العدد الثالث / مجلة أوراق فلسفية جديدة / صيف 2011

 أوراق فلسفية جديدة

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS 

Dr. MOHAMAD FARHAN     Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – أونتاريو – كندا

رئيس التحرير – الدكتور محمد جلوب الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

نفضل قراءة هذا العدد بصحبة الإستماع إلى مقام نهاوند بعزف الموسيقار العراقي منير بشير

مجلة أوراق فلسفية جديدة

الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة

لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة يكتبها أكاديمي – فيلسوف واحد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  هذا هو العدد الثالث من مجلة أوراق فلسفية جديدة . وهو الأخر عدد متفرد في دارنا الثقافية العربية . فهوجديد بكل مواده ، جديد بمحوره الذي جاء بعنوان

حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر

                مالك بن نبي إنموذجاً

 ولأهمية ومكانة تفكير مالك بن نبي في حياتنا المعاصرة ، فقد تناولنا طرفاً منه ، والذي ظل مطموراً ، ولم يتجرأ أحد أن يقترب منه ، لأنه ليس بموضوع عام يستطيع كل من هب ودب أن يكتب عنه بمنطق العموم ، وبلغة العموم . إنه موضوع يحتاج إلى قلم متخصص ، وصاحب تجربة فلسفية متجذرة وعميقة ، ويمتلك منهج أكاديمي ، نقدي موضوعي ، عارف بدقائق فكر مالك ومصادره الغربية ، وقارئ موسوعي متمكن من تاريخ الفلسفة الغربية . منهج منصف لمالك وللقراء ، منهج صادق مع مالك ، ويقول الصدق للقراء ، منهج يرفض التخفي والدوران ، وشطب إفتراض ” العيب ” وذلك ” لأن الرجل من الأهل والعشيرة والطائفة والفكرانية ” كما فعلت دراسات أكاديمية صدرت من جامعات عربية مرموقة ، وتمت تحت إشراف أساتذة أكاديميون يجاهرون بالموضوعية والصدق الأكاديمي قولاً ، ويعملون على خلاف أقوالهم ، فقاموا بشطب أجزاء عزيزة من مباني العمارة الفكرية الحضارية الثقافية التي شكلها عقل المبدع مالك بن نبي . وللإستشهاد نذكر المثال الصارخ المتداول في أطروحتي دكتوراه ؛ واحدة وهي الأقدم كتبت في مصر ، والثانية وهي الأحدث كتبت في لبنان ، فقد قاموا بشطب إطروحة فيلسوف التاريخ الألماني ” هيرمان دي كيسرلنج ” وكأن شيئاً لم يكن ، وهي الإطروحة التي تبناها مالك بن نبي صراحة ، ووجد فيها إمكانية تطبيق على حركة الفكرة الإسلامية .. ونحسب حقيقة إن فعل الشطب هذا ، هو بحد ذاته عيب أكاديمي كبير ، وتعامل مجحف بحق المفكر مالك بن نبي ، الذي عاش وكان شاهد حي على كتابه ” شروط النهضة ” ، الذي حمل فعل التبني ، يطبع العشرات من الطبعات ، ومات الرجل ولم يصحح أو يبدل من موقفه من الأطروحة الكيسرلنجية ..

   إن مذهبنا الأكاديمي يحترم مالك مفكراً تنويرياً ، ويتعامل مع تراثه بصدق ، لا يشطب شيئاً عزيزاً على مالك ، ولا يهمل إشارة صغيرة وردت عفواً في داخل الطوابق الملونة من العمارة الفكرية المالكية ..  إن مذهبنا يحاسب مالك أكاديمياً ، وبموضوعية ، نقول الحق عندما نرى الحق ، وهو كثير كثير ، ونصحح الخطأ أو الأدق الإلتباس وهو قليل قليل ..  حتى وإن صدر من قلم مفكر متنور مثل مالك ، لقد أحببنا مالك بن نبي لأنه قال الصدق للقارئ والأمة ، وتبنى ما هو حق ونافع لأمته نافع في فهم حياة وتاريخ أمته ، وإن كان هو من نتاج العقل الأخر الغريب المختلف فكرانياً وعقيدياً .

    في حين خاصم مالك بن نبي أبناء الأهل والعمومة ” الأخوان المسلمين ” وجيشوا الرفاق لعقود من الزمن ضد مالك ، وفكره التنويري ، وكتبوا مقالات وكتب لنقد المنهج المالكي وتشويهه ، وتصنيفه في ” خانات الفكر الأستعماري ” أو اللعب في اللغة ، والإشاعة على إن فكر مالك ، هو نتاج ” القابلية على الإستعمار ” وهو واحد من مفاهيم مالك والتي تتعانق وتتجذر مع فكر إبن خلدون وتنفتح على الفكر الإنساني المعاصر الذي درس الظاهرة الإستعمارية من زاوية سايكولوجية .

   حدث كل هذا لا لخلاف فكراني عقيدي ، وإنما لوهم فكراني ” أيديولوجي ” متجذر في الذات السياسية العربية التي ولدتها الأيديولوجيات العربية الملونة ، فقد حسبوا الرجل على عبد الناصر ، وذلك قبولاً بالمنطق الشائع بين العرب ” وهو إن صديق عدوي ، هو عدوي كذلك ” وهذا منطق غير صحيح ، والرجل لم يكن عدواً للإخوان ، وترفع عن الرد عليهم عندما هاجموه ، ولاذ إلى دائرة الصمت .. والأخوان قبل الأخرين يعرفون بأن مالك ليس له خيار بعد إن طردته الحكومة الفرنسية من أراضيها ، وقبلته مصر ” كل العرب ” لاجئاً لديها . والحقيقة كان مالك ممتحناً فقد قبل العرض المصري الوحيد بعد إن رفضت دولة مسلمة مرموقة بقبوله لاجئاً لديها ، وهذا ما كان يفضله مالك ..

   والحقيقة إن الفكرانية الإخوانية وبالطبع الفكرانية المالكية هما فكرانية واحدة ، فهما يشربان في منهجهما الفكري ، ويتقويان من فكر أشعري ينبوعي واحد خالص  . أما الفكرانية الإخوانية السياسية المخاصمة لعبد الناصر ، فهي مسألة لا علاقة لمالك بها ، وإنما هي قضية صراع بين فكرانيتين سياسيتين متعارضتين حتى النخاع : الناصرية والإخوانية . ولغياب الديمقراطية والشفافية السياسية ، كانت النتيجة المأسوية ، هي مقتل ” السيد قطب ” بطريقة درامية على يد عبد الناصر .

   ونحسب إن قارئ فكر مالك ، والواقف على منهجه الحضاري النهضوي ، يدرك باليقين إن فكر مالك جديد لا علاقة بالفكرانية السياسية للطرفين : الناصرية السياسية ، والإخوانية السياسية . إنها فكرانية حضارية نهضوية شاملة ، تحرك الجميع ، وترفض التشرذم والإنقسام الذي ولدته ” معركة صفين ” .

  إن شخصية وذهنية المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، شخصية وذهنية إسلامية صافية ، لا علاقة لها بما حدث بعد معركة صفين ، كما أكد مالك في مشروعه الإسلامي لفلسفة التاريخ . وهو على هذا الأساس مفكر لكل المسلمين ، أحتفل به الجميع ، وإستلهم منهجه وتفكيره عدداً ملحوظاً من علماء ومفكري المسلمين في القرن العشرين ، ومن أطياف إسلامية مختلفة . وهذا شاهد إجماع إسلامي على منهج وفكر مالك بن نبي طيب الله ثراه .   

 حقيقة إن مشروع مالك الفكري قد بدأ رحلته في السنوات الثلاث الأخيرة من النصف الأول من القرن العشرين ، وبالتحديد مع صدور كتابه الأول الشهير ” الظاهرة القرآنية ” والذي كتب مقدمة لنشرته الفرنسية ، الشيخ الأزهري الديكارتي الدكتور محمد عبد الله دراز ، والمؤرخة في 15 أيلول 1946 ، والتي كتبها في باريس (وكذلك أنظر المدخل الذي كتبه مالك للترجمة العربية ، والمؤرخ في العام 1961 والذي كتبه في مصر الجديدة ، يوم إستقر في القاهرة لاجئاً) .

    وبمناسبة مرور نصف قرن على نشرته العربية ، نحتفل مع محبي المفكر التنويري مالك بن نبي ، في إصدار هذا العدد المتميز من أوراق فلسفية جديدة ، والذي تناول فيه موضوع فلسفي دقيق ، وهو حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً . تكون هذا العدد من عدة أوراق ، غطت أطرافاً عديدة من تاريخ الفلسفة الغربية ورصدت درجات حضورها في فكر مالك بن نبي . وجاءت بالشكل الأتي :

–      مالك بن نبي والذاكرة الحية

–       حضور الفلسفة اليونانية والوسيطة

–       حضور الفلسفة الحديثة / ديكارت والديكارتيون

–       حضور روسو والداروينية ، كوندياك وأوغست كومت

–       حضور الفلسفة الألمانية / كانط وفخته ، هيجل وشبنهور

–       حضور فلسفة فردريك نيتشه 

–       حضور نماذج من الفلسفة الوجودية / سارتر وكامو

–       حضور وجودية ميرلوبونتي

–       حضور وجودية كارل ياسبرز وكولن ويلسون

–       حضور الفلسفة البراجماتية

–       حضور الوضعية المنطقية

–       حضور فلسفة هنري برغسون

–       حضور الفلسفة الماركسية

–       حضور الفانونية  

–       وكتبت الدكتورة نداء إبراهيم خليل مقالها المتميز ” الشرط النسوي وترقية مكانة المرأة في كتابات مالك بن نبي ” .

–       ملحق / ” الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي ” نص المقابلة التي أجرتها صحيفة البلاد اللندنية مع الباحث الدكتور محمد الفرحان .

   فتمتعوا أعزائي القراء والباحثين ، ومحبي الحكمة بقراءة هذا العدد الخاص .    

الفيلسوف / محب الحكمة  الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

مالك بن نبي والذاكرة الحية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  شعرت اليوم بوجع عميق عندما تذكرت المقررات الدراسية في قسم الفلسفة – كلية الآداب / جامعة بغداد (للفترة الممتدة من 1966 وحتى1971) وكيف إنها أغمطت حق طلبتها قبل حق المفكر الإسلامي مالك بن نبي . وذلك عندما غيبت حضوره في قاعات الدرس ومحاور البحث والمناقشة . وبالتحديد فقد لاحظت في مادة ” الفكر القرآني ” بأن مصادر الدراسة تجاهلت أفضل كتاب صدر في الأربعينيات من القرن العشرين عن الفكر القرآني والذي كتبه المفكر الإسلامي مالك بن نبي وبعنوان ” الظاهرة القرآنية ” (أنظر المقدمة التي كتبها لكتاب الظاهرة القرآنية بالفرنسية ، الشيخ الأزهري الدكتور محمد عبد الله دراز والمؤرخة في 15 أيلول 1946 والتي كتبها في باريس ، وكذلك أنظر المدخل الذي كتبه مالك بن نبي للنشرة العربية والمؤرخة في العام 1961 والذي كتبه في مصر الجديدة ، يوم إستقر في القاهرة لاجئاً) .

  ويزداد وجعي كثيراً عندما أتذكر مادة دراسية بعنوان ” مذاهب إسلامية معاصرة ” . وأتذكر إن أستاذ المادة هو متخصص في الفكر القرآني ، وخريج إحدى الجامعات البريطانية . وكان موضوع إطروحته للدكتوراه بعنوان ” الجانب الأخلاقي في القرآن الكريم ” وبالتأكيد مثلما تجاهل استاذ الفكر القرآني الأول وهو الآخر يحمل الدكتوراه من إحدى الجامعات البريطانية ، تجاهل الثاني . ولكن الألم كان على أشده حين غيب أستاذ المذاهب الأسلامية المعاصرة ، النزعة التجديدية التنويرية في الفكر الإسلامي التي دشنها مالك بن نبي . في حين شغل ساعات للحديث عن المهدية والسنوسية .. والمودودي وإقبال وتجاهل مفكر العصر التنويري مالك بن نبي . لا أقول شيئاً سوى إنها محنة الجامعات ومقرراتها الدراسية التي تفتقد إلى الشفافية وقراءة المتجدد من منتوج فكري وثقافي موسوعي ، والذي يحتاج إلى عقل وقلم وقلب وضمير غير تقليدي في التعامل مع موديل جديد من الخطاب ، مثل الخطاب الذي كونه عقل وقلم المفكر التنويري مالك بن نبي . 

   وأثناء إعداد رسالتي للماجستير (1973 – 1976) وترددي على المكتبة المركزية لجامعة بغداد ، كنت أقلب أوراق المجلات الوافدة من خارج العراق ، وكانت تحمل أحياناً مقالات ثقافية يذكر كتابها في هوامش مقالاتهم بعض مؤلفات مالك بن نبي  بالفرنسية بالتحديد أغلب الأحيان ، وبعض الأحيان تذكر عناوينها بالعربية ، وخصوصاً عن الحضارة والثقافة . كما وجدت في مؤلفات عربية سعت إلى صياغة تعريف للحضارة والثقافة من زوايا إجتماعية وإنثروبولوجية إن نقلت بصورة مقتضبة تعريفات مالك بن نبي مع جمهرة من الأسماء الغربية التي درست موضوع الحضارة والثقافة .

   ولعل من النافع أن نضع في متناول القارئ الكريم ، كشف عن كيفية التعامل الأكاديمي مع تراث وفكر مالك بن نبي . فقد كنت شاهداً على ما يجري في الحياة الثقافية العراقية ، وكنت حينها في السنة التحضيرية من دراسة الماجستير (أي في أوائل السبعينات من القرن المنصرم) ، وكان الصراع على أشده بين القوميين والماركسيين (والأدق الشيوعيين) ، وكانت المجموعة الأولى تتقوى بالأرضية الفكرانية المشتركة مع الحكومة ، والمجموعة الثانية تعمل تحت مظلة ” الجبهة التقدمية ” وقرارات المشاركة في إدارة العملية السياسية التي وقعتها مع الحكومة ذاتها. الذي حدث إن واحداً من مجموعة القوميين ، كان أستاذاً في قسم الفلسفة ، يدرس الفلسفة اليونانية ( وهو في الحقيقة متخصص في الماوردي وأدب الدين والدنيا) ، إن نشر مقالاً سياسياً  في جريدة الجمهورية الحكومية وبعنوان ” الإستقلال الثقافي ” وبالطبع إعتمد على نيتشه جملة وتفصيلاً ، وفي المقال نقد مكشوف للمشروع الماركسي أو الشيوعي .

   وكان يومها في قسم الفلسفة أستاذ يدرس المادية التاريخية (وهوحاصل على بكلوريوس في الكيمياء ، ومن ثم تحول إلى الفلسفة بعد إن أكمل تعليمه العالي في روسيا أيام زمان ، فجاء إلى القسم يدرس الماركسية) ، وفي حينها كان عضواً مرشحاً للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي (وهو إبن أخت القيادي الشيوعي المخضرم عامر عبد الله) وكان يتخندق حوله العديد من الطلبة الحواريين الماركسيين . وحدث جدل كبير بين الطرفين حول المقال .

   الملفت للنظر إنه لم يتمكن أحد من طرف الماركسيين أن يبين في مقال واحد أو إشارة واحدة إلى الأصول الحقيقية لمقال صاحب ” الإستقلال الثقافي ” وكون مقاله منتحلاً مادة ومنهجاً من نصوص مالك بن نبي . واليوم أتذكر تلك الضجة في قسم الفلسفة وكأنها وقعت البارحة . إلا إنها في الحقيقة تعود إلى أكثر من ثمان وثلاثين عاماً . وبالمناسبة لم يتصدى ناقد واحد محايد ، فيكشف عن ضميمة مقال ” الإستقلال الثقافي ” وكأن الوحيد العارف هو صاحب المقال وأستاذ الماورديات ، والذي أجزم اليوم إنه مثلما كان قارئاً جيداً لساطع الحصري ، كان واقفاً على مؤلفات المفكر مالك بن نبي ، مدققاً فيها ومثابراً عل تجريدها من إطارها العقيدي ، ووضعها من جديد في أجواء فكرانية قومية ذات مسحة علمانية ..   

   المهم في كل هذا ، هو إن كاتب مقال ” الإستقلال الثقافي ” قد عاد إلى المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، ودون وجه حق إستبطن مجمل أفكاره عن مشروع الأستقلال الثقافي المستند إلى نيتشه دون أن يشير إلى صاحب المشروع العربي الأصيل ، والهادف إلى تحصين الجيل (ومن خلال الدكتور خالدي يوم كان طالباً في الثانوية) من السقوط في ” معاقل الماركسية ” . إن المؤلم إن هذا الأستاذ الأكاديمي لم يتورع ، فهو لم يذكر مالك بن نبي صراحة أو تلميحاً عندما إستند إلى مشروع نيتشه في بناء مشروع الإستقلال الثقافي ” وكأنه أكتشف نيتشه ومشروعه في الإستقلال الثقافي بنفسه .

   لقد ظلم هذا الأستاذ نفسه كما ظلم مالك بن نبي ، وظلم القراء وظلم الثقافة العراقية على حد سواء . والحقيقة إن ذلك حدث قبيل موت المفكر الإسلامي المتنور مالك بن نبي ، أو الأدق في سنة وفاته. ولعل العودة إلى تاريخ نشر المقال في جريدة الجمهورية العراقية ، يكون هو الفيصل في تحديد واحد من التاريخين . إنها واحدة من المحن الأكاديمية في التعامل مع فكر المفكر مالك بن نبي . 

   وفي أوائل عام 1977 ، وبالتحديد بعد حصول تعيني تدريسياً في كلية الأداب – جامعة الموصل . بدأ فصل جديد في علاقتي مع مؤلفات مالك بن نبي . فقد كنت أسمع همساً من بعض الزملاء خصوصاً في جامعة الموصل إسم المفكر الإسلامي مالك بن نبي (1905 – 1973) (للإطلاع التفصيلي على سيرته الذاتية ، أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : الخطاب الثقافي – المعرفي / معد للنشر ، وسبق إن نشرت هذه السيرة في سلسلة مقالات صحيفة البلاد اللندنية الغراء / عام 2004) ، وكان كلامهم ملغوماً ملتبساً ، فهؤلاء الزملاء كان في بعض الحلقات الضيقة ” يشار إليهم على إنهم كانوا من إخوان المسلمين في العراق .. ” .

  إنها حيرة وإشكال سأجد له توضيحاً حين سأقرأ مالك بن نبي في لبنان (بدأت منذ عام 1995) ، وأبدأ الكتابة عنه بمنهج أكاديمي ينهض على قاعدة الحساب الثقافي المعرفي . وعرفت إن معرفة الزملاء الموصليين لم تكن قراءة مباشرة لنصوص مالك بن نبي وإنما من خلال كتابات الأخوان المعادية لمالك ، التي لا خلاف فكراني بينها (لأن الفكرانية الإخوانية وفكرانية مالك تنهض على أرضية إسلامية واحدة ، ويرتشفان من فكر أشعري ينبوعي واحد خالص) ، ولكن لأن مالك كان لاجئاً سياسياً في مصر عبد الناصر بعد طرد الحكومة الفرنسية له وإتهامه بالوقوف مع المناضلين الجزائرين . وهنا أذكر بأن كره الإخوان لعبد الناصر (بسبب إعدام الأخير لسيد قطب بطريقة درامية) إمتد إلى مالك بن نبي الذي لم يكن له خيار بقبول عرض اللجوء من الحكومة المصرية يومذاك (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كيف نقرأ مالك بن نبي / سلسلة مقالات نشرتها صحيفة البلاد اللندنية (كندا) عام 2004 وما بعد) .

  وكنت كلما أذهب إلى مكتبة جامعة الموصل المركزية ، مفتشاً عن بعض المصادر سواء للقراءة أو لكتابة بعض من أبحاثي ، يواجهني كتاب يتيم على أحد رفوف المكتبة ، أقف عنده أقلبه ، أقرأ منه ، ومن ثم أضعه متردداً في إستعارته . حقيقة لم أسمع أو أقرأ على الإطلاق ” إن كتب المفكر الإسلامي كان محظوراً عليها في البحث الأكاديمي أو في المجلات الثقافية في العراق . ولكن في الوقت ذاته لم أجد أحد يتجرأ ولو بعفوية في كتابة مقال عن مالك بن نبي ” . إنها حيرة أخرى سأصل إلى فهم أطراف من ضميمتها . خصوصاً بعد إن أنجزت كتابي الثاني عن مالك والذي كان بعنوان ” الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي ” .

  وهنا لابد من القول بأن فترة السبعينات والثمانينات قد عرفت هامشاً من المسموح للكتابات العلمانية (وكان في الإمكان قراءة مالك بن نبي من زاوية المنهج العلماني) ولكن هذا لم يحدث . ويبدو لي ليس من باب الحظر على مالك بقدر ما فرض مفكر عربي في العراق هيمنته السياسية ، وكان ينتج مؤلفات في الثقافة والحضارة على الأقل وتنشرها مطابع الدولة ، وبعض منها تحول إلى مقررات دراسية . فيمكن القول على الأقل بأن مصادره الفرنسية تكاد تتشابه في مادتها المعرفية مع منهج مالك بن نبي أو أن الفريق من الباحثين اللذين كانوا يعملون معه كانوا ينقلون من مالك ويوفروا له المادة المعرفية دون درايته بأن مصدرها كتابات مالك بن نبي) .

  ولكن لاحظت إن زميلاً درس وألف كتاباً في مادة فلسفة التاريخ ، قد إستبطن أفكار مالك بن نبي ، دون أن يشير إليه صراحة ، أو يذكر على الأقل كتاب مالك اليتيم الموجود على رفوف المكتبة الحكومية في جامعة الموصل . إن هذا الأمر زاد من حيرتي . وبعد دوران السياسة التعليمية في العراق نقل هذا الأستاذ إلى دائرة المتحف في الموصل . وأنيطت مهمة تدريس مادة فلسفة التاريخ لصاحب القلم ، فبدأت رحلة جديدة (بدأت في عام 1978) . وفعلاً كانت رحلة لا علاقة لها كما يبدو مع المفكر الإسلامي مالك بن نبي بصورة مباشرة . شهدت هذه المرحلة التفتيش عن كل المتوافر من مصادر في فلسفة التاريخ . وكانت الخطوة الأولى أن أختار كتاباً بديلاً لكتاب الزميل . وفعلاً أخترت كتاباً له سمعة عالمية ، ومؤلفه رجل فيلسوف في مضمار التاريخ . هو الأستاذ كولنكود وكتابه البديل ” فكرة التاريخ ” وهو نار على علم في مضمار فلسفة التاريخ ، وقد إنتخبته أقسام الفلسفة في الوطن العربي لتدريس مادة فلسفة التاريخ وكان صاحب القلم من الطلاب الذين درسوا هذا الكتاب وتدربوا أكاديمياً على فلسفة التاريخ عليه وعلى قوائم من المصادر التي كتبت بأقلام فلاسفة في التاريخ مشهورين من أمثال ” إسوالد إشبنجلر ” وكتابه ” تدهور الحضارة الغربية ” وإرنولد توينبي ” وكتابه ” بحث في التاريخ” وكولن ويلسون في كتابه ” سقوط الحضارة ” وغيرها الكثير الكثير (أنظر كتابنا : الفيلسوف والتاريخ ، نشرة مطابع جامعة الموصل عام 1987)  .

  والحقيقة بقدر ما كانت محنة للزميل ، فقد كانت محنة لي ولطلابه وهم طلابي كذلك ، فقد سبق إن درستهم مادة ” الفلسفة اليونانية ” .. ولكن المحنة تكمن في إنني “أوتسايدر” وهو “إنسايدر” هو من أبناء مدينتهم ونار على علم بينهم . وكان يدرسهم مواد ملونة تبدأ من السيرة النبوية وتمتد لفترات تاريخية مختلفة . إن الخطأ الذي إرتكبته الجامعات العراقية ، ويبدو هو خطأ مستعار من الجامعات المصرية . هو الخلط بين منهج البحث التاريخي وفلسفة التاريخ . ولعدم وجود الأستاذ المتخصص في فلسفة التاريخ يومذاك بل وأحسب إن الأمر لازال يتكرر في معظم الجامعات العراقية على حد علمي (ومثل هذا الأستاذ أي أستاذ فلسفة التاريخ يتطلب إعداده في أقسام الفلسفة وليس في أقسام التاريخ وفعلاً فأن شفافية المرحوم الدكتور عبد المنعم رشاد طيب الله مثواه كانت تتحرك في هذا الإتجاه ، فأقترح أسم صاحب القلم لأن يكون الأستاذ البديل ) . وفعلاً فقد أنيط لأحد التدريسيين من كادر التاريخ وخصوصاً من له علاقة بمنهج البحث التاريخي ، بتدريس مادة فلسفة التاريخ . وهذا إشكال كبير عشته وعملت بكل جهد على إرساء أسسه الفلسفية ومشروعية إنتمائه إلى مضمار الفلسفة العتيد ضد ” أدعياء التخصص في فلسفة التاريخ ” وكتابة مفصلات هي في أحسن الأحوال لا ترقى إلى صورة من صور (كشكولات) محاضرات أيام زمان وبعنوان ” المفصل في فلسفة التاريخ ” . ومثلما عملت هذا في قسم التاريخ ، فقد إشتغلت على مادة ” فلسفة التربية ” في قسم العلوم التربوية والنفسية سواء على مستوى البكلوريوس أو الماجستير .

  إن أول أمر عملته بعد تكليفي بتدريس مادة فلسفة التاريخ ، هو تأسيس قاعدة تفاهم مشتركة تسعى إلى تحييد قضية الزميل وتحويلها إلى طاقة تعمل لصالح الطلاب وأستاذ مادة فلسفة التاريخ البديل ، وتكوين جو أكاديمي موضوعي فيه إعتراف بمكانة الزميل ومنهجه التاريخي ، والتحول السريع بتقديم محاضرة ساحرة ، محاضرة تمهيدية أولية فيها تعريف بالفلسفة وعلومها . ومن ثم وقفة عند موضوع فلسفات العلوم ، وهو مضمار فلسفي خالص ، وكيف إن فلسفة التاريخ حقل من حقول فلسفات العلوم .. ومن ثم عرجت إلى كتاب ” فكرة التاريخ ” وسمعته العالمية ، وسمعة مؤلفه الأستاذ ” كولنكود ” . وعندما جاء ذكر إسم الكتاب الجديد البديل ، إرتفعت تساؤلات فيها إمتعاض حول تهميش كتاب الزميل :

  وماذا تقول إستاذ الفرحان حول كتاب ” التفسير الإسلامي للتاريخ ” ؟ وهو عنوان كتاب الزميل . قلت موضحاً ومخففاَ أجواء التوتر والإمتعاض . إنا ملتزم بمفردات المنهج أولاً ، وأنا ثانياً لا أمانع بل وأشجع على أن يكون كتاب الزميل من كتب مصادر ومراجع مادتنا في فلسفة التاريخ ثانياً . ولنعود إلى كتاب الزميل ومفردات مادة فلسفة التاريخ التي أقرتها الوزارة ، وإن الزميل عارف بأن التدريس يكون على أساس المفردات وليس على أساس الكتاب . ومن المتداول بين الأكاديميين إن كتاباً واحداً لا يغطي مئة في المئة المفردات المقررة . وهذا ثابت يعمل لصالح المفردات ولا يعمل لصالح الكتاب السابق .

    ولذلك تحولنا إلى طرف أخر من مسرحية المفردات والكتاب ، فقلت دعوني  أطلب أولاً من أحدكم أن يعيرني كتاب التفسير الإسلامي للتاريخ ، وكانت نسخاً كثيرة متناثرة على طاولات بعض الطلبة ، في حين كان غالبية الطلبة حكماء وواقعيين خوفاً من تحسس الأستاذ الفرحان المعروف بصرامته الأكاديمية التي لا تهادن على الحق والصدق ، ولذلك فقد أخفوا الكتاب في داخل حقائبهم . فطلبت من  أحدهم نسخة من الكتاب . فقرأت لهم المفردات وقلت لهم لعلمكم ليس لدي أي إعتراض على كتاب التفسير الإسلامي للتاريخ . ولكن محاضراتنا في فلسفة التاريخ ستغطي الجوانب الآتية :

أولاً – تعريف الفلسفة ، موجز عن مدارس الفلسفة ، فلسفات العلوم

ثانياً – فلسفة التاريخ : مجالها وعلاقتها بالفلسفة وعلاقتها بالتاريخ ، المقولات الفلسفية التاريخية (مثل الكلية ، العلية أو السببية …  ) ، الجبرية التاريخية وحرية الإرادة ، الميتافيزيقا والتاريخ ، الريادة في إستخدام إصطلاح فلسفة التاريخ ، حوار بين الفيلسوف والمؤرخ ، التاريخ موضوع تأمل فلسفي ، فلسفة التاريخ بين التاريخ والفلسفة ، المنهج التاريخي وفلسفة التاريخ .

ثالثاُ – مذاهب فلسفة التاريخ : المذهب المثالي ، المذهب المادي ، المذهب الجغرافي ، المذهب الأخلاقي ، المذهب النفسي ، دور البطل في التاريخ ، المذهب البايولوجي (إشبنجلر وتطبيقاته على الحضارة الغربية ، وتوينبي والتحدي والإستجابة) ، المذهب الجيولوجي (إشبنجلر وتطبيقاته على الحضارة العربية الإسلامية) ، المذهب الوجودي (كولن ويلسون وسقوط الحضارة) …

هذه هي مفردات المنهج المقرر من قبل الوزارة ، وأن القسم طلب مني أن أدرس هذه المفردات . وأنا أولاً أريد أن أكون صادقاً مع نفسي وثانياً أن أكون أميناً مع القسم الذي كلفني بتدريس موضوع فلسفة التاريخ . ثالثاً وأن أكون صادقاً معكم يوم الأمتحان والتقويم بان هذه المفردات ومحاضراتي حولها هي التي ستشكل مضمار مادة الإمتحان والتقويم .

وهنا قبل أن ننهي الموضوع ، من فضلك أعطي هذا الكتاب للطالب (سين) وهو واحد من حواري الزميل السابق ، وسألته : هذا كتاب التفسير الإسلامي للتاريخ ، صحيح وهذه مفردات الوزارة . وأنا أتفق معك أن تكون حكماً وتجيب على تساؤلاتي : ممكن أن تقرأ لي وللطلبة محتويات الكتاب ؟ وبدأ يقرأ :

المقدمة ، الفصل الأول التفسير المثالي ، وسألته ممكن أن تذهب إلى الفصل وتقرأ السطرالأول . يقول الزميل هذه خلاصة موجزة لكتاب … المعنون التفسير المثالي للتاريخ . شكراً ، ممكن أن تعود إلى المحتويات . فقرأ : الفصل الثاني : التفسير المادي للتاريخ ، وسألته ممكن أن تذهب إلى الفصل الثاني وتقرأ السطر الأول : يقول الزميل هذه خلاصة موجزة لكتاب … التفسير المادي للتاريخ . شكراً  ، ممكن أن تعود إلى المحتويات . فقرأ : التفسير الإسلامي للتاريخ . فتوقف ، فقلت له إكمل وأنا عارف ماذا سيقول . فقال إنتهى الكتاب أستاذ الفرحان

والحقيقة إن الفصل الثالث ليس فيه بحث عن ما قدمه المؤرخون أو الفلاسفة المسلمين ، وهو كثير كثير في مضمار فلسفة التاريخ . إنه فصل في الفكر القرآني يدور حول التاريخ وهذا الفصل يذكرني بأطروحة زميل كتبها في مصر وبعنوان ” الطبيعة في القرآن ” وزميلنا كان رحمه الله دقيقاً جدا جدا ولم يدعي على الإطلاق إن بحثه في مضمار فلسفة الطبيعة وإنما كان يؤكد بأن بحثه في الفكر القرآني  . والفكر القرآني هو مقدمة لعلم الكلام (كلاموجي) وليس له علاقة بفلسفة التاريخ كمضمار فلسفي ينتمي إلى حقل فلسفة العلوم .

  إضافة إلى كل هذا فهو فصل تم إعادة إنتاجه على نمط معالجة المفكر الإسلامي مالك بن نبي في كتابه ” شروط النهضة ” والذي تناول فيه التفسير الأسلامي للتاريخ   (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي / منشورة صفحات منه على موقع الفيلسوف عام 2010) . وأحسب إن الزميل كان صبياً يوم صدر كتاب ” الظاهرة القرآنية ” . وعندما ترجم إلى اللغة العربية ربما كان الزميل طالباً في مدارس الموصل الحدباء .

  وقبل أن أغادر هذا الموضوع ، أحسب من الضروري أن أشير إلى إن نهج كتاب التفسير الإسلامي للتاريخ نهج أشعري فيه تشابه لكتاب الإمام الغزالي ” مقاصد الفلاسفة ” الذي لخص فيه ما أسماه حجج فلاسفة المشائيين الإسلاميين (مقارنة الفصل الأول والفصل الثاني من كتاب الزميل التفسير الإسلامي للتاريخ) ، ومن ثم رد عليهم بكتابه ” تهافت الفلاسفة ” . والحقيقة إن كتاب الزميل إنكسر فيه المنهج الأشعري فلم يظهر في الكتاب نقداً أو بلغة الغزالي تهافتاً (وإن ظهرت في الفصل الأول والثاني من كتاب الزميل مثابرة نقدية لم تكتمل) . وإنما عبر الزميل إلى التفسير الإسلامي للتاريخ . ولكن مثلما فعل الغزالي فإستند على منطق اليونان في هدم فلسفة المشائيين ، إستند الزميل على كولن ويلسون في تأسيس لغة بحثه في التفسير الإسلامي للتاريخ . وهو المعجب الدائم بكولن ويلسون ، يستشهد به ويعول عليه في أحاديث ومقابلات.

    ولعل المحنة الأخرى التي واجهت فكر مالك بن نبي ، إن أساتذة قسم الفلسفة ولأسباب معروفة حوروا راديكالياً برنامج الماجستير والدكتوراه (خصوصاً بعد موت الفيلسوف ياسين خليل طيب الله ثراه وإحالة فلاسفة القسم كل من جعفر أل ياسين وكامل مصطفى الشيبي وكريم متي على التقاعد) ووجهوه ليعمل في جادة ربما تحقق لهم رغبتهم الدفينة في كره الدراسات الفلسفية (لأن المجموعة التي هيمنت بعد وفاة الفيلسوف ياسين خليل ومحنة الفيلسوف أباسفيان التي لعب البعض منهم في خلقها وتحريك القصر لنقل الفيلسوف مدني صالح إلى قسم اللغة العربية) ففرضوا مقررات جديدة وبرنامج جديد للدراسات العليا يركز على ” الفكر العربي المعاصر ” . وأنا مع هوية القسم الفلسفية والإهتمام بالفكر العربي المعاصر جزئية من كلية فلسفية . ولكن المحنة إن هذه المجوعة لم تتخرج من قسم الفلسفة . وإنما جاؤا من تاريخ مستنصرية أيام زمان ، وأصول الدين في باب المعظم ولم يتخرجوا حين أعدوا أطاريحهم للدكتوراه في أقسام الفلسفة في الجامعات البريطانية ، بل تخرجوا من معاهد الإستشراق التي يديرها بريطانيون كانوا يعملون في الجيش البريطاني الذي إحتل الوطن العربي .

  وفعلاً نجحوا في حرف جادة الفلسفة والتحول نحو دراسة الفكر العربي . وإذا سلمنا بالأمر الواقع ، فإنهم فشلوا في معرفة الفكر التنويري لأكبر مفكر عربي معاصر ملأ القرن العشرين بنصوص فكرية ومعرفية وفلسفية متجددة . وهذا التجاهل لمفكر العصر يشكل خيبة كبير لخيارهم الأكاديمي وتوجهاتهم غير الصادقة في مغادرة جادة الفلسفة وإستحداث برنامج يعني بالفكر العربي المعاصر . إذ لم ينتج القسم بحث واحد على الأقل عن المفكر مالك بن نبي ، وهو الأقرب من الجميع إلى مضمار الفكر والفلسفة . واليوم مجلة أوراق فلسفية تحتفل بهذا المفكر ومن خلال حضور الفلسفة الغربية في خطابه . أما حضور الفلسفة العربية الإسلامية في خطاب مالك بن نبي ، فهو مضمار تم دراسته في كتابنا الخطاب الثقافي المعرفي عند مالك بن نبي .

   وفي بيروت عاصمة الثقافة العربية تحقق الحلم عندما وجدت المكتبات عامرة بنشريات متعددة لكتب المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي . وكان للصدفة دوراً بالغ الأهمية ، فبعد اللقاء بالمفكر والفيلسوف العربي على زيعور الذي عمل جاداً بفتح أبواب النشر في المجلات العلمية وتيسير العمل الأكاديمي لصاحب القلم ، إن عرفه على الأخ الباحث الأستاذ مصطفى مغنية وكان الأخير قد كتب بحثاً معمقاً للحصول على درجة الدبلوم العالي وبعنوان ” الفكر التنموي عند مالك بن نبي ” وكان من محبي المفكر مالك بن نبي ، وفعلاً أخذنا نقضي ساعات في مناقشة فكر مالك بن نبي وفي قضايا متعددة . وكان للأستاذ مغنية (أبا حسين) الفضل الكبير في توفير جميع مؤلفات مالك بن نبي لصاحب القلم .

  ومن ثم جاءت اللحظة الحاسمة في علاقتي مع فكر مالك بن نبي ، وبعد إن عرفني الفيلسوف علي زيعور على المفكر الإسلامي رضوان السيد ، وتعمقت العلاقة مع المفكر السيد وذلك عندما كتب صاحب القلم دراسة بعنوان ” الفكر الإقتصادي في كتابات الماوردي ” والتي نشرت في مجلة الإجتهاد (بيروت – لبنان / العدد المزدوج 34 – 35 شتاء وربيع 1997) . ومن ثم إتصل بي الدكتور علي زيعور وأخبرني بأن مجلة الإجتهاد تعمل على إصدار عدد متخصص عن الأقتصاد الإسلامي وكانت تجري مناقشات بيننا عندما نتقابل دائماً في مكتبه في قسم الفلسفة في الجامعة البنانية . وفعلاً أكملت دراستي الواسعة الرائدة في الفكر الإقتصادي عند مالك بن نبي والتي جاءت بعنوان ” المشروع الإسلامي للإقتصاد عند مالك بن نبي ” والتي نشرت في مجلة الإجتهاد (بيروت – لبنان / العدد 37 خريف 1997) . وبعدها لاحظت إن سيلاً من الدراسات الجامعية ورسائل الماجستير والدكتوراه ومؤتمرات وحلقات بحث تدرس الجانب الإقتصادي من تفكير مالك بن نبي . ومن ثم صدرت لي مقالة ثقافية في بيروت عن ريادة مالك بن نبي ومنهج الحساب الثقافي المعرفي في قراءة نصوص مالك بن نبي وبعنوان ” محاولة موضوعية لإنصافه : المفكر مالك بن نبي من زاوية أخرى ” (مجلة البلاد / بيروت – لبنان / العدد 399 آب 1998) .

   وأتذكر إن مسؤول التحرير كان له صديق كتب إطروحة دكتوراه عن مالك بن نبي . وفي الأطروحة إشكال منهجي وأكاديمي كبيرين . وقد صنفتها ضمن الدراسات الإحتفالية التي شطبت من مضمارها الحس النقدي وكانت قريبة من عمل المونتاج الذي يقوم على تقطيع النصوص المالكية منها إلى العمل الأكاديمي الموضوعي . فقام رئيس التحرير بحذف الجانب التقويمي لإطروحة صديقه . ولكن نشرت صحيفة البلاد اللندنية (كندا) في سلسلة مقالات ، كونت الكتاب الأول والمعنون ” الخطاب الثقافي المعرفي عند مالك بن نبي ” . ونشرت ما أردت أن أقوله في دراسات الإحتفال بصورة كاملة بعد إن حذف الزميل في لبنان القسم الخاص عن صديقه صاحب الأطروحة الكتاب عن الفكر الحضاري النهضوي عند مالك بن نبي . إنه وجه خفيف من محنتي مع فكر مالك بن نبي طيب الله ثراه .

  وبدأت في العمل في بحثي الرائد المعنون ” المشروع الإسلامي للإجتماع عند مالك بن نبي ” ولكن قرار العائلة بالسفر والإستقرار في كندا قد عطل أكمال البحث في لبنان . وسافرت أحمل معي أوراق بحوثي ومشاريع كتابين عن مالك بن نبي . وفعلاً بدأت فصول جديدة في علاقتي مع المفكر الإسلامي مالك بن نبي :

أولاً – ركزت على نشر كتابي الأول والمعنون ” الخطاب الثقافي المعرفي عند مالك بن نبي ” على شكل سلسلة مقالات في صحيفة البلاد كما قلت قبل قليل والعمل مستمر منذ عام 2004 .

ثانياً – أكملت كتابة الكتاب الثاني وبعنوان ” الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي “

وقد نشرت عنه البلاد مقابلة مع الكاتب تحدث فيه عن الفكر النهضوي عند مالك ومنهج الكتاب وفصوله في تموز العام 2010 والتي سيعاد نشرها في هذا العدد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2010

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

حضور الفلسفة اليونانية والوسيطة في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :            

      ما حجم حضور الفلسفة الغربية في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ؟ ان هذا السؤال يدرسه الملف الحالي ، والذي يسعى الباحث من خلاله الى وضع اجابة تفصيلية على السؤال . الواقع ان الرجل كان ملماً بحدود ما بتاريخ الفلسفة الغربية قديمه ووسيطه ، حديثه ومعاصره . فقد عرف سقراط  ، افلاطون وأرسطو ، أغسطين وتوما الإكويني . وكذلك عرف الفلسفة الغربية الحديثة أبتداء من باسكال وديكارت ، أسبينوزا و لايبنتز ، روسو و كانط ، داروين والنتائج الفلسفية التي ترتبت على أطروحته البايولوجية ، كوندياك وأوجست كومت ، فخته و هيجل ، شبنهور ومن ثم نيتشه .

   كما ان الفلسفة الغربية المعاصرة كانت حاضرة في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي وبالتحديد كانت حاضرة بمدارسها الاربعة : الوجودية ، البراجماتية والوضعية المنطقية ، اضافة الى فلسفة برغسون والماركسية ، ومن ثم مواقف مالكية من المفكر الماركسي فرانز فانون والذي كان الناطق الرسمي لحركة التحرير الجزائرية فترة الصراع مع قوات الإحتلال الفرنسي للإرض الجزائرية .                                                                             

  في البدء اسئلة : هل قرأ مالك تاريخ الفلسفة الغربية قراءة منهجية  ؟  أم ان اهتمامه بالفلسفة جاء محض صدفة ؟  وكان بفعل هذه الصدفة قد حدث التحول ووقع الانعطاف ؟ وهل قدمت قراءات مالك وصفا للكتب والابحاث التي درسها ؟ أم ان الكلام جاء عاما يحمل تلميحا هنا واشارة هناك ؟ ومن هذه الناحية يمكن القول ان الكلام العام قد أسهم قي غلق باب الاستطراد والتفصيل الضروريين ، وبذلك تكون فرصة ذهبية قد ضاعت من بين أيدينا . فرصة توفر لنا زادا معرفيا تفصيليا بأسماء الكتب الفلسفية التي قرأها مالك وأسماء مؤلفيها ومن ثم تقويم مالك لهذه الكتب الفلسفية .

  لقد بينت افادات مالك إن إهتمامه بالفلسفة لم يكن واردا في مجالات بحثه الثقافي يومذاك . إلا ان الصدفة وحدها هي التي لعبت دوراً في حرف تفكيره نحو شواطئ الفلسفة (والاجتماع) . ان ذلك حدث من خلال لقاء مالك بزميل له ، كان يدرس الفلسفة في فرنسا .ونحسب ان هذا اللقاء كان قدرا ثقافيا حول اهتمامات مالك الفكرية صوب شواطئ غير شواطئ الغرض المهني الذي جاء من أجله الى فرنسا . وعن دور هذا اللقاء يقول مالك : لقد أخذت قضايا الفلسفة ” وعلم الاجتماع والتاريخ اكثر من اهتمامي بمواد اللاسلكي ” (مالك بن نبي : مذكرات شاهد من القرن / ص 54) .

  ولنا هنا عتاب نسجله على مفكرنا مالك ، فقد كان ظنينا جدا علينا ، واذا سامحناه فان من حق القارئ ودائرة الثقافة العربية ان يعرفا هوية هذا الطالب المغربي الذي كان يدرس الفلسفة والذي غير تفكير مالك نحو جادة البحث الفلسفي . انه على كل عتاب لا ينفع ، ونتمنى ان تفصح كتابات أخرى عن هوية هذا الطالب ، لان فيها الكثير من المعان والدلالات. خصوصا اذا كان هذا الطالب اليوم رمزا من رموز الثقافة العربية وهذا ما يتوقعه الباحث .

   أن قراءات مالك لكتب الفلسفة تنوعت وذلك من خلال الاسماء التي ذكرها قلمه . ونلحظ ان هذه الاسماء كان لها فعل مؤثر في كل من عمليتي التدوين الفلسفي والنشر لها بين صفوف الجمهور . تركت هذه الاسماء أثارا واضحة في خطاب مالك الثقافي المعرفي ، وكان لها حضورا مرات في المركز الثقافي ومرات في الهامش . أن عملية التحليل الاحصائي الثقافي لنصوص مالك دونت قائمة طويلة بالمصادر الفلسفية التي قرأها ، وهي من الخصب و التنوع بحيث تحملنا على القول ان مركب مالك الثقافي المعرفي فتح حوارا مع تلك المصادر ، وأمتص منها زادا معرفيا ، واستفاد من منهجياتها ، وأخذ ما يتوافق ومزاجه وتوجهات المعادل الفكري في خطابه الثقافي المعرفي .

   حقيقة ان الفلسفة كانت حاضرة بمجمل تاريخها في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . الا ان مالكا قد اختار منها نماذجا واهمل نماذج أخرى . وهذا الخيار جعل من حضور الفلسفة في بعض حقبها التاريخية تقتصر على رمز فلسفي واحد أو أكثر . في حين نلحظ ان بعض الحقب الفلسفية قد ازدحم فيها حضور الفلاسفة . ولعل من المفيد الاشارة الى ان فلاسفة الحقبتين الحديثة والمعاصرة قد أشرت حضورا محسوبا في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي اذا ما قارناه بحضور الفلاسفة في حقب تاريخية أخرى. وهذا الترجيح له أهميته في حساب الأثر الذي تركته الفلسفة الحديثة والمعاصرة في تفكير مالك .

   ولهذا يسعى هذا البحث الى تقديم اجابات على الاسئلة الأتية :

أولا – ما حجم حضور الفلسفة اليونانية والوسيطة في الخطاب الثقافي المالكي  ؟ وما حجم حضور الفلسفة الحديثة في انموذجها الديكارتي على وجه الخصوص في العمارة المعرفية المالكية ؟ وكيف تعاملت دائرة تفكير مالك مع ” روسو ” و ” الداروينية ” و” كوندياك ” و ” كونت ” ؟

ثانيا – ما مقدار الحوار الثقافي الذي فتحته افادات مالك المعرفية مع نماذج من الفلسفة الالمانية ؟ وما حجم حضور الفلسفة النيتشوية ؟ و ما موقف مالك من كل ذلك ؟

ثالثا – ما حجم حضور الفلسفة المعاصرة ؟ وبالتحديد ما حجم حضور الوجودية في الخطاب المالكي ؟ وهل كانت الوضعية المنطقية متداولة في دائرة تفكير مالك ؟ وهل سجلت البراجماتية حضورا لها في الافادات المعرفية المالكية ؟ وهل عرفت دائرة معرفيات مالك اطروحات الفيلسوف ” برغسون ” ؟

رابعا – ما مقدار التبادل الثقافي الذي حدث بين دائرة تفكير مالك و الاطروحات الفلسفية الماركسية ؟ وما حجم حضور افادات المفكر الماركسي ” فرانز فانون ” ؟ وما موقف مالك من المثابرة الفانونية برمتها ؟  اسئلة تنشغل ببحثها المحاور الآتية : 

حضور نماذج من الفلسفتين اليونانية والوسيطة :    

    سجلت نماذج متعددة من تاريخ الفلسفة حضورا في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي. وقد تمثلت في نماذج من الفلسفة اليونانية ونماذج من الفلسفة المسيحية الوسيطة . وعلى هذا الاساس سنتناول في هذا البحث حضور هذه النماذج ومن ثم بيان حجمها في المركب الثقافي المالكي .

         في الحقيقة ان الخطاب الثقافي المعرفي المالكي لا يقدم للقارئ تصورا شموليا عن تاريخ الفلسفتين اليونانية و الوسيطة على السواء . بل أكتفى ببعض النماذج المنتخبة .وعلى الرغم من هذا النهج الانتخابي ، فأننا نلحظ ان مالكا نجح الى حد كبير في ادارة حوار متبادل مع هذه النماذج الفلسفية ، ومن ثم أخذ من أطروحات الفلاسفة ما يتلائم وتوجهاته الفكرية وما يتناسب ومزاجه الثقافي والمعرفي .

   لقد كان حضورالفيلسوف اليوناني ارسطو (322  – 388 قبل الميلاد)  مرجحا ، خصوصا عندما عالج مالك قضية العلاقة بين الاخلاق والسياسة . ان خطاب مالك أستشهد بكتابين ارسطيين وهما : كتاب “في السياسة ” و ” في الاخلاق ” (مالك بن نبي : بين الرشاد والتيه / ص 65) . و ان دائرة تفكير مالك بن نبي قد عرفت اسماء فلاسفة تقدموا على ارسطو . فمثلا انها أستشهدت بافادات الفيلسوف  سقراط (ق. م  399 – 470 ) وكذلك افلاطون  (ق. م 348 – 428 ) (مالك بن نبي : الظاهرة القرآنية / ص 61)  . 

 ان خطاب مالك الثقافي المعرفي لمح لواحدة من محاورات افلاطون التي خصص فيها معالجة لعلم الجمال وهي محاورة ” هيبياس ” ، وان لم يذكرها في الاسم . وهي المحاورة التي ذكرت الفنان اليوناني فيدياس وما تتميز به أعماله من قيم جمالية ، وان المحاورة عرضت تعريفات مختلفة للجمال مقابل فهم افلاطوني سقراطي خاص للجمال المثالي (تعد محاورة ” هيبياس الكبير ” من محاورات الشباب السقراطية التي كتبها إفلاطون ، وهيبياس شخصية سفسطائية ، وحسب الفهم الإفلاطوني فإن السفسطائيين هم أعداء سقراط وهم السبب وراء إعدامه . أنظر: إفلاطون ؛ هيبياس الكبير ، المجلد 9  من محاورات إفلاطون ، ترجمها إلى الإنكليزية أر . أم . لامب / مطبعة جامعة هارفارد 1925) . جاء هذا الفهم المالكي في الافادة القائلة ” كان اليونان مغرمين بصور الجمال ، على ما ابدعه فن ( فيدياس ) ” (مالك بن نبي : الظاهرة القرآنية / ص 61)  .     

     الحقيقة ان فيدياس  الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ، هو واحد من اهم مشاهير النحاتين اليونانيين . ولعل واحدة من اهم اعماله الخالدة هي تمثاله للاله ( زوس  ) والذي يعد من العجائب السبعة في العالم القديم . وان افلاطون اشار اليه في محاورة (هيبياس الكبير) . وهيبياس هو ممثل للفكر السفسطائي الذي يعد ندا قويا لسقراط وافلاطون على حد سواء (أنظر : إفلاطون : المصدر السابق) . والمشكلة في هذه المحاورة انها من تأليف افلاطون وهي تنتمي الى مرحلة ما يسمى بالمحاورات السقراطية وفيها يمتزج فكر الاستاذ بعمل التلميذ الروائي . ان سقراط يدافع هنا عن مفهوم الجمال ويفند الفهم السفسطائي . اذن هي محاورة مشكل ، افلاطون مؤلفها الا ان اراء سقراط  مهيمنة عليها .

 نعود ونقول ان الخطاب المالكي اختار أولا سلسة واحدة من الفلاسفة فسقراط هو الاستاذ وافلاطون هو التلميذ .ومن ثم افلاطون هو الاستاذ وارسطو هو التلميذ . وثانيا ان افادات مالك  لم تميز بين بضاعة سقراط الفلسفية والمنتوج الفلسفي الذي ابدعه افلاطون في صورة محاورات مثلت روائع الادب الانساني . والحقيقة نحن نقف مع المفكر الاسلامي ونقبل منه هذا الموقف المعرفي وذلك لاسباب ربما ورد واحدا منها او جميعها في ذهن مالك اثناء كتابة هذا التقويم للفيلسوف سقراط :

1 – يصعب بين المتخصصين في الميدان الفلسفي الفصل بين ما هو حقيقة لسقراط وبين ما يعود أصلا لافلاطون (ولكن اليوم نعتمد على التمييز بين ما هو لإفلاطون عما هو لسقراط على كتابات المؤرخ أكسانوفان وهو تلميذ سقراط كذلك) .

2 – لم يترك سقراط كتابا او محاضرات مكتوبة ، وإن كل ما تركه هي محاضرات شفهية .

3 – احتفظ افلاطون كواحد من تلامذة سقراط ببعض الملاحظات التي وظفها مادة لعمله الروائي ، الذي نطلق عليه اليوم ” محاورات افلاطون “.

4 – أتخذ افلاطون من سقراط بطلا ( او المحاور الرئيس ) في عمله الروائي في كل محاورة من محاوراته . غير ان افلاطون مزج افكار سقراط  ببضاعته الروائية وبذلك جعل افلاطون مهمة الباحث في غاية الصعوبة في الفصل بين ما هو لسقراط وما هو لافلاطون (أنظر : جون بيرنيت : الفلسفة اليونانية (من طاليس وحتى إفلاطون) / لندن 1961) .

5 – نلحظ اليوم ان هناك اجماع بين الدارسين في ميدان الفلسفة اليونانية على تصنيف المحاورات التي كتبها افلاطون على الاساس الاتي :

أ – محاورات الشباب وهي محاورات سقراطية وذلك لان الافكار المتداولة غريبة على نظرية المثل الافلاطونية .

ب – محاورات الكهولة (الوسطى) وفيها افكار سقراطية ممزوجة في خط فكري افلاطوني جديد اخذ يتبلور نازعا نحو نظرية المثل الافلاطونية  . وهناك من يرى بأن هناك محاورات التحول الأولى التي تسبق محاورات المرحلة الوسطى . وهناك محاورات التحول الثانية التي جاءت في نهاية المرحلة الوسطى (أنظر للتفصيل بحثنا الرائد في الثقافة العربية والمعنون : إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم المعنون ” محاورات إفلاطون من زاوية تاريخية ” / ستظهر صفحات منه قريباً على موقع الفيلسوف) .

ج – محاورات الشيخوخة وهي محاورات افلاطونية خالصة حيث ركزت على نظرية المثل مركزا ومن ثم بحثت في موضوعات تصب في خدمتها (أنظر : ألفريد أدور تايلر ؛ إفلاطون : الإنسان وأعماله / منشورات دوفر ، ط 7 ، نيويورك 1961)  .

    هناك مشكلة فلسفية اخرى وردت في الخطاب المالكي ،  خصوصا عندما تحدث عن المنطق وسقراط  ونحاول أولا عرض الافادة المالكية ومن ثم نقترح رأينا الذي يتساند مع حقائق تاريخ علم المنطق والريادة في تأسيسه علماً قائماً بحد ذاته .  يذهب الخطاب المالكي الى ان  اليونان كانوا مغرمين كذلك ”  بآيات المنطق والحكمة على ما جاءت به عبقرية ( سقراط ) ” (مالك بن نبي : المصدر السابق)  .

  وهنا نرغب ان نعيد قراءة إفادة مالك من نبي في إطار الفهم الدقيق لتاريخ علم  المنطق . ان أول ما نبينه هو ان المنطق ارتبط اصطلاحا بشخصية الفيلسوف اليوناني أرسطو . وهو الذي دشن لأول مرة ميدان علم المنطق بمجموعة مؤلفات منطقية ، فكانت لحظة الاعلان المعرفي التي منحت أرسطو ريادة وابوة علم  المنطق في تاريخ الفلسفة وعلم المنطق على حد سواء (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق / منشورات مطبعة جامعة الموصل 1987 ، ص 71 ، ص ص 12 – 13) .

   ومن الحق علينا ان نشير الى ان سقراط قد صاغ بعض التعريفات ، والتي اشتغل عليها افلاطون من بعده . وهكذا يكون كلا منهما قد اسهم في تطوير نظرية التعريف . ومن المعروف ان نظرية التعريف تشكل ركنا من أركان علم المنطق . وبهذه الصورة تستقيم الإفادة المالكية ونفضل إعادة انتاجها من جديد وبالصيغة القائلة : ان سقراط  وكذلك تلميذه افلاطون قد أبدعا في نظرية التعريف وان افلاطون قد إشتغل في محاورات الشيخوخة على بعض الامثلة من نظريتي التعريف واليرهان . وان علم المنطق في صورته التقليدية هو تعريف وبرهان (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني / منشورات دار الحرية للطباعة ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد 1983 ، ص ص 52 – 53) .

   وللقارئ نقول ان المنطق الذي اشتغل عليه سقراط وافلاطون ومن ثم أعلن عنه ارسطو علما هو منطق حدود ، وان الفلسفة اليونانية انتجت نوعا اخر من المنطق هو المنطق القضوي والذي اقترن إسمه بالمدرسة الرواقية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق عند العرب / ص 71) .

    ونلحظ ان الفيلسوف اليوناني افلاطون قد سجل حضورا أخرا في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي وذلك مما يدلل على ان قلم مالك قد امتص بوعي عال جوانب من فلسفة افلاطون . ومن الشواهد على ذلك الافادة القائلة : ” لقد شغلت افلاطون فكرة …. الكون وعلة كونه ، فانبجست منها فلسفته الخلقية ” (مالك بن نبي : الظاهرة القرآنية ، ص 283) ومن ثم يضيف مقوما مثابرة الفيلسوف اليوناني ” اما الافكار الافلاطونية ، فقد كانت اكثر زخرفة ، اذ ان افلاطون حين تغنى  بظواهر الكون أراد ان يجعل الارض مركز قبة الفلك المترنم ” (المصدر السابق ، ص 285) . انه تقويم دقيق وفهم معرفي موضوعي لفلسفة افلاطون .

     وننتقل مع قلم مالك للإشارة الى إفاداة فلسفية اخرى تحمل بتقديرنا مشكلة معرفية في المصادر التي إعتمد عليها مفكرنا الاسلامي مالك بن نبي .ولنحاول أولا عرض الافادة ، ففيها دليل على حضور الفلسفة الوسيطة المسيحية والإسلامية وبالتحديد في اقطابها الثلاثة : القديس اوغسطين (430 – 354 ) ، إبن رشد (1198 – 1126 )  وتوما الاكويني ( 1274  -  1225 ) . ان الخطاب الثقافي المعرفي المالكي اولا سجل حضورا للفلسفة الوسيطة المسيحية ممثلة في القديس توما الاكويني (مالك بن نبي : شروط النهضة / ص 121) و يرى مالك ان من نتائج فعل توما الاكويني انه حرر الفلسفة من سلطة ابن رشد و القديس اوغسطين (المصدر السابق).

  صحيح جدا ان القديس توما حرر الفلسفة الوسيطة من سلطة القديس أوغسطين ( والكنيسة ) ولكن من خلال فلسفة ابن رشد التي حملت معها فلسفة ارسطو والتي كان محضورا عليها يومذاك . فقد تعرف توما على فلسفة ارسطو ولكن من خلال نقد فلسفة ابن رشد كتابة ومن ثم التنديد بها ، ومن ثم تحريك القرار البابوي لتحريم فلسفة ابن رشد ومعاقبة من يقوم بتعليمها .

   الحقيقة ان ابن رشد حسب التقويم الغربي هو الفاعل المحرك للنهضة الاوربية وهو الاب الروحي للعلمانية في الغرب . وهكذا تستقيم عبارة مفكرنا مالك فتحرير الفلسفة من سلطة ابن رشد من زاوية توما شئ وذلك لاختلاف عقيدي بين الاثنين . اما التحرير الحقيقي فهو تحرير ابن رشد للفلسفة وذلك من خلال الفصل بين الحكمة والعقيدة . وهذه الطاقة الفلسفية هي التي منحت فلسفة ابن رشد حصانة وان تبقى حية في اوربا حتى القرن السادس عشر. فمثلا القارئ يجد حضورا لفلسفة ابن رشد في كتابات “جوردانو برنو ” و ” بيكو دالاميرندولا” . بل وحتى تجد تأثير ابن رشد إمتدت إلى فلسفة الفيلسوف العقلاني “بندكت اسبينوزا ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد وتوما الأكويني وحقيقة عصر النهضة / بحث منجز ستظهر صفحات منه على موقع الفيلسوف قريباً) .

   وبعد فان الخطاب الثقافي المعرفي المالكي قد إختار وإنتخب بعض الفلاسفة اليونانيين ووظف إطروحاتهم لتعمل لصالح معالجة هموم أمته الثقافية والمعرفية إشارة وتلميحا .  ونحسب ان هذا الانتخاب كان محدودا جدا . فقد غاب من خطابه إتجاهات فلسفية يونانية مهمة مثل المدرستين الطبيعيتين الاولى والثانية والفيثاغورية والايلية والسفسطائية . وكذلك غابت كل مدارس الفلسفة في المرحلة الهيلينستية إضافة الى غياب قائمة طويلة من أسماء مرموقة من فلاسفة العصور الوسطى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

حضور نماذج من الفلسفة الحديثة / ديكارت والديكارتيون

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    شكل الفيلسوف الفرنسي رينه  ديكارت ( 1650 – 1596 ) وفلسفته تحولا مهما في تاريخ الفلسفة الغربية  . فقد رسمت كتاباته معالم مرحله جديدة في تفكير القارة الاوربية . وديكارت هو مؤسس المذهب العقلي في تاريخ الابستمولوجيا الفلسفية ، مقابل المذهب الحسي – التجريبي الانكليزي. وسيطلق مؤرخو الفلسفة الغربية على فلسفته اصطلاح  ” الفلسفة الديكارتية ” وذلك لكونها شكلت مدرسة فلسفية حديثة . وسيطلقون اصطلاح ” الديكارتيون ” على جمهرة من الفلاسفة ، اللذين تابعوا خطاه وفلسفته العقلية . ولعل من اشهرهم  ثلاثة : ” مالبرانش ” (1715 – 1638) ، ” أسبينوزا ” ( 1677- 1632 )  و ” لايبنتز ”  ( 1716 – 1646 ) . هذا هو ديكارت وهؤلاء هم الديكارتيون الكبار (18) .  (محمد جلوب الفرحان : حقيقة ديكارت والديكارتية ) .

    والسؤال : كيف تعامل مالك بن نبي مع ديكارت ؟ وهل كان لكل من ” مالبرانش ” ، ” أسبينوزا ” و ” لايبنتز ” حضورا في الخطاب الثقافي المالكي ؟

    حقيقة ان تعامل مالك مع ديكارت اخذ اشكالا متنوعة ، منها صورة النقد والتقويم هذا من طرف . ومنها شكل الاستشهاد والاستحواذ هذا من طرف اخر .  فعلا ادرك مالك حقيقة ديكارت وأثر فلسفته الديكارتية في الحياة الاوربية ، والتي أتخذت صورتين : نزعة علمية متطلعة صوب عوالم خارج حدود القارة الاوربية . ونهج عقلي ساعي لاخضاع كل ما هو على الارض وما فوقها لموازينه ، وقبول المنسجم ، ونبذ المتعارض . أنها موجة ثقافية لفت القارة الاوربية . وهنا جاءت افادات مالك لتفصح عن كل هدا الاثر الدي تركه ديكارت ونزعته الديكارتية : ” غرق ذلك الضمير … منذ نهاية القرن الثامن عشر امام آلهة العلم ، فغمره فيضان علمي حقيقي … أستودع في النفسية الاوربية  ” طميا ” نما فيه الفكر الديكارتي حتى انقلب احيانا نزعة ” ديكارتية ” عقلية خطيرة ، لقد افتتنت ” الذات ” الاوربية بما حررت من قوى ، فأستسلمت لسحر عبقريتها ” (مالك بن نبي : وجهة العالم الاسلامي: 142)

   لقد عرف مالك ان الديكارتية لم تكن علمية بمجملها ، كما انها لم تكن حديثة بكل مفاصلها ، ان الديكارتية حملت في رحمها جوانبا من الاساطير الاوربية ، اساطيرا تتعارض ونزعتها العلمية ونهجها العقلاني . فمثلا ان اوربا ” قد دانت لمناهج ديكارتية علمية محض ، وعلى الرغم من ان الصناعة قد سادت … كان لها ايضا اساطيرها ” ( المصدر السابق : 148 ) .

    والحقيقة ان فهم الفلسفة الحديثة عامة ، وفلسفة ديكارت خاصة ، يتطلب العودة الى عصر النهضة الاوربية ، وهي النهضة التي حملت معها مشعل التغيير في مجمل الحياة الغربية ، ودشنت جادة البحث الفلسفي والعلمي ، بمناهج واطروحات ونزعات ، سيكون الاعلان عنها في نهاية عصر النهضة ، بما نصطلح عليه بالفكر الحديث والعلم الحديث والفلسفة الحديثة ( محمد جلوب الفرحان : بيئة الفكر الفلسفي الحديث: مشروع قراءة لفكر عصر النهضة ، الموصل 1987 ) . وللقارئ نقول ان مجمل الاتجاهات العلمية والفلسفية في عصر النهضة ، كانت غائبة من دائرة تفكير مالك بن نبي . ولكن من الإنصاف ان نذكر الى ان مالك قد اشار الى ” النهضة ” أي النهضة الأوربية مرة واحدة في كتابه ” المسلم في عالم الاقتصاد “(ص : 57 ) .

  ان العديد من عناصر فلسفة ديكارت تصعد مثلا الى النزعة الارسطية في عصر النهضة ، كما يؤكد مؤرخي الفكر الفلسفي الحديث . وأنا أصحح ذلك وأوكد على ان ما أسموه نزعة أرسطية ، هو في حقيقته نزعة رشدية ( نسبة الى الفيلسوف العربي أبن رشد ) . فالباحث الموضوعي يذكر أسم أبن رشد صراحة . والذي يسعى الى طمر الحقيقة ، يتخفى وراء نزعة أرسطية عامة . ولكن ما هو قار ثابت في عصر النهضة ، خصوصا في أيطاليا ومن ثم في فرنسا ، ان فلسفة أبن رشد ، هي التي حملت معها فلسفة أرسطو من جديد الى الغرب ( محمد جلوب الفرحان : أبن رشد وتوما الاكويني وحقيقة عصر النهضة ) . ان الارسطية الرشدية ، كانت واحدا من العناصر الفلسفية ، اضافة الى عناصر اخرى تصعد الى القديس أوغسطين ، والنزعة الرواقية الجديدة التي طغت في القرن السادس عشر ، وعناصر اخرى تصعد الى الفيلسوف مونتاني ( 1592 – 1533 ) . وأستطيع ان ألعب في اللغة ، فأقول : لقد كان مونتاني ديكارتيا نهضويا ، مثلما كان ديكارت مونتاني العصر الحديث .

  لقد نهضت امام انظار مالك بن نبي ، اشكالية الفكر الديكارتي برمته ، فمن طرف منهجيته ، مالك  كان خير العارفين ، بأنه المنهج الذي وضع العقل الاوربي على طريق التطور والحداثة . وهو من هذا الجانب ، منهج جدير بالاخذ والبحث والافادة . ومن طرف أخر ، مالك كان مدركا ، بأنه المنهج الذي دفع العلم الاوربي ، او على الاقل العقل الاوربي ، الى التفكير بعوالم جديدة . وهكذا رافق الفكر الديكارتي أبشع ظاهرة عرفتها الانسانية ، ونعني بها الظاهرة الاستعمارية . ولعل الافادات المالكية كانت على حق عندما ربطت بين فكر ديكارت وبين نتائج التطور التكنولوجي الاوربي ، والذي سيحرك المصالح الاوربية ، الى التفكير بأسواق جديدة ، ومن ثم البحث عن مواد أولية رخيصة لصناعاتها … يقول مالك : ان ” انتاج ديكارت (هو) الذي وضع أقدام أوربا على طريق التطور التكنولوجي … ” ( مالك بن نبي : القضايا الكبرى ، ص 181 ) .

   ونحسب هنا ان مالك قد كشف للقارئ عن واحد من مصادر خطابه الثقافي ، النازع الى فهم الظاهرة الاستعمارية . ونعني بالتحديد موقف مالك من الفكرانية ( الايديولوجية ) الديكارتية . فقد ربط مالك بين الظاهرة الاستعمارية ، والتقدم الفكري والتطور في المنهجيات العلمية ، والايديولوجية الديكارتية . وافادات مالك كانت واصفة لذلك التجسير بين ماهو ديكارتي وبين الاستغلال : ” يجب علينا ان نتصور الاستعمار كما هو ، اي كعقلية علمية مطبقة في المجال السياسي ، بحيث لا يمكنه ، طبقا لتفكيره الديكارتي ، ان يلغي من حسابه مبدئيا ، احتمال الاستغلال ” ( مالك بن نبي : مذكرات شاهد من القرن ، ص 188 ) .

   أنه فعل فكري متفهم لحقيقة الاطروحة الديكارتية ، التي صاحبت الظاهرة الاستعمارية ، وهو بحد ذاته فعل أستبصار ، يحمل في طياته نقدا لمشاريع النهضة النازعة الى اعادة تأسيس ديكارتية عربية اسلامية .  ونحسب ان هذه المشاريع برمتها تحتاج الى نظر وتأمل ، كما ان مشروع النهضة الديكارتية بصورته الاوربية يحتاج الى مثابرة تقويم أولا . ومن ثم بيان حجم المجاهدة النقدية ، التي أنجزتها دائرة تفكير مالك لهذا المشروع النهضوي الديكارتي . وأخيرا عقد موازنة فكرية بين المشروع والمجاهدة النقدية. وذلك بهدف تحديد ما يحمله كل واحد منهما من حق ، وما وقع فيه من وهم ، أدى الى خنق مشروعه ، ومن ثم ادخاله ذمة التاريخ  .

    كان ديكارت وفكره ، ومنهجه في البحث ، حاضران في وقت مبكر في أذهان مالك ، فقد عرف ديكارت من خلال اساتذته الفرنسيين في المدرسة ، في مراحل تعليمه العام . وعن هذا الحضور المبكر وفعله المؤثر في ذهنيته ، أفاد موضحا ” فمن جهة عامة كان اساتذتنا الفرنسيون يصبون في نفوسنا محتوى ديكارتيا ، يبدد ذلك الضباب الذي نمت فيه العقلية الميثولوجية التي تتعاطف مع الخرافات النامية في الجزائر ” ( المصدر السابق ) .

   ان إعجاب مالك بديكارت ، كان واضحا ، خصوصا فيما تطلق عليه المصادر الغربية ، أصطلاح ” ثورة ” المنهج الديكارتي ، والذي احدث انقلابا في كل ركن من اركان الحياة الاوربية . ولعل واحدا من جوانب هذه الثورة ، التغيير الحادث في مناهج المؤسسات التعليمية . حقيقة ان ديكارت طالب هذه المؤسسات بنبذ المعرفة التي لا تؤدي الى تغيير في الحياة . ولا تنتهي الى تطبيق فيه خير للانسان . وبالمقابل فأن المعرفة التي تقود التطبيق ، ستمكن الانسان من السيطرة على الطبيعة . وأستنادا الى ذلك دعا المدراس الى احداث تغييرفي مناهج التعليم ، وان تتوقف من تدريس الفلسفة المدرسية غير النافعة ، والتي دخلت ذمة التاريخ . ومن ثم وضع بدلا عنها ، منهجا جديدا ، يعلم الفلسفة القابلة للتطبيق . ان كل هذا جاء في كتاب ديكارت ” مقال في المنهج ” والذي كان موضوع اهتمام مالك بن نبي ، والذي كان يتطلع لاحداث مثل ذلك في مؤسسات التعليم في العالم العربي . يقول مالك : ” حين كتب ديكارت (خطابه) المشهور في المنهج وقال فيه هذه العبارات المتنبئة الموجهة : انه لمن الممكن الوصول الى معرفة تطبيق تطبيقا نافعا في الحياة ، بحيث تترك مدارس التعليم تلك الفلسفة السكولاستية ، وتعلم فلسفة تقبل التطبيق ” ( مالك بن نبي : القضايا الكبرى : 184) .

   لقد ربط المنهج الديكارتي ، ومنذ لحظة الاعلان الاولى عنه ، بين النظرية ومجالاتها التطبيقية ، وكان يهدف من ذلك الى تمكين الانسان من السيطرة على الطبيعة وظواهرها ، بحيث في كل خطوة يتحقق للعلم نموا وتقدما ، فيكون الحاصل من ذلك صعودا وأرتقاءا للحياة الانسانية . ولعل الحاصل من الفلسفة الديكارتية ، انها اتاحت ” لنا بعد معرفة تأثير النار ، الهواء ، والاجرام الفلكية ، والسموات وكل الاجرام التي تحيطنا ، ان نستخدمها تحت قانونها بالذات لمصلحتنا الخاصة بحيث نتمكن من امتلاك الطبيعة والهيمنة عليها ” ( المصدر السابق ) .

    أتاح المنهج الديكارتي لاوربا فرصة اعادة تشكيل عقليتها ، وتوجهاتها من جديد . وهكذا يحق لنا ان نقول ، حسبما يرى مالك : ان منهج ديكارت تحول ليكون ” بصورة أعم ، المناخ العقلي الجديد الذي ستترعرع فيه العبقرية المصلحية التي تتميز بها الحضارة الجديدة ” ( المصدر السابق : 185 ) . انها قضية تحمل التناقض في ظاهرها ، ولكن اذا تأملنا في افادات مالك ، فأننا نجده ، من طرف وجه نقدا للمشاريع الاستعمارية المستفيدة من الاطروحات الديكارتية ، والتي وظفتها توظيفا لصالح التوجهات الاستعمارية . ومن طرف اخر فأن الديكارتية ، خارج حدود التوظيف الاستعماري ، فهي نهضة علمية فلسفية ، ووثبة منهجية تربوية ، يمكن وضعها على طاولة الحوار الفلسفي ، والدرس المعرفي ، والافادة  الثقافية .

  ومن الملاحظ ان دائرة تفكير مالك قد اعادت انتاج بعض الافكار الديكارتية ، في اكثر من مقال وكتاب ، كما ان مالكا وظف المادة التي اعاد انتاجها لصالح قضايا جديدة ، وبالتحديد في الاطار العام ، او في الموضوع المدروس . ولكن ظلت الافادة الديكارتية واحدة في جوهرها  . فمثلا مالك في كتاب ” المسلم في عالم الاقتصاد” اعاد الفكرة الديكارتية التي سبق ان عالجها في كتب ومقالات سابقة . يقول مالك : ” ان التفسير الاقتصادي وحده لا يفسر الظاهرة … انما وضع بسبب تغيير جذري حدث في كافة المناخ العقلي الاوربي ، منذ ما يسمى ب ( النهضة ) وخصوصا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي . اي مباشرة بعد اكتشاف اميركا وألة الطباعة . واذا كان ديكارت … ولد في هذا المناخ … بحيث كان من الطبيعي ان تأتي نتيجة تأملاته في كتابه ( مقال عن المنهج ) كما أتت في تلك العبارات التي تعلن المنعطف الجديد الذي أتخذه الفكر الاوربي ” ( المصدر السابق : 57 ) .

  وبعد فان دائرة تفكير مالك لم تقف عند حدود الافادة من الاطروحات الديكارتية في خطابه الثقافي، وانما تأملت فيها بعمق ، ووقفت على كل ما عمله هذا الفكر من اثر وتطوير للفكر العالمي ، ومن ثم بينت نتائجه على حدود جغرافية االفكر الاوربي . ولذلك تقدمت بتقويم للاطروحة الديكارتية ، سواء في منهجيتها ، او في الوثبة التي اعلنتها على مناهج تعليم الفلسفة المدرسية وعلوم عصرها . وعن هذه الوثبة افاد مالك : ” ان … كلمات ديكارت في مقال عن المنهج ، ليست الا عصارة المناخ العقلي الجديد ، يعصرها رجل عبقري . ما كان يصفيها قبل أوانها في التطور العالمي الشامل أحد غيره ” (المصدر السابق : 58) .  اما رأيه في فلسفة ديكارت ، ومن ثم تقويمه للفعل الذي مارسته في الثقافة الاوربية ، فالرأي جاء سوداويا ، والفعل تمثل في انفلات اخلاقي وصراع طبقي . وهكذا حدث ” في أوربا مع افكار ديكارت التمزق الاول في الثقافة ، (و) بدأ الانحراف الاخلاقي ، يؤدي الى حتمية الصراع الطبقي ” (مالك بن نبي : بين الرشاد والتيه : 66 ) .

  وسجلت دائرة تفكير مالك افادة يتيمة عن ” باسكال ” ( 1662 – 1623 )  وهو من معاصري ديكارت . ونحسب ان في مثابرة باسكال جانبين : الاول نقدي لفلسفة ديكارت . والثاني بنائي يتمثل في عمل الاثنين في مجال الرياضيات ، وبالتحديد في الهندسة الاسقاطية . أما مايخص باسكال ومالك بن نبي ، فنحسب ان في صوفية باسكال ، جانبا لا يرتضيه مالك بأرتياح ، خصوصا اذا تذكرنا مواقف مالك الناقدة للصوفية وطرائقيتها . اما انشغال باسكال بالهندسة الاسقاطية ، فهذا جانب يقارب بين الاثنين .

    وأخيرا نتسائل : ماذا ولدت لنا المدرسة الديكارتية من فلاسفة ؟ وماذا كان رصيدهم في الخطاب الثقافي المالكي ؟ ولدت لنا المدرسة الديكارتية ثلاث استطالات لها في دوائر الفلسفة والثقافة الغربية : الاولى مثلتها فلسفة ” مالبرانش ” والتي حافظت على مفهوم الجوهر الذي اقترحته فلسفة ديكارت . الا انها افترضت نظرية ” المناسبة ” التي تربط السبب بالنتيجة . وقد ترك مالبرانش أثره على الفيلسوف أسبينوزا . وللقارئ نقول : ان مالبرانش وفلسفته كانا غائبين في الخطاب الثقافي المالكي .

  وبالمقابل عرفت دائرة تفكير مالك الاستطالتين الثانية والثالثة ، مثلت الاستطالة الثانية فلسفة أسبينوزا ، التي ذكرها  مالك محتفلا ، فقد شغله أسبينوزا ” في دراسة قيمة تتناول حياته ، كتلميذ لابن ميمون وبالتالي بالنسبة للمدرسة الاسلامية في عصره ” ( مالك بن نبي : مذكرات شاهد القرن : 108 ) . اما فلسفة ” لايبنتز ” فقد ركزت على نظرية الجوهر والتي طورتها تحت نظرية المونادات . وتحركت فلسفته على الارضية ذاتها التي تحركت عليها الديكارتية ، ونعني مصاحبة الظاهرة الاستعمارية . ولهذا قوم مالك افكار لايبنتز الداعية الى احتلال مصر ” ان شيئا لم يتغيرفي اعماق ضمير رجل الشمال ، فهو مازال على مذهب ليبنتز …الذي كان – وهو يضع الاسس الجديدة لعلم الرياضيات ، يقكر ايضا في احتلال مصر ، ويقدم من اجل ذلك تقريرا مفصلا للويس الرابع عشر ” ( مالك بن نبي : المسلم في عالم الاقتصاد : 102 – 101 ) . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)

حضور روسو والدارونية ، كوندياك وأوغست كومت

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    عرفت دائرة تفكير مالك بن نبي نماذجا مضافة ، من الفلاسفة الاوربيين في العصر الحديث ، وسجلت لهم حضورا في الخطاب الثقافي المالكي . مثل الانموذج الاول  الفيلسوف الطبيعي ” جان جاك روسو ” (1778 – 1712) والذي يعد المؤسس الحقيقي للنزعة الفلسفية الطبيعية في الثقافة الاوربية الحديثة . والفلسفة الطبيعية ، وخصوصا نزعتها التربوية شكلتا انعطافا كبيرا في مضمار الفكر الفلسفي والميدان التربوي على حد سواء . ان الطبيعية لم تكن مدرسة فلسفية سعت الى ملء مناطق الفراغ التي تولدت من الأزمة الفلسفية والتربوية التي عانت منها المدارس الفلسفية السابقة عليها والمعاصرة لها وحسب ، وأنما حملت راية النقد للمدارس والتقاليد الفكرية والتربوية الشائعة في أوساط الجمهور ، مما جعل مشروع النقد الطبيعي أن يكون ثورة على كل الرصيد الفلسفي والتربوي التقليدي ، ووضعه في دائرة التساؤل والامتحان .

   ولعل أول ما نبدأ به ، سؤال نتخذ منه منطلقا نتعرف من خلاله على الكيفية التي تعاملت بها دائرة تفكير مالك بن نبي مع ” روسو ” واطروحاته . والسؤال : ما حجم حضور ” روسو ” في الخطاب الثقافي الذي أنتجه ذهن وقلم مالك ؟

  شكل روسو مكانة متميزة في تاريخ الفكر الاوربي الحديث ، خصوصا في مجالي الفلسفة والتربويات . أما في مجال السياسة فقد كونت كتاباته ” أنجيلا ” للثورة الفرنسية ، وكان لفلسفته الطبيعية أثر كبير في الاتجاهات اللاحقة . وبالتحديد شعاره : ” العودة الى الطبيعة ” والذي تجد صداه في الادب الماركسي ، وحصرا في مبدأ ” العودة الى خصائص العمل المنزلي ” .

  ان العودة الى الطبيعة بالمفهوم الروسوي اسس أشهر نزعة رومانسية في الثقافة الاوربية يومذاك ، والعودة الى الطبيعة هي وصفة علاج ، او محاولة تصحيح لكل ما وقع من تشويه في شخصية الانسان ، تشويها سببه المجتمع الصناعي وانظمته … ولذلك أظهر عداوته للمجتمع الصناعي ، وبين في العبارة الاولى من كتابه ” أميل أو التربية ” ذلك فأفاد : ” إن كل شئ بيد خالق البرايا خير ، ويفسد عندما ينتقل الى يد المجتمع ” (محمد جلوب الفرحان : الخطاب الفلسفي الغربي / بيروت 1999 / الفصل الخامس والمعنون ” الطبيعية وأثرها في التربية “) .

   هذا بعض من فكر روسو ، والسؤال : كيف كان الحوار بين دائرة تفكير مالك و روسو ؟ ان من المفيد ان نشير الى ان الديمقراطيات الاوربية بصورها المختلفة تنظر الى روسو ، وخصوصا كتابه ” العقد الاجتماعي ” وكتبه الاخرى ، على انها مصادر فلسفية للديمقراطية . أما دائرة تفكير مالك ، فقد تعاملت مع فلسفته عامة ، وموضوعة الديمقراطية الناهضة عل فلسفته خاصة ، بميزان النقد والتقويم . فذهبت تؤكد على ” ان الشعور بالديمقراطية مقيد بشروط معينة لا يتحقق بدونها ، وهذه الشروط ليست من وضع الطبيعة ولا من مقتضيات النظام الطبيعي ، على خلاف ما كانت تتصوره الرومانتكية في عهد ” جان جاك روسو ” ، بل هي خلاصة ثقافة معينة وتتويج لحركة الانسانيات وتقدير جديد لقيمة الانسان ، تقديره لنفسه وتقديره للاخرين ” (مالك بن نبي : القضايا الكبرى : 138 – 137) .

  ويستند مالك الى روسو ، وبالتحديد الى كتابه ” العقد الاجتماعي ” وذلك اثناء مناقشة مسألة حق كل فرد في العيش ، ويبدأ بأفادة روسوية ، تحولت اثناء الثورة الفرنسية الى شعار جماهيري . وهي الافادة القائلة : ” لقمة العيش حق لكل فم ” . ويعلق مالك على ذلك قائلا : ان هذه المسألة يفرضها ” الاختيار لمبدأ معين يلتزمه المجتمع ويسجله في دستوره ، كأساس لعقده الاجتماعي ” . ان خطاب مالك الثقافي احتفل بفكر روسو ، وضمن مناقشاته عددا من الإفادات الروسوية . وفي الوقت نفسه وضع إفادات اخرى في ميزان التساؤل والتقويم . ومالك له الحق في الانتخاب وفي النقد لان شروط الحياة الاجتماعية والشخصية التي عاشها روسو تختلف جذريا عن الحياة والمجتمع الاسلاميين والذي عمل مالك الى إيقاظ  روحه في الثلثين الأوليين من القرن العشرين .

   أما الانموذج الثاني فقد مثلته الاطروحة الداروينية ، والتي جاء حضورها اثناء حديث مالك عن فكرة ” التقدم ” او التطور عند ” تشارلز داروين ” (1882 – 1809) . فمن المعروف ان فكرة التطور قد وردت في كتاب داروين ” أصل الانواع ” ، وان هذه الفكرة حملت إضاءات أنارت درب الثقافة الغربية في القرن التاسع عشر ، وإمتدت أثارها الى العالم الاسلامي ، فكان من حصيلتها نشوء تيار في الفكر العربي المعاصر ، ضم مجموعة من المفكرين ، اطلق عليهم اسم ” الدارونيون العرب ” . وعن فكرة التطور في نظرية داروين وفعلها ، أفاد مالك قائلا : ان ذلك تحقق من خلال ” نظرية التطور لدارون . وقد وصل هذا الإشعاع العالم الاسلامي في مستهل القرن العشرين ” (مالك بن نبي : مشكلة الثقافة : 46) .

    لقد لعبت الإطروحة الداروينية في التطور دورا فاعلا في تحريك العقل الاوربي ، خصوصا نحو إنتاج منظومات فلسفية تتصور التطور حادث في مسيرة الجنس البشري ، مما كان الحاصل من ذلك ولادة فكرة ” الانسان الاعلى او السوبرمان ” . وفعلا تحقق هذا على المستوى الفلسفي ، فقد تناول الفكرة ” نيتشه ” (1900 – 1844) بفعل مثابرة إبداعية ، إعتمدت الاطروحة الدارونية نقطة إرتكاز لها . جاء ذلك في كتابه المعنون    ” هكذا تكلم زرادشت ” . والحقيقة ان دائرة تفكير مالك قد أهملت هذا الجانب الذي طبع الثقافة الاوربية بطابعه المتميز .

  اما الخطاب الثقافي المالكي فقد اشتغل على طرف اخر من التأثير الدارويني على الثقافة الاوربية ، فركز على رصد الاستحواذ الذي مارسته الداروينية في الجانبين الاجتماعي والاخلاقي ، مما كان الحاصل ولادة انظمة فكرية عنصرية . يقول مالك : “ولقد يكون المبدأ المبيد مقتبسا عن بعض المصادر العلمية . ومن هنا يستمد مهابة ذات تأثير ضار ، فهكذا صارت نظرية ( دارون ) القائلة بأن ” البقاء للأصلح ” حكمة لاخلاقيينا المحدثين ، دون ان يخطر ببالهم ان ما يصدق في علم الحيوان قد يكون خاطئا في ميدان الاجتماع ، حيث يعني ” الأصلح ” هنا غالبا ” الأكثر شرا ” . بل لقد نقل المبدأ في اوربا من متنه العلمي الى نشأة الفلسفات العنصرية التي قادها ” جوبينو ” و ” زنبرج ” ” (مالك بن نبي : وجهة العالم الاسلامي : 89) . ومن المعروف ان الاول هو فيلسوف فرنسي من فلاسفة القرن التاسع عشر . والثاني هو” فيلسوف ” الحركة النازية في المانيا في عهد هتلر .

  ومثل الإنموذج الثالث الفيلسوف وعالم النفس الفرنسي ” كوندياك ” (1780 – 1715) وهو فيلسوف تجريبي سعى الى تأسيس مبادئ الفيلسوف الانكليزي ” جون لوك ” التجريبية في البيئة الفرنسية . فهو رمز فلسفي كبير في  تاريخ الفلسفة الفرنسية الحديثة .  وكانت لكوندياك صلات بدائرة المفكر الفرنسي الشهير ” ديدرو ” (1784 – 1713) . كما كانت له صداقة مع الفيلسوف والمربي ” جان جان روسو ” . ونشر كوندياك عملين فلسفين : الاول – مقالة في أصل المعرفة البشرية (1746) ، والثاني – رسالة في المحسوسات (1754) وقادته موضوعات هذين العملين الى بحث في علم المنطق . وله كتاب في غاية الاهمية ، الا انه مات ولم يكمله ، وكان بعنوان ” لغة الحسابات ”  وقد نشرت اعمال كوندياك في كتاب ضخم بعنوان ” الكتابات الفلسفية ” . (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كوندياك وأبوته للفلسفة التجربية الفرنسية / من بحث منجز ) .

    ومن المفيد ان نشير الى ان هناك إلتباسا قد حدث في النص المالكي ، وهو يتعامل مع هذا الفيلسوف ، ففي الكتب الفلسفية المتداولة ، نلحظ انها تؤكد على ان اسمه هو ” كوندياك ” وليس ” كونديلا ” كما أشارت اليه الافادات المالكية في مكانات عدة . والحق إن الافادات المالكية عادت في صفحات لاحقة ، وتداولت الاسم ” كوندياك ” (مالك بن نبي : مذكرات شاهد القرن : 115) . ولذلك ننبه القارئ بهدف رفع هذا الإلتباس .

   ونبدأ ونحن نسعى الى بيان حجم حضور كوندياك في الخطاب الثقافي المالكي ، بالاشارة الى ان مطالعات مالك لكتب الفلسفة ، والتي تصعد الى وقت مبكر من حياته التعليمية ، قد قادته صدفة الى نسخة من كتاب الفيلسوف ” الفرنسي كونديلا ( الاصح : كوندياك ) .. الذي عاش في القرن الثامن عشر والذي يمكن ان يعد ما أستاذا لمدرسة علم النفس الفرنسية ” ( المصدر السابق) .

   ولم تتمكن ذاكرة مالك بن نبي من إسترجاع اسم الكتاب . الا ان ما تذكرته هو مقدار ما شعر به مالك من فرح وهو يحصل عليه . نحسب ان المشاعر هي مراٌة الانسان ، يرى فيها جمال الصورة او على العكس قبحها . وان جمال صورة الفيلسوف كوندياك جليلة واضحة . وعن ذلك أفاد ” وقد سرني هذا الكتاب على الرغم من ضخامته وصعوبة فهمه بالقياس الى طالب مثلي … فقضيت الوقت كله حتى موعد الذهاب الى مطعم (بوكاميه) في قراءته ” (المصدر السابق) . وللقارئ نقول ان هذا الكتاب الذي لم تتذكره دائرة تفكير مالك هو ، كتاب كوندياك المعنون ” الكتابات الفلسفية ” وهو مجموع ضخم جامع لكتابات الفيلسوف الفرنسي  .

  ونلحظ ان اهتمام مالك بهذا الكتاب ، يتكشف في مقدار الاثر الذي تركه في الخطاب الثقافي المالكي . حقيقة ان مالكا يتذكر جيدا هذه الاثار ، فيقول : ” كان يصاحبني الى غرفة النوم … ولذا أصبح كتاب ( كونديلا ) رفيقي حتى على الوسادة ” (المصدر السابق : 114) .

  وبتاثير قراءة كتاب كوندياك ، تساءل مالك : ” هل هذه هي الفلسفة ؟ ” وكان يسعى الى معرفة معنى الفلسفة ، ومن ثم معرفة المنهج الذي تستخدمه وصولا الى الحقيقة . ولهذا جاءت كلماته تحدد منهج الفلسفة على حساب معناها العام . يقول مالك : ” أعني توجيه الفكر من معطيات فكرة الى اخرى مستنتجة . ومهما يكن من أمر فقد اعتاد فكري هذه الرياضة كما نعتاد رياضة كرة المضرب ” (المصدر السابق) . أن الجزء الاول من عبارة مالك القائلة ” توجيه الفكر من معطيات فكرة الى اخرى مستنتجة … ” ، هذه العبارة تشير الى علم المنطق وهو منهج الفلسفة . فالعبارة أشارت الى المقدمات وهي ” معطيات فكرة ” ، ومن ثم أشارات الى النتيجة من العملية المنطقية ” اخرى مستنتجة “، وحقيقة ان تفكير مالك عارف بالمنطق ، فقد درس الرياضيات في المعهد اللاسلكي في فرنسا ، والرياضيات والفلسفة يستخدمان المنطق منهجا . وللقارئ نقول ان هناك نوعين من المنطق : منطق استدلالي وهذا هو المقصود في عبارة مالك . وهناك المنطق الاستقرائي وهو المنهج الذي تستخدمه العلوم التجريبية .

   ولعل الحاصل من كل الأثار التي تركها هذا الفيلسوف وكتابه على الخطاب الثقافي المالكي ، أثارا تمنح كوندياك مكانة لها وزن محسوب في عبارات مالك التي عبرت عن موقف تقويمي لكتاب هذا الفيلسوف : ” لست أدري اي كسب علمي حصلت عليه مع (كونديلا … ) ، انما هذا الكتاب وضع عقلي وافكاري وفضولي او بالأحرى ثقافتي بأتجاه محدد ” (المصدر السابق) .

  وجاء الانموذج الرابع ممثلا في مؤسس علم الاجتماع الحديث ، وفيلسوف الوضعية      ” أوغست كومت ” (1798 – 1857) ، وهو أول فيلسوف علم بالمعنى الحديث لهذا المصطلح . والسؤال الذي نرفعه هنا : كيف تعاملت دائرة تفكير مالك مع أوغست كومت ؟ الحقيقة ان دائرة مالك لم تكن مهتمة بالإشكالية المثارة في الفكر الاوربي ، حول مشروعية او لا مشروعية منح لقب ” أبوة ” علم الاجتماع الى أوغست كومت ،ولم يدر إهتماما الى الصراع الدائر ، خصوصا بين المدرسة الاجتماعية الايطالية والمدرسة الاجتماعية الفرنسية حول هذه المسألة ، وذلك لان مالك يرجح في خطابه الثقافي ” أبوة ” أبن خلدون (1406 – 1332 ) لهذا العلم .

   ومن هذا الطرف ، طرف ” ابوة ” ابن خلدون ، ذهب مؤكداً على أبوة العالم العربي لهذا العلم ، وهو علم العمران بالإصطلاح الخلدوني وعلم الاجتماع بالإصطلاح المتداول . ولهذا رفض ابوة أوغست كومت لصالح رصيد عالم عربي . وما أكد عليه مالك صححته الدراسات الغربية لاحقا في مجمل نشرياتها في علم الاجتماع ، وأخذ اسم ابن خلدون وكتابه المقدمة يتصدر الدراسات الاجتماعية الغربية . وهنا مالك كان دقيقا في عرض رأي المدرسة الفرنسية القريبة الى داره الثقافية : ” فعلم الوقائع الاجتماعية قد بدأ ب ” اوجست كونت ” الذي يعدونه ابا لعلم الاجتماع ، والواقع ان ابن خلدون كان قد وضع معالم الطريق ” (المصدر السابق ك 27) . 

   ان اهتمام مالك بكومت جاء في مضمار أخر ، وهو اهتمامه بفكرة ” التقدم ” ، فقد سعى مالك الى بيان الدور الرئيسي الذي لعبته في تاريخ القرن التاسع عشر ، ولأثبات ذلك لجأ الى أطروحات كومت الوضعية . فقد أشار الى فكرة ان التقدم قد حملت اشعاعا الى ثقافة هذا القرن وذلك من خلال النظرية الوضعية لأوغست كومت . وان هذا الاشعاع لم يبقى حبيس الخارطة الاوربية ، بل وصل الى ” العالم الاسلامي في مستهل القرن العشرين ” (مالك بن نبي : مشكلة الثقافة : 46) .

  ولعل خير الختام عن حضور أوغست كومت وإطروحاته في الخطاب الثقافي المالكي ، هو الاشارة الى التقويم الذي تقدم به مالك لمثابرة كومت على صعيد الدراسات الاجتماعية . ان إطروحات كومت بمنظار مالك ، أدت الى صياغة ” المفهوم العلماني للدراسات الاجتماعية والثقافية ” ( مالك بن نبي : بين الرشاد والتيه : 63) .

  وبعد فان مالكا لم يكتف بهذا الاستثمار الثقافي لأوغست كومت ، ورسو على الصعيد الفلسفي ، وانما جاء هذا الاستثمار أبعد من حدوده الفلسفية . ان مالكاً سيعود الى روسو وأوغست كومت مرات عديدة ، وسيناقش اطروحاتهم بعمق وذلك سعيا الى بناء معالم  المشروع الاسلامي للإجتماع (أنظر: محمد جلوب الفرحان : المشروع الاسلامي للاجتماع عند مالك بن نبي منشورة منه صفحات على موقع الفيلسوف 2010 ) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني/ العدد الثالث / صيف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

حضور الفلسفة الالمانية / كانط وفيخته

       هيجل وشبنهور ونيتشه (1)

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  عرفت دائرة تفكير مالك بن نبي ، مجموعة من الفلاسفة الالمان ، الذين كان لهم دوراً فاعلا في تكوين الأفق الثقافي الاوربي يومذاك . منهم الفيلسوف ” عمانوئيل كانط ” (1804 – 1724) و ” فخته ” (1814 – 1762) ، ومن ثم ” هيجل ” (1831 – 1770)  و ” شبنهور ” (1860 – 1788) ، وأخيراً ” الفيلسوف ” نيتشه ” (1900 – 1844) . ونسعى في هذا المقال معرفة حجم حضوره هؤلاء الفلاسفة في الخطاب الثقافي المالكي  .

   حقيقة ان حضورهم قد تفاوت حجما ومقدارا . فمن الفلاسفة الالمان الذين عرفهم  مالك ، الفيلسوف  ” كانط ” . ومعرفة مالك له جاءت هذه المرة تلميحاً ، اذ ذكر اطروحته الفلسفية ، ولم يشير اليه صراحة . وقد جاء التلميح اليه في كتاب مالك ” الظاهرة القرأنية ” ، وذلك عند الاشارة الى مفهوم “الترانسندتتالي” (الظاهرة القرأنية : المقدمة) . وهذا هو مفهوم كانطي خاص ، ويقصد به الفيلسوف : “العلو”  او “الشئ المتعالي”.

   كما تداول مالك اطروحات الفيلسوف الالماني ” فخته ” ، وجاء حضوره في المناقشة التي اجراها مالك حول ” المفهومية ” ، والدور الذي تلعبه في تكوين الهوية الثقافية الالمانية . وافادات مالك استشهدت بما ذهب اليه فخته ، (وهو ثقافة الانا) ، فأوضحت : ” في حالة المانيا تتحد المفهومية من حيث هويتها مع الثقافة الالمانية ذاتها ، وهي ثقافة (الانا) ” (بين الرشاد والتيه : 63) .

   وتدارس مالك اطروحات الفيلسوف ” هيجل ” ، والذي يعد حدا فاصلا في تاريخ الفلسفة ، بحيث يمكن الحديث عن الفلسفة قبل هيجل ، والفلسفة بعد هيجل . وكان لمنهج هيجل حضورا في الاطروحة الفكرية المالكية ، خصوصا في اطروحاته في فلسفة التاريخ والحضارة (أنظر: محمد جلوب الفرحان : المشروع الاسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي : 16 – 17) .

   جاء الاستناد المالكي الى الاطروحة الهيجلية اثناء مناقشته لفعل القيمة الخلقية ، التي تنظم حياة المجتمع . فقد اشار الى : ” ان المجتمع لا ينتج القيمة الخلقية التي تنظم حياته … ان هذا العمل يبدأ اذا ما تم تركيب الانسان ، التراب والوقت … وانما يتم هذا التركيب على أثر حدوث  ” عارض غير عادي ” او بعبارة اخرى ” ظرف استثنائي ” … (وقد) اختلفت اراء المدارس المختلفة فيما بينها في تفسير ماهية هذا ” العارض ” (ميلاد مجتمع : 50) . وفي هذا الجو الثقافي حضر هيجل ، فقد قدمه مالك ليدلي برأيه في هذا الموضوع . ان هيجل يرى ” ان الظرف الاستثنائي انما يظهر في صورة تعارض بين قضية ونقيضها ” ( المصدر السابق ) .

  ونتساءل : ما هي الدواعي التي حملت مالك ان يستذكر شبنهور وفكره في خطابه الثقافي ؟ كانت الدواعي المالكية تتمثل في ان فكر شبنهور مثل اتجاها جديدا في التفكير الاوربي ، فقد ضم واقعا اجتماعيا تجاوز الخارطة الاوربية ، وذلك لان شبنهور اكتشف ” العبقرية الانسانية ” . وذلك من خلال اكتشاف ” اوربا عامة والمانيا خاصة ، ثقافات اسيا على يد شبنهور ” (مشكلة الثقافة : 28 – 29)

ونحسب ان قراءة مالك للفلسفة الالمانية ، لم تكن قراءة عفوية ، بل كانت قراءة مقصودة وخصوصا قراءة التراث االثقافي للفيلسوف الالماني ” نيتشه ” ، فقد كان غرض مالك ، هو السعي  لصياغة مشروع استقلال ثقافي لبلدان محور ” طنجة – جاكرتا ” عامة ، والبلدان العربية الاسلامية خاصة . لقد تعاطف مالك كثيرا مع هذا الفيلسوف المبدع ، وكان مالك ممتعضا جدا من سلوك الدوائر السياسية الالمانية التي تشرف على شؤون الثقافة يومذاك ، وخصوصا عندما كلفت لجنة بمراجعة التراث الثقافي الذي كتبه هذا الفيلسوف ، وقامت بتنقيحة وحذف كل ما لا يتماشى والاوضاع الدولية بعد هزيمة المانيا . وهكذا تم اصدار طبعة عالمية ترضي دول المحور المنتصر على حساب الانتاج الابداعي لهذا الفيلسوف ، وخصوصا الطرف المهم من فلسفته الخاصة بالعلو والانسان الاعلى .

   والبداية في الحديث عن نيتشه أسئلة : هل عرفت دائرة معرفيات مالك كتب نيتشه ؟ وهل قرأ مالك مؤلفات نيتشه؟ ولماذا انحاز تفكيره نحو فلسفة نيتشه ، وخصوصا المشروع الثقافي الذي حملته مؤلفاته ؟ وهل أدركت دائرة تفكير مالك ان الاطروحة الفلسفية النيتشوية ، فيها تطبيق للفكرة الداروينية البايولوجية ، الصراع من أجل البقاء والبقاء للاصلح ؟ وهل عرفت الافادات المالكية ما تخفيه الاطروحة النيتشوية من نزعات قومية شوفينية عنصرية ؟ أسئلة تثار عندما تقرأ نيتشه ، أو تطالع بحثا كتب عنه ، أو عندما يذكر اسمه في جلسة حوار وحديث . الا ان المهم لدينا ، هو ان نعرف حقيقة حضور فلسفة نيتشه ومؤلفاته في الخطاب الثقافي المالكي ؟

   عرف مالك كتب نيتشه ، وخصوصا كتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” . والحقيقة ان هذا الكتاب تميز بنواح عدة ، نحاول ايجازها هنا : أولا- ان الكتاب حمل مشروع نيتشه للاستقلال الثقافي . وحقيقة ان مالك استثمر هذا المشروع كما اشرنا . ثانيا – ان الكتاب في مجمله ، اعلان ثقافي ، بتقديرنا لا يتناسب وتوجهات المفكر الاسلامي ، فقد أبلغ نيتشه العالم ، في هذا الاعلان ، ان ” الله قد مات ” . وكان الادق من زاوية العقيدة المسيحية ان يقول نيتشه : ” ان المسيح – الله قد مات على الصليب ” . على كل انها اطروحات فيلسوف وجودي قبل ان تنبثق  الوجودية مدرسة فلسفية . ثالثا – ان فكرة السوبرمان ، الفكرة الرئيسية في هذ الكتاب ، جاءت تطبيقا للاطروحة البايولوجية التي كتبها داروين ، وهي اطروحة الصراع من اجل البقاء والبقاء للأصلح . ولعل من النافع الاشارة الى ان داروين قد جعل من هذه الاطروحة تشتغل فقط في عالم الحيوان والنبات ، وسكت عن فعلها في عالم البشر . غير ان نيتشه ثابر على تشغيلها في عالم البشر .

   وعلى هذا الاساس جاءت على يديه ” ولادة – قفزة ” كائن بشري جديد ، هو نتيجة الصراع ، وهو الكائن الأصلح ” السوبرمان ” . وكانت هذه المعالجة مقيدة بشروط نيتشوية ، وشروطها ان  يحمل السوبرمان الهوية الالمانية فقط ، وان يكون المانيا قلبا وقالبا . وغير مسموح له على الاطلاق الولادة  خارج جغرافية الحياة الألمانية (وهذا يشمل ألمانيا والمناطق المجاورة التي يعيش فيها الألمان وتنتشر فيها ثقافتهم) . أنه قدر بايولوجي وهب ألمانيا دما وقوة وارادة مكناها من الصعود الى الطوابق العليا … وبالمقابل قدر أعمى حرم الشعوب الاخرى شرق المانيا وغربها من نوعية هذا الدم والقوة والارادة ، فظلت تعيش وتفكر وتعمل في الطوابق السفلى .. ومن هنا نحسب الخطورة التي تحملها فكرة سوبرمان نيتشه على الشعوب ، وخصوصا الشعوب المستعمرة التي تغط حسب مالك في نوم عميق .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

حضور فلسفة نيتشه في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  أحتل نيتشه بشخصه وفكره ، مكانة مرموقة في الخطاب الثقافي الذي كتبه المفكر الاسلامي مالك بن نبي . فقد كانت البداية حرص مالكي على قراءة كل ما يتوافرمن ترجمات لنصوص نيتشه . ومن ثم سعي مالكي الى الاطلاع على كل ما ينشر عن المفكر الالماني من ابحاث ومقالات باللغة الفرنسية .

  والسؤال : من هو نيتشه ؟ وما هي إسهاماته الثقافية عامة والفلسفية خاصة والتي جذبت إهتمام دائرة تفكير مالك إليها ؟ حقيقة إن نيتشه هو فيلسوف ألماني مشكل في تاريخ الثقافة الأوربية . وهو والفيلسوف سورين كيركيجورد يعدان المنبعين الروحيين للفلسفة الوجودية . بدأ نيتشه نشاطه العلمي والأكاديمي باحث في علم فقه اللغة الكلاسيكي . وكتب العديد من النصوص النقدية في الدين ، والأخلاق ، والحضارة المعاصرة ، والفلسفة والعلم . وخصوصاً تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط .. كما وكتب رائعته الفلسفية ” ماوراء الخير والشر ” التي أودع فيها مشروع ثورته على الفلسفة في تاريخها العتيد ، وتكهنه بقيام جيل جديد من الفلاسفة ، أطلق عليهم ” فلاسفة المستقبل ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان : ثورة الفلسفة ؛ مشروع نيتشه في كتابه ” ما بعد الخير والشر / منشورة منه صفحات على موقع الفيلسوف).  كما وتميز خطاب نيتشه بالتفرد خصوصاً تداول العبارات القصيرة التي تقربها من شكل الحكم الموجزة والأمثال السائرة  ، وكان صاحب كتاب هكذا تكلم زرادشت مغرماً بإستخدام المجاز ، والإسلوب الساخر والحكم المختصرة . ويبدو لي إن مثابرة نيتشه في هكذا تكلم زرادشت ، هدفت إلى توفير ” إنجيل زرادشتي ” جديد ليكون بديلاً عن ” إنجيل الكنيسة ” ..

  جاء نيتشه من عائلة لوثرية ، تحمل في ضميرها مشعل الإصلاح في المسار الروحي للديانة المسيحية . وكان والده معلماً . درس نيتشه في مدرسة الفتيان ، وظهرت عليه علامات مبكرة من الإبداع في مجالي الشعر والموسيقى . وبعد التخرج من الثانوية ، درس اللاهوت وعلم فقه اللغة في جامعة بون . وبسبب غضب والدته ترك اللاهوت ومن ثم فقد إيمانه بالعقيدي العائلي المتوارث .

   قلنا إن بداية نيتشه كانت مع فقه اللغة الكلاسيكي  (الفيلولوجي) . إلا إنه تحول بعد ذلك إلى مضمار الفلسفة . ففي سن الرابعة والعشرين أصبح رئيساً لقسم علم فقه اللغة الكلاسيكي في جامعة باسال (وهو أصغر أستاذ أحتل هذا الموقع) . ولكنه إستقال عن رئاسة القسم لأسباب صحية ، والتي تحكمت بمصيره لفترة طويلة . وفي العام 1889 تعرض إلى إنهيار عصبي ، تركه في حالة إختلال عقلي شديد ، لازمه حتى وفاته في العام 1900 .

  ترك نيتشه أثاراً جوهرية على مسارات الفلسفة والثقافة الأوربيين على حد سواء . فقد ظهر حضوره المتميز في تطور الفلسفة الوجودية ، وفي تفكير إتجاهات ما بعد الحداثة . ولعل إسلوبه المتفرد وسؤاله الراديكالي عن قيمة وموضوعية الحقيقة ، ولد أنوعاً متنوعة من التفسيرات الباحثة في نصوصه . ومن أفكاره المثيرة للجدل الدائم ومن ثم الإختلاف حولها : موت الله ، وإرادة القوة ، والسوبرمان ، والمسيح الدجال  …

  ومن الكتابات المؤثرة في تفكير نيتشه حياة السيد المسيح . فقد درسها من خلال كتابات ديفيد ستراوس (1874 – 1808) المعنونة ” حياة السيد المسيح ” والتي تركت أثاراً عميقة على شخصية وتفكير الشاب نيتشه ، والتي ستتطور لاحقاً في مشروعه المثير للجدل ” المسيح الدجال أو ضد المسيح ” . ولكن في الحقيقة هناك عمل مهم جداً سبق هذا المشروع ، وهو مقاله المعنون : القدر والتاريخ ، والذي نشر في العام 1862 . وهنا كانت البداية النقدية النيتشوية للتعاليم المسيحية ، خصوصاً في بعدها التاريخي ، ومن ثم تتوجت في المشروع الهدمي ” المسيح الدجال ” .

   تابع نيتشه في هذه الفترة دراساته في علم فقه اللغة ، وكان يجري هذه الدراسات تحت إشراف البرفسور ويلهلم ريتشل (1876 – 1806) ، الذي لعب دوراً مؤثراً في مستقبل نيتشه الأكاديمي ، خصوصاً بعد إن نشر نيتشه أول مطبوع له في علم فقه اللغة . فقد رشح ريتشل نيتشه لأن يكون رئيساً لقسم فقه اللغة الكلاسيكي في جامعة باسال .

   وفي العام 1865 أكتشف نيتشه الفيلسوف شوبنهاور ، ومن ثم ركز على دراسة أعماله الفلسفية . ويقول نيتشه معلقاً على إكتشافه : ” لقد أيقض شوبنهاور في نفسي نوازع الاهتمام بالفلسفة ” . وكان للإحترام الكبير الذي يكنه نيتشه لشخصية شوبنهاور ،هو الذي حمله على كتابة مقاله المعنون : المربي شوبنهاور .

  ونرى بالإضافة إلى شوبنهاور ، فقد تأثر بالفيلسوف اليوناني هرقليطس (قبل الميلاد 475 – 535)  ، وكان عارفاً بتفاصيل الفلسفة اليونانية . كما إنه قرأ كانط ، وجون ستيوارت ميل ، ودرس في وقت مبكر الدارونية التي ظهرت أثارها في فكرة العلو والسوبرمان . وأطلع عل فكر تولستوي (1910 – 1828) الديني ، وقرأ بودلير (1868 – 1821) ، ومن ثم ديستوفسكي (1881 – 1821) والذي يقول نيتشه عنه : ” إنه السيكولوجي الوحيد الذي تعلمت منه كل شئ ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ نيتشه وهكذا تكلم زرادشت : بين الأصل والتوظيف الفلسفي ، ص 5 – 6) .

  من أهم مؤلفات نيتشه : ولادة التراجيديا ( نشرت عام 1872) ، التأملات السرمدية (نشر عام 1876) ، علم المرح (1882) ، هكذا تكلم زرادشت (1885 – 1883) ، فيما وراء الخير والشر (1886) ، جينولوجيا الأخلاق (1887) ، حالة فاكنر (1888) ، إرادة القوة ( نشرته أخته بعد وفاته ) ، والفلسفة في عصر الإغريق التراجيدي (طبع بعد وفاته) ..

   لقد سببت كتابات نيتشه ، خصوصاً المسيح الدجال ، وهكذا تكلم زرادشت ، الكثير من المصاعب الأكاديمية له . فمثلاً سدت بعض الجامعات الألمانية الطريق أمامه ليحاضر ويعلم فيها . فكانت محنة مضافة إلى قائمة المحن التي واجهها هذا الفيلسوف المتفرد . ( أنظر : محمد جلوب الفرحان : نيتشه ومشروع الإستقلال الثقافي الألماني ، ص 2-3) .

  ونحسب ان الاهتمام المالكي بنيتشه ، لم يكن اهتماما عفويا بريئا . وانما جاء عبر ما نسميه بالاكتشاف المالكي لنيتشه . فقد لعب نيتشه دورا في التكوين الثقافي لذهنية المفكر مالك من طرف ، كما ان نيتشه كان مشروع  ممانعة ثقافية ، اقترحه مالك لتحصين زميل له ، ومنعه من الانزلاق في معاقل الفكر الماركسي (الساعي إلى التمهيد لتأسيس الحزب الشيوعي الجزائري) من طرف أخر .

  كما وان مالك سجل موقف تقدير ودفاع عن فكر نيتشه . فمثلا تقدم بمقترحات تدعو للاهتمام بتراث المفكر الالماني في الديار الثقافية العربية الاسلامية . كما دافع مالك عن الارث النيتشوي الاصيل ، وشجب محاولات تشويهه . فقد سجل مالك تحفظا على فريق العمل الذي قام بتنقيح كتب نيتشه ، وعلى اللجنة التي عملت على اعادة النظر فيها بحجة جعلها مناسبة واتجاهات المكتبة العالمية . ان مالكاً أفصح عن صور من القلق على مؤلفات نيتشه وذلك خوفا من  انها ستفقد أصالتها وإبتكارها . ان هذا التنقيح كان شرطا فرضته قوات التحالف على الدوائر الثقافية الالمانية المهزومة في الحرب .

  والسؤال الذي نرفعه هنا : كيف تعاملت دائرة تفكير مالك مع فكر نيتشه ؟ وما هي المسارات التي مر بها النهج المالكي في هذا الاتجاه ؟ أولا صرح مالك الى ان اهتمامه بالفيلسوف الالماني نيتشه يصعد الى فترة مبكرة من حياته الفكرية ، ونعني بها مرحلة التحصيل العلمي والاكتساب المعرفي . فقد اشار مالك الى انه كان يعتمد في تلك الفترة على زميل له في تكوين الرأي حول نيتشه ، وهو ” حموده بن الساعي ” . ان اكتشاف مالك لنيتشه جاء من خلال ” ترجمة (هاليفي) ” . وكان مالك مشغولا بفكر نيتشه   خصوصا ” لأن صواعقه كان تدوي فعلا في تلك الفترة التي ستفجر فيها الحرب العالمية الثانية ” ( مذكرات شاهد القرن : 275) .

   ومن ثم جاءت الافادات المالكية لتكشف عن اهتمام اخر بفكر نيتشه . والاهتمام هنا يعود الى ظرف اخر ، هو غير ظرف الاكتشاف . وانما سعيا لتحصين ثقافي واستقلال فكري ضد محاولة تغريب كان يتعرض لها احد زملاء مالك يومذاك . وعن هذا الظرف ومشروع التحصين يقول مالك : ” كان الدكتور (خالدي) طالبا في نهاية المرحلة الثانوية … ويبدو ان أحد اساتذته بثانوية عنابه ، أثر عليه بتوجيهات يسارية ، ربما كانت تمهد لتأسيس الحزب الشيوعي الجزائري … رأيت ان يكون المنقذ (نيتشه) ومن الغد في لقاء اتفقنا او تأمرنا عليه . قدمت نسخة من كتب الفيلسوف الالماني ، أظنها نسخة من كتاب (هكذا تكلم زرادشت) ، ورجعت هكذا نعجة تائهة ردها نيتشه الى القطيع الاصلاحي ” (المصدر السابق : 346) .

  ونشعر ان إطروحات نيتشه ، وخصوصا مشروعه في الاستقلال الثقافي قد إحتلت مكانة متميزة في التفكير المالكي . فمثلا ان الرجل قرأ ” هكذا تكلم زرادشت” (المصدر السابق : 202) . كما ان نصيحته لزميله (خالدي) قد كشفت عن ولع غير اعتيادي بكتب نيتشه ومشروعه الثقافي . وهنا نقف لنسمع الى افاداته المنحازة الى فكر نيتشه . ان هذه الافادات جاءت في اقتراح مالك على الدكتور خالدي ، ان يقرأ كتب نيتشه حتى يكون “محصنا بأفكار الفيلسوف الالماني من تلك العقبات التي توضع في طريق شبابنا الجامعي ، حتى اليوم ، لتحيله الى طرق تفكير واحساس تجعله على الشعب شاذا على حياته ” (المصدر السابق : 259 – 258) .

  لقد حملت قراءة نيتشه ، صورة من العلاج لمشكلة التغريب الثقافي عند خالدي. ولعل التعبير عن صورة العلاج الثقافي ، حملته الافادات المالكية القائلة : ” وقد كنت ألاحظ بارتياح على وجه (خالدي) علامة النقاهة الروحية الناجعة منذ بدأ قراءة (نيتشه) كما أشرت عليه بذلك قبل سنتين . فأصبح محصنا بأفكار الفيلسوف الالماني ” (المصدر السابق : 387) . حقيقة ان المبرر الذي تقدم به مالك على حمل تفكير زميله ليتحصن من فكر اجنبي يهدد هويته الثقافية ، ويجعله من جهة التفكير والاحساس ” اجنبيا … شاذا على حياته ” ، مبرر نسجل عليه عتابا ، وخصوصا على المنهجية التي تناول فيها مفكرنا مالك مشروع التحصين . فهو مشروع يلوذ بفكر اجنبي اخر (فلسفة نيتشه). ونحسب انه كان من الاصح ان تكون الحصانة عن طريق العودة الى ينابيع الثقافة العربية الاسلامية . ان نصيحة مالك تحمل الكثير من الدلالات ، كما تثير العديد من التساؤلات من مثل : كيف نتحصن من فكر اجنبي بقراءة فكر اجنبي اخر؟   

  أظهرت افادات مالك بشكل واضح ، عن عدم الرضى من عمل اللجنة التي قامت بتنقيح وتعديل افكار نيتشه ومن ثم تقديم كتبه للمكتبة العالمية . فقد اعلن مالك عن امتعاضه وسخطه من هذه اللجنة التي شطبت جوانب من الاصالة النيتشوية . ونحن نمتعض معه ، ونعلن عن سخطنا على اللجنة ، ولكن لاسباب مختلفة . فان قوات الحلفاء التي دمرت المانيا وبقيادة الولايات المتحدة ، هي التي فرضت سياسات ثقافية جديدة تقوم على اعادة تنقيح التراث الثقافي الالماني عامة والنيتشوي خاصة ليتماشى وبرنامج تطبيع الجمهورية الالمانية الجديدة ودول الحلفاء التي دمرتها والتي جمعت الاموال من الغرب والشرق لاعادة بنائها وفق مشروع تصالح مع الغرب المنتصر . ونحن نتفق مع مالك في ان الانسانية ستخسر الكثير مما سببه عمل هذه اللجنة . يقول مالك : ” ولا شك ان الانسانية ستتكبد خسارة كبرى من جراء ما تقوم به اليوم لجنة مختصة من تعديل تدخله على كتب نيتشه لتصيرها صالحة لمكتبة عالمية ترفض الاصالة وحرارة الايمان ” (المصدر السابق) .

   حقيقة ان ما فعلته اللجنة ، انها قدمت لنا صورة جديدة لمؤلفات نيتشه فيها تداخل غريب . وهي بالتأكيد غير النصوص الاصلية والتي تحمل نكهة ومواقف نيتشوية ، رغب نيتشه بكل وعي مبدع صياغتها بهذه الصورة ، والتي تتطلب منا ان نقبلها كماهي. ان النص الجديد بعد التعديل اصبح نصا كما ارادته اللجنة . وعلى هذا الاساس اصبح في حسابنا نوعان من المؤلفات النيتشوية تعكسان : نيتشه الحقيقي ، ونيتشه كما ارادت اللجنة ان يكون . وهذه مسألة محسوبة لصالح مالك ومواقفه من فكر الفيلسوف الالماني.

  ان انحياز مالك نحو فلسفة نيتشه وكتبه ، حمله على ملاحقة كل ما يكتب حوله ، بل ونلحظ انه اخذ يتحسس بعض الاحيان ، وهو يقرأ نصوصا كتبت باقلام كتاب اخرين ،  فيفترض انها ” ربما نصوص كتبها نيتشه ” . ان هذا مؤشر على حجم حضور الفيلسوف الالماني في الخطاب الثقافي المالكي . ونحسب ان هذا دليل على ان تفكير مالك قد تشرب ثقافة الفيلسوف الالماني . ان الافادة المالكية كشفت عن هذا الحال . كما وفيها بيان عن حجم السلطة القوية لنص نيتشه على تفكيره . تقول الافادة المالكية : ” أتفق في تلك الفترة ان أطلع الشيخ (العربي) على كتاب فقه جاء هدية من صاحب سعودي لاجئ الى القاهرة . وكان عنوانه الغريب (الصراع) … وأقترح ان أقرأه … عكفت على القراءة ، فكان انطباعي عن المقدمة كأنها من (نيتشه) كتبها مباشرة بالعربية ” (المصدر السابق : 422) .

  كما جاء اهتمام مالك بفكر نيتشه من خلال بحثه في مسألة نشوء الحضارات وإفولها. فقد لاحظ ان نيتشه (ومعه ديستوفسكي) : قد ” تنبؤوا بانهيارها ” (فكرة الافريقية الاسيوية : 29) . أي انهيار الحضارات وخصوصا الحضارة الغربية هذا من طرف. ومن طرف اخر ان اهتمام مالك جاء عندما تناول مشكلة ” المفهومية ” . فقد استشهد على المكانة التي يحتلها تفكير نيتشه في الثقافة الالمانية ، ودوره في تحديد هوية الثقافة الالمانية . وهذا الجانب هو الاكثر اهمية في الفعل الثقافي النيتشوي . يقول مالك : ” في حالة المانيا تتحدد المفهومية من حيث هويتها مع الثقافة الالمانية ذاتها ، وهي ثقافة (الانسان الاعلى) ” عند نيتشه (القضايا الكبرى : 107) .

   وان اهتمام مالك بنيتشه وفكره جاء لاسباب ودواعي ، منها ان فكر نيتشه يمثل فكرا جديدا . فقد احتوى في داخله على بعد اجتماعي ، تجاوز خارطة اوربا وحمل في طياته طابع العبقرية الانسانية : ” فهذا هو العصر الذي أكتشفت فيه اوربا عامة ، والمانيا خاصة ، ثقافات اسيا على يد … نيتشه ” (مشكلة الثقافة : 29 – 28) . بعد ان تعرفت عليها من قبل على يد شوبنهور كما بينا سابقا .

 وكذلك حضرت عبارات نيتشه في الخطاب المالكي وذلك عندما تصدى لاحداث عام 1956 . حقيقة ان العبارات النيتشوية حسب فهم مالك ، قد صورت ما حدث بدقة معبرة : ” لقد سجلت 6 نوفمبر 1956 فعلا للانسانية ساعة الصفر في عهد جديد . اذ كانت هذه الليلة – حسب تعبير نيتشه هي ” نقطة الانقلاب ” في مجرى التاريخ . وكانت الحكومات العربية انذاك في لحظة حاسمة ” (فكرة الافريقية الاسيوية : 265).

  واخيرا لاحظ الباحث ان مالكا اهتم باللغة والاسلوب النيتشويين . فمن جهة اللغة كانت لغة نيتشه بسيطة . في حين تميز اسلوبه بالطراوة . وهكذا اعتمد نيتشه ، كما يرى مالك على ” تلك اللغة – البسيطة – حين وضع في اسلوبه طراوة الاسلوب التوراتي التي لا توجد في اسلوب اي فيلسوف غيره ” (من أجل التغيير : 58) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

حضور نماذج من الفلسفة الوجودية في خطاب مالك بن نبي

              حضور وجودية سارتر وكامو            

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  ما حجم حضور الفلسفة المعاصرة في الخطاب الثقافي الذي ولدته دائرة تفكير مالك بن نبي ؟ أولاً وقبل كل شئ لابد من القول إن دائرة تفكير مالك قد عرفت المدارس الفلسفية المعاصرة الأربعة الكبرى . وإنه عرف بشكل محدد بعض فلاسفة ومنظري هذه المدارس الفلسفية إختيارأ وإنتخاباً . وبذلك يمكن القول وبالإستشهاد إنه عرف وتعامل مع إطروحات الفلسفة الوجودية ، والماركسية ، والبراجماتية والوضعية المنطقية وفلسفة هنري برغسون .

  ولنبدأ بالوجودية ، فهي ليست مذهباً فلسفيأ واحداً . وإنما هي فلسفات وجودية متنوعة ، تجمعها سمات مشتركة . ونحسب على هذا الإساس ، إنها تتوزع في نزعتين :

الأولى – نزعة وجودية مؤمنة (أو وجودية مسيحية) ، يمثلها كل من ” سورين كيركيجورد ” (1855 – 1813) و ” كارل ياسبرز ” (1969 – 1883) و ” جبريل مارسيل ” (1973 – 1889) .

الثانية – نزعة وجودية هرطقية (تجديفية أكثر من كونها إلحادية) ، يمثلها ” مارتن هيدجر ” (1976 – 1889) و” جان بول سارتر ” (1980 – 1905)  و “سيمون دو بوفوار ” (1986 – 1908) . (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الخطاب الفلسفي التربوي الغربي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ص 194) .

 لقد شغلت الوجودية حيزاً ملحوظاً من تفكير مالك بن نبي . وكان حضورها في خطابه دليلاً معرفياً على إهتمامه بإطروحاتها الفلسفية . وخصوصاً الإستشهاد بها والإتكاء عليها حين عالج حقيقة المأزق الحضاري الفكري الذي تعيشه ” الروح الغربية ” التي هي إنموذج ثقافي للتعويض . غير إن هذا الإنموذج فشل فشلاً ذريعاً في سد الفجوة التي إنبعجت في جدار الحياة ، وفي البناء الفكري الغربيين .

 ونتساءل : كيف كان حضور الوجودية في الخطاب الثقافي المالكي ؟ جاء حضور الوجودية أثناء مناقشة مالك الازمة الحضارية التي يمر بها الغرب . وكشف بصورة واضحة ، إن الوجودية عجزت (كأنموذج ثقافي حضاري) عن تقديم حل لهذه الازمة الحضارية . ولهذا سجل الخطاب المالكي تحفظاً على مثابرة الوجودية ، سواءً أن تكون هي الحل أو ان تكون لها مشاركة في أطراف من حل الازمة الحضارية الغربية . كما إن مالكاً قد غسل يديه منها ، وإستبعدها من المساهمة في تأسيس قاعدة الإقلاع للنهضة العربية الإسلامية في القرن العشرين .

  حقيقة إن فشل الوجودية كان درامياً ، فبعد إن هشمت كل الأصنام الثقافية والأيديولوجية والروحية والفلسفية ورموز الإجتماع والإقتصاد والعسكر ، فإن بديلها الثقافي الحضاري لم يتعدي جلد الحضارة الغربية ، وظل ماكثاً ومدوياً في الصالونات الثقافية في الحي اللاتيني وسوهو . ولهذا جاءت إفادات مالك لتؤشر فشل الوجودية في إنجاز الحل الثقافي الحضاري لأزمة الحضارة الغربية ومن خلالها المأزق العالمي برمته . يقول مالك : ” لم تأت عملية التعويض كما ينتظر منها بالمبررات الجديدة فماذا يحدث عندئذ ؟ تحدث الازمة الخطيرة التي يعيشها العالم المتحضر اليوم ، فالعالم المتحضر اليوم ، يبدو إنه قد فشل في عملية التعويض ، سواء من الجانب الآدبي كمحاولة الوجودية مثلاً ” (مالك بن نبي ؛ دور المسلم ورسالته في الثلث الآخير من القرن العشرين : 23) . 

 وهنا نثير السؤال الآتي : إذاً فشلت الوجودية حقاً في تقديم الحل ؛ فهل أدرك مالك إن هذا التقويم للوجودية ينسحب كذلك على واحد من أهم مصادر الفكر الوجودي (بل إن تراجيديا حياته وفكره يجسدان تجربة وجودية رائدة في تاريخها) ، ونقصد بذلك فلسفة نيتشه ؟ إن ما كتبناه سابقاً قد أوضح بجلاء إن نيتشه وفلسفته قد شغلا مكانة متميزة في مشروع الإستقلال الثقافي عند مالك بن نبي . وهذا إشكال فكري ، يتطلب إجراء دراسة مستقلة ، تعتمد منهجاً مقارناً ، يبحث في إمكانية أو عدم إمكانية الوجودية عامة  والنيتشوية خاصة في المشاركة في تأسيس قاعدة إقلاع نهضة ثقافية عربية إسلامية . ولعل هدفها الأول هو إنجاز مشروع الإستقلال الثقافي العربي الإسلامي ، وعلى صورة مشروع الإستقلال النيتشوي للثقافة الآلمانية .

  ونلحظ إن الوجودية لم تكن حاضرة بكل مفاصلها في الخطاب الثقافي المالكي . كما إن مالكاً لم يستند إليها بصورة شاملة . خصوصاً في مناقشته لأية قضية ثقافية أو حضارية. وإنما جاء الحضور إختياراً ، والإفادة إنتخاباً ، فقد إقتصرت على بعض الأسماء من فلاسفة الوجودية ، منهم : سارتر ، كامو (1960 – 1913) ، ميرلوبونتي (1961 – 1908) ، ياسبرز ، وكولن ويلسون (لازال حياً – 1931)  .

   سجلت مواقف سارتر من القضايا العربية حضوراً غالباً ومرجحاً على مجمل فلاسفة الوجودية في الخطاب الثقافي المالكي . وسارتر من الزاوية الفلسفية والثقافية ، ترك آثاراً ملحوظة في تاريخ الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين . وخصوصاً على الفلسفتين : الوجودية والماركسية . وقد منح جائزة نوبل للآداب في العام 1964 . إلا أنه رفض إستلامها إحتجاجاً . قرأ مبكراً فلسفة الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1941 – 1859) . ومن ثم درس الفلسفة وحصل على درجة الدكتوراه فيها . تأثر تفكير سارتر الفلسفي بالعديد من الإتجاهات الفلسفية الغربية . فمثلاً تشرب العديد من أفكار الفيلسوف الإلماني عمانوئيل كانط (1804 – 1724) . وتأثر بهيجل ( 1831 – 1770) وكيركيجورد ، وهوسرل ( 1938 – 1859) ، وهيدجر .

  كتب سارتر الكثير من الروائع الفلسفية والروايات والمسرحيات والدراسات النقدية . نذكر منها على سبيل الإستشهاد : الخيال ؛ نقد سيكولوجي (نشر عام 1936) ، تعالي الذات (نشرت عام 1937) ، ثم نشر روايته الشهيرة الغثيان التي تحسب أول رواية غربية حديثة (نشرت عام 1938) والتي رشحته للحصول على جائزة نوبل . وفي االعام 1939 نشر رائعته الجدار وكتابه المعنون : مقالات في نظرية الإنفعالات . وطبع له في 1943 مسرحيته الشهيرة الذباب والتي ركز فيها على نهجه التجديفي ( وليس الإلحادي)

ورائعته الفلسفية الوجود والعدم . ومن ثم نشر عصر العقل (العام 1945) وتلاها كتابه الوجودية نزعة إنسانية (عام 1946) وطبع له رائعته النقدية بودلير (عام 1946) . ومن ثم نشر : ما هو الأدب (عام 1947) وتلتها أورفيوس الأسود (عام 1948) وتبعتها : الشيطان ورب الخير (العام 1951) وغيرها كثير .

  لقد أثارت مواقف الفيلسوف الوجودي سارتر ، إشكالية كبيرة في عالم السياسة في المنطقة العربية ، وذلك لأن أصحاب مواقع القرار ، كانوا يطمحون في الحصول على تأييد قلم فيلسوف غربي كبير مثل سارتر ، خصوصاً وهم في مرحلة قيادة الجمهور . إلا إن هذا الفيلسوف حمل بمواقفه المتقلبة خيبة أمل لهذا الرهط من أزلام السياسة ، ومعهم قارعي طبول الثقافة الرسمية . وذلك لأن فيلسوفاً مثل سارتر لايعرف الإستقرار في الرأي ، والثبات في المواقف والصيغ الفكرية الجامدة … فهو فيلسوف المواقف المتحركة التي تتلون بأطياف عدة ، إنها فلسفة التنوع والإختلاف ، وفيها إمكانية الإنتقال إلى مواقف الآخر والحوار معها ، وحتى تبادل الأفكار معها ، ومن ثم ضمها في بناء هارموني جديد . ولعل تصريحاته حول الصراع العربي الإسرائيلي مثالاً دالاً . وكذلك مشروعه الفلسفي في التصالح بين الوجودية والماركسية الذي حمله كتابه الشهير المعنون : نقد العقل الديالكتيكي (نشر في العام 1960) ، ومن ثم مقالاته النقدية والتي نشرت تحت عنوان : مشكلات الماركسية (ظهر المجلد الأول عام 1966 ، وظهر المجلد الثاني عام 1967) . مثالاً سارترياً آخراً على التقلب الفكري وعدم الركود عند عتبات قوالب فكرية مقدسة .

  إن موقفاً سارترياً مثل هذا لا يرضي العقلية السياسية في المنطقة العربية ، التي لا تعرف من أطياف المواقف إلا الأبيض والأسود . ولذلك نلحظ أن قلم مالك كان مرهوناً بإشتراطات الفكر السياسي في المنطقة ، ومن ثم كتب إفاداته في هذه القضية وهو يعمل تحت أجواء مشروطة بظروفها السياسية المناطقية يومذاك . فأفاد معلناً : ” ألم يكن من غير اللائق كذلك كل هذا الهرج والمرج حول شخص ” جان بول سارتر ” لدى زيارته لجامعة عربية أخرى ، خاصة إذا ما تذكرنا إن كاتباً عربياً وضع نفسه تحت تصرف الدولة ذاتها (في حالة الإعتداء) وذلك قبل الإعتداء الإسرائيلي بشهر واحد ” ( مالك بن نبي ؛ من أجل التغيير : 82 – 83) .

  حقيقة إن الموقف العربي على العموم ، وموقف مالك على وجه الخصوص يختلفان في الطبيعة والتكوين عن الإطار الغربي والمفهوم السارتري . فمثلاً في هذه القضية رأينا إن الموقف العربي ومن ضمنه الموقف المالكي ، يحاكمان الإطروحة السارترية من زاوية دائرة الإخلاقيات التي لا ترى إلا طيفين فقط : أسود وأبيض . في حين إن  أحكام العقل الغربي ومن ضمنه المفهوم السارتري على خلاف ذلك ، فهما يستندان إلى مرجعية الجماليات التي تتعامل مع الإطياف اللونية المتنوعة .

 ونتساءل : كيف تعامل الخطاب الثقافي المالكي مع نتاج الفيلسوف والروائي الوجودي ألبير كامو ؟ سؤال يتطلب مهاداً فكرياً يلقي بعض الضوء على نشاطاته الفلسفية والثقافية . ولد وعاش في الجزائر، وفي أجواء عائلة فقيرة ، الوالد كان فلاحاً فرنسياً توفي في الحرب العالمية الأولى . والوالدة كانت من أصول أسبانية . كان كامو يعاني من إعتلال صحي طويل تطور إلى شكل من مرض السل الذي عوق متابعة دراسته في المدرسة الثانوية والجامعية مرات عدة . ومن ثم تخرج من الثانوية ، وألتحق بجامعة الجزائر . و حصل في العام 1935 على درجة البكلوريوس في الفلسفة . وفي العام 1946 حصل على  ما يعادل درجة الماجستير . وكان عنوان رسالته : الفيلسوف إفلوطين ( وهو من فلاسفة الإفلاطونية الجديدة التي أسسها الفيلسوف الإسكندري أمونيوس ساكس) .

   يصنف كامو من زاوية الدراسات الغربية ، على إنه فيلسوف جزائري فرنسي . حصل على جائزة نوبل للآداب في العام 1957 . أي قبل أن يمنح سارتر هذه الجائزة بثلاث سنوات ، مما يقال إنها سببت الكثير من التوتر السيكولوجي لسارتر وتركت أثراً على علاقتهما مداً وجزراً . مات كامو بعد سنتين من حصوله على جائزة نوبل . ومن المفيد أن نذكر إلى أن كامو أنضم إلى صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي ومن ثم قطع علاقاته به بعد أن تم الإعلان عن تأسيس الحزب الشيوعي الجزائري مما سبب الكثير من التوتر مع رفاقه القدماء .

 كما أن من المدهش للقارئ ، أن نشير إلى أن كامو رفض في مقابلة معه في أن يصنف ” فيلسوفاً وجودياً ” ورد على ذلك قائلاً : ” كلا أنا لست وجودياً ، سارتر وأنا نستغرب دائماً من هذا الربط  لنا ” . وكذلك عرف عن كامو في تأسيس ما أصبح يسمى بفلسفة السخف ، وفعلا أشار في كتابه : المتمرد ، إلى أن مجمل حياته قد ركزت على معارضة فلسفة العدم ، وبالمقابل حفر بعمق في مضمار الحرية الفردية.

  نشر كامو رائعتيه الغريب وإسطورة سيزيف في العام 1942 . ومن ثم طبعت له مسرحيته المعنونة سوء فهم (نشرت في العام 1944) ، وكتابه إزمة الإنسان (نشر عام 1946) ومن ثم جاءت رائعته الطاعون (نشرت عام 1947) ، وتلاها في العام 1948 نشر مسرحيته الحصار ، ومن ثم طبع المتمرد في العام 1951 ، وفي العام 1956 نشر له عملان : الأول التراجيديا اليونانية القديمة ، و السقوط  وغيرها من الأعمال التي نشرت بعد وفاته . 

  أن أولى الإفادات التي كتبها مالك عن كامو ، جاءت في كتابه : مذكرات شاهد القرن . فقد أشار إلى كتابه : ” إسطورة سيزيف ” (مذكرات : 256) . والحقيقة إن هذه الإفادة تمنحنا فرصة للقول بأن مالكاً قد قرأ هذه الرواية ذات الجذور اليونانية بتوظيف كامو الفلسفي ، في وقت مبكر من حياته . أو ربما قرأ عرضاً لها في إحدى المجلات الثقافية الفرنسية التي كان مالك مواكباً على قراءتها يومذاك .

  وجاء حضور كامو في الخطاب الثقافي المالكي ، حين ناقش مالك مسألة التبادل الثقافي بين ضمائر الشرق وضمائر الغرب . وما ترتب على ذلك من حصيلة فكرية تمثلت بإنتفاع الطرفين . يقول مالك معلقاً : ” فإذا قال رجل الغرب في بعض الظروف الدرامية على لسان كامو .. : إن قوة القلب وقوة الفكر والشجاعة تكفي لإيقاف القدر عند حده ” (فكرة الإفريقية الإسيوية : 257) .

  ويعقب مالك على هذه الإطروحة الكاموية ، فيرى إنه من الممكن تعميقها وإعادة وضعها في المكان المناسب وذلك من خلال الإفادة من تجربة المسلم البسيط  . إذ أن المسلم البسيط بمنظار مالك قادر على أن يعلم فيلسوف الوجودية ” إن كفاح الإنسان لا يكون بطولياً ومخصباً ضد القدر … “. واعتقد إن هذه القدرية في أبسط صورها ” عند المسلمين من شأنها أن تخصب ذاتية كامو ” . (المصدر السابق) .

  كما وأكتشف مالك في الوقت ذاته ، إلى إن في التجربة الوجودية التي عاشها كامو ، وكتب عنها ، فيها ما يثري تجربة المسلم . فقد لاحظ إن كامو في فكرته عن ” الإنسان والتاريخ ” قد عرضت درساً نافعاً في مضمار التبادل الثقافي . إن ذلك الدرس جاء في عبارة كامو المنقولة في خطاب مالك القائل : ” إن مهمة رجال الثقافة والعقيدة ليست في أن يخونوا الصراع البطولي ، ولا أن يخدموه فيما يلازمه من قساوة ومجافاة للإنسانية ” إنه درس كاموي يزود المسلم ” بثروة ذاتية أخرى ” ( المصدر السابق) .

  على كل إنه حوار بين تجربيتين وإفادة وتبادل ثقافي بين درسين : درس الغرب ممثلاً بتجربة كامو ، والدرس الإسلامي من طرف . كما إنه من طرف أخر ، حمل صورة حوار وتبادل ثقافي بين التجربة الثقافية الغربية عامة والكاموية خاصة والتجربة الثقافية التي عاشها المفكر المسلم مالك بن نبي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(8)    

حضور وجودية ميرلوبونتي في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   تناول الجزء الأول من مقالنا حضور إنموذجين أثنين من فلاسفة الوجودية الفرنسيين في الخطاب الثقافي المالكي : سارتر وكامو . وكلاهما كانا من رموز المدرسة الوجودية الثانية التي أسميناها بالوجودية الهرطقية التجديفية (وليست الإلحادية) . وفي هذا المقال والمقال الثالث ، نكمل رحلتنا الفكرية مع ثلاثة نماذج أخرى من فلاسفة الوجودية ، وهما ” ميرلوبونتي ” ، و ”  كارل ياسبرز ” ، و ” كولن ولسون ” .

 ونتساءل : ما حجم حضور الإطروحة الفكرية التي ولدتها دائرة تفكيرالفيلسوف الوجودي : ” ميرلوبونتي ”  في الخطاب الثقافي المالكي؟ 

  يعد الفيلسوف الظاهراتي – الوجودي ” موريس ميرلوبونتي ” رمزاً ثقافياً فرنسياً متفرداً . بدأ حياته طفلاً يتيماً ، فقد مات والده (في العام 1913) ، أي بعد خمس سنوات من ولادته . أكمل دراسته الإعدادية ، ومن ثم أنخرط في الجامعة . وكان زميلاً في دراسته للفلسفة في الجامعة ، لكل من سارتر وسيمون دي بوفوار . وحصل على الإجازة في الفلسفة في العام 1930 ، وأصبح معلماً في الجارتر ، ومن ثم محاضراً في الكلية التي منحته الدكتوراه .

   كانت إطروحته في الدكتوراه أصولاً لإول كتابين طبعتهما له دور النشر الفرنسية : الأول – تركيب السلوك (نشر عام 1942) . والثاني – ظاهراتية الحس (نشر عام 1945) . ومن ثم حاضر في جامعة ليون ، وبعد ذلك حاضر في السوربون في مادتي علم النفس والتربية . وأصبح رئيساً لقسم الفلسفة في الكلية الفرنسية و ظل فيها حتى وفاته في العام 1961 .

  ولعل من المفيد أن نشير إلى أن ميرلوبونتي قد تأثر بشكل كبير بماركس ، أدموند هوسرل ، مارتن هيدجر ، ومن ثم فيردينناد سوسر (1913 – 1857) . كما إنه أرتبط لفترة طويلة بسارتر وسيمون دي بوفوار . وحاول ميرلوبونتي الإستمرار في الحوار بين الظاهراتية وعلم النفس وذلك لإهتمامه المركز على دراسة ظاهرة إكتساب اللغة عند الطفل . وقد إستفاد ميرلوبونتي في دراسته من مساهمات فيردنناد سوسر في علم اللغة (اللنكوستيك) .

    لاحظ الدارسون أن هناك فارقاً بين ظاهراتية ميرلوبونتي وظاهراتية سارتر . كما وقد شاع في الأوساط الثقافية يومذاك إلى إن كتاب ميرلوبونتي المعنون  ” الإنسانية والرعب ” (نشر عام 1947) والذي إنتقد فيه الأنظمة الشيوعية ، قد ترك أثاراً قوية على سارتر . وفعلاً فقد ذكر سارتر في أواخر أيامه إلى إنه تحول إلى الماركسية بتأثير ميرلوبونتي . ولكن صداقة ميرلوبونتي الطويلة مع سارتر لم تستمر ، فقد أنفرط عقدها وذلك بسبب خلاف نشب بينهما . مما أدي إلى إنقسام حاد في صف الفلاسفة الوجوديين . فمثلاً وقفت سيمون دي بوفوار بجانب سارتر رغم الأثر الذي تركه ميرلوبونتي على منظومة تفكيرها  ، في حين ساند آخرون ميرلوبونتي .

   و نحسب أن وقوف سيمون بجانب سارتر ليس لخلاف فكري مع ميرلوبونتي المؤازر للحركة النسوية (الفمنست) الفرنسية  ، والتي إستبطنت قياداتها النسوية الكثير من أفكاره الفلسفية والنفسية  ، وسيمون واحدة من منظري الحركة النسوية . إن وقوف سيمون جاء إنحيازاً لعلاقتها الروحية الحميمة مع سارتر على حساب جلدها النسوي الذي تقوى بإطروحات ميرلوبونتي .

  من مؤلفاته : المعنى واللا معنى (نشر عام 1948) ، الوعي وإكتساب اللغة (نشر 1950) ، في مدح الفلسفة (نشر عام 1953) ، مغامرات الديالكتيك (نشر عام 1955)، الظاهراتية وعلوم الإنسان (نشر عام 1958) ، الإشارات (نشر عام 1960) ، العين والعقل (نشر عام 1961) ، المرئي واللا مرئي (نشر عام 1964) . (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الماركسية في الفلسفة الوجودية : 6) .

  تناول مالك فكرة ” التعايش ” عند الفيلسوف الوجودي ميرلوبونتي  بالدرس والتأمل ، و دقق فيها من زوايا نظر مختلفة . ومن ثم قيم الفكرة ، وبين إمكانية الإفادة منها . ولهذا رأى مالك إن فكرة التعايش ، هي فكرة بالغة الأهمية وذلك من حيث إنها متحررة ” من القيود ، ومن العبودية ، ومن الغموض السياسي ” . وأن ميرلوبونتي حسب الرؤية المالكية ، لم يقف عند هذا الحد ، وإنما ثابر على توضيحها أمام العقل ” ومنحها إتصالاً أكثر بالحياة وإنطباقاً أكثر على ظروف التاريخ الواقعية ” (مالك بن نبي ؛ فكرة الأفريقية الأسيوية : 187) .

   ويحسب الكاتب أن مصادر مالك المعرفية ، التي عرفته بميرلوبونتي وفكرته في التعايش ، قد جاءت أما من خلال القراءة المباشرة  لكتاب ميرلوبونتي ” الإنسانية والرعب ” ، والذي يرجح إن مالكاً قرأه بنشرته الصادرة باللغة الفرنسية ، أو ربما جاءت بصورة غير مباشرة وذلك من خلال قراءة مالك لمراجعات نقدية عن الكتاب في إحدى المجلات الثقافية الفرنسية المتخصصة  يومذاك .

   كما وإستند مالك إلى منظومة أفكار الوجودي ميرلوبونتي ، أثناء سعيه إلى بلورة إطار مرجعي لفكرة ” الحياد ” . والبداية كانت مناقشة مالكية للمفهوم الغربي الضابط لحدود ” المناطق ” الخارجة من نطاق ساحات الصراع والتحارب . ومن ثم بيان للدور الذي  لعبه مفهوم ” التعايش ” في مضامين هذه المرجعية الميرلوبونتية ذات النكهة والمشارب الوجودية ، مع إنبهار مالكي للطريقة التي دغدغ فيها مفهوم التعايش ذهن الفيلسوف ميرلوبونتي ، والذي أسهم من طرفه حسب الرؤية المالكية ، إلى إثراء مفهوم ” الحياد ” .

   ولكن للحقيقة نقول أن فكرة الحياد الميرلوبونتية ، ليست هي فكرة بريئة خالصة من الزاوية الموضوعية ،وليست هي فكرة جاهزة للإستعمال بعيداً عن منبتها الأوربي، وهنا نؤكد بشدة على منبتها الأوربي . وذلك لكونها فكرة متولدة من ظروف الذهنية الأوربية المشروطة بأجواء التحالفات التي إفترضتها الحرب الباردة هذا طرف . كما وإنها من طرف أخر هي عصارة العقلية الوجودية الأوربية التي مثلتها ذهنية ميرلوبونتي ومؤلفاته إنموذجاً . 

  وهنا نقترح العودة إلى الإفادات المالكية ، نستفتيها بهدف البحث عن الأثر الذي تركه ميرلوبونتي في الصياغة المالكية لمفهوم الحياد . ومن ثم التطلع من خلالها إلى معرفة حجم الحضور لمنظومة أفكار الفيلسوف الوجودي في الإطار المرجعي المالكي لفكرة الحياد . خصوصاً أفكاره التي تدور في نطاق : ” عدم العنف ” ، ” التعايش ” ، ” الطريق الوسط ” ، ” سياسة المغازلة والسلاح المسلح ” و ” عدم إخضاع بعض المناطق ” . إن كل ذلك جاء في الإفادة المالكية التي نقلت حزمة أفكار ميرلوبونتي ، والتي ذهبت معلنة صراحة إلى التأكيد على ” إن فكرة الفيلسوف تقطع عرضاً خط نشاط فكرة ” عدم العنف ” في معناها السياسي في صورة تيار حيادي ، فأن ميرلوبونتي يقدر … إن التعايش في مرحلته الأولى .. يقوم أو يجب أن يقوم في منتصف الطريق بين المغازلة والسلاح المسلح .” (مالك بن نبي : المصدر السابق)

  لقد أدركت الإفادات المالكية بصورة واضحة مقدار الثراء الذي جلبته فكرة التعايش الميرلوبونتية إلى مفهوم الحياد . إلا إن من الملاحظ على منظومة أفكار الفيلسوف الوجودي ، إنها لم تقتصر على فكرة التعايش ومفهوم الحياد ، وإنما إشترطت نوعين من المناطق : مناطق تحت السيطرة ومناطق غير خاضعة للسيطرة . وفي ضوء توزيع العالم تحت مظلة جبارين (مناطق سيطرة المتخاصمين) ودول تقع خارج نطاق سيطرة الجبارين (مناطق غير خاضعة للسيطرة) نلحظ إن عمل فكرة التعايش يستقيم ويتناغم مع مفهوم الحياد حسب المنظور الميرلوبونتي .

   ونحسب عند عتبات هذا المنظور الميرلوبونتي الخصب ، خفق قلب المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، مؤيداً الفيلسوف الوجودي في إشتراطه لإنجاز فكرة التعايش ورفع راية الحياد . يقول مالك : ” وإنه لن يوجد ( تعايش ومن ثم حياد) إلا إذا كان بين المتخاصمين مناطق يلتزمون بعدم السيطرة عليها . وهكذا نرى ان موضوع التعايش يثري بوضوح لدى الفيلسوف من وجهة نظر حيادية لأن الخصوم لن يلتزموا بعدم إخضاع بعض المناطق ” (مالك بن نبي : المصدر السابق) .

  وإستثمرت دائرة تفكير مالك مرة أخرى ، إطروحات الوجودي ميرلوبونتي ، المبثوثة في كتابه المعنون ” مغامرات المادية الجدلية ” حسب الإفادات المالكية ، والعنوان الدقيق إعتماداً على قائمة كتب ميرلوبونتي ، وحسب عنوان الترجمة الإنكليزية  ، جاء بعنوان “مغامرات الديالكتيك” ، وهو بحث في الديالكتيك طريقة ومنهجاً ، والذي صدرفي لندن في العام 1973 وبترجمة جوزيف بين .

   إن النشرة الإنكليزية تؤكد على إن الكتاب مغامرة في الديالكتيك ، وليس في المادية التاريخية . ومغامرة ميرلوبونتي في هذا الكتاب هي في الحقيقة قراءة نقدية لرحلة الطريقة الديالكتيكية (ونشدد هنا على الطريقة الديالكتيكية وليست المادية الديالكتيكية) ، بدءً بفيلسوف الديالكتيك هيجل ، وماركس وماكس فايبر ، لوكاش ولينين ، وإنتهاءً بسارتر. وإن مغامرات الديالكتيك ، في التقويم الأخير ، هو كتاب معقد وذلك بسبب العينات التي درسها ، والتحقيقات التي أنجزها ، والمقدمات الفلسفية والتحليلية التي قدمها (ميرلوبونتي ، مغامرات الديالكتيك ، النشرة الإنكليزية ، ص 3).

  حقيقة إن الفكرة المهمة التي أكد عليها ميرلوبونتي في مغامرة الديالكتيك ، هو إن الماركسية (وليست الشيوعية) قد حققت نجاحات باهرة معروفة للجميع ، ولكنها أصبحت أقل تجريبية و أكثر تجريدية . كما إنتهت مغامرة الديالكتيك مع سارتر إلى نوع من ” السحر ” . وأخيراً حسب إعتقاد ميرلوبونتي تحول الديالكتيك إلى مستحث (المستحث : بقايا حيوان أو نبات متحجرة في طبقات الأرض) مطمور في الإنطولوجيا (المصدر السابق ، ص 204) . 

  بعد هذا المهاد الضروري النافع للقارئ العربي عن حقيقة كتاب ميرلوبونتي ، والذي أسماه مالك ” مغامرات المادية الجدلية .. ” . نعود إلى دائرة الإستثمار المالكي من رصيد الإطروحة الميرلوبونتية الواردة في كتاب مغامرات . أول ما نود الإشارة إليه ، إن الإستثمار المالكي تمثل في صورة دروس مستنبطة من قراءة المغامرات . فمثلاً جاء الدرس  المالكي ليبين إنزلاق الشيوعية من ” قيمة الفكرة إلى قيمة العمل ” ، وكشف  للنتيجة الدرامية  التي إنتهى إليها درب النضال الشيوعي  . والتي تتوجت بتقارب درامي مكشوف بين الأيديولوجيا الشيوعية والأيدلوجيا البرجوازية خصوصاً في المرحلة الستالينية .

   ولهذا ذهبت إفادات مالك واصفة هذا التقارب ، ومن خلال استبطان معرفي لكتاب المغامرات ، مؤكدة على ” أن الفكرة الشيوعية تنزلق ، تحت وطأة تجربتها التاريخية من قيمة الفكرة إلى قيمة العمل . ولعل هذا الإنزلاق الذي كان نتيجة الإنتقال من اللينينية إلى الستالينية ، وهي المرحلة التي سجلت ذروة الإنفصال بين الشرق والغرب ، و .. هذا الإنزلاق يكون السبب البعيد الذي يهئ الطريق للتقارب بين الشيوعية والتفكير الأنجلوسكسوني في مجال القيم العملية ، لأنه يوفق بين المذهب والتقاليد البرجوازية ” (مالك بن نبي : المصدر السابق ، ص 213) .

  وخلاصة الموقف المالكي من الإطروحة الميرلوبونتية ، تمثل في إستثمار إيجابي منتج لإفكار التعايش والحياد ، وإمكانية تحرير وفك إرتباط بلدان محور طنجة – جاكرتا من نطاق التكتلات الأيديولوجية التي أنتجتها الذهنية الأستعمارية بطرفيها الشيوعي والبرجوازي. كما وتمثل الإستثمار في إشكال منهجي يدور حول حقيقة كتاب   ” مغامرات الديالكتيك ” في نشرته الإنكليزية ، وكتاب ميرلوبونتي حسب الإفادة المالكية ” مغامرات المادية الجدلية .. ” هذا طرف . والطرف الآخر من الإشكال في الإستثمار المالكي للأفكار الميرلوبونتية ، هو نسبتها إلى كتاب ” مغامرات المادية الجدلية .. ” .

  ونحسب إن أفكار مغامرات المادية الجدلية ..  كما ورد في الإفادات المالكية ، هي في حقيقتها أراء ممزوجة ومستبطنة من كتاب ميرلوبونتي ” الإنسانية والرعب ” والذي ظهر لأول مرة في نشرته الفرنسية في العام 1947. ومن ثم ترجم ونشر في الإنكليزية في بوسطن في العام 1969 وبترجمة جون أونيل . والكتاب جاء إستجابة ورد فعل في جزء منه على كتاب آرثر كوستلر المعنون ” ظلام في الظهيرة ” .

     وأخيراً إن كتاب الأنسانية والرعب الذي أمتزج في ذهنية مالك بكتاب مغامرات المادية الجدلية ، يعد دراسة هدفت إلى فهم العنف المصاحب للشيوعية ، وتدقيق في قرارات محاكم موسكو في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين . كما إنه يحمل مناقشة ميرلوبونتية للحجة القائلة : إن العنف في العالم الشيوعي يمكن فهمه في إطار النشاطات الثورية .. (من مقدمة المترجم جون أونيل للنشرة الإنكليزية لكتاب الإنسانية والرعب) .

كما وكشف النقد الميرلوبونتي للإنظمة الشيوعية ، خصوصاً النمط الستاليني الذي ذكره مالك في أثناء حديثه عن كتاب مغامرات المادية الجدلية ، عن وفاء ميرلوبونتي للمنهج الظاهراتي الذي أرسى قواعده الفيلسوف الألماني هوسرل ، والذي كان ميرلوبونتي واحداً من حواريه الأوفياء .

   إن هذا المقال شاهد أخر يدلل على سعة قراءات المفكر الإسلامي مالك بن نبي للإتجاهات الفلسفية الغربية عامة والنزعات الفلسفية الوجودية في مشاربها المتنوعة خاصة . وهذا النوع من الحوار الثقافي مع منتوج الثقافة الغربية ، هو ما تحتاج إليه دارنا الثقافية ، في مجابهة دعوات الظلام والإنغلاق التي تسود منطقتنا العربية الإسلامية  في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين .

   لقد عمل مالك بكل جد و حاور ثقافة الآخر دون خوف أو عقدة نقص ، وهكذا كان نداً ثقافياً قوياً ، ورمزاً معرفياً راقياً ، لا يعرف التعصب والإنغلاق ، يعترف بالحق من أي معسكر جاء ، ويصحح الباطل وإن ورد من معسكر الإخوة ورفاق الدرب. فقد كان سراج مالك الوحيد الذي يرى العالم فيه ، ويمحص بعونه قضايا الخلاف الفكري والعقيدي ، روح مدنية ذات رحاب واسعة متسورة بقيم الإسلام الإنسانية ، وعقل علمي منفتح ، يتقوى بعقيدته الإسلامية السمحاء .  فرحم الله مالكاً وطيب ثراه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

حضور وجودية كارل ياسبرز وكولن ويلسون

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  نتاول في هذا المحور الجزء الأخير من حضور نماذج من الفلسفة الوجودية في الخطاب الذي ولدته دائرة تفكير المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي  . ونركز في هذا المحور على معرفة حجم حضور فلسفة كل من الوجوديين : الألماني كارل ياسبرز ، والإنكليزي كولن ويلسون . والبداية كانت تساؤلاً : ما حجم حضور فلسفة ياسبرز في الخطاب الذي كتبه المفكر الإسلامي مالك بن نبي ؟

  إن أول ما نود أن نشير إليه ، هو إن هناك تشابها عاماً بين توجهات مالك بن نبي وتوجهات الوجودي كارل ياسبرز . فمالك ذهب إلى فرنسا وتخصص في هندسة اللاسلكي . في حين تخصص ياسبرز في الطب النفسي في جامعة هيدلبيرك . تخلى مالك عن هندسة اللاسلكي وأمتهن الكتابة في مضمار الحضارة وشؤون الوضع العربي الإسلامي وأبدع فيهما فكراً وكتابة . وتخلى كارل ياسبرز عن العمل الكلينكي في  مستشفى الأمراض العقلية ، وتحول إلى أكاديمي يحاضر في علم النفس ومن ثم إنتقل إلى مضمار الفلسفة وأمتهن الكتابة فيها وكان علماً في وجوديته ذات المشارب الدينية المستبطنة لمزيج لاهوتي مسيحي بوذي .

   بدأ كارل ثيودور ياسبرز حياته المهنية طبيباً نفسياً ، و تحول إلى علم النفس الذي قاده في المهاد الأخير إلى مضمار الفلسفة . ولد الطفل كارل في 23 شباط 1883 في مدينة أولدنبيرك الألمانية . عاش في أحضان عائلة تميزت بأسلوب حياتها  الذي يتطلع إلى بساطة الريف الألماني من طرف .  وتنوع ودرجات التعقيد في طوابق مجتمع المدينة من طرف آخر .  فالوالدة كانت من أصول فلاحية ، والوالد كان رجل قانون .

  أظهر كارل ياسبرز ميلاً مبكراً نحو الفلسفة . إلا إن والده أثر على خياراته الجامعية ، ففضل له دراسة القانون . وحالاً أكتشف ياسبرز ، إنه لا يحب إكمال دراسته الجامعية في القانون ، فتحول إلى دراسة الطب ، ومن ثم أنجز إطروحته وتخرج من كلية الطب في العام 1909 . وعمل في مستشفى الأمراض العقلية في هيدلبيرك ، وهو المكان الذي ضمه مع آميل كريبلين (1926 – 1856) الذي يعد المؤسس العلمي للطب النفسي المعاصر . فقد كان يعتقد بأن الأمراض العقلية في حقيقتها ، هي أمراض بايولوجية سببها الجينات .

  وإمتعض ياسبرز من الطريقة التي يستخدمها الأطباء في علاج الأمراض العقلية . ولذلك ترك العمل في العيادة الطبية ولم يعد إليها أبدا ، وذلك بعد حصوله على وظيفة تدريس مؤقتة لمادة علم النفس في جامعة هيدلبيرك  . غير إن نجاحه المتميز حمل الجامعة على أن تكافأه بوظيفة عمل تدريسي دائم . وبعد سنوات من العمل الجامعي وبالتحديد بعد إن ناهز الأربعين من عمره ، تحول من علم النفس إلى الفلسفة وذلك لإشتغاله على موضوعات قاربت بين علم النفس والفلسفة . ومن ثم أصبح فيلسوفاً مجدداً ، فنال الإحترام في الأوساط الفلسفية في ألمانيا خاصة وأوربا عامة . وعانى ياسبرز الكثير فترة الحكم النازي ، ففقد عمله الجامعي وصدر حظر على نشر مؤلفاته في المطابع الألمانية . وبعد هزيمة ألمانيا وبالتحديد في العام 1948 تحول للتدريس في جامعة باسيل في سويسرا .  وظل نشطاً في المضمار الفلسفي وحتى وفاته في باسيل في العام 1969.

   ومن المفيد أن نذكر للقارئ بأن دائرة تفكير مالك بن نبي قد إستثمرت مجموعة أفكار تولدت من الحوار الذي أجراه الفيلسوف الوجودي بين البوذية واللاهوت المسيحي وخصوصاً التوظيف الذي قام به المفكر الباكستاني المجدد ” محمد إقبال ” (1938 – 1877 صاحب كتاب : تجديد الفكر الديني في الإسلام) ، والتي أصبحت تعرف في الإفادات المالكية ، بقضية الدين المحوري . (مالك بن نبي : فكرة الأفريقية الأسيوية : ص223) . وهي القضية التي سيعالجها مالك بمنحى إيجابي منتج .

   نشر ياسبرز في عام 1910 أول أبحاثه في مضمار الطب النفسي ، وكان بعنوان ” الرعب ” ومن ثم طبع له في العام 1913 كتابه ” الأمراض النفسية  السايكو باثولوجيا ” ، ويتألف من مجلدين ، والذي تحول  إلى عمل كلاسيكي في مضمار أدب الطب النفسي . وقد قام بترجمته مؤخراً كل من مارتن وهملتن وطبعته جامعة هوبكنز في أمريكا . أما في مضمار الفلسفة ، فيرى الدارسون إن كتاباته إرتبطت بالفلسفة الوجودية . وفعلاً فقد نشر كتابه المعنون “في الفلسفة” والذي يتكون من ثلاث مجلدات وطبع في العام 1932 . وظهرت له بعد الحرب بعض المؤلفات المختصرة مثل ” الحقيقة ” والذي لم تظهر له ترجمة إنكليزية . وكتاب أخر جاء بعنوان ” الفلسفة لكل الناس ” . ومن ثم جاء كتابه ” أصل وهدف التاريخ ” الذي ظهر إلى النور في العام 1953 والذي قام بترجمته إلى الإنكليزية مايكل بولوك وطبعته جامعة ييل .  ومن ثم تلاه في العام 1955 كتابه المعنون ” العقل والوجود ” والذي طبع في نيويورك وبترجمة ويليم أيرل  .

   وغالباً ما يقارن الدارسون بين ياسبرز والوجودي مارتن هيدجر ، ويحسبون إن كلاهما سعى إلى إستكشاف الوجود . وكانا صديقان لفترة من الزمن . إلا إن صداقتهما قد أصابها الفتور البارد وذلك بسبب إرتباط هيدجر بالحزب النازي . ولكن هناك من يرى أن الفتور جاء تتويجاً للإختلافات الفلسفية بينهما . 

 ومن النافع ان نشير هنا إلى إهتمام مالك بن نبي بالمشروع الذي إشتغل عليه الفيلسوف الوجودي ياسبرز في مرحلة من نشاطاته الفكرية ، يعود إلى الفترة التي أخذ فيها تفكير ياسبرز بالعمل على عقد مقاربة بين لاهوت المسيحية والفلسفات الشرقية وخصوصاً البوذية . وبالفعل طور ياسبرز مفهوم ” العصر المحوري ” والذي شهد تطورات في مضماري الفلسفة والدين . إن إهتمام مالك جاء اثناء مناقشة أراء المفكر والشاعر الباكستاني التجديدي ” محمد أقبال ” وهو ” يحاور الفيلسوف الوجودي ياسبرز ” (مالك بن نبي : المصدر السابق) .

  لقد بين مالك معالم طريق الإفادة التي إعتمدها ” إقبال ” وهو يحاور الفيلسوف الوجودي ياسبرز وخصوصاً في مضمار ” القومية المسلحة ” . يقول مالك : ” فإقبال على هذا قد أقتبس موضوعاً غريباً ، ولكنه خلع عليه ثوباً دينياً . فلقد كان يريد قومية مسلحة ” (مالك بن نبي : المصدر السابق). والحقيقة إن محمد إقبال تطلع إلى إستثمار فكرة الوجودي ياسبرز التي تحدثت عن ” العصر المحوري ” أو بلغة مالك بن نبي ” الدين المحوري ” . وتأتي الإفادات المالكية كاشفة عن توظيف إقبال لفكرة ياسبرز ، ولهذا جاء التعليق المالكي عليها مؤكداً : ” وربما نجد هنا عنده (أي إقبال) النزعة المسيطرة التي تتجلى في الفكر المسلم وهي التي أطلق عليها جاسبرز (أي ياسبرز) الدين المحوري ” (مالك بن نبي : المصدر السابق) .

  وإعتماداً على لاهوت الوجودي ياسبرز الذي تمتزج وتتداخل فيه أبعاد العقيدي المسيحي بالمكون الاهوتي البوذي ، يأتي التوظيف المالكي المستفيد من مجاهدة الباكستاني إقبال لفكرة “الدين المحوري” والتي تحولت إلى فكرة ” الدين محور حركة” والذي جاء التعبير عنها في الإفادة المالكية القائلة : ” فأن المسلم يتخذ من الدين محور حركة لحياته كلها ، فهو مفتاح نفسيته والمقياس الذي تقاس به جميع أشكال سلوكه ، والذي يفسر أن الأوامر السماوية لها عنده تأثير وسيطرة أكثر من أوامر الحياة العادية ” (مالك بن نبي : المصدر السابق) .

  ونحسب في التقويم الأخير إن دائرة تفكير مالك لم تطلع على تفكير الوجودي ياسبرز . كما إنها لم تأتي من خلال قراءة  مالكية مباشرة لمؤلفات ياسبرز التي ذكرناها في أعلاه ، وحتى إن فكرة ” العصر المحوري ” بلغة ياسبرز وفكرة ” الدين المحوري ” بلغة محمد إقبال التي إقتبسها مالك ، قد جاءت من خلال الحوار الذي جرى بين دائرتي تفكير الإثنين : الوجودي ياسبرز والمفكر الإسلامي محمد إقبال.

  والسؤال الآن يخص الوجودي الإنكليزي ” كولن ويلسون ” ، وهو سؤال تقليدي نرفعه كل مرة : ما حجم حضور فلسفة ” ويلسون ” في الخطاب الذي كتبه قلم مالك بن نبي ؟ وكيف تعامل مالك مع الإطروحة الثقافية التي ولدها تفكير الوجودي ويلسون ؟

   يبدو لنا إن مالكاً قد عرف كولن ويلسون ، وقرأ كتابه ” اللامنتمي ” أو على الأدق قرأ عنه في المجلات الفرنسية المعنية بالفلسفة الوجودية وأخبار فلاسفتها . وكان الإستثمار المالكي لإطروحات الفيلسوف الوجودي قد أخذت إتجاهين : الأول فلسفي تاريخي، وجاء يحمل إشارة مكثفة لقضية ” إفول الحضارة ” أو “سقوط الحضارة” وهو عنوان واحد من كتب كولن ويلسون والذي ترجم إلى اللغة العربية في نهاية الستينات . وكان الباحث يتمنى لو إشتغل عليه مفكرنا مالك بن نبي ، لكانت لحراثته الفكرية مساهمة مهمة في طوابق العمارة العالية في فلسفة التاريخ التي سجل بن نبي ريادة في مضمارها في دارنا الثقافية العربية . والثاني إجتماعي تمثل بالعلاقة بين الفرد “اللامنتمي” والمجتمع . وهكذا تحول كتاب اللامنتمي بمنظار المفكر الإسلامي ، إلى عينة سريرية للحضارة والمجتمع والثقافة الغربية  .

   يصنف الدارسون كولن هنري ويلسون ، كواحد من الفلاسفة الوجوديين وكروائي متميز . ولد في 26 حزيران عام 1931 في ليستر – بريطانيا . ترك مقاعد الدراسة حين كان في السادسة عشر من عمره ، وإنصرف للعمل في المصانع وممارسة مهن متنوعة . إلا إنه لم ينقطع عن القراءة ، فقد كانت طقسه اليومي ، خصوصاً في أوقات الفراغ والراحة بين ساعات العمل . صدر له كتابه الأول ” اللامنتمي ” في العام 1956 وكان عمره لم يتجاوز الرابعة والعشرين ربيعاً . وهذا الكتاب هو الذي سيكون موضوع إهتمام المفكر مالك بن نبي ومشروع الإستثمار في مناقشته لقضيتي الحضارة والفرد وعلاقته بالجماعة .

  ومن ثم نشر ويلسون كتابه ” الدين والمتمرد ” في العام  1957 ، وتلاه صدور كتبه ورواياته تباعا ومنها : عصر الهزيمة 1959 ، طقوس في الظلام 1960 ، ضياع في سوهو 1961 ، أصول الدافع الجنسي 1963 ، رجل بلا ظل 1963 ، ما بعد اللامنتمي 1965 ، المدخل إلى الوجودية الجديدة 1966 ، القفص الزجاجي 1966 ، ضد سارتر ومقالات عن كامو 1981 ، النقد الوجودي 2009 وغيرها الكثير .  

   وما دام الإهتمام المالكي قد إستهدف كتاب اللامنتمي ، فنحسب إنه من اللازم من كلمة بحق هذا الكتاب . حقيقة إن الكتاب دراسة في الدور الإجتماعي للامنتمي في أعمال عدد من الكتاب الكبار من أمثال : ألبرت كامو ، جان بول سارتر ، إرنست همنغواي ، هرمان هس ، ديستوفسكي وآخرون . كما وناقش فيه ويلسون مفهوم ” الإغتراب الإجتماعي ” ومن خلال أعمال هؤلاء الكتاب . وقد حقق هذا الكتاب أعلى المبيعات في بريطانيا . وبذلك أسهم من طرفه في رواج الفلسفة الوجودية في الأطياف الثقافية البريطانية المتنوعة .

  وهنا أريد أن أسجل ملاحظة على رؤية ويلسون للامنتمي ، فأقول إنه يعيد صياغة نظرة أشبنجلر إلى شخصية ” فاوست ” الناقصة (والتي عالجها غوته في كتابه الأول)، فهي تشبه شخصية اللامنتمي في المرحلة الأولى ويصبح ” فاوست ” في (الجزء الثاني من كتاب غوته) رجل القرن التاسع عشر . وهو شبيه بشخصية اللامنتمي في المرحلة الثانية ، التي يتحول فيها إلى بطل العصر في سقوط الحضارة) (محمد جلوب الفرحان : نموذج من التأويل الوجودي للتاريخ ، منشور في كتاب : الفيلسوف والتاريخ ، مطبعة جامعة الموصل 1987 ، ص 81) .

 إن اللامنتمي حسب فهم الوجودي ويلسون ، هو “عرض من أعراض تدهور الحضارة” وحسب المفكر مالك بن نبي هو مظهر من مظاهر ” زوال الإلتزام بين المجتمع والفرد ” ( مالك بن نبي : مشكلة الثقافة ، ص 91) هذا طرف . ومن طرف آخر إن اللامنتمين حسب رؤية الفيلسوف الوجودي ” يظهرون كالبثور على جلد الحضارة المحتضرة . وفيها يميل الإنسان إلى أن يكون على طبيعة محيطه . فإذا كانت الحضارة مريضة روحياً ، فإن الفرد يعاني من المرض ذاته ، وإذا كانت صحته الروحية تساعده على تحمل أعباء الكفاح فإنه يصبح لامنتمياً “(كولن ويلسون : سقوط الحضارة ، ترجمة أنيس زكي حسن ، ط 2 بيروت 1971 ، ص 6) .

   ونحسب إن الجزء الأخير من عبارة ويلسون تخص شخصية اللامنتمي الصحيح المعافى روحياً والذي فيه وصف لشخصية الثائر ، النبي والمصلح الإجتماعي الذي يسعى إلى تأسيس حضارة جديدة لا علاقة لها بالحضارة المريضة ، ويتطلع إلى تكوين مجتمع جديد لا علاقة له بالمجتمع السابق ، ومن ثم تأليف ثقافة جديدة لا صلة لها بثقافة الأمس المريضة . ونشعر إن هذا التوصيف للامنتمي المعافى روحياً ينطبق على شخصية مفكرنا مالك بن نبي ، الذي قطع علاقته بكل ما يمت من صلة إلى حضارة وثقافة ومجتمع ما بعد معركة صفين . ولكونه المعافى الذي ينتمي من طرف آخر إلى الحضارة الإسلامية الأصيلة ، فإنه يحمل راية التجديد في المجتمع الإسلامي والعودة بثقافته إلى ينابيعها الإسلامية الإصلية زمن رسالة الإسلام السمحاء . 

  لقد كان مالك صحيح كل الصحة ، في نقده وتقويمه للجزء الأول من عبارة كولن ويلسون التي خص بها شخصية اللامنتمي المريض . إن ذلك جاء أثناء معالجة مالك للأزمة الثقافية ، وحديثه عن نتائجها القريبة والبعيدة ، وأشار إلى إن هذه الإزمة تكون في ” مآلها البعيد إفول حضارة ” وفي ” القريب زوال الإلتزام بين المجتمع والفرد زوالاً ” (مالك بن نبي : المصدر السابق) . ومن ثم إستشهد مالك على هذه الإزمة الثقافية ، بإمثلة شاخصة أمام أنظاره ، فرأى إن هذه الإزمة في صورتها ” الفلسفية كتاب مثل اللامنتمي للإنجليزي كولين ولسون ” (المصدر السابق) .

  وظل مالك بن نبي مشتغلاً على الجزء الأول من شخصية اللامنتمي الذي هو جزء من حضارة مريضة . ولذلك ناقش مالك حالة التنافر بين اللامنتمي والمجتمع حسب ويلسون ، أو بلغة مالك التنافر ” بين النشاطين الفردي والجماعي ” . وذهب إلى إن ” موقف الكاتب الوجودي الباحث عن معناه في هذا العالم ، أو الذي يتخلى عن هذا البحث كما هي الحال بالنسبة إلى كولن ولسون مؤلف اللامنتمي . وبصورة عامة في كل مكان لا ينخرط فيه النشاط الفردي ألبتة ضمن النشاط الجماعي ” (مالك بن نبي : القضايا الكبرى ، ص ص 94 – 95) .

  ونحسب في الخطاب المالكي تعميم لا يتناغم مع مفهوم ويلسون للامنتمي المعافى روحياً (والذي لا ينتمي إلى مجتمع متخشب وثقافة متخشبة أكلت الإرضة جوهرهما ولكنه يتطلع وينتظر إلى نمطين جديدين : مجتمع جديد وثقافة جديدة) . نقول لا يتناغم وتاريخ الرسالة الإسلامية في لحظاتها الأولى ، وخصوصاً لحظة تبليغ الرسول محمد (ص) للرسالة وإستغراب الأقرباء قبل الأصدقاء من دعوته العرب إلى الإسلام ديناً وحضارة ومجتمعا وثقافة  . ومن ثم إحتجاج المجتمع العربي برمته يومذاك على رسالة الإسلام السمحاء . إن لحظة الإسلام الأولى شاهد على صحة نشاط الفرد ( الرسول محمد “ص”) الذي تعارض مع النشاط الجماعي (جموع العرب قبل تحولهم إلى الإسلام) . ومن بعد لحظة التنافر، جاءت لحظة التناغم بين نشاط الفرد والمجتمع والتي تمثلت في قيام المجتمع الإسلامي والثقافة الإسلامية ، ومن ثم شروق الحضارة الإسلامية شمساً كونياً ، نشرت مفاهيم الأخوة  وثقافة التسامح والسلام في عموم المعمورة . وفي هذه اللحظة التاريخية كان مالك صحيح كل الصحة في دعوته إلى تناغم النشاط الفردي مع النشاط الجماعي . فرحم الله مالك بن نبي وطيب ثراه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10)

حضور الفلسفة البراجماتية  في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان      

عرف المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي ، الفلسفة البراجماتية منذ وقت مبكر ،  فقد عرف البراجماتية من خلال قراءته لكتاب كيف نفكر الذي كتبه المربي والفيلسوف البراجماتي ” جون ديوي ” (1859 – 1952)  . وحقيقة إن هذا الكتاب ولد للمفكر الإسلامي لحظة إنبهار . ومن معاني الإنبهار الدهشة وهي لحظة النشوة العفوية التي تصاحب فعل التفلسف . كما إنها لحظة الصعود بالفيلسوف إلى الطوابق العالية من طوابق التأمل الفلسفي .

    وينظر الدارسون في الشأن الفلسفي المعاصر إلى الفيلسوف والمربي ” جون ديوي ”  على كونه العمود الثالث من أعمدة عمارة الفلسفة البراجماتية .وعلى هذا الأساس فقد سبقه في تأسيس المشروع الفلسفي البراجماتي ، الفيلسوف الأمريكي المتفرد ” تشارلز ساندروز بيرس ” (1839 – 1914) . أما العمود الثاني ، فكان الفيلسوف البراجماتي ” وليم جيمس ” (1842 – 1910)  الذي جاء من الطب والفيزيولوجيا والبيولوجيا ، وتحول إلى مضمار علم النفس ، ومن ثم إستقر في مرابض الفلسفة .

   إنبثقت البراجماتية ، موجة فلسفية تحمل إعلاناً معرفياً تجريبياً (حسياً) في نهايات القرن التاسع عشر ، وبالتحديد في النادي الميتافيزيقي ، فيما بين عامي 1872 و 1874 ، وهو النادي الذي كان كل من “تشارلز ساندروز بيرس”  و”وليم جيمس”  يمثلان من بين أعضائه الأتجاه المعرفي التجريبي في الفلسفة في مقابل الأتجاه المعرفي الميتافيزيقي المثالي الذي كان يمثله أغلب أعضاء النادي .

   قدم بيرس في النادي بحثاً معرفياً متفرداً ، نشر فيما بعد في  مقالين  :

 الأول – بعنوان ” تثبيت الإعتقاد ” الذي ظهر في العام 1877

الثاني – بعنوان ” كيف نوضح أفكارنا ” الذي صدر في العام 1878

وهما المقالان المعرفيان ، اللذان أعلنا عن ظهور حركة فلسفية معرفية جديدة هي ” البراجماتزم ”  .

  أن إختيار بيرس للإصطلاح براجماتزم ، لم يكن أختياراً عفوياً ، بل جاء إنتخاباً مدروساً من الزاوية المعرفية . وذلك من حيث إن كلمة براجماتزم ، جاءت جواباً معرفياً على السؤال المعرفي الذي رفعه بيرس بداية وإستهلالاً . فقد تساءل بيرس : ما معنى الفكرة ؟ وما معنى العبارة ؟ ومتى يكون للفكرة معنى ؟ ومتى تكون العبارة صادقة ؟ ومتى يجوز لنا أن نتكلم عن العبارة بوصفها معبرة عن فكرة ما ؟ ومتى لا يجوز ؟

  جاء جواب بيرس واضحاً ومباشراً ، مؤكداً على إن ” الفكرة هي ما تعمله ” ، وهذا يعني أن معنى الفكرة مرتبط بقوة بالنتائج والآثار العملية المترتبة عليها . ولهذا التوجه المعرفي الناهض على العمل والنتائج العملية التي تفضي إليها الفكرة ، إنتخب بيرس لطريقه الفلسفي كلمة براجماتزم ، وهي في حقيقتها مشتقة من لفظة براكتس التي تدل على الممارسة والفعل ، وهي في أصلها مشتقة من اللفظ اليوناني ” براجما ” الذي يدل على الفعل أو العمل (أنظر : محمد جلوب الفرحان : مقدمة في الأبستمولوجيا \ نشر على موقع الفيلسوف \ في الأول من نوفمبر 2010) .

  ومثلما كانت توجهات المؤسس بيرس الفلسفية ذات طابع براجماتي وذات إطارمنطقي – رياضي ، فأن نزعة جيمس البراجماتية أخذت منحى نفسي ، في حين إختار جون ديوي لبراجماتيته الفلسفية بعداً تربوياً خاصاً . وإستناداً إلى هذا التوجه التربوي ، عرف  ديوي الفلسفة بأنها ” نظرية تربوية في مفهومها العام ” . (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الخطاب الفلسفي التربوي الغربي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، ص 155 ) .

   ولما كان مالك ينظر إلى ” جون ديوي ” بأنه ليس عنواناً ، وإنما هو ” أكثر ” من ذلك ، فهو بكلمات مالك ، يعد  ” كشفاً ” و ” إكتشافاً “. وهذا التقويم المالكي للمربي البراجماتي ، يحمل الباحث على تقديم كشف برصيد التراث الذي تركه هذا الفيلسوف البراجماتي ، والذي ترك أثره ، على الأقل من خلال كتاب : كيف نفكر على ذهن مفكرنا التنويري مالك بن نبي عامة وتوجهاته الفلسفية خاصة .

   حقيقة أن مالكاً كان على حق عندما نظر إلى  ” جون ديوي ” إلى إنه لحظة كشف ، فالرجل قد حصل على إعتراف واسع ، كواحد من مؤسسي البراجماتية في مضماري التربية وعلم النفس الوظيفي . كما إنه الممثل بلا منازع للفلسفة التربوية التقدمية خلال النصف الأول من القرن العشرن في الولايات المتحدة الأمريكية .  وحققت كتاباته في الشأن التربوي عموماً ، وإصلاح المدارس خصوصاً إنتشاراً واسعاً ، فقد ترجمت مؤلفاته إلى معظم لغات العالم . إضافة إلى كل ذلك ، فقد كان المدافع العنيد عن الديمقراطية ، الرأي العام ، المدارس والمجتمع المدني.

   كما إن الناظر في تراث ديوي يتفق مع المفكر الإسلامي فيما ذهب إليه ، وهو أن قراءة مؤلفاته تؤكد على فعل إكتشاف متجدد .. ففعلاً يلحظ القارئ لسيرته الذاتية  ، إنه   حصل على درجة الدكتوراه من كلية الأداب والعلوم – جامعة جونز هوبكنز في العام 1884 . وكان عنوان إطروحته ” علم النفس عند كانط ” والتي لم تطبع ، واليوم تعد من الأطاريح المفقودة . كيف ؟ لا أحد يدري ..

  ولعل من المفيد أن نشير إلى أن كتاب ” جون ديوي ” : كيف نفكر (الذي صدر عام 1910)  والذي ألهم مفكرنا مالك بن نبي ، لم يكن من الكتب الأولى التي كتبها الفيلسوف البراجماتي . فقد نشر قبله مجموعة كتب مثل : علم النفس 1887 ، لايبنتز : مقالات جديدة تتعلق بالفهم البشري 1888 ، مفهوم التفكير في علم النفس 1896 ، عقيدتي التربوية 1897 ، المدرسة والتقدم الإجتماعي 1899 ، دراسات في النظرية المنطقية 1903 ، ومن ثم صدر كتاب : كيف نفكر 1910 ، وتلته مجموعة كتب منها : الديمقراطية والتربية 1916 ، الطبيعة الأنسانية والسلوك 1922 ، الخبرة والطبيعة 1925 ، الفن كخبرة 1934 ، المنطق : نظرية البحث 1938 وكتب أخرى .. (أنظر للتفاصيل : أساسيات ديوي ، نشرها لاري هكمان وتوماس الكسندر (بالإنكليزية) صادر عن مطبعة أنديانا 1998 وهو مجلدان ) .

  أن الصدفة لعبت دوراً مهماً في إكتشاف مالك للفيلسوف البراجماتي ” جون ديوي ” ومن ثم كتابه : كيف نفكر ، فقد كان قدر مالك وقدر علاقته بالمربي ديوي ، هي لحظة بحث مالكي روتيني في المكتبة عن كل ما هو جديد ، واليوم كان الصيد يحمل إكتشافاً مالكياً سيكون له من الأثر على توجهات المفكر الإسلامي عامة ، ومكوناته الفلسفية خاصة . هذا الإكتشاف جاء من خلال وقوف مالك ” مبهوراً ذات يوم أمام – مكتبة صغيرة .. حينما إكتشفت جون ديوي .. الذي كان كتابه الكبير ” كيف نفكر ” قد ظهرت ترجمته الفرنسية ” (مالك بن نبي : مذكرات شاهد القرن ، ص ص 114 – 115) .

   والسؤال المشروع هنا : ماذا ناقش جون ديوي في كتابه كيف نفكر والذي ألهم مالك ومن ثم رفعه بالمنظار المالكي إلى طوابق الإكتشاف ؟ وماذا أحتوى هذا الكتاب الإكتشاف ، بحيث سبب دهشة مالكية وفعل إنبهار معرفي مالكي ؟ ولكل هذا نقول أن لحظة إنبهار مالك عندما شاهد كتاب : كيف نفكر ، بالتأكيد تلته نشوة إنبهار عالية لازمت  تفكير ومشاعر مالك لحظة قراءة  كتاب كيف نفكر بترجمته الفرنسية ، ونحن نحاول قراءته بطبعته الإنكليزية الأصلية التي كتبها الفيلسوف البراجماتي بيراعه ، والتي نشرها إتحاد الناشرين في شيكاغو في العام 1910 . وفي هذه القراءة نختبر مشاعر الإنبهار المالكي ومن ثم نعيشها معه مرة أخرى .

  فعلاً وجدنا كتاب : كيف نفكر يتألف من 250 صفحة . فهو حسب تقديرنا الذي يجانب تقويم مالك ، هو كتاب عادي في حجمه وليس ” كبيراً ” كما جاء في الوصف المالكي . ولكن نحن نتفق مع المفكر الإسلامي في أن موضوع الكتاب ومنهج ديوي في البحث والمعالجة كانا كبيران . فقد تألف فعلاً من مقدمة وثلاثة أقسام . كتب ديوي المقدمة في كانون الأول عام 1909 ، وبين فيها ” إن المدرسة والمعلمين أمسوا مثقلين بمواد دراسية غير مناسبة لتعليم الأطفال والفتيان ” . وبالمقابل دعى إلى تحريك ” حب الإستطلاع  ، الخيال الخصب ، وتشجيع البحث التجريبي  ” لدى المتعلم ، وهي الإتجاهات التي تعبر بصدق عن طبيعة العقل العلمي . وكان ديوي يتطلع من كل ذلك إلى تجديد سعادة الفرد مع وقف التبذير في الجهود الإجتماعية ( من مقدمة ديوي ) .

  أما القسم الأول فقد جاء بعنوان : مشكلة تدريب الفكر ، وضم خمسة فصول وهي على التوالي : ما هو الفكر (ص ص 1 – 13) ، الحاجة إلى تدريب الفكر (ص ص 14 – 28) ، المصادر الطبيعية في تدريب الفكر (ص ص 29 – 44) ، شروط المدرسة في تدريب الفكر (ص ص 45 – 55) ، وسائل وغايات التدريب العقلي : الأسس النفسية والمنطقية ( ص ص 56 – 67) .

 وجاء القسم الثاني بعنوان : الإعتبارات المنطقية ، وتكون من ستة فصول عالج ديوي فيها : تحليل فعل الفكر (ص ص 68 – 78) ، الإستنتاج المنظم : الإستقراء و الإستنباط (ص ص 79 – 100) ، الحجة : تفسير الحقائق (ص ص 101 – 115) ، المعنى : أو المفاهيم والإستيعاب (ص ص 116 – 134) ، التفكير الواقعي والتفكير المجرد (ص ص 134 – 144) ، وأخيراً الفكر التجريبي والفكر العلمي (ص ص 145 – 156) .

  في حين جاء القسم الثالث بعنوان : تدريب الفكر ، والذي تشكل من خمسة فصول وهي : نشاط وتدريب الفكر (ص ص 157 – 169) ، اللغة وتدريب الفكر (ص ص 170 – 187) ، الملاحظة ومعارف في تدريب العقل (ص ص 188 – 200) ، القراءة وتدريب العقل (ص ص 201 – 213) وأخيراً ختمت القسم والكتاب : بعض النتائج العامة (ص ص 214 – 250) . وعلى أساس هذه القراءة لكتاب ديوي : كيف نفكر وإستذكار لحظة إنبهار مالك ، نردد مع مفكرنا الإسلامي : إن ” جون ديوي كان إذن … كشفاً أكثر من عنوان ” ( مالك بن نبي : المصدر السابق ، ص 115) .

    حمل هذا المقال في جوهره شهادة جديدة ، دللت على إنفتاح تفكير مالك على إتجاهات الفكر الفلسفي الغربي المعاصر ، وكشفت في الوقت ذاته عن إمتلاك مالك لعقلية شفافة منفتحة على حوار الآخر بندية عالية دون خوف أو إنكفاء ، كما إنه قال كلمته بحقها ناقداً ومقوماً ، وفي أغلب الأحيان محاوراً ومستفيداً .. إنه درس مالكي وتجربة ثقافية تشهد على علو كعب المفكر التنويري مالك بن نبي في دارنا الثقافية في القرن العشرين .. فرحم الله مالك بن نبي وطيب ثراه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(11)   

حضور الوضعية المنطقية في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  عرفت دائرة تفكير المفكر الإسلامي التنويري المعاصر مالك بن نبي ، فلسفة الوضعية المنطقية منذ وقت مبكر . فقد تداولت نصوصه بالدرس والبحث أفكار واحد من أهم فلاسفة الوضعية المنطقية ، بل هو الأشهر من بينهم والمؤسس لإتجاه بارز في مسيرتها المعرفية ، والذي عرف بالذرية المنطقية أو التجريبية المنطقية . وهو الفيلسوف الإنكليزي ” برتراند رسل ” ( 1872 – 1970) . وهنا نقف ونرفع السؤال الآتي : ما حجم حضور ” رسل ” في النص الذي كتبه مالك بن نبي ؟ وكيف كان تعامل مالك مع الأطروحة المعرفية التي ولدتها دائرة تفكير ” رسل ” ؟ أولاً نجد من اللازم علينا أن نقدم تعريفاً بالوضعية المنطقية ، ومن ثم نبين مكانة ” رسل ” في تطورها .

    لقد جاءت الوضعية المنطقية نتيجة لجهود أعضاء حلقة فينا ، والتي ضمت مجموعة من علماء الرياضيات ، والعلماء والفلاسفة ، الذين جمعهم هدف واحد ، وهو مناقشة التطورات الحديثة في علم المنطق ، ومن ضمنها مناقشة كتاب فيتجنشتاين (1889- 1951) المعنون : ” رسالة منطقية – فلسفية ” والذي صدر في العام 1922، وكان يقودهم مورتيز شيلك (1882- 1936).

  ضمت الحلقة كل من كرناب (1891- 1970) ، فيجل (1902- 1988) ، جودل (1906- 1978) ، هان (1879- 1934) ، نيروث (1882- 1945) وويزمان (1896- 1959). وبعد وفاة هان ومن ثم شيلك في العام 1939 ، تفرق أعضاء حلقة فينا ، فرحل بعضهم وأستقر في بريطانيا ، وذهب البعض الآخر إلى الولايات المتحدة الأمريكية .

   أن الوضعية المنطقية هي مدرسة فلسفية ، جمعت بين التجريبية (التي تعتمد على الملاحظة في معرفة العالم) والعقلانية التي تشمل البناء اللغوي ذو الطبيعة المنطقية الرياضية والإستدلال الأبستمولوجي . وإعتماداً على الكتيب الصادر عام 1929 والذي كتبه كل من نيروث وهان وكرناب ، فأننا نلحظ إن هذا الكتيب قد لخص مبادئ حلقة فينا عامة في حينها ، والوضعية المنطقية في مضمار الأبستمولوجيا خاصة .  

    إن هذه المبادئ تتضمن معارضة لكل أنواع الميتافيزيقا ، خصوصاً الأنطولوجيا والقضايا التركيبية الأولية (التي إنشغلت بها الأبستمولوجيا عند كانط) . والحقيقة إن رفض الميتافيزيقا جاء ليس لكونها قضايا خاطئة ، بل لكونها فارغة من المعنى  (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ مقدمة في الأبستمولوجيا ، منشور على موقع الفيلسوف الإلكتروني ) .

   لقد حملت الوضعية المنطقية أسماءً منها ” التجريبية العلمية ” ، و ” التجريبية المنطقية ” و ” حركة وحدة العلوم ” و ” التجريبية المتسقة ” و ” التجريبية الحديثة ” و ” الفلسفة التحليلية ” . والإسم الأخير فظل الدارسون إطلاقه على إتجاه الفيلسوف الإنكليزي المعاصر ” برتراند رسل ” . وهو الفيلسوف الذي إنشغلت به الإفادات المالكية وأولته أهمية في سجالها المتطلع إلى تأسيس حركة عالمية تهتم بالمآساة الإنسانية .

  ينظر الدارسون الغربيون إلى ” برتراند آرثر وليم رسل ” (1872 – 1970) على كونه فيلسوفاً بريطانياً ، عالماً في المنطق والرياضيات ، مؤرخاً للفلسفة ، مناضلاً عنيداً من أجل السلام وناقداً إجتماعياً . ومنذ بدايات القرن العشرين قاد رسل برنامجه الفلسفي الثائر على الفلسفة المثالية . ويشارك رسل كل من سلفه االفيلسوف الآلماني وعالم المنطق الرمزي  ” جوتلوب فريجه ” (1848 – 1925) وتلميذه النمساوي ، فيلسوف اللغة ” لودفيج فتجنشتاين ” (1889 – 1951) في تأسيس ما عرف بالفلسفة التحليلية .

 حقيقة فرض رسل هيمنته في القرن العشرين ، كواحد من علماء المنطق . ولعل كتابه المعنون ” مبادئ الرياضيات ” وهو موسوعة كتبها بالإشتراك مع فيلسوف الرياضيات ” ألفرد نورث وايتهيد ” (1861 – 1947)  ، هي من المحاولات الرائدة في إعادة تأسيس الرياضيات على أسس وقواعد منطقية (أنظر: بول أرتم ؛ فلسفة برتراند رسل (بالإنكليزية) ، نيويورك 1951 ، ص ص 3 وما بعد) .

  ومن المفيد أن نشير إلى مقالته المتميزة ، والتي نشرها بعنوان ” في الدلالة ” ، هي اليوم تعد بنظر الكثير من المختصين في مضمار المنطق ، موديلاً متفرداً للفلسفة . ومن هذا الباب فقد تركت أثراً على الدراسات المنطقية والرياضية التي جاءت بعيد نشرها خاصة ، وعلى نظرية المجموعات ، وفلسفة اللغة والفلسفة عامة .

  كان رسل ناشطاً معارضاً للحرب ، ومعارضاً للهيمنة الإمبريالية . وإن مواقفه المناصرة للسلام سببت له دخول السجن مرات عديدة ، خصوصاً خلال الحرب العالمية الأولى  كما وقف بحزم ضد هتلر ، وإنتقد بشدة دكتاتورية ستالين ، وهاجم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الظالمة ضد الشعب الفيتنامي (أنظر : سدني هوك ؛ اللورد رسل ومحكمة جرائم الحرب ، منشور في كتاب : برتراند رسل : تقويم نقدي (بالإنكليزية) إشراف أ . د . أريفن ، نيويورك 1999 ، المجلد الأول ، ص 178)  . وهوأخيراً كان معارضاً لإنتشار الأسلحة النووية ، وجاهد بكل قوة من أجل تجريد العالم من أسلحة الدمار الشامل . حصل في العام 1950 على جائزة نوبل للآداب ، وذلك إعترافاً بكتاباته المساندة للمثل الإنسانية وحرية التفكير .

 كتب رسل عدداً كبيراً من المؤلفات خلال حياته الطويلة . ولهذا سنقوم بعملية إنتخاب لبعض منها بحيث تكون ممثلة لمراحل تاريخية وموضوعات متنوعة . فمثلاً صدر له في العام 1896 كتاب بعنوان ” الديمقراطية الإشتراكية الألمانية ” ، ومن ثم جاءت مقالته ” حول أسس الهندسة ” (1897) ، وكتابه ” مشكلات الفلسفة ” (1912) ، و” العدالة زمن الحرب ” (1916) ، ” المثل السياسية ” ( 1917) ، ” التطبيق ونظرية البلاشفة ” (1920) ، ” لماذا أنا لست مسيحياً ” (1927) ، ” الطريق إلى السلام ” (1936) ، ” البحث عن المعنى والصدق ” (1940) ، ” آمال جديدة من أجل تغيير العالم ” (1951) ، ” حكمة الغرب ” (1959) ، ” جهود رسل من أجل السلام ” (1967) ، و” جرائم الحرب في فيتنام ” (1967) ..

  لقد عرف عن رسل جهوده التي تتوجت في تأسيس محكمة دولية للتحقيق في جرائم الحرب التي حدثت في فيتنام ، والتي شاركه في جوانب منها شخصيات عالمية ، منها على سبيل المثال الفيلسوف الوجودي ” جان بول سارتر ” .. وهي المحكمة التي جاءت نتيجة لنشر كتاب رسل ” جرائم الحرب في فيتنام ” .

  وفعلا فإن مالك بن نبي كان عارفاً ومطلعاً على جهود الفيلسوف البريطاني . ولهذا فأن اعمال رسل لم تقتصر على الأعمال الفكرية في مضمار الفلسفة والمعرفيات والمناهج والتربويات .. بل كان له حضوراً في الحياة ، كما كان له فعلاً مؤثراً في درب التصدي لكل ما يثلم الشخصية الإنسانية ويهدد مصيرها .. ونحسب إن مثابرة الفيلسوف البريطاني في الحياة ، قد إستوعبها مالك بن نبي في معالجته الفكرية ، وخصوصاً على مضمارين : الأول – إنشاء حركة عالمية تدعو إلى توحيد عالمي . والثاني – تأسيس حكومة عالمية تتحمل على عاتقها مسؤولية حل ما أسماه مالك ” المآساة الإنسانية ” . وعن هذا الحضور لمثابرة الفيلسوف رسل في نصوص المفكر الإسلامي ، نورد الأفادة القائلة ” لاشك في إنه لم يكن مجرد صدفة أن تتكون حركة عالمية من أجل إتحاد عالمي . وليست من باب الترف العقلي أن يقدم أشهر ممثلي الفكر المعاصر ضمانهم الأخلاقي والعقلي للفكرة .. (التي) .. أنعقد من أجل تحقيقها مؤتمر دولي في باريس في أغسطس 1955 . وأتت الشهادات  لتنزهها عن أن تكون محض خيال .. ومن بين هذه الشهادات تلك التي أدلاها (رسل) .. وهي شهادة محددة ثمينة ” (مالك بن نبي ؛ فكرة الأفريقية الأسيوية ، ص ص 198 – 199) .

  ونتبادل المواقع مع المفكر الإسلامي ، ونتساءل : ما هو الحل الذي نتطلع من خلال آلياته في تخفيف معاناة الإنسانية من مآسيها المتلاحقة ؟ وما العمل لوقف ثلم الشخصية الإنسانية على يد الدول الكبرى ؟ نحسب إن الحل الذي تقدم به الفيلسوف البريطاني ، فيه نوعاً من اليوتيبيا ، فهو حل غير واقعي لمشكلات الإنسانية . يقول رسل في شهادته المنقولة في الخطاب المالكي ” فلقد تكلم الفيلسوف الإنكليزي في الواقع في ضرورة قيام حكومة عالمية … بإعتبارها وسيلة نهائية لحل المآساة الإنسانية . وفي حديث خاص تفضل به إثر المؤتمر قرر إن حدوثها مسجل في التطور الحالي ، وإنها تعتبر الحل الطبيعي للأزمة التي يتخبط فيها العالم ” (المصدر السابق ، ص 199) .

  ويبدو إن الفيلسوف قد أدرك إن فكرة إقامة حكومة عالمية غير ممكنة ، وليست عملية في الوضع الراهن . ولذلك تحول عنها ، وتحرك في تقديم الحل من خلال هيئة الأمم المتحدة . وبالتحديد من خلال ” مجلس الدول الكبرى ” . وعند هذا الحد يرى مالك إن الفيلسوف الإنكليزي قد إقترب من حدود الرسالة العالمية لفكرة ” الأفروسيوية ” .فقد ذهب رسل حسب الإفادات المالكية إلى إن ” هذا الدور يتمثل في مجلس للدول الكبرى .. يتمتع فيه الشيوعيون واعداؤهم بعدد متساو من الأصوات ، ويصدر القرار في نهاية الأمر بترجيح الأصوات المحايدة ، وعلى رأسها صوت الهند ، وبدهي إننا لا نعرف ما سيظفر به في السياسة ذلك الحل المنطقي الذي يوحي به الفيلسوف ، ولكن فكرته تحدد على أية حال الرسالة العالمية لفكرة ” الأفرسيوية ” ” (المصدر السابق ، ص 216) .

   كشف حوار مالك بن نبي مع الوضعية المنطقية ، وبالتحديد من خلال حواره مع واحد من أكبر فلاسفتها ، وهو فيلسوف التحليلية أو الذرية المنطقية . عن تجاوز الحوار الأكاديمي التقليدي الذي يحبس نفسه في حدود تنظيف الرصيد الفلسفي الذي أنجزه رسل أو تقويم مكانته في تاريخ المنطق الرياضي ، وتحديد حجم المساهمة التي قام بها رسل في مضمار الأبستمولوجيا وفلسفة اللغة .. حقيقة إن المفكر الإسلامي لم يكن معنياً بكل ذلك . بل تخطى هذا التقليد الأكاديمي ، وركز عملية الحوار وتبادل الخبرة الفكرية مع فيلسوف السلام ، على مضمار الحياة . فكان ضمير المفكر الإسلامي يقفز قبل قلبه ليعانق رسل رغم الإختلاف العقيدي والفكري بينهما . ففيلسوف السلام وصاحب محكمة التحقيق في جرائم الحرب الفيتنامية ، كان علمانياً هرطقياً ،  في حين كان مالك بن نبي رجلاً مفكراً مسلماً متنوراً . نقول رغم هذا الإختلاف العقيدي ،  فقد صفق قلب مالك مرتين للفيلسوف الإنكليزي : مرة في دعوته لإنشاء حركة توحيد عالمية . والثانية عندما أعلن رسل عن تأليف حكومة عالمية .

   وفي الختام نحسب إن مالكاً كان قارئً جيدا لإطروحات رسل التي وجدت في هيئة الأمم المتحدة تجسيداً عملياً لفكرة الحكومة العالمية  ، والتي هي في الوقت نفسه تحدد حسب الفهم المالكي ” الرسالة العالمية لفكرة الأفرسيوية ”  وهي المشروع الذي رهن مالك بن نبي حياته وتفكيره لإنجازه في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين ..

إنها على كل شهادة جديدة دللت على مصداقية ومشروعية  منهج التنوير الذي إنتخبه المفكر الإسلامي  للحوار مع الأخر والإفادة من تجربته الفكرية وذلك لتوفير ظروف الإقلاع النهضوي للشعوب العربية الإسلامية .  فرحم الله مالك بن نبي وطيب ثراه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(12)

حضور الفيلسوف برغسون في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  نحسب في الوقت الذي إستقر فيه المفكر الإسلامي مالك بن نبي في باريس لدراسة هندسة اللاسلكي في الأربعينيات من القرن العشرين ، كانت فلسفة الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859 – 1941) متداولة في دوائر البحث الأكاديمي خاصة ، وفي مضمارالثقافة الفرنسية عامة . وإذا كان ذلك حقاً ، فإنه من الثابت لدينا كذلك ، هو  إن مالكاً قد كتب مؤلفه الشهير ” الظاهرة القرآنية ” في باريس ونشره باللغة الفرنسية هناك في الأربعينيات من القرن الماضي (أنظر المقدمة الفرنسية التي كتبها لكتاب الظاهرة القرآنية ، الشيخ الأزهري الديكارتي الدكتور محمد عبدالله دراز ، والمؤرخة في 15 أيلول 1946) .

  لقد عرفت دائرة تفكير مالك الأطروحات الفلسفية للفيلسوف برغسون ، والتي كونت ما يعرف بالمشروع الفلسفي البرغسوني ، وبالتحديد حسب الإفادات المالكية ، الإطروحات التي ضمت دائرة المنهجيات والأخلاقيات والتنظير الفلسفي ، التي جاءت ” تطبيقاً بحدود ما لمنهج البايولوجيا ” (مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص ص 62 – 63) .

 والسؤال الآن : ما هي هوية الفيلسوف هنري لويس برغسون ؟ وما هي جهوده الفلسفية في دائرة المنهجيات التي إهتم بها المفكر الإسلامي مالك بن نبي ؟ وما هي مؤلفاته وأبحاثه في مضمار الأخلاقيات التي إهتمت بها دائرة تفكير مالك ؟ وما هي طبيعة مثابرته في التنظير الفلسفي التي تشاغلت بها الإفادات المالكية ؟ وفوق كل ذلك : ما حدود وإمكانيات المنهج البايولوجي الذي إستند إليه برغسون في صياغة عمارته الفلسفية جملة وتفصيلا ؟

  جاء الفيلسوف ” هنري لويس برغسون ” من وسط عائلي مثقف ، فوالده ” مايكل برغسون ”  كان موسيقياً من إصول يهودية بولندية . ووالدته ” كاثرين ” كانت بنت دكتور إنكليزي من إصول يهودية إيرلندية . ولد الطفل هنري في منطقة  ” ريو لارمتين” في العاصمة باريس ، والتي لم تبعد كثيراً عن دار الأوبرا القديمة . وجاءت ولادته قبيل شهر واحد من صدور كتاب ” أصل الأنواع ” للعالم الإنكليزي ” شالز داروين ” (1809- 1882) .

   صرفت عائلة برغسون بعد ولادته بضع سنوات في بريطانيا ، مما مكن الطفل هنري من الإتصال باللغة الإنكليزية ، وخصوصاً من طرف أمه البريطانية. وقبل أن يناهز التاسعة من عمره ، عبرت عائلته القنال الإنكليزي ، وإستقرت في فرنسا . ومن ثم تطبع الطفل هنري على الثقافة الفرنسية وأصبح مواطناً فرنسياً . وبحكم تكوينه العائلي ، فقد إنخرط الطفل هنري في نمط من التعليم المزدوج ؛ فرنسي عام وديني يهودي . إمتد تعليمه في مدارس الليسيه الفرنسية للفترة من 1868 وإلى 1878 . وفي بعض الوقت من الفترة السابقة كان مواضباً على الحضور في معاهد التربية الدينية اليهودية . وفيما بين سن الرابعة عشر والسادسة عشر ، تخلى هنري برغسون عن عقيدته اليهودية وذلك بعد إكتشافة لنظرية التطور ، والتي تقرر بأن هناك أسلاف مشتركون لجميع الجنس البشري ، وهي ليست بالضروة من خلق إله واحد أو مجموعة ألهة .

 حصل الطالب هنري على جوائز علمية وهو على مقاعد الدراسة الثانوية . وفي العام 1877 ، وكان في سن الثامنة عشرة ، تقدم بحل لواحدة من المشكلات في الرياضيات ، وفي السنة التالية تم نشر هذا الحل في دورية الرياضيات السنوية . فكان هذا العمل هو باكورة مطبوعاته العلمية . ومن ثم فاز بمنحة معهد أكاديمي فرنسي عال . وخلال هذه الفترة قرأ كتابات فيلسوف التطور الإنكليزي ” هربرت سبنسر ” (1820- 1903) وخصوصاً كتابه المعنون ” مبادئ البايولوجيا ” الذي صدر العام 1864 والذي كتبه سبنسر بعد قراءة لكتاب ” شارلز داروين ” أصل الأنواع(أنظر: هنري هود؛ برغسون ، نشرة الجامعات ، مجلدين ، باريس 1990) ، مما سيكون له الآثر الذي ذكره مفكرنا مالك بن نبي على منهجيات وأخلاقيات برغسون وتنظيراته الفلسفية التي جاءت تطبيقاً لمنهج البايولوجيا ( مالك بن نبي ؛ المصدر السابق) .

   ويبدو إن حال الفيلسوف هنري برغسون ، حال المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، فمثلما ترك مالك مضمار هندسة اللاسلكي وتحول إلى مضمار الإنسانيات ودراسة الحضارة ، فأن برغسون حسم تردده بين مجال العلم والإنسانيات . ففي مضمار العلم حصل برغسون على جوائز وهو لايزال في الليسيه ، وخصوصاً مضمار الرياضيات الذي صدر له أول عمل مطبوع . إلا إنه حسم أمره لصالح الإنسانيات مما خيب أمال الكثير من معلميه الذين كانوا يتطلعون بثقة عالية إلى مستقبله الواعد في مضمار العلوم .

حصل برغسون على ثلاثة شهادات في الآداب ، تبع ذلك حصوله على الإجازة في الفلسفة وبالتحديد في عام 1881 . ومن ثم حصل على وظيفة في التعليم في الليسيه في مدينة إنكرس . وبعد سنتين إستقر في ليسيه باسكال في مدينة كليرمونت فيراند . وأثناء ذلك كتب دراسته الخاصة والتي كانت عملاً أصيلاً ، شكل أطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” الزمن والإرادة الحرة ” ، والتي عمل معها أطروحة مختصرة باللاتينية عن أرسطو . والتي قدمها إلى جامعة باريس في العام 1889 ، والتي صدرت في كتاب في السنة التالية .

  ولعل من أهم مؤلفاته ، الأعمال الأربعة الأساسية الأتية :

أولاً- الزمن والإرادة الحرة (1889)

ثانياً- المادة والذاكرة (1896)

ثالثاً- التطور الخلاق (1907)

رابعاً- منبعا الأخلاق والدين (1932)

  وفي العام 1900 إختارته كلية فرنسا ، رئيساً لقسم الفلسفة اليونانية واللاتينية . ومن ثم في عام 1904 شغل رئاسة قسم الفلسفة الحديثة وحتى عام 1920(أنظر: هنري هود ؛ المصدر السابق) .

   أما مشروعه في الأخلاقيات الذي أشار إليه مالك بن نبي والذي جاء في طرف منه تطبيقاً لمنهجه في البايولوجيا ، بأن قارئ جريدة أعماله وكتاباته تكشف بسهولة على إن برغسون أشتغل في مضمار الأخلاق في وقت مبكر نسبياً وذلك عندما نشر في العام 1903 مقالاً مهماً في دورية ” الميتافيزيقا والأخلاق ” ، والذي كان بعنوان ” مقدمة في الميتافيزيقا ” وهو في حقيقته مقدمة نافعة لكتبه الكبرى . والحقيقة إنه قدم فيه دراسة تفصيلية عن مشروعه الفلسفي الذي سيتحقق في كتابه ” التطور الخلاق ” الذي حمل التطبيق الواسع لمنهج البايولوجيا . ومن بعد ما يقارب الثلاثين عاماً جاء كتابه المعنون ” منبعا الأخلاق والدين ” .

     لاحظنا إن إهتمام برغسون بالفلسفة كان مبكراً ، فبعد وصوله بسنة إلى مدينة كليرمونت ، قام بنشر نصوص فلسفية منتزعة من كتابات الفيلسوف الأبيقوري والشاعر الروماني ” لوكرتيوس ” (99- 55 ق.م) . إن نشرة برغسون كانت دراسة نقدية للنص ولنظرة الفيلسوف الروماني ، والتي صدرت في العام 1884 . ومن ثم جاءت إطروحته للدكتوراه المعنونة ” الزمن والإرادة الحرة ” وكذلك الموضوع الفرعي المعنون ” آرسطو في المصادر اللاتينية ” وهما العملان اللذان نشرا في العام 1889 . كما ولاحظنا إن برغسون قد إهتم بالفلسفة قبل سقراط ، وقدم عنها سلسلة من الفصول الدراسية ،  خصوصاً عن الفيلسوف ” هرقليطس ” (535- 475 ق.م) .

  وفي المؤتمر العالمي للفلسفة الأول ، الذي أنعقد في باريس في الأيام الخمسة الأولى من آب 1900 ، قرأ برغسون بحث مختصر بعنوان ” الأسس النفسية للإعتقاد بقانون السببية ” . كما نشرت له دار فيلكس ألكن عملاً سبق أن ظهر في إحدى الدوريات ، وكان بعنوان ” الضحك ” وهو من الأعمال غير الكبيرة ولكن المهمة ، وذلك للدور الذي يلعبه الضحك في حياة الفرد والجماعة (أنظر البحث الممتاز الذي كتبه برتراند رسل بعنوان : فلسفة برغسون ؛ دورية الواحدي (مونست) ، 1912 ، ص ص 321- 347) . وحضر برغسون المؤتمر الفلسفي العالمي الثاني الذي أنعقد في جنيف ، وألقى هناك محاضرة بعنوان ” العقل والفكر : الوهم الفلسفي ” . ولكنه لم يتمكن من حضور المؤتمر الثالث الذي إنعقد في مدينة هيدلبيرك الآلمانية وذلك لمرضه . ومن المفيد إن نخبر القارئ بإن منهج البايولوجيا الذي أشار إليه المفكر مالك بن نبي كان حاضراً في كل تنظيرات برغسون الفلسفية .

  كما وأن حال مالك يشابه حال الفيلسوف برغسون ، فكلاهما لم يتخل عن مضمار إهتمامه الأول مئة في المئة . فقد كان الإهتمام المالكي بالعلم والهندسة واضح في كل صفحة من كتاباته ، وبالتحديد المنهج العلمي ولغة الهندسة الدقيقة والموجزة . أما من طرف الفيلسوف برغسون فأن العلم في مضمار البايولوجيا ظل حاضراً ومحركاً في الكثير من مؤلفاته . كانت البداية المبكرة عندما تخلى عن العقيدي اليهودي وتحول صوب نظرية التطور والنشوء وذلك عندما كان في سن الرابعة عشرة . ومن ثم قرأ الفيلسوف التطوري سبنسر . وتطور توجهه المنظم والهادف نحو بايولوجيا الداروينية في كلية رولين التي علم فيها لمدة ثمانية سنوات . فقد قرأ شالز داروين ومن ثم قدم عدة فصول دراسية عنه .

    وبالمناسبة إن برغسون قبل ذلك كان من مؤيدي النظرية اللاماركية نسبة إلى العالم ” جين بابتست لامارك ( 1744- 1829) وهي النظرية التي تعتقد بأن الكائنات الحية ممكن أن تنقل الخصائص التي تكتسبتها خلال حياتها إلى سلالاتها اللاحقة .  وبعد قراءة داروين ومشروعه في بايولوجيا النشوء والتطور ، أخذ برغسون يفضل فرضية دارون في ” التنوع التدريجي ” والتي تتناغم مع رؤيته للحياة المستمرة .

  ويلحظ القارئ لعمله الكبير الثاني المعنون ” المادة والذاكرة ” ، وهو بحث فلسفي مؤسس على معطيات البايولوجيا ، قد ركز فيه على دراسة وظيفة المخ ، ومن ثم قدم تحليلاً للإدراك الحسي والذاكرة . وقاده البحث إلى معالجة قضية فلسفية عتيدة ، وهي مشكلة العلاقة بين العقل والجسم . وإستند برغسون في بحثه هذا على المتداول يومذاك من أبحاث في علم الباثولوجيا (علم الأمراض) .

  وينظر الكثير من الدارسين إلى كتابه ” التطور الخلاق ” على إنه من أهم إنجازات برغسون ، والذي لاقى رواجاً أكاديمياً وشعبياً على حد سواء . والحقيقة إن هذا الكتاب  ضم بين دفتيه مساهمات فلسفية مهمة في مضمار النشوء والتطور . كما وإحتوى على معالجة لمفهوم الدافع الحيوي (الخلاق) الذي إهتم به عدد من الفلاسفة لاحقاً . ووفقاً لبيير لامبرت ، فأن هذا الكتاب يعد حجر الأساس لإتجاه جديد في التفكير . وفعلاً فقد قامت دار ألكن بطبعه إحدى وعشرين مرة .

  والحقيقة إن المفكر الإسلامي مالك بن نبي كان على حق ، وصحيح كل الصحة عندما وصف أعمال الفيلسوف الفرنسي برغسون قائلاً : إن مشروعه في دائرة المنهجيات والأخلاقيات والتنظير الفلسفي جاءت ” تطبيقاً بحدود ما لمنهج البايولوجيا” (مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص ص 62- 63) .

   وإذا كان هذا هو مستوى تعامل العقل الإسلامي مع أطروحات الفيلسوف برغسون ومن خلال إفادات المفكر مالك بن نبي . فإنه بالمقابل واجهت افكاره موجة عاتية من الرفض والتنديد من قبل دوائر وسلطة كنيسة الروم الكاثوليكية . فقد منعت كتب برغسون بدعوة إنه يدعو إلى ” وحدة الوجود ” والتي ترى فيها خطورة على العقيدي المسيحي . وجاء المنع والتحريم في القرار الكنسي الصادر في الأول من حزيران عام 1914 . وهكذا جسد مالك بقلمه روحاً من التسامح وقبول الآخر على أساس المنهج ودرجة النجاح في التوافق بينه وبين تطبيقاته الأخلاقية خاصة والتنظير الفلسفي عامة . فرحم الله مالك بن نبي مفكراً إسلامياً متنوراً وطيب ثراه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث /  صيف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(13)

حضور الماركسية في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  ما الطريق الذي سلكه تفكير مالك بن نبي في التعامل مع إطروحات ماركس والفلسفة الماركسية ؟ وما حدود النقد الفكري والتقويم المعرفي ، ومن ثم الإستخلاص الثقافي من الإطروحة الماركسية الذي أنجزه قلمه ؟ وهل إعتمدت قراءة مالك على الثابت القار في أحوال المجتمع الذي أصبح جزءً من ذمة القرن التاسع عشر ، أم إنه إستند في القراءة على المتغير الحادث في بنية الراهن من القرن العشرين ؟ وما موقف مالك من الفانونية كشكل متطور من الماركسية في القرن العشرين ، شكلاً لامس بعمق حركات التحرر الوطني عامة والجزائر (بلد مالك بن نبي) خاصة ؟ إن كل هذه التساؤلات تحملنا على التأمل الفكري في إطروحات ماركس ، ومن ثم حساب درجات حضورها في الخطاب الثقافي الذي كتبه مالك .

  نرى قبل كل شئ ، إنه من النافع إن نضع في متناول القارئ الكريم ، بعض الحقائق عن الماركسية وتطورها الفلسفي والتاريخي . الماركسية في حقيقتها نظرة إقتصادية – سياسية إجتماعية ، تلفها أيديولوجيا سياسية تتطلع من خلال الإشتراكية إلى تبديل أحوال المجتمع الإنساني أو تحسينها . تطورت أصلاً خلال الفترة الممتدة من بدايات القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول منه . وبالتحديد تطورت الماركسية خلال كتابات إثنين من المفكرين الألمان اللذين عاشا في بريطانيا ، وهما كل من كارل ماركس (1818- 1883) وفردريك إنجلز (1820- 1895) .

   حقيقة لقد تعاون الإثنان في كتابة مؤلفهما الشهير ” البيان الشيوعي ” الذي نشر في العام 1848 والذي تحول إلى إنجيل الحركات والأحزاب الشيوعية . كما تعاونا في مؤلفات أخرى مثل كتاب ” العائلة المقدسة ” والذي صدر في العام 1845 ، وتلاه كتاب ” الأيديولوجيا الألمانية ” الذي نشر في العام 1845 كذلك . كما كانت لإنجلز مساهمة مع ماركس في تحرير أطراف من كتاب ” رأس المال ” الذي نشر في العام 1867 .

    إلا إن ماركس قد نشر بعض المؤلفات المستقلة ، مثل ” بؤس الفلسفة ” الذي طبع في العام 1847 والذي جاء إستجابة فكرية على كتاب ” بيير جوزيف برودن ” (1809- 1865) والمعنون ” فلسفة البؤس “والذي صدر في العام 1840 . كما نشر ماركس عمله الأكاديمي في كتاب جاء بعنوان ” المخطوطات الفلسفية والإقتصادية ” في عام 1944 .

  كما نشر إنجلز في وقت مبكر بعض الكتب المستقلة ، مثل ” وضع الطبقة العاملة في بريطانيا ” والذي صدر في العام 1845 . وكذلك جاء كتابه المتفرد والمعنون ” الإشتراكية بين اليوتيبيا والعلم ” والذي ظهر إلى النور لأول مرة غي العام 1880 .

  ولعل من المفيد أن نذكر القارئ ، بأن الماركسية تحولت إلى عقيدة سياسية للأحزاب الشيوعية في أوربا أولاً ومن ثم في العالم . إلا إن تكهنات ماركس وإنجلز في إندلاع الثورة قد نهضت على حقيقتين : الثورة الصناعية والطبقة العاملة وهي التي تقود الثورات . ولذلك كان التكهن الماركسي يرجح قيام الثورة في بريطانيا أولاً ومن ثم في  فرنسا ثانياً ومن بعد ذلك على الأقل في ألمانيا . إلا إن المفاجئة الماركسية جاءت على خلاف التوقع الماركسي ، إذ الثورة إندلعت في بلد زراعي لا يمتلك إلى الطبقة العاملة بالمواصفات الماركسية .

  وكان لإندلاع الثورة في روسيا 1917 من الأثر في التطور الماركسي . فقد أرتبط هذا التطور بتجربة القيادات الروسية ، والتي شملت كل من ” فلاديمير لينين ” (1870- 1924) ، و ” ليون تروتسكي ” (1879- 1940) ، و ” جوزيف ستالين ” (1878- 1953) . وهكذا إرتبط التطور الماركسي بأسماء هذه القيادات ، فأصبح متداولاً ما يعرف اليوم بالنزعات الماركسية الأتية : الماركسية – اللينينية ، والتروتسكية والستالينية . وأخيراً أفرزت لنا التجربة الصينية بقيادة ” ماوتسي دونك ” (1893- 1973) نزعة ماركسية جديدة ، هي الماوية (أنظر الكتاب الممتاز الذي ظهر بالإنكليزية ، والذي كتبه ليزيك كولكويسكي وبعنوان : التيارات الرئيسية في الماركسية ، نشرة جامعة أكسفورد 1976) .

   ولكن هناك نزعات أخرى ظهرت في تاريخ الماركسية ، مثل الماركوزية نسبة إلى المفكر الماركسي الألماني الأمريكي الجنسية ” هربرت ماركوز ” (1898- 1979) والتي جاءت إجابة على التساؤل : لماذا أصبحت الثورة غير ممكنة في بلد صناعي يمتلك للطبقة العاملة منذ أكثر من قرن من الزمن ؟ وهي الإجابة التي أودعها ماركوز كتابه المعنون ” الإنسان ذو البعد الواحد ” ، ومن ثم جاءت الفانونية نسبة إلى المفكر الماركسي ” فرانز فانون ” (1925- 1961) إجابة عل السؤال : لماذا أصبحت الثورات ممكنة في بلدان لا تعرف الصناعة ولا تمتلك للطبقة العاملة ؟ وهي الإجابة التي سجلها في كتابه المعنون ” معذبو الأرض ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان : مدرسة فرانكفورت النقدية وإتجاهاتها الفكرية ، المحور المعنون : هربرت ماركوز / موقع الفيلسوف / نيسان 2010) . 

  يحسب مالك إن ماركس كتب بقلمه عبارات سيكون لها شأن وأثر على دوائر التفكير الفلسفي ، كما وستتحول إلى عناوين في حلقات الدرس الماركسي ، وشعارات سيرفعها المثقفون ، وأناشيد سيتلوها الشعراء والكتاب . وخصوصاً عبارته ذائعة الصيت ” الفلاسفة حتى الآن فسروا العالم ، أما نحن فنريد تحويله (مالك بن نبي : من أجل التغيير ، ص 11) . والواقع إن مالكاً أورد هذه العبارة ، وتركها دون تعليق . ولذلك نحسب إنه قبل الإطروحة الماركسية كما هي ، خصوصاً في تعاملها مع الفلسفة ومثابرات الفلاسفة ، وبالتحديد في إعادة صياغة وظيفة الفلسفة ، ومن ثم في النظر إليها كما يحسب الماركسيون كعلم يمتلك قوة تغيير وتحويل . وهذه مسألة فيها نظر ، كما حدث حولها وسيحدث جدلاً طويلاً لا تعرف له نهاية .

 ونجد من النافع الإشارة إلى إن البذور الأولى للمثابرة النقدية التي سيديرها مالك مع الإطروحات الماركسية ، قد تجلت في فعل الدهشة والإستغراب الذي أظهره مالك عندما قرأ العرض الذي قدمته الماركسية للإشتراكية ، ورأت فيه على إنها ” علم مثل علم الكيمياء ” (المصدر السابق) . ونذكر القارئ الكريم بأن مالكاً قد تشرب العلم في دراساته الثانوية وفي معهد اللاسلكي في باريس ، وأصبح عالماً مهندساً في مضمار الإتصالات اللاسلكية ، فهو عارف بخفايا العلم ومتبصراً بضميمة الماركسية في حديثها عن الإشتراكية كعلم قرين للكيمياء . إنها دهشة العالم وإستغراب الباحث في طرف من أسرار هندسة الإتصالات .

   وعلى كل إن الإستغراب المالكي كان في محله ، وذلك لكون علم الكيمياء من العلوم التطبيقية التي تمكن العاملون في مضمارها من الوصول إلى درجات عالية من الدقة ، وتيسر لهم التكهن في حصول النتائج الممكنة ، وإن تكرار التجربة وإعادة إنشائها حادث مرات عديدة . أما مضمار الإشتراكية فمختلف على الإطلاق من موضوع الكيمياء . فمن المعروف إن موضوع الإشتراكية هو الإنسان والمجتمع ، وهما موضوعان غير قابلان للضبط بصرامة ودقة مثل موضوع علم الكيمياء . كما وإن صياغة القوانين للواقع الإجتماعي وحياة الناس هي أشبه بمحاولات يكون فيها التكهن في أغلب الأحيان ضرباً من التخمين . والتخمين لا علاقة له بصرامة العلم وتكهناته الدقيقة .

  والحقيقة إن الماركسية ورثت في بنيتها الفلسفية وليست العلمية ، أشياء كثيرة من الهيجلية ، ولهذا حملته إرثاً ثقيلاً لم يمكنها من إنجاز قطيعة معرفية تامة مع الهيجلية ، تمكنها من إنجاز مشروع علم شبيه بالكيمياء . فمثلاً إن ماركس أعاد بناء العمارة المعرفية الماركسية على المنهج الهيجلي ذاته ، والذي يتألف في حركته من إيقاع ثلاثي ، يتنقل من الموضوع إلى النقيض ، ومن ثم إلى التأليف الذي هو بدوره تركيب أشياء من الموضوع والنقيض في بنية جديدة .

  إن المثابرة المالكية كانت حقاً متفهمة لهذا الحضور للمنهج الهيجلي في الإطروحة الماركسية ، وهذه خطوة مهمة في مضمار التجربة النقدية التي سعى مالك إلى إنجازها في عملية التقويم المعرفي للماركسية . وفي هذا الصدد يقول مالك ” إن الماركسية التي إدعت بأنها قد تبعت خطى المنهج الهيجلي ، قد ورثت من هذا المنهج آليته الجدلية الرائعة ” (المصدر السابق ، ص 12) .

  كما ونلحظ على الإفادات التي كتبها مالك عن الماركسية ، إنها أنجزت فعل إستخلاص ثقافي للإطروحة الماركسية ، والذي يكشف عن جوهر قراءة مالكية جديدة لها . ولهذا حملت القراءة المالكية في جنباتها أفعال إقرار بمشروعية ، وأفعال إقرار بلا مشروعية إستمرار الإطروحات الماركسية في حياة قرن جديد لا تنتمي إليه . وفعلاً فأن عبارات مالك قد كشفت عن فعل الإستخلاص الثقافي ، والذي يحمل مشروع قراءة مالكية لمستقبل الماركسية ومصيرها .

   ونحسب إن في كلمات مالك الصدق الكثير على التحولات التي أصابت الماركسية . وخصوصاً في مضمار الأجتهاد الماركسي . فقد تم إقفال أبواب الإجتهاد مما كان الحاصل من ذلك إنتقال الإطروحة الماركسية إلى ذمة من ذمم التاريخ وتحولت إلى ماركسية أرثوذوكسية . ( وبالمقابل فأن الماركسيين الأرثوذكسيين قد إتهموا المجتهدين من الماركسيين الجدد بالتحريف ، حدث مثل هذا للوكاش ، ورايش ، وكرامشي ، جارودي ، وماركوز وزملائه من مدرسة فرانكفورت وفرانز فانون .. من الأوراق التي يعتز بها الباحث ورقة بحث كتبها في نهاية الثمانيات بعنوان ” العقدة الآيديولوجية ومحنة الإجتهاد الماركسي ” والتي إنتشرت بشكل واسع في الأوساط الأكاديمية يومذاك).

  إن عبارات مالك في تلخيصها الثقافي لفعل الماركسية قد حمل الكثير من الحقائق التي ترسم مآل الماركسية ومصيرها . يقول مالك : إن ” الماركسية مثلاً : إنها منهج أفكار رأى النور في الواقع الإجتماعي في بداية القرن التاسع عشر ، إنها ساعة مستقبل فلسفي لعالم ما ، لكننا إذا نظرنا إلى الحاضر ، يبدو لنا الوجه الأخر مستقبل عالم الفلسفة ، الذي ظهر لأعيننا عبر القرن العشرين ” (المصدر السابق ، ص 13) . وللدقة نسعى إلى تعديل عبارة مالك القائلة : إن ” الماركسية منهج رأى النور … في بداية القرن التاسع عشر ” . بالعبارة القائلة : ” إن الإعلان عن الماركسية جاء في النصف الأول من القرن التاسع عشر ” . إلا إننا نعود ونقول : إن كلام مالك يكون مقبولاً لدينا في حالة واحدة ، وهي إذا وضعنا في إعتبارنا حضور الفلسف الهيجلية ، وبالتحديد المنهج الهيجلي في الإطروحة الماركسية ، فأن كلام مالك لا غبار عليه ، ويستقيم في هذا الحال.

  لقد تعامل مالك مع الإطروحات الماركسية بأشكال مختلفة ، توزعت بين الآخذ والإفادة ، والنقد والتعديل وبما يتناسب والظروف الإجتماعية وشروط الحال التاريخي . وهنا نستطلع موقفاً من مواقف مالك المتعاملة مع الماركسية ، وفي لحظة من لحظات التطور الفكري . جاء ذلك في وصف مالك للمثابرة الماركسية ودورها في توليد مجتمع حديث . ولعل من أهم خصائصه مساهمته في توسيع آفاق المعرفة والعلم : إن ” إنتاج ماركس وأنجلس ولينين الذين وضعوا على أقدامه مجتمعاً جديداً يغزو اليوم الفضاء ” (مالك بن نبي : القضايا الكبرى ، ص 181) .

  دللت الإفادات المالكية على إن الماركسية عقيدة معرفية قادت الجهود والمثابرات إلى فتح آفاق العلم والتقدم ، المتطلعان إلى إستكشاف الفضاء أو غزوه بكلمات مالك . إنها عبارات إطراء فيها من التقويم الإيجابي الشئ الكثير . إلا إن هذا الوصف المالكي كان مشروطاً بواقع الحال التاريخي الذي كان شاخصاً أمام عيون ” شاهد القرن ” . ونحسب هنا إن الإفادات المالكية قد رددت أشياء كثيرة دون بذل جهد تحليلي ونقدي للإطروحة المعرفية الماركسية التي كانت متداولة في دوائر الأنظار الإجتماعية والثقافية ، الدوائر التي ترى إن الماركسية ” أدت إلى صياغة المفهوم العلماني للدراسات الإجتماعية والثقافية ” (مالك بن نبي : الرشاد والتيه ، ص 63) . هذا الكلام فيه نوع من الإغماط ، وذلك لآن المفهوم العلماني للثقافة والدراسات الإجتماعية كان حاضراً في العمارة الفكرية لكثير من العلماء والفلاسفة الذين تناولوا قضية الثقافة والشأن الإجتماعي قبل الماركسية بأشواط زمنية .

  ونتساءل : ما موقف مالك بن نبي من الإنموذج الماركسي للثقافة ؟ لقد حسب مالك الجوانب النافعة التي تقدمها الماركسية ، وهو يسعى إلى تشكيل خطابه الثقافي المعرفي . وكان واع بدرجة عالية إلى الإغراء المتخفي وراء اللغة والمنهج الماركسيين . كما إنه أدرك بدرجات من اليقين إلى إن الماركسية تنزع إلى ضم كل مشروع ثقافي تحت خيمتها الفلسفية . ولذلك فتش عن الجوانب السلبية في الماركسية ، والتي تتطلب من المفكر العروبي (والإسلامي) أن يعمل بكل جهد فكري إلى توقيف فعلها المدمر للهوية الثقافية العروبية (والإسلامية) ، ومن ثم تشغيل بدلاً عنها العوامل الثقافية التي تعبر عن هوية الأمة الثقافية والحضارية . وعلى هذا الأساس تعامل مالك مع الماركسية ، فرأى إن هناك نقاط مشتركة ” بيننا وبين المصطلحات الماركسية ، فلقد قررنا فيما يتعلق بمفهوم كلمة (ثقافة) إن النظرية الماركسية ليست مخطئة ، ولكنها ناقصة بالنسبة إلينا ، لأنها بهذه الصورة لا تسمح لنا أن نحقق بناء نموذج الثقافة الخاص بنا ” (مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 30) .

  كما وكانت الماركسية حاضرة أمام أنظار المفكر الإسلامي المتنور مالك بن نبي ،  لحظة إنشغاله في وضع أسس مشروع ثقافي ، ولذلك سعى إلى التأكيد على إن مثل هذا المشروع يحتاج إلى منهج تربوي يكون وسيلة تنفيذ له في حياة الناس . وإعتقد إن أول خطوة في هذا المضمار ، تتطلب صياغة قاعدة فلسفية أخلاقية لمثل هذا المنهج التربوي  الآداتي . وهنا تأمل مالك بن نبي في طرف من أطراف الخطاب الآيديولوجي الماركسي. وجاء ذلك من خلال النظر في كلام  ” خروشوف ” ، ولاحظ إن الأخير يرى إنه ” قبل أن تتكون لدى الأفراد حاجة داخلية إلى أن يعملوا ما وسعهم الجهد ، فإن المجتمع لا يمكن أن يعفي نفسه من مهمة تحديد إصول هذا العمل ” (مالك بن نبي : مشكلة الثقافة ، ص 63) .

  ويتعقب مالك الفهم الماركسي – الخروشوفي للأخلاق ، ويكشف عن أهميته في المنهج التربوي للمشروع الثقافي ، فيشير بتلميح جدير بالتأمل والإهتمام ، إلى إن الماركسية وإن شطبت دور الدين من حساباتها ، فإن الدين ظل متخفياً ومستبطناً في الأخلاق ، وذلك بإعتبار (الدين) مصدراً من أهم مصادرها (الأخلاق) . ولهذا جاءت الإفادات المالكية تناقش الفهم الخروشوفي ، وذهبت مؤكدة على إن ” مشكلة الأخلاق تواجه منذ الآن في المجتمع الماركسي ، دون أن يقصدوا إلى التعبير عنها بهذه الصورة ، بل دون أن يرمزوا إلى العنصر الديني الذي يعد من مكونتاها ” (المصدر السابق) . وحسب الفهم المالكي المغاير والذي يتسور بموجهات الإسلام الإنسانية السامية ، يصبح واضحاً إن الأخلاق ضرورية لتنظيم أي مجتمع ، كما إن ثقافة المجتمع هي الغذاء ، وإن الطريقة التي يصل من خلالها الغذاء هي التربية (أنظر المصدر السابق) .

  ونحسب إنه من المفيد أن نشير إلى إن الملاحظات التي سجلها مالك على الإطروحة الماركسية ، والتي سبق إن قيدها عدد من المفكرين في العالم الغربي ، هي إن الماركسية في تفسيرها لحركة التاريخ البشري وتكوين الحضارات ، قد ردت كل شئ إلى عالم الإقتصاد (أو الإنتاج) . وفي ضوء هذا الفهم ، تكون الماركسية قد إنتخبت لنفسها دربها الوحيد ، وحصرت نفسها في معاقل فلسفة أحادية . وكلمات مالك تأتي واضحة في مثابرتها النقدية التقويمية ، فتفيد ” عندما أصدر (برودون) كتابه : فلسفة الفقر (العنوان المتداول ، هو فلسفة البؤس ، بين قوسين من كاتب المقال) ليبين مأساة الإنسانية الجائعة ، قذفه (ماركس) بكتابه : فقر الفلسفة (العنوان الشائع ، هو بؤس الفلسفة) ، ليرد المأساة إلى بعد واحد يدمج فيه الإقتصاد والعلم ” (مالك بن نبي : بين الرشاد والتيه ، ص ص 63- 64) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(14)

حضور الفانونية في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  ونتساءل : ما حجم حضور إفادات المفكر الماركسي ” فرانز فانون ” في خطاب مالك الثقافي المعرفي ؟ وما موقف مالك من المثابرة الفانونية برمتها ؟ حقيقة عرفت دائرة تفكير مالك ما يمكن أن نطلق عليه ” الفلسفة الماركسية ” وإن كان هذا الإصطلاح مرفوضاً من قبل ماركس ، لأنه كان ينظر إلى الماركسية ” كعلم لطبقة البرولتاريا ” وعلى هذا الأساس هاجم الفلسفة في كتابه الشهير ” بؤس الفلسفة ” . كما عرف مالك إتجاهات فلسفية تولدت من الماركسية ، من مثل : اللينينية والستالينية والماوية . وهذه المعرفة جاءت على صورة إفادات سريعة ، تغلب عليها حس نقدي . وفي الوقت ذاته غابت إتجاهات ماركسية أخرى ، فيها بضاعة نقدية للأرثوذوكسية  الماركسية ، كان من المكن أن تجد لها مساحة في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . إلا إنها غابت من الحضور ، وهي مثل اللوكاشية والماركوزية والغرامشية والرايشية والجارودية ..

  وبخلاف ذلك فإن إتجاهاً  ماركسياً مجتهداً حظي بإهتمام غير إعتيادي من قبل دائرة تفكير المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي ، وهو الإتجاه الذي إرتبط بإسم المفكر المجتهد ” فرانز فانون ” ( مالك بن نبي : مذكرات شاهد القرن ، ص 96) . ولعل السؤال الذي يرفعه القارئ الكريم : من هو المفكر الماركسي المجتهد فرانز فانون ؟ إنه ” فرانز عمر فانون ” (1925 – 1961) ، وهو طبيب نفساني وفيلسوف وثائر أسود من جزيرة ” مارتنيك ” في البحر الكاريبي (وهي مستعمرة فرنسية) وأصبح جزائرياً خلال حرب التحرير . أكمل دراساته الثانوية في بلده جزيرة مارتنيك ، ودرس الطب في فرنسا ، ومن ثم تخصص في الطب النفسي . وفي الوقت ذاته درس الآدب والفلسفة . وكان بعض الأحيان يحضر محاضرات الفيلسوف الوجودي ” مارلو بونتي ” .

  أصبح في العام 1951 طبيباً نفسياً ، وأثناء فترة الإقامة في المستشفى ، تعرف على الطبيب النفسي المشهور ” فرنسيس توكولس ” (1912- 1994) ، الذي لعب دوراً مهماً في توجيه تفكيره للإهتمام بالثقافة في علم النفس المرضي ، وذهب في العام 1953 للعمل  في الجزائر طبياً نفسياً في الجيش الفرنسي  فترة الإحتلال ، ومن ثم أصبح رئيس الأطباء النفسانيين  . وهناك كان فانون رائداً في إستخدام المؤثرات الثقافية الحضارية في معالجة مرضاه النفسيين .

  أصدر  فانون في فرنسا كتابه الأول المعنون ” الجلد الأسود والقناع الأبيض ” عام 1952 . وكان هذا الكتاب في الحقيقة إطروحته للدكتوراه التي قدمها إلى جامعة ليون الفرنسية والتي كانت بعنوان ” إندماج الإنسان الأسود ” والتي رفضتها جامعة ليون . فما كان أمام فانون من إختيار ليواجه الجامعة ، إلا أن يقوم بنشرها في كتاب . وفعلاً فإن الفيلسوف اليساري ” فرنسيس جونسن ” عمل على ذلك وإقترح على فانون عنواناً جديداً هو ” الجلد الأسود والقناع الأبيض ” وكتب له مقدمة . فكان هذا الكتاب هو باكورة  أعمال فانون في عالم الكتابة والتأليف .

  وأثناء عمله في الجزائر ، عرف عن قرب قسوة المستعمرين الفرنسيين في التعامل مع الشعب الجزائري ، فكتب في العام 1956 رسالة إستقالة ، ومن ثم طرد من الجزائر في العام 1957 .  وفي العام 1959 أصدر كتابه الشهير ” موت النزعة الإستعمارية” . إن هذا الكتاب وصاحبه فانون لفتا أنظار شعوب العالم الثالث وأصبح فانون مفكراً رائداً في مناهضة النزعة الإستعمارية في القرن العشرين .

  وعاد إلى الجزائر سراً ، فدخل من تونس وعمل محرراً ومستشاراً صحفياً ، وناطقاً رسمياً لحركة التحرير الجزائرية ، ومن سفيراً للجزائر في غانا . وبسبب التنقل المستمر داخل الصحراء والإجهاد ، أصيب بسرطان الدم وذهب للعلاج للإتحاد السوفيتي ، وقابل الفيلسوف الوجودي ” سارتر ” في روما أثناء فترة العلاج ، وكانت هذه المقابلة قد تمت قبل سفره للعلاج إلى أمريكا . ومات فانون في ولاية ميرلاند الأمريكية في 6 ديسمبر 1961 ، ودفن في تونس لفترة قليلة ، ومن ثم نقلت رفاته إلى مقبرة الشهداء في الجزائر.

  نشر فانون كتابه الشهير ” معذبو الأرض ” في عام 1961 والذي كتب له مقدمة الفيلسوف الوجودي ” جان بول سارتر ” . والحقيقة إن فانون ناقش فيه دور ” الطبقة ” و ” الجنس / الأصل ” و ” الثقافة ” و ” العنف ” في حركة التحرير الوطني . ومن ثم نشر في العام 1961  وقبل موته قصة قصيرة . وبعد موته  جمعت أوراقه وصدر له في العام  1964  كتاب بعنوان ” علم إجتماع الثورة ” ، و ” نحو ثورة أفريقية ” ..

 لقد لعبت كتابات فانون دوراً مؤثراً في مضمار “دراسات ما بعد المرحلة الإستعمارية” والنظرية النقدية . وكماركسي فقد كان ينظر إليه كصاحب نزعة ” إنسانية راديكالية ” . كما إنه كان من الرواد في حقل ما عرف بدراسة الأمراض النفسية للإستعمار . وإذا كان هناك من كلمة تقال بحق فانون في التقويم الآخير ، فهي إن كتاباته كانت ” إنجيلاً ” ألهم الكثير من سياسي ومفكري العالم الثالث . كما أقتبست منه الحركات المناهضة للإستعمار الكثير الكثير ولمدة أكثر من أربعة عقود . (للتفصيل أنظر : باتريك إهلان ؛ فرانز فانون : السيرة الروحية (بالإنكليزية) ، نشرة دار طرق مفترقة ، نيويورك 2001) .

  ولعل إهتمام دائرة تفكير مالك بن نبي بالمفكر الماركسي المجتهد فانون ، له أسباب ودواعي ، وإن كل ذلك متوافر في الإفادات التي تركها المفكر الإسلامي والتي ظلت نصوصه تحتفل بها . ونحسب إنه من النافع في البدء أن نشير إلى حقيقة مهمة ، نكمل من خلالها رسم الصورة الكاملة لمكانة فانون في دائرة الإجتهاد الماركسي . فهو واحد من المفكرين الماركسيين الذين خرجوا على سلطة ” الماركسية الأصولية ” ، وشغلوا فعل الإجتهاد بعد أن غلقت أبوابه وإلى الأبد مع حصيلة الإجتهاد الستاليني سلباً وإيجاباً .

  لقد تناول فانون الإطروحة الماركسية في إندلاع الثورات بالدراسة والكد الفكري الإجتهادي الفطن  ، وبالتأكيد  جاء ذلك من خلال مراقبته لواقع الإنقلابات العسكرية في العالم الثالث ، فقد لاحظ إن الأطروحة الماركسية في ” علم الثورة ” تؤكد على إن الثورة تصبح ممكنة في البلد الذي تكونت فيه الطبقة العاملة (البرولتاريا) . ولذلك تساءل فانون في كتابه ” معذبو الأرض ” : لماذا أصبح الثورة ممكنة في بلد لا يمتلك (نحن نؤكد لا يمتلك) للطبقة العاملة ؟ والحقيقة إن هذا السؤال الذي تقدم به فانون ، يذكرنا بمثابرة المفكر الماركسي المجتهد ” هربرت ماركوز ” في كتابه ” الإنسان ذو البعد الواحد ” والتي قامت بإعادة صياغة السؤال الماركسي حول علم الثورة : لماذا أصبحت الثورة مستحيلة (نحن نؤكد غير ممكنة) في بلد يمتلك للطبقة العاملة منذ أكثر من قرن من الزمن (ويقصد الولايات المتحدة الأمريكية) ؟ (أنظر : محمد الفرحان : العقدة الآيديولوجية ومحنة الإجتهاد الماركسي ) .

  إن الجواب الذي قدمه فانون ، أعتبر خطاباً سياسياً خارجياً من زاوية دائرة الخطاب الماركسي الإصولي . وكان الحاصل من ذلك طرد فانون من دوائر الفكرانية الماركسية المغلقة الأبواب ، ومن ثم تحول نحو مضمار الثورة الجزائرية ، وأصبح الناطق الصحفي بإسم الثوار الجزائريين  في معارك التحرير ، مما كان لكل ذلك من الأثر في تكوين مكانة متفردة  له في مشاعر الشعب الجزائري .

  وعلى هذا الأساس نتساءل : كيف تعاملت دائرة تفكير مالك مع المفكر المارتنيكي (الأفريقي الأصل) الفرنسي الثقافة – الجزائري النضال فرانز فانون ، والذي شكل إتجاهاً فكرياً في دائرة الإجتهاد الماركسي ، والذي عرف بالفانونية ؟ يحمل خطاب مالك نوعاً من التقدير العال للمثابرة الفكرية والإعلامية التي قام بها فرانز فانون . إلا إن قلم مالك في الوقت ذاته كشف عن حالتي القصور في نهج فانون ، والنكوص وعدم القدرة في التغلل إلى أعماق ” الذات الجزائرية ” . ولعل ذلك يعود حسب المنظور المالكي إلى الإختلاف بين ” تجربة فانون ” و ” تجربة الذات الجزائرية ” . ولهذا يقول مالك مقيماً جهود فانون في مساندة الشعب الجزائري : ” يتعين علي أن أشير إلى قضية فرانز فانون .. مع كل التأثر والتقدير اللذين يستشعرهما كل جزائري عند ذكر الإسم … لا يمكنه إن يقدم نشيد النضال والعمل للشعب الجزائري لأنه لا يغوص إلى الجذور العميقة من ذاتية هذا الشعب ”  (مالك بن نبي : القضايا الكبرى ، ص 108) .

  ما هي مكانة الفانونية في الخطاب المالكي ؟ سؤال مشروع نتابع من خلاله رحلتنا التي تترصد التقويم الذي قدمه المفكر التنويري مالك بن نبي للمساهمة الناجزة التي عاشها المفكر الماركسي التجديدي فرانز فانون في صفوف المناضلين الجزائريين خلال  سنوات  مقارعة الإستعمار الفرنسي يومذاك  . حقيقة لقد شغلت الفانونية مكانة مهمة في الخطاب الثقافي المعرفي الذي ولدته دائرة المفكر مالك بن نبي . ولهذا نحسب إن الإستناد إلى فعل التاريخ والثقافة وخلاصة التجربة ، يجعلان من التقويم الذي أنجزه مالك للمثابرة التي قام بها ” فرانز فانون ” فيها الكثير من المصداقية . ولكن صحيح جداً كذلك إن الأرضية المشتركة للمعاناة الإنسانية التي عاشها الشعبيين في ظل الإستعمار الفرنسي : شعب المارتينيك والشعب الجزائري . قد حملا مصداقية أخرى  تعمل بقوة عالية لصالح فانون  ، فقد حمل المفكر المارتينيكي في قلبه وتفكيره جزءً من المعاناة الإنسانية المشابهة لتجربة الشعب الجزائري التي عاشها مع المناضلين الجزائريين .

   وعلى هذا الأساس نشعر على خلاف مالك إن فانون لم يكن غريباً على الأرض الجزائرية ، فالجزائر إفريقية وفانون من أصول أفريقية  ، والجزائر مستعمرة فرنسية والمارتينيك بلد فانون مستعمرة فرنسية كذلك . ومن هذا يأتي التناغم والإنسجام في تفكير وشعور فانون  الذي شارك النضال في صفوف شعب يحمل النبض الأفريقي في قلبه الثائر. ولذلك نرى في عبارات مالك التقويمية لمثابرة فانون ، فيها ما يجانب الحق الإنساني المشروع . يقول مالك : ” فعمل فانون – الذي سوف يبقى في نظرنا ذا قيمة لا تقدر – لا يقدم ولا يمكنه أن يقدم نشيد النضال والعمل للشعب الجزائري لأنه لا يغوص إلى الجذور العميقة من ذاتية هذا الشعب ، ولا يعانق كلية موضوعيته الإجتماعية والتاريخية ، فالنشيد الذي يحشد طاقته الشعب ، كما يحشد المكثف الشحنة الكهربائية ، لا يمكنه أن يتشكل على سجل أجنبي ، حتى في مجرد تعبيره الفني أو الموسيقي أو الأدبي. لأن عملية تركيبه تتم داخل روح الشعب أولاً ، لكي يترجم فيما بعد ضمن فكر إنساني يكون جزءاً من تلك الروح الإجتماعية ” (مالك بن نبي : القضايا الكبرى ، ص 108).

  الحقيقة إن قراءة هذا النص المالكي أمام حضرة مشروع كتابه ” فكرة الأفريقية الأسيوية ” وبالتحديد أمام دعوته لتأسيس ” محور طنجة – جاكرتا ” ومحاولته توسيع مضمار المشروع الإسلامي في الإقتصاد ، وتحويله ليكون نظاماً إقتصادياً أفرسيوياً فعالاً (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المشروع الإسلامي للإقتصاد عند مالك بن نبي / مجلة الإجتهاد ، بيروت ، خريف 1997 / العدد (37) ، ص ص 15 – 57 ) ما يثير التعارض والتنافر ، وذلك لأن مالكاً في هذه المشروعات ، حاله شبيهة بحال فرانز فانون الأفريقي المناضل في صفوف الشعب الجزائري . والمثال الثاني الدال ، هو إن ما أقدم عليه مالك من توسيع لمدى الإطروحة ” الكيسرلنجية ” في كتابه ” شروط النهضة ” وذلك شعوراً في إمكانية تطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين ، ما يتعارض وعبارته التقويمية لمثابرة المفكر الماركسي التجديدي فرانز فانون .

  ونحسب إن في عودة فانون إلى أفريقيته ، فيها الكثير الكثير مما يقربه من الشعب الجزائري . كما فيها إنتاج نمط جديد من الماركسية ، هو النمط الفانوني ، وإن هذه العودة إلى الأرض (الجذور) الأفريقية ، هي التي كانت المحرك الأساس لكتابة مؤلفه الشهير ” معذبو الأرض ” . في حين إن مفكرنا مالك كان في كثير من القضايا الحضارية والثقافية ، إنتخابياً لمادته المعرفية التي تتناغم مع مزاجه ومنهجه الشخصي.

  ويجب إن نعترف بأن هناك إختلافاً بين المفكرين : مالك بن نبي وفرانز فانون ، يصل إلى حد التقاطع . كما إن موقف الرجلين الفكري لا يلتقيان ؛ موقف فكري متسور بأيديولوجية فانون المعرفية المستظلة ببعد هرطقي . وموقف فكري مالكي مؤسس على إفادات قرآنية ، وفي بعض الأحيان متسورة بها . ولهذا كان الرفض موقفاً متولداً من دائرة تفكير مالك للإنموذج الفانوني في التعبير عن الذات الجزائرية.

  والحق يقال إن التجربة الجزائرية يومها قد أفادت فانون الكثير ، وسهلت مهمته في إعادة قراءة الماركسية بنفس أفريقي ، والذي أسهم من طرفه في تعديل الأطروحة الماركسية فيما يسمى بعلم الثورة . إن كل ذلك جعل فانون من رواد المفكرين الماركسيين في العالم الثالث ، الذين دخلوا باحة الفقه الماركسي ، وسجل إسمه عريضاً في قائمة المفكريين المجددين في دائرة الإجتهاد الماركسي .

  ونظن إنه من النافع أن نشير إلى حقيقة تخص الإختلاف بين شواطئ المالكية والفانونية كفكرانيتيين متوازيتين . وهي إن هذا الإختلاف كشف عن إنحياز مالكي نحو جزائريته قضية وهدفاً . ودفع فانون في الوقت ذاته نحو بعد إنساني يحمل بكف خلاصة تجربته الجزائرية ، وبكف أخر مشروع فكرانية ماركسية جديدة . وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن هناك شيئاً من فانون في نبض القضية الجزائرية يومذاك والشاهد على ذلك إن المناضلين الجزائرين حملوا رفات فانون من أمريكا حيث مات إثناء علاجه من سرطان الدم ، ودفنوه موقتاً في تونس ، ومن ثم نقلوه إلى مثواه الأخير في مقبرة شهداء الجزائر . في حين إن التجربة الجزائرية ، وإن كان مالك بعيداً عنها حيث كان يعيش في باريس ، قد شكلت مجمل فكرانيته . ونحسب إن في هذا إشكال يظل دون حل له من وجهة نظر مالك لفانون ، ومن منظار فانون لمالك .

  ونعود إلى نصوص مالك بهدف التعرف على مجمل أراءه بشخصية فانون ، وموقفه من فكرانيته ، والتي كما نظن إن الجانب الكبير من الخلاف يدور حولها . يقول مالك : ” والمؤكد إن فانون يمثل الموسيقي العظيم القادر على إستخراج أصفى النبرات الثورية من الروح الأفريقية ، فقد كان فنه رائع الحمية . كما كانت سبابته تقدم أحياناً أشجى الألحان الثورية ، وأشدها إثارة للعواطف ، ولكن سجله الشخصي البالغ الخصب من جوانب أخرى . كان يفتقد اللمسة التي تهز الروح الجزائرية ، وتصلها بذلك الرعش المقدس الذي دفع بالشعب الجزائري إلى النضال المحرر ، والذي يتعين اليوم أن يدعم إنطلاقته الثورية إلى حظائر الشغل والعمل ” (مالك بن نبي ؛ المصدر السابق) .

  إن نظرة مالك للعمل الناجز الذي قام به فانون ، مرهون بموقف فكراني(الفكرانية أقل درجة من الآيديولوجية) ، ولذلك حاسب الرجل على أساسه ، بالرغم مما أنجزه من أعمال ، وما قدمه من تضحيات للقضية الجزائرية . على إننا نذكر بأن هناك حشوداً كبيرة من المقاتلين الجزائرين لا يتفقون مع مالك ، بل بالعكس يقفون على الأرضية ذاتها التي يقف عليها فانون ، ويطربون بالموسيقى التي يعزفها . ولعل النص الآتي يكشف بوضوح عن الحساب المالكي الذي صنف فانون ” غريباً عن تجربة الشعب الجزائري ” . يقول مالك ” وإننا لنظلم فانون نفسه ، عندما نجعله – كما أريد به ذلك -  يلعب دور صاحب النظرية الثورية الجزائرية ، فلكي يتكلم المرء لغة شعب معين أن يقاسمه معتقداته ، وقد كان فانون إنساناً ملحداً ” ( المصدر السابق ، ص ص 108 – 109) .

  وأحسب إن مالك يتعادل في قضية اللغة فكلاهما يتكلمان الفرنسية منذ نعومة أظافرهما ، ومالك تحولت العربية لديه إلى لغة الطفولة والذاكرة . والحال بالنسبة إلى فانون ، فلغته الأفريقية تحولت إلى لغة الأجداد  . ولكن ضميمة الخلاف برمته تعود كما أعلن خطاب مالك إلى خلاف ” عقيدي ”  ، فالرجل فانون بكل الموازين المالكية ” صاحب نظرية ثورية جزائرية هرطقية ملحدة ” . هذا هو جوهر الخلاف بين فكرانية مالك وفكرانية فانون .

  ولكن هذا ليس في كل ما في الأمر ، فقد وجدنا مالك يعود إلى دائرة الحسابات الموضوعية ، ويتحرر منطق البحث عنده من دائرة ” الفكرانيات المتخالفة ” ، ويتجه نحو مضمار رد الإعتبار للمفكر الماركسي التجديدي فرانز فانون ، فيرسم له مكانة حقيقة في خارطة الفكر الأفريقي ، والتي تمتد من الجزائر ساحة الفعل والفكر الفانوني في طرف منها وإلى محور جغرافي يطوي أفريقيا برمتها  . والحقيقة إن مالك في هذه العودة كان متماسكاً جداً مع إطروحاته الفكرية ، وخصوصاً في فكرته ” الأفريقية الأسيوية ” التي لا تقتصر في عمارتها الفكرية على أفكار وأفعال الأفارقة (وفانون واحد منهم) بل إمتدت إلى أفكار وأفعال الأسيويين ، وبذلك جمع كل ذلك في منظومة فكرية تتحرك على محور ّ طنجة – جاكرتا ” . يقول مالك في رد الإعتبار لفرانز فانون : ” ولكننا سنظلمه كذلك إذا ما نسينا أو قللنا من قيمة دوره في تشييد مفهومية أفريقية . ففي هذا الميدان يمثل فانون كلاً متكاملاً ، لأنه يحمل ، في روحه ، كل روح أفريقيا ، وكل تاريخها ، وكل مأساتها ” (المصدر السابق ، ص 109).

تعقيب ختامي :

  إن السؤال المشروع : ماهي حصيلة هذا الحضور للفلسفة الغربية ، قديمها وحديثها ومعاصرها في الخطاب الذي كتبه مالك بن نبي ؟ كانت الحصيلة متنوعة  ، منها إن الخطاب المالكي مفعم بالخصوبة والثراء ، حيث إن حضور الفلسفة كشف لنا عن تمكن مالك من إدارة الحوار المعرفي والتبادل الثقافي مع كل الإتجاهات الفلسفية ، ومحاولة الإفادة منها منهجاً وعمارة فكرية ، ومن ثم توظيف المعرفة بها لصالح إنجاز الهدف الفلسفي الذي تطلع إليه .

  ومن طرف أخر فأن الحضور الفلسفي دلل على إنفتاح ذهنية مالك على مختلف تجارب الشعوب الثقافية . وأثبت لنا إن الحساب الثقافي الذي إعتمدناه وسيلة لمعرفة حجم حضور هذه الفلسفات كان نافعاً . فقد مكننا من تحديد درجة الإستحواذ التي سجلتها على ذهنية مالك . وفي الوقت ذاته سهلت مهمتنا في معرفة إمكانات قلم المفكر التنويري مالك بن نبي العالية على توظيف تلك الفلسفات ومعطياتها لصالح الإطروحة الفكرية التي سعى إلى تكوينها .

  ومن اللازم الإشارة إلى إن عملية الحساب الثقافي التي أخذنا بها طريقة في دراسة نصوص مالك . قد كشفت لنا إن مالكاً لم يصرح بكل المصادر التي إمتص منها مادته عن ثقافات الغرب ، وبالتحديد فلسفته ، والتي سمح لها أن تحتل مكاناً داخل النص الذي كتبه . كما وبين لنا إن هناك جانباً من المصادر المعرفية مسكوت عنه في إفاداته . وإن النص المالكي لم يذكرها صراحة .

  وظهر لنا إن في بنية الخطاب الثقافي ، تتشكل الفلسفة على صورة عمارة . ولهذا إقتضى البحث أن يشغل منهج الحساب الثقافي وذلك بدراسة العمارة الفلسفية طبقة طبقة ، وجزئية جزئية . وذلك بإتجاه فهم طبيعة المركب الكيميائي لثقافته ، والبعد الهندسي للجهاز اللغوي الذي إستخدمه في كتابة خطابه الثقافي .

  ولعل أخر حصيلة جاءت بها هذه المقالات ، هي إن الأبحاث التي إعتنت بتفكير مالك في مضمار الفلسفة تكاد أن تكون معدومة في مضمار دارنا الثقافية المعاصرة . ومن هنا يصبح من النافع جداً دراسة الخطاب المالكي وذلك بهدف معرفة مكوناته الثقافية والمعرفية ، ومن ثم الكشف عن هوية المصادر التي اسهمت في تكوينه وعلى جانبين : الكيميائي القائم على خلط العناصر الثقافية  وحملها على التفاعل بإتجاه تكوين الخطاب . والهندسي الذي يعتمد لغة الإيجاز والإقتصاد في التعبير ، لغة مطبوعة بالوضوح والدقة وخالية من الحشو واللغو .

  وفعلاً فقد إقتربت لغة مالك من أن تكون شبيهة من المعادلات الرياضية (أو هي معادلات رياضية) ، وهي بالنسبة لمضمار الإنسانيات تظل رموزاً يصعب قراءتها ، ومن ثم الوصول إلى معانيها ودلالاتها . كما وإن عملية التأويل لها ، فيها من الخطورة على دائرة فهم الفكر المالكي ووضعه في إطار غير الإطار الذي رغب له مالك ورهن حياته إليه . فرحم الله مالك بن نبي مفكرأ تنويرياً وطيب ثراه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(15)      

الشرط النسوي وترقية مكانة المرأة في خطاب مالك بن نبي                                                 

الدكتورة نداء إبراهيم خليل

سكرتيرة تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

تقديم :

  كتب أستاذي الفيلسوف الدكتور محمد الفرحان ، بحثاً رائداً عن إفادات المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي ، وكان بعنوان ” المشروع الإسلامي للإجتماع عند مالك بن نبي ” والذي كان متميزاً مثل بحثه الرائد الأول الذي نشرته مجلة ” الأجتهاد ” التي تصدرها دار الإجتهاد في بيروت لبنان (العدد 37 خريف 1997 / ص ص 15 – 57) . ولكن قرار عائلته بالرحيل إلى كندا ، قد حمله على التريث في تسليمه للنشر ، ومن ثم ظهرت بضع صفحات منه على موقع الفيلسوف . واليوم يشكل الفصل الخامس من كتابه الجديد المعنون ” الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي ” (أنظر مقابلة صحيفة البلاد اللندنية مع الدكتور الفرحان والمنشورة في الملحق من أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثالث صيف 2011) . وفي هذا الفصل عالج موضوع المشكل النسوي العربي الإسلامي من زاوية نظر مالك بن نبي .

   وهنا نقوم بمراجعة هذا المشكل وتقديم صورة واضحة لمكانة المرأة في كتابات مالك بن نبي ، والذي نقترح له عنوناً بديلاً وهو الشرط النسوي ، وهو عنواناً حيادياً يتناغم وتطلعات الحركة الفمنستية العارمة في الوطن العربي ، والتي يقودها جيل جديد من المثقفات والعالمات والعاملات العربيات ، والتي ليست لها علاقة بعناوين جمعيات المرأة (وهي جمعيات قشرية إذا إستعرنا المصطلح المالكي) تقودها وتترأسها ملكات وأميرات وزوجات رؤساء الدول ، والتي وظيفتها الأساسية هي تجميل الصورة القبيحة لأنظمة الحكم التي يتداولها أباؤهن أو أزواجهن (وان هذه الجمعيات القشرية المصطنعة فيها ضياع للوقت ، وتشويه لحقوق المرأة ودعواتها بالمساواة مع أخيها الرجل) . إنها في الميزان الأخير ، جمعيات سياسية لدعم سياسات القصر الملكي والرئاسي وأيديولوجيا الحزب الواحد ، وأيديولوجيا الرئيس مدى الحياة . إنها حقاً محنة المجتمعات العربية ، ومحنة الملرأة العربية على حد سواء .

  ولهذا نحسب إنه من الضروري أن نخبر القارئ بحقيقتين تخص الإفادات التي كتبها المفكر الإسلامي المتنور مالك بن نبي ، والتي عالج فيها الشرط النسوي وترقية المرأة :

أولاً – كتب مالك هذه الإفادات ما بين عام 1946 وهو تاريخ صدور كتابه الأول والذي رأى النور باللغة الفرنسية ، وحتى وفاته التي كانت في عام 1973 .

ثانياً – لقد مضت على وفاة المفكر مالك بن نبي أكثر من ثلاثة عقود ونصف من السنين (ثمان وثلاثين عاماً) . وخلال هذه السنين حدث الكثير الكثير من التحولات الإجتماعية والإقتصادية والعلمية والثقافية والتربوية والتكنولوجية ، وخصوصاً تكنولوجيا الإتصالات ، والتي أصابت واقع المجتمعات العربية عامة وواقع المرأة العربية خاصة . فنقلت مكانتها في الغرب خطوات متقدمة إلى الأمام . في حين كان واقع الشرط النسوي ، ومكانة المرأة العربية قصة شرقية أخرى . 

   ومما نريد أن نؤكد عليه هنا ، إن ليس الكثير من هذه التحولات كانت تجري إلى الأمام ، بل إن الكثير منها قد رافقه نكوص وتراجع إلى الوراء مما سبب تصاعداً لحركات أصولية حرقت ” الأخضر واليابس ” .. فكان الحاصل منها العودة بالحياة العربية إلى ” ماض عتيق ” ليس له علاقة بالقرن الحادي والعشرين . فسبب هذا الحال محنة مزمنة تعيشها المجتمعات العربية ، ونزيف دائم للجهود الساعية للتجديد ، ومن هذا الطرف كانت معوقاً سد جميع الأبواب التي تسهم في إحداث ترقية لمكانة المرأة العربية وتحسن من ظروف الشرط النسوي . والحقيقة إن ما أصاب المجتمع العربي : كانت أضراره مضاعفة على المرأة : إنساناً وزوجة وأماً وأختاً وبنتاً .. 

  يهدف هذا المقال إلى :

أولاً – تقديم إطار فهم عام عن صورة المرأة والرؤية المالكية

ثانياً – تحديد المنطلقات النفسية في دراسة الشرط النسوي

ثالثاً – ترسيم حدود النقد المالكي للمنطلقات النفسية وتعيين معالم الطريق المالكي الخاص

رابعاً – توصيف المعالم الرئيسة للموقف الإسلامي من الشرط النسوي

خامساً – تعريف بالحركة النسوية المتجددة في المجتمع العربي

سادساً – التدقيق في المشروع المالكي النهضوي في واقع المرأة العربية 

صورة المرأة والرؤية المالكية : 

  لقد أشار الأستاذ الفرحان صراحة إلى إن المشكل النسوي وترقية المرأة من الموضوعات التي أولتها الدراسات الاجتماعية أهمية ، ومنحها المنظر في علم الاجتماع مكانة في معالجاته ، وذلك لان اي ترقية اجتماعية تظل ناقصة ان لم تشمل ترقية لاوضاع المرأة . وللمقاربة المنهجية ، ومن ثم وضع الرؤية المالكية للشرط النسوي العربي الإسلامي في ميزان التقويم ، فأننا نتفق مع مذهب الفرحان في النظر إلى أهمية الشرط النسوي أو ما أسماه أستاذنا الفرحان ” المشكل النسوي ” في المشروع الاسلامي للإجتماع ، والذي جدنا قلم المفكر الاسلامي ، قد تناوله بالدراسة والبحث . ولبيان الموقف المالكي من هذا المشكل ، ومن ثم وضع الافادات التي كتبها لترقية المرأة على طاولة البحث ، نتساءل :

    ما هي منطلقات التحليل النفسي التي أستند اليها مالك في تحليل هذا المشكل ؟ وما حقيقة النقد الذي وجهه قلم مالك للاطروحات التي كانت متداولة يومذاك ؟ وما الطريق الذي أنتخبه مالك في أنشاء موقف متوازن تجاه المشكل النسوي ؟ وكيف فهم مالك العلاقة بين طرفي المعادلة الاجتماعية : المرأة والمجتمع ؟ وما هي الشروط التي أقترحها مالك عند تأسيس حركة نسوية ؟

    ونحسب انه من المفيد ان نلفت الانظار الى ان المفكر مالك بن نبي ، قد عاش تجربة حياتية متميزة ، منحته معرفة تفصيلية بأوضاع المرأة ومشكلاتها ، همومها وتطلعاتها . عاش مالك حياتين : حياته العربية التي مكنته من الوقوف على مشكلات المرأة العربية ، وفي مجتمع يعاني فيه من تخلف متعدد الاشكال . وفيه يعاني أخيها الرجل من ظلم مفروض على المجتمع برمته . وحياة أخرى عاشها في الغرب ، والتي أمتدت ما يناهز الثلاثين عاما ، كان حصيلتها زواجه من ” خديجة ” المرأة الفرنسية أولا ومن ثم المسلمة ثانياً . فكان قريب جدا من هموم المرأة الغربية التي هي بالتأكيد هموم مختلفة عن هموم المرأة العربية الاسلامية. والشاهد على ذلك كتابه المعنون “مذكرات شاهد القرن ” (مالك بن نبي : مذكرات شاهد القرن / ص ص 50 – 54 وكذلك ص 139) .

    ففعلاً لقد كان مالك شاهداً على أوضاع المرأة الغربية لمدة إمتدت ثلاثة عقود من الزمن . وكان في الوقت ذاته شاهد على شروط المرأة العربية المسلمة ، حين كان يعيش في الجزائر ، وبالتحديد ” ذاكرته عن جدته وأمه .. ” ، ومن ثم تجربته الجديدة ، بعد طرد الحكومة الفرنسية ، ومن ثم زواجه الجديدة من إمرأة جزائرية (عربية مسلمة) وإنجابها له بنتين . أحسب إن كل هذا سيؤثر على مالك ، وبالتحديد على رؤيته للشرط النسوي العربي الإسلامي .

   حقيقة انها تجربة غنية ، زودت مالك بالخبرة والمعرفة بقضايا المرأة عامة ، وقضايا المرأة العربية الاسلامية خاصة . ولذلك أدرك مالك ، وبوعي عال ، ان معاناة المرأة الغربية ومن ثم همومها وتطلعاتها نابعة من ظروف وتطور المجتمع الغربي . في حين ان معاناة المرأة العربية الاسلامية ، ومن ثم همومها وتطلعاتها متكونة من الظروف التي أحاطت بالمجتمع العربي الاسلامي. ولهذا رأى ان هناك اختلافا كبيرا بين الوضعين : وضع المرأة الغربية ووضع المرأة العربية الإسلامية.

    لقد لاحظ مالك ان المجتمع الغربي قطع اشواطا بعيدة وسريعة من النمو ، فيها درجات من التصاعد ، وفيها درجات أخرى من الهبوط لمكانة المرأة . بينما وجد بعين المراقب ، ان المجتمعات في الديار العربية الاسلامية تحاول بصورة حثيثة الى انجاز مشاريع ترقية لأوضاع المرأة ، وبما يتناسب والنمو الحاصل في واقع هذه المجتمعات . والحقيقة ان كل هذا يمكن تلمسه في كتاباته . فقد كتب مقالات عدة ، تناول فيها قضايا المرأة ، وتقدم بمقترحات لمعالجة أوضاعها ، وذلك بهدف احداث ترقية لها في ضوء شروط المجتمع العربي الاسلامي .

المنطلقات النفسية في دراسة ” الشرط النسوي ” :

    ونتسائل : ما هي منطلقات التحليل النفسي التي أستند اليها مالك في دراسة المشكل أو الشرط النسوي ؟ في الواقع كتب مالك مقالا بعنوان ” قضية المرأة المسلمة ” (مالك بن نبي : في مهب المعركة / ص 97) . عالج فيه أوضاع المرأة ، وذلك من خلال قراء ة وتقويم كتاب صدر في الغرب عن المرأة . ويبدو من خلال مثابرته التقويمية ، انه تطلع الى اعادة تكوين موقف عربي اسلامي متوازن من مشكلة المرأة ومن ثم التفكير في كيفية إحداث تحسين في الشرط النسوي . وهنا يلاحظ القارئ   ان مالكاً قد ميز بين نوعين من الدراسات التي تعرضت بالبحث في المشكل النسوي : الاول ما أسماه ” بالدراسات القشرية ” والتي تناولت الجوانب السطحية من حياة المرأة . والثاني ما أطلق عليه ” بالابحاث المعمقة ” والتي درست حياة المرأة بموضوعية . وفضل الابحاث الاخيرة وذلك لانها تجاوزت ” القشرة ” (المصدر السابق) .

    ومن طرف أخر فأن مالكاً يربط بين تطور المجتمع وتطور أوضاع المرأة ، كما ويعتقد ان العكس صحيح  . أعتمد مالك في إنشاء نظرته الى المرأة على كتاب وضعه الكاتب ” جوردن ريتري تيلور ” وكان بعنوان ” الجنس والتاريخ ” والذي ينهض في تكوين نظرته الى الانسان ، على معطيات نظرية التحليل النفسي  (المصدر السابق) . والتي أوضحت الموقف من الانسان ، ومن خلاله الموقف من المرأة ، و ذلك بالاستناد الى هذه الثقافة النفسية ، التي أعلنت الى انه يوجد في الانسان نزعتان : ” نزعة ايروس .. وهو حب وقدرة خلاقة . ونزعة تناتوس .. وهو حقد وقدرة تحطيم من ناحية ، وقدرة مراقبة وتنظيم من ناحية أخرى . وبقدر ما تكون النزعة الاولى والثانية هي المسيطرة ، يكون على المجتمع طابع الامومة ، بما في ذلك من عبقرية الانثى ، او طابع الابوة ، بما في ذلك من عبقرية الذكر ” (المصدر السابق / ص ص 97 – 98)  .

   وأكدت مرجعيات مالك النفسية ، على إن توافر مثل هذه الصفات ، قد يكون لها من الأثر الظاهر في بنية نظام الاسرة ” حيث تكون الاسرة تحت سلطة الام او تحت سلطة الاب ، ولكن وبصفة عامة ، فأن هذه الصفات تحدد صورتين او مرحلتين من الحضارة ، تتسم كل منهما بسمات معينة ” (المصدر السابق / ص 98) .

وعلى اساس هذا الفهم لحركة الحضارة ، ودور المرأة والرجل الفاعل فيها ، ومن خلال تبادل المواقع في قيادة المجتمع ، والتمسك بمركز النظام الاسري ، فأن مالك رأى ان هناك تكاملا بين الصورتبن الحضارتين التي ظهرت فيها شخصية المرأة او شخصية الرجل في إدارة شؤون المجتمع . وأن هذا التكامل حدث بين طبيعتين : ” طبيعة المرأة والرجل ، ان عنصر الانثى يعني الخصوبة والتغير السريع ، ونشاهد أثره في أشياء مثل ( الموضة ) و ( التقدم ) كما يحتوي ذوق جمالي وشاعرية . اما عنصر الذكر ، فانه يعني القوة والاستمرار والمبدأ الاخلاقي والتصوف ” (المصدر السابق) . 

النقد المالكي للمنطلقات النفسية والطريق المالكي الخاص :

     ونتساءل : ما حقيقة النقد الذي وجهه مالك الى الإطروحات التي أحتواها الكتاب السابق ؟ وما طبيعة الطريق الذي أنتخبه في تأسيس موقف متوازن من المشكل النسوي ؟ أول ما لاحظه مالك على كتاب ” الجنس والتاريخ ” ، إن المؤلف توقف من استخدام منهج التحليل الى نهاية ما أسماه مالك ” بالدور الحضاري المتكامل ” .

وبسبب هذا التعطيل للمنهج ، لم يصل المؤلف الى النتائج المترتبة عليه . ولكن اذا افترضنا انه واصل التحليل ، حسب رغبة مالك ، فأنه سيصل الى النتيجة القائلة : ان الحضارة التي تطبعها عبقرية المرأة  : ” ستنتهي عندما تصبح المرأة ( فارسة ) ، ويصبح فيها الرجل مخنثا ، والحضارة هنا تنتهي الى فجور وميوعة وانحلال ” . وبالمقابل فأن الحضارة التي يطغي عليها طابع الرجولة ، فأنها ستنتهي الى ” الجفاف والعقم والتحجر ” (المصدر السابق) .

     الحقيقة ان اراء مالك الخاصة بإخراج المرأة الى ميادين العمل ، ومن ثم تحررها … او الموقف المقابل الداعي الى إبقاء المرأة في البيت ، هي بمنظاره مواقف منطلقة من رؤية جنسية ، وهي تحتاج الى تمحيص ودراسة .

   إنطلق مالك من هذا الفضاء الفكري الى رحاب المجتمع والحضارة العربيين . أنطلق يؤسس موقفا عربيا من الوضع الحضاري ، ومن خلاله وضع المرأة . ولعل ما تميز به هذا الموقف انه وجه نقدا للجوانب السلبية ، وفي الوقت ذاته ثبت الجوانب الايجابية ، التي تحولت الى منارات تنير الدرب الحضاري العربي الاسلامي ، وأسهمت في تكوين رؤية للمشكل النسوي ، ومن ثم تطلعت الى إنجاز مشروع ترقية لاوضاع المرأة في ضوء نهوض الاجتماع الاسلامي الاصيل .

    لقد استند مالك في مثابرته هذه الى التاريخ العربي الاسلامي ، يستحضر منه شواهدا ، تدلل على رؤيته النازعة الى تكوين موقف من المشكل النسوي . فقد ذهب موضحا الواقع التاريخي لهذا المشكل ، فرأى ان المجتمع الجاهلي ، كان كله ” تحت سلطة الذكر ، وكان فيه نزعة من القسوة والتحطيم ، حتى ان المولودة كانت توأد ، يئدها أبوها . وحين جاء الاسلام أكبت فيه دوافع الجفاء والتحطيم ، ولم يترك له الا قدرة التغلب التغلب على النفس ، قدرة التنظيم والتوجيه ، تكون مجتمعا تتمتع فيه المرأة بكثير من الحقوق ، مقابل بعض الواجبات ، حتى ان الفقه الاسلامي لم يفرض عليها الا واجبات الزوجية . اما الواجبات المنزلية ، كالغسيل والطبخ ، فأنها ليست مطلوبة منها ، وحتى الرضاعة ليست فرضا عليها ، بل على الزوج ان يأتي بمرضعته لولده ” (المصدر السابق / ص ص 98 – 99)  .

المعالم الرئيسة للموقف الإسلامي من الشرط النسوي :

    رسمت الافادات المالكية التي نهضت على الشواهد السابقة ، المعالم الرئيسة للموقف الاسلامي من مشكل المرأة . وهذا الموقف أعلى من شأن المرأة ووضعها في مكانة انسانية تتناسب وشروط التحولات الجارية في المجتمع يومذاك . ولهذا نلحظ ان هذا الموقف الاسلامي ، قد حفز المرأة للمشاركة في بناء الحضارة الاسلامية ، وقدمت في مجاهدتها بجوار الرجل المسلم انموذجا قابلا للاقتداء ، ولذلك وجدنا الافادات المالكية تعود الى التاريخ الاسلامي ، وبالتحديد في مناطقه الاسلامية الاصيلة ، وتعيد كتابتها ، مؤكدة على ان تقاليد الحضارة الاسلامية في عصرها الذهبي ، قد أعلت من شأن المرأة . وهذا حق . ولكن الشواهد التي ذكرها مالك ، هي ليست النماذج الاسلامية ، وانما هي نمادج أفرزتها حركة التمدن ، ورد الفعل على حركة التمدن .

    ان دائرة تفكير مالك اشارت الى أنموذج نسوي ولدته حالة التمدن الاسلامي في الاندلس ، والتي مثلته أمراة مثل ” ولادة ” ،  وهذا حق . ومن ثم اشارت الى انموذج اخر جاء رد فعل عل الانحدار الذي صاحب التمدن الاسلامي ، والذي مثلته أمرأة مثل ” رابعة العدوية ” و التي أحتلت مكانة في   تاريخ التصوف. ولهذا نتحفظ على جزء من افادة مالك والتي وضعت ” ولادة ” و”رابعة العدوية “

كنقاط اشعاع واستلهام لحركة نسوية عربية . فقد اكد على ان ” ولادة ” و ” رابعة العدوية ” يمثلان أسماء نساء لامعات ” تبقى أثارهن كمعالم لطريق الحركة النسائية المتجددة ” (المصدر السابق / ص 99) .

الحركة النسوية المتجددة في المجتمع العربي :

   الحقيقة اننا نتحفظ على إفادات مالك السابقة ، وتحفظنا ينهض على حقيقتين : الاولى ان الافادة المالكية جمعت بين أنموذجين نسويين متعارضين ، واحد مدني منبوت في المجتمع الاسلامي المدني في الاندلس ، والاخر صوفي منسحب من مجتمعه في البصرة ، وفضل حياة العزلة والعرفان . والثانية ان تحفظنا متمسك بالمواقف المالكية المعلنة والتي تنكر على الصوفية وطرائقيتها ان تكون طريق اصلاح اسلامي .

    وعلى اساس هذا الفهم نثير السؤال الاتي : هل الحركة النسوية المتجددة ، التي نرغب ان تنهض في مجتمعنا العربي ، هي حركة تجميع لنماذج وصور يتعارض فيها المدني ورد الفعل عليه ( كما هو الحال في ولادة ورابعة العدوية ) ؟  ان هذا السؤال لا نجد له اجابة في الافادات المالكية ، وخصوصا تلك  التي قال فيها مالك كلمته النقدية والتقويمية للحركة النسوية ، المتكونة في الجزائر يومذاك . فقد وجدناه يرفض هذا التعارض في بنية الحركة النسوية ، ويدعو بالمقابل الى تكوبن حركة نسوية وفق اشترطات المجتمع الاسلامي (المصدر السابق) .

   ورفض هذا التعارض في بنية المجتمع الاسلامي ، حمل مالك الى رفض الانموذج الغربي للمرأة ، وذلك لانه أنموذج متكون ومترشح من ظروف عاشها المجتمع الغربي ، وهي بالتأكيد مختلفة عن ظروف المجتمع العربي الاسلامي ، والذي هو ثمرة ” الفكرة الاسلامية ” حسب الرؤية الاجتماعية المالكية . ولهذا رأى مالك : انه ” من الخطأ جدا اتخاذ الغرب مثالا يحتذى في قضية المرأة . وذلك لأن اوربا اليوم في طريقها الى وضع المراة ( الفارسة ) بدلا من المرأة ( السيدة ) وتضع بالتالي المخنث مكان الرجل . ان هذا التغيير حدث بلاشك بسبب ( التهور ) الذي يطلقون عليه ( تحرر المرأة ) كما يضعه فيكتور مارجريت في كتابه ( البنت المسترجلة ) ” (المصدر السابق / ص 100) . ولهذا دعا المفكر الاسلامي الى ضرورة اعادة الكرامة للمرأة والتي وهبها الاسلام اليها ، وان تكون السيدة التي توحي الى الرجل بالعواطف الشريفة ، لا الفارسة التي تسيطر عليه (المصدر السابق) .

  ونتساءل : كيف فهمت الافادات المالكية العلاقة بين طرفي المعادل الاجتماعي : المرأة والمجتمع ؟ تناول مالك هذه القضية في مجموعة افادات ، أودعها كتابه ” شروط النهضة ” . وأحسب ان المفكر الاسلامي رغب في انجاز نهضة اسلامية في المجتمع ، ومن خلال ذلك تحقيق نهضة في واقع المرأة العربية المسلمة . ولهذا لم يضحي مالك بطرف من اطراف المعادل الاجتماعي على حساب الطرف الاخر . وكان دقيقا في بحث مشكل المرأة ، ولذلك اختار بحثها في ضوء مشكل الرجل ، لأنهما ” يشكلان في حقيقتهما مشكلة واحدة هي مشكلة الفرد في المجتمع ” (مالك بن نبي : شروط النهضة / ص 174) . 

    لقد حملت الافادات التي دونها المفكر الاسلامي ، موقفا مالكيا ، فيه رد على النزعات المتطرفة ، تلك التي تنتصر الى المرأة ، وتسعى الى تحجيم مكانة الرجل ، وتلك التي تقف من المرأة ، موقف الرافض لفعلها ومساهمتها في درب الحياة . ورأى ، في مقابل هذه النزعات المتطرفة ، ان المرأة والرجل هما قطبا المجتمع الانساني . وان لا معنى لاحدهما بغير الاخر : ” فلئن كان الرجل قد أتى في مجال الفن والعلم بالمعجزات ، كان المرأة قد كونت النوابغ ” (المصدر السابق / ص ص 176 – 177) . وهكذا نحن امام موقف مالكي متوازن من المجتمع والفرد ، وفيه توزيع متوازن للادوار : ففيه بيان لدور الرجل وفعله في إنشاء الحياة والحضارة ، وفيه كشف لوظيفة المرأة الاجتماعية ، وهي ولادة النوابغ من الرجال .

   ويلاحظ على الافادات المالكية ، وهي تدقق في المواقف المتداولة من المشكل النسوي ، وفي سعيها لتكوين نظرة اسلامية من قضابا المرأة العربية الاسلامية المعاصرة ، انها أستبطنت حاجات المجتمع وتقدمه الحضاري ، وتطلعاته نحو المستقبل . وهنا أنتخبت الافادات طريق التساؤل . ونحسب ان التساؤل الكبير ، هو مشروع قطع لنصف المسافة ، نحو الانجاز . ولهذا ننظر الى تساؤل مالك القائل : ” هل يجب نزع الحجاب ؟ أو هل يسوغ للمرأة التدخين ؟ او التصويت في الانتخابات ؟ او هل يجب ان تتعلم ؟ ” (المصدر السابق / ص 177) ، على انه مشروع نهضة اسلامية في واقع المرأة العربية المعاصرة ، ومن ثم وضع المرأة في الطريق الذي يؤدي الى نهضة اجتماعية اسلامية شاملة .

المشروع المالكي النهضوي في واقع المرأة العربية

    لقد وضع مالك شروطا للنهضة الاسلامية في واقع المرأة العربية عامة والجزائرية خاصة ، وهذه الشروط تمثلت بما اسماه مالك ” ما ينبغي ” ان تكون عليه ” اجابتنا ” على الاسئلة التي أطلقنا عليها ” مشروع نهضة اسلامية في واقع المرأة ” . يقول مالك : ” ان جوابنا على الاسئلة ينبغي ان لا يكون بدافع من مصلحة المرأة وحدها ، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري ، اذ ليست الغاية من البحث في إشراكها في هذا المجتمع ، إلا الإفادة منها في رفع مستوى المرأة ذاتها . واذن فليس من المفيد لنا ان ننظر الى مشكلاتها بغير هذا المنظار ” (المصدر السابق) .

   وفي إطار التفكير المالكي لإنجاز مشروع نهضة إسلامية في واقع المرأة العربية . نثير السؤال الاتي : ماهي الشروط التي أقترحها مالك في مضمار انشاء حركة نسوية ؟ ونرغب أولا أن نشير الى ان مالك قد تناول هذه الشروط في كتابه ” بين الرشاد والتيه ” ، وتحت عنوان ” معالم على طريق الحركة النسائية الجزائرية ” (مالك بن نبي : بين الرشاد والتيه / ص 3) . وخلاصة القول ان مالك عمل بكل جد على إنشاء هذه الحركة ، وعلى شروط اسلامية . ولذلك أستند الى شواهد من التاريخ الاسلامي والتاريخ الحديث . ووضع امام الحركة النسوية ، نماذجا اسلامية هي مشاريع قدوة واقتداء ، من امثال ” سمية والدة عمار بن ياسر التي ماتت بالتعذيب دفاعا وصمودا من أجل معتقدها ” (المصدر السابق / ص 55) ، والتي تمثلت صورتها في تاريخ الجزائر الحديث ، في نساء من امثال ” فاطمة ” (المصدر السابق / ص 56) ، و ” فضيلة سعدان” (المصدر السابق / ص 57) . واللائي لعبن دورا فاعلا ” في عمليات التغيير في مجتمعاتنا العربية في شمال أفريقيا ” (المصدر السابق).

    ولهذا نبه مالك الحركة النسوية ، الى ضرورة البحث عن جذورها في قاع المجتمع العربي الاسلامي ، والارتباط برموز تاريخه الحية والاصيلة . ولذلك أكد على ان المطلوب من ” حركتنا النسائية ان تختار اذن لغرس جذورها ، تلك التربة النقية الطاهرة التي أنبتت سمية … و … فاطمة ….و فضيلة سعدان ” (المصدر السابق) . ومن ثم لفت الانظار الى خطورة غياب التخطيط عند التفكير في إنشاء حركة نسوية ، وذلك لتجنب الانزلاق في مهاوي العشوائية التي تسبب الارتباك وسوء الفهم، مما تثير مواقف معارضة ، فيكون الناتج اضرار للحركة النسوية والمجتمع على السواء . ولذلك حذر من الخطأ الذي ” يتسرب غالبا الى الحركات النسائية حينما تنشأ كيفما كان منشؤها على إنها حركات مطالبة ، او بالاحرى مرافعة ضد المجتمع ، ثم يأتي من يأتي ليؤيدها في ذلك ” (المصدر السابق) .

    لقد اكد مالك على اهمية الهوية الاسلامية للحركة النسوية في منطقتنا العربية الاسلامية . وطالبها ان ترفض مما اسماه ” الهوية الجاهزة التي تشكلت في الخارج ” . وكان مالك يستند الى نظرة واقعية الى مشكل المرأة ، وذلك بأعتبارها كائنا اجتماعيا ، وليس كائنا منعزلا ” يطرح مشكلاته على هامش المجتمع ، انها أحد قطبيه ، وقطبه الاخر الرجل ” (المصدر السابق / ص 58) .

 تعقيب :

     قدم هذا المقال وبالإعتماد على بحث الأستاذ الفيلسوف محمد الفرحان والمعنون ” المشروع الإسلامي للإجتماع عند مالك بن نبي ” ، معالجة لأهم مشكل واجه الاجتماعات الانسانية عامة ، والاجتماعات العربية الاسلامية خاصة ، وهو الشرط النسوي ودرجات ترقية المرأة التيتتطلع إليها في مجتمعاتها العربية الإسلامية . وتعريف بالطريقة التي عالج فيها مالك هذا المشكل أو الشرط النسوي ، وبيان لدعوته في إحداث ترقية في أوضاع المرأة ، وذلك من خلال معالجة قضاياها وقضايا الرجل في الوقت ذاته . ومن ثم كشف عن طبيعة مطالبته في إنشاء حركة نسوية ملتزمة بشروط الاجتماع العربي الاسلامي .

   ونظن إن هناك الكثير الكثير من أراء مالك ستجد لها قبولاً وبدرجات متفاوته من  دائرة الحركة الفمنستية العربية ، وإن وجدت لها إهتماماً من قبل الحركة النسوية الجزائرية على أقل إحتمال . كما إن هناك القليل القليل الذي لا يتناغم وتطلعات المجتمع العربي في القرن الحادي والعشرين ، وتوجهات الحركة الفمنستية العربية الجديدة المتصاعدة في ظل أجواء عالم إنساني تحول بحكم الإنترنيت إلى ” قرية صغيرة ” .. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (16)

ملحق

الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي

كتاب جديد للباحث الدكتور محمد الفرحان

 

مشروع الإقلاع الحضاري النهضوي اعتمد حسب المنظور المالكي على ثلاثة عناصر : الإنسان ، التراب والزمن

الدكتور الفرحان يؤكد  :

مشروع الإقلاع النهضوي الحضاري   قد إحتاج إلى إطار فلسفي نهضوي جديد

انجز زميلنا في ( البلاد) الباحث الدكتور محمد فرحان كتابه الجديد ( الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي ) ويعد الكتاب مساهمة فكرية  تسعى إلى نشر الفكر العربي التنويري المقاوم لنزعات الظلام وخنق الحياة . وهو فكرنهضوي مجابه لموجات التتر الجديدة الساعيةإلى تشويه الفكر والثقافة ، وحرف برامج التربية والتعليم عن مساراتها الحقيقة ، وجعلها تعمل لصالح قوى الإنغلاق والتخريب والتشرذم … وقال الدكتور فرحان عن الكتاب : 

  لقد شغلت النهضة  تفكير مالك ، مثلما شغلت اهتمام الكثير من المفكرين العرب والمسلمين . وشهد العصر العربي الاسلامي الحديث ، جدلا حول مفهوم وطريق النهضة . كما كثر الكلام حول شروط النهضة وكيفية انجازها . ويلحظ القارئ المتخصص في الشأن النهضوي العربي الاسلامي ، ان ثلاثة مواقف فكرية (وهناك امكانية للحديث عن ثلاث مدارس) تبلورت ملامحها ، وهيمنت على الساحة العربية الاسلامية :

اولا – مواقف نشدت انجاز المشروع النهضوي العربي الاسلامي (او التخطيط لنهضة بلد واحد او منطقة ) بوسائل المشروع النهضوي الغربي الناجز (ليبراليا او ماركسيا) .

ثانيا – مواقف نزعت الى رفض المشروع النهضوي الغربي جملة وتفصيلا ، وعملت بكل جد على اصطناع طريق عربي اسلامي للنهضة . وهذا الطريق كما صورته هذه المواقف ، متولد روحا وتفاصيلا من داخل الدار العربية الاسلامية .

ثالثا – مواقف شيدت عمارة مشروع نهضة حضارية ، تتوسط بين الموقفين السابقين . فأخذت من المشروع الغربي ما تحتاج اليه الحياة العربية الاسلامية من علم ومناهج وتكنولوجيا …(المعاصرة) وفي الوقت ذاته عادت الى التراث الحضاري العربي الاسلامي ، تتقوى به للحفاظ عل الهوية الحضارية العربية الاسلامية (الاصالة) .

  وحدث جدل عريض بين الاتجاهين الاول والثاني ، وصدرت احكاما واتهامات . فمثلا اتهم الاتجاه الثاني اصحاب الاتجاه الاول بالتأمر وتقليد الغرب والاغتراب . في حين اتهم الاتجاه الاول رجال النهصة التراثيين ، بالسلفية والرجعية وعبادة الماضي . وعلى هذا الاساس تعطل الحوار المنتج ، وفشلت مشاريع النهضة ، وان ظهرت لها تجارب جزئية هنا وهناك .

اسئلة مثارة !

    ويقف الدكتور فرحان  ليرفع الاسئلة التي اثارها البعض ، وهو يتأمل في مشاريع النهضة الحضارية في كتابه قائلا :

هل في الامكان الغاء كل ظروف الانكسارالحضاري ، والتخلف الفكري ، وتفكك العلاقات الاجتماعية ، والانقسام والتشتت السياسي ؟ وهل في مقدور احد ان يشطب هذا الواقع الذي تتوزع جزره المتناثرة ، جماعات بشرية ترتوي من انكساره الحضاري ، وتعيش على تخلفه الفكري ، وتستثمر تفكك علاقاته الاجتماعية ، وتعمل دون كلل بتعميق انقساماته السياسية ؟

  الحقيقة ان إلغاء كل ذلك يحتاج الى عصا سحرية وليس الى مشروع نهضوي . كما أن إلغاء هذا الواقع يعني القفز فوق كل هذه الشروط ، والسباحة ضد تيار حركة التاريخ ، ومن ثم بجرة قلم حالم شطب كل القرون التي كرست هذا الواقع وحولته الى حقيقة شاخصة امام الانظار . ان المنظرين والداعين لمثل هذا المشروع النهضوي ، حالهم حال من عصب عينيه ، لأن قصده كان رفض هذا الواقع وعدم الاعتراف بحقيقته الراهنة . هذا هو تصوير لمحاولات بعض المفكرين الذين تطلعوا في مشروعاتهم النهضوية ، إلى إنعاش إنموذج حضاري تجاوزته حركة التاريخ ودورة الحضارة . إنهم حلموا في إمكانية توليد الروح فيه من جديد .

  لقد ولد هذا الموقف ، خيبة امل كبيرة في الاوساط المعنية بسؤال النهضة ، وبالطريق المناسب لانجاز النهضة الحضارية العربية المعاصرة . واضافة الى الخيبة ، تحول هذا الموقف الى صنم عقيدي معوق ، ومؤذي في درب عملية التفكير عن مشروع نهضوي حضاري جديد . كما ان هذا الموقف في حد ذاته ترياقا مخدرا ، عطل إنتاج اي شئ في درب النهضة الحضارية . ولكنه حقيقة ولد نهضة لفكر طائفي ، واسهم في انعاش صور تشرذم طائفي بدلا من فكر التوحيد والتناغم والإتلاف .

   اما الانموذج الغربي ، بطرفيه اليبرالي والماركسي ، فرغم انهما يحملان إغراء ساحراً ، وذلك بسبب نتائج العلم والمناهج الحديثة والتكنولوجيات … الا ان سؤال المشروع الغربي للنهضة هو سؤال الواقع الغربي بكل تفاصيله ، وهوبالطبع ليس سؤال الواقع العربي الاسلامي , ولهذا كانت عملية التوطين للمشروع الغربي بحد ذاتها ، قد ولدت مشكلة مزدوجة : مشكلة للانموذج الغربي ، ومشكلة للواقع العربي الاسلامي . مما تطلب يد جراح خبير ، عارف بالطبيعتين : طبيعة الانموذج الغربي ، وطبيعة الواقع الحضاري الراهن . فكان الخيار الوحيد هو أن يترك لمشرطه حرية الإنتخاب والإقصاء ، فيقطع من الانموذج الغربي مالايتناسب والواقع الحضاري العربي . وبالمقابل يقوم بعمليات تقطيع وتجميل في الواقع العربي الإسلامي ، وبما يتناسب والانموذج الغربي . وهذا الفعل الجراحي بطرفيه ، تشويه للانموذج الغربي وللواقع الحضاري العربي الاسلامي الراهن.

   ان هذا المهاد النظري نافع ، وييسر لنا فهما للمجاهدة المالكية ، النازعة الى بناء قاعدة إقلاع لمشروعه النهضوي للحضارة العربية الاسلامية . حقيقة ان الساحة التي حرث فيها مالك ، لم تكن ارضاً بكراً ، بل كانت مليئة بالالغام الموقوتة ، وهي تحتوي على اخاديد وتشققات ، واراض صحراوية خراب ، وان بعض طرقاتها غير سالكة ، واراضيها غير صالحة للاستزراع . كما ان العقل  الذي أشتغل على ارضها ، والفكر الذي تولد منه ، وقع فيهما تشويه اصاب الجوهر والقشر .

حجم حركة المشروع النهضوي المالكي

ويجيب الكاتب الدكتور فرحان في كتابه عن تساؤل هام حول  حجم حركة المشروع النهضوي المالكي على هذه الارض ؟ وهل انجز حوارا مع المشروعات المتداولة في اذهان النخبة ؟ وما مقدار الافادة من محاولات الذات ؟ وما حجم حضور محاولات الاخر في هذا المشروع النهضوي ؟  حيث يشير الى ان القراءة الفاحصة لنصوص مالك ، تبين لنا ان نصوصه الخاصة بالمشروع النهضوي كانت كثيرة ومتنوعة . كما كشفت لنا ان حال المفكر العربي الاسلامي ، ومن ثم دائرة تفكيره ، لم يستقران على حال واحدة . فمثلا في مجالس دمشق رفعت مجموعة اسئلة ، وطلب من مالك ايضاحا حولها . ولعل واحد من هذه الاسئلة دار حول شروط قيام المشروع النهضوي . جاء الجواب المالكي : انه في الامكان الاستعانة بالوسائل التي ولدتها الحضارة الغربية في انجاز مشروع نهضة عربية اسلامية . وفي نصوص اخرى وجدنا مالك يتطلع الى وضع الحضارة الغربية ، وعلى الاخص نتاجها المعرفي والثقافي في اطار عربي اسلامي ، توجهه مدركات قرأنية واحاديث نبوية .

   ومعلوم ان العمر الزمني للانموذج الحضاري الذي اشتغل عليه مالك ، وسعى الى انعاشه وتحريك  الروح  فيه ، يمتد من عصر الرسالة والى معركة صفين (هذا ما يقابل العصر الذهبي بتصنيفات فلسفة التاريخ والحضارة ) . كما ان من شروط تجديد هذا الانموذج ، يتطلب تحطيم الاصنام التي فعلت فعلها في اغتيال الروح في الفكرة الدينية التي حملت في داخلها مشروع النهضة الحضارية العربية الاسلامية الاولى . ان كلام مالك فيه احتمال العودة ، والرجوع بتيار التاريخ والحياة الى تلك الحقبة (الذهبية) والتي كانت فيها الفكرة حية ، ولعل الحاصل من كل ذلك ، ولادة حضارة ومدنية جديدتين . 

المصادر التي استند لها مالك في تشكيل منظوره النهضوي

    الدكتور محمد فرحان يجيب على تساؤل آخر في كتابه حول ، المصادر التي استند اليها مالك في تشكيل منظوره النهضوي ؟  قائلا : كشفت عملية البحث ، وافعال التنقيب في النصوص ، ومن ثم التأمل في اوراق المشروع المالكي للنهضة ، عن قائمة طويلة من اسماء باحثين وفلاسفة تاريخ وحضارة ، وعلماء نفس واجتماع وتربية ، ورجال علوم ومنهجيات وتكنولوجيات … وعلى هذا الاساس فأن الباحث في هذا المضمار الحضاري المالكي ، قد  شد العزم وأعد ادواته البحثية وتقنياته المعرفية ، ومن ثم خبرته الفلسفية التي تجاوزت أربعة عقود من الزمن ، ليبدأ رحلة ليست ميسرة مع النصوص المالكية . وذلك لاستخراج النتاج المعرفي والثقافي لهذه القائمة الطويلة من الفلاسفة والمفكرين ، والتي ضمنها مالك في اطروحاته ، فشكل منها مركبا ، هو بالتأكيد ليس مركبا فيزياويا يسهل فصل مكوناته . ومعلوم انه في الخلط الفيزياوي لايتوافر ابداع مميز ، اذ يمكن في اية لحظة عزل وتفريق العناصر المخلوطة . ان ما قام به عقل ومن ثم قلم مالك ، هو تفاعل كيمياوي بين العناصر الحضارية والثقافية التي جمع مالك بين اطرافها بطريقة فكرية مبدعة . حقيقة ان إدارة مالك لعملية التفاعل ، ولدت مركبا جديدا يحمل هويته الشخصية الحضارية الجديدة . اضافة الى انه مركب تحكمه رياضيات حضارية ، وحساب كم وكيف …. كل هذه السمات طبعت هذا المركب ، ومنحته شكلا مالكيا رياديا متميزا في دارنا الثقافية العربية الاسلامية .

فصول الكتاب

  توزعت مادة الكتاب في ستة فصول . فقد كان الفصل الأول فاتحة الكتاب ، وكان عنوانه ” الإقلاع الحضاري النهضوي ” . وبالمناسبة إن كلمة الإقلاع هي إصطلاح إستخدمه المفكر العربي المسلم مالك بن نبي في كتاباته الحضارية النهضوية ، وكان عنواناً لإحدى مقالته والتي عالجت البعد الإقتصادي من مشروع الإقلاع النهضوي الحضاري . وفي هذا الفصل تم البحث في الجوانب الأتية : مشروع الإقلاع الحضاري بين فعل الوافد والرافد وحوار الجمالي والأخلاقي ، ومشروع الإقلاع الحضاري بين فعل الأبطال ومحاولات الإصلاح ، ومشروع الإقلاع الحضاري ودور الوثنية وفعل الفكرة ، ومشروع الإقلاع الحضاري وإمكانية الإفادة من البايولوجيا والسيكولوجيا ، ومشروع الإقلاع الحضاري ومساهمة الإجتماعي والإقتصادي .

  ولما كان مشروع الإقلاع الحضاري النهضوي يعتمد حسب المنظور المالكي على ثلاثة عناصر : الإنسان ، التراب والزمن . فأن الفصل الثاني تدارس هذه العناصر والتي كونت مركباً حضارياً ، سيسهم في إنجاز مشروع الإقلاع .  كان عنوان الفصل الثاني ” إيقاعات المركب الحضاري ” . وتناولنا فيه صورة الإنسان بمنظار حضاري ، وذلك من حيث إنه الفاعل في النهضة والمنتج للحضارة والمستهلك لمنتجاتها ، والمنتفع من تقنياتها . كما إن للنهضة الحضارية بعدين مكاني وزماني . والتراب هو البعد المكاني لمشروع الإقلاع النهضوي الحضاري . وفي هذا الفصل تناول الباحث  المفهوم الحضاري للتراب وحسب الإفادات المالكية المتوافرة . وبحث الفصل في الزمن من الزاوية الحضارية . وألقى ضوءاً على المفهوم الحضاري للدورة الزمنية . وختمنا الفصل ببعض التساؤلات حول الدورة الحضارية وحقبها وعلاقتها بالزمن والدورة الزمنية .

  وكذلك يعتمد مشروع الإقلاع النهضوي الحضاري على نوع من الثقافة النهضوية ، وهي بالتأكيد ثقافة جديدة ليست لها علاقة بثقافة الخدر والنوم العميق حسب رأي المفكر الإسلامي مالك بن نبي . وهذا النوع الجديد من ثقافة الإقلاع الحضاري ركز عليه الفصل الثالث ، والذي كان بعنوان ” المشروع النهضوي للثقافة ” . وعالج هذا الفصل موضوعات في غاية الأهمية . منها الأدبيات المالكية التي درست المشروع النهضوي للثقافة ، المقدمات الأولى للمشروع النهضوي للثقافة ، النصوص المالكية للمشروع النهضوي ، الثقافة من زاوية نهضوية ، والثقافة بمنظار حضاري . وختم الفصل بتعقيب ختامي عقد فيه مقاربة بين مثابرة المفكر مالك بن نبي ، وجهود ثقافية لمفكر سياسي عربي مرموق .

إطار فلسفي نهضوي جديد

ويؤكد الدكتور الفرحان في كتابه :

ان مشروع الإقلاع النهضوي الحضاري   قد إحتاج إلى إطار فلسفي نهضوي جديد ، يقدم  إجابات على كثير من التساؤلات الكونية التي تطوي العملية التاريخية والحضارية . إن هذا الإطار الفلسفي قد تناوله الفصل الرابع ، والذي جاء بعنوان ” المشروع النهضوي (الإسلامي) لفلسفة التأريخ ” . ويضيف : أود أن أشير إلى إن المفكر الإسلامي مالك بن نبي في كتاباته كان حريصاً جداً على أن يقدم الإسلام مشروعاً نهضوياً . وفي الوقت ذاته عندما يتحث عن المشروع النهضوي فليس هناك خارج ذهنه نهضة إلا وأن تكون متسورة بمبادئ الإسلام الحضارية . درس هذا الفصل ريادة مالك بن نبي في فلسفة التاريخ والحضارة في ديار البحث العربية الإسلامية . جاء ذلك من خلال عدة محاور. فقد عالج المحور الأول والذي كان بعنوان : حضور الإتجاهات الفلسفية العامة في تأويل التأريخ والذي ضم دراسة للمفهوم الثقافي للتأريخ ، دور البطل في التأريخ ، دور الوثنية في التأريخ ، دور الفكرة في التأريخ ، مساهمة الإجتماعي في تفسير التأريخي ، مثابرة النفسي في تأويل التأريخي ، ومن ثم جاء التأويل الجغرافي لحركة التأريخ .

  إنتقل الفصل إلى دراسة عتبات عالية من المشروع النهضوي لفلسفة التأريخ عند مالك بن نبي . وكان عنوان هذا الطرف من الفصل : الصعود من عتبات التأريخ إلى طوابق فلسفة التأريخ . حقيقة إن مالكاً قد منح مكانة وترجيحاً لعدد من فلاسفة التأريخ والحضارة من أمثال هيجل ، ماركس (الماركسية) ، توينبي ، عمانوئيل مونيه ، وفرانسوا جيزو . كما وضم الفصل محوراً بعنوان : مثابرة مالكية في التفسير الإسلامي للتأريخ . وقد استفادت هذه المثابرة من مصدرين : وافد ورافد تراثي . ولعل من المهم أن نشير إلى إن مالكاً قد تدارس العوامل التاريخية والحضارية التي تؤدي إلى الإعلان عن لحظة الإقلاع الحضاري . كما بحث في العوامل التي تؤدي إلى إنطفاء شعلة الحضارة أو تدفع بها إلى الهجرة إلى ديار هي غير ديار ولادتها الأولى . ومن ثم تناول الفصل محوراً في غاية الأهمية في فلسفة التأريخ وهو : الفهم المالكي للدورات الحضارية . وأخيراً قدم مالك إنموذجاً تطبيقياً من التفسير الإسلامي للتأريخ . وختمنا الفصل بتعقيب تناولنا فيه مقاربة فكرية بين ما درسه مالك في مشروعه النهضوي لفلسفة التأريخ ورعيل من الكتاب والاكاديمين الذين كتبوا في هذا المضمار المعرفي . حقيقة إن مالكاً كان رائداً والأب الروحي لفلسفة التأريخ في ديارنا العربية الإسلامية . وهم كانوا عيالاً على مادته المعرفية والمنهجية. ومنهم من أعترف بذلك ، ومنهم من استبطن كل ذلك دون ذكر لإسم هذا الرمز الفكري الكبير .

  وجاء الفصل الخامس بعنوان ” المشروع النهضوي للإجتماع ” . إن هذا الفصل قدم شهادات دالة على إن مالكاً كان بحق هو ” إبن خلدون القرن العشرين ” . فقد بحث مالك في الواقع الإجتماعي العربي الإسلامي ، وكان موضوع تأملاته النهضوية النازعة إلى صياغة مشروع ينهض بالإجتماع العربي الإسلامي إلى مستوى مدني عال . درس هذا الفصل جوانباً متنوعة من هذا المشروع ، وبالشكل الآتي : الأدبيات المالكية التي تناولت المشروع النهضوي للإجتماع ، مثابرة مالكية في الفهم الإجتماعي لحركة التأريخ والثقافة ، مجاهدة في صياغة المفهوم النهضوي الإسلامي للإجتماع ، الإفادات المالكية في ” الإجتماع السياسي ” ، والمشكل النسوي وترقية المرأة في المجتمع الإسلامي . وختمنا هدا الفصل بتعقيب عرض الدروس المستفادة من دراسة هذا المشروع النهضوي للإجتماع .

  أما الفصل السادس ، وهو خاتمة الكتاب ، فقد جاء بعنوان ” المشروع النهضوي  (الإسلامي) للإقتصاد ” . أشتغل هذا الفصل على المصادر الإقتصادية التي كتبها المفكر مالك بن نبي . وقد جاءت دراستها في المحور المعنون : الأدبيات التي تناولت المشروع النهضوي للإقتصاد . وبحث الفصل في اللغة الإقتصادية التي اعتنى بها مالك كمدخلاً لصياغة مشروعه الإسلامي للإقتصاد . وكان يتطلع إلى وضع معجماً اقتصادياً يزيل الكثير من الغموض واللبس الذي يسبب الكثير من الجدل وسوء الفهم . ومالك كان عارفاً بحقيقة المشكلة في العالم العربي الإسلامي ، وهي ” مشكلة المفهومية ” . ولذلك خصص هذا الفصل المحور الثاني للنظر في مثابرة مالك الساعية إلى ضبط الإصطلاحات الإقتصادية .

  كما قدم مالك بن نبي نقداً وتقويماً للمذهبين الإقتصاديين الغربيين العتيدين . ونقصد المذهب الرأسمالي والمذهب الشيوعي . كان هذا النقد المالكي ، هو موضوع المحور الثالث والذي كان بعنوان : مجاهدة نقدية في ضبط الإصطلاحات الإقتصادية . 

 وجاء المحور الرابع بعنوان : تقويم المثابرات الناجزة في الإقتصاد الإسلامي . إن هدف مالك كان يتطلع إلى تحرير المشروع الإسلامي للإقتصاد من قيود الرأسمالية ونزعتها التحررية . كما ونزع في الوقت ذاته إلى تحريره من إختناقات الماركسية وبعدها الهرطقي . ولعل من النافع أن نذكر بأن مالكاً قد لاحظ إن الفكر الإسلامي الحديث ، وبالتحديد لحظة مواجهته بالمشكلات الإقتصادية ، قد خنق نفسه في دائرة ضيقة من الإجتهاد .

 وآخيراً جاء البناء الفكري للمشروع النهضوي (الإسلامي) للإقتصاد عند مالك بن نبي . إن كل مكونات هذا البناء قد درسها المحور الأخير من هذا الفصل ، ومن خلال العناوين الأتية : المشروع الإسلامي من “الثروة” إلى “رأس المال” ، المشروع الإسلامي و”شروط الإقلاع الإقتصادي” ، المشروع الإسلامي لإقتصاد أفروسيوي فعال ، المشروع الإسلامي من الإستثمار المالي إلى الإستثمار الإجتماعي ، وأخلاقية المشروع الإسلامي للإقتصاد . وخاتمة هذا الفصل كانت تعقيباً ، عقدنا فيه موازنة تقويمية لما أنجزه هذا المفكر المتفرد في مضمار الإقتصاد الإسلامي ، مع الإشارة إلى كونه الحارث الرائد في القرن العشرين في هذا الميدان ، في حين جاء بعده آخرون ، كان عملهم هو توسيع هذا المشروع وتضمينه بتجارب من بلدان آخرى . ولكن القارئ الموضوعي يشعر أثناء قراءة هذه المؤلفات الإقتصادية أن حضرة المفكر الإسلامي النهضوي مالك بن نبي شاخصة ، ومنهجه حاضر في كل صفحة ومقطع من كتاباتهم .

  بل والأكثر من ذلك إن مالكاً كتب في هذا المضمار ابحاثه ونشرها يوم كان هؤلاء المؤلفون في مضمار الإقتصاديات الإسلامية ، فتياناً وطلاب علم في مراحل تعليمهم الإبتدائي . فقد نشر مالك أولاً المهاد الفكري لمشروعه الإقتصادي في كتابه الشهير   ” الظاهرة القرآنية ” والذي نشر بالفرنسية في الأربعينيات من القرن العشرين (أنظر المقدمة التي كتبها لكتاب الظاهرة القرآنية بالفرنسية الشيخ الأزهري الدكتورمحمد عبد الله دراز ، والمؤرخة في 15 أيلول 1946 ، والتي كتبها في باريس) وكذلك أنظر المدخل الذي كتبه مالك بن نبي للنشرة العربية والمؤرخ في 1961 ، والذي كتبه في مصر الجديدة ، يوم إستقر في القاهرة لاجئاً وبعد أن أبعدته الحكومة الفرنسية من أراضيها لكونه عضواً في جبهة التحرير الجزائرية .

 فرحم الله مالك بن نبي ، وطيب ثراه .

www.albilad.net

drmfarhan.wordpress.com

 

 

About these ads
This entry was posted in مالك بن نبي, مالك بن نبي والذاكرة الحية, أوراق فلسفية جديدة / العدد 3, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي / نص المقابلة مع الباحث الدكتور محمد جلوب الفرحان, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, الشرط النسوي وترقية المرأة في كتابات مالك بن نبي, حضور فلسفة برغسون, حضور نيتشه, حضور وجودية كارل ياسبرز وكولن ويلسون, حضور وجودية ميرلو بونتي, حضور وجودية سارتر وكامو, حضور الفلسفة اليونانية والوسيطة في خطاب مالك بن نبي, حضور الفلسفة الألمانية / كانط وفخته ، هيجل وشبنهور, حضور الفلسفة الحديثة / ديكارت والديكارتيون, حضور الفلسفة الراجماتية, حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي, حضور الفانونية, حضور الماركسية, حضور الوضعية المنطقية, حضور روسو والداروينية ، كوندياك وأوغست كومت and tagged , , , . Bookmark the permalink.

2 ردان على العدد الثالث / مجلة أوراق فلسفية جديدة / صيف 2011

  1. يقول Abdesalam M. magdub \ عبدالسلام محمد المجدوب \ بني غازي - ليبيا:

    عمل راقي ومثمر ويستحق الكتابة فيه لعلوا هامة المتناول بالدراسة والتحليل وهو من لم يعطي حقه في حياته ولا بعد مماته ، وما كان ربك نسيا وأنه لا يضيع أجر المحسنين .. وهذا حالنا أخي الفاضل الكريم ولقد قرأت في مرة مقالة للسيدة أحلام مستغانم الكاتبة المتميزة في الرواية بغض النظر في رأي كل من الناس فيها من حيث الرفض أو القبول وهذه عظمة الخالق في تنوع المشارب والأذواق والتوجهات وهو ما يثري الحياة ويجعلها تستحق العيش مرات ومرات بطريقة ترضي عنا الله الواجد الماجد الرحمن الرحيم مالك الملك سبحانه وتعالي الذي كرم الإنسان وجعله خليفته في كونه وأستعمره في أرضه ليكون عابدا له شاكرا لأنعمه التي لا تعد ولا تحصي لا إله إلاّ الله محمد رسول الله … شكرا لك سيدي وهذا ليس غريب علي أمة محمد خير الأنام والتي يجب أن تأخذ مكاناتها بين الأمم وتتعدي أمراضها وأدوائها وعللها فهي لها الصدارة إن أحسنت ما شملها الله به من نعم والآء كتاب مسطور وأخر منظور ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العزيز العظيم !!
    مالك رحمه الله وكثير غيره يستحقون أكثر من ذلك، ولعل الأمة تستفيق من نونها أو سباتها وتنطلق نحو الثريا ؟؟

    • يقول Abdesalam M. magdub \ عبدالسلام محمد المجدوب \ بني غازي - ليبيا:

      عمل راقي ومثمر ويستحق الكتابة فيه لعلوا هامة المتناول بالدراسة والتحليل وهو من لم يعطي حقه في حياته ولا بعد مماته ، وما كان ربك نسيا وأنه لا يضيع أجر المحسنين .. وهذا حالنا أخي الفاضل الكريم ولقد قرأت في مرة مقالة للسيدة أحلام مستغانم الكاتبة المتميزة في الرواية بغض النظر في رأي كل من الناس فيها من حيث الرفض أو القبول وهذه عظمة الخالق في تنوع المشارب والأذواق والتوجهات وهو ما يثري الحياة ويجعلها تستحق العيش مرات ومرات بطريقة ترضي عنا الله الواجد الماجد الرحمن الرحيم مالك الملك سبحانه وتعالي الذي كرم الإنسان وجعله خليفته في كونه وأستعمره في أرضه ليكون عابدا له شاكرا لأنعمه التي لا تعد ولا تحصي لا إله إلاّ الله محمد رسول الله … شكرا لك سيدي وهذا ليس غريب علي أمة محمد خير الأنام والتي يجب أن تأخذ مكاناتها بين الأمم وتتعدي أمراضها وأدوائها وعللها فهي لها الصدارة إن أحسنت ما شملها الله به من نعم والآء كتاب مسطور وأخر منظور ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العزيز العظيم !!
      مالك رحمه الله وكثير غيره يستحقون أكثر من ذلك، ولعل الأمة تستفيق من نومها أو قل سباتها وتنطلق نحو الثريا وهو ما يليق بها ؟؟

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s