

 – أنظر : هربرت شبيكلبيرك ؛ الفينومنولوجيا في علم النفس والسايكليتري (الطب النفسي) (بالإنكليزية) 1972 ، ص 197 .[165]

 – أنظر : أوتو فينشيل ؛ نظرية التحليل النفسي للعصاب (بالإنكليزية) ، لندن 1946 ، الصفحات 416 ، 598 .[166]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 76 .[167]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 76 – 77  [168]

 – أنظر : مي تود ؛ علاقة فوكو بالفينومنولوجيا ” ، منشور في كتاب ؛ في صحبة كيمبريدج مع فوكو، مطبعة جامعة كيمبريدج 2007 ، ص  [169]

287 .

 – وما بعد البنيوية ، هو عنوان صاغه الأكاديميون الأمريكيون ليدلل على أعمال مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين وأصحاب النظريات النقدية [170]

والتي هيمنت كتاباتهم في العلوم الإنسانية خلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين ، وبالتحديد في مضمار اللنكوستيك البنيوي ، من أمثال الفيلسوف الفرنسي ” جاك دريدا ” (1930 – 2004) و” ميشيل فوكو ” و ” جوديث بتلر ” (1956 – 58 عاماً) . للتفاصيل أنظر : لورنس كريتزمان (المشرف والناشر) ؛ تاريخ كولومبيا للفكر الفرنسي في القرن العشرين (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كولومبيا 2005 ، ص ص 92 – 93

 – للتفاصيل أنظر : جوسي جوبلهرم ماركيور ؛ فوكو (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1987 ، الصفحات 141 ، 119 ، 108 [171]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الفوضوية (مصدر سابق) .[172]

 – ما بعد الحداثة  ، هي حركة ظهرت في أواخر القرن العشرين ، وهي في الأصل حركة إنفصلت من الحداثة ، وتشمل تأويلات ذات طابع[173]

شكي في الثقافة ، والأدب والفن والفلسفة والتاريخ والإقتصاد والعمارة والرواية والنقد الأدبي والموسيقى . وعادة إرتبطت بالتفكيكية وما بعد البنيوية ، وهي إنبثقت مع بزوغ شمس ما بعد البنيوية في القرن العشرين ، وهي رد فعل ضد نزعات الحداثة . للتفاصيل أنظر : بيري أندرسن ؛ إصول ما بعد الحداثة (بالإنكليزية) ، دار نشر فيرزو – لندن 1998 (يتكون من 143 صفحة) .

 – أنظر : لويس ألتوسير : ماركس وقراءة رأس المال ، ترجمه إلى الإنكليزية بن بريوستر ، دار نشر كتب اليسار الجديد 1961 [174]

 – أنظر : وليم لويس ؛ لويس ألتوسير (بالإنكليزية) ، موسوعة ستانفورد الفلسفية 2009 (أون لاين) .[175]

 – أنظر المصدر السابق [176]

 – أنظر : لويس وليم ؛ لويس ألتوسير وتقاليد الماركسية الفرنسية (بالإنكليزية ) ، دار كتب ليكسنكتن 2005 [177]

 – أنظر للتفاصيل : أليسن إسستر ؛ التوسير والبنيوية (بالإنكليزية) ، المجلة البريطانية للسوسيولوجيا ، لندن 1984 ، المجلد 25 ، العدد الثاني ،[178]

ص ص 272 – 296 .

 – أنظر : أليكس كلينكوس ؛ ماركسية ألتوسير (بالإنكليزية) ، مطبعة بلتو – لتدن 1976 .[179]

 – والسيموطيقا وهي في الأصل دراسة تولدت في أحضان علم المنطق المعاصر وبالتحديد مع البراجماتي الأمريكي ” تشارلز بيرس ” ومن ثم   [180]

أخذت مع عالم المنطق الألماني ” رودلوف كرناب ” بعداً تخصصياً في مبحث منطق اللغة والذي ركز على دراسة اللغة من ثلاثة زوايا وهي السنتاكس الذي بشتغل على الرموز والسيمانطيقا والتي تشتغل على المعاني التي تتولد من إرتباط الرموز والبراجماطيقا والتي تدرس البعد الإجتماعي للغة …. أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : رودلف كرناب فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث ،  العدد السادس ، ربيع 2012 .  

 – أنظر : جيفري بينكتون ” جاك دريدا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1993 .[181]

 – أنظر : لورنس كرتزمان (المشرف الناشر) ؛ تاريخ كولومبيا للفكر الفرنسي في القرن العشرين ، مطبعة جامعة كولومبيا 2005 ، ص ص[182]

92 – 93 .

 – أنظر : فينست ليش ؛ مابعد الحداثة : الأثار المحلية والعيوب العالمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ولاية نيويورك 1996 ، ص 27 .[183]

 – أنظر : جاك دريدا : ” سلطة القانون ” في كتاب : التفكيكية وإمكانية العدالة  (الناشرون دركيلا كوريل وآخرون) ، ترجمة ماري كونتيتس [184]

روتليدج – نيويورك 1992 ، ص ص 3 – 67 .

 – أنظر : روزلاند موريس ؛ ميراث دريدا : الإنثروبولوجيا ، دورية المراجعة الإنثروبولوجية ، 2007 المجلد 36 ، ص ص 355 – 389 .[185]

 – أنظر للتفاصيل : جشوا كيتس ؛ التاريخ الجوهري : جاك دريدا وتطور التفكيكية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ويسترن الشمالية 2005 .[186]

 – أنظر : برجيت بوسش ؛ الذخيرة اللنكوستيكية (بالإنكليزية) ، مجلة اللنكوستيك التطبيقي ، مطبعة جامعة أكسفورد 2012 [187]

 – أنظر : أديث إيسش ومارتين سولي (الناشران) ؛ اللنكوستيك السوسيولوجي في التربية اللغوية وفي نصوص عالمية (بالإنكليزية) ، دار[188]

نشر بيتلا لانك 2012 ، ص ص 31 – 46 .

 – أنظر : جاك دريدا ؛ معارضات التحليل النفسي ، ترجمه إلى الإنكليزية بكي كاموف وأخرون ، مطبعة جامعة ستانفورد 1998 .[189]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ تاريخ الجنون ، ترجمه إلى الإنكليزية جونثان مورفي ، دار نشر روتليدج 2009 (تكون من 776 صفحة) .[190]

 – أنظر : جين ويهل ؛ الفلسفات التعددية في إنكلترا وأمريكا (بالإنكليزية) ، نشر شركة الكورت المفتوح 1925 .[191]

 – أنظر : جاك دريدا ؛ مشكلة إصول فلسفة هوسرل (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 2003 .[192]

ونحسبُ ليس هناك مشكلة في ردنا على الفيلسوف ” جاك دريدا ” إذا ما قرأنا فلسفة هوسرل في ضوء مؤلفات الفيلسوفين ” برنارد بولزانو و فرانز برنتانو . ففيهما الكثير من إصول فلسفة هوسرل . أنظر الهامش رقم 194  .

 – أنظر : جاك دريدا ؛ مدخل إلى إصول الهندسة عند هوسرل ، ترجمة جون ليفي ، مطبعة جامعة نبراسكا 1989 (تكون من 205 صفحة) . [193]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفلسفة والعلم في تفكير الوجودي الألماني كارل ياسبرز (كتاب) مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد 6 /[194]

العدد 13 شتاء – ربيع 2014 ، الفصل الخامس والمعنون ” فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية ، ص ص 77 – 90 ، وأنظر الفصل السادس والمعنون ” مساهمة فرانز برنتانو في بيئة كارل ياسبرز الثقافية والأكاديمية ” ، ص ص 91 – 102 ، وقارن الفصل السابع والمعنون ” مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي ” ، ص ص 103 – 115 .

 – أنظر : جاك دريدا ؛ الكتابة والإختلاف (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1978 (تكون من 342 صفحة) [195]

 – أنظر : ريتشارد ماكسي ويوجين دونتو ؛ جدل حول البنيوية : لغة النقد وعلوم الإنسان (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز 2007 .[196]

 – أنظر المصدر السابق [197]

 – أنظر : جاك دريدا ؛ الكتابة والإختلاف (مصدر سابق) .[198]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ نظام الأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية ، ترجمة بربارا كيبفر  ، دار رندم 1970 (تكون من 389 صفحة) .[199]

 – ميشيل فوكو ؛ حفريات المعرفة ، ترجمة شيردين سميث ، روتليدج – نيويورك 2002 .[200]

 – ميشيل فوكو ؛ الكتابة والإختلاف (مصدر سابق) ، ص 102 [201]

 – أنظر المصدر السابق [202]

 – جاك دريدا ؛ الكرامتولوجي ، ترجمة كايترايا شيكروفرتي ، نشرة مطبعة جامعة جونز هوبكنز (تألف من 360 صفحة) .[203]

 – جاك دريدا ؛ الكلام والظاهرة ومقالات أخرى عن نظرية هوسرل في الإشارات ، ترجمة ديفيد أليسن ، مطبعة جامعة ويسترن الشمالية 1989 ،[204]

(تكون من 166 صفحة) .

 – أنظر : ريتشارد جينكلز ؛ بيير بورديو (بالإنكليزية) ، دار روتليدج – نيويورك 2002 .[205]

 – أنظر : بيير بورديو ؛ التأملات الباسكلية ، ترجمة ريتشارد نايس ، مطبعة جامعة ستانفورد 2000 (تكون من 264 صفحة) .[206]

 – أنظر : أدموند هوسرل ؛ التأملات الديكارتية : مدخل إلى الفينومنولوجيا ، ترجمة دورين كايرنز ، دار نشر سبرنكر 1970 (تكون من 157 [207]

صفحة) .

 – أنظر : رينيه ديكارت ؛ تأملات في الفلسفة الأولى ، ترجمة جون فيتش ، 1901 ، وكذلك : ج . كوتنكهام (الناشر) ؛ تأملات في الفلسفة الأولى[208]

مع مختارات ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1986 .

 – أنظر : بيير بورديو ؛ التمييز : النقد السوسيولوجي وحكم الذوق ، ترجمة ريتشارد نايس ، دار روتليدج – نيويورك 1984 .[209]

 – أنظر : بيير بورديو ؛ الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر ، ترجمة بيتر كولير ، مطبعة جامعة ستانفورد 1991 (تكون من 138 صفحة) .[210]

 – أنظر : بيير بورديو؛ اللغة والسلطة الرمزية ، ترجمة كينو رايموند وماثيو أدمسن ، مطبعة جامعة هارفارد 1991 (وتكون من 302 صفحة) .[211]

 – أنظر : بيير بورديو ، مونيك مارتين وجين بيرسون ؛ الخطاب الأكاديمي : سوء فهم اللنكوستيك والسلظة المهنية ، ترجمة ريتشارد تيسي ، [212]

مطبعة جامعة ستانفورد 1994 (تكون من 144 صفحة)  

 – أنظر : بيير بورديو ؛ العقل العملي : حول نظرية الفعل ، ترجمة راندل جونسن ، مطبعة جامعة ستانفورد 1998 (تكون من 153 صفحة) .[213]

 – أنظر : بيير بورديو ؛ شرف الدولة : المدارس النخبوية في ميدان السلطة ، ترجمة لورتا كلوف ، مطبعة ستانفورد 1998 (تكون من 504 [214]

صفحة) .

 – أنظر : بيير بورديو ؛ أفعال المقاومة : ضد دكتاتورية السوق ، ترجمة ريتشارد نايس ، المطبعة الجديدة 1999 (تكون من 108 صفحة) .[215]

 – أميل دوركهايم هو الفيلسوف الفرنسي وعالم الإجتماع الشهير ، والذي يُعدُ الأب الحقيقي لعلم الإجتماع الحديث (ويُشاركه في هذه الأبوة كل من [216]

كارل ماركس (1818 – 1883) وماكس فايبر (1864 – 1920) . ومن أهم مؤلفات دوركهايم ” تقسيم العمل في المجتمع ” والذي صدر عام 1892 ، وهو إطروحته للدكتوراه . ومن مؤلفاته التي نشعر إنها مارست تأثيراً على ميشيل فوكو ، هو كتابه المعنون الإنتحار والذي نشر عام 1897 … للتفاصيل أنظر : ستيفن لوكس ؛ أميل دوركهايم : حياته وأعماله (دراسة نقدية – تاريخية) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ستانفورد 1985 .

 – ماركريت ميد هي عالمة الإنثربولوجيا الأمريكية ودرست تحت يد إثنين من رواد الإنثربولوجيا في جامعة كولومبيا ،الأول فرانز بوس (1858 [217]

- 1942) والثانية روث بنديكت (1887 – 1948) ومن ثم حصلت ماركريت ميد على الماجستير (1924) والدكتوراه (1929) من جامعة كولومبيا . وكانت لها علاقة وصحبة بعالم اللنكوستيك ” أدور سبير ” . ومن أهم مؤلفاتها : ” الذكر والأنثى : دراسة كلاسيكية في الجنس ” (1949) . ونحتفل بها بالإضافة إلى الإنثروبولوجيا ، ككاتبة في مضمار السيموطيقا ، وهو المضمار الذي يشدها بقوة إلى كل من ” ميشيل فوكو ” و” نعوم شومسكي ” . للتفاصيل أنظر : 1 – جين هاورد ؛ ماركريت ميد : الحياة (بالإنكليزية) ، دار سايمون وشوستر 1984 . 2 – توماس ألبرت سيبوك ؛ السيموطيقا العالمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إنديانا 2001 ، من المدخل (ص 13) والفصل الأول ( ص ص 1- 16) . 

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 63 [218]

 – للتفاصيل أنظر : مي تود ؛ علاقة ميشيل فوكو بالفينومنولوجيا ، مقال منشور في كتاب ” صحبة كيمبريدج إلى فوكو ” (بالإنكليزية) ، مطبعة [219]

جامعة كيمبريدج 2007 ، ص 287 .  

 – أنظر المصدر السابق [220]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 67 [221]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 70 [222]

 – أنظر : ديفيد ميسي ، المصدر السابق ، ص 78 [223]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 79 – 80 [224]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 91 [225]

 – أنظر : إيبرون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 88 .[226]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 86 – 87 [227]

 – أنظر المصدر السابق[228]

 – للتفاصيل عن الترانسفيستزم أنظر : فيرن بولف وبوني بولف ؛ تغيير الملابس ، الجنس والجندر (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة بنسلفانيا 1993. [229]

وإصطلاح الترنسفيستزم تم نحته في أواخر 1910 ، وهو في الأصل ليس بظاهرة جديدة ، فقد جاء ذكره فيما يسمى بالإنجيل العبري ، وفيه معاني تدل على الدونية ويشير إلى إرتداء ملابس الجنس الأخر ، فالمرأة ترتدي ملابس الرجال ، والرجال يرتدون ملابس النساء …

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد التجربة الأبستمولوجية – العلمية الإسكندرانية ، مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الرابع ، العدد [230]

السابع صيف 2012 .

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 96 [231]

 – أنظر : مارتين إيسلين ؛ إنطونين أرتر (بالإنكليزية) ، دارنشر جون كالدر – لندن 1976 .[232]

 – أنظر : إنطوين آرتر ؛ مختارات من أعمال إنطوين آرتر ، ترجمة فيكتور كورني ، دارنشر كالدير وبويرز – لندن 1971 . [233]

 – أنظر : إيبرون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 101 [234]

 – أنظر : دبفد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 88 – 89 .[235]

إضافة إلى ذلك فإن الحصول على شهادة الدكتوراه في فرنسا يومذاك كان يمر بخطوات متعددة منها :

أولاً – الحصول على تمويل مالي للعمل و” ميشيل فوكو ” إختار الفيلسوف ” جورج كالكليهم ” .

ثانياً – أن يعثر على ناشر لها وفعلاً فإنه حصل على موافقة في مايس 1961 من قبل شركة بلون في ألمانيا بعد إن رفضتها دار النشر الجامعية في فرنسا والمعروفة غاليمار  . أنظر للتفاصيل : جيفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 103 وما بعد ، جيمس ميلر ، المصدر السابق ، ص ص 117 وما بعد .

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ الجنون والحضارة : تاريخ الجنون في عصر العقل ، ترجمة ريتشارد هاورد ، دار نشر فانتج – نيويورك 1988 (تكون [236]

من 320 صفحة) .

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط  ، ترجمة روبرتو نيكرو وكيت بريجز ، دار سيموتكست 2008 (تكون من 160 صفحة) .[237]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 89 [238]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 101 [239]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ ولادة العيادة : حفريات في الإدراك الطبي ، ترجمة ألين شيردن ، لندن 1973 (وتكون من 266 صفحة) .[240]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ الكلمات والأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية ، ترجمة ألين شيردين ، دار فانتج – نيويورك 1973 (تكون من [241]

448 صفحة) .

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 158 – 159 [242]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 160 وما بعد [243]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 173 وما بعد [244]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ خطاب اللغة ، ترجمة روبرت سوير ، دورية معرفة العلم الإجتماعي / نيسان 1971 ، ص ص 7 – 30 .[245]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ حفريات المعرفة وخكاب اللغة ، ترجمة شيردين سميث ، دار بانثون – نيويورك 1972 [246]

 – أنظر المصدر السابق / الملحق ، ص ص 215 – 237 .[247]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ الأخلاق : الذاتية والصدق ، ترجمة روبرت هيري ، المطبعة الجديدة 1998 ( يتكون من 334) .[248]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ علم الجمال ، الميثدولوجيا (المنهج) والأبستمولوجيا ، ترجمة روبرت هيرلي ، المطبعة الجديدة 1998 (وتكون من 486) [249]

ص ص  13 من المقدمة التي كتبها جيمس فيبون  

 – أنظر المصدر السابق ، القسم الأول ، ص ص 3 – 245 [250]

- المصدر السابق ، ص ص 5 – وما بعد [251]

 المصدر السابق ، ص ص 21 – وما بعد [252]

 – المصدر السابق ، ص ص 33 – وما بعد [253]

 – المصدر السابق ، ص ص 53 – وما بعد [254]

 – المصدر السابق ، ص ص 69 – وما بعد [255]

 – المصدر السابق ، ص ص 89 – وما بعد [256]

 – أنظر المصدر السابق ، القسم الثاني ، ص ص 247 343 [257]

 – المصدر السابق ، ص ص 249 – وما بعد [258]

 – المصدر السابق ، ص ص 261 – وما بعد [259]

 – المصدر السابق ، ص ص 269 – وما بعد [260]

 – المصدر السابق ، ص ص 279 [261]

 – المصدر السابق ، ص ص 297 – وما بعد [262]

 – المصدر السابق ، ص ص 335 – وما بعد [263]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ الموت والمتاهة : عالم ريمون روسل ، ترجمة شارلز ريوس ، مطبعة دبولدي – نيويورك 1986 (وتكونت من 240 [264]

صفحة) .

 – للتفاصيل أنظر : فرنسيس كارديس ؛ ريمون روسل ، ترجمة أيان مونك ، مطبعة أطلس – لندن 1997 .[265]

 – للتفاصيل أنظر : مارك فورد ؛ ريمون روسل وجمهورية الأحلام (بالإنكليزية) ، دار فيبر – لندن 2000[266]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ الضبط والعقاب : تاريخ السجن ، ترجمه ألين شردين ، لندن 1977 (تكون من 333 صفحة) .[267]

 – أنظر : ميشيل فوكو (وبالإشتراك مع أخرين) ؛ الأمن ، الأراضي والسكان ، ترجمة كراهام بورشيل ، مطبعة سانت مارتينز 2009 .[268]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ ولادة البايو بولتيك ، ترجمة كراهام بورشيل ، دار ماكميلان نيويورك 2008 .[269]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ إفلاطون مؤرخاً للفلسفة الييونانية ، موقع الفيلسوف (الحلقة الأولى) 5 سبتمبر 2011 ، (الحلقة  [270]

الثانية) 2 نوفمبر 2011 .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم ، مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الخامس ، العدد[271]

العاشر 2013 .

 – أنظر : إيبرون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 330 وكذلك : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 23 – 24 [272]

أنظر : ميشيل فوكو ؛ إنثروبولوجيا كانط من زاوية براجماتية (بالإنكليزية) ، ترجمة روبرتو يناكريو ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنلوجيا1961 -[273]

—————————————————————————————————–

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد – 2 – أيلول 2014

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

(2)

  أيلول / 2014 

——————————————————————————

فصيلة شهرية 

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات 

لندن – إنتاريو – كندا

رئيس التحرير                     سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان         الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث التي تنشر فيها للتحكيم الأكاديمي

——————————————————————————————-

تأمل في كتاب صامويل هنتنجتون ” تصادم الحضارات “

Samuel P. Huntington: The Clash of Civilizations

Dr. MOHAMAD FARHAN   SARA FARHAN / PHD Candidate

الدكتور محمد جلوب الفرحان          طالبة الدكتوراه / سارة الفرحان

—————————————————————————————

 تقديم :

  يُشكل موضوع ” تصادم الحضارات ” مادة نافعة في تصنيف علوم الفلسفة التي شغلها التاريخ والحضارة موضوعاً من موضوعات التأمل الفلسفي الكلاسيكية . وهذا الموضوع  يندرج في مجالين فلسفيين عتيدين مُتداخلين ويعملان سوية ، وهما ” فلسفة التاريخ ” و” فلسفة الحضارة ” . ونحسبُ إن هذا التداخل بين مضماري فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة في الموضوع الحالي ، سببه عنوان مقال كتبه بروفسور العلوم السياسية الأمريكي ” صامويل هنتنجتون ” (1927 – 2008) والذي حمل عنوان ” تصادم الحضارات ” [1] وظهر لأول مرة في صيف عام 1993 ومن ثم عاد فنشره مرة أخرى في كتاب موسع عام 1996 ضم معه مناقشات متنوعة ومن شواطئ مثديولوجية وفكرية ملونة وثم ظهر إسم البروفسور هنتنجتون مُؤلفاً (النص الذي كتبه هنتنجتون بحدود 300 صفحة) وناشراً لكتاب ” تصادم الحضارات ” في نشرته الجديدة عام 1996[2] .

  ونحن نعرف بالتأكيد لا الكاتب البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” فيلسوفاً في التاريخ  ، ولا البروفسور ” فؤاد عجمي ” فيلسوفاً في الحضارة . ولكن نحسب في الوقت ذاته إن لهما الحق في القراءة والكتابة والمعارضة ومن ثم الأتفاق خصوصاً من طرف البروفسور عجمي . وإذا كان لهما الحق في الكتابة في مضمار الفلسفة ، فلنا الحق (على الأقل من طرف الدكتور محمد الفرحان) نحن طلاب الفلسفة وسدنتها ، ومحبي الحكمة وراهني حياتنا في محبتها لأكثر من أربعة عقود ونصف من السنين ، أن نراجع كتاب ” تصادم الحضارات ” ومن ثم مناقشة البروفسور ” هنتنجتون ” والبروفسور ” عجمي ” خصوصاً على المعارضة والمعاندة في طور مبكر من حياة البروفسور عجمي الأكاديمية ، ومن ثم عاد في مرحلة متأخرة إلى جادة الإتفاق والقبول بإطروحة ” هنتجتون ” تصادم الحضارات . وهي المرحلة العجمية التي حكمتها قوانين التحول والتغير في حياة الأكاديمي ” فؤاد عجمي ” طيب الله ثراه [3] . وهذا الجانب يُشكل ما إصطلحنا عليه ” بالطرف الفلسفي والإستشراقي في نهج فؤاد عجمي ” وهو طرف سنمسه بلطف في مضمار مقال قادم [4] .

  ومن النافع أن نُذكر هنا بأن المفكر الأمريكي – العربي ” أدورد سعيد ” طيب الله ثراه قد تصدى أكاديمياً لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وفي وقت مبكر جداً وعارضه أكاديمياً ، بمقالة حملت عنواناً نقدياً ألا وهو ” تصادم الجهل [5] ولأهمية معارضة المرحوم ” أدورد سعيد ” للبروفسور هنتنجتون ، فستكون لنا وقفة عند عتبات مقالته ” تصادم الجهل ” . كما ذكرنا بمشروع الكاتب الباكستاني – البريطاني ” طارق علي ” والمعنون ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة ” .

  والحقيقة سبقت محاولتنا لتحليل مثابرة المفكر ” أدور سعيد ” والبروفسور عجمي النقديتين ، وقفة تأملية عند عتبات بعض الإتجاهات النقدية الغربية العامة لكتاب – مقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” . ومن ثم تلاها عرض لمثابرتين أكاديميتين ، واحدة جاءت من مرابض الحضارة اليابانية (الناهضة على أسس عقيدية بوذية) وهي مثابرة البروفسور ” سيزابارو ساتو ” والمعنونة ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات من خلال التعليم المتبادل ” .  ومن ثم وقفة عند الموقف النقدي لكل من الأكاديميين الأمريكيين ” إيرول هندرسن ” و ” ريتشارد توكر ” والذي حمل عنوان ” الوضوح وحضور الغرباء : تصادم الحضارات والصراع الدولي ” .

صامويل هنتنجتون من زاوية أكاديمية

  تعود أهمية البروفسور هنتنجتون إلى إنه في مقاله ” تصادم الحضارات ” ظل عالم سياسة وتنكب بعيداً من أن يكون فيلسوف تاريخ وفيلسوف حضارة . والحق إنه لأغراض العلم السياسي قام بمحاولة تجسير بين السياسة والفلسفة أو الأدق توظيف موضوع فلسفة الحضارة لصالح السياسة وأغراضها . والدليل على ذلك إن ” تصادم الحضارات ” هي إطروحة لما أسماه هنتنجتون ” ما بعد الحرب الباردة وإعادة بناء نظام العالم ” [6] . وهو إصطلاح ساد في التداول بعد لقاءات الرئيس الروسي ” ميخائيل كورباتشوف ” (1931 لازال حياً ويبلغ من العمر83 عاماً) [7] والرئيس الأمريكي ” جورج بوش الأب ” (1924 ولازال حياً) [8] وهو اللقاء الذي حدث خلال نهاية الحرب الباردة [9] .

  والحقيقة إن هنتنجتون هو أستاذ أمريكي متخصص في العلوم السياسية ، وهو محافظ متزمت في رؤيته وميثدولوجيته الأكاديمية . ولد صامويل هنتنجتون في 18 نيسان (أبريل) من عام 1927 في مدينة نيويورك ، وهو إبن ” دورثي سانبورن (فيلبس) ” ، كاتبة القصة القصيرة الأمريكية المشهورة . وهو إبن ” ريتشارد توماس هنتنجتون ” ناشر مجلات التجارة الفندقية . كما إن جده من طرف أمه ، كان هو الأخر ناشراً مشهوراً ، وهو ” جون سانبورن فيليبس ” (1861 – 1949) [10] .

  إلتحق هنتنجتون بجامعة ييل وتخرج منها بإمتياز . وفي عمر الثامنة عشر خدم في صفوف الجيش الأمريكي . ومن بعد التخرج من جامعة ييل سجل في جامعة شيكاغو وحصل منها على درجة الماجستير . وكتب إطروحته للدكتوراه في جامعة هارفرد ، ومن ثم بدأ فيها التعليم وكان عمره ثلاثة وعشرين ربيعاً [11] . ومن أول مؤلفاته الأكاديمية ، كتابه المعنون ” الجندي والدولة : النظرية السياسية للعلاقات العسكرية – المدنية ” والذي نُشر عام 1957 ، وكان موضوع جدل واسع حين صدوره . ولكن ” اليوم يُعدُ من أهم الكتب الكلاسيكية التي تركت أثراً واضحاً على العلاقات العسكرية – المدنية في أمريكا ” [12] .

  ونسعى هنا إلى أن نبين للقارئ العربي الكريم ، بإن كتاب أو مقالة هنتنجتون المعنونة ” تصادم الحضارات ” لم يكن من كتبه ومقالاته الأولى ، وإنما سبقته مقالات وتأليفات عدة ، وبالتحديد جاء نشره بعد ” تسع وثلاثين سنة ” من نشر كتابه الأول ” الجندي والدولة … ” والذي نشره عام1957 . ولذلك نقدم هنا جرداً بكتبه التي كتبها قبل ” تصادم الحضارات ” ومن ثم نشير إلى كتبه أو مقالاته التي كتبها بعد مقالته ” تصادم الحضارات ” :

 أولاً – الكتب والمقالات التي كتبها قبل صدور ” تصادم الحضارات “

1 – ” الجندي والدولة : نظرية سياسات العلاقات العسكرية – المدنية ” والذي صدر عام 1957 .

2 – ” الدفاع المشترك : برامج سيتراتيجية في السياسات القومية ، ونشر عام 1961 وتقريباً صدر بعد ما يُقارب الأربعة سنوات من كتابه الأول ” الجندي والدولة … ” .

3 – ” النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة ” ، وصدر عام 1968 أي ظهر إلى النور بعد سبع سنين من كتابه الثاني ” الدفاع المشترك … ” .

4 – ” أزمة الديمقراطية : حول قابلية الحكومة في النظم الديمقراطية ” والذي نُشر في عام 1976 وجاء تداوله في المكتبات بعد ثمان سنوات من كتابه المعنون ” النظام السياسي …” .

5 – ” السياسات الأمريكية : الواعدة بالتنافر ” وصدر عام 1981 أي بعد خمسة سنوات من كتابه ” أزمة الديمقراطية … ” .

6 – ” الموجة الثالثة : الديمقراطية في نهايات القرن العشرين ” والذي توافر للقارئ الأمريكي في عام 1991 ، وبالتحديد نشر بعد عشر سنوات من كتابه ” السياسات الأمريكية … ” .

ثانياً – الكتب والمقالات التي كتبها بعد صدور ” تصادم الحضارات ” والذي كان المقال رقم (7) في التسلسل والذي صدر في عام 1993 وأعاد نشره في كتاب موسع للمقال ، ومعه مناقشات ومناظرات لباحثين أخرين عام 1996 .

8 – ” قضايا حضارية : كيف تُشكل القيم التطور الإنساني ” والذي طبع عام 2000 وجاء بعد نشر مقال ” تصادم الحضارات ” في طبعته الأولى بسبع سنوات ، وأربعة سنوات بعد نشرته الثانية في كتاب .

9 – ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” وهو مقال ظهر في عام 2004 أي بعد النشرة الأولى لمقال ” تصادم الحضارات ” بإحدى عشرة سنة ، وبعد النشرة الثانية بثمانية سنيين ، وبعد كتابه أو مقاله ” قضايا حضارية … ” بأربعة سنوات . هذا هو تراث البروفسور هنتنجتون ومن ثم مكانة مقاله ” تصادم الحضارات ” بينها من طرف تاريخ النشر .

تصادم الحضارات بعيون أكاديمية

   نحاول هنا تقديم قراءة لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” بصورته الأولى التي عرفها القارئ والأكاديمي على حد سواء . وبدايتنا التأكيد على إن بروفسور العلوم السياسية ” هنتنجتون ” نشر هذا المقال لأول مرة في دورية ” قضايا أجنبية ” [13] . وتكون المقال من عدة محاور مختصرة (ويبدو لنا المقال هو مخطط مستقبلي لبحث أكثر شمولاً أو كتاب وهذا فعلاً ما حدث بعد ما دار جدل حول المقال ومن ثم تتوج في توسعة ضمها الكتاب مع مناقشات متنوعة والذي نُشرعام 1996) . وجاء المقال في نشرة عام 1993 بالشكل الأتي :

1 – إنمودج أو نمط الصراع القادم [14] .

2 – طبيعة الحضارات [15] .

3 – لماذا ستتصادم الحضارات [16] .

4 – المناطق الرخوة (المتصدعة) ما بين الحضارات [17] .

5 – الحضارة الجامعة : الأعراض المرضية للقطر القريب [18] .

6 – الغرب في مواجهة البقية [19] .

7 – الأقطار المُمزقة [20] .

8 – الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي [21] .

9 – الأثار المترتبة على الغرب [22] .

    هذا فيما يخص مقال ” تصادم الحضارات ” في نشرة دورية ” قضايا أجنبية ” . إلا إن البروفسور هنتنجتون توسع فيه ومن ثم ضم إليها مناقشات متنوعة ومن ثم صدرت نشرة جديدة ، هي نشرة عام 1996 والتي ظهر فيها إسم هنتنجتون مشرفاً وناشراً وليس مؤلفاً فحسب . وهنا سنقدم دراسة مركزة لمقال ” تصادم الحضارات ” [23] . ومن النافع أن نعود إلى نشرة عام 1993 ، والتي كانت فكرة المقال في الأصل محاضرة قدمها البروفسور هينتنجتون عام 1992 في معهد المشروع (الأنتبرايز) الأمريكي ، ومن ثم طورها إلى مقال عام 1993 .

  ولكن في الحقيقة إن كل ذلك غير كاف  ، فإن مقال البروفسور هينتنجون بجملته جاء إستجابة إلى كتاب تلميذه السابق ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [24] . وفرنسيس فوكياما هو بروفسور العلوم السياسية ومدير برنامج ” الإنماء العالمي ” التابع لمعهد الدراسات العالمية المتقدم في جامعة هوبكنز .

  وكما ذكرنا إن البروفسور هينتنجون قام بتوسيع مقاله ” تصادم الحضارات ” والذي نشره لأول مرة في مجلة ” قضايا أجنبية ” عام 1993 ، ومن ثم نشر التوسعة في كتاب عام 1996 مع تغييرات طفيفة في العنوان ” تصادم الحضارات وإعادة بناء النظام الجديد ” . ويبدو إن عبارة عنوان كتاب البروفسور هنتنجون ” تصادم الحضارات ” لم تكن من إنشائه الخاص ، بل إنها وردت قبل ذلك بثلاث سنوات في مقال للمؤرخ والباحث في الإستشراق  الأمريكي – البريطاني ” برنارد لويس ” (1916 – تناهز عمره الآن 98 عاماً) ، وبالتحديد في مقاله المعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي ظهر في مجلة ” إتلانتك ” الشهرية وبالتحديد في عام 1990 [25] .

  ومن ثم إنكب الأكاديميون الغربيون في البحث عن جذور ومصادر عبارة أو عنوان هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” فوجدوا إنها كانت متداولة في مصادر تصعد إلى فترة بعيدة عن  كتابات ” برنارد لويس ” التي تم الإشارة إليها سابقاً . وهذا الحال يحملنا على القول بإن ” برنارد لويس ” هو الأخر ربما تلقفها من العنوان الفرعي لكتاب ” باسيل ماثيوس ” والمعنون ” الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات ” والذي صدر في عام 1926 [26] . أي قبل مقال ” برنارد لويس ” بما يُقرب ستة عقود ونصف (قبل أربع وستين عاماً) .

  وكذلك لاحظنا إن هناك عدداً أخر من الباحثين من أمثال المستشرق الفرنسي ” لويس ماسينيون ” (1883 – 1962) صاحب دعوة الحوار المسيحي – الإسلامي ، الذي يرى إن تعبير ” تصادم الحضارات ” يصعد حتى إلى فترة تتخطى تاريخ صدور كتاب ” باسيل ماثيوس ” ويعود بها إلى الفترة الإستعمارية [27] ، والتي تم فيها إشتقاق التعبير من ” صراع الثقافات ” ، وهي الفترة ذاتها التي يُطلق عليها في فرنسا بالحقبة الجميلة ، والتي بدأت عام 1871 وإنتهت مع الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، والتي يُحدد هويتها الأكاديميون ” بالتفاؤل والسلام في الوطن وفي عموم أوربا ، والتي صاحبتها تكنولوجيا جديدة وإكتشافات علمية … والتي تُصف على إنها العصر الذهبي [28] .

   بينما إستهل هنتنجتون بحثه في ” تصادم الحضارات ” بتقديم عرض متنوع لطبيعة ” السياسات الكونية لفترة ما بعد الحرب الباردة ” ، فإن هناك عدداً من الباحثين ومنهم تلاميذ للبروفسور هنتنجتون ، من أمثال البروفسور ” فرنسيس فيوكاما ” يحسبون إن ” التاريخ وكذلك الإنسان وصلا إلى نهايتهما بالمفهوم الهيجلي ” [29] . في حين إن هنتنجتون بالمقابل يعتقد إنه مادام ” عصر الأيديولوجيا قد إنتهى ، فإن العالم عاد إلى الدولة التي تُعالج شؤون الصراع الحضاري ” . ومن ثم يجادل في ” إن المحاور الرئيسة لمثل هذا الصراع ستتخذ في المستقبل صوراً حضارية ودينية ” [30] .

التنوع الحضاري وتصادم الحضارات

  لاحظ الباحث إن هنتنجتون يفترض بأن مفهوم ” الحضارات المختلفة ” ، هو بحد ذاته من المفاهيم التي تنتمي إلى ” القشرة العالية ” التي يسميها ” بالهوية الحضارية ” . وإعتقد بإن هذا المفهوم سيلعب دوراً ذات أهمية متزايدة في تحليل ” إحتمالية الصراع ” . وفعلاً عالج ذلك في مقاله السابق والمعنون ” تصادم الحضارات ” . ونقف عند عتبات الأسئلة التي أثارها هنتنجتون ونقدم لها إجابات ملخصة مختارة من النصوص التي كتبها هنتنجتون بقلمه :

 ما نمط الصراع القادم في العالم الجديد ؟ 

ونحسب إن هنتنجتون رد على هذا السؤال وأفاد موضحاً : ” إن فرضيتي ترى إن المصدر الرئيس للصراع في هذا العالم الجديد ، سوف لن يكون أيديولوجياً كما لن يكون إقتصادياً ، بل إن المصدر الرئيس في تقسيم الناس ، والمصدر المهيمن في الصراع هو المصدر الحضاري . كما إن دول الشعوب والأمم ستبقى من أغلب العوامل القوية والأكثر فاعلية في شؤون العالم ، ولكن الصراع الأساس في سياسات العالم سيحدث بين الشعوب والأمم وجماعات من حضارات مختلفة . ولهذا فإن تصادم الحضارات سوف يُهيمن على سياسات العالم . وإن خطوط التصدع بين الحضارات ستكون هي خطوط المعركة في المستقبل ” [31] .

 ما هي طبيعة الحضارات ؟

   نحسبً في البداية الإشارة إلى إن ” هنتنجتون ” تخلى عن تقسيم دول العالم إلى ” ثلاثة عوالم ” كما كان سائداً في الأدب السياسي الكلاسيكي خلال ” الحرب الباردة ” . وهو الأدب الذي إعتاد على الحديث عن ” العالم الأول ” والذي يضم الدول الرأسمالية . والعالم الثاني والذي يضم منظومة ما كان يُسمى ” بالدول الشيوعية أو الإشتراكية على النمط الروسي ” . والعالم الثالث الذي يشمل ما كان يُصطلح عليه ” بدول عدم الإنحياز ” وبتسميات أخرى مثل ” الحياد الإيجابي ” والتي كانت متداولة يومذاك .

  ولهذا يرى هنتنجتون إن هذه ” التقسيمات لدول العالم ” لم تعد ” مناسبة ، بل وفقدت معناها اليوم ” . وإن الحديث عن تقسيم دول العالم ” على أساس نُظمها الإقتصادية والسياسية أو حتى الحديث عن حدود تطورها الإقتصادي ” فإنه حديث لا معنى له في عالم اليوم . وإن التصنيف الدقيق أن ينهض على أساس ” مستواها الثقافي والحضاري [32] .

  ويتساءل هنتجتون ؛ ماذا نعني بإصطلاح ” الحضارة ” في حديثنا ؟ ومن ثم يذهب موضحاً ، فيُفيد إلى إن ما نعنيه ، هو إن الحضارة بطبيعتها هي ” وحدة حضارية ” ومن هذا الطرف هي تضم ” قرى ومناطق وجماعات إثنية وقوميات وجماعات دينية ” والتي تمتلك ” مستويات مختلفة من عدم التجانس الحضاري ” . ولم يقف هنتجتون عند عتبات التنظير ، وإنما عززها بأمثلة حضارية . فمثلاً لاحظ إن ” الحضارة في قرية في جنوب إيطاليا مختلفة عما هو الحال عليه في قرية في شمال إيطاليا . ولكن كلاهما يُشاركان الحضارة الإيطالية ، والتي تُميزهما عن القرى الألمانية ” [33] .

ويخلص هنتنجتون من بحثه إلى الحقيقة القائلة ؛ إن ” الحضارات في دايناميك ” حيث إنها في حركة صعوداً وهبوطاً ، تبدأ بما أسماه ” بصعود ” ومن ثم يتلوها ” سقوط ” . وبعد ذلك تتعرض إلى ناموسي ” الإنقسام ” و ” الإندماج ” . والخاتمة التي يعرُفها طلاب التاريخ ، هو إن ” الحضارات ستتلاشى من الوجود ” فتنطفأ و ” تُدفن في رمال الزمن ” . ويحسبُ هنتنجتون بأن ” الغربيين ميالون إلى الإعتقاد بإن الدول ستظل من العوامل الرئيسة الفاعلة في تقرير مصير العالم ، وستبقى حية لبضع قرون ، ومن ثم تصل إلى مدياتها في تاريخ الإنسانية الذي هو بالطبع مضمار تاريخ الحضارات ” [34] . ومما لاحظه الباحث على المنهج الميثدولوجي للدكتور هنتنجتون إنه أشار إلى مصدره اليتيم في معالجة هذا الطرف من بحثه ” تصادم الحضارات ” وهو إعتماده على كتاب فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” (1889 – 1975) المشهور والمعنون ” دراسة التاريخ ” [35] ، والذي حدد فيه توينبي 21 حضارة من الحضارات الكبرى ، والتي بقيت منها 6 حضارات حية في عالمنا المعاصر [36] .

  ويبدو لنا إن البروفسور هنتنجتون قد إستبطن بصورة واعية فكرة توينبي في ” الجيل الثالث ” من نشوء الحضارات ، وبالتحديد المجلد الثالث من موسوعته الفلسفية – التاريخية ، الموسومة ” دراسة التاريخ [37] . وكان عنوان المجلد الثالث ” تنامي الحضارات [38] . وهنا نقف ونترك  القارئ الحصيف يُقارن بنفسه بين أفكار وردت في أطراف متنوعة من مقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وعناوين ومضمونات المجلدات العشرة الأولى من موسوعة ” توينبي ” دراسة التاريخ ” . 

 لماذا تتصادم الحضارات ؟

  يعتقد هنتنجتون إن ” هوية الحضارة ” ستُشكل طرفاً بالغ الأهمية في مستقبل العالم الجديد ، وذلك لأن الصورة الجوهرية للعالم ستتكون من خلال ” تفاعل سبع أو ثمان حضارات كبرى ، وهي الحضارة الغربية ، والكونفوشيوسية (منا : الصينية) ، واليابانية (منا : البوذية) ، والإسلامية ، والهندوسية (منا : الهند) ، وسلافك أورثوذوكس ، والأمريكية اللاتينية ، وإحتمال الحضارة الأفريقية ” [39] . ويتأمل هنتنجتون في قضية تصادم الحضارات في العالم الجديد ، فيرى إن الصراعات الأكثر أهمية التي ستحدث في المستقبل ، هي الصراعات التي ستندلع نيرانها فيما أسماه ” بالمناطق الرخوة (أو المتصدعة) ، وهي المناطق التي تفصل الحضارات بعضها عن البعض الأخر ” [40] . والحقيقة إن الشواهد والأمثلة التي إستشهد بها كثيرة ، منها :

أولاً – إن الإختلافات الظاهرة على سطح الحضارات وواجهاتها الأمامية ، هي ليست مجرد إختلافات وحسب ، بل هي إختلافات أساسية . ولعل الباحث يلحظ إن الحضارات تتميز كل واحدة منها عن الأخرى بالتاريخ ، واللغة ، والثقافة ، والتقاليد والأعراف . وإن الطرف الأكثر أهمية في الإختلاف هو الدين . والشواهد على ذلك كثيرة منها ، إن الشعوب من جميع الحضارات ، يختلفون في نظرتهم للعلاقات بين ” الله والإنسان ” وبين ” الفرد والجماعة ” وبين ” المواطن والدولة ” وبين ” الأباء والأبناء (الأطفال) ” وبين ” الزوجة والزوج ” . إضافة إلى إنهم يختلفون في وجهات نظرهم حول ” الحقوق والواجبات ” و ” الحرية والسلطة ” و ” هرمية (أو منازل) المساوات (منا الهرمية السياسية والإجتماعية والإقتصادية …) ” . وهذه الإختلافات هي نتاج قرون عديدة من السنيين . وبالتأكيد سوف لن تختفي حالاً أو في المستقبل القريب . وهي إختلافات جوهرية ومترسخة في الأعماق ، وهي بالطبع ليست مجرد ” إختلافات في الأيديولوجيات والأنظمة السياسية ” [41] .

ثانياً – كما إن العالم أصبح مكاناً جغرافياً صغيراً ، حيث سهل هذا الحال ” تزايد التفاعل بين الشعوب من حضارات مختلفة ” ، وبدوره أدى إلى ” تزايد حدة الوعي الحضاري ” ومن ثم ” الإلتفات إلى الإختلاف بين الحضارات ” [42] .  وقدم هنتنجتون العديد من الأمثلة والشواهد ، وعلى سبيل الإختيار والإنتخاب ، منها ” الهجرة من شمال أفريقيا إلى فرنسا ، والتي ولدت مواقف عدائية بين الفرنسيين ” في حين بالمقابل ” تزايدت درجات الإستقبال للمهاجرين من الدول الأوربية الكاثوليكية ” . والحال كذلك بالنسبة ” للأمريكان فقد كانت لهم مواقف سلبية تجاه المستثمرين من اليابان ، مقارنة بالعدد الكبير من المستثمرين من كندا والبلدان الأوربية ” [43] .

ثالثاً – أدت عملية التحديث الإقتصادي والتغيير الإجتماعي التي حدثت في بنية العالم ، إلى ” فصل الشعوب من هويتها المحلية ” . وبالمقابل سببت ” ضعف الدولة الوطنية ” من أن تكون مصدراً من ” مصادر الهوية ” . ولملاً هذا الفراغ تحركت ديانات العالم ، وفعلاً جسرت وملأت هذه ” الهوة ” بصورة حركات دينية ، يمكن الإصطلاح عليها ” بالحركات الإصولية أو النزعات المتطرفة ” . ومن الأمثلة التي يستشهد بها هنتنجتون ” المسيحية الغربية ، واليهودية ، والبوذية ، والهندوسية ، إضافة إلى الإسلام (منا : مع نسيان هنتنجتون للكونفوشيوسية ” [44] .

  ومن الملاحظ إن ” الفئة الأكثر فعالية ” في الحركات الأصولية / المتطرفة ، وبالطبع في أغلب البلدان ، وأغلب الديانات ، هي ” فئة الشباب الذين تخرجوا من الكليات ، والإختصاصيون والمهنيون ورجال الأعمال من أبناء الطبقة الوسطى ” . وعلى أساس هذا الحال ” فإن العالم لم يعد علمانياً ” بحدود ما .  ويحسب هنتجتون إن هذا الواقع ، هو الذي حمل ” جورج فيجل ” (1951 – ) وهو متخصص في الكتابة عن الكنيسة والكاثوليكية [45] ، إلى ملاحظة إن واحدة من الحقائق الإجتماعية التي هيمنت على أواخر القرن العشرين ، هي ” إنتعاش الدين ” وبلغة كيلز كيبل [46] هي الحقيقة التي شكلت ” أساساً للهوية ، وهذا الإلتزام قاد إلى تخطي الحواجز القومية والتوحيد بين الحضارات ” [47] . أي التوحيد بين الحضارات على أساس ديني عقيدي .

رابعاً – تعزز نمو ” الوعي الحضاري ” عن طريق ” الدور المزدوج الذي لعبه الغرب ” . فمن طرف إن الغرب في قمة ” القوة والسلطة ” . ومن طرف أخر إن الغرب عاد إلى ” جذور الظاهرة التي حدثت بين الحضارات اللاغربية ” . ولعل الشاهد على ذلك إن المرء بدأ يسمع عن ” نزعات عادت إلى مايُسمى ” بالأسيوية في اليابان ” و ” نهاية تراث نهرو ” و ” النزعة الهندوسية في الهند ” و ” فشل الأفكار الإشتراكية الغربية ” و ” فشل الأفكار القومية ” و الحديث عن ” نزعة التحويل الإسلامي للشرق الأوسط ” ، ومن ثم الكلام عن المنافسة الدائرة بين ” النزعتين الغربية والروسية في بلاد بوريس بولسن ” وإن ” الغرب في قمة قوته يتحدى اللاغرب ” ومن ثم ” تزايد الرغبة والإرادة والمصادر إلى إعادة تشكيل العالم بطرق لاغربية ” [48] .

    كما إن من الملاحظ إن النخب في المجتمعات اللاغربية في الماضي ، كانت دائماً مهتمة بشكل غير إعتيادي في الغرب . فمثلاً هذه النخب شدت الرحال وذهبت تتعلم في جامعات الغرب ، من مثل ” أكسفورد ” و” السوربون ” وغيرها ، ومن ثم تشربوا الإتجاهات والقيم الغربية . وفي الوقت ذاته فإن ” الجمهور العريض من هذه الأقطار اللاغربية ظلت منغمسة ومتشربة حتى النخاع في ثقافة السكان الأصليين ” . أما اليوم فإن حال العلاقات بين الطرفين إنقلبت بإتجاه معاكس ، حيث إن النخب في العالم اللاغربي أخذت ” بالإبتعاد عن الغرب والإنغماس في نزعات الثقافة المحلية للسكان الأصليين ” .  وفي الوقت ذاته إن الغرب ، وخصوصاً في أمريكا ، فإن الثقافات ، وأساليب الحياة والعادات أصبحت سائدة ومهيمنة بين صفوف الجمهور الواسع [49] .

خامساً – تتميز الخصائص والإختلافات الحضارية ” بنوع من الثبات النسبي ” ، وهي ” أقل قبولاً للمساومات والحلول ” مُقارنة بالأطراف السياسية والإقتصادية . فمثلاً في الإتحاد السوفيتي السابق ، ممكن أن يكون ” الشيوعيون ديمقراطيون ” و ” الأغنياء ممكن أن يصبحوا فقراء ” و ” ممكن أن يتحول الفقراء إلى أغنياء ” . ولكن ” من غير الممكن أن يتحول الروس إلى إستونيين ” ، و ” من غير الممكن أن يتحول الأذربجانيون إلى أرمن ” . إلا إنه في ” الصراع الطبقي والأيديولوجي ”  يُثار السؤال الأساس ، وهو ” مع من ستصطف ؟ ” .

  وفعلاً فإن الشعب يستطيع أن يختار من بين الأطراف ، وقادر على أن يُغير هذه الأطراف . بينما السؤال في مضمار الصراع مختلف ، وهو ” من أنت ؟ ” وذلك لأن الأمر غير قابل للتغير والتبدل . ومن خلال معرفتنا التي تمتد من ” بوسنيا وإلى القوقاس وحتى السودان ” نستطيع القول ” إن الجواب الخطأ على السؤال ممكن أن يكون إطلاقة نار في الرأس ” بل وأكثر حدة من التمييز العنصري بين الناس على أساس الإثنيات والدين ” . فمثلاً ” الشخص ممكن أن يكون نصفه فرنسياً ونصفه الأخر عربياً ” وبذلك ممكن أن يكون ” مواطناً في بلدين ” . ولكن من الصعوبة ” أن يكون نصفه كاثوليكياً ونصفه مسلماً ” [50] .

وأخيراً – نلحظ إن النزعة الإقليمية (أو نزعة المجموعات) الإقتصادية أخذت بالنمو المتزايد وهذ ما نتوقعه في المستقبل القريب . وإن نجاح المجموعات الإقتصادية سيؤدي إلى ” تعزيز الوعي الحضاري ” الذي أخذ يضرب بجذوره في الأبعاد العميقة ” للحضارة المشتركة ” . فمثلاً إن ” الجماعة الأوربية ” ستستقر على ” أسس مشتركة من الحضارة الأوربية والديانة المسيحية الغربية ” . كما إن نجاح ” التجارة الحرة في شمال أمريكا سيعتمد على شكل من التجمع الذي هو في دور التطور حالياً ، والذي يضم الحضارات الثلاثة ؛ الأمريكية – الكندية – المكسيكية ” . في حين بالمقابل ” إن اليابان تواجه صعوبات في خلق وحدة إقتصادية في شرق أسيا ، وذلك بسبب إن المجتمع الياباني ، والحضارة اليابانية ، هما شكلان متفردان بطبعهما ” ونظن إن البروفسور هنتنجتون لم يلتفت إلى البوذية وأطيافها التي كونت الأساس الديني الذي هو طريق التقريب والتوحيد من اليابان وحتى التبت والصين وروسيا وعبر الهند ومنكوليا ودول جيران عديدة [51] . ورغم هذه الإختلافات الحضارية حسب فهم هنتنجتون ، فإن ” قوة التجارة والإستثمارات اليابانية ، ربما تحمل اليابان إلى تطوير نوع من العلاقات مع البلدان الأسيوية الشرقية ، مما يكون الحاصل تعزيز شكل من أشكال التكامل الإقتصادي مثل ما حدث في أوربا وأمريكا الشمالية ” [52] . وعلى عكس ما ذهب إليه هنتنجتون نرى إن الأساس العقيدي البوذي كان سوراً روحياً قوياً لتقريب اليابان وشدها مع مجموعة عريضة من دول أسيا الشرقية .

  ويُلخص هنتنجتون حديثه عن المستويات التي ” تتصادم فيها الحضارات ” ويحددها في مستويين إثنين :

الأول – صدام الحضارات على مستوى ” مايكرو ” أي صدام الحضارات على مستوى (جزئي – صغير) . والمثال النظري الذي قدمه هنتنجتون ، هو إن ” الجماعات المتجاورة في المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ، تدخل في كفاح مع بعضها البعض من أجل السيطرة على أراضي الجماعات الأخرى ” [53] .

الثاني – صدام الحضارات على مستوى ” ماكرو ” أي صدام  الحضارات على مستوى (كلي – شامل) . والشاهد الذي عرضه هنتنجتون ، هو إن ” دول من حضارات مختلفة ” تدخل في تنافس من أجل ” هيمنتها العسكرية والإقتصادية ” ، ولهذا ” تدخل في صراع ” ، وهي تتطلع إلى ” مكانة عالمية لها ” . وهدفها من كل هذا التنافس هو ” تعزيز ومن ثم فرض قيمها السياسية والدينية ” [54] .

ماهي المناطق الرخوة (المتصدعة) ما بين الحضارات ؟

   تُعدُ قضية ” المناطق الرخوة أو المتصدعة  ما بين الحضارات ” من القضايا البالغة الأهمية في الرؤية ” الجيوسياسية ” المُتشابكة مع مضماري ” فلسفة التاريخ ” و” فلسفة الحضارة ” والتي تجعل من بحث البروفسور هنتنجتون موضع تساؤل تتجاذبه ثلاثة مجالات لها مناهج أبستمولوجية (معرفية) مختلفة . صحيح جداً إن هنتنجتون جاء من فضاء ” العلوم السياسية ” وهذا هو مجاله الذي تخصص فيه ونجح فيه من زاوية الأبستمولوجيا للعلوم السياسية إلى حد ما . غير إنه ظل ” غريباً ” في الفضاءات الأبستمولوجية لمضماري ” فلسفة التاريخ ” و ” فلسفة الحضارة ” وبقي في أحسن الأحوال التي بحث فيهما ، يسبح على السطح ولم يتمكن من الغوص بعيداً في أعماق فلسفتي التاريخ والحضارة .

  ولعل السبب إنه لم يتدرب أكاديمياً في عوالم فلسفتي التاريخ والحضارة ، وبالتحديد في ” ميتافيزيقا التاريخ ” و” ميتافيزيقا الحضارة ” [55] . ولكن والحق يُقال إن الرجل إقترب من موضوعات فلسفية عالجتها فلسفة التاريخ والحضارة وعلى الأقل في التصنيف الحضاري والعناوين المرتبطة بها . ونحسب إن مصادر هنتنجتون المعرفية في فلسفة التاريخ على الأقل كانت يتيمة ، حيث إقتصرت على موسوعة فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” والمعنونة ” دراسة التاريخ ” .

  ولكل هذا فإن الباحث الأكاديمي المتخصص في أبستمولوجيات فلسفتي التاريخ والحضارة يشعر بالخيبة عندما يحاول تقويم أبحاث هنتنجتون من زاويتي فلسفتي التاريخ والحضارة ، وبالتحديد قراءة مقاله المعنون ” تصادم الحضارات ” ومن ثم كتابه الذي حمل العنوان ذاته . ونحسب من المفيد أن نخبر القارئ العربي إلى إن هذا الطرف من مقال هنتنجتون مهم جداً جداً ، ففيه أدلى البروفسور صماويل هنتنجتون بالكثير من الأمثلة عن الصراع أو بإصطلاحه ” المناطق الرخوة ” التي حدث فيها التصادم الحضاري بين ” عرب – الإسلام والغرب ” ولذلك ستكون لنا وقفة تأمل بحدود ما وذلك لتعريف القارئ العربي على الأراء التي أنتجها هنتنجتون ودونها بقلمه في هذا الصدد .

  وبعد هذا الإيضاح المنهجي نعود إلى دائرة التساؤل ، ونرفع السؤال من جديد ؛ ما هي المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ؟ بدأ هنتنجتون بحثه لهذا المحور بالإشارة إلى ” إن المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” حولت ” الحدود الأيديولوجية والسياسية للحرب الباردة ” إلى ” نقاط ساخنة ومناطق أزمات شهدت الكثير من المجازر الدموية ” . ومن ثم حفر في تاريخ العالم المعاصر ، فخلص إلى إن ” الحرب الباردة بدأت مع الأثار التي ولدها ” الجدار الحديدي ” والتي تمثلت ” بشطر أوربا سياسياً وأيديولوجياً ” . ومن ثم ” إنتهت الحرب الباردة ، ومعها تلاشى الجدار الحديدي كذلك ” [56] .

  وعلى هذا الأساس وصل هنتنجتون إلى النتيجة الطبيعية ، وهي إن ” التقسيم الأيديولوجي لأوربا ، هو الأخر تلاشى ” ، ففسح المجال لتقسيم جديد ” وهو التقسيم الحضاري ” الذي فرض هيمنته وسطوته ، فكان الحاصل من ذلك إستقطاب ” وتقسيم حضاري ” بين ” المسيحية الغربية من طرف ” و ” المسيحية الأرثوذوكسية والإسلام من طرف أخر ” [57] . وللتذكير نقول أن هنتنجتون وقع في مطب ميثدولوجي وفكري عندما ربط هنا بين ” المسيحية الأورثوذكسية والإسلام ” ومن ثم سيربط في محور لاحق بين ” الكونفوشيوسية والإسلام ” ونحسب في هذا الربط تنافر صارخ بين عقيدي أورثوذكسي (وفيه درجات من المشاركة العقيدية بدرجات ما) وعقيدي كونفوشيوسي يتعارض حتى العظم مع العقيدي الأرثوذكسي وبالطبع مع الإسلام كذلك  . فكيف حدث هذا ؟ سؤال يحتاج إلى حضور هنتنجتون من العالم الأخر ليقدم لنا فهماً لهذه الحيرة الأكاديمية بطرفيها الميثدولوجي والعقيدي . ونحن نعرفُ بأن العودة مستحيلة مثلما عملية التعادل بين الكونفوشيوسية من خلال العامل المشترك وهو الإسلام .

   كما ولاحظنا إن هنتنجتون قد رسم بدقة ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” وذلك من خلال الرسم ” الجيوسياسي ذو المنبت الحضاري – الديني ” الذي قسم حدود أوربا ” وهي بالطبع مسألة بالغة الأهمية من الزاوية الميثدولوجية . إلا إن من الحق أن نُشير إلى إن فكرة  ” حدود التقسيم ” الحضاري – الديني ، قد نزلت إلى هنتنجتون عن طريق إطروحة ” وليم ويلس ” وهو الأكاديمي البريطاني (1941 – ) [58] التي ناقشها عندما إقترح  ” الحدود الشرقية للمسيحية الغربية في عام 1500 ” [59] .

  وهذه الحدود أو المناطق الرخوة تُشكل في الحقيقة مضمار حدودها التخوم الفاصلة ما بين ” فنلندا وروسيا ” و” دول البلطيق وروسيا ” وتقطع ” بيلاروسيا ويوكرينيا ” والتي تفصل ” معظم يوكرينيا الغربية الكاثوليكية ” من ” يوكرينيا الشرقية الأورثوذكسية ” . كما وتميل هذه الحدود غرباً لتفصل ” ترانسيلفانيا (وهي الجزء المركزي من رومانيا) من بقية رومانيا ” . ومن ثم ” تمتد إلى يوغسلافيا وتمتد على طول لتفصل كرواشيا وسلوفينيا من بقية يوغسلافيا ” . وفي ” البلقان فإن هذه الحدود تتطابق والحدود التاريخية بين إمبراطورية هايسبورغ (مملكة النمسا) والإمبراطورية العثمانية ” [60] .  ولعل ما يُميز هذه الشعوب ، وبالطبع التي تسكن في الشمال والغرب من هذه الحدود ، إنهم أما ” بروتستانت ” أو ” كاثوليك ” وهم جميعاً ” يشاركون خبرات وتجارب التاريخ الأوربي ، والفترة الإقطاعية ، وعصر النهضة ، والإصلاح والتنوير والثورة الفرنسية ، والثورة الصناعية ” . كما إن ” أحوالهم الإقتصادية بصورة عامة ، هي أفضل بكثير من الشعوب التي تعيش في الشرق . وفي الوقت ذاته فهم يتطلعون لزيادة إنخراطهم في الإقتصاد الأوربي ، والتمسك بالإنظمة السياسية الديمقراطية ” [61] .

  ويحسبُ هنتنجتون بالمقابل إن الشعوب التي تعيش في الشرق والجنوب من هذه الحدود ، فهم أما ” أرثوذوكس ” أو ” مسلمين ” وهم تاريخياً  ينتمون إلى ” الإمبراطورية العثمانية ” أو ” الإمبراطورية الروسية القيصرية ” . وإن إتصالهم كان ضعيفاً في الأحداث الواقعة في بقية أوربا ، وهم على العموم ” أقل تقدماً إقتصادياً ” . كما إنهم ” أقل نزوعاً نحو تطوير أنظمة سياسية ديمقراطية مستقرة ” [62] .

   كما وتداول هنتنجتون في مُعجمه التاريخي (وبالطبع الحضاري – السياسي) إصطلاحات من مثل ” الصمام الحديدي للحضارة ” و ” الجدار الحديدي الأيديولوجي ” ورأى إن ” الصمام الحديدي للحضارة ” أزاح ” الجدار الحديدي الأيديولوجي ” وحل مكانه ومن ثم إستشهد ” بالأحداث التي وقعت في يوغسلافيا ” وهي بالطبع لا تمثل ” حدود الإختلاف ” وإنما هي تمثل البعد الزمني ” لحدود الصراع الدموي ” [63] .

  وفعلاً إن هذا الصراع حدث حسب فهم هنتنجتون ” في المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ، والذي إمتد لفترة 1300 سنة ، وبالتحديد مع بزوغ شمس الإسلام ، وإنسياح العرب والمورو (المورش) [64] غرباً وشمالاً ، والذي توقف في عام 732م عند عتبات تور ” [65] . ومن ثم حدث تحول كبير في ” المناطق الرخوة ” فمن القرن الحادي عشر وحتى القرن الثالث عشر الميلاديين ” نجح الصليبيون بصورة موقتة من السيطرة على مناطق من الأراضي المقدسة (فلسطين) وجلبوا معهم المسيحية (منا المسيحية الغربية أو الأوربية) والحكم المسيحي ” . ولاحظ هنتنجتون إلى إنه مع ” تباشير القرن الرابع عشر وحتى القرن السابع عشر ، تمكن الأتراك العثمانيون من إعادة التوازن في المنطقة ” ، ومن ثم تقوت شوكتهم ” فإمتدت سلطتهم إلى الشرق الأوسط وبلاد البلقان ، وفرضوا هيمنتهم على القسطنطينية (إسطنبول) وتمكنوا من حصار مدينة فينا مرتين ” [66] .

  ومن ثم يستشهد بالأحداث التي وقعت في ” المناطق الرخوة ما بين الحضارات ” فيذهب مفسراً وموضحاً إلى إنه مع ” القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين أخذت السلطة العثمانية بالضعف والإعتلال ” ، فبدأت ملامح تاريخ جديد يفرض ظلاله على المنطقة . وفعلاً فإن ” البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين جاءوا إلى المنطقة ، وأعادوا السيطرة الغربية على معظم شمال أفريقيا والشرق الأوسط ” [67] .

  ولعل الشواهد التاريخية على ” تصادم الحضارات ” التي إستشهد بها هنتنجتون تحت مظلة ما أسماه ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ” شواهد ذات أهمية منها النزعات التي هزت الطرف العربي من منطقة الشرق الأوسط . وهنا ينبغي أن نحتفل بالبروفسور ” صماويل هنتنجتون ” وبالتحديد على ” صوته الشجاع ” الذي يُشكل صورة مضيئة في تاريخ رجل أكاديمي قال كلمة ” الحق ” التي صمتت عنها الغالبية العظمى من ” عقول أكاديمية ” بوعي وبقصد إرضاء ” الفكرانيات الأكاديمية ” ومغازلتها على حساب الحقيقة . يقول هنتنجتون بصراحة ما بعدها صراحة وهو يُعلق على الحروب بين  ” العرب وإسرائيل ” كطرف من أطراف النزاع في ” المناطق الرخوة والمتصدعة ما بين الحضارات ” بأن ” إسرائيل هي من صنع الغرب[68] وكلام هنتنجتون يعني بقوة بأن ” الحروب المستمرة بين العرب وإسرائيل هي من صنع الغرب ” . وأشعر بصوت خفي ما بين سطور هنتنجتون تهمس وتقول ” وكذلك فإن مأساة اليهود الغربيون على يد هتلر وما ترتب عليها من بحث الغرب عن وطن قومي لهم والذي تتوج بوعد بلفور هي من صنع الغرب ” وبتأييد ومباركة ملكية حجازية – عربية [69] .

  هذه بعض من الشواهد على ” تصادم الحضارات ” والأمثلة كثيرة التي إستشهد بها البروفسور صماويل هنتنجتون ومنها ماحدث بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي أخذ فيها ” صراع الحضارات ” وجهة جديدة أكثر بربرية ودموية . فالغرب ” أخذ يعتمد على الدول العربية في طاقته ” وبالتحديد على ” نفط العرب ” . والعرب من طرفهم تطلعوا إلى ” إمتلاك السلاح الغربي ” . ولعل ما قلناه عن ” حروب العرب مع إسرائيل ” مثالاً حياً نعيش مآساته اليوميه وهو شريان إقتصادي نازف وفيه تبديد للإقتصاد العربي وفيه ضحايا وتضييع لفرص حضارية يمكن أن تُستثمر لصالح الإنسانية . والأمثلة كثيرة منها إن ” فرنسا قاتلت بدموية مع الشعب الجزائري في الخمسينات من القرن العشرين ” . كما وإن ” فرنسا وبريطانيا (ومعهم إسرائيل) إحتلوا مصر في عام 1956 ” ، ومن ثم ” في عام 1958 تحركت القوات الأمريكية صوب لبنان ” [70] . كلها شهادات بقلم البروفسور الأمريكي ” صماويل هنتنجتون .

  والحقيقة إن القائمة طويلة وتتخطى العرب وصراعهم مع الغرب ، فهناك أمثلة على ” تصادم الحضارات ” مع إيران سواء في تصادمها مع الغرب أو تصادمها مع العرب (العراق إنموذجاً) . كما إن ” عودة أمريكا إلى لبنان ” ، والهجوم على ليبيا ” و ” مواجهة إيران ” ، ومن ثم تصاعد الحرب بين العرب والغرب في عام 1990 وذلك عندما ” أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها المسلحة الضاربة إلى الخليج بسبب إحتلال قطر عربي لقطر عربي أخر ” . كما يصف هنتنجتون مشاعر العرب وبالتحديد ” مشاعر الفخر والزهو وذلك عندما هاجم صدام حسين إسرائيل ووقف بوجه الغرب ” . ولاحظ إن ” حالة من التعقيد أصابت العلاقات بين الإسلام والغرب ، وخصوصاً في مضماري ” الديمقراطية ” و” الإصلاح السياسي ” وعلى هذا الأساس كانت مظاهر ” تصادم الإسلام والغرب ” … [71]

 ما هي الحضارة الجامعة ؟ وما هي الأعراض المرضية للقطر القريب ؟

      لاحظ الباحث إن البروفسور هنتنجتون قد إستهل بحثه لهذا المحور بما يشبه المقدمة النظرية ، وفي معظمها كانت ” تعميم إفتراضي ” في أحسن الأحوال من الزاوية الميثدولوجية يظل موضوع ” تمحيص ومراجعة وتدقيق ” يندرج في مضمار ” التأملات ” التي يلعب فيها ” الخيال الإنساني ” دوراً ملحوظاً وبذلك خلت من عملية المسح الإستقرائية التي يتميز بها البحث في طرفيه التاريخي والحضاري . وربما هذا التأمل والإفتراض يكون مقبولاً في مضمار العلوم السياسية وهو المجال الأكاديمي الذي تخصص فيه البروفسور هنتنجتون .

  ولنبدأ بإفتراض هينتنجتون والذي يذهب فيه إلى إن ” جماعات أو دول ، والتي تنتمي إلى حضارة واحدة ، تدخل في حرب مع شعب من حضارة مختلفة . وطبيعياً إن هذه الجماعات والدول تحاول أن تستقطب أعضاء من حضارتها ، وتطلب منهم الدعم والمساعدة ” [72].

ويرى هنتنجتون إن هذا حدث في الفترة التي أعقبت ” الحرب الباردة ” ، والتي تميزت بسمة ” الحضارة الجامعة (أو المشتركة) والأعراض المرضية للقطر القريب ” وهذه العبارة الواصفة لهذه السمة ، قد تبناها هتنجتون من الكاتب الصحفي المخضرم في شؤون الحروب والصراعات  ” هيك ديفيد سكوت كرينوي ” [73] .

  ومن النافع الإشارة إلى إن عبارة – إصطلاح ” هيك كرينوي ” حسب هنتنجتون قد حلت مكان العبارات التقليدية من مثل ” الأيديولوجيا السياسية ” و ” إعتبارات قوى التوازن التقليدية ” ومن ثم تحولت إلى ” أسس مبدئية في التعاون والتحالف ” . وفعلاً فإن هذا تم ملاحظته في ” إندلاع صراعات في فترة ما بعد الحرب الباردة في منطقة الخليج الفارسي (هكذا وردت وفيها إنحياز غربي وإصرار غربي على عدم تسميتها بالخليج العربي رغم إن معظم الدول المُطلة عليه هي دول عربية وإنما بقصد غربي لزرع ألغام جغرافية وإصطلاحات سياسية – حضارية وترويجها لتفجير موجات عداء مستمرة …) كذلك في القوقاز وبوسنيا ”  .

  وحسب عقيدة هنتنجتون إن ” لا واحدة من هذه البلدان في حروبها ” تندرج تحت ما أسماه ” بالحروب ما بين الحضارات ” [74] . إلا إنه يعود ويؤكد على ” إن كل واحدة من هذه البلدان تُشارك في مبادئ وأطراف من الحضارة الجامعة (أو المشتركة) ” . والتي كما تبدو ” إنها أصبحت أكثر أهمية في الصراع الجاري ، ومن المحتمل إن تحمل دليلاً مُنذراً للمستقبل ” . ومن الأمثلة التي يستشهد بها هينتنجتون :

أولاً – إن ما حدث في ” حرب الخليج العربي ، إن واحدة من الدول العربية إحتلت دولة عربية أخرى . ومن ثم إندلع قتال قادته قوى تحالف عربي وغربي وشاركت به دول أخرى ” . وبينما ساند ” صدام حسين (1937 – 2007) عدد قليل من الحكومات الإسلامية ” ، فإن ” العديد من النُخب العربية ” كانت ” مُبتهجة وتُعبر عن سعادتها الشخصية له ” ، والذي كان (أي صدام حسين) على حد تعبير هنتنجتون : شخصية شعبية لفئات عريضة من الجمهور العربي ” . وكذلك ” ساندت العراق الحركات الإصولية الإسلامية ” . بينما كانت ” حكومة الكويت والسعودية مدعومتين بمساندة الحكومات الغربية ” [75] .

  ونحسبُ إن البروفسور هنتنجتون وهو يبحث في تفاصيل ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” قد واجه مُعضلة منهجية كبيرة ، وهوكيف يُصنف الحرب بين العراق والغرب (ومع الغرب العرب المستغربين) هذا طرف . والطرف الثاني الذي يحمل تحدياً للبروفسور إن عنوان مقاله وكتابه ، هو ” تصادم الحضارات ” وإن عنوان المضمون الداخلي للمقال والكتاب ، هو ” صراع الحضارات ” . فما كان عليه إلا إن يقف موقف المتشكك ، ويحسم القضية بترجيح يُفيد بأن هذه الحرب ليست ” حرب حضارات ” [76] .

  وهنا أشعر كأكاديمي متمرس في البحث بحجم المعضلة المنهجية التي واجهها هنتنجتون ، وهي كيفية إقناع القارئ الأكاديمي وكذلك القارئ العام بأن هناك ” تصادم حضارات ” و ” حرب حضارات ” . وبجرة قلم قرر إنها ” حرب حضارات ” . حقيقة إننا ندرك إنه من الصعوبة بمكان على هنتنجتون أن يتخلى عن إصطلاحاته وعنوان مقاله وكتابه ” تصادم الحضارات ” ومن ثم يتخلى عن المضمون الداخلي لهما ، وهو ” صراع الحضارات ” . فجاء حله السحري وليس الأكاديمي بالطبع ، فقام برمي الحجر على الشاطئ الأخر ، وإستشهد بإفادة عربية ومن ثم إسلامية ، ودفع بأصحابها أن يتكلموا بإسمه ويصفون الحرب بإصطلاحاته السابقة والتي تخلى عنها في هذا المحور من مقاله ” تصادم الحضارات ” . والسبب رغبة غربية عند هنتنجتون في تعطيل إصطلاحه وتشغيل بدلاً عنه عنوان جديد ، هو ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” وذلك ليتخفى خلفه ويضع إطروحته الحضارية في تناقض صارخ .  

  هذا قدرنا نحن الأكاديميون الإنسانيون في الحوار والتعامل مع إطروحات حضارية صادرة من دوائر أكاديمية غربية موجهة توجيهاً أيديولوجياً سياسياً . فمن الملاحظ إن هنتنجتون قد جاهد في هذا المقال – الكتاب على ” فصل الطرف الحضاري عن الطرف الإيديولوجي والسياسي ” وهذا هو الأساس لإطروحته ” تصادم الحضارات ” . إلا إن هنتنجتون عندما جاء إلى ما حدث في الخليج العربي خصوصاً (ويشمل مناطق القوقاز والبوسنه) عاد وجدد الروح في الطرف الأيديولوجي – السياسي الذي تعطل حسب إعلان هنتنجتون ومات مع ” الحرب الباردة ” . ونحسبً إن الأكاديمي هنتنجتون قد تخلى عن منهجه الأكاديمي في هذه اللحظة من البحث ، و” عانق صنمه الأيديولوجي – السياسي ” ودثره بإصطلاح تبناه من الصحفي الأمريكي ” هيك ديفيد سكوت كرينوي” وهو ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” [77] .

   يقول هنتنجتون ولما تنكر العرب وداروا ظهورهم (إلى صدام حسين) ، فإن صدام حسين مال إلى المسلمين وناشدهم صراحة ” ولذلك يحسب البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” إن صدام حسين وكل الذين وقفوا معه حاولوا تحديد الحرب بأنها ” حرب حضارات ” وإنها ” ليست بحرب العالم ضد العراق ” . وهذا الأمر وصفه ” الشيخ السعودي الدكتور سفر عبد الرحمن الحوالي ” [78] وهو عميد الدراسات الإسلامية في جامعة ” أم القرى ” في مكة ، بأنها ” حرب الغرب ضد الإسلام ” [79] . ويؤكد هنتنجتون على إن المسلمين تناسوا عداوتهم وتنافسهم وبالتحديد ما حدث بين ” العراق وإيران ” والشاهد على ذلك ” دعوة القائد الديني الإيراني آية الله علي خامنئي إلى الحرب المقدسة ضد الغرب ” ومن ثم ناشد خامنئي (1939 – لايزال حياً وعمره جاوز 75 عاماً ” المسلمين للكفاح ضد الإعتداء الأمريكي ، والطمع والخطط والسياسات الأمريكية ، وسنحسبه (هكذا قال خامنئي) جهاداً ، وإن أي شخص سيُقتل في هذا الطريق هو شهيد ” [80] .

  وقدم هنتنجتون مثالاً عربياً مُعاصراً له دلالته ومصداقيته على مضمون ” الحرب التي قادها الغرب وشارك فيها الأشقاء العرب ” وهو المثال الذي لازال شاخصاً أمام أنظار العالم عرباً وشرقاً وغرباً ، فذهب مُشيراً إلى إن ” الملك حسين ” (1935 – 1999) ملك الأردن والذي جادل في هذه القضية ، وذهب إلى إن هذه الحرب ” ضد العرب جميعاً ، وضد المسلمين جميعاً ، وهي ليست ضد العراق لوحده ” [81] .

  كما لاحظ هنتنجتون بأن مجاميع ملحوظة من ” النُخب العربية والشعبية قد وقفت مع صدام حسين ” . وهذ الحال ” سبب للحكومات العربية التي شكلت تحالفاً مُعارضاً للعراق (مآزقاً) ولذلك أخذت تُخفف من نشاطاتها وتُعدل من خطاباتها للجمهور العريض ، ومن ثم سعت إلى أن تنأى بنفسها بعيداً من الضغوط الغربية على العراق ، وخصوصاً فيما يخص منطقة الحظر الجوي التي فرضتها في صيف 1992 ، وكذلك في قصف العراق في كانون الثاني عام 1993 ” . والحاصل من ذلك إن تحول ” التحالف الغربي – الروسي التركي العربي ” ضد العراق في 1993 . نقول تحول إلى مجرد تحالف ” يقتصر فقط على الغرب والكويت ضد العراق ” [82] .

  ومن ثم أشار هنتنجتون إلى إن ” المسلمين أخذوا يُقارنون بين أفعال الغرب ضد العراق ” ومعايير الغرب المزدوجة . فمثلاً إن ” الغرب فشل فشلاَ ذريعاً في حماية البوسنيين من هجمات الصرب ” . كما فشل ” الغرب في فرض عقوبات على إسرائيل في عنفها وإختراقها لقرارات الأمم المتحدة ” . ولذلك (كما يذكر هنتنجتون) زعم المسلمون بأن ” الغرب يستخدم معايير مزدوجة ” وإن ” عالم تصادم الحضارات ” هو ” عالم محتوم عليه أن يكون عالم ذات معايير مزدوجة ” . فالشعوب ” تستخدم معايير خاصة لأقطارها الغربية ، ومعايير أخرى مختلفة للأخرين ” [83] .

ثانياً – إن الأعراض المرضية للقطر القريب قد ظهرت كذلك في ” بلدان الإتحاد السوفيتي السابق ” . وفعلاً كما يقول هنتنجتون ” إن الجيش الأرميني نجح في عامي 1992 و1993 من إثارة الأتراك ودفعهم إلى أن يُصعدوا من مساعدتهم لإخوانهم في الدين والإثنية واللغة في أذربيجان ” . وتأتي مصاداقية ذلك في ما قاله في عام 1992 واحد من الساسة القيادين الأتراك ، فأفاد ” إن شعبنا التركي يشعر بتعاطف عال وكأنهم أذربيجانيين ” . وكل هذا جاء متناغماً مع ما صرح به ” الرئيس التركي تورغوت أوزال ” (1927 – 1993) والذي أفاد ” إننا نواجه ضغوط كبيرة ، وإن صحفنا مملوءة بالصور التي تفصح عن الفضائح العدوانية ، وشعبنا يتساءل ؛ هل إننا لا نزال جادون في سياستنا الحيادية ، وإنه من الأفضل أن نبين للأرمن بأن تركيا الكبرى لازالت في المنطقة ” [84] .

  ومن الملاحظ إنه في السنوات الأخيرة من وجود الإتحاد السوفيتي ” إن الحكومة الروسية قد ساعدت الأذربيجانيين بسسب إن الغالبية في الحكومة الأذربيجانية كانوا شيوعيون ” . ولكن مع نهاية الإتحاد السوفيتي ، فإن ” الإعتبارات السياسية أخذت طريقاً جديداً ، فحلت محلها الإعتبارات الدينية ، فالقوات الروسية أخذت تقاتل جنباً بجنب الأرمن ، والأذربجانيون إتهموا الحكومة الروسية بأنها تغيرت 180 درجة ووقفت مع الأرمن المسيحيين [85] .

ثالثاً – يحترم هنتنجتون كل الإعتبارات التي رافقت ” القتال في يوغسلافيا السابقة ” كما إنه متفهم ” لتعاطف الجمهور الغربي مع البوسنيين المسلمين ، وهذا كان واضح في مساعدتهم في لحظات الرعب والخوف التي سببها لهم الصرب ” . وبالمقابل فإن الإهتمام الغربي أخذ نبرة عدم المبالات ” حول إعتداءات الكرواشيون على المسلمين ، وتقطيعهم البوسنه – والهرسك إلى أوصال ممزقة ” . ولاحظ هنتنجتون بأنه ” في بداية تفكك يوغسلافيا ” ، فإن ألمانيا لعبت دوراً غير معهود لها ” فقامت بمبادرة دبلوماسية ، حيث دعت 11 عضواً من الجماعة الأوربية ، وقادتهم للإعتراف بسلوفانيا وكرواشيا ” . ونتيجة لذلك فإن البابا قرر ” مساعدة هذين القطرين الكاثوليكيين ، بل وإن الفاتيكان إعترف بهما قبل إعتراف الجماعة الأوربية ” . ومن ثم ” تابعت الولايات المتحدة الأمريكية القيادات الأوربية ” . وهكذا كما يحسب هنتنجتون ” إن القيادات الفاعلة في الحضارة الغربية قد تجمعت بصف هذا التحالف ” [86] .

  وفعلاً فإن التقارير جاءت لتكشف عن تسليح ” كرواشيا بالعتاد العسكري ، وإن التجهيزات العسكرية وصلت من بلدان أوربا المركزية . كما إن حكومة بوليس يلسن قد لعبت دوراً وسطاً ، فمن جهة كانت متعاطفة مع الصرب الأرذوكس ، ومن طرف أخر كانت غير راغبة في عزل روسيا عن الغرب ” . كما إن ” الجماعات الروسية المحافظة والقوميين الروس قد هاجموا الحكومة في ترددها في مساعدة الصرب ، ويبدو إن رد الفعل تمثل في بواكير عام 1993 فقد ذكرت التقارير بإن بضعة مئات من المقاتلين الروس قد شاركوا القوات الصربية في القتال . ومن ثم أكدت التقارير بأن الجيش الروسي أخذ يُساعد الصربيين بالتجهيزات العسكرية ” [87] .   

  ومن طرف أخر كما يرى هنتنجتون إن الجماعات والحكومات الإسلامية وبخت الغرب بشدة على تأخرها في الدفاع عن البوسنيين . فمثلاً إن القادة الإيرانيون ألحوا على جميع الأقطار الإسلامية بتقديم المساعدات إلى البوسنيين . بل وخرقت قرارات الأمم المتحدة المفروضة على حظر توريد الأسلحة إلى المناطق المتنازعة عليها في يوغسلافيا السابقة ، فمثلاً إن إيران قامت بتوفير التجهيزات العسكرية والرجال المتطوعين للقتال مع البوسنيين . كما إن الجماعات الإيرانية واللبنانية قامت بإرسال ” رجال العصابات ” من أجل تدريب وتنظيم القوات البوسنية . وفعلاً فإن التقارير تشير إلى إن أعداد المسلمين المسلحين قد وصلت إلى 4000 مقاتل جاءوا من أقطار إسلامية متنوعة وكان جميعهم يُقاتلون في البوسنه  .

  وفي ظل هذه الأجواء ، وجدت حكومات مثل المملكة العربية السعودية وأقطار أخرى نفسها تحت ضغوط شعبية وخصوصاً من جماعات إصولية تطالب مجتمعاتها بالمزيد من المساعدات  الجدية إلى البوسنيين . وفعلاً ففي نهاية عام 1992 إن المملكة العربية السعودية – كما تذكر التقارير – قامت بتقديم التجهيزات الأساسية ، ودعم بالمال من أجل توفير التجهيزات العسكرية والمعدات للبوسنيين وذلك لزيادة قدراتهم الدفاعية ضد الصرب [88] .

  ويُعلق هنتنجتون على ما حدث في أقطار يوغسلافيا السابقة ، ويُقارن ذلك بما رافق الحرب الأهلية الأسبانية في الثلاثينات من القرن المنصرم (1930) فيقول ” إن الحرب الأهلية الإسبانية ، حملت العديد من الأقطار للتدخل في الحرب ، والتي كانت ذات أنظمة سياسية مختلفة ، منها أنظة فاشية وشيوعية وديمقراطية . وفي تسعينيات القرن المنصرم (1990) فإن الصراع اليوغسلافي أثار ودفع بتدخل أقطار إسلامية ، ومسيحية أرذوكسية وأقطار مسيحية غربية ” . ومن جهة أخرى ” إن الحرب في البوسنه والهرسك أصبحت مُعادلاً من الناحية العاطفية للحرب ضد الفاشية في الحرب الأهلية الأسبانية ” . وهذا ما لاحظه واحداً من الكتاب السعوديين فقال ” إن هؤلاء الذين قاتلوا هناك (منا : أي في البوسنه والهرسك) يُعدون شهداء وحاولوا إنقاذ إخوانهم من المسلمين ” [89] .

 ولاحظنا إن البروفسور هنتنجتون في خاتمة هذا المحور يعود إلى عنوان مقاله – الكتاب ” تصادم الحضارات ” ويصيغ طريق العودة على شكل ” توقع أو تكهن ” ، فيقول ” ويبدو إنه في السنوات القادمات ، إن هذه الصراعات المحلية على الأغلب ستتصاعد إلى صورة حروب كبرى ، وهي الصراعات في البوسنه والقوقاز ، والتي تُشكل اليوم مناطق ” الحدود الرخوة أو المتصدعة بين الحضارات ” . وإن ” الحرب العالمية القادمة إذا ما حدثت فإنها ستكون بين الحضارات [90] .  

كيف ستكون مواجهة الغرب للبقية ؟

  نحسب بداية أن نشير إلى الحقيقة التي تناساها البروفسور هنتنجتون ، وهي حقيقة يعرفها كل من إشتغل في مضماري ” فلسفة التاريخ والحضارة ” غرباً وشرقاً ، وهي مساهمة ومشاركة الشعوب ومن ثم النتاج الحضاري لأمم متنوعة في الحضارة الغربية ، وخصوصاً في مرحلة التأسيس والإنطلاق . ولعل القارئ الأكاديمي المتخصص يعرف مقدار وحجم الإنجاز الحضاري العربي ومن ثم العبري والأسيوي في إنشاء قاعدة الإقلاع الحضاري الغربي هذا طرف . وإن المتابع المعاصر للحركة العلمية والفكرية في الغرب يلحظ إن أسماء كبيرة تقود عملية التطوير العلمي سواء في الأكاديميات الغربية أو في المخابر العلمية . ولهذا فإن السؤال الملحاح ؛ هو أي حضارة غربية يتحدثون عنها ، إنها لم تعد غربية بالمعنى التقليدي إنها نتاج إنساني متوارث وصل إلى درجات من الرقي العلمي والتقني في بلاد الغرب .

  هذه مسألة غابت (وليس لدينا شك بأن البروفسور هنتنجتون تناساها بقصد) من ذهنية بروفسور العلوم السياسية ولهذا نظن إن هنتنجتون لو تدرب أكاديمياً ليكون ” فيلسوف تاريخ أو حضارة ” لقدم بحثاً في مضمار ” تصادم الحضارات ” إنسانياً يتعالى على الحدود الضيقة التي سجن نفسه فيها ، فظل بحثه مخنوقاً ولم يتمكن من الصعود إلى الطوابق العالية الإنسانية من البحث الفلسفي في التاريخ والحضارة .

  وفعلاً فقد بدأ هنتنجتون بحثه في هذا المحور بالإشارة إلى إن ” الغرب اليوم هو في مصاف القوى الكبرى (منا : التي إنفردت بالعالم مع كل الأسف) والتي تحتل ” قمة الهرم العالي ” في ” علاقاتها مع الحضارات الأخرى ” [91] ، ومن ثم يستمر فيضيف إلى إن ” القوى الكبرى التي كانت تُعادي الغرب قد إختفت من الخارطة (منا : هذا كلام إنشائي عام غير صحيح مع الأسف أن نقول للبروفسور هنتنجتون) ، كما إن الصراعات العسكرية بين الدول الغربية بعضها مع البعض الأخر غير واردة . كما إن القوى الغربية العسكرية هي ليست في حالة تنافس وتمحور وإستقطاب [92] .

  حقيقة لقد تناسى البروفسور هنتنجتون حقيقة إقتصادية خطيرة ، منها هي إن إقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية (الدولة العظمى الغربية) مرهون ومُجير إلى أجل غير مسمى بيد الحكومة الأسيوية – الشرقية الصين (التي أطلق عليها هنتنجتون وعلى مجموعتها إصطلاح الدول الكونفوشيوسية) البُعبع المتخفي في المصباح السحري لعلي بابا ، إن أمريكا أصبحت عاجزة من تسديد ديونها للمارد الإقتصادي الصيني وإنها لم تتمكن من إطفاءها لعقود من السنيين ، وإستسلمت فقط إلى دفع الفوائد الباهضة على ديونها منذ سنيين . إن كُتاب السياسة عاجزون عن إدراك عوامل النخر والتصدع في جسم الحضارات … أو إنهم بقصد يحاولون ”  تضليل الشعب الأمريكي ” ومن خلاله الشعوب الأخرى ومسخ الحقيقة وتسمية الأشياء بغير مسميتها …

     ويبدو إن الغرب في حيرة ويعيش ” صدمة حضارية جديدة ” ، فهناك ” بعبع جبار جديد متخفي في مصباح علاء الدين السحري  وهو ” المارد الإقتصادي الياباني ” (والذي هو مرشح لقيادة مجموعة الدول البوذية) [93] وهي (أي اليابان) عدو الماضي القريب و ” الحليف مع ألمانيا النازية ” . وهناك بُعبع ثالث يتنامى بنبض متوالية هندسية سريعة وهو بعبع كوريا الشمالية ، إضافة إلى بُعبع الهند الرابع (والمتسور بهندوسية والمُرشح بقيادة الدول الهندوسية أو البراهمية) [94] والذي لا يتوقع أحد متى سيُفاجئ الجميع بنهوضه .. زائداً بُعبع خامس نهض وتم قمعه وتحدث عنه المفكر الإسلامي النهضوي المعاصر ” مالك بن نبي ” ، وهو محور ” دول طنجا – جكارتا ولا أحد يعرف متى سيطل من جديد مارداً عالمياً جباراً …[95]

  وعودة إلى البُعبع والمارد الياباني فإن الغرب وخصوصاً أمريكا ، يسعيان بقوة جبرية إلى ضمه تحت تحالف ينسف مفهوم ” الغرب والحضارة الغربية المُتسيدة ” ، وبدلاً من ذلك حل محله الحديث إذا ما تم تداول إصطلاحات غربية جديدة ، من مثل ” الجماعة أو المجموعة العالمية ” . وهي المظلة السياسية التي تسمح بضم اليابان إليها ، وهو المارد الإقتصادي المنفلت والمتخفي من سيطرة الغرب .

  وفعلاً فقد لاحظنا إن البروفسور هنتنجتون قد تابع التطور في حركة نمو الإصطلاحات ، وتخلى عن إصطلاح الغرب (وبالطبع نحسب إن هذا يتضمن تخليه عن إصطلاح الحضارة الغربية وهذا يشمل تصادم الحضارات عنوان كتابه الذي سيكون فيه غياب للحضارة الغربية كذلك…) مثلما تخلى رئيس الوزراء البريطاني ” جون ميجر ” عنه في حديثه الذي أورده هنتنجتون في هامش (ص 39) من مقاله ” تصادم الحضارات ” . وفعلاً فإن ” ميجر ” قام بتصحيح نفسه عندما ذكر ” الغرب ” وكأنه أصبح إصطلاح ينتمي إلى ” ميراث الماضي المطمور ” وإن إصطلاح ” المجوعة أو الجماعة العالمية (الدولية) ” هو الإصطلاح المناسب والمنسجم مع ” النبض السياسي والحضاري للنظام العالمي ” الذي تكون جديداً وخلف وراءه  التراث السياسي والحضاري للغرب دون رجعة .

  يقول رئيس الوزراء السابق ” جون ميجر ” وإعتماداً على رواية البروفسور هنتنجتون ، ” إن قادة الغرب يزعمون بأنهم غالباً ما يتصرفون نيابة عن الجماعة الدولية ، ولكن زلة اللسان أو هفوة حدثت خلال حرب الخليج (ومن زاوية علم النفس الفرويدي وهو غربي لحماً ودماً وتفكيراً إن زلة اللسان والهفوة هي كل الحقيقة قبل أن تتدثر بغطاء من الزيف والكذب) . ففي مقابلة مع جريدة ” صباح الخير أمريكا ” ، وفي 21 ديسمبر 1990 قال رئيس الوزراء البريطاني السابق ” جون ميجر ” وهو يشير إلى أفعال الغرب التي إتخذتها يومذاك ضد الرئيس العراقي صدام حسين ، وبسرعة سحرية ينتبه ” ميجر ” من صحوته ، ويقوم بتصحيح هفوته ، ويشير بدلاً من الغرب إلى الإصطلاح السياسي المعتم الجديد ، وهو ” الجماعة أو المجموعة الدولية ” . ومن ثم يُعلق البروفسور هنتنجتون على ذلك المشهد ، فيقول ” لقد كان جون ميجر ، على أية حال ، على صح عندما أخطأ ” [96] . وهناك تفاصيل على هذا المحور ونكتفي بهذه الأمثلة في كيف إن الغرب واجه العالم وبلغة هنتنجتون ” البقية ” [97] .        

ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟

  يبدو لنا إن عنوان هذا المحور ومن ثم مضمونه يتعارض من الزاوية الميثدلوجية مع عنوان ومضمون محور سابق عالجه البروفسور هنتنجتون بقلمه ، وهو محور كان بعنوان ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” . وهذا الحال ما كنا نتمناه للبروفسور وهو الأكاديمي المتمرس أن ينتهي إليه في فهم ” مسيرة الحضارات ومناطق إختناقاتها ” . ولعل هذا الحال فيه حق كثير ، يحملنا على القول ” إن السبب هو بسيط ، وهو إن قلم هنتنجتون في معالجة الموضوع كان بيراع رجل السياسة ، الذي لم يكن مؤهلاً أكاديمياً من الصعود إلى الطوابق العالية لمبحثي ” فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة ” وهما المبحثين العتيدين في ” دراسة قضايا الحضارات ” . ومن المعلوم لقارئ هذا البحث ، إن عنوان مقال وكتاب هنتنجتون هو ” تصادم الحضارات ” والمضمون فيه معالجة طاغية لصراع الحضارات . والذي كان مقبولاً إلى حد ما في المحور السابق .

  غير إن عنوان المحور الحالي يتضمن معنى أساس متخفي وهو ” تعاون الحضارات ” أو ” تقارب الحضارات ” والذي سيكون المقياس المخرمي لمعرفة ” الحضارات المتعاونة أو المتقاربة ” وبالمقابل تشخيص ” الحضارات المفككة ” و ” الحضارات المتوارية ” والتي إنتهت أقطارها إلى ” حالة من التمزق والتشرذم ” بعد إن غادرت بقصد أو بإجبار حالة ” المشاركة الحضارية أو التجمع الحضاري ” .

  ولنعود إلى النص الهنتنجتوني (نسبة إلى البروفسور هنتنجتون) وذلك من أجل البحث عن جواب وماصدق ودلالة على سؤاله ” ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟ ” [98] . إستهل هنتنجتون حديثه عن الأقطار الممزقة ، بالكلام عن ” المستقبل ” وهذا الكلام يدخل في باب ” الذي يأتي ولا يأتي ” [99] وفقاً لعنوان الشاعر العراقي الكبير ” عبد الوهاب البياتي ” (1926 – 1999) ، وهو باب يعمل ويشتغل فيه الخيال الإنساني أكثر مما يعمل فيه عالم السياسة الذي يتعامل مع الواقع ويحلل مايجري ويُحاكمه ومن ثم يُقيمه . وفي أضعف الإيمان هو مضمار يـتأمل فيه فيلسوف التاريخ والحضارة . وفي كلا الحالين غابت شخصية البروفسور هنتنجتون وهو يبحث عن إجابة من الناحية الميثدولوجية لسؤاله (ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟) لقد قلنا قبل قليل إن هنتنجتون إستهل جوابه بالحديث عن ” المسقبل ” وهو باب ” الخيال والأحلام ” ، يقول هنتنجتون ” في المستقبل ستُميزُ الشعوب نفسها بالحضارة ، وإن الأقطار التي تتكون من عدد من الشعوب ذات الحضارات المختلفة من مثل الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا ، فهي مُرشحة ” للإنقسام والتشرذم ” [100] .

 ومن ثم يُجادل هنتنجتون ، فيذهب إلى إن ” بعض من البلدان إمتلكت بدرجات ما بعض التجانس الحضاري ” . غير إنها منقسمة حول قضية إن ” مجتمعاتهم تنتمي مرة إلى واحدة من الحضارات ، ومرة إنها تنتمي إلى حضارة أخرى ” . وهذا الأمر ” مزق هذه البلدان ” ، إلا إن ” قادتهم مارسوا ضغوطاً ستراتيجية حقيقية وعملوا من بلدانهم أعضاء من مجموعة الدول الغربية ” . وبالمقابل إن ” تاريخ وحضارة وتقاليد وإرث بلدانهم ، تدلل بصورة واضحة على إنها ليست ببلدان غربية ” . ومن الأمثلة الإنموذجية على البلدان الممزقة هي تركيا [101] .

  ومن النافع الإشارة هنا إلى إنه ” في نهاية القرن العشرين تابع القادة الأتراك التقليد الأتاتوركي [102] ، وعرفوا تركيا بأنها دولة غربية حديثة ، وإنها دولة علمانية ، وشعبها شعب غربي . كما إن تركيا تحالفت مع الغرب من خلال حلف النتو في حرب الخليج . إضافة إلى إنهم تقدموا بطلب الإنضمام عضوا في المجموعة الغربية (الأوربية) ” . وفي الوقت ذاته فإن ” هناك جزء من المجتمع التركي ساند الخصم المسلم ، وهذا الجزء جادل بأن تركيا هي مجتمع إسلامي شرق أوسطي ” . في حين إن ” النُخب التركية تُعرف تركيا بأنها مجتمعاً غربياً . إلا إن النُخب الغربية ترفض قبول تركيا كما هي ” . وعلى هذا الأساس فإن ” تركيا سوف لن تكون عضواً في الجماعة الأوربية ” والسبب الحقيقي كما قال الرئيس التركي أوزال ” إننا مسلمون ، وهم مسيحيون وإن لم يقولوها ” وإنا ” رفضنا مكة (منا : أي رفضنا الإنتماء إلى الإسلام) ، فإن بروكسل (عاصمة بلجيكا والإتحاد الأوربي) سترفضنا (منا : أن نننتمي إلى الغرب) ، إذن ماذا تتطلع إليه تركيا ؟ [103] .

  ويشترط هنتنجتون في إعادة تعريف ” الهوية الحضارية للبلدان الممزقة ” أن تتوافر فيها ثلاثة من المؤهلات ، وهي :

أولاً – أن تكون نُخبها السياسية والإقتصادية على العموم متحمسة ، بل وتساعد على أن تسير الحركة بهذا الإتجاه .

ثانياً – أن يكون جمهورها صاحب إرادة على قبول إعادة التعريف .

ثالثاً – أن تمتلك الجماعات المهيمنة والمستلمة للحضارة ، الإرادة على تبني هذا التحول .

  ومن الملاحظ إنه في ” البلدان الممزقة ” إن الجزء الأكبر من هذه المؤهلات الثلاثة كانت متوافرة مثلاً على ذلك بلد مثل المكسيك . أما الجزء الأكبر من المؤهلات الأولى والثانية فكانت متوافرة لتركيا . وبالمقابل فليس هناك وضوح كاف في أن هذه المؤهلات متوافرة لروسيا لتكييفها ولنقل تطبيعها لتلتحق بركب الغرب . فمثلاً هناك صراع بين ” الديمقراطية الليبرالية ” و ” الماركسية – اللينينية ” رغم إنهما يشتركان في الإهداف النهائية في ” الحرية والمساواة والإزدهار ” . ولكن (منا : واللعنة على لكن) إن ” روسيا التقليدية ، الإستبدادية (الدكتاتورية) والقومية ، ربما تكون لها أهداف مختلفة تماماً ” [104] .   

   وبعد هذا العرض نحسب البروفسور هنتنجتون وقع في ” مطب منهجي وأكاديمي كبير ” وذلك عندما غابت من أنظاره ” حالتين غربيتين ” تتناغمان على الأقل (إذا إستثنيا تركيا لأغراض الجدل) مع إيقاع حالتي ” الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا ” ، وهما ” الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا ” . فأمريكا وفقاً لإحصاءات السكان في هذا العام ” كشفت عن نسبة السكان من إصول أسبانية – لاتيننو تُشكل الأكثرية ، وهم بالطبع ينتمون إلى ” حضارة مختلفة ويتكلمون لغة مختلفة ” . كما وإن واقع ألمانيا ليس بأحسن حالاً من الولايات المتحدة ، فإن الأحصاءات الرسمية ” كشفت بتنامي أعداد الألمان من إصول غير ألمانية بصورة ” تهدد الهوية الحضارية الألمانية التقليدية (والحال يشمل فرنسا كذلك) . وهذا يُشكل تحدياً لمفهوم ” الحضارة الجامعة ” .

  ولكل ذلك نحسب إن هنتنجتون كان مُتعجلاً في هذه القضية ولم يُفكر بنتائجها المدمرة على مستوى ” وحدة الدول الأوربية ” و ” وحدة الولايات المتحدة الأمريكية ” . ولو سمح هنتنجتون لنفسه وأخذ وقت من التفكير لتخلى عن هذا العنوان وذلك لأن فيه التوقع الحتمي ” لمصير الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن ثم ألمانيا وكذلك فرنسا …وبالطبع هو ” مستقبل ” معتم إذا ما تخيل هنتنجتون ” الولايات المفككة (أو بإصطلاحه الممزقة) الأمريكية ” و ” ألمانيا المفككة (الممزقه بإصطلاحه) ” و” فرنسا الممزقة ” …

  ونظن إن هذا أمر سيرفضه المهيمنون من الجمهوريين ومن ثم الديمقراطيون الأمريكيون على شؤون السياسة في ” بلاد العم سام ” ، وسيلومون البروفسور هنتنجتون على ترويج مثل الأفكار الخطيرة على الأقل على ” وجود الولايات المتحدة الأمريكية ” وعلى وجود حلفاءها من الألمان والفرنسيين ولو دققنا في هذه الأطروحة الهنتنجتونية لشملت معظم الدول الأوربية ولم ينجو أحد بسلام منها إلا بشرط واحد وواحد فقط ، وهو رفض مفهوم ” تصادم الحضارات ” ومفهوم ” صراع الحضارات ” وإحلال محلهما مفهوم ” تعاون الحضارات ” . وفعلاً فإن القارئ لكتاب هنتنجتون الأخير والمعنون ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” والذي صدر في عام 2004 ، يقف على ” توقعات هنتنجتون لمصير الولايات المتحدة الأمريكية ” . وفي هذا الكتاب ” يُحذر هنتنجتون من موجات المهاجرين اللاتينو ” والذي ” سيؤدي إلى تقسيم الولايات المتحدة الأمريكية إلى شعبين وحضارتين ولغتين [105] .  

  هذا ما قاله البروفسور هنتنجتون صراحة ، ونحسب إنه أمر صمت عنه الكثير ، ونحن متفهمون لأشاراته ومنها إشارته التي ذكرناها سابقاً ، وهو ” إن الغرب هو المسؤول ” عن الصراع العربي – الإسرائيلي . وعلى أساس هذا الهم الهنتنجتوني يمكن ” أن نتوقع في المسقبل غير المنظور إنقسامات عميقة في المجتمع الإسرائيلي ومن ثم تفككه إلى أوصال حسب مفهوم هنتنجتون ، وذلك لأنه يضم يهوداً جاءوا من حضارات متنوعة ” ومنهم من جاء من روسيا ومنهم من جاء من أوربا الشرقية ، ومن ألمانيا ، ومن البلاد العربية ومن أفريقيا ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن كل بقاع العالم . وهذا التجمع الحضاري سيكون حسب إطروحة هنتنجتون مرشحاً بالتفكك والإنقسام والتشرذم ” . وإن ما قاله هنتنجتون عن الولايات المتحدة الأمريكية وإنقسامها إلى شعبين وحضارتين ولغتين ، فإن إسرائيل مرشحة (والتي يُشكل فيها العرب المسلمون والمسيحيون والدروز أكثر من 22 % من السكان) لهذا الحال قبل الولايات المتحدة إذا سلمنا وقبلنا بإطروحة هنتنجتون التي أودعها كتابه المعنون ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” [106] .

ما طبيعة العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ؟

  نحسب من خلال تجربتنا الأكاديمية التي تمتد أكثر من أربعة عقود من الزمن ، إنه لا يتوافر لدينا أي دليل علمي على ” وجود علاقات تواصل عقيدي بين الكونفوشيوسية والإسلام ” . ورغم هذا الحال سنقبل بصورة أولية فرضية البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” ونذهب معه فيما زعم ما دام هو أكاديمي وحاله حالنا هو البحث عن الحقيقة وليس أقل من الحقيقة حكماً فيصلاً بين الطرفين . وبالمناسبة إن لدينا كتاب أكاديمي رائد في هذا المضمار ، وفيه فصل بعنوان ” القدوة في الحضارة الصينية ” [107] .  وهذا الكتاب فاز بإختيار كلية التربية – جامعة الموصل والذي تم إختياره من مجاميع من المشروعات التي تقدمت بها الأقسام العلمية المختلفة يومذاك . وهذا الكتاب كان بعنوان ” القدوة : دراسة تحليلية في مواصفات الشخصية المثالية ” والذي صدر قبل ما يُقارب الربع قرن من الزمن [108] .

  ولنعود إلى مقال – كتاب هنتنجتون ونرفع السؤال من جديد ؛ ما طبيعة العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ؟ بدأ هنتنجتون هذا المبحث كعادته المثدولوجية بمقدمة عامة ، أشار فيها إلى ” المعوقات ” التي تسدُ الباب أمام ” البلدان غير الغربية ” من الإرتباط والإلتحاق بركب ” الغرب المتنوع ” والذي يضم على الأقل بُلداناً من  ” أمريكا اللاتينية ” و ” أوربا الشرقية ” . وفي كلتاهما فإن هذه البلدان تتمتع ” بمكانة كبيرة ” وبالتحديد في ” البلدان الأرثوذكسية في الإتحاد السوفيتي السابق ” . وإن هذه ” البلدان لا تزال لها مكانة كبيرة في المجتمعات الإسلامية والكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية [109] .

   ونحسبُ إن هذه القضية التي أثارها هنتنجتون تحتاج إلى تدقيق أكاديمي ودراسة تفصيلية وذلك لأنه قفز من شاطئ إلى شاطئ ، وإن من الصعوبة بهذا الكلام المكثف العام ” تجسير الهوة ” بين ” شاطئ البلدان الأرثوذكسية ” و ” شواطئ حضارية متنوعة تضم مجتمعات إسلامية ، وكونفوشيوسية وهندوسية وبوذية ” . وإذا قبلنا من الزاوية الميثدولوجية وضع ” البلدان الأرثوذكسية ” في سلة منفردة . فإنه من الصعوبة مثدولوجياً قبول شد ” مجتمعات وعقائد متنوعة وفيها إختلافات تصل إلى كسر العظم العقيدي في سلة واحدة ” .

  ومن المعلوم إن اليابان بوذية وبوذيتها هوية حضارية وهي كتلة ثقافية متفردة . وهنا عاد إليها هنتنجتون بمنهج ” غير حضاري ” بل منهج ” سياسي – أقتصادي (وهو منهج حسب رؤية هنتنجتون أصبح عاطل وجزء من ذمة التاريخ) ليقطع جذورها البوذية الضاربة في قواعد حضارتها إلى أوصال ، ويقفز بها لتكون ” شريكاً ” للغرب . فحسب رؤيته إن ” اليابان أسست لها مكانة متفردة ” فكانت ” عضواً مشاركاً مع الغرب ” [110]. والسؤال المشروع أكاديمياً ؛ كيف تخلت اليابان عن هويته البوذية الخاصة والتي تُشكل البعد الحضاري العميق للهوية اليابانية ؟ سؤال لا جواب له إلا بالإشارة إلى إن خطاب هنتنجتون ليس خطاباً وتحليلاً حضارياً ، وإنما هو مجرد خطاب سياسي .

  وهكذا شطب بجرة قلم هنتنجتوني جذورها البوذية الشرقية ، ورفع منها ” عضواً مهيأً لمشروع المشاركة الغربية ” . ونظن إن هنتنجتون بفعل التجريد للخصوصية الحضارية التي تتمتع بها اليابان وبالطبع شطب ” الهوية البوذية ” يكون قد شطب بيده عنوان مقاله وكتابه ” تصادم الحضارات ” . وإنه لا شعورياً يتحدث عن عنوان جديد هو ” تعاون الحضارات ” وعلى الأقل بين ” الحضارة اليابانية المتسورة بالعقيدي البوذي ” و” الحضارة الناهضة على مسيحية غربية ” . فهل من الممكن شد هذين الحضارتين المختلفتين برباط واحد ، والتوفيق بين العقيدتين البوذية والمسيحية الغربية في مذبح واحد . إنها ” تلفيق لا منطقي على الإطلاق ” وفيها إشكالية فلسفية ومثدولوجية وعقيدية معقدة لا يقبلها ” الياباني البوذي ” ولا ” الأوربي صاحب العقيدة المسيحية الغربية ” [111] .

  ويبدو لنا إن هذا التلفيق اللامنطقي وهذا الإشكال الفلسفي الميثدولوجي والعقيدي المعقد ، لا يقبله ” المسلم ” ولا ” الكونفوشيوسي ” . وهذ ما سنحاول معالجته في هذا الطرف من البحث وبالطبع خلال الحوار مع البروفسور هنتنجتون . ونحسب إنه من المفيد أن نشير إلى إن العلاقة الوحيدة التي نتصورها ، هي ” علاقة سياسية إقتصادية بين الصين (وربما بحدود جيوسياسية بحيث تتسع لبلدان يمكن ضمها تحت مظلة الكونفوشيوسية) والبلدان الإسلامية ” وبالتحديد في مضمار ” توريد السلاح التقليدي وتطوير السلاح غير التقليدي ” وفي إطار التعاون الكونفوشيوسي – الإسلامي محور إتحاد جيوسياسي وحسب . وفي هذا الباب يمكن فهم ما أسماه هنتنجتون ” بالعلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ” .

  وربما هنا مسكنا طرفاً من ” ضميمة بروفسور العلوم السياسية الأمريكي صامويل هنتنجتون ، وهو ليس الحديث عن ” تلفيق عقيدي كونفوشيوسي – إسلامي ” بقدر ما هو إصطلاح سياسي أراد به التصنيف لمجموعة دول أو محور مُخاصم للغرب . وهذا هو ” جوهر وكبد الخطاب الأيديولوجي السياسي الهنتنجتوني) . ولنعود إلى مقال هنتنجتون ” تصادم أو صراع الحضارات ” نقدم منه شواهد وأمثلة على مفهوم ” الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي ” الذي تحدث عنه هنتنجتون وبالصورة الأتية :

أولاً – مهد هنتنجتون للحديث عن الترابط أو العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية بالكلام عن ” علاقة اليابان بالغرب ” ومنها أقلع لمعالجة الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي . وفي الحديث عن علاقات اليابان بالغرب كشف هنتنجتون عن حقيقة مهمة تخص علاقة اليابان بالغرب وتمتد لتشمل كذلك ” المحور الكونفوشيوسي – الإسلامي ” .

  يقول هنتنجتون ” إن اليابان في بعض الإعتبارات هي مع الغرب ، ولكن اليابان بصورة واضحة ليست مع الغرب في مستوايات بالغة الأهمية ” . ولهذا السبب ” الحضاري وتوازن القوى ” فإن هذه البلدان ” لا ترغب ، بل ولا تستطيع أن تدخل في تنافس مع الغرب (وهي تتطلع) إلى تطوير إقتصاديات ، وقدرة سياسية وعسكرية لوجودها ” . وإنهم يسلكون هذا الطريق ” من أجل تعزيز تطورهم الداخلي ، وعن طريق التعاون مع بلدان غير غربية ” ومن النماذج المشهورة في مثل هذا التعاون ، هو ” الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي ” والذي إنبثق حسب رأي هنتنجتون ” لتحدي سلطة وقيم ومصالح الغرب [112] .

  وهذا الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي حسب فرضية هنتنجتون يضم ” مجموعة الدول الكونفوشيوسية التي تتمحور مع الصين وربما تشمل بحدود ودرجات ما الهند ” (وربما تتطلع في بعض الحلات إلى التحالف مع اليابان البوذية) و ” مجموعة الدول الإسلامية وبالتحديد إيران والعراق والباكستان وليبيا والجزائر … ” . ولعل التحدي الذي يواجه تصنيف هنتنجتون ، هو إن أبوابه الحديدية مغلقة تماماً أمام دول إسلامية حليفة للغرب من مثل ” الكويت وقطر والإمارات العربية ومملكة البحرين والمملكتين العربية السعودية والأردن إضافة إلى المملكة المغربية. إن كل هذه المجموع الإسلامي العربي يقع خارج حدود ” الترابط الكونفوشيوسي الإسلامي ” هذا من طرف .

  ونحسب من طرف ثان إن هذا التصنيف ، جاء تصنيفاً سياسياً على الأقل  ” من وجهة نظر الخصم المعادي ” وليس تصنيف ” حضاري ” قائم على ” خصائص التقارب الحضاري الذي فيه روح تعبير عن مقاربة حضارية تعكس القواسم المشتركة ما بين ” جوهر ولب الحضارتين الكونفوشيوسية والإسلامية ” . ولهذا نلحظ في هذه المحطة من تفكير البروفسور هنتنجتون تراجع إلى الوراء حيث ” الذمة التاريخية” وبالتحديد إلى أجواء ” الحرب الباردة ” التي ودعها هنتنجتون بقلمه وقبل ذلك بتفكيره عندما كتب مقاله – الكتاب وإختار لهما عنوان ” صراع الحضارات ” في المضمون أو كما جاء على غلاف الكتاب ” تصادم الحضارات ” .

  إن خطاب هنتنجتون هذا فتح لنا الباب للحديث عن ” تعاون حضاري ” أوسع مما تحدث عنه هنتنجتون ، وعلاقات أوسع ، هي ” علاقات بوذية – إسلامية ” (وذلك لأن اليابان بوذية وهي حليف متخفي للترابط الكونوفوشيوسي – الإسلامي) إضافة إلى ” علاقات حضارية كونفوشيوسية – إسلامية ” . ونحن نلتزم ” بالطرف الحضاري ” ولا نتخلى عنه مثلما تخلى عنه البروفسور هنتنجتون وعاد إلى ” المحاور الأيديولوجية – السياسية ” التي هجرها عندما خط عنوان مقاله ” تصادم الحضارات ” ومضمونه المهيمن على النص هو ” صراع الحضارات ” . ولهذا نُخالف هنتنجتون ونؤكد على ” التعاون الحضاري ” بين البوذية والإسلام ، وبين الكونفوشيوسية والإسلام وهي أشد وأقوى من ” العلاقات السياسية والإقتصادية والتقنية وأسلحة الدمار الشامل … ” .

ثانياً – ركز الصراع  حسب رأي بروفسور العلوم السياسية على العلاقات بين ” الغرب والدول الكونفوشيوسية – الإسلامية بصورة كبيرة رغم إنه لم يكن شمولياً على الأسلحة النووية والكيميائية والبايولوجية والصواريخ البلاستيكية والوسائل غير التقليدية والأكثر ذكاءً ، والخطط للإنتاج المتقدم والعمليات الإستخبارية والقدرات التكنولوجية في إنجاز الهدف [113].  ومن المعلوم إن الغرب صاغ ” معايير وفرض معاهدات ” لعدم إنتشار مثل هذه الأسلحة ، وإبتكر ” وسائل التفتيش ” عن هذه الأسلحة بهدف ” تحقيق هذه المعايير وإلتزام الدول بهذه المعاهدات ” . كما إن الغرب هدد بفرض ” عقوبات متنوعة على البلدان التي تُعزز وتنشر مثل هذه الأسلحة ” وبالمقابل لوح ” الغرب بتقديم فوائد للبلدان التي توقفت عن مشاريعها في تطوير ونشر مثل هذه الأسلحة ” .

  والواقع إن إهتمام الغرب كان على البلدان والشعوب المعادية أو على الشعوب والبلدان التي ممكن أن تفكر في مضمار ” تحدي الغرب ” . ولاحظ هنتنجتون إن ” الشعوب غير الغربية ” من طرفها أكدت على حقها الطبيعي ” في الحصول ونشر كل أنواع الأسلحة ، التي تعتقد إنها ضرورية لحماية آمنها القومي ” . وفي ظل هذه الأجواء فإن هذه الشعوب كانت ” متفهمة بصورة عالية لإستجابة وزير الدفاع الهندي عندما تساءل : ” ما هو الدرس الذي تعلمه من حرب الخليج ؟ ” فقال بصراحة واقعية ” لا تُقاتل الولايات المتحدة الأمريكية إذا لم تمتلك أسلحة نووية [114] .

ثالثاً – يتصور البروفسور هنتنجتون إن الترابط والإتصال العسكري الكونفوشيوسي – الإسلامي أخذ يتنامى ويتطور بحدود فهمنا الذي فيه تعديل للرؤية الهنتنجتونية من ” الإمكان ” إلى ” الفعل ” وحسب تعابير هنتنجتون ” إن هذا الإتصال العسكري الكونفوشيوسي – الإسلامي تحول إلى وجود [115] . وهذا النمط من الإتصال العسكري ” تم تصميمه عن طريق إمتلاك أعضائه للإسلحة وتنكنولوجيا الأسلحة التي تحتاجها في مواجهة القوة العسكرية للغرب ” . وهنا عزز البروفسور هنتنجتون رأيه بتعبير عضو الكونكرس الأمريكي الديمقراطي ” ديف ما ككيوري ” [116] والذي قال ” إنها في صورتها الراهنة إتفاق ودعم متبادل بين المتمردين ، والذي يتم فيه تصريف شؤونهم عن طريق طرفين هم ناشري الأسلحة والمراهنين عليهم [117] . وهي بالطبع ” شكل جديد من التنافس العسكري الذي يحكم علاقة الدول الكونفوشيوسية – الإسلامية والغرب ، وهو جنس عسكري من الطراز القديم ، وفيه يحاول كل طرف تطوير أسلحته من أجل التوازن أو إنجاز فعل تفوق على الطرف الأخر ” . بينما في الشكل الجديد من التنافس العسكري ، فإن واحداً من الأطراف يطور أسلحته ، في حين إن الطرف الأخر لا يطور أسلحته من اجل التوازن ، بل للحد ومنع الأسلحة وتخفيض القدرات العسكرية [118] .

ما هي الآثار المترتبة على الغرب ؟

   كشف البروفسور هنتنجتون عن حدود مقالته ، فأشار إلى إنه ” لم تكن من مهمة هذا المقال ، الجدل بأن الهويات الحضارية ستحل محل جميع هويات الأخرين ” . كما وإنه لم يزعم بأن ” الدول الوطنية سوف تتلاشى من الوجود . وإن كل حضارة ستتحول إلى وحدة (منا : كتلة) سياسية متجانسة ومتفردة ” . وإن ” الجماعات في الحضارة الواحدة سوف لا تتصارع ولا تدخل في عراك ولا تتقاتل مع بعضها البعض ” .

  وإنما هذا البحث إنطلق من ” فرضيات ” تؤكد على إن ” الإختلاف بين الحضارات حقيقي وذات أهمية بالغة ، وإن ” الوعي الحضاري آخذ بالتزايد ، وإن الصراع بين الحضارات سوف يُزيحُ من الطريق الأشكال الأيديولوجية للصراع وغيرها ، والذي كان الشكل العالمي للصراع ”  والذي كان بدوره مهيمناً على ” العلاقات الدولية التي كانت اللعبة التاريخية وبالتأكيد لعبتها مع الحضارة الغربية . ومن طرفها سوف تتزايد بحيث لايكون صراعاً غربياً ، وإنما سيصبح لعبة للحضارات غير الغربية ” . وبالطبع هذه ليست من الموضوعات البسيطة ، ولكن كما يبدو إن ” المؤسسات الإقتصادية والأمنية والسياسية ، هي المؤسسات الأكثر نجاحاً ونمواً في داخل الحضارات بدلاً من أن تكون عبر الحضارات [119] .

  وتنبأ البروفسور هنتنجتون بصورة الصراع القادم ، فذهب إلى إنه سيحدث ” بين الجماعات في الحضارات المختلفة ” وسيكون هو السائد وسيستمر لفترات طويلة ، ويكون ” أكثر عنفاً ” في الصراعات الحادثة بين ” الجماعات في حضارة واحدة ” . كما إن ” الصراعات الأكثر عنفاً ” بين ” الجماعات من حضارات مختلفة ” والذي سيُشكل ” مصدراً خطيراً ” وسيقود إلى ” حروب عالمية ” قادمة [120] .

 ومن ثم يعود ليؤكد على إن المحور الأساس للسياسات العالمية ، هو ” العلاقات بين الغرب والبقية ” . وبالمقابل إن النُخب في بعض البلدان ” غير الغربية الممزقة ” ستحاول العمل على ” جعل بلدانها جزء من الغرب ” إلا إنها في معظم الحالات ستواجه صعوبات كبيرة لإنجاز هذه المهمة . ويبدو إن الصراع المركزي في المستقبل القريب ، سيندلع بين ” الغرب والدول الكونفوشيوسية – الإسلامية [121] .

   وهذا لايعني بأية صورة من الصور ، هو الدفاع عن ” الرغبة في الصراع الحضاري ” وإنما هي ” مجموعة إفتراضات وصفية ” من مثل ما هي الصورة التي سيكون عليها المستقبل ؟ وإذا كانت هذه فرضيات معقولة (أو صادقة بحدود ما) ، فمن الضروري ” التأمل في تطبيقاتها على السياسات الغربية ” . وهذه التطبيقات يمكن تقسيمها إلى قسمين ؛ ” المنافع قصيرة الآمد ، وتكييفات طويلة الأمد ” . ومن طرف المنافع القصيرة الآمد ، فهي بالتأكيد تعمل ” لصالح الغرب الذي يتطلع إلى تعزيز تعاون واسع ” ، وتوحيد لأطراف من العالم تحت ” إطار الحضارة الغربية ” وبصورة خاصة بين ” البلدان الأوربية وبلدان أمريكا الشمالية ” . ومن ثم العمل على إندماج ” مجتمعات أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية ” والتي تكون ” حضاراتها قريبة إلى الغرب ” .

   وكذلك العمل على المحافظة وتعزيز ” علاقات التعاون مع روسيا واليابان ” . إضافة إلى العمل الجاد على منع تصاعد ” الصراعات الداخلية – المحلية ” والحد منها ووقف ” تحولها إلى حروب حضارية داخلية كبيرة ” . وفي الوقت ذاته الحد من ” توسع القوة العسكرية للدول الكونفوشيوسية – الإسلامية ” . ومقابل ذلك العمل الجاد على ” تحديث القُدرات العسكرية الغربية ، والمحافظة على التفوق العسكري في الشرق وجنوب غرب أسيا ” ، و إستثمار كل الإختلافات وجميع أشكال الصراعات بين ” الدول الكونفوشيوسية – الإسلامية ” .

   ومن ثم ينتهي هنتنجتون إلى التأكيد على المرامي الغربية التي لا يستطيع أن يتخلى عنها البروفسور هنتنجتون عالم السياسة الغربي والعامل في ” مختبرات التنظير السياسي الغربية ” . وهكذا وصلت الرحلة الهنتنجتونية إلى شواطئها النهائية التي ليس فيها ” أمل للحضارات اللاغربية ” من التعايش والإستمرار في الحياة مع ” الحضارة الغربية الحديثة ” وحسب رأي هنتنجتون إن الحضارة الغربية ، هي ” الحضارة الوحيدة الحديثة ” وإن الحداثة الحضارية هي غربية . وعلى هذا الأساس إن الحضارات اللاغربية سائرة إلى نهايتها حيث ” الذمة التاريخية ” .  

   هذا هو قدر الحضارات اللاغربية في رؤية البروفسور هنتنجتون . ولكننا وجدنا إن هناك نوعاً من الأمل لجماعات من الحضارات الأخرى (أي اللاغربية) في مشروع ” تصادم الحضارات ” ، آملُ فيه تجاوز لشواطئ ” الذمة التاريخية ” والموت الحضاري الهنتنجتوني . إلا إن هذا الأمل الهنتنجتوني والأصح الغربي مشروط  ، حيث يتحقق بمساعدة غربية ومشروع تعاون غربي ” للجماعات من الحضارات الأخرى والمتعاطفة مع المصالح والقيم الغربية ” هذا من طرف ومن طرف ثان هذا يتحقق من خلال مسار سياسي ناهض على ” تقوية المؤسسات الدولية التي تعكس المشروعية الغربية والمصالح والقيم الغربية ” و تشجيع إنضمام ” الدول اللاغربية في هذه المؤسسات الدولية [122] .

  كما وإن هنتنجتون يختتم مقاله – الكتاب لا بمسك الختام الحضاري ، وإنما بخطاب أيديولوجي – سياسي ، حيث يعلن فيه صراحة إلى إنه ” لم يعد هناك مكاناً بعد اليوم للحديث عن معايير أخرى ” والسبب برأيه إن الحضارة الغربية قد سدت كل الأبواب على الحضارات الأخرى ، وتحولت إلى ” حضارة غربية حديثة ” . ويحسبُ إن جميع الحضارات اللاغربية حاولت أن تصبح ” حديثة ولكن دون أن تصبح غربية ” . ولعل الحضارة اللاغربية الوحيدة التي نجحت تماماً في مطلبها ، هي ” اليابان ” . وهذا مجرد لعبة سياسية فارغة من أي أساس حضاري ، حيث البوذية اليابانية ضاربة بجذورها في الأعماق وعصية الإدراك على رجل السياسة الغربي .

  ويتوقع عالم السياسة والمتخصص في أيديولوجياتها المعاصرة هنتنجتون (وبالطبع ليس الحارث في أخاديد الحضارات وفلسفاتها في التاريخ والحضارة) بأن ” الحضارات اللاغربية ” ستستمر في مثابرتها للحصول على المزيد من ” الثروات والتكنولوجيا والمهارات والعُدد الميكانيكية والأسلحة ” وهذا برأيه هو الطرف الوحيد من ” وجودها الحديث ” . كما إنها ستحاول من طرف آخر على ” التصالح ” مع هذا الشكل من ” الحداثة الحضارية ” و ” حضارتها وقيمها التقليدية ” . ومن المعلوم للجميع بأن القوة العسكرية والإقتصادية لدول الحضارات اللاغربية ستكون ” محدودة نسبياً ” إلى قوة الغرب المتزايدة . وعلى هذا الأساس فإن الغرب سيحاول على الدوام ” تكييف هذه الحضارات اللاغربية ” والتي أخذت بالتقارب من الغرب ، ولكن ” قيمها ومصالحها ” مختلفة بصورة ملفتة للنظر عن ” قيم ومصالح الغرب [123] .

  ولكل هذا يتكهن هنتنجتون ، ويقترح على الغرب أن يُحافظ على الدوام ” على قوته الإقتصادية والعسكرية الضرورية لحماية مصالحه في علاقاتها مع هذه الحضارات ” . كما وإن هذا الحال يشترط على الغرب ، تطوير ” فهم معمق ” للأسس ” الدينية والفلسفية ” التي تعمل في مضمار هذه الحضارات . إضافة إلى فهم الطرق التي تستخدمها شعوب هذه الحضارات وهي تنظر إلى مصالحهم . وفوق كل ذلك يتطلب معرفة ” العناصر المشتركة ” في لب الحضارة الغربية والحضارات اللاغربية . وقبل أن يتوقف قلم البروفسور هنتنجتون من الكتابة باغتنا بتوقع جديد مفاده ؛ إنه ” في المستقبل القادم سوف لا تكون هناك حضارة كونية ” . ولكن بدلاً من ذلك ستكون ” حضارات عالمية مختلفة ” كل واحدة منها ستتعلم كيف ” تتعايش ” مع الحضارات الأخرى [124] . وبالطبع ليس على أسس حضارية مشتركة بين حضارات العالم ، وإنما على أسس أيديولوجية وسياسية فيها إعتراف بهيمنة الغرب على مُقدرات العالم ، وتفوقه الحضاري على حضارات العالم الأخرى التي فقدت سمة المعاصرة ، التي هي السمة الوحيدة التي تتميز بها حضارة الغرب [125].

  ونحسبُ إن هذا النص الهنتنجتوني هو ” نصيحة وإستشارة للحكومات الغربية ” تقدم بها بروفسور العلوم السياسية صامويل هننجتون ، وهي مع الآسف فعل إغتيال لأمكانيات ظهرت هنا وهناك في مثابرته الحضارية ” تصادم الحضارات ” والتي سبق أن أعلن فيها عن شطب التفسير الأيديولوجي والسياسي اللذان ينتميان إلى الحرب الباردة والتي غادرها العالم دون رجعة ومن ثم دخلت الذمة التاريخية . إلا إنه مع الأسف (مرة أخرى) عطل التفسير الحضاري في النهاية ، وشغل التفسير الأيديولوجي السياسي ، وهكذا إنكفأت هذه المثابرة الحضارية على وجهها وعانقت ” المضامين اللا حضارية ” التي ظلت نسغاً أيديولوجياً يعمل في واجهة وهوامش ” تصادم الحضارات ” . ونشعر بالخيبة الأكاديمية على هذا المشروع ” الذكي الممتاز ” وذلك لتعثره الأيديولوجي ومن ثم توقفه عند عتبات ” فلسفة التاريخ ” و ” فلسفة الحضارة ” ولم يتقدم إنملة واحدة إلى الأمام حيث المذبح المقدس الذي يؤدي إلى ” تعايش الحضارات ” و ” تعاون الحضارات ” و ” تفاهم الحضارات ” و ” تقارب الحضارات ” و ” إتصال الحضارات ” …

هنتنجتون وتصادم الحضارات ومواقف النقاد

   تعرض البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” وبالتحديد في كتابه ” تصادم الحضارات ” إلى موجة عريضة من النقد الأكاديمي . ونحاول هنا أن نمسها بلطف وتعريف وكشوف . ولعل البداية الإشارة إلى إن مقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” والمعنون ” تصادم الحضارات ” أحدث مناقشة واسعة بين الأكاديميين وغير الأكاديميين [126] وبالتحديد منذ صدوره في مجلة ” قضايا أجنبية ” في عام 1993 . ومن ثم تصاعدت حرارة الجدل حوله بين الأكاديميين المتخصصين في ” العلاقات الدولية ” وصدرت عنهم ردود فعل متنوعة ومتباينة . والحقيقة إن أطراف من هذه المناقشات ضمها الكتاب الذي حمل عنوان ” تصادم الحضارات : وإعادة بناء العالم الجديد [127] وهو صورة موسعة للمقال السابق .

  ولكن من الصحيح جداً القول إن المقال في تصنيفه الأكاديمي العام ، هو ليس بحث في ” فلسفة التاريخ ” أو في ” فلسفة الحضارة ” كما يوحي العنوان الذي يُذكرنا بكتب وإطروحات شهيرة تداولناها قراءةً وتعليماً وبحثاً وكتابةً ، والتي تصعد إلى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين وصعوداً وبالتحديد مع كتاب فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” إسوالد إشبنجلر ” (1880 – 1936) والمعنون ” إفول الغرب ” أو ” تدهور الحضارة الغربية ” [128] والذي يُعد وليداً شقيقاٌ لكتاب فيلسوف التاريخ والحضارة ” هرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) والمعنون ” موزائيك أوربا ” وهو الأخر إشتغل على قدر الحضارات [129] .  

   وكذلك فإن مقال هنتنجتون المعنون ” تصادم الحضارات ” والمضمون ” صراع الحضارات يُذكرنا بموسوعة فيلسوف التاريخ ” أرنولد توينبي ” ” دراسة التاريخ ” وبالتخصيص المجلد الرابع والمعنون ” إنهيار الحضارات ” [130] والمجلدان الخامس والسادس واللذان يحملان عنواناً مشتركاَ وهو  ” إنحلال الحضارات ” [131] إضافة إلى كتاب الفيلسوف الوجودي الإنكليزي ” كولن ويلسون ” والمعنون ” سقوط الحضارة ” [132] .

  كما إن تاريخ الحضارتين اليونانية والإسلامية يقدم لنا شواهد تُدلل على فكرة ” الإتصال والتواصل الحضاري ” فمثلاً ” إنسياح قوات الإسكندر المقدوني حتى وصلت إلى الهند ” قد حملت معها ” الحضارة اليونانية ووطنتها في العراق نظاماً سياسياً إدارياً (خلال الفترة السلوقية) أولاً في بابل ومن ثم في سلوقيا دجلة وإيران وشمال الهند والتي إمتدت بحدود أقل من ثلاثة قرون وبالتحديد من عام 312 ق.م وحتى عام 63 ق.م [133] . والشاهد الثاني هو إن إنسياح الإسلام إلى أسبانيا والبرتغال وأجزاء من فرنسا وحتى صقلية إيطاليا ، والذي سجل حضوراً للعرب والمسلمين منذ عام 711م وحتى 1492م ، ومن ثم إستمر حضورهم في أسبانيا رغم إجبارهم على التحول إلى العقيدي المسيحي وحتى عام 1727 حيث تم محاكمة المسلمين ” في محاكم التفتيش ” بعد إكتشافهم يتعبدون ويمارسون الطقوس الإسلامية سراً  [134] .   غير إن مقال ” هنتنجتون ” لا يُصنف في قائمة هذه الكتب التي يتتوج بها تاريخ فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة في القرن العشرين . وإنما هو مقال في العلوم السياسية ، وفيه ” وصف جيوسياسي لما بعد الحرب الباردة ” هذا من طرف . ومن طرف آخر إن هذا المقال الذي كتبه الأستاذ جاء إستجابة بل ورد فعل ثقافي على كتاب إطروحة التلميذ البروفسور ” فرنسيس فيكوياما ” والمعنونة ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [135] .

  ومعلوم إن البروفسور هنتنجتون قام بتوسيع هذا المقال ” تصادم الحضارات ” إلى شكل كتاب ، وصدر عام 1996 وبعنوان فيه إضافة بحدود ما وبالصورة الأتية ” تصادم الحضارات : إعادة تشكيل النظام العالمي ” . والحقيقة إن هذا الكتاب – المقال في أصله بين بشكل مخالف للإطروحات السابقة والمتداولة في الأدب السياسي ، وذهب إلى إن الصراع والعنف الحادثان ، سببهما ” حضاري ” وليس ” الإختلافات الأيديولوجية ” . وبينما كانت الحرب الباردة ، حرب بين ” الغرب الرأسمالي ” و ” الشرق الشيوعي ” فإن اليوم لم يكن الصراع حادثاً ” لأسباب أيدولوجية ” وإنما حادث بين ” حضارات كبرى ” وفي الإمكان حصرها ” في سبع حضارات ” ، وهناك إحتمال أن تكون ” ثمان حضارات ” وهي :

1 – الحضارة الغربية     2 – الحضارة الأمريكية اللاتينية     3 – الحضارة الإسلامية

4 – الحضارة الصينية (وفي نص ” تصادم الحضارات تداول هنتنجتون الكونفوشيوسية)      5 – حضارة الهند (وكما وردت حضارة الهندو)

6 – الحضارة الأرثوذوكسية    7 – الحضارة اليابانية (منا أو البوذية)

8 – الحضارة الأفريقية

  وحسب فهم هنتنجتون إن هذه التكوينات أو الأشكال الحضارية تُولدُ تعارضاً بين ” العالم المعاصر ” و ” الشعوب التقليدية ” و ” الدول ذات السيادات ” . ولفهم ” الصراعات في الحاضر والمستقبل ” وما يرافقها من ” تصدعات حضارية ” يجب أن يُفهم ” في ضوء الحضارة ” وليس في ” إطار الدولة ” . وعلى هذا الأساس يتطلب قبول ” الطرف الحضاري ” سبباً لفهم الحروب . وإن الشعوب الغربية سوف لن ” تستمر في الهيمنة ” إذا ما فشلت في تشخيص طبيعة ” التوترات الحضارية ” . وفعلاً فإن هنتنجتون يجادل ويذهب إلى إنه ما بعد الحرب الباردة تم التحول من التركيز على ” البنية والتنظيم الجغرافي ” إلى ” البنية والتنظيم الحضاري ” . وإن هذا الفهم يتطلب من الغرب أن ” يقوي ذاته حضارياً ” [136] .

   فعلاً لقد واجه هنتنجتون موجة من النقد الأكاديمي المتنوع ، والذي صدر من مجموعة من الكتاب ، والذين تحدوا مزاعمه تجريبياً وتاريخياً ومنطقياً وأيديولوجياً . وهنا سنشير إلى بعض منها :

تأمل في بعض الأراء النقدية الغربية

   ألقت أراء النقاد الغربيين الضوء على النقاط الرخوة والضعيفة في الإطروحة التي حملها عنوان ومضمون مقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” . وفي الإمكان حصرها بالشكل الأتي :

المواقف الغربية العامة من مقال تصدام الحضارات  

  يحسبُ بعض النقاد الغربيون إن مقال ” تصادم الحضارات : وإعادة بناء النظام العالمي ” هو محاولة نظرية مشروعة تطلعت إلى وضع الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى منفردة ، وكانت لها اليد الطولى والضاربة في الخطوط الأولية للعدوانية الغربية وبالتحديد على كل من ” الصين ” و” العالم الإسلامي ” و ” الحضارات الأرثوذوكسية ” . بينما جادل عدد أخر من النقاد ، وذهبوا إلى إن ” مشروع هنتنجتون في ” تصنيف الحضارات ومن ثم الدول التي تنتمي إلى هذه الحضارات ” هو مشروع ” مُبسطُ ” فيه ” روح من السيطرة والإنفراد بالعالم ” . وإنه في الوقت ذاته مشروع يتجاهل ” الديناميكا الداخلية ” و ” التوترات بين الدول ” وبالتحديد في مضمار الحضارات وتنوعاتها .

  كما لاحظ نُقاد أخرون من إن هنتنجتون قد تعمد بقصد إلى تجاهل ” الإستقطابات الأيديولوجية ” التي تقوم بها النُخب . إضافة إلى إنه شطب بوعي ” الحاجات الإقتصادية والإجتماعية ” و” الإختلافات السياسية ” التي تُشكل ” الأسباب الحقيقية للصراع ” . وفي الوقت ذاته إستبعد ” الصراعات ” التي لا تتطابق ومقولاته ، وخصوصاً في مضمار ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” . ولفت عدد من النقاد الأنظار إلى مسألة في غاية الأهمية ، وذلك عندما أشاروا إلى إن كل ما قام هنتنجتون ، هو إحلال إصطلاح ” الحضارات ” محل إصطلاح ” الدول [137] وفي هذه العملية سهلت له مهمة الإنتقال إلى المضمار ” الحضاري ” وتخلى إلى الأبد من المضمار ” السياسي والإقتصادي ” الذي فيه صدى للبعبع الماركسي المتخفي . ورغم هذا الحال فإن قلم هنتنجتون لم يتمكن على الدوام من التخفي وراء الحضاري ، بل في مناطق كثيرة من مقاله ومن ثم في كتابه عاد وعانق من جديد الأطراف الأيديولوجية والسياسية ومن ثم الإقتصادية .

  وأخيراً إنتبه النقاد إلى الأثر الذي تركه هنتنجتون على السياسات الأمريكية ووجدوا إن هذا الأثر فيه مُقاربة مع ” النظريات الدينية ” التي قال بها المؤرخ البريطاني وفيلسوف التاريخ ” توينبي ” وخصوصاً حول ” القيادات الصينية في بواكير القرن العشرين ” . كما وإن ست من ثمان من الحضارات المعاصرة التي ذكرها هنتنجتون في تصنيفه قد أخذها من توينبي حرفاً ونصاً ، وبالتحديد من كتاب الأخير المعنون ” دراسة التاريخ ” كما سبق إن ذكرنا ذلك سابقاً .

تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات من خلال التعليم المتبادل

  كتب البروفسور ” سيزابارو ساتو ” (1932 – 199) مقالاً بعنوان ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل ” . والبروفسور ساتو هو مدير معهد دراسات السياسات الدولية في جامعة طوكيو . من مؤلفاته ” مصادر مستقبل الصراع العالمي : تحديات الأمن لليابان وأوربا ” 1994 . و” الأساطير الثمانية حول الإصلاح السياسي في اليابان ” 1994 ، و” مستقبل العلاقات الأمريكية اليابانية ” 1988 ، و ” بعض خصائص عملية التحديث في اليابان ” 1983 .

   ولعل المهم في هذا المقال عنوانه الفرعي والذي جاء بالصورة الأتية ” هل أنجز هنتنجتون نظرية القدر ؟ [138]. وتكون البحث برُمته من عدة محاور ، وكل محور منها عالج طرف من أطراف البحث المعنون ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل ” . وهذه المحاور جاءت بالشكل الآتي :

1 – صورة نظام العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة

2 – نماذج من الإتصالات ما بين الحضارات الكلاسيكية

3 – الحضارة الكلاسيكية والحضارة الصناعية الحديثة

4 – عالم ما بعد الحرب الباردة

5 – المجابهات بين الحضارات المنضوية

    ونحسبُ إن البحث الحالي بدأ فيما يشبه التمهيد ، وفيه جاءت الإشارة إلى أهم المحاولات في هذا المضمار ، وهما في الحقيقة محاولتان ؛ الأولى محاولة ” فرنسيس فيكوياما ” والمعنونة ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [139] . والثانية محاولة ” صامويل هنتنجتون ” والمعنونة ” تصادم الحضارات : إعادة بناء النظام العالمي ” [140] . وهما المحاولتان المهمتان من طرف إنهما عرضا موقفين متغايرين في فهم ” الديمقراطية الليبرالية ” أو ” الحضارة الغربية ” بوجه عام .

   ومن طرف فيكوياما فإنه إعتقد إن الديمقراطية الليبرالية تفوقت بنجاح على جميع الأيديولوجيات . وبهذا النجاح رسمت نهاية التاريخ ومن ثم خطت المحطة الأخيرة للمواجهة بين الأيديولوجيات . ويلفت البروفسور ساتو الأنظار إلى أن التعبير الأخير من عنوان كتاب فيكوياما ، وهو ” الإنسان الأخير ” هو العنوان ذاته الذي تداوله الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) والذي كان بدوره من أوائل المفكرين الغربيين الذين فقدوا إيمانهم بمستقبل العصر الحديث الغربي [141].

  ومن الصحيح القول بأن ” نيتشه ” إمتلك رؤية خاصة لمفهوم الديمقراطية الليبرالية ، والتي بدورها كانت الوليد الشرعي من ” رحم الحضارة الغربية ” . ومن ثم تحول مفهوم الديمقراطية الليبرالية إلى ” مفهوم كوني مقبول ” ، واليوم حسب ما يرى ” فيكوياما ” إن العالم أخذ ” يتحرك بصورة أساسية نحو إعتناق هذا المفهوم للديمقراطية ” [142] .

  أما من طرف ” صماويل هنتنجتون ” فإن الصورة مختلفة تماماً حسب رؤية البروفسور ” ساتو ” ، والذي يعتقد إن هنتنجتون جادل وذهب إلى ” إنه ليس من الخطأ وحسب ، بل ومن الغطرسة والخطورة التفكير بأن الحضارة الغربية إمتلكت طبيعتها العالمية ” . كما إن كتابه المعنون ” تصادم الحضارات ” (منا : نشرة 1996 وهو توسيع لمقال 1993) تكون من ” أكثر من 300 صفحة في النص فقط (منا : هناك مناقشات وتعليقات تم ضمها إلى النشرة) ” [143] .

  وفي تقويم البروفسور الياباني ” ساتو ” لكتاب هنتنجتون ” تصادام الحضارات ” فقد ذهب إلى أنه ” كتاب يعوزه التناسق والإنسجام ، خصوصاً من طرف تحليلات هنتنجتون ، والتي جعلت من الكتاب من زاوية القارئ ، مملوء بصعوبات جمة بحيث سدت الطريق في متابعة مسار الأفكار ، وكان من الأفضل أن يقوم بتركيز البحث ويتجنب الإطناب وذلك لتحقيق التتابع ” [144] .

   ويحسبُ البروفسور ” ساتو ” إن هنتنجتون قسم الحضارات الكبرى المعاصرة إلى ” ستة حضارات محورية ” (منا : في نص مقال هنتنجتون ثمانية وليست ستة ، كما وإن البروفسور ” ساتو ” لم يلتفت إلى مصادر هنتنجتون ، وهو كتاب فيلسوف التاريخ البريطاني ” توينبي ” المعنون ” دراسة التاريخ ” والذي إستمد منه الحضارات الست المعاصرة ومن ثم إضاف إثنين من الحضارات الممكنة وهذا الأمر أشرنا إليها في أطراف سابقة من هذا البحث)، وهذه الحضارات هي ” الحضارة الغربية التي نهضت على الكاثوليكية والبروتستانتية (وتضم أوربا الغربية وأمريكيا الشمالية) والحضارة التي قامت على قواعد الكنيسة الأرثوذوكسية (وتشمل روسيا وأوربا الشرقية) والحضارة الإسلامية ، والحضارة الهندوسية ، والحضارة الصينية والحضارة اليابانية . بينما أمريكا الجنوبية وشبه الصحراء الأفريقية ، فهي موجودة ومرشحة أن تكون حضارات . وهناك إحتمال إن تكون حضارات متميزة بذاتها ” [145] .

  ونتوقع إن القارئ الأكاديمي سيتأمل في نصوص كل من البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” والبروفسور ” ساتو ” . وسيدرك بأن هذا التقسيم للحضارات تم على أساس ديني عقيدي في حين فات الأثنين الإشارة إلى إن المفهوم الحضاري أوسع من العقيدي الديني هذا طرف . وإن الحضارات مهما كانت أسسها العقيدية الدينية ، فإنها تمكنت من تكوين أفق علماني شمولي ، ضم الجماعات الدينية التي تنتمي إلى طوائف ملونة في داخل العقيدة الواحدة وهذا ما أشار إليه كل من صاحب المصدر هنتنجتون والمستفيد بروفسور ساتو في التمثيل على تقسيم الحضارات ، مثلاً الكاثوليكية والبروتستانتية . ومن المعلوم إن الخلافات العقيدية بينهما تصل إلى كسر العظم العقيدي ومن ثم تتصاعد إلى درجات التكفير والإتهام بالمروق والخروج من دائرة الإيمان المسيحي وضياع فرصة الخلود في جنة المسيح .

   كما إن في هذا التقسيم خروج على قواعد تقسيم الحضارات على أسس دينية عند تصنيف كل من حضارات الهند ، والصين واليابان ، فهناك طرف ديني عقيدي وضعه البروفسور هنتنجتون على هامش الباحث ، وهو إن هذه الحضارات الثلاثة الكبرى يجمعها في أطراف مهمة موحد عقيدي ديني وهي الكونفوشيوسية (رغم إن هنتجتون أشار إلى الصين وإستبعده من اليابان ومن الهند بدرجات أقل وبلدان شرق – أسيوية تكون كتلة ثقافية كونفوشيوسية ذات وزن ثقيل) .

      ومن الملاحظ كذلك إن كلا الباحثين ؛ الأصل هنتنجتون والمستفيد في كتابة مقاله البروفسور الياباني ساتو قد أغفلا حضارة قارة كاملة وهي قارة إستراليا من هذا التقسيم الحضاري وهي قضية فيها نظر من التقسيم الحضاري ، كما وتجاهلا الطيف الحضاري في دولة ” جنوب أفريقيا ” التي تصادمت فيها الحضارة الغربية مع الحضارة الأفريقية المنفتحة على الحضارة الهندوسية (يوم حضور مهاتما غاندي وقيادته لحركة التمرد المدني هناك وبعد ذلك حملها معه في عودته للهند ليؤسس حركة عالمية سيجددها في أمريكا القس الدكتور مارتن لوثر كنج جنير ، ومن ثم سيحمل شعلتها في جنوب أفريقيا الراحل نيلسن مندلا وينجزها بنجاح باهر) .

   لقد كشف البروفسور الياباني ” ساتو ” الخطورة في إطروحة البروفسورالأمريكي ” هنتنجتون ” ولذلك ذهب ساتو أولاً مُدققاً في تفاصيل إطروحة هنتنجتون ، ومن ثم ثانياً سيبين الأطراف الخطيرة فيها . ومن طرف التدقيق رأى إن خمسة حضارات من بين الحضارات الستة أو الثمانية التي ذكرها هنتنجتون ، ” تمحورت في إطار دول ، وهي الحضارة الغربية والتي تضم دول الإتحاد الأوربي ودول أمريكا الشمالية . والحضارة الأرثوذكسية والتي تضم روسيا (منا : إلفت نظر القارئ هنا إلى إنه تم شطب من التقسيم الهنتنجتوني للحضارات دول أوربا الشرقية وهي بالطبع أرثوذوكسية حتى النخاع) والحضارة الهندوسية (الهند) والحضارة الصينية (الصين) (ولا أعرف لماذا جردها من عقيدتها الدينية التي إعتمدها في تقسيم الحضارات ، وهي الحضارة الكونفوشيوشية عند توينبي المصدر وعند هنتنجتون المستفيد) والحضارة اليابانية (اليابان) (ولانعرف لماذا جردها من النمط العقيدي اليابانية الخاص للعقيدة البوذية وهو الياباني) ” [146] .

  بينما يعتقد البروفسور ساتو إن هنتنجتون قد جرد الحضارة الإسلامية المعاصرة من إطار الدولة المركزية . وفعل هنتنجتون أمراً مختلفاً فيما يخص دول أمريكا الجنوبية ودول شبه الصحراء الأفريقية (هذه هي إصطلاحات البروفسور ساتو وبدرجات أقل إصطلاحات هنتنجتون) فهي لم تمتلك لحد الأن الشروط الضرورية لتكوين حضارات كبرى هذا طرف من الخطورة في إطروحات هنتنجتون .

  ولكن الطرف الأكثر خطورة حسب البروفسور ” ساتو ” هو إن ” هنتنجتون ” يروج في كتابه ” تصادم الحضارات ” رأياً سياسياً لا علاقة له بإطروحتة الحضارية التي شطبت إلى الأبد الطرفيين الأيديولوجي والإقتصادي ومن المعروف إنهما من تركات فترة الحرب الباردة . إلا إن هذه العودة إلى الإيديولوجيا فيها الكثير من الأسئلة حول درجات الصدق في إطروحة تصادم الحضارات . وبقلم بروفسور العلوم السياسية وليس بروفسور الحضارة ، يقول هنتنجتون برواية البروفسور ” ساتو ” : ” إن الحضارتين الصينية والإسلامية من أخطر التحديات للحضارة الغربية [147] .  

  ومن ثم يستنتج هنتجتون الأطراف الخطيرة القادمة من الحضارتين الصينية والإسلامية  حسب رواية البروفسور الياباني ” ساتو ” ، فيرى إن ” إن الحضارة الصينية ستشكل تهديد كبير للغرب ، خصوصاً بعد إن تحولت الصين على عتبات الدولة ذات القوة العسكرية الضاربة (منا : بل والمارد الإقتصادي العالمي في حين تختنق الولايات المتحدة بالديون الصينية الغير قادرة على تسديدها وإنها قادرة فقط على تسديد الفوائد الباهضة عليها ، هنا حقاً يكمن الخطر القادم في المستقبل الذي يأتي بالتأكيد ، وفي أحشائه صورة نظام عالمي جديد ، وهي صورة الكابوس الذي يتعمد علماء السياسة الأمريكيون من أمثال هنتنجتون أن يديروا ظهورهم عنه ويدثرونهُ بخطاب حضاري ملتبس .. لا ينفع بقدر ماهو في أحسن الأحوال تعتيم للحقيقة القادمة وستدق الأبواب وتعلن عن ولادة نظام عالمي جديد …) بينما الدول الغربية تدخل في صراعات حضارية داخلية … [148] .

  ويستنتج البروفسور ” ساتو ” وبالطبع بالإعتماد على التحليل السابق ، بأن هنتنجتون ” ليس دقيقاً وحسب ، أو إنه على خطأ في إدراكه لبعض الحقائق التاريخية ، وإنما مشكلته إنه يقدم تحليلاً خطيراً جداً ، خصوصاً إذا ما تم الإعتماد عليه كمشروع سياسي ” وبالتحديد بعد ” إنفراد الولايات المتحدة بمقدرات العالم ” فإن الخطورة تكمن إذا ما حاولت ” الولايات المتحدة الأمريكية أن تبث الروح في أفكار هنتنجتون ، وتقبل صورة العالم كما رسمها وتتبناها ، ومن ثم ستعزز سياسات مؤسسة عليها ” فإن ردود الأفعال من بلدان تنتمي إلى عالم حضاري مختلف عن الحضارة الغربية ، ستقوم بفرض وإختبار معايير مختلفة لمواجهة مثل هذا التوجه الأمريكي ، ومن طرفها ستولد ردود أفعال ، وربما ستحول تحليلات هنتنجتون في إطروحة ” تصادم الحضارات ” إلى حقيقة واقعة . وكما يبدو إن أفكار هنتنجتون ” ستترك أثاراً قوية ” وبرأينا مدمرة وواسعة على عموم العالم [149] .                

الموقف النقدي لكل من إيرول هندرسن وريتشارد توكر

  شارك كل من البروفسور ” إيرول هندرسن ” (جامعة مشيغان 1993) والبروفسور ” ريتشارد توكر ” ( جامعة زايد – الإمارات العربية) في بحث بعنوان ” الوضوح وحضور الغرباء : تصادم الحضارات والصراع الدولي ” . بينً الباحثان فيه ، بأن هنتنجتن ذهب في إطروحته ” تصادم الحضارات ” إلى إن ” الدول التي تنتمي إلى حضارات مختلفة ، يبدو إنها على الأغلب تتورط في صراعات مع الدول الأخرى ” [150] . ولإختبار دقة مزاعم هنتنجتون من الزاوية التجريبية الإختبارية ، قام الباحثان بالتدقيق ” في العلاقات بين الدول من أعضاء حضارة معينة ومقارنة ذلك مع دول متداخلة حضارياً وهي في حالة حرب ، وبالتحديد منذ عام 1816 وحتى عام 1992 ” . وتوصل الباحثان إلى إن ” الدول الإعضاء في حضارة ما لا تدلل بصورة ذات أهمية عند مقارنتها مع الدول التي تورطت في حروب خلال الحرب الباردة ، وللفترة الممتدة من 1946 وحتى 1988 ، وهي واحدة من ثوابت إطروحة هنتنجتون ” .

  وعلى أية حال فإن الباحثين وجدا بأن ” الفترة التي سبقت الحرب الباردة ، والتي تمتد ما بين عامي 1816 و 1945 كشفت بأن ” الدول التي تنتمي إلى حضارات متشابهة ، هي الأكثر دلالة على قتال بعضها الأخر ، بل وأكثر دلالة من دول الحضارات المختلفة ” . وهذا بالطبع يتناقض وإطروحة هنتنجتون .

  ولعل الأمر الأكثر أهمية ودلالة ، هو إن تحليلات الباحثين كشفت عن ” إنه خلال فترة ما بعد الحرب الباردة (1989 – 1992) ، وهي الفترة التي شملها بحث هنتنجتون ، تبدو على الأكثر إن فيها دول الحضارات المتشابهة لا تدخل في حروب مع دول منخرطة فيها ، كما إقتنع هنتنجتون بأنها هي الفترة ذاتها التي سيحدث فيها تصادم الحضارات بصورة واضحة . إلا إن نتائج البحث الحالي تحدت مزاعم هنتنجتون ، وقوضت بصورة أكيدة التوصيات السياسية التي تقدم بها ، ودفعت بها إلى خارج مضمار إطروحة ” تصادم الحضارات ” [151] .

الموقف النقدي للمفكر الأمريكي – العربي ” أدورد سعيد “

    ولد أدورد وديع سعيد في أحضان عائلة عربية مسيحية في القدس (1935 – 2003) وبالتحديد خلال ما عُرف بفترة الإنتداب الإستعماري للبلاد العربية وبالطبع لفلسطين كذلك . وأدور سعيد مفكر فلسطيني أمريكي ، وساهم في تأسيس ” النظرية النقدية ما بعد الفترة الإستعمارية ” . وأدورد ووالده يحملان الجنسية الأمريكية . وصرف سنوات طفولته وتعليمه الأولى في القدس والقاهرة حيث إلتحق بالمدارس البريطانية . ومن ثم رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وحصل على بكلوريوس في الأداب من جامعة برنستن . ومن ثم الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنكليزي من جامعة هارفارد

  ومن ثم بدأ مشواره الأكاديمي في جامعة كولومبيا عام 1963 وحتى وصل إلى درجة بروفسور في اللغة الإنكليزية والأدب المقارن عام 1991 . وإشتهر بكتابه ذائع الصيت والمعنون ” الإستشراق ” والذي صدر عام 1978 وفي هذا الكتاب عارض سعيد شيخ المستشرقين برنارد لويس ، ومن ثم إستمرت المعارضة وعدم الإتفاق حتى وفاة سعيد عام 2003 . ومن مؤلفات سعيد الأولى ، كتابه المعنون ” جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية ” والذي صدر عام 1966 . وهو إمتداد لإطروحته للدكتوراه . ومن مؤلفاته الشهيرة والتي لها علاقة بدرجات كبيرة بكتابه الإستشراق ، كتابه المعنون ” تغطية الإسلام : وكيف وسائل الإعلام والخبراء يطلبون منا أن ننظر إلى العالم ” والذي صدر عام 1997 . وله كتب أربعة في الموسيقى ومن المعروف إن سعيد عازف ممتاز على البيانو … [152] .

   كتب الدكتور ” سعيد ” مقالاً مُعارضاً  لمقال البروفسور ” صماويل هنتنجتون ” والمعنون ” تصادم الحضارات ” . ولعل عنوان مقال ” سعيد ” شهادة كافية على تلك المعارضة ، فقد جاءت تحت راية ” تصادم الجهل ” أو ” تصادم الأمية ” وتبعه عنوان فرعي في غاية الأهمية من الزاويتين الفكرية والميثدولوجية ، يُفيد إلى ” إن عناوين وتسميات مثل ” الغرب ” و” الإسلام ” هي تعمل لإرباكنا حول حقيقة الفوضى أو عدم النظام فقط [153]، ومن المعلوم إن مقال المفكر ” أدورد سعيد ” قد نُشر في 22 إكتوبر عام 2001 . والذي ركز فيه على المفهوم الغامض ، المتداول في مقال ” هنتنجتون ” ، وهو مفهوم ” الهوية الحضارية ” .

  لقد ذهب هنتنجتون كما بينا في هذا المقال ، إلى إن ” التفاعل وردود الأفعال ” في العالم المعاصر ، حادث بين ” سبعة أو ثمان من الحضارات الكبرى ” ، ونضيف إلى كلام ” سعيد ” ليستقيم ميثدولوجياً ، إلى إن هنتنجتون إعتمد على ” أرنولد تويبي ” مصدراً معرفياً ، إستقى منه هذا التقسيم للحضارات المعاصرة (صحيح إن توينبي قال بست حضارات معاصرة وقد تبناها هنتنجتون ومن ثم أضاف السابعة وإلحق بها بتردد الثامنة ، وهي الحضارة الأفريقية [154]) ، وبالتحديد إعتمد سعيدعلى رائعة ” تويبي ” الإنجلية ” دراسة التاريخ ” وهذا جانب ناقشناه في طرف من هذا البحث وزودناه بهامش عرضنا فيه بصورة مختصرة المجلدات الثانية عشر من هذه الرائعة التوينبية .  

  إلا إن هنتنجتون برأي ” أدورد سعيد ” قد منح ” حصة الأسد ” للصراع بين ” الإسلام والغرب ” هذا من طرف . ومن طرف أخر وهو الأساس في رأينا من الزاوية الميثدولوجية ، هو إن ” سعيد ” كشف للقارئ ، بأن هنتنجتون إعتمد بصورة رئيسية على مقال شيخ المستشرقين ” برنارد لويس ” والمعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي صدر عام 1990 والذي تم الإشارة إليه في ثنايا البحث الحالي . وحسب رأي ” سعيد ” الناقد للطرفين ، وهما كل من ” هنتنجتون ” و ” برنارد لويس ” سوية ، قد بين إلى إن ” مقال لويس قد تلون بأراء أيديولوجية ” ، وهذا واضح في عنوان المقال ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” .

 ويرى ” سعيد ” إن كلا المقالين (أي مقال برنارد لويس وصماويل هنتنجتون) مملوءان بأراء شخصية كثيرة ” حول ” الغرب  ” و ” الإسلام ” وخصوصاً فيما يتعلق بطرفي المصطلحين الهنتنجتونيين على الأقل ” الهوية ” و ” الحضارة ” .

  وبحصافة ” أدور سعيد ” أشار في نقده لكل من ” برنارد لويس ” المصدر ، وللبروفسور هنتنجتون المستفيد من المصدر في كتابة مقاله ” تصادم الحضارات ” ، فقال بالتأكيد لا لهنتنجتون ولا لبرنارد لويس ، وحسب إنه لو كان يتوافر لهما الوقت الكافي لوقفا عند عتبات الدايناميك الداخلي والتعددية المتنوعة في كل حضارة ، وإنه من أجل الحقيقة القول إن التنافس الكبير كان في أغلب الحضارات الحديثة ، هو ” تعريف ” أو ” تأويل ” كل حضارة . ولعل من المحاولات غير المقبولة ، هي المعالجة الديموغاجية و الجهل والأمية وذلك عند التورط في الحديث بفرضيات عن الأديان ككل والحضارات ككل . كلا ! إن الغرب هو الغرب ، والإسلام هو الإسلام [155] .  

  ولعل في النتيجة الميثدولوجية النهائية من مقال “سعيد ” خير الكلام في خاتمة الحديث عن ” تصادم الحضارات ” و ” تصادم الأمية أو الجهل ” ، وخصوصاً بعد إن أشار إلى ” حقيقة التواصل بين الأديان السماوية الثلاثة ؛ اليهودية والمسيحية والإسلام ، وإن الإسلام هو خاتمة هذا الخط الديني [156] وشبهها بمياه من محيط التاريخ الواسع .

   لقد صور المفكر ” آدورد سعيد ” للقارئ ” نقاط الخلاف ” بين رؤية ” هنتنجتون ” ورؤية صاحب ” تصادم الجهل ” بوصف روائي رائع فقال ” كلنا إختبر السباحة في تلك المياه ، الغربيون والمسلمون وكذلك الآخرون ، ومادامت المياه هي جزء من محيط التاريخ ، فإن محاولة الجرف والتقسيم بحواجز هي محاولة عقيمة . ولعل من الأفضل التفكير بحدود الجماعات الأكثر قوة ، وبحدود الجماعات التي لا حول لها ولا قوة ، ومن ثم التفكير خلال سياسات علمانية وسياسات الجهل والأمية ، والتأمل من خلال المبادئ الكونية للعدالة والمبادئ الكونية للظلم . ولهذا فإن البحث في المجردات الضخمة ربما يوفر قناعة موقتة . ولكن قليل من المعرفة بالذات والتحليل في إطروحة ” تصادم الحضارات ” تحملك على القول إنها ” حيلة ذكية ” من مثل ” حروب العالم ” . وإنه من الأفضل تعزيز كبرياء وفخر دفاعي بدلاً من تقديم فهم نقدي  لعصرنا في مصفوفة كلام مُحير ” [157] .

فؤاد عجمي والموقف المتردد من كتاب ” تصادم الحضارات “ 

  لقد أنهى الفتى ” فؤاد عجمي ” دراساته الثانوية في لبنان ” في عمر الثامنة عشرة ، ومن ثم شد الرحال في السنة التالية (التاسعة عشرة) نحو الولايات المتحدة ، ووصلها بالتحديد في ” خريف عام 1963 ” وسجل في بعض ” الفصول الدراسية ” في ” كلية أورغن الشرقية ” والتي أصبحت فيما بعد ” جامعة أورغن الشرقية ” . ومن ثم أكمل متطلبات التخرج في ” جامعة واشنطن ” والتي كتب فيها مشروع إطروحته للدكتوراه في ” العلاقات الدولية ” و ” الحكومة العالمية ” وحصل على ” درجة الدكتوراه ” [158] .

  لقد كتب البروفسور ” فؤاد عجمي ” العديد من المؤلفات ذات النهج الأكاديمي ، ولكن بعضها تم بإختيار ” لاشعوري ” ومحرك لا يخلو من إنحياز عرقي ” فارسي ” ورائحة ” طائفية – شيعية ” لم تتمكن سنوات الكد الأكاديمي في الجامعات الأمريكية من تعطيل فعله المؤثر تحت الجلد الإنساني والتي تظهر بوعي ودون وعي في نصوص وعناوين مؤلفات ومشاريع كتب ومقالات . وهذا ما وجدناه في المشاريع التي إشتغل عليها المرحوم البروفسور ” فؤاد عجمي ” . وهنا نقدم شواهداً وأمثلة دالة .

  كتب فؤاد عجمي في شتاء عام 1980 / 1981مقالة بعنوان ” مصير عدم الإنحياز ” ونشرته مجلة ” الشؤون الأجنبية ” . وفيها لخص الطريق الذي سلكه ” العالم الثالث ” وكيف إنه تخلى من سياسات ” عدم الإنحياز ” وهجرها ، وبالتحديد في النص السياسي لفترة ” ما بعد الحرب الباردة ” [159] . وقد لقى هذا الكتاب رضاء الدوائر الأكاديمي الموجهة بستراتيجيات ” الكاوبوي ” . وفعلاً فقد جاء العطاء الأكاديمي كريماً ، وتمثل في تعيين ” الدكتور فؤاد عجمي مديراً لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز … ” [160] .

   نشر الدكتور عجمي ، بعد سنة واحدة من وصوله إلى ” معهد الدراسات العالمية العالي ” في جامعة جونز هوبكنز ، كتابه الأول والذي كان بعنوان ” المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 ” . وفيه تحليل ووصف للأزمة الفكرية والسياسية التي إجتاحت العالم العربي بعيد هزيمتها على يد القوات الإسرائيلة في ” حرب الأيام الستة ” عام 1967 [161] .

   وبعد فترة إنشغال إمتدت ما يُقارب الخمسة سنوات ، نشر كتاباً بعنوان ” الإمام المُغيب : موسى الصدر وشيعة لبنان ” والذي صدر في العام 1986[162] . وهو من الموضوعات التي حيرت الجميع ، وظلت أسرارها مقيدة ضد مجهول ثنائي ” القوى السياسية الشيعية في لبنان والقذافي وحكومته في ليبيا ” .

  وكان بيروت : مدينة الندم  ، كتاب بالإشتراك مع المصور إيليا ريد ، وصدر هذا الكتاب بعد سنتين من صدور كتاب ” الإمام المُغيب … ” . والكتاب من القطع الصغير ، وتألف من 128 صورة ملونة ، ونص كتبه البروفسور فؤاد عجمي وتكون من 47 صفحة [163] . ومن كتب فؤاد عجمي ، كتابه المعنون ” قصر العرب الوردي (الحالم) : جيل أوديسا ” ، وصدر عام 1998 [164] . ومن كتبه الأخيرة ، كتابه المعنون ” هبة الإجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق ” ، والذي صدر في عام 2006 . وهو يدور حول إحتلال أمريكا للعراق [165] .       

     أشرنا في مقالين سابقين ؛ الأول كان بعنوان ” في رحيل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي ” [166] . والثاني حمل عنوان ” الطرف السياسي من عمل الأكاديمي اللبناني فؤاد عجمي ” [167] . نقول أشرنا إلى إن البروفسور عجمي رفض في الطور الأول من حياته الأكاديمية أراء البروفسور ” صماويل هنتنجتون ” في مقاله ” تصادم الحضارات ” . ولكن عندما دارت حركة الكواكب والأفلاك وعمل البروفسور عجمي في واجهات الحزب الجمهوري الأمريكي ومن ثم أصبح مُقرباً من وزيرة الخارجية الأمريكية ” كوندليزا رايس ” ومن ثم أيد وشجع على إحتلال العراق ، فعاد وقبل كل ” إطروحات هنتنجتون دون تحفظ ” .

  ولعل الشاهد على ذلك مقال البروفسور ” فؤاد عجمي  ” الصادر في 6 كانون الثاني 2008 والمنشور في جريدة ” نيويورك تايمز ” وبعنوان ” التصادم ” والذي قال فيه بالنص ” إن إطروحة هنتنجتون حول التصادم الحضاري تبدو لها سلطتها علي اليوم ، وليس كما بدت لي من قبل  ” . والعبارة الأخيرة من كلام الدكتور عجمي ” وليس كما بدت لي من قبل ” هي إشارة إلى مواقفه النقدية للبروفسور هنتنجتون وكتابه ” تصادام الحضارات ” التي وردت في مقاله المبكر والذي نشره عجمي في مجلة ” شؤون أجنبية ” وبالتحديد في العدد المؤرخ في سبتمبر – إكتوبر 1993 . وفيه يجد القارئ بصورة مكشوفة إن هناك شخصيتين مختلفتين للبروفسور عجمي ؛ الأولى صورة البروفسور عجمي الناقد والرافض لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وفيها ” كسر عظم نقدي ” ومن ثم أدلى بأفكار مخالفة لهنتنجتون ” في دور الحضارات في العلاقات والصراعات الدولية ” . في حين إن عجمي يؤكد على إستمرار ” الدول والعلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة ” [168] .

  ومن ثم أكد البروفسور عجمي في هذا المقال على نقده للبروفسور هنتنجتون وذلك لتجاهله ” للصعوبات التجريبية ومصالح الدول التي هي وراء الصراعات بين الحضارات ” . وعجمي يومذاك كان متيقناً على خلاف هنتنجتون بأن ” الدول ستبقى عاملاً مهيمناً على العالم وتفاعلاته ” . ويجادل الدكتور عجمي فيؤكد على إن ” الروابط الحضارية سوف تستفيد وتتقوى فقط من خلال الدول والجماعات ” وبالتحديد عندما يكون من ” مصلحة هذه الدول والجماعات أن تُشغل العلاقات الحضارية ” . وإستشهد البروفسور عجمي بمثال من الطبقة الوسطى الهندية ، فبين بأن ” الحضارات سوف لن تتمكن من السيطرة على الدول ، وإنما العكس هو الصحيح إن الدول ستسيطر على الحضارات [169].

  أما في مقال عجمي المعنون ” التصادم ” فنحسب إنه عودة عجمية جديدة لمقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” المعنون ” تصادم الحضارات ” وتقويم جديد لجهوده ومشروعه السياسي حول تصادم الحضارات . فقد لاحظنا في ما يمكن أن نسميه مقدمة المقال رؤية إيجابية فيها إنقلاب على ما أدلى به عجمي من أراء نقدية سابقة ، خصوصاً في مقال 1993 . يقول البروفسور عجمي بالنص ” إن صامويل هنتنجتون ، هو رجل جاد وصارم ، وصاحب صنعة عالية ، إضافة إلى كونه عالم سياسي أصيل ، وطبع بأثاره فترة شغلت النصف الإخير من القرن . وكان على الدوام يسبح ضد تيار الأراء المتداولة والشائعة ” [170] .   

  وفي أدلة التعديل للموقف النقدي الذي أدلى به البروفسور عجمي في عام 1993 ، وفيه تخلي في الوقت ذاته عن طرفين من معادل تكوين هويته ؛ الأول تخليه عن إيرانيته الإسلامية من طرف والديه وأجداده ، ومن ثم تخليه عن لبنانيته العربية بالولادة والتربية في مضارب الجنوب اللبناني حيث قرية عرنون التي شهدت مسقط رأسه . يقول عجمي في تعديله للموقف النقدي لهنتنجتون ، فيقول : ” قبل ما يُقارب الخمسة عشر عاماً (كان عجمي يتكلم عام 2008) ، فإن إطروحة هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” لها سلطة وسطوة ، أكثر مما كنت أراه يوم كتبت النقد في ذلك الوقت ” ومن ثم قدم تفاصيل حول مصداقية نظرية هنتنجتون ، فأشار إلى أمثلة تتساوق وأراء هنتنجتون وتوقعاته ، فمثلاً قال ” إن البناء الضخم للكمالية (نسبة إلى النظام السياسي العلماني الذي شيده مصطفى كمال أتاتورك في تركيا) تعرض إلى إعتداءات مُهينة ، وذلك عندما تم في تركيا إنتخاب رئيس إسلامي لتركيا ، وبالطبع فيه تحدي مكشوف للنخب البيروقراطية والعسكرية [171] .  وهذا حمل دليل على هيمنة الإسلاميين والذي يتعارض مع توجهات الأتاتوركية ومن ثم جيل من السياسيين الأتراك الذين يتطلعون في إنضمام تركيا العلمانية إلى الإتحاد الأوربي . وهذا برأي عجمي يأتي دليلاً أخر على قوة أراء هنتنجتون لقضية علاقة ” الغرب والبقية ” والتي رددتها مقولة هنتنجتون ” نشيداً حضارياَ يحكم علاقة ” الغرب والبقية ” وخصوصاً ” الغرب والإسلام ، فقال ” سبق إن رفضت تركيا مكة (إشارة إلى الإسلام) ، بينما رفضت بروكسل (إشارة إلى الغرب) إنضمام تركيا إليها [172] .  

  ومُسك الختام إشارة إلى إن البروفسور عجمي ، كان أمريكياً جمهورياً حتى النخاع الأخير ، ولم تبقى في خلايا تفكيره ” دماء إيرانية إسلامية ” تجري  ، ولا ” دماء لبنانية عربية ” رعتها مناخات ” قرية عرنون ” . ولكل ذلك رأى عجمي إن ” مخاوف هنتنجتون ” ؛ ” هو إن الإسلام سيبقى إسلاماً كما هو ” . بينما ” شكوك هنتنجتون ” تتركز حول ” هل إن الغرب سيبقى حقيقة كما هو ، وإنه سيبقى ملتزماً بمهمته كما هي [173] .

طارق علي و ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة ”  

  ومن المفيد الإشارة إلى مثابرة مهمة لاحقة  ، حملت عنواناً فيه الجزء الأول من عنوان مقال – كتاب ” صامويل هنتنجتون ” ” تصادم الحضارات ” وهو كتاب البريطاني من إصول باكستانية طارق علي (1943 وبعمر 71 عاماً) والمعنون ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة [174] ومن مؤلفات الإعلامي طارق علي ، كتاب ” الباكستان : قواعد العسكر أو سلطة الشعب ” والصادر عام 1970 ، وكتاب ” بوش في بابل ” والذي رأى النور عام 2003 وكتاب ” مناقشات مع أدور سعيد ” والذي ظهر عام 2005 ومن ثم كتابه المعنون ” الأعراض المرضية للرئيس الأمريكي أوباما ” والذي صدر عام 2010 [175].

  وهذا الكتاب ينهض على مجموعة فرضيات صاغها ” طارق علي ” ، وهي في غاية الأهمية وإن كانت تًصاحبها موجة من الإثارة في الوقت ذاته . حقيقة إن أهمية هذا الكتاب تأتي من إنه محاولة تنهض على الجدل الذي يذهب إلى إن ” ما إختبرناه من العودة إلى التاريخ في أشكاله البطولية ” هو إن هناك ” رموز دينية ملأت مساحات جزئية ” منه ، والذي تمظهرعلى مستوى طرفين ؛ الأول طرف إنتقام الله . والثاني طرف الله معنا والله يحفظ أمريكا . ومن ثم مسكنا بطرف ثالث متخفي في كتابات ” طارق علي ” وهو إن العنف المرئي الملموس في سبتمبر 11 ، هو إستجابة إلى العنف اللامرئي واللا ملموس الذي عانت منه الشعوب في أفغانستان وباكستان والعراق والعربية السعودية ومصر وفلسطين والشيشان .

  ويحسبُ ” طارق علي” على إن ما حدث لهذه البلدان بصورة مباشرة ، هو من مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا . وإن هذا الكتاب يُقدم تفسيراً واسعاً لصعود موجات المتطرفين المسلمين والأشكال الجديدة للنزعة الإستعمارية [176] .    

تعقيب ختامي :

أولاً – هل هو ” تصادم حضارات ؟ ” أم هو ” صراع حضارات ؟ ” . الحقيقة إن القارئ الأكاديمي للمقال الذي كتبه هنتنجتون في عام 1993 أو في توسعته اللاحقة والذي نشره في كتاب عام 1996 ، يلحظ إن عنوان المقال وكذلك عنوان الكتاب جاء تحت شعار سحري دراماتيكي هو  ” تصادم الحضارات ” . وهذا في الحقيقة الأمر الأول . إلا إن قارئ الكتاب من زاوية المضمون يجد بأن هنتنجون قد تداول كلمة ” الصراع أو الكونفلكت بالإنكليزية ” في شرح قضية تصادم الحضارات أو  ” كلاش أوف زفلايزشين ” بالإنكليزية ” وهذا الأمر الثاني . وعلى هذا الأساس نحسب إن كتاب هنتنجتون على مستوى عنوان المقال والكتاب هو ” تصادم الحضارات ” . أما على مستوى مضمون المقال والكتاب ، فهو ” صراع الحضارات ” .

ثانياً – ظهر لنا بصورة واضحة إن هنتنجتون لم يكن الرائد والكاتب الأول الذي نحت وتداول أكاديمياً إصطلاح ” تصادم الحضارات ” بل تقدم عليه عدد من الأكاديمين والكتاب الرواد من طرف نحت إصطلاح ” تصادم / كلاش ” وكذلك إصطلاح ” صراع / كونفلكت ” وتداولوه في كتاباتهم وبالتحديد قبل هنتنجتون بسنوات قريبة من عمله الأكاديمي ، وسنوات أخرى بعيدة حتى قبيل ولادته . فمثلاً إننا بينا في هذا المقال إن عبارة ” تصادم الحضارات ” قد وردت قبل مقال هنتنجتون (1993) بثلاث سنوات ، وبالتحديد في مقال المؤرخ وشيخ المستشرقين الأمريكي – البريطاني ” برنارد لويس ” والمعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي ظهر في مجلة ” إتلانتك ” الشهرية في عام 1990 .

 ولاحظ الباحثون الأكاديميون الغربيون بأن ” برنارد لويس ” هو الأخر تلقفها من العنوان الفرعي لكتاب ” باسيل ماثيوس ” والمعنون ” الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات ” والذي ظهر في عام 1926 ، وبالتحديد قبل ظهور مقال ” برنارد لويس ” بما يُقارب ستة عقود ونصف من السنين . بينما لاحظ المستشرق الفرنسي ” لويس ماسينيون ” (1883 – 1962) إن تعبير ” تصادم الحضارات ” وكذلك ” صراع الحضارات ” يصعدان إلى فترة زمنية تتخطى تاريخ صدور كتاب ” باسيل ماثيوس ” بل ويعانقا الفترة الإستعمارية ، وهي الفترة التي يُطلق عليها الفرنسيون ” بالفترة الجميلة ” والتي بدأت عام 1871 .

ثالثاً – سعينا في همنا الأكاديمي النازع إلى معرفة الجذور التاريخية والفكرية لإصطلاح ” تصادم الحضارات ” الذي إنتخبه وتداوله البروفسور صماويل هنتنجتون عنواناً أولاً لمقاله الذي صدر عام 1993 ومن ثم ثانياً عنواناً رئيساً مع إضافة عنوان فرعي لكتابه الذي ظهر عام 1996 ، نقول إن الفكرة الأصلية والمصدر الحقيقي  للمقال ومن ثم للكتاب ، هي محاضرة قدمها هنتنجتون في عام 1992 وبالتحديد في ” معهد الأنتربرايز الأمريكي ” . والمحاضرة (ومن ثم المقال) جاء إستجابة هنتنجتونية أكاديمية لكتاب تلميذه السابق ، البروفسور ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” . وعلى أساس هذه المصادر الثلاثة (اي النقاط الثلاث من تعقيبنا) يمكن فهم وتقويم إصطلاح ” تصادم الحضارات ” والمستبطن صراحة لإصطلاح ” صراع الحضارات ” في كل من متن المقال والكتاب عند البروفسور صامويل هنتنجتون .

——————————————————-

الهوامش    

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (بالإنكليزية) ، مجلة قضايا أجنبية (بالإنكليزية) / المجلد 72 ، العدد 3 صيف عام 1993 ، ص   [1]

ص 22 – 49

 – إن القارئ الأكاديمي لكل من مقال ومن ثم كتاب ” هنتنجتون ” تصادم الحضارات ومن زاوية ميثدولوجية يشعر بحجم المشكلة التي تولدت مع [2]

تحويل المقال إلى كتاب . ومن طرفنا كنا نتمنى لو رفض ” هنتنجتون ” الإغراءات ودوافع الناشرين في قبول التوسيع في المقال . وذلك لإعتقادنا إن المقال كان وحده كاف لخلود ” هنتنجتون ” رغم عدم قناعتنا بإن الكتاب كان رسالة أكاديمية بريئة وذلك من حيث إن توجهات الكتاب (وبدرجات أقل توجهات المقال) قد خدمت من طرف الترويج للسياسات الأمريكية في الإنفراد والإستحواذ على العالم . ورغم هذا الحال فإن في الكتاب أراء لا أعرف كيف مرت على دوائر التفكير السياسي الأمريكي ، وهو توقع ” هنتنجتون ” تفكك ” الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد إن أعلن وفق الإحصاءات السكانية والتي تدلل بصورة خطيرة على زيادة السكان من إصول إسبانية (أمريكا اللاتينية)والتي تشكل اليوم أكثر من نصف سكان أمريكا والذين بإعتراف ” هنتنجتون ” ينتمون إلى حضارة وثقافة ولغة غير إنكليزية  ، كما وفيه إشارات ذكية فيما يخص إسرائيل وإمكانية تفككها في المستقبل على أساس إطروحة ” هنتنجتون ” في الثقافة والحضارة والدين ، فقد أشار إلى إن العرب في المجتمع الإسرائيلي يشكلون 20% من مجموع السكان وإن تزايدهم بمتوالية هندسية كما تدلل إحصاءات الولادات بين العرب وإنحسارها في طرف الإسرائيليين . ومن المفيد أن نخبر القارئ العربي بأن كتاب ” تصادم الحضارات ” قد ترجم إلى اللغة العربية . للتفاصيل أنظر : صماويل هنتنجتون ؛ صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي ، ترجمة طلعت الشايب ، وتقديم د. صلاح قنصوة 1999 (تكون من 554 صفحة ، والمقدمة وحدها تكونت من 21 صفحة / ص ص 9 – 28) والمقدمة راجعت الكثير من أفكار ” هنتجتون ” لكنها لم تمس على الإطلاق إصول نظريته وهذا هو المهم في التقديم لنظرية صدام الحضارات ، والحق إن كلمة يتيمة جاءت في الجملة الأخيرة من التقديم أشار فيها كاتب المقدمة إلى تلميذ هنتنجتون ” فوكياما ” ص 28 من المقدمة . هذا فيما يخص ما قال الأستاذ ” قنصوة ” . ولكن في الحقيقة إن مقال ” هنتجتون ” ومن ثم بالطبع كتابه ” تصادم الحضارات ” هو في الحقيقة إستجابة إلى كتاب تلميذه السابق ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير “. ونحسب كان من المهم في كتابة المقدمة مراجعة مقال وكتاب ” هنتنجتون  ” من زاوية كتاب ” فوكياما ” ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” . وكلمتنا الأخيرة إن مشروع التوسيع الذي قام به ” هنتنجتون ” جعل من الكتاب من الزاوية الميثدولوجية ، دراسة متخمة بالإحصاءات ، وبحث مترهل غير متساوق وفيه إعادة فيما يخص الإسلام والصحوة الإصولية  حتى بدى الكتاب من الزاوية الميثدولوجية لملمة وتجميع لمقالات كتبها أو أعدها (حسب ظننا المؤسس على إعتراف هنتنجتون بصراعه مع الزمن وإشارته إلى بعض أسماء طلابه ..) في صورتها الأولية طلبة وبإشراف البروفسور هنتنجتون

 – أنظر : أ – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الطرف السياسي من عمل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي / موقع الفيلسوف 2 يونيو 2014 [3]

ب – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ في رحيل الأكاديمي الأمريكي – اللبناني فؤاد عجمي / موقع الفيلسوف 27 يونيو 2014

 – أنظر مشروع المقال القادم للدكتور محمد جلوب الفرحان ” برنارد لويس وظلال النزعة الإستشراقية ” [4]

 – للتفاصيل أنظر : أدور سعيد ؛ تصادم الجهل (بالإنكليزية) ، مجلة الأمة الأمريكية / 22 إكتوبر 2001 [5]

 – أنظر هنتنجتون ؛ المصدر السابق [6]

 – وهو أخر رؤساء الإتحاد السوفيتي السابق وفي وقتها كان السكرتير العام للحزب الشيوعي للإتحاد السوفيتي .. للتفاصيل أنظر ” إنكوس [7]

روكسبيرك ” الثورة الروسية الثانية : الكفاح من أجل السلطة في الكرميلن (بالإنكليزية) ، لندن 1991  

 – وفي الأصل كان مديراً للمخابرات المركزية الأمريكية ، ومن ثم أصبح رئيس الولايات المنحدة الأمريكية الواحد والأربعين .. للتفاصيل أنظر :[8]

جورج بوش : الأشياء الجميلة ، جورج بوش : حياتي في رسائل وكتابات أخرى (بالإنكليزية) ، دار نشر سكرنبر – نيويورك 1991  

 – للتفاصيل أنظر : رالف بيترس ؛ القتال من أجل المستقبل : هل ستنتصر أمريكا (بالإنكليزية) ، دار نشر كتب ستاكبوت ، بنسلفانيا 1999 [9]

 – أنظر : دان هارت ؛ صامويل هنتنجتون : عالم السياسية في هارفاد (وفاة) (بالإنكليزية) ، أخبار بلومبرك ، 27 ديسمبر 2008 .[10]

 – أنظر مقال جريدة التايمز اللندنية ، وبعنوان ” البروفسور صامويل هنتنجتون : مؤلف تصادم الحضارات ، 29 ديسمبر 2008 .[11]

 – مايكل ديسش ؛ الجنود والدول والبُنى : نهاية الحرب الباردة وضعف السيطرة المدنية الأمريكية ، نشرة جمعية القوى العسكرية ، العدد الثالث [12]

1998 ، ص ص 389 – 405

 – أنظر : صماويل هنتنجتون : تصادم الحضارات ، دورية ” قضايا أجنبية ” (بالإنكليزية) ، صيف 1993 ، ص ص 22 – 49 [13]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 22 – 23 [14]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 23 – 25 [15]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 25 – 29 [16]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 29 – 35 [17]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 35 – 39 [18]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 39 – 41 [19]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 42 – 45 [20]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 45 – 48 إشارة إلى العقيدة الكونفوشيوسية ، للتفاصيل أنظر ؛ الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدوة : دراسة  [21]

تحليلية تاريخية في مواصفات الشخصية المثالية ، نشرة وزارة التعليم العالي – جامعة الموصل 1990 ، الفصل الرابع والمعنون ” القدوة في الحضارة الصينية ” ، وخصوصاً الصفحات 50 – 54  . وهذا الكتاب فاز به المؤلف بترشيح مجلس كلية التربية – جامعة الموصل وتم إنتخابه من بين عدد من الترشيحات من أغلب أقسام كلية التربية ، وطبع على حساب وزارة التعليم العالي ، وحصل المؤلف على منحة مالية مجزية وكتاب شكر من عميد كلية التربية الدكتور خضر جاسم الدوري طيب الله ثراه .

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 48 – 49 [22]

 – أنظر صماويل هنتنجتون ، تصادم الحضارات وإعادة بناء النظام الجديد (بالإنكليزية) ، نشرة دار سايمون وشستر ، نيويورك 1996 [23]

 – أنظر : بوشاهيرو فرنسيس فوكيما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير (بالإنكليزية) ، نشرة المطبعة الحرة 1992 [24]

 – أنظر : برنارد لويس ؛ جذور الغضب الإسلامي العارم (بالإنكليزية) ، مجلة إيتلانتيك الشهرية ، مجلد رقم 266 ، سبتمبر 1990 [25]

 – أنظر : باسيل ماثيوس ؛ الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات (بالإنكليزية) ، دار نشر كيسنجر 2007 ، ص 196 [26]

والكتاب يتألف من 248 صفحة .

 – أنظر : لويس ماسينيون ؛ علم النفس الإسلامي (بالفرنسية) ، باريس 1931[27]

 – والعصر الذهبي ، هو مفهوم صاغه كل من مارك توين وشارلز دودلي ويرنر في كتابهما المشترك والمعنون ؛ العصر الذهبي : حكاية اليوم  [28]

(بالإنكليزية) وهو رواية ، مطبعة أكسفورد 1873 وأعيد طبعه عام 2007 (ويتألف من 268 صفحة) .

 – بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ؛ نهاية التالريخ والإنسان الأخير ( مصدر سابق) .[29]

 – أنظر : رشاد ماهبلوي ؛ الحضارات ، طبيعتها وإمكانية تصادمها ، الجامعة الأوربية المركزية – بودباست (هنكاريا) ، خريف 2010 [30]

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (المصدر السابق) ، ص 22 [31]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 23 [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 23 – 24 [33]

 – المصدر السابق ، ص 24[34]

 – للتفصيل عن فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” أنظر : [35]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ ، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 90 – 97 

 – صماويل هنتنجتون ؛ المصدر السابق ، ص 25 [36]

 – تكون هذا العمل الإنجيلي في فلسفة التاريخ من 12 مجلداً ، وتألف من 7000 صفحة ، وجاء بالشكل الأتي : [37]

الأول – مدخل وبعنوان ” تكوين الحضارات ” – القسم الأول (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الثاني – تكوين الحضارات – القسم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الثالث – نمو الحضارات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الرابع – إنهيار الحضارات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

الخامس – إنحلال الحضارات – القسم الأول (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

السادس – إنحلال الحضارات – القسم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

السابع – الدول العالمية والكنائس العالمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954 ومن ثم ظهر بمجلدين .

الثامن – العصر البطولي : إتصال الحضارات في المكان (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954

التاسع – إتصال الحضارات في الزمان (النهضات : القانون والحرية في التاريخ وواجهات الحضارة الغربية) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة أكسفورد

1954

العاشر – إلهام المؤرخين : ملاحظة على الكرونولوجيا أو التسلسل الزمني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954

الحادي عشر – أطلس تاريخي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1959

الثاني عشر – مراجعات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1961

  ومن ثم قام الكاتب ” ديفيد شرشل سومرفيل ” (1885 – 1965) بتلخيصه في مجلدين ، ومن مؤلفاته المشهورة ” التاريخ المختصر لديننا ” 1922 و ” الفكر الإنكليزي في القرن التاسع عشر ” 1929 ، وجاء هذين المجلدين بالصورة الأتية :

الأول – دراسة التاريخ : موجز للمجلدات الستة الأولى وبتقديم توينبي ، مطبعة جامعة أكسفورد 1946

الثاني – دراسة التاريخ : موجز للمجلدات من السابع وحتى العاشر ، مطبعة جامعة أكسفورد 1947

ومن ثم ظهر مجلد واحد ضم خلاصة المجلدات العشرة وبتقديم توينبي ، مطبعة جامعة أكسفورد 1960 .

 – أنظر : توينبي ؛ نمو الحضارات (مصدر سابق) [38]

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [39]

 – المصدر السابق[40]

 – المصدر السابق [41]

 – المصدر السابق [42]

 – المصدر السابق ، ص ص 25 – 26 [43]

 – المصدر السابق ، ص 26 [44]

 – وهو كاتب أمريكي وناشط سياسي وإجتماعي ، له العديد من المؤلفات في الأديان وخصوصاً المسيحية الكاثوليكية وإصلاح الكنيسة الكاثوليكية[45]

منها : 1 – الكاثوليكية وتجديد الديمقراطية الأمريكية (بالإنكليزية) ، مطبعة بوليست 1989  2 – مجرد حرب وحرب الخليج والأخلاق (بالإنكليزية) ، منشورات مركز السياسة الجماهيرية 1991  3 – الثورة الأخيرة : مقاومة الكنيسة وإنهيار الشيوعية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1992

4 – الإيمان والعقل ، والحرب ضد الجهادية : الدعوة إلى فعل (بالإنكليزية) ، دار نشر دبلدي 2007  5 – الكاثوليكية الإنجيليكانية : الإصلاح في القرن الحادي والعشرين للكنيسة الكاثوليكية (بالإنكليزية) ، دار نشر الكتب الأساسية 2013

 – وكيلز كيبل (1955 – ) بروفسور فرنسي في العلوم السياسية ، ومتخصص في الإسلام والعالم العربي المعاصر ، من مؤلفاته المشهورة : 1 -[46]

 إنتقام الله : عودة الإسلام ، المسيحية واليهودية في العالم الحديث (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة كيمبريدج 1994   2 – الله في الغرب : الحركات الإسلامية في أمريكا وأوربا (بالإنكليزية) ، نشرة أكسفورد 1997  3 – حرب العقول الإسلامية : الإسلام والغرب (الترجمة الإنكليزية من الفرنسية) ، نشرة كيمبريدج 2004  4 – جذور التطرف في الإسلام (بالإنكليزية) ، دار نشر الساقي – لندن 2005  5 – ما بعد الإرهاب واالشهادة : مستقبل الشرق الأوسط  (بالإنكليزية) ، كيمبريدج 2008  

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 26 [47]

 – المصدر السابق [48]

 – المصدر السابق ، ص ص 26 – 27 [49]

 – المصدر السابق ، ص 27 [50]

 – لمزيد من التفاصيل عن البوذية  وأساسها في الحضارة الأسيوية أنظر : بيتر هارفي ؛ مدخل إلى البوذية : تعاليم وتاريخ وطقوس (بالإنكليزية) ،[51]

مطبعة جامعة كيمبريدج 1990  

 – المصدر السابق ن ص ص 27 – 28 [52]

 – المصدر السابق ، ص 29 [53]

 – المصدر السابق [54]

 – للتفاصيل أنظر المثابرة الرائدة في دائرة الثقافة العربية في أبستمولوجيات فلسفتي التاريخ والحضارة :[55]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدر والإنسان : بحث أبستمولوجي في تواريخ اليعقوبي وإبن الأثير ، دار الطليعة – بيروت 1986 ، المقدمة ، ص ص 5 – 14

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق  [56]

 – المصدر السابق ، ص ص 29 – 30 [57]

 – هو وليم جون لورنس ويلس ، وهو أكاديمي بريطاني ، سافر إلى الولايات المتحدة ، وصرف ثلاث سنوات في كتابة إطروحته للدكتوراه ،    [58]

والتي ركزت إهتمامها على ” إحياء الليبرالية من عام 1955 وحتى عام 1966 . ومن ثم عمل مديراً للمعهد الملكي للشؤون العالمية وللفترة من 1978 وحتى عام 1990 . وفي عام 1999 أصبح بروفسوراً للعلاقات الدولية في ” مدرسة لندن للعلوم السياسية والإقتصادية ” . ومن أهم مؤلفاته ” تحولات أوربا الغربية ” والذي صدر في نيويورك عام 1992 . وهو كتاب صغير بحدوما إذ تألف من 128 صفحة فقط . وهو المصدر الذي إعتمد عليه هنتنجتون في الحديث أعلاه عن ” الحدود الشرقية للمسيحية الغربية في عام 1500م . وصدرت له مؤلفات وأبحاث قبل هذا الكتاب منها : السياسة الخارجية والعملية السياسية : دراسة في السياسة المقارنة ، نيويورك 1991 (وهو كتاب صغير تألف من 80 صفحة) . ومنها ؛ الباب المفتوح : توسيع النيتو والوحدة الأوربية ، مركز الإصلاح الأوربي 1996 (وتألف من 49 صفحة) وغيرها كثير .

  والحقيقة إن أسم الأكاديمي البريطاني ” وليم ويلس ” يتداخل مع إسم القائد العسكري الإسكتلندي ” وليم ويلس ” (1270 – 1305م) وهو القائد خلال حرب التحرير الإسكتلندية ، والذي أُلقي القبض عليه في أب 1305 وسلم إلى ملك إنكلترا ” أدورد الأول ” وإتهم وليم ويلس بالخيانة وعذب بصورة تتنافى والقيم الإنسانية ، وشتق إلا إنه ظل حياً ، فقطع جثمانه إلى أربعة أجزاء ، فظل رمزاً من الرموز الإسكتدلندية الخالدة  … وللتفاصيل أنظر : كريست براون ؛ وليم ويلس : القصة الصادقة للقلب الشجاع ، شركة ناميس للنش 2005 .  

 – للتفاصيل أنظر هنتنجتون المصدر السابق ، ص 30 [59]

 – المصدر السابق [60]

 – المصدر السابق [61]

 – المصدر السابق ، ص ص 30 – 31 [62]

 – المصدر السابق ، ص 31[63]

 – والمورو أو المورش جاءوا من شمال أفريقيا (المغرب) وعبروا مضيق جبل طارق وإستقروا في شبه جزيرة ليبريا (الأندلس – أسبانيا ) ومن ثم[64]

إنساحوا شمالأ . وهم في الأصل من إصول عربية وبربرية وأجدادهم عاشوا في ظل الدولة الأموية في الأندلس وبالتحديد في بداية القرن الثامن الميلادي . وهناك من يرى إن المورش هم المسلمون في العصور الوسطى ، والذين سكنوا المغرب وشبه جزيرة ليبريا وصقلية ومالطا . وفعلاً فإن المورش إحتلوا شيه جزيرة ليبريا عام 711 وأطلقوا عليها بلاد الأندلس ، والتي شملت حينها كل من مضيق جبل طارق ، ومعظم أسبانيا والبرتغال وأجزاء من جنوب فرنسا . كما كان لهم حضور في جنوب إيطاليا ، وخصوصاً في سيسلي (صقلية) . ومن ثم إحتلوا مازر الصقلية في عام 827 . وفي عام 1224م تم طرد المسلمون إلى مستوطنة لوتشرا، ومن ثم تم تدمير المستوطنة عام 1300 . والحقيقة إن الإختلافات الدينية للمسلمين المورش قد سبب صراعاً طويلاً مع الممالك المسيحية الأوربية ، والذي إمتد لقرون عديدة ومن ثم إنتهى بسقوط غرناطة رمز المسلمين في الأندلس عام 1492 والذي سجل نهاية للمسلمين في الأندلس (ليبريا / أسبانيا) . للتفاصيل أنظر : 1 – مريا روزا مينوسيل ؛ جوهرة العالم : كيف كون المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة التسامح في أسبانيا العصور الوسطى (بالإنكليزية) ، دار نشر ليتل براون 2002 . 2 – ديفيد كولدنبيرك ؛ لعنة حام : التمييز العنصري والعبودية في بواكير اليهودية والمسيحية والإسلام (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة برنستن 2003 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [65]

وهي من أكبر مدن المركز الفرنسي يومذاك والتي تقدم إلى إحتلالها القائد العربي عبد الرحمن الغافقي . وفعلاً فإنه في عام 732 قاد قوات ضاربة من الفرسان المسلمين ، ومن ثم تغلغلوا بحدود 500 كيلومتر في أعماق الأراضي الفرنسية . غير إنهم واجهوا مقاومة شديدة وإنتهت بمعركة التور (بلاط الشهداء) وكانت نتيجتها إندحار القوات الإسلامية . وكان يقود القوات الفرنسية القائد العسكري الفرنسي شارل مارتيل (688 – 741م) … للتفاصيل أنظر : ماستينك توماز ؛ السلام الصليبي : المملكة المسيحية والعالم الإسلامي والنظام السياسي الغربي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا 2002 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق[66]

 – المصدر السابق [67]

 – المصدر السابق [68]

 وعد بلفور (أو إعلان بلفور) هو في الأصل الرسالة التي أرسلها ” أرثر جيمس بلفور ” (1848 – 1930 وعمل وزير خارجية لبريطانيا ومن  – [69]

ثم رئيس وزراء) بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ” ليونيل ولتر دي روتشيلد ” وفيها تأييد الحكومة البريطانية على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين . وقد صدر بعد إتفاق الأمير فيصل ممثل ملك الحجاز مع ” حاييم وازيزمان الصهيوني ” والتي وقعت عام 1915 ، وتم إعتمادها في إتفاقية باريس 1919 وذلك لتطبيق وعد بلفور … للتفاصيل أنظر : جونثان سكينر ؛ وعد بلفور : إصول الصراع العربي الإسرائيلي (بالإنكليزية) ، دار نشر راندم 2010 .  

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [70]

 – المصدر السابق ، ص ص 31 – 32 ولتفاصيل أكثر أنظر ص ص 31 – 35 [71]

 – المصدر السابق ، ص 35 [72]

 – وهيك كرينوي  تخرج من أكاديمية ميلتون ، جامعة ييل ، وجامعة أكسفورد وجامعة هارفارد ومن ثم عمل زميلاً باحثاً فيها . وخدم في القوات [73]

البحرية الأمريكية من عام 1958 وحتى عام 1960 . ومن ثم بدأ عمله الصحفي وإستهله مع صحيفة ” تايم لايف ” في لندن ، وفي الواشنطن ، وبوسطن ، والأمم المتحدة . وعمل منذ عام 1972 وحتى عام 1978 في ” الواشنطن بوست ” . ومنذ عام 1978 وحتى عام 2000 عمل ناشراً للقضايا الأجنبية ، وناشراً للقضايا القومية . ومن ثم ناشراً في مجلة ” قضايا أجنبية ” . أنظر : مايك مينهان ؛ الإعلامي هيك ديفيد سكوت كرينوي (بالإنكليزية) ، أون لاين ، ربيع 2006 . ومن ثم نشر” هيك كرينوي ” مذكراته تحت عنوان ” مراسل أجنبي : ميموار ” (بالإنكليزية) دار نشر سايمون وشوستر 2014 (320 صفحة) .  

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [74]

 – المصدر السابق [75]

 – المصدر السابق [76]

 – أنظر الهامش رقم 64 من هذا البحث [77]

 – وهو من الأكاديميين السعوديين والذي كان من الرموز الكبيرة والرائدة في ” حركة الصحوة السلفية ” والتي عارضت تواجد القوات الأمريكية [78]

في الجزيرة العربية . والأكاديمي ” سفر عبد الرحمن الحوالي (1950) يحمل شهادة الدكتوراه في اللاهوت الإسلامي (علم الكلام) – جامعة أم القرى بمكة عام 1986 . وفي التسعينات من القرن الماضي ألقت السلطات السعودية القبض عليه وأودعته السجن لفترة ، وذلك بسبب نقده للحكومة ودعوته إلى إسقاطها . وفي العام 1994 أصدر عالم الدين الوهابي ” الشيخ عبد العزيز بن باز ” فتوى شجب فيها تصرفات الشيخ سفر الحوالي وجماعته وطلب منهم بوقف هذه التصرفات وخلاف ذلك حرم عليهم المحاضرات والإجتماعات ونشر التسجيلات الصوتية .

  من أهم مؤلفات الشيخ سفر الحوالي ؛ رسالته للماجستير والتي كانت بعنوان ” العلمانية ” وهذه الرسالة كانت بإشراف المصري محمد قطب (1919 – 2014) وهو شقيق المفكر الإسلامي ” سيد قطب ” (1906 – 1966) . وفي رسالة الماجستير تابع الأكاديمي سفر الحوالي ” تاريخ الفصل بين الكنيسة والدولة ” وبين أهمية ” هذه الفكرة للعالم الإسلامي ” . وفي إطروحته للدكتوراه قام بتحليل قضية ” الفصل ما بين  العقيدة وإعمال العبادة ” . ولعل أهمية هذا الشيخ إنه بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي الأبن ” جورج بوش ” عارض فيها تبرير الحرب على العراق . وهي محاولة (أي تبرير الحرب) قام بها ما يُقارب 66 من المفكرين الأمريكيين … للتفصيل أنظر : 1 – منصور جاسم الشمسي ؛ الإسلام والإصلاح السياسي في المملكة العربية السعودية : مطالب في التغيير السياسي والإصلاح (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 2011  2 – روبرت لاسي ؛ في داخل المملكة العربية السعودية : الملوك ، رجال الدين والمُجددون والإرهابيون والكفاح من أجل المملكة  (بالإنكليزية) ، فايكنك 2009 .

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ صدام الحضارات ، ص 35 [79]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 35 – 36 [80]

 – المصدر السابق ، ص 36 [81]

 – المصدر السابق [82]

 – المصدر السابق [83]

 – للتفاصيل أنظر : المصدر السابق [84]

 لمصدر السابق ، ص ص 36 – 37 [85]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص 37 [86]

 – أنظر المصدر السابق [87]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 37 – 38 [88]

 – المصدر السابق ، ص 38 [89]

 – المصدر السابق ، ص 39 [90]

 – المصدر السابق [91]

 – المصدر السابق [92]

 – للتفاصيل أنظر : روبرت باسويل ؛ إنسكلوبيديا البوذية (بالإنكليزية) ، دار كتب ماكميلان 2003 [93]

 أنظر : أرثر نويلاين باشم ؛ إصول وتطور الهندوسية الكلاسيكية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1989 [94]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مالك بن نبي والمشروع الإسلامي للإقتصاد / مجلة الإجتهاد ، بيروت ، العدد 37 ، خريف 1997   [95]

 – أنظر الهامش في هنتنجتون ؛ المصدر السابق ، ص 39 [96]

 – المصدر السابق ، ص 39 [97]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 42 – 45 [98]

 – عبد الوهاب البياتي ” الذي يأتي ولا يأتي ، الطبعة الأولى ، دار الأداب 1969 (69 صفحة) .[99]

 – نتنتجتون ؛ المصدر السابق ، ص 42 [100]

 – المصدر السابق [101]

 – وهو التقليد الذي أرسى قواعده الرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك (1881 – 1938) وهو في الأصل ضابط تركي ، ومن ثم رجل سياسي [102]

من الإصلاحين ، وهو أول رئيس وزراء ورئيساً لتركيا الحديثة . ولكونه المؤسس لتركيا الحديثة ، فيُطلق عليه لقب ” الأب لتركيا ” وقد حصل على هذا اللقب عام 1934 وحرم البرلمان التركي من إطلاق هذا اللقب على أي شخص بعده . وفعلاً فقد كان ضابطاً في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى ، وبعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، قاد أتاتورك الحركة القومية التركية وخصوصاً خلال حرب الإستقلال التركية ، وأسس حكومة محافظة أنقره . ومن ثم هزم قوات التحالف وإنتهت حملته العسكرية بإنتصار تركيا في حرب الإستقلال . ومن ثم باشر أتاتورك برنامجاً سياسياً إقتصادياً ، وإصلاح حضاري تتوج بتحويل الإمبراطورية العثمانية السابقة إلى دولة قومية علمانية حديثة . وتحت قيادته أسس ألاف المدارس وجعل التعليم الأولي مجاني وإجباري ، ومن ثم منح النساء حقوقهن المدنية والسياسية المتساوية ، وخفف الضرائب من المزارعين . والحقيقة إن مبادئ أتاتورك في الإصلاح هي التي نهضت عليها تركيا الحديثة والتي يُطلق عليها ” تركيا الكمالية ” نسبة إلى الرئيس التركي ” مصطفى كمال أتاتورك ” . للتفاصيل أنظر : أندرو جيمس مانكو ؛ أتاتورك : السيرة الذاتية لمؤسس تركيا الحديثة (بالإنكليزية) ، مطبعة أوفرلوك 2002 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [103]

 – المصدر السابق ، ص 44 [104]

 – للتفاصيل أنظر : صماويل هنتنجتون ؛ من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية (بالإنكليزية) ، دار نشر سايمون وشوستر 2004 (يتألف من[105]

448 صفحة) .

 – أنظر المصدر السابق [106]

 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدوة : دراسة تحليلية في مواصفات الشخصية المثالية ، نشرة وزارة االتعليم العالي – جامعة الموصل ، مطابع [107]

التعليم العالي 1990 ،  وفيه حديث عن الكونفوشيوسية ،  ص ص 50 – 54  

 – أنظر للتفاصيل المصدر السابق (والكتاب من القطع الكبير وتألف من 168 صفحة) .[108]

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 45  [109]

 – أنظر المصدر السابق [110]

 – أنظر للتفاصيل : أوليفر ألفانسو برنكلي ؛ المسيحية الغربية وإنتشار الشيوعية (بالإنكليزية) ، جامعة فرجينيا 1951 (تألف من 176 صفحة) .[111]

 – أنظر : هنتنجتون ؛ المصدر السابق [112]

 – المصدر السابق ، ص 46 [113]

 – المصدر السابق [114]

 – المصدر السابق ، ص 47 [115]

 – وهو ” ديفيد كيث ماككيوردي ” (ولد في 30 أذار 1950) محامي وسياسي محافظ عضو ديمقراطي في الكونكرس الأمريكي ، ورئيس مؤسسة [116]

الغاز الأمريكية . تخرج من  جامع