العدد الأول / مجلة أوراق فلسفية جديدة / شتاء 2011

 أوراق فلسفية جديدة

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الأول / شتاء 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS 

Dr. MOHAMAD FARHAN     Dr. NIDAA KHALIL 

مجلة فصلية / يصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – أونتاريو – كندا

رئيس التحرير – الدكتور محمد جلوب الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ظل حالة التردي الثقافي والخواء الفكري الذي تمر به امتنا وثقافتنا العربية وسيادة أنماط من الفكر الظلامي.. والتي تمثلت بغلق مجلات علمية عربية مرموقة بسبب المحاصرة المالية أو بسبب إصدار غرامات عليها بحجة نشر مقالات (معادية) لهذا النظام أو ذاك. وفي ظل محاصرة الأنظمة الرسمية للمجلات العلمية التي تنشر الفكر التقدمي النازع إلى التغيير الحقيقي، وتحريك الوعي العربي ومن خلاله الشعب العربي وتشجيعه على مطالبة الأنظمة العربية بتركيز ميزانياتها السنوية في إنجاز تنمية حقيقية، ومطالبتها بالتحديث وقبول الحوار المدني مع المعارضة، والاعتراف بحقوق المرأة ورفض كل أشكال الثقافة الماسوجينية (المعادية) لها، خصوصاً في وسائل الإعلام الرسمي.

ولما كانت الفلسفة من أكثر أنماط الثقافة العربية والعلوم تضرراً من سياسات محاصرة المطبوع الفكري، وغلق المجلات العلمية.. ولكون الجميع يخضع لقوانين النشوء والتطور والارتقاء، ومن ثم البقاء للأصلح.. وجدنا أن قدرنا ومن ثم بقاء الفلسفة ثقافة صالحة ليقظة شعبنا العربي.. تطلب منا أن نتكيف مع الظروف الصعبة، وأن نكون بمستوى قانون الصراع والبقاء للأصلح..

ولذلك فضلنا اختيار مساحات الإنترنيت الواسعة لنشر الفكر الفلسفي بمدارسه المختلفة، ومن خلال أقلام زملاء ينتمون إلى مدارس فلسفية متنوعة.

إن مجلةأوراق فلسفيةجديدة باب مفتوحة للجميع ، ولذلك ترحب بكل أنواع المقالات الفلسفية ومن مختلف النزعات والمناهج الفلسفية.

تضمن هذا العدد من مجلة أوراق فلسفية جديدة أربعة أوراق غطت المحاور الآتية:

الأول- كان عن الأبستمولوجيا: وجاء بعنوان مقدمة في الأبستمولوجيا

الثاني- كان عن الفكر الفلسفي الهيجلي: وجاء لتصحيح الفهم الشائع عن هيجل وكان بعنوان: اليسار الهيجلي لا يساراً ولا هيجلياً

الثالث- كان عن جهود واحد من جهابذة المنطق الرمزي الألمان المعاصرين: وجاء بعنوان:جوتلوب فريجه : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي

الرابع- كان بعنوان: مكتبة أوراق فلسفية وهي محور ثابت تتم فيه مراجعة الصادر من مصادر عن الفيلسوفات والمنتوج الفلسفي النسوي في اللغة الإنكليزية.

رئيس التحرير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الأول / شتاء 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

مقدمة في الأبستمولوجيا تاريخ ومدارس

الدكتور محمد جلوب الفرحان                                                                    

تقديم :

تعد الأبستمولوجيات اليوم من أمهات الموضوعات الفلسفية الأكثر حيوية ، والأشد إرتباطاً بالعلم ، وتشابكاً في نسيجه. وإنها المشهد الفلسفي الذي يعكس التبدلات العلمية في البناء المعرفي. وهي فوق كل هذا ، المقياس الذي يكشف عن إنتماء البناء الفلسفي إلى روح العصر . أو بالعكس يعلن عن إندراجه في خانة من خانات التاريخ الثقافي والمعرفي .

وإذا كانت هذه هي حال الأبستمولوجيات ، فإننا نتساءل : أهي نظرية معرفة ؟ أم أبستمولوجيا ؟ نفضل أن تكون الخطوة الأولى ، النظر والتدقيق فيما تحمل كلمة أبستمولوجيا من ناحية الإشتقاق اللغوي . الحقيقة إن الأبستمولوجيا كلمة يونانية الأصل والإصطلاح والتداول الفلسفي ، ومن ثم وجدت طريقها إلى اللغات الأخرى ومنها اللغة العربية خلال عملية الترجمة والتفاعل الثقافي بين اليونان وشعوب الأرض المختلفة .

إن الأبستمولوجيا هي كلمة مركبة من مقطعين أو إسمين :

الأول – أبستمي ويعني المعرفة

الثاني – لوكوس باليونانية (وبالإنكليزية : لوجي) وتعني العلم

فالأبستمولوجيا هي : علم المعرفة (1) . وهي تقليدياً فرع من مضمار الفلسفة ، إنشغل بدراسة طبيعة المعرفة ، وإطار (حدود) المعرفة . وهي تقليدياً تدور حول الأسئلة الأتية:

ماهي المعرفة ؟ كيف نكتسب المعرفة ؟ ماذا يعرف الناس ؟ وكيف نعرف ” إننا نعرف ” ؟  

حقيقة إن معظم الجدل والنقاش الذي جرى و يجري في هذا الحقل ،  يهدف إلى التركيز على تحليل طبيعة المعرفة ، وكيف إن المعرفة مشدودة بنوع من الإرتباط بمفاهيم من مثل : الصدق (أي صدق المعرفة) ، والإعتقاد (أي الإعتقاد بالمعرفة) ، والتبرير (أي تبرير المعرفة) . كما وإنها تدرس الوسائل التي تمكننا من إنتاج المعرفة ، والتدقيق في درجات الشك التي تثار حول المزاعم المعرفية المختلفة .

ولما كان من زاوية نظر الباحث على الأقل ، أن مصادر ثقافتنا ومعارفنا المعاصرة تعتمد بنسبة عالية على المتولد من دوائر البحث المكتوب والمترجم إلى اللغة اإنكليزية ، لذلك حسبنا إنه من النافع أن نشير إلى البدايات الأولى لتداول مصطلح الأبستمولوجيا في ديار العم سام ، مع الإشارة إلى من تعود الريادة في إدخال هذا الإصطلاح إلى دائرة الثقافة الإنكلوسكسونية .

لقد كان النصف الأول من القرن التاسع عشر ، هو البدايات التاريخية الأولى لتداول  مصطلح الأبستمولوجيا (وليس نظرية المعرفة) في بيئة الثقافة الأنكلوسكسونية . وذلك عندما أدخله الفيلسوف الإسكتلندي جيمس فردريك فريرر (1864- 1808) ، وهو أستاذ الفلسفة الأخلاقية في جامعة سانت أندروز والتي ظل يعمل فيها حتى وفاته . ولعل من أشهر مؤلفاته : كتابه المعنون ” مقدمة في فلسفة الوعي ” والذي كان في حقيقته سلسلة مقالات نشرها مابين العامين 1838 و1839 في مجلة ” بلاك وود ” ، وهو كتاب نقدي للفلاسفة وذلك ” لتجاهلهم الوعي في أبحاثهم النفسية ” . ومن مؤلفاته الأخرى : كتابه “أزمة التأمل الحديث” الذي ظهر في العام 1841 ، وكتابه ” باركلي والمثالية ” الذي صدر في العام 1842 (2)                                                                                                                

بين الأبستمولوجيا ونظرية المعرفة :

 ونبدأ الإجابة بإيضاح منهجي في غاية الأهمية ، يساعد في إزالة أللبس في الإستعمال المفهومي غير الدقيق فلسفياً بين إصطلاحي نظرية المعرفة التي جرى تداولها في دوائر تفكير ما بعد النهضة الأوربية وخصوصاً في دوائر التفكير الإنكلوسكسوني ،  وما ترجم منه إلى اللغة العربية . والإصطلاح الفلسفي العتيد الأبستمولوجيا أو المعرفيات .

 حقيقة إن ما نريد أن نؤكده هنا ، هو إن الترادف المتداول في بعض الكتابات الفلسفية الإبداعية التي انتجتها أقلام غير متمرنة فلسفياً ، سواء كانت أكاديمية أو غير اكاديمية قد جانبها الصواب من زاوية المصطلح الفلسفي الذي يشكل ألفباء اللغة الفلسفية . وإذا كان الباحث غير الأكاديمي معذوراً ونحمده على جهوده ، فأن الأكاديمي مسؤول والتحري عن الدقة غايته ووسيلته .

على كل إن نظرية المعرفة هي  (ثيري أوف نولج) ، والأبستمولوجيا أو المعرفيات هي (الأبستمولوجيا ، وهي كلمتين = علم المعرفة)(3) . وهناك كما يظهر لك فارق كبير بين العلم وهو إصطلاح واسع وشامل الدائرة ، والنظرية التي تشكل طابقاً واحداً من طوابق العلم المتنوعة . والحقيقة أن هناك تحفظاً على تداول الإصطلاح الأول ” نظرية المعرفة ” في دوائر الفكر الفلسفي العلمي وبين أوساط الفلاسفة الناشطين في طوابقه المختلفة . وذلك لأنه إصطلاح لا يعبر بدقة ، وغير مستوعب لمجمل فعاليات دائرة المعرفيات وأدواتها ومستوياتها ومن ثم موضوعاتها …

ولذلك يفضل العاملون في هذا المضمار من الدراسات الفلسفية العودة إلى إصطلاح ” الأبستمولوجيا ” وتفعيله من جديد وإحلاله محل ” نظرية المعرفة ” .  وذلك لأن الأبستمولوجيا (أو علم المعرفة) أو علم المعرفيات جمعاً ، هو الإصطلاح الأكثر دقة وشمولية . والقارئ في الابحاث والدراسات التي تتناول علم المعرفيات ، يجد أن الباحثين يستخدمون إصطلاح الأبستمولوجيا ويضعون بجواره كلمة نظرية المعرفة ، ويضعوها بين هلالين للإشارة إلى تحفظهم على تداول إصطلاح ” نظرية المعرفة ” (4) .

  إن نظرية المعرفة تقتصر إصطلاحاً ودلالة على طابق واحد أو جزئية صغيرة من البناء الأبستمولوجي المتعدد والمتنوع الطوابق ، لإنها تدل على الجانب النظري من علم المعرفيات . بينما هناك جوانب (طوابق) أخرى تقع خارج مضمار الجانب النظري ، لا يضمها أو يعبر عنها إصطلاح نظرية المعرفة مثل : موضوع المعرفة ، أدوات المعرفة ، مصادر المعرفة ، المعايير أو ما يسمى ب ” الإستاندرات أو الكريتريات ” (5) ، والموديلات المعرفية ، ومستويات المعرفة ودرجات يقينيتها .

ويجري اليوم في دائرة علم المعرفيات ، لا في حقل نظرية المعرفة ، الحديث عن أنواع من المعرفيات :

أولاً – الأبستمولوجيات الفلسفية :

وتشمل صوراً من المعرفيات التي ضمها تاريخ الفلسفة اليونانية والفلسفتين الإسلامية   

والمسيحية . وهي معرفيات عكست بحدود ما مرحلة التطور العلمي يومذاك ، كما ضمت في داخل أبنيتها الكثير الكثير من المفاهيم والتصورات العلمية وإستثمرت درجات يقيننية النماذج المنطقية والرياضية . إلا أن المعالجة الفلسفية لها كانت من زاوية النفس وقواها أو ملكاتها . وشملت معرفيات غنوصية وصوفية (6) . وقد أنجز الباحث كتابين في هذا المضمار :

الأول- الأبستمولوجيا الفلسفية : تجربة الوافد اليوناني .

الثاني – الأبستمولوجيا الفلسفية : تجربة الرافد العربي .  

ثانياً – المعرفيات (الأبستمولوجيات) الحديثة :

وهي مرحلة التأسيس الحقيقي لمسألة المعرفة ، ومن ثم نشوء مذاهب ومدارس معرفية لها ، وهي تضم التفسيمات الكلاسيكية التي كانت متداولة في دوائر المعرفيات ، وهي :

أ – المعرفيات (الأبستمولوجيات) الحسية :

أو المعرفيات التجريبية وهي نوع من المعرفيات تعتمد ” الحس ” أو ” التجرية ” طريقاً وحيداً لإكتساب المعرفة . وهنا الإستناد جاء على طريق المعرفة وليس على نظرية المعرفة . وقد جاء التأسيس لهذا النوع من الأبستمولوجيات في كتاب ” فرنسيس بيكون ” (1561 – 1626 م) الذي عنوانه ” الأورغانون الجديد ” أي المنطق الجديد . والذي طبع في اللاتينية أولاً في العام 1620 م ، ومن ثم ترجم وطبع بالإنكليزية في العام 1863 م . وإن الأسم فيه إشارة إلى ” أورغانون أرسطو ” . فالأرغانون الجديد عند بيكون هو نظام جديد في المنطق يعتمد الإستقراء بدلاً من الإستدلال . ولهذا كان بيكون يعتقد أن أورغانونه له السلطة العليا على الأورغانون القديم (7) .

 وهكذا اختارت الأبستمولوجيات الحسية الإستقراء ، الطريق المنطقي الذي يتجاوب مع هذه التوجهات الحسية التجريبية (8) . كما وإرتبطت هذه المعرفيات بمجموعة من الفلاسفة الإنكليز من أمثال : ” توماس هوبز ” الذي قادته نزعته الأبستمولوجية الحسية التجريبية  إلى المادية ، والذي يعد رمزاً من رموز مؤسسيها (9) ، و” جون لوك ”    

 (1632 – 1704) الذي يعتبر من مؤسسي الأبستمولوجيا الحديثة (وإن ظل مقيداً في حدود نظرية المعرفة إصطلاحاً) والذي بحث في أصل المعرفة وكونها تأتي من خلال الحواس . إن كل ذلك جاء في كتابه ” مقالة تتعلق بالفهم الإنساني ” والذي صدر في العام 1690 ، و” دافيد هيوم ” (1711- 1776) الذي تناول المعرفة الحسية وما إرتبط بها من مشكلات تولدت للإستقراء . درس هيوم ذلك في كتابه المعنون ” بحث يتعلق بالفهم الإنساني ” والذي نشره في العام 1748 . ومن ثم تتوجت بنزعة ” جون ستيوارت ميل ” (1806- 1873) الحسية المتطرفة والتي ظهرت في كتابه المعنون ” نظام علم المنطق ” والذي نشره في العام 1843 (ويتألف من مجلدين) . وقد صاغ فيه المبادئ الخمسة للإستدلال الإستقرائي (والذي عرف بطريقة ستيوارت العلمية) . في حين جاءت نزعته الحسية المتطرفة أكثر وضوحاً في المجلد الثاني ، وذلك عندما أعلن إن ” بديهيات الهندسة هي ليست حقائق فرضية ، وإنما هي حقائق تجريبية ” (10) .

ب – المعرفيات (الأبستمولوجيات) العقلية :

 إنه إتجاه معرفي حديث يعتمد ” العقل ” الطريق الوحيد لإكتساب المعرفة . إن هذا الإتجاه إرتبط بنخبة من الفلاسفة العقليين الذين إنتجوا لنا نصوصاً أبستمولوجية في غاية الأهمية في تاريخ الأبستمولوجيا عامة والنزعة العقلية على وجه الخصوص ، كان في طليعتهم الفيلسوف الفرنسي ” ديكارت “(1596- 1650) والذي ركز مشروعه الأبستمولوجي في كتابه المعنون ” تأملات في الفلسفة الأولى ” والذي صدر لأول مرة باللغة الاتينية في العام 1641 ، ومن ثم ظهرت له ترجمة فرنسية في العام 1647 ، وبعد أكثر من قرن ونصف جاءت الترجمة الإنكليزية (التي قام بها جون فيتش في العام 1901) .

ومن ثم جاء ” باروخ إسبينوزا ” (1632- 1677) وهو من أكبر الفلاسفة العقلانيين ، وقد تأثر بكل من ” إقليدس ” (عاش بحدود 300 ق.م وهو صاحب كتاب الأصول في الهندسة) و” ديكارت ” . وفي أبستمولوجياته كان يتطلع إسبينوزا إلى صياغة مكوناتها على صورة موديل هندسي . وفعلاً نجح إسبينوزا في كتابه ” مبادئ الأخلاق ” في بناء الأخلاق على صورة مصفوفات هندسية تبدأ بتعريفات وبديهيات … (11) . وفي مضمار  عمله في الأبستمولوجيات العقلية ، أعتقد إسبينوزا ” في إمكانيته إمتلاك المعرفة الأولية ” ومن ثم حدد ثلاثة أنواع من المعرفة (12) .

 وكان الفيلسوف الألماني ” جوتفريد لايبنز ” (1646- 1716) وهو فيلسوف وعالم رياضيات ومنطق . وتوصل إلى إكتشاف ” حساب التفاضل والتكامل ” في الوقت ذاته الذي أعلن فيه ” إسحاق نيوتن ” (1643- 1727) عن إكتشافه هذا النوع من الحساب . وتصاعدت درجات الصراع بين المانيا وإنكلترا حول الأحقية بالإكتشاف وأقتربت من إعلان الحرب (13).

 ولايبنز سعى بكل جهد إلى تأسيس أبستمولوجياته العقلية على قواعد رياضية ومنطقية  ، ومن ثم تطلع إلى صياغة القضايا الأبستمولوجية بلغة الرياضيات الرمزية والملتزمة

بقواعد المنطق الرمزي (14) . وقد أعاد هؤلاء الفلاسفة وخصوصاً لايبنز المكانة للإستدلال ، وخاصة الإستدلال الرياضي ، طريقاً لتأسيس المعرفة اليقينية (15).

ج- الأبستمولوجيات النقدية :

 إنها إتجاه أبستمولوجي حديث مارس عملية النقد للإتجاهين المعرفيين السابقين (أي نقد للأبستمولوجيا الحسية والعقلية على حد سواء) . ومثل هذه النزعة الأبستمولوجية في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة ، الفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” (1724- 1804) هو فيلسوف ألماني ، وهو آخر الفلاسفة المحدثين ،الذي كان له تأثيراً واسعاً في عموم البيئات الفلسفية الأوربية عامة والأبستمولوجية خاصة (16) .

حقيقة إن تأثير كانط في المضمار الأبستمولوجي على الأقل ، لم يظل محبوساً في إطاره الجغرافي (قارة أوربا) ، أو سجيناً في معاقل عصر الأنوار ، بل تجاوز ذلك وأصبح كانط فيلسوفاً كونياً ، كما وتحول إلى فيلسوف الأبستمولوجيا المتجدد الذي تجاوز إنتماؤه الحدود الزمنية ، فطوت حركة الأهتمام في أبستمولوجياته القرنيين التاسع عشر والعشرين ، وأصبح الأهتمام بكانط شغل دوائر البحث الأبستمولوجي في القرن الحادي والعشرين (والباحث شاهد على إهتمام أقسام الفلسفة وكتاب فلسفة العلوم والأبستمولوجيات في أمريكا الشمالية : كندا والولايات المتحدة الأمريكية) .

 أشتغل كانط على ثلاثة عشر مشروعاً في البحث والكتابة قبل أن ينشر كتابه ” نقد  

العقل النظري الخالص ” ، فقد ظهرت طبعته الأولى باللغة اللاتينية في العام 1781 ، وترجم إلى اللغة الإنكليزية في العام 1838 من قبل ” فرنسيس هايوود ” . وهذا يعني أن عمر كانط يوم صدور الطبعة اللاتينية ، كان سبعة وخمسين عاماً (وهذه هي مرحلة النضوج) . وهو في التقويم الأخير مساهمة كانطية عالية في الأبستمولوجيا(17) .

 وفعلاً أن كانط في طرف من كتابه أنتقد الأبستمولوجيا التقليدية : أبستمولوجيا التجريبين والعقليين . وفي طرف آخر القى الضوء على النهج الكانطي في تأسيس أبستمولوجيا نقدية . والحقيقة أن مشروع كانط النقدي سعى في جوهره إلى المصالحة بين الأبستمولوجيا التجريبية والأبستمولوجيا العقلية .

  لقد أعتقد التجريبيون أن أكتساب المعرفة يكون عن طريق وحيد هو التجربة (أو الحواس) فقط . في حين رأى العقليون أن مثل هذه المعرفة مفتوحة للشك الديكارتي ، وإن العقل هو الطريق الوحيد الذي يوفر لنا مثل هذه المعرفة .  جادل كانط التجريبين والعقليين ، ورأى إن إستعمال العقل وحده دون الأستعانة بالتجربة سيقودنا إلى الوهم . في حين إن الأعتماد على التجربة وحدها ، ستكون تجربة شخصية تماماً دون إخضاعها إلى العقل الخالص (18) . كما تطلع كانط إلى إصلاح الميتافيزيقا من خلال الأبستمولوجيا .

  لقد إختار كانط طريقاً أبستمولوجياً ثالثاً ، طريقا يمنح الحس والعقل على حد سواء دوراً في عملية تكوين المعرفة . إلا إنه لا يؤمن كما آمن الحسيون بأن العقل صفحة بيضاء (جون لوك مثلاً) قبل المعرفة . وإنما هناك أطر عقلية ، وإن المعرفة التي تأتي عن طريق الحس تنتظم وفق تلك الأطر العقلية وهي مثل : الزمان والمكان .. (19) .

ثالثاً- الأبستمولوجيات المعاصرة :

 تميز تاريخ الأبستمولوجيات في الحقبة المعاصرة بإستمرار المدارس الفلسفية الناشطة في صياغة إبستمولوجيات تعكس توجهاتها الفلسفية . وفي الوقت ذاته شهدت هذه الحقبة إنبثاق ما يعرف اليوم بدوائر الأبستمولوجيات الناهضة على ما توافر في دوائر العلوم المعاصرة ، من أساليب تجريبية تمثلت بأنواع معقدة من أجهزة في غاية التعقيد والتطور سواء في رصد الظواهر الكبيرة في الكون ، أم الظواهر الصغيرة التي لا نراها بالعين المجردة ، وإنما بمساعدة أجهزة في غاية الحساسية والدقة ، وبمصادر التنوير والتكبير العالية .

 وفي المقابل تطورت أساليب نظرية عالية تمثلت بأنواع من الرياضيات العالية ، التي تجاوزت حساب التفاضل والتكامل ، والتي إنتظمت على صورة مصفوفات رياضية عالية التجريد ، والتي صاحبها تطوير أنواع من المنطق الثلاثي القيم والمتعدد القيم .. وتطوير الإستنباط والإستقراء التقليديين إلى إستدلال تجريبي ونظري (20) . إن ما يميز الأبستمولوجيات المعاصرة ، إنها مشروع تعاون بين العلماء والفلاسفة ، وحصيلة تضافر جهودهما المشتركة والتي إنعكست في شكل المعرفيات العلمية أو الأبستمولوجيات المعاصرة .

 1- أبستمولوجيا الوضعية المنطقية :

  تميزت الأبستمولوجيا المعاصرة في إطارها الفلسفي بطعم خاص عكس تنوع مدارسها الفلسفية المعاصرة . فمثلاً كانت هناك مساهمة أبستمولوجية عالية للوضعية المنطقية ، والتي كانت تعرف بالتجريبية المنطقية كذلك . وقد جاءت نتيجة لجهود أعضاء حلقة فينا (21) والتي ضمت مجموعة من علماء الرياضيات ، والعلماء والفلاسفة ، الذين جمعهم هدف واحد ، وهو مناقشة التطورات الحديثة في علم المنطق ، ومن ضمنها مناقشة كتاب فيتجنشتاين (1889- 1951) المعنون : ” رسالة منطقية – فلسفية ” والذي صدر في العام 1922، وكان يقودهم مورتيز شيلك (1882- 1936).

 وفيما يتعلق بالأبستمولوجيا المعاصرة ، نود أن نذكر بأن واحداً من أهم مؤلفات شيلك ، كان في مضمار الأبستمولوجيا ، والذي كان بعنوان : ” الأبستمولوجيا والفيزياء الحديثة” والذي صدر في العام 1925. وكذلك كتابه المعنون : ” النظرية العامة للمعرفة” والذي ترجم إلى الأنكليزية في العام 1985 . وبالإضافة إلى شيلك ، ضمت الحلقة كل من كرناب (1891- 1970) ، فيجل (1902- 1988) ، جودل (1906- 1978) ، هان (1879- 1934) ، نيروث (1882- 1945) وويزمان (1896- 1959). وبعد وفاة هان ومن ثم شيلك في العام 1939 ، تفرق أعضاء حلقة فينا ، فرحل بعضهم وأستقر في بريطانيا ، وذهب البعض الآخر إلى الولايات المتحدة الأمريكية .

 أن الوضعية المنطقية هي مدرسة فلسفية ، جمعت بين التجريبية (التي تعتمد على الملاحظة في معرفة العالم) والعقلانية التي تشمل البناء اللغوي ذو الطبيعة المنطقية الرياضية والإستدلال الأبستمولوجي . وإعتماداً على الكتيب الصادر عام 1929 والذي كتبه كل من نيروث وهان وكرناب ، فأننا نلحظ إن هذا الكتيب قد لخص مبادئ حلقة فينا عامة في حينها ، والوضعية المنطقية في مضمار الأبستمولوجيا خاصة . أن هذه المبادئ

تتضمن معارضة لكل أنواع الميتافيزيقا ، خصوصاً الأنطولوجيا والقضايا التركيبية الأولية (التي إنشغلت بها الأبستمولوجيا عند كانط) . والحقيقة إن رفض الميتافيزيقا جاء ليس لكونها قضايا خاطئة ، بل لكونها فارغة من المعنى (25) .

 وإستندت أبستمولوجيا الوضعية المنطقية إلى معيار المعنى الذي يعود في إصوله إلى الكتابات المبكرة لفيلسوف العلم واللغة لودفيغ فيتجنشتاين (أي كتابه رسالة منطقية – فلسفية) . ولعل مما يؤكد عليه معيار المعنى ، هو إن تتم صياغة المعرفة في لغة العلم الإنموذجية . كما وأن هذا المعيار يتطلع إلى إحلال المفاهيم الدقيقة للغة العلم محل

مفاهيم لغة الحياة اليومية (23) . إذن معيار المعنى يسعى إلى تطهير الفلسفة والعلم من كل اللغو الذي ساد في تاريخهما العتيد ، والذي سبب سوء الفهم والتنازع ، و كان وراءه الجدل الطويل الذي ضاعت فيه جهود وفرص الفلاسفة والعلماء على حد سواء .

  كما وتعتمد أبستمولوجيا الوضعية المنطقية على مبدأ التثبت (أو التحقق) والذي تظهر عليه أثار ما كتبه فيتجنشتاين في الرسالة المنطقية – الفلسفية واضحة كذلك . أن مبدأ التحقق هو الطريق الذي يحدد أن هذه القضية أو هذا السؤال لهما معنى . فمثلاً القضية القائلة : ” أن العالم جاء إلى الوجود قبل فترة قصيرة ” . إن مثل هذه القضية ” لا معنى لها ” من زاوية مبدأ التحقق ، وذلك لأن مثل هذه القضية لا توفر لنا طريقاً ” يثبت بأن هذه القضية صادقة أم لا ” (24).

 إتخذ مبدأ التحقق مساراً خاصاً مع الفريد آير ، خصوصاً في كتابه المعنون : ” اللغة : الصدق والمنطق ” والصادر عام 1936. فهو فعلاً مبدأ أو معيار للمعنى ، ولكن ليس عن طريق التحليل اللغوي ، وإنما يكون عن طريق التثبت التجريبي . وحقيقة إن فكرة التحقق ، فكرة قديمة تصعد على الأقل إلى دافيد هيوم والتجريبيين الذين يعتقدون بأن الملاحظة هي الطريق الوحيد الى المعرفة (25) .

واليوم يستعمل مبدأ التحقق بمعنى مبدأ التكذيب الذي ينظر إليه كإمكانية منطقية تسعى إلى تحديد قضية ما بأنها كاذبة ” عن طريق ملاحظة خاصة أو تجربة فيزيائية ” . وإن مبدأ التكذيب لا يعني ” إن شئ ما هو كاذب ، بل إنه يعني إن القضية كاذبة ، وتحتاج إلى برهان على كذبها ” .

ثم أنبرى كارل بوبر (1902- 1994) فرفض إشتراطات مبدأ التحقق في النظر إلى ” معنى القضية ” ، وبالمقابل رأى أن تكون ” القضية تمتلك قابلية على التكذيب ” . وفي فترة لاحقة أوضح بوبر بأن غرضه من مبدأ التكذيب ، لا يسعى مطلقاً إلى تكوين ” نظرية في المعنى ” . وإنما أراد له أن يكون ” معيار منهجي للعلوم ” . وفي واقع الحال ينظر إلى  كارل بوبر اليوم على إنه واحد من المشايعين لمبدأ التحقق بدلاً من كونه ناقداً له (26) .

 كما تبنى عدداً غير قليل من الوضعيين المنطقيين في مضمار الأبستمولوجيا ، ما يعرف ” بنظرية التطابق ” ، وهي النظرية التي دافع عنها فتجنشتاين في رسالته المنطقية الفلسفية . والحق يقال أن بعض الوضعيين المنطقيين من أمثال أوتو نيروث لم يقبلوا بنظرية التطابق ، بل فضلوا نظرية الإتساق (أو ألإنسجام) والتي ” ترى أن صدق القضية هو إتساقها أو إنسجامها مع مجموعة القضايا الأخرى في النظام الذي تنتمي إليه ” والإتساق يعني أن لا تثير القضية أي تناقض في النظام الذي دخلت إليه . والواقع إنه ليست هناك نظرية واحدة في مضمار نظرية الإتساق (أو الإنسجام) ، بل هناك وجهات نظر عديدة في مضمارها (27) .

ونعود إلى نظرية التطابق في مضمارها الأبستمولوجي من زاوية الوضعيين المنطقيين المشايعين لها . فهذه النظرية ترى إن صدق قضية ما أو كذبها يتقرر من خلال علاقتها بالعالم الخارجي أو مدى نجاحها في وصف العالم الخارجي (أو تطابقها معه). ونظرية التطابق تتعارض مع نظرية الإتساق ، والتي ترى إن صدق قضية ما أو كذبها يعتمد على علاقتها مع القضايا الأخرى بدلاً من علاقتها مع العالم الخارجي (28).

 وتزعم نظريات التطابق في مضمارها الأبستمولوجي ، إلى أن الإعتقاد يكون صادقاً أو القضية تكون صادقة  بمقدار تطابقهما على الموضوعات والأشياء الواقعية . وهذا النمط من النظريات يفترض وجود علاقات بين الأفكار والقضايا من طرف ، وبين الأشياء والوقائع من طرف آخر . ويصعد الشكل الإبستمولوجي لنظرية التطابق ، على الأقل ، إلى فلاسفة اليونان الكلاسيكيون سقراط ، إفلاطون وارسطو ( والثلاثة يشكلون  طرفاً من مكونات كتابنا المعنون : تجربة الوافد في مضمار الأبستمولوجيا الفلسفية). وتعتقد هذه النظريات إن الصدق أو الكذب يتقرران من خلال إرتباطهما(أو عدم إرتباطهما) بالحقيقة أو وصفهما (أو عدم وصفهما) للحقيقة بدقة . وهناك أنواع من  نظريات التطابق (29) :

أولاً- التطابق بالمعية (أي أن شيئان يحدثان معاً) . يرى الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872 – 1970) ، لكي تكون القضية صادقة ، ينبغي أن تتماثل في بنيتها وبنية موضوعات العالم الخارجي ، والتي تجعل منها قضية صادقة . والمثال الذي قدمه رسل  ، هو المثال القائل : ” القطة (توجد) على البساط ” هي صادقة ، إذا وفقط إذا كان هناك في العالم الخارجي ؛ قطة وبساط ، وإن القطة مرتبطة بالبساط من خلال وجودها على البساط . وإذا غاب أي من هذه المكونات الثلاث ( القطة ، البساط ، والعلاقة بينهما والتي تطابق بالتتابع الموضوع والمحمول وفعل القضية) فأن القضية تكون كاذبة (30).

ثانياً- التطابق بالترابط العلاقي ؛ يعد فيلسوف اللغة البريطاني جون لانكشو أوستن (1911- 1960) هو المنظر لهذا النوع من التطابق (وله كتابان صدرا بعيد وفاته ، الأول – أوراق فلسفية والذي ظهر بنشرة اكسفورد عام 1961 . والثاني – كيف تعمل الأشياء بالكلمات والذي صدر من أكسفورد في العام 1962) ، فقد ذهب إلى إننا لا نحتاج إلى تركيب فيه توازي بين صدق القضية وموضوعات العالم الخارجي التي تمنحها الصدق . وإنما كل ما في الأمر ، هو البعد السيمانطيقي (بعد المعنى) للغة التي نستخدمها في التعبير عن القضية ، وهذا البعد السيمانطيقي هو الذي يركز على العلاقات الترابطية الكلية للقضية التي ترتبط بموضوعات العالم الخارجي . وإن كذب القضية حسب رأي أوستن ، عندما لا تكون واحدة من هذه القضايا موجودة (31).

2- أبستمولوجيا البراجماتية :

إنبثقت البراجماتية ، موجة فلسفية تحمل إعلاناً أبستمولوجياً تجريبياً (حسياً) في نهايات القرن التاسع عشر ، وبالتحديد في النادي الميتافيزيقي ، فيما بين عامي 1872 و 1874 ، وهو النادي الذي كان كل من “تشارلز ساندروز بيرس” (1839- 1914) و”وليم جيمس” (1842- 1910) يمثلان من بين أعضائه الأتجاه الأبستمولوجي  التجريبي في الفلسفة في مقابل الأتجاه الأبستمولوجي الميتافيزيقي المثالي الذي كان يمثله أغلب أعضاء النادي .

وقد قدم بيرس في النادي بحثاً أبستمولوجياً متفرداً ، نشر فيما بعد في  مقالين  :

 الأول – بعنوان ” تثبيت الإعتقاد ” الذي ظهر في العام 1877

الثاني – بعنوان ” كيف نوضح أفكارنا ” الذي صدر في العام 1878

وهما المقالان الأبستمولوجيان ، اللذان أعلنا عن ظهور حركة فلسفية أبستمولوجية  جديدة هي ” البراجماتزم ” (32) .

أن إختيار بيرس للإصطلاح براجماتزم ، لم يكن أختياراً عفوياً ، بل جاء إنتخاباً مدروساً من الزاوية الأبستمولوجية . وذلك من حيث إن كلمة براجماتزم ، جاءت جواباً أبستمولوجياً على السؤال الأبستمولوجي الذي رفعه بيرس بداية وإستهلالاً . فقد تساءل بيرس : ما معنى الفكرة ؟ وما معنى العبارة ؟ ومتى يكون للفكرة معنى ؟ ومتى تكون العبارة صادقة ؟ ومتى يجوز لنا أن نتكلم عن العبارة بوصفها معبرة عن فكرة ما ؟ ومتى لا يجوز ؟

  جاء جواب بيرس واضحاً ومباشراً ، مؤكداً على إن ” الفكرة هي ما تعمله ” ، وهذا يعني أن معنى الفكرة مرتبط بقوة بالنتائج والآثار العملية المترتبة عليها . ولهذا التوجه الأبستمولوجي الناهض على العمل والنتائج العملية التي تفضي إليها الفكرة ، إنتخب بيرس لطريقه الفلسفي كلمة براجماتزم ، وهي في حقيقتها مشتقة من لفظة براكتس التي تدل على الممارسة والفعل ، وهي في أصلها مشتقة من اللفظ اليوناني ” براجما ” الذي يدل على الفعل أو العمل (33) .

ونحسب أن كل هذا الكلام ، يحملنا على القول بإن براجماتية بيرس على الأقل ، هي أبستمولوجيا الفعل أو أبستمولوجيا العمل . وفي مضمار تقويم إنجاز بيرس ، وقف الفيلسوف الأمريكي بول ويس (1901- 2002) مراجعاً ما أنجزه بيرس في مضماري الفلسفة والمنطق الأمريكيين ، فقال : ” إن بيرس هو الأكثر أصالة بين الفلاسفة الأمريكان ، وهو في الوقت ذاته من أعظم علماء المنطق الأمريكان ” (34) . هذا صحيح كل الصحة إذا راجعنا ما كتبه بيرس في مجالي الأبستمولوجيا العملية ، والأبستمولوجيا الرياضية والمنطقية..  وصحيح جداً إن كل ماتركه بيرس من أعمال مكتوبة هي مقالات ومحاضرات . وإن الكتاب الوحيد الذي حمل إسمه ، هو ” دراسات في علم المنطق ” (1883) ، فقد كان هو الناشر والمؤلف لفصول بنفسه ، في حين كتب طلبته فصولاً أخرى . وترك مخطوطات لم تنشر تجاوزت صفحاتها (100000) صفحة ، ما عدا ما نشره هوسر تحت عنوان ” أوراق بيرس ” (35) .

كتب بيرس في مضمار الأبستمولوجيا العملية ، مقاليه سابقي الذكر :” تثبيت الأعتقاد” و”كيف نوضح أفكارنا” واللذان حملا الإعلان الأبستمولوجي للبراجماتية . ولكن والحق يقال إن بيرس نشر مقالاً  أبستمولوجياً في غاية الأهمية ، قبل هذين المقالين وبالتحديد في العام 1868. وكان بعنوان ” أسئلة متعلقة بملكات الإنسان ” ، وهو بتقديرنا المقال الأبستمولوجي المفتاح لعمل بيرس عامة والأبستمولوجيا البراجماتية خاصة . ومن ثم تلاه في السنة ذاتها صدور مقاله الرافض للأبستمولوجيا الديكارتية والذي كان بعنوان “بعض نتائج العجز ” والذي جادل فيه طبيعة أن ” العام حقيقي ” .

 وبعد عشر سنوات وبالتحديد في العام 1878 نشر مقالاً بعنوان ” نظام الطبيعة ” .  ومن ثم نشر سلسلة مقالات تدور في مضمار أبستمولوجيا البراجماتية ، منها : مقال بعنوان “إختلافات صغيرة حول الحواس ” في العام 1884 ، ومقاليه : ” عمارة النظريات ” الذي نشره في العام 1891 و ” مبادئ الضرورة ” الذي ظهر في العام 1892 .

وفي عام 1903  جاءت محاضراته في جامعة هارفارد حول البراجماتية والتي دافع فيها عن الأساس الأبستمولوجي للبراجماتية . وتبعها ثلاث مقالات راجعت الأساس الأبستمولوجي للبراجماتية وعرضت تفاصيل إضافية كما ودافعت عن الإطار البراجماتي للأبستمولوجيا ، وهي : ” ما هي البراجماتية ” في العام 1905 و ” قضايا البراجماتية ” في العام 1905 ومن ثم ” دفاع عن البراجماتية ” في العام 1906(36) .

أما في مضمار الأبستمولوجيا الرياضية ، فقد تفردت كتاباته بالأصالة والإبتكار وذلك لكون بيرس واحداً من علماء الرياضيات ، ومن هنا تأتي أهمية أبحاثه في هذا الميدان . كان أول عمل نشر له بعنوان ” منطق التناسب ” والذي ظهر إلى النور في العام 1870  ، ودرس فيه نظرية العلاقات . ومن ثم جاءت محاضراته ومقالاته التي حملت عنوان “إيضاحات حول منطق العلم” في الفترة (1877- 1878) والتي ركز فيها على البراجماتية والإحصاءات .

 وتتوجت جهوده في مضمار الرياضيات بظهور عمله المعنون ” الرياضيات المبسطة ” في العام 1902 . وأشتغل في الرياضيات البحتة ، وفي الأسس المنطقية للرياضيات ، وفي الجبر الخطي وموضوعات هندسية متنوعة . وترك بيرس مخطوطة مهمة في ميدان الرياضيات بعنوان  ” مبادئ جديدة للرياضيات من وجهة نظر أصيلة ” . وفي العام 1976 صدرت بعنوان  “مبادئ جديدة للرياضيات” (37) .

 وفي حقل الأبستمولوجيا المنطقية ، فقد درس موضوعات رائدة شكلت مضمار التحديث في علم المنطق والتجديد في نظام إشاراته (العلامات أو الرموز) . في الحقيقة بدأ بيرس بحثه في علم المنطق وأبستمولوجياته ، في وقت مبكر ، فأولى محاضراته ومقالاته تصعد إلى العام 1869 . والتي جاءت بعنوان ” أسس سلامة القوانين المنطقية” ومن ثم تلتها سلسلة محاضراته في هارفارد حول ” علماء المنطق البريطانيون ” وكانت للفترة من 1869 وإلى 1870 . وفي هذه السنة ذاتها ظهرت رائعته المعنونة ” وصف لنظام الإشارات (العلامات) الخاصة بمنطق العلاقات ” والتي هي جزء مما يعرف بنظرية السيموطيقا عند بيرس .

 وتحول بحثه نحو جرف آخر من الإهتمام المنطقي . فظهرت في العام 1878 مقالته المتميزة  ، بعنوان ” إحتمالية الإستقراء ” . وتلتها في السنة ذاتها ، مقالته في ” الإستنباط ، الإستقراء والفرضيات ” . ومن ثم جاءت محاضراته في المنطق في جونز هوبكنس للفترة من 1879 وإلى 1884 . وفي العام 1880 صدرت رائعته الرائدة  في “جبر المنطق” . ومن ثم أخذت مقالاته المنطقية بالرواج بين المختصين والقراء ، منها : ” نظرية الإستنتاج الإحتمالي ” في العام 1883 ، و” حول جبر المنطق : مساهمة في فلسفة الإشارات ” في العام 1884 ، و” قانون العقل ” في العام 1892 ، و ” محاضرات في الإستدلال ومنطق الأشياء ” في العام 1898 بدعوة من وليم جيمس في كيمبريدج . ومن ثم جاءت ” القاعدة الأولى للمنطق ” في العام 1899 والتي كانت ضد معوقات البحث . وفي العام 1903 قدم ” محاضرات لول ومفردات علم المنطق” (38).

ولعل خير ما نختتم هذا المضمار الأبستمولوجي ، الإشارة إلى إن الأبحاث المنطقية قادت بيرس إلى تطوير نظرية في الإشارات (السيموطيقا) والتي تتألف من جهاز واسع من مفاهيم الإشارات وعمليات إستنتاجها (39) . كما نحسب إن البراجماتية من الزاوية الأبستمولوجية ، هي نظرية في الصدق،  والتي هي في مجملها مجموعة ” تفسيرات ” و ” تعريفات ” و ” نظريات ” لمفهوم الصدق . وحقيقة إن هناك إجماعاً براجماتياً بين بيرس وجيمس و جون ديوي (1859- 1952) على إن البرجماتية في سماتها العامة( كنظرية في الصدق) هي :

أولاً- أن البراجماتية هي مجموعة وسائل تهدف إلى توضيح معاني المفاهيم المتشاكلة ، ومنها بشكل خاص مفهوم الصدق ذاته .

ثانياً- إن الحقيقة بالمنظار البراجماتي ، هي ” منتوج ” ذات طبيعة متنوعة ، والذي يكون على شكل : إعتقاد ، يقين ، معرفة أو صدق . وإن كل هذا حاصل نتيجة لعملية البحث (الذي يهدف إلى توسيع المعرفة ، وحل مسألة الشك ، وفي الوقت ذاته إيجاد حل للمشكلة موضوع البحث) (40) .

 بعد هذا نسعى إلى تحديد معيار الصدق البراجماتي عند البراجماتيين الثلاثة . فمثلاً لفهم معيار الصدق عند بيرس ، يتطلب منا الإشارة إلى إن تفكير بيرس لا يمكن فهمه دون معرفة رأيه في ” طبيعة التفكير والأفكار ” . إنه يرى إن ” كل الأفكار هي إشارات” . ماذا يعني هذا الكلام ؟ إنه يعني بصورة واضحة إن تفكير بيرس ” لا يمكن فهمه خارج إطار علاقات الإشارات ” (41) . وإن علاقات الإشارات في حقيقتها هي موضوع نظرية الإشارات .  وإن نظرية بيرس في السيموطيقا ، هي نظريته في علاقات الإشارات ، والتي هي المفتاح الأساس لفهم فلسفته البراجماتية (42) .

 لقد حدد بيرس الصدق ، في مقال له يصعد إلى العام 1901 وكان بعنوان: ” الصدق والكذب والخطأ ” وبالشكل الآتي :

الصدق هو إتفاق (أو إنسجام) القضية المجردة مع الحدود المثالية للبحث العلمي المستمر والهادف إلى توفير الإعتقاد العلمي . وإتفاق القضية المجردة ربما يتم الوصول إليه عن طريق الإعتراف بأن عدم دقتها من بعض الأوجه ، هو المكون الأساس للصدق (43) . 

 بينت هذه العبارة وجهة نظر بيرس التي تؤكد على إن ” أفكار المقاربة ” و ” عدم الكمال ” و” الجزئية ” والتي عبر عنها في مكان أخر ” بإمكانية الخطأ ” و ” الإحالة إلى المستقبل ” هي أساسيات مفهومه للصدق . كما وأستخدم في مناسبات مختلفة كلمات من مثل : الإنسجام والتطابق وذلك لوصف وجه من وجوه براجماتية ” العلاقة بين الإشارات ” . ومن طرف أخر فقد قال بيرس : ” أن تعريفات الصدق تقوم على التطابق الذي ليس هو أكثر من التعريف الإسمي ” ، وبيرس في هذا المجال تابع التقليد الفلسفي الطويل الذي يرد التعريف الإسمي إلى مستوى ليس أكثر من التعريفات الحقيقية . ولنقف نستمع إلى ما يقوله بيرس :

  إن ذلك الصدق هو تطابق الصورة مع موضوعها ، وهو كما قال كانط ، مجرد التعريف الأسمي لها . والصدق يرتبط بالقضايا فقط . والقضية تتألف من موضوع  (أو مجموعة موضوعات) ومن محمول  . ولما كان االموضوع هو إشارة ، والمحمول هو بدوره إشارة . فالجملة هي إشارة تتألف من ذلك المحمول الذي هو إشارة ومن المحمول الذي هو إشارة كذلك . وإذا كانت الجملة بهذا الشكل فهي صادقة . ولكن : ماذا يعمل هذا التطابق والإحالة إلى الإشارة ؟ إنه الإنسجام في القضية (إنسجام إشارة المحمول مع إشارة الموضوع وهما مكونات القضية : بين قوسين توضيح من الباحث) (44) .

  وخلاصة الموقف عند بيرس ومن خلال عبارته السابقة ، هو إنه كشف عن العلاقة بين التعريف البراجماتي للصدق وواحدة من نظريات الصدق العتيدة ، والتي ترى ” إن الصدق بشكل وحيد وبسيط ، هو تطابق الصور مع موضوعاتها ” . والحقيقة إن بيرس هنا حاله حال كانط ، فقد إعترف بالتمييز الذي وضعه أرسطو ” بين التعريف الإسمي والتعريف الحقيقي ” . والتعريف الإسمي في حقيقته كشف عن ” وظيفة المفهوم ، ودور العقل في الإدراك ، كما إنه يدل على جوهر الموضوع ” . إن هذا الموقف يحملنا على القول : ” أن بيرس كان مولعاً جداً بنظرية التطابق في الصدق ” (45) .

  وأما الفيلسوف البراجماتي وليم جيمس ، فقد تميز بمفهومه الخاص لمعيار الصدق البراجماتي . ونحسب أن تكون البداية الإشارة إلى تراث جيمس الفلسفي ، وخصوصاً تراثه الذي درس فيه المعيار البراجماتي للصدق . أولاً أن جيمس جاء من ميدان الطب والفيزيولوجيا والبايولوجيا إلى مضمار علم النفس ومن ثم إستقر في مرابض الفلسفة . كان أول فصل درسه في جامعة هارفارد ، هو علم النفس التجريبي للسنة الأكاديمية (1875- 1876)  . وخلال عمله في هارفارد أنضم إلى بيرس في العام 1872 في المناقشات الفلسفية التي جرت تحت مظلة النادي الميتافيزيقي . كان أول عمل نشره جيمس ، هو كتابه المعنون ” مبادئ علم النفس ” والذي صدر في العام 1890 (ويتألف من مجلدين) (46) .

 أما أهم مؤلفاته الفلسفية  فهي : إرادة الإعتقاد (1897) ، الخبرة الدينية : دراسة في الطبيعة البشرية (1902) ، عالم الخبرة (1904) ، البراجماتية (1907) ، الكون المتعدد 019099 ، بعض مشكلات الفلسفة (1911 توفي ولم يكمله) ، مقالات في التجريبية الراديكالية (1912) ومؤلفات أخرى . وفي مضمار معيار الصدق البراجماتي ، فقد نشر جيمس  في العام 1907 فصلاً بعنوان : المفهوم البراجماتي للصدق ، ضمه إلى كتابه البراجماتية ، وفي العام 1909 نشر كتابه المعنون : معنى الصدق .

  أخذت أبستمولوجيا نظرية الصدق البراجماتية عند جيمس ، بعداً جديداً ، فيه طعم جديد مختلف بالتأكيد عما هو عليه عند مؤسس البراجماتية بيرس . فمثلاً وليم جيمس في محاولته تحديد العقائد الصادقة ، أكد على إنها ” تلك العقائد التي ثبتت إنها نافعة للمؤمن بها ” هذا طرف . والطرف الثاني إن نظريته البراجماتية للصدق ، هي نظرية تركيبية ، جمعت بين نظرية التطابق ونظرية الإتساق (أو الإنسجام) مع بعد إضافي ، وهو ” إن الصدق ممكن التحقق منه خلال الأفكار والقضايا التي تطابق الأشياء الواقعية ” إضافة إلى ربطها سوية ” بحيث تتسق معاً ، كما هو الحال في أجزاء لغز متفرقة ، ينبغي أن تنسجم سوية” وإن هذه الأفكار ممكن التحقق منها عن طريق النتائج الملاحظة إثناء تطبيقات الفكرة في مضمار التجريب الواقعي (47) . ونلحظ في كتابات جيمس الأبستمولوجية صدى لمبدأ الوضعية المنطقية في التحقق أو التثبت .

 أما جون ديوي فقد فضل تعريف بيرس للصدق ، ففي كتابه المعنون : المنطق : نظرية البحث ، والصادر في العام 1938 ، جاء خال من أي مناقشة للمعيار البرجماتي للصدق . إلا إنه في هامش واحد قال : إنه ” يفضل تعريف الصدق من الزاوية المنطقية ، الذي قدمه بيرس ” (48) .    

هوامش البحث :

1- أنظر :

 

Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1967 Vol. 3

2- أنظر :

Chisholm, Hug. “Ferrier, James Frederick“, Encyclopaedia Britannica (Eleventh Ed.) Cambridge University Press 1911

3- أنظر :

Woozley. A. D, Theory of Knowledge: An Introduction, London 1950, pp 8-10

4- أنظر :

Knowledge and Belief, In Encyclopaedia of Philosophy, London 1967, V. 4, pp 245 – 246

5- أنظر :

Popkin. R, Philosophy, made simple, London 1969, pp 177-178

6- أنظر :

- محمود زيدان ؛ نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصريين ،  ط1 ، بيروت 1989

- محمد غلاب ؛ المعرفة عند مفكري الإسلام ، القاهرة (بلا تاريخ)

7- أنظر :

Hesse. M .B, Francis Bacon’s Philosophy of Science, In A Critical History of Western Philosophy, ed. J. O’Conner, New York 1964, pp 141 – 152

8- أنظر :

Popkin R, Op. Cit, p. 186

9- أنظر:

Clarence. H. Bradford, An examination of Thomas Hobbes’ Theory of Knowledge, Chicago 1956

10- أنظر :

Anthony Kenny; the Rise of Modern Philosophy, Oxford, 2006

11- أنظر :

Jonathon Bennett, A study of Spinoza’s Ethics, Hackett, 1984

12- Edwin. Curley, the Collected Works of Spinoza, Princeton University Press 1985

12- أنظر :

Hall, A. R., Philosophers at War: The Quarrel between Newton and Leibniz, Cambridge University Press 1980

13- أنظر :

Rutherford, Donald, Leibniz and Rational Order of Nature, Cambridge University Press 1998

14- أنظر :

Ibid,

15- أنظر :

Popkin. R, Op. Cit, p. 190

16- أنظر :

Carne Brinton. “Enlightenment”, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1967, Vol. 2, P.519

17- أنظر :

Kant, Critick (Critique) of Pure Reason, Trans. By Francis Haywood, 2 ed. London 1848

18- أنظر :

Hartnack, Justus, Kant’s theory of Knowledge: An Introduction to the Critique of Pure Reason, Hactett publishing 2001

19- أنظر :

Kant, Op. Cit, pp 29 – 31, pp 23 – 28

20- أنظر :

- Ayer. A. J, the Problem of Knowledge, London 1933

- Popper. K, Objective Knowledge, London 1972

21- أنظر:

      محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الألماني المعاصر ، الفصل الثالث المعنون : رودلوف كرناب: فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر ، القسم السابع : كرناب والإتجاهات الفلسفية لحلقة فينا (موجود على موقع الفيلسوف) .

22- أنظر مقال كرناب المعنون : إقصاء الميتافيزيقا ، عند :

Ayer, A. J. Logical Positivism, New York 1959, pp 60 – 80

23- أنظر :

Sarkar, Sahotra. Logical Empiricism at its peak, New York 1996, p. 38

24- أنظر :

A J Ayer, Language, Truth and Logic, 2nd with an important new Introduction, 1946

25- أنظر :

Ibid

26- أنظر :

Bryan Magee, Popper, Modern Masters Series, 1973

27- أنظر :

Benjamin, A. Cornelius, Coherence Theory of Truth, 1962

28- أنظر :

Kirkham, Richard L. Theories of Truth: A Critical Introduction, Cambridge 1992

29- أنظر :

Arthur. Prior, Correspondence Theory of Truth, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1969, Vol.3

30- أنظر :

Kirkham, Op. cit, section 4.2

31- أنظر :

Pitcher, George. “Austin:  personal memoir”. Essay on J. L. Austin, ed. Isaiah Berlin et al. Oxford 19730

32- أنظر :

   محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الفلسفي التربوي الغربي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، ص ص 147 – 148

33- أنظر :

Peirce. C.S, How to make our Ideas Clear, Collected Papers, Harvard University press 1959

34- أنظر :

Weiss, Paul “Peirce, Charles sanders” in the Dictionary of American Biography, Published by Charles Scribner’s sons 1934

35- أنظر :

Houser, Nathan, “The Fortunes and Misfortunes of the Peirce’s Papers, Perpignan 1989

36- أنظر :

Peirce, C.S., Writings of Charles S. Peirce, a Chronological Edition, Indiana University

(ظهر منها ثمانية مجلدات ، والمجلد الثامن صدر في العام 2009 ويتألف من 824 صفحة) .

37- أنظر :

Peirce, C.S., The New Elements of Mathematics, 5 volumes, Ed. By Carolyn Eisele, Mouton Publishers 1976

(المجلد الأول في علم الحساب ، الثاني في الجبر والهندسة ، الثالث أوراق رياضية ، الرابع كتابات رياضية والخامس في فلسفة الرياضيات . ويتألف مثلاً المجلد الخامس من 393 صفحة) .

38- أنظر :

Peirce, C. S., Collected Papers, Eds. By Charles Hartshorne and Paul Weiss, Cambridge 1931- 1935

وضمت ثمانية مجلدات ، وما خص علم المنطق فهي ؛ المجلد الثاني والذي كان بعنوان أصول المنطق ، والذي نشر في العام 1932 ، والمجلد الثالث والذي كان بعنوان المنطق الدقيق والذي صدر في العام 1933.

39- أنظر :

Peirce, C. S., Semiotic and Signifies: Correspondence between C. S. Peirce and Victoria Lady Welby, Ed. By Charles S. Hardwick, Indiana University Press 1977

40- أنظر :

Pragmatic Theory of Truth, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1969, Vol. 6

41- أنظر :

Deledalle, Gerard, C. S. Peirce’s Philosophy of Signs, Indiana University Press 2000

42- أنظر الكتاب الممتاز الذي عالج موضوع العلاقة بين نظرية بيرس في السيموطيقا والبراجماتية :

Fisch, Max, Peirce, Semeiotic and Pragmatism, Indiana University Press 1986

وأنظر كتابنا : الفكر الألماني المعاصر ، الفصل الثالث والذي كان بعنوان : رودلوف كرناب : فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر . تناولنا فيه نظرية السيموطيقا (النظرية العامة للغة) وأقسامها . موجود على موقع الفيلسوف

43- أنظر :

Peirce, C. S., “Truth and Falsity and Error”, Collected Papers, Vol.5, p. 565

44- أنظر :

Ibid, p. 553

45- أنظر :

Pragmatic Theory of Truth, Op.Cit, Vol.5

46- أنظر :

Duane P Shultz, a History of Modern Psychology, Wordsworth 2004, p. 179

47- أنظر :

Pragmatic Theory of Truth, Op. Cit, Vol. 6, pp 427- 428

48- أنظر :

Dewey, John, Logic: Theory of Inquiry, New York 1938, p. 407

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الأول / شتاء 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

“اليسار الهيگلي ” لا يسارا ولاهيگليا

الدكتور شاكر الساعدي

دكتوراه فلسفة وباحث أكاديمي (فرنسا)

إنتهى من كتابة أطروحة دكتوراه ثانية وركز فيها على الفكر العراقي القديم

حصلت موافقة الخبراء الأكاديميين على نشره بتاريخ 20 /11 / 2010 وتم إبلاغ الباحث بالتعديلات

تقديم:

تهدف هذه الدراسة إلى تصحيح خطأ شائع أستمر طويلا، وذلك باعتبار تجمع (نادي الدكاترة في برلين) “الشباب الهيگلي” في بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر، (شتراوس، باور، روك، سيازفسكي، كوبن، فيورباخ، ماركس، أنجلس، موسى هيس وأخرين.) بأنهم من إتباع الاتجاه اليساري في ذلك الوقت، ومن ثم ورثة وأنصار الفكر الهيگلي، الذي انتشر حينئذ بعد تسلم هيگل كرسي الفلسفة عام 1818 في برلين، والذي كان شاغرا بعد وفاة (فيخته).

كما أنها جهد يسعى إلى إلقاء الضوء، وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة حول الفكر الهيگلي، وذلك باعتباره يمثل نوعين من المفاهيم (اليمين واليسار)، أحداهما خارجية وهي رجعية تبريرية (النظام الفلسفي )، والأخرى داخلية وهي تقدمية، على ضوء المنهج الديالكتيكي، (لكنه مقلوب )، الذي صور خطأ وهو يسير على رأسه بدلا من قدميه.

فالحقيقة ان الديالتيك الهيگلي له قاعدته المثالية المنسجمة مع الفلسفة التأملية الهيگلية، وهو يسير على رجليه: إن “الفلسفة التأملية هي وعي الفكرة، وهي وعي إلى درجة أن كل شي يفهم كفكرة”. أن موضوع العمل الفلسفي لا يمكنه أن يكون إلا الفكرة ” ” فالنظام الهيگلي ينطلق من الفكرة ويعود إلى الفكرة، دون الكف أبدا عن المرابطة في الفكرة” هذه الفكرة لدى هيگل تبقى مرتبطة بالواقع، وعلية ففلسفة هيگل هي فلسفة تأملية موضوعية، فديالكتيك هيگل يقول (الكل يتفسخ)”.

وهيگل كان يعي جيداً الأسباب الحقيقية التي تقف وراء صعوبة وغموض بعض أعماله. ففي 1812 كتب إلى أحد تلاميذه بصدد كتابه (المنطق) حيث أفاد ” يؤسفني أن يشتكي (البعض) من صعوبة العرض. ذلك لأن طبيعة هذه المسائل المجردة ذاتها تجعل من غير المستطاع عند تناولها الكتابة بذات السهولة الممكنة في كتاب عادي. فالفلسفة التأملية الحقة لا تستطيع أن ترتدي رداء جان لوك أو الفلسفة الفرنسية العادية. وبالنسبة للمبتدئين ينبغي أن تظهر من جهة محتواها أشبه بعالم مقلوب كما لو أنها في تناقض مع كافة المفاهيم التي اعتادوا عليها ومع ما يبدو لهم موافقاً وما نسميه بالمعنى المقبول ” (هيگل، المراسلات, عن، دونت، هيگل والهيگلية. ت. ح. هنداوي)

لقد طور ماركس وانجلس فلسفة مختلفة جداً عن فلسفة هيگل. لكنهما لم يعتقدا بأنهما أقاماها انطلاقاً من لا شيء إجمالا. وهما يجعلانها في تعارض مع الهيگلية بالنسبة لعدد من الجوانب، لكنهما لا يترددان بالمقابل أخذ ما يعتبرانه أفكاراً أساسية فيها. فالمنهج الديالكتيكي بالنسبة لهما ينطبق على قاعدة فلسفية مادية مثلما ينطبق على قاعدة فلسفية معاكسة أي المثالية ” (المصدر السابق ). وماركس يحدد بوضوح الاختلاف أو التعارض بقوله: ” منهجي في التطور ليس المنهج الهيگلي. لأنني مادي وهو مثالي. فالديالكتيك الهيگلي هو الشكل الأساسي لكل ديالكتيك، لكن فقط بعد تجريده من طابعه الصوفي، (لم يكن هيگل صوفياً، الدليل على ذلك، نقده الموجه إلى الرواقية والأبيقورية اللتان أكدتا على ضرورة الانعزال عن الواقع للحصول على اللذة )، وهذا على وجه الدقة ما يميز منهجي ” وهكذا فالتمايز والتعديل لا يعنيان الإلغاء. (مصدر سابق ).

وماركس عاش في عصر غير عصر هيگل. وأعطى لهذا الأخير دور فيلسوف البرجوازية، بينما كان هو يتطلع، في عالم اقتصادي واجتماعي آخر إلى أن يكون فيلسوف البروليتاريا التي لم تكن قد عبرت عن نفسها بعد بصورة مستقلة عندما كان هيگل يتابع الحياة الاقتصادية والاجتماعية ” (المصدر السابق). (هذا لا يعني رجاحة النقد الموجه إلى جدل الطبيعة “خرافة الجدل في الطبيعة” والاقتصار على جدل الإنسان كما تصوره لوكاش بأن الماركسية احتفظت بما هو حق في الهيگلية ورفضت المفاهيم التي تعارضها، وهو يحتفظ بمقولة (الشمول العيني) و(الحقيقي هو الكل)، وهذا التصور لا يستقيم إلا في جدل التاريخ وحده، لكنه ينسى بأن ماركس كان اقرب (اليساريين الهيگلين) إلى هيگل، لكنه لم يكن هيگلياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأنه يعتبر الصيرورة التاريخية هي عبارة عن علاقة متبادلة ومترابطة بين الواقع والفكر.

أن هيگل الذي شجب الدوغمائية والطوبائية، قد جهد باستمرار للاحتفاظ بوحدة وثيقة بيت الفكر والوجود، بين الروح والعالم بربطهما ربطاً لا فكاك فيه (كورنو) أما سارتر فيؤكد “بان الجدل الماركسي للطبيعة اختراع طبيعة بلا إنسان، أما كوجيف فيقول، “لا يمكن أن يكون ثمة جدل بدون إنسان وبغير أنشطة الإنسان” (جدل الإنسان أو الفكر)، أو عقل يجُدّل مبادئه Dialectiser كما يلاحظ جاستون باشلار وهذا خطأ (إلا إذا كان يقصد، أن يتبع العقل الطريقة الديالكتيكية كمنهج) لأن العقل لا يمكن أن يجُدّل مبادئه، لأن الجدل موجود خارج العقل، لأنه قانون، مثل قانون الجاذبية. وعلى العقل أن يكتشفه، وهم بذلك ينفون أن يكون الإنسان جزء من الطبيعة.

كان مفهوم هيگل للتطور الجدلي للتاريخ يستلزم، ” في الواقع، صيرورة لا انقطاع فيها، وتغيراً مستمراً لا يمكن أن يعيّن له شكل معين بمثابة حد أو نهاية. إن كل واقع ذي صفة اقتصادية وسياسية واجتماعية أو حقوقية ينزع في الحقيقة، على أساس التقدم الديالكتيكي، إلى فقدان ما يتلبس به من طابع الضرورة التاريخية والمنطقية معاً في لحظة معينة، وهو يصبح غير عقلاني بسبب هذا الواقع، ويجب أن يفسح المجال، عوضاً عنه، لواقع جديد محكوم عليه أن يتلاشى يوماً ما. والحال، فبعكس هذا التصور ألمفهومي الجدلي، فان هيگل، الذي كان يميل أكثر فالأكثر نحو النزعة (المحافظة )، كان محمولا على أن يمنح مؤسسات زمنه، وبخاصة الدين المسيحي والدولة البروسية، قيمة مطلقة ويوقف بذلك عندهما سير التاريخ “(أنجلس، فيورباخ ونهاية).

الحقيقة أن أنجلس يتجنى كثيرا على هيگل في موضوعي القيمة المطلقة للدين المسيحي والدولة البروسية، لأنه لم يرد في مؤلفات هيگل ما يثبت ذلك، يضاف إلى ذلك بأن هيگل فيلسوف ديالكتيكي فلا يمكن أن يضفي أي قيمة مطلقة لأي واقع ويوقف سير التاريخ!!!!!

مثابرة فكرية لتصحيح الفهم الشائع عن مقولات هيجل:

نتطلع هنا إلى تصحيح المفهوم الخاطئ حول مقولة هيگل الشهيرة التي نقلت بصيغة خاطئة، حيث وردت كالتالي: بمقالة أنجلس (فيور باخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية): (كل ما هو واقع هو معقول، وكل ماهو معقول هو واقع )

”Tout Ce qui est. reel est. rationnel et tout ce qui rationnel est réel”، وهذه الصيغة الخاطئة تذهب عكس ما ذهب إليه هيگل، وهي تتعارض مع فكر هيگل الذي قال:

Ce qui est rationnel est réel ; et ce qui est réel est rationnel »

« (ماهو عقلاني، فهو واقعي، وما هو واقعي، فهو عقلاني)

(Was vernünftig ist،das IST wirklich، und was wirklich ist، das IST vernünftig

وهنا يستغرب الباحث اشد الأسنغراب، وذلك من إنزلاق أنجلس في دائرة هذا الخطأ الفادح. والظاهر إنه لم يطلع على مقولة هيگل بصورة مباشرة, لكن عن طريق النقل الشفهي، أو الاقتباس من مصدر غير دقيق. مع ذلك فأن أنجلس في سياق الشرح ذهب إلى ما ذهب إليه هيگل حول الترابط بين الواقع والضرورة.

وهيگل يربط الواقع بالضرورة، ولكن الضروري في لحظة معينة يصبح غير ضروري، وعليه أن يفسح المجال لواقع ضروري جديد. فمثلاً استقبل هيگل الثورة الفرنسية بترحاب عميق 1789، يوم كان تلميذ بمعهد أللاهوت، وكان عمره تسعة عشر عاما, وغرس مع صديقه شيلنج شجرة الحرية في أطراف مدينة توبنگن احتفاءا بتلك الثورة، وكان يعتبر الثورة الفرنسية بأنها وليد الفلسفة وأول محاولة لإقامة دولة قائمة على العقل. وكلماته جاءت معبرة عن هذا الفهم الهيكلي: ” لم يحدث قط أن رأينا الإنسان… يؤسس نفسه على الفكرة ويبني الواقع تبعاً لها… كان أذن شروقاً رائعاً للشمس ” (هيگل: دروس في تاريخ الفلسفة”. وذهب أكثر من ذلك عندما برر الإرهاب الروبسبيري، باعتباره محاولة لإعادة النظام إلى الدولة الفتية.

كما كان هيگل معجباً بنابليون ولقد حيَاه عندما دخل “أينا” وسحق الجيش البروسي، ومقولته المشهورة، في خريف 1807 (رسالة إلى صديقه نيتماير): ” لقد رأيت الإمبراطور روح العالم، على صهوة جواده، يرنو في الأفق ويهيمن على العالم”. (الحقيقة بأن هيگل، لم يصف نابليون بروح العالم، Geist التي تقابل Esprit بالفرنسية، بل قال أنه Seele التي تقابل بالفرنسية âme, souffle التي تعني بالعربية نفس أو نسمة، لأن مفهوم الروح بالنسبة إلى هيگل مفهوم فلسفي يعني (المطلق، الفكرة، الله، العقل المطلق ). وهذا لاينطبق على نابليون أوعلى أي شخص آخر.

لقد تعاون هيگل مع الاحتلال الفرنسي لبلده، وقام بتحرير صحيفة (بامبرج Gazette de Bamberg ) بالاتفاق التام مع الإدارة الفرنسية، وهو بهذا الموقف ينظر إلى نابليون باعتباره ضرورة واقعية، ويمثل بنفس الوقت شكل من إشكال تموضع (الروح التاريخي). لكن بمرور الزمن غير هيگل موقفه من الجمهورية الفرنسية ومن نابليون بناءاً على استمرار الإرهاب الغير ضروري، واعتبر ما قامت به فرنسا في ألمانيا هو(طغيان أجنبي بربري) ولم يعد ضروري.(خطاب هيگل عندما تسلم مركزه كأستاذ لقسم الانتهازية، جامعة برلين خريف 1818.يرى بعض الباحثين بأن هذا الموقف لا ينم عن انتهازية، بل هو من صلب النظام الهيگلي. لايمكن مقارنة الأمس باليوم.

لا تهدف هذه الدراسة(الأكاديمية البحتة التي هي جزء من أطروحة ) إلى اي مقارنة (سياسية- فلسفية) بين الماضي والحاضر.. أي مقارنة فلسفة وعي ألذات، وفلسفة النقد الديني لجماعة “اليسار الهيگلي” التي كانت تهدف عن طريق النقد إلى عقلنة الواقع بإزالة العناصر اللاعقلانية عن الفلسفة، وبصورة خاصة فلسفة النقد، وفلسفة النقد الديني بصورة اشمل واعم.. المقارنة غير موضوعية بين أفكار واتجاهات تعود إلى ما يقارب قرنيين من الزمن، فكل عصر له فلسفته الخاصة واهتماماته الموسومة والمحددة بطابع الإنتاج البشري وعلاقاته الاجتماعية. علاوة على ذلك فان (اليسار الهيگلي) لم يكن منسجما بأغلب أطروحاته الفلسفية وتوجهاته (السياسية) اللاحقة، وظهرت خلافات عميقة بين (أعضائه) أدت إلى قطيعة واتهامات متعددة –سنشرحها لاحقا- ومن ضمنها ما قاله روگ (روغه أو روج) اتجاه ماركس: ” كان يغلي غضباً على ماركس الذي أشار إليه بأنه (رجل حقير تماماً) و”يهودياً وقح”.كما أن أحدا لاينكر إن روگ عمد بعد ذلك بسنوات إلى إرسال استرحام توبة إلى وزير الداخلية البروسي يخون فيها رفاقه في المنفى في باريس ويحمل هؤلاء (الشباب) مسؤولية الخطايا التي اقترفها في صحيفة (فورواتز)” (فرانس مهرينج، كارل ماركس).

وبعكس كارل ماركس وزوجته جيني، الذي كان أخوها غير الشقيق وزير داخلية، فأنهم لم يطلبوا منه أي مساعدة، رغم الفقر المدقع الذي عاشاه مع أطفالهم في لندن، وفقدا اثنين 1852-1855 منهم نتيجة سوء التغذية والعناية الصحية.ومن المعروف فأن خلافاً قويا ظهر بين ماركس وروگ ادى بينهما إلى قطيعة كاملة وهو دفاع ماركس حول ضرورة بناء الحزب الشيوعي الذي اعتبره روگ نوعا من الديڴماوية التي تشبه إلى حد كبير ديڴماوية الأديان.

كان شتراوس ابعد الهيگليين للعمل بالسياسة، وكذلك روڴ بعد إطلاق سراحه، أهتم بالآداب والثقافة بصورة عامة بعيدا عن النشاط السياسي، لاسيما وان زيجة موفقة ساعدته على العمل بجامعة (هال)، وكان يعتبر نفسه تاجر أفكار بالجملة. (أدت به زيجة موفقة إلى أن يصبح محاضرا في جامعة هال.فعاش حياة مريحة رغم مصائبه السابقة(قضى ست سنوات بالسجن)وسمح له ذلك أن يعلن أن نظام الدولة البروسية حر وعادل. وكان بالفعل يود أن يجعل من شخصه مصداقاً لقول الموظفين البروسيين الكبار من أن أحداً لا يستطيع النجاح أكثر من ديماغوغي مرتد) (كورنو)

والحقيقة إن صحيفة (حوليات هال) لم تكن في البدء ذات طابع سياسي وكانت تعني فقط بالفن والآداب، وإن مصداقيته هي التي دفعت بالسلطات الرسمية على منحه مركزا مهما جزاء خدماته التي يقدمها باعتباره مدافعا عن الدولة البروسية: (كان روگ يعتقد حينئذ أن ثمة توافقا بين فكرة الحرية ومبادئ “الإصلاح الديني”، ومباديْ الدولة البروسية) وكذلك (إن روگ بدعمه الحكومة البروسية ضد الكنيسة الكاثوليكية كان يأمل كسب تلك الحكومة إلى حد ما على الأقل إلى جانب النضال الذي كان يخوضه ضد الرجعية السياسية) (كورنو، أوكست. ماركس وانجلس ).

مراحل تكوين الهيجلية:

قبل البدء بمعالجة موضوعنا، لابد من الإشارة إلى مراحل تكوين ماعرف لاحقا(المدرسة الهيگلية)، وهو خطأ تاريخي آخر، لان هيگل لم يسعى مطلقا إلى إنشاء مدرسة وتكوين إتباع، ولم يعرف عنه نقاش أو حوار خارج قاعات الجامعة. ولم يعرف كذلك بأن إتباع هيگل بصورة عامة شكلوا هيكلاً يعرفون به أنفسهم، عدا بعض الحوليات والمجلات التي تحتوي على مقالات تفسر هيگل على هواها وبما ينسجم مع توجهاتها (اليمينية أو اليسارية) وهو خطأ آخر، ارتكب بحق ذلك الرجل، لأن هيگل لم يتبنى في يوم من الأيام أي شكل من الأشكال السياسية، لأنه وببساطة كان فيلسوف الواقع، وكان يردد دائما بان مهمة الفيلسوف هو إدراك الواقع وليس وضع نماذج للمستقبل.

يمكن أن نطلق على تلك الفترة الأولى:

أولاً – فترة الحماس الهيگلي، حيث شمل من يؤمنون بالفكر الهيگلي، عدة اتجاهات مختلفة ومتناقضة، ستفجرها التحولات الاجتماعية الألمانية المتلاحقة (الثورات العمالية).

” انتشرت الهيگلية في هذه الفترة حتى أوشكت إن تصبح العقيدة الرسمية للدولة البروتستانتية، وبعد إن كان عدد طلابه محدودا ًتوافد عليه المئات من الطلاب من جميع أنحاء البلاد.بل أصبح الأيمان بالهيگلية من الوسائل التي تمكن الفرد من الحصول على الوظائف الحكومية ومن الترقي في هذه الوظائف، حتى إن أستاذا لعلم النفس التجريبي فصل من الجامعة لأنه هاجم الجانب المثالي في الفلسفة الهيگلية. وبتداءاً من عام 1823 بدا الأساتذة في تدريسها وبدأت تتكون العصبة الأولى من الهيگليين المتحمسين، ومن تلامذته المشهورين في هذه الفترة (غانس-مانسز) و(ماهرنيكه) وباور… ولقد جرت عليه هذه الشهرة الكثير من العداء خاصة وان بعض تلاميذه اندفع في حماس إلى الزعم بأن (كل من ليس هيگلياً فهو أحمق) ومن هنا وقعت العداوة بينه وبين بقية الفلاسفة في عصره. فبعد إن كانت العلاقة قوية بينه وبين(شليرماخير)رئيس الأكاديمية في برلين، فترت ثم انقلبت إلى عداء وهجوم صريح”

ثانياً – فترة التكوين أو العصر الذهبي للشباب الهيگلي و(لليسار الهيگلي)، بدأ بظهور كتاب شتراوس (حياة المسيح) إلى وفاة گيوم الثالث1840.

ثالثاً – الفترة الراديكالية السياسية والتي بدأت مع حكم گيوم الرابع.

اليسار الهيجلي: مصطلحاً وشكلاً وحركة

يمكن تحديد بداية ظهور ” اليسار الهيكلي ” بعد صدور كتاب دافيد شتراوس عام 1834 (حياة المسيح) إلى ظهور كتاب كارل ماركس (مساهمة في نقد فلسفة الحق الهيكلية) أو ما يعرف بمخطوطات 43 و44، ورغم قصر تلك الفترة (عشر سنوات) سيطرت إطروحات (اليسار الهيكلي) على مجمل النشاطات الثقافية في تلك الفترة في منطقة بروسيا ومنطقة الراين.

وعلى الرغم من إطلاق صفة اليسار بالمفهوم السياسي على (اليسار الهيگلي) فان اهتمامات تلك المجموعة بالسياسة خلال فترة حكم گيوم الثالث كانت متراجعة إلى الخلف. كان الاهتمام الأهم هو (فلسفة النقد الديني) أو الدين المسيحي الكاثوليكي وكنيسة البابا في روما مقابل البروتستانتية واتجاهها اللوثري أو بما يعرف بالإصلاح الديني. كان لذلك التراجع ظروف موضوعية فرضتها سياسة فردريك گيوم الثالث بعد دحر حملة نابليون 1814 وسيطرة (الحلف المقدس) 1815، وعودة الملكية في عموم أوربا، فتم قمع الحركات السياسية التي شاركت في دحر الاحتلال الفرنسي. لقد أدت حملة ملاحقة (الديماغوغيين) إلى اعتقال كثير من الذين شاركوا في حرب التحرير والى تشريد قسم منهم خارج ألمانيا واعتقال وسجن البعض الأخر، تكللت تلك الحملة بمنع إصدارات (ألمانيا الفتاة) التي كانت تعبر عن روح التحرر من السيطرة الأجنبية والاضطهاد القومي. كانت السياسة كما يقول انجلس أرض شائكة.

وحوالي نهاية الثلاثينيات، كان الانقسام في المدرسة الهيگلية يغدو ظاهريا أكثر فأكثر.فالجناح اليساري، أي أولئك الذين يسمون “اليسار الهيگلي، تخلى، في نضاله ضد التزمت التقوى والرجعية القطاعية، عن هذا التحفظ الفلسفي المتميز، الذي كان قد ضمن حتى ذلك الحين للمذهب الهيگلي تسامح الدولة وحتى حمايتها… كان الصراع ما يزال يخاض بأسلحة فلسفية، ولكن ليس لأغراض فلسفية مجردة، ذلك لأن موضوع الصراع كان تدمير الدين التقليدي والدولة… كانت السياسة ما تزال أرضا شائكة لذا جرى توجيه المعركة الرئيسية ضد الدين ).(أنجلس، لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الامانية).

” أن اهتمام ألمانيا المعاصرة الرئيسي ينصب على الدين وفي المكان الثاني فحسب على السياسة، سواء رضي المرء عن ذلك أم لم يرض” (فرانس مهرينڴ – كارل ماركس). أما الهيگليون الشباب “فكانوا ما يزالون مثاليين، وكانوا يؤمنون بنوع من تجديد يصيب الإنسان والمجتمع، أكثر من إيمانهم بالثورة، وكانوا يرون أن الفكر، والنقد الحر، يكفيان للقيام بهذا التجديد. وكان أقصى ما يمكن أن يذهبوا إليه”ثورة في الضمائر… لا ثورة سياسية”. (هنري لوفيفر. كارل ماركس). كما وكان الهيگليون الشباب، من طرفهم، هدامون في مجال الدين، بل وظلوا أحياناً محافظين في مجال السياسة _ كشتراوس_ ” (جاك دونت. ت.ل والهيگلية. ت. حسين هنداوي)

ونظرا لأن انتقاد الكنيسة وطقوسها كان أقل خطرا من انتقاد الدولة ومؤسساتها، فان الشباب الهيگليين وانسيكلوبدي القرن الثامن عشر الفرنسيين وجهوا هجماتهم الأولى ضد الدين قبل خوض النضال على الصعيد السياسي. وكانوا يواصلون بذلك، على كل حال، ولكن بكيفية مختلفة، الكفاح المضاد للدين، الذي كان خاضه قبلهم كتاب “ألمانيا الفتاة”الذين كانوا يستوحون السان سيمونية). (كورنو)

وبالإضافة إلى ذلك فأن مصطلح اليسار هو المصطلاحات الفرنسية المتفردة، ومعلوم إن هذا الاصطلاح إنبثق بعد الثورة الفرنسية في 14 تموز 1789، وذلك حين انقسم السياسيون في الجمعية الوطنية إلى يساريين.. يسار القاعة والذين يؤمنون بالتقدم والإصلاحات ويطالبون بالاقتراع العام والمساواة، وبين يمين القاعة الذين يمثلون النظام الإقطاعي السابق، فاليمين واليسار كان مجرد اختلاف في كراسي القاعة.كما إن مصطلح الشيوخ والشباب الهيگليين غير موفق، فان غانس العجوز كان الأب الروحي للشباب الهيگلين، وان برنو باور-الشاب- داينمو الشباب الهيگلي، بدأ كأحد أفراد الشيوخ الهيگليين مع أستاذه العجوز ماهر نكه، وطلك عندما ردا على كتاب شتراوس (حياة يسوع).

وفرنسا باعتبارها المثال الحقيقي لصراع الطبقات كما يقول كارل ماركس،(ساعدت الثورة الفرنسية ماركس إلى فهم طبيعة الصراع في المجتمع، كما ساعد الاقتصاد الانكليزي أنجلس إلى فهم طبيعة الرأسمالية) فان اتجاهات اليسار الفرنسي وقتئذ تختلف جذريا عن اتجاهات اليسار الألماني، ومن المعروف فأن الاتجاهات التقدمية الألمانية ظهرت بتأثير فرنسي، فلسفة الأنوار وأطروحات (سان سيمون –فوريه- أوين) وتعززت بعد الثورة الفرنسية وبعد حملة نابليون والتي كان مرحب بها في المناطق المحتلة، حيث أدى احتلال نابليون لأجزاء من ألمانيا إلى إحداث تغيير مهم في عقلية وقاع المجتمع الألماني، وكان إدخال المكننة الحديثة إلى ألمانيا وفتح المشاريع الاقتصادية الصناعية بصورة أوسع، مما أدى إلى خلق (بروليتاريا مصطنعة) في الجزء الغربي من ألمانيا وست فالي..

كما كان الحاصل من ذلك تكوين (برجوازية مصطنعة) فمثلاً مصادرة أملاك الكنيسة وأراضي النبلاء من قبل نابليون، استفاد منها الفلاحين المتوسطين والأغنياء من البرجوازية الصغيرة، وكان إنشاء المعامل والمصانع الحديثة التي جلبت من فرنسا أدي إلى ترك الفلاحين الفقراء مهنة الزراعة والالتحاق بالمدن للعمل بالمصانع الجديدة، ولقد حافظ البروليتاري الجديد على عاداته وتقاليده السابقة والاحتفاظ بدينة ومعتقداته الموروثة، وهذا مانسميه (البروليتاريا المصطنعة) أي إن البوليتاريا هذه لم تجتاز المراحل الطبقية التي تكلم عنا ماركس، وأدت هذه الحالة إلى إيجاد شكل جديد ومختلف حول(خصوصية الطبقة العاملة الألمانية، الخلافات العميقة بين لاسال وماركس، حيث كان لاسال ضحية خداع بسمارك، وكان الشعور القومي الوطني هو الغالب بصفوف الحركة العمالية الألمانية، على الشعور ألأممي) عندما قرر العمال الألمان احتلال محطة قطار ولكنهم كانوا يشترون تذاكر الدخول إلى المحطة. وبمرور الزمن تغيرت تلك الطبيعة وأظهرت الطبقة العاملة في ألمانيا وسلوكاً جديداً تمثل بثورات 1830 و1848.وبالمقابل فان البرجوازية الألمانية لم تقف بمثل ما وقفت به البرجوازية الصغيرة الفرنسية بإسناد الحركة التقدمية.

ولكون حركة اليسار الهيگلي لم تجد لدى البرجوازية الألمانية أهتماماً ملحوظاً، وذلك “بسبب ضعف هذه البرجوازية ونزعتها شبه المحافظة، وهكذا لم يحصل اليسار الهيكلي على الدعم الثوري الذي وجده الموسوعيون الفرنسيون في القرن الثامن عشر لدي البرجوازية الفرنسية، فقد كان عليها أن تظل حركة أيدلوجية بصورة أساسية” كورنو، أوگست.كارل ماركس وفرد ريك أنجلس”

شكل (اليسار الهيگلي ) وهو اتجاه لدى البرجوازية الصغيرة الألمانية ذات الاتجاه الخاص كما اشرنا سابقا (أساتذة جامعة ) حلقة من ذلك الاتجاه الفكري النظري الذي يعُول عليه، وعلى كونه مجرد إدراك ونقد الواقع، مما سيكون الحاصل حتما إحداث تغيره بمجرد نضوج العامل الذاتي (الوعي) والعامل الموضوعي (الاستغلال الرأسمالي)، وكما قيل حتى تنضج التفاحة يصبح من اليسر قطفها.

ولقد أدى هذا الاتجاه إلى انهيار (اليسار الهيگلي) لأنه لم ينظر إلى العلاقة بين الفكر والواقع وضرورة التأثر والتأثير المقابل كعامل مهم في الصيرورة التاريخية، كما انه لم يدرك وقتئذ بان القوة المادية لا يمكن تغيرها إلا بالقوة المادية. وهذه ستكون مهمة كارل ماركس بعد إن ينفصل نهائيا عن أطريحات (اليسار الهيگلي) ويتوصل إلى فهم جديد للصيرورة التاريخية وهي المادية الديالكتيكية.

ولهذا السبب لم يدافع كارل ماركس عن أطروحته للدكتوراه مباشرة امام الأساتذة، لأنه توصل إلى مفهوم جديد للعلاقات الاجتماعية تتعارض مع أطروحته الهيگلية. من الخطأ فهم هذا التحول الجديد لدى ماركس على اساس نظرية تطور الغكر الماركسي الذي مر بمراحل، من الرومانسية الأدبية إلى الهيڴلية ثم (اليسار الهيڴلي) وبعد ذلك المادية الديالكتيكية، لأن التطور يحدث بالمادة ويحتاج إلى وضع الخطط (تطور الخدمات أو تطور الآلات الصناعية)، في حين أن التقدم أو التحول العقلي يتبع تطور المجتمع المادي، لأن نمط الحياة البشرية هو الذي يحدد الوعي، لكن قليل من الناس يدركون هذه المقولة ويطبقونها على الواقع، وضمن هذا النمط يمكن فهم مقولة ماركس (الدين افيون الشعوب) عندما كان بالمرحلة النقدية(اليسار الهيڴلي)، وان مفهومه الجديد للعالم يعتبر نسخاً لما تقدم.

نشر ماركس في ” دويتشه –فرانزوسيش ياربشر ” مساهمتين: “مقدمة لنقد فلسفة الحق عند هيڴل”، وملاحظات عن كتابين في المسألة اليهودية اصدرهما برونو باور. وعلى الرغم من اختلاف المساهمتين اختلافا بيناً في موضوعيهما، إلا أنهما كانتا مرتبطتين ارتباطا وثيقاَ في محتواهما الأيدلوجي. وفيما بعد لخص ماركس نقده لفلسفة الحق لدي هيڴل بالقول، أن مفتاح فهم التطور التاريخي يكمن في دراسة المجتمع، الذي يحتقره هيڴل، وليس في دراسة الدولة التي يمجدها. وفي المساهمة الثانية يعالج ماركس وجهة النظر هذه بقدر اكبر من التفصيل الذي عالجها في المساهمة الأولى” (فرانس مهرينڴ، كارل ماركس)

مع ملاحظة مهمة، وهو أن المجتمع الذي يحتقره هيڴل هو المجتمع المدني – الذي في حقيقته هو تجمع اثنيات وطوائف- والخالي من الوحدة الروحية المتماسكة، روح الشعب، اما الدولة التي يمجدها هيڴل فهي دولة الشعب الحيوي الواحد الموحد وليست دولة التجمعات الاثنية والدينية والطائفية الممزقة عملياً بحروبها المتسترة تارة أو العلنية تارة أخرى.

لقد ساعد ابتعاد ماركس من ألمانيا 1844 ولجوئه إلى فرنسا، على الاتصال بالحركات الثورية الفرنسية والتي ساعدته إضافة إلى الواقع الفرنسي وقتئذ إلى فهم جديد للصيرورة التاريخية، فكان ذلك الأبعاد بمثابة هدية لا تقدر بثمنK ونحن نعتقد بأنه لو تسنى لماركس المكوث كلياً في ألمانيا وبجوها الثقافي حينذاك لإنتهى إلى فيلسوف ليبرالي تقدمي.

كما إن حركة(اليسار الهيگلي) كانت مصونة ومحمية ومرحب بها من قبل الدولة الروسية وكان إتباع هيگل (اليسار الهيگلي) يتبؤون أهم المناصب في الجامعات الألمانية وكان هناك نوع من التحالف بين الدولة و(اليسار الهيگلي). ” هذه الفلسفة كانت تتمتع حينئذ برضى الحكومة البروسية، وقد أصبحت الفلسفة الرسمية للدولة، وكان التنشتاين Altenstein (وهو موظف هيگلي )وزير التعليم العام وشؤون العبادة، يشجع وصول الهيگلين إلى كراسي التعليم في الجامعات، وكان جميع هؤلاء الدكاترة في الفلسفة أو التاريخ أو اللاهوت أنصارا متحمسين للفلسفة الهيگلية، التي كانت تبدو لهم أنها أعطت حلا نهائيا للقضايا الأساسية“. «روك، روغه، روج.” صراع الدولة البروسية مع الكنيسة الكاثوليكية، كورنو، أوكست كونت. حياة كارل ماركس وفريدريك أنجلس”.

لابد من الإشارة إلى إن سياسة التسامح التي كان يتمتع بها (اليسار الهيگلي ) إلى أواخر حكم گيوم الثالث، كانت تعبيرا عن دهاء ملكي ضمن صراع الملك گيوم الثالث مع بابا الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا حول مسألة (الزواج المختلط) يعني زواج البروتستانتي مع الكاثوليكية.. ولقد شغلت تلك القضية التي عرفت بقضية كولونيا الرأي العام الألماني ردحا من الزمن، فكان الملك يصر على إن أبناء الزواج المختلط هم بروتستانت بالضرورة، ولقد استخدم الملك (اليسار الهيگلي) لتقوية موقفه اتجاه الكاثوليك وتهديد البابا بحملات (اليسار الهيگلي) ضد الدين المسيحي الكاثوليكي.

ومن ثم بدأ الهجوم ضد (حوليات هال) وذلك بسبب ” نزاع نشب بين رئيس أساقفة كولونيا والحكومة البروسية ولأسباب حالات الزواج المختلط. ونظراً لأن الكاتب المونتاني المتطرف من أنصار البابا غٌورس قد اتخذ جانب الدفاع عن الكاثوليك الرينانيين، فقد تعرض لرد عنيف من قبل ه. ليو الأستاذ الجامعي في هال الذي اتهمه باستأناف السياسة القديمة المناصرة للبابا بشكل مطلق (guelf) ودعم مصالح البابا ضد مصالح ألمانيا” (كورنو. كارل ماركس) _ حوليات هال _ جريدة(اليسار الهيڴلي ) يحررها روڴ.

كما لعب برونو باور دوراً مهما في إبعاد ماركس عن نشر إي نقد للدولة البروسية،أملاً بأن تعطف علية الحكومة بتثبيت مركزه كأستاذ للفلسفة في بون.(عندما انتقل إلى بون استمر يراسل ماركس في برلين، واتفقا على إصدار مجلة تم الاتفاق على اسمها وهو:أرشيف الإلحاد: لكن باور تراجع بعد ذلك، وعندما شرع ماركس بنقد المحاولات التي كان يقوم بها الكاثوليك والبروتستانت للتوفيق بي الأيمان والعقل، كان ماركس يعتزم بادىء بدء مهاجمة(الهيڴليين الشيوخ )وبخاصة مارهينكة أستاذ الاهوت في برلين الذي كان معلم باور. لكن باور عارض ذلك واستجاب ماركس لنداءات باور في مراعاة اليمين الهيكلي وبجانب هذا جهد باور لتجنب نشر أي مطبوع لماركس ضد الدولة الروسية. )

لقد حيا برنو باور احد أهم رموز(اليسار الهيگلي) ارتقاء گيوم (غليوم) الرابع عرش الدولة البروسية التي كان (اليسار الهيگلي ) يعول عليها كثيرا بصراعهم ضد الكنيسة الكاثوليكية بعبارات تقريظية حيث قال: ” ساد الظلام الوعي البشري أكثر فأكثر، فاقدا الأيمان في ذاته، وبروح الأزمنة الحديثة وفي مصيره، ولقد تخلى الناس عن الأمل في الحرية وسعادة جديرة بالبشر… ولكن هاهو الربيع يخضوضر مجددا في القلوب، والرغبات المخنوقة منذ زمن طويل، والآمال شبه المنطفئة تستيقظ. والناس وهم يرفعون رؤوسهم، ينظر بعضهم إلى البعض بصراحة أكثر وبوضوح اكبر، ويستعيدون الاتصال فيما بينهم. كل شيء يبدو قد تحول، لم يعودوا هؤلاء الناس الذين كنا نلتقي بهم فها هو كل منهم يسير بمزيد من الاندفاع والبهجة، وينعكس فجر من الأمل على وجوه الجميع، ويشع التألق في العيون، وكأنما جميع القلوب تريد إن تتدفق في لحظة بجذل وسرور” برونو باور، صعود وسقوط الراديكالية الألمانية، 1842»الطبعة الثانية برلين 1850، ص، 5 ).

إن الدولة البروسية البروتستانتية كانت تدعي استيعاب (الروح البروتستانتية) لتفسير الدين المسيحي الذي يعني بالضرورة فصل الدين عن العقائد واستلهام الحرية، وضمن هذا التوجه (التحرري) انخرط (اليسار الهيگلي) بالدفاع عن الدولة البروسية البروتستانتية باعتبارها تجسيدا للحرية، مقابل الدوكماتيكية الكاثوليكية وكان هذا التوجه التحرري نتيجة للإصلاح اللوثري البروتستانتي الذي عرف باسم Aufklaerung عصر التنوير الألماني الذي يختلف جذريا عن عصر الأنوار في أوربا الغربية الذي كان هيگل يصفه بعصر الأنوار البائس(الذي كان يدعو للتوفيق بين الدين والعقل ويؤكد احترام الحرية الفردية)، فعصر الأنوار الألماني يعني (الإيمان بالله عن طريق العقل لا عن طريق الوحي والإلهام )، أو روح البروتستانتية المجردة من كل عقيدة دينية والمجسدة في فكرة الحرية. لقد كتب كوبين وهو احد أقطاب (اليسار الهيگلي) يقول: ” لقد آن الأوان تماماً لكي تتوقف الخطب التافهة ضد فلاسفة القرن الثامن عشر، وان يعترف حتى باستحقاقات فلسفة الأنوار الألمانية رغم طابعها الممل. والحقيقة أننا مدينون لها بالكثير، بنفس مقدار ما ندين به للوثر ولرجال الإصلاح الديني….. إن فلسفة الأنوار كانت بروميثيوس الذي حمل إلى الأرض القبس السماوي لكي ينير الطريق للعمى، للشعب، لتحريرهم من أفكارهم المسبقة وأخطائهم.” (كوبين:”فردريك الكبير) عن كورنو، ماركس وأنجلز.

هيجل ودفاعه عن العقل الإنساني:

كان هيگل من أكثر الفلاسفة الألمان الذين يدافعون عن قيمة العقل الإنساني وقابليته بادراك المطلق(الله ) وان العقل الإنساني لا يحتاج إلى واسطة لمعرفة الله، وهو بهذا الاتجاه أنكر النبوة والأنبياء كمرسلين من قبل الله وكان يعتبر المسيح احد الحكماء، واعتبر القصص التوراتية إعمال أدبية كما انه شكك بكثير من رواياتها، ورفض المعجزات. لكن هيگل يؤمن بالوحي الشخصي الذي يتعرف على حقيقة (المطلق –الله)بصورة فردية عن طريق التأمل الفلسفي الذي ينقل الإنسان من درجة إلى أخرى، حتى يصل إلى إدراك المطلق، عن طريق العقل. وهذه الطريقة تتعارض مع التصوف، لأن هيگل يعارض تماماً الانعزال عن الواقع، وهو ضد طلب السعادة والراحة النفسية برفض المجتمع. وعلى هذا الأساس فلقد انتقد الرواقية والأبيقورية واعتبرهما فلسفة للبؤس، التي تعبر عن حالة الإمبراطورية الرومانية التي قتلت كل ما هو جميل في الحضارة اليونانية.

وقارن في كتابه (حياة المسيح) الذي يعتبر السيد المسيح حكيماً، بين الديانة الشعبية اليونانية المرحة والديانة المسيحية الحزينة التي أنهكتها الطقوس المملة والقرابين المقدسة، والثياب السوداء. اعتبر هيگل كافة الأناجيل أنتاجات أدبية. تخرج هيكل في عام 1793 من معهد ألاهوت البروتستانتي في توبنگن، وكان من المفروض أن يصبح راعيًا رسولياً، لكنه عدل عن ذلك لأسباب فلسفية، وليس كما قيل انه أتبع نصيحة مرؤوسيه بعدم قدرته على الخطابة والوعظ. أن السبب الرئيسي لعزوف هيگل عن متابعة دراسة ألاهوت، هو توصله إلى مفهوم جديد للواقع ومن ضمنه الدين، وهو المفهوم العقلي الذي سيشيد عليه هيگل كامل نظامه الفلسفي.

كما أن مهنة (مُؤدب) التي مارسها هيگل في ببرن وفرانكفورت بين أعوام 1893-1800) تدل على مقدرته على التعليم والإقناع، عكس ما ذهب إليه أساتذة ألاهوت، وفي تلك الفترة انتقل من ألاهوت إلى العلوم ومحولا اهتماماته للتاريخ والسياسة. ففي برن وقع هيگل أسيرا لكانت وللعقليين من فلاسفة القرن الثامن عشر، وكتب وهو تحت تأثيرهم مقالات لم تعرف حتى نشرها (نول Nohl ) عام 1907 منها “وضعية الديانة المسيحية” و”حياة يسوع”. وقد هاجم في هذه المقالات الكنيسة بعنف مفسراً الأسباب التي حولت الديانة المسيحية إلى ديانة تثقل ظهرها بالسنن والشرائع حتى غدت ديانة حزينة معتمة إذا ما قورنت بديانة اليونانيين القدماء.

فمثلاً إن ” الأعياد الشعبية عند اليونان كانت كلها أعياد ًدينية… أما معظم أعيادنا العامة، فأن الفرد يتقدم للمشاركة في القربان المقدس في ثياب الحداد ليلاً مكسور الخاطر…. بينما الإغريق بما هبتهم الطبيعة من مواهب يضعون أكاليل الزهور ويرتدون ملابس زاهية، وهو يقارن بين سقراط والسيد المسيح فيقول مفظلاً الفيلسوف الأثيني: “بالطبع لم يسمع إنسان قط إن سقراط ألقى عظاته من منصة الخطابة أو من فوق جبل، وكيف كان يمكن لسقراط إن يلقي عظات في بلاد اليونان… انه لم يستهدف إلا تنوير الأذهان فحسب، ولهذا لم يكن عدد أصدقائه محدداً! ربما كانوا ثلاثة عشر صديقاً أو أربعة عشر لكنه كان يرحب ببقية الناس كأصدقاء سواء بسواء، فلم يكن رئيساً عليهم يستمدون منه الحكمة كما يستمد أعضاء الجسد من الرأس عصارة الحياة، ولم يفكر إن ينظم جماعة تكون له حرس شرف! بزي واحد وتدريب واحد، وشعار واحد، جماعة ذات روح واحدة تحمل اسمه إلى الأبد، بل كان لكل تلميذ من تلامذته هو نفسه أستاذا… وكثيرون منهم انشأوا مدارس خاصة ينشرون فيها تعاليمهم، كثيرون غيرهم كانوا قواداً عظاماً وساسة وإبطالا من كل حزب… ولم يدع لواحد منهم مبرراً إن يسأل، كيف… أليس هذا ابن (سفروفيسكس ) أنى له كل هذه الحكمة التي يتجرأ ويعلمنا إياها)… ولم يحاول قط إن يضايق أحدا أو أن يفاخر بما له من أهمية أو أن يستخدم عبارات رنانة غامضة من ذلك النوع الذي لا يؤثر إلا في الجهلاء والسذج(إمام عبد الفتاح إمام ). وهيگل في نقده الدين (الدوگماتي)لا يرى في المسيح إلها تأنس بقدر ما يرى فيه إنسانا تأله. وما الدين في نظره إلا “الإنسان المرتفع عن الحياة المتناهية إلى الحياة الامتناهية” (گارودي..كارل ماركس. ص 119، ت، طرابيشي)

وهيگل لا يتستر بتاتاً على أحد المصادر الرئيسية لفلسفته… وهو الدين المسيحي بنموذجه اللوثري. “فبحسب هذا الدين وفي مبدئه، الله موجود في البدء ككائن روحي محض ثم قام بخلق العالم بما فيه الإنسان، ثم أخيرا أرسل ابنه إلى هذا العالم ككائن طبيعي في البدء لكي يجعله روحانياً ولافتداء المخلوق البشري الذي كان في غضون ذلك قد ضل عن خالقه. على هذا المخطط المعدل قليلا والمعلمن ظاهرياً يشيد النظام الهيگلي نفسه ف”الله” فيه يصبح “الفكرة المطلقة والكلية، إنما غير الواعية بذاتها في البداية”. وعليه من الممكن دراسة الفكرة في نشاطها المحض، وهي حينذاك “كفكر الله قبل الخلق”إذا جاز القول، وهذا موضوع علم المنطق” ثم تأتي إمكانية متابعة النتائج المترتبة عن “القرار”الذي تأخذه الفكرة لتتحول إلى طبيعة “أي لتغدو ما هو أكثر خارجيا وغريبا عليها. وهي عند ذلك وبشكل ما:كالعالم بعد الخلق الإلهي”، وهذا موضوع “فلسفة الطبيعة” وأخيرا نستطيع تحليل تاريخ استعادة وإعادة استبطان هذا العالم الخارجي الطبيعي. فالمفهوم، المتجسد في الإنسان، يسترجع الطبيعة ويردها إلى الفكرة التي بفضل هذه الصيرورة تصبح موضوعاً وتتحقق كعقل، وعندئذ نحن بشأن المصير العقلي للعالم، وهذا موضوع “فلسفة الروح” (جاك دونت.هيگل والفلسفة الهيگلية، ترجمة، حسين هنداوي )

مفهوم هيجل عن الدولة (البروسية البروتستانتية): ومجاهدة اليسار الهيجلي

سنركز بحثنا هنا على مفهوم هيگل للدولة وبصورة خاصة الدولة البروسية البروتستانتية، والذي فهم خطأ، فقد شاع في بعض الأوساط أن هيگل مجد الدولة الألمانية وأعتبرها نهاية المطاف والدولة الكاملة وأوقف حركة التاريخ. في حين أن موقف هيگل من الدولة(في لحظة وجودها دولة ﮔيوم الثالث) يقوم على أساس أنها تجسد روح الشعب (الشعب الحيوي)، وتجسد روح البروتستانتية التي تعانق الحرية. والدولة لا توجد إلا بوجود القوانين واحترامها، فبدون احترام القوانين لا توجد دولة، (كان هيگل يرى أن الدولة(وهي تجسيد للفكرة المطلقة) تنشى نظاماً عقلانياً في المجتمع وفي الحياة السياسية، وهي تحافظ على النظام. والمجتمع _في نظر هيگل_ تنبع أصوله من “الدولة” والدولة السياسية_ في رأيه_ هي أسمى من الناس الخاضعين لها)، وكان يعتبر شرفاً رفيعاً انتماء فرد وعيشة داخل دولة: ” أن الدولة الواقعية، المكونة تاريخياً، هي الدولة بكونها روح شعب ما. وهذا المفهوم لروح شعب ما (Volksgeist) هو مركزي في الفلسفة الهيگلية للتاريخ والذي بموجبه تأخذ الروح، تاريخياً، بصورة عبر الوجود التاريخي للشعوب التي تضفي عليها الروح بذلك الروح الخاصة بالشعوب وهي ليست الروح الذاتية لإفراد ولا الروح الشمولية كما تتم في مجموع العالم وتاريخه” (جان بيار لوفيفر،بيارماشيري، هيگل والمجتمع، ت، منصور القاضي)

وكذلك نلحظ في هذا الصدد هيكل قد أفاد قائلاً: إنه ” لا يمكن لحق الإرادة الفردية أن يجعل نفسه معترفاً به إلا بالخضوع إلى قضاء الروح الشمولية ” (المصدر السابق) (مع العلم بأن هيگل صرح قبل ذلك أثناء تشتت ألمانيا إلى دويلات، بأن ألمانيا لست دولة) وأن الأسرة تؤلف الوحدة الأولى في تكوين الدولة. فالدولة البروسة في زمن هيگل تمثل تجسيداً لروح الشعب الألماني الذي اعتنق المسيحية بنموذجها اللوثري ذا الطابع التحرري، وهنا يكمن سر تأيد (اليسار الهيگلي ) للدولة البروسية في ذلك الزمن. وهذا المفهوم للدولة ينطبق على كل الأنظمة السياسية التي تفتخر بنماذجها، وتعتبرها الأفضل حتى في هذا الزمن. وهيگل بمفهومه هذا حول الدولة لم يوقف حركة التاريخ كما تصور بعض الباحثين، لأنه تحدث عن دولة في لحظة محددة، لقد وجد هيڴل بالدولة البروسية الواقع المادي لمفهومه الفلسفي، ولقد وجدت الدولة البروسية بالفكر الهيڴلي واقعها الفكري، كما وجد ماركس بالطبقة العاملة سندة المادي، وجدت الطبقة العاملة بالفكر الماركسي سندها النظري، وهنا تكمن روعة الديالكتيك المادي، أو المثالي.

لقد عارض هيگل روسو بناءاً على مفهوم العقد الاجتماعي، الذي يخص بنظر هيگل (المجتمع المدني) وليس الدولة. حيث إن الدولة هي روح شعب، وليس تجميع مكونات مختلفة الأثينيات فأن مثل هذا التجمع لا يعبر عن دولة (روح شعب معين) بل أنه خليط من الأرواح، وبالتالي لا يمكن أن تنسجم الإرادات والمصالح ويفتقد مفهوم التضامن، حيث تسعى كل قومية إلى تأمين مصالحها، ولو على حساب الآخرين، ويؤدي ذلك إلى فشل مشروع الدولة الحقيقي وربما يؤدي إلى صراعات دموية.

ولعل من النافع أن ننظر إلى درجة التقارب بين (اليسار الهيگلي ) وبين فكر فيخته حول مفهوم واجب الوجود، الذي يتلاءم بما سيطرحه(اليسار الهيگلي )، في موضوع فلسفة المستقبل –فلسفة العمل- التي جاهد (الهيگليون الشباب) للتبشير بها والعمل على تطويرها، والتي تتعارض جوهرياً مع المفهوم الفلسفي الهيگلي الذي اقتصر بدراسته للتاريخ باكتشاف القوانين التي تكشف الماضي والحاضر، دون الخوض في المستقبل، لان الفلسفة لايمكن أن تقفز فوق عصرها ولا يمكن للفيلسوف أن يتخطى زمانه. ويقودنا هذا المفهوم إلى تقييم المادية التاريخية، بصواب نظريتها حول مفهوم الصراع الطبقي في الماضي والحاضر، وصعوبة وخطأ حتمية ما طرحته للمستقبل، الوصول إلى الشيوعية مرورا بالاشتراكية.

أن هيگل، لكي يعطي التطور التاريخي طابع تطور منطقي (ديالكتيكي) يحصر صيرورة التاريخ الإنساني بصيرورة الروح(التي لاتنفك عن الواقع بالمفهوم الهيگلي). ولتحقيق ذلك يضع هيگل بمثابة مبدأ أساسي لتطور العالم فكرة الحرية متصورة في شكل تحرر تدريجي(أن تاريخ العالم يشكله التقدم في وعي الحرية)، الأمر الذي يتيح له أن يقيم نوعاً من التوازن بين عملية تطور تحرر الروح، وعملية تطور تحرر البشرية، التي تصل تدريجياً إلى وعي ذاتها لتحقيقها جوهرياً وهو الحرية: ” أن حركة التاريخ هذه هي حركة تحرر الماهية الروحية، وهي العمل الذي تتحقق به نهاية العالم المطلقة، والذي ترفع به الروح، التي لأتكون فيه موجودة في البدء إلا في ذاتها، إلى الوعي ثم إلى وعي ألذات، وتصبح بكشفها عن جوهره وتحقيقه لهذا الجوهر ولهذه الروح الملموسة، روح العالم.(الوعي بذاته، الوعي لذاته، وعي المطلق ) ونظرا لان هذا التطور يحدث في الزمن وفي العالم، وفي التاريخ بسبب ذلك، فأن مختلف لحظاته ودرجاته تتشكل بروح الشعوب الكبيرة التي كُتب على كل شعب منها بسبب طبيعته النوعية أن لا ينجز سوى جزء من هذا العمل الكلي”. هيگل “فلسفة التاريخ”ج 7 ص.421 (كورنو، كارل ماركس)

موقف هيجل من الدين وعلاقته بالفلسفة:

لقد جاهد هيگل في كتابه”فلسفة الدين” على رد الأيمان إلى العقل، ورد الدين إلى الفلسفة مع تبرير الدين من وجهة نظر عقلانية، هذا الدين العقلي الذي كان يرى فيه تعبير عن المسيحية واتجاهها البروتستانتي وطابعها اللوثري التحرري. ونحس إنه من اللازم التطرق إلى موقف هيگل من الدين وعلاقة بالفلسفة، فلقد فهم وفسر خطأ موقف هيگل ذلك على أساس إن هيگل يماثل بين الدين الدوكماتيكي والفلسفة عندما قال: ” لذا فالفلسفة دين محتوى وهدف واهتمام مشتركة… وعلى هذا الأساس، فالدين والفلسفة لا يشكلان سوى شيء واحد، إذ إن الفلسفة هي بحد ذاتها خدمة إلهية… لذا فالفلسفة متماثلة مع الدين، والفارق الوحيد هو أن الفلسفة تخدم الله بطريقة خاصة… وإنما يكمن الفارق بين الفلسفة والدين في طريقة خدمة الله”.

« La philosophie et la religion ont un contenu، un but et un Intérêt commun، la vérité éternelles considérait dans son objectivité، c’est-à-dire Dieu، Dieu Seul est son explication. En expliquant, la religion et en développant le contenu، la Philosophie s’explique elle-même، de même qu’en s’expliquant-quant، elle explique la religion….De ce fait la religion et la philosophie ne font qu’un، la philosophie étant elle-même un service divin. La philosophie aussi ainsi identique la religion، la seule différence est qu’elle sert Dieu d’une manière particulière.C’est dans leur manière particulière de servir Dieu que reside leur difference, »

أن هيگل يتحدث عن دين عقلي، هو البروتستانتيه، بنموذجها اللوثري أو بالضبط يتحدث عن (روح البروتستانتية المجردة من كل عقيدة دينية والمجسدة في فكرة الحرية). وليس عن البروتستانتية الدوكماتيكية. وهذا ما وضحه أنجلس عندما قال: ” ومما له دلالته أن البروتستانت تفوقوا الكاثوليك في قمع حرية دراسة الطبيعة. فقد احرق كلفين سرفيت عندما أوشك هذا الأخير أن يكشف الدورة الدموية، ناهيك بأنه اجبر على حرقه حيا طيلة ساعتين، أما محاكم التفتيش فقد اكتفت على الأقل بمجرد إحراق جوردانو برونو”. (أنجلس، جدليات الطبيعة). وهو لا يتحدث كذلك عن دين دوكماتيكي كاثوليكي، مشبع بالمعتقدات والطقوس والعبادات، كما تدعي الديانة المسيحية الكاثوليكية. لكن هيگل لا ينفي الوحي، وهو لديه وحي تصاعدي ووحي تنازلي. فالإنسان يستطيع عن طريق الوحي الوصول إلى معرفة الله، بدون الحاجة إلى واسطة تقوم بها (الكنيسة).

وهو بهذا المفهوم ربط بين الدين العقلي والفلسفة ربطاً موثوقا حيث يمكن الحديث عن تماثل عقلي بين الاثنين أو تفسير الدين فلسفياً. وهو لا يكذب الأنبياء باعتبار الوحي الذي يتحدثون عنه له مصدر الهي، وهم توصلوا إلى هذه الدرجة من الوعي وأدراك حقيقة الله، باعتبارهم صنف من البشر يختلف عن الآخرين. وما حقيقة أصحاب النظريات الاجتماعية والسياسية(المنظرون أو الشعراء ) إلا أصحاب وحي من نوع خاص. ومع ذلك فأن هيگل لا ينكر الدين المتعارف علية لدي الجمهور، الدين الرمزي (دين السواد الأعظم ) لإشاعة الأخلاق، لكن يفرق بينه وبين الدين الفلسفي الذي هو من اختصاص الفلاسفة، أو (الراسخون بالعلم). هذا الفهم العقلي ألتأملي للعلاقة بين الدين العقلي الذي يتحدث عنه هيگل، والفلسفة ينم عن إدراك عميق لقدرة وفعالية العقل لإدراك المطلق وهو الله أو الروح، التي تجلت تاريخيا في المظاهر المتعددة للفعاليات الإنسانية، بدرجات مختلفة من الوعي الفردي والجماعي. والروح الإنسانية التي تعبر عن نفسها عن طريق الدين بمختلف أشكاله وانواعة والفلسفة التأملية، إنما يلتقيان في النهاية ضمن هدف محدد هو خدمة الله، بأشكال مختلفة بواسطة تطوير محتوى الدين وتفسيره فلسفيا أي تفسيرا عقلياً.

إن تطوير الدين الذي يتكلم عنه هيگل يعني هو ارتقاء العقل البشري من الدرجات السفلى إلى القمة عن طريق الفلسفة التأملية، ” (هيگل، دروس حول فلسفة الدين” (جاك دونت).هذا المفهوم العقلي للدين لدي هيگل لم يفهم سابقاً ولا لاحقاً، حيث اعتبر هيگل مدافعاً عن الدين التقليدي كما جاء بالكتاب المقدس والمكمل بالطقوس الدينية المتعددة. كان هيگل يدافع عن دين عقلي، إي أن الإنسان (الحر والمالك لإرادة) يستطيع عن طريق العقل والتأمل بالوصول وأدراك حقيقة الله دون الاستعانة بواسطة مثل الكنيسة أو البابا: ” وقد أعلن عن عدائه للكثلكة بكثير من الشدة.وفي يوم من الأيام شاهد هيڴل امام كاتدرائية كولون Cologne معرضاً لبيع اقونات فخاطب كوزان (فيكتور) بغيظ قائلاً: ها هي عقيدتكم الكاثوليكية، وما تعرضه امامنا من مشاهد، أأموت قبل أن أرى انهيار ذلك كله؟” (أندريه كريسون – أميل بريه. هيڴل) هذه الحادثة تظهر جلياً بأن هيڴل كان ضد التشبه والتجسد، وهذا هو موقف البروتستانت عموماً، فلا تحتوي دور عبادتهم (الكنائس) على أي صورة.

وممكن الإشارة إلى أن هيگل لم يماثل بين الفلسفة والدين الدوكماتيكي،ولكنه ماثل بين الفلسفة والدين العقلي، وعليه فأن كافة الانتقادات التي وجهت إليه بهذا الصدد من قبل (اليسار أو اليمين الهيڴليين)، هي اتهامات باطلة، وتنم عن عدم فهم لفكر هيگل العقلي التأملي: “يميز هيگل بين نوعين من الخطاب متوافقين مع مستويين في إدراك المطلق: مستوى التعريف أو التقديم (Vorstellung) المتاح لعامة الناس ومستوى الفهم Begriff)) الذي يعلو إليه الفلاسفة وحدهم.وهكذا فالفلاسفة كما يقول هيگل، يشكلون صنفاً من «الكليروس”، فيما يرفض الفيلسوف على وجه التحديد في ما يدعوه بالدين، تميز أية فئة اكليروس، موضوعة فوق عامة البشر، مابينهم وبين الله”(جاك دونت، الهيگلية… ت، حسين هنداوي).

لقد جاهد هيگل في كتابه”فلسفة الدين” لرد الأيمان إلى العقل، ورد الدين إلى الفلسفة مع تبرير الدين من وجهة نظر عقلانية، هذا الدين العقلي الذي كان يرى فيه تعبير عن المسيحية واتجاهها البروتستانتي وطابعها اللوثري التحرري. ولا ننسى إظهار التقارب بين هيگل والإسماعيلية في موضوع الفهم والإدراك العقليين والتدرج في الفهم والوصول إلى المطلق. كما يمكن مقارنة هذا الفهم الفلسفي للدين لدى هيگل ومفهوم الإسماعيلية للدين فهم يقولون: وما الدين الحقيقي في نظرهم إلا ” إن يتوصل الإنسان بالتمرين المستمر والترقي من درجة إلى درجة إلى معرفة منازل الكون التي قطعتها العوالم (المسكونة)بعد إن انفصلت عن الله”. أي أن الفكر الواحد المطلق”(الغير المجسم) أو العقل الأول” أو النور الأعلى” المشع من نفسه في المنزلة الثانية العقل العام والنفس العلمية وهما اللذان يحدثان-بعد أن يتغيرا-العقول الإنسانية وعقول الأنبياء والأئمة وخيرة الناس “. آما سائر الناس فليس لهم عقول بل “أشباه العدم”إلا إذا انتقلوا إلى المنزلة الثانية بواسطة التنوير والتعليم”انظر الانسكلوبيديا الإسلامية. وعن التعليمية يراجع الشهرستاني والغزالي، بندلي جوزي، من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام.

تعرض هيگل بناءاً لما ذكر أعلاه (للفلسفة والدين محتوى وهدف واهتمام مشتركة) لهجمات من ألاهوتيين الاورثوذكس.ففي عام 1822 قام (هنريش1791-1861) أستاذ ألاهوت من وجهة نظر مسيحية ارثوذكية بنقدهيگل بكتابه(الدين من لله. علاقة بلله.) فقد أكد بأن الدين هو التعبير عن حقيقة أسمى من الحقيقة العقلانية، ذلك لان الدين يشكل التجلي الوحيد لله. أما شتراوس فقد ناهض عملية المماثلة بين الدين والفلسفة، مؤكداً على أنه لا يمكن رد المعتقدات الدينية إلى تصورات أو مفاهيم فلسفية دون إفساد عميق لطابع الدين ومحتواه. أعلن هيگل ” أن القصص التوراتية يجب أن ينظر إليها بالطريقة ذاتها التي ينظر بها إلى القصص الدنيوية، ذلك أنه ليست هناك علاقة بين الأيمان ومعرفة الأمور الحقيقة والعامة”. وكان هيگل يعتبر الأناجيل الأربعة أعمالا أدبية.

بين هيجل واليسار الهيجلي:

حقيقة لقد إستثمر دافيد شتراوس «كلمة المعلم على ظواهرها، وبنشاط واسع.فطالب بأن يخضع التاريخ ألتوراتي للنقد التاريخي المعتاد. ونفذ طلبه هذا في كتاب (حياة يسوع) الذي ظهر عام 1935 وأحدث ضجة بالغة. وفي هذا الكتاب التقط شتراوس خيوط حركة الاستنارة البرجوازية في القرن الثامن عشر، بينما كان هيگل قد تحدث عن(الاستنارة الزائفة) باحتقار بالغ. وقد مكنت شتراوس طريقته الجدلية من أن يخوض في المسألة ابعد مما فعل{ رايماروس}من قبله.ولم يعتبر شتراوس الدين المسيحي خدعة، كما لم يعتبر الحواريين مجموعة من الأوغاد، ولكنه فسر المكونات الخرافية لقصة الإنجيل بالمنتجات الواعية للمجتمعات المسيحية الأولى. واعتبر الكثير من (العهد الجديد) تقريرا تاريخياً بصدد حياة يسوع. كما اعتبر يسوع ذاته شخصية تاريخية، بينما افترض أساسا تاريخياً لكل الحوادث الأكثر أهمية التي يرد ذكرها في الكتاب المقدس(كورنو.كارل ماركس).

وبعكس هيگل، الذي يرى إمكانية إهمال الواقع التاريخي والقصص التوراتية والانجيلية والاحتفاظ بالمحتوى الرمزي فقط. عكس شتراوس الذي كان يعتبر إن هذه القصص تشكل جوهر الدين المسيحي ذاته، وكان يرى في الأناجيل لا رموزا فلسفة، بل أساطير كانت تعبر عن رغبات والمطامح العميقة للشعب اليهودي. (كورنو عن روك، المؤلفات الكاملة)

أما الخلاف الأخر (المشكلة) بين هيگل و(اليسار الهيگلي) التي كانت تواجه الشباب (الهيگليين) هو تكييف الهيگلية مع الليبرالية، إي إزالة التناقض المتضمن في فلسفة هيگل بين التطور الديالكتيكي الذي يستلزم تقدماً متواصلاً وبين المذهب السياسي(المحافظ)، بفصل الطريقة الدياكتيكية عن المذهب ومدّ حركة الفكرة الديلكتيكية في المستقبل، هذه الحركة التي أوقفها هيگل عند الحاضر كما تصوروا!!!.

أن هيگل في رغبته المزدوجة في تبرير الحاضر ومكافحة الدوغمائية والطوبائية قد قصر تطبيق الديالكتيك على تفسير الماضي والحاضر، وحظر على الفلسفة التأمل في المستقبل. وقد قال في مقدمته لكتاب “فلسفة الحقوق”: ” أن طائر مينرفا لا ينهض إلا عند هبوط الليل” وهو يقصد بذلك أن على الفلسفة إن تقتصر على فهم ماهر كائن، وعلى تسجيل عمل العقل كما يتجسد في التاريخ، وانه ليس على الفلسفة إن تستبق سير الفكرة بإخضاعها تطور التاريخ إلى مثل أعلى متخيل: ” نظراً لأن الفلسفة هي دراسة العقلاني فأن عليها أن تلتقط ما هو حاضر وحقيقي، وليس إن تطرح مثلا اعلي لا يدري سوى الله أين هو… أن مهمة الفيلسوف هي فهم ما هو كائن، إذ إن هذا هو الذي يشكل العقل. من العبث أيضا إن نتصور إن فلسفة ما تستطيع إن تتجاوز عصرها وان نعتقد إن شخصا ما يستطيع إن يقفز فوق زمنه… فإذا ما تجاوزت نظريته هذا الزمن وإذا ما بنى عالما كما ينبغي إن يكون، فهذا العالم يكون موجوداً حقاً، ولكن في فكر هذا الرجل، إي في عنصر مرن قابل للتغيير والتبديل بل قابل لجميع أهواء وتصورات الخيال” (هيگل:” فلسفة الحق “. المؤلفات الكاملة، شتوتغارت 1828 )

أن تجزئة الفكر الهيگلي من قبل (اليسار الهيگلي) إلى نوعين مختلفين (نظام رجعي وديالكتيك تقدمي) هو الذي أدى بهم إلى عدم فهم هيگل وبالتالي إلى اقتصار اقتباساتهم الهيگلية على الديلكتيك، وبالضبط الديالكتيك التقدمي، معتقدين انه نظراً لكون تطور الأفكار يحدد تطور الواقع، فأنه يكفي أن تستبعد من النظرية العناصر ألاعقلانية المدرجة في الواقع حتى يمكن إعطاء مسيرة التاريخ طابعاً عقلانياً. وكانوا يستخلصون من ذلك فلسفة جديدة، هي فلسفة العمل الثوري. هذا التحول الثوري أو الفهم الجديد لديلكتيك هيگل وجد أول تعبير له في كتاب ” مقدمات التاريخ” (1838) بقلم. فون سيازكوفسكي. وقد دعا إلى تبديل فلسفةهيگل التأملية بفلسفة (العمل) الثورية. كان يؤكد بعكس هيگل أن الفلسفة لا ينبغي لها أن تقتصر على استخلاص قوانين التاريخ من الماضي بل عليها أن تستند إلى هذه القوانين لأجل تطوير العالم. ولقد جاء في كتابه:” أن تاريخ العالم، حسب تفكيرهيگل الأساسي، يعبر عن تطور الفكرة والروح. وحتى الآن لم يفعل التاريخ ذلك بصورة غير كاملة، ذلك لأنه لم يكن من عمل البشر الواعي ولا من إرادتهم العقلانية” ويقول ” لكننا على عتبة مرحلة جديدة انفتحت مع هيگل حيث يحدد الإنسان مسيرة التاريخ العقلانية”

لقد كان فضل هيگل هو انه استخلص من الماضي قوانين التطور التاريخي، ولكن نقصه هو إلنظر الى النشاط البشري في شكل فكر وليس إرادة، كما انه قصر تطبيق هذه القوانين على تفسير الماضي.(الفكرة لدى هيڴل لا تنفك أبدا عن الواقع، وهي باتحادها مع الواقع تولد فكرة جديدة). ولأجل تحويل العالم يجب الاستناد إلى هذه القوانين، وأن تستخلص من الماضي والحاضر خطوط عامة للمستقبل لضبط النشاط البشري بصورة عقلانية، وضبط سير التاريخ على أساس ذلك. وكان أ. فون سيازكوفسكي يريد أن يحل محل الفلسفة الهيگلية عديمة التأثير على المصائر البشرية، فلسفة للنشاط الإنساني، للبراكسيس (وهنا يظهر لأول مرة هذا المفهوم الذي استعاده كارل ماركس فيما بعد) فلسفة من شأنها إن تتيح لإنسان توجيه مصيره. ” أن هيگل لم يذكر أبدا المستقبل في مؤلفاته، معتبراً إن الفلسفة لا يمكن أن تطبق إلا على دراسة الماضي وأن عليها أن تترك المستقبل كلياً خارج التأمل. أما نحن فنؤكد على العكس بأنه، بدون معرفة المستقبل بصفته لحظة من لحظات التاريخ تشكل تحقيق غايات الإنسان النهائية، لا يمكن التوصل إلى معرفة تاريخ العالم منظوراً إليه في كليته الروحية وفي تطوره العضوي العقلي.

وعلى هذا الأساس فأن القول بإمكانية التوصل إلى معرفة المستقبل هو شيء لا غنى عنه إذا أريد إعطاء تطور التاريخ طابعاً عضوياً”. أن تصبح فلسفة عملية أو بتعبير أفضل فلسفة للنشاط العملي، ل:براكسيس: تمارس تأثيراً مباشراً على الحياة الاجتماعية، وتطوير الحقيقة في مدان النشاط الحسي، ذلك هو الدور الذي سوف ينبغي أن تلعبه الفلسفة في المستقبل” سنظهر الخلاف بين هيگل واليسار الهيگلي في موضوعة الجدل (الديالكتيك)، الذي يصور هيگل على أساس ترابط العلاقة بين الواقع والفكرة، التي تنتج منها فكرة جديدة، لأكنها لا تنفك عن الواقع. أما ماركس فينظر إلى الجدل باعتباره العلاقة المتبادلة بين الواقع والفكرة، وهذه العلاقة هي علاقة تأثر وتأثير مستمرة. أما اليسار الهيگلي، فأنه ينظر إلى الديالكتيك على أساس الفكرة الجديدة التي تنتج من العلاقة بين الواقع والفكر، والتي يعول عليها في عملية تغير المجتمع (فلسفة الوعي الذاتي، أو فلسفة النقد). أما أنجلس فينظر إلى الجدل باعتباره حركة التغير والتناقض المستمرتين في الطبيعة والمجتمع.

ومن المهم الإشارة إلى أن ماركس قد أنفصل “عن ساحر الشباب الهيڴليين، في نقطة رئيسية من البدء، وكان بذلك أميناً لفكر هيڴل الأساسي. والواقع إن ماركس إذا كان يشاركهم إيمانهم في ضرورة تحديد سير التاريخ بواسطة الفلسفة الأنتقادية، بغية إعطائها طابعاً ومحتوى عقليين، إلا أنه كان يرفض منذ ذلك الحين أن يفصل الفكرة عن الواقع والتفكير عن الوجود، والوعي عن الماهية، وكان ينبذ تصورهم ألمفهومي حول القدرة المطلقة للروح في تحويل العالم وفق مشيئتها”. كان هذا التناقض في الرأي يتمثل في أن ماركس، “بعكس الشباب الهيڴلي الذين لم يكونوا يتوصلون، في جهدهم للتوجه نحو العمل، إلى تحقيق وحدة حقيقية بين النظرية والنشاط العملي، فاكتفوا على هذا الأساس بانتقاد نظري بحت، كان يريد، مدفوعاً بمشاعره لا اللبريالية فحسب، بل الديمقراطية العميقة، أن يعمل ويناضل حقاً وصدقاً، ويؤثر بصورة فعالة على العالم بغية تطويره، مما كان من شأنه أن يدفعه إلى تغيير طابع الفلسفة الانتقادية تغيراً عميقاً، هذه الفلسفة التي كانت تتخذ كأساس لنشاط اليسار الهيڴلي” (كورنو. كاركس)

ولعل سبب الخلافات بين هيكل وكل من فيورباخ وماركس حول موضوع الاغتراب، يعود إلى إن الاغتراب لدي هيكل هو تموضع الروح في الطبيعة أو أن الطبيعة عبارة عن اغتراب الروح، أما الاغتراب لدي فيورباخ فأن يقتصر على اغتراب الفرد المسيحي الكاثوليكي في النظام الرأسمالي الأوربي، إما الاغتراب الماركسي فهو بصورة عامة اغتراب الفرد بالبضاعة.

تعقيب:

بعد هذه الرحلة الفلسفية مع فكر هيكل ونشاطات ما سمي باليسار الهيكلي، يمكن القول أن ما عرف بصورة عامة وغامضة، بل ومتناقضة بعض الأحيان عما عرففي تاريخ الثقافة الألماني خاصة والأوربية عامة (باليسار الهيڴلي)، فهم في حقيقة الأمر، مجرد مجموعة من المثقفين الليبراليين المتنورين، الذين لم يزد عددهم عن ثلاثة مائة مشترك سبارتاكسي في(حوليات هال) وحسب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلدالأول / العدد الأول / شتاء 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

جوتلوب فريجه: فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

لندن – اونتاريو – كندا

تقديم:

قبل اربعين عاما وبالتحديد عام 1970، قرأ الدكتور محمد جلوب الفرحان (يومها كان طالبا في الصف الرابع – قسم الفلسفة)، ما توفر في مكتبة كلية الاداب – جامعة بغداد، عن رائد الفلسفة التحليلية وعالم المنطق الرياضي وفيلسوف اللغة جوتلوب فريجه (1925 – 1848). وكان واحدا من اهم الابحاث التي تناولت منطق فريجه، بحث بعنوان ” منطق اللغة ” الذي كتبه استاذي الدكتور ياسين خليل طيب الله ثراه، ونشرته مجلة كلية الاداب – جامعة بغداد عام 1962، بعيد عودته من المانيا حيث اكمل الدكتوراه في المنطق هناك. ومن ثم توافر في المكتبة كتاب الدكتور ياسين خليل ” مقدمة في الفلسفة المعاصرة ” الذي ساعدت على نشره كلية الاداب (طبع في بيروت 1970) وكان يومها الدكتور ياسين خليل يعمل استاذا لتدريس المنطق وفلسفة العلوم في ليبيا. وقد تناول في جزء مهم من كتابه هذا، جوانب من منطق وفلسفة اللغة عند فريجه. وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في دار الفلسفة العراقية والعربية.

ومن ثم تعمقت علاقة الدكتور محمد جلوب الفرحان بعالم المنطق الرياضي فريجه، وذلك عندما بدأ دراسته للماجستير. ففي العام 1973، وفي الفصل الاول من السنة التحضيرية (وفي مادة فلسفة العلوم) طلب الدكتور ياسين خليل من تلميذه محمد جلوب الفرحان،(وهو الطالب الوحيد الدي اختار هذه المادة التي يدرسها المرحوم ياسين خليل ولفصلين دراسيين) ان يقدم سيمينارا، وقد اختار له العنوان الاتي: ” النزعة الرياضية في المنطق: جوتلوب فريجه وبرتراند رسل انموذجا “. وقد استثمر الدكتور محمد جلوب الفرحان من المادة العلمية التي وفرها هذا السيمينار، ومناقشات الاستاذ المرحوم ياسين خليل، في اختيار موضوع رسالته للماجستير، وكذلك استثمر رمزية فريجه في كتابة رسالته للماجستير، وخصوصا في عرض منطق ارسطو. وبالتحديد الاشكال المنطقية وضروبها، والتي تم انجازها في شتاء 1976 ومناقشتها في صيف 1976.

وبعد انجاز القسم الاول من رسالتي للماجسير، والذي كان بعنوان: الاصول الفكرية في نظرية ارسطو المنطقية، والذي ضم فصلين: الاول كان بعنوان: الفلسفة الرياضية قبل ارسطو (والذي درسنا فيه اضافات الفيثاغورية في علم الحساب والهندسة، وأثر بارمنيدس وزينون خصوصا في قانوني الذاتية وعدم التناقض، والبرهان غير المباشر). والثاني كان بعنوان: محاولة افلاطون لوضع اسس العلم البرهاني (والذي بحثنا فيه الحساب الفلسفي والهندسة الفلسفية والاستدلال الرياضي..). شعرت يومها ان فريجه كان قارئا جيدا للفيثاغورية والمدرسة الايلية(خصوصا بارمنيدس وزينون) وفلسفة افلاطون الرياضية، وبالتحديد في كتابي فريجه: القوانين الاساسية لعلم الحساب واسس علم الحساب.

كما ان قارئ الفصول الاربعة من القسم الثاني، التي كتبناها في رسالتنا للماجستير “تحليل ارسطو للعلم البرهاني “، وهي على التوالي: البرهان في علم المنطق، البرهان في الحساب والبرهان في الهندسة والبناء المنطقي للعلوم البرهانية. اضافة الى البحث الذي كتبناه والذي كان بعنوان: الاثر المنطقي لارسطو على هندسة أقليدس، والذي نشرته مجلة اداب الرافدين (تصدرعن كلية الاداب – جامعة الموصل – 1978). نقول ان قارئ هذه الفصول يدرك بشكل واضح ان فريجه قد استبطن الشئ الكثير من ارسطو ومنطقيته وفلسفته الرياضية، ومن اقليدس وفلسفته الهندسية والعددية

وهنا أجد من المفيد ان أشير الى ان واحدا من معاصري فريجه، وزميله في جامعة جوتنكن، وفي كلية الرياضيات بالتحديد، هو مورتز كانتور الذي اشتغل لفترة طويلة على تاريخ الرياضيات، والذي تتوج عمله بنشر كتابه الموسوعي المعنون: التاريخ الشامل للرياضيات، وهو تلميذ البروفسور كاوس الذي سيعتمد فريجه على عمله في كتابة اطروحته للدكتوراه. ولكل هذا نحسب ان كتابات امير الرياضيات كاوس والمجلدات الاربعة في تاريخ الرياضيات التي كتبها تلميذه كانتور، كانت من مصادر فريجه التي مكنته من الاطلاع على الفلسفة الرياضية قبل ارسطو، وفلسفة افلاطون الرياضية على وجه الخصوص.

كما واستفاد الدكتور محمد جلوب الفرحان من فريجه وخصوصا في نظرته الى البديهيات في المنطق والرياضيات، ومحاولة رد البديهيات الرياضية الى المنطق، في كتابة بحثه المعنون: ” الطريقة البديهية عند الغزالي ” والذي نشرته مجلة اداب الرافدين – تصدرها كلية الاداب – جامعة الموصل، العدد (11) سنة 1979.

واحتل جوتلوب فريجه حيزا متميزا في اطروحة الدكتوراه المعنونة ” المنطق الرمزي واسهامات العرب المنطقية “، التي اشتغل عليها الدكتور محمد جلوب الفرحان (11 شهرا)، عندما ذهب مبعوثا الى جامعة ليدز – برادفورد لدراسة الدكتوراه (العام 1990) وكانت تحت اشراف البروفسور روجر فلوز. ولكن بسبب احتلال الكويت وتجميد البنوك البريطانية للممتلكات العراقية، تم نقل الدراسة الى جامعة بغداد. ولعدم وجود المشرف المتخصص وانتقال الدكتور ياسين خليل الى ذمة الخلود. فقد كتب الدكتور محمد جلوب الفرحان، اطروحة جديدة وكانت تحت اشراف الاستاذ المتميز مدني صالح، طيب الله ثراه.

حقيقة لقد توفرت فرصة ممتازة للدكتور محمد جلوب الفرحان في المملكة المتحدة، وذلك بما تميز به الجو الاكاديمي الحر هناك. فقد كان مبتهجا بكل ذلك فشد العزم على استثمار كل الفرص التي وفرها القسم له، والتي تمثلت بحضور سيمنارات كادر القسم وسيمنارات طلبة الدكتوراه. وخصوصا ان واحدا من اهم كوادر قسم الفلسفة في ليدز، هو البروفسور بيتر كيج، المشهور في سمعته العالمية في الكتابة عن فريجه. وقد استفاد الدكتور الفرحان الشئ الكثير من سيمناراته التي تتميز بطعم خاص في معالجة الصعوبات في كتابات فريجه. كما وانه انتفع خصوصا من امتيازات مكتبة الجامعة، وتسهيلها الحصول على اي كتاب ومن اي مكتبة داخل المملكة المتحدة.

وفعلا فأن الدكتور الفرحان عكف على القراءة اليومية في مكتبتي جامعتي ليدز وبرادفورد، وهذه القراءة تحولت الى طقس يومي، لا تعطله او توقفه اية مشاغل او مناسبات. ما عدا نصف ساعة لتناول الغذاء ونصف ساعة اخرى للعشاء. كان حصاد هذه الفترة قراءات واسعة وتفصيلية في تاريخ المنطق الرمزي. ومن ضمن ما استهدفته هذه القراءات، قراءة مجمل تراث جوتلوب فريجه المترجم من الالمانية الى الانكليزية. ولعل من اهمها:

1 – القوانين الاساسية لعلم الحساب، نشرة ام. فورث، مطبعة جامعة كليفورنيا 1964 2 – اسس علم الحساب، ترجمة ج. ل. اوستن، بلاك ويل، اكسفورد 1968

3 – العلامات المفهومية ومقالات لها علاقة، ترجمة وتقديم ت. بايمن، مطبعة جامعة

اكسفورد 1972

4 – الرسائل الفلسفية الرياضية، ترجمة كيل، بلاك ويل، اكسفورد 1980

5 – اوراق فريجه في الرياضيات والمنطق والفلسفة، نشرة ماك جونز، بلاك ويل

اكسفورد 1984

وعشرات المراجع التي تناولت اوجه مختلفة من منطق وفلسفة اللغة عند فريجه.

اعود من جديد الى فريجه، الذي اجمعت مجمل الابحاث الاكاديمية المنشورة بالانكليزية على انه دشن مسارا جديدا في المنطق الحديث، والذي منحه بأمتياز ان يكون الرائد في المنطق الرياضي والرمزي على حد سواء، وان يكون واحدا من مؤسسي الفلسفة التحليلية، والحارث المتفرد في فلسفة الرياضيات.

نسعى في هذا الفصل الى تقديم دراسة، تفتش بعمق في حياة فريجه، وخصوصا في السنوات الاولى من تعليمه، وذلك بهدف معرفة التحولات العلمية والاكاديمية، التي انتهت به، الى مضماري الرياضيات والفلسفة. ومن ثم بحثنا في النشاطات البحثية للدكتور فريجه. والتي تمثلت بالعمل الاكاديمي (التدريس) والذي اثقله كثيرا، وعثر مشروعه في البحث والكتابة. فمثلا لاحظ الباحث انه خلال السنوات الخمس الاولى وحتى نشر كتابه الاول العلامات. لم ينشر الا اربع مقالات: ثلاث منها مراجعات، وواحدة في الهندسة. وعلى الرغم من الاستقبال الفاتر الذي واجهه كتاب العلامات، وتوقفه من اتمام مشروعه المنطقي الذي اعلنه في مقدمة العلامات. فانه انكب على الكتابة وأصدر رائعته المعنونة: ” اسس علم الحساب: بحث رياضي منطقي في مفهوم العدد “. غير ان مراجعات هذا الكتاب جاءت عكس ما توقعه فريجه، فقد كانت عدائية. ومن الملاحظ ان هذه النتيجة قد سببت خيبة امل لفريجه، الا أن هذا الرمز الرائد لم يتخلى لحظة عن مشروعه المنطقي.

وفعلا قام بنشر المجلد الاول من كتابه: ” القوانين الاساسية لعلم الحساب “، والذي يعد ثمرة بحث استمر تسع سنوات. ان هذا البحث شكل طرفا مهما من المحور الذي تناولنا فيه الخطوات القادمة من مشروع فريجه المنطقي. ومن الابحاث الرائدة التي ظهرت في هذه الفترة، وشكلت طرفا مهما من المشروع المنطقي: ثلاثة ابحاث، وهي: الدالة والمفهوم، المعنى والمرجعية، وفي المفهوم والموضوع. وقد شهدت هذه الفترة، نوعا من الانفتاح الاكاديمي على فريجه ومؤلفاته. غير ان الاهمال ظل هو السائد. اضافة الى خيبة الامل الذي سببه نقد رسل. وذلك عندما اكتشف التناقض في نظام فريجه. ومن ثم فضل في كتابه مبادئ الرياضيات، ان يستخدم رمزية الايطالي بيانو على حساب لغة فريجه الرمزية. في حين ان بيانو أعلى بنفسه، من مكانة اللغة الرمزية الفريجيه، وأستشهد كثيرا بفريجه. مما حمل رسل لاحقا ان يعيد الاعتبار لفريجه ويعترف بأهميته في تاريخ المنطق الرمزي وفلسفة الرياضيات.

ومن ثم تحول مضمار الفصل، الى جادة البحث التخصصي في تراث فريجه. وشمل اربعة محاور، وهي على التوالي: اسهماته في العمل الفلسفي – المنطقي، جهوده في فلسفة الرياضيات، عمله في المنطق الفلسفي. واخيرا مساهمته في نظرية المعنى. وختمنا هذا الفصل بتعقيب ختامي، تم فيه مراجعات بعض القضايا المهمة التي لفت تراث فريجه الفلسفي والمنطقي.

السيرة والسنوات الاولى من التعليم:

تكاد ان تكون المعلومات المتوافرة لدينا عن حياة الرائد فريجه، قليلة جدا. خصوصا السنوات الاولى قبل انخراطه في التعليم الاكاديمي. وهذا الحال نواجهه في اغلب المؤلفات التي جاهدت للكتابة عن حياته، سواء التي ترجمت من الالمانية الى الانكليزية او التي كتبت مباشرة بالانكليزية واعتمدت مصادرا او مراجعا المانية وغير المانية. ولعل الشاهد على ذلك ما كتبه الاستاذ ” هانز سلوكه ” وهو باحث الماني متمكن من الكتابة في الالمانية والانكليزية على حد سواء. ففي كتابه المعنون: ” جوتلوب فريجه ” (المنشور بالانكليزية من دار روتلدج، لندن 1980) قد اشار الى ” ان هذا الكتاب هو حصيلة تطورات عميقة، تمتد لاكثر من عشرين عاما، في الاهتمام بتراث فريجه. والتي هي جزء من رحلتي العلمية من ميونخ في المانيا الى اكسفورد ولندن في بريطانيا والتي انتهت بالاستقرار في جامعة براكلي في الولايات الامريكية المتحدة “.

ان هذا الكتاب مهم جدا في البحث عن منطق وفلسفة فريجه، خصوصا انه كتب من زاوية المصادر والمراجع الالمانية مباشرة. الا ان ما ينقصه، هو انه اهمل الكتابة من وجهة نظر المصادر الالمانية عن حياة فريجه. ونحسب انه مدخل في غاية الاهمية في فهم التطور الفكري لهذا الرمز الفلسفي المهم في تاريخ المنطق الحديث والفلسفة التحليلية.

اما الكتاب الثاني، فهو الاحدث والاهم من زاوية حياة فريجه وتطوره الفكري. وجاء الكتاب بعنوان ” فريجه: مقدمة نقدية ” والذي كتبه بالانكليزية، الاستاذ هرولد نونن، وهو الاستاذ في جامعة برمنكهام (نشرة بلاك ويل، اكسفورد 1988). ففي الفصل الاول والمعنون ” مقدمة: حياة فريجه واعماله، ص ص 35 – 1). حقيقة ان هذا الفصل لم يشبع رغبة الباحث، وذلك لان المعلومات عن حياة فريجه، تكاد ان تكون غائبة. على كل هذاهو قدر هذا الرائد (نعني فريجه)، كماهو قدر الباحث والقارئ على حد سواء.

على كل ولد فردريك لودفيغ جوتلوب فريجه في العام 1848 في مدينة ويسمر، التي تقع على الساحل البلطيقي من الجانب الالماني. والتحق في الجيمنزيوم (وهي مدرسة تعد الخريج الى الجامعة ) في ويسمر، ودرس فيها مدة خمس سنوات (من 1864 الى 1869). وفعلا اجتاز امتحان التخرج في ربيع 1869، الذي أهله لدخول جامعة ينا.

صرف فريجه سنتين في جامعة ينا، درس خلالهما الكيمياء والرياضيات والفلسفة. ومن ثم تحول الى جامعة جوتنكن. وهناك من يعتقد بأن هذا التحول الى جامعة جوتنكن، لم يكن قرارا شخصيا من قبل فريجه. وانما كان بتأثير واحد من اساتذته في كلية الرياضيات، وهو البروفسور أرنست كارل أبيي (1905 – 1840). وفي هذه الجامعة درس فريجه الفلسفة، الفيزياء والرياضيات.

وفي العام 1873 تقدم فريجه بأطروحته لنيل درجة الدكتوراه، وكان عنوانها: “عرض هندسي للاشكال المتخيلة للسطح المستوي “. وهذه الاطروحة هي امتداد لعمل جوهان كارل كاوس (1855 – 1777) في الاعداد المركبة. وفعلا حصل فريجه على دكتوراه فلسفة من جامعة جوتنكن، في ديسمبر1873.

بعد ذلك تقدم للحصول على وظيفة محاضر في جامعة ينا. وكان من بين الوثائق التي ارفقها لدعم طلبه، اطروحته الثانية (وهي اطروحة ما بعد الدكتوراه وهي شرط في الجامعات الالمانية للتعليم الاكاديمي ). وكان عنوانها: ” طرق الحسابات المؤسسة على توسيع مفهوم الحجم “. وفي هذه الاطروحة ظهر لاول مرة اهتمام فريجة بمفهوم ” الدالة او بالانكليزية(الفنكشين) مثال ذلك: العلاقة بين اعضاء مجموعتيىن هي الدالة التي نعبر عنها رمزيا بالشكل الاتي:” ^ – = ^ – ” والتي ستلعب دورا مركزيا في ثنايا فلسفته.

حقيقة ان عمل فريجه قد خضع للتقويم من قبل كلية الرياضيات في جامعة ينا، ومن ثم على اساس هذا التقويم تم قبوله والاعتراف به. وفي تقرير كتبه البروفسور أرنست أبيي، تكهن بان هذا العمل احتوى بذور وجهة النظر التي ستنجز تطورا متقدما في التحليل الرياضي. ونتيجة لذلك سمح لفريجه على اداء الامتحان الشفهي الذي اجتازه بالطبع. وعلى الرغم من ذلك، فأن التقويم اعتبره ” ليس بسريع البديهية، وتنقصه الفصاحة “.

وبعد جدل عام ومن ثم طلب منه تقديم محاضرة تجريبية، عين فريجه محاضرا في جامعة ينا في مايس 1874. والتي ظل يعمل فيها طول حياته المهنية.

الاستاذ الاكاديمي فريجه ونشاطاته البحثية:

استهل الاكاديمي فريجه عمله الجامعي، بمحاضرات كثيرة اثقلت كاهله. وربما اثرت نوعا ما سلبا على كتاباته وابحاثه العلمية يومذاك. والشاهد على ذلك قائمة نشاطاته البحثية للفترة الممتدة من تاريخ تعيينه في الجامعة 1874 الى تاريخ نشر كتابه

الاول والذي كان بعنوان ” العلامات المفهومية “، والذي صدر في العام 1879. فخلال هذه السنوات الخمس لم ينشر فريجه سوى اربعة مقالات قصيرة، ثلاث منها كانت مراجعات، بأستثناء مقالة واحدة كانت عن الهندسة.

عاش فريجه، بعد نشر كتابه العلامات، في فرحة غامرة غطت مجمل حياته الخاصة والاكاديمية. فقد كان يومها الدكتور فريجه شابا (عمره لم يتجاوز الحادية والثلاثين ربيعا)، مفعما بالطموح، يعيش حياته ويعمل اكاديميا وفق خطة مرسومة. ولعل المقدمة التي كتبها فريجه لهذا الكتاب تدلل على كل ذلك بصورة واضحة.

اضافة الى ذلك، فقد كان الاستاذ فريجه يتمتع بمكانة محترمة في الكلية التي يعمل فيها، وخصوصا تقدير واحترام طلبة الرياضيات في جامعة ينا. ولعل الوصف الذي تقدم به رودلوف كرناب، وكان واحدا من طلابه (انظر الفصل الثالث من كتابنا: الفكر الالماني المعاصر) ينسجم ويتناغم مع تقويم البرفسور ارنست أبيي، والذي تضمنه تقريره الاكاديمي عن نشاطات الدكتور فريجه، والذي ارسله الى الجامعة في العام 1879.

فمثلا قد جاء في التقرير ” ان هناك القليل من المتعة للطلبة العاديين الذي يحضرون محاضرات الدكتور فريجه، رغم انهم اكتسبوا نوعا من التدريب على الاستماع في محاضراته. ولكن الدكتور فريجه بكل المعايير الاكاديمية، يتمتع بالاسلوب الواضح والدقة في التعبير، والعناية العالية بمحاضراته، والتي تستهدف الطلبة المتطلعيىن الى دراسة الجوانب الصعبة من الابحاث الرياضية. وانا (البرفسور ارنست أبيي) بنفسي قد استمعت الى محاضرات فريجه مرات عديدة، والتي كانت تتميز بالكمال المطلق والتي غطت كل النقاط الاساسية “.

وفعلا فأن الكمال في كل نقطة اساسية، كان هدف فريجه الناجز في كتابه العلامات، والذي يعد الخطوة الاولى في مشروعه المنطقي. ولعل الحاصل من هذا الانجاز الفريجي (نسبة الى فريجه) هو ترقيته اكاديميا في سنة 1879 الى درجة بروفسور خاص، وترقية مالية تمثلت بحصوله على معاش شهري ثابت بعد ان كان محاضرا. ان كل ذلك جاء نتيجة لتوصية قوية، كتبت من قبل البروفسور ارنست أبيي، والذي كتب في الوقت ذاته تقريرا تقويميا لكتاب العلامات،الذي قومه بدرجة “تقدير عال”.

ونحسب انه من النافع ان نقف على ما جاء في تقرير التقويم الذي كتبه البروفسور ارنست أبيي. فقد ضم التقرير تكهنات لما سيتركه كتاب فريجه على مستقبل الرياضيات. رأى ارنست أبيي ان هذا الكتاب ” سيؤثر بصورة مهمة، وفي المدى البعيد على الرياضيات. ولكن يبدو ان تأثيره سيكون محدودا في المرحلة الراهنة، وذلك لما تمتع به المؤلف من اتجاه، وما ضمه الكتاب من محتويات ” ومن ثم استمر البروفسور أبيي مقوما كتاب العلامات قائلا: ” وسيجد بعض من علماء الرياضيات الشئ القليل اذا نظروا الى الكتاب من زاوية العلاقات القديمة المتبدالة في المعرفة ” ولكن ” نادرا ما سنجد من يكون قادرا على فهم الافكار الكثيرة التي احتواها، وان عددا قليلا من رجال الرياضيات، من سيثمن قيمته الحقيقية “.

ان تشاؤمية البروفسور ارنست أبيي من الطريقة التي استقبل بها كتاب العلامات، كانت في محلها. فقد تم مراجعة الكتاب من قبل ستة مؤلفين وكان بعض منهم من علماء المنطق، الا ان جميعها قد خلت من اي تثمين لفريجه وكتابه العلامات. كما وان المراجعات التي قام بها المنطقيان ارنست شرودر (1902 – 1841) من المانيا وجون فنن (1923 – 1834) من انكلترا، قد حملت خيبة امل مريرة. فقد نظروا الى كتاب العلامات بمنظار متدني عند مقارنته بمنطق جورج بول (1864 – 1815) الذي يعد رائدا في عصره. اما كتاب العلامات فحسب رأي جون فنن ” جهد لا طائل له، مزعج وغير ملائم “. ومن وجهة نظر ارنست شرودر ” مكان مخلافات ضخم ” وفيه “تساهل مع التقليد الياباني في الكتابة العامودية “.

سبب الاستقبال الضعيف لكتاب العلامات، هموما جديدة للدكتور فريجه، حملته الى تعطيل خطته التي اعلن عنها في مقدمة الكتاب، والتي كان من بينها تأليف كتاب يتبع العلامات، يركز فيه على تحليل مفهوم العدد. الا انه بدلا عن ذلك، تفرغ للرد على نقاد كتاب العلامات. وفعلا كتب بحثين ركز فيهما على عقد مقارنة بين رمزيته المنطقية مع الجهود المنطقية لجورج بول. وكان البحث الاول بعنوان ” الحساب المنطقي لجورج بول ومفهوم الكتابة “. وقد رفضت نشر هذا البحث ثلاثة مجلات. اما البحث الثاني، فهو نسخة مختصرة جدا للبحث الاول وكان بعنوان: ” الصياغة المنطقية للغة عند جورج بول وكتابي العلامات المفهومية ” والذي رفض نشره كذلك.

واخيرا نجح فريجه في نشر العديد من التبريرات التي تدافع عن كتابه العلامات، من مثل البحث المعنون ” التبرير العلمي للعلامات المفهومية “. ومن ثم قدم محاضرة في مؤسسة ينا للطب والعلوم والتي نشرت لاحقا، والتي قارن فيها بين رمزيته وطريقة جورج بول. كما انه قرر بسبب المراجعات المخيبة للامال لكتاب العلامات، ان يكتب نصا غير رمزي (صوري) حاول فيه اشتقاق لغة التداول اليومي الالمانية. وقد كتبه ضد الخلفية الفكرية لوجهات النظر النقدية التقليدية لمفهوم العدد (والتي تشمل الكانتية والتجريبية ). ولعل الحاصل من ذلك رائعته المشهورة: ” اسس علم الحساب: بحث رياضي منطقي في مفهوم العدد ” والذي نشر في العام 1884.

عقد فريجه الامال العريضة على كتابه اسس علم الحساب، وكان يحسب ان انجازه لهذا المشروع سيشبع رغبات الاكاديميين المترقبين طويلا لمثل هذا النوع من الكتابة. حقيقة ان كتاب الاسس، كتب بطريقة ذكية عالية جدا، عكست وجهة نظر المؤلف سلبا وايجابا. الا ان الكتاب قد حصل على ثلاثة مراجعات فقط، جميعها كانت مراجعات عدائية. فمثلا عالم الرياضيات الالماني جورج كانتور (1918 – 1845) في مراجعته انتقد فريجه ” على اساس سوء فهم للاعداد، وذلك عندما رأى انها مجموعات من الموضوعات الفيزيائية “. ان هذا الموقف من كتابات فريجه، يعود الى اكثر من عشرين سنة من الاهمال وعدم القراءة والاطلاع. ولعل التفسير الجزئي لهذا الاهمال، هو الاستقبال الضعيف الذي حصل عليه كتابه العلامات، والذي لم يسهم في شيوع سمعة فريجه بحيث تجعل من علماء الرياضيات والفلاسفة، يتربقوا عمله القادم، ومن ثم يبذلوا جهدا في فهمه وتقويم نتائجه. ومهما تكن النتيجة، فأن فريجه استمر في العمل على مشروعه المنطقي رغم الاهمال وعدم الدعم من قبل زملاء الاختصاص والعمل الاكاديمي.

الخطوات القادمة من مشروع فريجه المنطقي:

جاءت الخطوة الثانية من مشروع فريجه المنطقي، عندما ظهر المجلد الاول من كتابه ” القوانين الاساسية لعلم الحساب ” والذي نشر في العام 1893. ان هذا الكتاب جاء ثمرة ابحاث استمرت تسع سنوات في فلسفة اللغة، وفي منطق الاسس الذي عمل على تطويره باستمرار. ولعل من المفيد الاشارة الى ان فريجه خلال هذه الفترة قد نشر، وخصوصا في البدايات المبكرة من التسعينات ثلاثة ابحاث مشهورة له، وهي “الدالة والمفهوم ” و” المعنى والمرجعية ” و” في المفهوم والموضوع “. وتعد هذه الابحاث الثلاثة من الاعمال الكلاسيكية في فلسفة اللغة. والبحث الثاني يعتبر بحثا من الواجب مراجعته لكل من رغب فهم الفلسفة التحليلية في القرن العشرين بصورة عامة. اما اهمية هذه الابحاث بالنسبة لفريجه، فهي أنه بين للقراء التغييرات التي اجراها على وجهات نظره يوم كتب الاسس، وأعدهم لاستقبال كتابه القوانين الاساسية.

ونحسب ان هذه الفترة دشنت مرحلة جديدة، فقد بدأ الاهتمام باعمال فريجه، خصوصا عندما اخذ عالم الرياضيات الايطالي جوسيب بيانو (1932 – 1858) يقتبس من كتابات فريجه في مؤلفاته. وكذلك استهل الفيلسوف الظاهراتي الالماني أدموند هوسرل (1938 – 1859) مراسلاته مع فريجه. انها مرحلة الانفراج ولحظة الانفتاح على كتابات فريجه. وكذلك بداية الاعتراف بجهوده في المنطق الرياضي وفلسفة اللغة وانجازاته الاخرى.

والحقيقة ان فريجه بعد اكماله كتابة المجلد الاول من كتابه القوانين الاساسية، اخذ يتطلع الى الامام. خصوصا في التفكير بنشر مؤلفاته، ومن ثم انتزاع اعتراف بأعماله التي اهملت طويلا. ولكن بسبب الاستقبال الضعيف الذي واجهته مؤلفاته، اخذ الناشرون يترددون في طبع المؤلفات الكبيرة كاملة. الا ان فريجه توصل الى اتفاق مع الناشر هرمان بوهل في ينا، والذي نشر ” الدالة والمفهوم “، على ان يقوم بنشرها في مجلدين ولكن بشرط، وهو ان نشر المجلد الثاني يعتمد على نجاح المجلد الاول. وبهذه الطريقة تم طبع المجلد الاول عام 1893.

وفعلا كانت تراود فريجه هواجس داخلية، تشعره بأن هذا العمل سيفشل وسوف لن يحصل على الاعتراف الذي يستحقه. ولهذاعمل بجهود استثنائية لتيسير هذا الكتاب وجعله متوافرا للقراءة. ومن ثم كتب في المقدمة بعض الوصايا التي تعين في قراءة الكتاب وصولا الى فهم محتواه. وقدم عرضا لبراهينه مع موجز لاهميتها، كما لفت انتباه الاكاديميين الى اهمية استجابتهم لاعماله. ولكن عدم اغفال انتقاد النظريات المعارضة لخطه المنطقي والفلسفي.

والواقع ان كل هذه الجهود لم تفلح شيئا، فأن كتاب القوانين الاساسية لم يحصد الا على مراجعتين فقط. وكلاهما كانتا سلبيتان، واحدة منهما ثلاث جمل فقط. ولعل الحاصل من ذلك ان الناشر رفض طبع اعمال فريجه. وان المجلد الثاني لم ينشر الا بعد عشر سنوات، وقد طبع على نفقته الخاصة.

وعلى الرغم من ذلك، فأن طباعة المجلد الاول قد حقق تحسينا للظروف المادية ومن ثم الاكاديمية للدكتور فريجه. فقد حصل على لقب بروفسور شرف، والذي حرره من اي التزامات ادارية. وقد قبل هذا الموقع بسبب انه حصل على منحة مالية من مؤسسة كارل زيس ستفتنك، وبدعم من قبل البروفسور أرنست أبيي (* وكارل زيس (1888 – 1816) هو عالم البصريات الذي تعاون مع ارنست أبيي في مشروع تصنيع عدسات الميكرسكوب، وبعد وفاته سميت مؤسسته بأسم كارل زيس ستفتنك ).

لقد وفر هذا الموقع الجديد الكثير من الوقت للبروفسور فريجه لاجراء ابحاثه، ومن ثم الانخراط في مراسلات مع العديد من الاكاديميين خصوصا بعد نشر المجلد الثاني. كان حصيلة هذه الفترة نشره العديد من المقالات ومراجعة عدد من مؤلفات كتاب اخرين، مما وفر كل ذلك اثرا على مستقبل عمله في القوانين الاساسية.

وكان الحصاد العلمي المثمر الذي حصل عليه فريجه، هو مراسلة الاكاديمي وعالم الرياضيات الايطالي بيانو الذي كتب اطول مراجعتين للمجلد الاول من كتاب القوانين الاساسية. والمراجعة بدأت بتبادل وجهات النظر التي قادت بيانو على عمل تعديلات على رمزيته المنطقية. وهاتان المراجعتان دللتا عل علو مكانة الاشارات المنطقية لفريجه على رمزية بيانو. ولكن جاءت الرياح تحمل اشياء غير سارة لفريجه، فقد تجاهل برتراند رسل اشاراته المنطقية، وبالمقابل تبنى رمزية بيانو كما اخبر الاخير فريجه. الا ان رسل بعد ان قرأ مراجعة بيانو لكتاب فريجه. اعترف بأنه أسف على عدم قراءة هذا الكتاب (الا انه قرأه في العام 1901). ولكن من خلال قراءة مراجعة بيانو، تبين لرسل ” ان فريجه يجب ان يكون متميزا “.

كما وترك فريجه في هذه الفترة اثرا على اكاديمي اخر وهو هوسرل، وبالتحديد قبل نشر المجلد الثاني من القوانين الاساسية. هوسرل بدأ واحدا من حواري الفيلسوف وعالم النفس الالماني فرانز برنتانو (1917 – 1838)، ومدافع عن النزعة النفسية (وهي محاولة لتأسيس المنطق والحساب على علم النفس ). وقد نشر هوسرل في العام 1891 المجلد الاول من كتابه ” فلسفة علم الحساب “. وفي هذا الكتاب، انتقد هوسرل فريجه، والذي رد من طرفه على هوسرل بمراجعة موجعة (في العام 1894). وترتب على ذلك، ان تحول هوسرل من النزعة النفسية، واصبح من اشد المعارضين لها، ومن ثم طور مفهوم ” النوما ” وهو ” فعل الفكر ” والذي يتطابق ومفهوم فريجه في “المعنى” مع عزم على تعميمه بصورة أوسع.

وعلى الرغم من استمرار الاهمال لعمل فريجه، الا انه تمتع في هذه الفترة بنوع من السلوى والارتياح، خصوصا انه اصبح معروفا ومحترما من قبل عدد من الاكاديمين الذين يتمتعون بسمعة علمية رصينة. ولهذا بدأ فريجه يتطلع لاستقبال جيد للمجلد الثاني من كتابه القوانين الاساسية. ورغم هذا الاهمال، فأن فريجه لم يكن لديه اي شك في انجازاته. وقد جاء التعبير عن هذه الثقة في المقطع الاخير من مقدمة المجلد الاول. وفعلا كان لديه حس بأن هناك من سيحاول الاشارة الى وجود تناقض في نظامه، وبأطمئنان عال تجاوز هذه القضية.

وفعلا فأن خطابا جاء من برتراند رسل، وبالتحديد في حزيران 1902. وقد سبب هذا الخطاب صدمة قوية لفريجه. ويومها كان المجلد الثاني في المطبعة. لقد اخبر رسل فريجه بوجود تناقض في نظامه، وعرفت هذه القضية لاحقا ” بمناقضة رسل ” والتي اكدت : ” على امكانية اشتقاق التناقض من نظام فريجه المنطقي “. وفي الوقت ذاته عبر رسل عن اعجابه العالي بعمل فريجه واتفاقه الجوهري معه.

وفريجه اعترف بأن هناك فعلا مشكلة جدية قد حددها رسل في القانون الخامس من القوانين الاساسية، كما ان هناك مشكلة في مصادر هذا القانون. ولذلك كتب خطابا لرسل استجابة لرسالته السابقة، قال فيه: ” ان اكتشافك للتناقض، سبب اندهاشا كبيرا لي، لا تستطيع الكلمات وصفه. وانا استطيع القول انك تركتني في حالة اعصار رعدي، سبب تشققا في اسس علم الحساب الذي شيدته… انها على كل، موضوع جدي سبب انهيارا للقانون الخامس. ويبدو انه قوض ليس فقط اسس كتابي في علم الحساب. ولكن اسس علم الحساب بصورة اعم… “.

ولم يكتف فريجه بهذا الخطاب، وانما حاول تطوير استجابة لمناقضة رسل. وفعلا نشر اصلاحا يشمل مجموعة تعديلات للنظام، ضمه في الملحق الذي ألحقه في المجلد الثاني من القوانين الاساسية. وعلى اية حال فأن اصلاح النظام برهن على وجود عدم الاتساق فيه. الا انه لم يبدو واضحا، على ان فريجه قد قبل نهائيا بأن عمله قد قوض تماما. كما ان المجلد الثالث من القوانين الاساسية لم يطبع نهائيا. وفي نهاية حياة فريجه اعترف بأن برنامجه المنطقي قد فشل، وحاول في سنواته الاخيرة ان يؤسس علم الحساب على علم الهندسة.

وبعد اكتشاف التناقض، عانى فريجه من مأساة شخصية. فقد توفيت زوجته (ماتت عشرين سنة قبل وفاته) وتركته وحيدا، مهموما في كيفية تربية ولده بالتبني (الفريد). وبسبب هذه المأساة، لم ينشر الا القليل. منها مثلا بضعة مقالات عالجت اسس الهندسة والتي كانت استجابة للمراسلات مع عالم الرياضيات الالماني ديفيد هلبرت (1943 – 1862). ومنها ثلاث مقالات ضد علم الحساب الصوري (الرمزي) وهي استجابة الى الهجوم الذي وجهه له البروفسور جوهانز توما (1921 – 1840)، وهو زميل اكاديمي له في جامعة ينا.

ويبدو ان فريجه قد قلل مراسلاته في هذه الفترة، واستمر في تقديم محاضراته في جامعة ينا. وخلالها قابل فتجنشتاين والذي كتب له، بعد قراءة تفسير لوجهات نظره على كتاب رسل المعنون ” مبادئ الرياضيات “. وان هذه المراسلات تتوجت بلقاء تم فيه مناقشة اراء فريجه مع فتجنشتاين. وهنا اقترح فريجه على فتجنشتاين للتوجه الى كيمبردج للدراسة مع رسل. وكما ذكرنا في الفصل الثالث، فخلال هده الفترة حضر رودلوف كرناب محاضرات فريجه. وهو مثل فتجنشتاين من اشد المعجبين بفريجه. وقد قام بتطوير ونشر افكار استاذه فريجه عندما اصبح رمزا فكريا مؤثرا.

تقاعد فريجه من العمل الجامعي في العام 1918، ومن ثم انتقل الى بادكلينن بالقرب من مدينته ويسمر. الا انه لم يتوقف عن العمل، بل واصبح اكثر نشاطا. فكتب سلسلة من الابحاث. كان الاول منها بعنوان ” الافكار ” والذي كان له اثارا قوية، تمثلت بالمناقشات الواسعة له، التي تخطت حتى بحثه المشهور ” في المعنى والمرجعية “. كما وان فريجه خلال هذه الفترة، اصبح مقتنعا بأن علم الحساب يتوجب تشيده على اسس هندسية. وقد اوضح ذلك في قطعة كتبها في اخر سنة من حياته. وكانت بعنوان:

” الاعداد وعلم الحساب “. يقول فيها: “… اصبحت اكثر قناعة، بأن علم الحساب والهندسة تطورا من نفس الاسس – في الحقيقة هي اسس هندسية – ولذلك فأن الرياضيات في مجملها حقيقة هي الهندسة… “.

وهكذا تخلى البروفسور فريجه عن وجهة نظره القديمة، والتي تصعد الى كتاباته الاولى، والتي اكدت على ان ” الحساب، وعلى خلاف الهندسة، هو مصدر المعرفة الاولية التي لا تحتاج الى اسس لها في الحدس “. وعلى اية حال، لم يبقى من الوقت ما يكفي لفريجه ليتابع ابحاثه وفقا لافكاره الجديدة، فقد توفي في العام 1925 وكان عمره سبع وسبعين عاما. وقبل ان يشهد بأم عينيه الأثر والانتشار الواسعين لافكاره وكتبه وابحاثه. ومن ثم اعتراف دوائر البحث الاكاديمي بتراثه. وخصوصا المنطقي والفلسفي منها على حد سواء.

ومن النافع ان نذكر بان فريجه سلم كتاباته غير المنشورة الى ولده الفريد، وارفقها بملاحظة تقول:

عزيزي ألفريد

لا تتلف هذه الاوراق التي كتبتها. حتى وان كانت قيمتها جميعا ليست بقيمة الذهب، فأن هنالك فعلا ذهب فيها. وانا اعتقد ان هنالك اشياء ستكون لها يوما ما قيمة اثمن كثير مما هي عليه الان. حافظ عليهم، ولا تضيع منهم شيئا.

والدك المحب. انها تشكل جزءا كبيرا من نفسي اسلمه لك.

وقام ألفرد بتسليم هذه الاوراق الى هنريخ سكولز (1956 – 1884) البروفسور في جامعة منستر، في العام 1935. من سوء الحظ ان أصولها قد دمرتها قوات التحالف خلال عمليات القصف في الحرب. وبعد ذلك تم الحصول على نسخ لأغلبها، ولتأخر طويل بسبب مرض سكولز ومن ثم وفاته، طبعت في المانيا في العام 1969، ومن ثم في الانكليزية في العام 1979. اما مراسلات فريجه فقد نقحت وطبعت في المانيا في العام 1976، ومن ثم نشرت بالانكليزية في العام 1980.

أسهامات فريجه في العمل الفلسفي – المنطقي:

نحسب ان من الكتب الكلاسيكية الرائدة في اللغة الانكليزية عن فريجه، كتابن:

الاول – كان بعنوان: فريجه: فلسفة اللغة، والذي كتبه السير (والبروفسور) مايكل دمت (ولد 1925)، وقد نشر في لندن في العام 1973. وهذا الكتاب ترك تأثيرا على جيل من الفلاسفة البريطانيين. واليوم لا يستطيع اي باحث في فلسفة فريجه، ان يتجاوز كتاب السير دمت.

الثاني – كان بعنوان: جوتلوب فريجه، الذي ألفه هانز سلوكه (سبق ذكره). ومن ثم بحثه الممتاز فريجه ونشأة الفلسفة التحليلية، والذي نشره في العام 1976 في مجلة “ابحاث”، المجلد 18.

يجمع كل من دمت وسلوكه على ان جوتلوب فريجه، هو اول فيلسوف تحليلي. وان افكاره حول اللغة تركت تأثيرا عميقا على عدد من المفكرين، من أمثال فتجنشتاين وكرناب. وان الاخير يعد من المعارضين الاشداء للتحليل التقليدي. وكذلك في الامكان ادراك تأثير فريجه في الكتابات المنطقية والرياضية لبرتراند رسل. ونحسب ان تأثيره قد تجاوز ذلك، ووصل حديثا الى جهود فلاسفة التحليل الذين جاهدوا في بناء نظرية شاملة في المعنى. كما انه في نقده المبكر للنزعة النفسية عند هوسرل، قد اسهم في صياغة الفكر الظاهراتي.

تتحدد اسهامات فريجه في العمل الفلسفي كما يقترح البروفسور هرلود نونن، انها تركزت في اربعة مجالات: المنطق، وفلسفة الرياضيات، والمنطق الفلسفي ونظرية المعنى. ولعل اسهاماته في المنطق، يمكن تلمسها في كتابه الاول ” العلامات المفهومية ” الذي دشن فيه فريجه مرحلة جديدة من تاريخ علم المنطق.

حقيقة ان حالة المنطق قبل فريجه، قد شهد هيمنة لنظرية القياس الارسطية، وهي النظرية المنطقية التي ركزت جل اهتمامها على سلامة الاستدلالات، والتي تتألف بمجملها من قضاياعامة. كما وان هذه القضايا تحتوي على تعابير من مثل: كل (وهو ثابت منطقي كلي موجب )، بعض (وهي ثابت منطقي جزئي موجب)، ليس (وهي اداة نفي اذا دخلت على الثابت المنطقي الكلي الموجب، حولته الى ثابت منطقي كلي سالب. واذا دخلت على الثابت المنطقي الجزئي الموجب، قلبت قيمته المنطقية الى ثابت منطقي جزئي سالب ). ولعل خير مثال نقدمه على القياس الارسطي، المثال الاتي:

كل غزال هو* حيوان (هو = فعل الوجود بالانكليزية)

كل حيوان هو كائن حي

اذن:كل غزال هو كائن حي

نلاحظ ان في كل قضية (او قل جملة) من تلك القضايا الثلاثة، هناك حد منطقي، نطلق عليه اصطلاح الموضوع من مثل في القضية الاولى لفظة غزال، وهناك حد منطقي اخر، نطلق عليه اصطلاح المحمول من مثل في القضية الاولى لفظة حيوان.

ونصطلح على حد منطقي اخر، اصطلاح الحد الاوسط، وهو الحد الذي يتكرر في القضية الاولى والثانية، وهي لفظة حيوان (* الحد الاوسط هو مثل الجسر، يسهل مهمتنا للانتقال من المقدمات الى النتيجة). ونصطلح منطقيا على القضية الاولى، اصطلاح المقدمة الاولى. وعلى القضية الثانية نطلق عليها اصطلاح المقدمة الثانية. وعلى هذا الاساس فأن كل قياس ارسطي يتكون من مقدمتين وتتبعهما بالضرورة قضية ثالثة، يصطلح عليها بالنتيجة. وهي بالمثال السابق: كل غزال هو كائن حي.

حقيقة ان المنطق الارسطي، هو منطق حدود. وذلك لانه ركز على العلاقات المنطقية بين الحدود. كما انه ركزعلى نماذج من القضايا التي تدخل في تركيبها التعابير

من مثل: كل، او بعض، او ليس (والتي هي ثوابت مقابل المتغيرات: غزال وحيوان). ولعل الامثلة التي تعرض النماذج للقضايا اعلاه، هي:

أ تنتمي الى كل ب

وب تنتمي الى كل ج

اذن أ تنتمي الى كل ج

ونافست النظرية المنطقية التي طورتها المدرسة الرواقية، نظرية ارسطو في الحدود. فقد عرضت منطق قضايا. وكانت الرواقية مهتمة بسلامة الحجج، من مثل:

اذا انه نهار اذن انه مضئ

انه نهار

انه مضئ

ان هذا النموذج عرض حجة سليمة، كما جاء في التعبير الرواقي القائل:

اذا الاول اذن الثاني

الاول

اذن الثاني

وعلى هذا الاساس فأن المنطق الرواقي مهتم بسلامة هذه النماذج من الحجج، والتي يمكن اعادة عرض القضايا وذلك بأستخدام بعض الرموز (الاول، الثاني ) والتي تدخل في تركيب اي قضية مهما تكون. والنماذج الرواقية درست القضايا التي تكون سليمة، وذلك عندما تدخل في تركيبها العلاقات القضوية من مثل: النفي (او السلب)، والربط والفصل والاشتراط. وان استعمالها يترتب عليه بناء قضايا اكثر تعقيدا، وذلك بالاعتماد على القضايا البسيطة.

وهاتين النظريتين المنطقيتين قد وجدتا لهما حضورا في عمل عالم المنطق الحديث جورج بول، الذي طور نظاما جبريا احتوى القضايا العامة لمنطق الحدود الارسطي او القضايا الاكثر تعقيدا التي كانت موضوع المنطق الرواقي. وقد اطلق بول على قضايا المنطق الاول: أنموذج القضايا الاولية، واطلق على قضايا المنطق الرواقي: أنموذج القضايا الثانوية. وهذا يؤشر وجهة نظر بول على الاولوية النسبية لهذين النوعين من القضايا. وكان يرى بأن القضايا الثانوية يمكن فهمها على انها تعميمات حول فئات المناسبات او الاوقات وغير ذلك، والتي يمكن ردها الى القضايا الاولية.

ان الضعف الكبير في المنطق قبل فريجه، هو عجزه عن معالجة القضايا التي تحتوي على تعابير ” ذات الطبيعة العامة المتعددة “. قضايا من مثل:

كل فتى يحب بعض الفتيات

او بعض الفتيات محبوبات من قبل كل فتى

ان كلا التعبيرين (كل فتى، بعض الفتيات ) ارتبطا بتعبيرات تعبر عن علاقة. ومثل هذه القضايا لها مكانة في الرياضيات كذلك (مثل: كل عدد زوجي هو مجموع عددين اوليين )، والتي على الاغلب ما يغلفها الغموض. والواقع ان مناطقة العصر الوسيط قد اشتغلوا بشكل كبير على النظريات الفرضية، والتي كان في طرف منها معالجة “التعابير ذات الطبيعة العامة المتعددة “، ومن ثم تقدمت بشرح للغموض الذي يلفها. الا انها لم تتمكن من تقديم تفسير مقنع لها.

كما ان نظام بول في طرفيه: المنطق الارسطي التقليدي في الحدود والمنطق الرواقي في القضايا والذي تم عرضه في نظامه. يكشف بأن الانتقال من الاستدلالات السليمة لمنطق القضايا الى الاستدلالات السليمة لمنطق الحدود، كانت غائبة في النظام المنطقي البولي (نسبة الى جورج بول). وذلك لان بول يعتقد بأن منطق الحدود ومنطق القضايا، هما تفسيران للنظام الجبري ذاته.

حقيقة ان النظام الذي قدمه فريجه في كتابه العلامات المفهومية، حل كل هذه الصعوبات. والمدخل لهذا الحل هو انه وضع محل المفاهيم النحوية، من مثل الموضوع والمحمول، والتي هي تنتمي مركزيا الى القياس الارسطي. حل محلها مفاهيم رياضية للحجة والدالة. وعلى هذا الاساس نظر فريجه الى القضية القائلة:

ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من الهيدروجين

وهنا لا نجد تأكيد على الموضوع ” ثاني أوكسيد الكاربون “، ولا تأكيد على المحمول

” أثقل من الهيدروجين “. وانما الاهتمام بقيمة الدالة ” أثقل من الهيدروجين ” وذلك لدعم حجة ” ثاني أوكسيد الكاربون “، او مرة ثانية من اجل الاهتمام بالدالة ” ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من ” وذلك لدعم حجة ” الهيدروجين “. او مرة اخرى من اجل قيمة الدالة الثالثة ” أثقل من ” وذلك من اجل دعم حجة الطرفين ” ثاني أوكسيد الكاربون ” و” الهيدروجين “.

ومن ثم نظر في امثلة من علم الحساب:

2+3 (وهذه هي العدد 5)،

ويمكن التعبير عن قيمة الدالة بواسطة الصيغة الاتية:

() + 3 وذلك لدعم حجة العدد 2

او التعبير عن قيمة دالة مختلفة عن طريق الصيغة الاتية:

2 + () وذلك لدعم حجة العدد 3

او التعبير من اجل قيمة الدالة الثالثة بأستعمال الصيغة الاتية:

() + () وذلك لدعم حجة الطرفين 2 و3

وعلى اساس هذا التجديد، اصبح فريجه قادرا على تقديم اكتشافه المنطقي المهم، وهو السور المنطقي. وترى هيلري بوتنم (1982) الى ان فريجه، بالتأكيد هو الذي اكتشف السور. وبالتحديد قبل اربعة سنوات من نشر عالم الرياضيات الامريكي أوسكار هورد ميشل (1851 – 1889) لكتابه ” في الجبر الجديد للمنطق ” (1883) والذي تابع فيه خط ارنست شرودر. (* وأوسكار هو التلميذ الموهوب لعالم الرياضيات والمنطقي الامريكي ومؤسس البراجماتية تشارلز بيرس (1914 – 1839) والذي اشتغل في السيموطيقا او النظرية العامة للغة ).

وعودة الى فريجه، فأننا نستطيع هنا التعبير عن حقيقة ان:

ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من الهيدروجين،

وبأستخدام دالة فريجه (لغة الحجة) وبالشكل الاتي:

الدالة ” اثقل من الهيدروجين ” هي حقيقة حجة ” ثاني أوكسيد الكاربون “

ومنذ ان الهيدروجين هو أخف الغازات:

فالدالة ” أثقل من الهيدروجين ” هي حقيقة “مهما يكن اي شئ هو حجتها”.

وهذا الحال يبين الدعوى القائلة، بأن كل شئ هو أثقل من الهيدروجين. واذا استخدمنا هنا نوعا من الرمزية المنطقية المتداولة، والتي لم تكن مختلفة من رمزية فريجه، فأن في امكاننا صياغة التعبير الاتي:

(س ل) (س أثقل من الهيدروجين ) (* لم اجد في الكومبيوتر اي مساعدة، تمكنني من رسم رمزية السورالكلي: وعلى كل هو يشبه أكس الانكليزية وبجنبها الحرف الاول الانكليزي (أي) مقلوبا وكلاهما محصورين في اقواس. وهنا استخدمت س للتعبير عن أكس، ول للتعبير عن (اي) المقلوبة. هذا هو الخيار الوحيد للتعبير عن السور بالعربي). وهنا السور الكلي (س ل) استوعب الطبيعة العامة لكلام فريجه القائل: ” مهما يكن اي شئ هو حجتها “.

ان ادخال السور المنطقي، مكن فريجه من التعبير بسهولة، اضافة الى انه وفر له استخدام مفهوم واضح، دون اي غموض لف التعبير. كما وان السور المنطقي لم يستخدم للتعبير عن قضية عامة واحدة كما في المثال السابق. بل استخدم السور للتعبير كذلك عن قضاياعامة ذات طبيعة متعددة، من مثل:

كل غاز أثقل من بعض الغازات (* هنا واضح ارتباط التجديدات التي انجزها فريجه بالمنطق القضوي. وهو المنطق الذي درسته الرواقية ).

وكذلك مكن السور، فريجه من التعبير الواضح في رمزيته عن كل قضية قابلة للتعبير في النظرية القياسية الارسطية،و مهما كانت درجة تعقيدها. ان هذه البصيرة الجوهرية، هي التي يسرت عمل فريجه، والتي قلبت أولولويات نظام جورج بول القائم على التمييز بين القضايا الاولية والقضايا الثانوية. (* ان هذه المعارضة، عبر فريجه عنها في عبارة رددها كثيرا، وهي ” خلافا للمناطقة الاخرين، بدأ من الحجج بدلا من المفاهيم ” ).

ان المساهمة المنطقية الكبيرة التي انجزها فريجه في كتاب العلامات، هو بناء النظام الرمزي (الصوري) الاول. حقيقة ان النظام الرمزي يتكون من ثلاثة اجزاء: لغة محددة دقيقة، تتألف من قضايا النظام، والتي تكون على شكل مجموعة بديهيات وقواعد محددة، حيث تمكننا من اشتقاق المبرهنات من البديهيات وفقا لقواعد الصرامة التركيبية الرمزية. ان صيغة النظام الصوري ستتيح امكانية التعبير عن قضايا جزئية. ولكن ستكون غير لازمة، وذلك لان هدفها، هو معرفة القضايا التي يمكن التعبير عنها بواسطة صيغة الاشتقاق، ومن ثم التأكد من ان الاشتقاق قد حدث وفقا للقواعد. وان هذا الاشتقاق حدث بصورة ميكانيكية، وذلك من خلال الاعتماد على اشكال الصيغة، واشكال القضايا فقط.

لم يكن نظام فريجه المعروض في كتاب العلامات معصوما من الخطأ. ومن اللحظة التي استخدم فيها قاعدة الاستدلال. خصوصا قاعدة التعويض. وفعلا لاحظنا ان هذه النقص قد دفع فريجه ليجد له حلا في كتابه القوانين الاساسية. ولكن بقيت قضية اثارها بعض الباحثين حول كتاب العلامات، ومنذ وقت مبكر، ونحاول وضعها في صيغة سؤال: لماذا لاذ فريجه الى دائرة الصمت، ولم يذكر جهود جورج بول؟ ولماذا لم يثمن فريجه مساهمات شرودر في هذا الموضوع (المقصود موضوع العلامات)؟ أولا ان جبر المنطق الذي اسسه بول، كان في طرف واحد منه مثلا وليس حصرا، قد عالج المنطق القضائي (القضوي) الذي اشتغلت عليه الرواقية. وقد استخدمه فريجه كما اشرنا اليه اعلاه. ووفقا لشرودر، وحسب هانز سلوكه، ان فريجه رفض التشابه الظاهري، ورأى مثلا ان في تفسيره للمفهوم ” يقوم على اساس انه مجموع علاماته “. وهذا من زاوية فريجه علامة فارقة تقف ضد جبر المنطق عند جورج بول. ولم يقتنع الاستاذ سلوكه برأي فريجه، وظل مؤمنا بأن صمت فريجه كان مقصودا ومدروسا. ولذلك أكد فريجه على طريقه الخاص، والذي دشن بداية جديدة، وليس هو استمرار لعمل جورج بول. وبكلمات فريجه: انه عمل اوسع وأعمق من اي شئ عمله بول “. وفي مراجعة شرودر لكتاب العلامات، احاول اقناع فريجه بأن غرض كتاب العلامات غير مفهوم. وفريجه من طرفه رد على تحدي شرودر، واشتغل على دراسة ليبين الى ان منطقه يقف مقاوما لجبر المنطق عند بول. وبعد ان اكمل فريجه دراسته التي عنونها: ” منطق الحسابات عند جورج بول وكتابي العلامات “. واجه محنة، اذ لم تقبل نشر الدراسة، واحدة من دوريات الرياضيات او واحدة من دوريات الفلسفة. وظلت مركونة في فايلات فريجه، الى ان نشرت بعد سنين في الناكبلاس.

جهود فريجه في فلسفة الرياضيات:

نحسب ان البروفسور هرولد نونن، كان على حق عندما ذهب الى ان فريجه في طرف من مضمار فلسفة الرياضيات، قد هدف الى تحرير علم الحساب من الحدس ومن ثم اعادة تشيده بصورة مستقلة. والسؤال الذي نرفعه هنا: ماذا ترتب على هذه الاطروحة من نتائج لمشروع فريجه في فلسفة الرياضيات؟ وكيف تحددت علاقة فريجه مع الفلاسفة وخصوصا عمانوئيل كانط (1804 – 1724)، والذين منحوا للحدس دورا في بنية القضايا الرياضية؟

اولا ان شطب فريجه لفعل الحدس، حمله على ان يكون وجها لوجه مع تراث كانط الذي لعب فيه الحدس، دورا فاعلا وخصوصا فيما يتعلق بالقضية (ومن خلالها المعرفة ) الاولية التركيبية. حقيقة ان فريجه دحض قناعات وجدل كانط حول المعرفة الاولية التركيبية. ونتيجة لذلك فأن فريجه في كتابه الاسس، رغب في أستخذام مصطلح كانط، في الدفاع عن كون علم الحساب هو علم تحليلي. ولكنه في الوقت ذاته، وعلى درجة من المساواة، كان مهتما في تفنيد تجريبية الانكليزي جون ستيوارت ميل (1873 – 1806) والتي كان لها حضورا في الحدود الكانطية التي ترى ان علم الحساب هو علم بعدي تركيبي.

ولهذا خصص الجزء الاول من كتابه الاسس، في نقد هاتين الفلسفتين واستطالاتهما. وكان نقده مدمرا من طرف. ومن طرف اخر مكنه من ان يباشر جدلا ايجابيا، حصد منه نتائج عديدة. خصوصا حول ما ليس له صلة بالاعداد: من مثل ان الاعداد ليست افكار ذاتية، وليست هي بموضوعات فيزيائية، كما هي ليست تجميع او خصائص ما. ان فريجه جادل مؤكدا على حجته القائلة بأن ” مضمون قضية العدد، هو التأكيد على المفهوم “.

وهنا اود ان اشير الى الاراء التي اوردها كريستين ثيل في اطروحته للدكتوراه، والمعنونة ” المعنى والمرجعية في منطق فريجه ” والتي نشرت أولا في الالمانية ومن ثم ظهرت لها ترجمة في الانكليزية في العام 1965. فقد اورد اراء كل من ناتورب وسكولز وهي اراء تصب في سياق المناقشة الجارية. فمثلا اشار ناتروب الى ان فريجه ” اسس العدد… على شئ يشبه المثل الافلاطونية “. اما سكولز فقد اكد على ” ضرورة توافر الشجاعة لدينا لنلتحق بصف فريجه الذي يسلم بميتافيزيقا الصدق والكذب “. انها قضية مهمة في فهم ما هو حق لكانط وما هو حق لفريجه من زاوية الارث الفلسفي العام، وخصوصا الارث الفلسفي الرياضي الافلاطوني الذي تدارسه الاثنان في مرحلة من مراحل التدريب الفلسفي. وهنا نعود الى كانط وفريجه.

والبداية سؤال كانطي: كيف تعرض الاعداد علينا؟ ان هناك جوابين: جواب كانط ومن ثم جواب فريجه. يرى كانط ان الجواب الوحيد، هي انها تعرض علينا عن طريق الحدس. وهكذا فالاعداد حسب رأيه هي ” موضوعات، وموضوعات تعرض علينا من خلال الحدس “.

اما فريجه فقد قبل اولا التمييز الكانطي بين الموضوعات والمفاهيم. وفعلا ان قارئ كتاب الاسس، يجد أن مبدأ فريجه الاساس، هو المبدأ القائل: ” سوف لا نضيع بصيرة التمييز بين الموضوع والمفهوم ” ولكنه ألح على ان الاعداد هي موضوعات. ومن هنا ظل يواجه السؤال: كيف الاعداد عرضت علينا، خصوصا اذا لم تكن لدينا افكار وحدوس عنها. ان جوابه استند الى المبدأ الاساس الثاني، الذي بينه في بداية كتابه الاسس. والمقصود مبدأه الشهير: ” مبدأ النص او السياق “، وقد شرحه قائلا: ” لا تسأل اطلاقا عن معنى الكلمة بصورة معزولة، ولكن فقط في سياق الجملة “.

ان المعنى الدقيق لهذا المبدأ ومكانته في فلسفة فريجه، أصبح القضية الاكثر جدلا في مضمار الدراسات الاكاديمية التي اعتنت بتراث فريجه. فمثلا ان اهمية فريجه في هذه النقطة، هي التي مكنته من انجاز ” نقطة تحول لغوي ” على حد رأي مايكل دمت. وذلك يعود الى ان فريجه حول السؤال الابستمولوجي عند كانط الى سؤال حول اللغة. والحقيقة ان فريجه كتب يومها معلقا: ” انه فقط وفي سياق الجملة يكون للكلمات معاني، وهنا مشكلتنا تصبح: هو تحديد معنى الجملة في عدد من الكلمات “.

ومنذ ان كانت الاعداد هي موضوعات، فأن فريجه ذهب قائلا: ان الشكل الاكثر اهمية للجملة هو المعنى الذي يجب شرحه في مبدأ الذاتية: ” اذا استخدمنا الرمز أ للدلالة على الموضوع، فأنه يجب ان يتوافر لنا معيارا يقرر في كل الحالات ان ب هي أ “. ان الطريق الميسر الان، هو بناء العدد على اساس انه عدد مقترن بمفهوم محدد. ولعل الافادة الاتية توضح ذلك:

ان العدد الذي ينتمي الى مفهوم ف، هو ذاته الذي ينتمي الى المفهوم ج

ولشرح ذلك نعتمد على معيار (مبدأ ) الذاتية للاعداد. هذا المعيار افترضه فريجه في العلاقة الترابطية بين واحد – واحد. تعمل العلاقة الترابطية بين واحد – واحد، فيما بين الفاءات (مجموع ف) والجيمات (مجموع ج) اذا وفقط اذا كل ف ممكن ان تكون زوجا بالضبط مع واحد من ج، وكل ج بالضبط واحد من ف بحيث ليس هناك ف او ج قد تم اغفالها.

حقيقة ان فريجه عالج هذه العلاقات في كتابه العلامات المفهومية، فقد عرض فيه تعريفا منطقيا خالصا للعلاقة الترابطية بين واحد – واحد، وفي هذه المعالجة، وضع فريجه ما أصبح اليوم شائعا في دوائر فلسفة الرياضيات عامة وفلسفة الرياضيات عند فريجه خاصة، بمبدأ هيوم (1776 – 1711). ولعل السبب يعود الى ان فريجه قدم هذا المبدأ، مع نص مقتبس من الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم:

ان عدد الفاءات هو متشابها (الى حد التطابق) مع عدد الجيمات اذا وفقط اذا كانت هناك علاقة ترابطية واحد – واحد بين الفاءات والجيمات.

ولتعريف الذاتية العددية في حدود منطقية خالصة، نرى انها قد وضعت عمل فريجه في محنة جديدة. كان الحاصل منها رفضه لمبدأ هيوم على ان يكون تفسيرا كافيا للذاتية العددية. وذلك لانه لم يسمح لنا ان نقرر مثلا فيما اذا كان: يوليوس قيصر هو عدد ! ان هذا الاعتراض اصبح معروفا بأعتراض يوليوس قيصر. ومهما يكن فأن فريجه لم يلغي مبدأ هيوم تماما، بل اهتم بأشتقاقيته كمعيار للكفاية للتعريف الواضح للعدد. ولهذا استمر فريجه في النظر الى الاعداد على انها حدود ممتدة للمفاهيم (الفئات).

اما مساهمة فريجه الاخرى، فهي ادخاله تعريف مفهوم علاقة الجد (السلف) في كتابه العلامات المفهومية (ان هذه العلاقة تفترض وجود الجد،الذي يؤكد وجود الابوة في العلاقة بين الاعداد ). وذلك عندما قدم تعريفه للاعداد الطبيعية النهائية. وهي الاعداد التي عالجها في الاسس، وهي التي تمثل الصفر في علاقة الجد للعدد اللاحق (التابع) مباشرة. وهنا نود الاشارة الى المقالة الممتازة التي كتبها هيك في العام 1993 والتي عالج فيها مبرهنة فريجه في نظرية الاعداد. ان مبرهنة فريجه، هي بديهيات ديديكند – بيانو كما يحسب هيك والتي يمكن عرضها بالشكل الاتي:

الصفر هو عدد

الصفر ليس بتابع لاي عدد

لا يمكن ان يكون لعددين نفس التابع

كل عدد له تابع

ومن مبرهنة فريجه هذه، يمكن اشتقاق كل قضايا علم الحساب.

ان التعريف العام لعلاقة الجد، كانت مهمة جدا لمشروع فريجه ضد الكانطية. وذلك بسبب انها مكنت فريجه من شرح المفهوم العام للتتابع في السلسة وبأستخدام حدود منطقية خالصة، دون الاعتماد على اي حدس مكاني او حدس زماني. كما ان مفهوم الجد في اطاره العام، مكنه من تأسيس ما يسمى ” بالسلامة المنطقية المباشرة للبرهان، وذلك عن طريق استخدام الاستقراء في الرياضيات “.

أهمية عمل فريجه في المنطق الفلسفي:

في البدأ سؤال: ما هي الجهود التي بذلها فريجه في تطوير المنطق الفلسفي؟ يرى اجماع من الباحثين في التراث المنطقي الفريجي. وعلى رأس القائمة البروفسور هرولود نونن. ان فريجه لعب دورا فاعلا في تطوير المنطق الفلسفي. وذلك من خلال ما أنجزه تحت عنوان عريض: نظرية دالة المحمول.

ونحسب ان فريجه بعد كتابه العلامات، قام بأجراءت بالغة الاهمية، تميزت بالدقة والوضوح. وكان يهدف من ذلك توسيع نظريته التي بدأها هناك. فمثلا في كتابه العلامات، كان المشروع ينظر الى ان الجملة (او العبارة ):

الهيدروجين أخف من ثاني أوكسيد الكاربون

على انها قيمة لدالة الحجة. ومن ثم النظر اليها والى قيمة الدالات المختلفة للحجج المختلفة كأنها مثل العدد 2+3 (هو 5) والذي يمكن النظر اليه كقيمة لدالات مختلفة ولحجج مختلفة. وهكذا فان اهتمام فريجه، على هذا المستوى كان مركزا على الجوانب اللغوية من الزاوية المنطقية (اللنكوستية ) من مثل: الجمل، الاسماء التي تحتوى دالات، والتي يمكن اعتبارها اسماء رسمت لتحديد (دالة). والدالات هي الحجج والجمل هي القيم.

ويبدو حسب رأي هرولود، ان ليس هناك اية تطورات واضحة على مستوى الفكر. كما ليس هناك تقدم في البحث على صعيد الجوانب اللغوية (اللنكوستية)، ولا توجد اي اضافات لغوية يمكن النظر اليها بطريقة مشابهة كدالات متعلقة بها. حقيقة ان هذه التطورات قد حدثت بعد صدور كتابه الاسس. اما عمل فريجه الان، فأنه بدأ بأقتراح صيغ جديدة من مثل الجملة القائلة:

سقراط حكيم

أولا أننا ندرك ان هذه الجملة تتألف من اسم العلم سقراط، ومن ” كلمة المفهوم ” او المحمول حكيم. وتطبيقا لنهج فريجه، فان الاسم هو موضوع، وان “كلمة المفهوم” (او المحمول) هي المفهوم، وان هذا المفهوم بحد ذاته دالة تضع الموضوعات، وقيمها في جدول قيم الصدق (والذي يقرر صدقها او كذبها).

وبشكل خاص فأن الدالة المعينة هي ” () + 3 ” تتكلم عن العدد 2 ومن ثم العدد 5، وهو العدد المعين بواسطة الصيغة: ” 2 + 3 “، ولهذا فان المفهوم هو ” () هو حكيم ” والذي يقف ليصف الانسان سقراط والذي تم تعيينه بواسطة الجملة ” سقراط حكيم “.

ولكن يظل السؤال يلاحق فريجه: ما هو الشئ الذي عينته الجملة؟ ان جواب فريجه، جاء: قيمة الصدق، اي انها صادقة (اي ما دامت الجملة صادقة). وعلى هذا الاساس وصل الى النتيجة القائلة: ان المفاهيم هي الدالات التي تضع الحجج على جدول قيم الصدق. وبطريقة مشابهة، فأن العلاقات (بصورة مناظرة)، ووفقا الى دالات اضافية، فهي تضع ازواج من الحجج على جدول قيم الصدق.

ان نظرية دالة المحمول، هي من اساسيات فلسفة فريجه المنطقية. سواء اتخذت اطارا ثابتا او تحولت الى مناظرة تنويرية تعتمد على وجهة نظر فريجه في قيم الصدق والتي تحولت الى موضوعات جدل تحتاج الى دفاع عنها. ومهما تكن الحالة، فأنها مكنته من تكوين بصيرة اساسية ثانية، والتي سمحت له من ان يضع جانبا المناظرة التي امتدت لألاف من السنين حول التمييز بين الكليات والجزئيات. ووفقا للمبدأ التقليدي، فأن الجملة:

” سقراط حكيم ” ادخلت المحمول حكيم، ولما كانت الحكمة كلية في خطابنا، وهوشئ وصف به سقراط. وكل ما يشابه ذلك يمكن ادخاله في خطابنا، من مثل الاسم الحكمة كشئ يقال على شئ اخر. من مثل ما جاء في الجملة ” الحكمة هي صفة يوصف بها الرجل المعمر “. فالرجل اليوناني بارتكلوس مثل سقراط، هي مفردات يمكن ان تقال حول اشياء. ولكن ممكن ان لا تقال بحد ذاتها على اشياء اخرى. وهي اخيرا موضوعات للحمل (المحمول).

لقد رفض فريجه هذه النظرة التقليدية كلية هذا جانب. ولكنه من جانب اخر حافظ على المفاهيم بصورة جوهرية كمحمولات. والسؤال الذي يثار هنا: ما هو الموضوع (او كما فريجه يطلق عليه ” كلمة المفهوم “)؟ ان ” () حكيم ” تقف لغرض المفهوم، ولهذا فهي لا تكون مرجعية لأسم العلم مثل ” الحكمة “. حقيقة ان الحكمة هي اسم علم ممتاز وكامل. وليست هناك حاجة الى انكار مرجعيته. ولكن مرجعيته لا يمكن ان تكون ذاتها الى اي محمول، وحتى كذلك الى المحمول ” () حكيم “.

ان السبب يعود الى ان المحمولات، تغاير اسماء العلم، وهي جوهريا ناقصة. ان المحمول يجب ان يكتب في الجملة وذلك لملء الفراغات، وهذه ببساطة ليست مسئلة قناعة. وانما بسبب ان المحمول لم يكن بحد ذاته مستشهد به في الجملة، كما هو الحال بالنسبة الى اسم العلم. كما وان الامر يتعلق بالانموذج الذي تم عرضه بواسطة الجمل التي ضمته تراكيبها. ولهذا فان اسماء العلم والمحمولات هي اساسا ذات خصائص مختلفة. كما انهما ببساطة لا يلعبان الدور اللغوي (اللنكوستي) ذاته. وتطبيقا على ذلك، حافظ فريجه على المفاهيم والموضوعات التي اساسا ذات خصائص مختلفة من الزاوية الوجودية. والمفهوم لا يمكن ان يكون موضوعا، وذلك بسبب ان المفهوم لا يمكن ان يكون مرجعية لاسم العلم. واخير فان فريجه رفض المبدأ التقليدي للموضوع والمحمول، والذي ينظر اليهما كمكونات الجملة او بالمصطلح المنطقي تراكيب القضية.

مساهمة فريجه في نظرية المعنى:

يبدو ان فريجه حسب ما يرى هانز سلوكه، لم يكتب شيئا خلال الفترة ما بين نشر كتابه العلامات، ونشر كتابه اسس علم الحساب. انها كانت فترة تفكير ومراجعة لمفاهيمه الفلسفية والرياضية. غير ان فريجه بعد ان اكمل الاسس، دشن مرحلة جديدة.

ان هذه الفترة استمرت ما يقارب الست سنوات. بدأت هذه المرحلة، بنشر خمس مقالات، وهي: ” في مبدأ القصور الذاتي ” و” الدالة والمفهوم ” ومراجعة لكانتور. ومن ثم جاءت مقالتيه: ” في المعنى والمرجعية ” و” في المفهوم والموضوع “.

ويجمع الباحثون في تراث فريجه على ان منطق كتاب العلامات، قد تم تأسيسه على افتراض أولوية الاحكام على المفاهيم. اما تحليل القضايا الحسابية في كتاب اسس علم الحساب، فقد نهضت على المبدأ القائل: اطلب المعنى فقط في سياق القضايا، ولا تطلبه بصورة معزولة. ولعل اهمية مقالة ” في مبدأ القصور الذاتي ” انها اعادت التذكيربهذه المبادئ على صيغة دعوى تؤكد على أولوية النظرية على المفاهيم التي تدخل في تكوينها.

في ضوء كل هذه الاعتبارات اصبح التمييز مفهوما، بين الدالة ومجال القيمة، المفهوم والموضوع، الفكر وقيمة الصدق، والمعنى والمرجعية. كما وان تبريراتها ومعانيها، ليست لها اي محتوى حدسي. بقدر ما يتعلق بطبيعة نظريتها المنطقية، التي تتميز بالكفاية والضرورة.

ان التمييز بين المعنى (الشئ كما يقدم نفسه لنا) والمرجعية (الدلالة )، هي من الاصطلاحات التي نحتها فريجه، خصوصا في مقاله ” في المعنى والمرجعية “. ووفقا له فأن المعنى والمرجعية، ما هما الا وجهين مختلفين من التعبير. وانه طبق المرجعية اولا على اسم العلم وهو موضوع السؤال. ولكن ممكن ان تشمل المرجعية مضمار الجمل. وعلى هذا الاساس تكون للمرجعية (الدلالة) قيمتين من الصدق (صادقة وكاذبة ). وان المعنى مرتبط بالجملة كاملة، ويكون على شكل فكرة تم التعبير عنها. كما ويقال ان المعنى هو تعبير، وهو ” ضرب من التقديم ” للموضوع.

في الواقع ان هذا التمييز الذي تقدم به فريجه لم يسلم من النقد. فمثلا قام برتراند رسل بتقويمه ونقده في بحثه المعنون ” في الدلالة “. ولم يتوقف الجدل حوله، فقد خصه سول كرب (المولود عام 1940) بسلسلة محاضرات، كان عنوانها ” التسمية والضرورة ” والتي تميزت بحرارة نقدها لرؤية فريجه، وطريقة معالجته لقضيتي المعنى والمرجعية.

وبدأ سول بأفتراض نهض على تصور لعلامات المرور المنتصبة في الطريق العام خارج المدينة، وتصور في الوقت نفسه وجود لوحات لعلامات أخرى ترشد الناس. وان جميعها يشير الى موضوع واحد هو المدينة. رغم انها مختلفة لكل علامة من ناحية الاتجاه والمسافة. وهنا العلامة هي ” ضرب من العرض او التقديم ” او المعنى بلغة فريجه. والشئ ذاته بالنسبة الى اسم العلم ” امير ويلز ” والاسم ” تشالرز ارثر جورج ماونتبتن – ونزر “، فكلاهما يدلان على الشئ ذاته. ولكن كل استعمال مختلف ” بشكل التقديم ” او المعنى.

نهضت نظرية المعنى عند فريجه على حجته التي تميز بين المعنى والمرجعية (الدلالة). ولكن الباحث يلحظ ان هناك درجات اختلاف بين ما ذهب اليه في كتابيه العلامات والاسس من طرف. وما عالجه لاحقا في بحثه المعنون ” في المعنى والمرجعية “. فمثلا في الكتابين الاولين استخدم فريجه مفهوم ” محتوى ” وهو التعبير اللغوي، وهو مفهوم غير مميز. ولكنه في المعنى والمرجعية، استخدم بالاضافة الى هذا المفهوم، مفهومي المعنى والمرجعية (الدلالة). والحقيقة ان حجته في هذا التمييز بدأت من لغز الذاتية (أ = أ او أ = ب ): والواقع ان قضية الذاتية، هي صادقة وتخبرنا بمعلومات جديدة. فمثلا ان ” نجم الصباح هو ذاته نجم المساء “. كما وان هذه القضية تنقل معلومات جديدة للشخص الذي لم يسمع بها من قبل. وبالنسبة له ان ” نجم الصباح هو نجم الصباح ” ولا يمكن ان يكون شيئا اخر.

والحقيقة ان كلا من ” نجم الصباح ” و” نجم المساء ” يدلان على شئ واحد، وهو كوكب فينوس. واذا تأملنا فقط بهذه التعابير وماذا تدل عليه هاتين القضيتين الذاتيتين، فأننا سوف لاندخل في حساباتنا الاختلافات في المعلومات الممكنة (او القيمة المعرفية) التي تقدمها لنا عن هاتين القضيتين. ان حل فريجه جاء مرتبطا بكل من الاسمين: نجم الصباح ونجم المساء. وكذلك فأن ذلك مرتبط بالمرجعية والمعنى (وهو ما يفهمه شخص ما عندما يصبح التعبير في متناوله) والاختلاف في القيمة المعرفية التي تفسر بواسطة المعاني المختلفة لكل من الاسمين.

ونحسب ان فريجه في ادخاله التمييز بين المعنى والمرجعية بهذه الطريقة، قد سعى الى ايجاد تطبيقات واسعة له، وليس في حدود فردية. كما نشد ايجاد تطبيقات له في مضماري المحمولات والجمل (او القضايا) على حد سواء. وفي حالة المحملات، فأنه ألح على تمييز المفهوم الذي سيكون مرجعا للمحمول في كل من امتداداته، ومن زاوية معناه. وان التمييز الاول، قد تم تشكيله على اساس ان المفاهيم غير كاملة. في حين ان الامتدادات كانت كاملة. وان التمييز الاخير نهض على اساس ان المفاهيم على خلاف المعاني، لها شروط ذاتية ممتدة،والتي قامت بأدخال الاسم ” الفكر “. فمثلا اثنين من المحمولات: ” () كائن حي له قلب ” و” () كائن حي له كليتين ” واللذان يختلفان في المعنى، وبسبب ان ما يدركه شخص ما يختلف عما يدركه شخص أخر، وممكن ان تنطبق بالضبط على المفردات ذاتها والتي تدل على المفهوم ذاته. وكذلك في حالة الجمل (القضايا)، فأن فريجه عمل مرة ثانية، على التمييز بين المعنى والمرجعية.

وعلى هذا الاساس قام بأدخال الاسم ” الفكر ” من اجل معنى الجملة، وجادل فريجه مؤكدا على ان مرجعية الجملة، اي دلالتها يجب ان ينظر اليها كقيمة صدق للجملة. ان المقدمة المفتاح في حجته هو دفاعه عن مبدأ المرجعية. فمثلا يرى ان مرجعية التعبير المعقد، يتقرر من خلال مرجعيات مكوناته. حقيقة ان فريجه كان قادرا بقوة على ان يدافع عن ” انه ليس هناك اي شئ اخر، ممكن ان يشكل مرجعا للجملة، منذ اللحظة التي لم يبقى شيئا اخرا ثابتا “. وخصوصا بعد ان حلت مكان التعبيرات المكونة، مكونات بديلة وللمرجعيات ذاتها.

لقد هاجم نظرية المعنى عند فريجه، وبالتحديد في بعديها المعنى والمرجعية. فلاسفة كانوا يوم ما من المعجبين بفريجه، منهم على سبيل المثال عالم المنطق وفيلسوف الرياضيات برتراند رسل. فقد كتب مقالا خاصا لهذا الغرض. وكان بعنوان ” في الدلالة “، وهو في التقويم الاخير مقالا كلاسيكيا في الفلسفة التحليلية في القرن العشرين. ان هدف رسل الرئيس من هذا المقال، تقديم اسباب مقنعة لرفض النظرية المبكرة

” في الدلالة ” والتي اودعها كتابه ” مبادئ الرياضيات ” (1903) والتي عانى كثيرا في الدفاع عنها. ان نظرية رسل تضمنت تمييزا بين ” المعنى ” و” الدلالة “. والتي حسب رسل هي تشبه بصورة اقل او اكثر، تمييز فريجه بين المعنى والمرجعية (وعلى الاقل في حالة مقولة التعبيرات )، والتي يطلق عليها رسل ” عبارات الدلالة “. وعلى هذا الاساس اعتقد رسل بأنه في مقاله في الدلالة، كان يركز جدله ضد فريجه، كما هو يشمل رأيه المبكر.

يرى رسل ان نقد فريجه يدور حول مشكلة ” الحدود الفردية الفارغة “. اذ ان مثل هذه الحدود اثارت مشكلة لفريجه، وذلك بسبب انه اعتقد ان الاسم، هو الحامل للانموذج الذي يتألف من مكونات تدخل من طرفها في تكوين مفهوم المرجعية. وبسبب ذلك فان فريجه عين القيمة السيمانطيقية للحد المفرد. وقاده هذاالى شمول الجمل التي تحتوي مثل هذه الحدود الفردية والتي تكون خالية من اي قيمة للصدق.

تعقيب ختامي:

ظلت في دوائر البحث الاكاديمي الغربي، اسئلة حول جوانب من تراث فريجه عامة، والمنطقي منه خاصة. اسئلة لم تجد لها حلولا قاطعة او تقدم لها اجوبة شافية. منها:

اولا – يعتقد مايكل دمت، ان فريجه كان مطلعا على كتاب رودلوف هرمان لوتزه (1881 – 1817) المعنون ” المنطق ” (1843). وهو يتألف من ثلاثة اجزاء، هي:

منطق الفكر، منطق البحث، ومنطق المعرفة. المهم في رأي دمت، انه عثر على فقرة تدلل على ان فريجه كان عارفا بهذا الكتاب. ويعود تاريخ هذه الفقرة الى عام 1879. كما ذهب البروفسور دمت في بحث جديد، الى ان هناك مقالا اخرا كتبه فريجه، يحمل اثارا واضحة، تدلل على حضور كتاب لوتزه في المنطق. فمثلا يرى دمت ان اصطلاح التعبيرات، الذي تداوله فريجه. يدلل على ” ان فريجه استعاره من لوتزه “. كما ان دمت وجد ان هناك اثارا للوتزه في مسودة اولية من كتاب العلامات. ونحسب ان هذه المسألة التي اثارها البروفسور مايكل دمت، تحتاج الى بحث صبور يبدأ اولا بقراءة كتاب العلامات لفريجه من زاوية كتاب المنطق للوتزه.

ثانيا – ان حضور كل من منطق الحدود الارسطي والمنطق القضوي (القضائي) الرواقي في جبر المنطق عند جورج بول، ومن ثم حضورهما في كتاب العلامات لفريجه، تثير الكثير من التساؤلات حول الاسبقية في التأليف. ومن المعروف ان جورج بول كان الاسبق زمنيا في التأليف. وعلى هذا الاساس تساءل كل من سلوكه ودمت: لماذا لاذ فريجه الى دائرة الصمت، ولم يذكر جورج بول ونظامه جبر المنطق. انها قضية تحتاج الى دراسة مستقلة، تنهض على مراجعة كتاب العلامات في ضوء قراءة نصوص جورج بول في جبر المنطق.

ثالثا – اشرنا في متن هذه الاوراق، الى ان فريجه في كتاب العلامات، قد اهمل مساهمة ارنست شرودر. وهذا ما أكدت عليه هيلري بوتنم (1983) معلقة على هذا الاهمال: ” لم يقبل احد فريجه، بل وحتى الاقدام على نشر بحث واحد عن علامات فريجه. وبالمقابل تبنى العديد من المناطقة المشهورين علامات شرودر – بيرس “.

(* وأرنست شرودر، هو عالم الرياضيات الالماني الذي اشتهر بعمله ” المنطق الجبري “، وهو رائد كبير من رواد المنطق الرياضي. وهناك من يرجح بأنه الذي اخترع اصطلاح المنطق الرياضي. وقد قام بايجاز وتوسيع عمل جورج بول، مورغن وهيك ماكون. وخصوصا عمل تشارلز بيرس). ان كتاب شرودر الشهير هو ” محاضرات في جبر المنطق ” والذي يتألف من ثلاثة مجلدات، طبع ما بين 1890 و1905. ان هذه المجلدات المنطقية كونت المناخ الفكري لولادة المنطق الرياضي كحقل مستقل في القرن العشرين. (** وتشارلز بيرس (1914 – 1839) هو عالم الرياضيات والمنطق ومؤسس البراجماتية، واشتغل على السيموطيقا: نظرية اللغة ). وهنا ادعو الى عقد مقارنة بين كتاب العلامات لفريجه والمجلدات الثلاثة لكتاب شرودر محاضرات في جبر المنطق.

رابعا – استعار فيلسوف الرياضيات الانكليزي برتراند رسل الجهاز الرمزي لعالم الرياضيات الايطالي بيانو، واهمل اللغة الرمزية لفريجه. وقد برر رسل تفضيله لبيانو على فريجه الى ان علامات بيانو بسيطة وممكن تداولها بسهولة. في حين ان رموز فريجه معقدة وليس في الامكان تداولها بسهولة. ان تبرير رسل مردود لان ليس كل جهاز رمزي بسيط وسهل مقبول. وبالمقابل ليس كل جهاز رمزي معقد مرفوض. ولهذا نحسب ان هذه القضية تتطلب دراسة منطقية عميقة، تحاول: أولا – عقد مقارنة بين الجهاز الرمزي لبيانو واللغة الرمزية لفريجه، مع بيان درجة البساطة والتعقيد في كلا الجهازين. ومن ثم الكشف عما يوفره كلا الجهازين من امكانية تداول او استحالة استخدام، وذلك لصعوبات الترجمة من لغة الى لغة اخرى. ومن ثم التحقق عن مديات استحالة الاستخدام داخل تداول اللغة الواحدة. ثانيا – منح فرصة لجهاز فريجه للتطبيق في كتاب رسل مبادئ الرياضيات بدلا من جهاز بيانو الرمزي. ومن ثم على اساس هذه الفرصة يتم التحقق من خطاب رسل الذي فضل بيانو على حساب فريجه. مع الاخذ في الاعتبار تعديل بيانو لعلاماته بعد ان راسل فريجه. ووفقا لذلك اقتبس بيانو الكثير من فريجه في ابحاثه. كما وعلى اساس اراء بيانو اعتذر رسل من تأخره كثيرا في قراءة فريجه. ومن ثم وصفه ” انه يجب ان يكون متميزا “.

خامسا – ذكرنا في ثنايا هذا الفصل، بأن فريجه حصل على درجة الدكتوراه من جامعة جوتنكن. كان عنوان اطروحته “عرض هندسي للاشكال المتخيلة للسطح المستوي”

وذكرت التقارير الصادرة عن الجامعة بأن بحث فريجه، هو امتداد لعمل البرفسور جوهان كاوس في الجامعة ذاتها. وكاوس هو عالم الرياضيات، والذي يطلق عليه “امير الرياضيات”. وان اطروحته للدكتوراه كانت بعنوان ” المبرهنة الاساسية لعلم الجبر ” (1799)، وكتب في علم الحساب، وخصوصا في نظرية الاعداد (1808) التي ستكون موضوع اهتمام فريجه في نطاق فلسفة الرياضيات. وكذلك في موضوعات هندسية متنوعة، كما واشتغل بما عرف بمبرهنة العدد الاولي، اضافة الى صياغة انموذجية لعلم الحساب وذلك لمعالجة نظرية العدد.

ولعل من المفيد الاشارة الى ان البرفسور كاوس تساءل في وقت مبكرعن امكانية وجود هندسات لا اقليدية. ومن طرف اخر ان اثنين من طلابه في الدكتوراه، كانوا من معاصري فريجه، وهما كل من مورتز كانتور (1920 – 1829) وريتشارد ديديكند (1916 – 1831)، كانا من اخر طلاب الدكتوراه الذين درسوا تحت اشراف كاوس. وديديكند قد اشتغل على الجبر المجرد ونظرية الاعداد الجبرية. كما عرف بمبرهنته ” في الاعداد الطبيعية ” والتي حملت صياغات من مثل: مجموعة ن للاعداد الطبيعية. اما كانتور (وهو غير جورج كانتور) فقد تخصص في مضمار تاريخ الرياضيات، واشتهر بكتابه: التاريخ الشامل للرياضيات، والذي يتألف من اربعة مجلدات، والتي نشرت ما بين 1880 و1908.

ويبدو ان فريجه ظل يبحث ويفكر في مضمار الموضوعات التي اشتغل عليها امير الرياضيات كاوس. فمثلا ان اطروحة فريجه لما بعد الدكتوراه (الدكتوراه الثانية كشرط للعمل في الجامعة) كانت بعنوان ” طرق الحسابات المؤسسة على توسيع مفهوم الحجم “. وقد ذكرنا بأن فريجه قد كشف في هذه الاطروحة، لاول مرة عن اهتمامه بمفهوم الدالة ونظرية الاعداد. وهي موضوعات اشتغل عليها كاوس، كما وحاضر فيها كاوس في جامعة جوتنكن والتي بالتأكيد حضرها فريجه يوم كان طالبا. وخصوصا عندما كان طالب دكتوراه.

سادسا – رأينا في اوراق هذا الفصل ان خلافا قد وقع بين فريجه وعمانوئيل كانط. الخلاف الذي دار حول دور الحدس وطبيعة القضايا الحسابية. ان شطب فعل الحدس والنظر الى المفاهيم عامة والمفاهيم الحسابية كموضوعات. ولدت الكثير من المراجعات المعادية لمؤلفات فريجه، خصوصا مراجعة عالم الرياضيات الالماني جورج كانتور. ونشعر ان هذه القضية هي الاخرى تحتاج الى دراسة معمقة وذلك لان فريجه هو الاب الروحي للفلسفة التحليلية المعاصرة. والفيلسوف عمانوئيل هو واحد من رواد التحليلية النقدية والتي في نظر الجميع انها التقليد التحليلي الذي تربى عليه معظم فلاسفة التحليلية المعاصرة وفريجه واحدا منهم.

نقول ان التراث الفريجي بحاجة الى دراسة معمقة تكشف مقدار الحضور الكانطي فيها. كما ومن طرف اخر ان مثل هذه الدراسة مطالبة في الكشف عن علاقات التواصل والتقاطع مع الكانطية الجديدة التي كانت مزدهرة في الجامعات الالمانية يوم كان فريجه طالبا ومن ثم بروفسورا.

سابعا – ولدت نزعة فريجه لرفض الحدس الكانطي مشكلة التأرجح بين اقصاء تجريبية جون ستيوارت ميل التي وجد لها صدى واضح في القضايا البعدية التركيبية عند كانط، هذا طرف من المشكلة. اما الطرف الاخر فيتمثل في ان فريجه اعتمد على ديفيد هيوم في شرحه لمبدأ الذاتية والذي عرف بمبدأ هيوم في تراث فريجه، وهو بيان ” العلاقة الترابطية بين الفاءات والجيمات “. وهيوم هو رمز اخر من التجريبية الانكليزية. ونحسب ان المشكلة في جوهرها، هي عدم اتساق في التعامل مع التجريبية الانكليزية، فمن جهة نجده يستبعد رمز تجريبي ومن جهة اخرى فتح الباب لرمز تجريبي اخر للدخول الى مرابع فلسفة الرياضيات الفريجية.

كما ان المشكلة اعمق من ذلك، فهي لم تقف عند هذين الطرفين. وانما وجدنا ان هناك طرف ثالث حيث شكل مثلث المشكلة الفريجية في مضمار فلسفة الرياضيات. ان الطرف الثالث يجسد صورة اخرى من التجريبية (او الحسية) في التراث الفريجي. فمثلا في معالجة فريجه للاعداد ومن خلال مفهوم الجد، تمكن من تأسيس ما يسمى ” بالسلامة المنطقية المباشرة للبرهان ” وذلك عن طريق استخدام ” الاستقراء في الرياضيات “. ومن المتداول في الدوائر المنطقية، ان الاستقراء هو منهج العلوم التجريبية. ان كل هذا يتطلب دراسة معمقة تقارن بين ثمن التضحية بالحدس وثمن التأرجح بين استبعاد التجريبية وقبولها في مبدأ هيوم وتخفيها وراء السلامة المنطقية المباشرة للبرهان واستخدام الاستقراء في الرياضيات.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الأول / شتاء 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)

في مكتبة أوراق فلسفية

الدكتورة نداء إبراهيم خليل

سكرتيرة التحرير

لاحظنا منذ فترة ليست بالقصيرة:

أولاً- إن موقع الحوار المتمدن قد نشر مقالة متعجلة للكاتب حسين الموسوي القابجي بعنوان ” المرأة التي حملت عنوان الفيلسوفة الوحيدة في تاريخ الفلسفة كله ” العدد 3134 وبتاريخ 2010 / 9 / 24.

ثانياً- أن كاتباً صحفياً سعودياً، يبدو إنه يحمل لقباً أكاديمياً، هو الناقد معجب العدواني والذي عقد حلقة نقاشية بعنوان ” غياب المرأة الفيلسوفة ” ونشرت على موقع الرياض / العدد 14747 وبتاريخ 4 نوفمبر 2009 وهي أقدم من مقالة الحوار المتمدن.

ونحسب إن كلاهما قد لعبا دوراً في الترويج إلى ثقافة غير حقيقية ولا أحب أن أقول باطلة، لأن كليهما لم يقرأ تاريخ الفلسفة الغربية من مصادره التي كتبها الغربيون أو على الأقل المصادر الغربية التي كتبت بواحدة من اللغات الغربية. ولهذا جاءت أرائهم مجانبة للحقيقة وظالمة للمرأة الفيلسوفة وتاريخها الطويل.. ومكتبة أوراق فلسفية ستستمر في رفد الثقافة العربية والقارئ العربية بكل الزاد المعرفي الخاص بتاريخ المرأة الفيلسوفة المتنوع والثري. ونكون في هذا الطرف قد صححنا الخطأ الذي قد يقع فيه بعض الكتاب المتعجلون في دارنا الثقافية العربية على الأقل..

وإذا قبلنا كل ما يصدر من الكاتب الناقد الثاني، فأن عتبانا الكبير الكبير على موقع الحوار المتمدن الذي كنا نؤمن دائماً به، وبكونه صوت الموضوعية والفكر التقدمي. ولاعيب في تكوين عقلية جديدة تعترف بالخطأ وتشكر من أشار إليه وتنشر تصحيحا له. وبخلاف ذلك تضعف مصداقية الحوار ونخسر دعوة إلإحتفال الدائم بكونه متمدن..

تقديم :

هذه قراءة أكاديمية لمشروع تعاوني واعد، صدر باللغة الإنكليزية بعنوان “تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم” (600 ق.م – 500 م) وهو المجلد الأول. وقد أشرفت على نشره، وساهمت في معظم أبحاثه الفيلسوفة النسوية ماري آلين وايث. كما وشاركت ماري وايث في إنجاز هذا المشروع ثلاث زميلات باحثات لها، وهن كل من فيكي لين هربر، بيتريشا زيدلر، وكورتيلا ولفسكيل. وماري تحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة منيسوتا، وبكلوريوس في الفلسفة من جامعة نيويورك (كلية هينتر). من موضوعات إهتمامها:

أولاً – المساهمة النسوية في الفلسفة: من العصر القديم وحتى القرن العشرين

ثانياً – فلسفة السكان الأصليين

ثالثاً – البوذية، الطاوية، الهندوسية، الزرادشتية والإسلام والمدارس الفلسفية غير الغربية.

رابعاً – تاريخ الطب وفلسفة الطب

الكتاب في ميزان التقويم:

نحسب إن هذا المشروع الكتاب، هو واحد من الكتب المهمة في تاريخ الفلسفة الغربية وتاريخ الفلسفة من الزاوية الفمنستية على حد سواء. وعلى الرغم من هذه الأهمية فإن لدينا بعض التحفظات على هذا المشروع. ونبدأ أولاً بعنوان المشروع الكتاب. العنوان: تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم (600 ق.م – 500 م).

إذن العنوان من الشمول، والكاتب أو الأدق الحارث في هذا التاريخ العريض والذي يشمل أحد عشر قرناً، مطلوب منه أن يدرس مساهمة المرأة ومكانتها من خلال رسم صورة شاملة للمدارس والنزعات الفلسفية الواسعة والعميقة التي ظهرت في تاريخ الفلسفة الغربية العتيد. وهذه الأمنية المنهجية غابت من أوراق هذا المشروع المهم، وبدلاً منها كانت خيبة معجونة ببهجة ونحن نقرأ أوراق هذا المشروع، والتي تبرهن في كل صفحة من صفحاتها على الأقل ” إن المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية، ليست ناقصة عقل، بل صاحبة عقل راجح منتج، ولد فلسفة عقلية عالية، وحملت العديد من الشواهد الدالة على علو كعب المنتوج الفلسفي النسوي على الكثير الكثير من أنماط تفكير أندادها الرجال “.

والسؤال: ماذا قدم هذا المشروع الكتاب؟ وما حقيقة المساهمة النسوية الناجزة خلال الحدود الزمنية لهذا المشروع؟ أولاً سنقوم بقراءة مشروع كتاب تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم. ومن ثم سنقدم جوابنا عن السؤال الثاني وبالإعتماد على بحث أستاذي الدكتور محمد جلوب الفرحان، والمعنون: دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية (والمنشور على صفحات موقع الفيلسوف وموقع مجلة أفيروس الإلكترونية، ومن ثم تحول إلى موجة عارمة نشرته العشرات من المواقع الإلكترونية).

وجدنا أن عنوان الكتاب من الشمول حيث أشار إلى إنه تاريخ للفيلسوفات في العصر القديم وهذا حق. ولكن أبحاث المشروع ذهبت في إتجاه ضيق بحيث درست في فصول ثلاثة كبرى من المشروع فيلسوفات المدرسة الفيثاغورية فقط. والشاهد على ذلك

الفصل الأول والذي جاء بعنوان ” الفيثاغوريون الآوائل ” والذي كتبته ماري آلين وايث (أنظر: ماري وايث؛ تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم ). والفصل الثاني والذي كان بعنوان ” الفيثاغوريون المتأخرون ” وهو القسم الأول، والذي كتبته كلاً من ماري آلين وايث وفيكي لين هربر. والفصل الثالث والذي حمل العنوان ذاته ” الفيثاغوريون المتأخرون ” وكان القسم الثاني، والذي كتب بقلم ماري آلين وايث وفيكي لين هربر.

وإذا قبلنا هذا المشروع على إنه جزء من تاريخ الفيلسوفات اليونانيات، فإن هناك مشكلة كبرى لا نستطيع إن نتسامح فيها من الزاوية التاريخية التي إشتغل عليهاالمشروع وركز عليها العنوان بكلمة ” تاريخ “. وهي تاريخ الفيلسوفات من طرف وتاريخ الفلسفة الغربية من طرف آخر، والمشكلة هو إن تاريخ الفلسفة اليونانية لم يبدأ مع الفيثاغورية وإنما هناك مدرسة فلسفية تقدمت عليها، وإن هناك مدرسة وفلاسفة كانوا معاصريين لفيثاغورس المؤسس.

والشاهد الآخر على هذه المشكلة المنهجية، هو إن الكتاب ضم فصولاً لاحقة درست فيلسوفات ملطيات، كان لهن مكانة متقدمة وأسبق من الفيلسوفات الفيثاغوريات. وعلى هذا الأساس التاريخي لا نجد هناك مبرر من الناحية التاريخية أن نقدم المتأخر على حساب المتقدم والأسبق. ولاحظنا إن هناك عملية إنتقاء للفيلسوفات وتجاهل لدور فيلسوفات أخريات، كان لهن الدور المؤثر في مرحلة التأسيس الفلسفي في تاريخ الفلسفة الغربية. وهناك عملية إنتخاب أخرى قد حدثت لفيلسوفات من المدرسة القورينائية وصولاً إلى هبيشا وفيلسوفات المدرسة الإفلاطونية المحدثة.

دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية

لقد رسم الدكتور الفرحان في بحثه الرائد في الثقافة العربية، والمعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” مكانة المرأة في تاريخ التدوين الفلسفي النسوي ومنذ لحظة الإعلان عن دور للفيلسوفات، وبين دورهن في مختلف المدارس الفلسفية. فمثلاً:

أولاً- فيلسوفة اليونان رقم 1 ” أرستوكلي ” التي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد، والتي كانت معلمة للفيلسوف فيثاغوراس (580- 500 ق.م).

ثانياً- فيلسوفة اليونان رقم 2 ” ثيموستوكلي ” والتي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد، وهي الأخرى معلمة وأخت فيثاغوراس. وبالمناسبة إن الدكتور الفرحان قد أكمل الفصل الثاني والمعنون ” فيلسوفات البيت الفيثاغوري ” والذي ضم قائمة جديدة تتألف من عشرة فيلسوفات يونانيات، رسمن خطاً نسوياً متميزاً داخل مدرسة فلسفية واحدة، هي المدرسة الفيثاغورية، وهوخط يوازي خط الحركة النسوية في مجراها اليوناني العام (سيظهر في الأول من كانون الثاني على موقعي الفيلسوف ومجلة أفيروس).

ثالثاً- فيلسوفة اليونان رقم 3 ” إسبيشيا الملطية ” (470- 400) وهي رفيقة بريكلس (495- 429) السياسي ورجل الدولة اليوناني الشهير، والتي لعبت دوراً في قراراته..

رابعاً- فيلسوفة اليونان رقم 4 ” أريتا القورينائية ” عاشت وعملت في القرن الرابع قبل الميلاد. وهي بنت الفيلسوف القورينائي أرستبس (435- 356 ق.م).

خامساً- فيلسوفة اليونان رقم 5 ” هبريشا الماروني ” (350- 280 ق.م) وهي فيلسوفة كلبية وزوجة الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي المصري (334- 262 ق.م).

سادساً- فيلسوفة اليونان رقم 6 ” لونتن الأبيقورية ” التي إزدهرت في القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت تلميذة ” أبيقور ” (341-270) وهو المؤسس للمدرسة الأبيقورية.

سابعاً- فيلسوفة اليونان رقم 7 شهيدة الفلسفة الأولى ” هبيشا الأسكندرانية ” (ولدت مابين 350 و370 وقتلت 415 م) ورئيسة المدرسة الإفلاطونية المحدثة في عصرها، وهي بنت عالم الرياضيات ” ثيون ” (335- 405 م).

وبعد هذا هو الخط التاريخي العام للفلسفة اليونانية، وهؤلاء هن الفيلسوفات اليونانيات اللائي ينتمين لمدارس فلسفية يونانية متنوعة. (أنظر: محمد جلوب الفرحان: دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية، مصدر سابق ). أما كتاب ماري آلين وايث وأخريات، فعلى الرغم من إن عنوانه ” تاريخ النساء الفيلسوفات “، فكانت حركة التاريخ منسية ولم يتم الإلتزام بها، فهناك محاولات للقفز على التاريخ، وتقديم فيلسوفات، وسحب فيلسوفات من تاريخهن الحقيقي ومن ثم القيام بدراستهن في فصول لاحقة من الكتاب. ولعل الكلمة الأخيرة التي نقولها بحق هذا الكتاب البالغ الأهمية. إنه جاء إنتخابياً، درس مجموعة فيلسوفات وخلال تاريخ طويل إمتد من 600 قبل الميلاد وإلى 500 بعد الميلاد.

تعقيب :

وأخيراً نقول لكاتب المقال على صفحات موقع الحوار المتمدن، والكاتب الصحفي السعودي، ألا يكفي هذه القائمة من الفيلسوفات اليونانيات، من قبول الحقيقة بأنه ” ليست هناك فيلسوفة واحدة ” كما أن الفيلسوفة المرأة ليست مغيبة، وإنما هناك قوائم من أسماء الفيلسوفات النساء اللامعات اللائي لعبن دوراً فاعلاً في تعليم فلاسفة رجال كبار مثل فيثاغوراس مثلاً. ولعل القائمة الثانية التي يحملها مقال الدكتور الفرحان المعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية ” والذي نوهنا إليه في مقدمة المقال شاهد صارخ يرد على التزوير والتلفيق الصادر بحق المرأة الفيلسوفة. وهناك مقال ثالث ورابع وخامس وسلسة طويلة ستقدم قوائم مضافة عن الفيلسوفات النساء.

 

About these ads
This entry was posted in مقدمة في الأبستمولوجيا, مكتبة أوراق فلسفية جديدة, أوراق فلسفية جديدة / العدد 1, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, اليسار الهيجلي : لا يساراً ولا هيجلياً, الدكتور شاكر الساعدي, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم, جوتلوب فريجه : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

رد واحد على العدد الأول / مجلة أوراق فلسفية جديدة / شتاء 2011

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s