أوراق فلسفية جديدة / الفلسفة والمرأة : دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / العدد الرابع / خريف 2011

 أوراق فلسفية جديدة 

——————————————————————-

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

————————————————————————-

(4)

خريف 2011 

———————————————————————-

نحو مدرسة فلسفية متجددة

—————————————————————————-

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة

بالإشتراك مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني/ العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS 

Dr. MOHAMAD FARHAN     Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يصدرها مركز دريد للدراسات والأبحاث  – كندا

رئيس التحرير – الدكتور محمد الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   هذا هو العدد الرابع من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، وهو عدد جديد بكل مواده وبمحوره . وقد حمل العنوان

                   الأتي

 الفلسفة والمرأة

              Philosophy and Woman

وهو جزء من مشروع التعريف بأكثر من مئة إمرأة فيلسوفة

وهو مشروع تعاوني مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل ومركز دريد للدراسات

   صحيح جداً إن الباحث في بواكير الفكر اليوناني ، تتوافر لديه شواهد مادية متنوعة ، تدلل بقوة على إن ما يسمى بمرحلة الملاحم الأسطورية أو حقبة ما قبل الفلسفة ، قد منحت المرأة مكانة مرموقة في لاهوتياتها ، شعائرها ، ونظامها الكهنوتي الذي يدير ويشرف على معابدها وإدارة طقوسها . فمثلاً كانت المرأة إلهة قبل أن تعرف الثقافة اليونانية وتتداول أسماء الألهة الرجال ، كما وكانت المرأة زوجة رب الأرباب (رئيس الألهة) ، وبنت الإله ، وأخت الإله …

   فمثلاً ” إفروديت ” كانت إلهة الحب والجمال ، وهي من جيل الألهات حتى الأقدم من الإله ” زيوس ” رب الأرباب عند اليونان . وقد تعرضت للخطف وذلك لكونها إمرأة جميلة ، ولهذا السبب هي دائماً تكون مصاحبة لولدها ” إيروس ” والذي كان بدوره إله الحب (الجنسي) والجمال . ووفقاً للشاعر الملحمي اليوناني ” هزيود ” الذي أورد قصة خلقها في ملحمته ” أصل الألهة ” فقال ” إن إفروديت ولدت من زبد البحر ” (أنظر : روبرت لابمبرتون ؛ هزيود ؛ الفردوس الجديدة (بالإنكليزية) ، نشرة مطابع جامعة ييل 1988) .

  وكانت الألهة ” أرتيمس ” عذراء وهي ألهة الصيد . وهي بنت رب الأرباب ” زيوس ” من زوجته ” ليتو ” (وكانت للإله زيوس عدة زوجات) . وأرتيمس هي الأخت التوأم لإله اليونان الشهير ” أبولو ” (أنظر : ولتر بوركرت ؛ الدين اليوناني (بالإنكليزية) نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1985) .

  ومن ثم تأتي الألهة ” أثينا ” وهي ألهة الحكمة . ووفقاً للمتداول في الثقافة اليونانية ، إنها ولدت بصورة كاملة من ” رأس الإله ورب الأرباب زيوس ” . ومن ثم نشير إلى الإلهة ” ديميتر ” وهي إلهة الزراعة والحنطة والحصاد ، وهي أخت رب الأرباب ” زيوس ” (أنظر : المصدر السابق ، ص 160) . ونكتفي بهذه الأمثلة الدالة على علو كعب المرأة في التصور الملحمي اليوناني . ولكن رغم علو كعبها في الخيال اليوناني ، فكانت معرضة للخطف والإغتصاب ..

   كما عرف تاريخ اللاهوت اليوناني ، وبالتحديد في الكثير من معابده ، عدداً ملحوظاً من الكاهنات اللائي لعبن دوراً مهماً في الحياة والمجتمع اليونانيين . فمثلاً إن واحداً من أشهر معابد اليونان ، هو معبد دلفي الذي عرفت حضرته الكثير من الكاهنات من أمثال : بيثا والشائع عنها إنها كانت تمثل صوت ” وحي دلفي ” . وكانت تعمل كاهنة في معبد الإله ” أبولو ” في دلفي . وإن مصدر وحيها وإلهامها هو ” أبولو ” (أنظر: كاثرين مورغن ؛ الرياضة والوحي ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1990 ، ص 148) .

   لقد لعبت الكاهنة بيثا دور مؤثراً في الحياة اليونانية ، فقد كان لنبوءاتها ووحيها مكانة إهتمام من قبل رجال السياسة في السلم والحرب . فكانت مصدر إستشارة قبل الإقدام على خوض الحرب أو عقد معاهدات السلم أو نقل السلطة بين الحكام وورثتهم . ولعل من الأهمية بمكان أن نشير إلى إن دور الوحي والكاهنة عامة ومعبد دلفي خاصة قد إستمر فاعلاً في الحياة حتى بعد ظهور المسيحية بأكثر من ثلاثة قرون ونصف . ولم يتوقف نشاطها إلا بعد أن أصدر الإمبراطور ” ثيودوسيوس الأول ” (347 – 395م) والذي تبنى المسيحية في العام 380م ، قراراً في العام 393 عطل فيه ما أسماه عمليات ونشاطات ” المعابد الوثنية ” (أنظر: ستيفن وليمز ؛ ثيودوسيوس : إمبراطورية على الحافة ، نشرة مطبعة جامعة ييل 1994 ، ص 43 وما بعد) .

  كما كانت الكاهنة ” كامين سبيل ” تترأس الشعائر المصاحبة للوحي الأبولوني في ” كامي ” . وهي مستعمرة يونانية تقع في مدينة نابولي الإيطالية . وكانت كامين سبيل نبية تتلقى الوحي من الإله أبولو . ولعل إسمها ” سبيل ” يدلل على ذلك ، فهو يعني “النبية ” (أنظر: جين بيلكن ؛ التقاليد المسيحية : تاريخ تطور العقيدة ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 1989 ، ص 64) .

  والحقيقة إن كتب التاريخ اليونانية عامة وتاريخ الفكر الديني خاصة تقدم لنا قائمة بأسماء النبيات اللائي تركن أثراً في طرف من الحياة اليونانية ، منهن ” أرثرين سبيل ” أو النبية والتي كانت ترأس وتشرف على شعائر الوحي الأبولوني في مدينة ” أرثريا ” وهي جزء من أيونيا (واليوم تقع في تركيا المعاصرة) . وكذلك النبية ” هيروفيل ” والتي يقال إنها ” كلدانية ” تعود إصولها إلى جنوب بابل (أي عراقية الأصول) ، وهي بنت الكاتب والمؤرخ ” بيروسوس “* الذي إشتهر بكتابه ” التاريخ الكلداني ” (أنظر جيوفاني باكشيو ؛ مشاهير النساء ، ترجمة فرجينيا براون ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2001 ، ص 42) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وبيروسوس هو عالم فلك وكاهن للإله ” بل مردوك ” البابلي ، وكان بيروسوس يكتب باليونانية ، وكان ناشطاً في بديات القرن الثالث قبل الميلاد ، وضاعت مؤلفاته ولم يبقى منها سوى قطعتين (أنظر : فيربيك ووكرشيم : بيروسوس ومانثيو : تقديم وترجمة : تقاليد الشعوب في بلاد مابين النهرين (العراق) ومصر ، نشرة مطبعة جامعة ميشغان 2000) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن ثم تذكر المصادر إسم ” كروريا ” ، وهي كاهنة الإله ديونسيوس ، إله حصاد العنب وصناعة الشراب والشهوة في الشعائر اليونانية القديمة . وتشير المصادر إلى إن اليونان المسينيين قد إستمروا في عبادته مابين 1500 – 1100 قبل الميلاد . وكروريا باليونانية تعني ” أنا أصبحت معمرة ” ولهذا السبب فإن كبار السن من النساء كن يشاركن بالأدوار في الإحتفالات الدينية . وكانت كروريا تشرف على طقوس التضحية والزواج المقدس ، والطقوس ذات الطبيعة السرية (أنظر : أوتو والتر ؛ ديونسيوس : الإسطورة والنحلة (الطائفة) ، نشرة دار سبرنك 1989) .

  ومن ثم جاء الحديث عن ” إرستوكلي ” (إزدهرت في القرن السادس قبل الميلاد) ، وهي كاهنة دلفي . وتشير إليها الكثير من المصادر ، كفيلسوفة ومعلمة للفيلسوف وعالم الرياضيات فيثاغوراس (580 – 500 ق.م) . ووفقاً لفرفريوس الصوري (233 – 306م) في كتابه ” حياة فيثاغوراس ” إن فيثاغوراس قد زعم بأنه تعلم من إرستوكلي في دلفي (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ربيع 2011) .

  وأخيراً نذكر ” تيمستوكلي ” (إزدهرت بحدود عام 600 ق.م) وهي كاهنة دلفي وفيلسوفة وعالمة رياضيات . وهي أخت الفيلسوف فيثاغوراس ومعلمته (أنظر : محمد جلوب الفرحان : دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / منشور على صفحات موقع الفيلسوف ، وتحول إلى موجة عارمة نشرته العديد من المجلات مثل القدس العربي ومواقع أكاديمية متنوعة) .  

  والحق إن مكونات الفكر الأسطوري (الملحمي) اليوناني بمجمله ، واللب الأخلاقي للفكر اللاهوتي خاصة ، شكلا طبقتي الوعي واللاوعي اللتان تتحكمان في تكوين المواقف الحياتية اليومية ، ومنها على الأخص المواقف من المرأة . ورسما إطاراً عاماً للأفعال وتصرفات الجندر (الرجل كرجل والمرأة كمرأة) . كما كان له الأثر في ترتيب مكانة كل منهما في العمل في نطاق البيت والأسرة والمجتمع . وتحديد أنماط العلاقات الإجتماعية في إطار أخلاقيات المجتمع اليوناني بطرفيه المتعارضين ؛ الأثيني المدني ، والأسبرطي العسكري . ومن ثم صعوداً إلى الطوابق العليا للتنظيم الأجتماعي اليوناني ، والمتمثلة بنظام الحقوق : حق المواطنة والأبوة والأمومة

والقضاء ونظمه وإنتهاءً بالقشرة العليا لنظام الحياة اليوناني والمتمثل بالقشرة السياسية وما يلفها من دساتير تحدد تداول السلطة في إطار ” دولة المدينة ” النظام السياسي اليوناني العتيد .

  وعلى هذا الأساس كان وضع المرأة اليونانية وشرطها النسوي محكوم بظرفه الزماني والمكاني ودرجة التطور الحضاري والثقافي . ولذلك نشعر إن عملية القفز فوق هذه الظروف ، تعد مغامرة محفوفة بالمخاطر ، وهي تشبه السباحة ضد تيار الحياة اليونانية العارم هذا من طرف . ومن طرف أخر ، نحسب إن من حق الحركة الفمنستية (النسوية) في نهايات القرن التاسع عشر ، والقرن العشرين والقرن الحادي والعشرين ، أن تقرأ التراث الثقافي لهذه الحقب التاريخية والحضارية اليونانية برمته قراءة نقدية .

    كما إن لها الحق والحرية في أن تقول كلمتها بحق الناجز لصالح المرأة وأن تؤشر درجات الترقية لشرطها النسوي . وأن تقول ما تشاء بوجه الظلم والتعنت الرجولي المعادي للمرأة   والمسكوت عنه ، والذي كون تراثاً ماسوجينياً قار ثابت في لاوعي الذات الرجولية اليونانية ، والنظر إلى المرأة على إنها ” ناقصة عقل ” و ” مواطن يوناني من درجة ثانية ” . وذلك لأن عدد أسنانها حسب رواية الفيلسوف اليوناني ” أرسطو ” أقل من عدد أسنان الرجل . والذي لم يكلف نفسه ، وهو كاتب أكبر موسوعة بايالوجية يومذاك ، ويطلب من زوجه فتح فمها ومن ثم يقوم بعد أسنانها ويتأكد بنفسه من أن رأيه لم يكن صحيحاً . هذا مثل على الثقافة الماسوجينية التي ربطت خطأً بين عدد أسنان المرأة ورجاحة عقلها ، والذي ظل معياراً متوارثاً إنتقل إلى حضارات وثقافات متسورة بعقائد متنوعة ..

  ومن هنا تأتي أهمية المشاريع المنجزة من زاوية المنهج النقدي الفمنستي ، وبالتحديد الدراسات التي أنجزتها أقسام دراسات المرأة ومراكز البحث الفمنستي في جامعات شمال أمريكا وخصوصاً كندا والتي يعد صاحب القلم شاهد حي وقريب من منجزاتها الرائعة في مضمار نقد الثقافة الماسوجينية وتفنيد منطقها الرجولي المتناقض مع قوانين المنطق ومعايير سلامة الحجة المنطقية ..

  وهنا نود تنبيه القارئ الكريم إلى إن هناك قراءتان للموروث الثقافي اليوناني :

أولاً – قراءة فمنستية ، وهنا سنقدم طرف منها خاص في قراءة بعض من أشكال فكر ماقبل الفلسفة اليونانية ، ونماذج من مواقف الفلاسفة اليونان من المرأة .

ثانياً – قراءة لحضور المرأة الفيلسوفة في الخط العام للفكر الفلسفي اليوناني .  وهنا أجد من اللازم أن أعلم القارئ بأن الحركة الفمنستية (النسوية) لها رأيها التقويمي لهذا الحضور ، والذي فيه عدم رضاء وإرتياح من مساهمة المرأة في متابعة منهج وقضايا التفكير الفلسفي العام ، والذي من وجهة النظر الفمنستية هو منهج الفلاسفة الرجال ، وإن قضايا الفكر الفلسفي العام هي قضايا تم إنتخابها من قبل الفيلسوف الرجل . وإن المرأة الفيلسوفة هي مجرد فيلسوف تابع للمنهج الذي ولده عقل الفيلسوف الرجل ، وإن القضايا الفلسفية التي إشتغلت عليها الفيلسوفة المرأة ، هي في مجملها قضايا فلسفية تم إنتخابها من قبل عقل رجولي متسلط وصاحب سلطان وسيد ، وإن المرأة الفيلسوفة في التقويم الأخير كائن تابع وخاضع للمشيئة الفلسفية الرجولية ..

   إن مباحث هذا العدد ، تفضح وتفند الإغلوطة التي سادت في دوائر الفكر الفلسفي والثقافي العربي ، وهيمنت على ذهنية عدد كبير من الباحثين في المشهد الفلسفي العربي . وهي الإغلوطة التي تروج بأن تاريخ الفلسفة ، هو تاريخ كتبه فلاسفة رجال . وإن المرأة الفيلسوفة كانت غائبة ، على الأقل في الطور الهيليني من تاريخها العتيد ، وإن تاريخ الفلسفة اليونانية في عصره الهيلينستي ، قد عرف مساهمة يتيمة قامت بها الإسكندرانية الشهيدة ” هبيشا ” .

  هذا غير صحيح مع تأكيدنا للدور الشجاع الذي لعبته هذه الفيلسوفة في قيادة المدرسة الإفلاطونية المحدثة في عصرها ، ومجابهتها بشجاعة وحتى الموت أعداء الفلسفة  ، ومن ثم  دفاعها عن مشروعها الفلسفي ، وفضح نفاق رجال الدين الذين يدعون الإلتزام بالأخلاق والخوف من الواحد القهار ، فقاموا بإرتكاب جريمتهم الشنعاء ، وقتل هبيشا ، بعد تعريتها وسحلها في شوارع الإسكندرية ، ومن ثم تمزيق جسدها الشريف وحرقه بيد مجموعة من الرهبان يقودهم كاتب بابا الإسكندرية .

  إن القوائم المتوافرة لدينا ، وكما أعلنا عنها قبل أكثر من ثلاث سنوات ، يتجاوز عدد الفيلسوفات المئة فيلسوفة . وبالتعاون مع طالبتنا ورفيقة دربنا الدكتورة نداء إبراهيم خليل ، نسعى إلى الكتابة المستمرة عن دور هذا العدد الكبير من الفيلسوفات الناشطات ، واللائي  دشن جنساً متفرداً من الكتابة الفلسفية ، والتي يفخر بها كل باحث وأكاديمي في تاريخ الفلسفة بحقبه اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلنستي ، والوسيط ، وعصر النهضة ، والعصر الحديث والفترة المعاصرة بطرفيها القرن العشرين والحادي والعشرين .

  وفي هذا العدد نقدم للقارئ العربي والباحثين والأكاديميين العرب أطراف من تاريخ  المرأة الفيلسوفة (وسنقوم بعملية حسابية بسيطة برصد مساهمتهن في تاريخ الفلسفة) ، والذي ظل مطموراً بحجج ذكورية محكومة بثقافة ماسوجينية (فيها كره واضح للمرأة وإنتقاص من مساهمتها في تاريخ الفلسفة بدعوى إنها ناقصة عقل ودين) . إن  مواد المحور الحالي شملت الأوراق الآتية :

أولاً – قراءة فمنستية لفكر ما قبل الفلسفة

ثانياً – نماذج من مواقف الفلاسفة اليونان من المرأة

ثالثاً – دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية

رابعاً – شهيدة الفلسفة الأولى ” الفيلسوفة الإسكندرانية هبيشا “

خامساً – دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية

سادساً – دور المرأة الفيلسوفة في المرحلة الفيثاغورية المتأخرة

سابعاً – الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية

ثامناً – الفيلسوفة دايتيما في محاورة سيمبوزيوم

تاسعاً – وكتبت الدكتورة نداء إبراهيم خليل مقالتها الرائعة المعنونة ” مشروع التعريف بأكثر من مئة فيلسوفة : دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” القسم الأول

  فتمتعوا أعزائي القراء ومحبي الحكمة من الباحثين والأكاديميين بقراءة هذا العدد المتميز في دارنا الثقافية العربية .          الدكتورمحمد جلوب الفرحان

                                                         رئيس التحرير    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

 قراءة فمنستية لفكر ما قبل الفلسفة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   تتوافر لدينا اليوم أعداد كبيرة  من دوريات فمنستية متخصصة تصدرها أقسام دراسات المرأة في الجامعات الغربية وعلى الأقل الناطقة باللغة الأنكليزية عامة ،  وجامعات شمال أمريكا خاصة . وكذلك فأن المكتبات الجامعية عامرة بوافر من كتب منجزة من قبل باحثات نسويات يشرفن على مراكز بحوث الدراسات الفمنستية . وهذا التراث الفمنستي المتراكم يغطي كل مجالات الحضارة والثقافة والتفكير والعلم ومناهج البحث وستراتيجيات التربية والمنهج الأكاديمي ، والقياس والتقويم ، وتصميم الأسئلة الإمتحانية ، والنظم الإدارية والسياسية والقانونية والتشريعية والأقتصادية والتكنولوجيا* .. وفي طرف من هذا التراث قراءات نسوية لتاريخ ما قبل الفلسفة ، وهذا هو الموضوع الذي نود مناقشته في هذا المحور . أما قراءة تاريخ الفلسفة من زاوية فمنستية . فهذا موضوع سنتناوله في محور من مجلة أوراق فلسفية جديدة على الأقل في المستقبل من أعدادها القادمة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قبل سبع سنوات نشرت مقالاً مقتضباً عن الحركة الفمنستية في شمال أمريكا ، وبينت فيه الأتجاهات العامة التي تهيمن على مسيرة الحركة الفمنستية (نشرته جريدة البلاد اللندنية (كندا) في العام 2004) . وأشعر اليوم (في الربع الأخير من العام 2011) بوجع لا حدود له عندما أراجع برامج الجامعات في الوطن العربي عامة والعراق خاصة ، ولا أجد فيها أقساماً لدراسات المرأة ، ولا توجد مراكز بحوث تنشر الجديد مما يدور في مضمار الدراسات الفمنستية . وهو مضمار بحد ذاته متنوع وخصب ، وفيه تجديد لمناهج البحث والتفكير . وفيه الكثير الكثير من إمكانيات قلب معادلات وحسابات التفكير القار الثابت ، والذي تسمروتحول إلى معوق للتغيير والنمو..

 ولا أخفي سراً إذا قلت بأن التغيير والتجديد أصبح سراباً عند المراهنة في التفكير على الأقل في إنجازه خلال الحركات الماركسية والليبرالية ، وذلك لأنها تحولت إلى فكر وأيديولوجيات كلاسيكية دخلت ذمة التاريخ ، وما دخل ذمة التاريخ لا  قوة ولا حول له ، ولا فرج منه في التجديد إذا هو عجز عن تجديد نفسه .. إن الرهان اليوم بيد الحركات الفمنستية ، ففيها الأمل في العدالة والإنصاف وإقامة المجتمع الإنساني الحقيقي الموعود ، والذي يعيش في ظلاله الآمنة كل أبنائه بكرامة وسلام ، ومهما كان جندرهم وجلدهم ولسانهم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن النافع أن نعلم القارئ بأن الدوائر الأكاديمية الغربية خاصة ، والأدب الغربي الثقافي عامة ، يتداولان بصورة واسعة إصطلاح ” الفلسفة الفمنستية ” . والسؤال : ماذا يقصدون بالفلسفة الفمنستية أو الإنثوية ؟  فمثلاً حسب أم . كيتنس إن الفلسفة الفمنستية ، هي جنس من الفلسفة مقروءً ومدروساً من زاوية إنثوية . وتتوزع نشاطات الفلسفة الفمنستية في مجموعتين من المثابرات :

الأولى – مجموعة مثابرات فلسفية تستخدم طرق الفلسفة ومناهجها بصورة أكثر عمقاً لصالح الحركة النسوية (الفمنستية) .

الثانية – مجموعة مثابرات فلسفية تركز على إنجاز قراءات نقدية وتقويمية لتاريخ الفلسفة في مجراه العام ، ومن زاوية مرجعية إنثوية جديدة (للإستشهاد أنظر : أم . كيتنس ؛ الفمنستية والفلسفة : وجهات نظر حول الإختلاف والمساواة ، نشرة مطبعة جامعة إنديانا 1991) .

   وهذه المثابرات تعتقد بأن تاريخ الفلسفة قد كتبه رجال من الفلاسفة ، وإن مثابرات النقد والتقويم له قد أنجزتها عقول وأقلام فلاسفة رجال . وهنا تكمن أبعاد وخطورة ثورة الفلسفة من زاوية المشروع الفلسفي الفمنستي الذي يقوده اليوم مجموعة من الأكاديميات الفمنستيات في عدد من أقسام الفلسفة في الجامعات الغربية ، وعلى الأقل في جامعات أمريكا الشمالية (وخصوصاً في أقسام الفلسفة والدراسات النسوية في الجامعات الكندية) ولعل الباحث شاهد قريب على نشاطاتهم ومطلع على نشرياتهم ومؤلفاتهم الفلسفية .

 وهنا نقدم قراءة فمنستية لفكر ما قبل الفلسفة ، وبالتحديد لأسطورة بندورا

     والتي تناولها الشاعر الملحمي اليوناني هزيود وكان معاصراً للشاعر الملحمي اليوناني هوميروس . كتب هزيود ملحمتين شعريتين : الأولى كانت بعنوان ” أصل الألهة ” والثانية هي ” الأعمال والأيام . وبدءً من البيت الشعري رقم 60 من ملحمته الشعرية ” الأعمال والأيام ” تحدث هزيود عن خلق المرأة ” بندورا ” وصندوقها . وهو في الحقيقة جرة كبيرة قُدمت لها هدية ، وهي مملوءة بكل شرور العالم (وهنا أرجو الإنتباه إلى صندوق أو جرة بندورا المملوءة بكل شرور العالم وعلاقة الشر بالمرأة بندورا) . وقد طُلب من بندورا عدم فتحها . وعندما فتحته ، ماذا حدث على يد المرأة بندورا ؟  هو أن كل الشرور أًطلقت إلى العالم ، وبالطبع هو عالم الرجال ، ولم يبقى في الصندوق إلا شئ واحد هو ” الأمل ” . وفعلاً فأن اليوم يعني صندوق بندورا خلق الشر الذي لا يمكن إخضاعه والسيطرة عليه مرة أخرى (أنظر : أبوستولس إثنسكيس ؛ هزيود : أصل الألهة والأعمال والأيام ودرع هيركليس ، ترجمة ومدخل وشرح ، نشرة مطبعة جامعة جونز هوبكنز 1983، ص 95 وما بعد).

  وبندورا في الإسطورة اليونانية الكلاسيكية القديمة ، هي أول إمرأة خُلقت على وجه الأرض . فقد أمر رب الأرباب والبشر ” زيوس ” ولده ” هفستيوس ” ، وهو إله الصناعة والحرف أن يخلق بندورا من ” الطين والماء ” ( هنا أرجو الإنتباه إلى عملية خلق بندورا من الماء والطين ) . وكذلك فقد منحت الألهة بندورا الكثير من المهارات والقدرات . فمثلاً منحتها الإلهة ” فروديت ” الجمال . ومنحها الإله ” أبولو ” الموسيقى ومنحها ” هرمس ” رسولاً خاصاً بها . كما ومنحها ألهة أخرون ملكة حب الإستطلاع وطلب المعرفة .

 وتستمر تفاصيل إسطورة المرأة بندورا ، فعندما سرق ” برومثيوس ” النار من السماء وسلمها إلى الإنسان ، فإن رب الأرباب والبشر ” زيوس ” وضع خطة للإنتقام من برومثيوس ، وذلك عن طريق إحضار بندورا إلى ” أبمثيوس ” (وهو أخ  برومثيوس) وكان معها صندوق جميل ، وقد إشترط عليها أن لا تفتحه أبداً ومهما تكن الظروف . ولكن بندورا كانت مجبولة بحب الإستطلاع والمعرفة ، ولذلك لم تلتزم بآوامر رب الأرباب والبشر ، ففتحته بدافع معرفة ؛ لماذا رب الأرباب رفض فتحه ؟ وما هو السر الذي يحتويه ؟ وفي تلك اللحظة إنطلقت كل شرور العالم المسجونة في صندوق بندورا وإنتشرت على وجه الأرض . وأسرعت بندورا إلى إقفال الصندوق . ولكن في الحقيقة رد فعلها جاء متأخراً جداً ، إذ لم يبقى سوى ” الأمل ” الذي ظل في قاع الصندوق .

   فأصاب بندورا الكرب والحزن الشديد نتيجة ما قامت به ، ولعصيانها أوامر رب الأرباب . وكانت في حالة فزع وخوف وذلك لفشلها من القيام بالواجب الذي أوكله لها رب الأرباب ، فأخذ تفكيرها يدور ويبحث عن كيفية مواجهة غضب ” زيوس ” ، ونوع العقاب الذي سيصيبها . ولكن رب الأرباب لم يعاقبها ، وذلك لكونه عارف بكل شئ وعارف بما سيقع في المستقبل (أنظر: يعقوب وليم فاردنيوس ؛ شرح لعمل هزيود في الأعمال والأيام ، ليدن 1985 . والحقيقة هذا بحث تركيبي شمل مناقشات عميقة ، وإعتمد على نظريات متنوعة وتأويلات خاصة حول قصة بندورا وصندوقها أو جرتها . قارن مثلاً الصفحات 62 ، 63 وما بعد) .

التحليل الفمنستي لقصة بندورا :

   إنبرت الباحثة الأكاديمية ” لورا مالفي ” في بحثها المعنون ” إسطورة بندورا من زاوية التحليل النفسي ” إلى تحليل الإسطورة من زاوية فمنستية . وذهبت إلى إن بندورا ، هي إمرأة جميلة ، صنعها الألهة وذلك لإغراء الرجل وإحداث الضرر له . ولهذا الغرض فقد بُعثت بندورا إلى الأرض مع صندوقها السري الذي يحتوي على كل شرور العالم .

  ولاحظت بأن هناك نوعاً من التابو (أوامر بالتحريم والتحذير والإرهاب) قد أحاطت صندوق بندورا ، خصوصاًً فيما يخص محتويات الصندوق ، والتي تحمل الدمار لسعادة الرجل ، وتهديد لسطوته . ولكن على خلاف ما هو سائد في المحيط الثقافي من إن المرأة ينقصها المعرفة . فإن في الإسطورة رموزاً وإشارة مهمة للحركة النسوية ، وهي إن الألهة منحتها ملكة ” حب الإستطلاع وطلب المعرفة ” وهذا هو السبب الذي حملها على فتح الصندوق وعدم الإنصياع لأوامر المنع والتحريم التي فرضها رب الأرباب ” زيوس ” . وكانت النتيجة إن كل شرور العالم هربت إلى العالم . وخلاصة القضية ، هي إن المرأة سبب كوارث وأحزان الرجل . مع نسيان إن الرجل هو سبب الكوارث بعد إن سرق برومثيوس النار من السماء وسلمها للرجل ، فسبب غضب رب الأرباب وقرر الإنتقام من الرجل وإستخدام بندورا وصندوقها وسيلة إنتقام من الإنسان الرجل .

  إن الأكاديمية لورا وجدت في إسطورة بندورا :

أولاً – إن بندوراً رمزاً نسوياً مهماً تقدمه الأساطير اليونانية ، ويظل مثالاً أولياً إحتضنته الثقافة اليونانية في مرحلة ما قبل الفلسفة ، ويحق للحركة الفمنستية أن تحتفل به رغم ما حُمل من أبعاداً فرضتها ثقافة الرجل المهيمينة .

ثانياً – إن هناك سؤالاً مهماً يجب إستثماره في الأسطورة ، وهو إن المرأة لم تكن ناقصة معرفة ، وإنما كان لديها الدافع لطلب المعرفة . ولعل ملكة ” حب الإستطلاع ” التي منحتها الألهة لبندورا ، هي مثال أولي على رغبة المرأة لطلب المعرفة . وهذا طرف مهم لازم الحركة الفمنستية على طول التاريخ وعرضه (أنظر : لورا مالفي : إسطورة بندورا من زاوية التحليل النفسي ، منشور في كتاب : الفمنستية في السينما ، نشرة مطبعة جامعة إنديانا 1995 ، ص 3 وما بعد) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

نماذج من مواقف الفلاسفة اليونان من المرأة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  نقدم هنا قراءة لنمطين من التفكير الفلسفي من المرأة . وكلاهما مشروطان بالواقع والنظام الفلسفي الذي كونه الفيلسوف . فمن الملاحظ على تفكير الفيلسوف اليوناني إفلاطون ، خصوصاً في محاورة الجمهورية التي حملت أول بذور نظام مشاعي في الزواج وتربية الأطفال ، ومسؤلية الحكومة في رعايتهم وإنهم أبناء الدولة . كما إنه في برنامج التربية وإعداد الحاكم الفيلسوف ، قد فتح إفلاطون أبواب التدريب الرياضي للمرأة والرجل على حد سواء ، وشجع المرأة على البرنامج الفلسفي ، وإمكانية أن تكون فيلسوفة حاكمة . وفي محاورتي سيمبوزيوم ومينكسينس تناول شخصيتين نسويتين فلسفيتين . تناول في الأولى شخصية وأفكار الفيلسوفة دايتيما المنتينية . وعالج في الثانية شخصية الفيلسوفة إسبيشيا الملطية . وهكذا كانت المحاورات الإفلاطونية أولى الوثائق الفلسفية والتاريخين التي حفظت لنا سجلاً وسيرة ذاتية خاصة بالفيلسوفتين اليونانيتين : دايتيما وإسبسشيا .

   أما مواقف الفيلسوف اليوناني ” أرسطو ” وهو تلميذ إفلاطون فجاءت مختلفة جذرياً عن مواقف إستاذه ، فقد دافع بشكل ملفت للنظر عن مواقف ماسوجينية معادية للمرأة . وبما إن فيلسوف إسطاغيرا جاء من البايالوجيا إلى الفلسفة ، فقد وظف النظريات البايولوجية توظيفاً يعزز مواقفه الماسوجينية المعادية للمرأة .

مواقف الفيلسوف إفلاطون :

  صحيح إن إفلاطون (229 – 347 ق.م) كان إبن عصره ، فلم يتجاهل عند كتابته لمحاوراته الفلسفية التاسعة والعشرين ورسائله الثلاثة عشر ، الوضع الإجتماعي والحضاري لليونان يومذاك . وكذلك فإن على الدارس لإفلاطون أن لا يتجاهل بأنه كان إبن برستوني أو بريكتوني الفيلسوفة الفيثاغورية ، وإن واحداً من أصدقائه المقربيين ” إركايتس ” (428 – 347 ق.م) وهو رئيس المدرسة الفيثاغورية في عصره . ونحسب إنه بتأثير والدته وصديقه ” إركايتس ” قد أخذ بالموقف الفيثاغوري في صياغة موقفه من المرأة وشرطها النسوي . فمن المعروف إن الأخوة الفيثاغورية قد فتحت أبواب مدارسها للنساء والرجال على حد سواء . وعاشوا وفق نظام إخوة فيثاغورية موحد .

  ولكن صحيح جداً إن مواقف إفلاطون من المرأة وشرطها تختلف عن مواقف إستاذه سقراط وتجربته الحياتية عامة والزوجية خاصة . فالأول إفلاطون لم يتزوج ويكون عائلة . والثاني سقراط متزوج وله عائلة ، وكانت علاقته الزوجية يسودها التوتر وعدم الإحترام ، فقد كان يصف زوجه ” إكزانثيب ”  ” بسليطة اللسان ” . وكان ينظر لها بدونية وكانت تعامله بجلف وقسوة وبعض الأحيان بعنف .

   ولعل الشاهد الذي يذكره جميع من حضر من طلابه نهار إعدامه ، إن زوجته جاءت تحمل طفل لها ، وهي في حالة يأس وتنتحب ، فطلب سقراط من طلابه إبعادها ومصاحبتها إلى البيت . ولذلك ينبغي الحذر هنا وخصوصاً في المواقف من المرأة في الخلط بين ما يقوله إفلاطون وبين ما جاء على لسان سقراط ، لأن وجهات النظر تأخد أحياناً إتجاهات متقاطعة .

  ولذلك يلحظ القارئ لمحاورة الجمهورية ، إن إفلاطون فتح برنامج التعليم والتدريب ورياضة الجمناستيك ودراسة الفلسفة للنساء والرجال على حد سواء ، وسمح للمرأة أن تكون فيلسوفاً وهذا شرط يتوافر فيها أن تكون ” الفيلسوف – الملك ” أو ” الملك – الفيلسوف ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف إفلاطون : مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، القسم الأول / منشور على صفحات موقع الفيلسوف) .

  كما أفرد محاورة طيماوس لمناقشة رأيه الفلسفي بشكل عام من الأنسان بإختلاف الجندر (رجل أو إمرأة) . وخصص محاورتين درس فيهما إثنين من أشهر فيلسوفات اليونان . ففي محاورة سيمبوزيوم تناول بالدرس الفيلسوفة اليونانية ” دايتيما ” معلمة أستاذه سقراط. وفي محاورة مينكسينس عالج شخصية الفيلسوفة اليونانية ” إسبيشيا ” معلمة أستاذه سقراط كذلك (أنظر : المصدر السابق) .

مواقف الفيلسوف أرسطو:

   لعبت مواقف الفيلسوف الإسطاغيري (384 – 322 ق.م) من النساء دوراً مهماً (فيه الكثير من الضرر) في تاريخ المرأة والحركة الفمنستية . وذلك لأن فلسفة أرسطو قد أثرت بصورة كبيرة على مجرى الفكر الغربي . فقد إستند إلى أفكاره الكثير من المفكرين ، وإعتمدوا على مرجعيته غرباً وشرقاً ، فلاسفة ومفكرين من دوائر عقيدية مختلفة ، منهم  يهوداً وإسلاماً ومسيحيين .  

   كما إن مايسمى بالثورة الأرسطية التي حملتها مؤلفات الفيلسوف العربي ” إبن رشد ” (1126 – 1198م) والتي ترجمت إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر، والتي عرفت في الأوساط الثقافية والأكاديمية الغربية بالحركة الرشدية اللاتينية . قد تركت أثراً محركاً في النهضات التي عمت أوربا بدءً من القرن الثالث عشر ، ومن ثم وصلت ذروتها في النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر . ولكنها في الوقت نفسه حملت معها المواقف الأرسطية الماسوجينية المعادية للمرأة على الرغم من التلطيف الذي قام به فيلسوف قرطبة ، والذي يعد موقفاً متقدماً كثيراً على فيلسوف إسطاغيرا .

   كان الفيلسوف الإسطاغيري تلميذاً وحوارياً للفيلسوف إفلاطون لمدة عشرين عاماً . وكان الأستاذ إفلاطون يعتمد على التلميذ أرسطو ، وأطلق عليه ألقاباً مثل ” القراء ” وذلك لمثابرته الجادة على القراءة والبحث والدراسة ، و ” داينمو ” الأكاديمية . حتى كان الإعتقاد الشائع بأن الأسطاغيري سيرث إفلاطون على قيادة الأكاديمية بعد وفاة الأستاذ إفلاطون . ولكن الرياح بعيد موت الأستاذ بددت كل أمل أرسطي . فقد ورث قيادة الأكاديمية إبن أخت إفلاطون ” سيبسيوس ” .

  وهذه الخيبة الأرسطية كانت لها نتائج إيجابية على صعيد تاريخ الفلسفة اليونانية ، فقد أسس أرسطو مدرسته الخاصة به ، وهي المدرسة المشائية (والتي لعبت دوراً في تكوين أجيالاً من الفلاسفة المشائيين) والتي تنافست مع أكاديمية إفلاطون وفلاسفتها في التأثير على مجمل تاريخ الفلسفة في المراحل التاريخية اللاحقة .

  صحيح إن مواقف التلميذ الإسطاغيري تختلف عن مواقف الأستاذ إفلاطون تجاه المرأة . ولعل ذلك يعود في طرف منها إلى إن إفلاطون عاش ومات عازباً (وهناك من يرى إنه كان حصوراً وهذه المسألة ستثار ذاتها على فيلسوفنا الفارابي) . وإن التلميذ الإسطاغيري تزوج وكانت لديه عائلة وأولاد فكان منتجاً بكل معاني الإنتاج .

   ولكن صحيح جداً إن نظريات أرسطو إذا ما تم مقارنتها بنظريات أستاذه إفلاطون ، فيمكن القول إن نظريات الأستاذ كان فيها الكثير من الترقية للمرأة وشرطها النسوي على حساب نظريات التلميذ الإسطاغيري التي إنسحبت مسافات إلى الوراء . إن المؤسف في نظريات أرسطو ، هو إنها متسورة بشروح وتفسيرات بايلوجية أُثير حولها الكثير من التساؤل والإحتجاج ، وخصوصاً فيما يتعلق بقضية ” عدد أسنان المرأة ” وهي قضية سيئة الصيت . فقد إعتقد أرسطو وأشاع بأن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل (وهذا الطرف من دونية المرأة في الإعلان البايلوجي الأرسطي) . ولعل من الإعتراضات المبكرة التي واجهت بايلوجيا المرأة عند أرسطو ، السؤال : هل فتح أرسطو فم زوجته وعد أسنانها قبل أن يكتب عن هذه المسألة ؟ سؤال منهجي وعلمي وجيه . وقد مات فيلسوف إسطاغيرا ولم يحتج عليه أحد في عصره ، وتحول فكره البايولوجي الخاص بالمرأة ” بروبكاندا ذكورية عارية ” من أي رصيد علمي في طرف دونية المرأة  .

   حقاً لقد جاء الفيلسوف أرسطو من البايالوجيا إلى الفلسفة وعلومها . وهذه مسألة في غاية الأهمية في تاريخ الفلسفة ، وفي فهم فلسفة أرسطو . فمن المعروف عن أرسطو قد كتب موسوعة في البايالوجيا ، تحولت إلى مصدر مهم ، فرض هيمنته على الحقبة الهيلينستية والأسلامية والمسيحية الوسطوية وعصر النهضة .. وهنا سنتناول نظريات أرسطو الخاصة بالمرأة ، وبالصورة الآتية :

     أولاً – بايالوجيا المرأة :

         إن قارئ السيرة الذاتية للفيلسوف أرسطو ، يعرف بيقين إنه بدأ حياته المهنية بمساعدة والده الذي كان طبيباً للملك المقدوني ” فيليب ” والد الإسكندر المقدوني . وفعلاً فقد شارك ببعض العمليات التي كان والده يقوم بها . كما وساعده تلميذه القائد الإسكندر في الكتابة عن الكثير من الحيوانات والطيور والحشرات .. وذلك بإرسال عينات منها له من البلدان التي إحتلها في الشرق . وكان يقوم بتشريحها ووصفها في موسوعته البايالوجية .

  إن الملفت للنظر في نظريات أرسطو الخاصة ببايالوجيا المرأة ، هو الإعتقاد الأرسطي بدور المناخ وبالتحديد الحرارة في تصعيد درجات ذكاء الرجال وتسفيل درجات الذكاء عند النساء . ولهذا إعتقد أرسطو بأن المرأة ” باردة ” أكثر من الرجل . وعلى هذا الأساس أصدر حكمه بكون المرأة ” ناقصة ” (أنظر: أرسطو ؛ السياسة ، ترجمة إرنست بيركر ، مراجعة ريتشارد ستالي ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1995 ، الكتاب السابع) .

  لقد درس أرسطو أثر الحرارة والبرودة على النفس ، فكان الحاصل إن الناس الأكثر حرارة ، هم الأكثر ذكاءً ، ولكن ممكن أن يتحولوا إلى طغاة . وبالمقابل إن الناس الأكثر برودة ، هم الأقل ذكاءً ، ولكنهم ميالين إلى المرح والحرية .

ثانياً – المرأة هي رجل غير خصب :

  تُوظف دائرة بايالوجيات أرسطو ، حقيقة بايالوجية خاصة بالرجل ، وتستخدمها ضد المرأة ، دون فهم دور بايالوجيا المرأة الخاص في قضية توليد الحياة وإستمرار النوع البشري . صحيح إن الرجل ينتج ” الحيامن ” إلا إن الحيامن وحدها دون بويضات المرأة لا حياة ولا إستمرار للحياة البشرية . إن أرسطو يمسك بالعصا من النصف ، ويجادل بأن المرأة كائن عاطل ، غير قادر على إنتاج الحيامن . في حين بالمقابل إن بايالوجيا المرأة ممكن أن تستخدم ضد الرجل ، فهو عاجز وعاطل عن إنتاج البويضات .

  على كل إن أرسطو ذهب مجادلاً ، ومبيناً بان عجز المرأة من إنتاج الحيامن ، جعلها كائن ” معيوب ” . ولذلك أعلن صراحة بأن المرأة ما هي إلا ” رجل غير خصب ” أو ” رجل حصور ” . والرجل رجل لإنه يمتلك القابلية والقدرة بفضيلته . وإن المرأة مرأة عاطلة بفضيلتها (أنظر : كارول كولد وماركس وارتوفسكي ؛ النساء والفلسفة ، نيويورك 1976 ، ص 54 وما بعد) .

ثالثاً – المرأة أسرع إنفعالاً من الرجل :

  ويؤسس أرسطو موقفاً فيه تسفيل لمكانة المرأة ، وبالمقابل يُعلي من مكانة الرجل دون وجه حق . والحقيقة من وجهة نظر الحركة الفمنستية في هذا الموقف قوة المرأة وعلو كعبها على الرجل عكس ما تصور الفيلسوف الإسطاغيري . فيرى أرسطو إن المرأة أكثر عاطفية من الرجل ، وهي ميالة بسرعة وسهولة إلى البكاء . ثم يذهب معدداً ؛ بأن المرأة حاسدة ونمامة ، وأكثر عرضة للإهانة والهجوم . وهي على الغالب كائن يائس ولا يتوافر لديها درجات معقولة من الأمل . وهي معدومة من الخجل ولا تحترم ذاتها . وعندما تتكلم فهي تُغالي في الكذب والخداع . وتمتلك ذاكرة قوية تلمُ بكل التفاصيل (أنظر : أرسطو ؛ تاريخ الحيوانات ، ترجمة دارسي وينتورث تامبسون ، نشرة جون ويل ، لندن 1907 ، الكتاب التاسع / القسم الأول ، وهو متوافر على اللاين) . ومن المفيد الإشارة إلى إن ترجمته العربية القديمة هي الأخرى متوافرة ومتداولة ، و كانت بعنوان كتاب الحيوان والتي تحولت إلى مرجعية للفكر الفلسفي والعلمي الإسلاميين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

    حمل كتاب نيتشه ” ما بعد الخير والشر ”  مشروعه للثورة على الفلسفة  في تاريخها الأوربي العتيد . فمثلاً ثار على إفلاطون وفكره الفلسفي العقيدي المنغلق المنحاز . وثار على كانط وسخر من إختراعه لملكة الحكم الخاصة بالقضية الأولية التركيبية . وثورته شملت شوبنهور والقائمة طويلة . ونحسب في ثورة نيتشه على تاريخ الفلسفة الأوربية ، قد دشن أرضاً بكراً للحركة النسوية (الفمنست) عامة والأكاديمية على وجه الخصوص في عموم العالم الغربي في القرن العشرين (محمد جلوب الفرحان ؛ ثورة الفلسفة ، مشروع نيتشه في كتابه ما بعد الخير والشر ، نشرت منه صفحات على موقع الفيلسوف) .

   وكان الحاصل من عمل نيتشه ، إن نشطت الحركة الفمنستية تعمل بكل جد على نقد تاريخ الفلسفة وإتهامه ” بأنه تاريخ فيه تمييز في الجندر (أنا رجل وأنت إمرأة) وإنحياز لصالح الذكور وتسفيل لعمل النساء  في طرفيه الذهني واليدوي ، وإنه تاريخ كتبه فلاسفة رجال أو هو في التقويم العام ، تاريخ فلسفة ذكورية ” .

   وحقيقة أن هذه الموجة الفلسفية النسوية العارمة  تشكل اليوم الإتجاهات الفلسفية الأكثر معاصرة في أقسام الفلسفة في جامعات أمريكيا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) . والباحث شاهد أكاديمي على نتائج الثورة النيتشوية على تاريخ الفلسفة في مضمار الدراسات الفمنستية . يقول نيتشه في كتابه مابعد الخيروالشر ” أن تاريخ الفلسفة يكشف لنا عن فشل الفلاسفة في فهم طبيعة المرأة …. ” . ومن ثم دعا إلى قيام جيل جديد من الفلاسفة أطلق عليهم إصطلاح ” فلاسفة الحاضر” و ” فلاسفة المستقبل ” .

   من مشروعات الباحث القادمة ، الكتابة عن تاريخ الفلسفة الغربية من زاوية فمنستية (نسوية) . حقيقة إن تاريخ الفلسفة الغربية عرف قائمة طويلة من الأسماء النسوية التي عملت في مضمار البحث الفلسفي مثل هبيشا الأسكندرانية (415 – 370م) التي قتلت بيد الرعاع الذين مزقوا جسدها إرباً إربا ، بعد سحلها في شوارع المدينة ، وحرقها وهي حية إلى إن سلمت الروح لباريها الواحد القهار .

   وهكذا إنطمرت أسماء القتلة وطواها النسيان ، ولكن ظل إسم هبيشا رمزا خالداً وشهيدة تحتفل بها الأجيال وتذكرهم  بجريمة الرعاع الذين يقودهم ويوجههم رجل دين دعي ومسيح دجال (يخفي تحت جبته خنزير شهوة تقوده إلى ذبح مبادئ دينه ، في كل لحظة ينفرد فيها مع صبي أو صبية أو زوجة عفيفة إعتقدت خطاً إن في الإمام عون قريب وفرج سريع لمحنتها ، فكان حلمها كابوساً لا تتحمل آلامه الأرض والسماء ، بعد إن صعقت بمساومة الإمام على عفتها مقابل تيسير معاش لأيتامها وتدبيرحياتها اليومية بمساعدات الطيبين الأبرار) هذا ما قاله الزرادشت الصغيرفي رسالته المرسلة مع دعيه الأعور الدجال إلى أهالي شعسان الذين لا يعرفون ما يدور ويخطط لفتك عفة بناتهم في مذابح بيوت الظلام  .

   ولدى الباحث قائمة تضم أكثر من مئة فيلسوفة ، ينتمين إلى مراحل مختلفة من تاريخ الفلسفة الغربية . والحق إن مدوني وكتاب تاريخ الفلسفة الغربية قد همشوا بقصد تاريخ ودور هذا العدد الكبير من الفيلسوفات الناشطات . على كل هذا هو جزء من مشروع الكتابة عن الفلسفة الفمنستية (النسوية ) الذي ننشغل بالكتابة فيه بعض الأحيان ونتمنى أن يجد النور قريباً .

حضور الفيلسوفات في تاريخ الفلسفة الهيلينية والهيلينستية

   سجل تاريخ الفلسفة اليونانية ومنذ بواكيره الأولى ، حضوراً ملحوظاً لعدد من الفيلسوفات الناشطات في مضمار التأمل والعمل الفلسفيين . ورغم فعل التغييب المقصود لأسماء الفيلسوفات من قبل عدد من المؤرخين الرجال ، الذين كتبوا عن تاريخ الفلسفة اليونانية في عصورها الأولى ، فقد تسربت معلومات قليلة عن قائمة تضم عدداً من أسماء الفيلسوفات ، ونتفاً من المعلومات عن حياتهن ونشاطاتهن الفلسفية . ولما كانت هذه المعلومات قد كتبت من وجهة نظر رجولية ، فمن الطبيعي أن يجد القارئ في لغة المؤرخ تحاملاً سلبياً لعمل المرأة في النشاط الفلسفي . كما ويلحظ في المعلومات التي ذكرها المؤرخون الرجال ، فيها حط وتسفيل لمكانة الفيلسوفة من الناحيتين الإجتماعية والأخلاقية .

  وضمت القائمة التي يعالجها هذا الفصل ، أسماء فيلسوفات من أمثال : فيلسوفة اليونان الأولى ” أرستوكلي ” ، وزميلتها الفيلسوفة وعالمة الرياصيات ” ثيمستوكلي ” والفيلسوفة ” إسبيشيا الملطية ” ، والفيلسوفة القورينائية “أريتا”، والفيلسوفة الكلبية ” هبريشا الماروني ” ، والفيلسوفة الأبيقورية ” لونتن ”  . في حين ستكون للمبحث الثاني وقفة في حضرة شهيدة الفلسفة الأولى ” هبيشا الإسكندرانية ” التي كانت رمزاً نسوياً متفرداً في قيادة الإفلاطونية المحدثة في عصرها .    

فيلسوفة اليونان الأولى “أرستوكلي” :

   مثلما هيمن طاليس كأول فيلسوف رجل ، على كتابات المؤرخين في الفلسفة اليونانية قبل سقراط . فأن أرستوكلي كانت أول فيلسوفة متفردة في بدايات بواكير الفلسفة اليونانية قبل سقراط . ولكن مع فارق صارخ لصالح طاليس ، وتجاهل رجولي مقصود تجاه أول أمرأة فيلسوفة ، رهنت حياتها للتأمل والعمل في مضمار البحث الفلسفي  .

  لاحظ الباحث حقاً أن المرأة الفيلسوفة  ، قد سجلت حضوراً متقدماً في بدايات تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط . فمثلاً كانت الفيلسوفة أرستوكلي معلمة للفيلسوف والرياضي اليوناني فيثاغوراس (500 – 580 ق.م) . وأرستوكلي كانت كاهنة معبد دلفي الشهير ، وقد إزدهرت في القرن السادس قبل الميلاد.

   وإعتماداً على شهادة الفيلسوف فرفريوس الصوري (اللبناني ) (306 – 233) وهو تلميذ إفلوطين (270 – 204) التي إرتبطت بإسمه ” المدرسة الإفلاطونية الجديدة ” (محمد جلوب الفرحان ؛ أثر فرفريوس الصوري على ثقافة إبن حزم الأندلسي ، مجلة الأجيال (أكاديمية محكمة) ، بغداد 1986) . فقد ذكر فرفريوس الصوري : ” إن فيثاغوراس قد زعم إنه تعلم على يد أرستوكلي في معبد دلفي ” . ووفقاً لعدد من الكتاب ، إن أرستوكلي ” قد تركت أثاراً قوية على مبادئ فيثاغوراس الأخلاقية “.

   ولما أرستوكلي نشطت فلسفياً في القرن السادس قبل الميلاد . فهي على اساس هذه الشهادة إنها كانت معاصرة لأول فيلسوف عرفته الفلسفة اليونانية ، ونعني بذلك الفيلسوف طاليس (624 – 547 ق.م) ، الذي يذكرمؤرخو الفلسفة إنه كان معلماً لفيثاغوراس كذلك (محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، بغداد 1983 ، ص 16) . وإذا كان طاليس أول فيلسوفاً ، فإن أرستوكلي كانت أول فيلسوفة في تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط . ونرى إنه بتأثير أرستوكلي المعلمة والمدرسة الأورفية ، قد فتح فيثاغوراس أبواب مدرسته للنساء (والرجال) على حد سواء .

” ثيمستوكلي ” فيلسوفة ومعلمة لفيثاغوراس :

   يذكر ديوجانس لارتيوس في موسوعته الفلسفية المعنونة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” إسم الفيلسوفة ” ثيمستوكلي ” (كانت مزدهرة عام 600 ق.م) ، وهي كاهنة في معبد دلفي ، وفيلسوفة وعالمة رياضيات . وكانت معلمة  للفيلسوف ” فيثاغوراس ” على الرغم من إنها كانت شقيقة الفيلسوف فيثاغوراس (أنظر : لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثامن) . وبعد إن صاغ فيثاغوراس مصطلح الفلسفة وحدد معاييره ، أصبحت ثيمستوكلي أول إمرأة فيلسوفة في التاريخ تنطبق عليها معايير إصطلاح الفلسفة وفقاً للضبط الذي وضعه الفيلسوف فيثاغوراس (أنظر: ماري آلين وايث ؛ الفيلسوفات النسويات في العصر القديم (600 ق.م – 500 م) ، المجلد الأول ، طبعة هولندا 1987 ، ص 11) .

   لقد جاء ذكر ثيمستوكلي في كتابات ” أرستوكنس ” (أزدهر عام 335 ق.م ) وهو فيلسوف مشائي ، وهو تلميذ أرسطو ، ضاعت جميع مؤلفاته ما عدا رسالة واحدة غير كاملة ، نجت من الضياع وكانت بعنوان ” مبادئ الهرمونيا ” (أنظر : السير جون هاوكنز ؛ التاريخ العام لعلم الموسيقى وتطبيقاته ، المجلد الأول 1868 ، ص ص 66 – 67) . وكذلك جاء ذكرها عند ديوجانس لارتيوس ، وبالتحديد عندما تحدث عن سيرة الفيلسوف فيثاغوراس . والواقع إن لارتيوس قد نقل عبارة الفيلسوف المشائي أرستوكنس ، والقائلة : ” إن ثيمستوكلي قد علمت فيثاغوراس المبادئ الأخلاقية ” وأرستوكنس يشدد على إن فيثاغوراس قد إشتق أجزاء كبيرة من مبادئه الأخلاقية من ثيمستوكلي كاهنة دلفي (أنظر : لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثامن) .

   وهكذا شاركت ثيمستوكلي الفيلسوفة أرستوكلي في تعليم فيثاغورس الفلسفة والعلم الرياضي . كما شاركت أرستوكلي كذلك  في أنها كانت واحدة من كاهنات معبد دلفي الشهير ( وربما هي أو أرستوكلي) أو كلاهما من رسم مستقبل الفيلسوف فيثاغوراس ومدرسته التي قامت على مشروع الآخوة دون تمييز على أساس الجندر . وهكذا كانت المدرسة الفيثاغورية مفتوحة للرجال والنساء على حد سواء .

مكانة الفيلسوفة ” إسبيشيا الملطية ” :

  وعلى الرغم من حالة التغييب المقصود للجهد النسوي في مضمار الفلسفة وأبحاثها ، من قبل مؤرخي الفلسفة عامة والفلسفة اليونانية خاصة ، فإن تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط ، يحتفل بأسماء نساء فيلسوفات كان لهن شأن في مباحث الفلسفة ، منهن الفيلسوفة إسبيشيا الملطية (400 – 470 ق.م) وهي بنت ” أكسوش ” الذي ينتمي إلى عائلة “الكبياديس ” اليونانية الشهيرة . ويقال إن بريكلس تعرف عليها أثناء إحدى زياراته لهذه العائلة . والحقيقة إن المصادر التاريخية ظنينة علينا ، فلم يتوافر فيها اليوم سوى الشئ القليل عن حياتها وعن أسرتها.  والمصادر تكاد أن تكون مجمعة على الدور الناشط الذي لعبته إسبيشيا في حياة  بريكليس (429 – 495 ق.م) السياسي الأثيني ورجل الدولة والقائد العام للجيش الأثيني.

    ولدت إسبيشيا في مدينة ملطيا من مقاطعة أيونيا . ولكونها من عائلة ثرية ، فقد توفرت لها فرص تعليمية عالية . وليست هناك معلومات متوافرة لدى الباحثين ، تفسر لنا سبب رحلتها إلى أثينا ، وخصوصاً بعد إن “أصبحت إمرأة ناضجة “. غير إن الكتابات التاريخية تذكر إلى  ” إنها صرفت معظم سنوات حياتها في اثينا ” . كما ورد ذكرها عند الفيلسوف إفلاطون (348 – 428 ق.م) خصوصاً في محاورة مينكسينس . وجاء ذكرها عند الكاتب المسرحي اليوناني أرسطوفان (380 – 446 ق.م) والمؤرخ اليوناني أكسانوفان (354 – 430 ق.م) وآخرون .

  ونسج المؤرخون بعض القصص حول حياة إسبيشيا وذلك للحط من مقامها دون إعتبار للظروف الحضارية لليونان يومذاك ، وخصوصاً الطبقة الإرستقراطية وإسلوب حياتها . فمثلاً أشاروا إلى إن إسبيشيا كانت ” بائعة هوى ومتعة ” وإنها كانت ” تدير ماخوراً ” . والحقيقة إن هذه القصص خضعت إلى ميزان التساؤل و معيارالبحث النقدي من قبل عدد من الباحثين الأكاديميين ، والذين توصلوا بعد كد بحثي متواصل إلى إن إسبيشيا كانت ” صاحبة بريكليس ” أو ربما كانت ” زوجة بريكليس ” . وفعلاً كان لها ولداً من بريكليس يدعى ” بريكليس الصغير ” ، والذي أصبح فيما بعد قائداً عسكرياً في الجيش الأثيني ، والذي أعدم أثناء الحرب الأثينية الإسبارطية .

    يحسب مؤرخو اليونان إن إسبيشيا أصبحت صاحبة بريكليس في السنوات الأولى من أربعينيات القرن الخامس قبل الميلاد ، وذلك ” بعد إن طلق زوجته الأولى في العام 445 ، ومن ثم بدأت إسبيشيا تعيش معه . رغم إن وضعها كان موضع تساؤل ” . كما يرجح المؤرخون ” إن ولادة ولدها بريكليس الصغير ، كانت عام 440 وحينها كانت شابة تماماً . ويرون إنها فعلا قد حملت في العام 428 وأنجبت طفلاً آخراً من صاحبها الجديد ليسكلر القائد الديمقراطي ، الذي خلف بريكليس بعد موته في العام 429 ق.م بسبب الطاعون الذي ضرب أثينا ” . ويرجحون إن موتها كان قبل موت سقراط بسنة واحدة على الأقل أي في العام 400 ، ومن الثابت إن موت سقراط كان عام 399 .

   إن حياة إسبيشيا في أثينا كانت موضوع جدل بين الكتاب من القدماء والمحدثين ، وخصوصاً أقوالهم حول كونها  ” بائعة هوى ” و ” صاحبة ماخور ” . وإذا قبلنا ذلك منهم ، فإن هذا النمط من النساء كن ينتمين إلى طبقة مثقفة عالية ، كما ولعبن دوراً مهماً في تطوير الذوق الجمالي في المجتمع الأثيني ، إضافة إلى كونهن شكلن نماذج نسائية مستقلة لعبن دوراً مشهوداً في الحياة والرأي العام الأثيني ، وكانت لهن مساهمة في النمو الإقتصادي للمجتمع وذلك من خلال دفعهن للضرائب . وهنا نستشهد بإفادة للمؤرخ اليوناني بلوتارك (120 – 46 م) الذي قارن بين إسبيشيا وثاركيلا (وهي إنموذج نسائي متقدم على إسبيشيا وجاءت من أيونيا كذلك) ، فقال : ” إن إسبيشيا هي تجديد لصورة ثاركيلا في العصور القديمة ” . والحقيقة إن ثركيلا الأيونية دشنت درباً جديداً في عمل النساء مع الرموز السياسية ورجال السلطة يومذاك . إن ما فعلته ثركيلا حسب بلوتارك مع الملك الفارسي ، ومن ثم تحولها إلى أداة دعاية للسياسة الفارسية (فترة إحتلال أجزاء من الأراضي اليونانية) ، فعلته إسبيشيا الأيونية مع بريكليس كذلك .

  وكان ينظر في المجالس الإجتماعية ، إلى إسبيشيا على كونها إنموذجاً نسوياً فذاً ، يمتلك من الأساليب العالية في الحوار والنصح ، أكثر من كونها موضوعاً يجسد الجمال الحسي . وإعتماداً على المؤرخ بلوتارك : ” كان بيت إسبيشيا وبريكليس مركزاً فكرياً في قلب أثينا ، والذي جذب أغلب كتاب العصر والمفكرين إليه ، وكان من ضمنهم الفيلسوف سقراط ” . وأضاف كتاب السير الذاتية إلى إنه على الرغم من حياة إسبيشيا المثيرة للجدل في طرفها الأخلاقي ، فإن الرجال الأثينيين كانوا يجلبون نساءهم معهم للإستماع إلى أحاديثها .

  سجلت إسبيشيا حضوراً في نصوص فلسفية مهمة ، منها المحاورات التي كتبها الفيلسوف إفلاطون . وقد أشار بعض الباحثين الأكاديميين الذين أعتنوا بفكر إفلاطون ، إلى أنه كان معجباً بفطنة أسبيشيا وذكاءها ، وعلى أساس سماتها شكل شخصية دايتيما في محاورته المعنونة سيمبوزيوم (الإجتماع) . فمثلاً لاحظ البروفسور شارلز كان (إستاذ الفلسفة في جامعة بنسلفنيا) ” إن دايتيما من عدة زوايا ، هي إستجابة إفلاطون لشخصية إسبيشيا ” (شارلز كان ؛ إفلاطون والحوار السقراطي (بالإنكليزية) نشرة مطبعة جامعة كيمبردج ، 1997 ، ص ص 26 -27) .

  وفي محاورة مينكسنس (وهي من محاورات الكهولة وتأتي بعد محاورة جورجياس) سخر إفلاطون من علاقة إسبيشيا ببريكليس (أنظر: ألن بوردن ؛ مفهوم المرأة : الثورة الأرسطية (750 – 1250م) (بالإنكليزية)، دارنشر أردمان ، 1997 ، ص ص 29 – 30). وأقتبس من سقراط  دعوته التي لا تخلو من سخرية ، والتي تذهب إلى ” إن إسبيشيا كانت معلمة لكثير من الخطباء ” . إن قصد سقراط كان بيان درجة طموح بركليس في أن يكون خطيباً شهيراً ، وهي الدعوة ذاتها التي تؤكد على أن رجال الدولة الأثينيين تعلموا من إسبيشيا .

  وإستناداً إلى ذلك كانت مكانة بريكليس عالية في الخطابة ، تتجاوز مكانة الآخرين الذين تعلموا من أنطفيون السفسطائي (عاش في العقدين الأخيرين من القرن الخامس قبل الميلاد) (إفلاطون ؛ محاورة مينكسنس (بالإنكليزية) ترجمة ب . جوت ، مطبعة جامعة أكسفورد 1892 ، 226a)

  كما نسب إفلاطون حسب ساره مانسون ، كتابة خطبة العزاء أثناء دفن بركليس إلى إسبيشيا ، وهاجم معاصريه الذين يبجلون بريكليس (ساره مانسون ؛ معارضة إفلاطون لتبجيل بيريكلس ، دار نشر هاكت 2002 ، ص ص 182 – 186) . أما الأستاذ كان فيرى إن إفلاطون أخذ من سيكنس (314 -389 ق.م وهو رجل دولة أثيني وخطيب عالي الفصاحة) العبارة التي تنظر إلى إسبيشيا على إنها معلمة خطابة لكل من بريكليس وسقراط (شارلز كان ؛ المصدر السابق) .

 ويحسب روثل كينث إن إسبيشيا إفلاطون وليسسترتا أرسطوفان (وليسسترتا هي مسرحية كوميدية مثلت في أثينا عام 411 ق.م ، وهي تكشف عن دور النساء في إنهاء الحرب البولبونزية وإرغام الرجال على مناقشة قضية السلام) ، هما حالتان إستثنائيتان في المجتمع الأثيني . وإن القاعدة السائدة هي إن النساء لا يمتلكن القابلية على الخطابة . وإن هذه السمات الروائية عن إسبيشيا وليسسترتا لا تخبرنا شيئاً حول مكانة المرأة في المجتمع الأثيني (روثل كينث ؛ مشكلات نقدية : السياسة والإقناع عند أرسطوفان ، بريل للناشرين الجامعيين 1990 ، 22) .

  أما أكسانوفان فقد ذكر إسبيشيا مرتين في كتاباته السقراطية المعنونة : مموربيلا وأكونوميكس . والأولى هي مجموعة الحوارات السقراطية التي كتبها أكسنوفان ، وهي من أطول كتاباته والأكثر شهرة ومن المحتمل إنه أكملها في العام 371 . وهي تقدم دفاع سقراط في المحكمة من وجهة نظر إكسانوفان ، وهي بالتأكيد تختلف عن حوار إفلاطون وحوار سقراط الأصليين . (أكسانوفان ؛ مموربيلا ، (بالإنكليزية) ترجمة أمي بونتي ، تقديم كريستفور برول ، مطبعة جامعة كورنل 1994)

  والثانية هي حوار سقراطي يدور حول إدارة البيت والزراعة ، وهو واحد من الأعمال اليونانية المبكرة في الإقتصاد المنزلي ومصدر مهم للتاريخ الإجتماعي والفكري لأثينا . إضافة إلى إنه يتناول خصائص الرجل والمرأة وطبيعة العلاقات بينهما . ويميل الدارسون إلى الإعتقاد بأن أكسانوفان كتبه بعد عام 362 . وقام شيشرون (43 – 106 ق.م) بترجمته إلى اللاتينية ، كما ذاعت سمعته في عصر النهضة (الرينسانس) والذي ظهر في ترجمات عديدة (ستراوس ليو ؛ أكسانوفان والخطاب السقراطي : تفسير أكونوميكس ، (بالإنكليزية) مطبعة جامعة كرونل 1970) .

  وذكر أكسانوفان في كل من مموربيلا وأكونوميكس نصيحة إسبيشيا التي طلب سقراط من كريتوبولس أن يأخذ بها . وفي المموربيلا نلحظ سقراط يقتبس من إسبيشيا أقوالها حول ” عمل الخاطبة ” والتي تؤكد على ” أن تقول بصدق ما هي الخصائص الجيدة  للرجل ” (مموربيلا 6 .2) . أما في أكونوميكس فإن سقراط يعترف بسلطة إسبيشيا المعرفية في إدارة البيت ، والمشاركة الأقتصادية للزوج والزوجة (أكونوميكس 14. 3)

دور الفيلسوفة ” أريتا القورينائية ” :

   والفيلسوفة الثالثة التي نشطت في تاريخ الفلسفة اليونانية ، كانت أريتا القورينائية التي عاشت وعملت في القرن الرابع ق.م ، وأريتا هي بنت الفيلسوف أرستبس القورينائي (356 – 435 ق.م) ، وقورنيا هي مستعمرة يونانية (اليوم هي جزء من ليبيا) . وأرستبس هو مؤسس المدرسة القورينائية للفلسفة ، وهو تلميذ سقراط . إلا إنه تبنى وجهة نظر فلسفية مختلفة . فقد ” علم إن هدف الحياة هو البحث عن اللذة وذلك من خلال تكييف الظروف لصالح الفرد ، مع المحافظة على نوع من السيطرة على حالتي العوز والإزدهار ” ، ومن بين طلابه كانت إبنته أريتا (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة (وهو عشرة كتب) ، ترجمة روبرت هيكز إلى الإنكليزية ، نشرة المكتبة الكلاسيكية 1925 ، الكتاب الثاني ، 65) .

  ويبدو للدارسين إن الفلسفة وبرنامج تعليمها ظل متداولاً داخل أسرة أريتا ، تتوارثه من جيل إلى جيل . فمثلاً الفيلسوفة أريتا قد تعلمت الفلسفة على يد والدها الفيلسوف القورينائي أرستبس صاحب مذهب اللذة ، والذي تعلم الفلسفة على يد أستاذه سقراط ، وأريتا من طرفها علمت الفلسفة لولدها أرستبس الصغير ، والذي أطلقت عليه إصطلاح ” تلميذ الأم ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، 72 ، 83) . كما تشير المصادر التي أعتنت بحياة أريتا ، على إنها كانت ” وريثة والدها في قيادة المدرسة القورينائية للفلسفة ” . في حين هناك من يعتقد إن ولدها ” أرستبس الصغير ” هو المؤسس الحقيقي للمدرسة القورينائية .

    إن أرستبس وإبنته الفيلسوفة أريتا ، كانا أوفياء للفيلسوف سقراط . ففي رسالة أرستبس إلى إبنته أريتا ، عهد وفاء من التلميذ ارستبس إلى إستاذه سقراط ، ومن الفيلسوفة أريتا إلى أبيها الفيلسوف أرستبس ومن خلاله إلى أستاذه الفيلسوف سقراط ، وذلك بتوفير الحياة اللائقة والمحترمة لعائلة الفيلسوف سقراط بعيد إعدامه على يد الديمقراطيين . صحيح جداً إن رسالة أرستبس (تاريخ الرسالة يعود إلى القرن الأول ق.م) كانت تحمل توصيات متنوعة وتكشف عن أبعاد مختلفة منها ما يخص أريتا وولدها ، ومنها ما يخص سقراط وعائلته.

   لقد أشارت الرسالة إلى أن أريتا كانت تعيش حياة مترفة في قورينا . فقد جاء فيها  وعلى لسان أرستبس ” إنك لازالت تمتلكين ضيعتين ، وهما يكفيان ان يوفرا لك حياة كريمة ، وهما يقعان في مدينة برنيس (أي بنغازي في ليبيا) . وإذا لم يبقى لديك سوى هاتين الضيعتين ، فإنهما كافيان في سد حاجتك اليومية ، بل وأن تعيشي بمستوى عال ” . وأقترح عليها بعد وفاته ، أن ترحل إلى أثينا وتستقر فيها ، وأن تسعى بكل جهد على توفير تعليماً عالياً لولدها ” أرستبس الصغير” (إبراهيم مالهرب ؛ الأتباع الكلبيون أو الساخرون : دراسة منشورة 1977 ، ص 28) .

  كما وطلب منها أن تعيش مع ” أكسانثيب ” زوجة سقراط ، ومع ماريوتو ( وفقاً لديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، 26) . وكذلك سألها أن تنظر إلى لمبروكلس (وهو إبن سقراط الأكبر من أكسانثيب والذي جلبته معها إلى المحكمة) كطفلاً لها . وأوصاها بتبني بنت خادمهم يوبيس ، ومعاملتها كبنت حرة . وألح عليها بالعناية بالصغير أرستبس لأنه الوريث الحقيقي للعائلة وللفلسفة . وحسب إفادة أرستبس الجد “هذا هو الميراث الحقيقي الذي أتركه ، وسيكون له في قورنيا اتباع وأعداء ” (إبراهيم مالهرب ؛ المصدر السابق ، ص ص 282 – 285) .

   وأخيراً فقد زعم الأب جون أوغسطين زاهام (1921 – 1851 م) والذي كان يستخدم إسماً مستعاراً في الكتابة ، وهو ” موزانز ” ، إن واحداً من الأكاديميين في القرن الرابع عشر ، وهو ” جيوفاني باكشو ” (1375 – 1313) والمعروف بنزعته الإنسانية في عصر النهضة (وقد وجد الباحث لجيوفاني كتاباً بعنوان ” مشاهير النساء ” والذي ترجمته وصححته فرجينا براون ، ونشرته مطبعة جامعة هارفارد 2001) ، وقد حصل جيوفاني حسب موزانز على معلومات تخص ” أوائل الكتاب اليونانيين ” والتي مكنته من تقييم مكانة الفيلسوفة أريتا ، فقال :

   قيل إن أريتا كانت معلمة للفلسفة الطبيعية والأخلاقية في مدارس وجامعات أثيكا (أي اليونان) وإستمرت في التعليم لمدة خمس وأربعين سنة ، وكتبت أربعين كتاباً ، وكان من بين طلابها مئة وعشرة فيلسوفاً . وكانت محترمة من قبل رجال بلدها ، حتى إنهم نقشوا على قبرها عبارة تشريف تقول :

  إنها كانت تجسد عظمة اليونان ، وتمتلك جمال هيلين ، وفضائل ثريما ، وقلم أرستبس ، وروح سقراط ولسان هوميروس (موزانز ؛ النساء العالمات ، نيويورك 1913، ص 197 وما بعد) .

الفيلسوفة الكلبية ” هبريشا الماروني ” :

   أما الفيلسوفة اليونانية الرابعة ، فهي هبريشا الماروني (280 – 350 ق.م) ، وهي تنتمي إلى المدرسة الفلسفية الكلبية . وهي زوجة كريتس الطيبي ( طيبة المصرية) (285 – 365 ق.م) ، والذي كان بدوره فيلسوفاً كلبياً ، تزوجته هبريشا رغم رفض والديها  وكان كريتس يطلق على زواجهما ” كلبين رفيقين ” ، وعاشوا حالة الفقر إختياراً بعد أن تبرع بكل أمواله ، وسكنوا شوارع أثينا . (وكريتس هو معلم الفيلسوف الرواقي زينون الأكتومي (262 – 334 ق.م) مؤسس المدرسة الفلسفية الرواقية) (أنظر : تاريخ كيمبردج للفلسفة الهيلنستية ، كيمبردج 1999 ، ص 52) .

  ولدت هبريشا في العام 350 قبل الميلاد في مارونيا – تراقيا (اليونان) . ولكن عائلتها رحلت وإستقرت في اثينا . وقد سبقها أخيها ميتروكلس إلى مضمار الفلسفة عامة وإلى دار الفلسفة الكلبية خاصة ، فقد درس في الليسيوم (أكاديمية أرسطو) ، وتحت إشراف ثيوفراستس (267 – 371 ق.م) خليفة أرسطو في قيادة الليسيوم . ومن ثم أصبح تلميذاً للفيلسوف الكلبي كريتيوس الطيبي بحدود العام 325 ق.م (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب السادس ، ص 96) .

   والمهم هو إن هبريشا كانت سعيدة بزواجها من كريتس وتبنيها إسلوب الحياة الكلبية . ولذلك أرتدت ملابس الرجال حالها حال زوجها ، وكانت متساوية معه في كل شئ ، مما سبب هذا الحال صدمة للمجتمع الأثيني . وتذكر المصادر بأنها ولدت طفلين من كريتس : ولد وبنت . ولا تتوافر لدينا معلومات عن سنة وفاتها . وهنالك عبارة نقشت على قبرها تقول :

أنا هبريشا لم أختار دور المرأة الغنية بملابسها ، بل أخترت الحياة الكلبية

لايسعدني إرتداء الثوب المرصع ، والحذاء المكسو بالفراء ، وغطاء الرأس المعطر

 ولكن يرضيني حقيبة للزاد ، وغطاء رأس بسيط وفراش الأرض الصلبة

إسمي سيكون أكبر من أتلنتا (بنت هادس في الأسطورة اليونانية) :

 وإن هدفي الحكمة التي هي أفضل لدي من صعود الجبال ( كتاب مجموع يوناني ، ترجمة ويليم بانوت ، نشرة أرثر وي 1918 ، 413) .

  وفي الحديث عن مكانتها في الفلسفة ، ينسب الباحثون إلى سودا ، وهي القاموس أو الموسوعة البيزنطية (القرن العاشر الميلادي) والتي يعتقد إن مؤلفها (سوديس) ، القول إن هبريشا كتبت العديد من المقالات والرسائل التي خاطبت بها القورينائي ثيودورس الملحد (250 – 340 ق.م) ، وضاعت معظمها . وظلت بعض العبارات الشارحة منها :

  عندما ذهبت إلى الإجتماع مع كريتس ، قمت بإختبار ثيودورس الملحد وذلك بإفتراض الصوفية . وإذا أفترضت إن ثيدورس عمل ذلك . ثيدورس لم يقل إنه عمل خطأً ، ولا هبريشا يقال إنها عملت خطأ . ثيدورس ضرب نفسه وقال : لم تعمل خطأ ، ولا هبريشا عملت خطأ بضرب ثيدورس . وهو لم يستجيب لما قالته ، ولكن سحب رداءها . وقد تم إخبارنا : إنها لم تعتبر ذلك إعتداءً أو شعرت بالعار مثلما يحدث لمعظم النساء (أنظر: حول سوديس : هبريشا ، الموسوعة البريطانية ، الطبعة الحادية عشر ، مطبعة جامعة كيمبردج 1911)

  واخيراً تساءل ثيدورس : من هي المرأة التي تركت غزلها ومغزلها ؟ قالت هبريشا : أنا ثيدورس ، هو ذلك الشخص المقصود . ولكن هل ظهر لك : بأني عملت قراراً خاطئاً . انا ركزت ذلك الوقت للفلسفة ، فهل بطريقة أخرى ، هل تريدني أن أصرف وقتي في الغزل .

  ونعرف بأن كريتس درس زينون الأكتومي . ولكن من الصعب القول إن هبريشا قد تركت اثراً على زينون ومن خلاله على تطور الرواقية . ولكن نعرف كذلك بأن زينون صاحب وجهات نظر متطرفة في الحب والجنس . وهناك من يرى بإنه من هذا الطرف ظهر أثر هبريشا على زينون ، والذي جاء من خلال العلاقة بين هبريشا وكريتس (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب السادس ، 98) .

الفيلسوفة الأبيقورية ” لونتن ” :

   وجاءت الفيلسوفة اليونانية لونتن (أزدهرت في القرن الرابع قبل الميلاد) لتدشن مرحلة جديدة في تاريخ الفلسفة اليونانية .  ولونتن هي فيلسوفة أبيقورية ، تتلمذت على يد الفيلسوف أبيقور (270 – 341 ق.م) وتشربت فلسفته . كانت لونتن صاحبة الفيلسوف الأبيقوري ميتردورس لامبسوكوس (378 – 331 ق. م) والذي كانت عائلته على المذهب الأبيقوري . وميتردورس هو واحد من الممثلين الأربعة الكبار للمدرسة الأبيقورية . وكان يتطلع إلى رئاسة المدرسة بعد أبيقور . إلا إنه توفي قبل أبيقور بسبع سنوات (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب العاشر ، 22) .

  ونحسب أن بعض أراء المؤرخين التي سعت للحط من مقام الفيلسوفة الأبيقورية لونتن والتقول عليها بأنها بائعة هوى ، وخصوصاً في علاقتها مع ميتردورس ، تندرج في إطار النزعات الماسوجونية (الكارهة للمرأة) ، والتي تستهدف في الوقت ذاته إلى النيل من الأبيقورية . وإذا كان هذا الجانب السلبي الذي نشد المؤرخون ، الحديث عنه عندما يتحدثون عن لونتن ، فإن فيه دلالات إيجابية لصالح الفيلسوفة الأبيقورية ، منها إن شخصية لونتن تتمتع بالإستقلالية وهي السمة التي سلبت من معظم نساء عصرها . كما فيها رفض لسيطرة الرجل في عموم المجتمع اليوناني القديم .

  ومن النافع أن نشير إلى إن الأبيقورية قليلاً ما تسامحت من حضور النساء والعبيد في صفوفها . ولكن نجد إن المؤرخ اليوناني ديوجانس لارتيوس قد حفظ لنا نصاً من رسالة أبيقور إلى الفيلسوفة لونتن ، مما يؤكد إعترافاً أبيقورياً بمكانتها الفلسفية . ووفقاً لديوجانس فقد حمد أبيقور لونتن وأعلى من منزلتها ، و” خصوصاً فيما يخص حججها الجيدة ضد وجهات نظر فلسفية معينة ” ( ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، 5) .

  ووفقاً لبلني الأكبر (79 – 23 م) وهو مؤلف وفيلسوف طبيعي روماني ، إن شخصية لونتن التي رسمها أرستيديس الطيبي ، وهو رسام يوناني قديم (عاش في القرن الرابع قبل الميلاد) قد كانت بعنوان : لونتن تفكر بأبيقور (بلني الأكبر: التاريخ الطبيعي ، نشرة جون بوستوك ، 99. 35) فيها الكثير من دلالات التفوق الفلسفي . ويؤكد على ذلك شيشرون (43 – 106 ق.م) وهو فيلسوف روماني فقد أشار إلى ما ستذكره لاحقاً (بعد ثلاثة قرون) رواية ديوجانس لارتيوس حول نص من رسالة أبيقور إلى لونتن ، مع تخصيص أكثر وتسمية الفيلسوف الذي إستهدفته لونتن في حججها . فقال ” إن لونتن نشرت حججاً إنتصرت فيها على الفيلسوف ثيوفراستس” (287 – 371 ق.م) (شيشرون ؛ في طبيعة الآلهة (وهو حوار بين شيشرون وخطيب روماني) ، طبع جامعة كيمبردج 1885 -1880) .

  لقد تعجب بلني الأكبر من موقف لونتن النقدي لثيوفراستس (بلني الأكبر ؛ المصدر السابق ، 29) . كما وتعجب بوكسيو وتساءل : هل لونتن كانت حقيقة من القوة المعرفية بحيث تمكنت من سحب الفلسفة لصالحها ؟ أم إن الفلسفة كانت من الضعف ، وإن لونتن إمتلكت قلباً كاشفاً مكنها من فرض هيمنتها على الفلسفة (جيوفاني بوكسيو ؛ النساء المشاهير ، ترجمة فرجينا براون ، طبع جامعة هارفارد 2001 ، ص ص 125 – 124) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)

شهيدة الفلسفة الأولى ” الفيلسوفة الإسكندرانية هبيشا ”

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  ومن ثم تابعت العمل الفلسفي ، الفيلسوفة الإسكندرانية هبيشا (415 – 370 او 350 م). وإذا كان فيلسوف الرجال سقراط أول شهيداً ، وإن شهادته قد إتخذت مسار التجريم والحكم ومن ثم الإعدام ، فكان موت سقراط مهزلة العدالة الديمقراطية في التاريخ اليوناني . فإن الشهيدة هبيشا كانت أول فيلسوفة تقتل بيد الرعاع وبتحريض من قبل رجال دين أتقياء يخافون الله . فكان سحل هبيشا وتقطيع جسدها والتمثيل فيه وهي حية في شوارع الإسكندرية ، مسرحية العدالة السماوية التي يتحدث عنها رجال الدين القتلة المارقين .

  لم تتمكن المصادر التي إعتنت بحياة الفيلسوفة هبيشا من تحديد التاريخ الدقيق لولادتها. ولكنها في الوقت ذاته ذهبت إلى ” إنها ولدت ما بين سنة 350 م و370 م ، وتوفيت في أذار عام 415 م ” ( أنظر: ميلر كرينستين وكامبيل ؛ نساء الرياضيات (بالإنكليزية) وهو مجموعة سير ذاتية ، نشرة كرين وود ، نيويورك 1987) . وقد درست العلوم الرياضية التي كانت تعد مدخلاً ومقدمة لدراسة العلوم الفلسفية ، على يد والدها عالم الرياضيات ثيون (405 – 335 م) ، وهو باحث يوناني وآخرعالم في الرياضيات أرتبط إسمه بمتحف الإسكندرية (وهو معهد علمي عال تلتحق به مكتبة عامرة يومذاك) (انظر : فريزر ؛ إسكندرية البطلميوسية ، 1972 ، ص ص 219 – 213) . قام بنشر وتعليم كتاب الأصول لإقليدس (ولد عام 300 ق.م) وجداول بطلميوس(168 – 90 م) الفلكية. 

  وبحث الدارسون في معنى الإسم هبيشا ودلالته ، فمثلاً رأى كل من هنري جورج وروبرت سكوت ، في كتابهما المعنون “القاموس اليوناني الإنكليزي” ، إن الإسم هبيشا جاء مشتقاً من الصفة التي تدل على صورة الأنثى ، ويعني “الأعلى أو الأسمى”. وقد قامت هبيشا برحلات علمية ، إستهدفت البحث  والدراسة ، إلى كل من أثينا وإيطاليا (أنظر: جانيت بولس وديانا لونك ؛ القاموس التاريخي للحركة النسوية (بالإنكليزية) ، ص 166) وحدث ذلك قبل أن تصبح رئيسة للمدرسة الإفلاطونية المحدثة في الإسكندرية والذي كان بحدود العام 400 م (أنظر: آثلين فير وكريك باتك ؛ أمهات الإبداع : هبيشا الإسكندرانية (شهيدة العقل النسوي) ، 1988 ، ص ص 24 – 26) .

  وينظر إلى هبيشا إلى أنها أول أمرأة إشتغلت في العلوم الرياضية ، كما إنها كانت معلمة للفلسفة وعلم الفلك (أنظر: سو توهي ؛ حياة رائعة وموت تراجيدي للفيلسوفة هبيشا (بالإنكليزية) ، إنكلترا 2003) . وكانت تنتمي إلى تقاليد التعليم الرياضي لأكاديمية أثينا والذي يمثله إيدوكس كندوس (355 – 410 ق.م) وهو عالم رياضيات وفلك وتلميذ إفلاطون (أنظر: هبيشا الإسكندرانية ، الفيلسوفة الشهيدة (حديث) الإذاعة البريطانية ، 4  نيسان 2009) . 

   ذكرنا قبل قليل إن هبيشا فيلسوفة إفلاطونية محدثة ، والإفلاطونية المحدثة هي مدرسة أسسها أمونياس ساكس (القرن الثالث الميلادي) وهو أستاذ إفلوطين (270 – 205م) ، ودرس لمدة إحدى عشر سنة ” وبالتحديد من 232 إلى 243 . إلا إن المؤسس الحقيقي هو إفلوطين (ومن المفيد أن أشير هنا إلى إن العقل العربي كان له حضوراً في الإفلاطونية المحدثة ، ممثلاً بتلميذ إفلوطين العربي : زيثوز الذي عاش في القرن الثالث الميلادي) . والإفلاطونية المحدثة في أسسها تضم تعاليم إفلاطون ممزوجة بفلسفة أرسطو والفيثاغورية والرواقية وفكر ديني (أنظر: أرمسترونك ؛ تاريخ كيمبردج للفلسفة اليونانية في عصورها المتأخرة وبواكير العصور الوسطى ، مطبعة جامعة كيمبردج 1967، ص ص 196 -200) .

  ويرى المؤرخ سقراط الإسطنبولي (ولد عام 380م) في كتابه التاريخي الذي يغطي الفترة الواقعة بين عام 305 إلى عام 439م (والذي كتبه في حدود 450 م) ، إن الفيلسوفة هبيشا قد بزت جميع فلاسفة عصرها ، ونجحت في قيادة مدرسة (إفلاطون إفلوطين) (والأصح قيادة مدرسة إفلوطين أو الإفلاطونية المحدثة) وكان برنامجها الفلسفي يركز في طرف منه على تشجيع الدراسات المنطقية والرياضية.

  وكانت هبيشا وفقاً للإنسكلوبيديا البيزنطية التي تعرف “سودا” معلمة للفلسفة ، وتدرس كتابات إفلاطون وأرسطو (322 – 384 ق.م) . وهنالك من يعتقد إن من بين طلابها مسيحيين وأجانب رحلوا إليها من أصقاع بعيدة . كما إن هنالك من يعتقد ” إن هبيشا كانت ” وثنية ” على الرغم من إن جميع المصادر التي كتبت عنها لا تتوافر لديها أية وثيقة تؤكد حقيقة دينها والطقوس التي تمارسها .

   وأحسب إن المسألة لا تحل بتوافر وثيقة تاريخية تخبرنا عن دينها . إن الحقيقة التي لا جدال حولها ، هي إن الفيلسوف له مفهومه الخاص للدين والإعتقاد حتى وإن كان يناصر دين معين (وهذا يشمل جميع الفلاسفة ممن يطلق عليهم إصطلاح وثنيين ، يهود ومسيحيين ومسلمين بلا إستثناء) ، فأن مفهومه للدين لا علاقة له بمفهوم القطيع على حد تعبير نيتشه ، ودياناتهم وعباداتهم وطقوسهم  . وهذا حال هبيشا وكل الفلاسفة . لكن المهم أن نذكر بأن هبيشا كانت محترمة من قبل عدد من المسيحيين واليهود خاصة والذين كان لهم حضوراً في داخل بنية الإفلاطونية المحدثة التي تقودها هبيشا ، كما أن عدداً من الكتاب المسيحيين في فترة لاحقة ، قد نظروا إلى هبيشا ” كرمز للفضيلة ” ، ومثالاً على ذلك ما كتبه المؤرخ سقراط الإسطنبولي .

 وجادل الباحثون الرأي المتناقض الذي إنفردت به “سودا” الموسوعة البيزنطية ، وذلك عندما أعلنت ” إن هبيشا كانت زوجة الفيلسوف إيسدور ، ومن ثم أشارت إلى إنها بقيت عذراء ” . وإيسدور (عاش في أثينا والإسكندرية في نهايات القرن الخامس الميلادي) ، وهو فيلسوف إفلاطوني محدث وتلميذ برقلس (412 – 484 م) وهو أخر رمز كبير من رموز الإفلاطونية المحدثة . والحقيقة إن هبيشا كانت فيلسوفة عازفة عن الزواج واللذات المادية ومنصرفة تماماً للفلسفة والرياضيات والفلك . ولعل المثال التي تذكره الموسوعة “سودا” وكذلك أغلب المصادر التي تعرضت لسيرتها الذاتية ، تشير إلى إن أحد طلابها أحبها وتقدم لخطبتها ، ” فجلبت له لفائف دورتها الشهرية ورمتها أمامه ، وبينت له إن لا شئ يكون جميلاً فيما يتعلق باللذات المادية ” .

 ولاحظ الدارسون إن هبيشا ظلت محافظة على مراسلة تلميذها السابق سينسيوس القورينائي (373 -414 م) الذي كان إفلاطونياً محدثاً ، ومن ثم دخل الديانة المسيحية وأصبح يعرف في عام 410 برئيس قساوسة بتولميس (طوميثا – ليبيا) ( أنظر: أي . فتزكيرالد ؛ رسائل سينسوس القورينائي (بالإنكليزية) ، الرسالة 154 من سينسوس القورينائي إلى هبيشا ، لندن 1926) .

   واليوم يحسب الباحثون إن هذه الرسائل ومصادر دمسقس السوري (458 – 538 م) وهو الرمز الأخير مما تبقى من الإفلاطونية المحدثة ، كما هو تلميذ إيسدور (زوج هبيشا المزعوم حسب سودا ولدينا شك في ذلك) وكاتب سيرته الذاتية ، هي المصادر الوحيدة التي تقدم لنا أوصافاً ومعلومات عن هبيشا بأقلام طلابها .

  أما الأعمال الفلسفية التي كتبتها الفيلسوفة هبيشا ، فأنها من وجهة نظر الباحثين تعد عملاً مشتركاً تم إنجازه من قبلها ومن قبل والدها الفيلسوف ثيون الإسكندراني ، منها :

أولاً – شرح يتألف من ثلاثة عشر مجلداً لعلم الحساب كتبه ديوفانتوس الإسكندراني  (عاش مابين 200 و214 وإلى 284 او 298 م)  وهو الأب الروحي لعلم الجبر ، وهناك من يرى إنه بابلي او كلداني (عراقي) تشرب الثقافة اليونانية (أنظر: سودا الموسوعة البيزنطية ، 166وكذلك حياة هبيشا من سودا ، ترجمة جيرمايا قيدي ، مجلة الكونيات 1993) 

ثانياً – شرح على كتاب أبولونيوس (190 – 262 ق.م وهو عالم في الهندسة وعلم الفلك)  في الأشكال المخروطية (أنظر: المصدر السابق).

ثالثاً – نشرت نسخة معدلة لكتاب بطلميوس الذي سبق أن شرحه والدها ثيون الإسكندراني (أنظر: مريا ديسلسكيا ؛ هبيشا الإسكندرانية ، ترجمة أف . لايرا ، مطبعة جامعة هارفارد 1995 ، ص ص 71 – 72) ولهذا الكتاب سمعة عالية في التراث العلمي العربي الإسلامي ، والمشهور ” بكتاب المجسطي ” والذي كانت له سلطة علمية قرابة ألف عاماً ، وهو كتاب في علم الفلك ويعرض موديلا هندسيا لحركة الكواكب والنجوم.

رابعاً – صححت ونشرت شرح والدها على كتاب الأصول لإقليدس (أنظر: حياة هبيشا من سودا) . وأقليدس هو واحد من علماء الرياضيات في مدرسة الإسكندرية ، وان كتاب الأصول يتألف من ثلاثة عشر جزءً ، وان المطالع لهذه الأجزاء يستنتج بأن كتابة هذه الأجزاء قد أتم كتابتها أكثر من مؤلف واحد (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة أدآب الرافدين ، كلية الآداب – جامعة الموصل 1978 ، ص 141 ومابعد) .

خامساً – وكتبت نص مؤلف بعنوان : القانون الفلكي (أنظر: حياة هبيشا من سودا)

  كما ولها إسهامات في العلم تشمل دراسة الأجسام السماوية ، وإختراع أداة لقياس الرطوبة . كما إن تلميذها سينسوس رئيس القساوسة سابق الذكر ، قد كتب رسالة دافع عنها كمخترعة لألة الأسطرلاب . كما أن والدها قد أكتسب سمعة في رسالته التي بحثت في موضوع الأسطرلاب أيضاً (أنظر: سو توهي ؛ المصدر السابق ، وكذلك : أثيليا فير وكرك باتك ؛ المصدر السابق ) .

  إن موت الفيلسوفة هبيشا بعد هذه الحياة العلمية المتفردة ، وأثناء قيادتها للمدرسة الإفلاطونية المحدثة ، وإنتشار تعاليمها الفلسفية وتهافت الطلبة على محاضراتها من مسيحيين وغير مسيحيين ، من أبناء الوطن ومن الأجانب ، سبب حالة تصادم بين كيانين نفسيين: كيان كونته الفلسفة عبر تاريخها العتيد وحتى لحظة موت هبيشا وكيان نفسي جديد تتحدث عنه المسيحية وتبشر في إنجازه . وتعارض فكراني بين تكوينات فلسفية متنوعة ، أبواب أنظمتها مشرعة للحوار والتجديد . وتكوين عقيدي أحادي مسدودة أبوابه على أي نوع من الحوار. والطريق الوحيد الذي تتطلع إلى فرضه ، هو الهيمنة وتصفية الأصوات المعارضة وإسكاتها إلى الأبد . 

  خلق هذا التعارض توتراً دائماً بين الإفلاطونية المحدثة والمكون العقيدي المسيحي ولكن في الحقيقة إن هناك إستثناءات شملت عدداً محسوباً من الإفلاطونيين المحدثين ممن تصالح مع العقيدي المسيحي وأحتل مكانة مرموقة في تاريخ الكنيسة ومنهم طلاب الفيلسوفة هبيشا . ولعل خير شاهد تلميذها والمدافع عنها سينسوس رئيس قساوسة قورينيا .

   ونحسب إن التوتر بين الإفلاطونية المحدثة والعقيدي المسيحي لا يقتصر على عصر هبيشا وإن أخذ شكلاً تراجيدياً دموياً في زمنها ، بل يصعد إلى بدايات تأسيس الإفلاطونية المحدثة . فمثلاً يقال إن المؤسس الروحي أمونيوس ساكس قد أعتنق المسيحية التي كانت ديانة والديه ، ومن ثم أرتد إلى الوثنية . كما أن إفلوطين المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة  كان متردداً حائراً ولهذا تطلع لدراسة الفلسفتين الفارسية والهندية وذهب في حملة إلى هناك . إلا أن الحملة فشلت ففر بجلده خائباً نحو أثينا يحتفظ على الأكثر بعقيدته الوثنية . ولعل خليفته فرفريوس الصوري وتلميذه وناشر تساعياته يعكس بدرجات ما عقيدة أستاذه ، فقد كان  فرفريوس معارضاً للمسيحية ومدافعاً عنيداً عن الوثنية ، وألف كتاباً ضد المسيحية ، يتألف من خمسة عشر كتاباً ( أنظر: محمد جلوب الفرحان : أثر فرفريوس الصوري على ثقافة إبن حزم المنطقية ، مجلة دراسات الأجيال (محكمة) ، بغداد 1987)

  وظل هذا التوتر يتخذ أشكالاً متنوعة ، تحكمها الظروف صعوداً وهبوطاً . فمثلاً في عصر هبيشا ، وبالتحديد عام 389 م ، تم إحراق مكتبة الإسكندرية ، بأمر من ثيوفيلوس ، رئيس قساوسة الإسكندرية . تلى ذلك ملاحقة وإضطهاد جميع أتباع الإفلاطونية المحدثة  . وفي إطار هذا الجو الساخن ، أصبحت هبيشا موضوع جدل بسبب مكانتها الفلسفية وسلطة معارفها وكثرة طلابها ومريديها من الداخل والخارج.(أنظر: أثليا فير وكريك باتك ؛ المصدر السابق ) .

  وفي العام 412 م تطورت الظروف المعادية للإفلاطونية المحدثة عامة ،والساخطة على هبيشا إلى أقصى درجات حرارتها ، وذلك عندما أقسم بابا الإسكندرية سايرل أو كايرل (376 – 444 م والذي أصبح البابا في الإسكندرية للفترة من 412 إلى 444 بعد صراع على كرسي البابوبة وخلافاً لرغبة المجتمعين ، حصل على الكرسي وخلف خاله البابا السابق ) على تصفية ما أسماه ” بهراطقة الإفلاطونية المحدثة ” واليهود وطوائف مسيحية أخرى .

   وأدرك بعض أصدقاء هبيشا خطورة دعوة البابا الجديد على حياة هبيشا لإنها رأس الإفلاطونية المحدثة ورمزها النسوي الذي يحمل له البابا حقداً دفيناً في كل خلاياه ، فطلبوا من هبيشا أن تتبرأ من فلسفتها وتعاليمها . إلا إنها رفضت عرض الأصدقاء بشدة ، مؤكدة لهم صحة مسارها الفلسفي وسلامة منهجها في الحياة ومتانة المنظومات العلمية التي تعمل على إرساءها لصالح المجتمع والإنسان الإسكندرانيين (المصدر السابق) . في حين كانت قيادة العقيدي المسيحي الجديدة ، طائفية تنتصر لذكورية ظالمة على حساب جندر المرأة ، وتسعى إلى شق الصف الإسكندراني وذلك بقتل هبيشا وقبر مشروعها الفلسفي الساعي إلى توحيد الإسكندرانيين بمختلف أطيافهم من إفلاطونيين محدثين ويهود ومسيحيين  .

 وفي آذار عام 415 م قامت حشود غاضبة من المسيحيين ، يقودهم مجموعة من الرهبان المتحمسين للبابا سايرل ( الذي خلف من خاله البابا السابق سياسة تصفية الأخر وإسكاته بالقوة إن كان له رأي مخالف ، حتى وإن كان مسيحياً) فقتلوا هبيشا بطريقة تراجيدية ، ترفضها كل شرائع السماء والأرض . فقد ذكر أدورد ويتس بأن هذه الحشود المندفعة نحو تنفيذ الجريمة ، يحركها دافع واحد ، وهو إتهام هبيشا بحالة ” الفوضى الدينية التي تعصف في مدينة الإسكندرية ” . وفي سنوات لاحقة أتهم البابا سايرل ” بتدمير الكنيسة وبفعله المحرك في قتل هبيشا ” ، وعلى هذا الأساس صدرت قرارات كنسية بتحميله مسؤولية ما حدث (أنظر: مريا ديسليسكا ؛ المصدر السابق ، ص 156) . في حين أنبرى أخرون يدافعون عنه وأسقطوا كل تورط له في قتل هبيشا ، وشطبوا أي دور له في تمهيد الأجواء التي حرضت الرعاع على قتل إنسانة بريئة وبتحريض منه ” وبيد مساعده بيتر القارئ ومجموعة الرهبان الذين ألهبتهم كلماته الداعية إلى تخليص الإسكندرية من أتباع الإفلاطونية المحدثة ، نقول أسقطوا التهم عنه وبرؤه من جريمة القتل ، ومنحوه لقب قديس” وهكذا أصبحت سايرل بحركة مسرحية ” القديس سايرل ” .

 ويصور لنا المؤرخون مسيحيون وغيرهم ، الجريمة التي أرتكبتها الحشود المؤمنة وبقيادة رهبان مجرمين ومساعد البابا التقي :

 ” خلال فصل الصوم الكبير ، هجمت الحشود المسيحية الهائجة على هبيشا ، وهي في عربتها متوجهة إلى البيت (وممكن أن يكونوا مجموعة من الرهبان ) يقودهم رجلاً إسمه بيتر والذي يعتقد إنه بيتر القارئ ، وهو مساعد سايرل . ثم قام الرهبان بتجريد هبيشا من ملابسها ، وجروها وهي عارية في شوراع الإسكندرية وحتى الكنيسة الجديدة ، وهناك حيث تم قتلها بوحشية . في حين ذكر آخرون بأنها سلخت بحجرة حادة ، وقطع جسمها إرباً إرباُ ، ومن ثم أحرقت وهي حية . بينما أشار البعض إلى إن كل ذلك حدث بعد موتها “. ( أنظر : شهادة سقراط الإسطنبولي ، وهو مسيحي ومن معاصري هبيشا . وكذلك : شهادة جون نيكو ، وهو قس قبطي مصري ، من كتاب القرن السابع ، وله كتاب في الحوليات ، يبدأ من آدم وينتهي بإحتلال المسلمين لمصر) .

 ويرى البعض إن مقتل هبيشا قد حدد نهاية عصر ما يسمى بالكلاسيكيات القديمة (أنظر: كاثلين ويدر ؛ هبيشا ، مطبعة جامعة إنديانا 1986 ، ص ص 48 – 50) . في حين يعتقد آخرون إن ” الفلسفة الهيلينستية قد إستمرت مزدهرة حتى عصر جوستنيان في القرن السادس ” والذي أغلق المدارس الفلسفية ، فرحل الفلاسفة اليونانيون صوب الشرق بحثاً لهم عن ملجأ . وفعلاً نجحوا في تأسيس مدارس فلسفية في ” إنطاكيا ” و” ناصبين ” و ” جند يسابور ” … وهنا بدأت صفحة جديدة من تاريخ الفلسفة .

 وأخيراً وجدنا محاولات كاذبة ، ظهرت بعد قتل هبيشا من معسكر المؤمنين ، تسعى إلى تزوير التاريخ ووثائقه ، وإختراع وثائق لا علاقة لها بما حدث ، تبارك القاتل وفعل القتل ، ولكن ينكرها الله الذي به يؤمنون . لقد أخترعوا رسالة تهاجم المسيحية وكتبوا إسم هبيشا عليها (أنظر : أدورد كيبون ؛ تاريخ إنهيار وسقوط الأمبراطورية الرومانية). وبذلك قتلوا هبيشا مرتين ؛ مرة بيد القديس سايرل ورهبانه المتعففين . ومرة أخرى بأيديهم ، وذلك عندما أخترعوا وثيقة كاذبة تبرر قتلها .

 ووفقاً لبايرن وايتفيلد (قسم روبرت للمسيحية في جامعة ميرسر) يرى إن المؤرخ الوثني دمسكس (458 – 538 م ، وهو آخر رمز من رموز الإفلاطونية المحدثة ، إضطهده  الإمبراطور جوستنيان ، ومن ثم طلب اللجوء إلى البلاط الفارسي ) كان ” قلقاً في إستغلال فضيحة موت هبيشا ” ( أنظر: بايرن وايتفيلد ؛ جمالية الإستدلال ؛ تحقيق في قضية هبيشا الإسكندرانية ، نشرة جامعة جورجيا 1995 ، ص 14) . ومن ثم وضع اللوم على المسيحيين والبابا سايرل . وتفسيره قد إمتزج في سودا ، الموسوعة البيزنطية ، مما جعل أفكاره تنتشر بصورة واسعة . وعلى أية حال فأن دمسكس هو المصدر الوحيد الذي يحمل سايرل مسؤولية مقتل هبيشا (أنظر: مريا ديسلسكا ؛ المصدر السابق ، ص 18) .

   وتعتقد ديسلسكا بأنه من الممكن أن يكون حارسه الشخصي متورط في عملية القتل . ولكن الحقيقة ، هو إن معظم مؤرخي القرن الرابع ومابعد كانوا مسيحيين ، وهذا هو السبب الرئيس الذي تم فيه التحكم على سرية المصادرعن هبيشا . كما هو السبب الذي يلقي ستاراً من السرية على موتها (أنظر: المصدر السابق) . 

 وعلى هذا الأساس فضل بابا الأسكندرية ” ثيوفيلوس ” طريق العنف والإضطهاد لإرهاب المعارضين للعقيدي المسيحي وإسكات أصواتهم . وفعلاً قام البابا ثيوفيلوس بإحراق مكتبة الإسكندرية وهي المركز الفلسفي والتعليمي للإفلاطونية المحدثة التي تقودها الشهيدة هبيشا . ولكن وفاته ، كما يبدو ختمت صفحة من تاريخ الصراع المسيحي ضد الإفلاطونية المحدثة وصوتها المدافع عن وحدة الإسكندرية والتعايش السلمي بين فئات المجتمع الإسكندراني المتنوع في دياناته وعقائده .

     إلا إن موت البابا الخال لم يخفف من حالة العنف الذي تقوده الكنيسة ، بل تصاعد في فصله الجديد وبدرجات تراجيدية دموية ، وذلك عندما نجح إبن أخت البابا السابق ، القس سايرل أن يخلف خاله ويكون البابا الجديد ، والذي أقسم عشية تتويجه بالبابوية بتصفية من أسماهم : هراطقة الإفلاطونية المحدثة واليهود وطوائف مسيحية مخالفة . وكانت الخطوة الأولى ، قد تمثلت بصدور قرار من البابا أو بمباركة منه في تنفيذ خطة تصفية للأعداء الإفلاطونيين المحدثين . وفعلاً وضع قيادة التنفيذ بيد مساعده ” القراء بيتر” ، وبدأت الخطة بتصفية الفيلسوفة هبيشا تراجيدياً ، وإسكات صوتها الداعي إلى الحرية والتنوع والتعايش إلى الأبد . وكان صوتها ” في الوقت ذاته يعارض عقيدة الصوت الواحد والهيمنة والتسلط .. “. ولعل القرار الكنسي الصادر بحق سايرل وإدانة ما قام به من عنف وتورطه في قتل الفيلسوفة هبيشا وإعتباره ” مونسترا” وإنه عمل على ” تدمير الكنيسة ” شهادة مسيحية لصالح هبيشا وتجريم لأفعال البابا سايرل. فرحم الله هبيشا وطيب ثراه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5) 

دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   هذا بحث أصيل في مضمار الفلسفة اليونانية خاصة وتاريخ الفلسفة التي لعبت فيه المرأة  دوراً فاعلاً ، وبالتحديد في  مشاركتها في  تكوين طوابق عمارته الفلسفية المتنوعة . إن هذا البحث هو مفصل مهم من المشروع الذي نشتغل عليه والمعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” . إن هذا المبحث يتناول جملة مساهمات قامت بها الفيلسوفات في المدرسة الفلسفية الفيثاغورية . حقيقة إن الجيل الأول من الفيلسوفات الفيثاغوريات ، كان ينتمي إلى بيت الفيلسوف فيثاغوراس (570- 495 ق.م) ، المؤسس للمدرسة الفيثاغورية العتيدة .

   لقد لاحظ الباحث الأكاديمي المدقق في المستور والمهمش من نصوص يونانية ، إن أخت فيثاغوراس ” ثيمستوكلي ” كانت  فيلسوفة رائدة ، ومعلمة الفيلسوف فيثاغوراس ، وملهمته الروحية في صياغة أول تحديد لإصطلاح الفلسفة ، ومن ثم تعيين مواصفات الفيلسوف الحقيقي أو الفيلسوفة الحقيقية . وبعد ذلك سطعت شمس زوجة فيثاغوراس الفيلسوفة ” ثيونا ” . وتلتها في تفعيل نشاط المدرسة بناتها الفيلسوفات وبنات فيثاغورس الثلاثة : ” إيركنوتا ” ، ” مايا ” ومن ثم ” ديمو ” .  

  ومن المعلوم للدارسين في مضمار الفلسفة اليونانية ، إن المؤسس فيثاغوراس قد زار ما يعرف جغرافياً اليوم بسوريا ولبنان (فينيشيا/ فينيقيا) وبابل وتعرف هناك على تعاليم الأورفية ، وتعلم فيثاغوراس من البابليين علم الفلك (الكلدانيا بلغة اليونان) ، وكذلك زار شبه جزيرة العرب ومصر . وبعد عودته ، أسس مدرسته التي تشبه في كثير من تعاليمها ، خصوصاً في إخوتها النزعة الأورفية .. ولعل من النافع أن أشارك القارئ بأن هناك بعض الباحثين من الغرب والشرق ، من ينظر إلى الفيثاغورية على إنها تجديد للنزعة الأورفية (والأورفية جاءت من إسم النبي السوري ، أورفيوس ، والبعض يعتقد إن أورفيوس كان بحد ذاته إلهاً) هذا طرف .

   أما الطرف الثاني فإن تراث الفيثاغورية قد وجد طريقه إلى داخل تعاليم الفيلسوف إفلاطون ، وشكلت في عمارته الفلسفية الطابق الثاني أو ما يعرف بعالم الرياضيات .وبصورة مباشرة أو غير مباشرة وجدت الفيثاغورية طريقها إلى الإفلاطونية المحدثة فيما بعد ، والتي أصبحت نزعة فلسفية عارمة ، أخذت تعرف بالفيثاغورية الجديدة يومذاك . كم يجب أن نذكر بأن فكرة النفس التي لها كيان مستقل عن الجسم التي يرى الكثير إنها غريبة على الثقافة اليونانية ، قد جاءت من الأورفية (شرقية الروح) وإنتقلت إلى الفيثاغورية ومن خلالها مرت إلى إفلاطون وإلى التراث الفلسفي الغربي برمته .

دور المرأة الفيلسوفة في المرحلة الفيثاغورية الأولى

  لعبت المرأة الفيلسوفة أدوراً فاعلة في إرساء مجتمع الإخوة داخل أروقة المدرسة الفيثاغورية . وإتخذت هذه الأدوار أشكالاً متنوعة ، توزعت بين عضو فيثاغوري يتمتع بحقوق الأخوة ، والمساواة الندية مع الأخوة الرجال سواء في الواجبات والتلمذة ، وقيادة المدرسة والإنتاج الفلسفي والتعليم ، ومن ثم الأشراف على المدرسة وضبط تنفيذ قواعد الحياة داخلها  . ومن أسماء الفيلسوفات اللائي حفظهن القدر من الضياع ، وبقيت أعلاماً تضئ تاريخ الفلسفة اليونانية والفلسفة الفمنستية على حد سواء ، خصوصاً في بواكير مرحلة تأسيس المدرسة الفلسفية الفيثاغورية ، كل من ” ثيمستوكلي ” ، ” ثيونا ” ، ” إيراكنوتا “، ” مايا ” و ” ديمو ” .

أولاً – ثيمستوكلي” فيلسوفة ومعلمة لفيثاغوراس :

   يذكر ديوجانس لارتيوس في موسوعته الفلسفية المعنونة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” إسم الفيلسوفة ” ثيمستوكلي ” (كانت مزدهرة عام 600 ق.م) ، وهي كاهنة في معبد دلفي ، وفيلسوفة وعالمة رياضيات . وكانت معلمة  للفيلسوف ” فيثاغوراس ” ، كما إنها حسب مصادر ديوجانس لارتيوس ، كانت شقيقة الفيلسوف فيثاغوراس (أنظر : لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثامن) . وفعلاً بعد إن صاغ فيثاغوراس مصطلح الفلسفة وحدد معاييره ، أصبحت ثيمستوكلي أول إمرأة فيلسوفة في التاريخ تنطبق عليها معايير إصطلاح الفلسفة وفقاً للضبط الذي وضعه الفيلسوف  فيثاغوراس (أنظر: ماري آلين وايت ؛ الفيلسوفات النسويات في العصر القديم (600 ق.م – 500 م) ، المجلد الأول ، طبعة هولندا 1987 ، ص 11) .

   لقد جاء ذكر ثيمستوكلي في كتابات ” أرستوكنس ” (أزدهر عام 335 ق.م ) وهو فيلسوف مشائي ، وهو تلميذ أرسطو ، ضاعت جميع مؤلفاته ما عدا رسالة واحدة غير كاملة ، نجت من الضياع وكانت بعنوان ” مبادئ الهرمونيا ” (أنظر : السير جون هاوكنز ؛ التاريخ العام لعلم الموسيقى وتطبيقاته ، المجلد الأول 1868 ، ص ص 66 – 67) . وكذلك جاء ذكرها عند ديوجانس لارتيوس ، وبالتحديد عندما تحدث عن سيرة الفيلسوف فيثاغوراس . والواقع إن لارتيوس قد نقل عبارة الفيلسوف المشائي أرستوكنس ، والقائلة : ” إن ثيمستوكلي قد علمت فيثاغوراس المبادئ الأخلاقية ” .  و يشدد أرستوكنس على إن فيثاغوراس قد إشتق أجزاء كبيرة من مبادئه الأخلاقية من ثيمستوكلي كاهنة دلفي (أنظر : لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثامن) .

   هكذا شاركت ثيمستوكلي الفيلسوفة أرستوكلي في تعليم فيثاغورس الفلسفة والعلم الرياضي . كما شاركت أرستوكلي كذلك  في أنها كانت واحدة من كاهنات معبد دلفي الشهير ( وربما هي أو أرستوكلي) أو كلاهما من رسم مستقبل الفيلسوف فيثاغوراس ومدرسته التي قامت على مشروع الآخوة دون تمييز على أساس الجندر . وهكذا كانت المدرسة الفيثاغورية مفتوحة للرجال والنساء على حد سواء (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ، الفصل الأول ، منشور على موقع الفيلسوف وموقع مجلة أفيروس وعلى صفحات القدس العربي ومواقع عديدة).

ثانياً – الفيلسوفة الفيثاغورية ” ثيونا ” :

  عاشت الفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا في القرن السادس قبل الميلاد .  وحسب روايات المصادر التي إعتنت بالفلسفة اليونانية عامة والفلسفة الفيثاغورية خاصة ، إنها كانت زوجة فيثاغوراس المؤسس للمدرسة والتي أطلق إسمه عليها . ولاحظنا إن ديوجانس لارتيوس في موسوعته الفلسفية ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” يتردد بين التأكيد على إن الفيلسوفة ثيونا كانت ” زوجة ” أم ” بنتاً ” للفيلسوف الفيثاغوري أو إنها زوجة أم بنتاً لشخص آخر يدعى ” برونتنيوس ” الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد (أنظر : لارتيوس : حيا ة وآراء .. ، الكتاب الثامن ، ص 83) والفيلسوف برونتنيوس هو من حواري فيثاغوراس ومن أصدقائه المقربين (أنظر المصدر السابق ، ص 42) . وهذا الإرتباك في المعلومات حول حقيقة الفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا ، حمل بعض الكتاب من مثل ” آيان بلانت ” إلى القول بوجود عدد من الشخصيات النسوية اللائي يحملن الأسم ” ثيونا ” ومنهم من أقترح إسم ” ثيونا الثانية ” كفيلسوفة فيثاغورية جاءت بعد الفيلسوفة ” ثيونا الأولى ” (أنظر: آيان مايكل بلانت ؛ النساء الكاتبات في العصرين اليوناني والروماني (مجموع) ، نشرة جامعة أوكلاهوما 2004 ، ص 69) .

  وتنسب إلى ثيونا بعض العبارات المقطوعة (أو الحكم) والرسائل ، والتي يدور الشك حول حقيقة إن ثيونا هي الكاتبة الأصيلة لها . ويعتقد المؤرخون من أن ثيونا كانت تلميذة لفيثاغوراس أولاً ، ومن ثم أصبحت لاحقاً معلمة في المدرسة الفيثاغورية التي كانت يومها تضم بين جنباتها 28 تلميذة  يتلقين التعاليم الفلسفية للفيثاغورية ، ويعشن وفقاً لنظام الإخوة الفيثاغورية (أنظر : أيان مايكل بلانت ؛ المصدر السابق ، ص 69 وما بعد) .

  والحقيقة إن هناك القليل من المعلومات عن حياة ثيونا ، ويبدو لنا إن المصادر القديمة تكاد أن تكون مرتبكة حول القصص التي نسجت حول شخصيتها . فمثلاً حسب الشائع ” إنها جاءت من كريت ، وإنها بنت ” فيثونكس ” . ولا يتوافر لدينا أي شئ عن فيثونكس . في حين رأى البعض ” إنها جاءت من كروتون ، وهي بنت برونتنيوس ” (أنظر : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية (القرن العاشر) ، مادة ثيونا . وكذلك لارتيوس : المصدر السابق ، الكتاب الثامن ، ص ص 42 -43) . كما وينسب لها لارتيوس عدة أطفال من زوجها الفيلسوف فيثاغوراس ، وهم ثلاثة بنات ، وهن ” ديمو ” ، ” مايا ” و” أيركنوتا ” وولد إسمه ” تيلوكس ” (إزدهر 500 ق.م) ، والذي سيصبح واحداً من فلاسفة المدرسة الفيثاغورية لاحقاً (المصدر السابق) . وحسب سودا ” إن تيلوكس كان معلماً للفيلسوف إمباذوقليس ” (490- 430 ق.م) ( أنظر : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية / مادة تيلوكس ومادة إمباذوقليس) .

  وينسب إلى الفيلسوفة ثيونا مجموعة كتب منها : الحكم الفيثاغورية ، نصيحة نسوية ، في الفضيلة ، في الشفقة ، مع فيثاغوراس ، شروح فلسفية ومجموعة رسائل . وجميع هذه المؤلفات ضاعت وطواها النسيان . ألا إنها بقيت فقط عناوين وبعض العبارات ورسائل هي محط شك في حقيقة مؤلفها . وفعلاً فإن هناك من يرى إنها تعود إلى ثيونا ، في حين هناك من يعتقد إنها من تأليف ثيونا الثانية (أنظر: ماري آلين وايت : المصدر السابق ، الفصل الأول الفيثاغوريات الأوائل ، ص ص 11 وما بعد) .

  وفي عبارة مقطوعة من كتابها ” في الشفقة ” ظلت محفوظة ، وفيها تشير إلى التناظر الذي أقامه فيثاغوراس بين الأعداد وعالم الأشياء . وفي رسائل مختلفة هناك معالجة لموضوعات تتعلق بشؤون البيت ، مثل : ” كيف تربي المرأة الأطفال ، وكيف تعامل المرأة الخدم ، وكيف تعامل المرأة زوجها ” (آيان مايكل بلانت ؛ المصدر السابق) . وتزعم ماري ريتر بيرد بأن رسالتها ” في الفضيلة ” قد إحتوت على المبدأ الأخلاقي الشهير في الفلسفة اليونانية عامة وفلسفة آرسطو الأخلاقية خاصة ، وهو مبدأ ” الوسط الذهبي ” (أنظر: ماري ريتر بيرد ؛ المرأة كقوة في التاريخ ؛ دراسة في التقاليد والحقائق ، 1946 ، ص 314) . والمثال على مبدأ الوسط الذهبي : الشجاعة التي هي توسط بين طرفين : الجبن والتهور .

ثالثاً – الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيراكنوتا ” :

  إزدهرت إيراكنوتا في عام 500 ق.م ، وهي فيلسوفة فيثاغورية ، وكانت تلميذة لكل من أبيها فيثاغوراس وأمها الفيلسوفة ثيونا . (أنظر : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادة إيراكنوتا) . وكتبت (البكشايا) وهي تراتيل خاصة بأسرار ” ديمتير ” والتي تعرف كذلك بالقصة المقدسة . وديمتر هي إلهة نسوية ، والذي يعرف عنها ، إنها كانت إلهة الحصاد والحنطة وخصوبة الأرض والفصول . ولها سلطة على الزواج المقدس ودورة الحياة والموت (أنظر: روبر كريف ؛ الأساطير اليونانية (بالإنكليزية) ، نشرة بانكوين 1990 ، ص 94 وما بعد) . وكثيراً مايتم الحديث عن هذه التراتيل التي تنسب إلى الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيراكنوتا ” ، تحت إطار التراتيل الأورفية .

   وينسب لها سودا كتاباً بعنوان ” شعائر عبادة الإله ديونسيوس ” (أنظر : الموسوعة البيزنطية ، مادة إيركنوتا) . وديونسيوس هو إله العنب والنبيذ . وشعائر العبادة هي عبارة عن إحتفالات تتضمن الأبتهاج والسرور ، شرب النبيذ والوصول إلى حالة النشوة ، وخلال الإحتفالات يتم الإعلان عن عودة الإله إلى الحياة من جديد (للإطلاع على عبادة ديونسيوس ، راجع : روزمري تايلور ؛ الإله العائد : أسرار ديونسيوس ، نشرة مطابع الكورا 2003 ) . وهناك من الباحثين الأكاديمين الغربيين ، من يرى إن الكتابات التي نسبت إلى إيركنوتا ، قد ظلت متداولة أيام الفيلسوف اللبناني ، الإفلاطوني المحدث ” فرفريوس الصوري ” (234 – 305 م) (أنظر : فرفريوس الصوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 4 ، نقلاً عن : كيلز منجي ؛ تاريخ النساء الفيلسوفات ، مطبعة الجامعة الأمريكية 1984 ، ص 53) .

 ومن بين الخطابات الفيثاغورية المقدسة ، هناك قول مأثور ينسب إلى الفيلسوفة الفيثاغورية إيركنوتا :

” إن الجوهر السرمدي للعدد ، هو العناية الإلهية ، التي لها فعل في السماء والأرض والمنطقة بينهما ، كما هي أصل الوجود المستمر للآلهة ، والأرواح الشريرة . إضافة إلى الرجال التي لهم طبيعة إلهية ” (أنظر: ماري آلن وايت ؛ المصدر السابق ، ص 12).

رابعاً – الفيلسوفة الفيثاغورية ” مايا ”

  إزدهرت مايا حوالي 500 قبل الميلاد ، وهي واحدة من بنات الفيلسوفة الفيثاغورية ” ثيونا ” والفيلسوف فيثاغوراس (أنظر: فرفريوس الصوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 4 ، وكذلك سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادتي : مايا وثيونا) . ومايا كانت متزوجة من المصارع الكروتوني (الإيطالي) المشهور ” ميلو ” الذي فاز ببطولة مصارعة الفتيان عام 540 ق.م .

  ولاحظ الباحث إن هناك روايتان نسجت حول شخصية المصارع ميلو ، لهما أهمية في تاريخ الفلسفة الفيثاغورية عامة ، وحياة الفيلسوفة الفيثاغورية مايا ؛ الأولى تذكر أن ميلو كان من أتباع الفيثاغورية ، وتقدمه بطلاً فيثاغورياً وذلك من خلال إنقاذه الفيلسوف فيثاغوراس من موت محتوم ، عندما كاد أن ينهار على فيثاغوراس سقف البيت . والثانية تشير إلى إن المصارع ميلو قد تزوج من الفيلسوفة الفيثاغورية مايا (أنظر: أ . هاريس ؛ الرياضة والرياضيون اليونان (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة هاشنسان 1964 ، ص ص 110 – 113) . ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، فإن ” فيثاغوراس مات محروقاً في بيت ميلو مع عدد من الفيثاغوريين ” (أنظر: لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثامن) .

  وحسب رواية الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” (245 – 325 م) والذي يعد كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” من المصادر المهمة في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة والمدرسة الفيثاغورية خاصة ، والذي كتبه في نهايات القرن الثالث الميلادي أو بدايات الرابع الميلادي . فقد ذكر إن الفيلسوفة الفيثاغورية مايا ” حين كانت في عمر الصبايا ، كانت تقود جوقة  من الفتيات المنشدات ” . إضافة إلى إنها كانت إنموذجاً نسويا عالياً ، حيث إنها وفقاً لرواية إمبيلكوس ” كانت صاحبة سلوك ديني مثالي ” (أنظر: إمبيلكوس السوري ؛ حياة فيثاغوراس (بالإنكليزية) ، ترجمه من اليونانية توماس تايلور ، نشرة دار ثيوسوفيكل للنشر ، كليفورنيا 1918 ، ص 30) .

  وعلى أساس رواية الخطيب الأشوري الساخر ” لوكين ” (125 – بعد 180 م ولد في مدينة سامستا التابعة للإمبراطورية الرومانية ، والتي تقع على الجهة اليمنى من نهر الفرات من الجانب التركي) . والتي ذكرها في كتابه المعنون ” في مدح الذبابة ” يقول:

” في العصور القديمة ، كانت أمرأة أسمها مايا ، وهي شاعرة حكيمة وفي غاية الجمال ، قال فيها الشاعر الساخر لوكين ، البيت الشعري الأتي :

       هناك في أعماق قلبي آلم ، سببه لسعة من مايا

إن لدي (لوكن يقول) الكثير الكثير من المعلومات عن مايا بنت فيثاغوراس ، والذي يجهلها الكثير ” (أنظر: لوكن الأشوري ؛ في مدح الذبابة ، منشور في أعمال لوكن ، ترجمة فلور و ج . فلور ، مطبعة جامعة أكسفورد 1905 ، ص ص 264 – 265) . ولعل القارئ الحصيف يتحسس النقد الماسوجيني المعادي للمرأة ودورها في الحياة وفي الثقافة  في كلام الشاعر لوكين .

  شكلت أفكار مايا في تربية الطفل ، ملامح أول نزعة فلسفية تربوية في تاريخ الفلسفة اليونانية ، فهي تتقدم بزمن بعيد على الإتجاهين الفلسفيين التربويين المشهورين : الإفلاطوني الذي أودعه إفلاطون في محاورة الجمهورية ، وبصورة محددة التربية الأولية والتدريب الرياضي (أنظر: إفلاطون ؛ الجمهورية ، ترجمة جويت ، دار راندم نيويورك 1937 ، القسم الأول تربية الحراس والجزء الثاني تربية الفلاسفة) ، والنزعة الفلسفية التربوية الأرسطية التي ركزها أرسطو في كتابه السياسة ، خصوصاً إستحمام الطفل ورضاعته ومواسم الزواج والحمل (أنظر: لورد كارنس ؛ التربية والثقافة في فكر أرسطو السياسي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كورنيل 1982 ، صفحات مختلفة)  .

   حقيقة إن الفيلسوفة مايا ربطت بصورة محكمة  بين فكرة ” الإنسجام أو التناغم ” ، الفكرة الفلسفية الفيثاغورية وتربية الطفل ، خاصة حديث الولادة . ففي رسالة تنسب إلى الفيلسوفة مايا الفيثاغورية ، والتي يعود تاريخها إلى القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد ، خاطبت فيها سيدة إسمها ” فيلاس ” . ومن ثم جرت مناقشة بينهما ، ركزت حول كيفية إشباع حاجات الطفل حديث الولادة وعلى أساس مبدأ الفيثاغورية في الإنسجام أو الإعتدال .

  كما بينت الرسالة إن الطفل بطبيعته يرغب في الإعتدال في كل الأمور ؛ الإعتدال في الطعام ، والملابس والتدفئة .. كما وإن الإعتدال يجب أن يشمل مرضعة وحاضنة الطفل كذلك (أنظر : آين مايكل بلانت ؛ النساء الكاتبات في العصرين اليوناني والروماني ، مطبعة جامعة أوكلاهوما 2004 ، ص 79 . وكذلك : ماري آلين وايث ؛ تاريخ الفيلسوفات اليونانيات ، ص ص 15 – 17) .

خامساً – الفيلسوفة الفيثاغورية ” ديمو “

  إزدهرت الفيلسوفة الفيثاغورية ديمو في حدود 500 قبل الميلاد . وهناك القليل من المعلومات المتوافرة في المصادر التي إعتنت في بواكير الفلسفة اليونانية عامة واالمدرسة الفلسفية الفيثاغورية خاصة . واليوم نستمد معلوماتنا عن الفيلسوفة ديمو من أربعة مصادر تاريخية . والحقيقة إن جميعها لم تستهدف الفيلسوفة ديمو ، وإنما كانت تتحدث عن الفيلسوف الأب فيثاغوراس ، ومن ثم تم الإشارة إلى ديمو الفيثاغورية :

الأول كتاب ديوجانس لارتيوس المعنون ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” وبالتحديد في الكتاب الثامن المعنون ” فيثاغوراس ” . ومن المعلوم إن كتاب ” حياة وآراء .. ” قد ألفه لارتيوس في العقد الثالث من النصف الأول من القرن الثالث الميلادي ، وهو من أقدم المصادر التاريخية التي إعتنت بالفلسفة اليونانية عامة والفيثاغورية خاصة .

 والثاني كتاب الفيلسوف اللبناني فرفريوس الصوري ، المعنون ” حياة فيثاغوراس ” ، الذي كتبه في نهايات القرن الثالث الميلادي .

والثالث كتاب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس السوري ، المعنون ” حياة فيثاغوراس ” ومن المحتمل إن إمبيلكوس كتبه في نهايات القرن الثالث أو بدايات الرابع الميلادي .

والرابع كتاب موسوعي ، كتبه المؤلف البيزنطي سودا ، والمعنون ” الموسوعة البيزنطية ” ، وهو من نصوص القرن العاشر الميلادي . وهو مصدر متأخر على الأقل ستة قرون عن كتاب إمبيلكوس ، وأكثر من عقدين وستة قرون عن كتاب فرفريوس الصوري . وبحدود سبعة قرون على الأقل عن كتاب لارتيوس .

  إن هذا الفارق التاريخي يمنح سلطة معرفية متفوقة لكل من لارتيوس أولاً ، وفرفريوس ثانياً ، ومن ثم إمبيلكوس ثالثاً على كتاب سودا وموسوعته البيزنطية . وبالمناسبة إن المعلومات التي قدمها سودا ، جاءت من المادة التي خصصها للحديث عن الفيلسوف فيثاغوراس .

  تتفق هذه المصادر في أن الفيلسوفة الفيثاغورية ” ديمو ” ، هي بنت كل من الفيلسوف فيثاغوراس والفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا . (أنظر: لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الثامن ، ص ص 42 – 43 . وكذلك : أمبيلكوس السوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 146 . وأنظر أيضاً : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادة فيثاغوراس) . ولعل واحدة من أهم الروايات التي خصت ديمو الفيثاغورية ، هي الرواية التي أوردها ديوجانس لارتيوس ، والتي ذكرت الجوانب الآتية:

أولاً – وهب فيثاغوراس جميع مؤلفاته إلى إبنته الفيلسوفة ديمو . وهذا إن دل على شئ ، فإنه يدل على المكانة المتميزة للفيثاغورية ديمو في داخل العائلة الفيثاغورية خاصة ، ومن المحتمل أنها كانت تتمتع بمكانة مرموقة في داخل المدرسة الفيثاغورية بصورة عامة .  ولهذا إختارها فيثاغورس أن تكون الوريث الشرعي على التراث الفلسفي لمؤسس الفيثاغورية . وقد تكون ديمو هي البنت الأكبر سناً في العائلة . وهذا هو التقليد في أغلب المجتمعات ، وهو أن يرث أبيه المتوفى ، أحد أولاده أو بناته من كان أكبر سناً من بينهم يومذاك .

ثانياً – إن الرواية بينت بأن الفيلسوفة ديمو قد حافظت على وصية والدها ، فمنحت هذه الكتب مكانة مهمة في حياتها . فقد كانت الحارس الآمين عليها . وفظلت إن تعيش في حالة كفاف من بيعها . وفعلاً فقد واجهت عروضاً مغرية لبيعها . إلا إنها فظلت حالة الفقر والعوز على مقدار الذهب الكبير الذي عرض عليها . وهنا نود أن نشير إلى كلماتها التي جاءت منقولة في الرواية : 

 ” إن الجوع لأحب إلى نفسي ، وإن وصايا والدي الموقرة لعزيزة عليً ، وإنها أثمن قيمة من كل هذا الذهب ” (ترجمها من الأنكيزية الدكتور محمد جلوب الفرحان) (أنظر: ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الثامن ، ص ص 42 – 43)  .

ثالثاً- ويكمل رواية لارتيوس ، رواية إمبيلكوس والتي تدفع بها إلى نهايتها المرسومة . فقد كشفت رواية إمبيلكوس عن شخصية نسوية فيثاغورية أخرى تنتمي إلى عائلة الفلاسفة الفيثاغوريين ، وهي الفيلسوفة الفيثاغورية ” باتيل ” بنت الفيلسوفة ديمو ، وحفيدة الفيلسوف فيثاغوراس . فقد ذكرت الرواية ” إن ديمو بدورها سلمت مؤلفات والدها إلى إبنتها باتيل ” (أنظر: إمبيلكوس : حياة فيثاغوراس ، ص 146) .

   وهذا يدل على إن باتيل كانت شخصية فيثاغورية مرموقة ، لها مكانة في العائلة الفيثاغورية وفي المدرسة الفيثاغورية على حد سواء . هذا كل ما نعرفه عن أخر حبة من عنقود العنب الفيثاغوري. والحقيقة إن المصادر المتوافرة لدينا كانت ظنينة جداً ، فلم تقدم شيئاً مهماً يساعدنا في رسم صورة واضحة عن حياتها ونشاطها الفلسفي . إلا إن ما يكفي باتيل ، أنها كانت الحارس الآمين على تراث فيثاغوراس الفلسفي ، خصوصاً إذا تذكرنا بأن نيران حريق قد شبت في بيت صهره ميلو ، كانت السبب الذي رسم النهاية الدرامية لحياة هذا الفيلسوف والذي مات معه جماعة من الفيثاغوريين كذلك  . إلا إن هذه النيران الحاقدة لم تتمكن من الوصول إلى مؤلفات فيثاغوراس ، فبقيت خالدة تتنقل من يد أمينة (الفيلسوفة ديمو) إلى يد بنتها وحفيدة فيثاغوراس ، الفيلسوفة باتيل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

دور المرأة الفيلسوفة في المرحلة الفيثاغورية المتأخرة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  لعبت ثلاث فيلسوفات فيثاغوريات في هذه المرحلة من نمو المدرسة الفلسفية الفيثاغورية دوراً مهماً ، سواءً في نشر الفكر الفيثاغوري أو تعليمه أو تعزيز مجتمع الأخوة الفيثاغوري وتنشئة جيل فيثاغوري جديد يحمل مشعل الفلسفة الفيثاغورية ، ومن ثم يدفع به إلى أيادي جيل فيثاغوري جديد .  ونحسب إن المصادر التاريخية التي إنشغلت بدراسة حياتهن ومساهمتهن في المدرسة الفيثاغورية ، قد بينت في الوقت نفسه عن طبيعة الحركة النسوية (الفمنستية) ونشاطها  في هذه المرحلة المهمة من تطور الفكر الفلسفي الفيثاغوري . وجاء ظهورهؤلاء الفيلسوفات على الشكل الأتي : إيسارا لوكينيا ، فينتس (الإسبارطية) ، وبيرستوني الأولى .

أولاً – الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيسارا لوكينيا ”

    إهتم عدد من الفلاسفة والشعراء بالفيلسوفة الفيثاغورية إيسارا . فمثلاً تحدث عنها الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو (384 – 322 ق.م) كلاماً فيه كل إحترام وإعلاء لمكانتها . ومن ثم تحولت إلى موضوع مهم في محاضرات الكسندر السفسطائي . كما إن كلاً من الشاعرين الرومانيين ” كاتليوس ” (84 – 58 ق.م) و ” هوراس ” (65 – 8 ق.م) قد إكتشفا إيسارا في عصرهما ، وسمعا إلى الأغاني التي تثمن الرسائل التي كتبتها (أنظر: ماري بيرد ؛ النساء كقوة في التاريخ ، دراسة في التقاليد والحقائق ، نشرة مايكملان ، نيويورك 1947  ) .

   عاشت الفيلسوفة الفيثاغورية إيسارا لوكينيا في القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد ، وهي من أسرة يونانية عريقة . وإشتهرت بكتابها المعنون ” في الطبيعة الإنسانية ” والذي ضاع ولم تبقى منه سوى فقرات منتزعة لازالت محفوظة في كتاب المؤلف اليوناني ” جونس الإستوبي ” (عاش في القرن الخامس الميلادي) . والذي جمع في مجلدين ونشر بعنوان ” مجموع ” ، وهذا الكتاب في حقيقته مجموعة نصوص منتزعة من مؤلفات كثيرة يكاد يتجاوز عدد كتابها اليونان المئات (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ المؤرخ اليوناني ” جونس الإستوبي / المقدوني ” وكتابه المجموع ، قيد الإنجاز) .

  واليوم لا يتوافر للباحث شيئاً عن حياة الفيلسوفة إيسارا . ولكن الثابت المستقر إن إسمها إرتبط بفقرة واحدة ، يعتقد إنها منتزعة من عملها الفلسفي المعنون ” في الطبيعة الإنسانية ” كما ذكرنا سابقاً . وعلى كل فأن هذه الفقرة الخالدة هي التي خلدت الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيسارا ” .  أما لقبها ” لوكينا ” فإنه يعود إلى مدينتها ” لوكين ” والتي هي جزء من إقليم إيطاليا الجنوبية . وهذا الإقليم كان يطلق عليه إسم ” اليونان الكبرى ” وهو يشمل المناطق السواحلية الإيطالية ، والتي سكنها المهاجرون اليونان ، وهي المناطق ذاتها التي تواجدت فيها الجماعات الفيثاغورية (أنظر: بول هارفي : مصاحبة أكسفورد للآداب الكلاسيكية ، نشرة 1955 ، ص 258) .

  ولاحظ الباحث إن هناك أراء متنوعة وفيها نوعاً من التضارب ، قد نسجت حول إسمها ، فمثلاً وجدنا من يشير إلى إن إسمها ” إيسارا ” وفيه مقاربة من الإسم ” إريسا ” (وهذا يعني إن هناك قراءة خاطئة للإسم من الناحية الإملائية) ، وهو حسب واحد من مصادر الموروث الفيثاغوري المهمش ، والذي كان يروج معلومات حول الإسم ” إريسا ” بأنها كانت بنت فيثاغوراس والفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا (أنظر: آين بلانت ؛ النساء الكاتبات في العصرين اليوناني والروماني ، ص 81- 82) .

  أما الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس السوري ، ومؤرخ الفلسفة اليونانية . فقد ذكر في كتابه ” حياة فيثاغوراس ” بأن ” إرسس ” وليس ” إيسارا ” ، فهو ” كاتب رجل من لوكينيا ” (أنظر” إمبيلكوس السوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 266) . وبالتأكيد إن كلام الفيلسوف الإفلاطوني يشير إلى كاتب آخر لا علاقة له بالفيلسوفة الفيثاغورية ” إيسارا ” .

  أما كتاب الفيلسوفة الفيثاغورية إيسارا ” في الطبيعة الإنسانية ” فقد كان موضوع دراسة من قبل الباحثين الأكاديميين المحدثين مثل ” ماري وايت ” و ” آين بلانت ” واللتان ركزتا على تحليل الفقرة – الصفحة الوحيدة التي بقيت من هذا الكتاب . فوجدتا إن الكتاب كتب بإسلوب النثر الدوري ( وهي اللهجة اليونانية القديمة) . وعلى هذا الأساس رجحتا تاريخ تأليف الكتاب ، القرن الثالث قبل الميلاد أو ربما يصعد إلى فترة أبعد من ذلك (أنظر: وايت ؛ المصدر السابق ، ص 72 . وكذلك أنظر: بلانت ؛ المصدر السابق ، ص ص 81 – 82) .

  إلا إن قارئ كتاب وايت  يجد نوعاً من التردد وعدم الإستقرار على رأي واحد . وعلى هذا الأساس تركت الباب مفتوحاً لقبول فكرة إن كتاب ” في الطبيعة الإنسانية ” ربما كتب في مرحلة متأخرة وبإستخدام الإسلوب الأركيكي (وهو إسلوب يوناني قديم كان متداولاً في منتصف القرن السابع والقرن الخامس قبل الميلاد) (أنظر: وايت ؛ المصدر السابق ، ص 68) .

  وهناك من يجادل من الباحثين في حقيقة هذه الفقرة من كتاب ” في الطبيعة الإنسانية ” ، فيرى إن هذه الفقرة قد تم صياغتها من قبل واحد من الفيثاغوريين الجدد في العصر الروماني . وإن هذا الكلام إن دل على شئ ، فإنه يدل على الأقل ، على وجود إثنين من الفيلسوفات الفيثاغوريات بإسم ” إيسارا ” . واحدة حقيقية أصيلة وهي الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيسارا لوكينا ” والتي تصعد إلى بواكير تأسيس المدرسة الفيثاغورية . والثانية منتحلة تم خلقها في العصر الروماني وذلك لأن الأولى تستحق التقليد في هذا العصر وهو عصر التقليد لليونان في كل شئ .

  كما إن هناك من يرى بأن هذه الفقرة ” هي فقرة مصطنعة ” وجاءت من نص كتبه واحد من خلفاء الفيلسوف الفيثاغوري ” إكريتس تارنتم ” الذي عاش في إيطاليا في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد (أنظر: وايت ؛المصدر السابق ، ص 61 وما بعد).

وبالمناسبة إن إكريتس وفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، هو رئيس المدرسة الفيثاغورية وصديق الفيلسوف إفلاطون (أنظر: لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثامن ، ص 83) .

  وإستناداً إلى غياب الدليل القوي الداعم لواحدة من الفرضيات والأراء السابقة ، فإنه ليس هناك سبب يمنع من قبول الرأي القائل : ” إن هذه الفقرة قد كتبت من قبل الفيلسوفة الفيثاغورية إيسارا لوكينا في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد ” (وايت ؛ المصدر السابق ، ص ص 72 – 73 ، وكذلك بلانت ؛ المصدر السابق ، ص ص 81 – 82) .

  تجادل الفيلسوفة إيسارا في كتابها ” في الطبيعة الإنسانية (وبشكل خاص في النفس الإنسانية) بأننا نستطيع فهم الأساس الفلسفي للقانون الطبيعي والأخلاقي :

 ” يبدو لي إن الطبيعة الإنسانية تجهزنا بمعايير للقانون والعدالة لكل من البيت والمدينة ” .

  وتقسم إيسارا النفس إلى ثلاثة أقسام : العقل وهو المسؤول عن توليد الأحكام والأفكار ، والروح التي تتضمن الشجاعة والقوة ، والرغبة التي توفر لنا المحبة والصداقة .

  وحسب إيسارا الوجود مؤلف من ثلاثة أوجه ، وهي تشكل ثلاثة وظائف تعمل بتناغم وإنسجام : وظائف تنتج الأحكام والأفكار (العقل) ، وظائف تولد القوة والقابلية (الروح العليا) ، والوظائف التي تسبب الحب والخير (الرغبة) (أنظر: وايت ؛ المصدر السابق ، ص 19) . وهذه الأشياء ؛ الوجود الإلهي الذي يتكون من العقلاني ، الرياضي ، والمبادئ الوظيفية لعمل النفس (أنظر : بلانت ؛ المصدر السابق) . كما إن نظريتها في القانون الطبيعي تتضمن ثلاثة تطبيقات أخلاقية ، منها ما يتعلق بالفرد ، منها ما يخص العائلة ، ومنها ما يتصل بالمؤسسات (الأعراف) الإجتماعية (أنظر: وايت ؛ المصدر السابق ، ص 19) .

  ومن الملاحظ على الفيثاغورية كفرقة ومدرسة فلسفية ، قد قامت بترقية مهمة لمكانة المرأة . ولكن هذا لا يعني إن أفكار الفيثاغورية كانت معادلة للأفكار الحديثة في المساواة . فقد كانوا يعتقدون إن للنساء مسؤوليات تتمثل في توفير بيئة بيتية مفعمة بالإنسجام والعدالة ، مثلما هي مسؤوليات الرجال تجاه الدولة . وعلى أساس هذا المبدأ الفيثاغوري ، تصبح نظرية الفيلسوفة الفيثاغورية إيسارا ، أساسية للعدل والإنسجام لعموم المجتمع دون تمييز (أنظر: وايت ؛ المصدر السابق ، ص 25) . 

ثانياً – الفيلسوفة الفيثاغورية ” فينتس (الإسبارطية) “

    إن من المصادر المهمة التي كتبت عن الفيلسوفة الفيثاغورية ” فينتس الإسبارطية ” ، الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” (254 – 325 م) والذي جاء كلامه عنها في كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” والذي نرجح إنه كتبه في أواخر القرن الثالث الميلادي أو في العقد الأول من الرابع الميلادي (أنظر: إمبيلكوس ؛ حياة فيثاغوراس ، ترجمة توماس تايلور ، دار ثيوسسوفيكل للنشر 1918) . والمصدر الثاني يعود إلى القرن الخامس الميلادي ، ألفه ” جونس الأستوبي ” (عاش في القرن الخامس الميلادي) وهو كتاب مجموع ، جمع فيه فقرات منتزعة من مؤلفات عدد كبير من المؤلفين اليونان ، ومنها فقرات من كتاب الفيلسوفة الفيثاغورية فينتس الأسبرطي . والكتاب نشر مرات عديدة (أنظر: وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ، نشرة 1870 ، المجلد الثالث ، ص ص 914 – 915) .

  عاشت الفيلسوفة الفيثاغورية ” فينتس ” في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد . والواقع إن المصادر ظنينة علينا ، فلم تذكر شيئاً عن حياتها ، أو مكان ولادتها . كل ما نجده إشارات إلى أنها كتبت عملاً فلسفياً بعنوان ” في إعتدال النساء ” ، وقد ركزت فيه  على ” تصحيح سلوك النساء ” . وإن ما تبقى منه فقرتان ، بقيتا محفوظتان في مجموع المؤرخ جونس الأستوبي . كما إن هناك شك حول العمل الذي يحمل إسمها . وكذلك هناك شهادات متضاربة حول نسبها ، فمثلاً يرى الأسبوتي إنها ” بنت كاليكرتس ” (أنظر: جون الأسبوتي : المجموع ، الكتاب الرابع ، الفقرة 23) . في حين هناك من يعتقد إنها كانت ” بنت كاليكرتيادس ” أميرال البحر الأسبرطي الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (أنظر : وايت ؛ المصدر السابق ، ص 31) .

  إن تحليل الفقرتين المتبقيتين من عملها الفلسفي المعنون ” في إعتدال النساء ” ، أوصل الباحثين إلى الآراء الأتية :

أولاً- إن الفيلسوفة الفيثاغورية فينتس أو ربما كاتب الفقرتين على الأقل قد إستخدم اللهجة أو (النثر) الدوري .

ثانياً- وإعتماداً على إسلوب الكتابة ، فقد رأى الباحثون إن كتاب الفيلسوفة ” في إعتدال النساء ” أو على الأقل الفقرتين المتبقيتين ، قد كتبتا في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد (أنظر: آين بلانت : النساء الكاتبات في العصريين اليوناني والروماني ، ص ص 84- 86) .

  أما رواية الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” والتي أودعها كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” ، فقد وضعت الباحثين في أجواء الحيرة والتساؤل . فمثلاً في الجرد الذي قدمه لمؤلفات الفيثاغوريات ، قد قدم قائمة بكتب الفيلسوفة ” فيلتس الكروتني ، بنت ثيوفرس ” (أنظر: إمبيلكوس ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 267) . ولعل واحداً من الإعتراضات القوية التي واجهت رواية إمبيلكوس ، هو إن التشابه في جزء من إسم الفيلسوفة فينتس مع جزء من إسم شخصية فيثاغورية أخرى فيلتس ، لا يكون سبباً كافياً في الربط بين الأثنين .

  وإن حجم كل فقرة من هاتين الفقرتين ، كان بحجم صفحة واحدة . وإن موضوعهما كان يركز على ضرورة محافظة المرأة على عفتها . وهناك جدل على هاتين الصفحتين ، ينتهي إلى القول بأن عدم محافظة المرأة على عفتها ، سيترتب عليه ظلم وإعتداء على الآلهة ومعارضة للقانون الطبيعي . ومن ثم تذهب الفيلسوفة الفيثاغورية إلى أبعد من ذلك ، فترى إن شرف المرأة العالي ، هو إنجاب الأولاد ، وأن تعدهم بصورة مشابهة لشخصية والدهم . كما إنها تطالب المرأة بالإعتدال في ملبسها ، وتنصحها بالحشمة ، وأن لا تغالي في مظهرها .

   وعلى الرغم من إن الفيلسوفة الفيثاغورية تجاري التقاليد في تحديد دور المرأة ، فإنها جادلت بضرورة التدريب الفلسفي للمرأة ، وذلك بسبب إن ” الشجاعة ” و ” العدل ” و ” الذكاء ” هي سمات مشتركة لكل من الرجال والنساء . وفي الختام نجد من اللازم أن نشير إلى إن هناك رسالة بعنوان ” في العفة ” قد نسبت إليها ، وفي مقدمتها تتحدث فينتس عن آراء الفيثاغورية ” ثيونا ” زوجة الفيلسوف فيثاغوراس … (أنظر: ماري لفكوتز ومورين فانت ؛ حياة النساء في اليونان وروما ، ط 2 ، بلاتمور 1992 ، الفصل السابع والذي جاء بعنوان ” حياة خاصة ” ، وسيكون هذا الكتاب موضوعاً لدراسة قادمة) .

ثالثاً – الفيلسوفة الفيثاغورية ” بيرستوني أو بيركتوني الأولى ”

   لاحظ الباحث إن هناك إرتباكاً بين الباحثين حول شخصية الفيلسوفة الفيثاغورية ” بيركتوني الأولى ” ، ومن تكون ؟ فهناك من يعتقد إنها أم الفيلسوف اليوناني الشهير إفلاطون (427- 347 ق.م) . في حين رفض آخرون ، وجود أية علاقة بين الأثنين . ورأوا إن مؤلفة كتاب ” في إنسجام النساء ” (الذي كان متداولاً بين 425- 300 ق.م) ، هي من حواريي الفيلسوف فيثاغوراس . وكان لها الأسم ذاته . ولكنهم يؤكدون ” إنها ليست أم إفلاطون ” .

  والحقيقة أن لنا رأي يخالف هذا الموقف الذي يرفض أن تكون ” أم إفلاطون ” هي الفيلسوفة بيركتوني الأولى ، وهي المؤلفة لكتاب ” في إعتدال أو إنسجام النساء ” .

  ولكن قبل كل ذلك نود التمهيد والإشارة إلى أقدم المصادر التي إعتنت بالفلسفة اليونانية عامة والفلسفة الفيثاغورية خاصة . وهو المصدر الذي جاء من بدايات القرن الثالث الميلادي . وإن مصادره كانت قريبة بحدود ما من المنتوج الفلسفي للمدارس اليونانية . إن هذا المصدر كتبه مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، والذي خصص الكتاب الثامن من كتبه العشرة للحديث عن فيثاغوراس وأتباعه . والواقع إننا لا نجد ما يعيننا في الكتاب العاشر ما يحل الإشكال حول الفيلسوفة الفيثاغورية بيركتوني الأولى . بل إنه أضاف تعقيداً آخراً للقضية ، وذلك حين أشار إلى بيركتوني في الكتاب الثالث ، والذي خصصه للفيلسوف إفلاطون . وبذلك ظلت القضية معلقة دون حل في أقدم نص تاريخي في الفلسفة اليونانية ومدارسها .

  وإذا قبلنا الإفتراض بأن الفيلسوفة الفيثاغورية بيركتوني الأولى ، هي أم إفلاطون ، وهي مؤلفة كتاب ” في إنسجام النساء ” ؛ ماذا سنخسر من زاوية البحث الأكاديمي ؟ وما هو الدليل الذي يدعم بدرجات ما هذا الأفتراض ؟ الحقيقة ليست هناك خسارة أكاديمية بقدر ما هي مساهمة تفتح الباب لقبول إفتراض وترجيح شواهد داعمة ، ومن ثم ترك مضمار البحث مفتوحاً لقبول إفتراض بديل وتقديم شواهد بديلة ربما تغير وجهة نظرنا في المستقبل القريب أو البعيد . وهذا هو مسار البحث الأكاديمي .

   يتوافر لدى الباحث ثلاثة شواهد :

أولاً- إن بيركتوني الأولى (والدة إفلاطون) حسب رواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، هي مواطنة أثينية ، وإنها جاءت من عائلة مرموقة ولها سطوة إجتماعية . فمثلاً كما قيل إن رجل القانون والدولة ، والشاعر سولون (وهو واحد من الحكماء السبعة) هو من أجدادها . كما إن عمها  ” كريتيس ” وأخيها ” كارميدس ” كانا من الطغاة الثلاثين الذين حكموا الأثينيين في نهاية الحرب البولوبنزية (403 – 404 ق.م) ، وكلاهما كانا من أصدقاء الفيلسوف ” سقراط ” (469- 399 ق.م) (أنظر: لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلسفة ، الكتاب الثالث) .

  إن هذا الوضع العائلي المتميز سياسياً وثقافياً ، منح بيركتوني فرصة للتدريب الفلسفي ، ومن ثم تحولت إلى رمز نسوي في المدرسة الفيثاغورية ، و من ثم لعبت دوراً في توجيه إهتمام ولدها إلى الفلسفة الفيثاغورية الذي سيتأثر بها في تكوين جمهوريته ، وفي بناء نظريته في المثل بناءً رياضياً وفي فكرة النفس .ومن المفيد أن نشير إلى أن إفلاطون قام برحالات علمية إلى جنوب إيطاليا حيث ديار الفيثاغوريين وذلك ليتعرف عن قرب على طبيعة مدرستهم الفلسفية ونظمها قبل أن يؤسس أكاديميته المشهورة (أنظر: ديفيد رص ؛ نظرية إفلاطون في المثل ، أكسفورد 1966 ، ص 13) .

ثانياً- إن كتاب ” في إنسجام النساء ” كان متداولاً في الفترة التي كانت تعيش فيها بيركتوني أم إفلاطون وبعدها (425 – 300 ق.م) . ومن الأرجح إن بيركتوني هي المؤلفة الحقيقية لهذا الكتاب الذي لا شك في عنوانه الفيثاغوري .

ثالثاً- إن واحداً من أصدقاء إفلاطون المقربين ، كان واحداً من أعلام الفلسفة الفيثاغورية ، بل ورئيس المدرسة الفيثاغورية في عصره ، وهو “إركايتس ” (428- 347 ق.م)  . ونحسب إن بيركتوني (أم إفلاطون) ، هي التي أقترحت على إفلاطون صداقته وأن يتتلمذ على يديه أو إن إفلاطون بتأثير أمه الفيثاغورية وآراءها الفلسفية ، إختار الفلسفة الفيثاغورية درساً تعليمياً . وفعلاً إن إفلاطون في ” رسالته السابعة ” يذكر الفيلسوف الفيثاغوري ” إركايتس ” الذي أنقذ إفلاطون من محنته مع حاكم سيسلي الطاغية ديوينسيوس الثاني (أنظر: مالكولم سكوفيلد ؛ الفكر السياسي اليوناني والروماني ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2000، ص 299 وما بعد) .

   وهنا يتوافر لدينا دليلان : الأول محاورة الجمهورية ومحاورات أخرى ، ناقش فيها إفلاطون الفلسفة الفيثاغورية ومن ثم حاول نقدها وصولاً إلى تكوين فلسفته الرياضية الخالصة والتي تكون خالية من أي صدى لعالم المحسوسات (أنظر: محمد جلوب الفرحان : فلسفة الرياضيات (الحساب والهندسة) عند إفلاطون / الفصل الثاني من رسالة الماجستير (تحليل أرسطو للعلم البرهاني) ، وزارة الثقافة والأعلام ، بغداد 1983 ، ص ص 37- 56) . الدليل الثاني البناء الفلسفي الذي بناه إفلاطون ، فهو بناء يتكون من ثلاث طوابق : الطابق الأرضي وهو عالم الاشياء الحسية المتغيرة والذي رفضه إفلاطون إطلاقاً . والطابق الثاني وهوعالم الرياضيات الفيثاغوري والذي قبله مع تعديل (أنظر: أم . كورنفورد ؛ نظرية إفلاطون في المعرفة ، روتلدج 1966 ، ص 9 وما بعد) . والطابق الثالث هو عالم المثل ، وهو عالم الرياضيات الفيثاغوري بعد تجريده من أي شئ له علاقة بعالم المحسوسات والذي أعاد صياغته على أساس مبادئ الفلسفة الإيلية (فلسفة بارمنيدس (515 ق.م – ؟) وتلميذه زينون الإيلي (490- 430 ق.م)) والتي جاءت فلسفتهما رد فعل على عالم الكثرة الفيثاغوري .

  كل هذه الشواهد تدعم الأفتراض القائل : إن الفيلسوفة الفيثاغورية بيركتوني الأولى ، هي أم إفلاطون . والسؤال : ما هي أهم المحطات في سيرتها الذاتية ؟ وماهي الفقرات الباقية من كتابها ” في إنسجام أو إعتدال النساء ” ؟ وحسب رواية ديوجانس لارتيوس في الكتاب الثالث من موسوعته المشهورة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” تزوجت من أرستون وهو ينتسب إلى عائلة ملوك آثينيا ، وكان لها منه ثلاثة أولاد : كلوكون ، إدمينتوس وإفلاطون ، وبنت واحدة هي بوتون . وبعد موت أرستون تزوجت من  بيارلمبس (عاش تقريباً ما بين 480- 413 ق.م) وكان سفير آثينا مرات عديدة إلى البلاط الفارسي ، كما إنه كان صديقاً للسياسي بيركلس (495- 429 ق.م) ، وكان لها ولداً خامساً منه ، وهو بارمنيدس الذي ذكره إفلاطون في محاورة الجمهورية . وهو بالطبع غير بارمنيدس الإيلي .

  ينسب إلى بيركتوني الأولى كتابان وهما : ” في إنسجام (أو إعتدال) النساء ” و ” في الحكمة ” . ولم يبقى منهما سوى فقرات . ويهتم الكتاب الأول في واجبات المرأة تجاه زوجها ، وتجاه والديها . ويلاحظ أن الكتاب قد إستخدم اللهجة اليونانية الآيونية . وحسب رواية آيان بلانت فأن الكتاب من المحتمل إن يعود زمن تأليفه الى القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد (أنظر: آيان بلانت ؛ الكاتبات النساء من العصر اليوناني والروماني ، ص 76) . أما كتاب ” في الحكمة ” فقد عرض تعريفاً فلسفياً للحكمة . وقد كتب باللهجة اليونانية الدورية ولذلك يرجح إن يعود زمن كتابته أو نسخه إلى القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد (المصدر السابق) . وهناك من ينسب هذا الكتاب إلى الفيلسوفة الفيثاغورية ” بيركتوني الثانية ” .

تعقيب ختامي :

  قدم هذا المبحث شهادات دالة على دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة والفلسفة الفيثاغورية خاصة ، وشهادات على إنها تمتلك قدرة عقلية عالية . فمثلاً كانت فيلسوفة الفلاسفة ” ثيمستوكلي ” معلمة شيخ الفلاسفة ” فيثاغوراس ” . وهي بميزان الفلسفة وعلوم المنطق ،  سيدة العقل والمتمكنة من مناهجه وألياته  ، وليس كما يحاول الناشطون من الرجال ، الناشرون للفكر الماسوجيني المعادي للمرأة ، من إنها ” ناقصة عقل ” … أنها على العكس كانت بمنزلة ” فيلسوف – نبي ” ، فهي فيلسوفة وكاهنة معبد دلفي .. وكانت تتلقى الوحي وتقرر مصير الرجال والشعوب ومصير الدول والحضارات .. وهي بهذا الحال تظل كابوساً مزعجاً لرجال الثقافة الماسوجينية ليل نهار ، الذين ينفخون بالميت الذي فقد الحياة وودعنا منذ حوالي ألفيتين .. ويطبلون لحروب التدمير وقتل الإنسان البرئ ، ويروجون للسحر وقراءة الفنجان وظهور الأعور الدجال ..

   والحال كذلك بالنسبة للفيلسوفة ” بيركتوني الأولى ” التي كانت الفيلسوفة الفيثاغورية ، وأم إفلاطون شيخ الفلاسفة اليونان والمسلمين واليهود والمسيحين .. وفلاسفة اليوتيبيات .. ومفكري الشيوعية والديمقراطيات ..  فأن عقلها كان راجحاً شامخاً كالجبل لا يهتز لنقد يأتي من عقل ماسوجيني مريض ،  يحتاج صاحبه على الأقل إلى مراجعة الطبيب النفسي والتسجيل في عيادته كمريض مواضب أولاً وقبل كل شئ ، هدفه طلب المساعدة للتخلص من الترسبات والإنكسارات المتخفية والمتضخمة بعيداً في أعماق اللاوعي ، وليقوده السايكولوجي إلى معرفة المدفون من جروح وكدمات تحت جلده النفسي ، وأسباب كرهه للمرأة التي دونها لا حياة إنسانية ، وبغيابها ينقرض النوع البشري برمته ومن ثم يتوقف نسغ الحياة … وأخيراً تذكرأخي الإنسان ” إن المرأة إنسان ومواطن من الدرجة الأولى ” وليست هي أقل من ذلك  ..  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

        ترددت كثيراً في الكتابة عن الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية في أوراق بحثي الأول المعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” ،  وذلك للجدل الواسع بين أوساط الأكاديميين الناطقين باللغة الأنكليزية والتراث اليوناني المترجم إليها ، وهو الجدل الذي يدور حول حقيقة وجود الفيلسوفة دايتيما في تاريخ الفلسفة اليونانية . ولا حظنا إن هذا الجدل قد وزع الأكاديميين في ثلاثة معسكرات ؛ معسكر يؤيد وجود الفيلسوفة دايتيما ، و معسكر ثان ينكر وجودها ويعتبرها مجرد شخصية مخترعة لأغراض العمل الروائي ، وثالث متردد في التأييد والإنكار.  

  ونحسب إن الخطوة الأولى ، هي صياغة حجج الجدل في السؤاليين الآتيين:

هل إن الفيلسوفة دايتيما شخصية حقيقية وكان لها وجود حقيقي في تاريخ الفلسفة اليونانية ؟ أم إن الفيلسوفة دايتيما هي محض شخصية مخترعة لفقتها ذهنية إفلاطون لصالح الموضوع الذي ناقشته محاورته المشهورة سيمبوزيوم (أو المآدبة) ؟ 

  ولعل من المهم أن نشير بداية ، وهي إن مشكلة الفيلسوفة اليونانية دايتيما ، لم تكن مثارة في النصوص القديمة ، بل على العكس إن هناك تأكيداً على حضور إثنين من الفيلسوفات في محاورات إفلاطون ؛ إسبيشيا في محاورة مينكسينس ، ودايتيما في محاورة سيمبوزيوم . وهذا الحضور لهما قد أعلى من مكانة إفلاطون بعيون الحركة الفمنستية . ولكن هذه المشكلة كما يبدو لنا ظهرت في العقدين الأخيرين من القرن الخامس عشر . وبالتحديد إن أول من أثارها هو الفيلسوف النهضوي “مارسيليو فيسينو” (1433 – 1499 م) في كتابه المعنون ” أوريتا سسبيتيما : الصلوات السبعة ” والذي صدر باللغة الاتينية عام 1485 . وفيسينو هو أول من ترجم أعمال إفلاطون إلى اللغة اللاتينية (أنظر : سيرز جين ؛ شرح لمحاورة سيمبوزيوم لإفلاطون ، ط 2 ، نشرة سبرنك 2000) . 

   ومن ثم ظلت محبوسة هذه الدعوة في أوراقه إلى إن ظهرت من جديد نزعة قوية على السطح في دوائر البحث في القرنين التاسع عشر والعشرين ، نزعة قوية تروج لدعوة الأختراع الروائي . ولهذا نحسب إنها مشكلة النهضوي فيسينو والكتاب المحدثين وليست هي مشكلة القدماء ، وبالتحديد هي ليست مشكلة سقراط أو تلميذه إفلاطون . كما وإنها ليست مشكلة أبولودورس تلميذ سقراط والذي كان المستمع المباشر لحكاية الفيلسوفة دايتيما من لسان سقراط قبيل إعدامه . إن هؤلاء الثلاثة تعاملوا مع الفيلسوفة اليونانية دايتيما كحقيقة ووجود تاريخي .

   الواقع إن هذا الجدل كان وراء تريثي في الكتابة عن الفيلسوفة دايتيما ، ولكن لا أخفي سراً إن قضية الكتابة عن هذه الفيلسوفة لم تغادر تفكيري ، وظلت شغلي الشاغل . وهكذا حاولت أن أعود إلى فترة زمنية تتقدم على إفلاطون عسى أن أجد فيها راحة نفسية وإستعداد للعودة إلى قضية الفيلسوفة دايتيما . فبدأت  بدراسة    تاريخ المدرسة الفيثاغورية ، وحفرت في سجلاتها الفلسفية باحثاً ومنقباً عن دور المرأة التي ” لم تكن ناقصة عقل ودين ” ، وفعلاً كتبت بحثي الثاني والذي كان بعنوان ” دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية ” .

  ومن ثم جمعت أوراق مادتي لكتابة بحث ثالث عن دور المرأة الفيلسوفة في محطات فلسفية أخرى من تاريخ الفلسفة الغربية . وقبل الكتابة في هذا الموضوع قررت وضعها جانباً ومن ثم عدت إلى الفيلسوفة دايتيما وقررت حسم الأمر حولها ، وفعلاً تحديت نفسي بسؤال بسيط :

  هل يصح من باب الموضوعية ومن زاوية المنهج التاريخي ، التخلي عن الكتابة عن هذا الرمز الفلسفي الكبير بحجج ذكورية ، تتأرجح بين التأكيد على وجودها وبين أقوال فيها حس ماسوجيني (معادي للمرأة ورجاحة عقلها) ، تُردد إنها مجرد شخصية روائية إخترعها إفلاطون لأغراض الحوار ومناقشة موضوع الحب و نظريات الأكسيولوجيا (الجمال والخير) والأبستمولوجيا ؟

  وعلى أساس هذا السؤال جاء هذا المبحث ليدلل على حقيقة وجود هذه الفيلسوفة التي شغلت تفكير الفيلسوف اليوناني إفلاطون وقبله زميله أبولودورس ، مثلما شغلت تفكير أستاذهما سقراط ، وعلى صعيد تفكير هؤلاء الفلاسفة الثلاثة لا أحد يشك بوجودها ، ولا أحد ينكر إن الفيلسوفان (أي سقراط وتلميذه إفلاطون) إهتما بها والفيلسوفة الملطية إسبيشيا على حد سواء . خصص التلميذ محاورة مينكسينس للفيلسوفة إسبيشيا ، ومحاورة سيمبوزيوم للفيلسوفة دايتيما . وإعترف الأستاذ سقراط في مينكسينس بأستاذية إسبيشيا وسلطتها في خطبة الرثاء . وإعترف في سيمبوزيوم بأن دايتيما كانت معلمة له ، وصاحبة نظريات في الحب والأكسيولوجيا ( الجمال والأخلاق) والأبستمولوجيا.

  يهدف هذا البحث إلى دراسة الجوانب الآتية :

أولاً – المصادر التي نعتمد عليها في الكتابة عن الفيلسوفة اليونانية دايتيما

ثانياً- شهادات على الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما

ثالثاً – شخصية الفيلسوفة دايتيما بعيون الباحثين

رابعاً – الفيلسوفة دايتيما في محاورة سيمبوزيوم

خامساً – التعاليم الفلسفية لدايتيما في الحب والأكسيولوجيا والأبستمولوجيا

مصادرنا في الكتابة عن الفيلسوفة دايتيما 

   الواقع إن هناك جملة حقائق متوافرة أمام أنظار الباحث الأكاديمي وفيها الكثير الكثير من التحدي ، وتحملانه في المحط الآخير على التفكير في إمكانية دراسة حقيقة الفيلسوفة دايتيما ومكانتها في تاريخ الفلسفة اليونانية . ولعل أول سؤال يواجهه الباحث : ماهي المصادر المتوافرة والتي تساعده على دراسة الفيلسوفة دايتيما ؟ الواقع إنها المصادر والحقائق الآتية :

أولاً – إن الفيلسوف إفلاطون قد خصص طرفاً من محاورته المعنونة ” سيمبوزيوم ” للحديث عن الفيلسوفة دايتيما .

ثانياً –  تكلم الفيلسوف سقراط في هذا الطرف من محاورة سيمبوزيوم عن الفيلسوفة دايتيما ، وقدمها فيلسوفة معلمة لواحد من أكبر فلاسفة اليونان (المقصود الفيلسوف سقراط نفسه) .

ثالثاً – إن كلاً من محاورة سيمبوزيوم و محاورة مينكسينس ينتميان إلى مرحلة تاريخية واحدة في التأليف الإفلاطوني . وفي المحاورة الأخيرة تكلم سقراط لصديقه مينكسينس عن معلمته الفيلسوفة الملطية إسبيشيا وخطبتها في رثاء صاحبها (ووالد طفلها) رجل الدولة بريكلس . والواقع إن هناك قبولاً لحقيقة الفيلسوفة إسبيشيا . في حين تحدث سقراط في المحاورة الأولى (سيمبوزيوم) عن معلمته الفيلسوفة دايتيما ، وعن دروسها في نظرية الحب والأكسيولوجيا (الجمال والخير) والأبستمولوجيا .

  ولاحظنا بالتحديد إنه في القرنين التاسع عشر والعشرين إن البحث قد أخذ بالإنحراف عن جادته الحقيقية ، فلم تلق الفيلسوفة دايتيما قبولاً مثلما حدث للفيلسوفة إسبيشيا . بل العكس  إننا وجدنا هناك من يرى إن إفلاطون نسج شخصية دايتيما على منوال شخصية الفيلسوفة إسبيشيا . وهنا ظهر معيار مزدوج في التعامل مع الفيلسوفتين ، ونحسب إن ذلك ليس له أي مبرر وإنسجام في مناهج البحث  .  فقد كان من المفروض أن يعمل معيار بحث واحد ، أما أن يعترف بوجودهما سوية ، أو يتنكر لحقيقتهما سوية . ونرى إن خلاف ذلك إزدواجية في منهجية البحث وإنحياز عن جادة الحيادية والموضوعية التي يتميز بها البحث العلمي النزيه .

رابعاً – من الثابت تاريخياً إن إفلاطون بدأ في كتابة محاورة سيمبوزيوم عام (385 ق .م) ولم يشكك أحد في وجود الفيلسوفة دايتيما حتى نشر مارسيليو فيسينيو كتابه الصلوات السبعة عام 1485 م . وهذا يعني إن وجود الفيلسوفة دايتيما ظل معترفاً به لفترة ثمانية عشر قرناً وستين سنة . ومن ثم ظلت دعوة فيسينيو حبيسة أوراق كتابه

إلى أن نشر وليم سميث كتابه المعنون ” معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ” في العام 1870 والذي أكد فيه على عدم توافر اليقين على إن الفيلسوفة دايتيما هي شخصية حقيقة وكان لها وجود في التاريخ . وتلت هذه الفترة الكتابات الأكاديمية الذكورية التي تحاول بدافع ماسوجيني طمس شخصية الفيلسوفة دايتيما وتحويلها إلى مجرد شخصية مخترعة لإغراص العمل الروائي . 

خامساً – إن فرضية إنكار وجود الفيلسوفة دايتيما تتعارض مع الحقيقة الشاخصة أمام الأنظار ، وهي إن محاورة سيمبوزيوم وبقلم التلميذ إفلاطون قد ذكرتها بالإسم مرات عديدة . وإن الأستاذ سقراط قد إعترف في هذه المحاورة بأنها كانت معلمة له ، وإنها صاحبة نظريات في الحب والجمال والخير والأبستمولوجيا .

سادساً – إن فكرة المشككين في الوجود الحقيقي لشخصية الفيلسوفة دايتيما تنهض على فرضية إن إفلاطون نسج شخصيتها بالإعتماد على شخصية الفيلسوفة إسبيشيا. 

ونحسب إن في ذلك تعارض صارخ مع حقيقة المعلومات التي أوردها إفلاطون وعلى لسان أستاذه سقراط . فمثلاً وعلى أساس مصدر واحد وهو إفلاطون وراوية واحد وهو سقراط ، إن الفيلسوفة إسبيشيا هي معلمة خطابة حتى أصبحت خطبتها في رثاء صاحبها رجل الدولة الآثيني ” بريكلس ” نار على علم في عالم اليونان الثقافي ، ومن ثم تحولت إلى درس تدريبي في ميدان الخطابة . وفعلاً تحت هذا التأثير ضم إفلاطون أجزاء منها في محاورته ميكنسيس .

   أما شخصية الفيلسوفة دايتيما فهي مختلفة إطلاقاً وحسب المصادر ذاتها ؛ إفلاطون وراويته الأستاذ الفيلسوف سقراط ، فهي كانت معلمة له (أي سقراط) وفيلسوفة صاحبة نظريات في الحب والجمال والخير والأبستمولوجيا . وعلى هذا الأساس يكون واضحاً إنهما شخصيتان مختلفتان ، فكيف نسج إفلاطون شخصية الفيلسوفة دايتيما على منوال شخصية الفيلسوفة إسبيشيا ؟ إن فرضية النسج تصبح فرضية لا أساس لها من القوة وفقاً لمنهج المقارنة بين الشخصيتين ، وبين المعلومات الواردة في محاورتي التلميذ إفلاطون وروايات أستاذه سقراط . 

 سابعاً – إن الراوي لمحاورة سيمبوزيوم هو واحد من حواري سقراط ، وهو ” أبولودورس ” والتي رواها إلى كلاكون وهي الشخصية التي تترد كثيراً في محاورات إفلاطون (أنظر المقدمة التي كتبه بنجامين جوت للترجمة الإنكليزية التي قام بها لمحاورة سيمبوزيوم ، نشرة دار أدلاد 2004) ويرجح الباحثون إلى إن أطرافاً من رواية أبولودورس على الأقل كانت من أحاديث سقراط قبيل شربه لكأس السم (وهي طريقة الإعدام اليونانية) وإن أبولودورس كان حاضراً في تلك اللحظات التي تحدث سقراط في أطراف منها عن الفيلسوفة دايتيما ونظرياتها في الحب والجمال والخير والأبستمولوجيا . ومن ثم رواها إلى كلاكون (المصدر السابق) .

  ولما كانت القضية تنهض في مجملها في التشكيك بالوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما . فأن أغلب هده المصادر شككت في مصدرها ، وهو أبولودورس الذي كان الراوي الأول لحكايتها ، فقالوا ولسان حالهم يردد : ” أبولودورس شخص غريب الأطوار ، فقد عقله بعيد إعدام سقراط ، وأخذ يتسكع في الشوراع ؛ فكيف يكون المجنون أبولودورس صادقاً في روايته عن شخصية الفيلسوفة دايتيما ؟ ” . وهكذا تحول منهج الإنكار لوجود دايتيما ، نحو التشكيك في مصداقية المصدر الأول لحكاية الفيلسوفة ، وإتهامه بالجنون . وبذلك  كانت فرضية الجنون حلا مريحا لمعسكر المتنكرين للوجود التاريخي لفيلسوفة اليونان دايتيما المنتينية .

شهادات على الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما

  حقيقة إن من أهم الدراسات الأكاديمية المعاصرة التي تميزت في مضمار الدفاع عن الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما ، والتي لا يمكن تجاوزها ، هي دراسة الأكاديمية الأمريكية ” ماري ألين وايت ” المعنونة ” تاريخ النساء الفيلسوفات ” (أنظر: وايت الفيلسوفات النساء في العصر القديم ، المجلد الأول ، نشرة مارتينوس ونيجوف ، هولندا 1987) . والواقع إن دراستها إعتمدت على ثلاثة مصادر في التدليل على الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما :

أولاً – من زاوية مصادر إفلاطون :

  تشير بعض المصادر إلى إن سقراط لم يكن راغباً على طلب النصيحة من النساء . ولكن في محاورتين من محاورات إفلاطون السقراطية ، يعول سقراط على حكمة الكاهنات . فمثلاً في محاورة الدفاع ، وبالتحديد في جزء من دفاعه أمام المحكمة يشير إلى كاهنة دلفي التي كانت تشيع بين الجمهور بأن سقراط ” أحكم رجال عصره في أثينا ” (إفلاطون ؛ محاورة الدفاع  ، ترجمة بنجامين جوت ، نيويورك 1927).

 وفي محاورة ” مينون ” يمكن أن تقرأ النص الآتي :

سقراط : سمعت إن هناك بالتأكيد رجال حكماء ونساء يتكلمن كلاماً إلهياً .

مينون : ماذا يقولون ؟

سقراط : إنهم يتكلمون عن الحقيقة العالية كما فهمت .

مينون : ماذا كانت ؟ ومن هم هؤلاء الحكماء ؟

سقراط : بعض منهم كهنة ، وبعض منهن كاهنات (إفلاطون ؛ مينون ، ترجمة بنجامين جوت ، نيويورك 1871 ، ص ص 17 – 18) .

وهذا يدلل برأي الأكاديمية ” ماري وايت ” بأن سقراط لم تكن لديه تحفظات على أخذ الإستشارة من الكاهنات عامة ، ومن دايتيما كاهنة مينتينيا خاصة ( وايت ؛ المصدر السابق ، ص 103) . كما ولاحظت إن سقراط تكلم في محاورة ثالثة عن إمرأة أخرى كانت معلمة له . ففي محاورة مينكسينس تحدث بإحترام عال عن إسبيشيا والتي تعلم منها الخطابة . يقول سقراط : ” ممكن أن أذكر حادثة ملفتة للنظر ، وهي إن أهالي مينكسيم يعرفون إن لدي صاحبة عالية المهارات في فن الخطابة ، وقد تعلم منها عدد كبير من الخطباء ” (إفلاطون ؛ مينكسينس ، ترجمة بنجامين جوت ، نشرة دار راندم ، نيويورك 1961 ، ص 188) .

 الحقيقة إن وجود الفيلسوفة إسبيشيا ليست هي موضوع تساؤل على الإطلاق . كما إن كلام سقراط في النصوص السابقة واضحة في الإعلان المؤكد على وجودها . وهنا لاحظنا إن الأكاديمية ” ليندا جورج ” كانت على حق في التساؤل : لماذا إذن كان وجود الفيلسوفة دايتيما موضوع تساؤل ؟ وجوابها جاء ليضيف أدلة أخرى على الوجود التاريخي لهده الفيلسوفة المتفردة . فرأت إن هناك عدداً من الكتاب القدماء من أشاروا إلى الفيلسوفة دايتيما كشخص حقيقي له وجود في تاريخ الفلسفة ( أنظر: ليندا جورج ؛ تكافئ الجندر : بحث في مكانة دايتيما بين الفلاسفة القدماء ، ورقة بحث منشورة على صفحات المنبر 2006) .

   وفعلاً فأننا نلحظ إن ما جاء في محاورتي إفلاطون ؛ مينكسينس والتي تدارست إسبيشيا ، ومحاورة سيمبوزيوم التي عالجت موضوع الفيلسوفة دايتيما . كانت شواهد تتناغم مع ما قاله سقراط في كل من محاورتي الدفاع ومينون . وهذا يعني إن إهتمام سقراط بهذا العدد من الكاهنات والفيلسوفات ليس محض إختراع روائي ، وإنما إهتمام بفيلسوفات كان لهن وجود تاريخي معلوم يومذاك .

ثانياً – من زاوية الكتاب القدماء :

  ضمت العصور القديمة خصوصاً بعد تأليف إفلاطون لمحاورة سيمبوزيوم ، عدداً من النصوص التي ذكرت دايتيما ، وفيها تأكيد على وجودها التاريخي . فمثلاً في القرن الثاني الميلادي قد ذكرها المؤرخ والكاتب الساخر ” لوكين ” (125 – 180 م وهو خطيب أشوري يوناني الثقافة) وذلك عندما تحدث عن ثلاثة نساء قائلاً : ” إن دايتيما ، وتاركيلا ، وإسبيشيا دليل على إن هناك نساء فيلسوفات ” ( وايت ؛ المصدر السابق ، ص 105) .

  وقدمت لنا الأكاديمية وايت ستة نصوص ، كتبت فيما بين القرنيين الثاني والخامس الميلاديين فيها معلومات دالة على وجود دايتيما ، دون ملاحظة أي إنكار لوجودها التاريخي (أنظر المصدر السابق ، ص 106) . فمثلاً  نلحظ إن ” كايلز مينجي ” وبالتحديد في كتابه المعنون ” تاريخ الفيلسوفات النساء ” والذي كتبه في بدايات 1600 (والذي ترجم إلى الإنكليزية في عام 1948) ، يقبل وجود دايتيما كحقيقة تاريخية ، ويعتمد على محاورة سيمبوزيوم كدليل على وجودها . وبالمناسبة فأنه أشار إلى عبارة الكاتب الساخر لوكين المذكورة سابقاً .

  ومن النافع أن نشير إلى إن ” بيتريشا زيدلر ” قد أشارت في مقدمتها للترجمة التي قامت بها لكتاب مينجي ، إلى إن ” مارغب مينجي بيانه هو الحقيقة القائلة بأن التاريخ لم يخلو من النساء الفيلسوفات . ولكن ما ينقصنا هو المعرفة الكافية بهن ” . ويضيف مينجي قائلاً : ” إن دايتيما علمت سقراط فلسفة الحب ، وسقراط يعترف بذلك في محاورة سيمبوزيوم التي كتبها إفلاطون ” .

  ويشير المؤرخ والكاتب الساخر ” لوكين ” في كتاباته إلى إن دايتيما كانت مثال للحكمة والحوار ، فيقول : ” كانت دايتيما مثال للإقتداء ، ليس في خصائصها التي خضع لها سقراط . ولكن في ذكاءها وفطنتها وتقديمها للمشورة ” ( لوكين : أعمال لوكين ، ترجمة أي . أم . هرمان ن نشرة وليم هينمان ، لندن 1925 ، ص 289) . ومن الملاحظ إن لوكين لم يثير السؤال حول الوجود التاريخي لدايتيما .  ولكن المترجمة في الهامش كتبت : ” كانت دايتيما كاهنة مينيتيا ، ومن المحتمل إن شخصيتها قد تم إختراعها لأغراض روائية ، والتي سمعنا عنها فقط من خلال إفلاطون في محاورة سيمبوزيوم ” ( المصدر السابق ، ص 88) .

ثالثاً – من زاوية المصادر الآثارية :

 بالإضافة إل كل ذلك فقد أشارت الأكاديمية وايت إلى وجود دليل آثاري يدعم وجود دايتيما ، موجود في متحف جامعة اكسفورد ، وهو في الحقيقة تمثال برونزي يعتقد إنه يمثل سقراط ودايتيما ويتوسط بينهما إيروس ( أنظر : وايت ؛ المصدر السابق ، ص 106) .  

  وعلى أساس كل هذه الحقائق التي تشكل أطرافاً من قضية الإعتراف السقراطي والإفلاطوني إضافة إلى شهادات جمهرة من الكتاب القدماء ومصادر النتائج الآثارية ، يأتي الدليل التاريخي الذي يعلن إن الفيلسوفة دايتيما ، كانت رمزاً فلسفياً نسوياً مبكرا في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وكانت معلمة لشهيد الفلسفة الأول سقراط . هذا طرف من القضية ، أما الطرف الثاني ، فنحسب إن الفيلسوفة دايتيما قد لعبت دوراً مؤثراً في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة وذلك من خلال دورها في محاورة سيمبوزيوم ، وأصبحت الصوت النسوي الوحيد في هذه المحاورة التي ناقشت قضية الحب والأكسيولوجيا (الجمال والخير) والأبستمولوجيا ( وكذلك كانت الفيلسوفة إسبيشيا معلمة سقراط الصوت الآخر في محاورة مينكسينس ، وإن كان التركيز عليها من خلال خطبة رثاء بريكليس) . كما إن حضور الفيلسوفة دايتيما ترك أثراً إيجابيا أسهم في تعزيز مكانة المرأة في تاريخ الحركة الفلسفية الفمنستية وظلت صوتاً قويا تتقوى بها كل الحركات النسوية .

   وسواء أكانت معلمة تم إختراع شخصيتها للعمل الروائي ولأداء وظيفة فلسفية أو أنها شخصية حقيقية ، فإنها على الأقل كانت فيلسوفة ومعلمة للفيلسوف سقراط أستاذ إفلاطون وملهمه في كتابة محاوراته التي تعد اليوم من روائع الأدب الإنساني .  ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن هناك إجماعاً بين الباحثين المتخصصين في مضمار المحاورات الإفلاطونية ، وهو إن محاورات الشباب التي كتبها التلميذ إفلاطون كانت محاورات تعكس بدرجة ما حقيقة فلسفة سقراط ، في حين إن محاورات الشيخوخة هي محاورات تعكس فلسفة التلميذ إفلاطون . وإذا قبلنا هذه الحقيقة فأن سقراط على الأقل في المحاورات الأخيرة هو شخصية روائية إخترعها إفلاطون لتقرير أفكاره الفلسفية الخاصة . ونحسب إن ما ينطبق على الفيلسوفة دايتيما ينطبق على الفيلسوف سقراط كذلك . وبما إن سقراط في محاورات الشباب هو حقيقة حسب منطق إجماع الباحثين في المحاورات الإفلاطونية . وإن محاورة سيمبوزيوم هي من محاورات الشباب والتي عالجت قضية الفيلسوفة دايتيما ، وما قاله سقراط فيها هو عين الحق ، فأن شخصية الفيلسوفة دايتيما هي وجود حق كذلك .

   ذلك أمر والأمر الأخر إن محاورة سيمبوزيوم قد بدأ  إفلاطون بكتابتها في  عام  (385 ق . م) ، وإن من الثابت القار ، إن سقراط قد أعدم عام (399 ق . م) أي إن إفلاطون قد كتبها بعد إعدام أستاذه بأربعة عشر عاما ، وفي حينها كان في بداية العقد الرابع من عمره (أنظر : وليم كوب ؛ سيمبوزيوم وفيدرس : محاورتي إفلاطون في الحب ، نشرة مطبعة جامعة نيويورك 1993). وهذه المسألة تمنح محاورة سيمبوزيوم ربيع الشباب القريب من المصدر الأول لها وهوالفيلسوف سقراط  ، ومن المصدر الثاني أبولودورس وهو تلميذ سقراط والذي كان حاضراً لحظة روايتها وقبيل إعدام سقراط ، وأبولودورس هو زميل إفلاطون .

   وهكذا فأن مرجعية سقراط وتلميذيه أبولودورس المصدر الثاني وإفلاطون كاتب محاورة سيمبوزيوم ، يشكلون سلطة معرفية يتقوى بها دليل الوجود على الفيلسوفة دايتيما كمعلمة للفيلسوف سقراط  ، وفيلسوفة نسوية كان تلميذها يعترف بوجودها ويردد أفكارها لا في نظريات الحب وحسب بل وفي نظريات الأكسيولوجيا (الجمال والخير) والأبستمولوجيا (المعرفة مصادرا وأدواتاً) على حد سواء .

شخصية الفيلسوفة دايتيما بعيون الباحثين

   صحيح جداً إن أغلب الدراسات التي إعتنت بالفيلسوفة دايتيما كانت قد صدرت بأقلام باحثين رجال ولذلك غلبوا في كتاباتهم الحقيقة القائلة إن الفيلسوفة دايتيما هي شخصية مخترعة ولا يوجد لها وجود حقيقي في تاريخ اليونان عامة . ولكن في الوقت نفسه إنبرت مجموعة من الأكاديميات الغربيات وخصوصاً في عالم الثقافة الأنكلو سكسونية يدافعن بحق عن الوجود الحقيقي للفيلسوفة دايتيما والتي أُستهدفت من قبل بعض الكتابات الرجولية التي سعت إلى التشكيك في وجودها ومن ثم شطب إسمها من تاريخ الفلسفة اليونانية بدعوى الإختراع .

   فخذ مثلاً إن الباحثة كاثلين وايدر قد لاحظت في إن أسباب هذا الترجيح للأختراع وإستبعاد الوجود الحقيقي للفيلسوفة دايتيما يعود إلى إن أغلب الباحثين قد تابعوا وتبنوا ما قاله وليم سميث في كتابه الصادر في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1870 والمعنون ” معجم السير والأساطيراليونانية والرومانية ” والذي أكد فيه على عدم توافر اليقين الذي يؤيد على إنها شخصية حقيقية ، أوإن لها وجود واقعي (أنظر كاثلين وايدر ؛ النساء الفيلسوفات في عالم اليونان القديم ، والمنشور في مجلة الفلسفة النسوية ، المجلد الأول ، أذار 1986  ص ص 21 ومابعد) . ونحسب إن سيمث كان قارئ جيداً لكتاب الفيلسوف الأيطالي النهضوي ” مرسيلو فيسينو ” الذي كان أول من أثار قضية الإختراع في شخصية الفيلسوفة دايتيما والذي جاء بعد إعتراف أستمر بحدود ثمانية عشر قرناً وستين عاماً .

   وإذا قبلنا كل هذه الفروض ، فأن الحقيقة التي لا إعتراض عليها ، هي إن الفيلسوفة اليونانية دايتيما حقيقة ووجود ، ولها حياة متجددة في محاورة إفلاطون سيمبوزيوم الخالدة ، وإن نصوص هذه المحاورة قد منحتها خلوداً مضافاً ، وذلك إن سقراط شيخ فلاسفة اليونان قد إعترف بوجودها التاريخي ، وذلك بكونها كانت معلمة له في الحب ونظريات الأكسيولوجيا والأبستمولوجيا .

    ولاحظنا إن عدداً من الباحثين من شغف نفسه وأهتم في البحث عن معنى ودلالات الإسم ” دايتيما ” ، فمثلاً إنهم وجدوا إن ” دايتيما ” تعني ” الشرف الموهوب من قبل الإله زيوس ” وهو شرف عال صادر من رب الأرباب عند اليونان . كما وإن دايتيما تعني ” المرأة الكاملة ” وإلهة الحب عند اليونان . في حين يرى بنجامين جوت إلى إن دايتيما هي ” نبية منتينيا ، وكانت تتمتع بصفات عالية ، رفعتها إلى الطوابق العالية ، والتي لا تتوافر في النساء العاديات . وكانت معلمة سقراط ، فقد علمته فن وأسرار الحب ، كما علمته إن الحب هو وجه أخر من وجوه الفلسفة ” ( إفلاطون ؛ سيمبوزيوم ، من مقدمة المترجم جوت ، مصدر سابق) . 

 ويعتقد أغلب الباحثين الأكاديميين الغربيين في القرنين التاسع عشر والعشرين إن إفلاطون قد كون وجهة نظره حول دايتيما بالإعتماد على شخصية الفيلسوفة إسبيشيا الملطية (470 – 400 ق . م) وهي صاحبة رجل الدولة الآثيني بريكلس (495 – 429 ق . م) وأم ولده بريكلس الشاب . وكان سقراط يزورها مع زوجته حاله حال الكثير من اليونانيين ليستمعوا إلى محاضراتها الفلسفية (أنظر محمد جلوب الفرحان دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية منشور على موقع الفيلسوف ونشرته مواقع كثيرة حتى تحول إلى موجة عارمة) .

  ولذلك يحسب عدد من الباحثين إن إسبيشا المليطية كانت الدافع المحرك لإفلاطون الذي كان متأثرا بفطنتها وذكائها العالي . وعلى أساسها نسج شخصية موازية لها هي شخصية الفيلسوفة دايتيما . وهذا الواقع حمل الباحثة كاثلين وايدر إلى الإعتقاد بأنه ليس من السهل إيجاد حل ميسر لهوية الفيلسوفة دايتيما (وايدر ؛ المصدر السابق) .

  وهناك تحد أخر يواجه القائلين في إن إفلاطون هو المخترع لشخصية دايتيما وإنه نسج شخصيتها بالإعتماد على شخصية إسبيشيا . هذا التحدي يأتي من خلال قراءة المقدمة التي كتبها بنجامين جوت للترجمة التي قام بها لمحاورة سيمبوزيوم ، حيث إن القارئ يلحظ إن جوت يرجح إن سقراط (نقول وليس إفلاطون) هو الذي إخترع حكاية دايتيما لأغراض تقديم موضوع الحب (إفلاطون ؛ سيمبوزيوم ، من مقدمة المترجم) .

 ولكن نحسب إن التحدي الكبير الذي يواجه هذا العدد من الباحثين ، هو عقد مقارنة بين المحاورتين ؛ محاورة مينكسينس التي قدمت شخصية إسبيشيا ومحاورة سيمبوزيوم التي تناولت شخصية دايتيما . الحقيقة إن هذا التحدي يكمن في موضوعات المحاورتين . فالأولى ركزت على خطبة الوداع التي كتبتها وألقتها أسبيشا في رثاء صاحبها رجل الدولة الآثيني بريكلس يوم دفن جثمانه . وهي على هذا الأساس معلمة خطابة . أما الثانية أي محاورة سيمبوزيوم فقد درست دايتيما معلمة الفيلسوف سقراط وقدمتها فيلسوفة متفردة في نظريات الحب ونظريات  الأكسيولوجيا والأبستمولوجيا . إذن هذا الإختلاف في الموضوعات لا يعمل لفرضية إن إفلاطون نسج شخصية دايتيما على منوال شخصية إسبيشا . وهناك شعور متداول وشائع لدى الباحثين ، وهو إن محاورة مينكسينس منسوبة إلى إفلاطون ، وهي في حقيقتها نوع من التلفيق قام به الأسكندرانيين فيما بعد ، خصوصاً في ضم خطبة إسبيشيا ، وتقديمها كدرس تدريبي في خطبة الرثاء الآثيني  .

   وإذا قبلنا هذا الإفتراض سقطت دعوة الأختراع من أساسها ، وهي كيف نسج إفلاطون شخصية دايتيما وإن محاورة مينكسينس (التي تذكر إسيشيا) لم تكن من كتاباته . إنه على كل تحد أخر يواجه معسكر المتنكرين لشخصية الفيلسوفة دايتيما ، ويضعف من دعوتهم ويقوي بالمقابل معسكر المدافعين عن الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما .

   إضافة إلى ذلك فهناك حقيقة أخرى تتحدى الباحثين من داخل محاورات إفلاطون  وهي إن اسماء شخصياته كانت أسماء حقيقية ، وليست أسماء مخترعة وخصوصا فيما يخص إسبيشيا ومن خلالها يمكن الدفاع عن حقيقة إسم الفيلسوفة دايتيما كذلك . فمثلاً إن إفلاطون قد ذكر إسبيشيا بالإسم في محاورة مينكسينس ، وهذه

المحاورة تنتمي إلى المرحلة السقراطية من تاريخ تكوين شخصية وفلسفة إفلاطون (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة مينكسينس ، ترجمة بنجامين جوت ، 235 ي 4 – 5) .

ومن المفيد أن نشير إلى إن مينكسينس هو المحاور للفيلسوف سقراط ويطلق عليه في المحاورة لفظة ” صديق ” وهو بالتأكيد ليس إبن سقراط الذي كان يحمل الأسم مينكسينس كذلك . وهذه المحاورة تضم في ثناياها جزء مطولا نسبيا من خطبة الوداع  وهي خطبة رثاء مشهورة ألقتها الفيلسوفة إسبيشيا بمناسبة موت بريكلس والتي أصبحت من خطب الرثاء اليونانية الشهيرة ، ومن ثم تحولت إلى درس للتدريب على خطب الرثاء . وهكذا ضمها إفلاطون في هذه المحاورة أو كما يرى البعض إلى إنها جزء ملفق أضافه الإسكندرانيين إلى المحاورة فيما بعد (أنظر : شارلس كان ؛ خطبة الوداع عند إفلاطون : دفاع مينكسينس / مجلة الفيلولوجيا الكلاسيكية 1963 ، العدد 58 ، ص ص 220 – 234) .  

  وفعلاً فإن هناك  عدد اً من الباحثين من يعتقد بأن محاورة مينكسينس قد كتبت لتلبية الحاجة إلى مصادر للتدريب على خطبة الوداع الآثينية ، ومن هذا الباب جاء الإستشهاد بخطبة الفيلسوفة إسبيشيا (أنظر : لوسيندا كوفنتري ؛ الفلسفة والخطابة في محاورة مينكسينس / مجلة الدراسات الهيلينية ، العدد 109 الصادرة عام 1980 ، ص ص 1 – 15) .

   ولاحظنا إن الباحثين الأكاديميين اللذين إعتقدوا بأن إفلاطون لم يتداول في محاوراته  أسماء مخترعة ملفقة وإن جميع أسماء شخصياته كانت أسماء

لشخصيات حقيقية كانت تعمل وتعيش الحياة في فترات ما من تاريخ اليونان أو تاريخ أثينا ، قد إستنتجوا إن الفيلسوفة دايتيما كانت حقيقة و رمزا تاريخيا متفردا (أنظر : وايدر ؛ المصدر السابق) . وعلى هذا الأساس ذهبت ” روبي بلونديل ” مؤكدة على     حقيقة وجود الفيلسوفة دايتيما في التاريخ ، وبينت إن الفيلسوفة دايتيما ” كانت كاهنة وقارئة الطالع ” ولعبت دوراً متفرداً في محاورة سيمبوزيوم ، ومن ثم قامت روبي بتقويم أفكار دايتيما في هذه المحاورة ، فأفادت قائلة :

  كانت  أفكار دايتيما أصيلة في مفهوم الحب الإفلاطوني . ولكن منذ إن كان إفلاطون هو المصدر الوحيد الذي يتحدث عنها . فإنه أصبح من غير المؤكد الحسم في إنها كانت شخصية تاريخية أو هي شخصية تم إختراعها لأغراض العمل الروائي . وعلى أية حال فأنه من الثابت القار في مضمار الدراسات الإفلاطونية ، هو إن جميع الشخصيات التي ذكرها إفلاطون ، قد وجد لها مطابقة موازية لشخصيات حقيقية كانت تعيش الحياة وتعمل وتفكر في أثينا القديمة (أنظر : روبي بلونديل ؛ دور البطل (الشخصية) في محاورة إفلاطون ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2002 ، ص 31) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011            

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                

(8)

الفيلسوفة دايتيما في محاورة سيمبوزيوم

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  أصبح معلوم للجميع إن محاورة  سيمبوزيوم التي كتبها الفيلسوف اليوناني إفلاطون هي المصدر الوحيد الذي يرسم لنا شخصية الفيلسوفة دايتيما . وهذه المحاورة تقدمهما شخصية مفكرة بزت جميع أبناء جنسها وفي مختلف العصور ، فهي معلمة للفيلسوف سقراط  الذي ينظر له على إنه أشهر فيلسوف عرفته العصور اليونانية . ولما كانت محاورة سيمبوزيوم في التصنيف المتداول هي من محاورات الشباب السقراطية نسبياً بروحها ونكهتها .

   وإستناداً إلى ذلك نحسب إن هذه المحاورة على الأغلب تعكس فلسفة سقراط ومواقفه أكثر مما تنقل لنا أراء إفلاطون الخاصة . هذا طرف من القضية والطرف  الثاني هو إن إفلاطون ترك سقراط الشخصية الوحيدة التي تتفرد في المحاورات الإفلاطونية في الدفاع عن القضايا التي رغب إفلاطون في ترجيح سلطتها في الحوار . وفعلاً ففي هذه المحاورة وعلى لسان سقراط ، كانت الفيلسوفة دايتيما قد روت له نظرية الحب وحكت له أطرافاً من نظريات الجمال والخير والأبستمولوجيا .

   ومن ثم قام سقراط بتصويرها للحاضرين في مآدبة أقيمت بمناسبة فوز إكاثون (448 – 400 ق .م) الشاعر الأثيني بجائزة (إفلاطون ؛ محاورة سيمبوزيوم ، د 201 ) وهو شاعر الدراما الذي فاز عام (416 ق . م) بجائزة بعد عدة مسابقات . ولهذا كانت هذه المآدبة إحتفالاً به (أنظر : ويلتر لودفيك ؛ الحب الإفلاطوني ، مجلة الدراسات اليونانية الرومانية البيزنطية ، المجلد الرابع ، ربيع 1963 ، ص 59 وما بعد) .  

   وهذه المسابقات كان يطلق عليها مسابقات ديونسيوس في أثينا وتجرى بين كبار الشعراء اليونان . وديونسيوس هو إله العنب وعمل النبيذ والمسرح ، وله في الأساطير اليونانية طقوس تتضمن الوصول إلى النشوة وفقدان الوعي . وقد وجدت له  مجموعة طوائف وملل منها ما كان معروفا في جزيرة كريت اليونانية (أنظر : ريتشارد سيفورد ؛ ديونسيوس ، نشرة روتلدج 2006 )*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   *ولاحقاً عقدت مقارنات ومقاربات بين الإله ديونسيوس والمسيح ، مثالاً على ذلك محاولة الشاعر الرومانسي ” فردريك هولدرين ” (1770 – 1843م) . والتي سعت إلى إيجاد مطابقة بين الشخصيتين : شخصية الإله ديونسيوس والمسيح . ومن ثم إشتغل على الموضوع ذاته الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” وذلك عندما قابل بين ديونسيوس وأبولو في كتابه ” ولادة التراجيديا ” عام 1872 (أنظر : جورج ويليمسون ؛ الحنين إلى الأسطورة في ألمانيا : الدين والثقافة الجمالية ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغوا 2004) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعاليم الفلسفية للفيلسوفة دايتيما 

  تنسب محاورة سيمبوزيوم الإفلاطونية إلى الفيلسوفة دايتميا مجموعة أفكار فلسفية شكلت ما يعرف بنظرية الحب الإفلاطوني ومفاهيم في مضمار النظرية الجمالية وأطراف مهمة من مضمار الأبستمولوجيا. وهي في حقيقتها تعاليم قامت الفيلسوفة دايتيما حسب المحاورة بتعليمها للفيلسوف سقراط . وفعلاً فأن المحاورة تقدم سقراط ، وهو يعرض مفهومه للحب على الفيلسوفة دايتيما ، فيقول : ” إن الحب هو إله عادل ” غير إن دايتيما ترد عليه ، فتوضح له بأن ذلك ليس بصحيح . والحب هو ” بين بين ” ، فالحب ” ليس على الإطلاق خير أو شر أو إله ” ( إفلاطون : سيمبوزيوم ، د 210)

نظريتها في الحب

 سأل سقراط دايتيما : من هي أم الحب ومن هو والده ؟ علمت دايتيما سقراط بأن  

 الحب هو ” طفل لكل من بوروس (الأب) ، وهو تجسيد للوفرة والخصب ، وبينيا (الأم) ، وهي تجسيد للقحط واليباب . ومن وحدتهما كان هذا الوليد (الذي هو الحب) مطبوع بخصائص والديه . فهو من طرف أمه يتمثل بالعطالة والفقر و البخل والنقصان . وتراه دائماً يتسكع على الأبواب . ومن طرف أبيه كان جريئاً وقوياً  ثرياً منتجا وكريماً . وبين النقصان والوفرة كانت الروح تعمل ” (المصدر السابق د 203 ) .

   والحب من وجهة نظر الفيلسوفة دايتيما المنقولة على لسان تلميذها الفيلسوف سقراط ” هو دايمن ” . والدايمن (على الجمع هي الأرواح) وهي شكل من الكائنات الروحية الخيرة المحسنة ، والتي تتوسط بين عالم الفناء الزائل وعالم الآلهة . (وهي حسب الآساطير اليونانية ” أشباه آلهة وهي أقل منزلة من الآلهة ، وهي أرواح الموتى من الأبطال . أنظر : أي ركسيان ؛ الدايمن أشباه الآلهة في الأب اليوناني الكلاسيكي ، 1985 ، ص ص 179 – 181) .   

  ومن ثم بينت الفيلسوفة دايتيما لسقراط بأن الأرواح هي التي تحمل العالم برمته . والأرواح هي قوى تنقل الرسائل والصلوات بين الألهة والناس . ومن بعد ذلك إنتقلت إلى مفهوم أخر رغبت في تعليمه إلى تلميذها سقراط ، وهو مفهوم ” إيروس ” وهو الحب الذي يدرك بصورة أفضل من خلال الحكمة . وحب الحكمة هو في جوهره حب إيروس ، وهو وسط بين الجهل والمعرفة ، وهو يشبه الفيلسوف الذي يتوسط بين الحكمة والجهل (إفلاطون ؛ المصدر السابق ) .

الربط بين نظريتها في الحب ونظريتها في الجمال

ومن ثم أخبرت الفيلسوفة دايتيما تلميذها الفيلسوف سقراط في ” إننا ننمو ونزدهر في حياتنا بالإعتماد على مفهومنا للحب ” . وبتفصيل أكثر أفادت في ” إننا نزدهر في الحياة من خلال إزدهارنا في مفهوم الحب ” . وهنا جاء ربط الفيلسوفة دايتيما بين نظريتها في الحب ونظريتها في الجمال وهي قضية بالغة الأهمية في التراث الفلسفي اليوناني عامة والتراث الإفلاطوني خاصة . فمثلاً قالت لسقراط إن الحب ليس الجمال فقط ، وإنما هو ولادة الجمال . وهذا هو مبدأ الخلود في الكائنات الفانية .

  ثم ذكرت لسقراط إلى إن الأمثلة كثيرة على إزدهارنا في مفهوم الحب ، والذي سيتخذ أشكالاً من الأمثلة الدالة على مفاصل من نظريتها الجمالية :

أولاً إننا نتأثر بجمال الجسم الذي يتمتع بالشباب

ومن ثم نخطو خطوة أخرى فننظر في جمال جميع الأجسام

ونرتقي بعد ذلك خطوة ثالثة فنتأمل في جمال الروح أو النفس

وحقيقة إن الإنسان قادر على إدراك الجمال في جميع الأرواح

ولعل الخطوة اللاحقة هي الصعود إلى طوابق عالية من البحث

 وهي تقدير قيمة الجمال في القوانين ، وفي بنية وتركيب جميع الأشياء  

وفي المحط الآخير إكتشاف جمال المثل والأفكار الآلهية

والحب عامل مهم جدا فهو الذي يحملنا على أن نبدأ

ويحرضنا على الإستمرار في طريقنا هذا (المصدر السابق) .

وحسب الرؤية الفلسفية لفيلسوفة اليونان دايتيما إن مفهومنا للجمال قد يتعرض للتغيير والتبدل وذلك بسبب التبدل الحادث في الأوضاع الطبيعية ، كما أن الأشياء تتعرض للتبدل وذلك عن طريق التحول في عالم الأفكار . ولكن في الحقيقة ترى إن القانون هو الوحيد الثابت الذي لا يأتي عليه التغير والتبدل .

  كما إن مفهوم إيروس (الحب الجنسي) قد يوفر لنا طريقاً نافعاً للنظر إلى المثل بصورة عامة . وترى إننا غير قادرين على الإقتراب من أفكار سقراط الإلهية ، مثلما إن الإنسان غير قادر على الإقتراب من الحب . وذلك حينما نمتلك فكرة عنه ، فإنها تفلت منا .  كما إن المعرفة الواقعية حوله تحرمنا من معناه العميق ، وهو المعنى الذي يصعب على المعرفة البشرية إدراكه (المصدر السابق ) .

المثل والأبستمولوجيا وطرق إكتساب المعرفة

 بينت الفيلسوفة دايتيما في نص سابق إن المعرفة الواقعية تحرمنا من إمتلاك المعنى العميق للحب هذا أولاً . وثانياً إن المعنى العميق للحب عسير على المعرفة البشرية من إدراكه وذلك لأن المعرفة تأتي وتذهب .

   ومن ثم رأت إن مراجعة المثل بهذه الطريقة هي نافعة من طرف . إلا إننا من طرف أخر مثلما إننا لا نستطيع إدراك مثال العدل ، فإننا نعرف العدل في أرض الواقع والتطبيق . وهذا يشمل مثال الحب وجميع المثل الأخرى .

  ورأت إن المعرفة في الإمكان إكتسابها بطرق عدة :

أولاً – إننا نكتسب بعض المعارف من خلال الإدراكات التي تقوم بها حواسنا .

ثانياً – إن هناك بعض المعارف يمكن أن ندركها من خلال البصائر أي العقل .

ثالثاً – هناك بعض المعارف يمكن إكتسابها بطريقة تتوسط ما بين الطريقتين السابقتين ، وهذه الطريقة الثالثة هي الحب (المصدر السابق) . 

  وذهبت مؤكدة على إن إدراك الجمال لا يكون بعيون الجسم ، وإنما بعيون العقل . ومن خلال ذلك تحصل للإنسان الفضيلة والحكمة . ويكون الإنسان صديق الإله ووريثه في الخلود (المصدر السابق) .

 وهكذا كانت الفيلسوفة الكاهنة اليونانية دايتيما المركز الأساس في مفهوم سقراط للحب ونظرياته في الأكسيولوجيا (الجمال والأخلاق) والأبستمولوجيا تحديداً وفكرته عن المثل بصورة أشمل .

تعقيب ختامي :

  دلل هذا البحث على جملة حقائق ، تصب جميعها في مضمار الدفاع عن الوجود التاريخي للفيلسوفة اليونانية المتفردة دايتيما المنتينية . فيلسوفة ومعلمة لسقراط الذي يعد واحداً من أكبر أعمدة الفلسفة اليونانية . وكانت موضوعاً مركزياً في حديث التلميذ سقراط في اللحظات الأخيرة قبيل إعدامه . ومن ثم من خلال رواية هذا الحديث من قبل حواري سقراط أبولودورس الذي كان حاضراً مع سقراط حتى سلم الروح للواحد أحد ، والذي نقلها إلى إكلاكون والذي بدوره رواها إلى إفلاطون الذي تغيب عن الحضور بسبب مرضه. ومن ثم قام الأخير بتسجيلها في محاورته المعنونة سيمبوزيوم .

  بدأ إفلاطون بكتابة محاورة سيمبوزيوم عام 389 ق . م ، ولم يتساءل أحد أو يشك في الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما يومذاك . بل بالعكس وجدنا إن كاتباً من القرن الثاني الميلادي ، وهو المؤرخ الآشوري لوكين ، يؤكد على وجودها التاريخي ولم يثير أي تساءل حول حقيقتها . بل بالعكس قدمها مثالاً للإحتذاء والتقليد . وهذا يدل على إن الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما كان فاعلاً لمدة 500 سنة بعد إن كتب إفلاطون محاورة سيمبوزيوم ، ولم يتجرأ أحد إثارة السؤال حول شخصيتها .

 ولكن عام 1485 م دشن حالة غريبة في التعامل مع الوجود التاريخي للفيلسوفة دايتيما . ففي هذه السنة نشر الفيلسوف النهضوي مارسيليو فيسينيو كتابه المعنون الصلوات السبعة ، والذي أثار فيه التساؤل حول الوجود التاريخي لدايتيما . وهذا يعني إن وجود الفيلسوفة دايتيما ظل معترف به لفترة تاريخية طويلة ، تتحدد بثمانية عشر قرناً وستين سنة (أي بعد إعتراف إمتد 1860 سنة) . ويبدو لنا إن دعوة فيسينيو ظلت حبيسة أوراق كتابه الصلوات ، ولكن بعد أكثر من أربعمائة سنة نشر وليم سميث كتابه المعنون ” معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ” ، وبالتحديد في العام 1870 ، والذي أكد فيه على عدم توافر اليقين على إن الفيلسوفة دايتيما شخصية حقيقية وكان لها وجود في التاريخ .

 ومن ثم تلت هذه الفترة سيل من الكتابات الأكاديمية الذكورية التي نزعت بدافع ماسوجيني واضح ، إلى طمس حقيقة الفيلسوفة دايتيما ، وتحويلها إلى مجرد شخصية مخترعة ، تُلبي أغراض العمل الروائي . بل ولاحظنا إن بعض هذه المحاولات الماسوجينية ، الساعية إلى تجريد دايتيما من وجودها الحقيقي ، إن إستهدفت شخصية ” أبولودورس ” المصدر المعرفي والراوي الأول لحكاية دايتيما ، وإتهامه بالجنون وذلك بهدف تصعيد درجات التشكيك في روايته ، ومن ثم إشاعت الخبر عن هذه الحكاية ومعها محاورة سيمبزيوم برمتها ، وهي إنها ” رواية رجل مجنون ” . ولعل الحاصل من دعواهم الماسوجينية ؛ السؤال : كيف نقبل رواية المجنون مصدراً معرفياً وحيداً لحكاية الفيلسوفة دايتيما ؟ كان جوابهم المريح بالتأكيد إن شخصية الفيلسوفة دايتيما مجرد ” خرافة ” وفعل إختراع لصالح العمل الروائي .

  وفي الختام نقول إن جميع الأبحاث والأقلام سواء التي دافعت عن وجود دايتيما  أو التي تنكرت لوجودها ، قد أسهمت من طرفها في تخليد إسم الفيلسوفة دايتيما .  ونحسب إن الجدل حولها سيستمر ومعه ستتجدد شخصيتها وهذا بحد ذاته وجه من الخلود لها ولفلسفتها في الحب والأكسيولوجيا والأبستمولوجيا . والوجه الأخر لخلودها ، هو إن الباحث الأكاديمي الجاد عن فلسفة سقراط بل وحتى فلسفة إفلاطون لا يستطيع أن يتخطى حكايتها في محاورة سيمبوزيوم دون تحليل وإستشهاد وضم سواء إلى نظرية الحب أو الأكسيولوجيا أو الأبستمولوجيا الإفلاطونية أو الصح السقراطية .

  ومن طرفنا فأن هذا البحث الرائد في اللغة العربية عن فيلسوفة اليونان دايتيما ، سيسهم في تدشين مرحلة جديدة من حياة دايتيما ، ويمنحها بعداً جديداً ، تدخل من خلاله إلى بوابة الخلود في دارنا الثقافية العربية . فرحم الله دايتيما وطيب ثراها فيلسوفة للحب والجمال والخير والمعرفة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

مشروع التعريف بأكثر من مئة فيلسوفة

دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية

الدكتورة نداء إبراهيم خليل

سكرتيرة تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

               القسم الأول

تقديم :

  أعلن أستاذنا الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان في البحث الرائد الذي نشره في بواكير العام 2010 والمعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” عن توافر قوائم بأسماء أكثر من مئة فيلسوفة . ومساهمة من مركز دريد للدراسات والأبحاث وبإشراف أستاذنا الفرحان ، نقدم لأول في تاريخ الثقافة العربية دراسة مسحية أولية بهذه الشخصيات النسوية الفلسفية والفترات الزمنية اللائي ظهرن فيها .

  إن التصنيف الذي ستلتزم به الباحثة ، وهذا ما أيده الأستاذ الفرحان هو التسلسل الكلاسيكي لتاريخ الفلسفة الغربية ، وبالتحديد عبر حقبها اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي والوسيط ، وعصر النهضة ، والعصور الحديث والقرن العشرين (أو الفترة المعاصرة) . إن هذا المشروع هو في حقيقته مشروع تعاوني بين الدكتور الفرحان ويبننا ومركز دريد للأبحاث والدراسات .

فيلسوفات الحقبة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي

  في ثلاثة أبحاث تناول الدكتور محمد جلوب الفرحان ، قائمة رئيسة من الفيلسوفات اليونانيات اللائي عشن في الحقبة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي . ضم البحث الأول والمعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” القائمة الآتية :

لقد رسم الدكتور الفرحان في بحثه الرائد في الثقافة العربية، والمعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” مكانة المرأة في تاريخ التدوين الفلسفي النسوي ومنذ لحظة الإعلان عن دور للفيلسوفات ، وبين دورهن في مختلف المدارس الفلسفية. فمثلاً:

1- فيلسوفة اليونان الأولى ” أرستوكلي “

التي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد، والتي كانت معلمة للفيلسوف فيثاغوراس (580- 500 ق.م).

2- فيلسوفة اليونان ” ثيموستوكلي “

والتي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد، وهي الأخرى معلمة وأخت فيثاغوراس. وبالمناسبة إن الدكتور الفرحان قد أكمل الفصل الثاني والمعنون ” فيلسوفات البيت الفيثاغوري ” والذي ضم قائمة جديدة تتألف من عشرة فيلسوفات يونانيات، رسمن خطاً نسوياً متميزاً داخل مدرسة فلسفية واحدة ، هي المدرسة الفيثاغورية، وهوخط يوازي خط الحركة النسوية في مجراها اليوناني العام .

3- فيلسوفة اليونان ” إسبيشيا الملطية ” (470- 400)

وهي رفيقة بريكلس (495- 429) السياسي ورجل الدولة اليوناني الشهير، والتي لعبت دوراً في قراراته..

4- فيلسوفة اليونان  ” أريتا القورينائية “

عاشت وعملت في القرن الرابع قبل الميلاد. وهي بنت الفيلسوف القورينائي أرستبس (435- 356 ق.م).

5- فيلسوفة اليونان ” هبريشا الماروني ” (350- 280 ق.م)

وهي فيلسوفة كلبية وزوجة الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي المصري (334- 262 ق.م).

6- فيلسوفة اليونان ” لونتن الأبيقورية “

التي إزدهرت في القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت تلميذة ” أبيقور ” (341-270) وهو المؤسس للمدرسة الأبيقورية.

7 – فيلسوفة اليونان و شهيدة الفلسفة الأولى ” هبيشا الأسكندرانية “

والتي (ولدت مابين 350 و370 وقتلت 415 م) وهي رئيسة المدرسة الإفلاطونية المحدثة في عصرها، وهي بنت عالم الرياضيات ” ثيون ” (335- 405 م).

ويُعد هذا هو الخط التاريخي العام للفلسفة اليونانية، وهؤلاء هن الفيلسوفات اليونانيات اللائي ينتمين لمدارس فلسفية يونانية متنوعة. (أنظر: محمد جلوب الفرحان: دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية، مصدر سابق ).

دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية

  وشمل البحث الثاني قائمة من الفيلسوفات . إن هذا البحث في حقيقته هو الفصل الثاني من المشروع الذي نشتغل عليه والدي أنجزه الدكتور الفرحان . وإن هذا الفصل يتناول جملة مساهمات قامت بها الفيلسوفات في المدرسة الفلسفية الفيثاغورية في مرحلتين مهمتين من تاريخ المدرسة الفيثاغورية :

أولاً – دور المرأة الفيلسوفة في المرحلة الفيثاغورية الأولى

 حقيقة إن الجيل الأول من الفيلسوفات الفيثاغوريات ، كان ينتمي إلى بيت الفيلسوف فيثاغوراس (570- 495 ق.م) ، المؤسس للمدرسة الفيثاغورية العتيدة .  فقد لاحظ الباحث الأكاديمي المدقق في المستور والمهمش من نصوص يونانية ، إن أخت فيثاغوراس ” ثيمستوكلي ” كانت  فيلسوفة رائدة ، ومعلمة الفيلسوف فيثاغوراس ، وملهمته الروحية في صياغة أول تحديد لإصطلاح الفلسفة . وهذه القائمة ضمت :

8 – الفيلسوفة الفيثاغورية ” ثيونا ” :

  عاشت الفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا في القرن السادس قبل الميلاد .  وحسب روايات المصادر التي إعتنت بالفلسفة اليونانية عامة والفلسفة الفيثاغورية خاصة ، إنها كانت زوجة فيثاغوراس المؤسس للمدرسة والتي أطلق إسمه عليها (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ فلاسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد / منشور على موقع الفيلسوف) .

9– الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيراكنوتا ” :

  إزدهرت إيراكنوتا في عام 500 ق.م ، وهي فيلسوفة فيثاغورية ، وكانت تلميذة لكل من أبيها فيثاغوراس وأمها الفيلسوفة ثيونا . (أنظر : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادة إيراكنوتا) . وكتبت (البكشايا) وهي تراتيل خاصة بأسرار ” ديمتير ” والتي تعرف كذلك بالقصة المقدسة .

10 – الفيلسوفة الفيثاغورية ” مايا “

  إزدهرت مايا حوالي 500 قبل الميلاد ، وهي واحدة من بنات الفيلسوفة الفيثاغورية ” ثيونا ” والفيلسوف فيثاغوراس (أنظر: فرفريوس الصوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 4 ، وكذلك سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادتي : مايا وثيونا) . ومايا كانت متزوجة من المصارع الكروتوني (الإيطالي) المشهور ” ميلو ” الذي فاز ببطولة مصارعة الفتيان عام 540 ق.م .

11– الفيلسوفة الفيثاغورية ” ديمو “

  إزدهرت الفيلسوفة الفيثاغورية ديمو في حدود 500 قبل الميلاد . وهناك القليل من المعلومات المتوافرة عنها ، خصوصاً المصادر التي إعتنت في بواكير الفلسفة اليونانية عامة واالمدرسة الفلسفية الفيثاغورية خاصة . واليوم نستمد معلوماتنا عن الفيلسوفة ديمو من أربعة مصادر تاريخية . والحقيقة إن جميعها لم تستهدف الفيلسوفة ديمو ، وإنما كانت تتحدث عن الفيلسوف الأب فيثاغوراس ، ومن ثم تم الإشارة إلى ديمو الفيثاغورية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق) .

12 – الفيلسوفة الفيثاغورية ” باتيل “

     وهي  بنت الفيلسوفة ديمو ، وحفيدة الفيلسوف فيثاغوراس . فقد ذكرت الرواية ” إن ديمو بدورها سلمت مؤلفات والدها إلى إبنتها باتيل ” (أنظر: إمبيلكوس : حياة فيثاغوراس ، ص 146) .

ثانياً – دور المرأة الفيلسوفة في المرحلة الفيثاغورية الثانية

      لعبت ثلاث فيلسوفات فيثاغوريات في هذه المرحلة من نمو المدرسة الفلسفية الفيثاغورية دوراً مهماً ، سواءً في نشر الفكر الفيثاغوري أو تعليمه أو تعزيز مجتمع الأخوة الفيثاغوري وتنشئة جيل فيثاغوري جديد يحمل مشعل الفلسفة الفيثاغورية ، ومن ثم يدفع به إلى أيادي جيل فيثاغوري جديد . وجاء ظهورهؤلاء الفيلسوفات على الشكل الأتي :

13 – الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيسارا لوكينيا “

    إهتم عدد من الفلاسفة والشعراء بالفيلسوفة الفيثاغورية إيسارا . فمثلاً تحدث عنها الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو (384 – 322 ق.م) كلاماً فيه كل إحترام وإعلاء لمكانتها . عاشت الفيلسوفة الفيثاغورية إيسارا لوكينيا في القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد ، وهي من أسرة يونانية عريقة . وإشتهرت بكتابها المعنون ” في الطبيعة الإنسانية ” والذي ضاع ولم تبقى منه سوى فقرات منتزعة لازالت محفوظة في كتاب المؤلف اليوناني ” جونس الإستوبي ” (عاش في القرن الخامس الميلادي) .

14– الفيلسوفة الفيثاغورية ” فينتس (الإسبارطية) “

    عاشت الفيلسوفة الفيثاغورية ” فينتس ” في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد . والواقع إن المصادر ظنينة علينا ، فلم تذكر شيئاً عن حياتها ، أو مكان ولادتها . كل مانجده إشارات إلى أنها كتبت عملاً فلسفياً بعنوان ” في إعتدال النساء ” ، وقد ركزت فيه  على ” تصحيح سلوك النساء ” . وإن ما تبقى منه فقرتان ، بقيتا محفوظتان في مجموع المؤرخ جونس الأستوبي . كما إن هناك شك حول العمل الذي يحمل إسمها

15 – الفيلسوفة الفيثاغورية ” بيرستوني أو بيركتوني الأولى “

   لاحظ الباحث الدكتور محمد الفرحان إن هناك إرتباكاً بين الباحثين حول شخصية الفيلسوفة الفيثاغورية ” بيركتوني الأولى ” ، ومن تكون ؟ فهناك من يعتقد إنها أم الفيلسوف اليوناني الشهير إفلاطون (427- 347 ق.م) . في حين رفض آخرون ، وجود أية علاقة بين الأثنين . ورأوا إن مؤلفة كتاب ” في إنسجام النساء ” (الذي كان متداولاً بين 425- 300 ق.م) ، وهي من حواريي الفيلسوف فيثاغوراس . وكان لها الأسم ذاته . ولكنهم يؤكدون ” إنها ليست أم إفلاطون ” .

ويحسب الفرحان إن كتاب ” في إنسجام النساء ” كان متداولاً في الفترة التي كانت تعيش فيها بيركتوني أم إفلاطون وبعدها (425 – 300 ق.م) . ومن الأرجح إن بيركتوني هي المؤلفة الحقيقية لهذا الكتاب الذي لا شك في عنوانه الفيثاغوري .

16 – الفيلسوفة الفيثاغورية ” ميليسا “

   إزدهرت في القرن السادس قبل الميلاد . وهي عالمة رياضيات بالإضافة إلى كونها فيلسوفة . وإن إسمها مشتق من كلمة ” ميليا ” وتعني العسل . الحقيقة هناك القليل القليل من المعلومات المتوافرة عن حياتها وأعمالها الفلسفية . وهناك إشارات في رسائل الفيثاغورية الجديدة ، إلى إنها الفيلسوفة الفيثاغورية التي لا تنتمي إلى أسرة الفيلسوف فيثاغوراس (أنظر : مفهوم المرأة ؛ الثورة الأرسطية (750 ق.م – 1250م) ، ص 150) .

17 – الفيلسوفة اليونانية ومعلمة سقراط ” دايتيما المنتينية “

     هذا بحث رائد موسع أنجزه الأستاذ الفرحان ، عالج فيه الوجود التاريخي للفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية . والتي كانت موضوعاً مركزياً في حديث تلميذها سقراط في اللحظات الأخيرة قبيل إعدامه . والتي خصص لها إفلاطون طرفاً من محاورته الشهيرة المعنونة سيمبوزيوم .

18 – الفيلسوفة الإفلاطونية ” إكسوثي “

   عاشت في القرن الرابع قبل الميلاد ، بدأت حياتها بقراءة كتاب الجمهورية ، ورحلت إلى أثينا ، وإنخرطت في أكاديمية إفلاطون ، وبعد وفاته تابعت دراستها في الأكاديمية تحت قيادة إبن أخت إفلاطون الفيلسوف ” سيبسيوس ” . وقد ذكرها مؤرخ الفلسفة اليونانية ” ديوجانس لارتيوس ” في كتابه ” حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” وذلك حين تكلم عن حياة إفلاطون ، وحياة سيبسيوس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة (الترجمة الإنكليزية) ، الكتاب الثالث ، والكتاب الرابع) .

19 – الفيلسوفة الإفلاطونية ” لاسثينيا المنتينية “

    إزدهرت عام 300 قبل الميلاد ، وهي واحدة من طلاب الفيلسوف إفلاطون في الأكاديمية ، وفي كلام ديوجانس لارتيوس ، ما يدل على إنها كانت معاصرة في الأكاديمية للفيلسوفة ” إكسوثي ” سابقة الذكر . جاءت لاسثينيا من عائلة مهتمة بعلم النبات . وقد ذكرها ديوجانس عندما تحدث عن إفلاطون وسيبسيوس . فقال :

ومن تلاميذ إفلاطون من النساء لاسثينيا المنتينية ، وإكسوثي فيلوس ، واللتان أصبحتا فيما بعد من حواريات سيبسيوس كذلك (أنظر: ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق)

20– الفيلسوفة اليونانية ” سليوبلوني الروديسية “

   هي بنت ” سليوبلوس ” ، وهو واحد من الحكاء السبعة . وكل ما نعرفه عنها جاء من خلال الفيلسوف ” أرسطو ” ، وبالتحديد جاء من كتابه ” السياسة ” . فقد نقل لنا شئ من خُطبها . وكذلك من خلال ” بلوتارك ” ، والذي ذكر بأن فيلسوف اليونان الأول ” طاليس ” ، وهو واحد من الحكماء السبعة ، قد أعلى من مكانتها ، ووصفها ” بأنها إمرأة راجحة العقل ” . وكذلك جاء ذكرها عند ديوجانس لارتيوس في موسوعته ” حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” ( أنظر : كيلز منجي ؛ تاريخ النساء الفيلسوفات ، ترجمة بيتريشا زدلر ، نشرة مطبعة جامعة نيويورك 1984) .

21– الفيلسوفة السورية (العربية الإصول) ” جوليا دومانا “

     ذكر الفرحان في بحثه الموسوم ” السفسطائي فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية ” إنه كان عضواً من أعضاء حلقة المثقفين التي أحاطت بالإمبراطورة ” جوليا دومانا ” (170 – 217م) . والتي كانت النصيرة الدائمة له وحتى اللحطات الأخيرة التي أنهت فيها حياتها بصورة درامية (أنظر: محمد جلوب الفرحان : الفيلسوفة السورية ” جوليا دومانا ” / قيد الإنجاز) .

22– الفيلسوفة الأثينية ” إسكلبينيا “

  إزدهرت الفيلسوفة ” إسكلبينيا ” عام 430م ، وهي بنت الفيلسوف الإفلاطوني المحدث بلوتارك الآثيني (350- 430) وهو بالتأكيد غير بلوتارك المؤرخ الروماني المشهور (46- 120) ، والتي شكلت أسرته ظاهرة فلسفية متميزة في تاريخ الفلسفة . فقد كان هو فيلسوفاً ، وإبنته إسكليبينيا (إزدهرت عام 430) فيلسوفة وإبنه هيرس (عاش في بداية القرن الخامس الميلادي) فيلسوفاً . ولعل الفيلسوف ” بروقلس ” (412 – 485م) ، الإفلاطوني المحدث ، كان واحداً من أشهر طلابها . والمعلومات التي وصلتنا عنها جاءت من كتاب ” حياة بروقلس ” (أنظر : تاريخ كيمبريدج القديم ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، ص 557) .

تعقيب

  ونحسب بعد المناقشة التي أجريناها مع الأستاذ الفرحان حول هذه القائمة من الفيلسوفات النساء اللائي كن ناشطات في المرحلة اليونانية في طرفيها الهيليني والهيلنستي . فإنها لا تعني على الإطلاق ، إنها قدمت الإحصائية النهائية ، بل على العكس ستظل قائمة مفتوحة لعدد أخر من الفيلسوفات . فمثلاً إن الفيلسوف ” إفلوطين ” كما ذكر فرفريوس الصوري عند كتابة سيرته ، كانت له ثلاثة طالبات فيلسوفات ، كن يحضرن محاضراته (أنظر: كتاب أثولوجيا أرسطو ؛ الأصل والمنحول / منشور على موقع الفيلسوف) . كما وإن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” فرفريوس الصوري ” قد ذكر بأن زوجته ” الفيلسوفة مارسيلا ” التي كتب لها ” رسالة العزاء ” المشهورة . كانت واحدة من عدة طالبات كن يحضرن دروسه (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية / العدد الثاني ، ربيع 2011) .

————————————————————————           

  

Advertisements
هذا المنشور نشر في Dr. Mohamad Farhan, Philosopher, Philosophy and Woman, فكر ما قبل الفلسفة, مواقف أرسطو من المرأة, مواقف إفلاطون من المرأة, مركز دريد للدراسات, هزيود وملحمتيه الشعريتين أنساب الآلهة والأعمال والأيام, أوراق فلسفية جديدة / العدد 4, الفلسفة والمرأة, الفلسفة الفمنستية, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوفة فينتس الإسبارطية, الفيلسوفة لونتن الأبيقورية, الفيلسوفة لاسثينيا المنتينية, الفيلسوفة ميليسا, الفيلسوفة مايا, الفيلسوفة هبريشا الماروني, الفيلسوفة إكسوثي, الفيلسوفة إيراكنوتا, الفيلسوفة إيسارا لوكينيا, الفيلسوفة إريتا القورينائية, الفيلسوفة إرستوكلي, الفيلسوفة إسكلبينيا, الفيلسوفة إسبيشيا, الفيلسوفة السورية (عربية الأصول) جوليا دومانا, الفيلسوفة الشهيدة هبيشا, الفيلسوفة بيرستوني أو بيركتوني الأولى, الفيلسوفة باتيل, الفيلسوفة ثيموستوكلي, الفيلسوفة ثيونا, الفيلسوفة ديمو, الفيلسوفة دايتيما المنتينية, الفيلسوفة سليوبلوني الروديسية, الكاهن البابلي اليوناني بيروسوس, الكاهنات اليونانيات, الكاهنة البابلية اليونانية هيروفيل, المنهج النقدي الفمنستي, الآلهات اليونانيات, الثقافة الماسوجينية, الدكتورة نداء إبراهيم خليل وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s