مجلة أوراق فلسفية جديدة / إتجاهات الفلسفة الألمانية المُعاصرة / العدد السادس / ربيع 2012

 أوراق فلسفية جديدة

————————————————————————————–

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

———————————————————————

(6)

ربيع 2012

———————————————————————————–

نحو مدرسة فلسفية متجددة

————————————————————————————–

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

إتجاهات الفلسفة الألمانية المعاصرة

إلى روح فيلسوف العلم وعالم المنطق العراقي

الدكتور ياسين خليل عبد الله

————————————————————————–

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN     Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات والأبحاث  

رئيس التحرير – الدكتور محمد جلوب الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  يحمل العدد السادس من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، نكهة فلسفية خاصة ، ومذاقاً فكرياً – منطقياً متميزاً . ففيه الروح الفلسفية الكانطية ، وخصوصاً الملحمة الأبستمولوجية التي حملها كتاب كانط المعنون ” نقد العقل النظري ” ، والشرارة الأولى التي أطلقها كتاب الفيلسوف شوبنهور المعنون ” العالم إرادة وصورة ” ، وكلاهما دفعا حركة العودة إلى كانط ، في النصف الثاني من القرن التاسع عشرإلى نتائجها النهائية ، وهي تكوين حركة فلسفية جديدة ، هي الكانطية الجديدة ، والتي ملأت الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين .

 وذلك لإن الفكر الفلسفي الألماني تفاعل مع كانط على الأغلب نقداً وتقويماً ، فكان كانط وأطراف من فلسفته موضوعاً في أطاريح الدكتوراه لعدد كبير من الفلاسفة الألمان وشبنهور واحداً منهم . إن محور هذا العدد جاء بعنوان :

إتجاهات الفلسفة الألمانية المعاصرة

إن هذا العدد الكتاب عالج الموضوعات الآتية :

1 – كانط والكانطية الجديدة

2 – الشرارة الأولى للكانطية الجديدة : نقد شوبنهور لفلسفة كانط

3 – الأصول الفلسفية وأشكال الكانطية الجديدة

4 – جوتلوب فريجه فيلسوف اللغة

5 – أهمية عمل فريجة في المنطق

6 – فيلسوف التاريخ هرمان كيسرلنج

7 – مدرسة الحكمة ومكانتها الروحية

8 – رودلف كارناب فيلسوف العلم وعالم المنطق

9 – نظريات كرناب وجذورها الفلسفية والمنطقية

10 – مدرسة فرانكفورت وإتجاهاتها الفكرية

11 – الإشكال الفلسفي في فكر يورغن هابرمس

12 – وكتبنا بالإشتراك مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل ، البحث الرائد في تاريخ الثقافة العربية ، والمعنون ” الفيلسوفة الألمانية روزويث كاندرشيم

فتمتعوا أعزائي القراء والأكاديمين العرب من محبي الحكمة ، بقراءة هذا العدد المتفرد في دائرة ثقافتنا العربية المعاصرة .

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس التحرير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

كانط والكانطية الجديدة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

Kant and Neo – Kantianism

 Dr. MOHAMAD FARHAN

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     يقول فيلسوف العلم النمساوي – البريطاني ” كارل بوبر ” (1902 – 1994) : ” في وصفه ثورة كانط الكوبرنيكية ؛ بأنها تنطبق على خلفائه من الكانطيين الجدد ” (أدورد سكايدلسكي ؛ إرنست كاسيرر : فيلسوف الحضارة الأخير ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 2008 ، ص 33) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

  صحيحُ إن فلسفة ” عمانوئيل كانط ” (1724 – 1804) قد وصلت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر إلى نهايتها المحتومة على يد الثلاثي المثالي الألماني ، كل من ” جوهان كوتليب فيخته ” (1762 – 1814) ، و” فردريك ويلهلم شلنج ” (1775 – 1854) ، و ” جورج ويلهلم هيجل ” (1770 – 1831) . ولعل الفيلسوف الوحيد من بين الفلاسفة الألمان الذين جاءوا بعد كانط مباشرة ، هو ” أرثر شوبنهور ” (1788 -1860) الذي طور مذهبه الفلسفي بالإعتماد المكشوف على أبستمولوجيا كانط النقدية.

   ولذلك نحسب إن الشرارة الأولى لحركة الكانطية الجديدة قد حملها كتاب الفيلسوف الألماني  شوبنهور المعنون ” العالم إرادة وصورة ”  والمستبطن بصورة مكشوفة لإصطلاحات الفيلسوف كانط . وأحسب إن تأليف شوبنهور لهذا الكتاب أو التوسيع فيه في طبعته الثانية جاء رد فعل ضد الماديين الألمان عامة والفيلسوف ” لودفيغ فيورباخ ” (1804 – 1872) خاصة (وهذه سمة ستلازم الكانطية الجديدة إضافة إلى نقد النزعة الوضعية عند العلماء)  . ولهذا أحسب كذلك إن شوبنهور ، وعلى الأقل في كتابه ” العالم إرادة وصورة ” قد أنبت البذور الأولى في البيئة الثقافية الألمانية للحركة الفلسفية التي سيُطلق عليها إصطلاح الكانطية الجديدة ، وبالتحديد في ملحق المجلد الأول الذي نشره في عام 1819 وبعنوان ” نقد فلسفة كانط ” ، وبالتحديد بعد موت كانط بخمسة عشر سنة* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الحقيقة إن بداية شوبنهور مع كانط وفلسفته تصعد إلى فترة أبعد من تاريخ كتابه ” العالم إرادة وصورة ” . ففي إطروحته للدكتوراه التي أنجزها في العام 1813 ، والمعنونة ” الجذور الأربعة لمبدأ العقل الكافي ” ، قد تبنى ثلاثة جذور من فلسفة كانط ، وهي ” المكان والزمان ومن ثم العلية (التي جاءت حصيلة إختصار شوبنهوري للمقولات الكانطية الأثني عشر) . أما الجذر الرابع وهو العمل أو الفعل فقد أضافه شوبنهور .. وهذا الجذر له قصة أخرى (للإطلاع على أطروحة الدكتوراه الشوبنهورية ، أنظر : أرثر شوبنهور : الجذور الأربعة لمبدأ العقل الكافي ، ترجمها من الألمانية إلى الإنكليزية الأستاذ اي . ج . بايني ، وتقديم ريتشارد تايلر ، نشرة دار الكلاسيكيات ، الولايات المتحدة الأمريكية ، ط7 ، 1997) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   لقد صدر كتاب ” العالم إرادة وصورة ” لأول مرة بالإلمانية في ديسمبر عام 1818 وبمجلد واحد فقط (والملحق الذي إحتوى النقد الشوبنهوري على فلسفة كانط صدر عام 1819) .  ومن ثم قام شوبنهور بتوسيع الكتاب وأعاد نشره في العام 1844 (وقد تردد المترجمون الإنكليز بين لفظة صورة وفكرة ، فظهر في بعض الترجمات العالم إرادة وصورة ، وفي أخرى العالم إرادة وفكرة) . ونحن نفضل الأولى ” العالم إرادة وصورة ” . وبالمناسبة إن كتاب العالم إرادة لم يكن كتاباً إيجابياً في التعامل مع فلسفة ” عمانوئيل كانط ” (1724 – 1804) برمتها ، وإنما كان كتاب تقويم ونقد وتثمين لفلسفته (وهذه سمة أخرى من سمات الكانطية الجديدة) .

   وصحيح كذلك إن الكانطية الجديدة ظهرت تباشيرها الأولى كحركة فلسفية في القرن التاسع عشر ، وبالتحديد في جهود الفيلسوفين الكانطيين ” فردريك ألبرت لانج ” (1828 – 1875)  و” أفرايكن ألكسندروف سبر ” (1837 – 1890) . إلا إن الغالبية العظمى من فلاسفة الكانطية الجديدة عاشوا وعملوا في النصف الأول من القرن العشرين . ولعل موت الفيلسوف الكانطي الجديد ” نيكولاي هرمان ” عام 1950 قد أشر تاريخ كسوف شمس الكانطية الجديدة في النصف الأول من القرن العشرين .

إكتشاف كانط والإحتفال به أكاديمياً وهو حي يُرزق

    إن إكتشاف الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط والإحتفال به أكاديمياً ، قد جرى في حياته ، فكان شاهداً حياً على نتائج فلسفته النقدية . فقد قرأ ما كُتب عنه وعن فلسفته ، ورأى بأُم عينيه ما فعلته جامعة ” ينا ” عندما أقدمت على تأسيس قسم للفلسفة النقدية . وهنا لا نعني بالمراجعات الأكاديمية أو الثقافية لما نشره البروفسور عمانوئيل كانط . وإنما ما كتب عنه بمنهج أكاديمي ساعي إلى تأسيس قاعدة أكاديمية عريضة لفلسفته النقدية . قام بهذا العمل الفيلسوف النمساوي ” كارل ليونهارد رينهولد ” (1757 – 1823) .

  لقد بدأ رينهولد ، وهو من رواد حركة التنوير في فينا ، بنشر سلسلة من المقالات في مجلة الزئبق الألمانية ” بعنوان ” رسائل حول الفلسفة الكانطية ” والتي أخذت تظهر في العام 1786 (والتي نشرت فيما بعد في مجلدين) (أنظر : تيري بينكارد  ؛ الفلسفة الألمانية  (1760 – 1869) : تراث المثالية ، نشرة مطابع جامعة كيمبريدج 2002 ، وأقرأ خصوصاً عن رينهولد ، الفصل الرابع ، ص ص 96 – 104) . وكان كانط يومذاك رمزاً أكاديمياً مرموقاً في جامعة كانكسبيرك (فقد عمل لدورتين عميداً لكلية الفلسفة ، ومن ثم رئيساً للجامعة) ، وكانت كتبه تطبع وموضوع إهتمام على الصعيدين الأكاديمي والثقافي الألمانيين ، وخصوصاً كتابه ” الأسس الميتافيزيقية للعلم الطبيعي ” ومن ثم ظهور الطبعة الثانية من كتابه ” نقد العقل الخالص ” (أنظر : مانفريد كوهن ؛ سيرة كانط ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2001 ، ص ص 18 – 19 من الحوليات) .

  ومن ثم إحتفلت جامعة ” ينا ” وبالتحديد في عام 1787 بتأسيس قسم ” الفلسفة النقدية ” والتي طلبت من الفيلسوف النمساوي ” كارل رينهولد ” أن يستلم رئاسته . ووفقاً للأستاذ ” كيفن بول جيمن ” ، فإن رينهولد بدأ حياته الأكاديمية بمهاجمة مراجعة الفيلسوف كانط على فلسفة ” جوهان كوتفريد هريدر ” (1744 – 1803) والذي كان واحداً من طلاب كانط . ومن ثم تحول رينهولد إلى واحد من أتباع الكانطية .

  وخلال فترة رينهولد الأكاديمية في جامعة ” ينا ” دعا إلى ضرورة إنجاز أبحاث علمية ذات نهج تركيبي للفلسفة النقدية . ومن ثم نشر كتابه المعنون ” الفلسفة الأولية ” والذي حمل دعوته للتوافق بين التفسير التركيبي والمثالية الترانسندتالية ، والتي ستترك أثاراً عميقة على التطورات الفلسفية اللاحقة ، والتي ستعرف بإصطلاح ” ما بعد المثالية الكانطية ” ، خصوصاً أثارها على الفيلسوف ” جوهان كوتليب فيخته ” (1762 – 1814) (أنظر : تيري بينكارد ؛ المصدر السابق) . ومن ثم تحول الفيلسوف النمساوي إلى ناقد لفلسفة كانط . وبعد ذلك إستلم رئاسة قسم الفلسفة النقدية الفيلسوف فيخته والذي بدأ حياته كانطياً ، وذلك حين نشر كتابه ” محاولة في نقد الوحي ” والذي بين فيه الصلة بين ” الوحي الديني وفلسفة كانط النقدية ” (ولنشر هذا الكتاب قصة بين كانط وفيخته) ومن ثم أخذ يبتعد عن الكانطية ويؤسس له مواقف أصيلة بعيدة عن شواطئ فلسفة كانط (أنظر للتفاصيل المحور اللاحق) .

تراث الفيلسوف كانط : موضوع قراءة في القرن التاسع عشر

  صحيح إن الفيلسوف عمانوئيل كانط قد غادر العالم في السنة الرابعة من بداية القرن التاسع عشر (1804) . إلا إن فلاسفة القرن التاسع عشر قد أعادوا إكتشاف كانط رجل ” الثورة الكوبرنيكية “ * في عالم الفلسفة (وهذا ما سنبيه لاحقاً) وذلك  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الثورة الكوبرنيكية في الأصل ثورة في مضمار علم الفلك ، ترتبط بإسم عالم الفلك ” نيكولاس كوبرنيكوس ” (1473 – 1543) والذي عاش في عصر النهضة وحينها إقترح موديلاً جديداً للمجموعة الشمسية بديلاً عن موديل بطلميوس (إشتهر في الإسكندرية في القرن الثاني الميلادي) . وفي موديل كوبرنيكوس أصبحت الشمس مركزاً بديلاً عن الأرض التي كانت المركز في موديل بطلميوس (أنظر للتفاصيل : توماس كون ؛ الثورة الكوبرنيكية : دور علم الفلك في تطوير الفكر الغربي ، نشرة مطبعة جامعة هارفرد ، كيمبريدج 1957) . وبالمناسبة إن الكانطي الجديد لانج تعرض بالحديث عن المضمار الكوبرنيكي لفلسفة كانط في كتابه ” تاريخ المادية ونقد أهميتها الراهنة ” ، حيث قال : ” إن كانط قارن إنجازه بعمل كوبرنيكوس ” (أنظر : فردريك ألبرت لانج ؛ تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة ، ترجمة إرنست شاستر توماس ، نشرة شركة هوفتن ، بوسطن 1880 ، المجلد الثاني ، ص 156) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما إقترح كانط موديلاً إبستمولوجياً جديداً بديلاً عن الموديل التقليدي في المعرفة . ففي الموديل التقليدي كانت الموضوعات الخارجية هي مركز المعرفة ، والمعرفة تحدث عندما تتطابق مع الموضوعات الخارجية . ولكن كانط قلب المعادلة مثلما فعل كوبرنيكوس ، فأصبح المركز الجديد هو ” الذات العارفة ” وإن المعرفة تحدث عندما يحدث تطابق بين الموضوعات الخارجية والذات العارفة . وبالحرف الواحد يقول كانط :

 ” منذ زمن بعيد وحتى الآن كان متداولاً في أن المعرفة تحدث عندما تتطابق ” معرفتنا ” على الموضوعات ، ولكن دعنا نحاول العكس وهو أن تتطابق الموضوعات على ” معرفتنا ” (مايكل رولف : عمانوئيل كانط ، موسوعة ستانفورد ، نشرة خريف عام 2010) . وفي هذه الثورة الكانطية – الكوبرنيكية (التي هي ثورة أبستمولوجية)  ضربة قوية للمادية والماديين . ولذلك نحسب إن العودة إلى كانط ، وهو الشعار الذي رفعه الكانطيون الجدد له ما يبرره ، وهو البحث عن ملاذ فلسفي آمن بعد موجة الجدل العارمة التي قادها الماديون الألمان ، والتي ملئت خمسينيات القرن التاسع عشر .

  ولعل السؤال المهم هنا : ما هي المحطات المهمة في حياة كانط صاحب الثورة الكوبرنيكية (الثورة الأبستمولوجية) في عالم الفلسفة ؟ وما هي المؤلفات الفلسفية التي أنتجها قلم الفيلسوف الكوبرنيكي والتي ستشكل الملاذ الفلسفي للكانطيين الجدد في مواجهة الماديين والوضعيين من العلماء ؟ ولد عمانوئيل كانط في عام 1724 في مدينة ” كانكسبيرك ” والتي كانت يومها عاصمة بروسيا ، أما والده فيتحدر من إصول إسكتلندية . وعمانوئيل تربى في أحضان عائلة دينية ، كان روتينها اليومي الصلاة والتواضع والتفسير الحرفي للإنجيل . ولعل الحاصل من هذه التربية الصارمة  مجموعة خصائص تميزت بها شخصية كانط طفلاً وشاباً ورجلاً ،  والتي تمثلت بدرجات عالية من الضبط والإنضباط والتواضع .  بدأ برنامجه التعليمي بدراسة اللغة العبرية ، ومن ثم تحول نحو اللاتينية والدروس الدينية . وكان يفضل في هذه الفترة التعليمية دروس اللغة اللاتينية والدين على دروس الرياضيات والعلوم (أنظر : ماتفريد كوهن ؛ السيرة الذاتية لكانط ، الفصل الأول والمعنون ” الطفولة والصبا ” ص 24 وما بعد) . 

  وتذكر المصادر التي رصدت حياة كانت في سني الصبا ، إلى إنه أظهر ميلاً شديداً وولعاً بالدراسة ، مما حمل الأسرة إلى إرساله إلى الكلية الفردريكية . ومن ثم في العام 1740 إلتحق بجامعة كانكسبيرك ، وكان عمره ستة عشر ربيعاً . وهناك درس على واحد من ألمع الأساتذة ، وهو ” مارتن كنيوتزن ” (1713 – 1751) وهو تلميذ الفيلسوف ” كريستين وولف ” (1679 – 1754) . وهذه التلمذة للأستاذ مارتن على يد الفيلسوف وولف سيكون لها أهمية في حياة كانط الفلسفية في المستقبل . وفعلاً فإن مارتن كان في العام 1734 أستاذ المنطق والميتافيزيقا ، وهو الذي درس كانط فلسفة لايبنتز (1640 – 1716) وفلسفة كريستين وولف (أنظر : هينير كليمي ؛ مارتن كيوتزن / تاريخ كيمبريدج للفلسفة في القرن الثامن عشر ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2006 ، ص ص 1190 – 1191) . وعلى الرغم من إن الأستاذ مارتن كان عقلانياً ، فإنه كان عارفاً بتفاصيل التطورات الحاصلة في الفلسفة الإنكليزية والعلم ولذلك قدم لكانط الفيزياء الرياضية الجديدة التي أبدعها إسحق نيوتن (1642 – 1727)

  ومن الأثار المهمة التي تركها الأستاذ مارتن على تلميذه الفيلسوف الواعد كانط ، هو أن لا يقتنع بسهولة ولا يستسلم لنهج التوفيق بين الأنظمة الفلسفية لأن مثل هذا النهج بلغة الأستاذ مارتن ” مثل وسادة تستريح عليها العقول الكسولة ” . كما وحذره من الإستسلام للمثالية (ولكن سنرى إن الفيلسوف كانط سيطور نوعاً من المثالية الترنسندنتالية في كتابه المعنون ” نقد العقل الخالص ” وهي ليست المثالية التقليدية . وفعلاً إنه عرض في الجزء الثاني من كتابه حججه ضد المثالية التقليدية) . وهنا حدث ما لا يتوقعه كانط ، فقد تعرض والده إلى ” جلطة ” فكانت السبب في موته في العام 1746 ومن ثم توقف كانط عن الدراسة في الجامعة (أنظر : مانفريد كوهن ؛ المصدر السابق ، الفصل الثاني والمعنون ” تلميذ ومعلم خصوصي ” ، ص 61 وما بعد) .

  تحول كانط إلى معلم خصوصي يعلم الأطفال في المدن المجاورة لكانكسبيرك ، ومن ثم إستمر في متابعة أبحاثه ، وفعلاً تتوجت في طبع كتابه الأول في العام 1747 والمعنون ” أفكار حول التقويم الحقيقي للقوى الحيوية ”  وكان عمره إثنتين وعشرين ربيعاً . وهذا الكتاب يعكس تفكير كانط يومذاك . حيث يقدمه صاحب رؤية ” ميتافيزيقية ثنائية ” وفيه ينتقد لايبنتز وأتباعه (أنظر : أندرو كاربنتر ؛ حل كانط المبكر لمشكلة العقل/ الجسم ، إطروحة دكتوراه تقدم بها إلى جامعة كليفورنيا _ باركلي عام 1998 ، الفصل الأول (متوفرة أونلاين) . ولكن الحقيقة أكبر من ذلك ، فقد ظهرت أفكار الأستاذ مارتن حاضرة مع إستحواذ لأسحق نيوتن الذي قدمه له الأستاذ مارتن هذا طرف . أما الطرف الثاني فقد دار جدل حول محاولة كانط في التوسط في النزاع الدائر في الفلسفة الطبيعية بين اللايبنتزيين (نسبة إلى لفيلسوف الألماني لايبنتز) وبين معسكر النيوتنيين حول المقياس المناسب لحساب القوى .

  وبعد ست سنوات من العمل كمدرس خصوصي ، عاد كانط إلى كانكسبيرك (وبالتحديد في عام 1754) وبدأ التعليم في ” ألبرتينا ” في السنة الدراسية اللاحقة . ونحسب إن كتابه السابق ” أفكار حول التقويم الحقيقي للقوى الحيوية ” قد سهل مهمة عودة كانط إلى التعليم في جامعة كانكسبيرك . إضافة إلى إنه في العام 1754 أنجز بحثه الموسع والمعنون ” التاريخ العام للطبيعة ونظرية السماء ” والذي تقدم به إلى أكاديمية برلين وفازبالجائزة . وقد ظل كانط يعلم الفلسفة في كانكسبيرك لمدة أربعة عقود (40 عاماً) وحتى تقاعده في العام 1796 وكان قد بلغ الثانية والسبعين من العمر ( مانفريد كوهن ؛ المصدر السابق ، الفصل التاسع والمعنون ” الشيخ كانط ” ، ص 386 وما بعد) .

  ولعل من المفارقات في حياة صاحب الثورة الكوبرنيكية في الفلسفة ، هو إن الأوساط الأكاديمية الألمانية يومذاك لم ترى فيما كتبه الأستاذ كانط في الفترة الأولى من حياته الأكاديمية ، أشياء من الأصالة والجدة . ولذلك ترددت في ترقيته ومنحه وظيفة أكاديمية بمرتب ثابت . مما أثر ذلك على تفكير وحياة كانط على حد سواء . وهذه قصة سيجد لها القارئ شواهد كثيرة في التفاصيل اللاحقة .

  ويلاحظ الباحث في أوراق سيرة كانط الأكاديمية والبحثية ، إنه كان نشطاً في السنتين التاليتين من عودته إلى الجامعة . وفعلاً نشر في العام 1755 ثلاثة أبحاث ؛ الأول كان بعنوان ” التاريخ العام للطبيعة ونظرية السماء ” وهو البحث السابق الذي فاز بالجائزة . والذي وضع فيه مجموعة فرضيات حول النظام الشمسي . ولكن لسوء الحظ إن الناشر أعلن الإفلاس ، فسبب ذلك تأخير في النشر فقلل من حظه في التأثير في الأوساط العلمية ومنها الأكاديمية على وجه الخصوص . والثاني والثالث هي إطروحات أكاديمية كتبها باللاتينية لدعم مؤهلاته الأكاديمية في التعليم الجامعي . الأطروحة الأولى بعنوان ” خلاصة مركزة لبعض الأفكار حول النار ” (1755) وقد حصل بها على درجة الماجستير . والثانية هي إطروحة دكتوراه ، وكانت بعنوان ” تفسير جديد للمبادئ الأولية للمعرفة الميتافيزيقية ” (1755) . وهكذا حصل على وظيفة محاضر في الجامعة لقاء أجر على محاضراته (ولكن دون راتب ثابت) .

  وعاش كانط في هم أكاديمي ومالي ، وكان جُل تفكيره هو إنجاز أبحاث تؤهله للحصول على وظيفة تدريسي براتب ثابت . وفعلاً في السنة التالية كتب بحثاً أخراً باللاتينية وكان بعنوان ” الإشتغال بالفلسفة الطبيعية للميتافيزيقا الممزوجة بالهندسة ” والتي ضمت عينة حملت الرقم (1) وبعنوان ” المونادولوجيا الفيزيائية ” (1756) . وكان يتطلع بأمل كبير ليكون أستاذاً مساعداً في المنطق والميتافيزيقا ، ومن ثم يصبح مرشحاً لخلافة أستاذه ” مارتن كنويتزن ” . ولكن فشل كانط وتبددت أماله في خلافة الأستاذ مارتن (من المقالات الحديثة التي كتبت عن كانط وسيرته الأكاديمية : ألين وود ؛ حياة كانط وأعماله ، منشور مع مجموعة بحوث في كتاب ” في صحبة كانط ” بإشراف كراهام بيرد / نشرة بلاك ويل 2006 ، ص ص 10 – 30) .

  ولعل الأسباب من زاوية الأوساط الأكاديمية إن إبحاث كانط التي تقدم بها للحصول على لقب أستاذ مساعد عليها ملاحظات سدت طريق الترقية . وفي الإمكان إيجازها ؛ أولاً إن كانط في كلا البحثين ” تفسير جديد .. ” و ” المونادولوجيا الفيزيائية ” قد إنفصل عن الفيلسوفيين لايبنتز (أنظر : بردريك سيكوفسكي ؛ ديون لايبنز على كانط منشور في كتاب ” في صحبة كانط ” ، ص ص 79 – 92) وكريستين ولف . ولكنه لم يقدم وجهة نظر فلسفية جديدة . ثانياً إنه في بحثه الأول ” تفسير جديد .. ” كان عمله مركزاً فقط على الميتافيزيقا . وفي بحثه الثاني ” المونادولوجيا الفيزيائية ” والذي بحث فيه في الجواهر النهائية لم يأتي بجديد عما تناوله في كتابه ” القوى الحيوية .. ” والذي حمل خلاصة لكتاب ” المونادولوجيا .. ” . وثالثاً في كتابه ” تفسير جديد .. ” ظهرعليه بشكل مكشوف أثار ” كريستين أوغست كروسيوس ” (1715 – 1775) وهو ناقد مشهور للفيلسوف كريستين ولف * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من الكتب الممتازة التي صدرت باللغة الإنكليزية عن الفيلسوف كانط ، كتاب بعنوان ” مصادر كتاب كانط نقد العقل الخالص ” (ترجمة إريك واتكنز ، نشر مطبعة جامعة كيمبريدج 2009) ، وهو مشروع في غاية الأهمية من زاوية تقويم عمل صاحب نقد العقل الخالص . فقد وفر البروفسور ” إريك واتكنز ”  (الأستاذ في جامعة كليفورنيا) للقارئ والباحث الأكاديمي ، نصوصاً مترجمة من الألمانية والفرنسية واللاتينية إلى الإنكليزية للنصوص التي شكلت مصادر كتاب كانط ، والتي هي في حقيقتها مشاريع فلاسفة سابقين عليه وأخرين كانوا أساتذة معاصرين له .

  تألف الكتاب من مقدمة وتسعة فصول ، ولأهميته الأكاديمية ولرغبتي في تحريض أقسام الفلسفة على الأقل في العراق ، والباحثين الأكاديميين العراقيين إلى تبني منهجية هذا المشروع في كتابة رسائل ماجستير وإطروحات دكتوراه في موضوعات فلسفية متنوعة . أضع هذا الجرد لفصول الكتاب التي إحتوت أسماء الفلاسفة ونصوصهم الفلسفية التي إستثمرها كانط في كتابه نقد العقل الخالص :

1 – كريستين ولف

النصوص : الأفكار العقلية حول الله ، العالم والنفس الإنسانية ، وكل الأشياء عامة والتي نشرها في العام 1720 (منا : نشرها قبل ولادة كانط بأربعة سنين) (أنظر :  إريك واتكنز ؛ المصدر السابق ، ص ص 5 – 53) .

2 – مارتن كنويتزن

النصوص : نظام الأسباب الكافية الذي نشره عام 1735 (منا : كان عمر كانط 11 سنة) . الرسالة الفلسفية حول الطبيعة اللامادية للنفس ، والتي نشرها في العام 1944 (منا : كان عمر كانط عشرين ربيعاً) (المصدر السابق ، ص ص 54 – 83) .

3 – الكسندر بامكرتن

النصوص : الميتافيزيقا والذي نشره في العام 1739 (منا : كان عمر كانط 15 عاماً) (المصدر السابق ، ص ص 89 – 131) .

4 – كريستين أوغست كروسيوس

النصوص : مقطع من الحقائق الضرورية (منا : البديهيات) للعقل والذي نشره في العام 1745 (منا : كان عمر كانط 21 ربيعاً ، طالباً في جامعة كانكسبيرك) (المصدر السابق ، ص ص 137 – 179) .

5 – ليونهارد أويلر (1707 – 1783)

النصوص : رسائل إلى الأميرة الألمانية ، والتي نشرها للفترة (1760 – 1762) (منا : كان كانط محاضراً في جامعة كانكسبيرك وفي العام 1762 نشر كانط مقاله المعنون ” الشفافية الكاذبة للأشكال القياسية ” حول أشكال منطق أرسطو) (المصدر السابق ، ص ص 183 – 230) .

6 – جوهان هنريخ لامبرت

النصوص : ” رسالة في معيارالصدق ” نشرها في العام 1761 ، و” الأرغانون الجديد ” (منا : منطق أرسطو هو الأرغانون القديم أو الألة القديمة) نشرها في العام 1764 (المصدر السابق ، ص ص 233 – 274) وكلاهما في المنطق . والحقيقة إن كانط نشر بحثه المنطقي ” الشفافية الكاذبة للأشكال القياسية الأربعة ” في العام 1762 أي بعد عام من نشر لامبرت لبحثه المنطقي ” رسالة في معيار الصدق ” .

   وهنا نلفت الإنتباه الأكاديمي العربي إلى الإشكالية الأتية في تاريخ المنطق : وهي إن الفيلسوف الإنكليزي ” فرنسيس بيكون ” (1561 – 1626) قد نشر في العام 1620 كتابه المعنون ” الألة الجديدة أو المنطق الجديد ” ونحن نعرف إنه ذات منحى إستقرائي تجريبي يختلف قطعاً عن منطق أرسطو ولكن فيه صدى للمنطق الأبيقوري والرواقي . أما جوهان لامبرت فقد نشر كتابه ” المنطق الجديد أو الألة الجديدة ” في العام 1764 (أي بعد ما يقارب أربعة عشر عقداً ونصف من السنين أي بعد 144 سنة من نشرة كتاب بيكون) . والحقيقة إن دائرة ثقافتنا العربية تحتاج إلى دراسة مقارنة تبين التشابه والإختلاف بين المشروعين البيكوني في المنطق الجديد واللامبرتي في المنطق الجديد .

7 – ماركوس هيرز (1747 – 1803)

النصوص : الرسالة الأولى من هيرز إلى كانط (11 سبتمبر 1770) ، الرسالة الثانية من كانط إلى هيرز (1 حزيران1771) ، الرسالة الثالثة من هيرز إلى كانط (9 تموز 1771) ، ملاحظات من الفلسفة التأملية ، نشره في العام 1771 ، الرسالة الرابعة من كانط إلى هيرز (21 شباط 1772) ، الرسالة الخامسة من كانط إلى هيرز (24 نوفمبر 1776) (المصدر السابق ، ص ص 278 – 317) .

8 – جوهان أوغست إبيرهارد (1739 – 1809)

النصوص : ” النظرية الكلية في التفكير والحس ” والذي نشرها في العام 1776 (المصدر السابق ، ص ص 320 – 352) .

9 – جوهان نيكولس تيتنس (1738 – 1807)

النصوص : ” الرسائل الفلسفية حول الطبيعة البشرية وتطورها ” والتي نشرها في العام 1777 (المصدر السابق ، ص ص 356 – 391) .      

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ذكرنا سابقاً إن كانط كان محاضراَ في الجامعة بدون راتب ثابت . وحسب التقاليد الجامعية يومذاك ، إنه يتلقى إجوره مباشرة من الطلبة الذين يحضرون محاضراته . هذا الوضع دفع بكانط إلى التدريس ساعات أكثر ، وعمل بجد في جذب أعداد من الطلبة إلى محاضراته وذلك من أجل توفير متطلبات العيش . وإستمر في هذا الحال لمدة خمسة عشر عاماً (من عام 1755 وحتى عام 1770) . وكان خلال هذه الفترة يدرس عشرين ساعة في الإسبوع ، وشملت محاضراته تعليم مواد مثل المنطق ، الميتافيزيقا والأخلاق . إضافة إلى الرياضيات والفيزياءِ والجغرافية الطبيعية . أما مصادر محاضراته فكانت مؤلفات كتبها مؤلفون من أتباع الفيلسوف كريستين ولف ، مثل ” الكسندر جوتليب بامكرتن ” (1714 – 1762) ، و ” جورج فردريك مير ” ( 1718 – 1777) . إلا إن كانط لم يتقيد بها ، بل كان كثيراً ما يخرج عليها ، ويتحرك بإتجاه بناء أفكاره الخاصة . كما كان يضمن محاضراته الكثير من الأفكار المعاصرة ، وخصوصاً الأفكار الوافدة من بريطانيا لكل من الفيلسوف ” ديفيد هيوم ” (1711 – 1776) ، و ” فرنسيس هيتسون ” (1694 – 1747) والتي ترجمت بعض من كتبهم إلى الألمانية في خمسينات القرن الثامن عشر(أنظر للتفاصيل : مانفريد كوهن ؛ المصدر السابق ، الفصل الثالث والمعنون ” رسالة الماجستير الدقيقة ” ، ص 100 وما بعد ، والفصل الرابع  والمعنون ” التحولات ونتائجها ” ص 144 وما بعد) . كما إستحوذت أفكار الفيلسوف السويسري (الفرنسي من جهة الوالدة) ” جان جاك روسو ” (1712 – 1778) على كتابات كانط التربوية والجمالية وخصوصاً كتابه ” أميل أو التربية ” والذي كان متداولاً في دوائر الثقافة الألمانية في ستينات القرن الثامن عشر . والحقيقة إن  كانط في كتابه ” في التربية ” والذي كان في الأصل سلسلة محاضرات كان يلقيها في جامعة ” ينا ” ، قد إستسلم لسلطة نصوص روسو بشكل ملفت للنظر . مما يحملنا على القول ” إن كانط كان روسوياً في التربية ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الفلسفي التربوي الغربي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، ص 60) .

  وبعد هدوء نسبي إستمر لسنوات عدة ، عاد كانط إلى دائرة الضوء الأكاديمي من جديد ، وأطلق في الفترة الممتدة ما بين (1762 – 1764) مجموعة مطبوعات جديدة شملت خمسة كتب فلسفية ؛ كان منها كتاب بعنوان (1)” الشفافية الكاذبة للأشكال القياسية الأربعة ” والذي صدر في العام 1762 . وهو كتاب منطقي نقدي لمنطق أرسطو ، وبالتحديد للأشكال المنطقية الأربعة التي ضمها كتاب التحليلات الأولى للفيلسوف اليوناني (للتفصيل عن منطق أرسطو ، أنظر كتابنا : تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، نشرة وزارة الأعلام والثقافة ، بغداد 1983 / القسم الثاني وخصوصاً الفصل الثاني المعنون ” البرهان في علم المنطق ” ، ص ص 77 – 91) . وفي هذا الكتاب أعاد كانط قراءة الإنتقادات التي وجهها الفلاسفة الألمان لمنطق أرسطو ، والذين إشتغلوا بجد على تطويره يومذاك .

  ومن ثم نشر في الفترة ما بين (1762 – 1763) كتابه المعنون (2) ” البرهان على وجود الله ” . والحقيقة إن فكرة هذا الكتاب تصعد إلى كتابيه السابقين ” التاريخ العام للطبيعة .. ” و ” تفسير جديد .. ” ، ولكن الكتاب الحالي حمل وجهات نظر نقدية لحجج أخرى على وجود الله . وقد جذب هذا الكتاب أنظار النقاد ، فصدرت مراجعات عدة له ، كانت منها إيجابية ، ومنها سلبية .

  وفي العام 1762 شارك ببحثه المعنون (3) ” بحث يتعلق في إيضاح مبادئ اللاهوت الطبيعي والأخلاق ” في مسابقة جائزة الأكاديمية الملكية البروسية . وفعلاً فاز بالجائزة الثانية . وأحسب إن عنوان البحث كاف للقول بأن هناك صدى رسوي  واضح فيه (للتفاصيل عن اللاهوت والدين الطبيعي عند روسو ، أنظر كتابنا ؛ الخطاب الفلسفي التربوي الغربي (مصدر سابق) / الفصل الخامس والمعنون ” الطبيعية وأثرها في التربية ، ص ص 113 – 146) . كما بين هذا البحث بشكل مكشوف عن تخلي كانط عن وجهات نظر كل من لايبنتز وكريستين ولف ، وهكذا إبتعد عنهما أكثر مما فعله في مقالاته السابقة . ولعل المتأمل في مصادر كانط في كتابة هذا البحث ، تضعه أمام الحقيقة القائلة ، إنه إعتمد على مصادر بريطانية فيها نقد للعقلانية الألمانية ، ومن زاويتين ؛ الأولى مصادر جاءت من نيوتن والتي ألهمت كانط في التمييز بين طرق الرياضيات ومناهج الفلسفة . والثانية مصادر جاءت من الفيلسوف ” هيتسون ” والذي زعم بأن ” مشاعر الخير غير قابلة للتحليل ” . وبذلك وفر محتوى مادي للألتزامات الأخلاقية التي لا يمكن إقامة البرهان عليها بالطريق العقلي الخالص وعلى أساس مبدأ الكمال وحده (أنظر : ويني واكسمان ؛ ديون التجريبية البريطانية على كانط ، منشور في كتاب ” في صحبة كانط ” ، ص ص 93 – 108) .

  وظهر صدى لكل هذا الموضوعات في محاولة كانط المعنونة (4) ” البعد السلبي في الفلسفة ” (1763) . وأخيراً جاء كتابه (5) ” ملاحظات حول مشاعر الجميل والسامي (العالي) ” (1764) والذي عالج فيه بصورة رئيسة الإختلافات المزعومة  في التذوق بين الرجال والنساء ، وبين الناس من ثقافات مختلفة . ويُذكر إنه بعد نشر الكتاب ، ملأ كانط النسخة الأولى من الكتاب بتعليقات كتبها بخط يده . كما وظهر بشكل مكشوف أثر روسو على تفكير كانط في الفلسفة الأخلاقية ، وبالتحديد في ستينيات القرن الثامن عشر (أنظر : كوهن ؛ المصدر السابق / الحوليات ، ص 16 – 17) . وأحسب إن أراء كانط في بحثه ” ملاحظات حول مشاعر الجميل .. ” ستكون موضوع إهتمام دوائر النقد الفمنستي في القرنين العشرين والحادي والعشرين (أنظر : لورن بوكلنستاين ؛ علم الجمال الترنسندنتالي ، منشور في كتاب ” في صحبة كانط ” ، ص ص 140 – 153) .

 ولاحظ الباحث إن التقويم الأكاديمي للمنجزات الكانطية في هذه الفترة ، قد توزع في ناحيتين ، فيها ما يُسر كانط ، وفيها ما لايُسر ويلبي تطلعاته الأكاديمية . فهي من طرف قد حققت له سمعة عريضة في الأوساط الأكاديمية والثقافية الألمانية . ولكنها من طرف أخر خالية من الأصالة في معظمها على عكس أعمال الفلاسفة الألمان في عصره . والشواهد على ذلك كثيرة منها إعتماد كانط في أعماله المبكرة الأولى على كتابات الفلاسفة التجريبيين الأنكليز والتي سعت إلى إصلاح وتوسيع العقلانية الألمانية ( أنظر : ويني واكسمان ؛ المصدر السابق) . ورغم إن كانط قد هدم أسس العقلانية فإنه لم يقدم في أبحاثه تجديد جذري لها . مع الإشارة إلى إن أعمال كانط الأولى منها ما يؤكد على العقلانية ، ومنها ذات محتوى تجريبي . صحيح إن كانط في هذه الفترة كان يعمل بجد من أجل تكوين شخصية مستقلة له ، لكن هذا لم يتحقق بصورة حاسمة قبيل سبعينيات القرن الثامن عشر .

   وبُعيد نشر كانط لمقالته القصيرة  ، التي حملت العنوان الآتي ” أمراض العقل ” (1764) ، إنشغل إهتمامه بالمتنبئ السويدي ” إمنويل سويدنبيرك ” (1688 – 1772) والذي زعم بأنه يمتلك بصيرة بعالم الأرواح ، تمكنه من عمل إمور إعجازية . ومن ثم نشر كانط في عام 1766 عمله الأول في مضمار ” إمكانية قيام الميتافيزيقا ” والذي تحول فيما بعد إلى ” لُب ” فلسفته في مرحلة النضوج . وفعلاً في هذا العمل قارن كانط بطريقة ساخرة بين الرؤى الروحية للمتنبئ السويدي وعقائد الميتافيزيقيين العقلانيين خصوصاً فيما يتعلق بعقيدة خلود الروح بعد الموت (المصدر السابق ، ص 17) .

  وبعد تصاعد شهرة كانط الفلسفية ، قبل في العام 1769 رئاسة قسم الفلسفة في جامعة ” أرلنجن ” ، ومن ثم رئاسة قسم الفلسفة في جامعة ” يينا ” . ولكنه كان يتطلع بأمل واعد لرئاسة قسم الفلسفة في جامعة كانكسبيرك . وفي هذه الأثناء حصلت ترقيته الأكاديمية (أنظر : مانفريد كزهن ؛ المصدر السابق ، خصوصاً الفصل المعنون ” سنوات الصمت ” ، ص ص 188 وما بعد) ، فبدأ تدريجياً يوسع من دائرة محاضراته ، فشملت الإنثروبولوجيا ، اللاهوت العقلي ، علم التربية ، الحق الطبيعي . وحتى في علم المناجم والستراتيجية العسكرية .  والحقيقة إن كانط هو أول من قدم فصلاً دراسياً في الجامعات الألمانية في موضوع الإنثروبولوجيا ومن ثم ذاعت شهرته . وظل كانط يدرس الإنثروبولوجيا لمدة 25 سنة (ومن ثم نشر كتابه ” الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية ” عام 1798 ) (أنظر : كانط ؛ الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية / روبرت لويدن ، وتقديم مانفريد كوهن ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2006) .

   وبالمناسبة كانت أطروحة الدكتوراه للمفكر الفرنسي ” ميشيل فوكو ” (1926 – 1984) بعنوان ” مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط من زاوية براجماتية ” (1961) . ولكن قبل ذلك بأكثر من ستة عقود كتب الفيلسوف البراجماتي ” جون ديوي ”  إطروحته للدكتوراه بعنوان ” علم النفس عند كانط ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان حضور البراجماتية في خطاب مالك بن نبي / صحيفة البلاد اللندنية (كندا) / العدد 107 نوفمبر 2010) .

  ومن ثم في عام 1770 حصل على رئاسة قسم المنطق والميتافيزيقا في كانكسبيرك (في ألبرتينا) . وكان عمره ست وأربعين ربيعاً . ومن أجل تعزيز موقعه الأكاديمي الجديد كتب إطروحة دكتوراه إضافية باللغة اللاتينية (والتي تُعرف بالأوساط الأكاديمية الألمانية أنؤكيرول ، وهي دكتوراه لإستلام موقع أكاديمي مرموق) وبعنوان ” فيما يتعلق بصورة ومبادئ العلم الحسي والعقلي ” والتي أنجزها عام 1770 .

  ومما يُلاحظ على هذه الأطروحة ، إنها دشنت درباً فلسفياً جديداً ، ففيه قطع كانط علاقته بصورة جذرية بكل من العقلانية الولوفية (نسبة إلى كريستين ولف) والفلاسفة الإنكليز . ولكنه في الوقت ذاته أظهر ميلاً وإلتحاماً بشواطئ فلسفية جديدة . فمثلاً  إنه كان في هذا المشوار مشغولاً ومستلهماً بأفكار كل من الفيلسوف ” كروسيوس ” والفيلسوف الطبيعي السويسري ” جوهان هنريخ لامبرت ” (1728 – 1777) . وعلى هذا الأساس ظهر في نصوص كانط تمييزاً بين نوعين من الملكات المعرفية ؛ الملكات الحسية و ملكات الفهم (العقلية) . وبالمقابل فقد كان الفلاسفة الألمان من أتباع الفيلسوفين ” لايبنز – ولف ” يرون بأن العقل هو القوة المعرفية الأساسية الوحيدة . ولذلك رفض كانط وجهة النظر العقلانية التي ترى إن القوى الحسية هي ” قوى تشويش على المعرفة العقلية ” . وبدلاً من ذلك أحل كانط وجهة نظره القائلة ” إن القوى الحسية تختلف عن القوى العقلية ” وأدخل مقولات الزمان والمكان (أنظر : كوهين ، المصدر السابق ، ص 189 وما بعد) .

ومن ثم جاءت فترة مهمة في تطور فلسفة كانط ، وهي الفترة الي شغلت سنوات عشر ، إمتدت ما بين 1770 و 1781 ، والتي خصصها للتفرغ لإنجاز مشروعه الفلسفي الكبير المعنون ” نقد العقل الخالص ” ، والذي صدر في العام 1781 ودشن مرحلة النضوج الفكري من عمر الفيلسوف كانط . وقد بين فيه إن العقل (مثل الحس) يقدم لنا صوراً وأطراً عن خبرتنا في العالم الحسي (ولهذا فإن المعرفة البشرية محدودة) . في حين إن عالم (النومون : الشئ بذاته حسب كانط) عصي على المعرفة . ولإنشغاله طيلة هذه السنوات بهذا الكتاب ، فإنه لم ينشر شيئاً مهماً أخر خلالها . ولما كانت المراجعات التقويمية لكتاب ” نقد العقل الخالص ” مخيبة لأمال كانط من طرف ، وكانت محدودة جداً من طرف أخر . ثابر كانط على توضيح بعض النقاط حول كتابه ” نقد العقل الخالص ” فأصدر  ” مقدمة لميتافيزيقا المستقبل ” في العام 1783 ، والذي تطلع أن تكون علماً . ومن ثم أصدر من الأعمال الكبيرة ” أسس ميتافيزيقا الأخلاق ” في العام 1785 ، وهو من أهم أعماله في المبادئ الأساسية للأخلاق . وتلاه كتابه ” الأسس الميتافيزيقية للعلم الطبيعي ” والذي أصدره في العام 1786 وهو واحد من أهم كتبه في الفلسفة الطبيعية  (أنظر : مايكل فريدمان ؛ الأسس الميتافيزيقية للعلم الطبيعي ، منشور في كتاب ” في صحبة كانط ” ، ص ص 236 – 248) .

  ولاحظ الباحث في مضمار الدراسات الكانطية ، إن الأكاديميين الغربيين يطلقون على هذه الفترة من المسيرة الفلسفية الكانطية بالمرحلة النقدية ، وهي المرحلة الممتدة ما بين 1781 و 1798 (أنظر المصدر السابق / الحوليات ، ص ص 18 – 19) ، والتي تزامنت مع صدور الطبعة الثانية لكتابه ” نقد العقل النظري الخالص ” وبالتحديد في العام 1787 ، ومن ثم تلاه كتابه ” نقد العقل العملي ” الذي صدر في العام 1788 ، وهو كتاب مملوء بمناقشات للموضوعات الأخلاقية . وبعد ذلك جاء نشر كتابه ” نقد ملكة الحكم ” في العام 1790 والذي درس فيه موضوعات علم الجمال والغائية .

 كما ونشر كانط خلال هذه الفترة مجموعة مقالات ضمت ” تاريخ العالم ” عام 1784 ، ومقالته واسعة الإنتشار المعنونة ” جواب على سؤال : ما هو التنوير ؟ ” التي نشرها في العام 1784 كذلك (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ حركة التنوير وكبوة المنهج الإنتخابي العربي / منشور على موقع الفيلسوف ، شباط 2012)  و ” بداية التاريخ الإنساني ” التي ظهرت في العام 1786 وأخيراً جاءت مقالته المعنونة ” ماذا يعني توجيه الذات نحو التفكير ؟ ” والتي نُشرت في العام 1786 والتي حملت مداخلة كانط على الجدل الدائر في دوائر التفكير الألماني حول ” وحدة الوجود ” . والتي تصاعدت درجات حرارتها عندما إتهم ” جاكوبي ” (1743 – 1819) الفيلسوف لسنج (1729 – 1781) والمتوفى حديثاً بالإسبنوزية (أنظر للتفاصيل : محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق ، خصوصاً المحور الخاص عن الفيلسوف النمساوي ” كارل لينهولد “) .

  وتصاعدت شهرة كانط في الأوساط العالمية ، بعد إن هيمنت فلسفته على محافل الفلسفة الألمانية ، والتي بدأت تباشير قوتها الفلسفية منذ الثمانينات من القرن الثامن عشر . ولكن في بداية التسعينات بدأ فصل جديد مع فلسفة كانط ، إستهله كانط بالإعلان في العام 1790 بإن كتابه ” نقد ملكة الحكم ” قد جلب الكثير من النتائج النقدية التي وصل من خلالها إلى غايته النهائية . وتزامن مع هذا الإعلان الكانطي 

حصاد مثمر لصالح فلسفة كانط ، سببته الرسائل التي نشرها الفيلسوف النمساوي ” كارل رينهولد ” (1758 – 1923) عن الفلسفة الكانطية ، والتي بدأ بنشرها في العام 1786 ، وكان حصيلتها أولاً إنتشاراً واسعاً لأفكار كانط الأخلاقية والدينية . وثانياً إقدام جامعة ” ينا ” على فتح قسم للفلسفة النقدية (الكانطية) في العام 1787 وطلبها من النمساوي ” رينهولد ” رئاسة القسم والتفرغ لدراسة الفلسفة الكانطية .

  وفعلاً بدأ رينهولد عمله بمنهج نقدي لوجهات نظر كانط ، ومن ثم أخذ بالإبتعاد عنها . وفي عام 1789 أصدر رينهولد كتابه المعنون ” قدر الفلسفة الكانطية حتى الأن ومحاولة نظرية جديدة في ملكة التصور البشرية ” ( كوهن ؛ المصدر السابق / الحوليات ، ص 19) .  وفي العام 1794 ترأس القسم في جامعة ” ينا ” الفيلسوف ” فيخته ” (1762 – 1814) والذي زار كانط في جامعة ” كانكسبيرك ” ، ومن ثم نشر فيخته كتابه المعنون ” محاولة في نقد الوحي ” والذي نشر في العام 1792 بإسم مجهول ، والكتاب هو محاولة بحث عن العلاقة بين ” الوحي الإلهي وفلسفة كانط النقدية ” ، وقد وقع النقاد في خطأ عندما نسبوا الكتاب إلى الفيلسوف كانط  (أنظر : ديتر هنريش ؛ بصيرة فيخته الأصيلة / ترجمة ديفيد لكترمان / الفلسفة الألمانية المعاصرة 1982 ، ج 1 ، ص ص 15 – 52) . مما دفع هذا الموقف بالفيلسوف كانط أن يصدر توضيحاً ، ويعلن فيه إسم الكتاب وإسم مؤلفه . وهكذا حقق فيخته سمعة عالية ونجاحات كبيرة . ومن ثم أخذ فيخته يتحول شيئاً فشيئاً عن كانط وفلسفته ، ويؤسس له مواقف فلسفية أصيلة بعيدة عن شواطئ الفلسفة الكانطية . مما حمل كانط إلى التنديد بمحاولة فيخته .

   وفي ظل هذه الأجواء تحركت المحافل الفلسفية الألمانية إستجابة لجهود كانط فسعت بإتجاه تقويم التراث الفلسفي الكانطي برمته . بينما إستمر هو بنشرأعماله المهمة في تسعينيات القرن الثامن عشر . ومن بين كتبه التي نشرها في هذه الفترة ، كتابه الدين في حدود العقل ، والذي نشره في العام 1793 ، والذي تعرض إلى  الرقابة والتنديد به من قبل الملك البروسي . وكان حينها كانط يعمل على نشر الكتاب ، وفعلاً إن المقالة الثانية قد تعرضت للرفض من قبل الرقابة . ومن ثم نشر مقالاً بعنوان (وهو مثل شائع) ” يمكن أن يكون صحيحاً على صعيد النظرية ، ولكنه ليس بصحيح على مستوى التطبيق ” (1793) . ونشر مؤلفه الشائع ” نحو سلام دائم ” (1795) ، وتلاه ” مبدأ الحقوق ” ، وهو الجزء الأول من ” ميتافيزيقا الأخلاق ” (1797) وجاء بعده ” مبدأ الفضيلة ” وهو الجزء الثاني من ” ميتافيزيقا الأخلاق ” ( 1797) (أنظر : كراهام بيرد ؛ الفلسفة الأخلاقية عند كانط (مدخل) ، منشور في كتاب ” في صحبة كانط ” ، ص ص 251 – 58) . وتبعه ” الصراع بين الكليات ” (1798) وهو مجموعة مقالات كان دافعها الصعوبات التي واجهها مع الرقابة والمشكلات القائمة بين الكليات الفلسفية والكليات اللاهوتية في الجامعة . وأخيراً جاء كتابه ” الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية ” (1798) وهو مؤسس على محاضراته في الإنثروبولوجيا . وفيما بعد نشرت ملاحظات كانط التي تركها على محاضراته في فصول دراسية أخرى . ويبدو إن كانط لم يقم بإعدادها بنفسه (أنظر كوهين ؛ المصدر السابق / الحوليات ، ص ص 20 – 21) .

  لم يتوقف كانط بعد تقاعده في العام 1796 ، وإنما ظل خلال السنوات الأربعة اللاحقة يفكر ويعمل على إكمال نظامه الفلسفي . فمثلاً لاحظ الباحثون إنه أخذ يعتقد بأن هناك مناطق فارغة في نظامه الفلسفي ، فصلت الأسس الميتافيزيقية للعلم الطبيعي من الفيزياء . ولهذا حاول جاهداً على ملأ هذه المناطق الفارغة بسلسة من الملاحظات حول وجود الأثير والطاقة . وقد عُرفت هذه الملاحظات بالعمل الأخير أو (أوبس بوستميم) *، وظلت ناقصة ولم تنشر في حياة كانط . ولم يحدث إتفاق بين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وهو العمل الأخير الذي كتبه كانط ، والذي وصفه بنفسه قائلاً : ” إنه حجر الأساس ، والمفتاح لفهم النظام الفلسفي برمته ” ، والذي خصص له العقد الأخير من حياته ، وقد يسر فيه مهمة الإنتقال من الأسس الميتافيزيقية للعلم الطبيعي إلى علم الفيزياء . وفي هذا الكتاب أخذت التأملات بكانط إلى مناطق أبعد من المشكلة التي ثابر إلى تقديم حل لها . فالكتاب بحث تقويمي لسلسة من الموضوعات الأساسية التي تتعلق بالفلسفة الترانسندتالية والتي شملت : الشئ بذاته ، طبيعة المكان والزمان ، ومفهوم الذات ، وفكرة الله ، ووحدة العقل النظري والعملي . وقد ظل هذا العمل ناقصاً ( كانط : العمل الأخير ، تحقيق وتقديم إيكارت فورستر ، ترجمة إيكارت فورستر ومايكل روسن ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1993 ، المقدمة ص 17 وما بعد) .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الباحثين في فلسفة كانط عن قيمتها ومدى علاقتها بأعمال كانط المبكرة . ولكنها دللت بلاشك على تردي صحته العقلية والتي وصلت في العام 1800 إلى درجتها التراجيدية . ورحل كانط إلى مثواه الأخير في 12 شباط 1804 وبالتحديد بعيد فترة من إحتفاله بعيد ميلاده الثمانين (كوهن ؛ المصدر السابق ، ص 422) .  

  إن هذه التجربة الكانطية الثرية ، وهذا التراث الكانطي لفيلسوف الثورة الكوبرنيكية في الفلسفة ، كانا طاقة روحية أُستخدمت لمواجهة المادية ووضعية العلماء يومذاك . وفعلاً إن فلاسفة النصف الثاني من القرن التاسع عشر أعادوا قراءة فلسفة كانت ، وبالتحديد تحت شعارهم القائل ” العودة إلى كانط ” . وهكذا كان كانط ملاذاً فلسفياً يتقوون به ضد النزعة الألمانية المادية والوضعية , وخصوصاً المادية التي ملأت العقد الأول من النصف الثاني من القرن التاسع عشر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)  

الشرارة الأولى للكانطية الجديدة : نقد شوبنهور لفلسفة كانط

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  صحيح إن عمل شوبنهور كان رائداً في تقويم الفلسفة الكانطية ، وذلك يأتي من إنه لفت الإنتباه مبكراً بفلسفة كانط ، فقد نشر شوبنهور كتابه بعد أربعة عشر عاماً على موت كانط* . ولعل أهميته كما يبدو لنا من العنوان الذي إختاره شوبنهور ، وهو 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إن إهتمام الفيلسوف شوبنهور بفلسفة كانط له قصة وتاريخ تصعد بداياته إلى عام 1813 (أي بعد موت كانط بتسع سنين) وذلك حين أنجز أطروحته للدكتوراه والمعنونة ” الجذور الأربعة لمبدأ العقل الكافي ” والتي نشرها وكان عمره 25 ربيعاً (أنظر : أف . س . وايت ؛ حول إطروحة شوبنهور للدكتوراه والمعنونة ” الجذور الأربعة لمبدأ العقل الكافي ” ، نشرة دار بيرل ، ليدن 1992) . وزعم شوبنهور إن ” التمييز بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي هو شرط عام ملازم للمعرفة الأنسانية ، وفي الإمكان تلمس مصدره النظري في كتاب كانط ” نقد العقل الخالص ” (المصدر السابق) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ” العالم إرادة وصورة ” والذي نحسبه عنوان كانطي بحد ذاته ، خصوصاً إذا ما وضعنا أمام أنظارنا إصطلاحات كانط التي ميز فيها بين ” الشئ بذاته ” العصي على المعرفة وهو ” الإرادة” بعنوان شوبنهور ، و ” الشئ كما يظهر لنا ” وهو ” الصورة أو الفكرة أو العرض ” في عنوان شوبنهور . ورغم هذا وذاك فإن الكتاب كان إهتمام شوبنهوري بالفيلسوف كانط ، إهتمام شوبنهوري في مجابهة الماديين في عصره ، كما فيه الكثير من النقد والتقويم ، وفيه بعض من التثمين لفلسفة كانط (وهذا النهج الشوبنهوري بتقديرنا قدم سمة كانطية جديدة ستطبع كتابات أصحاب حركة العودة إلى كانط) .

   ونحسب على هذا الأساس إن كتاب ” العالم إرادة وصورة ” قد حمل معه الشرارة الفلسفية لما سيسمى لاحقاً بالحركة الفلسفية الكانطية الجديدة . وهنا سنقوم بمراجعة مثابرة شوبنهور النقدية لفلسفة كانط . ونحسب إن البداية الأكاديمية هو أن نقدم تعريفاً بمثابرة شوبنهور التي حملها كتابه ” العالم إرادة وصورة ” ومن ثم ننتقل إلى الطرف الذي ضم إنتقادات وتثمينات شوبنهور لفلسفة كانط . والتي حسب رأينا درس تطبيقي لنوع من الكانطية لجديدة المبكرة .

  لقد صدر كتاب ” العالم إرادة .. ” في نشرتين باللغة الإلمانية ؛ الأولى كانت في عام 1818 . ومن ثم جاءت النشرة الموسعة ، وهي الطبعة الثانية التي صدرت في العام 1844 . أما معرفة القارئ الإنكليزي بشوبنهور وكتابه ” العالم إرادة .. ” فهي تصعد إلى السنوات العشرة الأخيرة من حياة شوبنهور ، والتي بدأت في ” عام 1851 وحتى موته عام 1860 ” (أنظر : جون أكسفورد ؛ جوهرة الفلسفة الألمانية / مقال منشور في مجلة ” مراجعة وستمنستر ” / السلسلة الجديدة ، العدد 3 عام 1853 ، ص ص 388 – 407) .

  ومن ثم جاءت ترجمة كتاب ” العالم إرادة .. ” إلى الإنكليزية بعد مرور ثلاث وعشرين سنة على موت شوبنهور . وفعلاً فقد قام بترجمته في ثلاثة مجلدات كل من أر . ب . هالدن و ج . كامب ، وبعنوان ” العالم إرادة وفكرة ” والتي صدرت للفترة ما بين (1883 – 1886) (أنظر : أرثر شوبنهور ؛ العالم إرادة وفكرة ، ترجمة هالدن وكامب ، نشرة مطبعة روتليدج وكاكان بول ، لندن 1883 – 1886) . أما أول ترجمة إنكليزية للنشرة الموسوعة لكتاب ” العالم إرادة .. ” والتي ظهرت بعنوان فيه إختلاف ، وهو ” العالم إرادة وصورة ” فقد قام بها ” أي . أف . ج . باين ” والذي قام بترجمة أعمال متنوعة لشوبنهور (أنظر : أرثر شوبنهور ؛ العالم إرادة وصورة ، ترجمة باين ، كولرادو 1958) .

  وأخيراً جاءت ترجمة القرن الحادي والعشرين ، والتي حملت عنواناً مختلفاً ، وهو ” العالم إرادة وعرض ” ، وهي مشروع تعاوني بين كل من ” ريتشارد كويلا ” و ” ديفيد كروس ” والتي ظهرت في العام 2008 (أنظر : أرثر شوبنهور ؛ العالم إرادة وعرض  ، ترجمة كويلا وكروس ، نشرة دار لونكمان ، نيويورك 2008) . ويحسب كويلا إن القارئ سوف لا يستوعب تفاصيل فلسفة شوبنهور ، دون العون الذي يقدمه هذا العنوان الجديد (أي العالم إرادة وعرض) . ولذلك يرى إن الكلمات التي وردت في عناوين مختلفة لكتاب شوبنهور مثل ” فكرة ، وصورة ، وعرض ” كلها مقبولة ، ولكن مفهوم العرض أو بصورة أدق العرض المسرحي هو المفهوم المفتاح لهذا التفسير . حيث إن العالم كما ندركه ، هو عرض للموضوعات على مسرح عقولنا ، والذي يضم المراقبين ، والذات ، والمحيط ، والضوء وحتى الملابس . أما الجزء الأخر من العالم ، فهو الإرادة أو ” الشئ بذاته ” (وهو العصي على الإدراك عند كانط) وهو ليس قابل للعرض ، ويوجد خارج الزمان والمكان والسببية . ويزعم كويلا إن مثل هذه التمييزات ممكنة من زاوية الدقة اللنكوستية (اللغوية) (أنظر : أرثر شوبنهور : العالم إرادة وعرض ، ترجمة كويلا وكروس ، مصدر سابق) .

  لقد لاحظ الباحثون الأكاديميون الأنكليز المهتمين بفلسفة شوبنهور وعلاقتها بفلسفة عمانوئيل كانط ، بأن شوبنهور بدأ مسيرته الفلسفية كواحد من أتباع ” الكانطية ” . لكنه بمزاج شوبنهوري (إنظر : أرثر شوبنهور ؛ العالم إرادة وصورة / المجلد الأول ، ص 11) . وفعلاً فإن إطروحته للدكتوراه ، وكتابه ” العالم إرادة وصورة ” يشهدان على النفس الشوبنهوري الكانطي . ففي إطروحة الدكتوراه المعنونة ” الجذور الأربعة لمبدأ العقل الكافي ” كان كانطي في ثلاثة جذور منها . وهذه الإطروحة كما قلنا أنجز متطلباتها في العام 1813 ، ومن ثم قام بمراجعتها وطبعها في العام 1847 ، وقد ترجمها إلى الأنكليزية الأستاذ إي . أف ج . بايني في العام 1974 (أنظر : أرثر شوبنهور ؛ الجذور الأربعة لمبدأ العقل الكافي ” ترجمة إي . ج . بايني وتقديم الأستاذ ريتشارد تايلر / نشرة دار الكلاسيكيات ، ط7 ، الولايات المتحدة الأمريكية 1997) .

    لقد كان منطلق الإطروحة الشوبنهورية ، هو التدقيق في المبدأ القائل : ” ما هو واقعي هو عقلي ” . والعينة التي إشتغل عليها شملت العديد من الفلاسفة . وكان كانط واحداً منهم . ولعل هدف شوبنهور الأساس هو الوقوف على النزعة الفطرية السائدة لدى الفلاسفة ، والتي تفترض ” مبدأ العقل الكافي ” . ودافع شوبنهور عن وجهة نظر كانط القائلة بأن ” العقلية البشرية ينقصها الملكة (القوة) التي تمكنها من الإجابة على الأسئلة الميتافيزيقية . ولذلك فإن معرفتنا مشروطة بقابليتنا على تنظيم ما تأتي به حواسنا ” (أنظر : المصدر السابق ، الفصل الثاني ، ص 27 وما بعد) .

  ويزعم شوبنهور في إطروحته للدكتوراه ، بأن التمييز بين ” ما هو ذاتي ، وما هو موضوعي ” هو الشرط العام الملازم للمعرفة البشرية . ومن ثم يؤكد على إن ” مصدره النظري هو كتاب كانط ” نقد العقل الخالص ” . وبالنسبة لكانط حسب رأي شوبنهور ، هو تأسيس نظريته في المعرفة على ” أساس التمييز النظري العالي بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي ” . وكانط يصف الذاتي بأنه ” الوحدة الترنسندنتالية للوعي ذاته ” . في حين يصف الموضوعي بأنه ” الموضوع الترنسندنتالي المطابق إلى مفهوم الموضوع بوجه عام ” . وعلى هذا الأساس إنتهى شوبنهور في إطروحته للدكتوراه إلى إن ” الجذر العام لمبدأ العقل الكافي ، هو الجذر الأبستمولوجي الكانطي ” (أنظر : المصدر السابق / المحور المعنون : كانط ومدرسته ، ص 29 وما بعد) .

  وأخيراً فإن مزاج شوبنهور الكانطي الخاص ، بدأت ملامحه واضحة في المحور المعنون ” كانط ومدرسته ” . ومن ثم جاء الفصل الرابع ، وبالتحديد في المحور المعنون ” حجج ضد برهان كانط على الطبيعة الأولية لمفهوم السببية (المصدر السابق ، ص 122) والتي قدمت شوبنهور ناقداً للفيلسوف كانط وهذه سمة من سمات الحركة الكانطية الجديدة كما أكدنا أكثر من مرة .

  قلنا قبل قليل إن شوبنهور كانطي في العديد من الأوجه . ولكنه في الوقت ذاته  لا يتفق مع كانط في الكثير من التفاصيل التي تحملها حججه . ويبدو إن الجو الأكاديمي الذي عاشه شوبنهور حمله على تكوين هذا النمط من الكانطية . فمثلاً أستاذ شوبنهور في جامعة ” جوتنكن ” ، وهو الأستاذ ” ج . إي . شولز ” قد ألف كتاباً ضم فصلاً نقدياً لواحد من الفلاسفة الكانطيين ، وهو ” كارل ليونهارد رينهولد ” والمعروف يومذاك بدفاعه عن كانط . ونقد شولز لكانط جاء بالحرف الواحد : ” إنه لا يوجد إنسجاماً بين موضوع المعرفة الفلسفية (وكما عمل كانط) وبين موضوع العقل المستقل الذي يقف وراء الخبرة البشرية ، والذي بدوره يشكل سبباً لخبرتنا الحسية ” . وشارك الأستاذ شولز في نقد كانط الأستاذ ” جاكوبي ” الذي عبر عن الإعتراض ذاته في مقاله المعنون ” المثالية المتعالية أو الترنسندنتالية ” والمنشور في العام 1757 (وكان كانط حياً يرزق) . كما ويجادل شولز موقف كانط من إستعمال ” مفهوم السببية ” من الزاويتين الأبستمولوجية وزاوية التأمل العقلي ، فيذهب إلى إن الموضوع ونعني به ” الشئ بذاته ” يظل خارج المعرفة الإنسانية الممكنة ، وبذلك لا يمكن أن يكون سبباً لحواسنا ” (أنظر : موسوعة ستانفورد للفلسفة / مادة أرثر شوبنهور ، نشرة 2003 أون لاين) . والحقيقة إن هذا النقد لكانط سيتكرر صداه لدى عدد من الكانطيين الجدد كما سيشر إليها البحث الحالي .

  جاء النقد والتقويم الشوبنهري لفلسفة كانط في كتاب ” العالم إرادة وصورة ” في صور مختلفة . منها إن شوبنهور إتفق مع كانط في إفتراض إن ” الشئ بذاته ” هو سبب حواسنا . ولكنه لاحظ في الوقت ذاته ، إن مفهوم السببية الكانطي ذهب بعيداً عن حدوده المشروعة . صحيح إن كانط إعتقد إن وظيفة مفهوم السببية ، هو إنه يجهزنا بالمعرفة المتعلقة بميدان خبرتنا الممكنة (وليس خارجها) . شوبنهور بالمقابل رفض أن يكون لحواسنا ” سبب خارجي ” . وإن كل ما نعرفه ، هو إن ” الشئ بذاته ” موضوع عصي على المعرفة ، ويوجد بصورة مستقلة عن حواسنا ، الذي هو سبب لها .

  هذه المشكلة الداخلية في حجة كانط ، هي التي حملت شوبنهور إلى توجيه النقد إلى كانط . فأولاً لاحظ شوبنهور إن مرجعية كانط إلى ” الشئ بذاته ” كموضوع عقلي مستقل (وهو موضوع لكل شئ) فيه نوع من التضليل . وبدلاً من ذلك أعاد شوبنهور صياغة الفهم الكانطي في إطار فهم شوبنهوري حمل بعض التعديل ، فحسب شوبنهور إن مرجعيتنا إلى ” الشئ بذاته ” جاءت بسبب وعينا به ، وليس لإستخدامه لإغراض سببية ، وذلك لأن العلاقات السببية تفترض ” سبب ونتيجة ” (ومفهوم السببية متناقضاً في حدوده) . ولكن الباحثون لاحظوا إن عنوان كتاب شوبنهور ” العالم إرادة وصورة ” يحمل على الإعتقاد بأن العالم له وجهين : الإرادة والصورة  . ولكن شوبنهور من طرف أخر لا يعتقد بإن الإرادة هي سبب تصوراتنا أو صورنا . إنه يعتقد إن الإرادة والصور أو الأفكار هي ” شئ واحد للحقيقة ذاتها ” . وهما يتساندان في علاقة بينهما . وقدم مثالاً مقارناً يصور العلاقة بينهما ، وهو مثل العلاقة بين ” القوة وتمظهرها ” ، فهي كعلاقة الشرارة والكهربائية . وهذا يتعارض مع القول إن الشئ بذاته هو سبب حواسنا .

 ووجهة نظر شوبنهور جاءت أكثر وضوحاً في المثال الذي ضربه لشرح العلاقة بين الشئ بذاته وحواسنا ، فأفاد بأن العلاقة بين الشئ بذاته وحواسنا ، هي أشبه كثيراً بالعملة ذات الوجهين ؛ وهذا يعني إن ليس واحداً من وجهي العملة ، هو سبب للوجه الأخر . ولكن كلاهما يكونان ” العملة ذاتها ” .

  ومن بين الإنتقادات التي وجهها شوبنهور لكانط (أنظر : أرثر شوبنهور ؛ العالم إرادة وصورة / الملحق في المجلد الأول والمعنون ” نقد الفلسفة الكانطية) خصوصاً نقد مقولات كانط الإثني عشر (وهي مقولات تنظيم المعرفة البشرية) . وبإعتقاد شوبنهور إنه في الإمكان رد (أو إختصار) المقولات الإثني عشر إلى ثلاثة مقولات ، وهي المكان والزمان والعلية (وسيظهر لهذا الموقف الشوبنهوري من المقولات الكانطية صدى لدى فلاسفة الكانطية الجديدة ، خصوصاً رجال المدرسة الفرنسية ، أنظر التعقيب في نهاية هذا البحث) . ولذلك رأى شوبنهور إن هذه المقولات الثلاثة (هي مبادئ مستقلة) مبادئ للتعبير عن مبدأ واحد ، أسماه ” العقل الكافي ” والذي له أصول أربعة (ثلاثة كانطية وهي المكان والزمان والعلية ، وأضاف شوبنهور أصل رابع وهو العمل أو الفعل) والتي كما بينا إن شوبنهور شرحه في إطروحته للدكتوراه ( أنظر : أرثر شوبنهور : الأصول الأربعة لمبدأ العقل الكافي (مصدر سابق) ،  ) .

   ويلحظ القارئ إن شوبنهور في كتابه ” العام إرادة وصورة ” غالباً ما يحيل القارئ إلى مبدأ العقل الكافي كمبدأ ” للإندفجيوشن أو الفردية أو التفرد ” . وهنا شوبنهور قد ربط فكرة ” الفردية ” بمقولتي المكان والزمان ، ولكنها بالطبع تتضمن العقلانية ، والضرورة والتنظيم والقرار . والحقيقة إن تداول شوبنهور لمبدأ العقل الكافي ، ومبدأ التفرد ، هي بحد ذاتها تعبيرات مختصرة لما كان كانط يستعملها بصورة أكثر تعقيداً ، وذلك عندما يعتمد عليها مرجعية إلى المكان والزمان والمقولات الإثني عشر للفهم  التي إختصرها شوبنهور في مقولة أو جذر العلية (والمقولات الكانطية الإثني عشر هي : الوحدة ، والكثرة ، والجمع ، والإيجاب ، والسلب ، والحدود ، والجوهر ، العلية ، والتبادلية ، والإمكان ، والواقعية والضرورة) .

  وخلاصة الموقف إن شوبنهور يثمن كانط في ثلاثة مواقف ، وهي : 1 – إن فضيلته تكمن في إنه ميز بين الظاهرة ” الشئ كما يبدو لنا ” وبين ” الشئ بذاته ” . 2 – فضيلته في إنه شرح كيف إن السلوك الإنساني (وخصوصاً الأخلاقي) يختلف عن القوانين التي تحكم الظاهرة . 3 – فضيلته في إنه قرر مصير الفلسفة الدينية المدرسية ، فذهب إلى إنها أصبحت خارج التاريخ تماماً ، وقد أثبت البرهان على محال براهين اللاهوت ..

  أما أخطاء كانط بالمنظور الشوبنهوري ، فهي تتوزع في مجالين : أولاً – أخطاء أساسية ؛ فقد فشل كانط في التمييز بين موضوعات المعرفة الواقعية والمعرفة الحدسية . ثانياً – الأخطاء الثانوية : 1 – يؤكد كانط على إن الميتافيزيقا هي معرفة أولية أو معرفة سابقة على التجربة . ولكنه يعود ويؤكد على إن مصدر الميتافيزيقا ليس بتجربة داخلية ، ولا بتجربة خارجية . 2 – إن كانط لم يبين بوضوح إن مفاهيم العقل أو الفهم هي مفاهيم عامة ومقولات . 3 – لم يتكلم كانط بوضوح عن مفاهيم العقل ، مثل أفكارنا عن الله ، الحرية والخلود . 4 – قسم كانط العقل إلى نظري وعملي ، وصنع من العقل العملي مصدراً للسلوك الأخلاقي .

 ووفقاً لشوبنهور إن هناك إختلافاً بين الموضوع بحد ذاته ، والشئ بذاته . وليس هناك موضوع بحد ذاته ، والموضوع هو دائماً موضوع لفاعل ، والموضوع هو حقيقة صورة للموضوع . والشئ بذاته كما هو معروف عند كانط عصي على المعرفة . إضافة إلى إن كانط يزعم إن صورة الموضوع تحدث عن طريقين : أولاً – خلال الإدراك الحسي لواحدة من الحواس أو بمشاركة أكثر من حاسة . ثانياً – من خلال نشاط العقل (أو الفهم) المشروط بالمقولات الإثني عشر (أنظر : أرثر شوبنهور ؛ العالم إرادة وصورة / المجلد الأول / الملحق المعنون ” نقد الفلسفة الكانطية) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

الإصول الفلسفية وأشكال الكانطية الجديدة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  دشنت البدايات الأولى للنزعة الكانطية الجديدة في العقد الأول من النصف الثاني من القرن التاسع عشر(وبالتحديد بعد مرور ستة عقود على موت كانط ، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على نشر إنتقادات أرثر شوبنهور لفلسفة كانط) ، حركة فلسفية إنبثقت في ستينات القرن التاسع عشر ، حاملة شعار ” العودة إلى الفيلسوف كانط “*.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وأحسب إن عنوان ” العودة إلى كانط ” فيه إستبطان جيد لمصطلح الفيلسوف الرومانتيكي ” جان جاك روسو ”  ” العودة إلى الطبيعة ” والذي تردد كثيراً في محاضرات كانط عندما كلفته جامعة ينا بالتدريس فيها ، ففضل أن يدرس كتاب ” أميل أو التربية ” للفيلسوف الرومانتيكي روسو وهكذا إستحوذ كتاب أميل وفكر روسو التربوي على ذهنية الفيلسوف الألماني عمونائيل كانط مئة في المئة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إستحواذ نصوص روسو على كتابات الفيلسوف كانط التربوية / سيظهر على موقع الفيلسوف) . وأرجو تنبيه القارئ إلى إن الفيلسوف كانط كان معجباً جداً بالفيلسوف روسو حتى إنه وضع صورته الوحيدة على جدارغرفته .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وهو الشعار الذي تداوله لأول مرة الكانطي الجديد ” أوتو لبيمان ” (1840 – 1912) في كتابه المعنون ” كانط وخلفائه الصغار” والصادر في عام 1865 (أنظر للتفاصيل : فردريك كوبلستون ؛ تاريخ الفلسفة / المجلد السابع ، طبعة دبول دي ، نيويورك 1963 ، ص 361) .

   إن حركة العودة إلى الفيلسوف كانط هي في جوهرها رد فعل ثقافي (فلسفي) على جدل الماديين في الفكر الألماني ، الذي شغل فترة الخمسينات من القرن التاسع عشر (أنظر المصدر السابق ، ص 436) .ونحسب إنه من المفيد أن نشير إلى أن مثابرة شوبنهور النقدية لفلسفة كانط ، خصوصاً نشرته الموسعة الثانية لكتابه ” العالم كإرادة ” والتي كما أشرنا أعلاه قد أصدرها في العام 1844 ، قد لعبت بالتأكيد دوراً في لفتت أنظار أطراف مختلفة من مفكري وفلاسفة خمسينيات القرن التاسع عشر ، وربما شجعتهم إلى رفع شعار العودة إلى كانط ، وإتخاذ فلسفته حجر الأساس أو ملاذاً فلسفياً في مواجهة حركة الماديين الألمان يومذاك .

  وفعلاً فإن الباحث الأكاديمي المدقق يجد إن واحداً من أهم الرموز الفلسفية للمادية الألمانية ، وهو ” لودفيغ فيورباخ ” والذي كان بنظرها فيلسوفاً بطلاً لها  ، خصوصاً في كتابه الشهير والمثير للجدل والمعنون ” جوهر المسيحية ” والذي نشر طبعته الثانية في عام 1948 (بالطبع الطبعة الأولى صدرت في عام 1841) قد ألهبت الجدل في الدوائر الثقافية الألمانية عامة والفلسفية على وجه الخصوص ، وكما هو واضح من الحقائق التاريخية أعلاه إن كتابات الفيلسوف المادي فيورباخ كانت موضوع دراسة من قبل الفيلسوف شوبنهور . والشاهد على ذلك إن كتابه ” العالم إرادة وصورة ” جاء بعد ثلاث سنوات من صدور الطبعة الأولى لكتاب فيورباخ ” جوهر المسيحية ” هذا أولاً . وثانياً إن شوبنهور في المجلد الثاني من كتاب العالم إرادة ، الفصل الأول تعرض بالنقد الشديد للمادية ممثلة بالفيلسوف فيورباخ . فقال بالحرف الواحد :

 ” المادية هي فلسفة الذات التي شطبت نفسها ودورها في عملية التأمل الفلسفي على الإطلاق ”

  ماذا يعني هذا في مضمار المثابرات الأولى لفلاسفة العودة إلى كانط ؟ يعني شيئاَ واحداً ، وهو إن شوبنهور كان فيه الكثير من العون الفلسفي للكانطيين الجدد في مجابهة الماديين وخصوصاً فيلسوفهم البطل فيورباخ .

 بعد موت الفيلسوف هيجل بعام واحد ، وبالتحديد في العام 1832 نشر ” فردريك أدورد بنيك ” (1798 – 1854) كتاباً بعنوان ” كانط والمهمات الفلسفية لعصرنا ” وهو عمل نقدي (ومن المعروف عن ” بنيك ” إنه درس التجديدات أو الأدق التحويرات على الكانطية التي قام بها كل من ” جاكوب فردريك فرايز ” (1773 – 1843) وشوبنهور ، وكذلك كتب ” بنيك ” رسالة عاند كانط فيها على كتابه ” ميتافيزيقا الأخلاق ” وسعى إلى تأسيس الأخلاق على مشاعر تجريبية) (أنظر : فرنسيس بورك برندت ؛ فردريك أدورد بنيك (1798 – 1854) : الرجل وفلسفته ، إطروحة دكتوراه قدمت إلى كلية كولومبيا 1895 ، خصوصاً السيرة الذاتية ، ص ص 164 – 167) .

  وفي العام 1847 ألقى الفيلسوف ورجل اللاهوت ” كريستين هيرمان ويس ” (1801 – 1866) محاضرة في غاية الأهمية وجاءت بعنوان ” في أي معنى مطلوب من الفلسفة الألمانية أن تعود من جديد إلى كانط ” . هذه كانت المقدمات . أما البدايات الحقيقية لحركة الكانطية الجديدة ، فيمكن تتبع أثارها في نشاطات وكتابات كل من ” فردريك ألبرت لانج ” و ” أوتو ليبمان ” ، ” أدورد زيلر ” (1814 – 1908) (والذي وجد في العودة إلى كانط مطلب ضروري ، وذلك للإعتبارات النقدية للمشكلات الأبستمولوجية التي صنعها كانط ، وحاول بنجاح حل بعضها جزئياً) ، و ” هيرمان فون هلمهولتز ” (1821 – 1894) . والتي جاءت كتاباتهم رد فعل على سلطة الوضعيين من العلماء ، ومواقف الماديين التي ترد كل شئ إلى ” كيانات مادية ” يمكن قياسها . ومن أمثال هذه الردود الكتاب الذي نشره لانج بعنوان ” تاريخ المادية ونقد أهميتها الراهنة ” الذي صدر في العام 1866 ، والذي تطلع فيه إلى إثبات إن المثالية الترنسندنتالية قد تخطت الصراع التاريخي المرير بين المثالية والمادية الميكانيكية (أنظر : لانج : تاريخ المادية ونقد أهميتها الراهنة ، ترجمة إرنست شاستر توماس ، نشرة شركة هوفتن ، بوسطن 1880) . وهنا جاء شعار العودة إلى كانط ، والذي أصلته نشرة كتاب الأبستمولوجي ” أوتو لبيمان ”  ” كانط وخلفائه .. ”  كما جاء ذكره أعلاه .

  ومن النافع هنا أن نشير إلى إن ” هلمهوتز ” مثلاً كان رمزاً علمياً كبيراً في عصره ، وقد ألح في كتاباته على إن ” المادية بحد ذاتها ليست إلا فرضيات ميتافيزيقية ” . أما مؤرخ الفلسفة ” كينو فيشر ” (1824 – 1907) فهو رمز فلسفي كبير أخر في حركة الكانطية والذي ترك أثاراً على تطور الكانطية الجديدة . فقد نشر كتابه ” نظام المنطق والميتافيزيقا ” في العام 1852 ، والذي جاء بعد نشر عمله الملحمي المعنون ” حياة كانط وأسس تعاليمه ” والذي نشره في العام 1860 . وكان هذا الكتاب بداية الرد الكانطي الجديد على المادية . وفيشر هو من الكانطين الجدد ، والذي دخل في نزاع مع الأرسطي ” فردريك أدولف ترندلبيرك ” (1802 – 1872) حول تفسير نتائج علم الجمال الترنسندنتالي (أنظر للإطلاع : لورن فوكلنستاين ؛ علم الجمال الترنسندنتالي / منشور مع مجموعة بحوث في كتاب ” في صحبة كانط بإشراف كرهام بيرد / نشرة بلان ويل 2006 ، ص ص 140 – 153) . وهذا النزاع دفع بالفيلسوف الألماني ” هانز فاينكر ” (1852 – 1933) أن يكتب شرحه الواسع على كتاب كانط ” نقد العقل الخالص ” (أنظر : هنري أليسون ؛ المثالية الترنسندنتالية عند كانط / منشور في كتاب ” في صحبة كانط ” / ص ص 111 – 124) .

  حقيقة إن إنبلاج فجر الكانطية الجديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، جاء في الأصل في مضمار البحث المنطقي ، والفكر العلمي والأبستمولوجي . وكان الحاصل من المناقشات التي دارت حول كتاب كانط ” نقد العقل الخالص ” . هذه كانت البداية ، ولكن فيما بعد فإن حركة الكانطية الجديدة إشتغلت في أطراف أخرى من مثل معنى الأكسيولوجيا ، والقيم الأكسيولوجية ، وخصوصاً البعد الأكسيولوجي للأخلاق ، ومن ثم شمل البحث الكانطي الجديد النظرية السياسية ، وأخيراً حط الإهتمام الكانطي الجديد رحاله عند الأسئلة التي ظلت معلقة حول الميتافيزيقا . ولعل من السمات التي ميزت الكانطية الجديدة وشدتها بقوة إلى الفيلسوف كانط ، إنها ظلت محافظة على طبيعتها المثالية المعتدلة كما هو الحال في فلسفة كانط .

  وفوق كل ذلك فإن الكانطيين الجدد جاءوا من بيئات فلسفية وعلمية متنوعة ، حاملين معهم مشارب ومشاغل مختلفة . فمثلاً منهم من جاء من مضمار العلوم التجريبية ، وأخرون جاءوا من دوائر الفكر الرياضي ، ومجموعة ثالثة كانت مهتمة بدراسة اللاهوت والدين .. وهذا الحال يحمل الباحث في شؤون الكانطية الجديدة ، أن يقول دون تردد ؛ إن الكانطية الجديدة حملت وجهات نظر متنوعة ، توزعت بين التجريبية ، والواقعية ، والنزعة النفسية .. وهي بالفهم العام محاولات تجريبية على مثالية كانط النقدية أو مشاريع تحوير لمثالية كانط . وإذا كان هذا هو حال المشروع الكانطي الجديد ، فإن السؤال الملحاح هنا : ماذا بقي من كانط في المشروع الكانطي الجديد ؟ نقول دون تردد بقي ” نقطة بداية أو إنطلاق ” مشروع الفيلسوف عمانوئيل كانط ، وهي ” تحليل وظائف العقل الإنساني ” .

  ولما كانت هذه النزعات الكانطية الجديدة مرتبطة بمراكز بحوث ، وتتألف من مجموعة من الأكاديميين العاملين في الجامعات والحلقات العلمية ، فإنهم تجمعوا في مدارس ، حملت كل واحدة منها معلماً متميزاً ، أو عكست إتجاهاً خاصاً . وهذا ما نتطلع في محور أخر إلى تقديم تعريف بمدارس الكانطية الجديدة . أما الأن فنقدم إنموذجين رائدين في حركة الكانطية الجديدة في القرن التاسع

فردريك ألبرت لانج وكتابه ” تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة “

  ينظر الباحثون الغربيون ، وخصوصاً الإنكليز منهم ، إلى ” فردريك ألبرت لانج ” (1828 – 1875) على إنه فيلسوف وعالم إجتماع ألماني . ونحسب إن له مكانة متميزة في تاريخ الفلسفة الكانطية عامة والكانطية الجديدة خاصة ، فقد إرتبطت بإسمه روحياً ” مدرسة ماربوك للكانطية الجديدة ” حين كان بروفسوراً في جامعة ماربورك مع ملاحظة دور تلميذه المتميز ” جوهان كوهن ” (1842 – 1918)  وهذا موضوع سندرسه في محور لاحق وتحت عنوان ” التنوع في مدارس الكانطية الجديدة ” .  

   ولد فردريك لانج بعد موت الفيلسوف عمانوئيل بحدود ربع قرن من الزمن . بل ولاحظ الباحثون حتى والده رجل اللاهوت ” جوهان بيتر لانج ” (1802 – 181884) قد ولد قبل موت كانط بسنتين فقط . كانت ولادة الطفل فردريك في منطقة ” والد ” بالقرب من مدينة ” سولينكن ” ، وتربى في أحضان عائلة ذات ثقافة دينية إصلاحية ، فقد كانت العائلة من طرف الوالد متشربة بعقائد المذهب المسيحي الكالفيني (مذهب بروتستانتي يرتبط بالمصلح المسيحي ” جون كالفن ” (1509 – 1564) (للتفاصيل عن المصلح كالفن ، أنظر : أرينا بوكس وفيليب بنديكت ؛ كالفن وتأثيراته (1509 – 2009) مجموعة مقالات كتبها باحثون أكاديميون ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2011) ، فأبوه كان رجل لاهوت كالفيني وله شروح على الأناجيل ، ومن ثم بروفسوراً لللاهوت في بون . ولعل من أهم مؤلفاته التي ترجمت إلى الإنكليزية ، كتاب بعنوان ” شرح على الكتب المقدسة ” (25 مجلداً) (نشرة مطبعة شالز سكربنر وأولاده ، نيويورك 1865 – 1880) . إذن في ظل هذه الأجواء الدينية ذات النزعة الإصلاحية ترعرع الطفل فردريك ، وتكونت ذهنيته . ومن ثم بدأ تعليمه في مدارس ” دسبيرك ” ، وزيورخ وبون . ومن ثم أعد نفسه بجد ليكون أكاديمياً متميزاً في مضمار ” الجمناستيك ” . وفعلاً أنجز ذلك وحصل على وظائف تربوية وأكاديمية ، كان منها مديراً لمدرسة في ” كولونيا ” في العام 1852 . وأصبح في العام 1853 محاضراً في الفلسفة في بون (وكانت متطلبات هذا العمل إكمال كتابة رسالة ماجستير أو إطروحة دكتوراه) . ومن ثم كان في العام 1858 مديراً لمدرسة في مدينة دسبيرك . وقد إستقال من وظيفته الأخيرة بسبب قرار الحكومة بتحريم مدارء المدارس من الذين لهم نشاطات سياسية .

   ومن ثم في العام 1862 دخل عالم الصحافة ، وعمل محرراً في صحيفة ” الراين ” التي كانت ترفع راية الإصلاح السياسي والإجتماعي . وقد لعب مقاله دوراً ملحاً على مطالبة ” بسمارك ” (1815 – 1898) على الإستقالة . وكان مشهوراً في الأوساط الإجتماعية بإهتمامه بالشؤون العامة . وفعلاً كان الشاهد على ذلك مناصرته لمؤسس الحركة الإشتراكية الألمانية ” فرديناند لاسل ” (1825 – 1864) في محاولة الأخير توفير الضمان الدستوري للحريات الأكاديمية . وقد كتب العديد من المؤلفات المشهورة ، مثل ” التمارين الرياضية ” وكتابه المعنون ” 114 ” والذي صدر في طبعته الأولى عام 1865 ، ومن ثم طبع عدة مرات . فمثلاً ظهرت طبعته الخامسة بعد موته بحدود العشرين عاماً .

  ثم جاء واحد من أهم كتبه الفلسفية ، وهو كتابه المعنون ” تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة ” ، والذي صدر في أول طبعة له في العام 1866 ، وستكون لنا وقفة في حضرته فيما بعد . وتلاه كتابه عن الفيلسوف الإنكليزي ” جون ستيوارت مل ” (1806 – 1873) الذي كان معاصراً له ، والذي كان بعنوان ” جون ستيوارت مل وأراء حول المسألة الإجتماعية ” والذي ظهر في العام 1866 . وكتب أعمالاً أخرى في التعليم والتربية وعلم النفس .

  وفي العام 1869 أصبح محاضراً أكاديمياً في زيورخ ، وفي السنة التالية عُين بروفسوراً للفلسفة الإستقرائية (وهو عنوان جديد يومذاك) . بعد ذلك حصل على عروض للعمل بروفسوراً في جامعات ألمانية عديدة ؛ منها جامعة وزيربيك ، وكانكسبيرك (وهي جامعة الفيلسوف كانط) ، وجامعة كيل وينا . ولكنه في العام 1872 قبل عرض جامعة ماربورك . وبعد مرض عضال توفي الفيلسوف الكانطي الجديد ” فردريك لانج ” في 23 نوفمبر 1875 .

   سأحاول هنا إلقاء ضوء على كتابه ” تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة ” بقدر ما له علاقة بحركة العودة إلى كانط . وللتذكير إن شعار ” العودة إلى كانط ” الذي كان حجر الأساس لحركة الكانطية الجديدة في ستينيات القرن التاسع عشر ، جاء رد فعل على الجدل المادي الذي هيمن على دوائر الفكر الألماني في خمسينيات القرن التاسع عشر (أنظر : فردريك كوبلستون ، تاريخ الفلسفة ، المجلد 7 ، نشرة عام 1963 ، ص 436) .

  إن كتاب ” تاريخ المادية ونقد أهميتها الراهنة ” الذي أنجزه الفيلسوف الكانطي الجديد ” فردريك لانج ” هو من الأعمال الفلسفية الكبيرة والمبكرة في تاريخ نقد المادية . ظهر الكتاب أولاً بالألمانية في إكتوبر عام 1865 وفي بعض النشرات يُشار إلى عام 1866 . وكانت ستة عقود قد مضت على وفاة الفيلسوف كانط ، وستة سنوات على موت الفيلسوف شوبنهور . في حين كان الفيلسوف المادي ” لودفيغ فيورباخ ” حياً يرزق . ولذلك كان كتاب ” تاريخ المادية .. ” كما نحسب ، صدمة فلسفية قوية للماديين في ستينيات القرن التاسع عشر عامة ، وللفيلسوف المادي لودفيغ فيورباخ خاصة ، والذي نُرجح إنه إطلع عليه بنشرته الألمانية ، وأدرك إن الكانطية الجديدة هي الحركة الفلسفية التي تمتلك الطاقة الفلسفية لمنازلة المادية في ثلاثة جبهات ؛ الجبهة الفلسفية ، والعلمية الأبستمولوجية والأكسيولوجية في أطرافها الثلاث المنطق وعلم الجمال والأخلاق . ونظن إن فيورباخ مات كمداً ، وغادر العالم في 1872 أي بعد ستة سنوات من الصدمة التي أحدثها كتاب الفيلسوف الكانطي الجديد فردريك لانج وفي نفسه أشياء من كتاب تاريخ المادية…

  وبعيد موت فيورباغ بعام واحد ، قام البروفسور لانج بتوسيع كتابه تاريخ المادية ، وصدر في مجلدين في الفترة ما بين (1873 – 1875) . صحيح إن الفيلسوف لانج مات في عام 1875 وكان عمره سبعة وأربعين ربيعاً وفي قمة نضوجه الفلسفي الواعد بمؤلفات فلسفية متنوعة . إلا إن يد المنون إختطفته بعد صراع مع مرض عضال . فارق لانج العالم ولم يشهد الترجمة الإنكليزية لكتابه تاريخ المادية . ولكنني أظن إن هناك كانت إتصالات قد جرت بينه وبين المترجم الأستاذ ” إرنست شاستر توماس ” حول مشروع ترجمة الكتاب إلى الإنكيزية قبيل موت الفيلسوف على الأقل بعام واحد . ومن ثم لم يرى بعينيه إحتفالية الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” (1872 – 1970) في المدخل الذي كتبه لنشرة الكتاب الإنكليزية (وهي ترجمة إرنست توماس) في العام 1950 .

  كانت نقطة إنطلاق الفيلسوف لانج في كتابه ” تاريخ المادية نقد لأهميتها الراهنة ” هو وجهة النظر الكانطية الأبستمولوجية القائلة : ” إننا لا نعرف شيئاً سوى الظاهرة ” الشئ كما يبدو لنا ” . ولانج رأى إنه ” لا المادية ، ولا أي نظام ميتافيزيقي أخر يمتلك معرفة عن الحقيقة النهائية ” . تألف الكتاب في ترجمته ونشرته الإنكليزية من ثلاثة مجلدات ؛ عالج في المجلد الأول ثلاثة محاور جاءت بالشكل الأتي : 1 – المادية القديمة . 2 – مرحلة التحول . 3 – المادية في القرن السابع عشر . في حين درس المجلد الثاني ثلاثة قضايا : 1- المادية في القرن الثامن عشر . 2 – في الفلسفة الحديثة . 3 – العلوم الطبيعية . أما المجلد الثالث فقد ركز بحثه في ثلاثة إمور : 1 – إستمرار معالجة العلوم الطبيعية (التي درسها في المحور الأخير من المجلد الثاني) . 2 – درس الإنسان والنفس . 3 – وهذا المحور وهوالأخير جاء حول ” الأخلاقية والدين ” (أنظر: فردريك ألبرت لانج ؛ تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة ، ترجمة إرنست شاستر توماس ، نشرة شركة هوفتن ، بوسطن 1880) .

  وهنا أدعو أقسام الفلسفة في العراق إلى تشجيع طلبة الدراسات العليا لإنجاز رسائل ماجستير وإطروحات دكتوراه عن الفيلسوف الكانطي الجديد ” فردريك ألبرت لانج ” وكتابه الفلسفي المعنون ” تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة ” لأنه واحد من مشروعات الكانطية الجديدة في القرن التاسع عشر . وكما قلت وأردد هنا إلى إن الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” إحتفل به عندما كتب مدخلاً لنشرته في العام 1950 .

  وأود أن أختم هذا المحور بالإشارة إلى إن ما يهمنا في مضمار كانطية لانج الجديدة ، هو الكتاب الثاني من المجلد الثاني ، والذي جاء بعنوان : تاريخ المادية منذ كانط ” وخصوصاً الفصل الأول الذي حمل عنواناً دالاً وكان ” كانط والمادية ” (ص ص 153 – 234) . وهنا أرخ لانج بدايات الكانطية الجديدة التي تمثلت في ” عودة الفلسفة الألمانية إلى كانط ” (المصدر السابق ، ص 153) . ثم فصل في ظروف الإنشاء الفلسفي للكانطية الجديدة ، فذهب موضحاً :

  لقد وجد الرجال التحدي في المادية ، التي أشاعت في دوائر الفكر الألماني ، إن كانط قد تلاشى . لكن اليوم لدينا مدرسة كانطية فتية بمعناها الضيق والواسع . صحيح إن هناك من يحاول التجريب والسباحة في شواطئ فلسفية أخرى ، إلا إن كانط موضوع إهتمامهم ، ومكانته محترمة لديهم . وفي الوقت ذاته قدموا تبريرات في هجرهم للطرق التي سلكها كانط . ويبدو حتى في حماسهم لفلسفة شوبنهور المبالغ فيه ، ففي أطراف من المشروع الشوبنهوري ، تعود في إصولها إلى مرحلة التحول من فلسفة كانط (المصدر السابق ، ص 154) .

  ومن ثم تحول لانج إلى معسكر العلماء وإحتج بمواقفهم من المادية ومن الفيلسوف كانط ، فقال :

 أدرك رجال العلم فشل المادية ، وذلك لأنها لاترضي حاجاتهم ، ولكنهم في الوقت ذاته كانوا أكثر ميلاً إلى كانط والإتفاق معه (المصدر السابق ، ص 155) .

 وهكذا تحول النقد الكانطي إلى سمة من سمات التفكير الكانطي الجديد . وهنا لانج أشار إلى حقيقة النقد الكانطي ، فأفاد :

  يعترف كانط بأن هناك طريقتين للتفكير ” المادية والشكية ” ، وهما خطوتان مشروعتان بإتجاه فلسفته النقدية . وفي الوقت ذاته يعتقد كانط إنهما خطوتان خاطئتين . وإن خطئهما ضروري من أجل تطوير المعرفة (المصدر السابق ، ص 163) .

   ونحسب إن كتاب ” تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة ” في ترجمته الإنكليزية المبكرة (في العام 1880 والذي صدر في بوسطن – أمريكا) والتي قام بها إرنست شاستر توماس ، كانت بداية الإحتفال الإنكليزي بالكانطية الجديدة ، كما ونحسب إنها كانت الدافع وراء الإحتفال البراجماتي في الأكاديميات الأمريكية بكانط والكانطية الجديدة ، وذلك عندما أقدم فيلسوف البراجماتية ” جون ديوي ” بعد أربع سنوات من نشرة كتاب الفيلسوف لانج ” تاريخ المادية .. ” من كتابة إطروحته للدكتوراه بعنوان ” علم النفس عند كانط ” (1884) .          

أفرايكن ألكسندروف سبر وكتابه ” الفكر والحقيقة .. “

  صحيحُ إن الفيلسوف ” أفرايكن ألكسندروفش سبر ” (1837 – 1890) هو من أصول ألمانية . وصحيحُ جداً إنه فكر وكتب باللغة الألمانية ، إلا إن الأكاديميين الغربيين يحسبونه فيلسوفاً كانطياً جديداً روسياً (أو على الأقل إنه يشكلُ منطلقاً لمدرسة كانطية جديدة روسية) . ولعل من الشواهد المبكرة لأثر فلسفته ، ظهور صدى لها على كتابات الفيلسوف ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) ، وخصوصاً أثر كتاب ” أفرايكن سبر ” المعنون ” الفكر والحقيقة .. ” على تفكير نيتشه (أنظر : هلينا سبر (إبنة الفيلسوف أفرايكن سبر) : الذاكرة ؛ تولستوي ، نيتشه ، ريكله (شاعر نمساوي 1875 – 1926) والفيلسوف أفرايكن سبر ، طبعة فينا 1944) . وأحسب إن أثر الفيلسوف فرايكن على نيتشه ظهر له صدى في كتاب الأخير ، والمعنون ” ما وراء الخير والشر ” عندما تحدث عن طرف من منطق كانط ، ولكن بمذاق نيتشوي متهكم (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ثورة الفلسفة : مشروع نيتشه في كتابه ما بعد الخير والشر / مقال منشور على صفحات موقع الفيلسوف في 14 أبريل 2011) . 

  والسؤال هنا : ما هي المحطات المهمة في حياة الفيلسوف الكانطي الجديد ” أفرايكن سبر ” ؟ ولد الطفل أفرايكن في 10 نوفمبر 1837 في ” سبروفوسكا ” التي كانت جزء من الإمبراطورية الروسية (والأن هي جزء من أوكرانيا) ، وكان لوالده أملاكاً وضيعاً هناك . وكان والده الكسندر يحمل مؤهلات وألقاباً أكاديمية ، فهو بروفسور سابق للرياضيات في موسكو ، ومن ثم هو جراح ورئيس أطباء في المستشفى العسكري في ” أوديسا ” (وهي ثالث أكبر مدينة في أوكرانيا) .

  ويتذكر أفرايكن سبر أطراف من مسيرته التربوية ، فيقول :

صرفت فترة طفولتي في أحضان الريف ، وفيما بعد بدأت الدراسة لفترة في أوديسا ، أولاً في مدرسة داخلية خاصة ، ومن ثم تلقيت تعليمي في ” الجيمنزيوم ” وهي تعادل أو أقل من الثانوية الفرنسية (إذا كنت صحيحاً) . ولم يكن لي حظ في الدراسة في الجامعة ، وبدلاً من ذلك دخلت المدرسة البحرية ، التي لم تبعد كثيراً عن البحر الأسود .

  وخلال هذه الفترة نمت لدى أفرايكن توجهات نحو الفلسفة . وفعلاً بدأ يقرأ كتاب كانط ” نقد العقل الخالص ” في ترجمته الفرنسية ، والتي منحته أساساً لتفكيره التأملي . ومن ثم وسع قراءاته الفلسفية فشملت ” رينيه ديكارت ” (1596 – 1650) و ” ديفيد هيوم ” (1711 – 1776) و ” جون ستيوارت مل ” (1806 – 1873) .

  تلك كانت سنوات الإعداد للفيلسوف الكانطي الجديد الواعد أفرايكن سبر ، تلتها سنوات التحول المهني والخيارات الصعبة ، والتي ستحمل معها الكثير من الأحزان

وذلك بفقدانه على التوالي الأب والأخ والأخت والأم ، ومن تضييعه ممتلاكات العائلة عن طريق توزيعها بطريقة غير واقعية وعقلانية على عبيده ، أو بيع المتبقي منها بأسعار لا قيمة لها ، وكانت الدافع لقطع صلته بروسيا ومغادرتها إلى الأبد . ولكن الطرف الإيجابي في مغامرة الفيلسوف أفرايكن إن شد الرحال متوجهاً إلى ألمانيا حيث قبلة الفلسفة هناك بصورة عامة ومكة التراث الكانطي بصورة خاصة .

 ونحسب إنه من المهم هنا أن نقدم للقارئ قراءة لقصة مرحلة التحولات العاصفة ، والتي بدأت بتخرج أفرايكن من المدرسة البحرية ضابطاً ، ومن ثم مشاركته في حرب القرم ، ولشجاعته حصل على ميداليتين (الأولى بإسم سانت أندرو ، والثانية بإسم سانت جورج) هذا طرف .

    أما الطرف الأخر العاصف من قصة مرحلة التحولات في حياة الفيلسوف الكانطي الجديد أفرايكن سبر، فيمكن قراءتها في تاريخ تحرير العبيد (رق الأرض) في روسيا . والحقيقة إن أفرايكن من الرواد الأوائل في حركة تحرير العبيد (حاله حال تولستوي (1828 – 1910)) . وفعلاً فإن أفرايكن قام بتحرير عبيده ووزع عليهم الأراضي وقدم لهم المساعدات المالية قبل الإعلان الرسمي للإمبراطورية الروسية في تحرير العبيد في العام 1861 . فبعد موت والده في العام 1852 ، ورث أملاكاً متنوعة ، وقام بتحريرعبيده ووزع عليهم الأراضي والأموال . وهكذا كان رائداً في مضمار حركة تحرير العبيد في روسيا .

  والفصل اللاحق من مرحلة التحولات ، هي قيامه في العام 1862 بجولات في ألمانيا ، وكانت ذات طبيعة فكرية ، وقد إستمرت لمدة سنتين ، وأفرايكن يصف غرضها بعبارته القائلة : هو التعرف بصورة أفضل على عصارة العقل . ومن ثم ضربت التراجيديا حياة أفرايكن من جديد ، فبعد عودته في العام 1864 إلى روسيا بفترة قصيرة ، توفيت أخته ، ومن ثم في العام 1867 توفيت والدته ، فلم يبقى له أحد من أفراد عائلته ، فقرر بيع المتبقي من ممتلكات العائلة وبأسعار رخيصة ، ووزع معظمها وغادر روسيا دون رجعة (أنظر : هلينا سبر : السيرة الذاتية للفيلسوف فرايكن سبر / ضمن أوراق عائلة سبر – كلابريد / جامعة هارفارد ، كيمبريدج / الرقم 02138 أم . أي / التحديث الأخير 3 أدار عام 2010) .

  ومن ثم جاءت مرحلة بالغة الأهمية في حياة الفيلسوف أفرايكن سبر ، خصوصاً بعد هجره لروسيا ، وإستقراره في ألمانيا ، فأولاً حط الرحال في ” لايبزك ” ، وهناك حضر محاضرات الفيلسوف ” موريتز ويلهلم دروبك ” (1802 – 1896) . وحضور هذه المحاضرات لها أهميتها من نواحي عدة . أولاً إن الفيلسوف موريتز هو رجل رياضيات وعالم في المنطق وخصوصاً المنطق الرياضي وعالم نفس . وفوق كل ذلك هو واحد من رواد الكانطية الجديدة وهذا الأكثر أهمية (أنظر : ك . بيست ؛ موريتز ويلهلم دروبك (1802 – 1896) / منشور في المجلة العلمية ” كلوتومتريكس ” واسعة الإنتشار / العدد 17 سنة 2008 ، ص ص 109 – 114) ، وكان حامل راية تجديد نزعة الكانطية الجديدة التي فرضت هيمنتها في ستينات القرن التاسع عشر . ثانياً إن موريتز من أتباع عالم الرياضيات والمنطق ” جوهان فردريك هربرت ” (1776 – 1841) (أنظر : ب . ولمان ؛ الدور التاريخي الذي لعبه ” جوهان فردريك هربرت ” / منشور في كتاب ” الجذور التاريخية لعلم النفس المعاصر ، نيويورك 1968 ، ص 29 وما بعد) والذي يعتبر من فلاسفة وعلماء المنطق في فترة ما بعد الكانطية . وهربرت هو من تلاميذ الفيلسوف فيخته (الذي كان رئيس قسم الفلسفة الكانطية الذي أسسته جامعة ينا وكان كانط حياً يرزق) . كما إن هربرت من المادفعين عن المثالية الألمانية التي عززها كانط . وفي العام 1809 شغل رئاسة قسم الفلسفة الذي شغله كانط في جامعة كانكسبيرك . وفي المنطق يعتبر هربرت نفسه واحداً من الكانطيين من أمثال ” جاكوب فردريك فريز ” (1773 – 1843) وهو واحد من الكانطيين الجدد ، و ” ويلهلم كروك ” (1770 – 1842) . ثالثاً إن الفيلسوف الكانطي الجديد ( فردريك ألبرت لانج ” كانت له علاقة بالفيلسوف موريتز ، ولكن من زاوية نقدية . وفعلاً لانج إنتقد موريتز وهربرت ، عندما تناول كتاب موريتز المعنون ” أسس علم النفس الرياضي (من الرياضيات) ” . إن ما نريد أن نقوله في ضوء الحقائق السابقة ، إن الفيلسوف أفرايكن سبر في حضوره محاضرات موريتز كان محاطاً بكل شئ ينتمي إلى كانط أو ربما إلى حركة العودة إلى كانط .  

  وفي الفترة التي كان فيها أفرايكن في لايبزك ، كان نيتشه (1844 – 1900) طالباً هناك ، ولكننا لم نعثر في المصادر على أي شئ يدلل على إنهما تقابلا . وفيما بعد وجدت الطبعة الثانية من كتاب الفيلسوف الكانطي الجديد أفرايكن سبر ضمن كتب نيتشه . وفي لايبزك كان أفرايكن سبر صديقاً للناشر ” جوزيف فايندل ” الذي نشر معظم مؤلفاته . ولعل واحد من أهمها بالنسبة لكانطية أفرايكن الجديدة ، هو كتاب ” الفكر والحقيقة : محاولة في تجديد الفلسفة النقدية ” والذي صدر في العام 1873 ، والطبعة الثانية التي إحتفظ بها نيتشه ، ظهرت في العام 1877 (أنظر للتفاصيل : ماري بربارة زيدلن ؛ أفرايكن الكسندروفش سبر (مع مدخل موجز لفلسفته) / إنسكلوبيديا الفلسفة (إشراف بول أدورز) ، نشرة مكميلان ، نيويورك 1972 ، 544) .

  ومن ثم كتب أفرايكن موجزاً عن الكتاب بالفرنسية ونشر لأول مرة في العام 1877 وبعنوان ” موجز للفلسفة النقدية ” . وقد صدرت الطبعة الجديدة له بعد مرور أربعين عاماً على وفاته (أي في العام 1930) مع مقدمة واسعة كتبها الفيلسوف الفرنسي ” ليون برنسكفك ” (1869 – 1944) وكان يومها بروفسوراً في السوربون (وربما سيكون لأفرايكن سبر أثر في تكوين مدرسة كانطية جديدة فرنسية ، أنظر : التعقيب في نهاية البحث الحالي) .

  وفي العام 1884 تحول الفيلسوف أفرايكن سبر إلى سويسرا ، وطلب إسقاط جنسيته الروسية وذلك شرطاً للحصول على الجنسية السويسريه له ولزوجته وإبنته . وفعلاً في السنة ذاتها حصل على الطلب ، وإنتقل إلى فينا ، وفي العام 1889 حصل على الجنسية السويسرية ، ومات* في العام 1890 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سلمت إبنة الفيلسوف هلينا كل مؤلفات والدها ومراسلاته إلى جامعة هارفاد الأمريكية . ولعل المهم فيها السيرة الذاتية التي كتبتها هلينا عن حياة والدها ، والتي هي اليوم المصدر الوحيد لكل من يبحث عن تفاصيل عن حياة الفيلسوف فرايكن سبر . وهي في الحقيقة سيرة مكتوبة من زاوية ذاكرة هيلينا وما حكاه لها والدها وما سجله في بعض أوراقه . ومراسلاته مع عدد من الفلاسفة والمفكرين مثل تولستوي ونيتشه ، وخلاصة لأفكاره الفلسفية وأثره على عالم الفلسفة كتبتها هيلينا ، وملفات عديدة مع مؤلفات الفيلسوف المطبوعة وأوراق أخرى . أنظر : أوراق عائلة سبر – كلابريد (وهو إسم زوج إبنة الفيلسوف هلينا) / جامعة هارفارد ، كيمبريدج / الرقم 02138 أم . أي) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لقد صرف أفرايكن سبر معظم حياته فيلسوفاً ، ولم يحصل على أي منصب أكاديمي ، وهو يُعد كانطياً جديداً وفقاً لكتبه وقراءاته وحضور محاضرات الفيلسوف الكانطي الجديد موريتز . أما نيتشه فيقدمه ” عالماً متميزاً في المنطق ” . وأفرايكن يصف دائماً فلسفته بكونها ” الفلسفة النقدية أي الفلسفة الكانطية ” .

  أما كتابه ” الفكر والحقيقة : محاولة في تجديد الفلسفة النقدية ” فهو من أهم المؤلفات في تاريخ الكانطية والكانطية الجديدة على وجه الخصوص . وهنا نحاول أن ندخل حضرة هذا السفر الكانطي الجديد . والبداية تذكير للقارئ بأن الروائي الروسي تولستوي قد قرأ الكتاب في العام 1896 وكان منبهراً بما كتبه الفيلسوف أفرايكن ، ومن ثم بعث برسالة إلى ” هلينا ” إبنة الفيلسوف أفرايكن سبر ، يقول فيها تولستوي :

 لقد قرأت كتاب الفكر والحقيقة ، فولدت بهجة كبيرة في نفسي . ولم يسبق لي ، إن عرفت فيلسوفاً يمتلك مثل هذا الأسلوب العميق ، والدقة في الوقت نفسه . وما أقصده إسلوبه العلمي . وأحسب إنه سيلقى قبولاً من كل شخص ، وذلك لما توافر فيه من الوضوح والدقة . وأنا متأكد جداً بأن عقيدته ستكون مفهومة ، وسيثمنه الكثيرون وذلك لأنه يستحق الكثير . وإن هناك قدراً مشتركاً بين هذا الكتاب ومؤلف شوبنهور (منا : يبدو إن تولستوي يلمح لكتاب العالم إرادة وصورة لشوبنهور) والذي أصبح مشهوراً ، وأثار الإعجاب فقط بعيد موته . (أنظر : هلينا سبر : الذكرى ؛ تولستوي ، نيتشه ، ريلكه (شاعر نمساوي(1875 – 1926) والفيلسوف فرايكن سبر ، طبعت في فينا 1944) .

 وكتاب الفيلسوف الكانطي الجديد أفرايكن ” الفكر والحقيقة .. ” قد مارس تأثيراً قوياً على كتابات نيتشه (للتفاصيل ، أنظر : ميشيل ستيفن كرين ؛ نيتشه والتقليد الترانسندنتالي ، سلسلة دراسات نيتشه العالمية ، نشرة مطبعة جامعة إلينوز 2002) . وقد ذكرنا سابقاً إن أفرايكن بنفسه أعاد كتابته مباشرة بالفرنسية وبعنوان ” موجز للفلسفة النقدية ” وبالتأكيد أنبت الفيلسوف أفرايكن سبر البذور الأولى لمدرسة كانطية جديدة فرنسية . ومن ظهرت ترجمة له في الإيطالية والتي كانت البداية للإحتفال بمدرسة كانطية جديدة إيطالية ، وتذكر المصادر على وجود ترجمة له بالإنكليزية أو ربما بالأسبانية . (ولكنني بذلت جهداً للوصول إلى الترجمة الإنكليزية ، فلم يحالفني الحظ لحد الأن . وعندما سأحصل عليها سأقوم بتوفير دراسة عنها للقارئ العربي) . ونأتي الأن إلى مضمار المدارس الكانطية الجديدة .   

 التنوع في مدارس الكانطية الجديدة

   لاحظ الباحثون الغربيون إن دوائر الأدب الفلسفي ، أخذت منذ حوالي العام 1875 تتداول بصورة واسعة إصطلاحات من مثل ” الكانطية ” و ” الكانطية الجديدة ” . وحينها كانت حركة ” العودة إلى كانط ” في طريقها الصاعد ، ومن ثم تحولت إلى قوة في الجامعات الألمانية وفي متون الفلسفة الألمانية يومذاك . وقد هيمنت هذه النزعة الفلسفية خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر ، ومن ثم تقدمت إلى رحاب القرن العشرين . وهناك من يرى إنها إستمرت حتى الحرب العالمية الأولى ، ومن ثم تلاشت في وجهات نظر عالمية أخرى . ونحن نعتقد خلاف ذلك ، ونحسب إن الكانطية الجديدة إستمرت حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين ، وبالتحديد حتى العام 1950 وهو تاريخ وفاة أخر فيلسوف كانطي ، وهو الفيلسوف ” نيكولاي هرمان ” (1882 – 1950) .

   صحيح جداً إن الكانطية الجديدة وصلت إلى قدرها المحتوم ، وبدأت بالتشظي أولاً ومن ثم تلاشت ثانياً . ولكنها بدأت مشوارها الفلسفي ظاهرة فلسفية متعددة الواجهات ، كما إنها من الزاوية التاريخية حملت معها تراث كانط الثري ، والذي إزدهر على يد خلفائه الكانطيين الجدد بصور متنوعة وأشكال متعددة ، وذلك إعتماداً على توجهات خلفاء كانط الجدد ، والحقول العلمية التي حرثوا فيها . ولكن مع الإشارة إلى إن حركة العودة إلى كانط ، ومن ثم مثابرات الكانطيين الجدد : ” لم تتطلع أبداً إلى شئ أكثر من العودة إلى روح كانط ، ولم تسعى على الإطلاق إلى إحياء نظامه الفلسفي برمته ” (أدورد سكايدلسكي ؛ المصدر السابق ، ص 26) .

   يُعدد الباحثون في تاريخ الكانطية الجديدة العديد من المدارس ، وصل عددها إلى سبعة مدارس أو مدارس فرعية . إلا إن من الملاحظ إن هناك مدرستين كانطيتين جديدتين كبيرتين فرضتا هيمنتهما على تاريخ الكانطية الجديدة وذلك بسبب إستمرارهما والتأثيرات التي تركتهما ؛ المدرسة الأولى هي ” مدرسة ماربورك ” . والثانية هي ” مدرسة بادين ” والتي يطلق عليها كذلك ” مدرسة هيدلبيرك ” أو ” مدرسة ألمانيا الجنوبية ” . مع الإشارة إلى إن هناك عدد من المفكرين الأخرين حاولوا إنعاش الروح في فلسفة كانط وتحت مظلة عامة ، هي ” الفلسفة النقدية ” .

أولاً – مدرسة ماربوك

    إن مدرسة ماربوك للكانطية الجديدة ، في الأصل هي حركة معارضة للتفسيرات الخاطئة التي تعرض لها كانط وفلسفته (أنظر : أدورد سكايدلسكي ؛ المصدر السابق ، ص 28) . وترتبط هذه المدرسة الكانطية الجديد بإسم إثنين من فلاسفة الكانطية الجديدة ؛ الأول هو البرفسور ” فردريك ألبرت لانج ” الذي قبل عرض جامعة ماربوك ، وباشر عمله بروفسوراً في الجامعة عام 1872 . والثاني هو تلميذه في جامعة ماربوك ” هرمان كوهن ” . وإذا كان لانج هو الأب الروحي المبكر للمدرسة ، فإن هرمان كوهن هو المؤسس الحقيقي والقائد للمدرسة وهو من الجيل الأول من مفكري الكانطية الجديدة . أما الممثلون الأخرون للمدرسة ، فهم كل من ” بول نتورب ” (1854 – 1924) و ” إرنست كاسيرر ” (1874 – 1945) (أنظر الفصل الممتاز الذي كتبه أدورد سكايدلسكي ؛ إرنست كاسيرر : فيلسوف الحضارة الأخير/ الفصل الثاني والمعنون ” مدرسة ماربورك ” ص ص 22 – 51) وأخيراً ” نيكولاي هرتمان ” (1882 – 1950) . تميزت مدرسة ماربوك في كانطيتها الجديدة بالتأكيد القوي على توجهاتها العلمية والرياضية  (أنظر : إنسكلوبيديا العالم الجديد ؛ مادة الكانطية الجديدة ، أبريل 2008 (أون لاين) ) .

  لقد قام كوهن بنقد النزعة النفسية من وجهة نظر كانطية (وبالمناسبة ستتكرر هذه التجربة النقدية للنزعة النفسية مرة أخرى مع ” أدموند هوسرل ” (1859 – 1938) فيما بعد ولكن من زاوية فينومونولوجية تحمل نفساً ومذاقاً كانطيين) . والنزعة النفسية هي مشروع يختصر القوانيين المنطقية في عمليات تجريبية ونفسية . ولهذا فإن المعرفة عند كوهين كما يقول ” لا ترتبط بالفاعل فقط كما هو واضح في الرياضيات التي تعلمنا كل يوم بأنها موضوعية وليست لها علاقة بالفاعل (رجل الرياضيات) “.

  أما الكانطي الجديد ” بول نتورب ” فكان مشغولاً بشكل رئيس بالأسس المنطقية للعلوم الدقيقة (الرياضيات والفيزياء النظرية .. ) ، حاله حال أغلب الكانطيين الجدد . ونتورب رفض الوجود الفرضي ” للشئ بذاته ” (وهو واحد من مفاهيم كانط ، وهو عصي على المعرفة) والذي يقف خلف الظاهرة (التي هي بإصطلاحات كانت الشئ كما يبدو لنا) .

   ومن بين فلاسفة مدرسة ماربوك ، فيلسوف التاريخ ” كارل فورلندر ” (1860 – 1928) وكان أستاذاً في ” سولينكن ” ، ومن أهم مؤلفاته ” العلاقة بين الفكر الكانطي والفكر الإشتراكي ” ، وفي عام 1924 نشر كتابه المعنون  ” سيرة كانط الذاتية ” والذي تحول إلى مصدر كلاسيكي تعتمد عليه كل الدراسات الأكاديمية . ومن ثم نشر أنواعاً مختلفة من الدراسات حول مؤلفات كانط ، من ضمنها الدراسة المعنونة ” أثر كانط على كتابات جوهان غوته ” (1749 – 1832) . وكان فورلندر مهتماً بالتركيز على ” الماركسية و ” رودلف ستاملر ” (1856 – 1938) ، وستاملر كان بروفسوراً في جامعة ماربوك والذي إشتغل على العلاقة بين القانون والمجتمع .

  في حين كان ” إرنست كاسيرر ” (وبالمناسبة إن إبنه هينز كاسيرر هو أكاديمي كانطي كذلك) الذي ترتبط معظم أفكاره بفلسفة القرن العشرين ، مهتماً بالسؤال الذي يدور حول فلسفة اللغة ، من مثل معاني الأسس الرمزية . وبمنظاره إن المقولات ما هي إلا تراكيب مشروطة من الزاوية التاريخية ، وتم التعبير عنها في إطار الصور (الرموز) اللنكوستية (بينما المقولات عند كانط هي قوانين العقل الأولية) . وحسب كاسيرر يمكن التعبير عن هذه المقولات بصور جمالية ودينية كذلك . والحقيقة إن نظرية الرموز عند كاسيرر مؤسسة على فينومنولوجيا المعرفة (وكاسيرر معارض لفيلسوف التاريخ ” إسولد شبنجلر ” (1880 – 1939)) (للتفاصيل عن حياة كاسيرر وفكره ، أنظر : أدورد سيكدلسكي ؛ إرنست كاسيرر : فيلسوف الحضارة الأخير ، مصدر سابق) .

  ومن أخر أعضاء مدرسة ماربوك الكانطي الجديد ” نيكولاي هرتمان ” ، وهو في الأصل فيلسوف ألماني من البلطيق . درس الطب أولاً وتحول إلى الفلسفة . وفي جامعة ماربورك أكمل دراسته للدكتوراه ، ومن ثم كتب إطروحة دكتوراه أخرى للعمل في الجامعة (تسمى في ألمانيا دكتوراه التأهيل) ، ومن ثم أصبح بروفسوراً في ماربورك . ومن ثم طور له فلسفة خاصة توصف بكونها ” الوجودية المتعددة أو الواقعية النقدية ” . ولعل من أهم أعماله الفلسفية المبكرة ” فلسفة البايولوجيا ” . وكتب الكثير من المؤلفات ، ولكن ما لفت نظري ، هو كتابه المعنون ” الطرق الجديدة للإنطولوجيا ” والذي طبع في العام 1952 أي بعيد وفاته بسنتين . ونحسب إن نيكولاي هرتمان كان أخر حبة من عنقود العنب الكانطي الجديد (أنظر : لويس وايت بيك : نقد نيكولاي هرتمان لنظرية المعرفة عند كانط / مجلة الفلسفة والبحث الفينومنولوجي ، المجلد الثاني 1942 ، ص ص 472 – 500) .

  ويجري الحديث في الأوساط الأكاديمية وفي بعض الكتابات عن مدرسة كانطية جديدة روسية ، بداياتها كانت ترتبط بمدرسة ماربورك . وفعلاً وجدنا إن بعض الكانطيين الجدد كانوا روسيين من إصول ألمانية درسوا في جامعة ماربورك ، من أمثال الفيلسوف الروسي الثويني ” فازيلي سيسمان (1884 – 1963) والذي درس الفلسفة وعلم النفس والتربية على كل من الكانطيين الجدد ؛ ” هرمان كوهن ” و ” بول نتروب ” و ” إرنست كاسيرر ” وأخرين . وكانت له صداقة مع ” نيكولاي هرتمان ” عندما كانا في سانت بطرسبيرك ، والذي أثر على فازيلي في التحول من الطب إلى الفلسفة (أنظر : لورتا إنسيلونياني و ألبينس لوزاريتر ؛ حياة فازيلي سيسمان وواقعيته النقدية ، المعهد الثويني للفلسفة وعلم الأجتماع (أون لاين) .

 كما كان لمدرسة ماربورك إهتمامات في البحث عن الأسس الفلسفية للنظرية السياسية ، والتي ظهر لها صدى قوي في كتابات عدد من المفكرين الذي أعادوا النظر في الإطروحة الماركسية ، من أمثال المفكر الإشتراكي ” أدورد برنستاين ” (1850 – 1832) (أنظر إنسكلوبيديا العالم الجديد ، مصدر سابق) .

ثانياً – مدرسة بادين أو هيدلبيرك (نسبة إلى ولاية بادين وهيدلبيرك نسبة إلى الجامعة)

  وعلى خلاف مدرسة ماربوك ، فإن مدرسة بادين للكانطية الجديدة قد أكدت على أسئلة القيم أو الأكسيولوجيا . ومثل هذه المدرسة عدد من مفكري الكانطية الجديدة من أمثال ” ويلهلم وندلباند ” (1848 – 1915) ، و ” هنريخ ريكارت ” (1863 – 1936) ، و ” أميل لاسك ” (1875 – 1915) . فمثلاً ويندلباند يعتقد إن مهمة الفلسفة الأولى ، هي تعليم القيم الكونية السليمة ، والتي تتمثل بثلاثية القيم : الصدق في التفكير ، والخيرية في الإرادة والفعل ، والجمال في المشاعر . وهذه التقسيمات الثلاثية تعود في أساسها مباشرة إلى الفيلسوف كانط .

  لقد ميز وندلباند بين التاريخ والعلوم الطبيعية ، وألح على إن ” فهم كانط يتطلب العودة إلى خلفياته ” وهو الشعارالذي ظل مرتبطاً بالكانطية الجديدة .وفعلاً فإن خليفة وندلباند ” هنريخ ريكارت ” طور أكسيولوجيا خاصة به ، مع تأكيد على إن فلسفة كانط النقدية يجب أن تتوسع فتشمل كل العلوم ، ومن ضمنها علوم العقل وعلوم الحضارة (الثقافة) . ولهذا التأكيد إرتبط ريكارت بتراث المثالية الألمانية . ومن ثم كان تلميذه ” برنو باخ ” (1877 – 1942) كانطي جديد من أتباع مدرسة بادين ،  وهو الذي جمع مؤلفات كانط ونشرها في الأكاديمية البروسية ، كما كان رئيس تحرير مجلة ” جمعية كانط ” ومجلة ” دراسات كانط ” حتى عام 1916 ، ولكنه نشر مقالاً معادياً للسامية ، فأحدث جدلاً داخل جمعية كانط ، وأُجبر على الإستقالة . والحقيقة إن برنو باخ وأستاذه ” هنريخ ريكارت ” كانا من الرموز القيادية في مدرسة بادين بعد ويلهلم ويندلباند . ومن المفيد أن نشير إلى إن باخ كان مشاركاً لكانطيي مدرسة بادين في إهتمامهم بفلسفة القيم (الأكسيولوجيا) ، ولكنه ركز إهتمامه حول فلسفة الرياضيات والمنطق . ولذلك كان على خلاف إستاذه ريكارت متعاطفاً مع صديقه عام المنطق الرمزي ” جوتلوب فريجه ” (1848 – 1925) في نزعته المنطقية (للتفاصيل عن جوتلوب فريجه ، أنظر : محمد جلوب الفرحان : جوتلوب فريجة : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الأول شتاء 2011) . 

  ونحسب إن في إرتباط مدرسة بادين بقضايا المعنى والقيمة بدلاً من أولوية العلوم الطبيعية ، قد منح هذه المدرسة إمكانية الإتصال والتأثير على عدد من كبير من المفكرين الذين بحثوا عن جواب للسؤال : لماذا عمت الفوضى الثقافية (أو الحضارية) ؟ وهذا شمل كل من ” ويلهلم ديلثي ” (1833 – 1911) و ” جورج ساميل ” (1858 – 1918) (أنظر : المصدر السابق) . كما ويرتبط بالمدرسة ” إرنست ترولتسج ” (1865 – 1923) والذي كانت كتاباته تتوزع بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ . وجاء إلى الكانطية الجديدة من من مضمار اللاهوت البروتستانتي (أنظر : إيكول نيكس ؛ إرنست ترولتسج واللاهوت المقارن ، نشرة بيتر لانج 2010 ، ص 247) .

ثالثاً – تيارات أخرى في حركة الكانطية الجديدة

  ويقدم لنا تاريخ الكانطية الجديدة بعض مفكريها الذين ظلوا يعملون ويكتبون خارج حدود المدرستين ؛ ماربورك وبادين ، وفضلوا أن تكون كانطيتهم الجديدة ذات طعم خاص ، ومتحررة من أطر تفكير المدرستين . من هؤلاء ” ألوس رايهل ” ( 1844 – 1924) والذي كانت فلسفته تركز أساساً على ” نقد المعرفة أو الأبستمولوجيا ” . وفعلاً فقد قام رايهل بمثابرات مهمة سعت إلى تجديد فلسفة كانط في ضوء التطورات الحادثة في مضماري الفيزياء والرياضيات ، خصوصاً بعد شيوع الهندسات اللا إقليدية .

  ويعتقد رايهل ، على خلاف مدرسة ماربوك ، إن مفهوم ” الشئ بذاته ” لا يجوز إهماله أو شطبه . وذلك لأنه الشئ الوحيد الذي يفسر الحقيقة الموضوعية ، التي تقع خارج الفاعل أو الذات . في حين كان حواريه ” رتشارد هونكسوالد ” (1875 – 1947) قد أسس تأملاته الفلسفية على العلاقة بين ” الضمير والموضوع ” (أنظر المصدر السابق) .

 ومن رموز الكانطية الجديدة البالغة الأهمية ، والتي تنتمي إلى القرن العشرين أكثر من إنتماءها إلى القرن التاسع عشر ، ” هانس فاينكر ” وهو من الشراح المشاهير لكتاب كانط ” نقد العقل الخالص ” والذي أسس مجلة ” دراسات كانط ” . وهانس معروف بفلسفته البراجماتية (وهنا نذكر بكتاب كانط الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية) والتي يُعبرعنا بألفاظ ” كما إذا ” والتي تعود بصورة مباشرة إلى كتاب كانط ” نقد الحكم ” . والذي يؤكد على إن العالم يبدو ” كما إذا ” كان هناك خالق ، ولغرض ما هو واقف وراء وجود هذا العالم .

 وفاينكر من طرف أخر يعتقد بأن المعرفة تنهض على مجموعة من الفرضيات ، وإن الإعتقاد بهده الفرضيات يعتمد على الإستعمال العملي لها في الحياة . كما ويرى إن من المستحيل الوصول إلى الحقيقة الموضوعية ، ومن ثم تأسيسها . وهذه الدعوة قربت المسافات بين الكانطية الجديدة وبين شكية ” ديفيد هيوم ” (1711 – 1776) البراجماتية مع الإشارة إلى إن في الكانطية الجديدة تتوافر مقاييس دقيقة لتأسيس البنية الفلسفية لصيغة ” كما إذا ” .

  ومن ثم جاءت محاولة الكانطي الجديد ” فردريك بيولسن ” (1846 – 1908) ، وهي متابعة لمثابرة كانط المثمرة ، ولو جزئياً وذلك من أجل الوصول إلى الميتافيزيقا التي تقف وراء الأبستمولوجيا . وفعلاً بيولسن زعم ” إن كانط دائماً كان رجل ميتافيزيقا في الأساس ” .

ومسك الختام كلام عن مثابرة ” ليونارد نيلسون ” (1882 – 1927) التي ظلت فيها رائحة من الكانطية الجديدة بصورة وأخرى . والمعروف عن نيلسون إنه فيلسوف وعالم رياضيات وكان صديقاً لعالم الرياضيات ” ديفيد هربرت ” صاحب الطريقة البديهية في المنطق ، والذي ألف كتاباً يحمل عنواناً كانطياً ” نقد العقل العملي ” (أنظر : ليونارد نيلسون ؛ نقد العقل العملي ، ترجمه إلى الإنكليزية نوربرت كوترمان ، نشرة مؤسسة ليونارد نيلسون 1957) . وكان نيلسون من المتحمسين لفلسفة الكانطي ” جاكوب فردريك فرايز ” والتي إرتبطت بإسمه مدرسة فرعية كانطية جديدة عُرفت بالفرايزية . وسعى نيلسون من طرفه إلى إحياء الفلسفة الفرايزية ، فأسس مدرسة الفرايزية الجديدة (أنظر : ليونارد نيلسون ؛ التقدم والتراجع في الفلسفة : من هيوم وكانط وإلى هيجل وفرايز ، ترجمه إلى الإنكليزية همفري بالمر ، نشرة دار بلاك ويل للناشرين ، أكسفورد 1970) . وأخيراً فإن إصطلاح الكانطية الجديدة يُطلق اليوم بمعنى عام ، حيث يشمل كل من تبنى وجهة النظر الكانطية بشكل جزئي أو بطريقة محددة .

تعقيب

  صحيح إنه بتأثير الكانطية تأسست جمعيات إحتفلت بالفيلسوف كانط مثل ” جمعية كانط ” التي تأسست في العام 1904 ، وصدرت مجلات أكاديمية إعتنت بفلسفته مثل مجلة ” دراسات كانط ” في العام 1896 وهي من أشهر المجلات الأكاديمية في عالم الفلسفة ، والتي لا تزال المصدر الأساس في دراسة كانط ، ومجلة ” جمعية كانط ” التي أُنشأت في العام 1904 وكلاهما أسسهما الكانطي الجديد فاينكر . وبعيد عام 1900 نشرت أكاديمية العلوم في برلين ثلاثة وعشرين مجلداً لأعمال كانط وتحت إشراف ويلهلم ديلثي .

    كما إن تأثير الكانطية الجديدة لم يقتصرعلى دائرة الثقافة الألمانية ، وإنما تعدت ذلك لتشمل الثقافة الأوربية برمتها ، فكانت لها مضارب في شرق القارة وغربها وجنوبها ، فمثلاً ظهرت بدايات مدرسة كانطية جديدة روسية ، حمل مشعلها الفيلسوف الكانطي الجديد الروسي الرائد ” أفرايكن ألكسندروفش سبر ” في كتابه ” الفكر والحقيقة : محاولة لتجديد الفلسفة النقدية ” والذي ترك إنطباعاً قوياً على الروائي الروسي ” تولستوي ” بعد إن قرأه في العام 1996 وربط بينه وبين كتاب شوبنهور ” العالم إرادة وصورة ” ، ومن ثم جاء الفيلسوف الكانطي الجديد الروسي (ألثويني) ” فازيلي سيسمان ” والذي ينتمي إلى مدرسة ماربورك ، فأنبت بذور مدرسة كانطية جديدة روسية ذات مذاق ماربوكية (نسبة إلى مدرسة ماربوك للكانطية الجديدة) . هذا حدث للكانطية الجديدة شرق ألمانيا .

  أما غرب ألمانيا فقد حدث التأثير في الثقافة الفرنسية مبكراً ، وذلك عندما أقدم الفيلسوف الكانطي الجديد ” أفرايكن سبر ” وهو الروسي الألماني الفرنس لغة ، بكتابة موجز لمؤلفه الموسوم ” الفكر والحقيقة : محاولة في تجديد الفلسفة النقدية ” باللغة الفرنسية ، وصدر بعنوان ” موجز للفلسفة النقدية ” في العام 1877 . وبعد وفاته بأربعين عاماً (أي عام 1930) صدرت طبعة جديدة للكتاب بمقدمة كتبها الفيلسوف الفرنسي ” ليون برنسيفك ” .

   وهنا يحق لنا أن نتكلم عن مدرسة كانطية جديدة فرنسية . ولدينا شواهد على ذلك ، مثل الفيلسوف الكانطي الجديد الفرنسي ” شارلز بيرنارد رينوفار ” (1815 – 1903) وهو مثالي نقدي جديد ، قبل فلسفة كانط كنقطة إنطلاق ، ولكنه توصل إلى نتائج مختلفة . آمن بأن الظاهرة كما تبدو لنا ، وليس هناك شئ بذاته يقف وراءها . ومن ثم قام بتحوير مقولات كانط ، وجادل معارضاً كانط في التمييز بين العقل النظري والعقل العملي . وحافظ على مقولة العلاقة كمقولة وحيدة ، وإعتقد إنها تشمل جميع مقولات كانط الأخرى . أما الفيلسوف الفرنسي ” أوكتف هاملين ” (1856 – 1907) فقد كان حوارياً للفيلسوف ” شارلز رينوفار ” وكتب عن نظامه الفلسفي . ومن ثم تجدد حضور كانط بقوة في إطروحة الدكتوراه للفيلسوف الفرنسي ” بول ميشيل فوكه ” والمعنونة ” مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط من زاوية براجماتية ” والتي أنجزها في العام 1961 .

  وهنا نود الإشارة إلى إن من نتائج الكانطية الجديدة ، إنها غلبت الأبستمولوجيا على الأنطولوجيا ، وأعلت من سلطة الأولى على الثانية . فمثلاً الكانطي الجديد نتروب بين بشكل واضح مكانة عمانوئيل كانط في تاريخ الفنومنولوجيا ، على الرغم من ريادة ” أدموند هوسرل ” (1859 – 1938) الذي تبنى المثالية الترنسندنتالية . كما إن الجدل الذي حدث بين كاسيرر و ” مارتن هيدجر ” (1889 – 1976) حول تفسير كانط ، قاد إلى إعتبار كانط الرائد الأول في مضمار الفنومنولوجيا . ومن خلال كل من هوسرل وهيدجر إنتقلت الفنومنولوجيا الكانطية إلى الفلسفة الفرنسية في شكلها الوجودي عامة ، ووجودية ” جان بول سارتر ” (1905 – 1980) خاصة .  

  في حين إن قصة الكانطية والكانطية الجديدة في الغرب الإنكليزي ، لها قصة أخرى  . صحيح إن مؤلفات الفيلسوف كانط ترجمت إلى الإنكيزية مبكراً . ولعل الأمثلة الدالة على إنفتاح العقل الإنكليزي على الفلسفة الكانطية كثيرة ومبكرة ، منها إن الفيلسوف البراجماتي ” جون ديوي ” قد كتب إطروحته للدكتوراه بعنوان ” علم النفس عند كانط ” والتي تقدم بها إلى جامعة جونز هوبكنز في العام 1884 ، والتي لم تطبع . واليوم تُعد من الأطاريح المفقودة ؛ كيف ؟ لا أحد يدري .

     ومن الملاحظ إن كتابات الكانطيين الجدد ، قد حدثت لها ترجمات إنكليزية تصعد إلى فترات زمنية متقدمة ، منها ترجمة إنكليزية لكتاب الكانطي الجديد ” فردريك ألبرت لانج ” المعنون ” تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة ” والذي قام يترجمته الأستاذ ” إرنست شاستر توماس ” في العام 1880 في بوسطن . ونحسب إن هذه الترجمة هي التي حركت تفكير ” جون ديوي ” للكتابة عن علم النفس الكانطي . وبعد مرور سبعة عقود على هذه النشرة إحتفل الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” بكتاب ” نقد المادية .. ” ومؤلفه الفيلسوف لانج ، فكتب مدخلاً لنشرته الإنكليزية التي صدرت في العام 1950 . ومن ثم جاء كتاب الفيلسوف الكانطي الجديد ” نيكولاي هرتمان ” المعنون ” فلسفة البايولوجيا ” وهو من كتبه المبكرة  التي نشرها في العام 1912  والتي تقرب الدراسات الأكاديمية بين بينه والتفكير العضوي المستبطن للبايولوجيا عند الفيلسوف الإنكليزي ” الفريد نورث هوايتهد ” (1861 – 1947) .

   كما وإحتفل عالم الرياضيات وفيلسوف العلم الهنكاري – الأمريكي ” جون كيمني ” (1926 – 1992) في العام 1959 في طرف من كتابه المعنون ” الفيلسوف ينظر إلى العلم ” (نشرة فان نوسترند/ جامعة برنكتون ) بالفيلسوف كانط من زاوية كانطي جديد ، وقد ظهرت لهذا الكتاب ترجمة عربية بعنوان ” الفيلسوف والعلم ” . وكيمني كان اليد اليمنى في الرياضيات للعالم ” ألبرت أنشتاين ” (1879 – 1955) . 

    وجاء الإحتفال بالفلسفة الكانطية الجديدة في جنوب القارة الأوربية ، في أجواء إيطالية خالصة . فمثلاً إن الإحتفال الإيطالي بفلسفة الفيلسوف الكانطي الجديد ”  أفرايكن سبر ” جاء بعد الحرب العالمية الأولى ، وذلك حين قام الفيلسوف الإيطالي ” بيارو مارتينتي ” (1872 – 1943) بإحياءها في صورة ” مثالية دينية ” ومن ثم ظهرت مؤخراً ترجمات إيطالية لبعض مؤلفاته ، خصوصاً كتابه ” الأخلاقية والدين ” ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)

جوتلوب فريجه فيلسوف اللغة

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

تقديم :

   قبل اربعين عاما وبالتحديد عام 1970 ، قرأ الدكتور محمد جلوب الفرحان (يومها كان طالبا في الصف الرابع – قسم الفلسفة) ، ما توفر في مكتبة كلية الاداب – جامعة بغداد ، عن رائد الفلسفة التحليلية وعالم المنطق الرياضي وفيلسوف اللغة جوتلوب فريجه (1848 – 1925) . وكان واحدا من اهم الابحاث التي تناولت منطق فريجه ، بحث بعنوان ” منطق اللغة ” الذي كتبه استاذي الدكتور ياسين خليل طيب الله ثراه ، ونشرته مجلة كلية الاداب – جامعة بغداد عام 1962 ، بعيد عودته من المانيا حيث اكمل الدكتوراه في المنطق هناك  .  ومن ثم توافر في المكتبة كتاب الدكتور ياسين خليل ” مقدمة في الفلسفة المعاصرة ”  الذي ساعدت على نشره كلية الاداب (طبع في بيروت 1970) وكان يومها الدكتور ياسين خليل يعمل استاذا لتدريس المنطق وفلسفة العلوم في ليبيا . وقد تناول في جزء مهم من كتابه هذا ، جوانب  من منطق وفلسفة اللغة عند فريجه . وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في دار الفلسفة العراقية والعربية .

  ومن ثم تعمقت علاقة الدكتور محمد جلوب الفرحان بعالم المنطق الرياضي فريجه ،  وذلك عندما بدأ دراسته للماجستير . ففي العام 1973 ، وفي الفصل الاول من السنة التحضيرية (وفي مادة فلسفة العلوم) طلب الدكتور ياسين خليل من تلميذه محمد جلوب الفرحان ،( وهو الطالب الوحيد الدي اختار هذه المادة التي يدرسها المرحوم ياسين خليل ولفصلين دراسيين) ان يقدم سيمينارا ، وقد اختار له العنوان الاتي : ” النزعة الرياضية في المنطق : جوتلوب فريجه وبرتراند رسل انموذجا ” . وقد استثمر الدكتور محمد جلوب الفرحان من المادة العلمية التي وفرها هذا السيمينار ، ومناقشات الاستاذ المرحوم ياسين خليل ، في اختيار موضوع رسالته للماجستير ، وكذلك استثمر رمزية فريجه في كتابة رسالته للماجستير ، وخصوصا في عرض منطق ارسطو . وبالتحديد الاشكال المنطقية وضروبها ، والتي تم انجازها في شتاء 1976 ومناقشتها في صيف 1976 .

     وبعد انجاز القسم الاول من رسالتي للماجسير ، والذي كان بعنوان : الاصول الفكرية في نظرية ارسطو المنطقية ، والذي ضم فصلين : الاول كان بعنوان : الفلسفة الرياضية قبل ارسطو (والذي درسنا فيه اضافات الفيثاغورية في علم الحساب والهندسة، وأثر بارمنيدس وزينون خصوصا في قانوني الذاتية وعدم التناقض ، والبرهان غير المباشر) . والثاني كان بعنوان : محاولة افلاطون لوضع اسس العلم البرهاني (والذي بحثنا فيه الحساب الفلسفي والهندسة الفلسفية والاستدلال الرياضي ..). شعرت يومها ان فريجه كان قارئا جيدا للفيثاغورية والمدرسة الايلية(خصوصا بارمنيدس وزينون) وفلسفة افلاطون الرياضية ، وبالتحديد في كتابي فريجه : القوانين الاساسية لعلم الحساب و اسس علم الحساب .

     كما ان قارئ الفصول الاربعة من القسم الثاني ، التي كتبناها في رسالتنا للماجستير “تحليل ارسطو للعلم البرهاني ” ،  وهي على التوالي : البرهان في علم المنطق ، البرهان في الحساب والبرهان في الهندسة  والبناء المنطقي للعلوم البرهانية . اضافة الى البحث الذي كتبناه والذي كان بعنوان : الاثر المنطقي لارسطو على هندسة أقليدس ، والذي نشرته مجلة اداب الرافدين (تصدرعن كلية الاداب – جامعة الموصل – 1978) .  نقول ان قارئ هذه الفصول يدرك بشكل واضح ان فريجه قد استبطن الشئ الكثير من ارسطو ومنطقيته وفلسفته الرياضية ، ومن اقليدس وفلسفته الهندسية والعددية

   وهنا أجد من المفيد ان أشير الى ان واحدا من معاصري فريجه ، وزميله في جامعة جوتنكن ، وفي كلية الرياضيات بالتحديد ، هو مورتز كانتور الذي اشتغل لفترة طويلة على تاريخ الرياضيات ، والذي تتوج عمله بنشر كتابه الموسوعي المعنون : التاريخ الشامل للرياضيات ، وهو تلميذ البروفسور كاوس الذي سيعتمد فريجه على عمله في كتابة اطروحته للدكتوراه . ولكل هذا نحسب ان كتابات امير الرياضيات كاوس والمجلدات الاربعة في تاريخ الرياضيات التي كتبها تلميذه كانتور ، كانت من مصادر فريجه التي مكنته من الاطلاع على الفلسفة الرياضية قبل ارسطو ، وفلسفة افلاطون الرياضية على وجه الخصوص .

   كما واستفاد الدكتور محمد جلوب الفرحان من فريجه وخصوصا في نظرته الى البديهيات في المنطق والرياضيات ، ومحاولة رد البديهيات الرياضية الى المنطق ، في كتابة بحثه المعنون : ” الطريقة البديهية عند الغزالي ” والذي نشرته مجلة اداب الرافدين – تصدرها كلية الاداب – جامعة الموصل ، العدد (11) سنة 1979 .

  واحتل جوتلوب فريجه حيزا متميزا في اطروحة الدكتوراه المعنونة ” المنطق الرمزي واسهامات العرب المنطقية ” ، التي اشتغل عليها الدكتور محمد جلوب الفرحان (11 شهرا) ، عندما ذهب مبعوثا الى جامعة ليدز – برادفورد لدراسة الدكتوراه (العام 1990) وكانت تحت اشراف البروفسور روجر فلوز . ولكن بسبب احتلال الكويت وتجميد البنوك البريطانية للممتلكات العراقية ، تم نقل الدراسة الى جامعة بغداد . ولعدم وجود المشرف المتخصص وانتقال الدكتور ياسين خليل الى ذمة الخلود . فقد كتب الدكتور محمد جلوب الفرحان ، اطروحة جديدة وكانت تحت اشراف الاستاذ المتميز مدني صالح ، طيب الله ثراه  .

  حقيقة  لقد توفرت فرصة ممتازة للدكتور محمد جلوب الفرحان في المملكة المتحدة ، وذلك بما تميز به الجو الاكاديمي الحر هناك . فقد كان مبتهجا بكل ذلك فشد العزم على  استثمار كل الفرص التي وفرها القسم  له ، والتي تمثلت بحضور سيمنارات كادر القسم وسيمنارات طلبة الدكتوراه . وخصوصا ان واحدا من اهم كوادر قسم الفلسفة في ليدز ، هو البروفسور بيتر كيج ، المشهور في سمعته العالمية في الكتابة عن فريجه . وقد استفاد الدكتور الفرحان الشئ الكثير من سيمناراته التي تتميز بطعم خاص في معالجة الصعوبات في كتابات فريجه . كما وانه انتفع خصوصا من امتيازات مكتبة الجامعة ، وتسهيلاتها للحصول على اي كتاب ومن اي مكتبة داخل المملكة المتحدة وخارجها .

   وفعلا فأن الدكتور الفرحان عكف على القراءة اليومية  في مكتبتي جامعتي ليدز وبرادفورد ، وهذه القراءة تحولت الى طقس يومي ، لا تعطله او توقفه اية مشاغل او مناسبات .  ما عدا نصف ساعة لتناول الغذاء ونصف ساعة اخرى للعشاء . كان حصاد هذه الفترة قراءات واسعة وتفصيلية في تاريخ المنطق الرمزي . ومن ضمن ما استهدفته هذه القراءات ، قراءة مجمل تراث جوتلوب فريجه المترجم من الالمانية الى الانكليزية . ولعل من اهمها :

1 – القوانين الاساسية لعلم الحساب ، نشرة ام . فورث ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1964

2 – اسس علم الحساب ، ترجمة ج . ل. اوستن ، بلاك ويل ، اكسفورد 1968

3 – العلامات المفهومية ومقالات لها علاقة ، ترجمة وتقديم ت . بايمن ، مطبعة جامعة اكسفورد 1972

4 – الرسائل الفلسفية الرياضية ، ترجمة كيل ، بلاك ويل ، اكسفورد 1980

5 – اوراق فريجه في الرياضيات والمنطق والفلسفة ، نشرة ماك جونز ، بلاك ويل

 اكسفورد 1984

وعشرات المراجع التي تناولت اوجه مختلفة من منطق وفلسفة اللغة عند فريجه .

  اعود من جديد الى فريجه ، الذي اجمعت مجمل الابحاث الاكاديمية المنشورة بالانكليزية على انه دشن مسارا جديدا في المنطق الحديث ، والذي منحه بأمتياز ان يكون الرائد في المنطق الرياضي والرمزي على حد سواء ، وان يكون واحدا من مؤسسي الفلسفة التحليلية ، والحارث المتفرد في فلسفة الرياضيات .

   نسعى في هذا الفصل الى تقديم دراسة ، تفتش بعمق في حياة فريجه ، وخصوصا في السنوات الاولى من تعليمه ، وذلك بهدف معرفة التحولات العلمية والاكاديمية ، التي انتهت به ، الى مضماري الرياضيات والفلسفة . ومن ثم بحثنا في النشاطات البحثية للدكتور فريجه . والتي تمثلت بالعمل الاكاديمي (التدريس) والذي اثقله كثيرا ، وعثر مشروعه في البحث والكتابة . فمثلا لاحظ الباحث انه خلال السنوات الخمس الاولى وحتى نشر كتابه الاول العلامات . لم ينشر الا اربع مقالات : ثلاث منها مراجعات ، وواحدة في الهندسة . وعلى الرغم من الاستقبال الفاتر الذي واجهه كتاب العلامات ، وتوقفه من اتمام مشروعه المنطقي الذي اعلنه في مقدمة العلامات .  فانه انكب على الكتابة  وأصدر رائعته المعنونة : ” اسس علم الحساب : بحث رياضي منطقي في مفهوم العدد ” . غير ان مراجعات هذا الكتاب جاءت عكس ما توقعه فريجه ، فقد كانت عدائية . ومن الملاحظ ان هذه النتيجة قد سببت خيبة امل لفريجه ، الا أن هذا الرمز الرائد لم يتخلى لحظة عن مشروعه المنطقي .

   وفعلا قام بنشر المجلد الاول من كتابه : ” القوانين الاساسية لعلم الحساب ” ، والذي يعد ثمرة بحث استمر تسع سنوات . ان هذا البحث شكل طرفا مهما من المحور الذي تناولنا فيه الخطوات القادمة من مشروع فريجه المنطقي . ومن الابحاث الرائدة التي ظهرت في هذه الفترة ، وشكلت طرفا مهما من المشروع المنطقي : ثلاثة ابحاث ، وهي : الدالة والمفهوم  ، المعنى والمرجعية ، وفي المفهوم والموضوع . وقد شهدت هذه الفترة ، نوعا من الانفتاح الاكاديمي على فريجه ومؤلفاته . غير ان الاهمال ظل هو السائد . اضافة الى خيبة الامل الذي سببه نقد رسل . وذلك عندما اكتشف التناقض في نظام فريجه. ومن ثم فضل في كتابه مبادئ الرياضيات ، ان يستخدم رمزية الايطالي بيانو على حساب لغة فريجه الرمزية . في حين ان بيانو أعلى بنفسه ، من مكانة اللغة الرمزية الفريجيه ، وأستشهد كثيرا بفريجه . مما حمل رسل لاحقا ان يعيد الاعتبار لفريجه ويعترف بأهميته في تاريخ المنطق الرمزي وفلسفة الرياضيات .

 ومن ثم تحول مضمار الفصل ، الى جادة البحث التخصصي في تراث فريجه . وشمل اربعة محاور ، وهي على التوالي : اسهماته في العمل الفلسفي – المنطقي ، جهوده في فلسفة الرياضيات ، عمله في المنطق الفلسفي . واخيرا مساهمته في نظرية المعنى . وختمنا هذا الفصل بتعقيب ختامي ، تم فيه مراجعات بعض القضايا المهمة التي لفت تراث فريجه الفلسفي والمنطقي . 

السيرة والسنوات الاولى من التعليم :

   تكاد ان تكون المعلومات المتوافرة لدينا عن حياة الرائد فريجه ، قليلة جدا . خصوصا السنوات الاولى قبل انخراطه في التعليم الاكاديمي . وهذا الحال نواجهه في اغلب المؤلفات التي جاهدت للكتابة عن حياته ، سواء التي ترجمت من الالمانية الى الانكليزية او التي كتبت مباشرة بالانكليزية واعتمدت مصادرا او مراجعا المانية وغير المانية . ولعل الشاهد على ذلك ما كتبه الاستاذ ” هانز سلوكه ” وهو باحث الماني متمكن من الكتابة في الالمانية والانكليزية على حد سواء . ففي كتابه المعنون : ” جوتلوب فريجه ” (المنشور بالانكليزية من دار روتلدج ، لندن 1980) قد اشار الى ” ان هذا الكتاب هو حصيلة تطورات عميقة ، تمتد لاكثر من عشرين عاما ، في الاهتمام بتراث فريجه . والتي هي جزء من رحلتي العلمية من ميونخ في المانيا الى اكسفورد ولندن في بريطانيا والتي انتهت بالاستقرار في جامعة براكلي في الولايات الامريكية المتحدة ” .

ان هذا الكتاب مهم جدا في البحث عن منطق وفلسفة فريجه ، خصوصا انه كتب من زاوية المصادر والمراجع الالمانية مباشرة . الا ان ما ينقصه ، هو انه اهمل الكتابة من وجهة نظر المصادر الالمانية عن حياة فريجه . ونحسب انه مدخل في غاية الاهمية في فهم التطور الفكري لهذا الرمز الفلسفي المهم في تاريخ المنطق الحديث والفلسفة التحليلية .

   اما الكتاب الثاني ، فهو الاحدث والاهم من زاوية حياة فريجه وتطوره الفكري .  وجاء الكتاب بعنوان ” فريجه : مقدمة نقدية ” والذي كتبه بالانكليزية ، الاستاذ هرولد نونن ، وهو الاستاذ في جامعة برمنكهام ( نشرة بلاك ويل ، اكسفورد 1988) . ففي الفصل الاول والمعنون ” مقدمة : حياة فريجه واعماله ، ص ص 35 – 1) . حقيقة ان هذا الفصل لم يشبع رغبة الباحث ، وذلك لان المعلومات عن حياة فريجه ، تكاد ان تكون غائبة . على كل هذا هو قدر هذا الرائد (نعني فريجه) ، كماهو قدر الباحث والقارئ على حد سواء .

 على كل ولد فردريك لودفيغ جوتلوب فريجه في العام 1848 في مدينة ويسمر ، التي تقع على الساحل البلطيقي من الجانب الالماني . والتحق في الجيمنزيوم ( وهي مدرسة تعد الخريج الى الجامعة ) في ويسمر ، ودرس فيها مدة خمس سنوات ( من 1864 الى 1869) . وفعلا اجتاز امتحان التخرج في ربيع 1869 ، الذي أهله لدخول جامعة ينا .

  صرف فريجه سنتين في جامعة ينا ، درس خلالهما الكيمياء والرياضيات والفلسفة . ومن ثم تحول الى جامعة جوتنكن . وهناك من يعتقد بأن هذا التحول الى جامعة جوتنكن ، لم يكن قرارا شخصيا من قبل فريجه . وانما كان بتأثير واحد من اساتذته في كلية الرياضيات ، وهو البروفسور أرنست كارل أبيي (1905 – 1840) . وفي هذه الجامعة درس فريجه الفلسفة ، الفيزياء والرياضيات .

  وفي العام 1873 تقدم فريجه بأطروحته لنيل درجة الدكتوراه ، وكان عنوانها : “عرض هندسي للاشكال المتخيلة للسطح المستوي ” . وهذه الاطروحة هي امتداد لعمل جوهان كارل كاوس (1855 – 1777) في الاعداد المركبة . وفعلا حصل فريجه على دكتوراه فلسفة من جامعة جوتنكن ، في ديسمبر1873 .

  بعد ذلك تقدم للحصول على وظيفة محاضر في جامعة ينا . وكان من بين الوثائق التي ارفقها لدعم طلبه ، اطروحته الثانية ( وهي اطروحة ما بعد الدكتوراه وهي شرط في الجامعات الالمانية للتعليم الاكاديمي ) . وكان عنوانها : ” طرق الحسابات المؤسسة على توسيع مفهوم الحجم “ .  وفي هذه الاطروحة ظهر لاول مرة اهتمام فريجة بمفهوم  ” الدالة او بالانكليزية(الفنكشين) مثال ذلك : العلاقة بين اعضاء مجموعتيىن هي الدالة التي نعبر عنها رمزيا بالشكل الاتي :”  ^ – = ^ – ” والتي ستلعب دورا مركزيا في ثنايا فلسفته .

  حقيقة ان عمل فريجه قد خضع للتقويم من قبل كلية الرياضيات في جامعة ينا ، ومن ثم على اساس هذا التقويم تم قبوله والاعتراف به . وفي تقرير كتبه البروفسور أرنست أبيي ، تكهن بان هذا العمل احتوى بذور وجهة النظر التي ستنجز تطورا متقدما في التحليل الرياضي . ونتيجة لذلك سمح لفريجه على اداء الامتحان الشفهي الذي اجتازه بالطبع . وعلى الرغم من ذلك ، فأن التقويم اعتبره ” ليس بسريع البديهية ، وتنقصه الفصاحة “.

وبعد جدل عام ومن ثم طلب منه تقديم محاضرة تجريبية ، عين فريجه محاضرا في جامعة ينا في مايس 1874 . والتي ظل يعمل فيها طول حياته المهنية .

الاستاذ الاكاديمي فريجه ونشاطاته البحثية :

    استهل الاكاديمي فريجه عمله الجامعي ، بمحاضرات كثيرة اثقلت كاهله . وربما اثرت نوعا ما سلبا على كتاباته وابحاثه العلمية يومذاك . والشاهد على ذلك قائمة نشاطاته البحثية للفترة الممتدة من تاريخ تعيينه في الجامعة 1874 الى تاريخ نشر كتابه

الاول والذي كان بعنوان ” العلامات المفهومية ، والذي صدر في العام 1879 . فخلال هذه السنوات الخمس لم ينشر فريجه سوى اربعة مقالات قصيرة ، ثلاث منها كانت مراجعات ، بأستثناء مقالة واحدة كانت عن الهندسة .

  عاش فريجه ، بعد نشر كتابه العلامات ، في فرحة غامرة غطت مجمل حياته الخاصة والاكاديمية . فقد كان يومها الدكتور فريجه شابا (عمره لم يتجاوز الحادية والثلاثين ربيعا) ، مفعما بالطموح  ، يعيش حياته ويعمل اكاديميا وفق خطة مرسومة . ولعل  المقدمة التي كتبها فريجه لهذا الكتاب تدلل على كل ذلك بصورة واضحة .

   اضافة الى ذلك ، فقد كان الاستاذ فريجه يتمتع بمكانة محترمة في الكلية التي يعمل فيها ، وخصوصا تقدير واحترام طلبة الرياضيات في جامعة ينا . ولعل الوصف الذي تقدم به رودلوف كرناب ، وكان واحدا من طلابه (انظر الفصل الثالث من كتابنا : الفكر الالماني المعاصر)  ينسجم ويتناغم مع تقويم البرفسور ارنست أبيي ، والذي تضمنه تقريره الاكاديمي عن نشاطات الدكتور فريجه ، والذي ارسله الى الجامعة في العام 1879 .

   فمثلا قد جاء في التقرير ” ان هناك القليل من المتعة للطلبة العاديين الذي يحضرون محاضرات الدكتور فريجه ، رغم انهم اكتسبوا نوعا من التدريب على الاستماع في محاضراته . ولكن الدكتور فريجه بكل المعايير الاكاديمية ، يتمتع بالاسلوب الواضح والدقة في التعبير ، والعناية العالية بمحاضراته ، والتي تستهدف الطلبة المتطلعين الى دراسة الجوانب الصعبة من الابحاث الرياضية . وانا (البرفسور ارنست أبيي) بنفسي قد استمعت الى محاضرات فريجه مرات عديدة ، والتي كانت تتميز بالكمال المطلق والتي غطت كل النقاط الاساسية ” .

 وفعلا فأن الكمال في كل نقطة اساسية ، كان هدف فريجه الناجز في كتابه العلامات ، والذي يعد الخطوة الاولى في مشروعه المنطقي . ولعل الحاصل من هذا الانجاز الفريجي (نسبة الى فريجه) هو ترقيته اكاديميا في سنة 1879 الى درجة بروفسور خاص ، وترقية مالية تمثلت بحصوله على معاش شهري ثابت بعد ان كان محاضرا . ان كل ذلك جاء نتيجة لتوصية قوية ، كتبت من قبل البروفسور ارنست أبيي ، والذي كتب في الوقت ذاته تقريرا تقويميا لكتاب العلامات ،الذي قومه بدرجة “تقدير عال” .

  ونحسب انه من النافع ان نقف على ما جاء في تقرير التقويم الذي كتبه البروفسور ارنست أبيي  . فقد ضم التقرير تكهنات لما سيتركه كتاب فريجه على مستقبل الرياضيات . رأى ارنست أبيي ان هذا الكتاب ” سيؤثر بصورة مهمة ، وفي المدى البعيد على الرياضيات . ولكن يبدو ان تأثيره سيكون محدودا في المرحلة الراهنة ، وذلك لما تمتع به المؤلف من اتجاه ، وما ضمه الكتاب من محتويات ” ومن ثم استمر البروفسور أبيي مقوما كتاب العلامات قائلا : ” وسيجد  بعض من علماء الرياضيات الشئ القليل اذا نظروا الى الكتاب من زاوية العلاقات القديمة المتبدالة في المعرفة ” ولكن ” نادرا ما سنجد من يكون قادرا على فهم الافكار الكثيرة التي احتواها ، وان عددا قليلا من رجال الرياضيات ، من سيثمن قيمته الحقيقية ” . 

  ان تشاؤمية البروفسور ارنست أبيي من الطريقة التي استقبل بها كتاب العلامات ، كانت في محلها . فقد تم مراجعة الكتاب من قبل ستة مؤلفين وكان بعض منهم من علماء المنطق ، الا ان جميعها قد خلت من اي تثمين لفريجه وكتابه العلامات . كما وان المراجعات التي قام بها المنطقيان ارنست شرودر (1902 – 1841) من المانيا وجون فنن (1923 – 1834) من انكلترا ،  قد حملت خيبة امل مريرة . فقد نظروا الى كتاب العلامات بمنظار متدني عند مقارنته بمنطق جورج بول (1864 – 1815) الذي يعد رائدا في عصره . اما كتاب العلامات فحسب رأي جون فنن ” جهد لا طائل له ، مزعج وغير ملائم “. ومن وجهة نظر ارنست شرودر ” مكان مخلافات ضخم ” وفيه “تساهل مع التقليد الياباني في الكتابة العامودية ” .

   سبب الاستقبال الضعيف لكتاب العلامات ، هموما جديدة للدكتور فريجه ، حملته الى تعطيل خطته التي اعلن عنها في مقدمة الكتاب ، والتي كان من بينها تأليف كتاب يتبع العلامات ، يركز فيه على تحليل مفهوم العدد . الا انه بدلا عن ذلك ،  تفرغ للرد على نقاد كتاب العلامات . وفعلا كتب بحثين ركز فيهما على عقد مقارنة بين رمزيته المنطقية مع الجهود المنطقية لجورج بول . وكان البحث الاول بعنوان ” الحساب المنطقي لجورج بول ومفهوم الكتابة “ . وقد رفضت نشر هذا البحث ثلاثة مجلات . اما البحث الثاني ، فهو نسخة مختصرة جدا للبحث الاول وكان بعنوان: ” الصياغة المنطقية للغة عند جورج بول وكتابي العلامات المفهومية “ والذي رفض نشره كذلك.

   واخيرا نجح فريجه في نشر العديد من التبريرات التي تدافع عن كتابه العلامات ، من مثل البحث المعنون ” التبرير العلمي للعلامات المفهومية “ . ومن ثم قدم محاضرة في مؤسسة ينا للطب والعلوم  والتي نشرت لاحقا ، والتي قارن فيها بين رمزيته وطريقة جورج بول . كما انه قرر بسبب المراجعات المخيبة للامال لكتاب العلامات ، ان يكتب نصا غير رمزي (صوري) حاول فيه اشتقاق لغة التداول اليومي الالمانية . وقد كتبه ضد الخلفية الفكرية لوجهات النظر النقدية التقليدية لمفهوم العدد ( والتي تشمل الكانتية والتجريبية ) . ولعل الحاصل من ذلك رائعته المشهورة : ” اسس علم الحساب : بحث رياضي منطقي في مفهوم العدد ” والذي نشر في العام 1884 .

  عقد فريجه الامال العريضة على كتابه اسس علم الحساب ، وكان يحسب ان انجازه لهذا المشروع سيشبع رغبات الاكاديميين المترقبين طويلا لمثل هذا النوع من الكتابة . حقيقة ان كتاب الاسس ، كتب بطريقة ذكية عالية جدا ، عكست وجهة نظر المؤلف سلبا وايجابا . الا ان الكتاب قد حصل على ثلاثة مراجعات فقط ، جميعها كانت مراجعات عدائية. فمثلا عالم الرياضيات الالماني جورج كانتور (1918 – 1845) في مراجعته انتقد فريجه ” على اساس سوء فهم للاعداد ، وذلك عندما رأى انها مجموعات من الموضوعات الفيزيائية ” . ان هذا الموقف من كتابات فريجه ، يعود الى اكثر من عشرين  سنة من الاهمال وعدم القراءة والاطلاع . ولعل التفسير الجزئي لهذا الاهمال ، هو الاستقبال الضعيف الذي حصل عليه كتابه العلامات ، والذي لم يسهم في شيوع سمعة فريجه بحيث تجعل من علماء الرياضيات والفلاسفة ، يترقبوا عمله القادم ، و من ثم يبذلوا جهدا في فهمه وتقويم نتائجه . ومهما تكن النتيجة ، فأن فريجه استمر في العمل على مشروعه المنطقي رغم الاهمال وعدم الدعم من قبل زملاء الاختصاص والعمل الاكاديمي .

الخطوات القادمة من مشروع فريجه المنطقي :

   جاءت الخطوة الثانية من مشروع فريجه المنطقي ، عندما ظهر المجلد الاول من كتابه ” القوانين الاساسية لعلم الحساب ” والذي نشر في العام 1893 . ان هذا الكتاب جاء ثمرة ابحاث استمرت تسع سنوات في فلسفة اللغة ، وفي منطق الاسس الذي عمل على تطويره باستمرار . ولعل من المفيد الاشارة الى ان فريجه خلال هذه الفترة قد نشر ، وخصوصا في البدايات المبكرة من التسعينات ثلاثة ابحاث مشهورة له ، وهي “الدالة والمفهوم ” و ” المعنى والمرجعية ” و ” في المفهوم والموضوع ” . وتعد هذه الابحاث الثلاثة من الاعمال الكلاسيكية في فلسفة اللغة . والبحث الثاني يعتبر بحثا من الواجب مراجعته لكل من رغب فهم الفلسفة التحليلية في القرن العشرين بصورة عامة . اما اهمية هذه الابحاث بالنسبة لفريجه ، فهي أنه بين للقراء التغييرات التي اجراها على وجهات نظره يوم كتب الاسس ، وأعدهم لاستقبال كتابه القوانين الاساسية .

   ونحسب ان هذه الفترة دشنت مرحلة جديدة ، فقد بدأ الاهتمام باعمال فريجه ، خصوصا عندما اخذ عالم الرياضيات الايطالي جوسيب بيانو (1932 – 1858) يقتبس من كتابات فريجه في مؤلفاته . وكذلك استهل الفيلسوف الظاهراتي الالماني أدموند هوسرل (1938 – 1859) مراسلاته مع فريجه . انها مرحلة الانفراج ولحظة الانفتاح على كتابات فريجه . وكذلك بداية الاعتراف بجهوده في المنطق الرياضي وفلسفة اللغة  وانجازاته الاخرى .

   والحقيقة ان فريجه بعد اكماله كتابة المجلد الاول من كتابه القوانين الاساسية ، اخذ يتطلع الى الامام . خصوصا في التفكير بنشر مؤلفاته ، ومن ثم انتزاع اعتراف بأعماله التي اهملت طويلا . ولكن بسبب الاستقبال الضعيف الذي واجهته مؤلفاته ، اخذ الناشرون يترددون في طبع المؤلفات الكبيرة كاملة . الا ان فريجه توصل الى اتفاق مع الناشر هرمان بوهل في ينا ، والذي نشر ” الدالة والمفهوم ” ، على ان يقوم بنشرها في مجلدين ولكن بشرط ، وهو ان نشر المجلد الثاني يعتمد على نجاح المجلد الاول . وبهذه الطريقة تم طبع المجلد الاول عام 1893 .

 وفعلا كانت تراود فريجه هواجس داخلية ، تشعره بأن هذا العمل سيفشل وسوف لن يحصل على الاعتراف الذي يستحقه . ولهذاعمل بجهود استثنائية لتيسير هذا الكتاب وجعله متوافرا للقراءة . ومن ثم كتب في المقدمة بعض الوصايا التي تعين في قراءة الكتاب وصولا الى فهم محتواه . وقدم عرضا لبراهينه مع موجز لاهميتها ، كما لفت انتباه الاكاديميين الى اهمية استجابتهم لاعماله . ولكن عدم اغفال انتقاد النظريات المعارضة لخطه المنطقي والفلسفي .

  والواقع ان كل هذه الجهود لم تفلح شيئا ، فأن كتاب القوانين الاساسية لم يحصد الا على مراجعتين فقط . وكلاهما كانتا سلبيتان ، واحدة منهما ثلاث جمل فقط  . ولعل الحاصل من ذلك ان الناشر رفض طبع اعمال فريجه . وان المجلد الثاني لم ينشر الا بعد عشر سنوات ، وقد طبع على نفقته الخاصة .

  وعلى الرغم من ذلك ، فأن طباعة المجلد الاول قد حقق تحسينا للظروف المادية ومن ثم الاكاديمية للدكتور فريجه . فقد حصل على لقب بروفسور شرف ، والذي حرره من اي التزامات ادارية . وقد قبل هذا الموقع بسبب انه حصل على منحة مالية من مؤسسة كارل زيس ستفتنك ، وبدعم من قبل البروفسور أرنست أبيي (* و كارل زيس (1888 – 1816) هو عالم البصريات الذي تعاون مع ارنست أبيي في مشروع تصنيع عدسات الميكرسكوب ، وبعد وفاته سميت مؤسسته بأسم كارل زيس ستفتنك ) .

  لقد وفر هذا الموقع الجديد الكثير من الوقت للبروفسور فريجه لاجراء ابحاثه ، ومن ثم الانخراط في مراسلات مع العديد من الاكاديميين خصوصا بعد نشر المجلد الثاني . كان حصيلة هذه الفترة نشره العديد من المقالات ومراجعة عدد من مؤلفات كتاب اخرين ، مما وفر كل ذلك اثرا على مستقبل عمله في القوانين الاساسية .

   وكان الحصاد العلمي المثمر الذي حصل عليه فريجه ، هو مراسلة الاكاديمي وعالم الرياضيات الايطالي بيانو الذي كتب اطول مراجعتين للمجلد الاول من كتاب القوانين الاساسية . والمراجعة بدأت بتبادل وجهات النظر التي قادت بيانو على عمل تعديلات على رمزيته المنطقية . وهاتان المراجعتان دللتا عل علو مكانة الاشارات المنطقية لفريجه على رمزية بيانو . ولكن جاءت الرياح تحمل اشياء غير سارة لفريجه ، فقد تجاهل برتراند رسل اشاراته المنطقية ، وبالمقابل تبنى رمزية بيانو كما اخبر الاخير فريجه . الا ان رسل بعد ان قرأ مراجعة بيانو لكتاب فريجه . اعترف بأنه أسف على عدم قراءة هذا الكتاب ( الا انه قرأه في العام 1901) . ولكن من خلال قراءة مراجعة بيانو ، تبين لرسل ” ان فريجه يجب ان يكون متميزا ” .

  كما وترك فريجه في هذه الفترة اثرا على اكاديمي اخر وهو هوسرل ، وبالتحديد قبل نشر المجلد الثاني من القوانين الاساسية . هوسرل بدأ واحدا من حواري الفيلسوف وعالم النفس الالماني فرانز برنتانو (1917 – 1838) ، ومدافع عن النزعة النفسية ( وهي محاولة لتأسيس المنطق والحساب على علم النفس ). وقد نشر هوسرل في العام 1891 المجلد الاول من كتابه ” فلسفة علم الحساب ” . وفي هذا الكتاب ، انتقد هوسرل فريجه ، والذي رد من طرفه على هوسرل بمراجعة موجعة (في العام 1894) . وترتب على ذلك ، ان تحول هوسرل من النزعة النفسية ، واصبح من اشد المعارضين لها ، ومن ثم طور مفهوم ” النوما ” وهو ” فعل الفكر ” والذي يتطابق ومفهوم فريجه في “المعنى” مع عزم على تعميمه بصورة أوسع .

  وعلى الرغم من استمرار الاهمال لعمل فريجه ، الا انه تمتع في هذه الفترة بنوع من السلوى والارتياح ، خصوصا انه اصبح معروفا ومحترما من قبل عدد من الاكاديمين الذين يتمتعون بسمعة علمية رصينة . ولهذا بدأ فريجه يتطلع لاستقبال جيد للمجلد الثاني من كتابه القوانين الاساسية . ورغم هذا الاهمال ، فأن فريجه لم يكن لديه اي شك في انجازاته . وقد جاء التعبير عن هذه الثقة في المقطع الاخير من مقدمة المجلد الاول. وفعلا كان لديه حس بأن هناك من سيحاول الاشارة الى وجود تناقض في نظامه ، وبأطمئنان عال تجاوز هذه القضية .

  وفعلا فأن خطابا جاء من برتراند رسل ، وبالتحديد في حزيران 1902. وقد سبب  هذا الخطاب صدمة قوية لفريجه . ويومها كان المجلد الثاني في المطبعة . لقد اخبر رسل فريجه بوجود تناقض في نظامه ، وعرفت هذه القضية لاحقا ” بمناقضة رسل ” والتي اكدت :  ” على امكانية اشتقاق التناقض من نظام فريجه المنطقي “. وفي الوقت ذاته عبر رسل عن اعجابه العالي بعمل فريجه واتفاقه الجوهري معه . 

   وفريجه اعترف بأن هناك فعلا مشكلة جدية قد حددها رسل في القانون الخامس من القوانين الاساسية ، كما ان هناك مشكلة في مصادر هذا القانون . ولذلك كتب خطابا لرسل استجابة لرسالته السابقة ، قال فيه : ” ان اكتشافك للتناقض ، سبب اندهاشا كبيرا لي ، لا تستطيع الكلمات وصفه . وانا استطيع القول انك تركتني في حالة اعصار رعدي ، سبب تشققا في اسس علم الحساب الذي شيدته … انها على كل ، موضوع جدي سبب انهيارا للقانون الخامس . ويبدو انه قوض ليس فقط اسس كتابي في علم الحساب . ولكن اسس علم الحساب بصورة اعم … ” .

  ولم يكتف فريجه بهذا الخطاب ، وانما حاول تطوير استجابة لمناقضة رسل . وفعلا نشر اصلاحا يشمل مجموعة تعديلات للنظام ، ضمه في الملحق الذي ألحقه في المجلد الثاني من القوانين الاساسية . وعلى اية حال فأن اصلاح النظام برهن على وجود عدم الاتساق فيه . الا انه لم يبدو واضحا ، على ان فريجه قد قبل نهائيا بأن عمله قد قوض تماما . كما ان المجلد الثالث من القوانين الاساسية لم يطبع نهائيا . وفي نهاية حياة فريجه اعترف بأن برنامجه المنطقي قد فشل ، وحاول في سنواته الاخيرة ان يؤسس علم الحساب على علم الهندسة .

  وبعد اكتشاف التناقض ، عانى فريجه من مأساة شخصية . فقد توفيت زوجته (ماتت عشرين سنة قبل وفاته) وتركته وحيدا ، مهموما في كيفية تربية ولده بالتبني (الفريد) . وبسبب هذه المأساة ، لم ينشر الا القليل. منها مثلا بضعة مقالات عالجت اسس الهندسة والتي كانت استجابة للمراسلات مع عالم الرياضيات الالماني ديفيد هلبرت (1943 – 1862). ومنها ثلاث مقالات ضد علم الحساب الصوري (الرمزي) وهي استجابة الى الهجوم الذي وجهه له البروفسور جوهانز توما (1921 – 1840) ، وهو زميل اكاديمي له في جامعة ينا .

  ويبدو ان فريجه قد قلل مراسلاته في هذه الفترة ، واستمر في تقديم محاضراته في جامعة ينا . وخلالها قابل فتجنشتاين والذي كتب له ، بعد قراءة تفسير لوجهات نظره على كتاب رسل المعنون ” مبادئ الرياضيات ” . وان هذه المراسلات تتوجت بلقاء تم فيه مناقشة اراء فريجه مع فتجنشتاين . وهنا اقترح فريجه على فتجنشتاين للتوجه الى كيمبردج للدراسة مع رسل . وكما ذكرنا في الفصل الثالث ، فخلال هده الفترة حضر رودلوف كرناب محاضرات فريجه . وهو مثل فتجنشتاين من اشد المعجبين بفريجه . وقد قام بتطوير ونشر افكار استاذه فريجه عندما اصبح رمزا فكريا مؤثرا .

   تقاعد فريجه من العمل الجامعي في العام 1918 ، ومن ثم انتقل الى بادكلينن بالقرب من مدينته ويسمر . الا انه لم يتوقف عن العمل ، بل واصبح اكثر نشاطا . فكتب سلسلة من الابحاث . كان الاول منها بعنوان ” الافكار ” والذي كان له اثارا قوية ، تمثلت بالمناقشات الواسعة له ، التي تخطت حتى بحثه المشهور ” في المعنى والمرجعية ” . كما وان فريجه خلال هذه الفترة ، اصبح مقتنعا بأن علم الحساب يتوجب تشيده على اسس هندسية. وقد اوضح ذلك في قطعة كتبها في اخر سنة من حياته . وكانت بعنوان :

” الاعداد وعلم الحساب ” . يقول فيها : ” … اصبحت اكثر قناعة ، بأن علم الحساب والهندسة تطورا من نفس الاسس – في الحقيقة هي اسس هندسية – ولذلك فأن الرياضيات في مجملها حقيقة هي الهندسة … ” .

   وهكذا تخلى البروفسور فريجه عن وجهة نظره القديمة ، والتي تصعد الى كتاباته الاولى ، والتي اكدت على ان ” الحساب ، وعلى خلاف الهندسة ، هو مصدر المعرفة الاولية التي لا تحتاج الى اسس لها في الحدس ” . وعلى اية حال ، لم يبقى من الوقت ما يكفي لفريجه ليتابع ابحاثه وفقا لافكاره الجديدة ، فقد توفي في العام 1925 وكان عمره سبع وسبعين عاما . وقبل ان يشهد بأم عينيه الأثر والانتشار الواسعين لافكاره وكتبه وابحاثه . ومن ثم اعتراف دوائر البحث الاكاديمي بتراثه . وخصوصا المنطقي والفلسفي منها على حد سواء .

ومن النافع ان نذكر بان فريجه سلم كتاباته غير المنشورة الى ولده الفريد ، وارفقها بملاحظة تقول :

   عزيزي ألفريد

لا تتلف هذه الاوراق التي كتبتها . حتى وان كانت قيمتها جميعا ليست بقيمة الذهب ، فأن هنالك فعلا ذهب فيها . وانا اعتقد ان هنالك اشياء ستكون لها يوما ما قيمة اثمن كثير مما هي عليه الان .  حافظ عليهم ، ولا تضيع منهم شيئا .

والدك المحب .            انها تشكل جزءا كبيرا من نفسي اسلمه لك .

   وقام ألفرد بتسليم هذه الاوراق الى هنريخ سكولز (1956 – 1884) البروفسور في جامعة منستر ، في العام 1935 . من سوء الحظ ان أصولها قد دمرتها قوات التحالف خلال عمليات القصف في الحرب . وبعد ذلك تم الحصول على نسخ لأغلبها ، ولتأخر طويل بسبب مرض سكولز ومن ثم وفاته ، طبعت في المانيا في العام 1969 ، ومن ثم في الانكليزية في العام 1979 . اما مراسلات فريجه فقد نقحت وطبعت في المانيا في العام 1976 ، ومن ثم نشرت بالانكليزية في العام 1980 .

أسهامات فريجه في العمل الفلسفي – المنطقي :

     نحسب ان من الكتب الكلاسيكية الرائدة في اللغة الانكليزية عن فريجه ، كتابن :

الاول – كان بعنوان : فريجه : فلسفة اللغة ، والذي كتبه السير (والبروفسور) مايكل دمت (ولد 1925) ، وقد نشر في لندن في العام 1973. وهذا الكتاب ترك تأثيرا على جيل من الفلاسفة البريطانيين . واليوم لا يستطيع اي باحث في فلسفة فريجه ، ان يتجاوز كتاب السير دمت .

الثاني – كان بعنوان : جوتلوب فريجه ، الذي ألفه هانز سلوكه (سبق ذكره) . ومن ثم بحثه الممتاز  فريجه ونشأة الفلسفة التحليلية ، والذي نشره في العام 1976 في مجلة  “ابحاث” ، المجلد 18 .

  يجمع كل من دمت وسلوكه على ان جوتلوب فريجه ، هو اول فيلسوف تحليلي . وان افكاره حول اللغة تركت تأثيرا عميقا على عدد من المفكرين ، من أمثال فتجنشتاين وكرناب . وان الاخير يعد من المعارضين الاشداء للتحليل التقليدي . وكذلك في الامكان ادراك تأثير فريجه في الكتابات المنطقية والرياضية لبرتراند رسل . ونحسب ان تأثيره قد تجاوز ذلك ، ووصل حديثا الى جهود فلاسفة التحليل الذين جاهدوا في بناء نظرية شاملة في المعنى . كما انه في نقده المبكر للنزعة النفسية عند هوسرل ، قد اسهم في صياغة الفكر الظاهراتي .

 تتحدد اسهامات فريجه في العمل الفلسفي كما يقترح البروفسور هرلود نونن ، انها تركزت في اربعة مجالات : المنطق ، وفلسفة الرياضيات ، والمنطق الفلسفي ونظرية المعنى . ولعل اسهاماته في المنطق ، يمكن تلمسها في كتابه الاول  ” العلامات المفهومية ” الذي دشن فيه فريجه مرحلة جديدة من تاريخ علم المنطق .

   حقيقة ان حالة المنطق قبل فريجه ، قد شهد هيمنة لنظرية القياس الارسطية ، وهي النظرية المنطقية التي ركزت جل اهتمامها على سلامة الاستدلالات ، والتي تتألف بمجملها من قضاياعامة . كما وان هذه القضايا تحتوي على تعابير من مثل : كل (وهو ثابت منطقي كلي موجب ) ، بعض (وهي ثابت منطقي جزئي موجب) ، ليس ( وهي اداة نفي اذا دخلت على الثابت المنطقي الكلي الموجب ، حولته الى ثابت منطقي كلي سالب . واذا دخلت على الثابت المنطقي الجزئي الموجب ، قلبت قيمته المنطقية الى ثابت منطقي جزئي سالب ) . ولعل خير مثال نقدمه على القياس الارسطي ، المثال الاتي :

                  كل غزال هو* حيوان  (هو = فعل الوجود بالانكليزية)

                 كل حيوان هو كائن حي

          اذن :كل غزال هو كائن حي

 نلاحظ ان في كل قضية (او قل جملة) من تلك القضايا الثلاثة ، هناك حد منطقي ، نطلق عليه اصطلاح الموضوع من مثل في القضية الاولى لفظة غزال ، وهناك حد منطقي اخر ، نطلق عليه اصطلاح المحمول من مثل في القضية الاولى لفظة حيوان .

ونصطلح على حد منطقي اخر ، اصطلاح الحد الاوسط ، وهو الحد الذي يتكرر في القضية الاولى والثانية ، وهي لفظة حيوان (* الحد الاوسط هو مثل الجسر ، يسهل مهمتنا للانتقال من المقدمات الى النتيجة) . ونصطلح منطقيا على القضية الاولى ، اصطلاح المقدمة الاولى . وعلى القضية الثانية نطلق عليها اصطلاح المقدمة الثانية . وعلى هذا الاساس فأن كل قياس ارسطي يتكون من مقدمتين وتتبعهما بالضرورة قضية ثالثة ، يصطلح عليها بالنتيجة . وهي بالمثال السابق : كل غزال هو كائن حي .

  حقيقة ان المنطق الارسطي ، هو منطق حدود . وذلك لانه ركز على العلاقات المنطقية بين الحدود . كما انه ركزعلى نماذج من القضايا التي تدخل في تركيبها التعابير

من مثل :  كل ، او بعض ، او ليس (والتي هي ثوابت مقابل المتغيرات : غزال وحيوان) . ولعل الامثلة التي تعرض النماذج للقضايا اعلاه ، هي :

                   أ تنتمي الى كل ب

                و ب تنتمي الى كل ج

             اذن  أ تنتمي الى كل ج

  ونافست النظرية المنطقية التي طورتها المدرسة الرواقية ، نظرية ارسطو في الحدود . فقد عرضت منطق قضايا . وكانت الرواقية مهتمة بسلامة الحجج ، من مثل :

             اذا انه نهار اذن انه مضئ

             انه نهار

            انه مضئ

   ان هذا النموذج عرض حجة سليمة ، كما جاء في التعبير الرواقي القائل :

           اذا الاول اذن الثاني

           الاول

      اذن الثاني

  وعلى هذا الاساس فأن المنطق الرواقي مهتم بسلامة هذه النماذج من الحجج ، والتي يمكن اعادة عرض القضايا وذلك بأستخدام بعض الرموز ( الاول ، الثاني ) والتي تدخل في تركيب اي قضية مهما تكون . والنماذج الرواقية درست القضايا التي تكون سليمة ، وذلك عندما تدخل في تركيبها العلاقات القضوية من مثل : النفي (او السلب) ، والربط والفصل والاشتراط  . وان استعمالها يترتب عليه بناء قضايا اكثر تعقيدا ، وذلك بالاعتماد على  القضايا البسيطة.

  وهاتين النظريتين المنطقيتين قد وجدتا لهما حضورا في عمل عالم المنطق الحديث جورج بول ، الذي طور نظاما جبريا احتوى القضايا العامة لمنطق الحدود الارسطي او القضايا الاكثر تعقيدا التي كانت موضوع المنطق الرواقي . وقد اطلق بول على قضايا المنطق الاول : أنموذج القضايا الاولية ، واطلق على قضايا المنطق الرواقي : أنموذج القضايا الثانوية . وهذا يؤشر وجهة نظر بول على الاولوية النسبية لهذين النوعين من القضايا . وكان يرى بأن القضايا الثانوية يمكن فهمها على انها تعميمات حول فئات المناسبات او الاوقات وغير ذلك ، والتي يمكن ردها الى القضايا الاولية .

  ان الضعف الكبير في المنطق قبل فريجه ، هو عجزه عن معالجة القضايا التي تحتوي على تعابير ” ذات الطبيعة العامة المتعددة ” . قضايا من مثل :

                    كل فتى يحب بعض الفتيات

               او بعض الفتيات محبوبات من قبل كل فتى

ان كلا التعبيرين ( كل فتى ، بعض الفتيات ) ارتبطا بتعبيرات تعبر عن علاقة . ومثل هذه القضايا لها مكانة في الرياضيات كذلك ( مثل : كل عدد زوجي هو مجموع عددين اوليين ) ، والتي على الاغلب ما يغلفها الغموض . والواقع ان مناطقة العصر الوسيط قد اشتغلوا بشكل كبير على النظريات الفرضية ، والتي كان في طرف منها معالجة “التعابير ذات الطبيعة العامة المتعددة ” ،  ومن ثم تقدمت بشرح للغموض الذي يلفها . الا انها لم تتمكن من تقديم تفسير مقنع لها .

  كما ان نظام بول في طرفيه : المنطق الارسطي التقليدي في الحدود والمنطق الرواقي في القضايا والذي تم عرضه في نظامه . يكشف بأن الانتقال من الاستدلالات السليمة لمنطق القضايا الى الاستدلالات السليمة لمنطق الحدود ، كانت غائبة في النظام المنطقي البولي (نسبة الى جورج بول) . وذلك لان بول يعتقد بأن منطق الحدود ومنطق القضايا ، هما تفسيران للنظام الجبري ذاته .

  حقيقة ان النظام الذي قدمه فريجه في كتابه العلامات المفهومية ، حل كل هذه الصعوبات . والمدخل لهذا الحل هو انه وضع محل المفاهيم النحوية ، من مثل الموضوع والمحمول ، والتي هي تنتمي مركزيا الى القياس الارسطي . حل محلها مفاهيم رياضية للحجة والدالة .  وعلى هذا الاساس نظر فريجه الى القضية القائلة :

                   ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من الهيدروجين

وهنا لا نجد تأكيد على الموضوع ” ثاني أوكسيد الكاربون ” ، ولا تأكيد على المحمول

” أثقل من الهيدروجين ” . وانما الاهتمام بقيمة الدالة ” أثقل من الهيدروجين “ وذلك لدعم حجة ” ثاني أوكسيد الكاربون ” ، او مرة ثانية من اجل الاهتمام بالدالة ” ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من ” وذلك لدعم حجة ” الهيدروجين ” . او مرة اخرى من اجل قيمة الدالة الثالثة ” أثقل من ” وذلك من اجل دعم حجة الطرفين ” ثاني أوكسيد الكاربون ” و ” الهيدروجين ” .

 ومن ثم نظر في امثلة من علم الحساب :

       2+3 ( وهذه هي العدد 5) ،

 ويمكن التعبير عن قيمة الدالة بواسطة الصيغة الاتية:

      ( ) + 3  وذلك لدعم حجة العدد 2

او التعبير عن قيمة دالة مختلفة عن طريق الصيغة الاتية:

     2 + ( )   وذلك لدعم حجة العدد 3

او التعبير من اجل قيمة الدالة الثالثة بأستعمال الصيغة الاتية :

    ( ) + ( )     وذلك لدعم حجة الطرفين 2 و 3

وعلى اساس هذا التجديد ، اصبح فريجه قادرا على تقديم اكتشافه المنطقي المهم ، وهو السور المنطقي  . وترى هيلري بوتنم (1982) الى ان فريجه ، بالتأكيد هو الذي اكتشف السور . وبالتحديد قبل اربعة سنوات من نشر عالم الرياضيات الامريكي أوسكار هورد ميشل (1851 – 1889) لكتابه ” في الجبر الجديد للمنطق ” (1883) والذي تابع فيه خط ارنست شرودر . (* وأوسكار هو التلميذ الموهوب لعالم الرياضيات والمنطقي الامريكي ومؤسس البراجماتية تشارلز بيرس (1914 – 1839) والذي اشتغل في السيموطيقا او النظرية العامة للغة ) .

   و عودة الى فريجه ، فأننا نستطيع هنا التعبير عن حقيقة ان :

      ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من الهيدروجين ،

   وبأستخدام دالة فريجه (لغة الحجة) وبالشكل الاتي :

  الدالة ” اثقل من الهيدروجين ” هي حقيقة حجة ” ثاني أوكسيد الكاربون “

  ومنذ ان الهيدروجين هو أخف الغازات :

  فالدالة ” أثقل من الهيدروجين ” هي حقيقة  “مهما يكن اي شئ هو حجتها” .

  وهذا الحال يبين الدعوى القائلة ، بأن كل شئ هو أثقل من الهيدروجين . واذا استخدمنا هنا نوعا من الرمزية المنطقية المتداولة ، والتي لم تكن مختلفة من رمزية فريجه ، فأن في امكاننا صياغة التعبير الاتي :

            (س ل)  ( س أثقل من الهيدروجين ) (* لم اجد في الكومبيوتر اي مساعدة ، تمكنني من رسم رمزية السورالكلي : وعلى كل هو يشبه أكس الانكليزية وبجنبها الحرف الاول الانكليزي (أي) مقلوبا وكلاهما محصورين في اقواس . وهنا استخدمت س للتعبير عن أكس ، ول للتعبير عن (اي) المقلوبة . هذا هو الخيار الوحيد للتعبير عن السور بالعربي). وهنا السور الكلي ( س ل) استوعب الطبيعة العامة لكلام فريجه القائل :     ” مهما يكن اي شئ هو حجتها ” .

   ان ادخال السور المنطقي ، مكن فريجه من التعبير بسهولة ، اضافة الى انه وفر له استخدام مفهوم واضح ، دون اي غموض لف التعبير. كما وان السور المنطقي لم يستخدم للتعبير عن قضية عامة واحدة كما في المثال السابق . بل استخدم السور للتعبير كذلك عن قضاياعامة ذات طبيعة متعددة ، من مثل :

         كل غاز أثقل من بعض الغازات    (* هنا واضح ارتباط التجديدات التي انجزها فريجه بالمنطق القضوي . وهو المنطق الذي درسته الرواقية ) .

  وكذلك مكن السور ، فريجه من التعبير الواضح في رمزيته عن كل قضية قابلة للتعبير في النظرية القياسية الارسطية ،و مهما كانت درجة تعقيدها . ان هذه البصيرة الجوهرية ، هي التي يسرت عمل فريجه ، والتي قلبت أولولويات نظام جورج بول القائم على التمييز بين القضايا الاولية والقضايا الثانوية . (* ان هذه المعارضة ، عبر فريجه عنها في عبارة رددها كثيرا ، وهي ” خلافا للمناطقة الاخرين ، بدأ من الحجج بدلا من المفاهيم ” ).

  ان المساهمة المنطقية الكبيرة التي انجزها فريجه في كتاب العلامات ، هو بناء النظام الرمزي (الصوري) الاول . حقيقة ان النظام الرمزي يتكون من ثلاثة اجزاء : لغة محددة دقيقة ، تتألف من قضايا النظام ، والتي تكون على شكل مجموعة بديهيات  وقواعد محددة ، حيث تمكننا من اشتقاق المبرهنات من البديهيات وفقا لقواعد الصرامة التركيبية الرمزية . ان صيغة النظام الصوري ستتيح امكانية التعبير عن قضايا جزئية . ولكن ستكون غير لازمة ، وذلك لان هدفها ، هو معرفة القضايا التي يمكن التعبير عنها بواسطة صيغة الاشتقاق ، ومن ثم التأكد من ان الاشتقاق قد حدث وفقا للقواعد . وان هذا الاشتقاق حدث بصورة ميكانيكية ، وذلك من خلال الاعتماد على اشكال الصيغة ، واشكال القضايا فقط  .

  لم يكن نظام فريجه المعروض في كتاب العلامات معصوما من الخطأ. ومن اللحظة التي استخدم فيها قاعدة الاستدلال . خصوصا قاعدة التعويض . وفعلا لاحظنا ان هذه النقص قد دفع فريجه ليجد له حلا في كتابه القوانين الاساسية . ولكن بقيت قضية اثارها بعض الباحثين حول كتاب العلامات ، ومنذ وقت مبكر ، ونحاول وضعها في صيغة سؤال : لماذا لاذ فريجه الى دائرة الصمت ، ولم يذكر جهود جورج بول ؟ ولماذا لم يثمن فريجه مساهمات شرودر في هذا الموضوع (المقصود موضوع العلامات) ؟ أولا ان جبر المنطق الذي اسسه بول ، كان في طرف واحد منه مثلا وليس حصرا ، قد عالج  المنطق القضائي (القضوي) الذي اشتغلت عليه الرواقية . وقد استخدمه فريجه كما اشرنا اليه اعلاه . ووفقا لشرودر ، وحسب هانز سلوكه ، ان فريجه رفض التشابه الظاهري ، ورأى مثلا ان في تفسيره للمفهوم ” يقوم  على اساس انه مجموع علاماته ” . وهذا من زاوية فريجه علامة فارقة تقف ضد جبر المنطق عند جورج بول. ولم يقتنع الاستاذ سلوكه برأي فريجه ، وظل مؤمنا بأن صمت فريجه كان مقصودا ومدروسا . ولذلك  أكد فريجه على طريقه الخاص ، والذي دشن بداية جديدة ، وليس هو استمرار لعمل جورج بول . وبكلمات فريجه : انه عمل اوسع وأعمق من اي شئ عمله بول ” . وفي مراجعة شرودر لكتاب العلامات ، حاول اقناع فريجه بأن غرض كتاب العلامات غير مفهوم . وفريجه من طرفه رد على تحدي شرودر ، واشتغل على دراسة ليبين له الى ان منطقه يقف مقاوما لجبر المنطق عند بول . وبعد ان اكمل فريجه دراسته التي إقترح لها عنوان : ” منطق الحسابات عند جورج بول وكتابي العلامات ” .  واجه محنة ، اذ لم تقبل  نشر الدراسة ، واحدة من دوريات الرياضيات او واحدة من دوريات الفلسفة . وظلت مركونة في فايلات فريجه ، الى ان نشرت بعد سنين في الناكبلاس .     

جهود فريجه في فلسفة الرياضيات :

   نحسب ان البروفسور هرولد نونن ، كان على حق عندما ذهب الى ان فريجه في طرف من مضمار فلسفة الرياضيات ، قد هدف الى تحرير علم الحساب من الحدس ومن ثم اعادة تشيده بصورة مستقلة . والسؤال الذي نرفعه هنا : ماذا ترتب على هذه الاطروحة من نتائج لمشروع فريجه في فلسفة الرياضيات ؟ وكيف تحددت علاقة فريجه مع الفلاسفة وخصوصا عمانوئيل كانط (1804 – 1724) ، والذين منحوا للحدس دورا في بنية القضايا الرياضية ؟

   اولا ان شطب فريجه لفعل الحدس ، حمله على ان يكون وجها لوجه مع تراث كانط الذي لعب فيه الحدس ، دورا فاعلا وخصوصا فيما يتعلق بالقضية (ومن خلالها المعرفة ) الاولية التركيبية . حقيقة ان فريجه دحض قناعات وجدل كانط حول المعرفة الاولية التركيبية . ونتيجة لذلك فأن فريجه في كتابه الاسس ، رغب في أستخدام مصطلح كانط ، في الدفاع عن كون علم الحساب هو علم تحليلي . ولكنه في الوقت ذاته ، وعلى درجة من المساواة ، كان مهتما في تفنيد تجريبية الانكليزي جون ستيوارت ميل (1873 – 1806) والتي كان لها حضورا في الحدود الكانطية التي ترى ان علم الحساب هو علم بعدي تركيبي .

  ولهذا خصص الجزء الاول من كتابه الاسس ، في  نقد هاتين الفلسفتين واستطالاتهما . وكان نقده مدمرا من طرف . ومن طرف اخر مكنه من ان يباشر جدلا ايجابيا ، حصد منه نتائج عديدة . خصوصا حول ما ليس له صلة بالاعداد : من مثل ان الاعداد ليست افكار ذاتية ، وليست هي بموضوعات فيزيائية ، كما هي ليست تجميع او خصائص ما . ان فريجه جادل مؤكدا على حجته القائلة بأن ” مضمون قضية العدد ، هو التأكيد على المفهوم ” .

   وهنا اود ان اشير الى الاراء التي اوردها كريستين ثيل في اطروحته للدكتوراه ، والمعنونة ” المعنى والمرجعية في منطق فريجه ” والتي نشرت أولا في الالمانية ومن ثم ظهرت لها ترجمة في الانكليزية في العام 1965 . فقد اورد اراء كل من ناتورب وسكولز وهي اراء تصب في سياق المناقشة الجارية . فمثلا اشار ناتروب الى ان فريجه ” اسس العدد … على شئ يشبه المثل الافلاطونية ” . اما سكولز فقد اكد على ” ضرورة توافر الشجاعة لدينا لنلتحق بصف فريجه الذي يسلم بميتافيزيقا الصدق والكذب ” . انها قضية مهمة في فهم ما هو حق لكانط وما هو حق لفريجه من زاوية الارث الفلسفي العام  ، وخصوصا الارث الفلسفي الرياضي الافلاطوني الذي تدارسه الاثنان في مرحلة من مراحل  التدريب الفلسفي . وهنا نعود الى كانط وفريجه .

   والبداية سؤال كانطي : كيف تعرض الاعداد علينا ؟ ان هناك جوابين : جواب كانط ومن ثم جواب فريجه . يرى كانط ان الجواب الوحيد ، هي انها تعرض علينا عن طريق الحدس . وهكذا فالاعداد حسب رأيه هي ” موضوعات ، وموضوعات تعرض علينا من خلال الحدس “.

اما فريجه فقد قبل اولا التمييز الكانطي بين الموضوعات والمفاهيم . وفعلا ان قارئ كتاب الاسس ، يجد أن مبدأ فريجه الاساس ، هو المبدأ القائل  : ” سوف لا نضيع بصيرة التمييز بين الموضوع والمفهوم ” ولكنه ألح على ان الاعداد هي موضوعات . ومن هنا ظل يواجه السؤال : كيف الاعداد عرضت علينا ، خصوصا اذا لم تكن لدينا افكار وحدوس عنها . ان جوابه استند الى المبدأ الاساس الثاني ، الذي بينه في بداية كتابه الاسس . والمقصود مبدأه الشهير : ” مبدأ النص او السياق ” ، وقد شرحه قائلا : ” لا تسأل اطلاقا عن معنى الكلمة بصورة معزولة ، ولكن فقط في سياق الجملة ” .

  ان المعنى الدقيق لهذا المبدأ ومكانته في فلسفة فريجه ، أصبح القضية الاكثر جدلا في مضمار الدراسات الاكاديمية التي اعتنت بتراث فريجه . فمثلا  ان اهمية فريجه في هذه النقطة ، هي التي مكنته  من انجاز  ” نقطة تحول لغوي ” على حد رأي مايكل دمت . وذلك يعود الى ان فريجه حول السؤال الابستمولوجي عند كانط الى سؤال حول اللغة . والحقيقة ان فريجه كتب يومها معلقا : ” انه فقط وفي سياق الجملة يكون للكلمات معاني ، وهنا مشكلتنا تصبح : هو تحديد معنى الجملة في عدد من الكلمات ” .

  ومنذ ان كانت الاعداد هي موضوعات ، فأن فريجه ذهب قائلا : ان الشكل الاكثر اهمية للجملة هو المعنى الذي يجب شرحه في مبدأ الذاتية : ” اذا استخدمنا الرمز أ للدلالة على الموضوع ، فأنه يجب ان يتوافر لنا معيارا يقرر في كل الحالات ان ب هي أ “. ان الطريق الميسر الان ، هو بناء العدد على اساس انه عدد مقترن بمفهوم محدد . ولعل الافادة الاتية توضح ذلك :

       ان العدد الذي ينتمي الى مفهوم ف ، هو ذاته الذي ينتمي الى المفهوم ج

  ولشرح ذلك نعتمد على معيار ( مبدأ ) الذاتية للاعداد . هذا المعيار افترضه فريجه في العلاقة الترابطية بين واحد – واحد . تعمل العلاقة الترابطية بين واحد – واحد ، فيما بين الفاءات (مجموع ف) والجيمات (مجموع ج) اذا وفقط اذا كل ف ممكن ان تكون زوجا بالضبط مع واحد من ج ، وكل ج بالضبط واحد من ف بحيث ليس هناك ف او ج قد تم اغفالها .

   حقيقة ان فريجه عالج هذه العلاقات في كتابه العلامات المفهومية ، فقد عرض فيه تعريفا منطقيا خالصا للعلاقة الترابطية بين واحد – واحد ، وفي هذه المعالجة ، وضع فريجه ما أصبح اليوم شائعا في دوائر فلسفة الرياضيات عامة وفلسفة الرياضيات عند فريجه خاصة ، بمبدأ هيوم (1776 – 1711) . ولعل السبب يعود الى ان فريجه قدم هذا المبدأ ، مع نص مقتبس من الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم :

  ان عدد الفاءات هو متشابها (الى حد التطابق) مع عدد الجيمات اذا وفقط اذا كانت هناك علاقة ترابطية واحد – واحد بين الفاءات والجيمات .

  ولتعريف الذاتية العددية في حدود منطقية خالصة ، نرى انها قد وضعت عمل فريجه في محنة جديدة . كان الحاصل منها رفضه لمبدأ هيوم على ان يكون تفسيرا كافيا للذاتية العددية . وذلك لانه لم يسمح لنا ان نقرر مثلا فيما اذا كان : يوليوس قيصر هو عدد !  ان هذا الاعتراض اصبح معروفا بأعتراض يوليوس قيصر . ومهما يكن فأن فريجه لم يلغي مبدأ هيوم تماما ، بل اهتم بأشتقاقيته كمعيار للكفاية للتعريف الواضح للعدد . ولهذا استمر فريجه في النظر الى الاعداد على انها حدود ممتدة للمفاهيم (الفئات) .

  اما مساهمة فريجه الاخرى ، فهي ادخاله تعريف مفهوم علاقة الجد (السلف) في كتابه العلامات المفهومية ( ان هذه العلاقة تفترض وجود الجد ،الذي يؤكد وجود الابوة في العلاقة بين الاعداد  ) .  وذلك عندما قدم تعريفه للاعداد الطبيعية النهائية . وهي الاعداد التي عالجها في الاسس، وهي التي تمثل الصفر في علاقة الجد للعدد اللاحق (التابع) مباشرة . وهنا نود الاشارة الى المقالة الممتازة التي كتبها هيك في العام 1993 والتي عالج فيها مبرهنة فريجه في  نظرية الاعداد . ان مبرهنة فريجه ، هي بديهيات ديديكند – بيانو  كما يحسب هيك والتي يمكن عرضها بالشكل الاتي :

الصفر هو عدد

الصفر ليس بتابع لاي عدد

لا يمكن ان يكون لعددين نفس التابع

كل عدد له تابع

ومن مبرهنة فريجه هذه ، يمكن اشتقاق كل قضايا علم الحساب .       

          ان التعريف العام لعلاقة الجد ، كانت مهمة جدا لمشروع فريجه ضد الكانطية . وذلك بسبب انها مكنت فريجه من شرح المفهوم العام للتتابع في السلسة  وبأستخدام حدود منطقية خالصة ، دون الاعتماد على اي حدس مكاني او حدس زماني . كما ان مفهوم الجد في اطاره العام ، مكنه من تأسيس ما يسمى ” بالسلامة المنطقية المباشرة للبرهان ، وذلك عن طريق استخدام الاستقراء في الرياضيات ” .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

أهمية عمل فريجه في المنطق الفلسفي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    في البدأ سؤال : ما هي الجهود التي بذلها فريجه في تطوير المنطق الفلسفي ؟ يرى اجماع من الباحثين في التراث المنطقي الفريجي . وعلى رأس القائمة البروفسور هرولود نونن . ان فريجهلعب دورا فاعلا في تطوير المنطق الفلسفي . وذلك من خلال ما أنجزه تحت عنوان عريض : نظرية دالة المحمول .

  ونحسب ان فريجه بعد كتابه العلامات ، قام بأجراءت بالغة الاهمية ، تميزت بالدقة والوضوح . وكان يهدف من ذلك توسيع نظريته التي بدأها هناك . فمثلا في كتابه العلامات ، كان المشروع ينظر الى ان الجملة ( او العبارة ) :

               الهيدروجين أخف من ثاني أوكسيد الكاربون  

على انها قيمة لدالة الحجة . ومن ثم النظر اليها و الى قيمة الدالات المختلفة للحجج المختلفة كأنها مثل العدد 2+3 ( هو 5) والذي يمكن النظر اليه كقيمة لدالات مختلفة  ولحجج مختلفة . وهكذا فان اهتمام فريجه ، على هذا المستوى كان مركزا على الجوانب اللغوية من الزاوية المنطقية ( اللنكوستية ) من مثل : الجمل ، الاسماء التي تحتوى دالات ، والتي يمكن اعتبارها اسماء رسمت لتحديد (دالة) . والدالات هي الحجج والجمل هي القيم .

   ويبدو حسب رأي هرولود ، ان ليس هناك اية تطورات واضحة على مستوى الفكر . كما ليس هناك تقدم في البحث على صعيد الجوانب اللغوية (اللنكوستية) ، ولا توجد اي اضافات لغوية يمكن النظر اليها بطريقة مشابهة كدالات متعلقة بها . حقيقة ان هذه التطورات قد حدثت بعد صدور كتابه الاسس . اما عمل فريجه الان ، فأنه بدأ بأقتراح  صيغ جديدة من مثل الجملة القائلة :

                         سقراط حكيم   

    أولا أننا ندرك ان هذه الجملة تتألف من اسم العلم سقراط ، ومن ” كلمة المفهوم ” او المحمول حكيم . وتطبيقا لنهج فريجه ، فان الاسم هو موضوع ، وان “كلمة المفهوم” (او المحمول) هي المفهوم ، وان هذا المفهوم بحد ذاته دالة تضع الموضوعات ، وقيمها في جدول قيم الصدق (والذي يقرر صدقها او كذبها)  .

  وبشكل خاص فأن الدالة المعينة هي ” ( ) + 3 ” تتكلم عن العدد 2 ومن ثم العدد 5 ، وهو العدد المعين بواسطة الصيغة : ” 2 + 3 ” ، ولهذا فان المفهوم هو ” ( ) هو حكيم ” والذي يقف ليصف الانسان سقراط والذي تم تعيينه بواسطة الجملة ” سقراط حكيم “.

ولكن يظل السؤال يلاحق فريجه : ما هو الشئ الذي عينته الجملة ؟ ان جواب فريجه ، جاء : قيمة الصدق ، اي انها صادقة ( اي ما دامت الجملة صادقة) . وعلى هذا الاساس وصل الى النتيجة القائلة : ان المفاهيم هي الدالات التي تضع الحجج على جدول قيم الصدق . وبطريقة مشابهة ، فأن العلاقات ( بصورة مناظرة) ، ووفقا الى دالات اضافية ، فهي تضع ازواج من الحجج على جدول قيم الصدق .

  ان نظرية دالة المحمول ، هي من اساسيات فلسفة فريجه المنطقية . سواء اتخذت اطارا ثابتا او تحولت الى مناظرة تنويرية تعتمد على وجهة نظر فريجه في قيم الصدق والتي تحولت الى موضوعات جدل تحتاج الى دفاع عنها . ومهما تكن الحالة ، فأنها مكنته من تكوين بصيرة اساسية ثانية ، والتي سمحت له من ان يضع جانبا المناظرة التي امتدت لألاف من السنين حول التمييز بين الكليات والجزئيات . ووفقا للمبدأ التقليدي ، فأن الجملة :

” سقراط حكيم ” ادخلت المحمول حكيم ، ولما كانت الحكمة كلية في خطابنا ، وهوشئ وصف به سقراط . وكل ما يشابه ذلك يمكن ادخاله في خطابنا ، من مثل الاسم الحكمة كشئ يقال على شئ اخر . من مثل ما جاء في الجملة ” الحكمة هي صفة يوصف بها الرجل المعمر ” . فالرجل اليوناني بارتكلوس مثل سقراط ، هي مفردات يمكن ان تقال حول اشياء . ولكن ممكن ان لا تقال بحد ذاتها على اشياء اخرى . وهي اخيرا موضوعات للحمل (المحمول) .

   لقد رفض فريجه هذه النظرة التقليدية كلية هذا جانب . ولكنه من جانب اخر حافظ على المفاهيم بصورة جوهرية كمحمولات . والسؤال الذي يثار هنا : ما هو الموضوع (او كما فريجه يطلق عليه ” كلمة المفهوم “) ؟ ان ” ( ) حكيم ” تقف لغرض المفهوم ، ولهذا فهي لا تكون مرجعية لأسم العلم مثل ” الحكمة ” . حقيقة ان الحكمة هي اسم علم ممتاز وكامل . وليست هناك حاجة الى انكار مرجعيته . ولكن مرجعيته لا يمكن ان تكون ذاتها الى اي محمول ، وحتى كذلك الى المحمول ” ( ) حكيم ” .

  ان السبب يعود الى ان المحمولات ، تغاير اسماء العلم ، وهي جوهريا ناقصة . ان المحمول يجب ان يكتب في الجملة وذلك لملء الفراغات ، وهذه ببساطة ليست مسئلة   قناعة . وانما بسبب ان المحمول لم يكن بحد ذاته مستشهد به في الجملة ،  كما هو الحال بالنسبة الى اسم العلم . كما وان الامر يتعلق بالانموذج الذي تم عرضه بواسطة الجمل التي ضمته تراكيبها.  ولهذا فان اسماء العلم والمحمولات هي اساسا ذات خصائص مختلفة . كما انهما ببساطة لا يلعبان الدور اللغوي (اللنكوستي) ذاته . وتطبيقا على ذلك ، حافظ فريجه على المفاهيم والموضوعات التي اساسا ذات خصائص مختلفة من الزاوية الوجودية . والمفهوم لا يمكن ان يكون موضوعا ، وذلك بسبب ان المفهوم لا يمكن ان يكون مرجعية لاسم العلم . واخير فان فريجه رفض المبدأ التقليدي للموضوع والمحمول ، والذي ينظر اليهما كمكونات الجملة او بالمصطلح المنطقي تراكيب القضية.

مساهمة فريجه في نظرية المعنى :

  يبدو ان فريجه حسب ما يرى هانز سلوكه ، لم يكتب شيئا خلال الفترة ما بين نشر كتابه العلامات ، ونشر كتابه اسس علم الحساب . انها كانت فترة تفكير ومراجعة لمفاهيمه الفلسفية والرياضية . غير ان فريجه بعد ان اكمل الاسس ، دشن مرحلة جديدة.

ان هذه الفترة استمرت ما يقارب الست سنوات . بدأت هذه المرحلة ، بنشر خمس مقالات ، وهي : ” في مبدأ القصور الذاتي ” و ” الدالة والمفهوم ” و مراجعة لكانتور . ومن ثم جاءت مقالتيه : ” في المعنى والمرجعية ” و ” في المفهوم والموضوع ” .

  ويجمع الباحثون في تراث فريجه على ان منطق كتاب العلامات ، قد تم تأسيسه على افتراض أولوية الاحكام على المفاهيم . اما تحليل القضايا الحسابية في كتاب اسس علم الحساب ، فقد نهضت على المبدأ القائل : اطلب المعنى فقط في سياق القضايا ، ولا تطلبه بصورة معزولة . ولعل اهمية مقالة ” في مبدأ القصور الذاتي ” انها اعادت التذكيربهذه المبادئ على صيغة دعوى تؤكد على أولوية النظرية على المفاهيم التي تدخل في تكوينها .

  في ضوء كل هذه الاعتبارات اصبح التمييز مفهوما ، بين الدالة ومجال القيمة ، المفهوم والموضوع ، الفكر وقيمة الصدق ، والمعنى والمرجعية . كما وان تبريراتها ومعانيها ، ليست لها اي محتوى حدسي . بقدر ما يتعلق بطبيعة نظريتها المنطقية ، التي تتميز بالكفاية والضرورة .

  ان التمييز بين المعنى (الشئ كما يقدم نفسه لنا) والمرجعية (الدلالة ) ، هي من الاصطلاحات التي نحتها فريجه ، خصوصا في مقاله ” في المعنى والمرجعية ” . ووفقا له فأن المعنى والمرجعية ، ما هما الا وجهين مختلفين من التعبير . وانه طبق المرجعية اولا على اسم العلم وهو موضوع السؤال . ولكن ممكن ان تشمل المرجعية مضمار الجمل . وعلى هذا الاساس تكون للمرجعية (الدلالة) قيمتين من الصدق ( صادقة وكاذبة ) . وان المعنى مرتبط بالجملة كاملة ، ويكون على شكل فكرة تم التعبير عنها . كما ويقال ان المعنى هو تعبير ، وهو ” ضرب من التقديم ” للموضوع .

   في الواقع ان هذا التمييز الذي تقدم به فريجه لم يسلم من النقد . فمثلا قام برتراند رسل بتقويمه ونقده في بحثه المعنون ” في الدلالة ” . ولم يتوقف الجدل حوله ، فقد خصه سول كرب ( المولود عام 1940) بسلسلة محاضرات ، كان عنوانها ” التسمية والضرورة ” والتي تميزت بحرارة نقدها لرؤية فريجه ، وطريقة معالجته لقضيتي المعنى والمرجعية .

   وبدأ سول بأفتراض نهض على تصور لعلامات المرور المنتصبة في الطريق العام خارج المدينة ، وتصور في الوقت نفسه وجود لوحات لعلامات أخرى ترشد الناس . وان جميعها يشير الى موضوع واحد هو المدينة . رغم انها مختلفة لكل علامة من ناحية الاتجاه والمسافة . وهنا العلامة هي ” ضرب من العرض او التقديم ” او المعنى بلغة فريجه . والشئ ذاته بالنسبة الى اسم العلم ” امير ويلز ” و الاسم ” تشالرز ارثر جورج ماونتبتن – ونزر ” ، فكلاهما يدلان على الشئ ذاته . ولكن كل استعمال مختلف ” بشكل التقديم ” او المعنى .

  نهضت نظرية المعنى عند فريجه على حجته التي تميز بين المعنى والمرجعية (الدلالة) . ولكن الباحث يلحظ ان هناك درجات اختلاف بين ما ذهب اليه في كتابيه العلامات والاسس من طرف . وما عالجه لاحقا في بحثه المعنون ” في المعنى والمرجعية ” . فمثلا في الكتابين الاولين استخدم فريجه مفهوم ” محتوى ” وهوالتعبير اللغوي ، وهو مفهوم غير مميز . ولكنه في المعنى والمرجعية ، استخدم بالاضافة الى هذا المفهوم ، مفهومي المعنى والمرجعية (الدلالة) . والحقيقة ان حجته في هذا التمييز بدأت من لغز الذاتية ( أ = أ او أ = ب ) : والواقع ان قضية الذاتية ، هي صادقة وتخبرنا بمعلومات جديدة . فمثلا ان ” نجم الصباح هو ذاته نجم المساء ” . كما وان هذه القضية تنقل معلومات جديدة للشخص الذي لم يسمع بها من قبل . وبالنسبة له ان ” نجم الصباح هو نجم الصباح ” ولا يمكن ان يكون شيئا اخر .

  والحقيقة ان كلا من ” نجم الصباح ” و ” نجم المساء ” يدلان على شئ واحد ، وهو كوكب فينوس . واذا تأملنا فقط بهذه التعابير وماذا تدل عليه هاتين القضيتين الذاتيتين ، فأننا سوف لاندخل في حساباتنا الاختلافات في المعلومات الممكنة (او القيمة المعرفية) التي تقدمها لنا عن هاتين القضيتين . ان حل فريجه جاء مرتبطا بكل من الاسمين : نجم الصباح ونجم المساء . وكذلك فأن ذلك مرتبط بالمرجعية والمعنى (وهو ما يفهمه شخص ما عندما يصبح التعبير في متناوله) والاختلاف في القيمة المعرفية التي تفسر بواسطة المعاني المختلفة لكل من الاسمين .

  ونحسب ان فريجه في ادخاله التمييز بين المعنى والمرجعية  بهذه الطريقة ، قد سعى الى ايجاد تطبيقات واسعة له ، وليس في حدود فردية . كما نشد ايجاد تطبيقات له في مضماري المحمولات والجمل (او القضايا) على حد سواء .  وفي حالة المحملات ، فأنه ألح على تمييز المفهوم الذي سيكون مرجعا للمحمول في كل من امتداداته ، ومن زاوية معناه . وان التمييز الاول ، قد تم تشكيله على اساس ان المفاهيم غير كاملة . في حين ان الامتدادات كانت كاملة . وان التمييز الاخير نهض على اساس ان المفاهيم على خلاف المعاني ، لها شروط ذاتية ممتدة ،والتي قامت بأدخال الاسم ” الفكر ” . فمثلا اثنين من المحمولات : ” ( ) كائن حي له قلب ” و ” ( ) كائن حي له كليتين ” واللذان يختلفان في المعنى ، وبسبب ان ما يدركه شخص ما يختلف عما يدركه شخص أخر ، وممكن ان تنطبق بالضبط على المفردات ذاتها والتي تدل على المفهوم ذاته . وكذلك في حالة الجمل (القضايا) ، فأن فريجه عمل مرة ثانية ،  على التمييز بين المعنى والمرجعية  .

    وعلى هذا الاساس  قام بأدخال الاسم ” الفكر ” من اجل معنى الجملة ، وجادل فريجه مؤكدا على ان مرجعية الجملة ، اي دلالتها يجب ان ينظر اليها كقيمة صدق للجملة .  ان المقدمة المفتاح في حجته هو دفاعه عن مبدأ المرجعية . فمثلا يرى ان مرجعية التعبير المعقد ، يتقرر من خلال مرجعيات مكوناته .  حقيقة ان فريجه كان قادرا بقوة على ان يدافع عن ” انه ليس هناك اي شئ اخر ، ممكن ان يشكل مرجعا للجملة ، منذ اللحظة التي لم يبقى شيئا اخرا ثابتا  “. وخصوصا بعد ان حلت مكان التعبيرات المكونة ، مكونات بديلة وللمرجعيات ذاتها . 

  لقد هاجم نظرية المعنى عند فريجه ، وبالتحديد في بعديها المعنى والمرجعية . فلاسفة كانوا يوم ما من المعجبين بفريجه ، منهم على سبيل المثال عالم المنطق وفيلسوف الرياضيات برتراند رسل . فقد كتب مقالا خاصا لهذا الغرض . وكان بعنوان ” في الدلالة ” ، وهو في التقويم الاخير مقالا كلاسيكيا في الفلسفة التحليلية في القرن العشرين .  ان هدف رسل الرئيس من هذا المقال ، تقديم اسباب مقنعة لرفض النظرية المبكرة

” في الدلالة ” والتي اودعها كتابه ” مبادئ الرياضيات ” (1903) والتي عانى كثيرا في الدفاع عنها . ان نظرية رسل تضمنت تمييزا بين ” المعنى ” و ” الدلالة ” . والتي حسب رسل هي تشبه بصورة اقل او اكثر ، تمييز فريجه بين المعنى والمرجعية ( وعلى الاقل في حالة مقولة التعبيرات ) ، والتي يطلق عليها رسل ” عبارات الدلالة ” . وعلى هذا الاساس اعتقد رسل بأنه في مقاله في الدلالة ،  كان يركز جدله ضد فريجه ، كما هو  يشمل رأيه المبكر .

 يرى رسل ان نقد فريجه يدور حول مشكلة ” الحدود الفردية الفارغة ” . اذ ان مثل هذه الحدود اثارت مشكلة لفريجه ، وذلك بسبب انه اعتقد ان الاسم ، هو الحامل للانموذج الذي يتألف من مكونات تدخل من طرفها في تكوين مفهوم المرجعية . وبسبب ذلك فان فريجه عين القيمة السيمانطيقية للحد المفرد . وقاده هذا الى شمول الجمل التي تحتوي مثل هذه الحدود الفردية والتي تكون خالية من اي قيمة للصدق .

تعقيب ختامي :

   ظلت في دوائر البحث الاكاديمي الغربي ، اسئلة حول جوانب من تراث فريجه عامة ، والمنطقي منه خاصة . اسئلة لم تجد لها حلولا قاطعة او تقدم لها اجوبة شافية . منها :

اولا – يعتقد مايكل دمت ، ان فريجه كان مطلعا على كتاب رودلوف هرمان لوتزه (1881 – 1817) المعنون ” المنطق ” (1843) . وهو يتألف من ثلاثة اجزاء ، هي :

منطق الفكر ، منطق البحث ، ومنطق المعرفة . المهم في رأي دمت ، انه عثر على فقرة تدلل على ان فريجه كان عارفا بهذا الكتاب . ويعود تاريخ هذه الفقرة الى عام 1879 . كما ذهب البروفسور دمت في بحث جديد ، الى ان هناك مقالا اخرا كتبه فريجه ، يحمل اثارا واضحة ، تدلل على حضور كتاب لوتزه في المنطق . فمثلا يرى دمت ان اصطلاح التعبيرات ، الذي تداوله فريجه . يدلل على ” ان فريجه استعاره من لوتزه “ . كما ان دمت وجد ان هناك اثارا للوتزه في مسودة اولية من كتاب العلامات . ونحسب ان هذه المسألة التي اثارها البروفسور مايكل دمت ، تحتاج الى بحث صبور يبدأ اولا بقراءة كتاب العلامات لفريجه من زاوية كتاب المنطق للوتزه .

ثانيا – ان حضور كل من منطق الحدود الارسطي و المنطق القضوي (القضائي) الرواقي في جبر المنطق عند جورج بول ، ومن ثم حضورهما في كتاب العلامات لفريجه ، تثير الكثير من التساؤلات حول الاسبقية في التأليف . ومن المعروف ان جورج بول كان الاسبق زمنيا في التأليف . وعلى هذا الاساس تساءل كل من سلوكه و دمت : لماذا لاذ فريجه الى دائرة الصمت ، ولم يذكر جورج بول ونظامه جبر المنطق . انها قضية تحتاج الى دراسة مستقلة ، تنهض على مراجعة كتاب العلامات في ضوء قراءة نصوص جورج بول في جبر المنطق .

ثالثا – اشرنا في متن هذه الاوراق ، الى ان فريجه في كتاب العلامات ، قد اهمل مساهمة ارنست شرودر . وهذا ما أكدت عليه هيلري بوتنم (1983) معلقة على هذا الاهمال : ” لم يقبل احد فريجه ، بل وحتى الاقدام على نشر بحث واحد عن علامات فريجه . وبالمقابل تبنى العديد من المناطقة المشهورين علامات شرودر – بيرس  “.

(* وأرنست شرودر ، هو عالم الرياضيات الالماني الذي اشتهر بعمله ” المنطق الجبري ” ، وهو رائد كبير من رواد المنطق الرياضي . وهناك من يرجح بأنه الذي اخترع اصطلاح المنطق الرياضي . وقد قام بايجاز وتوسيع عمل جورج بول ، مورغن وهيك ماكون . وخصوصا عمل تشارلز بيرس) . ان كتاب شرودر الشهير هو ” محاضرات في جبر المنطق ” والذي يتألف من ثلاثة مجلدات ، طبع ما بين 1890 و 1905 . ان هذه المجلدات المنطقية كونت المناخ الفكري لولادة المنطق الرياضي كحقل مستقل في القرن العشرين . (** وتشارلز بيرس (1914 – 1839) هو عالم الرياضيات والمنطق ومؤسس البراجماتية ، واشتغل على السيموطيقا : نظرية اللغة ) . وهنا ادعو الى عقد مقارنة بين كتاب العلامات لفريجه والمجلدات الثلاثة لكتاب شرودر محاضرات في جبر المنطق  .

رابعا – استعار فيلسوف الرياضيات الانكليزي برتراند رسل الجهاز الرمزي لعالم الرياضيات الايطالي بيانو ، واهمل اللغة الرمزية لفريجه . وقد برر رسل تفضيله لبيانو على فريجه الى ان علامات بيانو بسيطة وممكن تداولها بسهولة . في حين ان رموز فريجه معقدة وليس في الامكان تداولها بسهولة . ان تبرير رسل مردود لان ليس كل جهاز رمزي بسيط وسهل مقبول . وبالمقابل ليس كل جهاز رمزي معقد مرفوض . ولهذا نحسب ان هذه القضية تتطلب دراسة منطقية عميقة ، تحاول : أولا – عقد مقارنة بين الجهاز الرمزي لبيانو واللغة الرمزية لفريجه ، مع بيان درجة البساطة والتعقيد في كلا الجهازين . ومن ثم الكشف عما يوفره كلا الجهازين من امكانية تداول او استحالة استخدام ، وذلك لصعوبات الترجمة من لغة الى لغة اخرى . ومن ثم التحقق عن مديات  استحالة الاستخدام داخل تداول اللغة الواحدة . ثانيا – منح فرصة لجهاز فريجه للتطبيق في كتاب رسل مبادئ الرياضيات بدلا من جهاز بيانو الرمزي . ومن ثم على اساس هذه الفرصة يتم التحقق من خطاب رسل الذي فضل بيانو على حساب فريجه . مع الاخذ في الاعتبار تعديل بيانو لعلاماته بعد ان راسل فريجه . ووفقا لذلك اقتبس بيانو الكثير من فريجه في ابحاثه . كما وعلى اساس اراء بيانو اعتذر رسل من تأخره كثيرا في قراءة فريجه . ومن ثم وصفه ” انه يجب ان يكون متميزا ” .                    

خامسا – ذكرنا في ثنايا هذا الفصل ، بأن فريجه حصل على درجة الدكتوراه من جامعة جوتنكن . كان عنوان اطروحته “عرض هندسي للاشكال المتخيلة للسطح المستوي”

وذكرت التقارير الصادرة عن الجامعة بأن بحث فريجه ، هو امتداد لعمل البرفسور جوهان كاوس في الجامعة ذاتها . وكاوس هو عالم الرياضيات ، والذي يطلق عليه “امير الرياضيات” . وان اطروحته للدكتوراه كانت بعنوان ” المبرهنة الاساسية لعلم الجبر ” (1799) ، وكتب في علم الحساب ، وخصوصا في نظرية الاعداد (1808) التي ستكون موضوع اهتمام فريجه في نطاق فلسفة الرياضيات . وكذلك في موضوعات هندسية متنوعة ، كما واشتغل بما عرف بمبرهنة العدد الاولي ، اضافة الى صياغة انموذجية لعلم الحساب وذلك لمعالجة نظرية العدد .

   ولعل من المفيد الاشارة الى ان البرفسور كاوس تساءل في وقت مبكرعن امكانية وجود هندسات لا اقليدية . ومن طرف اخر ان اثنين من طلابه في الدكتوراه ، كانوا من معاصري فريجه ، وهما كل من مورتز كانتور (1920 – 1829) وريتشارد ديديكند  (1916 – 1831) ، كانا من اخر طلاب الدكتوراه الذين درسوا تحت اشراف كاوس . و ديديكند قد اشتغل على الجبر المجرد ونظرية الاعداد الجبرية . كما عرف بمبرهنته ” في الاعداد الطبيعية ” والتي حملت صياغات من مثل : مجموعة ن للاعداد الطبيعية . اما كانتور (وهو غير جورج كانتور) فقد تخصص في مضمار تاريخ الرياضيات ، واشتهر بكتابه : التاريخ الشامل للرياضيات ، والذي يتألف من اربعة مجلدات ، والتي نشرت ما بين 1880 و 1908 .

   ويبدو ان فريجه ظل يبحث ويفكر في مضمار الموضوعات التي اشتغل عليها امير الرياضيات كاوس . فمثلا ان اطروحة فريجه لما بعد الدكتوراه (الدكتوراه الثانية كشرط للعمل في الجامعة) كانت بعنوان ” طرق الحسابات المؤسسة على توسيع مفهوم الحجم ” . وقد ذكرنا بأن فريجه قد كشف في هذه الاطروحة ، لاول مرة عن اهتمامه بمفهوم الدالة ونظرية الاعداد . وهي موضوعات اشتغل عليها كاوس ، كما وحاضر فيها كاوس في جامعة جوتنكن والتي بالتأكيد حضرها فريجه يوم كان طالبا . وخصوصا عندما كان طالب دكتوراه .

سادسا – رأينا في اوراق هذا الفصل ان خلافا قد وقع بين فريجه وعمانوئيل كانط . الخلاف الذي دار حول دور الحدس وطبيعة القضايا الحسابية . ان شطب فعل الحدس والنظر الى المفاهيم عامة والمفاهيم الحسابية كموضوعات . ولدت الكثير من المراجعات المعادية لمؤلفات فريجه ، خصوصا مراجعة عالم الرياضيات الالماني جورج كانتور . ونشعر ان هذه القضية هي الاخرى تحتاج الى دراسة معمقة وذلك لان فريجه هو الاب الروحي للفلسفة التحليلية المعاصرة . والفيلسوف عمانوئيل هو واحد من رواد التحليلية النقدية والتي في نظر الجميع انها التقليد التحليلي الذي تربى عليه معظم فلاسفة التحليلية المعاصرة وفريجه واحدا منهم .

   نقول ان التراث الفريجي بحاجة الى دراسة معمقة تكشف مقدار الحضور الكانطي فيها . كما ومن طرف اخر ان مثل هذه الدراسة مطالبة في الكشف عن علاقات التواصل والتقاطع مع الكانطية الجديدة التي كانت مزدهرة في الجامعات الالمانية يوم كان فريجه طالبا ومن ثم بروفسورا .

سابعا – ولدت نزعة فريجه لرفض الحدس الكانطي مشكلة التأرجح بين اقصاء تجريبية جون ستيوارت ميل التي وجد لها صدى واضح في القضايا البعدية التركيبية عند كانط  ، هذا طرف من المشكلة . اما الطرف الاخر فيتمثل في ان فريجه اعتمد على ديفيد هيوم في شرحه لمبدأ الذاتية والذي عرف بمبدأ هيوم في تراث فريجه ، وهو بيان ” العلاقة الترابطية بين الفاءات والجيمات ” . وهيوم هو رمز اخر من التجريبية الانكليزية .  ونحسب ان المشكلة في جوهرها ، هي عدم اتساق في التعامل مع التجريبية الانكليزية ، فمن جهة نجده يستبعد رمز تجريبي ومن جهة اخرى فتح الباب لرمز تجريبي اخر للدخول الى مرابع فلسفة الرياضيات الفريجية .

    كما  ان المشكلة اعمق من ذلك ، فهي لم تقف عند هذين الطرفين . وانما وجدنا ان هناك طرف ثالث حيث شكل مثلث المشكلة الفريجية في مضمار فلسفة الرياضيات . ان الطرف الثالث يجسد صورة اخرى من التجريبية (او الحسية) في التراث الفريجي . فمثلا في معالجة فريجه للاعداد ومن خلال مفهوم الجد ، تمكن من تأسيس ما يسمى ” بالسلامة المنطقية المباشرة للبرهان ” وذلك عن طريق استخدام ” الاستقراء في الرياضيات ” . ومن المتداول في الدوائر المنطقية ، ان الاستقراء هو منهج العلوم التجريبية . ان كل هذا يتطلب دراسة معمقة تقارن بين ثمن التضحية بالحدس وثمن التأرجح بين استبعاد التجريبية وقبولها في مبدأ هيوم وتخفيها وراء السلامة المنطقية المباشرة للبرهان واستخدام الاستقراء في الرياضيات .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

فيلسوف التاريخ  ” هرمان دي كيسرلنج “

 الدكتور محمد جلوب الفرحان   

تقديم :

  يُعد الفيلسوف الألماني ” الكونت هرمان كيسرلنج ” (1880 – 1946) واحداً من الرموز الفلسفية والروحية التي ملأت النصف الأول من القرن العشرين ، بمؤلفات متنوعة ، ونشاطات روحية مختلفة . إضافة إلى إن مدرسة الحكمة التي أنشأها قد قربت بين الثقافات الشرقية (وثقافات السكان الأصليين في أمريكا) والثقافات الغربية ، وفتحت حواراً ثقافياً وروحياً عميقا .ً

 يهدف هذا البحث إلى :

أولاً – التعريف بشخصية فيلسوف التاريخ الألماني كيسرلنج ؛ إنساناً ومؤلفاً وفيلسوفاً . وبالتأكيد من وجهة نظر المصادر الإنكليزية وما ترجم إليها .

ثانياً – تقديم دراسة عن كتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” .

ثالثاً – التأمل من زاوية فلسفة التاريخ في رائعة كيسرلنج ” موزائيك أوربا ” في عنوانها الإنكليزي .

رابعاً – تحديد مكانته ودوره في تأسيس مدرسة الحكمة ، مع بيان لدور الرواد الأخرين فيها ، والحديث عن نشريات مدرسة الحكمة ونشاطاتها ، ومستقبلها بعد موت المؤسس الأب كيسرلنج .

هرمان كيسرلنج : إنساناً وفيلسوفاً

  جاء الفيلسوف الألماني ” هرمان الأسكندر كريف (وهو لقب أرستقراطي) كيسرلنج ”  من عائلة ألمانية إرستقراطية ثرية جداً . كانت تسكن في السواحل الشرقية من بحر البلطيق ، والتي تشكل اليوم أراضي كل من دولتي إستونيا ولاتفيا (للتفاصيل راجع : كريستين أريك ؛ الحملات الصليبية الشمالية : سكان الثغور البلطيقية والكاثوليكية من عام 1100 وإلى عام 1525 ، والمنشور بالإنكليزية عام 1980) . ولد الطفل هرمان (في 20 تموز عام 1880) في قرية كونو التابعة إلى منطقة برنا التي كانت خاضعة للإمبراطورية الروسية يومذاك (واليوم هي جزء من دولة إستونيا) .

  ويحمل الفيلسوف هرمان كيسرلنج لقب ” الكونت ” أو ” كريف  ” باللغة الألمانية . ووفقاً لرواية ولده البروفسور والرمز الروحي ” إرنولد كيسرلنج ” ، فإن هذا اللقب المضاف إلى إسمه ، هو لقب توارثته العائلة منذ إن كانت تعيش في الريف البلطيقي من إستونيا ( البروفسور كيسرلنج (الإبن) : الكونت هرمان كيسرلنج : الفيلسوف ومؤسس مدرسة الحكمة / موقع إلكتروني / تحديث تموز 2010) .

  حصل الصبي هرمان كيسرلنج على تعليمه الأولي في البيت في كل من ممتلكات الأسرة في كونس ورايكولا في إستونيا وبإشراف معلمين خصوصيين ، ومن ثم ذهب مرات عدة للدراسة في المدرسة الروسية في برنا ، ومن ثم تلقى دروس في دوربت . وإستمر هذا الشكل من التعليم حتى الخامسة عشر من عمره (أنظر : الكونت هرمان كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، ترجمة هولرويد ريس ، دار هاركوت ، نيويورك 1925 ، المجلد الأول ، ص 5) .

   وبحكم مكانة عائلته الإرستقراطية فقد حصل على تعليم أكاديمي عالي . حيث ذكر كُتاب سيرته ، إلى إنه إلتحق بعد تعليمه الثانوي بعدة جامعات مرموقة مثل جامعة تارتو (يطلق عليها اليوم جامعة إستونيا) ، وجامعة هيدلبيرك وهي من أقدم الجامعات الألمانية (فقد تأسست عام 1386) وهي واحدة من أربعة جامعات أسستها الإمبراطورية الرومانية المقدسة . ومن ثم تابع دراساته الأكاديمية في جامعة فينا (وهي من أقدم الجامعات الألمانية في النمسا والعالم الذي يتكلم الألمانية على حد سواء ، فقد أسسها الدوق رودلوف الرابع عام 1365) . وكان مولعاً بالعلوم الطبيعية والفلسفة .

  وفي جامعة هيدلبيرك ، تابع الشاب كيسرلنج مسار جده المعرفي والأكاديمي ، فبدأ بدراسة الجيولوجيا . وفي العام 1902 حصل من فينا على ما يُعادل شهادة البكلوريوس الألمانية . ومن ثم إستهل دراساته التي تُعده في المستقبل إلى فيلسوف واعد . وقرأ خلال هذه الفترة مؤلفات ” هيوستن شمبرلين ” (1855 – 1927)   ، وخصوصاً كتابه المعنون ” أسس القرن التاسع عشر ” ، ومن ثم قابل كيسرلنج هيوستن وتعمق صداقتهما ، وإن هيوستن شجع من طرفه كيسرلنج على متابعة دراساته الفلسفية (أنظر : المصدر السابق) . وبالمناسبة إن هذا الكتاب يتكون من مجلدين حاله حال كتاب كيسرلنج ” يوميات رحلة الفيلسوف ” * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* والكاتب هيوستن بريطاني الأصل ، ألماني بالولادة ، وكتب العديد من المؤلفات ، منها كتابه المعنون ” الفلسفة السياسية ”  ، وكتابه ” العلم الطبيعي ” ، وكتاب عن الموسيقار الألماني الرائع ” ريتشارد فاجنر ” (1813 – 1883) كتابين ؛ الأول بعنوان ” هذه هي دراما ريتشارد فاجنر ” والذي نشره في ميونخ عام 1892 . والثاني جاء بعنوان ” حياة ريتشارد فاجنر ”  (وبالمناسبة إن موسيقى العديد من أغاني فيروز ، هي موسيقى فاجنر كيفها العاصيون للكلمات العربية ، وخصوصاً أغاني العودة ..) . وبعد خمس وعشرين عاماً من موت الموسيقار فاجنر تزوج هيوستن من حواء إبنة فاجنر (أنظر : جونثان كارر ؛ فاجنر : حكيم ألمانيا ، نشرة مطبعة أتلانتك 2007 ، ص 409 وما بعد) .

  لقد حقق كتاب هيوستن ” أسس القرن التاسع عشر ” أعلى المبيعات في عالم الكتب ، والذي نشره بالألمانية أولاً في العام 1899 ، ومن ثم ترجمه ” جون ليس ” إلى الإنكليزية في العام 1911 ، ووضع مقدمة له الدبلوماسي البريطاني اللورد ريدسبدل (1837 – 1916) (نشرة دار جون لين ، لندن) وفيه ظهرت نزعات معادية للسامية (أنظر : جوفري فيلد ؛ الرؤية الألمانية لشخصية هيوستن شمبرلين ، نشرة مطبعة جامعة كولومبيا ، نيويورك ، ص 565 وما بعد) .

 ولعل المهم في كتابات هيوستن التي نرجح إن الفيلسوف كيسرلنج قد قرأها ؛ الأول كانط : الشخصية مقدمة للعمل ، نشره في ميونخ عام 1905 ، وهو كتاب ضخم يتألف من 786 صفحة . والثاني بعنوان ” كانط : دراسة وصحبة مع غوته ، دافنشي ، برنو ، إفلاطون وديكارت ، وترجمه إلى الإنكليزية الدبلوماسي البريطاني اللورد ريدسبدل ، ووضع مقدمة له ، ونشر في مجلدين في لندن عام 1914 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     وإنه خلال الفترة السابقة على الحرب العالمية الأولى ، قد كتب كيسرلنج العديد من المقالات التي تدور في مضمار ثقافة الجمهور . وفعلاً في العام 1905 كتب كيسرلنج كتابه المعنون ” نسيج العالم : محاولة فلسفية نقدية ” (ولم نعثر على ترجمة له بالإنكليزية) .

 ومن ثم قام برحلات حول العالم ، إتصل خلالها بشعوب وثقافات متنوعة ، كان لها الأثر في تكوين أفقه الفلسفي الإنساني المنفتح ،  والتي كانت بدورها المحرك في تأسيسه لمدرسة الحكمة ، والتي ضمت بالإضافة له عدداً من المفكرين الذين سيكون لهم شأن في تكوين الأفاق الثقافية والمعرفية لعالم القرن العشرين .

  ولهذا ينظر الباحثون إلى هرمان كيسرلنج بتقدير عال ، وذلك لكونه أول مفكر غربي أعلى من مكانة ” الثقافة ” وسعى إلى تعزيز دورها بعيداً عن النزعات ” القومية ” و ” الإثنية ” . ودعا إلى الإعتراف بالثقافات والفلسفات ” اللاغربية ” . وإن تكون لها قيمة متساوية وعلى قدم وساق مع الثقافة الغربية (أنظر: البرفسورأورلوند كيسرلنج ؛ المصدر السابق) .

  وفي العام 1911 قام برحلة حول العالم ، والتي صرف فيها سنة كاملة من حياته . ومن ثم تفرغ لمدة ست سنوات لاحقة للكتابة عن التجارب التي ضمتها هذه الرحلة ، والتي نشرها بعنوان ” يوميات رحلة الفيلسوف ”  . وهي بالتأكيد رحلة روحية كما يصفها هرمان (البرفسور كيسرلنج (الإبن) ؛ المصدر السابق) . ولكن يجب أن لا ننسى بأن كيسرلنج عاش العديد من التجارب الكبيرة ، وبالتحديد خلال الفترة التي سبقت رحلته حول العالم ، والممتدة مابين 1903 و1911 والتي لعبت دوراً مؤثراً في تكوين ذهنيته ورؤيته للعالم (أنظر : يوميات رحلة الفيلسوف ، المجلد الأول ، ص 5) .

  وفعلاً إن الفيلسوف كيسرلنج ترك فينا في العام 1903 وذهب للعيش في باريس ، والتي تحولت إلى مقره شبه الدائم ، ومن هناك كان غالباً ما يزور إنكلترا . والحقيقة إن مكوثه في فرنسا ، كان لأغراض القراءة والدراسة ولإنجاز بعض النشاطات الصحفية . وخلال هذه الفترة أظهر إعجاباً بالروائي الفرنسي ” غوستاف فلوبير ” (1821 – 1880)* (والذي مات في السنة التي ولد فيها الفيلسوف كيسرلنج) .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ولد فلوبير في 12 ديسمبر عام 1821 في منطقة الروين الفرنسية ، وهو الولد الثاني للطبيب الجراح ” أشيل فلوبير ” (1784 – 1846) . بدأ الكتابة وعمره لم يتجاوز الثامنة من عمره حسب المصادر التي إعتنت بسيرته الذاتية . رحل إلى باريس لدراسة القانون . ولعل المهم في باريس إنه عمل صداقات مع بعض الكتاب ، وخصوصاً مع الشاعر والروائي ” فيكتور هيجو ” (1802 – 1885) . وقام برحلات عدة . ولكنه في العام 1846 أُصيب بالصرع ، فهجر باريس وعطل دراسته للقانون وإلى الأبد . وعاد إلى الروين وعاش مع والدته ، وكان بين الحين والحين يزور باريس وإنكلترا .

  ولعل المهم في سيرة فلوبير ، ونحسب إنها أثارت دائرة تفكير الفيلسوف كيسرلنج ، هي رحلته الطويلة إلى الشرق الأوسط (والتي قام بها مع صديق عمره الكاتب والمصور ” مكسيم كامب ” (1822 – 1894) وهو إبن جراح مشهور) ، والتي إمتدت من العام 1849 وإلى العام 1850 ، وشملت اليونان ، مصر ولبنان وتركيا . وفي بيروت أصيب بالسفلس ، وصرف خمسة أسابيع في مستشفى إسطنبول . وقد كتب فلوبير بشكل مفضوح عن علاقاته الجنسية ، وخصوصاً المثلية منها في بيروت ومصر وتركيا .  

    يُعد فلوبير من الروائيين الكبار في دائرة الثقافة الغربية ، وإشتهر براويته ” مدام بوفاري ” التي نشرها لأول مرة في العام 1857 ، والتي صدرت قبل ولادة كيسرلنج بثلاث وعشرين ولإسلوبها الموضوعي ، فأننا نحسب إن الفيلسوف قراءها بالتأكيد ، وظهرت لها أثار في كتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” ، والذي يفضل كيسرلنج خصوصاً المجلد الأول منه أن يقرأ كرواية حالها حال رواية مدام بوفاري . وإنتخبنا للقارئ بعض من كتابات فلوبير : منها ” السيرة الذاتية لإنسان مجنون ” (1838) ، ” التربية العاطفية ” (1869) ، و ” إغراء القديس إنثني ” (1874) (أنظر : فردريك براون ؛ فلوبير : السيرة الذاتية ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2007) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكان الحاصل من هذا الإعجاب بفلوبير إن كتب سلسلة من المقالات عنه في صحيفة ميونخ . وصحيح إن هذه المقالات الرائعة قد حققت سمعة واسعة للفيلسوف كيسرلنج . إلا إنها من طرف أخر قد تداخلت أو ربما عثرت دراساته لكل من الفيلسوف ” عمانوئيل كانط ّ ” و ” أرثر شوبنهور ” والفيلسوف الكانطي الجديد ” فردريك لانج ” (أنظر : هرمان كيسرلنج ، المصدر السابق) .

  وفي هذه الفترة عمل كيسرلنج مجموعة صداقات مع عدد من الكتاب والفلاسفة ومشاهير عصره ومن كلا الجنسين . منها صداقته مع الرسام والناقد الفني الروسي ” ولكوف مورماتزوف ” (1844 – 1928) ثلاثة لوحات مائية له محفوظة في متحف بفكتوريا ومتحف ألبرت ، وقد خسر ممتلكاته بقيام الثورة البلشفية حاله حال كيسرلنج ، وقد صرف حياته الباقية في قصره في البندقية (أنظر : ميموار الكسندر ولكوف مورماتزوف ، ترجمة مس هوت جاكسون ، نشرة دار موري ، لندن 1928) . وكان الرسام ولكوف حسب كيسرلنج ” قد مارس تأثيراً معتبراً عليه ” (كيسرلنج ؛ المصدر السابق ، ص ص 5 – 6) .

  كما تعرف كيسرلنج في هذه الفترة على الفيلسوف الكانطي الجديد ” جورج سايمل ”  (1858 – 1918) والفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” (1859 – 1941) . ولكن التأثير الإنساني الفاعل على شخصية الفيلسوف كيسرلنج جاء من خلال صداقاته الحميمة لبعض النساء (المصدر السابق ، ص 6) .     

  وحملت الثورة الروسية التي حدثت في العام  1905 ، والتي أنهت حكم القياصرة ، وقادت إلى قيام الإتحاد السوفيتي ، حملت معها أثاراً مؤذية على هرمان كيسرلنج . فقد حرمته الثورة من ممتلكاته في لفونيا (وكانت جزء من الأمبراطورية الروسية ، اليوم تقع أجزاء منها في إستونيا وأجزاء في لاتفيا) . وعاش لمدة سنتين زاهداً في حياته . وخلال الفترة من 1906 وإلى 1908 إتخذ من برلين مقراً له ، لكنه قام برحلات عدة ، خصوصاً رحلته إلى اليونان . كما في برلين كتب مؤلفه المعنون الخلود .

    وفي العام 1907 قدم سلسلة محاضرات في جامعة همبورك ، والتي طبعت تحت عنوان  “ مقدمة في الفلسفة الطبيعية ” .ومن ثم في العام 1908 ورث أملاك والده في رايكول – إستونيا ، وصرف هناك وقتاً مهماً (كفلاح) في إدارة ممتلكات والده ، مع الإستمرار على مراسلة الفيلسوف برغسون ، وسايمل ، و الكاتب ووزير الخارجية ” ولثير راثنيو ”  (1867 – 1922) والأخوين ” ماكس فايبر ” (1864 – 1920) و ” ألفرد فايبر ” (1868 – 1958) ، والفيلسوف الفرنسي ” أميل بوترو “

(1845 – 1921)  ، والفيلسوف البراجماتي الألماني الإنكليزي ” فرديناد سكوت شيلر ” (1864 – 1937) ، و الفيلسوف الوضعي المنطقي ” برتراند رسل ” (1872 – 1970) ، والفيلسوف والسياسي ” اللورد ريتشارد هالدن ” (1856 – 1928) ، والفيلسوف ورئيس الوزراء البريطاني ” أرثر بلفور ” (1848 – 1930) والفيلسوف الإيطالي  ” بيندتو كروشه ” (1866 – 1952) (أنظر : كيسرلنج ؛ المصدر السابق) .

 ومن ثم بدأ الفيلسوف كيسرلنج رحلته حول العالم في عام 1911 ، وخلال الفترة من عام 1912 وإلى عام 1918 خصصها للكتابة عن هذه الرحلة . وهناك رأي صدر من الفيلسوف  ، يردد على إن الكتاب تم إنجازه في عام 1914 ، والمجلد الأول كان مع الناشر ، والمجلد الثاني ظلت تصحيحاته الطباعية مع الفيلسوف كيسرلنج ، وإندلعت الحرب وإنقطعت كل الإتصالات بين كيسرلنج والناشر (المصدر السابق) وكان حينها الفيلسوف يعيش في ممتلكاته في روسيا  . والحقيقة إن الحرب لم يكن لها إلا تأثير طفيف على الفيلسوف . وفعلاً فقد صرف السنوات الأربعة يراقب العالم في معتزله في رايكول ، ومكرساً حياته للتأمل وتنمية ثقافة الذات .

 ومن ثم تلتها في العام 1918 إزمة ثانية هزت أركان العام ، وهي قيام الثورة الروسية ، والتي كان من نتائجها إن خسر الفيلسوف كيسرلنج ممتلكاته وميراثه هناك . فبدأ حياته لاجئاً على الأراضي الألمانية ومعتمداً على عمله (المصدر السابق ، ص 7) . ووفقاً لسيرة الكونت كيسرلنج إن أفكاره وكتاباته تتقدم على عصره ، وإنها لا تمثل عصره أو تنتمي إليه . إلا إن النجاح الباهر الذي حققه كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” أثبتت إنها عكس توقعات الفيلسوف كيسرلنج ، وبرهنت على إنها تتناغم وإيقاعات عصر كيسرلنج . وفعلاً لقد أدرك الناشر ” أوتو ريشل ” بسرعة فائقة ذلك ، وطلب من كيسرلنج أن يوجه الدعوة إلى ” الدوق الكبير إرنست لودفيغ فون هسين ” الذي فتح مدرسة الحكمة في العام 1920 في مدينة دارمشتات  (أنظر المصدر السابق) .   

     أما قصة الفيلسوف كيسرلنج مع مدرسة الحكمة فلها طرف مهم في حياته ، وبالتحديد مع الثورة الروسية . وفعلاً إن كيسرلنج خسر ممتلكاته بعد قيام الثورة الروسية ، إلا إنه إستثمر ما تبقى لديه من ثروة في تأسيس مدرسته الشهيرة التي عرفت بمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة ،  والتي أقامها في مدينة دارمشتات التي تقع في الطرف الجنوبي من منطقة الراين .

   ووفقاً لرأي البروفسور كيسرلنج ، فإن مدرسة الحكمة نهضت على أسس مدارس الحكمة الأصلية التي إنتشرت قبل ألفين سنة في شمال الهند  والتي كانت خاضعة للقواعد التي وضعها “ بوذا ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة الحكمة ومكانتها الروحية في الغرب ، هي الأن جزء من البحث الحالي) . ولعل من النافع أن نشير إلى إن كيسرلنج الإبن يرى إن والده يختلف عن المتداول اليوم من الزعماء الروحيين . فهو لم يضع نفسه في مكانة عالية كقائد روحي أو ” كورو ” ، كما إنه لم ينشأ طائفة مرتبطة بإسمه . بل على العكس من ذلك شجع المشاركة المتساوية للجميع ، ومن ضمنهم أصدقائه كل من عالم النفس ” كارل يونك ” (1875 – 1961) ، وعالم اللاهوت والصينيات ريتشارد ويلهلم (1873 – 1930) ، وشاعر الهند الكبير طاغور (1861 – 1941) والروائي هرمان هس (1877 – 1962) (المصدر السابق) .

   كما كانت وظيفة المدرسة التركيز على الإهتمام بالجانب الفكري (العقلي) الألماني ، والدعوة إلى الإنفتاح الألماني على العالم ، والأخذ بالمبادئ الديمقراطية ، وذلك لأن الفيلسوف هرمان تيقن بأن النزعة الألمانية العسكرية قد ماتت وطوتها روح العصر. وإن الأمل الوحيد أمام ألمانيا هو تبني النزعة العالمية والأخذ بمبادئ الديمقراطية . ولعل أثر رحلاته حول العالم  ، هو الذي منحه هذا الأفق العقليً الجديد ، ولذلك تطلع أن يكون أفقاً ألمانياً جديداً . وإن الشاهد على ذلك كتابه المعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” والتي تصف رحلاته إلى أسيا وأميركا وجنوب أوربا (المصدر السابق) . كما إن تعاليم المدرسة تنهض على إعادة تكوين الإنسان على أسس جديدة سببتها الحرب ، والحقيقة إن هذه التعاليم متجسدة في كتاب الفيلسوف كيسرلنج المعنون ” نظرية المعرفة الإبداعية “ ، نشرة دار رايشل ، دارمشتات 1922 (أنظر : كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، المجلد الأول ، ص 7) .

علاقة كيسرلنج بالفلاسفة الغربيين

    لقد كانت للفيلسوف هرمان كيسرلنج ، علاقات حميمة مع عدد من مشاهير الفلاسفة الغربيين يومذاك  . ومن أمثال هؤلاء الفلاسفة ،  الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” . فقد أشار الباحث ” أورمز ستورب ” إلى إن زيارة الفيلسوف البريطاني إلى إستونيا في عام 1920 . ولكن هذا لايعني إنها دشنت مرحلة إتصال أولى بين فيلسوف السلام والمفكرين الأستونيين ، بل إن علاقتاته مع الفلاسفة الألمان من إصول بلطيقية تصعد إلى فترة أبعد من ذلك بكثير . فقد كانت له علاقات  متقدمة زمنية على زيارته هذه مع الكونت هرمان كيسرلنج ، وأخته الكونتيسة ” لوني كيسرلنج ” (1887 – 1945) . وهي تحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هيدلبيرك عام 1912  ، وكان عنوان إطروحتها ” التطورات الدينية والسياسية .. ” والتي نشرت في هيدلبيرك شتاء العام 1913 في كتاب بعنوان ” التطورات الدينية والسياسية للفترة 1816 – 1820″ . ومن ثم أصبحت أستاذاً للفلسفة في جامعة شنغهاي .

  ويرجح الكاتب إلى إن العلاقات الشخصية بين رسل وآل كيسرلنج تعود إلى عام 1903 ،  فقد ذكر الفيلسوف هرمان في سيرته الذاتية ، إلى إنه في هذه الفترة كان يعيش في فينا ، ومن ثم في باريس ، ومن هناك قام بزيارة إنكلترا (أنظر : أورمز ستورب ؛ برتراند رسل في إستونيا ، نشرة معهد اللغة الإستونية / وكذلك منشور في مجلة دراسات برتراند رسل ، مركز بحث برتراند رسل – جامعة ماكمستر (كندا) / العدد 26 صيف 2006 ، ص 55 ، 60 وما بعد) .

  وفي رسالة تعود إلى 30 أب 1916 ، بعثتها الفيلسوفة ليوني كيسرلنج إلى الفيلسوف برتراند رسل . تقول فيها :

  أخي وأنا قد إنتهينا تواً من قراءة كتابك ” العدل زمن الحرب ” . ونحن نعبر عن إعجابنا وتقديرنا (وبعد تفاصيل ومدح للكتاب ، ومناقشة للسياسات العالمية .. ) تقول :

إن حديثي معك يبقى من أهم الذكريات الإنكليزية .

(ومن ثم تسأله عن بنت أخته كارين كوستلو) ( المصدر السابق) .

  هذا فيما يخص الفيلسوف البريطاني وعلاقته بالفيلسوف هرمان كيسرلنج ، ويبدو إن علاقتهما أخذت بعض الأحيان مداً وجزراً . أما علاقته بالفلاسفة الغربيين الأخرين ، فقد ذكرهم عندما إسترجع ذاكرته فقال :

في الفترة التي عشت فيها في فينا وباريس ، غالباً ما أسافر وألتقي ببعض الشخصيات الروحية في أوربا  ” (المصدر السابق ) من أمثال الفيلسوف الفرنسي ” برغسون ” ، و” جورج سايمل ” وهو فيلسوف كانطي ، ” ولثير راثينو ” ،  وهو سياسي ووزير خارجية ألمانيا خلال جمهورية فايمر ، والأخوين عالمي الإجتماع ماكس فايبر  والفريد فايبر ، والفيلسوف الفرنسي ” أميل بوترو  ، والفيلسوف البراجماتي ” فيرديناد سكوت شيلر ” (1864 – 1937) ، والفيلسوف الإيطالي ” بيندتو كروتشه ” .

    ويبدو إن هناك نزعة كانطية بدرجات ما أخذت تتنامى في تفكير الفيلسوف كيسرلنج . ولعل مصادرها جاءت من خلال علاقة كيسرلنج بالفيلسوف الكانطي ” جورج سايمل ” * الذي جاءت الإشارة إليه أعلاه ، ومن خلال قراءة مؤلفات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* يُنظر إلى ” جورج سايمل ” (1858 – 1918) على إنه واحد من الجيل الأول من علماء الإجتماع الألمان ، وتميز بمنهجه الكانطي الجديد ، الذي قاده إلى صياغة أسس النزعة الإجتماعية ” اللا وضعية أو ضد الوضعية ” . وقد تساءل سايمل : ” ماهو المجتمع ؟ ” تلميحاً وإستبطاناً لسؤال كانط : ” ماهي الطبيعة ؟ أو ” ما هو التنوير ؟ ” . وكانت له زمالة مع عالم الإجتماع ” ماكس فايبر ” . وكلاهما طورا نظرية (لاوضعية) ستكون مرجعية لمفكري النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت (أنظر : وليم أوثوايت ؛ هابرمس : مفكر معاصر أصيل ، ط2 2009 ، ص 5) .

  ومن أهم وأشهر مؤلفاته : ” مشكلات فلسفة التاريخ ” (1892) ، و ” كانط ” (1904) ، و ” كانط وغوته ” (1906) ، و ” شوبنهور ونيتشه ” (1907) و ” مقالة في فلسفة الفن ” (1916) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلسوف ” عمانوئيل كانط ” (1724 – 1804) والتي كانت متداولة في أقسام الفلسفة وبرامجها يوم درس كيسرلنج الفلسفة في فصول جامعية مختلفة . وعن طريق قراءة مؤلفات الفيلسوف ” أرثر شوبنهور ” وخصوصاً كتابه ” العالم إرادة وصورة ” والذي قيم كانط من طرف ووجه نقداً له من طرف أخر . ومعلوم إن كيسرلنج كتب واحداً من مؤلفاته المبكرة عن شوبنهور . كما إن مصادر كيسرلنج  عن كانط جاءت من مصادر كانطية جديدة  ، خصوصاً عن طريق الفيلسوف الكانطي الجديد ” فردريك لانج ” وكتابه المشهور ” تاريخ المادية ونقد أهميتها الراهنة ” كما نرجح والذي عاند فيه المادية في ستينيات القرن الثامن عشر ، وكان نار على علم زمن كيسرلنج . وإن كيسرلنج بدوره سيعاند المادية في أسسها الفلسفية وفي هرطقيتها التي تتعارض والكيمياء الروحية لمدرسة الحكمة .    

  أما الحديث عن كيسرلنج المؤلف ، فهو موضوع له طعم خاص . وهذه قصة سيتناولها المحور اللاحق .

هرمان كيسرلنج كاتباً معاصراً

  أن الحديث عن كيسرلنج المؤلف ، حديث له طعم خاص إذا ما تم النظر إليه من خلال البدايات الكتابية الأولى التي أنجزها . وفعلاً إن الباحث يلحظ إن الشاب هرمان بدأ الكتابة وهو في مرحلة التعليم وإكتساب المعرفة الأكاديمية . فمن الملاحظ إنه كتب العديد من المقالات ، يوم كان طالب علم جامعي . فقد نشر مقالات تصب في مضمار ثقافة الجمهور . كما نشر في مضمار الفلسفة كتاباً في غاية الأهمية ،  وكان بعنوان ” شوبنهور  ” والذي قامت بنشره دار إكيروات عام 1910  . وهذا الكتاب شاهد أولي يساعدنا في فهم دوافع كيسرلنج في الرحلة إلى الشرق ، ومن ثم الإهتمام بالفلسفة الهندية (وبالتحديد البوذية) . فالفيلسوف شوبنهور كان من أوائل الفلاسفة الألمان الذين إهتموا بالفلسفات الشرقية وعلى الأخص البوذية منها .

   الحقيقة إن الفيلسوف هرمان لم يفكر يوماً بإمتهان الكتابة حرفة له ، وذلك بحكم مكانته الإجتماعية وثرواته الطائلة . إلا إنه بعد إن فقد ممتلكاته بقيام الثورة الروسية ، وبعد سنوات من الترحال والكتابة الهادئة  ، قرر الفرار من بلده إستونيا ، ولاذ لاجئاً في مكان ” فقير ” في ألمانيا . صحيح إنه رجل فكر وصاحب مهارات فكرية عالية .  وصحيح إنه كان يدير ممتلكاته الكبيرة دون صعوبات ، إلا إنها كانت روتين متوارث وإدارة تقليدية . إن ما كان يعوز هرمان هو مهارات إدارة الأعمال . ولهذا عاش في محنة مالية فيما بعد ، حملته على إمتهان الكتابة حرفة للعيش والإرتزاق .

  ومع كتاباته ، كما يصفها البروفسور كيسرلنج الإبن ، سيختبرالعالم أعمالاً فكرية هي من نتاج عقل لم ير مثله من قبل . فالفيلسوف هرمان ، رجل من نخبة نبيلة و صاحب ثقافة عالية ، ولم يكتب للإعلان والترويج . بل إن كتاباته تعكس الصدق والموضوعية ، فهو ” كاتب عضوي ” بلغة شبنجلر ، وليس ” منظف أتربة أكاديمي ” .(يذكرني هذا الإصطلاح بزميل أكاديمي سابق ، فقد عمل منظف أتربة أكاديمي طوال العمر ، ولم يتطور وينقلب على هذا المنهج ، فهو يراسل الزملاء ويطلب منهم كتابة سيرهم ، وإن كل ما يعمله إضافة سطور فقط عن علاقته بهم ،  ومن ثم يقوم بنشرها ويعدها لعمل موسوعي ، فيأتي مقال الأستاذ المؤرخ كشكول غير مؤتلف . وإن المظلوم فيها هو القارئ البرئ الذي سلم أمره للكاتب وأمن بصدق رسالته وموضوعيتها) .

   ولهذا ستلقى  كتابات الفيلسوف هرمان كيسرلنج صدى في الواقع الثقافي العام وفي الدوائر الثقافية النخبوية الخاصة . ولذلك عاش الكونت كيسرلنج حالة إندهاش كبير عندما أصبح كتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” من أكثر الكتب مبيعاً في المكتبات . فكانت إستجابة الجمهور لكتاباته ملفتة للنظر . فتحول الكونت إلى مؤلف مشهور في عالم كتب الفلسفة ، خصوصاً في أسواق عالم الكتب في العالم .  

   ومع نشوة الشهرة ، وبالتحديد في العام 1919 تزوج من ” جوديل  بيسمارك ” وهي حفيدة رجل الدولة والسياسي الشهير ” أوتو إدوارد بيسمارك ” (1815 – 1898) (أنظر: أريك أيسك ؛ بيسمارك والإمبراطورية الألمانية / منشور بالإنكليزية عام 1964 / ص ص 58 – 68) . والتي ستكتب بعيد وفاة مؤسس مدرسة الحكمة كتاباً مهماً عن زوجها الفيلسوف هرمان كيسرلنج .

جريدة مؤلفات الفيلسوف كيسرلنج

    بدأ الفيلسوف هرمان كيسرلنج بكتابة ونشر مجموعة مؤلفات (وهنا نشير إلى طبعاتها الإنكليزية والتي نقترح ترتيبها بالشكل أدناه) منها :

1 – الشرق والغرب : بحث عن الحقيقة المشتركة ، نشرة مطبعة شنغهاي ، شنغهاي 1912 .

2 – في الإعتقاد ، نشرة مطبعة فاستا ، مادرس 1912 .

3 – بعض الإقتراحات حول الثيوصوفيا (منا = هي طريقة الكشف الصوفي لمعرفة الله) ، مادرس 1912 .

4 – الهرمونيا ، نشرة فيشر ، برلين (؟191) (وهو في الموسيقى) .

5 – مقالات سياسية لعدد من الكتاب ، نشرها بالإشتراك مع فون كليشنروسورم ، دارمشتات 1919 .

6 – من السيرة الذاتية وقائمة بالأعمال ، دارمشتات 1919 .

7 – السلام أو الحرب الدائمة ، بوسطن 1920 .

8 – الكونت هرمان كيسرلنج (بالألمانية) ، نشرة دار مينر ، لايبزك 1923 .

ونحسب إن هذه المؤلفات قد ضمت بين دفتيها ما نشره الفيلسوف هرمان كيسرلنج من مقالاته السابقة . ولكن نقطة التحول في مضمار الكتابة ، حدثت مع كتاب يوميات .

9 – يوميات رحلة الفيلسوف ، ترجمة هولرويد ريس ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1925 (وهو أشبه بعمل روائي) . ومن النافع أن نشير إلى إن الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” قد قرأ هذه اليوميات . كما ولاحظ الباحث إن هذا الكتاب ظهر في طبعة دار بيهفن – بومباي 1959 بعنوان فيه تخصيص جغرافي محدد : يوميات رحلة الفيلسوف إلى الهند .

10 – ملاحظات هرمان كيسرلنج إلى لويس مامفورد ، نشرة أليسون شيلي للمخطوطات 1926 .

   وهي مجموعة ملاحظات (وهناك من يعتقد رسائل) أرسلها كيسرلنج إلى لويس مامفورد . وقد كتبها في دارمشتات الألمانية في 22 نوفمبر 1926 ، وفيها شكر لمامفورد على الكتاب ، وعبر عن رغبته في زيارة إنكلترا ، (ربما) في شتاء 1928

11 – كتاب الزواج ؛ تفسير جديد ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1926 . وعندما طلب هرمان من رسل أن يشارك في هذا الكتاب ، رفض الأخير العرض معللاً ذلك ، بأنه ليس خبيراً في الموضوع ( أنظر : برتراند رسل في إستونيا ، ص 63 ويبدو إن هناك تعارض بين رؤية رسل التحررية ، ومنظور كيسرلنج المحافظ) . ومن الذي ساهموا في الكتاب ” ريتشارد ويلهلم ” وهو واحد من أعضاء مدرسة الحكمة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج ، وبرنادشو .

12 – أبجدية الحياة ، نشرة 1926 .

13 – تحرير أمريكا ، نشرة دار هاربر ، نيويورك 1929 .

14 – عالم في إطار التكوين ، ترجمة موريس صمويل ، دار هاركورت ، نيويورك 1927 .

15 – أوربا (أو موزائيك أوربا) ، ترجمة موريس صمويل ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1928 . ومن المهم أن نشير إلى إن الفيلسوف الإنكليزي ” برتراند رسل ” قد قرأ هذا الكتاب وعلق عليه (أنظر : أورمز ستروب : برتراند رسل في إستونيا ، ص 63) .

16 – الفهم الخلاق ، دار هاربر ، لندن – نيويورك 1929 .

17 – إكتشاف الحقيقة ، بالإشتراك مع بول فوهر ، دار هاربر ، لندن – نيويورك 1929 .

18– تأملات في أمريكا الجنوبية ؛ الجحيم والفردوس في روح الإنسان ، بالإشتراك مع تيريسا دورر ، نشر دار هاربر ، لندن – نيويورك 1932 .

19 – مشكلات الحياة الشخصية ، بالإشتراك مع السيدة مرسيدس باركس ، لندن 1934 .

20 – ذكريات في غاية الأهمية ، كلكتا 1937

21 – فن الحياة ، بالإشتراك مع ك . أس . شلفنكار ، دار نشر بلاونت ، لندن 1937

22 – النشاط الصامت ، ترجمة باتكريانا كوش 1937 .

23 – الأزلية ؛ نقد للعلاقات بين عمليات الطبيعة وأفكار الإنسان عن العالم ، بالإشتراك مع جين مارشل ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن – نيويورك 1938.

24 – من العذاب وإلى الإنجاز ، بالإشتراك مع جين مارشال ، نشرة دار بيتموستر ،

لندن 1938

25– ماذا يعني السود إلى أمريكا ، بلا مكان وتاريخ الطبع .

26 – إقتصاديات العمل والعلاقات الصناعية : الأسواق والمؤسسات ، بالإشتراك مع بول ستودهار ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1994 . وبالتأكيد هناك كتب أخرى بالألمانية . كما إننا فضلنا ترك الكتب التي شارك في تأليفها مع جماعة رواد مدرسة الحكمة ، وهذا موضوع له قصة مختلفة سيتناوله محور أخر .

وقفة تأمل فلسفية أمام  كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف “

  شكل كتاب هرمان كيسرلنج والمعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” إنجيلاً فلسفياً لمدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج . وقد ذكرنا أعلاه إلى إنه بدأ الرحلة في العام 1911 ، ومن ثم خصص الفترة الممتدة  من عام 1912 وإلى عام 1918  للكتابة عن هذه الرحلة . وهناك رأي صدر من الفيلسوف  ، يردد على إن الكتاب تم إنجازه في عام 1914 ، والمجلد الأول مع الناشر ، والمجلد الثاني ظلت تصحيحاته الطباعية مع الفيلسوف كيسرلنج ، وإندلعت الحرب وإنقطعت كل الإتصالات بين كيسرلنج والناشر . وكان حينها الكونت كيسرلنج يعيش في ممتلكاته في روسيا ، ولذلك صرف سنوات الحرب يراجع مكونات المجلد الثاني مرات ومرات . وفعلاً فإنه أعاد كتابة الجزء الأخير من المجلد الثاني برمته من جديد (أنظر : كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، المجلد الأول ، ص 6) .

وقد أشرنا أعلاه إلى إن نشرة الكتاب في مطبعة بيهفن – بومباي ، قد ظهرت بعنوان جغرافي محدد ، وهو ” يوميات رحلة الفيلسوف إلى الهند ” . ولما كان هرمان قد توفي عام 1946 ، وإن طبعة بومباي كانت عام 1959 ، فلهذا الحال نحسب إنه لا يوجد مجال لمعرفة درجات رضاء هرمان على هذا التخصيص الجغرافي لرحلته الروحية الفلسفية . وكذلك فإننا لم نسمع من أرملته تعليقاً أو تحفطاً وهي التي أكملت ” ميمواره ” أي مذكراته .  كما ولم نعثر على شئ مفيد من ولده البروفسور أرنولد كيسرلنج بخصوص نشرة بومباي .

   إن كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” قد صرف من حياة كيسرلنج سبعة سنوات ، سنة كاملة كانت الرحلة البحرية ، وست سنوات قضاها في التأمل في دروس الرحلة الروحية ومن ثم كتابة اليوميات . وهذا الكتاب وكتاب ” موزائيك أوربا ” يُعدان من المغمارات الفكرية المتفردة في القرن العشرين ، وقد جرى الكتاب والفلاسفة في التاريخ على مقارنتهما بكتاب ” إسوالد إشبنجلر ” المعنون ” ساعة القرار” .

  تألف الكتاب في نشرته الإنكليزية من مجلدين ؛ الأول ضم مقدمة المترجم الأستاذ ” هولرويد ريس ” (الكونت هرمان كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، ترجمة هولرويد ريس ، نشرة دار هاركورت ، ط 2 ، نيويورك 1925 (والكتاب طبع عدة مرات في العام 1925 وعلى التوالي في نيسان وحزيران) ، المجلد الأول ، ص 1 – 3) . ومن ثم ملاحظات عن سيرة الكونت كيسرلنج الذاتية (المصدر السابق ، ص ص 5 – 7) . ومن ثم مدخل مقتضب للكتاب (المصدر السابق ، ص ص 9 – 10) ولعل المهم في هذا المدخل إن الفيلسوف يدعو القارئ إلى التعامل مع هذا المجلد كعمل روائي ، وبكلماته ” يفضل هذا المجلد أن يُقرأ كرواية ” (المصدر السابق ، ص 9) . وفي هذا المدخل يوجد نص كتبه الفيلسوف كيسرلنج ، في غاية الأهمية ، وهو يتعلق بالكتاب ككل ، وهذا المجلد على وجه الخصوص ، فيقول :

وهكذا فقد كتبته في حزيران 1914 ، كان من المفروض أن يظهر كتابي في خريف هذا العام . ولكن الحرب دقت طبولها ، وكانت النتيجة إن إحتلت الجيوش الألمانية ” إستونيا ” ، فإنقطعت كل وسائل الإتصال بين الناشر وبيني . وكان هذا المجلد في حوزة الناشر ، وهو جاهز للنشر . وبقيت معي الأصول المصححة للمجلد الثاني .. (المصدر السابق ، ص ص 9 – 10) .

  تكون هذا المجلد من ثلاثة أجزاء ؛ الأول جاء بعنوان ” المنطقة الإستوائية ” (المصدر السابق ، ص ص 13 – 35) . في حين حمل الجزء الثاني العنوان الأتي ” سيلان ” (المصدر السابق ، ص ص 39 – 87) . بينما جاء الجزء الثالث بعنوان ” الهند ” (المصدر السابق ، ص ص 91 – 338) وهو جزء غير متوازن جداً جداً في عدد صفحاته مع الجزء الأول والثاني .

  وعلى الرغم من إنني لم أكن مفتوناً بمنهج الفيلسوف كيسرلنج في كتابة روايته ” يوميات رحلة الفيلسوف ” ، والتي إختارت المنهج الجغرافي (المكاني) في الحديث عن الإيقاعات المكانية لرحلة الفيلسوف ، فقد ظل عدم التوزان يحكم موضوعات المجلد الثاني كذلك (مثلاً المجلد الأول تكون من 338 صفحة ، في حين كانت صفحات المجلد الثاني 400 صفحة) مع الإشارة إلى إن المنهج الجغرافي وإيقاعاته المكانية ظل الحبل المنهجي الوحيد الذي يشد نسيج المجلدين بعضهما بالبعض الأخر . .

  والشاهد على عدم التوازن في المنهج الجغرافي الذي حكم المجلدين ؛ إن المجلد الأول كما قلنا تكون من ثلاثة أجزاء ، بينما المجلد الثاني جاء في ستة أجزاء وفهرس للكتاب برمته (أي ضعف أجزاء المجلد الأول) . وهذه الأجزاء جاءت تحمل العناوين الأتية : الرابع ” الشرق الأقصى ” (المصدر السابق ، المجلد الثاني ، ص ص 9 – 21) (وهناك إشارة في الصفحة قبل محتويات هذا المجلد ، تشير إلى إن هذا المجلد طبع خمس مرات في العام 1925 لوحدها ، وجاءت على التوالي ، نيسان ، حزيران ، أب ، نوفمبر ، وديسمبر) . الخامس ” الصين ” (المصدر السابق ، ص ص 25 – 140) . السادس ” اليابان ” (المصدر السابق ، ص ص 143 – 233) . السابع ” العالم الجديد ” (المصدر السابق ، ص ص 237 – 276) . الثامن ” أمريكا ” (المصدر السابق ، ص ص 279 – 360) . التاسع ” العودة إلى الوطن : رايكول ” (المصدر السابق ، ص ص 363 – 372) . ومن ثم إنتهى المجلد الثاني بملحق بالموضوعات وأسماء الأعلام التي وردت في الكتاب برمته ( المصدر السابق ، ص ص 373 – 400) .

  رحلة الفيلسوف كيسرلنج والتقليد الفلسفي العتيد

   عرف تاريخ الفلسفة ومنذ بواكيرها اليونانية ، تقليد فلسفي تمثل في الرحلة في طلب المعرفة ، والحصول عليها من مصادرها الأصلية . وهذا حدث فعلاً مع أول فيلسوف يوناني ، وهو الفيلسوف ” طاليس المليطي ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، نشرة وزارة الإعلام ، بغداد 1983 ، ص 16) .

وتجددت مع تلميذه الفيلسوف ” فيثاغوراس ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فلاسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد ، منشور على موقع الفيلسوف ، 3 مارس 2011) ، ومن ثم تكررت مع الفيلسوف ” إفلاطون ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / موقع الفيلسوف ، 5 سبتمبر 2011) ومن بعد ذلك توافرت للفيلسوف ” أرسطو ” معطيات علمية وثقافية هائلة وذلك من خلال إنسياح عساكر تلميذه ” الأسكندر المقدوني ” في الشرق عامة , وتوفير مادة علمية لموسوعته في علم الحيوان وذلك من خلال إرسال عينات لطيور وحيوانات ، كتب عنها أرسطو بعد قيامه بتشريحها ووصف طبيعتها البايولوجية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المعطيات التاريخية والثقافية لأوضاع العرب قبل ولحظة بزوغ شمس الإسلام / موقع الفيلسوف ، 16 فبراير 2012) .

  وهذا التقليد الفلسفي تجدد في صور من الرحلة الفلسفية إلى بابل وميديا ، حدث هذا مع الفيلسوف الفيثاغوري الجديد ” أبولونيوس ” وتلميذه الموصلي العراقي ” دميس ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ملاحظات منهجية حول موسوعة السفسطائي فيلوستروتس حياة أبولونيوس / موقع الفيلسوف ، 6 يونيو 2011) . كما إن تاريخ الفلسفة يحدثنا عن الفيلسوف ” إفلوطين ” برحلته صوب إيران والهند ، وذلك من خلال إلتحاقه بالحملة العسكرية المتوجهة إلى هناك . ولكن فشل الحملة حرمت إفلوطين من تحقيق أمانيه ، ففر بجلده وعاد إلى أثينا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية / موقع الفيلسوف ، 3 أغسطس 2011) .

  والحقيقة إن الفيلسوف كيسرلنج قد إحتج في كتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” ، برحلتي الفيلسوفين اليونانيين ، فيثاغوراس وإفلاطون ، فقال : ” وهكذا أدركت بحق كيف إن الحكيم فيثاغوراس ، وإفلاطون قد وسعا من رحلاتهما في الفترة المتأخرة من مرحلة نضوجهما ” (الكونت هرمان كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف / المجلد الأول ، ص 15) .

وحال كيسرلنج مثل حال الفيلسوفين فيثاغوراس وإفلاطون ، ففيثاغوراس وإفلاطون تطلعا إلى البحث عن مصادر المعرفة خارج اليونان ، والأول جلب معه الرياضيات البابلية وعلم الفلك الكلداني والنزعة الأورفية وعقيدتها في إنفصال النفس قبل إتصالها بالجسم ، وإنفصالها عنه بعد الموت (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛  محنة الفلسفة والفلاسفة في ديار العم شعسان / موقع الفيلسوف ، 5 يوليو 2011)  . والثاني أي إفلاطون زار مصر وتعلم على يد الكهنة المصريين كيفية حساب ظل الهرم هذا طرف (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، (مصدر السابق) ، ص 37 وما بعد) والطرف الثاني قدمته أخر محاورة كتبها إفلاطون ، وهي محاورة القوانين التي كتب فيها عن بعض مشاهداته في مصر ، وخصوصاً ما يخص ألعاب الأطفال المصريين (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية (مصدر سابق)) .

   أما كيسرلنج فتطلع حاله حال فيثاغوراس وإفلاطون إلى البحث عن مصادر المعرفة خارج ألمانيا ، فبدأ رحتله بالبحر الأبيض المتوسط أو بلغته ” بشعوب المتوسط ” ومن ثم ” ممر السويس ” و ” البحر الأحمر ” و ” عدن ” و ” المحيط الهندي ” و ” سيلان ” ومع سيلان بدأ إتصال كيسرلنج بالفلسفة البوذية (أنظر : كيسرلنج ؛ المصدر السابق ، ص ص 17 – 87) . وفي الهند بدأ إتصاله بالبراهمية (المصدر السابق ، ص 91 وما بعد) ومن ثم يتحدث عن الموزائيك الديني في الهند (خذ مثلاً حديثه عن التسامح بين الديانات الهندوسية البراهمية والبوذية والإسلام والمسيحية ، ص 203 وما بعد . ولعل أحاديثه مع بعض المسلمين وعن الإسلام تحتاج إلى إبحاث إستقرائية لكل ما حكاه عن الإسلام والمسلمين (العرب)* في شبه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أضع بيد القارئ بعض الشواهد من كتاب يوميات رحلة الفيلسوف ، التي ذكر فيها العرب ، مثلاً المجلد الأول ، ص ص 205 – 207 ، وخصوصاً الإختلافات بين الإسلام والهندوسية والكاثوليكية ص 205 ن صص 208 – 209 . مقاربة بين الإسلام والمذهب الكالفيني البروتستانتي ص 207 . الحضارة الإسلامية ص 211 ، وفي ص 212 يقول كيسرلنج ” اليهود ، المسيحيون ، والمسلمون هم أخوة ” . وفي ص 215 يتحدث عما أسماه ” العمارة المحمدية ” (العمارة العربية) وميزاتها مقارنة بعمارة تاج محل . ثم يشير في ص 219 إلى  عظمة وسحر فن الزخرفة العربية والخط العربي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 القارة الهندية خاصة وفي أسيا عامة وتحت عنوان ” الإسلام والمسلمون وفيلسوف التاريخ هرمان كيسرلنج  وفي ضوء كتابيه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” و ” موزائيك أوربا “) .

  لقد وفرت الرحلة حول العالم ، للفيلسوف كيسرلنج مادة معرفية غنية ، عدلت الكثير الكثير من أراءه وفهمه  للحضارات الشرقية . فمثلاً ناقش النظرة الأوربية الشاذة (كما هو يصفها) الرافضة للبوذية والطبيعية (أنظر المصدر السابق ، المجلد الأول ، ص 40) . ومن ثم يقدم للقارئ فهماً دقيقاً للنزعة البراهمية كشكل حقيقي للتعبير عن الروح الهندية ( المصدر السابق ، ص 174) . وحديث عن بوذا والبوذية خصوصاً أسسها السايكولوجية(المصدر السابق ، ص 39) ونزعتها النباتية (ص 46) وكلامه عما أسماه ” الإنجيل الإستوائي البوذي ” (ص ص 48 ، 54 ، 57) . والوعي البوذي (ص 46) .

  ومن ثم يتحول صوب الصين والثقافة الصينية (المصدر السابق ، المجلد الثاني ، ص ص 25 – 140) وفيه يقدم للقارئ الأوربي على الأخص تعريف بالثقافة الصينية (ص 102) ، وطبيعتها العميقة (ص 68) ، وثقافتها الإجتماعية المثالية (ص 27) ، وضبط النفس (ص 39) ، وعلاقتها بالأوربيين (ص 106)  الثقافة الإخلاقية (ص 96) روح الدعابة (ص 49) وحب النظام (ص 85) ، التسامح (ص 84) ، مثالية الفن (ص 281) ، الصوفية (ص 41) .

  ويعرض شواهد ثقافية دالة على زيارته لليابان (المصدر السابق ، ص ص 143 – 233) . وبدأ بالحديث عن طبيعة اليابان (ص 143) ، ومن ثم الرجال مركز الطبيعة (208) ، وعن الروح اليابانية (ص 205) ، وتربيتهم وتعليمهم للأطفال وعموم الناس (ص 147) ومن ثم يناقش إمكانية تحويل اليابان إلى صورة من الغرب (ص 218) اليابان بين التقليد وهبة الإستغلال (ص 219) ، الخصائص الأساسية للشخصية اليابانية (ص ص 148 ، 174 ، 187 ، 217) طبيعة النساء اليابانيات (ص 201) ..

  ومن ثم نتائج الرحلة إلى العالم الجديد ؛ منطقة الهادئ (ص ص 237 – 244) ، ومن ثم هونولولو (ص ص 244 – 247) .. نحو أمريكا (ص ص 259 – 276) . ومن ثم جاءت نتائج الزيارة إلى أمريكا (ص ص 279 – 360)  ؛ طبيعة أمريكا (ص ص 283 ، 288) ، المحاسن الأمريكية مقارنة مع أوربا ( ص 318) ، الهوة الكبيرة بين الكمال الداخلي والنمو الخارجي (ص 345) ، السلطات الحكومية (ص ص 279 ، 289) ، نزعة التأمرك : عودة إلى الحالة الحيوانية (ص 333) ، إن سر أمريكا في قوتها وجاذبيتها (ص 333) ، الأمريكان هم الصورة الحقيقية للشخصية الغربية (ص 268) ، الأمريكان نموذج للشخصية البربرية (ص ص 263 ، 267) ، طرق العمل (ص 277) ، المغالاة في تقييم الذات (ص 121) ، روح التفاؤل ( ص ص 268 ، 329) النموذج في رجل العمل المتفوق على الأوربي (ص 319) .

 ومسك الختام  ليوميات رحلة الفيلسوف ، قول للمتنور البوذي (البوذاسف) :

حيث يقول نعم لكل شرور العالم ، وذلك لأنه عارف بأنه سيكون جزء منه  ، وخلال قيادته لنفسه ، يشعر بأن أساسه في الله . وبينما هو معلق في السطح ، يأخذ بالإندماج في كل شئ . وهكذا يكون من اللازم عليه أن يحب كل الموجودات مثلما يحب نفسه . وهو في الوقت ذاته لا يهجع ويستقر حتى كل واحد يرى الإلهي منعكس في كل شئ . والمتنور البوذي (البوذاسف) ليس بشخصية العاقل ، وإنما هو تجسيد لهدف الطموح الإنساني (كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، ص 372) .                  

حضور الفلسفة والفلاسفة في كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف “

  يُعلن الفيلسوف كيسرلنج في بداية المجلد الأول / الرواية إلى ” إنه ميتافيزيقي ” (المصدر السابق ، ص 14) . والميتافيزيقا هي فرع من فروع الفلسفة * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إن هذا المحور ، أي حضور الفلسفة والفلاسفة في كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” ممكن أن يكون رسالة ماجستير أو إطروحة دكتوراه . وبدوري أشجع طلبة الدراسات العليا في أقسام الفلسفة على أختياره ، وأنا مستعد للإشراف والتوجيه ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والميتافيزيقي هو الفيلسوف الذي يشتغل في البحث الذي نطلق عليه في العربية ” ما وراء الطبيعة أو فوق الطبيعة ” . وهو في الأصطلاح الذي تتداوله دائرتي العقيدي المسيحي والإسلامي ، هو ” مبحث اللاهوتيات أوالعلم الإلهي ” . والحقيقة هذا التحديد جداً ضيق لمصطلح الميتافيزيقا .  ونحسب إن العودة إلى دائرة الميتافيزيقا اليونانية ، وخصوصاً إلى مؤلفات الفيلسوف اليوناني ” أرسطو ” ، وهي مرجعيتنا الفلسفية الأولى في التقميش عن معنى ودلالة مصطلح الميتافيزيقا ،  تُعلمنا بأن الحصر المسيحي والإسلامي للمصطلح في حدود العلم الإلهي ، هو حصر عقيدي ، وحصر فيه تشويه لهذا الإصطلاح الفلسفي المهم . ففي الميتافيزيقا طرفين ؛ طرف إنطولوجي ، وطرف أبستمولوجي (فيه بحث عن أبستمولوجيا العلوم ؛ أسسها وفروضها) . وهذ الطرف غيبته الميتافيزيقيات المسيحية والأسلامية ، وللدقة في حدودهما للميتافيزيقا بالعلم الألهي . وأقتصرت على الأنطولوجيا ؛ إنطولوجيا الخالق وإنطولوجيا المخلوق ، والبراهين الإنطولوجية على الخالق أو الصانع أو المهندس بلغة إفلاطون ، والمحرك الذي لايتحرك بلغة أرسطو . وتاريخياً جاء إصطلاح الميتافيزيقا على يد تلاميذ أرسطو من فلاسفة مدرسته المشائية ، اللذين جمعوا أولاً كتب ورسائل أرسطو في العلم الطبيعي ، وأطلقوا عليها ” الفيزيك أو الفيزيقا ” وبعدها جمعوا الرسائل والكتب التي لا علاقة لها بالعلم الطبيعي ، وأقترحوا لها عنواناً ” الميتافيزيقا ” وهي الرسائل التي جاءت بعد كتب الفيزيقا . ولكونها تبحث في إنطولوجيا الخالق والمخلوق ، والمخلوق العالم ، الحيوان والإنسان ، والنفس والحياة والموت ، والبراهين الدالة على الخلق .. والأبستمولوجيا التي تبحث في فروض العلوم وأسسها .. فإن كل هذا شكل مضمار الميتافيزيقا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ملاحظات حول إصطلاح الميتافيزيقا وتطوره التاريخي / سيظهر على موقع الفيلسوف) .

  والحقيقة إن كيسرلنج على طول وعرض رواية ” يوميات رحلة الفيلسوف ” يكتب بقلم الفيلسوف ، ويحلل الظواهر من زاوية فلسفية ، وعلى الأغلب الأعم من ثلاثة  أبعاد ؛ إنطولوجية ، وأكسيولوجية وبالتحديد جمالية ، وأبستمولوجية (أنظرمثلاً :  كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف / المجلد الأول ، ص ص 25 – 26) . ويعترف الفيلسوف كيسرلنج بعطب دائرة الثقافة الأوربية ، وقصورها ، وجدب مصادرها من تقديم المعرفة الشافية بالثقافة الفلسفية الشرقية عامة ، والفلسفة البوذية خاصة ، وبإفاداته ” إن أوربا لا تمتلك شيئاً لتمنحه (له) ، فقرر الرحلة حول العالم ” (المصدر السابق ، ص 16) .

   ومن الملفت للنظر إن مرجعية الفيلسوف كيسرلنج للفلاسفة الغربيين ، هي مرجعية للتغاير والتعارض على الأغلب ، ولكن هناك الكثير من المقاربات . ولذلك فإن حضور الفلاسفة الغربيين جاء على الأغلب لإثبات التعارض والإختلاف بين الفلسفة الغربية والفلسفة الشرقية عامة والفلسفة البوذية على وجه الخصوص . ولكن هناك مباحث أنجزها كيسرلنج ، كانت بإتجاه تأييد المقاربة بين الفلاسفة الغربيين والمباحث الفلسفية البوذية  وهذا ما سنشير إليه أثناء البحث الحالي .     

 إن أول إحتجاج فلسفي كيسرلنجي بالفلاسفة الغربيين ، جاء من عينة فلسفية يونانية ، تصعد إلى البدايات الأولى للتاسيس الفلسفي اليوناني ، عينة تنتمي إلى فترة موغلة في القدم ، فترة ضاعت فيها النصوص الفلسفية ، ولم تبقى إلا فقرات (شذرات) فقط ، تُشكل اليوم فكراً فلسفياً ، نصطلح عليه بالفكر الفلسفي البيروسقراطي (أي الفلسفة قبل سقراط) ، والسبب إن سقراط ومنهجه وفكره الفلسفي أصبح فيصلاً بين مرحلتيين فلسفيتين ؛ ما قبل سقراط ، وما بعد سقراط . إن إحتجاج كيسرلنج جاء بالفيلسوف ” فيثاغوراس ” وهو من المرحلة البيروسقراطية ، وذلك عند حديثه عن رحلة الفلاسفة في طلب المعرفة من مصادرها الأصيلة ( أنظر : المصدر السابق ، ص 15) ، ومن ثم إحتج بالفيلسوف ” هرقليطس ” (أنظر : المصدر السابق ، ص 45) وهو من المرحلة البيروسقراطية ذاتها ، وذلك عندما إتخذ منه إنموذجاً فلسفياً دالاً على الإختلاف بين الفلسفة البوذية خاصة والهندية عامة والفلسفة الغربية . وذلك عندما تحدث عن سيلان ، البيئة النباتية للفلسفة البوذية ، فقال ” يبدو إن الخلق برمته في حالة جريان ثابت ، وليست هناك حاجة إلى وجود الفيلسوف ” هرقليطس ” ليصطنع خطة له ” (المصدر السابق) .

   والحال كذلك عندما إحتج الفيلسوف كيسرلنج بالفيلسوف ” سقراط ” وذلك ليبين عمق الأختلاف بين الرؤية الفلسفية الغربية والفلسفة الشرقية ، وبالتحديد في مضمار فلسفي محدد ، وهو الأكسيولوجيا الجمالية* ، وذلك حين تحدث عن جمال الجسم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* حقيقة إن الفيلسوف هرمان كيسرلنج ، فيلسوف محافظ  ، وهذا السبب كان وراء رفض الفيلسوف البريطاني اللبرالي (الحر) ” برتراند رسل ” من المشاركة في الكتابة في مؤلف كيسرلنج المعنوان ” الزواج ” هذا طرف . والطرف الأخر إن نظرات كيسرلنج المحافظة تجاه المرأة في كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” تتطلب مراجعته من زاوية المنهج الفمنستي (أنظر مثلاً : المصدر السابق ، صص 19 ، 25 ،34 ، 35) . ومثلاً يقول في ص 25 ” نحن نندهش إذا وجدنا درجات من الذكاء في النساء الجميلات ” .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العربي الأسود وما يتميز به من ذكاء ” غاب عن فهم سقراط ” (المصدر السابق ، ص 25) . ومن ثم جاء الإحتجاج الكيسرلنج بإنموذج فلسفي ينتمي إلى المرحلة المابعد سقراطية ، والتي تمثلت بإنموذج الفيلسوف اليوناني ” إفلاطون ” الذي وصلنا مع محاوراته الفلسفية ورسائله أولى النصوص الفلسفية المكتوبة . والحق إن كيسرلنج إحتج بالعظيم إفلاطون كإنموذج للفيلسوف الرحال ، والذي سعى إلى إكتساب المعرفة من مصادرها الأولية والتي تمثلت في طرف منها في الرحلة إلى مصر (المصدر السابق ، ص 15) .

  وفي حديث كيسرلنج عن البوذية في سيلان ، عقد مقارنة بين الأوربي والعدمي البوذي ، وذهب معلقاً : ” إن نفي وجود المطلق ، هو الذي حافظ على نعمة العدمي البوذي ، والذي يجعله مفهوماً مستحيلاً على الأوربي  . ولكن بدقة إن تشابه الظروف ، هي التي جعلت من التعاليم البوذية تتجذر في سيلان ، والتي سببت في ألمانيا نجاحاً للفيلسوف ” فردريك نيتشه ” ،  خصوصاً في عقيدته في  ” السوبرمان ”  والذي هو حسب كيسرلنج ” ليس تعبير عن العظمة ” ، وإنما ” تعبير عن الرغبة في العظمة ” ، والتي هي من ” التعابير الأكثر  شفقة وحزناً لتلك الرغبة لتي لم تُعرف على الإطلاق ” (المصدر السابق ، ص 42) .

  ومن ثم يتحول حديث كيسرلنج عن ظاهرة الطبيعة الإستوائية لسيلان ، وكيف إنها ولدت البوذية فلسفة نباتية . وهنا يتداول الفيلسوف إصطلاح الفينومنولوجيا ، وهي بالطبع ليست الفينومنولوجيا الكانطية (نسبة إلى الفيلسوف عمانوئيل كانط 1724 – 1804) ، وليست الفينومنولوجيا الهوسرلية (نسبة إلى الفيلسوف الظاهراتي أدموند هوسرل 1859 – 1939) ، ولا الهيجلية (نسبة إلى الفيلسوف جورج هيجل 1770 – 1831) ، بل وليست الهيدجرية (نسبة إلى الفيلسوف مارتن هيدجر 1889 – 1976) بالتأكيد . وإنما الفينومنولوجيا البوذية . حيث يقول : ” إن الشئ غابة مختلف في المناطق الإستوائية عما هو عليه في ثقافتنا الأوربية . في الثقافة الأوربية الغابة هو مفهوم جمعي يعبر عن عدد كبير من الأشجار . أما هنا فالغابة هي مفهوم حقيقي ، يعارض الأشجار المجردة .. وإن عملية النمو المتكررة ، والثرية واللا محدودة ، ولذلك فأن الكل منسوج في صورة بحيث يتم التعبير عنها في هذا الشئ أو الشئ الأخر .. وهذا الحال لا يغري أحد على صياغة نظرية في الوجود ، وذلك لأن كل شئ في عملية تحول ، ولا شئ أخر وراء العملية . وكل لحظة أنت تنظر حولك ، فأنك تبرهن على صدق الفينومنولوجيا البوذية ” (المصدر السابق ، ص ص 45 – 46) . وعلى هذا الأساس حسب كيسرلنج ، أسس بوذا عقيدته في الخلاص على فينومنولوجيا الحياة النباتية (المصدر السابق ، ص 46) .

  ويعترف الفيلسوف كيسرلنج بأن العالم الإستوائي ، هو الذي لعب دوراً مؤثراً في تغيير كيانه العضوي كلية ، ومكنه من أن يدخل إلى مضمار ما أسماه ” الوعي البوذي ” وإن يبقى في حضرته . وهنا يحرض القارئ ويشجعه إلى خوض التجربة التي خاضها . فيقول : ” إن هذه التجربة علمتني الكثير الكثير . وليس هناك صعوبة تقف في طريقك ، وأن تكون عادلاً ومنصفاً وتعمل شيئاً من أجل النظرية البوذية ” (المصدر السابق) .

  وبعد ذلك قدم جرداً بأسماء الفلاسفة الغربيين الذين تتطابق نظراتهم مع تعاليم بوذا ، فيرى بأن كل أجزاء النظرية البوذية تتساوق مع النظام الأمبريقي (البحث التجريبي) في الغرب . ومن ثم يعدد الأسماء من مجالات عدة ، مثل ” علم النفس التايني (1) ؛ إرنست ماخ (2) ، ووليم جيمس (3) ، ونظرات أوغست كومت (4) ، وهربرت سبنسر (5) ، وويلهلم أوستوالد (6) وحتى برغسون  (7) ، التي تتطابق في أساسياتها مع تعاليم بوذا ، وعلى الرغم من إنها تنهض على أرضية مشتركة مع البوذية إلا إنها محدودة مقارنة مع البوذية في مقاييسها ودرجات إتجاهاتها .. ” (المصدر السابق ، ص ص 46 – 47) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – نسبة إلى الفرنسي ” هيبوليت تايني “(1828 – 1893) الذي عرف الإنسان بحدود تجريبية ، فقال هو ” جُسيم إنساني ” ، وجاء ذلك في العام 1869 في المقدمة التي كتبها لكتابه المعنون ” الذكاء” والذي تألف من مجلدين ، وترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ ت . د . هايي في العام 1871) وكتب أطروحته للدكتوراه في السوربون عام 1853 وفازت بجائزة الأكاديمية الفرنسية ، وكانت بعنوان ” الشاعر الفرنسي ” جان دي لافونتين (1612 – 1695) وأساطيره  ، وله العديد من المؤلفات في فلسفة التاريخ وفلسفة الفن والفيلسوف الإنكليزي ” جون ستيوارت مل “(1806 – 1873) (أنظر : لمباردو باتريزا ؛ هيبوليت تايني : ما بين الأدب والعلم / مجلة دراسات فرنسية – جامعة ييل ، العدد (77) 1990) .

2 – وهوعالم الفيزياء وفيلسوف العلم 1838 – 1916 ، وله أثر كبير على حلقة فينا والوضعية المنطقية ، وخصوصاً في نقد إسحق نيوتن 1642 – 1727 وهو من المصادر المهمة لنظرية ألبرت أنشتاين 1879 – 1955 في النسبية . ومعروف بعداوته للميتافيزيقا ، وهو الذي طور نظرية التحقق في المعنى ، وكان رئيساً لقسم الفلسفة للعلوم الإستقرائية في جامعة فينا .  من مؤلفاته : المكان والهندسة في ضوء البحث الفيزيائي (ترجمه إلى الإنكليزية  ت . ج . ماكورمك ، نشرة مطبعة أوبن كورت 1960) ، العلم الرياضي : تفسير تاريخي – نقدي لتطوره (ترجمه ت . ج . ماكورمك ، مطبعة أوبن كورت 1960) ، المعرفة والخطأ : مقاطع حول علم نفس البحث (ترجمه ت . ج . ماكورمك و ب . فولدرز ، نشرة رايدل 1976) ، تحليل الحواس والعلاقة الفيزيائية والسيكولوجية (ترجمه س . أم . وليمز ، نشرة أوبن كورت 1984) (أنظر : جون بلاكمور ؛ أرنست ماخ : حياته ، أعماله وأثره ، نشرة براكلي ولوس أنجلوس 1972) .

3 – درس الفيلسوف البراجماتي ، وعالم النفس والفزيولوجيا ” وليم جيمس ” (1842 – 1910) في كلية لورنس العلمية وكلية الطب في هارفارد . وقرأ مؤلفات كانط ، وليسنج ، وغوته ، وشيلر ورينان .. وهو أول من أسس مختبراً لعلم النفس في أمريكا ، وحمل كتابه المعنون ” مبادئ علم النفس ” الذي نشره عام 1890 البذور الأولى للبراجماتية والفينومنولوجيا ، وترك أثاراً على أجيال من المفكرين في أوربا وأمريكا ، منهم ” أدموند هوسرل ” ، ” برتراند رسل ” و ” جون ديوي ” و ” لودفيغ فيتجنشتاين ” .. من كتاباته ومؤلفاته : ” ملاحطات على تعريف سبنسر للعقل ” (1878) ، ” إرادة الإعتقاد ” (1897) ، ” الخبرة الدينية المتنوعة ” ( 1902) ، ” البراجماتية : إسم جديد لطرق قديمة في التفكير ” (1907) ، ” الكون المتعدد ” (1909)  و ” بعض مشكلات الفلسفة (نشر بعد موته) (أنظر : كيرلاد مايرز ؛ وليم جيمس : حياته وأعماله ، الفردوس الجديد – جامعة ييل 1986) .

4 – هو إيسدور أوغست كومت (1798 – 1847) ، وهو فيلسوف فرنسي ، ومؤسس علم الأجتماع على أسس وضعية ، ويُعد أول فيلسوف علم بالمعنى الحديث . ترك أثاراً عميقة على فكر القرن التاسع عشر ، وخصوصاً الفكر الإجتماعي لكل من ” كارل ماركس ” (1818 – 1883) ، و ” جون ستيوارت مل ” و ” جورج أليوت ” وهو الأسم المستعار للروائية الإنكليزية ” ماري آن إيفس ” (1819 – 1880) .

  وظهر صدى لأفكاره في كتابات المنظرين الإجتماعيين والإنثروبولوجيين كل من ” هربرت سبنسر ” (1820 – 1903) ، و ” أميل دوركهايم ” 01858 – 1917) . كما كان الحاصل من نظرياته الإجتماعية ، ولادة ” دين الإنسانية ” وأول كنيسة لهذا الدين ، ومؤسسات علمانية عديدة شهدها القرن التاسع عشر (وفعلاً ترك كومت أثاراً واضحة على رائدي العلمانية الحديثة ، كل من ” جورج هوليوك ” (1817 – 1906) ، وحواريه الإنكليزي ” ريتشارد كونكريف ” 01818 – 1899) ، وهو مؤسس أول كنيسة لدين الإنسانية (كنيسة كومت) في إنكلترا عام 1978 ، وكان زميلاً لهيريت مارتينيو أول عالمة إجتماع والمترجمة لكتب أوغست كومت إلى الإنكليزية .

  من أهم مؤلفاته ” نظرة عامة على الوضعية ” صدرت ترجمته الإنكليزية في العام 1856 ، والدين الوضعي (1891) ، والفلسفة الوضعية ، ترجمة هيريت مارتينيو ، نشرة دار كيسنجر 2003 ، والكتابات السياسية المبكرة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1998 (أنظر : ماري بيكرنك ؛ أوغست كومت : السيرة الفكرية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1993) .

5 – هربرت سبنسر هو الفيلسوف الإنكليزي ، والبايولوجي ، وعالم الإجتماع ، ويُعد أول من طور مفهوم ” النشوء ” كتطور تقدمي للعالم الطبيعي حتى قبل داروين (1809 – 1882) . ولعل من أشهر مؤلفاته المبكرة ، كتابه المعنون ” مبادئ البايولوجيا ” الذي أصدره عام 1864 ، وسبنسر وسع من مفهوم النشوء ، وطبقه على مضماري علم الإجتماع والأخلاق . كما إن صداقته مع ” ماري آن إيفس ” (إسمها المستعار جورج أليوت) دوراً في تعريف سبنسر على كتاب جون ستيوارت مل ” نظام المنطق ” وعلى وضعية أوغست كومت . والحقيقة إن سبنسر ظل طول عمره على عدم إتفاق مع أوغست كومت .

  ومن حصيلة صداقته مع إيفس ، كتاب سبنسر الثاني المعنون ” مبادئ علم النفس ” الذي طبع عام 1855 ، والذي حمل مصالحة بين منطق جون ستيوارت مل وعلم النفس الترابطي . وكان سبنسر على إطلاع على الفلسفات الهندية وله صداقات مع شخصيات هندية ، فمثلاً حضر دفن جنازته الزعيم القومي الهندي والباحث الأكاديمي في اللغة السنسكريتية ” شامجي كرشنا فرما ” (1857 – 1930) والذي أعلن أثناء مراسيم الدفن عن تبرعه بمبلغ ألف باوند لتأسيس محاضرات جامعة أكسفورد لتشريف سبنسر وأعماله . من مؤلفات سبنسر : ” نظام الفلسفة التركيبية ” عشرة مجلدات ، ” مبادئ علم الإجتماع ” ثلاث مجلدات ، ” مبادئ الأخلاق ” ثلاث مجلدات ، ” الإنثروبولوجيا ” مجلدان .. (أنظر : مارك فرنسيس ؛ هربرت سبنسر وتكوين الحياة الحديثة ، دار نشر أوكمن ، بريطانيا 2007) .

6 – فردريك ويلهلم أوستوالد (1853 – 1932) ، وهو عالم الكيمياء الألماني من أصول بلطيقية . أكمل أطروحته في الدكتوراه عام 1878 وتحت إشراف عالم الكيمياء ” كارل شميدت (1822 – 1894) . ومن ثم حصل على جائزة نوبل للكيمياء في عام 1909 ، وهو واحد من مؤسسي حقل الكيمياء الفيزيائية .

   ومن مؤلفاته الأكاديمية : الكيمياء العامة (1884) ، و موجز للكيمياء العامة ( 1889) ، وكتابه المعنون ” المقاييس الكيميئية الفيزياوية ” (1893) . ونشر بعد تقاعده بعض الكتب في الفلسفة ، منها كتابه المعنون ” الفلسفة الطبيعية الحديثة ” ، وكتابه المعنون ” هرم العلوم ” . ووقف أوستوالد بصلابة ضد دعوة الكنيسة ، بأن لها سلطة على مضمار العلوم الطبيعية .

  ولعل من المفيد أن نختتم كلامنا بالإشارة إلى إعماله الرئيسية في مضمار دراساته الكيميائية ، وهي دراساته للألوان والأشكال . وكان يتطلع للوصول إلى معايير علمية للألوان . ومن أهم إنجازاته في هذه المضمار : ” اللون الأولي ” ، و ” نظرية الألوان ” و ” تناغم أو إنسجام الألوان ” (أنظر : باتريك كوفي ؛ كاتدرائيات العلوم : الشخصيات والمنافسين الذي صنعوا الكيمياء الحديثة ، نشرة مطبعة أكسفورد 2008) .

7 – هنري لويس برغسون (1859 – 1941) ، الفيلسوف الفرنسي المعاصر ، والذي ترك أثراً واضحاً على إتجات التفكير الأوربي خلال النصف الأول من القرن العشرين . والحقيقة إن برغسون أقنع العديد من المفكرين ، بأن الخبرة المباشرة والحدس ، هما أكثر أهمية من العقلانية والعلم في فهم الحقيقة . ولعل من أهم منشوراته الأولى ؛ نصوص منتزعة من كتابات الفيلسوف والشاعر الأبيقوري ” لوكرتيوس ” (99 – 55 ق . م ، والذي إشتهر بقصيدته الفلسفية الملحمية المعنونة ” في طبيعة الأشياء “) دراسة نقدية للنصوص (1884) وكان عمره خمس وعشرين ربيعاً يوم نشرها .

  ومن ثم كتب إطروحته للدكتوراه الأولى ، والتي كانت بعنوان ” الزمن والإرادة الحرة ” ، وأرفقها بإطروحة ثانية مختصرة ، كتبها باللاتينية وكانت عن أرسطو . وحصل بهما على درجة الدكتوراه من جامعة باريس (1889) . وفي السنة ذاتها تم طبع الأطروحة الأولى في كتاب . وبعد ذلك بدأ يقدم محاضرات عن الفلاسفة قبل سقراط (البيروسقراطيون) . وخصوصاً عن الفيلسوف البديري ” هرقليطس ” (535 – 475 ق . م) .

  وإختارته كلية فرنسا رئيساً لقسم الفلسفة اليونانية واللاتينية ، وظل في هذا المنصب حتى عام 1904 ، ومن ثم أصبح رئيساً للفلسفة الحديثة وحتى عام 1920 . وحصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1927 وذلك إعترافاً بأفكاره الثرية ، ومهاراته الذكية . وعاش برغسون حياة هادئة ، توزعت بين التدريس والكتابة . ولعل من أهم مؤلفاته : المادة والذاكرة (1896) ، التطور الخلاق (1907) ، منبعا الأخلاق والدين (1932) وغيرها الكثير (أنظر : جون مولركي ؛ برغسون والفلسفة ، نشرة مطبعة جامعة أدنبيرك 1999) .    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

  ولعل الحاصل الكيسرلنجي من هذه المقاربة ، هو إن كل المفكرين التجريبين ” تأملوا بالفعل من خلال واقعيته ” . وهذا الإفتراض كانت له نتائج ممكنة ، تمثلت في عدم إتفاق المفكرين التجريبيين . والحقيقة إن عدم الإتفاق هذا يعود إلإختلاف في وجهات نظرهم ودرجات ذكاءهم . فمثلاً سبنسر وأستوالد وماخ كانوا ينشرون من خلال محاضراتهم الكثير ، وفعل ذلك برغسون أيضاً ، وإذا كانت عقولهم نشطة بالتساوي ، فإن غاياتهم ستكون بالإصل واحدة . وحسب كيسرلنج ” إن فلسفة بوذا فيها من التشابه الكبير مع كل الأنظمة الفكرية الغربية ، وخصوصاً مع إرنست ماخ ، وكلا النظامين الفلسفيين فيهما نقاط القوة ذاتها ، وفيهما نقاط الضعف ذاتها . فنقاط القوة تعتمد على دقة الملاحظات ، وإن نقاط الضعف تكمن في العمق غير الكاف للملاحظات ” (أنظر : كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف / المجلد الأول ، ص 47)

  ولعل الشاهد الأخر الذي يقدمه لنا كيسرلنج ، وفيه مقاربة بين فلاسفة الغرب وفلاسف البوذية . والشاهد الكيسرلنجي يتحدث عن فيلسوف خلف بوذا بحدود الستمائة سنة ، وهو ” إكفاكوشا ” والذي نجح في عمل ما قام به بوذا ، و ” اليوم برغسون نجح في عمل الشئ ذاته ” (المصدر السابق) . وتماماً إن الباحثين الأكاديميين ، أصحاب العقول النظرية مقتنعين برضاء عال ، ويتفقون مع نظرة البوذية . فمثلاً إرنست ماخ شعر بعدم الحاجة إلى الميتافيزيقا ، وهو في الوقت ذاته ليست لديه أية مشاعر دينية ، ولكنه مؤمن بنسبيته الظاهراتية (الفينومنولوجية) هذا مجرد مثال .

 أما المثال الأخر فأن جميع العقلاء في الهند يؤمنون بنظرة ظاهراتية تتفق في الأساسيات مع بوذا . والشئ ذاته ممكن أن يكون صحيحاً في الغرب ، وبالتحديد مع حالة أوغست كومت الذي إصطنع ديناً مملوءاً بالمشاعر الإنساني ، والشئ ذاته يمكن الحديث عنه في تجربة وليم جيمس الذي إعتقد بصورة ” الإله الشخصي ” . والقضية ذاتها بالنسبة لهربرت سبنسر ، فإن المجهول ، أصبح جوهري في شيخوخته . وبوذا من جهة أخرى أسس ديناً ، هو لا شئ سوى ” النسبية الظاهراتية أو الفينومنولوجية ” ، وهو عمل قام به أرنست ماخ ، وذلك حينما أعلن نتيجة تحليلاته للحواس ، في صورة كتاب مقدس (المصدر السابق ، ص 48) . وهو الشئ ذاته بالنسبة إلى بوذا الذي صاغ كتاباً مقدساً يتحدث فيه عن الجوانب الفيزيولوجية لأنسان يعيش في المنطقة الإستوائية .

  والحقيقة إن كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” مملوء بمرجعيات لعدد من الفلاسفة الغربيين ومقاربات مع بوذا والفلسفة البوذية .. خذ مثلاً حضور الفيلسوف الرواقي والإمبراطور الروماني ” ماركوس أورليوس ” (121 – 180) (كيسرلنج ؛ المصدر السابق ، ص 201) (وللإطلاع على التفاصيل عن حياة وفلسفة أورليوس ، أنظر : إنتونيو بيرلي ؛ ماركوس أورليوس : السيرة الذلتية ، نشرة روتليدج ، نيويورك 1966) . والفيلسوف ” إفلوطين ” (205 – 275) (كيسرلنج ؛ المصدر السابق ، ص 270) . والفيلسوف ” عمانوئيل كانط ” (المصدر السابق ، ص 121 ، 264) ، والفيلسوف ” فيخته ” (المصدر السابق) ، والفيلسوف ” هيجل ” (المصدر السابق ، ص 298)  وهناك الكثير الكثير ..

رائعة كيسرلنج ” موزائيك أوربا ” من زاوية فلسفة التاريخ

   حقيقة لقد كان كيسرلنج قارئً موضوعياً لأطياف أوربا والتي درسها من خلال منهج التحليل الطيفي ، إن فكرة المسيحية كانت المحرك في حياة وتاريخ وحضارة الشعوب الأوربية المتنوعة . لقد ذكرنا إن كتاب الفيلسوف هرمان كيسرلنج  موزائيك أوربا ، ظهر في الإنكليزية بترجمة موريس صمويل ، وقامت بنشره دار هاركورت ، نيويورك 1928 . 

    ويحسبُ كتاب “ موزائيك أوربا ” بعنوانه المتداول في الدراسات الأكاديمية الغربية أو على الأقل الإنكليزية ، من الروائع التي كتبها هرمان كيسرلنج في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . ولاحظ الباحث إن الأكاديميين الغربيين إعتادوا على عقد مقارنات ومقاربات بين رائعة الألماني كيسرلنج ” موزائيك أوربا ” (1928) ورائعة فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” إسوالد شبنجلر ” المعنونة ” ساعة القرار ” (1934) .

   صحيح جداً إن شبنجلر حقق شهرة واسعة بين الجمهور أكثر من كيسرلنج . إلا إن الأخير كان في السنوات الأولى من جمهورية فايمر(وهي الجمهورية الألمانية الجديدة التي قامت عام 1919  نتيجة لخسارة ألمانيا في الحرب العامية الأولى وإستمرت حتى عام 1933) معروفاً أكثر من شبنجلر (أنظر: توماس بيرتينو : كورو القارة (الرموز الروحية) ؛ أوربا كيسرلنج وساعة القرار لشبنجلر ، منشور على صفحات مجلة بروسلس الإلكترونية) . فالجمهور يتحدث كثيراً عن شبنجلر ، إلا إنهم يقرأون كيسرلنج ، صاحب الإسلوب العذب السيال .

   إن كتاب أوربا أو موزائيك أوربا يصدم القارئ ، وذلك بكثرة المقارنات التي تُظهر الإختلاف والتنوع بين الشعوب والدول الأوربية . ويصدم القارئ بمنهج التحليل الطيفي الذي إستخدمه كيسرلنج . فمثلاً يصدم القارئ في المقارنة بين القومية والنزعة الفردية في واقع الشعوب الأوربية . فهناك تفرد متميز للشعوب والدول الأوربية من جانب . وهناك علاقات معقدة بين بعضهم البعض من جانب أخر .

  وعلى هذا الأساس يقدم كيسرلنج الحجة القائلة : إذا ما سعت أوربا إلى صياغة الوحدة أو الإتحاد الإداري . فإن الشرط الأول ، هو شطب هواجسها ومخاوفها من قضية الإختلاف والتنوع ، وأن يكون الطريق الوحيد أمام قيام الإتحاد ، هو طريق منح الحقوق الكاملة ، والإعتراف بالشرعية التامة لهذا الموزائيك للشعوب الأوربية (الإختلاف والتنوع) . كما إن كيسرلنج يفضل قيام حكومة أوربية شاملة . وإن تكون وظيفتها الرئيسة ، هو التوسط في فظ النزعات بين حكومات الشعوب الأوربية (أنظر : المصدر السابق) . إنه أمل وحلم كيسرلنجي خال من أية تفاصيل تُحدد الستراتيجيات والأليات . ولكن مع كل ذلك ، نُذكر  القارئ الكريم ، بأن هذا الحلم الكيسرلنجي قد أصبح اليوم واقعاً معيوشاً بعد قيام الإتحاد الأوربي .

  تألف كتاب موزائيك أوربا من مقدمة وعشرة فصول وفهارس. وجاء في طبعته الإنكليزية بالشكل الأتي :

1 – المقدمة (ص 1 – 10) .          2 – إنكلترا (ص 11 – 38) 

3 – فرنسا (ص 39 – 72) .          4 – أسبانيا (ص 73 – 94) . 

5 – ألمانيا (ص 95 – 150) .        6 – إيطاليا (ص 151 – 180) .

7 – هنغاريا (ص 181 – 220) .     8 – سويسرا (ص 221 – 250) .

9 – هولندا (ص 251 – 270) .      10 – السويد (ص 271 – 290) .

11 – دول البلطيق (ص 291 – 316) .  12 – دول البلقان (ص 317 – 346)

13 – أوربا (ص347 – 394) .      كما وضم الكتاب فهارس (ص 395 ومابعد) . صحيح جداً إن المنهج الكيسرلنجي في إطاره العام هو منهج جغرافي ، يذكرنا بمنهجه في كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” إلا إن إيقاعه المكاني محدد ومحصور في جغرافية القارة الأوربية وهمومها . وقد عبرنا عن عدم إنبهارنا بمثل هذا المنهج الكيسرلنجي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة ومكانتها الروحية في الغرب

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم : 

    شكل كتاب ” موزائيك أوربا ” وكتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” من الأدبيات الكلاسيكية الأولى ” الأناجيل ” للمدرسة  . فإننا في هذا المحور نسعى إلى النظر في التكوين البنيوي لمدرسة الحكمة ، ودور المؤسس هرمان ، والرواد الأوائل ، ومكانتها الروحية في الغرب ، وأخيراً تقويم فعل الوريث الروحي البروفسور أرنولد كيسرلنج في قيادة المدرسة .

المؤسس والرائد الروحي

  قلنا سابقاً بأن الفيلسوف كيسرلنج قد خسر ممتلكاته بقيام الثورة الروسية . وقلنا كذلك بأنه على الرغم من خسارة ممتلكاته بعد قيام الثورة الروسية ، فإنه إستثمر ما تبقى لديه من ثروة في تأسيس مدرسته الشهيرة التي عرفت بمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة ،  وذلك في العام 1920 والتي أقامها في مدينة دارمشتات التي تقع في الطرف الجنوبي من منطقة الراين .

   ووفقاً لرأي البروفسور كيسرلنج ، فإن مدرسة الحكمة نهضت على أسس مدارس الحكمة الأصلية التي إنتشرت قبل ألفين سنة في شمال الهند  والتي كانت خاضعة للقواعد التي وضعها “ بوذا ” . ولعل من النافع أن نشير إلى إن كيسرلنج الإبن يرى إن والده يختلف عن المتداول اليوم من الزعماء الروحيين . فهو لم يضع نفسه في مكانة عالية كقائد روحي أو ” كورو ” ، كما إنه لم ينشأ طائفة مرتبطة بإسمه . بل على العكس من ذلك شجع المشاركة المتساوية للجميع ، ومن ضمنهم أصدقائه كل من عالم النفس ” كارل يونك ” (1875 – 1961) ، وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم (1873 – 1930) ، وشاعر الهند الكبير طاغور (1861 – 1941) والروائي هرمان هس (1877 – 1962) (المصدر السابق) .

   كما كانت وظيفة المدرسة التركيز على الإهتمام بالجانب الفكري (العقلي) الألماني ، والدعوة إلى الإنفتاح الألماني على العالم ، والأخذ بالمبادئ الديمقراطية ، وذلك لأن الفيلسوف هرمان تيقن بأن النزعة الألمانية العسكرية قد ماتت وطوتها روح العصر. وإن الأمل الوحيد أمام ألمانيا هو تبني النزعة العالمية والأخذ بمبادئ الديمقراطية . ولعل أثر رحلاته حول العالم  ، هو الذي منحه هذا الأفق العقليً الجديد ، ولذلك تطلع أن يكون أفقاً ألمانياً جديداً . وإن الشاهد على ذلك كتابه المعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” والتي تصف رحلاته إلى أسيا وأميركا وجنوب أوربا (المصدر السابق) .

   كما إن تعاليم المدرسة تنهض على إعادة تكوين الإنسان على أسس جديدة سببتها الحرب ، والحقيقة إن هذه التعاليم متجسدة في كتاب الفيلسوف كيسرلنج المعنون ” نظرية المعرفة الخلاقة “ ، نشرة دار رايشل ، دارمشتات 1922 (أنظر : كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، المجلد الأول ، ص 7) . وعنوان الكتاب يثيري إهتمامي ، ويدعوني إلى ألفات النظر إلى أهمية الدراسة المقارنة بين مضمار نظرية المعرفة الخلاقة عند الفيلسوف كيسرلنج وأفكار صديقه الفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” صاحب نظرية الدافع إو التطور الخلاق .

  لقد قاد كيسرلنج هذه الحركة الروحية الجديدة ، وصرف معظم وقته في إلقاء المحاضرات وفي الحديث إلى الجمهور . ولذلك جسد في شخصه ومفردات حياته الخصائص الحقيقية لشخصية المفكر العضوي ، والتي قد لا تتوافر بصورتها الجوهرية الكاملة خلال قراءة كتاباته .

عالم النفس ” كارل يونك “

   صحيح إن كارل يونك كان العضو الرائدا الثاني(طبعاً الرجل الأول هو الفيلسوف كيسرلنج وهذه التراتبية لا قيمة لها في مدرسة الحكمة ، لأن كيسرلنج بحد ذاته يرفض مثل هذه التراتبية كما أشرنا أعلاه ، ونحن نستخدمها للتبسيط فقط) في مدرسة الحكمة ، وصحيح كذلك إنه رحل إلى الهند حيث مواطن العقيدي البوذي ومدارس حكمتها القديمة . فكان الحاصل إن فكره تلون بطبقات من الفكرانية البوذية . وفي هذين الطرفين شارك كارل يونك الفيلسوف كيسرلنج في الكثير الكثير من السمات الفكرانية على وجه الخصوص ، ومع أعضاء مدرسة الحكمة على وجه العموم . ولكن هناك أطراف من العلاقة المسكوت عنها بين أعضاء مدرسة الحكمة (والتي فيها تحفظ وربما فيها تقويم ونقد) ، والتي أخذت أشكالاً من المد والجزر . ونحسب إن البداية هو أن  نقدم تعريف بشخصية عالم النفس كارل يونغ .

   ولد الطبيب النفسي السويسري ” كارل غوستاف يونك ” في 26 تموز عام 1875 ، وهذا التاريخ يؤشر على إنه أكبر من الفيلسوف كيسرلنج بخمس سنوات . على كل كانت ولادة الطفل كارل في مدينة كاسويل التابعة لمنطقة ثورغو السويسرية . وهو الطفل الرابع للقس الفقير ” بول أشيل يونك ” (والذي كان يومها يعمل في الأرياف) وكارل كان الطفل الوحيد الذي بقي على قيد الحياة . وهذه الوفيات المتكررة كانت طرفاً في كآبة الأم ” أميلي ” ، وسبباً وراء حزنها ومرضها الغامض ..

  ويبدو إن التفاوت الإجتماعي والإقتصادي بين والد كارل يونك ، وأمه ” أميلي ” التي جاءت من عائلة سويسرية ثرية وذات سمعة عريضة (فوالدها هو البروفسور ” صمويل بيرسورك ” وهو أستاذ اللغة العبرية) ، قد خلق للطفل كارل أجواءً متوترة ، فقد عاش بي بيت محكوم بعلاقات مضطربة بين الوالد ” أشيل ” والأم ” أميلي ، كان الحاصل منها كآبة مزمنة للأم ، حملتها على الأعتزال في الليل في غرفتها . ومن ذكريات الطفل كارل عن حالة أمه يومذاك :

إنها كانت تدعي إن روحاً تزورها في الليل  (أنظر : كلارا دون ؛ كارل يونك : معالج النفس المجروح (سيرة ذاتية) ، نشرة كتب باربولا ، نيويورك 2000 ، ص 3 ومابعد) .

  وعلى أساس هذا الوضع العائلي ، نمت علاقة حميمية بين الطفل كارل ووالده القس أشيل ، ويومها أعتقد الطفل بأن ” والده واضح وسهل التعامل معه “وعلى العكسمن أمه التي كان يصفها ” بأنها كانت مشكلة ” . وهذا الحال وضع أمام أنظار الطفل كارل صورة حياتين للوالدة : واحدة في غرفتها في الليل . والثانية سهلة التعامل في النهار . ويتذكر كارل لحظات الرعب التي كان يعيشها في الليل ، الرعب من غرفة أمه ، والتي يصف سلوكها ، فيفيد : ” بأنها في الليل تكون غريبة الأطوار وموضوع أسرار خفية ” .  ويدعي الطفل كارل ” بأنه في واحدة من الليالي ، شاهد ضوء خافت صادر من غرفتها على صورة شبح مقطوع الرأس من الرقبة ، وهو طائر في الهواء ، يلاحق جسمه الذي فر أمامه ” .  

  ولهذا الحال غابت الأم كثيراً من حياة الطفل كارل ، منها دخولها المستشفى مرات عديدة قرب بازل ولأسباب عدة . مما كان لها أثراً في عدم إستقرار الطفل ، فمثلاً أخذه الوالد ليعيش مع عمته أميلي (أخت الوالد) ، ومن بعد تحسن أوضاع الوالد جلبه مرة ثانية ليعيش معه في الأبرشية . ويتذكر كارل جيداً ، فيشير إلى إن كآبة أمه وغيابها من طفولته ، ولدت لديه إتجاهات سلبية نحو النساء ، وكونت ذهنيته الأبوية والتي ستكون موضوع نقد فمنستي في دوائر الفلسفة الفمنستية فيما بعد .

  حقيقة إن شخصية والدة عالم النفس التحليلي كارل يونك ، تركت أثارها على تفكيره ، فإقتنع بأن حاله حال والدته ، له شخصيتين ؛ واحدة شخصية سويسرية حديثة . والثانية في داخل البيت شخصية القرن الثامن عشر السلطوية . والتي عبر عنها في كتاباته ، في حدود ما أسماها ” الشخصية رقم 1 ” وهي شخصية طالب المدرسة الذي يعيش في أحضان عصره . و ” الشخصية رقم 2 ” وهي شخصية الرجل صاحب السلطة الذي ينتمي إلى الماضي (أنظر : كيري لوكمان ؛ يونك الصوفي ، نشرة دار بنكوين 2010) .

  وقبيل نهاية السنة الأولى من دراسته الثانوية (الجيمنزيم) في بازل ، وكان عمره إثنتي عشر سنة ، تدافع مع صبي في المدرسة ، فسقط على الأرض ، فاقداً الوعي لمدة دقيقة ، فكانت السبب في إنقطاعه عن المدرسة ، وبعد ستة أشهر بدأ الدراسة في البيت ، وحينها أقتنع الأب إن ولده ” ربما مصاب بالصرع ” وفعلاً إنه تعرض لنوبات من فقدان الوعي ، إلا إنه تغلب عليها فيما بعد . وبدأ بدراسة قواعد اللغة اللاتينية .

 والحقيقة لم يفكر الفتى كارل يوماً في مضمار الطب النفسي ، ولم تكن لديه خطة في دراسة هذا الحقل العلمي ، خصوصاً إن النظرة الإجتماعية للطب النفسي يومذاك كانت معوقاً وتسد الطريق أمام كل من يتطلع لدراسته وإتخاذه مهنة . ولكن توافرت في يد كارل نسخة من كتاب أكاديمي في الطب النفسي ، ومنذ اللحظات الأولى من قراءة الكتاب ، أصبح مولعاً جداً جداً بهذا التخصص ، وخصوصاً عندما قرأ فيه : إن الأعراض النفسية سببها أمراض في الشخصية . وحالاً إقتنع إن هذا هو المضمار العلمي المفضل لديه ، وأخذ يفكر في التخصص فيه . وخاصة عندما وجد إن هذا الحقل يشمل طرفين ؛ بايولوجي وروحي  (أنظر : كلارا دون ؛ المصدر السابق) .

  وفي عام 1895 بدأ بدراسة الطب في جامعة بازل ، ومن ثم في العام 1900 عمل في مستشفى ” بركولزلي ” للأمراض النفسية التابعة لجامعة زيورخ السويسرية ، وكذلك عمل مع الطبيب النفسي ” يوجين بلولر ” (1857 – 1939) الذي كان مديراً للمستشفى ، ومشرفاً على عدد من أطاريح الدكتوراه في الطب النفسي ( أنظر للتفاصيل عن يوجين بلولر : إي فلازدر ؛ قصة العلاقة المتداخلة : فرويد ويوجين بلولر / مجلة علم النفس التحليلي ، حزيران 2007 / 52 (3) ، ص ص 343 – 368) . ونشر في العام 1903 إطروحته للدكتوراه وكانت بعنوان ” علم نفس وعلم أمراض الظاهرة السرية (الخفايا) ”  . وتلاها بعام واحد (أي عام 1906) نشر كتابه المعنون ” دراسات في معنى الترابط أو الإقتران ” ومن ثم أرسل نسخة منه إلى عالم النفس ” سيغموند فرويد ” (1856 – 1939) ، فتعمقت الصداقة بينهما والتي إستمرت إلى ستة أعوام . إلا إن هذه الصداقة لم تستمر على ما يرام ، فقد حدث إنفراط لها بعد إن نشر كارل يونك في العام 1912 كتابه المعنون في ترجمته الإنكليزية ” علم نفس اللاوعي ” والذي بعده تراشق الطرافان بالنقد ، ومزاعم وقوع الخطأ في جبهة الأخر (أنظر : بيتر كي ؛ فرويد : حياة لعصرنا ، لندن 1988 ، ص 202) .  وخلال ذلك إندلعت الحرب العالمية الأولى وعاش كارل تجربة صعبة ، تمثلت في تجنيده طبيباً ، وفعلاً أخذ يعالج الضباط والجنود الإنكليز ضحايا الحرب (سويسرا كانت على الحياد يومذاك) . وكان يشجعهم على الإنخراط في فصول دراسية في الجامعة (أنظر : فيفيان كراولي ؛ يونك : رحلة التحولات ، نشرة دار كتب كوست 1999 ، ص 56 وما بعد) .

  وفي العام 1903 تزوج يونك من الكاتبة وعالمة التحليل النفسي ” أميا روخنباخ ” (1882 – 1955) ، وهي من عائلة سويسرية ثرية ، وأنجبت له خمسة أطفال ، هم كل من أكاثا ، كرت ، فرانز ، مريانا ، وهلين . وزواجه إستمر حتى وفاة أميا في العام 1955 .(أنظر : رونالد هايمن ؛ حياة يونك ، نشرة شركة نورتن ، نيويورك 1999 ، ص 84 وما بعد) .

 وتذكر مراسلاته مع فرويد ، ومذكرات وكتابات كل من الطبيبة ” صابينا سبلرين ” (1885 – 1942) وعالمة التحليل النفسي اليونكي (نسبة إلى يونك) ” تونيا ولف ” (1888 – 1953) ، إنه كانت ليونك علاقات مفتوحة مع نساء أخريات منهن مريضات ، ومنهن صديقات . ولعل من أشهرهن ” صابينا سبلرين ” وهي أول عالمة في التحليل النفسي ، وكانت طالبة يونك أولاً ، ومن ثم زميلة وصديقة ( أنظر أطروحة الدكتوراه التي كتبها ستيفن باركر ، وبعنوان ” النساء وكارل يونك ، 9 نوفمبر 2010 ” وقد إعتمد على مذكرات صابينا التي عثر عليها في العام 1977. وللتفصيل أنظر كذلك : جون كير ؛ الطريقة الأكثر خطورة : يونك ، فرويد وصابينا سبلرين ، نيويورك 1993) . ومنهن ” تونيا ولف ” والتي كانت طالبة له ، ومن ثم مساعدة ، وحبيبة صرفت الكثير من أيامها في بيته ، وساهمت في تطوير الكثير من مفاهيمه النفسية ، وكانت شاهد على أحلامه ، وأوهامه .. ولعل من أهم ما كتبته ” الأشكال البنيوية للنفس النسوية ” (1956) والذي ترجم إلى الإنكليزية (أنظر: فيرن جنسن ؛ يونك ، أميا يونك وتونيا ولف ، مجموعة مذكرات ، نشرة نادي علم النفس التحليلي 1983) . ونتطلع أنا والدكتورة نداء إبراهيم ، إلى الكتابة عن ” صابينا سبلرين ” وتونيا ولف ” كعالمات في التحليل النفسي (من زاوية فمنستية) ونتوقع نشره في أعداد قادمة من مجلة أوراق فلسفية جديدة .

الرحلة خارج أوربا وإهتمام كارل يونك بالفلسفات الشرقية

  كان حال يونك مثل حال الفيلسوف كيسرلنج ، وهو التطلع إلى الرحلة حيث ديار الفلسفة الشرقية ، ليرتوي من مصادرها الأصيلة في بلاد الهند . وهذا الأمر وحد بين جهودهما ، وعملا سوية تحت ظلال مدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج . حقيقة إن مشروع يونك الفلسفي كان فيه رحاب واسعة للأنفتاح على كل الأديان ، والنظر إليها كتجارب روحية خالصة ولذلك زار أمريكا وأفريقيا (وكان يتطلع لدراسة البدائيين وصياغة ما أسماه علم نفس البدائيين) . ونحسب إن البداية حديث عن رحلاته خارج القارة الأوربية ، ومن ثم حديث عن الرحلة إلى الهند ، ومن ثم يأتي الحديث عن مشروع يونك الفلسفي – الروحي .

  كانت رحلة يونك الأولى نحو أمريكا ، وفعلاً فقد ذهب في العام 1909  إلى جامعة كلارك في أتلنتا ، لحضور مؤتمر ، خطط له المربي وعالم النفس الأمريكي ” جرانفيل ستانلي هال ” (1844 – 1924) . والمؤتمر ضم سبع وعشرين طبيباً نفسياً , وعالماً في الأعصاب و النفس . والحقيقة إن المؤتمر بحد ذاته كان شهادة على قبول حركة التحليل النفسي في شمال أمريكا ، وفي الوقت ذاته ترحيب أمريكي بعالم النفس يونك (أنظر : صول روزنسوك ؛ فرويد ، يونك وهال : الرحلة التاريخية إلى أمريكا 1909 ، نشرة مطبعة دار رنا ، سياتل 1992) . ومن النافع أن نذكر القارئ بأن هذه الرحلة ، وإنعقاد المؤتمر جاء في الفترة الذهبية من العلاقة بين يونك وفرويد . ويومها لم ينشر يونك كتابه ” علم نفس اللاوعي ” الذي سبب التوتر بينهما  ومن ثم إنفراط علاقتهما .

  وتكررت رحلاته إلى أمريكا ، منها رحلاته إلى إلقاء محاضرات في جامعة فورهام في 1912 ، والتي إستمرت ستة أسابيع . وجاءت الرحلة الثالثة المهمة والتي كانت نسبياً أطول رحلة له مقارنة بالرحلتين السابقتين  ، والتي تطلع فيها يونك إلى التعرف على حياة وثقافة الهنود الأمريكيين . وفعلاً زار منطقة ” تازو بابلو ” وهي مواطن الهنود الأمريكيين (القائمة بشكلها القديم والتي لازال يعيش فيها الهنود) ، قرب تازو في مكسيكو الجديدة (أنظر : وليم ماكوير ؛ علاقة يونك ببريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية / مقالة منشورة في مجلة علم النفس التحليلي / 40 (3) ، ص 301 وما بعد) . وإذا كانت رحلة يونك الأولى قد حدثت قبل رحلة الفيلسوف كيسرلنج بسنتين ، وإن الرحلة الثانية حدثت خلال رحلة كيسرلنج . فإن الرحلة الثالثة تمت ما بين 1924 – 1925 ، أي حدثت بعد نشر كيسرلنج لكتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” ، وبعد تأسيس الأخير لمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة بأربعة سنوات ، وكان يومها يونك عضواً فاعلاً في المدرسة كما نرجح .          

  وفي إكتوبر عام 1925 باشر رحلته البحرية الإستطلاعية الطموحة (والتي إستمرت خمسة أشهر ، وإنتهت في العام 1926) إلى شرق إفريقيا وكان عمره حينها خمسين ربيعاً ، والتي يطلق عليها بالرحلة الإستطلاعية النفسية  ، وصاحبه فيها عالم التحليل النفسي ” بيتر باينز ” (1882 – 1942) (وهو الذي نضم له سيمنارين في كورنول في العام 1923 ، والأخر في العام 1925 ، وهو المترجم لبعض مؤلفاته ومقالاته) ، وشاركهما عالم التحليل النفسي اليونكي الأمريكي ” جورج باكوث ” (1896 – 1931) . وخلال الرحلة تعرف على إمرأة إنكليزية تُدعى ” روث بيلي ” والتي إلتحقت بهم ببضع أسابيع . وقامت الجماعة برحلتها خلال كينيا وأوغندا ووصلت إلى ” إلكون ” وهو جبل بركاني قديم . وكان يونك يتطلع إلى زيادة فهمه بعلم نفس البدائيين . وفعلاً قام بإجراء أحاديث مع السكان الذين كانوا يعيشون في هذه المنطقة المعزولة . وفيما بعد شكلت هذه الأحاديث مادة معرفية للمقارنات التي قام بها مع علم النفس الأوربي ، والتي شكلت بدايات جديدة في علم النفس اليونكي (أنظر : يونك في أفريقيا ، نشرة كونتيوم ، لندن 2005) .

  وقبل قيامه بالرحلة إلى الهند ، رحل مرتين إلى أمريكا ؛ الأولى في العام 1936 والثانية في العام 1937 وذلك لإلقاء محاضرات . ولعل أهمية هذه المحاضرات ، وخصوصاً محاضرات 1937 التي ألقاها في جامعة ييل ، إنها شكلت مضماراً مهماً في الإهتمام اليونكي (ومن خلالها في إهتمامات مدرسة الحكمة) ، يطلق عليه مضمار علم النفس والدين . ومن ثم جاء ديسمبر من عام 1937 ، والذي ترك يونك وراءه زيورخ ، وبدأ رحلته الواسعة في الهند . وصاحبه فيها ” فولر مكورمك ” . وفي الهند شعر يونك لأول مرة بالتأثير المباشر للثقافة الأجنبية عليه . وإذا كانت هناك حواجز لغوية لعبت في رحلته إلى أفريقيا ، ففي الهند لا توجد مثل هذه الحواجز اللغوية . ولذلك قاد يونك حوارات عميقة وتفصيلية ، وكان الحاصل منها إن شكلت الفلسفة الهندية عناصراً مهمة من فهمه لدور الرموز وحياة اللاوعي . ولكنه تعرض هناك إلى إضطرابات نفسية حادة ، أجبرته على دخول المستشفى في كلكتا ، وصرف فيها إسبوعين ، فقرر العودة ، ومن ثم إقتصر رحلاته في داخل أوربا فقط (أنظر : بيير دايردر ؛ يونغ : السيرة الذاتية ، نشرة لتل براون ، نيويورك 2003 ، ص ص 417 وما بعد) .

  لقد إقتنع يونك من خلال تحليله لشخصة ، ومن خلال تعامله مع مرضاه ، إلى إن للحياة هدف روحي يقف وراء الأغراض المادية . ولهذا عمل بكل جد على إكتشاف وإنجاز إمكانياتنا الداخلية العميقة . وإن هذه القتاعة اليونكية جاءت حصيلة دراسته للمسيحية ، والهندوسية ، والبوذية ، والغنوصيات الدينية ، والطاوية والتقاليد الدينية الأخرى . وهو يعتقد بأن العملية في مجملها كانت رحلة حملت العديد من التحولات والمراحل ، والتي يطلق عليها إصطلاح ” الإندفجوشن ” ( وهي تشمل دمج الوعي واللاوعي ولها مراحل) . وهي برأيه الجوهر الصوفي للأديان ، وهي مرحلة مواجهة الذات وجه لوجه ، ومواجهة الإلهي كذلك . وهو يعتقد على خلاف فرويد ، بأن الخبرة الروحية هي الجوهر الأساس لوجودنا الإنساني (أنظر : فيفيان كروالي ؛ المصدر السابق) .

  وتتوج هذا البعد الروحاني اليونكي ، في نشر يونك في العام 1944 كتابه المعنون ” علم النفس والخيمياء (الكيمياء القديمة) ” والذي حلل فيه الرموز السرية للخيمياء وبين علاقتها المباشرة بعملية التحليل النفسي . وفعلاً جادل في هذا الكتاب ، وذهب إلى إن العملية الخيميائية بحد ذاتها هي عملية تحويل للنفس غير الصافية (غير الطاهرة) (وهي مثل عنصر الرصاص) إلى نفس كاملة (الذهب) وهو مجاز لعملية الإندفجوشين (وهي مراحل تحول الوعي واللاوعي ودمجهما)(أنظر : كارل يونك ؛ علم النفس والخيمياء / منشور في أعمال يونك / المجلد 12 ، نشرة روتلدج ، لندن 1968) . ومات يونك في 6 حزيران عام 1961 ومات وجُل إهتمامه بالفلسفة والصوفية ونزعاتها الرمزية ذات الطبيعة السرية .

  واليوم يُنظر الباحثون الأكاديميون إلى كارل يونك ، على إنه كاتب منتج ، فمجموعة أعماله وملفاته كونت 19 مجلداً . وهناك العديد من أعماله لازالت بالألمانية ولم تترجم إلى الإنكليزية حتى بعد وفاته . ولعل من أهم مؤلفاته الكتاب الأحمر الذي ترددت العائلة على نشره . وهو في الحقيقة مجموعة ملاحظات شخصية بدأها أولاً في العام 1913 وذلك عندما عانى يونك (وكان في الثامنة والثلاثين ربيعاً) مما أسماه ” تحديات اللاوعي ” والتي تمثلت أعراضها في رؤية صور غريبة ، وسماع أصوات ، وهلوسات ، والتي أطلق عليها ” خيالات حادة ” وإعتقد بأنها أعراض الشيزوفرينيا ، وتيقن إنها تجربة ثرية ، وبدأ بتسجيلها في كتاب ملاحظات غلافه من جلد أحمر . وقد صرف في كتابته ستة عشر عاماً ومات يونك ولم ينشر هذا الكتاب .

  وظلت عائلته تترد في نشره ، وتدخل العديد من الشخصيات وحاولوا إقناع العائلة إلى أهمية هذا الكتاب في بيان نظريات يونك الخاصة في علم نفس اللاوعي . وفعلاً إقتنعت العائلة أخيراً وطبع بالألمانية في 7 إكتوبر عام 2009 ، ومن ثم ترجم إلى الإنكليزية مع مقدمة كتبها المؤرخ البريطاني ” سونو شامداسني ” وهو بروفسور في تاريخ الطب في كلية لندن الجامعية (وهو بدوره حاول ولمدة ثلاث سنوات على إقناع ورثة يونك على أهمية نشر الكتاب الأحمر) .       

عالم اللاهوت ” ريتشارد ويلهلم “

  والشخصية الثالثة من شخصيات مدرسة الحكمة أو الفلسقة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج ، هو رجل اللاهوت البروتستانتي ” ريتشارد ويلهلم ” ، وهو عالم متخصص باللغة والأدب الصيني ، والحارث الأكاديمي في مختلف إتجاهات الفلسفة الصينية . ووفقاً للسيرة الذاتية لصديقه عالم النفس كارل يونك :

  ويلهم كان أكثر من كونه باحث أكاديمي ، وعالم في اللنكوستيك (فقه اللغة) ، فهو باحث روحي تسربت إلى أعماقه الروح الصينية ، مع محافظة على المرجعية الأوربية . وقد عاش في الصين لأكثر من عشرين عاماً ، وهو المصدر الأول والشاهد الذي رأى بأم عينيه الإختلافات الروحية بين الشرق والغرب (أنظر : كارل يونك : مذكرات وأحلام وأفكار ، ترجمة ريتشارد وكلارا وينسون ، نشرة دار رندم ، تورنتو 1989) .

   ولد الطفل ريتشارد في 10 مايس من العام 1873 ، في مدينة توبنكن الألمانية . وحسب رواية يونك كان طالباً في مدرسة مرموقة ، وهي مدرسة ” توبنكر سليفت ” وكان ذو إهتمامات ثقافية واسعة ، كما كان مولعاً بأعمال الشاعر الألماني ” جوهان غوته ” . وريتشارد بطبعه كان شخصية روحية عميقة ، ولذلك تحولت دراساته إلى مضمار علم اللاهوت . وفي العام 1895 ، وكان عمره أثنتين وعشرين ربيعاً  رُسم

باستراً (أي قساً بالأصطلاحات الكاثوليكية) . وعمل لفترة باستراً في الأبرشية .

  ولما كان الشاب ريتشارد مثالياً ، ومتطلعاً لعالم أوسع ويحب المغامرة ، فإنه في سن السادسة والعشرين إلتحق بمهمات التبشير البروتستانتي ، ومن ثم وافق للعمل في التبشير في المستعمرة الألمانية في مدينة ” تسنكتو ” الصينية (أنظر : كارل يونك ؛ المصدر السابق) .

 وما حطت أقدامه على أرض المستعمرة ، حتى إكتشف تفتُح قريحته على تعلم اللغة الصينية بشكل خلاق ملفت للنظر . وفعلاً كما يذكر يونك ، إن مجموعة المبشرين قد سمحوا لريتشارد أن يصرف بعض الوقت في دراسة اللغة الصينية . وفي العام 1905 ولد ولده ” هاملت ” ، وفي هذا العام بدأ بترجمة كتابه الصيني الأول إلى الألمانية . وإن دراساته وترجمته للحياة الدينية الصينية إستمرت حتى يوم وفاته (المصدر السابق) .  وهكذا تحول من التبشير والوعظ الديني إلى باحث أكاديمي ومترجم من الطراز الأول للتراث الفلسفي الصيني والنصوص الدينية الصينية .

   وبعد تعلم ريتشارد للغة الصينية ، وجد نفسه مفتوناً بالنصوص الدينية الصينية ، التي بدأ بدراساتها . وفعلاً تنامى لديه نوع من التعاطف مع الثقافة الصينية ، وخصوصاً نصوصها الدينية . وفي تسنكتو وبكين بدأ بالدراسة في الجامعة ، وهناك  قابل العديد من قادة الثقافة الصينية في عصره . ووفقاً لزوجة ويلهم كان :

شخصية دافئة ، ولديه الإمكانيات لعقد صداقات مع العديد من الصينيين ، وتعلم طريقتهم في الحياة . وهذا الإرتباط باللغة والثقافة الصينيتين ، عملا على إحداث تحولات جذرية في شخصه ، ومن ثم خلقا منه إنساناً جديداً . وفعلاً بدأ ينظر إلى العالم من زاوية صينية (المصدر السابق)

   وفي العام 1911 قابل ويلهلم رجلاً رسم له مستقبلاً أكاديمياً متفرداً ، وشكل له قدراً معرفياً متميزاً ، خصوصاً في مضمار المعرفة الفلسفية والدينية الصينية . هذا الرجل هو الحكيم الصيني ” ليو ناي هاسان ” (1843 – 1921) . كما وإكتشف

 ويلهم الجمعية الكونفوشية في تسنكتو ، وأصبح الحكيم مرشداً له . ولعل القارئ

للمقدمة التي كتبها ” ريتشارد ويلهلم ” للترجمة التي أنجزها للكتاب الصيني القديم (والذي يُعرف بالشنك) وهو ” كتاب التغييرات ” (وخصوصاً بعد الثورة الصينية ، وتحول المستعمرة إلى مواطن لعيش عدد من الباحثين من أعضاء المدرسة القديمة) يقف عل الوصف الذي قدمه ويلهم لمكانة حكيمه الصيني :

   هو من الباحثين المشاهير من المدرسة القديمة ، وهو الوحيد على قيد الحياة من بينهم ، وهو معلمي المبجل ، وهو من الباحثين القلائل المتطلعين إلى التغيير ، وهو يتوقع أن تأتي قريباً عزلة الصين من العالم إلى نهايتها ، وهو الحكيم الحقيقي ، وينتمي إلى عائلة كونفشيوس ، وهو ماهر بعمق في اليوغا والطرق النفسية للتقاليد الطاوية . وإنه كان خبيراً بكتاب شنك ، ومحباً له ، وإن هذا الحب إنتقل بسرعة إلي (أي ويلهلم . وهكذا أصبح ليو مبشراً متفرداً ، وويلهلم (الذي جاء مبشراً) تحول إلى تلميذ ، ولأول مرة فإن التقاليد الروحية الصينية تم مشاركتها مع الأوربي (المصدر السابق) .

  وتعاون ريتشارد ويلهلم مع حكيمه الصيني خلال السنوات العشر التي جاءت بعد العام 1913 على ترجمة كتاب ” شنك ” من الصينية وإلى الألمانية . وهذه الترجمة قد ثبتت بأنها من أقوى الترجمات الغربية ، التي نقلت بصدق مضمون النص الصيني القديم . كما إن هذه الترجمة قد ترجمت إلى العديد من اللغات الأخرى .

 وكتب ويلهلم يصف الجانب الإجرائي للترجمة ، فيقول :

لقد فتح الحكيم الصيني ليو ذهنيتي على كتاب التغييرات ، وقادني خطوة خطوة لأقف على روائعه . وتحت إشرافه المهني العالي ، بدأت أتنقل مسحوراً في أركان وزوايا هذا العالم الغريب المؤلف .

  إن ترجمة هذا النص قد تمت بعد مناقشة التفاصيل معه ، وبعد إكمال النسخة الإلمانية ، أُعيد ترجمتها مرة ثانية إلى الصينية ، وبعد التحقق من تطابق المعنى على النص تماماً ، إعتقدنا إن النسخة الإلمانية كانت صحيحة جداً وجاهزة للطبع .

  وفي العام 1921 وصلت الصفحة الأخيرة من تصحيحات الناشر لكتاب شنك ، وتوفي الحكيم الصيني ليو . وعمل ويلهلم بعض الإضافات  ، وفعلاً لم يصدر كتاب ” شنك : التغييرات ” إلا في العام 1923 . وفي العام 1924 عاد ويلهلم إلى ألمانيا ، وعمل بروفسوراً للدراسات الصينية في جامعة فرانكفورت . ومن ثم في العام 1925 أسس المعهد الصيني ، وفي هذه الفترة تعرف على عالم النفس التحليلي ” كارل غوستاف يونك ” ، وأصبح صديقاً مقرباً له ، وكتب يونك مقدمتين لكتابي ويلهم ؛ الأول ” شنك : كتاب التغييرات ” . والثاني ” تاوست : رسالة الخيمياء (سر الوردة الصفراء) ” . ويحسب ويلهلم إن علاقتهما لم تقف عند حدود المقدمتين لهذين الكتابين ، وإنما تخطت إلى ظهور أثرهما على نظريات يونك وكتاباته .

  لقد كان ويلهلم مثالاً للفيلسوف الصادق ، الذي تخلى عن مهمته الدينية التبشرية التي ذهب إلى الصين لإنجازها ، وبالمقابل تمسك بمبادئه الإنسانية وهو يعيش على الأراضي الصينية ، وكثيراً ما إنحاز إلى الروح الإنسانية . فقال :

  أعتقد إن على المسيحيين أن يتطلعوا إلى الصين ، ويجدوا الله بينهم ، بدلاً من محاولة تنصيرهم . ومن ثم أخبر يونك عن حياته التي قضاها في الصين ، فقال :

لم أقم بتعميد شخص صيني واحد على الإطلاق . وشعر بأن مهمته هو تأسيس جسر بين الروحين الشرقي والغربي . وعالم النفس يونك كتب من طرفه في مذكراته يصف شخصية ويلهلم ، فقال :  كان ويلهلم الحواري الوفي للحكيم الصيني ليو ناي هوسان ، وحقق رغبته وحلمه (كارل يونك : مذكرات ، أحلام وأفكار ، ترجمة ريتشارد وكلارا ونسون ، نشرة دار رندم ، تورنتو 1989 ، ص 373 – 377) .

  ويبدو ويلهلم إنموذجاً صينياً مثالياً في سلوكه ، أكثر من كتاباته وأحاديثه ، وأن الثقافة الصينية القديمة قد تشربت في شخصة ، وإستقرت في أعماق روحه وتفكيره . كما إن الهوية الصينية للفيلسوف ويلهلم كانت من طرف أخر مصدراً من مصادر الصراع الداخلي ، والتي كانت وراء العديد من الصعوبات التي واجهها بعد عودته إلى أوربا . ويونك أحس بأن ويلهلم كان يعاني من ضغط الروح الأوربي عليه . وإن الصراع النفسي كان قوياً وعميقاً بين طرفيه الشرقي والغربي . ومات ريتشارد ويلهلم في العام 1930 ، وكان عمره سبع وخمسين ربيعاً فقط (أنظر : ريتشارد ويلهلم : السيرة الذاتية (أون لاين)) . 

 وفي موقع مدرسة الحكمة تعريف بشخصية ريتشارد ويلهم ، نرغب في توفيرها للقارئ العربي ترجمة :

   يُعدُ ريتشارد ويلهلم ماركو بولو العالم الداخلي للصين ، وهو أكثر من ذلك ، فهو الذي إتخذ على عاتقه مسؤلية فتح أبواب العالم الغربي على التراث الروحي الصيني وعموم أسيا . وقام ويلهلم بترجمة الأعمال الفلسفية الكبرى من الصينية إلى الألمانية ، ومن ثم تُرجمت إلى معظم اللغات الأخرى ومن بينها الإنكليزية . وتقف ترجمته لكتاب ” شنك : التغييرات ” الذي نشره في العام 1923 نداً لجميع الترجمات الأخرى ، بل وتتفوق عليها .

  وريتشارد ويلهلم هو الذي أدخل كتاب شنك ، والفلسفة الصينية إلى مدرسة الحكمة ، ومنذ فتح أبوابها في العام 1920 . وإن أفكاره تحولت إلى جزء من برامجها . وإن ريتشارد ويلهلم ، والحكماء الصينيين القدماء ، شكلوا المنابع الأساسية لمدرسة الحكمة (أنظر : مدرسة الحكمة / تاريخها ، موقع (أون لاين)) .

  وأخيراً فإن ويلهلم حسب رواية يونك ، قد شارك في كتاب كيسرلنج ” حول الزواج ” . وفعلاً كتب فصلاً بعنوان ” الزواج عند الصينيين ودلالته الروحية ” ، وشارك في مدرسة الحكمة في دارمشتات ، وترك أثاراً على كل من الأب كيسرلنج والولد أرنولد كيسرلنج ، خصوصاً في الفلسفة الصينية ، وكتاب شنك الذي أصبح ركناً مركزياً من منهج مدرسة الحكمة (يونك : المصدر السابق) .

شاعر الهند الكبير ” طاغور “

  وكان الشاعر الهندي الكبير ” ربند راند طاغور ” (1861 – 1941) هو الفيلسوف الرابع من فلاسفة مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج . وهو يتحدر من عائلة لها دور في التجديد في الفلسفة البراهمية ، فمثلاً كان جده ” دابند راند ” من جهة والده ، هو الذي أعاد صياغة الفلسفات البراهمية التي تبناها صديقه المصلح البراهمي ” رام موهان روي ” (1772 – 1833) ، ومن ثم تحول جد طاغور إلى رمز كبير ومتحدث في الجمعية البراهمية بعد موت المصلح ” روي ”  (أنظر : تاكي شاركر ؛ وجوه متعددة للحب ، مقال منشور في كتاب : برديب كومر ديتا ” رابند راند طاغور : البيت والعالم (صحبة نقدية) ، نشرة دار بلاك بيرممنت ، 1995 ، ص 36 وما بعد) .

   لقد ولد الطفل ” رابي” (الشاعر طاغور) في منزل العائلة الكبير (جورسانكو مانشن) في كلكتا الهندية ، في 7 مايس عام 1861 ، وكان الطفل الأصغر سناً بين إخوانه الثلاثة عشر من الأحياء (المصدر السابق ، ص ص 8 – 9) . وبسبب موت والدته في طفولته المبكرة ، وترحال والده الدائم لأغراض العمل ، إن أعتنى الخدم بتربية الطفل رابي . ومن الملاحظ إن رابي ترعرع في بيت مملوء بمجلات الأدب ، والمسرح ، كما إن الغناء البنغالي والموسيقى الكلاسيكية الغربية يشكلان الأجواء المعتادة في المنزل ، والذي كان في الوقت ذاته مركزاً للجماعة المحبة للفن .

 إن سيرته الذاتية تقدم لنا صورة غنية عن التنوع الثقافي في داخل أسرة الطفل رابي ، فقد كان أخوه الأكبر ” دواجيند راند ” فيلسوفاً محترماً وشاعراً ، كما إن أخيه الأخر ” ستيند راند ” أول هندي عُين في ” نخبة الخدمة المدنية الهندية الأوربية ” وكان مقرباً من العائلة المالكة الإنكليزية . وكان أخيه ” جويتيرند راند ” موسيقاراً وكاتب مسرحيات . إضافة إلى إن أخته ” سوراند ” كانت روائية .. (أنظر : أدورد جون تامبسون ؛ رابندراند طاغور : الشاعر وكاتب الدراما ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن 1926 ، ص 20 ، وكذلك : ديتا وروبنسون (ناشران) ؛ رسائل طاغور المختارة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1997 ، ص 10) . إن كل هذا يؤشر  الجو الثقافي العائلي الثري المتنوع الذي ترعرع فيه الطفل رابي طاغور ، وبالتأكيد سيكون له من الأثر في تنمية وتحديد إتجاهاته الثقافية والفلسفية فيما بعد .

   أما الحديث عن مراحل تعليمه ، فلها قصة ممتعة ، فالطفل رابي كان لا يفضل الإنخراط في صفوف مدرسية منظمة ، ورغب في تعلم السنسكريتية في مراكز ” بولبور ” و ” بناهاتي ” التي كانت تزورها العائلة (أنظر : تامبسون ؛ المصدر السابق ، ص 21) . وكان أخوه ” هامند راند ” معلمه الخصوصي ، والذي أشرف عليه في التربية المدنية ، وإشترط عليه تعلم السباحة ، والجري عبر التلول ، والجمناستيك ، والجودو والمصارعة . وتعلم طاغور الرسم ، والتشريح ، والجغرافية والتاريخ والأدب والرياضيات ، واللغة السنسكريتية والإنكليزية التي كانت الموضوع المحبب لديه  (أنظر ديتا و روبنسون ؛ طاغور : رجل صاحب عقل متعدد ، نشرة مطبعة القديس مارتن ، 1995 ، ص ص 48 – 49) .

 وفعلاً إن طاغور أظهر إحتقاراً للتعليم الرسمي ، وفضل الرحلة إلى الكلية الرئاسية المحلية ، وكان يصرف يوماً كاملاً هناك . وهي كلية هندوسية جامعة في كولكتا غرب البنغال ، أسسها المصلح البراهمي ” راج رام موهان روي ” في العام 1817

وبعد بلوغه الحادية عشرة سافر مع والده (في شباط 1873) في رحلة إستمرت شهور عدة ، زار أملاك والده في منطقة الهملايا . وهناك بدأ يقرأ السير الذاتية . وكان والده هو المعلم الخصوصي له خصوصاً في موضوعات من مثل : التاريخ والفلك واللغة السنسكريتية . وقرأ بالمناسبة السيرة الذاتية للمفكر الإمريكي المتعدد الإهتمامات ” بنجامين فرانكلين ” (1706 – 1790) . وناقش الأبن والأب كتاب المؤرخ الإنكليزي ” أدورد كيبون ” (1737 – 1794) المعنون ” تاريخ تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية ” (والذي يتألف من ستة مجلدات ، ظهر المجلد الأول منها في العام 1776 ، وظهر المجلد السادس في العام 1789 . للتفاصيل أنظر : بيتر كوش ؛ عصور كيبون المظلمة : ملاحظات حول أصول الإنحطاط والسقوط / مجلة الدراسات الرومانية ، العدد 73 سنة 1983 ، ص ص 1 – 23) ، وقرأ شعر الكاتب السنسكريتي ” كالديسا ” (من القرن الرابع الميلادي) (أنظر : ديتا و روبنسون ؛ المصدر السابق ، ص ص 54 – 55) .

 وعاش مع والده في الأشهر الأخير في بيت قريب من الشلالات ، تجربة قاسية في الدراسة وروتين الحياة اليومية . وأخذا يستحمان في الصباح الباكر بالماء المثلج . بعدها عادا إلى ” جورسانكو ” ، وأكمل في العام 1877 مجموعة من الأعمال الكبيرة ، واحدة منها قصيدة طويلة (أنظر : طاغور ؛ حبيب الله ، ترجمة ت . ستيوارت و س . ويشيل ، نشرة مطبعة كانيون كوبر 2003، ص 3) ، ومنها قصته القصيرة الأولى ، والتي كانت بعنوان ” المرأة المتسولة ” . ومن ثم كتب في العام 1882 قصيدته المشهورة ” إثارة الشلال ” (أنظر : ديتا و روبنسون ؛ رسائل طاغور المختارة ، ص ص 46 – 47) .

  ولما كان والد طاغور يتطلع إلى أن يكون ولده محامياً مرموقاً ، فقرر الوالد في العام 1878 تسجيله في مدرسة إنكليزية حكومية في منطقة بريتون البريطانية (أنظر : باسوتي كوش ؛ طاغور : المغني وأغانية ، نشرة بنجوين – الهند 2011 ، ص 16) ، وعاش طاغور بضعة أشهر في البيت الذي تملكه العائلة هناك ، ومن ثم إلتحق بكلية لندن الجامعية لدراسة القانون . ولكنه ترك قراءة القانون ، وفضل الدراسة المستقلة لأعمال شكسبير . وفي العام 1880 عاد فارغ اليدين ، وعمل على التوفيق بين الثقافة الأوربية والتقاليد البراهمية ، معتمداً منهجاً إنتخابياً ، ينتقي فيه ما هو جيد في الإثنين (أنظر : تامبسون ؛ المصدر السابق ، ص 31) . ومن ثم تزوج ديفا في العام 1883 وأنجبت له خمسة أطفال ، عاش منهم ثلاثة .

  وما بين عامي 1878 و 1932 زار طاغور أكثر من ثلاثين بلداً شملت خمس قارات (وزار العراق في العام 1932 وإلتقى في الصحراء العراقية بعدد من رؤساء القبائل البدوية العراقية) . وفي العام 1912 ترجمت أعماله إلى الإنكليزية ولاقت إهتماماً خاصاً من قبل قس الكنيسة الأنكليزية ” شارلز فرير أندروز ” (1871 – 1940) ، وهو المبشر والمصلح الإجتماعي في الهند ، وكان صديقاً للمهاتما غاندي (1869 – 1948) ، والشاعر الإيرلندي والكاتب المسرحي ” وليم ييتس ” (1865 – 1939) والشاعر الأمريكي ” عزرا بوند ” (1885 – 1972) وهو من الرموز الكبيرة في حركة الحداثة في الشعر ، والشاعر البريطاني ” روبرت بريجدز ” (1844 – 1930) ، والكاتب الإنكليزي ” إرنست رايس ” (1859 – 1946) والشاعر الإنكليزي ” توماس مور ” (1870 – 1944) وأخرون (أنظر : ديتا و روبنسن ؛ طاغور : رجل صاحب عقل متعدد ، ص ص 178 – 179) . وفي نوفمبر عام 1913 حصل على جائزة نوبل لآداب . وبعد عامين ، وبالتحديد في عام 1915 منحه التاج الربطاني لقب فارس . ولكن طاغور رفض اللقب الملكي في العام 1919 بعد المجزرة التي إرتكبتها القوات البريطانية ضد الشعب الهندي .

  وفي العام 1932 أصبح طاغور مولعاً بالشاعر الصوفي ” خواجه شمس الدين محمد حافظ شيرازي ” (1326 – 1390) . كما تفاعل مع الفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” ، وعالم الفيزياء ” ألبرت أنشتاين ” (1879 – 1955) ، والشاعر الأمريكي ” روبرت فورست ” (1874 – 1955) والروائي الألماني ” توماس مان ” (1875 – 1955) والكاتب المسرحي الإيرلندي ” جورج برنارد شو ” (1856 – 1950) والمؤلف الإنكليزي ” هربرت جورج ويلز ” (1866 – 1946) والروائي الفرنسي ” رومان رولاند ” (1866 – 1944) (أنظر : أر . جاك ريفرتي ؛ قارئ طاغور ، نشرة مطبعة بيكون 1961، ص 99 ، ص ص 100 – 103) .

   والمشهور الشائع عن طاغور إنه كان شاعراً ، وفعلاً كتب الكثير من الروائع الشعرية . إلا إنه كان روائياً ، وكاتب مقالات ، ومؤلف أدب الرحلات ، والقصص القصيرة ، وألاف الأغاني . وإن نثر طاغور وقصصه القصيرة يتميزان بقيمة جمالية عالية . ودائماً توصف أعماله بالحيوية ، والتفاؤل ، والطبيعة الغنائية .

  إن الناظر في أعمال طاغور ، يلحظ إنها غطت مضماراً معرفياً واسعاً ، فقد توزعت بين التاريخ ، واللنكوستيات (فقه اللغة) ، والروحانيات ، والسير الذاتية ، وأدب الرحلات ، وقصص ، وأغاني ، ومجاميع شعرية ، ومقالات ، ومحاضرات ، كونت عدة مجلدات ، من ضمنها ” رسائل من أوربا ” و ” دين الإنسان ” وموجز محادثته مع أنشتاين ، والتي نشرت بعنوان ” ملاحظة حول طبيعة الحقيقة ” . وبمناسبة مرور 150 عاماً على ولادته ، نشرت جميع أعماله في البنغال ، وأعتمد المنهج التاريخي ، إضافة إلى الملفات التي تركها ، وكونت جميعها ثمانين مجلداً . ومن ثم تعاونت في العام 2011 جامعة هارفد وجامعة بهراتي الهندية على طبع مجموع له بعنوان ” أساسيات طاغور ” ، وهي أكبر مجموع لأعماله المتوافرة في الإنكليزية والتي ظهرت بمناسبة مرور 150 عاماً على ولادته .

 أما مكانة طاغور في مدرسة الحكمة التي أسسها الفيلسوف هرمان كيسرلنج ، فلها قصة ذات طعم خاص . ولعل أول ما نود الإشارة إليه ، هو إن طاغور أسس في الهند ، وبالتحديد في عام 1901 (أي قبل مدرسة الحكمة بتسعة عشر عاماً) مدرسة أسماها ” فيسفا بهراتي ” وصرف عليها مما يأتيه من موارد من محاضراته ومبيعات كتبه . وهي نظام تربوي بديل للنظام التعليمي الفقير الذي فرضته قوات الإحتلال البريطاني على الهند . وتكون نظام المدرسة الجديدة من المجيد والأحسن في التربية الهندوسية التقليدية والمُثل الغربية .

  حقيقة إن جهود طاغور التربوية ذات الأبعاد الثقافية المتعددة ، ألهمت العديد من الفلاسفة والشخصيات في الغرب والشرق ، وكان من بينهم صديقه الفيلسوف ” هرمان كيسرلنج ” والذي بدوره أسس مدرسة الحكمة في العام 1920 وعلى أساس مدرسة طاغور ، والجامعات القديمة التي كانت موجودة في شمال الهند ، وكانت خاضعة لقواعد البوذية والتي كان يطلق عليها مدارس الحكمة أو الفلسفة الحرة . وفعلاً قاد طاغور برامج مدرسة الحكمة منذ لحظة إفتتاحها في العام 1920 ، وشارك في العديد من برامجها فيما بعد (أنظر : موقع مدرسة الحكمة (أون لاين) . 

الروائي ” هرمان هس “

  أما الفيلسوف الخامس من فلاسفة مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج ، فهو الروائي والشاعر الألماني السويسري ” هرمان هس ” ، والذي ولد في 2 تموز عام 1877 في الغابة السوداء من مدينة كالو التابعة لمنطقة ويتنبيرك الألمانية* . وقد خدما والديه في الهند من خلال جمعية التبشير المسيحي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من الكتب الممتازة التي صدرت بالإنكليزية ، وتناولت السيرة الذاتية للروائي والشاعر الألماني ” هرمان هس ” ، الكتاب الذي نشره الأستاذ ” جوزيف مايلك ” ، وبعنوان ” هرمان هس : حياة وتراث أدبي ” ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا ، لندن 1978 . ولعل أهمية هذا الكتاب ، إن المؤلف إعتمد على معلومات مباشرة عن سيرة الروائي هس ، زوده بها ولدي الروائي هس ، وهما كل من ” برنو ” و ” هينر ” ، إضافة إلى العديد من الدراسات الأكاديمية (أنظر : المقدمة ، ص 13) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البروتستانتي . وفعلاً إن أمه ” مريا كوندرت ” ولدت في الهند عام 1842 ، وكانت تصف طفولتها ” بأنها لم تكن طفولة سعيدة .. ” . وتتذكر بأن عمرها لم يبلغ الرابعة فقرر والديها تركها في أوربا ، وعادا إلى الهند للتبشير الديني  (أنظر : جوزيف مايلك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ، ص 5) .

  هذا مايخص أم هرمان ، وهو الحضن الذي سيترعرع في ظله . أما أبوه ” جوهانز هس ” فهو إبن دكتور ، وكانت ولادته في إستونيا عام 1947 ، وعندما تزوج ” مريا كوندرت ” إنتقل ليعيش في بيت العم كندرت وهو دكتور فلسفة . ولحالة الإزدحام في البيت أصيب في العام 1889 بكآبة شديدة  ، وبالتأكيد سيكون لها أثراً على الطفل هرمان . وكان الأب جوهانز ينتمي إلى أقلية ألمانية تعيش في منطقة البلطيق ، وإن الحاصل من ذلك إن ولده هرمان كان مواطناً بالولادة لكل من الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية الروسية . وكان والد الروائي هس ذو مزاج خاص ، تمثل في ميله نحو ” الأدب اللاتيني ، والفلسفات اليونانية ، والأديان الشرقية ” (جوزيف مايليك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ، ص 3) .

  وإنتقلت العائلة في العام 1873 إلى كالو ، وهناك بدأ والده يعمل في دار للنشر ، متخصصاً في طبع النصوص اللاهوتية والكتب المدرسية . وجدُ هرمان هس من جهة الأم  ، كوندرت هو الذي كان يدير دار النشر في وقته ، وحفيده هرمان تابع خطاه ، وورث دار النشر في العام 1893 . هذه هي الأجواء العائلية التي نمت فيها شخصية الطفل هرمان هس ، والتي سيكون لها من الأثار السلبية والإيجابية في تكوين ذهنيته وتحديد سلوكه وإتجاهاته الفكرية والحياتية .

  وفعلاً إن الطفل هرمان أظهر منذ سنوات مبكرة من حياته تصرفات دالة على إنه صعب المراس ، وإن العائلة واجهت صعوبات في التعامل معه . ففي رسالة بعثت بها أمه ” مريا ” إلى والده ، تقول فيها :

 جوهانز صلي معي للطفل هرمان  ، صلي من أجل أن تكون لدي القوة الكافية لتربيته ، إنه يبدو لي إن هذه القوة الجسمية غير كافية ، فالطفل الصغير يتميز بنشاط حيوي عال ، وقوة لا تُصدق ، وإرادة صلبة ، وهو إبن أربعة سنين فقط ، وله عقل عجيب ، حيث يستطيع التعبير عن كل شئ . وسبب عذاب لي . وهذا العذاب في حقيقته صراع داخلي ضد مزاجه الطاغي ، ومشكلته الإنفعالية ، وأسأل الله أن يُعيد تشكيل روحه الجامحة ، وأحسب إنه سيكون يوماً شخصية نبيلة وعظيمة . ولا أستطيع أن أتصور ماذا سيكون عليه هذا الصبي ، وهذا الشخص الإنفعالي ، إذا رُبي تربية كاذبة وضعيفة (المصدر السابق ، ص ص 6 – 7)

  وفعلاً لقد أظهر الطفل هرمان هس علامات من الكآبة المستمرة ، خصوصاً في بواكير السنة الأولى من دخوله الى المدرسة هذا طرف . والطرف الثاني إن جده من جهة أُمه ، وهو “هرمان كوندرت ” كان دكتوراً في الفلسفة ، ويتكلم عدة لغات بطلاقة  (أنظر : المصدر السابق ، ص 3) ، فكان لذلك من الأثر على الصبي هس ، والذي تمثل أولاً بتشجيعه على القراءة الواسعة ، ومنحه الحرية في الإطلاع والقراءة من مكتبته الخاصة ، والتي كانت تعجُ بكتب الأدب العالمي . وعن هذا الطريق غرس الجد الدكتور كوندرت في روح هس حس المواطنة العالمية . وفي الوقت نفسه لاحظ الصبي هس إن عائلته ” قاومت كل النزعات القومية ، وهذه الخلفية العائلية شكلت حياتي ” .

   كما إن الصبي هرمان كان يشارك أمه في حب الموسيقى ، والحقيقة إن الشعر والموسيقى كانا ركنيين مهمين في حياة عائلة هس . فمثلاً أُمه كانت تكتب الشعر ، ووالده من طرفه كان يتداول إسلوباً لغوياً خاصاً في مواعظه وكتاباته الدينية . وكان مثاله العائلي أخوه غير الشقيق ” ثيو ” الذي تمرد على العائلة ودخل معهد الموسيقى عام 1885 ، وهس من جانبه أظهر ميلاً نحو الإيقاع الموسيقي . ومن ثم خلال السنوات من 1889 – 1890 قرر أن يكون كاتباً .

  وعندما كان هس في الرابعة من عمره ، وبالتحديد في عام 1881 إنتقلت العائلة لتعيش في بازل السويسرية ، وبقيت هناك مدة ستة سنوات ، ومن ثم عادت إلى كالو . وأفلح هس في الإلتحاق بمدرسة اللغة اللاتينية ، وفي العام 1891 بدأ بحضور الحلقات الدراسية اللاهوتية الإنجيلية في دير مالبورن ، ولكنه في العام 1992 أظهر سلوكاً تمردياً ، فهرب من الحلقات ولم يُعثر عليه إلا في اليوم التالي . وهنا بدأت رحلة هس المنحوسة ، فأخذ يتنقل من معهد إلى معهد ، ومن مدرسة إلى مدرسة ، وعاش تجربة صراع شديد مع والديه (أنظر : المصدر السابق ، ص 7) .

  وخلال الفترة الممتدة من 7 مايس وإلى 20 حزيران تصاعدت مخاوف العائلة من سلوكه . وخصوصاً عندما أقترض بعض المال ، وإشترى مسدساً وترك رسالة أشر فيها إلى إنه عازم على الإنتحار ، ومن ثم إختفى لمدة يومين . وبعد محاولته الإنتحار توسلا الوالدين بالعون من المؤسسات الإجتماعية . وفعلاً صرف الصبي هرمان هس بعض الوقت في معهد ” باد بول ” وتحت إشراف رجل اللاهوت والقس ” كريستوف فردريك بلوهاردت ” (1842 – 1919) ، ومن ثم أُودع في مؤسسة الأمراض العقلية في ” ستتن أم رماستل ” ومن بعد ذلك في مؤسسة الصبيان في بازل . وفي نهاية عام 1892 إلتحق بالجمنزيزم (المدرسة الثانوية) ، وإجتاز في العام 1893 إمتحان السنة الأولى ، ولكنه عاد في السنة التالية وإرتبط بمجموعة من الأصدقاء الأكبر سناً وبدأ تعاطي المسكرات والتدخين ، وهكذا كان النهاية لتعليمه الرسمي (أنظر المصدر السابق ، ص ص 7 ، 10 ، 12 – 13) .

  وبدأ في 30 إكتوبر 1893 العمل في دار لبيع الكتب ، وبعد أربعة أيام فقط توقف عن العمل ،  ومن ثم عمل مع والده في  دار النشر ، وإلتحق لمدة أربعة عشر شهراً في برنامج تدريبي في الميكانيك في معمل لصناعة الساعات في كالو . وبدأ العودة إلى النشاطات الروحية . وفي إكتوبر من عام 1895 إلتحق في برنامج تدريبي في محل لبيع الكتب . وكل هذه الخبرات سيكتب عنها هس في روايته المعنونة ” تحت العجلة ” .

هرمان هس كاتباً

  لقد حدثت تحولات دراماتيكية في حياة الشاب هرمان ، فأعادته من جديد إلى قدره الحقيقي ، ونعني بذلك ، العودة إلى الوعد الذي تطلع إليه ، وأعلنه في حدود العام 1890 ، وهو أن يكون كاتباً ، وكان عمره يومها ثلاثة عشر ربيعاً فقط  ، وحينها قال : ” من اليوم لم يكن هرمان هس ذلك الشبح في البيت أو المدرسة ، وهذه هي البداية الحقيقية لمتابعة إهتماماتي الأدبية أكثر أو أقل كما ترضيني ” (المصدر السابق ، ص 17) . وفعلاً ففي 17 إكتوبر من عام 1895 (وكان عمره ثمانية عشر عاماً) بدأ في العمل في دار كتب في توبنكن ، وتخصص في كتب اللاهوت ، وفقه اللغة والقانون . وكانت مهمته تنظيم الكتب وحزمها ، ووضع أرشيف لها . وبعد عمل يومي طويل يمتد لمدة إثنتي عشر ساعة ، يتابع إهتماماته الخاصة ، فيصرف الوقت الطويل ، وأيام الآحاد في قراءة الكتب التي فضلها على رفقة الأصدقاء .

  وبدأ في هذه الفترة بدراسة الكتب اللاهوتية ، ومن ثم تحول نحو ” جوهان غوته ” (1749 – 1832) ، و” إفرايم ليسنغ ” (1729 – 1781) ، و” فردريك شيلر ” (1759 – 1805)  ، وكذلك أخذ بقراءة نصوص حول ” الإسطورة اليونانية ” . إضافة إلى قراءة ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) والتي تركت أفكاره أثاراً عميقة على معظم روايته . وفعلاً فقد وصف هس في رسالة بعثها إلى والديه إستجابته إلى أفكار نيتشه ، فقال فيها : ” كان في أفكار هذا الفيلسوف دافعاً مزدوجاً ؛ ففيها العاطفة ، وفيها النظام “(المصدر السابق ، ص ص 26 – 27).

  وقرر هس في العام 1898 الإستقلال من والديه ، خصوصاً بعد أن أصبح لديه دخلاً محترماً . وفي هذه الفترة ركز جُل وقته على دراسة أعمال الرومانتيكيين الألمان ، والتي شملت أعمال الروائي الشاعر ” كالمنز برنتو ” ( 1778 – 1842) ، والروائي الشاعر ” يوسف فرير إيكندورف ” (1788 – 1857) ، والشاعر الغنائي ” جوهان فردريك هولدرلين ” (1770 – 1843) والفيلسوف ” نوفليس ” (وهو جورج فيلب هاردنبيرك) (1772 – 1801) (أنظر المصدر السابق ، ص ص 16 -17) . وحاول هس في هذه الفترة ، أن يُعبر لوالديه عن أرائه ، فأرسل لهم رسالة جاء فيها : ” لقد حلت الجماليات محل أخلاقيات الفنانين ”  (أنظر المصدر السابق) .

   وقبل ذلك وبالتحديد في العام 1896 نشر قصيدته الشعرية المعنونة ” مادونا ” والتي ظهت في الدورية المعنونة ” فينا ” . ويبدو إن عقيدة والديه الدينية ، وقراءاته اللاهوتية تركت أثرها في المفردات الشعرية للشاعر هس . وأصدر في الخريف من العام ذاته ، مجلده الشعري الصغير الأول ، والمعنون ” أغاني رومانتيكية ” والتي فيها إنقلاب فكري على العقيدي ، وإنتصار للإنساني العلماني والذي سيكون السبب في عدم رضاء والدته كما سنرى ذلك لاحقاً .

 وفي العام 1897 نشر قصيدته المعنونة ” كراند فاليس ” التي ستفتح له طريقاً مع الناشرين . وفعلاً فقد وصلته رسالة من أحدى المُعجبات ، وهي ” هلين فوكت ” والتي تزوجت من الناشر الشاب ” يوجين دايدريكز ” . ولإسعاد زوجته وافق على نشر مجموعة نصوص نثرية ، كتبها هس بعنوان ” ساعة بعد منتصف الليل ” والتي صدرت عام 1898 . والحقيقة إن كلا الطبعتان (أي ” كراند فاليس ” و” ساعة بعد منتصف الليل “) تُعدان عملان فاشلان من الزاوية التجارية ، حيث لم يباع منهما إلا القليل القليل . وأصيب هس بصدمة كبيرة ، خصوصاً عندما أعلنت والدته عن عدم موافقتها على ” أغاني رومانتيكية ” ، ورأت إنها ” أكثر علمانية ” و” خطيئة مفضوحة ” .

   ورحل في العام 1901 ولأول مرة إلى إيطاليا . وفي العام ذاته غير عمله ، وبدأ العمل من جديد في دار نشر ” أنتيكورم  واتنويل ” في بازل ، فكانت فرصة جيدة ، ساعدته على إصدار العديد من القصائد والنصوص الأدبية في المجلات . وفعلاً وافقت هذه الدار على نشر كتاب هس الثالث وبعنوان ” كتابات ما بعد الموت وقصائد هرمان لوسكر ” والذي حقق نجاحات مهمة (أنظر : المصدر السابق ، ص 21) .

  ووفقاً للتعليقات الجيدة التي حصل عليها الكتاب ، أصبح الناشر الشهير الهنغاري الألماني ” صمويل فيشر ” (1859 – 1934) مهتماً بالمؤلف هس ، فقام بنشر روايته الأولى المعنونة ” بيتر كامينزند ” في العام 1904 والتي إنتشرت إنتشاراً واسعاً ، وأصبحت الرواية المشهورة في عموم ألمانيا (أنظر : المصدر السابق ، ص 25) . وهنا إقتنع هس بأنه ممكن الإعتماد على الكتابة مصدراً مالياً للعيش . وفعلاً تفرغ للكتابة . وبالمناسبة فقد كتب عن هذه الرواية ” سيجموند فرويد ” ، والذي مدحها ، وأعتبرها واحدة من أهم قراءاته المفضلة .   وتحت ظل هذه النجاحات تزوج هرمان هس ، ومن ثم كتب روايته الثانية ، والتي كانت بعنوان ” تحت العجلة ” والتي طبعت في العام 1906* . وبعد ذلك كتب قصص قصيرة ، وقصائد شعرية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إن من الكتب المهمة التي نشرت باللغة الإنكليزية ، وتناولت أعمال الروائي والشاعر ” هرمان هس ” ، الكتاب الذي كتبه الأستاذ ” مارك بولبي ” والمعنون ” هرمان هس : تفكيره وأعماله الأدبية ، نشرة مطبعة جامعة كورنل ، نيويورك 1967 . والكتاب تكون من مقدمة وسبعة فصول وببلوغارفيا مختارة وفهرست عام وجرد شامل بأعمال هرمان هس . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 طويلة . ولعل قصته المعنونة ” الذئب ” ، والتي كتبها خلال الفترة (1906 – 1907) والتي كانت الأصول الأولى لروايته العاشرة التي حملت عنوان ” ذئب السهوب ” (أنظر : مارك بولبي ؛ المصدر السابق ن ص ص 159 وما بعد) .

  ومع روايته الجديدة ، والمعنونة ” غيرترود ” برزت إزمة في الإنتاج . وفعلاً فقد عانى الكثير في كتابتها . وأخيراً وصفها ، بأنها ” كانت الإحباط ” . والحقيقة إن هس في ” كينهوفن ” كان هو المكان الذي أظهر فيه الإهتمام بالبوذية . وفي رسالة له أرسلها في العام 1895 إلى ” كابف ” كانت بعنوان بوذي ، وهو ” النيرفانا ” ما يدلل على ذلك . إلا إن هس توقف من الأشارة إلى بوذا في هذه الرواية . وجاء عام 1904 فأعاد الفيلسوف الألماني ” أرثر شوبنهور ” الإهتمام بالفلسفة الهندية ، وخصوصاً البوذية . وهكذا جدد شوبنهور إهتمام هس بالهند . وحدث كل ذلك قبل طبع هس كتابه المعنون ” سادهارثا ” والذي طبع في العام 1922 وكان رائعة من روائع هس المشهورة .         

  وخلال هذه الفترة ظهرت بعض المشاكل على سطح علاقته الزوجية ، فقرر في العام 1911 القيام برحلة طويلة ، زار فيها سيرلانكا ، وإندونسيا ، وسومطرا ، وبورنو ، ودورما .. ولكنها كانت تجربة متعبة ، فسببت له الكآبة من طرف . إلا إنها من طرف أخر عمقت أعماله الأدبية . ومن ثم جاءت الحرب العالمية الأولى ، فعمل متطوعاً في الجيش الإمبريالي . ولكن موت والده عام 1916 ، ومرض ولده مارتن الخطير ، وحالة الشيزوفرينيا التي تُعاني منها زوجته ، إضطرته على ترك الخدمة في الجيش (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 23 – 25) . وفعلاً إنخرط في جلسات علاج نفسي ، وبدأ من خلالها يهتم بالتحليل النفسي ، ولذلك زار عالم النفس كارل يونك ( أنظر : جوزيف مايليك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ، ص ص 100 – 101) . إلا إنه تحدى كل ذلك بعمل إبداعي ، إنكب على كتابته في حدود ثلاثة أسابيع فقط (وللفترة الممتدة من سبتمبر وإلى إكتوبر عام 1917) فكانت روايته المشهورة ” ديمن ” وفيها دلالة على الشيطان وروحه الشريرة ، وطبعت في العام 1919 وبإسم مستعار ، هو ” أميل سنكلير ” والتي فيها حضور واضح للفيلسوف نيتشه وكتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” (أنظر : مارك بوبلي ؛ هرمان هس : تفكيره وأدبه ، نشرة مطبعة جامعة كورنل ، نيويورك 1967 ، ص ص 82 83) .

 وتتالت أعماله في النشر ، ولعل من أهمها روايته المعنونة ” ساد هارثا ” والتي سيكون لها موضع إهتمام في دوائر مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة . وفعلاً ففي هذه الرواية أظهر ولعاً غير إعتيادي بالثقافة الهندية وفلسفة بوذا ، ونحسب إن بذورها الأولى نمت في بواكير حياته (أنظر : مارك بولبي ؛ هرمان هس : تفكيره وعمله الأدبي ، ص 121 وما بعد) .. وكان أخر أعماله ” لعبة الحبات الزجاجية ” (والحقيقة إنها مسبحة الناسك البوذي والتي شاهدها في الهند والمناطق البوذية التي زارها ، فهي ليست لعبة وإنما طقس) والتي بدأها في العام 1931 ، ولكنها طبعت في العام 1943 (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 245 ومابعد) . والواقع إن هس أصدر رواية قصيرة بعنوان ” الرحلة إلى الشرق ” . ومن ثم في العام 1946 حصل على جائزة نوبل للآداب (أنظر ك جوزيف مايليك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ن ص 351) . وفي 9 أب من عام 1962 مات هرمان هس مخلفاً ورائه تراثاً مجيداً . الإرث الفكري والفلسفي لمدرسة الحكمة

   شكلت مؤلفات الفيلسوف كيسرلنج ، وخصوصاً يوميات رحلة الفيلسوف ، وموزائيك أوربا ،  الأدب الكلاسيكي (الإنجيلي) لمدرسة الحكمة . ولكن تراث مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة يتجاوز ذلك ، فهو وفقاً لشهادة البروفسور ” أرنولد كيسرلنج الأبن ” يتألف من ثلاثة أنواع ؛ مؤلفات ، ومواد ، وثلاثة سيديات موسيقية . وفعلاً فقد تعاونت أكاديمية الفنون في فينا (النمسا) وأكاديميات أخرى على ترجمة مؤلفات مدرسة الحكمة إلى اللغة الإنكيزية واللغات الأخرى . ومعروف إن مؤلفات الكونت الفيلسوف الأب كيسرلنج قد ترجمت إلى الإنكيزية ، ونشرت في طبعات واسعة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين . ومثلاً على ذلك كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف الذي طُبع في ترجمته الإنكليزية عام 1925 ، وكان من أعلى مبيعات الكتب في أمريكا .

   ومنذ الحرب العالمية الثانية ، فإن منشورات وأفكار مدرسة الحكمة ، كانت متوافرة في الألمانية والفرنسية والإيطالية . ومن نتائج التعاون الأكاديمي الذي ذكرناه ، أصبحت نشريات مدرسة الحكمة ، والأفكار والموسيقى متوافرة في الإنكليزية ، وبالشكل الأتي :

المجلد الأول لمدرسة الحكمة ، وكان بعنوان ” رؤى عصر جديد ” ، وهو في حقيقته ثلاثة أعمال شعرية كتبها البروفسور ” أرنولد كيسرلنج ” ، وتتميز بكونها أعمال إلهامية ، وهي على التوالي ؛ رسائل من الوجود في الكون ، من الظلمة إلى الحياة ، ومن أعماق الكون . إن رؤى عصر جديد قد فرض هيمنته على روح العصور الحديثة ، وذلك بما تميز به من وضوح ، وعمق وعظمة الجمال . وهذا الكتاب الملهم هو ” شعر مقدس ” شكل مقدمة جميلة ، ومدخلاً غير عادي لأفكار مدرسة الحكمة .  وفي الكتاب دعوة للقارئ ، خصوصاً للقارئ الذي يمتلك ” عقلاً سليماً ” وفيه إمكانية ” الإنفتاح على الرؤى الإلهامية ” ، فإن هذا الكتاب هو البداية ومشروع الإنطلاق    (أنظر : موقع مدرسة الحكمة / قسم المنشورات (أون لاين) .

المجلد الثاني ، وجاء بعنوان ” الفرصة والخيار : خلاصة المعرفة القديمة والحديثة “. وكُتب هذا المجلد أصلاً باللغة الإنكليزية . وهو في حقيقته مقدمة عقلية ممنهجة للأعمال الأربعة الأولى . إن الفرصة والخيار عمل عميق ، يُقدم عرضاً لتصورات عالية ، ومن حقول علمية مختلفة ، من مثل الفن والدين وفي تناغم رائع . إضافة إلى إنه يضع في المتناول رؤية كلية شاملة للعالم ، وللرحلة الحديثة للتنوير الروحي . وهذا المجلة هو نص دراسي متقدم لمدرسة الحكمة (أنظر: المصدر السابق) .

المجلد الثالث وكان بعنوان ” قوانين الحكمة : ترتيب كلي للعلم والدين ” ، وهو نص أساسي لمدرسة الحكمة . وقوانين الحكمة تغطي أفقاً واسعاً حاله حال كتاب الفرصة والخيار . ولكنه مصمم ليعالج الزاوية القانونية . ويستعمل كمقدمة للكتاب الإنكليزي لمدرسة الحكمة .

المجلد الرابع والخامس عن الموسيقى ، فالمجلد الرابع يتناول نظرية الموسيقى (برايما ساوند) وتطبيقاتها . أما المجلد الخامس ، فيقدم وصفاً موجزاً للموسيقى والتأليف الموسيقي (أنظر : المصدر السابق) .

البروفسور أرنولد كيسرلنج : حبة العنقود الأخيرة

  ولد البروفسور ” أرنولد كيسرلنج ” (1922 – 2005) في إستونيا عام 1922 . ثم نُفي من الجمهورية (إستونيا البلطيقية) ، وبعد رحلة روحية طويلة توفي في النمسا في عام 2005 . وكما هو معلوم ، هو إبن الفيلسوف والكاتب الأستوني (من أقلية ألمانية) الكبير ” الكونت هرمان كيسرلنج ” . وهو كذلك حفيد السياسي البروسي (الألماني) ” أوتو بسمارك ” . ويُنظر إلى البروفسور أرنولد في أوربا على إنه ” مفكر عصر جديد ” . وهو أول من قدم لأوربا في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين كل من ” حركة الإمكان الإنسانية ” و ” الشامنز للهنود الأمريكيين ” . وهو بالإضافة إلى كل ذلك ، بروفسور الفلسفة الروحية في أكاديمية الفنون في فينا ، ومنذ ستينيات القرن العشرين . وفي الثمانينيات كان رئيس لجمعية علم النفس الإنساني الأوربية (أنظر : السيرة الذاتية للبروفسور أرنولد كيسرلنج / موقع مدرسة الحكمة (أون لاين)) .

  والبروفسور كيسرلنج هو واحد من الفلاسفة الكبار في نهايات القرن العشرين ، وهو رمز أوربي إجتماعي ومعلم . وهو تلميذ المعلم الروحي الروسي ” جورج كوردجييف ” (1877 – 1949) وهو صاحب طريقة روحية إنتشرت في أوربا وأمريكا . ومن أهم أعماله ” العمل على النفس ” وطور موسيقى خاصة لأتباعه ، ومن أهم كتبه ” الكل وكل شئ فقط ، إذن ، ومتى أنا ” (أنظر : بول بيكمان تايلر ؛ جورج كورد جييف : الحياة الجديدة ، نشرة دار أريكا 2008) . وكذلك هو تلميذ المعلم الروحي الهندوسي ” السير رحمان مهراشي ” (1879 – 1950) والذي أشتهر بطريقته في ” تحرير النفس ” (أنظر : ديفيد كودمان ؛ كُن كما أنت : تعاليم السير رحمان مهراشي ، نشرة دار بنجوين) . والبروفسور كيسرلنج هو تلميذ العالم والمؤلف الموسيقي النمساوي ” جوزيف ماثيوس هيور ” (1883 – 1959) والذي تنازع بمرارة مع  ” ثيودور أدرنو ” المفكر وعالم الموسيقى من الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت النقدية (أنظر : أرنولد وايتأول ؛ مدخل كيمبريدج إلى السريالية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2008) .

  والبروفسور كيسرلنج من طرفه ، هو أول من ضبط رياضياً ترددات ” الجكرز ” ، وإخترع الميزان الموسيقي للنغم والذي عُرف بإسم ” برايم ساوند ” . والبروفسور كان متمكناً من الحديث في لغات عدة ، فقد حاضر بالإلمانية ، والإنكليزية ، والفرنسية والإيطالية . وحاضر في أغلب بلدان العالم . ومعروف جيداً في النمسا والبلدان الأوربية (أنظر : موقع مدرسة الحكمة / السيرة الذاتية ، مصدر سابق) .

  والحقيقة إن البروفسور كيسرلنج قد ترعرع في أحضان مدرسة الحكمة ، وعاش أيام نهوضها الفكري منذ بواكير طفولته . وقابل وأستمع إلى مفكريها من أمثال عالم النفس ” كارك يونك ” ، وعالم الصينيات ومترجم كتاب ” شنك : التغييرات ” ، والشاعر الألماني ” هرمان هس ” ، والشاعر الهندي الكبير ” ربند راند طاغور ” . والذين كانوا يتقابلون ويعملون في مدرسة الحكمة في دارمشتات الألمانية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ، وحتى أغلقها النازيون ، فتحولت عائلة كيسرلنج إلى العدو الرسمي للنازية .

  وكما قلنا إن البروفسور كيسرلنج كان أستاد الفلسفة الدينية في أكاديمية الفنون في فينا ، لأكثر من ثلاثين عاماً ، وكان يسافر هو وزوجته ” ويهلامين ” لإلقاء محاضرات في كل أنحاء العالم . وقد عاشا في الهند مدة خمس سنوات . وهو مؤلف لأكثر من خمسين كتاباً ، شملت علم النفس ، والفلسفة ، والعلم ، والدين ، والشعر والموسيقى . وبعض منها تُرجمت إلى الإنكليزية كجزء من مشروع مدرسة الحكمة (أنظر : المصدر السابق) .

تعقيب

  يضم هذا التعقيب مسألتين :

أولاً –  تتوافر لدينا نصوص غربية متقدمة على تجربة الفيلسوف كيسرلنج ، فيها سجل الحوار الأوربي مع التراث الإيراني الزرادشتي الممزوج بفكر عراقي قديم ،  ومع تراث المدارس الهندية القديمة والفكر الهرمسي المصري ، حدث هذا في نصوص يونانية قديمة ؛ منها كتابات المؤرخ اليوناني وتلميذ الفيلسوف سقراط ” أكسانوفان ” (430 –  354 ق . م) ، وهو مؤرخ محارب شارك في الحروب الفارسية ، وقد شارك أكسنوفان في تدشين مسار البحث التاريخي ، مع كل من مؤرخي اليونان الشهيرين ” هيرودتوس ” (484 – 425 ق. م) و ” ثيوسيدسيوس ” (460 – 395 ق .م) والذي أعتمد عليهم الإسكندر المقدوني مصدراً في حملاته لأحتلال العراق وإيران والهند (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ أكسنوفان الأثيني مؤرخاً للفلسفة اليونانية / سينشر على موقع الفيلسوف)  ، و كتاب المؤرخ اليوناني ” هيرودوتس ”  ” التواريخ ” الذي ينظر إليه الأكاديميين على إنه ” الأب الروحي للتاريخ اليوناني ، وكتاب التواريخ صُنف على فترات حكم الملوك الفرس ، وهو مصدر معرفي يوناني عن الثقافة الفارسية القديمة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبوة التاريخ : بين هيرودوتس وثيوسيديدس (تأمل فلسفي في الثقافة اليونانية))  . وحوار الفيلسوف الفيثاغوري الجديد ” أبولونيوس ” وحواريه الموصلي ” دميس ” من طرف والفلاسفة الهنود العراة والحكماء المجوس (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011) والكتاب الفلسفي الموسوعي الذي كتبه الفيلسوف المؤرخ ” ديوجانس لارتيوس ” المعنون ” حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” خصوصاً المقدمة التي تكلم فيها عن ” الحكيم المجوسي ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان : ديوجانس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني / ربيع عام 2011) ،  ونصوص الفيلسوف الإفلاطوني الجديد الأول ” فرفريوس الصوري ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011)، ونصوص زعيم المدرسة الإفلاطونية الجديدة ” الملك إمبيلكوس ”  ، وبالتحديد في كتابه ” الثيورجي أو سر الأسرار المصرية ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الملك إمبيلكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011) .  ونصوص الفيلسوف ” القديس أوغسطين ” خصوصاً في الرسائل المانوية . ومونتسكيو ومن ثم شوبنهور ونيتشه ..

ثانياً –  مات مؤسس مدرسة الحكمة الفيلسوف ” هرمان كيسرلنج ” عام 1946 ، ويومها  لم تفكرالعائلة في القرار الذي وافقت عليه في التبرع بمخ الفيلسوف وعرضه في متحف ” برن ” في سويسرا مع عينات أخرى لعدد من العلماء . وجاء هذا القرار إستجابة لطلب العديد من العلماء ، والمتطلعين إلى دراسة مخه لأغراض توسيع المعرفة الإنسانية حول مصادر الروح والذكاء الإنسانيين (وحدث هذا لأنشتاين بعد وفاته في العام 1955 وإلتحق مخه في متحف برن بمخ الفيلسوف كيسرلنج) . وكان في هذا القرار معارضة لعقيدة الفيلسوف إلتفت إليه العائلة بعد مرور خمسين عاماً على وفاة الفيلسوف والقرار الخاطئ على فصل المخ من بقية جسد الفيلسوف الشريف . فقد كان الفيلسوف يؤمن بوحدة العقل والجسم ، وهي الوحدة التي وقعت في سوء فهمهما العائلة يومذاك ، خصوصاً في فصل المخ والموافقة على عرضه في زجاجة في المتحف .

  وفي 26 أبريل 1996 ، وفي الإحتفال بمرور الذكرى الخمسين على وفاة الفيلسوف كيسرلنج ،  عاد المخ إلى بقية رُفاته بناءً على طلب عائلة الفيلسوف كيسرلنج ، وبذلك صححت الخطأ الذي وقع قبل خمسين عاماً . وفعلاً كان إحتفالاً متفرداً ، فيه التأكيد على عقيدة الفيلسوف التي ترى ” إن مهاد الجسد كلية بعد الموت ، تعود إلى الأرض ، وليس إلى العرض في المتاحف ” . وهكذا إن روح مؤسس مدرسى الحكمة ، وبعد خمسين عاماً من عدم الإستقرار ، عادت إلى مهادها الأرض ، وإستقرت بسلام . وقد حضر الإحتفال بدفن المخ مع بقية الرُفات ، الرئيس النمساوي ، وعدد من السياسيين ، وعائلة الفيلسوف ، والأصدقاء والطلاب .

  لقد كان طموح هؤلاء العلماء الذين أقنعوا عائلة كيسرلنج بالتبرع بمخه للدراسة ، طموح علمي خالص ، غرضه هو دراسة ” المادة السمباثية ” من المخ والتي ظلت بعد الموت . ولكن ظهر فيما بعد إن نتائج هذه الأبحاث لم تكن بمستوى الطموح . وثانياً ظهر لهم إن مخ كيسرلنج ، ومن ثم أخرين من العلماء الأفذاذ ، مشابه لمخ الإنسان العادي . وكان الحاصل من ذلك إن هؤلاء العلماء كانوا يتطلعون للنظر في مناطق  ، ليست هي المناطق التي تُلبي طموحاتهم .. ووفقاً لعقيدة الفيلسوف كيسرلنج إن الذكاء البشري يتمركز في الروح ، والتي هي مجال الطاقة التي تحيط بالجسد ، وليس الجسد بحد ذاته . والفيلسوف كيسرلنج يعرفُ ذلك ، وإن حياته برمتها ، هي مكرسة حول ” وحدة العقل والجسم ” . واليوم عاد المخ إلى الأرض بعد عملية فصل لهذا الجزء المجيد من الجسد . إن جوهر هذا المخ عاش على هذه الأرض ، وسيولد هنا ، وسيبقى هنا . صحيح جداً حسب العقيد الكيسرلنجي ، إن مخه حي على الأرض ، وهو جزء من المخ الكوني ، وهو المكان المناسب للكونت كيسرلنج ، والذي كان ينظر إلى الأرض بمنظار كلي ، بعيد عن النزعات والحدود القومية .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (8)         

        رودلوف كرناب فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   تعود علاقة الدكتور محمد جلوب الفرحان بالفيلسوف والعالم المنطقي الالماني رودلوف كرناب (1970 – 1891) الى اكثر من أربعين عاما . فقد بدأ رحتله المعرفية الاكاديمية مع كرناب ، يوم كان ( الدكتور الفرحان ) طالب علم في الصف الرابع في قسم الفلسفة – كلية الاداب – جامعة بغداد . ففي مادة الفلسفة المعاصرة ، كان اللقاء مع الوضعية المنطقية وحلقة فينا الذي كان كرناب عضوا فاعلا في مناقشاتها ومؤتمراتها الفلسفية الدائمة ، ومن ثم اخذت الدوريات الفلسفية  تنشر مقالاته وابحاثه العميقة في اسس المنطق والرياضيات ، وفي السيموطيقا (نظرية اللغة) واقسامها الثلاثة : البراجماطيقا(البعد الاجتماعي للغة) والسيمونطيقا (بعد الدلالة والمعنى للغة) والسنتاكس المنطقي للغة (لبعد الرمزي للغة) والتي اصبحت فيما بعد ، متداولة في ديار الفلسفة عامة ، والمنطق وفلسقة العلوم خاصة . والتي اصبحت في الوقت نفسه موضوع اهتمام دوائر البحث في الغرب والشرق على حد سواء .

   وصاحب ذلك ان نشر استاذي الدكتور ياسين خليل عبدالله ، طيب الله ثراه ، كتابه المعنون : “مقدمة في الفلسفة المعاصرة ” والذي يعد مساهمة جديدة في البحث الفلسفي الغربي المعاصر في دارنا الثقافية العربية ، والذي تم الاشارة اليه في مقالنا الافتتاحي لهذا الموقع ، وكان بعنوان ” نحو مدرسة منطقية معاصرة : الاستاذ والتلميذ ” . وقد احتل كرناب قسما متميزا من كتاب المرحوم الدكتور ياسين خليل . وهذا الكتاب تحول الى كتاب منهجي لمادة الفلسفة المعاصرة ، التي تدرس في الصف الرابع لطلبة قسم الفلسفة ولعقود عديدة .

  جاءت الخطوة الاكاديمية المتقدمة في اللقاء مع كرناب ، ومن ثم دراسة افكاره في علم المنطق الحديث وفلسفة الرياضيات ،  في العام  1974 ، عندما بدأت بكتابة رسالتي للماجستير والمعنونة : ” تحليل ارسطو للعلم البرهاني ” . فقد قرأت مؤلفات كرناب ، وأستفدت منها في التمييز بين لغة الموضوع واللغة الفوقية ، ومن ثم في التمييز بين المنطق والمنطق الفوقي ، وتحليل اللغة من زاوية ما أسماه كرناب السنتاكس والسيمانطيقا والبراجماطيقا.

    ومن ثم حاولت قراءة جانب من منطق ابن رشد ، من زاوية كتاب كرناب : السنتاكس المنطقي للغة ، وكان بحثنا بعنوان : تأسيس منطقي لعلم الفقه عند ابن رشد ، الذي نشرته مجلة أداب المستنصرية ، في العدد (7) سنة 1983 . 

  وكذلك اعتمدت على مؤلفات كرناب في قراءة منطق الفارابي ، وقد نشرت مجلة دراسات عربية بحثنا بعنوان : ” رصيد الفارابي في البحث المنطقي ” في العدد المزدوج ، كانون الاول 1984 . وفي هذا البحث حللنا منطق الفارابي من زاوية البعد الرمزي للغة (السنتاكس) ، والبعد المعنوي والدلالي للغة (السيمانطيقا) واخيرا من زاوية البعد الاجتماعي للغة (البراجماطيقا) . وكان اعتمادنا على كتابي كرناب :

الاول – السنتاكس المنطقي للغة ، والمنشور في لندن العام 1954

الثاني – مدخل الى السيمانطيقا والصياغة الرمزية للمنطق ، منشورات جامعة هارفارد 1956 .

   وأعود من جديد الى كرناب ، وأسعى في هذا البحث الى القاء ضوء على الجوانب الاتية :  حياته ، ومسارات تعليمه ، علاقته بفيلسوف المنطق الحديث جوتلوب فريجه ، ومن ثم توجهاته العامة في مضمار الفلسفة ، حضور فريجه ورسل في فلسفة كرناب ، كرناب وفيلسوف العلم هانز رايخنباخ ، كرناب والاتجاهات الفلسفية العلمية لحلقة فينا ، أثر نورث على تفكير كرناب ، كرناب وعلاقته بفتجنشتاين ، كرناب وصلته بجمعية رايخنباخ وجماعة وارشو ، كرناب وعلاقته بكارل بوبر وفيليب فرانك ، وأخيرا درس هذا الفصل نظريات كرناب وجذورها الفلسفية والمنطقية ، وتم انتخاب اسس الرياضيات ، والسيموطيقيا (النظرية العامة للغة) واقسامها ، ومن ثم بحثنا في السنتاكس المنطقي للغة ونظرية السيمانطيقا . ومن خلال كل ذلك بينا مكانة كرناب في تاريخ الفلسفة والمنطق المعاصريين ، وخصوصا اسهاماته في المنطق الرمزي . 

السنوات الاولى ومسارات التعليم :

   تذكر كرناب بعد ان أستقر في الولايات المتحدة ، السنوات الاولى من حياته ، وأشكال التعليم التي حصل عليها . فقد كتب للناشر بول أرثر سشليب (من جامعة نورث وسترن) ، نبذة عن حياته والتي تعد وثيقة مهمة كتبت بقلم الفيلسوف كرناب .  وبول سشليب هو الناشر للكتاب الخاص عن رودلوف كرناب ، والمعنون ” فلسفة رودلوف كرناب ” ، والصادر عام 1963 .

    يقول كرناب : ” ولدت في العام 1891 ، وفي مدينة رونسدورف بالقرب من برمن ، في الشمال الغربي من المانيا ” . وكان والده  “جوهانس كرناب” ، وريث عائلة فقيرة . ولكونه عصاميا وركز معظم حياته في العمل ، فقد تمكن من الحصول على وظيفة محترمة ، مما كان لها من الأثر في توفير حياة  صالحة للطفل رودلوف ، وكذلك مكن الاسرة من الاهتمام بتعليمه ، واختيار المناسب من تعليم يتناغم وميوله وتطلعاته .

   وكان لاجداده من طرف امه ” أنا كرناب دوربيفلد ” ، مكانة في الحياة العامة يومذاك. فقد كان بعضهم معلمين ، ورجال دين وبعضهم اصحاب بساتين . وكانت امه تعمل لسنوات ،عندما كان (رودي) طفلا ، في كتابة كتاب كبير ، يركز على الحياة ، والعمل ، وافكار تتعلق بوالدها ” فريدريك ولهلم دوربيفلد ” الذي كان معلما وكاتبا تربويا . وكان رودلوف طفلا محظوظا ، فقد تربى في احضان ام متعلمة . وفي هذا الجو تفتحت مداركه الحسية مع القلم وكراريس الكتابة ، مما سيكون لكل ذلك من الفعل المؤثر على التوجهات التعليمية والمهنية الواعدة للطفل رودلوف .

  ولعبت العقائد الدينية العميقة لوالدي رودلوف دورا في حياته . فقد كان الدين يلف كل تفاصيل حياتهما . وردلوف يتذكر جيدا ، كيف كانت امه تطبع في طفليها اساسيات الدين. والتي حسب رأيه لم تعد متناغمة من زاوية العقيدة . لقد كان المهم من وجهة نظرها ، هو الحياة الفاضلة . وان معتقدات الاخر بالنسبة لها عقائد محايدة من الناحية الاخلاقية ، ما دام الاخر يبحث بجدية عن الحقيقة . وهذا الاتجاه مكنها من ان تكون متسامحة مع الناس واعتقاداتهم .

   وحين بلغ رودي واخته سن التعليم ، فأن امه اصبحت معلمة لهما . وفعلا فقد حصلت على موافقة رسمية لتعليمهما في البيت . وقد قامت بهذا الدور لمدة ثلاث سنوات دراسية . والحقيقة ان مدرسة البيت ، كانت ساعة تعليمية واحدة فقط كل يوم ، حسب نظام ووقت الوالدة . كما وان الوالدة كانت لا تعتقد بجدوى كمية المادة التعليمية . وبدلا عن ذلك هدفت الوالدة الى مساعدة طفليها على اكتساب المعرفة الواضحة المترابطة والتي  مكنتها من تطوير القابلية على التفكير الذاتي المستقل .

وبعد وفاة والده في العام 1898 تحولت العائلة للعيش في مدينة برمن . وهناك ألتحق  رودلوف بالدراسة في مدرسة (جيمنيزيم ) وهي مدرسة تؤهل الخريج للدخول الى الجامعة . وكان المنهج الدراسي يركز على اللغات الكلاسيكية . اما الموضوعات المحببة لرودلوف ، فقد كانت تشمل الرياضيات التي تتميز بدقة مفاهيمها ، وامكانية البرهنة على نتائجها بواسطة التفكير فقط . وكذلك ضمت اللغة اللاتينية التي تتميز بتركيبها العقلانية .

الدراسات الاكاديمية الاولية والعليا :

  وفي العام 1909 تحولت العائلة الى مدينة ينا ، وهناك درس في جامعتي ينا وفريبورك ، وللفترة من 1910 الى 1914 . وهناك ركزأولا على دراسة الفلسفة والرياضيات . وأخيرا تخصص في الفيزياء والفلسفة . اما الفصول الدراسية التي اختارها ، فهي الفصول التي كان يرغب في دراستها ، دون اعتبار للامتحانات او تطلعا للحصول على مهنة بعد التخرج . وقد ذكر كرناب ذلك قائلا : ” عندما لا احب محاضرة الفصل الدراسي ، فأني اقوم بتقديم طلب بألغاء التسجيل ، ومن ثم اتابع دراسة الموضوع عن طريق قراءة المؤلفات التي تغطي متطلباته ” .

   اما في مضمار الفلسفة ، فقد كان اهتمام الطالب كرناب بنظرية المعرفة ، وفلسفة العلم . وفي حقل علم المنطق ، فهناك قصة اخرى ، فقد كانت محاضرات الفلاسفة وكتبهم ، كما اخبر ناشر كتاب : ” فلسفة رودلوف كرناب ” ، ” كانت مملة ومتخلفة ، خصوصا بعد معرفتي على الابحاث المنطقية الاصيلة ،التي حصلت عليها من خلال محاضرات فريجه “.

كما وانه درس فلسفة عمانوئيل كانط مع الاستاذ برنو بوخ (1942 -1877) وهو من الكانطين الجدد في جامعة ينا . وكان كتاب كانط الشهير ” نقد العقل النظري (الخالص) ” ، هو موضوع المناقشات التفصيلية طول العام الدراسي . وهنا يتذكر كرناب الأثار  التي تركتها هذه المحاضرات ، ومن خلالها اثر كانط على فلسفته ، فيقول : ” لقد ترك مفهوم كانط الهندسي للمكان ، و كشكل من اشكال الحدس أثرا واضحا على تفكيري ” . ومن ثم يعترف كرناب بهذا الأثر الكانطي ، والذي ظهر في الفصل المعنون ” المكان الحدسي ” من فصول اطروحته للدكتوراه  ، والموسومة : ” المكان ” والتي كتبها في العام 1920

   و يتذكر كرناب بأبتهاج وتقدير عال محاضرات الاستاذ ” هرمان نوهل ” ، والذي كان يومذاك محاضرا في جامعة ينا ، وخصوصا محاضراته في الفلسفة ، والتربية وعلم النفس . ويرى كرناب ان نوهل كان يمتلك اسلوبا مؤثرا حتى في الموضوعات البعيدة عن اهتمام الطالب كرناب ، مثل موضوع فلسفة الحق عند هيجل . يقول كرناب : ” كنت انا واصدقائي مندهشين بأعجاب ،  بطريقة نوهل التي ترعى الجوانب الشخصية من حياة وأفكار طلابه ، خلافا لمعظم الاساتذة الالمان في ذلك الوقت . وكذلك بسبب انه يحاول ان يقدم لنا ، في محاضراته او احاديثه الخاصة ، فهما عميقا لتفكير الفلاسفة ،  وذلك بالأعتماد على وجهات نظرهم الى الحياة وخلفياتهم الثقافية ” .

  ومن ثم يعترف كرناب بأن ماتعلمه في ميدان الفلسفة ، جاء من مصادره الاولى ،وهي القراءات الشخصية لكتب الفلاسفة ، والى المناقشات التي كانت تحدث بين الطلبه ، أكثر مما حصل عليه من خلال المحاضرات وقاعات الدراسة الجامعية .

 رودلوف كرناب والبروفسور جوتلوب فريجه :

  كان كرناب في مرحلة التلمذة الجامعية ، مبتهجا جدا بدراسة الرياضيات ، مقارنة بالجدل الذي لا نهاية ، الحادث بين المدارس الفلسفية المختلفة . ولعل السبب يعود حسب كرناب الى ان نتائج الرياضيات يمكن البرهنة عليها بيسر ودقة ، وان ليس هناك جدل واسع حولها . والحق ان الاهتمام المثمر والذي ألهم كرناب بطريق الرياضيات ، لم يأتي من ميدان الفلسفة والرياضيات التقليديين . وانما جاء من خلال محاضرات ودروس جوتلوب فريجه (1925 – 1848) . فقد ركز فريجه على الميدان المشترك لكل من الفلسفة والرياضيات ، والمقصود من خلال المنطق الرمزي واسس الرياضيات .

  يتذكر كرناب جيدا شخصية استاذه فريجه ، فيشير الى انه قد تجاوز الستين من العمر ، وكان الاستاذ المتميز الوحيد (استاذا مشاركا) في الرياضيات في جامعة ينا . ويذكر كرناب الى ان جهود فريجه ، في هذا المضمار كانت مهملة من التقويم والاعتراف بقيمتها العلمية . خصوصا من قبل الفلاسفة ورجال الرياضيات الالمان على حد سواء . وكان فريجه لهذا السبب ، يعيش خيبة ويتعذب بمرارة ، من هذا الصمت الالماني المطبق من اعماله المبدعة في هذا الحقل الجديد . حتى وصلت خيبته الى درجاتها العالية ، عندما حمل كتابه ، باحثا عن دار نشر له . ألا ان الطريق كان مسدودا تماما ، فلم تجرأ واحدة من دور النشر الالمانية على طباعة عمله الرئيسي ” القوانين الاساسية لعلم الحساب ” والذي يتـألف من مجلدين . والذي قام فريجه أخيرا على طباعته على نفقته الخاصة . انها مرارة كل المبدعين ، في كل الميادين وحقول المعرفة .

  كما ان هناك خيبة أمل اخرى عانى منها فريجه ، حسب افادة كرناب ، وهو ان فيلسوف الرياضيات وعالم المنطق الانكليزي برتراند رسل (1970 – 1872) قد اكتشف بأن هناك تناقضا قد وقع بين نظام فريجه ونظرية المجموعات عند عالم الرياضيات الالماني جورج كانتور (1918 – 1845) .  و لم يتذكر كرناب شيئا قد ذكره الاستاذ فريجه حول مشكلة ذلك التناقض في محاضراته ، أوامكانية التعديل في نظامه من اجل استبعاد التناقض فيه . ولكن من خلال الملحق للمجلد الثاني ، انه كان مطمئنا بصورة واضحة في امكانية توافر الطريق الاكثر قناعة ، في التغلب على هذه المشكلة . ولاحظ كرناب ان فريجة لم يكن متشائما اطلاقا  ، رغم ادراكه ” لأزمة الاسس ” في الرياضيات ، و التي اشتغل عليها عدد أخر من الباحثين أحيانا .

  وفي خريف العام 1910 انخرط كرناب في الفصل الدراسي المعنون ” كتابة المفهوم (رقم الفصل 1)” والذي يدرسه فريجه ، و كان الفصل يركز على ( الاشارات … ونظام الرموز ) . وعن هذا الفصل الدراسي والاستاذ ، يقول كرناب : ” لم احضر هذا الفصل لحب المعرفة ، كما اني لم اعرف شيئا عن الرجل فريجه ، او الموضوع الذي يدرسه . بل ان صديقا لي قد اقترحه ، لان صديق له قد سجل فيه ، ووجده مفيدا ” . وقد لاحظ كرناب ان عددا صغيرا من الطلبة قد انخرط في هذا الفصل الدراسي . اما الاستاذ فريجه ، فقد ظهر لتلميذه كرناب ” شيخا كبيرا ، صغير الحجم ، وكان نادرا ما ينظر الى طلبته ، وكنا اعتياديا لا نرى منه سوى اكتافه الخلفية ، لانه كان دائما مشغولا في رسم انموذجه الرمزي على اللوحة ، وتقديم شرحا وافيا له ” . ولذلك لم يتذكر كرناب ان واحدا من الحضور رفع سؤالا خلال المحاضرة او بعدها . ويبدو ان امكانية المناقشة في محاضرة الاستاذ فريجه ، تقع خارج دائرة السؤال .

  وفي نهاية الفصل الدراسي ، اعلن فريجه لطلابه ، الى ان المنطق الجديد الذي قدمه في هذا الفصل ، سيكون جهازا تبنى على اساسه كل الرياضيات . هذه الملاحظة اثارت حب استطلاع كرناب ، ولذلك سجل في فصل فريجه الدراسي المتقدم  والمعنون ” كتابة المفهوم (رقم الفصل 2) ” ، وكان ذلك في صيف العام 1913 . وكان الفصل يضم ثلاث طلاب فقط . يقول كرناب : ” ضم هذا الفصل الدراسي : صديقي وانا وضابط عسكري متقاعد ، كانت هوايته دراسة الافكار الجديدة في الرياضيات ، وقد سمعت منه لاول مرة اسم كانتور ونظريته في المجموعات ، والتي لم يذكرها (اواسم صاحبها كانتور) أحد من الاستاذة في الجامعة ” .

  وشعر فريجه بأرتياح عال مع هذه المجموعة الصغيرة من الطلبة ، فكان لايتردد في ذكر ملاحظاته النقدية الساخرة ، وهجومه على جماعة من الرمزيين ، وخصوصا الذين نظروا الى الاعداد على انها رموز . ويرى كرناب ان اعمال فريجه الرئيسية تخلو من الحس النقدي الساخر ، ورغم ذلك وجد ان هناك نقدا تغلفه سخرية خفيفة لهرمان شوبرت (1911 – 1848) . وخصوصا للتعريف الذي تقدم به شوبرت في مقاله الذي عالج فيه اسس الرياضيات . وقد نشر في المجلد الاول من  الطبعة الاولى من موسوعة الرياضيات الكبرى . ومن الملفت للنظر ان مقال شوبرت قد رفع من الموسوعة في طبعتها الثانية ، وحلت محله المساهمة الممتازة لكل من هرمز وسكولز.

  ويقوم كرناب عمل فريجه في الفصل الدراسي الذي حضره ، فذهب الى ان فريجه قدم لطلبته عدد كاف من الامثلة التطبيقية على نظامه الرمزي في الرياضيات ، الا انه لم يناقش المشكلات الفلسفية العامة . غير انه بين من طرف اخر الاهمية الفلسفية للاداة الجديدة التي كونها ، رغم انه لم يقدم لطلبته انطباع محدد واضح ، خصوصا الاهمية الفلسفية لنظامه المنطقي الرمزي . يقول كرناب معلقا على انجاز فريجه : ” وبالرغم من اهتمامي غير الاعتيادي بنظام فريجه المنطقي ، فأني لم اكن ملتفتا الى اهميته الفلسفية الكبيرة ، ولكن فيما بعد وبالتحديد بعد الحرب بدأت اقرأ مؤلفات فريجه ورسل بأهتمام كبير ، واعترفت بقيمة عمل فريجه ، ليس في صياغته للرياضيات خاصة ، بل وللفلسفة عامة ” .

  وفي صيف 1914 انخرط كرناب في الفصل الدراسي ، الذي يحاضر فيه فريجه ، والمعنون ” المنطق في الرياضيات ” . وقد ركز فريجه في محاضراته ، على دراسة بعض المفاهيم المتداولة ، والصيغ السائدة في الرياضيات من زاوية نقدية  . واعلن صراحة بان رجال الرياضيات عجزوا عن صياغة نظام واحد ، مبني جيدا لكل الرياضيات . واشار الى ان ذلك يعود الى النقص الحاصل في دراسة اسس الرياضيات . ووضع في متناول الحضور امثلة ، منها الضعف في صياغة البديهيات ، والتعريفات ، والبراهين . وبين بان هذا الحال ينسحب على اشهر رجال الرياضيات ، فمثلا ” التعريف الذي تقدم به وايرستراس للعدد : على انه ” سلسة اشياء من نوع واحد ” .  وانتقد هذا التعريف ، وبين ان هناك نقصا وقع في التمييز الاساسي ، التمييز بين الرمز والمرموز ، والتمييز بين المفهوم المنطقي والصورة العقلية ، والتمييز بين الوظيفة وقيمة الوظيفة .. ويرى كرناب ان هذه الافكار المهمة التي ادلى بها فريجة ” ظلت بعيدة عن الاهتمام حتى هذا اليوم ” .

 كرناب والعمل في مضمار الفلسفة :

   كانت الفيزياء من اكثر العلوم التجربية القريبة من تفكير كرناب ودائرة اهتمامه الاكاديمي ، كما انه كان مقتنعا بالحقيقة التي تؤكد على امكانية التعبيرعن القوانين وذلك باستخدام العلاقات العددية (الرقمية) والتي تمكننا من وصف الحوادث وشرحها من طرف ، ومن ثم التكهن بما سيحدث في المستقبل من طرف اخر .

  وعلى اساس هذا الاهتمام بالفيزياء ، بدأ في العام 1913 بحثه التجريبي في الفيزياء . وكان هدفه من ذلك كتابة اطروحة للدكتوراه . وكانت المشكلة الاساسية في هذا البحث ، هو كيفية اطلاق مجموعة الكترونات خلال تسخين عمود الكتروني في الفراغ . ان اجراءات البحث من الزاوية التكنيكية كانت صعبة ، اضافة الى ان ميول وامكانيات كرناب التجريبية جعلت من انجاز هذا البحث اكثر صعوبة . ولنقف قليلا نسمع رأي كرناب : ” انا بالتأكيد لست امتلك قابليات الباحث التجريبي الجيد ، ولهذا فان التقدم في هذا البحث  سار ببطئ شديد ” .

   ومن ثم جاء ايلول 1914 بسرعة مذهلة ، فأندلعت الحرب العالمية الاولى ، وكان من سوء حظ كرناب ان قتل استاذه المشرف في الايام الاولى من الحرب . وهكذا طوت الحرب صفحات حكاية هذا البحث التجريبي في الفيزياء . ومن ثم خدم كرناب خلال الحرب ، كضابط في الجيش ، وفي صيف العام 1917 نقل الى برلين ليعمل ضابطا فيزياويا في معهد الفيزياء العسكري ، والذي كان يركز على تطوير وسائل الاتصالات اللاسلكية .

   عاد بعد الحرب ليعيش فترة من الزمن في ينا ، ومن ثم في( بوكنباخ) بالقرب من فريبورك . وبدأت الان حكاية أخرى مع كرناب ، فأخذ يخطط من جديد للعودة للبحث الاكاديمي ، ومن ثم الحصول على الدكتوراه .وكانت اول خطوة ، هي اجتياز امتحانات التأهيل ، وقد أنجز ذلك .  ومن ثم جاءت خطوة البحث الخاص في الفلسفة . وفعلا بدأ بحثه أولا بنوع من العزلة النسبية . وبعد ذلك اتصل بهانز رايخنباخ (1953 – 1891) فيلسوف العلم ، وصاحب كتاب : ” نشأة الفلسفة العلمية ” . ومن ثم اتصل بأخرين من الذين يعملون في هذا المضمار . والى حد هذه الفترة  ، وبالتحديد عام 1926 انتهى فصل من حكاية كرناب  ، وهي السنة التي ذهب فيها الى فينا والتحق بحلقتها الفلسفية المنطقية (التي عرفت بحلقة فينا) والتي سيكون احد اعضاءها العاملين .

  ومن المفيد ان نذكر هنا الى ان كرناب كان يفكر قبل الحرب كثيرا ، في ان أمتهان التعليم الجامعي وظيفة له ، ولكن كما يبدو لم تكن لديه خطة عملية واضحة ، خصوصا اذا تذكرنا تردده في الاختيار بين تخصص الفلسفة و الفيزياء . يقول كرناب : ” وعندما عدت من الخدمة العسكرية ، والتي كانت اكثر من اربع سنوات ، كنت لازلت مهتما بالفلسفة والفيزياء على حد سواء ” . والان اصبح واضحا لدى كرناب انه لا يرغب في التخصص التجريبي في الفيزياء . وذلك كما يفيد ” بسبب ان ميولي وقابلياتي كلها مركزة حول البحث النظري ، لذلك حاولت ان اجمع كل اهتمامي في ميداني الفيزياء النظرية والفلسفة ” .

   وفي العام 1919 درس بنفسه العمل الكبير (برنكبيا مثماتيكيا : مبادئ الرياضيات) الذي كتبه كل من الفرد نورث وايتهيد (1947 – 1861) و برتراند رسل . وحسب كرناب ، ان فريجه كان يشير الى هذا الكتاب في محاضراته . وقد تأثر كرناب بالتطور الذي حدث لنظرية العلاقات في كتاب المبادئ  . ولهذا ينظر الى هذا الكتاب على انه البداية الحقيقية للمنطق الرمزي للعلاقات ، والذي كان لنظام فريجه حضورا فيه ، ولكن في كتاب المبادئ قد حدث تطوير للنظرية بصورة شاملة ، كما عرضت بواسطة  جهاز رمزي (نظام اشارات) ملائم جدا . وهنا يقول كرناب : ” بدأت اميل نحو الاشارات (العلامات) ، والتي اصبحت سائدة اكثر في كتاب المبادئ مقارنة بما هي عليه في نظام فريجه ” .

  وهكذا اختار كرناب طريقه الخاص في التفكير بالمشكلات الفلسفية ، او التفكير بصياغة انظمة بديهية . وكان يرى ان المناقشة الفلسفية والعلمية حول اي مفهوم او قضية ، يمكن فهمها بوضوح  اذا ما تم التعبير عنها بلغة رمزية . وفي هذا المضمار  يقول : ” وقد انجزت عملية ترميز لحالات خاصة ، بدت لي ضرورية ونافعة ” .

  وفعلا بدأ كرناب في بناء نظام بديهي للنظريات الفيزياوية للمكان والزمان ، وقد استعمل لانجاز هذا المشروع  نوعين من العلاقات الاولية . ومن ثم اخذ يفكر في امكانية تطوير نظام بديهي ، في رسالة دكتوراه في مضمار الفيزياء النظرية . وكتب فعلا ملخصا لمشروع اطروحته ، اسماه ” الاسس البديهية لعلم الحركة ” . وعرضه على الاستاذ ماكس وين (1938 – 1866) رئيس معهد الفيزياء في جامعة ينا ، وبعد ان قدم كرناب مجموعة ايضاحات ، قال ماكس ” انه مشروع مهم ، الا ان معهد الفيزياء ليس هو المكان المناسب لأجراء هذا المشروع ” ، واقترح عليه ان يعرض المشروع على الاستاذ برنو بوخ ، والذي سبق ان درس كرناب على يديه كتاب كانط : نقد العقل النظري في الدراسات الاكاديمية الاولية . واهتم الاستاذ بوخ بالمشروع كثيرا ، الا ان قراره النهائي جاء بأن المشروع ينبغي ان يدرس في قسم الفيزياء بدلا من الفلسفة. واخير توصلنا الى اتفاق ، كما يقول كرناب : ” وهو ان اختار موضوعا جديدا في الفلسفة ، وقد كان عنوانه (الاسس الفلسفية للهندسة) ” .

  لقد علمت كرناب هذه الخبرة (مشروع اطروحته) ، ان مشروعه كان ينظر اليه ، الى انه موضوعا لا ينتمي الى الفيزياء ، ولا الى الفلسفة . وانه سيسبب لكرناب الكثير من الصعوبات في المستقبل ، ولهذا كان مدركا الى ان اي باحث ، اذا حاول ان يدرس العلاقات بين حقلين ، فأنه من زاوية التقسيم الاكاديمي ، ينتمي الى اقسام مختلفة ، وبالتالي سوف لا يكون مرحبا به كباني جسور كما هو يتوقع ، وانما حسب افادات كرناب : ” ينظر اليه من قبل الطرفين على انه غريب (خارجي) ومتطفل صانع مشاكل” .

 حضور  فريجه ورسل في فلسفة كرناب :

    لقد بين كرناب بصدق ، الاثار التي تركها الاخرونعلى فلسفته ونهجه المنطقي ،  خصوصا الفلاسفة وعلماء المنطق والرياضيات والفيزياء . فبدأ اولا موضحا الاثار الذي تركها الاخرون في اول عمل اكاديمي انجزه . يقول كرناب : ” في اطروحتي للدكتوراه والمعنونة (المكان) ، حاولت ان ابين بان هناك نظريات متناقضة تتعلق بطبيعة المكان . فمثلا ان كل من رجال الرياضيات ، والفلاسفة ، والفيزيائين الذين يبحثون عن الحقيقة ، أنهم يتكلمون عن موضوعات مختلفة ، في حين انهم يستخدمون نفس المفهوم ( مكان) ” . وعلى هذا الاساس ميز كرناب ثلاث معاني لمفهوم المكان : المكان الصوري ، المكان الحدسي ، والمكان الفيزياوي . ورأى ان المكان الصوري ، هو نظام مجرد ، وهو مركب في ميدان الرياضيات ، وانه اكثر دقة في منطق العلاقات . ولذلك فان معرفتنا بالمكان الصوري هي ذات طبيعة منطقية . اما في معرفة المكان الحدسي ، فيقول كرناب : ” انا كنت في ذلك الوقت ، تحت تأثير كانط والكانطيون الجدد ، خصوصا ناتورب وكاسيرر ، ومفهوم المكان لديهم مؤسس على (الحدس الخالص) ، وهو مستقل من الخبرة المحتملة ” . ولكن على خلاف كانط ، فانني احصر صفات المكان الحدسي بالخصائص الهندسية التي ادركها بواسطة الحدس الخالص(ومن وجهة نظر كانط هي البناء الاقليدي وفقا لهندسة اقليدس) .

  ويذكر كرناب الى ان هناك شخصيتين فلسفيتين ، قد تركا اثرا قويا على تفكيره الفلسفي ، وهما فريجة ورسل . فمثلا فريجة ترك اثارا واضحة عليه ،  اولا من خلال محاضراته . وثانيا من خلال مؤلفاته التي تركت اثارا عميقة ، والتي قرأها بعد الحرب .فقد قرأ عمله الرئيسي ( القوانين الاساسية لعلم الحساب ) وكان يتألف من مجلدين وطبع في العامين : 1893 و1903 ، وقد درسهما في العام 1920 . وتعلم من فريجه العناية والاهتمام بالوضوح في تحليل المفاهيم والتعابير اللغوية . والتمييز بين التعابير ودلالتها . ووصل من تحليلات فريجه ، الى القناعة بان المعرفة في الرياضيات هي ” معرفة تحليلية في معناها العام ، وهي المعرفة ذاتها في المنطق ” . وعلى هذا الاساس اصبحت مهمة المنطق والرياضيات مرتبطة بنظام المعرفة الكلي ، الساعي الى توفير اشكال من المفاهيم ، والقضايا ، والاستدلالات . وهي اشكال تعمل في كل المناطق المعرفية ، بل وممكن ان تعمل حتى في مناطق المعرفة اللا منطقية .

  ويعترف كرناب بان معظم جهوده قد تركزت في حقول المنطق الخالص ، والاسس المنطقية للرياضيات . كما تعلم من فريجة ، الاهتمام بشروط صياغة قواعد الاستدلال في المنطق ، مع صرف النظر عن اي اشارة الى المعنى . ولكن مع الاهتمام المستقل في تحليل المعنى . يقول كرناب : ” اعتقد هنا مع فريجه ، تكمن جذور اهتمامي الفلسفي من ناحية في السنتاكس المنطقي ( البناء الرمزي المنطقي ) . ومن ناحية اخرى اهتمامي بالسيمانطيقا كنظرية في المعنى ” .

  واذا كان هذا هو الاثر القوي الذي تركه فريجه على كرناب خصوصا في حقول المنطق والسنتاكس . فان كرناب تعلم كذلك من رسل . ففي شتاء 1921 قرأ كتابه : 

” معرفتنا للعالم الخارجي : كحقل للطريقة العلمية في الفلسفة ” . ويرى كرناب ان بعض المقاطع من الكتاب تركت انطباعات قوية في تفكيره ، فقد صيغت بطريقة واضحة ، خصوصا هدف وطريقة الفلسفة ، التي أمنت بها لفترة من الزمن . كما ان رسل قد تكلم في المقدمة عما اسماه ” بطريقة التحليل المنطقي للفلسفة ” وقد اشار الى عمل فريجة كمثال تام لهذه الطريقة . وفي الصفحات الاخيرة من الكتاب ، لخص رسل خصائص الطريقة الفلسفية في العبارات الاتية :

 اصبحت دراسة المنطق ، البحث المركزي في الفلسفة : وان المنطق قدم طريقة بحث للفلسفة ، مثلما قدمت الرياضيات طريقة للفيزياء …. ان كل المعرفة الموضوعة في الانظمة التقليدية يجب ازالتها ، وصنع بدلا عنها معرفة جديدة … وأخذ يتزايد عدد الاشخاص الذين يدرسون العلم ، الذين أخذوا بالطريقة الجديدة ، والتي حققت نجاحا ، ونظرت بتقدير عال الى المشكلات كأعداد ، لانهائية ، مستمرة ، مكان ، زمان . مقارنة مع الطرق القديمة التي فشلت تماما في انجاز ذلك …

 ويقول كرناب : ” شعرت ان كلام رسل موجه لي شخصيا ، وان العمل بمثل هذه الروح ، هو صلب مهمتي من الان فصاعدا . ولهذا عملت على اجراء تطبيقات للاداة المنطقية الجديدة لاغراض تحليل المفاهيم العلمية ، وتوضيح طبيعة المشكلات الفلسفية ، الذي اصبح الهدف الاساس لنشاطي الفلسفي ” .

  وشغل كرناب نفسه هذه الفترة بالمنطق الرمزي ، خصوصا بعد ان ظهر له صعوبة الحصول على نسخة من كتاب ( برنكبيا مثماتكيا : مبادئ الرياضيات ) ، فبدأ في الكتابة في تأليف كتاب في المنطق الرمزي . وجعل الامر اكثر صعوبة ، هو عدم توفر نسخة من كتاب المبادئ في مكتبة جامعة فروبيرك . كما ان سعر النسخة الجديدة ، خارج عن التصور وذلك بسبب حالة التضخم الاقتصادي في المانيا . ومنذ ان باءت جهوده بالفشل في شراء نسخة مستعملة . يقول كرناب : ” راسلت رسل وسألته عن امكانية مساعدتي في الحصول على نسخة من الكتاب ، وبدلا من ذلك فقد ارسل لي قائمة لمعظم التعريفات المهمة للبرنكبيا ، وكانت تتألف من 35 صفحة ، كتبت بخط يد رسل … ” .  وفي العام 1924 كتب كرناب النسخة الاولية من كتابه في المنطق ، والذي صدر في عام 1929 .

وعن هذا الكتاب واثر كتاب المبادئ ، يقول كرناب : ” تم كتابة هذا الكتاب بالاعتماد على كتاب البرنكبيا ، وكان غرضي في هذا الكتاب ليس لأبين نظام المنطق الرمزي وحسب ، بل لاضع في المتناول تطبيقات المنطق الرمزي في تحليل المفاهيم ، وبناء الانظمة الاستدلالية ” .

 كرناب وفيلسوف العلم هانز رايخنباخ :

   كان من بين الذين يعملون في حقل الفلسفة واسس العلم ، في المانيا في الوقت الذي بدأ كرناب يتلمس طريقه في البحث الاكاديمي . هو فيلسوف العلم الواعد هانز رايخنباخ ، الذي يمتلك رؤيا فلسفية ، كان لها من الأثر على نهج كرناب الفلسفي ، كما وان نشاط كرناب الاكاديمي ، كان موضوع اهتمام رايخنباخ  . وكان الاخيرفي حينها، محاضرا في الفيزياء في المعهد التكنولوجي في مدينة شتوتكارد. لقد جاء كلاهما من ميدان الفيزياء ، كما وان كلاهما مهتم بأسس الفيزياء الفلسفية . وخصوصا الاهتمام بالمشكلات المنهجية التي ولدتها نظرية انشتاين (1955 – 1879) في النسبية . وحقيقة كان يجمع الرجلان اهتمام في نظرية المعرفة والمنطق . وهنا يقول كرناب واصفا بدايات علاقته برايخنباخ ” في البداية بدأت علاقتنا بالمراسلات ، وفي اذار عام 1923 ألتقينا في مؤتمر صغير في ارلنجن . ومن ثم أنتظمنا في الجلسات سوية ، مع عدد من الذين يعملون مثلنا في ميدان المنطق الرمزي ، واستخدامه في تطوير الفلسفة العلمية . وكان من المشاركين : هنريخ بهيمان (1970 – 1891) و بول هرتز (ولد عام 1881) وكورت لوين (1947 – 1890) .

  وألقيت في المؤتمر كلمات عن المنطق النظري ، واحاديث عن الرمزية ( استخدام اللغة الرمزية وقواعدها في الاستدلال … ) ، ومشكلة القرار ، والبنى العقلية ، والمنطق التطبيقي ( العملي ) ، ومايتعلق به ، مثل : العلاقة بين الموضوعات الفيزياوية ومعطيات الحس . وكان هناك كلام عن نظرية المعرفة بلا ميتافيزيقا ، النظرية المقارنة للعلوم ، الخصائص الهندسية للزمان ، واستخدام الطريقة البديهية في الفيزياء .

  وأحتفل المؤتمر بوجهات نظر مختلفة ، واتسمت المناقشات بالحيوية ، وكانت بعض الاحيان تجري في جو متوتر . الا ان المؤتمر بصورة عامة ، قد نجح في ضم الجميع تحت مظلة فكرية مشتركة . ولهذا هدف الجميع الى العمل على تطوير طريقة دقيقة وسليمة للفلسفة . وهنا يقول كرناب : ” كنا جميعا مقتنعين ، بأن هناك عددا ملحوظا من الباحثين الالمان ، يعملون في تحقيق الهدف الذي نتطلع للوصول اليه ” . وبمنظار كرناب أن هناك من كان ينظر الى مؤتمر أرلنجن ، على كونه صغيرا محدودا . الا انه في الحقيقة كان خطوة أولية بالغة الاهمية في تاريخ ” حركة الفلسفة العلمية في ألمانيا “.

   كان مؤتمر أرلنجن فرصة مهمة لكرناب ليلتفي بفيلسوف العلم رايخنباخ ، وليرسم صفحات جديدة مهمة من حياته بصحبة رايخنباخ . وفعلا بعد المؤتمر ، أخذ كرناب يلتقي رايخنباخ بأنتظام . وكان كل منهما يعد ناقدا ممتازا للأخر ، خصوصا عندما يصل أحدهما الى افكار جديدة . وبقي رايخنباخ على اتصال حميم بالفيزياء ، وذلك بحكم مهنته في التعليم والبحث في حقل الفيزياء . في حين أشتغل كرناب في حقول علمية أخرى . وكان يسأل رايخنباخ عن تفسير للتطورات الحادثة في مضمار الفيزياء مثل : ميكانيكا الكم . وكانت تفسيرات رايخنباخ ، حسب رؤية كرناب كما يقول : ” ممتازة دائما ، وكان رايخنباخ يثير نقاط اساسية ، تتسم بوضوح كبير . اما من طرفي (كرناب) ، فكنت احاول احيانا ان اشرح له التطورات الحادثة (والمشكلات الخاصة) في المنطق ، او الاسس المنطقية للرياضيات ” .

  وكان كرناب في هذه الفترة ، منكبا على العمل في اسس الفيزياء . وكان ثمرة هذا العمل كتابة مقاله المعنون : ” مهمة الفيزياء ” (1923) . وقد تصور فيه نظاما مثاليا للفيزياء ، يتألف من ثلاثة مجلدات :

الأول – يضم قوانين الفيزياء الاساسية ، واشترط كرناب ان يتم عرضها على صورة نظام بديهي رمزي (صوري) .

الثاني – يحتوي على معجم ظاهراتي – فيزياوي .

الثالث – يتكون من أوصاف لحالة الكون الفيزياوية في فترتين زمنيتين متباينتين .

  ومن المقالات التي كتبها كرناب فترة علاقته برايخنباخ ، المقالة التي نشرت في العام 1924 ، والتي ركز فيها على تحليل بنية الحتمية السببية في الفيزياء ، ومدى ارتباطها ببنية المكان . ويعلق على النهج الذي استند اليه في كتابة هذا المقال ، فيفيد : ” ان اتجاهي الاصطلاحي كان قويا في هذه المقالة ، وكذلك الحال في مقالة 1923 ” . انه اعلان صريح ، بأنه كان متأثرا بمؤلفات هنري بونكاريه (1912 – 1854) ، وكذلك هيجو دنكلر (1954 – 1881) . ومن الملاحظ ان كرناب لم يشارك دنكلر في اصطلاحيته المتطرفة ورفضه لنظرية أنشتاين في النسبية العامة .

  واحتفلت الفترة الرايخنباخية ، بأهتمام كرناب مرة ثانية بالنظام البديهي للمكان والزمان . وفعلا فقد شرح الاسس الفلسفية لهذا النظام البديهي ، في بحث كتبه في العام 1925. ولعل من النافع ان نشير الى الافكار الرئيسية التي حملها هذا المقال :

اولا –  يرى ان النظام المكاني للحوادث ، والذي ينهض على الارتباط السببي والعلاقة الاشارية ، يشير الى ان المسافة المكانية بين جسمين هي اكبر ، وتحتاج الى زمن اطول من اجل اطلاق اشارة من جسم الى جسم اخر .

ثانيا – يعتقد ان في الامكان تعريف العلاقة الاشارية ، وذلك بالاعتماد على علاقة موقتة لها اسبقية من الناحية الزمنية .

   كما ان من المفيد ان نذكر بان القسم الكبير من عمل كرناب الفلسفي في هذه الفترة     ( وبالتحديد للفترة الممتدة من 1922 الى 1925 ) كان مكرسا لموضوعات تقع خارج خطة كتابه المعنون : ” البناء المنطقي للعالم ” . وكذلك فقد ألهمه في هذه الفترة ، رسل في وصفه لهدف وطريقة فلسفة المستقبل . والحاصل من ذلك ان قام كرناب بمحاولات لتحليل مفاهيم لغة الحياة اليومية وعلاقتها بأشياء البيئة المحيطة ، ومعرفة خصائصها الملاحظة ، ومن ثم بناء تعريفات لمفاهيم اللغة وذلك عن طريق مساعدة المنطق الرمزي . ونحسب ان الفترة الرايخنباخية التي عاشها كرناب ، كانت رحلة فلسفية علمية ومنطقية ذات طعم خاص . اضافة الى التبادل الفلسفي والمنطقي بين رايخنباخ وكرناب . فأن اهتمام الاخير بفلسفة الفيزياء والمنطق الرمزي ، تجعل هذه الفترة من اهم الفصول الحيوية في حياة كرناب الفلسفية والمنطقية .

 كرناب والاتجاهات الفلسفية العلمية لحلقة فينا (1935 – 1926):

   لقد لعب رايخنباخ دورا مؤثرا في حياة كرناب ومستقبله كفيلسوف للعلم وعالم رائد في المنطق الرمزي . فقد كان لرايخنباخ الفضل في تعريف كرناب على مؤسس حلقة فينا ، والاب الروحي للوضعية المنطقية مورتيز شيلك (1936 – 1882) . ففي صيف عام 1924 ، ومن خلال رايخنباخ تعرف كرناب على شيلك ، والذي عبر عن بهجته :

” اذا قبل كرناب العمل محاضرا في فينا ” . وفعلا ذهب كرناب الى فينا في العام 1925 لفترة قصيرة ، وذلك لألقاء بعض المحاضرات ، لا في جامعة فينا ، وانما في حلقة شيلك الفلسفية . ومن بعد ذلك قبل ان يعمل محاضرا للفلسفة في جامعة فينا . وبالتحديد من خريف 1926 الى صيف 1931 .

   وبتقويم كرناب ذاته ، لنشاطه الفلسفي في فينا  ، فانه يرى ان هذه الفترة  كانت اكثر اثارة وبهجة ، كما انها كانت من اهم الحقب المثمرة في حياته  . ولهذا يقول : ” لقد كانت اهتماماتي الاساسية ، ونظراتي الفلسفية متناغمة جدا مع اعضاء الحلقة ، اكثر من اية جماعة وجدتها في حياتي ” . وفي بداية اتصاله بالحلقة ، كان حريصا على تعريفهم بنهجه الفلسفي وخططه . وفعلا في العام 1925 شرح للحلقة الخطة العامة والطريقة التي انتخبها في تأليف كتابه المعنون : ” البناء المنطقي ” .

  وفعلا لما عاد الى فينا في العام 1926 ، فأنه وجد ان النسخة الاولى من كتابه ” البناء المنطقي ” ، والمطبوعة على ألة الطباعة ، قد قرأت من قبل اعضاء الحلقة ، وان العديد من مشكلات الكتاب فد نوقشت من قبلهم ، خصوصا من قبل عالم الرياضيات هانز هان (1934 – 1879) . وهان كان مولعا جدا بالمنطق الرمزي ، ويتطلع الى انجاز مثل هذا العمل الذي قام به كرناب . ولذلك قال هان : ” كان لدي امل دائم ، بأن شخص ما سيحمل على عاتقه مهمة برنامج رسل للطريقة الفلسفية الدقيقة ، وسيتمكن من استخدامها كأدة للمنطق الرمزي ” . وعلى هذا الاساس رحب هان بكتاب كرناب ، واعتبره انجاز لتلك الامال . ومن النافع ان نشير الى ان هان كان متأثرا بقوة بظاهراتية أرنست ماخ ( 1916 – 1838) . ولذلك اعترف بأهمية رد المفاهيم العلمية الى اسسها الظاهراتية ، وهو العمل ذاته الذي قام به كرناب في كتابه .

   وعودة الى شيلك ، فأن حاله مثل حال رايخنباخ وكرناب ، فقد جاء من ميدان الفيزياء الى الفلسفة ، وكان لذلك من الاثر في تاريخ حركة الفلسفة العلمية في جامعة فينا خاصة ودوائر الفكر الفلسفي الاوربي عامة . وفعلا فقد استدعت جامعة فينا شيلك ، وبالتحديد عام 1922 ، لشغل كرسي الفلسفة والعلوم الاستقرائية ( رئيسا للقسم في العالم العربي = كرسي في الغرب ) . وقبل تعيين شيلك ، كان يشغل هذا الكرسي من هو اختصاص في الفيزياء وله اهتمام بالفلسفة  ، وذلك من امثال أرنست ماخ ، ولودفيغ بولتزمان (1906 – 1644) .

 وهكذا بدأت مع شيلك مرحلة جديدة من تاريخ الفلسفة العلمية والدراسات المنطقية . وفعلا أخذ يضم جماعة من الذين لديهم اهتمام بالاسس الفلسفية للعلم ، وفيما بعد اطلق على هذه الجماعة ، اسم ” حلقة فينا ” . ومن بين هؤلاء كان ” هانز هان ” ، والاقتصادي وعالم الاجتماع ” اوتو نورث ” (1945 – 1882) والفيلسوف فكتور كرافت (1975 – 1880) . ومن الاعضاء الشباب كان فردريك وسمان (1959 – 1896) وهربرت فيجل (1988 – 1902) . وأخيرا علماء الرياضيات : كارل منجر (1985 – 1902) وكورت كودل (1978 – 1906) وكوستاف بيرجمان (1987 – 1906). وكذلك الفيزياوي فيلب فرانك (1966 – 1884) الذي كان يأتي من براغ الى فينا ليزور الحلقة. وفيلسوف القانون فيلكس كوفمان (1949 – 1895) والذي كان غالبا ما يحضر اجتماعات الحلقة . ولكنه لا يحسب نفسه عضوا وذلك بسبب اختصاصه البعيد من اهتمامات الاخرين . وكان متاثرا بصورة رئيسية بظاهراتية ادموند هوسرل (1938 – 1859) . الا انه اصبح في امريكا في فترة لاحقة ، قريبا من وجهة النظر التجريبية .

   ان المهمة المثمرة لهذا التعاون في اطار حلقة فينا ، لم يتوافر له جو مثيل بين الفلاسفة سابقا  مثلما توافر لاعضاء حلقة فينا . ومثلا على ذلك ان النقشات كانت تجري بيسر ودون اية صعوبات  .  ولعل السبب يعود الى ان جميع الاعضاء لهم اهتمام بمجال من مجالات العلم ، سواء رياضيات ، فيزياء او علم اجتماع . وان هذا الحال قاد الحلقة الى صياغة معيار عال للوضوح والمسؤلية ، والذي لم يشهد له حضورا في التجمعات الفلسفية الاخرى ، بالاخص في المانيا . 

  كما ان ما يميز أعضاء حلقة فينا ، هو انهم كانوا عارفين بتفاصيل التطور الحادث في مضمارالمنطق الحديث ، وهذه المعرفة المنطقية سهلت لهم مهمة تحليل المفاهيم والقضايا ، ومن ثم اعادة عرضها من زاوية رمزية . كما وان هذا الحال مكنهم من بناء حجتهم بصورة اكثر دقة . كذلك كان هناك اتفاق بين اغلبهم على رفض الميتافيزيقا التقليدية . ولكن يلاحظ على اعضاء حلقة فينا ، انهم صرفوا القليل من الوقت ضد الميتافيزيقا .  ولكنهم ركزوا اتجاههم المعادي للميتافيزيقا بشكل رئيسي على اللغة التي استخدموها في النقاش . وهنا يقول كرناب موضحا هذا الاتجاه : ” حاولنا ان نتجنب حدود الفلسفة التقليدية ، واستعملنا بدلا منها حدود المنطق والرياضيات والعلم التجريبي ، وجزء من لغة الحياة اليومية ، التي كانت مملوءة بالغموض . الا ان هناك مبدأ ساد بيننا وهو العمل الجاد لتحويلها الى لغة علمية ” .

   لقد تميزت حلقة فينا بالانفتاح في المناقشات ، فمثلا كان لكل عضو الحرية الكاملة في تقديم وجهات نظره الى التدقيق والتقويم من قبل الاعضاء الاخرين ، او له الحق في تدقيقها وتقويمها بنفسه . كما وان الروح المشتركة للاعضاء ، قد طبع عملهم بالتعاون بدلا من التنافس ، وان غرضهم كان العمل سوية من اجل الوصول الى الوضوح والبصيرة .

  حقيقة ان سمات شخصية شيلك قد طبعت اجواء الحلقة و اجتماعاتها بطابعها المتميز ، فقد كان الحنو الانساني العالي ، والتسامح والتواضع ، خصائص غرسها شيلك سمات متميزة لهذه الاجتماعات ( وكم كنت اتمنى ان تسعى اقسام الفلسفة والتجمعات الفلسفية في العراق أنموذجا ، على غرس مثل الخصائص في كوادرها وطلبتها  ، الذين بتقديرنا ملح التربة العراقية ، المقاوم لكل نابت متطفل على التراث الفلسفي الاصيل . ) .  كما كان لميول شيلك نحو الوضوح ، وتدريبه في الفيزياء ، المحفز الكبير الذي ألهم الاعضاء بالطريق العلمي للتفكير . كما كان شيلك اول فيلسوف حلل الاسس المنهجية لنظرية انشتاين النسبية ، واشار الى اهميتها الكبيرة للفلسفة . وبتقدير كرناب ان من اهم اعمال شيلك الفلسفية ، والتي لم تلق الاهتمام الذي تستحقه ، هو كتابه الاول المعنون : الاكاديمي البصير ، والصادر عام 1918 والذي احتوى على كثير من الافكار التي سيشتغل عليها عدد غير قليل من المؤلفين ، وسيقمون بتطويرها او توسيعها . مثالا على ذلك مفهومه لمهمة الفلسفة كتحليل لاسس المعرفة ، او اسس العلم . ومفهوم المعنى الذي تقدمه قواعد اللغة التي تستخدم الاشارات . والنظر الى المعرفة من زاوية رمزية وغيرها من الافكار …

 أثر نورث على تفكير كرناب :

   يعترف كرناب بالاثر الذي تركه نورث على تفكيره ، ونورث هو واحد من اعضاء حلقة فينا . استهل كرناب حديثه عنه في بيان حدد نشاطاته في الحلقة ، ومن ثم تكلم عن أثره في نهجه الفكري . وحقيقة ان ما قاله كرناب عن نورث ، هو وثيقة متفردة ، فقد كان الاثنان يعملان سوية في حلقة فينا ، ويتحاوران معا في داخل الحلقة ، ويقرأ كل منهما ما كتبه الاخر ومن ثم يقومه . وكلام كرناب يؤشر مرحلة تاريخية مهمة ، فمثلا اشار الى ان ما كتب عن نورث يومذاك ، كان قليلا في الكتابات المطبوعة المتداولة .

  ان من اهم اسهامات نورث ، هو ملاحظاته المتكرة حول الشروط الاجتماعية والتاريخية لتطور المفاهيم الفلسفية . وحسب شهادة كرناب ، ان نورث كان ينتقد بشدة النظرة المتداولة بين اعضاء حلقة فينا ، والتي فرضت عليهم من قبل كل من شيلك ورسل ، والتي لاقت قبولا واسعا لديهم  .  ونقصد النظرة التي تؤكد على : ” ان المبدأ الفلسفي يعتمد بصورة رئيسية على صدقه ” . وبالمقابل أكد نورث على ان الموقف الاجتماعي في ثقافة ما ، وفي فترة تاريخية ما ، هو موقف نازع الى تفضيل شكل معين من الايديولوجيا او الاتجاه الفلسفي ، والذي قد لا يكون مفضلا عند الاخرين . فمثلا مع تطور الحياة الحضرية والصناعية ، أخذ الاعتماد على العوامل التي لا يمكن السيطرة عليها (مثل الظروف المناخية ) يتناقص . والحال كذلك بالنسبة للميل نحو الدين الذي يؤمن بالاعجاز الفوق الطبيعي .

   يقول كرناب مقوما وجهة نظر نورث : ” اننا في داخل الحركة ، كنا نشارك نورث الاعتقاد المتفائل بالطريق العلمي للتفكير في الفلسفة ، والذي تنامى بصورة قوية في عصرنا ” . الا ان نورث اكد على ان هذا الاعتقاد ليس مؤسسا على تصحيح الطريق العلمي في التفكير . وانما مؤسس على الحقيقة التاريخية القائلة : ان العالم الغربي في الوقت الحاضر ، وربما في اجزاء اخرى من العالم كذلك ،أخذ يخضع اكثر فأكثر لاسباب الاقتصاد والتصنيع .  وعلى اساس نظرة نورث ، حسبما يرى كرناب ، أصبحت الحاجة النفسية الى الطرق الاهوتية والميتافيزيقية تتناقص هذا من طرف . ومن طرف اخر ان رعاية العلوم الطبيعية أخذت تتزايد بقوة ، وذلك بسبب الحاجة اليهما من قبل تكنولوجيا التصنيع .

   ولعل الحاصل من كل ذلك ان الجو الثقافي أصبح اكثر تفضيلا للطريق العلمي للتفكير . وكرناب يرى انه الى  هذا الحد من تفكير نورث  ، ليست هناك معارضة له من قبل اعضاء حلقة فينا . الا ان نورث ذهب بعيدا عندما قدم حجة سياسية براغماتية ، بدلا من ان تكون حجة نظرية حول مرغوبية او عدم مرغوبية الابحاث التجريبية او المنطقية . وهنا راجع كرناب رؤية نورث من زاوية الموقف العام لحلقة فينا ، فذهب قائلا : ” اننا جميعا في حلقة فينا ، مهتمون بالتقدم الاجتماعي والسياسي . ومعظمنا وانا مشمول بذلك ، اننا اشتراكيون . ولكننا نفضل ان نترك عملنا الفلسفي بعيدا عن اهدافنا السياسية . وفي نظرتنا الى المنطق والذي يشمل كذلك المنطق التطبيقي ، ونظرية المعرفة ، ومنهجية العلم ، انها جميعا مثل العلم  حيادية مع احترام الاهداف العملية للمجتمع ، سواء هذه الاهداف ، هي اخلافية للفرد او سياسية للمجتمع ” .

  وانتقد نورث بشدة هذه الحيادية ، وذلك لانه يعتقد ان فيها مساندة وتعزيز لأعداء التقدم الاجتماعي . وكرناب لم يترك هذه المناسبة دون مراجعة لاراء نورث ، فقدم ردا على رؤية نورث ، وذهب قائلا: ” واننا بالمقابل نلح على ان هذا التدخل لوجهات النظر العملية ، وخصوصا السياسية منها ، فيها انتهاك لبراءة الطرق الفلسفية ” . وهنا استشهد كرناب بحالة حدثت بين نورث وهان . يقول كرناب : ” لقد وبخ نورث هان ، ليس بسبب انه وانا ( كرناب) مهتمان نظريا بالابحاث في الباراسيكولوجي وحسب ، وانما لتأكيدنا على ان للباراسيكولوجي نشاطا فاعلا في التخاطب الروحي . وذلك في محاولة ادخال طرق علمية صارمة في التجريب ” . ونورث : ” يرى ان مثل هذا التخاطب الروحي ، يخدم بشكل رئيسي النزعة الفوق طبيعية ، وبالمقابل فيها أضعاف للتقدم السياسي ” . ورد كرناب على نورث ، وعبرعن موقف حلقة فينا : ” ونحن بالمقابل ندافع عن الحق ، اثناء الفحص والتدقيق الموضوعي والعلمي في كل العمليات او العمليات المزعومة ، دون اعتبار للسؤال : ما مدى استعمل الناس لهذه النتائج ؟ او ما مدى  اساءة استعمالها ” .

    والمشكلة الاخرى مع نورث ، والتي لها علاقة بحلقة فينا . فنورث يعتقد ان هدف وحدة العلوم (او العلم) ، هي قضية في غاية الاهمية . وان التمييز الحاد بين العلوم الطبيعية والانسانيات ، والذي عليه تأكيد قوي في الفلسفة الالمانية . ان هذا الموقف من وجهة نظر نورث ، يعد معوقا في الطريق المؤدي الى ” هدفنا الاجتماعي ” . كما وانه يخفي  غرضا يسعى الى مد الطريقة التجريبية الى العلوم الاجتماعية .

 كرناب وعلاقته بفتجنشتاين  :

    ان علاقة كرناب  بفتجنشتاين (1951 – 1889) تعود اولا الى اجواء حلقة فينا . فكرناب يتذكر جيدا ، ان جزءا كبيرا من كتاب فتجنشتاين ” رسالة منطقية – فلسفية ” كان يقرأ بصوت عال ، ويناقش جملة جملة في جلسات الحلقة . يقول كرناب  : ” غالبا ما نحتاج الى تفكير طويل من اجل اكتشاف ما يعنيه فتجنشتاين . وفي بعض الاحيان لا نصل الى اي تفسير واضح لما يقصد اليه ” . ان قراءة فتجنشتاين كانت دائما توفر فهما  مهما لشئ ما ، وحول هذا الفهم تبدأ المناقشة داخل حلقة فينا . ويصرح كرناب بأنه قرأ سابقا اجزاء مما كتبه فتجنشتاين ، وبالفعل فقد قرأ مقالا له . فوجد كرناب الكثير من النقاط المهمة والمثيرة للتفكير . الا ان كرناب لم يبذل جهدا كبيرا ، يوفر له فهما واضحا للصياغات المغلقة التي كتبها فتجنشتاين . ولهذا السبب ترك المقال ولم يتم قراءته بصورة كاملة . وكان كرناب سعيدا جدا عندما تعهدت حلقة فينا بالاهتمام بعمل فتجنشتاين . وفعلا يقول كرناب : ” تعهدنا على قراءة فتجنشتاين سوية ” .

  وحسب تقويم كرناب ان كتاب فتجنشتاين ترك تأثيرا قويا على حلقة فينا . ولكن من الصحيح جدا القول بان فلسفة حلقة فينا لم تكن هي فلسفة فتجنشتاين تماما . حقيقة ان اعضاء الحلقة تعلموا الكثير من مناقشتهم لكتابه ” رسالة منطقية – فلسفية ” . يقول كرناب : ” لقد قبلنا من فتجنشتاين العديد من النظرات ، ومن الممكن القول باننا تمثلناها في مفاهيمنا الاساسية . الا ان درجة التأثير اختلفت من عضو لاخر من اعضاء حلقة فينا” .

   وبالنسبة لكرناب شخصيا ، فأن تأثير فتجنشتاين اتخذ مسارا ذو لون خاص  ، فقد اعترف كرناب بتأثيره على تفكيره بجانب رسل وفريجه . ولعل من اهم الافكار التي اكتسبها من عمل فتجنشتاين ، مفهوم ” صدق القضايا المنطقية ، والذي يعتمد على تركيبها المنطقي فقط ، وعلى معاني حدودها ” . وان القضايا المنطقية هي صادقة دائما مهما اختلفت الظروف . وان صدقها مستقل عن الوقائع الاحتمالية . كما ان القضايا المنطقية ، في حقيقتها لا تقول اي شئ عن العالم ، كما ان ليس لها محتوى واقعي .

   وهناك تأثير اخر جاء من جانب فتجنشتاين . فقد حملت هذا التأثير جمل فتجنشتاين الفلسفية ، وخصوصا جمله الناقدة للميتافيزيقا . فمثلا ان فتجنشتاين ينظر الى القضايا الميتافيزيقية على انها : ” مجموعة قضايا زائفة ، فارغة من اي محتوى معرفي ” . ويحسب كرناب انه وجد في وجهة نظر فتجنشتاين هذه ، تقاربا كبيرا مع افكاره التي طورها تحت تأثير الفلاسفة والعلماء المعادين للميتافيزيقا .  اما من طرف كرناب ، فأنه تعرف على الكثير من جمل الميتافيزيقا ، والاسئلة التي رفعتها الميتافيزيقا ، وهي تعود حسب كرناب الى ” سوء استعمال اللغة ، وانتهاكها الى قواعد المنطق . وتحت تأثير فتجنشتاين فأن هذا المفهوم تقوى واصبح اكثر تحديدا وجذريا ” .

  وكان عام 1927 تاريخا مهما في علاقة حلقة فينا بفتجنشتاين . فقد تعرف عليه شليك شخصيا ، ونقل له اهتمام الحلقة بكتابه وفلسفته . وبين له رغبة الحلقة الملحة للقاء به ، ومن ثم توضيح بعض النقاط العالقة في كتابه ، والتي سببت حيرة لاعضاء الحلقة . والحقيقة ان فتجنشتاين لم يظهر اي رغبة في عمل مثل هذا اللقاء . وشيلك كلمه عدة مرات . واخيرا وافق على اللقاء بكرناب وويسمان  . وهكذا تقابلا الثلاثة عدة مرات . وخلال صيف 1927 وقبل الاجتماع الاول ،  نصح شيلك كرناب وويسمان ، بان لا يستخدما الاسلوب المتعارف عليه في داخل حلقة فينا ، وذلك بسبب ان فتجنشتاين لا يرغب بمثل هذا الاسلوب وتحت اية ظروف . كما وطلب منهما ان يكونا حذرين في طريقة طرح الاسئلة ، وذلك لان فتجنشتاين حساس جدا ، ولانه ينزعج بسهولة من السؤال المباشر. ولعل الطريقة المناسبة حسبما يرى شيلك ، هو ” دعوة فتجنشتاين للكلام ومن ثم التساؤل بحذر” .

  وفعلا اختبر كرناب تحذيرات شيلك بأول لقاء مع فتجنشتاين ، فوجد حقيقة ان تحذيرات شيلك كانت في محلها . ولكن كرناب لا يرى ان في سلوكه غطرسة . وعلى العموم كان فتجنستاين ذو مزاج متعاطف وطيب جدا . ولكنه كان ذ حساسا بصورة عالية جدا ، ومن السهولة اثارته وتصعيد درجات قلقه . كما انه كان دائما مركزا ، وطريقته في التعبير كانت متميزة . وان نظرته واتجاهاته نحو الناس والمشكلات ، وحتى المشكلات النظرية ، هي شبيهة بنظرة الفنان المبدع ، مما هي عليه لدى العالم . ويستطيع المراقب له ان يقول انها شبيهة الى حد ما بطريقة الانبياء والكهان . يقول كرناب : ” عندما بدأ بصياغة وجهة نظره لبعض المشكلات الفلسفية الخاصة . شعرنا  ان هناك صراعا داخليا حدث له في تلك اللحظة : صراع يشبه شخصا يحاول الخروج من الظلمة الى النور ، لكنه كان تحت ضغط مؤلم وتوتر شديدين ” .

  ويتفق كرناب مع فتجنشتاين في نظرته للمشكلات الفلسفية ، وحديثه عن المعرفة ، واللغة والعالم . وخصوصا مع ملاحظاته التي هي غالبا ما تكون تنويرية ومثيرة . وحتى في بعض الاوقات التي لا يبدو فيها فتجنشتاين متناغما مع ” نظرته الى العالم ” ، وكما هو الحال في سلوكه الشخصي . يقول كرناب : ” انا وجدت ان ارتباطي به ، هو الوجه الاكثر اهتماما ، واثارة ومكافأة . ولذلك اشعر بالاسف على قطع علاقته بي ، وبالتحديد منذ بداية العام 1929 . فقد رغب فتجنشتاين على مقابلة شيلك وويسمان فقط . ولم يقبل استمرار علاقته بي وفيجل . وعلى الرغم من الاختلاف بيني وبين فتجنشتاين في المواقف ، والاختلاف في طبيعة الشخصيتين . فانا افتهمت فتجنشتاين جيدا ، وشعرت انه طول الوقت مختلف عني ، وان هذا الاختلاف كان يزعجه . ولذلك اخبر شيلك : انه  يرغب في الحديث فقط مع من يمسك بيدي(المقصود هنا يد فتجنشتاين) ” .  وحقيقة ان شيلك كان متأثرا بفتجنشتاين فلسفيا وشخصيا . وخلال السنوات اللاحقة ، تكون انطباع لدى كرناب الى ان شيلك قد تخلى عن اتجاهه  النقدي الهادئ ، واستسلم لوجهات نظر ومواقف فتجنشتاين ، دون ان يكون قادرا على الدفاع عنها ، بحجج عقلية . خصوصا في داخل مناقشاتنا في حلقة فينا .

 كرناب وصلته بجمعية رايخنباخ وجماعة وارشو:

  ومن الجماعات الفلسفية التي ظهرت في اماكن اخرى ، وهي قريبة من النهج الفلسفي   لحلقة فينا . حلقة رايخنباخ في برلين ، وجماعة وارشو الفلسفية . فبالنسبة الى رايخنباخ فقد كان معروفا انه يعلم الفلسفة في جامعة برلين منذ العام 1928 ، ونجح في جمع مجموعة من الذين لديهم اهتمامات فلسفية متشابهة والتي تطورت فيما بعد الى جمعية الفلسفة الامبريقية (التجريبية) . ومن بين النشطاء في المناقشات عالم المنطق وفيلسوف العلم ولتر دوبسلاف (1937 – 1895) والمنطقي والفيلسوف كورت جرلنج (1942 – 1886)  ، وفيلسوف العلم كارل هامبل (1997 – 1905) وكذلك بعض العلماء من الذين لديهم اهتمامات فلسفية ، ومن بينهم عالم النفس كورت لوين (1947 – 1890) وولفجنج كوهلر (1967 – 1887) . يقول كرناب مقوما علاقته مع جمعية رايخنباخ : “كنت بعض الاحيان اذهب الى برلين لالقاء محاضرات في الجمعية وفي سيمنار رايخنباخ ، وكانت لي مناقشات خاصة مع رايخنباخ واصدقائه ” .

  اما بالنسبة الى جماعة وارشو ، فقد كان اول اتصال بينها وبين حلقة فينا ، قد حدث عندما وجه قسم الرياضيات دعوة الى الفريد تارسكي (1983 – 1901) . وفعلا جاء الى فينا في شباط عام 1930 ، وقدم عدة محاضرات ، بصورة رئيسة في الرياضيات الفوقية .  وحسبما يرى كرناب انه قد تم بصورة خاصة مع تارسكي مناقشة العديد من المشكلات ذات الاهتمام المشترك . ويقول كرناب : ” والاهتمام الخاص بالنسبة لي ، هو تأكيده على بعض المفاهيم المستخدمة في الابحاث المنطقية ، مثال ذلك : الاتساق في البديهيات ، وامكانية البرهنة على المبرهنة في النظام الاستنباطي وما شابه ذلك . وان التعبير هنا لا يكون باستخدام لغة البديهيات ( ولاحقا سيطلق عليها لغة الموضوع )، وانما سيتم التعبير عنها بلغة الرياضيات الفوقية (والتي سيطلق عليها باللغة الفوقية).

   قدم تارسكي محاضرة في حلقة فينا . وكانت بعنوان : ” الرياضيات الفوقية ” وبالتحديد في الحساب القضائي (او الحساب القضوي) . وفي المناقشة التي تبعت المحاضرة ، اثير السؤال : ما اثر قيمة الرياضيات على الفلسفة ؟  . يقول كرناب :

” تكون لدي انطباع ، بعد ان تكلمت مع تارسكي ، عن اهمية النظرية الرمزية للغة في توضيح مشكلاتنا الفلسفية “. اما شيلك والاخرون ، فكانت لديهم شكوك حول هذه القضية. وبعد مغادرة تارسكي ، حاول كرناب في الاجتماع التالي لحلقة فينا ، ان يشرح مقدار الانتفاع في مناقشتنا الفلسفية من الطريقة التي طورت ، ليس في تحليل لغة الموضوع وحسب . بل و تحليل لغة الرياضيات والفيزياء التي تتميز بالدقة  . وكان كرناب يتطلع الى استخدام اللغة الفوقية في المناقشات الفلسفية . واشار في الحلقة الى ان

صعوبة الفهم ، وعدم الاتفاق ، وسوء التفاهم في مناقشاتنا يرتبط بعدم دقة اللغة الفوقية .

  وكان لحديث كرناب مع تارسكي ، الاثر النافع في دراساته المعمقة في مشكلة استخدام اللغة . وهي المشكلة التي ناقشها مع جودل . يقول كرناب : ”  وبعيدا عن هذه التأملات والاحاديث ، نمت نظريتي في السنتاكس المنطقي . وهناك مشكلة تكشف عن عدم اتفاقي مع تارسكي . وهو ان الاختلاف في نظرتنا يتكشف في الفارق بين القضايا المنطقية والقضايا الواقعية . وان القضايا المنطقية لا تخبرنا اي شئ عن العالم . وتارسكي حافظ على  درجة من التمييز بينهما . والحقيقة ان هذا الاختلاف ظل قائما حتى اليوم ” .

  وفي تشرين الثاني 1930 ذهب كرناب الى وارشو لمدة اسبوع ، لالقاء ثلاثة محاضرات ، وذلك بدعوة من جمعية وارشو الفلسفية . وأجرى احاديث خاصة ومناقشات عامة . يقول كرناب  : ” عالجت محاضراتي علم النفس الذي صيغ بلغة الفيزياء ، مع استبعاد للفيزياء الفوقية ، وتخليص الاستدلال المنطقي من التكرار . وكنت متعجبا من عدد الاساتذة والطلبة المهتمين بهذا النوع من المشكلات . وان عددا كبيرا منهم قد تحولوا الى مضمار علم المنطق الحديث . وفي الاحاديث الخاصة ، تناقشت مع تارسكي ، ولسنوسكي وكاتربنسكي ” . وفيما يخص عالم الرياضيات والمنطقي لسنوسكي (1939 – 1886) فقد كان متأثرا بفريجه . ولذلك طالب (وهو في اتفاق مع فريجه) بصياغة قواعد الاستدلال للنظام الاستنباطي ، صياغة رمزية صارمة. وهذا البرنامج ساعد على تطوير الرياضيات الفوقية والمنطق الفوقي الرمزيين .

  اما فيما يخص لسنوسكي وكاتربنسكي (1981 – 1886) ، فقد عملا لسنوات عديدة في مشكلات السيمانطيقا . يقول كرناب : ” وعبرت لهم عن اسفي لعدم توفر هذه الابحاث العميقة التي انجزها كل من لسنوسكي وكاتربنسكي لنا ولفلاسفة العالم . وذلك بسبب انها طبعت فقط باللغة البولونية . ولهذا طالبت بألحاح الى لغة عالمية ، خصوصا في مضمار العلم ” .

 كرناب وكارل بوبر وفيليب فرانك :

  كان لكرناب علاقات مع فلاسفة من خارج حلقة فينا . من بينهم كارل بوبر (1994 – 1902) والذي كان الاكثر اثارة . واخذت علاقة كرناب به صورا متنوعة . أولا قرأ كرناب  مخطوطة كتاب بوبر : ” منطق البحث ” ، ومن ثم جرت مناقشة بينهما . يقول كرناب : ” انا اتذكر ببهجة ، عندما تحدثت اليه وكذلك الى فيجل ، وكان ذلك في صيف 1932 ، وحصل الحديث في تايرولين في الالب . وان افكاره الاساسية كانت تحمل تشابها كبيرا مع افكار الحلقة ” . الا ان بوبر كان يرفض الاعتراف بالتشابه ، ويلح على الاختلاف .

  حسبما يرى كرناب ان بوبر كان في كتابه منطق البحث ، ناقدا للوضعيين . وهو يقصد بصورة رئيسة حلقة فينا . وانه تحرك بأتجاه مغاير لحلقة فينا ، فاكد بوبر اتفاقه مع كانط ومجموعة من الفلاسفة التقليديون . ومن ثم كان خصما عنيدا لبعض قيادي حلقة فينا من امثال : شيلك ونورث ورايخنباخ . يقول كرناب : ” حاولت انا وفيجل بذل جهود لخلق ظروف افضل للتفاهم المتبادل والمصالحة الفلسفية . الا انها كانت جهودا ضائعة ” .

   وعلى الرغم من ان بوبر كان كاتبا شابا ، فقد توصل الى افكار مهمة ، اخذت طريقها الى دائرة النقاش في حلقة فينا . وحقيقة لم يحصل اتفاق على بعض افكاره في داخل الحلقة . الا ان كرناب يرى ” ان بعض افكاره تركت تأثيرا ايجابيا على تفكيري وعلى اعضاء اخرين من حلقة فينا ، خصوصا فيجل ” . هذه هي الحالة . فمثلا وجهة نظر بوبر في الجمل البروتكولية ( الجمل التي عليها اتفاق بين طرفين ) . خصوصا الجمل التي تؤيد عن طريق الملاحظات وليس من خلال الاخرين . وبوبر يؤكد على انه ليس هناك جمل بروتكولية مطلقة . ولكن كل جملة ممكن ان تراجع تحت ظروف معينة . واكثرمن ذلك انه اشار الى ان الجمل التي تتعلق بالوقائع الفيزياوية الملاحظة هي جمل بروتكولية.  وبالمقابل فان الجمل التي تتعلق بخبرة ذاتية تخضع الى اختبار فردي .

   ويحسب كرناب ان وجهة نظر بوبر هذه ساعدت على توضيح وتقوية المفهوم الفيزيائي والذي طوره مع نورث . ولكن هناك اختلاف بين نظرات كرناب ورؤية بوبر . يقول كرناب : ” ان واحدة من نقاط الاختلاف التي ظهرت بيننا ، عندما بدأت بتطوير نظام المنطق الاستقرائي . فقد رفض بوبر ، واستمر يرفض امكانية قيام اي منطق استقرائي . وبالمقابل ظل مؤمنا بصورة متطرفة بالنزعة الاستنباطية ” .

  كما وكانت له علاقة واتصالات مع الفيزياوي وعضو حلقة فينا فيليب فرانك (1966 – 1884) . وكان فرانك خليفة انشتاين في جامعة براغ ، وهو دائم الحضور في اجتماعات الحلقة . وكانت له مساهمات متميزة في مناقشات الحلقة ، وفي الاحاديث الخاصة ، ومن ثم في مطبوعاته . وكذلك كان فرانك يعرف في اهتماماته بتاريخ العلم ،  ولعله اي فرانك كان اكثر انشغالا بسوسيولوجيا النشاطات العلمية . وبسبب حضور الجانبين الاجتماعي والتاريخي في تفكيره ، فقد كان يقظا ويتحفظ من الاطروحات المتطرفة ووجهات النظر الاكثر رمزية . وهذا الموقف شبيه بنهج نورث . وكان فرانك يجري مناقشات نظرية مجردة مع المهتمين بالتطورات المنطقية . يقول كرناب : ” لقد عملت مع فرانك في جامعة براغ للفترة من 1931 الى 1935 وكنت على اتصال مستمر معه ، وقد انتفعت منه بأفكار مثمرة ، خصوصا في اسس الفيزياء ” .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

 نظريات كرناب وجذورها الفلسفية والمنطقية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   ركز هذه المحور على دراسة نظريات منتخبة من فلسفة كرناب ، وكشف عن جذورها الفلسفية والمنطقية . وانتخب هذا المحور اسس الرياضيات ، والسيموطيقا (نظرية اللغة) واقسامها ، والسنتاكس المنطقي للغة ، ونظرية السيمانطيقا . وهي الابحاث التي أبدع فيها كرناب ،  وقدمته فيلسوف علم ، وعالم رائد في المنطق   الرمزي  :

أولا – أسس الرياضيات :

     كتب كرناب العديد من المقالات باللغة الالمانية عن موضوع اسس الرياضيات ، كما وكانت له محاضرات كثيرة ، واحاديث عامة وخاصة في داخل وخارج حلقة فينا . وكذلك قدم عددا اخر من الاوراق في مؤتمرات عنت في جانب منها بأسس الرياضيات او العلاقة بين المنطق والرياضيات . هذا حدث في المانيا والنمسا وبولونيا وانكلترا . الا انه بعد ان استقر في الولايات المتحدة ، اخد يكتب باللغة الانكليزية . ولعل واحد من اهم مؤلفاته التي تناولت اسس الرياضيات والمنطق ، كتابه المعنون : ” اسس المنطق والرياضيات ” والذي نشر في سلسلة الموسوعة العالمية لوحدة العلوم (وحدة العلم) . وكان من منشورات جامعة شيكاغو 1939 . كما خصص صفحات في غاية الاهمية لموضوع اسس الرياضيات ،  في كتابه المعنون : ” فلسفة رودلوف كرناب ” والصادر بالانكليزية من سلسلة مكتبة الفلاسفة الاحياء ، مطبعة جامعة كمبريدج 1963 .

    بدأ كرناب حديثه عن أسس الرياضيات ، بالاشارة الى المصادر المعرفية التي زودته بزاد معرفي او بنهج جديد والتي أسهمت في تكوين رؤياه الخاصة في اسس الرياضيات . وفعلا بدأ بدور حلقة فينا ، فأشار الى ان مفهوم طبيعة الرياضيات كان قد تطورعبر المناقشات التي جرت في داخل حلقة فينا . وهذه المناقشات استندت الى عدة مصادر رئيسية . ويذكر كرناب بأنه تعلم من فريجه امكانية تعريف كل مفاهيم الرياضيات بالاعتماد على مفاهيم المنطق . وفي الامكان اشتقاق المبرهنات الرياضية من مبادئ المنطق . وهكذا فأن قضايا الرياضيات هي قضايا تحليلية ، وان صدقها بشكل عام يعتمد على المنطق .

    كما وان عالم الرياضيات هانز هان ، وهو واحد من الاعضاء القيادين لحلقة فينا ، قد قبل المفهوم ذاته ، ولكن بتأثير عمل وايتهيد ورسل المعنون : ” مبادئ الرياضيات ” . وكذلك فأن شيلك اسهم من طرف اخر ، وبالتحديد في كتابه : الاكاديمي البصير (1918) ، والذي أكد فيه على ان الاستنباط المنطقي ” لا يقود الى معرفة جديدة ” . ولكنه قدم تفسيرا لكيفية تحويل المعرفة او احتواءها في المقدمات . وكان لفتجنشتاين مساهمة ، فقد صاغ هذه النظرة بطريقة اكثر تطرفا . وذهب الى ان القضايا المنطقية الصادقة ، وهي مجرد قضايا فارغة ، وهي لا تقول شيئا عن حقيقة العالم . وبرهن فتجنشتاين على هذه الاطروحة في مضمار الجمل (او القضايا) البسيطة (مثل القضايا الخالية من المتغيرات) او القضايا التي لها متغيرات فردية . ويحسب كرناب انه لم يكن واضحا بان فتجنشتاين كان مؤمنا بالسلامة المنطقية للقضايا ، وفي الوقت نفسه تكون متغيراتها عالية المستوى . مثال ذلك متغيرات الفئات ، وفئات الفئات .. الخ ، وتكون لها الخاصية ذاتها ، وهي كونها فارغة . وعلى اية حال ، فأن كرناب لم يحسب المبرهنات الحسابية والجبرية … الخ ، هي من بين القضايا الفارغة . اما بالنسبة لاعضاء حلقة فينا ، فأنه لا يبدو ان هناك اختلافا اساسيا بين المنطق الاولي والمنطق العالي لديهم ، وهذا يشمل الرياضيات ايضا . وهكذا وصلنا الى الفهم القائل : ان كل القضايا الرياضية السليمة (الصحيحة) هي قضايا تحليلية ، وخالية من اي محتوى واقعي . 

  بعد هذا الايضاح عن المصادر المعرفية ، التي اشتغلت على اسس الرياضيات .  تساءل كرناب : ماهي اهمية الفهم السابق من وجهة نظرنا ؟ حقيقة اصبح لاول مرة ، ممكنا الربط بين عقيدة التجريبية والتفسير المقنع لطبيعة المنطق والرياضيات . وسابقا كان امام الفلاسفة موقفين : الاول الفهم اللا تجريبي ، الذي ينظر الى المعرفة الرياضية على انها مؤسسة على الحدس الخالص او العقل الخالص . الثاني النظرة التي ترتبط بالفيلسوف جون ستيوارت مل (1873 – 1806) والتي تذهب الى ان المبرهنات المنطقية والرياضية هي ذات طبيعة تجريبية مماثلة للمعرفة المتعلقة بالحوادث (او الوقائع) الملاحظة . وحسب كرناب ان هذه النظرة قد حافظت على التجريبية . الا انها غير مقنعة . ويذكر النظرة المتداولة بين اعضاء حلقة فينا ، وخصوصا نظرة هانز هان الذي اكد على الموقفين في مناقشاتنا ، وكذلك في منشوراته . وهذا الحال كما يقول كرناب :” كان بالغ الاهمية في تطور التجريبية ” .

  ويشير الى المناقشات المتكررة داخل حلقة فينا ، حول التفاصيل الكثيرة للصعوبات التي واجهت محاولة بناء الرياضيات على اسس المنطق . ولم يجد اعضاء الحلقة اي صعوبة في تعريف المفاهيم الرياضية على اسس المفاهيم المنطقية . ولكن ظهر لهم ان الصفة المنطقية الخالصة لبعض البديهيات المستعملة في نظام وايتهد – رسل في كتابهما مبادئ الرياضيات فيها أشكال . وبالتحديد كل من بديهية الرد ، وبديهية اللانهائية ، وبديهية الاختيار .

  وبتقدير كرناب ان اعضاء الحلقة ، وهو واحد منهم ، قد تعلموا من الدراسات في اسس الرياضيات . مثل دراسات رامزي (1930 – 1903) والتي يطلق عليها نظرية شطر (تقسيم) النماذج والتي استعملت في كتاب المبادئ والتي لم تكن ضرورية . وبالمقابل فان النظام البسيط للنماذج هو كافي . ولهذا فأن في الامكان استعمال بديهية الرد ، مع اعتبار الى البديهيتين الاخريين . وكرناب يعلق على هذه القضية ، فيقول : ” أولا اننا ادركنا انه في الامكان تفسيرهما بكونهما تحليليتان ، وبذلك يمكن النظر اليهما كجزء من مبادئ الرياضيات . او ثانيا تفسيرهما بكونهما غير تحليليتين . وبذلك لا يمكن اعتبارهما  جزءا من مبادئ الرياضيات ” .

   ويعلن كرناب  الى انه اكثر ميلا الى التفسير التحليلي . ولكن خلال فترة حلقة فينا لم يتم الوصول الى جواب شاف على هذه التساؤلات , واخيرا توصل الى قناعة تعترف بان بديهية الاختيار هي تحليلية ، بشرط قبول مفهوم الفئة الذي استعمل في الرياضيات الكلاسيكية بطريقة مغايرة من المفهوم التركيبي الضيق . وقد توصل كرناب الى عدة تفسيرات ممكنة لبديهية اللا نهائية ، والتي تختلف عن تفسير رسل . وان هذا النوع من التفسيرات تجعل هذه البديهية تحليلية كذلك . وهذه هي النتيجة النهائية  .

   ونحسب انه من المفيد الاشارة الى ان هناك ثلاث مواقف رئيسية سادت في حقل اسس الرياضيات في القرن العشرين : مذهب المنطقية والذي اسسه كل من فريجه ورسل . ومذهب الرمزية لديفيد هلبرت (1943 – 1862) واتباعه ، واخيرا مذهب الحدسية والذي عرضه برور(1966 – 1881) وهرمان ويل(1955 – 1885) .

يقول كرناب : ” معظمنا في حلقة فينا قبلنا الفهم الذي قدمه المذهب المنطقي . ولكن قمنا بمناقشات تفصيلية لتقرير سلامة الرمزية والحدسية . وكان لنا تعاطف مع طريقة هلبرت الرمزية ، وذلك لانها في اتفاق معنا ، خصوصا في تأكيدنا على الطريقة الافتراضية الاستنباطية . كما وتعلمنا من هذه المدرسة كيفية بناء وتحليل النظام الرمزي” . واخيرا يقول كرناب : ” ففي كتابي السنتاكس المنطقي ، كان هذا الاثر واضحا بصورة ملموسة ” .

ثانيا – السيموطيقا ( نظرية اللغة ) وأقسامها :

  يعرف كرناب السيموطيقا ، بانها ” نظرية الاشارات (العلامات) ، كما وانها نظرية اللغة ” . ويقسم السيموطيقا الى ثلاثة اجزاء : وهي البراجماطيقا ، السيمانطيقا والسنتاكس . ومن ثم يقسم السيمانطيقا الى ” سيمانطيقا وصفية وسيمانطيقا خالصة (او نظرية) ” . والحال كذلك بالنسبة الى السنتاكس ، فهو الاخر ينقسم الى ” سنتاكس وصفي وسنتاكس نظري (خالص)  “.

  وقدم كرناب في كتابه المعنون : مقدمة في السيمانطيقا ” والمنشور باللغة الانكليزية والصادر عن جامعة هارفارد ، قدم مثالا شارحا لاجزاء السيموطيقا . فذهب الى اننا في التطبيقات اللغوية ، نميز بين ثلاث عوامل : المتكلم ، والتعبيرات المنطوقة ، ودلالة هذه التعبيرات . ومن زاوية السيموطيقا ، فيرى : ان البحث اللغوي ينتمي  الى دائرة البراجماطيقا ، اذا تركز البحث حول المتكلم . ويكون البحث اللغوي جزءا من السيمانطيقا اذا انشغل بالدلالات وليس بالمتكلم . واذا البحث اللغوي أستبعد من دائرته المتكلم والدلالات ، وركز على ( أشكال ) التعبيرات ( القضايا ) . فأنه يكون بحثا سنتاكسيا .

ثالثا – السنتاكس المنطقي للغة :

   ذكر كرناب في كتابه الذي صدر بعد استقراره في امريكا  ، وكان بعنوان ” فلسفة رودلوف كرناب ” . ذكر ان اعضاء حلقة فينا ، وخلافا لفتجنشتاين ، توصلوا الى النتيجة القائلة : انه في الامكان الحديث عن اللغة ، وخصوصا الحديث عن تراكيب العبارات اللغوية . وعلى اساس هذا الفهم طور كرناب فكرة ” السنتاكس المنطقي للغة ” كنظرية تحليلية لتراكيب العبارات اللغوية . كما واشار صراحة الى انه تأثر في صياغة طريقته في السنتاكس بابحاث كل من هلبرت وتارسكي في الرياضيات الفوقية .

   وكان لجودل حضورا في بناء الطريقة السنتاكسية لدى كرناب . وفعلا ان كرناب تحدث مع جودل حول هذا الموضوع . ففي أب 1930 شرح جودل لكرناب طريقة العلاقة الترابطية بين الاشارات والتعبيرات ( القضايا ) . واشار جودل الى امكانية صياغة النظرية الرمزية للعبارات اللغوية وبمساعدة مفاهيم علم الحساب . وفعلا اخبر جودل كرناب بانه وبمساعدة الطريقة الحسابية برهن على ان النظام الرمزي لعلم الحساب ، هو نظام غير تام ولا يمكن ان يكون تاما . وعندما نشر جودل هذه النتيجة ، وبالتحديد في العام 1931 . كانت نقطة تحول في تطور اسس الرياضيات .

  وبعد تفكير كرناب في المشكلات التي تواجه الطريقة السنتاكسية ولعدة سنوات ، حدث الالهام الكرنابي (نسبة الى كرناب) . يقول كرناب : ” ان مجمل تراكيب النظرية اللغوية ، وتطبيقاتها الممكنة في الفلسفة ، راودتني بصورة رؤيا في ليل لم اتمكن النوم فيه . وكان ذلك قد حدث في العام 1931 ، وفيها كنت مريضا . وفي اليوم التالي ، ومازلت في الفراش واعاني من الحمى . كتبت افكاري في اربع واربعين صفحة ، وتحت عنوان : ( محاولة في المنطق الفوقي ) . وهذه الملاحظات كانت الصورة الاولى لكتابي : السنتاكس المنطقي للغة ” .

  وفي ربيع 1931 قام كرناب بتغيير اللغة ، وحولها الى لغة متناسقة واطلق عليها (لغة رقم 1) . واعتقد كرناب بأن علم الحساب ممكن ان يعاد صياغته بهذه اللغة . ورأى انه باستخدام طريقة جودل ، فان المنطق الفوقي ممكن ان يعاد صياغته بطريقة حسابية ومن ثم يصاغ من جديد بهذه اللغة الجديدة . وألقى كرناب في حزيران 1931  ثلاث محاضرات في المنطق الفوقي على اعضاء حلقة فينا .

  لقد ميز كرناب في المنطق الفوقي ، بين نوعين من اللغات : بين اللغة التي هي موضوع للبحث ، والتي اطلق عليها ” لغة الموضوع ” ، وهي تشبه اللغة العربية التي نستخدمها في الكلام والتخاطب . واللغة التي تكون نظرية للغة الموضوع . وبعبارة اخرى هي المنطق الفوقي الذي تم صياغته والذي نطلق عليه كذلك “اللغة الفوقية” ، وهي تشبه لغة النحو للغة العربية التي نستخدمها في تحليل لغة الحديث اليومي . ان واحدا من اهم اهداف كرناب هو صياغة بناء دقيق للغة الفوقية ومن خلالها النظام المفهومي الدقيق للمنطق الفوقي الذي نعتمد عليه في بناء تراكيبها .

    ويعرف كرناب ان هلبرت أعتنى بالرياضيات الفوقية ، ولكن لغرض خاص وهوالبرهان على تناسق نظام الرياضيات الذي تم صياغته بواسطة لغة الموضوع . اما كرناب فقد هدف الى بناء النظرية العامة للاشكال اللغوية . وان مهمة السنتاكس هو الاهتمام فقط بالاشكال اللغوية مع استبعاد لمعانيها . وفي ذلك الوقت عرف كرناب المنطق الفوقي كنظرية لاشكال العبارات اللغوية . ولاحقا اخد كرناب يستعمل اصطلاح السنتاكس بدلا من المنطق الفوقي .

   وخلاصة القول ، فأن المعنى الصارم للسنتاكس المنطقي عند كرناب ، هو معالجة العبارات اللغوية بوصفها علامات او اشارات ومن ثم ترتيب هذه الاشارات في نظام منطقي يخضع لقواعد المنطق الفوقي من اشتقاق ودقة ووضوح ، واستقلالية وضرورة .    

رابعا – نظرية السيمانطيقا :

 درس كرناب في كتابه : ” مقدمة في السيمانطيقا وترميز المنطق ” نظرية السيمانطيقا . وفي البدأ القى نظرة على جذورها التاريخية . فذهب الى انه في السنوات الراهنة ، اهتم عدد من الفلاسفة والعلماء بالتحليل المنطقي للعلم .ولهذا السبب اصبحت الحاجة ، بالاضافة الى السنتاكس (التحليل الرمزي للغة ) ، الى نظرية في المعنى والتفسير . وان غرض كرناب في هذا الكتاب ، هو توفير نظرية من مثل هذاالنوع . والتي اطلق عليها السيمانطيقا ، وهي تشمل ليس فقط نظرية في الدلالة ، وانما نظرية تبحث في العلاقة بين العبارات اللغوية ومعانيها ، وكذلك انها نظرية في الصدق ونظرية في الاستدلال المنطقي .

  ويرى كرناب ان المفاهيم السيمانطيقية شائعة ومتداولة ليس في العلم فقط ، وانما في لغة الحياة اليومية. ولهذا فأن مشكلات السيمانطيقا تعالج المفاهيم الشائعة والتي لم تكن جديدة بأي معنى من المعنى . ان مهمة السيمانطيقا هو البحث عن تعريفات دقيقة ووافية للمفاهيم السيمانطقية المتداولة وللمفاهيم الجديدة المتعلقة بها ، ومن ثم توفير نظرية مبنية على هده التعريفات .

   والقى كرناب الضوء على التطور الذي حدث لنظرية السيمانطيقا . فذهب الى ان المفاهيم السيمانطيقية ، خصوصا مفهوم الصدق ، قد نوقش من قبل الفلاسفة ومنذ عهد قديم . ولكن التطور السيمانطيقي هو انجاز حديث ، تم بمساعدة التطورات التي رافقت ولادة المنطق الحديث .

   لقد تأصل هذا التطور على يد مناطقة مدرسة وارشو . حقيقة ان هذه المجموعة  من المناطقة قد انجزت اسهامات بالغة الاهمية في المنطق المعاصر عامة ، وفي الاسس المنطقية للرياضيات خاصة . ومن سوء الحظ ان عملهم تعطل بسبب احتلال وارشو . ونقول للقارئ ان واحدا من اشهر مناطقة وارشو ، هو المنطقي لسنوسكي قد جاهد مجاهدة رائدة في البحث السيمانطيقي . ففي محاضراته ، وبالتحديد من عام 1919 فصاعدا ، عمل على تحليل المفاهيم السيمانطيقية ، خصوصا مفهوم الصدق السيمانطيقي . اما كاتربنسكي ففي محاضراته ، ومن ثم لاحقا في كتابه ، وبالتحديد في العام 1926 ، قام بتحليل واسع لعينة من المفاهيم السيمانطيقية وعلاقتها بالمفاهيم البراجماطيقية .

  وأستثمر هذه التحليلات ألفرد تارسكي (وكان حينها يعيش في امريكيا) ، في صياغة اسس البناء السيمانطيقي . وان قارئ كتابه المعنون : ” مفهوم الصدق ” (والذي نشر في اللغة البولونية اولا في العام 1933 . ومن ثم صدرت ترجمة المانية في العام 1936) . ركز تارسكي على صياغة طريقة لتعريف المفاهيم السيمانطيقية للصدق ، مع اهتمام بالانظمة الاستدلالية . ومن ثم توصل الى نتائج في غاية الاهمية ، من بينها الاجابة على السؤال الاتي : ما هي الشروط التي تكون فيها اللغة السيمانطيقية ثرية ووافية ، حيث تمكننا من بناء تعريف واف للصدق في نظام ما ؟

 وانه من سوء الحظ حسب رأي كرناب ، ان مجمل هذه التطورات للابحاث السيمانطيقية في بولندا ، ظلت غير معروفة الى العالم الخارجي حتى 1936. وذلك لأنها نشرت باللغة البولونية فقط ، وبذلك لم تكن متيسرة للباحث خارج حدود بولونيا . وهذه الحقيقة تؤكد الحاجة الملحة الى لغة عالمية وخصوصا لأغراض علمية ، يتخطاب فيها العلماء والباحثين الاكاديميين .

  وتارسكي خلال كتابه واحاديثه ، كان له اثرا على طريقة كرناب ، ليس في السنتاكس ، بل وكذلك في السيمانطيقا . يقول كرناب معترفا بأثر تارسكي : “لقد لفت أنتباهي الى الحقيقة ، بان الطريقة الرمزية للسنتاكس ينبغي ان يتوافر لها مجموعة من المفاهيم السيمانطيقية ، وان تكون هذه المفاهيم معرفة بوسائل لا تكون اقل دقة من المفاهيم السنتاكسية . وان هذا الكتاب (كتاب كرناب: مقدمة في السيمانطيقا والصياغة الرمزية للمنطق ) مدين بالكثير الى تارسكي ، وان أثره تجاوز اي أثر أخر ” .

  وعلى الرغم من تأثير تارسكي ، فأن كرناب يرى ان هناك اختلافا في فهمه للسيمانطيقا عما هو عليه عند تارسكي . وحدد هذا الاختلاف في نقطتين :

أولا – ميز كرناب بين السيمانطيقا والسنتاكس : بين الانظمة السيمانطيقية كأنظمة لغوية شارحة ، وكأنظمة رمزية خالصة . بينما عند تارسكي يبدو ان الحدود الفاصلة بين السيمانطيقا والسنتاكس غير واضحة .

ثانيا – في السيمانطيقا ، اكد كرناب على التمييز بين الصدق الواقعي الذي يعتمد على الوقائع المحتملة . وبين الصدق المنطقي المستقل عن الوقائع ، والذي يعتمد على المعنى الذي تحدده قواعد السيمانطيقا . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10)

مدرسة فرانكفورت النقدية واتجاهاتها الفكرية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

     من الثابت القار في دوائر الفكر الالماني في القرن العشرين ، الحقيقة القائلة :

       “بعد الحرب العالمية الثانية ، شكل مجموعة من الماركسين الذين قطعوا صلتهم بالماركسية الارثوذوكسية ، تجمعا لهم عرف بأسم ” مدرسة فرانكفورت ” . واضافة الى الاثر الماركسي : كانت هناك اثارا عميقة في مشاريعهم الفكرية ، خصوصا لكل من عالم النفس سيجمود فرويد (1939 – 1856) ونظرياته في التحليل النفسي وعالم الاجتماع ماكس فايبر (1920 – 1864) .. “

 

تقديم:

  يجمع الدارسون الاكاديميون في الغرب ، وبالطبع كاتب السطور واحد  منهم ، على ان مدرسة فرانكفورت النقدية ، هي مدرسة ماركسية جديدة ، ونظرية اجتماعية متعددة الاختصاصات . وخصوصا عندما ارتبطت بالمعهد الاجتماعي التابع لجامعة فرانكفورت . وأخالف هنا مجمل الكتابات التي تسارعت وأطلقت عجالة على المدرسة أصطلاح ” مدرسة فلسفية ” ، وعلى منظري المدرسة أصطلاح  ” فلاسفة ” . فمدرسة فرانكفورت ليست مدرسة فلسفية ، وأن منظريها ليسوا فلاسفة . ولعل المتعجلون من الكتاب يؤكدون على أنها ” مدرسة ماركسية جديدة ، ونظرية اجتماعية متعددة الاختصاصات “. وهذا حق ليس عليه خلاف . وان الاشكال في بعض الكتابات ، انها تستخدم بعض الحدود والالفاظ جزافا ، دون ضبط لمعانيها ودلالاتها . ولعل من الحدود التي تعرضت الى الانتهاك في هذا المجال هي أصطلاح ” الفلسفة ” و ” الفلاسفة ” . ولهذا نشعران مسؤلية التخصص الاكاديمي ، والغيرة الفلسفية يحملنا على الدفاع عن الفلسفة مهنة واصطلاحا ..

    فبعد أكثر من أربعين سنة من دراسة الفلسفة أكاديميا ، وسبر أغوارها في رسالتي للماجستير ، وأطروحتي للدكتوراه ، وأنجاز العشرات من الكتب الفلسفية ، ونشر العديد من الابحاث الفلسفية التي غطت ساحة واسعة من مجالات الفكر الفلسفي . وبالتحديد في الانطولوجيات ، الابستمولوجيات ، وخصوصا المنطقيات ، والاكسيولوجيات ومن ثم في أبستمولوجيات العلوم . أتساءل :

   ما رصيد مدرسة فرانكفورت في مجال الانطولوجيات ؟ ومامقدار مساهمتها في تطوير البحث الابستمولوجي ؟ وهل أشتغلت في ميدان المنطقيات ؟ وما موقفها من المنطق ثنائي القيم ؟ وهل تدارست منطق ثلاثي القيم ؟ وما رأيها في المنطق متعدد القيم ؟ وهل عرفت منطق الموديلات ؟ وما مكانة مدرسة فرانكفورت في تاريخ الاكسيولوجيات ؟ وأخيرا : ما مشاريع مدرسة فرانكفورت في مضمار أبستمولوجيات العلوم ؟ هذه هي أسئلة الفلسفة . وعلى هذا الاساس نحدد الفلسفة بأنها :             

         ” نظرية أنطولوجية ، أبستمولوجية ، أكسيولوجية في مفهومها العام “

   لم يخط احدا مقالا واحدا حول : الانطولوجيا في كتابات منظري مدرسة فرانكفورت النقدية . كما لم يظهر مقالا واحدا يتدارس : ألابستمولوجيات الفلسفية في نصوص مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية . وكذلك لم ير النور بحثا واحدا عالج : الابستمولوجيات العلمية في أعمال اساتذة مدرسة فرانكفورت النقدية . ولم ينشر أحدا دراسة واحدة عن : مساهمات مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية في مضمار ألاكسيولوجيات …

  ولكن للانصاف ظهرت مئات الكتب تعالج النظرية الاجتماعية ، والنظرية السياسية ، والحداثة والتنوير والنقد للماركسية الارثوذوكسية والامبريالية وعلم النفس والاعلام ونظريات التخاطب والاقتصاد والاعمال … وأطنان من المقالات الثقافية العامة والاكاديمية التي تعالج مفصلا معينا او جزئية من المشاريع التي انجزها هؤلاء المنظرون المبدعون في النقد الماركسي ونظريات علم الاجتماع والنفس والاعلام .

 ألاصول التاريخية لمدرسة فرانكفورت النقدية:

    أرتبط اسم مدرسة فرانكفورت بمعهد البحث الاجتماعي ، وكان المؤسس الحقيقي لهذا المعهد ” فيلكس فيل ” ( 1975 – 1898) وهو ماركسي ومن عائلة ثرية ، وقد كتب اطروحته للدكتوراه حول ” المشكلات العملية التي تواجه تحقيق الاشتراكية ” والتي نشرها ” كارل كورش ” . وكان كورش يأمل من ذلك جمع شمل نزعات ماركسية مختلفة .

     وفي العام 1923 مول فيلكس فيل اول اسبوع عمل ماركسي ، وقد حضر هذا الاسبوع شخصيات فكرية مرموقة من امثال ” جورج لوكاش ” ( 1971 – 1885) وهو الماركسي الهنغاري ومؤسس ما يسمى ” الماركسية الغربية ” والذي تعهد في هذا الاسبوع على تفنيد كتابه المعنون ” التاريخ والوعي الطبقي ” والذي نشر في العام 1923 . وكان هذا العمل من الموضوعات التي ألهمت نشاط اعضاء مدرسة فرانكفورت .. والذي دلل على استقلالية المدرسة من الحزب الشيوعي . وهذه الاستقلالية كانت شرطا ضروريا ، جعل من العمل النظري للمدرسة عملا حقيقيا.

  كما وحضر الاسبوع ” كارل كورش ” (1961 – 1886) وهو ماركسي يساري والذي قدم في هذا الاسبوع دراسة بعنوان ” الماركسية والفلسفة ” ، و”كارل اوغست تفوكل ” (1988 – 1896) وهو الماركسي والعضو النشط في الحزب الشيوعي ، و” فردريك بولك ” ( 1970 – 1894) وهو عالم اجتماع  وأخرون .

    وعلى اساس نجاح هذا الاسبوع ، فقد ذهب ” فيلكس فيل ” مع صديقه ” فردريك بولك ” الى تأسيس معهد البحث الاجتماعي ، وكان ذلك في العام 1924 . واختار فيلكس فيل بناية للمعهد واستعد بدفع رواتب للعاملين بصورة ثابتة . ومن ثم بدأ بمناقشة وضع المعهد مع وزارة التربية ، واقترح ان يكون مدير المعهد بدرجة استاذ وان يتم اختياره من مؤسسات الدولة . وكان فليكس فيل يتطلع الى منح المعهد هوية اكاديمية وان يكون خاضعا لكل الاعراف الاكاديمية .

 كان  ” كارل كرونبرك ” ( 1940 – 1861)  اول مديرا للمعهد ، وكذلك فأنه المؤسس والناشر لمجلة العمل وتاريخ الاشتراكي . وقد تقاعد في العام 1929 ليترك المعهد بيد “ماكس هوركهايمر”  (1973 – 1895) ، وهو عالم اجتماع واشتهر بكتابه ” النظرية النقدية  . والذي اصبح مديرا للمعهد في العام 1930  والذي عين العديد من منظري المدرسة الافذاذ من امثال” ثيودور ادرنو” (1969 – 1903) عالم الاجتماع والموسيقى و” أرك فروم ” (1980 – 1900) عالم التحليل النفسي ، و “هربرت ماركوز” (1979 – 1898) وهو عالم اجتماع ومنظر سياسي . ومن خارج دائرة المدرسة  ، كان ” فالتر بنجامين ” (1940 – 1892) وهو كاتب مقالات وناقد ادبي . ومعهد البحث الاجتماعي يعد اول معهد ماركسي مرتبط بأكبر جامعة المانية .

  ونحسب من النافع ان نشير الى ان اوضاع المانيا السياسية الغير مستقرة قد اثرت تأثيرا ملحوظا على مدرسة فرانكفورت النقدية ، وبشكل خاص تنامي النازية وحزبها الاشتراكية الوطنية ، والذي اصبح اكثر تهديدا للمدرسة . فأن مؤسسي المدرسة ، وخصوصا بعد صعود هتلر الى السلطة في العام 1933 ، قرروا نقل معهد البحث الاجتماعي الى بلد اخر . وفعلا فان المعهد غادر الى جنيفا ، ومن ثم الهجرة الى نيويورك في العام 1935 ، ومن ثم التحاق المعهد بجامعة كولومبيا الامريكية . وتحول اسم مجلتها الدورية الى ” دراسات في الفلسفة والعلم الاجتماعي ” .

   وشهدت هذه المرحلة نشر اهم اعمال منظري مدرسة فرانكفورت النقدية ، والتي لاقت استقبالا حارا من قبل الاكاديميات الامريكية والانكليزية . وعاد كل من هوركهايمر و أدرنو وبلوك الى المانيا في بداية الخمسينات . في حين فضل هربرت ماركوز ولونثال وكرشهيمر واخرون البقاء في الولايات المتحدة الامريكية . وفي العام 1953 اعيد فتح معهد البحث الاجتماعي رسميا في مدينة فرانكفورت .

   ان اصطلاح ” المدرسة ” يمكن ان يكون مضللا للقارئ ن وذلك لان اعضاء المدرسة لا يشكلون دائما منظومة فكرية موحدة هذا من طرف . ومن طرف اخر فأن بعض الدارسين يحصرون اصطلاح ” مدرسة فرانكفورت ” على كل من هوركهايمر ، ادورنو ، ماركوز ، لونثال وبلوك .        

 أجيال مدرسة فرانكفووت النقدية:  

   كون اعضاء مدرسة فرانكفورت النقدية جيلين من المفكرين وعلماء الاجتماع ، وعدد من المنظرين السياسيين وعلماء النفس ونقاد الادب .. وهنا سنركز بحثنا في الحديث عن جيلين من اعضاء المدرسة :

1 – الجيل الاول من مفكري مدرسة فرانكفورت :

     مثل الجيل الاول من مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية ، مجموعة من الاساتذة الالمان الذين عملوا في معهد البحث الاجتماعي ، وهم كل من :

ماكس هوركهايمر: النظرية النقدية والنظرية التقليدية

   ولد في العام 1895 في مدينة شتوتكارت الالمانية ، وكان سليل عائلة يهودية ثرية . وبتأثير العائلة ، ترك دراسته في المدرسة المتوسطة ، وكام عمره بحدود السادسة عشر ، ليعمل في مصنع والده . وفي العام 1916 أجبر على ترك العمل والالتحاق مقاتلا في الحرب العالمية الاولى .

    بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى التحق بجامعة ميونخ ، ودرس فيها الفلسفة وعلم النفس . انتقل بعد ذلك الى جامعة فرانكفورت ليدرس تحت اشراف هانس كورنيلوس (1947 – 1863) ، ولعب هذا الاستاذ دورا مهما في مستقبل هوركهايمر .فهانس هو فيلسوف الماني من اتباع الكانطية الجديدة هذا طرف . والطرف الاخر من تأثير هانس على هوركهايمر ، هو ان ثيودور أدورنو كان احد طلابه ، وفي حضرة هانس الاكاديمية قابل هوركهايمر أدورنو الذي سيكون الزميل الدائم له في معهد البحث الاجتماعي لمدرسة فرانكفورت والشريك له في بعض الكتب والنشاطات الثقافية .

   كتب هوركهايمر في العام 1925 اطروحته للدكتوراه ، وكان عنوانها ” نقد الحكم عند كانط : التوسط بين الفلسفة العملية والفلسفة النظرية ” ، وكانت تحت اشراف هانز كورنيلوس . وبعد سنة واحدة عين هوركهايمر استاذا مساعدا . وفي عام 1930 تم اختياره مديرا جديدا لمعهد البحث الاجتماعي . وفي السنة ذاتها اصبح رئيسا لقسم الفلسفة الاجتماعية في جامعة فرانكفورت ، ومن ثم اختير رئيس تحرير لمجلة معهد البحث الاجتماعي .

  وبعد غلق معهد البحث الاجتماعي ، أنتقل الى سويسرا ، ومن هناك هاجر الى الولايات المتحدة الامريكية . وبعد سنة ضيفت جامعة كولومبيا معهد البحث الاجتماعي. وفي عام 1940 حصل على الجنسية الامريكية . ومن ثم انتقل الى لوس أنجلس بولاية كليفورنيا ، وهناك تعاون مع ثيودور أدرنو على اصدار كتابهما ” جدل التنوير ” ، واستمر على تحرير مجلة معهد البحث الاجتماعي وتحت اسمها الانكليزي الجديد “دراسات في الفلسفة والعلم الاجتماعي” . في 1949 عاد الى فرانكفورت ، وفي عام 1950 اعاد فتح معهد البحث الاجتماعي .

  وشغل هوركهايمر للسنوات 1951 – 1953 رئيسا لجامعة فرانكفورت ن واستمر في الوقت ذاته في التعليم الجامعي حتى تقاعد في منتصف الستينات . ومن ثم زار امريكا مرتين : الولى عام 1954 والثانية عام 1959 وذلك ليحاضر في جامعة شيكاغو. وظل رمزا ثقافيا متميزا حتى وفاته في نورمبرك في العام 1973 ، ومن ثم دفن في المقبرة اليهودية في برن في سويسرا.

   تعاون هوركهايمر مع اعضاء مدرسة فرانكفورت وخصوصا مع هربرت ماركوز ، أريك فروم ، ثيودور أدورنو وفالتير بنجامين . وسنحاول هنا القاء الضوء على ثلاثة كتب ألفها هوركهايمر وسجلت مؤشرا فكريا في تاريخ مدرسة فرانكفورت النقدية :

أولا – خسوف العقل :

     هذا الكتاب نشر في العام 1947 ، ويتألف من خمسة أقسام : الوساءل والغايات ، صراع المعالجات ، ثورة الطبيعة صعود الفرد وسقوطه ، ومفهوم الفلسفة . وقد درس هوركهايمر في هذا الكتاب مفهوم العقل في تاريخ الفلسفة الغربية . ولعل المهم في هذا الكتاب انه حدد العقل بكونه ” ذهنية ” ولذلك رأى ضرورة ان ترعى هذه الذهنية في بيئة حرة ويشيع فيها فكر نقدي . وعلى مستوى العقل ، ميز هوركهايمر بين ثلاثة انواع من العقل : العقل الموضوعي ، العقل الذاتي والعقل الأداتي .

    وبين هوركهايمر عام 1941 بأن النازية عملت على سياستها وقدمتها بأسلوب معقول . ولذلك حذر من امكانية عودتها مرة اخرى . ويعتقد ان امراض المجتمع الحديث سببها سوء فهم العقل . ولذلك افترض : اذا استطاع الناس ان يستخدموا العقل الصادق وان ينتقدوا مجتمعاتهم ، فأنهم سيتمكنون من حل مشكلاتهم .

ثانيا- بين الفلسفة والعلم الاجتماعي :

   ظهر هذا الكتاب في مجلد خلال الفترة ما بين 1938 – 1930 ، وبالتحديد خلال الفترة التي انتقل فيها معهد البحث الاجتماعي الى جنيفا ومن ثم التحاقه بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الامريكية . وشمل مجموعة مقالات : المادية والاخلاقية ، الموقف الراهن للفلسفة الاخلاقية ومهمات معهد البحث الاجتماعي ، في مشكلة الصدق ، الانانية وحركة الحرية ، تاريخ علم النفس ، المفهوم الجديد للايديولوجيا ، ملاحظات حول الانثروبولوجيا الفلسفية ، ومناقشة العقلانية في الفلسفة المعاصرة .

   وشمل الموقف الراهن للفلسفة الاجتماعية ومهمات معهد البحث الاجتماعي ، كلام هوركهايمر عندما أختير مديرا لمدرسة فرانكفورت . ولعل المهم في هذا الجزء ، هو ربطه بين نضال الجماعات الاقتصادية وتحديات الحياة الحقيقية . وقد ضمن هوركهايمر كلامه صورا من الصراع الانساني ، وهي الصور التي كان ملما بها الماما جيدا .

   اما الانانية وحركة الحرية وبدايات تاريخ الفلسفة البرجوازية ، فكانا من أطول المقالات . وحمل الاول تقويما لكل من ميكيافيلي ، هوبز وفيكو . في حين ناقش في الثاني سيطرة البرجوازية ، وفي بدايات تاريخ الفلسفة البرجوازية شرح هوركهايمر “ما تعلمه من صعود البرجوازية الى السلطة ، وما بقي من استحقاق للبرجوازية ” .

  ان هذا المجلد ينظر الى الفرد على كونه ” المركز المزعج للفلسفة ” . ورأى انه ” لا توجد وصفة جاهزة تحدد العلاقة بين الافراد وبين المجتمع والطبيعة على طول خط التاريخ ” . ولفهم مشكلة الفرد بعمق ، هوركهايمر اشار الى حالتين : الاولى ركزت على ” مونتاني ” الفيلسوف الفرنسي في عصر النهضة  . والثانية انتخب هوركهايمر نفسه موضوعا للدراسة . 

ثالثا- النظرية النقدية :

   ان اعمال منظري مدرسة فرانكفورت لا يمكن فهمها ، دون الوقوف على اهداف النظرية النقدية . وقد لخصها ماكس هوركهايمر في كتابه المعنون ” النظرية النقدية والنظرية التقليدية ” الصادر في العام 1947 . وجاء تحديده للنظرية النقدية بقوله : انها ” الوعي الذاتي ، والنقد الاجتماعي الساعي الى التغيير والتحرر من خلال التنوير” وهي غير مرتبطة بعقيدة او مشدودة الى افتراضات عقيدية .

   لقد حاول هوركهايمر من خلال النظرية النقدية ، ان ينشط النقد الثقافي الاجتماعي الجذري ، وناقش مسألة التسلط العسكري ، والمشكلة الاقتصادية التي تشل الحياة الاجتماعية ، والأزمة البيئية ، وفقر ثقافة القطيع …

   وحقيقة عارض هوركهايمر بالنظرية النقدية ، النظرية التقليدية التي تنسب الى الوضعية والعلمية والنظريات المبنية على الملاحظات الخالصة . وهذه النظريات تقوم بأشتقاق تعميمات او ” قوانين ” تتعلق بالاوجه المختلفة للعالم . واعتمادا على عالم الاجتماع ماكس فايبر، يجادل هوركهايمر ويؤكد على ان العلوم الاجتماعية تختلف عن العلوم الطبيعية . فمثلا ان التعميمات او القوانين لا يمكن بنائها بسهولة مما يسمى بالخبرات . وذلك لان الخبرة الاجتماعية بحد ذاتها تكون قد تشكلت بواسطة الافكار التي هي نتاج عقول الباحثين . كما وان الباحث غير معزول عن ظرفه التاريخي والايديولوجيات السائدة يومذاك . وهكذا فأن النظرية هي نسخة مطابقة للافكار الموجودة في عقل الباحث بدلا من ان تكون موجودة في ساحة الخبرة ذاتها .

   كما يجادل هوركهايمر من طرف اخر الحقائق التي نحصل عليها عن طريق حواسنا ، فيرى ان هذه الحقائق حاصلة عن طريقين : الاول من خلال الخاصية التاريخية للموضوع المدرك . والثاني من خلال الخاصية التاريخية لعضو الادراك . وفي كلا الحالتين اي موضوع الادراك وعضو الادراك فهما ليسا طبيعيين ، وانما تشكلا بواسطة النشاط الانساني . كما وان الفرد يلعب دور المستلم وسلبي في فعل الادراك .

  ويحسب هوركهايمر ان طرق العلوم الاجتماعية لا يمكن ان تكون تقليدا للعلوم الطبيعية . كما ان هناك العديد من الطرق النظرية القادرة على تجاوز الحواجز الايديولوجية التي تقيد نشاط الباحثين من مثل الوضعية ، البراجماتية ، الكانطية الجديدة ، والظاهراتية . ويجادل هوركهايمر ، ويذهب مؤكدا بأن هذه الايديولوجيات فشلت وذلك لان جميعها خضعت الى الانحيازات الرياضية المنطقية ، التي فصلت الفعالية النظرية من الحياة الواقعية . وكانت الاستجابة لهذا المأزق بمنظار هوركهايمر هو النظرية النقدية . والمشكلة من طرفه هي مشكلة أبستمولوجية ، ولهذا فأن النظرية النقدية لا تنظر الى شخصية المتخصص في العلم فقط ، وانما الى شخصية الانسان العارف عامة . وهذا الرؤية جعلت النظرية النقدية في مكانة ابستمولوجية مخالفة للماركسية الارثوذوكسية .

ثيودور أدورنو : باحث إجتماعي وموسيقي

    ولد في فرانكفورت ، وكان هو الطفل الوحيد لوالده ” أوسكار الكسندر ويزنكراند ” ، تاجر المشروبات الثري ، وهو سليل عائلة يهودية ، تحولت الى البروتستانية . ولعبت شخصية عمته ” أكاتي ” الموهوبة في الموسيقى ، دورا مؤثرا في توجيه اهتمام الطفل ثيودور نحو الموسيقى وخصوصا العزف على البيانو .

  ألتحق ألفتى ثيودور بمدرسة ” كاسير ويهلم ” ومن ثم تخرج منها وعمره سبعة عشر عاما ، وكان من الطلبة الاوائل في دفعته . وكان في اوقات فراغه يأخذ دروسا خصوصية في التأليف الموسيقي على يد ” بيرنهارد سكلس ” ، ويقرأ في أمسيات السبت مع زميله ” سيكفيرد كروكر ” . وفيما بعد ادعى أدورنو بانه استفاد من هذه القراءات اكثر مما حصل عليه من الاساتذة الاكاديميين .

   وفي جامعة فرانكفورت ، درس الفلسفة ، علم الموسيقى ، علم النفس وعلم الاجتماع . وتخرج في العام 1924 ، وكانت أطروحته عن الفيلسوف الالماني ” ادموند هوسرل ” (1938 – 1859) . وقبل التخرج ، ألتقى بزميليين له ، وهما ماكس هوركهايمر وفالتر بنجامين واللذان سيتعاون معهما في اكثر من نشاط وخصوصا من خلال مدرسة فرانكفورت النقدية .

  وخلال سنوات التلمذة في فرانكفورت ، كتب العديد من المقالات في النقد الموسيقي ، وكان يتطلع ان يكون مؤلفا موسيقيا . ولهذا الغرض عمل اتصالا في العام 1925 باعضاء مدرسة فينا … الا ان خيبة امله في ان يكون مؤلفا موسيقيا ، حملته الى العودة الى مهنته كأستاذ جامعي وباحث أجتماعي . غير انه بقي رئيس تحرير مجلة ” أنبورك ” ، وقد لعبت كتاباته الموسيقية أثرا في توجهاته الفلسفية .

  وكان للعلاقات التي كونها في مدرسة فينا أثرها في حياته الفكرية فيما بعد . فمثلا كان لمحاضرات ” كارل كروس ” التي يحضرها بصحبة زميليه : ” ألبان بيرك ” و ” جورج لوكاش ” اثرها عليه من الزاوية الموسيقية . كما ان زمالته للوكاش كان لها طعمها الخاص ، فقد نشر لوكاش كتابه ” نظرية الرواية ” التي ألهبت حماس أدورنو ، اضافة الى كتاب لوكاش الاخر الذي نشره قبل عام ، وكان بعنوان ” التاريخ والوعي الطبقي ” والذي قام لوكاش بمراجعته نقديا فيما بعد .

   بعد العودة من فينا ، واجه أدورنو صعوبات في اطروحته المهنية ، فقد بين كل من  مشرفه كورنيلوس وكذلك مساعده هوركهايمر تحفظاتهم على اطروحته المعنونة : “رسالة فلسفية نفسية شاملة” . مما اضطر الى سحبها ، ومن ثم طلب ثلاث سنوات اضافية وذلك لاكمال متطلبات التخرج . وفعلا سلم مخطوطة اطروحة دكتوراه جديدة ، وكانت بعنوان ” كيركيجارد : البنية الجمالية ” وتحت اشراف استاذ جديد ، وهو الاستاذ ” بول تيليك ” (1965 – 1886) وهو لاهوتي وفيلسلوف مسيحي . وكانت محاضرته الاولى بعنوان : الاهمية الراهنة للفلسفة ” وفيها ناقش مفهوم الكلية وسعى الى صياغة اطار فكري عام ضد هيجل .

    وفي العام 1933 سحبت شهادات ادورنو الاكاديمية من قبل النظام النازي حاله حال جميع الاساتذة من اصول غير أرية . وقد كتب مقالا بعنوان ” الموقف الاجتماعي للوسيقى ” والذي يعد أول مساهمة في المجلة التي يشرف عليها هوركهايمر ، وهي مجلة البحث الاجتماعي . وبقي خارج معهد البحث الاجتماعي حتى عام 1938 ، وهي السنة التي اصبح فيها عضوا في المعهد .

 ونحسب من المفيد الاشارة الى ان اثناء مكوثه في نهاية العشرينات في برلين ، كون صداقة حميمية مع فالتر بنجامين وارنست بلوك ، واصبح مطلعا عن قرب على اول عمل انجزه بلوك ، وهو ” اليوتبيا .. ” . ومن ثم تعرف  في برلين على الكيمياوية ماركريت كربلوس (1993 – 1902) والتي تزوجها في العام 1937 في لندن . والحقيقة ان ادورنو في العام 1934 هرب من بطش النظام النازي ، وهاجر الى بريطانيا ، وكان يأمل في الحصول على عمل اكاديمي في جامعة أكسفورد . ولكنه لم ينجح في الحصول على ذلك . فقرر الكتابة بعمق عن فلسفة هوسرل وذلك للحصول على درجة دكتوراه اخرى (بوست دكتوراه) من كلية مرتون . وكان يقضي العطل الصيفية من كل سنة بصحبة خطيبته في المانيا .

  وظل ادورنو على اتصال بزميله هوركهايمر الذي استقر في امريكا ، وتم هذا التواصل عبر المراسلات . واخيرا اثمرت هذه المراسلات بحصول ادورنو على عرض في العمل في امريكا . وبعد زيارته الاولى لنيويورك ، وبالتحديد في العام 1947 قرر الاستقرار فيها ، ومن ثم عمل في معهد البحث الاجتماعي ، الذي ضيفته جامعة كولومبيا . ومن ثم عمل مخرجا موسيقيا في الاذاعة ، وظل حتى عام 1941 .

    تحول للعمل مع هوكهايمر ، فقررا الانتقال الى لوس انجلس ، ودرس لمدة سبع سنوات متتالية ، ومن ثم مديرا مشاركا لوحدة البحث في جامعة كليفورنيا . وان عمله التعاوني مع هوركهايمر وجد النور في كتابهما المعنون ” جدل التنوير ” والذي صدر في العام 1947 ، والذي ظهر مع الاعلان عن ضحايا المحرقة النازية .

  لقد بين أدورنو وهوركهايمر في جدل التنوير ، الى ان مفهوم العقل تحول عن طريق التنوير ،  ليكون قوة لا عقلانية . ولعل الحاصل من ذلك ان فرض العقل سيطرته لا على الطبيعة وحسب ، بل وعلى الانسانية كذلك . وهذا الطريق تمثلته الحركة الفاشية والانظمة الشمولية . ولذلك رفض ادورنو الطريق العقلاني مسارا للتحرير ، ولاذ بدلا عنه الى شواطئ الفنون .

   وبعد الحرب عاد ادورنو الى فرانكفورت ، وبتأثير هوركهايمر استرجع لقبه العلمي ، استاذا في جامعة فرانكفورت . وفعلا درس في الفترة الواقعة بين 1950 – 1949 موضوعا مزدوجا في الفلسفة وعلم الاجتماع في معهد البحث الاجتماعي . ومن ثم اخذ نجم ادورنو يسطع من جديد . وفي العامين 1959 – 1958 نشرت بشكل واسع حكمه الموجزة ، وهذا العمل جعل منه رمزا فكريا اصيلا في جمهورية المانيا الغربية . وهذه قائمة بأهم منجزاته هذه الفترة :

– اتجاهات حول الاشتراكية الوطنية  1952

– درس علم الموسيقى ، صيف 1954

– عدد من المناقشات في الراديو

– عدد من المحاضرات في برلين وحول اوربا 1959

– اصدر رسائل فالتر بنجامين وكتاباته

– ناقش النزعة الوضعية في الجمعية الالمانية لعلم الاجتماع في تبنكن 1961

– رئيس علم الاجتماع 1967 – 1963

– ترأس في العام 1964 المؤتمر الاجتماعي الخامس عشر حول ماكس فايبر وعلم الاجتماع

– ترأس في العام 1968 المؤتمر الاجتماعي السادس عشر حول الرأسمالية المتأخرة او المجتمع الصناعي

  ومن ثم عمت القلاقل الجامعات الالمانية ، فتعرض الى مضايقات ومن ثم مقاطعات لمحاضراته ، وبسب الوضع السياسي ، فقد نصح بالخروج من المانيا . وفعلا غادر مع  زوجته الى سويسرا للزيارة ، رغم نصائح طبيبه بعدم السفر ، واثناء ذلك تعرض لذبحة قلبية ، وفي صباح السادس من ايلول 1969 مات ادورنو .

 ترك نقد ماكس فايبر وهيجلية جورج لوكاش للماركسية أثرهما على تفكير ادورنو ، وكذلك ترك هوسرل في ظاهريته مع كيركيجارد في جماليته اثارا واضحة . كما كان لفلسفة التاريخ عند فالتر بنجامين اثارا دالة في خطابه الثقافي . وعمل جنبا الى جنب مع هوركهايمر وهربرت ماركوز . وجادل بأن الرأسمالية المتقدمة تمكنت من احتواء القوى التي تسعى الى انهائها . وهكذا تخطت الراسمالية لحظة موتها ولم تحدث الثورة . وقد اودع افكاره في هذا الموضوع ، في كتابه المعنون ” الجدليات السلبية ” الصادر عام 1966 والذي أكد فيه على ان الفلسفة لازالت ضرورية .

ومن مؤلفاته اضافة الى ما ذكر :

الشخصية السلطوية ، نشرة نيويورك 1942

النظرية الجمالية 1976

واقعية الفلسفة 1977

ضد الابستمولوجيا : دراسات في هوسرل والظاهراتية 1983

كيركيجارد : البنية الجمالية 1984

ملاحظات حول الادب ، المجلد الاول 1991

ملاحظات حول الادب ، المجلد الثاني 1992

النظرية النقدية منذ افلاطون 1992

هيجل : ثلاث دراسات 1993

بيتهوفن : فلسفة الموسيقى 1998

الموديلات النقدية 1998

الميتافيزيقا : مفهوم ومشكلات 2000

نقد العقل الخالص عند كانط 2001 

هربرت ماركوز : الأب الروحي لليسار الجديد  

   هو عالم الاجتماع الالماني ، والمنظر السياسي ، وهو واحد من مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية .  كذلك يعرف بكونه ” الاب الروحي لليسار الجديد”

ومن اشهر مؤلفاته : ” أيروس والمدنية ” و ” الانسان ذو البعد الواحد ” و ” البعد الجمالي ” …

  ولد ماركوز في برلين ، ونشأ في اجواء وتقاليد عائلة يهودية . في عام 1916 أجبر للالتحاق بالجيش الالماني . وقد عمل في حضائر الخيالة (الاهتمام بالخيول) في برلين خلال الحرب العالمية الاولى . ومن ثم أصبح عضوا في ” مجلس الجنود ” الذين أجهضوا انتفاضة ” المنفصلين الاشتراكين ” .

   أكمل أطروحته للدكتوراه في جامعة فروبرك في العام 1922 ، وكانت حول ” الرواية الالمانية ” ، وهي رواية ترصد حياة فنان ، يجسد صورة صراع الشباب ضد قيم المجتمع البرجوازي في عصره . ثم قفل عائدا الى برلين ، حيث عمل في الطباعة والنشر . وفي العام 1924 تزوج من ” صوفيا ورذم ” (1951 – 1901) ، وهي عالمة رياضيات .

    بعد ذلك عاد الى جامعة فروبرك ، وبالتحديد في العام 1928 للدراسة مع ” أدموند هوسرل ” ، ومن ثم كتب اطروحته المهنية مع ” مارتن هيدجر ” والتي طبعت في العام 1932 بعنوان ” انطولوجيا هيجل والنظرية التاريخية ” . وقد كتب ماركوز هذه الدراسة في ضوء النهضة الهيجلية التي عمت أوربا ، وكان التأكيد فيها على أنطولوجيا هيجل في الحياة والتاريخ ، وعلى النظرية المثالية في الروح والديالكتيك . وعلى الرغم من هذا التأهيل الاكاديمي العالي ، فأنه حرم من التعليم الاكاديمي بسبب صعود الرايغشتاغ الثالث . وفي العام 1933 ألتحق ماركوز بمعهد فرانكفورت للبحث الاجتماعي .

   وفي عام 1933 نشرمراجعته الكبيرة الاولى لمخطوطات ماركس الاقتصادية والفلسفية للعام 1944 . وقد صحح ماركوز تفسير الماركسية اعتمادا على المؤلفات التي كتبها ماركس في السنوات المبكرة من حياته . وبهذه المراجعة ساعد ماركوز العالم الى النظر الى ماركوز كواحد من افضل المفكرين الواعدين من جيله .

  وبينما كان عضوا فاعلا في معهد البحث الاجتماعي ، فأن ماركوز طور انموذجا للنظرية الاجتماعية النقدية . كما طور نظرية المرحلة الجديدة للدولة والرأسمالية الاحتكارية . ومن ثم قدم توصيفا للعلاقة بين الفلسفة والنظرية الاجتماعية والنقد الثقافي . وقدم تحليلا نقديا للفاشية الالمانية . وظل عضوا فاعلا مع اعضاء مدرسة فرانكفورت النقدية .

   غادر ماركوز المانيا في العام 1933 ، ومن ثم هاجر الى الولايات المتحدة الامريكية عام 1934 ، وحصل على الجنسية الامريكية عام 1940 ، ولم يعد الى المانيا ليعيش هناك . ولكنه ظل واحدا من اكبر منظري مدرسة فرانكفورت ، وعاملا نشطا مع ماكس هوركهايمر وثيودور ادورنو (والاخرين) . وفي العام 1940 نشر كتابه المعنون ” العقل والثورة ” ، وكان عملا جدليا درس فيه كل من هيجل وماركس .

   وخلال الحرب العالمية الثانية ، عمل ماركوز في الولايات المتحدة ، في مكتب اعلام الحرب ، وبالتحديد عمل في مشروعات الاعلام المضاد للنازية . وفي عام 1943 نقل الى مكتب الخدمات الستراتيجية . وفي عام 1945 حل مكتب الخدمات ، وظف في وزارة الخارجية الامريكية ، كرئيس قسم اوربا . ومن ثم تقاعد بعد وفاة زوجته الاولى عام 1951 .

  وفي العام 1952 عاد الى مهنة التعليم ، وبدأ اولا في جامعة كولومبيا ، وجامعة هارفارد ، وجامعة برانديز للفترة من 1958 الى 1965 . وهناك درس الفلسفة والعلوم السياسية . وأخيرا في جامعة كليفورنيا . وكان زميلا متعاونا مع عالم الاجتماع برنكتون مور ، وزميلا للفيلسوف السياسي روبرت بول ولف . وكذلك كان صديقا لرايت ميلز استاذ علم الاجتماع في جامعة كولومبيا ، وهو واحد من مؤسسي حركة اليسار الجديد .

وظل ماركوز العضو اليساري لمدرسة فرانكفورت ، وعندما يسأل يعرف نفسه            ” ماركسي ، اشتراكي وهيجلي ” .

   وقدم ماركوز نقدا للمجتمع الرأسمالي ، خصوصا في عام 1955 في منهجه التركيبي الجامع بين ماركس وفرويد ، النقد الذي أودعه في كتابه ” أيروس والمدنية ” . وكذلك فعل ذلك في كتابه ” الانسان ذو البعد الواحد ” الصادر عام 1964 ، والذي عكس فيه اهتماماته بحركة الطلاب في الستينات ، ولذلك تحول الى متحدث عن الحركة الطلابية ، واصبح يعرف ” الاب الروحي لليسار الجديد في الولايات المتحدة ” ، ومن ثم اسس صداقة حميمية مع الفيلسوف الفرنسي أندري كورز .

  وبعد ان رفضت جامعة برانديز في العام 1965 من تجديد عقده في التعليم فيها ، فأنه تفرغ للتعليم ن والكتابة والقاء المحاضرات حول العالم . وكانت هذه الجهود قد دفعت اهتمام وسائل الاعلام به وبنشاطاته ، مما جعلت افكاره اكثر تأثيرا في الساحة الثقافية .

كما استمر في تعزيز النظرية الماركسية والاشتراكية التقدمية . ومن ثم نشر أخر اعماله وهو ” البعد الجمالي ” في العام 1979 ، وركز دراسته فيه على دور الفن في عملية التحرر من المجتمع البرجوازي .

  وقبل عشرة ايام من عيد ميلاده الحادي والثمانين ، مات ماركوز ، وبالتحديد في 29 تموز 1979 ، أثر جلطة دماغية بسبب تعب السفر الى المانيا ، واثناء زيارته الى معهد ماكس بلانك ، وبدعوة من المنظر يورغن هابرمس .

   وسنحاول هنا تقديم عرضا لبعض مؤلفات ماركوز ، وبيان ما حملته من أتجاهات فكرية :

أولا – العقل والثورة : هيجل وبزوغ النظرية الاشتراكية : طبع هذا الكتاب من قبل ماركوز نفسه ، وصدر في العام 1941 . وهو دراسة ديالكتيكية للنظريات الاشتراكية عند هيجل وماركس . والمؤلف قدم توصيفا لفلسفة هيجل واعاد تفسيرها . وكان يهدف الى اثبات ان مفاهيم هيجل الاساسية كانت معادية للنزعات التي قادت الى الفاشية نظرية وتطبيقا .

   وكان الجزء الاول دراسة مسحية لنظام هيجل الفلسفي ، والذي شيده على فلسفته السياسية وفلسفته التاريخية . اما الجزء الثاني فهو متابعة لاثار النظرية الاشتراكية من البدايات . والذي شمل اتجاهين : النظرية الديالكتكية للمجتمع من جهة ، والتي مرت من خلال كيركيجارد ، فيورباخ ومن ثم الى ماركس . والوضعية وبواكير علم الاجتماع من جهة اخرى ، والتي عمل على تطويرها كل من سانت سيمون ، كومت ، ستاهل ومن ثم فون ستين . والنتيجة انه بين اثر فلسفة هيجل الاجتماعية على النظريات الاشتراكية في الستينات .

ثانيا – أيروس والمدنية : وهو واحد من اهم الاعمال التي كتبها ماركوز ، وهذا الكتاب صدر في العام 1955 . وهو بنية فكرية تركيبية جمعت بين اطروحات ماركس ورؤية فرويد . وعنوان الكتاب يوحي بنوع من المقاربة مع عنوان كتاب فرويد المعنون ” المدنية وعدم الرضا ” . ويرى ماركوز انه في الامكان اقامة مجتمع خال من القمع (الاضطهاد) وذلن بالاستناد الى ماركس وفرويد معا . ومثل هذا المجتمع يشمل قيم الحركات الاجتماعية الثقافية المعارضة فترة الستينات .

  وناقش ماركوز المعنى الاجتماعي للبايولوجي – التاريخي ، والذي لا يمكن النظر اليه على انه صراع طبقي ، وانما نضال ضد قمع الغرائز . ويجادل بان الرأسمالية منعتنا من الوصول الى ” المجتمع الغير مقموع (الا مضطهد) والمؤسس اصلا على اختلاف خبرة الوجود ، وعلى اختلاف العلاقة بين الانسان والطبيعة ، وعلى اختلاف العلالقات الوجودية ” .

  والكتاب ينهض على افتراض وهو ان القمع او الاضطهاد ظاهرة تاريخية ( وتاريخ الانسان هو تاريخ الاضطهاد ) وماركوز يشمل في حديثه عن الاضطهاد ، الاضطهاد البايولوجي ، ولكنه يعتقد بان الاضطهاد البايولوجي ليس مشكلة بحد ذاته . ولكن مشاكلنا تنبع من القمع الزائد ، والمتولد من نوع من الاعراف التاريخية السائدة في مرحلتنا الراهنة . والنتيجة هي ولادة فلسفة جامعة بين فرويد و ماركس .

اريك فروم : بين علم الإجتماع وعلم النفس

   وهو عالم سوسيو – سيكولوجي ، ومحلل نفساني ، واشتراكي ديمقراطي .

ولد في 23 من اذار 1900 في مدينة فرانكفورت ، وهو الطفل الوحيد لعائلته اليهودية الارثوذوكسية . بدأ دراساته الاكاديمية في جامعة فرانكفورت، وبالتحديد في العام 1918 وأكمل فصلين دراسين في فلسفة القانون . وخلال الفصل الدراسي الصيفي في العام 1919 درس في جامعة هيدلبيرك ، تحول من فلسفة القانون الى دراسة علم الاجتماع . وقد اشرف عليه مجموعة من اساتذة هيدليبرك المشهورين من امثال الفريد فايبر (1958 – 1868) ، وهو اخ عالم الاجتماع المشهور ماكس فايبر . والفيلسوف الوجودي والطبيب النفساني كارل ياسبرز (1969 – 1883) ، وهنريك ريكرك (1936 – 1863) وهو من ألمع الكانطين الجدد يومذاك .

   وحصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من هيدليبرك في العام 1922 . وفي  العشرينات حصل على تدريب ليكون محللا نفسانيا ومن خلال المصح النفسي في هيدليبرك والتابع للطبيبة النفسية فريدا رشمان (1957 – 1889) والتي تزوجها أريك فروم فيما بعد ، وهي تكبره اكثر من عقد من السنين . ومن ثم فتح عيادته النفسية الخاصة ، وكان ذلك في العام 1926 . وفي العام 1930 التحق بمعهد البحث الاجتماعي ، ومن ثم أكمل تدريبه في التحليل النفسي .

   وبعد ان استولت النازية على مقدرات الامور في المانيا ، وبدأت بملاحقة اليهود ، انتقل فروم الى جنيفا ، وفي العام 1934 تحول من هناك الى جامعة كولومبيا في نيويورك . وقد افتتنت به كرين هورني (1952 – 1885) لفترة طويلة ، وهورني هي عالمة التحليل النفسي الالمانية ، والطبيبة النفسية التي تخرجت من النرويج . وكان فروم موضوعا لكتابها المعنون ” تحليل الذات ” . والحقيقة ان فروم ترك اثارا على فكر هورني . كما ان اثر هورني كان حاضرا في فكر فروم .

  ساعد فروم بعد تركه جامعة كولومبيا ، في تأسيس فرع لمدرسة واشنطن للطب النفسي في مدينة نيويورك وبالتحديد في العام 1943 . ويعد فروم المؤسس المشارك لمعهد وليم النسون للطب النفسي ، والتحليل النفسي وعلم النفس . وكان عضوا في كلية بننكتون للفترة من 1941 الى 1950 . 

  وعندما انتقل الى مدينة مكسيكو في العام 1950 ، اصبح استاذا في جامعة مكسيكو ، ومن ثم اسس قسم التحليل النفسي في المدرسة الطبية هناك . وظل يدرس هناك حتى وصوله سن التقاعد في العام 1965 . وخلال هذه الفترة درس كأستاذ لعلم النفس في جامعة ميشجان من 1957 الى 1961 ، وكذلك استاذا محاضرا في علم النفس في قسم الدراسات العليا للفنون والعلوم في جامعة نيويورك في العام 1962 . وفي العام 1974 انتقل الى مارلوتو – سويسرا ، ومات في بيته سنة 1980 قبل خمسة ايام من عيد ميرده الثمانين .

  وسنحاول التركيز على اتجاهات تفكير فروم ومن خلال كتاباته :

أولا – النظرية النفسية :

   نشر فروم اول عمل رائد له في العام 1941 ، وكان بعنوان  ” الهروب من الحرية ” في نشرته الامريكية . و ” الخوف من الحرية ” في نشرته البريطانية . وحقا ان ” الهروب من الحرية ” ينظر اليه كواحد من الاعمال البالغة الاهمية ، وذلك لان فروم اسس فيه ما يسمى بعلم النفس السياسي . وكان عمله الثاني المهم بعنوان ” الانسان من اجل ذاته ” وهو بحث في علم النفس الاخلاقي ، والذي طبع لاول مرة في العام 1947 ، وهو استمرار واثراء لافكاره التي حملها كتابه ” الهروب من الحرية ” .

   والواقع ان هذين الكتابين شكلا معا خلاصة لنظرية فروم في نظرية الشخصية الانسانية ، والتي هي نمو طبيعي لنظريته في الطبيعة البشرية . كما ان من اشهر مؤلفات فروم ن كتابه المعنون ” فن الحب ” والذي يعد من اكثر المبيعات والتي ظهرت طبعته الاولى سنة 1956 . وفيه اكمل صياغة المبادئ النظرية للطبيعة البشرية والتي كانت اصولها منبوتة في كتابيه ” الهروب من الحرية ” و” الانسان من اجل ذاته ” . وهذه المبادئ سيكون لها حضورا في معضم كتبه .

ثانيا – تفسير التلمود :

   كتب فروم عددا من المؤلفات عالج موضوعة الدين . مثل كتابه المعنون ” التحليل النفسي والدين ” الصادر عام 1950 و كتابه الموسوم ” اللغة المنسية : مدخل لفهم الاحلام … ” الذي نشره سنة 1951 ، و مؤلفه المعنون ” التحليلية النفسية والبوذية ” والذي طبع في العام 1960 .

   حقيقة ان من اهم اعماله هو محاولته تفسير التلمود . فروم بدأ هذا العمل منذ كان شابا وقد درس هذا الموضوع تحت مجموعة من رجال الدين اليهودي من امثال الحاخام ج . هوردتز ، ومن ثم عمق دراسته تحت اشراف الحاخام سلمان بروخ رابنكو ، وكان ذلك اثناء عمله في اطروحته للدكتوراه في جامعة هيدليبرك .

   وكذلك درس التلمود تحت اشراف نهمي نوبل ولودفيك كروسو وخلال دراسته في فرانكفورت . وهذا الاهتمام كان متوارثا في العائلة ، فمثلا كان جده وجد والده حاخامان ، وكذلك عم والدته من المشهورين في دراسة التلمود . الا ان فروم تخلى عن يهوديته الارثوذوكسية في العام 1926 واصبح علمانيا يسعى وفق منهج علماني الى تفسير المثل الدينية .

ثالثا – فلسفة فروم الانسانية :

   كتب فروم اضافة الى معرفته بالتلمود ، كتابين : الاول ” عقيدة المسيح ومقالات اخرى في الدين … ” والصادر في العام 1963 . والثاني ” قلب الانسان وعبقريته في الخير والشر ” والذي نشره سنة 1964 .

 ولعل من الاعمال الاساسية لفلسفته الانسانية ، هو تفسيره للقصة الانجيلية ” ادم وحواء ومنفاهم من جنة عدن ” . رأى ان الانسان قادر على التمييز بين الخير و الشر ، وهويعتبر الشر فضيلة , في حين ان دارسي الانجيل ينظرون الى ادم وحواء على انهما خاطئين لانهما عصيا الله واكلا من شجرة المعرفة .

   تخلى فروم من التفسير الديني التقليدي ، وأعلى من الفضائل الانسانية التي الى فعل مستقل ويتكأ على العقل في انشاء القيم الاخلاقية بدلا من الاعتقاد بالقيم الاخلاقية التسلطية . كما ان فروم اعتقد ان الحرية هي مظهر من مظاهر الطبيعة الانسانية ، وليس امامك الا اختيارين : اما ان تعتنقها او تهرب منها . ولاحظ ان اعتناق حرية الارادة هو مظهر من مظاهر الصحة النفسية . بينما الهروب من الحرية يكون من خلال اليات الهروب وهي الاساس المولد للصراعات النفسية .

  وتحدث فروم عن ثلاثة انواع من اليات الهروب . وقد لخصها بالكلمات : التطابق ، التسلطية ، والتدمير . والتطابق يحدث عندما يغير شخص ما ذاته المثالية الى شكل من الشخصية الاجتماعية . وهنا تحدث خسارة الذات الحقيقية . وفي التطابق يتم احلال الواجب مكان الاختيار ، واحلال المجتمع محل الذات .

  اما التسلطية فهي ان يسمح شخص ما لنفسه بالسيطرة على شخص اخر . وبهذا الفعل يتم تعطيل حرية الشخص الاخر تماما واخضاعه لارادة انسان اخر. واخيرا الية التدمير وهي اي محاولة تسعى الى تجريد الاخرين او العالم من الحرية تماما . ويعلق فروم على الية التدمير قائلا : ” التدمير للعالم هو اخر محاولة يائسة لانقاذ الذات من العالم الذي دمرته الذات ” .

رابعا – نقد فرويد :

   كتب فروم  اربعة كتاب ركز فيها على فرويد ومدرسته في التحليل النفسي . وهما ” مهمة سيغموند فرويد : تحليل شخصيته واثاره ” والذي صدر في العام 1959 . و ” ما وراء الوهم : معارضة لفرويد وماركس ” الذي طبع سنة 1962 . و” ازمة التحليل النفسي ” والذي نشر في العام 1970 . ومن ثم كتابه المعنون ” عظمة  فكر فرويد وحدوده ” الذي نشر في العام 1979 .

  لقد دقق فروم في حياة واعمال فرويد ، ووجد ان هناك تناقضا بين النظرية الفرويدية الاولى والنظرية الفرويدية المتأخرة . وبالتحديد في كتابات ماقبل الحرب العالمية الاولى. ففرويد اسس الدوافع الانسانية كنوع من الشد بين الرغبة والكابح ، ولكن بعد الحرب ونتيجة لها ، فأنه وضع الدوافع في اطار الصراع بين الحياة البايولوجية وغريزة الموت .

  ولها وجه فروم نقدا لفرويد واتباعه الذين لم يعترفوا بالتناقض بين النظريتين . وانتقد كذلك الثنائية في الفكر الفرويدي ، والتي تتمثل في الاوصاف الفي وصف فيها الوعي الانساني على كونه صراع بين قطبين . ويرى فروم ان فذا الوصف ضيق ومحدود . كما شجب فروم الثقافة الماسوجينية ، وهي الثقافة المعادية للمرأة ، والتي تتخفى خلف التحليل النفسي الفرويدي . ورغم هذا النقد ، فأن فروم يحترم بتقدير عال فرويد وانجازاته .

 2– الجيل الثاني من مفكري مدرسة فرانكفورت :

     اما الجيل الثاني من مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية ، فكان معظمهم من تلامذة الجيل الاول . ولعل من اشهرهم يورغن هابرمس . وقد كتبنا مقالا سابقا عن يورغن هابرمس . وسنشير الى اثنين من الجيل الثاني ، وهما ألبرشت فالمر و ألفرد سشمدت .  

     يورغن هابرمس : فيلسوف الجمهورية الجديدة

    منذ الستينات من القرن العشرين ، فقد قاد ” يورغن هابرمس ” النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت ، وخصوصا في عمله المتميز في مضمار ” العقل التواصلي ” و”المجال اللغوي” ، وهو المضمار الذي يطلق عليه هابرمس ” الخطاب الفلسفي للحداثة ” (محمد جلوب الفرحان : الاشكال الفلسفي في فكر هابرمس ، منشور على صفحات المدونة في اذار) . ونلحظ اليوم ان بعض من المنظرين النقدين من امثال ” نيكولاس كوميريدز” يعارضون هابرمس ، ويرون ان هابرمس قد قوض التطلعات الناشدة الى انجاز التغيير الاجتماعي . وان هذ التغيير هو الاساس الذي سبب بروز مشروعات متنوعة للنظرية النقدية مقل ك ما المقصود بالعقل ، وتحليل وتوسيع ” شروط الامكانية ” للتحرر الاجتماعي ، ونقد الرأسمالية الحديثة  .

ألبرشت فالمر:

   ولد في 9 تموز 1933 ، ولا زال حيا . وتتداول الكتابات اسمه على انه مفكر الماني ، واستاذ في جامعة فريه . درس الرياضيات والفيزياء في جامعتي برلين وكيل ، ومن ثم درس الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة هيدليبرك وفرانكفورت . وعمل مساعدا ليورغن هابرمس في جامعة فرانكفورت من 1966 الى 1970 .

  حصل على الاستاذية من جامعة كونستانز ، وهي مدرسة جديدة للبحث الاجتماعي ، ومن ثم استاذا في جامعة فريه في برلين . وكان استاذا زائرا في جامعة هارفارد ، والمدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي ، وفي جامعة أمستردام .

  وفي العام 2006 حصل على جائزة ثيودور ادورنو ، وهي جائزة عالية التقدير تمنح للانجازات في حقول الفلسفة ، والمسرح ، والموسيقى والسينما . ضمت اعماله كتبا وابحاثا غطت مجالات مثل علم الجمال ، النظرية النقدية ، الاخلاق ، الحداثة ، وما بعد الحداثة . كما وكتب عن مجموعة من المفكرين من امثال أدورنو ، هابرمس وفيتجنشتاين . واهم كتبه :

النظرية النقدية للمجتمع  1971

الاخلاق والحوار   1986

مثابرة الحداثة  1991

الثورة والتفسير 1998

ألفرد سشمدت :

   ولد في 19 مايس 1931 في برلين ، درس أولا التاريخ واللغة الانكليزية . ومن ثم فقه اللغة الكلاسيكية هي جامعة غوته في فرانكفورت . بعد ذلك درس الفلسفة وعلم الاجتماع . وكان احد طلاب ثيودور ادورنو وماكس هوركهايمر ، وترقى علميا بعمله عن مفهوم الطبيعة في كتابات كارل ماركس . وشغل درجة استاذ الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة فرانكفورت للفترة من 1972 وحتى تقاعده في العام 1999 .

 ومن الموضوعات الاساسية التي اشتغل عليها في ابحاثه : النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت ، فلسفة الدين ، وفلسفة شوبنهاور .. وقد حصل جوائز تقدير من جمعية شوبنهاور .

تعقيب ختامي :    

    ضمت مدرسة فرانكفورت النقدية ، عددا من الماركسين غير الراضين على الاعتقاد الماركسي الشائع يومذاك . ولذلك كانوا يحسبون ان بعضا من اتباع ماركس تحولوا الى ابواق دعائية ، تردد منظومة محددة من افكار ماركس ( نشيدا مدرسيا ) يدافع عن الاحزاب الشيوعية الارثوذوكسية .

    كما ان نشر مخطوطات ماركس في الثلاثينات من القرن العشرين ، وبالتحديد المخطوطات الاقتصادية والفلسفية ، والايديولوجيا الالمانية (مخطوطات 1848) قد كشفت بصورة واضحة عن استمرارية فكر ماركس مع الهيجلية . مما عمق الخلاف بين منظري مدرسة فرانكفورت النقدية والفكر الماركسي الرسمي المدعوم من قبل ماكنة اعلام الاحزاب الشيوعية .

   ولعل ما يميز منظري مدرسة فرانكفورت ، هو انهم كتبوا نصوصهم الفكرية الداعية الى التجديد في الاطروحة والمنهج الماركسيين ، بعد اختبار النظرية الماركسية التقليدية والتطورات الجديدة في المجتمعات الرأسمالية وتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي. مما كان الحاصل هو اكتشافهم ان النظرية الماركسية التقليدية ، نظرية غير كافية لتفسير هذه التطورات الحاصلة في المجتمعات الرأسمالية في القرن العشرين . ولهذا تميز خطابهم بكونه خطاب نقدي لكل من الرأسمالية والاشتراكية السوفتية . كما وان القارئ يشعر وهويقرأ كتاباتهم ، بأنهم يدعون الى طريق بديل في التطور الاشتراكي .

  ان الثغرات التي اكتشفت في الماركسية التقليدية ، حملت منظري مدرسة فرانكفورت الى التفتيش عن امكانية فكرية تعين في ملأ هذه الثغرات . وفعلا بدأوا التفكير خارج دائرة التقكير الماركسي التقليدي . فوجدوا ان هذه الامكانية الفكرية متوافرة في ساحات مدارس فكرية أخرى . ولهذا يلاحظ القارئ بيسر الى ان منظري مدرسة فرانكفورت قد اخذوا اشياء من علم الاجتماع الا وضعي (المعارض للوضعية) ، وتبنوا اشياء من مدرسة التحليل النفسي ، وشاركوا الفلسفة الوجودية في اشياء اخرى .. وظل باب الافادة من مدارس فكرية اخرى مفتوحا امام مفكري مدرسة فرانكفورت .

    ولعل السمة التي تجمعهم ، هي انهم يتحدثون عن اطار عقلي مشترك ، كما انهم يتداولون مجموعة واحدة من الافتراضات ، وانهم مشغولون بالبحث عن اجابات على اسئلة متشابهة .

  لقد تعلم المنظرون الرئسيون لمدرسة فرانكفورت من امكانية صياغة منظومات فكرية خاصة لهم ، وهي في حقيقة الامر تجميع فكري مستبطن لفلسفة كانط ، هيجل ، ماركس ،ونهج فرويد ، ماكس فايبر وجورج لوكاش .. ونحسب انه من المفيد ان نذكر في هذا المضمار الى ان تأكيد منظري المدرسة على حد ” النقدي ” في نظريتهم ، لهو دليل على انهم تغلبوا على الحدود الضيقة لكل من الوضعية ، المادية والجبرية . وقد ساعدهم في ذلك ، هو العودة الى فلسفة كانط ، كما وفي العودة الى خلفاء كانط ، خصوصا فلاسفة المدرسة المثالية الالمانية ، وبشكل محدد فلسفة هيجل ، مع التأكيدعلى ان الجدل والتناقض هي خصائص ملازمة للحقيقة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(11)

     الإشكال الفلسفي في فكر يورغن هابرمس

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    * من زاوية الفيلسوف          

  تتشابه الظروف : ظروف المانيا لحظة الانهيار وظروف بلاد الرافدين لحظة الاحتلال . ظهر هناك ( فلاسفة ) غير شرعيين يدعون لنمط لا ينتمي بصلة الى الفلسفة الالمانية العتيدة . نمط تفكير هجيني باركته قوات الاحتلال . وخصوصاً امريكا التي لعبت دورا رئيسا في تجميع الاموال من الشرق والغرب لاعادة بناء المانيا … ولكن في بلاد الرافدين الموقف مختلف ، فثرواته تكفي لبناء عراق جديد رغم عمليات النهب المنظمة من قبل قوات الاحتلال والانظمة الدائرة معها في سياسات تفكيك وحدة العراق  …  وهنا على أرض الثقافة والحضارة ، تجري دعوات استنساخ لانماط  تفكير ” فلاسفة الجمهورية الالمانية الجديدة ” و تسعى الى اشاعتها ثقافة عراقية جديدة … وفي الهجيني : ثقافات سوداوية ومناهج توفيق ترضي توجهات اصحاب القرار ، وتلامس مزاج قوات الاحتلال ..

هذه المقالة هي واحدة من سلسلة مقالات ، تحفر وتنقب عن هوية المنتوج الفكري لواحد من أكبر( فلاسفة ) الجمهورية الالمانية الجديدة .  

تقديم:

هل مؤلفات وأبحاث المفكر الالماني يورغن هابرمس ( لا زال حيا –1929) تقدمه فيلسوفا ؟ ام  تقدمه عالم اجتماع سياسي ؟  حقيقة اننا نجد في مؤلفاته وابحاثه ، المقياس العلمي الموضوعي الوحيد ، الذي يحسم أشكالات  مثل هذا النوع ، ويفصح عن حكم ، لا انحياز فيه الا للحقيقة ، التي تطبع هذه الكتابات التي كثر و سيكثر حولها الجدل .

   ان بداية هابرمس الاكاديمية كانت مع الفلسفة ، وخصوصا في أطروحته الاولى ، والتي كانت بعنوان ” التاريخ والمطلق : حول التناقض في فكر شيلينج “. ولكن  حدث طارئ غير محسوب في قدر هابرمس الفلسفي ، وهو اختلاف بين المشرفين على أطروحته ، فكان هذا الاختلاف هو نقطة الانعطاف من حضرة الفلسفة  ، والتحول  الى  محيطات علم الاجتماع السياسي المتنوعة . وفعلا فأن هابرمس  بدأ في كتابة اطروحة  جديدة ، وانجزها في جامعة جديدة ، وتحت اشراف استاذ جديد ، وفي مضمار جديد لا علاقة له بالفلسفة . وكانت الاطروحة الجديدة بعنوان ” التحولات البنيوية للاوضاع الاجتماعية : تساؤلات ضمن أصناف المجتمع البرجوازي ” .

   هذه كانت البداية في الاشكال الفلسفي في فكر هابرمس ، البداية التي رسمت لاحقا اشكالا في اختيار نوع الاعداد الاكاديمي ، ومن ثم في الخيار المهني . وهذا الاشكال سيظل ملازما ” لفيلسوف الجمهورية الالمانية الجديدة ” طول حياته ، كما سيكون سمة مميزة لكتاباته وابحاثه ومحاضراته .

  وعلى اساس هذا الاشكال ننظر الى مجمل اعمال هابرمس الفكرية  ،  فهي من الوفرة ، فقد بلغت الخمسين مؤلفا ، وهي من التنوع  حيث شملت موضوعات فلسفية ، تخص الباحث في الشأن الفلسفي ،  وهي مطمورة تحت طوابق عمارته  الثقافية السياسية – الاجتماعية النفسية ، وموضوعات اخرى امتدت خارج حدود دوائر التفكير الفلسفي . موضوعات تقع مباحثها في  معاقل علم الاجتماع السياسي ، وهذا هو حقل اختصاصه ، وهوالحقل الذي يشاركه فيه اعضاء مدرسة فرانكفورت .

   وهناك وجه اخر من الاشكال في كتابة نصوصه  ، فبعض عنواين مؤلفاته تحمل في طرف منه عنوانا فلسفيا ، وفي الطرف الاخرعنوانا اجتماعيا ، كما وان المعالجة لهذا العنوان الفلسفي ، ليست معالجة فلسفية ، وانما هي بحث من زاوية ومنهج علم الاجتماع السياسي .واستنادا الى هذا الطرف من الاشكال نحسبه منظرا  في علم الاجتماع السياسي اولا وقبل كل شئ  .

    نعود الى وجه اخر من الاشكال ، فقد وجدنا ان الدراسات التي عنت بفكرهابرمس وسيرته الذاتية  ، لا تقدمه على انه فيلسوف ، وهذا حق ، وانما تقدمه على انه ” اهم علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر ” . ومن ثم تضيف الى انه ” من اهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية ” . 

   ولعل لفظة ” الفيلسوف ” التي منحت لهابرمس ، جاءت لا لنتاجه الفلسفي ، وانما لجهوده في علم الاجتماع السياسي ، وفي مدرسة فرانكفورت النقدية . وان لقب الفيلسوف صدر من قبل رجل دولة ، وهو وزير الخارجية الالماني  ” يوشكا فيشر ” الذي وصف هابرمس على انه ” فيلسوف الجمهورية الالمانية الجديدة ” .  ان لقب الفيلسوف هنا ، ليس اصطلاحا مهنيا ، دالا على عمل هابرمس ، وانما هو اصطلاح مجازي ، المقصود به منظر او ” مفكر الجمهورية الالمانية    الجديدة ” .

   وهذا الاصطلاح يذكرنا بوسائل الاعلام السياسي لهذا النظام او ذاك ، والتي تخرج علينا بين فترة واخرى بمسميات مثل : فيلسوف الجمهورية ، ومهندس الحركة …. ومعمار التغيير …. وهكذا ..  وأحسب أنه من النافع  ان أشيرالى أن استاذي العالم المنطقي العراقي الدكتور ياسين خليل عبد الله ، طيب الله ذكراه ، كانت وسائل الاعلام العراقية ، تطلق عليه  فترة حكم الرئيسين عبد السلام وعبد الرحمن عارف ، لقب  ” فيلسوف الاتحاد الاشتراكي ” . هذا اصطلاح وسائل الاعلام ، وتقصد به ” مفكر الاتحاد الاشتراكي ” . اما الحديث عن ” الفيلسوف ياسين خليل ” ، فان كتبه المنطقية ، وكتبه في فلسفة العلوم ، تدلل على انه فيلسوف وعالم منطقي .

    غرضنا هنا ان نصحح من زاوية أكاديمية ما هو شائع خطأ في دوائر الثقافة عموما ، والعربية منها على وجه الخصوص . الخطأ الشائع على ان هابرمس فيلسوف . ونحن نجادل على انه عالم اجتماع سياسي ، وذلك لان هناك اختلاف في الموضوع الذي تدرسه الفلسفة ، عن الموضوع الذي يبحث فيه علم الاجتماع السياسي  ، وكذلك اختلاف في المنهج و أختلاف في طوابق العمارة لكل منهما .هذا جانب  اخر من الاشكال في تقويم هابرمس كعالم اجتماع وليس فيلسوف . فمثلا ان عمله الاكاديمي يقدم كشفا واضحا على هذا الاشكال ، فقد بدأ طالب فلسفة ، وكتب اطروحته عن الفيلسوف شيلينج . الا انه هجر الفلسفة ،  وهجر اطروحته وهجر جامعته ، وتحول الى جامعة اخرى و كتب اطروحة جديدة في علم الاجتماع السياسي . هذا حق وليس فيه افتراء على  الرجل هابرمس .

    ونحن من طرفنا نحب الفلسفة ، ولا نتخلى عن احد من فلاسفتنا ، فهم رصيدنا الدائم . ولكن هابرمس كان حرا في اختيار الفلسفة مسارا اكاديميا في البدأ . وكان حرا في هجرها والتحول الى جادة علم الاجتماع السياسي ،والذي اختاره اكاديميا ، و من ثم  فضله مهنة له، واصبح من خلال نظرياته في علم الاجتماع السياسي ، علما من اعلام الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت النقدية ،والتي أكسبته شهرة عالمية . وانه ظل مواكبا على الكتابة في مجالات متنوعة من علم الاجتماع السياسي ، وحتى ان تناول عنوانا فلسفيا في كتبه ، فأنه لم يبحثه كفيلسوف ، وانما درسه من زاوية اجتماعية سياسية . وهو مستمر في نهجه الاجتماعي السياسي حتى هذه اللحظة .

هابرمس: من مقاعد التعليم الفلسفي الى معاقل علم الاجتماع السياسي :

  ولد يورغن هابرمس في دوسلدورف ، شمال الراين ، في 18 حزيران 1929 . نشأ في أسرة بروتستانتية . وهذه النشأة ستكون لها دلالات في توجهاته النقدية المتحررة من اية قيود ، و من ثم في تطوير أرائه العلمانية ، ومواقفه من فصل الدين ومؤسساته عن الدولة ومؤسساتها .

   وكان والده أيرنست هابرمس ، مديرا تنفيذيا لغرفة الصناعة والتجارة . ويصف هابرمس والده ، فيقول : كان والدي ” متعاطفا نازيا ” .  وهذه الحقيقة مفيدة ، في فهم توجهات المفكر هابرمس ، والتي بدأت منذ وقت مبكر تنزع الى التفكير في مشروع مصالحة بين المانيا المنهزمة وقوات التحالف ( امريكا مثلا ) . وبين المانيا القديم والمانيا الراهن ، بين الثقافة الالمانية والثقافة البراجماتية .

   ونلحظ ان هابرمس انحاز الى الثقافة الامريكية ، واصبح رمزا من رموز براجماتيتها . وهذه حقيقة اخرى تنفع الدارس في فهم مشروعه في المصالحة . وهنا لا بد من الاشارة الى اشكال اخر طبع  مشروعه في التصالح ، فهو لم يكن شاملا للمصالحة ، وانما كان انتخابيا ومزاجيا ، فأنه لم يشمل الفيلسوف مارتن هيدجر مثلا وليس حصرا. بل على العكس عمل بكل نشاط على تحريض الدولة ، ومن ثم الدول المنتصرة ، والجمهور الالماني ضد هيدجر .  

     وعندما كان في الخامسة عشرة ، التحق في منظمات شباب هتلر ، وأرسل الى جبهات القتال للدفاع عن الحدود الغربية ، وكان ذلك بالتحديد في الاشهر الاخيرة من الحرب . وقد تركت تجربته كشاهد على مجريات الحرب و من ثم الهزيمة اثرها في التفكيرفي مشروع المصالحة  ، لا بين الالماني الالماني ، ولكن بين الالماني المنهزم وبين الاوربي – الامريكي المنتصر.

    اما تعليم هابرمس الاكاديمي ، فقد اخذ منحى مهما في حياته ، ومن ثم في تحديد مسارات مستقبله ،كما ان تعليمه يقدم فهما للتحولات الجارية في اختياراته المهنية . فنلحظ انه بدأ دراساته الاكاديمية في جامعة جوتنجتين للعام الدراسي 1950 – 1949 . ومن ثم تحول الى جامعة زيوريخ ، ودرس فيها عاما دراسيا 1951 – 1950 . واكمل دراساته الاكاديمية في جامعة بون 1955 – 1951 . ومن ثم انهى كل متطلبات التأهيل الاكاديمي ، التي تسمح له الانخراط في برامج الدكتوراه .

    وفعلا انخرط هابرمس في برنامج الدكتوراه في جامعة بون . ونال درجة الدكتوراه منها في العام 1954  ، وكان عنوان  اطروحته ” المطلق والتاريخ : حول التناقض في فكر شيلينج ” . ولعل من المفيد ان نذكر الى ان من بين اعضاء لجنة اطروحته ، كان كل من : اريك روذاكير ، واوسكار بيكر . وفي العام 1956 درس الفلسفة وعلم الاجتماع في معهد البحث الاجتماعي ، على يد المنظرين النقديين : ماكس هوركهايمر ، وثيودور ادرنو ، و هما من الجيل الاول لمدرسة فرانكفورت ، وهي المدرسة التي سينتمي اليها لاحقا ، وسيكون واحدا من ألمع ممثليها من الجيل الثاني .

   ولكن أثناء عمله في اطروحة الدكتوراه ، حدث ما لايرضي هابرمس ، وسبب محنته مع الفلسفة الدائمة ، ومع مدرسة فرانكفورت الموقتة ، وهو نشوب خلاف بين هوركهايمر وأدرنو حول اطروحته ، وهما المشرفان عليها ، مما حمله الى ترك معهد البحث الاجتماعي ، و هذا طرف من محنته يومذاك . اما الطرف الاخر لتركه مدرسة فرانكفورت ، هو انه وجد ان المدرسة اصبحت اكثر شكوكية ، وتنظر الى الثقافة الحديثة بمنظار سياسي دوني . هذه المحنة تركت اثارها العميقة في خيارات هابرمس الاكاديمية وخصوصا في مجال البحث الفلسفي ، والمهنية وذلك بأختيار علم الاجتماع السياسي ميدان عمل له  .

   بسبب هذه المحنة ، ترك هابرمس الفلسفة مع اطروحته السابقة ، وتحول الى دراسة العلوم السياسية في جامعة ماربورج ، على يد الماركسي ولفجانج ابيندروت . وكان عنوان أطروحته الجديدة ” التحولات البنيوية للاوضاع الاجتماعية : تساؤلات ضمن أصناف المجتمع البرجوازي ” .

هذا التحول لم يكن تحولا من جامعة الى اخرى ، وانما تحولا من منهج فلسفي الى منهج العلوم السياسية ، وقبولا بموجهات ماركسية لنهج هابرمس ، وبالتأكيد هذه الاثار واضحة في التحولات البنيوية  للاوضاع الاجتماعية…

   ان هذا التحول ولد ثنائية اكاديمية ومهنية ، ترجح علم الاجتماع السياسي ، مع استبطان للفلسفة لحظة صياغة النظريات الاجتماعية والثقافية . فمثلا اصبح عام 1961 استاذا لعلم الاجتماع السياسي في جامعة ماربورج ، وفي الوقت ذاته استاذا للفسفة بدون كرسي في جامعة هيدلبيرج . وما يدلل على هذه الثنائية في الاختصاص والعمل . انه عاد في العام 1964 الى مدرسة فرانكفورت ، مدعوما من قبل ادورنو لتولي كرسي هوركهايمر في ميداني الفلسفة وعلم الاجتماع .

   وأفهم من دعم أدورنو الى ان المعارض لاطروحة هابرمس الفلسفية في معهد البحث الاجتماعي ، كان هوركهايمر . ولذلك قبل هابرمس العودة الى مدرسة فرانكفورت بعد موته ،  ومن ثم العمل مع أدورنو جنبا الى جنب .

   وفي العام 1971 اصبح مديرا لمعهد ماكس بلانك في ستيرنبيرج  ، و لاكثر من عقد من الزمن . وفي العام 1981 نشر كتابه الشهير ” نظرية الفعل التواصلي ” . وفي العام 1983 عاد الى كرسيه (الفلسفة والاجتماع) في مدرسة فرانكفورت ومديرا لمعهد البحث الاجتماعي . وتقاعد في العام 1993 من فرانكفورت . 

  الاشكال الفلسفي في كتابات هابرمس:

      نسعى هنا الى معالجة الاشكال الفلسفي في كتابات عالم الاجتماع السياسي هابرمس ،  ونحسب على اساس الفهم السابق ان جريدة مؤلفاته ومحاضراته ، تدلل على انه عالم اجتماع سياسي  . فمثلا نلحظ ان هناك  أشكالا هيمن على رؤية هابرمس ، وبالتحديد الى فاشية الفيلسوف مارتن هيدجر .

    فقد ألقى هابرمس في الخمسينيات من القرن العشرين ، محاضرة عن الفيلسوف الالماني الوجودي مارتن هيدجر . واحسب ان هذه المحاضرة لم تتركز على فلسفة هيدجر ، وانما جاءت تنديدا بمواقف هيدجر . وترك هذا التنديد النقدي اثره في الجو الثقافي الالماني يومذاك .

    و للقارئ اقول ، حينما قرأت اصل المحاضرة باللغة الانكليزية ، وجدت مايخيب رغبتي الفلسفية . وجدت نقد هابرمس للفيلسوف الالماني الوجودي مارتن هيدجر ، قد تخطى اطروحات ومناهج الفلسفة . ولم اجد  هابرمس  يقارع هيدجر حجة فلسفية بحجة فلسفية مقابلة .

    كان كل شغل هابرمس هو الاشتغال بمنهج التنديد ، واللوم من جرائم نظام الاشتراكية الوطنية الذي قاده هتلر ، ومجموعته التي حكمت المانيا وسببت الحروب والخراب للالمان والانسانية على حد سواء  . فمثلا ربط هابرمس بين ما أسماه “فاشية ” هيدجر وقيادة الاشتراكية الوطنية ، وذكر المواطن الالماني بان هيدجرامتدح نظام الاشتراكية الوطنية ، بل واشار الى انه كان عضوا في الحزب النازي .

 من ثم رفع سؤالا أعفى نفسه منه ، وهو : ” هل ممكن اعتبار قتل الملايين ، هي قضية قابلة للفهم  ؟ ” .  أقول للقارئ بان هيدجر لم يقاتل في الجبهات الحربية مثلما فعل هابرمس . ولكن هي عقدة الذنب التي يعاني منها هابرمس وجيله الذي تربى في منظمات شباب هتلر، والتي قاتلت صفا صفا عن سياسات هتلر في الحدود الغربية . ان هذه المحاضرة في مجملها هي عبارة عن تصفية حسابات عقدة الذنب ، ومن ثم التكفير عنها ، عن طريق استهداف مارتن هيدجر .

   ونحن ننظر الى هيدجر بمنظار مختلف . فقد كان فعلا نازيا ، اي عضو في حزب الاشتراكية الوطنية بزعامة هتلر . ولكن يرى المنصفون من كتاب تاريخ الفلسفة الالمانية في القرن العشرين الى ان نازية هيدجر ، هي موضوع جدل مستمر . ونحن نرى انها لا تفهم الا في ضوء فلسفته الوجودية .  فمثلا من خارج الحزب النازي ، كانوا ينظرون اليه ، والى فلسفته خصوصا ، على كونها نقدية ، ساخرة من النظام . ومن زاوية النازيون ، المشرفون على برامج التربية والتعليم ، ينظرون  الى هيدجر على انه خصم لهم . في حين يسخر بعض اخر من النازيين منه ومن فلسفته . ونحسب هذا طرف من قضية نازية هيدجر . اما الطرف الاخر ، فممكن ملاحظته ، في المقابلة التي اجرتها صحيفة ديرشبيكل الالمانية مع هيدجر قبل وفاته . و كان هيدجر واضحا وصريحا . فقال ” أنه لا توجد أمامي بدائل يومذاك . اضافة الى انني كنت اشعر بأن تغييرا سيحدث في الاشتراكية الوطنية في القريب المرتقب ” . على كل أنها محنة الفيلسوف في عصر الدكتاتوريات التي لا توفر خيارات حرة للانسان .

    واخيرا اشير الى تقويم مؤرخ الفلسفة ” هانز صلوكه ” لسلوك هيدجر ، خصوصا عندما كان رئيسا للجامعة . ونشعر انه تقويم عادل . يقول هانز ” عندما كان رئيسا للجامعة منع الطلبة من وضع اعلانات معادية للسامية في مدخل الجامعة ، كما منع حرق الكتب . لكنه ظل محافظا على علاقاته الحميمة مع قيادات الطلبة النازيون ، واصدر اشارات على انه متعاطف مع نشاطاتهم ” ( محمد جلوب الفرحان : مارتن هيدجر ومحنة الفلسفة الالمانية في القرن العشرين ) . 

   يعد كتاب التحولات البنيوية للاوضاع الاجتماعية (1962)  من مؤلفاته الاولى والذي نال شهرة ملحوظة ، وهذا الكتاب هو في الحقيقة اطروحته الثانية في العلوم السياسية . وقد كان عنوانها الكامل ” التحولات البنيوية للاوضاع الاجتماعية : تساؤلات ضمن أصناف المجتمع البرجوازي ” ، وذلك  بعد ان ترك اطروحته الفلسفية ، وهجرمعهد البحث الاجتماعي في مدرسة فرانكفورت ، وذلك لخلاف نشب بين الاستاذين المشرفين على اطروحته كم اشرنا اليها انفا .

     انتمى هابرمس الى مدرسة فرانكفورت ، واصبح مدافعا عن نظريتها النقدية ، والتي ستكون معلما متميزا من معالم مشروعه الاجتماعي السياسي . وهذه المدرسة ضمت الجيل الاول ،  وهم كل من : ( هوركهايمر ، أدورنو ، ماركوز ، واريك فروم ) . وكان هابرمس واحدا من اعضاء  الجيل الثاني لهذه المدرسة الماركسية . ولعل الفارق بين ماذهب اليه الجيل الاول وما اعلنه هابرمس ، يقوم على ان الرعيل الاول نزعوا الى    ” الاهتمام الشديد بحرية الانسان ” .

     اما هابرمس فقد نزع نحو شواطئ اخرى ، ركزت ” على تحليل الفعل والبنى الاجتماعية ” . وكذلك انه دافع بقوة عن مشروع الحداثة ، وبالتحديد عن مفهومي ” العقل والاخلاق الكليين ” . وكانت حجته في الدفاع عن الحداثة تنهض على ” انها لم تفشل ، لانها لم تتجسد اصلا ” ، وذلك لان الحداثة حسب رأيه ” لم تنتهي بعد ” . ومن المفيد ان نشير الى ان هابرمس يرى ان الحداثة أخذت بمشروع التنوير ، لذلك دعا الى ” العودة الى امتيازات التنوير ، والتي تتمثل بالنظام والعقل ” (محمد جلوب الفرحان : الاتجاهات الفكرية لاعضاء مدرسة فرانكفورت ) .

    كذلك اشتهر هابرمس بما يسمى برائعته ” نظرية الفعل التواصلي ” والتي نشرها في العام 19981 وخلال عمله مديرا لمعهد ماكس بلانك . وهذه الرائعة تنخرط في ميدان علم الاجتماع السياسي  . أضافة الى انه ،  طبق في هذا الكتاب نظريته ” الفعل التواصلي ” في ميداني السياسة والقانون . ودافع عن ” الديمقراطية الحرة ” والتي تكون فيها المؤسسات ، والقوانين الحكومية مفتوحة للجماهير لمناقشتها .

    لم تتشاغل دائرة تفكير هابرمس بالابستمولوجيا او على الاقل بنظرية المعرفة ، كمبحث فلسفي خالص . والحق انه قدم كلاما اسماه ” المصالح المعرفية ” ، وخصوصا في كتابه ” المعرفة والمصالح البشرية ” والذي صدر في العام 1968 . ولكن نجد انه استثمر فعلا في الاطار النظري لما اسماه المصالح المعرفية ، الارث الفلسفي الالماني ، وبالتحديد كانط ، شيلينج ، هيغل ، هوسرل ، ومزيج ماركسي براجماتي وكانطي جديد (محمد جلوب الفرحان : الاشكال الابستمولوجي في كتابات هابرمس ) .

     لم يبحث هابرمس في الاخلاق من زاوية فلسفية ( او الادق من زاوية اكسيولوجية ) . واحسب ان القارئ للاطار النظري لمشروع هابرمس في علم الاجتماع السياسي ، يلحظ ان هابرمس  اعتمد على حشد من الفلاسفة الالمان ، يتقدمهم كانط ، شيلينج ، هيجل  … ومزيج ماركسي براجماتي مع توظيف انتخابي لارث الكانطية الجديدة .  ولعل من المفيد للقارئ ان يعرف بان هابرمس بحث في الاخلاق من ناحيتين لا علاقة لهما بالفلسفة  : الاولى من زاوية اجتماعية نفسية وبتدوير سياسي . والثانية انه خصص كتاب له بعنوان ” أخلاقيات الخطاب ” . والحقيقة  ان هناك فارقا كبيرا بين المبحث الفلسفي للاخلاق ، والمعايير العملية لما يمكن ان نسميه ” بأداب الكلام او االخطاب والتصرف ” . كما تناول هذا الموضوع في كتابه الموسوم ” الوعي الاخلاقي والفعل التواصلي ” المنشور عام 1983 (محمد جلوب الفرحان : الاشكال الاكسيولوجي في الخطاب الاخلاقي عند هابرمس ) .

       هناك تلميحات الى المنطق في مباحث هابرمس ، واشارات الى فلسفة اللغة (والاصطلاح يشمل منطق اللغة او الخطاب) . ولكن السؤال : هل ثابر هابرمس في بحث اصيل في هذا المضمار. ان الجواب ببساطة يمكن العثور عليه  في مصادر هابرمس ، فهي تؤكد على انه استثمر في الجانب النظري لفلسفة اللغة ، مباحث لودفيج فتكنشتاين ، واوستن وأخرين . كما فعل ذلك في كتابه ” براجماتيات التفاعل الاجتماعي ” الصادر في العام 1976 . وأود هنا ان اصحح عنوان الكتاب لان فيه ربطا بالبراجماتية ، وهذا غير صحيح ، والتصحيح للترجمة العربية ، بان عنوانه الصحيح ” براجماطيقات التفاعل الاجتماعي “.  وفي هذا الكتاب استثمرهابرمس نتائج ابحاث العالم المنطقي رودلوف كرناب ، خصوصا في بحث البراجماطيقا اللغوية . وهنا كان هابرمس صائبا في نظرته الى اللغة من زاوية وظيفتها الاجتماعية .الا انه في الوقت ذاته استبعد بعدين مهمين ، درسهما كرناب ، وهما السنتاكس والسيمانطيقا . ونفهم حقيقة لماذا استبعدهما ، وذلك لانهما لب علم المنطق الحديث ، وروح الفلسفة الالمانية الحديثة . وفي الوقت ذاته ، نلحظ ان هابرمس جانب كل ذلك ، وذهب يحرث في مجالات منطق من نوع مختلف ، ففي كتابه المعنون ” منطق العلوم الاجتماعية ” الصادر عام 1967 ترك ميدان الفلسفة وعلم المنطق وتوجه الى البحث في منطق البحث الاجتماعي ، وهو منطق مختلف عما هو متداول . فقد سعى الى صياغة نموذج ” اعادة بناء منطق التطوير ” ، ومن ثم تقديم توضيحات حول ” المعاني النظرية لمقترحات النظرية التطورية ” . وهذا بالتأكيد غير المنطق الذي طوى تاريخ الفلسفة بكل حقبه القديمة والوسطوية ، الحديثة والمعاصرة (محمد جلوب الفرحان : الاتجاهات العامة للبحث المنطقي عند رودلوف كارناب ) .

     اشتغل هابرمس في عمله الموسوم ” اتجاهات اعادة بناء المادية التاريخية ” ، على مراجعة طرف بالغ الاهمية من تفكير ماركس . وفي هذا العمل توصل هابرمس الى صياغة اختلافات اساسية مع ماركس . منها انه رأى ان تقويم ماركس لنشوء المجتمع الانساني ، فيه تبسيط شديد ، خصوصا عندما فسر ماركس هذا النشوء ، على انه نوع من التقدم الاقتصادي . اضافة الى ان هابرمس يعتقد ان حدود هذا الفهم ضيقة جدا ، حيث لا تترك مجالا للحرية الفردية . كما ورأى ان ماركس قد نظر الى التقدم على انه خطي ، وتحكمه جبرية . وجادل هابرمس الفهم الماركسي لعملية التعلم المفروضة في المادية التاريخية . وذهب مخالفا ماركس في ان ” عملية التعلم حيوية ، وغير قابلة للتكهن , وتختلف من عصر الى عصر أخر ” ( محمد جلوب الفرحان : الاتجاهات الفكرية لاعضاء مدرسة فرانكفورت ) .

    تدارس هابرمس الاطار النظري لمشروعه الساعي الى ” اعادة بناء العلوم ” . وخفق قلبي وتساءلت : هل حقا بحث هابرمس في طرف من الابستمولوجيات العلمية ، وربما سأجد تقويما للابستمولوجيات الفلسفية ، خصوصا الالمانية ؟  وهو البحث المفضل عندي ، اضافة الى علم المنطق وفلسفة العلوم . ولكن الخيبة جاءت سريعة ، فالرجل ، أعني هابرمس بحث في مضمار لا علاقة بهذا المضمار الفلسفي ، وبدلا عن ذلك وجدته في مشروعه ” اعادة بناء العلوم ” ، يهدف الى وضع ” نظرية عامة للمجتمع ” مؤسسة على مقاربة بين ” الفلسفة وعلم الاجتماع ” . كما هدف الى تجسير الفجوة بين ” النظرية والعمل الميداني ” . كما عمل على ” أعادة بناء العقلانية ” ومن خلال ابنية عالم الحياة والمتمثلة في الثقافة والمجتمع والشخصية هذا طرف . ومن خلال الاستجابة الوظيفية والتي تتمثل في اعادة الانتاج الثقافي ، التكامل الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية وهذا طرف اخر ( محمد جلوب الفرحان : الاشكال الابستمولوجي في كتابات هابرمس ) .

     ان نزعة هابرمس البراجماتية ، ظهرت واضحة ومنذ وقت مبكر ، في مشروعه في علم الاجتماع السياسي  . ولعل الشاهد على هذه النزعة ، هو منهج التجميع بين فلسفات متنوعة وتنتمي الى مدارس مختلفة ، وتجميع بين علم الاجتماع والسياسة ، وعلم النفس والثقافة ، و التصالح بين القديم والجديد , و التصالح بين فئات المجتمع الواحد ، والتصالح بين المكونات الثقافية المتنوعة ( محمد جلوب الفرحان : الخطاب الفلسفي التربوي الغربي ، بيروت 1999 الفصل السادس والذي بعنوان “البراجماتية وأثرها في التربية ) ، والتصالح بين المهزوم والمنتصر ، والتصالح بين الملحد والمتدين .  ومن ثم جاءت البراجماتية واضحة في حواره مع بابا الفاتيكان ، والذي نشر بعنوان ” جدلية العلمانية ” والذي حمل تغيرا جذريا لمواقفه الثابتة ” من الدور العام للدين ” . والذي نشر في العام 2007 .

ونلحظ ان الكثيرمن أصدقائنا العلمانيون أندهشوا لهذا التغيير في تفكير وسلوك هابرمس . ولكن في الحقيقة ليس هناك ما يدهش ، خصوصا اذا وضعنا في الاعتبار براجماتية هابرمس ، القائمة على المصالحة . وهكذا صالح بين هابرمس القديم  في القرن العشرين مع هابرمس الراهن في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين .

هابرمس والبحث خارج حدود دوائر التفكير الفلسفي :

  في البدأ اسئلة : هل كره هابرمس الفلسفة ، خصوصا الارث الفلسفي الالماني ، الذي كان سائدا لحظة انهيار النظام السياسي النازي ؟ وهل كره هابرمس الارث الفلسفي الالماني , خصوصا فلسفات العلو و القوة والانسان الاعلى ، والذي يعتقد ان مقدماتها الفلسفية ، وجدت لها مشاعر الارتياح عند هتلر والعاملين في نظامه السياسي ، خصوصا المشرفين على الثقافة والاعلام النازيين ؟ وهل كره هابرمس الفلسفة ومباحثها التقليدية ، بعد الجدل الذي دار حول أطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” المطلق والتاريخ : حول التناقض في فكر شيلينج ” ؟

  حقيقة اننا لانجد في المصادر التي عنت بسيرته الذاتية والعلمية ، شيئا ينفعنا لمعرفة مصير هذه اطروحة  ، خصوصا بعد ان ترك الدراسة ، وذهب الى جامعة اخرى ، وبدأ بدراسة موضوع لا علاقة له بالفلسفة . وكان عنوان الاطروحة الجديد ” التحولات البنيوية للاوضاع الاجتماعية : تساؤلات ضمن أصناف المجتمع البرجوازي ” . فبينما ظهرت هذه الاطروحة ، كتابا في جريدة مؤلفاته . فأن الاطروحة الفلسفية طواها النسيان ، وكأن هابرمس لا يريد ان يتذكرها او تذكره .

   على كل دلل هذا على الطلاق النهائي بين هابرمس والفلسفة .و على ان الاتي سيكون مزيجا يحتوي على الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس … وان من الملاحظ على هذا الانتقاء المفتوح ، قد قادته براجماتية هابرمس . وهذه البراجماتية الالمانية ، هي صورة من البراجماتية الام التي فتحت كل الابواب مشرعة لكل الانماط الفلسفية وعلم النفس وعلم الحياة والتربية … ، ومن ثم التجارب الدينية … كل ذلك وجد له ركنا داخل ما اسميه المعبد البراجماتي . ان مشروع هابرمس ، يجسد تجربة براجماتية المانية خاصة : فيها حضور للفلسفة على صورة اطار نظري ، وعلم الاجتماع والنفس … هي الجوانب العملية ، او ان الفلسفة هي النظرية  ( الذهن ) ، وان العلوم الاجتماعية والنفسية .. هي أرض التطبيق .

   أحسب كذلك ، وهذا هو رأي الشخصي ، ان هابرمس تيقن ان هزيمة المانيا تتضمن هزيمة الفلسفة الالمانية ( الذهنية الالمانية ) ، وان الخيار البديل هو انشاء ذهنية جديدة لا علاقة لها بالماضي الالماني ماقبل الحرب العالمية الثانية . اني احس بوجع هابرمس وهو يتخلى عن هويته الالمانية ، انه وجع فاوستي ذو نكهة خاصة ، تحاول فيه الذات الفاوستية الحائرة ان تتعالى على الجرح والانكسار . وذلك من خلال مشروع مصالحة براجماتية بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية والنفسية . ان مثابرة هابرمس مسبوقة ، فماركوز تعامل مع الماركسية مثلما تعامل هابرمس مع الفلسفة الالمانية ، وهكذا جاء كتابه ” الانسان ذو البعد الواحد ” مثابرة من نوع جديد ، مثابرة لاعلاقة لها بماركسية ماقبل الهزيمة الالمانية ، أنها ماركسية ماركوز التي تحمل مشروع مصالحة طبقية .  وشأنها شأن مشروع هابرمس قائم على المصالحة التي سببتها ظروف الهزيمة وشروط الحيرة الفاوستية الجديدة الناشدة للسلام والتعايش بعد حروب مدمرة .

     حقيقة ان ماركوز تقدم على هابرمس ، فماركوز ينتمي الى الجيل الاول من مدرسة فرانكفورت  ، وهو يشارك هابرمس في مشروع المصالحة  ، بل ورسم في كتابه  الانسان ذو البعد الواحد ،الذي صدر لاول مرة في العام 1964 مثابرة متوافرة لهابرمس . ان مثابرة ماركوز نهضت على مراجعة الماركسية ، خصوصا مراجعة علم الثورة في الاطروحة الماركسية . ان ماركوز شكك في السؤال الماركسي العتيد القائل :

لماذا أصبحت الثورة ممكنة في بلدان المجتمع الصناعي ؟ جواب ماركس جاء : أنه ” بسبب وجود الطبقة العاملة ” . ان ماركوز صاغ سؤالا مختلفا ، وقدم جواب مخالفا لتنبأ ماركس . وسؤال ماركوز : لماذا اصبحت الثورة مستحيلة في بلد يمتلك للطبقة العاملة قرابة اكثر من مئة عام ؟ ان جواب ماركوز جاء :  بسبب المصالحة الطبقية ، وفي مجتمع حر تمكن من اشباع كل حاجات مواطنيه ، وثقافة موحدة وخيارات متنوعة للجميع … ان سؤال ماركوز وجوابه ، ادخلا سؤال الماركسية حول الثورة الى ذمة التاريخ . كما اسهم في شطب علم الثورة من مباحث علم الاجتماع السياسي . هذا المشروع الماركوزوي دشن مرحلة من التعايش الطبقي ، وتعايش ثقافي بين الخاسر والمنتصر ، وبالتحديد بين ثقافة المانية وبراجماتية امريكية زاحفة لتلف اوربا ومن ثم العالم بردائها . وهكذا نشط علم الاجتماع السياسي ، وليست الفلسفة ، ليقوم بهذه المهمة . ولعل ما قامت به مدرسة فرانكفورت بجيلها الاول ، ماركوز انموذجا ، وبجيلها الثاني ، هابرمس انموذجا . لتدل دلالة واضحة على ان لا مكانة للفلسفة الالمانية في هذا المشروع الجديد . كما نجد من المفيد ان نشير الى ان جميع اعضاء مدرسة فرانكفورت ليسوا فلاسفة ، وانما اشتغلوا بالفلسفة في طرف محدود في ابحاثهم في علم الاجتماع السياسي ، الذي ابدعوا فيه ، وتفردوا بنظرياتهم الاجتماعية السياسية . وخصوصا أريك فروم الدي أبدع في نظرياته النفسية ( محمد جلوب الفرحان : الاتجاهات الفكرية لاعضاء مدرسة فرانكفورت ) .

 اذن ينبغي ان يقرأ مشروع هابرمس المعرفي (وليس مشروعا فلسفيا ) في ضوء ما حدث لالمانيا بعد خسارتها في الحرب العالمية الثانية ، والشروط التي فرضتها قوات التحالف المنتصرة ، والدمار الواقع في البنى التحتية للحياة اليومية للمواطن الالماني العادي الذي انخرط في المعارك ، ولعل هابرمس واحدا من المقاتلين في الجيش الالماني ، الذين اكتوا بنيران الحرب وشربوا كأس الهزيمة المر.

     واحسب ان هابرمس على اساس الواقع الالماني الجديد ، فكر بمشروع مصالحة سياسي اولا بين المانيا ودول التحالف المنتصرة ، ومن ثم مشروع تصالح بين الثقافة الالمانية الجديدة والثقافة الامريكية متمثلة بالثقافة البراجماتية . وهكذا اختار هابرمس خط التلفيق الانتقائي الذي اختاره اطارا فلسفيا للمزيج الفكري الذي يتألف من اشياء من علم الاجتماع ، واشياء من علم النفس ، واشياء اخرى من الثقافة ، وتدوير سياسي لكل ذلك في مشروع مصالحة ، يمكن ان نطلق عليه مشروع هابرمس الفكري للمصالحة بين الشعوب المتطلعة للعيش بسلام .

   انه خيار صعب جاء بعد يقظة سياسية عاشها هابرمس ، خصوصا حين استرجع لحظات الحرب والنتائج الكارثية للهزيمة الالمانية . وقد وصف هابرمس لحظة يقظته السياسية ، والتي حدثت بعد محاكمات تورنبرك ومن ثم عرض الفيلم الوثائقي الذي كشف عن طبيعة التعذيب الوحشي في معسكرات الاعتقال النازية . قال هابرمس  : ” كلنا شهود احياء على النظام السياسي الاجرامي ” . انها لحظة الرعب والفزع التي طبعت تفكيره على العموم ، وقادته الى صياغة مشروع اجتماعي  سياسي للمصالحة بين الشعوب ، وذلك حسب ما يعتقد هابرمس ” ان نظل حذرين ضد تكرار حدوث مثل هذا السلوك السياسي الاجرامي مرة ثانية ” .

    ان هذا الخيار تعزز بعد ان تيقن هابرمس ، من انه لا جديد في دوائر الفكر الفلسفي السائد ، ولسان حاله يقول انها فلسفة مهدت للهزيمة وذلك لانها فشلت في ترويض النظام النازي وتوجيهه نحو شواطئ البناء والنمو ، بدلا من شواطئ الحرب والدمار ومن ثم الكوارث الانسانية . وكذلك تيقن هابرمس من انه لا جديد في الفكر الفلسفي الراهن ، وخصوصا في حال مدرسة فرانكفورت ، حين حدث جدل حول اطروحته للدكتوراه ” التاريخ والمطلق :حول التناقض في فكر شيلينج ” ، والتي تركها ، ومن ثم تحول الى جامعة اخرى ، وقدم اطروحة جديدة ، تدل على هزيمته مع فلسفة شيلينج خصوصا والفلسفة الالمانية عموما .و كان عنوان الاطروحة الجديدة ” التحولات البنيوية للاوضاع الاجتماعية : تساؤلات ضمن اصناف المجتمع البرجوازي ” .  هذه هي نقطة التحول ، وهي التي رسمت المسار الجديد لهابرمس ، الذي قاده بعيدا عن جادة الفلسفة الالمانية التقليدية . 

    وهكذا كان قدرا جديدا لمشروع هابرمس الفكري , وهو ان يتحول من شواطئ الفلسفة الالمانية العتيدة ، ويركب امواج بحرمتمموج ، ليس كل ما فيه صيد فلسفي ، وانما مزيج متنوع من فلسفة وعلم اجتماع وعلم نفس ، ثقافة وعلم سياسة …و كان هذا الحال يطبع مجمل انتاج هابرمس الفكري .

واحسب مرة اخرى ان اكرر الى ان هزيمة المانيا لعبت دورا في هزيمة الفلسفة على يد هابرمس   وهي حالة متفردة في تاريخ الفلسفة الالمانية ، وفي تاريخ الفلسفة على العموم .  وأحسب على هذا الاساس ان حال هابرمس ، هو حال من يريد ان يقول : أنا برئ من النظام النازي الذي سبب الكارثة الالمانية اولا والانسانية ثانيا . وانا برئ من الاتجاهات الفلسفية التي ساهمت او مهدت للنظام من صياغة منظوره الشوفيني لا انساني . وانا برئ من الاتجاهات الفلسفية التي فضلت الصمت ، ولم تعمل شيئا على اقناع النظام من تغيير سياساته العدوانية ضد معارضيه من الشعب الالماني ، ووقف سياساته الشوفينية ضد الشعوب الاخرى .

    احسب هذا حق ومطلب مشروع ، ولكن اذا فعل هابرمس ذلك للفلسفة بهذه الحجة ، فهو ظلم وخطيئة بحق الفلسفة وتاريخها العتيد . واذا كان من الحق ان نقول ان جوانب من فلسفات العلو والقوة ، والتطبيقات الفلسفية للدراونية الاجتماعية ، قد وجدت لها حضورا لحظة صياغة ايديولوجيا نظام الاشتراكية الوطنية ، وكذلك وجدت بعض الاتجاهات الفلسفية لها نشاطا فترة النظام النازي ، فأن هذه الفلسفات ليست مسؤولة عن جرائم النظام ، كما و ان الفلاسفة لم ينخرطوا في منظمات هتلر والقتال في جبهات القتال ، مثلما حدث في حالة هابرمس . واحسب ان في الحرب حالتين : قاتل ومقتول . وهابرمس خرج من الحرب سليما . ولكن السؤال الذي لم يسأل من قبل أحد : كم كان عدد قتلاك في الحرب التي شاركت فيها ؟ سؤال لايجرأ أحد على رفعه بوجه فيلسوف الجمهورية الالمانية الجديدة .

       كان من حق هابرمس ان ينقد ويشجب من يشاء ، وله الحرية في هجر الفلسفة واختيار علم الاجتماع السياسي . ولكن من حقنا كذلك ان نؤشر حالات الظلم التي امتدت الى الفلسفة الالمانية من الفعل الثقافي الذي قاده هابرمس ( خذ مثلا حالة الفيلسوف مارتن هيدجر ) ، وذلك من خلال برامج الجمهورية الالمانية الجديدة ، والذي سبب سحبا لفعل الفلسفة الى الوراء ، وتقديم فعل علم الاجتماع السياسي . وكان الحاصل من فعل الجمهورية الالمانية الجديدة الكاره لفلاسفة ماقبل الحرب ، ان ماتوا ولم يحتفل بهم احدا ، خذ مثلا فيلسوف التاريخ الالماني الفذ ” أسوالد أشبنجلر ” والذي تعد رائعته ” سقوط الغرب ” ثورة في فلسفة التاريخ في الربع الاول من القرن العشرين . فقد اهملته الجمهورية الالمانية الجديدة ، لا لشئ سوى انه كان مراسلا حربيا أثناء الحرب . وبالتأكيد هو لم يكن مقاتلا كما هو الحال في حالة هابرمس . أنه ظلم بحق لطرف مهم من اطراف الثقافة الالمانية . وهذا اشكال كبير في مشروع فيلسوف الجمهورية الالمانية الجديدة , فقد تسامح مع انتمائه لمنظمة شباب هتلر ، وتسامح مع مشاركته في القتال في الحدود الغربية . ولكنه لم يتسامح مع الفيلسوف هيدجر الذي لم يشارك في القتال ، ولكن جرمه الوحيد انه مدح حزب الاشتراكية الوطنية ، وانتمى الى حزب الاشتراكية الوطنية . واود ان اشير هنا الى الفارق بين فعليين واحد عرفناها صدر من فيلسوف الجمهورية الالمانية الجديدة ، الساعي الى التصالح مع قوات التحالف التي دمرت المانيا ، ولكنه لا يتسامح مع هيدجر . والثاني صدرمن أحدى ضحايا النظام النازي ، وهو الشاعر اليهودي بول كلين ، الناجي من معسكرات التعذيب النازية ، والذي جسد فعلا مدنيا راق في التسامح ، فقد التقى بهيدجر ، ومن ثم قبل دعوة هيدجر بزيارته في بيته , وتحدثا طويلا ، وكان كل مايتطلع اليه ، هو الاعتذار . ولكنه لم يحصل على هذا الاعتذار من هيدجر ( محمد جلوب الفرحان : مارتن هيدجر ومحنة الفلسفة الالمانية ) .

   ان هذا المقال هو دعوة فيلسوف جادة لتحرير هابرمس من خوفه من الفلسفة الالمانية  التي ظلمت كثيرا. فمثلا وجدنا ان البعض يربط  بين فلسفة ” نيتشه ” وفكرة ” السوبرمان ” والنظام النازي . وهذه دعاية صادرة من اعلام الحرب ، والتي دفعت الجمهورية الالمانية الجديدة ، الى تأهيل فلسفة نيتشه لتكون مقبولة ، وهكذا ارتبكت الحكومة الالمانية جريمة ثقافية فلسفية بحق النصوص الابداعية النيتشوية ، فحذفت ما اعتقده مسؤلي الثقافة الالمانية الجديدة لا يتماشى وتوجهات التصالح مع الثقافة الامريكية البراجماتية ، وبمباركة من فيلسوف الجمهورية الالمانية الجديدة ( محمد جلوب الفرحان : مارتن هيدجر ومحنة الفلسفة الالمانية ) . 

واذكر القارئ بان هذا الظلم شمل كذلك اجمل فن من فنون الابداع الالماني ،والذي تعاملت معه الجمهورية الالمانية الجديدة مثلما تعاملت مع الفلسفة الالمانية . فقد ربطت دوائر اعلام الحرب الكارهة للموسيقى الالمانية ، ربطت موسيقى فاغنر بالنظام النازي ، وذلك بحجة ان هتلر كان يستمع الى موسيقاه . وهكذا اخذ الجمهور يتردد خوفا من الاستماع اليه  ، كي لا يكونوا موضع شك بكونهم نازيون . واليوم تحررنا من هذا الربط الظالم بين فاغنر و هتلر ، وعدنا نستمتع بسماع موسيقاه ، ولا احد يشعر بخوف او حرج في توليد ألم لاحفاد ضحايا النازية .

 وأحسب كذلك ان في أطروحات هابرمس ضميمة خوف من النظام النازي ، وما أرتبط به او عايشه من فلاسفة ، كان قدرهم ان ينشطوا في هذا الزمن التعيس … ونقول لهابرمس حان الاوان ان تتحرمن خوفك ، وان نحرر القارئ من خوف هابرمس ، ومن ثم العودة الى الفلسفة الالمانية ، وخصوصا فلسفات : نيتشه ومارتن هيدجر وأسوالد أشبنجلر ، والقائمة طويلة نستمتع بقراءتها ، مثلما عدنا دون خوف نستمتع بالاستماع الى موسيقى فاغنر .  

 تعقيب ختامي واعد : مكانة هابرمس في الفلسفة المعاصرة :

    لا أعرف أن احدا كتب مقالا فلسفيا متخصصا ، قيم فيه التجديدات الفلسفية التي انجزها هابرمس في ميادين : الانطولوجيا ، الابستمولوجيا والاكسيولوجيا ، تقويما فلسفيا خالصا .  ولم يظهر ، حسب معرفتي  مقالا واحدا ، على الاقل في اللغة الانكليزية  يناقش فيه مكانة هابرمس في تاريخ علم المنطق ، وكيف يقيم هابرمس التجديدات المنطقية التي انجزها المناطقة الالمان في العصر الحديث على الاقل ، بدأ بلايبنتز وفريجه ، ورودلوف كارناب …. وكذلك لم اقرأ مقالا واحدا ، يقيم فيه مكانة هابرمس في تاريخ فلسفات العلوم او تاريخ الفلسفة على وجه العموم .

   واذا ذهبت مع القارئ الى كتابات هابرمس ، وذلك سعيا الى  معرفة المتخفي من ارث فلسفي مطمور تحت العمارة الفكرية التي بناها ، وهي عمارة فكرية اجتماعية نفسية سياسية ، ولكنها بالطبع ليست عمارة فلسفية .  فاني اجده  قد انطلق من ارضية فلسفية  ، وهويشيد بناء عمارته الفكرية او الادق عمارته الثقافية . وهذا شئ مختلف عما  اذا كانت عمارة فلسفية ذات اسس وطوابق ، بنى ومنهج  …

   ولاحظت ان الاشكالية التي يعاني منها هابرمس وفكره في علم الاجتماع السياسي ، قد امتد الى الدراسات التي عنت بدائرة تفكيره . فمثلا وجدت كتابا اثناء بحثي عن مراجع لكتابة مقال عن ” مكانة هابرمس في الفلسفة المعاصرة ” بعنوان ” فلسفة هابرمس ” ، ومؤلفه هو الاستاذ أندرو أيدجر ، وفد نشر باللغة الانكليزية في العام 2005 ويتألف من 292 صفحة . وفرحت كثيرا . وتيقنت ان هذا الكتاب سيعينني في كتابة هذا المقال .

    ولكن تبدد الامل ، حين رحت أقرا الكتاب وأقلب صفحاته . فوجدت الكتاب يفحص النصوص الاساسية التي كتبها هابرمس ، وتحت عنوان فلسفة هابرمس . ولعل الفصل اليتيم الذي فيه مادة عامة نافعة هو الفصل الاول  ، وبعنوان ” الارث الماركسي ” ص ص 26 – 1 .  اما الكتاب ففيه كل شئ ما عدا الفلسفة . ان هذا الكتاب يضيف اشكالا أخرا الى قائمة الاشكالات الفلسفية التي لفت نصوص عالم الاجتماعي السياسي هابرمس . أنه فخ سقط فيه هذا المرجع عندما استخدم اصطلاح الفلسفة خارج حدود ه الاكاديمية والمهنية .

   نعود الى  كتابات واعمال هابرمس ، وذلك لمعرفة المتخفي من ارث فلسفي . و أول امر نقوم به ، هو ان نحاول ان ندقق بما تسميه الدراسات ” بالنظرية  ” ، والتي تؤكد على ان هابرمس قد بنى “اطارا شاملا للنظرية الاجتماعية ورسم الفلسفة من خلال عدد من التقاليد الثقافية ” . وسأحاول التركيز على الفلاسفة الذين أحتفل بهم هابرمس او الذين نشعر بان لهم اثارا على نصوصه ، وذلك من خلال عناوين كتبه والموضوعات التي اشتغل عليها  . ونحسب ان مكانة هابرمس في الفلسفة المعاصرة ، ستكون موضع اهتمامنا في مقال قادم والذي سيتناول الجوانب الاتية  :

أولا – حضور الفكر الفلسفي الالماني في مشروع هابرمس الاجتماعي السياسي .

وبالتحديد بيان أثر عمانؤيل كانط ، فردريك شيلينج ، هيجل  وأدموند هوسرل .

ثانيا – حضور الاطروحة الماركسية في مشروع هابرمس الثقافي .

خصوصا ( نظرية ماركس نفسه ) بالاضافة  الى النظرية الماركسية الجديدة النقدية لمدرسة فرانكفورت .

ثالثا – حضور الفلسفة اللغوية عند هابرمس : لودفيج فتنشتاين أنموذجا

رابعا – حضور البراجماتية الامريكية : تشارلز ساندز بيرس ، وجون ديوي

خامسا – حضور الكانتية الجديدة

سادسا – حضور الوجودية  : مارتن هيدجرأنموذجا

سابعا – رودلوف كارناب و” براجماطيقات التفاعل الاجتماعي ” .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12

الفيلسوفة الألمانية ” روزويث كاندرشيم “

الدكتور محمد جلوب الفرحان         الدكتورة نداء إبراهيم خليل 

تقديم :

  يشكلُ الأدب الفلسفي الذي كتبته الفيلسوفة الألمانية الأولى والكاهنة العلمانية ” روزويث أو هورسوثيا كاندرشيم ” ، في النصف الثاني من القرن العاشر ، أدباً فلسفياً لاتينياً إنسانياً متفرداً . ونحسب في تقنياته هو إمتداد للأدب المسرحي والروائي لجيل من الشعراء الرومان الملحميين الكبار من أمثال ” فيرجيل ” (70 – 19 ق.م) ، والشاعر ” هوراس ” (65 – 8 ق.م) ، والشاعر ” أُفيد ” (43 ق.م – 17م) ، والكاتب المسرحي ” بلاتيوس ” (حوالي 354 – 184 ق.م) ، والروائي الروماني (الليبي أو التونسي) ” ترنيس ”  (195 – 159 ق.م) الذي إستلهمت الفيلسوفة روزويث الكثير الكثير من مسرحياته الست الكثير ، وستكتب بدورها مثله ست مسرحيات .

   صحيح إنها عاشت في العصور الوسطى ، فقد ولدت عام 935 م  وتوفيت في عام 1002 حسب الرواية اتي نُرجحها ، إلا إن تفكيرها وأدبها المسرحي اللاتيني ، هو فكر إنساني (وبالطبع نسوي فمنستي) وأدب نهضوي ، وفعلاً فإنها وأدبها شكلا طرفاً مما يُعرف بالنهضة الأتونية . ولهذه السمات الثلاث التي طبعت أدبها الفلسفي ، وهي الإنسانية ، والفمنستية والنهضوية ، نحسب إنها كانت السبب في دفع واحد من الأكاديميين الإنسانيين النهضويين الألمان ، وهو ” كونرد سيلتس ” إلى التفتيش عن تراثها المسرحي والشعري وكتاباتها عن راعي النهضة الأوتونية ، وبعثه من جديد ، بعد محاولات تغييب وإغفال كبيرين إستمر لأكثر من خمسة قرون . 

  تُدلل أعمال الفيلسوفة روزويث الكاندرشيمية على إنها قرأت الفلسفة من مصادر رومانية لاتينية . خصوصاً أعمال الكتاب والشعراء الرومان ، من أمثال فيرجيل ، هوراس ، أُفيد ، بلاتيوس وترنيس (للإطلاع على الجوانب الفلسفية وخصوصاً المدارس الفلسفية ، أنظر المحاور الأتية : الفيلسوفة روزويث وحضور الفلسفة مع الشعر الروماني …) إضافة إلى إن كتاباتها المسرحية بينت بوضوح على حجم قراءاتها لعلم المنطق وخصوصاً في تركيب الحجج والرد على الأغاليط . إضافة إلى معالجاتها للقضايا الفلسفية الأخلاقية والجمالية .. وللإستشهاد نُعدد هنا أسماء هذه المسرحيات الست ، وهي بالتأكيد تحمل أسماء رومانية :

كاليكانيوس ، ديلستيوس ، كالماكيوس ، إبراهام ، بافنتيوس ، وسبينتيا

(روزويث : مسرحيات روزويث ، ترجمها من اللاتينية إلى الإنكليزية كريستوفر سانت جون ، مع مدخل كتبه الكاردينال كسكوت ، ومقدمة نقدية كتبها المترجم ، نشرة دار شاتو ووينديوس ، لندن 1923) .

  والواقع إن الأدب المسرحي الذي كتبته الفيلسوفة روزويث في القرن العاشر الميلادي ، فيه الكثير من الإمكانيات التي تحمل الباحث الأكاديمي على مقارنته بالأدب الفلسفي الوجودي المعاصر . فمثلاً  ” البير كامو ” (1913 – 1960) و ” جان بول سارتر” (1905 – 1980) قد شربا من المنابع المسرحية والروائية الرومانية ذاتها التي إرتشفت منها الفيلسوفة روزويث . والشاهد على ذلك مسرحية الذباب عند سارتر ، وإسطورة سيزيف عند كامو .

  وفعلاً فإن الأدب المسرحي للفيلسوفة روزويث ، حاله حال أدب كامو وسارتر ، فهي في مسرحياتها الست ، قد إستلهمت روح المسرح الروماني وأساطيره . ولكن شأنها شأن كامو وسارتر ، عالجت قضاياها النسوية (فقد دافعت عن النساء في مسرحياتها بصورة ملفتة للنظر) ، وشؤون عصرها والتحديات التي تواجهها بمنطق وجودي تغلب عليه الروح الإنسانية المغلفة بدثار عقيدي مسيحي ، والتي غالباً ماتقدم مزيجاً يتداخل فيه حدث الإسطورة الرومانية مع شهداء وشهيدات العقيدي المسيحي .. إن مسرحياتها الست ظهرت فيها روح متابعة للمسرحيات الست التي كتبها الشاعر المسرحي الروماني ” ترنيس ” بشكل ملفت للنظر وكما هي إعترفت بذلك .

  إن هذا البحث مساهمة فكرية تتدارس أوجه متنوعة لهذا الصوت النسوي القوي الذي ولد وعاش وعمل وكتب في القرن العاشر الميلادي ، والذي صعد بقوته إلى  الطوابق العليا والمتمثلة بالجمعية السياسية للإمبراطورية الرومانية المقدسة ، فكانت العضو النسوي الوحيد بين الأعضاء البقية من الرجال ، وتمكنت من إنتزاع سلطة لها على دير كاندرشيم ، وأسست لها محكمة خاصة ، وجيش خاص ، ووضع مالي متنامي مستقل هذا طرف . أما كتاباتها وهذا هو الطرف المهم في بحثنا ، فكانت أدب مسرحي حي ، تم عرضه في حياتها على خشبة المسرح في ديرها وفي أصقاع مختلفة من الإمبراطورية . وإن قصائدها الشعرية تحولت إلى تراتيل طقوسية تتقدم الصلاة أو تكون مسك الختام . واليوم نُجدد ربط الفيلسوفة روزويث بالحركة العلمانية من طرف ، ومن طرف أخر بالحركة الفمنستية ، وخصوصاً الألمانية منها ، فقد كانت رائدة الفكر الفلسفي الألماني بحق يومذاك . 

الفيلسوفة ” روزويث ” : رائدة الفكر الفلسفي الألماني

  يرى الأكاديميون الإنكليز ، وخصوصاً الفمنست منهم ، إلى إن الفيلسوفة ” روزويث ” كانت ذات نزعات إنسانية ، فقد تابعت موضوعات وشخصيات الأدب الشعري والملحمي المسرحي الروماني ، خصوصاً الروائي الروماني ” ترنيس ”  والذي كتب ستة مسرحيات حاله حال روزويث . ونحسب هذا كان سبباً في دفع الأكاديمي النهضوي الإنساني ” كونرد سيلتس ” إلى البحث عن تراثها بعد غياب طويل ، وقام بنشرها عام 1494 بعد عثوره عليه مطموراً في زوايا مكتبة مغمورة . ولعل قيامه بتنقيحها دلالة على تأهيلها مع النزعة الإنسانية المتصاعدة هذا طرف . والطرف الثاني إن كتابات روزويث لا تحتاج إلى أي تأهيل ، فهي بجوهرها إنسانية ، وذلك لأنها إستبطنت العديد من الموضوعات والشخصيات من الأدب الروماني المستبطن للكثير الكثير من الأدب اليوناني وأعادت كتابته ليتناسب وظروف العصر وأذواق المشاهد الروماني .   

  لقد عاشت الفيلسوفة والشاعرة الملحمية وكاتبة المسرح ” روزويث الكاندرشيمية ” وكتبت مؤلفاتها ومسرحياتها ، وقصائدها الشعرية الملحمية في العصور الوسطى ، وبالتحديد في القرن العاشر الميلادي منها ، وهي بالإضافة إلى كل ذلك كانت كاهنة علمانية ، وعلى هذا الأساس يطلق عليها لقب ” الصوت السكسوني النسوي القوي ” (أنظر : شارلز جونز ؛ أدب العصر الوسيط المترجم ، نشرة مطبعة دوفر ، نيويورك 2001 / ص 210) . ووفقاً للموسوعة الكاثوليكية ، فقد كانت تُعرف بإسم ” عندليب كاندرشيم ” وجاءت من إصول إرستقراطية (أنظر : الموسوعة الكاثوليكية / مادة ” روزويث ” كتبها كيفن نايت 2009 (أون لاين) . 

    وهي على هذا الأساس أول كاتبة ألمانية بالمعنى الأدبي الدقيق . إضافة إلى ذلك فهي الفيلسوفة الوحيدة من بين الفلاسفة ، التي كان يُطلق عليها إصطلاح ” عشيقة أو مُحبة الحكمة ” . مع الإنتباه إلى إن في عصرها كان هناك القليل القليل من الأوربيين من إنخرط في الحياة الفكرية أو العقلية . وكان يومها الرجل وثقافته هما المهيمان على كل شؤون الحياة والتفكير ، وكانت الثقافة الماسوجينية هي التي تحكم الذهنيات ، وتحددُ وتُغذي المواقف المعادية للمرأة وعملها .. وخصوصاً نتاجها الفكري . ولكنها رغم ذلك الحال فإنها عملت بجد وكتبت قصائدها الشعرية الرائعة والتي تحولت إلى برامج قراءة يومية من قبل الراهبات في الدير الذي تُديره في كاندرشيم ، وكانت شاهد يومي على تراتيل قصائدها التي غالباً ما تتقدم تراتيل الإنجيل أو تأتي مسك الختام .

رئيسة الدير روزوث : المكانة التاريخية والسياسية لكاندرشيم

  أسس بيعة أو دير كاندرشيم ” الدوق ليودولف ” وزوجته ” أودا ” وأمها في العام 850 م ، أي قبل ولادة الفيلسوفة ورئيسة الدير روزوث بخمس وثمانين عاماً . ونحسب من النافع أن نشير إلى إن روزويث كانت تعيش في القرن العاشر الميلادي الذي يسمى بالمرحلة المتوسطة من  ” العصور المظلمة ” . ولكن ألمانيا يومها أصبحت بلد التنوير والتعليم (أنظر آن هايت ؛ روزويث : حياتها ، عصرها وأعمالها ، ص 4) . وفعلاً فقد كانت البيعات والأديرة المسيحية مراكز ثقافية وتعليمية . والحقيقة إن الدوق ليودولف قد أسس العديد من البيعات ، ولكن بيعة كاندرشيم قد بزتها ، وشاعت مكانتها في الأوساط الألمانية . وفعلاً تحولت إلى أهم مركز سياسي وثقافي في ألمانيا هذا فيما يخص جانباً من الطرف التاريخي لتأسيس دير كاندرشيم (المصدر السابق) .

  أما الطرف التنظيمي والإداري للدير ، فيمكن ملاحظته من خلال عملية إختيار ” رئيسة الدير ” . فقد جرت التقاليد يومذاك على أن تكون واحدة من سيدات ” البيت الملكي السكسوني ” (والسكسون في الأصل مجموعة قبائل جرمانية سيطرت وإستقرت في المناطق الشمالية الغربية من ألمانيا ..أنظر : جيمس بوليك و هومر توماس ؛ ألمانيا : القوة والسقوط ، نيويورك 1952)) . مع ملاحظة إن البيت السكسوني قذ إلتزم بشدة بقواعد النظام الديني ” البنديكتاني “ * سياسة تحكم حياة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كتبت قواعد النظام البنديكتاني ما بين 520 و 530 من قبل القديس ” بنديكت الناسري (480 – 543م وكان يومها يعيش في دير في الصحراء المصرية) ، وهي قواعد حياة معتدلة لرجال الرهبنة ، وركزت إسلوباً لحياة الرجال الأتقياء ، منها مثلاً عدم قبول ” هدية عامة ” . وفي القرن السابع الميلادي تبنى النظام البنديكتاني مجتمعات النساء . وأصبح النظام بحدود 1500 م النموذج السائد في حياة الأيرة المسيحية) (أنظر : كريستوفر ديرك ؛ قواعد السلام : القديس بنديكت ومستقبل أوربا ، نشرة دار مطبوعات القديس بانديكت 2002) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الدير اليومية . وفي هذا الحال لم تتوافر درجة واحدة من التسامح مع العلمانيين للتدخل في الحياة الدينية للدير . وعلى هذا الأساس ظل دير كاندرشيم مركزاً روحياً ، إضافة إلى إنه كان واحداً من أهم المراكز السياسية والثقافية في ألمانيا .

  في ضوء قواعد النظام الديني البنديكتاني التي تحكم دير كاندرشيم ، لم تتوافر لرئيسة الدير حرية كاملة في السيطرة على مقدرات وحياة الدير يومذاك . ولكن عندما تولت الفيلسوفة روزويث رئاسة الدير للفترة ما بين (959 – 1001) (أنظر : الموسوعة الكاثوليكية / المصدر السابق) ، فإنها هي الوحيدة التي تمكنت من السيطرة التامة على الدير ، وذلك بعد إن تنامت مكانتها السياسية ، والتي تتوجت بحصولها عى مقعد في الجمعية العليا للإمبراطورية الرومانية المقدسة . فأقامت لها محكمة قانونية خاصة ، وجيش خاص ، ووضع مالي خاص . وكان حال دير كاندرشيم حال مختلف الأديرة في أوربا ، التي إنتزعت لها سلطة كبيرة دنيوياً وروحياً .

روزويث : حياتها وأعمالها

  تناولت الأكاديمية ” آن لايون هايت ” في كتابها الصادر بالإنكليزية حياة وأعمال الفيلسوفة روزويث ، وقدمت لنا كشفاً موسعاً بالدراسات التي بحثت في حياتها ومؤلفاتها ونشاطاتها الإدارية والفكرية ، وكان الكتاب بعنوان ” روزويث : حياتها ، عصرها وأعمالها ” مع ببلوغرافيا شاملة . وتقول الكاتبة آن :

بإنصاف إن تاريخ ميلاد الفيلسوفة روزويث معروف لدينا باليقين . ولكننا في الوقت ذاته لا نمتلك شيئاً عن سنوات حياتها الأولى . إذ ليس هناك سجلاً يتوافر ، يُحدد لنا تاريخ دخولها إلى دير البنديكتاني في كاندرشيم . ويبدو إنه منذ إن بدأ الدير يستلم مساعدات مالية لتغطية نفقاته من العوائل النبيلة ، بدأت روزويث تعليمها في البيت ، ومن ثم في الدير  ، وهو المكان الذي رُسمت فيه كاهنة ، وليست راهبة دير (آن لايون هايت ؛ روزويث الكاندرشيمية : حياتها ، عصرها ، أعمالها / نشرة نادي روزويث ، نيويورك 1965 ، ص 11)* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الحقيقة إن كتاب ” روزويث الكاندرشيمية أمامي ، وهو ليس بتأليف آن لايون هايت وحدها ، وإنما هو عمل جماعي على الرغم من حجمه الأقل من الوسط ، وهو مجموعة أبحاث نسوية ، وكانت آن هايت المشرفة عليه ، وكتبت البحث الأول والذي كان بعنوان ” روزويث الكاندرشيمية : حياتها ، عصرها ، وأعمالها ” (ص ص 3 – 34) . وجاء البحث الثاني الذي كتبته مارجري دينا بارلو بعنوان ” إنجازات روزويث المسرحية ” (ص ص 35 – 41) . وكان البحث الثالث بعنوان ” المخطوطات ” والذي كتبته ميتا هيرسن (ص ص 42 – 53) وعادت فكتبت البحث الرابع والذي جاء بعنوان ” المخطوطات الضائعة ” (ص ص 54 – 56) . في حين بدورها مارجري دينا بارلو كتبت البحثين اللاحقين ؛ فالخامس كان بعنوان ” النشرات المطبوعة  وتشمل الترجمات ” (ص ص 57 – 77) والسادس الذي حمل العنوان الأتي ” مراجع إلى روزويث وكتاباتها ” (ص ص 78 – 118) والكتاب ضم فهرس تفصيلي  . والكتاب تألف من 129 صفحة .        

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وهناك فارق بين حقوق وعمل الكاهنة والراهبة ، فالأولى تؤدي اليمين للحفاظ على عفافها وأن تكون مُطيعة ، ولكنها حُرة في الملكية . وهذا الوضع وفر للفيلسوفة روزويث الإرادة القوية في قيادة الدير ، وفي تنمية شخصيتها إدارياً وسياسياً وفكرياً فكان سبباً في تفردها في العصر الذي عاشت وعملت فيه (أنظر : آن هايت ؛ المصدر السابق ، ص 11) . .

  وفعلاً فإن هذا الحال سمح للفيلسوفة روزويث ” بإستقبال الضيوف ، والخروج والعودة إلى الدير بموافقة ، ولها الحرية في حيازة الكتب ، والملكية الخاصة ، وأن يكون لها خدم ، وأن تعيش الحياة الدينية داخل الدير ، وتُشارك في جميع التراتيل اليومية ” (المصدر السابق) في المكان المقدس المخصص للصلاة (أنظر للتفصيل : تايلر مارشل ؛ اليهودية وإصول المسيحية الكاثوليكية ، نشرة مطبعة القديس جون 2009 ، ص ص 133 – 135) .

  ويبدو إنها كانت في بداية شبابها عندما دخلت إلى بيعة كاندرشيم ، وذلك لزهدها ، وحبها إلى متابعة التعليم . وكانت تتمتع بذكاء عال ، ومتعطشة دائماً إلى علوم الحكمة والتشريع . وكانت ” ركرايدس ” هي أول معلمة تلقت تعليمها تحت إشرافها ، ومن ثم حظيت برعاية وتوجيه من قبل الأميرة  ” كيربرج ” وهي يومها كانت رئيسة دير كاندرشيم (أنظر : الموسوعة الكاثوليكية / مصدر سابق) . 

  وحسب الكاتبة آن هايت ، فإن الفيلسوفة روزويث كانت مسرورة جداً بالتعليم المتميز الذي حصلت عليه ، والقراءات الواسعة التي أنجزتها خصوصاً في كلاسيكيات الأدب اللاتيني ، وإطلاعها على أهم مؤلفات الكتاب المسيحيين . وكانت رئيسة الدير في فترة ما بعد دخول روزويث في دير كاندرشيم ، الأميرة ” كبريرج ” أو ” كبريرجا ” (آن هايت ؛ روزويث : حياتها .. مصدر سابق ، ص 8 ) ، وهي بنت الملك الألماني ” هنري الأول الفولر ” (876 – 936) وهي أخت الإمبراطور الروماني ” أوتو الأول ” (912 – 973م) وهناك من يعتقد إنها بنت أخت (أو أخ) أوتو (أنظر : كاثرين ويلسون ؛ كاتبات من العصر الوسيط ، نشرة مطبعة جامعة مانشستر 1984 ، ص 31) والذي بدأ نجمه السياسي يسطعُ في عام 936 ، وبعد حروب وتحالفات مع البابا ، تولى حكم الإمبراطورية الرومانية المقدسسة للفترة (962 – 973) (أنظر : جون كالكر ؛ الكنيسة والدولة في ألمانيا خلال حكم أوتو العظيم (936 – 973) ، نشرة مطبعة 1938) .

  وكانت رئيسة الدير ” كبريرج ” ملتزمة جداً بالتقاليد الأكاديمية للنظام البنديكتاني ، والتي تجسدت في أنها لم تكتفي بتشجيع روزويث الكاندرشيمية على الدارسة ، وإنما كانت بنفسها مشرفة على دراسات روزويث . وكبريج هي التي قدمت لها الكتاب الرومان (ومن خلالهم مر الكثير الكثير من التراث الفلسفي اليوناني ، إذ من المعروف إن الشعر الملحمي والمسرحي الروماني قد تابع الشعر الملحمي والمسرحي اليوناني .. ) ، فقرأت روزويث الشعر الروماني الكلاسيكي لكل من الشاعر الملحمي الروماني ” فيرجيل ” ، والشاعر الروماني ” هوراس ” ، والشاعر الروماني ” أُفيد ”   ، والكاتب المسرحي الروماني ” بلاتيوس ”  ، والروائي الروماني ” ترنيس ”   (للتفاصيل ، أنظر المحور القادم والمعنون ” الفيلسوفة روزويث وحضور الفلسفة مع الشعر الروماني”) .

  والحقيقة إن الفيلسوفة روزويث كتبت عن معلمتها كيربرج ، وخلدتها في نصوص عدة . واليوم يتوافر لدينا نص رسالة بعثت بها الأخيرة إلى الأميرة ” كبريرج ” ، تعبر فيها عن إعجابها وإمتنانها الكبير لرئيسة الدير ، وهي بعنوان ” إلى كبريرج “ ، تقول فيها :

عالية المقام رئيسة الدير

إحترام ليس هو بأقل من رعايتكم

وأمانة ليست هي بأقل من مقامكم الملكي المتميز ، وأصلكم النبيل

روزويث الكاندرشيمية ، هي ليست الأخيرة من اللائي قاتلن تحت قواعد رايتكم

وتتطلع برغبة لا حدود لها ، أن تجسد ذلك في صورة خادمة تنحني أمام حضرة سيدتها

آه سيدتي ، إن شروقكم هو جواهر متنوعة من الحكمة الروحية ، إن عاطفتكم الإمومية لم تدعني أن أتردد في قراءة ، كما أنت تعرفين ، ما هو مكتوب من توجيهاتكم !

إنه أنت التي منحتني شرف كتابة حوليات أعمال الإمبراطور ، وإنت تعرفين بأن جمعها سوية من بين الشائعات عمل محال .

فهل تتصورين حجم الصعوبات التي واجهتني ، وواحد منها جهلي ، والذي سد طريقي أثناء العمل …

  ومن ثم تتابع ، فتقول :

إن الصعوبات كانت كبيرة ، وأنا أفتش عن طريقي في غابة هذه الإنجازات الملكية …

وتختتمها قائلة :

وعلى إية حال ، فأنا أترك القرار لكم ولصديقكم رئيس الأساقفة وليم ، الذي أحسب إنك تعتقدين إنه مناسب ليحدد السطور التي تحتاج إلى التعديل (روزويث ؛ مسرحيات روزويث ، ترجمة كريستوفر سانت جون ، مع مدخل كتبه الكاردينال كسكوت ، ومقدمة نقدية كتبها المترجم ، نشرة مطبعة شاتو و ويندوز ، لندن 1923) .

   ومن التقاليد التي كانت متداولة في عصر الفيلسوفة روزويث ، هو إن أعمال ومسرحيات روزويث كانت تُكتب تنفيذاً لطلب صدر إليها من رئيسة الدير الأميرة ” كبريرج ” ، والتي كانت على إتصال دائم بالحاشية ، وهي التي سألت روزويث إن تكتب قصيدة ملحمية – بطولية ، تُشرفُ فيها الإمبراطور ” أوتو الأول ” .

   وفعلاً إن الكاهنة – الفيلسوفة إستجابت لسؤال رئيسة الدير ، وكتبت إضافة إلى القصيدة ، تاريخ دير كاندرشيم ، وسلسلة من المسرحيات ، وعدد من القصائد . وكما دللت كتابات روزويث ، فإنها كانت شاهد على تحول كتاباتها إلى جزء من نشاطاتها وإلتزاماتها الدينية (أنظر : المصدر السابق / المدخل الذي كتبه الكاردينال كسكوت) .

الفيلسوفة روزويث وحضور الفلسفة مع الشعر الروماني

    ذكرنا أعلاه إن معلمة الفيلسوفة روزويث ، الأميرة كبريج هي التي قدمت لها الكتاب الرومان (ومن خلالهم مر الكثير الكثير من التراث الفلسفي اليوناني ، إذ من المعروف إن الشعر الملحمي والمسرحي الروماني قد تابع الشعر الملحمي والمسرحي اليوناني .. ) ، فقرأت روزويث الشعر الروماني الكلاسيكي ولكل من الشاعر الملحمي الروماني ” فيرجيل ” ، والشاعر الروماني ” هوراس ” ، والشاعر الروماني ” أُفيد ” ، والكاتب المسرحي الروماني ” بلاتيوس ” ، والروائي الروماني ” ترنيس ” . وهنا نقوم بعملية حفر خلف السير الذاتية لهؤلاء الشعراء والكتاب ، لنقدم للقارئ العربي الفلسفات التي درسها هؤلاء الشعراء والكتاب ، أو إطلعوا عليها ، وحملتها كتاباتهم الشعرية إلى الفيلسوفة روزويث .

  أولاً نبدأ بالشاعر الملحمي ” فيرجيل ” ، والتي تكشف سيرته الذاتية عن مؤشرات فلسفية حملها تراثه الشعري إلى الفيلسوفة ” روزويث ” . فمثلاً رحل في طلب العلم إلى كريمونا ، وميلان ، ومن ثم روما . ودرس الخطابة ، والطب وعلم الفلك ، وتخلى عن كل ذلك لصالح الفلسفة . وفعلاً فقد درس الفلسفة في المدرسة الأبيقورية ، وعلى يد الفيلسوف الأبيقوري ” سيرو ” (إزدهر عام 50 ق.م) والذي عاش في نابولي . وإن من أهم ملاحم فيرجيل الشعرية ، هي الأنياذ التي كتبها باللاتينية وهي لغة الفيلسوفة روزويث ، وفي الإنياذ إستبطان للألياذ التي كتبها الشاعر الملحمي اليوناني ” هوميروس ” (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) (أنظر : جين زايلوكوسكي وآخرون ؛ التقليد الفيرجيلي : الألف وخمسمائة سنة الأولى ، دار الفردوس الجديدة ، مطبعة جامعة ييل 2008) .

   في حين يبدو إن الشاعر هوراس قد حمل في شعره الغنائي الكثير من أثار الفلسفة التي تعلمها في روما أولاً ، وفي أثينا ثانياً وذلك من خلال إنخراطه في الأكاديمية (التي أسسسها إفلاطون) . صحيح إن الشاعر هوراس ولد في فينوسا التي تقع في الجنوب الشرقي من إيطاليا ، ويومها كانت المنطقة تموج بثقافات يونانية ومن ثم لاتينية . وصحيح إن والده لعب دوراً في تعليمه ، فرحل معه إلى روما لإكمال تعاليمه هناك . وهوراس لم ينسى فضله فقد خصه بقصيدة من قصائده (أنظر : د . هولي ؛ النسيج المحبوك : بنية القصيدة ، نشرة آن أبور 1997 ، ص 29) . وبعد وفاة والده رحل إلى إثينا ، وكان عمره تسعة عشر ربيعاً ، وسجل في الأكاديمية . والواقع إن الأكاديمية يومذاك ليست بحالها أيام إفلاطون ، فقد كانت واقعة تحت تأثير المدرستين الفلسفيتين الأبيقورية والرواقية . ولهذا نلحظ إن نظرياتهما وتطبيقاتها العملية قد تركت أثاراً عميقة على شخصية الشاب القادم من فينوسا هذا طرف (وهنا أقول إن هوراس حمل الرواقية خصوصاً (لأن في الأبيقورية ما يتعارض وروح المسيحية) إلى الفيلسوفة روزويث ومعروف إن الرواقية قد تعايشت مبكراً مع امسيحية خصوصاً إذا تذكرنا بأن بعض رُسل المسيحية الأوائل كانوا رواقيون) . وإن الطرف الثاني إن هورارس إنضم إلى نُخبة من الشباب الروماني من أمثال ” ماركوس ” وهو إبن الفيلسوف الروماني والخطيب ” شيشرون ” (106 – 43 ق.م) (أنظر : أر . تارنت ؛ الإستقبال القديم للشاعر هوراس ، منشور في كتاب بعنوان ” صحبة كيمبريدج مع الشاعر هوراس ” نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2007 ، ص 282) . وبالتأكيد قد قرأ الشاعر هوراس شيشرون أو تعرف على أفكاره من خلال ولده ماركوس أو عن طريق أفراد النُخبة ، ومن خلاله عبرت فلسفة شيشرون المعجونة بأفكار إفلاطون وتقويمه لنطريته في المثل إلى الفيلسوفة روزويث .

   ومن أهم أعمال الشاعر هوراس : ثلاثة كتب ضمت شعره الهجائي ، وأربعة كتب إحتوت على قصائده الغنائية المعنونة ” بالأودز ” ، وكتابه الشهير الذي جاء بعنوان ” فن الشعر ” أو بعنوان أخر ” حول طبيعة الشعر ” (أنظر : أر . سيامي ؛ إرستقراطية أوغسطس ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1986 ، ص 379 وما بعد) والذي يُذكرنا بكتاب الفيلسوف اليوناني أرسطو (384 – 322 ق.م) وتحت العنوان ذاته أي  ” فن الشعر ” والذي كتبه قبل هوراس بحوالي ثلاثة قرون ونصف . وربما هذا الكتاب الذي كتبه الشاعر هوراس قد ترك أثاراً عميقة على الفيلسوفة ” روزويث ” كما نحسب .

  ولما كانت الفيلسوفة روزويث تكتبت تراتيل دينية وعلمانية لدير كاندرشيم ، وذكرنا بأنها تحولت إلى طقس يومي ، تتبتل بها الرهبات قبل الصلاة وبعدها . فإننا نحسب إن الفيلسوفة كانت قارءة جيدة لواحد من أهم مؤلفات الشاعر هوراس ، والمعنون باللاتينية ” تراتيل علمانية ” أو كما ورد بعنوان أخر ، وهو ” أغاني العصور ” . ومعروف في عصر هوراس ، قد أمر الإمبراطور الروماني ” أوغسطس ” بترتيلها بالإحتفالات العلمانية (أنظر : هوراس ؛ الأبدوز والتراتيل العلمانية ، ترجمة أي . أس . كلاين / والنص موجود أون لاين) .

الفيلسوفة روزويث والشاعر الروماني ” أُفيد “    

  كما أشرفت الأميرة كيربريج على الفيلسوفة روزويث ، حين قرأت الشاعر الروماني ” أُفيد ” . والسؤال : من هو الشاعر أوفيد ؟ وماذا حمل معه للفيلسوفة روزويث من بضاعة ثقافية وخصوصاً الفلسفية منها ؟ صحيح إن الشاعر أوفيد كتب سيرته الذاتية في قصائده الشعرية ، فهي سجل تاريخي مهم . إلا إننا وجدنا إن والد الفيلسوف الرواقي ” سنيكا ” (4 ق.م – 65م) والذي يطلق عليه ” سنيكا الأكبر ” (54 – 39م) كان معاصراً له وشاهداً حياً على أطراف من حياته وكتب عنها (رغم إن سنيكا الأكبر كان أكبر من الشاعر أوفيد بحوالي 12 سنة ومات بعده بأكثر من عشرين سنة) . وبالمناسبة إن الفيلسوف الرواقي سنيكا ووالده جاءوا من قرطبة الأسبانية (وفيما بعد قرطبة الأندلس والعرب ومسقط ولادة فيلسوف العرب الكبير والأنسانية ” إبن رشد ” ومسقط رأس تلميذه بالقراءة الفيلسوف العبري ” إبن ميمون “) . وعندما مات الشاعر الروماني أُفيد كان عمر الفيلسوف الرواقي سنيكا الإبن إثنتي وعشرين ربيعاً (للإطلاع على حياة الفيلسوف الرواقي سنيكا ، أنظر : ريتشارد موت كومير ؛ الفيلسوف سنيكا ورسالته الجديدة ، نشرة شركة مارشل جونز 1922 ، والكتاب متوسط (150 صفحة)) .  

   على كل ولد الشاعر الروماني أفيد في سلمونا في وادي جبال الأبينيني الواقع شرق مدينة روما . وجاء من عائلة الفرسان المحترمة يومذاك ، وكانت ولادته في 20 أذار عام 43 ق.م . وبدأ تعليمه حسب رواية ” سنيكا الأكبر ” بدروس في الخطابة في روما . وعلى يد إثنين من أشهر معلمي الخطابة في ذلك العصر ؛ الأول هو ” أورليوس فوسكوس ” . والثاني هو ” بورشيوس لاترو ” (توفي في 4 ق.م) . وكان والد الشاعر أُفيد يتطلع في دراسة ولده للخطابة ، أن تكون طريقاً للتخصص في القانون . وفعلاً عمل ولده على تحقيق رغبته . ولكن بعد موت أخيه الذي لم يتجاوز العشرين ربيعاً ، حمله على التوقف من دراسة القانون ، وفضل الترحال والسفر ، فزار أثينا ، وأسيا الصغرى (تركيا الحالية) وصقلية (سيسلي الإيطالية ) ، وهي مواطن للعديد من مدارس الفلسفة والخطابة يومذاك هذا طرف (أنظر : سيمون هورنبلور وإنتوني سبافورث ؛ معجم أكسفورد للكلاسيكيات ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1999 ، ص 1084 وما بعد) .

 والطرف الثاني إن المواد التعليمية لبناء شخصية الخطيب والشاعر يومذاك ، كانت تضم كتاب الخطابة  (أنظر : جورج كندي ؛ أرسطو في الخطابة : نظرية الخطاب المدني ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك 1991) وكتاب فن الشعر لأرسطو ، إضافة إلى كتب الجدل والخطابة لمدارس فلسفية سفسطائية متنوعة . وقارئ تاريخ التعليم في المرحلتين الهيلينية والهيلينستية يلحظ بوضوح إن كتابي الخطابة وفن الشعر لأرسطو تحولا إلى نصوص مدرسية . وهذا يحملنا على القول إن دروس ومحاضرات الأستاذين أورليوس فوسكوس ، وبورشيوس لارتو للتلميذ أوفيد يومذاك ، قد شملت الكتب المذكورة أعلاه وذلك لأنها نصوص كلاسيكية في التعليم والتدريب . ومن المعروف إن كتاب فن الشعر لأرسطو مثلاً قد حمل فلسفته ومنهجه المنطقي المبثوث في كتبه المنطقية العشرة (أنظر : أف . أل . لوكس ؛ الدراما وعلاقتها بكتاب فن الشعر لأرسطو ، نشرة دار هوكراث ، لندن 1957) . ويبدو من خلال أُفيد عبرت فلسفة أرسطو وثقافته المنطقية إلى دائرة تفكير الفيلسوفة روزويث (أنظر المحور اللاحق والمعنون ” أعمال روزويث من زاوية فلسفية “) .

  وبعد رحلات الشاعر أوفيد حصل على وظيفة عامة ، وأخذ يتنقل من وظيفة إلى أخرى . وأخيراً قرر الإستقالة من الوظيفة العامة والتفرغ على كتابة الشعر . ويُرجح الباحثون الإكاديميون وبالإعتماد على رواية سينيكا الكبير ، إن ذلك كان ما بين 29 – 25 ق.م . والواقع إن هذا القرار لم يلق إرتياحاً وقبولاً من والد الشاعر أُفيد . ويحسب الباحثون إن أول قراءة شعرية قام بها الشاعر كانت عام 25 ق.م ، وكان عمره ثمانية عشر ربيعاً ، ويومها كان عضواً في حلقة المؤلف ، ونصير الأداب والفنون والقائد الروماني ” ماركوز كورفينس ” (64 – 8 ق.م) . كما وكانت له صداقة مع شعراء في حلقة ” المسينر ” (70 – 8 ق.م) الذي خدم وزيراً للثقافة في حكومة الإمبراطور الروماني أوغسطس . وكان صديقاً لكل من الشاعر اللاتيني ” بروبرثيوس ” (50 – 15 ق.م) الذي توفي مبكراً ، وهو شاعر عصر الإمبراطور أوغسطس والشاعر هوراس .

  وكانت سمعة الشاعر أُفيد وإسمه متداولان في الأوساط الثقافية ، وقت قيامه بنشر أعماله المبكرة . وبعد فترة قصيرة تعرض للإبعاد والنفي من قبل الإمبراطور أوغسطس ، وحدث ذلك بالتحديد في العام 8 ق.م (أنظر : ج . أم . كلاسين ؛ الخطأ ورب البيت الإمبراطوري : الإله الغاضب وقدر أُفيد المنفي / الجمعية الكلاسيكية في جنوب أفريقا ، العدد (30) لسنة 1987 ، ص ص 31 وما بعد) . ومن إعماله الشعرية التي نُرجح إن الفيلسوفة روزويث قد قراءتها تحت إشراف الأميرة كيربرج كلها أو بعضها ، الأعمال الأتية : النساء البطلات ، الأحباب ، المعالجة الجمالية لوجوه النساء ، فن الحب ، علاج لصالح الحب ، التحولات (قدم الشاعر أُفيد في الكتاب الأخير وهو الخامس عشر من التحولات ، محاضرة فلسفية للفيلسوف اليوناني ” فيثاغوراس ” (570 – 495 ق.م)) ، الإحتفالات ، اللعنات ، الأحزان ، رسائل من البحر الأسود (أي رسائل من المنفى) . وهناك أعمال ضائعة وأخرى يدور حول نسبتها للشاعر أُفيد الجدل والشك (أنظر : ج . كونت ؛ الأدب اللاتيني ، ترجمة ج . سولدو ، بلاتيمور 1994) . ونحسب إن قصيدة التحولات قد لاقت إهتماماً كبيراً من قبل الفيلسوفة روزويث وبالتحديد الكتاب الخامس عشر ، وخصوصاً مقدمته التي عرضت محاضرة الفيلسوف فيثاغوراس .

الفيلسوفة روزويث والكاتب الروماني ” بلاتيوس “

   كما وأوصت الأميرة كيربرج الفيلسوفة روزويث بقراءة الكاتب المسرحي الروماني ” بلاتيوس ” والذي كتب باللاتينية حاله حال الفيلسوفة روزويث . والسؤال : ما هي أهم المؤشرات عن حياة الكاتب المسرحي ” بلاتيوس ” ؟ وما هي أهم أعماله ؟ وماذا قدمت للفيلسوفة روزويث ؟ في الحقيقة لا تتوافر الكثير من المعلومات عن السنوات المبكرة من حياة الكاتب المسرحي الروماني ” تيتيوس ماكيوس بلاتيوس ” . ولكن يُرجح الباحثون في إنه ولد حوالي عام 254 ق.م في سارسينا ، وهي مدينة صغيرة في منطقة إمبريا الإيطالية (أنظر : موجز صحبة أكسفورد إلى الأدب الكلاسيكي (مجموعة أبحاث بإشراف أم . س . هاوتسن وآن شيلفرز ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1996) .

  ويرى الباحث الأكاديمي ” أم . ماربلس ” إلى أن بلاتيوس كان في بداية حياته المهنية نجاراً مسرحياً (أو عامل تبديل المشاهد المسرحية) (أنظر : أم ماربلس ؛ بلاتيوس / اليونان وروما 1938 السنة الثامنة / العدد 22 ، ص1) . وهذ القرب من المسرح ، حبب لبلاتيوس حب العمل المسرحي ، فبدأ بتطوير مهاراته في الكتابة المسرحية ، إضافة إلى إنه يمتلك مواصفات الممثل المسرحي الناجح . وفعلاً سرعان ما تم إكتشافه . ومن ثم تبنى الإسم ” ماكيوس ” ويعني البهلوان ، ومن ثم تبنى الإسم ” بلاتيوس ” والذي يعني صاحب الأقدام المسطحة أو الأذان المسطحة (أنظر : أس . أوبرايهم ؛ الكوميديا اليونانية والرومانية ، نشرة مطبعة جامعة تكساس 2001 ، ص 149) .

  ويشير كتاب سيرة الكاتب المسرحي الروماني ” بلاتيوس ” إلى إنه بعد مغامرة فاشلة في إدارة أعمال خاصة ، والتي خسر فيها أمواله ، تحول إلى عامل يومي ، ومن ثم خلال أوقات فراغه أخذ بدراسة الكوميديا اليونانية ، وخصوصاً الكوميديا الجديدة التي كتبها ” ميناندر ” (342 – 291) (أنظر للإطلاع على أعمال الكاتب المسرحي اليوناني ” ميناندر ” : ميناندر ؛ مسرحيات وشذرات ، ترجمة نورما ميلر ، نشرة دار بنجوين 1987) .

  لقد مكنت الدراسات المسرحية الكاتب المسرحي ” بلاتيوس ” من كتابة مسرحياته الخاصة ، والتي أنتجها خلال الفترة ما بين 205 و 184 ق.م . ويمكن القول إن مسرحيات بلاتيوس ، في جوهرها هي المسرحيات اليونانية وقد أعاد كتابتها  لصالح البيئة الثقافية الرومانية ، ولتتجاوب مع حاجات وأذواق المشاهد الروماني  . وعلى هذا الأساس حقق بلاتيوس نجاحات عالية وشهرة واسعة (أنظر : مجموعة باحثين ؛ مهنة وكتابات بلاتيوس في الدراما : تاريخها وأثرها في المدنية ، بإشراف ألفريد بيتس ، نشرة شركة النشر التاريخي ، لندن 1906 ، خصوصاً ص ص 159  وما بعد) .

  كتب بلاتيوس إثنتي وخمسين عملاً مسرحياً ، وضاع الكثير منها ، ولم يبقى سوى عشرين عملاً . ويبدو إن سبب ضياع بعض أعماله المسرحية ، خصوصاً فيما بعد وفاته ، هو إن الكثير من الشكوك قد أُثيرت حول مرامي بلاتيوس في تقديم الألهة على خشبة المسرح ، وحمل الشخصيات على التجديف والسخرية من الألهة .  وهكذا شاع عنه بأنه يشجع على عدم إحترام الألهة والأستهزاء منها . ولما أحست الدولة بخطورة المسرح في الحياة الإجتماعية والسياسية ، أخذت بالتدخل للسيطرة على الإنتاج المسرحي ، ووضع رقابة على ما يقدم للناس من ثقافة . وفعلاً فرضت الحظر على مسرحيات بلاتيوس ومنعت عرضها (أنظر : ه . أم . توليفر ؛ بلاتيوس ووضع الألهة في روما / المجلة الكلاسيكية 1952 ، ص ص 49 وما بعد) .

  ومن أهم مسرحياته الحية الخالدة ؛ مسرحية ” أمفتريون ” وهي نوعاً من الكوميديا التراجيدية ، والتي ظهرت بالإنكيزية في عدة ترجمات ، تقدمتها ترجمة ” هنري توماس رايلي ” (أنظر : بلاتيوس ؛ الكوميديات ، ترجمة رايلي ، نشرة دار بيل وأولاده 1912) . ومسرحية ” كاسينا ، ومسرحية ” بيرسا ” ، وهي كوميديا ، وترجمهما إلى الإنكليزية هنري توماس رايلي (أنظر : المصدر السابق) . ومسرحية ” موستالرايا ” وترجمها أي . أف . ولتنك (أنظر : بلاتيوس : الحبل ومسرحيات أخرى ، ترجمة ولتنك ، نشرة دار بنجوين 1964) .

 ومن المعروف إن كوميديا بلاتيوس مؤسسة على الكوميديا اليونانية ، وإن واحداً من مشاهير المسرح الكوميدي اليوناني ، هو ” أرسطوفان ” (446 – 386 ق.م)  وخصوصاً مسرحيته الشهيرة ” السُحب ” وهي مسرحية ساخرة من الفيلسوف اليوناني ” سقراط ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ أرسطوفان مؤرخاً للفلسفة اليونانية / سينشر قريباً على موقع الفيلسوف) . ونحسب إن بلاتيوس قد قرأها أو ربما إنتفع من أجواءها وتقنياتها في كتابة مسرحياته ، ومن خلال بلاتيوس ومسرحياته قد عبرت أشياء من محنة سقراط وفلسفته إلى دائرة ثقافة الفيلسوفة روزويث كاندرشيم .

الفيلسوفة روزويث والكاتب المسرحي الروماني ” ترنيس “

  أما الروائي الروماني ” ترنيس ” فله قصة ذات طعم خاص مع الفيلسوفة روزويث كاندرشيم  . فقد قرأت ماكتبه وفقاً لنصيحة معلمتها الأميرة كيربرج ، وربما أشرفت عليها أثناء دراسة نصوصه . والسؤال ؛ ماهي أهم المؤشرات الثقافية والفلسفية في سيرته الذاتية ؟ هو ” بوبليوس ترنيس أفر ” ، وكان كاتب مسرحي في جمهورية روما ، وهو في الحقيقة جاء من إصول أفريقية شمالية (من تونس وليبيا : قرطاج) وهو من قبيلة أفر من البربر . وجلبه إلى روما السنتور الروماني ” ترنتيوس لوكوس ” ، وبدأ بتعليمه ، وأثار إعجاب السنتور وذلك لما تمتع به من ذكاء وقابليات ، فقرر السنتور منحه الحرية الكاملة (أنظر : تيني فرانك ؛ حياة ترنيس / المجلة الأمريكية لفقه اللغة (الفيلولوجيا) / المجلد 54 ، العدد 3 سنة 1933 ، ص ص 269 وما بعد) . وترنيس حاله مثل حال المسرحي بلاتيوس تبنى النموذج اليوناني في كتاباته المسرحية . وهو في الحقيقة أكثر من مترجم ، ومسرحياته الست التي كتبها ظلت خالدة . وفعلاً فإن مسرحياته قدمت على خشبة المسرح للفترة مابين 170 و 160 ق.م . ويبدو إن ترنيس مات شاباً ، وربما مات في اليونان أو في طريقه إلى روما . وهناك من يرى إنه عندما كان في سن الخامسة والعشرين هجر روما ولم يعد إليها أبداً (المصدر السابق) .

  ويحسب الباحثون إن ترنيس له مكانة في تاريخ التأليف المسرحي والوظيفة التربوية للمسرح . ولعل من أهم مميزات عمله إنه قدم في مسرحياته الصورة الحقيقية للمجتمع اليوناني في القرن الثالث قبل الميلاد (أنظر : الموسوعة البريطانية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج / الطبعة الحادية عشر 1911 / المجلد 25 ، ص 639 – 641) . كما إن لغته المسرحية اللاتينية تتميز بعذوبتها وبساطتها . إضافة إلى إعتماد الفيلسوفة روزويث كتابات ترنيس موديلاً لكتاباتها المسرحية . فإن المصلح الديني ومؤسس البروتستانتية ، القس الألماني ” مارتن لوثر ” (1483 – 1546) كثيراً ما يقتبس منه ، وفوق ذلك أوصى بأن تشكل مسرحياته مواد المنهج التعليمي للأطفال في المدارس (أنظر : أعمال لوثر ، الطبعة الأمريكية أ المجلد 40 ، ص 317) .

  أما المسرحيات الست التي كتبها ترنيس ، فنشير إليها حسب تاريخ تأليفها : الأخوة (160 ق.م) ، فورمايو(161 ق.م) ، يونيكوس (161 ق.م) ، تعذيب الذات (163 ق.م) ، الحماة (165 ق.م) ، و إمرأة من إندروس (166 ق.م) (أنظر : تيني فرانك ؛ المصدر السابق) .                  

   تُذكرنا مسرحيات ترنيس بمسرحيات روزويث الست كذلك (أنظر : أليزابيث ألفيدا (إشراف) ؛ أدب النساء في العصر الوسيط ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1986 ، ص ص 114 – 124 ، 124 – 135) . وروزويث من جانبها قد كتبت باللاتينية ، وكانت أول من ألف دراما في الغرب اللاتيني . ومن النافع الإشارة إلى إن الفيلسوفة روزويث قد إعتمدت على مسرحيات ” ترنيس ” وإتخذت منها موديلاً في كتابة مسرحياتها مع التأكيد على إنها إستمدت معلوماتها من الأناجيل المبكرة التي كتبها عدد من المسيحيين الأوائل من أمثال إنجيل جيمس ، إنجيل توماس ، والإنجيل الأرامي .. وهكذا تبنت روزويث الإنموذج المسرحي الذي كتبه الوثني ترنيس ووضعته في إطار مسيحي بحيث تتوافر قراءته لكل مسيحي .

الفيلسوفة روزويث ومؤلفاتها جزء من النهضة الأتونية

   وكانت أعمال الفيلسوفة روزويث كاندرشيم جزء مما عُرف بالنهضة الأتونية (نسبة إلى سلالة الإمبراطور أوتو) . والنهضة الأتونية هي نهضة إقتصادية وفنية إنطلقت من قلب الجنوب الأوربي ، والنهضة الأوتونية إصطلاحاً تُطلق على ثقافة الحاشية الإمبراطورية في ألمانيا اللاتينية  . وبعض الأحيان يُطلق عليها إصطلاح ” نهضة القرن العاشر ، وبذلك تتسع فتشمل مناطقاً خارج ألمانيا ، وقد إستمرت حتى نهاية القرن الحادي عشر (أنظر : كينيث سيدويل ؛ قراءات في الثقافة اللاتينية في العصور الوسطى ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1995) .

   ومما يُلاحظ على هذه النهضة إنها رافقت عصر الثلاثة الأوائل من حكام الأمبراطورية الرومانية ، والذين كانوا من أصول سكسونية ، وهم على التوالي أوتو الأول والذي حكم خلال الفترة (936 – 973) وأتو الثاني (973 – 983) وأتو الثالث (983 – 1002) . وكانت النهضة الأتونية واحدة من نهضات العصور الوسطى ، والتي بدأت بعد زواج أوتو الأول عام 951 من ” أديلاد ” (931 – 999) ، وخلال ذلك وحد المملكات الإيطالية وألمانيا ، وقرب الغرب من البيزنطينيين . إضافة إلى إنه كان رجل طموح سياسي ويتطلع إلى إنجاز الوحدة السياسية للمسيحيين في العام 963 وهو عام تتويجه إمبراطوراً (المصدر السابق) .

  وشملت النهضة الأتونية الفن والعمارة ، بدأً بتجديد مدارس الكاتدرائيات ، ومن ثم نشر المخطوطات وبمساعدة نخبة من المثقفين ، وفعلاً تم إنشاء نواة لمراكز إستنساخ المخطوطات (أنظر : كريستوفر هاميل ؛ النسخ والنساخون ، نشرة مطبعة جامعة تورنتو 1992 ، ص 36)  . ولهذا الغرض تحولت الحاشية الإمبراطورية إلى مركز للحياة الدينية والروحية . والحقيقة إن نساء العائلة الملكية لعبن دوراً في النهضة الأتونية ، فقد أمسكن بقيادة شؤون الحياة الروحية والثقافية ، ومن مثال ذلك الأم المتعلمة للإمبراطور أوتو الأول ، وهي ” ماتلدا رينكلهيم ” (877 – 968) ، وأخت الأمبراطور ، الأميرة الراهبة ” كيربرج السكسونية ” (913 – 984) (أنظر : بريتين بوشارد : هؤلاء من دمي : تكوين العوائل النبيلة في العصور الوسطى ، نشرة مطبعة جامعة بنسلفانيا 2001) ، وزوجة الإمبراطور ” أديلاد ” (أنظر : شين كلسدورف ؛ الملكة والقداسة : حياة ماتلدا وأديلاد ، نشرة مطبعة الجامعة الكاثوليكية الأمريكية 2004)  .   

   وقام الإمبراطور أوتو الأول ، وبُعيد تتويجه إمبراطوراً في العام 963 بتجديدات شملت إصلاح الكنيسة ، وتكوين حلقات ثقافية وفنية عالية ، فكان الحاصل من ذلك شيوع ما يسمى بالفن الأتوني ، وإنجاز صور مقدسة لسلالة العائلة الإمبراطورية . وتكوين نواة ثقافية لتراث المرحلة الأتونية ، والتي ضمت الرسم وإستنساخ المخطوطات . كما وضع الأمبراطور نظام مالي لمساعدة الأديرة والبيع التي كانت مراكز تعليمية ودينية وسياسية ، والتي بدورها أنجزت الكثير من المخطوطات .

  ولعل من المفيد أن نشير إلى إن الفيلسوفة روزويث كاندرشيم قد شاركت في هذه النهضة ، وكتبت بقلمها تصف التغييرات التي حدثت في عصر الأمبراطور أوتو . كما وكتبت الكثير من من القصائد الشعرية والمسرحيات والتراتيل والمؤلفات وخصوصاً الكتابة عن حياة وحوليات الإمبراطور أوتو وبإشراف معلمتها الأميرة ” كيربريج ” (أنظر : أطراف لاحقة من هذا البحث) .

  كما بدأت تتبلور تباشير نظريات سياسية للنهضة الأتونية ، تدور حول ” وحدة المسيحيين ” ، وبذور رموز للسلطة السياسية ، تتمحور حول شخصية ” الإمبراطور الروماني المقدس ” ، وفكرة ” المدينة الأزلية ” ، وبدأت مثابرات لإنعاش فكرة ” روما المجيدة ” (أنظر : هارلي كاي كاليتين ؛ أوربا الغربية في قمة العصور الوسطى : نظرة من عام 900 وحتى 1300 (مجموعة محاضرات 2001) (أون لاين)) .

إكتشاف الفيلسوفة والكاتبة الألمانية روزويث

  ضيع علينا المؤرخون الفيلسوفة الألمانية ، وأول شاعرة عرفها التاريخ الألماني ، وتركوا للقدر دوراً في إهمالها ، ودفن مؤلفاتها ومسرحياتها وقصائدها المسكونة بمعالجات فلسفية عميقة في سراديب بيعات وأديرة مظلمة . إلا إن القدر كان أرحم منهم وظل أميناً على تراثها إلى أن جاءت لحظة الإكتشاف والإعلان عن ولادة الفيلسوفة روزويث من جديد ، وبدأ برنامج بعث تراثها لتتدارسه الأجيال .

   وفعلاً بعد قرون من الإهمال ، جاءت لحظة الإكتشاف ، وبالتحديد في عام 1494 أي بعد وفاتها بحدود الخمسة قرون ، فقد عثرالنهضوي الإنساني ” كونرد سيلتس ” (1459 – 1508) * ، وهو أول شاعر ألماني حاله مثل حال روزويث ، على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وهو باحث أكاديمي نهضوي إنساني ، وشاعر لاتيني جديد ، ولد في ويبفيلد ، قرب مدينة ” سوين فورد ” ، وتابع دراساته في كل من كلونيا ، وجامعة هيدلبيرك . ومن التقاليد يومذاك ، إن الإنسانيين يعملون تحويرات لاتينية في أسماءهم . وفعلاً حور إسمه ، وأصبح ” كونرد سيلتس ” . وأخذ يقدم محاضرات إنسانية خلال جولاته التي شملت إيرفورت ، روستوك و لايبزك . ومن مؤلفاته الأولى ، كتابه المعنون ” فن الكتابة : نصوص وقصائد ” (1486) . ومن ثم ألقى محاضرات في روما ، وفلورنسا ، وبولونيا والبندقية .

   ومنحه الإمبراطور الروماني ” فردريك الثالث ” (1415 – 1493) لقب الشاعر المكرم ، وأُقيم بالمناسبة إحتفال إمبراطوري كبير في نورمبيرك ، وحضره سيلتس وقد حصل على درجة الدكتوراه . وفي العام 1488 رحل إلى كراكو / بولندا ودرس الرياضيات ، والفلك والعلوم الطبيعية ، ومن ثم عقد صداقات مع الإنسانيين من أمثال ” لورنزو رابي ” (1465 – 1527) . وأخذ يعلم في جامعة هايدلبيرك ، وترقى إلى درجة بروفسور . ومات في فينا بعد فترة قليلة من تأسيسه لكلية الشعراء في عام 1502 (أنظر : إيكارت شيفر : كونرد سيلتس (ترجمة وتحقيق) / توبنكن 2008) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 مخطوطة لعمل ناقص ، وأسماها ” صوفيا الألمانية ” (أنظر : آن هايت ؛ المصدر السابق ، ص 3)  .وتعتقد ميتا هيرسن إن المخطوطة الأصلية على الأغلب موجودة في دير روزويث في كاندرشيم ، وهناك من يظن إن رئيسة الدير كيربرج قد أرسلت منها نسخ إلى دير أسلافها ، وهو دير القديس أميرام في رجينسبيرك ، وهناك ظلت محفوظة حتى عام 1803 ، ومن ثم أرسلت إلى المكتبة الوطنية في ميونخ . وفي العام 1494 الباحث الأكاديمي الإنساني ” سيلتس ” إستعارها من دير القديس أميرام ، ومن ثم نشرها في العام 1501 (أنظر : ميتا هيرسن ؛ المصدر السابق ، ص 43) . وتحسب آن هايت ، إنه من سوء الحظ إن عمل سيلتس بعض التعديلات ، وغير ترتيب نصوصها ، وظلت منسية حوالي ستمائة سنة ، وأسمها قد طواه النسيان (أنظر : أن هايت ؛ المصدر السابق) .

   توزعت كتابات الفيلسوفة روزويث بالشكل الأتي :

أولاً – ثمانية قصائد ملحمية مقدسة 

   وفيها تنظر روزويث بحرية شعرية إلى شخصياتها وأفعالهم من زاوية سيكولوجية . فالقصيدة الأولى بعنوان ” مريا ” وهي مؤسسة على إنجيل القديس جيمس . وتتبعها برواية حميمة بعنوان ” صعود ربنا ” . والإسطورة الثالثة مستبطنة من ” أفعال القديسين ” . وفي القصيدة التالية تعالج موضوع الشهادة  وهي بالتحديد تدور حول بليكوس وهو شاب أسباني ، سقط ضحية بيد ما أسمته ” المورش العاصي ” (والمورش هو إصطلاح يطلقه الغربيون يومذاك على المسلمين في أسبانيا الأندلس) . وهذه القصيدة تحتاج إلى دراسة من زاوية إسلامية ، وبيان حجم الحق والمخترع على الإسلام والمسلمين . وهي تعترف قائلة ” بأنها سمعت القصة من زائر قادم من قرطبة ، وكان شاهد عين ، فقدم وصفاً واقعياً لما حدث للشاب المسيحي الذي تمرد على الحاكم من أتباع محمد ، وقد حكم عليه بالموت ، وقد شهد تنفيذ إعدامه سلسلة من المعجزات ..”

والقصيدة التالية من هذه المجموعة ، تنهض على قصة يونانية قديمة تقوم على عقد عهد مع الشيطان .. والتي سيُعيد إنتاجها  فيما بعد غوته في فاوست ، وهو فعل إنساني يتوزع بين الحسد والطموح ، فيقبل المساعدة من الشيطان .

والإسطورة السابعة هي إحياء لقصة الإله الأثيني ” ديونسيوس ” (سنعالج هذا الحضور للإله ديونسيوس في قصائد الفيلسوفة روزويث مع مقاربة فكرية في محولا لاحق) وكيف تحول إلى ثعبان … والقصيدة الأخيرة كانت بعنوان ” العذراء ” وكيف إنها واجهت الشهادة دفاعاً عن عذريتها .

  ومن النافع الإشارة إلى إن الفيلسوفة الشاعرة روزويث قد أهدت القصائد الثلاثة الأخيرة من هذا المجموع ، إلى الأميرة الراهبة ” كيربرج ” فأفادت : أنظري ، سيدتي كيربرج ، أنا كتبت لك هذه المقاطع الشعرية ، والتي هو مجموعة أغاني تُضاف إلى الأغاني التي كتبتها لك ؛ وكيف إن الآثم المحطم ربح العفو الحميم ، وأنا أغني لك بسرور وبهجة … (أنظر آن هايت : المصدر السابق ، ص ص 15 – 19)

ثانياً – ستة مسرحيات درامية (ذات سجع)

  وهي مسرحيات درامية نثرية قصيرة ، وهي بنظر الأكاديميين والنقاد من أهم أعمال روزويث ، ومن أسهاماتها الأصيلة في الأدب . والحقيقة هي من نصوصها الأكثر شهرة وتداولاً ، وحققت نجاحات على خشبة المسرح (أنظر : مارجري ديانا بارلو ؛ إنجازات روزويث المسرحية ، ص 35) . وهي على التوالي : كوليكانيوس ، ديلستس ، سبينيتا ، كاليمكس ، إبرهام ، و يافنتيس ( أنظر : روزويث ” مسرحيات روزويث ، ترجمة كريستفور سانت جون / مصدر سابق) .

ثالثاً – إنجازات أوتو راعي النهضة الأوتونية

  وهما ملحمتان تاريخيتان ، وترجمتا كلاهما مع مقدمتيهما من قبل الراهبة ” ماري  بيرناردين بيرجمان ” وهما النصان الإنكليزيين الوحيدين المتوافر اليوم . وقد ثمن المؤرخون هذين العملين ، لأنهما قدما تفسيراً قيماً لهذه الفترة ، ولكنهم وجدوا في الوقت ذاته عدم الدقة وذلك بسبب الحذف والتعديلات التي عملت لأغراض دبولوماسية . وفعلاً فأن روزويث تعترف بالصعوبات التي واجهتها عند الكتابة عن الحقائق السياسية .  وهذا واضح في خطابها الموجه إلى الأميرة ورئيسة الدير كيربرج السابق ، وفي الإهداء إلى أوتو الأول والثاني والذي يسبق القصيدة (أنظر : آن هايت ؛ المصدر السابق ، ص ص 27 -28) .

الفيلسوفة روزويث والإله ديونسيوس وعقيدة القيامة

إن الفيلسوفة الشاعرة روزويث تتحدث في القصيدة الملحمية السابعة عن الإله ديونسيوس ” والثعبان وهو رمز ملازم لتحولات ديونسيوس من حياة إلى حياة في الإسطورة اليونانية . والسؤال : هل هذا الإنتخاب من قبل روزويث للإله ديونسيوس جاء عفوياً أم إختياراً واعياً ؟ والسبب إن هناك تشابه كبيراً في أطراف من عقيدة ديونسيوس اليونانية والعقيدي المسيحي . إن عبادة ديونسيوس ومن ثم النحلة اليونسيوسية  تصعد إلى حدود ألف وخمسمائة سنة قبل ولادة السيد المسيح  . على كل نحن نحسب إنها كانت واعية لما تختار وتكتب ، وهي الصوت النسوي الألماني القوي . صحيح إن الفيلسوفة روزويث قد كتبت القدر النهائي للإله ديونسيس ، وذلك عندما قُتل  في قصيدتها الشعريةالملحمية ” ديونسيوس ” . إلا إن جوهر العقيدي الديونسيوسي المشابه للعقيدي المسيحي لم يمت ولن يتلاشى ، ونقصد عقيدة البعث وقيام الموتى . فتقول :

  وعندما قطع رأس الثعبان (لأن ديونسيوس تحول إلى صورة ثعبان) ، فإن الجسم المقطوع الرأس الميت ، نهض بنفسه بكل هدوء وجمال ورفع رأسه بذراعيه القويين ، وإجتاز بسرعة مختصراً مسافة الميلين ، وجاء إلى منطقة حفظ الأجساد … ” (آن هاين ؛ المصدر السابق ، ص ص 17 -18) . هذه هو طرف من العقيدي الديونسيوسي المستبطن داخل العقيدي المسيحي ، ورغم إنه وثني فقد ظل خالداً في بنية المسيحية وإلى الأبد . بالتأكيد هذا ليس هو الطرف الوحيد وإنما هناك أطراف أخرى تدعو إلى الإندهاش والإستغراب . منها طقوس شرب النبيذ المقدس وولادة الطفل الرب المقدس والإحتفالات الدينية المصاحبة للولادة ، والموت والقيامة ..

   كان الإله ديونسيوس بنظر اليونانيين ، هو إله حصاد العنب ، والنبيذ وصنعة النبيذ ، وطقوسه في الأساطير اليونانية تشمل شرب النبيذ للوصول إلى درجة النشوة (أكستسي) والغيبوبة . ووفقاً للألواح التي عثرت عليها الإستكشافات الأثرية ، والخاصة بالجانب العقيدي الديونسيوسي ، إن اليونانيين كانوا يعبدونه ، ويقيمون له الطقوس في الفتيرة مابين (1500 – 1100 ق.م) وكان المسينيون وهم يونانيو العصر البرونزي يعبدونه ، وكانت له طائفة تراقية ، إضافة إلى وجود دلائل على عبادته في جزيرة كريت (من الكتب المهمة في هذا الموضوع : بيري تايلور ؛ مجئ الإله : أسرار ديونسيوس ، نشرة مطبعة الكورا ، نيويورك 2003 . وكتاب كارل كيرني ؛ ديونسيوس : الصورة التقليدية للحياة الخالدة ، نشرة مطبعة برنكتون 1976)

  ووفقاً لعقائد بعض النحل (الطوائف) الديونسيوسية ، فإن الإله ديونسيوس جاء من الشرق ، وهو أجنبي غريب . وفي إعتقاد طوائف أخرى ، إنه جاء من أثيوبيا . ويبدو من خلال عبارات مثل ” الإله العائد ” و ” الإله الأجنبي أو الغريب ” ، أي الإله الذي جاء من الخارج ، هي عقيدة متوارثة ، وعقيدي جوهري في الطوائف التي تقدسه ، وتُقيم الشعائر له . كما هو رمز مشهور في كل من الإسطورة اليونانية والدين اليوناني ، فهو واحد من قائمة الآلهة الأولمبياد الإثنتي عشر . والإحتفالات المصاحبة لعبادة ديونسيوس قادت إلى تطوير المسرح اليوناني ، وهو رمز مثالي للإله الفاني والذي ينهض من موته يوم القيامة (أنظر : والتر بوركارت ؛ الدين اليوناني ، نشرة عام 1985 ، ص 64 وما بعد) .

  ويُعرف في الحضارة والدين الرومانيين بإسم ” باكوس ” وهو الإسم الذي تبناه الرومان بدلاً من ديونسيوس (أنظر المصدر السابق ، ص 162) . وهو في الإسطورة اليونانية يحضر مع والده ” زيوس ” رب الأرباب ، وبرسفوني أو ديميتر فيما بعد وخصوصاً في المرحلة الرومانية ، ولكن ديونسيوس ولد من الإله الخالد زيوس وأمه سيملي وهي أمرأة فانية واقعها الإله سراً (أنظر : كيرني ؛ المصدر السابق ، ص 193)  . وترتبط بدونسيوس أسرار دينية وطقوس تُعرف بأسرار أليسوس (أنظر : المصدر السابق) . ومن النافع إن نشير إلى إن معظم الشعراء الرومان وكتاب المسرح الرومانيين الذين تحدثنا عنهم أعلاه قد ناقشوا إسطورة ديونسيوس ، وبالتأكيد إن مادتهم المعرفية غذت دائرة تفكير الفيلسوفة روزويث ، وعلى أساسها تناولت الإله ديونسيوس في قصيدتها السابعة الملحمية .

  إذن أصبح واضحاً إن اليونان ومن خلال إسطورة ديونيسوس قد عالجوا عقيدة الإله إبن الله ، وأمه العذراء سيملي ، والذي سيموت وينهض من بين الموتى يوم القيامة  ، وعلاقة النبيذ بمفهوم تجديد الحياة . والفيلسوفة روزويث عارفة بتفاصيل الطرف العقيدي المسيحي ، والنص الذي أوردناه أعلاه عن موت الثعبان – ديونسيوس ، ونهوضه من الموت . كل هذه الأطراف تحملنا إلى معالجة الطرف الأخير من القضية . وهو خط التوازي في قضية ديونسيوس إبن زيوس وأمه الفانية العذراء سيملي ، وقصة السيد المسيح الذي هو حسب العقيدي المسيحي هو إبن الله وإبن مريم العذراء ، والذي سيموت وينهض في إيستر من بين الموتى ويصعد إلى السماء حيث أبيه الرب الأب أو ربما رب الأرباب زيوس مع ملاحظة إن المسيح هو الله الأبن وإن ديونسيوس هو الإله الأبن .

  إن المناقشات الغربية المبكرة للتوازي الميثالوجي بين ديونسيوس والمسيح في اللاهوت المسيحي ، بدأت مع تباشير القرن التاسع عشر في بلد الفيلسوفة روزويث كاندرشيم ، ونقصد ألمانيا ، والتي كما قلنا ونؤكد إنها تناولت الإله ديونسيوس في قصيدتها الشعرية الإسطورة السابعة ، وبذلك تكون لها الريادة في أطراف من إثارة قضية ديونسيوس وعقيدة قيام الموتى ووضعها في الشاطئ المقابل لشاطئ العقيدي المسيحي (وبحدود أكثر من تسعة قرون) . أما ريادة مناقشات القرن التاسع عشر ، فهي تصعد إلى الشاعر الغنائي الألماني ” فردريك هولدرلين ” (1770 – 1843) والذي جعل من ديونسيوس والمسيح توأمين متماثلين . فعل ذلك بشكل واضح في عملين مهمين كتب الأول منهما خلال عامي 1800 – 1801 وكان بعنوان ” خبز ونبيذ ” وفيها دلالة على جسم ودم ديونسيوس والمسيح ، وهو يقابل رقيق الخبز والنبيذ التي يقدم في الكنيسة . والثاني كتبه خلال عامي 1801 – 1903 وكان بعنوان ” الوحيد ” (أنظر : جورج وليمسن ؛ الولع بالإسطورة في ألمانيا : الدين والثقافة الجمالية من الرومانتكيين وحتى نيتشه ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 2004) وما دمنا نكتب عن الإهتمام الألماني بديونسيوس والمسيح ، فإننا نحسب إنه من المناسب أن نشير إلى إن الفيلسوف ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) قد ثار على المسيحية ، وكتب مؤلفه الشهير ” ضد المسيح أو المسيح الدجال ” (أنظر : والتر كوفمان ؛ نيتشه : الفيلسوف ، وعالم النفس والمعارض للمسيح ، نشرة دار ماردين ، نيويورك 1956) ، وفي الوقت نفسه عاد إلى ديونسيوس وذلك في طرف من ثورته على الدين ، وانتصر للديونسيوسية في كتبه ” ماوراء الخير والشر ” ، و ” التراجيديا اليونانية ” و ” هكذا تكلم زرادشت ” .. (أنظر : روبرت لويستر ؛ نيتشه / ديونسيوس ، النشوة ، البطولة ، الرعب (بحث أكاديمي ممتاز موجود على اللاين)) .

 وأنشغل الأكاديميون المعاصرون في الجدل حول قضية التشابه بين الإله الأبن ديونسيوس ، والرب الأبن المسيح ، وأجمعوا على توازي الإسطورتين اللتين تلفهما . فمثلاً يرى مؤرخ الدين الألماني المعاصر ” مارتن هنكل ” (1926 – 2009) إلى إن هناك تشابه ملاحظ جداً بين الدين الديونسيوسي والمسيحية ، وأكد على إن رمزية النبيذ لها أهمية في كلا الإسطورتين اللتين تحيطان بكل من ديونسيوس والمسيح (أنظر : مارتن هنكل ؛ دراسات في العلم المسيحي المبكر ، نشرة دار كلارك العالمية ، نيويورك 1995 الطبعة الأولى ،/ الفصل الخامس المعنون ” المسيح الديونسيوسي ” ص 294 وما بعد) .

ويجادل الأستاذ ” بيتر ويك ” قضية رمزية النبيذ ، ويذهب قائلاً : أُستخدمت رمزية النبيذ في إنجيل يوحنا ، وبالتحديد في معجزة تحويل المسيح الماء إلى نبيذ ، بقصد بيان علو كعب المسيح ، وتفوقه على ديونسيوس .

  كما لاحظ الأكاديميون في مضمار ” الإسطوريات المقارنة ” ، بأن هناك تطابقاً يكاد أن يكون حرفياً بين ديونسيوس والمسيح ، خصوصاً في فكرة ” موت الإله وعودته من جديد ” . وفكرة الإحتفالات الدينية المصاحبة لوليمة ” الخبز والنبيذ ” . وفكرة مثول ديونسيوس أمام الملك بنثيوس بتهمة الإدعاء بالربوبية ، والتي لها مقابل في أناجيل العهد الجديد ، وبالتحديد في مشهد تحقيق بونتيوس بايلن مع المسيح (أنظر : جورج وليمسن ؛ المصدر السابق ، فقد تابع جميع المناقشات حول العلاقة بين ديونسيوس والمسيح) .

  والخلاصة إن الفيلسوفة روزويث كاندرشيم قد تجاوزت جميع من بحث في الصلة بين ديونسيوس والمسيح هذا من طرف ، وإنها بزت الجميع من خلال إستثمارها لرمز الثعبان في إسطورة ديونسيوس اليوناني ، وهو رمز للتحولات للإله دونسيوس والتي لم يشر لها على الأقل واحداً منهم . وإنها تقدمت عليهم في المقارنة بين ديونسيوس الإله الأبن والمسيح الرب الأبن ، وعالجت فكرة ديونسيوس عن موت الإله وقيامه بعد الموت . صحيح إن الفرق واحد ورئيسي بينها وبينهم إنها كانت مسيحية علمانية وإعتمدت على أناجيل المسيحية في مرحلتها المبكرة ، وهو المضمار الذي تخصص فيه الأستاذ المؤرخ الألماني ” مارتن هنكل ” الذي فتح أبواب البحث الأكاديمي في القرن العشرين في قضية التوازي بين الإله الأبن ديونسيوس والرب الإبن المسيح بعد إن عالجها لأول مرة وبالتحديد في السنة الأولى من القرن التاسع عشر الشاعر الغنائي الألماني ” فردريك هولدرلين ” والذي جاء بحثه بعد أكثر من ثمانية قرون . ألا إنها شهادة على علمانية عاشقة الحكمة الفيلسوفة روزويث ، ودليل على شجاعتها في معالجة هذا الموضوع المشكل شعرياً في قصيدتها السابعة الملحمية .            

أعمال روزويث من زاوية فلسفية

  يُجمع الأكاديميون الذين إعتنوا بتحليل أعمال روزويث ، إلى إن الفلسفة مدفونة في مجمل أعمالها بصورة عامة . وإنها من طرف أخر طافحة بالمناقشات الفلسفية المتنوعة ، وخصوصاً المنطقية والأخلاقية منها . فمثلاً نلحظ في مسرحيتها المعنونة باللاتينية  ” سبينيتا ” ، والتي تعني الحكمة ، تتضمن مناقشة لنظرية من نظريات العلوم الفلسفية ، وهي ” نظرية العدد ” . كما وفيها إحالات لما يسمى بالحكمة المسيحية (أنظر : روزويث : مسرحيات روزويث / مصدر سابق).

  وفي مسرحيتها المعنونة ” ديلستس ” *(وهو إسم حاكم أو محافظ المنطقة) ، تعرض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تنهض المسرحية على حجة تدور حول شهادة ثلاثة نساء عذراوات قديسات ، وهن كل من أكب ، كايونيا وأرينا . والمحافظ الحاكم ديلستس يطردهن في منتصف الليل المعتم خارج المدينة وبنية سيئة وإجرامية . ولكن الحاكم حالما عاد إلى مسكنه ، هاجمته هواجس الوهم بسبب فعلته الشنعاء بالقديسات ، فسقط ضحية وهمه . فسلم أمر القديسات إلى سينسيوس ، وفعلاً بدأ سينسيوس بتعذيبهن ، فحرق كل من أكب وكايونيا . أما أرينا فمات من ضربها بالأسهم . المسرحية تألفت من أربعة عشر مشهداً (أنظر : روزويث : مسرحية ديلستس / منشورة في كتاب مسرحيات روزويث ، ترجمة كريستوفر سانت جون ، لندن 1923) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقاطع من علم المنطق ، وتنطلق من مجموعة حجج منطقية في بداية المسرحية .  فمثلاً ديوكليتين ينظر إلى النساء المسيحيات بمنطار ماسوجيني دوني ، وينعتهن  بألقاب مثل ” النساء المسيحيات المعتوهات ” ، ويستخدم الإغلوطة المنطقية المتداولة (وهي طريقة دحض حجة المرأة من خلال مهاجمة خصائص المرأة ، عملها وظروفها ، وهي  حجة ماساجونية معادية للمرأة) (أنظر : دوكلس والتن ؛ المنطق اللا صوري : مشروع براجماتي ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2008 ، ص 190) . وفيما بعد حاول سينسيوس إقناع أرينا على عبادة الألهة ، وهددها بالموت الطويل ، وإلحاق العار بها بعد إجبارها على البغاء . ولكن أرينا واجهته بالحجة  القوية التي تنهض على التمييز الدقيق بين توجيه الإرادة ، و الغرض الذي يُحدد الطبيعة الإخلاقية للفعل ، وليس الفعل بحد ذاته ، خصوصاً عندما لا يمتلك الفرد  القوة للسيطرة على الفعل .

  وهكذا فأن الفيلسوفة روزويث إستحضرت الفلسفة ومن خلال علم المنطق وحججه ، وعلم الإخلاق ومناقشاته ، وجعلتهما يعملان بخفاء في قلب المسرحية ، وبصورة رائعة ومدهشة ودون إفتعال وتكلف . وهذه المسرحية يمكن مقارنتها مع المسرحيات الإخلاقية التي يعجُ بها أدب العصور الوسطى ، وعلى الأخص الأدب الإنكليزي منها . وأرغب هنا أن أضع في متناول القارئ العربي ، نهاية المسرحية (وهي بالتأكيد نهاية الحوار بين سينسيوس وأرينا) والذي جاء في المشهد الأخير (وهو المشهد الرابع عشر من المسرحية) حيث تقول أرينا :

إن موتي يحمل لي البهجة والسرور ، ولكنه لك هو الفاجعة . وبسبب قساوتك فإنك ستُلعن حتى الموت في طرطورس . وبالمقابل فأنا سأُمنح شجرة الشهادة ، ويلُفني تاج العذرية ، وسأدخل إلى قصر أزور مع ملك الخلود ، له المجد والشرف الآبديين (روزويث : مسرحية ديلستس / منشورة في مسرحيات روزويث ، ترجمة كريستوفر سانت جون مع مدخل كتبه الكاردينال كسكوت ، لندن 1923) .

 صورة المرأة في مسرحيات الفيلسوفة روزويث

  نحسبمن النافع أن نشير بأن المرأة كانت صوتاً وفعلاً قوياً في جميع مسرحيات الفيلسوفة روزويث ، وحتى عندما تواجه المرأة الموت على يد الرجل المعتدي ، فأنها تموت نداً قوياً له ، وتعلن بوجهه وهي في اللحظات الأخيرة من حياتها ، بأنها إنتصرت في خيارها وفازت بالشهادة وقدمت مثالاً لبنات جنسها . وجدنا هذه قبل قليل في مسرحية ديلستس أو ديلستيوس .

    أما في مسرحية كاليكانيوس ، فقدمت الفيلسوفة ثلاثة نساء ، وهي أصوات قوية من حيث أصولهن العائلية ، وشخصياتهن النسوية ، وإرادتهن القوية مع مرونة واقعية تمثلت في الإنحناء للعاصفة والمراهنة على اللعب في الزمن حتى تحقيق رغبتهن . فمثلاً الشخصية النسوية الأولى هي الأميرة ” كونستينس ” وهي بنت الإمبراطور ” قسطنطين ” ، وكان كاليكانيوس القائد العام للجيش الإمبراطوري يتطلع للزواج منها ، وهي لا ترغب على الإطلاق من التفكير مجرد التفكير من الزواج منه . ولكن للظروف الدقيقة التي تمر بها الإمبراطورية ، والتي تتمثل بتهديدات الأعداء ” السايثينيين ” .

   في ظل هذه الظروف الحرجة جاء طلب القائد العام للجيش الأمير كاليكانيوس يد الأميرة . لذلك أصبح خروجه لقتال الأعداء مشروطاً بموافقة الأميرة رغم عدم الإعلان عن ذلك . ولكن تتردده في الخروج دليل على ذلك . وإدراكاً من الأميرة كونستينس بأن نجاح الحملة العسكرية يعتمد عليه ، فقد وضعت سلامة الإمبراطورية أمام أنظارها ،  وضحت برغبتها لحين ، منتظرة المعجزة ، وهذا ما يتميز به العمل المسرحي للفيلسوفة روزويث (آن جايت ؛ المصدر السابق ، ص ص 23 – 24) . وهكذا رهنت روزويث خيارات المرأة بالزمن الآتي وما يحمله من مفاجئات ، والذي يمسك بخيوطها الواحد الأحد ، وهي لعبة محفوفة بالمخاطرة (وهنا تكمن فلسفة روزويث الوجودية القائمة على الخيار والمخاطرة والصلاة واللعب على الزمن الذي يُصاحبة قلق وإنتظار المعجزة ، وهذا المضمون الوجودي الديني لفلسفتها) .

  وفعلاً نجحت روزويث في حبك الأحداث على صعيدين : الأول إن غياب القائد العام ، مكن الإميرة  ” كونستينس ” بنجاح عال من إقناع  إبنتي القائد العام  ، وهما كل من ” أرتيما ” و ” أتيكا ” ، من إعتناق المسيحية عقيدة جديدة لهما . والصعيد الثاني إعتماد الأميرة على ستراتيجية عامليها الأمينيين كل من ” جون ” و ” بول ” في تحويل القائد العام كاليكانيوس إلى المسيحية . وفعلاً حدثت المعجزة ، وتم تعميد كاليكانيوس ، وأدى اليمين بأن يبقى أعزباً . وهكذا تحقق خيار الأميرة بعدم الزواج وتحافظ على عذريتها رغم ركوبها المخاطرة واللعب على الزمن . فكانت صورة للمرأة القوية (أنظر :  روزويث ” مسرحية كاليكانيوس ، المصدر السابق) .

  وهنا نرغب أن نقدم للقارئ العربي مقاطع من المشهد الثاني لمسرحية كاليكانيوس ، وبذلك نحقق غرضين أولاً تعريف القارئ بالنصوص المسرحية التي كتبتها الفيلسوفة روزويث . وثانياً تقديم شاهد على شخصية المرأة في كتابات روزويث ممثلة بشخصية الأميرة ” كونستينس ” .

  نحسب إنه من النافع أن نمهد للقارئ هنا ظروف المسرحية ، فبعد حديث بين الإمبراطور والقائد العام كاليكانيوس ، وإستفسار الإمبراطور عن أسباب تأخر القائد العام من الخروج لحرب الأعداء ، أفصح القائد العام عن رغبته في الزواج من  الأميرة ” كونستينس ” . فذهب الإمبراطور حزيناً إلى الأميرة ليعرض عليها الطلب :

قسطنطين : كونستينس ، طفلتي ، تعالي قريباً مني ، أنا أرغب في الحديث  معك .

كونستينس : أنا حاضرة دائماً سيدي ، أُأمرني سيدي ، أمرك مُطاع .

قسطنطين : أنا مُحتار وحزين

كونستينس : لاحظت ذلك لحظة دخولك ، رغم إنني لا أعرف سبب إنزعاجك

قسطنطين : الرأي رأيك

كونستينس : هل الأمر يعتمد على رأي !

قسطنطين : نعم

كونستينس : سيدي لقد أرعبتني أكثر ؛ ما الأمر ؟

قسطنطين : الخوف يعصر قلبي ، الخوف من أن أكون سببا في حزنك ، إن كل ذلك عقد لساني طفلتي كونستينس .

كونستينس : سيدي ، إنك ستحزنني أكثر ، بإلتزامك الصمت

قسطنطين : كاليكانيوس ، قائدي العام ، إن إنتصاراته حملته أن يتقدم الصفوف ، وأن يكون واحداً من الأمراء في حاشيتي ، كاليكانيوس هو السيف المسلول دائماً في الدفاع عن الإمبراطورية .

كونستينس : ماذا حدث له ؟

قسطنطين : إنه يتطلع بأمل أن تكوني زوجة له

كونستينس : أنا !

قسطنطين : نعم

كونستينس : أنا أفضل الموت على الزواج منه

قسطنطين : أنا أعرف بالتأكيد ذلك هو جوابك

كونستينس : سيدي إذن جوابي لم يُدهشك ، فأنت سيد العارفين ، وأنت الذي وافق ، وأيد طلبي على تكريس حياتي لله .

قسطنطين : إني لم أنسى ذلك على الإطلاق

كونستينس : سيدي ، أن كل ما أرغب فيه ، أن أبقى ملتزمة بيميني وعهدي مع الله ، سيدي أنا لا أستطيع أن أنكث عهدي . سيدي لا يوجد شئ في هذا العالم يجبرني على نكثه .

قسطنطين : أنا أعرف إنك صادقة وعلى حق ، وذلك جزء من محنتي الكبيرة ، فأنا والدك ، ومن واجبي أن أساعدك على أن تكوني صادقة مع عهدك ويمينك لله . وسأظل معذباً إذا ما وقفت معارضاً لرغبتك لاسامح الله ، وسأستحق الموت ، وسيكون الجحيم مثواي الأخير .

كونستينس : لا سيدي ، لا يأس من رحمة الله ، والحقيقة سيدي سأكون معذبة ومحبطة أكثر منك .

قسطنطين : هذا صحيح كل الصحة

كونستينس : ولكن القلب يثق برحمة الله وطيبته التي تتسع كل شئ ، وهو السلاح الشافي ضد الحزن واليأس .

قسطنطين : إن كلامك من ذهب طفلتي .

كونستينس : مولاي ، لدي إقتراح ، إذا تفضلت بالإستماع إليه ، وفيه إمكانية الهروب من الخطر المزدوج .

قسطنطين : آه ! هل تستطيعين ؟

كونستينس : ينبغي أن تتظاهر بأنك عازم على الإستجابة إلى طلب كاليكانيوس ، شرط بُعيد الإنتصار وهزيمة العدو . وإقنعه على إنني وافقت على طلبه . وإحمله على إرسال إبنتيه : أتيكا ” و ” أرتيما ” للعيش معنا خلال غيابه فترة الحرب ، وإخبره بأنني سأرسل مع حملته إثنين من موزعي الصدقات ، وهما عاملي الأمينيين ” جون ” و ” بول ” .

قسطنطين : وإذا عاد منتصراً ، فماذا سنعمل ؟

كونستينس : ينبغي أن نصلي لأبينا  الذي سيحمله على تغيير رأيه في هذا الأمر .

قسطنطين : إبنتي ، إبنتي ! إن كلماتك الحلوة خففت من محنتي . ولكن القلق سيظل مُلازماً لي (أرجو ملاحظة القلق الملازم للوجود البشري ، وهو المفهوم الذي ستستثمره الوجودية المعاصرة في كل أعمالها ..) .

كونستينس : لا تحتاج إلى ذلك مولاي .

قسطنطين : سأعود إلى كاليكانيوس وإقنعه بهذا الوعد .

كونستينس : مولاي إذهب بسلام

بعد هذا الإستشهاد الطويل من مسرحية الفيلسوفة روزويث ، أذهب إلى مقاطع من المشهد الثالث عشر ، والذي حمل الحوار بين كاليكانيوس بعد تحوله إلى المسيحية وإنتصاره في الحرب بعد لحظات إنهيار قواته وبداية إستسلامها إلى العدو : 

كاليكانيوس : السلام عليك أيها العذراء المقدسة ، حفظك الله من كل خوف ، وحفظك كنز لعذريتنا ، وأنت تستحقين معانقة الملك الخالد

كونستينس : بالتأكيد سنحافظ على عهودنا لله ، مادمت أنت في صفنا

كاليكانيوس : إطمأني ، ولا تخافي ، فليس هناك عوائق في الطريق بعد اليوم ، وأنا أتطلع بكل سرور إليك وأنت تعيشين عهدك الذي قطعتيه لله . وأنا لا أتردد لحظة من المخاطرة في حياتي من أجلك ( روزويث : مسرحية كاليكانيوس ، ترجم هذه المقاطع من الإنكليزية الدكتور محمد جلوب الفرحان) .           

تعقيب

أولاً – إن إسم الفيلسوفة الألمانية روزويث ظل خالداً رغم محاولات ماسوجينية في عصرها وبعد وفاتها عملت بكل ما توافر لها من قوة في طمر تراثها الشعري والمسرحي والكتابي ، وفعلاً نجحوا في تهميشه لما يُقارب الخمسمائة سنة . إلا إن النهضوي الإنساني ” كونرد سيلتس ” عثر عليه مركوناً في زوايا مكتبة مغمورة وقام بنشره في عام 1494 .

ثانياً – إن كتابات الفيلسوفة روزويث تحمل المتخصص في المضمار الفلسفي ، أن يجري مقاربة فلسفية بين الموضوعات التي عالجتها والشخصيات التي درستها مع الأدب الفلسفي الوجودي في نزعته الدينية ، والتي مثلها الأب الروحي للوجودية المعاصرة الدنماركي ” سورين كيركيجورد ” (1813 – 1855) و الألماني ” كارل ياسبرز ” (1893 – 1969) والقس والفيلسوف الوجودي ” جبريل مارسيل ” (1889 – 1973) . وهنا أدعو أقسام الفلسفة خصوصاً طلبة الدراسات العليا إلى دراسة أدب الفيلسوفة روزويث كأنموذج فلسفي وجودي مبثوث في مسرحياتها وقصائدها الملحمية الشعرية متقدم جداً على كل من ” سورين ” و ” ياسبرز”  و ” مارسيل ” ..

ثالثاً – إن المصادر التي قرأتها الفيلسوفة روزويث ، وخصوصاً الشعر الروماني والنصوص المسرحية اليونانية تعجُ بأنواع متنوعة من المدارس الفلسفية ، توزعت بين فلسفة فيثاغوراس وذلك من خلال قراءتها لكتاب الشاعر أُفيد المعنون التحولات ، وبالتحديد الكتاب الخامس عشر ، وسقراط وذلك من خلال قراءة الشاعر بلاتيوس الذي قرأ كوميديا اليوناني أرسطوفان ، والذي كتب مسرحية السحب التي سخر فيها من سقراط ومحاكمته ، وعرفت من خلال قراءتها للشعر الملحمي الروماني الكثير عن الفلسفة الرواقية والأبيقورية ، وكتابات أرسطو المنطقية ، وخصوصاً كتابه الشهير ” فن الشعر” ..

   ومن طرف كتاباتها الخاصة فإنها مملوءة بالحجج المنطقية ، فمثلاً يلحظ الباحث إن جميع مسرحياتها بدأت بحجة وبالتأكيد مبنية أو مستفيدة من قواعد علم المنطق . إضافة إلى إنها في أكثر من مسرحية كشفت عن سقوط الخصم في الإغلوطة أي في التناقض ، وهو موضوع منطقي بحثت فيه مؤلفات علم المنطق . 

    وفوق كل ذلك فهي أدب فلسفي طافح ومملوءة بمناقشات أخلاقية وجمالية وفلسفية متنوعة .. وعلى هذا الأساس يمكن مقارنة نتاجها المسرحي بالكتابات الفلسفية الوجودية والتي هي الأخرى عالجت العديد من القضايا الفلسفية في إطار مسرحي أو روائي مستلهم مادته من المسرح الروماني الكلاسيكي . ولعل مسرحية الذباب التي كتبها سارتر والتي إعاد فيها الإسطورة الرومانية حول الإله جوبيتر ، عمل مسرحي مشابه لمسرحيات الفيلسوفة روزيث والتي إستلهمت فيها الكثير من موضوعات الأدب المسرحي الروماني ووضعت لها مُلحاً مسيحياً ، إستمدت مادته من اناجيل المسيحية المبكرة من مثل إنجيل جيمس ، وإنجيل توماس والإنجيل الأرامي ..

 رابعاً – إن جمعيات الفلسفة الفمنستية في ألمانيا وأمريكا إحتفلا كل بطريقته بالفيلسوفة روزويث . فمثلاً اليوم في مدينتها والموطن الذي شهد ولادة كتاباتها ، أعني باد كاندرشيم يُحتفل سنوياً ، وذلك بتقديم ” جائزة روزويث ” إلى الكاتبات النساء . ومنذ عام 1974 تُمنح جمعية روزويث في كل صيف الجائزة لأفضل الممثلات المتميزات . وفي عام 2006 بدأت جماعة الدراما الفمنستية الأمريكية بإصدار العدد السنوي بعنوان ” تحديات روزويث ” ، وقررت منح جائزة روزويث لأفضل كاتبة مسرحية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2010

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Advertisements
هذا المنشور نشر في Dr. Mohamad Farhan, Philosopher, Kant and Neo - Kanhianism, Philosophy and Woman, فيلكس فيل وجورج لوكاش, فيلسوف التاريخ هرمان كيسرلنج, فيخته : محاولة في نقد الوحي, فريجه في المفهوم والموضوع, فريجه في المعنى والمرجعية, فريجه وفتجنشتاين, فريجه وكانط, فريجه وكتاب لوتزه المعنون المنطق 1843, فريجه وكتاب شرودر المعنون محاضرات في جبر المنطق, فريجه وكتابه الرائد في المنطق الرمزي المعنون العلامات, فريجه وناتروب وسكولز, فريجه ونظرية دالة المحمول, فريجه وهانز سلوكه, فريجه وأدموند هوسرل, فريجه وإرنست شرودر, فريجه والدكتور محمد جلوب الفرحان, فريجه والدالة والمفهوم, فريجه والسلامة المنطقية المباشرة للبرهان, فريجه وبديهيات ديديكند وبيانو, فريجه وتلميذه رودلف كرناب, فريجه وجون فنن, فريجه وجورج كانتور, فريجه وجوسيب بيانو, فريجه وديفيد هلبرت, فريجه وديفيد هيوم, فريجه وسول كرب, فردريك بنيك وكتابه كانط والمهمات الفلسفية لعصرنا, كينو فيشر وكتابه الملحمي حياة كانط وأسس تعاليمه 1860, كيسرلنج وفلوبير, كيسرلنج وكانط وشوبنهور والفيلسوف الكانطي الجديد لانج, كيسرلنج وهيوستن شمبرلين, كيسرلنج والفلسفة البوذية, كيسرلنج والفيلسوف أميل بوترو, كيسرلنج والفيلسوف الكانطي الجديد جورج سايمل, كيسرلنج والفيلسوف البراجماتي شيلر, كيسرلنج والفيلسوف بيندتو كروتشه, كيسرلنج والفيلسوف رسل, كيسرلنج والفينومنولوجيا البوذية, كيسرلنج والروائي هرمان هس, كيسرلنج وشاعر الهند طاغور, كيسرلنج وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم, كيسرلنج وعالم النفس كارل يونك, كانط والكانطية الجديدة, كانط رجل الثورة الكوبرنيكية, كارل كورش ودراسته الماركسية والفلسفة, كتاب العلامات ومنطق جورج بول, كتاب العلامات ومستقبل الرياضيات, كرناب وفيلسوف العلم هانز رايخنباخ, كرناب وفتجنشتاين, كرناب وكارل بوبر وفيليب فرانك, كرناب ونظرية السنتاكس المنطقي للغة, كرناب ونظرية السيمانطيقا, كرناب وأسس الرياضيات, كرناب والسيموطيقا وأقسامها, كرناب والعمل في مضمار الفلسفة, كرناب وجمعية رايخنباخ وجماعة وارشو, كرناب وحلقة فينا, كرناب وعلاقته بعالم المنطق الرمزي فريجه, كريستين ويس ومحاضرته في أي معنى مطلوب من الفلسفة الألمانية العودة من جديد إلى كانط, لودفيغ فيورباخ وكتابه جوهر المسيحية, مقولات كانط الثلاثة هي مبدأ العقل الكافي عند شوبنهور, موديل بطلميوس وموديل كوبرنيكوس, مؤلفات روزويث جزء من النهضة الأتونية, مدارس الكانطية الجديدة, مدرسة فرانكفورت وإتجاهاتها الفكرية, مدرسة ماربوك, مدرسة الحكمة ومكانتها الروحية في الغرب, مدرسة بادين أو هيدليبرك, مركز دريد للدراسات, مساهمة فريجه في نظرية المعنى, مسرحيات روزويث ومسرحية الذباب لسارتر, مسرحيات روزويث وإسطورة سيزيف لكامو, نقد رسل لفريجه في الدالة, نظريات كرناب وجذورها الفلسفية والمنطقية, هوركهايمر وخسوف العقل, هيوستن وكتابه كانط : الشخصية مقدمة للعمل, هيوستن وكتابه كانط : دراسة وصحبة مع غوته, هيوستن وكتابه أسس القرن 19, هانز فاينكر وشرحه الواسع على نقد العقل الخالص, هابر مس والفلسفة النقدية الكانطية, هابرمس وفاشية الفيلسوف هيدجر, هابرمس وإستبطان كانط والكانطية الجديدة, هابرمس والبحث خارج حدود التفكير الفلسفي, هابرمس وخيبة الفلسفة في إعادة بناء العلوم, هابرمس وعضويته في منظمة شباب هتلر, هابرمس سامح نفسه في القتال في منظمة شباب هتلر ولم يسامح الفيلسوف هيدجر, هربرت ماركوز وكتابه البعد الجمالي, هربرت ماركوز ومارتن هيدجر, يورغن هابرمس فيلسوف الجمهورية الجديدة, أفرايكن وكتاب نقد العقل الخالص, أفرايكن سبر وتولستوي ، نيتشه وريكله, أوراق فلسفية جديدة / العدد 6, أثر نورت على تفكير كرناب, أثر أفرايكن وكتابه موجز الفلسفة النقدية في تأسيس مدرسة كانطية فرنسية, أجيال مدرسة فرانكفورت النقدية, أخطاء كانط بالمنظور الشوبنهوري, أستاذ كانط البروفسور مارتن كنيوتزن, أستاذ شوبنهور شولتز, أعمال روزويث من زاوية فلسفية ومنطقية, أعضاء مدرسة فرانكفوت والهجرة إلى أمريكا 1935, إكتشاف الفيلسوفة روزويث, إطروحة فريجه للدكتوراه الأولى عرض هندسي للأشكال المتخيلة للسطح المستوي, إطروحة فريجه للدكتوراه الثانية طرق الحسابات المؤسسة على توسيع مفهوم الحجم, إعتذار رسل عام 1901 وإعترافه بأنه لم يقرأ كتاب فريجه, الفلسفة والمرأة, الفلسفة الفمنستية, الفيلسوف الكانطي الجديد نيكولاي هرمان, الفيلسوف الكانطي الجديد الفرنسي شارلز رينوفار, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوفة لوني كيسرلنج, الفيلسوفة الألمانية روزويث كاندرشيم, الفيلسوفة روزويث والأدب الفلسفي الوجودي, الفيلسوفة روزويث والإله ديونسيوس وعقيدة القيامة, الكانطي كينو فيشر وكتابه نظام المنطق والميتافيزيقا 1852, الكانطي أوتو لبيمان وكتابة كانط وخلفائه الصغار 1865, الكانطي الجديد فردريك لانج, الكانطي الجديد فردريك لانج وكتابه تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة 1866, الكانطي الجديد فردريك بيولس, الكانطي الجديد كارل فورلندر, الكانطي الجديد ليونارد نيلسون, الكانطي الجديد هنريخ ريكارت, الكانطي الجديد هرمان كوهن, الكانطي الجديد ويلهلم وندلباند, الكانطي الجديد أفرايكن سبر, الكانطي الجديد أفرايكن سبر وكتابه الفكر والحقيقة : محاولة في تجديد الفلسفة النقدية, الكانطي الجديد ألوس رايهل, الكانطي الجديد أميل لاسك, الكانطي الجديد إرنست كاسيرر, الكانطي الجديد بول نتورب, الكانطي الجديد برنو باخ, المنهج النقدي الفمنستي, الموديل الأبستمولوجي الكوبرنيكوسي الكانطي, المبدأ الشوبنهوري الرابع للعقل الكافي هو العمل, المدرسة الكانطية الفرايزية, المدرسة الكانطية الإيطالية, المدرسة الكانطية الروسية, الإحتفال الأكاديمي بكانط متجدد ومستمر, الإرث الفكري والفلسفي والموسيقي لمدرسة الحكمة, الإشكال الفلسفي في فكر يورغن هابرمس, الإشكال الفلسفي في كتابات هابرمس, الإصول الفلسفية وأشكال الكانطية الجديدة, الإصول التاريخية لمدرسة فرانكفورت, البروفسور أرنولد كيسرلنج الإبن, البروفسور إرنست أبيي أستاذ فريجه, الثورة الكوبرنيكوسية الكانطية وخيبة المادية, الدكتور الفرحان وفيلسوف العلم كرناب, الدكتور الفرحان ومدرسة فرانكفورت النقدية, الدكتور الفرحان ويورغن هابرمس, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, الشرارة الأولى للكانطية الجديدة : نقد شوبنهور لكانط, تولستوي وكتاب أفرايكن الفكر والحقيقة, تيارات أخرى في حركة الكانطية الجديدة, تثمين شوبنهور لكانط في ثلاث مواقف, تجاهل رسل لرمزية فريجه, ثيودور أدورنو وكتابه نقد العقل الخالص عند كانط, ثيودور أدورنو وكتابه ضد الأبستمولوجيا, جوهان كارل كاوس, جوتلوب فريجه : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي, جوتلوب فريجه فيلسوف اللغة, جاكوب فرايز, حضور فريجه ورسل في فلسفة كرناب, حضور الفلسفة والفلاسفة في كتاب يوميات, دور النهضوي الإنساني كونرد سيلتس في بعث مسرحيات روزويث من جديد عام 1494, رودلف كرناب فيلسوف العلم, روزويث ومعلمتها الأميرة كيربرج, روزويث والكاتب المسرحي التونسي -الليبي ترنيس, روزويث والشاعر هوراس, روزويث والشاعر الملحمي فيرجيل, روزويث والشاعر الروماني أُفيد, روزويث والشاعر بلاتيوس, روزويث وحضور الفلسفة مع الشعر الروماني, روزويث رائدة الفكر الفلسفيي الألماني, رينهولد : رسائل حول الفلسفة الكانطية, رائد الكانطية الجديدة موريتز دروبك, رحلة الفيلسوف كيسرلنج والتقليد الفلسفي, رد شوبنهور لمقولات كانط إلى ثلاثة مقولات المكان والزمان والعلية, شوبنهور : الجذور الأربعة لمبدأ العقل الكافي, شوبنهور ونقد مقولات كانط الإثنتي عشر, شوبنهور والمادية ولودفيغ فيورباخ, شعار العودة إلى كانط, صورة المرأة في مسرحيات روزويث, عمل فريجه في المنطق الرمزي, عالم الرياضيات جوهان فردريك هربرت المدافع عن مثالية كانط وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to مجلة أوراق فلسفية جديدة / إتجاهات الفلسفة الألمانية المُعاصرة / العدد السادس / ربيع 2012

  1. الرد بأنكم فعلاً رائعين وفلاسفة

  2. khemliche rabah كتب:

    اكتشفت مجلة أوراق فلسفية جديدةة صدفة كما هو الحال في البحث عن طريق الأنترنيت . والأجمل أنني اكتشفت الفيلسوف محمد جلوب الفرحان الذي وفر لي خدمة زائعة في بحث فلسفي أكاديمي لأجل تحضير رسالة جامعية شكرا أيها العراقي الأشم.طال عمرك …رابح من الجزائر

  3. ar.fahhal كتب:

    احببت هذا العدد
    احييك على جهودك استاذي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s