مجلة أوراق فلسفية جديدة / الفلسفة اليونانية بعيون مؤرخيها / العدد الثاني / ربيع 2011

أوراق فلسفية جديدة 

————————————————————————–

الفلسفة :  حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

—————————————————————————-

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثاني / ربيع 201

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

ربيع 2011 

—————————————————————-     

الكتاب الجديد للدكتور محمد الفرحان

الفلسفة اليونانية بعيون مؤرخيها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثاني / ربيع 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN     Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يصدرها مركز دريد للدراسات  – كندا

رئيس التحرير – الدكتور محمد الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    هذا هو العدد الثاني من مجلة أوراق فلسفية جديدة . وهو عدد إحتفالي بربيع هذه المجلة المتخصصة في شؤون الفلسفة . وهذا العدد المتفرد جديد بكل فصوله في دارنا الثقافية العربية المعاصرة .

  محور هذا العدد جاء بعنوان

الفلسفة اليونانية بعيون مؤرخيها

وضم خمسة أبحاث ، وهي

أولاً – فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية

ثانياً – ديوجانس لارتيوس وموسوعته ” حياة وأراء مشاهير الفلاسفة “

ثالثاً – فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية

رابعاً – إمبليكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية

خامساً – وكتبت الدكتورة نداء إبراهيم خليل بحثها المتميز في التاريخ الفلسفي النسوي المعاصر وبعنوان ” الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي جونز

وهو مساهمة جادة في تاريخ المرأة الفيلسوفة والحركة الفمنستية على حد سواء

 نتطلع من هذا العدد أن يلبي حاجات القراء وطلبة الفلسفة ومحبي الحكمة من الباحثين والأكاديميين في وطننا العربي الجديد .

                                                     رئيس التحرير

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثاني / ربيع 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

تقديم :

  كتب الفيلسوف السفسطائي ” لوكيوس فيلافيوس فيلوستروتس ” (170 – 247 م) في بدايات النصف الأول من القرن الثالث الميلادي عملين في غاية الأهمية في تاريخ الفلسفة اليونانية خاصة وفي تاريخ الثقافة اليونانية عامة . كان الأول بعنوان ” حياة أبولونيوس ” . وكان الثاني بعنوان ” حياة السفسطائيين ” . ولعل أهمية فيلوستروتس في التاريخيين الفلسفي والثقافي اليونانيين يعود إلى إنه قرأ لنا تاريخ الفلسفة اليونانية ، وبالتحديد حياة الفيلسوف الفيثاغوري الجديد أبولونيوس بعيون سفسطائية . فالرجل كان علم من أعلام الحركة السفسطائية ، ومن أشهر خطباء عصره . كما إننا سنكون على الأقل من خلال أوراق هذا البحث نقرأ كتاباً كتب عن السفسطائيين بقلم سفسطائي ، وكان نتاج عقل سفسطائي متفرد .

  ومن هنا تتحدد مكانة وأهمية أراء ومنهجية فيلوستروتس ودرجات موضوعيته في القرائتين : قراءة تاريخ الفلسفة وبالتحديد في جزئية منها ، وهي حياة الفيلسوف أبولونيوس ومن خلالها المدرسة والتراث الفلسفي الفيثاغوريين . و قراءة تاريخ الحركة السفسطائية وفكرها المناوئ على الأقل لطرف من فلسفة سقراط ، وإفلاطون وأكاديميته وفلاسفتها ، وأرسطو ومدرسته المشائية وفلاسفتها (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة السفسطائية / قيد الإنجاز) .

  إننا نحسب إن العملين اللذين كتبهما فيلوستروتس ، يقدمانه مفكراً مؤرخا يقرأ تاريخ الفلسفة بعيون متحررة من الإنتماء إلى التراث الفلسفي في مجراه العام . وهو من ناحية يقدم لنا قراءة السفسطائي للتراث السفسطائي ، بعد إن ظلم هذا الفكر وهذه الثقافة السفسطائية لقرون عدة ، على يد الفلاسفة خصومهم ، فقيل الكثير الكثير من الباطل بحقهم ، بل ولفقت بأقلام الفلاسفة كتب تشرح طبيعة المنهج والثقافة السفسطائيين . كان الهدف منها إشاعة ثقافة سوداء عن السفسطائيين والسفسطة وهي الحركة التي إنتصرت إلى الإنسان ، وكانت موجة ثقافية لبت متطلبات العصر وعلمت جيل من المفكرين والخطباء والسياسين ومنهم فلاسفة ( والبعض يشمل سقراط تلميذاً لهم ردحاً من الزمن) .

  ودارت حركة دواليب التاريخ بصورة معكوسة ، فدخلت الحركة السفسطائية في معاقل الهجوم والتجريح ، والإتهام ، بل والأصعب وجهاً إن شوهت صورتها ولفقت عنها مقالات لم تصدر عن أقلام فلاسفتها إطلاقاً . وهكذا تجد محاورات كتبها إفلاطون هاجم فيها الحركة السفسطائية وفلاسفتها (وهنا أشدد على الفلسفة والفلاسفة السفسطائيين) وتابعه في هذا النهج فلاسفة أكاديميته .

  ومن ثم إنبرى التلميذ أرسطو فكتب واحداً من كتب مجموعته المنطقية بعنوان ”  في السفسطة ” وقدم نقداً وتهكماً على المنهج والحجج السفسطائية (وهنا أريد التذكير إلى إن المؤرخ اليوناني أكسانوفان وهو تلميذ سقراط قد كتب من زاوية المؤرخ مجموعة محاورات عن حياة سقراط ومحاكمته وإعدامه مثل محاورة الدفاع وسيمبوزيوم ..(المهم هنا أدعو الباحثين إلى دراسة موقف سقراط من الفلسفة السفسطائية في ضوء ما حكاه إفلاطون وما ذكره أكسانوفان) وتابع أرسطو في هذا التقليد فلاسفة مدرسته المشائية من يونان ، ويهود ومسلمين ومسيحيين .

  وإذا كانت هناك عدواة مكشوفة بين سقراط أولاً ، ومن ثم تلميذه إفلاطون وفلاسفة أكاديميته اللذين ورثوا هذا الكره من أستاذهم إفلاطون ثانياً ، وهذا الحال ينطبق على تلميذ إفلاطون الفيلسوف أرسطو ثالثاً وذلك بسبب إتهام الحركة السفسطائية عامة بأنها كانت وراء التهم التي وجهت إلى سقرا ط ومن ثم على أساس شهادة إثنين أو ثلاثة من السفسطائيين اللذين قدموا الدعوة ضد سقراط في المحكمة . ومن ثم أصدرت القرار بإعدام الفيلسوف سقراط  . فأننا نجد إنه من الغريب إن الفلاسفة العرب اللذين لم تكن لديهم عداوة مع السفسطائيين ولم يكونوا سبباً في إعدام فيلسوف عربي منهم ، قد كتبوا مقالات هاجموا السفسطة والسفسطائيين دون وجه حق تاريخي ودون أساس فلسفي . ولعل السبب الوحيد الذي حمل فلاسفة العرب (وهذا يشمل المشائيين من اليهود والمسيحيين) على كتابة هذه المقالات ضد السفسطة ، يعود إلى متابعتهم أرسطو ، وتقليده في مشروع هجومه على المنهج والحجج السفسطائية من زاوية المنهج الآرسطي وحججه المنطقية .

  ومن هنا تأتي أهمية كتابات فيلوستروتس في تقويم الحركة الفلسفية . ولعل المهم منها تقديم قراءة لتاريخ الفلسفة السفسطائية بقلم واحد من فلاسفتها في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي . ويبدو لنا إن سلطة هذا الفيلسوف السفسطائي المعرفية المتفردة ، تأتي من إنه كان يعمل في البلاط الإمبراطوري الروماني الذي كان كما يبدو لنا مناصراً للسفسطائية (هناك إشارات تاريخية إلى إن حفيدة الأمبراطور كانت سفسطائية ، وكانت الإمبراطورة جوليا دومينا من مناصريه وهي التي كلفته بكتابة موسوعته حياة أبولونيوس) ، قد وفر لفيلوستروتس حماية وسطوة ، مكناه من إن يكتب بحرية دون خوف أو تردد . فكانت الحصيلة كتابيه التاريخيين : حياة أبولونيوس الفيثاغوري ، وحياة السفسطائيين .

 أما هذا البحث فيهدف إلى إنجازدراسة تغطي المحاور الآتية :

أولاً – تقديم صورة كاملة عن شخصية الفيلسوف السفسطائي والخطيب الروماني ، والفيلسوف الفيثاغوري الجديد(ومن يرى الإفلاطوني المحدث) ” لوكيوس فلافيوس فيلوستروتس ” إنساناً وفيلسوفاً وخطيباً وكاتباً (ونتحفظ على إصطلاح الفيلسوف الإفلاطوني المحدث بالمعنى المدرسي الصارم ، ولكن نقبله أفقا ثقافيا عاما) .

ثانياً – هل فيلوستروتس السفسطائي فيثاغوري جديد ؟ أم إنه سفسطائي عاش وعمل في أفق ثقافي إفلاطوني جديد (أو محدث كما أطلق عليه المحدثين) ؟

ثالثاً – فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية (الفيثاغورية) وذلك من زاوية كتابه المعنون ” حياة أبولونيوس ” .

رابعاً – تحليل كتاب فيلوستروتس ” حياة أبولونيوس ” . أما كتابه ” حياة السفسطائيين” فسيكون موضوع بحث مستقل (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة السفسطائية / قيد الإنجاز) .

لوكيوس فيلوستروتس إنسانا وفيلسوفا

  ما هي المعلومات المتوافرة لنا عن حياة هذا الفيلسوف السفسطائي ؟ وهل هي من الوفرة والكفاية بحيث تمكننا من رسم صورة وافية شاملة عن هذا الرمز الفلسفي والمؤرخ للفلسفة اليونانية (في جزئية منها وهي حياة الفيثاغوري الجديد أبولونيوس) والفلسفة السفسطائية على حد سواء ؟ الحقيقة إن المعلومات التي تقدمها لنا المصادر ضئيلة جداً . ورغم ذلك سنحاول رسم صورة عن حياته والعصر الذي عاش وكتب مؤلفاته فيه .

  أولاً نحسب أن نشير إلى إن هناك تداخل بين إسم الفيلسوف وإسم والده وصهره وحفيده . ولذلك فضلنا أن نطلق على فيلسوفنا إسم ” لوكيوس فيلوستروتس ” تميزاً له عن إسم والده وصهره وحفيده اللذين يحملون جميعاً الإسم ” فيلوستروتس ” ذاته . كما وتطلق عليه المصادر لقب ” الآثيني ” وهذه دلالة على إن الرجل لم يكن في الأصل أثينياً ومن ثم أصبح أثينياً بالمواطنة ، وهذه قضية سيوضح البحث أصولها .

  وتضيف المصادر التي إعتنت بحياته إلى إنه كان ” سفسطائياً يونانياً ” عاش وعمل وكتب خلال فترات من عصور الإمبراطورية الرومانية . وإن والده فيلوستروتس كان من ” صغار السفسطائين في أيامه ” . وهناك إحتمال على إن الفيلسوف السفسطائي لوكيوس فيلوستروتس ولد في عام 170 م .

  ووفقاً لموسوعة سودا* فأن السفسطائي لوكيوس عاش وعمل خلال فترة حكم الإمبراطور الروماني ” فيليب العربي “** التي إمتدت من 244 إلى 249م . وإن وفاة لوكيوس فيلوستروتس كانت في مدينة صور اللبنانية عام 250 م . ولذلك نحسب إن السفسطائي لوكيوس عاش صورياً لبنانياً ، ومات صورياً لبنانياً ، وإن ذهب الى أثينا وإستقر ردحاً من الزمن في روما حيث أطلق عليه اللقب ” الآثيني ” .

ــــــــــــــــــــــــ

  * موسوعة سودا : هي موسوعة بيزنطية ضخمة ، كتبت في القرن العاشر الميلادي ، وتناولت كل ما له علاقة بثقافات وقضايا البحر المتوسط القديم . وتنسب إلى مؤلف إسمه ” سودس ” . ولعل الكثير من المعلومات الواردة فيها ، قد تم إقتباسها من مصادر قديمة تعد اليوم في عداد المصادر الضائعة . وسودا كلمة يونانية تعني ” الحامية أو الحصن ” وكتبنا التاريخية القديمة تطلق عليها ” الثغور ” . والحقيقة ينظر إلى سودا من طرف تصنيف جنس كتابتها ، على إنها تتوزع ما بين ” قاموس نحوي أو لغوي” ، وموسوعة بالمعنى الحديث ( أنظر : كاسهولم هيك ؛ الموسوعة البريطانية ، ط 11 ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1911) . ومن خطة الباحث الكتابة عن هذه الموسوعة ، مصدراً من مصادر الفلسفة اليونانية .

   ** والإمبراطور الروماني ” فيليب العربي ” ، هو ماركوس يوليوس فيليبس (204 – 249 م) . والذي ولد في شهبا التي تقع في الجنوب الشرقي من دمشق السورية . وعادة ما يطلق عليه إسم ” فيليب العربي ” . وبعض الأحيان ” فيليبس العروبي ” . وجاء اللقب العربي بسبب إن إصول عائلته من المحافظة الرومانية العربية . والواقع إن الكثير من المؤرخين يتفقون على إنه من إصول عربية ، ومن ثم أصبح مواطناً في الإمبراطورية الرومانية ( أنظر : كلين بورسوك ؛ المناطق العربية الرومانية ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1994 ، ص 122) . (وشاهد الباحث بعينه إن أسم فيليب العربي منقوشاً على بقايا أثار مدينة الشمس في منطقة الحضر القريبة من مدينة الموصل العراقية)  . 

   وتدرج فيليب العربي في المناصب حتى أصبح رمزاً كبيراً في الإمبراطورية . ولكن الحروب الطويلة بين الإيرانيين والرومان كانت سبباً وراء صعود فيليب العربي إلى كرسي الإمبراطورية . فبعد معارك ضارية تمكنت الجيوش الإيرانية من عبور نهر الفرات ، فقاتلتها القوات الرومانية بقيادة الأمبراطور جورديان الثالث (225 – 244 م) . ولكن القوات الإيرانية تمكنت من دحرها في منطقة الفلوجة العراقية . وفي أثناءها مات جورديان الثالث لأسباب غامضة . وبسرعة أصبح فيليب العربي الإمبراطور الجديد ، وناقش مع الساسانيين خطة السلام ( أنظر : فيليب العربي ، الموسوعة الكاثوليكية ، نشرة مطبعة روبرت أبليتون ، نيويورك 1913) .

  ومن زاوية المصادر المسيحية المبكرة ، فإنها ترى إن الإمبراطور فيليب العربي كان متعاطفاً مع العقيدة المسيحية . وإن بعضها ذهب إلى أبعد من ذلك ، فرأى إنه إعتنق المسيحية ، وأصبح أول إمبراطور مسيحي . ولكن في الحقيقة إن المصادر تتنازع فيما بينها حول هذه القضية . ونهاية فيليب العربي كانت مأساوية فقد قتل بيد المتمردين عليه . وإن هذا التمرد قد جلب إمبراطوراً جديداً هو ” دسيوس ” (201 – 251 م) وأصبح إمبراطوراً للفترة من 249 وإلى 251 والذي قتل هو الآخر (أنظر : كاسهولم هيك ؛ المصدر السابق) .

ــــــــــــــــــــــ

  وتشير المصادر إلى إن السفسطائي ” فيلوستروتس ” في الأصل من ليمونز ، وعلى أساس هذه الرواية فقد صرف الصبي لوكيوس فيلوستروتس معظم فترة صباه في ليمونز ، خصوصاً ما يتعلق بتعليمه الأولي الذي لا نعرف عنه شيئاً . ولما كان والده سفسطائياً ، فقد أرسله ” وكان يافعاً ” إلى آثينا لدراسة الخطابة (وهو الفن الذي يرتبط ببرنامج التعليم السفسطائي بصورة عامة) . وتحت إشراف معلم الخطابة بروكلس النقريطيسي (نسبة إلى مدينة نقريطيس المستعمرة اليونانية على الأراضي المصرية) والذي عاش في القرن الثاني الميلادي . والذي ذهب يافعاً إلى أثينا وأصبح تلميذ السفسطائي ” أدرنيوس الصوري ” (113 – 193) . وكانت لبروكلس مدرسة للخطابة في مدينته المصرية ، إلا إن الأوضاع غير المستقرة حملته إلى الإنتقال إلى أثينا ، وكان يقلد في إسلوبه التعليمي منهجي السفسطائيين : هيبياس وجورجياس . وفي أثينا كان فيلوستروتس تلميذا في حلقته أومدرسته (أنظر: صمويل شاربي ؛ تاريخ مصر : من العصور المبكرة إلى الإحتلال العربي سنة 640 م ، ط 4 ، المجلد الثاني ، ص 209 وما بعد) .

  ومن ثم درس السفسطائي فيلوستروتس تحت إشراف معلمين أخرين ، من أمثال  ” دامينيوس الإفسوسي ” وكل ما نعرف عنه إنه ” عالم خطابة يوناني ” ، و ” أنطيبتر هيروبولس ” (إزدهر في عام 200 م) وهو سفسطائي وعالم خطابة ، وكان متميزاً على معاصريه في كتابة الرسائل وتنسب له سيرة ذاتية كتبها عن الإمبراطور الروماني ” سيبتيميوس سيفريوس ” (أنظر: فيركز ميلر ؛ اليونان الشرقية والقانون الروماني / مجلة دراسات رومانية ، المجلد 89 سنة 1999 ، ص 90 ومابعد) .

 ولا حظ الدارسون إلى إن لوكيوس فيلوستروتس قد بدأ عمله كسفسطائي بعيد إكمال برنامجه التعليمي ، والذي إمتد للفترة من عام 203 وإلى 208 . وفعلاً فأنهم يذكرون بأن معلمه ” أنطيبتر” هو الذي رسم ملامح مستقبله ، وذلك حين قدمه إلى بلاط الإمبراطور ” سيبتيميوس سيفريوس ” (125 – 211 م) . وكانت زوجة الإمبراطور ” جوليا دومانيا ” النصير القوي للسفسطائي لوكيس فيلوستروتس وحتى موتها (أنهت حياتها بنفسها) في العام 217 م . وإذا كان في الطرف الأخير من العبارة السابق ، ما يؤيد قوة الحماية السياسية التي توافرت للسفسطائي فيلوستروس . فإضافة إلى الإمبراطورة فإن واحداً من أنصاره اللذين كانت لهم مكانة في الحياة السياسية والثقافية ، هو الحكيم الأرستقراطي اليوناني ” لوكيوس أتيكيوس هيرودس ” (101 – 177 م) الذي كان سنتوراً وسفسطائياً . وبالتحديد كان من أنصار ” السفسطائية الثانية ” التي دعا إليها فيلوستروتس (أنظر: أي . ج . بابليس ؛ هيرودس أتيكيوس / مجلة تاريخ التربية ، المجلد 21 ، العدد الثاني (صيف 1981) ص 171 وما بعد) .

  لقد وفرت فرصة العمل في البلاط الإمبراطورية  للسفسطائي فيلوستروتس مناسبات الترحال والتعلم والكتابة . فمثلاً تذكر المصادر التي كتبت عنه وعن البلاط والإمبراطورة ” جوليا دومانيا ” إنه بعد إن ذهب الإمبراطور إلى بريطانيا للحرب ، ظل فيلوستروتس بصحبة العائلة الإمبراطورية ، وبقي حتى وفاة الإمبراطور خلال الحرب . وكان يسافر مع العائلة . ومرة ذهبت إلى زيارة تاينا (في تركيا الحديثة) . وهناك زار المعبد المخصص للمعلم الفيثاغوري الجديد أبولونيوس ، والذي كانت متداولة عنه أخبار المعجزات والكرامات والسحر ، والتي سيذكرها فيلوستروتس في كتابه ” حياة أبولونيوس ” . كما ويعتقد بعض الباحثين الأكاديميين الغربيين ” إنه خلال هذه الزيارة ، طلبت الإمبراطورة جوليا دومانيا من فيلوستروتس كتابة مؤلف عن حياة أبولونيوس ” . وفعلاً فأن فيلوستروتس أهدى هذا الكتاب إليها .

  ويبدو إن السفسطائي فيلوستروتس قد صرف بعض الوقت في إنطاكيا . ومن غير المعروف متى قابل فيلوستروتس الإمبراطور الجديد جورديان ، والذي أهدى له كتابه المعنون ” حياة السفسطائيين ” . كما وإن هناك القليل من المعلومات المتوافرة لدينا عن الوقت الذي صرفه بعد وفاة الإمبراطورة جوليا في العام 217 م . ويرجح الباحثون إلى إنه ربما صرف بعض وقته في مدينته صور (المدينة الفينيقية) ، ومن ثم عاد إلى أثينا ، وإنضم من جديد إلى حلقات المثقفين والسياسيين العالية في اليونان . وقد أقيم له تمثالاً في الأولومبيا تشريفاً له قبل وفاته ، والتي يرجح إنها حدثت للفترة ما بين عامي  244 و249 .  

  ولاحظنا إن هناك عدداً من الباحثين من يرى إن هناك بعض الغموض يلف الإسم الأول للفيلسوف السفسطائي لوكيوس فيروستروس ، والمقصود ” فيلافيوس ” والذي ظهر مكتوباً على كتاب ” حياة السفسطائيين ” . ومن هؤلاء المؤرخ السفسطائي يونبيوس (عاش فيما بين القرنيين الرابع والخامس) والذي كان مؤرخا في كتابه ” حياة السفسطائيين “ً لثلاثة وعشرين فيلسوفاً وسفسطائياً (أنظر : يونبيوس ؛ حياة السفسطائيين ، ترجمة ويلمير كيف رايت ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921 . والباحث يشتغل على إنجاز بحث بعنوان ” السفسطائي اليوناني يونبيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية) . وفي كتابات السفسطائي والأسقف القورينائي الليبي سينسيوس (373 – 414 م) والذي كان واحداً من طلاب الفيلسوفة الإفلاطونية المحدثة الشهيدة هبيشا والذي إستمر على مراسلتها رغم قبوله لكرسي الأسقفية (أنظر : ت . د . بيرنس ؛ سينسيوس في إسطنبول ، مجلة الدراسات اليونانية والرومانية البيزنطية / العدد 27 ، 1986 ، ص 93 وما بعد) . وكذلك وفقاً لما أوردته شهادة الشاعر وعالم النحو البيزنطي ” جون تازتزيس ” (1110 – 1180 م) والمشهور عنه إنه عاش في القرن الثاني عشر الميلادي في إسطنبول ( أنظر : كاسهولم هيك ؛ المصدر السابق) والثلاثة كانوا يطلقون على ” فيلوستروس ” لقب ” اليموني ” وذلك نسبة إلى جزيرة ليمونز . أما البطريق والمؤرخ العلماني ” فوتيوس الإسطنبولي ” (810 – 893 م) *** فيطلق عليه في رسائله لقب ” الآثيني ” (وبالمناسبة فإن فيلوستروتس صوري وفوتيوس صوري برأي البعض) (أنظر : ورين تريدكولد ؛ البطريق فوتيوس الإسطنبولي : حياته ، مساهمته في البحث ومراسلاته ، مع ترجمة 52 رسالة من رسائله قامت بها ديسبينا وايت / مجلة مراجعات ، إكتوبر 1983) ، ومن المحتمل إن يكون لقب ” الآثيني ” يعود إلى إن مسقط رأس المؤرخ السفسطائي فيلوستروتس كان في جزيرة ليمونز (وهي جزيرة يونانية تقع في الجزء الشمالي من بحر إيجه ).

ـــــــــــــــــــــــــ

*** كان البطريق فوتيوس الإسطنبولي موضع جدل حتى وصلت الأمور إلى إن قاطعته الكنيسة ومن ثم نفيه . وكان مثقفاً ثقافة عالية وذو ميول علمانية معلنة . ولعب دوراً في العمل الدوبلوماسي فذهب إلى بغداد وسامراء ومن ثم نفي إلى بغداد فعاش محنة .. كتب أول موسوعة بيزنطية في القرن التاسع الميلادي . وكانت بعنوان ” بيبلوثيكا ” وهي مجموعة نصوص منتزعة من كتابات قديمة ، ويقال إنه ألفها بالإعتماد على 279 كتاباً ( أنظر : د . راينولدز و ج . ويلسون ؛ النساخ والباحثون : دليل في الأداب اليونانية واللاتينية ، ط3 ، نشرة مطبعة كلارندون ، أكسفورد 1991 ، ص 321) . وهي تتقدم بقرن من الزمن على الموسوعة البيزنطية سودا التي كتبت في القرن العاشر الميلادي).

ـــــــــــــــــــــــــــ

  وفعلاً فأن السفسطائي فيلوستروتس قد درس في أثينا ، ومن ثم علم فيها ردحاً من الزمن ، وبعد ذلك تحول إلى روما وإستقر فيها (وربما في روما أطلق عليه لقب الآثيني) . وحقيقة إن السفسطائي فيلوستروتس الصوري كان عضواً متميزاً في حلقة المثقفين الذين أحاطوا بالفيلسوفة الإمبراطورة ” جوليان دومانا ” (170 – 217 م) وهي سورية من حمص ومن إصول عربية (أنظر: عرفان شهيد ؛ روما والعرب (بالإنكليزية) نشرة مكتبة أوكس للبحث ، واشنطن 1984 ، ص 167) .

مؤلفات السفسطائي فيلوستروتس

 يتفق المؤرخون على إن هناك أربعة كتب على الأقل كتبها الفيلسوف والمؤرخ السفسطائي فيلوستروتس ، وهي :

أولاً – حياة أبولونيوس التايني

  هذا الكتاب يحكي قصة الفيلسوف والمعلم الفيثاغوري الجديد أبولونيوس التايني (3 ق . م – 97 م ) . وهو من الكتب المبكرة التي كتبها فيلوستروتس . فقد بدأ بكتابته سنة 217 وإنتهى منه سنة 238 . والحقيقة إن فيلوستروس قد كتبه للفيلسوفة العربية الأصل الإمبراطورة ” جوليا دومانا. إلا إنه لم يكمله في حياتها فأتمه بعد موتها (أنظر : فيلوستروتس ؛ أبولونيوس التايني ، ترجمة كريستوفر جونز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية ، 3 مجلدات) . وهذا الكتاب سيكون موضوعاً لمحور من محاور بحثنا الحالي . ولكننا أعتمدنا على أول ترجمة لهذا الكتاب ظهرت باللغة الإنكليزية وقام بها الأستاذ  أف . س . كونيبير .

ثانياً – حياة السفسطائيين

  ألف فيلوستروتس هذا الكتاب للفترة مابين عامي 231 و237 . وهو ما يشبه تاريخ السير وركز فيه على السفسطائيين اليونان . وقد أهداه إلى القنصل ” إنطونيوس جورديانوس ” (192 – 238 م)  الذي قتل عام 238 بعد أن أصبح هو ووالده إمبراطوراً لمدة شهر واحد (أنظر: سايمي رونالد ؛ الإمبراطور والسيرة ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1971 ، الصفحات من 5 وما بعد) . وسنعالج موضوعات هذا الكتاب في بحث مستقل وبعنوان ” السفسطائي فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة السفسطائية ” .

  والحقيقة إن الإشكال الذي يواجه الباحث في أعمال فيلوستروتس الآخرى ، يعود إلى إن إسم فيلوستروس يحمله أعضاء أخرين من عائلته . فقد كان أبوه وصهره وحفيده يحملون الأسم فيلوستروس ذاته ، وكانوا جميعهم مؤلفين كذلك . وبذلك ظلت بعض الكتابات التي تنسب إلى فيلوستروتس موضوع تنازع بين الباحثين (ومن خطط الباحث ، إنجاز بحث بعنوان ” فلاسفة سفسطائيون من بيت واحد ” سيضم جميع فلاسفة فيلوستروتس) .

ثالثاً – الألعاب الرياضية (الجيمناستيك)

 ألف فيلوستروتس هذا الكتاب عام 220 م . وهو عبارة عن تفسيرات وأحكام تتعلق بالإلعاب الآولمبية وآراء رياضية عامة (أنظر: كاسهولم هيك ؛ مصدر سابق / مقال منشور في الإنسكلوبيديا البريطانية) .

رابعاً – رسائل في الحب (أبستوليا)

  وهي مجوعة رسائل ذات طابع عاطفي شهواني (جنسي) . ويحس القارئ بالروح المرحة لهذه الرسائل وبحضور واضح للشعراء الإسكندرانيين في ثناياها . ولا يعرف تاريخ لكتابتها ولا لنشرها (أنظر للإطلاع التفصيلي : فيلوستروتس ؛ الرسائل ، ترجمة أي . أر . بينر و أف . فوبيس ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1949) .    

  ويرى كثير من الباحثين إلى إن الدليل الداخلي لكتابي ؛ حياة أبولونيوس ، وحياة السفسطائيين ، يؤيد إن مؤلفهما هو كاتب واحد ، وهو ذاته السفسطائي فيلوستروتس هذا طرف . أما الطرف الثاني فهم يجمعون على إن كتاب حياة السفسطائيين قد ترك تأثيراً كبيراً على كتاب الفترة اللاحقة ، خصوصاً الكتاب اللذين عاشوا وكتبوا تحت ظلال الإفلاطونية المحدثة . إضافة إلى إن الفيلسوف السفسطائي يونبيوس سيأتي على الأقل بعد أكثر من قرن من الزمن على وفاة فيلوستروتس ليكتب كتاباً بالعنوان ذاته ” حياة السفسطائيين ” أو كما يطلق عليه البعض من الأكاديميين الغربيين ” حياة السفسطائيين والفلاسفة ” والذي درس فيه ثلاث وعشرين فيلسوفاً وسفسطائياً على حد سواء .     

فيلوستروتس السفسطائي : بين الفيثاغورية الجديدة والإفلاطونية المحدثة (الجديدة)

  هل كان فيلوستروتس فيلسوفا إفلاطونيا محدثا بالمعنى المدرسي الصارم ؟ أم إن المقصود بالإفلاطونية المحدثة حركة فلسفية عارمة طبعت الفترة التي عاش فيها الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس ، وكانت أفقا ثقافيا عاما ومظلة فلسفية مفتوحة لجميع الإتجاهات الفلسفية والفلاسفة ، مثل الفيثاغورية ، والشكاك ، والسفسطائية والرواقية والأبيقورية … وهذا فعلاً ما حدث مع الفيلسوف والمؤرخ ديوجانس لارتيوس والذي حسبه البعض إفلاطونياً محدثاً قبل الإعلان التاريخي عن موجة فلسفية جديدة أطلق عليها المحدثون ” الإفلاطونية المحدثة ” (أنظر : محمد جلوب فرحان ؛ ديوجانس لارتيوس ، موقع الفيلسوف ) . وأحسب إن الذي حدث مع ديوجانس لارتيوس والذي كان بمنظار البعض أبيقورياً ، وفي رؤية أخرين كان من الشكاك ، تجدد مرة أخرى مع الفيلسوف السفسطائي فيلوسترتوس .

  صحيح جداً إن أبولونيوس هو واحد من رواد الفيثاغورية الجديدة وذلك لأنه عاش وعمل في القرن الأول الميلادي ، وهو القرن التي إنتعشت فيه الفيثاغورية والأفلاطونية وشكلتا أفقاً فلسفياً ، كان متسامحاً مع كل التراث الفلسفي اليوناني . ومن ثم توسع مع أمونيوس ساكس في حدود التسامح ليجد الفكر الشرقي موقع قدم له ، وأخذ بالتحديد مع إفلوطين يتطلع للإنفتاح على التراث الأيراني . والشاهد التاريخي يؤكد على إن إفلوطين ذهب في حملة إلى هناك ولكن الحملة واجهت الفشل ففر عبر الصحراء وعاد بجلده إلى أثينا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري اللبناني مؤرخاً للفلسفة اليونانية / موقع الفيلسوف وكذلك مجلة أوراق فلسفية /العدد الثاني أبريل 2011)  . هذا الحال الثقافي الجديد مع الفيثاغورية الجديدة التي ينتمي إليها أبولونيوس والأفق الثقافي الذي سيعرف بالإفلاطونية الجديدة الذي سينتمي إليه فيلوستروتس السفسطائي كانتا ظاهرة العصر المعرفية الثقافية يومذاك .

  ولذلك نرجح إن فيلوستروتس كان فيثاغورياً جديدا وبما إن الإفلاطونية المحدثة قد إستبطنت الفيثاغورية وأفصحت عن سعة إفقها للتيارات المتنوعة أن تجد فيها أفقاً فلسفيا متسامحاً ليس فقط مع التراث الفلسفي اليوناني المتنوع في مجراه العام بل فتحت أبوابها للتراث الروحي الشرقي وخصوصاً المصري . ولعل كتاب ” الأسرار المصرية ” الذي كتبه إمبليكوس السوري رئيس مدرسة الإفلاطونية السورية أو الذي كتب من قبل ورثته على المدرسة السورية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : إمبليكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مصدر سابق) ، دليل على روح الإنفتاح والتجديد التي نشعر إن السفسطائي فيلوستروتس رحب بها وعمل في إجواءها وتناغم مع نبضها الفلسفي الجديد .

  ورغم هذه الحقيقة إلا إن فيثاغورية فيلوستروتس تعلو على كل الإحتمالات ، وإن حقائق تاريخ الإفلاطونية المحدثة يقف مؤيداً على إن فيلوستروتس كان فيثاغورياً ولم يكن إفلاطونياً محدثاً ، وذلك للحقائق التاريخية الأتية :

أولاً – إن الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس ولد 170 ميلادية ومات بحدود 247 ميلادية . وإن المؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة ” أمونيوس ساكس ” (إزدهر في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي) ولم يترك شيئاً مكتوباً ، وإن كل ما خلفه محاضرات شفهية درسها لأفلوطين ، والذي يعد بدوره المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة ، والذي ولد في عام 204 ميلادية والتي كان في حينها الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس شاباُ في الرابعة والثلاثين من عمره . والسؤال كيف يكون إفلاطونياً محدثاً وإن إفلوطين لم ينشر حرفاً واحداً يومها . كما إن إفلوطين مات عام 270 بعد موت فيلوستروتس بثلاث وعشرين سنة . ولم ينشر إفلوطين حرفاً واحداً في حياته ، وإنما كل ما تركه بعد وفاته مجموعة ملاحظات مبعثرة . كما إن المعروف عنه ، هو إنه لم يعتني بمحاضراته فترك تنظيمها لتلميذه فرفريوس الصوري مهمة تنظيمها ونشرها بعد وفاته ؛ والسؤال : كيف يكون فيلوستلروتس إفلاطونياً محدثاً ولم يكن للإفلاطونية المحدثة وجود في حياته ؟

  وفعلاً فأن فرفريوس الصوري الذي ولد سنة 233 ميلادية وكان عمر فيلوستروتس ثلاث وستين سنة ، وهو (أي فرفريوس) الذي تحمل المهمة الكبيرة عن الإعلان الرسمي للإفلاطونية المحدثة ،  فبعد سماعه أخبارموت أستاذه ، وكان في حينها في مدينة سيسلي الإيطالية يتعالج من المرض ( وقد ترك أثينا نصيحة من أستاذه إفلوطين ، وظل بعيداً عنه مدة خمس سنوات) . عاد إلى أثينا وجمع ملاحظات أستاذه ورتبها ، ويمكن أن نقول توسع فيها مما كان يتذكره من أطراف من محاضراته ، ومن ثم كتب مقدمة لها شرحت نظرياته ، ونشرها بعنوان ” التساعيات ” عام 270 ميلادية (وهي السنة التي توفي فيها الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس) ، مع نشرة لسيرته الذاتية سوية . فتحول كتاب التساعيات بنشرة فرفريوس الصوري إلى إنجيل حركة فلسفية جديدة سيطلق عليها المحدثون ” الإفلاطونية المحدثة ” . هذا هو الواقع التاريخي الذي لا يدعم بأي شكل من الأشكال دعوة إن فيلوستروتس السفسطائي كان إفلاطونياً محدثاً ، بل الأقوى إنه كان فيثاغورياً جديداً (أنظر تفاصيل الإعلان التاريخي عن الإفلاطونية المحدثة بحثنا ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية / العدد الثاني ربيع 2011 ) .

ثانياً – إن ما أثير حول الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس ، أثير كذلك حول مؤرخ الفلسفة اليونانية ” ديوجانس لارتيوس ” (الذي إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) والذي كتب موسوعته الشهيرة ” حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” بحدود عام 230 ميلادية أي قبيل موت إفلوطين بأربعين عاماً وقبل ولادة فرفريوس الصوري بثلاث سنوات ، وقبل موت الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس بحوالي سبعة عشر عاماً .  والحقيقة إن الأثنين كانا مهتمان بالفيثاغورية . فالأول أي فيلوستروتس كتب عن الفيثاغوري أبولونيوس ومن خلاله جدد الفيثاغورية . والثاني أي ديوجانس لارتيوس كتب الكتاب الثامن عن حياة فيثاغوراس ومدرسته وأتباعه ، من موسوعته التي تتألف من عشر كتب . وهنا أدعو إلى دراسة مقارنة بين ماكتبه الأثنان وما كتبه فرفريوس الصوري لكتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” وكتاب تلميذه ورئيس المدرسة الإفلاطونية المحدثة ، الفيلسوف ” إمبليكوس السوري ” في كتابه الذي يحمل العنوان ذاته ” حياة فيثاغوراس ” .

ثالثاً – إن الأجواء التي مهدت وسبقت إنبثاق الإفلاطونية المحدثة ، والتي عاش فيها الفيلسوف السوفسطائي فيلوستروتس ( ومن ثم ديوجانس لارتيوس) لم يكن فيها وجود معلن للإفلاطونية المحدثة . فمثلاً لم يكن ” أمونيوس ساكس ” إفلاطوني محدث ، وكذلك لم يكن إفلوطين إفلاطوني محدث ، وإنما كانا على إعتقاد فلسفي فيه تجديد لنوع من الإفلاطونية المنفتحة على التراث الفلسفي اليوناني برمته . وإذا كان هذا هو واقع الحال ، فأن فيلوستروتس لم يكن إفلاطوني محدث . وإنما كان وعمل في هذا الأفق الثقافي الذي يدعو إلى الإنفتاح على التراث الفلسفي اليوناني جملة وتفصيلا وتجديد فعله مع شروط الإنفتاح والتسامح مع الفكر الشرقي .

 وإذا كان الدليل على نزعة ديوجانس ، ومن ثم قبله محاولة فيلوسترتوس كذلك ،  متمثلة في كتاباتهما ، فقد كتب الأخير موسوعته المتفردة والمعنونة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” والتي تتألف من عشرة كتب ، وخص بها تاريخ الفلسفة اليونانية عامة ، وشملت جميع المدارس الفلسفية دون إستنناء . فقد قيل عنه كذلك ” إنه إفلاطوني محدث ” قبل بزوغ شمس الإفلاطونية المحدثة ، (وقضية ديوجانس لارتيوس ناقشناها في بحثنا المعنون ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مصدر سابق) .

  وعلى هذا الأساس نحسب في هذا البحث إن الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس :

 أولاً – إن كتابه ” حياة السفسطائيين ” كان شاهداً على إنه أول كاتب سفسطائي صاغ إصطلاح ” الحركة السفسطائية الثانية ” وهي الحركة التي إعتنت بتقاليد الحركة السفسطائية الإولى (أنظر : ماود كليسون ؛ صناعة الرجال : السفسطائيون وصورة الذات في روما القديمة 1995 . وكذلك تم وايتمارش ؛ النزعة السفسطائية الثانية ، أكسفورد 2005 ) .

ثانياً – إن كتابه ” حياة أبولونيوس ” شاهد على إنه كان فيثاغورياً جديداً ، ولم يكن إفلاطونياً محدثاً . ولكن في ضوء هذا الفهم نقبل إن جميع الأفلاطونيين المحدثيين كانوا فيثاغوريين جدد ولعل كتاباتهم تشهد على ذلك . وفي ضوء هذا الفهم  يستقيم الحديث عن إفلاطونية فيلوستروتس المحدثة  . ولعل من الشواهد التي تدلل على ذلك هو إن أثنين من قادة الإفلاطونية المحدثة كانوا في طرف من كتاباتهم وهمهم الفلسفي الكتابة عن الفثاغورية ومؤسسها الفيلسوف المؤسس فيثاغوراس . ونعني كل من فرفريوس الصوري الذي كتب مؤلفه الشهير ” حياة فيثاغوراس ” ومن ثم  تابعه في هذا التقليد الإفلاطوني المحدث ، تلميذه ووريثه على قيادة المدرسة  (وعلى الأقل المدرسة السورية) إمبليكوس السوري الذي كتب مؤلفه الشهير وتحت العنوان ذاته ” حياة فيثاغوراس ” . حقيقة إنها لم تكن صدفة وإنما هو تقليد إفلاطوني محدث .     

 فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية (الفيثاغورية)

   إن أول أمر ننظر فيه ، هو تقويم عمل فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية . وبالتحديد في جزئية من هذا التاريخ ، وهو النظر في كتابه المعنون ” حياة أبولونيوس ” الذي ينتمي إلى واحدة من أهم مدارس الفلسفة اليونانية ، وهي المدرسة الفيثاغورية.

أحسب إن عودة فيلوستروتس إلى الفيثاغورية عامة ، وإنتخاب شخصية الفيثاغوري الجديد أبولونيوس لها مايبررها ، فالفيثاغورية سابقة على سقراط وعلى إفلاطون وفلاسفته اكاديميته ، وعلى أرسطو تلميذ إفلاطون وفلاسفة مدرسته المشائية ، واللذين شكلوا في تاريخ الفلسفة عامة والفلسفة اليونانية خاصة ، مدارس فلسفية معادية للسفسطائية وفلاسفتها . بل وعملوا وفق برنامج فلسفي منظم إلى تشويه السفسطائية .   والحقيقة إن الفيثاغورية لم تكن لها عداوة مع الحركة السفسطائية أصلاً وذلك لأنها ظهرت ونمت في زمن بعيد نسبياً عن زمن صعود الموجة الفلسفية ، حركة ثقافية وتعليمية لبت حاجات المجتمع يومذاك . كما إن الفيثاغورية لم تعمل على تحريض الجمهور ومصادر القرار السياسي ضد الفلسفة السفسطائية مثلما حدث أولاً مع سقراط الذي كان همه دحض المشروع السفسطائي ليل نهار ، في الأماكن العامة والأسواق . ولعل محاورات إفلاطون السقراطية تعكس أراء سقراط ومشروعه ضد السفسطائية ؛ وهما ” هبياس الكبير ” وهو شخصية سفسطائية إستهدفها سقراط بالنقد والتهكم . ومحاورة ” هبياس الصغير ” وهو شخصية فلسفية أخرى شملها بالنقد السلبي .

   ومن ثم جاء تلميذه إفلاطون ليكمل مشروع التدمير الفلسفي للسفسطائية في مشروعه الفلسفي النقدي في محاوراته المشهورة  ” السفسطائي ” و ” بروتاغوراس ” و هما المحاورتان اللتان يعكسان فلسفة إفلاطون وذلك لكونهما ينتميان إلى مرحلة الشيخوخة من نمو وتطور فلسفة إفلاطون . وتابعه في هذا الخط فلاسفة أكاديميته . ومن ثم جاء التلميذ أرسطو فهاجم الحجج السفسطائية في كتابه المشهور ” في السفسطة ” وتابعه في هذا الخط المنطقي فلاسفة ومناطقة مدرسته المشائية اليونانية والإسلامية واليهودية وفي أطراف من فلسفة المسيحية في العصور الوسطى .

  على هذا الأساس إن عودة فيلوستروتس إلى الفيثاغورية وبالتحديد إلى الفيثاغوري الجديد أبولونيوس ، هي عودة إلى أجواء فلسفية عادية ليست فيها عداوة بين سقراط والسفسطة ، أو بين إفلاطون وفلاسفة أكاديميته والسفسطة ، أو بين أرسطو وفلاسفة مدرسته المشائية والسفسطة . إن الفيثاغورية هي فلسفة لم تعرف العداوة والخصومة بين هذه المعسكرات الفلسفية التي تولدت فيما بعد .

  ولهذا كان خيار فيلوستروتس السفسطائي خياراً حكيماً ويدلل على ذكاء هذا الفيلسوف من طرف ، وإدراكه من طرف أخر إلى إن حركة التاريخ تحركت بسرعة ولا تعود إلى الوراء . فاليوم الفيثاغورية الجديدة هي الموجة العارمة حتى يمكن القول إن الإفلاطونية المحدثة قد إستثمرت المشروع الفيثاغوري صراحة وإستبطاناً . ولعل الشاهد الصارخ ، هو إن إثنان من كبار رؤساء المدرسة الإفلاطونية (ظل هذا المصطلح يطلق على هذه الحركة حتى نهايات عصر النهضة) ، وهم كل من فرفريوس الصوري الذي يرتبط بإسمه مشروع الإعلان عن حركة الإفلاطونية الجديدة ، وإمبليكوس السوري وريثه على رئاسة المدرسة والتي عرفت بالإفلاطونية السورية ، قد كتبا عن فيثاغوراس . وكلاهما ألفا كتاباً بعنوان ” حياة فيثاغوراس ” ( أنظر : محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخا للفلسفة اليونانية / مصدر سابق ، وإمبليكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية ، العدد الثاني / أبريل 2011) .

 إذن حال الفيلسوف فيلوستروتس السفسطائي يتناغم وحال فرفريوس الصوري ، وحال إمبليكوس السوري ، فقد إهتم لا بالفيثاغورية القديمة ، بل ركز إهتمامه بالفيثاغورية الجديدة ومن خلال رمز فيثاغوري جديد عاش في القرن الأول الميلادي ، ونقصد به الفيلسوف أبولونيوس . حقيقة إن فيلوستروتس يقدم لنا فرصة متميزة في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وهي كيف قرأ هذا الفيلسوف السفسطائي تراث فلاسفة لعبوا دوراً في محاصرة وتشويه الحركة السفسطائية التي ينتمي إليها ولعصور عديدة . إنها فعلاً فرصة قل مثيلها في تاريخ الفلسفة اليونانية .

   حقيقة إن التراث الفلسفي اليوناني كتب من زاوية الفلاسفة أنفسهم أو تلامذتهم . هذا حدث لسقراط في المحاورات السقراطية التي كتبها تلميذه إفلاطون ، وفي كتابات المؤرخ أكسانوفان وهو الأخر تلميذ سقراط وزميل إفلاطون . وتجدد هذا مع فلسفة إفلاطون الذي كان مؤرخاً للفلسفة اليونانية قبله . ومن ثم فيلسوفاً وهذا ما عكسته محاورات الكهولة التي كتبها بيراعه ، وفي كتابات واحد من طلابه وهو الفيلسوف أرسطو وخصوصاً في كتابه ما بعد الطبيعة الذي يعد فيه أرسطو مؤرخاً للفلسفة اليونانية وبالتحديد للفلسفة ما قبل سقراط والتي يطلق عليها إصطلاح ” البيروسقراطية ” . وهذا ما حدث لأرسطو فقد ترك كتب وكراريس محاضرات جمعها طلابه ونشروها وكانت المواد الدراسية للمنهج التعليمي لمدرسته المشائية .

  كما إن عملية التدوين لتاريخ الفلسفة اليونانية لم يبدأ إلا مع الإسكندرانيين ، وإن كانت مصادرهم ، وعلى الأقل مصادر ديوجانس لارتيوس التي يشير إليها في موسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” التي تعد اليوم من الوثائق الفلسفية الأولى التي أرخت للفلسفة اليونانية . نقول إن مصادر موسوعته التي ضاعت إصولها ، تصعد إلى القرن الثاني قبل الميلاد .

 ولما كان الفيلسوف السفسطائي فيلوستروس قد عاش وكتب في فترة زمنية معلومة لنا وإن كانت المصادر التي إعتمد عليها ديوجانس لارتيوس فيها تخمين للفترة التي كتب فيها موسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” . وهذا التخمين قريب من الفترة ذاتها التي كتب فيها فيلوستروتس مؤلفه ” حياة أبولونيوس ” . فإننا نحسب ان التاريخ يقف مع فيلوستروتس ، ويرجح إن كتابه ، هو واحد من الوثائق التاريخية الأولى التي تناولت جزئية من تاريخ الفلسفة اليونانية . في حين إن وثيقة ديوجانس لارتيوس كانت أول وثيقة تناولت الفلسفة اليونانية بالتفصيل والشمولية .

  كما ألفت نظر القارئ إلى القسم الأول من عنوان كتاب فيلوستروتس ” حياة .. ” و القسم الأول من عنوان موسوعة ديوجانس لارتيوس ” حياة وآراء … ” والقسم الأول من عنوان كتاب فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس ، والقسم الأول من عنوان كتاب إمبيلكوس السوري ” حياة فيثاغوراس ” وكذلك تركيز كتابيهما على فيثاغوراس مؤسس المدرسة الفيثاغورية .

  ولعل من المهم أن نتساءل : من هو الفيثاغوري الجديد ” أبولونيوس التايني” ؟ وما هي مساهماته في تكوين أفق فلسفي سيعرف بالفيثاغورية الجديدة ؟ وماهي حقيقة تلميذه ” ديمس ” ؟ وهل هي حقيقة تاريخية ؟ أم مجرد شخصية روائية عول عليها فيلوستروتس ليوسع التفاصيل في عمله حياة أبولونيوس ، وليضيف على لسان ديمس ما رغب أن يعتبره طرفاً من فكر الفيثاغوري الجديد ؟

  نبدأ بحثنا بالإشارة إلى بعض الحقائق التي تتعلق بحياة أبولونيوس ومقارنة بين ما أوردته بعض الدراسات الحديثة وما ورد أصلاً في كتاب فيلوستروتس :

أولاً – ترى ” ماريا ديزلسكا ” إن كل مانعرفه عن أبولونيوس التايني (15 ؟ – 100 م ؟) ، هو إنه فيلسوف فيثاغوري جديد ، وهو خطيب وفيلسوف من القرن الأول الميلادي ، وهي الفترة التي ظهر فيها السيد المسيح . وقد جرت عادة مسيحي القرن الرابع على مقارنته بالمسيح الناصري . كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من كتاب العصر الحديث (أنظر: ماريا ديزلسكا ؛ أبولونيوس التايني : المعجزة والتاريخ ، روما 1983 ، ص 30 وما بعد). أما كتاب حياة أبولونيوس الذي كتبه السفسطائي فيلوستروتس ، وهو المصدر الأول لمعلوماتنا . فهو يخالف ما أقترحته ماريا ، خصوصاً الفترة التي عاش وعمل وفكر وكتب فيها أبولونيوس . فبالنسبة لفيلوستروتس إنه عاش فيما بين (3  ق . م – 97 م) .

ثانياً – يرجح ” شارلس أليس ” إلى إن تاريخ ولادة أبولونيوس كانت ثلاثة أعوام قبيل ولادة المسيح . وبذلك يظل تاريح ولادته غير مؤكد خصوصاً إذا وضعنا في إعتبارنا إلى إن تاريخ ولادة المسيح هي الأخرى موضوع تساؤل وجدل (أنظر: شارلس أليس ؛ حياة وعصر أبولونيوس ، 1923 ، ص 3) . أما فيلوستروتس فقد بين إن أبولونيوس كان يعمل في بلاط الملك الفارسي ” فردانز الأول ” الذي حكم الإمبراطورية البارثينية ، فيما بين 40 – 47 م***** .

ــــــــــــــــــــــ

 *****وأحسب إن هذه الرواية قد تصدم البعض ، ولكن هنا لست بصدد الدفاع عن رواية فيلوستروتس ، ولكن أدافع عن الواقع التاريخ الذي يقدم لنا شهادات عن الحوار الإيراني اليوناني الذي إتخذ أشكالاً مختلفة . ولعل قارئ المؤرخ اليوناني هيرودوتس يقف على عمق الفهم اليوناني المتنوع  للحياة الإيرانية هذا طرف (أنظر: هيرودوتس : التواريخ ، ترجمة أوبيري سلينكورت ، نشرة بنكوين للكلاسيكيات 1972 ) وهذا الكتاب موسوعة تتألف من تسعة كتب ، قسمها هيرودوتس على أساس حياة ملوك الفرس . أما الطرف الأخر فأن الأسكندر الكبير (356 – 323 ق. م) والذي صرف في حروبه الفترة الممتدة (335 – 322 ق. م) والتي شملت تركيا ، سوريه ، مصر ، بابل ، ومن ثم أحتل بلاد فارس وتزوج من بنت الملك الفارسي وجلب إلى بلاطه عدداً من الفلاسفة والمناطقة والعلماء .. وقد إستقر عدد منهم في كثير من المستعمرات اليونانية التي شكلت حاميات – مدن للدولة السلوقية (أنظر: بيتر كرين ؛ الأسكندر المقدوني 356 – 323 ق . م ، سيرة تاريخية ، نشرة مطبعة جامعة كولومبيا 1992) ، وتولدت أشكال من الثقافات الجديدة وبالنسبة لإيران هي خليط بين الهيلينية والروح الزرادشتية .. فإله اليونان زيوس ظهر في عقائد الجيل الجديد (جيل مابعد إحتلال الإسكندر) في إيران بجانب الإله الزرادشتي إهوارمزدا .. كل هذا كان واقعاً تاريخياً قبيل أبولونيوس وعصره بقرون عدة .. فلا عجب إن عمل أبولونيوس في بلاط الملك الفارسي .

ــــــــــــــــــــ

ثالثاً – يذكر فيلوستروتس إن أبولونيوس بدأ سنواته الخمسة من الصمت ، حين كان عمره عشرين ربيعاً . وبعد إكمال فترة الصمت رحل إلى بلاد ما بين النهرين وإيران رابعاً – أشار فيلوستروتس إلى إن حياة أبولونيوس قد طوت عدة إمبراطوريات رومانية ، منها إمبراطوريات : نيرون (37 – 68 م) ، مسبازيان (9 – 79 م) ، تيتوس (39 – 81 م) ، دوميتيان (51 – 96 م) ونيرفا (30 – 98 م) .

خامساً – ويحسب فيلوستروتس إن حياة أبولونيوس كرجل ناضج إمتدت من (15 – 98 م) . وبالإعتماد على رواياته فإن الفيثاغوري الجديد أبولونيوس كان معلم فلسفة جوال غير مستقر في مكان واحد ، وصانع معجزات . وشمل نشاطه اليونان ، أسيا الصغرى (تركيا) ، إيطاليا ، أسبانيا ، شمال أفريقيا ، بلاد مابين النهرين (العراق) ، الهند ، إيران وأثيوبيا . ودخل روما في وقت حرم الإمبراطور الروماني نيرون على الفلاسفة من دخولها .. (وذكر روايات تحدي أبولونيوس للأمبراطور ، وافعال سحر ، وتهديد بمرض الطاعون …)

  وعلى أساس هذه الروايات شكك الكثير من الدارسين في ديمس ومذكراته . وذهب بعضهم بعيداً ، ورأوا إن قدما أبولونيوس لم تطأ إطلاقاً أراض أوربا الغربية . كما إنه لا توجد أخبار عن أبولونيوس حتى القرن الثالث الميلادي ، ومع مجئ الإميرطورة جوليا دومينا ، والتي هي حالها حال أبولونيوس جاءت من سوريا . فقامت بنشر الروايات عنه وعن تعاليمه بين العامة  (أنظر : ماريا ديزلكسا ؛ المصدر السابق ، ص ص 83 – 85) .

 ولهذا الغرض طلبت الإمبراطورة من فيلوستروتس أن يكتب مؤلفاً عن سيرة أبولونيوس وذلك لأغراض الإعلام عنه ، وتقديمه إنموذجاً للحكيم الشجاع ، والذي يتمتع بقدرات فوقطبيعية . بل وحتى أعظم من فيثاغوراس نفسه . وإن هذا التوجه للإمبراطورة وجد له تشجيع من قبل ولدها الإمبراطور ” كاراكلا ” (188 – 217 م) الذي كان يعبد أبولونيوس (أنظر المصدر السابق ، ص 53) ، وربما تشجيعاً من قبل إبن أختها الإمبراطور ” الكسندر سيفروس ” (208 – 235 م) كذلك (أنظر المصدر السابق ، ص 174) .  

سادساً – يرى الباحثون إن كتاب فيلوستروتس ” حياة أبولونيوس ” واسع جداً ، وهو سيرة ذاتية تتضمن بعداً روائياً ، كتبه بناءً على طلب الإمبراطورة جوليا دمينا والتي إنتحرت في العام 217 (أنظر: جونز كريستوفر ؛ فيلوستروتس : حياة أبولونيوس التايني ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2005 ، ص 2) . وبالتأكيد إن هذه الحادثة التراجيدية قد هزت مشاعر فيلوستروتس بالعمق ، وسببت صدمة نفسية عنيفة له إذ كانت النصيرة له بلا حدود . وفعلاً فقد أكمله بعد مماتها وأهداه إليها . ومن المحتمل أن يكون قد أكمله ونشره في العقد الثالث أو الرابع من القرن الثالث .

سابعاً – كونت الصورة التي رسمها فيلوستروتس للفيثاغوري الجديد أبولونيوس مصدراً معرفياً إعتمدت عليه الكثير من الكتب اللاحقة . كما إن هذه الصورة التي أودعها كتابه ” حياة أبولونويس ” ، لازالت تهيمن في عصرنا الحاضر على مجمل المناقشات الجارية التي تدور حول مؤلفها فيلوستروتس .

  إضافة إلى إن هذا الكتاب مصدر خصب في معلوماته وذلك لإعتماده على كتابات قديمة كانت متوافرة لدى فيلوستروتس ، ولكنها أصبحت اليوم من الكتب التي ضاعت وطواها النسيان  . من بينها أعمال إقتطفت من كتاب ” تقديم الضحايا ” ليوسيبيوس (محفوظة عند يوسيبيوس (263 – 339 م) وهو باحث ورئيس أساقفة القيصرية في فلسطين ) ومن رسائل مزعومة كتبها أبولونيوس . وربما كتب الحكيم بعض منها مع السيرة الموسعة لفيثاغوراس (أنظر: ماريا ديزلكسا ؛ المصدر السابق ، ص 138 وما بعد) .

ثامناً – يحسب الباحثون إنه على الأقل إن مصدرين من مصادر السير التي إعتمد عليها فيلوستروس قد ضاعت ؛ الأول كتاب ألفه ماكسيميوس السكرتير الإمبراطوري ، والذي وصف ” نشاطات أبولونيوس في دار مدينة سيسلي ” . والثاني السيرة الذاتية التي كتبها مورجينز . كما وبقيت مجموعة رسائل لأبولونيوس حية ولم يطويها النسيان . إلا إن المشكلة إن بعضها كانت على الأقل زائفة (أنظر: إي . بواي ؛ أبولونيوس التايني : التقليد والحقيقة ، نشر عام 1978 . والحقيقة إن هذه الدراسة نشرت في كتاب ضخم ضم مجموعة دراسات ، ص ص 1663 – 1667) .

تاسعاً – إن واحداً من أهم المصادر الأساسية التي يزعم فيلوستروتس إنه عرفها ، هو ” مذكرات ديمس ” . وكان ديمس هذا طالباً للفيثاغوري الجديد أبولونيوس ورفيق حياة دائم له . وتجمع المصادر على إن كل معلوماتنا عنه جاءت عن طريق كتاب السفسطائي فيلوستروتس ” حياة أبولونيوس ” والذي كتبه ما بين 217 و 238 م

  ويرى بعض الباحثين بأن هناك أبعاد روائية في شخصية ديمس ، ويحسبون إن مذكرات ديمس هي إختراع قام به فيلوستروتس . في حين يعتقد البعض إنه كتاب حقيقي ، ولكنه لفق بقلم كاتب أخر . وفعلاً أن فيلوستروتس إستخدمه مصدراً في تأليف كتابه ” حياة أبولونيوس التايني ” . كما إن هناك عدد من الباحثين من ينفي إطلاقاً أي وجود لشخصية ديمس . ولاحظنا إن الباحث أف . س . كونيبير يعلق على ذلك قائلاً ” إن التطرف في الشك في نظرية ديمس غير ضروري ” (أنظر: أف . س . كونيبير ؛ فيلوستروتس : حياة أبولونيوس التايني وحواري أبولونيوس ومقالة يوسبيوس ، منشور عام 1912 ، من المقدمة ، ص 7).

  وإنه صحيح جداً إن فيلوستروتس قد إعتمد على سيرة أبولونيوس التي كتبها ديمس .  وعلى أية حال ، فأن كتاب ديمس يعد من المصادر غير الموثوق بها ، وذلك لأن هناك إحتمال في أن تلفيقاً قد وقع للروايات التي رواها عن حياة أستاذه (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 7 – 8) .

  ووفقاً لرواية السفسطائي فيلوستروتس ، فأن أبولونيوس قد قابل ديمس لأول مرة في مدينة أسماها ” نينوز القديمة ” . وهي من خلال الوصف الذي قدمه فيلوستروتس ، هي بالتأكيد مدينة ” نينوى القديمة ” وهي المدينة المقدسة التي يذكرها وربما كانت في ذلك الوقت جزء من سوريا . وعلى هذا الأساس نختلف مع الباحث جونز كريستوفر الذي نفى أن تكون ” مدينة نينوى ” (أنظر: جونز كريستوفر ؛ طريق أبولونيوس التايني إلى الهند / منشور في مجلة دراسات الرومانية البيزنطية ، العدد 42 سنة 2001 ، ص 187) .

  والحقيقة إن ديمس في مقابلته للفيلسوف الفيثاغوري الجديد أبولونيوس ، قد أعجب أستاذه ، ومن ثم تحول إلى حواري ورفيق حياة . وفعلاً فأن ديمس حفظ سجلاً يكتب فيه أفعال الأستاذ وأقواله . وقد أطلق عليه فيما بعد ” مذكرات ديمس ” . وقد وصلت هذه المذكرات إلى يد الإمبراطورة جوليا دومينا ، وأصبحت جزء من ممتلكاتها الشخصية . وحين طلبت من فيلوستروتس أن يكتب سيرة أبولونيوس سلمته هذه المذكرات . وفعلاً هذا ما أكده فيلوستروتس (أنظر تحليلنا لكتاب حياة أبولونيوس / الفقرة اللاحقة من هذا البحث) .

حجبت صفحات من البحث لحفظ حقوق الكاتب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد لثاني / ربيع 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

ديوجانس لارتيوس وكتابه “حياة وآراء مشاهيرالفلاسفة “

الدكتور محمد جلوب الفرحان   

تقديم :

   يعد ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) واحداً من المصادر التاريخية المحسوبة بعدد أصابع اليد الواحدة ، التي حفظت للإنسانية شهادات تاريخية عن حياة الفلاسفة اليونان وفلسفاتهم ومختلف مدارسهم . وكان كتابه : “حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” ، من الشمولية والعموم  ، ولهذا فهو من المصادر التي لا يستطيع الباحث الأكاديمي المدقق في مضمار الفلسفتين الهيلينية والهيلينستية ، إن يتجاوزه  ، واليوم يكون موسوعة رائعة ، تتألف من عشرة كتب .

    لقد ظن القدر علينا حين ضاعت الكثير الكثير من المعلومات عن حياة هذا المؤرخ الفيلسوف . ولكن في الوقت ذاته ، إننا محظوظون حيث حفظ لنا القدر كتابه  ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” . أقول هذا دون تردد وذلك لإن المؤرخ في الشأن الفلسفي ، حاله غير حال المؤرخ في شؤون التاريخ العامة .

   فمثلاً ديوجانس لارتيوس هو كاتب سير الفلاسفة اليونانين ، ويحسبه البعض من أتباع الإفلاطونية المحدثة (على الرغم من إنه لم يذكر كلمة واحدة عنها في كتابه “حياة وآراء .. ” ، وهي المدرسة الفلسفية التي إنطلقت شراراتها الأولى في الإسكندرية ونمت فيها ، ومن ثم فرضت هيمنتها على المدارس الفلسفية وحتى لحظة غلق الإمبراطور الروماني جوستنيان (إمتد حكمه أكثر من أربعين سنة ، وبالتحديد من عام 527 إلى 565 م ) المدارس الفلسفية في العام 529 م وشتت الفلاسفة ونفاهم خارج إمبراطوريته  . وعلى هذا الأساس نحسب لارتيوس مؤرخاً فيلسوفاً ، وفيلسوفاً لحركة التاريخ العقلي لليونان والرومان (في المرحلتين : الهيلينية والهيلينستية) على حد سواء .

    صحيح جداً إننا عرفنا بعض أسماء المؤرخين في الشأن الفلسفي قبل ديوجانس لارتيوس ، من أمثال المؤرخ اليوناني أكسانوفان (430 – 354 ق.م) الذي كان تلميذاً للفيلسوف سقراط (470 – 399 ق.م) وزميلاً للفيلسوف إفلاطون (428 – 348 ق.م) . فقد كتب أكسونوفان بعض المؤلفات التي غطت جوانباً من حياة سقراط ، وكان مؤرخاً وشاهد عين على محاكمة أستاذه سقراط ، وسجل لنا لحظات دفاعه ، ومن ثم إعدامه ، وكتب عن مؤلفاته وفلسفته  من زاوية المؤرخ والتي تختلف عن شهادات إفلاطون التي قدمها على شكل محاورات ، وكان سقراط  فيها المحاور الرئيس الذي يدافع في محاورات الشباب عن أرائه الفلسفية  ، ويفند أراء الخصوم ، ومن ثم أختلطت أراء سقراط ببضاعة إفلاطون الفلسفية في محاورات الفترة المتوسطة والكهولة والشيخوخة.

  ومن هذا الباب تلعب أراء أكسانوفان (وهو غير أكسانوفان (570 – 475 ق.م) الفيلسوف الإيلي الذي عاش قبل سقراط ، والذي كان يزعم : لو كان للثيران خيال ، فإنها ستتخيل آلهتها على صورتها) وكتاباته تلعب دور المرجعية التي تساعدنا في معرفة الحقيقي والمخترع من أفكار لسقراط سجلت بقلم تلميذه إفلاطون . كما تمنحنا فرصة لعقد مقارنة مع ما جاءت به محاورات إفلاطون من وجهات نظر تتفق أو تختلف مع ما أدلى به أكسانوفان.

  وصحيح كذلك إن إفلاطون كان زميلاً للمؤرخ أكسانوفان كما أشرنا ، وقد نقل لنا خلال محاوراته الكثير من المعلومات عن الفلاسفة قبل سقراط ، بل وقد عنون محاوراته بأسماء هؤلاء الفلاسفة . إلا أننا نترد في منح إفلاطون لقب مؤرخ للفلسفة ، وذلك لأن محاوراته لم تكتب بموضوعية وبراءة المؤرخ ، وإنما كتبت من وجهة نظر فلسفية حوارية فيها هيمنة لشخصية سقراط المتحدث بلسان إفلاطون ، وفيها نقد للفلسفة اليونانية قبل سقراط عامة ، وتشويه للفكر الفلسفي السفسطائي (الذي أقام بعض من ممثليه الديمقراطيين دعوة  ضد سقراط وإتهموه بإفساد الشباب والقول بآلهة غير آلهتهم) المخاصم لكل من  سقراط وإفلاطون .

  وصحيح كذلك إن أرسطوفان (446 – 380 ق.م) قد حفظ لنا شهادة تاريخية عن سقراط في مسرحيته الساخرة ” السحب ” . إلا إنها كتبت بقلم مسرحي ساخر وليست بيراع مؤرخ ، ولهذا إختلطت في عمل أرسطوفان المسرحي ، شهادات الحق بأوراق الإبداع الساخر على شخصية الفيلسوف سقراط ولصالح العمل المسرحي وهدف التهريج الساعي للترفيه ودفع الجمهور إلى الضحك .

  وكذلك صحيح جداً إن الفيلسوف أرسطو (384 – 322 ق.م) ، وبصورة محددة في كتابه ” مابعد الطبيعة ” ومن ثم بأقل درجة في كتبه الأخرى ، قد سجل لنا معلومات أكثر دقة من عمل إفلاطون في المحاورات وإسلوبها الأدبي الروائي العالي . وصحيح إنها كتبت بقلم مؤرخ فيلسوف فهي تتمتع بموضوعية لصالح الفلاسفة اليونان قبله ومن ضمنهم إفلاطون كذلك . إلا أن أرسطو فيلسوف حاله حال إفلاطون ، راجع آراء الفلاسفة اليونان من زاوية منظوره الفلسفي المنحاز ، وأضاف ألواناً على عباراتهم الفلسفية لم تكون هي ألوانها الحقيقية (محمد جلوب الفرحان : الرواية التاريخية الفلسفية : بين مؤرخ الفلسفة أكسانوفان والفيلسوفين إفلاطون وأرسطو ، قيد الإنجاز \ سيظهر على موقع الفيلسوف ) .

   ومن هنا تأتي أهمية كتاب ديوجانس لارتيوس ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” فهو مرجعية فائقة الأهمية ، حيث تمكننا من إمتحان ما حكاه إفلاطون ، أكسانوفان وأرسطو ، سواء ما خص سقراط أو الفلاسفة قبل سقراط ، وما قاله أرسطو في مؤلفاته من أراء نسبها للفلاسفة قبل سقراط ، وعن سقراط وأستاذه إفلاطون .

  كما إن أهمية كتاب ديوجانس لارتيوس تتعدى ذلك ، فقد قدمت لنا شهادات تاريخية لواقع ورحلة الفلسفة الهيلينية والهيلينستية وحتى العقود الثلاثة من النصف الأول من القرن الثالث الميلادي (وصحيح جداً إن كل من شيشرون (106 – 43 ق.م) وبلوتارك (46 – 120 م) قد سبقا ديوجانس لارتيوس في مضمار الكتابة التاريخية  ، وحفظا لنا الكثير من الأخبار عن الفلاسفة وآراءهم فيما تركاه من كتابات ونصوص ، وهي في غاية الأهمية . إلا إن قصة هذا الموضوع سيعالجه مقال خاص ، سننجزه في القريب العاجل) .

 ديوجانس لارتيوس : كاتب سير ضاعت سيرته

   تتفق جميع المصادر الإنكليزية التي كتبت عن ديوجانس لارتيوس ، على إنه كاتب سير ومؤرخ ، كتب عن الفلسفة والفلاسفة اليونانيين . ويذكرون بأن المعلومات عن حياته تكاد أن تكون معدومة . ولكن كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” نجى من الضياع ، فظل خالداً ومن خلاله خلد  إسم مؤلفه ديوجانس لارتيوس . وهو اليوم من المصادر الأساسية التي تحكي لنا قصة رحلة الفلسفة والفلاسفة اليونانيين في المرحلتين الهيلينية والهيلينستية وحتى العقود الثلاثة من النصف الأول من القرن الثالث الميلادي ( أنظر : هربرت . أس . يونك ؛ مقدمة لكتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، المكتبة الكلاسيكية 1972 ، ص 19 وما بعد) .

  كما يرجح الدارسون الأكاديميون في الجامعات الغربية الناطقة بالإنكليزية ، على إن ديوجانس لارتيوس قد عاش بعد الفيلسوف سوكس إمبيركوس (160 – 210 م) ، وهو طبيب وفيلسوف شكي تجريبي (عاش في الإسكندرية ، روما وأثينا ، وبقي له شرح كامل على الشكية اليونانية والرومانية )  ( أنظر : بيلي ألن ؛ سوكس أمبيركوس والشكية البيرونية ، أكسفورد 2000) .  وفعلاً فهو أخر فيلسوف ذكره ديوجانس في كتابه ” حياة وآراء الفلاسفة المشاهير ” ( أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب التاسع ، خصوصاً عندما تحدث عن النزعة الشكية عامة وبيرون خاصة ) .

  وكذلك لاحظوا إن لارتيوس عاش قبل كل من إستيفانوس البيزنطي الذي عاش في القرن السادس الميلادي (والذي إشتهر بمعجمه الجغرافي) (أنظر : سميث ويليم ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ، دوبلن 1842 المجلد الثالث ، مادة إستيفانوس البيزنطي ) ، والفيلسوف سبوتر (الذي عاش بحدود 500 ميلادية) وهو سفسطائي ومن ثم إفلاطوني محدث (أنظر : سميث ويليم ؛ المصدر السابق ، مادة سبوتر) . وكلاهما قد إقتبسا من كتابات ديوجانس لارتيوس . الأول في قاموسه الجغرافي . والثاني في منتزعاته التاريخية .

  لم يذكر لارتيوس ، في كتابه : حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، شيئاً عن الإفلاطونية المحدثة . إلا إن الكتاب في حقيقته موجه إلى إمرأة متحمسة للإفلاطونية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمه إلى الإنكليزية روبرت هيكز ، نشرة المكتبة الكلاسيكية 1925 ، الكتاب الثالث ، ص 47) .  ومن المرجح إن لارتيوس  عاش في النصف الأول من القرن الثالث ، وخلال حكم الكسندر سيفروس (208 – 235 م) وخلفائه . وسيفروس هو الإمبراطور السوري من جهة أمه (أنظر : الإنسكلوبيديا البريطانية ، نشرة كسهولم هيك ، كيمبردج 1911 ، مادة الكسندر سيفروس) .

  ولاحظ الباحثون أن هناك إختلاف في إسم لارتيوس في المخطوطات القديمة لكتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، مما هو عليه في المخطوطات الأكثر حداثة . فمثلاً في المخطوطات القديمة ، كانت صورة إسمه جاءت بترتيب : لارتيوس ديوجانس . وهذا الترتيب جاء عند الفيلسوف سبوتر ، وبالتحديد في كتابه ” فوتوس ” الصفحة 161 وكذلك ورد بالصورة ذاتها عند سودا ، في موسوعته البيزنطية . أما الصورة الحديثة لإسمه ، فهي : ديوجانس لارتيوس ، (وهي الأكثر غرابة) والتي ظهرت عند إستيفانوس البيزنطي أولاً . أو مجرد لارتيوس ، أو ديوجانس فقط .

   وليس هناك إجماع مستقر بين الباحثين حول أصول إسم لارتيوس ومن أين جاء إشتقاقه ، فمثلاً ينسب إستيفانوس البيزنطي ، في نص له ، ديوجانس لارتيوس إلى ” إصول مدينة ، ربما هي لارت التابعة لكاريا (أو كابيا) أو كليكيا وهوإسم قديم لإقليم الأناضول (تركيا الحالية) وكانت يومذاك (القرن الحادي عشر – السادس قبل الميلاد) من المستعمرات اليونانية الأيونية أو الدورية . وهناك من يرى إن أسلاف لارتيوس جاءوا من عائلة لارت الرومانية ( أنظر : سميث ويليم ؛ قاموس السير والساطير اليونانية والرومانية ، مادة ديوجانس لارتيوس ) .

  في حين تذهب النظرية الحديثة إلى إن الأسم لارتيوس ، هو أسم كنية لتمييزه من الكثير من الأشخاص الذين يحملون الأسم ديوجانس في العالم القديم . ولارتيوس هو إسم مشتق من صفة كانت تطلق على ” أوديسا ” بطل ملحمة هوميروس (الشاعر الملحمي اليوناني الذي عاش حوالي 850 ق.م) بالإسم ذاته (أنظر : هربرت يونك ؛ المصدر السابق ، ص 16) .

  ويلحظ قارئ كتاب لارتيوس ” حياة وآراء .. ” بأن المؤلف قد ذكر إسم مدينته . وفعلاً وجد الباحثون بأن هناك نصاً في كتاب ” حياة وآراء .. ” وهو موضع جدل وتنازع بين الدارسين ، (جاء في الكتاب التاسع / ص 109) ، يقول فيه لارتيوس ” إن زميلي الشكاك ، هو مواطن مثلي من مدينة نيكيا ” وهي مستعمرة يونانية يومذاك (واليوم هي جزء من محافظة بورسا – تركيا) . وإذا قبلنا نيكيا إسماً لمدينته ، فإن النتيجة التي تترتب على هذا القبول ، هو نفي أية علاقة بين هذه المدينة وإسم لارتيوس (الموسوعة الفلسفية ، نشرة أدورد كريج ، طبعة روتليردج 1998 / المجلد التاسع ، ص 86) .

بين أبيقورية لارتيوس ونسبته إلى ” أصحاب الشكاك ” :

    صحيح إن هناك من الباحثين من ينسب ديوجانس لارتيوس إلى الإفلاطونية المحدثة. ولكن مثل هذه الدعوة ضعيفة من ناحيتين : الأولى إذا كان لارتيوس إفلاطوني محدث ، فلماذا لم يذكر كلمة واحدة عن الإفلاطونية المحدثة في كتابه ” حياة وآراء .. ” في حين تناول في كتبه العشرة جميع فلاسفة المدارس الفلسفية التي عرفها تاريخ الفلسفتين الهيلينية والهيلينستية . الثانية صحيح إن  ظهور الإفلاطونية المحدثة إرتبط بالفيلسوفيين : ” أمونيوس ساكس ” (علم الفلسفة من 232 وإلى 243 وتوفي عام 265 وكان مغموراً) وهو المؤسس الروحي لها . وإفلوطين (205 – 270 م) المؤسس الحقيقي لها . والأثنان ولدا وعملا فيما بعد العقد الثالث من القرن الثالث الميلادي (أنظر: أندرو سميث ؛ مكانة فرفريوس في التقليد الإفلاطوني المحدث ، نشرة سبرنكر 1974)  . ويومها كان ديوجانس لارتيوس قد نشر كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” .

  كما نشعر إن هناك في هذه الدعوة ، خطأ تاريخي قد وقع حين نسب ديوجانس لارتيوس إلى الإفلاطونية المحدثة ، فقد كان معاصراً لأمونيوس ساكس ، وبحدود أقل لإفلوطين ، ولكونه الأكبر سناً والأشهر في كتابه ” حياة وآراء .. ” ، فأن لارتيوس يصبح هو المؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة في القرن الثالث الميلادي ، وليس واحداً من أتباعها . وهذه مسألة لم يناقشها أو يشير إليها أحد من الباحثين .

  ولكن على ما يبدو إن أمونيوس وتلميذه إفلوطين كانا في بداية عملهما في مضمار الفلسفة ، ولم يكونا من المشاهير من الفلاسفة ، ولذلك لم يدرج لارتيوس أسمائهما في كتابه . وعلى ما يبدو كذلك إن الإعلان الحقيقي عن ظهور الإفلاطونية المحدثة جاء في أواخر القرن الثالث أو بواكير القرن الرابع  الميلاديين وهذا ما يتناغم مع وقائع التاريخ ويفسر لنا لماذا تجاهل لارتيوس ذكر أي شئ عنها إذا إفترضنا إنه كان واحداً من أتباعها  .

  وفعلا فإننا نحسب إن الإعلان عن كتابات المؤسس الروحي لمدرسة الإفلاطونية المحدثة قد تم على يد تلميذ إفلوطين ” فرفوريوس الصوري ” (233 – 309 م) وذلك حينما قام بجمع ومن ثم نشر كتاب إفلوطين الوحيد والذي يحمل عنوان ” التساعيات ” في العام 270 م (أنظر : أندرو سميث ؛ المصدر السابق) . وعلى هذا الأساس كانت هذه السنة (270م) هي لحظة الإعلان الحقيقية عن إنبثاق مدرسة جديدة (وواضح جداً جداً إن هناك أربعة عقود تفصل بين تأليف كتاب لارتيوس والإعلان عن تأسيس الإفلاطونية المحدثة)، والتي تحول بعدها كتاب التساعيات إلى إنجيل هذه المدرسة  التي سيطلق عليها الباحثون في العصر الحديث (وأشدد هنا على العصر الحديث) مصطلح الإفلاطونية المحدثة .

  والحقيقة إن ما كان يعرف عن هذه المدرسة يومذاك ، وبالتحديد من خلال كتابات فلاسفتها : مشروع مقاربة أومصالحة بين إفلاطون وأرسطو . وعلى أساس مشروعها هذا أصبح لدينا إفلاطون مختلف عن المتداول في محاوراته ، وأصبح لدينا آرسطو مختلف عن الشائع في كتبه الأصلية (الشاهد على ذلك كتاب التساعيات لإفلوطين والذي أوقع الإسلاميين في وهم مشروع الجمع بين الحكيمين عندما نسب تحت عنوان ” أثولوجيا آرسطو ” نقول عندما نسب إلى آرسطو خطأً) . ومن ثم وجدت الرواقية لها مكانة في مشروع مدرسة إفلوطين ، وأصبحت رواقية جديدة ، والحال حدث مع الفيثاغورية التي أخذت إطاراً جديداً داخل مباني ما أخذ يعرف بالإفلاطونية المحدثة  .

    وهكذا فإن قضية ربط ديوجانس لارتيوس بالإفلاطونية المحدثة أصبحت مسألة مرفوضة من داخل نص كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ومن زاوية تاريخ ظهور مدرسة إفلوطين (وليس الإفلاطونية المحدثة الإصطلاح الذي ظهر في العصر الحديث) . نتحول بعد ذلك إلى مناقشة وجه آخر من قضية تصنيف لارتيوس فلسفياً. فقد لاحظ كاتب المقال إن هناك إختلاف بين الباحثين حول أرائه الفلسفية ، والمدرسة الفلسفية التي ينتمي إليها . فمثلاً هناك من يرى إن ديوجانس لارتيوس كان ” أبيقورياً ” أو ” من الشكاك ” . وفي ترجيح كفة إنه كان أبيقورياً ، إستند الباحثون على تعاطفه ودفاعه عن أبيقور (أنظر : كتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب العاشر ، ص ص 3 – 12) . وفعلاً إن قارئ هذا الجزء من الكتاب العاشر ، يلحظ إن لارتيوس قد أعلى من قيمة ابيقور ، إضافة إلى أنه ضمن الكتاب ثلاثة رسائل طويلة ، كتبت بقلم أبيقور ، وهو يشرح عقائد الأبيقورية الفلسفية (أنظر: المصدر السابق ، ص ص 34 – 135) .

  أما الباحثون الذين يرجحون كفة إن لارتيوس كان ” من الشكاك ” ، فقد وجدوا إن هناك تشابهاً في طريقة الإثنين . فمثلاً عامل لارتيوس جميع المدارس الفلسفية بنهج موضوعي ليس فيه إنحياز . وهذه هي الطريقة ذاتها التي كان يعتمدها الشكاك اليونانين القدماء . ولاحظوا إن في دراسته للمدرسة الشكية ، كانت إعمق وأوسع معرفياً من المدارس الأخرى . إضافة إلى إنهم أنتبهوا إلى إسلوبه عند الإحالة إلى الشكاك . فمثلاً وجدوا إنه يستخدم تعابير عندما يتكلم عن الشكاك ، مثل : ” مدرستنا ” وهي عبارة تدل على الإنتماء (أنظر: المصدر السابق ، الكتاب التاسع ، ص 109) .

  كما إن هناك من يرى بأن هذه المشكلات في نصوص الكتاب ، هي في حقيقة الأمر مشكلات المصادر والنقول التي أخذ منها لارتيوس مادته المعرفية . ولذلك فإنه من الصعب التأكيد بصورة حاسمة على إن ديوجانس لارتيوس قد تبنى آراء واحدة من هذه المدارس الفلسفية . خصوصاً إذا أخذنا بالإعتبار الحقيقة القائلة : ” إن لارتيوس كان مولعاً بتفاصيل سير الفلاسفة ، أكثرمن عقائدهم الفلسفية (أنظر: هربرت يونك ؛ المقدمة لكتاب : حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ص ص 17 – 18). إضافة إلى كل ذلك فإن لارتيوس هو مؤرخ عن حياة المشاهير من الرجال ، الذين عاشوا في أزمان مختلفة وأمكان متباعدة .

المؤلف ومصادر الكتاب في ميزان التقويم :

  إنشغل الباحثون ومن عصور مختلفة ، بالدراسة والتنقيب المستمرين عن حقيقة كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ومؤلفه ” ديوجانس لارتيوس ” والمصادر التي أعتمد عليها في تأليفه لهذا الكتاب ، والتي تعد اليوم من المصادر التي ضاعت وطواها النسيان . وحقيقة إن القراءة الداخلية لهذا الكتاب ، توفر للباحث الكثير الكثير من أسماء كتاب وفلاسفة تكلم عنهم لارتيوس أثناء حديثه عن هؤلاء الفلاسفة ، وذكر قوائم عديدة من الكتب . ومن الممكن أن تكون هذه الأسماء والقوائم من الكتب ، خطوة ميسرة ننطلق منها في عملية ترجيح المصادر المعرفية التي أخذ لارتيوس مادته في تأليف كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” .

  ولاحظنا إن الفيلسوف الفرنسي النهضوي مونتاني (1533 – 1592) قد إنشغل هو الآخر بهذا الموضوع .  ولهذا نحسب في عبارة مونتاني شيئاً من الصدق  وذلك عندما تردد في نسبة كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” إلى لارتيوس واحد . ومعلوم إن مونتاني هو الآب الروحي للفلسفة أو المذهب الشكي الحديث (أنظر للتفصيل : رايموند سبوند ؛ مقدمة : حياة مونتاني وعصره ، طبعة هاكت 2003 ، ص 4 وما بعد) . ومن هذا الباب ، لا يشعر الباحث بنوع من الإندهاش ، عندما هتف مونتاني شاكاً في قضية ” تأليف لارتيوس لوحده ” لكتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . وعلى هذا الأساس رغب مونتاني بكل تأكيد أن يكون ” مؤلفو هذا الكتاب أكثر من لارتيوس واحد ، وربما يتجاوز عددهم ضعف أصابع اليد الواحدة ” (أنظر: مونتاني ؛ مقالات ، نشرة رايموند سبوند ، الكتاب الثاني ، الفصل المعنون ” الدفاع ” ) .

  حقيقة إن شك مونتاني يشكل طرفاً من قضية كتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . أما الطرف الآخر ، فتشكله نصيحة الباحثين الأكاديميين في شأن هذا الكتاب وأسئلتهم عن مصادره ومكانته في تاريخ الفلسفة اليونانية . فقد نصح هؤلاء الباحثون قارئ هذا الكتاب ، “بالعناية العالية” في التعامل مع شهادات لارتيوس الواردة في هذا الكتاب ، ” خصوصاً بعد إن فشل لارتيوس في ذكر المصادر التي إقتبس منها في تأليف كتابه حياة وآراء .. ” وكذلك بعد إن ضاعت ” المصادر الأولية والمصادر الثانوية المبكرة ” . وعلى كل ما قيل ويقال ، فإن هذا الحال منح لارتيوس أهمية إستثنائية ، وجعل من كتابه أن ” يكون المصدر الرئيس لتاريخ الفلسفة اليونانية ” (أنظر : هربرت يونك : المصدر السابق ، ص 19) .

  واثناء بحث الدارسين عن مصادركتاب لارتيوس ، وقفوا عند نقطة جوهرية تخص هذا الكتاب ومن ثم مصادره الضائعة . فقد لاحظوا إن تقسيم لارتيوس لكتابه إلى قسمين ، الأول يبحث في فلاسفة المدرسة الآيونية ، والثاني يركز على فلاسفة المدرسة الإيطالية . إعتقدوا إن هذا التقسيم يقودهم إلى مصادر هذا الكتاب . وفعلاً رجحوا إن لارتيوس قد أخذه من سوشين الأسكندراني (عاش للفترة ما بين 200 و 170 قبل الميلاد) وهو كاتب سجل كتابة آراء وعقائد الفلاسفة ( ويسمى بالإنكليزية داكسوكرفر) ، ويعتقد إن كتابه ” تسلسل أو تعاقب الفلاسفة ” والذي فقد ولم يبقى سوى عنوانه ، على إنه واحد من مصادر لارتيوس في تأليف كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” . وفعلاً إن قارئ كتاب لارتيوس ، يشعر بأنه كان أميناً ، فقد أشار إلى سوشين وإلى إثينيوس وهذا مانبينه أثناء صفحات البحث .

  ويحسب كتاب ” التسلسل ” على إنه واحد من الكتب التاريخية الأولى التي صنفت الفلاسفة في مدارس ، ظهر فيها أثر المتقدم من المدارس على اللاحق منها . فمثلاً ضم إلى ما يعرف بالمدرسة الآيونية كل من طاليس ، إنكسيمندر وإنكسيمانس . وفعلا قد ظهرت آثار هذا التصنيف ، وهذا التسلسل للفلاسفة في كتاب لارتيوس موضوع بحثنا ( أنظر : ديوجانس لارتيوس : حياة وآراء .. ، الكتاب الثاني )

  كما ظهرت له صدى في كتاب أثينيوس (إزدهر في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلادي) والمعنون ” فلاسفة المآدبة ” ، وهو خمسة عشر كتاباً ، وبقي منه الكتاب الأول والثاني وأجزاء من الثالث والكتاب الحادي عشر والخامس عشر (أنظر : أثينيوس وعالمه : قراءة في الثقافة اليونانية في الإمبراطورية الرومانية ، نشرة ديفيد براند وجون ويكنس ، مطبعة جامعة أكستر 2000) .

  ويبدو إن كتاب سوشين ” تسلسل الفلاسفة ” يتألف من ثلاثة وعشرين كتاباً . ويرجح إنه إعتمد جزئياً على الأقل على كتابات الفيلسوف المشائي ” ثيوفرستس ” (إزدهر 287 – 271 ق.م) الذي درس اولاً في أكاديمية إفلاطون ، وبعد موته تابع أرسطو ، وأصبح خليفته على مدرسته (اللسيوم) ومن ثم قاد المدرسة المشائية لمدة ستة عشر سنة (أنظر : تاريخ كيمبردج للفلسفة الهيلينستية ، كيمبردج 1999 ، ص ص 52 – 53) .

  وترك كتاب ” تسلسل الفلاسفة ” أثراً واضحاً على ” هيركليدس لامبوس ” (من منتصف القرن الثاني قبل الميلاد) وخصوصاً عندما قام بوضع تلخيص لهذا الكتاب وفقاً لشهادة ديوجانس لارتيوس في كتابه موضع الدراسة والبحث عن مصادره . وبتقديرنا إن كتاب ” تسلسل الفلاسفة ” أو تلخيصه الذي وضعه هيركليدس لامبوس ، هما من المصادر المباشرة لكتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” (أنظر : الكتاب الخامس على سبيل الإستشهاد) .

  كما وأشار لارتيوس بنفسه إلى كتب أخرى ، نحسبها كانت مصادراً مباشرة لتأليف كتابه ” حياة وآراء .. ” . فمثلاً نسب تحت عنوان ” تسلسل .. ” ، كتاباً للمؤرخ اليوناني ”إنتيسثينس الروديسي” (عاش في حدود 200 ق.م) . كما ونسب لارتيوس مثل هذا الكتاب ، وبالعنوان ذاته إلى “سيسقراط الروديسي” (إزدهر في العام 180 ق.م) (الكتاب الأول ، الثاني ، السادس .. ) .

  ولكن المراجع الرئيسة لكتاب لارتيوس ، هي ” فافرنوس ” (80 – 160م ) ، وهو سفسطائي هيلينستي ، معاصر للمؤرخ بلوتارك . وينسب له كتاب بعنوان ” العبارات البيرونية ” نسبة إلى أول فيلسوف من الشكاك ” بيرون ” (360 – 270 ق.م) وقد ذكره لارتيوس في كتابه موضوع بحثنا . والكاتب اليوناني ” دايكولس المكنيزي ” (عاش في القرن الثاني أو الأول قبل الميلاد) ، وهو مؤلف لكتابين مهمين : الأول بعنوان ” مسح مختصر عن الفلاسفة ” ، والثاني بعنوان ” في حياة الفلاسفة ” . وكلاهما كانا من المصادر البالغة الأهمية لكتابة لارتيوس لكتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” (أنظر : ماكولم سكوفيلد ؛ فكرة الرواقية للمدينة ، مطبعة جامعة شيكاغو 1999 ، ص ص 11 – 12) . وخصوصاً في الجوانب التي كتب فيها لارتيوس عن الفلاسفة الكلبيين (الساخرين) والرواقية (أنظر للإستشهاد : لارتيوس : حياة وآراء … ، الكتاب الثاني ، السادس ، السابع والعاشر) .

  كما وأقتبس بصورة مباشرة أو غير مباشرة من مؤلفات كتبها كتاب من أمثال : إنتيسثينس الروديسي (ذكر أعلاه) ، الكسندر بوليستر (إزدهر في القرن الأول قبل الميلاد) ، وهو باحث يوناني ومعلم ، وقد ضاعت ولم يصلنا منها شئ ، سوى بعض المقاطع والتي حفظها لنا لارتيوس في كتابه ” حياة وآراء .. ” ( أنظر: وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ، ص 115 وما بعد) . وقد نسب له كتاب ” تسلسل الفلاسفة ” الذي ذكره لارتيوس مرات عديدة ( أنظر للإستشهاد : حياة وآراء .. ، الكتاب الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ، السابع ، الثامن والتاسع ) .

  وكذلك أخذ من ” ديمترس المكنيزي ” (الذي عاش في القرن الأول قبل الميلادي) ، وهو كاتب سير وكان معاصراً لشيشرون (أنظر: وليم سميث ؛ المصدر السابق ) ، ويعد واحداً من أعماله وفقاً لشهادة لارتيوس ” ذو طبيعة تاريخية وفلسفية ” (أنظر : لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الأول ، الثاني ، الخامس ، السادس ، السابع ، الثامن ، التاسع).

  وإضافة إلى ذلك ، وجدت كتابات بعض الفلاسفة والمؤرخين والكتاب ، طريقها إلى كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، وسجلت حضوراً ملحوظاً لها . منها كتابات مؤرخ الفلاسفة والمدارس الفلسفية ” هيبوتس ” (الذي عاش بحدود العام 200 ق.م) والذي إعتاد لارتيوس أن يستشهد كثيراً بكتاباته ونصوصه ( فقد ذكره في الكتاب الأول ، الثاني ، الخامس ، السادس ، السابع ، الثامن والتاسع) .

  ولعل من النافع أن نشير إلى أن هيبوتس قد ألف كتابين : الأول بعنوان ” حول الفرق اليونانية ” (ذكره لارتيوس في الكتاب الأول والثاني) ، والكتاب الثاني كان بعنوان ” سجل الفلاسفة ” ( وجاء ذكره عند لارتيوس في الكتاب الأول) . وقد عالج هيبوتس الفلاسفة  تحت تقسيم (أوائل وأواخر) وربما وجد له صدى في كتاب ” حياة وآراء .. ” . على كل قسم هيبوتس الفلاسفة إلى أوائل وأواخر ، ولهذا نظر إلى الفلاسفة الذين ظهروا في بدايات تاريخ الفلسفة على إنهم ” من الحكماء السبعة ” ، ومن ثم أضاف إلى قائمة الأوائل الفيلسوف والرياضي ” فيثاغوراس ” (570 – 495 ق.م) .

  وتقليدياً يمنح المؤرخون لقب ” الحكماء أو العقلاء ” إلى سبعة حكماء ظهروا في بدايات القرن السادس قبل الميلاد ، ومنهم فلاسفة ورجال دولة وقانون وسياسة .. مثل سولون الحكيم والفيلسوف طاليس وقولون وغيرهم .. (أنظر : كيرك ورافن ؛ الفلاسفة قبل سقراط ، الطبعة الثانية ، كيمبردج 1983 ، ص 76 وكان من مصادرهما كتاب : حياة وآراء .. حيث تم الإقتباس من الكتاب الأول). وهنا نجد من الإنصاف أن نشير إلى أن لارتيوس قد تابع هيبوتس ، فعنون كتابه الأول بالحكماء السبعة (أنظر : لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الأول) .

  أما قائمة آواخر الفلاسفة عند هيبوتس ، فقد ضمت :

أولاً – كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) وهو فيلسوف كلبي (ساخر) وهو زوج الفيلسوفة المشهورة هبريشا المارونية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / موقع الفيلسوف ، سبتمبر 2010) .

ثانياً – منديموس (عاش في القرن الثالث قبل الميلاد) وهو فيلسوف كلبي وتلميذ كلوتس الأبيقوري (320 – 268 ق.م) .

ثالثاً – زينون الأكتيومي (334 – 262 ق.م) وهو مؤسس المدرسة الرواقية (وهو بالتأكيد غير زينون الإيلي) وبدأ تدريس الفلسفة في آثينا بحدود 300 ق.م وتعاليمه الأخلاقية مؤسسة على نزعة المدرسة الكلبية . وعلى اساس هذه الإشارة ، يرجح المؤرخون إن هيبوتس قد كتب مؤلفاته في القرن الثالث أو القرن الثاني قبل الميلاد .

رابعاً – شملت كتابات هيبوتس على قائمة باسماء طلاب زينون الأكتيومي (وقد أشار إلى ذلك لارتيوس في ” حياة وآراء .. الكتاب السابع) .

خامساً – ومن ثم ضم هيبوتس إلى قائمة الآواخر ، الفيلسوف الشكي تايمون (320 – 230 ق.م) وهو تلميذ مؤسس المدرسة الشكية ” بيرون ” (وجاء ذكره عند لارتيوس في ” حياة وآراء .. ” الكتاب السابع ) .

  ويرى لارتيوس في الكتاب الأول من ” حياة وآراء .. ” إن هيبوتس قد رفض إدخال المدرسة الكلبية ، المدرسة الإيلية (ايطالية المنبت وظهرت في فترة ما قبل سقراط أي في بواكير القرن الخامس قبل الميلاد) ومدارس الجدل إلى كتابه “حول الفرق اليونانية ” (أنظر المصدر السابق ، الكتاب الأول) . ويبدو من هذه الإشارة ، إن هيبوتس كان ملتزماً بصرامة عالية بالقاعدة التي صنف على أساسها كتابه ” حول الفرق .. ” ولذلك رفض ضم هذه المدارس التي لا تتناغم مع قاعدة التصنيف . ومثل هذا الحال سيواجهه  لارتيوس . إلا إن مؤلف ” حياة وآراء .. ” سيختار له طريقاً مخالفاً فيه إختراق لقاعدة التصنيف العامة لكتابه . وهذه قضية سنبحثها لاحقاً .

  كما وسجل الفيلسوف القورينائي ” إرستبس ” (435 – 356 ق.م) حضوراً في كتاب ” حياة وآراء .. ” (أنظر الكتاب الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ن الخامس والثامن ) . وإرستبس هو مؤسس المدرسة القورينائية في الفلسفة ، وهو تلميذ سقراط ، وإرستبس أستاذ إبنته الفيلسوفة ” إرنيت القورينائية ” ( أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة (مصدر سابق) ) .

  ومن ثم شملت قائمة مصادر كتاب ” حياة وآراء .. ” الفيلسوف الرواقي ” بانتيوس الروديسي ” (185 – 110 ق.م)  ، وهو تلميذ الرواقي العراقي ” ديوجانس البابلي ” (230 – 150 ق.م والذي ولد في مدينة ” سلوقيا ” أسسها عساكر الأسكندر على ضفاف دجلة الخالد ، ولما بلغ سن العشرين رحل إلى أثينا لطلب العلم وأصبح رئيساً للمدرسة الرواقية) وديوجانس البابلي قد جاء ذكره في كتاب ” حياة وآراء ..” في الكتاب السابع . أما بانتيوس الروديسي فقد ألف كتب عديدة ، إلا إن أهمها في موضوع بحثنا عن مصادر كتاب ” حياة وآراء .. ” الضائعة ، هو كتابه المعنون ” المدارس السقراطية ” .

  ولعل أهمية هذا الكتاب ، تعود إلى إنه دار حول سقراط وكتب إفلاطون والمدارس السقراطية الأخرى . وإن معلومات هذا الكتاب تمنح بانتيوس مكانة وسلطة على المصادر اللاحقة والتي يرجح إنها إقتبست منه . وفيما يخص كتاب ” حياة وآراء .. ” فقد وجدنا فعلاً لارتيوس يشير إليه في الكتاب الثاني ، مما يحملنا كل هذا إلى الإعتقاد بأن  كتاب ” المدارس السقراطية ” كان واحداً من مصادر كتاب ” حياة وآراء ..” .

  وجاء ذكر الباحث اليوناني ” أبليدورس الآثيني ” (180 – 120 ق.م) مصدراً لكتاب ” حياة وآراء .. ” ، وهو واحد من تلاميذ كل من الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي و بانتيوس الرواقي . وله كتب عديدة . إلا إن أهمها لموضوعنا كتابين :

الأول – كتاب حوليات ، تناول فيه أبليدورس تاريخ اليونان ، وبالتحديد من سقوط طروادة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد وحتى عام 143 ق.م .

الثاني – كتاب حول الآلهة ، وهو بحث تفصيلي في تاريخ الدين اليوناني ، وقد تم الإعتماد عليه كثيراً في كتابات الفترات اللاحقة ( أنظر : سيمون هورنبلور : أبليدورس الآثيني  ” في قاموس أكسفورد الكلاسيكي ” مطبعة جامعة اكسفورد 1996 ، ص 124) .

  ومن المصادر التي يرجح ان يكون لها حضوراً في كتاب لارتيوس ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، ما كتبه المؤرخ اليوناني “سيسقراطس الروديسي ” الذي إزدهر في العام 180 ق.م . فقد كان لارتيوس كثيراً ما يذكره في كتابه موضوع البحث (أنظر للإستشهاد : الكتاب الأول أماكن عديدة ، الكتاب الثاني والكتاب السادس) . ويلحظ الدارس إن لارتيوس قد أعلى من مكانته ، بل منحه سلطة معرفية على كثير من المؤلفات اللاحقة .

  كما ويرجح المؤرخون إنه إزدهر بعد الفيلسوف المشائي ” هرمبيوس ” . وإذا صح ذلك ، فستكون له دلالات معرفية كثيرة ، خصوصاً في مضمار التأليف في سير الفلاسفة . فمثلاً تذكر كتب التاريخ اليوناني ، إن هرمبيوس ألف كتاباً في السير : سير الخطباء ، الشعراء ، المؤرخين والفلاسفة . وإن هذا الكتاب إحتوى على سيرة ذاتية مبكرة جداً للفيلسوف اليوناني أرسطو .

   وكذلك إحتوى كتاب هرمبيوس على سير عدد من الفلاسفة  مثل : فيثاغوراس ، إمباذوقليس (490 – 430 ق.م) ، هرقليطس (535 – 475 ق.م) ، ديمقريطس (460 – 370 ق.م) ، زينون الإيلي (490؟ – 430 ق.م) ، سقراط ، إفلاطون ، إنتيسيثنس (445 – 365 مؤسس الفلسفة الكلبية) ، ديوجانس الكلبي (412   – 323 ق.م) ، ستلبو الميغاري (360 – 280 ق.م تعاليمه الفلسفية مزيجاُ من الكلبية والرواقية) ، أبيقور ، ثيوفرستس ، والمؤرخ هيركليدس (إزدهر عام 350 ق.م) ، ديمترس فيلورس المشائي (350 – 280 ق.م) والفيلسوف الرواقي كريسبس (279 – 206 ق.م) .

   ونحسب إن لهذا الكتاب أهميتين :

أولاً – رغم إن هذا العمل يعد اليوم من الكتب المفقودة ، ولكن كثير من كتب السير التي ركزت على ” الحياة .. ” قد إقتبست منه بكثافة (أنظر: ج . بولنيز ، هرمبيوس الساميراني ، تحقيق نقدي وترجمة للمقتطفات الباقية ، ليدن 1999) .  

 الثاني – وربما من خلال هذا الكتاب ، ترك هرمبيوس آثاراً على سيسقراطس (وبالتحديد على كتابه المعنون ” تسلسل الفلاسفة ” الذي زعم إنه قام بتأليفه) ، ومن خلاله إنتقلت إلى لارتيوس ومن ثم وجدت طريقها إلى كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” . وفعلاً فإن هناك شهادات تدل على إن كلاً من إثينيوس ولارتيوس قد إقتبسا منه (مثلاً لارتيوس إقتبس منه في الكتاب الأول ، والسادس والثامن) .

  وسجل المؤرخ والفيلسوف المشائي ” ستيروس ” ( ربما عاش في نهايات القرن الثالث قبل الميلاد) حضوراً في كتاب لارتيوس ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” . كما يبدو إن إثنيوس قد أستثمر السير التي كتبها . والحقيقة إن سير ستيروس قد ركزت على عدد من مشاهير الناس ، مثل : الملوك (ديونيسيوس السرقسطي الثاني(397  – 343 ق.م)) ، ورجال دولة (القيابيدس (450 – 404 ق.م)) ، خطباء (ديموسثينس (384 – 322 ق.م)) ، شعراء (أسخيلوس (524 – 455 ق.م) ، سوفكلس (49- 405 ق.م)  وأربيدس (480 – 406 ق.م)) وفلاسفة والأدق حكماء (بايس البرني (وهو واحد من الحكماء السبعة ، وذكره لارتيوس في الكتاب الأول) ، قولون الإسبرطي ، فيثاغوراس ، إمباذقليس ، زينون الإيلي ، إنكساغوراس (500 – 428 ق.م ، وهو أول فيلسوف جلب الفلسفة من أيونيا إلى أثينا) ، سقراط ، ديوجانس الكلبي ، إنكساركوس (380 – 320 ق.م ، وهو من أتباع مدرسة ديمقريطس ، وكان صديقاً للإسكندر الكبير) وإستلبو.

  ومن المصادر التي وردت الإشارة إليها في كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، كل من المؤرخ اليوناني ” نينثس ” (عاش حوالي 241 ق.م) ، وهو تلميذ الخطيب اليوناني الشهير ” إيسقراط ” (438 – 436 ق.م) . وكتب نينثس عدداً من الكتب ، بقيت منها سوى العناوين . ولعل من أهم هذه العناوين : أولاً – كتابه المعنون ” حياة مشاهير الرجال ” . الثاني – كتابه المعنون ” الفيثاغورية ” (أنظر: وليم سميث : قاموس السر والأساطير اليونانية والرومانية / مصدر سابق) . وقد أقتبس منه ديوجانس لارتيوس في كتابه هذا (مثلاً على ذلك : الكتاب الأول ، الثالث ، السادس ، الثامن والتاسع) . يضاف إلى قائمة مصادر كتاب لارتيوس ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، كتاب المؤلف اليوناني المتنوع ” إنتوكنس ” (إزدهر في القرن الثالث ق.م) ، والمعنون ” تسلسل الفلاسفة ” والذي كتبه إعتماداً على تجربته الشخصية . والتي ظلت فقرات منه محفوظة عند إثنيوس وديوجانس لارتيوس .

   وإذا قبلنا هذا الأمر . وقبلنا إن إنتوكنس وسوشين (الذي كتب هو الأخر كتاب تلسل الفلاسفة كما جاء ذكره في مقدمة هذا الموضوع) عاشا وعملا في القرن الثالث قبل الميلاد ، فالسؤال : من ألف كتاب ” تسلسل الفلاسفة ” أولاً ؟ هل إنتوكنس أم سوشين الأسكندراني ؟ أو إن كلاً منهما كتب مؤلفه بصورة مستقلة عن الأخر ؟ وإذا قبلنا هذه الحقيقة ، فالسؤال : هل كانت مصادرهما  في الكتابة مشتركة ؟ وإذا سلمنا بهذا القدر ، فأننا نعرف مما ذكره المؤرخون عن إنتوكنس من إن تجربته الشخصية هي المصدر الوحيد لكتابه . ونحن نتردد في قبول ذلك . ولهذا تظل الباب مفتوحة لصالح سوشين  الإسكندراني وكتابه ” تسلسل الفلاسفة ” . ولكن إذا ذكرنا أنفسنا بإن سوشين ظل يعيش ويعمل حتى القرن الثاني ، وبالتحديد حتى العام 170 ق.م ، فأن القضية من الناحية الزمنية تعمل أكثر لصالح إنتوكنس ، وترجح كتابه الأسبق في التأليف من كتاب سوشين الإسكندراني . ولكن هذه الترجيحات تحتاج إلى بحث تاريخي معمق يحسم حساباتها لصالح واحد منهما .

  وأخيراً نحسب أن هناك شخصيتين من الكتاب اليونانيين ، شكلا مصدرين من مصادر كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، الأول كان ” هيرونمس الروديسي ” (290 – 230 ق.م) ، وهو فيلسوف مشائي ضاعت جميع مؤلفاته ، ولم يبق منها سوى فقرات ظلت محفوظة في مؤلفات جاءت بعده (وليم سميث ؛ المصدر السابق ) . ولاحظنا إن ديوجانس لارتيوس يذكر له ثلاثة أعمال : الأول ” تعليق الحكم ” والثاني ” ملاحظات متناثرة” والثالث ” كتاب في الشعراء ”  (أنظر : الكتاب الأول ، الثاني ، الرابع والخامس) .

   أما الشخصية الثانية ، فهي المؤرخة اليونانية ” بامفيلا ” (من القرن الأول ) وهي مصرية بالولادة أو بالإصول . ويذكر سودا في موسوعته  ” إن بامفيلا كانت مواكبة على الكتابة منذ بواكير شبابها ” (أنظر: سودا : الموسوعة البيزنطية ، ترجمة جير مايا قيدي ، مجلة الكونيات 1993، مادة بامفيلا) . وكانت تحصل على مادتها المعرفية عن طريق السماع والقراءة ، فكانت تسمع من زوجها المثقف ومجموعة من المثقفين المحيطين بها . كما إنها كانت تقرأ جميع ما يتوافر لها .

 إن عمل بامفيلا الرئيس يتكون من كتابين : الأول ” شروح تاريخية ” والثاني ” تاريخ اليونان ” . والثاني يتألف كما يرى البعض من ثمانية كتب . في حين يعتقد سودا إنه يتكون من ثلاثة وثلاثين كتاباً . والكتاب في حقيقته كتبته بامفيلا على شكل ملاحظات  . وقد إعتمده لارتيوس في كتابه ” حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” (أنظر : الكتاب الأول ، الثاني ، الثالث والخامس) . وهناك من يعتقد إن سودا على حق ، خصوصاً بعد إن أشار بعض الكتاب المتأخرين إلى الجزء الحادي عشر والتاسع والعشرين منه . كما إن لارتيوس قد ذكر الجزئين ؛ الخامس والعشرين والثاني والثلاثين .

خطة لارتيوس في تنظيم كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” : 

    كتب لارتيوس مؤلفه هذا باللغة اليونانية  ، وقدم فيه تفسيراً لحياة الفلاسفة مع ذكر لأحاديثهم وأقوالهم . ولعل قيمته تكمن في إنه قدم بصيرة واضحة عن الحياة الشخصية لهؤلاء الحكماء اليونانيين . ولاحظ الدارسون كما ذكرنا إن لارتيوس قد قسم كتابه إلى قسمين :

الأول – خصصه إلى بحث ما أسماه فلاسفة المدرسة الآيونية .

الثاني – ركز فيه دراسة ما أطلق عليهم إسم فلاسفة المدرسة الإيطالية .

  ونود هنا أن نشير إلى إن تقسيم لارتيوس لكتابه ” حياة وآراء .. ” إلى مدرستين ، كان في طرف منه بتأثير سياسي ، خصوصا في القسم الثاني الذي أطلق عليه ” المدرسة الإيطالية ” . فقد عاش لارتيوس تحت ظل حكم سلالة سيفرين ، وبالتحديد أثناء حكم ماركوس أورليوس سيفروس ، وهو إمبراطور روماني حكم من 222 وإلى مقتله إغتيالاً وأمه بيد جنوده في العام 235 م (أنظر: بات سوثرن ؛ الإمبراطورية الرومانية : من سيفروس وإلى قسطنطين ، نشرة روتليدج 2001) .

  وهناك شك حول أصالة التقسيم الثنائي الذي تقدم به لارتيوس في دوائر البحث الأكاديمية الغربية . وهذا الشك دفع الباحثين إلى الترجيح إلى إن لارتيوس قد أخذه من سوشين الأسكندراني الذي أودعه كتابه المفقود ” تسلسل الفلاسفة ” والذي يشير إليه لارتيوس كما قلنا .

     وللمقارنة بين ما ضمته المدرسة الآيونية والمدرسة الإيطالية ، وهما المدرستان اللتان قسم لارتيوس كتابه على أساسهما  . فقد وجد الدارسون إن الأولى بدأت مع إنكسيمندر (610 – 546 ق.م) وإنتهت مع كليتماكيس (187 – 110 ق.م) ، ثيوفرستس ، وكريسبس (279 – 206 ق.م) . في حين بدأت الثانية مع فيثاغوراس (570 – 495 ق.م) ، وإنتهت مع أبيقور (341 – 270 ق.م) .

  كما لاحظوا إن المدرسة السقراطية ، وبكل فروعها المتنوعة قد جاءت تحت مظلة المدرسة الآيونية . في حين إن المدرسة الإيلية والشكاك ، قد تمت دراستهم تحت فضاءات المدرسة الإيطالية . ويبدو لنا من خلال عبارات ” والتر بورلي ” (1275 – 1344) حول كتاب ” حياة الفلاسفة ” (وبورلي هو راهب وحاصل على الدكتوراه في اللاهوت من باريس 1320) ، وهي عبارات مخترعة يدور حولها شك ، على إنه كان أكبر حجماً مما هو عليه في النص المتداول لدينا اليوم . (وقد حققه ونشره  كونست في توبنكن في العام 1886) ونسبه مرة إلى والتر بورلي ، ومرة إلى كاتب مجهول (أنظر : جورك كرسيا وتيموثي نون ؛ صحبة الفلسفة في العصور الوسطى ، طبع بلاك ويل ، الولايات المتحدة الأمريكية 2002) .

  ويبدو لنا إن خطة لارتيوس في كتابة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” كانت متأثرة بخطط كتابية سابقة عليه . وبالتحديد جاءت فيها متابعة لخطط كل من سوشين الإسكندراني ، وهبوتش . فمثلاً قسم سوشين كتابه المعنون ” تسلسل أو تعاقب الفلاسفة ” إلى قسمين ؛ يبحث واحد منهما في المدرسة الآيونية . في حين يركز الآخر على المدرسة الإيطالية كما بينا ذلك سابقاً .

  أما هيبوتش فقد إلتزم بخطة صارمة في كتابه ” حول الفرق اليونانية ” الذي قسمه إلى قسمين ؛ الأول يبحث في الأوائل ، والثاني يدرس الأواخر . فمثلاً عالج الحكماء السبعة وفيثاغوراس في مضمار الأوائل . في حين ضم كريتس ، منديموس ، زينون الإيلي ، طلاب زينون ، ومن ثم تايمون إلى الأواخر . وعلى هذا الأساس فأن كتاب هيبوتس قدم لأنظار لارتيوس تقسيماً ثنائياً يشبه بصورة عامة تقسيمه الثنائي في كتابه ” حياة وآراء ..” . وهنا نود أن نشير إلى آثار خطة هيبوتس على خطة لارتيوس :

أولاً – إختار لارتيوس عنواناً لكتابه الأول ، وهو ” الحكماء السبعة ” وهذه متابعة واضحة لكتاب ” حول الفرق اليونانية ” .

ثانياً – أشار لارتيوس إلى إن هيبوتش قد رفض في ضم المدرسة الكلبية ، الإيلية ومدارس الجدل إلى كتابه ” حول الفرق ” . وهذا يؤكد عل إلتزام هيبوتش بخطة صرامة في كتابه . وإن كان الثمن غالياً ، وهو إبقاء بعض المدارس خارج أوراق مؤلفه. وهذه مسألة ستحمل لارتيوس إلى التأمل فيها ، ومن ثم سيعالج بعض الفلاسفة خارج إطار كتابه ” حياة وآراء ” . ولكن الثمن كان هو الأخر غالياً ، وهو الخروج عل خطة الكتاب الرئيسية . وهذا موضوعنا اللاحق .

 ولعل خير ما نختتم كلامنا عن خطة لارتيوس لكتابه ” حياة وآراء ” ، القول إن الكتاب بمجمله يتألف من عشرة كتب .  وإن الخطة التي نفذها لارتيوس في كتابه الناجز والمتداول باللغة الإنكليزية ، يكشف عن خلل في توازن حجم القسم الذي خصصه للمدرسة الإيلية مقارنة بالحجم الذي درس فيه الفلسفة الإيطالية . فالقسم الأول الخاص بالمدرسة الإيلية تكون من سبعة كتب ( من الأول وإلى الكتاب السابع) مع الإشارة إلى إن هناك جزءً مفقوداً من الكتاب السابع . أما حجم قسم المدرسة الإيطالية ، فكان الأقل ، فقد ضم ثلاثة فصول فقط ( من الثامن وإلى العاشر) . وهذه بالتأكيد خسارة للمدرسة الإيطالية لصالح المدرسة الأيونية .

حجبت صفحات من البحث لحفظ حقوق الكاتب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثاني / ربيع 2010

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3) 

فرفريوس الصوري (اللبناني) مؤرخاً للفلسفة اليونانية   

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

تقديم :

  إن علاقة الدكتور محمد جلوب الفرحان بالفيلسوف اللبناني ” فرفريوس الصوري ” تصعد إلى أكثر من أربعة عقود من الزمن وذلك عندما بدأ يحفر في الكتابات الفلسفية العربية عامة والمنطقية خاصة ، وينقب عن الأثر الذي تركه كتاب فرفريوس الصوري المعنون ” إيساغوجي ” على عملية التدوين العربي في مضماري الفلسفة وعلم المنطق . فكان الحاصل من ذلك بحثين وكتاب . جاء البحث الأول بعنوان ” حول ثقافة إبن حزم الأندلسي : أثر فرفريوس الصوري ” والذي صدر في مجلة ” دراسات الأجيال ” وهي مجلة أكاديمية محكمة علمياً ، وتصدرها نقابة المعلمين / بغداد 1986 . وكان البحث الثاني بعنوان ” تطبيقات إبن حزم المنطقية على العقائد الإسلامية ” والذي صدر في مجلة دراسات عربية / بيروت – لبنان 1986 . أما الكتاب فقد جاء بعنوان ” الفكر المنطقي الإسلامي : دراسة في جهود إبن حزم الأندلسي ” والذي طبعته مطابع جامعة الموصل في العام 1987 .

  وبعد أكثر من أربعين عاماً ، يعود الدكتور الفرحان إلى فرفريوس الصوري ليقدمه واحداً من المؤرخين الرواد لطرف مهم من أطراف الفلسفة اليونانية . فقد كتب فرفريوس مؤلفه الرائد ” حياة فيثاغوراس ” والذي يعد وثيقة تاريخية متفردة تناولت حياة هذا الفيلسوف اليوناني . كما إنها ألقت ضوءً مهماً على عدد من فلاسفة المدرسة الفيثاغورية .

   ولعل من المهم أن نشير إلى إن عمل فرفريوس الصوري هذا كان مسبوقاً في مضمار عملية التدوين ، فقد تقدم عليه الكتاب الثامن والمعنون ” فيثاغوراس ” والذي كتبه مؤرخ الفلسفة اليونانية  “ديوجانس لارتيوس ” في موسوعته المعنونة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” والتي تتألف من عشرة كتب  . كما إن كتاب فرفريوس من ناحية أخرى ، كان متقدماً على كتاب ” إمبيلكوس السوري ” والذي حمل العنوان ذاته ” حياة فيثاغوراس ” . وبالمناسبة فقد أنجزنا بحثاً مطولاً عن ديوجانس لارتيوس ، وكان بعنوان : ديوجانس لارتيوس وكتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” وقد نشر منه صفحات عشر على موقع الفيلسوف وموقع مجلة أفيروس . ومن المؤمل أن ينشر بصورته الكاملة في مجلة أوراق فلسفية في العدد الثاني ربيع 2011 .

  يهدف البحث الحالي إلى :

أولاً- تقديم صورة شاملة عن حياة فرفريوس الصوري ، ودوره في عملية التدوين الفلسفي ، ومن ثم مكانته في المدرسة الإفلاطونية المحدثة .

ثانياً- الكشف عن المصادر التي إعتمد عليها فرفريوس في تأليف كتابه ” حياة فيثاغوراس ” .

ثالثاً- إنجاز دراسة معمقة لكتاب ” حياة فيثاغوراس ” وذلك لوضع اليد على الخطوط العريضة التي تناولت سيرة فيثاغوراس .

حياة فرفريوس الصوري

    صحيح جداً إن مؤسس الإفلاطونية المحدثة ، هو الفيلسوف الإسكندراني ” أمونيوس ساكس ، والذي لم يترك سوى دروساً شفهية ، ظل لها صدى في كتاب ” التساعيات ” الذي كتبه الفيلسوف الروحي للإفلاطونية المحدثة ، والذي تركه متناثراً على شكل ملاحظات وكراريس محاضرات دون أن يرى النور . وهذه النقطة جداً مهمة في تاريخ فلسفة إفلوطين خاصة وتاريخ الإفلاطونية المحدثة عامة . وهذا ما نسعى إلى بيانه من خلال بحثنا في سيرة الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري .

  ونحسب في البداية أن نخبر القارئ العربي ومن خلاله نخبر الباحث في المضموم في تاريخ الفلسفة اليونانية ، بأن هذا البحث كتب من زاوية المصادر الإنكليزية وما ترجم إليها . كما نحسب على الأقل إن هذا البحث ، هو محاولة رائدة في مضمار تاريخ الفلسفة اليونانية في دارنا الثقافة العربية . خصوصاً بعد إن تم إستهلاك المصادر الكلاسيكية التي ترجمت أو تم تأليفها في النصف الأول من القرن العشرين.

  حقيقة لقد تحولت المصادر الجديدة التي عالجت الفلسفة اليونانية في المنطقة العربية ، إلى قراطيس لا جديد فيها ، سوى إنها تردد القليل القليل مما قاله المرحوم ” يوسف كرم ” وبصور مجتزءة من النص الذي كتبه طيب الله ثراه . فقد كان يوسف كرم إمامهم وهم عيال على كتابه حتى (القشر) . إنها على العموم محنة التأليف الأكاديمي وغير الأكاديمي في مضمار الفلسفة اليونانية على حد سواء .

   ولعل من الشواهد التي لا يمكن أن يطويها الزمن ويشطبها من الذاكرة . هي إن واحداً من الكتاب الأكاديميين أباح لي ولعدد من الباحثين في جامعة (ب ..) وكنت يومها زائراً ، ودون حذر أكاديمي وذلك لإنه كان يتقوى بسطوة (م ..) قائلاً : ” إن لغتي الأنكليزية على قدر حالي ، أستطيع أن أترجم سطرين من هنا وهناك لأجمل الكتاب وأضيفها إلى جريدة المصادر والمراجع لكتابي : الفلسفة اليونانية قبل …. ” .

    والصدق إنه كان يتشكى كثيراً ويرتجف بذعر من زميله الذي يدعي التضلع باليونانية واليونانيات ، والحق إنه كان متضلعاً بالماوردي والماورديات . والمصيبة إن هذا الكتاب تحول إلى كتاب منهجي لطلاب قسم الفلسفة  . والحق إن كتاب يوسف كرم كان الأفضل للطالب والباحث والمحاضر في الفلسفة اليونانية . وهناك شهود على هذه الحادثة الأكاديمية المفجعة وفي واحدة من أعرق أكاديميات الوطن العربي ، وشهودها أساتذة للفلسفة ، والذي لازال عدداً منهم يعمل في جامعات بلاد الله الواسعة.

  ولعل السؤال المفتاح : من هو فرفريوس الصوري ؟ وما هي مؤلفاته ؟ وما هي مكانته في المدرسة الإفلاطونية المحدثة ؟  ولد فرفريوس الصوري (233- 305  والبعض يرى 309 م تقريباً) في مدينة صور اللبنانية . وهوأول فيلسوف يوناني يمثل الفلسفة الإفلاطونية المحدثة بشكل فلسفي إصطلاحي وتاريخي في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي . صحيح جداً إنه جاء من أسرة فينيقية (أنظر: أ. باركر ؛ فرفريوس ، منشور في معجم أكسفورد الكلاسيكي ، ط 3 ، 2003 ، ص ص 1226- 1227) إلا أن تكوينه الثقافي ومن ثم الفلسفي كان يونانياً هيلينستياً خالصاً .

  فمن الملاحظ  على المصادر التي تتحدث عن حياة فرفريوس إنها تقدمه تلميذا للناقد الفلسفي والخطيب الهيلينستي ” كاسيوس لونكنس ” (213- 273 م) . ولونكنس في الأصل من حمص- سوريا ، درس في الإسكندرية تحت يد الفيلسوف  ” أمونيوس ساكس ” (عاش في القرن الثالث الميلادي) المؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة . ومن ثم إستقر لونكنس في آثينا .  ولم يعتنق الإفلاطونية المحدثة التي سيعمل إفلوطين على تطوير أسسها الفلسفية لاحقاً ، وظل لونكنس مؤمناً بالإفلاطونية بشكلها القديم . ومن ثم ترك آثينا وتوجه نحو الشرق ، وأصبح من كبار مستشاري الملكة زنوبيا الذي نصحها بالإستقلال وعملت على توسيع إمبراطوريتها (260- 263) التي ضمت بالإضافة إلى سوريا مصر وأجزاء من أسيا الصغرى .. (أنظر سودا : الموسوعة البيزنطية (كتبها في القرن العاشر الميلادي) ، مادة لونكنس ) .

  علم الأستاذ لونكنس مدة ثلاثين عاماً في أثينا ، وكان فرفريوس واحداً من طلابه. ويقال إن لونكنس هو الذي أطلق عليه الإسم فرفريوس (والذي يعني لباس الإرجوان) وهو دلالة على (سحنة فرفريوس) أو لون الرداء الإمبراطوري الذي كان يرتديه. تلقى فرفريوس من الأستاذ لونكنس دروساً في ” قواعد اللغة ” وفي ” الخطابة ” . وفعلاً فأن هذه الدروس ستلعب لاحقاً دوراً فاعلاً في تطوير أدواته النقدية وأساليبه ، خصوصاً في نقد الفكر الديني للديانات الثلاثة : الزرادشتية ، اليهودية والمسيحية (والنقد التاريخي للأناجيل) حصراً . وبالتحديد في نصوصه الثلاثة المتفردة : الفلسفة من الوحي ، المشكلات في نصوص هوميروس ، وضد المسيحيين .

   ومن ثم  قرر فرفريوس الرحيل إلى روما ، متطلعاً للقاء بالفيلسوف إفلوطين (204- 270 م) الذي ذاعت سمعته دوائر الفكر الفلسفي في عالم الثقافة الهيلينستية يومذاك (للإطلاع على فلسفة إفلوطين ودور فرفريوس في نشرها ، أنظر الكتاب الممتاز الذي كتبه الأستاذ كيفن كوركن ؛ قراءة إفلوطين : مدخل إلى الإفلاطونية المحدثة ، نشرة مطبعة جامعة بوردو 1995) .

  لقد رهن فرفريوس حياته بعد لقائه بإفلوطين ، على دراسة الأسس الفلسفية للمشروع الإفلاطوني المحدث . وفعلاً خصص ست سنوات لدارسة هذا المشروع ، ونحسب من خلال دراسة رسائل إفلوطين والدروس الشفهية للمؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة أمونيوس ساكس والتي ظل لها حضور وصدى في كتابات ومحاضرات تلميذه إفلوطين . كان الحاصل من هذه الدراسة المركزة والطويلة ، نتائج درامية ؛ فقد أخذت صحة فرفريوس بالإعتلال والتدهور المستمرين ، ومن ثم تطورت إلى محاولات للإنتحار . وهنا تدخل الفيلسوف إفلوطين ونصح تلميذه فرفريوس بالرحيل إلى مدينة سيسيلي الأيطالية وذلك طلباً للشفاء والراحة .

   وفعلاً فقد صرف فرفريوس خمسة سنوات في سيسيلي . عاد بعد ذلك إلى روما (وهناك من يرى إن أخبار موت أستاذه كانت السبب وراء العودة) ، وأخذ يحاضر في الفلسفة ، ويعمل على جمع رسائل إستاذه إفلوطين (الذي مات خلال هذه الفترة) ومن ثم كتب السيرة الذاتية له ونشرهما معاً (أنظر: أرمسترونك ؛ إفلوطين ، سبع مجلدات ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1966- 1988 وكذلك أنظر: دوفر ؛ إفلوطين : السيرة الذاتية ، ليدن 2002) .

  تزوج فرفريوس في سنواته الأخيرة ، من مارسللا وهي إمرأة أرملة ولها سبعة أطفال وكانت طالبة متحمسة لدراسة الفلسفة ، ويبدو إنها لعبت دوراً فاعلاً في تركيز تفكير فرفريوس على الإفلاطونية . وفعلاً فقد كتب لها خطاب العزاء بعنوان ” رسالة إلى مارسللا ” .  والحقيقة إن المصادر التي تتحدث عن فرفريوس تكاد أن لا تذكر شيئاً عن حياته . كما إن ليس هناك دليل مؤكد يمكن الإعتماد عليه في تحديد سنة وفاته . إلا إن هناك من يرجح إنه مات في نهايات القرن الثالث أو بدايات القرن الرابع (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، الفصل الثالث المعنون : إبن حزم وكتاب الإيساغوجي ، ص 42) .

فرفريوس الصوري مؤلفاً

  دشن فرفريوس نشاطه في عملية التدوين الفلسفي ، بجمع رسائل أستاذه الفيلسوف إفلوطين وقام بتنقيحها ونشرها مع كتابة مقدمة لها ، ومن ثم كتب سيرة إفلوطين الذاتية والتي تعد المصدر الشاهد على حياة المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة كما سبق إن ذكرنا وسيكون لنا حديثاً مفصلاً عندما نتحدث لاحقاً عن الدور الذي لعبه فرفريوس الصوري في الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة  .

كتاب الإيساغوجي

   ومن ثم كتب فرفريوس الصوري مؤلفه المهم والمتفرد في تاريخ علم المنطق ، والمعنون ” الإيساغوجي ” والذي يعد من أفضل مساهماته في مضمار الفلسفة . وفي طرف منه قدم لنا نصاً يساعد في دراسة المعقولات ، وهي في التقويم الأخيرخلاصة إفلاطونية محدثة أساسية للمقولات والتي تضمنت شرحاً لمقولات أرسطو  وهذا هو العنوان الحقيقي لكتاب الإيساغوجي .

  ولكن الأستاذ بيرنس يذهب مذهباً مغايراً ، فيعتقد إن العنوان الصحيح هو المقدمة أو الإيساغوجي . وعلى هذا الأساس فإن الكتاب ليس مقدمة للمقولات بشكل خاص ، وإنما هو مقدمة لعلم المنطق بصورة عامة ، والذي يضم نظريات الحمل (المحمولات) ، والتعريف والبرهان . والإيساغوجي يصف الطريقة التي يتم خلالها نسبة الكيفيات إلى الأشياء التي يمكن ترتيبها وتصنيفها . وإستناداً إلى ذلك قسم كتاب الإيساغوجي المفهوم الفلسفي ” الجوهر ” إلى مكوناته الخمسة الأتية : الجنس ، النوع ، الفصل ، الخاصة ، والعرض (أنظر: بيرنس ؛ مختصر تاريخ الأراء التي عناها فرفريوس بالإيساغوجي (مدخل إلى المقولات) ، نشرة 2003 ، ص 14 وكذلك أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، ص ص 52- 56) .

أثر الإيساغوجي على الغرب والعالم الإسلامي

ترك كتاب فرفريوس الصوري ” الإيساغوجي ” آثاراً عميقة على صفحات تطور  

الفكر المنطقي في غرب العصور الوسطى وشرق العالم الإسلامي على حد سواء . إن هذا الكتاب هو مساهمة في المقولات ، والذي مزج منطق آرسطو في تعاليم الإفلاطونية المحدثة . وخصوصاً في مقولات الوجود والتي شرحت في حدود ” الموجودات ” والتي سيطلق عليها في دوائر الفلسفة إصطلاح ” الكليات ” . والشاهد على ذلك ترجمة الفيلسوف المسيحي ” بوثيوس ” (480- 524 م) لكتاب الإيساغوجي إلى اللاتينية والذي تحول إلى نص كلاسيكي في العصور الوسطى ، يدرس في مختلف المدارس والجامعات الآوربية (أنظر: هنري جاويدك ؛ بوثيوس ، وعزاء الموسيقى ، المنطق ، اللاهوت والفلسفة ، نشرة مطبعة كالريندون ، أكسفورد 1981).

 وهذا الكتاب قدم توضيحاً مشجراً للتقسيم المنطقي لمقولة الجوهر ، وهذا التوضيح سيعرف في أوساط علم التصنيف وآلياته بشجرة فرفريوس . وفي العصر الحديث قد إنتفع كثيراً من شجرة فرفريوس الصوري في تصنيف الكائنات الحية (البايولوجيا) (أنظر: أي . ماير و ج . بوك ؛ التصنيف ونظم الترتيب الأخرى ، مجلة أبحاث النشوء والنظم البايولوجية ، 2002 / العدد 40) .

  أما أثر كتاب الإيساغوجي في العالم الإسلامي ، فله قصة أخرى تميزت بطعمها الخاص . فتذكر المصادر إلى أن أول ترجمة تم تداولها في العالم الإسلامي ، هي ترجمة ” عبدالله بن المقفع ” (قتله الخليفة العباسي عام 756 أو 757 بحجة الهرطقة) . والحقيقة لم يترجمه إبن المقفع كما نحسب من اليونانية مباشرة ، وربما كان النص متوافراً بالفارسية خصوصاً إذا تذكرنا بأن الإسكندر الكبير ، بعد تدمير الإمبراطورية الفارسية ، إستدعا عدداً من الفلاسفة والمناطقة والعلماء اليونان إلى بلاطه الجديد في بلاد فارس ، وحدثت حركة حوار ثقافي عميق بين مجوس (حكماء) الفرس وفلاسفة ومناطقة اليونان ، وكان الحاصل منها تفكير جديد فيه حضور لفلسفة ومنطق اليونان مع حضور لحكمة المجوس (الزرادشتية) . ولعل من المفيد أن نشير إلى إن كتب أرسطو المنطقية كانت متداولة في بلاط تلميذه الإسكندر .

   كما وإن من الثابت إن الأراضي  الإيرانية والعراقية قد حتضنت مدرسة فلسفية وعلمية ظلت تعمل بنشاط حتى ظهور الإسلام ، ونعني بها مدرسة جنديسابور . وعلى هذا الأساس نفهم دور إبن المقفع في الترجمة من اليونانية أو من السريانية . خصوصاً إذا وضعنا في الإعتبار بأن مدرسة جنديسابور كانت تغص بأعداد من الفلاسفة والعلماء اليونان والسريان . ولهذا يتعجب الباحث من عدد من الباحثين المتعجلين الذين أنكروا على إبن المقفع حقه في ترجمة كتاب الإيساغوجي .

  كما إن برامج مدرسة جنديسابور (إضافة إلى برامج مدارس فلسفية أخرى إحتضنتها الأرض العربية قبل الأسلام بأشواط زمنية مثل : الرها ، نصيبين وإنطاكيا ، خصوصاً بعد غلق المدارس الفلسفية في بلاد اليونان عام 529 وطرد الفلاسفة من قبل الأمبراطور الروماني جوستنيان الأول (483- 565) ، والتي أصبحت فيما بعد هذه المدارس ملاذاً آمناً لعدد كبير من الفلاسفة اليونان) قد ضمت منطق أرسطو والشروح عليه ، ولعل نصوص وكتابات الإفلاطونيين المحدثين قد تصدرت برامج التعليم في هذه الفترة خصوصاً إذا تذكرنا بأن معظم معرفتنا بالفلسفة والمنطق والعلم اليوناني قد وصلت إلينا من خلالهم .

    لقد عرب كتاب فرفريوس المنطقي ” المقدمة ” وأخذ يسمى بالعربية بالإيساغوجي . ومن ثم تحول هذا الكتاب إلى نص عربي منطقي كلاسيكي ، فرض هيمنته في العالم الإسلامي لمدة طويلة ، ومن ثم ترك آثاراً في مختلف مفاصل الفكر الإسلامي مثل علم الكلام (اللاهوت) ، الفلسفة ، النحو والفقه وحتى التشريع . وبالإضافة إلى محاولات التعديل والتكييف التي تعرض لها كتاب الإيساغوجي على يد المسلمين .

   لقد تحول هذا الكتاب إلى نص عربي منطقي كلاسيكي ، وفرض هيمنته في العالم الإسلامي لمدة طويلة ، ومن ثم ترك آثاراً في مختلف مفاصل الفكر الإسلامي مثل علم الكلام (اللاهوت) ، الفلسفة ، النحو وحتى التشريع . وبالإضافة إلى محاولات التعديل والتكييف التي تعرض لها كتاب الإيساغوجي على يد المسلمين . فأن عدداً من فلاسفة الإسلام قد كتبوا مقالات منطقية تحت عنوان ” الإيساغوجي ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ أثر فرفريوس الصوري / مجلة دراسات الأجيال ، بغداد 1986) .

  والحقيقة إن مناقشة فرفريوس الصوري ، في كتابه الإيساغوجي لمقولة ” العرض ” قد أشعلت نار مناقشات حادة في العالم الإسلامي تحت عنوان ” الجوهر والعرض ” . ولعل قارئ موسوعات الفلسفة الإسلامية عامة ، وكتب الفلسفة الإسلامية خاصة ، يجدها متخمة بمناقشات الجوهر والعرض (أنظر مثلاً : محمد جلوب الفرحان : المنطق الإسلامي ، ص ص 47- 48) .

الفلسفة من الوحي

  إن من الثابت في دوائر الفكر الفلسفي ، هو إن فرفريوس الصوري كان خصماً عنيداً للمسيحية ، ومدافع شجاع عن الديانة اليونانية التقليدية (الوثنية بالفهم المسيحي) . ومن هنا تأتي أهمية كتاب ” الفلسفة من الوحي ” ، فأن العنوان فيه حجة مقابلة لحجة المسيحية . فالمسيحية تروج بأن العقيدي المسيحي هو كلام الله – المسيح .  

وإن فرفريوس بالمقابل بين بأن الفلسفة هي نتاج الوحي (وبالطبع الوحي اليوناني) .

  إلا إن المهم من الناحية التاريخية ، هو إن فرفريوس الصوري قد كتب هذا الكتاب قبل حملات الإضطهاد التي تعرض لها المسيحيين من قبل كلاً من الأمبراطور الروماني “ديكلينتون” (244- 311 م) والذي حكم للفترة ما بين 284 و 305 . والإمبراطور الروماني ” كلوريس ” (260- 311 م) والذي حكم للفترة ما بين 305 و 311 . كما إنه كان خصماً للكاتب المسيحي ” لاكتنتيوس ” (240- 320 م) والمستشار للسياسة الدينية للأمبراطور الروماني المسيحي الأول ” قسطنطين الأول ” (272- 337 م)  والذي أصدر قرار ميلان الإمبراطوري في العام 313  والذي يؤكد على التسامح مع المسيحيين في عموم الإمبراطورية الرومانية (أنظر: إليزابيث دي بالما ؛ صناعة الإمبراطورية المسيحية : لاكتنتيوس وروما ، نشرة 2000) .

  لقد ولد كتاب ” الفلسفة من الوحي ” جدلاً بين طرفين وذلك للرسالة المزدوجة التي حملها الكتاب . طرف يؤيد نسبته إلى فرفريوس ، وطرف يشكك فيها . فمثلاً النظرة المسيحية للكتاب ، قد أيدت نسبته إلى فرفريوس . وكذلك قبل نسبته إلى فرفريوس “إيسبيوس” (263- 339 م) رئيس قساوسة مدينة القيصرية في فلسطين (أنظرللتعرف على حياة إيسبيوس : ولكر ويلينستون ؛ تاريخ الكنيسة المسيحية ، أدنبره 1959 ، ص 108) .  ولعل أول من رفض نسبة هذا الكتاب إلى فرفريوس ، هو القديس أوغسطين (345- 430 م) . ومن ثم تابعه في القرن الثامن عشر ، الدكتور ناثينال لارندر (1684- 1768 م) والذي رفض نسبة كتاب ” الفلسفة من الوحي ” إلى فرفريوس الصوري (أنظر: أعمال ناثينال لارندر ، نشرة مطبعة بينسلي 1815، المجلد الأول ، خصوصاً ماكتبه آندرو كبس بعنوان ” حياة ناثينال لارندر ، ص 23 وما بعد) .

كتابه الشهير والمعنون ” ضد المسيحيين “

  حقيقة إن هذا الكتاب والكتاب السابق ، ولدا جدلاً واسعاً ، ومناقشات حامية بينه وبين المؤمنين بالعقيدي المسيحي (أنظر: فرفريوس ضد المسيحيين ، ترجمة أر . أم . بيركمان ، نشرة مطبعة بريل ، ليدن 2005) . ونكتفي هنا بهذه الإشارة وسنعود إلى دراسته في طرف لاحق من هذا البحث .

كتاب ” شرح للإصول لإقليدس “

  إعتنى فرفريوس الصوري بالعلم الرياضي ومنحه أهمية في مشروعه في التدوين الفلسفي عامة والتدوين العلمي خاصة . تتوج ذلك في الشرح الذي وضعه على كتاب الأصول في الهندسة  الذي كتبه عالم الهندسة إقليدس سنة 300 ق.م ، والذي عاش في الأسكندرية وآثينا (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لآرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة آداب الرافدين ، كلية الآداب – جامعة الموصل 1978 ، ص 141) .

  لقد كان شرح فرفريوس هذا ، مصدراً مهماً من مصادر رجل الرياضيات الإسكندراني ” بابيوس ” (290- 350 م) والذي يعد العالم الأخير من علماء الرياضيات اليونان الكبار والذي إشتهر بمبرهنة الهندسية المعروفة ” مبرهنة بابيوس ” وبكتابه المجموع في الرياضيات والذي يتألف من ثمانية مجلدات (أنظر: بيير ديدرون ؛ الرياضيات ورجال الرياضيات ، ترجمة جوديث فيلد ، نشرة مكتبة الطالب للترجمة 1974 ، المجلد الأول ، ص 149) .

موضوعات أخرى كتب عنها فرفريوس

  عارض فرفريوس الجانب الطقوسي الشعائري الذي كان يمارسه تلميذه الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” (245- 325 م) . كما إن فرفريوس حاله حال الفيلسوف فيثاغوراس (570- 495 ق.م) . فقد دافع عن النزعة النباتية (الإمتناع عن أكل اللحوم) على أسس روحية وأخلاقية . فمن المعلوم إن كلاهما من أشهر النباتيين في دائرة الثقافة الهيلينية والهيلينستية .

  وبالنسبة لفرفريوس فإنه لم يقف عند حدود النزعة النباتية ، وإنما ألف كتاباً بعنوان ” الإمتناع عن أكل اللحوم وقتل الحيوانات لغرض الطعام ” والذي كتبه ضد نزعة إستهلاك اللحوم.. (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ حول ثقافة إبن حزم الأندلسي : أثر فرفريوس الصوري ، مصدر السابق) ، وكان العديد من الكتاب ومن مختلف العصور وحتى اليوم ، يقتبسون منه . كما وكتب فرفريوس بصورة واسعة في علم التنجيم ، الدين ، الفلسفة ، والنظرية الموسيقية . وبالمناسبة إن الشرح الذي كتبه على ” هرمونيكا بطلميوس ” (90- 168 م) قد إكتسب سمعة واسعة وتحول إلى مصدر مهم في تاريخ نظرية الهرمونيكا القديمة . ووضع كتاباً بعنوان ” بحث في كهف الحوريات ” (أنظر: مختارات أعمال فرفريوس ، ترجمة ت . تايلور ، نشرة كولد فورد 1994)

فرفريوس كاتب في تاريخ الفلسفة

  كتب فرفريوس مجموعة كتب في تاريخ الفلسفة ، وفي حياة بعض الفلاسفة . فمثلاً كتب عن حياة أستاذه إفلوطين ، كما وله كتاب بعنوان ” أخبار الفلاسفة ” والذي توقف فيه عند إفلاطون (429- 347 ق.م) ، وقد بقيت منه أجزاء (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، الفصل الثالث والمعنون ” إبن حزم وكتاب الإيساغوجي ، ص 42) . ومن الملاحظ إن بابا الإسكندرية ” سيرال الإسكندراني ” (376- 444 م) قد إقتبس منه (أنظر: جيمس نوتوبولس ؛ كتاب فرفريوس حياة إفلاطون ، مجلة علم الفيلولوجيا الكلاسيكي ، عدد تموز 1940 ، ص 284 وما بعد) . وينسب كينث كوثري لفرفريوس مجموعة كتب تحت عنوان مثير للجدل . فيقول : ” كتب فرفريوس سبعة كتب تتعلق في النظام الفلسفي لكل من إفلاطون وآرسطو ، وكونه نظاماً واحداً ” (أنظر : كينث كوثري ؛ أعمال فرفريوس ) .

  إن هذا العنوان لهذه الكتب السبعة ، ربما هي التي أوهمت المترجمين السريان إلى تلفيق مشروع التوحيد بين الفيلسوفين . ولعدم توافر نسخة أصلية عن كتب فرفريوس . ولإرتباط إسم الأخير ، بكتاب التساعيات ، كمنقح ، ومرتب وناشر ، وكذلك ككاتب لمقدمته . حملت البعض من هؤلاء المترجمين إلى إنتزاع إجزاء من كتاب التساعيات ونسبته إلى الفيلسوف آرسطو وتحت عنوان ” أثولوجيا آرسطو ” . والذي إحتوى حقيقة على مقاربة إفلوطينية بين أرسطو الإفلوطيني وإفلاطون . ومن المعروف الدور الذي لعبه كتاب ” أثولوجيا آرسطو ” في تاريخ الفلسفة الإسلامية (من الكندي إلى إبن سينا ومروراً بالفاربي صاحب كتاب الجمع بين رأي الحكيمين : آرسطو وإفلاطون) (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد الأب الروحي للعلمانية ، بحث مطول ، نشرت مقدمة منه على صفحات مجلة أفيروس ، 14 ديسمبر 2010) .  

  كما وكانت لفرفريوس الصوري ، شروحاً على الإفلاطونية والإرسطية ، والتي ضاعت ولم يبقى منها سوى فقرات ؛ فقرات من شرحه على محاورة ” طيماوس ” و محاورة ” بارمنيدس ” لإفلاطون (أنظر: روبرت بيركمان ؛ فرفريوس ضد المسيحيين ، نشرة دار بريل الأكاديمية ، ليدن 2004 ، الفصل الأول ، ص 1) . كما كتب كتابه الشهير ” حياة فيثاغوراس ” وهو موضوع رئيسي في بحثنا الحالي . 

 مكانة فرفريوس في تاريخ الإفلاطونية المحدثة

 نحسب إنه من المفيد أن نحدد مكانة فرفريوس الصوري في تاريخ المدرسة الإفلاطونية المحدثة ، في جانبيين :

أولاً- دورفرفريوس في الإعلان عن المشروع الفلسفي الإفلاطوني المحدث :

   تتحدث كتب تاريخ الفلسفة عن الفيلسوف الإسكندراني ” أمونيوس ساكس ” كأب روحي للإفلاطونية المحدثة (كما يرى البعض ومنهم كينيث كوثري على إن نومنيوس الآفامي الذي إزدهر في النصف الأخير من القرن الثاني الميلادي) وهو من مدينة أفاما السورية هو الأب والمؤسس للإفلاطونية المحدثة  ، وهو على الأغلب فيثاغوري محدث (أنظر: كتابات نومنيوس الإفلاطونية المحدثة ، ترجمة كينيث كوثري ، نشرة سالين 1931 ، وينسب لنومنيوس القول : ” إفلاطون هو النبي موسى يتكلم اليونانية “) . ومن ثم تضيف إلى ساكس إسم تلميذه ” إفلوطين ” كشريك حقيقي  في تأسيس الإفلاطونية المحدثة .

  والحقيقة إن كلاً من هذين الإصطلاحين : ” الإب الروحي ” و “المؤسس الحقيقي” هي إصطلاحات وألقاب مستحدثة ولم تكن متداولة زمن ساكس أو في حياة إفلوطين . كما إن الأب الروحي ساكس لم يترك شيئاً مكتوباً نستطيع على أساسه أن نقرر حجم مساهمته الفلسفية في تكوين حركة فلسفية جديدة . كما إن المؤسس الحقيقي إفلوطين لم يترك سوى رسائل متناثرة غير منظمة وغير منشورة . و لعل الأدق هي مجموعة ملاحظات كتبها إفلوطين لتساعده أثناء إلقاء المحاضرات . وإذا كان هذا هو حال الواقع التاريخي للإفلاطونية المحدثة . فكيف تشكلت حركة الإفلاطونية المحدثة.

 أولاً- إن الأب الروحي للإفلاطونية المحدثة ” أمونيوس ساكس ” لم يترك شيئاً مكتوباً ، ولكن دروسه الفلسفية الشفهية قد تلقاها إثنين من طلابه : ” إفلوطين ” و ” كاسيوس لونكنس ” .

ثانياً- إعتماداً على شهادة ” كاسيوس لونكنس ” نتيقن إن الرجل كان إفلاطوني على الطريقة القديمة . وبذلك لم يكن إفلاطونياً محدثاً .

ثالثاً- تلقى إفلوطين تعاليم أستاذه الفلسفية “أمونيوس ساكس” وعمل على تطويرها في محاضراته التي كان يلقيها على طلبته وخصوصاً تلميذه فرفريوس الصوري ، والتي أودعها في صحائف غير كاملة وغير منشورة .

رابعاً- مات إفلوطين وفرفريوس الصوري كان مريضاً يعاني من حالة إعتلال صحي ، وترك إفلوطين في روما وذهب إلى سسيلي للعلاج والراحة بناءً على نصيحة أستاذه إفلوطين ، وظل هناك بعيداً عن إفلوطين مدة خمس سنوات .

خامساً- إن من الشائع عن إفلوطين ، إنه كان مهملاً في ترتيب محاضراته ، ولم يعتني بتصحيح الأخطاء التي تقع فيها . إضافة إلى إنه لم يخطط إلى ضمها في كتاب ، فتركها على صورة ملاحظات يعتمد عليها في إلقاء محاضراته . كما إنه غالباً ما يترك مهمة تصحيحها وترتيبها على تلميذه فرفريوس الصوري .

سادساً- عاد فرفريوس إلى أثينا فقام بإلقاء المحاضرات في الفلسفة . ومن ثم بدأ بجمع رسائل أستاذه إفلوطين ، ونقحها ووضع لها مقدمة ونشرها مع سيرة إفلوطين في العام 270 م . وفرفريوس هو الذي وضع لها عنوان ” التساعيات ” وهو العنوان الذي أستنبطه من رسائل إفلوطين ذاتها . وفعلاً فأن كتاب التساعيات جاء بنشرة فرفريوس يتألف من ستة تساعيات ، وأحسب إن لمسات فرفريوس واضحة على الكتاب . كما إن مقدمة الكتاب التي كتبها فرفريوس ، هي في الحقيقة بيان بعث للإفلاطونية المحدثة على يديه وبعزمه (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ حقيقة تساعيات إفلوطين وإسطورة أثولوجيا أرسطو ، قيد الإنجاز) .

سابعاً- إن فرفريوس أسس تقليداً فلسفياً سيتبلور لاحقاً في صورة مدرسة فلسفية ، هي المدرسة الإفلاطونية المحدثة ، فبعد العودة من سيسيلي ، ونشر كتاب التساعيات والسيرة الذاتية لإفلوطين ، أخذ يقدم المحاضرات في الفلسفة ، وبدأ يتهافت عليه الطلاب من أثينا أو من الخارج ، فمثلاً مارسللا زوجته كانت طالبة مواضبة على حضور محاضراته ، بالإضافة إلى حضور طالبتين أخريين . كما أن أمبيلكوس السوري كان طالباً مواضباً على حلقته الفلسفية . ومن المعروف إن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس سيقود المدرسة بعد موت فرفريوس ، وبعد موت إمبيلكوس سيسير على الدرب الإفلاطوني المحدث عدد من ورثة إمبيلكوس .

  وعلى هذا الأساس يصبح فرفريوس الصوري هو المسؤول تاريخياً عن الإعلان الفلسفي عن إنبثاق حركة فلسفية جديدة ، هي الإفلاطونية المحدثة وذلك عندما قام بنشر كتاب ” التساعيات ” (أنظر: أرمسترونك ؛ إفلوطين ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1966- 1988 وهو سبعة مجلدات) ، والذي تحول لحظة نشره إلى إنجيل الحركة الفلسفية الجديدة ، والتي سيطلق عليها المحدثون من الباحثين الغربيين لاحقاً إصطلاح ” الإفلاطونية المحدثة ” .

   ومن زاوية المصادر الغربية الحديثة ، وعلى الأقل المصادر الأنكليزية وما ترجم إليها ، فأنها ترى إن فرفريوس قد لعب دوراً تاريخياً في التعريف الواسع بإسم أستاذه إفلوطين وذلك من خلال كتابة سيرته ومن خلال نشر كتاب التساعيات والشرح الممتاز الذي قدمه لفلسفة إفلوطين سواء في المقدمة التي كتبها لكتاب التساعيات أو في محاضراته وكتبه الأخرى . ولعل الشاهد على ذلك الأثر الذي تركه فرفريوس على الفيلسوف الإفلاطوني المحدث أمبيلكوس وورثته ، والذي درس الفلسفة على يد فرفريوس الصوري ، ونحسب إن محور دروس فرفريوس كانت فلسفة إفلوطين .  

    وأخيراً فقد لاحظ روبرت بيركمان إن هناك عدداً من الكتاب في عالم الثقافة الرومانية ، وعالم الثقافة اللاتينية ، والثقافة البيزنطية المسيحية ، من يعبر عن إعجابه وخوفه في الوقت ذاته من فرفريوس الصوري . كما وإن رؤية فرفريوس الخاصة للفلسفة الإفلاطونية المحدثة قد فرضت هيمنتها على دوائر التفكير الفلسفي في العالم الغربي وحتى القرن التاسع عشر (أنظر: فرفريوس ضد المسيحيين ، الفصل الأول ، ص 2) .  

ثانياً- مشروع فرفريوس في دحض المسيحية والدفاع عن الفلسفة:

   كشف فرفريوس الصوري في ردوده على المسيحيين ، عن إيمانه المطلق بالفلسفة ومبدئيته القوية التي لم يساوم عليها . فقد نشر كتابه المعنون ” ضد المسيحيين ” الذي يحمل مشروع معارضة لمشروعهم العقيدي المسيحي ، ورد عليهم ودافع عن قيم المشروع الفلسفي عامة والإفلاطوني المحدث خاصة .

  ولكن كتاب ” ضد المسيحيين ” قد ضاع أصله وطواه النسيان بعد إن حرقه الإمبراطور الروماني ” ثيودسيوس الثاني ” عام 448 م  مع مجموعة كتب أخرى (أنظر: محمد جلوب الفرحان : النقد الفلسفي للدين أو التفكير العلماني عند فرفريوس الصوري ، بحث منشور على صفحات مجلة أفيروس) ، والتي لم يبقى منه سوى فقرات إشتغل عليها المحققون والمتخصصون في علم الفيللوجيا . ولعل الأستاذ بيركمان في مقدمة كتابه المعنون ” فرفريوس ضد المسيحيين ” يعلن صراحة عن هذه الحقيقة ، فيشير إلى إن كتاب فرفريوس ضد المسيحيين ، قد ضاع ولم تبقى منه سوى هذه الفقرات التي قام بترجمتها وتحقيقها ودراستها عدد من الباحثين ، وهناك ترجمات حرفية لها ، وكان منهج بيركمان هو متابعة هذه الفقرات ومن ثم إقتراح المعنى المناسب لها … (أنظر: فرفريوس ضد المسيحيين ، ترجمة روبرت بيركمان ، نشرة دار بريل الأكاديمية ، ليدن 2004 ، من المقدمة) .

   وكان هدف بيركمان من كتابه هذا ، هو إنتاج مقدمة لنصوص ضد المسيحيين تساعد الطلبة في الدراسات الأولية والعليا على فهمه . وإن هذا الكتاب حسب رأي بيركمان ، في فصوله الستة الأولى هو مدخل تاريخي مفصل ، وديني ، فلسفي ، وثقافي لكتاب ضد المسيحيين .. وممكن لبعض الباحثين أن يتجاوزوا هذه الفصول ، والتوجه مباشرة إلى الفصل السابع الخاص بفقرات نص ضد المسيحيين ( المصدر السابق) .

  وأحسب إنه من المناسب إن أقدم عرضاً لها الكتاب أولاً . تألف الكتاب بترجمته الإنكليزية التي قام بها الأستاذ بيركمان ، من مقدمة وسبعة فصول وخاتمة . جاء الفصل الأول بعنوان ” المؤلف ، تاريخ التأليف والمصادر (ص ص 1- 6) . أما الفصل الثاني فقد حمل عنوان ” التركيب ، الموضوع ، والتصنيف ( ص ص 7- 16) .

  وكان عنوان الفصل الثالث ” مبادئ دينية وفلسفية (ص ص 17- 71) ودرس فيه طرفين : الأول الأديان السائدة يومذاك والتي شملت : الدين الروماني ، اليهودية ، والمسيحية . الثاني خص فيه المبادئ الفلسفية والذي ضم فيه حديث عن الإفلاطونية المحدثة والدين . ومن ثم تحول صوب الأناجيل ؛ فناقش النقد الإنجيلي الهيلينستي ، والإنجيل اليهودي ، ومن ثم الإنجيل المسيحي . 

   في حين جاء عنوان الفصل الرابع ” الخلفية الثقافية ” (ص ص 72- 117) . ودرس فيه علاقة مجموعة من المفكرين والفلاسفة بالثقافة الهيلينية ، من أمثال ” بلوتارك ” (46- 120 م) ،  ” لوكين الساموستي ” (125- 180 م) ، ” جالينوس ” (129- 199 أو 217 م) ، ” سيلسس ” (فيلسوف يوناني من القرن الخامس جاء من قرية يهودية من فلسطين ، وهو من الكتاب الأوائل الذين هاجموا المسيحية) ، ” إفلوطين ” ومن ثم ” فرفريوس “.

أما الفصل الخامس فقد درس الفقرات واللغة (ص ص 118- 121) . وكان الفصل السادس بعنوان ” سيكلا ” (ص 122 صفحة واحدة فقط) ويعني المختصرات ، وسيكلا هو إصطلاح كان يستخدمه النساخون القدماء وفي العصور الوسطى وبشكل خاص في مضماري اللغتين اللاتينية ومن ثم اليونانية .

  ونحسب إن الفصل السابع ، وهو الفصل الوحيد من هذا المؤلف الخاص بكتاب ضد المسيحيين الذي ضاع ولم تبقى منه سوى الفقرات التي سيشتغل عليها هذا الفصل ، والذي  جاء بعنوان ” الفقرات ، الترجمة وملاحظات ” وضم فرفريوس وقائمة طويلة من المفكرين والفلاسفة (ص ص 123- 221) .

  على كل فأن دائرة الثقافة الغربية تنظر إلى فرفريوس الصوري ، ومن خلال كتابه ضد المسيحيين ، على إنه ناقد للفكر الديني والفلسفة الدينية . والشاهد على ذلك النقد الذي تقدم به ” للزرادشتية ، اليهودية والمسيحية ، وخصوصاً دراسته النقدية التاريخية للأناجيل المسيحية ” ( انظر: المصدر السابق ، الفصل الأول ، ص 2) . ويبدو إن هجوم فرفريوس على المسيحية ، لم يقتصر على كتاب واحد ، وإنما كتب مجموعة كتب أو أعمال جاءت تحت عنوان ” ضد المسيحيين ” . وكما تدلل على ذلك النشرات اليونانية واللاتينية (أنظر: ت . بيرنس : فرفريوس ضد المسيحيين : تاريح ونسبة الفقرات ، نشرة 1973 ، ص 434 وما بعد) .

  يرى بعض الباحثين إن نصوص فرفريوس في الهجوم على المسيحية ، لم تظهر في عمل واحد تحت عنوان ” ضد المسيحيين ” ولقرون عدة بعد موت فرفريوس . ويبدو إن العمل الذي ينسبه ” سودا ” في موسوعته البيزنطية ، ليس بالعمل الأصيل لكتاب ” ضد المسيحيين ” . وهذا العمل هو النسخة البيزنطية التي كانت متداولة يومذاك . ومن المحتمل إن هذا العمل إنتشر بعد حرق الأعمال الأصلية التي قام بها الأمبراطور “ثيودسيوس الثاني ” (401- 450) في العام 448 م (أنظر: سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادة إنجيل).

  وهناك من يعتقد بأن الكتاب المجموع ” ضد المسيحيين ” ، يتألف من ثلاثة أجزاء على الأقل ، وهي : ” الفلسفة من الوحي ” ، و ” المشكلات في نصوص هوميروس ” ، و” نصوص ضد الزرادشتية والمسيحية ” . والمصدر الأول هو نقد فلسفي للديني العقيدي . والمصدران الثاني والثالث يكونان أدباً نقدياً من الزاوية التاريخية للإنجيل (أنظر: بيركمان ؛ فرفريوس ضد المسيحيين ، الفصل الأول ، ص ص 3- 4) .

  لقد إستند بيركمان في تقرير ذلك ، إلى نص ينسب إلى ” لكتنتيوس ” المعاصر لفرفريوس ، يذكر فيه بأنه خلال حكم الإمبراطور ” ديوكلينتن ” كان رجل يعيش في قسطنطينية ، وهو ” كاهن الفلسفة الذي كتب عملاً بعنوان ” ضد المسيحيين ” والذي يتألف من ثلاثة كتب ” . وأشار إلى إن عام 1000 م دشن مرحلة جديدة لهذا الكتاب ، فبعد هذا التاريخ أصبح الحديث يجري عنه على إنه كتاب واحد يحمل عنوان ” ضد المسيحيين ” . ومن ثم ظهرت الكتابات النقدية لهذا الكتاب الذي كتبه فرفريوس ، في بدايات القرن العشرين ، خصوصاً ما قام به كل من ” بيدز ” و ” هارنك ” (المصدر السابق ، ص ص 5- 6) .

كتاب فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس “

  ترجم كتاب فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس ” من اليونانية إلى الإنكليزية الأستاذ كينث كوثري (1871- 1940) . وهناك من يجادل ويزعم بإن الترجمة تمت من الفرنسية إلى الإنكليزية . إن هذه المزاعم لا تهمنا في هذا المجال . بقدر ما يهمنا الإشارة إلى إن عمل كوثري ظهر في كتاب جامع وبعنوان ” المصدر الفيثاغوري والفلسفة الفيثاغورية ” . وهو بالطبع يضم ترجمة كوثري ، وترجمات إضافية قام بها توماس تيلر وآرثر فيربانكس . وقام بالإشراف على نشرها وكتب مدخلاً لها ديفيد فيدلر . وهي من تقديم كودين جوسلين ، وقامت بنشرالكتاب مطبعة فانس 1987 و1988 .

  يرى ” ديفيد فيدلر ” في مقدمته القصيرة التي كتبها لكتاب فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس ” ، إن الكتاب في حقيقته هي مجموعة فقرات ، وهي الفقرات الوحيدة التي بقيت خالدة من كتابه ” تاريخ الفلسفة ” ، الذي يتألف من أربعة كتب . ويعتقد إن فرفريوس من ألمع طلاب إفلوطين ، وأكثرهم ذكاءً . وهو من أهم فلاسفة الإفلاطونية المحدثة ، وكان قلمه سيالاً ، فقد كتب أكثر من سبعين عملاً ، عالج فيها موضوعات متنوعة غطت الميتافيزيقا ، النقد الأدبي ، التفسير المجازي للإسطورة وغيرها كثير .. وتعد السيرة التي كتبها فرفريوس عن فيثاغوراس ، سيرة مختصرة وممتعة ومليئة بالمعلومات . وتثير رغبة القارئ الى التمني في نجاة كتاب ” تاريخ الفلسفة ” برمته من الضياع .

  ويحسب فيدلر إن ترجمة كوثري لكتاب ” حياة فيثاغوراس ” ، هي أول ترجمة إلى الإنكليزية . ومن ثم تلته ترجمة ” مورتن سميث ” والتي ظهرت في عمل هادس وسميث المعنون ” أبطال وآلهة : السير الروحية في العصر القديم ” ، نيويورك 1965 .

وللتعرف على حياة فرفريوس وأعماله ، ينصح فيدلر بمراجعة رسالة فرفريوس إلى زوجته مارسللا ، نشرة مطبعة فانس 1985 . كما ينصح القارئ الذي يرغب في معرفة مؤلفات فرفريوس ، بمراجعة القائمة الكاملة لمؤلفاته المتوفرة في ملحق كتاب فرفريوس المعنون ” نقاط أساسية في مضمار العقل ” ، نشرة مطبعة فانس 1988 .

مصادر كتاب ” حياة فيثاغوراس “

   تضع القراءة الداخلية لكتاب فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس ” ، بيد الباحث مجموعة من المصادر التي أشار إليها فرفريوس ، وهو يلاحق توثيق السيرة الذاتية لفيثاغوراس . ومن هذه المصادر الكتاب الخامس المعنون ” الخرافات ” والذي نسبه فرفريوس إلى الكاتب ” نينثيس ” (فرفريوس الصوري : حياة فيثاغوراس ، ترجمة كوثري ، الفقرة رقم 1) ، ونينثيس هو مؤرخ يوناني عاش حوالي 241 ق. م وينسب له كتاب بعنوان ” فيثاغوراس ” . وقد جاء ذكره عدة مرات في موسوعة ديوجانس لارتيوس ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” خصوصاً الكتاب الثامن .

  كما أعتمد فرفريوس في تأليف كتابه ” حياة فيثاغوراس ” على ” أبولونيوس ” الذي كتب كتاباً عن فيثاغوراس . (أنظر فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 2) . وأبولونيوس (15- 100 م كان معاصراً للمسيح) وهوفيلسوف فيثاغوري محدث . وينسب له كا من فرفريوس الصوري وتلميذه إمبيلكوس السوري ، تأليف كتاب عن سيرة فيثاغوراس ، والذي ضاع وطواه النسيان (المصدر السابق) .

  ومن المصادر التي إستند إليها فرفريوس ، الكتاب الثاني من  ” الحوليات ” الذي كتبه ” ديورس الساموسي ” (المصدر السابق ،الفقرة رقم 3) (من المحتمل إن ولادته كانت حوالي 350 ووفاته كانت بعد 281 ق.م) ، وديورس هو مؤرخ يوناني ، وكان حاكم طاغية لمدينة ساموس . وعدد من الدارسين الغربيين يرون إنه كان من أتباع المدرسة المشائية ، بل ويعتقدون إنه كان تلميذاً لرئيس المدرسة المشائية ” ثيوفرستس ” (371- 287 ق.م) (أنظر: ج. بايرون ؛ الطاغية ديروس الساموسي ، منشور في مجلة المراجعة الكلاسيكية ، المجلد 12 ، 1962 ، ص ص 189- 192) .

  ولاحظنا إن فرفريوس ينقل لنا في الفقرة رقم 4 بعض المعلومات عن حياة فيثاغوراس من مصادر مجهولة الهوية . ولكنه كان صريحاً مع القارئ  . ونحسب إنه نقلها من مصادر مكتوبة أو ربما مصادر سمع عنها . وكان يستخدم عبارة ” قد قيل .. وبعضهم أضاف ” (فرفريوس الصوري : المصدر السابق ، الفقرة رقم 4) .

   كما ويعتمد فرفريوس في كتابة جوانب من الفقرة رقم 4 على ” طيماوس ” (المصدر السابق) . والمصادر الغربية تتحدث عنه كفيلسوف فيثاغوري (عاش في القرن الخامس قبل الميلاد) . ويصفه إفلاطون في محاورة طيماوس ، على إنه جاء من لوكريا – إيطاليا (أنظر: إفلاطون ؛ محاورة طيماوس ، ترجمة ب . جوت ، محاورات إفلاطون ، نشرة دار راندم، نيويورك 1937) .

   إلا إن كلام ديوجانس لارتيوس عن طيماوس يثير إشكالاً حول حقيقة شخصية طيماوس ، فقد نسب له شروحاً على مؤلفات إرسطو الذي توفي عام 321 ق.م . مما يجعلنا نحسب بالتأكيد إن لارتيوس يتحدث عن طيماوس ثان لا علاقة بطيماوس الأول أو طيماوس إفلاطون . ولما كان لارتيوس قد خصص لفيثاغوراس كتابه الثامن من موسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، وكان هو الأقرب إلى جيل فرفريوس ، فإننا نرجح طيماوس الثاني (وهو فيثاغوري محدث) ، هو واحد من مصادر فرفريوس الصوري في تأليف كتابه ” حياة فيثاغوراس ” .

   وإعتمد في تكوين الفقرة الخامسة على الكتاب الرابع من موسوعة ” لوكس ” المعنونة ” التواريخ ” (فرفريوس الصوري : المصدر السابق ، الفقرة رقم 5) . ولم نعثر في المصادر على شئ ينفع في التعريف في المؤلف وكتابه التواريخ وخصوصاً الكتاب الرابع الذي أشار إليه فرفريوس .

  وتخلو الفقرة رقم 6 من الإشارة إلى أي مصدر إستمد منه فرفريوس معلوماته .  ولعل العبارات التي إستخدمها ، وهي ” على أساس معرفته (أي معرفة فيثاغوراس) ” والعبارة التي تقول ” فقد قيل إنه تعلم .. ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 6) . وفي ضوء هاتين العبارتين ، يمكن القول بأن معلومات الفقرة رقم 6 ، كانت من الشائع المتداول في عصر فرفريوس والتي كانت تنتقل من جيل إلى جيل سماعاً ،  ودون سند أومرجع مكتوب . أو إن مصادره كانت معلومة في فترة ما ولكن طواها النسيان وأصبحت في ذمة التاريخ ولذلك لم يفلح في التعريف بها . 

  أما مصادر الفقرة رقم 7 ، فقد جاءت غنية بحدود ما ، إذ ذكر فرفريوس مصدرين : الأول – الكتاب الثاني الذي كتبه ” يدكسوس ” والمعنون ” وصف الأرض ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 7) . ويدكسوس (410 أو 408- 355 أو 347 ق.م) وهو عالم رياضيات وفلك يوناني وتلميذ إفلاطون (أنظر : جيمس إيفنس : تاريخ وتطبيقات علم الفلك القديم ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1998) وقد أشار إليه ديوجانس لارتيوس في موسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” (أنظر : الكتاب الثامن الذي خصصه عن حياة فيثاغوراس) . والثاني- الكتاب المعنون ” في مشاهير الرجال المتعففين ” والذي وضعه ” إنطيفون ” أنظر: فرفريوس الصوري ؛ حياة فيثاغوراس ، الفقرة رقم 7) . وإنطيفون كما نرجح هو ” إنطيفون الآثيني ” (480- 411 ق.م) الذي طور يدكسوس طريقته الرياضية . كما إن إنطيفون كانت له صحبة بالرياضي الشهير ” بايرسون ” (عاش في آواخر القرن الخامس قبل الميلاد) والذي قدم حلاً لمشكلة ” تربيع الدائرة ” . وعلى هذا الأساس إستبعدنا أن يكون إنطيفون هو ” إنطيفون السفسطائي ” (أنظر: مايكل كاكرين؛ إنطيفون الآثيني ، نشرة مطبعة جامعة تكساس 2002 ، فهناك مناقشة نافعة حول إنطيفون الآثيني وإنطيفون السفسطائي) .

   أما مصادر الفقرة رقم 8 ، فيبدو لنا إنها جزء من مصادر الفقرة رقم 7 . وبالتحديد كتاب إنطيفون ” في مشاهير الرجال المتعففين ” .  وفعلاً نلحظ إن الفقرة 8  ، هي متابعة لنهاية رحلة فيثاغوراس إلى مصر ، أو بدقة هي خاتمة رواية إنطيفون (فرفريوس الصوري ؛ حياة فيثاغوراس ، الفقرة رقم 8) .

   وجاءت الفقرة رقم 9 على العموم (ما عدا الأسطر الثاثة الأخيرة) خالية من الإشارة إلى مصادرها . والسؤال هنا : هل نص هذه الفقرة من مسموعات فرفريوس للمحاضرات التي تلقاها في سني التعلم ؟ أو إنه قرأها في مصدر ، ولكن ذاكرته عجزت عن إستحضارها لحظة كتابة نص كتاب ” حياة فيثاغوراس ” ؟ إنها مجرد تساؤلات باحث أكاديمي ، يتطلع كثيراً للوقوف على مصداقية النص الذي كتبه فرفريوس ، ودرجة التوثيق التي إعتمدها في الكتابة ، ومعرفة حجم هامش التسامح والتحرر من صرامة قواعد التدوين والإنشاء في كتابه “حياة فيثاغوراس” . حقيقة إن فرفريوس رغم مكانته العالية في عملية التدوين والإنشاء ، فإنه  كان على الأقل متسامحاً (في عدد من فقرات كتابه المتفرد هذا) وذلك عندما أهمل ذكر مصادر طرف مهم من المادة المعرفية للفقرة رقم 9 ، وكان متحرراً من صرامة قواعد الإنشاء ..

   ونحسب إن فرفريوس عاد بسرعة إلى قواعد الإنشاء في هذه الفقرة ، فذكر مصادر الأسطر الثلاثة الأخيرة ، فأشار إلى رواية ” آرستوكنس ” (وهو آرستوكنس التارانتم عاش حوالي 335 ق.م ، وهو فيلسوف مشائي وتلميذ آرسطو ، وله مؤلفات فلسفية ضاعت جميعها ما عدا رسالة بعنوان ” مبادئ الهرمونيكا ” والتي تكلم فيها عن فيثاغوراس وإختلف معه في قواعد علم الحساب . وتنسب لآرستوكنس مجموعة كتب بقيت عناوينها فقط . ولكن هذه العناوين لها أهميتها في موضوع الكتابة عن حياة فيثاغوراس عامة وفرفريوس خاصة ، منها ” حياة فيثاغوراس ” ، ” حول فيثاغوراس وتلامذته ” ، ” في الحياة الفيثاغورية ” .. أنظر: هنري ستيوارت ماركن؛ هرمونيكا آرستوكنس ، وهو نص يوناني مع ترجمة إنكليزية وملاحظات ، أكسفورد 1902 )   . إن رواية آرستوكنس ركزت على عمر فيثاغوراس يومذاك وسبب رحيله إلى إيطاليا (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 9) .

   وكونت الفقرة رقم 10 موضوعاً مهماً من ناحية المصادر التي إعتمدها فرفريوس في عملية الإنشاء والتدوين عن حياة فيثاغوراس . أولاً إن فرفريوس أعلن إنه إعتمد على ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي ) مصدراً للمكون المعرفي لهذه الفقرة . وهذا في رأينا أمراً طبيعياً خصوصاً إذا ذكرنا القارئ بأن ديوجانس لارتيوس كتب في موضوع حياة فيثاغوراس قبل فرفريوس . ولكن إشارة فيثاغوراس لم تأتي موافقة لما توقعنا ، وهي الإشارة إلى الكتاب الثامن الذي خصصه لارتيوس للحديث عن فيثاغوراس في موسوعته الشهيرة “حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخ الفلسفة اليونانية ، منشورة من صفحات على موقع الفيلسوف ، وموقع مجلة أفيروس الإلكترونية) . وإنما الإشارة جاءت إلى كتاب أخر من مؤلفات ديوجانس لارتيوس ، والذي جاء بعنوان ” أشياء لا تصدق حدثت فيما وراء الشمال البعيد ” . وهي حسب تقويم فرفريوس حملت معالجة لارتيوس التي إتسمت بنوع من الحذر لجوانب من حياة فيثاغوراس (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 10) .

  ويبدو لنا إن مصدر المعلومات المعرفية التي كونت الفقرات من 11 وإلى 14 شمولاً ، هو ديوجانس لارتيوس وكتابه ” أشياء لا تصدق حدثت فيما وراء الشمال البعيد ” . وقد إعتمدها فرفريوس وضمها كتابه حياة فيثاغوراس (المصدر السابق ، الفقرات 11 ، 12 ، 13 و14) . ولكن فرفريوس إستخدم في السطريين الأخيرين من الفقرة رقم 14 عبارة ” والبعض يقول ” مما يدل على إن فرفريوس كان يشير إلى مصادر مضافة إلى مصدر ديوجانس لارتيوس . إلا إنه أهمل تحديد هويتها أو إنه فشل في تذكرها .

  ذكر فرفريوس الصوري في القسم الأول من الفقرة رقم 15 المصادر التي إعتمد عليها في تشكيل الجانب المعرفي لهذه الفقرة . ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن هذه المصادر كانت على نوعين : مصدر معروفة هوية راويه ، ومصدر بلا هوية . مثل المصدر الأول ” ديونسفانس ” وهو خادم فيثاغوراس والتي روايته جاءت منقولة إلى فرفريوس الصوري .  أما الثاني فعبرت عنه العبارة القائلة : ” وقال آخرون ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 15) . وحمل القسم الثاني من الفقرة رقم 15 نصوصاً مهمة ،  فشل فرفريوس في ذكر مصادرها هذا طرف . أما الطرف الثاني فإننا نحسب في بعضها تناقضاً يتعارض مع الثابت القار والمتدوال الشائع في دوائر البحث الفلسفي عن عقيدة وحياة فيثاغوراس . مما يحملنا كل ذلك على التردد كثيراً في قبولها رواية حقيقية ، والترجيح على إنها رواية ملفقة (أنظر القسم الثاني من بحثنا وبعنوان : حياة فيثاغوراس لفرفريوس الصوري ، ترجمة ودراسة الدكتور محمد جلوب الفرحان ) .

حجبت صفحات من البحث لحماية حقوق الكاتب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثاني / ربيع 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4) 

الفيلسوف إمبيلكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية  

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

تقديم :

  يعد الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” (245 – 325 م) واحداً من مصادرنا  القليلة المعدودة في تاريخ الفلسفة اليونانية . فقد كانت موسوعته المعنونة ” حياة فيثاغوراس ” من الموسوعات التاريخية المتفردة التي حفظت لنا الكثير الكثير من الحقائق المتعلقة بحياة هذا الفيلسوف المؤسس لثاني مدرسة فلسفية عرفها تاريخ الفلسفة اليونانية . ونقصد بها المدرسة الفيثاغورية . كما وحفظت لنا الكثير من أرائه الفلسفية ، ومعلومات عن مصادر فلسفته ، وعدد من الفلاسفة والفيلسوفات الفيثاغوريات .

  لقد دشن الفيلسوف إمبيلكوس إتجاهاً جديداً مغايراً للإتجاه الذي أعلن عنه كل من الفيلسوف المؤسس الروحي ” أمونياس ساكس ” والمؤسس الحقيقي ” إفلوطين ” والذي دافع عن خطه العلماني الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول ” فرفريوس الصوري “. حقيقة كان خلاف إمبيلكوس مع أستاذه فرفريوس الصوري ،  يدور حول ” الثيورجيا ” أو الطقوس والشعائر الذي كان يمارسها مع طلابه ، والتي شكلت إتجاهاً لمدرسة سورية ، ستعرف لاحقاً بأسم المدرسة الأفلاطونية المحدثة السورية ، والتي ستجد الكثير من الطلبة والمريدين ، كما سيتلقفها الغرب في عصر النهصة ، وستحمل من الأثار الفلسفية على الكثير الكثير من الأتجاهات الفلسفية بداية مع القديس ” أوغسطين ” الذي وجد فيها مثابرة جادة تحمل الكثير من البذور الفلسفية لفهم طبيعة الثالوث المسيحي العتيد : الأب والأبن وروح القدس …

   ومن هنا جاء المشروع الفلسفي الإفلاطوني المحدث ، على الأقل في طرفه الذي قدمه إمبيلكوس خاصة والإفلاطونية المحدثة السورية عامة ، مشروع تعايش للفلسفة مع العقيدي في طرفه ” الثيورجي ” الطقوسي الشعائري أولاً ،  ومن ثم في بنيته الفلسفية ثانياً . وهو المشروع ذاته الذي ستشتغل عليه جميع الدوائر الفلسفية المستظلة بعلم الكلام المتنوع الإسلامي واللاهوت اليهودي ومن ثم المسيحي .

  كما وإن نزعة إمبيلكوس ومدرسته السورية التي رجحت الطقوس ومالت في طرف منها نحو السحر ، والأسرار والعلوم الغامضة والتي ستعرف بالعلوم السرية ، وخصوصاً في كتاب ” الأسرار المصرية ” ، قد كونت تجربة فلسفية ألهمت العديد من كتاب الرينسانس الأوربية من أمثال ” هنريك كورنليوس أكريبا ” (1486- 1535) والذي قام بمحاولة إحيائية جريئة لفن ” السحر ” بعد أن أصابه الكثير من الإنحطاط خلال عصور الظلام الأوربية . والمهم إن أكريبا ألف كتابه الشهير ” فلسفة السحر/ العلوم الخفية ” والذي أشار فيه صراحة إلى الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس ” . وبعد عشرين عاماً على تأليف الكتاب قام أكريبا بتنقيحه وأضاف إليه الكثير في هذا المضمار ، وقام بنشره في العام 1533 . ومن ثم أصدرت محاكم التفتيش الكنسية قراراً ضد الكتاب ، وإعتبارته ” كتاباً هرطقياً ” .

  وترك إمبيلكوس آثاراً قوية على عدد من المشتغلين في عصر النهضة وبالتحديد في مضمار ما عرف بالعلوم الخفية ، من أمثال ” مارسيلو فيشينو ” (1433- 1499) المفكر الإيطالي ، الذي قام بإحياء الإفلاطونية المحدثة (أنظر : إنثني جوتليب ؛ حلم العقل : تاريخ الفلسفة الغربية من اليونان وإلى عصر النهضة (بالإنكليزية) ، نشرة دار بنجوين ، لندن 2001) . كما كان له حضوراً في كتابات الفيلسوف الإيطالي النهضوي ” جيوفاني باكو مارندولا ” (1463- 1494) والذي إشتهر في كتابه ” البيان النهضوي ” ، والذي تحول إلى نص كلاسيكي (أو إنجيل) للحركة الإنسانية في عصر النهضة (أنظر : بول أوسكار كريستلر ؛ ثمان فلاسفة من عصر النهضة الإيطالية (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة ستانفورد ، كليفورنيا 1964) . وكذلك فقد لاحظ الباحثون إن آثار إمبيلكوس قد إمتدت إلى دائرة تفكير الفيلسوف العالم ، وشهيد الفلسفة الإيطالي ” جوردنو برنو ” (1548- 1600) والذي مات حرقاً على يد السلطات الكنسية (أنظر : مايكل وايت ؛ البابا والهراطقة ، نشرة دار ويليم مارو ، نيويورك 2002) .

  يسعى هذا المقال إلى :

أولاً- تقديم صورة شاملة عن حياة الفيلسوف إمبيلكوس ومكانته في الإفلاطونية المحدثة .

ثانياً- مناقشة مكونات التراث الذي تركه الفيلسوف المحدث إمبيلكوس السوري .

ثالثاً- دراسة كتاب ” الثيورجيا أوالأسرار المصرية ” والتوجهات الجديدة للإفلاطونية المحدثة .

رابعاً- بحث في كتاب ” حياة فيثاغوراس ” الذي كتبه إمبيلكوس السوري والذي قدم فيه شخصه مؤرخاً لطرف من تاريخ الفلسفة اليونانية ، وبالتحديد في حياة وفلسفة فيثاغوراس وخلفائه .

حياة إمبيلكوس السوري ومكانته في الإفلاطونية المحدثة

  تتحدث المصادر التاريخية التي إعتنت بالتطور التاريخي للمدرسة الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً المكتوب منها باللغة الإنكليزية والمترجم إليها ، على إن الفيلسوف إمبيلكوس كان ” ملكاً أشورياً ” ، وهناك من يحتمل من إنه كان ” سريانياً أو آرامياً ” (أنظر : كيرث فودن ؛ هرمس المصري : مشروع تاريخي للعقل الوثني ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1986 ، وفيه فصلاً ممتازاً عن إمبيلكوس وعلاقة الإفلاطونيين المحدثين بالكتب التي تنسب إلى هرمس) .

   وهكذا كان إمبيلكوس حالة متفردة في تاريخ الفلسفة عامة والفلسفة الإفلاطونية المحدثة خاصة . فقد كان فيلسوفاً ملكاً ، وملك الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين . وفعلاً فقد قاد المدرسة الإفلاطونية المحدثة بعد موت أستاذه ” فرفريوس الصوري – اللبناني ” ، ورسم لها إتجاهاً جديداً ، سار عليه ورثته من الأفلاطونيين المحدثين الذين قادوا المدرسة من بعده . ولعل من أهم الأعمال التي كتبها ، ونالت شهرة وسمعة طيبة ، هو كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” .

    ينظر الباحثون إلى إمبيلكوس ، على إنه خير ممثل لنزعة من نزعات الفلسفة الإفلاطونية المحدثة ، والتي يطلقون عليها ” الإفلاطونية المحدثة السورية أو السريانية ” (أنظر : جورج شو ؛ الطقوس السرية أو ثيورجي والنفس : نزعة إمبيلكوس الإفلاطونية المحدثة ، نشرة مطبعة جامعة بنسلفانيا 1995 ) . ومن خلال قيادته لمدرسة الإفلاطونية المحدثة ، وممارسته للطقوس السرية ، فقد ترك آثاراً بالغة على عموم العالم القديم .

  والحقيقة ليس هناك الكثير من المعلومات المتوافرة عن حياته وعن عقائده الدينية ، ولكن الباحثين في كتاباته الممتدة ، تمكنوا من تكوين صورة عامة عن أرائه وعقائده الرئيسية . فمثلاً يرى ” سودا ” (وهي موسوعة بيزنطية ضخمة من القرن العاشر الميلادي ،  تغطي عالم البحر المتوسط القديم ، كتبت باللغة اليونانية ، وتتألف من ثلاثين ألف موضوعاً ، تم إستخراجها من مصادر قديمة ، التي تعد اليوم من المصادر المفقودة . أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ سودا : وثيقة تاريخية من القرن العاشر تؤرخ للفلسفة اليونانية / مقال قيد الإنجاز) وكذلك كاتب سيرة إمبيلكوس ، المؤرخ والسفسطائي اليوناني ” يونبيس ” (عاش في القرن الرابع أو الخامس الميلادي ، وله مجموع من السير يتألف من ثلاث وعشرين سيرة لفيلسوف وسفسطائي ) (أنظر : يونبيس ؛ حياة الفلاسفة والسفسطائيين ، ترجمة ويلمار رايت ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921) .

  ويذهب كل من سودا ويونبيس إلى أن إمبيلكوس ولد في مدينة ” خاليكس ” السورية . وقد ولد في أسرة ثرية مشهورة . وقيل بأنه كان من سلالة العديد من ملوك حمص . وقد إستهل دراسته تحت إشراف رئيس الأساقفة ” إنتوليوس الأسكندري ” (ولد في بدايات القرن الثالث ، وتوفي في عام 283) وهو واحد من مشاهير عصره في العلوم الطبيعية وفي الفلسفة الأرسطية ( أنظر: عمر إنجلبرت ؛ حياة القديسين ، نشرة بيرنز ونوبل ، نيويورك 1994 ، ص 256) .

  ومن ثم تحول للدراسة تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول ” فرفريوس الصوري ” (233- 305 والبعض يرى 309م تقريباً) وهو تلميذ ” إفلوطين ” (204- 270م) المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة . كما وأصبح شائعاً في دوائر البحث الفلسفي الإفلاطوني المحدث ، إن خلافاً قد نشب بين الأستاذ فرفريوس الصوري ، والتلميذ إمبيلكوس السوري . وهو الخلاف الذي دار حول ” الثيورجيا ” أو الطقوس السرية التي كان يمارسها التلميذ ومن ثم الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس . ومن ثم تطور الخلاف إلى شكل من النقد المعلن الذي وجهه الأستاذ فرفريوس إلى إمبيلكوس ، ومن ثم إتخذ صورة ” عدم إتفاق ” .

   هناك من يرى إن إنتقادات الأستاذ فرفريوس ، قد دفعت إمبيلكوس إلى تأليف كتابه الشهير ” الثيورجيا أوالأسرار المصرية ” وذلك ليرد على إعتراضات إستاذه . وفعلاً إن قارئ الكتاب ، يجد إن الفصل الأول يحمل عنوان ” رسالة فرفريوس الصوري ” . كما إن العنوان الفرعي للكتاب يكشف بصورة واضحة ، إن الكتاب جاء إستجابة من قبل إمبيلكوس على إعتراضات الأستاذ والفيلسوف ” فرفريوس الصوري ” (أنظر : إمبيلكوس : الأسرار المصرية ، ترجمه من اليونانية الكسندر وايلد (1911) ومن ثم قام بتنقيحه ونشره في طبعة جديدة إيما كلارك وأخرون ، طبعة جماعة الأدب الأنجيلي 2003) .

  إن هذا يدل على إن دراسات إمبيلكوس للفلسفة والتي تمت تحت إشراف فرفريوس الصوري ، قد حدثت خارج بلده سوريا ، وهي الفترة التي كان فيها فرفريوس مواطناً أثينياً ورمزاً مرموقاً من رموز ” الإتجاه الإفلاطوني المتأخر ” وهذا هي التسمية التي كانت تطلقها المصادر القديمة على ” فلسفة الإفلاطونية المحدثة ” وعلى فلاسفتها ومن ضمنهم الفيلسوف إمبيلكوس كذلك .

  وبعد إن أنهى إمبيلكوس دراساته الفلسفية على يد فرفريوس الصوري ، عاد إلى سوريا ، وبالتحديد حوالي عام 304 ، ومن ثم أسس مدرسته في مدينة آفاميا (قرب مدينة إنطاكيا) ، وهي من أشهر مدن الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين .  وفيها صمم الفيلسوف إمبيلكوس البرنامج الدراسي للمدرسة ، والذي كان يركز على دراسة إفلاطون وآرسطو . ومن ثم كتب شروحاً موسعة على فلسفتهما ، وقد طواها القدر ، ولم يبقى منها سوى شذرات . ولعل من أهم كتبه كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” . كما شاع إنه كتب مؤلفاً مجموعاً تناول فيه ” مبادئ العقيدة الفيثاغورية ” ، وهو يتألف من عشرة كتب ، وهو في حقيقته مختارات منتزعة من كتابات عدد من الفلاسفة القدماء . ولم يبقى منها سوى الكتب الأربعة الأولى ، وشذرات من الكتاب الخامس .

 وينقل عن إمبيلكوس ، من إنه كان رجلاً رفيع الثقافة وواسع المعرفة ، محسناً ومترفقاً على الآخرين . وكان محاطاً دائماً بطلابه ، الذين كانوا يعيشون معه في جو من الصداقة . ووفقاً لواحد من أكاديمي القرن السابع عشر ، وهو ” جوهان ألبرت فابركيوس ” (1668- 1736) والذي كتب إطروحة دكتوراه في العام 1693 ، وبعنوان ” الإفلاطونية وفيلو اليهودي ” ، وهي في جوهرها مساهمة أكاديمية عن جهود الفيلسوف ” فيلو الأسكندري ” (20 ق.م – 50 م) . يرى جوهان فابركيوس إن ” إمبيلكوس مات خلال حكم الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول (272- 337 م) ، وبالتحديد قبل عام 333 ” .

  صحيح جداً إن إفلوطين كان المؤسس الحقيقي للإفلاطوني المحدثة . ولكن الرجل لم يترك سوى كراريس محاضرات غير منظمة ، والتي لا تؤلف في حقيقتها مشروع كتاب كان إفلوطين يفكر في نشره  ، وإنما كل ما في الأمر إنها مجموعة ملاحظات كان يستعين بها في إلقاء محاضراته . وبعد وفاته قام تلميذه ” فرفريوس الصوري ” بجمعها وتنقيحها وكتابة مقدمة لها ، ومن ثم نشرها بعنوان ” الإنياد أو التساعيات ” ونشر في وقت واحد السيرة الذاتية لأستاذه إفلاطون . فكان هذا النشر لكتاب التساعيات والسيرة الذاتية ، هي لحظة الأعلان عن مدرسة فلسفية جديدة ، سيطلق عليها الغربيون ، وفي أوقات مبكرة من العصر الحديث إصطلاح ” الإفلاطونية المحدثة ” .

  ومن ثم رهن فرفريوس نفسه ومن خلال التدريس والكتابة ، على تعميق الخط الفلسفي العلماني للمدرسة الإفلاطونية المحدثة . ولعل ثلاثيته : الفلسفة من الوحي ، المشكلات في نصوص هوميروس ، وضد المسيحيين ، شاهد على نهج فرفريوس المتميز . كما وينيغي أن نذكر بأن فرفريوس كان من أول النقاد والمنددين بالثيورجيا أو الطقوس والشعائر السرية (السحرية) التي كان يمارسها تلميذه إمبيلكوس وطلابه (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخ الفلسفة اليونانية / منشورة منه صفحات على موقع الفيلسوف / وسينشر بصورة كاملة في مجلة أوراق فلسفية ، العدد الثاني / ربيع 2011) .

  وينظر الباحثون إلى عمل إمبيلكوس ، على إنه أدخل بعض التعديلات وتوسع في التفاصيل العامة لأقسام الفلسفة الإفلاطونية المحدثة . فمثلاً إمبيلكوس عمل تطبيقات منهجية على النظام الرمزي للأعداد الفيثاغورية ، كما إنه تأثر بالأنظمة الفكرية الشرقية ، وخصوصاً التفسير الأسطوري للإفلاطونية المحدثة . وفعلاً فأن إمبيلكوس هو الذي أدخل فكرة ” وجود النفس في المادة ” وكان يعتقد ” إن المادة إلهية شأنها شأن مكونات الكون ” وهذه المسألة فيها مقاطعة فلسفية بين إمبيلكوس وأسلافه من الإفلاطونيين المحدثين ، والذين كانوا يعتقدون بخلافه على إن ” المادة ناقصة ” ويعتريها الضعف والفساد (أنظر : أرمسترونك ؛ إفلوطين ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1966) .

 خلاصة الموقف من مدرسة إمبيلكوس وطلابه ، هي إنهم ” رفضوا طريقة التأمل الفلسفي الخالص ، والتي سار عليها أسلافهم من الإفلاطونيين المحدثين ” ، ورجحوا طريقة الثيورجي أو الطقوس والشعائر والقوة السحرية للإعداد الفيثاغورية (أنظر: ت . أر . ويلس : الإفلاطونية المحدثة ، نشرة مطبعة ديكوورث ، لندن 1972) . وهذه الطريقة هي التي حددت الملامح الجديدة للمدرسة السورية التي أرسى قواعدها الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس .

تراث الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس السوري

  ضيع لنا القدر الكثير الكثير من تراث هذا الفيلسوف الملك المتميز . وعزائنا اليوم ، هو بقاء بعض الفقرات (شذرات) من مؤلفات إمبيلكوس ، والتي نعتمد عليها في تكوين معرفتنا بنظامه الفلسفي . والحقيقة اليوم نعتمد على فقرات إمبيلكوس ، والتي حفظها لنا الكاتب اليوناني ” جونز ستوبيوس ” (من القرن الخامس الميلادي)  وآخرون . وبالمناسبة فأن ستوبيوس ترك لنا كتاب يتألف من مجلدين : الأول بعنوان منتزعات . والثاني بعنوان مجموع . ومادة الكتاب هي منتزعات من كتابات عدد من المؤلفين اليونان (أنظر: وليم سميث ؛ المعجم اليوناني والروماني للسير والأساطير ، مادة ” ستوبيوس ” التي كتبها شارلز بيتر مايسن / نشرة عام 1870 ، المجلد الثالث ، ص ص 914- 915) .

 كما نعتمد اليوم في تكوين صورة تقريبية عن نظام إمبيلكوس الفلسفي ، على المصادر التي كتبها ورثته من الفلاسفة ، وخصوصاً ” بروكلس ” . وبالتحديد الكتب الخمسة الباقية والتي نسبها بروكلس إلى إمبيلكوس . وكذلك الأقسام المتبقية من عمله الكبير عن ” الفلسفة الفيثاغورية ” . إضافة إلى إن بروكلس ينسب إليه الكتاب المعنون ” الأسرار المصرية ” ، وهذا موضوع سندرسه في محور مستقل .

  على كل إن إمبيلكوس تقاطع مع أسلافه من الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين ، وخصوصاً مع أستاذه ” فرفريوس الصوري ” والذي شن الأخير نقداً وتنديداً للطريقة التي إنتخبها التلميذ إمبيلكوس لمدرسته وطلابه . إن نقطة الخلاف ، هي إن إمبيلكوس أعتقد إن الفلسفة عامة ، وفلسفة إفلوطين بالطريقة التي قدمها فرفريوس الصوري ، عاجزة عن تحقيق ” وحدة أو إندماج بين الفيلسوف والألهة ” . وهذه هي نقطة الطلاق الفلسفي بين الأستاذ والتلميذ ، بين فرفريوس وإمبيلكوس ، بين الأتجاه العام للإفلاطونية المحدثة الذي أرسى قواعده فرفريوس ، والنزعة السورية الخاصة للإفلاطونية المحدثة التي يقودها إمبيلكوس .

 ولهذا تسائل أمبيلكوس : ما هو السبيل لإنجاز مثل هذه الوحدة أو الإتحاد ” بين الفيلسوف والألهة ؟ ” أعتقد إمبيلكوس بصورة قاطعة ، إنها ”  الأفعال الطقوسية المناسبة ، والتي تتسم بنوع من الشعائر وذات طبيعة سحرية ” . وهذا السبيل أطلق عليه كلمة ” ثيورجي ” والتي توصف عن طريق ” تطبيق الشعائر والطقوس ” والتي تتمثل بعض الأحيان ” بطبيعتها السرية أو السحرية ” والتي تنجز من خلال ” الدعاء والتوسل بحضور واحد أو أكثر من الآلهة ” وذلك تطلعاً للتوحد (أو الإندماج) في الذات الإلهية ، والتي تمثل في الإفلاطونية المحدثة ، التوحد مع ” الواحد ” أو ” الموناد ” الذي هو مصدر ” الحقيقة الأساس ” (أنظر: صمويل أنجوس ؛ الأديان السرية : دراسة في الخلفية الدينية المبكرة (بالإنكليزية) ، نشرة دار مطبوعات دوفر 1975، ص 52) .

 ومن النافع أن نشير إلى دراسة مهمة حفرت عميقاً في البعد الثيورجي – الطقوسي الشعائري للإفلاطونية المحدثة ، وذلك سعياً في تحديد الإتجاه الجديد الذي خطه إمبيلكوس لمدرسته السورية أو لإفلاطونيته المحدثة السورية . يرى الباحث ” ويلس ” في كتابه ” الإفلاطونية المحدثة ” ، إن المقصود بالثيورجيا بالمفهوم الذي عرضه إمبيلكوس ومن ثم وسعه خلفائه على مدرسته السورية ، هي ” قوة وضعتها النعمة الآلهية في الطقوس والشعائر ، وكذلك تتمثل بالرموز التي تعمل من خلالها ” . وإن الإصطلاح ” ثيورجي ” لا يعني ” العمل الآلهي ” فقط ، وإنما يعني ” عمل الله ” أو يعني ” الآلهة العاملة في الإنسان ” وهو إصطلاح مختلف تماماً عن ” اللاهوت ” والذي يعني ” الكلام حول الآلهة ” فقط.

  إن ” الثيوريا ” هي نوعاً من التأمل الفلسفي الخالص والذي يعتمد الحدس طريقة . وهذه الطريقة التأملية ، هي الطريقة حسب إمبيلكوس ، التي طورها ” إفلوطين ”  المؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة . والتي يرى إن جوهرها هو ” شكل من السحر الطقوسي الشعائري ” . وكان هدفها تجسيد القوى الآلهية أما في ” موضوع مادي ” أو في ” وجود إنساني ” ، ويكون الحاصل من كل ذلك نوعاً من ” الغيبوبة البصرية ” .

 إن المنقول من نصوص عن إمبيلكوس ، تضع الدارس أمام الحقيقة القائلة : إن الفيلسوف السوري يعترف بأن في النفس إمكانيات ، تمنحها القدرة على الصعود إلى الطوابق العالية . وهنا إختلف إمبيلكوس مع إفلوطين الذي كان يذهب إلى إن ذلك يتحقق من ” خلال القوى التي تمتلكها النفس والتي تتمثل باللوغوس ” . وعلى العكس رأى إمبيلكوس إن ذلك يتحقق من خلال ” المصاحبة أو المشاركة ” وهذا هو معنى ثيورجي أو الطقوس السحرية ، أي مصاحبة الأسباب العالية للنفس أو الآلهة .

  وهنا لاحظ الباحثون إن إمبيلكوس ضحى بالطريقة الصوفية التي أنبت بعض بذورها إفلوطين ، ووضع بدلاً عنها طريقة السحر ذات الطابع الهرمسي  . لكن هذا التحول عند إمبيلكوس ، لا يعني على الإطلاق إن الآلهة تكون تحت سيطرة ” ثيروجست أو الذي يمارس الطقوس السحرية أو الذي يقودها ” وذلك لأن ” المتدني لا يسيطر على المتعالي ” . إن إمبيلكوس كان مدركاً لهذه المشكلة ، ولذلك ذهب شارحاً طبيعة الطريق الطقوسي الشعائري لإفلاطونيته المحدثة السورية . فقال: إنه من خلال الطقوس يتم الإستعانة بالآلهة ، وخلال هبتها التي تكون على شكل قوة إلهية يتحقق ذلك . ثم يضيف قائلاً : ” إن الإرادة الآلهية خيرة ومنيرة ومنفصلة عنهم ” وبدلاً من ” إن الوجود الإلهي يهبط إلى عالم المادة ، فإنه يقوم بتطهير العباد ويرفعهم درجات حيث العالم العقلي أو العالم الآلهي ” (أنظر : ويلس ؛ الإفلاطونية المحدثة (مصدر سابق منشور بالإنكليزية) ، ص 108 وما بعد) . إضافة إلى كل ذلك ، فأن التوجه الجديد للإفلاطونية المحدثة السورية التي قادها إمبيلكوس ، وعزز مكانتها طلابه في تاريخ الفلسفة ، يمكن فهم جوانب من طبيعتها من خلال الوقوف على كتاب ” الأسرار المصرية ” .

كتاب الثيورجيا أو الأسرار المصرية والتوجهات الجديدة للإفلاطونية المحدثة

  رسمت الطقوس السرية التي كان يمارسها الفيلسوف إمبيلكوس وطلابه ، تحولاً جديداً في مسار الإفلاطونية المحدثة ، والتي ستطبع الفكر الفلسفي الغربي برمته بسماتها وتوجهاتها نحو الثيورجيا . ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن الفيلسوف المحدث الإفلاطوني ” بروكلس ” (412- 485م) والذي باشر الكتابة بعد إمبيلكوس بحوالي 100 عاماً ، وهو واحد من زعماء المدرسة الإفلاطونية المحدثة في فترتها المتأخرة ، قد نسب إلى إمبيلكوس المسؤولية الكاملة عن تأليف كتاب ” الأسرار المصرية ” .

  ولاحظ الباحثون إن هناك إختلافات واضحة بين كتاب ” الأسرار المصرية ” والكتب الآخرى التي كتبها إمبيلكوس ، خصوصاً في الإسلوب ، وفي بعض النقاط التي تتعلق بعقيدة إمبيلكوس . وإن هذه الإختلافات حملت الباحثين على البحث عن حقيقة نسبة كتاب الأسرار المصرية ، ومن ثم التساؤل : هل فعلاً إن إمبيلكوس ، هو المؤلف الحقيقي لكتاب الأسرار المصرية ؟

  وعلى أساس هذا التردد في نسبة الكتاب إلى إمبيلكوس ، وجدنا إن عدداً من الباحثين من يذهب مذهباً مختلفاً ، فيه ترجيح إلى إن الثيورجيا أو كتاب الأسرار المصرية كان من نتاج المناخ الطقوسي الهرمسي الذي كان يمارسه إمبيلكوس ،  ولكنه ليس من نتاج يراعه ، ولكنه كان فعلاً من نتاج مدرسة إمبيلكوس . وهي في حقيقة الآمر محاولة مقصودة ، هدفت إلى توفير تفسير عقلاني للطقوس الوثنية ، التي كان إمبيلكوس وطلابه يمارسونها يومذاك . وهذه نقطة بالغة الأهمية تساعدنا في فهم مكانة إمبيلكوس في تاريخ الإفلاطونية المحدثة عامة ، وفي الفترة التي قاد فيها إمبيلكوس ” الإفلاطونية المحدثة السورية ” خاصة ( أنظر: إمبيلكوس ؛ كتاب الأسرار المصرية (مصدر سابق)) .

 ونحسب إن نسبة الكتاب إلى إمبيلكوس وإعتباره المؤلف الحقيقي ، أو الأخذ بالرأي الأخر ، والقول إن الكتاب كان من نتاج مدرسة إمبيلكوس . إنه لا يغير من الحقيقة القائلة : إن الطقوس السرية التي كان يمارسها إمبيلكوس وطلابه ، وهي الطقوس التي ندد بها إستاذ إمبيلكوس ” فرفريوس الصوري ” ، قد كونت إتجاهاً جديداً للإفلاطونية المحدثة من بعده عامة ، والمدرسة الإفلاطونية السورية خاصة . والواقع إن هذا الإتجاه الذي خطه إمبيلكوس ، سيتلقفه الغرب في عصر النهضة ، ويعتبره جزءً أساساً من تعاليم وعقائد الإفلاطونية المحدثة .

  حقيقة إن القارئ لنصوص طلابه وأتباعه ، وشراح كتاباته يجدهم يمدحونه بنوع من الإطراء المتفرد ويعلون من مكانته . فقد كان ينظر إلى إمبيلكوس كرجل يمتلك “قوى عجائبية” . وفعلاً فأن الأمبراطور ” جوليان ” (331- 363) ، والذي كان يطلق عليه ” الإمبراطور الفيلسوف ” ، كان يعتبر إمبيلكوس ” أكبر من كونه إفلاطون الثاني ” ودعا إلى إنه ” سيتنازل عن كل ذهب ليديا لواحد من حواري إمبيلكوس ” . وخلال عملية بعث فلسفته في القرنيين الخامس عشر والسادس عشر ، فأن الأسم إمبيلكوس إكتسب نوعاً من القداسة ، فكان حين يذكر  ، يشار إليه بأسماء مثل ” الإلهي ” أو ” الأكثر إلهية ” .

  وهناك إفادة في غاية الأهمية عثرنا عليها في بطون السجلات التاريخية ، والتي تنسب إلى الإمبراطور الفيلسوف ” جوليان ” وهو إنه فضل إمبيلكوس على غيره ، وذلك لأن الأخير يؤكد في طقوسه على ” تقديم الضحايا والصلاة ” . وتقديم الضحايا تتضمن ” الطعام ، وذبح الحيوانات ، وربما البشر” (أنظر : هنري هربرت ومارسيل ماسس ؛ الضحية ؛ طبيعتها ووظيفتها ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 1981) . ومن طرف الإفادة التاريخية ، هو إن طقوس أمبيلكوس تشمل تقديم الضحايا للآلهة (ذبح الحيوانات) وهنا تقاطع الأستاذ فرفريوس الصوري النباتي والذي يحرم أكل لحوم الحيوانات (شأنه شأن فيثاغوراس) مع تلميذه إمبيلكوس ، فكان النقد والشجب و” عدم الإتفاق ” بينهما .

  ولهذا سنقدم قراءة لكتاب الأسرار المصرية ، وذلك سعياً لبيان هوية الإتجاه الجديد الذي خطه إمبيلكوس للإفلاطونية المحدثة ، وبالتحديد من خلال الطقوس الشعائرية والذي عززه أعضاء مدرسته السورية ، كتابة وطقوساً ، ومن ثم شاعت كإتجاه جديد للإفلاطونية المحدثة . كما سنضع لأول مرة في دار الثقافة العربية ، وفي متناول القارئ والباحث العربي ، نصاً أكاديمياً تناول الإتجاه الجديد الذي أرسى قواعده إمبيلكوس لإفلاطونيته المحدثة والتي أخذت تعرف بالمدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة . ولهذا سار البحث في منحيين : 

أولاً- الثيورجيا أو الأسرار المصرية

   في البدء لابد أن نشير إلى إن معنى ” ثيورجيا ” قد رسم معالمه الخاصة الفيلسوف إمبيلكوس ، وذلك حين حدد دلالاته في كتاب ” الأسرار المصرية ” عندما قال :

” إن الثيورجيا له صفة مزدوجة ؛ فهو من طرف شعائر وطقوس يقوم بتنفيدها الناس للمحافظة على النظام الطبيعي في الكون . وهو من طرف آخر قوة منحتنا إياها الرموز الإلهية التي تجلت خلال الشعائر ، والتي إرتبطت في طرفها العالي بالآلهة . والتي تتمثل بحالة تناغم وإنسجام حول نظامها . وهذا المظهر الأخير ، هو الذي نطلق عليه بدقة  .. شكل الآلهة ” ( إمبليكوس ؛ الأسرار المصرية ، 184 ، 1-8).

   كما إن ” ثيورجيا ” يدل على ” العمل الإلهي ” .  ويبدو إنه جاء من مصدرين ؛ الأول شرقي عراقي والثاني غربي يوناني . ومن جهة المصدر الشرقي العراقي ، فأن السجلات التاريخية الأولى تذكر إلى إن ظهور هذا الإصطلاح جاء من الكتابات الإفلاطونية التي تنتمي إلى منتصف القرن الثاني الميلادي ، وذلك أثناء حديثها عما يسمى بالوحي الكلداني – البابلي العراقي الممزوج بعض الأحيان بالزرادشتي الفارسي ، والذي وجد في قصيدة شعرية لم تتوافر لكتاب تلك السجلات التاريخية يومذاك (أنظر: روث ماجريك ؛ الوحي الكلداني: دراسات في الدين اليوناني والروماني ، نشرة بريل ، ليدن 1989 ، المجلد الخامس). إن هذا المعنى يحدد  المصادر الشرقية لإصطلاح الثيورجيا . أما مصادر الثيورجيا الغربية ، فهي الفلسفة الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً إمبيلكوس .وربما إنتقلت أطراف من تجارب الوحي الكلداني – البابلي العراقي إلى دوائر التفكير الإفلاطوني المحدث من خلال قراءة كتب الهرامسة التي كانت متداولة يومذاك (للإطلاع على الحركة الثقافية الروحية التي ولدتها الكتب الهرمسية ، أنظر : كيرث فودين ؛ هرمس المصري : مشروع تاريخي للعقل الوثني المتأخر ، نشر مطبعة جامعة برنكتن 1993) .

    ورغم ذلك فإنه من الصحيح كذلك إن تجارب الوحي في معبد دلفى الآثيني اليوناني كان مصدراً يونانياً خالصاً للإفلاطونية المحدثة (أنظر: ويليم برود ؛ الوحي : الأسرار الضائعة والرسالة السرية لدلفي القديمة ، نشرة دار بنجوين ، نيويورك 2006) .  ومن هنا تأتي أهمية كتابه الثيورجيا أو الأسرار المصرية الذي ضم بين دفتيه تجارب الوحي الكلداني المعجونة بتعاليم الهرامسة ، وتجارب الوحي في معبد دلفى إضافة إلى الخيار والتجربة الخاصة لفلاسفة الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً إمبيلكوس وطلاب مدرسته السورية .

   جاء كتاب الأسرار المصرية الذي ينسب إلى إمبيلكوس ، كإستجابة منه على الإنتقادات التي وجهها له ولطلابه إستاذه الفيلسوف الإفلاطوني الأول ” فرفريوس الصوري ” ، والتي يقال إن الأخير بعثها له في رسالة ، والتي عرفت في مكونات كتاب الأسرار المصرية برسالة فرفريوس .

 ترجم الأستاذ أليكسندر وايلدر كتاب الثيورجيا أو الأسرار المصرية من اليونانية إلى الإنكليزية في نهاية العقد الأول من القرن العشرين ، وطبعته دار النشر الميتافيزيقية ، نيويورك عام 1911 . حقيقة إن هذا الكتاب تألف من مقدمة وعشرة أجزاء ، والكتاب برمته تكون من تسعة عشر فصلاً :

الفصل الأول كان مقدمة الكتاب ، وجاء بعنوان ” رسالة فرفريوس إلى النبي أنيبو ” وهذا الفصل – المقدمة الذي يبدأ بتحية من فرفريوس إلى النبي أنيبو (ويبدو لي إن إمبيلكوس وطلاب مدرسته كانوا يسعون إلى إكتساب شرعية من فرفريوس لدعم نزعتهم التي ترجح الثيورجي) . نقول إن المقدمة درست الجوانب الآتية : الآلهة وصفاتهم ، الأجناس العليا وتمظهرهم ، الوحي وطبيعته الآلهية ، الصلاة لدعوة القوى السرية (السحرية) ، تقديم الضحايا والصلاة ، شروط النتائج الناجحة ، الأسماء المقدسة والإشارات الرمزية ، العلة الأولى ، السكان الأصليون والأرواح الحارسة ، النجاح الحقيقي .

  كان الجزء الأول من كتاب الأسرار المصرية ، بعنوان ” الآلهة وصفاتهم ” وضم  ثلاثة فصول وهي : الفصل الثاني وحمل العنوان الآتي ” رد المعلم إبمامنون على رسالة فرفريوس إلى النبي أنيبو ” . وبدأ الفصل بمقدمة تحدثت عن هرمس (وهو ذاته إله المصريين ” توث ” ، وهو رب التعليم والطب ، والذي يسجل أعمال الأحياء والموتى ..) . ومن ثم تحول الفصل إلى مناقشة قضايا من مثل : خطة للمناقشة ، والتي إستهلها بالقول ” إننا سوف نضع أربع أو ثلاث من الآراء المتوراثة عن الحكماء الأشوريين والمتعلقة بالمعرفة الصادقة أو الحقيقية .. ”  ، وضم هذا الفصل حديثاً عن صورتين من المعرفة ، صفات الأجناس (من الرس = الأصل) العليا ، ترتيب الأنظمة العليا ، والذي تكون من : النفوس ، الأرواح الشريرة والأبطال أو ” نصف الآلهة ، ومن ثم إنتهى الفصل بمعالجة ما أسماه بالأجناس (من الرس) المتوسطة .

أما الفصل الثالث فجاء بعنوان ” الأجناس (الرس) الأعلى ” ومن ثم أضيف إليه عنواناً فرعياً ” صفات الآلهة والنفوس ” . وبدأ في التمييز بين الآلهة والنفوس .. فقال ” الأول (الآلهة) هي الرأس الأعلى والكامل . أما الآخر (النفوس) فهي الأدنى والناقصة . وإحتوى الفصل على معالجات من مثل : التمييز بين الأجناس العليا ، كيف تحدد مكانة الأجناس الآلهية ؟ ، والموجودات الأعلى لاتصنف على أساس إنها موجودات ” لا تتفاعل ولا تنفعل ” .

وجاء الفصل الرابع بعنوان ” الشعائر ، الرموز والتقديمات ” . والحقيقة إن الفصل بدأ بسؤال : ” لماذا كانت العديد من الإحتفالات تاريخياً ، تتم في شكل من الشعائر المقدسة ، وكأن الآلهة خلالها تتمايل بإنفعال ” . ويأتي الجواب ” أنا أعتقد إن مثل هذا الكلام ينقصه الفهم الذكي للتقنيات المقدسة للأسرار ” . وعالج الفصل الجوانب الآتية : ماذا تحقق دعوات الآلهة ؟ ، الشعائر الهادئة (السلمية) ، ضرورات الآلهة ، الإبتهالات ومنافعها ، نقد التصنيفات ، آلهة السماء ليست مادية ، الآلهة في السماء لا تسبب الكوارث والموت ، تشترك الآلهة في جوهر واحد ، ضروب أخرى من التمييز ، التصنيفات المردودة (المرفوضة) .

وتكون الجزء الثاني من فصلين ، وجاء بلا عنوان . وهذان الفصلان هما : الخامس والذي حمل العنوان الآتي : ” الأجناس (الرس) الأعلى وتمظهرهم ” . ولاحظنا إن الفصل دخل مباشرة في معالجة موضوع ” الأرواح وأنصاف الآلهة التي تختلف في جوهرها ” . إضافة إلى إنه درس الموضوعات الآتية : الطاقات الروحية ، التمظهر و الظهور (خصوصاً الآلهة ، الملائكة ، كبير الملائكة ، الأرواح أو النفوس) ، الظهور خلال الشعائر والطقوس ، الأجناس العليا والعلاقة بالمادة ، وأخيراً المنافع التي يمكن الحصول عليها من الظهور .

أما الفصل السادس فقد جاء بعنوان ” النظام السائد في الشعائر ” . وعالج الموضوعات الآتية : الآلهة المرافقون للآلهة ، والملائكة الذين يحيطون بهم ، مرافقة كبير الملائكة مجموعة من الملائكة ، وربما يتقدمون عليه أو يصطفون في خط واحد معه .. ومن ثم نظر الفصل في ” الظواهر الآخرى التي تكون ملازمة للشعائر ” وما يمكن ” إكتسابه من الأجناس الأعلى ” ، وتحول الفصل إلى دراسة ” كلام الإفتخار والصور الخادعة ” ومن ثم ” التوحد مع الربوبية ” .

وتألف الجزء الثالث الذي جاء بلا عنوان ، من ثلاثة فصول وهي السابع والثامن والتاسع . كان الفصل السابع بعنوان ” أصول الفن الإلهي ” والذي تناول الموضوعات الآتية : الإلهام والأحلام ، الإلهام وشفاء الأمراض ، المناطق المحددة لعمل العقل والنفس ، علامات الإلهام الحقيقية ، علامات أخرى مثل إرتفاع الجسم في الهواء ، نزول الروح الإلهي والنار ، الحماس والإلهام الإلهي ، أصول النشوة الإلهامية ، الموسيقى والشعائر السرية ، الإلهام والإثارة الفائقة ، وأخيراً الوحي .

وعالج الفصل الثامن الذي حمل العنوان الآتي ” الفن الإلهامي الكلي ” ، محاور مهمة مثل : الإلهام الزائف ، ضروب مختلفة من الغيبوبة ، الإلهامات الحاضرة في الشعائر ، الإلهام الخالص عمل إلهي ، الإلهام ليس بملكة من ملكات النفس ، الإلهام ليس بحقيقة مزدوجة . ودرس الفصل التاسع الذي جاء بعنوان ” الأرواح أو الآلهة الآرضية ” (وهي غالباً ما تكون شريرة) ، الموضوعات الآتية : الأحلام المتعلقة بالوحي ، شروط خاصة : النفس ليست مصدراً للإلهام ، المرض ليس عاملاً له علاقة بالآلهام ، فيما يتعلق بالإلهام العالي والحقيقي ، ليس الإلهام من الطبيعة ، ليس فن ، وليس من الشعور ، فيما يتعلق بالأصنام والتجسيد المادي للآلهة ، الأصنام غير الثابتة ، غياب الصفة الآلهية من الأصنام ، الإلهام الصادق والإلهام الكاذب .

تكون الجزء الرابع والذي جاء بعنوان ” الإبتهالات في الشعائر السرية ” ، من فصل واحد ، وهو الفصل العاشر والذي حمل العنوان الآتي ” فيما يتعلق بالقوى التي يتم الإبتهال لها ” . وناقش هذا الفصل عدة موضوعات مثل : لماذا الأرواح ملكات مأمورة (منقادة بغيرها) ، إقتراحات فيما يتعلق بالإبتهالات ، العاقبة والأمراض التي سببتها الحياة السابقة ، الخير يأتي عن طريق الآلهة فقط ، عمل الأرواح الشريرة ، تعاون أطراف مختلفة من الكون ، العديد من الأشياء وجدت بعفوية ، الربوبية ليست صانعة للأخطاء ، العفة وضبط النفس ، مصادر التحلل وفقدان ضبط النفس ، عدم ضبط النفس والتحلل ناتج من الأرواح الشريرة .

أما الجزء الخامس فقد جاء بعنوان ” تقديم الضحايا والصلوات ” ، وتكون من ثلاثة فصول ، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر . ركز الفصل الحادي عشر والمعنون ” السؤال الواضح ” على المواد الآتية : ليس هناك صراع حقيقي ، فيما يتعلق بتقديم الحيوانات ضحايا ، الآلهة في السماء لا تتأثر بالتمجيد ، فيما يتعلق بالضحايا ، فاعلية تقديم الضحايا في الشعائر المقدسة ، الآلهة متعالية على الطبيعة .

وجاء الفصل الثاني عشر بعنوان ” نقد مفاهيم الكهنة المصريين ” والذي درس الموضوعات الآتية : ثلاث مستويات من النماذج الأصلية ، الأرواح الشريرة وليست الآلهة تتأثر بالضحايا ، كيف تكون الضحايا نافعة ؟ تقديم النار ضحية للتطهير ، المفاهيم الصادقة ، نظامين للآلهة ، نوعين من الشعائر المقدسة ، لماذا تكون للعبادة خاصية حسية ؟ تبرير العبادة الحسية ، ثلاث طبقات ، ثلاث طبقات من الآلهة ، حالة التمجيد غير الشائعة على الأطلاق . أما عنوان الفصل الثالث عشر فقد جاء بعنوان ” فيما يتعلق بالشعائر السرية (الصوفية) والذي عالج القضايا الآتية : الشعائر المقدسة المتعددة الاشكال ، المنفعة من تقديم الضحايا ، نوع شائع من الضحايا ، الآلهة الصادقة التي تكون لكل الناس ، فيما يتعلق بالصلاة .

لم يحمل الجزء السادس من كتاب سر الاسرار أي عنوان ، وتألف من فصل واحد ، وهو الفصل الرابع عشر ، والذي جاء بعنوان ” شروط من أجل نتائج ناجحة ” . وقد درس الفصل الموضوعات الآتية : التلوث من الحيوانات النافقة (الهالكة) ، نجاسة الميت ، الحيوانات والإلهام ، فن الإلهام الزائف ، التهديد الحادث أثناء الشعائر ، التهديد الأقوى ، الأرواح الشريرة هي الحارس الأمين .

في حين إنفرد الجزء السابع بالعنوان القائل ” الأسماء المقدسة والتعبير الرمزي ” والذي تألف من فصل واحد ، وهو الفصل الخامس عشر ، والذي جاء بعنوان ” أصول الرمزية المصرية ” وقد درس القضايا الآتية : شرح للرموز ، الشمس مصدر للطاقة ، الحدود التي لا يمكن فهمها ، لماذا لا يمكن ترجمة الحدود المقدسة الأجنبية ؟

أما الجزء الثامن فجاء خال من أي عنوان ، وتألف من فصل واحد ، هو الفصل السادس عشر ، والذي كان بعنوان ” أسئلة مفروضة ” . وعالج هذا الفصل موضوعات من مثل : الإله الأول وهو إله خالق ، العديد من الأسماء الإلهية هي رموز لموجودات مادية ، موجز التعاليم ، مقدمة لشرح موسع ، الإنسان ذو نفسين ، التحرر من القدر ، شرح موسع عن الحرية .

وجاء الجزء التاسع بعنوان ” الولادات والأرواح الحارسة ” . وهذ الجزء تكون من فصل واحد ، هو الفصل السابع عشر ، والذي حمل العنوان الآتي ” الأرواح الشخصية (الديمن ذو الطبيعة الشريرة على الأغلب) ” . وقد تدارس هذا الفصل مجموعة قضايا من مثل : نقد لنماذج من الأسئلة ، القدر والروح الشخصي ، تفسير علم التنجيم (الأرستولوجي) ، الروح الشخصي ليست بكشف من قبل علم التنجيم ، ، التفسير الحقيقي للأرواح الحارسة ، لكل فرد روح واحدة حارسة ، الروح الحارسة ليست جزء من النفس ، عدة أرواح حارسة ، حول دعوة (الديمن) الأرواح الحارسة .

أما الجزء العاشر فقد حمل العنوان الآتي ” السبب الأول ” والذي تألف من فصل واحد ، هو الفصل الثامن عشر ، والذي كان بعنوان ” النجاح الحقيقي ” . وهذا الفصل درس الموضوعات الآتية : نقد لقضايا متنوعة ، فيما يتصل بالكوارث الطبيعية ، الهبة الآلهية ، طريق النجاح الحقيقي عودة النفس إلى عالم الإلوهية ، فيما يتصل بالخير . أما الفصل التاسع عشر . والحقيقة لا يوجد مثل هذا الفصل في نص كتاب ” الأسرار المصرية ” . ولكن جاء عنوان بما يشبه الخاتمة ، وهو كلمة ” الوداع ” أو ” فيلدكتيري ” . وهي في مجملها عبارة توديع ، بين فيها بأن الكثير من التساؤلات قد تم الإجابة عليها ، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة بين الفن الإلهي والإلهام والشعائر .. ومن ثم بث إلى القارئ الفكرة الأساسية للكتاب ، وهي المشاركة بالمفاهيم الكاملة المتعلقة بالموجودات الإلهية . وحسب إن كل ذلك قد ساعد على قيام نوع من الصداقة الروحية ، كما قال ” بيننا ” . الختام .

  في الحقيقة لا يتوافر لدينا دليل على إن العقل العربي  في العصور العباسية ، قد حصل على ترجمة لهذا الكتاب ، سواء من السريانية أو مباشرة من اليونانية . إلا إن من المستقر القار لدينا إن الفكر الهرمسي ، قد عبر إلى دائرة الثقافة الإسلامية ، ولعل القارئ المهتم في هذا الموضوع من الدراسات المقارنة ، يجد مقالات عنها في كتب الملل والنحل وتواريخ الفكر والفلسفة هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر ، فأن موضوعات كثيرة قد تدارسها كتاب “الأسرار المصرية” قد وجدت لها مضامين مشابهة في عديد من النصوص الأسلامية.

ثانياً- الثيورجيا والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة

   هذه إطروحة دكتوراه جاءت بعنوان ” الثيورجيا أو الطقوس السرية والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة ” تقدم بها الباحث الأكاديمي ” كريكوري شو ” إلى جامعة كليفورنيا / سانت بربارة ، وكانت تحت إشراف الأستاذ ” بيركر بيرسون ” (1934- ؟) وهو أستاذ متمرس وكاتب لعديد من المؤلفات التي غطت المسيحية الأولى واللاأدرية ، والمسيحية القبطية (المصرية) .. (أنظر: بيركر بيرسون : اللاأدرية والمسيحية في روما ومصر القبطية (بالإنكليزية) ، نشرة دار كلارك للنشر 2004). ومن ثم نشرت هذه الإطروحة  بكتاب تحت العنوان ذاته ” الطقوس السرية والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة ، نشرة مطبعة جامعة بنسلفانيا 1995  .

  ونحسب إنه من المفيد أن نبدأ بحثنا هنا بالإشارة إلى الكلمة التقويمية التي قالها الفيلسوف الإيرلندي ” جون دايلون ” (1939- لازال حيا) بحق هذا الكتاب ومؤلفه. ودايلون هو أستاذ متمرس في الكلاسيكيات ، وعلم في جامعة دبلن وكليفورنيا وباركلي ، وهو متخصص في تاريخ الإفلاطونية ، والأكاديمية القديمة والرينسانس .. وقد ترجم دايلون وإيما كلارك وآخرون كتاب إمبيلكوس ” الأسرار المصرية ” من جديد ، والذي نشر في أتلنتا عام 2003 . كما ونشر دايلون ” رسائل إمبيلكوس ” في العام 2010 ونشر بتحقيق ممتاز ” النفس عند إمبيلكوس ” في العام 2010 كذلك .

  يقول دايلون : ” إن كتاب جورج شو المعنون (الشعائر والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة) يساعدنا على فهم مكانة إمبيلكوس في تاريخ الفكر ، خصوصاً مفهومه للشعائر والطقوس السرية ، والذي يبدو لنا على إنها ” نوع من الضلال العقلي ” . إلا إن شو في الحقيقة نبهنا إلى إنه من الممكن النظر إليه على إنه ” مشروع متناغم مع الحقيقة ” . كما إنه مختلف عن اللاهوت المقدس المسيحي ، وبذلك وضع شو الشعائر على طاولة البحث ” . 

  لقد تألف الكتاب حقيقة من مدخل وأربعة فصول وخاتمة . ونحسب إن المدخل شكل مقدمة في غاية الأهمية ، ولذلك سنسعى إلى عرض القضايا التي ناقشها المدخل ، ومن ثم سنعرج إلى فصول الكتاب قراءة . حمل المدخل عنواناً في غاية الأهمية ، وهو يكشف عن حال الفلسفة اليونانية عامة ، والمحنة التي تواجهها الإفلاطونية المحدثة خاصة . فقد جاء المدخل بعنوان ” المحافظة على نظام الكون ” . إن العنوان يشير إلى إن هناك مواجهة حادة ومصيرية قد وقعت بين معسكرين : معسكر الفلسفة والذي تقوده الإفلاطونية المحدثة ومعسكر الديانة المسيحية والذي ينفذ ستراتيجيته جماعات من الرهبان المتحمسين . ولابد من تنبيه القارئ هنا من اللغة التي يتداولها جورج شو ، فهي لغة فيها إنحياز للثقافة المسيحية ، وفي الوقت ذاته فهي لغة معادية لكل ماهو فلسفي يوناني ، والنظر إلى التراث اليوناني برمته على إنه ثقافة وثنية هرطقية .

  لقد رسم هذا المدخل صورة واضحة عن الصراع بين المعسكرين ، وكشف عن النتائج التي إنتهى إليها . ولذلك سنحاول عرضها في النقاط الآتية :

أولا ً- قاد تداعي الثقافة اليونانية في نهايات القرن الرابع الميلادي ، إلى الإهتمام بمعابد الآلهة وذلك كخيار آخير للمحافظة على التقاليد اليونانية القديمة . فمثلاً في العام 386 تم تحريم تقديم الضحايا للآلهة ، وبدأت عملية منظمة واسعة يقودها الرهبان المسيحين لتدمير الأماكن المقدسة اليونانية (الوثنية كما يقول شو) (أنظر: جورج شو ؛ الشعائر والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة (بالإنكليزية) ، ص 1) .

ثانياً- وفي ظل هذه الأجواء ناشد الخطيب الإنطاكي ” ليبنيس ” (314- 394م والذي ظل على عقيدته اليونانية ولم يتحول إلى المسيحية بالرغم من إن له صداقات مع العديد من المسيحين من ضمنهم الأمبراطور ثيوديسيوس . كما كان له العديد من الطلبة المسيحيين). نقول ناشد ليبنيس الإمبراطور الروماني ” ثيودسيوس ” (357- 395 م والذي شجع على تدمير المعابد ومنع الجمهور من التوجه إليها) قائلاً :

” لقد إنتشر الرهبان كسيل جارف في الأرياف ، وأخذوا بتدمير المعابد ، وإن عملهم هذا هو تدمير للأرياف في الوقت ذاته . كما إن المعابد هي حياة الأرياف ، فحولها شيدت البيوت ونهضت القرى ، وفي ظلالها ولدت الأجيال التي تتوارث الحياة حتى هذه اللحظة . وفي المعابد عقد الفلاحون آمالهم بأنفسم وزوجاتهم وأطفالهم ، وثيرانهم والأرض التي حرثوها وزرعوها . إن مناطق الأرياف التي دمرت معابدها بهذه الطريقة قد ضاعت إلى الآبد ، وذلك لأن الفلاحين فقدوا الدافع والإرادة للعمل . ولم يبق شئ يحث الفلاحين على العمل أو التفكير وذلك لأنه قد أحيل بينهم وبين آلهتهم التي عليها يتوكلون ولآجلها يعملون وبها يزدهرون ” (إعتمد جورج شو في نقل هذا النص على كتاب ليبنيس المعنون ” المعابد القديمة ” والمنقول أصلاً من كتاب سافري المعنون دعاوي الرحمة وصلوات الرجال والنساء في العصر القديم ، نشرة أرمسترونك ، نيويورك 1986 ، ص 200 وأنظر كذلك شو: الشعائر والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة ، ص 1) . على كل لقد عكست عبارات ليبنيس السابقة حالة اليأس التي أصابت الثقافة اليونانية يومذاك ، والتي كانت قبل جيلين مفعمة بالأمال العريضة .

ثالثاً- إن تحولات مهمة حدثت لصالح الإفلاطونية المحدثة السورية عامة ، وشخصية الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس ، وذلك بعد إن أصبح البلاط الإمبراطوري تحت تأثير المسيحية ، وبالتحديد خلال حكم الإمبراطور قسطنطين (312- 336م) . وفعلاً فأن العديد من المفكرين قد تحولوا صوب مضارب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس ، وذلك بحثاً وتطلعاً لقيادة فكرية وروحية . وبالتأكيد فأن عبارات التثمين التي قالها واحداً من موظفي الإمبراطور ، بحق شخصية الفيلسوف إمبيلكوس  ، كان لها من الأهمية التاريخية في التعبير عن هذه التحولات التي حصلت لصالح الإفلاطونية المحدثة السورية . وأترك القارئ هنا يستمع ويقيم بنفسه عبارات التثمين والمدح الصادرة من دائرة القرار السياسي الإمبراطوري (وأذكر القارئ بأن الفيلسوف إمبيلكوس ملك أشوري ومن سلالة ملوك) :  ” إن إمبيلكوس محسن (صاحب فضل) لكل العالم ” ، وهو في الوقت ذاته ” بركة كونية لليونانيين ” ، وبالإضافة إلى ذلك ، فقد ” إختارته الآلهة ليكون المخلص (المنقذ) للعالم اليوناني برمته ” (شو ؛ المصدر السابق ، ص 2) .

رابعاً- يرى جورج شو ، إن ذلك لم يكن مبالغة مقصودة فيها تضخيم لدور الفيلسوف إمبيلكوس . ولكن الحقائق التاريخية اللاحقة تحمل معها تأيداً لذلك . ففعلاً بعد وفاة إمبيلكوس بجيل واحد ، سعى الإمبراطور الروماني ” جوليان ” (332- 363 م ، ويطلق عليه بالفيلسوف ، وهو أخر إمبراطوراً غير مسيحي ، والذي حاول العودة بالإمبراطورية إلى القيم الرومانية الأولى ، وذلك من أجل وقف تداعيها من الإنهيار..أنظر للتفاصيل : بوليمانيا ؛ جوليان : سيرة ذاتية عقلية (بالإنكليزية) ، نشرة وتليدج ، لندن 1992) إلى تجديد عقائد الإفلاطونية وطقوسها اليونانية ، وذلك في محاولة لوقف الإنحراف الزاحف في مسيرة الأمبراطورية ، والعودة بها إلى تقاليد الأسلاف الرومانية الأولى . ولهذا أعلى الأمبراطور من مكانة إمبيلكوس ، وإعتبره ” فيلسوفاً بمنزلة إفلاطون ” .

  إن هذا التثمين لإمبليكوس ، قاد الإمبراطور جوليان ، وعدداً أخر (مما أسماهم شو بالوثنيين) إلى فهم عميق لتراثهم الديني وطقوسه التقليدية . خصوصاً في فهم النزعة الإفلاطونية المحدثة ، التي قادها إمبليكوس والتي عرفت بالمدرسة السورية . ونقصد ربط إمبليكوس المحكم ” بين طقوس العبادة والتدريب العقلي للثقافة الفلسفية ” ( أنظر : شو ؛ المصدر السابق ) .

خامساً- يحسب جورج شو ، إنه كان من الصعوبة على الفلسفة والعقائد (اللامسيحية) أن تبقى حية فيما بعد القرن الرابع الميلادي . وحقيقة إن الأمبراطور جوليان قد أدرك هذا الأمر ، ولذلك سعى إلى تجديد روح الإمبراطورية الرومانية ، مستعيناً بتراث وتقاليد أسلافه الأوائل (فلسفة وعقائد يونانية) . ولكن على أسس فلسفة وطريقة إمبليكوس . وفعلاً فأن جوليان وخلال فترة حكمه القصيرة (الممتدة من 361 إلى 363) قام بتعمير المعابد اليونانية ، ونشط من جديد نظام كهنة الدولة ، وإضاف إلى طريقة شكر الآلهة تراتيل دينية من كتابات إمبليكوس .

 ولكن هذه العملية الإحيائية التي قام بها جوليان لم تستمر ، وأصبحت جزءً من الذاكرة . فبعد موت جوليان (عام 363) وربما بالتحديد في نهاية القرن الرابع ، إنتهى كل شئ قام به جوليان ، فقد مات العالم اليوناني ، وتم نفي آلهة اليونان من الإمبراطورية المسيحية ، ومن ثم تقلصت أعداد المهتمين بالفلسفة ، وتحولوا إلى نخبة وجماعات صغيرة ( المصدر السابق) .

سادساً- ومن النافع أن نشير إلى إن إمبليكوس ، كان أقل حماسة من الإمبراطور جوليان إلى الإهتمام بالتراث والعقائد اليونانية . حقيقة إن إمبليكوس حاله حال إفلاطون ، فقد إنتقد اليونانيين ، وأعلى من مكانة ، مما أسماه المؤلف ” الشعوب البربرية ” . وإذا كان ذلك إفلاطون ، فأن إمبليكوس لام اليونان ومدح المصريين ، وبين قوة شعائرهم الدينية المتوارثة . يقول إمبليكوس : ” إن من الضروري فهم إن المصريين كانوا الأوائل في المشاركة مع الآلهة ، فالآلهة تشكر عندما تستدعى خلال الشعائر والتقاليد المصرية .. ” (المصدر السابق ، ص 3) .

سابعاً- يعتقد جورج شو ، إلى إن إمبليكوس كان مدركاً إلى إن هناك القليل من الأمر ، مما يمكن عمله مع المسيحية بخصوص أزمة القرن الرابع الميلادي . وذلك لأن إمبليكوس مثله مثل إفلاطون قد قبل الحقيقة القائلة : ” إن الأسلوب الجديد سوف لا يفسد التقاليد السابقة والمتجذرة في آلهة الكون ” . ولعل من المفيد الإشارة إلى إن أزمة القرن الرابع الميلادي ، هي التي حملت إمبليكوس إلى إحلال ” الثيوجري / الطقوس (عمل الله) في قلب تعاليم الإفلاطونية في عصره .

  وهذا الرأي يفسر لنا : لماذا فضل إمبليكوس ” الثيوجري ” (كلام الله) ؟ ولماذا إعتقد إمبليكوس في إن علم التنجيم مرتبط بعلاقة حميمة بدعوات إستدعاء ” القوى الطبيعية في الكون ” خلال الطقوس؟ لقد إعتقد إمبليكوس بأن العالم الذي وصفه إفلاطون في محاورة ” طيماوس ” قد فقد وحدته في هذا النوع من الإفلاطونية (المحدثة) ، والتي رفضت ” قدسية العالم ” ورفعت بالمقابل العقل الإنساني فوق حدوده الطبيعية . ووفقاً لإمبليكوس فأن مثل هذه النزعة العقلانية ، قد هددت الإنسان وعزلته من نشاطات الآلهة . وكان العرض الذي قدمه إمبليكوس والمتمثل بالثيوجري (طقوس الله وكلامه) ، هو البلسم الذي سيجدد الإرتباط بالنظام الكوني (المصدر السابق ، ص ص 4-5) .

ثامناً- دافع إمبليكوس عن ممارسة الطقوس والشعائر ، وإعتبرها كجزء من تقاليد الإفلاطونية ومدرسته السورية . وعلى هذا الأساس يحسب جورج شو ، إن أي محاولة لفهم ” طقوس إمبليكوس ” تتطلب متابعة للموضوعات الإفلاطونية التي يشرحها إمبليكوس بنفسه بعناية فائقة . فمثلاً كان إهتمامه المركزي ، هو شرح إفلاطون للكون ، ودوره في التربية ، وتآليه النفس . ومن هنا كان مفترق الطريق بين إفلاطونية إمبليكوس وإفلاطونية الآخرين . فقد كان إحلال النفس في العالم المحسوس ، هو الفيصل القوي بين إمبليكوس والإفلاطونيين الذين الذي أخذوا بطريق الثيوجري / الطقوس والشعائر من طرف والإفلاطونيين الذين رفضوا طريق الثيوجري / الطقوس من أمثال إفلوطين وفرفريوس الصوري (المصدر السابق ، ص 5) المعروف بنقده الشديد لطرائقية تلميذه إمبليكوس ونزعة مدرسته السورية.

حجبت صفحات من البحث لحماية حقوق الكاتب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثاني / ربيع 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5) 

الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي كونستنس جونز (1848 – 1922) 

الدكتورة نداء إبراهيم خليل 

تقديم :

  إن هدف هذا المقال ، هو التعريف بشخصية الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة ” إيملي جونز ” وبيان مساهمتها في العمل الفلسفي في مجراه العام ، وفي الوقت ذاته تحديد مكانتها في ميدان العمل الفلسفي النسوي (الفمنستي) المعاصر . وكيف إنها تمكنت من تأسيس نفسها أكاديمياً وصعودها إلى الطوابق العالية للفلسفة رغم قوة سطوة الفكر والتقاليد الماسوجينية حتى في داخل عائلتها وفي بيئة العمل الأكاديمي ؟ وكيف إن صوتاً نسوياً قوياً في داخل عائلتها لعب دوراً مهماً في فتح أبواب الحياة الجامعية لها من جديد بعد إن سدت العائلة أبوابه وفضلت فتحها لصالح إخوتها الأصغر سناً منها ؟ وكيف إن أصوات أكاديمية مناصرة بحدود ما للعمل النسوي الأكاديمي سهلت مهمة الفيلسوفة الشابة إيملي أن تخوض مضمار العمل الأكاديمي وتقف نداً لزميلين لها من الفلاسفة الكبار من أمثال جورج مور وبرتراند رسل وإن تتنازع بجدارة مع عالم المنطق الألماني ” جوتلوب فريجه ” في الأسبقية في صياغة نظرية الذاتية وتطبيقاتها في منطق القضايا ؟  والسؤال المفتاح : ما هي  البطاقة الشخصية للفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة ” إيملي جونز ” ؟ ولدت ” إيملي إيلازبيث كونستنس جونز ” في مقاطعة ويلز الإنكليزية عام 1848 ، وكانت أكبر أطفال العائلة العشرة . وإنتصاراً لصوت إيملي النسوي الذي بقصد ودون قصد قد تم طمره من قبل الدراسات والأبحاث وبدلاً عنه فضلوا إستخدام “جونز ” إسماً لها . فأن هذا المقال يعيد الإعتبار للفيلسوفة إيملي إسمها النسوي الحقيقي . وسيتم تداوله عبر أوراقه إطلاقاً .

 يهدف هذا المقال إلى تقديم إجابة عن التساؤلات الآتية :

أولاً – ماهي القراءات والإهتمات الفكرية المبكرة التي شملت مكونات التعليم الذاتي التي أنجزتها الفيلسوفة الشابة إيملي ؟

ثانياً – ما هي طبيعة المسارات التي مرت بها الفيلسوفة إيملي في دراستها العالية وتخصصها المهني ؟

ثالثاُ – ما هي إتجاهات أعمالها الأكاديمية والمهنية ؟

رابعاً – ماهي مكانتها في علم المنطق ؟

خامساً – ما هي مساهمتها في الفلسفة الأخلاقية ؟

القراءات والإهتمامات المبكرة

  يلاحظ الباحث في سيرة الفيلسوفة إيملي جونز المبكرة ، خصوصاً في السنوات المبكرة من مراهقتها ، إنها ركزت على النتاج الفكري والأدبي الألماني والفرنسي . ويبدو إنها لم تقرأ هذا النتاج في ترجماته الإنكليزية ، بل قرأته باللغتين الألمانية والفرنسية . مما يمنحنا شهادة على القول إن ميول وإهتمام الفيلسوفة إيملي كان لصالح اللغات الأجنبية وأدابها . كما إن هذه الشهادة تؤكد على إن هذه الميول نمت في خارج بلدها إنكلترا حيث صرفت في جنوب أفريقيا فترة من حياتها هناك . 

 وفعلاً فقد عاشت الفيلسوفة إيملي في بواكير مراهقتها التي تمتد ما بين 1861 و 1664 في منطقة تبعد ثلاثين ميلاً خارج مدينة ” كيب تاون ” في جنوب أفريقيا . وتعلمت هناك اللغة الألمانية ، فقرأت مؤلفات كبار الفلاسفة الألمان من أمثال فيلسوف التربية الجمالية ” جوهان شيلر ” (1754 – 1805) ، وكتابات ” جوهان غوته ” (1749 – 1832) ، واللذان تعاونا في أكثر من عمل ، وأوكل الأول الثاني لأكمال بعض الأعمال التي لم يتمكن من إكمالها .

   ومن ثم تعلمت اللغة الفرنسية ، فقرأت أعمال ثلاثة من أكبر كتاب التراجيديا الفرنسية في القرن السابع عشر ، وهم كل من  ” جان مولير ” (1622 – 1673) ، و ” جان راسين ” (1639 – 1699) و ” بيير كورنيل ” (1606 – 1684) . كما إنها قرأت الكتابات المتنوعة الألوان للفيلسوف الفرنسي التنويري في القرن الثامن عشر ” فرانسوا ماري فولتير ” (1694 – 1778) .

  وتطورت لديها ملكة تذوق تعلم اللغات ، والأدب ، الموسيقى والرياضيات مع نمو مستقل لشخصيتها وتفكيرها . تقول عن الفترة المباشرة لعودة العائلة من جنوب أفريقيا ، والتي كتبتها في سيرتها :

” أخذت أستخدم عقلي ، وأنا كنت أعرف كيف أكتسب المعرفة ، سواء من المدرسة (جزئياً) أو مما يكتب في المقالات ، ومن المجتمع الذي أنتمي إليه . وتعلمت العلم الأخلاقي بصورة رئيسية من الكلية . وهكذا تعلمت ما يمكن تعلمه أو ما كان يقدم في دروس التعليم ” (أنظر: ماري ألين وايت ؛ تاريخ الفيلسوفات (بالإنكليزية شارك في كتابته عدد من الأكاديميات النساء وبإشراف الفيلسوفة الأمريكية ماري وايت) ، نشرة مطبعة كولير للنشر الأكاديمي ، هولندا 1995 ، المجلد الرابع ، ص 25 وما بعد) .

دراساتها العالية وتخصصها المهني

  بدأت الملامح الأولى لتوجهات الفيلسوفة إيملي المهنية ، تأخذ طابعاً أكاديمياً ومهنياً ، لحظة عودتها من جنوب أفريقيا . وفعلاً سجلت في الدراسة لمدة سنة في كلية البنات في شلتنهام . وتركزت دراساتها حول اللغات وعلم الحساب إضافة إلى اللغة الإيطالية . وتقريباً عند بلوغ الفيلسوفة الشابة إيملي التاسعة عشرة ربيعاً ، تكون قد أكملت دراساتها الأكاديمية . ومن ثم قضت السنوات اللاحقة في بيت والدها .

 ولما كان قدر إيملي إنها بنت ، فقد لعب جندرها دوراً معوقاً في تعليمها . فمن المعروف إن المجتمع الإنكليزي يومذاك محكوم بسطوة الرجل على حاضر ومستقبل العائلة . لذلك إهتمت عائلة إيملي بتعليم أخيها الأصغر ، وإعتبرته من أولوياتها وعلى حساب تعليم إيملي على الرغم من إنها الأكبر سناً .

  ولعبت الظروف دوراً مهماً في حياة إيملي ، وتوجيهها الوجهة التي تتطلع إليها أية أمرأة في عصرها المرهون بإشتراطات كثيرة فيها من التعويق لتعليم المرأة وتوجهاتها المهنية . هذه الظروف تمثلت بشاب يدرس في كيمبريدج ، وكان صديقاً لإخ إيملي . فقام بتقديمها إلى ” حوليات فاوست للإقتصاد السياسي ” والتي أثارت إهتمامها بالفلسفة الأخلاقية . وفيما بعد إستعارت أيملي من والدة هذا الشاب كتاباً سيلعب هو الأخر دوراً بالغ الأهمية في توجهات إيملي المهنية . وهذا الكتاب هو “علم المنطق عند جون ستيوارت مل ” . وهو المضمار الذي ستتصدر فيه الفيلسوفة إيملي وتكون بمصاف فلاسفة عصرها من أمثال الألماني ” جوتلوب فريجه ” والإنكليزي ” برتراند رسل ” التي تقدمت عليه في التأليف في حقل المنطق عامة وبزت كلاهما في ميدان المنطق القضائي . وكذلك فان الفيلسوفة الشابة كانت رائدة أكاديمية في دائرة الفلسفة الأخلاقية .

  وهكذا لعبت الظروف من خلال هذا الشاب ، إلى تقديمها المبكر إلى مضمار الفلسفة الأخلاقية . وفعلاً فأن إيملي قررت متابعة دراساتها الأكاديمية للحصول على درجة : ترايباص = درجة الشرف) . وشملت فصول الدراسة ؛ الفلسفتين السياسية والأخلاقية ، و ” الفلسفة العقلية ” (والتي شملت علم النفس ، الميتافيزيقا والأبستمولوجيا) ، وعلم المنطق ، والإقتصاد السياسي . وكانت دراساتها تحت إشراف كل من الأساتذة ” هنري سيدجويك ” ، ” جيمس ورد ”  و ” جون نيفل كينز “.

  ومن النافع أن نشير إلى إن إيملي قد تلقت تشجيعاً من عمتها في مشروعها لإكمال دراساتها في كيمبريدج . فقد تعهدت العمة ” السيدة كولينز ” رغم بعض الصعوبات ، في تغطية نفقات دراستها الجامعية . وكانت العمة يومها متحمسة جداً لفكرة بنت أخيها على الحصول على التعليم العالي في كلية كرتن ، خصوصاً إذا وضعنا في الإعتبار إنها ” أول كلية للبنات في ذلك العصر ” . وفعلاً بدأت إيملي تعليمها الجامعي في كيمبريدج في إكتوبر من العام 1875 ، على الرغم من تفضيل عائلتها لمصلحة إخوتها الصغار في التعليم على حسابها . ولكن كان لهذا التأخير من الأثر على مكانتها المهنية وذلك لأنها ضيعت بعض الفصول الدراسية . ولكن هنا جاء التأخير برياح محملة بالكثير من الفرص التي تتناغم وتطلعات إيملي . فقد إكتسبت سمعة أكاديمية وذلك عندما تقدم الأستادين سيدجويك وورد بتوصية على منح إيملي فرصة إكمال ترجمة القسم الذي تركته إيلزابيث هيملتون لكتاب الفيلسوف والمنطقي الألماني هيرمان لوتزه والحامل على درجة طبيب كذلك .

  وهكذا كانت الخطوة الأولى في عمل إيملي الأكاديمي ، هو القيام بالترجمة ، فقد عرض عليها إستاذيها هنري سيدجويك وورد ، وبعد معرفتهما من تمكنها من اللغتين الألمانية والفرنسية منذ نعومة أظافرها ، أن يكون بحثها للتخرج هو إكمال ترجمة القسم المتبقي من الترجمة الذي تركته ” إليزابيث هيملتون ” لكتاب ” هيرمان لوتز ” المعنون ” مايكروكوزم ” .

  وفعلاً أصبح خصوصاً عرض الأستاذ سيدجويك وصية نفذتها الفيلسوفة الشابة بكل تفاصيلها . وبعد إكمال النصف المتبقي ، ظهرت الطبعة الأولى عام 1885 (والترجمة المتداولة في الإنكيزية ؛ هيرمان لوتزه : مايكروكوزم : مقالة تتعلق بالإنسان وعلاقته بالعالم ، ترجمه من الألمانية إليزابيث هيملتون وإيملي إليزابيث جونز ، نشرة مطبعة سيكربنر ويلفورد ، نيويورك 1885 في مجلدين) . ومن المفيد الإشارة إلى إن إيملي تخرجت من كرتن / كيمبريدج بعد إكمال دراساتها في العام 1880 وبالمرتبة الأولى .

أعمالها الأكاديمية والمهنية

  لقد رأت الفيلسوفة إيملي عملها الأول (وبالمشاركة مع إيلزابيث هيملتون) ينشر في أربعة طبعات في حياتها . كما إن نشرته الأولى قد أشار إليها برنارد بازنكوت في الترجمة التي قام بها لكتاب هيرمان لوتزه المعنون ” الميتافيزيقا والمنطق ” .   

  بعد تخرج إيملي بأربع سنوات ، وبالتحديد في العام 1884 وجهت لها الدعوة بتدريس علم المنطق في كلية كرتن التي تخرجت منها . وخلال هذه الفترة تحول إهتمامها صوب مضمار ما سيعرف بالفلسفة التحليلية . إن نمو ملاحظات إيملي في دروس المنطق ، كونت في فترة لاحقة مادة كتابها المعنون ” تمهيد لعلم المنطق ” ومن ثم تحول إلى كتاب مدرسي حمل عنوان ”  علم المنطق الأولي ” والذي نشر في العام 1905 . ومن ثم أصبحت محاضرة مقيمة في الكلية .

  كما وشغلت الفيلسوفة إيملي مناصب إدارية في كلية كرتين . فمثلاً أصبحت في العام 1896 نائبة رئيسة كلية كرتن . وبعد تقاعد الرئيسة ” السيدة ويلش ” في العام 1903 أصبحت الفيلسوفة إيملي رئيسة كلية كرتن للبنات في جامعة كيمبريدج .  ومن النافع الإشارة إلى إن فترة رئاسة الفيلسوفة إيملي لكلية كرتن كانت فترة خصب وإزدهار . فقد كانت الكلية لحظة إستلام رئاستها تعاني من ديون تقدر في عام 1903 بثلاث وأربعين ألفاً باوند . وعندما تقاعدت إيملي في العام 1916 كانت الكلية حرة من الديون . بل وتصاعدت المنح الدراسية والمساعدات المالية للطلبة . كما شغلت إيملي لسنتين متتاليتين (1914 – 1916) رئيسة الجمعية الأرسطية . وكانت ناشطة في الكتابة في نادي العلوم الأخلاقية في جامعة كيمبريدج .   

عملها في علم المنطق

  ما هي مكانة الفيلسوفة إيملي في مضمار علم المنطق ؟ و هل كانت متقدمة تاريخياً ومنطقياً في قانون الذاتية على المنطقي الألماني جوتلوب فريجة وعلى الأنكليزي برتراند رسل ؟ أشرنا إلى إن إيملي بعد تكليفها بتدريس مادة علم المنطق في كلية كرتين ، نشرت كتابها الأول الذي كان بعنوان ” تمهيد إلى علم المنطق ” الذي نشر عام 1905 . ولكن في الحقيقة إن تطور نظرياتها المنطقية تصعد إلى أبعد من هذا التاريخ بكثير . فمن الملاحظ إن وجهة نظرها المنطقية في مضمار ” القضايا الحملية ”  أخذت تتطور في خط تصاعدي ومنذ نهاية الثمانينيات من القرن التاسع عشر . ومن ثم تشكلت في صورتها النهائية في العام 1889 والتي نشرت في كتاب في السنة اللاحقة وبعنوان ” مبادئ علم المنطق كعلم للقضايا ” والذي طورت فيه قانون الذاتية . ولاحظ الدارسون في مضمار المنطق ، إن الفيلسوفة إيملي كانت من التواضع فيما يخص الأفكار البالغة الأهمية التي قامت بتطوريها والتي دشنت فيها جادة بحث منحها الريادة بين علماء المنطق في عصرها .

 ولعل الشهادة على ذلك جاءت من زملاء وفلاسفة من أمثال ” ستوت ” و ” شيلر ” واللذان كانا ينظران إلى إكتشافها بتقدير عال وذلك من حيث ” إن أفكارها كانت من الأهمية في مضماري علم المنطق والتجديدات الجارية فيه ” . كما إن أفكار الفيلسوفة إيملي قد تركت أثاراً واضحة على برادلي ، والذي قام من طرفه ببعض التحويرات في وجهة نظره حول الذاتية . وفعل ذلك كينز الذي تبنى مفهومها في الذاتية .

  و من كتبها المنطقية التي لاقت إقبالاً وروجاً عريضاً ، كتابها المعنون ” قانون جديد للفكر وأبعاده المنطقية ” والذي نشرته مطبعة جامعة كيمبريدج في عام 1911 ، وظهر بمقدمة طموحة كتبها البروفسور ستوت . كما لقى إستقبالاً وإستحساناً عاليين من قبل مجلة ” العقل ” . وكان المراجع للكتاب البروفسور ” شيلر ” والذي قال عن الكتاب بالحرف الواحد : ” لقد أنجزت السيدة إيملي جونز إكتشافاً عظيماً ” .

   أما ما يخص السؤال الثاني ففي الحقيقة إن عدداً من الباحثين قد لاحظوا إن رسل الذي كان تلميذاً في كيمبريدج ، قد قدم نظرية الفيلسوفة إيملي في الذاتية ، على إنها نظريته . ومن ثم مر الوقت فجاء من نبه إلى نظريته كانت مسبوقة بجهود جوتلوب فريجه . وهكذا حصل الإعتراف لفريجه بالسبق . ولكن هذه النظرية في حقيقتها هي من تطوير الفيلسوفة إيملي التي أغمط حقها دون وجه حق سوى إنها صوت فلسفي نسوي هادئ متواضع والواقع إن عمل إيملي المهني في تطوير قانون الذاتية متقدم تاريخياً ومنطقياً على ما قام به فريجه ومن ثم لاحقاً على ما عمله رسل عندما تحدث عن معنى الحد وإمتداداته . وإن الإحالة إلى 1910 وما قامت به إيملي في العام 1890 وأعمالها المتتالية توضح هذا الحق المهدور . تقول إيملي :

” لقد توصلت ، على حد ما أعتقد ، إلى نتائج مهمة ومتطلعة (وكما يبدو لفريجه الذي أيد رسل وجهات نظره) . فأن البرفسور ج . أف . ستوت هو الذي ساند مغامرتي المنطقية بحميمية عالية . والآن أعتقد بأنني توصلت إلى الحل الصادق والموقف الواضح ، الذي لا يترك للرغبة شيئاً بخصوص القضايا الذي جرى العمل فيها في مياه هادئة ” ( من محاضرة بعنوان : في طبيعة الكليات والقضايا ، ديسمبر 1921) .    ومن الثابت القار تاريخياً إنه بعد إن عينت الفيلسوفة إيملي نائبة لرئيسة كلية كرتين في العام 1896 ، فإن كتابها ” مبادئ علم المنطق ” أصبح معروفاً خارج بريطانيا . وبالفعل فإن جامعة ميامي قد حصلت على نسخة من الكتاب ، وهي السنة التي إلتحق رسل بالجمعية الأرسطية . وكلاهما قد نشرا في العام 1890 بحثاً في الجمعية . ولكن لم يظهرا في مجلة الجمعية ، بل نشرا في مجلة ” العقل ” فيما بعد .

  وفي العام 1897 عاد رسل من ألمانيا والولايات المتحدة ، وأكمل إطروحته المعنون ” مقالات في أسس الهندسة ” وفيها تبنى رسل وجهة نظر برادلي الذي إعتقد إن كل الحجج تتضمن قانون الذاتية . والحقيقة إن برادي إقتبس من الفيلسوفة إيملي قانون الذاتية ، ويعترف إنه حور مفهومه بناءً على ما قدمته الفيلسوفة إيملي . وهذا الأمر نبه إليه كل من ” كريفن ” و ” لويس ” . إذن طريق رسل في تبني مفهوم الفيلسوفة إيملي في قانون الذاتية ، جاء عن طريق برادلي وليس كما زعم رسل من خلال إكتشاف فريجه .

  ولكن يظل السؤال الملحاح : لماذا صمت رسل طويلاً ، وصمم على الصمت ، ولم يعترف بمكانة إيملي في تاريخ علم المنطق عامة ونظرية الذاتية خاصة ؟ يرجح الباحثون إنه مجرد تجاهل . فمن المعروف إن معلمها البروفسور ورد ، وبطلها البروفسور ستوت ، كانا كلاهما معلمي برتراند رسل في كيمبريدج هذا أولاً . وثانياً إن رسل كان قارئ دائم للمجلات التي تنشر فيها الفيلسوفة إيملي جونز . وثالثاً إن الأثنان كانا ينشران معاً في مجلة العقل وفي دورية الجمعية الأرسطية وفي نادي العلوم الأخلاقية في كيمبريدج . إذن كان رسل عارفاًً بالتأكيد بالفيلسوفة إيملي جونز والسؤال : هل معرفة رسل إكتفت بالمعرفة الشخصية ولم تتقدم نحو قراءة ما كتبت؟

  في ضوء كل هذه الحقائق جاء جواب الباحثين على صيغة تساؤلات مقابلة وليست إجابات حقيقية . فمثلاً تساؤلوا : هل إن هذا الإهمال من قبل رسل يعود إلى إنه عارف بقانون الذاتية ؟ وهل إن ما قامت به السيدة إيملي جونز بلغة رسل هي أبحاث عادية متداولة ؟ ولكن : لماذا إتكأ رسل على الألماني فريجه ، ودار ظهره إلى إنجازات معاصرته في كيمبردج الفيلسوفة إيملي ؟ وهي الإنجازات التي يعلي من مكانتها أساتذته اللذين هم في الوقت ذاته أساتذة الفيلسوفة إيملي .

 وأخيراً فقد واجه فيليب جوردن الفيلسوف رسل في رسالة بعثها له في 5 سبتمبر عام 1909 والمرفقة بدراسة مسحية عن عمل فريجه . والتأييد الذي قام به كينز لعمل الفيلسوفة إيملي خصوصاً للفترة ما بين عام 1882 وعام 1890 . فرد عليه رسل قائلاً : ” يبدو مما تقوله في رسالتك إن هناك تشابه كبير بين السيدة (إيملي) جونز وفريجه . ومثل هذا التمييز متداول ومعروف في مضمار علم المنطق . وأنا لم يكن متوافر عندي لا كينز ولا السيدة جونز . وسوف أنظر في هذه النقطة ” . إذن صمت ودوران وتأجيل من قبل رسل . 

 أما ما يخص جوتلوب فريجه والفيلسوفة إيملي وعلاقتهما بإكتشاف نظرية الذاتية . فقد لاحظ الباحثون إن كلاهما قد توصل إلى نظريته بطريق مستقل . وكأن التاريخ أعاد نفسه مرة أخرى . فأن ما حدث بين نيوتن ولايبنز حول إكتشاف حساب التفاضل والتكامل . تجدد مرة أخرى فتوصلت إيملي ومن ثم فريجه إلى صياغة نظريتهما في الذاتية بطريق مستقل عن الآخر (أنظر البحث الممتاز : محمد جلوب الفرحان ؛ جوتلوب فريجه : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي / مجلة أوراق فلسفية ، العدد الأول) . 

مساهمتها في الفلسفة الأخلاقية

  بدأت إعمال الفيلسوفة إيملي في مضمار الفلسفة الأخلاقية ، منذ إن كانت طالبة  في كلية كرتن في جامعة كيمبريدج وتحت إشراف البروفسور هنري سيدجويك الذي لعب دوراً بالغ الأهمية في تلوين شخصية طالبته الموهوبة إيملي وأثر في رسم توجهاتها الأكاديمية والبحثية . وبإيجاز إن ألبروفسور سيدجويك هو فيلسوف نفعي إنكليزي . وقد رقي للعمل في التعليم العالي النسوي . ولعل من أهم مؤلفاته التي كانت بعضها بالتأكيد معروفاً للفيلسوفة الشابة إيملي ، منها ” الطرق الأخلاقية ” الصادر عام 1874 . و ” مبادئ الإقتصاد السياسي ” المنشور عام 1883 . وكتابه المشهور ” موجز النظريات الأخلاقية ” المطبوع عام 1886 والذي ترجم إلى العديد من اللغات ومنها اللغة العربية . وكتابه المعنون ” الأخلاق العملية ” الصادر عام 1898 وكتب أخرى (للإطلاع على التفاصيل أنظر : بارت سوشلتز ؛ هنري سيدجويك : عيون الكون ، سيرة فكرية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2004) .

 وإضافة إلى الأثر الذي تركه البروفسور سيدجويك ، فقد كانت إيملي عضواً ناشطاً في نادي الفلسفة الأخلاقية في جامعة كيمبريدج . كما وكانت معاصرة لكل من برتراند رسل وجورج مور اللذان كانا يومذاك طالبين في جامعة كيمبريدج . وخصوصاً مور الذي هو الآخر سيكتب من زاوية الفلسفة التحليلية بعض مؤلفاته وأوراقه في مضمار الأخلاقيات . وكان مور موضوعاً في واحدة من مقالتها المدافعة عن إرث إستاذها سيدجويك . 

  لقد شملت مؤلفاتها على كتابها المشهور ” أولويات العلم الأخلاقي ” وبحثين ركزت فيهما على الدور الذي تلعبه الشروط الإجتماعية في نمو الشخصية الأخلاقية . كما إنها كانت المدافع العنيد عن الفلسفة الإخلاقية لأستاذها هنري سيدجويك . ولهذا الغرض قامت بكتابة سلسلة مقالات تدور حول نزعة سيدجويك في المتعة الحسية . وعززت ذلك بنشر محاضراته حول كرين وسبنسر ومارتينيو .

أولاً – أولويات العلم الأخلاقي :

  يرى الباحثون إن الفيلسوفة إيملي لم تدعي أية أصالة في الأفكار التي عالجتها في كتابها هذا . والكتاب في حقيقته هو مساهمة أكاديمية لتهيأت طلابها وحثهم على إستكشاف مضمار البحث الأخلاقي . ولذلك كانت الأسئلة التي دار حولها الكتاب تسير في إتجاه توفير المعرفة الأخلاقية وإستكشاف مجال البحث الأخلاقي . فمثلاً تساءلت : ماذا ينبغي أن أعمل ؟ وكيف أعرف ماذا ينبغي أن أعمل ؟ ولماذا ينبغي أن أعمل ما أراه صحيحاً ؟  وهنا ربطت الفيلسوفة الأكاديمية إيملي بين الأخلاق والسياسة .

  كما إن مضمار الأسئلة دار حول معرفة وتحديد ما هو خير للإنسانية . وهذا تطلب منها أن تدرس الموضوع أولاً في ضوء النظريات الإجتماعية للإخلاق . وفي هذا الحقل تمثلت أمامها الفضائل التقليدية ومذهب المتعة الحسية . وثانياً عالجت الموضوع الأخلاقي من زاوية نظريات العدالة الأجتماعية . والكتاب فيه جولة تاريخية لما أسمته بالأدابيات اليونانية ، وتطور مذهب المتعة الحسية وصولاً إلى نزعته الحديثة عند أنصار المنفعة .

 ومن ثم تساءلت : ما المقصود بالخير والصحيح والينبغي ؟ وما هو العنصر الذي يتوافر في الشخصية أو السلوك ويكون موضوعاً للقبول أو الإستهجان والرفض ؟ و تساءلت : هل ماينبغي يتضمن إمكانية ؟ وسواء كان الشئ خير بحد ذاته أم لا فأن السؤال : هل يبرر العقاب عندما نفشل في عمل ما ينبغي عمله ؟

ثانياً – مقالات مدافعة عن مذهب المتعة الحسية :

  إن الوجه المكمل لمكانة الفيلسوفة إيملي في مضمار الأخلاقيات ، هو دفاعها عن أستاذها سيدجويك ونزعته الأخلاقية للمتعة الحسية . وهنا يتحدث عنها الباحثون كبطلة من أبطال سيدجويك . وفعلاً فقد كتبت الفيلسوفة إيملي ثلاث مقالات دفاعية :

الأولى كانت بعنوان ” تقويم السيد هاي ورد لمضمار الأخلاقيات عند سيدجويك “

الثانية حملت العنوان الآتي ” أخلاقيات البروفسور سيدجويك “

الثالثة جاءت بعنوان ” السيد مور والمتعة الحسية “

إضافة إلى كل ذلك فقد إختارتها أرملة البروفسور سيدجويك للإشراف على جمع ونشر محاضرات وملاحظات سيدجويك في كتاب ، ومن ثم قامت بنشره بعنوان ” أخلاقيات كرين ، سبنسر ومارتينيو “

تعقيب ختامي :

  أصبح واضحاً لنا على أقل تقدير لماذا تجاهل الفيلسوف برتراند رسل لإكتشاف الفيلسوفة إيملي لنظرية الذاتية ، وصمت بعد توافر الدليل على إنه إعتمد على برادلي الذي هو الآخر عدل من مفهومه لقانون الذاتية على أساس نظرية إيملي في الذاتية والتي إقتبس منها بشكل صريح . ولعل دوران رسل في أحاديثه عندما يواجه بقضية إيملي ونظرية الذاتية بين الهروب إلى مضمار ” إكتشاف فريجه ” الذي هو الآخر إشتغل في وقت واحد على قانون الذاتية ، وبين التصريح بأن هناك تشابه كما يبدو بين عمل السيدة إيملي وفريجه ، وهذا التشابه كما يرى رسل معروف ومتداول في الأبحاث المنطقية . الدليل على إنه كان الأقرب إلى الأخذ من إيملي التي هي إنكليزية وهو إنكليزي . وهو طالب في كيمبريدج وهي تعمل في كيمبريدج ، وقد نشرت كتابها ” مبادئ المنطق كعلم للقضايا ” مطبعة جامعة كيمبريدج عام 1890 ومن الثابت إن رسل في العام 1897 قدم إطروحته المعنونة ” مقالات في أسس الهندسة ” والتي أشار فيها إعتماداً على برادلي (وليس على الفيلسوفة إيملي التي إعتمد عليها برادلي) إلى أن جميع القضايا تتضمن قانون الذاتية .

  إذن سبع سنوات أكاديمية تتقدم فيها الفيلسوفة إيملي على رسل ودعواه في قانون الذاتية الذي أخذه من برادلي . إنها قضية واضحة وهو رفض ماسوجيني لريادة إمرأة في الأبحاث المنطقية وعلو كعبها على كثير من الرجال العاملين في مضمار البحث المنطقي ومنهم رسل . وفعلاً فقد توفرت لنا رسالة عدائية بعث بها رسل الى السيدة ” أوتلاين مورال ” في 14 كانون الثاني 1914 . يقول فيها : ” المسكينة الأنسة (إيملي) جونز ، مديرة كلية كرتن ، ومخترعة القانون الجديد للفكر ، الأم ، العطوفة ، والغبية بكل ماتحمله الكلمة من معنى ” (أنظر : مراسلات برتراند رسل ، نشرة عام 1992 ، ص 470) .

  هذا هو الدليل الماسوجيني العدائي للفيلسوفة إيملي لا لسبب سوى إنها مديرة أعلى مؤسسة تعليمية في كيمبريدج ، وأكاديمية بزت وتقدمت على الرجال في أبحاثها المنطقية عامة وقانون الذاتية ، وهو موضوع العدواة من طرف رسل رغم إنه إعتمد عليها في أطروحته وزعم إنها من أختراعاته . وهذه هي ضميمة عداوة رسل وصمته على الحقيقة طويلا وتجاهله للفيلسوفة إيملي جونز .

   إن تمسك رسل بالصمت طويلاً وبمنطق الدوران على الرغم من وضوح المسألة . ولدت خيبة لكثير من الباحثين في عصره وعصرنا وذلك لأن منطق الدوران الذي ركبه فيلسوف كبير مثل رسل لم يوفر حلاً مرضياً على الإطلاق . وبالمقابل وجدنا أصوات العدل والموضوعية تقف مع الفيلسوفة إيملي وتثمن أبحاثها المنطقية . فمثلاً لاحظنا أن الفيلسوف البراجماتي الأمريكي ، وعالم المنطق والسيموطيقا ” تشالز ساندروز بيرس ” قد أعلى من مكانة الفيلسوفة إيملي ، وأقتبس من كتابها ” مبادئ المنطق كعلم للقضايا ” ورأى إن هذا الكتاب يتمتع بسلطة علمية عالية .       

——————————————————————————————-  

 

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, أوراق فلسفية جديدة / العدد 2, الفلسفة اليونانية ومؤرخيها, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي جونز, الفيثاغورية الجديدة, الملك الأشوري " إمبيلكوس السوري " مؤرخاً للفلسفة اليونانية, المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة, الإفلاطونية المحدثة, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, الشرط النسوي وترقية المرأة في كتابات مالك بن نبي, ديوجانس لارتيوس وموسوعته " حياة وآراء مشاهير الفلاسفة " وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

One Response to مجلة أوراق فلسفية جديدة / الفلسفة اليونانية بعيون مؤرخيها / العدد الثاني / ربيع 2011

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s