العدد الخامس / مجلة أوراق فلسفية جديدة / شتاء 2012

 أوراق فلسفية جديدة 

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS 

Dr. MOHAMAD FARHAN     Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يصدرها مركز دريد للدراسات /  لندن – أونتاريو – كندا

                 رئيس التحرير – الدكتور محمد جلوب الفرحان

سكرتيرة التحرير  – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

نفضل أن يقرأ هذا البحث بصحبة الإستماع إلى موسيقى قرطبة وإشبيلية للموسيقار الأسباني (الأندلسي) إسحق البينيز

مجلة أوراق فلسفية جديدة 

الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة

لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة يكتبها أكاديمي – فيلسوف واحد 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  تحتفل مجلة أوراق فلسفية جديدة بدخولها السنة الثانية من عمرها الثقافي ، والذي يتناسب مع صدور العدد الخامس ، والذي هو بحد ذاته عدد إحتفالي بالفيلسوف العربي الكبير ” إبن رشد ” الذي ضاع علينا وضيعته دوائر ثقافية إسلامية لا تمتلك إلى الشفافية وقبول المختلف ، وهكذا غاب إبن رشد وغابت مع فلسفته أسبانيا العرب وإلى الأبد . في حين إكتشفه الغرب بعد عقدين من الزمن من تاريخ وفاته ، فكان لديهم رمز التجديد والنهضة ، وكانت فلسفته مشروع ثورة فلسفية وعلمية ، عُرفت بالغرب بالحركة الرشدية وبطرفيها العبري واللاتيني . إن محور هذا العدد جاء بعنوان :

               فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب

The Philosophy of Averroes and Its Presence in the west  

  لقد إحتفل العقل الأوربي بفيلسوف قرطبة (1126 – 1198) في وقت مبكر ، وبالتأكيد قبل أن نحتفل به نحن العرب بقرون عدة ، فمثلاً دانتي الإليكري (1265 – 1321) صاحب الكوميديا الإلهية ، إحتفل بطريقته الخاصة بإبن رشد في العام 1300 ، وهذا التاريخ مهم جداً من ناحيتين ؛ فهو مهم من جهة مرور ما يقارب المئة عام على وفاة إبن رشد . وهو مهم من جهة إنه بداية كتابة الجزء الأول من الكوميديا . والحقيقة إن دانتي بحكم سيطرة الفكرانية العقيدية يومذاك ؛ لم يضع إبن رشد ولا الفلاسفة اليونانيين في الجنة ولا في النار ، وإنما إختار لهم منطقة ” ألمبو ” ، وهي منطقة تتوسط بينهما ، وفيها يتم التحضير لدخول الجنة (وهو المفهوم الذي إخترعه الفيلسوف العقلاني بيتر أبيلارد صاحب النزعة الإسمية . للتفصيل أنظر البحث الأخير من أبحاث هذا العدد والمعنون ” الفيلسوفة إلويزا والفيلسوف أبيلارد : تراجيديا الفلسفة في العصور الوسطى) . ولعل المفارقة التاريخية إن دانتي أُتهم بكونه رشدي علماني  ، وعلى هذا الأساس تم حرق رسالته ذات المفهوم العلماني المعنونة باللاتينية ” دي مونريكا ” والذي دعا فيها إلى الفصل بين الكنيسة والدولة وذلك بتوجيه من البابا جون الثاني والعشرين 1244 – 1334

   ويبدو لي إن هذه الفكرة الدانتية في جمع الفلاسفة الوثنيين بإصطلاحات العصور الوسطى في منطقة ألمبو ، هي التي ألهمت فيما بعد الرسام الأيطالي روفائيل (1483 – 1520) من رسم لوحة مدرسة أثينا الفلسفية الشهيرة ، والتي ضمت حشد من الفلاسفة (والتي عملها للفترة ما بين 1509 – 1510) . وفيها رسم روفائيل إبن رشد كواحد من فلاسفة مدرسة أثينا

  ولكن قبل روفائيل بحدود القرنيين من الزمن إحتفل الغرب بفيلسوفنا العربي إبن رشد ، وذلك من خلال المناقشة الخيالية بين إبن رشد والفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول ” فرفريوس الصوري ” (233 -309 م تقريباً) ، والتي أنجزها الرسام ” مونفردو دي مونتي إمبريالي ” في القرن الرابع عشر .

 وكذلك إحتفلت بعض دوائر الغرب بطريقة خاصة بالفيلسوف العربي إبن رشد الخصم العنيد للقديس توما الإكويني (بالطبع من زاوية الأخير لأن إبن رشد مات قبل أن تترجم مؤلفاته إلى العبرية واللاتينية والتي تمت قبل ولادة توما الإكويني) ، وذلك من خلال العمل الفني الرائع الذي رسمه رسام القرن الخامس عشر ” جيوفاني دي بالو ” (1403 – 1482) والذي يصور فيه القديس توما الإكويني والفيلسوف العربي إبن رشد ، والتي عملها للفترة ما بين عامي 1445 و1450 (الصورة موجودة في متحف الفن للقديس لويس

  ومن ثم إحتفل الروائي الإيرلندي جيمس جويس (1882 – 1941) بإبن رشد في روايته المعنونة ” يولسس ” والذي إستعار العنوان من ملحمة ” الأوديسا ” للشاعر اليوناني هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) . وظهر إبن رشد في رواية جويس بجوار الفيلسوف العبري موسى بن ميمون ، والتي نشرتها المجلة الأمريكية ” مراجعة قصيرة ” لأول مرة على شكل حلقات ( أذار عام 1918 وإلى كانون الأول عام 1920

  كما وإحتفل بإبن رشد ومثابرته في البحث عن معاني للتراجيديا والكوميديا في اللغة العربية ، الكاتب الأرجنتيني ” جورك لويس بوركس ” (1899 – 1986) في قصته القصيرة والمعنونة ” بحث إبن رشد ” والتي ظهرت بالأسبانية ونشرتها لأول مرة مجلة ” سور ” التي تصدر في العاصمة الأرجنتينية ” بوينس أيرس ” عام 1947 ، ومن ثم نشرت في كتاب بعنوان ” ألفا ومجموعة قصص أخرى ” ، بوينس أيرس 1949  وإحتفل به الشاعر الإنكليزي الباكستاني عالمكير هاشمي (المولود عام 1951) في قصيدته المعنونة ” قرطبة ” والتي ظهر فيها إبن رشد خارج أسوار قرطبة القديمة . ومن ثم جاء الإحتفال العربي بإبن رشد في الفيلم المصير الذي أخرجه يوسف شاهين (1926 – 2008) طيب الله ثراه .

  أما العالم العربي والإسلامي فله قصة مع إبن رشد ، في أغلب أطرافها جنحت إلى دائرة الصمت والتجاهل لهذا الفيلسوف الكبير . وفي طرف أخر منها نلحظ التنديد المستبطن للتكفير للمثابرة الرشدية عامة ، ومشروعه الفلسفي في كتابه ” تهافت التهافت ” خاصة . فبعد قرنين من وفاة فيلسوف قرطبة (بالتحديد في القرن الخامس عشر) ، وفي قمة الإحتفالية الأوربية به كفيلسوف للتجديد والثورة ، تعرض كتابه ” تهافت التهافت ” إلى تفنيد لاذع مستبطن لأشعرية كارهة للفلسفة ، وفيه إنتصار لكتاب الغزالي ” تهافت الفلاسفة ” . قام بهذه المحاولة الباحث التركي ” مصطفى بن يوسف البرسوي (1487) والذي دافع عن وجهات نظر الغزالي (أنظر : أحمد جمال ؛ إبن رشد ، مجلة الرينسانس / العدد 9 سبتمبر 1994) . وليس في هذا الموقف ما يثير الإستغراب ، خصوصاً إذا ما وضعنا في إعتبارنا إن العالم العربي الإسلامي قد فقد مركز الحضارة والإبداع ، ودخل فترة العصور المظلمة والخدر والنوم العميق  

   أما إحتفالية الدكتور محمد جلوب الفرحان بفيلسوف قرطبة فلها طعمها الخاص ولها تاريخ ، فعلاقة الدكتور محمد جلوب الفرحان بالفيلسوف إبن رشد تعود إلى بدايات العام الدراسي 1964 / 1965 حين قدم مراجعة لفصل مقتضب عن الفلسفة في كتاب التاريخ المدرسي للصف الرابع ثانوي . وكان حينها فتى يافعاً في ثانوية المسيب البابلية . وتجدد اللقاء مع فيلسوف قرطبة عندما إلتحق طالباً بقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد ، ودرس في فصول دراسية مختلفة جهود إبن رشد الفلسفية والمنطقية . وبعد إنجاز رسالته للماجستير في العام 1976 (في منطق أرسطو وهي الرسالة الأولى في المنطق في تاريخ قسم الفلسفة والتي طبعت لاحقاً في كتاب بعنوان : تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، نشرة وزارة الثقافة والإعلام سنة 1983) تم تعينه في جامعة الموصل في شتاء عام 1977 مدرساً لعلم المنطق وفلسفة العلوم ، فبدأ العمل الأكاديمي الصارم والمُنظم ، فدرس المنطق والفلسفة الإسلامية وفلسفة العلوم وفلسفة التاريخ وتاريخ العلم وفلسفة التربية . وكانت فصول متنوعة فيها مباحث تشمل فيلسوف قرطبة 

  ومن ثم جاء عام 1980 فأنجز بحثه الرائد في الدراسات المنطقية العربية عامة ومنطق إبن رشد خاصة ، والذي كان بعنوان ” مقدمة في دراسة تأسيس منطقي لعلم الفقه عند إبن رشد ” وبعد تقييمه أكاديمياً ، قُبل للنشر في مجلة التربية والعلم ،  التي تصدُرها كلية التربية – جامعة الموصل / العدد الخامس سنة 1981 ، ومن ثم حُول إلى مجلة آداب المستنصرية – كلية الآداب (جامعة المستنصرية) بسبب توقف الأولى لأسباب مالية / وصدر في العدد التاسع سنة 1983 ، ص ص 550 – 582) . وفي الهامش رقم 74 قلنا ما نصه ” وفي ختام بحثي أود أن أُشير إلى إن محاولة (إبن رشد) المنطقية هذه ، لم يتناولها أحد بالدراسة ، وعلى هذا الأساس يظل هذا البحث أشبه بدراسة أولية بكر في هذا المجال . وللتدليل على رأينا هذا أُحيل القارئ والباحث إلى ما يأتي

أ – أورد الأُستاذ صبيح صادق ، في مجلة المورد ، المجلد السابع ، العدد (2) سنة 1978 ص ص 277 – 286 ، أورد (80) مؤلفاً في بحثه الموسوم ( ما كتب عن إبن رشد في المراجع العربية الحديثة )

  وتناولت هذه المؤلفات مختلف جوانب فلسفة (إبن رشد) ، ولم يذكر إن تناول واحد منها محاولته المنطقية .

ب – ندوة (إبن رشد) ومدرسته في المغرب الإسلامي ، عقدت في جامعة محمد الخامس / كلية الأداب والعلوم الإنسانية (21 – 23 أبريل) سنة 1978 ، ونشرت بحوثها في سنة 1979 بكتاب حمل عنوان ( أعمال ندوة إبن رشد ) طرح في الندوة (13) بحثاً لم يتناول واحد منها منطق (إبن رشد) .

  وتناولنا في بحثنا الذي نشرناه في العام 1986 والمعنون ” الجدل الثقافي عند العرب  ” مثابرة إبن رشد في كتابه تهافت التهافت كرد فعل ثقافي لمحاولة الغزالي الأشعرية في كتابه تهافت الفلاسفة  ، والمتطلعة إلى هدم الفلسفة والتشويش على الفلاسفة / مجلة دراسات عربية ، بيروت . واليوم أتذكر ما جرى من حوار بيني وبين أستاذي الماركسي والمنفتح بمعايير أيام زمان  ، فقال لي ممتعظاً عندما قابلني أمام قسم الفلسفة ، وحينها كنت قد وصلت لتوي من الموصل الحدباء ” وصلني بحثك الجدل الثقافي للتقويم العلمي ، محمد لا تقدم أي بحث للتقويم .. وعرفت إن الرجل خائف ومرتعب مرتين : أولاً من قراءة البحث الذي كشف المشروع الإشعري في مهاجمة الفلسفة ومحاصرة التفكير الفلسفي . وثانياً إنه قيم البحث بدرجة أصيل وهذا دليل إدانة ، خصوصاً إن رئيس القسم  والخصم الساذج للفلسفة والفلاسفة وإبن بلدته ، قد قيم البحث كذلك ودعا جامعة الموصل ومن خلال كلية التربية إلى إحالة الباحث إلى المحاكم لينال جزاء ما كتبه قلمه ، وحدد جريمة الكاتب بقوله ” أن البحث ” سُبةُ ” للتراث ”  . كانت محنة إبن رشد في نهايات القرن الثاني عشر ، ومحنتنا كانت قاب قوسين أو أدنى من نهايات القرن العشرين ، لولا هامش العلمانية الذي كان متوافراً في شخصية العميد الدكتور خضر الدوري طيب الله ثراه لكان قصة مأساة للفلسفة في عراق الحضارات والمدارس الفلسفية تقرأ اليوم . وبالمناسبة إن أصول هذا البحث محاضرة ألقاها الباحث في الموسم الثقافي لكلية التربية في العام 1985 (أي الجدل الثقافي) وقد حضرها العميد خضر الدوري ووكيله بعض الأحيان ورئيس قسم اللغة العربية الدكتور طارق عبدعون (الجنابي) وهو الذي عرف به وقدمه للحضور .   

  وفي العام 1987 أُعيد نشر هذا البحث (أي مقدمة في دراسة تأسيس منطقي لعلم الفقه عند إبن رشد) في كتابنا المعنون ” دراسات في علم المنطق عند العرب ” ، طبع بمطابع جامعة الموصل ، الفصل السادس وبالعنوان ذاته ” مقدمة في دراسة تأسيس منطقي لعلم الفقه عند إبن رشد ” ، ص ص 177 – 206) .

  وفي إطروحتنا للدكتوراه المعنونة ” تصنيف العلوم عند إبن خلدون : دراسة مقارنة ، تم تناول مثابرة إبن رشد في فصول عدة . ومن ثم جاء عام 1990 وبالتحديد في تشرين الثاني منه ، والذي نشرنا فيه مقالاً في بيروت (وحينها كنت أعمل هناك باحثاً ومشرفاً على عدد من إطروحات الدكتوراه وخبيراً) بعنوان ” خطاب ثقافي رشدي معاصر ” / مجلة الشاهد ، العدد 159 ، ص ص 93 – 96 من القطع الكبير) قلت فيه بالحرف الواحد ” لم يكتب أحدُ في هذا القرن كتاب تهافت الفلاسفة أو مصارعة الفلاسفة . ولذلك لم نفكر إطلاقاً في كتابة تهافت التهافت أو مصارعة المصارعة . وإنما القضية بكل ما فيها عداء معلن لكل ما له علاقة بالفلسفة ومباحثها ، وعداء للدرس الفلسفي والمطبوع والكتاب . ومن المعلوم إن البحث والتحليل الفلسفيين يشكلان في تاريخ النمو المعرفي رتبة معرفية عالية . وإن كره الفلسفة ورفض الصعود إلى رتبتها المعرفية يعنيان حبس الفكر الإنساني في معاقل الفكر الطفولي ) (أُعيد نشره من جديد على صفحات موقع الفيلسوف ، ديسمبر 2011) .  

   كما إن حياة الفيلسوف إبن رشد بحد ذاتها تجسد إحتفالية إنسانية فيها الكثير من الروعة ، وفيها الكثير من التراجيديا . فقد عاش أبا الوليد فيلسوفاً حراً ، وكتب مؤلفاته بمنهج عقلاني متحرر من يوتيبيات عصره ، ومات بطلاً تراجيدياً . صحيح مات ولم تظهر على أثره مدرسة عربية رشدية تقود المشروع الرشدي إلى نتائجه النهائية . ولكن العزاء الرشدي الوحيد ، إن الرشدية تحولت إلى طاقة فكرية ولدت العديد من النهضات الأوربية بدءً بنهضة القرن الثالث عشر ، والتي بدأت بترجمة التراث الرشدي إلى العبرية في نهايات العقد الثاني من القرن الثالث عشر ، ومن ثم ترجمته من العبرية أو من العربية مباشرة إلى اللاتينية . ولعل قارئ المصادر الأكاديمية الغربية ، والإنسكلوبيديات المتسورة  كتاباتها حتى بفكرانية مسيحية ، تتحدث عن ثلاث حركات رشدية : عبرية ولاتينية ومسيحية . والعجيب إنها في حديثها عن الرشدية المسيحية تضم إليها كل من البرت الكبير وتوما الأكويني . إنه تلفيق ما بعده من تلفيق . فكيف العدو والخصم العنيد للرشدية يتحول بجرة قلم إلى جزء من المشروع النهضوي الرشدي . هذا إشكال كبير سنكشف ضميمته في البحث المعنون ” إبن رشد والقديس توما الإكويني ” .

  تكون المشروع الرشدي من الكتب والرسائل التي كتبها فيلسوف قرطبة خلال حياته ، وبالتأكيد إن خصوم إبن رشد في أسبانيا العرب قذ ضيعوا علينا وعلى الإنسانية الكثير الكثير من الإنتاج الفلسفي والمنطقي الرشدي ، وذلك بعد أن سدُ الطريق أمام الفيلسوف إبن رشد من أكمال مشروعه الفلسفي ، ونجحوا في ضبط الظروف وتحريض السلطان والجمهور ضد الفلسفة والفلاسفة  ، ومن ثم تم حرق كتب إبن رشد والزج به في غياهب السجون أو المنافي . فعاش المحنة ، وتعرض فيلسوف قرطبة إلى إمتحان عسير ، أقساها درجة التحول إلى عالم  التفكير الداخلي (المونلوج الصامت) والتوقف عن الكتابة ، وهو في أعلى طوابق التفكير الإنساني والعطاء . إن سبب المحنة قلمه المتفرد ، ونصوصه الفلسفية والمنطقية ومنهجه العقلاني الذي لايتوافق وحديث العجائز ، وقُراء الخيرة وحارقي البخور من المنافقين في حضرة السلطان .

   كتب فيلسوف قرطبة تراثاً خالداً يشكل بحد ذاته مدرسة فلسفية رشدية . وهذا التراث توزع في عشرين ألف صفحة ، عالجت موضوعات متنوعة بدءً بالفلسفة ، والمنطق ، والطب ، والرياضيات ، والفلك ، والنحو ، وعلم الكلام ، والشريعة ، والفقه . ولعل أهم مؤلفاته تلك التي ركزت على الفلسفة والطب والفقه . كتب فيلسوف قرطبة أكثر من 67 عملاً أصيلاً ، توزعت بالشكل الآتي : 28 رسالة وكتاب في الفلسفة ، و 20 عملاً في الطب ، و 8 أعمال في الفقه (القانون الإسلامي) ، و 5 أعمال في علم الكلام (اللاهوت) ، و 4 أعمال في النحو . إضافة إلى شروحه على معظم كتب أرسطو ، وشرح واحد متفرد على جمهورية إفلاطون . (أنظر : أحمد جمال ؛ إبن رشد / مجلة المورد ، يصدرها المعهد الإسلامي للأبحاث ، لاهور – الباكستان 2008 ، / 4 / 9 ، ص ص 10 – 14)  . وخلال هذه الشروح الرشدية على كتب أرسطو أعاد إبن رشد إتصال الغرب بأرسطو بعد إنقطاع طال قرون عدة وحملت معها ما يسميه الأكاديميون الغربيون خطأً الثورة الأرسطية ، وهي في الحقيقة عنوان الثورة الرشدية التي عمت النهضات الأوربية بدءً بنهضة القرن الثالث عشر وبطرفيها الرشدي العبري والرشدي اللاتيني .

 ولعل من أهم كتبه الفلسفية التي أبدع فيها ، وجابه النقد الأشعري الذي قاده الإمام الغزالي ، ووضع الفلسفة في محنة وإمتحان ، كتاب تهافت التهافت ، فهو كتاب متفرد في مضمار الثقافة الإسلامية ، ففيه أعاد فيلسوف قرطبة الإعتبار للفلسفة وكشف ضميمة الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة ، والتي كانت موجهة بفكرانية أشعرية وبقرار سياسي سلجوقي هذا طرف ، والطرف الثاني إنه بينً ” الإغلوطة الغزالية ” في المنهج الذي إعتمده الإمام ، والتي نهضت على زعم غير صحيح في إستخدام منطق الفلاسفة في هدم الفلسفة . والضميمة الغزالية برمتها ، هو إن الغزالي فشل في إستخدام البرهان المنطقي ، ولاذ إلى الجدل وحجج الشكاك في التشويش على الفلسفة والفلاسفة . وهذا ما كشفه إبن رشد في مشروعه الفلسفي (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب / منشور في مجلة دراسات عربية – بيروت 1986) . وكتاب ” فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال ” ، وهو كتاب دافع فيه ببسالة إبن رشد عن الفلسفة ورسم مستقبلها المستقل ” كأخت رضيعة للشريعة ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان : مقدمة في دراسة تأسيس منطقي لعلم الفقه عند إبن رشد / مجلة آداب المستنصرية ، سنة 1983 ، العدد 9 ، ص 575) والذي حمل الإطار العام للقضية الرشدية ” الحقيقة المزدوجة ” التي سيتلقفها الغرب اللاتيني ويؤسس عليها النهج العلماني الحديث (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد : الأب الروحي للعلمانية الحديثة / مجلة أفيروس ، أذار 2010) . وكتاب ضميمة في العلم الإلهي (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في المنطق عند العرب ، نشرة مطابع جامعة الموصل 1987 الفصل السدس ، ص 201) .  

 إن العدد الخامس من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، مكرس برمته إلى البحث عن المثابرة الفلسفية النهضوية الرشدية في أطرافها المتعددة . وهذا العدد ضم المقالات الآتية

 إبن رشد ورصيد الحركة الرشدية العبرية واللاتينية

  إبن رشد والرشدية : أخطاء تاريخية وكبوة المنهج الإنتخابي

 المعقول واللامعقول : الخطاب الرشدي في الأبستمولوجيات

 حدود وسلطة المنهج العقلاني الرشدي

 العلوم الممكنة والعلوم الباطلة وحدود سلطة المنهج العقلاني

 حضور المنطق في الخطاب الرشدي

 التأسيس المنطقي للخطاب الفقهي الرشدي

 المشروع العقلاني الرشدي في مزج المنطق بالعلوم الإسلامية

 إبن رشد : الأب الروحي للعلمانية الحديثة

 إبن رشد والقديس توما الأكويني

 وفي مشروع ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” أنجزنا بالتعاون مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل ، البحث الرائد في اللغة العربية والمعنون ” الفيلسوفة إلويزا أرجنتيل والفيلسوف بيتر أبيلارد ” تراجيديا الفلسفة في القرن الثاني عشر . وهو القرن الذي ولد وعاش فيه إبن رشد .

  فتمتعوا أعزائي الباحثين والقراء بقراءة هذا العدد المتميز .

                            الدكتور محمد جلوب الفرحان

                                 رئيس التحرير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

إبن رشد ورصيد الحركة الرشدية العبرية واللاتينية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم : سيرة إحتفالية

   إبن رشد أو إفيروس كما يُعرف في اللغة اللاتينية ، هو ” أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد ” ، ولد في قرطبة سنة 520 هجرية / 1126 ميلادية ، وتوفي في المغرب سنة 595 هجرية / 1198 ميلادية . ومن زاوية المصادر الإنكليزية وما هو متداول فيها من ترجمات من لغات أخرى ، هو من عائلة أُشتهر رجالها بمهنة القضاء ، فقد كان أبوه قاضياً ، وكذلك جده ، وجميعهم لعبوا أدوراً سياسية مختلفة في أطراف من الحياة الأندلسية (أسبانيا) العرب يومذاك .

   لقد بدأ تعليمه في مدينة قرطبة ، ومن ثم كرس حياته برمتها إلى دراسة الفقه ، والطب والرياضيات إضافة إلى الفلسفة وعلم الكلام (اللاهوت) . وعمل إبن رشد قاضياً خلال حكم الخليفة أبو يعقوب يوسف ، وإبنه الخليفة يعقوب المنصور . وكان قاضياً مفضلاً وموضوع ثقة ، كما وشغل وظائف حكومية ، أكسبته سمعة وشهرة عاليتين ، خصوصاً في كل من المغرب وإشبيليا وقرطبة . ومن ثم بدأ يفقد الإهتمام وأخيراً تلاشت سمعته مع من إنطفأت حياتهم .

    وإذا حدث ذلك لإبن رشد في قرطبة الأندلس والمغرب يومذاك . فأن تاريخ الفلسفة والمنطق في الغرب جدد الإتصال بتراث فيلسوف قرطبة في العقود الثالثة الأولى من القرن الثالث عشر ، فحدثت النهضات الأوربية المتتالية ، وبدءً بنهضة القرن الثالث عشر(وإن كانت هناك نهضة في القرن الثاني عشر إلا إنها إتصلت بالتراث العلمي والفلسفي العربي قبل إبن رشد وكانت نهضة حركتها الترجمات العبرية واللاتينية من العربية ومن اليونانية في سيسلي الإيطالية (صقلية) وتليدو الأسبانية (طليطلة الأندلس)) ، والتي قادتها حركة لاتينية (وعبرية) عارمة في الجامعات الإيطالية والباريسية ، ومن ثم تتوجت في النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر .

   صحيح صدر قبيل موت إبن رشد قرار سياسي مدعوم بفكرانية فقهية معادية للفلسفة والفلاسفة ، قرار ينص على تجريم الفلسفة والفلاسفة ، ومن ثم على أساسه جُمعت العديد من كتب إبن رشد في المنطق والميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) وأُضرمت فيها النيران . وهكذا غادر فيلسوف قرطبة الحياة مكظوماً ، دون أن تكون له مدرسة فلسفية (بعنوان الرشدية) في ديار العرب الثقافية . وبعد ذلك بقليل إنطفأ وجود المسلمين في أسبانيا (الأندلس) .

    وبسرعة ملفتة للنظر تحول تراث إبن رشد في القرن الثالث عشر (وبالتحديد في الثلث الأول منه) تماماً إلى تيارين : الرشدية العبرية (اليهودية) ، والرشدية اللاتينية ، ومن خلالهما أخذ التراث الرشدي يمارس أثره على الفكر في القارة الأوربية المسيحية برمتها ، ومن ثم إمتد ذلك حتى تباشير العصر الحديث . ونحسب إن أثر فيلسوف قرطبة قد طوى فترات مضافة من تاريخ الفكر الأوربي الحديث .

تراث إبن رشد بميزان العقل الأوربي

    في البدءً نرغب في إثارة الأسئلة الأتية : ماذا عرف العقل الأوربي من تراث إبن رشد ؟ وكيف تعامل معه ؟ يُجمع الأكاديميون الغربيون على إن دوائر الثقافة والمعرفة الأوربية قد تعرفت أولاً على كتاب فيلسوف قرطبة الطبي الكبير ” الكليات ” والذي فعلاً ترجم إلى اللاتينية بعنوان مُحرف هو (كليكات) . وقد طبع لاحقاً في  المجلد العاشر من النشرة اللاتينية لأعمال أرسطو ، والتي كانت في البندقية سنة 1527 (وهذا التاريخ جداً مهم لأثر إبن رشد على العقل الأوربي ، فهو يؤرخ نهايات العقد الثالث من القرن السادس عشر / العصر الحديث في أوربا ، كما وفي نهاية هذا القرن سيولد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت وبالتحديد في عام 1596) . فتصور مدى وعمق التأثير الذي تركه فيلسوف قرطبة على إتجاهات التفكير الأوربي ، والذي ستطلق عليه كتابات الباحثين الأكاديميين الغربيين غير الموضوعيين عناوين مثل الثورة الأرسطية ، في حين إن العنوان الأكاديمي الدقيق ، هو الثورة الرشدية التي حملت معها تراث أرسطو من جديد إلى أوربا اللاتينية (والعبرية) ومن خلالهما إلى العالم الغربي عامة .

   ولكن حسب دراستنا إن تاريخ هذه الترجمة ليس هو الإتصال الأول للعقل الغربي بتراث إبن رشد ، وإنما الإتصال الحقيقي حدث في الثلث الأول من القرن الثالث عشر عندما حدثت الترجمات العبرية أولاً ومن ثم اللاتينية للتراث الرشدي (أنظربحثنا المعنون : إبن رشد والرشدية : أخطاء تاريخية وكبوة المنهج الإنتخابي) .

  أما شروح إبن رشد على أرسطو ، وهي حسب التقويم الأوربي تمثل الأعمال الفلسفية الأصيلة ، وكذلك رسائله في علم الكلام (اللاهوت) فقد رُجح وصولها إلى العقل الأوربي من خلال طريقين : الترجمة العبرية أو الترجمة اللاتينية . والحديث عن شروح إبن رشد في أوربا ، هو الحديث عن إبن رشد الشارح وهو اللقب الذي إستحقه فيلسوف قرطبة وإشتهر به في أوربا .

   وهناك إعتقاد بين الأكاديميين الغربيين على إن دانتي الإليكري (1265 – 1321) صاحب ” الكوميديا الإلهية ” ، والذي عاش في قمة صعود الحركة الرشدية ؛ العبرية منها واللاتينية على الأخص ، هو أول من أطلق على إبن رشد لقب الشارح أو الشارح الكبير ، وذلك عندما صوره في أطراف من كوميدياه الألهية ، وبالطبع لم يمنح فيلسوف قرطبة مكاناً في فردوسه ، وإنما إختار له مكاناً في ” ألمبو ” (هو ليس جهنم أو الجحيم) ولكنه خارج فردوس توما الأكويني مثلاً ، وفردوس الرشدي الباريسي العنيد ” سيكر البربنت ” .

   والحقيقة إن شروح إبن رشد كانت على ثلاثة أنواع ؛ شروح قصيرة مختصرة ، وفيها تمكن فيلسوف قرطبة من توسيع النص بشرح مختصر محدود . ومن ثم قدم شروحاً توسع فيها ، فكانت شروحه على ثلاثة صور وهي على التوالي : الشرح الصغير (المختصر) ، الشرح الوسيط والشرح الكبير. لقد تركت هذه الشروح الرشدية أثاراً فلسفية وعلمية في المثابرات الغربية النازعة إلى تفسير فلسفة أرسطو الإسطاغيري (أنظر مثلاً محاولات الفلاسفة اليهود في القرن الثالث عشر بدءً بموسى إبن ميمون .. والفلاسفة اللاتينيون وعلى الأخص متابعة ألبرت الكبير معلم القديس توما الإكويني وتلميذه القديس توما) .

    وبالمناسبة فإن الدوائر الكنسية الكاثوليكية تترد اليوم من تقويم الحركة الفلسفية التي ولدها إبن رشد وتراثه في أوربا ومنذ العقد الثالث من القرن الثالث عشر تقويماً موضوعياً ، وتكشف عن أثارها التي وجهت الفكر الغربي توجيهاً مختلفاً وبعض الأحيان معارضاً لتوجهات الكنيسة ومناهجها الأكاديمية . إنها مطالبة اليوم أكثر من قبل أن تعقد حلقات علمية موضوعية ونزيهة تقيمُ الحركة الرشدية وأثارها على مسار الفكر الأوربي برمته . وبخلاف ذلك تظل مثل العنقاء عارفة بالحقيقة إلا إنها بصلف تغلق كل الأبواب ولا تريد أن تسمع ما عمله إبن رشد وحركته الرشدية بطرفيها العبري واللاتيني من أثار لم يعد الفكر الغربي في لُبه متسوراً بموجهات فلسفية وعلمية تتناغم وعقائد الكنيسة كما كان حالها في بدايات العصور الوسطى ورفضها للتصالح مع فلسفة أرسطو .

   ونلحظ بالمقابل في تقويم النقد الكنسي لإبن رشد وفلسفته ، إنه نقد خجول يتخفى بحياء في نقد المثابرة الرشدية في جوهرها الفلسفي والمنطقي أو في منهجها العقلاني فيشار مثلاً إلى إن إبن رشد لم يكن عارفاً باللغة اليونانية التي كُتب فيها النص الفلسفي أو المنطقي الأرسطي ، ولم يكن عارفاً باللغة السريانية ، وهي لغة المترجمين الذين نقلوا النص اليوناني إلى العربية . ويحتجون كذلك بأن ما توافر لفيلسوف قرطبة من نصوص فلسفية ومنطقية قد ترجمها المترجمون السريان إلى عربية ركيكة . ولذلك إستنتجوا إن هذا الحال شكل عقبة معرفية أمام إبن رشد ، سدت عليه طريقه في التوسع والتفصيل في شروحه على النصوص الفلسفية والمنطقية التي كتبها المعلم الإسطاغيري الأول (أنظر مثلاً : الموسوعة الكاثوليكية ، نشرة مطبعة روبرت أبليتون / نيويورك 2011 ؛ مادة إبن رشد أو إفيروس) .

  إن فضل إبن رشد على الغرب كان كبيراً جداً (ولا يُقدر) فقد حمل معه تراث أرسطو إلى أوربا ، ومكنهم من تجديد إتصالهم به بعد فترة إنقطاع إمتدت لقرون عديدة ، وذلك لكونه من وجهة نظر الكنيسة في أيامها الأولى فكر وثني لا يتناغم والعقيدي الفكراني المسيحي . وهكذا ظل تراث أرسطو محفوظاً أولاً في مصادره اليونانية ، ولغة الإسكولائيين في العصور الوسطى هي اللاتينية ولذلك لم يشجعوا على تعليم اليونانية لأنهم لا يحتاجون إليها كما يحسبون . وثانياً في مصادره العربية . ومن هنا تأتي أهمية ترجمة تراث إبن رشد إلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية .

   إلا إن دوائر التفكير الكنسي تعود إلى دائرة الإعتراف بأصالة إبن رشد في أعماله الفلسفية الأصيلة ، ومن ثم تعددها بالشكل الآتي : كتابه تهافت التهافت ، وتحاول حصر مثابرة إبن رشد فيه في تفنيد تهافت الإمام الغزالي ، وهذا تبسيط غير علمي لجهود إبن رشد فهو ليس تفنيد ، وإنما إنشاء فلسفي تجاوز الرد على الأمام وشكل معلماً فلسفياً فيه بعض الأحيان إتفاق مع الإمام في نقده لفلاسفة العرب في المشرق وفيه بالطبع تفنيد .. وقد نشر كتاب تهافت التهافت في نشرة لاتينية في البندقية في عام 1497 ومن ثم في عام 1527 . كما ونشرت رسالتين لإبن رشد بعنوان في وحدة العقل الفعال والعقل المنفعل ونشرتا باللاتينية في البندقية (أنظر : روبرت ترنر ؛ تاريخ الفلسفة ، بوسطن 1903 ، ص 313 وما بعد) .

  أما رسائل إبن رشد المنطقية ، فهي حسب الرؤية الكنسية ، هي أجزاء مختلفة من موسوعة أرسطو المنطقية ، والتي تُعرف بالأرغانون أو الآلة ، وقد نشرت باللاتينية في البندقية وتحت عنوان ” أجزاء من مؤلفات أرسطو المنطقية ” . في حين الرسائل الفيزيائية الرشدية (في العلم الطبيعي ) مؤسسة على فيزياء أرسطو (العلم الطبيعي ) وقد نشرت باللاتينية في البندقية كذلك . ومن المنشورات باللاتينية في البندقية رسالتان كتبهما إبن رشد ؛ واحدة في تفنيد إبن سينا (وهذه الرسالة جداً مهمة في تاريخ عملية التقويم الرشدي ، وخصوصاً في نقاط الإتفاق بينه وبين الغزالي إذا ما وضعنا في إعتبارنا بأن كتاب تهافت الفلاسفة الذي كتبه الغزالي إستهدف فيه إبن سينا  بصورة خاصة (وهو بلغة الغزالي الأشعرية باطني إسماعيلي من جهة والده وأخيه ، وهو مكروه من قبل الغزالي لأنه عمل تحت مظلة الفكرانية السامانية ومؤسستها السياسية التي تتقاطع إلى حد العظم مع الفكرانية الأشعرية ومؤسستها السلجوقية) ومن ثم شمل الفلاسفة المشرقيين عامة ومنهم الفارابي بالطبع) ورسالة أخرى في الإتفاق ما بين الفلسفة وعلم الكلام (اللاهوت الإسلامي) (أنظر : الموسوعة الكاثوليكية ؛ مادة أفيروس) .

 ترجمة القرن الثاني عشر من العربية إلى اللاتينية

   إقترحنا هذا المحور للتوضيح على إن الترجمة من العربية إلى العبرية واللاتينية لم تحصل لكتب إبن رشد في القرن الثاني عشر ، وهي الإغلوطة التي رددها أكاديميون عرب متعجلون وغير متخصصين في الدراسات الفلسفية .  ولكن الترجمة فعلاً حدثت في هذا القرن من العربية إلى اللاتينية ، وبالتحديد في كل من سيسلي الإيطالية (صقلية) وطليطلة في الأندلس (أسبانيا) حيث يتواجد أعداد من العرب والذين ظلوا يعيشون هناك بعد إنهيار الحكم الإسلامي في صقلية وطليطلة يومذاك .     أما التأكيد فإنه لم تحدث على الإطلاق ترجمة لكتب وشروح إبن رشد (فقد توفي الرجل قبل سنتين من نهاية القرن الثاني عشر وبالتحديد في عام 1198 ومن ثم بدأت تباشير القرن الثالث عشر ، وهو القرن الذي شهدت بداياته الإحتفال العبري بالرشدية ومن ثم الإحتفال اللاتيني بالرشدية ) . وللتوضيح والتأكيد نقدم الشواهد التاريخية وشواهد من الترجمات التي حدثت في القرن الثاني عشر والتي لا علاقة لها بتراث إبن رشد .

  ولهذا نقول إن الترجمة من العربية إلى العبرية واللاتينية في القرن الثاني عشر شئ ، وترجمة كتب أبن رشد التي حدثت في القرن الثالث عشر شئ مختلف . حقيقة إن الترجمة العربية إلى اللاتينية بدأت لأول مرة في نهايات القرن الثاني عشر وذلك بعد أن أصبحت أجزاء من أسبانيا (الأندلس) وسيسلي (صقلية) تحت الحكم المسيحي وخرجت من مظلة الحكم العربي . وإن مايميز الترجمة في القرن الثاني عشر ، إنها كانت مهتمة بالكتب والأعمال العلمية والفلسفية . ومن القصص التقليدية المتداولة ، هو إن المترجم الإيطالي ” جيرارد كيرمونه ” (1114 – 1187) قام بأول ترجمة عربية إلى اللاتينية للكتب العلمية التي وجدها في مكتبات طليطلة المهجورة . ذلك صحيح فيما يخص الترجمة من العربية إلى اللاتينية ، ولكن تاريخ الترجمة إلى اللاتينية يُخبرنا بأن الترجمة إلى اللاتينية قد حدثت من اليونانية قبل العربية . ولذلك يردد تاريخ الترجمة قصة أول ترجمة لاتينية من اليونانية والتي حدثت لكتاب المجسطي لبطلميوس في عام 1160 في سيسلسي (صقلية) وليس في طليطلة (أنظر : أر . دبليو . سوثرن ؛ تكوين العصور الوسطى ، نشرة مطبعة ييل 1953 ، ص ص 64 – 65) .

  إن جيرارد كان واحداً من أهم الباحثين الذين شكلوا ما عُرف بمدرسة طليطلة للمترجمين ، وهي المدرسة التي أنجزت خلال القرنيين الثاني عشر والثالث عشر العديد من الترجمات للمؤلفات الفلسفية والعلمية من العربية واليونانية والعبرية القديمة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة طليطلة للمترجمين ودورها العلمي والثقافي/ سيظهر قريباً على موقع الفيلسوف) .

  والسؤال ؛ لماذا طليطلة بالتحديد أصبحت مركز الترجمة من العربية إلى اللاتينية ؟ أولاً إن طليطلة بعد إحتلالها من قبل الفوانسو السادس في العام 1085 ، أصبحت عاصمة الثقافة ، كما ظل حكامها يحمون اليهود والعرب الذين إختاروا البقاء والإستقرار ، ولذلك بقي النسيج الحضاري للمدينة عربياً عبرياً . وكان واحداً من أكبر الباحثين في طليطلة ، هو إبراهيم بن عزرا والذي كان معاصراً لجيرارد كيرمونه ، ولكون طليطلة مملوءة بالمكتبات وخزائن الكتب العربية والعبرية ، فكانت المكان الآمن للباحثين المسيحيين خصوصاً القادمين من أوربا . ولهذا السبب رهن جيرارد حياته كلها إلى عمل ترجمات من العربية إلى اللاتينية وبالتحديد في الموضوعات العلمية (الفلكية وخصوصاً مجسطي بطلميوس) .   

    وفعلاً فقد كان هدف جيرارد هو ترجمة المعرفة العربية واليونانية واليهودية في علم الفلك والطب والعلوم الأخرى ، وجعلها متيسرة لكل قارئ ومتعلم في أوربا العصور الوسطى . ولعل من أهم ما قام به من ترجمات ، هو ترجمة كتاب ” المجسطي لبطلميوس ” من النص العربي الذي وجده في طليطلة . و أُعتبر جيرارد كيرمونه مترجماً لكتاب القانون لإبن سينا . وهذا غير صحيح لأن المترجم هو جيرارد أخر،  وليس جيرارد كيرمونه . فجيرارد الأول ركز على علم الفلك ولم يشتغل بترجمة الكتب العربية في الطب . أما جيرارد الثاني ، وهو ” جيرارد دي سابلنتو (من القرن الثالث عشر) هوالذي ترجم النصوص الطبية العربية واليونانية ، ولم تكن له عناية بالكتب الفلكية (أنظر: شارلز هاسكنز ؛ رينسانس (نهضة) القرن الثاني عشر /نشرة مطبعة جامعة هارفرد 1927 ، خصوصاً الفصل التاسع والمعنون ” المترجمون من اليونانية والعربية”) . وتُعدد مصادر مدرسة طليطلة للمترجمين إن جيرارد كيرمونه قد عمل ترجمة لأكثر من 87 كتاباً عربياً (أنظر : أدورد كرانت : الكتاب المرجع في علوم العصر الوسيط ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1974 ، ص 35 ومابعد) .

    وهكذا إنتهى القرن الثاني عشر ولم تظهر أية ترجمة لكتب وشروح إبن رشد . ولكن تُجمع المصادر على إن أول ترجمة إلى اللاتينية لشروح إبن رشد على مؤلفات أرسطو (وليس إلى العبرية) قام بها مايكل سكوت في نهاية العقد الثاني من القرن الثالث عشر (أنظر : ويليم وايت مان : تطور الأفكار العلمية ، نشرة مطبعة جامعة ييل 1953 ، ص 332) . ويبدو إن ترجمة ” أرمندوز بلاسيوس ” للإرجوزة في الطب (وهي عمل جامع لكتابات إبن سينا (980 – 1037) وكتابات إبن رشد الطبية) كانت في النصف الأول من العقد الثاني من القرن الثالث عشر (أنظر : جوكارت دانيال ؛ أثر الطب العربي على الغرب في العصر الوسيط ، ص 981) .  

الترجمات الأولى لكتب إبن رشد من العربية إلى العبرية واللاتينية :

   إن أولى الترجمات من العربية إلى العبرية قام بها يعقوب الأناطولي أو أناطولي فقط (1194 – 1256) فقد قام تحت رعاية فردريك الثاني بتأسيس ما يشبه بمدرسة ترجمة في نابولي وترجم العديد من النصوص العربية وجعلها متيسرة للقارئ الغربي . وكان للأناطولي وزميله الأسكتلندي مايكل سكوت (1175 – 1232) مكانة علمية محترمة ورعاية من قبل فردريك الثاني . فقد قام كلاهما وبتأثير فردريك الثاني بتعريف العالم الغربي على خزائن الثقافة العربية .

  والحقيقة إن الأناطولي هو أول من ترجم كتب وشروح إبن رشد من العربية إلى العبرية ، ومعه بدأ عصر جديد من تاريخ ما يسميه الغرب الفلسفة الأرسطية (والأدق  تاريخ جديد للفلسفة الرشدية) . وقبل ترجمته لكتب إبن رشد ، عمل ترجمات لبعض الرسائل من العربية إلى العبرية لبعض العلماء العرب في علم الفلك ومن ثم لإبن رشد . ولكن بعض الأصدقاء لفتوا نظره إلى الأعمال المنطقية والفلسفية وذلك لأهمية المنطق من طرف . ولدور الأعمال الفلسفية في الجدل يومذاك . وفعلاً إستجاب الأناطولي لهذه الإلتفاتة ، فقسم عمله إلى عمل صباحي ركز فيه على علم الفلك وهو ما كان يرغب فيه ، وعمل مسائي خصصه للأعمال المنطقية .

  ومن الأعمال الأولى التي إعتقد الأناطولي أن يبدأ بها مشروعه في الترجمة الكتب الخمسة من شروح إبن رشد على كتب أرسطو المنطقية ، والتي تتكون من مقدمة فرفريوس الصوري (الإيساغوجي ، وهو الذي يعني المقدمة أو المدخل إلى المنطق وهذا شاهد على الحضور الإفلاطوني المحدث على الأقل في كتابات إبن رشد المنطقية) وأربعة كتب لأرسطو ، وهي المقولات ، والعبارة ، والقياس والبرهان .     وهناك إعتقاد من قبل الأكاديميين الغربيين إلى إن الأناطولي قد إنتهى من ترجمة الكتاب الخامس (البرهان) حوالي عام 1231 أو 1232 ، وهو في مدينة نابولي . ولاحظوا كذلك إن الأناطولي بعد نهاية القسم الأول ، كان يتطلع إلى العودة إلى الترجمة السابقة ، وإجراء مراجعة لها وتقديمها بدرجات عالية من الكمال . ولكن لأسباب غير معروفة لم يحدث ذلك ، ولم يتم هذه المهمة ولم يُنفذ حتى أطراف منها ، والتي أُنجزت فيم بعد ، وبالتحديد في بداية العقد الرابع من القرن الرابع عشر ، وبالضبط بعد إنصرام ما يُقارب الثمانين عاماً .

  بالإضافة إلى ذلك فإن الأناطولي ترجم من العربية وبحدود عامي 1231 و1235 الأعمال الآتية : 1 – كتاب المجسطي لبطلميوس 2 – كتاب الفلك لإبن رشد ، وهذا الكتاب غير معروف في عالم العصور الوسطى المسيحية ، ولم تصلنا مخطوطة أصلية له ولا ترجمة لاتينية ، وإنما ذُكر له عنوان بالعبرية فقط . 3 – مبادئ علم الفلك للفرغاني . 4 – رسالة في القياس للفارابي ترجمها من العربية وقد ذُكر لها عنوان في العبرية (أنظر : هيك كسهولم ؛ الموسوعة البريطانية (بالإنكليزية) نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج / ط11 ، مادة أناطولي ، يعقوب بن أببي ماري بن سيمسن)     أما زميله الأسكتلندي مايكل سكوت فله قصة أخرى مع إبن رشد ، لها طعم خاص ، فقد قام سكوت بترجمة مؤلفات إبن رشد وشروحه من العربية مباشرة إلى اللاتينية . فقد درس في درم وأكسفورد وباريس ،  وخصص نفسه للفلسفة والرياضيات والفلك . ولكنه رفض بعض الوظائف التي عُرضت عليه وفضل الذهاب إلى إيطاليا  ، وبالتحديد إلى جامعة بولونا وتعلم العربية هناك . ومن ثم إنفتح على النشرات العربية لأرسطو والشروح العربية عليها ، ومن ثم إتصل مباشرة بأعمال وشروح إبن سينا وإبن رشد .

  لقد بدأ  سكوت عمله الوظيفي كباحث في حاشية فردريك الثاني . وفعلاً فقد قام بترجمة تاريخ الحيوان لأرسطو وشرح إبن رشد عليه . وتضم ترجمات سكوت موضوعات مثل علم الفلك ، والكيمياء والعقائد والطوائف (الفرق) العلمية والتي نشرت فيما بعد ، وبالتحديد في عام 1477  ، وخصوصاً في بولونا الإيطالية عام 1494 . وعينه البابا هورنيس الثالث رئيساً لأساقفة إيرلندا عام 1223 ومن ثم أصبح في العام ذاته رئيس أساقفة كانتبري (أنظر : وود براون ؛ حياة وإسطورة مايكل سكوت (بالإنكليزية) 1897) .

   ويبدو إن سكوت ترجم بعض الأعمال السابقة التي ترجمها أناطولي من العربية إلى العبرية ، فقام بترجمتها إلى اللاتينية ، وحسبما يظن الأكاديميون الغربيون إن أغلب الترجمات التي قام بها سكوت لأرسطو وشروح إبن رشد عليها خصوصاً في المنطق والميتافيزيقا قد ضاعت وطواها النسيان . بينما بقيت الشروح الأرسطية الطويلة في نسختها اللاتينية وإصولها العبرية . بينما ضاعت أصولها العربية . واليوم تتوافر الأعمال الكاملة لترجمات سكوت مع أجزاء من نشرة جوتنان لأرسطو / طبع البندقية ما بين عامي 1562 – 1574 هذا جانب . وهناك إعتقاد بأن الأناطولي قد ساعد سكوت في الترجمة من العربية إلى اللاتينية ومن العبرية إلى اللاتينية على حد سواء .

    أما الجانب الأخر فهو إن الترجمات التي أنجزها يعقوب الأناطولي لكتب وشروح إبن رشد في القرن الثالث عشر الميلادي ، قد تم ترجمتها من العبرية إلى اللاتينية من قبل كل من يعقوب منتينو بن إسماعيل (المتوفى في عام 1549) ، وإبراهام دي بالمس (ولد في نابولي ومات في البندقية عام 1523)  . والأول أي يعقوب منتينو هو باحث عبري وطبيب إيطالي ، درس الطب في جامعتي بادو وبولونا في شمال إيطاليا . وفي ساعات فراغه قام بترجمة أعمال علمية من العبرية إلى اللاتينية ، فأكسبته شهرة ، فأصبح صديقاً ومن المقربين في حاشية البابا كليمنت السابع (1478 – 1534) . وفي العام 1524 أصدر معجماً عربياً عبرياً لاتينياً وبالتعاون مع يوحنا الأسد .  ومن ثم عمل طبيباً خاصاً للبابا بول الثالث عام 1534 . ولعل من أشهر ترجماته من العبرية إلى اللاتينية كتب وشروح إبن رشد الآتية :

1 – شرح إبن رشد لكتاب الحيوان ، وبضمنه شرح لليفي بن كيرشون (وأهداه للبابا ليو العاشر ، روما 1521) .

2 – شرح على كتاب ميتافيزيقا أرسطو (ما بعد الطبيعة)

3 – الشروح الوسطى على إيساغوجي أرسطو ، وضم الكتاب الأول ، والثاني والثالث والرابع ، وهي في أصلها كتاب الموضوعات (توبيكا) وكتاب الشعر / طبع البندقية عام 1550 .

4 – شرح على جمهورية إفلاطون (أهداه إلى البابا بول الثالث) .

5 – قصيدة على الشرح الكبير لفيزياء (طبيعيات) أرسطو

6 – الشرح الكبير على الكتاب الثالث لأرسطو في النفس

7 – قصيدة على الكتاب الثاني عشر من ميتافيزيقا أرسطو

8 – الشرح المتوسط على فيزياء (طبيعيات) أرسطو

كما ترجم كتاب إبن رشد في الطب المعنون ” الكليات ” ، والكتاب الأول من قانون إبن سينا ، وترجم للفيلسوف العبري إبن ميمون (1135 – 1204) والذي كان معاصراً لأبن رشد ، والذي هرب من الأندلس والغرب ، ورحل إلى مصر صلاح الدين الأيوبي وأصبح طبيباً له ومن ثم لولده فيما بعد  (أنظر : الموسوعة العبرية (بالإنكليزية)/ نشرة ج. إينلو للأعوام ما بين 1901 – 1906 ، مادة : يعقوب ( جاكوب) منتينو بن إسماعيل ) .

  أما الثاني وهو إبراهام دي بالمس ، طبيب عبري ومترجم من بواكير القرن السادس عشر . وقبل وفاته بفترة قصيرة أصبح طبيباً للكردنال دومنيك كريماني في بادو . وخلال ترجماته اللاتينية لعدد من الأعمال العبرية في الفلسفة وعلم الفلك إكتسب سمعة محترمة في العالم المسيحي . وفعلاً فقد أهدى ترجمتين من ترجماته إلى الكردنال كريماني . الأولى هي ترجمة لاتينية من العبرية لأعمال إبن الهيثم في علم الفلك . والتي سبق إن ترجمها من العربية إلى العبرية يعقوب بن مشير (حوالي 1236 – 1304) . والثانية هي ترجمة لرسالة الوداع للفيلسوف المغربي إبن باجة (أنظر : المصدر السابق ، مادة : إبراهام دي بالمس) . 

الحركة الرشدية في الغرب : تاريخ حضور وكبوات

  أولاً وقبل كل شئ ، لابد من الإشارة إلى الحقيقة المؤلمة التي لفت تراث أرسطو وما يسمى في الغرب بالثورة الأرسطية . وهي إن الغرب فقد الإتصال بالتراث الأرسطي لقرون عديدة خاصة بعد إن وجدت الكنيسة (كاثوليكية الروم) إنه لا يوجد أي حض للمصالحة بين تعاليمها والفلسفة الأرسطية . وهكذا سدت الأبواب في القرون الوسطى بوجه التراث الفلسفي الأرسطي . ولكن بعد عام 1150 أي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر (وخلال ترجمات  نهضة القرن الثاني عشر) وبالتحديد من خلال ترجمات لاتينية ، تحقق نوع من الإتصال بين ترجمات محددة لتراث أرسطو والعقل الأوربي ، خصوصاً فيما كان يُعرف بمناطق أوربا اللاتينية . غير إنها ظلت بعيدة عن الدراسة ، ولم يتم الإلتفات إليها من قبل الإسكولائيين ومدارسهم في الكنائس والأديرة والبيعات .

   حتى بدأت في العقود الثلاثة من القرن الثالث عشر الترجمات العبرية لأعمال إبن رشد وخصوصاً اللاتينية منها تنتشر في إيطاليا أولاً وفي الجامعات الباريسية ثانياً. ومن هنا بدأ فصل جديد مع تراث أرسطو (والحقيقة تراث أرسطو المحمول في كتابات إبن رشد) . ومن هنا تكمن أهمية فلسفة إبن رشد (فيما يسميه الغرب خطأً الثورة الأرسطية) ودور التراث الرشدي في توفير فرصة جديدة للغرب لإكتشاف أرسطو . بينما في واقع الحال الإيطالي والفرنسي الباريسي ، هي حركة رشدية أو ثورة رشدية . والشاهد على ذلك قرارات الإدانة البابوبة بحق الحركة الرشدية ورجالها من الرشديين صراحة .

  الواقع إن الترجمات العبرية ومن ثم اللاتينية لكتب وشروح أبن رشد التي قُدمت إلى العقل الغربي ، حملت معها معظم مؤلفات الفيلسوف اليوناني الإسطاغيري أرسطو ، ما عدا كتاب السياسة ، والذي لم يكن متوافراً لفيلسوف قرطبة ، ففضل وضع شرح على جمهورية إفلاطون بديلاً عنه (ونحسب إنه إنتخاب رشدي محض وإنه كان عارفاً بكتاب السياسة لأرسطو فدار ظهره له وعمل الشرح على الجمهورية) . وهكذا ومن خلال إبن رشد وحركته الرشدية العبرية واللاتينية العارمة تم للعقل الغربي من الإتصال بتراث أرسطو .

 وقبل أن نغادر هذه المسألة لابد أن نشير إلى إن الترجمات العبرية لتراث إبن رشد  قد تركت أثراً عميقاً على مباني الفلسفة العبرية برمتها . إضافة إلى دور المترجمين العبريين في الحركة الرشدية في جامعتي بودا وبولونا الإيطاليتين ، ومساعدتهم في فهم النصوص الرشدية العربية أثناء الترجمة اللاتينية ، بل وإقدامهم في وقت مبكر من إصدار معجم عربي عبري لاتيني يساعد الطلبة والباحثين على فهم ميسر لنصوص إبن رشد العربية ومقابلتها مع نصوصها العبرية ومن ثم اللاتينية.

  لقد بدأ مع الرشدية اللاتينية فصل جديد من تاريخ الفلسفة في الغرب ، فيه نجاحات للحركة الرشدية وفيه الكثير الكثير من الآلام والمعاناة من طرف ، وفيه من طرف أخر إستبطان للموديل الرشدي روحاً ، والتخفي وراء أسماء مجازية تدلل على فيلسوف قرطبة ، ولكن ليس فيها ما يجرح حياء الكنيسة . المثال الأول مثله الرشدي العنيد ” سيكر البربنت ” (1240 – 1280) وزميله ” بوثيوس دسا ” .  والثاني جسده ” القديس الدكتور توما الأكويني ” (1225 – 1274) الكاره في الليل والنهار لأبن رشد والرشدية ، والمستبطن للمنهج الرشدي والداعي إلى المصالحة مع الأرسطية ، والشاجب لأبن رشد والناشط في تحريك الحضرة البابوية على إصدار قرار حضر على الرشدية وتجريم من يدرسها في العلن والخفاء ، ومن طرف أخر كان يقتبس من إبن رشد نصوصاً وينسبها إلى أسماء عامة ، فيقول توما الأكويني مثلاً قال الفيلسوف ويعني به إبن رشد ولكنه يتردد من ذكر الإسم صراحة . وفي أحيان أخرى يقول : قال الشارح ويقصد به إبن رشد ولكنه لا يذكر إسمه علناً (أنظر محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد : الأب الروحي للعلمانية الحديثة، منشور صفحات منه في مجلة أفيروس) .

  ومن المعرف إن كل من سيكر البربنت وتوما الأكويني قد لعبا دوراً حيوياً في تشكيل ذهنية الرأي الغربي العام تجاه قضايا الإعتقاد والعقل . إن ما يهمنا هنا ، هو الحديث عن سيكر البربنت (أما الإكويني فله مقام أخر) ، وهو (أي سيكر) فيلسوف من القرن الثالث عشر ، ومن أنصار الحركة الرشدية اللاتينية في باريس . ويعد متحرراً بعيون كنيسة الروم الكاثوليكية . ولعل من التواريخ المهمة في مواجهته مع الكنيسة والحضرة البابوية ، سنة 1266 والتي فيها أقام سيكر علاقة نشطة مع كلية الآداب في جامعة باريس ، والتي حدثت فيها إضطرابات طلابية عارمة ، فهدده البابا بالإعدام لتورطه في طرف من الإضطرابات . ولحسن الحظ لم ينفذ البابا تهديده .

 وفي السنوات العشرة اللاحقة كتب سيكر ستة كتب ، ونشرت فيما بعد (عام 1899) بإسم مستعار ، وهو ” بيير ماندونات ” فيلسوف رشدي كذلك . ولعل عناوين الرسائل التي ضمتها هذه الكتب الستة ، تفصح عن الحضور الرشدي فيها ، وبالتحديد إن سيكر ردد نفس عناوين إبن رشد العربية أو في ترجماتها العبرية أو اللاتينية . من مثل ” الأسئلة المنطقية ، والأسئلة الطبيعية ، وفي الحيوان (نشرها عام 1270) والعقل وغيرها من رسائل ..” 

  وضميمة الكره الكنسي للرشدية (وهو الجوهر الرشدي) إنها تدرس الأرسطية التي لم يحصل لها توافق مع العقيدي الكنسي كما أشرنا . وكذلك أُتهم سيكر البربنت بتدريس القضية الرشدية الرئيسية ” الحقيقة المزدوجة ” ، وهي من أهم القضايا الفلسفية التي دار حولها الجدل ، والتي حملتها كتب أبن رشد وشروحه على مؤلفات أرسطو إلى دائرة الثقافة الغربية يومذاك . ومفاد الحقيقة المزدوجة ببساطة ، هي إن ما يكون صادقا أمام العقل . فإن عكسه قد يكون صادقاً في دائرة الإيمان (أنظر : ريتشارد روبنستين ؛ أبناء أرسطو : كيف أعاد المسيحيون والمسلمون واليهود إكتشاف الحكمة القديمة وأناروا العصور الوسطى / نشرة هاركورت ، نيويورك 2003) .

  وفي العام 1270 صدر قرار بابوي ضد الرشدية ، مما سبب الكثير من المعاناة لسيكر البربنت ، فقد تعرض للإضطهاد من طرفي الكنيسة وخصومه المعلمين في دار الفلسفة . ويبدو لهذا السبب صوره دانتي في الكوميديا الإلهية ، ومنحه في الجنة مكانة مرموقة ، فكان بجوار القديس توما الأكوينس . وهناك من يرى إن دانتي قد عرف سيكر باحثاً للمصالحة بين العقل والإيمان ، ولم يعرفه فيلسوفاً معذباً في حياته (أنظر : توني دود ؛ حياة وفكر سيكر البربنت : الفيلسوف الباريسي في القرن الثالث عشر / نشرة مطبعة ميلن ، ليوستن 1998) .

  ومن ثم في عام 1277 صدر قرار بابوي بشجب الأرسطية والتنديد بها ، وقد شمل قرار الشجب والتنديد في بعض مقاطعه كل من سيكر البربنت و” بوثيوس دسيا ” (ولد في النصف الأول من القرن الثالث عشر) وهو أستاذ فلسفة في جامعة باريس ومساند للأرسطية والرشدية ، وإرتبط إسمه بسيكر البربنت . وفي العام ذاته تعرص بوثيوس دسيا إلى شجب وتنديد من قبل ” ستيفن تامبير ” (توفي عام 1279) وهو أسقف باريس خلال القرن الثالث عشر ، ورئيس جامعة السوربون في عام 1263 ، والذي إتهمه بقيادة الحركة الرشدية ، فوضعه قرار الشجب أمام موقف صعب ، فقرر هو وسيكر الهرب ، وطلب الحماية من البابا نيكولس الثالث ، فتم وضعهما في الحجز وتلاشى على الأقل وجود سيكر في الثمانينات من القرن الثالث عشر(1280) ( أنظر : جون مارينبون ؛ تاريخ الفلسفة في عصورها المتأخرة (1150 – 1350) / نشرة دار روتليدج 1991)

تعقيب ختامي :

  صحيح جداً إن دوائر الفكرانية الكنسية تمكنت من تحقيق إنتصار مؤقت على أطراف من الحركة الرشدية اللاتينية العارمة ، وذلك من خلال حجز الفيلسوف الرشدي العنيد سيكر البربنت وزميله الرشدي بوثيوس دسيا وهو أستاذ الفلسفة في جامعة باريس ، ومن ثم تغييبهما إلى الأبد (خصوصاً سيكر) . إلا إن ذلك لم يُطفأ الشعلة الرشدية اللاتينية التي ظلت أنوارها تشع في مناطق مختلفة من القارة الأوربية ، وأسماء سيكر البربنت وبوثيوس دسيا  ظلت مُحركات ناشطة للعقل الغربي تحثه على البحث عن كتب سيكر ومؤلفات بوثيوس والإنكباب على دراستها . ولذلك ظهر جيل جديد من الرشديين اللاتين ، مثله في باريس الفيلسوف الرشدي ” جون جاندين ” (حوالي 1280 – 1328) وفي إيطاليا كل من الفيلسوفين الرشديين في جامعة بولونا ” تدو البرمي ” (كان ناشطاً رشدياً في العام 1320) و” أنجلو أزو ” (كان ناشطاً رشدياً في العام 1325) .

  ومن ثم ظهرت أثار الرشدية اللاتينية في المباحث الفلسفية التي كتبها الفيلسوف الإيطالي ” أوغسطينو نيفو ” (1473 – 1538) والذي درس الرشدية والأرسطية في جامعة بادو الإيطالية . وإمتد أثر الرشدية إلى شهيد الفلسفة والعلم الإيطالي ” جوردانو برنو ” 1548 – 1600) الذي أحرقت جسده الشريف ، وهو حي نيران الحقد الفكراني اللاإنساني ، لا لشئ سوى إنه حمل فكراً فلسفياً وعلمياً مخالفاً للنظرة الفكرانية الأُحادية . وهذه قصة أخرى يتناولها مقال أخر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

إبن رشد والرشدية

أخطاء تاريخية وكبوة المنهج الإنتخابي

Averroes and Averroesim

Historical and Methodological Inaccuracies

Dr. Mohamad Farhan

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   إن الكتابة حق مشروع للجميع ، كما إن النقد حق مشروع ، شرط أن يكون موضوعي وقائم على منهج علمي ، وذو طبيعة أخلاقية ، خصوصاً بعد عملية نشر المكتوب وتحوله إلى جزء من ثقافة المجتمع  ، والنقد هنا لا علاقة له بكاتب المقال بقدر ما يراجع مصداقية وموضوعية المطبوع الثقافي الذي أصبح مادة ثقافية  إجتماعية إنفصلت من شخصية كاتبها ..  وإن الكتابة النقدية تعتمد على التاريخ الذي هو الفيصل الوحيد في مضمار البحث خصوصاً إذا إختلطت الأوراق ، وعلى المصادر الحقيقية ، ويستند إلى منهج كلي ، يرفض الإنتخابية المقيتة  ،  منهج يفصل الأراء الخاصة عن الحقائق ، ويشتغل على الإلتزام الأخلاقي الذي يرى إن  القارئ الكريم الذي سلم عقله للمطبوع الثقافي الذي يقرأه وآمن بدرجات مصداقيته ، له حق في معرفة الحقيقة كلها وليس أقل من الحقيقة الكلية .. وأوكد هنا على إن من حق القارئ  الحصول على معرفة موضوعية حقيقية عن الموضوع المكتوب وليست معرفة مشوهة .. وتستند إلى منهج كلي وليس منهج إنتخابي .. لأن في المنهج الإنتخابي وفي المعرفة المشوهة ظلم للموضوع المكتوب وظلم للقارئ على حد سواء .. فسلام على الباحثين عن الحقيقة .. وتحية من الأعماق لكل محبي الحكمة

أخطاء تاريخية وكبوة المنهج الإنتخابي

  يقول الدكتور عبد الأمير الأعسم خطأً في الجملة الأولى من مقاله المقتضب جدا جدا ،  والمعنون ” الإنبهار .. بإبن رشد أو الفارابي ؟؟ ” والذي ظهر منشوراً على موقع ” مجلة أفيروس ” (وبالمناسبة كان صاحب القلم – أي الدكتور الفرحان – لفترة المسؤول عن قسم الفلسفة في المجلة)  يقول الأعسم ما نصه : ” لعل إنبهار أوربا بإبن رشد ، منذ القرن الثاني عشر ” .

هذا الكلام غير صحيح يا أستاذ ، وفيه خطأ تاريخي يتعارض مع البديهيات :

1 – فمثلاً نحن نُدرس الطلبة في المراحل الجامعية الأولى بأن إبن رشد ولد في القرن الثاني عشر 1126 م  وهذا يعني إن فيلسوف قرطبة ولد في نهايات الثلث الأول من القرن الثاني عشر ، ومات في السنتين الأخيرتين من القرن الثاني عشر(1198م)  .  وإنتهى القرن الثاني عشر ولازلت مؤلفات إبن رشد بعيدة عن أنظار الأوربيين أو الأدق اللاتين . فكيف تعرفت أوربا على تراث إبن رشد في القرن الثاني عشر ؟ إنه خطأ تاريخي مكشوف يا أستاذ الأعسم .

2- إن أوربا كما يقول الأعسم إنبهرت بأبن رشد منذ القرن الثاني عشر .. هذا خطأ وفيه مخالفة للتاريخ للشواهد الآتية :

فان قارئ تاريخ الحركة الرشدية في أوربا والتي كانت أولاً مع ترجمة مؤلفات إبن رشد . يلحظ إنها بدأت في بدايات العقود الثلاثة الأولى من القرن الثالث عشر ، وليس منذ القرن الثاني عشر كما يقول الأستاذ الأعسم  . والشواهد التاريخية كثيرة ، منها :

أولاً – بدأ تأثير إبن رشد على اللاتين في عام 1230 . وهذا يعني إن تأثير إبن رشد  على أوربا كان في الثلث الأول من القرن الثالث عشر وليس كما قال الأستاذ الأعسم خطأً منذ القرن الثاني عشر .

وللدقة كان على الأستاذ الأعسم أن يقول كما قال الأستاذ الباحث ” ستيوارت ماكلينكوك مانصه

إن أوربا بعد إن كانت تعتمد على الإفلاطونية والإفلاطونية المحدثة إنبهرت بأرسطو القرن الثاني عشر (والمقصود أرسطو إبن رشد) وذلك من خلال الترجمات اللاتينية لشروح إبن رشد العربية ” أنظر ستيوارت ماكلينكوك : جون الأردين ومشكلة الرشدية اللاتينية  1951 ” .

والفارق بين العبارتين كبير فإنبهار أوربا بإبن رشد في القرن الثاني عشر لم يحدث على الإطلاق وذلك لأن فيه معارضة للتاريخ وذلك لأن أوربا لم تتعرف على شروح إبن رشد على مؤلفات أرسطو التي ترجمها اللاتين  إلا في الثلث الأول من القرن الثالث عشر

ولكن نضيف موضحين بأن الإنبهار الأوربي الذي حدث في القرن الثالث عشر كان لأرسطو الذي كان متداولاً في كتابات إبن رشد التي كانت رائجة في القرن الثاني عشر وهنا تستقيم العبارة

ثانياً – إن الإصطلاح أفيروس والأفيروسيزم (أي أبن رشد والرشدية) ظهر لأول مرة في عام 1270 م ، وبالتحديد مع الأسقف الفرنسي ” إتيني تامبير ” الذي إتهم في العام 1277 أساتذة جامعة باريس ” بأنهم يناصرون الفلسفة الوثنية (أي فلسفة إبن رشد)  ، ويفضلونها على الوحي المسيحي “. أي إن الظهور الأول لأصطلاح الرشدية كحركة فلسفية معلنة جاء  في العقود الثلاثة الآخيرة من القرن الثالث عشر . وليس كما قال خطاً الأستاذ الأعسم منذ القرن الثاني عشر .

 إغلوطة القرن الثاني عشر في مقال الأعسم والثوابت التاريخية :

وهنا نشير الى الكتب التي تناولت الحركة الرشدية نشوءً ومن ثم نشير إلى القرن الثالث عشر كتاريخ حقيقي لترجمة مؤلفات إبن رشد وتعرف العالم الغربي عليها ومن ثم إنبهاره وقراءتها وتكوين حركة رشدية عارمة

أولاً – الكتب التي صدرت في الغرب كثيرة . ولعل منها الصادر بالإنكيزية والفرنسية  . وهنا أدعو الزميل الأعسم إلى تصحيح الخطأ الذي وقع فيه بقراءة واحد منها :

رينان : إبن رشد والرشدية (باريس 1852) وهذا الكتاب مترجم إلى اللغة العربية

تاريخ كيمبريدج للفلسفة الوسيطة المتأخرة (1982) / ص ص 602 -622

كولسيوزكي ؛ نظرية العقل في كتابات الرشديين اللاتين في القرنيين الثالث والرابع عشر (وارشو 1965)

والموسوعات الإنكليزية كثيرة كثيرة وتوفر مواد عن إبن رشد والحركة الرشدية ودوره في الثورة الأرسطية التي عمت أوربا كما يسميها الغربيون ، ونحن نفضل ضبط المصطلحات وتسمية الأشياء بأسماءها الحقيقية ، فنقول للدقة الثورة الرشدية : والتي بدأت بالنهضة الإيطالية ومن ثم الفرنسية ومن ثم النهضة الأوربية التي عمت أوربا .

يقول واحد من المصادر الأنكليزية الحجة :

إن الرشدية هي أرسطية راديكالية متطرفة ، وهو مصطلح أطلق على الحركة الفلسفية التي ظهرت في أواخر القرن الثالث عشر بين الفلاسفة الفرنسيين ( والأدق الباريسيين نسبة إلى جامعة باريس)  وأوكد أواخر القرن الثالث عشر وليس منذ القرن الثاني عشر كما ذكر خطأً الأستاذ الأعسم .

ثانياً – ترجمة مؤلفات إبن رشد في القرن الثالث عشر

فقد ذكرت جميع المصادر الغربية بأنه خلال القرن الثالث عشر قد حدثت الترجمات اللاتينية لأعمال إبن رشد ، خصوصاً شروحه على أرسطو ، وبالطبع هناك شروح على مؤلفات إفلاطون وخصوصاً الجمهورية ، وهذه الترجمات وفرت لأول مرة تعاليم  أرسطو لجميع الباحثين في أوربا وهذا الكلام فيه رد على إبن سبعين والأستاذ الأعسم على حد سواء لإن ابن رشد لم يكن شارحاً لأرسطو فقط  كما زعما ، وإنما كان  إبن رشد شارحاً على كتب شيخ الفلاسفة إفلاطون أستاذ أرسطو كذلك .

وفي عام 1230 وصاعداً باشرت هذه الشروح التي كتبها إبن رشد تأثيراً واسعاً وقوياً على حشد من الباحثين اللاتين وكان يقودهم كل من بوثيوس الدنماركي ولد في النصف الأول من القرن الثالث عشر ، وسيكل البربنت الذي ولد عام 1240 وتوفي عام 1284 ومن ثم أصبحت جامعة باريس المركز القوي للحركة الجديدة الرشدية أو الأرسطية ” (أنظر ج كولتن ، دراسات في فكر العصور الوسطى لندن 1940) . 

نظرية الحقيقة المزدوجة وبذور علمانية إبن رشد :

لقد فات الأعسم بأن واحدة من القضايا التي تلقفها الفلاسفة الرشديين الفرنسيين هي ” نظرية الحقيقة المزدوجة ” التي حملها كتاب إبن رشد ” فصل المقال مابين .. ” والمقصود الفصل بين الحكمة والشريعة ، الفصل بين العقل والدين ..  وهذه القضية وحدها تدعونا للإنبهار بأبن رشد .. وعلى هذا الأساس نظر الغرب إلى فيلسوف قرطبة كواحد من الداعين إلى العلمانية ، وظهرت في الغرب الكثير الكثير من المؤلفات بعنوان : إبن رشد الأب الروحي للعلمانية الحديثة (أنظر: محمد جلوب فرحان : إبن رشد الأب الروحي للعلمانية الحديثة / بحث واسع نشرت منه صفحات على موقع مجلة أفيروس) .

إبن رشد الشارح الكبير (نتحفظ عليه) : بين إبن سبعين الأعسم وتوما الإكويني

لماذا العودة إلى إبن سبعين يا أستاذ وتحملكم المسؤلية التاريخية ؟ أولاً إن إبن سبعين لم يكن معاصراً لأبن رشد لمنح تقويمه سلطة معرفية ، إبن رشد عاش في القرن الثاني عشر ومات في السنتين الأخيرتين من القرن الثاني عشر ، فقد ولد فيلسوف قرطبة في عام  1126 ومات 1198 وإن إبن سبعين لم يولد بعد فكيف تعرف على فلسفة فيلسوف قرطبة وعرفه عن قرب وإن كان إبن مدينته ؟ بالتأكيد جاءت معرفة إبن سبعين بقراءة إبن رشد وهذه فرصة معادلة للجميع وليس فيها إمتياز لأبن سبعين والذي تفصله مسافة زمنية ملحوظة عن عصر إبن رشد ، فقد ولد إبن سبعين في القرن الثالث عشر وبالتحديد ولد بعد موت إبن رشد بعشرين سنة فمن الثابت إن إبن سبعين ولد عام 1217 ومات عام 1269 ، ونحسب إن قراءة إبن سبعين لتراث إبن رشد قد تمت على الأقل بعد نصف قرن من الزمن  – بعد موت إبن رشد – ونرجح إن إبن سبعين كان في العقد الثالث من عمره ، وإعتمدنا في ترجيح ذلك على تأليفه لكتابه الشهير المسائل الصقلية ، والذي سبب له الكثير من المشاكل مع الفقهاء في المغرب ، وإتهامهم له بالكفر ومن ثم طرده منها في عام 1247 .

كما إن من الثابث القار في الدراسات الكلاسيكية في مضمار الفلسفة غرباً وشرقاً ، والمتداول الشائع حتى في الموسوعات الفلسفية التي هي شاهد يومي وموضوع قراءة للتأكد من الحقائق البديهية ، يذكرنا بشخصية إبن رشد … فهي تتحدث عن إبن رشد ، بأنه ” الشارح الكبير ” أي شارح أرسطو .. وعلى الرغم من إن في هذا الإصطلاح ، الكثير من إلإجحاف  بحق إبن رشد .. ولكن إذا قبلناه .. فيكون الشرح الذي يتحدثون عنه هو إنشاء فلسفي منطقي أبستمولوجي رشدي أصيل ..

من المعروف إن إبن رشد كتب بعناوين واضحة  ، مجموعة مؤلفات شارحة لفلسفة أرسطو وكذلك لفلسفة إفلاطون السياسية وهذا ما فات إبن سبعين في عبارته التقويمية لفلسفة إبن رشد ، وفيلسوف قرطبة في بعض من مؤلفاته أعلن صراحة إن مهمته هو تنظيف فلسفة أرسطو مما إختلط بها من تراث إفلاطوني محدث ولذلك جاءت عناوين كتبه مثال على ذلك :

شرح كتاب ما بعد الطبيعة

شرح كتاب البرهان

شرح كتاب النفس

شرح كتاب القياس

وهذه جميعاً وغيرها هي كتب فيلسوف إسطاغيرا أرسطو إلا إن لأبن رشد كتاب بعنوان

شرح كتاب جمهورية إفلاطون

وهذا الكتاب يشكل محنة لكل من يقول بأن إبن رشد كان أرسطياً حتى النخاع أو إنه تابع أرسطو بعماء ونقول إنها محنة لتقويم إبن سبعين والأعسم على حد سواء ، ولأراء أطراف من حركة إلإستشراق التي أدارت ظهرها لحركة التاريخ ولفعل إبن رشد وتراثه الذي كان السبب الأول وراء إنتاج الحركة الرشدية اللاتينية العارمة

إذن مسألة كون إبن رشد شارحاً لفلسفة أرسطو هو جانب من مهمته الفلسفية التي نظفت فلسفة أرسطو من الإنتحال الذي حدث لها على يد الإفلاطونيين المحدثين وإن هذه المتابعة إستمرت مع فلاسفة المشرق خصوصاً مع الفارابي . ونحسب إن ذلك يكفي بأن نهتم بإبن رشد الذي قدم للإنسانية صورة أصيلة لفلسفة أرسطو ومن ثم بين الضميمة الكبيرة في كتب الإفلاطونية المحدثة وفي تأليفات الفلاسفة  المشارقة

ولذلك نرى إن أقوال إبن سبعين ، وتتضمن الأعسم ونفر كبير من المستشرقين وطلابهم من العرب ، قد جانبها الحق ، وذهبت مذهباً فيه قصور كثير لفهم حقيقة العمل الجبار الذي قام به فيلسوف قرطبة وخصوصا في مضمار الشرح أو الأدق تنطيف النص الأرسطي مما دخله من غرائب هي مزيج من أراء الإفلاطونين المحدثين وفلاسفة المشرق والفارابي وإبن سينا على الأخص وذلك عندما إعتقدا خطأً إن كتاب أثولوجيا أرسطو، هو كتاب حقيقي كتبه أرسطو في حين هو بعض من تساعيات إفلوطين .

حقيقة إن إبن رشد كان أكثر صدقاً  ، فقد كان صادقاً مع نفسه ، وصادقاً مع أرسطو حين حرر نصه من قيد الإنتحال الذي إستمر لقرون ، وصادقاً مع القارئ  ولهذا إحتضنه العقل اللاتيني أولاً والعقل الأوربي والإنساني ثانياً لأنه قدم في القرن الثاني عشر ولأول مرة أرسطو نظيفاً أو قل فلسفة أرسطو الأصلية النظيفة الخالية على الأقل مما يسمى بالأمشاج

وعلى كل فأن دور إبن رشد في الغرب يتمثل في إنه جاء لهم حاملاً مع تراثه ما يمكن أن نطلق علية بالثورة الأرسطية (ولعل الكتب الإنكليزية كثيرة التي حملت مثل هذا العنوان .. وهي ثورة حقيقة حمل مشعلها تراث إبن رشد المترجم إلى أوربا في الثلث الأول من القرن الثالث عشر وليس القرن الثاني عشر كما قال الأستاذ الأعسم ..  فقبل دخول تراث إبن رشد ، صدرت من قبل الكنيسة قرارات بتحريم الفلسفة الطبيعية لأرسطو  .. وقبلت التحويرات التي قام بها عالم الفلك الإسكندراني بطليموس ، وإعتبرت ذلك جزء من العقيدي المسيحي المقدس .. والويل الويل لكل من يتجرأ بأرسطية مخالفة  . ومن هنا كانت خطورة عمل إبن رشد على دوائر اللاهوت التي شعرت بخطورة فلسفته وما تحمله من تراث أرسطو على العقيدي ، فبدأت بعملية منظمة لمحاصرة الفلسفة الرشدية قادها بكل عنف أولاً ألبرت الكبير الذي ولد ما بين 1193 و 1206 وتوفي عام 1280 ومن ثم قادها بالتعاون معه وبعناد قوي تلميذه وفيلسوف الكثلكة توما الإكويني  ..

ومن هنا يمكن القول إن المواجهة التي وقعت بين القديس توماس الأكويني (1225 – 1274) وتراث إبن رشد ، بالتحديد بعد وفاة فيلسوف قرطبة بحدون نصف قرن من السنين ، لشاهد صارخ على الطاقة الرشدية الهائلة التي هزت نهايات العصور الوسطى الأوربية ، وفعلاً قد فشل الأكويني فشلاً ذريعاً من وقف زحف الرشدية المستبطنة للأرسطية رغم تحريك القرار البابوي وإصدار قرارات تحريم الرشدية ومعاقبة من يعلمها . وهكذا وضعت الرشدية اوربا على عتبات النهضة الإيطالية والفرنسية في أواخر القرنين الثالث عشر والرابع عشر ، واللتان لعبتا دوراً في إنطلاق النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر (1400) .

وللإختلاف بين الفعلين الثقافيين ؛ فعل إبن رشد وفعل إبن سبعين نقول ؛ إنه في حين كانت البابوية ممتحنة في أمرها من أثر الفعل الثقافي الذي ولدته فلسفة إبن رشد المتداولة في دوائر الثقافة الأوربية يومذاك ، فقد وجد البابا بالمقابل في كتابات إبن سبعين طاقات نافعة لتغليب النهج اللاعقلاني وتقويته والترويج له في العالم الإسلامي ، وليكون صوت مجابهة للفكر العقلاني الرشدي . وهكذا ناصر البابا مشروع إبن سبعين وقال بشهادة المقري بالتحديد :

 ” إنه ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه ” (أي من إبن سبعين) (أنظر : المقري ؛

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1995 الصفحة 411) .

ولما كان أرسطو هو قضية منازعة إبن سبعين لأبن رشد (وأيد الأعسم إبن سبعين بتحمس عال) ، حاولنا في هذا الطرف من البحث النظر في حقيقة هذه القضية وبيان كبوة المنهج الإنتخابي الذي ركبه دون حذر الباحث الموضوعي الأستاذ الأعسم   وتحت عنوان :

حضور أرسطو في نصوص إبن سبعين

ونحسب إن السؤال الحاسم الذي يواجه مصداقية إبن سبعين في نقده لنهج إبن رشد ، ومن ثم في تقويمه لمشروعه بكلمات إبن سبعين بالإتباع الأعمى لأرسطو ؛ هو السؤال الآتي  :

ما هي درجات حضور تراث أرسطو في نصوص إبن سبعين ؟ وهل إختلفت متابعة إبن سبعين لأرسطو عن المتابعة العمياء ؟ إن الملفت لنظر القارئ لنصوص إبن سبعين ، إنه يلحظ بشكل واضح إلى إن إبن سبعين قد ضم جوانب من أطراف فلسفة أرسطو على الأقل في نصين كتبهما يراعه :

أولاً – كتابه المعنون ” يد العارف ” وهو نص مبكر ، وهو يعد اليوم أول كتاب كتبه إبن سبعين ، حين كان فتى يافعاً .

ثانياً – كتابه المعنون ” المسائل الصقلية ” ، وهو نص كتبه في مرحلة النضوج من مسيرته المهنية والكتابية . وقد كتبه في نهايات عقده الثالث . ونحسب إنهما عينتان ممتازتان للدراسة .

وهنا نجد من اللزوم قبل تقديم  شواهدنا على درجات حضور أرسطو في نصوص إبن سبعين ، ومن ثم متابعته لأرسطو بطريقة رغب إبن سبعين أن لا تكون ” عمياء ” مثلما حدثت مع تجربة إبن رشد التي أُنجزت قبل تجربته بحدود ما يقارب نصف قرن.

نقول إن نهج إبن سبعين ، في الحقيقة ، لم يكن الأول من نوعه ، بل إن تاريخ الفلسفة الأسلامية خاصة وتاريخ الثقافة العربيةعامة ، يقدمان لنا حشوداً من التجارب التي سبقت التجربة السبعينية (نسبة إلى إبن سبعين) . بدأت بمشروع أشعري مُسيس لمحاصرة المشروع الفلسفي العربي الإسلامي وإتهامه بأنه في مجمله ، إعادة إنتاج للفلسفة المشائية (الوثنية) في دار الثقافة الإسلامية . ومن ثم جاء الإمام الغزالي (1025 – 1111م) وترجم المشروع الأشعري إلى نص ثقافي متفرد فيه مقاومة ومعاندة للفلسفة والفلاسفة ، وإتهمهم بالتبديع ومن ثم التكفير . فدخلت الفلسفة في تاريخ المحنة ، وعاش الفلاسفة تجربة الإمتحان على يد كل من هب ودب . ولعل عناوين كتابي الغزالي الشهيرين يفصحان عن المرامي الغزالية ، وهما : مقاصد الفلاسفة و تهافت الفلاسفة ، واللذان تحولا إلى شاهد تاريخي ومعلم كبير في دارنا الثقافية العربية الإسلامية

لقد إتهم الغزالي الفلسفة الإسلامية بكونها فلسفة مشائية ، وإن الفلاسفة المسلمون ما هم إلا نسخة إسلامية للفلاسفة المشائيون (حسب إصطلاحات الإستشراق التي تتحدث بلغة غزالية) هذا كان على وجه العموم . وعلى وجه الخصوص فإن الغزالي بدع الفلاسفة (الفارابي وإبن سينا كرموز للفلسفة المشائية الإسلامية طبعاً فيه إغلوطة كبيرة ) في قضايا ، وكفرهم في قضايا أخرى .

إن ضميمة المشروع الأشعري الذي نفذه الأمام الغزالي لصالح المؤسسة السياسية السلجوقية الكارهة للفلسفة والفلاسفة . قدمت موديلاً غزالياً للتعامل مع الفلسفة والفلاسفة ، سيكون له متابعة تاريخية ملحوظة في تاريخ ثقافتنا العربية ، واعية أو لاواعية  للإساس الأيديولوجي للبرنامج الأشعري الكاره للفلسفة والفلاسفة , ولعل الشواهد كثيرة ، منها عناوين كتب تحت مضمار تهافت الفلاسفة ، مصارعة الفلاسفة  ، مصارعة الفيلسوف وفضائح اليونانية .. وغيرها كثير كثير..(أنظر : محمد جلوب الفرحان : الجدل الثقافي عند العرب / مصدر سابق / قدم مسحاً تاريخياً عاماً لمشروعات الفلاسفة فعلاً ثقافياً ، ومشروعات التهافت والمصارعة والفضائح رد فعل ثقافي مقاوم ..) .

والسؤال : ما هي ضميمة المشروع الأشعري – الغزالي الموديل على الأقل في نقد الفلسفة والفلاسفة ؟ معلوم إن الغزالي هاجم الفلسفة المشائية (وهي مشائية أرسطو) وعرضها بالتفصيل في كتابه ” مقاصد الفلاسفة ” . وهاجمهم في كتابه ” تهافت الفلاسفة ” . وإن الغزالي إعترف صراحة ، وأعلن بوضوح عن منهجه في نقد الفلسفة والفلاسفة ، وهذا أمر بديهي معلوم في أوساط الباحثين وطلبة الفلسفة ، وهو إنه إستخدم ” منطق الفلسفة ” في هدم الفلسفة . ولعل القارئ لكتاب المقاصد يجد الأبواب الخاصة التي تحدث فيها عن المنطق المشائي (الأرسطي) ، ومن ثم تابع الغزالي فعل النقد والهدم للفلسفة الإسلامية في كتابه التهافت ، وذلك بإستخدام هذا المنطق في نقد الفلاسفة ، هو بالتأكيد منطق أرسطو المختلط بيد الإفلاطونيين المحدثين بالمنطق القضوي الرواقي وأمثلة هندسية من كتاب الأصول لأقليدس . والضميمة الغزالية ، هو إنه هاجم الفلسفة الأسلامية لكونها بإعتقاده نسخة من المشائية اليونانية . إلا إنه قبل بالمنطق المشائي أداة لهدم المشائية . إنها محنة غزالية تلقفتها مشاريع النقد للفلسفة وعملت بها (مع الإنتباه إلى إبن رشد هو الذي كشف ضميمة الإمام الغزالي ، وهو إنه لم يستخدم البراهين المنطقية وإما إستخدم الجدل وحجج الشكاك . أنظر أباحث عدة في هذا العدد من المجلة تعرضت لهذه القضية) .

وللتخصيص نقول ؛ إن هذا الموديل العتيد الذي قدمه الغزالي قد فرض هيمنته على دوائر الثقافة الإسلامية الكارهة للفلسفة والفلاسفة حتى عصر إبن رشد وما بعده . ولعل كتاب إبن رشد المعنون ” تهافت التهافت ” هو مشروع فلسفي جديد في الدفاع عن الفلسفة والفلاسفة ، كما فيه  رد بمنهج جديد على كتاب الغزالي ” تهافت الفلاسفة ” . وكشف لضميمتين الفلسفية والمنهجية المنطقية التي زعمهما الإمام الغزالي .

ولكن الجديد في منهج إبن رشد إنه لم ينكر حق الغزالي في النقد ، بل أيد الغزالي في بعض القضايا التي نقد فيها المشائية الإسلامية . ولعل السبب يعود إلى إن المرجعية الأرسطية لفيلسوف قرطبة مختلفة عن مرجعية الفارابي وإبن سينا . ففي مرجعية الفارابي وإبن سينا فيها الكثير من الإنتحال . في حين إن مرجعية إبن رشد كانت بحدود ما نظيفة من الأمشاج الإفلاطونية المحدثة ، وإعتقاداً من قبل فيلسوف قرطبة ، إنه لا علاقة لتراث أرسطو الرشدي على الإطلاق بكتاب أثولوجيا أرسطو (الذي سبق إن قلنا ما هو إلا بعض من تساعيات إفلوطين ) .

أما المشروع السبعيني في تقويم فلسفة إبن رشد كما أورده الأستاذ الأعسم ، فعلى الرغم من كونه مشروع غير واعي للأساس الأشعري (لأن إبن سبعين خصم للأشاعرة) ففيه متابعة للنهج الغزالي . فالغزالي بين تهافت الفلاسفة المشائيون بالإعتماد على منطق المشائيين . وفعلاً تجدد هذا الحال عند إبن سبعين . فقد عاب على إبن رشد متابعته العمياء لأرسطو ، لكنه أخذ وتبنى من التراث الأرسطي أشياء ، وضمها في كتابيه ؛ يد العارف والمسائل الصقلية .

ففي كتاب يد العارف إحتفل إبن سبعين ببعض الشهادات من تراث أرسطو في تصنيف العلوم ، وبالتحديد عندما صنف الصناعات إلى  صناعات علمية وصناعات عملية . أما في كتاب المسائل الصقلية ، وبالتحديد في المسألة الرابعة الخاصة بالنفس فقد إستشهد بالأسكندر الأفروديسي (عاش وكتب في القرن الثالث الميلادي ، وهو فيلسوف مشائي ، شارح لفلسفة أرسطو وكان إبن رشد على معرفة بشروحه ، وكان الأفروديسي خصماً للرواقية وكتب كتاب في النفس (أنظر: ميرا توماني ؛ الشروح القديمة على إفلاطون وأرسطو / نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 2009) وقد إعتمد عليه إبن سبعين) ، وهنا تكمن ضميمة إبن سبعين في ترجيح شرح الإفروديسي على شرح إبن رشد ، وذلك لأن في شرح الإفروديسي الأرسطي حتى النخاع مخالفة لأرسطو .

والحقيقة إن الإفروديسي الذي رجحه إبن سبعين ، هو أرسطي شارح ولكن وظيفته الفلسفية كانت مختلفة ، وإن إبن رشد حسب رأي إبن سبعين هو الآخر أرسطي شارح ، ولكن حسب مذهبنا إن وظيفة إبن رشد الفلسفية هو تنظيف الفلسفة الأرسطية من أمشاج الإفلاطونية المحدثة وأطراف الإنتحال الذي أدخله الفارابي على نصوص أرسطو ، وذلك  بقبوله كتاب أثولوجيا أرسطو على إنه من إنتاج قلم فيلسوف إسطاغيرا .

ولعل محنة إبن سبعين أصبحت مكشوفة (وتنسحب المحنة على المنهج الإنتخابي الذي إختاره الأعسم)، وهو إنه ظل يدور في دائرة الفكر الأرسطي ، ناقداً إبن رشد على المتابعة العمياء لأرسطو مع عدم الوعي بالوظيفة التاريخية التي أنجزها . في حين مال وأخذ برأي الإفروديسي الذي هو الأخر شارح يتابع نصوص أرسطو ، نصاً نصاً ، وحرفاً حرفاً .. وهي بالتأكيد النصوص التي كانت متداولة في القرن الثالث الميلادي ، وهو عصر صعود الإفلاطونية المحدثة ، وهو العصر الذي جمع ونشر فيه فرفريوس الصوري (233 – 305م)  ” التساعيات ” كتاب أستاذه إفلوطين (204 – 270م) والذي كان معاصراً للإسكندر الإفروديسي . (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ربيع 2011)  .

نهضة القرن الثالث عشر إستجابة حقيقة للحركة الرشدية الأرسطية

جاء قرار الشجب البابوي والتنديد بالفلسفة الرشدية (ويشمل الأرسطية) وتحريمها في عام 1277 صحيح إن وراء هذا القرار يقف فيلسوف الكاثوليكية القديس توما الإكويني . ولكن هذا الصوت البابوي المقاوم للفلسفة (والمقصود الأرسطية في حركتها الرشدية) جاء متأخراً  . فمن الملاحظ إن بعض الفترات السابقة قد شهدت  مواقفاً فيها نوعاً من التسامح مع الفلسفة ، بل والتشجيع على مصالحة الفلسفة مع اللاهوت المسيحي . فمثلاً إن صعود بابا جديد (هو كليمنت الرابع) في العام 1265 ، فتح باب من التعامل مع الفلسفة . فقد أمر البابا الجديد فيلسوف نهضة القرن الثالث عشر الأنكليزي ” روجر بيكون ” (1214 – 1294) أن يكتب له كتاباً يحدد فيه مكانة الفلسفة في اللاهوت . وفعلاً كتب روجر بيكون كتابه الشهير ” العمل الكبير ” وبين فيه وجهة نظره الداعية إلى دمج فلسفة أرسطو (وبالتأكيد أطراف من الرشدية) والعلم الجديد في اللاهوت . وهذا الكتاب شاهد تاريخي على الإستجابة الإيجابية لفعل الحركة الرشدية في نهضة القرن الثالث عشر.

وبعد إكمال كتابة مؤلفه ” العمل الكبير ” أرسله إلى البابا في العام 1267 مع رسالة تضمنت إهداء الكتاب إلى البابا . والكتاب تكون من 840 صفحة . والكتاب طبع عدة مرات في نصوص ناقصة أولاً . ومن ثم طبع في عام 1897 بصورة كاملة بعد إن عثر عليه ” أف . أي . كسكوف ” في مكتبة الفاتيكان . وهو يتألف من سبعة أجزاء :

الجزء الأول عالج الصعوبات التي تقف في طريق الحقيقة الصادقة و الحكمة الحقيقية . ومن ثم إنبرى إلى تحديد الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الخطأ . وحسب روجر بيكون إنها تندرج في مجالات أربعة : فقدان أو ضعف المصداقية في السلطة ، العادات ، الجهل بالأخرين ، إخفاء الجهل والتظاهر بالمعرفة .

الجزء الثاني درس فيه العلاقة بين الفلسفة واللاهوت . ويرى إن اللاهوت (وعلى الأخص الكتاب المقدس ” هو القاعدة الأساسية لجميع العلوم .

الجزء الثالث يحتوي على دراسة للغات الكتاب المقدس (الإنجيل) . وشملت الدراسة كل من اللغات : اللاتينية ، اليونانية ، العبرية والعربية . ويحسب روجر بيكون إن المعرفة باللغة وقواعد النحو ضروريان من أجل فهم حكمة الوحي .

أما الأجزاء ؛ الرابع والخامس والسادس ، فقد عرضت مجموعة دراسات تناولت الرياضيات ، البصريات ، العلم الإختباري ، وضم معالجة للخيمياء (الكيمياء القديمة) ، وصناعة البارود ، وموضع وحجم الأجسام السماوية ، وتأملات في الإختراعات الحديثة يومذاك ، من مثل الميكرسكوب ، التلسكوب ، الجزيئات ، المكائن الطائرة ، الهايدروليك ، والسفن البخارية .

وشكلت دراسة البصريات الجزء الخامس ، وهي منتزعة من أعمال الكتاب العرب مثل الفيلسوف الكندي والحسن إبن الهيثم .  وتضمن مناقشة لفيزيولوجيا البصر ، العين ، المخ ، الضوء ، المسافة ، المكان ، الحجم ، الرؤية المباشرة ، الرؤية المنعكسة ، الإنعكاس ، المرايا والعدسات .

الجزء السابع ركز على الفلسفة الأخلاقية والآداب .

وبعد موت البابا كليمنت الرابع في العام 1268 عادت المواقف القديمة المعادية للفلسفة (وبالتأكيد يتضمن عداء للأرسطية والرشدية) بقوة إلى روح القرن الثالث عشر . وخصوصاً مع صعود نجم كل من ألبرت الكبير وتوما الإكويني وتعاونهما ضد مشروع الفلسفة الرشدية .. وترى مصادرنا إلى إنه مابين 1277 و1279 قد تعرض روجر بيكون إلى السجن أو الإقامة الجبرية . وظل هذا الكتاب موضوع هم وغم للدوائر اللاهوتية ،لإنها أدركت بأن كتاب روجر بيكون أحتوى على الكثير الكثير مما لا يتوافق والعقيدي المسيحي . ولذلك أصدرت دراسات تخفف من حجمها . ولعل واحدة من هذه الدراسات الحديثة ، قد إشتغلت على إنجاز هذه المهمة ، فذهبت مجادلة :

إن عمل روجر بيكون الكبير ، لا يمكن قراءته بصورة شاملة في ضوء تاريخ العلم والفلسفة ، دون الإلتفات إلى إلتزامات روجر بيكون الدينية للنظام الفرنسسكاني الذي كان ينتمي إليه (أنظر : أماندا بور ؛ مرآة كل عصر : سمعة روجر بيكون / مجلة المراجعة التاريخية الإنكليزية / العدد 121 سنة 2006 / ص ص 652 – 692) .

 الإنبهار بالفارابي والإنبهار بإبن رشد

نحن في مذهبنا الفلسفي لا نفضل تداول لفظة الإنبهار لأنها مرتبطة بلحظة العفوية والتي ليس لها علاقة بالدراسة الهادفة الواعية .ومعلوم للجميع إن الدراسة الواعية المسؤولة ، بحث تحكمه ستراتيجيات وأدوات وتقنيات .. ولكن لنقبل ذلك من أجل المناقشة .. فنقول :  أستاذ إن الأنبهار بالفارابي شئ والإنبهار بأبن رشد شئ أخر . مشروع الفارابي نهض على كتاب خطأ للفيلسوف أرسطو ، وهو كتاب أثلوجيا أرسطو . وهو في حقيقته بعض من تساعيات إفلوطين . وتيقن الفارابي على أساس تساعيات إفلوطين (أو خطأً كتاب أثولوجيا أرسطو) إن لا خلاف بين الحكيمين : أرسطو وإفلاطون . وأشتغل على مشروع التوفيق أولاً بين الحكيمين . وثانياُ بين الحكمة والشريعة . والشاهد على ذلك الخطأ كتاب الفارابي المعنون ” الجمع بين رأي الحكيمين ” .

أما فيلسوف قرطبة وبالتأكيد قبله بعض من فلاسفة المغرب من أسلاف إبن رشد إشتغلوا على قضية الفصل بين الحكمة والشريعة  ، وفعلاً فقد حصلوا على ترجمات أصيلة لكتب أرسطو وليست منتحلة كما هو الحال زمن الفارابي . فبدأت محاولات فلسفية مختلفة تدعو إلى الفصل بين ما جاءت به الحكمة وما جاءت به الشريعة . وتتوج هذا المشروع على يد إبن رشد ولذلك كتب كتابه الشهير ” فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الأتصال ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ مقدمة في دراسة تأسيس منطقي لعلم الفقه عند إبن رشد / مجلة آداب المستنصرية / العدد التاسع 1983 (نشر بحدود ثلاثة عقود مضت) / ص ص 549 – 582) .

 أسباب الإحتجاج بمشروع إبن رشد الفلسفي وكبوة المنهج الإنتخابي :

أستاذ نحن اليوم نحتج بإبن رشد لأسباب منها :

أولاً- إنه دعى بصورة واضحة إلى الفصل مابين الشريعة (الدين) والحكمة (الفلسفة أو الأدق العقل) . وكانت له نظرة مرجحة للعقل الإنساني .. وهذه هي جوهر مشروع التنديد الذي قاده القديس توما الأكويني ضد فلسفة إبن رشد .. فالإعتماد على العقل الإنساني قضية مهمة في تنظيم الحياة المدنية للبشر ..ونحن أستاذ نرغب في إقامة مؤسسات مدنية ، وصياغة دستور يفصل بين الدين والدولة … ولا يفرق بين إبن رئيس وزراء وإبن راعي في أعالي جزيرة الفرات ..

ثانياً – إن في كتابات إبن رشد نصوص فيها إنصاف وتعديل للشرط النسوي . وفيها تطلعات لترقية مكانة المرأة في المجتمع ، فمثلاً في بعض مجتمعاتنا العربية النساء يكون الغالبية .. فليس من الإنصاف في القرن الحادي والعشرين تظل الغالبية مغلوب عليها وليس لها قرار في مصيرها وتطلعاتها في المستقبل ..

ثالثاُ- نحن نحتج بإبن رشد وفلسفته لأنه عانى الكثير من المؤسسة السياسية ، فحرقت كتبه ، وفقد حريته ، ورمت به بالسجون مع اللصوص والمجرمين بتهمة الهرطقة ، وموته كان قريباً من شكل من أشكال الشهادة في الدفاع عن الفلسفة كنمط من التفكير الحر .. في حين إن الفارابي عاش في بحبوحة بني حمدان مكرماً مبجلاً ، يؤلف كتبه الفلسفية برعايتهم ، ويصنع الآلات الموسيقية ويؤلف الموسيقى ، داعماً سياساتهم الرسمية بكتابه الشهير ” آراء أهل المدينة الفاضلة ” الذي فيه الأمل للحاكم والمحكوم .. ففي مشروع الإقلاع الفلسفي نحتاج إلى إبن رشد أكثر مما نحتاج إلى الفارابي ، ولكن فيما بعد الإقلاع الفلسفي ، نعود إلى مشروع الفارابي ونحتفل به .. كمشروع للتنوع الفلسفي والإنفتاح على الثقافات الإنسانية الوافدة .. فقد تعايش الوافد الثقافي مع الرافد المعرفي العربي الإسلامي في كتلة ثقافية ، في الإمكان تسميتها ” فلسفة إبن رشد ” .. فقد إحتفل الغرب بإبن رشد وأعلوا من مكانته .. فلماذا نحن نظلم فيلسوفنا ونجرده من إستحقاقاته في ثقافتنا وهو رمز ثقافي فلسفي عالمي كبير إعترف به الغرب والشرق وخصوصاً المستشرقين الذين تخرج الأستاذ الأعسم على أيديهم ويردد أقوالهم في تحقيقاته لأبن الروندي (إطروحته في الدكتوراه) أو في تحقيقاته لرسائل الحدود (التي حققها قبله بعض الباحثين من أمثال بول كراوس طيب الله ثراه ) والتي جمعها في كتاب أسماه المصطلح الفلسفي ؟ .. سؤال كبير

رابعاً – إتسم منهج إبن رشد بالموضوعية والإعتراف برأي الآخر ، وإن كان خصماً للفلسفة والفلاسفة . ففي كتابه تهافت التهافت  إعترف بحق الإمام الغزالي وهو الخصم العنيد للفلسفة والفلاسفة في إثارة بعض القضايا ضد الفلاسفة المشارقة خصوصاً الفارابي وإبن سينا في كتابه تهافت الفلاسفة  . وهذه مسألة نحترم إبن رشد فيها ونعلو من موضوعيته وعدالته في الإعتراف بحقوق الآخرين وإن أختلف معهم  / للإطلاع على مطارحات الفلاسفة مع خصومهم  ،  أنظر ؛ محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب  – وهو تاريخ موجز للخط العام للجدل الثقافي بين الفلاسفة وخصومهم ، وقد نهض البحث على واحد من قوانين نيوتن في الفيزياء ، والقائل ؛ لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الإتجاه  / مجلة دراسات عربية بيروت 1986

خامساً- مع موجات المغول وهيمنة الفكر الظلامي  . فأن الإحتجاج بمشروع إبن رشد ضرورة لمشروع تجديد فكر إبن رشد وتهيئة الفرصة لمشروع إقلاع فلسفي جديد .. فأن لحظة الإقلاع لا تعتمد على الغيب والإنتظار ، والعصا السحرية .. وإنما التواصل مع المتجدد في التراث القريب ..  تراث فيه روح التجديد والإنطلاق . وهذا متوافر في بعض نصوص إبن رشد .

   صحيح إن الفرصة التي وفرها إبن رشد قد تلقفتها أوربا وحدثت النهضة الأوربية ، والتي حصدت ثمارها أوربا أولاً والعالم ثانياً . وأصبح معروفاً على الأقل في هذا المهاد الفكري التاريخي إن حضور فلسفة إبن رشد كانت داينمو نهضة الغرب ، وإبن رشد كان الحامل لمشعل الثورة الأرسطية التي إنقلبت إلى نهضة رشدية أوربية . .

وصحيح كذلك إننا ضيعنا الفرصة التي وفرها لنا فيلسوف قرطبة .. إلا إن في فلسفة إبن رشد ظلت أشياء ، يمكن إستخدامها طاقة روحية على الأقل في مقاومة الفكر الظلامي الذي يعج بمنطقتنا العربية ، ويذكر الأجيال الجديدة بأن الغرب إعتمد على فيلسوف من فلاسفتنا في تأسيس نهضته الفلسفية والعلمية .. والتي إمتد فيها أثر إبن رشد إلى شهيد النهضة العلمية ” برنو ” وعبرت إلى إسبينوزا مروراً بديكارت والديكارتيين ..

ولعل من المفيد أن نختتم هذا التصحيح ، بالقول إن فيلسوف المسيحية القديس توما الأكويني ، رغم عداءه لأبن رشد وفلسفته ، فأنه كان دارساً ممتازاً لفلسفة إبن رشد من زاوية العقيدي المسيحي والذي شعر بخطورة فلسفة إبن رشد عليه ، فكتب ردوده لتفنيدها ، وحرك البابا لإصدار قرارات تحريم فلسفة إبن رشد ، وقد عمل الأكويني كل ذلك وأنجز مشروعه النقدي لفلسفة إبن رشد في بداية النصف الثاني من القرن الثالث عشر . . ولكن الذي حدث إن الأكويني روج لفلسفة إبن رشد بطريقة غير مباشرة ، ودفعت ردود الأكويني العقل الغربي إلى البحث عن فلسفة إبن رشد والإنكباب على قراءتها .. ومن هذا الباب لعبت مواقف الأكويني المعادية لأبن رشد من إنتشارفلسفة إبن رشد في الجامعات الإيطالية أولاً ، والجامعات الفرنسية وعلى الأخص جامعة باريس ثانياً .. وهكذا أنتشرت فلسفة فيلسوف قرطبة في أوربا ” مثل إنتشار النار في الهشيم ” .

حقيقة لقد بز القديس توما الأكويني إبن سبعين في فهم حقيقة فلسفة إبن رشد وما تمتلكه من طاقات فلسفية جديدة . في حين إكتفى إبن سبعين في ترديد نشيد مايسمى ” بأرسطية إبن رشد ” وإنكفأ عند عتبته ، ولم يتمكن من أن يحفر في خطاب إبن رشد بأدوات الفلاسفة ، ويصل إلى النتائج الرشدية التي توصل إليها فيلسوف قرطبة وذلك في إستخدام تراث أرسطو الأصيل وليس المنتحل ، ومحاولته فك ” الإتصال ” ما بين الحكمة والشريعة ، وتطبيقاته المنطقية على الفقه الإسلامي .. والحقيقة المزدوجة التي قال فيها .. ورؤيته الفلسفية المتميزة لوظيفة العلوم ، والتي شكلت مضماراً متفرداً في حقل الأبستمولوجيات الفلسفية (فلسفة العلوم) … وغيرها كثير كثير .

تناقضات في المنهج الإنتخابي الذي إختاره الأعسم في قراءة تقويم إبن سبعين لإبن رشد

وعذراً الأستاذ الأعسم إذا قلت لجنابكم ؛ بأنكم إنتخبتم إبن رشد إنتخاباً جزئياً ، في تقويم إبن سبعين الذي هاجم الفلسفة والفلاسفة.والحقيقة إن تقويم إبن سبعين الكلي يشمل الفارابي  الذي تطالبنا بالإنبهار به بدلاً عن إبن رشد . ولعل العودة إلى إبن سبعين المتصوف  ونصوصه التي قوم فيها الفلسفة والفلاسفة ففيها وضوح لحقيقة هجوم إبن سبعين . فقد هاجم الفلسفة لأن الفلاسفة يقلدون أرسطو تقليداً أعمى وهاجم الفارابي وأبن سينا والذين أسماهم بالمشارقة فالهجوم لا يقتصر على فيلسوف قرطبة وإنما شمل الفارابي الذي تدعونا إلى أن ننبهر به ونتخلى عن إنبهارنا بأبن رشد إلا ترى إن الحجة وقعت في تناقض . ورفع التناقض يتطلب التخلي عن الطرف الأول من الحجة

وعلى هذا الأساس يصبح الإنبهار بأبن رشد مشروع مثلما الإنبهار بالفارابي مشروع أو قبول حجة إبن سبعين وهو إن الفارابي وإبن رشد على حد سواء عيال على أرسطو وهذه قضية عرفناها في تاريخ ثقافتنا وهي القضية التي يتكأ عليها أعداء الفلسفة والفلاسفة

وأخيراً فأن كلام إبن سبعين الكاره للفلسفة والفلاسفة والمنطلق من قاعدة صوفية ترجح المنهج اللاعقلاني وبالتأكيد هي على طرفي نقيض مع المنهج العقلاني لفيلسوف قرطبة . والحقيقة إن كلام إبن سبعين وإن جاء تاريخياً متأخراً ، فهو يندرج في باب الكلاموجيات الذي تجاوزته الفلسفة منذ إن نقل الكندي فيلسوف العرب الأول دائرة المعرفيات الإسلامية من معاقل ما يسمى بعلم الكلام إلى مضمار فكر عربي جديد ، هو الفكر الفلسفي .. إن قراءة فلسفة إبن رشد من زاوية كلام إبن سبعين ، هي رجعة تاريخية إلى الوراء ، وسباحة ضد تيار الفلسفة العارم وهي خيبة ما بعدها من خيبة للمنهج الإنتخابي .

ودمتم من محبي الحكمة

عزيزي القارئ الكريم قررنا إصدار العدد الخامس من مجلة أوراق فلسفية جديدة عن فيلسوف قرطبة إبن رشد والذي سيصدر في شتاء 2012 

تعقيب

*  صاحب القلم (الدكتور محمد جلوب الفرحان) هو الحارث العلمي في منطق أرسطو والمنطق العربي منذ مايقارب خمس وثلاثين عاماً ، وأبحاثه المنطقية المتنوعة تملأ المجلات والدوريات الأكاديمية ، وله عشرين كتاباً ، منها ثلاثة كتب منشورة في علم المنطق وله كتاب رابع عن المنطق الرمزي ينتظر النشر ، وكانت رسالته للماجستير أول رسالة في علم المنطق في جامعة بغداد (العراق) (1976) وكانت في المنطق الفوقي عند أرسطو . أما أطروحته للدكتوراه ففيها معالجات لأطراف من المنطق .. وكل درجاته الأكاديمية حصل عليها من قسم الفلسفة . فهو الأبن الشرعي للفلسفة والأبن البار لفلاسفتها الحقيقيون ، والعاشق لعلومها (أنظرللتفصيل عن أطراف من سيرته الأكاديمية ، البحث المعنون ” نحو مدرسة منطقية عراقية معاصرة : الأستاذ والتلميذ / منشور على موقع الفيلسوف / شباط 2010)  .

وصاحب مقال الإنبهار بإبن رشد أو الفارابي ، وهو موضوع نقدنا وتقويمنا الحالي ، هو (الدكتور عبد الأمير الأعسم) الذي بذل جهوداً مشكورة في مضمار تحقيق النصوص المنطقية وخصوصاً في رسائل الحدود التي سبق إن حققها قبله عدد من الباحثين من أمثال بول كراوس طيب الله ثراه ،كما سار الأعسم على نهج المرحوم أستاذه الدكتور كامل مصطفى الشيبي طيب الله ثراه ، وعلى الأخص في مشروع الشيبي في كتابيه : الحلاج والحلاج في المصادر الحديثة . فنشر الأستاذ الأعسم كتابيه عن إبن الروندي(إطروحته في الدكتوراه) وإبن الروندي في المصادر الحديثة . وللتاريخ ولطلاب الفلسفة الذين سيكتبون عن الأستاذ الأعسم مستقبلاً ، نقول إن الرجل لم يتخرج من قسم الفلسفة لا في دراساته الجامعية الأولية ولا في دراساته العليا ؛ فقد أكمل الأستاذ الأعسم دراساته الجامعية الأولية في كلية أصول الدين المسائية في باب المعظم (ألغيت فيما بعد) وأكمل الدراسات العليا في قسم الدراسات الشرقية (وليس في أقسام الفلسفة) في المملكة المتحدة

ولعل من نافل القول الإشارة إلى إن الأستاذ الأعسم قد عمل جاداً ومنتجاً في مضمار الفكر العربي المعاصر وأشرف على عدد من الطلبة في هذا المضمار العام (وليس هو مضمار الفلسفة في الإصطلاح الدقيق المعروف) . والشاهد على ذلك مقاله الحالي الذي ذكر فيه تلميحاً إلى المهتمين المعاصرين بفكر إبن رشد ، وهو موضوع بالتأكيد يختلف عن فكر إبن رشد الفيلسوف وعالم المنطق والإنطولوجي  والأبستمولوجي  والأكسيولوجي (وبالطبع هذه النظريات الفلسفية عصية الفهم على من لا يتدرب في أقسام الفلسفة مثل الأستاذ) . فعلاً لقد كان إبن رشد رمزاً ثقافياً إنسانياً ، عاش وملأ القرن الثاني عشر في مؤلفاته الفلسفية المتنوعة وترك أثرأ على الغرب ، والذي إستحق إنبهار اللاتين به لحظة قراءة وترجمة تراثه إلى أوربا منذ الثلث الأول من القرن الثالث عشر (وليس كما قال خطأً الأعسم القرن الثاني عشر) وحتى القرن السادس عشر فرحم الله فيلسوف قرطبة وطيب ثراه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

المعقول واللامعقول : الخطاب الرشدي في الأبستمولوجيات

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   بعد إنقضاء أكثر من ثمانية قرون وعقد من السنيين على وفاة الفيلسوف ” إبن رشد ” (520 هجرية / 1126 ميلادية – 596 هجرية / 1198 ميلادية) يجري الحديث في مناطق واسعة من دوائرنا الثقافية العربية الإسلامية ، وعبر ندوات ومؤتمرات وتظاهرات فكرية ، عن إمكانية تجديد المشروع الثقافي الرشدي . ولعل السؤال الذي يثار هنا : هل مثل هذا الحديث مشروع وممكن ؟ وهل إن التحديث يشمل كل مكونات المشروع الفلسفي الرشدي ؟ حقاً نتعجل ونقول إن جوانباً عديدة من مكونات المشروع الرشدي كانت تتقدم على العصر الذي تولدت فيه . ولذلك تمكن العقل الغربي من الإحتجاج بها في مجابهة كل ما يعوق حركته في التقدم العلمي والمعرفي ، فأنطلق متسلحاً بالعقلانية الرشدية المستبطنة للتراث العلمي الأرسطي ، يؤسس أشكالاً علمية ومعرفية ، وأنماطاً ثقافية جديدة ، أعلنت من خلالها عن بزوغ شمس عصر جديد ، هو ” عصر النهضة الأوربية / الرينسانس ” .

   ونحسب إن القرون الثمانية والعقد من السنين التي تفصلنا عن المشروع الرشدي ، قد كشفت بما يكفي من الشواهد على إن جوانب عديدة من هذا المشروع قد تجاوزتها روح العصر ، وأرغمتها على الإستسلام والدخول إلى ذمة الذاكرة والتاريخ

، ولم تعد مكونات يحتج بها من أجل نهضة عربية إسلامية جديدة . وعلى هذا الأساس فأن مذهبنا في التعامل مع تراث فيلسوف قرطبة ، مختلف مع كل وجهات النظر التي تراهن على المشروع الرشدي في عملية الإستنهاض الفكري والثقافي للواقع العربي الإسلامي . فالفرصة تأتي مرة واحدة ولا تتكرر مرتين ، وقد وفرها لنا فيلسوف قرطبة قبل ثمانية قرون وعقد من السنيين . وكنا نغط في نوم عميق كما وصف الحال المفكر الإسلامي مالك بن نبي . ففوتنا الفرصة وإستثمرها العقل الغربي في كل من الجامعات الإيطالية ومن ثم الفرنسية ، فإنبثقت موجة رشدية عارمة ، لم تتمكن قوى الكثلكة وزعيمها توماس الإكويني من وقفها ، فتتوجت بعصر النهضة الذي حمل مشروع التجديد للثقافة والعلم الغربيين (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد الأب الروحي للعلمانية الحديثة / منشور على موقع مجلة أفيروس) . ولعل من الكلام المعاد القول بأن ما تحصده الحضارة الغربية وبكل الأوجه هو من ثمار النهضة الأوربية أو قل على الأصح النهضة الرشدية التي عمت الحياة الأوربية خلال القرنيين الثالث والرابع عشر الميلاديين .

  ورغم ضياع الفرصة الرشدية من أيدينا ، فأننا نجد في الخطاب الرشدي في الأبستمولوجيات ، وبالتحديد في العلوم والمعرفيات قوة تعيننا في تكوين أفق ثقافي يحركنا بتعجيل متسارع نحو علوم الغرب ومعرفياته ، وما تولد منها من منهجيات ونظم منطقية ، وتقنيات بحث وأجهزة لغوية ، ترجمة وهضماً وإستيعاباً ، وذلك بهدف تأسيس قاعدة علمية معرفية عربية إسلامية متجددة ، تمكننا من جديد من الإقلاع الحضاري في القرن الحادي والعشرين . ولهذا نحسب إن الخطاب الرشدي في الأبستمولوجيات ، هو المضمار المتجدد من طرف الخطاب الرشدي . وهو الذي نراهن عليه في تأسيس قاعدة الإقلاع الفلسفي العلمي والمعرفي . ولهذا السبب إنتخبناه موضوعاً لبحثنا الحالي .

  حقيقة إن ما يميز الخطاب الذي ولده عقل فيلسوف قرطبة ، هو إنه نهض على قاعدة فلسفية مستوعبة لمعرفيات وعلوم عصره المرجحة للمنطق الثنائي الأرسطي والممزوج بالمنطق القضوي الرواقي والهندسة الإقليدية ، والمستوعب للهوامش الفلسفية الإسلامية التي جرت على النظريات الطبيعية عامة والفلكية خاصة التي هبطت إلى دائرته المعرفية من التراث الأرسطي الممزوج بفيثاغورية إفلاطونية مع تغليب إفلاطوني محدث لمشروعي جالينوس وبطليموس والقائمة مفتوحة لجهود حشد أخر … 

 ولما كان الخطاب الرشدي يتطلع إلى إنجاز مشروع إقلاع فلسفي تترجح فيه كفة العقل ، كما ويحفز العقل ليعمل في مختلف مناطق التفكير دون تردد . فإننا نلحظ إن ذهنية إبن رشد قد إمتصت مختلف العلوم المتداولة يومذاك ، ووقفت على مجمل الإتجاهات الفلسفية والمعرفية التي كتبها الفلاسفة الذين تقدموا عليه . وكونت مواقفاً فلسفية معرفية ، فيها من التحفظ والشك من إمكانية قيام بعض العلوم والمعرفيات . وفي الوقت ذاته إقترحت قائمة ببعض العلوم والمعرفيات ، ورأت بأن في بنيتها وفي مناهجها إمكانية للإعلان عن بزوغ شمس معرفيات وعلوم جديدة . ولعل الحاصل من كل ذلك توافر طاقات تعزز من سلطة العقل ومنهجه ، وترسم له علامات جغرافية في ساحات الفكر والعلوم والمعرفيات ، من غير الممكن تخطيها والعمل خارج حدودها .

  يسعى هذا البحث إلى توفير إجابات على الأسئلة الآتية :

أولاً – ما حجم حضور العلوم والمعرفيات في كتابات فلاسفة المغرب الذين تقدموا على فيلسوف قرطبة ، وشكلت كتاباتهم بيئة ثقافية عاش فيها إبن رشد وتعلم منها ؟

ثانياً – ما حجم حضور هذه العلوم والمعرفيات في الإفادات التي كتبها فيلسوف قرطبة ؟

ثالثاً – وما هي قوائم العلوم والمعرفيات الممكنة ؟ وما أثرها على منهجه العقلاني؟

رابعاً – وما هي قوائم العلوم الباطلة ؟ وما أثرها على منهجه العقلاني ؟

حضور الأبستمولوجيات في الفلسفة المغربية قبل إبن رشد :

  شكلت الفلسفة المغربية التي ولدها العقل العربي الإسلامي قبل ظهور ” إبن رشد ” البيئة الثقافية والأفق المعرفي للعصر الذي عاش فيه فيلسوف قرطبة . وكان لحضور العلوم والمعرفيات في مباني الفلسفة المغربية أكبر الأثر في تكوين ذهنية إبن رشد المعرفية والمنهجية . كما ولعبت دوراً مهماً في تنمية إتجاهاته نحو بعض العلوم وترجيح مكانتها في الخطاب الفلسفي المعرفي العلمي الذي كتبه ، والتي كان لها بالمقابل الأثر في صرف إهتمام فيلسوف قرطبة عن بعض المعرفيات والعلوم ، مما حملته على التحفظ منها أو إهمالها على الإطلاق . ولهذا نحسب إنه من النافع جداً أن نوفر بياناً نكشف فيه رصيد المعرفيات والعلوم في البيئة الثقافية التي عاش فيها إبن رشد ، وتعلم منها ، والتي في الوقت ذاته أسهمت في تكوين ذهنيته في أجواءها .

   حقيقة إن الإجابة على السؤال الأول (ما حجم حضور العلوم والمعرفيات في الفلسفة المغربية قبل إبن رشد ؟) ، تتطلب تقديم شهادات دالة من داخل المباني الفلسفية التي كتبها الفلاسفة المغاربة قبل إبن رشد . ولهذا السبب سنبدأ أولاً بتقديم شهادات دالة من داخل المباني الفلسفية التي كتبها ” إبن حزم الأندلسي ” (384 – 456 هجرية) ، وذلك لأن الأندلسي قد أسهم بفعل معرفي وثقافي متميز في تكوين البيئة الثقافية والمعرفية التي إمتدت من المغرب وحتى الأندلس . ولهذا نرى إن إبن حزم يتقدم الصفوف في الفلسفة المغربية ، ويعرض في مؤلفاته أشكالاً ملونة من المعرفيات والعلوميات في العمارة الفكرية التي شكلها فكره وكتبها يراعه ، والتي كانت متوافرة أمام أنظار فيلسوف قرطبة ، فدقق في أسسها وتفاصيلها ، ووقف على طبيعة الفكرانية الظاهرية التي إستظلت بها ، فكانت موضوع درس ونقد وتقويم ، ومن ثم إستبطان وإفادة .

 صورة الأبستمولوجيات والعلوميات عند إبن حزم

 لقد تناول إبن حزم موضوع المعرفيات والعلوميات في رسائله وكتبه المختلفة وبصور متنوعة . ففي رسالة له بعنوان ” التوقيف على شارع النجاة بإختصار الطريق ” ، أشار إلى وجود موقفين من العلوم في عصره . وهنا يمكن النظر إليه كمؤرخ للإتجاهات المعرفية والعلومية المؤيدة والمخاصمة يومذاك . وتمثلت هذه المواقف من المعرفيات والعلوميات في طائفتين :

الأولى – طائفة إتبعت علوم الأوائل :

   إن المهم في الإفادات التي تقدم بها إبن حزم ، إنها حددت لنا هوية علوم الأوائل ، ووضعت في متناولنا لوحة فهم تقويمية لها . فعلوم الأوائل حسب ضبطه هي : الفلسفة والمنطق وعلم العدد وعلم المساحة وعلم الهيئة (منا : علم الفلك) . وفي تقويم إبن حزم للعلوم من زاوية الفكرانية الظاهرية ، ينهض على إن المنطق ” علم حسن رفيع ” (إبن حزم الأندلسي ؛ رسالة التوقيف على شارع النجاة بإختصار الطريق ” منشورة في كتاب ” رسائل إبن حزم الأندلسي ” تحقيق إحسان عباس / المجموعة الأولى / مصر بلا تاريخ ، ص 43) . وإن علم العدد ” علم صحيح برهاني . إلا إن المنفعة به إنما في الدنيا فقط ” (المصدر السابق ، ص 44) . وإن علم المساحة (الهندسة) ” علم حسن برهاني ” . وأهميته تتحدد في ناحيتين ؛ في ” فهم صنعة الأفلاك والأرض ” . وفي ” رفع الأثقال والبناء وقسمة الأرضين ونحو ذلك . إلا إن هذا القسم منفعته في الدنيا فقط ” (المصدر السابق ، ص ص 44 – 45) . وإن علم الهيئة ” علم برهاني حسي حق ” ، وتأتي منفعته من جهة ” الوقوف على أحكام الصنعة وعظيم حكمة الصانع وقدرته ” (المصدر السابق ، ص 45) .

 ويلحظ الباحث إن إفادات إبن حزم لم تكتفي بهذه الشجرة من العلوم ، وإنما تقدمت بصورتين أخريين من العلوم ؛ واحدة يمكن الإصطلاح عليها بالعلوم الممكنة أو العلوم المضافة ، والتي كان ” علم الطب ” ممثلاً لها . وفي تقويمه لهذا النوع من العلم ، وجدناه يفيد ؛ إنه ” علم حسن برهاني ، إلا إن منفعته إنما هي في الدنيا فقط ” (المصدر السابق) . وهنا نسجل تحفظاتنا على إصطلاح علم برهاني ، وذلك لأن الطب في جوهره علم تجريبي إختباري ، يعتمد الملاحظة . وربما في جانب التشخيص يستند على مانطلق علية بالإستدلال التجريبي (وفي التسميات القديمة الإستقراء) . وبالتأكيد هذا النوع من الإستدلال يختلف عن البرهان المتداول في العلوم النظرية الخالصة (المنطق والرياضيات والفيزياء النظرية) .

أما الصورة الثانية للعلوم ، ففي الإمكان تسميتها بالعلوم الباطلة والتي يمثلها ” القضاء بالكواكب ” ، وهو حسب الإفادات التي كتبها إبن حزم : علم ” باطل لتعريه من البرهان ، وإنما هو دعوى فقط ” (المصدر السابق) . وقد لا يغيب عن الأنظار بأن البرهان في هذا الإفادات ، هو ” علم المنطق ” ، والذي سيجد له صدىً قوياً في الإفادات المعرفية ، وبالتحديد المنهجية التي سيكتبها فيلسوف قرطبة .

الثانية – طائفة إتبعت علوم النبوة :

 لاحظ الباحث إن إبن حزم ، بحكم كونه صاحب مذهب إسلامي ، يدافع عن أصولية الينابيع الأولى للرسالة الإسلامية ، فإنه من الطبيعي أن يركز على منفعة ” ما جاءت به النبوة ” (المصدر السابق ، ص 43) . ولذلك رأى إن هذه المنفعة تأتي من نواح ثلاث :

1 – إصلاح الأخلاق النفسية ، والدعوة إلى الإلتزام بأفضل ما فيها . وحسب إفادات إبن حزم ، إن ذلك يتحقق من جهة تفضيل إصلاح النفس على إصلاح الجسد ، ولذلك ذهب مؤكداً على إن ” صلاح النفس ومداواتها من فسادها ، أنفع مع مداواة الجسد وإصلاحه ” . وعلى هذا الأساس إعتقد إن صلاح الأخلاق لا يتم ” بالفلسفة دون النبوة ” (المصدر السابق ، ص 46) .

2 – ضبط سلوك العباد وتصرفاتهم ، وذلك عن طريق دعوة النبوة إلى ” دفع مظالم الناس الذين لم تصلحهم الموعظة ” . وهنا تؤكد إفادات إبن حزم على إنتخاب الطريق الأسلم الذي يؤدي إلى ” صنع النظام ” ، و” إيجاد التعاطف ” ، وإن كل ذلك لا يمكن إنجازه ” بغير النبوة أصلاً ” (المصدر السابق ، ص 46) .

3 – ولعل المنفعة الثالثة من علم النبوة ، هي منفعة حسب صاحب المذهب الظاهري تتجاوز حدود هذا العالم (الدار) الدنيوي ، وتتطلع إلى إنجاز مهمة تخص العالم (الدار) الآخروي ، والتي تتمثل بالعمل على ” .. نجاة النفس فيما بعد خروجها من هذا الدار ” . وإن الأولويات من المنافع ، هي تمكين العباد من ” معرفة حقيقة الخالق ” و ” معرفة طريق خلاصنا ” . وكلا الحالتين في يقين إبن حزم لا تتحققان ” إلا بالنبوة ” (المصدر السابق) .

وعلى أساس هذين الموقفين من المعرفيات ، كون إبن حزم رؤية فكرانية (ظاهرية) ، إنطلق في ضوءها إلى وزن علوم الفلسفة وبيان جدواها ، فهي محاكمة للعلوم الفلسفية في إطار علوم النبوة التي تتسور بها فكرانية إبن حزم الظاهرية ، وهذه هي الضميمة التي تلف مجمل الموقف الظاهري من العلوم الفلسفية . ولذلك قال إبن حزم صراحة ودون تردد الباحث في مضمار المعرفيات الفلسفية ، بل بمنطق اليقين العقيدي الظاهري : إن العلوم الفلسفية غير قادرة على إنجاز ما حققته النبوة .

وبالإستناد إلى هذه الرؤية إشتغل على مهاجمة الأفكار النابتة في الشواطئ الفكرية المقابلة لشاطئه ، فذهب مفنداً رأي كل من يعتقد بخلاف رأيه الظاهري ، وإنتهى الى النتيجة الرافضة للحوار والتداول مع أصحاب الشواطئ الأخرى ، الذين إتهمهم ” بالكذب ” وإفتقار حججهم للبرهان . إن كل ذلك جاء في إفادته القائلة : إن ” من إدعى ذلك فقد إدعى الكذب لأنه يقول ذلك بلا برهان ” (المصدر السابق ، ص 48) .

   ومن ثم تقدم في نص معرفي أخر ، وكان بعنوان ” رسالة في ترتيب العلوم ” ، وهي في حقيقة الأمر خطاباً في المعرفيات والعلوميات المتداولة في عصره . ومن الملاحظ على هذا الخطاب إنه إستند إلى رؤية بيداغوجية (تربوية – تعليمية) . حملت معها مشجراً للعلوم فيه إختلاف ومديات تنوع ، تقتضيها العملية البيداغوجية . فأفاد منبهاً ولافتاً إنتباه أولياء أمور المتعلمين ، وبكلماته ” من ساس صغار ولدانه ” ، على ضرورة إختيار ” المؤدب ” الذي تتوافر فيه شروط التعليم ، والعلوم التي يقوم بتعليمها لهم . ولاحظنا إن منهاج إبن حزم البيداغوجي للعلوم ، يتشكل من مساقيين : الأول ما يمكن أن نسميه بالتعليم الأولي والذي ركز على ” تعليم الخط وتأليف الكلمات من الحروف ، فإذا درب الكلام في ذلك ، درس وقرأ ” (إبن حزم الأندلسي ؛ رسالة مراتب العلوم / منشورة في كتاب رسائل إبن حزم .. / مصدر سابق / ص 63) . أما المساق التعليمي الثاني ، فأنه مشروط بتوجيه إبن حزم ، الذي يطالب المؤدب (المعلم) أن يدرس المتعلمين ، منهجاً دراسياً ، يلتزم فيه بتراتبية للعلوم وبالصورة الآتية :

” علم النحو واللغة معاً ” (المصدر السابق ، ص 64) .

” رواية شئ من الشعر ” (المصدر السابق ، ص ص 65 – 66) .

هذا هو المستوى الأول من هذا المساق التعليمي . أما المستوى الثاني وهو مرحلة تحول أو إنتقال بالمتعلم نحو شواطئ علوم أخرى بكلمات إبن حزم ، تبدأ بعلم الحساب ، ومن ثم علم الهندسة ، وإختيار مقررات دراسية مشروطة محددة . ولعل العودة إلى إفادات إبن حزم ، هي السبيل الدقيق الوحيد الذي يرسم رحلة العلوم وتراتبيتها في المنهج التعليمي للصبيان ، فتفيد :

ومن ثم ينتقل ” إلى علم العدد ”

ويأخذه في طرف ” من المساحة “

ويقرأ ” كتاب أقليدس ” (المصدر السابق ، ص 67) . (وهو كتاب في الهندسة ، فرض هيمنته تاريخياً ولفترة طويلة على دوائر التفكير العلمي ، وظهرت له شروح كثيرة ، وأثيرت شكوك حول ما يسمى ببديهية التوازي خصوصاً في العالم الإسلامي بعيد ترجمته وتداوله .. وأصبح من الكتب الدراسية الكلاسيكية هنا في العالم الإسلامي وهناك في العالم الغربي في المراحل الهيلينستية ،  والوسطى المسيحية ، وعصر النهضة والعصور الحديثة . وإن المناقشات التي حدثت حول هندسة إقليدس وما جاءت به الإكتشافات العلمية ، كل ذلك تتوج بظهور هندسات جديدة أطلق عليها الهندسات اللا إقليدية . وأقليدس هو أحد علماء الرياضيات في مدرسة الإسكندرية ، ولا تذكر المصادر سواء كانت تأريخية أم التي إهتمت بالرياضيات شيئاً عن ولادته أو وفاته ، بل كل ما تذكر إن إسمه إرتبط بكتاب الأصول .. أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس / مجلة أداب الرافدين / كلية الآداب – جامعة الموصل / العدد التاسع 1978 ، ص ص 119 – 150) .

ويطالع ” كتاب المجسطي ” ( إبن حزم : المصدر السابق ، ص 68) . ومثلما لعب كتاب إقليدس دوراً تاريخياً في مناهج التعليم في المرحلتين الهيلينستية والإسلامية ، لعب كتاب المجسطي مثل هذا الدور كذلك . ووضعت عليه الكثير من الشروح ، وإمتد أثره إلى عصر النهضة وما بعد .. والمجسطي كان من تأليف بطليموس (90 م – 168م) وتعني كلمة ” مجسطي ” الرسالة العظيمة ، وهي تتألف من أربعة كتب أو رسائل : الأولى في الرياضيات ، والثانية في الجغرافية ، والثالثة في الفلك ، والرابعة في تعديل فلسفة أرسطو الطبيعية المتداولة يومذاك لتتماشى وعلم الفلك في عصره (أنظر : كتاب مجسطي بطليموس ، ترجمه إلى الإنكليزية جيرالد جيمس تومر ، نشرة جامعة برنكتن 1984).  ولهذا الكتاب سمعة عالية في التراث العلمي العربي الإسلامي ، والذي كانت له سلطة علمية قرابة ألف عاماً ، وهو كتاب في علم الفلك ويعرض موديلا هندسيا لحركة الكواكب والنجوم (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / منشور على موقع الفيلسوف ومواقع عديدة / خصوصاً القسم الخاص بشهيدة الفلسفة هبيشا الإسكندرانية) .

  ونلاحظ إن إبن حزم سعى إلى تنمية التفكير الرياضي عند المتعلم ، وذلك شرطاً أو إستعداداً لنقله لمساق تعليمي أعلى ، وهو ” النظر في حدود المنطق ” . ومن ثم ينقله للنظر ” في الطبيعيات ” (إبن حزم ؛ المصدر السابق ، ص 71) . وبعد كل ذلك يسمح له بأن يطالع ” أخبار الأمم السالفة .. وقراءة التواريخ القديمة والحديثة ” (المصدر السابق ، ص ص 71 – 72) .

 كما ويرى القارئ المدقق لإفادات إبن حزم في المعرفيات والعلوميات ، إن الرجل تقدم بصياغة جديدة لتراتبية العلوم ، فيها تصعيد لبعض العلوم ، وفيها سحب وتسفيل لمكانة علوم أخرى . فمثلاً يجد في الصياغة الجديدة لتراتبية العلوم ، إن ” علم الشريعة ” يتقدمها في قمة الهرم ، ومن ثم تأتي بعدها علوم ستة ، وهي ” علم الأخبار ” و ” علم اللغة ” علم النجوم ” و ” علم العدد ” و ” علم الطب ” و ” علم الفلسفة ” (المصدر السابق ، ص 78) .

  وإفتراضاً إذا قبلنا هذه التراتبية للعلوم ، وذلك على أساس إن العلوم إستندت في تحديد مكانتها وفقاً لدرجة قربها من علوم الشريعة . وإن الفلسفة تأتي في نهاية السلم التعليمي ، حيث تكونت عقيدة المتعلم بشكل صحيح ، ولا خوف عليه من دراسة الفلسفة . فإن من الملاحظ إن العلوم ما بعد الشريعة ، والعلوم ما قبل الفلسفة تفتقد إلى كل شكل من الأساس الذي يبرر تراتبيتها بهذه الصورة التي عرضها إبن حزم . فهو لم يستند إلى معيار ” الملموس المحسوس ” صعوداً إلى طوابق المجرد العالي . و لا إلى معيار ” الذهني المجرد ” نزولاً إلى قاع الملموس الواقعي . ولذلك لم يبدأ بعلوم التجريب والواقع ، ومن ثم يرتقي حيث علوم التجريد ، وهي علوم الرياضيات التي تمهد المتعلم إلى دخول الدرس الفلسفي . على كل إن غياب هذا الأساس المعيار ، هو قدر الإفادات التي كتبها فيلسوف الفكرانية الظاهرية ، والتي تناول فيها المعرفيات والعلوميات في تراتبية مختلطة شكلت جدولاً لتعليم العلوم .

  وبعد إن إنتهى إبن حزم من وضع هذا الجدول ، ورتب العلوم في سلم سباعي ، عاد فقسم علوم شريعة الإسلام إلى أربعة أقسام هي : علم القرآن ، وعلم الحديث ، وعلم الفقه وعلم الكلام (المصدر السابق) . ولعل من الإفادات البالغة الأهمية  ، التي أدلى بها إبن حزم ، هي الإفادة التي صورت العلوم والمعرفيات في إطار من الوحدة والإندماج ، حيث تشكل بمجملها كتلة تتكون من أطراف ، بعضها يعتمد على بعض ، وتلتحم لإنجاز غرض فكراني ، هو ” الفوز بالآخرة ” . وهو هدف ” علم الشريعة ” (المصدر السابق ، ص 90) .

  كما يرتبط بهذه الإفادات ، موقف لإبن حزم من بعض العلوم ، والتي شكلت لها مكانة ملحوظة في خرائط العلوم والمعرفيات ، والتي ذكرها الكثير من الفلاسفة والحارثين في مضمار المعرفيات والعلوميات . فمثلاً رأى إن هناك علوماً إندرست ، ولم ” يبقى منها إلا إسمها ، فمن ذلك علم السحر وعلم الطلسمات ، ومن ذلك علم الموسيقى ” (المصدر السابق ، ص ص 59 – 60) . وهنا نستغرب من إدراج إبن حزم لعلم الموسيقى في قائمة العلوم المندرسة ، وهو العارف بأن لها فعل في حياة الخاصة والعامة ، والذين يتطلعون بشغف للمشاركة في الأحتفالات والمواليد المأمولة ، والتي تصاحبها أشكال من الموسيقى هذا طرف . والطرف الثاني إن التقليد الفلسفي القادم من المشرق الإسلامي إلى دوائر المغرب ، قد أولى في تصانيفه للعلوم ، والتراتبيات التي إقترحها لها ، مكانة تقليدية للموسيقى في العلوم عامة وعلوم الفلسفة خاصة . كما إن العديد من فلاسفة المشرق كانوا مؤلفين موسيقيين ، ولهم معرفة بصناعة الموسيقى وآلاتها (خذ مثلاً الفيلسوف الفارابي) . ويبدو لي إن الفكرانية الظاهرية هي التي لعبت دوراً من شطب الموسيقى أو الحديث عنها كعلماً مندرساً في تراتبيات العلوم في خطاب إبن حزم الأندلسي . ولكن المؤكد إنه كان شاهد حي على مظاهر الحياة المدنية التي تولدت في الأندلس والمغرب ، ومن ضمنها ظهور العديد من مشاهير الموسيقى الأندلسية وصانعي الآلات الموسيقية .

   إن ما أراد إبن حزم أن يقوله في خطابه في العلوميات ، هو إن الإسلام  يرفض السحر والموسيقى ، ويبدو إن هناك تردداً حول الموقف الإسلامي من الطلسمات ، وخصوصاً الموقف الإسلامي الشعبي وليس الفقهي . أما موقفه من علم الكيمياء ، فقد كشفه في الإفادة القائلة : ” أما هذا العلم الذي يدعونه من قلب جوهر الفلز فلم يزل عدماً غير موجود وباطلاً ” (المصدر السابق) .

  والحقيقة إن موقف إبن حزم هذا ، هو موقف المؤسسة السياسية الصارم ، والضارب على أيدي المزيفين للعملة والذين يستخدمون الكيمياء وسيلة للوصول إلى الإثراء السريع ، وذلك عن طريق خداع العامة ، ومن ثم إحداث إضرار إقتصادية بالغة للمجتمع والدولة ومؤسساتها . نقول هذا شئ والتفكير العلمي في تطوير البحث في مضمار الكيمياء شئ أخر ، وهو شئ مختلف ويظل طموحاً إنسانياً مشروعاً ، ينتظر لحظة الولادة الشرعية للكيمياء علماً ممكناً بعد إن كانت ” حلماً إنسانياً ” يراود البشر للسيطرة على الطبيعة وتسييرها لصالحهم . صحيح إن هذه اللحظة كانت بعيدة من عصر إبن حزم ، وكان من حق الدولة أن تضرب على أيدي المزيفين للعملة وهذا طرف . ولكن غلق باب التفكير والبحث في الكيمياء وإعتباره علماً باطلاً طرف مختلف .  

   كما ونظن إن رأي إبن حزم حول ما أسماه ” بأحكام النجوم ” فيه خلط وشمول لعلم الفلك . يقول : إن ”  الإشتغال بأحكام النجوم فلا معنى له ” (المصدر السابق ، ص 68) . والحقيقة إن علم الفلك شئ والتنجيم شئ أخر . وإن عبارة إبن حزم فيها من الخلط والشمول لعلم الفلك على حد سواء وهذا أمر يفتقد إلى الموضوعية والإنصاف في الحديث عن العلوم .

  وتكتمل صورة المعرفيات والعلوميات في الخطاب الذي كتبه إبن حزم ، بقراءة كتابه ” التقريب لحد المنطق والمدخل إليه ” . ففي هذا الكتاب وصف العلوم المتداولة في عصره . وفعلاً عمل ذلك في أحسن ما يقوم به الباحث المؤرخ . فقد حدد هذه العلوم في ” إثني عشر علم ” . وإن المتولد منهما ” علمان زائدان ” . ولنبدأ أولاً بالعلوم الأساس ، ومن ثم ننتهي بالعلوم الزائدة . أما الأولى فهي تضم :

” علم القرآن ، وعلم الحديث ، وعلم المذاهب ، وعلم الفتيا ، وعلم المنطق ، وعلم النحو ، وعلم اللغة ، وعلم الشعر ، وعلم الخبر ، وعلم الطب ، وعلم العدد والهندسة ، وعلم النجوم ” (إبن حزم الأندلسي ؛ التقريب لحد المنطق والمدخل إليه ، تحقيق إحسان عباس ، بيروت ، بلا تاريخ ، ص 201) .

    ويلاحظ الدارس لهذه التراتبية للعلوم والمعرفيات إلى إنها لا تستند في ترتيبها على أساس . فمثلاً علوم الذات التي تولدت في الأرض العربية الأسلامية أو الأدق التي إستندت إلى فكرانية دينية (إسلامية أو ظاهرية = نسبة إلى مذهب إبن حزم) سارت في مساق مختلف عن سلسلسة أخرى ضمتها كتلة العلوم في تراتبية كتاب ” التقريب لحد المنطق..” . 

   صحيح جداً أن العلوم الأربعة قد تم ترتيبها على أساس الفكرانية الدينية (الإسلامية – الظاهرية) . ولكن علم المنطق (العلم الخامس في التراتبية) وهو علم وافد من دائرة الثقافة اليونانية قد إحتل المرتبة الخامسة . وبذلك إنقطعت سلسلة العلوم التي تنهض على فكرانية دينية . إلا إن من الملاحظ إن سلسلة هذه العلوم تعود إلى مساقها الأول بعد هذا الإنقطاع ، وتنضم إلى كتلة العلوم التي ولدتها الذات العربية الإسلامية ،  حدث هذا مع العلم السادس (علم النحو) ، ومن ثم جاء العلم السابع (علم اللغة) ، والذي تلاه العلم الثامن (علم الشعر) وأخيراً جاء العلم التاسع (علم الخبر : التاريخ) .

  وعند علم التاريخ  يحدث إنقطاع أخر في سلسلة علوم الذات ، فيعود إبن حزم إلى العلوم الوافدة ، وهي بالتصنيف التقليدي في عصر إبن حزم ، أطراف من العلوم الفلسفية ، وهنا حدثت متابعة لسلسلة العلوم الوافدة ، والتي بدأت مع العلم  الخامس (علم المنطق) ، ومن ثم جرت متابعة لسلسلة علوم الأخر ، فالعلم العاشر (علم الطب) ، والعلم الحادي عشر (علم العدد والهندسة) ، والعلم الثاني عشر (علم النجوم). وهكذا يصبح واضحاً في هذه الترابية للعلوم ، من إنها تكونت من سلسلتين مختلفتين في الأساس ؛ سلسلة علوم الذات (العلوم الرافدة) . وسلسلسة علوم الأخر (العلوم الوافدة).

  ويواجهنا إشكال ظاهري في هذه التراتبية التي ذكرنا بأنها تكونت من سلسلتين  ، وذلك عند النظر فيما أطلق عليها إبن حزم إصطلاح العلوم الزائدة أو المضافة (أو الناتجة من علوم التراتبية أعلاه) . فعلوم مثل ” علوم العبارة ” و ” علم البلاغة ” هي ليست بعلوم زائدة ، وإنما هي جزء من كتلة علوم الذات (العلوم الرافدة) . وهي بهذا الحال  لا تكون مساقاً ثالثاً أو سلسلة ثالثة في تراتبية المعرفيات والعلوميات في كتاب التقريب لحد المنطق ..

   لقد كونت علوم كتاب التقريب لحد المنطق .. كتلة من المعرفيات والعلوميات ، كتلة تعايش فيها الوافد مع المتولد في الدار الثقافي المعرفية العربية الإسلامية (ويحق لك القول الظاهرية) .  وهي كتلة ثقافية معرفية دللت على حجم النمو والإنفتاح المعرفي والثقافي الناجز يومذاك تحت ظلال المشروع الثقافي الإسلامي .

ونحسب إن هذه الكتلة من المعرفيات والعلوميات ستكون متوافرة أمام أنظار فيلسوف قرطبة ” إبن رشد ” ، والذي من طرفه سيقوم بهضمها ، والتدقيق فيها ، وبالتأكيد سيضعها موضع الحوار والتقويم ، ومن ثم الإفادة منها في تجربته العقلانية التي ستملأ النصف الثاني من القرن السادس الهجري أو الثلث الأخير من القرن الثاني عشر الميلادي (حيث كانت وفاته عام 1198م) .                  

في تصنيف إبن باجة للعلوم والأبستمولوجيات 

جاء بعد ذلك ” إبن باجة ” (500 – 550 هجرية) وعرض صوراً مختلفة من المعرفيات ، نحسب إن لها سيكون من الأثر في توليد أشكالاً من المعرفيات والعلوميات عند فيلسوف قرطبة فيما بعد . فمثلاً إن القارئ لرسالة إبن باجة ” تدبير المتوحد ” يلحظ إنه تحدث عن نوعين من الصناعات * (وليس العلوم أو المعرفيات)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تداخل إصطلاح العلم بالصناعة عند أغلب الفلاسفة العرب ، حتى يصح القول إن العلوم تحولت لديهم إلى صناعات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكنها في حقيقة الأمر تسميات ، وذلك لأن المادة المعرفية لهذه الصناعات تكشف عن جوهر المعرفيات التي كانت متداولة في دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي لحظة الإنشاء ، ومن ثم في تاريخ نمو المعرفيات الإسلامية وحتى اللحظة التي أنتج عقل إبن باجة هذه الصناعات المعرفية .

  ففعلاً تقدم البناء الفلسفي للصناعات المعرفية ، النوع الأول من الصناعات التي ذكرها إبن باجة ، وهي ” الصناعة الطبيعية ” . في حين تلاها النوع الثاني ، وهو ”  الصناعة المدنية ” . وضم صاحب تدبير المتوحد الطب إلى ما أسماه ” الصنائع الطبيعية ” . بينما جاء حديثه عن ” صناعة القضاء ” داخل مباني ” الصناعة المدنية ” (إبن باجة : تدبير المتوحد / منشور ضمن رسائل إبن باجة الإلهية ، تحقيق ماجد فخري ، بيروت 1968 ، ص 44) .

  وكما يبدو إن إصطلاح الصناعة لم يمتلك القوة المطلقة ، حيث يفرض هيمنته على مجمل إفادات إبن باجة . بل إن الباحث المدقق في نصوصه يلحظ إنها تخلت عن هذا الإصطلاح ، وعادت لتتداول إصطلاح ” العلم ” . وكان الشاهد على ذلك إنه درس المعرفيات من طرف رؤيته إلى العلوم . وعلى هذا الأساس وجدناه في خارطة المعرفيات التي تقدم بها ، يشير إلى كتلة جديدة من العلوم تضم معاً ” العلم الطبيعي والعلم المدني ” .

  ومن المفيد الإشارة إلى أن الإفادات التي كتبها إبن باجة قد تغذت بمادة معرفية مستمدة من الخرائط المعرفية التي تصعد إلى الغزالي والصوفية . ولهذا نلحظه يعتمد على تراثهم المعرفي ، فيذكر في إفاداته التقسيم الثلاثي للحكمة النظرية مع الإشارة إلى علوم التعاليم (علوم الرياضيات) (المصدر السابق ، ص ص 90 – 91) .

  وفي تحليل إبن باجة لوعي المتوحد ، ومن ثم بيان ما يحتاجه من علوم ومعرفيات ، يعرض نوعين من العلوم الضرورية للمتوحد . وهي علم الأسباب الموصلة ، وعلم الصور الروحانية (المصدر السابق ، ص 91) . ويلاحظ الباحث إن إبن باجة قد ألزم المتوحد بدراسة هذه العلوم والإنشغال بها (لذواتها) ، ومن بعد ذلك حثه على التوجه نحو دراسة (العلوم النظرية) . ونحسب إن إبن باجة فضل أن تكون البداية في تجربة المتوحد في إكتساب العلوم والمعرفيات ، أن تبدأ من علوم الفكرانية الدينية (أو ما أسماها علم الأسباب الموصلة وعلم الصور الروحانية) . فهي أسوار وموجهات ضرورية لتشكيل ذهنية المتوحد ، كما وأنها أساس فكراني مطلوب أن تستظل به عملية إكتساب العلوم برمتها . ولذلك إعتقد إبن باجة ، إن النظر في هذه العلوم مسار ” جليل القدر ” (المصدر السابق) .

  وعاد إبن باجة إلى مضمار المتداول في دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي ، وإلتحم به بقوة . فمثلاً يجد القارئ لرسالة إبن باجة المعنونة ” قول يتلو رسالة الوداع ” . إن الفيلسوف إبن باجة قد ميز بين نوعين من العلوم ” العلم النظري والعلوم العملية ” (إبن باجة : قول يتلو رسالة الوداع / منشورة في الرسائل الإلهية / ص 123) . وهما النوعان المتداولان في دائرة الفكر الفلسفي العربي . كما إن حديثه عن الفضائل الفكرية وتقسيمه لها ، هو في الوقت ذاته التقسيم المعروف الشائع ، والذي يقسمها إلى علوم : عملية ونظرية (حسب الترتيب الباجوي نسبة إلى إبن باجة) . ومن ثم إنتهى إلى تقسيم العلوم العملية إلى مهن وقوى .

  ويبدو للقارئ المتخصص في فلسفة العلوم العربية في مراحل الصعود الحضارية الإسلامية فيما يسمى بالعصور الوسطى ، وبالتحديد لخرائط العلوم وتشجير المعارف (والتي تبناها العقل الإسلامي من التراث الفلسفي اليوناني المقروء بمنهج إفلاطوني محدث ، وعلى الأخص شروح فرفريوس الصوري على تساعيات أستاذه إفلوطين والتي ترجم بعض منها تحت عنوان كتاب منتحل ” أثولوجيا أرسطو ” . وبعد ذلك أخذت تعرف شجرة العلوم بشجرة فرفريوس) . إن المقارنة بين ما هو متداول من تشجير للعلوم والمعارف في دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي ومن فيلسوف العرب الأول الكندي وحتى ما قبل حقبة الفكر الفلسفي الباجوي . نقول إن مقارنة ذلك بما توفره لنا نصوص إبن باجة . نشعر إننا نقف على تشجير ناقص ومقتضب جدا جدا للعلوم والمعارف عند الفيلسوف إبن باجة .

 ولعل الأمثلة الدالة التي تقدمها نصوص إبن باجة الفلسفية كثيرة ، منها إنه يذكر إن للعلم ” النظري أصنافاً ” (المصدر السابق ، ص 142) . ومن ثم يصمت ولم يتكلم بشئ عن هذه الأصناف . وتحول بحركة سريعة نحو المهن وألتها البشرية . فذهب معقباً ؛ بأن هذه المهن تستعمل ” البدن (وهي) كالنجارة والسكافة ” . أما القوى فهي

” كالطب والملاحة والفلاحة والخطابة وقود (هكذا وردت في النص ، وهي واضحة تعني قيادة) الجيش ” (المصدر السابق ، ص 136) .

  وتواجه شجرة التصنيف الباجوي للمهن والقوى ، مشكلة تصنيف معرفية علمية . فهذه الشجرة فيها تداخل بين أصناف المهن والقوى ، ويعوزها رسم الحدود الفاصلة بين أصناف ما هو مهني وما هو من أصناف القوى . كما إن الأمثلة الواردة في طرفي المهن والقوى ، تحمل القارئ على التساؤل : ما هو الفارق مثلاً بين النجارة والسكافة في طرف المهن و الملاحة والفلاحة في طرف القوى ؟ كما أن ضم الخطابة إلى طرف القوى وبالتحديد مع الأصناف الواردة في النص الباجوي ، فيها خروج على المتداول في خرائط العلوم وتشجير المعارف الفلسفية العربية ومنذ الكندي وحتى إبن خلدون . إذ درج تاريخ التصنيف الفلسفي العربي إلى إدراجها ضمن علوم الذات ، وبالتحديد في طرف من علوم اللسان .

  وفي طرف مهم من مشروع تشجير العلوم والمعارف الباجوي ، هو الحديث عن إمكانية قيام علوم جديدة . ورغم معرفتنا بأن الحديث الباجوي لا يحمل إعلاناً عن تأسيس علوم جديدة ، فهي على كل حال محاولة في تكريس هذا الطرف من مشروع تشجير العلوم والمعارف في دائرة التفكير الفلسفي ما قبل مرحلة إبن رشد ومن هنا تأتي أهميتها التاريخية . ولهذا نقول إنه في موضوع الإمكان ذكرت أفادات إبن باجة صنفين من العلوم الممكنة ، وهي العلم الطبيعي والإلهي . مع ملاحظة تقديم العلم الطبيعي على العلم الإلهي ، وهي مسألة فيها مخالفة لطرف سابق من تشجير العلوم والمعارف الباجوي . بعد ذلك ذهب إبن باجة مناقشاً ماهية العلم الطبيعي أو جوهره ، فأفاد إنه الذي ” يدرك العلم وبقدر الإنسان على الوقوف عليه من تلقائه “

. ومن ثم تحول صوب جوهر العلم الإلهي ، فقال : إنه العلم الذي ” يُدرك بمعونة إلهية ” ( المصدر السابق ، ص 142)

  ولا حظ الباحث في رسالة للفيلسوف إبن باجة ، وبعنوان ” في المتحرك ” يطلق الإصطلاح الفلسفي المتداول في دوائر الفكر الفلسفي الإسلامي الكلاسيكية على العلم الإلهي ، وهو إصطلاح ” الفلسفة الأولى ” (أنظر: رسالة لأبي بكر (أي إبن باجة) ؛ في المتحرك / منشورة في كتاب رسائل الكندي والفارابي وإبن باجة وإبن عدي / تحقيق عبد الرحمن بدوي ، بنغازي 1971 ، ص 144) .

  وكذلك سيلاحظ القارئ بسهولة لمشكلة تشجير العلوم والمعرفيات في المشروع الباجوي ، سواء في الجانب الذي ذكرناه أعلاه ، وهو الخلط بين أصناف تشجيره للمهن والقوى وبمثال باجوي بحد ذاته ودون تدخل منا ، فهو يخلط فيه بين مهنة النجارة الذي أورده سابقاً وبين صنف من القوى وهو الطب الذي تكلم عنه سابقاً كذلك . أو التقسيم الثنائي الذي إقترحه لعلم الفلسفة . حقيقة إن هذا التقسيم جاء أثناء حديثه عن طلاب الفلسفة . فقال : إن الفلسفة تنقسم إلى ” أشياء عملية (مثل النجارة والطب) ، وأشياء نظرية (مثل التعاليم : فهي معقولات ناقصة ، والهندسة فهي تعتمد على المحسوسات ” (إبي بكر الصائغ ؛ رسالة الإتصال / منشورة في تلخيص كتاب لإبن رشد / نشرة أحمد فؤاد الأهواني ، ط1 ، القاهرة 1950 ، ص 110) . ونشعر في النص الباجوي ، مسألتين في غاية الأهمية ، نود توضحيهما ؛

الأولى – إن النص حمل بشكل واضح لا غبار عليه النقد الإفلاطوني للعلوم الرياضية بالفهم الفيثاغوري ، فهي من زاوية إفلاطون علوم ناقصة لا ترقى إلى الطوابق العليا  حيث علوم المثل والخير وهي علوم مجردة لا علاقة لها بعالم الحواس . ونشعر بقوة إن هذا النص لم ينزل إلى دوائر الفكر الفلسفي الإسلامي عامة ومضمار فلسفة إبن باجة خاصة من المحاورات الإفلاطونية . وإنما هبط من كتاب الميتافيزيقا أو مابعد الطبيعة للفيلسوف اليوناني ” أرسطو ” والذي عرفته دائرة الفكر الفلسفي الأسلامي بترجمات متنوعة ، ومخلوط بشروح إفلاطونية محدثة (للإطلاع على نقد إفلاطون للعلوم الرياضية (الفيثاغورية) ؛ أنظر رسالتنا للماجستير والمعنونة : تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، القسم الأول والذي كان بعنوان : الفلسفة الرياضية قبل أرسطو ، نشرة وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد 1983) .  

الثانية – إن النص فيه إشكال فهم باجوي لقضية تشجير العلوم والمعرفيات عامة ، وتشجير علوم الفلسفة خاصة . صحيح جداً إن شجرة العلوم والمعرفيات عامة تتفرع إلى علوم عملية وعلوم نظرية . وصحيح إن العلوم العملية تشمل النجارة ، وربما بدرجة أقل قبول الطب في قائمتها … ولكن مشكلة النص الباجوي إنه خلط التشجير العام للعلوم والمعرفيات بالتشجير الخاص بعلوم الفلسفة . ومن هنا نتحفظ بقوة على ضم إبن باجة النجارة إلى الطرف العملي من علوم الفلسفة . وذلك لأن المتعارف عليه بين الفلاسفة عامة والفلاسفة المسلمين خاصة ، إن علوم الفلسفة العملية هي الأخلاق والسياسة والتدبير المنزلي …

   كما إن مشروع إبن باجة لتشجير العلوم والمعرفيات ، قد حمل قائمتين في غاية الأهمية ، وهما ” علوم خارجة ” و ” علوم باطلة ” . فالأولى هي العلوم التي تقع خارج قائمة العلوم التي تقدم بها . ومن هذه العلوم ” الكيمياء ” و ” صناعة النجوم ”  ” طب النفوس ” و ” طب المعاشرات ” أي الحكومة ” (إبن باجة ؛ تدبير المتوحد ، ص ص 90 – 91) . و  ” صناعة المنطق ” (المصدر السابق ، ص 51) و “علم النفس ” (أبن باجة ؛ قول يتلو رسالة الوداع / ص ص 124 – 125) . أما العلوم التي كان ينظر إليها على إنها باطلة ، والتي هي حسب ظنه ، هي ” صنائع ظنونية ” وهي تشمل ” النحو وما جانسه ” (إبن باجة ؛ تدبير المتوحد ، ص 56) .

  ومما يلاحظ على إفادات إبن باجة الخاصة بالعلوم الباطلة ، إنها لم تكتفي بما هو مذكور أعلاه ، وإنما شملت علوماً سبق إن إعترف بإمكانية قيامها . فمثلاً في حديثه عن المدينة الفاضلة إستبعد منها صناعتي ” الطب و القضاء ” ويبرر ذلك بقيام ” المحبة بينهم أجمع فلا تشاكس بينهم أصلاً ” و ” لا يغتذي أهلها بالأغذية الضارة ” (المصدر السابق ، ص 41) . كما إستبعد ” صنائع الشعبذة ” (المصدر السابق ، ص 56) . ونحسب في الإفادات الباجوية صدى قوي لأفكار الفارابي في العلوم والمعرفيات التي عالجها في كتابه ” أراء أهل المدينة الفاضلة ” ومصادرها الأفلاطونية خصوصاً في كتاب ” الجمهورية ” .

تشجير العلوم والأبستمولوجيات عند إبن طفيل  

وشارك في مشروع تشجير العلوم والمعرفيات الفيلسوف ” إبن طفيل ” (المتوفى عام 581 هجرية) وبالتحديد في روايته الفلسفية المعرفية ” حي بن يقضان ” . فقد كتب فيها مجموعة إفادات كونت بمجملها خطاباً فلسفياً في المعرفيات والعلوميات . ونحسب إن إبن رشد كان قارئاً جيداً لهذه الرواية ، وذلك بحكم الرفقة بين إبن طفيل وإبن رشد . أو ربما قد ناقشا سوية أطرافاً منها . ولهذا نرجح إنها كانت من المصادر التي زودت فيلسوف قرطبة بزاد ومواقف سيكون لها من الأثر في توجهاته في صياغة التشجير الفلسفي للمعرفيات والعلوميات . وهنا ستنقوم بقراءة رواية ” حي بن يقضان ” من زاوية المعرفيات والعلوميات (وقد أنجزنا لها قراءة بيداغوجية – تربوية . أنظر كتابنا ” الخطاب التربوي الإسلامي ، نشرة الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، الفصل الحادي عشر والمعنون ” القصة التربوية عند إبن طفيل ” ص ص 127 – 137) ، وذلك لمتابعة أثرها في الإفادات التي كتبها ” إبن رشد ” في خطابه الفلسفي الخاص بالمعرفيات والعلوميات .

  دشن إبن طفيل عمله الروائي في مضمار الفلسفة المعرفية ، بخطاب ميز فيه بين نوعين من العلوم ، هما ” علم الطبيعة ” و ” علم ما بعد الطبيعة ” . وجاء ذلك أثناء التصنيف الفلسفي بين لحظتين معرفيتين ، لهما طابعهما الخاص المختلف ؛ لحظة ما أسماها ” إدراك أهل النظر ” و لحظة ما إصطلح عليها ” إدراك أهل الولاية ” . وخص بالحظة الأولى عمل العلماء ورجال المعرفيات . وشمل بالحظة الثانية مثابرات أهل السلطة ورجال الفكرانيات . والحقيقة إن هذا التفريق المعرفي فيه شئ من الشبه بالتمييز الذي أقام عليه الفلاسفة تصانيفهم للعلوم والمعرفيات . ونقصد التفريق بين العلوم النظرية والعلوم العملية .

  ومثلما فعل الفلاسفة في خرائطهم للعلوم وتشجيراتهم للمعارف ، والتي نهضت على أساس التمييز بين ما هو معرفي وما هو فكراني ، أنشأ إبن طفيل نظرته إلى العلوميات والمعرفيات . وإن الشاهد على ما عمله إفادته التي أشارت إلى إن فعل إدراك ” أهل النظر ” متعلق ” بعالم الطبيعة ” (إبن طفيل : حي بن يقظان ، تحقيق عبد الحليم محمود ، ط2 ، القاهرة بلا تاريخ ، ص 60) . بينما فعل إدراك ” أهل الولاية ” مرتبط ” بما بعد الطبيعة ” (المصدر السابق) . ونحسب إن هذه الإفادة ، تحمل بياناً في غاية الأهمية في مضمار المعرفيات والعلوميات ، وذلك من حيث إنها تكشف حالة التنوع والتمايز بين مثابرتين معرفيتين مختلفتين ؛ واحدة ميدانها العالم الخارجي ” الطبيعة ” . والثانية مضمارها فكراني فوقاني خالص ، حيث عالم ” ما بعد الطبيعة ” .

  لقد قدم إبن طفيل مثالاً دالاً ، وفي إفادة موجزة على علوم ” أهل الولاية ” ، وذلك حين تحدث عن ما أسماه ” المشاهد والأذواق والحضور ” . وبين بصورة واضحة ، إن هذا المسار العرفاني ” مما لا يمكن إثباته على حقيقة أمره في كتاب ” (المصدر السابق) . وهذا هو طريق المكاشفة الذي ذكره  ” الإمام الغزالي ” والذي مفاده ؛ إنه ” متى حاول أحد ذلك وتكلفه بالقول أو الكتب إستحالت حقيقته ، وصار من قبيل القسم الآخر النظري ” (المصدر السابق) .

  ويلاحظ الباحث إن إبن طفيل قد عرض خارطة معرفية ، فيها تشجير لعلوم الفلسفة . وذلك حين حكى قصة إنتشار علوم الفلسفة في الأندلس . وفيها ذكر ما يشبه إطاراً عاماً لمنهج يسعى إلى تعليم علوم الفلسفة . ونحسب في هذا الطرف قد منح إبن طفيل العلوم والمعرفيات ” بعداً بيداغوجياً ” ، حيث تحولت إلى دروس يلقيها معلمون متخصصون على طلبة متطلعين إلى التخصص فيها . فمثلاً وجدنا عند إبن طفيل ، إن ” علوم التعاليم ” (الرياضيات) تتقدم في هذا المنهج على العلوم الأخرى . وهذه العلوم هي :  علوم التعاليم ، وعلم المنطق ، والفلسفة (المصدر السابق) . وإن هذه الكتلة من العلوم ترجح برمتها العقل منهجاً ومساراً في البحث .

  والواقع إن هذا المنهج سيكون له حضور بدرجات ما في الإفادات التي سيكتبها فيلسوف قرطبة ” إبن رشد ” في مضمار المعرفيات والعلوميات . مما يدلل على إن جسور الحوار كانت قائمة بين إبن رشد وإبن طفيل .

  كما يلاحظ الباحث في الإفادات التي كتبها إبن طفيل في روايته الفلسفية المعرفية ، إنه قد ذكر مشجراً للعلوم والمعرفيات ، يقع خارج قوائم العلوم التي تقدم بها ، مما يحملنا على القول إن هذا المشجر إقترح إمكانية لقيام مثل هذه العلوم ، والتي تشمل :

” الجغرافية ” و ” الهيئة ” (المصدر السابق ، ص ص 67 – 68) و ” علم التشريح ”  (المصدر السابق ، ص 77) و” علم التأويل ” (المصدر السابق ، ص 125) . ومن ثم أضاف إلى القائمة ، العلوم الممكنة الآتية : ” العلم المكنون ” و ” المعرفة بالله ” . وأشار إلى إن الأول يتحقق عن طريق الثاني . وذلك من حيث إن ” العلم المكنون ”  ” لا يقبله إلا أهل المعرفة بالله ” (المصدر السابق ، ص 130) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)

حدود وسلطة المنهج العقلاني الرشدي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  قدم لنا الطرف السابق من البحث شهادات دالة على نوعية المعرفيات ، وأشكال العلوم التي كانت متداولة في كتابات الفلاسفة الذين تقدموا في عملية التدوين والإنشاء الفلسفي على نشاط إبن رشد ، والذين أسهموا من جانبهم في تشكيل البيئة المعرفية والثقافية التي عاش وتعلم فيها فيلسوف قرطبة ، وإنه بتأثير هذه المعرفيات والعلوم سلباً وإيجاباً تكونت ذهنيته المعرفية والعلمية والمنهجية .

  ولهذا نحسب إن الإفادات التي كتبها إبن رشد قد إحتضنت بعض هذه العلوم . في حين سجلت في الوقت نفسه نقداً وتقويماً رشديين ، ومن ثم إبطالاً لبعض من المعرفيات والعلوميات الأخرى . ولبيان ذلك نتساءل :

  ماحجم حضور المعرفيات والعلوميات في الإفادات التي كتبها فيلسوف قرطبة ، والتي عززت من طرفها منهجه العقلاني المتطلع إلى المنطق وبالتحديد إلى البرهان مساراً معرفياً ؟  وماهي المعرفيات والعلوميات التي حملت في بنيتها ومنهجيتها إمكانية لتكون جزء من قوائم العلوم والمعرفيات المتداولة في عصره ؟ وما هي المسوغات التي تقدم بها لتبرير فعل إبطاله لعلوم ومعرفيات أخرى ؟

حضور الأبستمولوجيات والعلوميات في الإفادات الرشدية

  سجلت المعرفيات والعلوم أشكالاً متنوعة ودرجات مختلفة من الحضور في الإفادات التي كتبها إبن رشد . ولهذا سنحاول تقديم نماذج من الإفادات مأخوذة ومدروسة من كتب ألفها إبن رشد ، وبالشكل الآتي :

أولاً – إنموذج من المعرفيات والعلوميات في كتاب ” فصل المقال “

ثانياً – إنموذج من المعرفيات والعلوميات في كتاب ” تهافت التهافت “

    ولنبدأ مع إنموذج كتاب ” فصل ” ، ونحسب إن تكون البداية سؤال رشدي ، والذي رفعه فيلسوف قرطبة بنفسه ، ونظن إن التحديات التي واجهتها الفلسفة (وكذلك المنطق) ، هي التي حملت إبن رشد على إثارته ، ونفضل وضعه بكلمات فيلسوف قرطبة حرفياً ، وبالصيغة الآتية :

هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع … أم محظور ؟ (إبن رشد ؛ فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال ، تحقيق محمد عمارة ، دار المعارف بمصر ، القاهرة بلا تاريخ ، ص 22) . في الحقيقة نشعر إن هناك هدف ماكث في بنية هذا السؤال ، والذي يتمثل في مشروع المثابرة الفلسفية التي سيقودها إبن رشد في داخل دائرة الثقافة العربية الإسلامية . وبالتخصيص يمكن الحديث عن أهداف المثابرة الفلسفية الرشدية بالشكل الآتي :

1 – تقديم شهادة دالة على وجود كفالة شرعية على عمل الفلسفة والمنطق .

2 – سعى إلى رد الإعتبار إلى الفلسفة والمنطق ، بعد أشواط من المحنة والإمتحان .

3 – كشف عن رخاوة الأرض التي تحرك عليها رجال فتاوي مصادرة البحث العقلاني .

4 – بين ضيق أفق أصحاب دعاوي تحريم كتب الفلسفة والمنطق ، والتنديد بمحاولاتهم الناجزة في حرق كتب الفلسفة والمنطق .

5 – أعلن على الملأ إلى إن من ناصب الفلاسفة والمناطقة العداء ، وحرك السلطة والجمهور على ملاحقتهم ، قد أسس موقفه بالإعتماد على فكرانية وحيدة الجانب . في حين إن دائرة الفكر الإسلامي مفتوحة ، وتتسع لفكرانيات كلامية ومعرفية متعددة ، ولها مناهج ورِؤى متنوعة .

  ومن خلال الطريق الذي إختاره فيلسوف قرطبة ، كشف عن حجم الظلم الذي أصاب الفلسفة والمنطق . ومن ثم بين حقيقة منهج التشويش ، وليس منهج النقد العلمي الموضوعي الذي واجهته الفلسفة خلال محنتها وإمتحانها . وكل هذا دلل على عقلانية ونقدية وموضوعية نهج فيلسوف قرطبة . وكان باسلاً في الإشارة إلى الحق في أي شاطئ كان . ونبه على الباطل ، ولم يتردد أو يخاف لومة لائم ، فدخل السجن وواجه التحريم ، وصودرت كتبه وحرقت في الساحات العامة ، فكان فيلسوفاً حقيقياً يرقى إلى منزلة شهيد الفلسفة سقراط وشهيدة الفلسفة هبيشا الإسكندرانية ، وشهيد فلسفة العلم ” برنو ” ..

  بعد هذا المهاد نحسب إنه من المهم الوقوف على حال المعرفيات ، وأوضاع العلوميات في كتاب ” الفصل ” وبيان قوة تشابكها بحيث تشكل كتلة من المعرفيات والعلوميات ، والتي أعلنت عن ولادة إنموذج تتوحد في طوابقه بعض العلوم . في حين تتجاور علوم ومعرفيات في طوابق أخرى ،  حيث تكون العلاقة بينهما علاقة الغريب بالغريب .

  كما وإن هذا الإنمودج له أهميتين فلسفية وتاريخية على حد سواء ، فهو يكشف عن موقف رشدي فيه تجديد لبعض العلوم . وفي الوقت نفسه فيه تحفظ وإبطال ، وكذلك فيه ترجيح لبعضها على حساب علوم أخرى ، وبما يحقق إنتصاراً للعقل وعلومه . وفيه مثابرة عقلية نازعة إلى إعادة قراءة العلوم ، خصوصاً ” الما فوق عقلية ” لمصلحة ” العلوم العقلية ” .

  ومن اللازم علينا الإشارة إلى إن الإنجاز الرشدي في مضمار المعرفيات والعلوميات ، فيه صور من التشابه مع ما أنجزه الفلاسفة في هذا الميدان في الفترة الما قبل الرشدية . مع ملاحظة الفارق في التوظيف الرشدي لهذا المضمار ولتحقيق أهداف مختلفة . وبالتحديد توظيف يتطلع إلى توليد نتائج لصالح نهجه العقلاني . ولعل من الشواهد الدالة على إن فيلسوف قرطبة قد نهج منهجاً مشابهاً لنهج من تقدم عليه من الفلاسفة ، إنه يتحدث عن نوعين من المعرفيات والعلوم ، والتي حملت الإصطلاح ذاته الذي تداولته إفادات الفلاسفة قبله ، وهو إصطلاح ” الصنائع ” بدلاً من المعرفيات والعلوم .

  وعلى هذا الأساس إنها نوعين من الصنائع ” الصنائع العلمية … و … العملية ” (المصدر السابق ، ص 28) . والحقيقة إن هذه الإفادة الرشدية تدلل على وجود نوعين من المعرفيات ؛ معرفيات علمية خالصة ومعرفيات عملية . ودليلها بالتأكيد هو المعرفيات الأولى . وهذه النظرة الرشدية تشمل الدوائر المعرفية المتداخلة ، والتي كانت متداولة في ثقافة عصر إبن رشد ، و فترة ما قبل إبن رشد وما بعده ، وهي دوائر ” الفلسفة ، والعلوم ، والصنائع ” .

  لقد سعى فيلسوف قرطبة إلى إعادة صياغة العلوميات والمعرفيات الما فوق عقلية (سواء من جهة المنطلق أو من جهة واقعيتها حيث إنها تلبي حاجة إجتماعية) إلى إطار من العقلانية . ويلاحظ القارئ لهذا الطرف ، إن فيلسوف قرطبة ثابر لإنجاز هذا الهدف من خلال البحث في العلوميات والمعرفيات من زاويتي ” الحق ” و ” الحقيقة ” ، وهي في واقع الأمر من معالم وموازين درب العقل ومنهج المنطق . ولعل الشاهد على ذلك الإفادة الرشدية التي نظرت إلى العلوم والمعرفيات من زاوية ” العلم الحق ” و ” العمل الحق ” . وسعياً من فيلسوف العقل (إبن رشد) إلى عقلنة الما فوق العقل ، دخل أجواء العقل والمنطق ، وبالتحديد من خلال أحد أبواب العقل والمنطق ، وهو التعريف . وعلى هذا الأساس تقدم بتعريف للعلم الحق ، فذهب ضابطاً ذلك في تعريف دال بأنه ” معرفة الله ” (المصدر السابق) .

  إن المتأمل في صيغة هذا التعريف ، يلحظ إن إبن رشد ، قد أثار العقل ودفعه ليعمل من أجل الوصول إلى ” معرفة الله ” . حقاً إنها مثابرة رشدية جديرة بالإهتمام خصوصاً في مضمار عقلنة اللامعقول . ونحسب إنها من طرف أخر مثابرة نزعت إلى تحفيز العقل وحثه على الإرتقاء إلى طبقة معرفية عالية ، وليثابر من هناك وبمناهجه الإنسية على دراسة موضوع عال (وبمنظار البعض من المناهج مضمار عصي على العقل الإنساني) من خلال جهاز من المقولات والمفاهيم وآليات المنهج العقلي .

  أما العمل الحق ، فهو بالفهم الرشدي ، مثابرة معرفية تستند إلى العقل في حساب نتائج الأفعال الإنسانية وما يتولد منها . ولهذا عرفه ؛ بإنه ” إمتثال الأفعال التي تفيد السعادة ، وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء ، والمعرفة بهذه الأفعال (هي التي تسمى) العلم العملي ” (المصدر السابق) . وإذا كان العقل في المجاهدة المعرفية الأولى تطلع الصعود والإرتقاء إلى طابق معرفي عال . فإنها مع ” العلم العملي ” مثابرة معرفية تنزل من العالي إلى القاع ، حيث حياة البشر ، وتبدأ عملها برصد أفعالهم ، وضبط ما يتولد منها ، وصولاً إلى صياغة الإطار المعرفي المعبر عن الفعل البشري والنتيجة المترتبة عليه . والواقع إنه في المثابرتين مجاهدة معرفية ينجزها العقل البشري سواء في الصعود إلى السماء أو الهبوط إلى أرض الحياة .

  وعلى أساس هذا التصور الرشدي لعمل العقل ، رأى إن ” العمل الحق ” أو لنقل المعرفة العملية تتوزع في جبهتين ، كل جبهة منهما يشتغل العقل فيها . فالأولى يهبط إليها العقل من الطوابق العالية ليلامس حياة البشر ، ويعيد ترتيبها . والعلم الممثل لهده الجبهة ، هو ” الفقه ” . وفي الجبهة الثانية ينطلق العقل من القاع الإجتماعي للناس ، وخلال التدريب والمجاهدة البشرية ، والتي يمثل أطرافها ” الزهد ” والإستعداد الرياضي . يبدأ العقل بالصعود إلى رحاب التفكير والتأمل في عالم يتعالى على حياة البشر ، ويتطلع إلى الفوز بالآخرة . إن الطريق المؤدي إلى هناك مثلته ” علوم الآخرة ” (المصدر السابق ، ص 54) . ومعلوم إن العلوم الواردة هنا ، هي من نتائج مثابرات العقل البشري ، النازعة إلى إنجاز فعل الإرتقاء والصعود من فضاء الحياة البشرية ، وحدود إمكانيات العقل إلى سماء العلوم والمعرفيات ، التي هي ” علوم الآخرة ” .

  ونحسب إنه من المهم العودة إلى دائرة الإفادات الرشدية ، نقلبها ونعيد قراءتها ، وذلك لنتعرف عن قرب على حدود المثابرة العقلية التي قادها فيلسوف قرطبة ، والتي كان من أهدافها إعادة صياغة ” الفقه ” صياغة عقلية . ومن ثم تحديد معالم درب الإنطلاق والصعود إلى سماء المعرفيات والعلوميات ، وهو الدرب الذي تمثل بمسار” الزهد وعلوم الآخرة ” . ولعل أول أمر يلاحظه الباحث في هذه المثابرة الرشدية ،  هي عملية ضبط المفاهيم ، من مثل العلوميات الفقهية أو الفقه . وحسب ضبط إبن رشد ، هو ” علم ” تدور مبانيه حول ” أفعال ظاهرة بدنية ” هذا طرف ، ومن طرف أخر ذهب مُعرفاً ” الزهديات وعلوميات الآخرة ” بأنها  ” علوم ” تبحث مبانيها في ” أفعال نفسانية مثل الشكر والصبر وغير ذلك من الأخلاق التي دعا إليها الشرع أو نهى عنها ” (المصدر السابق ، ص ص 54 – 55) . على كل إنها شواهد على عمل العقل وفاعليته في الإفادات التي جعلها يراع إبن رشد في مضمار المعرفيات والعلوميات ، السماوية منها أو الأرضية البشرية المشروطة .

  كما ويلاحظ الباحث إن إفادات إبن رشد ، قد حددت لنا ثلاثة أنواع من العلوم والصناعات ، والتي بدورها كونت خارطة للمعرفيات ، والتي تترتب فيها العلوم صعوداً إلى طوابق العقل والمنطق والبرهان . وهبوطاً من علم العقل إلى معرفيات الجمهور، حيث الجدل ومن ثم الخطابة . ويشعر قارئ نصوص فيلسوف قرطبة ، بأن إبن رشد قد إنحاز على أساس حجم حضور العقل ، نحو العلم . أي العلم الذي يشتغل فيه العقل ، ولهذا جاء ترجيحه لمكانة ” الحكمة ” والذي يتساوق مع نهجه العقلاني . حقيقة إن كل ذلك جاء أثناء حديثه عن مراتب الناس .

  ورب أحد يتساءل : ما هي المعرفيات والعلوم التي تقابل مراتب الناس ؟ في الواقع إن إثارة هذا السؤال بحد ذاته ، يحملنا على الشعور بأن فكر فيلسوف قرطبة ، قد دار حول ما يمكن الإصطلاح عليه بالبعد ” الإجتماعي للمعرفة ” ، والذي يحملنا على القول إن هذه المعرفيات والعلوميات توزعت في المثلث المعرفي الآتي :

       ” الخطابة ، والجدل والبرهان ” (المصدر السابق ، ص 58) .

إن المتأمل في قاع ورأس المثلث ، يشعر بدرجات من اليقين إن فيلسوف قرطبة قد إنتصر إلى المنطق وذلك من خلال البرهان ، وإنتصر إلى الفلسفة (الحكمة) وذلك من خلال المنطق . وهذا يأتي من طرف إن المنطق هو منهج الفلسفة .

  حقاً لقد جاء الإنتصار للعقل وخطابه من خلال الدفاع الرشدي عن مكانة البرهان . وكل هذا تحقق عن طريق إعلان الإخوة بين الحكمة والشريعة . فالشريعة هي ” الأخت الرضيعة ” للحكمة حسب الإفادات الرشدية (أرجو هنا الإنتباه إلى الإصطلاح الرشدي : الأخت الرضيعة) . وهذا التصوير الرشدي يحملنا على القول بأن للشريعة الأخت الرضيعة التي لها شخصيتها ، وإن شاركت في الرضاعة مع الأخت الحكمة . والتي هي من طرفها (أي الحكمة = الفلسفة = العقل) تتمتع بشخصيتها ومنهجيتها وخطابها ودرجة يقينية قضاياها الفلسفية  وصرامة برهانها وبما يتناسب والمجهود البشري المبذول للوصول إلى الحقيقة .

  في الواقع إن الإفادات الرشدية في إعلانها عن مشروع الإخوة بين المضمارين المعرفيين ؛ العقلي والعقيدي (الإيماني) ، هو مشروع دفاع عن الحكمة (الفلسفة) وترجيح لمكانتها التي سعى الخصوم إلى إضعافها ، ومن ثم العمل على شطب تأثيرها في دائرة الثقافة العربية الإسلامية . وبالتأكيد إن قارئ هذه الإفادات ، يلحظ حجم قوة المجاهدة الرشدية النازعة دون تردد من الإنتصار للحكمة (الفلسفة) ، ومن خلالها الإنتصار للعقل .

  فعلاً جاء ذلك الإنتصار على شكل فعل تكييف شرعي من داخل المدرك الديني كخطوة أولى ، تلتها خطوة ثانية تقدمت نحو إستنباط حكم يعترف بشرعية الإشتغال بالحكمة في الدار الثقافية العربية الإسلامية . وذلك على أساس إن من شروط النظر العقيدي الصحيح ، هو إعتماد طريق البرهان . ومن طرف الإفادات الرشدية يأتي التوضيح بكلمات إبن رشد : ” إذا كانت هذه الشريعة حقاً ، وداعية إلى النظر المؤدي إلى المعرفة الحق ، فإنا معشر المسلمين ، نعلم على القطع ، إنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع ” (المصدر السابق ، ص 31) . إن كل ذلك حدث فعلاً بسبب الإخوة الحميمة بين الحكمة والشريعة ، ومن خلال علاقة الصحبة بين العقل والنقل ، وحسب النشيد الرشدي العقلاني ” إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة ” (المصدر السابق ، ص 67) .

  كما ولاحظ الباحث إن الإفادات الرشدية ، قد ولدت إشكالاً في مضمار تداول الإصطلاحات . وبالتحديد فيما يتعلق بإصطلاحي ” الصناعة ” و ” العلم ” . ويبدو إن السبب يعود إلى تداخل ودوران الإصطلاحين في داخل بنية الأثنين . ونحسب إن في هذه القضية رؤية تنهض على أساس الإختلاف من الزاوية الإصطلاحية بين المضمارين . فالصناعة هي صناعة والعلم هو علم .  ولكن رغم هذا الإشكال ، فإننا نعود إلى واقع الإفادات الرشدية ، ونتعامل معها كواقع معرفي مفروض ولا سبيل يتوافر لتبديله . فمثلاً ينظر إلى ” الحكمة ” على إنها ” صناعة الصنائع ” (المصدر السابق ، ص 28) .

  حقيقة إن المتمعن في هذا النظر الرشدي ، يجد نفسه ممتحناً في قبول خيار جديد في الشرح الإصطلاحي ، وذلك إن المسألة واضحة ، وهي إن الحكمة حكمة ، وإن الصناعة صناعة .. وإذا كان إصطلاح الصناعة متدولاً في التراث العربي وخصوصاً عند الحديث عن صناعة الشعر … فإنه موضوع نقد وتقويم من زاوية نظرية التعريف المنطقية ومضمارفلسفة اللغة (اللنكوستك) . ولهذا لم يبقى أمام الباحث إلا أن يطرق أبواب الآماني . ويتمنى على فيلسوف قرطبة أن يكون أكثر دقة في إختيار الإصطلاح وتداوله وخصوصاً إذا كان هو واحد من جهابذة المنطق العربي والحارث المتمكن في نظرية التعريف ، ودوره في الوضوح وإزالة التشويش ورفع الحشو… وإنطلاقاً من الحقيقة القائلة إن الخطاب يتأثر سلباً وإيجاباً بجهازه اللغوي . وإن اللغة هي مجموعة إصطلاحات وتراكيب وقواعد بناء . فإن ما كُنا نتمناه من فيلسوف قرطبة ، هو تداول إصطلاح ” العلم ” وذلك لدقته ودلالته الصارمة . فيكون الحاصل من ذلك هو إن الحكمة  بالمعنى الإصطلاحي الدقيق هي ” علم العلم ” بدلاً من عبارة ” صناعة الصنائع ” والتي تحمل الكثير من التشويش والغموض من زاوية المنطق وخصوصاً نظريته في التعريف ، وإن كنا نعرف باليقين إنها عبارة مجازية .

   والحقيقة إن هذا التداخل بين الإصطلاحين ، ليس هو الإشكال الذي تعانيه مباني فلسفة إبن رشد وحدها . وإنما هو إشكال منبوت ومتداول في مباني رهط ملحوظ من الفلاسفة الإسلاميين . ولعل الشاهد على ما قلناه ، هو الإفادة الرشدية التي تداولت إصطلاحي العلم والصناعة في آن واحد وعلى حد سواء . يقول فيلسوف قرطبة ، وهو يعدد الصناعات المترتبة على علم  التعاليم* : ” علوم التعاليم … (هي) صناعة الهندسة … وكذلك صناعة علم الهيئة ” (المصدر السابق) 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وهنا أود أن أذكر أمراً في غاية الأهمية يخص إطروحات إبن رشد في المعرفة والعلم ، بإنه عندما يتحدث عن علم التعاليم (الرياضيات) يميز بين ما هو علم نظري وما هو عملي أي صناعة . وهذه المسألة تشمل معظم فلاسفة الإسلام . وما ينهض على هذه الإطروحة الرشدية خاصة والإسلامية عامة ، تحملنا دون تردد على القول إن إصطلاح العلم في مدركاتهم يشمل الجانب النظري والنظري فقط .              

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 والواقع إنه كان دقيقاً في الإصطلاح الأول ” علوم التعاليم ” (فهو علم نظري خالص) . بينما حديثه عن الإصطلاح الثاني ” صناعة الهندسة ” ، والإصطلاح الثالث ” علم الهيئة ” . ففيه أشياء تحتمل القبول بدرجات ما ، خصوصاً إذا نظرنا إليها من زاوية إن المعرفة أو علم الهندسة والفلك النظريين ” ، وقد تحولا إلى صنائع ، وهي مايقابل ” علم الهندسة والفلك العمليين ” . وفي الإصطلاح الرشدي الأخير ” صناعة علم الهيئة ” ، الكثير من الدلالات الدقيقة المؤيدة للرأي الذي نذهب إليه . ففي مضمار علم الفلك المعرفي ؛ إطار نظري عبر عنه الإصطلاح الرشدي بلفظتي ” علم الهيئة ” . وفيه ميدان عملي (ترجمة للعلم) تمثل في إصطلاح ” الصناعة ” .

  كما وتضعنا الإفادات الرشدية أمام حقيقة مهمة تخص منهج الخطاب العقلاني ، الدي سعى فيلسوف قرطبة إلى ضبط ظروف توليده . وهنا نركز على الظروف المعرفية ، والتي كان لها دوراً مؤثراً في تكوين هوية الخطاب الرشدي برمته . ولعل الشاهد على ذلك ، هو إن إبن رشد تطلع إلى صياغة خطابه المعرفي في ضوء إشتراطات الخطاب الرياضي (أو خطاب علوم التعاليم في إصطلاحات المعرفيات الفلسفية الإسلامية) وذلك إدراكاً منه لما تتميز من دقة وصرامة ، وخالية من الحشو والغموض . وفعلاً كان لهذا التطلع الرشدي نتائجه المحسوبة لصالح النهج العقلاني الذي كان يقوده في كل زوايا الفكر الإسلامي العقيدي والمعرفي . ولهذا السبب نفهم الأسباب التي حملته إلى الدعوة إلى تعميم إستخدام ” علوم التعاليم ” في مضمار علوم الذات العربية ، خصوصاً العمل على إدخالها في بنيات علوم (أو صناعات) لم يسبق لها إن إعتمدت على علوم التعاليم (الرياضيات) .

  وكان فيلسوف قرطبة صريحاً في لغته ، وواضحاً كل الوضوح في مسعاه الذي يتطلع إلى إدخال مفصل مهم من مفاصل المعرفيات الفلسفية (حسب التصنيف الكلاسيكي يومذاك) في رحم بنيات علوم لها مكانة خطيرة في علوم الشريعة . وكان الحاصل من ذلك إنه سمح للعقل أن يشتغل داخل هذه البنيات العقيدية ومن خلال علوم التعاليم بالطبع . يقول إبن رشد : ” أما الذي أحوج في هذا التمثيل بصناعة التعاليم (الرياضيات) فهذه صناعة أصول الفقه والفقه نفسه ” (المصدر السابق ، ص27) . حقيقة إنها لحظة إعلان رشدي عن دخول العقل إلى مناطق علوم الشريعة ، ومن ثم العمل بجوارها ، وذلك من أجل تيسير الحياة البشرية ، ورفع كل ما يتعارض بين المثابرة العقلية ورسوم الشريعة .

إنموذج من المعرفيات والعلوميات في كتاب ” تهافت التهافت “

  شكل كتاب ” تهافت التهافت ” تجربة معرفية ” متميزة ومحسوبة في تاريخ الحوار الثقافي الإسلامي الإسلامي (أنظر للإطلاع على التجارب التي تقدمت على إبن رشد؛ محمد جلوب الفرحان : الجدل الثقافي عند العرب / نشرته مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان 1986 (قبل ربع قرن) وهو جدل دار بين علماء الكلام والفلاسفة ، فعلماء الكلام كانت تقودهم فكرانية أشعرية معادية للفلسفة والفلاسفة ، في حين إن الفلاسفة كانوا رجال فعل ثقافي تطلعوا إلى نشر الفلسفة والمنطق في ديار الثقافة العربية)* . إضافة إلى إنها حملت من الفرادة في النهج الذي إعتمده فيلسوف قرطبة في إدارة الحوار مع الإمام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بالتحديد قبيل أقل من عشر سنوات نشرت الصحف والمجلات المصرية وغير المصرية جدل حول ترقية إستاذ فلسفة في إحدى الجامعات المصرية ، تقدم ببحث له في جوهره إعادة إنتاج الفكرة الأساس (الفكرانية الأشعرية وخصومتها وعدواتها للفلسفة والفلاسفة) لبحثنا الجدل الثقافي عند العرب ، وعرفت من خلال الصحف إن الدكتور حسن حنفي كان طرفاً في إقناع أستاذ الفلسفة المصري على أشبه بالتخلي عن بحثه المشكل . وكان الأستاذ المصري في حالة غضب شديد على حنفي ..  وقلب الدنيا يومها … ولكنني لم أسمع من أحد الإشارة وإخبار الأستاذ المصري بأن بحثك هو إعادة إنتاج لبحث نشره الدكتور العراقي محمد جلوب الفرحان في مجلة دراسات عربية اللبنانية في العام 1986 أي قبل نشرة أستاذ الفلسفة المصري بحدود العشرين عاماً . والسؤال هل قرأ الأستاذ المصري بحثنا ؟ وكيف تعامل معه ؟ وهل أشار إليه في مصادره ؟ إنها محنة وإمتحان  .. أسجل هذه المسألة للتاريخ وللباحثين عن الحق والحقيقة في تاريخ المنشور الفلسفي العربي في القرن العشرين) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغزالي ، الخصم الفكراني الأشعري العتيد للفلسفة والفلاسفة . ونحسب من النافع الإشارة إلى إن إبن رشد كان ناقداً موضوعياً لمثابرة الغزالي ، وإنه فعلاً مثل الغزالي إعتمد على المنطق  . وإذا كان الغزالي قد إعتمد على المنطق لتقويض ما أسماه خطأً الفلسفة المشائية والفلاسفة المشائين (وكان حديث الغزالي يخص على الأقل الفارابي وإبن سينا والتي غلبت على مصادرهم الفلسفية (وهنا نشمل الكندي) بعض من تساعيات إفلوطين التي ترجمت إلى العربية وحملت عنواناً خطأً هو أثولوجيا أرسطو .. أنظر للتفصيل : محمد جلوب الفرحان : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية (الأصل والمنحول) / منشور على موقع الفيلسوف / 3 أب 2011) . فإن فيلسوف قرطبة قد إعتمد على المنطق في إدارة الجدل مع الإمام الغزالي (الأشعري) مع الإشارة إلى إن الأمام قد إعتمد الجدل وحجج الشكاك وهي المستوى الهابط من الأنساق المنطقية . في حين إن المنطق برهان وهذا هو المستوى العالي من الأنساق المنطقية وهنا تكمن ضميمة الغزالي في إستخدام منطق الفلاسفة في هدم الفلسفة (إن الغزالي لم يستخدم منطق الفلاسفة وهو البرهان وإنما إستخدم الجدل وهذا ما سيكشفه إبن رشد) . ومن الإنصاف لعدالة النهج العقلاني الرشدي ، أن نشير إلى إن فيلسوف قرطبة قد كشف عن الحق والباطل على صعيد الجبهتين المتخاصمتين ؛ جبهة علماء الكلام وخاصة ممثلهم الإمام الغزالي ، وجبهة الفلاسفة عامة ، وفي عينة الفلسفة السينوية خاصة ، والتي إنطلق منها الغزالي في بيان تهافت الفلاسفة .

  إن كتاب تهافت التهافت ، هو مشروع ثقافي رشدي كبير ، بل هو من المشروعات الفلسفية والمعرفية الكبيرة التي عرفتها الحضارة العربية الإسلامية . ولكونه مشروعاً فقد حمل في داخله على إفادات رشدية عن المعرفيات والعلوميات ، والتي من طرفها قد غذت الموقف المعرفي والمنهج الرشدي بطاقات مكنته من قيادة الحوار لصالح الخيار والنهج العقلاني الذي أرسى أسسه ، ووضع تطبيقات له خلال فحص القضايا التي دار حولها الخلاف والجدل بين الإمام الغزالي والفلاسفة ، وبطريقة النقد والتقويم وإعادة تركيب القضية الفلسفية ، ومن خلال العودة إلى المرجعيات الفلسفية التي نقل منها إبن سينا مثلاً ، وبالمقابل فحص القضية التي صارع فيها الغزالي الفلاسفة وبيان حجم الحق والباطل .

  حقيقة إن مشروع النقد والتقويم الرشدي كشف بموضوعية بإن قراءات الفلاسفة من طرف وقراءات الغزالي من طرف ، فيها مسافة إبتعدت فيها القراءة الغزالية وقراءة الفلاسفة عن روح النص الفلسفي في إصوله الحقيقية . ولعل السبب يعود إلى إن الطرفين إعتمد على مصادر غير أصيلة فيها الكثير الكثير من الإنتحال والتلفيق . فقد أخطأ الإمام الغزالي في تقويضه لما أسماه ” الفلسفة المشائية والفلاسفة المشائين “.

ومن طرفهم الفلاسفة فقد توهموا خطأً إن ” كتاب أثولوجيا ” هو واحد من كتب المعلم الأول . وعلى أساس هذا الإعتقاد الخاطئ ، نهضت مشروعات الفلاسفة على ” التوفيق بين الفيلسوفيين الحكيمين ؛ إفلاطون وأرسطو ” (أنظر مثلاً على هذه الإغلوطة الفلسفية كتاب الفارابي المعنون ” الجمع بين رأي الحكيمين “) ومشروعات فلاسفة المشرق النازعة بروح إفلاطونية محدثة ، وليست مشائية كما زعم الغزالي ، إلى التوفيق بين العقل والشرع ، وقضايا أخرى ..

  كل هذه الإفادات المعرفية والعلمية كانت حاضرة أمام فيلسوف قرطبة . إضافة إلى مصادر أصيلة وليست منتحلة عن فلسفة المعلم الأول . فكان لها من الأثر في تمكين فيلسوف قرطبة من معرفة حجم الحق والباطل في كل من جبهة الفلاسفة وجبهة المتكلمين ممثلاً في الإمام الغزالي . هذا طرف ومن طرف أخر تمكينه من صياغة ما يمكن الإصطلاح عليه بفلسفة المنهج العقلاني عند إبن رشد . وإنطلاقاً من هذه المكانة التي تحتلها الإفادات المعرفية والعلومية في المنهج الرشدي ، وتكوين إطاره الفلسفي وشبكة مفاهيمه ، نثير الأسئلة الآتية :

  ما حجم حضور المعرفيات والعلوم في الإفادات التي كتبها إبن رشد ؟ وما هي المواقف الرشدية من بعض العلوم ( والتي شكلت ما يمكن الإصطلاح عليه بالعلوم الممكنة) ؟ وما هي المواقف الرشدية من علوم أخرى (والتي كونت مضماراً يمكن الإصطلاح عليه بمضمار العلوم الباطلة) ؟

  إن قارئ كتاب تهافت التهافت ، يلحظ إن هذا الكتاب إحتوى على إفادات كثيرة ، دارت أغلب محتوياتها حول المعرفة والعلوم . إلا إن تبعثر هذه الإفادات ، ومن ثم النظر إليها بصورة تجزيئية ، تحمل القارئ على التعجل ، والقول بإن هذه الإفادات لا تقدم وصفاً شاملاً كلياً لحقيقة الموقف الرشدي من المعرفيات والعلوم . غير إن عملية الحفر والتنقيب خلف الإفادات ، ومن ثم تركيزها في إطار فهم كلي ، حيث تضعنا أمام موقف رشدي عام جامع من العلوم والمعرفيات . وهذا الأمر سنقوم ببحثه وإنجازه في هذا الطرف من البحث . وبالصورة الآتية :

حضور العلوم والمعرفيات في المبنى الفلسفي الرشدي

  لعب التقليد الفلسفي في تصنيف العلوم والمعرفيات ، والذي كان متداولاً في البيئة الثقافية والتعليمية التي نشأ فيها فيلسوف قرطبة ، دوراً مؤثراً في تكوين ذهنيته العلمية ، وتشكيل مواقفه من بعض العلوم ترجيحاً وتحفظاً . كما إن بعض صور هذا التقليد قد ظهر لها صدى وأثاراً في الإفادات التي كتبها قلمه . وعلى سبيل المثال ، نلحظ إن فيلسوف قرطبة يشير إلى التقسيم الكلاسيكي المتداول قبله ، وهو تقسيم ” العلوم ” أو ” الصنائع ” إلى ” علوم نظرية ” (إبن رشد ؛ تهافت التهافت ، تحقيق سليمان دنيا ، ط2 ، القاهرة بلاتاريخ / القسم الأول ، ص345) ، و ” صنائع عملية ” وذلك أثناء حديثه عن أقاويل الفلاسفة في ” الصنائع البرهانية ” (المصدر السابق / القسم الثاني ، ص 648) . وكذلك سجل هذا التقليد حضوراً في الإفادات الرشدية ، وذلك عندما بحث فيلسوف قرطبة في الفضائل الخلقية للإنسان ، والتي هي على أساس هذا التقليد : ” فضائل نظرية ” و ” صنائع عملية ” (المصدر السابق ، ص 865) .

  ويلاحظ الباحث في نصوص إبن رشد ، إن هذا التقليد ظهر له صدى قوي في الإفادات التي كتبها حول العلوم والمعرفيات . فمثلاً إنه إستسلم للتقسيم الثلاثي للعلوم النظرية . فذكر ” علوم التعاليم ” ، و ” العلوم الإلهية ” ، وبعدها جاءت ” الطبيعيات ” . ونرى إن هذا التقسيم قد غيب ” علم المنطق ” . والحقيقة إن هذا التغييب لعلم المنطق له أسبابه الرشدية . ففيلسوف قرطبة يتابع التقليد الأرسطي ، الذي ينظر إلى المنطق على إنه ليس هو جزء من العلوم الفلسفية ، وإنما هو ” أورغانون ” أو ” أداة ” و ” ألة الفلسفة ” .

  بعد هذا نفضل العودة إلى الإفادات الرشدية ، وننتخب منها شواهداً دالة على حضور التصنيف التقليدي للعلوم والمعرفيات ، وكيف إن عقلية إبن رشد المنتجة ، وظفت كل ذلك في إتجاه تنمية النهج العقلاني داخل المباني الفلسفية للعلوم . وبالتحديد من خلال إدخال المنطق (نظرية البرهان) ليس في مباني علم التعاليم وحسب ، بل وشمل العلوم الإلهية ، وهناك إمكانيات رشدية ليضم علوم الطبيعيات . ففي إفادة رشدية بالغة الأهمية تكلم فيلسوف قرطبة عن ” علوم التعاليم ” ، وأكد بأن هذا العلم لا يتحصل ” إلا بطريق البرهان ” ، ومن ثم أشار إلى عينة جزئية من علم التعاليم ، فيها تطبيق لطريق البرهان في مضمار ما أسماه ” الأمور الهندسية ” ، ومن ثم في عينة شاملة طوت ” علوم التعاليم ” برمتها (المصدرالسابق / القسم الأول ، ص 346) . ومن ثم نظر في ” العلوم الإلهية ” من زاوية البرهان . ووجدناه يتمنى أن تتداول العلوم الإلهية البرهان في عرض مبانيها (المصدر السابق) . ومن ثم جاء كلامه عن ” الطبيعيات ” (المصدر السابق / القسم الثاني ، ص 765 وما بعد) .

بحث في صياغة مفهوم العلم وبناء أساس للمعرفيات

  تتوافر لقارئ كتاب تهافت التهافت ، مجموعة من الإفادات فيها إمكانيات لإستنباط مفهوم رشدي للعلم . فمثلاً إن الفيلسوف قد ميز بين حقيقتين : الأولى تخص موضوع العلم . والثانية تتعلق بالعلم ذاته . ولاحظ إن هناك فارقاً بين المضمارين . فموضوع العلم شئ مختلف ، وذلك من طرف إنه ” المعلوم في المادة ” . في حين إن العلم مبنى مختلف عن الموضوع . وذلك من حيث إن ” العلم ليس في المادة ” (المصدر السابق / القسم الأول ، ص 311) .

  بعد هذا التفريق الرشدي بين العلم كمبنى وموضوعه كميدان ، تقدم بضبط لمفهوم ” العلم الكلي ” و ” العلم الجزئي ” . فمثلاً مفهوم العلم الجزئي ينهض على أساس إنه علم ” بالأشخاص ” أي علم المرئي والمملوس . وإن طريق إكتسابه بالفهم الرشدي يكون عن طريق ” الحس والخيال ” . أما العلم الكلي فإن مبناه المفهومي يقوم على طريق مغاير للعلم الجزئي ، فهو أولاً العلم ” بالكليات ” وينظر إليه على إنه ” عقل ” (المصدر السابق / القسم الثاني ، ص 701) .

  ونحسب في هذا الضبط الرشدي إشارة إلى موضوعه ومنهجه المعرفي . فهو من ناحية الموضوع يبحث في الأمور الكلية التي هي مجردات . وإن منهجه الدال على ذلك هو ” العقل ” الذي يتعامل مع المفاهيم والمقولات الكلية (والتي هي بالتأكيد أطر عقلية خالصة) . ولعل الشاهد على ذلك الإفادة الرشدية التي تعرف ” العلم الكلي ” بأنه علم ” للمعنى الكلي ” وهو ” علم للجزئيات بنحو كلي ، يفعله الذهن في الجزئيات ” . ولم يكتف فيلسوف قرطبة بذلك ، وإنما قدم شرحاً وتفاصيلاً تكشف عن الفعل الذي يقوم به العقل في تكوين العلم الكلي . وبالتحديد أثناء عملية التجريد ، وتكوين المفهوم الكلي لمشترك . إن ذلك جاء في الإفادة الرشدية القائلة : إن ذلك يحدث عندما يقوم العقل بتجريد ” الطبيعة الواحدة المشتركة التي إنقسمت في المواد ” ومن ثم يصور لنا العلاقة بين المفهوم كإطار عقلي ، والشئ كموضوع لعملية التأمل ، فيذهب إلى إن الكلي ” ليست طبيعته طبيعة الأشياء التي هو لها كلي ” (المصدر السابق / القسم الأول ، ص 204) .

  إنتقل فيلسوف قرطبة بعد ذلك ، ليقدم لنا تصويراً معرفياً للأساس الذي تنهض عليه العلوم والمعرفيات . فقارئ إفادات إبن رشد ، يرى الفيلسوف قد إعتمد على موضوع المعرفة ، وعلى الطريق الذي ننتخبه في إكتسابها . فعلاً لقد إعتمد عليهما سبيلاً في تكوين قاعدة الإنشاء لمباني العلوم والمعرفيات . والشاهد على ذلك الإفادة الرشدية التي ميزت بين نوعين من الوجود : ” وجود محسوس ووجود معقول ” (المصدر السابق / القسم الأول ، ص 356) .

  إذن هناك أمام الذات العارفة موضوع واحد ، وهناك سبيلين لتكوين المعرفة ؛ سبيل الحس وطريق العقل . والأول يساعدنا على تكوين نوع من المعرفة ، يمكن الإصطلاح عليها بالمعرفة الحسية . والثاني نشاط عقلي خالص ، يسهم في إنتاج شكل من المعرفة ، يمكن تسميتها بالمعرفة العقلية . والواقع إن إفادات فيلسوف قرطبة تشعرنا بيقين عال على إن الرجل قد رجح المعرفة العقلية على حساب المعرفة الحسية . ولكن حال إبن رشد حال فيلسوف إسطاغيرا إعتمد على العقل في إنشاء المعرفة وإن كان المثير للمعرفة حسياً . ولعل الإفادة الرشدية جاءت مؤيدة لذلك ، فأشارت : إن ” نسبة الوجود المحسوس من الوجود المعقول ، هي نسبة المصنوعات من علم الصانع ” (المصدر السابق ، ص ص 306 – 307) .

  وترجيحاً للأساس المعرفي العقلي في إنشاء مباني العلوم والمعرفيات ، أجرى فيلسوف قرطبة في إفاداته ، مناقشة حول طبيعة ما أسماه بالعقول المفارقة ، وطبيعة العقل الإنساني . أي بمعنى أخر إن المناقشة جرت حول طبيعة العقل على صعيد جبهتين ؛ جبهة العقل المتعالي ، وجبهة عقل المثابرة الإنسانية . وكانت غاية إبن رشد ، هو بيان فعل الشراكة في إطار عمل العقلين . وبالتحديد على صعيد جهاز المفاهيم ، التي تمثل في بنيتها أطر عقلية لصور الموجودات . وهذا الفهم الرشدي يتضمن إن لغة الخطاب المعرفي العقلي ، هي مجموعة من القوالب أو المقولات العقلية . إن الإفادة الرشدية جاءت واضحة ، فهي من طرف بينت تفرد العقل المتعالي ، وذلك لكونه ” أشرف من العقل الإنساني ” . ولكونهما من طرف أخر يشتركان في تداول ” المعقولات ” مفردات للخطاب العقلي . ولذلك أفصح إبن رشد بصراحة : إن العقول المفارقة ” تشترك مع العقل الإنساني في إن معقولاتها هي صور الموجودات ” (المصدر السابق ، ص 307) .

 ولاحظ الباحث إن فيلسوف قرطبة قد إحتج بعلم النفس لتقوية نزعته المتطلعة إلى إرساء الأساس العقلي للمعرفيات والعلوم . ويأتي دلك من الزاوية الرشدية ، من حيث إن علم النفس يدقق في طرق إكتساب المعرفة ، والسبل التي تعتمدها القوى الحسية ، والطرق التي ترجحها القوى العقلية . وإنتهى إلى إن القوى العقلية ” أشرف ” من القوى الحسية (الباصرة) . مما ترتب على ذلك الإستنتاج القائل ؛ إن المعرفة المتولدة من القوى العقلية ، هي بالطبع أشرف في رتبتها من المعرفة المتكونة من القوى الباصرة (الحسية) . وفي إفادة رشدية وجيزة ، أفصح فيلسوف قرطبة عن كل ذلك بقوله : فقد ” تبين … في علم النفس إن للون وجوداً … في القوى الخيالية ، وإنه أشرف من وجوده في القوة الباصرة ” (المصدر السابق) .

العلوم والمعرفيات وفعل المثابرة العقلانية في العلم الإلهي

   في البدء أسئلة : ما طبيعة المثابرة العقلانية التي أنجزها إبن رشد حول ماهية العلم الإلهي ؟  وهل كانت فعلاً عقلانية على طول خط النقاش ؟ أم إنها توقفت في أجواء النقاش ، ولاذت في النقاط الحاسمة تحت حماية الفكراني العقيدي (وبذلك جسد فيلسوف قرطبة في مثابرته العقلانية إشتراطات عقل متنور ، يتحرك على أرضية محكومة بالعقيدي) ؟ حقيقة إن دخول إبن رشد إلى مناطق العلم الإلهي ، ودعوته إلى ضرورة الإعتماد على المنطق (ومن قبل ذلك على علوم التعاليم والتي هي بالمنظور الأرسطي تطبيقات منطقية في مضمار الرياضيات)* . وبالتحديد على البرهان الذي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس / مجلة آداب الرافدين / تصدرها كلية الآداب – جامعة الموصل 1978 ، ص ص 117 – 150 / وهي مجلة أكاديمية محكمة / وهو بحث رائد في الدراسات المنطقية (وفلسفة الرياضيات والمنطق الرياضي) وكان المحكم العلمي لنشر هذا البحث الفيلسوف الدكتور ياسين خليل طيب الله ثراه ، والذي كان مشرفاً على رسالة الماجستير التي أنجزها الباحث محمد جلوب الفرحان عام 1976 والتي كانت بعنوان ” تحليل أرسطو للعلم البرهاني (والتي نشرتها وزارة الثقافة والإعلام العراقية تحت العنوان ذاته في العام 1983) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتمتع بيقينية عالية في عرض قضاياها . له من الدلالات الواضحة على مكانة المنهج العقلاني الذي قاده فيلسوف قرطبة ، سواء في بناء المعرفة أو في فحص أسس العلوم

، وفي المواقف التي إتخذها من المسائل التي تنازع حولها المتكلمون والفلاسفة .

    لقد كتب إبن رشد مقدمة في كتابه تهافت التهافت ، عن العلوم الإلهية ، كشف فيها عن التحولات التي تعرض لها العلم الإلهي ، خصوصاً في حياة الجمهور ، والتي إصطلح عليها ” بالأقوال الشنيعة ” ، وهي تشبه في بعض الأحيان ” الأحلام ” .

ولهذا لاحظ إنه بسبب تعطيل المنطق والبرهان على وجه الخصوص من العمل في مناطق علوم الإلهيات ، إن تقوت سلطة هذه الأقوال ، وتكرست معرفيات الأحلام . ولذلك دعا إلى رفع وإزالة مما أسماه بتلك ” الشنعة ” من التفكير . وبالإستناد إلى منهجه العقلاني الذي يلامس بدرجات ما الواقع . ولذلك إعتقد بأن الخطوة الأولى ، هو تكوين ما أسماه ” مقدمات محمودة ” تطرح نفسها بديلاً عن ” تلك الشناعات ” . وكم نبه فيلسوف قرطبة إلى ضرورة ” التروي ” و ” طول زمان ” وهي من شروط المنهج العقلاني النازع إلى ” بيان ما هو حق ، وما هو باطل ” والذي يحسب إن الإمام الغزالي قد وظفه ” للتشويش على الفلسفة والفلاسفة ” .

  وإنطلاقاً من موضوع معرفيات الأحلام ، بين فيلسوف قرطبة درجات الفارق بينها وبين العلم الإلهي . وعلى أساس الفارق رسم حدود مضمار مستقل للعلم الإلهي . وهنا نحسب من اللازم القول بحق النهج العقلاني الذي إختاره إبن رشد ، بأنه نهج تميز بلغة الحياد والنظرة الموضوعية التي تحتكم إلى المنطق والحق في الفصل بين ما ذهب إليه أصحابه من الفلاسفة ، وبين النقد الذي وجهه الأمام الغزالي . ولذلك وجدناه في عبارات التقويم والمواقف المصاحبة معها يقف بجوار الغزالي ، ويتحرك معه على الشاطئ المقابل لشاطئ الفلاسفة .

  ولهذا نظر إلى العلم الإلهي من زاوية المنطق وبلغة إبن رشد المنطق البرهاني . ورأى إن حضور البرهان في مبانيه ، أبعده من الشراكة مع علوم الرأي ، وفي الوقت ذاته فتح له أبواب الصعود إلى طوابق اليقينية العالية . ولذلك دقق في الفارق بين علوم الرأي والعلم الإلهي . وذهب معقباً : ” وإذا كان هذا موجوداً (أي البرهان) في غير العلوم الإلهية ، فهذا المعنى في العلوم الإلهية أحرى أن يكون موجوداً لبعد هذه العلوم عن العلوم التي في بادئ الرأي . وإذا كان هذا هكذا فينبغي أن يعلم إنه ليس يمكن أن يقع في هذا الجنس مخاطبة جدلية مثل ما وقعت في سائر المسائل ” (إبن رشد ؛ تهافت التهافت ، تحقيق بويج ، دار المشرق ، بيروت 1987 ، ص 209) .

  ولعل الملفت للنظر في الإفادات الرشدية المرجحة للنهج العقلاني المنحاز إلى المنطق البرهاني ، وتشغيله في مباني العلم الإلهي . الإفادة الرشدية المتفردة ، والتي لم تقف عند حدود الدعوة إلى إدخال البرهان في بنية العلم الإلهي ، وإنما تخطت هذه الحدود ، وأكدت على حاجة العلم الإلهي للبرهان ، أكثر من حاجة علوم التعاليم (الرياضيات) التي هي بطبيعتها علوم البرهان . نحسب إنه إلحاح رشدي يتطلع إلى إدخال العقل ، ومن خلال المنطق البرهاني إلى مناطق العلوم الإلهية . وذلك بهدف إنجازالمهمة النهائية لمثابرته الساعية إلى ” عقلنة ” مضمار الإلهيات برمته . جاء كل ذلك في الإفادة الرشدية القائلة : ” لا سبيل أن يتحصل هذا العلم (أي العلم الإلهي) إلا بطريق البرهان لمن سلك طريق البرهان ، وإذا كان هذا موجوداً في مطالب الأمور الهندسية وبالجملة في الإمور التعاليمية (الرياضية) ، فأحرى أن يكون ذلك موجوداً في العلوم الإلهية ” ( المصدر السابق ، ص ص 207 – 208) .

  ونحسب إن مثابرة إبن رشد النقدية في مشروعه الفلسفي الكبير في كتاب تهافت التهافت ، قد دشنت مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الفلسفي الأسلامي ، فلم يحفل هذا التاريخ بمحاولة فلسفية نقدية من داخل ” أهل البيت الفلسفي ” ،  تعتمد المنهج في نقد وتقويم المثابرة الفلسفية التي أنجزها فلاسفة الإسلام* . فقد لاحظ إن الفلاسفة إعتمدوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أرجو الإنتباه إلى التمييز بين تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي ، وتاريخ الثقافة والفكر الإسلاميين العام . فالأول لم يحتقل بنقد فلسفي للفلاسفة من زاوية فيلسوف وبعمق مثل مثابرة إبن رشد في تهافت التهافت . ولكن في تاريخ الثقافة الإسلامية هناك تاريخ طويل ، إحتضن كتب وفصول تحت عناوين مختلفة مثل تهافت الفلاسفة ، ومصارعة الفلاسفة ، وفضائح اليونانية ، ومطارحة الفلاسفة .. فهو تاريخ نقد المتكلمين على الوجه العام لمشروعات الفلاسفة .. وتاريخ رد الفلاسفة على خصومهم من المتكلمين أصحاب الفكرانية الأشعرية على الوجه الأعم ، أو من إستبطنها من متكلمين ليسوا في الحقيقة أشاعرة قلباً وقالباً ، وإنما إستعاروا المنهج الأشعري بوعي ودون وعي لنقد الفلسفة والفلاسفة . للتفصيل ، أنظر بحثنا الرائد الذي نشرناه قبل ربع قرن من الزمن وبعنوان : الجدل الثقافي عند العرب (مصدرسابق) / نشرة مجلة دراسات عربية / بيروت 1987) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على ” الجدل ” بديلاً من ” البرهان ” هذا طرف خاص بالمنهج ، إلا إن فيلسوف قرطبة قد مسك ضميمة كبيرة على فلاسفة الإسلام المشارقة (الفارابي وإبن سينا ونحسب إنها تشمل الكندي) تخص أصالة المصادر التي زودتهم بمادة معرفية عن الفلسفة اليونانية عامة وأرسطو وإفلاطون خاصة*.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر مناقشة هذه القضية في بحثنا الرائد والمعنون : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية (الأصل والمنحول) / منشور على موقع الفيلسوف ، 3 أب 2011 . وتجد طرف من مناقشة مساهمة إبن رشد لضميمة الفلسفة الإسلامية في المشرق في بحثنا الإحتفالي المعنون : ملاحظات حول مقال ” الإنبهار .. بإبن رشد أو الفارابي ” أخطاء تاريخية وكبوة المنهج الإنتخابي في التعامل مع إبن رشد / منشور على موقع الفيلسوف ، 17 يوليو 2011 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن الغريب في المنهج النقدي الرشدي لإطروحة الفلاسفة ، إنه هو الأخر لم يعتمد البرهان في نقد الفلاسفة ، ولم يظل مثلهم يستخدم منهج الجدل . وإنما ذهب في خطابه النقدي إلى خارج مناطق المثابرة الإنسانية (حيث اللامعقول) . فحلق في طوابق المعرفيات (والأدق العرفانيات) العالية ، والتي تتطلع للحديث عن عرفانيات الفعل الفذ الذي يتخطى عقلانية الفعل المعرفي البشري . وهو نهج يضع فيلسوف قرطبة والإمام الغزالي يتحركان على أرضية عرفانية ولا نقول صوفية مشتركة .

  ولكن رغم هذا الحال الرشدي ، فإننا نحسب في الوجه العام ، إن لإبن رشد مواقفاً مهيمنة ، فيها إنتصار لمجاهدة الأصحاب الفلاسفة ، وفيها نقد معروف للإمام الغزالي . وفعلاً إن فيلسوف قرطبة أشار إلى كلمة حملت معها مشروع تغيير في الموقف الرشدي برمته ، ومن ثم عادت به إلى درب الفلسفة والفلاسفة ، ومغادرة شاطئ الغزالي . إنها كلمة ” يظن ” التي إستخدمها الغزالي ، ومن ثم وضع إبن رشد يده عليها ، وإنطلق منها في نقد وتقويم المثابرة النقدية الغزالية للفلسفة والفلاسفة خصوصاً في العلم الإلهي .

  حقيقة إن مجاهدة الفلاسفة في العلم الإلهي مثقلة بمصادر فلسفية ملونة ، وإنها فعلاً كانت مقروءة من زاوية الفكرانية الكلامية (وعلى الأغلب من زاوية أشعرية) وهي فكرانية الشاطئ المخاصم العنيد لشاطئ الفلسفة والفلاسفة . وفي القراءة الكلامية الأشعرية على الأكثر ضميمة ، تضع النص الفلسفي في معاقل إتهام غير صحيح (فلسفة مشائية وفلاسفة مشائيون) ، وغير متفهمة وعارفة بدقة للمصادر الفلسفية التي زودت فلاسفة المشرق بزاد فلسفي (الذي هو ليس بمؤلفات أرسطو الأصلية ، وليست بمحاورات إفلاطون الأصلية ، وإنما في طرف كبير منها تساعيات إفلوطين التي ترجمت تحت عنوان خطأ : أثولوجيا أرسطو ) ، وعلى أساس هذه المصادر الخطأ كونوا مشاريعم في الجمع بين الحكيميين : إفلاطون وأرسطو ، والتقريب بين الحكمة والشريعة .

  ومثلما وقع الفلاسفة في وهم كتاب ” أثولوجيا أرسطو ” وهو عينة واحدة من المصادر الفلسفية ، وليست العينة الوحيدة . فإن المتكلمين وخصوصاً الأشاعرة منهم على الأغلب الأعم ، قد تابعوا الفلاسفة في وهمهم في المصادر المعرفية . ومن المفروض في النقد أن يكون عملية فحص وتدقيق ، وحفر وتنقيب . إن هذا مع الأسف لم يحدث في شاطئ النقد الكلامي للفلسفة والفلاسفة . ونحسب إن هذا الذنب لم يكن ذنب الفلاسفة ، وإنما هو ذنب الناقد القارئ للإطروحة الفلسفية . ولما كانت ثقافته الفلسفية محدودة ، وإن الزمن الذي خصصه للإطلاع على التراث الفلسفي مشروط والتفويض بالنقد وتقويض الفلسفة ومحاصرة الفلسفة قد صدر من مراكز سلطانية عالية ، والتنفيذ مطلوب ، لذلك شد الإمام الغزالي العزم وأنجز النقد والتقويض الذي يرضي السلطان السلجوقي الكاره للفلسفة والفلاسفة . وفعلاً فإن الزمن الذي أعلن فيه الغزالي للتفرغ لدراسة الفلسفة وعلومها ، لم يكن كاف للإلمام بتفاصيلها الدقيقة . مما جعل هدا الأعتراف الغزالي بلسان فيلسوف قرطبة ، نقطة مسجلة لغير مصلحة الإمام الغزالي .

  ونحسب إن القارئ الأكاديمي المتبحر بعلوم الفلسفة ، وخصوصاً الحارث في حقيقة مصادر الفلسفة اليونانية ، الأصيلة منها والمنتحلة التي وصلت للفلاسفة المسلمين ،   والناظر بعيون نقدية لمشاريع فلاسفة المشرق (عينة الفارابي وإبن سينا وإخوان الصفا ومن ضمنها عينة الكندي) على الأقل . يلحظ أولاً إن مشروع الإمام الغزالي النقدي للفلسفة والفلاسفة نهض على إطروحة خطأ وهو إن الفكر الفلسفي الإسلامي بحدود العينة أعلاه والتي إستهدفها الإمام بالنقد . أولاً إن هذه العينة الفلسفية (أيها الإمام الغزالي) لم تكن فلسفتها مشائية ولم يكونوا فلاسفة مشائيون . وإنما مصادرهم نعود ونؤكد (على عدم دقة لغة الإمام الغزالي) ، هي مصادر إفلاطونية محدثة ترتبط بالمؤسس إفلوطين وكتابه التساعيات التي جمعها ونشرها تلميذه فرفريوس الصوري . ولذلك كانت مصادرهم إفلاطونية محدثة وليست مشائية وعلى وجه الدقة تساعيات إفلوطين* والتي ترجمت خطأً تحت عنوان أثولوجيا أرسطو . ثانياً إن مشروع الإمام النقدي للفلسفة والفلاسفة كان في نقده مشروع فكراني أشعري يقوم على تبديع  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر للتفصيل في هده القضية بحثنا المعنون : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في العدد الثاني من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، ربيع 2011 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفلاسفة في طرف وتكفيرهم في أطراف أخرى .  ومن ثم إن فعل النقد والإتهام بالمشائية ، يحمل في طياته التجريم بالوثنية والهرطقة . ثالثاً إن قراءة المشروع النقدي للإمام الغزالي  من زاوية المنهج ، تضعنا أمام الحقيقة القائلة ؛ إنه مشروع موسوعي نحتفل به من الناحية الثقافية . إلا إنه كبوة من الناحية المنهجية وتشويش من زاوية المثابرة الفلسفية . وللإسباب الآتية :

أولاً – إن مشروع الغزالي لم يكن نقدياً برمته . وذلك لكونه تألف من كتابين : الأول مقاصد الفلاسفة والثاني تهافت الفلاسفة . وكتاب المقاصد ليس فيه إنتاج غزالي أصيل (حتى أستطيع أن أقول دون تردد أن الأراء فيها هي أراء الفلاسفة وحسب الترتيب : إبن سينا وإخوان الصفا ومن ثم الفارابي ..) ولذلك فإن هذا الكتاب في مادته ليس للغزالي  ، وليس فيه إنتاج له ، وليس فيه عرض لفلسفته أو رأياً نقدياً . وإن جاء على غلافه إسم الإمام الغزالي . وأشير هنا إلى إن رهط من الباحثين في المضمار الفلسفي من زملاء وأستاذة قد وقعوا في خطأ كبير عندما أعتمدوا على كتاب مقاصد الفلاسفة عند الكتابة عن الإمام الغزالي أو الإحتجاج بنصوص منه في بحث يعالج طرف من فكر الغزالي . وإكتفي هنا بالقول بأن عمله ، هو جمع أراء الفلاسفة ورتبها كمقاصد أو كما أراد أن يقول هذه هي بضاعة الفلسفة المشائية ، وهذه هي ضميمة الفلاسفة المشائيين .

ثانياً – قلنا قبل قليل إنه من ناحية المنهج ليس مشروع الغزالي النقدي أو الأدق في مذهبنا مشروع التشويش على الفلسفة والفلاسفة ،  وبذلك فهو ليس بمشوع تشويش برمته للفلسفة والفلاسفة . وإشرنا كذلك إلى إن المشروع على الأقل في قسمه الأول كتاب المقاصد كان فيه ترويج ونشر لبضاعة الفلاسفة اللذين أطلق عليهم خطأً بالمشائيين . والحال كذلك فيما يخص القسم الثاني من مشروع الغزالي ، ونقصد كتابه تهافت الفلاسفة ، فهو الأخر من الناحية المنهجية لم يكن كتاباً نقدياً والأصح تشويشاً شاملاً على الفلسفة والفلاسفة .

  ولبيان ذلك نقول إن الإمام الغزالي رأى في منهجه التشويشي إن بضاعة الفلاسفة تتألف من :

1 – الرياضيات أو علوم التعاليم

2 – المنطقيات

3 – الطبيعيات

4 – الإلهيات

  والحقيقة إن الإمام الغزالي لم يشوش الفلاسفة في علومهم الرياضية . ولم يقترب من المنطقيات ، بل على عكس تبنى المنهج المنطقي في جانبين : الأول قائم على مزجه في علوم الشريعة وهذا إنتصار دائم للفلسفة والفلاسفة بعد إن وجد منطق الفلاسفة مكانة رفيعة في داخل بنيات علوم الشريعة . والثاني وهو الأقوى في الإنتصار إلى علوم الفلسفة ، وهو تبني المنطق اليوناني في هدم ما أسماه خطأً الفلسفة المشائية . فالمنطق هو منهج الفلاسفة الذي ينكفأ عند عتباته منهج التشويش الدي قاده الإمام بدفع فكراني سلجوقي .

  أما الطبيعيات فمعظمها مقبول ولم يشوش عليها الإمام ويقيم التكفير على الفلاسفة . ولكنه في قضايا من الطبيعيات بدع الفلاسفة ، وهي تهمة بميزان الغزالي أقل درجة من التكفير الذي خص الفلاسفة في القسم الرابع وهو الإلهيات . ونصل إلى نهاية الرحلة في منهج التشويش على الفلسفة والفلاسفة الذي نفذه الغزالي . ونقول إن كان من زاوية الفلاسفة ، هو مشروع فكراني أشعري خال من أية رؤية فلسفية جديدة بديلة عن رؤية الفلاسفة . ولكنها في حقيقتها هي فكرانية كلامية أشعرية ، رغب أبناء السلاجقة إحلالها في برامج التعليم التي أسسوها في العالم الإسلامي وذلك لإعداد وتكوين عقلية رجل الدين الفكراني الأشعري ، ومن خلاله تكوين ذهنية الجمهور الذي يقودهم في الخطبة والشعائر الخمسة اليومية .

   وهذا المهاد جداً مهم للقارئ ليعرف بأن كتاب تهافت الفلاسفة للأمام الغزالي هو مشروع تشويش على الفلاسفة والفلاسفة في جزئية جداً محدودة وهي العلم الإلهي . وإن كتاب إبن رشد تهافت التهافت ، هو رد فعل عليه من زاوية المنهج الفلسفي والمصادر الفلسفية التي حصل عليها فيلسوف قرطبة . ولذلك توافر لإبن رشد ماكان ينقص الغزالي ، وهي إن إبن رشد فيلسوف يعمل في شاطئ مغاير للفكرانية الكلامية الأشعرية ، عارف بما أصيل ومنحول من المصادر الفلسفية ، وهو عالم منطقي خبير قادر على التمييز بين المنطق البرهاني وبين الجدل وحجج الشكاك (فقد كشف ضميمة الغزالي عندما تخلى عن المنطق البرهاني لأن فيه خسارة له ، ولاذ إلى الجدل وحجج الشكاك وقاده للتشويش) . وإنه لكل ذلك رأى أبن رشد الحق والباطل ، الحق والباطل في صف الأصحاب الفلاسفة ، والحق والباطل في صف الأشعري الإمام الغزالي .

  نعود بعد هذا المشوار ، إلى شواهد إبن رشد النقدية للفلاسفة ، ورأيه في الإمام الغزالي وظنونه على الموقف الفلسفي في فهم العلوم الإلهية . فمثلاً في إفادة رشدية مهمة ، إشارة إلى إشكالية المنهج في علوم المثابرة الإنسانية والعلوم الإلهية : ” والجدل نافع مباح في سائر العلوم ومحرم في هذا العلم . ولذلك لجأ أكثر الناظرين في هذا العلم إلى إن هذا كله من باب التكييف في الجوهر الذي لا تكيفه العقول لأن لو كيفته لكان العقل الأزلي والكائن الفاسد واحداً ” (المصدر السابق ، ص 209) .

   ويلاحظ الباحث إن فيلسوف قرطبة لم يكن مستقراً على رأي في متابعة المنهج العقلاني في حسم المسائل الفلسفية التي عالجها الفلاسفة في موضوع العلم الإلهي ونازعهم فيها الغزالي . فقد وجدناه يتحول أثناء نقد منهج الغزالي أو منهج الفلاسفة ، من مضمار المعرفيات إلى معاقل الفكراني العقيدي . وبالتحديد وجدناه يتوسل بالدعاء والإحتكام إلى ” الله ليأخذ الحق ممن تكلم في هذه الأشياء الكلام العام ويجادل في الله بغير علم ” (المصدر السابق) . والحقيقة إن هذه الإفادة الرشدية تشمل في الدعاء رجالات الشاطئين ؛ شاطئ الفلاسفة ، وشاطئ المتكلمين وممثلهم الإمام الغزالي .

   ومن خلال قرائتنا لنصوص فيلسوف قرطبة ومعايشتها . وجدنا إنه عندما يتفق مع الإمام الغزالي في مضمار العلم الإلهي ، فإنه يستخدم لفظة ” صحيح ” . وحينما يكون متحفظاً أو يرغب إبقاء الموقف فاعلاً ، فإنه يلوذ إل دائرة الصمت ، ويترك بعض ألفاظ دالة على الموقف برمته . ولذلك نشعر إن إبن رشد قد تخفى وراء كلمة ” يظن ” ، ولم يحسم الموقف وترك الباب مفتوحاً . وكذلك الحال يتكرر مع عبارة ” يقول أبو حامد “

فإنه يتركها دون تعليق ، سوى تجيرها على حساب مسؤلية الإمام الغزالي . منها على سبيل الإستشهاد ، الإفادة الرشدية القائلة : ” ولذلك يظن إن الفلاسفة في غاية الضعف في هذه العلوم . ولذلك يقول أبو حامد إن علومهم الإلهية هي ظنية ” (المصدر السابق) .

  ومن الشواهد على وقوف إبن رشد موقف الناقد للغزالي ، وعدم موافقته على منهجه وأفكاره الكلامية في إدارة المناجزة مع الفلاسفة ، الإفادة التي كتبها في الصفحة ذاتها التي نقلت لنا الموقف الرشدي السابق . وحقيقة إن فيلسوف قرطبة قام فيها بتفكيك خطاب الغزالي ، ووقف عند الفكرانية التي إعتمدها صاحب كتاب تهافت الفلاسفة ، في معاندته للفلاسفة . وأمسك بالمنهج الذي إستخدمه في التشويش عليهم . وهنا نترك الإفادة الرشدية توضح ذلك : ” ولكن … نروم أن نبين من أمور محمودة ومقدمات معلومة وإن كانت ليست برهانية ، ولم نك نستخير ذلك إلا لأن الرجل (أي الغزالي) أوقع هذا الخيال في هذا العلم العظيم وأبطل على الناس الوصول إلى سعادتهم بالأعمال الفاضلة والله سائله وحسيبه ” (المصدر السابق ، ص ص 209 – 210) .

  ومن ثم يدافع فيلسوف قرطبة عن موقف الفلاسفة في العلم الإلهي ، ومن خلالهم بالطبع يدافع عن المنهج العقلاني المستند إلى ” المنطق البرهاني ” ويرد على الغزالي الذي عطل المنطق البرهاني . وبالمقابل رفع راية فكرانية أشعرية تعلن عن إستخدام المنطق منهجاً في هدم الفلسفة ” . وهكذا لاذ الغزالي إلى معاقل الفكرانية الأشعرية يستمد زاده المعرفي الذي يساعده في إدارة المناجزة مع الفلاسفة .

  وهنا يكمن الإختلاف بين منهجين ؛ منهج العقل (المنطق البرهاني) الذي إعتمده الفلاسفة . ومنهج الفكرانية الكلامية الذي إستند إليه الإمام الغزالي . ولذلك يقول إبن رشد واصفاً طبيعة المنهجين : ” فأما الفلاسفة فإنهم طلبوا معرفة الموجودات بعقولهم لا مستندين إلى قول من يدعوهم إلى قبول قوله من غير برهان ” (المصدر السابق ، ص ص 210 – 211) .

  وإعتماداً على منهجه العقلاني ، يحدد فيلسوف قرطبة للعقل الإنساني ، طوابق من البحث يشتغل فيها ، وشروطاً يعمل في ظلالها . وفي المقابل العقل الإلهي الذي يتمتع بالحرية الواسعة التي لا توقفها الحدود والمسافات . ومن الملفت للنظر إن إبن رشد يعالج هذا الموضوع بالإستناد إلى رواية الغزالي التي تذهب إلى إن هناك مستويات يعمل فيها العقل البشري ؟ كما إن هناك مستويات يتوقف فيها . وحسب صاحب تهافت الفلاسفة ، إن العمل في هذه المستويات هو من وظيفة العقل الإلهي . ولهذا أفاد فيلسوف قرطبة مرجحاً رأي الغزالي .

  ونحسب إن هذا الترجيح الرشدي لرأي الغزالي ، كانت له ظروفه الضاغظة على فيلسوف قرطبة ، وذلك لأن القضية أصبحت مكشوفة ، وليس من الممكن السير  بها خطوة أخرى إلى الأمام ، وفيها ترجيح لعمل العقل البشري ، دون مواجهة ودفع ثمن غال .

ولهذا أجل فيلسوف قرطبة المواجهة ودفع الثمن إلى مستقبل يأتي أو لا يأتي على الإطلاق . ولكن التاريخ يخبرنا بأن ما أجله إبن رشد ، وقع فيما بعد . وذلك حين أحكم خصومه الظروف ، وكشفوا عن خطورة ضميمته التي تنتصر للعقل والمنطق البرهاني ، ويُعلي من مكانتهما على كل مضمار ومنهج في داخل ثقافة يقودها الفكراني العقيدي . حقيقة إنها كانت مجاهدة رشدية عالية سعت إلى تنوير وإضاءة المناطق المظلمة من مضامين ثقافتنا الإسلامية يومذاك .

تعقيب

   ونشعر إنه من النافع العودة إلى مضمار الإفادة الرشدية ، نقرأها أولاً وننظر فيما تحمله من دلالات ودروس لطبيعة ظروف المجابهة الرشدية ، والتي تكون في بعض من أطرافها الصعبة ، لا تمنح العقل الإنساني من خيارات ، سوى الإنحناء أمام عاصفتها الهوجاء ، وترك الباب مفتوحاً لتمر ، فتكون الخسائر طفيفة . وهذا هو أسلم طريق ينبغي على الفيلسوف أن يسلكه . وهذا فعلاً ما فكر فيه فيلسوف قرطبة وسلكه مسارأً لتأجيل المواجهة . فجاءت الإفادة الرشدية ترجح رأي الغزالي وتؤكد عليه : ” وقوله (أي الغزالي) إن كل ما قصرت عن إدراكه العقول الإنسانية فواجب أن نرجع فيه إلى الشرع حق ، وذلك إن العلم المتلقي من قبل الوحي إنما جاء متمماً لعلوم العقل . أعني إن كل ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى الإنسان من قبل الوحي  ، والعجز عن المدارك الضروري علمها في حياة الإنسان ووجوده منها ما هو عجز بإطلاق إن ليس في طبيعة العقل أن يدرك بما هو عقل ومنها ما هو عجز بحسب طبيعة صنف من الناس وهذا العجز أما أن يكون في أصل الفطرة ، وأما أن يكون لأمر عارض من خارج من عدم تعلم وعلم الوحي رحمة لجميع هذه الأصناف ” (المصدر السابق ، ص ص 255 – 256) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

العلوم الممكنة والعلوم الباطلة

وحدود وسلطة المنهج العقلاني عند إبن رشد

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   تتحدث إلينا الإفادات التي كتبها فيلسوف قرطبة ، عن نوعين من العلوم والمعرفيات ؛ علوم ومعرفيات ممكنة ، وعلوم ومعرفيات إفتقدت بتصوره إلى شروط الإمكان ، فأصبحت علوماً ومعرفيات باطلة . ونسعى في هذا الطرف من البحث في كتاب ” تهافت الفلاسفة ” إلى وضع دراسة في العلوم والمعرفيات الممكنة ، والعلوم والمعرفيات الباطلة وذلك لأن في وجود هذه العلوم والمعرفيات ، فعل تقوية لمنهجه العقلاني ، وفي شطبها نقاط ضعف .  والحال كذلك فيما يخص العلوم الباطلة ، فإن في عملها ما يضعف المنهج العقلاني الرشدي . وفي شطبها تسهيل لعمله ، وإمكانية لدخوله والعمل في مناطق تركت التأثير فيها لهذه المعرفيات . كما وإن تعطيل بعض المعرفيات ، فيه تصعيد لوعي الجمهور والإرتقاء به إلى طوابق عالية ، يتسامح فيها ويقبل بفعالية المنهج العقلاني . إذن في الحديث عن العلوم الممكنة والمعرفيات الباطلة ، أطراف من الحديث عن المنهج العقلني عند فيلسوف قرطبة .

المنهج العقلاني والعلوم الممكنة والمعرفيات الباطلة

   والبداية بحث في الإفادات الرشدية عن الموقف العقلاني الذي كونه فيلسوف قرطبة من ” معرفيات الأحلام ” . وهو موضوع بالغ الأهمية في قضية النزاع بين الفلاسفة وبين الغزالي . وبالتحديد في طرف من المنهج الذي إستند إليه صاحب كتاب تهافت الفلاسفة ، في التشويش على الفلاسفة . فمن المعروف إن الغزالي توجه إلى الجمهور (الحشود البريئة والغير عارفة ببضاعة الفلاسفة) في معاندته للفلاسفة . وذلك ليحرك غضبها ويجيشه ضد الفلسفة والفلاسفة . وهذا ما حدث فعلاً . ولذلك نحسب إن مراجعة فيلسوف قرطبة لموضوع ” معرفيات الأحلام ” يندرج في كشف الحساب لما إنتهت إليه المثابرة الغزالية (المتسورة بالفكرانية الأشعرية) من نتائج على صعيد العلوم وصعيد ذهنية الجمهور .

   كشفت المراجعة الرشدية لرصيد المثابرة الغزالية ، عن مستويات من المعرفيات ، التي تلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً في حياة الجمهور . وهذه المعرفيات تدخل دائرة ” الأحلام ” أو شبيهة بها . وعلى هذا الأساس رأى إبن رشد ، إن الخطاب الذي يوجه إلى الجمهور ، وهو في حقيقته خطاب الخاصة (وهذا مافعله الإمام الغزالي في إشراك الجمهور في الجدل بينه وبين الفلاسفة) ، خطاب إرتكب خطئين : خطأ بحق الجمهور وذلك لأن مثل هذا الخطاب بدلاً من أن يعمل على رفع وعي الجمهور وتصعيد درجاته ، فإنه كرس حالات الجهل ، وأشعر الجمهور بأنه على حق في الإستمرار على ما يعتقد . والخطأ الآخر بحق العقل والعلم .

   ومن هنا أدرك فيلسوف قرطبة إن توجه الغزالي إلى الجمهور ، وتحريك غضبه ضد الفلسفة وعلومها ، هو فعل محاصرة للعلم والمعرفيات التي تسعى من طرفها إلى ترقية الوعي وتصعيد درجته العلمية والمعرفية (وبالطبع الفلسفية) ، ومن خلال كل ذلك تمكين الجمهور من رؤية الحقيقة كما هي . ولكن الإمام الغزالي عوضاً عن هذه المعرفة الفلسفية في طرفيها العلمي والمعرفي ، ساعد على تقوية سلطة نوع من المعرفيات التي تسبب أضراراً وخسائر على جبهة الجمهور وجبهة العلوم وذلك من خلال إنتصاره وترويجه ” معرفيات الأحلام ” . ولذلك جاءت الإفادة الرشدية تحمل نقداً شديدأ للإمام الغزالي . ولنتركها تتحدث للقارئ : ” أعني ما إذا صرح به (أي الغزالي) كان شنيعاً وقبيحاً في بادئ الرأي وشبيهاً بالأحلام ، إذ ليس يوجد في هذا النوع من المعارف مقدمات محمودة (أي مقدمات البرهان) يتأتى من قبلها الأقناع فيها للعقل الذي بادئ الرأي أعني عقل الجمهور فأنه يشبه أن يكون مايظهر بأخره للعقل هو عنده من قبيل المستحيل في أول أمره . وليس يعرض هذا في الأمور العلمية بل وفي العملية ، ولذلك لو قدرنا أن صناعة من الصنائع قد دثرت (ماتت)

ثم توهم وجودها لكان في بادئ الرأي من المستحيل ولذلك يرى كثير من الناس إن هذه الصنائع هي من مدارك ليست بإنسانية فبعضهم ينسبها إلى الجن وبعضهم ينسبها إلى الأنبياء حتى لقد زعم إبن حزم أن أقوى الأدلة على وجود النبوة هو وجود هذه الصنائع ” (المصدر السابق ، ص 208) .

   ولاحظنا إن تفكير فيلسوف قرطبة دار حول ما أسماه بمعرفيات الأحلام ، دوران العاقل الذي واجه موقفاً يتضمن موقفين لا ثالث لهما ” أسود وأبيض ” . ولما كان طريق البرهان غير متوافر في هذا المضمار المعرفي حتى يحسم الأمور . فقد رأى إبن رشد إن البحث في هذا الموضوع يتطلب منهجية جديدة ، تعالج هذا الموضوع المعرفي بإسلوب جديد مختلف عن المتداول من منهجيات .

   والحقيقة إن هذا الإعلان الرشدي وسط الأراء السائدة حول هذا الموضوع ، كانت هي القضية التي سببت لفيلسوف قرطبة الكثير الكثير من المتاعب ، ومن ثم تصاعدت إلى درجة المحنة والإمتحان . وهي محنة معروفة عاشها فيلسوف قرطبة ، خصوصاً بعدما كشف خصومه فكرانيته المعرفية المعادية لفكرانيتهم الكلامية (والتي فيها إستبطان قوي للأشعرية بوعي ولا وعي) ، ووقفوا على طبيعة منهجيته التي تختلف عن منهجيتهم . ولهذا تحركوا وأحكموا الظروف ؛ فكانت البداية توجيه الإتهام لإبن رشد ، من خلال إفادة كتبها بقلمه . ومن ثم تمكنوا في الوقت ذاته من تحريك الجمهور وتصعيد درجات غضبه ضد الفلسفة عموماً وفلسفة إبن رشد على وجه الخصوص . ومن خلال هذا الضغط تم تحريك مشاعر السلطان ، والمطالبة بتدخله في حسم هذه القضية التي إنشغل بها العامة والخاصة . وفعلاً حسم السلطان هذه القضية لصالح فكرانية خصوم فيلسوف قرطبة وذلك لإرضاء الجمهور الغاضب ولإجل تهدئة مشاعره . وفعلاً كانت المحنة الرشدية .

   وهكذا عاش تاريخ الفكر الإسلامي عامة وتاريخ الفلسفة خاصة ، هذه المحنة ، والتي كشفت عن تصادم مصالح أصحاب الفكرانية المهيمنة مع مثابرة إبن الرشد وما تحمله من تهديد لهم ، وبالطبع تعريض مصالحهم للخطر ، وتهديد مكانتهم الإجتماعية والتي تتضمن تضييع الرتب التي إحتلوها في الطوابق العالية من هرم المؤسسة السلطانية . ولهذا نحسب إن دوران فيلسوف قرطبة ، كان له مايبرره من زاوية العقل والمنطق وظروف الواقع يومذاك . وعن هذا الدوران في الفهم ، أفاد : ” وإذا كان هذا هكذا فينبغي لمن آثر طلب الحق إذا وجد قولاً شنيعاً ، ولم يجد مقدمات محمودة تزيل تلك الشنعة إلا يعتقد إن ذلك القول باطل وأن يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي له إنه يوقف منها عليه ويستعمل في تعلم ذلك من طول الزمان وترتيب ما تقتضيه طبيعة ذلك الأمر المتعلم ” (المصدر السابق ، ص 208) .

   أما إذا إنتقلنا إلى الإفادات التي كتبها إبن رشد وعالجت المعرفيات والعلوم الممكنة ، فإننا سنجد إن فيلسوف قرطبة قد مارس في هذه الإفادات دور الناقد للفلاسفة والمتكلمين في إعترافهم بإمكانية بعض العلوم والمعرفيات . في حين إن الرجل وبالإستناد إلى منهجه العقلاني المحروس بالمنطق ، وبعض الأحيان المحكوم بنظرة حضارية واقعية ، يرفض بعض المعرفيات هذا طرف . ومن طرف أخر إن له موقف من بعض العلوم أملاه ظرفه الحياتي المترف ولذلك وقف موقف المتحيز الناكر لها . على كل لنقف عند تلك العلوم والمعرفيات حتى نتعرف بدقة على حدود المنهج العقلاني الرشدي :

الموقف الرشدي من بعض علوم الطبيعيات

   الحقيقة تكون هذا الموقف الرشدي من خلال النظر في مواقف الفلاسفة عامة ، وإبن سينا خاصة . وما عرضه الإمام الغزالي من نقد وتعديل وأحكام . ولذلك فأن هذا الموقف له أهميته وسط آراء الفلاسفة وأفكارالمتكلمين ممثلاً بالغزالي ، ومن مرجعيات فلسفية خصوصاً من فيلسوف إسطاغيرا ” أرسطو ” . ولهذا نسعى في هذا الطرف من البحث دراسة موقف فيلسوف قرطبة من علوم الطبيعيات . ولعل البداية هو الإشارة إلى الإفادات الرشدية التي تعترف بصحة الأساس الذي إعتمد عليه الفلاسفة  وإعتمد عليها الغزالي كذلك . وخصوصاً النظر فيما أسماه ” أجناس العلم الطبيعي ” . والحقيقة إن معيار الصحة عند فيلسوف قرطبة هو كتب أرسطو الثمانية في العلم الطبيعي .

   جاء بعد ذلك إعتراض رشدي على الرأي المتداول عند الفلاسفة وعند المتكلمين  وخصوصاً الغزالي . ويبدو إن مايميز هذا الإعتراض ، ويعطيه أهمية تاريخية ، هو النقد الفلسفي الرشدي لمرجعياته وبالطبع المرجعيات الأرسطية . وهذا أمر قد يستغرب منه البعض ، فكيف إبن رشد الأرسطي يعترض على المرجعية الأرسطية للفكر الفلسفي والكلامي الإسلاميين . هذا هو واقع حال الفيلسوف إبن رشد ، وهذا ما عكسته الإفادات الرشدية . ونحسب إن السبب الذي حمل فيلسوف قرطبة في الإعتراض على السلطة المرجعية الأرسطية ، ومن ثم التفكير في مناطق فيها خلاف مع المعلم الأول ، هو تكوين مضمار معرفي رشدي ، فيه نوع من الإستقلالية عن إطروحات الفيلسوف الأسطاغيري في العلم الطبيعي .

   والواقع إن الإعتراض الرشدي على مرجعية أرسطو ، كان موجهاً في الأساس إلى الغزالي مباشرة ، ومن ثم شمل الفلاسفة الإسلاميين . وهو إعتراض جاء على العلوم الطبيعية التي عددها أرسطو ” على إنها فروع له ” وهي من زاوية النظر الرشدية ليست ” كما عدها ” (إبن رشد ؛ تهافت التهافت / تحقيق سليمان دنيا / القسم الثاني ، ص 767) .

   وإنطلاقاً من هذا الإعتراض الرشدي على فروع العلم الطبيعي ، تكون لدى إبن رشد موقف معرفي سعى إلى شطب بعض العلوم من قائمة العلم الطبيعي (الأرسطي بالطبع والموظف في كتابات الفلاسفة والمتكلمين ممثلاً في الغزالي) . ومن ثم أضافها إلى قائمة العلوم العملية . وعلى هذا الأساس من الفهم الرشدي يمكن القول إن فيلسوف قرطبة قد رأى بأن بعض العلوم في قائمة العلم الطبيعي غير ممكنة . في حين وجد إن هذه العلوم ذاتها ممكنة في المضمار العملي . وهذه العلوم هي :

الطب :

   يقوم الموقف الرشدي من الطب على مخالفة المعلم الأول  أرسطو ” ، ومن ثم الفلاسفة الإسلاميين ، وكذلك الإمام الغزالي ومعه رهط من المتكلميين .  فمن الملاحظ إن فيلسوف قرطبة قد أخرج الطب من خيمة العلم الطبيعي ، وإنتقل به إلى ساحة ” الصناعة العملية ” (المصدر السابق) . ولكنه في الوقت ذاته كان مؤمناً بإن هذه الصناعة تستلم ” مبادئها من العلم الطبيعي ” (المصدر السابق ، ص ص 767 – 768) . وإن كل ذلك يعود حسب الإفادات الرشدية إلى إن ” العلم الطبيعي نظري والطب عملي ” (المصدر السابق ، ص 768) . إضافة إلى إن الموقف الرشدي المعرفي إلتفت إلى الأرضية المشتركة التي يتحرك عليها كل من عالم الطبيعيات ورجل الطب . والتي تمثلت بطرفي ” الصحة والمرض ” ، فرأى إن الأول ينظر إليهما ” من حيث هما من أجناس الموجودات الطبيعية ” . أما رجل الطب  فإن وظيفته ، هو السعي إلى حفظ ” الصحة ” وإبطال ” المرض ” (المصدر السابق) .

علم أحكام النجوم :

     إن أول ما يلاحظه الباحث على الإفادات الرشدية ، إنها كونت موقفاً رافضاً لهذا العلم . صحيح إنه شطبه من قائمة العلم الطبيعي ، إلا إنه لم يضيفه إلى ميدان علم أخر . بل بالعكس وضعه في خانة المعرفيات المظلمة . والحقيقة إن الرجل كان دقيقاً في نظرته إلى ” علم أحكام النجوم ” ، وذلك للحساسية الشعبية ومن ثم السلطانية يومذالك . فمن المعروف إن التقليد السلطاني فترة فيلسوف قرطبة ، هو إن لكل أمير أو سلطان عالم يقرأ ” حسن الطالع ” أو ” سوء الطالع ” . ووفقاً لتلك القراءة ( وبالطبع هي فرضيات وحدوس ، وليست وقائع وحقائق) لحركة ” النجوم في القبة السماوية ” ، وما تحمله من أثار على حياة السلطان أولاً ، ومن ثم على أوضاع الجمهور ثانياً ؛ سعادة وحزناً ، إنتصاراً وإندحاراً .. ولذلك جاءت كلمات إبن رشد دقيقة تخرج هذا العلم من مضمار الطبيعيات ، وتدخله في معاقل ” الفرضيات ” ، والتي عبر عنها بعبارة ” علم بتقدمة المعرفة بما يحدث في العالم ” . إذن هو مجموعة تكهنات غير مؤسسة على حقائق . ولهذا جعله شكلاً معرفياً يندرج في ” الزجر والكهانة ” (المصدر السابق) .

علم الفراسة :

   وإعتماداً على منهجه المنطقي العقلاني ، نظر إلى علم الفراسة ، ورأى إنه لا ينتمي إلى العلم الطبيعي . وفي تعريفه لعمله (على الرغم من رفضه له) ، فذهب إلى إنه ” علم بالإمور الخفية الحاضرة ، لا المستقبلة ” (المصدر السابق) .  وهنا أراد أن يميز بينه وبين علم أحكام النجوم أولاً ، ومن ثم ينطلق من ذلك إلى إخراجه من دائرة العلوم ، ووضعه في مناطق خارجة عن مضمار المعرفيات التي تقوي شعاع العقل الإنساني (ووضعه في مناطق ينطفأ فيها ضوء العقل) . والواقع إن فيلسوف قرطبة قد عرف جيداً ، قوة هذه العلوم وسلطتها في حياة الجمهور ، ولذلك كان يعمل بقوة ونشاط ، ليلفت الأنظارإلى إنها ليست من العلوم ، وإنما هي نوع من ” الزجر والكهانة ” (المصدر السابق) .

الموقف الرشدي وإمكانية قيام بعض العلوم

   إستناداً إلى منهجه العقلاني المتسلح بالمنطق البرهاني ، ونظرته الحضارية الواقعية ، ووضعه الإقتصادي والإجتماعي ، إعترف بأن هناك إمكانية لقيام بعض العلوم . وهذه العلوم هي :

المنطق والجدل :

   حقيقة إن المنهج العقلاني الرشدي تطلع للصعود بالخطاب الفلسفي إلى أعلى طوابق اليقينية . وأن هذا الأمر أكد عليه بشكل مفرط في كتابه تهافت التهافت ، ومن خلال الرد على الغزالي بعبارته الذائعة الصيت : إنه ” غير برهاني ” .  وهكذا فعل مع الفلاسفة والمتكلمين عامة وإبن سينا خاصة . وهذا الدفاع عن المنطق ، ستظهر له صورة واضحة في كتاب ” فصل المقال ” . ولهذا كله فإن ” صناعة المنطق ” بالإصطلاح الرشدي ، هي من العلوم التي تتوافر فيها إمكانية عالية لتكون علماً عند إبن رشد (المصدر السابق ، ص785) .

  كما إن الجدل حسب الإفادات الرشدية ، فيها إمكانية لتشكل مضماراً في المعرفيات والأدق في المنهجيات . إلا إن الجدل لا يرقى إلى مكانة المنطق البرهاني ، ولهذا لاحظنا إن فيلسوف قرطبة قد أباح للجدل أن يعمل في مناطق ” سائر العلوم ” . غير إنه أوقف عمله في مناطق ” العلم الإلهي ” . ومعروف في منازلة إبن رشد للغزالي إنه كشف عن ضميمته في إستخدام الجدل في التشويش على الفلاسفة ، وبين إن الغزالي لم يستخدم المنطق البرهاني على الإطلاق في هدم الفلسفة ونقد الفلاسفة . وهذه هي الضربة القوية التي وجهها أبن رشد في عصب المنهج الغزالي الفكراني .

علم النفس

  إحتل علم النفس مكانة متميزة في الإفادات الرشدية والتي تظل تدور في إطار علم النفس الأرسطي (وماهية النفس بالمفهوم الفلسفي الذي وصل إلى فيلسوف قرطبة) ، حيث نجد إن صاحب كتاب تهافت التهافت تطلع إلى تأسيسه على المنطق البرهاني .  وهذه قضية في غاية الأهمية ، إذ أن تأسيس هذا العلم بهذه الطريقة ، فيها طاقة معرفية تسهم في تقوية المنهج العقلاني الرشدي . ولذلك رأى إبن رشد إن علم النفس ، هو من العلوم الشريفة ، والتي لا تدرك ” بصناعة الجدل ” (المصدر السابق / القسم الثاني ، ص 827) .

الموقف الرشدي وإبطال بعض العلوم

  يكشف إبطال بعض العلوم عن حدود المنهج العقلاني الرشدي ، وذلك لأن في عمل هذه المعرفيات ما يضعف هذا المنهج ، وبالمقابل فيه تقوية لمضار معرفي شعبي ، فيه معارضة لكل ما هو عقلاني ومنطقي ، وواقعي حضاري . ومن هنا ننظر بتقدير عال للمثابرة المعرفية التي أنجزها فيلسوف قرطبة في مضمار العلوم والمعرفيات . وفي الوقت ذاته نحسب إن هذه المثابرة الرشدية ستولد لها من الخصوم والأعداء ، والذين سيتجمعون لتحريك الجمهور أولاً وتحشيده ضد فيلسوف قرطبة . ومن ثم ثانياً الهمس في مسامع من لهم سلطة وسلطان ، بأن صاحب تهافت التهافت أخذ يشطح ويتجه نحو ميادين الهرطقة . وذلك لدفع السلطان إلى نفيه وحرق كتبه . وفعلاً هذا ما حدث لفيلسوف العقل .

  والحقيقة إن العودة إلى الإفادة الرشدية ، والخاصة بالعلوم الباطلة ، فإننا نجدها تتكلم عن العلوم الأتية :

علم الطلسمات

   يعلن إبن رشد بصراحة عن موقفه من هذا النوع من المعرفيات ، وهي علوم تتعارض مع منهجه العقلاني ، ومع نظرته المؤسسة على المنطق البرهاني ، وفي الوقت نفسه تستند إلى الواقع ودرجات النمو الحضاري يومذاك . فيرى إن علوم الطلسمات ” باطلة ” . وجادل فيلسوف قرطبة مع من يقف وراء هذا العلم ، فذهب إلى إننا حتى لو إفترضنا وجود مثل هذا العلم . وإفترضنا إن للأفلاك تأثير على حياة البشر ، فإن هذا التأثير لا يتعدى حسب فيلسوف قرطبة أثر ” النصب الفلكية ” على ” الإمور المصنوعة ” من قبل رجال الطلسمات ولا تمتد إلى حياة البشر .

  ونحسب إنه من المفيد أن نضع الإفادة الرشدية التي ناقشت بطلان علم الطلسمات ، في متناول القارئ . يقول إبن رشد : إنه ” ليس يمكن إن وضعنا للنصب الفلكية تأثيراً في الأمور المصنوعة ، أن يكون ذلك التأثير لها ، إلا في المصنوع ، لا أن يتعدى تأثير ذلك المصنوع إلى شئ خارج عنه ” (المصدر السابق ، ص 765 – 769) .

الرؤيا

  أصبح واضحاً إن فيلسوف قرطبة ، رجل صاحب منهج عقلاني ، وهذا المنهج هو مجهود بشري مشروط بظروف الواقع والتطور الحضاري ، وما يمتلكه من أدوات إنسانية ، تساعده في إكتساب المعرفة ، ومرهونة حركته وكبوته بشروط التفكير . وخلاف ذلك فإن أي معرفة ونشاط فكري يتخطى هذه الشروط البشرية ، هو موضوع نظر ورفض عند صاحب تهافت التهافت . وعلى هذا الأساس نظر إلى ” الرؤيا ” ووضعها خارج المناطق التي يعمل فيها منهجه العقلاني . وهنا نلحظ الفيلسوف إبن رشد يعود إلى المرجعيات الفلسفية والمعرفية ، يستفتيها في هذا الموضوع . وفعلاً فقد وجد إنه لا يمتلك ” معرفة أو علماً ” بأن هناك ” واحداً من القدماء ” قال بالرؤيا ، إذا ما قمنا ب ” إستثناء إبن سينا ” (المصدر السابق ، ص 776) .

الموقف الرشدي والتأرجح بين الشك والتعجب والإمكان

  الحقيقة إن الإستسلام للمنهج العقلاني ، فيه ربح وخسارة . ومن جهة الربح ذكرنا الكثير من المواقف الرشدية التي أسهمت في تنمية الكثير من العلوم والمعرفيات ، والتي لعبت دوراً كبيراً ، تمثل في تصعيد درجات وعي الجمهور وتبديد الكثير من الجهل والخرافات . ولكن من طرف الخسارة ، هو أن يتحول العقل إلى وصي وقوة مهيمنة على حركة نمو العلوم والمعرفيات . وعند ذلك يصبح العقل قيد وعقبة أمام إنطلاق علوم ومعرفيات جديدة ، ستشكل بدورها علوم ومعرفيات المستقبل .

  وفعلاً هذا ما حدث عندما تقرأ بعض الإفادات التي كتبها إبن رشد حول بعض من العلوم والمعرفيات . في بعضها كان له الحق ، وبعضها الأخر جانبه الحق ، فظلم تاريخ نمو المعرفيات والعلوم . ولكون أرائه كانت مترددة ، ولم تحسم القضية لصالح علوم المستقبل ، ولوضعه المرتبط بالسلطة يومذاك ، فقد مارست أرائه سلطتها الضاغطة على مجمل المواقف من علوم المستقبل . وهذه العلوم هي :

علم التعبير

   لقد أظهرت الإفادات الرشدية موقف الشك من قيام مثل هذا العلم من ناحيتين ؛ الأولى إن هذا العلم هو من العلوم التي تتكون مبانيه بإصطلاح فيلسوف قرطبة ” بتقدمة المعرفة بما يحدث ” . والثانية إن شكوك إبن رشد حول قيام مثل هذا العلم ، لكونه لا يندرج ضمن العلوم النظرية والعلوم العملية . رغم إقراره بأن هناك إمكانية إنتفاع من قيامه . يقول فيلسوف قرطبة معترفاً : وإن ” كان قد يظن به إنه ينتفع به في العمل ” (المصدر السابق / القسم الأول ، ص 268) . إن العقبة الرشدية من قيام ” علم التعبير ” أملاها المنهج العقلي الذي إعتمده فيلسوف قرطبة . إضافة إلى كونه ظل سجين قوائم العلوم والمعرفيات التي قدمتها له المرجعيات الفلسفية ، وعلى الأخص الأرسطية منها ” إنجيلاً ” لا يجوز الخروج على سلطته .

علم الحيل (الميكانيك)

   إن القارئ المدقق في إفادات الفلاسفة ، بدءً بالمرجعيات الأرسطية ، ومن ثم الإسلامية ، يلحظ إن هذا العلم (الذي يقال اليوم بإصطلاحاتنا علم الميكانيك) ، هو فرع من العلم الطبيعي . إلا إن فيلسوف قرطبة ، وبسبب واقعية منهجه العقلاني ، لم ينظر إلى مديات أبعد من تطبيقات العلم الطبيعي في مضمار الحيل (أي الصناعات أو ربما التقنيات) . ولهذا نظر إلى هذا العلم من زاوية عقلانية ضيقة ، هي ” باب التعجب ” .

  ومن الملاحظ إن الموقف الرشدي من هذا العلم لم تنتهي ، ولو إنتهى عند هده الحدود لكان فيه ربحاً لصالح منهجه العقلاني . إلا إن فيلسوف قرطبة قد كتب إفادة تشكك في إمكانية قيام هذا العلم ، وذلك من طرف إن ليس له ” مدخل … في الصنائع النظرية ” (المصدر السابق ، ص 769) . والحقيقة إن مثل هذه الإفادات تسد الطريق أمام المنهج العقلاني ليكون منهجاً متحرراً من قيود النظرة الواقعية ، وقادراً على التفكير في مناطق معرفية مفتوحة أمام إمكانية قيام معرفيات وعلوم جديدة .

الكيمياء

    إن الموقف الرشدي من الكيمياء ، كشف عن الحدود الضيقة للمنهج العقلاني . وحجم النمو الحضاري لعصر فيلسوف قرطبة أو الأدق المواقف الفكرانية التي تحكم حركة هذا النمو الحضاري . كما وإنها تحدد الوضع الإقتصادي للفيلسوف ، وعلاقته بالمؤسسة السياسية ، التي كانت على العموم تنظر بعيون من الريبة والشك لكل من يشتغل في الكيمياء . وترى إن من يشتغل فيها ، هو واحد من إثنين ؛ أما يعمل على تزييف العملة وإحداث الضرر في الإقتصاد وتهديد الآمن الإجتماعي للجمهور . أو العمل بما يخالف الطبيعة ، فهو واحد من المدلسين . ونشعر إن موقف إبن رشد ، قد إستبطن كل المخاوف التي تعكسها السلطة ، والتي كانت له مكانة في هرمها المؤسساتي يومذاك .

  لقد إعلنت الإفادات الرشدية عن موقف صريح تجاه الكيمياء ، فهي حسب الإعلان الرشدي صناعة ” مشكوك في وجودها ” (المصدر السابق) . وعلى إفتراض إنها موجودة ، فإنه ليس في الإمكان ” أن يكون المصنوع منها هو المطبوع بعينه ” (المصدر السابق) . وهذا ما عنيناه بمخاوف السلطة من التزييف في العملة النقدية . ولعل المبرر الرشدي الذي دفع فيلسوف قرطبة إلى الشك في إمكانية قيام علم الكيمياء ، هو إن هذه ” الصناعة قصارها إلى التشبه بالطبيعة ولا تبلغها في الحقيقة ” (المصدر السابق) .

  وفي متابعتنا إلى إبن رشد ، ومن ثم وضع الشك أمام إفاداته من زاوية المنهج العقلاني ، تحملنا على عدم إعتبار إن المسألة قد إنتهت بهذه النظرة الرشدية كما بسطها لنا فيلسوف قرطبة . وإنما نسعى إلى البحث عن مواقف حاسمة في الإفادات الرشدية من إمكانية قيام علم الكيمياء ، وذلك لإعتقادنا إن إبن رشد في هذا الموقف قد قيد حركة المنهج العقلاني ، وجعله يستسلم إلى واقع المعرفيات ومواقف السلطة في عصره . ومن ثم عجز عن إختراق هذا الواقع المعرفي والسلطوي ، والتفكير في مناطق معرفية أرحب ، فيها إمكانية تأسيس لعلوم مستقبلية مثل علم الكيمياء .

  والحقيقة إن متابعتنا تنهض على سؤال يتطلب جواب رشدي ، وهو : هل الكيمياء تفعل شيئاً شبيهاً بما يحدث في الطبيعة ؟ جاء الجواب الرشدي مفتوحاً على طرفين ، جواب يمسك بالعصا من الوسط ، ليس فيه إستحالة مطلقة من قيام علم الكيمياء ، وليس فيه إمكانية مطلقة . ولذلك رأى إنه ليس ” عندنا ما يوجب إستحالة ذلك ، ولا إمكانه ” (المصدر السابق ، ص769) . وفي جزء أخر نلحظ نوعاً من الدوران في الموقف الرشدي ، مما يجعلنا أن نقول إن فيلسوف قرطبة ، وهذا شأن الفيلسوف العقلاني ، ترك الباب مفتوحاً بحدود ما لقبول ما تأتي به الأيام من جديد حول القضية التي يبحث فيها ، ويبدو هذا الحال الرشدي ينطبق على الكيمياء .

إنموذج المعرفيات والعلوميات في ” تفسير مابعد الطبيعة “

  في الواقع إن هذا الإنموذج من المعرفيات والعلوميات ، فيه من الإختلاف عن الإنموذجين الرشديين في كتاب تهافت التهافت ، وكتاب فصل المقال . وإن هذا الإختلاف يعود إلى إن فيلسوف قرطبة قد كون منهجه المستقل بحدود ما من إستحواذ المعلم الأول أرسطو الإسطاغيري . ولذلك أنتج مواقفاً معرفيه فيها الكثير من الإبداع والإبتكار . في حين إن هذا الإنموذج المتولد من قراءة كتاب تفسير ، يحملنا على القول بأن متابعة فيلسوف قرطبة للمعلم الأول بينة ، وإن إستحواذ النص الأرسطي واضح . وهذا أمر طبيعي جداً ، وذلك لأن إبن رشد كان محكوماً بحركة النص الأرسطي صعوداً وهبوطاً . ولكن مع التأكيد على إنه قد ظهرت هنا وهناك مواقف رشدية ، أملتها ظروف التفسير التي تتأثر بمكونات الثقافة والمعرفيات والعلوم الإسلامية ، والتي كان لها من الأثر في تكوين منهج ورؤية إبن رشد ، ومن خلالهما فهم النص الأرسطي وقدم له تفسيراً .

  ولذلك نحسب إن التفسير مثابرة رشدية لتكييف النص الأرسطي في المعرفيات والعلوميات وأجواء الثقافة والمعرفيات الإسلامية عامة ، وثقافة وعلم فيلسوف قرطبة خاصة . وعلى هذا الأساس نبدأ بحثنا بإثارة الأسئلة الأتية :

ما حجم حضور المعرفيات والعلوم في الإفادات التي ضمها تفسير إبن رشد لكتاب ما بعد الطبيعة ؟ وما الأساس الذي إستند إليه في وضع مشجراته للعلوم وخرائطه للمعرفيات ؟ وما هي حقيقة ” العلم الشريف ” عند فيلسوف قرطبة ؟ وما أثر ذلك على منهجه العقلاني المنطقي الواقعي سلباً وإيجاباً ؟ وما هي العلاقة التي إقترحها أن تنهض بين المنطق وعلم التعاليم (الرياضيات) ؟ وما هو الموقف الرشدي من بعض العلوم ، والتي تشكل ما يمكن الإصطلاح عليه بالعلوم الممكنة ؟ وأخيراً هل شكلت قوائم الفيلسوف الإسطاغيري للعلوم والمعرفيات عقبة معرفية أمام إبن رشد ، ومنعته من الخروج على سلطتها ، ومن ثم التفكير في مناطق معرفية أرحب ، وفيها إحتمال لتأسيس علوم ومعرفيات جديدة ؟ ومن النافع إن نذكر للقارئ وقبل التحول إلى الأطراف اللاحقة من البحث والتي تحمل الإجابة عن الأسئلة المرفوعة ، وهو إن إبن رشد وبتأثير أرسطو ، قد سكت ولم يكتب أية إفادة عما يمكن تسميته بالعلوم الباطلة .

حضور العلوم والمعرفيات في مباني التفسير الرشدي

  بداية نحسب من المفيد الإشارة إلى إن حضور المعرفيات والعلوم في الإفادات الرشدية ، في مضمار التفسير الذي كتبه إبن رشد على كتاب ما بعد الطبيعة للفيلسوف اليوناني أرسطو ، فيها من الطاقات المعرفية التي تقوي سلطة المنهج العقلاني الرشدي . كما ومن الصحيح كل الصحة القول إن فيلسوف قرطبة قد تابع التقسيم الأرسطي المتداول لعلوم الفلسفة . وهو التقسيم الذي يرى إن العلم علمان ، علم نظري وعلم عملي (إبن رشد ؛ تفسير ما بعد الطبيعة ، تحقيق أم . بويج ، دار الشرق ، بيروت / المقالة الأولى ، ص 12) . ولكن مع ملاحظة إن إبن رشد كان يتطلع إلى إنشاء أفق معرفي فلسفي ، وثقافي إنساني في ديار الفكر الإسلامي، فيه تمهيد للمنهج العقلاني ، وإمكانية أن يشتغل في مختلف مناطق التفكير والمعرفة .

  كما وإن في هذه القسمة لعلوم الفلسفة ، دفاع عن هدف المنهج العقلاني ، وهو الوصول إلى ” الحق ” وليس شيئاً أقل من الحق . وإذا توصلنا إلى الحق يصبح الطريق أمامنا مفتوحاً لعمل وفعل كل ما هو حق كذلك . ولنقف هنا نستمع إلى ما يقوله فيلسوف قرطبة ؛ إن العلم النظري هو ” معرفة الحق من الفلسفة ” وهو ” أعلى العلوم التي يقصد بها معرفة الحق ” . والعلم العملي ” غايته العمل ” وهو ” يفحص عن أسباب الأشياء وحدودها ليمكن المرء من فعلها وعملها فقط ” (المصدر السابق) .

البرنامج التعليمي للعلوم والمنهج العقلاني

  وفي مسعى إبن رشد في تكريس المنهج العقلاني في الحياة الإسلامية ، وجعله أداة التفكير والعلم والمعرفة ، ومن ثم مصدر الحكم . إقترح برنامجاً تعليمياً للعلوم والمعرفيات التي فيها كل ما يعزز مكانة هذا المنهج . وفي الوقت ذاته كان غرضه البعيد ، هو تكوين جيل من المتعلمين والمثقفين يعتمدون هذا المنهج أداة للحياة والتفكير . ولذلك تقدم بهذا البرنامج لتعليم العلوم وتدريب هذا الجيل ، ومن خلال كل ذلك تمكينهم من المنهج العقلاني . ورب أحد يتسائل : ما هي علوم البرنامج التعليمي ، والتي فيها طاقة تقوية للمنهج العقلاني ، ورغب فيلسوف قرطبة نقلها إلى جيل جديد من المتعلمين ؟ إنها العلوم الآتية : علم المنطق وعلوم التعاليم (الرياضيات) والعلوم الطبيعية ” (المصدر السابق ، ص 51) .

علم المنطق والمنهج العقلاني

  من الواضح إن البرنامج التعليمي يبدأ بعلم المنطق ، ومعلوم إن الدرس المنطقي عبارة عن تدريب عال على تقنيات المنهج العقلاني الدقيق الصارم ، والخالي من أي حشو أو لبس وتناقض . فهو تدريب على إستخدام المفاهيم البسيطة الدقيقة والواضحة ، والتي بدورها تشكل أبجديات اللغة المنطقية الدقيقة ، والتي من طرفها توفرللخطاب المعرفي الدقة والوضوح .

  كما إن الدرس المنطقي هو تدريب على كيفية تركيب الصيغ (أو القضايا) وذلك بالإعتماد على المفاهيم البسيطة . والصيغ بدورها تشكل أبنية عالية خالية من التناقض . والقضايا أو الصيغ تمتلك القدرة على وصف الظاهرة أو الحادثة أو العلاقة بين ظاهرة وظاهرة ، وشئ وشئ بإمكانية عالية جداً . كما إن الدرس المنطقي هو تدريب على كيفية ترتيب القضايا أو الصيغ في نظام منطقي ، حيث إن صدق القضية يقود بالضرورة إلى صدق النتيجة . وهذا النظام ، هو الذي يتحدث عنه فيلسوف قرطبة كثيراً في كتابه تهافت التهافت ، والذي يسميه مرات البرهان ، ومرات المنطق البرهاني ، ويصف قضاياه بعبارة ” الأقاويل البرهانية ” . ومن هنا تتحد أهمية تقديم إبن رشد لعلم المنطق في البرنامج التعليمي للعلوم . وذلك من حيث إن علم المنطق حسب الفهم الرشدي هو علم العلوم وبالإصطلاحات المعاصرة المتداولة منطق العلوم وبعبارات إبن رشد التعريفية لعمل علم المنطق ، هو إنه : ” يفحص في علم علم من صناعة صناعة ويتأدب به الناظر في العلوم ” (المصدر السابق) .

علم التعاليم (الرياضيات) والمنهج العقلاني

  وفي إفادة رشدية في غاية الأهمية قدمها لنا فيلسوف قرطبة ، فيها إشارة إلى إن البرنامج التعليمي للعلوم ، يسعى إلى تدريب المتعلمين على التفكير الرياضي (بالطبع يستخدم الإصلاح التقليدي علوم التعاليم) ، وكيفية إستخدام البراهين الرياضية التي تتصف بالدقة العالية من طرف المفاهيم ، والصرامة من طرف تلازم القضايا والنتائج في نظام منطقي إستدلالي يتنقل من صدق المقدمات إلى صدق النتائج . كما إن وضع الدرس الرياضي في المرتبة الثانية (بعد الدرس المنطقي) له دلالة كبيرة في تاريخ العلوم والمعرفيات ، وذلك من حيث إن الرياضيات ومنذ عصر إفلاطون وأرسطو ، ومن ثم إقليدس (صاحب كتاب مبادئ الهندسة الإقليدية) والفكر الفلسفي قبل إبن رشد ، يؤكد على إن الرياضيات ” تطبيق للمنطق ” (أنظر بحثنا : أثر منطق أرسطو على هندسة إقليدس / مجلة آداب الرافدين / كلية اآداب – جامعة الموصل ، سنة 1978) .

  ومن هنا ندرك أهمية الدرس الرياضي على صعيد تقوية سلطة المنهج العقلاني ، ودوره في تحقيق إنتشار له في دوائر الفكر المعرفي خاصة ، وفكر الجمهور عامة . والحقيقة إن إفادة فيلسوف قرطبة قد أشارت إلى ما يتمتع به البرهان الرياضي من يقينية عالية ، وذلك لما لها من إنعكاس على المنهج العقلاني . وبهذا الصدد ذهب موضحاً : ” إن البراهين التعاليمية (الرياضية) هي من المرتبة الأولى من اليقين ” (المصدر السابق) .

العلم الطبيعي والمنهج العقلاني

  لقد سعى إبن رشد على تقوية سلطة المنهج العقلاني في كل فرصة معرفية تتوافر أمامه . وفعلاً فقد إعتمد هنا على درس العلم الطبيعي ضمن البرنامج التعليمي للعلوم الذي إقترحه لتعليم جيل جديد من المتعلمين . وخصوصاً في تدريبهم على كيفية إستخدام هذا العلم للبرهان ، سواء كان برهاناً منطقياً أو رياضياً (مع الإنتباه هنا إن العلم الطبيعي علم نظري صرف حسب فهم الإثنين أرسطو وفيلسوف قرطبة) .

 ولذلك نجد من اللازم تذكير القارئ بإن البرهان في العلم الطبيعي يهبط بعض الشئ من عالم اليقينية المنطقية والرياضية إلى حقائق تتحدث عن عالم الطبيعة . ونحسب هنا إن العالم الطبيعي يقوم بفعل تكييف للبرهان وبما يتناسب وطبيعة الظواهر والعلاقات والأشياء الطبيعية . إلا إنه في كل الأحوال برهان . ولهذا أفاد فيلسوف قرطبة بإختصار شديد : ” وإن البراهين الطبيعية تتلوها ” (المصدر السابق) أي تتلو البراهين الرياضية .

العلم الإلهي والمنهج العقلاني

  تحولت المثابرة الرشدية في العلوم والمعرفيات صوب العلم الإلهي . ولعل أول أمر نشير إليه هو إن حضور العلوم القوي عزز من مكانة المنهج العقلاني في دائرة التفكير والثقافة الإسلاميين . كما وتضع في متناول القارئ ، ومن ثم الجمهور إنموذجاً من الفكر الذي يبحث في الإلهيات ، هو فكر من نتاج العقل الإنساني . ونحسب إن تقديم هذا الإنموذج له دلالة على إمكانية أن يشتغل العقل الإنساني في هذه المناطق التي حرمت بعض الفكرانيات الكلامية على العقل من العمل فيها . وذلك لإقتناعها بأنه غير مؤهل للقيام بذلك . فكان فعل إبن رشد المعرفي يتطلع إلى تقويض دعاوي هذه الفكرانيات . ومن ثم إطلاق الحرية للعقل للعمل في هذه المناطق .

   كل هذا جاء في عينات من الإفادات الرشدية . فمثلاً في عينة ناقش طبيعة كل من ” العلم الطبيعي ” و ” العلم الإلهي ” وتطلع إلى إنشاء ميتافيزيقا إسلامية . فقد لاحظ إن هناك خطأ شائع بين الناس ، وهو إعتبار ” العلم الطبيعي والالاهي شئ واحد بعينه ” في حين ” إنهما علمان لا علم واحد ” (إبن رشد : تفسير ما بعد الطبيعة / المقالة المرسومة بالألف الكبرى (مصدر سابق) ص 100 وكلمة ” الالاهي” جاء رسمها بهذا الشكل) .

  ومن ثم ذهب فيلسوف قرطبة باحثاً في إتجاه تأسيس الميتافيزيقا الإسلامية، وذلك من خلال تداوله للفظة المرادفة للميتافيزيقا ، وهي ” الفلسفة الأولى ” . وعلى هذا الأساس رأى إن الفلسفة الأولى (العلم الإلهي) هي العلم الذي ينبغي أن ” تستقصي القول في جميع الأشياء ” (المصدر السابق ، ص 161) . وهذا الفهم الرشدي يضعنا أمام حقيقة تخص الميتافيزيقا ، وهي إنها نظرة شمولية للعالم (جميع الأشياء) مما يحولها هذا الفهم إلى شكل من أشكال الفكرانية .

الحكمة والمنهج العقلاني

   إن إختيار فيلسوف قرطبة لوضع تفسير لكتاب ” ما بعد الطبيعة ” له دلالات بالغة الأهمية على صعيد تفعيل المنهج العقلاني ، ومن ثم دفعه خطوات إلى الأمام ليعمل ويثابر في مناقشة قضايا شبيهة في دائرة المعرفيات والفكرانيات الإسلامية . ولهذا لاحظ الباحث إن فيلسوف قرطبة ، وبالتحديد في المقالة الثالثة من تفسير كتاب مابعد الطبيعة ، يقدم خارطة للعلوم وفيها ترجيح لعمل المنهج العقلاني . فقد بدأت الخارطة بموضوع الحكمة . ومن الكلام المعاد القول إن العقل هو المنهج الذي يتفرد لوحده في العمل في مباني الحكمة المتنوعة . وهذا الأمر نلحظه في الضبط الرشدي لمعنى الحكمة . فقد ذهب موضحاً مضمارها بقوله : إنها ” أي علم من العلوم ينبغي أن يسمى حكمة ” .

   ويبدو لنا إن هذا مفهوماً رشدياً خاصاً إنطلق منه إلى رحاب مفهوم أكثر شمولية وفيه ضم للخاص في صيغة جامعة . وفعلاً فإن المفهوم الشمولي جاء تحت إصطلاح ما أسماه إبن رشد ” الحكمة العالية المتقدمة ” . والحقيقة إن الإفادات الرشدية بذلت جهداً واضحاً من أجل صياغة تعريف للحكمة بمعناها الشمولي . ومن الملفت للنظر إن هذه الصيغة قد ترددت في النظر إلى الحكمة بين كونها ” علم العلوم ” أو ” علم الصورة الأولى أو الغاية الأولى ” والذي يقترب من ” الميتافيزيقا ” بحيث يحمل القارئ إلى التفكير في إمكانية أن تكون الحكمة في الضبط الرشدي ، ما هي إلا ” ميتافيزيقا العلوم والمعرفيات ” وهو مضمار معرفي يبحث في أسس العلوم وقد تناول هذا المبحث الفيلسوف الإسطاغيري فعلاً في كتابه الأصل الميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة .

  وإن العودة إلى الإفادات الرشدية مطلب ضروري ، وذلك للوقوف عن قرب على مفهوم الحكمة عند فيلسوف قرطبة . فالحكمة هي ” علم علة التمام والخير ” . والقارئ يلحظ إن كلمة الخير التي وردت في العبارة تتسع لتشمل علم الأخلاق والقيم ومجمل العلم الإنساني ، والذي فيه إمكانية للدخول تحت خيمة ” علم العلوم ” .  وبالإشتراط الرشدي فإن الحكمة تمتلك القدرة على جعل ” بقية العلوم معترفة لها ” (المصدر السابق ، ص 185) . ومن جهة الضبط الرشدي لمفهوم الحكمة تحت إطار ” ميتافيزيقا العلوم ” يقول ” إن هناك ” علماً واحداً يسمى حكمة وهو الذي يختص بالنظر في الصورة الأولى والغاية الأولى ” (المصدر السابق ، ص 192) .

علوم الرأي والمنهج العقلاني

  كما سجلت المعرفيات والعلوم حضوراً في الإفادات الرشدية التي دشنت مضماراً علمياً فلسفياً جديداً في دائرة الثقافة والفكر الإسلاميين . وهو مضمار ” علوم الرأي ” أو ” الفلسفة الرائية ” والتي كانت إصطلاحاً بديلاً عن التسمية المتداولة ، وهي ” علوم نظرية ” أو ” الفلسفة النظرية ” مقابل ” العلوم العملية ” أو ” الفلسفة العملية ” (المصدر السابق ، ص 710) .

  و ” علوم الرأي ” أو ” الفلسفة الرائية ” هي إصطلاحات دالة على إنها من إنتاج العقل والمنهج العقلاني . ولهذا عمل فيلسوف قرطبة على إعادة إنتاج العلوم إنطلاقاً من العقل المتولد للرأي والفلسفة الرائية . وهكذا كانت ” الفلسفة التعليمية ” و ” الفلسفة الطبيعية ” و ” الفلسفة الالاهية ” (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 710 – 712 وكلمة الالاهية هكذا رسمها إبن رشد وبالطبع تعني الإلهية) هي فلسفات متحصلة عن طريق العقل والمنهج العقلاني ، وهي بالإصطلاح الرشدي ماهي إلا ” فلسفة رأي ” و ” علم رأي ” .

مثابرة عقلانية في صياغة الأساس الفلسفي للعلوم

  تنقلت الإفادات الرشدية النازعة إلى صياغة الأساس الفلسفي للعلوم والمعرفيات ، بين الأساس الإنطولوجي (الوجودي) و الأبستمولوجي (المعرفي) و البيداغوجي (التربوي/ التعليمي) . ومن الملاحظ على هذه الأسس ، إنها تداخلت بعضها مع البعض الأخر في نصوص فيلسوف قرطبة . والحقيقة هذا تقليد لا يخص إبن رشد وحده ، وإنما تقليد يطوي كل نصوص الفلاسفة الإسلاميين .

  إعتمد صاحب كتاب ” تفسير ما بعد الطبيعة ” في الترجيح بين العلوم والمعرفيات على الموضوع الذي إنتخبته هذه العلوم والمعرفيات مادة لبحثها . وهو بالطبع مقطع من مقاطع الوجود ، وإن الحديث الفلسفي عنه ، نصطلح عليه بالإساس الإنطولوجي . وهو المضمار الذي على أساسه تتمايز وتتخلاف مباني العلوم المتنوعة . وهو في الوقت ذاته المحفز على تصميم آليات المنهج المناسب لدراسة هذا المقطع من الوجود . فمثلاً إن ما يميز ” العلم الإلهي ” عن ” العلم الطبيعي ” هو كون موضوع الأول ” جوهر غير متحرك ” مقابل موضوع العلم الطبيعي الذي في حقيقته ” جوهر متحرك ” . وإنطلاقاً من هذا الموضوع تتشكل مباني العلوم والمعرفيات ، وبالطبع على اساس الأسلوب الأبستمولوجي (المعرفي) الذي تختاره لدراسة هذا الموضوع .

   وهذا الأسلوب الأبستمولوجي قد يكون الحس أو العقل أو الإثنين معاً . وفي لحظة إنتخاب الأسلوب تبدأ عملية تكوين المفاهيم أو إحضارها لتشكيل الخطاب اللغوي ، الذي يستعين به العالم في وصف الظاهرة / الشئ / العلاقات بينهما أو يتوسل به الفيلسوف في الحديث الفلسفي عن الظاهرة الطبيعية . وعن هذا الطريق تتكون مباني هذا العلم أو ذاك (والحديث الفلسفي عن هذا الأساس) . وهذا الجانب يشكل الأساس الأبستمولوجي (المعرفي) للعلوم والمعرفيات .

  ولنعود إلى مضمار الإفادات الرشدية نتعرف على الدلالات التي حملتها في تشكيل أساس إنطولوجي وإبستمولوجي وبيداغوجي لتكوين بنية العلوم والمعرفيات . فمثلاً في إفادة بين إن الموضوع الذي يبحث فيه ” علم ما بعد الطبيعة ” أو ” الفلسفة الأولى ” هو ” جوهر غير متحرك ” مقابل موضوع ” العلم الطبيعي ” الذي هو ” جوهر متحرك ” ، وإن الموضوع الأول هو الذي تبحث فيه ” الفلسفة الأولى الكلية ” ويفصل أكثر شارحاً طبيعة هذا الحقل الفوق – طبيعي ، فهذا الموضوع هو ” الجوهر الموجود ” والذي يختلف عن موضوع العلم الطبيعي ، وذلك من حيث إن الأول ” موجود أول ” وإن علم ما بعد الطبيعة هو ” علم هذا الجوهر ”  وهو ” العلم الكلي والفلسفة الأولى ” (المصدر السابق / المقالة الخامسة / ص 714) .

   أما الرياضيات (التعاليم) فهي حقل معرفي يختلف من جهة الموضوع عن العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة . وإن كانت هناك أرضية مشتركة بين علوم التعاليم ومابعد الطبيعة ، وهو إنها تبحث في موضوعات أسمتها إفادات فيلسوف قرطبة ” الجواهر المفارقة ” (المصدر السابق / المقالة الرابعة / ص 318) . وهذا يتأتى من إن موضوع الرياضيات وما بعد الطبيعة ، هو موضوع مجرد ، ليست له علاقة بموضوع العلم الطبيعي اللهم إلا من جهة إستخدامه للرياضيات وإعتماده على فرووض علم ما بعد الطبيعة . أو إنطلاق علم ما بعد الطبيعة من العلم الطبيعي قاعاً ، ومن ثم صعوداً إلى الطوابق العليا ، حيث عالم السماء وما يرتبط به .

  ومن الملفت للنظر إن الإفادات الرشدية قد ميزت بين نوعين من التعاليم ؛ التعاليم البحتة والتي أسمتها ” جزء أول ” والتي تشمل ” العدد مثلاً والهندسة ” (المصدر السابق) . والتعاليم العملية أو التطبيقية والتي عبرت عنها بإصطلاح مركب ” أجزاء ثوان ” وهي نوع من الرياضيات تستخدمها العلوم الأخرى . وفصل فيها إبن رشد فقال : هي ” أجزاء ثوان مثل المناظر والموسيقى ” (المصدر السابق) . ولهذا إلتفت الإفادات الرشدية إلى الفارق بين التعاليم البحتة والتعاليم العملية ، فذهبت موضحة بالمثال ، فرأت إن الباحث في موضوع التعاليم البحتة ، هو ” الناظر في الجواهر المفارقة (اي المجردة العالية) ” . وإن العامل في مضمار الأجزاء الثوان (التعاليم التطبيقية) هو ” الناظر في الجوهر المحسوس ” (المصدر السابق) .

  كما وكشفت الإفادات الرشدية عن الإختلاف في النظر إلى العلوم والمعرفيات من زاوية الأسس . فمثلاً عندما ننظر إليها من زاوية الأساس الإنطولوجي ، فأن ترتيب العلوم والمعرفيات يكون مختلفاً عما إذا نظرنا إليها من زاوية نظر أبستمولوجية أو زاوية نظر بيداغوجية . فمثلاً موضوع علم مابعد الطبيعة سيكون ” الأول في الوجود ” ولكنه ليس ” الأول في التعليم ” كما ليس ” الأول في المعرفة ” .

   أما من زاوية الأساس الأبستمولوجي ، فإن ” علم ما بعد الطبيعة ” يأتي في نهاية المطاف ، وذلك لأن المعرفة تبدأ مع ” الجوهر المحسوس ” الذي يطلق عليه  ” إسم الطبيعة ” . في حين إن علم ” ما بعد الطبيعة ” ينظر حسب رأي فيلسوف قرطبة ” في الجوهر المفارق ” . وهذا الجوهر هو ” أخر في المعرفة أول في الوجود ” ، ولذلك ” سمي ما بعد الطبيعة أي بعد النظر في الجوهر المحسوس الذي هو الطبيعة ” (المصدر السابق) .

حدود المنهج العقلاني وترجيح مكانة ” العلم الشريف ”

   والبداية أسئلة من مثل : ما الربح الذي كسبه فيلسوف قرطبة على صعيد منهجه العقلاني عندما رجح علماً من العلوم وصعده إلى مصاف ” العلم الشريف ” الوحيد ؟ وهل فعلاً قال فيلسوف قرطبة بعلم واحد هو العلم الشريف ؟ أم إن الإفادات الرشدية تحدثت عن علوم شريفة متنوعة ؟ وقبل كل ذلك ومدخلاً للإجابة نثير السؤال المفتاح : ما المفهوم الرشدي للعلم الشريف أو للعلوم الشريفة ؟ ونحسب إنها أسئلة مشروعة تسعى إلى حساب الربح الذي حصده قلم إبن رشد لمصلحة المنهج العقلاني الذي إنتخبه مساراً في الحياة والتفكير والعبادة والمعرفة والحكم والفتوى .

  ونظن إن الطريق الذي إختاره إبن رشد فيه نوع من الدوران في تقرير العلم الشريف . وفيه ضميمة متخفية تسعى إلى تحفيز العقل الإنساني إلى الدخول إلى المناطق التي جعلتها بعض الفكرانيات الكلامية مناطق محرمة على العقل الإنساني من العمل فيها . ولعل الحاصل من ذلك حصاد رشدي وفير لصالح منهجه العقلاني وعلى صعيد الجبهتين ؛ جبهة العلم الشريف ، وجبهة تحفيز العقل للعمل في مناطق العلم الإلهي .

  ولنعود إلى مضمار الإفادات الرشدية ، ونستهلها بمفهوم فيلسوف قرطبة للعلم الشريف ، فهو العلم الذي يكون بالضرورة ” العلم الشريف للجنس الشريف ” (المصدر السابق / المقالة الخامسة ، ص 712) . ونشعر إن الضبط الرشدي لهذا العلم ، يحوله إلى نوع من الفكرانية العلمية ولمجمل العلوم والمعرفيات . وإن هذه الفكرانية العلمية هي التي تزود العلوم والمعرفيات بموجهات تقودها وتهديها في العمل . ومن هنا تنتقل ” شرفية الفكرانية ” إلى العلوم والمعرفيات . وبالطبع العلم الذي يولد الفكرانية العلمية ، هو ” العلم الالاهي (الإلهي) ” (المصدر السابق) . ومن هذه الرتبة التي يحتلها ” يؤثر على جميع العلوم التي بالرأي ” . ولما كانت حسب رأي إبن رشد إن العلوم ” كلها شريفة ” ، غير إن ” العلم بالالاه (بالإله) هو أشرفها “وذلك من جهة إن ” موضوعه أشرف من جميع الموضوعات ” (المصدر السابق ).

  ويكشف فيلسوف قرطبة طبيعة العلم الإلهي ، وعلاقته بالعلوم والمعرفيات ، وهي متابعة للفيلسوف الإسطاغيري الذي ربط بين الميتافيزيقا والعلوم . ولاحظنا هنا إن ذهنية إبن رشد تتمتع بنوع من الشمولية والإستيعاب لدقائق تاريخ الفكر العربي الإسلامي . فمثلاً رأى إن العلم الإلهي ” هو جنس علوم الحق ” وإنه ” جزء من الفلسفة النظرية ” (المصدر السابق / المقالة الأولى ، ص 13) .

  ومن ثم ذكر الإصطلاح المتداول في دائرة الثقافة الإسلامية والذي هو مرادف معبر عن هذه الفكرانية العلمية ، وهو إصطلاح الميتافيزيقا أو ” ما بعد الطبيعة ” والذي بدوره يقابل فكرانية شائعة في الوسط الفكر الإسلامي يومذاك . فيقول إبن رشد : وهذا العلم يسمى ” عندنا علم الكلام ” (المصدر السابق ، ص 44) . إذن هناك فكرانيتان ؛ فكرانية فلسفية وفكرانية كلامية .

المنهج العقلاني والعلاقة بين علم المنطق وعلم التعاليم (الرياضيات)

  تكشف الإفادات الرشدية عن علاقة حميمة بين علم المنطق وعلم التعاليم . بل ونلحظ إنها تتسع لكل العلوم والمعرفيات ، مما يولد فرصة لدفع المنهج العقلاني ليعمل من خلال هذه العلاقة في كل مناطق المعرفيات والعلوم والفكروالثقافة والعقائد . ولعل نقطة الإنطلاق هو بيان معرفي رشدي ، فيه كشف للعلاقة بين علم المنطق وعلم التعاليم . والحقيقة إن العلاقة قائمة في بنية كل منهما ، فإن البرهان المنطقي يتطلع على الدوام لإيجاد تطبيقات لبراهينه ، فيتوجه صوب الرياضيات ويتمثل بها أو يعرض قوانينه المنطقية بأمثلة من الرياضيات . وإن التعاليم في واقع الأمر هي عبارة عن تطبيقات رياضية لعلم المنطق . وفي ضوء هذا الفهم للعلاقة الحميمة بينهما ، بين إبن رشد في إفاداته بأن ” عدم التأدب بصناعة المنطق ” هي السبب المحرك للجمهور على المطالبة من كل علم ومعرفة أن تعرض قضاياها على صورة ” أقاويل برهانية ” شبيهة ” ببراهين علوم التعاليم ” ( المصدر السابق ، ص 46) .

 وقدمت إفادة رشدية مهمة ، إبن رشد باحث في تاريخ علم المنطق ، فأشار إلى إن المعلم الأول ” أرسطو ” هو الذي أطلق على المنطق إصطلاح ” علم الأدب ” ومن خلال قراءتنا لكتب أرسطو المنطقية ، والبحث في جوانبها المتنوعة (ولمدة أربعة عقود) . يمكننا القول إن فيلسوف قرطبة قد تفرد بنسبة هذا الإصطلاح إلى المعلم الأول .

  كما وتحدثت الإفادات الرشدية عن الطبيعة المزدوجة لعلم المنطق ، فهناك ما يمكن تسميته بعلم المنطق ، وهو بالمفهوم الرشدي صناعة ” عامة لجميع العلوم ” وهو مضمارعام مطبوع بالشمول . وهناك ما يمكن الإصطلاح عليه ” المنطق الخاص لكل علم ” (المصدر السابق ، ص 48) وهو يرادف إصطلاح ” منطق العلم ” . والأمثلة كثيرة في مضمار العلوم ، مثل ” منطق الحساب ” و ” منطق الهندسة ” و ” منطق الفيزياء ” وهكذا .. وهذه الإلتفاتة الرشدية لها أهميتها البالغة في تاريخ العلوم عامة وتاريخ المنطق خاصة .

  ومن ثم نظر إلى هذين النوعين من المنطق من زاوية بيداغوجية ، فقام بترسيم معالم برنامج تعليمي لمواد علم المنطق ، ومن خلال الإنموذجين المقترحين . فمثلاً وجدناه يدعو المتعلم إلى الإلمام بعلم المنطق ، إذا رغب أن يكون ” أديباً في تعلم كل صناعة ” . ومن المعلوم إن تعريف الأديب ، هو أن يلم بطرف من كل شئ . ولذلك مطلوب منه ، أن يتعلم من هذه الصناعة (أي المنطق) ؛ ” العام منها والخاص ” .

 ولحسم هذا الموقف عاد إبن رشد إلى المعلم الأول في علم المنطق ، يستعين بإفاداته وذلك لتحويل هذه القضية إلى حقيقة معرفية لا شك فيها . فأفاد قائلاً : ” جرت عادة أرسطو إن جعل العام منها في علم المنطق ” و ” الخاص علم علم ” (المصدر السابق / المقالة السابعة ، ص 749) .

  ونختتم هذا المضمار بتقديم ضبط رشدي للتمييز الذي أقامه بين مفهوم ” علم المنطق ” وذلك بإعتباره صناعة تستعمل كعلم آخر ، أي علم مستقل قائم بذاته . وبين ما إصطلاحنا عليه بالمنطق ، وذلك من حيث إنه ” آلة وقانون تستعمل في غيرها ” (المصدر السابق) .

المنهج العقلاني والمعرفيات والعلوم الممكنة

  يلاحظ القارئ للإفادات الرشدية التي تناولت المعرفيات والعلوم في كتاب ” تفسير ما بعد الطبيعة ” ، إنها إقترحت قائمة جديدة من العلوم على القوائم المتداولة . ونحسب إن في هذه العلوم الممكنة ، إمكانية عالية لتقوية سلطة المنهج العقلاني الذي ثابر فيلسوف قرطبة إلى توطينه في دائرة الثقافة العربية الإسلامية . ومن ثم تطلع إلى الترويج له في ساحة معرفيات الجمهور .

  وهنا تكمن القوة التي حملتها قائمة العلوم الممكنة . فمثلاً إن إفاداته قد ذكرت ” صناعة المناظر (البصريات) ” ، وهي في التقليد المعرفي المتداول مضمار من العلوم الطبيعية . وإن إدراجه علماً ممكناً من قبل فيلسوف قرطبة ، لم يأتي من هذا الطرف . وإنما جاء من طرف كونه متعلق بصناعة الهندسة (المصدر السابق) . ومعلوم إن الهندسة فرع من من علوم التعاليم (الرياضيات) ، والذي يتكون مبناه المعرفي من مفاهيم عقلية محضة ، وقواعد رياضية مستبطنة لقواعد المنطق وصرامة قوانينه ، ويقينية براهينه .

  ومن العلوم التي جاء ذكرها في قائمة العلوم الممكنة ” صناعة الموسيقى ” . وهذا في الواقع موقف رشدي فيه خروج على الموقف الإسلامي العام ، والذي يقف من الموسيقى موقف المتنكر ، وفي أحسن الأحوال المتحفظ . وهنا نلحظ إن فيلسوف قرطبة قد إنحاز إلى الموقف الفلسفي ، الذي عبر عنه معظم الفلاسفة من أمثال ”  الكندي ” و  ” الفارابي ” و ” الرازي ” و ” إبن سينا ” و ” إخوان الصفا ” … والقائمة طويلة . وفي هذا الإنحياز الرشدي نتلمس لحظة الإنتصار إلى البعد الذوقي والجمالي للمنهج العقلاني ، الذي جاء تلبية لحاجة أفرزها التطور الحضاري .

  إن إمكانية ” صناعة الموسيقى ” جاءت حسب المسوغ الرشدي ، بسبب إنها مرتبطة بصناعة العدد ( المصدر السابق / المقالة المرسومة بالألف الكبرى ، ص 201) . والواقع إن الموسيقى في التقليد المعرفي ، هي فرع من علوم التعاليم . إلا إنها عند فيلسوف قرطبة ، صناعة تستخدم العلم الرياضي (العدد) في صناعة الأنغام . وهنا نتحسس صدى فيثاغوري ، ربما هبط إلى إبن رشد من خلال مصادر الإفلاطونية المحدثة أو الفيثاغورية الجديدة . أو ربما من خلال جمهورية إفلاطون التي وضع لها فيلسوف قرطبة شرحاً أو الأدق تفسيراً .

  كما وضمت القائمة الرشدية ، ” علم النجوم ” أو ” علم أفلاك النجوم ” ، وذلك بإعتباره علماً ممكناً . وإن سبب الإضافة جاءت لكونه ” من علوم التعاليم ” (المصدر السابق ، ص ص 207 – 208) . وفي هذا إتفاق بين إبن رشد والتقليد المعرفي المتداول يومذاك .

تعقيب ختامي

  ما هي الدروس التي يمكن إستنباطها من حضور العلوم والمعرفيات ، على حدود وسلطة المنهج العقلاني الذي إختطه فيلسوف قرطبة ؟ إنها الدروس الآتية :

أولاً – درسُ في تواصل العقل الرشدي مع الخط العقلاني المغربي . فقد دلل هذا البحث على تواصل عقل فيلسوف قرطبة مع الخط العقلاني ، الذي نما سلطته الفلاسفة المغاربة . والذين تقدموا على إبن رشد في المثابرة المعرفية والعلمية ، وخصوصاً في عملية التأمل والتدوين .

  كما وأثبتت الشواهد على إنه إلتقى معهم في المفاصل العامة للمشجرات والخرائط التي إقترحوها للمعرفيات والعلوم . وبالتحديد في تداول إصطلاح ” الصناعات ” و ” العلوم ” كمرادفات الواحد للأخر . وكذلك في تبني التقليد المعرفي الفلسفي اليوناني المنقول إليهم من فلاسفة المشرق . وهو التقليد الذي ينهض على تقسيم العلوم أو الصناعات إلى نظرية وعملية . مع حضور لبعض المفاصل العامة للصناعة النظرية والعملية ، والتي هبطت إلى المشارقة من مصادر منتحلة على الأغلب ، وأصيلة كانت غير متوافرة دائماً . ومن المفيد الإشارة إلى إن إختلافاً قد ظهر عند بعض من فلاسفة المغرب ، وبالطبع في الإفادات الرشدية فيما يخص بعض الرؤوس المعرفية . وعلى الأغلب في فروع النظري والعملي من الصناعات .

  ومن الملاحظ إن ذلك حدث في قوائم العلوم الممكنة والعلوم الباطلة . مما يدلل على إن هذا الإختلاف سواء في علوم الإمكان أو علوم الإبطال ، كان له الأثر في عملية تحفيز العقل (أو على العكس الحد من مثابرته ولجمه) من العمل في مناطق محددة ، أو السعي إلى تحريره ، وحثه على الإشتغال في مناطق جديدة .

  لقد دلل هذا الدرس ، وبالشواهد على إن فيلسوف قرطبة قد إستوعب كل ذلك التراث الفلسفي في العلوم والمعرفيات . وإستفاد منه ، عبر عملية حوار نقدي ، قل فيه فعل الإستحواذ والتبني ، خصوصاً في تشكيل المباني الفلسفية للعلوم والمعرفيات . وهذه شهادة تعكس حدود وسلطة منهجه العقلاني ، وإيمانه بأن هذه العلوم تمتلك من طرفها ، الطاقات التي تسهم في تقوية سلطة المنهج العقلاني ، ودفعه إلى الخروج من حدوده ، ومن ثم العمل في مناطق حرمتها بعض الفكرانيات الكلامية ، وإعتبرتها مناطقاً غير مسموح للعقل من الدخول إليها .

ثانياً – درسُ في الحوار بين العقل الرشدي والفكرانيات الكلامية وخصوصاً المعاندة للفلسفة وعلم المنطق (وبالطبع للفلاسفة والمناطقة) . فقد عرف فيلسوف قرطبة المحنة والإمتحان الذي عانته علوم الحكمة على وجه العموم في الفترة القريبة من عصره . والتي كان فيها رجال أحياء يتحركون بكل ما توافر لهم من فرص لمحاربة الدرس الفلسفي والمنطقي ، وتحريك الجمهور ضد الفلسسفة والفلاسفة ، ومن ثم دفع السلطة إلى حرق كتب الفلسفة والمنطق ، ومعاقبة من يعلمهما علانية وسراً .

   في وسط هذه الأجواء كتب فيلسوف قرطبة كتابه الشهير ” فصل المقال ” ودافع فيه عن الفلسفة والمنطق ، وبين من خلال العودة إلى المدرك الديني ، والإستدلال بآيات عدة ، بأن الفلسفة هي ” الأُخت الرضيعة ” للشريعة . وفي الوقت ذاته تحرك من جرف الفلسفة ، ساعياً إلى إنجاز مشروع تغليب لمنهجه العقلاني ، وتمكينه من العمل في مناطق معرفية وعلمية محسوبة لصالح علوم الشريعة . وهذا المشروع تمثل في إدخال ” علوم التعاليم (الرياضيات) ” إلى بنية علمي ” أصول الفقه والفقه ” . إنه درس رشدي في تنشيط العقل ليعمل على كل الجبهات ؛ جبهة علوم الحكمة وجبهة علوم الشريعة .

  كما نزع إبن رشد ومن خلال الإفادات التي كتبها في مضمار المعرفيات والعلوم ، إلى تأسيس ملامح حقل مهم من حقول المعرفة ، بمكن الإصطلاح عليه بالبعد الإجتماعي للمعرفة . فقد لاحظ الباحث إن فيلسوف قرطبة قد نظر إلى العلوم والمعرفيات من خلال منازل الناس الإجتماعية ، فجعل لكل منزلة إجتماعية نوعاً من العلوم والمعرفيات أو الأدق منهجاً من المناهج التي تستخدمها هذه العلوم والمعرفيات . وهذه المناهج تبدأ من أدنى منزلة ، ومن ثم صعوداً إلى أعلى المراتب الإجتماعية . وهي على الترتيب الآتي : ” الخطابة ، و الجدل ، والبرهان ” . إن المتأمل في إفاداته يلحظ إن إبن رشد قد إنتصر إلى المنهج العقلاني الذي كان يسعى إلى تعزيز مكانته في دائرة الثقافة العربية الإسلامية ، وذلك من خلال إنحيازه إلى المنطق البرهاني .  

ثالثاً – درسُ فيه كشف عن الحق و الحقيقة في مثابرة الإمام الغزالي ، الذي وضع الفلسفة والفلاسفة في محنة وإمتحان لم تجد بعدها أجواء العافية ، حيث تتمكن من إنتاج بنيات معرفية وعلمية في ظروف من الحرية والتسامح . إن هذا الدرس الرشدي بين إن الغزالي في مثابرته لم يعتمد على المنطق ، كما هو أعلن ، في هدم الفلسفة ، وإنما إستند إلى فكرانية كلامية وحيدة (الأشعرية متسلحة بالجدل وحجج الشكاك) في التشويش على الفلسفة والفلاسفة* . كما وإنه لم يسلك طريق النقد العلمي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إذن مشروع الغزالي مشروع تشويش على الفلسفة والفلاسفة وليس نقض لها ولهم ، والتشويش فكراني بالطبع وليس له علاقة بالمنطق المشائي السُبة التي كان يرميها الإمام الغزالي خطأً على الفلاسفة المسلمين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموضوعي القائم على عرض أراء الفلاسفة . وإنما كان على الأغلب الأعم يعتمد على مواقف ” إبن سينا ” ، وهي مواقف تتفرد بمذاقها الفلسفي الخاص ، الذي لا يعبر عن مواقف الفلاسفة الإسلاميين على وجه الأعم* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* يبدو إن الفكرانية الأشعرية لعبت أوراقها مرتين في إختيار الغزالي فلسفة إبن سينا عينة لفعل التشويش . أولاً إعتقاد غزالي الخاطئ بإن فلسفة إبن سينا ما هي إلا فلسفة مشائية . ولذلك هاجم الغزالي ما أسماه الفلسفة المشائية الإسلامية . وبينا في بحثنا المعنون ” كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية ” بأن فلسفة المشارقة من الكندي وحتى إبن سينا ومروراً بالفارابي وإخوان الصفا لم تكن فلسفة مشائية . وإنما هي على الأقل عند الفارابي وإبن سينا وإخوان الصفا فلسفة فيضية إفلوطينية أو إفلاطونية محدثة ولعل واحداً من مصادرها (تساعيات المؤسس إفلوطين ” والتي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان منتحل ، هو أثولوجيا أرسطو) ، قد لعب دوراً فاعلاً في مباني هذه العينة من الفلاسفة المشرقيين والذين يتهمهم الغزالي بالمشائيين . ثانياً إعتقاد غزالي بأن إبن سينا ينتمي إلى فكرانية باطنية (فكتب التاريخ وإبن سينا يروي أطراف من حكاية إنه كان يستمع للأحاديث التي تجري في بيتهم بين مجموعة من الباطنيين وذلك من طرف والده وأخيه الكبير .. ومن طرف أُستاذه أبو عبدالله النائلي ..) ولعل هذه هي ضميمة الغزالي في مهاجمة الفلسفة والفلاسفة من خلال عينة إبن سينا . وإذا صح ذلك فأن المعاندة لم تجري مع الفلسفة والفلاسفة ، وإنما حدثت بين فكرانيتين ؛ فكرانية أشعرية وفكرانية باطنية ذات ريحة إسماعيلية .. يضاف إلى كل ذلك إن إبن سينا عمل تحت حماية السامانيين المحبين للمباحث العقلية ومنها الفلسفة والمنطق ، وهم أصحاب فكرانية مخالفة لفكرانية السلاجقة الكارهين للفلسفة والفلاسفة ، والذين عمل الإمام الغزالي لهم ونفذ رغبتهم في التشويش على الفلسفة والفلاسفة ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ولذلك نلحظ إن الغزالي بدلاً من الإعتماد على المنطق كما أعلن ، فإنه توجه إلى الجمهور الذي لا يعرف جوهر المعاندة الغزالية للفلاسفة ، ويفتقد إلى شروط الحوار ، يحثه ويحرك غضبه ضد الفلاسفة وتحت شعار ” من تمنطق تزندق ” . ومن خلال الجمهور ضغط على السلطة ، والتي كانت هي في الحقيقة مستعدة ، وهي التي كلفت الغزالي رسمياً بمعاندة الفلسفة والفلاسفة ، وجاء مقاصد الفلاسفة ، وتهافت الفلاسفة إستجابة للتكليف السلجوقي الرسمي . إذن هو مشروع تعاون ضد الفلسفة والفلاسفة ، خططت له السلطة السلجوقية وقاده ونفذه الأمام الغزالي في التشويش على الفلسفة والفلاسفة وبإستخذام الجدل وليس المنطق كما زعم وشوش الجمهور . والحقيقة كانت فرصة تاريخية بيد الغزالي لو فعلاً نقد الفلسفة بإستخدام المنطق الأرسطي المشائي في نقدها . لكن ضاعت فرصة النقد وتحولت إلى منازلة فكرانية تلاحق أشباح فكرانية مقابلة وحسب .

  حقيقة إن ما تميز به الدرس الرشدي ، إنه بين بأن الفلاسفة في بعض المواقف كانوا يجانبون الحق ويجانبون الحقيقة . وإن الإمام الغزالي ومثابرته كان فيها أطراف من الحق والحقيقة . وذلك لأن الموقف الفلسفي قد هوى في معاقل الفكرانية التي لم تعتمد طريق البرهان في عرض القضية الفلسفية ، وخصوصاً في مضمار العلم الإلهي . إلا إنه كشف في الوقت ذاته عن إبتعاد فهم الغزالي أشوطاً بعيدة عن القضايا الفلسفية (ولعل السبب إن وقت الإمام لم يكن كاف حتى يلم بالقضايا الفلسفية المتنوعة والتكليف السياسي صدر وينبغي الإسراع وإنجاز فعل التشويش) وإن الغزالي إستخدم الجدل وحجج الشكاك مهجاً في التشويش وأسماه منطقاً . ولذلك كان فيلسوف قرطبة يعود إلى المرجعيات الفلسفية ليعرض القضية في حدود الضبط المرجعي الدقيق لها . وإلى البرهان المنطقي لبين إن منهج الغزالي في الهدم لا علاقة له كما زعم بالمنطق وهذه هي ضميمة الغزالي الكبرى . وكشف إبن رشد من خلال قوائم العلوم الممكنة ، إمكانية تحفيز العقل والمنهج العقلاني للعمل في مناطق جديدة ، كما إنه ، ومن خلال قوائم العلوم الباطلة ، والتي في بعضها سلطة تحد من حركة العقل ، يكون قد رفع عن طريق العقل بعض العقبات المعرفية التي فيها تعطيل لعمله .

  أما بعض العلوم التي وقف إبن رشد منها متردداً بين الإبطال والتشكيك في إمكانية قيامها ، من مثل ” علم الكيمياء ” ، فإنها كشفت عن حدود المنهج العقلاني الرشدي المحكوم بوضع فيلسوف قرطبة الإقتصادي والإجتماعي ، وعلاقته المهمة بالمؤسسة السلطانية . مما جعل كل ذلك أن يكون منهجه العقلاني سجين الواقع ، ولم يتمكن من إختراق هدا الشرط ، ويعترف بإمكانية قيام علم الكيمياء . إن هذا الدرس الرشدي المستند إلى العلوم والمعرفيات في بيان الحق والحقيقة ، جاء في الإفادات التي كتبها إبن رشد في كتابه تهافت التهافت ، وهو بالطبع رد على كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة .

رابعاً – درسُ في الحوار بين المعرفي والفكراني ، بين الخطاب العقلي والخطاب العقيدي . إن هذا الدرس جاء في كتاب إبن رشد ” تفسير ما بعد الطبيعة ” . صحيح إن نص ما بعد الطبيعة للمعلم الأول . إلا إن التفسير الذي وضعه فيلسوف قرطبة ، يكشف عن مسعى جديد في دائرة الثقافة العربية الإسلامية . مسعى ينزع إلى إنشاء العلم الإلهي بالإعتماد على المثابرة الإنسانية ، التي تستند إلى العقل والمنهج العقلاني .

  ونحسب إن غرض إبن رشد في هذا المشروع ، هو مجابهة الفكرانية الكلامية (الأشعرية) التي حرمت على العقل من دخول مناطق العلم الإلهي . لأنها إعتقدت بأن العقل غير مؤهل للخوض في قضايا هذا المضمار . كما إن فيلسوف قرطبة في الوقت ذاته رغب في إنشاء فكرانية علمية (ميتافيزيقا علمية) تمد العلوم والمعرفيات بموجهات تعمل على أساسها في تكوين مناهجها ومبانيها المعرفية . وفي الحالتين ربح محسوب لصالح العقل والمنهج العقلاني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

حضور المنطق في الخطاب الرشدي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   كشف حضور المنطق في الإفادات التي كتبها يراع ” إبن رشد ” ، عن لحظة الوعي العقلي الإسلامي ، النازع أولاً إلى معالجة مختلف القضايا الفكرية والأحداث الإجتماعية وما تولد منها من مواقف فكرانية ومعرفية وعلمية ومنهجية.. ودراستها من زاوية المنهج العقلاني الذي يتطلع إلى المنطق البرهاني ، وما يوحي إليه من يقينية عالية . كما كشف عن توافر عين العقل الذي يراقب الواقع وما تعمل فيه من متغيرات حضارية ، وما تقام فيه من جسور مع المؤسسة السلطانية . وحدد حجم الجهود المبذولة من قبل خصوم الفلسفة والمنطق ، ورصد دورهم في تحريك عاطفة الجمهور ، ورفع درجة غضبه زوراً وبهتاناً على العقل والمنهج العقلاني . وذلك للضغط على السلطة والسلطان ، ومن ثم توفير قناعة فكرانية على إن الفلسفة والمنطق ، ما هما إلا نوع من ” الهرطقة ” وبالتأكيد يترتب على ذلك إن الفلاسفة والمناطقة ، ما هم إلا ” هراطقة العصر ” . إن كل ذلك لعب دوراً للتمهيد لإصدار ” فتاوي تحريم على تعليم الفلسفة والمنطق ” ، ومن ثم ” حرق كتب الفلاسفة والمناطقة ” وملاحقة الفلاسفة والمناطقة ، وسجنهم ونفيهم والتنكيل بهم . ولعل حال فيلسوف قرطبة شاهد تاريخي صارخ . فقد سجن الرجل مع اللصوص والمجرمين . وإن موته الدرامي القريب من  ” صور الشهادة ” ، ومن ثم تهريب جثمانه حالة تُذكر الإنسانية بواحدة من جرائم أعداء الفلسفة والمنطق والمنهج العقلاني .

  في البدء لابد من الإشارة إلى إنه أمام هذه المحنة والإمتحان الذي حل بالفلسفة والمنطق ، والتي طالت حتى كتب ” نقد الفلسفة والفلاسفة ” من مثل كتب الإمام الغزالي ، وفي مناطق مختلفة من بلاد المغرب والأندلس . نقول وقف فيلسوف قرطبة ، وبحماية لفترة من الزمن من المؤسسة السلطانية ، يدرس الفلسفة والمنطق ، ويكتب أهم كتبه التي تدافع عن المنهج العقلاني المؤسس على المنطق البرهاني . وبرهن على إن المنهج العقلاني ممكن أن يعمل في مضمار الفكرانيات الإسلامية . وفعلاً في مثابرة جديرة بالإحترام ، سعى بمحاولة ناجزة إلى إيجاد تطبيقات للمنطق البرهاني في مناطق من علوم الشريعة . مما كان لكل هذه الجهود الرشدية من الأثر في رد الإعتبار لمكانة الفلسفة والمنطق في دائرة العلوم والمعرفيات العربية الإسلامية .

  لقد لعب المنطق دوراً حيوياً في تبديد ” الغموض والبلبلة والتشويش ” ، وهي التهم التي كانت تثار بحق الفلسفة من المتعلم الفكراني والجاهل التابع . ومن خلال ذلك عمل فيلسوف قرطبة بكل جهد إيجابي على تكوين لغة فنية للفلسفة ولعينة من العلوم والمعرفيات الإسلامية ممثلة بعلم الفقه (أوعلى الأقل نشرهذه اللغة الفنية والترويج لها من خلال المنطق) . إن كل ذلك يدلل على إن إبن رشد قد تحمل المسؤلية ، وجاهد بصدق على توسيع فاعلية العقل والمنهج العقلاني ، وحثهما على العمل في مناطق فكرية ومعرفية كانت المرحلة التاريخية والحضارية بأمس الحاجة إليها . وفعلاً إن فيلسوف قرطبة كان على درجة عالية من الوعي ليكتشف حاجة المرحلة التاريخية والحضارية . ولذلك إستجاب دون تردد وخوف ، ولبى منهجياً ومعرفياً تلك الحاجة ، ودفع بالعقل للإشتغال في مناطق علم الفقه . ونحسب إن الثمن الذي سيدفعه فيلسوف قرطبة ، لحظة الحساب على هذه المثابرة العقلانية ، سيكون باهضاً جداً ، يساوي حياته برمتها . ولكن هذا هو قدر الرموز الكبيرة التي تتخلى عن الزائل وتربح الخلود .

  إن هذا المبحث يسعى إلى بيان نقاط القوة في الخطاب الرشدي ، وذلك من خلال الكشف عن حجم حضور المنطق البرهاني في بنيته عامة ، وفي مباني علم الفقه خاصة . ولهذا نحسب إن مهمة هذا المبحث ، هي تقديم شهادات دالة على حجم حضور المنطق في بنية الخطاب الذي كتبه يراع فيلسوف قرطبة . وبيان نقاط اللقاء بين إبن رشد والمثابرات العقلانية المنطقية التي نشأت في الدار المعرفية الإسلامية قبله . ومن ثم إلقاء الضوء على المشروع العقلاني الرشدي ومن خلال العلاقة بين الفلسفة والمنطق ، ومن خلال التخطيط الذي إقترحه لإنشاء المباني المنطقية لعلم الفقه . وأخيراً الكشف عن طبيعة مشروعه العقلاني النازع إلى مزج المنطق بالعلوم الإسلامية .

رصيد المثابرة العقلانية المنطقية قبل إبن رشد

  يتكون رصيد المثابرة العقلانية المنطقية قبل إبن رشد ، من محاولات فكرية ومعرفية ومنهجية ، وصيغ لغوية وقواعد بنائية متنوعة ، تصعدُ بداياتها إلى حضارات شتى ، أسهمت كل واحدة منها بطرف أو أكثر ، إلى أن وصلت هذه الأطراف المعرفية إلى دائرة الثقافة اليونانية . ومن ثم إستلمها العقل اليوناني ، ونظروتأمل فيها من زوايا جديدة كونتها ظروفه الحضارية ، وطبيعة عقائده وملاحمه ، والنمو الإقتصادي الذي أدى إلى تقسيم العمل لأول مرة بشكل واضح إلى ” عمل نظري ” تمارسه نخبة قليلة من المجتمع اليوناني بحكم سيطرتها على الموارد الإقتصادية ، وتتمتع بفراغ كبير . و ” عمل يدوي ” تمارسه الكثرة والتي كانت على الأغلب من أجناس لا تنتمي إلى الجنس اليوناني . وكانت الحصيلة ، هو إنتاج نمط من التفكير المجرد العال ، الذي عُرف ” بالفلسفة ” . وفي داخل بنية القضايا الفلسفية* ، بدأت تنمو بذور نوع من التفكير المنطقي ، وبعد رحلة إمتدت حوالي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وبالطبع القضايا العلمية المتنوعة لأنه في هذه الفترة لا يوجد حد فاصل بين ما هو علمي وما هو فلسفي . وإنما كانت الفلسفة هي العلم ، والعلم هو الفلسفة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ثلاثة قرون أعلن هذا التفكير عن نفسه ولادة علم سيصطلح  عليه ” بعلم المنطق ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الوافد المنطقي اليوناني / الشركة العالمية للكتاب ، بيروت) .

  والحقيقة إن الإنسان الذي عاش في المنطقة العربية ، قد مارس التفكير بإعتباره حواراً داخلياً بين الذات (عقل الإنسان) والموضوع (العالم الخارجي مثلاً) منذ فترة تاريخية تصعد إلى النقطة التي تتحدد كمنطلق لوجود الإنسان العربي . وعن طريق ممارسة التفكير توصل إلى تدشين أنواع أولية من أساليب وطرق البحث ، منها عملية إستفاد منها في حياته اليومية . ومنها عقلية (فكرية) تمكن بواسطتها من صياغة تفسير لظاهرة أو فهم حركة شئ سواء على صعيد الطبيعة أو الحياة الإجتماعية .

  ومن هذه الأساليب صور من التفكير الإستنتاجي البسيط ، والتي يعوزها الدقة ، وتفتقر إلى الإستدلالية ، وترتبط بشكل قوي بالواقع والظواهر الحسية ، مما كان حالها يقلل من أهمية الفكر الإستنتاجي ، ويضعف من دوره . ومن ثم تعمقت هذه الأساليب ، ونضجت صور من الفكر المنطقي ، والتي أخذت أبعادها الحقيقية في معارف وعلوم جديدة عمل فيها العقل العربي ، خصوصاً بعد إنفتاحه على إطروحات العقل الفلسفي اليوناني بطرفيه الهيلينية والهيلينستية  .

    وهنا أّذكر بإن البعد الجغرافي للمنطقة العربية قد إحتلتها عساكر الإسكندر الكبير ، وأسست فيها مدن ومستعمرات ، وأنشأت مدارس فلسفية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والجزيرة وبالطبع مصر وليبيا والمغرب . خصوصاً في الشرق العربي فقد قامت إلإمبراطورية السلوقية التي بدأت من بابل (والفلسفة ومدارسها اليونانية التقليدية وجدت لها فروعاً في مدن الشرق العربي ولعل واحدة من أشهر المدارس الفلسفية المدرسة الرواقية البابلية التي تخرج منها ديوجانس البابلي الدي سيصبح رئيس المدرسة الرواقية الأثينية وله طلاب سيذكرهم التاريخ فلاسفة مرموقين .. أنظر مثلاً : ديوجانس لارتيوس : حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الذي يتألف من عشرة كتب يبدأ الحكماء السبعة وينتهي بالفيلسوف أبيقور . للإطلاع : محمد جلوب الفرحان : ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية أ منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ربيع 2011) .

  وكان من بين الموضوعات التي إنشغل بها ووقف عندها طويلاً ، موضوعة من موضوعات العقل اليوناني ، وهي موضوعة علم المنطق (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الأصالة المنطقية العربية / الشركة العالمية للكتاب ، بيروت) وهذه الموضوعة قد عبرت إلى العقل العربي من خلال مصادر غير مباشرة ، ونقصد مصادر الإفلاطونية المحدثة ، ومن ثم بترجمات يونانية مباشرة لمؤلفات أرسطو المؤسس الروحي لعلم المنطق وعلى هذا الأساس يطلق عليه إصطلاح المعلم الأول.

   لقد تبلور علم المنطق ، موضوعاً ومنهجاً قبل أرسطو بردح من الزمن . فمن الملاحظ إن ملامح تحديده ظهرت تباشيرها في فلسفة هيرقليطس (544 – 484 ق.م)

(إنظر : فيليب ويلرايت : هيراقليطس ، ترجمة عبده الراجحي ، منشور في كتاب : هيراقليطس فيلسوف التغير ، ط1 ، دار المعارف بمصر 1969 ، ص 25 ، وأنظر شروح النصوص التي وردت فيها لفظة اللوغوس (القانوني واللغوي) ، ص ص 27 – 32) . وفي إطروحات المدرسة الإيلية بركنيها الفلسفيين ؛ بارمنيدس (515 – ؟ ق.م) وبالتحديد في قانوني الذاتية وعدم التناقض (أنظر : محمد جلوب الفرحان : تحليل أرسطو للعلم البرهاني (سالة ماجستيرنوقشت عام 1976) ونشرتها وزارة الثقافة والإعلم العراقية 1983 ، ص 19) و زينون الإيلي (490 – 430 ق.م) وبالتحديد في إستخدامه للبرهان غير المباشر في إنكار الكثرة والحركة (المصدر السابق) . ومن ثم ظهرت له تحديدات في التعريفات التي تقدم بصياغتها سقراط (469 – 399 ق.م) (أنظر : أرسطو ؛ الميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة / النشرة الإنكليزية لأعمال أرسطو ترجمة ديفيد رص ، أكسفورد 1955 ، المجلد 6 ، الفقرات 987 ب 1 – 4) . وفي منهج إفلاطون (427 – 347 ق. م) بطريقيه الصاعد والنازل (أنظر : إفلاطون ؛ الجمهورية / النشرة الإنكليزية لمحاورات إفلاطون ، ترجمة بنجامين  جويت ، نيويورك 1937 ، الفقرة 510 ب) .

  لقد مهدت كل هذه الجهود إلى المعلم أرسطو الإسطاغيري (384 – 322 ق.م )  إلى أن يتقدم خطوة إلى الأمام ، ويضع المنطق في موقعه التاريخي الصحيح ، علماً له موضوعه الخاص به ، وله طريقته التي تتجاوب مع طبيعة هذا الموضوع (أنظر : أرسطو ؛ التحليلات الأولية ، النشرة الإنكليزية لأعمال أرسطو ، المجلد الأول ، الفقرة 24 أ 10 – 11) . فقد كتب أرسطو ولأول مرة في تاريخ الإنسانية مجموعة مؤلفات متخصصة في علم المنطق ، ودارت موضوعاتها حول المنطق موضوعاَ ومنهجاً ، مشكلات وتطبيقات . وكان هذا المنطق الذي صاغه هو منطق حدود (أنظر : ياسين خليل ؛ نظرية أرسطو المنطقية ، بغداد 1964 ، وهو المنطق الذي يحلل القضية إلى حدودها الأولية مثل الموضوع والمحمول والعلاقة المنطقية) .

  ظهرت بعد ذلك مدرستان فلسفيتان ، كان لهما من الآثر في تطوير البحث المنطقي ، وبإتجاهات تختلف عن المسار الذي وضع فيه أرسطو علم المنطق :

الأولى – المدرسة الأبيقورية  نسبة إلى مؤسسها الفيلسوف اليوناني أبيقور (341 – 270 ق.م) والذي أسس مدرسته قبل قيام المدرسة الرواقية بسنة أو سنتين (أفرد مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس الكتاب العاشر من موسوعته التاريخية : حياة وأراء مشاهير الفلاسفة : محمد جلوب الفرحان : ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية (مصدر سابق) ، وكذلك أنظر : ستيس ، تاريخ نقدي للفلسفة اليونانية (بالإنكليزية) ، لندن 1969 ، ص 354) .

  ولعل من المهم في إسهامات هذه المدرسة ، هي المكانة التي أولتها للمنطق بين علوم الفلسفة الأخرى . فقد منحت المنطق الرتبة الأولى في خارطة ومشجرات علوم الفلسفة . فهو يتقدم على جميع هذه العلوم . وإصطلح عليه أبيقور إصطلاح ” العلم القانوني ” . وهذه التسمية ستتردد في أكثر من نص منطقي عربي إسلامي (للإستشهاد على هذه الموقف المنطقي ما عمله إبن سينا ، ولبيان ذلك أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دراسة في المشروع المنطقي للغة عند إبن سينا / مجلة الباحث / بيروت 1981 ، العدد 19 ، ص 89) .

  ويرى أبيقور إن العلم القانوني ، هو العلم الذي يهتم بالإدراك الحسي ، وهو معيار الصدق (أنظر : أدورد زيلر ؛ موجز لتاريخ الفلسفة اليونانية (بالألمانية) ، ترجمه إلى الإنكيزية بليمر ، نيويورك 1958 ، ص 225) . وهنا ألفت الأنظار إلى أهمية هذا التوجه في المنطق والذي يختلف عن التوجه الأرسطي (للإستشهاد على المواقف المنطقية الإسلامية المُرجحة للتوجه الأبيقوري على التوجه الأرسطي ، راجع مثلاً : إبن تيمية ؛ كتاب الرد على المنطقيين ، بمباي 1947 ، ص 6 وما بعد) . وهذا الحال يحملنا على القول دون تردد إن العقل الإسلامي كان قارئً بمستوى عال للمواقف المنطقية الأرسطية والأبيقورية . وإن إنحياز بعض المواقف نحو الإستقراء جاء خلال ترجيح الموقف الأبيقوري على الموقف الأرسطي .

  ونحسب إنه من النافع الإشارة إلى إن العلم القانوني عند الأبيقورية يختلف عن المنطق الرواقي الذي يهتم بتحليل القضايا وأشكال الحجج (أنظر : أي . أرمسترونك ؛ مدخل إلى الفلسفة القديمة (بالإنكليزية) ، لندن 1955 ، ص ص 132 – 133) .  وهنا نتفق مع يوسف كرم حين علق على مساهمة أبيقور ، فذهب إلى إن إشتغاله (أي أبيقور) بالمنطق لا يدلل على إن الرجل كان معنياً بالمنطق العلمي . وإنما كان همه موجهاً إلى نقد المعرفة و النظر فيما أسماه بعلامات الحقيقة (أنظر : يوسف كرم ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية ، بيروت بلا تاريخ ، ص 215) .

الثانية – المدرسة الرواقية والتي أسسها الفيلسوف زينون الأكتومي (342 – 261 ق .م) . (للتفاصيل عن الرواقية ومؤسسها وفلاسفتها ، أنظر : ديوجانس لارتيوس : حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمه من اليونانية إلى الإنكليزية روبرت هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 ، الكتاب السابع . وأنظر بحثنا ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية (مصدرسابق)) . وهذه المدرسة توجهت في البحث المنطقي إتجاهاً مختلفاً عما هو في كتب أرسطو المنطقية . فقد إهتمت بنوع جديد من المنطق هو منطق القضايا (إنظر للتفاصيل : إم . بوخنسكي ؛ المنطق الصوري القديم (بالإنكليزية) ، مستردام 1957 ، ص 57) . ومنطق القضايا يرى إن مبنى القضية غير قابل للإنقسام ، وإن الإستنتاج لا يعتمد على العلاقات المنطقية بين حدود القضية . وإنما يعتمد على العلاقات المنطقية بين القضايا .

   ولعل من النافع أن نبين مكانة المنطق في مشجر العلوم الفلسفية الذي تقدمت به الرواقية . فمن الملاحظ إن علوم الفلسفة إتخذت الترتيب الآتي : ” المنطق والفيزياء والأخلاق ” (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 120) . فالمنطق يتقدم العلوم ، وهو بمنطارهم يشمل نظرية المعرفة (المصدر السابق) . ومن المحتمل أن تكون الرواقية هي أول مدرسة فلسفية يونانية ، إستعملت إصطلاح المنطق (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 230) . ومن ثم جعلته جزءً حقيقياً من الفلسفة ، وعلى خلاف أرسطو الذي عده ُ أداة للفكر ، وفن تمهيدي (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 120) .

  إضافة إلى إن الرواقية أدخلت إلى المنطق نظرية خاصة بهم  في أصل المعرفة ونظرية في الصدق (أنظر : ستيس ؛ المصدر السابق ، ص 345) . وإن المنطق الرواقي فيه إستقرائية واضحة . ولعل ذلك يعود إلى إنه ينهض على موقف إنطولوجي يرددُ : إن العالم مؤلف ” من ظواهر مرتبطة بعضها ببعض ، لا كالمنطق الأرسطوطالي القائم على إرتباط الماهيات ، وهو يشبه منطق الأطباء والمنجمين ، الذين يستدلون على الأمراض أو الطوالع بعلاماتها ” (يوسف كرم ؛ المصدر السابق ، ص226) .

   كما إن المخالفة الرواقية للتوجه المنطقي الأرسطي ، إنها فرعت المنطق إلى الخطابة والديالكتيك (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 120) . والحقيقة إن الرواقية بهذا التوجه المنطقي ، قد شكلت حضوراً قوياً في نزعات منطقية عدة ، كانت ممثلة في مشروع الإقلاع الفلسفي المعرفي العربي الإسلامي .

  جاءت بعد ذلك محاولة متأثرة بالأسس المنطقية التي صاغها أرسطو الإسطاغيري ، كشفت فيها عن تطبيق منطقي على علم الهندسة ، تمثلت بجهود إقليدس (300 ق.م) والتي وضعها في كتابه الأصول ، وبوحي الأثر المنطقي الأرسطي (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس / مجلة آداب الرافدين / العدد (9) سنة 1978 ، ص 128 وما بعد) . ومن ثم كتب فرفريوس الصوري (ولد حوالي 232م) مؤلفه المنطقي الشهير ، والمعنون الإيساغوجي ، الذي ترك أثراً بالغ الأهمية في الأبحاث المنطقية العربية الإسلامية (للإطلاع على حياة واراء فرفريوس الصوري عامة وأثر الإيساغوجي على المنطق الإسلامي ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري اللبناني مِؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / ربيع 2011) .

  وكان لإنتقال الفكر المنطقي بطرفيه الهيليني والهيلينستي (والرياضي المتأثر بالمنطق) إلى دائرة الثقافة العربية ، الأثر الفعال على مختلف الحقول العلمية والفكرية * ، والذي أسهم كذلك في تنضيج خط الفكر الإستنتاجي العربي ، والتي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ولابد من الإشارة إلى إن هناك نوعاً من الإستنتاج (وهو صورة من صور المنطق) قد تطورت عند العرب في الفترات السابقة على دخول المنطق اليوناني، ومن ثم تعمق هذا الخط الإستنتاجي بدخول المنطق . وهذا ما سنتكلم عنه في البناء المنطقي لعلم الفقه ، لأنه مرتبط به أشد إرتباط .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وضعت ركائزه الأولى في فترة بعيدة قبل الإسلام . ثم تعمقت بدوافعه (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور الإسلام في تطوير الفكر العربي / مجلة العلوم الإجتماعية / جامعة الكويت 1981)  . نقول كان لإنتقال الفكر المنطقي أثر فعال على دائرة الثقافة العربية ، حتى أصبح المنطق عموداً أساساً من أعمدة الفكر العربي .

  ولهذا لاحظ الباحث ، إن هناك ثلاثة مواقف في تاريخ الفكر العربي ، قد أستلهمت الموضوعات التي درسها علم المنطق ، وتبنت الطرائق التي يستخدمها . وهذه المواقف هي :

الأول – إن قارئ أوراق تاريخ الفكر العربي ، يجد ببساطة ، جملة جهود فكرية مُتابعة ، كانت في حقيقتها إمتداد وإستمرار لمناقشة الموضوعات المنطقية ، التي سبق إن عالجها العقل اليوناني بطرفيه الهيليني والهيلينستي .

الثاني – مجموعة إسهامات إختارت في عملها العلمي ، عينة جديدة من الموضوعات ، لم يسبق إن عولجت بالنهج الذي إنتخبته هذه الإسهامات ، ومن وجهة النظر الفكرية التي إنطلقت منها في معالجة هذه الموضوعات .

الثالث – جملة جهود إستفادت من طرائق المنطق في دراسة قضايا فلسفية عدة ، ومن هذا الطرف ظهر أثر المنطق واضحاً على مبانيها الفلسفية .

  وللإستدلال اللتاريخي والعلمي على هذه المواقف ، نشير إلى إن الكندي (185 – 256 هجرية) ، وهو الرائد في تاريخ الفلسفة العربية ، قد إستوعب الفكر المنطقي الأرسطي المنقول إليه بروح إفلاطونية محدثة (مثلاً نظرية الحدود) والفكر الرياضي الإقليدي . والشاهد على ذلك إستخداماته لهذا الفكر المنطقي والرياضي في مبانيه الفلسفية الموسوعية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ حول ريادة الكندي للفكر الفلسفي العربي / مجلة المستقبل ، يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت – لبنان 1984) .

  ومن ثم إنفرد الفارابي (259 – 339 هجرية) بالتحليل المنطقي للغة . والشاهد على ذلك كتابه الحروف ، وكتابه المعنون المعنون الألفاظ المستعملة في المنطق ، والفصل الذي أودعه كتابه إحصاء العلوم (أنظر : 1 – محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد الفارابي في البحث المنطقي / مجلة دراسات عربية ، بيروت 1984 . 2 – محمد جلوب الفرحان ؛ الدرس المنطقي عند الفارابي / المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، جامعة الكويت 1984) .

  وبحث إخوان الصفا (ظهروا في القرن الرابع الهجري) في جوانب مختلفة من علم المنطق . إلا إنهم أجادوا في نظرتهم الثنائية إلى المنطق ؛ المنطق اللفظي (اللغوي) والمنطق الفكري ، والتي جاءت مبثوثة في أجزاء من رسائلهم الفلسفية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المنطق اللفظي والمنطق الفكري / مجلة الباحث ، بيروت 1992) . و كذلك فعل إبن سينا (370 – 428 هجرية) خصوصاً في تحليلاته للغة من زاوية منطقية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دراسة في المشروع المنطقي للغة عن إبن سينا / مجلة الباحث ، بيروت 1981 / العدد 19) ونظرية التعريف (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ نظرية التعريف عند إبن سينا / المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، جامعة الكويت 1987) .

  أما الإمام الغزالي (450 – 505 هجرية) فبالإضافة إلى إنه يلتقي مع ما يقرره أرسطو ، والكندي ، والفارابي وإبن سينا بخصوص النظرية المنطقية (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الطريقة البديهية عند الغزالي / مجلة آداب الرافدين / تصدرها كلية الآداب – جامعة الموصل سنة 1979 / العدد 11) ، فإنه إنفرد في بنائه البديهي ، وهو البناء الذي ظهرت فيه بعض الإختلافات عن الطريقة البديهية الأرسطية ، خصوصاً في عدد بديهيات النسق المنطقي . 

  وفي مذهبنا المعرفي (الأبستمولوجي) ، ننظر إلى التراث الفلسفي عامة من زاوية علمية بحتة ، وذلك من أجل الكشف عن أثر المنطق على الأنساق الفلسفية والعلمية التي أنتجها العقل العربي يومذاك . وهذا يأتي من النظر إلى إن أي نسق فلسفي (من هذه الأنساق الفلسفية) كان عينة فلسفية متوافرة بيد الباحث ، تمكنه من معرفة منظور الفيلسوف الشامل ؛ وما حمله من إتجاهات متنوعة ، وأنواع العلوم التي إستلهمها ، قليلاً أو كثيراً ، لحظة تكوينه لنسقه الفلسفي .

  ونحسب إنه من خلال التحليل والكشف عن التكوين الداخلي لأي نسق فلسفي ضمه التراث ، إن أسسه قد صيغت بأثر منطقي . وهذا دلل على إن هذا الأثر المنطقي بارز في كل طبقة من طوابق النسق الفلسفي ، وفي كل جملة فلسفية تكون منها المبنى الفلسفي عامة . ولعل الشاهد على ذلك كتابات ونصوص كانت متداولة في البيئة الثقافية والتعليمية التي نشأ فيها إبن رشد . فمثلاً نلحظ في كتابات إبن حزم الأندلسي (384 – 256) (أنظر: 1 – محمد جلوب الفرحان ؛ حول ثقافة إبن حزم المنطقية (أثر كتاب الإيساغوجي لفرفريوس الصوري) / مجلة دراسات الأجيال (مجلة أكاديمية محكمة) ، بغداد 1986 . 2 – محمد جلوب الفرحان ؛ تطبيقات إبن حزم المنطقية على العقائد الإسلامية / مجلة دراسات عربية ، بيروت 1986) .

  كما ويأتي حضور المنطق جلياً في كتابات إبن باجة (500 – 550 هجرية) الفلسفية ، والذي يُرجح إنه أول من دشن طور التأليف الفلسفي في ديار الغرب الثقافية في الأندلس (أنظر ؛ محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الفلسفي التربوي عند إبن باجة / مجلة دراسات عربية ، بيروت 1987) . ومن ثم ظهر التفكير المنطقي في الرواية الفلسفية حي إبن يقظان التي كتبها الفيلسوف إبن طفيل (المتوفى سنة 571 هجرية) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب التربوي الإسلامي / الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 / الفصل الحادي عشر والمعنون ” القصة التربوية عند إبن طفيل “) .

  كل هذا يدلل على إن الخطاب الفلسفي والمعرفي العربي الإسلامي ، قد إستند إلى علم المنطق أما في مسعاه إلى تقوية المنهج العقلي ، الذي كان يكافح الفيلسوف ورجل المعرفيات إلى تعزيز مكانته في دائرة الثقافة العربية الإسلامية . وهذا كان هدفاً قريباً ، ومن ثم نشر المنهج العقلي ليكون منهج التفكير لعموم الجمهور والمجتمه . وهذا هدف بعيد كان يتطلع الفيلسوف إلى إنجازه بكل السبل ، وإستثمار كل الفرص . أو في الإعتماد على علم المنطق في صياغة أنساقه الفلسفية والعلمية ، وتقديمها بصورة أكثر تماسكاً وقوة . وفي هذا ربح معرفي بما يجعل المنطق حاضر على الدوام في كل نشاطات وفعاليات الفيلسوف الثقافية والمعرفية ، وكذلك حاضر في تقديم حلول للمشكرت التي يواجهها الفيلسوف ورجل المعرفيات .

  وإذا كان هذا هو حال علم المنطق وحجم حضوره في المثابرة الفلسفية والمعرفي  التي أنتجها الفلاسفة قبل إبن رشد . فالسؤال الذي يثار هنا : ما حجم حضور المنطق في المنهج العقلاني الرشدي ؟ وما حجم حضور المنطق في الخطاب الفلسفي والمعرفي عامة والفقهي خاصة الذي أصدرته الذات الرشدية ؟ إن هذا سنتناوله في المحاور اللاحقة .

المشروع العقلاني الرشدي والعلاقة بين علم المنطق والفلسفة

  أن أول ما يلاحظه الباحث للإفادات الرشدية التي أودعها إين رشد كتابه تهافت التهافت ، إنها كونت مشروعاً فلسفياً نقدياً مشهوداً له في تاريخ النقد الفلسفي العربي الإسلامي . فقد وضع فيلسوف قرطبة مثابرة الإمام الأشعري الغزالي تهافت التهافت ، على طاولة الفحص والتمحيص ، ومن ثم النقد والتقويم . ومن المعلوم إن مثابرة الغزالي زعمت إنها ستقوض الفلسفة الإسلامية المشائية (وهذا خطأ غزالي فهي ؛ أي الفلسفة الإسلامية لم تكن مشائية) وتهدمها بإستخدام المنطق الفلسفي الأرسطي المشائي وهذا زعم غزالي غير صحيح على الإطلاق . والحقيقة إن مثابرة الغزالي كانت برمتها ، عملية تشويش أشعرية على الفلسفة والفلاسفة مستخدمة الجدل منهجاً وأسمته المنطق خطأً ، وذلك تنفيذاً لقرار سلطاني سلوجقي صدر للإمام الغزالي . والإمام أعلن صراحة عن إستعداده للتنفيد ، فكتب في فترة تاريخية غير كافية ، كتابيه الشهيرين : مقاصد الفلاسفة ، وتهافت الفلاسفة ( أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب / وهو بحث يؤرخ لمثابرات التشويش على الفلسف والفلاسفة التي قادها على الأغلب علماء كلام يحملون الفكرانية الأشعرية المعادية للفلسفة والفلاسفة ، ومن ثم تأريخ للفعل أو رد الفعل الثقافي الذي أنجز الفلاسفة ، وفي هذا الإطار فهمنا الجدل بين الطرفين ؛ طرف الفلاسفة وطرف خصومهم من علماء الكلام الأشاعرة / منشور في مجلة دراسات عربية ، بيروت 1986) .

   لقد بدأ إبن رشد في تقويم مثابرة الغزالي ، بإعلان منطقي ، ميز فيه بين ” مراتب الأقاويل ” في كتاب الإمام الغزالي  تهافت الفلاسفة . وهذا يدلل على إن المشروع الرشدي ، كان برمته خطاب عقلاني إعتمد القراءة المنطقية للإفادات الغزالية . وبذلك كشف فيلسوف قرطبة عن نقاط الضعف في المثابرة الغزالية من زاوية علم المنطق التي زعم الغزالي إنه متسلح بها منهجاً في تقويض الفلسفة . ولهذا ميز إبن رشد بين مرتبتين من الأقاويل :

أولاً – ” أقوال في التصديق “

ثانياً – ” أقوال في الإقناع “

   وتتميز الأقوال الأولى بأنها أقوال ملتزمة بقواعد البناء المنطقي ، ولذلك فهي تحتل ” مرتبة اليقين والبرهان ” . بينما هبطت الأقوال الثانية إلى مرتبة أدنى في عمارة الخطاب ، وذلك بسبب هبوطها منازلاً ” عن مرتبة اليقين والبرهان ” (إبن رشد ؛ تهافت التهافت / تحقيق بويج ، ص 3) .

  وفي مسار فيلسوف قرطبة التقويمي للنقاط الرخوة في منهج الإمام الغزالي من زاوية المنطق ، رأى إن المقدمات التي إعتمد عليها الغزالي في التشويش على الفلسفة ، هي في حقيقتها مقدمات جدلية وليست برهانية . ومن المعلوم إن هناك إختلافاً كبيراً بين ” الجدل والبرهان ” ، وذلك لكونهما إسلوبين مختلفين . فهما مختلافان في نزوعهما إلى عرض القضايا ومناقشتها . كما إن النتائج التي تترتب على الجدل أو البرهان ، هي نتائج مختلفة من زاوية قيمها الصدقية ، ودرجة اليقين التي تتطلع عليها . وهنا تكمن ضميمة الغزالي في التشويش لأنها إستخدمت الجدل ، ولم تستخدم البرهان المنطقي كما زعم الغزالي في نقض الفلسفة .

  والحقيقة المنطقية ، هو إن صدق مقدمات البرهان المنطقي ، يعود إلى إنها مقدمات ” جوهرية متناسبة ” . في حين إن مقدمات الجدل أقل صدقية ويقينية ، وذلك يعود إلى إنها ” عامة قريبة من المشتركة ” . وعلى هذا الأساس جاء نقد إبن رشد للغزالي من زاوية المنطق . فأفاد موضحاً ” هذا القول (أي قول الغزالي) هو قول في أعلى مراتب الجدل ، وليس هو واصلاً من موصل البراهين لأن مقدماته هي عامة ، والعامة قريبة المشتركة ، ومقدمات البراهين هي من الأمور الجوهرية المتناسبة ..” (المصدر السابق ، ص 5) .

   وإنطلاقاً من هذه الرؤية المنطقية القائمة على التمييز بين الأقوال الإنموذجية المؤسسة على المنطق ، والأقوال الجدلية التي تفتقر إلى شروط المقدمة البرهانية ، ينتهي إبن رشد إلى إصدار حكم تقويمي لمنهج الغزالي ، والذي يقوم على إنه (أي الغزالي) إعتمد على الإسلوب السفسطائي في تكوين المقدمات التي شوش فيها على الفلاسفة . وذلك من حيث إن صاحب تهافت الفلاسفة حسب النقد الرشدي الملتزم بقواعد المنطق ؛ ” أخذ المسئلة الواحدة بدل المسائل الكثيرة هو موضع مشهور من مواضع السفسطائيين السبعة والغلط في واحد من هذه المبادئ هو سبب لغلط عظيم في أخر الفحص عن الموجودات ” (المصدر السابق ، ص 7) .

   ومن طرف تأكيد صاحب تهافت التهافت على العلاقة الحميمة بين المنطق والفلسفة ، فإنه رد على الغزالي وبين له من إن الفلاسفة إعتمدوا على البرهان ، وهو أعلى المراتب من جهة يقينية مقدماته وصرامة إستدلاليته التي تنتهي إلى نتائج يقينية كذلك . وبالتحديد رد على الغزالي في قضية ” وجود فاعل بالقوة ” . وهذا الأمر يأتي حسب الإفادات الرشدية من جهة ” إنه يؤدي البرهان إلى وجود فاعل بقوة ليست هي لا إرادية ولا طبيعية ولكن سماها الشرع إرادة كما أدى البرهان إلى أشياء هي متوسطة بين أشياء متوسطة يظن بها بادئ الرأي إنها متقابلة وليست متقابلة مثل قولنا موجود لا داخل العالم ولا خارجه ” (المصدر السابق ، ص 10) .

  وكشف إبن رشد بالمقابل إن الإمام الغزالي لم يلتزم بقواعد المنطق وشروطه ، على الرغم من إنه أعلن في المقاصد بأنه سيلتزم بالمنطق منهجاً في تقويض الفلسفة . الحقيقة إن ما أراد أن يقوله فيلسوف قرطبة هنا ، هو إن الإمام الغزالي لم يفي بوعده المنهجي ، فلم يعتمد على المنطق ، وإنما إستند بديلاً عنه ، إلى ” الجدل والمغالطة أو السفسطائية ” حسب ما سماها الخطاب النقدي الرشدي ، والذي أفاد قائلاً : ” وهذا بين غاية البيان إلا عند من ينكر إحدى المقدمات التي وضعنا قبل . لكن أبو حامد (أي الغزالي) أنتقل من هذا الباب إلى مثال وضعي فشوش به هذا الجواب عن الفلاسفة ” (المصدر السابق ، ص 11) .

  ونظر فيلسوف قرطبة في الإطروحة الغزالية التي عاند فيها الإمام الفلاسفة ، فبين من زاوية الإسناد المنطقي ، هو إن الأقاويل (القضايا) التي تداولها الغزالي ، هي ” الأقاويل الركيكة الإقناع ” (المصدر السابق ، ص 13) . هذا طرف من العمل النقدي الذي أنشئه إبن رشد . أما الطرف الأخر فقد إعتمد في كتابته على نظرية القياس المنطقية ، وبالتحديد على ” المعارف الأولية ” أو ما يمكن الإصطلاح عليه من زاوية الإصطلاحات المنطقية ” البديهيات ” أو ” المصادرات ” . ومن الشواهد الرشدية الدالة على ذلك إفادته القائلة : ” فلا يخلو أن يدعي معرفة ذلك أما بقياس وجب عليه أن يأتي به ولا قياس هناك . وإن إدعى إن ذلك مدرك بمعرفة أولى وجب أن يعترف به جميع الناس خصومهم ، وهذا ليس بصحيح لأنه ليس من شرط المعروف بنفسه أن يعترف به جميع الناس لأن ذلك ليس أكثر من كونه مشهور . كما إنه ليس يلزم فيما كان مشهوراً أن يكون معروفاً “* (المصدر السابق ، ص ص 13 – 14) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هذا النقد الرشدي للإمام الغزالي ، نقد في روح الفهم الغزالي لبديهيات النسق المنطقي . ونود أن نشير هنا إلى إن قراءة إبن رشد لكتابي الغزالي مقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة ، دللت على كونها قراءة عميقة ، فهي تشهد على التمحيص الدقيق في منطقيات المقاصد على وجه التحديد ، ومتابعة لحضورها في التهافت . والحقيقة إن المسألة التي يدور حولها رد إبن رشد ونقده للغزالي تتركز في أن مؤسس المنطق أرسطو الأسطاغيري سلم بصدق أربعة بديهيات منطقية ، وإن صدقها يأتي من كونها أولية ولا تحتاج إلى برهان . أما الأمام الغزالي فحاول إقامة البرهان على بديهتين من البديهيات الأربعة وبذلك إختصر البديهيات المنطقية إلى بديهيتين . أنظر للتفاصيل في مثابرة الغزالي ؛ محمد جلوب الفرحان ؛ الطريقة البديهية عند الغزالي (مصدر سابق) . وبالمناسبة فقد نشرنا هذا البحث قبل ثلاث وثلاثين سنة مضت ، وهو يُعد فتحاً على مستوى ثقافة الغزالي المنطقية ، وعلى مستوى الطريق البديهية في تاريخ المنطق .

  وهنا نجد من اللازم أن نقول كلمة بحق الموقفين ؛ الرشدي والغزالي . فالأول أي إبن رشد كان على حق فيما ذهب إليه في نقد الإمام في البرهنة على البديهيات ، وذلك لكونه كان ملتزماً بوجهة نظر أرسطو المنطقية ، التي ترى ” إن بديهيات المنطق ، هي بديهيات لا تحتاج إلى البرهان لكونها أولية وبسيطة ” . ولكن ما قام به الأمام الغزالي وهو البرهنة على إثنين من البديهيات الأربعة ، وردهما إلى البديهيتين المنطقيتين الأوليتين ، هو إنجاز غزالي كبير . ولهذا السبب حاولنا قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن أن نقرأ مثابرة الغزالي من زاوية المنطق البديهي أو المذهب البديهي في المنطق . والحقيقة إن ما قام به الغزالي سيتكرر مع هندسة إقليدس ، فإن الشكوك حول واحدة من بديهياته الهندسية قادت العلماء إلى إقامة البرهان عليها ، وكان الحاصل نشوء نوع من الهندسات اللاإقليدية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ أثر منطق أرسطو على هندسة إقليدس (مصدر سابق) وهو بحث كتبناه قبل ثلاثة  . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ونلاحظ إن النظر الرشدي في القضية الغزالية التي تدور حول ” تعدد العلم والمعلوم ” وإتحادهما في ” حق البارئ سبحانه ” قد إعتمد في فحصها على المنطق ، وبالتحديد على البرهان والمعرفة اليقنية التي هي بالطبع نقطة إنطلاق البرهان المنطقي . وهذا النهج النقدي الرشدي أو قل التقويمي ، فيه إعتراف وقبول بدرجات ما بمثابرة الغزالي . وفيه في الوقت ذاته نقد تقويمي لموقف الأصحاب من الفلاسفة ، والذين بحثوا في هذه القضية .

  ومن الملفت للنظر إن إبن رشد منح درجات من الحق لمختلف الجبهات . وكان ميزانه بالطبع المنطق ، ولذلك بين ما هو حق في بضاعة الإمام الغزالي ، وما هو مُشكل في الإطروحة الفلسفية الفارابية والسينوية على الأخص . وإن هذا الحال حمل إبن رشد مسؤلية تاريخية وفلسفية ، وهو إنه تحول إلى ناقد ومُقوم للبضاعة الفلسفية , وفعلاً قام بتأشير نقاط الضعف في الموقف الفلسفي . وعين المناطق الرخوة في حجج الفلاسفة ، ومن ثم عمل على تقويم المثابرة الفلسفية برمتها حول هذه القضية (أنظر : إبن رشد المصدر السابق) .

  إنه موقف رشدي نحتفل به ، ونحن بأمس الحاجة إليه على الأقل في دوائرنا الثقافية العربية الإسلامية . فقد إعترف بحقوق الجميع ؛ فلاسفة وخصوم . إنه موقف يوازن بين الإفادة الفلسفية وما حملته من أشياء من الحق ، وبين الرؤية الغزالية وما إنطوت عليه من أشياء أخرى من الحق . إن هذه واحدة من محاسن النهج العقلاني الذي إعتمده إبن رشد ، سواءً على مستوى البحث والتفكير ، أو على صعيد الحكم والموازنة بين الفلاسفة الأصحاب ، وبين نقاد الفلسفة الخصوم . إنه نهج منحاز إلى الحق ومتساند مع الحقيقة من أي شاطئ جاءت ؛ شاطئ الفلاسفة الذين يعمل إبن رشد ويفكر معهم . أو شاطئ النقد الفلسفي الذين شاركهم فيلسوف قرطبة ، وذلك عندما قام بمراجعة نتائج مشروع الغزالي النقدي للفلسفة والفلاسفة .

  حقيقة إنه مضمار معرفي رشدي ، يمكن الإصطلاح عليه ” بفلسفة نقد النقد ” . وهو مضمار معرفي نحن بأمس الحاجة إليه ؛ ففيه إمكانية إستثمار ثقافية تتطلع إلى تنويع دائرة فكرنا المعاصر بزاد معرفي ملون . كما فيها تأكيد على إن الحياة الثقافية الحية المتجددة ، هي القابلة على إيجاد حلول يشترك في صياغتها الجميع لمواجه مآزقها التاريخية . وهي في الوقت نفسه ثقافة تفتح صدرها لمختلف المناهج ، أن تعمل وتتحاور وتختلف … وذلك إيماناً بأن الإختلاف تجدد وتطور ونماء .

  وبعدُ نعود إلى الإفادات الرشدية التي وصفت لنا نهجه في الإحتكام إلى المنطق وقواعده ، ومن ثم شروطه في القضايا التي تنازع حولها الفلاسفة وخصومهم من أصحاب الفكرانيات الكلامية . وكان مسعاه هو تأسيس منطقي لموقف رشدي مُعبر عن ” فلسفة الذات ” وسط الرائج والمتداول من نتاج فلسفي عربي يومذاك . يقول فيلسوف قرطبة : ” وهذا القول إذا قوبل من جنس مقابلة الفاسد بالفاسد وذلك إن كل ما كان معروفاً عرفاناً يقينياً وعاماً في جميع الموجودات فلا يوجد برهان يناقضه ، وكل ما وجد برهان يناقضه ، فإنما كان مظنوناً به ، إنه تعين لا إنه كان في الحقيقة فلذلك إن كان من المعروف بنفسه اليقيني تعدد العلم والمعلوم في الشاهد والغائب ،  فنحن نقطع إنه لا برهان عند الفلاسفة على إتحادهما في حق البارئ سبحانه ” (المصدر السابق ، ص 15) .

ضميمة الغزالي في الإعلان عن إستخدام المنطق منهجاً في التشويش على الفلاسفة

   نحسب إن البداية سؤال مشروع ؛ هل الغزالي فعلاً إستخدم المنطق منهجاً في نقد الفلسفة والتشويش على الفلاسفة ؟  أم إنه كان مجرد إعلان فكراني يخفي ضميمة لا علاقة لها بالمنطق لا من بعيد أو قريب ؟ حقيقة إن من الأسباب التي حملت فيلسوف قرطبة على أن ينحاز إلى المنطق ، ويعتمد عليه في النقد والتقويم ، والموازنة بين ما هو حق في شاطئ الفلاسفة ، وما هو حق في شاطئ الفكرانية الأشعرية عامة ، وممثلها الإمام الغزالي خاصة ، هو إن الغزالي أعلن صراحة إنه سيعتمد المنطق المشائي منهجاً في نقض الفلسفة المشائية . ولذلك كان فيلسوف قرطبة واعياً إلى إن المناجزة مع الغزالي لا جدوى منها إذا ما لم يتم كشف المضموم والضميمة فيها . وفعلاً قام إبن رشد بفحص منهج الإمام الغزالي ، وهو بالتأكيد المنطق المشائي بلغة غزالية ، والذي أسماه معيار العلم . وعن هذه الرؤية الرشدية أفاد موضحاً : ” وهذا وأمثاله إذا وقع فيه الإختلاف فإنما يرجع الأمر فيه إلى إعتباره بالفطرة الفائقة التي لم تنشأ على رأي ولا هوى إذا سيرته بالعلامات والشروط التي فرق بها بين اليقين والمظنون في كتاب المنطق . كما إنه إذا تنازع إثنان في قول ما فقال أحدهما هو موزون وقال الآخر ليس بموزون لم يرجع الحكم فيه إلا إلى الفطرة السالمة التي تدرك الموزون من غير الموزون إلى علم العروض ” (المصدر السابق ، ص ص 15 – 16) .

   كما حمل مشروع إبن رشد النقدي لمثابرة التشويش الغزالية على الفلسفة ، تأكيدات على إنه إعتمد المنطق ، وهو المنهج ذاته الذي زعم الإمام الغزالي إستند إليه . ولهذا كان من أغراض كتاب تهافت التهافت إدارة مواجهة منطقية للتوظيف الغزالي للمنطق في كتابه تهافت الفلاسفة . ونحسب إنه من المفيد أن يقف القارئ على مضمون الإعلان الرشدي في إدارة المواجهة المنطقية مع الإمام الغزالي ، والذي في جوهره تأكيد على إن صاحب كتاب تهافت الفلاسفة لم يستخدم على الإطلاق البراهين المنطقية اليقينية . وهكذا فقد ” تبين لك إنه ليس في الإدلة التي حكاها (أي الغزالي) عن المتكلمين في حدوث العالم كفاية في أن تبلغ مرتبة اليقين ، وإنها ليس تلحق بمراتب البرهان ، ولا الأدلة التي أدخلها وحكاها عن الفلاسفة في هذا الكتاب لاحقة بمراتب البرهان ، وهو الذي قصدنا بيانه في هذا الكتاب (أي كتاب تهافت التهافت) ” (المصدر السابق ، ص 22) .

  ويأتي الإحتجاج الرشدي بالمنطق ، ليبدد كل شك حول القضية التي إختلف فيها كل من الفلاسفة والمتكلمين ، والمعسكر الأول مثلته فلسفة الفارابي عامة وفلسفة إبن سينا على وجه الخصوص . في حين مثلت فكرانية المعقل الثاني ، منظومة الإمام الغزالي الفكرية المستبطنة للإشعرية روحاً ومنهجاً . ولذلك كان البيان الرشدي واضحاً كل الوضوح في الإشارة إلى إن الفلاسفة كانوا ملتزمين بقبول القضية أو رفضها ، إستناداً إلى كونها ضرورية أو غير ضرورية ، من طرف المنطق والتقيُد بشروطه البنائية . في حين كان الطرف الأخر يعلن ويروج بين صفوف الجمهور ، إلى إن منهجه في النقد هو المنطق (أي منطق الفلاسفة) . إلا إنه في الحقيقة لم يأخذ بالمنطق ، وإنما كان منهجه أقرب إلى ” المعاندة الخطبية ” التي تدور في فضاء سفسطائي . ولعل حاصل هذا المنهج الفكراني (اللامنطقي) حسب الفهم الرشدي : ” قول في غاية الركاكة . وحاصله إنه لا ينبغي إن تنكروا فيما هو ضروري عندكم إنه غير ضروري إذ قد تضعون أشياء ممكنة يدعي خصومكم إن إمتناعها معلوم بضرورة العقل أي كما تضعون أشياء ممكنة وخصومكم يرون إنها ممتنعة كذلك تضعون أنتم أشياء ضرورية وخصومكم تدعي إنها ليست ضرورية وليس تقدرون في هذا كله أن تأتوا بفصل بين الدعوتين . وقد تبين في علم المنطق إن مثل هذه هي معاندة خطبية ضعيفة أو سفسطائية ” (المصدر السابق ، ص 26) .

  كما وإعتمد فيلسوف قرطبة على المنطق في فك الإشتباك بين الفلاسفة والغزالي في مفهوم الزمان ، وبالتحديد في إطار الدورات . وجاء ذلك من طرف كون مفهوم ” الزمان مُحدد المقدار ” . وكشف بوضوح بأن مناقشة هذا الموضوع لا ترقى إلى طابق الخطاب المنطقي البرهاني . ولذلك ذهب مناقشاً مفهوم زمان العالم : ” فليس يمكن وجود زمان أكبر منه ولا أصغر كما يقول قوم في مقدار العالم ولذلك أمثال هذه الأقاويل ليست برهانية ” (المصدر السابق ، ص 38) .

  وعلى هذا الأساس فإن مثابرة الغزالي النقدية أو الأدق بالإصطلاح الرشدي التشويشية على الفلسفة والفلاسفة . لا تقدمه رجل منطق ، وإنما تُظهره رجل جدل ، ضل طريقه في الصعود إلى طوابق البرهان . وذلك من حيث إن مناقشة الإمام الغزالي لقضية الزمان قد لاذت بمنهج المتكلمين ، ودارت ظهرها للمنطق (معيار العلم) ووضعته على الهامش . ولهذا وصفها إبن رشد بقوله : ” وظاهر إن أقصى مراتب هذا العناد إنه جدلي لأن البرهان …أدى إلى إثبات صفة بهذا الحال ” (المصدر السابق) .

  لقد ساعد المنطق فيلسوف قرطبة على الكشف عن المضموم في مثابرة الغزالي في التشويش على الفلسفة والفلاسفة . وبين إن هذا لم يجري في حدود المنطق وقواعد البرهان وصرامة القضايا المنطقية . وإنما المضموم في حقيقته مجرد إعلان غزالي بأنه سيعتمد المنطق في عملية النقض والهدم . فكان هذا الإعلان الغزالي مجرد شعار فكراني ، وليس نهج علمي موضوعي ، يقوم على محاكمة الحجج الفلسفية على أساس قواعد المنطق في البناء ، وشروطه البرهانية التي ترجح اليقين الفيصل في صدق أو كذب القضايا المتنازع حولها بين معسكرالفلاسفة وفكرانية الغزالي . ولهذا رأى فيلسوف قرطبة إن المثابرة الغزالية برمتها كانت بعيدة عن المنطق ، وظلت حبيسة مضمار الأقوال الإقناعية والخطبية التي تندرج في أحسن الأحوال في إطار الجدل ، وفي إحيان كثيرة تهبط إلى فضاء السفسطة .

  لقد إحتفل كتاب تهافت التهافت بشواهد كثيرة . فمثلاً بين فيلسوف قرطبة بأن الغزالي في بحثه لمسألة ” إمكان الوجود والعدم ” قد بحثها في إطار من ” الجدل لا من البرهان ” وذلك لأن الأقوال التي تدلولها ،  هي أقوال ” مقنعة ” وهي أقرب إلى الجدل ، وبعيدة بأشواط من ” البرهان ” (المصدر السابق ، ص 54) . والشاهد الأخر جاء في رد إبن رشد على الغزالي في قضية ” علاقة الله بالعالم ” . فقد رأى صاحب تهافت التهافت إن المعالجة الغزالية قد غادرت ساحة المنطق ، وإصطنعت على ما قاله الفلاسفة ، وهبطت عن طابق البرهان ويقينيه . يقول إبن رشد : ” أما مساق القول الذي حكاه (أي الغزالي) عنهم (أي الفلاسفة) فليس ببرهان ، وذلك إن حاصله هو إن الباري سبحانه إن كان متقدماً على العالم فإما أن يكون متقدماً بالسببية لا بالزمان مثل ما تقدم الشخص ظله . وإما أن يكون متقدماً بالزمان مثل تقدم البناء على الحائط ” (المصدر السابق ، ص 64) .

   ومن الشواهد الرشدية التي تكشف عن المضموم في مثابرة الغزالي . وهو في الحقيقة شاهد غيب فيه الإمام المنطق ، وهجره ومن ثم رحل بعيد عنه حيث مرابض السفسطة ، حين ناقش الموقف الفلسفي . وهذا حق رشدي على مثابرة الغزالي نسجله لصالح فيلسوف قرطبة . ولكننا في الوقت نفسه نقيدُ عتابنا على فيلسوف العقل في الإسلوب الذي إنتخبه في الرد على الغزالي . فقد لاحظنا أثناء قراءة الإفادات الرشدية ، إنه أظهر نوعاً من التشنج حمله على التفوه بكلمات أخرجته من فضاءات البحث النقدي الموضوعي . وكنا نتمنى أن يكون فيلسوف قرطبة طبيعياً هادئً ، سمحاً  في إدارة الحوار بالرغم من إننا نعرف بإن الأمام قاد تشويشاً حاداً على الفلسفة والفلاسفة ، وحشد الجمهور ضدها .

   وعلى هذا الأساس نحسب إن عمل إبن رشد يندرج في إطار ” الفعل ورد الفعل “. فمن المعلوم إن الإمام أعاد إنتاج غضب السلاجقة عل الفلسفة والفلاسفة . والإمام فعلاً توتر على الحكمة ومحبي الحكمة ، فكانت الحصيلة مثابرة نقدية متعجلة ، فلم يكن الوقت كاف لها لهضم تفاصيل القضايا الفلسفية والوقوف على جوهر منهجها المنطقي . كما هنا نلحظ إن فيلسوف قرطبة قد أعاد إنتاج التوتر على ” أبي حامد ” ، فكان طرف من إستجابته ، رد فعل مقابل . وكنا نتمنى أن يجري الحوار بين المتكلمين والفلاسفة (وإن كان الحوار جرى بين الغائب والحاضر) في فضاء ثقافي سمح تحكمه أولويات تشترط أن يؤدي الحوار إلى تطوير فكر إسلامي منفتح على الأخر ، ويدفع بالحركة الثقافية العربية برمتها أشواطاً إلى الأمام بدلاً من التراشق من داخل خنادق متسورة بفكرانيات فلسفية وفكرانيات مقابلة ذات طبيعة كلامية أشعرية .

  هذه هي أقدار الجيل الخلف الذي ورث الكثير الكثير من الجيل السلف في كيفية إدارة الحوار . على كل إن الإفادة الرشدية وصفت المثابرة الغزالية بأنها هجرت درب المنطق ، وإتجهت بعيداً نحو شواطئ السفسطة . حقيقة إن الوصف الرشدي تداول كلمات مشحونة بالتوتر والتشنج والغضب . حيث يقول : ” هذا قول مغالطي خبيث ؛ فإنه قد قدم البرهان إن ههنا نوعين من الوجود أحدهما في طبيعة الحركة . وهذا لا ينفك عن الزمان ، والأخر ليس في طبيعة الحركة ، وهذا أزلي وليس يتصف بالزمان ” (المصدر السابق ، ص 66) .

  ومن ثم يؤكد فيلسوف قرطبة في شاهد أخر على إن الإمام الغزالي قد ترك المنطق منذ اللحظة الأولى من إعلانه الفكراني على مناجزة الفلاسفة ، وسعيه إلى تنفيذ التكليف السياسي الذي أسنده إليه السلاجقة ، وهو مُحاصرة الدرس الفلسفي والحجر على الفلاسفة . ولهذا لاحظ إبن رشد إن إنجاز ذلك غير ممكن بالمنطق منهج الفلسفة . ولذلك إتجه أبو حامد صوب المنهج السفسطائي الذي يعتمد المعاندة والمغالطة فقط . والحقيقة إن السفسطة لها منطقها الخاص ، وهو ليس المنطق البرهاني . ويبدو إن الإمام ترك قلمه يشتغل تحت عنوان المنطق . وهو بالتأكيد نوع مختلف عن المنطق البرهاني الذي هو طريق الفلاسفة . ولهذا ركز فيلسوف قرطبة على كشف للمضموم في البضاعة النقدية الغزالية ، وفي أخطر جانب فيها ، وهو المنهج . ولهذا دلل الشاهد الرشدي على إن منهج الإمام الغزالي كان المعاندة وليس البرهان . يقول إبن رشد : ” وهذا كله ليس يبين ههنا ببرهان وإنما الذي يتبين ههنا إن المعاندة غير صحيحة ” (المصدر السابق) .

  ونلحظ في شاهد أخر ، إن فيلسوف قرطبة يستند إلى دائرة المنطق ، ويغلب مرجعيته في مناقشة قضية ” إمكانية وجود عالم أخر غير هذا العالم ” . وللقارئ نقول إنه في هذه القضية وقع الإختلاف كذلك بين الطرفين ؛ طرف الفلاسفة والمتكلمين . ولذلك جاءت مثابرة إبن رشد في فحص هذه القضية منحازة لدائرة المنطق ، وبالتحديد لنظريته البرهانية . كما وحملت نقداً رشدياً لمحاولة الغزالي التي غيبت المنطق على خلاف ما أعلنه للجمهمور ، وهو إنه سيعتمد على المنطق نهجاً في تقويض الفلسفة . حقيقة إن الإمام بدلاً من المنطق إتكأ على نهج فكراني مكنه بصورة ناجحة على التشويش على الفلاسفة ، ومن ثم محاصرة الدرس الفلسفي . وبالمقابل وجدنا إن إبن رشد يكتب إفادة الأنتصار للمنطق في حومة التنازع بين الغزالي والفلاسفة ، فيقول : ” وقد تبرهن إن وجود عالم أخر مع هذا العالم محال في العلم الطبيعي ، وأقل ما يلزم عنه الخلاء لأن كل عالم لابد له من أسطقسات أربعة وجسم مستدير يدور حولها . فمن أحب أن يقف على هذه فليضرب إليها بيده في المواضع التي وجب ذكرها بعد الشروط التي يجب أن يتقدم وجودها في الناظر نظراً برهانياً ” (المصدر السابق ، ص 91) .

  وتشعر مرة أخرى إن صاحب المنهج العقلاني يتخلى عن منطقيته ، ويسمح لحالة ضعف إنساني من فرض سطوتها ، فيلوذ إلى نوع من أساليب الفكرانية الممقوتة . كل ذلك تمظهر في حالات توتر وتشنج حملتها ألفاظ الخطاب الرشدي الذي لا نتمنى أن يكون بهذا الحال . يقول فيلسوف قرطبة : ” الذي يظهر من هذا القول سخافته وتناقضه وذلك إن إقتنع ما أمكن فيه إبتناء على مقدمتين أحديهما إنه بين إن الإمكان منه جزئي خارج النفس وكلي وهو معقول تلك الجزئيات ، فهو قول غير صحيح ” (المصدر السابق ، ص 112) . ونحسب رغم لغة الفكرانية إن إبن رشد إعتمد على المنطق في الرد على الغزالي . وبالتحديد منطق الممكنات ، فبالإستناد إليه فند دعاوي الإمام ، وكشف عن طبيعة حجته التي تندرج في المحط الأخير في باب الأقوال غير الصحيحة .

  كما ولاحظ فيلسوف قرطبة إن الحجة التي إستخدمها الغزالي ، إذا ما فحصناها في ضوء قاعدة التلازم المنطقي . وهي علاقة تلازم المقدمات والنتائج أو ما يصطلح عليها بتلازم المقدم والتالي . فإن حجة الإمام تكون غير صحيحة ، وتندرج في أحسن الأحوال في مقام المعاندة . وهنا يكشف إبن رشد عن ضميمة جديدة أخرى متخفية في مشروع الغزالي . وكان الحاصل إعلان رشدي عن عدم فلاح الإمام في مناجزته للفلاسفة والتشويش عليهم . وهي المناجزة التي أحدثت دوياً ، دون وجه حق ، في تاريخ الثقافة الإسلامية عامة والتعليم الفلسفي خاصة . وعلى أساس هذا الفهم حسب فيلسوف قرطبة : إن ” الذي عاند به هذا القول في هذا الوجه هو إن اللزوم بين المقدم والتالي غير صحيح وذلك إن الفاسد ليس يلزم أن يذبل إذا كان الفساد قد يقع للشئ قبل الذبول واللزوم صحيح إذا وضع الفساد على المجرى الطبيعي ولم يوضع قسراً ” (المصدر السابق ، ص 127) .

  ومن الشواهد الدالة على موضوعية النهج العقلاني الرشدي ، هو إن فيلسوف قرطبة كان دائماً واعياً لتفاصيل الموضوع الذي حدث حوله التراشق بين الغزالي والفلاسفة . ولذلك إلتزم بقاعدة الإعتراف بالحق ، ومن أي جبهة صدر . وبالإستناد إلى هذه القاعدة لاحظ إن هناك نقاط رخاوة واضحة في بنية الأقوال الفلسفية ، مما جعلها أن تكون أقوال إقناعية ، فهبطت من الطوابق العالية حيث البرهان المنطقي وقضاياه اليقينية ، وحتلت لها مكاناً في مضمار الجدل وقضاياه الإقناعية . ولهذا رأى إن ” هذه المقدمات لا يسلمها الخصوم في السماء بغير برهان فلذلك كان جالينوس* إقناعياً ” (المصدر السابق) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هذا يؤشر لنا مصدر معرفياً من مصادر تفكير إبن رشد ، وفيه رد على من يقول بمتابعة فيلسوف قرطبة الوحيدة لفلسفة ومؤلفات الفيلسوف أرسطو الإسطاغيري  . وجالينوس أو كلوديوس جالينوس (ولد حوالي 129 ومات حوالي 217 ميلادية) ، ولد في بركاما (أسيا الصغرى) وهي اليوم تابعة لمحافظة إزمير التركية . تعلم على يد والده ، ومن ثم درس الفلسفة وخصوصاً فلسفة أرسطو . وكان معلمه أوديموس ، وهو واحد من الفلاسفة المشائين . ولما بلغ السابعة عشرة ربيعاً تحول إلى دراسة الطب ولذلك قام برحلات شملت اليونان وأسيا الصغرى وفلسطين . ومن ثم عاد إلى مسقط رأسه وحصل على وظيفة طبيب وبقي خمسة سنوات ، وشد الرحال إلى روما ليتعلم الطب ومن ثم ذاعت شهرته . فأصبح الطبيب الخاص للإمبراطور أورليوس وولده ومن ثم خدم لعدد أخر .. ووفقاً لموسوعة القرن العاشر الميلادي ” سودا ”  فإن جالينوس مات وهو إبن سبعين عاماً .

 ويقال إنه كتب خمسمائة كتاب ورسالة عالج فيها علوم الطب والفلسفة . ويلاحظ إن أفكاره وعقائده العلمية قد فرضت هيمنتها على دوائر التفكير الطبي لفترة تُقدر بألف وخمسمائة سنة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ مصادر فلسفة إبن رشد : الحاضر والغائب / قيد الإنجاز) .                                       

 أما الحديث عن الأثار التي تركها جالينوس على دوائر الفكر العلمي والفلسفي العربي الإسلامي ، فيمكن بيانها بالشكل الآتي :

1 – وضع حُنين بن إسحاق (609 – 873 م) أول ترجمة لأعمال جالينوس إلى اللغة العربية . ويُقال إنه ترجمها خلال الفترة (830 – 870 م) ما يُقارب 129 رسالة وكتاب . وفعلاً فإن حُنين ترجم رائعته المشهورة شفاء الأمراض . واليوم يُشار إلى مخطوطة له تعود إل القرن العاشر الميلادي ، وهو يتألف من جزئين ؛ تناولت تفاصيل تخص أنواع الحُميات والعلل المختلفة التي يتعرض لها الجسم .

2 – إن مؤلفات جالينوس إنتشرت في العالم الإسلامي بصورة واسعة ، خصوصاً من خلال مؤلفات إبي زكريا الرازي (865 – 925م) وفيها وردت أسماء مؤلفات جالينوسية التي لم تكن متيسرة ، وفي كتابات عبد الملك بن زهر (1091 – 1161م) وإبن النفيس (1213 – 1288م) . كما إن واحداً من مؤلفات الرازي ، وهو كتاب الشكوك على جالينوس قد قدم الرازي عالماً متمكناً من مقارعة جالينوس والشك في نظرياته .

3 – إن التجارب والملاحظات التي قام بها كل من الرازي والزهراوي وإبن سينا وإبن النفيس كانت تتناقض مع نتائج جالينوس .

4 – كما إن تجارب إبن الزهر وإبن النفيس تتناقض ونظرية الأخلاط الأربعة الجالينوسية .

5 – ولكن من طرف أخر فقد تركت نظرية الأخلاط الأربعة أو ما تعرف بنظرية الأمزجة من مثل المزاج السوداوي والمزاج الصفراوي .. أثاراها العميقة على عدد ملحوظ من الفلاسفة وكتاب النصوص في الآدابيات الأخلاقية والنفسانيات العرب والإسلاميين .

6 – ظهرت في نصوص جالينوس المنطقية ، محاولة جادة تُذكرنا بمنطق القضايا الذي طورت مضماره الأبيقورية ومن ثم بشكل خاص الرواقية . ويبدو من خلال جالينوس إنتقل مبحث منطق القضايا إلى دائرة المنطق العربي الإسلامي .

 (للتفاصيل أنظر : أ . تايلور ؛ البايولوجيا والطب اليونانيين / نشرة مارشل جونز 1922 ، الفصل الخامس المعنون ” نظام جالينوس ” . كذلك كيل ووايت مارشل ؛ جالينوس وعالم المعرفة / نيويورك 2009 . وأنظر : س . كوستس ؛ نقد جالينوس للتشريح التجريبي والعقلي / مجلة تاريخ البايولوجيا ، العدد 30 ، ص ص 35 – 54 . وكذلك : ج . دبليو ستكلوم ؛ جالينوس ومنطق القضايا ، روما 1940 . وكذلك : تومكن كلانسيم ؛ نهوض وإنطفاء الفلسفة الطبية / نشرة مطبعة جامعة كورنول 1973 . وأخيراً أنظر : ريتشارد ويلزر : جالينوس واليهود والمسيحيين / نشرة جامعة أكسفورد ، لندن 1949) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إن هذا يدللُ على إن جبهة الفلاسفة ، وكذلك مرجعياتهم ، قد سجلت تغييباً للمنطق ، ومن ثم إرتمت في أحضان الجدل ، وبالتحديد قبول المقدمات الإقناعية . كما وإن جبهة المتكلمين هي الأخرى جانبت الحجج البرهانية ، وإعتمدت الحجج الإقناعية ، وبذلك غادرت مضمار المنطق على الدوام . وهنا كان إبن رشد ناقداً موضوعياً لبضاعة الفلاسفة الأصحاب ، قبل النظر النقدي في رصيد المتكلمين الخصوم ، مما حمله مسؤلية الدفاع عن المنطق والتأكيد على الإلتزام بقواعده في الحوار والتخالف على حد سواء .

  وإذا خص فيلسوف قرطبة في الإفادة السابقة الأصحاب الفلاسفة ، فإنه ركز في الإفادة التالية على الحجة التي يتداولها المتكلمون ، والتي كما يحسب لا تتوافر فيها شروط المنطق ، وتظل حبيسة دائرة الإقناع . وبذلك ضيعت فرصة الصعود إلى طوابق اليقينيات ، حيث عالم البرهان . إن هذا جاء في الوصف الرشدي للحجة الكلامية . فأفاد : ” إما قوله (أي الغزالي) : إنه لم تذبل فهو قول مشهور وهو دون الأوائل اليقينية (أي أقل مستوى من البديهيات) . وقد قيل من أي جنس هي هذه المقدمات في كتاب البرهان ” (إبن رشد : المصدر السابق ، ص 128) .

تعقيب

   تحدث إبن رشد عن المقدمات اليقينية (البديهيات) وما تتمتع به من درجات الصدقية العالية . وميز بينها وبين المتداول في ساحة الجمهور . ولاحظ إن الخيال يلعب دوراً في تقوية التصديق في المقدمات ، كما له فعل إضعاف للتصديق فيها . وهنا وجدنا ومضة رشدية في غاية الأهمية نهضت على التفريق بين المعقول والخيال . فالأول يهتم به المنطق ويوليه إهتماماً . في حين إن الثاني يشتغل بقوة في تفكيرالجمهور.

وهذا ما إشتغل عليه الإمام الغزالي . ومن ثم تمكن من تحشيد الجمهور ضد الفلسفة .

إن كل ذلك جاء في حديث فيلسوف قرطبة عن المقدمات اليقينية وما تتميز به من خصائص تبزُ الأقوال الإقناعية . فقال : ” والمقدمات اليقينية تتفاضل على ما تبين في كتاب البرهان * والسبب في ذلك إن المقدمات اليقينية إذا ساعدها الخيال قوى التصديق فيها . وإذا لم يساعدها الخيال ضعف ، والخيال غير معتبر . إلا عند الجمهور ولذلك من إرتاض بالمعقولات وأطرح التخيلات . فالمقدمتان في مرتبة واحدة عند التصديق ” (المصدر السابق ، ص ص 256 – 257) .

  ونحن اليوم المناطقة المعاصرون نفهمُ كلام فيلسوف قرطبة بمنظارمنطقي يقوم على التمييز في كل نظام منطقي بين

أولاً – البديهيات (وهي عند إبن رشد المقدمات اليقينية) . والبديهيات قضايا صادقة تم الإتفاق على صدقها ، وذلك من حيث هي قضايا أولية وبسيطة ، ولا تحتاج إلى برهان في النظام الذي تنتمي إليه . وفعلاً فإن في منطق أرسطو نرى إن الضروب الأربعة الأولى للشكل المنطقي الأول هي بديهيات النظام المنطقي . (أنظر : محمد جلوب الفرحان : تحليل أرسطوللعلم البرهاني / نشرة وزارة الثقافة والإعلام العراقية ، بغداد 1983 / الفصل المعنون ” البرهان في المنطق ” وبالتحديد الفقرة المعنونة ” معيار الصدق في المقدمات ” والفقرة المعنونة ” بديهيات النظرية الإستدلالية ’ والفقرة المعنونة “الشروط التي تتوافر في البديهيات ” ص ص 77 – 91) .

ثانياً – المبرهنات وهي القضايا التي تحتاج إلى برهان . وفعلاً في منطق أرسطو إن ضروباً منطقية من الشكل الأول والثاني والثالث (وكذلك الرابع) قد تم البرهنة على صدقها بالإعتماد أما على البديهيات (وهي الضروب الأربعة الأولى من الشكل المنطقي الأول ) أو الإعتماد على مبرهنات تم إثبات صدقها . وهذه الطريقة تسمى بطريقة الرد المنطقية أي رد الأقيسة المنطقية الناقصة إلى الأقيسة المنطقية الكاملة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : المصدر السابق / ص 83 – 91) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

 التأسيس المنطقي للخطاب الفقهي الرشدي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   إن البحث عن درجات حضور المنطق في الخطاب الفقهي الذي كتبه إبن رشد ، يتطلب وضع بعض المداخل التي تعالج موضوعة ” علم المنطق ” مضماراً معرفياً مستقلاً . ومن ثم النظر إليه في الوقت ذاته منهجاً تعتمده العلوم ، وهي تسعى إلى صياغة لغات فنية خاصة لكل حقل من حقولها المعرفية ، ومن ثم إعادة عرض حقائق هذه العلوم في نظام إستدلالي متأثر بالإنموذج الإستدلالي الذي يتقدم به المنطق لمختلف العلوم . وحثها على التمثل به إذا نشدت الوضوح والدقة ، والإنتقال من قضايا يقينية إلى نتائج يقينية ، ويقترح عليها التوسع في تطبيق المنطق في حقولها المتنوعة . وهذا فعلاً ما قام بإنتاجه فيلسوف قرطبة في مضمار علم الفقه .

مداخل لفهم المثابرة الرشدية في تأسيس الفقه منطقياً

  نحسبُ إن هذه المداخل في غاية الأهمية لفهم المثابرة الرشدية في إعادة تأسيس علم الفقه وفق قواعد المنطق ، وشروطه في إختيار أبجديات من المفاهيم الأولية التي ستُشكل أساسيات اللغة الفقهية . ومن ثم يتم بناء القضايا الفقهية وترتيبها في نظام منطقي ، حيث تتابع فيه القضايا ، وتمكنه من الإنتقال من قضايا فقهية صادقة إلى قضايا فقهية جديدة صادقة . وذلك لأرتباطها بالقضايا الصادقة الأولى بعلاقة التلازم أو اللزوم المنطقية . وهذه فائدة المنطق التي ينتفع منها المجتهد في مضمار الفقه ، حيث تمكنه قواعد المنطق وشروطه من إشتقاق أحكام جديدة من القضايا الفقهية التي ثبت صدقها ، والتي تشكل ما يصطلح عليها بالأوليات البينة بذاتها ولا تحتاج إلى برهان في النظام الفقهي الذي تنتمي إليه .

   لقد لاحظ الباحث إن هناك أنواعاً مختلفة من الدراسات في موضوع المنطق ، وفي الطرائق التي يستخدمها أثناء دراسته للعلوم المختلفة . فمثلاً نجد إن هناك دراسات قد فرضت هيمنتها على تاريخ المنطق ، وربطت بينه وبين علم النفس . ولهذا يواجه قارئ النصوص المنطقية في حقبة تاريخية كبيرة ، إنها تردد التعريف الشائع المتداول ، والقائل : إن علم المنطق ” هو العلم الذي يبحث عن القوانين التي تعصم الفكر من الوقوع في الخطأ ” (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – أنظر للتفصيل في هذا الموضوع والردود عليه :

   ياسين خليل ؛ نظرية أرسطو المنطقية  ، مطبعة أسعد ، بغداد 1964 / ص ص 13 – 14 . وكذلك يان لوكاشفيتش ؛ نظرية القياس المنطقية / المقدمة التي كتبها ليفسكي ، ترجمة عبد الحميد صبرة ، الإسكندرية 1961 / ص ص 15 – 18 .

ويتناول الباحث هذا الموضوع في طرف من دراسته الرائدة والمعنونة ” التجديدات المنطقية التي أنجزها مناطقة المدرسة البولندية / سيظهر في أعداد قادم من مجلة أوراق فلسفية جديدة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  والحقيقة هذا الربط بين المنطق وعلم النفس ترك أثاره السلبية في فهم طبيعة علم المنطق كمجال معرفي مستقل مثل باقي المجالات المعرفية الأخرى ، وذلك من حيث له موضوع ، وله طريقة خاصة به . فحاله حال الرياضيات ، هو علم مستقل وعلم يساعد العلوم الأخرى . فالعلوم الأخرى منفتحة على المنطق وذلك للإفادة مما يقدمه من نماذج (موديلات) وقواعد بنائية ، وشروط في إختيار المفاهيم ، وصياغة القضايا ، وترتيبها في أنظمة إستدلالية تتيح الفرصة للباحث من إشتقاق قضايا جديدة من قضايا موضوعة ومقبولة في هذا الحقل المعرفي أو ذاك .

  كما إعتقد بجوهرية هذا الربط بين المنطق وعلم النفس أغلب مناطقة العصور العربية الإسلامية خلال مرحلة الصعود الإسلامي ، والتي يطلق عليها خطأً بالعصور الوسطى  مقارنة بالعصور الوسطى الأوربية التي عاصرت حالة النهوض الحضاري العربي الإسلامي* . وترك الربط بين المنطق وعلم النفس آثاره على برامج تعليم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ونحسب في هذا الإصطلاح إشكالية من زاوية الصعود الحضاري والإقلاع الثقافي والعلمي الإسلاميين . فكيف تكون مرحلة الصعود الحضاري هي عصور وسطى ، وهي في حقيقتها عصر التدشين الثقافي والعلمي والإنتاج الفلسفي ؟ إنها عصر الصعود الحضاري ، وليست عصور وسطى ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المنطق وتكوين ذهنية أجيال من الباحثين في موضوعة المنطق . وجاء هذا الإعتقاد بسبب إن علم النفس يتخذ من الفكر موضوعاً لدراسته . لذلك كان المنطق في ضوء نظرة أصحاب هذا الإعتقاد ، هو العلم الذي يبحث عن القواعد والقوانين التي تعصم الفكر من الوقوع في الخطأ . وهذا يعني إن مجال علم المنطق هو الظاهرة الفكرية ذاتها التي يدرسها علم النفس . فكان الحاصل من ذلك إن أصبح عمل المنطق يندرج تحت مباحث علم النفس .

  ولكن بعد ذلك تطور إتجاه مخالف لهذه النظرة النفسية ، فكتب عدد من مناطقة العصور الحديثة نصوص منطقية ، فيها إمكانية للخروج بالمنطق من خيمة علم النفس ، وتأسيس مباحث منطقية مستقلة ، مما جعل هذه النصوص تدشن مضماراً جديداً في البحث المنطقي ، يحمل هوية جديدة ونهج علمي مستقل صحيح .

  ولعل أهمية هذه النصوص المنطقية الحديثة ، إنها أدركت طبيعة الموضوع الحقيقي الذي يدرسه علم المنطق ، بل وضبطت حدوده في دراسة ” الظاهرة اللغوية ” . ولم تنظر إلى الظاهرة اللغوية في لغات أقوام محددة (وهذه هي مهمة النحو) بل نظرت إلى اللغة بمعناها الواسع . وبهذا الفهم المنطقي دخلت في مجال دراسة المنطق جميع العلوم من رياضيات ، وفيزياء ، وفقه … فهي مجرد لغات ، وذلك من حيث إنها تتألف من مجموعة من المفاهيم ، وهي ألف باء أو أبجديات اللغة في هذا الحقل العلمي أو ذاك . وهذه المفاهيم هي الركائز الأولية أو اللبنات الأساسية التي يتم الإعتماد عليها في تشكيل مباني هذا العلم أو ذاك .

  كما إن من وظيفة علم المنطق ، هو إخضاع عملية إختيار هذه المفاهيم الأولية لجملة شروط منطقية ، ولهذا السبب نرى إن هناك تمايز وإختلاف بين العلوم في درجة الدقة والوضوح . فالعلوم التي أخذت بهذه الشروط ، وإلتزمت بقواعد المنطق تصدرت قائمة العلوم في دقة مفاهيمها ووضوحها . في حين ظلت علوم أخرى بعيدة عن الدقة والوضوح والصرامة بسبب إبتعادها عن المنطق ، وعدم إعتمادها على قواعده والإلتزام بشروطه أثناء صياغة مبانيها*.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر للإطلاع على هذا الموقف المنطقي ومحاولات ربط مثابرته باللغة :

1 – رودلوف كرناب ؛ السنتاكس المنطقي للغة (بالإنكليزية) ، لندن 1954 ، ص 50

2 – ياسين خليل ؛ منطق اللغة ، بغداد 1962 / ص ص 6 – 9

3 – محمد جلوب الفرحان ؛ رودلوف كرناب : فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر ، وخصوصاً السنتاكس المنطقي للغة ، ونظرية السيمونطيقا ، وهو الفصل الثالث من كتابنا : الفكر الألماني المعاصر / ونشتغل للترتيب لإصدار عدد خاص من مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس ربيع 2012 نركز فيه على إتجاهات الفكر الألماني المعاصر)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  كما إن الجهاز اللغوي من طرف أخر ، تتألف من أبنية أعقد من المفاهيم ، وهذه الأبنية نصطلح على تسميتها بلغة المنطق القضايا (أنظر : أي . تشرش ؛ مقدمة في المنطق الرياضي (بالإنكليزية) 1959 / المجلد الأول ، ص 49) ، وهي في إصطلاحات النحو تسمى الجمل ، وفي لغة العلم يطلق عليها القوانين (أنظر : أ . دبليو . بريجمان ؛ منطق الفيزياء الحديثة (بالإنكليزية) ، نيويورك 1949 ، ص 60 . وكذلك أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ملاحظات حول الفكر العربي القديم تعريفاً / مجلة الجامعة / تصدرها جامعة الموصل / العدد 2 تشرين الثاني 1978 ، ص ص 22 – 23) .

  والحقيقة إن القضايا (أو الجمل والقوانين) هي صيغ مركبة تدخل المفاهيم في تكوين بنيتها ، وهي على الأكثر تتألف من مفهومين أو أكثر . وإن بناء هذه الصيغ (القضايا) يخضع لضوابط المنطق وشروطه . وفي هذا الطرف نلاحظ إن هناك إختلافاً وتمايزاً بين حقول المعرفة . فمثلاً بعض العلوم ومنها اللغوية والتي تشمل الرياضيات ، تكون أكثر متانة ، وذلك بسبب إلتزامها بشروط المنطق . في حين ظلت مباني علوم أخرى بعيدة عن المتانة أو إختلفت في درجات من المتانة وذلك لكونها لم تلتزم بضوابط المنطق وقواعده البنائية .

  بعد هذا المهاد الفكري ، نقف ونرفع الأسئلة الآتية :

   ما حجم المقاربة التي أنجزها فيلسوف قرطبة في نهجه العقلاني المؤسس على المنطق ؟ وهل تقترب من الوظيفة السابقة للمنطق ؟ وهل هناك إفادات رشدية تدلل على إنه إنشغل بتشريح اللغة ، ودراسة تراكيبها من زاوية المنطق ؟ وما هي الشروط المنطقية التي طالب توافرها في البحث اللغوي ؟

  مقدمة نقول إن شغل الفلاسفة الشاغل ، عبر التاريخ ، كان تحديد مواقف لهم تجاه المشكلات التي واجهتهم . وإن كتاباتهم تحمل الشواهد الدالة على ذلك . وإن قارئ هذه الكتابات يلحظ إنها لا تقف عند حقل فلسفي معين (البحث الميتافيزيقي والأكسيولوجي وبالتحديد الأخلاقي) ، بل إنها إمتدت إلى مختلف حقول المعرفة . كما إن الناظر إلى الخط الفلسفي العام ، ومن بداية تبلوره وحتى الفترة التي نؤشر لها ، يجد إن إهتمام الفلاسفة إتجه نحو شواطئ المعرفة والمنطق . وفعلاً فقد تم وضع شروط لصياغة أي نظرية فلسفية ، منها مثلاً الإعتماد على الحواس (أو الملاحظات والتجارب) أو العقل كنوافذ معرفية يطل منها الفيلسوف أو من خلالها يتصل بالعالم . ومنها قواعد وشروط المنطق بكونها ضوابط ومعايير تساعد في بناء صيغة نظرية متينة . والواقع إن إبن رشد كان له حظ في هذه الدراسات (أنظر : محمد عمارة ؛ المادية والمثالية في فلسفة إبن رشد / مصر 1971 ، ص 15 وما بعد . وكذلك : طيب تيزيني ؛ مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ، ط2 ، دمشق / ص 362 وما بعد) .

  وما دام بحثنا يحصر دائرة دراسته حول المنطق وإتجاهاته عند فيلسوف قرطبة ، فإننا نحسب إن العمل الرشدي متموضع في مركز الخط الفلسفي العام ، وكانت جهوده تمثل حلقة من حلقاته المتواصلة . ويبدو لنا إن في دائرة تفكير فيلسوف قرطبة قد تصارعت نوعان من المشكلات ؛ عامة سبق إن عالجها العقل الفلسفي وبحدود إمكانياته المتوافرة (أنظر للتدليل على ذلك : إبن رشد ؛ تهافت التهافت ، تحقيق سليمان دنيا / القسم الثاني ، ص 767 وما بعد) . وخاصة تولدت مع إنطلاقة الإسلام ، فتناولها العقل الفلسفي العربي بالتأمل والدراسة ، فتقدم بحلول متنوعة لبعض أطرافها ، فأصاب الهدف وفلح في جوانب ، وإنكفأ وجانبه الفلاح في نواحي أخرى على حد تصور فيلسوف قرطبة ( أنظر : إبن رشد ؛ فصل المقال ، الصفحات : 25 ، 27 ، 29 ، 30 ، 33 ، 38) .

  حقاً لقد نشأت بفعل الإسلام علوم جديدة ، وثابرت في تقديم حلول من الزاوية الدينية الخالصة ، ومن ثم تعمقت خلال اللمسات المذهبية التي أُضيفت إليها في فترات لاحقة ، فعكست في بداياتها مواقف إنسانية وبمختلف منازعها الإقتصادية والإجتماعية والفكرانية (السياسية) . ثم جاءت بعد ذلك مثابرات تطلعت إلى تعميق منهج جديد . وكانت مناقشات الفلاسفة العرب على الأغلب تسير في هذا المنحى (أنظر : علي سامي النشار ؛ مناهج البحث عند مفكري الإسلام ، ط3 1966 ، ص 116) .

  لقد جسدت مناقشات الفلاسفة العرب في أطراف منها حواراً بين الواقع العربي وما حمله من مشكلات ورؤية الإسلام من طرف ، وبين التراث الفلسفي اليوناني بجانبيه الهيليني والهيلينستي من طرف أخر . مع التأكيد إن الفلاسفة العرب ، وإبن رشد واحد منهم قد إنفتحوا على التراث اليوناني وتدارسوه . ومن طرف فيلسوف قرطبة كان همه الأساس هو ترسيخ مباني المنهج البرهاني (الحق بكلمات رشدية) مع الرؤية التي جاء بها الإسلام (الحق بتعبير رشدي) . ولعل في الإفادات الرشدية ما يدلل على هذا التوجه : ” وإذا كانت هذه الشريعة حقاً وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق ، فإنا معشر المسلمين ، نعلم على القطع ، إنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع ، فإن الحق لا يضاد الحق ، بل يوافقه ويشهد له ” (إبن رشد : فصل المقال / ص ص 31 – 32) .

   وعلى هذا الأساس عمل فيلسوف قرطبة على إنشاء نوع جديد من الفكر ، فيه ملامسة للواقع يومذاك ، وفيه إستجابة لمشكلاته . وهذا الفكر الجديد بإصطلاحات إبن رشد ، هو البناء البرهاني لعلم الفقه . إن مما يلاحظه القارئ على الإفادات الرشدية إنها سعت إلى إعادة تأسيس الجهاز اللغوي لعلم الفقه ووفقاً لشروط منطقية تفترض التمييز بين المفاهيم (الإلفاظ) والقضايا (الجمل) . وكان الهدف الرشدي المتخفي وراء الإشتراطات المنطقية ، هو تعميق الرؤية الفقهية وتصعيدها إلى طوابق عالية . وبهذا الطريق تمكن فيلسوف قرطبة من عرض حقائق علم الفقه بلغة دقيقة وواضحة ، وبعيدة عن اللبس ، وخالية من الغموض . ولعل الحاصل من ذلك هو سد الطريق أمام محاولات التشويه والبلبلة التي تعصف بدوائر الفكر العربي في ذلك العصر .

  وإدراكاً من إبن رشد لأهداف وطبيعة العمل الذي يقوم به ، بدأ الخطوة الأولى والأكثر إهمية من مثابرته العقلانية ، والهادفة إلى تنقية المفاهيم الفقهية (الألفاظ)  من كل ما علق بها من  إزدواجية في المعنى  ولذلك قام بإخضاعها إلى شروط المنطق ، ومن ثم النظر إليها كمكونات بسيطة وأوليات يعتمد عليها علم الفقه في تكوين مباني طوابقه المتنوعة . وهنا كان فيلسوف قرطبة واعياً لحقيقة مهمة تخص البناء المنطقي لعلم الفقه ، وهو إن دقة ووضوح المفاهيم سيطبعان مكونات علم الفقه برمتها بسمات المتانة وعدم التناقض . وهذا هدف بعيد تطلع إبن رشد إلى تحقيقه . وفي هذا الإنجاز الرشدي فلاح للمنطق ومباحثه من طرف ، وقوة وتعزيز لمكانة نهجه العقلاني في دائرة ثقافة عصره من طرف أخر .

  ورأى فيلسوف قرطبة إن إنجاز هذا المشروع العقلاني لعلم الفقه ، يتطلب إتخاذ خطوة إلى الأمام ، وهي قبول التأويل طريقاً في التعامل وقراءة المدركات الدينية ، حيث يؤدي التأويل إلى قطع الطريق أمام القراءات التبسيطية النازعة إلى إضعاف روح الحقيقة . وهي القراءات التي رجحت ظاهر المدركات الدينية وقبلتها على إنه جوهر المدرك الديني . ولعل مشكلة الظاهر الكبرى إنه يثير إزدواجاً في المعنى . إن لم نقل تعدداً في المعاني الدالة على اللفظ الواحد . ومن المعروف إن اللفظ هو وعاء تُصاغ بواسطته الحقيقة* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وفي مذهبنا المنطقي الذي يتساوق مع المثابرة الرشدية ، هو إن لكل لفظ معنى واحد وهذا بالمناسبة شرط منطقي في بناء لغات العلوم ، أو قد يكون للفظ معنيين أو أكثر وهذا هو إشكال لغة الحياة اليومية من زاوية المنطق أو قد يكون فارغ من المعنى حين يدور حول الحديث عن قضايا ميتافيزيقية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن هنا جاءت أهمية فعل التأويل ، فهو حسب توجهات النهج العقلاني الرشدي ، قضية ضرورية لما أسماهم بأهل النظر ، أكثر من أهميتها للفقهاء . وذلك يأتي من كون أهل النظر أقدر على التأويل ” وأحق بإستخدامه . ولأن دواعيهم إليه لا تقاس بها دواعي الفقهاء في هذا المقام … كما يراه السبب إلى نفي ما يبدو من تعارض وتنافس بين ظواهر بعض النصوص وبين الحقائق اليقينية التي تجئ ثمرة البرهان عند أهل النظر والمشتغلين بصناعة الحكمة . وهو يقطع بصلاحية التأويل في كل المواطن والمواقف التي يبدو فيها مثل هذا التعارض بين ظواهر النصوص ومعطيات البرهان ” (إبن رشد ؛ فصل المقال / من المقدمة التي كتبها محمد عمارة ، ص ص 8 – 9) .

  لقد دلل إبن رشد على كونه فيلسوف عصره الكبير بلا منازع ، فقد تناول هذا الموضوع المُثير دون خوف وتردد ، وواجه الموجة العدائية ببسالة الفيلسوف الذي يحمل على كفتيه ؛ الحقيقة وقدره المجهول . في زمن كانت هذه الموجة العدائية تعصف بالفلسفة ، وتحاصر الدرس المنطقي والعلوم العقلية . فوقف مبيناً صلاحية هذه العلوم وحاجة الأمة إليها مثلما هي في الوقت ذاته محتاجة إلى العلوم الدينية . كل ذلك تمثل بالإسئلة الكبرى التي أثارها فيلسوف قرطبة أمام الأنظار المُفكرة في الدار الثقافية لعصره . وهذه الأسئلة هي :

” هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع ؟ … أم محضور ؟ … أم مأمور به على جهة الندب ، وإما على جهة الوجوب ؟ ” (إبن رشد ؛ المصدر السابق / ص 22 . وأنظر المقدمة التي كتبها البير نصري نادر لكتاب فصل المقال الذي قام بتحقيقه / ط2 ، بيروت بلا تاريخ ، الصفحات : 17 و 24) .

  جاءت إجابة إبن رشد لتؤكد على صحة نهجه العقلاني المتوازن ، ولتردُ على جميع من يشكك في صلاحية الفلسفة والمنطق ، ولتدلل على إمتلاكهما الإمكانية العالية لمشاركة المدرك الديني في التعامل مع المتغيير والطارئ على الواقع ، تطلعاً للوصول إلى حلول لمجمل المشكلات سواء التي أفرزها الواقع أو التي تولدت على صعيد الفكر الإسلامي . وكان الهدف من المشاركة ، هو صياغة إطار نظري جديد يقود الواقع ، فيه تعاون وفهم للمدرك الديني من زاوية الفلسفة والمنطق ، ونزوعاً نحو تكوين منهج علمي جديد (أنظر : إبن رشد ؛ فصل المقال / المقدمة التي كتبها محمد عمارة / ص 8) ، حيث يسهم هذه المنهج في قراءة الواقع ، ومن ثم صياغة إطار نظري يقوم في تعديل الواقع ، وإصلاح إتجاهات الثقافة المتداولة .

  حقيقة إن فيلسوف قرطبة لم يحاجج نظرية بنظرية . أو إن شئت فقل ؛ إنه لم يمتحن تصوراً عقلياً بتصور أخر . وإنما جاء الفهم الرشدي مقيداً وملتزماً بعمل الفلسفة والذي هو بلغة رشدية ليس إلا فعل . ومن هذا الطرف فإن ” فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات ، وإعتبارها من جهة دلالتها على الصانع ، أعني من جهة ما هي مصنوعات ، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها ، وإنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم ” (إبن رشد ؛ فصل المقال / ص 22) .

  لذلك تحسس نهجه العقلاني لحجم المُشكلة التي واجهها الواقع يومذاك ، والتي كان من نتائجها إن تخلفت الأطر النظرية عن مواكبة حركته . وبدلاً من أن تُسهم في تحريكه ، تحولت إلى معوق لها . وفي إطار هذا الفهم أدرك إبن رشد إن محاججة تصور بتصور ، هو عمل غير نافع و لا يفضي إلى أي تقدم . وإنما بالعكس قد يؤدي إلى تكريس الخط الفكري المحافظ والذي يتحمل مسؤلية التأخير في تحريك الواقع ، والذي من طرفه عمل على وقف دورة الزمن .  ولهذا إتجه فيلسوف قرطبة إلى مناقشة الأطر النظرية إعتماداً على الجديد المتولد في الواقع من طرف . وعلى الجديد المجلوب أو الوافد من ثقافات ومناهج ومعرفيات تنتصر للعقل وتدعو له . وعن هذا التوجه عبرت الإفادات الرشدية موضحة : ” فأما إن الشرع دعا إلى الموجودات بالعقل ، وتطلب معرفتها به ، فذلك بين في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى ، مثل قوله تعالى (فاعتبروا يا إولي الأبصار) ، وهذا نص على وجوب إستعمال القياس العقلي ، أو العقلي والشرعي معاً ” (المصدر السابق) .

  لقد كان للحضور الدائم لأهداف المنهج العقلاني ، أمام أنظار إبن رشد ، الدور الفاعل في تمكينه من أن يعمل بكل ثقة في تأسيس رؤية علمية بديلة للحياة ، ومن خلال المقاربة الجديدة بين علوم الحكمة والمدركات الدينية . وكذلك من خلال وعيه الثاقب إلى إن ذلك ممكن إنجازه بيسر إذا قطعنا شوطاً في تثبيت المنهج وترسيخ أسسه في دائرة الثقافة الإسلامية . وهذا المنهج هو بالطبع ” القياس العقلي أو البرهان ” (المصدر السابق ، ص 24) . وفعلاً فإن فيلسوف قرطبة راهن على هذا المنهج في حل مشكلات الواقع والفكر الأسلامي على حد سواء .

  والآن نحسب إن من أهداف النهج العقلاني الرشدي ، هو أن نبدأ البحث بالموجودات وليس بالتصورات . وفي ذلك ربح للفلسفة عامة وعلم المنطق (كمنهج) على وجه الخصوص . وهذا يأتي من إن المنهج يسهم في الكشف عن المسار الجديد للتصورات النظرية التي تستهدف مشكلات الواقع وتتطلع إلى إيجاد حل لها . وفعلاً فإنه من خلال المنطق يعمل القياس العقلي ، ومن ثم القياس الفقهي للوصول إلى حلول تنطلق من الواقع صعوداً وهبوطاً من الأطر النظرية العامة . ولهذا جاء الخطاب الرشدي ليدلل على هذا التوجه العقلاني ، حيث يُفيد : ” يجب على العارف أن يستنبط من الأمر بالنظر في الوجودات وجوب معرفة القياس العقلي ، وإنواعه ، بل هو أحرى بذلك ، لأنه إذا كان الفقيه يستنبط من قوله تعالى : (فأعتبروا يا إولي الأبصار) ، وجوب معرفة القياس الفقهي ، فكم بالحري والأولى ، أن يستنبط من ذلك العارف بالله وجوب معرفة القياس العقلي ” (المصدر السابق / ص ص 24 – 25) .

  وبهدي منهجه العقلاني ، تمكن إبن رشد من إثبات دعوته الفكرانية التي تدافع عن القياس المنطقي مطلباً منهجياً ، وحاجة معرفية تتطلع إلى تطبيقه على الرؤية الدينية . وكان هذا هدفه القريب . أما هدفه البعيد ، فهو الدفاع عن الروح الإستدلالية التي يتميز بها البناء الفكري برمته ، والتي تتمثل في الإنتقال داخل البناء من حقائق مثبتة في البداية إلى حقائق أخرى تلزم عنها (وهذا هو البرهان المنطقي) . وجاء هذا الفهم الرشدي للرد على من يقول إن القياس العقلي ” بدعة ” تم تصنيعها في ديار الإسلام . وذهب فيلسوف قرطبة مجادلاً : ” وليس لقائل أن يقول : إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة . إذا لم يكن في الصدر الول . فإن النظر أيضاً في القياس الفقهي وأنواعه وهو شئ أستنبط بعد الصدر الأول . وليس يُرى إنه بدعة . فكذلك يجب أن يعتقد في النظر في القياس العقلي ” (المصدر السابق / ص 25) .

  فتح تساؤل إبن رشد السابق باباً عريضة للنقاش ، كان من حصيلتها مواقف عديدة*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سبب هذا الموقف لإبن رشد محنة شديدة ، فقد نُفي إلى مدينة (إليسانة) وكانت منفى لكل ما لا تطمئن الدولة إلى عقائدهم وأفكارهم ، وأحرقت كتبه ، وسائر كتب الفلسفة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

، كونت أفاقاً ثقافية تدعو إلى الأخذ بالمنطق طريقاً للحوار العقلي ، ومنهجاً عاملاً في صياغة الأُطر النظرية لمختلف النزعات المعرفية عامة ، والرؤية الفقهية خاصة . ووفق الإفادة الرشدية هذا يأتي من طرف ” إن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات وإعتبارها ، وكان الإعتبارليس شيئاً أكثر من إسستنباط المجهول من المعلوم ، وإستخراجه منه . وهذا هو القياس ” (المصدر السابق / ص 23) .

  تطلع النهج العقلاني الرشدي بعد ذلك إلى إنشاء الأساس العقلاني لعلم الفقه ، والذي تمثل بالمبنى المنطقي . وكما يظهر إن هذا الحقل المعرفي قد نشأ وتطور داخل رحم المدركات الدينية ، ولكن فيلسوف قرطبة تطلع إلى فتح مضمار علم الفقه على العلوم العقلية . وبالتحديد على المنطق والإفادة مما يوفره من فرص في تأسيس مباني علم الفقه ، وتمكينه من الإنتفاع من إمكانيات الإستدلال المنطقي ، الذي فيه قوة وعون يساعدان الفقيه على الإجتهاد ، وتوفير أحكام فقهية تملأ بعض المناطق من حياة الجمهور . ولذلك نلحظ إن إبن رشد قد ثابر بقوة إلى إعادة تأسيس مباني علم الفقه  وفقاً لشروط المنطق ، وحيث تتابع القضايا الفقهية في صورة نسق برهاني .

  ولعل الحاصل من ذلك توسيع نطاق المنهج العقلاني الرشدي ، وتمكين المنطق وبالتحديد القياس العقلي أن يكون منهج بحث فاعل في مناطق الحياة . وهذا يأتي حسب الإفادات الرشدية من جهة ” أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي ، وبين إن هذا النحو من النظر الذي دعا إليه الشرع وحث عليه ، هو أتم أنواع النظر بأتم أنواع القياس ، وهو المسمى برهاناً ” (المصدر السابق) .

  لقد إستثمر إبن رشد هذه المقاربة العضوية بين المنطق وعلم الفقه ، وتطلع إلى نشر ثقافة تنتصر إلى كل ما له صلة بالمنهج العقلاني . وبالتحديد فقد إستند على قضية حاجة الفقيه للمعرفة المنطقية في الترويج للدرس المنطقي بتفاصيله المختلفة في دائرة ثقافة الجمهور والخاصة على حد سواء . وكان واثقاً إنها فرصة كبيرة ، فيها  من طرف أخر إنتصار للعقل ، وإعلاء من مكانة نهجه في مضمار الثقافة العربية الإسلامية . ولهذا جاء ربط فيلسوف قرطبة بين العقيدي والمنطقي ، وبتوجيه لا يخلو من فكرانية تُرجح من مكانة المنطقي وتعلي من مساره المعرفي . إن الشاهد الرشدي جاء ليدلل على إن المنطق هو نهج يمكن المرء من المعرفة الأفضل لله والموجودات . إن هذا الإستثمار الرشدي جاء في الإفادة التي ترى إن ” من الأفضل ، أو الأمر الضروري ، لمن أراد أن يعلم الله تبارك تعالى ، وسائر الموجودات بالبرهان ، أن يتقدم أولاً فيعرف أنواعها وشروطها .. وكان لا يمكن ذلك دون أن يتقدم فيعرف قبل ذلك ما هو القياس المطلق وكم أنواعه ، وما منها قياس وما فيها ليس بقياس ، وذلك لا يمكن أيضاً إلا ويتقدم فيعرف قبل ذلك أجزاء القياس التي منها .. أعني المقدمات وأنواعها ” (المصدر السابق ، ص 24) .

المثابرة الرشدية في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية

  إن التأمل في المثابرة العقلانية الرشدية برمتها ، تحمل الباحث على التفكير في إمكانية تحديد مكانتها في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية . ولذلك نحسب إن دراستها ضرورة تاريخية ومعرفية على حد سواء . وخصوصاً في توزيع درجات الحقوق والريادة ، والإستثمار والإنتاج على المحاولات التي سعت إلى إدخال المنطق ومزجه في بنية علم الفقه في الحقب التاريخية قبل إبن رشد . فقد كان لتلك المحاولات من الأثر في تدشين درب معرفي جديد في الثقافة العربية مهد للمثابرة الرشدية . وفيها إعلان عن إن المثابرة الرشدية لم تبدأ من الفراغ ، وإنما تقدمت عليها جملة جهود في هذا المضمار مهدت لها ووفرت تجارب معرفية يمكن أن تكون موضوع دراسة وإستفادة . وفعلاً إن فيلسوف قرطبة قد تلقف كل ذلك ، وسار به بإتجاه يحقق تأسيس لقاعدة عقلانية منطقية لواحد من أهم علوم الإسلام ، وهو علم الفقه .

  بعد هذا المهاد نحاول إثارة الأسئلة الأتية : هل إبن رشد هو أول من حقق في دائرة الثقافة العربية هذا الإنشاء العقلاني المنطقي لعلم الفقه ؟ وإذا كان الجواب بالسلب ؛ فما هي حقيقة المحاولات التي سبقته وعملت في هذا المضمار ؟ وما درجات النجاح التي حققتها ؟ وأين نضع مثابرة إبن رشد بينها ؟ نبدأ إجابتنا عن هذه التساؤلات بالأشارة إلى رأي أكاديمي مصري ، مارس عملية تشويش ولا يزال على ذهنية أجيال من الباحثين العرب في الشأن الفلسفي عامة والمنطقي خاصة . هذا الرأي ورد في كتاب ” على سامي النشار ” والمعنون ” مناهج البحث عند مفكري الإسلام ” . فقد أشار فيه إلى الأسباب التي ولدت علوماً مثل الإصول والفقه . ومن ثم إنشاء منطق إسلامي يختلف عن المنطق الفلسفي . ولما كان لأرائه في إنشاء المنطق موضوع إشكال كبير من الزاويتين التاريخية والثقافية ، رغبنا في الوقوف عندها ، وذلك لبيان ما هو حق للنشار ، نشير إليه ونؤكد عليه . وما هو مجانب للحق ، نناقشه وننبه إليه.

  يذهب النشار إلى إن المنطق الإسلامي يمكن تلمس أبعاده في كتابات الإصوليين ، من فقهاء ومتكلمين ، وذلك لأنهم توصلوا إلى تطوير منطق جديد يختلف عن المنطق الفلسفي المستعار . ويجزم مُرجحاً ” إذ من المؤكد إنه لم توجد أدنى صلة في العصور الأولى ، أي إلى عصر الغزالي ، بحيث لا نجد أحداً من الإصوليين المتقدمين حاول رده إلى المنطق اليوناني ، لكن نرى هذه المحاولة لدى المتأخرين من الأصوليين ” (علي سامي النشار ؛ مناهج البحث عند مفكري الإسلام ، دار المعارف بمصر ، ط3 1966 ، ص 116) *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المعطيات التاريخية والثقافية لأوضاع العرب قبل ولحظة بزوغ شمس الإسلام :

 نلحظ إن في موقف على سامي النشار من الزاويتين التاريخية والثقافية تبسيط شديد لحقيقة العوامل الحضارية والموجات الثقافية التي تعرض لها ما يمكن الإصطلاح عليه بالمحيط الفكري العربي الذي سيحتفل ببزوغ شمس الإسلام فيه . إن موقف النشار ينهض على تصور يذهب إلى إن العرب قبل الإسلام وحتى نهاية الصدر الأول كانوا يعيشون ويعملون ويفكرون في داخل سور صيني يمنعهم ويحصنهم من الإتصال الثقافي والحضاري بالأمم والحضارات التي تحيط بهم . وهكذا أنتج العرب ومن ثم المسلمين علومهم الأصيلة ومناهجهم الأصيلة بأنفسهم دون التأثر بمجلوب ثقافي وافد من الخارج . ولنتفق معه فيما يرى . ونؤكد له بأنه لم يتوافر لعربي واحد قبل الإسلام فرصة الرحلة إلى اليونان (وهي قضية نشك فيها) ويطلع على المنطق اليوناني ويعود إلى الجزيرة العربية ويتحدث لهم عن هذه المعرفة وتقسيم الأسماء وتراكيب اللغة من زاوية المنطق (وبالمناسبة إن هذا الأثر يمكن تلمسه في نص عربي فريد متقدم زمنياً وهو كتاب نهج البلاغة الذي ينسب للإمام علي) ، ولم يذهب عربي واحد إلى مصر الإسكندرية حيث الإفلاطونية المحدثة وكتاب الإيساغوجي الذي كتبه فرفريوس الصوري اللبناني مقدمة لمنطق أرسطو والذي كان موضوع درس منهجي في علم المنطق لكل طالب علم ومتعلم ويأتي إلى قومهم فيحكي لهم قصة الإيساغوجي . وهذا الحال يشمل كتب ورسائل جالينوس التي بحثت في منطق القضايا (الذي ينسب إلى الأبيقورية والرواقية وهذا الجانب ظهر عند الإصوليين والمتكلمين الذين يتحدث عنهم الأستاذ النشار ، ولا أعرف كيف نظر النشار إلى منطقهم إنه ليس من نتاج القريحة اليونانية وأباحه للإصوليين والمتكلمين في مناسبة تأسيس منطق إسلامي لا علاقة له بمنطق اليونان) . كما ولم يذهب عربي واحد إلى ليبيا ليتعرف على المدارس السقراطية والشكاك والمنطق الرواقي والأبيقوري الذي كان نشطاً في مدارس قورينيا الليبية ، ويعود منها إلى مرابض عشيرته في الجزيرة ويحدثهم عن تفكير هؤلاء الناس .

  ولكن التاريخ يخيب أمال الذين يؤمنون بعزلة العرب قبل الإسلام ، والذين ينكرون الأثار الثقافية والمعرفية المجلوبة من حضارات مجاورة للأرض العربية ، بل وكان جزءً ملحوظاً من السكان العرب يعيش ويعمل ويتدين ديانات تلك الحضارات ، كما إن التاريخ حفظ الكثير الكثير من الحقائق منها :

أولاً – إن الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م) قبل الميلاد بحدود ثلاثة قرون ونصف قد إحتل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر ، وفي عودته إلى بابل وضع خطة لإحتلال الجزيرة العربية إلا إنه مات قبل أن ينفذها … وبعد تدمير الإسكندر الإمبراطورية الفارسية (عام 334 ق.م) وزواجه من واحدة من بنات كسرى ، حول البلاط الكسروي إلى مدرسة فلسفية (أنظر : أن . ج . هاموند ؛ الإسكندر الكبير : ملك وقائد ورجل دولة / نشرة مطبعة بريستل الكلاسيكية ، لندن 1994) . وفعلاً فقد جلب معه الفلاسفة وعلماء المنطق وحدث حوار طويل بينهم وبين علماء الزرادشتية نتج عنه نمط جديد من التفكير فيه مزيج من الفلسفة والعقائد اليونانية والعقيدي الزرادشتي ، وكان المناذرة العرب في العراق حلفاء الفرس وقسم منهم قد إتخذ من الزرادشتية عقيدة له . وكان المناذرة يتقنون الفارسية مثلما يتقنون لغتهم العربية .

ثانياً – بعد موت الإسكندر المفاجئ (عام 323 قبل الميلاد) تمكن قواده في مصر من تأسيس حكم البطالسة ليحكموا مصر وشمال أفريقيا . أما قواده في الشرق فقد دارت بينهم حروب مريرة ، تمكن من بينهم القائد سلوقيا من تأسيس الحكم السلوقي عام 312 ق.م ، والذي بدأ به من بابل (ومن المفيد نشير إلى إن كهنة المعابد البابلية فد أتقنوا اليونانية وأخذوا يكتبون بها ، وللإستشهاد نذكر مثلاُ بيروسوس هو عالم فلك وكاهن للإله ” بل مردوك ” البابلي ، وكان بيروسوس يكتب باليونانية ، وكان ناشطاً في بديات القرن الثالث قبل الميلاد ، وضاعت مؤلفاته ولم يبقى منها سوى قطعتين (أنظر : فيربيك ووكرشيم (تقديم وترجمة) : بيروسوس ومانثيو : تقاليد الشعوب في بلاد مابين النهرين (العراق) ومصر ، نشرة مطبعة جامعة ميشغان سنة 2000) .  كما إن كتب التاريخ اليونانية عامة وتاريخ الفكر الديني خاصة تقدم لنا قائمة بأسماء النبيات اللائي تركن أثراً في طرف من الحياة اليونانية ، منهن  النبية ” هيروفيل ” والتي يقال إنها ” كلدانية ” تعود إصولها إلى جنوب بابل (أي عراقية الأصول) ، وهي بنت الكاتب والمؤرخ ” بيروسوس ” الذي إشتهر بكتابه ” التاريخ الكلداني ” (أنظر جيوفاني باكشيو ؛ مشاهير النساء ، ترجمة فرجينيا براون ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2001 ، ص 42 ، وراجع كذلك : محمد جلوب الفرحان ؛ الفلسفة والمرأة / وهي المقدمة التي كتبها للعد الرابع من مجلة أوراق فلسفية جديدة / خريف 2011) .

وقد أسس الحكام السلوقيين لهم مدن إنتشرت في كل أصقاع العراق وسوريا والفرس وأجزاء من تركيا . وكانت عاصمتهم في العراق هي سلوقيا التي تقع على دجلة في الضفة الغربية المقابلة لعاصمة الفرس في العراق ” طيسفون ” . وكانت في المدن السلوقية تنتشر المدارس الفلسفية اليونانية ، فقد كانت في سلوقيا على ضفاف نهر دجلة مدرسة رواقية معروفة تخرج منها ديوجانس الرواقي والذي يُعرف بالبابلي والمدرسة الرواقية تعرف بالرواقية البابلية . والذي عاد إلى أثينا ومن ثم ترأس المدرسة الرواقية هناك وكان له عدد من التلاميذ الذي أصبحوا من مشاهير الفلاسفة . وكانت في سوريا مدارس فلسفية كثيرة وفي لبنان وفلسطين (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في العدد الثاني من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، ربيع 2011 وبالتحديد أنظر التحليل المقدم لموسوعته المعنونة حياة وأراء مشاهير الفلاسفة)  ومن ثم إنطفأت الدولة السلوقية في عام 63 ق.م والتي فيها تحولت سوريا إلى محافظة رومانية  (أنظر للإطلاع على جوانب من التاريخ السلوقي : دبليو . تارن ؛ ملاحظات على التاريخ السلوقي (بالإنكليزية) / مجلة الدراسات الهيلينية / العدد 60 عام 1940 / ص ص 84 – 94) .

ثالثاً – إن جزء من السكان في سوريا هم العرب الغساسنة والذين إعتنقوا المسيحية ، وهم حلفاء الإمبراطورية الرومانية وكانوا يتقنون اليونانية والعربية . وقد ساهموا كثيراً في نشر المدارس الفلسفية وتعليم المنطق في الصوامع والمعابد والكنائس التي كانت منتشرة حتى في قلب الجزيرة العربية مثل مكة ويثرب .

رابعاً – يحدثنا التاريخ عن الإمبراطور الروماني ” فيليب العربي ” وعن الإمبراطورة الرومانية السورية العربية الأصول ” جوليا دومانا ” وهي فيلسوفة فيثاغورية جديدة أو ربما سفسطائية وهي التي طلبت من الفيلسوف السوفسطائي فيلوستروتس أن يكتب موسوعته الشهيرة عن الفيلسوف الفيثاغوري الجديد ” أبولونيوس ” الذي هو اليوم بنظر العديد من الأكاديميين المسيح التاريخي . وكانت جوليا تقتني كتاب مذكرات أبولونيوس الذي كتبه الموصلي (من أهل نينوى القديمة) الحواري ديمس الذي صاحب أبولونيوس وسجل أقواله ومذكراته (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011) . كما ونود أن نشير إلى إن مؤسس الإفلاطونية المحدثة الفيلسوف إفلوطين كان له تلميذاً وحوارياً من إصول عربية هو زيثوس ، وهو إفلاطوني محدث من القرن الثالث الميلادي ، والذي كان يعيش الفيلسوف الإفلاطوني المحدث معه في ممتلكاته الريفية والتي أوصى بها للفيلسوف قبيل موته (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية / منشور على صفحات موقع الفيلسوف) .

خامساً – بعد غلق الإمبراطور الروماني جوستنيان للمدارس الفلسفية في عام 529 م ، ومن ثم نفي الفلاسفة خارج الإمبراطورية ، فإختار الفلاسفة منافي لهم مرابضاً جديدة لنشاطهم الفلسفي والعلمي ، وهي في الواقع أجزاء من مناطق جغرافية مهمة من الأراضي العربية والحدود المتاخمة لها . فمثلاً مدرسة جنديسابور (إزدهرت خلال القرنيين السادس والسابع الميلاديين ، وكانت مركزاً طبياً وفكرياً وأكاديمية تعليمية خلال الإمبراطورية الساسانية تحول إليها عدد من الفلاسفة ونقلوا معهم العديد من المصادر الفلسفية بعد قرار جوستنيان بغلق المدارس الفلسفية) والتي تخرج منها إبن عمة الرسول محمد (ص) وهوالطبيب الحارث بن كلدة شاهد تاريخي (وبالتأكيد لم يذهب الحارث إلى جنديسابور جزافاً وإنما دهب هناك لشيوع مكانة هذه المدرسة في الأوساط العربية يومذاك . وإنه بالتأكيد يعرف الفارسية أو ربما اليونانية التي كان يجري فيهما التعليم والمقررات الدراسية التي هي مخطوطات الفلاسفة والعلماء) يرد على من يرى إن المحيط العربي الثقافي والمعرفي كان محيطاً معزولاً من الأثر اليوناني قبل الإسلام . ومدرسة الرها (في مدينة الرها التي أعاد تأسيسها سلوقس الأول ، وأصبحت عاصمة مملكة الرها في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد) ، ومدرسة نصبين (تأسست في عام 350 ومن ثم سقطت بيد الفرس عام 363 وتركت أثاراً قوية على مدرسة جنديسابور) ومدرسة إنطاكية (في مدينة إنطاكيا التي أسسها سلوقس الأول في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد ، وهو أحد قادة الإسكندر ومؤسس اإمبراطورية السلوقية ، وهي واحدة من ستة عشر مدينة أسسها وتحمل الإسم ذاته)  .. (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ محنة الفلسفة والفلاسفة بعد قرار جوستنيان 529 م بغلق المدارس الفلسفية / سيظهر قريباً على صفحات موقع الفيلسوف) ولهذا فإن المترجمين السريان الذين يتقنون العربية واليونانية إضافة إلى السريانية لغتهم الأم قد بدأوا بترجمة العديد من المؤلفات الفلسفية والعلمية والمنطقية إلى السريانية بزمن بعيد قبيل قيامهم بترجمتها إلى العربية ..

    ولذلك يصبح التشكيك في مقام إبن المقفع مثلاً في ترجمته للكتب الفلسفية والمنطقية مردوداً .لأن الشك أقيم على عدم معرفة إبن المقفع لليونانية . وإذا صح ذلك فإنه لم يترجمها من اليونانية وإنما ترجمها من الفارسية التي كانت متوافرة في مدرسة جنديسابور أو ربما قبل ذلك تعود إلى ترجمات تمت عصر سيطرة الإسكندر وزواجه ببنت كسرى دارا الثالث (أو داريوس) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية العدد الثاني ربيع 2011) . وبالمناسبة مات الإسكندر وكانت زوجته حاملاً بولي العهد . ولكن الإسكندر غادر الدنيا بموت مفاجئ ولم ير وجه ولي عهده . وكان هذا هو السبب الذي حمل قواده على التنازع ومن ثم تقاسم تركته .

سادساً – كما لعبت المعابد اليهودية دوراً في نشر أنماط من الفلسفة اليونانية في كثير من المدن العربية عامة ويثرب (المدينة المنورة) قبل الأسلام وما بعد ، وخصوصاً الترويج للمشروع الفلسفي للتوفيق بين اليهودية والفلسفة اليونانية الذي إشتغل عليه الفيلسوف اليهودي الإسكندراني ” فيلو ” (20 قبل الميلاد – 50 ميلادية) .(أنظر : أس . ساندمل : فيلو الإسكندراني : مقدمة (بالإنكليزية) نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1979) . وبالمناسبة إن واحداً من أشهر حاخامات اليهود في يثرب هو ” عبدالله بن سلام ” الذي ترك اليهود وتحول إلى الإسلام وأصبح من أصحاب رسول الله ، وهو من المبشرين بالجنة ، وشارك في فتح سوريا وفلسطين ومات في المدينة . ونحسب إنه كان قارئً جيداً لمشروع فيلو وفلسفته التي تُرجح الرواقية . وإن هناك شبه إجماع بين الأكاديميين على إن إبن سلام قد ترك أثاراً واضحة في طرف الإسرائيليات في تفسير القرآن عند الطبري (أنظر : توماس باتريك هوكز ؛ المعجم الموسوعي للإسلام (بالإنكليزية) / نشرة آلين ، لندن 1895 ، مادة عبدالله بن سلام) .

إذن كل هذه الشواهد التاريخية والثقافية تدلل على إن المحيط الثقافي والفكري العربي في بعده الجغرافي لم يكن منعزلاً ، بل كان يمور بموجات متنوعة من النزعات الفلسفية والمنهجية وخصوصاً منطق أرسطو والأبيقورية والرواقية والفيثاغورية الجديدة والإفلاطونية المحدثة ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ويُلاحظ إن رأي النشار قد وقع ضحية هيمنة الأراء الصادرة من إثنين من الأشاعرة ؛ الأول هو ” إبن تيمية ” وبالتحديد في كتابه المعنون ” موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ” (إبن تيمية : موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول / القاهرة 1321 هجرية ، ج1 ، ص 3 وما بعد) . والثاني هو ” إبن خلدون ” في كتابه الموسوم ” المقدمة ” (إبن خلدون ؛ المقدمة ، القاهرة بلا تاريخ ، ص 326 وما بعد) . ومعروف للجميع موقف الأشاعرة من العقل وموقفهم من المنطق عامة ، ومنطق أرسطو الذي هو منطق الفلاسفة على وجه التحديد . رغم إنهم أخذوا بمنطق فلسفي أخر وهو المنطق الرواقي الممزوج بمنطق أبيقوري ونهج الشُكاك . إن ما نود أن نقوله هو إن النشار وقع ضحية الفكرانية الأشعرية التي لها مواقف سلبية من العقل وحدوده ومن المنطق وفلسفته .

  ولهذا نلحظ إن الفكرانية الأشعرية المعادية للعقل والمنطق تسربت إلى داخل أراء النشار وحركتها بإتجاه البحث في المناطق الأولى لنشوء المنطق في دائرة الثقافة العربية . كما إنها مناسبة تتطلب أن نقول رأينا فيها . ولعل ما نبدأ به الإشارة إلى إن كتاب ” مناهج البحث ” موضوع الدرس هو رسالة ماجستير تقدم بها المؤلف سنة 1942 وقد أعيد طبعها مرات عدة . وهذا سبب مضاف ، فقد مارست التأثير لفترة تمتد سبعة عقود من الزمن على تكوين ذهنية أجيال من طلاب الفلسفة والمنطق ، ووطنت في إعتقادهم رأي أشعري فكراني خلال بحث أكاديمي مرموق ، ومنهج وتوثيق صارمين .

  حقيقة إن الموقف الفكراني الذي بنى على أساسه النشار رسالته للماجستير(ولا نحسب سببها قلة المعرفة بالمصادر القديمة اللاعربية عن أوضاع العرب التاريخية والثقافية أنظر مثلاً هامشنا المعنون أعلاه ” المعطيات التاريخية والثقافية لأوضاع العرب قبل ولحظة بزوغ شمس الإسلام “) ، حمله على التنكر للأثر اليوناني (وخصوصاً منطق أرسطو) ولصالح الدفاع عن أصالة العرب في إنتاج علومهم ومناهج دون تأثير خارجي وذلك لأن الأخذ بالمنطق الأرسطي يعد بمنظار النشار عيباً يثلم أصالة العرب في إنتاج علومهم ومناهجهم (والتاريخ يخبرنا بإن هناك الكثير من المدارس الفلسفية كانت نابتة في المحيط الجغرافي العربي ولفترة تصعد إلى القرن الثالث قبل الميلاد والتي تغطي حكم السلوقيين للعراق وسوريا ولبنان وفلسطين ، وحكم البطالسة في إسكندرية مصر وقورينا ليبيا وشمال أفريقيا وحتى أغلق جوستنيان المدارس الفلسفية عام 529م ومن ثم بدأ فصل جديد مع مدرسة جنديسابور التي ورثت الدور الفلسفي والعلمي من مدارس الرها ونصيبين وإنطاكية . وجنديسابور جار قريب للأرض العربية وإن المناذرة العرب هم حلفاء الفرس وربما إستفاد جيل منهم من هذا المركز العلمي والفلسفي ، ولا أحد ينكر بإن للمناذرة علاقات مصاهرة وتجارية مع القبائل العربية في الحجاز وغيرها) .

  إن إنكار الأثر اليوناني لا ينفي الحقيقة التاريخية المعروفة للجميع ، وهي إن أجزاء من الأرض العربية كانت واقعة تحت الهيمنة البيزنطية ، وبالتحديد أرض غسان وتدمر واليمن ، يضاف إلى إنتشار الكنائس والبيع في مختلف الأراضي العربية وحتى في مكة ويثرب (المدينة) قلب الجزيرة العربية . ومن المعلوم للجميع إن هذه الكنائس لم تكن فقط مؤسسات عبادة ، وإنما كانت مدارس تعلم الفلسفة والمنطق بحكم علاقاتها مع الكنائس المركز في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية . ولعل الشواهد التاريخية كثيرة منها أسماء مرموقة من الشخصيات العربية (شعراء وكهان..) التي إعتنقت المسيحية  ، وكان لها حوار ومناقشات ، مما كان الحاصل نشر الكثير من الأراء والمناهج الفلسفية والمنطقية في الفترة السابقة على ظهور الإسلام .

  وإذا قبلنا الرواية التي تدور حول الطبيب الحارث بن كلدة ، وهو إنه تعلم في مدرسة جنديسابور (وهي مدرسة إلتحق بها عدد من الفلاسفة اليونان ومصادرهم اليونانية بعد سيطرة الفرس على مدرسة الرها ، ومن ثم غلق جوستنيان للمدارس الفلسفية ..) فإن ذهنيته خلال حضوره في جنديسابور قد تأثرت بأبحاث ومناهج هؤلاء الفلاسفة وخصوصاً أطراف من منطق أرسطو صاحب أكبر موسوعة بايولوجية علمية فيها وصف لأعضاء الحيوان ، والتي نرجح إنها كانت مقرراً دراسياً في مركز جنديسابور الطبي يومذاك الذي تخرج منه الحارث بن كلدة .

  هذه إشارات تاريخية والإشارات كثيرة التي تدلل على إن الحوار الفلسفي بين العرب واليونان قد حدث قبل الإسلام وفي فترات بعيدة وليس بعد الإسلام كما ذهب إليه النشار (خد مثلاً حال العربي زيثوس الإفلاطوني المحدث من القرن الثالث الميلادي ، والذي كان رفيقاً لإفلوطين مؤسس الإفلاطونية المحدثة ، وخذ حال الإمبراطورة ” جوليا دومانا ” (170 – 217م) الفيلسوفة السورية والتي هي من إصول عربية ) .

  نعود بعد ذلك إلى رسالة النشار ، ونحسب إن معادلة إرتسمت أبعادها في ذهنه ، وإستسلم لوهمها ، وهي : إن التأثير اليوناني = عيباً فكرياً ، وإن التحرر من هذا العيب الفكري يتطلب شطباً للأثار اليونانية وبالتحديد لمنطق أرسطو (ولكن نقول للقارئ إن النشار إستسلم لمنطق الإصوليين والمتكلمين ، وهو منطق يوناني رواقي وابيقوري ممزوج بحجج الشكاك ، فمنطق أرسطو عيباً ومنطق اليونان الرواقي المزوج بالمنطق الأبيقوري والشكاك ليس عيباً . إنها إغلوطة نشارية فيها تنكر لأرسطو اليوناني وإستسلام وقبول لرواقية يونانية من طرف أخر) .

  وهكذا جاهد النشار من أجل تصفية أثار العيب الأرسطي . وعلى هذا الأساس إنتهى ضمنياً حيناً ، وتصريحاً في أغلب الأحيان إلى إن وجود المنطق الأرسطي كمنهج سائد في الثقافة العربية الإسلامية يساوي عيباً في هذه الثقافة . ولهذا فإن شطب هذا العيب يتطلب مثابرة معرفية في رحم الثقافة العربية ، تهدف إلى تصفية كل أثر للمنطق الأرسطي حتى ولو عن طريق المكابرة . في حين إن حضور المنطق الأرسطي هو في حقيقته سمة دالة على إنفتاح العقل العربي الإسلامي على الثقافة التي ولدها العقل الإنساني في زاوية من خارطة العالم يومذاك .

  الواقع إننا نذهب إلى خلاف هذه النزعة النشارية ، ومذهبنا نابع من داخل إرومة الثقافة العربية الإسلامية ونزعتها المنفتحة . ولذلك نرى إن العيب الفكري يحدث عندما يكون العقل منعزلاً ويعمل على هوامش مراكز الإنتاج الثقافي ، ويكون جاهلاً بنزعاتها المعرفية والمنهجية ، وغير مشارك في إنتاجها وتطويرها بحجة المحافظة على الهوية والأصالة . والحق إن العقل العربي الأسلامي ، وهذه هي سمته الطبيعية كان منفتحاً على تجارب الأنسانية ، ورافضاً للتقوقع . وفعلاً إن النصوص المنطقية والفلسفية العربية الإسلامية تشهد على إنفتاحه الشجاع على النتاجات التي ولدها العقل الإنساني ، شرقاً وغرباً (سواء كان هندياً أو فارسياً ، يونانياً هيلينياً خالصاً أو هيلينستياً) . وبهذا الخيارالثقافي حقق العقل العربي الإسلامي نوعاً من الحوار مع كل نتاج العقل الإنساني ، والذي يشمل الفروض الفلسفية والتصورات الكونية ، ومفاهيم ومناهج ، وتقنيات البحث ، والأنظمة اللغوية والأنساق المنطقية ..

  ونلحظ إنه من خلال هذا الحوار تمكن العقل العربي من تدشين درب معرفي ومنهجي جديد في الثقافة العربية ، والذي أسهم في تعديل وتطوير مناهج وطرق بحث لم يسبق إن تدوالها من قبل . أو إستثمرها في مناطق فكرية ومعرفية تختلف عن المناطق التي عملت فيها هذه المناهج على يد العقل الإنساني . ولعل الهدف الرئيس من هذا التطوير والتعديل والإستثمار ، هو خلق نوعاً من الموائمة بين المناهج والموضوعات الجديدة التي إشتغلت عليها . وبهذا المسلك الجديد توفرت أجواء أتاحت للعقل العربي من تقديم حلول ومعالجات صحيحة للمشكلات الوجودية والمعرفية .

  وتأسيساً على موقفنا هذا ، نرى إن الإنفتاح على الفكر الإنساني حالة صحية ، وليست هي ثلمة في تفكير العربي المنفتح ، كما تصور ذلك النشار ، وأصدر حكمه على العقول العربية المنفتحة على التراث الإنساني ، ووسمها بالعقول الغريبة ، وإن مناقشاتها هي إستمرار لطروحات العقل الإنساني . ومن ثم إنتهى إلى إنها ليست هي من نتاج الإمة .

  والحقيقة إن هذه الرؤية النشارية المؤسسة على طرف من الفكرانية الأشعرية ، وخصوصاً التيمية والخلدونية ، تشعرنا بوطأة موقف ثقيل جداً ، لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال . ولعل من الشواهد النشارية التي لا يمكن قبولها ، قراره بأن العقل الذي أخذ بالمنطق اليوناني في معالجة قضايا الواقع العربي ، هو عقل يوناني . ولذلك يتأسف على الإمام الغزالي في مزجه للمنطق اليوناني بالإصول الدينية والفقهية ، ويعتبر هذه المحاولة هي العثرة الوحيدة التي وقع فيها الإمام الغزالي . إنه شاهد نشاري نسوقه وندعم وجهة نظرنا ، والشواهد كثيرة .

إشكالية دراسة المناهج العقلانية :

  بعد هذا البيان للأثر الذي مارسته أًطروحة النشار على مسارات البحث الأكاديمي والمعرفي في المناطق التي بحث فيها العقل العربي المعاصر ، والمناهج التي إعتمدها ، نقف هنا ونقترح إيضاحاً فكرياً يمهد لنا صياغة حل للإشكالية السائدة في دراسة المناهج العقلانية في دائرة الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة ، والتي يمكن توزيعها ، أي الإشكالية ، في إتجاهين :

أولاً – هناك من ينكر ويلغي الأثر المعرفي والمنهجي اليوناني ، وذلك من أجل دعم إستقلالية مزعومة للفكر العربي الإسلامي .

ثانياً – هناك من يقرر وجود الأثر من البدايات الأولى للحظة تشكل الفكر العربي الإسلامي ، والتي يفترض إن بداياتها قد حدثت في نهاية العصر الأموي ومستهل العصر العباسي . وبهذا الفهم ضحى بكل إستقلالية تُميز الفكر العربي الإسلامي وأدواته المنهجية العقلية .

  ومن النافع أن نثبت في بداية سعينا لحل هذه الإشكالية التي هيمنت على دوائر فهم بدايات تشكل الفكر العربي الإسلامي ، الموقفين الفكريين الآتيين :

الأول – إن العقل العربي توصل إلى نوع من الإستدلال (الإستنتاج) ، وهو شكل من التفكير المنطقي ، في فترة تاريخية متقدمة تاريخياً ، وقبل إنفتاحه على التراث الذي أنتجه العقل الإنساني . وهنا نؤكد على مذهبنا المؤسس على حقائق من داخل الفكر والحياة العربيين ، والذي يرى إن مرحلة الحوار لم تبدأ في العصر الأموي ، وإنما حدثت في فترات تصعد إلى حقب زمنية أبعد كثيراً من نقطة إنطلاق الإسلام وكما بينا سابقاً .

  حقيقة إن إنتاج (أو ربما تبني) العقل العربي لمثل هذا النمط من التفكير المنطقي في هذه الحقبة الزمنية ، جاء نتيجة لطبيعة الظروف المحيطة بالإنسان والمجتمع العربيين . وبسبب متطلبات حياته ، وسعيه إلى وضع تفسير لكثير من الظواهر التي واجهته . وهنا نتفق مع إبن تيمية في رأيه الذي يذهب فيه إلى إن العقل العربي قد إهتدى إلى بعض من الصور المنطقية بصورة مستقلة عن أي تأثير معرفي ومنهجي أجنبيين (أنظر : إبن تيمية ؛ المصدر السابق / ج1 ، ص 22) .

الثاني – إن الصور المنطقية التي توصل إليها العقل العربي ، أخذت إتجاهاً علمياً جديداً ، بعد إن كانت سائدة في الحديث والإستعمال اليومي الإعتيادي ، فنقلها بفضل إنفتاحه على تراث العقل الإنساني ، وخصوصاً منطق أرسطو والرواقيين والأبيقوريين وحجج الشكاك ، من دائرة الإستعمال اليومي إلى دائرة المعرفة والعلم . وهذا الموقف يحملنا على الإختلاف مع الأصوليين المتأخرين في ردهم طرق البحث الأصولية إلى المنطق اليوناني (أنظر : إمام الحرمين الجويني ؛ البرهان (مخطوط) / ج1 ، ورقة رقم 12)  وأنظر : النشار ، المرجع السابق ، ص 77) مع تقديرنا لمحاولتهم النازعة إلى خلق كل الظروف لتنشيط مباحث المنطق من داخل علوم المسلمين .  ونحن نتفق معهم في رأيهم الذي يذهب إلى إن متقدمي الأصوليين والمتكلميين قذ لجأوا إلى ما يشبه المنطق أو ما يمكن مقاربته مع أشكال من الصور المنطقية .

  والحقيقة إن التاريخ العربي يقدم الشواهد العديدة على هذين الموقفين . فمثلاً من الشواهد الدالة على إن العقل العربي قد توصل إلى نوع من الإستدلال (الإستنتاج) في فترة تاريخية موغلة في الماضي ، وبالتحديد في مناطق سبقت ظهور الإسلام . وهذه الشواهد تشير إلى إن العرب قد مارسوا نوعاً من الإستدلال . ولعل قصة الأخوة الأربعة الذين سُئلوا : هل وجدوا بعيراً كان قد ضاع ؟ مثال جيد في هذا المضمار . ومفادُ القصة ، هو : إن إعرابياً كان قد فقد بعيراً له ، وذهب يبحث عنه في كل مكان ، وفي طريقه واجه إخوة أربعة ، وهم : مضر وربيعة وإياد وإنمار . فتوجه إليهم سائلاً : هل وجدوا في طريقهم بعيره ؟ فقال ” مضر : هو أعور . فقال : نعم . وقال ربيعة : هو أزور . قال : نعم . وقال إياد : هو أبتر . قال : نعم . وهذه والله صفات بعيري فدلوني عليه . فقالوا : والله ما رأيناه . قال : قد وصفتموه بصفته ؛ فكيف لم تروه ؟

  فقال مضر : رأيته يرعى جانباً فعرفت بأنه أعور ، وقال ربيعة : رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة ، فعرفت إنه أزور . وقال إياد : رأيت بعره مجتمعاً ، فعرفت إنه أبتر . وقال إنمار : رأيته يرعى المكان الكثيف ثم يجوز إلى غيره ، فعرفت إنه شرود ” (الألوسي ؛ بلوغ الأرب / تحقيق محمد بهجة الأثري / ج3 ، ص 264 ، وكذلك كريم متي (وهو أستاذنا طيب الله ذكراه) ؛ المنطق / بغداد 1970 ، ص 6 وهو أستاذنا طيب الله ثراه ، وكان متخصص في المنطق وكان بحثه للدكتواره بعنوان ” الرابطة المنطقية عن جون ستيوارت مل ” وقد أعاره لي في شتاء عام 1973 بنسختها الإنكليزية وعليها بعض من ملاحظات الممتحنين الأمريكان) .

  في الحقيقة إن هذا الإستدلال ، والأصح الإستنتاج قد إعتمد على المشاهدة والحس (وهو شبيه بإستنتاج الأطباء كما أشار إليه الطبيب الإسكندراني جالينوس مثلاً) . كما إن المتأمل في النصوص القرأنية ، خصوصاً قصة إبراهيم وتدرجه في معرفة ربه ، بدءً بالقمر والشمس .. يلحظ هذا النوع من الإستنتاج . إن هذه السمة ذات الطبيعة المنطقية ، ستظل مسيطرة على إستنتاجات الفقهاء والإصوليين إلى الفترة التي أخذ العقل بالمنطق منهجاً (أي بعد إنفتاحه على التراث الإنساني) وظل يعتمد على الحس والمشاهدة خصوصاً عند الأطباء والإصوليين الذين أخذوا بالمنطق الرواقي الممزوج بالأبيقوري وحجج الشكاك النازل إليهم مع التراث الإفلاطوني المحدث . ولكن مع ملاحظة إن بعض نزعات العقل العربي في طريقها العام إبتعدت عن الحس والمشاهدة ، وإتجهت نحو عالم أكثر تجريداً ، وذلك لتحقيق بناء نظري خالص مثال ذلك ما حدث للفقه ، بحيث يلتزم البناء برمته بشروط المنطق وقواعده في البناء .

  كانت هذه المرحلة تمثل الحلقة الأولى من حلقات توجه الفكر العربي نحو مضمار الإستدلالية . جاءت بعد ذلك حلقة تالية عمقت هذا التوجه المنطقي . فمن المعروف إن الإسلام طرح جملة أحكام عامة في مجالات الحياة المختلفة . منها أحكام تُلزم الإنسان والمجتمع بأنماط معينة من السلوك ، وواجبات دينية تتوزع في ناحيتين ؛ محرمات (ومكروهات) ومباحات (ومستحبات) ، وتقرير فرائض وما يرتبط بها من طقوس (شعائر) ، والتي عليها يتقرر سلوك الفرد (والمجتمع عموماً) إذا كان مقبولاً أو مرفوضاً . وعليها تتحدد صور العقاب والثواب المتوقع . ومن ثم توصيف العقوبة التي تنهض على صياغة الحكم الذي أورده الإسلام في مقدمة منطقية أو ما يشبه ذلك.

  وهنا نضرب مثلاً دالاً على حركة العقلانية الإسلامية نحو شواطئ الإستدلالية (أو الإستنتاجية) ، والذي من طرفه يحمل تأكيداً على إن نمواً عميقاً قد حدث في الصور المنطقية السابقة التي إشتغل عليها العقل العربي . إن كل هذا وقع وتطور بتحريك من الإسلام ، وما تقدم به من أحكام . وللإستشهاد نقول :

إن الحكم الذي جاء به الإسلام وضع في المقدمة المنطقية القائلة :

أ – كل من يزني يُرجم

 جاءت بعد ذلك خطوة أخرى ، فقد قام العقل الإسلامي المجتهد بصياغة المسألة المطلوب إصدار حكم عليها في شكل مقدمة منطقية ثانية ، وكانت بالصورة الآتية:

ب – هذا الرجل زنا

  وهذا التشكيل أو الترتيب المنطقي للمقدمتين ، يقود بالضرورة إلى الحكم على هذه القضية . وهي في الحقيقة النتيجة المشتقة منطقياً من المقدمتين السابقتين :

ج – هذا الرجل يُرجم

تعقيب ختامي :

   أولاً – إن تحليلنا لهذا النمط من القياس من زاوية منطقية ، يدلل على إن مكونات القياس تتألف من ثلاث قضايا ؛ مقدمتان ونتيجة تتبعهما . ومن شروط القياس المنطقي ، أن تكون المقدمتان كليتين ، كلتاهما موجبتان ، أو إحداهما كلية موجبة والثانية كلية سالبة ، أو الأولى كلية موجبة والثانية جزئية سالبة . وذلك لأن ” الكلية ما تُقالُ على الكل أو لا تُقالُ على واحد من الكل ” (أنظر كتابنا المعنون : الوافد المنطقي اليوناني ، الشركة العالمية للكتاب ، ص 25) . والجزئية هي ” ما تُقالُ على البعض أو لا تُقالُ على واحد من البعض ” (المصدر السابق) .

  ونحسب في تشكيل القياس أعلاه ، تساهل ملحوظ وإبتعاد عن قواعد المنطق . فمثلاً إن المقدمة الثانية ” هذا الرجل زنا ” ليست بجزئية ، بل هي قضية مشخصة (فردية شخصية) . والشئ الأخر المهم في القياس ، هو أن تكون هناك روابط منطقية بين المقدمتين مثل رابطة العطف والبدل والإلزام والنفي .. (والتي نعبر عنها في لغة المنطق الرمزي بالشكل الأتي : رابطة العطف بشكل العدد الحسابي العربي ثمانية ، ورابطة البدل بشكل العدد الحسابي سبعة ، ورابطة الإلزام بالسهم ..) . ونعد ونقول إن رابطة العطف مثلاً يُعبر عنها في اللغة العربية بحرف العطف (الواو) . ونلحظ في القياس أعلاه قد غابت هذه الرابطة المنطقية .

  والحقيقة إن هذه السمة المنطقية تحتاجها كل الأنماط التي صاغها الأصوليين في الفترة التاريخية السابقة . وهناك أمر ثالث يمكن ملاحظته وهو إن الإنتقال من المقدمتين إلى النتيجة المشتقة  يحتاج إلى رابطة منطقية ، ودون توافر هذه الرابطة لا يتم الإشتقاق بصورته المنطقية . وبعكس ذلك تتحول القضايا إلى مصفوفات من الجمل التي لا تشدها بعض إلى بعض أية رابطة منطقية . وهذه الرابطة تُعرف عند علماء المنطق بعلاقة الإلزام ، والتي يُعبر عنها بالصيغة القائلة ( إذا … فإن والتي يرمزُ لها عند بعض مدارس المنطق الرمزي بالسهم ) .

  ويرى المتأمل في القضايا الفقهية ، إن الفقهاء ومعهم الأصوليين قد غيبوا رابطة الإلزام المنطقية من أقيستهم . كما يلاحظ بيُسر إن القياس السابق قد إعتمد الحس والمشاهدة مساراً معرفياً في صياغة المقدمة الثانية . بينما نجد إن القياس المنطقي لا يحتاج إلى أية علاقة بعالم الحس والمشاهدة . وإن مهمته الوحيدة هي البحث عن العلاقات المنطقية ، وذلك من خلال تحليل التراكيب الداخلية للقضايا ..

  إن القياس الفقهي في صورته أعلاه ظل متداولاً في دائرة الثقافة العربية حتى الفترة التي إنفتح فيها العقل العربي على التراث المنطقي المجلوب إليه عبرالترجمات المتنوعة ، ومن مصادر أصيلة ، وأخرى منحولة وثالثة شارحة .   

  ثانياً – إن العراق السلوقي الذي هو جزء من الأرض العربية ، والذي كانت فيه منتشرة مدارس رواقية عديدة ، والتي تُعرف بالرواقية البابلية ولمدة ثلاث قرون قبل ولادة السيد المسيح ، وقبل تسع قرون قبل إنطلاقة الإسلام ، وإن الرواقية ومدارسها كانت منتشرة في سوريا السلوقية ، وفي لبنان ، وفلسطين . وفي مصر البطالسة ، وبالتحديد في كتاب فرفريوس الصوري ” الإيساغوجي ” الذي كان إنجيل طلاب المنطق ، وتراث الطبيب جالينوس الذي كان له مكانة محترمة في برامج التعليم على الأقل في مدرسة جنديسابور . وإن المناذرة العرب كان لهم سفراء في البلاط الفارسي . وبالتأكيد كانوا بمستوى عال من الثقافة ، وكانوا بالتأكيد عارفين بالتراث اليوناني المجلوب مع جيوش الأسكندر والذي ظل متداولاً لأجيال لاحقة على الأقل في البلاط الشاهنشاهي ، كما وكانوا على معرفة بتراث وبرامج جنديسابور . ومن طرف أخر كان للعرب الغساسنة في بلاد الشام سفراء في الإمبراطورية الرومانية ، إضافة إلى إن كنائسهم الكثيرة كانت تدرس الفلسفة والمنطق ، وبالمناسبة إن للرواقية كانت لها مكانة متميزة في تعاليم القادة المسيحيين الأوائل . وهذه الكنائس كانت لها مرابض في قلب الجزيرة العربية . كما إن المعابد اليهودية في اليمن وقلب الجزيرة خصوصاً في نجران ويثرب (المدينة) كانت عارفة بالرواقية والمنطق والفلسفة وبالتحديد من خلال تعاليم الفيلسوف اليهودي فيلو . إذن هذه الشواهد كافية على إن العقل العربي كان مطلعاً على شكل من أشكال التراث الفلسفي والمنطقي اليوناني وعلى الأقل المنطق الرواقي الممزوج بمنطق أبيقوري وحجج الشكاك التي كانت تعتمد الحس والمشاهدة . وهنا نتساءل : هل كان الأخوة الأربعة : مضر وربيعة وإياد وإنمار (رجال قصة الإستدلال أو الإستنتاج التي ذكرناها أعلاه) من عرب المناذرة أو من عرب الغساسنة ؟ وإذا كان الجواب باللإيجاب فقد وقع الإتصال بطريق مباشر أو غير مباشر بتراث الرواقية المنتشر في عراق السلوقيين أو شام السلوقيين ومن ثم شام البيزنطيين . وإذا كانوا مسيحيين فالإتصال محتوم وذلك لأن الكنائس كانت تعلم الرواقية من خلال تعاليم القادة المسيحيين الأوائل الذي أخذوا بالرواقية . وإذا كانوا يهوداً فالأتصال بالرواقية واقع من خلال تعاليم الفيلسوف اليهودي فيلو الإسكندراني . ولكن المتوافر في معظم كتب التاريخ الإسلامية الشواهد التاريخية التي تِؤيد قصتهم السابقة التي تصعد إلى أشواط زمنية بعيدة عن إنطلاقة الإسلام ، ووصية أبيهم وهو على فراش الموت بعد إن قسم ميراثه عليهم ، وإقترح إن إختلفوا فيه ” فعليكم بالأفعى الجرهمي في بلاد نجران ” . وهذه الإشارة تحمل الكثير من الحقائق منها :

أولاً – إن الأفعى الجرهمي كان حكيم نجران .

ثانياً – نجران كانت مركزاً للمسيحية واليهودية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(8)

المشروع العقلاني الرشدي في مزج المنطق بالعلوم الإسلامية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  في البدء أسئلة من مثل : ما وزن المثابرات التي قام بها العقل العربي الإسلامي قبل إبن رشد في إنشاء قاعدة معرفية تحقق فيها إستثماراً للإطروحات المنطقية داخل مباني العلوم الإسلامية ؟ ومن أين بدأ فيلسوف قرطبة بحثه في هذا المضمار ؟ وما النتائج التي حققها على هذا الرصيد ؟

إستثمار الأطروحات المنطقية في مباني العلوم الإسلامية

   يُجمعُ المؤرخون في علم الإصول على إن أول محاولة جادة لصياغة الأصول لعلم الفقه ، يمكن تلمسها في مثابرة الإمام الشافعي (150 – 204 هجرية) (أنظر مثلاً : النشار ؛ المرجع السابق ، خصوصاً ص 65) . وبالمناسبة ممكن الإشارة إلى إن ” مصطفى عبد الرازق ” قد ناقش ريادة الإمام الشافعي ، وبين حقيقة ما كان عليه وضع المذاهب الفقهية قبل الشافعي ، ورأى إنها إتجهت في جهودها إلى القيام بجمع المسائل وترتيبها ، وردها إلى أدلتها التفصيلية ، خصوصاً عندما تكون نابعة من النصوص . ولاحظ إن أهل الحديث ولكثرة إعتمادهم على النص ، فقد كانوا أكثر تعرضاً لذكر الدلائل من أهل الرأي .

  وذهب عبد الرازق إلى إن الإمام الشافعي قد بز الطرفين ، وإصطنع له مذهباً جديداً ، خصوصاً بعد إن وضع يديه على النقص الذي يعانيه كلا المذهبين ؛ مذهب أهل الحديث ومذهب أهل الرأي . ولتجاوز هذا النقص جاء مشروعه المعنون ” الرسالة ” وليقدم فيه نظاماً إستنباطياً تتصاعد فيه الخطوات نحو درجات من المنطقية العالية . وقد شمل مشروعه مثابرات نقد وشطب للتعريفات التي لا تتساوق ومكونات النظام ، ولا تلتزم بطريقة الإستنباط (أنظر : مصطفى عبد الرازق ؛ تمهيد للفلسفة الإسلامية / القاهرة 1944 ، ص 230) .

  وكان للنشار مساهمة تمثلت في إثارة بعض التساؤلات المشروعة حول منهجية الإمام الشافعي في كتابه الرسالة . وجاءت بالصيغة الأتية : هل كانت هذه المناهج الأصولية ، هي كل ما دخل في بنية منهج الشافعي ، وأثر عليه ؟ أو هل يمكن تلمس عوامل أخرى غير إسلامية كالمنطق الأرسطي ؟ وفي الإمكان عرض الإجابات التي إقترحها بالصور الآتية :

أولاً – إن الوافد المنطقي قد جُلب إلى الأرض العربية ، وكان متداولاً قبل عصر الشافعي بفترة . ومن المحتمل أن يكون الرجل قد تعرف على مادته وذلك من خلال مصادر علم الكلام التي يعترف الإمام الشافعي إنه درسها بعناية كافية .

ثانياً – ينقلُ لنا إشارة في غاية الأهمية (وتحملنا على التأمل البعيد في بدايات دخول المنطق اليوناني وإتقان علماء العرب للغة اليونانية) منقولة من إبن النديم ، وبالتحديد من كتابه المعنون ” مفتاح السعادة ” الجزء الثاني ، وهو إن الإمام الشافعي كان عارفاً باللغة اليونانية . وإذا صح ذلك فإن هذا دليل كاف على إنه قرأ أرسطو من خلال مؤلفاته الأصلية أو في كتابات الشراح .

ثالثاً – وإن العودة إلى نصوص الشافعي ذاتها ، تدلل بوضوح على إنه شارك أرسطو فيما ذهب إليه ، وهو يُقوم قياس التمثيل ، وهو ذاته القياس الأصولي على إنه ” قياس ظني ” (أنظر : النشار ؛ المرجع السابق ، ص ص 70 – 71) .

  ولعل من الملفت للنظر أن نشير إلى إن النشار سلك مسلكاً قطع كل صلة له بالمنهج الأكاديمي الموضوعي . فقد سعى إلى تفنيد الإجابات الثلاثة المقترحة ، الواحدة بعد الأخرى ، وذلك بسبب رغبته في إنكار الأثر المنطقي اليوناني . ولكن هذه الحجج الثالثة هي من القوة وتحمل رداً على موقف النشار ، وتدلل من طرفها على تأثر الإمام الشافعي بالمنطق . وخصوصاً إذا تركنا كل الإفادات التاريخية ، وأخذنا فقط بإعترافات الشافعي ، فهي كافية على إثبات معرفته بالمنطق . كما إن القياس الأصولي بإعتراف النشار ، هو نوع من ” التمثيل ” الذي هو شكل من القياس عند أرسطو فيلسوف إسطاغيرا .

  ونحسب من اللازم أن نقف هنا ، ونعرف بالتمثيل عند أرسطو ، وذلك لبيان طبعته ، ومن ثم إستكمال المعرفة بهذا الشكل المنطقي الذي أخذ به الإصوليين . ببساطة التمثيل هو عملية منطقية ننتقل بواسطته مما هو جزئي إلى ما هو جزئي . والحقيقة إن النشار إعترف بأثره على الإطروحة الإصولية . فقد ذكر إن الإسلاميين قد إستمدوا مادة التمثيل المعرفية عن طريق الشراح (وأغلبهم ينتمون إلى مدرسة أرسطو المشائية) ، وتداولوها بإيجاز شديد كما وردت في كتابات الشراح . إلا إنه لاحظ إن المتأخرين من المناطقة قد خالفوا أرسطو في هذا المبحث (قارن ذلك عند النشار : المرجع السابق ، ص ص 59 – 60) . وبتقديرنا تعود تلك المخالفة بين المناطقة المتأخرين وبين أرسطو ، إلى إنهم لم يأخذوا مادتهم مباشرة من كتب أرسطو المنطقية ، وإنما إستمدوها من كتب الشراح . ولذلك عندما توفر النص المنطقي الأصيل ، خصوصاً في البيئة الثقافية والتعليمية لعصر إبن رشد خاصة وفلاسفة المغرب عامة ، أصبح واضحاً التمييز بين ما هو أرسطي أصيل وما هو مخترع منحول وما هو هامش شارح ليس إلا .

  ونحسب من المفيد ان نشير إلى إن إفادات الإمام الشافعي خاصة ، ونصوص الإصوليين الذين تأثروا في كتابتها بالمنطق عامة ، تدلل على إن المنطق الذي إعتمدوه أو الأصح الذي تأثروا به ، كان مزيجاً من المنطق الأرسطي والمنطق الرواقي الممزوج بالمنطق الأبيقوري وحجج الشُكاك (أنظر بحثنا المعنون ” الوافد المعرفي وتجربة الإقلاع الفلسفي الإسلامي / مجلة المنطلق / العدد (120) بيروت ، صيف 1988 ، ص ص 111 – 143) .

  وكما هو معروف إن المنطق الرواقي منطق حسي وهذا جانب مهم إختلفت فيه مثابرات الأصوليين في التأثر بالمنطق ، وبالتحديد في تصنيف الإحكام الفقهية (أنظر : الغزالي ؛ المستصفى / القاهرة 1322 هجرية / ج1 ، ص 1 وما بعد . وكذلك إبن خلدون ؛ المقدمة ، ص 319) عن المحاولات اللاحقة ، والتي دعت إلى مزج المنطق بالفقه ، والمنطق هنا بالتحديد هو منطق أرسطو ، وخصوصاً نظرية القياس ، والتي تشكل بحد ذاتها بناءً فكرياً خالصاً ، لا علاقة له بالحس وعالم المشاهدة . ومسك الختام قول مفاده إن شكلاً من الأثر المنطقي قد سجل حضوراً وبدرجات متنوعة في أبنية المحاولات الإصولية ، منها مكشوفة ومنها مستبطنة .

المثابرات الحقيقية في مزج المنطق بالعلوم الإسلامية قبل إبن رشد   

   بدأت البوادر الحقيقية لمزج المنطق بالفقه ، وبشكل واضح لا لبس فيه ، بالمثابرة التي قام بها ” إبن حزم الأندلسي ” (384 – 456 هجرية) ، والتي خصها بفصل من فصول كتابه المعنون ” الأحكام في إصول الأحكام ” . وقد منح ذلك الفصل العنوان المهم الدال ” الألفاظ الدائرة بين أهل النظر ” . وإشترط فيه تحديد الألفاظ الأصولية . وهي في جوهرها مثابرة منهجية تحمل الكثير الكثير من شروط المنطق . فقد أدرك إبن حزم إن سبب وقوع الخطأ ، وضياع الحقائق يعود إلى تشابك المعاني ، ودلالات الأسماء على غير مسمياتها ( أنظر كتابنا المعنون : الفكر المنطقي الإسلامي : دراسة في جهود إبن حزم الأندلسي ، نشرة مديرية دار الكتب للطباعة والنشر – جامعة الموصل 1987) .

  إتجه إبن حزم من بعد ذلك إلى ضبط كل لفظ من تلك الألفاظ ، ودرس الحد والرسم والعلم والبرهان (إبن حزم ؛ الأحكام في إصول الأحكام / القاهرة 1945 / ج1 ، ص 25) . ويذكر في مقدمة كتابه ” التقريب لحد المنطق والمدخل إليه ” بأن غايته هي تحديد الحقائق الشرعية والكلامية . وكان قد رجح الحود المنطقية في تثبيت هذا التحديد (إبن حزم : التقريب لحد المنطق والمدخل إليه / تقديم إحسان عباس ط4 بلا تاريخ ، ص ص 8 – 13 ، ويتابع أرسطو في كثير من مباحثه ، ولكنه لا ينظر إلى المنطق على إنه قانون معصوم من الخطأ . كما وفيه متابعة لكتاب فرفريوس الصوري الإيساغوجي أو مقدمة إلى المنطق ، وفيه تطبيق لمنطق أرسطو وكتاب الإيساغوجي على القضايا الشرعية . أنظر كتابنا السابق فصول مختلفة) .

  تلت إبن حزم شخصية مهمة ، وأهميتها إنها جاءت من داخل معاقل الفكرانية الأشعرية ، والتي سعت على العموم في تقييد حركة العقل ، وذلك لتلعب دوراً موجهاً في مجال مزج المنطق بالعلوم الإسلامية . هذه الشخصية ، هي ” إمام الحرمين الجويني ” (المتوفى عام 478 هجرية) والذي عُرف عن مخالفته للإصوليين في كثير من القضايا . وبالتحديد في مخالفته لهم في مزج المنطق الأرسطي بالإصول . ولكن رغم هذه المواقف الجوينية ، فهو يُعد بإفادة إبن تيمية أول من عمل في مضمار مزج المنطق بإصول الفقه . ونحسب إنها شهادة تاريخية ومعرفية ، ولإهميتها نضعها بين متناول القارئ والباحث . يقول إبن تيمية : ” وإن كان إمام الحرمين خالف المنطق الأرسططالي في نقاط . إلا إنه تأثر به إلى حد ما ، بل قد نجد عنده أول محاولة لمزج منطق أرسطو بإصول الفقه ” (إبن تيمية : السبعينية / القاهرة ، ص 107 ، وكذلك النشار ؛ المرجع السابق ، ص ص 76 – 77) . وبهذا العمل مهد إمام الحرمين الطريق لتلميذه الإمام الغزالي ليسعى بكل جهوده إلى تعميق هذا المشروع .

  يُعد الإمام الغزالي المازج الحقيقي للمنطق الأرسطي بعلوم المسلمين . فقد كتب العديد من المؤلفات المنطقية (أنظر كتابنا : دراسات في علم المنطق عند العرب ، نشرة مطابع جامعة الموصل 1987 ، الفصل الخامس المعنون ” الطريقة البديهية عند الغزالي ، ص ص 141 – 176) إضافة إلى المقدمة المنطقية التي وضعها في كتابه ” المستصفى ” ، والذي أعتبر فيها منطق أرسطو شرطاً من شروط الإجتهاد ، وفرض كفاية على المسلمين (الغزالي ؛ المستصفى / ج1 ، ص ص 10 – 17) .

  وفي تعزيز مكانة المنطق هاجم الغزالي المتكلمين الذين نددوا بالمنطق الأرسطي ، وخرجوا في أبحاثهم على قواعده ، وأخذوا بمنهج مخالف ، وكان هجومه في طرف منه يحمل نقداً للمتكلمين الذين أهملوا البديهيات المنطقية (كان الغزالي مؤمناً بالتفكير المنطقي البديهي) ، ولم يولوها مكانة في منهجهم . وبذلك صرح قائلاً : ” فقد يظن بالأولويات (أي البيديهيات) إنها ليست أولية فيشكك فيها ، ولا يتشكك في الأوليات إلا بزوال الذهن عن الفطرة السليمة المخالطة بعض المتكلمين المتعصبين للمذاهب الفاسدة ” (الغزالي ؛ معيار العلم / تحقيق سليمان دنيا ، دار المعارف بمصر ، ط2 ، ص 160) .

  وكشف الغزالي عن طبيعة الأقيسة التي يستخدمها المتكلميين والفقهاء ، مؤشراً حال المقدمات التي يعتمدون عليها في تكوين أقيستهم . فهي حسب رأيه مقدمات لا ترقى إلى منزلة البديهيات ، وإنما هي مقدمات مشهورة . وهي بهذا الحال قد سجنت الأقيسة في معاقل الجدل الذي لا يرقى إلى مرتبة البرهان . ولنقف نستمع إلى إفادة الغزالي التي فيها إنتصار للمنهج العقلاني في طوابقه اليقينية العالية . كما وفيه من طرف أخر إختراق غزالي لمباني الفكرانية الأشعرية التي يقودها بجدارة في الصراع الفكراني ضد المذاهب والفرق (ومن بينها فرقة ما أسماهم بالفلاسفة المشائيين) . يقول الإمام الغزالي : ” إن أكثر أقيسة الجدليين من المتكلمين والفقهاء في مجادلتهم وتصانيفهم مؤلفة من مقدمات مشهورة فيما بينهم سلموها لمجرد الشهرة … ولذا نرى أقيستهم تنتج نتائج متناقضة فيتحيرون فيها وتتخبط عقولهم في تنقيحها ” (الغزالي ؛ المصدر السابق) .

  وبالمناسبة إن أُستاذنا صاحب كتاب حوار بين الفلاسفة والمتكلمين الذي أصدره في نهاية الستينيات من القرن المنصرم ، قد إستبطن مثابرة ومنهجية الغزالي . مع الإشارة إلى الإغلوطة في طرفيها ، وهي إن الغزالي لم يكن فيلسوفاً ، وإنما كان في خطه العام متكلماً صاحب فكرانية أشعرية (مثلاً تنفيذه للقرار الأشعري الصادر من السلاجقة في هدم الفلسفة ومحاصرة الفلاسفة ، وهو المشروع الأشعري الذي جاء في كتابي الغزالي : المقاصد والتهافت) كما إنه جدل وليس ديالكتيك ماركسية عراق أيام زمان .

  وعلى كل وعلى كل حال ، نحاول أخيراً وضع الصورة النهائية للموقف الذي نتخذه إتجاه هذه المسألة (وهذا هو مذهبنا) . ونذهب إلى إن الإنسان العربي ومنذ فترات تاريخية بعيدة ، وعن طريق ممارسة التفكير في مشكلات العالم (الطبيعية والإجتماعية) ، إهتدى إلى طرق في البحث ، وإستعان بها في حياته اليومية ، وطرق بحث أخرى نزع إلى تأصيلها ، وإستند إليها في صياغة تفسير لظاهرة أو بناء موقف إتجاه مشكلة ما أثيرت على مستوى الفكر . ومن هذه الطرق ؛ طريقة الإستنتاج (وصور منطقية أخرى) . وكان هذا الإستخدام للإستنتاج في صورته الأولى عفوياً إستدعته الحاجة ومتطلبات الحياة وتوسيع المعرفة .

   إلا إن هذا الإستخدام تعمق بمضي الزمن ونتيجة نمو عقل الإنسان العربي ، فتحول إلى خيار علمي وممارسة فكرية واعية ذات أبعاد محددة خصوصاً عندما توافر على أرضه زاد فلسفي ومنطقي رواقي ممزوج بأبيقورية وحجج الشكاك في عراق السلوقيين ، وسوريا السلوقية ، ولبنان السلوقيين وفلسطين السلوقيين ، ومصر الباطلسة وليبيا وشمال أفريقيا (رجاءً لا تنسى دور المدارس الفلسفية الأربعة التي كانت تنتشر على الأراضي العربية أو متاخمة للحدود العربية ، وهي إنطاكية ، ونصيبين والرها وجنديسابور) ومراكز المسيحية واليهودية في نجران ويثرب .  

   ومن النافع الإشارة إلى إن الإسلام قد أسهم من طرفه في تعميق هذه النزعة المنطقية ، وذلك بما إحتواه من أحكام (هي مقدمات عامة) في الإمكان إشتقاق أحكام أخرى منها تخص قواعد السلوك والضوابط الإجتماعية . ومنها ما يخص العقيدة بالإله وقصة التوحيد (خصوصاً الأيات التي تحدثت عن إبراهيم وكيفية تدرجه في معرفة الله بدءً بربه القمر ومن ثم تحوله إلى ربه الشمس الأكبر .. وإلى أخر القصة التي يرويها القرآن) . إذن ما نود قوله إن الإستنتاج والإسستنتاجية كانت متوافرة في كثير من الأحكام القرآنية وقصص العقيدة والتدرج في معرفة الله .. (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ملاحظات حول الفكر العربي القديم تعريفاُ ، مجلة الجامعة – جامعة الموصل / العدد (2) سنة 1978) .

  ومن ثم إتخذ هذا المنهج بُعده الحقيقي ، بعد إن تعرف العقل العربي على المباحث المنطقية التي ولدها العقل الإنساني خلال المنقول شفاهاً عبر الثقافات المتداولة في دور العبادة المسيحية المنتشرة في الأراضي العربية أو من خلال الترجمات المباشرة للتراث الفلسفي والمنطقي اليونانيين . وهذا يدلُ على إن بيئة الفكر العربي لم تكن خالية من محاولات ساهمت في رسم البدايات الأولى لمنهج إستنتاج عربي (الرجاء لا تنسى قصة الإخوة الأربعة : مضر وربيعة وإياد وإنمار) ، بل إحتوت على جملة جهود متواضعة إستخدمت الإستنتاج وبعض الطرق المنطقية غير الناضجة ، والتي تخلو من الدقة والوضوح ، ولا تلتزم بالشروط الأخرى التي يفترضها المنطق . وبدخول هذه المباحث إلى الساحة الفكرية تعمق هذا الخط المتجه نحو المنطقية .

  ومن ثم برز إستقطاب بين المفكرين العرب وذلك بسبب إن بعضاً منهم قد إنتخب طريقاً مسدوداً ، ورفض الإنفتاح وفضل الإنسحاب وغلق كل منافذ الإتصال بالوافد الثقافي والمعرفي . في حين ألح قسم أخر على الإنفتاح والتفاعل الفكري والمعرفي ، وفتح أبواب الحوار مع ما إحتواه التراث اليوناني ، وخصوصاً المباحث المنطقية ، وذلك سعياً ونزوعاً إلى تعميق الفكر العربي ، والصعود به إلى طوابق عالية ، والوصول من خلاله إلى نتائج أكثر نضوجاً . بينما قسم ثالث من المفكرين العرب ظل قابعاً عند حدود النقل الحرفي ، فكان زاهداً بإطروحات العقل اليوناني ، فقبلها كما هي ، دون أن يهتم أو على الإقل أن يشغل دائرة تفكيره بهموم ومشكلات الواقع العربي يومذاك .

  حقيقة لقد سجل تاريخ الفكر العربي عامة ، وتاريخ الفقه خاصة ، مثابرات أولى ظهرت عليها بوادر الأثر المنطقي ، والتي يمكن تلمسها في مجاهدة الإمام الشافعي ، ومن ثم محاولات الإصوليين من فقهاء ومتكلمين جاءوا بعده . وهذه المثابرات حتى إذا سلمنا بأنها أخذت بالمنطق ، فإنها إنتخبت طريق التمثيل ، وهو نظام يتألف من مقدمات جزئية . إضافة إلى كونه نظام منطقي ناقص من زاوية البناء والشروط  ، التي تفترض فيه إمكانية الوصول بنا إلى اليقين من طرف ، ويحفظنا من طرف أخر من عثرات التناقض . كما إنها في الوقت ذاتها أخذت بطريق الإستقراء الذي يعتمد على الحس . ونحن نعرف إن البناء المنطقي التام يبدأ من بديهيات مسلم بها ، وليست لها علاقة بالمحسوسات . وهذا شرط لم يتوافر في أبنية الفقهاء والمتكلمين وأقيستهم . والشئ الأخر إن الفقهاء والمتكلمين مالوا وغرفوا من شواطئ المنطق الرواقي وما تسرب إليه من منطق أبيقوري وحجج الشكاك . ومجمل هذا التراث المنطقي مرتبط بصورة وأخرى بعالم المشاهدة ، عالم الحس والمحسوسات . ولعل الشاهد على ذلك المقدمة الثانية من مقدمات قياس المتكلمين والفقهاء السابقة الذكر (هذا الرجل يزني) .

  أما محاولات إبن حزم والجويني والغزالي . فكانت البدايات الأولى لمزج المنطق بالعلوم الإسلامية ، وذلك نزوعاً إلى تحقيق نوع من العمق والدقة في البناء النظري لهذه العلوم ، وإستبعاداً للبلبلة والتشويه . وبهذا العمل رسموا معالم الطريق أمام فيلسوف قرطبة ، الذي سيكافح بكل ما تمتع به من عقلانية في إنشاء مشروع منطقي لعلم الفقه .

ملامح المثابرة العقلانية الرشدية في علم الفقه

  فعلاً إن قارئ الإفادات التي كتبها إبن رشد في هذا المضمار المعرفي ، يلحظ إن الرجل قد إتخذ من الفقه موضوعاً للدراسة والتحليل من الزاوية المنطقية الخالصة . وسعى إلى إعادة تشكيل مبانيه علماً نظرياً محضاً ، خال من أية علاقة بالعلم الخارجي عالم المحسوسات . حقيقة إن حال الفقه عند فيلسوف قرطبة تحول إلى ما يشبه عالم الرياضيات . وهنا نرغب الإشارة إلى إن مثابرة إبن رشد قد إلتقت مع المحاولات السابقة . وبالتحديد مع محاولة إبن حزم وإمام الحرمين والغزالي (ومن المفيد أن نذكر القارئ بأن هناك فكرانيات كلامية مختلفة تقف وراء هذه المحاولات ؛ ففكرانية إبن حزم ظاهرية . في حين إن الفكرانية التي تسور بها فكر إمام الحرمين والغزالي كانت أشعرية) . ومثابرة فيلسوف قرطبة في التقويم الأخير ، هي مساهمة تُضاف رغم فكرانيتها الفلسفية (الهرطقية) إلى المحاولات الثلاثة السابقة . إلا إنها في الوقت ذاته تُعد خطوة متقدمة عليها .

  وعند هذا الطرف تقاطعت المثابرة الرشدية وإختلفت عما سبقها من محاولات . فقد إختلفت عنها في معالجة الموضوع برمته ، ومن زوايا نظر مختلفة وجديدة . فمن المعروف إن هناك فرقاً بين :

أولاً – محاولة إعادة تشكيل مباني علم من العلوم وفق إشتراطات علم المنطق  وضوابطه ، ومن ثم إنجاز بناء منطقي له (وهذه هو جوهر المثابرة الرشدية) .

ثانياً – إستعارة علم من العلوم لطريقة منطقية ما (مثل التمثيل) ، وإستخدامها في بحثه ، ومن ثم محاولة التعديل هنا وهناك لتحقيق نوع من التجاوب مع موضوع هذا العلم سواء كان في إصول الكلام والفقهه (وهذا ما حدث في المحاولات الكلامية والفقهية السابق على إبن رشد) .

  ولذلك نحسبُ إن هناك فرقاً كبيراً بين الأولى وهي مثابرة إبن رشد ، والثاني وهي تُمثلُ محاولات الفقهاء والمتكلمين التي سبقت فيلسوف قرطبة وعلى هذه الأساس تميزت المثابرة العقلانية الرشدية . وفعلاً تطلع صاحب كتاب فصل المقال إلى نقل علم الفقه إلى نظام معرفي يتميز بالدقة والوضوح والشمولية . وهذا المشروع المنطقي للفقه تحقق إلى إنجاز بتصور فيلسوف قرطبة ، وذلك من خلال أخذ علم الفقه  بالمنطق منهجاً ، والإلتزام بقواعده وإشتراطاته . وهنا بين إبن رشد شارحاً ريادته في هذا المضمار ، ومن ثم كيفية تغلغل المنطق وقواعده إلى داخل مباني العلوم الإسلامية ، و مشروعية العقيدي في عمل المنطق (القياس العقلي) ، فأفاد قائلاً : ” فإذا تقرر إنه يجب بالشرع ، النظر في القياس العقلي وأنواعه كما يجب النظر في القياس الفقهي ، فبين إنه إن كان لم يتقدم أحد ممن قبلنا بفحص عن القياس العقلي وأنواعه ، فإنه يجب علينا أن نبتدئ بالفحص عنه … فإذا فرغنا عن هذا الجنس من النظر وحصلت عندنا الآلآت التي بها نقدر على الإعتبار في الموجودات ، ودلالة الصنعة فيها ، فإن من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع ، ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع ، فقد يجب أن نشرع في الفحص عن الموجودات ، على الترتيب والنحو الذي إستفدناه من صناعة المعرفة بالمقاييس البرهانية ” (إبن رشد ؛ فصل المقال ، ص ص 25 – 26) .

   لقد هدف المشروع العقلاني الرشدي من إعادة تأسيس علم الفقه على أسس منطقية إلى تحقيق الخطوات الآتية :

أولاً – تنقية المفاهيم التي تشكل ألف باء الجهاز اللغوي من كل لبس وحشو . وهذا تحقق من خلال التمييز بين نوعين من اللغات المتداولة في مباحث علم الفقه :

1 – اللغة الظاهرية وما تحتويه من مفاهيم عبرت عن الرؤية الفقهية . وإن هذه المفاهيم تثير جملة مشكلات بسبب ما تحمله من معنى ظاهري (وإحتمال معنى باطني) ، ولهذا الحال دثر اللبس والغموض هذا المفاهيم . فإبتعدت عن الدقة والوضوح . وعن هذا الفهم جاءت الإفادة الرشدية لتعلن : ” نعلم على القطع إنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع ، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له … وإن كانت الشريعة نطقت به ، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدر إليه البرهان فيه أو مخالفاً ، فإن كان موافقاً فلا قول هنالك وإن كان مخالفاً طلب هنالك تأويله ” (إبن رشد ؛ المصدر السابق ، ص ص 31 – 32) .

2 – لغة فنية جديدة تعتمد طريق التأويل للألفاظ ، وإن ذلك يتحقق من خلال البحث عن مفاهيم جديدة تتساوق والمعنى ، وتسهم من طرفها في تعميق الرؤية الفقهية ، وتمنحها سعة وإنفتاحاً وذلك بما توفره الروح الجديدة لمعانيها . وبالتأكيد إن هذه اللغة تختلف عن اللغة الظاهرية ، وذلك من حيث إن مفاهيمها تحمل معنى عميقاً فيه الكثير الكثير من الدقة والوضوح وفي الوقت ذاته خالية من اللبس والغموض .

  والحقيقة إن هذه اللغة مخترعة بمفاهيمها ومصطنعة بدلالاتها ومعانيها ، وجديدة بمبانيها التي تخضع لقواعد المنطق ولذلك تم وصفها بلغة فنية . وهي حسب فهم إبن رشد لغة العلماء الخاصة . وهذه اللغة المنطقية (الفنية) هي طرف من الخط العقلاني الذي يجاهد فيلسوف قرطبة إلى إرساء قواعده في ثقافة عصره خاصة ، والثقافة العربية عامة . ولعل ذلك يأتي من جهة إن ” معنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية ، من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز … وإذا كان الفقيه يفعل هذا في كثير من الأحكام الشرعية ، فكم بالحري أن يفعل ذلك صاحب علم البرهان !! فإن الفقيه إنما عنده قياس ظني والعارف عنده قياس يقيني ” (إبن رشد ؛ المصدر السابق ، ص ص 32 – 33 . وأنظر : محمد عمارة ؛ المادية والمثالية في فلسفة إبن رشد ، ص 18 . وكذلك كتاب عمارة ؛ مسلمون ثوار / بيروت 1974 ، الفصل الثالث والمعنون ” أبو الوليد إبن رشد ” فقد إلتفت إلى تحديد مكونات الجهاز اللغوي بإشارة سريعة ، خصوصاً الصفحة 78) .

  ولم يكتفي فيلسوف قرطبة بذلك ، بل وضع شروطاً لعملية التأويل ، حيث تظل محكومة بشروط العقل (المنطق) وملتزمة من طرف أخر بشروط فكرانية مؤسسة على الإيمان بالعقيدي . وهذا شرط تطلبته ظروف العصر الذي عاش فيه إبن رشد . ولذلك حصر عملية التأويل بيد العلماء ومثابراتهم . فذهب معلقاً : ” إن ها هنا تأويلات لا يجب أن يفصح بها إلا لمن هو من أهل التأويل وهم الراسخون في العلم .. لأنه إذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل ، لم يكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الإيمان به ما لا يوجد عند غير أهل العلم .. وهذا إنما يحمل على الإيمان الذي يكون من قبل البرهان ، وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل .. لأن الله عزوجل قد أخبر إن لها تأويلاً هو الحقيقة والبرهان لا يكون إلا على الحقيقة ” (إبن رشد ؛ المصدر السابق ، ص ص 37 – 38) .

ثانياً – التمييز بين مكونات البناء النظري (المنطقي) لعلم الفقه ، وهو التمييز على أساس ما هو بسيط ومركب . فالأول يشكل المفاهيم والثاني يضم القضايا . وذلك بإعتبار القضية هي صيغة تدخل المفاهيم في تكوين بنيتها . والحقيقة إن دائرة فهم إبن رشد قد تداولت الإصطلاحات المنطقية التي كانت شائعة في أوساط المناطقة قبل عصر فيلسوف قرطبة ، ولذلك أطلق على المفاهيم (أو الحدود) إصطلاح ” التصورات ” وعلى القضايا إصطلاح ” التصديقات ” . وهذا يأتي من جهة إن التصور أما أن يشير إلى شئ أو يعين شخصاً ، ولهذا فإن المنطق يشترط في التصور أن يكون دقيقاً وواضحاً ، والتصور من طرف أخر لا يمكن أن يتصف بالصدق أو الكذب . في حين يتصف التصديق (أو القضية) بكونه أما أن يكون صادقاً إذا إنطبق على الواقعة (الظاهرة) التي وصفها . وبخلاف ذلك يكون كاذباً . كما إن بناء التصديق من الزاوية المنطقية يعتمد على التصورات (الحدود) التي دخلت في تركيبها وطبيعة العلاقة المنطقية السائدة بين التصورات أو التي شدت التصورات وكونت لحمة القضية . إن الإفادة التي كتبها إبن رشد جاءت معبرة عن هذا الفهم بدقة عالية . فذهب شارحاً ” كان مقصود الشرع تعلم العلم الحق ، والعمل الحق ، وكان التعليم صنفين تصوراً وتصديقاً كما بين أهل العلم بالكلام ، وكانت طرق التصديق الموجودة للناس ثلاثة : البرهانية … والجدلية … والخطابية … وطرق التصور أثنتين أما الشئ نفسه … وإما مثاله ” ( إبن رشد ؛ المصدر السابق ، ص 55) .

ثالثاً – بناء نظام برهاني لعلم الفقه حيث تتوافر الدقة والوضوح في المفاهيم التي يتداولها ، والمتانة في القضايا التي تدخل في تكوين النظام . وعلى هذا الأساس يتم في النظام المنطقي شطب الغموض واللبس من المفاهيم ، وإستبعاد التناقض من القضايا . وإذا تحقق ذلك فإن الحاصل هو الصعود بعلم الفقه إلى الطوابق العالية حيث البرهان المنطقي . وهذا النظام البرهاني يتألف من المكونات الآتية :

1 – المقدمات الفقهية :

     وهي أوائل بسيطة بينة بذاتها ، وذلك يأتي من حيث إنها تتألف من مفاهيم بسيطة ودقيقة وواضحة . وإن هذه المقدمات (وبلغة الغزالي البديهيات) هي صادقة بالضرورة . وإن البرهان يعتمد عليها في إثبات صدق قضايا جديدة (وبلغة المنطق مبرهنات تحتاج إلى برهان على صدقها) . ويلاحظ الباحث إن التوجه العقلاني لفيلسوف قرطبة قد إهتم بالأوائل (أو المقدمات الصادقة أو البديهيات) وذلك لكونها الثوابت التي يبدأ بها البرهان العقلي في علم الفقه . ولهذا أفاد قائلاً : ” فكم بالحري أن يشترط ذلك في الحاكم على الموجودات ، يعني أن يعرف الأوائل العقلية ووجه الإستنباط منها ” (المصدر السابق ، ص 45) .

2 – النتائج المشتقة (المبرهنات) :

     وهي قضايا فقهية تعتمد في بيان صدقها على الأوائل (المقدمات) . وإن عملية البرهان أو الإشتقاق تستعين بالإستدلال (او بحدود فيلسوف قرطبة الدقيقة الإستنباط) وذلك بإعتباره السبيل الذي يحقق الصدق للأواخر (النتائج) . إذ بالإستدلال يتكشف إن صدق الأوائل يؤدي بالضرورة إلى صدق الأواخر (المبرهنات) . ونحسب إن فيلسوف قرطبة كان يتطلع إلى منح البناء النظري لعلم الفقه خصائص قريبة بدرجات ما من سمات البناء الرياصي وما يتمتع به من رمزية وصرامة ، ودقة وإستدلالية بحيث توفر الصدق والمتانة للبناء الفقهي برمته . ولذلك نسمعه يصرح  : ” وبين أيضاً إن هذا الغرض إنما يتم لنا في الموجودات بتداول الفحص منها واحداً بعد واحد ، وأن يستعين في ذلك المتأخر (المبرهنات) بالمتقدم (البديهيات أو مبرهنات ثبت صدقها) على مثال ما عرض في علوم التعاليم (الرياضيات) ” (المصدر السابق ، ص 27) . ومن ثم يؤكد صراحة على ضرورة تمثُل علم الفقه بالعلم الرياضي ، وذلك لأن حاجة الأول (علم الفقه) وبالتحديد إصوله إلى الثاني (الرياضيات) واجبة . فيقول : ” واما الذي أحوج في هذا التمثيل بصناعة التعاليم ، فهذه صناعة أصول الفقه ” (المصدر السابق) .

رابعاً – ثلاثة أنماط من الأحكام :

        يجد القارئ للإفادات الرشدية ، إنها ميزت بين ثلاثة أنماط من الأحكام ، والتي في حقيقتها تُعبر عن ثلاثة مواقف كانت سائدة في مضمار علم الفقه يومذاك . كما يلحظ إن فيلسوف قرطبة قد رجح الأحكام البرهانية ، وإستبعد الأحكام الأخرى ، مما يدل على إن الرجل قد إنتصر إلى النهج العقلاني الناشد الإمساك بالحقيقة المتسورة بدرجات اليقين ، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق البرهان . حقيقة إن إبن رشد فرق بين ثلاثة أحكام والتي تشمل ثلاثة أصناف من البشر ، وبدأ من القاع صعوداً الى قمة الهرم المعرفي حيث تتربع الأحكام البرهانية (والتي تتضمن القول بهرم إجتماعي تتوزع فيه الطبقات الإجتماعية ويحتل طوابقه العالية أهل البرهان) :

1 – الأحكام الخطبية :

     إن فيلسوف قرطبة قد إستبعدها من منهجه العقلاني ، والسبب هو إعتمادها على لغة التداول اليومي ، وهي لغة الجمهور المملوءة باللبس والغموض والتناقض . في حين إن المنهج العقلاني هو منهج النخبة من أهل التأويل . ولذلك سمعناه يقول : ” الناس على ثلاثة أصناف : صنف ليس هو من أهل التأويل أصلاً وهم الخطبيون الذين هم الجمهور الغالب ، وذلك إنه ليس يوجد أحد سليم العقل ” (المصدر السابق ، ص 58) .

2 – الأحكام الجدلية :

     ونظر فيلسوف قرطبة بعين ناقدة إلى مستوى أخر من الأحكام ، وهي أرقى من الخطبية . إلا إنها أدنى مرتبة من البرهانية في الهرم المعرفي (والذي يتضمن القول بأن أهل الجدل يشغلون مكانة في الهرم الإجتماعي أعلى من الجمهور الغالب ، ولكنها أقل مرتبة من أهل البرهان) . والأحكام الجدلية تصدر من نخبة من الجدليين الذين يستخدمون المنهج العقلاني في إطار الجدل الذي لا يرقى إلى المنهج العقلاني البرهاني . وحدد إبن رشد هذا النمط بقوله : ” وصنف هو من أهل التأويل الجدلي   وهؤلاء هم الجدليون بالطبع أو بالطبع والعادة ” (المصدر السابق) .

3 – الأحكام البرهانية :

     وأخيرأ وصل إبن رشد إلى قمة هرمه المعرفي ، وهذا كان هو مرماه ، حيث الأحكام البرهانية التي تتسم بطبيعتها العقلانية اليقينية . وهي أعلى درجات الصدق (والتي تتضمن القول بهرم إجتماعي يحتل طوابقه العالية أهل التأويل اليقيني أو البرهانيون) . وجاء في توصيف فيلسوف قرطبة لهذه الأحكام ، تحديداً لطبيعة المنهج العقلاني الذي يتداوله أهل التأويل اليقيني . فذهب معلقاً : ” وصنف هو من أهل التأويل اليقيني ، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة أعني الصناعة الحكمة ” (المصدر السابق) .

تعقيب ختامي :

   ما هو الدرس المُستفاد من حضور المنطق في الخطاب الرشدي ، وبالتحديد على صعيد المنهج العقلاني الذي قاده فيلسوف قرطبة في دائرة الثقافة العربية في عصره ؟ إن هذا الدرس توزع في النواحي الآتية :

أولاً – مكن علم المنطق فيلسوف قرطبة من إرساء قاعدة المنهج العقلاني . وجاء ذلك من خلال عرض موديلاً عاماً للغة فنية يمكن أن تستخدمها العلوم المختلفة  عامة والفقه خاصة . وهذه اللغة تتألف من مجموعة من المفاهيم (الحدود) الدقيقة والواضحة ، والتي تساعد العلوم وتشجعها على شطب الحشو الذي تسرب إلى داخل أبنيتها ، وذلك بسبب إعتمادها على لغة الحياة اليومية . كما تضم مجموعة من القضايا ، التي هي أبنية تعتمد في تكوينها على المفاهيم . وإن هذه القضايا تتميز بكونها خالية من التناقض . وإن تداول العلوم لها ، وإيجاد تطبيقات لها في ميادينها ، سيجنبها من الوقوع في التناقض . ومن هذا الطرف سيعينها على الحد من البلبلة والتشويش الذان يحدثان بسبب غياب المنطق . وهذه الحقيقة شكلت هدفاً رشدياً مُرجحاً في حركة المنهج العقلاني .

ثانياً – منح المنطق المنهج العقلاني الرشدي فرصة إنتشار داخل مباني العلوم الإسلامية عامة ، وعلم الفقه خاصة . وذلك بما تمتع به من يقينية عالية . وإن حضوره في ساحة هذه العلوم وفر لها تلك اليقينية العالية أو على أقل إحتمال درجات منها ، فمكنها من حسم الكثير الكثير من المواقف والقضايا لصالحها ، وهي القضايا التي أثير السؤال عنها ، وجرى النقاش حولها .

  حقيقة إن اليقينية هي رتبة عالية من الصدقية ، والتي لا تعلو عليها رتبة أخرى . ومن هذا الطرف تميز المنهج العقلاني الرشدي بهذه اليقينية التي وفرها البرهان . ومن هذه الزاوية حقق المنهج العقلاني إنتصاراً على غيره من المناهج الأخرى .

ثالثاً – كون المنطق ومن خلال ما قدمه من موديلات ، وما تمتع به من يقينية وبرهانية ، ولغة فنية دقيقة ، مرجعية للمنهج العقلاني الرشدي ، خصوصاً في نقد وتقويم المنهج الخطابي والمنهج الجدلي . فقد كشف فيلسوف قرطبة عن طبيعتهما المتدنية مقارنة بالمنهج البرهاني ، وبين إنهما أقل مرتبة في اليقينية والصدقية ، وأكثر تحرراً من شروط المنطق . كما ودللت هذه المرجعية على إن المنهج العقلاني هو خيار النخبة من العلماء والذين أسماهم إبن رشد ” أهل التأويل اليقيني ” . وهو يختلف عن إسلوب الجمهور الذي يعتمد المنهج الخطابي ، وإسلوب الجدل الذي لا يرقى إلى طوابق التأويل اليقيني .

  صحيح إن المنهج العقلاني هو منهج النخبة . ولكن إذا ما توافرت له ظروف الإنتشارالعادل ، وتوقفت الفكرانيات من محاصرته ، فإنه بالتأكيد سيتحول إلى منهج الجمهور .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث/ العدد الخامس / شتاء 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

إبن رشد الأب الروحي للعلمانية الحديثة

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

تقديم :

   إن عقلانية وعلمانية الفكر العربي وكسمولوجيته الإنسانية ، تكمن في تراثه الفلسفي الذي توزع في نظرياته الإنطولوجية ، الأبستمولوجية والأكسيولوجية ، ومنهجيته المنطقية التي مزجت بين منطق الحدود الأرسطي وتطبيقاته في الهندسة وعلم الحساب الإقليديين ومنطق القضايا الرواقي (في بعض النصوص وصل إلى العقل العربي ممزوجاً بالمنطق الأبيقوري وحجج الشكاك) . ولعل القارئ للنصوص الفلسفية العربية (الإسلامية) من الكندي وحتى إبن رشد ، يلحظ بيسر إن هذه النصوص الفلسفية ، ومنها النصوص المنطقية قد جسدت خير تجسيد عقلانية وعلمانية الفكر العربي وكسمولوجيته الإنسانية ..

   بل ممكن القول حتى إن ميتافيزيقيا الفكر العربي ، فهي ميتافيزيقيا متحررة من دوائر اللاهوت المتداول ، والتي رفضت بمنطق عقلاني وعلماني أن تسجن نفسها في تكايا وطقوس البخور .. بل تطلعت دائماً إلى الطوابق العليا من التأمل الفلسفي النازع إلى الإنفتاح والحوار والتسامح وقبول الآخر ، ومن ثم النظر إلى نقاط الإختلاف على إنها عناصر قوة للجميع ، وإنها ألوان الطيف الشمسي المتنوعة ، التي تزين كل حدائق المسيب البابلية ، التي ربما مر عليها  الفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي (230 – 150 ق.م) ،  وعبر فراتها وهو في طريقه إلى أثينا ، ليكمل دراساته العليا بعد إن تخرج من المدرسة الرواقية البابلية في سلوقيا (اليوم الضفة اليمنى من نهر دجلة ). ومن ثم ترأس المدرسة الفلسفية الرواقية هناك بعد وفاة أستاذه الفيلسوف الرواقي زينون الطرسوسي – السوري (إزدهر سنة 200 ق.م) ..

   ولعل رياح عقلانية وعلمانية  زينون السوري – الطرسوسي وديوجانس العراقي – البابلي ، عادت من جديد إلى المشرق العربي فعلاً ثقافياً ، وإلى المغرب العربي رد فعل ثقافي . جاء الفعل الثقافي بصورة رواقية جديدة مبثوثة في نصوص إفلاطونية محدثة فيها ترجيح ملحوظ لفيثاغورية جديدة ، وذلك من خلال تساعيات إفلوطين التي جمعها ونشرها تلميذه الفيلسوف اللبناني فرفريوس الصوري (233 – 309 م تقريباً)  بعنوان ” التساعيات ” ، والتي ترجمت إلى العربية ونشرت خطأً بعنوان ” أثولوجيا أرسطو ” والذي كان من المصادر الأساسية التي أعتمدها فلاسفة العرب في المشرق في تأسيس مشروعاتهم الفلسفية التي تطلعت إلى الجمع بين الحكيمين : إفلاطون وأرسطو ، والتوفيق بين الشريعة والحكمة .

   وهذه هي المشكلة الفلسفية التي إكتشفها فيلسوف قرطبة إبن رشد (وإن مهدت لإكتشافه محاولات تتوجت بمشروعي إبن باجة وإبن طفيل) وذلك بسبب توافر نصوص فلسفية أصيلة ترجمت مباشرة من اليونانية إلى العربية ، فكشفت له حقيقة كتب أرسطو الأصيلة وكتب أخرى شاعت ونسبت خطأً إلى أرسطو . ولعل كتاب إبن رشد المعنون ” ضميمة في العلم الإلهي ” عنواناً دالاً على تعامل فيلسوف قرطبة مع الأصيل من النصوص الفلسفيةالأصيلة التي كتبها الفيلسوف اليوناني أرسطو . وهذه الضميمة في إلاهيات أرسطو والتي لم تكن متوافرة في نصوص أرسطو المنحولة ، والتي تداولها العقل الفلسفي العربي في المشرق ..

  وهكذا كان الإختلاف بين المشروعات الفلسفية في المشرق العربي ، والمشروعات الفلسفية في المغرب العربي . فالأولى كانت تعمل على الجمع بين الحكيمين ومن خلالهما العمل على المصالحة بين المدرك الديني واللاهوت الفلسفي المتمثل بميتافيزيقا أرسطو المنتحل وميتافيزيقا إفلاطون المنتحل .

  أما الثانية فقد تمثلت بمشروع الفلسفة في المغرب العربي ، فقد جاهد الفيلسوف المغربي عامة من إبن باجة وحتى إبن رشد ومروراً بإبن طفيل إلى الفصل بين الحكيمين أولاً وكشف أغلوطة المشروع الفلسفي المشرقي في الجمع . ومن ثم جاء إنجاز دعوة الفصل بين الحكمة والعقيدة . وهذا ما عمل إبن رشد على تحقيقه بقدرة عالية ، منحته مكانة تتقدم صفوف الفلاسفة العرب والغرب في نهايات العصور الوسطى ..

    ومن ثم تحولت نصوص إبن رشد الفلسفية ، إلى مضامين ثورة فلسفية رشدية تحمل معها الفكر الأرسطي المعارض لكثير من الأراء التي تبنتها الكنيسة وأعتبرتها متناغمة مع الكتاب المقدس . وعلى هذا الأساس منعت دوائر اللاهوت الغربي فلسفة أرسطو المعارضة من أي شكل من أشكال الحضور في داخل المدارس ومن ثم الجامعات ولقرون عديدة ..

   ولكن رغم كل ذلك فقد تلقفت الجامعات الإيطالية والفرنسية الفلسفة الرشدية ، وفي أروقتها تحولت الرشدية إلى حركة تجديد فلسفي عمت عصر النهضة الأوربية ،  وحاولت بعض الكتابات الغربية  أن تتجاهل دون وجه حق الدور الذي لعبته الفلسفة الرشدية في عصر النهضة ونسبت دور التجديد لفلسفة المقاوم للرشدية ، وأعني به القديس توما الأكويني .

   الحقيقة إن دوائر اللاهوت الأوربية الرسمية والتي مثلها خير تمثيل القديس توما الإكويني كانت تتحرك في إتجاه الحد من هيمنة الرشدية ومن ثم بيان خطورتها على العقيدي المسيحي . وكانت جهود الأكويني مباركة ومدعومة بصورة مباشرة من قبل الحضرة البابوية ،  ولما كانت ردود توما الإكويني على الفلسفة الرشدية في طرفها الإيجابي ، محاولة تومائية حملت خطورة كبيرة على العقيدي المسيحي .

   والحق إن توما لم يدرك خطورتها إلا بعد فوات . إذ إن المعركة التومائية الشرسة ، ومن خلال ردودها النقدية على إبن رشد ، قد روجت للرشدية العلمانية  وأسهمت في إنتشارها الواسع في الدوائر الثقافية عامة والأكاديمية خاصة ، فكان من نتائجها زيادة الإهتمام بالرشدية ومن ثم البحث عن التراث الرشدي المترجم إلى اللاتينية والإنكباب على قراءته وإستلهامه ومن ثم تكوين ذهنية نهضوية تحركت نحو تأسيس قاعدة إقلاع لفكر فلسفي نهضوي جديد ليست له علاقة بكل أنماط فكر العصور الوسطى  .

   وهنا بدأت دوائر اللاهوت الرسمية تفكر بطرق جديدة في وقف زحف الفلسفة الرشدية فقررت أستصدار قرارات كنسية مباركة من قبل البابا ، في تحريم ومعاقبة معلمي الفلسفة الرشدية ومتعلميها ، ومن ثم تحول التحريم إلى تهديد ومقاطعة ، وسجن وحرق العلماء والفلاسفة وهم أحياء ، وكذلك حرق كتبهم التي تروج للرشدية .. ولكن الرشدية كانت من القوة وذلك لعقلانيتها وعلمانيتها ، فقد نجحت بصورة أدهشت الجميع في تكوين أفق لفكر فلسفي وعلمي جديدين ، سيعلن عن هويته في إصطلاح ” فلسفة عصر النهضة الأوربية ” .

    ومن ثم إستمر أثر الفلسفة الرشدية في الجدل الفلسفي الغربي في عموم دوائر الثقافة الأوربية ، وبالتحديد ظهر أثر الرشدية مكوناً نقدياً ومكوناً بنائياً في مضامين الفلسفة الأوربية الحديثة . ولعل الشواهد كثيرة ، منها للإستشهاد فقط فلسفة ديكارت الفرنسي ، ومن ثم فلسفة إسبينوزا والقائمة طويلة .. وإذا إنتقلنا إلى الفكر الغربي المعاصر ، فإننا نقرأ في موسوعات الغرب المتنوعة حديثاً خاصاً عن فيلسوف قرطبة ، حديثاً يصف أبن رشد بكونه ” الأب الروحي للعلمانية الحديثة ” .. إنه لقب إستحقه فيلسوف قرطبة بجدارة لا مثيل لها في التاريخ . فقد أسهم فيلسوف واحد ومن خلال كتبه وحدها في إحداث مثل هذه التحولات التي أخذ البعض من مفكري العلمانية الغربية ، يطلق عليها إصطلاح ” الثورة الرشدية ” . 

إبن رشد الوريث الشرعي للفلسفة العربية العلمانية

   تميزت الفلسفة العربية ومنذ بواكير نشأتها في بعدها الإنساني العلماني ، وحتى إذا تحدثنا عن منتوجها الفلسفي ، منتوجاً إسلامياً ، فإننا نتحدث عن منتوج فلسفي تم صناعته تحت مظلة حضارية وثقافية إسلامية هذا طرف . والطرف الثاني هو إن مؤسسات تعليم الفلسفة قد عرفت ظاهرة قل مثيلها في تاريخ الحضارات الإنسانية. فقد كان عدداً من أساتذة الفلاسفة العرب  (المسلمين) فلاسفة عرب (مسيحين) . وكان بالمقابل الفلاسفة العرب (المسلمين) أساتذة لعدد من الفلاسفة المسيحيين واليهود . وللإستشهاد أشير إلى ظاهرة الفيلسوف الفارابي . فقد كان تلميذاً لكل من متى بن يونس ، ويوحنا بن غيلان وهما من علماء المنطق المسيحيين ، وكان بالمقابل أستاذ الفيلسوف العربي المسيحي يحيى بن عدي مؤسس ما يُعرف بمدرسة بغداد الأرسطوطالية ، أو مدرسة بغداد النصرانية .

    كما إن ظاهرة الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون مثلاً أخر فقد هجر الأندلس لضيق الأفق الثقافي وعدم التسامح الديني يومذاك (فقد كان في قرطبة وعرف حجم المعاناة التي عاشها الفيلسوف إبن رشد وإن لم يقابله ، والثمن الغالي الذي دفعه فيلسوف قرطبة وهو يدافع عن فلسفته ومنهجها العقلاني ..) ، وجاء إلى مصر ليعمل بقرب من صلاح الدين الأيوبي . وكان بدوره تلميذاً للفيلسوف إبن رشد صاحب المنهج العقلاني ، وإن كانت التلمذة بطريق غير مباشر ، فقد عكف موسى إبن ميمون ثلاثة عشر سنة على دراسة مؤلفات إبن رشد . ونحسب إن موسى إبن ميمون قد قدم إبن رشد وفلسفته زاداً ثقافياً ومعرفياً إلى دوائر التفكير اليهودي ، ومن خلال إبن ميمون بدأت بوادر حركة فلسفية رشدية ، والتي أسهمت بدورها في التحضير لتعريف الغرب اللاتيني بإبن رشد وفلسفته وخصوصاً منهجه العقلاني العلماني . وهذه مسألة سنعود إليها في أطراف لاحقة من البحث .

إبن رشد والحركة الرشدية في الغرب

  أطلق الباحثون الغربيون ومنذ وقت مبكر ، على فلسفة إبن رشد التي فرضت هيمنتها على معاهد التعليم الأوربية في القرن الثالث عشر الميلادي في إيطاليا وفرنسا خاصة ، ومن ثم تحولت فيه حركته الرشدية الفلسفية والعلمية إلى ” ثورة تجديد ” عمت أوربا عامة ، إصطلاحات مختلفة ، كان الغرض منها إثارة المخاوف حول خطورتها على العقيدي الديني الغربي ومن ثم تحريض المواطن الأوربي إلى التفتيش عن وسائل ومناهج وفلسفات توقف زحفه .  ومن الإصطلاحات التي أطلقت عليها : ” الأرسطية المتطرفة ” و ” الأرسطية الهرطقية (الكافرة أو الملحدة) ” .

  ومن زاوية الدوائر الثقافية الغربية يومذاك ، إن خطورة الفلسفة الرشدية ، تكمن في إنه من المستحيل التصالح بينها وبين العقيدي المسيحي . فقد حملت معها ثلاثة قضايا فيها كسر العظم مع المدرك الديني المسيحي . وهذه القضايا هي :

أولاً- فناء النفوس العاقلة الفردية .

ثانياً- إمكانية إدراك السعادة في الحياة الأرضية .

ثالثاً- إن العالم ليست له بداية ونهاية زمانية (قديم).

  وكان الرشدي (الأرسطي المتطرف) يؤمن بفلسفة تؤكد على إن هناك ” عقل واحد كلي ، يشترك فيه كل البشر ، وإن السعادة ممكن إدراكها في الحياة الدنيا ، وإن العالم ليست له نهاية وبداية زمنية ” . ومن الملاحظ إن الرشدين قد تمتعوا بإمتياز عال ، وفرته لهم النظرية الرشدية المعروفة ” الحقيقة المزدوجة ” والتي تتضمن الدعوة إلى الفصل بين حقائق الإيمان (الوحي) وحقائق العقل (الفلسفة) وإن الفلسفة كما يقول إبن رشد هي ليست الدين ، وإنما الأخت الرضيعة . وهنا تكمن حقيقة علمانية إبن رشد ، ومن ثم علمانية الحركة الرشدية التي عمت الدوائر الثقافية الغربية .

  وبصراحة إن الحركة الفلسفية الرشدية ، قد رسمت بشكل واضح الحدود الفاصلة بين  المبنى العقيدي والمبنى الفلسفي وأعلت من مكانة الأخير على الأول . وهي الحدود التي عارضها القديس توما الإكويني ، وجاهد بكل قوة إلى شطبها ، ومن ثم عمل على دمج نتاج العقيدي بنتاج العقل وتكوين مركب فلسفي ملفق سيطلق عليه ” الفلسفة المسيحية ” أو كما سماها الغربيون التومائية والتي ستتحول إلى حركة فلسفية بديلة في الأديرة ومعاهد الكنيسة ، وسيروج لها في دور ثقافة الجمهور . وهو مشروع مسبوق ، إشتغل عليه العديد من القديسين قبل توما بأزمان متباعدة من أمثال أوغسطين وألبرت الكبير (إستاذ توما الإكويني) وسواهم . ومن المفارقة التاريخية إن خصوم القديس توما الفرنسسكان إتهموه بالترويج والتشجيع على الرشدية . كما إن أسقف باريس تايبر الذي عمل مع القديس توما كتف بكتف ضد الرشدية في باريس ، سيندد بعشرين قضية فكرية من قضايا القديس توما الإكويني ، ويعتبر أن فيها معارضة للعقيدي المسيحي .

  ومن ثم أصبح إصطلاح ” الرشدية ” إصطلاحاً متداولاً بصورة واسعة في دائرة الثقافة الغربية ، ليدل على هوية الفكر الغربي بصورة عامة الذي تولد في القرن الثالث عشر وحتى القرن السادس عشر الميلاديين . وهو الفكر الذي وقع تحت تأثير فلسفة وعلوم إبن رشد والفلاسفة الذين شايعوا وتبنوا فلسفته من عبريين ولاتين . 

إبن رشد وفلسفته من زاوية غربية

   يطلق الغربيون على إبن رشد ، إسم ” الشارح الكبير ” مرة ، وإسم ” الشارح لكتب أرسطو ” و” الشارح العربي ” (هذا إصطلاح القديس توما) في القرن الثاني عشر الميلادي . ومن المفيد أن نشير إلى إن ” دانتي ”  صاحب الكوميديا الإلهية ، كان هو أول من تكلم في دوائر الفكر الغربي عن إبن رشد ” الشارح ” . ومنحه مكانة في الكوميديا الإلهية . ولكن خارج فردوس توما الإكويني وحتى خارج فردوس الرشدي اللاتيني العنيد سيكر البربنت . 

وقد تحسس بعض الأكاديميين العرب والمسلمين من هذا اللقب ، ووجدوا فيه إنتقاصاً من مقام فيلسوف قرطبة . ونحن لا نشعر فيه إنتقاص ، بقدر ما هو إعتراف غربي على علو كعب إبن رشد وأسلافه من المشارقة والمغاربة في إستيعاب الفلسفة الأرسطية هذا طرف . والطرف الأخر هو سعة الرئة الثقافية العربية والإسلامية وتسامحها مع التراث الإرسطي مقابل قرارات المنع والتحريم التي أصدرتها دوائر القرار السياسي الديني في الغرب والتي منعت فلسفة أرسطو الطبيعية والميتافيزيقية لقرون (ولهذا السبب إهمل تراث أرسطو برمته) ، ولم يتجدد الإتصال بها إلا من خلال التراث الفلسفي والعلمي العربي ، وبالتحديد في عام 1150 وهو القرن الثاني عشر الذي شهد ترجمة عارمة للتراث العربي في العلوم والفلسفة قبل إبن رشد . وحينها كان إبن رشد إبن الرابعة والعشرين ربيعاً والذي لم يكتب شيئاً بعد (وعلى الأقل في بدايات العقد الثالث من عمره سيبدأ المحاولة الأولى في التأليف الفلسفي وبالتحديد في مضمار منطق أرسطو) .

    ولعل الموقف من إبن الرشد وحركته الفلسفية العلمية الرشدية ، هو إستمرار لكره فلسفة أرسطو . كما إن قرارارت التحريم وحرق كتب إبن رشد والحركة الرشدية ، هو دليل على إستمرار قرارات تحريم فلسفة أرسطو بحجة إنها جاءت محمولة على نصوص فيلسوف مسلم (وثني بلغتهم) .

   ومهما يكن اللقب الذي يطلقه الغربيون على فيلسوف قرطبة وفيلسوف الحركة الثقافية الغربية العلمانية ، فأن فلسفته وما حملته من تراث أرسطي ، قد شكلا منبعاً حيوياً لتجديد الثقافة الغربية في عصر دشن أول نهضة  شهدها النصف الثاني من القرن الثاث عشر ، وهي النهضة التي سبقت عصر النهضة الغربية الرينساس التي ملئت القرنيين الخامس والسادس عشر .

  وهنا نقدم مراجعة للمؤلفات والرسائل التي كتبها إبن رشد والتي تلقفها العقل الأوربي في العقود الثلاث الأولى من القرن الثالث عشر ، وبطرفيه العبري واللاتيني وبدأ بترجمتها ، ومن ثم كونت الموجة الفلسفية والعلمية (بل والثقافية) العارمة التي عُرفت بالحركة الرشدية . وهذه النصوص الرشدية بالمناسبة تشكل طوابق من المعرفة تبدأ من الأعلى إلى الفوق . وبالشكل الأتي :

الكتب المنطقية

الشرح القصير

1 – الشرح القصير على أورغانون أرسطو (والعنوان بالمخطوط والمنشور العربي ” تجريد الأقوال الدرية من صناعة المنطق ” / والذي كتبه في عام 1157 م / 552 هجرية) .

الشروح المتوسطة

2 – الشرح الوسيط على إيساغوجي (وبالعربية ” تلخيص كتاب إيساغوجي ” (لفرفريوس الصوري) وعنوانه في بعض المخطوطات ” تلخيص كتاب أرسطو في المنطق “) .

3 – الشرح الوسيط على المقولات (وبالعربية ” تلخيص كتاب المقولات “) .

4 – الشرح الوسيط على العبارة (وبالعربية ” تلخيص كتاب العبارة “) .

5 – الشرح الوسيط على التحيلات الأولى (وبالعربية ” تلخيص كتاب القياس “) .

6 – الشرح الوسيط على التحليلات الثانية (وبالعربية ” تلخيص كتاب البرهان لأرسطو “) .

7 – الشرح الوسيط على الموضوعات (وبالعربية ” تلخيص كتاب الجدل “) .

8 – الشرح الوسيط على السفسطائية (وبالعربية ” تلخيص كتاب السفسطة “) .

9 – الشرح الوسيط على الخطابة (وبالعربية ” تلخيص الخطابة “) .

10 – الشرح الوسيط على الشعر (وبالعربية ” تلخيص كتاب الشعر “) .

الشروح الطويلة

11 – الشرح الطويل على التحليلات الأولى (وبالعربية ” شرح كتاب القياس لأرسطو “) .

12 – الشرح الطويل على التحليلات الثانية (وبالعربية ” شرح على كتاب البرهان “).

مسائل (أو أسئلة)

13 – أسئلة في المنطق (وبالعربية جزء  أو ” مسألة في الحكمة ” أو ” مقدمة في الحكمة “) .

مسائل من الإيساغوجي

13 . 1 – أسئلة الفارابي على الإيساغوجي حول الفصل والجنس (وبالعربية ” كلام إبي نصر في الجنس والفصل “) .

مسائل من المقولات

13 . 2 – أسئلة على الكليات الجواهر والكليات الأعراض (وبالعربية ” أقوال في الكليات الجواهر والكليات الأعراض”) .

مسائل من العبارة

13 . 3 – في الرابطة المنطقية والأسماء المشتقة (وبالعربية ” مقالة في اللازمة والكلمات المشتقة ” وفي مخطوطات أخرى توجد إضافة تقول ” من كتاب العبارة لأبي نصر “) .

13 . 4 – في المحمولات البسيطة والمركبة (وبالعربية ” من كتاب العبارة “) .

مسائل من التحليلات الأولية

13 . 5 – في التعريف : نقد لرأي الإسكندر (الإفروديسي : منا) والفارابي (وبالعربية ” أقوال في الحد ونقد لمذاهب الإسكندر وإبي نصر “) .

13 . 6 – نقد لمذهب إبن سينا في عكس المقدمة (وبالعربية ” نقد مذهب إبن سينا في عكس القضية “) .

13 . 7 – نقد مذهب ثامسطيوس (وهو من شراح أرسطو وإفلاطون إزدهر في القرن الرابع ولم يكن مسيحياً وإنما كان هيلينياً) في الأقيسة الممكنة في الشكل الأول والشكل الثاني (وبالعربية ” نقد مذهب ثامسطيوس في المقياس الممكن في الشكل الأول والثاني “) .

13 . 8 – فصل في المقدمة المطلقة (وبالعربية ” مقالة في المقدمة المطلقة “) .

13 . 9 – في أنواع نتائج الأقيسة المركبة (وبالعربية ” القول في جهة النتيجة في المقياس المركب “) .

13 . 10 – فصل في إعتماد النتائج على المقدمات (وبالعربية ” مقالة في لزوم النتائج من المقدمات “) .

13 . 11 – في خلط المقدمات الضرورية بالمقدمات الممكنة

13 .12 – فصل في لزوم النتائج من أقيسة مختلفة

13 . 13 – فصل في معنى محمول على كل شئ (وبالعربية ” مقالة في معنى مقول على الكل “) .

13 . 14 – فصل في الأقيسة الإشتراطية (وبالعربية ” مقالة في المقياس الإشتراطي “) .

13 . 15 – تلخيص شرح الفارابي للكتاب الأول من التحليلات الأولية (وبالعربية ” تلخيص شرح أبي نصر للمقالة الأولى من القياس “) .

مسائل من التحليلات الثانية

13 . 16 – في المحمولات في البراهين (وبالعربية ” القول في المحمولات البرهانية “) .

13 . 17 – كتاب الفارابي في البرهان (وبالعربية ” من كتاب البرهان لأبي نصر “).

13 . 18 – في تعريف الأشخاص (الأفراد) (وبالعربية ” القول في حد الشخص “) .

13 . 19 – في ثلاثة أنماط من التعريفات وعلاقتها بالبراهين .

13 . 20 – هل الحد الأوسط يعينُ الحد الأكبر .

13 . 21 – رسالة في مخالفة الفارابي لأرسطو في ترتيب التحليلات الثانية وقواعد البراهين والتعريفات (وبالعربية ” كتاب في مخالفة أبي نصر لأرسطو في كتاب البرهان من ترتيب وقوانين البراهين والحدود “) .

13 . 22 – في شروط المقدمات الضرورية للبراهين .

13 . 23 – في طريقة نقل البرهان من علم إلى علم أخر .

13 .24 – البراهين التامة

13 . 25 – في معنى التعريف الذي يكون معروفاً أفضل من الشئ المُعرف .

13 . 26 – في التعريفات التي يُقال إنها تختلف في ترتيبها عن البراهين .

كتب فلسفة الطبيعة

الفيزياء (الطبيعيات)

14 – شرح قصير (الصغير أو المختصر) على الفيزياء (الطبيعيات) (وبالعربية ” جوامع السماع الطبيعي ” وهي جزء من ” الجوامع في الفلسفة “) .

15 – الشرح الوسيط على الفيزياء (وبالعربية ” تلخيص كتاب السماع الطبيعي ” .

16 – الشرح الموسع (الكبير) على الفيزياء (وبالعربية ” شرح كتاب السماع الطبيعي “) .

في السماء

17 – الشرح الصغير على السماء والعالم (وبالعربية ” جامع السماء والعالم ” وهوجزء من ” الجوامع في الفلسفة “) .

18 – الشرح الوسيط على السماء والعالم (وبالعربية ” تلخيص كتاب السماء والعالم “).

19 – الشرح الكبير على السماء والعالم (وبالعربية ” شرح كتاب السماء والعالم “).

20 – في الأفلاك

في الكون والفساد

21 – الشرح الصغير على الكون والفساد (وبالعربية ” جامع كتاب الكون والفساد “).

22 – الشرح الوسيط على الكون والفساد (وبالعربية ” تلخيص كتاب الكون والفساد ” والذي كتبه في عام 1172 م / 567 هجرية) .

الآثار العلوية (الأنواء الجوية)

23 – الشرح القصير على الأنواء الجوية (الأثار العلوية) (وبالعربية ” جامع كتاب الأثار العلوية “) .

24 – الشرح الوسيط على الأنواء الجوية (الأثار العلوية) (وبالعربية ” تلخيص كتاب الأثار العلوية”) .

البايولوجيا (علم الحياة)

25 – الشرح الوسيط (؟) على الحيوان (وبالعربية ” تلخيص مقالة من كتاب الحيوان ” وكتبها عام 1169 م / 565 هجرية) .

26 – فصل عن الحيوانات (وبالعربية ” مقالة في الحيوان “) .

27 – الشرح القصير على النباتات

مسائل

28 – مسائل في فلسفة الطبيعة

علم النفس

الشروح

29 – كتاب النفس أو الشرح القصير على النفس

30 – الشرح الوسيط على النفس (وبالعربية ” تلخيص كتاب النفس “) .

31 – الشرح الكبير على النفس (وبالعربية ” شرح كتاب النفس “) .

32 – شرح على الحس والمحسوس (وبالعربية ” تلخيص الحس والمحسوس ” كتبه عام 1170 م / 565 هجرية) .

رسائل في العقل

33 – بحث فيما إذا يوجد العقل فينا ، والمسمى العقل المادي ، وهل له القابلية على معرفة الصور المستقلة أم لا (وبالعربية كتاب في فحص هل العقل المسمى بالهيولاني يعقل الصور المفارقة) .

34 – فصل في إتصال العقل بالإنسان (وبالعربية ” مقال في إتصال العقل المفارق بالإنسان “) .

35 – فصل في إتصال العقل بالإنسان (وبالعربية ” مقال في إتصال العقل بالإنسان “).

36 – فصل في العقل (وبالعربية ” مقال في العقل “) .

37 – شرح على رسالة الإسكندر (الإفروديسي) في العقل (وبالعربية ” شرح على مقالة الإسكندر في العقل “) .

38 – شرح على رسالة إبن باجة في إتصال العقل بالإنسان (وبالعربية ” شرح رسالة إتصال العقل بالإنسان لإبن باجة ” (1095 – 1138)) (أنظر : أحمد جمال : إبن رشد / مجلة الرينسانس الشهرية / العدد 9 سنة 1994 ، وكذلك : أوليفر ليمان ؛ إبن رشد وفلسفته ، روتليدج 1998 ، وروث كلاسنر ؛ طبيعيات إبن رشد : نقطة تحول في الفلسفة الطبيعية في العصور الوسطى ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2009) .

شروح كتاب ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا)

39 – تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة

40 – شرح ما بعد الطبيعة الكبير

41 – جوامع كتب أرسطوطاليس في الطبيعيات والإلهيات

شرح على الأخلاق

42 – تلخيص الأخلاق

شرح على السياسة

43 – شرح على سياسة إفلاطون أو شرح على جمهورية إفلاطون

وله شروح علمية مثل شرح على المجسطي .. وكتاب الكليات في الطب .

حضور إبن رشد في الفلسفة العبرية

  وانا أخط هذا العنوان ، كان الآلم يعصر ضميري قبل قلبي ، وذلك لأن الفلسفة ذات بعد إنساني ، يتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية والجندر والدين والقومية والإثنيات .. ولكن المقاومة التي واجهتها فلسفة إبن رشد على يد القديس توما الأكويني خاصة ودوائر اللاهوت المسيحي . تطلبت منا أن نقدم شاهداً فلسفياً من دوائر فلسفية أخرى نشأت تحت مناخات دينية لا إسلامية ولا مسيحية .. فهي لا تنتمي إلى المظلة الدينية التي عمل إبن رشد تحتها وستظل بها .. ولا تنتمي إلى المظلة الدينية المسيحية التي كان فيها الأكويني موظفاً عضوياً .. إنها مظلة دينية مخالفة ، إن هؤلاء الفلاسفة تعاملوا بمنهج فلسفي عال مع فلسفة إبن رشد رغم إن الفلاسفة الذين تعاملوا مع إبن رشد وفلسفته ينتمون ضمن التصنيف الذي نتحفظ عليه . نقول إن الكتابات التقليدية تصنفهم تحت مظلة ” الفلسفة العبرية ” . حقيقة إن هؤلاء الفلاسفة تعاملوا مع فيلسوف قرطبة كواحد من فلاسفتهم ولم يفكروا في إنه ” فيلسوف مسلم ” وهذا هو الشعار السياسي الذي سيشتغل عليه الأب الروحي للتومائية ، ويحرك الرأي العام ومصدر القرار البابوي . ولوح به وبين بأن الخطورة ليست في أرسطو المندمج في شخصية إبن رشد . وإنما في العقيدي الإسلامي المناوئ للعقيدي المسيحي . وتحت هذه الضميمة التومائية جند الأكويني كل أدوات الكنيسة لمقاومة الفلسفة الرشدية .  هنا سوف لا أعيد ما كتبته في بحثي المعنون ” إبن رشد ورصيد الحركة الرشدية العبرية واللاتينية ” والمنشور على صفحات موقع الفيلسوف . وإنما سأركز على دور محدد للدوائر الفلسفية العبرية والفلاسفة العبريين وكيف تعاملوا مع تراث إبن رشد الذي ترجم إليهم من قبل المترجمين العبريين وقبل أن يترجم إلى اللاتينية وتعرفه جامعات بادو وبولونا الإيطاليتيين ومن ثم جامعة باريس وبالتحديد مع نشر الترجمات اللاتينية لكتب وشروح فيلسوف قرطبة .

  وقبل كل شئ أود أن أشير إلى حقيقة مهمة لعبت دوراً في تيسير مهمة فلسفة إبن رشد وكتاباته وشروحه على فلسفة أرسطو وعلى كتاب الجمهورية لإفلاطون ، من الدخول إلى دوائر الثقافة العبرية عامة ومنها الفلسفية خاصة ، دون موانع وصعوبات . أقول لقد يسر مهمة إستقبال العقل العبري لفلسفة إبن رشد ، الفيلسوف العبري الأندلسي موسى بن ميمون ، والذي كان معاصراً لأبن رشد وإن لم يلتقي به ، وهرب من قرطبة والأندلس والمغرب ورحل إلى مصر صلاح الدين الأيوبي وأصبح طبيبه الخاص ومن ثم طبيب ولده فيما بعد . هذا الفيلسوف الميمون هو الذي يسر الأجواء العبرية لقبول الفلسفة الرشدية ومن ثم إستقبالها بحرارة منتظرة وواعدة .

  صحيح جدا جدا إن إبن ميمون ليس طالباً من طلاب إبن رشد أو حوارياً من حواريه . ولكنه كان قارئ للتراث الرشدي . ولعل الشواهد الدالة على متابعة إبن ميمون للمشروع الرشدي : أولاً – محاولة إبن ميمون التوفيق بين الأرسطية والإنجيل العبري (التوراة) أو العقيدي اليهودي . ثانياً – تأثر إبن ميمون بالفيلسوف إبن سينا . ثالثاً – كتب إبن ميمون في المنطق وفي كتاباته إعتماد على ابن سينا صعوداً إلى الفارابي . رابعاً – وصلت كتب إبن رشد إلى مصر عام 1190  ، وفيلسوف قرطبة كان حياً يُرزق ، وكان إبن ميمون في مصر وتعرف عليها . خامساً – إن القراءة الداخلية لكتابات إبن ميمون ، تدلل على حضور أفكار رشدية مختصرة في النصوص التي كتبها إبن ميمون (أنظر : سارا سترومسا ؛ إبن ميمون وعالمه الخاص : صورة مفكر متوسطي / نشرة مطبعة جامعة برنكتن 2009) .

   ونختتم هذا الطرف من البحث بالإشارة إلى رسالة مؤرخة في 1190 ، كتبها إبن ميمون في القاهرة وأرسلها إلى أحد طلابه المقربين ، وهو” يوسف بن جودا (يهودا) أكنين ” (1150 – 1220) والذي قابل أبن ميمون في فاس ، يقول إبن ميمون فيها بالحرف الواحد : ” لقد وصلني في الفترة القريبة كتاب لإبن رشد على مؤلفات أرسطو . إضافة إلى ذلك الكتاب ، فقد قرأت بما فيه الكفاية وذلك للوقوف على معرفة إن إبن رشد قد توصل إلى الحقيقة بدرجات عالية من الدقة . ولكن هذه الأيام لا يتوافر لدي الوقت لأعمل دراسة عنها ”  ومرفق مع الرسالة مقطع من الكتاب مرسل بتاريخ 1199 إلى الفيلسوف العبري صمويل تيبون والذي يعرف بالعربية بإبن تبون (1150 – 1230) .

   إذن واضح جدا إن إبن ميمون ومن ثم تلميذه يوسف أكنين والفيلسوف العبري إبن تبون قد سهلا مهمة إستقبال إبن رشد وفلسفته إلى دوائر الثقافة العبرية عامة وساحات التفكير الفلسفي العبري خاصة (أنظر : كوفمان كوهلر : أفيروس (إبن رشد) بالإنكليزية / الإنسكلوبيديا العبرية / أون لاين 2002 – 2011)

 لقد تلقف الفلاسفة العبريون الرشدية بحماس ملفت للنظر ، كان من حصيلته تكوين حركة فلسفية رشدية عبرية . ولعل أول ما يلحظه الباحث إن الفلاسفة العبريون قد  تبنوا الرشدية بطرق عدة ، ووظفوا حجج إبن رشد في مسارات متنوعة ، ووصلوا في أطراف منها إلى نتائج أبعد مما رسم لها فيلسوف قرطبة . إن الأتصال الأول بين الفلسفة الرشدية والعقل الفلسفي العبري كان من خلال الترجمات العبرية لكتب وشروح إبن رشد التي حدثت في العقد الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي (أنظر : محمد جلوب الفرحان : إبن رشد ورصيد الحركة الرشدية والعبرية / منشور على موقع الفيلسوف ، ديسمبر 2011) .

  فمن خلال قراءة التراث الرشدي ، وجد الفيلسوف العبري في الرشدية إمكانية متفردة في حل الكثير من الأسئلة والتي دارت حول العلاقة بين الفلسفة (العقل) والدين (الإيمان) . كما وإن الفكرة الرشدية القائلة : إن الفلسفة والدين كلاهما صادقان حتى وإن كانا ، كما يبدو ، يقدمان أجوبة مختلفة للسؤال الواحد المطروح أمامهما . حقيقة إنها فكرة ألهمت الكثير من الفلاسفة العبريين ، وحثتهم على القيام بإنجاز مشاريع تفسير للقضايا الدينية في إطار الصيغ الفلسفية . وفعلاً فقد نشط الفيلسوف الرشدي العبري ، وبحماس عال في هذا الإتجاه ، وقدم شهادات دالة على إمكانية ترجمة العبارات الدينية الكلاسيكية إلى قضايا فلسفية .

  ولكن مع الإشارة إلى إن عدداً محسوباً من الفلاسفة الرشديين العبريين ، قد واجهوا الكثير من الصعوبات ، وتعرضوا إلى أشكال مختلف من المعاناة ، وبذلوا الجهود المظنية في المصالحة بين الإعتقاد والعقل (بين الدين والفلسفة) . ولهذا ظهرت الرشدية لهم ، إنها تقدم الحل لهذه المشكلة وذلك من خلال الإتصال القائم بين العقل والإيمان ، والذي يترتب عليه إنه في الإمكان أن يكون ما هو ديني وما هو عقلي وجهان للحقيقة الواحدة ، وصادقان في آن واحد . ولذلك سيلحظ القارئ بدهشة وكذلك الأكاديمي الحافرُ في أوراق تاريخ الرشدية العبرية على حد سواء ، إن عدداً ملحوظاً من الفلاسفة العبريين قد جذبهم هذا المبدأ الفلسفي الرشدي .

أولاً – الفيلسوف الرشدي العبري ” إسحق البلك ” والذي يُصنف من فلاسفة النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي . جاء الفيلسوف إسحق البلك من الأندلس (أسبانيا) وبالتحديد من شمال أسبانيا وجنوب فرنسا . وهو بعيون الكثير من الباحثين العبريين في عصره ، كان متحرراً  بل وهرطقياً خصوصاً في مثابرته الناجزة والتي فسر فيها الإنجيل اليهودي ، وبالتحديد قضية الخلق على أساس نظرية أرسطو في أبدية العالم (القدم) .

  لقد كان إسحق مفتوناً بفضائل وخصائص الفيلسوف إبن رشد ، ولذلك أعلى من مكانته حتى بزت مكانة جميع أسلافه ، ومن ضمنها مكانة الفيلسوف العبري إبن ميمون .

  ولعل من أهم أعماله المتميزة ، هي الترجمة العبرية التي أنجزها لأجزاء من كتاب الإمام الغزالي ” مقاصد الفلاسفة ” . وفعلاً فقد أنجز هذا الجزء من المقاصد في العام 1292 ميلادية (أنظر : كوليت سيرت ؛ تاريخ الفلسفة العبرية في العصر الوسيط ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1985 ، ص 238  وما بعد) .

  ونحسب إنه من المهم إن نخبر القارئ والباحث في فكر الإمام الغزالي إلى إن للفيلسوف العبري إسحق البلك أراء خاصة في فهم مقاصد الغزالي وكيف إنه وقع في خطأ في فهم أرسطو وذلك عندما غابت كتب أرسطو الأصلية من دائرة فكره ، فإنتخب منهج الإعتماد على شراح أرسطو فجانب الحق والحقيقة . وهذه مسألة في غاية الأهمية أدركها إبن رشد حين كتب مؤلفه المتفرد ” تهافت التهافت ” . ويبدو لي إن قراءات الفيلسوف العبري لكتاب تهافت التهافت قد مكنته من معرفة الضميمة التي لفت مثابرة الغزالي في التشويش على الفلسفة والفلاسفة .

  ونلحظ إن الفيلسوف الرشدي العبري ، حاله حال إبن رشد يحسبُ إن الفلاسفة في موقع أفضل من الجمهور العام في فهم الحقيقة وذلك بما توافر لهم من منهج فلسفي يعتمد على الحجة البرهانية . إلا إن الفيلسوف إسحق ذهب أبعد من ذلك فرأى إن الفلاسفة وحدهم المؤهلون على هذا النوع من التفكير ، وهم وحدهم المسموح لهم بالحديث عن الحقيقة . ولهذا تحول إسحق إلى فيلسوف رشدي متطرف وذلك عندما قام بفصل القضايا الفلسفية عن القضايا الدينية (أنظر : أو . ليمن ؛ إبن رشد وفلسفته ، نشرة مطبع كلرندن ، أكسفورد 1988) ، فحمل البعض إلى الإعتقاد بأنه يقول بحقيقتين وليس بحقيقة واحدة لها طريقين في التعبير (طريق الفلسفة وطريق الوحي) . والحقيقة إن هذا الفصل بين الحقيقتين الفلسفية والدينية ، هي الميزة التي طبعت الحركة الرشدية العبرية واللاتينية .

ثانياً – الفيلسوف الرشدي العبري ” يوسف بن كساب ” (1279 – 1340) الذي ولد في مدينة لارجينتير المتعددة الأعراق والعقائد ، وهي مدينة مناجم ، ولذلك جاء إسم لقبه ” كساب أو كسابي ” (أي المصنوع من الفضة) . كان مولعاً بالسفر ، فزار العدديد من الممالك الفرنسية والأسبانية مثل أرلس وأراكون . كما ورحل إلى جزيرة مالروكي الأسبانية في البحر المتوسط ، وإلتقى صدفة بالباحث العبري ” يهودا ليون بن موسى مسكوني (ولد 1328) وإذا صح ذلك فإننا لا نعرف ما جرى خصوصاً وإن الباحث العبري مسكوني كان بالتأكيد طفلاً أو صبي يافع حينذاك .

  ولعل المهم في رحلات الفيلسوف الرشدي العبري يوسف بن كساب ، هي زيارته إلى مصر حيث كان يتطلع للقاء بأحد إفراد عائلة الفيلسوف العبري موسى بن ميمون ليتعلم منهم . إلا إن هذا الأمل تبدد وذلك لأن أخلاف إبن ميمون كانوا أتقياء أكثر من كونهم علماء . بعد ذلك عزم إلى التوجه نحو فاس المغربية حيث توجد الكثير من المدارس . ولكنه تخلى عن المشروع لأسباب غير معروفة ، وفضل العودة إلى تارسكون (في جنوب فرنسا) حيث عاش محنة دينية وهُدد بالعقاب إذا لم يتبرأ من عقيدته الدينية (أنظر : د . ميسك ؛ المبادئ اليهودية في فلسفتي إبن ميمون ويوسف كساب / منشور في كتاب : التصوف والفلاسفة والسياسيون ، طبع في مطبعة جامعة دوك ، درم 1982 ، ص ص 85 – 98) .

   إن الحديث عن الفيلسوف الرشدي العبري إبن كساب كاتباً ، حديث ذو طعم خاص . فقد ذكرت المصادر الإنكليزية التي تتحدث عن حياته ، إنه أمتهن الكتابة منذ وقت مبكر ، وبالتحديد عندما كان إبن سبعة عشر ربيعاً . وتضيف إلى إنه في الثلاثينات من عمره كرس حياته كلية لدراسة المنطق والفلسفة . وهنا أنتخبُ شئ من قائمة مؤلفاته الطويلة :

1 – شرح على شروح إبراهام بن عزرا في النحو

2 – خلاصة لشروح إبن رشد على أخلاق أرسطو وجمهورية إفلاطون وعلى أساس الترجمة العبرية لصمويل المارسيلي

3 – شرح على كتاب دلالة الحائرين لأبن ميمون (نشر في فرانكفورت 1848)

4 – العبارات الأخلاقية (خصصها لولده) نشرت في لايزبك سنة 1844

  ويلاحظ إنه تأثر بقوة بإبن ميمون وإبن رشد وإبراهام بن عزرا(وهو باحث عبري من طليطلة ذكرناه عندما تحدثنا عن الأسباب التي شجعت الكثير من الباحثين الأوربيين على تفضيل طليطلة مدينة ثقافية للإتصال بالتراث العلمي والفلسفي العربي) . ولعل من الأثار التي تركها عزرا على يوسف كساب ، هو بناء نحو (قواعد لغة) فلسفي للغة العبرية . ومن الأثار التي تركها إبن ميمون وإبن رشد على كساب دور الألهة في المعجزات (ورأيه متطرف حيث يحد من فعل الألهة) . وقيم الصدق في العبارات الدينية (ويعتقد إنها خالية من قيم الصدق) . ووظيفة القضايا (العبارات) الدينية في حث الناس على الفعل ، وتعلم قواعد السلوك المقبول (أنظر : سيرت ؛ تاريخ الفلسفة العبرية في العصور الوسطى / مصدر سابق) .

  ويحسب إنه مادامت الفلسفة تختلف عن النبوة فإنه ليس من الغرابة أن نجدهما لا يتفقان . وإذا عرفنا حقيقة لماذا قال الأنبياء ما قالوا ، ولماذا حدثت المعجزة بهذه الصورة ، فإنه في الإمكان المصالحة بينهما . كما وينبغي أن نتذكر بأن النبوات تستخدم طريقاً أبسط في الحديث مع الجمهور العام وذلك لأنها تستخدم عبارات بسيطة وأكثر يسراً من الحقائق الفلسفية . ويرى إن البشر كائنات تمتلك قابليات محددة في فهم العبارات الدينية من طرف ، وإن هناك مسافات زمنية بعيدة تفصلنا عن مصادرها ، فإننا ملزمون بقبولها كعقائد ، وفي الوقت ذاته يمكن قبولها بطمأنينة عالية كمبادئ مكافأة (مساوية) للحقائق الفلسفية (أنظر : المصدر السابق ، وكذلك : د . رسكر ؛ النزعات الرشدية في الفكر العبري والمسيحي في أواخر العصور الوسطى / منشور في مجلة سيكيم / العدد 55 سنة 1980 ، ص ص 294 – 304) .

ثالثاً – الفيلسوف الرشدي العبري ” موسى بن جشوا ” والذي يُعرف كذلك بإسم ” موسى نربوني ” (ولد  في بيرني جنوب فرنسا حوالي 1300 وتوفي بعد عام 1362) . وهو فيلسوف وطبيب . بدأ برنامجه التعليمي بدراسة الفلسفة مع والده ، وذلك عندما كان في سن الثالثة عشر . ومن ثم درس على يد الأخوين موسى وإبراهام كسالري . وإبراهام عاش في النصف الأول من القرن الرابع و كان من مشاهير الأطباء في عصره ، وعلى يديه تلقى موسى النربوني دراسة الطب وأصبح طبيباً ناجحاً . ويبدو إنه درس التوراة على يد موسى كسالري .

  ومن ثم رحل إلى أسبانيا ، ودرس وعاش في كل من طليطلة ، وسورة وفلنسيا (بلنسية بالعربية) . كان معجباً جداً بإبن رشد ، فكرس وقتاً مهماً في دراسة كتبه ، ومن ثم كتب العديد من الشروح عليها . ولعل شهرته ترتبط بعمله المهم الذي يحمل عنوان ” رسالة في كمال النفس ” . وتعدد الموسعة العبرية في المقال الذي كتبه كل من الباحثين يوسف يعقوب وإسحق برويد ، المؤلفات والرسائل التي كتبها الفيلسوف الرشدي العبري موسى نربوني :

1 – إصطلاحات إبن ميمون في كتابه دليل الحائرين 2 – شرح على كتاب دليل الحائرين 3 – شرح على شرح إبن رشد على كتاب العقل للإسكندر الإفروديسي (فيلسوف مشائي ومن شراح أرسطو عاش وعلم في أثينا في بداية القرن الثالث) 4- شرح على الشرح الوسيط لإبن رشد على فيزياء أرسطو 5 –  شرح على مراجعة إبن رشد لكتاب الأرغانون (وهي مجموعة كتب أرسطو المنطقية) 6 – شرح علىالجزء الرابع من كتاب القانون لإبن سينا 7 – شرح على مقاصد الفلاسفة للغزالي 8 – شرح على مقالة إبن رشد في العقل 9 – مجموعة كتابات أرسطو وإبن رشد في النفس 10 – شرح على كتاب إبن طفيل ” حي بن يقظان ” 11 – شرح على شرح إبن رشد لكتاب أرسطو في السماء والعالم  12 – مقالة في الميتافيزيقا (أنظر : يوسف يعقوب وإسحق برويد : موسى بن جشوا نربوني / الموسوعة العبرية 1906 أون لاين) .

  كتب الفيلسوف الرشدي العبري موسى نربوني الكثير الكثير عن الفيلسوف العبري إبن ميمون . إلا إنه كان رشدياً ولذلك وضع إبن ميمون في ميزان النقد وكانت مرجعيته النقدية الحجج التي إستخلصها من فلسفة إبن رشد . وكان فوق ذلك هو واحد من الفلاسفة القلائل في عصره ، من الذين أدركوا بأن إبن رشد قد عمل بجد على تحدي ميتافيزيقا الإفلاطونية المحدثة التي تبناها الفيلسوف المشرقي إبن سينا ، وهي التي كونت في جزء مهم منها تفكير الفيلسوف إبن ميمون . كما إن الفيلسوف نربوني قد طور نظرية إبن رشد في العقل الفعال بحيث تتناغم والفلسفة العبرية (أنظر : ك . بلاند ؛ رسالة في العقل الفعال لإبن رشد مع شرح لموسى نربوني ، نيويورك 1981) . هذه هي الشواهد البارزة من الفلاسفة العبريين الذين شكلوا مضماراً فلسفياً عُرف بالتاريخ بالحركة الرشدية العبرية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10)

إبن رشد والقديس توما الإكويني

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  تكلمنا عن الفلسفة الرشدية اللاتينية في أطراف كثيرة من هذا العدد ، ولكن هنا نود أن نوضح مسألة في غاية الأهمية ، وهي إن الفلسفة اللاتينية يومذاك لم تكن برمتها رشدية أو مناصرة إلى إبن رشد ، وإنما هناك فلاسفة لاتينيون معارضون لفلسفة إبن رشد ، وفلسفة لاتينية سائدة ومدعومة من قبل السلطة الكنسية تعارض حركة الأرسطية المتطرفة ، وهو الإصطلاح الذي كان يفضله المعارضون للحركة الرشدية . فمن المعروف إن إثنين من كبار فلاسفة الكنيسة قد قادوا حركة المعارضة للحركة الرشدية ، بل ولعبوا دوراً في لفت إنتباه البابا إلى خطورة فلسفة إبن رشد على العقيدي الكنسي ، كما كان لهم دور في قرارات التحريم لكتب ومؤلفات إبن رشد ، وملاحقة من يعلمها : الأول القديس ” ألبرت الكبير ” (1193 / 1206 – 1280)

  وهو الأستاذ . والثاني – توما الإكويني (1225 – 1274) وهو التلميذ . ولعل المفارقة الثقافية والفلسفية ، هو إن القديس ألبرت كتب أعمالاً موسوعية كونت في نشرتها (عام 1899) 38 مجلداً . وضمت علم المنطق ، واللاهوت ، والنبات ، والجغرافية ، والفلك ، والموسيقى ، والتنجيم ، والخيمياء (الكيمياء القديمة) وعلم الحيوان . وإن مصادره هي مؤلفات أرسطو التي حصل عليها في ترجماتها اللاتينية وعليها شروح العرب (وبالتأكيد شروح إبن رشد) . وكونت اعمال ألبرت الفلسفية 27 مجلداً من مجموعة 38 مجلداً (وهي المجلدات الستة الأولى زائداً المجلدات 21 الأخيرة) . فتصور حجم حضور فلسفة أرسطو والشرح العربي ومنه الرشدي عليها حتى وجدنا إن المصادر الغربية تردد بقوة إلى إن ألبرت لعب دوراً  مهماً في نشر الفلسفة الأرسطية (وبالتأكيد معها ومن خلالها الفلسفة العربية ومنها الرشدية التي حملت في متونها الفلسفة الأرسطية) (أنظر : ديفيد كولينز ؛ ألبرت الكبير : السحر ، الفلسفة الطبيعية والإصلاح الديني في أواخر العصور الوسطى / مجلة الرينسانس (63) / العدد (1) ، ص ص 1 – 44 . وكذلك د . ج . كندي ؛ مادة ” القديس ألبرت الكبير / الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، نشرة روبرت أبلتن ، نيويورك 1913) .

القديس توما الإكويني : سيرة وضميمة المنهج التومائي

   ولنبدأ بالضميمة قبل السيرة مدخلاً مغايراً لكل المداخل الباحثة وذلك لطرحها حجة للمناقشة والتي ينهض عليها البحث هذا برمته . ولهذا الغرض سنتخلى عن جميع المصادر الأكاديمية الغربية الموضوعية النزيهة ، وسنعتمد على مصدر عقيدي مسيحي يتساند مع فيلسوف الكنيسة والأب الروحي للتومائية . وهذا المصدر هو ” الموسوعة الكاثوليكية ” . تقول بالحرف الواحد : ” أما القديس توما الإكويني فقد إقتبس من كتابات إبن رشد خمسمائة وثلاث مرات ” . وإن الموسوعة تضيف إلى ذلك ، وترى بالنص  ” إن القديس توما إتخذ من الشرح الكبير لإبن رشد موديلاً له ” (الموسوعة الكاثوليكية : مادة ” إبن رشد / مصدر سابق) . ولكن القديس توما عمل في الوقت ذاته على تفنيد إبن رشد وكشف ما أسماه بالأخطاء التي وقع فيها ، ولهذا خصص رسائل عدة لإنجاز هذا الغرض . وعندما ينقل القديس توما من إبن رشد أو يتحدث عنه ، فيقول ” كما قال الشارح العربي ” .

والسؤال : ماذا يعني هذا الإقتباس للباحث الأكاديمي ؟ يعني شيئاً واحداً ، وواحداً فقط وهو سلطة إبن رشد الفلسفية والمعرفية القوية على قلم ونصوص القديس توما . وهذا طرف سنحاول بيانه خلال الأوراق الحالية . 

   حقيقة إن تفكير إبن رشد الفلسفي مختلف جدا جدا عن تفكير القديس توما الإكويني الكاثوليكي اللاهوتي .  فالإكويني وريث حركة لاهوتية معارضة للفلسفة اليونانية التي تنظر إليها بعين الريبة والشك وذلك لكونها حركة وثنية ومن إنتاج فلاسفة وثنيين . في حين على العكس  إن إبن رشد هو وريث حركة فلسفية عارمة عمت المشرق العربي أولاً ومن ثم هو وريث حركة فلسفية مغربية ، حفرت لها مساراً منهجياً مختلفاً وتطلعت إلى التمييز بين مضمار الحكمة ومعاقل العقيدة والتي إنتهت على يد فيلسوف قرطبة إلى الفصل بين الأثنين في كتابه الشهير ” فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الأتصال ” .

   كما إن هناك إختلافاً قد يصل إلى حد التقاطع بين تكوين عقلية إبن رشد والبرنامج الفلسفي الذي خضع له في سني تعليمه المختلفة ، وعقلية القديس توما الإكويني وبرنامجه اللاهوتي ودراساته الإنجيلية التي تمرس فيها ليكون رجل دين يحافظ على روح الكتاب المقدس ، ويكون الحارس الللاهوتي الآمين ضد فلسفات الهرطقة الوثنية أو المتسورة بجانب عقيدي مناوئ .

  ولد توما الإكويني (أو الإكوينس) (1225 – 1274م) وتعلم وعمل في عصور تاريخية وثقافية متأخرة عن العصور التاريخية والثقافية التي عمل وكتب فيها إبن رشد مؤلفاته الفلسفية . فتوما كان رجل دين تشرب الكاثوليكية حتى عظم النخاع . فهو على هذا الاساس مدافع لاهوتي عنيد عن سلامة المنهج الكاثوليكي ، وليس هناك مساحة أو على الأقل هامش في قناعاته العقيدية ، هي موضوع تساؤل وتداول فكري تتطلب مراجعة وفق متغيرات الحياة والتطور الإجتماعي والنمو الثقافي . فمثلاً إن الأكويني عمل بجد على خلق مضماراً فلسفياً للكاثوليكية . ولهذا أصبح إسمه عنواناً عريضاً في المتداول في الأوساط اللاهوتية عامة والكاثوليكية خاصة ، والذي إرتبط بما يعرف في مختلف الأوساط الثقافية بفيلسوف المسيحية أو دكتور الكنيسة وهو اللقب الذي منحه له البابا ” بندكت الخامس عشر ” (1854 – 1922) تشريفاً لأعماله في الدفاع عن العقيدي .

ولعل الإصطلاح الأدق والموضوعي الذي يمكن إطلاقه دون تردد على شخصية هذا القديس الكاثوليكي ، هو ” الأب الروحي للتومائية ” . والتومائية هي حركة لاهوتية في إطارها النقدي الذي يتوكأ على الكاثوليكية .. وعلى هذا الأساس يعد توما المُساند لكل أنماط اللاهوت الطبيعي (وهناك من يرى إنه إستبطن في اللاهوت الطبيعي منهجية القديس أوغسطين الجزائري (354 – 430) والذي يُعد أول من أدخل فلسفة الرواقية الطبيعية في اللاهوت المسيحي (أنظر للتفاصيل : جيمس أُدنال ؛ أوغسطين : سيرة ذاتية جديدة / نيويورك 2005) ، والذي إستند في أطراف من منهجه ومكوناته البنائية على منهج فلسفي وإمتص من ثقافته الفلسفية زاداً فكرياً مهماً خصوصاً الثقافة الفلسفية في مضمارالطبيعيات .(أنظر : 1 – فردريك كوبلسن ؛ الإكويني : مدخل إلى حياة وأعمال المفكر الوسطوي الكبير / نشرة دار بانكوين للكتب 1991 . 2 – نيكولاس أردين ؛ إكتشاف الإكويني : مدخل إلى حياته ، أعماله وأثره / نشرة دار أردمانز 2003 . 3 – رالف ماكلنرني ؛ معارضة الإكويني للرشديين / نشرة مطبعة جامعة بوردو 1993) .

 ولد القديس توما في إيطاليا ، وبالتحديد في مملكة صقلية (سيسلي) واليوم هي جزء من لوسيو . ووفقاً لما يذكره المؤرخون ، فإن عائلة توما تصعد بجذورها إلى أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة (أنظر : فيليب سكوف ؛ توما الإكويني / نشرة دار باركر للكتب 1953 ، ص 422) . ولهذا فإن أفراد العائلة توزعوا في العمل في المؤسسات الدينية (رؤساء أديرة) أو في العمل في الجيش (رجال عسكر) . وعلى هذا الأساس تقرر مستقبل الطفل توما . وفعلاً فإن العائلة وجهت أنظاره ليكون رئيس دير ، وبذلك يتبع خطى عمه في هذا المضمار . وبالمناسبة إن أخ توما كان رئيس دير كذلك (أنظر : ديكسون هامبدين ؛ حيات توما الأكويني ، ص 14) . ويبدو هذا هو الطريق المهني الإعتيادي للشاب الذي ينتمي إلى عائلة النبلاء في جنوب إيطاليا .

   نتحول الأن إلى البرنامج التعليمي للقديس توما ، وهو المهم في رأينا لنترصد البدايات الأولى لإتصال توما بإبن رشد ، والفلسفة الأرسطية . بالمناسبة توما بدأ برنامجه التعليمي في سن متقدم ، وبالتحديد في الخامسة من عمره  . ولكن الظروف لعبت دوراً في تحديد مستقبله التعليمي . فمثلاً الصراع العسكري بين الإمبراطور فردريك الثاني (1194 – 1250) والبابا كريكوري التاسع (الفترة البابوية 1227 – 1241)  عطل دراسته . فقرر الوالدان إرساله إلى الجامعة التي أسسها فردريك في نابولي . فكانت مناسبة في غاية الأهمية ، فهناك إحتمال قوي يرجحه الباحثون ، وهو إن توما إتصل في الجامعة بالتراث الفلسفي والعلمي لكل من أرسطو وإبن رشد وإبن ميمون ، والذين تركوا أثاراً قوية على فلسفة القديس توما الإكويني اللاهوتية (أنظر : براين ديفس ؛ الإكويني : مدخل / طبع دار جماعة النسر العالمية 2004 ، ص ص 1 -2) .

   ونحسب إن من المهم في هذه الفترة إن نحدد العلوم التي ضمها برنامجه التعليمي والأستاذ الذي درسه هذه العلوم ، ففيهما الكثير من الدلالات على تكوين ذهنية القديس توما كما وفيهما كشف عن القنوات التي مرت من خلالها فلسفة إبن رشد وشروحه على كتب أرسطو المنطقية وفي الفلسفة الطبيعية إلى دائرة تفكيره . فقد تعلم توما الحساب والهندسة والفلك والموسيقى على يد ” بيتر دي إبرينا ” . والأستاذ الأكاديمي بيتر(إزدهر خلال الفترة ما بين 1224 – 1252) كان محاضراً في الفلسفة الطبيعية في جامعة نابولي ، وبالتحديد خلال الفصول الدراسية التي حضرها القديس توما ، وللفترة من (1239 – 1244) (أنظر : المصدر السابق) . وهي بالتأكيد فترة ليست بالقصيرة ، فقد وفرت للطالب توما الكثير من المعارف والنظريات الفلسفية والمنطقية . خصوصاً إذا وضعنا في الإعتبار المؤلفات التي كتبها أستاذه بيتر والتي كانت مفاصل لمحاضراته الجامعية ، ومصادر هذه المؤلفات ، والتي هي بالتأكيد الترجمات اللاتينية للمؤلفات الفلسفية العربية ومن ضمنها كتب الفيلسوف إبن رشد والتي كانت رائجة في الجامعات الإيطالية .

  ونرى إنه من المفيد أن نقدم كشفاً بمؤلفات ونشاطات الأستاذ بيتر خلال تعليمه القديس توما في جامعة نابولي . فمثلاً بيتر ألف كتاب بعنوان ” تساؤلات عن أعضاء الجسم ، والتي خُلقت لأداء وظائفها . وإن الوظائف خُلقت لمنفعة الأعضاء ” وكان بيتر يعتقد إن هذا السؤال يندرج في باب الميتافيويقا ، وإن مهنته الفلسفة الطبيعية . وترأس الأستاذ بيتر في العام 1260 لجنة للنظر في الصراع الدائر حول علوم الفيزياء (الطبيعيات) والذي إنعقد أمام ملك صقلية ” ماتفريد ” (1232 – 1266) وهو إبن الإمبراطور فردريك الثاني . كما وتنسب للأكاديمي بيتر المؤلفات الثلاثة الأتية : 1 – شرح على كتاب الإيساغوجي لفرفريوس الصوري . 2 – شرح على كتاب العبارة (وكلاهما كتابان منطقيان ووردا في قوائم شروح إبن رشد التي ترجمت اإلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية برعاية الإمبراطور فردريك الثاني) . 3 – شرح على كتاب ارسطو في الطبيعيات (ووضع إبن رشد ثلاثة شروح لها وهي الصغير والوسيط والكبير وترجمت إلى العبرية واللاتينية برعاية الإمبراطور فردريك الثاني) وهنا نقول دون تردد إن مصادر الأكاديمي بيتر في التأليف هي الترجمات اللاتينية لشروح ومؤلفات إبن رشد أو من خلال مؤلفات الرشديين اللاتين . 

  ومن النافع أن نشير إلى حادثة لها الكثير من الدلالات على شخصية توما وصلابة إرادته وروح التمرد على التقليد . فعند بلوغه سن التاسعة عشرة ، قرر الإلتحاق في سلك الرهبنة الدومنيكانية ، فثارت إمه القوية على إختيار هذا الطريق . فطلبت من إخوته إعتقاله وجلبه إليها ، فحجزته في قلعة العائلة ، وتعرض إلى أساليب التهديد والإغراء ولكن عزيمته لم تلين . فقررت الوالدة في الأخير إطلاق سراحه سراً وذلك لحفظ ماء وجهها ، ورحل إلى نابولي ومن هناك إلى روما وإتصل بالمدير العام للسلك الدومنيكاني ” جوهانس فون وايلدهيسن ” (1180 – 1252) (أنظر : هامبدين ؛ المصدر السابق ، ص ص 27 – 28)

   جاء بعد ذلك فصل مهم في حياة وتفكير ومستقبل القديس توما ، وخصوصاً في علاقته مع إبن رشد وأتباعه من الحركة الرشدية اللاتينية . هذا الفصل بدأ في العام 1245 ، وبالتحديد بوصول توما إلى كلية الآداب – جامعة باريس ، حيث إلتقى هناك بالباحث الأكاديمي الدومنيكاني الدكتور ” ألبرت الكبير ” والذي سيلعب دوراً في رسم مستقبل توما الأكاديمي ، وفي مجمل القضايا الكنسية وطريقة تعامله مع ما يسمى بحركة ” أرسطو إبن رشد ” وأتباعه من الرشدين اللاتين .

  وفعلاً أصبح توما رئيس قسم اللاهوت في كلية القديس جيمس . وفي هذا الأثناء حدثت تطورات تركت أثارها على حياة توما ، منها إنتخاب الأكاديمي ألبرت الكبير للتعليم في كولونا وذلك في العام 1248 (أنظر : نيكولاس هالي : توما الإكويني : رجل اللاهوت للحياة المسيحية / نشرة دار إشكات 2003 ، ص 2) ، وصادف إن طلب البابا ” البرئ الرابع ” (1195 – 1254) من الإكويني أن يكون رئيس دير للرهبان الدومينكان في مدينة ” مونت كاسينو” ، فرفض توما العرض وذهب إلى كولونا وإلتحق بألبرت الكبير . وأصبح الأستاذ مكرهاً فعين تلميذه توما مدرساً . ولكن توما فشل فشلاً ذريعاً في مناقشة قضايا الجدل اللاهوتي ، مما حمل ألبرت الكبير أن يصرخ قائلاً : ” إننا نسميه بالثور الغبي . ولكن تعاليمه في يوم ما ستدوي في كل أصقاع العالم ” (أنظر : ألينور ستمب ؛ الإكويني / نشر دار روتليدج 2003 ، ص 3) .

  أما الفصل الثالث فقد إستنفذ سنوات عشر من حياة وتفكير القديس توما ، إمتدت من 1259 وإلى 1269 . وكانت فترة عمل أكاديمي تمثلت في تعليم الطلبة كتب العهد القديم في جامعة كولونا (المصدر السابق ، المقدمة ، ص 16) . ومن ثم العودة إلى باريس لدراسة الماجستير في اللاهوت ، ومن ثم بداية التأليف . وفعلاً فقد شرح الكتب الأربعة لبيتر لومبارد (1100 – 1160) والمعنونة بالجمل . وكتب ” في الوجود والجوهر ” لواحد من أتباعه الدومنيكان في باريس . ومن ثم عين في قسم اللاهوت في باريس وبدأ الكتابة في موضوعات متنوعة ( المصدر السابق ، ص 3).

  اما الفصل الرابع من حياة توما الفكرية ، فقد شغل ما يُقارب الثلاث سنوات ، والتي شغلت الفترة ما بين (1269 – 1272) . وهي سنوات النزاع الفكري التي عاشها توما ، بعد إن أصدرت المؤسسة الدومنيكانية في العام 1268 قراراً بتعين توما رئيساً للمرة الثانية لجامعة باريس ، وهي الوظيفة التي شغلها حتى ربيع عام 1272 .

   ومن المحتمل إن من بين الأسباب لتعيينه هو تصاعد تأثير الحركة الرشدية أو ” الأرسطية المتطرفة ” في الجامعات وكذلك في طرف منه في صراع الدومنيكان مع  الفرنسسكان . وإستجابة من القديس توما كتب عملين مشهورين في هذا المضمار ، يُدللان على أسباب التعيين : الأول جاء بعنوان ” في وحدة العقل : ضد الرشديين ” . والثاني تمثل في الجزء الثاني من كتابه ” سوما ” والذي جاء بعنوان ” في فضيلة وأبدية العالم ” والذي خصصه في معالجة القضية الرشدية والأرسطية المثيرة للجدل والتي تدور حول قدم العالم .

 والمفارقة التاريخية هنا كما يلحظ القارئ ، هو إن الرشدية تحولت على أيدي المتصارعين من الدومنيكان وخصومهم الفرنسسكان إلى قوة إضعاف وسُبةُ بل وتهمة هرطقة يلقيها البعض على البعض . ولعل المدهش في حجة الفرنسسكان إن أصبح القديس توما عدو الرشدية العنيد إلى واحد من أبطال الرشدية .  وفعلاً قبل عام من تعيين القديس توما رئيساً لجامعة باريس ، وبالتحديد في العام 1266 – 1267 إتهم ممثل الفرنسسكان ” وليم بكلويني ” القديس توما على تشجيع الرشديين ، واصفاً أياه ” بقائد أعمى لحشود من العميان ” . ومن طرف القديس توما صدر الرد على الفرنسسكان بأنهم ليس إلا ” حشود من الأصوات الناشزة التي لا ينصت لها أحد ” (أنظر : ديفيز : المصدر السابق ، ص 5  . وكذلك ستمب : المصدر السابق ، ص ص 10 – 11) .

  ورغم هذا الحال فإن القديس توما كان يتألم كثيراً من إنتشار الرشدية ، وغضب غضباً شديداً عندما إكتشف بأن ” سيكر البربنت ” يدرس الشروح الرشدية على أرسطو للطلبة في جامعة باريس (أنظر : ماري كلارك ؛ قارئ الإكويني : مختارات من كتابات توما الإكويني / نشرة مطبعة جامعة فوردهام 2000 ، ص 9 وما بعد) .

وفي 15 ديسمبر عام 1270 أصدر أسقف باريس ” إيتني تامبير ” (توفي سنة 1279) قراراً شجب وتنديد بثلاث عشر قضية رشدية وأرسطية ، ومعتبرأ أياها من القضايا الهرطقية (الوثنية) . وقاطع كل من يستمر بالدفاع عنها (أنظر : ماكلنرني ؛ ضد الرشديين / مصدر سابق ، ص 10) .

  لقد خلق تنديد الأسقف تامبير بطرف من القضايا الرشدية والأرسطية جواً من الخوف في الرأي العام المسيحي ، والذي أخذ بالإعتقاد بأن الرشدية والأرسطية سيسببان ” تلويثاً ” لطهارة العقيدي المسيحي . ويبدو إن هذه الأجواء دفعت بالقديس توما إلى قيادة سلسلة من المثابرات النقدية للرشدية والأرسطية المتطرفة ، وبالتحديد في الفترة ما بين عامي 1270 و 1272 (أنظر : ماري كلارك ؛ المصدر السابق ، ص 11) .

  ومن ثم تسارعت الأحداث لترسم النهاية الفاجعة للقديس توما . ففي العام 1272 ترك رئاسة جامعة باريس . ودعاه الدومنيكان إلى تأسيس ورئاسة معهد خاص به في مدينة نابولي . وفي العام 1273 عاش تجربة روحية فريدة ، فأثناء الإحتفال بالقديس نيكولاس ، أخذ يسمع السيد المسيح يتكلم إليه . فكان رد فعل توما إن هجر كل روتين ، وتوقف عن الكلام والكتابة . وفشلت الكثير من المحاولات على تشجيعه للعودة إلى روتين الحياة والكتابة . ولكن الشئ الوحيد الذي عمل على تحقيقه ، هو توحيد الكنيسة الشرقية وكنيسة الروم الكاثوليك . وفعلاً فقد تلقى القديس توما الدعوة من البابا ” كريكوري العاشر (1210 – 1276) بحضور الإجتماع . وأثناء رحلته إلى الإجتماع ، وهو على ظهر حماره ، ضرب رأسه بفرع شجرة ساقطة ، فسببت له أضراراً كبيرة كانت السبب في وفاته في 7 أذار عام 1274 (أنظر : ديفيز ؛ المصدر السابق / ص 5 ، والإنسكلوبيديا الكاثوليكية / مصدر سابق ، مادة القديس توما الإكويني ، ونيكولاس هالي : المصدر السابق ، ص 8)

  ومن المفارقات التاريخية ، هو إن كل هذا العمل الذي قام به القديس توما في الدفاع عن العقيدي المسيحي ، والهجوم على الرشدية والأرسطية المتطرفة ، لم يشفع له ولذلك لم يسلم توما من قرارات الشجب والتنديد التي صدرت بحقه من قبل المحافل الكنسية . ولعل المؤلم في هذه المفارقة ، هو إن زميل الأمس والذي عمل كتف بكتف مع القديس توما ، هو الذي أصدر قرارات الشجب . ونقصد به الأسقف الباريسي ” إتيني تامبير ” ، والذي عرفناه من خلال قرارات الشجب والتنديد بالرشدية والأرسطية ، والتي أصدرها في العام 1270 . فقد عاد هذا الأسقف وبعد ثلاث سنوات من موت القديس توما وقبل موته بسنتين ، فأصدر قراراً جديداً (في العام 1277) تضمن قائمة إحتوت على 219 قضية قرر الأسقف إن فيها تجاوز على القدرة الألهية المطلقة ، ومن ضمنها عشرين قضية وردت في كتابات القديس توما الإكويني . وهكذا شارك القديس توما صفاً بصف خصومه من الرشديين والأرسطيين المتطرفيين في قرارات الإدانة بالمروق والهرطقة .  وبذلك وجه زميل الإمس ضربة قوية لسمعة الأب الروحي للتومائية ، والتي ظلت عليلة ولم تتعافى منها لسنيين (أنظر : أدورد إكرانت ؛ أسس العلم الحديث في العصور الوسطى : العقائد الدينية ، المعاهد والنصوص الفكرية / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1996 ، ص ص 81 – 82 . وكذلك : كريستين كونك ؛ المفكرون المسيحيون الكبار / نشرة دار جماعة الناشرين العالمية ، نيويورك 2006 ، ص 112 وما بعد) .

  وبالمناسبة فإن دانتي إحتفل بالقديس توما الإكويني في كوميدياه الإلهية ، ومجد روحه ومنحها مكاناً عال في فردوس الشمس وبجوار عدد من رجال الدين الحكماء . ونلحظ دانتي يلحُ بإصرار على إن القديس توما مات مسموماً بتدبير من قبل ملك صقلية ” تشارلز الأول ” (1226 – 1285) (أنظر : الموسوعة البريطانية / الصادرة عام 1911 ، مادة ” توما الإكويني ، ص 250) .

الإستبطان الإكويني للرشدية : إبن رشد وفلسفته موضوع تفكير الأكويني

   أولاً وقبل كل شئ نذكر الباحث والقارئ بإن الموسوعة الكاثوليكية كما ذكرنا سابقاً قد أحصت الإقتباسات التي قام بها القديس توما الإكويني من مصادر وشروح إبن رشد التي ترجمت إلى اللاتينية والتي كانت متداولة في عصر القديس توما ، وذكرت بالحرف الواحد إن القديس توما قد إقتبس خمسمائة وثلاث من المرات من إبن رشد والسؤال ؛ ماذا يعني هذا الإقتباس ؟ يعني شيئاً واحداً لا غير وهو السلطة المعرفية القوية على تفكير وقلم الأب الروحي للتومائية .

نحسب إنه من اللازم علينا أن نقدم مهاداً فكرياً نبين فيه مكانة فيلسوف قرطبة في خارطة الحركة الفلسفية التي عمت المشرق والمغرب العربيين على حد سواء . فقد كانت هذه الحركة مطبوعة بسمات عامة إشترك فيها الطرفين . وهناك طبيعة خاصة إشترطتها الظروف التاريخية وطبيعة المنشور الفلسفي وخصوصاً المترجم منه سواء عن طريق السريان أو الترجمة المباشرة من المصادر اليونانية الأصلية . كل ذلك لعب دوراً فاعلاً في تحديد الهوية الفلسفية لكل من المنتوج الفلسفي سواء في المشرق أو في المغرب .

 حقيقة إن الحركة الفلسفية العربية سواء في المشرق أو المغرب ، كانت منفتحة على مجمل التراث الفلسفي اليواني ، وحاورته دون شروط وكوابح وفتاوي تحريم  وكان الحوار من الشمولية بحيث تركز على مجمل مدارسه وإتجاهاته وذلك بسبب سياسة الترجمة التي باركها ودعمها بقوة السلطان العباسي المتنور فيسرت مهمة الفلسفة وعمل الفيلسوف .

   ونحسب إن فعل التكييف الفلسفي  الذي حدث أولاً في داخل المدرسة الفلسفية التي عرفت بالإفلاطونية المحدثة قد يسر من جانبه مهمة الفلسفة في المشرق العربي ،  فمثلاً إن فعل التكييف الفلسفي تحول إلى إنجيل فلسفي على يد الإفلاطونية المحدثة ، ونقصد كتاب التساعيات الذي كتبه الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إفلوطين والذي إستلهم وإستبطن فيه المشروع الفلسفي للمؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة وإستاذ إفلوطين ” أمونياس ساكس “

   لقد عمل كتاب التساعيات على المصالحة بين فلسفة أرسطو وفلسفة إفلاطون بصورة رئيسية وفتح الباب لتمر تحت إطار مشروع المصالحة الفلسفي ، فلسفات الفيثاغورية والرواقية والتي كانت مفتوحة لمدارس يونانية شملت مدارس أخرى مثل القورينائية ، الكلبية والشكية وحتى الأبيقورية ..

  ولعب كتاب التساعيات ، وهو إلإنجيل الفلسفي للإفلاطونية ، دوراً خطيراً في تكوين أفق فلسفي للحركة الفلسفية في المشرق العربي والتي نشطت بدعم من قبل الخلفاء المتنورين من العباسيين . فكان هذا الأفق الفلسفي في جوهره الإفلاطوني المحدث يعمل على المصالحة بين الحكيمين : إفلاطون وأرسطو (وللحقيقة نقول إن ما قدمته التساعيات فلسفة لأرسطو تختلف عن فلسفة أرسطو الأصلية وعلى هذا الأساس تمت المقاربة بين مشروع الحكيمين : أرسطو وإفلاطون) . وفي المشرق العربي كانت مهمة الفلسفة ميسرة لتوسع مشروع المصالحة ومن ثم الإتصال بين الحكمة والشريعة. وتحت عنوان المصالحة كان منطق أرسطو ومؤلفاته المختلفة جزء من البرنامج التعليمي لمدارس مختلفة قادها فلاسفة كبار في المشرق العربي ، وكون طلابهم مدارس فلسفية لاحقة ، وهكذا تجذر البحث الفلسفي في المشرق خلال عمليات ترجمة واسعة من السريانية أولاً ومن ثم من اليونانية ثانياً . وأخذ البحث عن مخطوطات الفلسفة والعلم اليوناني عملاً إقتصادياً مجزياً بالذهب وبهبات من قبل الخلفاء ، حتى يقال إن المخطوطات اليونانية إختفت وساد بدلاً عنها المخطوط السرياني والعربي .

ومن المهم أن نشير هنا إلى إن كتاب التساعيات ترجم إلى العربية بعنوان مختلف عن عنوانه الأصلي ونسب إلى أرسطو ، وهو كتاب في الأصل يعود إلى الفيلسوف إفلوطين والذي جمعه بعد وفاته ونشره تلميذه فرفريوس الصوري . إن العنوان الجديد لكتاب التساعيات كان في تداوله العربي ” أثولوجيا أرسطو ” . هذه الإغلوطة الفلسفية سهلت مهمة التراث الفلسفي إن ينتشر دون إلتفات إلى ما فيه من هرطقة ، خصوصاً في طبيعيات وميتافيزيقيات أرسطو .. وعلى العكس فأن دوائر التفكير الفلسفي المدرسي الموجه من قبل الدوائر الكنسية وبإشراف السلطة البابوية حرمت مجمل طبيعيات أرسطو وجوانب من ميتافيزيقاه التي تتعارض مع الرؤية الكوسمولوجية المستنبطة من الأنجيل . وهكذا كان قدر الفلسفة الأرسطية ولادة جديدة في المشرق العربي ، ومن ثم حققت رواجاً واسعاً . وفي المقابل كان قدرها في أوربا العصور الوسطى ، حصارأ وتحريماً ومنعاً لها من صفوف ودوائر البحث في عموم أوربا العصور الوسطى .

  ومع تنامي الحركة الفلسفية في المشرق العربي ، بدأت الموجة الفلسفية في المغرب العربي في إطار جديد تبلور في تدشين درب بحث فلسفي جديد على الأقل في توجهاته . حدث تدشين هذا المشروع الفلسفي على يد إبن باجة ومن ثم إبن طفيل . وكانت البداية مراجعة الأصيل والمنتحل من المصادر الفلسفية لمشروع المصالحة المشرقي بمجمله وذلك من خلال توافر مصادر أصلية لأرسطو كشفت الكثير من الحقيقي والمنتحل على أرسطو مثلاً ، والتي بينت إن الفصل بين الحكيمين هو الجوهر الأصيل لمؤلفات أرسطو ، وهكذا ورث إبن رشد تراث فلسفي عميق في مضمون مشروع المصالحة (أو الجمع) بين الحكمة والعقيدة في أفقه الفلسفي المشرقي .، وتراث فلسفي يدعو إلى الفصل بين الحكيمين أولاً والذي تتوج على يديه إلى فك الإتصال بين الحكمة والعقيدة . وهنا تكمن البذور الفلسفية الأولى لمشروع الثورة الرشدية التي تتحدث عنها المصادر الغربية .

  وإن التراث الفلسفي والعلمي العربي المشرقي والمغربي قد تُرجم إلى الغرب من خلال الترجمة العبرية واللاتينية في القرن الثاني عشر . ومن ثم تمت ترجمة كتب وشروح إبن رشد في نهايات العقد الثالث للقرن الثالث عشر . كل هذا التراث الفلسفي العربي المتنوع كان متوافراً أمام أنظار المثقف اللاتيني عامة والقديس توما خاصة . فالحديث عن البحث عن مترجم يقوم بترجمة من اليونانية إلى اللاتينية لمؤلفات أرسطو هو حديث خرافة ، فتراث أرسطو موسوعي متنوع ويحتاج إلى كادر متمرس عارف بدقائق ما يترجم ومشروط بسقف زمني طويل  ولذلك فأن الحديث عن طلب القديس توما من الأسقف المترجم ” وليم فون موربيك ” (1215 – 1286) موضوع لتخفيف محنة القديس مع تراث إبن رشد المهيمن ، وإشاعة خبر بأن مصادر القديس كانت يونانية تُرجمت مباشرة إلى اللاتينية ، وإن لا علاقة بين القديس توما وتراث إبن رشد المستبطن لعقيدي مخالف لا يتساوق ونبض العقيدي المسيحي . هذه هي الضميمة التومائية برُمتها . والشاهد على ذلك إن القديس توما إقتبس خمسمائة وثلاث من المرات ، ويردد فيها ” كما تكلم الشارح العربي ” .

  إلا إن المفارقة في حجة الدوائر الكنسية عامة وأنظار القديس توما خاصة قد أثارت الريبة حول دقة وموضوعية النصوص الأرسطية الواردة في مؤلفات العرب على العموم وشروح إبن رشد أو بلغة توما ” الشارح العربي ” على الخصوص . وذلك إن مؤلفات أرسطو الأصلية التي كانت مصادر للعرب وإبن رشد قد قام بترجمتها السريان والذين أضافوا عقائدهم أو بعض منها على النص الأرسطي والذي تسرب إلى داخل النصوص العربية والرشدية . ونحسب في هذه المسألة فائدة للطرفين الكنسي والقديس توما . فقد فاتهم بأن السريان هم إخوان العقيدة المسيحية الواحدة . وهذا يقوي المصادر العربية والرشدية ويجعل فيها إمكانية للتعايش مع الفكرانية المسيحية . ومن هنا نفهم بأن القديس توما قصد التشويش على فلسفة العرب المترجمة إلى اللاتينية عامة وفلسفة إبن رشد خاصة . ولذلك يصبح الحديث عن التدخلات السريانية على النص الأرسطي فيه ربح للدوائر الكنسية وليس عيب في النص العربي . كما إن الفيلسوف المسلم لم يثير الشك لحظة في أمانة المترجم السرياني . بل كان على الدوام يردد إن الدين واحد وإن الله واحد . في حين إن القديس توما المسيحي العنيد ينظر إلى ترجمة السريان بعين من الريبة . ألا إنها مفارقة ما بعدها مفارقة . فالفكرانية الفلسفية الإسلامية منفتحة على تراجم السريان المسيحيين . وبالمقابل إن الفكرانية الفلسفية المسيحية تشكك بتراجم المسيحيين السريان .   

  ويبدو لنا إن القضية برمتها هي إن القديس توما كان متحسساً بشكل غير عادي من شروح إبن رشد خاصة والشروح العربية عامة على كتب أرسطو والتي كانت متداولة في ترجماتها اللاتينية العديدة . ونحسب إن هذا ولد محنة عصيبة عاشها القديس والتي تمثلت في خيارات صعبة ؛ منها إختيار ترجمات الخصم ، وفي هذا إعتراف بسلطتها المعرفية وتسليم بعلو شرعيتها . أو البحث عن طريق ترجمة مباشر من اليونانية إلى اللاتينية ، وفي هذا الطريق صعوبات وخسارة الوقت . ولكن الشائع إن القديس طلب من المترجم ” وليم فون موربيك ” بترجمة مؤلفات أرسطو من اليونانية مباشرة .

   حقيقة إن الموسوعة الكاثوليكية تؤكد بالحرف الواحد كما ذكرنا سابقاً بأن القديس توما إتخذ من الشرح الكبير لإبن رشد موديلاً له . وإقتبس من إبن رشد خمسمائة وثلاث من المرات . ولذلك أتفق مع من يذهب من الباحثين الأكاديميين الغربيين الذين يرددون بأن القديس توما كتب عدداً مهماً من الشروح على مؤلفات أرسطو ، من ضمنها : شرح على كتاب النفس ، وشرح على الأخلاق النيقوماخوسية ، والميتافيزيقا (مابعد الطبيعة) . هذا حق وفعلاً عمل القديس كل ذلك ، ولكن هذه العنواين هي عناوين كتب إبن رشد التي ترجمت إلى اللاتينية وكانت متداولة في عصر القديس ، وإنه إطلع عليها وخصوصاً الشروح الكبيرة التي إتخذها موديلاً كما تؤكد الوسوعة الكاثوليكية .

قصة المترجم “وليم موربيك ” : حجم الحقيقة ومقدار الإختراع 

ولهذا نحسب إن ما يقوله بعض الأكاديمين الغربيين وبالأعتماد على قصة المترجم موربيك المبالغ فيها هي موضع تساؤل وبحث حتى وإن وردت على لسان الأب الروحي للتومائية . نعود ونقول إن المصادر الغربية تردد رواية المترجم موربيك ، فترى إن الشروح التي أنجزها القديس توما على كتب أرسطو مقترنة بترجمات وليم موربيك من اليونانية إلى اللاتينية . هذا كلام غير علمي ملغوم لأسباب منها القراءة الداخلية لشروح القديس توما والتي تردد ” كما تكلم الشارح العربي ” بالنص والحرف الواحد . على كل هذا المنطق في الإنكار لا علاقة له بالمنهج الأكاديمي الموضوعي النزيه الذي يلاحق الحقائق ويشير إليها كما هي دون خوف أو ضميمة فكرانية تدافع عن الوهم والحقيقة شمس تنير كل الدروب ..

  ولنضع كل شئ في سلة القديس توما ، ونفترض إن موربيك فعلاً إستجاب لطلب القديس وترجم من اليونانية إلى اللاتينية كتب أرسطو . والسؤال : هل ترجم موربيك كل مؤلفات أرسطو والتي في حقيقتها موسوعات متعددة ؟ وقبل ذلك من هو المترجم وليم فون موربيك ؟  ولد وليم فون موربيك عام 1215 (أي قبل ولادة توما بعشر سنين) وهناك من يرى من الأكاديميين الغربيين إنه في هذه السنة بدأت ترجمة أجزاء من كتاب إبن رشد الكليات  إلى العبرية ومن بعد ذلك إلى اللاتينية . وبالتأكيد نقول إن وليم موربيك لما بلغ الثانية عشر قد تم نقل جميع مؤلفات إبن رشد إلى اللاتينية وتحولت إلى حركة رشدية عبرية ولاتينية عارمة عمت الجامعات الإيطالية ومن ثم الجامعات الفرنسية . وكان توما طفلاً في الثانية من عمره  يومذاك .

    والسؤال : ماذا تريد أن تقول رواية تكليف توما للمترجم الأسقف اللاتيني موربيك بترجمة مؤلفات أرسطو ؟ الحقيقة إنه كلام عام غير دقيق فيه ضميمة مقصودة تريد أن توحي للقارئ بأن توما لم يعتمد المصادر العربية وخصوصاً مصادر إبن رشد الخصم العنيد ظاهرياً والمستبطن في الحقيقة في منهج توما وكتاباته عن أرسطو أو في منازلته للرشدية اللاتينية . وسنرى إن الأسقف موربيك قام فعلاً بترجمة لأرسطو من اليونانية إلى اللاتينية ولكن ليس للكتب التي تداولها العرب وإبن رشد خاصة . وإنما ترجم الأسقف كتاب السياسة لأرسطو والذي لم يكن متوافراً للعقل العربي في نسخته اليونانية أو أن العرب أهمله لأنه لا يتساوق والنظام السياسي العربي يومذاك . هذه هي حقيقة ما قام به الأسقف موربيك . ولكن الكلام عن دوره في الترجمة في المصادر الغربية محظ إفتراض عام . فمثلاً يقول واحداً من المصادر الغربية المساند لضميمة القديس توما في تكليف الأسقف موربيك بترجمة مؤلفات أرسطو وبالحرف الواحد :

 ربما (أرجو الوقوف عند كلمة ربما) الأسقف موربيك ترجم كتب أرسطو أو شارك في تصحيح مصادر أرسطو المتداولة (أي العربية المترجمة إلى اللاتينية) وذلك من خلال الترجمة المباشرة من اليونانية إلى اللاتينية) .

  وعلى كل : فمن هو المترجم موربيك ؟ هو وليم فون موربيك ، فلمنكي – هولندي مترجم ظهر في أواخر العصور الوسطى ، إعتنى بترجمة بعض الأعمال الفلسفية والعلمية وخصوصاً في الطب من اليونانية إلى اللاتينية . وإنظم إلى مسلك الدومنيكان ومن ثم أصبح أسقف اللاتين في مدينة كورنيثا اليونانية . وهذا الموقع الديني في هذه المدينة اليونانية كان فرصة ليطلع على المتوافر من مصادر يونانية فيها مع الإنتباه إلى أن الكثير من المصادر اليونانية وخصوصاً مؤلفات أرسطو قد إنتقلت من اليونان في وقت مبكر جداً (على الأقل ما بين تسعة قرون في رحلتها الأولى وستة قرون في رحلتها الثانية قبل عصر المترجم موربيك وتوما الإكويني) ولإسباب كثيرة منها على سبيل المثال الإنشطار الذي حدث في داخل الكنيسة إلى شرقية وكنيسة الروم الكاثوليك (في نهايات القرن الثالث الميلادي وبالتحديد في عام 286 ميلادية) إن سهل  إنتقال الكثير من التراث الفلسفي ومن ضمنه مؤلفات أرسطو كاملة إلى القسطنطينية والتي سيحتلها الأتراك ويصبح التراث اليوناني وبالطبع مؤلفات أرسطو جزء من ممتلكات الدولة الأسلامية . والرحلة الثانية عندما أغلق الإمبراطور جوستنيان (482 – 565) المدارس الفلسفية في العام 529 وطرد الفلاسفة خارج الإمبراطورية ، والذين نقلو معهم الكثير من المصادر إلى إنطاكيا والرها نصيبين ومن ثم إستقرت في جنديسابور على الحدود العراقية الإيرانية . وهذا كان السبب في إنقطاع إتصال الغرب على الأقل بتراث أرسطو لقرون عديدة ، وبالطبع مواقف الكنيسة في القرون الأولى من تاريخ المسيحية الرافض لقبول أي مصالحة مع التراث الأرسطي لعب دوراً في التعامل السلبي مع التراث الأرسطي .

   ومن الثابت تاريخياً ووفق المصادر الغربية إن اتصال الغرب بتراث أرسطو قد تجدد في العام 1150 وبالتحديد بنهضة القرن الثاني عشر التي تم فيها ترجمة المصادر العربية الفلسفية والعلمية وشروح العرب على مؤلفات أرسطو  . هذا ماتقوله المصادر الغربية ، فأي مصادر وكتب لأرسطو قام بترجمتها الأسقف موربيك وبتكليف من القديس توما ؟ حقيقة إن إسم المترجم موربيك إرتبط بشخصية القديس توما . إلا إنه لم يقتصر عليه فقد كان له إتصالات وعلاقات بعدد أخر من الرموز العلمية والفكرية في عصره من أمثال عالم الرياصيات ” جون كامبيس ” والطبيب وعالم الطبيعة البولندي ” ويتلو ” (ولد تقريباً عام 1230 وتوفي بعد عام 1280) ، وعالم الفلك ” هنري بيت مكين ” (1246 – 1310) والذي أهدى للأسقف موربيك الرسالة التي كتبها في الإسطرلاب .

  وعند الحديث عن الأسقف موربيك مترجماً لكتب أرسطو وبتكليف القديس توما ، تردد المصادر الغربية تشويشاً خلقه القديس توما بنفسه ، ولنضع ما تقوله متوافراً للقارئ :

وعلى طلب القديس توما ، والوثيقة التاريخية لم تكن واضحة لتؤيد ذلك ، تعهد موربيك بإكمال ترجمة أعمال أرسطو مباشرة من اليونانية ، أو إكمال بعض من أجزاءها ، أو تحقيق ومراجعة وتنقيح الترجمات الموجودة . والسبب هو وجود الكثير من نسخ أرسطو في اللاتينية أكثر من نسخها العربية في أسبانيا والتي جاءت من النصوص السريانية قبل ترجمتها إلى العربية .

  وفي القرن الثالث عشر ظهرت هواجس تدور حول تشويه المعنى الأصلي للنصوص العربية لأعمال أرسطو . وهناك إحتمال بأن ذلك حدث بتأثير النزعة العقلية لإبن رشد والذي كان وراء هذه الأخطاء اللاهوتية والفلسفية .

 إذن الضميمة التومائية برمتها تدور حول عقلية إبن رشد ومنهجه الفلسفي واللاهوتي الخطير (وبرأي توما والمصادر الغربية الأخطاء الرشدية) هو وراء كل هذا الدوران والبحث عن نسخ لا وجود لها لأعمال أرسطو قام الأسقف موربيك بترجمتها على طلب القديس توما .

  وإنصافاً للأسقف موربيك وإنصافاً لطلب القديس توما . نقول حقاً لقد ترجم الأسقف موربيك على طلب القديس توما واحد من أهم كتب أرسطو التي لم يعتني بها العقل المسلم أو ربما لم يكن متيسراً للعرب أصله اليوناني أو ترجمته السريانية يومذاك وهو كتاب السياسة لأرسطو . وفعلاً فأن موربيك ترجمه من اليونانية إلى اللاتينية عام 1260 . والحقيقة هذا هو عمل متفرد ، يسرت ترجمته تداولاً واسعاً للكتاب في العالم الغربي في بداية العقد السابع من القرن الثالث عشر . وتأتي أهمية هذا الكتاب إذا ما وضعنا في إعتبارنا بأن الغرب عرف جمهورية إفلاطون من خلال شرح إبن رشد عليها والذي ترجم إلى العبرية واللاتينية وكان متداولاً في عصر موربيك وتوما

  كما وضمت ترجمات الأسقف موربيك ، إضافة إلى كتاب السياسة لأرسطو ، ترجمة لكتاب الشعر لأرسطو والذي كان متوافراً في ترجمته اللاتينية من العربية وخصوصاً شرح إبن رشد عل كتاب الشعر لأرسطو والذي كابد من أجل نحت إصطلاح عربي لكلمتي تراجيديا وكوميديا .

وترجم موربيك مجموعة رسائل في الرياضيات لكل من ” هيرو الإسكندراني ” (10 ق.م – 70 م) وأرخميدس (287 – 212 ق.م) . ولعل أهمية الأسقف موربيك في الدوائر اللاهوتية لعصره وما بعد إنه وفر ترجمة لكتاب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” برقلس ” (412 – 485 م) والمعنون ” مبادئ اللاهوت ” والذي أنجز ترجمته في العام 1268 . وقد لعب هذا الكتاب دوراً في تنشيط الإفلاطونية المحدثة في القرن الثالث عشر . كما وترجم في العام 1269 شروح عالم الرياضيات ” أتوكيوس ” (480 – 540 م) على رسائل أرخميدس (أنظر : موسوعة الإسلام / ليدن ط 3 / المجلد الأول / مادة أرسطو ، ص 631)  . هذا هو حاصل النتاج الذي ترجمه الأسقف وليم فون موربيك . وهذا هو المشروع برمته الذي نفذه الأسقف إضافة إلى طلب القديس توما والذي شمل ترجمة كتاب السياسة والشعر لأرسطو . وربما إصلاح الترجمات اللاتينية للشروح العربية على أرسطو ومنها بالتأكيد شروح إبن رشد المتداولة في عصر توما والأسقف موربيك وربما راجعها على نصوص يونانية حصل عليها من كورنيثا اليونانية . وفي هذا الفهم ندرج الترجمات التي تنسب للأسقف موربيك والتي وجدناها قد وضعت على ثلاث أقراص ، وهي تشمل كتب أرسطو المنطقية ، والطبيعيات ، وما بعد الطبيعة ، والسياسة والأخلاق النيقوماخوسية .. وهي جزء من مجموعة كبيرة من المؤلفات الأرسطية في اللاتينية . وهنا أرى من المناسب إن أختم حديثي عن الأسقف وليم موربيك المصلح للنص اللاتيني لشروح إبن رشد والشروح العربية على كتب أرسطو وليس المترجم لها من اليونانية إلى اللاتينية وذلك لسببين ؛ الأول إن المصادر الغربية تتحدث عن هواجس الدوائر اللاهوتية في القرن الثالث عشر ، وبالطبع هواجس القديس توما من إن النهج العقلاني لأبن رشد قد شوه معاني النصوص الأرسطية . والثاني إن القديس توما أراد أن ينظف النص الأرسطي (وهذه هي الضميمة الكبرى) من تسلل شئ من العقيدي الإسلامي إلى ذهنية المؤمن المسيحي . وأورد هنا نصاً في غاية الأهمية يدلل على هواجس القرن الثالث عشر وهو القرن الذي عاش وعمل فيه القديس توما : في القرن الثالث عشر كانت هواجس تدور حول التشويه الذي أصاب المعاني الأصلية لكتب أرسطو في النصوص العربية . وهناك إحتمال إلى إن ذلك حدث بسبب النزعة العقلانية لأبن رشد ، وهو وراء كل الأخطاء اللاهوتية والفلسفية .

   والنص الثاني يحمل دلالة أخرى تتساند مع دلالة النص السابق . ولكن التأكيد هنا على تسلل عقائد المسلمين من خلال الشروح الرشدية لكتب أرسطو : وهناك جدل حول كتاب الشعر لأرسطو ، وإن جورك بوركس قد نندد بهذا الكتاب وذلك لأن المعرفة به جاءت عن طريق المسلمين الوثنيين (كما هو الحال مع معظم كتب أرسطو التي جاءت عن طريقهم) ولكن الميزة الرئيسة ، كما يرى وليم باسكرفيل (القرن الرابع عشر) إن كتاب الشعر ظهر بترجمة جديدة من اليونانية إلى اللاتينية من قبل وليم موربيك (أنظر المصدر السابق) .

حضور إبن رشد : بين الأسقف وليم موربيك والقديس توما

  إن هذا الطرف من البحث يركز عل حضور إبن رشد المباشر وغير المباشر في كتابات القديس توما الإكويني . ولإنجاز مثل هذه الدراسة سنقوم بمراجعة المؤلفات التي كتبها القديس وفي ترجماتها الإنكليزية . حقاً لقد كتب القديس عدداً وافراً من المؤلفات خلال حياته القصيرة . فقد توفي وهو إبن التاسعة والأربعين ربيعاً . ولذلك يظل الباحث الأكاديمي الذي يتحرى عن الدقة ، يتساءل : هل إن هذا العدد من المؤلفات التي كتبها القديس يتناسب وعمره القصير ؟ وهل الإصلاح للترجمات اللاتينية للنصوص العربية ومنها شروح إبن رشد على أرسطو قد وفرت له مادة معرفية في الرد على إبن رشد ، ومن ثم تعديد اخطاء إبن رشد اللاهوتية والفلسفية ؟ إنها  مجرد أسئلة أكاديمي يبحث عن الحق والموضوعية . إن هذا الموضوع يحتاج إلى قراءة كتب القديس توما من زاوية التراث الذي تركه الأسقف وليم موربيك لبيان مقدار المتابعة التي قام بها القديس لأراء الأسقف موربيك (فمثلاً نجد عنواين الأسقف ذاتها تكررت في قوائم كتب القديس توما مثل شرح كتاب النفس وشرح كتاب الأخلاق النيقوماخوسية ..إضافة إلى إعتماده على ترجمته لكتاب السياسة وكتاب الشعر) ، ومن ثم تحديد الإنتاج المبدع الخاص الذي ولدته ذهنية القديس توما . حقيقة إن القديس توما تابع شروح إبن رشد وإتخذ منه موديلاً . كما وتابع الترجمة التي قام فيها الأسقف موربيك وإعتمد على الإصلاحات والتجديدات التي أضافها الأسقف موربيك بعد مقارنة النصوص اللاتينية المترجمة من العبرية أو من العربية لشروح إبن رشد . وهنا يتوزع البحث في ثلاث محاور :

الأول – تقديم كشف بشروح إبن رشد على كتب أرسطو

الثاني – بيان الكتب التي ترجمها الأسقف موربيك وقوائم بأسماء النصوص التي أصلح ترجمتها (وهي ليست ترجمة بقدر إصلاح المعاني التي فيها إشكال للعقيدي المسيحي والتي هي من وجهة القديس توما تشويه وقع بسبب النهج العقلي لفيلسوف قرطبة) فهي عملية تنظيف للمعاني التي لا تنسجم ولب العقيدة المسيحية . وهذه قضية قديمة تصعد إلى بداية تأسيس الكنيسة وموقفها الرافض في المصالحة مع الفلسفة الأرسطية . فالقديس توما عاد إلى حل هذه المسألة القديمة ورمى بثقلها على أكتاف إبن رشد ونهجه العقلي ، الذي هو المسؤول عن هذه العقبة في المصالحة مع الفلسفة الأرسطية . وإن الحل هو تكليف الأسقف موربيك للترجمة من اليونانية لبعض الكتب التي لم تكن ميسرة للسريان والمسلمين يومذاك . وتنظيف النصوص اللاتينية لشروح إبن رشد من تلك المعاني التي لا تتناغم والعقيدي المسيحي .

الثالث – تقديم كشف بشروح القديس توما الإكويني على الكتب الأرسطية والمؤلفات التي رد فيها على إبن رشد وبالإستناد على أعمال الأسقف موربيك .

 كشفنا في أوراق البحث بأن أبن رشد وضع ثلاثة أنواع من الشروح على كتب أرسطو ، وهي الشروح القصيرة ، والشروح الوسيطة والشروح الكبيرة . وذكرنا في أطراف من البحث إن القديس توما وفقاً للموسوعة الكاثوليكية قد أخذ بالشرح الطويل لأبن رشد موديلاً لشروحه . وإن القديس إقتبس من شروح إبن رشد خمسمائة وثلاث من المرات ، وكان يشير إليه بعبارته القائلة ” كما تكلم الشارح العربي ” . كل هذا يدلل على السلطة المعرفية لأبن رشد وشروحه على تفكير وقلم القديس توما . ولذلك إكتشف الفرنسيسكان هذه السلطة الرشدية وأثاروها ضد القديس بقولهم  ” قائد أعمى يقود حشود من العميان ” . ونحن نقول لهم إن القديس لم يكن غافلاً أبداً بل كان عارفاً بالرشدية وما فيها من إيجاب وقوة فلسفية ، وهي تقديم أرسطو من جديد للفكر الغربي خلال شروح إبن رشد ، ومن ثم المثابرة بجد على فصل ما أعتقده أمشاج إسلامية إمتزجت بالتراث الأرسطي والعمل على مشروع المصالحة معه . 

   لقد كتب إبن رشد العديد من الشروح على أرسطو وشرح واحد على جمهورية إفلاطون . وهذه الشروح ترجمت إلى العبرية أولاً ومن ثم إلى اللاتينية من العبرية ومباشرة من العربية خلال العقد الثالث من القرن الثالث عشر . وإن كتاب إبن رشد في الطب المعنون الكليات قد ترجم قبل ذلك وكان مصدراً علمياً للكثير من الأطباء العبريين واللاتين . وكل هذا التراث الرشدي قد تم تداوله وتحول إلى موجة عارمة في الجامعات الإيطالية والقديس توما كان صبياً ، ومن ثم في جامعة باريس فيما بعد وهنا بدأ القديس منازلة إبن رشد والحركة الرشدية . ولما كان الأسقف وليم موربيك طبيباً فبالتأكيد تدارس كتاب الكليات لأبن رشد . إن شروح إبن رشد حملت معها طبعتها الخاصة وهويتها المميزة والتي تمكن الباحث من إكتشافها من بين الكثير من النصوص حتى وإن ترجمت إلى العبرية واللاتينية .

  تبدأ قائمة شروح إبن رشد بالشروح المنطقية ؛ وإستهل هذه الشروح ، شرح قصير واحد على كتاب أورغانون لأرسطو ، وتسع شروح وسيطة جاءت بالشكل الآتي : شرح على إيساغوجي (وهو ليس لأرسطو وإنما للإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري) ، والمقولات ، والعبارة ، والتحليلات الأولى ، والتحليلات الثانية ، وكتاب الجدل ، والسفسطة ، والخطابة وكتاب الشعر .

  أما الشروح الطويلة فكانت إثنتين ؛ التحليلات الأولى والتحليلات الثانية . وكتب رسائل وفصول بعنوان ” مسائل ” منها مسائل في الإيساغوجي ، وبالتحديد ” أسئلة الفارابي على الإيساغوجي حول الفصل والجنس ” ، ورسالة واحدة بعنوان ” مسائل في المقولات ” ، ورسالتين بعنوان مسائل في ” العبارة ” ، ومسائل في التحليلات الأولى ، وهي 11 رسالة ، منها ” تلخيص شرح الفارابي للكتاب الأول من التحليلات الأولى . ورسالة في نقد مذهب ثامسطيوس في الأقيسة الممكنة من الشكل الأول والثاني . ورسالة في نقد لمذهب إبن سينا في عكس المقدمة ، ورسالة في نقد لرأي الإسكندر الإفروديسي في التعريف . ومن ثم 11 مسئلة في التحليلات الثانية ، تضمنت كتاب الفارابي للبراهين . ورسالة في مخالفة الفارابي لأرسطو في ترتيب التحليلات الثانية وقواعد البراهين والتعريفات .

  جاءت بعد ذلك شروح إبن رشد على فلسفة أرسطو الطبيعية ؛ وتألفت من ثلاثة شروح ؛ قصير ووسيط وكبير . ومن ثم ثلاثة شروح في السماء وهي قصير ووسيط وكبير . ووضع إبن رشد شرحين في الكون والفساد واحد قصير والثاني وسيط .   وكتب مثلهما شرحين على الآثار العلوية . وفي البايولوجيا أنجز ثلاثة شروح ؛ قصير ووسيط وفصل ومسائل في فلسفة الطبيعة . وكتب أربعة شروح على النفس ، ثلاثة منها ؛ قصير ووسيط وكبير . ورابع شرح على الحس والمحسوس .

  أما رسائل في العقل فقد ضمت بمجملها ست شروح  ، ومنها شرح على إبن باجة ، وشرح أخر على الإسكندر الإفروديسي (أنظر للتفاصيل : الفقرة أعلاه والمعنونة ” إبن رشد وفلسفته من زاوية غربية “)  كما هناك شروح على كتب مابعد الطبيعة أو الميتافيزيقا ، وهي ثلاثة شروح ؛ تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة ، وشرح ما بعد الطبيعة الكبير ، وجوامع كتب أرسطو في الطبيعيات والإلهيات . وله شرح على الأخلاق بعنوان ” تلخيص كتاب الأخلاق ” . وشرح في السياسة وبعنوان ” شرح على جمهورية إفلاطون ” (أنظر : مراد وهبة ومنى بسيوني ؛ إبن رشد وحركة التنوير (مجموعة أبحاث/ مؤتمر) بالإنكليزية / نشرة دار برومثيوس للكتب ، نيويورك 1996 ، خصوصاً الفصل الثالث المعنون ” الإسكولائية والرشدية ” ، ص 41 وما بعد) .

وبالمقابل فإن الحديث عن ترجمات الأسقف وليم فون موربيك على أرسطو ، والإصلاحات التي قام بها  على ما يسمى بالشروح العربية أو شروح الشارح العربي (أي أبن رشد) والتي إعتمدها القديس توما . فإن المصادر الغربية فيما بعد رددت خطأً إنه ترجمها من اليونانية إلى اللاتينية  .والحقيقة إن المصادر الغربية مترددة جداً في حسم أمر هذه الشروح ؛ وهل هي ترجمة أو إصلاح للمعاني الأرسطية التي وقع فيه خطأ بسبب المنهج العقلي لأبن رشد ولذلك يبدو إن الأسقف نظف بعض معاني أرسطو مما علق بها من أمشاج إسلامية وهذه ما رغب إليه القديس توما . إن الثابت وكما تشير أكثر المصادر القريبة من القرن الثالث عشر بأنه ترجم كتاب السياسة إستجابة لطلب القديس ، ومن ثم كتاب الشعر وذلك للإعتقاد بأنه حمل الكثير من عقائد المسلمين (الوثنيين كما يزعمون) . والحاصل من كل ذلك ثلاثة ترجمات قام بها الأسقف موربيك ؛ السياسة والشعر وكتاب الأخلاق النيقوماخوسية . أما مجموعة الشروح على كتب أرسطو الأخرى فهي شروح إبن رشد وقد تم فصل العقيدي منها ، ومن ثم سيعمل القديس من طرفه على تأهيلها وجعلها تتناغم والعقيدي المسيحي وهذا هو جوهر المثابرة التومائية برُمتها .

  ننتقل بعد ذلك إلى كتابات وشروح القديس توما ، وهي من الوفرة حيث تثير التساؤل حول مدى تناسبها وعمر القديس القصير ، والذي مات مسموماً حسب إعتقاد دانتي . فهل إن موت القديس التراجيدي ولد فيما بعد إسطورة تداخل فيها الكثير الكثير من الحق وتسلل إليها هامش من الباطل حكاه المتعصبين لمحبة القديس وإلوهيته . والشاهد على ذلك عناوين الترجمات الإنكليزية لمؤلفاته ، والتي تصنفها في الأبواب الآتية : تأليفات لاهوتية ، شروح على الكتاب المقدس ، شروح على أرسطو (وهذه هي المؤلفات التي تابع إبن رشد فيها) ، شروح على نصوص إفلاطونية محدثة (وهذه النصوص مهمة من طرفين ؛ في كشف حضور مبادئ اللاهوت الإفلاطوني المحدث ، وخصوصاً كتاب برقلس ” مبادئ اللاهوت في الكتابات اللاهوتية للقديس توما . وهي نصوص فلسفية لفترة تاريخية مهمة) ، ومؤلفات فيها تنازع ، وكتابات فيها إشكالية ، وكتابات أصيلة أخرى ، وكتابات مشكوك فيها ، وكتابات منتحلة ، وكتابات منسوبة إليه (أنظر : ثيرس بوني ؛ نحو ترجمة إنكليزية كاملة لمؤلفات القديس توما الإكويني (1990 – 2010) / أون لاين)

  على كل تتوزع مؤلفات وشروح القديس الخاصة بفلسفة أرسطو وما لها علاقة بإبن رشد والرشدية والأسقف موربيك بالشكل الآتي :

أولاً – بدأ القديس توما الكتابة بدراسة كتاب الجمل للأسقف ” بيتر لومبارد ” (1100 – 1160) إمتدت ثلاثة سنوات إنتهت بشرح كبير على كتاب الجمل ، وفي عام 1252 إنشغل بكتابة رسالته في الماجستير في اللاهوت ، وإثناء إنشغاله برسالة الماجستير كتب رسالة لصديق دومنيكاني في باريس بعنوان ” في الوجود والجوهر ”  (أنظر : ستمب ؛ المصدر السابق ، ص 3) .

ثانياً – كتب السوما / الرسالة اللاهوتية (أنظر : ديفيز ؛ المصدر السابق ، ص 5) .

ثالثاً – نشاطاته وكتاباته ضد الرشدية والأرسطية المتطرفة والتي شغلت الفترة التي أصبح فيها رئيس جامعة باريس (1269 – 1272) . وكان حصيلتها كتابين ؛ الأول بعنوان ” وحدة العقل : ضد الرشديين ” . والثاني بعنوان ” ضد قدم العالم (ضد الرشدية والأرسطية المتطرفة) (أنظر : ستمب ؛ المصدر السابق ، ص ص 10 – 11) .

رابعاً – الشروح على أرسطو : بين إعادة إنتاج شرح إبن رشد والإعتماد على أسقف موربيك . وكلا الطريقين فيهما الكثير الكثير من تراث إبن رشد . إن أثر إبن رشد على توما الإكويني الذي لا ينكره أحد ، هو الإهتمام غير الإعتيادي بالفيلسوف اليوناني ” أرسطو ” (الوثني بالطبع) . فقد أجمعت مصادر الأكويني على إنه كان يحترم أرسطو ، وكثيراً كثيراً ما أقتبس منه (وبالطبع من شروح إبن رشد في اللاتينية) . وإنه كان يدعو أرسطو بالفيلسوف . وكان جُل عمله هو تأهيل أرسطو للعقيدي المسيحي . ومن النافع أن نشير هنا إلى حقيقة مهمة تركتها شروح إبن رشد على كتابات توما ، وهي إن شروح إبن رشد على ثلاثة إنواع ؛ قصير ، ووسيط (وبالعناوين العربية تلخيص) ومن ثم الشرح الكبير . ونلحط إن القديس توما قد تابع فيلسوف قرطبة في الشرح الوسيط (التلخيص) والشرح الكبير الذي إتخذه موديلاً .

  وتتحدث المصادر الغربية عن القديس توما شارحاً على مؤلفات أرسطو حاله حال إبن رشد (الشارح العربي بلغة توما) . ولذلك تشير إلى شروح توما على كتاب النفس ، وعلى الأخلاق النيقوماخوسية ، وعلى ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا) ، وعلى الطبيعيات (الفيزياء) . أما قائمة شروح توما ففي الإمكان وضعها بالصورة الآتية :

1 – تلخيص رسالة أرسطو في السماء (هذا النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابله مع نص إبن رشد العربي والعبري واللاتيني خصوصا في حالة غياب الإشارة إلى النص المزعوم للأسقف موربيك ، وتكشف عن مقدار المتابعة والإختلاف في مثابرة القديس توما) (أنظر : توما الإكويني ؛ تلخيص رسالة أرسطو في السماء / ترجمة ليركر فابين وبيير كونوي ، نشر دار كولومبس 1964 (مجلدان) .

2 – في الذاكرة والتذكر (النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابل بينه وبين نص إبن رشد العربي والعبري واللاتيني خصوصاً بعد غياب الإشارة إلى النص المزعوم للأسقف موربيك) ( أنظر : توما الإكويني ؛ في الذاكرة والتذكر / ترجمة جون بورشيل ، نشرة دار دومينكان للفلسفة 1963) .

3 – شروح على رسالة أرسطو في الحس والمحسوس (أنظر توما الإكويني : من شروح على أرسطو في الحس والمحسوس (وفي عنوان توما ضميمة تحتاج إلى دراسة لمقابلتها مع شرح إبن رشد العربي والعبري واللاتيني مع النسخة المزعومة التي ترجمها الأسقف وليم موربيك) / ترجمة أدورد مايكروسكي ، نشرة مطبعة الجامعة الكاثوليكية الأمريكية ، واشنطن 2005) .

4 – شرح على رسالة أرسطو في الحب والصداقة (أنظر : توما الإكويني ؛ رسالة أرسطو في الحب والصداقة / ترجمة بيير كونوي ، نشر مطبعة كلية النعمة 1951).

5 – شرح على الأخلاق النيقوماخوسية (أنظر : الإكويني ؛ شرح على كتاب الإخلاق النيقوماخوسية (هذا النص يحتاج إلى دراسة تقابله مع شرح إبن رشد على الأخلاق والنص الذي ترجمه من اليونانية إلى اللاتينية الأسقف موربيك بطلب من القديس توما) / ترجمة س . ليتزنكر ، نشرة مطبعة الفكر الكاثوليكي ، شيكاغو 1964) .

6 – شرح على كتاب السياسة (أنظر : الإكويني ؛ شرح على السياسة (هذا الكتاب يحتاج إلى دراسة تقابله مع ترجمة الأسقف موربيك التي طلبها القديس توما لبيان مقدار المتابعة والإضافة) / ترجمة فورتين إرنست وبيتر أونيل أ منشور في كتاب الفلسفة السياسية في العصور الوسطى (إشراف محسن مهدي ورالف ليرنر) ، نيويورك 1963 ، ص ص 298 – 334) .

7 – في النفس بين نشرة الأسقف موربيك وشرح القديس توما الإكويني (هذا النص في غاية الأهمية ، ويحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابل النص العربي والعبري واللاتيني لإبن رشد ، والترجمة المزعومة للأسقف موربيك (ونحسب إنها إصلاح لشرح إبن رشد) مع شرح توما الإكويني) / ترجمة كنيل فوستر وهامفريز سلفستر ؛ دار الفردوس الجديدة ، مطبعة جامعة ييل 1951 .

8 – تلخيص رسالة أرسطو في الكون والفساد (هذا النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تبين مقدار المتابعة والإختلاف بين نص إبن رشد ونص القديس خصوصاً مع غياب الإشارة إلى نص مزعوم للأسقف موربيك) / ترجمة بيير كونوي و أر . لاركر ، نشرة مطبعة كلية القديسة مري الربيع 1964 .

9 – شرح على ميتافيزيقا أرسطو (مجلدان) (وبنسخة أخرى هناك دلالة على إن العمل تم على نسخة إبن رشد وبعنوان تنقيحات وتصحيحات على شرح الميتافيزيقا لأرسطو) وهذا النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابله مع نص إبن رشد العربي والعبري واللاتيني (ترجمة جون روان ، شيكاغو 1964) .

10 – في الأثار العلوية (الأنواء الجوية) (وهذا النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابله مع نص إبن رشد العربي والعبري واللاتيني خصوصاً بعد إن تم الإشارة إلى النسخة اللاتينية) / ترجمة أي . ثورندايك ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو، شيكاغو 1950 .

11 – شرح على فيزياء (طبيعيات) أرسطو (وهذا النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابله بنص إبن رشد العربي والعبري واللاتيني وذلك لبيان حجم المتابعة والإختلاف مع نص القديس توما) / ترجمة ريتشارد بلاكوول / منشور في كتاب بعنوان ” روائع نادرة في الفلسفة والعلم/ نشرة دار الفردوس الجديدة ، مطبعة جامعة ييل 1963 .

12– شرح على كتاب العبارة لأرسطو ، وفي نسخة أخرى تلخيص العبارة (هذا النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابله مع شروح إبن رشد العربية والعبرية واللاتينية . ومن المعروف إن إبن رشد قد كتب ثلاثة إنواع من الشروح عليه وهي الصغير والوسيط والكبير إضافة إلى مسائل حول كتاب العبارة) / ترجمة تومثي ماكدرموت ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1993 .

13– شرح على التحليلات الثانية لأرسطو ، وكذلك وجدناه في نسخة أخرى بعنوان ” تلخيص التحليلات الثانية ” (وهذا النص يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقابله مع نص إبن رشد العربي والعبري واللاتيني وذلك لبيان حجم المتابعة والإختلاف مع نص القديس توما) / ترجمة ريتشارد بركويست ، نشرة مطبعة القديس أوغسطين 2007 .

14 – وجدنا رسالة للقديس توما بعنوان ” في تقسيم العلوم وطرقها ” / ترجمة أرمند مورر / نشرة معهد دراسات العصور الوسطى 1986 . وهذا العنوان يذكرنا بعشرات الرسائل العربية ، ومنها رسائل إبن رشد التي ترجمت إلى العبرية واللاتينية قبيل ولادة القديس توما . ولذلك يحتاج هذا النص إلى دراسة أكاديمية تقابله بالنصوص العربية وخصوصاً نصوص إبن رشد التي ترجمت إلى العبرية واللاتينية لبيان درجات المتابعة ونقاط الإختلاف إن وجدت .  

   والحقيقة إن المصادر الغربية التي إعتنت بفكر وكتابات القديس توما ، تُجمع على إن القديس وضع شروحاً على معظم كتب أرسطو ولكننا وجدنا على خلاف المصادر الغربية إن شروحه كانت جداً جداً محدودة ولذلك نرد عليها فيما إدعته إنه وضع شروحاً على معظم كتب أرسطو ففي المنطق مثلاً وضع القديس شرحين على كتابين لأرسطو في حين قائمة الكتب المنطقية تتألف من عشرة كتب ، وهذا الأمر يحملنا على القول إن القديس توما في شروحه كان إنتخابياً وغابت من شروحه الكثير من الكتب المنطقية .

    وتضيف المصادر الغربية إلى إن القديس كلف الأسقف موربيك بتوفير نصوص أرسطو مترجمة مباشرة من اليونانية وذلك لأن القديس  لم يكن راغباً في الإعتماد على شروح إبن رشد المسلم الوثني (حسب دائرة اللاهوت المسيحي في القرن الثالث عشر) ومن هنا كانت ضميمة المترجم الأسقف موربيك والتي لا تتوافر لها وثيقة تاريخية تؤيدها حسب المصادر الغربية (وإنما تتوافر وثيقة تاريخية فيها الكثير من التردد والخلط) هذا طرف . وإن  هذه المصادر وخصوصاً اللاتينية منها (وهي لغة توما وموربيك) من طرف أخر تعرف إن شروح إبن رشد غطت معظم مؤلفات أرسطو ، ما عدا كتاب السياسة والذي جاء بديلاً عنه كتاب جمهورية إفلاطون ، والتي كانت متداولة في القرن الثالث عشر وقبل ولادة الأسقف موربيك والقديس توما وتحولت إلى منهاج حركة ثقافية رشدية عارمة وهما صبيان .

  وإن الأتجاه العام على المصادر الغربية ، الحديث عن الأسقف موربيك مصلحاً للنصوص اللاتينية لشروح إبن رشد ، ومصحح أخطاء إبن رشد والتشويهات التي سببها منهجه العقلي للمعاني التي قصدها أرسطو ، وتتحدث عن الأسقف كمنظف للنصوص اللاتينية من أمشاج العقيدي الإسلامي (الوثني حسب منظورها العقيدي) الذي خالط نصوص أرسطو . وهنا تنكشف ضميمة القديس في الإعتماد على نصوص الأسقف ، والتي تبدو أصبحت مؤهلة للقديس ليعمل مصالحة بين أرسطو والعقيدي المسيحي ، وليلقي باللوم على إبن رشد أولاً وعلى العقيدي الإسلامي (الوثني) الذي عوق عملية المصالحة بين أرسطو والمسيحية ثانياً . إن ما نريد أن نقوله هنا ، هو إن شروح إبن رشد على معظم كتب أرسطو والمترجمة إلى اللاتينية قد إعتمدها القديس توما (بعد التصحيحات البسيطة التي أجراها الأسقف موربيك) مادة لشروحه . وإذا تذكرنا ما قالته الموسوعة الكاثوليكية ، وهي أولاً – إن القديس توما إقتبس خمسمائة وثلاث من المرات من إبن رشد . وهذا الرقم متواضع جداً . ولكن يكون مقبولاً إذا إقتبس كل مرة رسالة أو فصل من شروح إبن رشد . ثانياُ – إن الموسوعة الكاثوليكية تؤكد على إن القديس توما إتخذ من الشرح الكبير لإبن رشد موديلاً لشروحه . ثالثاً – إن الموسوعة دللت بما لا يقبل الشك على متابعة القديس توما لأبن رشد في شروحه ، وذلك إنه عندما ينقل من إبن رشد يقول ” كما تكلم الشارح العربي ” . رابعاً – إن الأسقف موربيك كان طبيباً فبالتأكيد تدارس كتاب الكليات للطبيب إبن رشد والذي ترجم إلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية وكان مصدراً مهماً في برامج الجامعات اللاتينية في إيطاليا ومن ثم في جامعة باريس ، واللتان درس فيهما القديس توما كذلك . ولكن نعرف إن القديس لم يكن طبيباً ولكنه وضع بعض الرسئل في الصحة ويبدو إن من المصادر التي أعانته على كتابتها كتاب الكليات للطبيب إبن رشد .

تعقيب

  وفي الختام نود الإشارة إلى الحقائق التاريخية التي تؤكد على فقدان العالم الغربي لكتب أرسطو على الأقل خمسة قرون . فقد فتح العرب سوريا الرومانية ووصلوا إلى إنطاكية حصراً في العام 637 م (والتي حتضنت الكثير من المدارس الفلسفية اليونانية ورحلت إليها كتب أرسطو) . ومن ثم حدثت عملية إنسياح للمسلمين إلى الكثير من المدن اليونانية وجنوب إيطاليا خصوصاً سيسلي (صقلية التي دخلها العرب عام 827 م) وأسبانيا (دخل العرب الأندلس عام 710 م) وإسكندرية مصر (دخلها العرب عام 639 م)  وقورينيا ليبيا (دخلها العرب ما بعد عام 639 م) . ولم يتجدد إتصال الغرب بأرسطو إلا في العام 1150 وذلك من خلال الترجمات العربية إلى اللاتينية أولاً في القرن الثاني عشر ، ومن خلال ترجمة تراث إبن رشد إلى العبرية ومن ثم اللاتينية فيما بعد النصف الثاني من العقد الثالث للقرن الثالث عشر الميلادي .

  مع الإنتباه إلى الحقائق التاريخية التي تؤشر البدايات لرحلة الموروث الفلسفي والعلمي الأرسطي عن اليونان ، والتي تحددها في عام 286 م وذلك عندما إنقسمت الإمبراطورية الرومانية ومعها إنقسمت الكنيسة إلى شرقية وكنيسة الروم الكاثوليك ، فإنتقل مع الإمبراطورية البيزنطية التراث الفلسفي اليوناني وإستقر في قسطنطينية والمدارس الفلسفية في إنطاكيا والرها ونصيبين . وبعد غلق الإمبراطور الروماني جوستنيان المدارس الفلسفية في العام 529 م ، وطرد الفلاسفة خارج الإمبراطورية رحلت البقية الباقية من المصادر الفلسفية والعلمية اليونانية إلى جنديسابور على الحدود العراقية الإيرانية في منطقة الأحواز العربية .

   ولكل ذلك نحن نشك بوجود كتب أرسطو برمتها في مدينة كورنيثا اليونانية التي عمل فيها المترجم وليم موربيك أسقفاً لاتينياً . ووفقاً لتردد المصادر الغربية في الحديث عن الأسقف موربيك مترجماً لكتب أرسطو (ما عدا السياسة والشعر) . فإننا نحس بأن القديس توما في طلبه من موربيك ترجمة كتب أرسطو من اليونانية إلى اللاتينية فيه صحة بحيث تشمل كتابي السياسة والشعر . وفيه مبالغة كبيرة لأن المصادر الغربية ترى بأن الوثيقة التاريخية لا تبين بأن موربيك قام بترجمة ، ولكن ربما قام بإصلاح أو تنقيح وتنظيف للأخطاء التي وقع فيه إبن رشد في تفسير معاني الفيلسوف أرسطو .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(11)

الفيلسوفة إلويزا والفيلسوف أبيلارد

ترجيديا الفلسفة في العصور الوسطى 

الدكتور محمد جلوب الفرحان    الدكتورة نداء إبراهيم خليل

       لقد كانت إلويزا سيمون دو بفوار القرن الثاني عشر مثلما كانت سيمون دو بفوار إلويزا القرن العشرين . وكان أبيلارد سارتر القرن الثاني عشر مثلما كان سارتر أبيلارد القرن العشرين . وإلويزا وسيمون إمرأتان محكومتان بشرطهما النسوي ، وأبيلارد وسارتر رجلان ينتميان إلى مجتمع ذكوري مُهيمن ينظر إلى المرأة بعين ماسوجينية . ولكن بدرجات مختلفة .

تقديم :  

  إن إختيارنا الكتابة في هذا الموضوع جاءت لأسباب عدة ، منها إنه واحدُ من المجالات التاريخية الأكثر حرارة في مضمار الفكر الماسوجيني (ثقافة العداء للمرأة) في القرن الثاني عشر والذي شهد نهضة ثقافية عارمة تم فيها ترجمة التراث الفلسفي والعلمي العربي إلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية . كما إن إلويزا (1101 – 1164) والفيلسوف أبيلاد (1079 – 1142) عاشا في القرن الثاني عشر ، وهو العصر الذي عاش وكتب فيه الفيلسوف الكبير إبن رشد . وهنا تكمن المشاركة الإنسانية  بين فيلسوف قرطبة والفيلسوفة إلويزا وحبيبها الفيلسوف أبيلاد . فتراجيديا إبن رشد صورة من صور المأساة الفلسفية ، فقد نُكل به وسجن وعُذب وحُرقت كتبه ، فهو أحد ضحايا الفكر المنغلق الفاقد للشفافية الإنسانية في القرن الثاني عشر في الأندلس أسبانيا العرب يومذاك  . ومأساة إلويزا والفيلسوف أبيلارد هي صورة هزت القرن الثاني عشر في فرنسا الغرب ، وكانت جريمة بربرية منكرة  .

   ومثلما تُرجمت أعمال إبن رشد إلى العبرية واللاتينية وكانت موضوع جدل في الغرب اللاتيني . كانت قصة المفكرة إلويزا والفيلسوف أبيلارد موضوع الأدبين العبري واللاتيني وموضوع جدل في العالم اللاتيني في القرن الثالث عشر وحتى يومنا هذا* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* يقول الدكتور محمد الفرحان إن هناك الكثير من التشابه بين الفيلسوف إبيلارد والفيلسوف إبن رشد ، فكلاهما عاش وكتب وأنشأ فلسفته في القرن الثاني عشر ، وكلاهما كان مفتوناً بأرسطو مع تعامل خاص مع إفلاطون الذي فرض هيمنته في الغرب قبل عصر أبيلارد والذي دشن إهتماماً خاص بالمعلم الأول .  في حين مع إبن رشد كانت فلسفة المعلم أرسطو خياراً لا يرقى له خيار مع إنتخاب خاص لجمهورية إفلاطون بديلاً عن كتاب السياسة لأرسطو الذي لم يكن متيسراً يومذاك . وكلاهما إختار المنهج العقلاني وسعى إلى عقلنة القضايا العقيدية ، فصدرت بحقهما الإدانات ، هناك في فرنسا الغرب كان رجال اللاهوت وهنا في أسبانيا العرب كان الفقهاء . وكلاهما أحب الموسيقى . وفيما يخص أبيلارد فقد كان شاعراً ومؤلفاً موسيقياً . كتب الشعر والأغاني التي تغنى بها بإلويزا ووضع لها أعذب الألحان . وقد أبدت إعجابها في شعره وموسيقاه في رسائلها .. كما إن منطقة المبو التي تتوسط بين الجنة والنار ، هي من إختراع أبيلارد ، والتي تبناه دانتي في الكوميديا الإلهية ، وإختارها مكاناً لأبن رشد وجمهرة من فلاسفة اليونان ..  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  يهدف هذا المقال إلى :

أولاً – التعريف بالمفكرة (الفيلسوفة) إلويزا أرجنتيل .

ثانياً – التعريف بالفيلسوف أبيلارد .

ثالثاً – قراءة في كتاب الفيلسوف أبيلارد ” تاريخ المحنة أو قصة حظي السئ ” .

رابعاً – الخطوط العامة لقصة مأساة إلويزا والفيلسوف أبيلارد .

خامساً – قراءة فمنستية في رسائل إلويزا والفيلسوف أبيلارد .

إلويزا : إنسانة وكاتبة وضحية

  تذكر المصادر الغربية التي إعتنت بالعصور الوسطى عامة والمصادر التي تناولت الثقافة اللاتينية في فرنسا خاصة ، القليل من المعلومات عن ” إلويزا أرجنتيل ” ، فمثلاً تتردد جميعها في تحديد سنة ولادتها ، وترجح إلى إنها ولدت تقريباً عام 1101 م . وتُجمع على إنها كانت كاتبة وباحثة أكاديمية فرنسية ورئيسة دير للراهبات . وهي مشهورة بحبها للفيلسوف ” بيتر أبيلارد ” ومراسلاتها معه . وهي ذات مزاج ثقافي متنوع جمع بين ما هو لاتيني ويوناني وعبري على حد سواء . وقد تمتعت بذهنية وبصيرة عاليتين . ولعل خير من يصفها ، هو الفيلسوف بيتر إبيلارد الذي كان معلماً وملهماً ، وصاحب ورفيق درب ، حيث يقول : ” كانت إلويزا تتميز بموهبتها العالية في القراءة والكتابة ”

  ونلحظ في رسائلها إشارات واضحة إلى إن عائلتها كانت أدنى مكانة إجتماعية من عائلة المعلم والحبيب الفيلسوف أبيلارد ، والذي كان في الأصل من النبلاء . إلا إنه تخلى عن الفروسية وأختار الفلسفة وأصبح فيلسوفاً فيما بعد . وعلى الرغم مما أشارت إليه رسائل إلويزا ، فإن المصادر التاريخية ترى بأن العديد من أفراد عائلتها كانوا من الأثرياء ، وكان لبعض منه مكانة مرموقة في المجتمع يومذاك .

  كانت إلويزا تحت رعاية عمها ” فولبيرت ” الذي يحتل مكانة دينية عالية في كنسية نوتردام في باريس والتي حصل عليها بتعيين من قبل البابا . وعندما كانت في سن المراهقة حصلت على منحة دراسية فأصبحت طالبة لبيير أبيلارد (أو بيتر أبيلارد) والذي كان واحداً من مشاهير المعلمين في المنطق ومن أكابرالفلاسفة في باريس (أنظر للتفاصيل المحور المعنون ” الخطوط العامة لقصة مأساة إلويزا وأبيلارد ” من البحث الحالي) .

أبيلارد : إنساناً وفيلسوفاَ والخيار الصعب

  ترى المصادر الأكاديمية الإنكليزية والمترجم إليها ، إلى إن ” بيير أو بيتر أبيلارد ” هو واحد من أهم الفلاسفة الإسكولائيين (المدرسيين) ، ورجال اللاهوت الفرنسيين في العصور الوسطى ، وتضيف إلى إنه كان عالماً منطقياً متفرداً في عصره . وقد ولد في قرية صغيرة تابعة لأعمال ” ليمبالت ” في إقليم ” برتني ” في الشمال الغربي من فرنسا . وكان الإبن الأكبر لرجل ينتمي إلى عائلة نبيلة صغيرة . أظهر في صباه سرعة للتعلم ملفتة للنظر ، وغالباً ما كان والده يشجعه على الدراسة والتعلم . ويصف أبيلارد في الفصل الأول من سيرته الذاتي مكانته في العائلة وميوله التعليمية ، فيقول ” كان والدي يوجهنا إلى دراسة الرسائل وتنمية ميولنا نحو الخدمة في الجيش ، وفعلاً فأن أخوتي إختاروا الجيش وإدارة الحروب . ولكن بحكم كوني الأبن الأكبر فقد إخترت طريقاً أخر لإدارة الحروب والنزاعات بين العقول . ولذلك كنت ميالاً نحو الإستدلال المنطقي أكثر من أشكال الفلسفة الأخرى ” (بيتر أبيلارد ؛ قصة سوء حظي ، ترجمة هنري أدمز بيلوز ، نشرة مكميلان ، نيويورك 1972 / الفصل الأول والمعنون مكان ولادة بيتر أبيلارد ووالديه) . 

   وكواحد من أبناء عصره فقد كونت علوم الفنون الحرة برنامجاً تعليمياً له ، والتي شملت مرحلتين ؛ الأولى منها ضمت ثلاثة علوم أو فنون وهي النحو والخطابة والمنطق . وكان المنطق يشكل لُب الفنون الحرة . الثانية شملت أربعة علوم (يومذاك يطلق عليها العلوم الرياضية) وهي الحساب والهندسة والموسيقى والفلك . وهكذا كانت الفنون الحرة التي درسها الفيلسوف أبيلارد سبعة علوم أو فنون ، وهي العلوم التي تقدم إلى المواطن الحر يومذاك (أنظر : أ . مارو ؛ تاريخ التربية في العصور القديمة ، ترجمة جورج لامب ، لندن 1948 ، ص ص 266 – 267) .

  بعد ذلك رهن أبيلارد نفسه لعلم الجدل الذي سيتفرد به ويبز فيه الكثير من أساتذته ، وكان الجدل فرعاً من الفلسفة ويعتمد بصورة رئيسة على منطق أرسطو الذي كان متوافراً في الترجمات اللاتينية التي يبدو إنها إعتمدت على ترجمات مبكرة من العبرية أو من العربية مباشرة لنصوص كتب أرسطو المنطقية والشروح العربية عليها وعلى الأقل شروح كل من الفارابي (872 – 950 م) وإبن سينا (980 – 1037 م) (أنظر : شارلز بيرنت ؛ برنامج الترجمة اللاتينية من العربية في مدرسة تليدو (طليطلة) في القرن الثاني عشر / منشور في مجلة ” نصوص علمية ” العدد الرابع عشر سنة 2001 ، ص ص 249 وما بعد) .

  وهكذا إختار أبيلارد البحث الأكاديمي مهنة له . وخلال دراسته الأكاديمية قام برحلات عريضة في فرنسا ، جادل وعلمً . وفي سيرته الذاتية ” قصة سوء حظي ” يصف حاله الأكاديمي يومذاك ، فيقول ” لقد أصبحت واحداً من الفلاسفة المشائيين (نسبة إلى مدرسة أرسطو المشائية) ” (أبيلارد : المصدر السابق) . وكان أستاذه الأكاديمي خلال هذه الفترة الفيلسوف الإسمي ” روسولينوس كابيني ” (1050 – 1125 م) وهو فيلسوف ورجل لاهوت فرنسي ، ومؤسس المدرسة الإسمية (أنظر : أوتز ريتشارد : الوسطوية والحداثة / مجلة ” دراسات الوسطوية ” العدد السادس سنة 1993 ، ص 76 وما بعد) .

  وبعد هذه الرحلات إستقر أبيلارد نهائياً في باريس ، وبالتحديد في مدرسة كاتدرائية نوتردام حيث تعلم لفترة على يد الفيلسوف ورجل اللاهوت ” وليم كامبيلز ” (1070 – 1121 م) الذي كان من مؤيدي المدرسة الواقعية (وهي الخصم للمدرسة الإسمية التي أسسها أبيلارد) . وفعلاً فقد عمل التلميذ أبيلارد بجد لدحض حجة الأستاذ وليم ، فكانت نهاية المدرسة الواقعية ، فحلت محلها الأسمية نزعة فلسفية مهيمنة . فأسس أبيلارد له مدرسة خاصة في ميلن ، ومن ثم تحول إلى كوربيل بالقرب من باريس (أنظر : كونستنت ميوز ؛ رسائل الحب الضائع بين إلويزا وأبيلارد : وجهة نظر في الحوار الفرنسي في القرن الثاني عشر/ نشرة ماكميلان 2001) . وبالمناسبة فقد أنجزنا (أنا والدكتورة نداء إبراهيم خليل) دراسة عن هذه الرسائل ضمن مشروعنا في الكتابة عن أكثر من مئة فيلسوفة . وكانت دراستنا تعتمد المنهج الفمنستي في القراءة والتحليل (أنظر المحور المعنون من البحث الحالي ” قراءة فمنستية في رسائل إلويزا وأبيلارد ” .    

 وبعد إن حقق الفيلسوف أبيلارد نجاحات عديدة في التعليم ، حدثت مواجهة بين التلميذ أبيلارد والأستاذ وليم ، وبالتحديد في العام 1108 ، فقد وجد الأستاذ يحاضر في سانت فكتور وهناك تحولا إلى أنداد خصوم . وأخذ نجم التلميذ أبيلارد يتصاعد من طوابق إلى طوابق . وحاول وليم موقتاً من وقف زحف أبيلارد من التدريس في باريس . ولكنه إستمر في التعليم في ميلن ، ومن ثم قرر فتح مدرسته الخاصة في باريس ، وبالتحديد في مرتفعات القديس مونتاني التي تطل على نوتردام . إن نجاحاته في الجدل قادته إلى اللاهوت . وفعلاً حضر محاضرات رجل اللاهوت إنسلم ليون (توفي عام 1117) . وبالمناسبة إن أنسلم كان معلم وليم أستاذ أبيلارد السابق .

   لقد كانت نجاحات الفيلسوف أبيلارد متسارعة وشاملة ، وهكدا أصبح التلميذ متمكناً من محاضراته بصورة ملفتة للجميع ، دون تدريب مسبق أو دراسة خاصة ، فإعترف بسلطته المعرفية أستاذاً للجميع ، فذاعت شهرته في البلاد ، ومن ثم أصبح رئيساً لنوتردام ، وتمت تسميته في العام 1115 إلى منصب رفيع . إن ما ميز الفيلسوف أبيلارد ، هو إنه كان رمزاً رفيعاً وذات أخلاق عالية ولهذا السبب جذب الحشود من الطلبة حوله ، حتى قيل إن طلابه تجاوز عددهم الألاف والذين كانوا يتهافون عليه من كل البلدان وذلك لتفرده في التدريس وما كان يقدمه من مادة معرفية ثرية إضافة إلى المتعة والإنبهار . وهكذا وصف نفسه قائلاً : ” إنه الفيلسوف الوحيد الذي لم يُهزم في العالم ” . ولكن التحدي الكبير الذي واجهه وهو في أعلى طوابق الشهرة الأكاديمية ، تحدي الحب الرومانسي (حب طالبة المنطق والفلسفة إلويزا) وهذا الموضوع سيتناوله محور لاحق .

  وكان لقصة حبه وعلاقته بطالبته إلويزا أثراً كبيراً في تحويل مجريات حياته وتفكيره وكتاباته ، فقد راسل إلويزا وراسلته وتُرجمت الرسائل إلى العبرية واللاتينية ، وكتب سيرته الذاتية بعنوان ” تاريخ المحنة أو قصة حظي السئ ” ، وخصوصاً أطراف من مأساة حياته وحياة إلويزا وولدهما ” إسطرلاب ” . وهي القصة التي رفعتهما إلى مقام الإسطورة  . ووفقاً لمعجم شامبرز للسير ، فإن الفيلسوف أبيلارد ” كان مفكراً حاد الذكاء ، ورجل لاهوت جرئ في القرن الثاني عشر ” .

  لقد كتب الفيلسوف وعالم المنطق ورجل اللاهوت بيتر أبيلارد العديد من المؤلفات والرسائل . وبالمناسبة إن هيمنة إفلاطون وواقعيته بالمفهوم الإسكولائي فرضت نفسها على مجريات البحث الفلسفي الوسيط حتى عصلا أبيلارد . ولكن مع أبيلارد بدأ توجه فلسفي جديد يهتم بالفيلسوف أرسطو ، وبالتحديد في منطقيات أرسطو وهذا ما تفرد به إبيلارد ولكنه سيدفع ثمناً غالياً عليه وهو ثمن تغليب المنهج العقلاني ومن ثم الإتهام بالهرطقة . وفي الإمكان أن نشير إلى جريدة مؤلفاته :

أولاً – علم المنطق للمبتدئين / أكمله قبل عام 1121

ثانيا – شروح بيتر أبيلارد على فرفريوس 1120 (إشتهر فرفريوس الصوري بكتابه المنطقي الإيساغوجي أو المقدمة ، وقد يكون كما يحسب الدكتور الفرحان قد قرأ كتاب فرفريوس المعنون ” ضد المسيحيين ” والذي يُرجح ذلك وحجته كتاب إبيلارد  المعنون حوار الفيلسوف مع اليهودي والمسيحي الذي سيأتي ذكره وهي الموضوعات ذاتها التي بحث فيها الفيلسوف الإفلاطوني المحدث فرفريوس . للمزيد أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري اللبناني مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع عام 2011) .

ثالثاً – الجدل / كتبه قبل 1125

   ولكن وفقاً لجون مارنبون في كتابه ” فلسفة بيتر أبيلارد ” نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1997 ، فأن أبيلارد كتبه ما بين (1115 – 1116) .

رابعاً – المنطق إستجابة لطلب رفاقنا / كتبه ما بين (1124 – 1125) .

خامساً – رسالة في الفهم / كتبها قبل عام 1128 . ويظن الدكتور الفرحان إن كلاً من الفيلسوفين الأنكليزيين جون لوك ودايفيد هيوم قد قرأ رسالة أبيلارد في مراحل من حياتهما ولذلك حضر عنوان الفيلسوف أبيلارد في رسالتيهما .

سادساً – كتاب نعم ولا / في ترجمته الإنكليزية ، وهو في حقيقته قائمة من النصوص الصادرة من السلطات المسيحية على الأسئلة الفلسفية واللاهوتية .

سابعاً – اللاهوت المسيحي واللاهوت الأسكولائي / كتبه مابين (1120 – 1140) وظهر بعناوين مختلفة . وهو من أهم كتاباته الأكاديمية الممنهجة في اللاهوت .

ثامناً – حوار الفيلسوف مع اليهودي والمسيحي / كتبه ما بين (1136 – 1139) .

تاسعاً – الأخلاق أو إعرف نفسك / كتبه قبل عام 1140 .

عاشراً – تاريخ المحنة (أو قصة سوء حظي) / وهي سيرة ذاتية .

أحد عشر – أبيلارد ولويزا ؛ رسائل وكتابات أخرى / ترجمة وليم لافنتين مع مقدمة وملاحظات ، نشرة عام 2007 .

إثنا عشر – كتاب تراتيل دينية  / كتبها أبيلارد لمجموعة دينية كانت إلويزا تنتمي إليها / كتبه ما بعد 1130 . وبالمناسبة أبيلارد شاعر ومؤلف موسيقي . كتب العديد من الأغاني لإلويزا ووضع لها الموسيقى . وقد ثمنت هذه الأغاني في رسائلها .

  ومن النافع أن نشير إلى إن معطم مؤلفات الفيلسوف والمنطقي الفرنسي بيتر أبيلارد ، كانت لفترة طويلة من ضمن قائمة الكتب الممنوعة من التداول (أنظر : بيتر أبيلارد ؛ تاريح المحنة (أو قصة حظي السئ) ، ترجمة هنري أدامز بيلوز / نشرة دار ماكميلان ، نيويورك 1972 ، من المقدمة) .

    كما أعان رجل اللاهوت أبيلارد الكنيسة ودوائرها اللاهوتية في حل قضية الجدل الكنسي حول الأطفال الذين يموتوا قبل أن يحصل لهم العماد . ووفق مفهوم الكنيسة إن كل من لم يحصل له العماد يكون في النار . فإخترع أبيلارد مجالاً ثالثاً يتوسط بين منطقتي النار والجنة ، وأسماه المبو ، وهو مجال إنتطار حيث يتم التأهيل دون عذابات للإنتقال إلى الجنه ، وهو مفهوم فيه تعديل وإصلاح لمفهوم الخطيئة الأصلية عند القديس أوغسطين (أنظر : بيتر أبيلارد ؛ تاريخ المحنة / مصدر سابق ، من المقدمة) . وفعلاً فقد قبل البابا ” البرئ الثالث ” (1160 – 1216) مفهوم أبيلارد في المبو (أنظر : إدارة اللاهوت العلمي ؛ أمل الخلاص للأطفال الذين يموتون قبل تعميدهم/ نشرة الفاتيكان 2008 ، ص ص 7 – 12) . ويبدو إن دانتي في الكوميديا الإلهية قد تبنى مفهوم المبو الذي إخترعه أبيلارد وإختار لأبن رشد الفيلسوف العربي مكان في المبو مع حشد كبير من الفلاسفة اليونان .

قراءة في كتاب الفيلسوف أبيلارد ” تاريخ المحنة أو قصة سوء حظي “

 هذه محاولة أولى في اللغة العربية نقوم بها في مراجعة الترجمة الإنكليزية لكتاب الفيلسوف إيبلارد ” قصة سوء حظي ” والذي كتبه باللاتينية . إن هذا الكتاب يُعد من السير الذاتية الأولى بعد إعترافات القديس أوغسطين . وجاء العنوان الإنكليزي يحمل دلالة على مأساة إيبلارد : ” قصة سوء حظي ” . تألف الكتاب من خمسة عشر فصلاً  وسنحاول تقديم قراءة للفصول حسب أهميتها المتوازنة لكل من الفيلسوف أبيلارد وإلويزا وبالشكل الأتي :

الفصل الأول وجاء بعنوان ” مكان ولادة بيير أبيلارد ووالديه ” . وفيه حدد مكان ولادته جغرافياً ، ومن ثم تحول للحديث عن والده وولعه بدراسة الرسائل التي وفر العديد منها ، ورغبته في أن يتعلم الرسائل كل أولاده أكثر من تعلم إدارة الجيوش وهو تقليد في العائلة . ولكون إبيلارد الإبن البكر والقريب من الوالد ، كان فعلاً يتطلع بأمل على أن يتعلم الرسائل . ولهذا إنكب الصبي أبيلارد على دراستها ورهن وقته لها .

  وبينما توجه إخوته بحكم تقاليد العائلة إلى الخدمة في الجيش ، فقد وجد أبيلارد نفسه مفتونة بالإستدلال المنطقي أكثر من أي فرع من فروع الفلسفة الأخرى . ولذلك فضل إستخدام كل الأسلحة للحصول على جائزة النصر في معارك العقول مثلما إختار إخوته الفوز بمعارك الحروب . ولذلك شرع بعد ذلك برحلات في الكثير من المحافظات الفرنسية ، يجادل ويعلم ، فبدأ يسمع بأن الدراسة التي إختارها ، هي من أغلب الفنون إزدهاراً . فيقول : وهكذا ” أصبحت فيلسوفاً مشائياً ” (منا : نسبة إلى المدرسة المشائية التي أسسها الفيلسوف اليوناني أرسطو) . 

الفصل الثاني يتناول فيه ما حصل له مع أستاذه ” وليم كامبليز ” ، ومغامرته في ميلن وكوربيل وباريس ، ثم إنسحابه من مدينة الباريسيين إلى ميلن ، ورحلة العودة إلى بيته القديم . الفصل برمته يركز على الأستاذ وليم ، فقد بدأ الفصل بحديث عن رحلة الوصول الطويلة إلى باريس ، وكيف إن فن الجدل كان مزدهراً فيها ، ومقابلته لأستاده وليم كامبليز والذي يصفه بكونه ” رجلاً متفرداً في العلم ، وله سمعة وأخلاق عالية ” . ويعترف بإنه كان يجله إجلالاً كبيراً ، ولكنه سبب له حزناً كبيراً وذلك عندما قرر دحض أفكاره ، وتمكن من تحقيق الإنتصار الباهر عليه . ومن ثم بدأ يفكر في تأسيس مدرسة خاصة به بعد إن ذاعت شهرته . فقرر الذهاب إلى قلعة ميلن وفتح المدرسة هناك . وهنا حدث تنافس بين الأستاذ والتلميذ ، بين الاستاذ وليم والتلميذ بيتر . ولوجود خصوم للأستاذ فقد ساعدوا بيتر في إنشاء مدرسته فذاعت سمعته وتزايد عدد طلابه بالمقابل إنحسار عدد طلاب الأستاذ وليم . وبعد صراع مرير قرر الأستاذ وليم التخلي عن مدرسته وأصبح أسقفاً في كالونز وترك باريس . وهنا نستشد بقول له يصف الحال ، فيقول ” لقد لعب طلبتي دوراً في إنتشار سمعتي ، وبالمقابل إن الأستاذ وليم نفسه أخذت حياته تنطفأ ، وإقترب من الموت ” .

   وخلال هذه الفترة تعرض أبيلارد إلى وعكة صحية بسبب حماسه الشديد والمكثف على الدراسة ، فكانت الوعكة الصحية وراء عودته إلى بيته القديم . إن المهم في هذا الفصل الإشارة إلى إن الأستاذ وليم  وإن تحول أسقفاً ، فأنه ظل يتابع ما يجري في باريس وما يحدث في مضمار الفلسفة . وكان بين الحين والأخر يقوم بإلقاء المحاضرات وبطريقته القديمة التي لم يتخلى عنها . وفعلاً فإن بيتر أخذ يتطلع لتعلم الخطابة ، فأخذ يلاحق محاضرات الأستاذ ليتعلم منه ، ولكن في الوقت ذاته في الدخول معه في مناقشة موضوعات متنوعة . فكانت تلك المناقشات وراء تغيير وجهات نظر الأستاذ القديمة ومن ثم التخلي عنها وخصوصاً أفكاره القائلة بواقعية الأفكار الكلية والأفكار المجردة والأفراد .. ولم يعد بعد الآن متمسكاً بها . وإن مشكلة الكليات هي من أكبر المشكلات بين علماء المنطق . حتى إن فرفريوس الصوري عندما كتب مؤلفه الإيساغوجي إعترف بإنه كتبه على أساس الكليات . ولذلك قال بالحرف الواحد ” إن الكليات هي من المسائل العويصة ” .

  وبعد نزاعات ونجاحات أصبحت دروس بيتر أكثر قوة وسلطة حتى لجميع طلاب الأستاذ وليم . فأخذ الأستاذ في الهجوم على عقائد بيتر ويجمع الحشود ضد مدرسته . وبالمقابل عُرض على بيتر أن يشغل مكان الأستاذ في مدرسة باريس . ومن ثم تعرف الأستاذ على طريقة بيتر في الديالكتيك أو الجدل . وحسب بيتر كما يصف هذه الحظة ” إنه لا تتوافر لدي كلمات لوصف حال الأستاذ وحسده ، فقد كان يأكل نفسه من الألم والعذاب ” ..

  أصبح بعد كل ما حدث ، من اللازم كما يقول بيتر ” العودة إلى بيتي القديم وذلك بسبب حاجات أمي العزيزة ” لوسي ” ، خصوصاً بعد ترك والدي الحياة والإنخراط في حياة الدير ، وبعد توفير حاجاتها وفي مقدمتها إصلاح البيت ، قررت العودة إلى باريس وذلك لدراسة اللاهوت وخصوصاً بعد إنسحاب أستاذي القديم وليم إلى أسقفية  كالونز ، والمعلم المتميز في اللاهوت هو ” أنسلم ليون ” (والذي كان معلم أستاذي وليم) . والحقيقة إن سمعة أنسلم في اللاهوت تجاوزت الأصقاع .

الفصل الثالث وكان بعنوان ” كيف وصل إلى ليون بحثاً عن الأستاذ أنسلم معلماً ” . وهو فصل قصير جداً ، بدأه بإظهار الإحترام للمعلم أنسلم وإنتهى إلى بيان نقاط الضعف في طريقته في تفسير النصوص الدينية .

الفصل الرابع وجاء بعنوان ” ما حصل عليه من المعلم أنسلم ” . وهو كذلك فصل قصير . وكشف فيه مرارة وحسد المعلم أنسلم من محاضراته في تفسير النصوص الدينية . ولكنه كان أقل مرارة من أستاذه وليم تجاه الأعمال الفلسفية التي كان يقوم التلميذ أبيلارد بتفسيرها .

الفصل الخامس وحمل العنوان الآتي ” كيف عاد إلى باريس وأكمل الشرح الدي بدأه على النصوص الدينية في ليون ” . ولعل أول ما نريد أن ننبه إليه ، هو إن هذا الفصل إحتوى على مقدمة ماسوجينية دفاعية مكشوفة فيها تصفية حسابات ، والتخلي عن مسؤوليته في مأساة إلويزا التي هي حسب رأيه من عامة الناس ، وإنه هو النبيل وإن السيدات النبيلات بالولادة لم يتعرضن في مدرسته لأي إعتداء .

  على كل المهم في هذا الفصل ، إنه بعد عدة أيام عاد أبيلارد إلى باريس ، وبقي بضع سنين في مدرسته . وهناك أكمل شروحه على حسقيل والتي بدأها في ليون . وهنا يِؤكد بلغة فيها تضخيم للأنا فيقول : ” إن كل من قرأ هذه الشروح تأكد من تمكن مؤلفهما ليس في اللاهوت بل وفي مضمار الفلسفة كذلك ” .

  إن تزايد المحاضرات في موضوعي اللاهوت والفلسفة ، وتزايد أعداد الطلبة أديا إلى تصاعد المصادر المالية بصورة جيدة لمدسة أبيلارد ، مما كان لهما الأثر في قناعته بالبقاء وعدم التفكير بالمغادرة . ولكن كم يقول ” إن الحماقة تجعل الروح  فريسة سهلة للإغراءات . وهكذا أخذت أعتقد بأنني الفيلسوف الوحيد الباقي في هذالعالم . وتوقف الخوف من وقوع أي طارئ يسبب تعكير صفو حياتي ، فبدأت غرائزي تنطلق . وكنت أفكر دائماً بالفلاسفة الذين رهنوا حياتهم إلى حب دراسة المقدس ، والذي في طوابقه العالية يتربع جمال العفة  .

 ولحظة مرت أمام مرآة تفكيري أشياء مثل الفخر والإثارة ، ومن ثم مرت النعمة الإلهية كعلاج لهما وفعلاً قد ضغطت عليً ، وفي البداية عاقبت إثارتي ومن ثم عاقبت إفتخاري وكرامتي . وفيما يخص إثارة الغريزة فينبغي عليك أن تعرف القصص التي حدثت ، وتفهم الحقائق أكثر من الإستماع لما قيل حولها ، وأن تعرف المصادر التي أتت منها . مع الإعتبار بأني لست من الميالين إلى العهر ، فقد عملت بجد على المحافظة على نفسي من كل العلاقات والإتصالات مع النساء النبيلات بالولادة واللائي كن يحضرن إلى المدرسة . ولكن بسبب معرفتي القليلة بالناس العاديين ، كانت وراء الحادثة التي رمت بي بسرعة إلى الأسفل من مكانتي السامية العالية وسببت لي العار ” .

  إنه تبرير ماسوجيني فضيع ، جعل من شخصه النبيل برئ ، ومن إلويزا هي السبب في الإغراء وإثارة غريزته وذلك لكونها غير نبيلة بالولادة بل هي من عامة الناس الذين لايعرف عنهم إلا القليل القليل . إنه منطق ذكوري ماسوجيني لا يعترف بالحقائق ويتحمل المسؤولية كاملة في تسبيب المأساة للضحية إلويزا وولدها إسطرلاب ويقول ما له من حق وما عليه  ..

الفصل السادس وجاء بعنوان ” كيف هبط أبيلارد إلى الأسفل بسبب حبه لإلويزا وما أحدثه من جروح للجسم والروح ” . الفصل بمجمله مخصص للحديث عن إلويزا ، وكيف بدأت علاقته بها وكيف نمت . ويدرك القارئ لهذا الفصل ، هيمنة منطق اللوم الذي إعتادت عليه الثقافة الذكورية الماسوجينية ، والساعي إلى تعليق الأسباب على شماعة الضحية ، وتبرئة المعتدي منها .

   لقد رسم في هذا الفصل صورة ” البنت إلويزا ” كما جاء ذلك في كلامه . فهي إبنة  أخ رجل الدين ” فولبيرت ” في كنيسة نوتردام الباريسية ، وكانت جميلة وذات ثقافة واسعة ، ومعرفة في الرسائل ، وكانت تحضر إلى مدرسته . فوضع خطة لإغواءها ، وطلب من بعض أصدقاء العم فولبيرت أن يتحدثوا إليه ، للعيش في داره ، وأن تكون فرصة لتعليم إلويزا . والحقيقة كما يرى أبيلارد إن هم العم هو تعليم إلويزا . كما إن سمعة أبيلارد السابقة جعلته أن يسمح لأبيلارد أن ينتقل ويعيش في البيت .

وهكذا توفرت الفرصة له للإختلاء بإلويزا وإيقاعها في حبه فأخذ يقضي الليل في خلوتاه مع إلويزا ، وأخذت رغبته في الذهاب إلى المدرسة والتعليم تتناقص ، وإن محاضراته تحولت إلى روتين خالي من جديد . ولكنه في هذه الفترة كتب الكثير من قصائد الحب والتي إنتشرت في كل البقاع وتحولت أغاني يتغنى بها المحبين ، وشعر طلبته بهذا التغيير . وكما يقول ” إن وقتي كله تحول لخلاوتي مع إلويزا ، ولذلك تخليت عن وقتي للفلسفة ولواجباتي في المدرسة ” .

  وأخذ الجميع يتحدث عن علاقته بإلويزا ، ومن ثم وصل الكلام إلى العم فولبيرت فلم يصدق في البداية . إلا إنه بعد أشهر أكتشف الحقيقة المدمرة بنفسه ، فطرد أبيلارد من البيت وعاش في حزن وكرب كبيرين . وخلال هذه الأثناء أكتشفت إلويزا إنها حامل ، فبعثت برسالة إلى أبيلارد تخبره بالأمر وتسأله عن نصيحته ، فقرر  أبيلارد العودة إلى بيت العم فولبيرت وكان غائباً ، وأخذ إلويزا وأرسلها إلى بلده وعاشت مع إخته إلى حين ولادة ولدها أسطرلاب . ولما عرف العم بالخبر أصابه الحزن والعار .

  ولما لم تكن لدى العم فولبيرت سلطة للقبض عليه وسجنه ، ولكن أبيلارد من طرفه كان مدركاً بأن العم لم يسكت ، وإنه بالتأكيد يفكر في قتله أو إحداث أضرار جسدية له . لذلك قرر مقابلته وطلب منه الغفران ، وإنه على إستعداد لأصلاح الأمر وطلب منه الزواج من إلويزا بشرط أن يظل الزواج سرياً وذلك كا يقول ” للمحافظة على سمعتي الأكاديمية والبقاء على مدرستي ومهنتي ” . وهنا يؤكد أبيلارد على تذكير القارئ للقصة بأن هذا الأمر يحدث لكل إنسان عاش وإختبر قوة الحب . ولذلك دعم وجهة نظره قائلاً : إنه منذ بداية النوع الإنساني فأن ” النساء وراء سقوط حتى الرجال النبلاء إلى الخراب ” . إن كلام  الفيلسوف أبيلارد كلام مكشوف فيه تخلي عن دوره في المأساة ، وترويج لثقافة ذكورية ماسوجينية ترمي بأخطاء الرجال على أكتاف النساء الأبرياء ، كما هو الحال في إلويزا والتي إعترف مقدماً بخطته للإغراء ، وخيانته لثقة العم لولبيرت العالية به وبسمعته السابقة ” .

الفصل السابع وكان بعنوان ” حجج إلويزا ضد الزواج ” . وهو فصل مهم يكشف أطراف أخرى من مأساة إلويزا والفيلسوف أبيلارد . والفصل يبدأ بذهاب أبيلارد إلى مدينته ، وجلب ما أسمته لغته الماسوجينية ” عشيقته إلويزا ” ليعمل منها زوجة له .  وكانت إلويزا ترفض هذا الزواج لسببين ؛ خطورة المسألة والخزي الذي سيُلحق بأبيلارد . فقد أكدت بأن عمها سوف لا يقتنع بذلك ، وكانت تتساءل ” كيف تريدني أن أفعل ذلك الأمر  وأنا دائماً كنت أبحث عن كل ما يُمجدك ويُعلي من شأنك ؟ ” . في حين كان أبيلارد بالمقابل يتساءل : ” ما هي اللعنة التي ستلحق بالكنيسة ؟ وما هو الإنقسام الذي سيقع بين الفلاسفة بشأن هذا الزواج ؟ ” ،  ” وكيف بحق خالق الطبيعة والعالم أن أرهن نفسي لأمرأة واحدة ، وأخضعها لهذه الإهانة وهذا الإذلال ؟ ” ولذلك رفضت إلويزا هذا الزواج (أي الزواج السري) بعزم قوي لأنه سيكون عبأ ثقيلاً على الفيلسوف أبيلارد .

  لقد إقترحت إلويزا على أبيلارد أن يستشير كتابات الفلاسفة ، وأن يستند إلى الدروس التي تقدمها حياتهم . وأن يراجع كتابات القديسين الذين كتبوا في هذا الموضوع وحذروا من الزواج والحياة الزوجية . ولعل النتيجة التي رغب أبيلارد الوصول إليها ” إنه لا يوجد إنسان عاقل في هذا العالم ، يقبل أن يكون مقيداً بزوجة ” . ويستشهد بما ذكره القديس جيروم عندما ذكر الفيلسوف ” شيشرون ” ، والذي طلق زوجه ورغب الزواج من أختها . ولكنه تردد ولم يفعل ذلك بسبب إنه غير قادر على تكريس نفسه للزوجة ، وفي الوقت ذاته دراسة الفلسفة . ولهذا تخلى شيشرون عن كل شئ يحول بينه وبين دراسته للفلسفة .

  وإحتج كثيراً بنصائح إلويزا (والتي نشك فيها وإنها كتبت من زاوية أبيلارد الماسوجينية) والتي تقارن فيها بين متطلبات الحياة العائلية وما فيها من واجبات ثقيلة مثل حياة الأطفال والروتين العائلي ، وضرورات العمل الفلسفي من كتابة وتفكير . إن كل المناقشات التي جلبها أبيلارد تصب في رفض الزواج والحياة العائلية . وإنتهت بإستشهاد من الفيلسوف الرواقي ” سنيكا ” ، حيث قال ” إن الفلسفة ليست دراسة في ساعات محددة وقت الفراغ والأسترخاء ، بل إن دراستها يتطلب تكريس يطوي الحياة برمتها ، مع التخلي عن كل شئ يقف في طريقها ..” . وهكذا إنتهى أبيلارد إلى الإستنتاج القائل : ” بأن المتدينين والفلاسفة حالهم واحد . فمثلما كرس رجال الدين حياتهم لحب الله ، وتخلوا عن كل شئ وانعزلوا في الصوامع والأديرة . فإن الفلاسفة الحقيقيون كرسوا نفسهم لحب الحكمة وحدها ” .

  ومن ثم عاد إل كتاب ” مدينة الله ” للقديس أوغسطين ، بحثاً عن أمثلة لدعم حجة إلويزا في رفض الزواج . ففي هذا الكتاب يتحدث القديس عن المدارس الفلسفية القديمة . ومنها المدرسة الفيثاغورية (المدرسة الإيطالية) . فقد أشار إلى إن الفيلسوف فيثاغورس هو الذي نحت كلمة فلسفة لأول مرة ، وذلك عندما سُئل عن مهنته ، فقال ” أنا فيلسوف ” ويقصد أنا باحث عن الحكمة أو محب لها . وهكذا بتواضع فضل على كلمة حكيم ، حب الحكمة أو محب للحكمة . وبالمناسبة قد فات على الفيلسوف أبيلارد بإن الإحتجاج بفيثاغوراس لا ينفع حجته في الدفاع عن العزوبية وعدم الزواج وذلك لأن الفيلسوف فيثاغورس كانت له زوج فيلسوفة وبنات فيلسوفات وإبن فيلسوف (أنظر بحث محمد جلوب الفرحان المعنون ” فلاسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد ” منشور على صفحات موقع الفيلسوف) .

  عبر بعد ذلك إلى حالة الفيلسوف سقراط والذي سجن نفسه بالزواج والذي تحول إلى عقبة في حياته الفلسفية ، ولكن أبيلارد يحذر من حالة سقراط وذلك لأن الفيلسوف دفع الثمن الغالي . فقد ذكر القديس جيروم اللحظات التي كانت تثور فيها ” أكسيبتينب ” زوجة سقراط ، وتعطل تفكيره ، فينحني برأسه مردداً ” أعرف إنه وراء كل عاصفة ستهطل السماء مطراً ” .

  وأخيراً يشير إلى حجة إلويزا القائلة ” إن هناك خطورة جدية إذا ما توجهنا إلى باريس ” . ولذلك فضلت أن تبقى ” عشيقة ” لأبيلارد من أن تكون زوجة له . وفي هذا الأمر ما يحفظ كرامة أبيلارد (أرجو الإنتباه إلى إهتمام أبيلارد بكرامته مع تجاهل وإهمال لكرامة إلويزا) . وقالت ” إن الحب هو الذي يربطها بأبيلارد ، وإن قيود الزواج لا تربط بينها وبينه ” .

  ويعود أبيلارد إلى مجريات الأحداث ، فبعد ولادة طفلهم ، قرروا تركه مع أخت أبيلارد ، وبسرية عادوا إلى باريس ، وبعد بضعة أيام ، وبالتحديد في الصباح الباكر أقاموا إحتفال الزواج في إحدى الكنائس ، وحضرها عم إلويزا وأصدقائه وأصدقاء أبيلارد . ومن ثم إنفصلوا كل بطريقه ، وكانا يتقابلان بسرية . ولكن عم إلويزا وأقربائه لم يهدأ لهم بال وذلك لكرامتهم المجروحة ، فكانوا يفكرون بطريقة ترد لهم كرامتهم وتدفع عنهم العار والخزي ، فبدأوا ينشرون أخبار الزواج ، وكسروا عهدهم على الإبقاء على سرية الزواج . فغضبت إلويزا وقامت بالرد وأنكرت حقيقة هذا الزواج وأعتبرته كذبة . فسببت غضب عمهما الذي هددها بالعقاب ، وما أن سمع أبيلارد بالتهديد ، فقام بإرسالها إلى دير للراهبات في أرجنتيل والتي لم تبعد عن باريس كثيراً ، وأعد لها ملابس الراهبة حتى تتمكن من العيش في الدير .

  وعندما سمع عمها والأقرباء ، تصوروا إن أبيلارد كان يلعب ويكذب عليهم ومن ثم تخلى عن إلويزا وضغط عليها بدخول الرهبنة ، شاط غضبهم ، ووضعوا الخطة لمعاقبة أبيلارد وبمساعدة واحد من خدمه بعد دفع الرشوة له ، فهجموا عليه ليلاً وكان نائماً في غرفة سرية ، وقطعوا أعضائه الجنسية التي سببت لهم الحزن والخزي . ومن ثم هربوا . ولكن إثنين من المهاجمين تم إلقاء القبض عليهم وقلعت عيونهم وقطعت أعضائهم ، وكان واحداً منهم الخادم المرتشي .  

الفصل الثامن وحمل العنوان الآتي ” عذابات الجسد ، وكيف تحول أبيلارد إلى راهب في دير القديس دنس ، وإلويزا راهبة في أرجنتيل ” . إذن الفصل بمجمله يروي حكاية ردود فعل المدينة من الفعل البربري الذي إرتكبه رجل الدين فولبيرت وأقربائه الغاضبين من الفيلسوف ورجل اللاهوت أبيلارد . فقد تجمع سكان المدينة كما يصف ذلك أبيلارد ” أمام سكني بعد سماعهم بماذا حدث . وكانت محنة مؤلمة خصوصاً عويل وإستنكار رجال الدين وأصحابي من الأكاديميين ” . وكان لحالتهم الإنفعالية سبباً كما يقول أبيلارد ” في تعذيب نفسي  . وحقيقة شعرت بالخزي يلفني أكثر من الألم الجسدي ، والعار يحرقني أكثر من العذاب البدني . وعرفت ؛ كيف كان الله عادلاً في معاقبتي ، خصوصاً ذلك الجزء الذي إرتكب الخطيئة . وعرفت بأن هناك عدالة لما فعلته من خيانة لثقة الرجل . كما وعرفت إن خصومي كم هم متشوقون لرؤية فعل العدالة . وفي الوقت ذاته كيف إن هذا العار سبب معاناة لأحبتي وأصدقائي ، وكيف إن هذا الإعتداء هز كل أرجاء الأرض ؟ ” .

  ومن ثم يستطرد فيقول ” كيف الآن أستطيع أن أرفع رأسي بين الرجال ، وأن الجميع يؤشرون عليً بإحتقار ؟ ولذلك كله فكرت بحياة العزلة والإنسحاب . وفي الوقت ذاته فإن إلويزا إرتدت لباس الراهبات خصوصاً غطاء الرأس . وهكذا أصبحت راهباً في دير القديس دنس ، وإلويزا راهبة في دير إرجنتيل . وهناك أقسمت إلويزا أمام المذبح على تكريس نفسها للحياة الدينية .

  ومن ثم يكمل أطراف من قصته ، فيقول ” بالنسبة لي فبعد إن تعافيت من جروحي ، أخذ رجال الدين يتقاطرون علي ، ويطلبون مني أن أتوجه بدراساتي إلى الله ، وأن أتخلى عن تعليم الأغنياء ، وأن أركز تعليمي على الفقراء . وهنا تساءلت : هل من الممكن أن أكون فيلسوفاً من دون الله ؟ ولكن كلامي في الخاصة والعامة سبب الكثير من عدم الإرتياح في الدير ، فكانت النتيجة إن إنعزلت في كوخ لي للتعليم ، وأخذ الطلبة يتهافتون من كل صوب وحدب . ولما كنت لا أستطيع توفير ملجأ لهم . فقد بحثوا لهم عن ملاجئ خاصة .

  وفي هذه الفترة ركزت في محاضراتي على اللاهوت ، مع عدم التخلي على الإطلاق من تدريس الفنون العلمانية ، والتي غالباً ما كنت أميل إليها . وكنت أوجه أنظار طلابي إلى دراسة الفلسفة الحقيقية . بل وحتى في تدريسي للكتب المقدسة فقد كنت أجنح صوب الموضوعات العلمانية ” .

  وكان طلبته يتوزعون في فصليين دراسيين ، وفي وقت إنحسار المدارس ، أخذ طلابه بالتزايد . ولهذا السبب أخذ يتصاعد حقد وحسد بعض المعلمين . فأخذوا بالتفكير في إيقاف زحفه ، فجمعوا بعض الأفكار التي تُدينه والتي تتركز في ناحيتين ؛ الأولى إن هناك تناقض بين حياة الدير وتدريس الموضوعات والكتب العلمانية . والثانية إن أبيلارد بدأ بتدريس اللاهوت ، دون أن أكمال التدريب . وإن كلا التهمتين ربما كافيتين لتجريم أبيلارد وتحريم دروسه .

  وفعلاً تحركوا بنشاط جاد يهمسون في مسامع الأساقفة ، ورؤساء الأساقفة ورؤساء الأديرة ، وكل الرموز الدينية التي لها سلطة لتمرير تهمتهم وتوفير الأدلة لإدانة أبيلارد .

الفصل التاسع وركز فيه الحديث عن ” كتابه في اللاهوت ، وكيف إنتشر بين طلابه ، ومن ثم وقوف المجلس ضده ” .

الفصل العاشر وجاء بعنوان ” حرق كتابه في اللاهوت ، وأصبحت الإدانة بيد رئيس دير الرهبان ” .

الفصل الحادي عشر وحمل العنوان الآتي ” دروسه في البرية ” .

الفصل الثاني عشر وركز على ” التهم التي وجهها له مجموعة جديدة من الأعداء ” .

الفصل الثالث عشر وكان يدور حول ” الشهادات التي أدلى بها رئيس الدير والرهبان ومالك الأرض ” . 

الفصل الرابع عشر وكان بعنوان ” التقرير العدائي عن تجاوزات أبحاث أبيلارد ” .

الفصل الخامس عشر وجاء بعنوان ” دعوة رئيس دير الرهبان لبيان المخاطر التي واجهت الدير والأسباب التي حملته على كتابة رسالته ” .

  وختم الكتاب بوضع كل ما حدث بيد المشيئة الإلهية ومن ثم كانت مسك الختام كلمة الوداع .

الخطوط العامة لقصة مأساة إلويزا والفيلسوف أبيلارد

  بعد قراءة ما يمكن أن نطلق عليه ” إعترافات الراهب أبيلارد ” وهي في حقيقتها التاريخية المحاولة الثانية بعد محاولة القديس أوغسطين . نود أن نلفت انتباه القارئ إلى إن الحقائق التي أدلى بها الفيلسوف أبيلارد لا تشتغل لصالح الضحية إلويزا ، ولكنها تشتغل لصالح الضحية الفيلسوف والمنطقي أبيلارد والتي كونت الخطوط العامة لقصة حبهما المفروض عليه نوعاً من التابو في العصور الوسطى وبالشكل الآتي :

أولاً – إن هناك إختلاف عمري بين الأستاذ الفيلسوف والتلميذة إلويزا يصل على أقل إحتمال إلى 21 سنة ، أي إن الأستاذ أبيلارد أكبر من عمر طالبته إلويزا بإحدى وعشرين . وبالمناسبة إن وفاة إلويزا جاء بعد 22 سنة من موت أبيلارد .

ثانياً – إن عائلة الأستاذ أبيلارد كانت من النبلاء ، وإخوته من الفرسان الذي يحتلون مكانة مرموقة في الجيش وإدارة الحروب والقتال . في حين إن عائلة الطالبة الضحية كانت أدنى درجة إجتماعية كما وصفتها رسائل إلويزا .

ثالثاً – إن الأستاذ أبيلارد كان معلماً ويمتلك سلطة علمية وأكاديمية ، وهو أستاذ الجدل والمنطق القادر على الإقناع أو التسويف . وفعلاً فهو يعترف في سيرته الذاتية بأنه مارس فعل الأغراء بوعي على طالبته وأوقعها في حبه .

رابعاً – كان الأكاديمي أبيلارد عارفاً جداً بإن هذه العلاقة مع طالبته تتعارض والأعراف الأكاديمية . كما وإنه عارف جداً إذا تم إكتشاف هذه العلاقة سيتعرض إلى الطرد وخسارة وظيفته إلى الأبد . ولكن لأنانيته الماسوجينية لم يفكر على الإطلاق بأي رادع أخلاقي . ولذلك راهن على حساب كرامة طالبته وحبها غير المشروط .

خامساً – مارس أبيلارد فعلاً ماسوجينياً مكشوفاً ، فطلب من إلويزا أن تخفي أمر حملها بطفل سببته علاقتهما أولاً وطلب منها الهرب من البيت عند إقتراب ولادة طفلها ” إسطرلاب ” وذهب بها إلى مدينته ” بريتني ” وتمت الولادة هناك . وكان الأمر بسيط جداً  لحل المشكلة ، وهو أن يترك وظيفته الأكاديمية ويعود إنساناً عادياً ويعيش مع إلويزا وطفله إسطرلاب . ولكن أنانيته الماسوجينية سدت عليه كل دروب التفكير ولم يبقى إلا طريق التضحية بإلويزا وطفله ويضرب عرض الحائط بكرامة العم ” فولبيرت ” . وتجاهل إن في اللعبة لازال رجال يترقبون ،  ومجتمع ذكوري يتربص وينتظر الإنتقام ، وخصوم في العمل الأكاديمي نازعهم وتفوق عليهم وكسر شوكتهم الأكاديمية لا زالوا يفكرون في رد إعتبارهم وإستغلال هذه القضية ضده .

 سادساً – بعد معرفة عم إلويزا بما حدث بين إلويزا والأستاذ أبيلارد ، وافق على طلب الأستاذ الزواج من إلويزا . إلا إن أبيلارد أراده زواجاً سرياً ولذلك تحجج بوضعه الوظيفي وربما سيفقد وظيفته إذا تم الإعلان عن الزواج . وبذلك لم يفكر على الإطلاق في وضع إلويزا المحرج ، وكأنه بوعي يفكر في تضحية إلويزا لصالحه (وهذا ما كانت إلويزا تفكر فيه) . ولذلك عرض الزواج السري ، ورفضت إلويزا هذا الزواج في البداية ، ومن ثم عادت وقبلت بعرض إيبلارد بأن يظل الزواج سراً .

سابعاً – إن صراع الإرادات الذكورية ، إرادة وسلطة الرجل عم إلويزا ” فولبيرت ” ذو المكانة الدينية المرموقة في كنيسة نوتردام ، وإرادة الأستاذ الأكاديمي النبيل أبيلارد في أن يبقى زواجه سرياً . إن دفع بالعم ” فولبيرت ” أن ليقبل عرض أبيلارد الذي فيه لوي لذراعه على مضض . وفعلاً لفترة قصيرة جداً كسر عهده للفيلسوف إيبلارد وأعلن على الملأ زواج أبيلارد من إلويزا . فوضع أبيلارد في وضع صعب . وبالمقابل نكرت إلويزا هذا الزواج السري وذلك لحبها غير المشروط لأستاذها على الرغم من مواقفه الماسوجينية التي تجسد أنانيته الذكورية .

ثامناً – سبب إعلان الزواج حالة إعصار نفسي لكل من إلويزا وأبيلارد ، فتشاجرت إلويزا مع عمها وتركت البيت وإتصلت بأبيلارد فأخذها موقتاً إلى أحد أديرة الراهبات . فلما عرف عم إلويزا بما فعل أبيلارد ، وتصور إن أبيلارد قد تخلى عن إلويزا ، جند مجموعة من الرجال الأقرباء فغاروا ليلاً على بيت الفيلسوف أبيلارد وخصوه ، فترك كل شئ وتحول إلى راهب .  وهكذا وصلت تراجيديا الفلسفة إلى فصولها الأخيرة خارج أبواب دار الراهبات الذي دخلته إلويزا مرغمة  ، وبعد العتبات الداخلية لدار الرهبان الذي إنخرط فيه الفيلسوف أبيلارد . وفعلاً إن أبيلارد قد تلقى رسالة من إلويزا وهي في دار الرهبات تتساءل فيها ” لماذا أُجبرت على هذه الحياة الدينية التي لم تختارها ولم تكن هناك دعوة موجهة لها ؟ ” .

عاشراً –  بعد إنتقام عم إلويزا من الفيلسوف أبيلارد ، وإخصاؤه بطريقة منكرة ، ترك الفيلسوف كل شئ وأقسم على الرهبنة ، وكان في سن الأربعين (وبالتأكيد إلويزا في سن التاسعة عشرة) . ومن ثم تدريجياً عاد إلى الدراسة ، وأعاد فتح مدرسته وبدأ الطلبة يتهافتون على محاضرته مع خوف من قبل بعض الخصوم والأعداء . ومن ثم نشر محاضراته اللاهوتية ، غير إن خصومه إنتخبوا منها عينات تُدلل على تفسيره العقلاني لعقيدة التثليث . فإتهموه بالهرطقة . وفعلاً نجحوا في الترتيب لعقد جلسات تدقيق في كتابه في العام 1121 . وعلى أساسها تم إصدار قرار الإدانة والشجب لتعاليمه ، وأُمر بحرق كتابه . فتحولت حياته في الدير إلى حياة صعبة  ، فأخذ بمشاكسة الرهبان وإزعاج إدارة الدير ، فقرروا السماح له بترك الدير ، فعاش في منطقة معزولة قرب نوننت بجوار نهر السين ، وبنى له كوخاً من الجريد وتحول إلى ناسك . وسمع بمكانه الطلبة الباريسيين ، فأخذوا يتهافتون عليه في البرية وأقاموا خيمهم وبنوا أكواخهم حوله ، فعاد للتدريس ولكن الخوف من الإضطهاد وتجديد جروح المأساة حملاه على التفتيش عن ملجأ جديد له . وفعلاً ترك المنطقة وقبل دعوة رئاسة دير سانت كايلد في برتني ، وكان البيت مهجوراً وغير منظم ويعوزه الكثير ، فظل يعاني هناك مدة عشر سنوات .

 أحد عشر – وبعد مرارة هذه السنوات العشر ، أخذت الحياة إتجاهاً جديداً فإلويزا تمكنت من تأسيس نفسها من جديد وأصبحت رئيسة دير ديني في منطقة معزولة ، وبمساعدة المدير هناك وجهت الدعوة له لزيارة المكان الذي تديره إلويزا والعزيز عليه . وخلال هذه الفترة عاشت إلويزا حياة محترمة ، كما تنامت مكانتها في المجتمع الديني المحيط بديرها . إلا إن ما يلاحظه الباحث الأكاديمي على حكاية حياة إلويزا مقارنة بحياة الفيلسوف أبيلارد ، هو إن مصادر الثقافة الماسوجينية قد همشت حياة المرأة إلويزا وتركتها راهبة مرغمة للعيش في الدير . في حين إعتنت بالرجل الفيلسوف أبيلارد وتابعت حياته تفصيلاً .

إثنتا عشر – وخلال ترك أبيلارد دير سانت كايلد كتب سيرته الذاتية المشهورة ” قصة سوء حظي ” . كما وفي هذه الفترة كتبت إلويزا رسالتها الأولى له . ومن ثم تلتها الرسالة الثانية . وهنا إنطفأت علاقتهما وأقسما على أن يكونا أخ وأخت . وفعلاً فقد إلتزم أبيلارد بذلك العهد .

ثلاثة عشر – في العام 1136 عاد أبيلارد وحاضر في المكان ذاته الذي حقق فيه نجاحات باهرة ، وبالتحديد في مرتفاعات سانت . ولكن لفترة قصيرة . وكانت تنتظره محاكمة ، فقد تقدم عدوه ” برنارد كلورفيكس ” (1090 – 1153 م) بدعوة طلب فيها التحقيق في منهجه العقلي . وفي عام 1141 وبعد مناقشات أولية لهذه القضية ، طلب برنارد من المجلس الذي ينظر في قضية الفيلسوف أبيلارد ، وأن يكون الإجتماع في السين  ، وقد رتب برناد ظروف التجريم والإدانة . وفعلاً قبل أن يطلب من أبيلارد النظر في التهم والتحضير للدفاع . فتح برنارد القضية وبالمناسبة كانت لبرنارد سلطة ، فعرض قرار التجريم والإدانة إلى المجلس . والعادة كانت يومذاك إن القضية تُرسل إلى روما ويتم الإنتظار لوصول قرار التجريم والإدانة . وهذا ما حدث فعلاً فقد طلب أبيلارد شخصياً في النظر في القضية .

  وظل أبيلارد في دير كلوني بضعة أشهر ومن ثم سلم روحه للواحد القهار . ولعل من كلماته الأخيرة التي قالها قبيل موته في عام 1141 : ” أنا لست أدري ” . وكانت وفاته لأسباب عدة منها حمى ومرض جلدي . ويقال إن إلويزا دفنت بجواره عندما ماتت في العام 1163 أو 1164 .

  أما ولدهما ” إسطرلاب ” فقد تضاربت الأخبار حوله ، فقد عاش في كنيسة خلال السنوات الأخيرة من حياة والده . وفي نص متوافر يشير إلى إن بيتر كلوني قد وعد أمه إلويزا بالبحث عن مكان ملائم له . وفعلاً في العام 1150 ذُكر بأنه كان في كاتدرائية نانتس في غرب فرنسا ، ومات في 29 أو 30 إكتوبر ، ولم يذكر شيئاً عن سنة الوفاة . ولكن القصة لم تنتهي وإنما هناك  فصول أخرى ستكشفها رسائل ومراسلات إلويزا والفيلسوف أبيلارد . وهذا موضوع ستتناوله المحاور اللاحقة .  

قراءة فمنستية في رسائل إلويزا والفيلسوف أبيلارد

  نحسب إن هذه القراءة هي الأولى من نوعها في اللغة العربية لهذا الجنس من الرسائل المتبدالة بين الطالبة المفكرة إلويزا والفيلسوف الأستاذ أبيلارد . وهذه الرسائل تذكرنا على الأقل من زاوية رسائل إلويزا بكتاب الفيلسوفة الوجودية ” سيمون دو بفوار المعنون ” أنا وسارتر والحياة ” . وإلويزا على هذا الأساس هي سيمون دو بفوار القرن الثاني عشر . وإن سيمون دو بفوار هي إلويزا القرن العشرين . ويظل الفيلسوف أبيلارد رغم جرحه النازف والفيلسوف سارتر رغم إنكسارته رجلان ينتصر لهما المجتمع الذكوري في القرن الثاني عشر والقرن العشرين ويخفف من مساهمتهما في جُرح إلويزا وجلد سيمون .

  أمامي كتاب بعنوان ” رسائل حب لأبيلارد وإلويزا ” ، والمترجم مجهول الهوية . أما الناشران للكتاب الرسائل ، فهما كل من إزرائيل كولنسز و السيدة أونر مورتن ، والنشرة تعود إلى عام 1901 . ويتألف الكتاب من مقدمة وستة رسائل وملاحق.

وفي المقدمة إشارة إلى إن الرسائل كتبت باللاتينية بحدود العام 1128 . وإن أول نشرة ظهرت لها في باريس في العام 1616 . كما إن أول نشرة ظهرت لها في إنكلترا في اللغة اللاتينية وليست الإنكليزية ، كانت في العام 1728 وبعد ذلك ظهرت لها نشرات في لغات متنوعة . مع الإشارة إلى إن هناك طبعة لناشر مجهول ظهرت في العام 1722 . وهي كما يبدو مراجعة وليست ترجمة في حقيقتها . ولكنها تميزت بإسلوبها الآخاذ وقدمت تعبيراً جيداً لروح الرسائل (من مقدمة الناشران كولنسز والسيدة مورتن) .

  ولعل من المفيد أن نُذكر القارئ ببعض الحقائق ، والتي أوجزها الناشران في المقدمة ، وهي إن بروفسور المنطق بيتر أبيلارد ، وهو واحد من مشاهير فلاسفة عصره ، وكان يومها في السابعة والثلاثين من عمره ، وشغله الشاغل التفكير العميق مع إهمال لكل المشاعر العاطفية ، قابل الفتاة المثقفة الجميلة إلويزا ، والتي كانت بنت التاسعة عشر ربيعاً ، فهام فيها حباً فإستسلم لعواطفه ، ورمى بالعقل والدين في مهب الرياح .

  وفعلاً كان الفيلسوف أبيلارد يتطلع للزواج منها . ولكنه في الوقت ذاته يرى إن الزواج يسد عليه الطريق في التقدم والترقية في مراتب الكنيسة . ومن ثم ولد لهما طفلاً . وكان أبيلارد يلح على الزواج السري وكانت إلويزا ترفض هذا الزواج . ولما علم عمها فولبيرت وولي أمرها بالأخبار ، إنفجر غاضباً وبمساعدة أقربائه هجموا على الفيلسوف أبيلارد وبتروا أعضائه الجنسية .

  منعت هذا المأساة الفيلسوف أبيلارد من مواجهة طلبته ، كما إنها تحولت إلى عائق في أن يتقرب من إلويزا ، فتحول إلى راهب وكان في الأربعين من عمره  ، ومن ثم  أصبحت إلويزا راهبة وهي بنت الثانية والعشرين ربيعاً . وبعد مرور عشرة سنوات وصلت الرسالة الأولى إلى إلويزا من أبيلارد بكريق مجهول ، وإن الرسالة في عنوانها لم تكن موجهة إلى إلويزا وإنما إلى الصديق ” فيلنتوس ” (ووفقاً لما بيناه في كتاب أبيلارد تاريخ المحنة إن إلويزا في وقت مبكر من إرغامها على دخول الرهبنة بعثت برسالة إلى أبيلارد تسأله ؛ لماذا أُرغمت على هذا النمط من الحياة الدينية ؟) . وعرفت منها إن أبيلارد لم يصل إلى قناعة بما حدث . وهي كذلك بالمقابل لم تكن مقتنعة . وفعلاً إستجابت إلويزا لرسالة أبيلارد وكتبت رسالتها التي تصف عواطفها الهائجة خلال تلك السنوات .

  ومن ثم رد على رسالتها برسالة أخرى بين فيها حاله المترددة بين الدين والندم .  ومن ثم تبادلا بعد ذلك رسائل أربعة أخرى . إلا إنها أقل عاطفية من السابقتين . ومن ثم توقفت المراسلات وفُرض نوع من الصمت على علاقتهما . ومات الفيلسوف أبيلارد في العام 1142 وكان عمره ثلاث وستين عاماً . وبعد عشرين عاماً (والأدق كما بينا أعلاه بعد أثنين وعشرين عاماً مات إلويزا وبالتحديد في العام 1164) (المصدر السابق) .

  والحقيقة إن هذه الرسائل الست ، لم تكن هي رسائل وإنما مقاطع . ولذلك سنقدم قراءة لهذه الرسائل المقاطع :

الرسالة الأولى وجاءت بعنوان ” من أبيلارد إلى فيلنتوس ” والتي تكونت من عشرين صفحة . ونحسب إن الفيلسوف متردد من توجيه الرسالة إلى إلويزا بسبب الإنقطاع الطويل الذي إستمر عشر سنوات أو ربما إنه كان خائفاً من رفض إلويزا للرسالة ولذلك عنونها إلى هذا الصديق السابق والذي يعزيه وهو عزاء يشمل أبيلارد على الأغلب وإلويزا بدرجات أقل أو بنغمة هامشية (أبيلارد ؛ الرسالة الأولى ، ص 1)  .

ومن ثم يتحول في مقطع أخر للحديث عن طفولته وحياته الأولى (ص 2) . وخصص مقطع للكلام عن الإتجاهات المتصارعة في شبابه (ص 3) .

  وفي مقطع أخر يعيد إنتاج حكاية الهزيمة التي وجهها لأستاذه وليم كامبليز (ص4) ، وحديث عن دراساته اللاهوتية (ص5) ، وكيف إن الحب سيطر عليه (ص6)  ، والطريقة التي قابل إلويزا (ص7) ، ومن ثم تدريس الفلسفة لإلويزا (ص 8) ،  تفاصيل عن حبه لها (ص 9) ، وكيف إن عمها فولبيرت فرق بينهما (ص 10) ، ووصف لأوجاع أبيلارد بعد إن إكتشف فولبيرت علاقتهما (ص 11) ، وكيف إن إلويزا نقلت طلب أبيلارد لعمها ، وتوعد الأخير بالإنتقام (ص 12) .

  ومن ثم تتحول الرسالة إلى أطراف من المأساة ، بدءً بمعرفة العم بإن إلويزا حامل من أبيلارد (ص 13) ، ورفض إلويزا للزواج (ص 14) وحديث عن إلويزا وأخت أبيلارد (ص 15) ، وتفاصيل عن الطريقة البربرية التي إنتقم فيها رجل الدين فولبيرت من الفيلسوف أبيلارد وذلك بقطع أعضائه الجنسية (ص 16) ، وتحول إلويزا إلى دير الراهبات وأبيلارد إلى دير الرهبان (ص 17) ، وحديث عن حرق كتابه ، وكيف إن القرار سبب مأساة حقيقية له فاقت ما فعله عم إلويزا به (ص 18) ، وجاء في مقطع أخر وصف الحياة البربرية داخل الدير (ص 19) . وأخيراً يعترف أبيلارد في هذا الرسالة بأن الحب لازال فارضاً سلطته عليه (ص 20) .

  ومن المفيد أن نشير إلى إن نهاية الرسالة جاءت على شكل عزاء ذكوري تعكسه ثقافة ماسوجينية تناست حال الضحية – الحبيبة الوفية إلويزا  ، فقد تساند الفيلسوف أبيلارد مع صديقه فيلنتوس المزعوم فقال ” فإذا هم إضطهدوني ، فإنهم سيضطهدونك لامحالة . وإذا العالم كرهني ، فلابد إن تعرف بأن العالم حتماً سيكرهك . فتعال فيلنتوس نبذل جهداً ، ونصنع من سوء حظنا قوة .. أو على الأقل نهزم خطايانا ” (ص 20) .

   ويلحظ القارئ بسهولة إن أبيلارد يتوجع ألماً على نفسه فقط وما حل بها ، دون أن يفكر بالضحية إلويزا التي هي جُرح ينزف دون أن تتشكى له ، وهي عارفة بأنها نتيجة مأساوية لفعل الأستاذ الذكوري وخيارات ثقافته الماسوجينية التي لا تعرف منطق توزيع الحقوق والمسؤوليات بين الذكور والأناث أو على الأقل بين الضحية رقم واحد والضحية – المعتدي .

  وفي التقويم الأخير فإن هذه الرسالة نقلت لنا الكثير الكثير من المعلومات التي سجلها الفيلسوف أبيلارد في كتابه ” تاريخ المحنة أو سوء حظي ” . وهي على هذا الأساس خلاصة لا جديد فيها سوى إعادة إنتاج ما كتبه سابقاً ودفاع أناني عن الذات الذكورية وما يلفها من ثقافة ماسوجينية .

الرسالة الثانية وكانت بعنوان ” من إلويزا إلى أبيلارد ” . ولكن في العنوان الفرعي الذي كتبته إلويزا فيه الكثير الكثير من الدلالات أولاً على علو كعبها في فن كتابات الرسائل . وثانياً على رجاحة عقلها ورهافة مشاعرها الإنسانية التي تضع الفكر الذكوري والثقلافة الماسوجينية في دائرتي التساؤل والإحتجاج . فقد جاء العنوان الفرعي مكتوب بلغة كلها إحترام وحب سام للفيلسوف أبيلارد ، فقالت ” إلى ربها ، وأبيها ، وزوجها ، وأخيها ؛ خادمه ، طفله ، زوجته ، أخته ، تعبير بكل تواضع إلى المحترم المحبوب ” أبيلاردي ” . كتبت إلويزا هذا الكلام ” (ص 21) . إن هذه الرسالة وهي الثانية والرسالة الرابعة والخامسة التي كتبتها إلويزا ، تحملنا على أن نتخيل لها كمجموع مستقل عن رسائل أبيلارد الثلاثة المتبقية العنوان الآتي ” أنا وأبيلارد والحياة ” متابعة لعنوان السيرة الذاتية التي كتبتها سيمون دو بفوار والتي حملت العنوان ” أنا وسارتر والحياة ” .

  إن مصداقية إلويزا كما أوضحت هذه الرسالة كانت أقوى من مصداقية الفيلسوف أبيلارد . فقد كشفت بأن أبيلارد تخفى في رسالته خلف شخصية فيلنتوس الصديق المزعوم وإختاره رجلاً ليتساند مع ثقافته الذكورية الماسوجينية . وإن الرسالة في حقيقتها موجهة إلى إلويزا . ولنترك إلويزا تتحدث عن ذلك :

” إن رسالة التعزية التي بعثتها إلى صديق في الأيام القليلة الماضية ، وصلت إليً . ولمعرفتي بفن الرسائل ، ولليد التي سلمتها لي ، ولحب الإستطلاع قمت بفتحها ” (ص 21) .

  تكونت هذه الرسالة من عدة مقاطع شغلت الصفحات من (21– 41) . وعالجت الموضوعات الآتية : ذكريات الحزن والحداد (ص 21) ، وعويل إلويزا (ص 23) ، طلب إلويزا من أبيلارد أن يكتب حيث إن الكتابة سبيل لتخفيف الألام (ص 24) ، سلطة وقوة الرسائل (ص 25) ، واجبات إلويزا تجاه الرهبات (ص 26) ، النساء يحتاجن إلى المساعدة (ص 27) ، صداقة القديسين (ص 28) ، الحب لازال حياً (ص 29) ، حرية الحب (ص 30)  ، شهداء الزواج (ص 31) ، تحريض أبيلارد على كتابة قصائد غنائية لتشريف المرأة (ص 32) ، وإن إلويزا لم تكن حسودة على الإطلاق (ص 33) ، وإلويزا توبخ أبيلارد على تجاهله الطويل لها (إستمر عشر سنوات حتى وصلت الرسالة الأولى والتي لم تكن معنونة لها وإنما لصديق مزعوم) ، وتعترف بأن أقربائها فعلوا شيئاً بربرياً (ص 34) ، ما بين الله والإنسان (ص 35) ، إعتراف إلويزا بخطيئتها (ص 36) ، ولادة العواطف (ص 37) ، ومن ثم يأتي توبيخ ألويزا العميق لأبيلارد ، وتختتم المقطع متسائلة ” هل بإمكانك أبيلارد من تعليم الرذيلة بدلاً من الفضيلة ؟ ” (ص 38) ، طهارة حب إلويزا (ص39) ، قوة حبها وسلطته (ص 40) ما هو إنساني وما هو إلهي (ص 41) .

  وتختتم إلويزا الرسالة داعية أبيلارد بقولها ” إقبل ذلك مني ، وهو إنك غير قادر على رفضي ، فإن الله وحده له الحق على كل قلوب الرجال الذين خلقهم ، وها هي النعمة وصلت قاب قوسين أو أدنى ، فكر فيً ، لا تنساني ، تذكر حبي ووفائي لك ، حبني عشيقة لك ، ودللني طفلة لك ، وأخت ، وزوجة ، وتذكر دائماً أنا أحبك ، وأنا أكفاح لتجنب حبك ، أنت لا تستطيع أن تتصور درجات الرعب وصدمات الهلع التي أصابتني . صحيح إن قلبي ثائر على ما أقول ، وها قد ملأت الدموع كل أوراقي ، وأنا أصل إلى نهاية رسالتي الطويلة ، أتمنى لك الجنة إن رغبت ذلك ” (ص 41) .

  إن الناظر في عناوين الموضوعات التي تعرضت لها رسالة إلويزا ، يلحظ إنها  إيجابية في معالجتها لما حدث ، وفيها أمل وتفاؤل رغم  ما سببتها التجربة مع أبيلارد أولاً من جروح عميقة ومن تجهال وإهمال إمتد عشر سنوات ، وفيها وصفات علاج لأبيلارد ، كما وفيها مشروع إهتمام غير إعتيادي بجلدها النسوي ، ونقد خفي وتقويم غير مباشر لأفعال وأراء الرجل أبيلارد ، مع التمنيات له بحياة هادئة ..

الرسالة الثالثة وجاءت من ” أبيلارد إلى إلويزا ” وضمت الصفحات من (42 – 59). والحقيقة إن أول ما يلاحظه القارئ من خلال قراءة الرسالة الأولى والثانية (وهي الرسالة الثالثة الحالية) من رسائل أبيلارد ، ومقارنة مع رسائل إلويزا (وهن الثانية والرابعة والخامسة) ، إن هناك نوعين من المنطق ؛ منطق ذكوري فيه قوة وجفاف يحكم رسائل أبيلارد . ومنطق مملوء بالعواطف واللين والمشاعر الفياضة الذي يحكم رسائل إلويزا . فمثلاً هذه الرسالة الأبيلاردية تبدأ بإعترافات أبيلارد (ص 42) والتي فيها يخبرها إلى إنه هرب إلى الفلسفة والدين بحثاً عن العلاج للعار المؤلم الذي حل به هذا من جهة ، وبحثاً عن ملجأ آمن يحميه من الحب والتجربة المحزنة السابقة .

 وفي مقطع تالي يعالج موضوع الصمت كحل مريح (ص 43) ، والقرب لا يقتل الحب (ص 44) .

  ومما يلاحظه القارئ لمضمون مقاطع رسالة أبيلارد مقارنة بمحتوى مقاطع رسائل إلويزا ، إن لغة أبيلارد لا زالت أدنى مستوى في توجهاتها الإنسانية من لغة إلويزا الشفافة . فمثلاً يخاطبها بقوله ” عشيقة ، الشفقة والواجب هما ثمرة الإنسحاب والإستسلام أو الإنطفاء ” . وبالمناسبة إننا نستطيع أن نختار عنواناً لرسائل أبيلارد الثلاثة (الأولى والثالثة والسادسة ) منفردة ، وهو ” إعترافات الفيلسوف أبيلارد ” .

  ومن ثم تستمر مقاطع رسالة أبيلارد في معالجة موضوعات من مثل الحضور الدائم لصورة إلويزا أمامه (ص 45) ، ويكافح أبيلارد من أجل النسيان (ص 46) ، ويسألها في تقديم المساعدة (ص 47) ، ويتحدث عن شعوره بالعار (ص 48) ، ويسلم إلويزا إلى الله (ص 49) ، كأس شراب القديسين (خلال القُداس) (ص 50) ، حسد أبيلارد السابق (ص 51) ، الشك الأناني لأبيلارد (ص 52) ، تضحيات إلويزا (ص 53) ، الذنب المُركب (المزدوج) لأبيلارد (ص 54) ، أبيلارد يسأل الله العون (ص 55) ، يطلب أبيلارد من إلويزا بذل الجهد (ص 56) ، الوصول إلى التوبة (ص 57) ، الله ينقذنا بالتكفير (ص 58) ، والموت لا يفرق بيننا (ص 59) . ويطلب منها أن تدفن بجوار قبره ، وإن ” رمادك لا يخاف بعد ذلك من أي شئ ، وإن قبري سيزدهر ويكون ضريحاً مشهوراً “

الرسالة الرابعة وكانت من ” إلويزا إلى أبيلارد ” وشغلت الصفحات من (60 – 72). وهذه الرسالة هي أشبه برد على رسالة أبيلارد الأخيرة . ويحكمها منطق غريب نحسب إنه ساد في كل زوايا رسالة إلويزا ، وسببه إن عملية غسل دماغ قد تمت لألويزا في دير الراهبات . فالرسالة بمجملها تعكس هزيمة الإنسان المرأة بصورة ملفتة للنظر ، ومن ثم قبولها بجوهرها الدوني ، وإستسلامها لقدرها المحتوم . وإختيارها لرسالة الرهبنة التي تحتقر المرأة ، وتعتبرها سبباً في شرور العالم .

   ولنعود إلى مقاطع الرسالة ننتخب منها ما يؤيد هذا التحول الجذري في حياة الراهبة إلويزا . فمثلاً في العنوان الفرعي للرسالة تقول ” إلى أبيلارد المحبوب في المسيح ، من إلويزا محبوبها في المسيح ذاته ” (ص 60) . وتخبره بأنها ” قرأت رسالته بعناية ، وبالرغم من حظها السئ ، فإن لا شئ فيها سوى العزاء الذي سبب الحزن العميق لروحها ” .

  ومن ثم تنحدر بجوهرها الإنساني إلى مناطق متدنية ، فتخاطبه قائلة ” أنا جداً منزعجة من طريقة كتابتك لعنوان رسالتك ؛ فلماذا وضعت إسمي إلويزا قبل أبيلارد ؟ ماذا يعني هذا التمييز الجلف والغير العادل ؟ إن إسمك كاف ، وهو إسم الأب والزوج ، والذي دائماً عيوني تتطلع وتبحث عنه . وحقيقة إني لا أنظر لعيوني ، وكنت أحاول النسيان وذلك لأنهما السبب في تعاستك  ، إن مكانتك عالية ، فأنت سيدي وزوجي ” .

  وتساءل : أبيلارد ؛ هل خاطبتني بذلك قبل أن يدمر الحظ السئ سعادتي ؟ أنا أرى قلبك أخذ بالتخلي عني ، وأنت حققت مستويات متقدمة في طريق التكريس الديني (الرهبنة) ، وأنا أتمنى أن أصل إلى ما وصلت إليه . اللعنة أنا جداً ضعيفة وغير قادرة عل مواصلة مشوارك . أبيلارد على الأقل أبقى بقربي وشجعني للوصول إلى المستوى الدي وصلت إليه (ص 60) .

  بعد ذلك تتقدم إليه بنصيحة وتسأله ” هل أنت قادر على هجري ؟ حقيقة أبيلارد إن الخوف يطعن قلبي في كل لحظة . كما إن حديثك عن الموت في نهاية رسالتك السابقة ، سبب فقدان عقلي . القوي أبيلارد كان من المفروض بك أن تهدأ من روعي وتوقف دموعي . ولكنك على العكس سببت عويلي الدائم . كان بك إن تخفف من هلعي ولكنك رميت بي في العماء . إن الحياة بدون أبيلارد عقاب ، وإنني لا أستطيع أن أتصور العيش بعدك لحظة . أنا أتمنى لك طول العمر ، وأنت تدفنني بيديك ” (ص 61) .

  ومن المفارقات في هذه الرسالة إن إلويزا تتبنى الثقافة الماسوجينية (المعادية للمراة في كل شئ) . فمثلاً في مقطع بعنوان ” الرجل والمرأة ” تطلب من أبيلارد أن لا يستسلم للمرأة ، وأن ” يرفض السم الذي تقدمه ، وأن يخلاف المرأة ولا يتابع السير وراءها في الطريق الذي إختارته ، وأن يعرف إن بيتها هو باب للدمار والموت ” . ومن ثم تتحدث إليه بمعرفة الخبير ، فتقول له ” لقد تحققت من الكثير من الأشياء ، ووجدت بأن الموت أقل خطورة من الجمال ” (ص 65) .

  وفي مقطع بعنوان ” دمار الرجل بيد المرأة ” تخاطب إلويزا أبيلارد قائلة ” كانت المرأة هي السبب وراء سقوط الرجل من مكانته العالية في الجنة والتي خُلق للعيش فيها ، وقد خُلقت لتشاركه في السعادة ، ولكن دورها سبب له الدمار ” (ص 66) . وفي الأخير تحاجج أبيلارد مفترضة ” إذا إرتكبت جريمة في حبك ، فأنا لا أستطيع التكفير عنها ، أنا حاولت أن أسعدك حتى إن كان على حساب قيمي ، وكنت تستحقها بجدارة عالية ” (ص 66) .

  وتستمر إلويزا في إعتناق ثقافة ماسوجينية معادية لجلدها النسوي في كثير من مقاطع هذه الرسالة ، مما تحملنا على القول إن إلويزا هنا غير إلويزا في الرسالة السابقة ، وغير إلويزا بالطبع قبل حياة الرهبنة والتكريس الديني . وعلى هذا الأساس يلحظ القارئ إن إلويزا قد خفضت من مكانتها الإنسانية على حساب حياة التكريس الديني التي أُجبرت عليها ، ويبدو في هذه الرسالة إنها قبلت الرهبنة والتكريس الديني نمطاً حياتياً جديداً . وهي بالتأكيد فيها رضاء لأبيلارد الرجل ومجتمعه الديني الذكوري والثقافة الماسوجينية المظلة الكبيرة للجميع . فمثلاً في مقطع بعنوان ” خطيئة المرأة في الحب ” (ص 68) ما يدلل على ذلك ، وفي مقطع أخر بعنوان ” المرأة تعشق الخطيئة ” (ص 69) ما يتساند ومواقف إلويزا الجديدة التي حدثت بعد أختيارها طريق الرهبنة وقبول الثقافة الماسوجينية التي تُعلي وتمجد مكانة الرجل وفي الوقت ذاته تحط من مكانة المرأة وتحملها كل الخطايا وشرور العالم . والشئ ذاته في المقطع المعنون ” فضيلة المرأة ” . ففيها تطلب من أبيلارد المساعدة وذلك لكونها إرتكبت الخطايا والذنوب ، وهي عاجزة من قيادة نفسها دون عون أبيلارد (ص 70) .

  ومن ثم تعلن صراحة في المقطع المعنون ” الشفقة الكاذبة لا تجلب السلام ” ، فتقول ” أنا دفنت نفسي وهي حية ” وإن ” شفقتي الكاذبة خدعتك طويلاً كما خدعت الأخرين ” (ص 71) . إنه إستسلام تام ، وإنتظار الموت الذي لا كرامة إنسانية فيه . وأخيراً تخبره برسالة الرهبنة والتخلي عن الحياة الإنسانية ، فتقول ” السماء تأمرني أن أتخلى عن عواطفي القاتلة لك ” . وفي الكلمات الأخيرة ، فعل تمرد إنساني على مسرحية السماء ، وفيها خطيئة وذنب جديدين ، فتصرخ معلنة ” ولكن آه ! قلبي لا يستطيع أبداً الموافقة معها (أي مع السماء) ” (ص 72) . ونحسب إن إلويزا هنا تردد النشيد الوجودي المعاصر ، يولد الإنسان ليتعذب ويموت ، وعلى لسان إلويزا ؛ ولادة معجونة بالخطيئة ، وتكفير (قد يكون بتعميد أو بديل أخر) وموت قد يؤدي إلى الجحيم أو الجنة أو إلى منطقة وسطى (هي المبو) التي إخترعها الحبيب أبيلارد .

 الرسالة الخامسة وجاءت بعنوان ” من إلويزا إلى أبيلارد ” وضمت الصفحات من (73 – 84) . يلحظ القارئ لهذه الرسالة إن المنطق تحول دراماتكياً لا لصالح  إلويزا والمرأة وشرطها النسوي ، ولا لصالح أبيلارد ومجتمعه الذكوري ، وإنما لصالخ ثقافة ماسوجينية متسورة بغطاء ديني كثيف . ففي هذه الرسالة تعلن إلويزا ، وبالتحديد في المقطع المعنون ” تناقض إلويزا ” إلى إن ” أبيلارد ضيع إلويزا إلى الأبد ” . وتخبره إلى ” إنه تلاشى من دائرة تفكيرها ، وطواه النسيان تماماً ” . إنه طريق الرهبنة والتكريس الديني الذي تصاعدت درجات نبضه في إفادتها القائلة ” آه ! صورة أبيلارد العزيزة ، توقفي ولا تلاحقيني أبداً ، فإني لم أعد أتذكرك ” (ص 73).

   ومن ثم تخاطبه في المقطع الثاني المعنون ” الحب الإلهي سيطر عليً ” (ص 74) إلى إن ” الله وحده ، هو الذي أخذ إلويزا من أبيلارد ” (ص 74) . ويأتي الإستسلام التام إلى إرادة الله في قرارها بحرق الرسالة (ص 84) وتخاطبه بالحرف الواحد ” أبيلارد ! لقد بدأت أدرك بالسعادة (طبعاً السعادة الإلهية) وأنا أكتب إليك ، ولذلك قررت حرق الرسالة ، لأنها تكشف بأنني لازلت أشعر بعاطفة عميقة تجاهك ، وأنا في البداية حاولت أن أُقنعك بالعكس .. إن أيامي الأخيرة كلها هدوء وسلام على خلاف أيامي الأولى التي كانت صعبة وفيها الكثير من الإزعاج ” (ص 84) .

الرسالة السادسة وحملت العنوان الآتي ” من أبيلارد إلى إلويزا ” وشغلت الصفحات من (85 – 95) . وبالمقابل فإن أبيلارد في رسالته الأخيرة ، وبالتحديد في مقطعها الأول والمعنون ” أبيلارد ثابت ” يطلب من إلويزا إن تتوقف من الكتابة إليه . فيقول ” إلويزا لا تكتبي إليً بعد الآن ، ونريد أن نتطهر من هذا العالم ” (ص 85) . وفي المقطع الأخير المعنون ” الأمل بالجنة ” يقول ” وداعاً إلويزا ! هذه هي النصيحة الأخيرة من العزيز أبيلارد . وللمرة الأخيرة أدعوك إلى أن تحافظي على قواعد الإنجيل .. والجنة ستكون هبة لقلبك ، وفكري دائماً بالخلاص ” (ص 95) . 

  أما الملاحق فقد إحتوت على رسالة للشاعر الإنكليزي في القرن الثامن عشر ” بوب الإكسندر ” (1688 – 1744) والتي نشرها مع قصيدة طويلة بعنوان ” إلويزا بوب إلى أبيلارد ” (ص ص 96 – 109) . كما وضمت الملاحق قصيدة للشاعر الإنكليزي ” وليم إرنست هنلي ( 1849 – 1903) والتي وجهها إلى ” بيو أوستن ” وهو ” جورج فردريك أوستن ( 1860 – 1928) (ص 110) . وأخيراً ملاحظات للناشر (ص ص 111 – 132) وفيها ملاحظة مهمة تشير إلى إن هذه النشرة للرسائل قد حققتها السيدة أونر مورتن ، والترجمة طبعت من نشرة 1722 (ص 111) .

   ونود هنا أن نشير إلى المفارقة التاريخية التي تدور حول حياة أبيلارد ، والتي تذهب إلى إنه كان عالماً في المنطق مشهوراً ، وفيلسوف كبير في القرن الثاني عشر إلا إن النسيان طواه  . ولكن رسائل الحب بينه وبين إلويزا هي التي جددت حياته ومنحته شهرة وخلوداً . أما إلويزا فتقدمها الرسائل إمرأة جميلة مثقفة ، ومثال للحب ، وحبيبة وفية رهنت حياتها للحب غير المشروط .

  لقد ضاعت حياتها بين خيارات ذكورية محكومة بقرارات مجتمع ذكوري وثقافة ماسوجينية ظالمة للمرأة وخياراتها . فلم يرحمها فولبيرت عمها رجل الدين في كنيسة نوتردام في باريس والذي يحبها ويتطلع إن تكون أفضل مثقفة في القرن الثاني عشر . ولم يرحمها حبيبها البروفسور أبيلارد الذي أحبته بلا شروط ، فضحى بها من أجل مراتب كنسية زائلة ، وفرض عليها صك الزواج السري . فكانت نتيجة القرارت الذكورية والثقافة الماسوجينية مأساة إنسانية دفعت ثمنها إلويزا في مسالك الرهبنة ودفع ثمنها طفلها إسطرلاب الذي ظل متشرداً بين ملاجئ الكنائس ومات مكظوماً بعيداً من والديه  ، لا يعرف ما هي خطيئته ؟ ولماذا حلت به هذه الكارثة ؟ وكان لسان حاله كلمات والده التي قالها قبيل الموت ” لست أدري ؟ ” .  

تعقيب ختامي

   مثلما نُكل في أسبانيا العرب والمسلمين في القرن الثاني عشر ، بالفيلسوف إبن رشد ، وسُجن وحُرقت كتبه ومات كمداً . فقد نُكل في فرنسا الغرب بالفيلسوف بيتر أبيلارد ، والذي عُذب عذاباً لا إنسانياً ، وحُرقت كتبه وصدرت قرارات التجريم والإدانة بفلسفته وكتاباته . ومثلما كانت تهمة الفيلسوف الفرنسي ، هو منهجه العقلاني الهرطقي ، وترجيح منطق أرسطو على فلسفة إفلاطون التي كانت مهيمنة ومتناغمة مع الكتاب المقدس . فإن منهج الفيلسوف العربي العقلاني المرجح للإمام أرسطو كان سُبة لا تقبلها أذواق الفقهاء الذين حركوا السلطان والعامة ضد فيلسوف قرطبة ، فصدرت بحقه قرارارت النفي والسجن مع اللصوص والمجرمين .

   ولكن قضية الفيلسوف أبيلارد من زاوية فمنستية لا تقف عند حدود معاناة الرجل ومكابداته من السلطة الذكورية لعصره . فهناك ضميمة في قضية الفيلسوف الرجل أبيلارد مع طالبته المرأة المثقفة إلويزا والتي لم يحكمها الحب غير المشروط من قبل الضحية إلويزا . ولكن حكمتها ثقافة ماسوجينية تنتصر للرجل صاحب السلطة المطلقة وهو الفيلسوف أبيلارد على حساب المرأة إلويزا وشرطها النسوي .

   وإذا كان أبيلارد ضحية النظام الذكوري الذي ينتمي إليه ويفكر في ظله ، فقد كانت الفرصة متوافرة أمامه ( عندما قبل عمها صيغة الزواج حلاً) وبذلك يكون فعلاً قد إختار إلويزا وطفلها إسطرلاب ورفض كل إمتيازات المجتمع الذكوري الماسوجيني . إلا إن الفيلسوف أبيلارد أصطف مع مجتمعه الذكوري ورغب في المحافظة على مكانته الأكاديمية والتمتع بما يقدم المجتمع الذكوري من إمتيازات وساوم عم حبيبته على ن يبقى الزواج سراً أأن يبقى زواجه سراً . وكانت إلويزا منبعاً لا حدود له في الحب لأستاذها أبيلارد ، ولكنها في الوقت نفسه وقفت مع كرامتها ورفضت عرض حبيبها الماسوجيني والذي فيه إذلال لها ولعائلتها . غير إنها كانت عقلانية أكثر من عقلانية الفيلسوف والحبيب أبيلارد ، ورغبت في تخيف درجات التوتر بين ذهنيتين ماسوجينيتين ؛ ذهنية العم فولبيرت صاحب السلطة الدينية في كنيسة نوتردام ، وبين ذهنية الحبيب الفيلسوف الأكاديمي النبيل أبيلارد .

  وهكذا إنتصرت الثقافة الماسوجينية التي تنتصر لإرادة الرجال على حساب خيارات المرأة . ولكن في الثقافة الماسوجينية منطق وقواعد تحكم لوي إرادات الرجال بعضهم لبعض . وهذا ما حدث بين إرادة عم إلويزا الذي شعربدونية في قبول صيغة الزواج السري وبين سلطة النبلاء المتعالية التي مثلها الحبيب الفيلسوف أبيلارد بعرضه الزواج السري وفرضه على العم والحبيبة التي رفضته في البداية  . وهكذا جاء كسر عهد البقاء على سرية الزواج من قبل العم ليدفع بالثقافة الماسوجينية إلى أن تصل بالحب إلى نهايته المأساوية . وفعلاً حدث جدل بين العم وإلويزا التي وقفت بجانب زوجها وثقافته الماسوجينية . وفي الوقت نفسه تنكرت لصحة الزواج السري وطعنت بالثقافة الماسوجينية لعمها . إلا إن النتيجة النهائية الفاجعة دخول إلويزا دار الراهبات ، فتصور العم بأن أبيلارد تخلى عن إلويزا ، ومن ثم إقدم على الإنتقام فتم إخصاء أبيلارد وقتل الحب الرومانسي بين الطالبة إلويزا وأستاذها الأكاديمي أبيلارد  إلى الأبد ، ومن ثم ضياع الطفل إسطرلاب في ملاجئ الكنائس .

  صحيح جداً إن الفيلسوف أبيلارد كان معلماً فذاً في المنطق والفلسفة والشاهد على ذلك جريدة مؤلفاته . وصحيح كذلك إنه علم الفيلسوفة إلويزا علم المنطق والفلسفة . إلا إن الفيلسوفة إلويزا علمته بالمقابل دروساً في ألف باء منطق الحب اللا مشروط والذي لا يخنع وينحني أمام الثقافة الماسوجينة . كما وعلمته إلويزا فلسفة الوفاء والإلتزام بالعهد والوقوف بوجه المجتمع الذكوري وإن كلفها ذلك دفع الثمن غالياً وهو التخلي عن الحياة الأجتماعية ، وقبول الرهبة مرغمة .. ويبدو إن كتابات أبيلارد المنطقية والفلسفية إندثرت وطواها النيسان وطوت معها أكبر فيلسوف في العصور الوسطى . ولكن الذي خلد حياته رسائل الحب التي تحكي مأساة الفيلسوفة إلويزا والفيلسوف أبيلارد .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

   

          

About these ads
This entry was posted in Dr. Mohamad Farhan, Philosopher, Philosophy and Woman, The Philosophy of Averroes and Its Presence in the West, فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب, ف