مجلة أوراق فلسفية جديدة / حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة (مع هوامش شارحة للمنبت الأبستمولوجي الفلسفي) / العدد الثامن / خريف 2012

 أوراق فلسفية جديدة

————————————————————————————–

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

—————————————————————————————-

(8)

خريف 2012

————————————————————————————–

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة

مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي

وبصُحبة العدد كتابنا المسلسل

الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة

حانا إرنديت (1906 – 1975)

(بالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN      Dr. NIDAA KHALIL

مجلة يصدرها مركز دريد للدراسات والأبحاث  

رئيس التحرير – الدكتور محمد جلوب الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقدمة

شعار العودة إلى الفلسفة اليونانية / الإسلامية

سؤال أكاديمي يدعو إلى فهم المتغيرات التي حدثت في بيئة نشوء الفلسفة الحديثة بُعيد  عودة الفلسفة اليونانية (محاورات إفلاطون وكتب أرسطو) خلال نهضات القرن الثاني عشر والثالث عشر ، وبالتحديد خلال الترجمة من العربية إلى العبرية واللاتينية ومن خلال الثورة الرشدية اللاتينية العارمة التي عمت أوربا ولفت معها توما الأكويني وإستمرت إلى القرن السادس عشر حسب المصادر الغربية ، وحسب رأينا إن تأثيرها لم يتوقف على الإطلاق حتى هذه اللحظة .

حقائق ثابتة

أولاً – ضاعت محاورات إفلاطون على العالم  الغربي لمدة أكثر من ثمانية قرون ، فأنقطعت دائرة التفكير الغربي الفلسفي من الإتصال بفلسفة إفلاطون ، وذلك عندما إنقسمت الكنيسة إلى كنيسة شرقية وغربية ، وكانت مخطوطات محاورة إفلاطون محفوظة في القسطنطينية ،  ما عدا محاورة واحدة يتيمة ، وهي محاورة طيماوس ، ومن ثم أصبح  التراث الإفلاطوني تحت الحكم العثماني (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الأول / منشور على موقع الفيلسوف ، 5 سبتمبر 2011) . ولم يتصل الغرب من جديد بفلسفة إفلاطون إلا من خلال ترجمة التراث الفلسفي العربي الإسلامي الذي عرف بعمق فلسفة إفلاطون ، في القرن الثاني عشر ، ومن خلال الترجمتين ؛ أولاً من العربية والى العبرية ومن العربية والعبرية إلى اللاتينية . ولعل أول من نشر هذه المحاورات الإفلاطونية العائدة إلى الغرب في عصر النهضة الأوربية ، وبالتحديد عام 1578 ، هو هنري إيستين ، والذي كان إسمه باللاتينية ستيفينوس (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الثاني / منشور على موقع الفيلسوف ، 2 نوفمبر 2011) .

ثانياً – كما فقد العالم الغربي الإتصال بكتب أرسطو منذ نهاية القرن الثالث الميلادي ، وبالتحديد في عام 286 ، وهو تاريخ إنشطار الكنيسة إلى كنيسة شرقية وكنيسة غربية ، وكان تراث أرسطو جزء من ممتلكات الكنيسة الشرقية في القسطنطينية التي إحتلها الأتراك واصبح التراث الأرسطي جزء من ممتلكات الدولة الإسلامية . ومن الثابت تاريخياً وفق المصادر الغربية إن إتصال الغرب بتراث أرسطو تجدد في لحظتين تاريخيتين ؛  (أي بعد تسعة قرون من إنتقالها إلى القسطنطينية وهذه هي الرحلة الأولى لكتب أرسطو والرحلة الثانية بعد غلق الإمبراطور جوستنيان للمدارس الفلسفية عام 429 م وطرد الفلاسفة خارج الإمبراطورية ومعهم تراث أرسطو وهذه الرحلة إستمرت أكثر من ستة قرون وإستقر تراث أرسطو في مدرسة جنديسابور التي تقع في الجنوب الشرقي من عراق الدولة العباسية) . اللحظة الأولى حدثت في عام 1150 وبالتحديد في نهضة القرن الثاني عشر . ولحظة الإتصال الثانية بتراث أرسطو جاءت في العقدين الأولين من القرن الثالث عشر ، وذلك من خلال الترجمة الواسعة لكتب إبن رشد التي حملت في داخلها مؤلفات أرسطو ، والتي تُرجمت أولاً من العربية إلى العبرية ، ومن العبرية إلى اللاتينية ، ومن ثم مباشرة من العربية إلى اللاتينية (للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ محنة القديس توما الإكويني مع تراث إبن رشد / منشور على موقع الفيلسوف / 8 يناير 2012) .

ثالثاً – إن بواكير البحث المنطقي المعاصر أشر عودة إلى تراث أرسطو ، فبدأ العقل المنطقي المعاصر يقرأه من جديد ويكتشف جوانب جديدة فيه ، أو يُعيد صياغة نظريته القياسية من زوايا متعددة سنتاكسية وسيمناطيقية وبراجماطيقية .  فمثلاً حدث على يد المدرسة البولندية ، وخصوصاً جماعة وارشو الفلسفية ، وبالتحديد في أبحاث كل من الفريد تارسكي (1901 – 1983) ، وسنوسكي وهو أستاذ تارسكي (1886 – 1939) وكاتربنسكي (1886 – 1981) (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : رودلف كارناب  / المحور المعنون كرناب وصلته بجمعية رايخنباخ وجماعة وارشو / منشور على موقع الفيلسوف ، 1 مايس 2010) . ودراسات جوتلوب فريجة في منطق الحدود الأرسطي ومنطق القضايا الرواقي (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ جوتلوب فريجة : فيلسوف اللغة وعالم المنطق المعاصر / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس ربيع 2012) . وحدث تنازع بين الباحثين حول مقدار الإستبطان الذي قام به الفيلسوف وعالم المنطق برتراند رسل لأبحاث عالمة المنطق إميلي جونز والتي كانت إستاذة في كيمبريدج ورسل طالباً يكتب إطروحته للدكتوراه بعنوان مقالات في أسس الهندسة ، والذي إعترف بأنه أخذ بوجهة نظر برادلي والأخير أشار بوضوح بأنه إستفاد من أبحاث جونز في نظرية الذاتية ، وخصوصاً في عملها على تطوير المنطق الرواقي ، وإحتجاج رسل على إنه إعتمد على فريجة مرة ، وعلى برادلي مرة ، هو محض دوران وهروب من الإعتراف بأسبقية زميلته على كل من فريجة وبرادلي وعليه بحد خاص (أنظر : الدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي كونستنس جونز(1848 – 1922) / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011) .

رابعاً – كانط (1724 – 1804) وأرسطو : يجري الحديث في كثير من دوائر البحث الأكاديمي  الغربي المعاصر ، وخصوصاً في مضمار البحث في إصول نظريات كانط الفلسفية  ، حديث فيه حياء متردد ودوارن ، فمثلاً ظهرت مقالات وعناوين تربط كانط بأرسطو ، وتحت عنوان كان أرسطو كانطياً قبل كانط . أحسب إن هذا العنوان غير دقيق ، والأدق إن يجري الحديث عن كانط الأرسطي أو مقدار حضور أرسطو في فلسفة كانط . فمثلاً في مضمار الأخلاق الكانطية ، لا نستطيع أن نفهم كتاب كانط المعنون أسس ميتافيزيقا الأخلاق (كتبه كانط عام 1785) دون أن يكون لدينا إلمام بكتاب الفيلسوف اليوناني أرسطو الأخلاق النيقوماخية أو الأخلاق إلى نيقوماخوس . والحقيقة إن كتاب كانط فيه الكثير الكثير من المناقشات لأراء فيلسوف إسطاغيرا الأخلاقية ، والتي إتخذت أشكالاً متنوعة ، منها التسليم بها نقطة إنطلاق في المناقشة . ومن ثم أخذاً ومخالفة وإعادة إنتاج وفقاً لنظرية الواجب الكانطية .

   كما وإن قارئ كتاب كانط يشعر بضرورة العودة ليس إلى كتاب أرسطو الأخلاق النيقوماخوسية لوحده ، وقد لا يكون كافياً لتوفير فهم لكتاب كانط على الإطلاق ، وإنما يتطلب العودة إلى كتاب أرسطو الميتافيزيقا لأن كانط كان قارئً ذكياً لفكر أرسطو وكان عارفاً بإن القاعدة الصلدة لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس هو منبتها الميتافيزيقي . ومن هنا جاء عنوان كانط جامعاً بين الأخلاق النيقوماخوسية والميتافيزيقا الأرسطية على الأقل في عنوان كتاب كانط  أسس ميتافيزيقا الأخلاق (أنظر : عمانوئيل كانط ؛ المبادئ الأساسية لميتافيزيقا الأخلاق ، ترجمه إلى الإنكليزية توماس كنكسميل أبوت ، نشرة دار لونكمان ، نيويورك 1934 ، وقارن ذلك : أرسطو ؛ الأخلاق النيقوماخوسية ، ترجمة ديفيد رص (مع مقدمة رائعة) ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1925) .

خامساً – لا يستطيع باحث معاصر في الفلسفتيين الحديثة والمعاصرة من فهم مكانة منطق المحمولات أو منطق المقولات ، دون العودة إلى كتاب الفيلسوف اليوناني أرسطو المعنون باليونانية الأورغانون ، وبالتحديد إلى فصيلة منه ، وهو كتاب المقولات (ولهذا نلح على شعار العودة إلى الفلسفة اليونانية والإسلامية لفهم الفلسفة الحديثة والمعاصرة وخلاف ذلك نكون رهائن للفهم السطحي ، ونقدم للقارئ طبقاً من الأبحاث القشرية التي لا تلبي حاجاته ، وتظل بثوراً نوابت على جلد الفلسفة) .

  بالطبع مر كتاب المقولات بمحطات فلسفية مهمة ، المطلوب من الباحث المعاصر في الفلسفتين الحديثة والمعاصرة إن يعرف ماذا حدث لكتاب المقولات الأرسطي في تلك المحطات ، وهي الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً إفلوطين وتلميذه فرفريوس الصوري صاحب كتاب الإيساغوجي ، والمناطقة العرب وهوامشهم وتطبيقاتهمالمنطقية في مضماري اللغة العربية تطلعاً لإنشاء أورغانون للغة العربية ، وفي الفقه الإسلامي .. وتتوجت بشروح إبن رشد على جميع كتب أرسطو ، وخصوصاً كتب الأورغانون مع محافظة أمينة على النص الأرسطي ، والتي إنتقلت في العقدين الأولين من القرن الثالث عشر الميلادي إلى أوربا بالعبرية أولاً ومن ثم باللاتينية لغة أوربا يومذاك ، وتلقف النصوص الرشدية القديس توما الإكويني ونظفها كما إدعى من الأخطاء الرشدية (وهو إدعاء عقيدي يخلو من الحقيقة) وحملت إسمه دون وجه حق علمي (تم ترجمت شروح إبن رشد على كتب أرسطو إلى العبرية واللاتينية ، وكان متداولة في جامعات شمال إيطاليا ، وجامعة باريس ، وكان توما الأكويني يومها طفلاً  ، وكان مترجمه المزعوم الأسقف موربيك (99%) صبياً . للإطلاع على مترجمي كتب إبن رشد للعبرية واللاتينية ، وكذلك على الفلاسفة الرشديين العبريين واللاتين ، أنظر : محمد جلوب الفرحان :   / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس شتاء 2012) .

  ولذلك تعامل الفلاسفة المحدثين مع تراث أرسطو ، وبالتحديد من خلال الترجمات اللاتينية لتراث أرسطو الرشدي الذي كان متداولاً في جامعات شمال أيطاليا وباريس في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي ، ونحسب إن إطروحة الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر الثانية بعنوان نظرية المقولات عند الفيلسوف المدرسي دنس سكوتس (1265 – 1308) والذي عاش في قمة نهضة الثاني عشر التي شهدت الترجمة من العربية، والتي كانت في إتصال بكتاب المقولات لأرسطو العربي . وفعلاً فقد كانت هناك شكوك تساور هيدجر عن مقدار الحق في أرسطو التوماوي (نسبة إلى توماس الأكويني) . وفعلاً فقد نشر هيدجر مراجعة في مجلة الأكاديمي جاءت بعنوان : ما مقدار النجاح في معالجة مبادئ أرسطو التوماوية . وبعد ذلك تم الإكتشاف بأن هيدجر وقع في إشكال سببه نشر كتاب المقولات لدنس سكوت بكتاب عالم منطقي من القرن الرابع عشر ، وهو توماس إرفورت (والذي كان معلماً من القرن الرابع عشر) والذي ترك أثراً على مضمار السيمونطيقا (فلسفة اللغة) عند الفيلسوف البراجماتي شارلز بيرس (1839 – 1914) (أنظر : جاك زبكو ؛ توماس إرفورت / إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة ، ط1 2002 أونلاين) . والذي صمت هو الأخر ولم يعلق شيئاً على الخلط بين الكتابين ؛ كتاب المقولات لدنس سكوت ، وكتاب المقولات لتوماس إرفورت*.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وهنا لي مداخلة على موقف هيدجر والبراجماتي تشارلز بيرس . فأقول إنه من الثابت تاريخاً من زاوية المصادر الغربية : أولاً إن دنس سكوتس كتب والمصادر العربية ومن ضمنها كتاب المقولات كانت متوافراة له في ترجماتها العبرية واللاتينية . والسؤال لماذا سكت هيدجر وهو باحث ومحاضر في الفلسفتين القديمة والمدرسية كما تؤكد محاضراته في جامعة هيدلبيرك (وهو أول فصل دراسي علم فيه هيدجر في عام 1915 وحضرته الفريدا بيتري (1893 – 1992) والتي أصبحت زوجته) . ثانياً – في القرن الرابع عشر (وهو والقرن الثالث عشر عصر شيوع الرشدية العبرية والرشدية اللاتينية موجة فلسفية عارمة ، حتى المصادر الغربية تصفها بالثورة الرشدية أو الأرسطية المتطرفة وعصر المواجهة مع توما الأكويني ومن ثم ذهب الأكويني ضحية خصومه الذي كشفوا من خلال نصوصه إنه يقتبس أكثر من 500 مرة من كتابات إبن رشد هذا قليل جداً والحقيقة إن معظم كتب أرسطو التي شرحها الأكويني هي مؤلفات إبن رشد إدعى الأكويني إنه قام بتنظيفها من أخطاء إبن رشد ، فتصور وتساءل : هل إن فعل الأكويني هو تأليف أم تنظيف على حد لفظته؟) وهو القرن الذي كتب فيه توماس إفروت كتابه المقولات وعلاقته بنظرية الدلالة الذي تحدث عنها البراجماتي تشارلز بيرس والذي صمت ولم يثير شكاً أو تساؤلاً عن هذا المجهول توماس إفروت (ونحن نشك في هذا الأسم ، ونرجح واحداً من الإحتمالين : الأول إن إفروت هو تحريف مقصود لأسم إبن رشد إفروس وبذلك إن الحديث عن كتاب المقولات لتوماس إفروت هو الحديث عن مقولات إفروس / إبن رشد) . الثاني إن كتاب المقولات قد نسب إلى توما الأكويني ويومها وجهت تهم بكونه رشدياً . وللتوجيه ضده كما حدث في قرارت إدانته بعد موته بالرشدية ، فتم تبديل الأكويني بأفروس وحرف إلى توماس إفروت (وفي هذا التوماس الرشدي حقيقة كبيرة ، أعلن عنها توما عندما حدد وظيفته بتظيف مؤلفات أرسطو من الأخطاء التي وقع فيها إبن رشد) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وبالمناسبة إن كلا إطروحتي الدكتوراه  للفيلسوف المعاصر مارتن هيدجر ، كانتا في علم المنطق ؛ فالأولى كانت بعنوان نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نقدية في علم المنطق ، والثانية كما عرفنا في المقولات كذلك (أنظر : أنمار كيثمان سيفيرت ؛ مارتن هيدجر / الإنسكلوبيديا اللاهوتية 1982 ، ج 14 ، ص 542) .

  إن المهم هو أن نبين بأن كتاب المقولات لعب دوراً كبيراً في تاريخ الفلسفتين الحديثة والمعاصرة . وهذا الأثر لكتاب المقولات ظهر بأشكال متنوعة أخذاً حرفياً وتخيراً وتعديلاً ، وقائمة الفلاسفة طويلة ، تبدأ بأب الفلسفة الحديثة الفيلسوف ديكارت (1596 – 1650) ، إسبينوزا (1632 – 1677) ، لايبنز (1646 – 1716) ، لوك  (1632 – 1704) ، بيركلي (1685 – 1753) ، هيوم (1711 – 1776) ، كانط ، هيجل (1770 – 1831) ، فرانز برنتانو (1838 – 1917) والذي كتب إطروحتين للدكتوراه ؛ الأولى بعنوان المعاني المتعددة للإنطولوجيا عند أرسطو ، والثانية بعنوان علم النفس عند أرسطو ، وخصوصاً الأولى ، فقد تركت أثراً على فينومنولوجيا  هوسرل ، وعلى مارتن هيدجر الذي قرأها في بواكير شبابه (أنظر : فرانز برنتانو ؛ المعاني المتعددة للوجود (الإنطولوجيا) عند أرسطو ، ترجمة رودلف جورج ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1975 ، وكذلك : إليزابيث بروهيل ؛ حانا أرنديت : من أجل حب العالم ، نشرة مطبعة جامعة ييل 1982 ، ص 46) .

  وحالة الفيلسوف باروخ إسبينوزا (1632 – 1677)حالة إنموذجية تعلم جيل من الباحثين العرب (وتشمل الغربيين كذلك) الذين تصوروا بإن دراسة الفلسفة الحديثة والمعاصرة معزولة عن منبتها اليوناني وجذرها الإسلامي – الرشدي مثلاً  ، ممكنة . إن حالة الفيلسوف الحديث تكشف وهم الباحثين العرب بأنه من المستحيل فهم فلسفة إسبنوزا من دون الوقوف على فلسفة الفيلسوف العبري (اليهودي) موسى إبن ميمون (1134 – 1204) ، والذي لايمكن فهم فلسفته دون الوقوف بالتفصيل على فلسفته معلمه غير المباشر إبن رشد (1126 – 1198). ونحسب من المفيد إن نبين بإن إبن ميمون كان طبيب صلاح الدين الأيوبي ، ومن ثم طبيب ولده . وفي القاهرة تفرغ إبن ميمون أكثر من عقد من السنين يدرس مؤلفات إبن رشد ، وراسل طلابه اليهود في شمال أفريقيا ودعاهم بضرورة دراسة فلسفة إبن رشد . ونعتقد مع إبن ميمون وطلابه بدأت ما يسمى بالنهضة الرشدية العبرية (يجري الحديث في دوائر البحث الفلسفي الغربي ، التي تدرس الفكر اللاهوتي والسياسي عن إسبينوزا ، وبالتحديد على رائعته “ الرسالة اللاهوتية – السياسية ” على إنها تأثرت بكتاب إبن ميمون ” دليل الحائرين ” والذي صدر في العربية والعبرية . إلا إنه إشتهر بنشرته العربية . أنظر للإطلاع : إليزابيث روبنسن ؛ سياسات التكريس : أثر كتاب إبن ميمون جليل الحائرين على فكر إسبينوزا السياسي / مجلة الفكر اليهودي – يصدرها مركز الدراسات اليهودية / جامعة تورنتو (أونلاين) وفي هذا الحديث الفلسفي الغربي ضميمة فيها إغماط حق معلمه إبن رشد الذي أحترمه إبن ميمون وعترف بفضله) .

  ومن خلال إسبينوزا نتحرك صاعداً إلى إبن ميمون  ، ومن ثم إلى تراث معلمه إبن رشد الحاضر في كتاب دليل الحائرين الذي تحول إلى إنجيل في دوائر الفكر الفلسفي اليهودي ، والذي عاد إلى التراث الرشدي يترجمه ويتدارسه ، فتكونت مدرسة عبرية رشدية خدمت الفكر الفلسفي الرشدي والفكر الفلسفي العبري والفكر الفلسفي الغربي والذي تتوج بإداع توما الإكويني بشرح لكتب أرسطو التي شرحها أصلاً إبن رشد . ومن ثم من إسبينوزا صعوداً إلى أب الفلسفة الغربية الحديثة رينيه ديكارت (1596 – 1650) (تتحدث الدراسات عن أثر إبن ميمون على ديكارت ، في حين صمتت عن النبع الروحي لفلسفة صاحب دليل الحائرين ، والذي فرغ نفسه في القاهرة لمدة أكثر من عقد من الزمن لدراسة مؤلفات إبن رشد والتي إمتص منها الكثير وظهرت أثاره واضحة في كتابه دليل الحائرين ، ولذي كان له حضور في ذهنية ديكارت وكتاباته . للإطلاع أنظر مثلاً : ليون روث ؛ إسبينوزا ، ديكارت وإبن ميمون / نشرة دار رسل ورسل ، نيويورك 1924) .

  وهنا أدعو طلبة الدراسات العليا في أقسام الفلسفة في الجامعات العربية (أو من يتطلع للدراسة في الجامعات الغربية) إلى دراسة نظرية المقولات ، مثلاً كتابة إطروحة مقارنة تدرس مقولات أرسطو العشرة (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو ، نشرة وزارة الثقافة والإعلام العراقية 1983) ، ومقولات كانط الإثني عشر (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ كانط والكانطية الجديدة / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد السادس ، ربيع 2012) ومقولات شوبنهور الأربعة (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الشرارة الأولى للكانطية الجديدة / منشور في مجلة أوراق فلسفة جديدة ، العدد السادس ، ربيع 2012) . وهنا أقدم مداخلة ربما تنفع مقدمة موجهة للباحثين في مضمار نظرية المقولات الأرسطية – الكانطية الشوبنهورية .

  صحيح إن كانط إفترض قائمة من المقولات ، تتألف من إثنتي عشر مقولة . وصحيح إن المقولة في تعريف كانط هي ” صورة أو إطار للفهم ” وإعتمداً على هذه المقولات أسس كانط نظريته الأبستمولوجية . وبالمقابل وجدنا قبله بأكثر من ألفين عاماً إن الفيلسوف اليوناني أرسطو قد إفترض قائمة تتألف من عشرة مقولات . وللتاريخ نقول إن قائمة أرسطو ظلت مهيمنة على مضمار الدوائر المنطقية والفلسفية حتى عصر كانط ، بل وإن إبحاثنا وجدت إن القائمة ظل لها حضور في عدد من أطاريح الدكتوراه الأولى والثانية لفلاسفة ألمان ولدوا بعد نشر كتاب كانط نقد العقل النظري الخالص (نشر عام 1781) ، بحدود أكثر من قرن من الزمن من أمثال مارتن هيدجر . ولكن مع الإشارة إلى إن هناك مراجعات مهمة قد حدثت على عدد المقولات ، ظهر فيها تحديد لعددها ، كما هو الحال في كتاب فرفريوس الصوري الإيساغوجي (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011) ، والمتابعة المنطقية العربية لهذا التحديد الفرفريوسي للمقولات (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : 1 – دراسات في علم المنطق عند العرب ، طبع بمطابع جامعة الموصل 1987 . 2 – الفكر المنطقي الإسلامي ، طبع بمطابع جامعة الموصل 1987) .

  ويعتقد إيفا سايون ، في كتابها المعنون تأملات منطقية وروحية / الجزء الثاني والمعنون نقد اللامعقول عند كانط ، الفصل الخامس والمعنون مقولات كانط  ، بأن كانط لم يُعدل قائمة أرسطو في المقولات ، وإنما صاغ بدلاً منها قائمة جديدة . ونحسب ذلك كلام غير دقيق ، غير متفهم لحقيقة العمل الذي قام به الفيلسوف الألماني كانط ، وفيه إغماط لتاريخ طويل لنظرية المقولات الأرسطية . ولهذا نخالف إيفا سايون ونقدم كشفاً بقائمة مقولات أرسطو ، ومن ثم نتبعها ببيان بقائمة مقولات كانط . ومقولات أرسطو العشرة هي : الجوهر ، الكيفية ، الكمية ، المكان ، الزمان ، الفعل ، الإنفعال ، الملكة والحالة (الوضع) .

   وهنا نود أن نشير إلى أمرين مهمين متعلقين بمكانة منطق المقولات (أو منطق المحمولات الأرسطي) الذي كان موضوع تأملات الفلاسفة المحدثين والمعاصرين . الأول – إن مقولات أرسطو حالها حال  مقولات كانط ، هي مفاهيم ، ولكنها حدود لتصنيف الأشياء ، وإنها تتوزع في قائمة من الموضوعات والمحمولات  التي تكون القضايا ، والتي أطلق عليها القضايا الحملية ، والتي يمكن التعبير عنها في صيغة :   أ هي ب .

والثاني – إن أرسطو رجل علم ، ولذلك كانت قائمته في المقولات هي تراكيب نظرية ذات منبت تجريبي . وهذا يجعل منطق أرسطو دائم الإغراء للمعاصرين لمراجعته ، والعمل على صياغته وفق التطورات العلمية الجارية . وللتذكير إن بدايته جاءت من مضمار البايولوجيا الذي إشتغل فيه أرسطو منذ سنوات مبكرة وذلك عندما ساعد والده الطبيب في بعض العمليات الجراحية ، ومن ثم قيامه بتشريح الحيوانات التي كان يرسلها إليه تلميذه الإسكندر المقدوني خلال إحتلاله للشرق .  

  أما مقولات كانط الإثني عشر ، فهي  الوحدة ، والكثرة ، والجمع ، والإيجاب ، والسلب ، والحدود ، والجوهر ، والعلية ، والتبادل ، والإمكان ، والواقعية والضرورة . ووزعها كانط في أربعة مجموعات ، وهي الكيفية والكمية ، والعلاقة والنمودجية . إذن هناك وضوح في متابعة كانط لمقولات أرسطو ، وخصوصاً الجوهر والكيفية والكمية .. إضافة إلى مقولتي الزمان والمكان (ولا نعرف لماذا ظلتا خارج قائمة كانط وهما المقولتان الفاعلتان في الأبستمولوجيا الكانطية . وفعلاً فإن شوبنهر عاد إلى ما يشابه قائمة أرسطو . فقام بإختصار مقولات كانط الإثني عشر في ثلاث مقولات ، وهي : المكان والزمان والسببية ، وأضاف إليها الفعل الذي هو مقولة في قائمة أرسطو  (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ، كانط والكانطية الجديدة (مصدر سابق) ، وكذلك : محمد جلوب الفرحان ؛ الشرارة الأولى للكانطية الجديدة (مصدر سابق)) .

  وجاء إثنين من الفلاسفة المعاصرين بعد كانط ، وهما مارتن هيدجر وشارلز بيرس ، اللذان عادا إلى نظرية المقولات الأرسطية في صيغها المدرسية ، وبالتحديد في تراث دنس سكوتس ، وتوماس إفروت ، ووجدا فيها إصول نظرية في الدلالة والسيمونطيقا . والواقع إن أبحاث مارتن هيدجر وشارلز بيرس ،  رغم خلط الأول بين تراث دنس سكوتس ، ورغم صمت الثاني ، فإن أبحاثهما أكثر إرتباطاً بالتطورات المعاصرة الحادثة في مضمار المنطق المعاصر . بينما عمل كانط ظل متعلقاُ بأبستمولوجيا ترنسندنتالية ، وستكون موضع نقد وتقويم من قبل عدد من الكانطيين الجدد وخصوصاً نظرية كانط في المقولات الإثنتي عشر (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ التنوع في مدارس الكانطية الجديدة / منشور على موقع الفيلسوف ، 1 يونيو 2012) . 

 سادساً – الفلسفة اليونانية موضوع إهتمام الفيلسوف الألماني المعاصر فردريك نيتشه (1844- 1900) . نحسب إنه من المفيد الإشارة إلى إن كتاب نيتشه ” ما بعد الخير والشر ” قد حمل مشروع ثورته على الفلسفة . ولكن لاحظنا إن العنوان الفرعي للنشرة الألمانية لكتاب ما بعد الخير والشر ، يكشف عن إتجاه الثورة الفلسفية التي خطط لها نيتشه في هذا الكتاب ، ومن ثم سعى إلى إنجازها . فالعنوان الفرعي هو : مقدمة إلى فلسفة المستقبل . إذن هدف الكتاب ونيتشه هو إنشاء فلسفة المستقبل التي لا علاقة لها بتاريخ الفلسفة العتيد .  وهذا يعني إن الكتاب يحمل نقداً وتقويماً لتاريخ الفلسفة من سقراط وإلى ماقبل نيتشه .

   كما وإن هذا الأمر يحملنا على القول بإن هناك وجهة نظر نيتشوية مختلفة وتقويم نيتشوي مغاير لوضع الفلسفة قبل سقراط والفلاسفة البيروسقراطيين (أي الفلاسفة ما قبل سقراط) . صحيح إن كتاب ما بعد الخير والشر ركز على نقد وتقويم الحقبة الثانية . ألا إن التقسيم النيتشوي لتاريخ الفلسفة إلى حقبة ما قبل سقراط حمله كتاب أخر من كتب نيتشه ، وهو كتاب ” الفلسفة في عصر الإغريق التراجيدي ” والذي لم يكمله مع الأسف (فقد تناول فيه طاليس ، إنكسيمندر ، بارمنيدس  ، هرقليطس ، وإنكساغوراس الذي توقفت عنده أوراق نيتشه ، وكانت خطة الكتاب تشمل ديمقريطس ، إمبادوقليس وسقراط)، والذي نشر بعد وفاته .إلا إن هناك ملاحظات قد وجدت مع أوراق هذا الكتاب ، تشير إلى إن نيتشه كتبها بحدود عام 1873 .

   وعلى أساس التقسيم النيتشوي لتاريخ الفلسفة الأوربية إلى حقبتين : حقبة ما قبل سقراط وهي حقبة الفلاسفة الكبار وحقبة الإبداع في المنهج وفي الإنشاء الفلسفي الأصيل ، وهذه الحقبة درسها في كتابه الفلسفة في عصر الإغريق التراجيدي . وحقبة الفلسفة ما بعد سقراط والتي حسب المفهوم النيتشوي ، بدأت مع سقراط الذي ” أفسد إفلاطون ، وأفسد الشباب ولذلك إستحق شرب كأس السم ” . إنها كلمات قاسية أصدرها نيتشه بحق سقراط وحواريه إفلاطون . وفي ضوء هذا التقويم النيتشوي ، نحسب إن ثورته خصت الفلاسفة والنتاج الفلسفي في الحقبة الثانية فقط ، وذلك لإن نيتشه  في كتابه الفلسفة في عصر الإغريق التراجيدي يُعلي من الفلسفة والفلاسفة قبل سقراط عامة ومن الفيلسوف اليوناني هرقليطس المفضل لديه خاصة. 

  إن منهاج ثورة الفلسفة في طرف منه (وليس في كله كما سنبين) والذي عمل نيتشه بكل جهد وطاقة إلى إنجازها في كتابه مابعد الخير والشر ، كان منهاج الثورة هو كتابه الفلسفة في عصر الإغريق التراجيدي ، الذي أعلى فيه من قيمة الفلسفة والفلاسفة قبل سقراط . في حين على أساس ذلك نظر ودقق في تاريخ الفلسفة بعد سقراط وحتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وكذلك في ضوء القيم الفلسفية الراقية الأصيلة والمناهج الفلسفية ، والإصطلاح الفلسفي الذي أنتجه العقل الفلسفي في حقبة ما قبل سقراط ، إنتقد نيتشه وحاكم الإرث الفلسفي وفلاسفة ما بعد سقراط الذي أكد نيتشه فيه على فساد الأستاذ سقراط والذي بدوره أفسد تلميذه إفلاطون .

   ومن المعروف لدى دارسي تاريخ الفلسفة العام وحتى نهايات القرن التاسع عشر ، سلطة إفلاطون وسطوة فلسفته على برامج تدريب وإنتاج الفلاسفة والمدارس الفلسفية .  وإذا أضفنا إلى الصورة الفيلسوف أرسطو وهو تلميذ إفلاطون ، فان سلطته وسطوته معروفة هي الأخرى على برامج التدريب الفلسفي وإنتاج الفلاسفة خلال حقبة ما بعد سقراط .

    حقيقة إن نيتشه ثار على سقراط وإتهمه بإفساد الشباب ، ورأى إنه أستحق الإعدام على الطريقة اليونانية يومذاك ، وذلك ” بشرب كأس من السم ” . وثار على إفلاطون الضحية ، التي أفسدها سقراط . وهذا الكلام النيتشوي يتحمل الحكم ، حسب فهمي ، على فلسفة إفلاطون من زاوية نيتشه  بأنها ” فلسفة فاسدة ” . كما إن من المعروف إن الشباب الذين أفسدهم سقراط ، هم طلابه الذين تحولوا بعد إعدامه إلى ما أصبح يعرف في تاريخ الفلسفة بقيادات المدارس السقراطية الصغرى ، وعرفوا بالسقراطين الصغار نسبة إلى معلمهم سقراط الكبير . وقد لعب بعضهم من مثل أقليدس الميغاري دوراً فاعلاً في أكاديمية إفلاطون التي تخرج منها جيش من الفلاسفة ومحبيها. وكان ارسطو واحداً منهم والذي لعبت مدرسته المشائية دوراً مؤثراً على طول وعرض تاريخ الفلسفة الأوربية وحتى الحقبة التاريخية ، التي عاش وعلم وكتب فيها نيتشه .

  على كل إن كتاب نيتشه مابعد الخير والشر ، حمل راية ” ثورة الفلسفة ” على تاريخها الذي يغطي الفترة الممتدة بين الحقبة التي يطلق عليها نيتشه إصطلاح ما بعد سقراط  وإلى عصر نيتشه .إن هذا طرف من ثورة الفلسفة ، وهو طرف لايشمل الفلاسفة قبل سقراط . ولكن ثورة الفلسفة في ما بعد الخير والشر تصبح في بعض القضايا التي أثارها نيتشه شاملة لكل تاريخ الفلسفة ليس فيه إستثناء لحقبة ما قبل سقراط .

   فقد لاحظ كاتب المقال إن في الكتاب نقد وكشف نيتشوي لما أسماه ” بعيوب الفلاسفة ” وهذا يشمل ” فلاسفة الماضي ” . كما وإن ثورة الفلسفة عند نيتشه ، لم تكن برمتها ” تدميرية سلبية ” وإنما تطلعت إلى ولادة ما أسماهم نيتشه “بالفلاسفة الجدد” وهذا البعد البنائي الإيجابي لثورة الفلسفة النيتشوية . وعلى أساس هذا البعد البنائي ، سعى نيتشه بكل جد إلى تحديد مواصفاتهم ، فهي تشمل : الخيال ، الأعتماد الذاتي ، المخاطرة ، الأصالة و” خلق القيم ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ثورة الفلسفة : مشروع نيتشه في كتابه ما بعد الخير والشر / موقع الفيلسوف / 14 أبريل 2011) .  

سابعاً – إهتمام معاصرغير إعتيادي بالفلسفة اليونانية ، فمثلاً كتب كارل ماركس (1818 – 1883) إطروحته للدكتواره بعنوان : الإختلافات بين فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وأبيقور ، والتي أكملها عام 1841 في جامعة برلين وللإتجاهات المحافظة في الجامعة يومذاك ، قام بتقديمها إلى جامعة ينا وحصل منهاعلى درجة الدكتواره (أنظر : فرنسيس وين ؛ حياة كارل ماركس / دار نشر فور ستت ، لندن 2001 ، ص 33) . ومن ثم إهتمام إستثنائي بالفيلسوف اليوناني هرقليطس . فعلى سبيل المثال كتب فيلسوف التاريخ الألماني المعاصر إسوالد شبنجلر (1880 – 1936) إطروحته للدكتواره عن هرقليطس . وفي البداية رفضت لقلة مصادرها ، وفي السنة اللاحقة حصل على درجة الدكتوراه بعد إن عاد إلى المصادر الكافية عن هرقليطس وفلسفته (أنظر : جون فارنكوف ؛ نبي السقوط : شبنجلر وتاريخ العالم والسياسة / نشرة جامعة لويزيانا 2001) . ولا ننسى إن فيلسوف القرن العشرين الفريد نورث هوايتهيد (1861 – 1947) هو فيلسوف إفلاطوني . ولعل كتابه محاورات الفريد نورث هوايتهد ، هي صورة تجديد لطريقة المحاورة التي أرسى أدبها الفلسفي الفيلسوف اليوناني إفلاطون (والتي هي سلسلة حوارات مع طلبته في الدراسات العليا في بيته في أمريكا بعد إن إستقر ومات فيها)(أنظر : برايس لوكين : محاورات الفريد نورث هوايتهيد / مع مقدمة كتبها السير ديفيد رص ، نشرة دار كرين وود 1977) .

  كما ولا ننسى الإهتمام المعاصر بتاريخ الفلسفة ، وبالتحديد الطرف اليوناني منها . فقد كتب فيلسوف القرن العشرين برتراند رسل (1872 – 1970) كتابه الشهيرالمعنون : تاريخ الفلسفة الغربية وعلاقته بالظروف الإجتماعية والسياسية من العصور المبكرة وحتى العصر الحاضر / (نشرة دار سايمون وسكوستر ، نيويورك 1945) . والقائمة طويلة ولكن مسك الختام هو الحديث عن إهتمام الفيلسوف الفرنسي المعاصر هنري برغسون (1859 – 1941) ، الذي كتب إطروحته الأولى بعنوان الزمن والإرادة الحرة ، ومن ثم عمل إطروحة مصاحبة لها باللاتينية بعنوان أرسطو في المصادر اللاتينية (وبالتأكيد أرسطو إبن رشد الذي ترجم من العربية إلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية)، والتي قدمها إلى جامعة باريس في العام 1889 والتي صدرت في كتاب في السنة التالية . وفي وقت مبكر قام بنشر نصوص فلسفية منتزعة من كتابات الفيلسوف الأبيقوري والشاعر الروماني لوكريتوس (99 – 55 ق.م) وكانت دراسة نقدية للنص ونظرة الفيلسوف الأبيقوري ، والتي صدرت في العام 1884 .كما لاحظنا إن برغسون قد إهتم بالفلسفة قبل سقراط ، وقدم سلسلة من الفصول الدراسية ، خصوصاً عن الفيلسوف اليوناني هرقليطس (535 – 475 ق.م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ حضور برغسون في خطاب مالك بن نبي ، صحيفة البلاد اللندنية (كندا) ، العدد 109 كانون الثاني 2011) .     

   إذن يصبح من السُخف الإعتقاد بأن الباحث المتخصص في الفلسفتين الحديثة والمعاصرة ، قادر على أن يفهم فلسفة رينيه ديكارت دون الحاجة إلى دراسة الفلسفة الإسلامية ، فهو في وهم داينوصوري يُعطل فهمه لكثير من القضايا في الفلسفة الديكارتية ، وينقل هذا الوهم لطلبته المساكين الذين سيرددون نشيد أستاذهم الموهوم . فمثلاً إن فلسفة ديكارت لا يمكن أن تفهم دون العودة إل الفيلسوف النهضوي مونتاني (1532 – 1592) ومنهجه الأبستمولوجي الشكي ، الذي إستلهمه ديكارت ، وبطرفيه الشك في الحواس والشك في العقل . إن قراءة كتاب مقال في المنهج للفيلسوف الفرنسي ديكارت في ضوء الأراء الأبستمولوجية في منهج الشك للفيلسوف الفرنسي النهضوي مونتاني ، تجعلك تتيقن بأستاذية مونتاني وكون ديكارت* مجرد تلميذ في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وهناك طرف من شكية ديكارت لا يمكن فهمها من دون العودة إلى كتابات الشكي – الأبيروني ساكس إمبريكوس الذي توفرت كتاباته لديكارت يومذاك وكان قارئاً جيداً لها ، كما إن هناك طرف رواقي في فلسفة ديكارت ، ومن ثم هناك طرف أبيقوري قوي في فلسفة الفرنسي بيير جاسندي (1592 – 1655) وكان معاصراً وخصماً عنيداً لديكارت ، وعلى أساس أبيقوريته سعى جاسندي في محاولة جريئة في تاريخ الفلسفة الحديثة إلى المصالحة بين ذرية الأبقورية والمسيحية / وهذه مسألة سنتابع بحثها في أوراق فلسفية جديدة قادمة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 مدرسة نهضوية إسمها المونتانية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بيئة الفكر الفلسفي الحديث : مشروع قراءة لفكر عصر النهضة / نشرة مطبعة جامعة الموصل 1987 ن ص ص 30 – 31) . ومونتاني عاش في عصر النهضة ، الذي تشكل نتيجة للثورة الرشدية ، أو ما يسميها الأكاديميون الغربيون (كعادتهم في خلط الأوراق) بالثورة الأرسطية المتطرفة .

  ضم هذا العدد من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، الأبحاث الآتية :

1 – الخلفيات الفلسفية للتجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة

2 – واقع الفلسفة عشية الإعلان عن ولادة الإفلاطونية المحدثة

3 – رصيد التجربة الفلسفية الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة

4 – فرفريوس الصوري : الإفلاطونية المحدثة العلمانية

5 – الفيلسوف إمبيلكوس : رئيس الإفلاطونية المحدثة السورية

6 – بحث في أنماط من الإفلاطونيات المحدثة المتنوعة

7 – الكتاب المسلسل

الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية حانا أرنديت

  فتمتعوا بقراءة هذا العدد الممتاز من مجلة أوراق فلسفية جديدة .

                                                  الدكتور محمد جلوب الفرحان

                                                          رئيس التحرير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

الخلفيات الفلسفية للتجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  يتحدث الأكاديميون في ديارنا الثقافية العربية الإسلامية ، وخصوصاً أكاديميو أقسام الفلسفة ، عن تيار فلسفي عارم هيمن على دوائر الأنظار الفلسفية في العصر الهيلينستي عامة ، وفي مدرسة الإسكندرية خاصة ، وهو تيار أو موجة الإفلاطونية المحدثة . ونحسب في حديثهم هذا تعميم مملوء باللبس ، وفيه خلط للإوراق ، والكثير الكثير من التشويه لحقائق تاريخ الفلسفة العتيد في هذه الحقبة التاريخية المهمة هذا طرف . والطرف الثاني إن الإفلاطونية المحدثة لم تكن التيار الفلسفي الوحيد الذي إنفرد بزمام البحث الأبستمولوجي ، وفرض هيمنة على المدارس الفلسفية في عواصم الثقافة الهيلينستية المتعددة يومذاك . كما إن إصطلاح الإفلاطونية المحدثة لم يكن متداولاً ، ولم تعرفه دوائر الفكر الفلسفي الهيلينستي (أنظر مثلاً مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، لم يكتب حرفاً واحداً في موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، عن الإفلاطونية المحدثة أو الأصح عن مدرسة الفيلسوف إفلوطين وطلابه من أمثال فرفريوس الصوري الذي كان معاصراً لديوجانس . للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) . إضافة إلى كل ذلك إن الإفلاطونية المحدثة لم تكن مدرسة فلسفية واحدة ، وإنما كانت هناك على الأقل مدرستين كبيريتين (وهناك مدارس صغرى تتوسط بينهما) ؛ الأولى الإفلاطوني المحدثة العلمانية ، والتي مثلها فرفريوس الصوري ، والتي دافع فيها عن روح تعاليم إستاذه إفلوطين . ولعل المهم في هذا الأمر جانبين ، الأول هو إن المعلن الحقيقي عن مدرسة إفلوطين (أو الإفلاطونية المحدثة بإصطلاحات المحدثين) هو فرفريوس الصوري ، فقد مات إفلوطين ولم ينشر حرف واحد ، وإن كل ماتركه أرواق مبعثرة ، هي في حقيقة الأمر مخططات للمحاضرات التي كان يلقيها على طلابه . فجمعها فرفريوس ونقحها وصنفها ووضع لها مدخلاً ونشرها ، ومن ثم نشر معها السرة الذاتية لأستاده إفلوطين (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) . والمدرسة الثانية هي المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة ، والتي أسسها تلميذ فرفريوس الصوري الملك الأشوري إمبيلكوس ، والتي رفضت علمانية فرفريوس الصوري ، وتوجه توجهاً دينياً ، فإنفتح على كتاب الثيورجيا (الأسرار المصرية) وفيه تعاليم هرمس الهرامسة ، وأصبحت الطقوس والإحتفالات الدينية طابعاً متميزاً له ، وقد ندد فرفريوس الصوري بهذا التوجه الدي سار عليه إمبيلكوس وتخليه عن النهج العلماني الذي أرسى قواعده المؤسس إفلوطين وعمقه فرفريوس (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف الملك إمبيلكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) .

واقع الفلسفة قبيل عشية الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة وخلال المصاحبة لها

  أولاً هناك شهادتان من داخل الإفلاطونية المحدثة ، فيهما إعتراف بمدرسة فلسفية تقدمت عليها وفلاسفتها كانوا معاصريين لفلاسفة الإفلاطونية المحدثة . هذا الإعتراف حملنا على القيام بعمليات حفر للكشف عن المدارس الفلسفية التي تقدمت عليها ، والتي صاحبتها . وتتقدم حسب الإعتراف الإفلاطوني المحدث الفيثاغورية الجديدة . والحقيقة إن الإفلاطوني المحدثة إستبطنت الكثير الكثير من التعاليم الفيثاغورية ، وسعت مثل الفيثاغورية الجديدة إلى تجديد المشروع الأبستمولوجي الفيثاغوري ، ولذلك سنبدأ بحثنا بها ، ومن ثم نتابع البحث في حضور المدارس الفلسفية في أجواء تشكيل وصياغة المشروع الإفلاطوني المحدث

  أولاً – حضور فيثاغوراس وفلاسفة الفيثاغورية الجديدة    

   في الحقيقة الفيثاغورية الجديدة ، هي مدرسة فلسفية يونانية – إسكندرانية ، سعت إلى تجديد أو إحياء المبادئ الفيثاغورية . ومن ثم تحولت إلى مدرسة بارزة ، ملئت القرنين الثاني والأول قبل الميلاد . والأدق في رأينا إن فلاسفة الفيثاغورية الجديدة قد نشطوا ما بين 100 ق.م وحتى 300م . والواقع إن كلمة الفيثاغورية الجديدة (حالها حال الإفلاطونية المحدثة) إصطلاح إصطنعه الباحثون في العصر الحديث ، وأطلقوه على هذه المدرسة الفلسفية . ولاحظنا في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي ، إن الفلاسفة الرواد للحركة الفلسفية الجديدة ، التي ستُعرف بالإفلاطونية المحدثة ، قد بدأوا مسيرتهم الفلسفية مع الفيثاغورية الجديدة ، ومن ثم حملوها معهم إلى مكوناً فلسفياً مهماً في داخل عمارة الفلسفة الإفلاطونية المحدثة (وهذه سمة من سمات التفكير الفلسفي الإفلاطوني الجديد أو المحدث) (للتفصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011 ، وكذلك : محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف الملك الأشوري إمبليكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011) . 

  صحيحُ إن الإعلان الأول عن الفيثاغورية الجديدة ، كان في القرن الأول قبل الميلاد . وصحيح كذلك إن الفيثاغوري الجديد الأول ، هو بوبليوس نيكديوس فكيولس (حوالي 98 – 45 ق.م) والذي قام بأولى المحاولات الساعية إلى إحياء المبادئ الفيثاغورية . ولكن من أشهر فلاسفة الفيثاغورية الجديدة ، كانوا كل من أبولونيوس التايني (15 – 100 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ملاحظات منهجية حول موسوعة السفسطائي فيلوستروتس حياة أبولونيوس / منشور على موقع الفيلسوف 6 حزيران (يونيو) 2011) ، و مودرتيوس قادس (عاش في القرن الأول الميلادي) ، وعالم الرياضيات الشهير نيكوماخوس الجرشي (نسبة إلى جرش الأردنية) (60 – 120 م) والذي كتب عن الخصائص الصوفية (السرية) للأعداد .

  ونحسب من النافع أن نُخبر القارئ ، بأنه لازال النقاش بين الأكاديميين الغربيين دائراً حول التراث الفيثاغوري (والتراث الفيثاغوري الجديد) ، وهذه النقاشات تلخصها الأسئلة الآتية : هل حقاً كان التراث الفيثاغوري منتشراً بصورة واسعة في الإسكندرية يومذاك ؟ وإذا كان الجواب نعم كان منتشراً ، فإن الأسئلة التي تترتب على ذلك ؛ هل إن هذا المنشور ، هو أبحاثاً أصيلة كتبها الفيثاغوريون الجدد في القرن الأول الميلادي ؟ أم هي مجرد إعادة إنتاج ونشر الكتابات الفيثاغورية القديمة ؟ أو بمعنى أخف وطأة ؛ هي مجرد شروح عليها ؟ (أنظر : شارلز كان ؛ فيثاغوراس والفيثاغورية : تاريخ موجز ، نشرة شركة هاكت 2001 (195 صفحة)) .

 ومع القرن الميلادي الأول ، بدأت حركة فلسفية حثيثة نحو الفيثاغورية إستهلها المسيح التاريخي (أو الفيثاغوري الجديد) أبولونيوس التايني (للتفصيل عن شخصية المسيح التاريخي ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس الصوري / منشور على موقع الفيلسوف 6 مايو 2011) .

  ولعل من المهم أن نتساءل : من هو الفيثاغوري الجديد ” أبولونيوس التايني” ؟ وما هي مساهماته في تكوين أفق فلسفي سيعرف بالفيثاغورية الجديدة ؟ وماهي حقيقة تلميذه ” ديمس ” ؟ وهل هي حقيقة تاريخية ؟ أم مجرد شخصية روائية عول عليها فيلوستروتس ليوسع التفاصيل في عمله حياة أبولونيوس ، وليضيف على لسان ديمس ما رغب أن يعتبره طرفاً من فكر الفيثاغوري الجديد ؟

  نبدأ بحثنا بالإشارة إلى بعض الحقائق التي تتعلق بحياة أبولونيوس ومقارنة بين ما أوردته بعض الدراسات الحديثة وما ورد أصلاً في كتاب فيلوستروتس :

أولاً – ترى ” ماريا ديزلسكا ” إن كل مانعرفه عن أبولونيوس التايني (15 ؟ – 100 م ؟) ، هو إنه فيلسوف فيثاغوري جديد ، وهو خطيب وفيلسوف من القرن الأول الميلادي ، وهي الفترة التي ظهر فيها السيد المسيح . وقد جرت عادة مسيحي القرن الرابع على مقارنته بالمسيح الناصري . كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من كتاب العصر الحديث (أنظر: ماريا ديزلسكا ؛ أبولونيوس التايني : المعجزة والتاريخ ، روما 1983 ، ص 30 وما بعد). أما كتاب حياة أبولونيوس الذي كتبه السفسطائي فيلوستروتس ، وهو المصدر الأول لمعلوماتنا . فهو يخالف ما أقترحته ماريا ، خصوصاً الفترة التي عاش وعمل وفكر وكتب فيها . فبالنسبة لفيلوستروتس إنه عاش فيما بين (3  ق . م – 97 م) .

ثانياً – يرجح ” شارلس أليس ” إلى إن تاريخ ولادة أبولونيوس كانت ثلاثة أعوام قبيل ولادة المسيح . وبذلك يظل تاريح ولادته غير مؤكد خصوصاً إذا وضعنا في إعتبارنا إلى إن تاريخ ولادة المسيح هي الأخرى موضوع تساؤل وجدل (أنظر: شارلس أليس ؛ حياة وعصر أبولونيوس ، 1923 ، ص 3) . أما فيلوستروتس فقد بين إن أبولونيوس كان يعمل في بلاط الملك الفارسي ” فردانز الأول ” الذي حكم الإمبراطورية البارثينية ، فيما بين 40 – 47 م* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 *وأحسب إن هذه الرواية قد تصدم البعض ، ولكن هنا لست بصدد الدفاع عن رواية فيلوستروتس ، ولكن أدافع عن الواقع التاريخ الذي يقدم لنا شهادات عن الحوار الإيراني اليوناني الذي إتخذ أشكالاً مختلفة . ولعل قارئ المؤرخ اليوناني هيرودوتس يقف على عمق الفهم اليوناني المتنوع  للحياة الإيرانية هذا طرف (أنظر: هيرودوتس : التواريخ ، ترجمة أوبيري سلينكورت ، نشرة بنكوين للكلاسيكيات 1972 ) وهذا الكتاب موسوعة تتألف من تسعة كتب ، قسمها هيرودوتس على أساس حياة ملوك الفرس . أما الطرف الأخر فأن الأسكندر الكبير (356 – 323 ق. م) والذي صرف في حروبه الفترة الممتدة (335 – 322 ق. م) والتي شملت تركيا ، سوريه ، مصر ، بابل ، ومن ثم أحتل بلاد فارس وتزوج من بنت الملك الفارسي وجلب إلى بلاطه عدداً من الفلاسفة والمناطقة والعلماء .. وقد إستقر عدد منهم في كثير من المستعمرات اليونانية التي شكلت حاميات – مدن للدولة السلوقية (أنظر: بيتر كرين ؛ الأسكندر المقدوني 356 – 323 ق . م ، سيرة تاريخية ، نشرة مطبعة جامعة كولومبيا 1992) ، وتولدت أشكال من الثقافات الجديدة هي خليط بين الهيلينية والروح الزرادشتية .. فإله اليونان زيوس ظهر في عقائد الجيل الجديد (جيل مابعد إحتلال الإسكندر) في إيران بجانب الإله الزرادشتي إهوارمزدا .. كل هذا كان واقعاً تاريخياً قبيل أبولونيوس وعصره بقرون عدة .. فلا عجب إن عمل أبولونيوس في بلاط الملك الفارسي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثاً – يذكر فيلوستروتس إن أبولونيوس بدأ سنواته الخمسة من الصمت ، حين كان عمره عشرين ربيعاً . وبعد إكمال فترة الصمت رحل إلى بلاد ما بين النهرين وإيران رابعاً – أشار فيلوستروتس إلى إن حياة أبولونيوس قد طوت عدة إمبراطوريات رومانية ، منها إمبراطوريات : نيرون (37 – 68 م) ، مسبازيان (9 – 79 م) ، تيتوس (39 – 81 م) ، دوميتيان (51 – 96 م) ونيرفا (30 – 98 م) .

رابعاً – ويحسب فيلوستروتس إن حياة أبولونيوس كرجل ناضج إمتدت من (15 – 98 م) . وبالإعتماد على رواياته فإن الفيثاغوري الجديد أبولونيوس كان معلم فلسفة جوال غير مستقر في مكن واحد ، وصانع معجزات . وشمل نشاطه اليونان ، أسيا الصغرى (تركيا) ، إيطاليا ، أسبانيا ، شمال أفريقيا ، بلاد مابين النهرين (العراق) ، الهند ، إيران وأثيوبيا . ودخل روما في وقت حرم الإمبراطور الروماني نيرون على الفلاسفة من دخولها .. (وذكر روايات تحدي أبولونيوس للأمبراطور ، وافعال سحر ، وتهديد بمرض الطاعون …)

  وعلى أساس هذه الروايات شكك الكثير من الدارسين في ديمس ومذكراته . وذهب بعضهم بعيداً ، ورأوا إن قدما أبولونيوس لم تطأ إطلاقاً أراض أوربا الغربية . كما إنه لا توجد أخبار عن أبولونيوس حتى القرن الثالث الميلادي ، ومع مجئ الإميرطورة جوليا دومينا ، والتي هي حالها حال أبولونيوس جاءت من سوريا . فقامت بنشر الروايات عنه وعن تعاليمه بين العامة  (أنظر : ماريا ديزلكسا ؛ المصدر السابق ، ص ص 83 – 85) . ولهذا الغرض طلبت الإمبراطورة من فيلوستروتس أن يكتب مؤلفاً عن سيرة أبولونيوس وذلك لأغراض الإعلام عنه ، وتقديمه إنموذجاً للحكيم الشجاع ، والذي يتمتع بقدرات فوقطبيعية . بل وحتى أعظم من فيثاغوراس نفسه . وإن هذا التوجه للإمبراطورة وجد له تشجيع من قبل ولدها الإمبراطور ” كاراكلا ” (188 – 217 م) الذي كان يعبد أبولونيوس (أنظر المصدر السابق ، ص 53) ، وربما تشجيعاً من قبل إبن أختها الإمبراطور ” الكسندر سيفروس ” (208 – 235 م) كذلك (أنظر المصدر السابق ، ص 174) .  

خامساً – يرى الباحثون إن كتاب فيلوستروتس ” حياة أبولونيوس ” كبير ، وهو سيرة ذاتية تتضمن بعداً روائياً ، كتبه بناءً على طلب الإمبراطورة جوليا دمينا والتي إنتحرت في العام 217 (أنظر: جونز كريستوفر ؛ فيلوستروتس : حياة أبولونيوس التايني ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2005 ، ص 2) . وبالتأكيد إن هذه الحادثة التراجيدية قد هزت مشاعر فيلوستروتس بالعمق ، وسببت صدمة نفسية عنيفة له وهي النصيرة بلا حدود له . وفعلاً فقد أكمله بعد مماتها وأهداه إليها . ومن المحتمل أن يكون قد أكمله ونشره في العقد الثالث أو الرابع من القرن الثالث .

سادساً – كونت الصورة التي رسمها فيلوستروتس للفيثاغوري الجديد أبولونيوس مصدراً معرفياً إعتمدت عليه الكثير من الكتب اللاحقة . كما إن هذه الصورة التي أودعها كتابه ” حياة أبولونويس ” ، لازالت تهيمن في عصرنا الحاضر على مجمل المناقشات الجارية التي تدور حول مؤلفها فيلوستروتس .

  إضافة إلى إن هذا الكتاب مصدر خصب في معلوماته وذلك لإعتماده على كتابات قديمة كانت متوافرة لدى فيلوستروتس ، ولكنها أصبحت اليوم من الكتب التي ضاعت وطواها التاريخ وأصبحت في ذمته . من بينها أعمال إقتطفت من كتاب ” تقديم الضحايا ” ليوسيبيوس (محفوظة عند يوسيبيوس (263 – 339 م) وهو باحث ورئيس أساقفة القيصرية في فلسطين ) ومن رسائل مزعومة كتبها أبولونيوس . وربما كتب الحكيم بعض منها مع السيرة الموسعة لفيثاغوراس (أنظر: ماريا ديزلكسا ؛ المصدر السابق ، ص 138 وما بعد) .

سابعاً – يحسب الباحثون إنه على الأقل إن مصدرين من مصادر السير التي إعتمد عليها فيلوستروس قد ضاعت ؛ الأول كتاب ألفه ماكسيميوس السكرتير الإمبراطوري ، والذي وصف ” نشاطات أبولونيوس في دار مدينة سيسلي ” . والثاني السيرة الذاتية التي كتبها مورجينز . كما وبقيت مجموعة رسائل لأبولونيوس حية ولم يطويها النسيان . إلا إن المشكلة إن بعضها على الأقل زائفة (أنظر: إي . بواي ؛ أبولونيوس التايني : التقليد والحقيقة ، نشر عام 1978 . والحقيقة إن هذه الدراسة نشرت في كتاب ضخم ضم مجموعة دراسات ، ص 1663 – 1667) .

ثامناً – إن واحداً من أهم المصادر الأساسية التي يزعم فيلوستروتس إنه عرفها ، هو ” مذكرات ديمس ” . وكان ديمس هذا طالباً للفيثاغوري الجديد أبولونيوس ورفيق حياة دائم له . وتجمع المصادر على إن كل معلوماتنا عنه جاءت عن طريق كتاب السفسطائي فيلوستروتس ” حياة أبولونيوس ” والذي كتبه ما بين 217 و 238 م

  ويرى بعض الباحثين بأن هناك أبعاد روائية في شخصية ديمس ، ويحسبون إن مذكرات ديمس هي إختراع قام به فيلوستروتس . في حين يعتقد البعض إنه كتاب حقيقي ، ولكنه لفق بقلم كاتب أخر . وفعلاً أن فيلوستروتس إستخدمه مصدراً في تأليف كتابه ” حياة أبولونيوس التايني ” . كما إن هناك عدد من الباحثين من ينفي إطلاقاً أي وجود لشخصية ديمس . ولاحظنا إن الباحث أف . س . كونيبير يعلق على ذلك قائلاً ” إن التطرف في الشك في نظرية ديمس غير ضروري ” (أنظر: أف . س . كونيبير ؛ فيلوستروتس : حياة أبولونيوس التايني وحواري أبولونيوس ومقالة يوسبيوس ، منشور عام 1912 ، من المقدمة ، ص 7). وإنه من الممكن أن يكون فيلوستروتس قد إعتمد على سيرة أبولونيوس التي كتبها ديمس .  وعلى أية حال ، فأن كتاب ديمس يعد من المصادر غير الموثوق بها ، وذلك لأن هناك إحتمال في أن تلفيقاً قد وقع للروايات التي رواها عن حياة أستاذه (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 7 – 8) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) .

  وفي القرن الثاني الميلادي ، ظهرت تباشير موجة فلسفية جديدة أخرى ، تسعى إلى التقارب بين الفيثاغورية والإفلاطونية . وفعلاً فإن الفيلسوف نومنيوس الأفامي السوري (إزدهر أواخر النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي) بدأ مع الفيثاغورية الجديدة ، والتي قادته فيما بعد إلى مشروع فلسفي جديد (حمل تباشيرالإفلاطونية المحدثة) ، وذلك من خلال قيامه بمزج عدد من عناصر الإفلاطونية بالفيثاغورية الجديدة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية (الأصل والمنتحل) / القسم الأول / منشور على موقع الفيلسوف أغسطس (آب) 2011) .

  ويبدو إن الإهتمام بالفكر الفيثاغوري ، أصبح تقليداً فلسفياً في القرون الميلادية الأولى . فمثلاً السفسطائي فيلوستروتس كتب موسوعة عن واحد من أهم فلاسفة الفيثاغورية الجديدة ، وهو أبولونيوس التايني . ومن ثم تحول إلى تقليد إفلاطوني محدث . فمثلاً أول فيلسوف إفلاطوني محدث فرفريوس الصوري (وهو المعلن الأول عن الإفلاطونية المحدثة ، بعد إعداد ونشر محاضرات أستاذه إفلوطين ، ونشر سيرته) كتب مؤلفاً بعنوان حياة فيثاغوراس (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) . وهكذا الحال مع الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الملك إمبيلكوس (وهو مؤسس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة) والذي كتب بدوره كتاباً بعنوان حياة فيثاغوراس (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الملك إمبيلكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) .

  ولدينا قائمة بأسماء الفلاسفة الفيثاغوريين الجدد ، مثل الفيلسوف الفيثاغوري الجديد كونتيوس سكتيوس الكبير (إزدهر 50 ق.م) وقدم إنموذجاً فلسفياً سيكون له حضور في أطراف من الإفلاطونية المحدثة ، ومن ثم في عتبات من الفلسفة الإسلامية ، فقد مزج الفيثاغورية بالرواقية . وقد مدحه وأثنى عليه الفيلسوف الرواقي سنيكا . ومنهم الطبيب الفيثاغوري الجديد إنكسيلوس لارسي (عاش في القرن الأول قبل الميلاد) . ووفقاً لرواية المؤرخ يوسبيوس القيصري الفلسطيني (263 – 339 م) ، فإن إنكسليوس قد غُيب من روما في العام 28 ق.م من قبل الإمبراطور أغسطس (63 ق.م – 14 م) وذلك لإتهامه بالإشتغال بالسحر. وكتب إنكسليوس عن الخصائص السحرية للأحجار ، والأعشاب ومواد أخرى تستخرج منها العقاقير الطبية . ويبدو إن معرفة إنكسليوس العالية بالعلم الطبيعي ، مكنه من عمل بعض الألعاب ، وقد أُطلق على هذه الألعاب سحراً بصورة خاطئة (أنظر : أل . تران ؛ إنكسليوس لارسي / منشور في معجم السير العلمية ، نشرة شركة شالرز سكربنر وأولاده ، نيويورك 1970 ، ص 150) .

  ومن فلاسفة الفيثاغورية الجديدة مادرتوس كادس (عاش في القرن الأول الميلادي) وكان معاصراً للفيلسوف الفيثاغوري الجديد أبولونيوس التايني . ولعل أهميته تكمن في تاريخ المدرسة الفيثاغورية الجديدة ، في إنه كتب عملاً كبيراً حول عقائد الفيثاغوريين ، وحاول أن يُثبت لخلفائه على إن وجهات نظرهم لا تختلف عن مبادئ المؤسس فيثاغوراس ، وإن الإختلاف الوحيد هو إسلوب التعبير . وإجتهد بعض الباحثين ورجحوا مادرتوس مؤسساً لمدرسة الفلسفة في الإسكندرية . أما من طرف حضوره في أجواء الإفلاطونية المحدثة ، فقد وجدنا إن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري ، حفظ مقاطع عمل مادرتوس السابق ، وضمه إلى كتابه الشهير حياة فيثاغوراس (أنظر : هيك كسهولم ؛ المصدر السابق) .

   والفيلسوف الفيثاغوري الجديد سوشن الإسكندراني (القرن الأول) وهو ينتمي إلى مدرسة الفيثاغوري الجديد كونتيوس سكتيوس الكبير ، والفيلسوف الفيثاغوري الجديد ثيون السمارني (إزدهر عام 100) والفيلسوف الفيثاغوري الجديد العراقي (الموصلي = من أهالي نينوى القديمة) ديمس (عاش في القرن الأول وبواكير القرن الثاني الميلاديين ، وهو حواري الفيلسوف الفيثاغوري الجديد الشهير أبولونيوس التايني . والفيلسوف الفيثاغوري الجديد كرونيوس (القرن الثاني الميلادي) ، والفيلسوف الفيثاغوري سكاندوس الصامت (القرن الثاني الميلادي) . ومنهم الفلسوف الفيثاغوري الكسكرتس (عاش وعمل في القرنيين الأول والثاني الميلاديين) ، وكان معاصراً  للفيلسوف الإفلاطوني بلوتارك (46 – 120 م من الأكاديمية الوسطى) . وقد إستمر حوارييه في الإمتناع عن أكل اللحوم ، ومن ثم شملوا السمك كذلك (أنظر : ليونارد شميت ؛ معجم الأساطير والسير اليونانية والرومانية ، نشر شركة لتل وبراون ، بوسطن 1867 ، ص 128) .      

ثانياً – حضور السفسطائية وفلاسفة السفسطائية الثانية

   في أثينا خصوصاً (والمدن اليونانية الأخرى) إنبثقت نزعة فلسفية في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد ، مخالفة للحركة الفلسفية العامة التي ورثها وقادها الفيلسوف سقراط . وأُطلق على هذه النزعة (وخصوصاً خصومها) إصطلاح السفسطائية ، وعلى الفيلسوف الناشط فيها إصطلاح السفسطائي . وفي الأصل السفسطة جاءت من الكلمة اليونانية سوفس أو سوفيا والتي تعني الحكيم أو الحكمة . ولاحظ الباحثون إن هذا المعنى كان متداولاً منذ عصر الشاعر اليوناني الملحمي هومر أو هوميروس (عاش في القرن الثامن ق.م)

  وكانت الكلمة سوفيا و سوفس (أي الحكمة والحكيم) في الأصل لقبُ (أو وصف) لكل خبير في مجال من مجالات المعرفة والمهن . ولذلك كان على سبيل المثال  سائق العربة (عند اليونان العربة التي تجرها الخيول) أو النحات أو المقاتل هو سوفس أي حكيم  في مهنته . ومن ثم تدريجياً أصبحت كلمة سوفيا تدل على الحكمة بمعناها العام ، وبالتحديد الحكمة في الشؤون الإنسانية ، مثل الحكمة في السياسة ، والحكمة في الأخلاق ، والحكمة في إدارة شؤون المنزل .

  كما وإن إصطلاح الحكيم كان متداولاً في تاريخ الثقافة اليونانية منذ القرن السابع قبل الميلاد . فقد أُطلق على الحكماء السبعة ، وبالتحديد في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد ، من أمثال الحكيم سولون (638 – 558 ق.م) والفيلسوف طاليس … والقائمة تصل عند ديوجانس لارتيوس في الكتاب الأول من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة إلى أكثر من ذلك) . إضافة إلى إن هذا المعنى ظهر في كتابات مؤرخ اليونان الأول هيرودوتس ، وخصوصاً في موسوعته التاريخية التواريخ (أنظر : إفلاطون : محاورة بروتاغوراس / المقدمة التي كتبها أن . دانير ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2008 ، ص 1) .

  والسفسطائيون هو لقب كان يُطلق في اليونان القديمة ، على المعلمين الذين يتنقلون من مكان إلى أخر (معلمون جوالون) ، والذين تخصصوا في تعليم الفلسفة والخطابة وإستخدامهما أدوات إقناع ، وإن كان هدفهم المعلن ، هو تعليم الفضيلة ، والإعداد الممتاز لشباب رجالات الدولة والنبلاء . ولعل من الأسباب التي حملت فلاسفة الحركة الفلسفية اليونانية العامة ، على كره السفسطائيين ، هو إنهم كانوا يتقاضون إجوراً مقابل التعليم ودروس الحكمة (وهذه ظاهرة جديدة وطارئة على المجتمع الأرستقراطي اليوناني . وبالمناسبة إن نجم السفسطائية تصاعد مع صعود الديمقراطيين) . وهذا الأمر (أمر الأجور) هو الذي دفع فيلسوف الإرستقراط سقراط إلى شجبها والتنديد بها (وكوثري يعتقد بأن سقراط كان سفسطائياً إلى عمر الثلاثين) . وكل ذلك جاء خلال محاورات تلميذه إفلاطون العدو العنيد للحركة السفسطائية ، وخلال كتابات تلميذه أكسانوفان ، وخصوصاً في كتابه المعنون الميموربيلا . ومع الأسف إن هذه الأعمال العدائية للسفسطائية ، هي التي تصدرت في التعريف بهم وبمنهجهم الأبستمولوجي ، فضاعت حقيقتهم الأصلية خصوصاً بعد مشاركتهم في محاكمة سقراط ، ومن ثم إعدامه . ولكن السفسطائية ستجدد في القرن الثاني بعد الميلاد على يد السفسطائي فيلوستروتس ، وخصوصاً في موسوعته المعنونة حياة السفسطائيين ، والتي ستشكل ما أُصطلح عليه بالسفسطائية الثانية (أنظر : فيلوستروتس ؛ حياة السفسطائيين ، ترجمة ويالمر كيف رايت ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921) . ومن ثم في كتابات السفسطائي يونبيوس (ولد عام 347م وعاش في القرن الرابع والخامس الميلاديين) ، وبالتحديد كتابه المعنون حياة الفلاسفة والسفسطائيين والذي تناول فيه حياة ثلاثة وعشرين فيلسوفاً وسفسطائياً (أنظر : يونبيوس ؛ حياة الفلاسفة والسفسطائيين ، ترجمة ويالمر كيف رايت ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921 (وهو منشور في كتاب واحد مع كتاب فيلوستروتس) ، ص ص 343 – 565) .

  نقول من خلال الأعمال العدائية التي كتبها إفلاطون وأكسانوفان تلميذا الشهيد سقراط ، تم تصوير السفسطائي بإصطلاحات مثل المخادع و المحتال . ومع الأسف هذا المعنى السلبي ، هو الذي ساد في دوائر الفكر الفلسفي والثقافي اليونانيين ، وإنتقل إلى دائرة الثقافة الفلسفية العربية خاصة والثقافة العربية عامة دون وجه حق مشروع . وإذا كان هناك مبرر لإفلاطون وإكسانوفان ، ومن ثم أرسطو بعد ذلك من العمل على تشويه الفكر الفلسفي السفسطائي وذلك لمشاركتهم في إعدام أستاذهم سقراط ، لا نجد هناك أي مبرر للفيلسوف المسلم من أن يكتب مقالات يندد فيها بالسفسطائيين والسفسطة لأنهم لم يشاركوا في قتل سقراط العربي المسلم (وهذا وهم عربي إسلامي جاء بتأثير كتاب أرسطو في السفسطة (وهو واحد من مجموعته المنطقية) . والحقيقة إن قوائم الفلاسفة العرب المسلمين لم تحمل إسم فيلسوف عربي مسلم إسمه سقراط ، شارك في إعدامه السفسطائين . وإنما كل ما في الأمر ، هو إن الفلاسفة المسلمين تابعوا أرسطو ، والذي أوقعهم في كره لا مبرر له للسفسطة والسفسطائيين) . 

  ضمت قوائم الفلاسفة السفسطائيين اليونانيين الأوائل ، أسماء مرموقة مثل برتاغوراس (490 – 420 ق.م) ، وهو السفسطائي الأول ، ويمنحه إفلاطون لقب السفسطائي الرسمي (المهني الأول) ، ويعني به ” معلم الفضيلة ” . وفعلاً فإن برتاغوراس سبب ضجة قوية في صفوف الفلاسفة ، وجدلاً واسعاً في دوائر الفكر الفلسفي والأبستمولوجي اليونانيين في عبارته الشهيرة القائلة ” الإنسان مقياس جميع الأشياء ”  (أنظر : كينث كوثري ؛ السفسطائيون ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1977 ، ص 262 وما بعد) . 

  أما السفسطائي برودكيوس (465 – 395 ق.م) وهو في الأصل من مدينة إلوس / جزيرة كيوس اليونانية (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة بروتاغوراس ، ترجمة بنجامين جوت (منشورة في محاورات إفلاطون) نشرة دار راندم ، نيويورك 1939 ، الفقرة رقم 316 د) . وهو سفسطائي من الجيل الأول . وجاء إلى أثينا سفيراً لمدينته ، ومن ثم إشتهر خطيباً ومعلماً . ويُعامله إفلاطون بتقدير وإحترام ، مقارنة بالسفسطائيين الأخرين (الأمثلة كثيرة وفي محاورات عديدة ، ولكن خذ مثلاً : إفلاطون : محاورة هيبياس الكبير (المصدر السابق) ، الفقرة رقم 282) .

  ولعل الملفت للنظر في بعض المحاورات الإفلاطونية ، إن سقراط يظهر صديقاً للسفسطائي برودكيوس (وهذا الحضور يقوي رواية كينث كوثري من إن سقراط كان حتى سن الثلاثين واحداً من السفسطائيين ومن ثم نضيف إنقلب عليهم) . كما وإن الكاتب المسرحي اليوناني أرسطوفان ، وبالتحديد في مسرحية السُحب (الغيوم) التي سخر فيها من سقراط (وكذلك مسرحية الطيور) ، كان يتحدث إلى السفسطائي بروكيوس أكثر مما يتحدث إلى سقراط (أنظر : أرسطوفان ؛ السحب ، ترجمة ألن سومرستين ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد) . وهذا الحال يحملنا على القول بإن أرسطوفان كان سفسطائياً أو بمعنى أخف كان متعاطفاً مع السفسطائيين وساخراً من خصمهم سقراط .

 وحال برودكيوس حال برتاغوراس والأخرين ، كان يتقضى أجراً على محاضراته ودروسه (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، التاب التاسع ، الفقرة رقم 50) . وكان معلماً للفلسفة والسياسة (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة يوثيدموس ( وهو سفسطائي من كيوس) (المصدر السابق) ، الفقرة رقم 305 س) . ويبدو إن إفلاطون كان يُفضل تقديم السفسطائي برودكيوس ، رجل أخلاق في المقام الأول ، ولذلك عرض بصورة مفصلة لأفكاره الأخلاقية (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة مينو (المصدر السابق) ، الفقرة رقم 96 د) .

  لقد توزعت إهتمامات السفسطائي برودكيوس في ثلاثة جوانب :

أولاً – النظرية اللنكوستية (فقه اللغة)

   الحقيقة إن قدرنا في الحديث عن نظرية السفسطائي برودكيوس ، هو محاورات إفلاطون . وعلى الرغم من عداوة إفلاطون للسفسطائين ، فقد ركز في العديد من محاوراته على النظرية اللنكوستية التي قال بها السفسطائي برودكيوس . وفعلاً وجدنا إفلاطون يتحدث بصراحة عن إلحاح برودكيوس على الإستعمال الصحيح للأسماء (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة ثيودموس ، الفقرة رقم 187 إي) . كما وألقى إفلاطون الضوء على طريقة برودكيوس في الإستعمال الصحيح للكلمات . وعلى تمييزه العبارات التي لها علاقة بالمحسوسات (أنظر : إفلاطون ؛ مينو ، الفقرة رقم 75 س).

ثانياً – نظريته الأخلاقية

    كما وعرضت المحاورات الإفلاطونية ، أفكار السفسطائي برودكيوس ، وخصوصاً تأكيداته على إن في الإمكان تعلم الفضيلة ، وتقديره لمهنة الزراعة . ومقارنته الحية الأرضية بالحياة ما بعد الموت ، وبين بأنها تتضمن نوعاً من الحرية عن الإرتباط بالجسم . ورأى إن في الموت حرية من الخوف ، وهو لا يؤثر على الحياة ، ولا على الرحيل (أنظر : كينث كوثري ؛ المصدر السابق) .

ثالثاً – نظريته في تفسير الدين في إطار طبيعي

  حال السفسطائي برودكيوس مثل حال بعض السفسطائيين ، والذين عملوا على تفسير الدين في إطار طبيعي . وهكذا أصبحت الألهة بمفهومه ، هي تجسيد (أو تشخيص) للشمس ، والقمر ، والأنهار والشلالات . . وكل شئ يسهم في جعل حياتنا مريحة ميسرة ، ولهذا أُتهم في بعض الأحيان بالإلحاد (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد الرياضيين (مصدر سابق) ، الكتاب الأول ، الفقرة رقم 52) . كما إن نظريته تؤكد على إن الإنسان الأول ، كان ممتناً وشاكراً الطبيعة على هباتها التي مكنته من طرف أن يعيش بيسر ، ومن طرف ثان قادته إلى إكتشاف الألهة . وحملت نظريته نزعتين في غاية الأهمية في تاريخ اللاهوت والفكر الديني ؛ الأولى عقلانية . والثانية ربطت بين الدين والزراعة (أنظر : كينث كوثري ؛ المصدر السابق ، ص 179) .

 أما السفسطائي جورجياس (485 – 380 ق.م) فقد جاء من مدينة لونتني – سيسلي (بالعربية صقلية) ويُطلق عليه إصطلاح العدمي . وشكل هو وبرتاغوراس الجيل الأول من السفسطائيين . وكان تلميذاً للفيلسوف الطبيعي إمباذوقليس (على الرغم من إن عمرالأستاذ لم يكن أكبر كثيراً من عمرالتلميذ) . ومثله مثل السفسطائيين الأخرين  ، كان يتنقل في مدن عديدة ، مثل مراكز الأولمبياد ودلفي . يلقي المحاضرات ، ويدرب الطلاب على الكثير من المهارات التي يحتاجونها . وبالتأكيد كان جورجياس يتلقى إجوراً على دروسه ومحاضراته (أنظر : كينث كوثري ؛ المصدر السابق ، ص 270) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة السفسطائية : تاريخ وتجديد / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، الأعداد القادمة) .

  وكان تراث السفسطائية القديمة حاضر في خطب وكتابات فلاسفة المدرسة السفسطائية الثانية ، التي وصلت إلى قمتها في بواكير القرن الميلادي الثاني ، والذي بدأت معه تتشكل معالم الإفلاطونية المحدثة ، وقد مثل المدرسة السفسطائية الثانية ، إضافة إلى فيلوستروتس وكتابه حياة السفسطائيين ، عدد من الأعلام منهم السفسطائي ديو كريوستم (40 – 120 م) . وبالمناسبة إن إسمه كريوستم يعني حرفياً الفم الذهبي ، وهو خطيب يوناني ، وكتاب وفيلسوف ومؤرخ في الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي . وتشمل مؤلفاته على ثمانية خطابات ، وبضع رسائل . وهو جزء من المدرسة السفسطائية الثانية .

  وينظر له على إنه واحد من مشاهير الخطباء السفسطائيين وفعلاً فقد كتب عنه السفسطائي فيلوستروتس (أنظر : فيلوستروتس ؛ حياة السفسطائيين (مصدر سابق) 1 : 7)  . أما خطاباته الثمانية فيرجح على الأغلب إنها كانت خطابات شفهية ، وهي تشبه المقالات السياسية ، والأخلاقية ، وتحمل فيها معالجات لموضوعات فلسفية متنوعة . ولكونه ناقداً أدبياً ، فقد ذهب إلى إن ملاحم هوميروس كانت متداولة في الهند (أنظر : فيلوستروتس ؛ حياة السفسطائيين (مصدر سابق) 1 : 7)  . ومن النافع أن نشير إلى الفيلسوف الإفلاطوني الأول فرفريوس الصوري قد كان ناقداً في موضوعات الشاعر الملحمي اليوناني هوميروس (أنظر : ت . كلفيني ؛ صورة الفكر القديم : دراسات مقارنة في الفلسفات اليونانية والهندية ، نشرة دار أولورث للإتصالات 2002) .

  ومن ثم جاء السفسطائي ماركوس إنطونيوس بولمن (99 – 144 م) ويُعرف كذلك بإسم بولمن السمايراني (نسبة إلى مدينته سمايرانا) ، وهو يوناني أناضولي ، وقد جاء من عائلة لها مكانة سياسية (إحتل أعضاءها منزلة مستشار روماني) . وصرف جزء كبير من حياته في سمايرانا . وفعلاً فقد إستلم تشريفاً مدنياً من مواطنية مدينة سمايرانا وذلك للخدمات التي قام بها للمدينة .

  والحقيقة بولمن كان أستاذ الخطابة ، وعضواً كبيراً في مدرسة السفسطائية الثانية ، ولذلك حظى بإحترام وتقريب من كل من الإمبراطور الروماني تراجان (53 – 117 م) ، والإمبراطور هادريان (76 – 138 م) ، والإمبراطور إنطونيوس (86 – 161 م) . وبالإضافة إلى كل ذلك ، فالسفسطائي بولمن كان رئيساً لواحدة من أشهر مدارس الخطابة في مدينة سمايرانا خلال العصر الهيلينستي .

  ولقد ضاعت جميع مؤلفات السفسطائي بولمن ، ولم يبقى منها سوى خطاباته الإحتفالية في تأبين الجنرالات الأثينيين ، والذين أستشهدوا في معركة المارثون (490 ق.م) . ويبدو طقس إحتفالي جدد في الرومان ذكرى أبطالهم . ويذكر الباحثون إلى إن السفسطائي بولمن قد إستمد مادة خطبه من التاريخ الآثيني . وهناك يجري الحديث عن رسالة له بعنوان في الفراسة ، ظلت محفوظة حتى القرن الرابع عشر في ترجمة عربية لها . ومن ثم قام ج . هوفمان بترجمتها إلى اللاتينية ، ونشرت في لايبزك عام 1893 (أنظر : أم . دبليو . كليسن ؛ السفسطائيون وصورتهم في روما القديمة / نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1995) .

  ولعل من الشواهد السفسطائية التي كان لها حضور في أجواء تكوين حركة الإفلاطونية المحدثة ، هي شخصية السفسطائي زينبيوس ، وهو سفسطائي يوناني ، علم الخطابة في روما خلال حكم الإمبراطور هادريان ، والذي إمتد من عام 117 وحتى عام 138 م . وهو مؤلف لمجموعة من الأمثال ، التي كونت ثلاثة كتب . وقد قام بطبعها لأول مرة في فلورنسا عام 1497 الناشر فيليبو كويانني (1450 – 517م) . وقيل بأن زينبيوس هو المؤلف الحقيقي للترجمة اليونانية للنثر اللاتيني للمؤلف والمؤرخ الروماني كايوس سولست (86 – 35 ق.م) والذي ضاع وطواه التاريخ . وزينبيوس هو كاتب قصيدة الولادة للإمبراطور هادريان (أنظر : هيك كسهولم ؛ الإنسكلوبيديا البريطانية / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط11 ، مادة زينبيوس) .

ومن سفسطائيي القرن الثاني والثالث الميلاديين ، فيلسيوس الثيسلي . ووفقاً لرواية فيلوستروتس فإن فيلسيوس إرتبط بحلقات علماء الهندسة والفلاسفة . وكان عضواً في الحلقة الثقافية المحيطة بالإمبراطورة العربية الأصول جوليا دومينا (170 – 217 م) (أنظر : كلين ويرن بورسك ؛ السفسطائيون اليونان في عصر الإمبراطورية الرومانية ، نشرة دار كليرندن ، أكسفورد 1969 ، ص 103) .  

  ومنهم هايمريس (315 – 383 م) وهو سفسطائي يوناني وخطيب . وصلتنا من خطبه أربع وعشرين خطبة كاملة ، ومقاطع عن أثنتا عشر خطبة أخرى . ولد هايمريس في مدينة بورصة التابعة لمملكة بيثينيا . وأكمل تعليمه في أثينا . والعام 362 م إستدعاه إلى إنطاكيا ، الإمبراطور الروماني جوليان المرتد ليعمل سكرتيراً خاصاً له . وبعد موت الإمبراطور عاد إلى أثينا وأسس مدرسة للخطابة ، وإلتف حوله أعداد من الطلبة من مختلف أنحاء العالم . وفعلاً فقد كان من طلابه رئيس أساقفة إسطنبول كريكوري النازنيازي (329 – 390 م) ، وأسقف القيصرية باسيل الكبير (329 – 379 م) (أنظر : روبرت لينلا ؛ الإنسان والعالم : خطابات هايمريس / ترجمة إنكليزية (أون لاين)) .

ثالثاً – حضور فلاسفة الميغارية خلال الأبيقوريين والرواقيين

   نحسب على أقل إحتمال إن الفلسفة الميغارية كانت حاضرة لحظة تشكل الإفلاطونية المحدثم من خلال فلاسفة الرواقية والأبيقورية ، والذين حملوا معهم المنطق الميغاري والحجج الديالكتية التي إشتغل عليها فلاسفة الميغارية الذين يُعرفون بالديالكتيكيين (أقرأ ذلك في حضور فلاسفة الأبيقورية والرواقية لاحقاً) .

    تُعدُ المدرسة الميغارية أو المدرسة الديالكتيكية ، واحدة من أقدم المدارس الفلسفية اليونانية التي نشأت وذاع صيتها بعد موت سقراط على وجه العموم ، والمدارس السقراطية على وجه الخصوص . فقد سبقت أكاديمية إفلاطون بسنين ، فمن الثابت تاريخياً إن إفلاطون عندما بدأ التفكير في تأسيس أكاديميته ، كانت المدرسة الميغارية من المشروعات التعليمية الأولى على قائمة إهتماماته ،  وفعلاً قرر إفلاطون أن يبدأ زيارته لها ويستكشف حقيقته الأكاديمية  . فقد زارها وتعرف على نظمها الإدارية وبرامجها التعليمية ونظام قبول الطلبة فيها (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الأول ، منشور على موقع الفيلسوف ، 5 سبتمبر 2011) .

لقد كان إزدهار المدرسة الميغارية في القرن الرابع قبل الميلاد . وإن مؤسسها هو الفيلسوف إقليدس الميغاري (435 – 365 ق.م) (أرجو الإنتباه هنا إلى الإغلوطة التي سادت في العصور الوسطى ، والتي نهضت على وهم وسطوي ، خلط بين إقليدس الميغاري ، وإقليدس الإسكندراني صاحب كتاب الإصول في الهندسة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة آداب الرافدين

(تصدرها كلية الآداب – جامعة الموصل) / العدد 9 سنة 1978) والحقيقة إن إقليدس الميغاري ، هو واحد من تلاميذ شهيد الفلسفة سقراط . ولذلك يُطلقُ على إقليدس الميغاري إصطلاح الفيلسوف السقراطي . وهو واحد من الفلاسفة السقراطيين القلائل الذين حضروا موت سقراط . في حين غاب إفلاطون عن هذا الحدث الجلل ، وتحجج بإنه كان مريضاً . ويبدو إن إقليدس الميغاري كان رجل له مكانة وسلطة في ميغارى ، والدليل على ذلك إن تلاميذ سقراط  بُعيد محنة سقراط وإعدامه ، عاشوا في حالة رعب ، فقرروا ومعهم إفلاطون بالبحث عن ملاذ آمن لهم في ميغارى ، فهاجروا إلى هناك وإحتموا بإقليدس الميغاري . حدث هذه في عام 399 ق.م (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثاني ، الفقرة رقم 106 ، والكتاب الثالث ، الفقرة رقم 6) ، ويظهر إنها كانت الزيارة الأولى لإفلاطون لميغاري . ومن ثم جاءت الزيارة الثانية ، التي تطلع منها إفلاطون لإستكشاف مدرسة إقليدس  .

ولد إقليس في ميغارى ، وكان متشوقاً للإستماع إلى تعاليم وخطابات سقراط  . ولكن يومها أثينا قد حرمت دخول المواطنين الميغاريين إليها ، فلم يكن هناك خيار أمام إقليدس ، إلا الدخول بصورة غير قانونية ، فدخلها ليلاً متخفياً في ملابس إمرأة ومن ثم أصبح واحداً من التلاميذ المقربين للفيلسوف سقراط . وقد ظهر في مقدمة محاورة إفلاطون العلم أو تيتياتوس (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة العلم أو تيتياتوس ، ترجمة وتقديم بنجامين جوت ، الفقرة رقم 152 إي) . وكان دوره كاتباً للمناقشة التي دارت بين سقراط والشاب تيتياتوس (417 – 369 ق.م وهو رجل رياضيات ، وكان له حضور في الكتاب العاشر من إصول الهندسة لإقليدس ، وكان تيتياتوس وإفلاطون من تلاميذ ثيودورس القورينائي (عاش في القرن الخامس قبل الميلاد)

وحسب رواية ديوجانس لارتيوس فإن سقراط وبخه مرة ، وذلك بمشاركته في الجدل غير الهادف (الجدل من أجل الجدل) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني ، الفقرة رقم 30) . وكما ذكرنا إن إقليدس هو المؤسس الأول للمدرسة الفلسفية ، التي أصبحت فيما بعد تُعرف بالمدرسة الميغارية ، والتي إزدهرت وإستمرت لحوالي القرن من الزمن (وبرأينا ربما أطول من ذلك بكثير) . ومن طلاب إقليدس ، الفيلسوف الميغاري إيكثايس (القرن الرابع قبل الميلاد) وخليفته على قيادة المدرسة الميغارية (لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 112) .

ونحسب من المهم أن نشير إلى إن التعاليم الأخلاقية للمدرسة الميغارية قد أُشتقت من سقراط ، وخصوصاً مبدأ الخير ، والذي ظهر لدى الميغاريين مرتبطاً بالمبدأ الإيلي الواحد أو الوحدة (وأرجو ملاحظة إن هذا المفهوم الميغاري تلقفه إفلاطون وضمه إلى فلسفته) . كما إن بعضاً من خلفاء إقليدس الميغاري ، قد إشتغلوا في مضمار علم المنطق ، فكانت الحصيلة العديد من النظريات المنطقية ، والتي قادتهم في النهاية إلى الإنفصال عن المدرسة الأم ، وتأسيس مدرسة خاصة بهم ، عُرفت بالمدرسة الديالكتيكية . وفعلاً فقد كانت جُل أعمالهم تدور حول منطق الموديلات ، والمنطق الإشتراطي ، ومنطق القضايا ، والذي لعب دوراً فاعلاً في تطوير البحث المنطقي عند المدرستين الأبقورية والرواقية (أنظر : أوتول ورايموند ؛ الميغاريون والرواقيون / منشور في كتاب كابي دوف وجون وود ؛ تاريخ المنطق : المنطق اليوناني والهندي والعربي ، هولندا 2004) .

 وقبل أن أغادر الفلسفة الميغارية ، أود أن أقدم شاهداً على الحوار المفتوح والدائم بين فلاسفة الميغارية والرواقية والأبيقورية (وإن كان جدلاً سلبياً حيناً) . وهذا الشاهد يقدمه الفيلسوف الميغاري الكسينوس (339 – 265 ق.م) ، وهو حواري الفيلسوف الميغاري يوبلديس (القرن الرابع ق.م) وهو تلميذ إقليدس الميغاري مؤسس المدرسة ، وباحث في الحجج المتناقضة ، وأستاذ المنطق ومعاصر للفيلسوف أرسطو (وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقرأ كتب أرسطو المنطقية من زاوية المنطق الميغاري) . وكان الكسينوس يتمتع بقوة الحجج ، وله عدد من الحواريين ، والذين تحولوا معه من مدينة ألس إلى أولومبيا ، حتى قيل إنه أسس نحلة بإسم أولومبيا (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني ، الفقرة رقم 108).

   وإعتماداً على رواية شيشرون في كتابه إكداميكا (الكتاب الثاني ، الفقرة رقم 24) ، فإن الكسينوس إشتغل ببحث المعضلات المنطقية . ولهذا يبدو إن هذا الموضوع حمله على الكتابة ضد زينون الأكتومي مؤسس الرواقية (والحقيقة إن المنطق الميغاري له حضور قوي في المنطق الرواقي ، وزينون تلميذ للميغارية) هذا طرف . أما الطرف الثاني فيتمثل بالمناقشة التي جرت بين الكسينوس والأبيقوري هرماركوس (325 – 250 ق.م) وهو حواري أبيقور وخليفته على المدرسة الأبيقورية . والمناقشة دارت حول بعض الأسئلة الخطابية (أنظر : الكرا وأخرون : تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 47) .

 وعلى رواية ديوجانس لارتيوس فإن الفيلسوف الأبيقوري فيلوديموس الجدرا (تقريباً 110 – 35 ق.م وهو أردني – فلسطيني) قد نقل في كتابه المعنون حول الخطابة ، نصاً للأبيقوري هرماكوس ينتقد بشدة الكسينوس بعد إن إقتبس منه (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني ، الفقرتين رقم 109 و110) . كما إن الكسينوس ناقد للخطابات السفسطائية ، ويتهمهم بتضييع الوقت في الجدل في موضوعات لا قيمة لها ، من مثل الذاكرة وتفسير المقاطع الغامضة لبعض قصائد الشعراء (أنظر : بنجامين جوت ؛ الكسينوس / منشور في كتاب : الأساطير والسير اليونانية والرومانية (مصدر سابق) ، ص 128) (للإطلاع على التفاصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان : المدرسة الفلسفية الميغارية : تاريخ وفلاسفة ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن ، سيصدر في خريف 2012) .

رابعاً – حضور فلاسفة القورينائية من خلال فلاسفة الأبيقورية

  يبدو لنا إن حضور الفلسفة القورينائية في الأجواء الفلسفية التي صاحبت إنبثاق الإفلاطونية المحدثة ، ومن ثم نموها لم يكن مباشراً ، وإنما جاء من خلال ثلاثة منافذ ؛ واحد قوي وواضح ، وهو الطريق الأبيقوري ، إذ إن الإبيقورية هي صورة جديدة للقورنائية ، خصوصاً بعد إنطفاء الأخيرة في العصور الهيلينية وصعود راية الأبيقورية في العصور الهيلينستية . والطريق الثاني من خلال الكتابات الرواقية ، وبالتحديد من خلال كتابات الرواقي بينتيوس . والمسار الثالث جاء من خلال كتابات مؤلف السير سوشن الإسكندراني .

   الحقيقة إن الفلسفة القورينائية هي واحدة من أقدم المدارس السقراطية ، والتي أسسها الفيلسوف القورينائي أرستبس (434 – 356 ق.م) ، والذي كان حوارياً من حواري الفيلسوف سقراط . ولكنه طور تعاليمه الفلسفية بعيداً عن فلسفة أستاذه سقراط . فمثلاً يرى أرستبس إن هدف الحياة ، هو البحث عن اللذة . ولذلك يُنظر إلى الفلسفة القورينائية إلى إنها أقدم مذهب فلسفية في اللذة . وكان من بين تلاميذ الفيلسوف أرستبس ، إبنته الفيلسوفة القورينائية أريتا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع ، خريف 2011) . وهناك إعتقاد بأن مبادئ المدرسة القورينائية قد تم صياغتها من قبل حفيده (إبن الفيلسوفة أريتا) والذي يحمل إسم جده ، وهو الفيلسوف القورينائي أرستبس الصغير (والذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد) . وبالمناسبة إن إسم المدرسة جاء من المكان الذي ولد فيه الفيلسوف المؤسس أرستبس ، وهي مستعمرة ” قورينا ” اليونانية ، والتي تقع في شمال أفريقيا (اليوم هي جزء من الأراضي الليبية) .

صحيح ُ إن الفلسفة القورينائية تنهض على المبدأ القائل : إن الخير الحقيقي الوحيد ، هو اللذة . إلا إنها لاتعني إن اللذة تتحقق بغياب الألم فقط . وإنما تتحقق باللذات الحسية ، وخصوصاً اللذات الحظوية ، مثل اللذات الجسمية . وبرأيها إن هذه اللذات تكون أقوى وأشد من لذات الذاكرة . ولما كانت الفلسفة القورينائية تهتم بالإلتزامات الإجتماعية ، ومن هذا الطرف رأت بأنه في الإمكان الحصول على اللذة من سلوك فيه إيثار للغير ، ونكران للذات . وإستمرت المدرسة الفلسفية القورينائية حوالي القرن من الزمن ، ومن ثم إنطفأت ، وحلت محلها المدرسة الفلسفية الأبيقورية (أنظر : جولي أنس ؛ أخلاقيات السعادة ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1995 ، ص 229 وما بعد ) .

بدأ فعلاً تاريخ المدرسة القورينائية مع الفيلسوف أرستبس الكبير ، والذي ولد حوالي عام 435 ق.م ، ومن ثم ترك مسقط رأسه قورينا ، وجاء إلى أثينا في بواكير شبابه ، وأصبح من تلاميذ سقراط . والحقيقة لا تتوافر لدينا معلومات عن حياته بُعيد إعدام أُستاذه سقراط عام 399 ق.م . ولكن وجدنا إشارات في بعض المصادر ، منقولة براويته ، حيث قال إنه عاش بعض الوقت في حاشية الطاغية ديونسيوس الأول (432 – 367 ق.م) ، وهو حاكم سرقاسطة (الأن سيسلي وبالعربية صقلية) .

واليوم يجد الباحثون الأكاديمون الغربيون صعوبة بالغة في نسبة بعض المبادئ الفلسفية القورينائية للفيلسوف إرستبس الكبير (أنظر : جولي أنس ؛ المصدر السابق ، ص 229) .

في حين قدم لنا ديوجانس لارتيوس قائمة طويلة من الكتب التي كتبها إرستبس الكبير ، وذلك بإعتماده على رواية كل من كاتب السير سوشن الإسكندراني (إزدهر ما بين 200 – 170 ق.م) ، والفيلسوف الرواقي بينتيوس (185 – 109 ق.م وهو تلميذ الرواقي العراقي ديوجانس البابلي 230 – 150/140 ق.م) . وفي الوقت ذاته نقل لنا ديوجانس لارتيوس ، رواية المؤرخ اليوناني سوسكريتس الروديسي (إزدهر عام 180 ق.م) ، والتي يقول فيها : إن إرستبس الكبير لم يكتب شيئاً (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني ، الفقرة رقم 84) .

ويبدو إن تعاليم إرستبس الكبير الفلسفية ، كانت على شكل محاضرات شفهية ، وهذا الكلام يصبح متساوقاً مع المتداول في المصادر التاريخية ، من إن إبنة إرستبس الكبير ، الفيلسوفة القورنائية أريتا ، هي التي نقلت تعاليم والدها الفلسفية إلى ولدها الفيلسوف إرستبس الصغير ، والذي بمنظار الفيلسوف المشائي لإرستوكلس (عاش في القرن الأول الميلادي) ، هو الذي حول تعاليم جده إلى نظام فلسفي شامل (أنظر : ريل جيوفاني وجون كاتن ؛ تاريخ الفلسفة القديمة من الأصول وحتى سقراط ، دار نشرة دار سوني ، نيويورك 1986 ، ص 272) . ولكن الباحثون في تاريخ الفلسفة القورنائية يفضلون الحديث عن إرستبس الكبير كمؤسس أو على الأقل هو الذي وضع أُسس الفلسفة القورنائية (أنظر : شارلز كوبلستون ؛ تاريخ الفلسفة ، نشرة كونتيم العالمية 2003 ، الكتاب الأول ، 121) .

ومن ثم إنشطرت المدرسة القورنائية ، وبالتحديد بعد عصر إرستبس الصغير إلى نزعات عدة ، مثل نزعة منها الفيلسوف إنكرايس القورنائي (إزدهر عام 300 ق.م) ، والذي جادل في أن في الإمكان الوصول إلى اللذة ، من خلال القناعة والرضاء الملازمين للإفعال الفردية . كما وأكد بقوة على حب العائلة ، والوطن ، والصداقة  والقناعة ، والذي رأى بأن ذلك يحقق اللذة ، حتى وإن تطلب كل ذلك التضحية . في حين مثل نزعة ثانية الفيلسوف هيجسيس القورنائي (إزدهر عام 290 ق.م) والذي جادل في إنه من المستحيل الوصول إلى السعادة ، وإن هدف الحياة هو تجنب الألم (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 47) . بينما مثل نزعة ثالثة الفيلسوف ثيودورس الملحد (القورنائي) (340 – 250 ق.م) ، وهو حواري إرستبس الصغير . وقد علم ثيودورس بأن هدف الحياة هو الحصول على الفرح والبهجة ، وتجنب الحزن والقرف (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني ، الفقرة رقم 80) (للتفصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الفلسفية القورنائية ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن ، سيظهر في خريف 2012) .

خامساً – حضور الفلسفة الكلبية في أجواء تكوين الإفلاطونية المحدثة

    إن الإصول الفلسفية لهذه المدرسة تصعد إلى أراء وعقائد مجموعة من الفلاسفة اليونان القدماء ، والذين يُعرفون بالكلبيين . وفي إسم المدرسة وفلسفتها روح ساخرة ومتمردة على كل بهارج الحياة ومظاهرها الزائلة . ومن هنا جاء إسمها باليونانية والمترجم إلى الإنكليزية بلفظة سينك أي السخرية ، وللدلالة على سلوك الشخص وتفكيره  جاءت لفظة سينكل أي الساخر أو المُثير للسخرية والضحك هذا طرف من إشتقاق إسم المدرسة والفلسفة والفيلسوف . أما الطرف الأخر لإسم المدرسة ، فيكمن في المحاولات القديمة للإجابة عن السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟ ولعل واحدة من هذه المحاولات ترى بإن السبب وراء التسمية ، هو إن الفيلسوف الكلبي الأول أنتيسثينيس (445 – 365 ق.م) ، كان يُعلم ويلقي محاضراته في الجمنزيوم المسمى كاينوساركس في مدينة أثينا . وإن كلمة كاينوساركس تعني مكان ” الكلب الأبيض ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 الكتاب السادس ، ص 23) .

ونحسبُ على أساس الطرف الأخير ، إن كلمة الكلب ، هي كلمة فيها قذف وتجريح للفلاسفة الكلبيين الأوائل . كما وفيها تسفيل وإلحاق الضرر بهم ، وذلك بسبب عدم إلتزامهم بقواعد الحياء والحشمة ، وخروجهم على تقاليد وروتين الحياة اليونانية ،  وفضلوا العيش على أرصفة شوارع المدن اليونانية . وفعلاً فإن الفيلسوف الكلبي ديوجانس الساخر ، قد أدرك المعاني السلبية (التي تحمل الذم) في كلمة كلب وكلبية ، ولكنه سعى بكل قوة إلى تحريرها من مضمونها السلبي ، وتوجيها توجيهاً إيجابياً لصالح هذه النزعة الفلسفية الساخرة والمتهكمة من بهارج الحياة بكل ألوانها . ولعل في كلمات الفيلسوف ديوجانس الكلبي الصدق الكثير . فقد كانوا ينادونه ” ديوجانس الكلب ” . وفي رده عليهم ما يحمل التصحيح ، فقال : ” الكلاب الأخرى تعضُ أعدائها أما أنا فأعضُ أصدقائي لأنقذهم ” .

وقد حفظت لنا كتابات الفلاسفة الكلبيون المتأخرون ، نصوصاً تشهد على تحويل كلمة كلب و كلبية وكلبي ، من معانيها السلبية التي تحمل الذم والإنتقاص ، إلى معاني إيجابية تحمل معاني التسامي والعلو والتي تشتغل لصالحهم ، وتقوض دعاوي خصومهم . ومن الملاحظ إن الكلبية إنتشرت مع صعود الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد . ولذلك لاحظ الباحثون إن أعداد الفلاسفة الكلبيين وحوارييهم ، كانت ملحوظة في معظم مدن الإمبراطورية (حيث كانوا يتسولون ويُلقون مواعظهم على الناس) . وفي نهاية القرن الخامس الميلادي إنطفأت هذه المدرسة الفلسفية . ولكن البعض من الباحثين يزعمون إن المسيحيين الأوائل قد تبنوا العديد من أفكار الكلبية ، خصوصها أفكارها الزهدية والخطابية الوعظية (أنظر : كيرالد دونك ؛ الكلبية والمسيحية ، أدنبرة 1992) .(للتفصيل أنظر البحث الرائد في تاريخ الفلسفة الكلبية (الساخرة) : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الفلسفية الكلبية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن ، سيظهر في خريف 2011) .

سادساً– حضور فلاسفة المشائية لحظة تشكل المشروع الإفلاطوني المحدث

اللوقيون هي المدرسة التي أسسها أرسطو بعد فشله في قيادة الأكاديمية بعد موت شيخه الفيلسوف إفلاطون . واللوقيون في الأصل ” جمنزيوم ” أي مكان عام للتعليم ، أو للإجتماعات العامة في أثينا القديمة . وجاء الإسم من المنطقة التي كانت تُعرف ببستان الإله أو اللوقيون أو لوقيون الإله أبولو (وهو الإله – الذئب) . ويرتبط اللوقيون بالفيلسوف أرسطو ، ومن ثم بمدرسته المشائية ، التي قادها هناك . واللوقيون على هذا الأساس كان لها وجود قبل أرسطو . إلا إنه هو المؤسس الحقيقي لها ، والتي أنشأها بالتحديد في عام 334 أو 335 ق.م . وإستمرت اللوقين تحت قيادات مختلفة ، وحتى إجتياح الجنرال الروماني ” سولا فيلكس ” ( 138 – 78 ق.م) لأثينا في العام 86 ق.م . وإن تاريخ اللوقيون (ومن ثم المشائية) يُحدثنا عن مراحل مختلفة : أولاً – اللوقيون قبل أرسطو ، ثانياً – مدرسة أرسطو ، ثالثاً – مكتبة اللوقيون (وتنظيم أرسطو لها) ، رابعاً – اللوقيون بعد أرسطو ، خامساً – رؤساء اللوقيون ، وسادساً – أعضاء اللوقيون (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ اللوقيون أو المشائية : تاريخ وفلاسفة / سيظهر في العدد الثامن من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، خريف 2012) .

   وهي واحدة من مدارس عديدة عرفها العالم اليوناني القديم . وتعاليمها مستمدة من التراث الفلسفي الذي تركه الفيلسوف الإسطاغيري أرسطو ، وهو المؤسس الحقيقي لها . وبربتاتك هي المشائية ، وفلاسفتها هم المشائيون . وجاء الإسم المشائية (أو اللوقيون وهو جمنزيوم = مدرسة) من المكان الذي يجتمع فيه أتباع الفيلسوف أرسطو .

  والحقيقة إن الكلمة اليونانية ” بربتاتيكوس ” تدلُ على فعل المشي . وإن الصفة ” بربتاتك ” في الإستعمال اليوناني اليومي يومذاك ، تعني ” التجول ” أو ” المشي حول الشئ ” . وبعد موت أرسطو إنتشرت إسطورة ” المعلم أو المحاضر الجوال ” وذلك لتشير إلى إن أرسطو كان عادة يلقي محاضراته ماشياً .

  بدأت المدرسة نشاطها حوالي العام 335 ق.م ، وذلك عندما فتح أرسطو أبواب اللوقيون ، وإستهل التعليم فيها . والمدرسة كانت معهداً لأتباع أرسطو ، ينجزون فيه أبحاثهم الفلسفية والعلمية . وفعلاً فإن خلفاء أرسطو كل من ” ثيوفرستوس ” (371 – 287 ق.م) وهو رئيس المدرسة بعد وفاة أرسطو ، و ” ستراتو أو ستراتون ” (335 – 269 ق.م) وهو خليفة ثيوفرستوس على الأكاديمية قد حافظوا على تقليد المدرسة ، وإستمروا في مضمار الكشف عن نظريات علمية وفلسفية متنوعة . ولكن بعد منتصف القرن الثالث قبل الميلاد أخذت المدرسة بالذبول ، وكادت تنطفأ ، إلا إن بعثها من جديد قد تم في الفترة الرومانية (للفترة الممتدة من 27 ق.م – 476 م) . وفعلاً فقد نشط عدد من المشائيين المتأخرين على صعيدين ؛ الأول المحافظة على مؤلفات أرسطو . والثاني وضع الشروح عليها . ولذلك ظلوا رهائن للنص الأرسطي ففشلوا في التوسع فيها والإبداع عليها . وإن المدرسة إنطفأت تماماً في القرن الثالث الميلادي (أنظر : 1 – ديفيد فيرلي ؛ المدرسة المشائية / منشور في كتاب : أن . ج . هاموند وسكولرد ؛ معجم أكسفورد الكلاسيكي ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1970 ، ص 1141 . 2 – ج . لونش : اللوقيون / منشور في إنسكلوبيديا الفلسفة الكلاسيكية / نشرة مطبعة كرين وود 1997 ، ص 311 . 3 – أم . أوستولد و ج . لونش ؛ تطور المدارس وتقدم المعرفة / منشور في كتاب : تاريخ كيمبريدج القديم ، المجلد السادس ، ص ص 623 – 624) .

  وعلى الرغم من إنطفاء المدرسة المشائية ، فإن دراسة مؤلفات أرسطو إستمرت على يد عدد من الباحثين اللذين أطلقوا على أنفسهم إصطلاح المشائيين ، وخصوصاً في العصر الحديث ، وعصر النهضة . ولكن بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية ،  ضيع الغرب كل إتصال بمؤلفات أرسطو ، وإنتقلت إلى يد العرب ، ولتبدأ رحلة جديدة لها ، ومن بعد ذلك وبحدود العقود الثالثة الأولى من القرن الثالث عشر عادت إلى الغرب العبري أولاً واللاتيني ثانياً محمولة على مؤلفات فيلسوف العرب الكبير إبن رشد (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد ورصيد الحركة الرشدية العبرية واللاتينية ، منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العد الخامس شتاء 2012) .  

(بالطبع تذكر إنها كانت مدرسة أرسطو اللوقيون أو المشائية) ومن فلاسفتها في العصر الهيلينستي – الروماني ، إضافة إلى ثيوفرستوس وستراتو ، كل من ” ليكو أو ليكون التاروسي ” نسبة إلى مدينة تاروس (التركية) (299 – 225 ق.م) ، وهو حواري للفيلسوف ستراتو ، وخليفته على المدرسة المشائية ، والتي بدأت في العام 269 ق.م وإستمرت لمدة أربع وأربعين عاماً (أنطر : ألكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 53) .

  ومن فلاسفة المدرسة المشائية ، الفيلسوف ” أرستو الكايي ” (إزدهر 225 – 190 ق.م) والكايي نسبة إلى مسقط رأسه الذي كان في جزيرة كايي في بحر إيجة . كان تلميذاً للفيلسوف ورئيس المدرسة المشائية ليكو . وبعد موت الأخير حوالي عام 225 من المحتمل أن يكون أرستو قد خلفه على رئاسة المدرسة (أنظر : وليم فورتنباخ و ستيفن وايت ؛ أرستو الكايي : نص مع ترجمة ومناقشة ، نشرة دار التقطاع للناشرين ، نيوجرسي 2006 / المجلد 13 والكتاب شارك فيه مجموعة من الباحثين وهو بإشراف فورتنباخ ووايت ، فمثلاً الفصل الأول كان بعنوان : أرستو الكايي : المصادر ، النص والترجمة ، وهو فصل طويل شغل من الكتاب الصفحات 1 – 177 والكتاب بمجمله تكون من 373 أي إن الفصل الأول شغل الثلث الأكبر من الكتاب / قصة هذا الفصل تثير التساؤل ، فقد إشتغل على كتابته مجموعة من الباحثين الأكاديميين ، وهم كل من بيتر ستورك ، تايزينو دورندي ، وليم فورتنباخ ، وجوهانز فون أفيجسن . ومن الفصول التي أعجبتني ولها علاقة بشخصية الفيلسوف المشائي أرستو ، الفصل الثاني ، والذي جاء بعنوان ” في البحث عن أرستو الكايي ” والذي كتبه الأستاذ ديفيد هاهم ، وهذا الفصل شغل الصفحات 179 – 215 ، وضم الكتاب فصولاً أخرى عالجت قضايا تخصصية من فلسفة أرستو الكايي) .

   ومنهم كريتوليوس الفاسيلي(200 – 118 ق.م) وهو فيلسوف يوناني من المدرسة المشائية . وهو واحد من ثلاثة فلاسفة أُرسلوا إلى روما في العام 155 ق.م (وكان الإثنان الأخران ، هم كل فيلسوف الأكاديمية كرنيدس القورني ، والفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي العراقي) وقد أدهشت عقائدهم الفلسفية المواطنين ، فيحين أرعبت عدداً من رجالات الدولة المحافظين . ولد كريتوليوس في مدينة فاسيلي من مستعمرة ليكيا اليونانية (اليوم جزء من تركيا) ، ودرس الفلسفة على يد الفيلسوف أرستو الكايي ، وأصبح رئيساً للمدرسة المشائية بجهوده المتميزة ، خصوصاً كخطيب ، وباحث أكاديمي وفيلسوف أخلاق  (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 50) . ومنهم الفيلسوف المشائي ” ديودورس الصوري اللبناني ” . وكان حوارياً وزميلاً للفيلسوف كريتوليوس ، ومن ثم خليفته في العام 118 ق.م على المدرسة المشائية في أثينا . وإنه على رواية القنصل الروماني ” لوكيوس ليكانيوس كراسوس ” (140 – 91 ق.م) الذي زار أثينا  ، فقد ذكر إن الفيلسف ديودورس كان حياً ونشيطاً في العام 110 ق.م (أنظر : وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية (مصدر سابق)) .

   ومن فلاسفة المدرسة المشائية في القرن الأول قبل الميلاد ، إندرنيقوس الروديسي (60 ق.م) وكان الرئيس الحادي عشر للمدرسة المشائية عام 58 ق.م في روما (وهو أول رئيس لها في روما) بعد إن إكتسح أثينا عام 86 ق.م وعطل جميع مدارسها الجنرال الروماني لوكيوس سولا (138 – 78 ق.م) والذي جلب معه مؤلفات أرسطو وثيوفروستس التي عثر عليها في مكتبة الثري الأثيني أبليكن (توفي عام 84 ق.م)     (لكثير من التفاصيل ، أنظر : أرثر كيفيني ؛ سولا : الجمهوري الأخير ، نشرة روتلديدج 1983 ، صفحات : 8 ، 30 ، 165 ، 228 وما بعد) .

   وكان إندرنيقوس معلماً للفيلسوف المشائي بوثيوس السيدن (75 – 10 ق.م) . إن أهمية إندرنيقوس تكمن في إنه نشر نسخاً جديدة من أعمال أرسطو وخليفته ثيوفروستس والتي كانت مودوعة في مكتبة أبليكن ، كما وإن إندرنيقوس هو الذي رتب أعمال أرسطو بحالها المتداول في الطبعات الحديثة . وإننا ندين له بثلاث جوانب ؛ أولاً إنه حافظ على عدد كبير من مؤلفات أرسطو . وثانياً إنه كتب مؤلفاً عن أرسطو ، وهو الكتاب الخامس الذي يحتوي على قائمة كاملة بأعمال أرسطو . وثالثاً إنه وضع شروحاً على كتاب الطبيعيات ، والأخلاق والمقولات (أنظر : وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية (مصدر سابق)) .

  ومن فلاسفة المشائية الذين سجلوا حضوراً في أجواء تشكيل الإفلاطونية المحدثة ، الفيلسوف المشائي إدراستوس الأفروديسي (القرن الثاني الميلادي) ، وهو مؤلف لرسالة في غاية الأهمية في تاريخ الفكر الفلسفي الأرسطي . ففي هذه الرسالة إقترح دارستوس تنظيماً لمؤلفات أرسطو ، وكذلك لنظامه الفلسفي ، ومن النافع الإشارة إلى الفيلسوف سمبليقوس (490 – 560م) وهو أخر فلاسفة الإفلاطونية المحدثة قد إقتبس منها . كما وله شروح على محاورة طيماوس لإفلاطون ، وقد إقتبس منها الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري . وكتب إدراستوس رسالة في مقولات أرسطو (منطقية) وإقتبس منها جالينوس . وله رسالة في الموسيقى الهرمونيكا ، وقد إقتبس منها ثيون السامراني الإسكندراني (إزدهر عام 100 م) (أنظر : بنجامين جوت ؛ إدارستوس / منشور في : وليم سميث ؛ معجم أساطي وسير اليونان والرومان (مصدر سابق) ، ص 21) . 

  ومن الرموز المشائية الكبيرة في الفترة الرومانية ، الإسكندر أو الإكسندر فروديسي (إزدهر عام 200 م) وهو من مشاهير الشُراح اليونان على مؤلفات أرسطو . وجاء إلى أثينا بحدود نهاية القرن الثاني الميلادي . وه تلميذ إثنين من الفلاسفة المشائين ، وهما سوسجين المشائي (الذي كان حياً في نهاية القرن الثاني الميلادي) (أنظر : جون باترك ؛ مدرسة أرسطو : دراسة في المعهد التربوي اليوناني ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1972 ، ص 215) ، و هرمنيس (القرن الثاني الميلادي) ووضع شروحاً على معظم مؤلفات أرسطو . ووفقاً  لسمبليكوس (490 – 560م) فإنه كان معلماً للأسكندر فروديسي . ومن شرح الأسكندر فروديسي على كتاب التحليلات الأولى ، فإنه يذكر إن هرمنيس قد إشتغل على نظرية أرسطو القياسية (أنظر : ألن باومان وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج القديم : الإمبراطورية العليا (192 – 70 م) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2000 ، ص 936) . وربما كان الإسكندر فروديسي تلميذاً لأرسطو الميلتيني (من القرن الثاني الميلادي) وهو فيلسوف مشائي معاصر لجالينوس (200 – 129) (أنظر : روبرت تود ؛ الإكسندر فروديسي وطبيعيات الرواقية ، نشرة بيرل 1976 ، ص ص 11 – 12) . وكان فروديس رئيس المدرسة المشائية  ، ووضع العديد من الشروح على أعمال أرسطو مثل الكتب المنطقية الستة (المقولات ، العبارة ، التحليلات الأولى ، التحليلات الثانية ، والسفسطة) ، وفي الأنواء الجوية أو السماء العالية ، والحس والمحسوس ، والميتافيزيقا . ومن أعماله الأصيلة ؛ كتابه المهم المعنون في القدر والذي جادل فيه ونقض مبدأ الضرورة الرواقي ، وفي النفس (أنظر : مارلين فيليب : الإسكندر فروديسي / معجم السير العلمية ، نشرة دار شارلز سكربينر ، نيويورك 1970 ، ص ص 117 – 120) .

  ومع صعود الإفلاطونية المحدثة (والمسيحية كذلك) في القرن الثالث الميلادي ، تكون قد وصلت المدرسة المشائية إلى نهايتها . ولكن هناك قصة أخرى لفلسفة أرسطو ومؤلفاته مع الإفلاطونية المحدثة ، التي قامت بمزجها في نظامها الفلسفي من طرف ، وقامت بوضع شروح عليها من زاوية إفلاطونية محدثة من طرف أخر . ومع ذلك لاحظنا إنه في القرن الخامس الميلادي إن أولمبيدولوس الكبير ، يوصف أحياناً بالمشائي ، والذي كان معلماً لرمز كبير من رموز الإفلاطونية المحدثة ، هو الفيلسوف بروقلس (410 – 485 م) (أنظر : وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية (مصدر سابق) .

سابعاً – حضور فلاسفة الأكاديمية في أجواء صياغة الإفلاطونية المحدثة

    أسس إفلاطون الأكاديمية في أثينا عام 387 ق.م . وفيها درس الفيلسوف أرسطو بحدود العشرين عاماً ، والتي إمتدت ما بين 367 ق.م وإلى 347 ق.م . وبعيد ذلك ترك الأكاديمية ، وأسس مدرسته الخاصة التي عُرفت باللوقيون (وسنأتي للحديث عنها فيما بعد) . وإستمرت الأكاديمية في عملها خلال المرحلة الهيلينستية ، ولكنها تحولت إلى مدرسة للشكاك ، وذلك عندما أصبح الفيلسوف أركسيالوس (316 –  241 ق.م) وذلك عندما أصبح رئيساً للأكاديمية بحدود العام 266 ق.م ، والذي يُنظر إليه كمؤسس لما يُعرف بالأكاديمية الثانية أو المتوسطة . وقد خلف كريتس الأثيني (مات ما بين 268 – 264 ق.م) والذي كان الرئيس السادس للأكاديمية الإفلاطونية . ومن ثم إنتهت هذه المرحلة من تاريخ الأكاديمية عام 83 ق.م ، وبالتحديد بعد موت رئيس الأكاديمية يومذاك الفيلسوف الشكي فيلو اللارسي ( 154 – 83 ق.م) … وإستمرت الأكاديمية في نشاطها الفلسفي والعلمي ، وتحولت في العام 410 م إلى مركز للإفلاطونية المحدثة ،  وحتى أغلق أبوابها وشتت الفلاسفة ونفاهم خارج الأمبراطورية ، الإمبراطور جوستنيان (482 – 565 ق.م) في العام 529 م .. ومن الملاحظ إن تاريخ الأكاديمية ، يمنحنا فرصة للحديث عن خمس مراحل كبرى مرت بها الأكاديمية ، وهي بالشكل الأتي : أولاً – الأكاديمية القديمة ، ثانياً – الأكاديمية الوسطى ، ثالثاً – الأكاديمية الجديدة ، رابعاً – تدمير الأكاديمية ، وخامساً – أكاديمية الإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الأكاديمية : تاريخ ونشاط فلسفي وعلمي مديد ، سيظهر في عدد خاص من مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن ، خريف 2012) . 

فلاسفة الأكاديمية الوسطى أو الثانية : والتي هيمن عليها الشكيون ، فعُرفت بالأكاديمية الشكية (وبالطبع كانت هي ذاتها أكاديمية إفلاطون تذكر ذلك رجاءً) ، ومثلها عدد من الفلاسفة في المرحلة الهيلينستية ، منهم الفيلسوف ” أركسليوس ” (316 – 240 ق.م) ، وهو مؤسس الأكاديمية الوسطى أو الشكية ، وقد خلف الفيلسوف ” كريتيس ”  (توفي ما بين 268 – 264 ق.م) والذي كان الرئيس السادس للأكاديمية عام 264 ق.م (أنظر : الكرا وأخرون : تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 ، ص 48) .  والفيلسوف ” كرنيدس القورني الليبي ” (214 – 128 ق.م) وهاجر إلى أثينا وأصبح رئيساً للأكاديمية . كانت بدايته نفنيد ودحض الرواقية ، ومه ثم عمل على تفنيد الأبيقورية التي منها إنطلق الشكيون وإنتشروا (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 33 ، 48) ، ومن ثم الفيلسوف ” كليتوماكس ” (187 – 109 ق.م) وكان تلميذاً للفيلسوف السابق كرنيدس ، ولكنه في الوقت ذاته درس الرواقية والمشائية . وفي 127 وبالتحديد بعد موت إستاذه بسنتين أصبح رئيساً فاعلاً للأكاديمية (أنظر : المصدر السابق ، ص 49) . وبعد موته خلفه على رئاسة الأكاديمية ، الفيلسوف ” فيلو أو فيلون اللارسي ” (154 – 83 ق.م) والذي أظهر إعتدالاً في شكيته ، وعلى رأي ” ساكس إمبريكوس ” (160 – 210 م) فإن فلسفة فيلو ، هي رد فعل ضد أراء الأكاديمية الشكية (الوسطى) ، وفيها توجه نحو أكاديمية جديدة ، تفضل العودة إلى عقائد إفلاطون (أنظر : المصدر السابق ، ص 48 ، كذلك أنظر : شارلز بريتين ؛ فيلو اللارسي ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2001 ) .

  ومن فلاسفة الإفلاطونية الذين عملوا وكتبوا في القرون الأولى الميلادية ، وكانوا معاصرين لرواد ومؤسسي الإفلاطونية المحدثة ، الفيلسوف إرنساندر (القرن الأول الميلادي) ، وهو فيلسوف يوناني ، ومؤلف لشروح على جمهورية إفلاطون . كما وله كتاب في الستراتيجيات ، والذي يُنظر إليه كواحد من أهم الرسائل التي عالجت الموضوعات العسكرية القديمة (أنظر : هيك كسهولم ؛ الإنسكلوبيديا البريطانية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط11 ، مادة إرنساندر) .

  والمثال الثاني الذي نستشهد به على حضور فلاسفة أكاديمية إفلاطون في أجواء تشكل الفلسفة الإفلاطونية المحدثة ، هو الفيلسوف كاسيوس مكسيمس الصوري (القرن الثاني الميلادي) . وتنسب له إحدى وأربعين مقالة أو خطاباً في اللاهوت ، والأخلاق ، والموضوعات الفلسفية الأخرى ، ومضمارها الرئيس هو الله الوجود المتعالي (أنظر : مايكل تراب ؛ مكسيمس الصوري : الخطابات الفلسفية ، نشرة مطبعة كلارندن 1997) .

  أما المثال الثالث الذي نستشهد به ، هو الفيلسوف الإفلاطوني أوريكن الوثني (من بواكير القرن الثالث الميلادي . وهو مثال له أهمية بالغة في بيان العلاقة بين فلاسفة الإفلاطونية والمؤسسين الروحين لحركة الإفلاطونية المحدثة . عاش أريكن الوثني في الإسكندرية ، وكان تلميذاً للأب الروحي للإفلاطونية المحدثة أمونيوس ساكس (القرن الثالث الميلادي) ، وكان معاصراً لإفلوطين (204 – 270 م) المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 198 – 199) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(2)

واقع الفلسفة عشية الإعلان عن ولادة الإفلاطونية المحدثة (القسم الثاني)

الدكتور محمد جلوب الفرحان   

ثامناً – حضور فلاسفة الأبيرونية لحظة تشكل المشروع الإفلاطوني المحدث

   لقد عاصر أكبر فيلسوف من المدرسة الأبيرونية ، وهو ساكس إمبريكوس (القرن الثاني والعقد الأول من القرن الثالث الميلادي) لحظات تشكل المشروع الإفلاطوني المحدث ، وكان كاتباً مؤرخاً للفلسفة الأبيرونية ، والمدافع العنيد عن نزعاتها المنهجية (الطرائقية) وفلسفتها الشكية (التي كونت إنموذجاً متميزاً إحتضنته الفلسفة اليونانية ، وظهر له صدى في كتابات الغزالي ، ومونتاني وتتوج عند ديكارت ..) .

   إن الأب الروحي لهذه المدرسة ، هو الفيلسوف الشكي بيرو أو بيرون (360 – 270 ق.م) وهذا ما نفضل تداوله . وفي الحقيقة إن الفيلسوف الشكي أنيسديموس ، هو الذي أسس المدرسة في القرن الأول قبل الميلاد ، وأطلق إسم بيرون عليها . صحيح كما ذكرنا سابقاً إن هناك عدداً من الفلاسفة الشكيين قد فرضوا هيمنتهم على المدرسة الأكاديمية التي أسسها إفلاطون ، وبالتحديد في فترة الأكاديمية الوسطى أو الثانية . وهؤلاء الأكاديميون الشكيون يشاركون فلاسفة المدرسة البايرونية في نزعتهم الشكية . إلا إننا مع المدرسة البايرونية نجد فلاسفة بنوا لهم مدرستهم المستقلة ، وعبرو بوضوح عن مذهبهم الشكي ، ولم يعملوا تحت رايات مدارس أخرى مثل حال الأكاديميين الشكيين (أنظر : كيسلا سترايكر ؛ حول الإختلافات بين البايرونيين والأكاديميين / منشور في كتاب : مقالات في الأبستمولوجيا والأخلاق الهيلينستية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1996 ، ص ص 135 – 149) .

  قلنا قبل قليل إن بيرون هو المؤسس الروحي للمدرسة الشكية الأبيرونية . وبيرون هو أول فيلسوف شكي بايروني . وإن أفكاره قد ألهبت وألهمت فلاسفة المدرسة البايرونية . جاء بيرون من منطقة إليا ، والتي تقع في جنوب اليونان ، ويحدها من الغرب البحر الأيوني . ووفقاً لديوجانس لارتيوس (والذي إقتبس من أبولودورس الأثيني (180 – وتوفي ما بعد 120 ق.م) وهو تلميذ الرواقي ديوجانس البابلي العراقي) بأن بيرون في الأصل كان رساماً ، وإن لوحاته كانت معروضة في الجمنزيوم في إليا ، ومن ثم تحول إلى الفلسفة بعد قراءة أعمال الفيلسوف ديمقريطس . كما وإن بيرون كان مطلعاً على الجدل (المنطق) الميغاري (نسبة إلى المدرسة الميغارية التي أسسهاالفسلسوف إقليدس الميغاري (435 – 365 ق.م)) . وهذا الإطلاع جاء من خلال الفيلسوف الميغاري برايسون الأكي (إزدهر عام 330 ق.م) الذي كان معلماً للفيلسوف بيرون (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب التاسع) . وبالمناسبة فإن الفيلسوف الميغاري برايسون كان تلميذاً للفيلسوف الميغاري ستلابو (360 – 280 ق.م) الذي كان معاصراً للفيلسوف المشائي ثيوفروستس (أنظر : ألكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 52) .

  ولعل من النافع أن نشير إلى صفحات من إنفتاح العقل اليوناني ودائرته الثقافية على ثقافات الشرق ، والتي ظهر لها صدى في حياة ومن ثم في كتابات بيرون . فقد أشارت المصادر إلى إن بيرون والفيلسوف إنكساركوس (380 – 320 ق.م) كانا مرافقين للإسكندر المقدوني في حملاته الحربية في الشرق (وإنكساركوس هو فيلسوف من مدرسة ديمقريطس . وإن أفكاره تمثل ربطاً بين ذرية ديمقريطس وشكية بيرون) . وقد درس كل من بيرون وإنكساركوس على يد الفلاسفة الهنود العراة ، وعلى يد حكماء المجوس في بلاد فارس .

  ويبدو إن إطلاع بيرون على الفلسفة الشرقية ألهمه في تبني إسلوب الحياة المتواضعة والعزلة . وفعلاً عندما عاد إلى مدينته إليا ، عاش في ظروف متواضعة جداً . ولكنه كان محترماً من قبل الأيليين أولاً ، ومن قبل الأثينيين ثانياً ، واللذين كانوا يتشاورون في منحه حق المواطن الأثيني . ولم تبقى أشياء من كتابات بيرون ، والتي هي في رأي الأكاديميين الغربيين ليس لها وجود حقيقي ، وذلك لأن بيرون لم يكتب شيئاً . ولكن هناك سجلات لأرائه وردت في الكتابات الساخرة لتلميذه تايمون فيلس (سيأتي الكلام عنه لاحقاً) وهذه الأعمال مع الأسف هي الأخرى طواها النسيان ، وأصبحت من الأعمال الضائعة . واليوم نحن نعرف آراء بيرون من خلال عمل رئيس جاء بعنوان : خلاصات عن البايرونية ، كتبه الطبيب اليوناني ساكس إمبريكوس (سيأتي الحديث عنه لاحقاً) (للإطلاع على البايرونية ، أنظر : توني لونك وديفيد سادلي ؛ الفلاسفة الهيلينستيون (ج1 ترجمات ومبادئ رئيسة وشرح فلسفي) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1987 ، ص ص 14 – 17) .

  ومن فلاسفة المدرسة الشكية البايرونية ، الفيلسوف تايمون فيلس (320 – 230 ق.م) . وهو في الواقع تلميذ بيرون ، وكان شاعراً مشهوراً بقصائده التهكمية ، والتي يُطلق عليها سيلويا ، وهو شكل من التهكم الفلسفي عند اليونان القدماء . وشعر تايمون الفلسفي ، شعر ساخر من فلسفات الفلاسفة الأخرون ، وليس من الفلاسفة أنفسهم (أنظر : أليكس بريمنكر ؛ سيلويا ، منشور في  إنسكلوبيديا برنكتون الجديدة للشعر (بإشراف ت . ف . بروغن) ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 1993 ، 1148)      ولد الفيلسوف تايمون في فيلس ، ومن ثم تحول إلى ميغارى ، وعاد إلى بلده وتزوج . وكان راقصاً على المسرح ، ومن ثم هجر هذا العمل وبدأ بدراسة الفلسفة . وفعلاً صرف بعض الوقت مع الفيلسوف الميغاري ستلابو ، وبعد ذلك ذهب مع زوجته إلى إليا ، وبدأ يستمع إلى بيرون . وتايمون تشرب عقائد بيرون الفلسفية وإتخذ منها مذهباً فلسفياً له . وطُرد من إليا ، فذهب إلى هيلسبوت ، وعلمً في شالكيدون ، ومن ثم تحول إلى أثينا التي صرف حياته فيها وحتى وفاته . ولكن أثناء إستقراره في أثينا ، رحل إلى طيبة اليونانية ، وكان معلماً جوالاً يدرس الفلسفة والخطابة ، وخلال ذلك تعرف على عدد من الشخصيات والملوك ، مثل إنتكونوس المقدوني (319 – 239 ق.م) ، وملك مصر بطلميوس الثاني (309 – 246 ق.م) . ومات الفيلسوف البايروني تايمون وعمره ناهز التسعين عاماً .

  تميزت مؤلفات تايمون بأهميتها البالغة ، حيث تناولت عدداً من الفلاسفة الأحياء والأموات ، وتايمون كتب الشعر ، والتراجيديا ، والشعر الساخر والذي لم يبقى منها إلا القليل . ومن أشهر مؤلفاته سيلويا ، والتي كانت في حقيقتها تفسيراً ساخراً للفلاسفة المشاهير الأحياء والموتى . وسيلويا هي الأخرى طواها النسيان ، ولكن جاء ذكرها في عدد من المؤلفات ، وإقتبس منها عدد من المؤلفين القدماء . واليوم يُعد كتاب ديوجانس لارتيوس المعنون حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، من أهم مصادرنا الباقية ، والذي قدم لنا فيه تفسير عادل لحياة تايمون . كما إن أهمية كتاب ديوجانس تعود إلى إنه إقتبس من سوشن الإسكندري (إزدهر 200 – 170 ق.م) والذي كان في الأصل من فيلس مدينة الفيلسوف تايمون كذلك (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب التاسع ، صفحات متنوعة) .

  ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، فإن كتابات تايمون كانت متنوعة تمثلت في قصائد غنائية وأخرى ملحمية ، وتراجيديا ، ودراما ساخرة ، وثلاثين عملاً كوميدياً ، وستين عملاً تراجيدياً ، وسيلويا وقصائد أخرى .

  كما يرى ديوجانس إن تايمون كتب النثر ، والذي تجاوز العشرين ألف سطراً ، وهي بلاشك كتابات فلسفية ، وعددها ديوجانس وقد شملت : المحسوسات ، في الأبحاث ، نحو الحكمة . ومن بين أعماله المفقودة كتابه ضد رجال الطبيعيات (الفيزيزتس). وحسب رأي ديوجانس ” إن البايرونية الشكية إتخذت شكلها الأصيل مع تايمون ” (المصدر السابق) .

  وكذلك إقتبس من كتابات تايمون الفيلسوف والطبيب ساكس إمبريكوس ، وهو واحد من خلفاء بيرون . والحقيقة إن مقاطع من سيلويا ، والتي بقيت خالدة ، جاءت من مختارات إقتبسها ساكس إمبريكوس (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد علماء الهندسة وضد الإختصاصيين (الأساتذة) ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1949 ، ص 245 ، وكذلك أنظر : الكرا وأخرون ؛ المصدر السابق) .

  ومن الفلاسفة الشكيين البايرونيين المشهورين ، الفيلسوف أنيسديموس والذي له مكانة مهمة في تاريخ المدرسة البايرونية ، فهو الذي أسسها وبعث فلسفتها في القرن الأول قبل الميلاد ، وألف كتاباً بعنوان البايرونية . واليوم تتوافر لدينا القليل من المعلومات عن حياته . كما وأن من المؤسف إن جميع مؤلفاته قد تعرضت للضياع . ومع ذلك فقد جاء ذكره في بعض المصادر ، والتي من حُسن حظنا إنها ناقشت أفكاره بدرجات متفاوتة من التفصيل . ومن المؤلفين الذي إعتنوا بحياة وكتابات أنيسديموس ، كل من فيلو الإسكندري (20 ق.م – 50 م) ، و ساكس إمبيركوس (160 – 210م) ، و ديوجانس لارتيوس (إزدهر في القرن الثالث الميلادي) وفوتوس (810 – 893م) .

  ولد أنيسديموس في كنسوس االتي هي جزء من جزيرة كريت . وعاش في القرن الأول قبل الميلاد ، وإزدهر بعيد موت شيشرون (106 – 43 ق.م) بقليل . وتذكر المصادر بإنه من المحتمل كان عضواً ” في أكاديمية إفلاطون ” . والأدق برأينا عضواً في الأكاديمية الثانية أو الوسطى التي هيمن على مُقدراتها الشكيون . إلا إنه كما يبدو إختلف معهم ورفض نظرياتهم ، وقام بتجديد مبدأ تعليق الحكم ، الذي هو في الأساس مبدأ يرتبط بكل من الفيلسوفين بيرون وتلميذه تايمون . ومبدأ تعليق الحكم أبدعه بيرون وتايمون لحل مشكلات الأبستمولوجيا العصية على الحل .

  والواقع إن مدرسة أنيديموس ، هي مدرسة شكية بايرونية ، والمصادر عندما تتكلم عنه تشير إلى إنه فيلسوف المدرسة الشكية الثالثة . ومن أهم مؤلفاته كتابه المعنون البايرونية ، والذي ناقش فيه الأفكار الأربعة التي ترتبط بالبايرونية ، وهي : أسباب الشكية والشك ، الحجج ضد السببية والحقيقة (وهنا أود التنبيه إلى إن حجج البايرونية ضد السببية قد إنتقلت إلى العالم الإسلامي بطريق مباشر أو غير مباشر ، ووجدت لها صدى في الفكر الكلامي الإسلامي ، وخصوصاً الأشعري ، وعلى وجه الخصوص في فكر الإمام الغزالي وموقفه المشهور في نقد السببية) ، والنظرية الفيزيائية (الطبيعية) والنظرية الأخلاقية .

  ولأهمية أنيسديموس في تاريخ البايرونية ، نحاول في أطراف من هذا البحث إلقاء الضوء على أفكاره الفلسفية الشكية البايرونية ، ونركز هنا على كتابه البايرونية . إن هذا الكتاب يُعد من أعمال أنيسديموس الرئيسة . وقد أهداه إلى المحامي المشهور لوكيوس توبرو (إزدهر في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد) ، وهو قريب لشيشرون (للتفصيل أنظر : مانفريد فيورمان ؛ شيشرون والجمهورية الرومانية ، ترجمه إلى الإنكليزية دبليو . أي . يول ، نشرة دار بلاك ويل ، أكسفورد 1990 ، ص 5) ، وكان لوكيوس توبرو عضواً في أكاديمية إفلاطون (أي الأكاديمية الوسطى) وعلى هذا الأساس إفترض بعض الباحثين إن أنيسديموس كان هو الأخر عضواً في الأكاديمية ، وذهبوا إلى أبعد من ذلك وإفترضوا إن أنيسديموس كان نشطاً في فترة رئاسة فيلو لارسي (راجع أعلاه الأكاديمية الثانية أو الشكية) . ومن ثم إستنتجوا إلى إنه من المحتمل أن يكون أنيسديموس قد طور مذهبه الشكي كرد فعل على خطأ فلسفة فيلو .

 إن عنوان الكتاب باللغة اليونانية القديمة بايرونيا لوجيا ، وهو بالأنكليزية يعني الخطابات البايرونية أو المبادئ البايرونية . والكتاب يُعالج في الأساس حاجة الإنسان إلى تعليق الحكم وذلك بسبب حدودنا (قصورنا) الأبستمولوجية . والكتاب كما يبدو موسوعة تتألف من ثمانية كتب ، ولكن مع الأسف ضاعت ولم يبقى منا شيئاً على قيد الحياة . وجاء الكتاب رد فعل على العقائد االدوكماتية في أكاديمية إفلاطون في عصر أنيسديموس .

   لقد جادل أنيسديموس عدداً من معاصريه من فلاسفة الأكاديمية ، وبين لهم بإن تأكيداتهم القوية على بعض نظرياتهم يعوزها التبريرات المقنعة . وشمل في جدله أفكار الرواقية ، الذين تنكروا لنظريات الأخرين . وجادل بإن شخصاً ما إذا ما  ” قرر إن لا شئ هناك ” . فإن ذلك يعني ” إن لا شئ ” أما أن يثبت أو يرفض . ولبيان ذلك بإستخدام الطريقة الرمزية ، فإن أنيسديموس (علق الحكم) ولم يِؤكد على الإطلاق القضايا مثل :

 ل هي دائماً ق أو ل لا تكون على الإطلاق هي ق

   ولكن عوضاً عن ذلك فإن ذهب إلى إن القضايا الوحيدة ، هي مثل :

 إنه ليس بحال بأن تكون ل هي دائماً ق أو إنه ليس بحال أن تكون ل ليست على الإطلاق هي ق .

  ويبدو إنه في إطارشكيته البايرونية ، فإن القضايا التي تكون مقبولة فقط ، هي القضايا السلبية . ولذلك أقام حجته القائلة : بأن البشر غير قادرين على معرفة أي شئ . ولهذا الغرض طور صيغة ما أسماه الضروب العشرة .

الضروب العشرة :

  وللأسباب السابقة ، فإن تعليق الحكم هو في حقيقته الضروب العشرة . ولعل الحجة التي عرضها أنيسديموس تبين ذلك ، والتي جاءت بالشكل الأتي :

1 – تتمظهر الحيوانات المختلفة بضروب مختلفة من الإدراك الحسي .

2 – يمكن ملاحظة الإختلافات ذاتها بين الأشخاص الأفراد .

3 – إن المعلومات بالنسبة للشخص الواحد تُدرك بواسطة الحواس ، والتي تكون متناقضة بحد ذاتها .

4 – وأن هذه المعلومات تكون مختلفة من وقت لأخر مع تغيرات فيزيائية .

5 – إضافة إلى إن المعطيات تختلف وفقاً لعلاقتها المحلية .

6 _ إن الموضوعات تُعرف فقط بصورة غير مباشرة ، وخلال وسائط مثل الهواء ، والرطوبة .. وغير ذلك .

7 – وإن هذه الموضوعات في حالة تغير دائم في اللون ، ودرجة الحرارة ، والحجم والحركة .

8 – كل الإدراكات الحسية نسبية ، وتتفاعل بالإعتماد على الأخر .

9 – إن إنطباعتنا تصبح عصية على النقد بسبب التكرار والتقليد .

10 – إن جميع الأشخاص ترعرعوا في طل عقائد مختلفة ، وعاشوا تحت قوانين مختلفة ، وشروط إجتماعية مختلفة .

  وخلاصة القول إن أنيسديموس جادل بأن الحقيقة تكون مختلفة ولانهائي ومشروطة بالظروف ، ولذلك لايمكن محاكمتها بدقة من قبل المراقب . وعلى هذا الأساس رفض مفاهيم المعرفة المطلقة وذلك ما دام كل إنسان يمتلك إدراكات حسية مختلفة  ، وهو بشخصة ينظم ما تأتي به الحواس من معطيات وبطرقه الخاصة به .

حججه ضد السببية :

  إما الجزء الثاني من عمل أنيسديموس ، فقد ركزه في الهجوم على نظرية السببية . ويبدو إن البراهين في حجته ، تحمل نوعاً من المقاربة القوية لأراء الشكية الحديثة . فمثلاً جادل أنيسديموس بأن السبب ليس له وجود أصلاً . ولكنه يوجد فقط في عقل الشخص الدي يقوم بفعل الإدراك . ومثل هذا الحال فإن سلامة مبدأ السببية مجرد سلامة ذاتية . وبالنسبة للعقل الإنساني ، فإن صدق العلاقة بين السبب والنتيجة يكاد تقريرها من المستحيلات .

  ومن ثم ذهب مجادلاً ؛ إذا إفترضنا إن السبب والنتيجة مختلفان ، إذن يجب أن يحدثا معاً أو بالتتابع . وإذا حدثا معاً أي في وقت واحد ، إذن في الجوهر سيكون السبب هو النتيجة ، والنتيجة هي السبب . وإذا حدثا بالتتابع ، إذن السبب يسبق النتيجة . وكنتيجة فإنه ليس بإمكانها أن تسبق سببها . وهذا يعني إن هناك مجالاً من الوقت ، لا يكون فيه السبب في الواقع فاعلاً . وذلك يعني إن السبب ليس هو بحد ذاته سبب . وخلال هذه الحجج توصل أنيسديموس إلى المبدأ الأساس للشكية : وهو مبدأ الرفض الجذري للأسباب . والذي لخصه في عبارته القائلة : لكل حجة توجد حجة مقابلة ، تُعارضها بنفس القوة * .

ــــــــــــــــــــــــــــ

 * وهنا أدعو أقسام الفلسفة في العالم العربي ، إلى توجيه أنظار طلبتها في الدراسات العليا ، إلى إعادة دراسة الفكر الكلامي الإسلامي عامة ، والفكر الكلامي الأشعري خاصة ، وعلى وجه الخصوص فكر الإمام الغزالي من زاوية حجج الشكاك ، وبالتحديد حجج الفيلسوف البايروني أنيسديموس . ومع حجج الشكاك وبالتحديد حجج أنيسديموس تتكشف حقيقة المضموم المتخفي في الفكر الكلامي الأشعري ، وخصوصاً في طرفه الكلامي الغزالي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

نظريات أنيسديموس الفيزيائية (الطبيعية) والأخلاقية

   تتكشف لنا في هذا الطرف من تفكير الفيلسوف الشاك البايروني أنيسديموس ، حقيقة مهمة ، فيها مخالفة لأطراف من حججه ضد الدوكماتيات الفلسفية في طرفيها الإفلاطوني والرواقي اللذان خاصمهما ، كما من جهة مصادره نحسب إن فيهما طرف لا يُرضي أنيسديموس ، وذلك لأنه تجاهل هذا المصدرفي نقده للنظريات الرواقية . وهنا عاد أنيسديموس ووضع يده في يد الرواقية وذلك بطريقة مكشوفة ومن خلال الفيلسوف هيرقليطس (535 – 475 ق.م) .

  إن ضميمة أنيسديموس ، هو إنه قد تشرب نظرية الفيلسوف هرقليطس الفيزيائية . وهذا الطرف إشترك أنيسديموس مع الرواقية في المصادر والمنابع الفلسفية . فمن المعروف إن الرواقية أعادت تجديد فلسفة هرقليطس في منظومتها الفلسفية (وهذا ما نعمل على معالجته في جانب الرواقية لاحقاً) . والحقيقة إن أنيسديمس قد وجه نقداً  للرواقية ودوكماتيتها . وهنا عاد إلى هرقليطس مصدر الرواقية ومنبعها الفلسقي .

  والواقع إن مصدرنا هو ساكس إمبريقوس ، وهو من أعضاء المدرسة البايرونية ، وهو الذي حفذ الكثير من أراء أنيسديموس الفلسفية التي أودعها في كتابه البايرونية المفقود مع الأسف . وبالمناسبة إن ساكس إمبريكوس له كتاب بعنوان خلاصات البايرونية ، وهو من مصادرنا ، وفيه إقتبس إمبريكوس الكثير من أراء أنيسديموس وبذلك حافظ لنا على أراء هذا الفيلسوف المؤسس الحقيقي للمدرسة الشكية البايرونية .

  ونحسب على أساس رواية ساكس إمبريكوس ، إن أنيسديموس قد إنتهى إلى نتائج لا تتناغم ونزعته الشكية البايرونية . فمثلاً وفقاً لإمبريكوس ، إن أنيسديموس قبل تأكيد هرقليطس على تعايش أو تواجد المتناقضات في الموضوع المُدرك ، ومن هذا الطرف أكد بأثر هرقليطي على تعايش أو تواجد الصفات المتعارضة في الموضوع ذاته . وهكذا كان أنيسديمس ميالاً لأفكار الحقيقة والسببية (وهي الأفكار التي جادل ضدها كما بينا أعلاه) .

  كما وفي هذا العمل تدمير للمعايير الأخلاقية ، ورفض إن يكون الإنسان نازع بطبعه إلى الخير . والقول بأن اللذة أو السعادة هي مطلقة (وهذه الإطلاقية تتعارض مع ضرب من ضروبه العشرة لتعليق الحكم والتي ذكرناها أعلاه) . وإن المثال الواقعي هو كل الأفعال هي نتائج اللذة والألم ، الخير والشر (أنظر : 1 – فيراندا كايزا ؛ أنيسديموس والأكاديمية / بحث منشور في مجلة الكلاسيكا الفصلية ، المجلد 42 ، العدد (1) سنة 1992 ، ص ص 176 – وما بعد . 2 – هارولد ثورسورد ؛ الشكية اليونانية القديمة / إنسكلوبيديا الفلسفة سنة 2007 (أون لاين)) .

   ولعل خير كلام نختتم به الحديث عن أنيسديموس ، هو القول إن نظرياته الفيزيائية والأخلاقية فتحت شقاً كبيراً في جدار منظومته الفلسفية ، لا يمكن ترميمه بأي حال من الأحوال . والشئ الوحيد هو القول إن هذه النظريات الدوكماتية ليست هي بجزء من منظومة تفكير أنيسديموس المعارض لكل ما هو دوكماتي سواء إفلاطوني أو رواقي ، وهي في المحط الأخير تلفيق لا علاقة له بفكره الفلسفي البايروني العام .  وإذا قبلنا هذا التلفيق ، جزءً أصيل من منظومة أنيسديموس الفلسفية ، فمن هذا الطرف قد حملت معها الفلسفة الرواقية المستبطنة لفكر الفيلسوف اليوناني هرقليطيس إلى العالم الإسلامي ، وخصوصاً إلى الفكر الكلامي الإسلامي عامة والأشعري خاصة ، والذي تهيمن عليه حجج الشكاك والإطروحات الرواقية بدرجات متفاوتة .

   ومن فلاسفة المدرسة الشكية البايرونية ، الفيلسوف إكريبا الشكي ، والذي من المحتمل وفقاً للمصادر التي إعتنت بحياته ، إنه عاش في نهايات القرن الأول الميلادي (أنظر : بنجامين جوت ؛ إكريبا / منشور عند وليم سميث ؛ معجم الأساطير والسير اليونانية والرومانية ، نشرة لتا وبراون وشركاؤه ، بوسطن 1867 ، ص 77) . وهو مؤلف ” الأسس أو الضروب الخمسة للشك ” . وبرأي المحدثين من أمثال فكتور بروشارد ، هو من الشكين الراديكاليين ، والأكثر دقة في المذهب الشكي على أساس هذه الضروب الخمسة للشك  . ويعتقد بورشارد إن هذه الضروب لا تزال فاعلة حتى اليوم ، وهي عصية على الإعتراض والنقض (أنظر : فكتور بروشارد ؛ الشكاك اليونان (بالفرنسية) لم نتمكن من العثور على ترجمة إنكليزية له / الكتاب الثالث والمعنون الشكية الجدلية / الفصل السادس ، والذي كان بعنوان إكريبا : خليفة أنيسديموس) . وهذا الكتاب ، أي كتاب الفيلسوف إكريبا ، كان الركيزة الأساس  لدعوته إلى إستحالة قيام المعرفة اليقينية .

  والحقيقة إن من المصادر الأولى التي حفظت لنا هذه الضروب ، هو الفيلسوف الشكي البايروني التجريبي ساكس إمبريكوس ، وبالتحديد في كتابه خلاصات البايرونية أو الشكية كما جاء في الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب . وحسب رأي ساكس فإن هذه الضروب الخمسة تُنسب إلى ما أسماهم ” بالشكيين الأكثر حداثة ” وبالطبع يشمل الفيلسوف إكريبا واحداً منهم . ووفقاً لمؤرخ الفلسفة اليونانية ، وصاحب موسوعة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، فهي ” تنسب إلى إكريبا ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس : المصدر السابق / الكتاب التاسع) . وهذه الضروب – الأسس هي بالشكل الآتي :

1 – أساس أو ضرب الإعتراض : والذي ينصُ على إنه

     لا يقينية في قواعد الحياة العامة ، ولا يقينية في آراء الفلاسفة .

2 – أساس أو ضرب الرد إلى اللانهاية : والذي ينصُ على إن

    كل البراهين تتطلب براهين أخرى ، وهكذا تستمر العملية إلى اللانهاية .

3 – أساس أو ضرب العلاقة (النسبية) : والذي ينصُ على إن

   إن كل الأشياء في حالة تغير وتبدل ، وعلى هذا الأساس فإن علاقاتها هي الأخرى متغيرة ، أو كما ننظر إلي الأشياء ذاتها من زوايا نظر مختلفة .

4 – أساس أو ضرب الإفتراض : والذي ينصُ على إن

   إن الحقيقة هي تأكيد مزعوم ، وهو تأكيد على الفرضية .

5 – أساس أو ضرب الدوران : والذي ينصُ على إن

   إن الحقيقة تتضمن الدوران المقرف (أنظر : ساكس إمبريكوس : خلاصات البايرونية ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1933 ، ص ص 27 وما بعد) .

ونحسب بالإعتماد على ديوجانس لارتيوس إن الضربيين الأول والثالث يعودان إلى الشكية البايرونية في شكلها المبكر ، وبالتحديد مع الفيلسوف تايمون فيلس وضروبه العشرة في تعليق الحكم (أنظر أعلاه) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياو وآراء .. مصدر سابق / الكتاب التاسع) . أما الضروب الثالثة الباقية من هذه الضروب الخمسة ، فهي تدلل على الجهود الحثيثة للشكاك البايرونيين المتأخرين ، وخصوصاً إكريبا على دفع البحث في الشك خطوات إلى الأمام . وفعلاً فإن هذه الضروب الثالثة تكشف عن شواهد واضحة على الإنتقال من النقد العام لقضية عدم عصمة الحس والرأي من الخطأ ، إلى البحث المجرد في عملية الشك على أساس ميتافيزيقي .

  أما الفيلسوف الشكي البايروني ساكس إمبريكوس (160 – 210 م) ، فقد شكل نزعة شكية خاصة به ، عُرفت بالشكية التجريبية ، ونحسب إن إختصاصه كطبيب وجه هذا التوجه التجريبي في شكيته (أنظر : فكتور بروشارد ؛ الشكاك اليونان (مصدر سابق) / الكتاب الرابع وهو مخصص عن ساكس إمبريكوس ، وبعنوان الشكية التجريبية) . عاش ساكس في الإسكندرية ، وروما ومن ثم في أثينا . ونحسب ساكس كان من الفلاسفة المحظوظين ، فقد بقيت معظم مؤلفاته محفوظة ، ولم تتعرض للضياع (ولكن بالطبع ضاعت علينا الرسائل الخمسة ، وهي مهمة جداً جداً في في تاريخ المدرسة الشكية والمعنونة الرسائل الشكية) .

  الحقيقة إن مؤلفات ساكس إمبريكوس مهمة جداً لدارس الفلسفة عامة ،  والفلسفة الهيلينستية خاصة ، والمدرسة الشكية البايرونية على وجه التخصيص . فهو يتقدم على قائمة من مؤرخي للفلسفة ، وهم كل من السفسطائي فيلوستروتس الصوري (170 – 247 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) ، و ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) (أنظر : ديوجانس لارتيوس وموسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) ، ويتقدم على فرفريوس الصوري (233 – 306 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) ، كما ويتقدم على إمبيلكوس السوري (245  – 325 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إمييلكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) .

  ونحسب إنه من الزاوية الطبية المهنية لعمل ساكس ، ما يُفيدنا في فهم طبيعة فلسفته ، ومن ثم نزعته التجربية في تاريخ المدرسة الشكية البايرونية التي ينتمي إليها . وفعلاً فإن مؤلفاته تنتمي إلى التقليد الطبي ، الذي يُطلق عليه إصطلاح  المدرسة التجريبية * . وبالمناسبة إن إسم الفيلسوف الأخير إمبريكوس ، يحمل دلالة على

ــــــــــــــــــــــــ

* سادت في تاريخ الطب اليوناني – الروماني ثلاث نزعات أو مدارس ؛ الأولى  هي المدرسة التجريبية ، وهي مدرسة طبية قديمة في اليونان والرومان ، وجاءت من الكلمة اليونانية إمبريا ، والتي تعني الخبرة أو التجربة . وبسبب إن الأطباء حصلوا على معارفهم عن الخبرة فقط . ويُعدان المؤسسان لهذه المدرسة ، كل من الطبيبين فيلانوس كوس (عاش في القرن الثالث قبل الميلاد) وسيربين الإسكندري (عاش في القرن الثالث قبل الميلاد) والقائمة طويلة ، وبالطبع ساكس إمبريكوس واجداً منهم .      وهذه المدرسة أو النزعة ، وضعت نفسها معارضة لمدرسة أ نحلة طبية عُرفت بالمدرسة الدوكماتية (الوثوقية) ، وبعض الأحيان يُطلق عليها إصطلاح المدرسة العقلية . وهي من أقدم المدارس الطبية ، وهي مشتقة من الإسم اليوناني دوكما ، والذي يعني العقائد والأراء الفلسفية ، وبسبب إنهم تابعوا آراء الطبيب اليوناني هيبوكراتس (460 – 370 ق.م) (أنظر : ج . بيرنز وأخرون ؛ العلم والتأمل ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1982 ، ص ص 1 – 20) .

   ومن ثم ظهرت نزعة ومدرسة طبية ثالثة ، هي المدرسة الطرائقية  ، وهذه المدرسة نشأت رد فعل على المدرستين السابقتين ؛ الدوكماتية والتجريبية (المصدر السابق ، ص 2) . ويبدو إن ساكس إمبريكوس رغم تجربيته ، فقد كان كلامه في كتابه خلاصات البايرونية ،  يُدلل على الأرضية المشتركة للمدرسة الطرائقية والبايرونية (أنظر : أس . إيثريدج ؛ الشكية : الإنسان والله ، نشرة مطبعة جامعة وسلاين 1964 ، ص 98) .               

ـــــــــــــــــــــــــ

التجريبية . ويبدو إن إمبريكوس ليس إسماً لوالده ، وإنما إسماً مهنياً . كما وإن إثنين من مؤلفات البايروني ساكس تحملان معاني ، تدلل على إنه كان قريباً من تفكير المدرسة الطرائقية (ميثودك سكول) ، وتُدعمُ هذا الترجيح وجهات نظر ساكس الفلسفية .

  ومن أهم مؤلفات ساكس ، كتابه خلاصات البايرونية ، وكتابه المعنون ضد رجال الرياضيات . وإن الكتب الستة الأولى من هذا الكتاب ، تُعرف بعنوان الأساتذة (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد الأساتذة ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1949) . ولكل كتاب له عنوان تقليدي ، فالكتاب الأول كان بعنوان ضد النحويين (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد النحويين ( الكتاب الأول من ضد رجال الرياضيات) ، ترجمة ديفيد بلانك ، نشرة دار كلارندن ، أكسفورد 1998) ، والثاني ضد رجال الخطابة ، والثالث ضد رجال الهندسة ، والرابع ضد رجال الحساب ، والخامس ضد المنجمين ، والسادس ضد الموسيقيين . ويعتقد الباحث ريتشارد بيت ، المتخصص في كتابات ساكس إمبريكوس ، إن هذه المؤلفات ، هي من النصوص الآخيرة التي كتبها سكس ، وتعكس مرحلة النضوج التي وصل إليها (أنظر : ساكس إمبريكوس ، ترجمة ريتشارد بيت ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2005 ، من  المدخل الذي كتبه المترجم) .

  ونحسب من الأهمية الإشارة إلى إن الكتب من السابع وحتى الحادي عشر ، مما يمكن إن نطلق عليها موسوعة ضد رجال الرياضيات ، هي مؤلفات لم تكتمل . ويعتقدُ الباحثون إنها تُشكل كتاباً واحداً . ولكن ممكن أن تكون خمسة كتب وقد ضاعت . وينبغي أن ننبه هنا إلى إن جريدة مؤلفات ساكس إمبريكوس تتضمن ما يسمى بالرسائل الشكية ، فربما هي التي شكلت هذا الجزء ، وهي التي ضاعت وطواها النسيان .

  وتقليدياً فإن الكتب الأخرى تحمل عنوان ضد المنطقيين (وهي تُشكل الكتاب السابع والثامن) (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد المنطقيين (التاب السابع والثامن من ضد رجال الرياضيات) ، ترجمة ريتشارد بيت ، نشرة دار كلارندن ، أكسفورد 2000) ، وإعتماداً على تجربتنا المنطقية التي عمرها ناهز الأربعين عاماً ، فنحن نخالف ذلك ونعتقد بأن المنطقيات تحتل تقليدياً مقدمة للعلوم ، ونحسب في مجموعة مؤلفات ساكس ضد رجال الرياضيات ؛ إن المنطقيات يبدأ بها الكتاب أولاً)*، وكتاب

ــــــــــــــــــــــــــ

* وكتاب ساكس إمبريكوس ضد المنطقيين ، يُثير لدينا التساؤل : هل كتاب إبن تيمية الرد على المنطقيين ، النسخة العربية لكتاب ساكس إمبريكوس ؟ هي مجرد سؤال ، وهو دعوى إلى أقسام الفلسفة في العالم العربي ، إلى توجيه أنظار طلبتها في الدراسات العليا ، لإجراء أبحاث أكاديمية مقارنة بين النصين ؛ ضد المنطقيين والرد على المنطقيين ، وبالطبع هذا يشمل كتاب مقاصد الفلاسفة للإمام الغزالي ، جزء المنطقيات ، وكل المقدمات المنطقية التي كتبها علماء الأشاعرة ، وذلك لأن حجج الشكاك وتجريبيتها حاضرة فيها بسلطة قوية ، كما إن المنطق الرواقي (وكذلك الأبيقوري) بينُ فيها … فهذا الخلط حدث في المرحلة الهيلينستية ، وبالتحديث في فترة صعود الإفلاطونية المحدثة . ويبدو إن السريان رحبوا بهذا بهذا المزيج الفلسفي والذي ترجموه أولاً إلى السريانية ومن ثم قاموا بنقله إلى العربية ثانياً . ويبدو إن الإنتحال في بعض النصوص الفلسفية التي شكلت مصادر رئيسة للفيلسوف المسلم ،  وعلى سبيل المثال كتاب أثولوجيا أرسطو الذي لم يكتبه على الأطلاق أرسطو ، وإنما هو بعض من تساعيات الفيلسوف إفلوطين (المؤسس للإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية : الأصل والمنحول ، منشور على موقع الفيلسوف 3 أغسطس (أب) 2011) .

ـــــــــــــــــــــــــ    

ضد رجال الفيزياء (ضد الطبيعيين) ، وهو يكون من مجموعة ضد رجال الرياضيات (الكتاب التاسع والعاشر) . وكتاب ضد رجال الأخلاقيات ، وهو (الكتاب الحادي عشر) .

  ولاحظ الدارسون في نصوص الفيلسوف ساكس إمريكوس ، إن مجموعة كتابه ضد رجال الرياضيات ،  تشمل الكتب من السابع وإلى الحادي عشر . ونعتقد إن هذا يعود إلى إختلاف في المخطوطات وطريقة تصنيفها . وعلى هذا الأساس يمكن الحديث في هذه المخطوطات عن تصنيف جديد لكتب المجموعة . فمثلاً بعد حصر الكتب التي تُعنى بالرياضيات بالكتاب السابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر . فإن التصنيف يصبح مقبولاً ومتساوقاً ، وذلك عندما ضم نُساخ بعض المخطوطات الكتب من الأول وإلى السادس تحت مجموعة واحدة ، وأطلقوا عليها عنوان ضد رجال الوثوقيات (الدوكماتيات = العقائد المغلقة) . وبذلك يصح النظر إلى كتب هذه المجموعة بمنظار تصنيفي جديد ، وهذا ما نؤيده لأنه يتناغم والتقليد الفلسفي الشائع ، فيصبح كتاب ضد المنطقيين ، يشمل الكتاب الأول والثاني (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد المنطقيين ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1935) . وكتاب ضد رجال الفيزياء ، هو عنواناً للكتابين الثالث والرابع . و رجال الأخلاقيات ، هو عنوان الكتاب الخامس (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد رجال الفيزياء وضد رجال الأخلاقيات ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1936) .

 إضافة إلى هذه الحقيقة ، فإن الإعتقاد السائد لدى جمهور من الباحثين ، هو إن بداية هذا العمل هذا العمل ، قد ضاعت ولم يُعرف عدد الكتب التي تقدمته . مع ملاحظة إن لا واحد من هذه العناوين موجود في المخطوطات ، ما عدا ضد رجال الرياضيات ، وخلاصات البايرونية (أنظر : سكس إمبريكوس ؛ مختارات من الأعمال الكبرى حول الشكية : الإنسان والله ، ترجمة سانفورد أيثريدج ، نشرة دار هاكت . وكذلك أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ الطريق الشكي : ساكس إمبريكوس وخلاصات البايرونية ، ترجمة بينس ميتس ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1996) . 

تاسعاً – حضور فلاسفة الأبيقورية في بيئة الإفلاطونية المحدثة

  لاحظ الباحث إن الأبيقوريين ملئوا القرون الميلادية الأولى نشاطاً وكتابة في موضوعات فلسفية متنوعة ، وكان منهم معلميين لرواد الإفلاطونية المحدثة ، والرواد المسيحيين كذلك . ولكن بعيد صعود حظوظ المسيحية تعرض الرواقيون إلى الإضطهاد ، وكادت تنطفأ شعلة الفلسفة الأبيقورية وذلك لإتهام المسيحيين الأبيقورين بالهرطقة والمروق *.

ــــــــــــــــــــــــ

 * خصوصاً بعد تحول الإمبراطورية الرومانية من دين الأجداد إلى الدين الجديد الوافد من الشرق (فلسطين) والذي يتعارض مع التكوين النفسي للشعوب اليونانية . إلا إن رواد المسيحية الذين كان الغالبية منهم رواقيون ، وجدوا في ثقافتهم الرواقية ما يساعد على إحداث التكييف للمسيحية لتتناغم والتكوين النفسي اليوناني ، مع الإشارة إلى إن رجال الأرستقراط والسلطة السياسية (وعدد من رجال الدين اليونان) قاموا بدورهم في وضع المسيحية في إطار عقيدي يوناني ليس فيه تعارض راديكالي مع الروح الديني اليوناني الذي يؤكد على مفهوم الأبوة والبنوة الدينية (زوس الأب الإله ) والمسيح هو الإله الأبن . وهكذا إنتصر الروح اليوناني ، وظل زوس رب الأرباب (الإله الأب) له السلطة العليا ، والإله الأبن مات على الصليب في فلسطين . والحي هو رب الأرباب زوس ..

ـــــــــــــــــــــــــ  

  في الواقع إن الأبيقورية نظام فلسفي نهض على تعاليم الفيلسوف أبيقورس (والذي أسس المدرسة عام 307 ق.م) . وفعلاً فإن أبيقور أقام مدرسته في بيته وبالتحديد في حديقة البيت ولذلك عُرفت الأبيقورية بمدرسة أو فلسفةالحديقة والفيلسوف أبيقور بفيلسوف الحديقة ، وأتباعه بفلاسفة الحديقة . وإن كان في حياته عددهم صغيراً  ، من ضمنهم هرماركوس (325 – 250 ق.م) وهو خليفة أبيقور على المدرسة ، وله كتابات ضد إفلاطون وأرسطو وإنباذوقليس ، وقد حفظ لنا فرفريوس الصوري فقرة من معارضته لإنباذوقليس (أنظر : كابي ألكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 ، ص ص 51 – 52) . وأدومينيوس (325 – 270 ق.م) وهو صديق وحواري للفيلسوف أبيقور (المصدر السابق ، ص 51) ، وكولتس لامبسكينوس (320 – وتوفي ما بعد 268 ق.م) وهو واحد من أشهر حواري أبيقور ، حتى إنه كتب عملاً أثبت فيه إستحالة العيش وفقاً لمبادئ فلاسفة أخرين ، والتي أهداها إلى الملك بطلميوس الرابع (حاكم مصر للفترة مابين 221 – 205 ق.م) ، وقد فندها بلوتارك (46 – 120 ق.م) برسالة جاءت بعنوان : ضد كولتس ، برهن فيه على إستحالة العيش وفقاً لمبادئ أبيقور (أنظر : بلوتارك : ضد كولتس : حواري أبيقور المفضل ، مترجمة إلى الإنكليزية 2009 أون لاين) . وبولينيوس (340 – 285 ق.م) وهو عالم رياضيات وصديق حميم لأبيقور ، و ميترودوس (331 – 278 ق.م) وهو فيلسوف أبيقوري كان له مكانة عند أبيقور ، وتنسب له العديد من المؤلفات ، منها ضد الأطباء (3 مجلدات) ، ضد السفسطائيين (9 مجلدات) ، في الطريق إلى الحكمة ، ضد ديمقريطس … (كابي أليكرا وأخرون ؛ المصدر السابق ، ص 51) .

  وبعد موت أبيقور ، قاد المدرسة الأبيقورية هرماركوس ، ومن ثم إزدهرت العديد من الجمعيات الأبيقورية ، خصوصاً في نهايات المرحلة الهيلينستية و خلال الحكم الروماني ، وبالتحديد في إنطاكيا ، والإسكندرية ، ورودس … ولعل الفيلسوف والشاعر الأبيقوري لوكرتيوس (99 – 55 ق.م) هو الذي خلد عقائد الأبيقورية في قصيدته الملحمية المعنونة في طبيعة الأشياء أو طبيعة الكون (أنظر : هورد جونز ؛ التقاليد الأبيقورية ، نشرة دار روتلدج ، لندن 1989) .

  وفي نهاية الإمبراطورية الرومانية عانت الأبيقورية الكثير من الإضطهاد والهجوم من أتباع الديانة المسيحية ، وكادت تتلاشى ، ولكن جاء القرن السادس عشر فطبع كتاب ديوجانس لارتيوس ، فعاد الإهتمام بالأبيقورية وخصوصاً إن الكتاب العاشر من موسوعة لارتيوس تناولت الأبيقورية وأتباعها . ومن ثم  السابع عشر فتم بعثها من جديد على يد الفيلسوف الذري بيير جاسندي (1592 – 1655) وخصوصاً في  الكتابين اللذين كتبهما وقدم فيهما شرحاً على الكتاب العاشر من موسوعة ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (المصدر السابق) .  

    وأبيقور مادي ذري ، تابع خُطى الفيلسوف ديمقريطس . ويبدو إن مادية أبيقور قادته إلى نقد الشائع من أراء حول تدخل الأله في العالم وحياة البشر . كما ويرى الباحثون في تاريخ الفلسفة ، إن أبيقور إستبطن أراء الفيلسوف أرستبس القورينائي (435 – 356 ق.م) وكان تلميذاً للفيلسوف سقراط ، وأرستبس أو حفيده أرستبس الصغير يُعد مؤسساً للمدرسة القورينائية(اليوم جزء من ليبيا) في الفلسفة (وهي من المدارس السقراطية) . والحقيقة إن أبيقور إستبطن رأي أرستبس في اللذة ، حيث ذهب الأخير قائلاً : ” إن هدف الحياة هو البحث عن اللذة .. ” ولذلك إعتقد أبيقور بأن اللذة هي أعلى درجات الخير . إلا إن طريق الوصول إليها يكون من خلال الحياة المتواضعة وإكتساب المعرفة والحد من الرغبات . والحاصل من ذلك الوصول إلى حالة الهدوء ، والتحرر من الخوف وغياب الألم الجسدي . وهذا الحال جعل الأبيقوريين يتطلعون للوصول إلى أعلى درجات السعادة . ومن هذا الطرف يُنظر إلى الأبيقورية إلى إنها شكل من أشكال مذهب اللذة (هيدونزم) .

  ولكن وفقاً لما تحدثنا عنه سابقاً نلحظ هناك إختلافاً بين الأبيقورية ومذهب اللذة . فمثلاً إن الأبيقورية أعلنت بأن اللذة هي الخير الحقيقي الوحيد . كما وأكدت على إن مفهومها عن غياب الألم هو أعلى درجات اللذة . وأخيراً جاء دفاعها عن الحياة البسيطة والحد من الرغبات . إن كل ذلك يجعلها تختلف عن مذهب اللذة في مفهومه العام .

  والواقع إن أبيقور كان دائماً يؤكد على إن الصداقة هي مكون أساس من مكونات السعادة . ومن هذ الطرف كانت المدرسة الأبيقورية بأشبه ما تكون مجتمع أصدقاء يعيشون الحياة سوية . ورغم هذا الحال الأبيقوري ، فقد لاحظ الدارسون إن هناك نظاماً هرمياً وضعه أبيقور يحكم حياة الجماعة الأبيقورية ، يتألف من مستويات مختلفة يتوزع فيها الأصدقاء الأبيقوريين . وكان شرط من شروط أبيقور للإنتماء إلى مجتمع الأصدقاء أداء اليمين الذي ينص على التمسك والإلتزام بعقائد الأبيقورية .

  ومن النافع أن نختتم كلاما عن الأبقورية بالأشارة إلى ما يتردد في المصادر الغربية التي إعتنت بتاريخ الفلسفة اليونانية عامة والأبيقورية خاصة ، والتي نحسبها غير دقيقة وفيها مجانبة لحقائق تاريخ الفلسفة اليونانية . فقد ذكرت هذه المصادر إلى مدرسة أبيقور إلى إنها أول مدرسة فلسفية سمحت للنساء بالدخول إليها قاعدة وليس إستثناءً . هذا الكلام عام فيه تشويش للقارئ ، فقد بينا في أبحاث عديدة بأن الفيثاغورية وبالتحديد قبل ولادة أبيقور بأكثر من قرنيين من الزمن فتحت أبواب مدارسها لكلا الجنسين . وإن البيت الفيثاغوري شهد حالة تاريخية متميزة وهي إن زوجته كانت فيلسوفة وإن بناته الثلاث كُن فيلسوفات وإن حفيدته الفيلسوفة باتيل كانت فيلسوفة ، وإن تاريخ الفيثاغورية المتوسطة والمتأخرة عرف فيلسوفات ، فمثلاً كانت أُم  الفيلسوف إفلاطون فيلسوفة فيثاغورية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع خريف 2011 وهو عدد خاص بعنوان الفلسفة والمرأة) . والمدرسة القورينائية التي أسسها أرستبس والتي سبقت الأبيقورية ، فتحت أبوابها لتعليم الفلسفة للنساء ، وكانت الفيلسوفة أريتا القورينائية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع خريف 2011 وتحول هذا البحث إلى موجة عارمة نشرته مجلات عديدة ومواقع إلكترونية كثيرة) .

  وهناك أعداد من الفلاسفة الأبيقوريين الذي عملوا خلال القرون التي تلت موت أبيقور وملئوا العالم الهيليني والهيلنستي بنشاطاتهم وكتاباتهم الفلسفية المتنوعة . ولكن المهم في هذا المضمار ، هو تقديم شهادات تاريخية على عمل الفلاسفة الأبيقوريين في القرن الأول الميلادي وما بعد ، وذلك من حيث إن هذه الشهادات تبين بصورة واضحة على حضور الفلسفة الأبيقورية لحظة الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة ، وإستمرا هذا الحضور الأبيقوري مع صعودها حركة فلسفية جديدة . وفعلاً إن القوائم المتوفرة لدينا تقدم لنا شخصية ديوجانس أوناندا ، وهو فيلسوف يوناني أبيقوري من القرن الثاني الميلادي ، وإشتهر في تيسير تعاليم أبيقور للجمهور ، وبالتحديد تعاليم أبيقور في الفيزياء ، والأبستمولوجيا والأخلاق ، فقام بنقشها على جدار مساحته 260 متر مربع . كما وإن ديوجانس كتب مجموعة رسائل ، منها رسالة في الأخلاق ، ورسالة في الفيزياء ، ورسالة حول الشيخوخة ، ورسائل ديوجانس إلى الأصدقاء ، والتي تضمنت رسالة أبيقور إلى أمه حول موضوع الأحلام (أنظر : ريالي جيوفاني ؛ تاريخ الفلسفة القديمة : مدارس العصر الإمبراطوري ، نشرة مطبعة سوني 1990 ، ص 45 ، وكذلك : مارك مورفورد ؛ الفلاسفة الرومان : في عصر كيتو وحتى موت ماركوس أورليوس ، روتليدج 2002 ، ص ص 128 – 129) . 

عاشراً – حضور فلاسفة الرواقية لحظة إقلاع الإفلاطونية المحدثة

  لقد حضور الرواقية قوياً لحظة مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي لمدرسة الإفلاطونية المحدثة . فقد عمل فلاسفتها في القرون الثلاثة قبل الميلاد وتبنها الملوك الرومان (خصوصاً خلفائهم في سلوقيا العراق والشام الكبرى) ، ونشطوا بقوة في القرون الثلاثة بعد الميلاد ، وتركت أثرها بوضوح على مؤسسي الإفلاطونية المحدثة وعلى بواكير المسيحية .   

  والرواقية هي مدرسة فلسفية هيلينستية أسسها في بواكير القرن الثالث الميلادي في مدينة أثينا الفيلسوف زينون الأكتومي (334 – 262 ق.م) . وفعلاً فقد بدأ زينون بالتعليم في عام 300 ق.م ، وعلى أساس التعاليم الأخلاقية للمدرسة الفلسفية الكلبية (الساخرة) . والرواقية بصورة عامة فلسفة تؤكد على الخير ، وهدوء (سلام) العقل ، والتي ترى إن ذلك يتحقق من خلال العيش وفقاً لحياة الفضيلة ، وفي التوافق مع الطبيعة . وحققت الرواقية نجاحات واسعة ، وملئت العصر الهيلينستي والعصور الرومانية . وكانت مقدمة فلسفية وثنية نافعة للمسيحين الأوائل ، اللذين كانوا رواقيون في الأصل ومن ثم تحولوا إلى المسيحية .

  لقد قدم الرواقيون تفسيراً فلسفياً موحداً للعالم ، وأسسوا المنطق الصوري ، وصاغوا مفهوماً فيزيائياً (طبيعياً) خال من أي ثنائية ، وشيدوا علم الأخلاق على الطبيعة ، وبهذه المناسبة أكدوا على إن الإخلاق ، هي المركز الرئيس للمعرفة الإنسانية . وتحولت نظرياتهم المنطقية إلى موضوع إهتمام عدد ملحوظ من الفلاسفة وعلماء المنطق الذين إشتغلوا في تطوير منطق القضايا واللنكوستك (منطق اللغة) وحتى عصر جوتلوب فريجة وبرتراند رسل  . 

  والرواقية فلسفة علمت بأن الإنفعالات المدمرة سببها الأحكام الخاطئة . ولهذا إعتقدت بأن الحكيم ، والرجل الكامل من الناحيتين العقلية والأخلاقية سوف لا يُعاني من هذه الإنفعالات ، بل سيكون متحرراً ومعافياً منها (أنظر : موسوعة ستانفورد للفلسفة (مصدر سابق) ، مادة الرواقية (أون لاين)) . كما وأولى الرواقيون جُل إهتمامهم إلى قضية العلاقة بين الحتمية (الجبرية) الكونية والحرية الإنسانية . وعلى هذا الأساس إعتقدوا بأن الفضائل هي التي تحافظ على سلامة الإرادة وذلك يتحقق من خلال التوافق مع الطبيعة . ولهذا قدم الرواقيون فلسفتهم طريقاً للحياة ، وتيقنوا بأن أفضل مؤشر على صحة فلسفة الفرد ، ليست أقواله ، وإنما سلوكه (أنظر : جون سلرز ؛ الرواقية ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا ، باركلي 2006 ، ص 32) . وفي تأكيدهم على إن الفضيلة تتضمن الإرادة ، التي تكون في إتفاق مع الطبيعة ، سعوا إلى تطبيقه على العلاقات الإجتماعية بين الناس . ولذلك رددوا كن متحرراً من الغضب ، والحسد ، والغيرة ، وأعترف بحق العبيد بالمساواة مع جميع الناس ، وذلك بسبب إن كل الناس هم نتاج الطبيعة (أنظر : برتراند رسل ؛ تاريخ الفلسفة الغربية ، نشرة دار روتليدج 2004 ، ص ص 253 – 254 ، 264) .

   في حين أكد الرواقيون المتأخرون مثل الفيلسوف سنيكا (4 ق.م – 65 م) وإبكتتيوس (55 – 135 م) على إن الفضيلة هي الضمان الكافي لتحقيق السعادات ، وإنها المناعة للحكيم من سوء الحظ . ويحسب الباحثون إن هذا الإعتقاد الرواقي مُشابه للمأثور المتداول العبارة القائلة الهدوء الرواقي . مع الإنتباه إلى إن هذا الإعتقاد لا يتضمن على الإطلاق أي نوع من الأخلاقيات المتطرفة (الراديكلية) . ولكنه يتضمن أمراً واحداً ، وواحداً فقط ، وهو إن الحكيم هو الشخص الوحيد الذي يعتبر نفسه حُر بصدق . وإنه يرى إن الفساد الأخلاقي هو مجرد رذائل شريرة (أنظر : موسوعة ستانفورد للفلسفة (مصدر سابق)) .

  وفعلاً فقد حققت المبادئ الفلسفية نجاحات وشهرة واسعة ، ومند بداية تأسيس المدرسة ؛ بدءً مع اليونان ، ومن ثم خلال الإمبراطورية الرومانية (وهذا يشمل الإمبراطور الرواقي ماركوس أورليوس (121 – 180 م) وحتى غلق المدارس الفلسفية في عام 529 م بقرار الإمبراطور جوستينيان الأول (482 – 565 م) بحجة إن الشخصية الوثنية أصبحت غريبة (ولا تتوافق مع) عن العقيدي المسيحي (أنظر : ديفيد سدلي ؛ الفلسفة القديمة (1998) / منشور عند أي . كريج ؛ موسوعة روتليدج للفلسفة ، 2008 ، ص 10 وما بعد) .

  ويُقسم الأكاديميون الغربيون تاريخ الرواقية إلى ثلاثة مراحل متميزة ، وهي :

أولاً – مرحلة الرواقية الأولى (المبكرة) ، والتي تبدأ بالمؤسس زينون الأكتومي وحتى الفيلسوف الرواقي أنتيبيتر الطرسوسي (مات عام 130 أو 129 ق.م) ، وهو تلميذ الفيلسوف الرواقي العراقي ديوجانس البابلي ، وخليفته على المدرسة الرواقية .

ثانياً – مرحلة الرواقية المتوسطة ، وتشمل بينتيوس (185 – 110 أو 109 ق.م) وهو تلميذ الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي ، والفيلسوف الرواقي بوسيدنيوس (134 – 51 ق.م) .

ثالثاً – مرحلة الرواقية المتأخرة ، والتي ضمت الفيلسوف الرواقي كويس موسنيوس روفيس (فيلسوف رواقي من القرن الأول الميلادي) ، و سينيكا ، وأبكتتيوس ، وماركوس أورليوس .

  ولما كانت أفكار زينون الأكتومي قد إمتصتها الأنظمة الفلسفية الرواقية التي إشتغل عليها كريسبس الصقلي (السيسلي / الإيطالي) (379 – 206 ق.م) والفلاسفة الرواقيين اللاحقون . فإنه من الصعوبة بمكان الحديث عن أفكار زينون منفصلة عن أفكار المدرسة الرواقية التي عمل على تطويرها عدد من الرواد الرواقيين الأوائل . وفعلاً فقد وجدنا الحديث في المصادر الفلسفية الرواقية ، عن زينون الأكتومي المؤسس الأول للمدرسة الرواقية ، وحديث عن كريسبس الصقلي كمؤسس ثان للمدرسة الرواقية  (أنظر : تايزينو دورندي ؛ الحوليات / منشور في كتاب الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 40) .

 ولد المؤسس زينون عام 334 ق.م في إكتيوم / قبرص ، ويقدمه ديوجانس لارتيوس في روايات ذات طبيعة إسطورية . والحقيقة إن كتاب ديوجانس حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد الكتاب السابع ، كان المصدر الأساس الذي جاءت منه معظم المعلومات الخاصة بحياة زينون الأكتومي . فمثلاً يُخبرنا ديوجانس بأن زينون كان تاجراً ، وإن سفينته تحطمت في أعماق البحر ، وكان محظوظاً ، فبقي على قيد الحياة ، ومن ثم قادته الأقدار إلى أثينا ، وخلال تجوله في شوارعها ، دخل أحدى المكتبات فإنجذب إلى بعص الكتابات حول الفيلسوف سقراط ، فتقدم إلى صاحب المكتبة ، وسأله عن كيفية الوصول إلى هذا الرجل (سقراط) ، فكان جواب صاحب المكتبة ، الطريق ميسر من خلال كريتس الطيبي ، وهو الفيلسوف الكلبي المشهور في اليونان يومذاك (أنظر : ديوجانس لارتيوس : حياة وآراء … (مصدر سابق) ، الكتاب السابع الفقرتية رقم 2 و 3) .

  وفعلاً فإن ديوجانس ينقل لنا وصف للفيلسوف الطلبي كريتس على لسان زينون ، فيقول كان ملامح كريتس تدلل على التعب والمعاناة ، وكانت سحنته تميل للإسمرار وذلك بتأثير حرارة الشمس (حيث كان الفيلسوف يعيش على أرصفة مدينة أثينا) وحياة الزهد التي إختارها . وهذه المناسبة تدلل على تلمذة زينون على يد الفيلسوف الكلبي كريتس  ، ومن ثم إنتقال الأفكار الفلسفية الكلبية إلى داخل الفلسفة وإستمرارها معها . ومن القصص التي يحكيها ديوجانس عن صحبة زينون للفيلسوف الكلبي كريتس ، إن الفيلسوف طلب من زينون أن يحمل صحناً مملوءً بشوربة العدس ، ويتجول معه في مدينة أثينا . وما إن حمل زينون الصحن ، ضرب كريتس الصحن بعصاه ، فإنهالت الشوربة تماماً على رأس التلميذ المذهول . فهرب زينون من حالة الخجل ، فأخذ أستاذه كريتس يناديه : لماذا أنت هارب صغيري الفينيقي ؟ لم يحدث شئ مزعج أو يدعو للخجل (المصدر السابق ، الكتاب السابع ، الفقرة رقم 3)

  هذا من طرف التعاليم الفلسفية الكلبية ، أما الطرف الأخر فقد جاء من طرف التعاليم الفلسفية الميغارية . وفعلاً فقد درس زينون على يد عدد من الفلاسفة الميغارين ، من ضمنهم ستلابو ، والديالكتكيين الميغاريين من أمثال ديودورس كرونيوس ، فيلو الميغاري (المصدر السابق ، الكتاب السابع ، الفقرات على التوالي : 24 ، 25 ، 16) . كما روى زينون بلسانه ، رواية دراسته للفلسفة الإفلاطونية  تحت توجيهات عالم الرياضيات والفيلسوف إكسينكراتس خليفة إفلاطون الثاني ورئيس الأكاديمية يومذاك ، ومن ثم تعلم على يد الفيلسوف الإفلاطوني بوليمون خليفة إفلاطون الثالث ، ورئيس الأكاديمية بعد أستاذه إكسينكراتس (المصدر السابق ، الفقرة رقم 2) .

  بدأ زينون الأكتومي بالتدريس عام 301 ق.م ، وأختار له مكاناً للتعليم رواقاٌ من أروقة إحدى البنايات في أثينا ، والتي عرفت فيما بعد بالمظلة الرواقيين ، وعرف الرواقيون بأصحاب الرواق . وفي البداية كان يطلق على طلابه وحوارييه بالزينونيين (نسبة إلى زينون) ، ومن ثم أصبحوا يعرفون بالرواقيين (المصدر السابق ، الفقرة رقم 5) . ومن المعجبين بالفيلسوف زينون الأكتومي ، الملك المقدوني إنتكونوس الثاني كوناتس (319 – 239 ق.م) والذي إعتاد على زيارة زينون كلما قدم إلى أثينا . ونُقل عن زينون بأنه تلقى الدعوة من الملك على زيارة مقدونيا ، إلا إنه تردد في قبول الدعوة . ولكنه بدلاً من ذلك أرسل صديقه وحواريه برسيوس الأكتومي (307 – 243 ق.م) والذي كان يعيش في بيت زينون . وعلى الرغم منذلك فقد حفظ لنا ديوجانس لارتيوس على عدد من المراسلات المفترضة بين الملك المقدوني والفيلسوف الرواقي زينون (المصدر السابق ، ص ص 6 – 9) .

  وتردد المصادر التي إعتنت بسيرة الفيلسوف الرواقي زينون ، إلى إنه رفض حق المواطنة الأثينية عندما عرضت عليه ، وذلك خوفاً من أن يكون غير مخلصاً (منافقاً) في حبه لأرضه الفينيقية ، ويتنكر لأهله الذين يولونه إحتراماً عالياً . (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرتين رقم 12 و 6) . نقول كل هذا صحيح ، ولكن علينا أن لا ننسى بأن زينون كما ذكرنا كان تلميذاً للفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، وإن الفلسفة الكلبية تتنكر للمفهوم المحلي للمواطنة ، وتؤكد على المواطنة الكونية (المواطن العالمي) .

  ونحسب إن هذا السبب هو الذي يقف وراء رفض زينون لقبول حق المواطنة الأثينية . والحقيقة إن فكرة المواطن العالمي ستلتصق بالفلسفة الرواقية ، وتصبح سمة جوهرية للمجتمع والمواطن الرواقي (ومن هنا نعتقد إن الكلبية سجلت حضوراً دائماً في الفلسفة الرواقية) وإن المسيحية ستتلقف فكرة المواطن العالمي (وبالتأكيد المجتمع العالمي) من الطريق الكلبي كما ذكرنا في حديثنا عن المدرسة الفلسفية الكلبية أو من الرواقية والتي هي الأقرب إليها من طرف إن عدداً من رواد المسيحية الأوائل كانوا رواقيين . كما وسيتردد صدى المواطن والمجتمع الكوني الكلبي أو الرواقي في فلسفات كونية مختلفة لاحقاً ، وبالتحديد في القرن التاسع عشر(خذ مثلاً الماركسية والبيان الشيوعي ودعوته عمال العالم ..) .

  مات زينون حوالي عام 262 ق.م ، ويقدم لنا ديوجانس لارتيوس وصفاً للحظات موته ، فيقول : بعد إن غادر زينون مدرسته ، تعثر وسقط ، فكسر الأصبع الكبير لقدم واحد من أقدامه ، وضرب الأرض بيديه ، وحضرته كلمات للشخصية اليونانية الإسطورية ” نيوبي ” (منا : جاء ذكرها في ملحمة الإلياذ لهوميروس ، وهي أخت الملك بيلوبز ، وكان اليونانيون كثيراً ما يستشهدون بأقوالها ..) ، فأخذ زينون يُردد : أنا قادمُ ، أنا قادمُ ، فلماذا لا تدعوني ؟ ومات في المكان ذاته ، بعد أن مسك أنفاسه الأخيرة (المصدر السابق ، الفقرة رقم 28) .

   وحصل زينون على كثير من التقدير والتقييم على تعاليمه الفلسفية والتربوية في حياته ، وبعد موته . ففي حياته كرمه اليونانيون بتاج من الذهب . وفي مماته أقاموا له ضريحاً ومزاراً وذلك تكريماً له ولأفكاره التي تركت أثاراً واضحة على جيل من الشباب في عصره (المصدر السابق ، الفقرات رقم 10 – 12) . وإذا كان ذلك بعض من مظاهر خلود زينون ، فإن كتابات الفلسفية كانت المعلم الأبرز خلوداً في مسيرته الفلسفية . صحيحُ إنه لم يبقى محفوظاً من أعماله ، سوى بعض الإقتباسات التي حفظها لنا بعض الكتاب المتأخرين . إلا إننا في الوقت ذاته نشعر بغبطة عالية ، ونحن نقرأ عناوين جريدة مؤلفات زينون المفقودة ، وهي العناوين التي تداولتها العديد من المصادر التاريخية التي إعتنت بزينون وتراثه . وفي الإمكان أن نصنفها بالترتيب الآتي :

الكتابات الأخلاقية : وهي الجمهورية (ونحسب في هذا الكتاب دكرى ومراجعة تقويمية للدروس التي تلقاها على يد إثنين من فلاسفة الإفلاطونية والأكاديمية ؛ الأول عالم الرياصيات وخليفة إفلاطون إكسينكراتس . والثاني بوليمون كما ذكرنا أعلاه) ، الأخلاق ، العيش وفقاً للطبيعة ، في الدافع أو في الطبيعة الإنسانية ، في الإنفعالات ، في الواجب ، في القانون ، في التربية اليونانية ، فن الحب .

الكتابات الفيزيائية : وهي في الكون ، في الوجود ، في الإشارات ، في النظر ، في اللوغوس .

الكتابات المنطقية : وهي  في الخطاب ، في الأسلوب الشفهي (الكلامي) ، الحلول والإعتراضات (التفنيد) .

أعمال أخرى : وهي القراءات الشعرية ، المشكلات الهوميروسية (نسبة إلى الشاعر الملحمي اليوناني هوميروس) ، ، أمور عامة ، في ذكرى كريتس (الفيلسوف الكلبي وأستاذ زينون وبالتأكيد في ذكرى للدروي والعبر في مصاحبته للفيلسوف الكلبي فترة من الزمن) ، المبادئ الفيثاغورية (هذا الكتاب عنوانه كاف للتنويه إلى مكون فيثاغوري في فلسفة زينون خصوصاً في المجتمع الرواوق أو ما يمكن أن نطلق عليه بلغة الفيثاغوريين مجتمع الإخوة الرواقي) .

  ولعل من أشهر هذه المؤلفات ، جمهورية زينون ، والذي كتبه بهدف واع ، وهو صياغة الجمهورية الرواقية (أو المدينة الرواقية الفاضلة) . صحيح إن البعض من الباحثين تسرع ورأى إن زينون سعى إلى تقليد إفلاطون . ونحسب إن الإفتراض المقابل إن زينون سعى إلى الإعتراض على جمهورية إفلاطون بصياغة الجمهورية الرواقية . وعلى الرغم من إن هذا الكتاب قد ضاع وطواه النسيان ، فإننا نعرف عنه الكثير حتى أكثر من مؤلفات زينون الأخرى . فمثلاً إن زينون إعتمد على المفهوم الكلبي للمواطن والمجتمع العالمي ، وهو مفهوم رواقي (بعد تبني الرواقية له) معارض للمفهوم الأرستقراطي في الجمهورية هذا طرف . وبالتأكيد إن كتاب جمهورية زينون حمل مشروعاً موجزاً لرؤية زينون للمجتمع الرواقي المثالي (الذي يختلف بالطبع عن المجتمع الإفلاطوني الأرستقراطي المثالي) . فقد بنى زينون مجتمعه الرواقي المثالي على أسس المساواة بين الناس ، وخصوصاً في الجوانب السياسية والأقتصادية أو الحياة الإجتماعية بصورة عامة (للإطلاع على تفاصيل أكثر أنظر : أم . سكوفيلد ؛ فكرة المدينة الرواقية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1991) .

    ولكن رغم هذا وذاك فإننا نُلاحظ على الفلسفة الرواقية في مفاصلها العامة ، فيها متابعة لأفكار الأكاديميين (أتباع الأكاديمية الإفلاطونية التي أسسها إفلاطون عام 387 ق.م) وعلى هذا الأساس قسم زينون الفلسفة إلى ثلاثة أقسام ؛ المنطق (وهو موضوع رواقي فيه إختلاف عن حدوده التي وضعها مؤسس علم المنطق أرسطو ، والمنطق الرواقي يشمل الخطابة ، والنحو ، ونظريات الإدراك الحسي والفكر) ، ومن بعد المنطق تأتي الفيزياء (الطبيعيات) (وهي ليست العلم فقط ، وإنما تشمل أبحاث في طبيعة الإلهي والكون كذلك . ويبدو لي هنا إن الرواقية تتابع خطى أرسطو ودمج أبحاثه في مضمار الطبيعيات و الميتافيزيك في آن واحد) ومن ثم تأتي الأخلاق ، وهي الهدف النهائي والساعي إلى تحقيق السعادات خلال طريقة العيش الصحيحة وفقاً للطبيعة .

 أما في مضمار المنطق ، فلأبحاث زينون المنطقية لها قصة مختلفة ، فيها روح ومذاق ميغاري متميز(نسبة إلى المدرسة الميغارية وفلاسفتها الذين تعلم الفيلسوف الرواقي زينون على أيديهم من أمثال الفيلسوف الميغاري ستلابو ، والديالكتيكيين الميغاريين ديودورس كرونيوس ، وفيلو الميغاري كما ذكرنا ذلك أعلاه) . وفعلاً فأن أستاذه الميغاري ديودورس كرونيوس ، يُعد اليوم هو أول من أدخل وطور مشروعاً منطقياً سيُعرف بالمنطق القضائي (أي منطق القضايا الذي يختلف عن منطق أرسطو وهو منطق حدود) . وعلى هذا الأساس فإن المشروع المنطقي الجديد يُركز على العلاقات المنطقية بين القضايا بدلاً عن العلاقات المنطقية بين الحدود التي كانت هي جوهر المنطق الأرسطي (للمزيد من التفاصيل عن منطق الحدود الأرسطي ،أنظر رسالتنا للماجستير والمعنونة تحليل أرسطو للعلم البرهاني (نوقشت صيف 1976) ، ومن ثم طبعت في كتاب بنفس العنوان عام 1983 ، دار الحرية – وزارة الثقافة والأعلام ، بغداد ، وهي أول أطروحة في المنطق وتمت بإشراف الفيلسوف العراقي المرحوم الدكتور ياسين خليل ، وتعطل نشرها لأكثر من ثلاث سنوات بسبب الحرب العراقية الإيرانية) .

  ومن ثم جاء الفيلسوف الرواقي كريسبس ، وطور هذا المشروع المنطقي الميغاري الروح ، إلى نظام وأصبح يُعرف بالمنطق الرواقي . ومثل المنطق الأرسطي فقد إحتوى المنطق الرواقي على نظامه الإستدلالي الخاص بالقضايا (أوالنظرية القياسية الرواقية والتي تقابل النظرية القياسية الأرسطية) . وهكذا تحول المنطق الرواقي إلى ند منافس للمنطق الأرسطي . ونحسب من النافع أن نشير إلى إن منطق القضايا الرواقي قد شغل تفكير المناطقة في القرن العشرين ، فإنكبوا على دراسته ، وعملوا تطويرات مهمة في جوانبه المتنوعة . ولعل الفيلسوفة الإنكليزية إيملي كونستنس جونز تتقدم صفوف علماء المنطق وخصوصاً كل من الألماني جوتلوب فريجة والإنكليزي برتراند رسل (للتفصيل أنظر المقال الممتاز الذي كتبته الدكتورة نداء إبراهيم خليل بعنوان : الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي كونستنس جونز ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثالث صيف 2011 ، المحور المعنون عملها في علم المنطق) .

  كما وكتبت عالمة المنطق الألمانية سوزان بوبزين (1960- لازلت حية/ حصلت على ماجستير من جامعة بون ودكتوراه من أكسفورد) . نقول كتبت معلقة على متابعة فريجة لخطى الفيلسوف الرواقي كريسبس ، فقالت : إن هناك تشابه كبير بين المنطق القضائي الذي إشتغل عليه كريسبس ، والأبحاث المنطقية التي قام بها فريجة ، والتي تدعو للإندهاش (أنظر المقال الذي كتبته ، وكان بعنوان المنطق القديم / منشور في إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة (أون لاين)) .  كما ولاحظت بأن كريسبس كتب أكثر من 300 كتاب في المنطق (ونحن نشك في ذلك ، ونرجح إنها كانت مقالة صغيرة) ، عالج فيها موضوعات منطقية في غاية الأهمية ، واليوم هي من أمهات القضايا المنطقية التي يهتم بها البحث المنطقي المعاصر ، من مثل نظرية الفعل الكلامي ، تحليل الجمل (أو القضايا) ، العبارات الفردية والعبارات الجمعية ، نماذج من المحمولات ، القضايا الوجودية ، النفي ، البدل ، الإشتراط ، التتابع المنطقي ، أشكال الحجج السليمة ، نظرية الإستدلال ، منطق القضايا ، منطق الموديلات ، المنطق الأبستمولوجي ، منطق الإفتراضات ، الغموض والتناقضات المنطقية .. (أنظر المصدر السابق) .

  يتقدم قائمة فلاسفة القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف الرواقي المؤسس زينون الأكتومي ، ومن الملاحظ إن أغلب الفلاسفة الرواقيين في هذا القرن كانوا حواريين وتلاميذ للفيلسوف زينون . منهم برسيوس الأكتومي (306 – 243 ق.م) ، و أريتيوس الصقلي (من سيسلي / إيطاليا) (315 – 245 ق.م) ، و أثنيدورس الصقلي (إزدهر عام 275 ق.م) ، و إرستو الكايوس (310 – 240 ق.م) ومال نحو الكلبية ، وأبولوفانيوس الإنطاكي (إزدهر عام 250 ق.م) ، و ديونسيوس الرنجيدي (325 – 250 ق.م) وتحول إلى الفلسفة القورنائية ، و سفريس (285 – 210 ق.م) وتحول إلى إسبرطا والإسكندرية ، وهرليوس القرطاجي (إزدهر عام 250 ق.م) وهؤلاء جميعاً كانوا تلاميذ المؤسس زينون . ومن ثم جاء كلينثيس (331 – 232 ق.م) وهو الرئيس الثاني للمدرسة الرواقية ، و أريتوسثينس القورينائي (إزدهر عام 225 ق.م) وهو تلميذ الفيلسوف الرواقي إرستو ، ورئيس المكتبيين في الأسكندرية ، و هارمكورس الأمفيبولس (إزدهر عام 225 ق.م) وهو من أتباع الفيلسوف الرواقي برسيوس الأكتومي ، و كريسبس الصقلي (280 – 206 ق.م) وهو الرئيس الثالث للمدرسة الرواقية ، وكتب 705 كتاباً ، و ديوسيكوردس (إزدهر عام 225 ق.م) وهو تلميذ كريسبس ووالد زينون الطرسوس ، وأخيراً أرستوكريون (إزدهر عام 210 ق.م) وهو إبن أخ كريسبس.

    يتقدم قائمة الفلاسفة الرواقية في القرن الثاني ، الفيلسوف زينون الطرسوس (إزدهر سنة 200 ق.م) ، وهو الرئيس الرابع للمدرسة الرواقية ، ويدروميس (تاريخ إزدهاره غير يقين) وهو رواقي كتب مؤلفاً بعنوان أصول الأخلاق ، وكريتس ماليوس (إزدهر سنة 175 ق.م) وهو عالم في النحو ، ورئيس المكتبة في بيركمون (عاصمة مملكة بيركمون ، والتي أسسها جنرال من جنرالات الأسكندر) ، وديوجانس البابلي (230 – 150 ق.م) وهو الرئيس الخامس للمدرسة الرواقية …

  والمهم في مذهبنا هو أن نقدم بعض من الرموز الرواقية الذين عاشوا في القرن الأول الميلادي ، والذين حملوا معهم التراث الفلسفي الرواقي برمته إلى الدوائر الفلسفية في هذا القرن . وبالتأكيد كانوا معاصرين للرواد الأوائل لمشروع الإفلاطونية المحدثة . وهذا من طرفه يعني إن التراث الفلسفي الرواقي كان أمام أنظار رواد الإفلاطونية أو من خلالهم عبرت الرواقية إلى نصوص الإفلاكونيين المحدثين . ومن هؤلاء الرواقيين ، كايوس موسنيوس رافيوس ، وهو رواقي روماني من القرن الأول الميلادي . وكايوس علم الفلسفة خلال حكم الطاغية نيرون ، والذي نفى كايوس الرواقي في عام 65 م . وبدوره كايوس كان معلماً للفيلسوف الرواقي الشهير إبكتاتيوس (55 – 135 م) . وتذكر المصادر المتأخرة ، والتي إعتمد على تلميذه إبكتاتيوس إلى إنه كان كاتباً مُكثراً ، فقد كتب أكثر من عشرين كتاباً ورسالة (أنظر : كورا لوتز ؛ موسنيوس رافيوس : سقراط روما / نشرة مطبعة جامعة ييل 1947 ، وكذلك أنظر : سينيثيا كنك ، موسينيوس رافيوس : محاضرات وأحاديث ، نشرة دار سيكن 2011) .

   ومن فلاسفة الرواقية الذين عاشوا في القرن الأول وفي العقدين الأولين من القرن الثاني الميلاديين ، الفيلسوف فرات الصوري أو فرات الرواقي (35 – 118 م) ، وهو فيلسوف من صور (اليوم لبنان) (أنظر : فيلوستروتس ؛ حياة السفسطائيين (مصدر سابق)) . وقائمة الفلاسفة الرواقيين في القرن الثاني طويلة حالها حال قائمة فلاسفة الرواقية في القرن الأول الميلادي . وكل هذا دليل على حضور الرواقي القوي في الأجواء الثقافية التي إنبثقت فيها الإفلاطونية المحدثة ، حركة فلسفية جديدة . وهنا ننتخب بعض الرموز الرواقي وللأستشهاد فقط . فمنهم إبكتاتيوس الذي ملأ  نشاطه الفلسفي العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الأول ، والعقود الثلاثة والنصف من القرن الثاني .

  لقد صرف إبكتاتيوس معظم حياته في شمال اليونان . وإن تعاليمه جاءت إلينا من خلال نشرة تلميذه أريان (86 – 160 م) والتي كانت بعنوان خطابات إبكتاتيوس (أنظر : إي . أل . وبلير ؛ فلافيوس إريان : السيرة السياسية والعسكرية ، نشرة جامعة ديوك 1977 ، وكذلك : ثيودور سكلاتستس وأندرو ماسن ؛ فلسفة إبكتاتيوس ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2007) . ومنهم الفيلسوف الرواقي هيركلوس ، الذي عاش في القرن الثاني ، وإشتهر بكتابه المعنون مبادئ الأخلاق (أنظر : إي لونك ؛ دراسات رواقية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1996 ، الفصل 11) .

  كما تتوج القرن الثاني الميلادي بحضرة الفيلسوف الرواقي الإمبراطور ماركوس أورليوس (121 – 180 م) ، والذي إشتهر بكتابه التأملات (أنظر : أنثني بيرلي ؛ ماركوس أورليوس : السيرة الذاتية ، نشرة دار روتليدج ، نيويورك 1966) . وأخيراً نستشهد بالفيلسوف الرواقي من القرن الثالث الميلادي ، وهو عصر صعود حركة الإفلاطونية المحدثة ، وهو الفيلسوف مديوس الرواقي (إزدهر عام 250 م) والذي ناقش نظرية الرواقية في النفس (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛  الفلسفة الرواقية : تاريخ وأتباع / سيظهر قريباً في عدد قادم من مجلة أوراق فلسفية جديدة) .

تعقيب :

  هذه هي الإتجاهات الفلسفية اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي ، والتي كانت سائدة في البيئات الثقافية سواء في أثينا أو روما ، وفي سلوقيات العراق والشام ،  وطرسوس وإنطاكيا .. ومن ثم إسكندرية البطالسة وقورينا وقرطاج .. عشية إنبثاق الحركة الفلسفية التي أطلق عليها الغربيون المحدثون إصطلاح الإفلاطونية المحدثة ، والتي كان لها رواد روحيون أوائل همما نومنيوس الأفامي ، وأمونيوس ساكس الإسكندراني ، كما وكان المؤسس الحقيقي إفلوطين . إلا إن هؤلاء الثلاثة لم يتركوا شيئاً مكتوباً . ولكن إفلوطين ترك بعض المخططات المختصرة للمحاضرات التي كان يُلقيها على طلبته ومنهم حواريه فرفريوس ، ومات ولم ينشر شيئاً . وكان فرفريوس في صقلية يتلقى العلاج هناك ، وعندما سمع بالخبر ، شد الرحال وعاد على عجل فجمع تلك الملاحطات ونظمها ، وكتب لها مدخلاً شرح فيها فلسفة أستاذه  إفلوطين (ويبدو فرفريوس تدخل كثيراً في الشروح والتنظيم ، إذ من المعروف إن إفلوطين كان غير مكترث بهذه المسألة ، وكان في حياته يعتمد على فرفريوس في النظر فيها)  ، ومن ثم كتب سيرته الذاتية ، ونشر المحاضرات بعنوان تساعيات إفلوطين ونشر معها في وقت واحد سيرة إفلوطين . وكان تاريخ النشر عام 270 م ، وهكذا كان عام 270م هو لحظة الإعلان الأولى عن ولادة تيار فلسفية جديد هو الإفلاطونية المحدثة على يد تلميذ إفلوطين فرفريوس الصوري  . والذي كان هو فيلسوف الإفلاطوني المحدثة الأول (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) . وهذا موضوع سيتناوله البحث اللاحق .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

رصيد التجربة الفلسفية الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  صحيح جداً إن الإفلاطونية المُحدثة أو الإفلاطونية الجديدة ، هي إصطلاح حديث يصفُ به الأكاديميون الغربيون جوهر الحركة الفلسفية ، التي تم صياغتها في الثُلث الأخير من القرن الثالث الميلادي . وبالتحديد عام 270 م وذلك عندما نشر فرفريوس الصوري محاضرات أُستاذه إفلوطين ، بعنوان الإنياد أو التساعيات (أقرأ قصة التأليف في المحور اللاحق والمعنون ساكس وإفلوطين وفرفريوس وحقيقة الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة ، وكذلك التفاصيل يمكن قراءتها في المحور المعنون إفلوطين وكتابه التساعيات : إنجيل الإفلاطونية المُحدثة) . 

   ونذكر القارئ بأن الإفلاطونية ، هو الإصطلاح الذي كان يطلق يومذاك على عموم أعلام الحركة الإفلاطونية المحدثة  . والإفلاطونية المحدثة ، هي ” مزيج فلسفي ، فيه أشياء من إفلاطون وفلاسفة أكاديميته ، وأشياء من أرسطو وفلاسفة مشائيته ، وأشياء من الفيثاغورية (وربما المشروع الفيثاغوري الجديد في القرن الأول الميلادي) ، وأشياء من الرواقية ، وأشياء من مدارس فلسفية أخرى (للتفاصيل أنظر البحث السابق والمعنون الخلفيات الفلسفية للتجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة) ، وأشياء من الفكر الهرمسي (تسرب من الإفلاطونية المحدثة السورية التي قادها إمبيلكوس وخصوصاً كتابه الأسرار المصرية) (أنظر المحور الرابع من هذا البحث والمعنون الفيلسوف إمبيلكوس : رئيس الإفلاطونية المحدثة السورية) ..

  لقد حمل المشروع الإفلوطيني أولاً ، ومن ثم الإفلاطوني المحدث لاحقاً ، بالإضافة إلى التقريب بين أرسطو (الإفلوطيني) وإفلاطون (الإفلوطيني) التوفيق ما بين الحكمة والشريعة أو التقريب ما بين العقل (الفلسفة) والدين . وبالمناسبة قُدمت أطراف هذا المزيج الفلسفي للعقل المسلم خلال كتاب منتحل غير أصيل ونسب إلى المعلم الأول ” أرسطو” وبعنوان أثولوجيا أرسطو . وبالتأكيد لا علاقة للإفلاطونية المحدثة بهذا الإنتحال ، وإنما هو إجتهاد من قبل المترجمين السريان ..

  ولاحظنا إن هناك الكثير من التعميمات غير الدقيقة تداولتها الإقلام الأكاديمية وغير الأكاديمية ، ولتجنب الوقوع في هذا الشرك ، وللدقة الموضوعية نرفض الحديث عن مواصفات فلسفية عامة ، تصب في إطار الحديث عن إفلاطونية مُحدثة واحدة ، ونفضل الحديث عن إفلاطونيات مُحدثة متعددة ، وبالصورة الآتية :

أولاً – الصياغة الأولى للإفلاطونية المُحدثة : كتاب التساعيات (الإنجيل الإفلاطوني المُحدث) . وهنا تلتقي جميع الإفلاطونيات المُحدثة (مع التنبيه إلى الدور الكبير الكبير الذي لعبه فرفريوس الصوري ، في صياغة الإفلاطونية المحدثة ، وذلك من خلال المدخل الذي وضعه لنشرة كتاب أستاذه إفلوطين ، ومن خلال كتابة السيرة الذاتية لإفلوطين كذلك) (أنظر للتفاصيل المحور المعنون إفلوطين وكتابه التساعيات : إنجيل الإفلاطونية المُحدثة) .

ثانياً – الحواريون الإفلوطينيين أو الأخوية الإفلوطينية : عاش إفلوطين ومجموعة من طلابه حياة إخوة مشتركة ، فكان إفلوطين هو الشيخ ، ويحيط به عدد من الحواريين . وهؤلاء الحواريون كانوا أوفياء للشيخ ومبادئه ، وبمجملهم كانوا فلاسفة الإفلاكونية المحدثة في القرن الثالث الميلادي (للتفصيل ، أنظر المحور المعنون الحواريون الإفلوطينيين أو الأخوية الإفلوطينية) .

ثالثاًً – الإفلاطونية المُحدثة العلمانية ، والتي مثلها الفيلسوف الإفلاطوني الأول فرفريوس الصوري (أنظر للتفاصيل المحور المعنون فرفريوس الصوري : الإفلاطونية المُحدثة العلمانية) .

رابعاً – الإفلاطونية المُحدثة السورية (الطقوسية) ، والتي مثلها الفيلسوف الإفلاطوني الملك إمبيلكوس (أنظر للتفاصيل المحور المعنون الفيلسوف إمبيلكوس : رئيس الإفلاطونية المُحدثة السورية) .

خامساً – إفلاطونيات محدثة متنوعة 

، مع ملاحظة إن بعض رموز الإفلاطونية درسوا وتعلموا تحت إشراف فلاسفة مشائيون ، ودرسوا تراث أرسطو وإفلاطون ، ووضعوا شروحاً على نصوص أرسطو ومحاورات إفلاطون . وهنا نحسب إن كل هذا التراث إمتزج مع تراث الإفلاطونية المحدثة أو الأدق حمله  تراثها الذي ترجم فيما بعد إلى العربية ، فكان مادة لتدارس العقل العربي ، ومصدراً أبستمولوجياً لتأسيس نمط فلسفي أبستمولوجي عربي إسلامي .  

 ساكس وإفلوطين وفرفريوس وحقيقة الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة

   تتحدث كتب تاريخ الفلسفة عن الفيلسوف الإسكندراني ” أمونيوس ساكس ” كأب روحي للإفلاطونية المحدثة (كما يرى البعض ومنهم كينيث كوثري على إن نومنيوس الآفامي (إزدهر في النصف الأخير من القرن الثاني الميلادي) وهو من مدينة أفاما السورية هو الأب والمؤسس للإفلاطونية المحدثة  ، وهو على الأغلب فيثاغوري محدث (أنظر: كتابات نومنيوس الإفلاطونية المحدثة ، ترجمة كينيث كوثري ، نشرة سالين 1931 ، وينسب لنومنيوس القول : ” إفلاطون هو النبي موسى يتكلم اليونانية “) . ومن ثم تضيف إلى ساكس إسم تلميذه ” إفلوطين ” كشريك حقيقي  في تأسيس الإفلاطونية المحدثة .

  والحقيقة إن كلاً من هذين الإصطلاحين : ” الإب الروحي ” و “المؤسس الحقيقي” هي إصطلاحات وألقاب مستحدثة ولم تكن متداولة زمن ساكس أو في حياة إفلوطين . كما إن الأب الروحي ساكس لم يترك شيئاً مكتوباً نستطيع على أساسه أن نقرر حجم مساهمته الفلسفية في تكوين حركة فلسفيةجديدة . كما إن المؤسس الحقيقي إفلوطين لم يترك سوى رسائل متناثرة غير كاملة وغير منشورة . و لعل الأدق هي مجموعة ملاحظات كتبها إفلوطين لتساعده أثناء إلقاء المحاضرات . وإذا كان هذا هو حال الواقع التاريخي للإفلاطونية المحدثة . فكيف تشكلت حركة الإفلاطونية المحدثة.

 أولاً- إن الأب الروحي للإفلاطونية المحدثة ” أمونيوس ساكس ” لم يترك شيئاً مكتوباً ، ولكن دروسه الفلسفية الشفهية قد تلقاها إثنين من طلابه : ” إفلوطين ” و ” كاسيوس لونكنس ” .

ثانياً- إعتماداً على شهادة ” كاسيوس لونكنس ” نتيقن إن الرجل كان إفلاطوني على الطريقة القديمة . وبذلك لم يكن إفلاطونياً محدثاً .

ثالثاً- تلقى إفلوطين تعاليم أستاذه الفلسفية “أمونيوس ساكس” وعمل على تطويرها في محاضراته التي كان يلقيها على طلبته وخصوصاً تلميذه فرفريوس الصوري ، والتي أودعها في صحائف غير كاملة وغير منشورة .

رابعاً- مات إفلوطين وفرفريوس الصوري كان مريضاً يعاني من حالة إعتلال صحي ، وترك إفلوطين في أثينا وذهب إلى سسيلي للعلاج والراحة بناءً على نصيحة أستاذه إفلوطين ، وظل هناك بعيداً عن إفلوطين مدة خمس سنوات .

خامساً- إن من الشائع عن إفلوطين ، إنه كان مهملاً في ترتيب محاضراته ، ولم يعتني بتصحيح الأخطاء التي تقع فيها . إضافة إلى إنه لم يخطط إلى ضمها في كتاب ، فتركها على صورة ملاحظات يعتمد عليها في إلقاء محاضراته . كما إنه غالباً ما يترك مهمة تصحيحها وترتيبها على تلميذه فرفريوس الصوري .

سادساً- عاد فرفريوس إلى أثينا فقام بإلقاء المحاضرات في الفلسفة . ومن ثم بدأ بجمع رسائل أستاذه إفلوطين ، ونقحها ووضع لها مقدمة ونشرها مع سيرة إفلوطين في العام 270 م . وفرفريوس هو الذي وضع لها عنوان ” التساعيات ” وهو العنوان الذي أستنبطه من رسائل إفلوطين ذاتها . وفعلاً فأن كتاب التساعيات جاء بنشرة فرفريوس يتألف من ستة تساعيات ، وأحسب إن لمسات فرفريوس واضحة على الكتاب . كما إن مقدمة الكتاب التي كتبها فرفريوس ، هي في الحقيقة بيان بعث للإفلاطونية المحدثة على يديه وبعزمه (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ حقيقة تساعيات إفلوطين وإسطورة أثولوجيا أرسطو ، قيد الإنجاز) .

سابعاً- إن فرفريوس أسس تقليداً فلسفياً سيتبلور لاحقاً في صورة مدرسة فلسفية ، هي المدرسة الإفلاطونية المحدثة ، فبعد العودة من سيسيلي ، ونشر كتاب التساعيات والسيرة الذاتية لإفلوطين ، أخذ يقدم المحاضرات في الفلسفة ، وبدأ يتهافت عليه الطلاب من أثينا أو من الخارج ، فمثلاً مارسللا زوجته كانت طالبة مواضبة على حضور محاضراته ، بالإضافة إلى حضور طالبتين أخريين . كما أن أمبيلكوس السوري كان طالباً مواضباً على حلقته الفلسفية . ومن المعروف إن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس سيقود المدرسة بعد موت فرفريوس ، وبعد موت إمبيلكوس سيسير على الدرب الإفلاطوني المحدث عدد من ورثة إمبيلكوس .

  وعلى هذا الأساس يصبح فرفريوس الصوري هو المسؤول تاريخياً عن الإعلان الفلسفي عن إنبثاق حركة فلسفية جديدة ، هي الإفلاطونية المحدثة وذلك عندما قام بنشر كتاب ” التساعيات ” (أنظر: أرمسترونك ؛ إفلوطين ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1966- 1988 وهو سبعة مجلدات) ، والذي تحول لحظة نشره إلى إنجيل الحركة الفلسفية الجديدة ، والتي سيطلق عليها المحدثون من الباحثين الغربيين لاحقاً إصطلاح ” الإفلاطونية المحدثة ” .

   ومن زاوية المصادر الغربية الحديثة ، وعلى الأقل المصادر الأنكليزية وما ترجم إليها ، فأنها ترى إن فرفريوس قد لعب دوراً تاريخياً في التعريف الواسع بإسم أستاذه إفلوطين وذلك من خلال كتابة سيرته ومن خلال نشر كتاب التساعيات والشرح الممتاز الذي قدمه لفلسفة إفلوطين سواء في المقدمة التي كتبها لكتاب التساعيات أو في محاضراته وكتبه الأخرى . ولعل الشاهد على ذلك الأثر الذي تركه فرفريوس على الفيلسوف الإفلاطوني المحدث أمبيلكوس وورثته ، والذي درس الفلسفة على يد فرفريوس الصوري ، ونحسب إن محور دروس فرفريوس كانت فلسفة إفلوطين .  

    وأخيراً فقد لاحظ روبرت بيركمان إن هناك عدداً من الكتاب في عالم الثقافة الرومانية ، وعالم الثقافة اللاتينية ، والثقافة البيزنطية المسيحية ، من يعبر عن إعجابه وخوفه في الوقت ذاته من فرفريوس الصوري . كما وإن رؤية فرفريوس الخاصة للفلسفة الإفلاطونية المحدثة قد فرضت هيمنتها على دوائر التفكير الفلسفي في العالم الغربي وحتى القرن التاسع عشر (أنظر: فرفريوس ضد المسيحيين ، الفصل الأول ، ص 2) .  

إفلوطين وكتابه التساعيات : إنجيل الإفلاطونية المحدثة

  نحسب أن تكون البداية ، هي التعريف بمؤلف الكتاب ، وذلك لأن الكتاب يعكس شخصية كاتبه ؛ فلسفته ومنهجه . ولعل السؤال المفتاح : من هو الفيلسوف ” إفلوطين ” (204 / 205 – 270 م) ؟ وما هو إتجاهه الفلسفي ؟ عرف التراث الثقافي العربي الإسلامي عامة ، و دوائر التفكير الفلسفي في المشرق الإسلامي خاصة الفيلسوف ” إفلوطين ” وأطلقت عليه لقب ” الشيخ اليوناني ” . ولا أعرف مدى دقة تسمية النصوص العربية ، وإفلوطين حسب رواية تلميذه ” فرفريوس الصوري ” مات وعمره ست وستين عاماً . وهو المؤسس الحقيقي لما سيطلق عليه في بواكير العصر الحديث ” المدرسة الإفلاطونية المحدثة ” (أنظر: بحثنا القادم والمعنون : إشكالية الفلسفة الإسلامية : بين المشائية والإفلاطونية المحدثة) .

  الحقيقة لم تأتي المعلومات عن سيرة إفلوطين ، من المصدر الأول ، وذلك إن إفلوطين ذاته لم يذكر أو يترك بيراعه معلومات عن إصول عائلته (أجداده) ، وعن طفولته ، بل ولم يتكلم عن مكان وتاريخ ولادته . ولكن جميع المصادر التي تتكلم عنه لاحقاً ، تتحدث عنه كرجل عاش حياته الشخصية والإجتماعية في ضوء معايير أخلاقية وروحية عالية جداً . ورغم هذا الحال ، فإننا محظظون جداً في معرفة شخصية الأستاذ إفلوطين من زاوية حواريه التلميذ الروحي ” فرفريوس الصوري ” (233 – 305 والبعض يرى إنه توفي في عام 309 تقريباً) الذي لازمه ودرس تحت يده في روما فترة ليست بالقصيرة (ست سنوات ركزها على دراسة فلسفة إفلوطين ومشروعه الفلسفي الدي سيعرف بالإفلاطوني المحدث) ، وإن كان بعيداً في السنوات الآخيرة من حياته (خمس سنوات كان فرفريوس بعيداً عن إفلوطين) ، ومات إفلوطين في روما ، وفرفريوس الصوري ذهب للعلاج إلى سيسلي الإيطالية (بعد حالة فرفريوس النفسية ، ومحاولته على الإقدام على الإنتحار..) بناءً على إقتراح أستاذه إفلوطين . وفعلاً بعد سماعه بأخبار موت أستاذه ، ركب البحر وعاد سريعاً . فجمع أوراق أستاذه ، وبدأ يرتبها ويفكر بطريقة نشرها . وهذه قضية سيكون الحديث عنها في المحور الخاص بكتاب التساعيات . ولكن فرفريوس لم يكتفي بنشر كتاب التساعيات ، بل وكتب  مدخلاً شرح فيه فلسفة إفلوطين ، وسيرة ذاتية له ونشرها مع التساعيات (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / المحور المعنون الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة / مصدر سابق) .

  وعلى هذا الأساس فإن مصدرنا القريب للمعلومات عن حياة وسيرة إفلوطين ، هو حواريه وتلميذه فرفريوس الصوري . فقد كتب فرفريوس قائلاً : ” كان عمر إفلوطين ست وستين عاماً عندما جاءته المنية في عام 270 م ، وبالتحديد في السنة الثانية من إعتلاء الإمبراطور الروماني  ” كلوديوس الثاني ” . وهذا كان دليلاً تاريخياً مكن الباحثون من إقتراح 205 سنة لولادة إفلوطين . وقد ولد حسب رواية  المؤرخ السفسطائي ” يونبيوس ” (من كُتاب القرن الرابع والخامس الميلاديين) في مدينة يونانية ، تقع في دلتا مصر السفلى (أنظر : إفلوطين / موسوعة جامعة كولومبيا الإلكترونية / 2003) .

    ونرجح إن موت إفلوطين كان في بداية عام 270  والسبب إن فرفريوس نشر كتاب التساعيات والسيرة الذاتية والمدخل الشارح لفلسفة إفلوطين في عام 270 كذلك . فبعد سماع فرفريوس أخبار موت أستاذه في العام 270 ، عاد من سيسلي ، وبالتأكيد يحتاج العمل إلى وقت لترتيب الملاحظات التي تركها إفلوطين لمحاضراته الشفهية ، وفرفريوس يحتاج إلى وقت للإتصال ببعض تلاميذ إفلوطين ليرى ما يمتلكون وما يحفظون من معلومات عن فلسفة الأستاذ إفلوطين . كما إن المدخل الشارح لفلسفة إفلوطين الذي كتبه فرفريوس يحتاج إلى وقت ، كما إن كتابة سيرة إفلوطين تحتاج إلى وقت لجمعها والتدقيق فيها وكتابتها ونشرها . وكل ذلك حملنا على القول إن فرفريوس عمل كل ذلك ونشره في وقت متأخر من عام 270م .

  بدأ إفلوطين بدراسة الفلسفة عندما كان في السابعة والعشرين من عمره ، ولدراسته للفلسفة قصة ذات طعم خاص ، فبالتحديد في عام 232 ، شد الرحال إلى مدينة الإسكندرية . وهناك عاش تجربة معرفية ، إختبر فيها الكثير من معلمي الفلسفة ، وكان ساخطاً وغير راض على مادتهم الفلسفية ، وغير مقتنع بهم ، حتى شكى حاله لواحد من معارفه ، فإقترح عليه الإستماع إلى  أفكار ” أمونيوس ساكس ” (القرن الثالث الميلادي) وهو المؤسس الروحي للحركة الفلسفية الجديد التي ستعرف بإسم الإفلاطونية المحدثة . وبعد إن إستمع إفلوطين لمحاضرته ، صرح لصديقه قائلاً : ” هذا هو الرجل الذي أبحث عنه ” . ومن ثم بدأ بحماس ونشاط يدرس الفلسفة تحت إشراف هذا المعلم الجديد . والحقيقة إن أمونيوس كان معلماً لأفلوطين مدة إحدى عشر عاماً ، وبالتحديد إمتدت من عام 232 وحتى عام 243 . وكان لأمونيوس بالتأكيد تأثيراً كبيرا على إفلوطين في تطوير الإفلاطونية المحدثة . ولكننا اليوم لا نعرف إلا القليل القليل من وجهات نظره الفلسفية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليوناني / المحور المعنون ” الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة / مصدر سابق ) .

  ومن النافع أن نشير إلى إن جميع المعلومات التي توافرت لدينا عن معلم إفلوطين الفيلسوف ” أمونيوس ساكس ، قد جاءت إلينا من طرف فقرات تركها فرفريوس الصوري عندما تحدث عن حياة أستاذه إفلوطين . حيث قال بالنص :

وعندما كان عمره ثمانية عشر عاماً (الحديث عن إفلوطين) شعر بالرغبة في دراسة الفلسفة ، وقد نُصح بالذهاب إلى الإسكندرية ، وإكتساب التعليم على يد معلمي الفلسفة هناك ، والذين كانت لهم سمعة مشهودة . ولكن محاضراتهم سببت له السأم ، فإنصرف منها حزيناً . وفعلاً فقد أخبر صديق له بالمصاعب التي يواجهها في تعلم الفلسفة . وفهم الصديق رغبة قلبه ، فأرسله إلى أمونيوس ، والذي لم يكن بعيداً ، وإقترح عليه إن يحاول حضور محاضراته . وعندما ذهب للإستماع إليه ، رجع وأخبر صديقه ، قائلاً : ” هذا هو الرجل الذي أبحث عنه ” . ومن ذلك اليوم لازم إفلوطين أمونيوس ، وإكتسب منه المعرفة والتدريب الفلسفي الكاملين . وبعد ذلك إتصل بتعالم الفرس الفلسفية ، والتي كانت متداولة بين الهنود ” ( فرفريوس الصوري ؛ حياة إفلوطين / نقلاً من ج . ريل ؛ تاريخ الفلسفة القديمة / ج 4 والمعنون ” مدارس العصور الإمبراطورية ، مطبعة الشمس 1990 ، ص 298)    بالإضافة إلى أمونيوس ساكس ، فأن إفلوطين تأثر بكتابات ” الإسكندر الإفروديسي ” وهو واحد من شراح أرسطو في القرن الثالث الميلادي . وجاء الإفروديسي إلى أثينا في نهايات القرن الثاني الميلادي . وكان تلميذاً لإثنين من الرواقيين ، أو ربما كان واحد من معلميه مشائياً . وفعلاً في أثينا أصبح الأفروديسي رئيس المدرسة المشائية (أنظر : ج . ب . لونش ؛ مدرسة أرسطو ، نشرة جامعة باركلي 1972 ، ص 215) . كما وتأثر بالفيلسوف الفيثاغوري الجديد الإفلاطوني ” نومينوس الآفامي السوري ” (إزدهر خلال النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي) . ويبدو إن نومينوس قد لعب دوراً في تاريخ التمهيد لتأسيس المدرسة الإفلاطونية المحدثة (أنظر : كتابات نومينوس الإفلاطوني المحدث ، ترجمة كينث كوثري ، نشرة دار سيلين للكتب ، بلا تاريخ) . وقرأ أثار عدد من الفلاسفة الرواقيين .

  وبعد إن صرف أحد عشرة سنة أخرى ، قرر إفلوطين البحث عن تعاليم الفلاسفة الفرس والهنود ، وكان عمره يومذاك ثمان وثلاثين عاماً (أنظر : فرفريوس الصوري ؛ حياة إفلوطين وترتيب كتبه ، الفصل الثالث) .ولإنجاز هذه الرغبة ، ترك الإسكندرية ، وإلتحق بجيش الإمبراطور الروماني ” جورديان الثالث ” (225 – 244م) ، وبعد تقدم الحشود نحو بلاد فارس ، فشلت الحملة ومات الإمبراطور فجأة ، فوجد إفلوطين نفسه معزولاً في بيئة معادية ، وبصعوبات مضنية ، تلمس طريق العودة إلى مدينة إنطاكيا .

  وفي سن الأربعين ، وبالتحديد خلال حكم الإمبراطور الروماني ” فيليب العربي ” (204 – 244) ، عاد إفلوطين إلى روما (للإطلاع أنظر: ألين بومان ؛ تاريخ كيمبريدج القديم : إزمة الإمبراطورية من 193 وحتى 337 ، نشرة مطبعة كيمبريدج 2005) ، والتي قضى سنواته الآخيرة فيها . وفي روما جذب حوله العديد من الطلبة والرموز الثقافية يومذاك ، من أمثال فرفريوس الصوري ، وإميليوس جنتاليتيوس (إفلاطوني محدث وكاتب من النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي) ، وهو في الأصل تلميذ نومنيوس الآفامي . ولكنه بدأ يحضر محاضرات إفلوطين ، وبالتحديد في السنة الثالثة من عودة الآخير إلى روما (أنظر : وليم سميث ؛ معجم السير والآساطير اليونانية والرومانية ، نشرة مطبعة براون ، بوسطن 1867 ، ص 142 وما بعد) .

  كما وكان السناتور كاستريوس فرموس (وهو إفلاطوني محدث من القرن الثالث) من المقربيين للفيلسوف إفلوطين . وكان حسب رواية فرفريوس الصوري ” يحترم إفلوطين بإجلال ، ولازمه إلى نهاية حياته ” (أنظر : فرفريوس الصوري ؛ حياة إفلوطين ، ترجمة ستيفن ماكينا ، لندن1917 – 1930) . والقائمة طويلة . ولكن من أهم حواريه وطلابه ، كان العربي ” زيثوس ” (إفلاطوني محدث من القرن الثالث) ، وهو حسب رواية فرفريوس ، من أصول عربية ومات قبل موت إفلوطين ، وكان مقرباً جداً إلى إفلوطين ، ويقضيان أوقاتهما في الريف (أنظر : فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق) . وكان للنساء حصة في التلمذة على يد إفلوطين ، فمثلاً كانت جيمينا تلميذة له ، وكان يعيش في بيتها خلال حياته في روما . كما كانت إبنتها جيمينا الثانية تلميذة لإفلوطين كذلك . والثالثة كانت إمفيسلا وهي زوجة أرستون إبن إمبيلكوس الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ، ورئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة (أنظر: محمد جلوب الفرحان : الملك الفيلسوف إمبيلكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في المجلد الأول ، العدد الثاني من مجلة أوراق فلسفية جديدة / ربيع 2011) .

  وفي السنوات الأخيرة من حياته في روما ، إكتسب إفلوطين إحترام كل من الإمبراطور الروماني ” كالينيوس ” (218 – 268م) وزوجته ” سالونيا ” (لا تذكر المصادر شيئاً عن حياتها ، سوى إنها تزوجت الإمبراطور قبل عشر سنوات من أن يصبح إمبراطوراً ، وإعدمت عام 268 م مع أفراد عائلتها بقرار من مجلس السناتورات (أنظر: بات سوذرن ؛ الإمبراطورية الرومانية من سيفريوس وحتى قسطنطين ، نشر دار روتلدج ، لندن 2001) .

  ولعل المهم في علاقته بالإمبراطور ، إنه حاول إقناعه بإعادة تجديد مستعمرة كامبيا المهجورة ، والتي كانت تعرف بمدينة الفلاسفة ، والتي كان سكانها يعيشون في ظل دستور صاغه إفلاطون في محاورة القوانين . وحسب رواية فرفريوس الصوري ، فإن المساعدات المالية لهذا المشروع لم تحصل على الإطلاق ، ولأسباب غير معروفة حتى لفرفريوس الصوري الذي أخبرنا بهذه الحادثة .

  بعد ذلك رحل فرفريوس إلى سيسلي ، وبعد خمس سنوات ، جاءت الأخبار عن موت إستاذه إفلوطين . ويذكر إن إفلوطين صرف أيامه الآخيرة في ضيعة في كمبانيا وهي الضيعة التي ورثها من حواريه العربي الإفلاطوني المحدث ” زيثوس ” بناءً على أساس وصية الأخير له قبيل موته .

  ومات إفلوطين ولم ينشر اي شئ على الإطلاق . ولكنه حسب رواية فرفريوس الصوري ، ترك بعض المقالات الناقصة ، وملاحظات كان يعتمد عليها في إلقاء محاضراته (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليوناني / مصدر سابق) . ولذلك سنفضل التخلي عن المصادر الثانوية التي كتبت عن إفلوطين ، ونعتمد على ما كتبه فرفريوس بيراعه وهو المصدر الأول ، والذي عاش مع إستاذه مدة ست سنوات ، ورحل إلى سيسلسي والتواصل مستمر بينهما ولمدة خمس سنوات أخرى ، وفعلاً فإن إفلوطين كان يرسل إليه كل ما هو جديد مما يكتب . وهذه قصة سنتناول أطرافها لاحقاً .     

 نحاول أولاً أن نذكر بعض الحقائق المتعلقة بالمؤلف إفلوطين وكتابه ، ومن ثم ننتقل للإشارة إلى بعض الملاحظات التي تركها فرفريوس الصوري حول نظام نشر الكتاب واخيراً ننتقل إلى مضمون كتاب التساعيات .

   تلقى إفلوطين تعاليم أستاذه الفلسفية “أمونيوس ساكس” الشفهية وعمل على تطويرها في محاضراته التي كان يلقيها على طلبته وخصوصاً تلميذه فرفريوس الصوري ، والتي تركها على شكل ملاحظات غير كاملة وغير منشورة . مات إفلوطين وفرفريوس الصوري كان مريضاً يعاني من حالة إعتلال صحي ، وترك إفلوطين في روما وذهب إلى سسيلي للعلاج والراحة بناءً على نصيحة أستاذه إفلوطين ، وظل هناك بعيداً عن إفلوطين مدة خمس سنوات .

  إن من الشائع عن إفلوطين ، إنه كان مهملاً في ترتيب محاضراته ، ولم يعتني بتصحيح الأخطاء التي تقع فيها . إضافة إلى إنه لم يخطط إلى ضمها في كتاب ، فتركها على صورة ملاحظات (مشروع مقالات وكان إفلوطين حريصاً على سرية تداولها بين طلابه ومحبيه) يعتمد عليها في إلقاء محاضراته . كما إنه غالباً ما يترك مهمة تصحيحها وترتيبها على عاتق تلميذه فرفريوس الصوري .

   عاد فرفريوس إلى روما فقام بإلقاء المحاضرات في الفلسفة . ومن ثم بدأ بجمع رسائل أستاذه إفلوطين ، ونقحها ووضع لها مقدمة ونشرها مع سيرة إفلوطين في العام 270 م . وفرفريوس هو الذي وضع لها عنوان ” التساعيات ” وهو العنوان الذي أستنبطه من رسائل إفلوطين ذاتها . وفعلاً فأن كتاب التساعيات جاء بنشرة فرفريوس يتألف من ستة تساعيات ، وأحسب إن لمسات فرفريوس واضحة على الكتاب . كما إن مقدمة الكتاب التي كتبها فرفريوس ، هي في الحقيقة بيان بعث للإفلاطونية المحدثة على يديه وبعزمه (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ حقيقة تساعيات إفلوطين وإسطورة أثولوجيا أرسطو ، قيد الإنجاز) .

   إن فرفريوس أسس تقليداً فلسفياً سيتبلور لاحقاً في صورة مدرسة فلسفية ، هي المدرسة الإفلاطونية المحدثة ، فبعد العودة من سيسيلي ، ونشر كتاب التساعيات والسيرة الذاتية لإفلوطين ، أخذ يقدم المحاضرات في الفلسفة ، وبدأ يتهافت عليه الطلاب من روما أو من الخارج ، فمثلاً مارسللا زوجته كانت طالبة مواضبة على حضور محاضراته ، بالإضافة إلى حضور طالبتين أخريين . كما أن أمبيلكوس السوري كان طالباً مواضباً على حلقته الفلسفية . ومن المعروف إن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس سيقود المدرسة بعد موت فرفريوس ، وبعد موت إمبيلكوس سيسير على الدرب الإفلاطوني المحدث عدد من ورثة إمبيلكوس .

  وعلى هذا الأساس يصبح فرفريوس الصوري هو المسؤول تاريخياً عن الإعلان الفلسفي عن إنبثاق حركة فلسفية جديدة ، هي الإفلاطونية المحدثة وذلك عندما قام بنشر كتاب ” التساعيات ” (أنظر: أرمسترونك ؛ إفلوطين ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1966- 1988 وهو سبعة مجلدات) ، والذي تحول لحظة نشره إلى إنجيل الحركة الفلسفية الجديدة ، والتي سيطلق عليها إصطلاح ” الإفلاطونية المحدثة ” .

   ومن زاوية المصادر الغربية الحديثة ، وعلى الأقل المصادر الأنكليزية وما ترجم إليها ، فأنها ترى إن فرفريوس قد لعب دوراً تاريخياً في التعريف الواسع بإسم أستاذه إفلوطين وذلك من خلال كتابة سيرته ومن خلال نشر كتاب التساعيات والشرح الممتاز الذي قدمه لفلسفة إفلوطين سواء في المقدمة التي كتبها لكتاب التساعيات أو في محاضراته وكتبه الأخرى . ولعل الشاهد على ذلك الأثر الذي تركه فرفريوس على الفيلسوف الإفلاطوني المحدث أمبيلكوس وورثته ، والذي درس الفلسفة على يد فرفريوس الصوري ، ونحسب إن محور دروس فرفريوس كانت فلسفة إفلوطين .  

     ونحسب إن كل هذه الجوانب تركت أثارها على كتابات التساعيات ، الذي جمعه ونشره تلميذ إفلوطين ” فرفريوس الصوري ” هذا طرف من القضية ، والطرف الثاني سيأتي الحديث عنه في الفقرة الآتية .

  كتب فرفريوس الصوري سيرة إفلوطين ، وملاحظات حول الكيفية التي إتبعها في ترتيب كتاب التساعيات . وكان عنوانها المترجم إلى اللغة الإنكليزية ” فرفريوس الصوري : حياة إفلوطين وترتيب عمله ” (ترجمه عن اليونانية ستيفن ماكينا ، نشرة المطبعة الإسكندرانية ، الولايات المتحدة الأمريكية 1984) . وإن المتصفح لهذا الكتاب ، يقف على الحقائق الآتية :

أولاً – إن إفلوطين حسب رواية فرفريوس منحه تفويضاً في مراجعة ما يكتب . يقول فرفريوس الصوري :

  أنا فرفريوس الصوري ، واحد من أصدقاء إفلوطين المقربين ، وكان إفلوطين يفوضني على مراجعة ما يكتب (فرفريوس الصوري ؛ حياة إفلوطين وترتيب عمله ، ترجمه من اليونانية إلى الإنكليزية ستيفن ماكينا ، نشرة المطبعة الإسكندرانية ، الولايات المتحدة 1984 ، الفقرة رقم 7) .

ثانياً – إن المعلومات التي قدمها لنا فرفريوس ، تؤكد بشكل واضح على إن هناك عدداً من الطلبة قد سبقوا فرفريوس في ملازمة الأستاذ إفلوطين . منهم ” إميليوس ” ، والذي كان أحد المصادر المهمة لكتابة ” حياة إفلوطين وترتيب أعماله ” . خصوصاً في ناحيتين : الأولى إن إميليوس كان شاهد عين على حياة إفلوطين ولمدة ثمانية عشر عاماً حتى لحظة وصول فرفريوس إلى روما ، ومقابلة المعلم إفلوطين . الثانية إن فرفريوس الصوري بنفسه يذكر بإن إميليوس قد ألف كتاباً عن أستاذه الأول ” نومنيوس الأفامي السوري ” ، وإشتغل على ترتيب أعماله ، وهذا الكتاب تكون من مئة رسالة ، وبعد إكماله قدمها لولده بالتبني ” هوستيالينوس الأفامي السوري ” .

والسؤال : ماذا يعني هذا ؟ يعني إن إميليوس قد سبق فرفريوس في هذا النوع من الكتابة ، وإن كتابه عن أستاذه نومنيوس ، سيكون موضوع تفكير فرفريوس ، حين سيباشر في التأليف عن حياة إفلوطين وترتيب عمله ،إضافة إلى إن إميليوس كان يحمل معه دفتر ملاحظات ، يسجل فيه يوميات إفلوطين ، وبالتأكيد هذه اليوميات مصدر معرفي في غاية الأهمية . إلا إن فرفريوس يفاجئنا عندما يعلن عن ضياعه (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ ملاحظات منهجية حول كتاب فرفريوس الصوري ” حياة إفلوطين وترتيب عمله “) . يقول فرفريوس الصوري ما نصه :

وصلت إلى اليونان في السنة العاشرة من حكم الإمبراطور الروماني ” كالينيوس ” وبرفقة إنطونيوس الروديسي ، ووجدنا إميليوس برفقة إفلوطين ما يقارب الثمانية عشر عاماً . وكان ينقص إميليوس القدرة على كتابة أي شئ ، ما عدا إنه كان يحمل دفتر ملاحظات ضاع وإنطمر بعد ذلك ، وكان إفلوطين في التاسعة والخمسين عندما قابلته كنت في الثلاثين (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق / الفقرة رقم 4) .

ثالثاً – يعلن فرفريوس الصوري عن مسألة في غاية الأهمية ، تتعلق بشخصية المؤلف إفلوطين ، فقد ناهز الخمسين من عمره ولم يكتب شيئاً (وصل إفلوطين إلى روما ، وهو في الأربعين زائداً عشر سنوات ، وهي الفترة التي لم يكتب فيها)  . ونحسب إن في رواية فرفريوس إشكال ؛ ففريوس كان غائباً هذه الفترة ، وبعيداً عن روما وحياة المعلم إفلوطين . والسؤال : ما هي المصادر التي إعتمد عليها في كتابة هذه الرواية ؟ حقيقة إن فرفريوس كتبها دون أن يذكر شيئاً . ونظن إن مصدره إميليوس أو كتاب ملاحظات إميليوس الذي ضاع وإنطمر. وإن هذه المسألة تظل مفتوحة لقبول أراء أخرى .

   يقول فرفريوس الصوري عن الكاتب إفلوطين :

عقد إفلوطين عهداً مع كل من أرنيوس وأوركن ، بأن لا يتكلموا عن عقائد أمونيوس (وهو أمونيوس ساكس معلم إفلوطين في الإسكندرية) . وفعلاً فقد حافظ إفلوطين على هذا العهد ، وحاول تجنب الحديث عن النظام الفكري للمعلم أمونيوس ، خصوصاً خلال مناقشاته مع زملاء الحلقة . إلا إن هذه السرية لم تستمر طويلاً ، فقد إنفرط العهد أولاً من قبل أرنيوس ، ومن ثم من قبل أوركن . حقيقة أوركن لم يكتب شيئاً . ولكن ذلك جاء في رسالة ” الموجودات الروحية ” .

 أما فيما يخص المعلم إفلوطين ، فإنه ولفترة طويلة لم يكتب شيئاً . ولكنه بدأ يؤسس لقاعدة نقاش حول ما جمعه من دراسات تمت تحت إشراف أمونيوس . وفي ضوء ذلك فإنه لم يكتب شيئاً ، سوى التشاور والنقاش المستمرين مع جماعة من الزملاء ، وهذه الفترة إستمرت مدة عشر سنوات . (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 3) .

رابعاً – ووفقاً لرواية فرفريوس ، وحسابات السنين من حياة المعلم إفلوطين ، نحسب إن فترة السنوات العشرة الممتدة ما بين الخمسين من عمره والتاسعة والخمسين (وهي السنة التي قابل فرفريوس إفلوطين) هي فترة نشاط الفيلسوف في التأليف والكتابة . ومثلما واجهنا إشكال في أطراف من الروايات الفرفوريسية السابقة ، نرى إن الإشكال يتجدد مرة أخرى . خصوصاً إذا ما وضعنا في الإعتبار غياب التلميذ فرفريوس عن روما وعن حياة المعلم إفلوطين على حد سواء . وهنا لا يذكر فرفريوس أي مصدره زوده بهذه المعلومات ؛ وهل هو إفلوطين ذاته أو تلميذه وصديقه إميليوس أو زيثوس العربي … لا أحد يستطيع أن يقول شيئاً عن ذلك .

  ويرى فرفريوس إن المعلم إفلوطين بدأ الكتابة ” في السنة الأولى من حكم الإمبراطور الروماني ” كالينيوس ” (218 – 268م) ، والذي شارك الحكم مع والده في العام 253م . وإذا قبلنا ذلك من فرفريوس ، فأننا نحسب إن هناك  نوعاً من عدم التناغم بين سني عمر المعلم إفلوطين ، والتي إقترحها فرفريوس بنفسه ، وسنوات إعتلاء الإمبراطور ” كالينيوس ” سدة الإمبراطورية الرومانية .

  يقول فرفريوس الصوري عن فترة الكتابة ، وعدد الرسائل التي كتبها المعلم إفلوطين :

بدأ إفلوطين في الكتابة ، في السنة الأولى من حكم كالينيوس ، وعن موضوعات أخذ النقاش يدور حولها . وحين وصولي لمقابلة إفلوطين ، كانت السنة العاشرة من الحكم (حكم الإمبراطور كالينيوس) . وقد بلغ مجموع ما ألفه إفلوطين إحدى وعشرين رسالة (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4) .

خامساً – كشف فرفريوس عن حقيقة هذه الرسائل التي كتبها الفيلسوف المعلم إفلوطين ، وبين مايحيط بها . فهي من ناحية رسائل مقيدة بطابعها الخاص ، ولذلك كان تداولها فيه تباطئ وحذر ، ونشرها كان يأخذ طابع السرية . وإن من حصل عليها قد خضع لتمحيص دقيق . ومن ناحية أخرى ، فإن هذه الرسائل كانت لا تحمل عناويناً لها . ولذلك كان كل فرد يقترح عناوين يعتقد مناسبة لها (أنظر : المصدر السابق) . ويقول فرفريوس معلقاً على عناوين الرسائل :

وأنا هنا إقتبستهم تحت عناوين وضعت لهم فيما بعد . وهذه العناوين ليست إلا  الكلمات الأولى التي تبدأ بها كل رسالة ، وذلك لتسهيل مهمة التعريف بهويتها

(فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق) . ونحسب إن عناويين الرسائل تعبر عن مضمون التساعيات . وهذه قصة سنقوم بتناولها في المحور اللاحق . كما إن هذه الرسائل (21 رسالة) لا تشكل إلا جزء من نشرة التساعيات المتداولة .

 كتاب التساعيات ومضمونها من زاوية تاريخية : ضم مضمون كتاب التساعيات ، موضوعات متنوعة درسها وكتب عنها الفيلسوف المعلم إفلوطين . فقد ذكرنا قبل قليل إلى إنه كتب إحدى وعشرين رسالة . وجاءت هذه الرسائل تعالج الموضوعات الآتية وحسب تسلسلها التاريخي (أي زمن التأليف) كما ورد بقلم فرفريوس الصوري :

1 – في الجمال (تسع 1 ميم 6 ) ونعني بذلك التساعية رقم 1 الميمر أو القسم رقم 6

2 – في خلود النفس (تسع 4 ميم 7)

3 – في الجبر (القدر) (تسع 3 ميم 1)

4 – في طبيعة (جوهر) النفس (تسع 4 ميم 2)

5 – في المبدأ العقلي ، في الأفكار ، وهي الموجود الحقيقي (تسع 5 ميم 9)

6 – في هبوط النفس إلى الأبدان (تسع 4 ميم 8)

7 – كيف ما بعد الأولي يصدر عن الأولي ؛ وفي الواحد (تسع 5 ميم 4)

8 – هل كل النفوس واحدة (تسع 4 ميم 9)

9 – في الخير أو في الواحد (تسع 6 ميم 9)

10 – في الأصول (المبادئ) الأولية الثلاثة (الشرح منا : المبادئ عند إفلوطين هي الواحد والعقل والنفس) (تسع 5 ميم 1)

11 – في أصل ونظام عالم ما بعد الأوليات (تسع 5 ميم 2)

12 – في نظامين للمادة (تسع 2 ميم 4)

13 – أسئلة متنوعة (تسع 3 ميم 4)

14 – في الحركة الدائرية (تسع 2 ميم 2)

15 – في روحنا الحارسة (تسع 3 ميم 4)

16 – في الهوامل من المعقولات (تسع 1 ميم 9)

17 – في الكيفية (تسع 2 ميم 6)

18 – هل هناك أفكار للجزئيات (تسع 5 ميم 7)

19 – في الفضائل (تسع 1 ميم 2)

20 – في الجدل (الديالكتيك) (تسع 1 ميم 3)

21 – لماذا توصف النفس بكونها وسيط بين الموجود الذي له أجزاء والموجود الواحد (تسع 4 ميم 1)

  وهنا أعاد فرفريوس إنتاج إفادته السابقة ، والتي أكد فيها على : إن هذه الرسائل الإحدى والعشرين ، كما قلت ، كتبها إفلوطين ، وكان عمره تسع وخمسين عندما قابلته لأول مرة (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4) .

  ويعترف فرفريوس بأن هناك القليل من المعلومات عن الفترة التي سبقت السنوات العشرة والتي حددها ” بالسنة الأولى والعاشرة من حكم الإمبراطور الروماني كالينيوس ”  . ولكنه يخبرنا كذلك ، بإنه كان متداولاً إن إفلوطين تمتع بإجازة صيفية ، إنخرط خلالها في مناقشات مع الأصدقاء . ويتذكر فرفريوس جيداً الأسئلة التي أُثيرت خلال مناقشات السنوات الست التي لازم المعلم إفلوطين وخصوصاً بعد إن توطدت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ . فيعلن عن رسائل جديدة ألفها إفلوطين قائلاً :

وهكذا توافرت قناعة لكل من إميليوس وأنا (أي فرفريوس) بأن إفلوطين كتب رسالتين أخريين يحملان الرقم 22 و23 والأولى كانت بعنوان ” الموجود الحقيقي هو كلي وموحد ” (تسع 6 ميم 4) . والثانية بعنوان ” الوحدة الذاتية للمتشابهات ” (تسع 6 ميم 5) (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 5) .

  وبعد ذلك مباشرة ألف إفلوطين رسالتين ؛

الأولى حملت الرقم 24 وكانت بعنوان ” إنه لا يوجد فعل عقلي في المبدأ ، يتعالى على الموجود الحقيقي ؛ وفي الطبيعة  فهناك فعل عقلي أولي وأخر ثانوي (تسع 5 ميم 6) .

والثانية حملت الرقم 25 وكانت بعنوان ” في الإمكان والواقع ” ( تسع 2 ميم 5) (المصدر السابق) .

 ويخبرنا فرفريوس بأنه جاءت مباشرة بعد كتابة هاتين الرسالتين ، عشرين رسالة  حملت الأرقام والعناوين الأتية :

26 – عدم إمكانية اللاجسمي (اللامادي) من معاناة الألم والشعور بالضرر (تسع 3 ميم 6)

27 – في النفس (الرسالة الأولى) (تسع 4 ميم 3)

28 – في النفس (الثانية) (تسع 4 ميم 4)

29 – في النفس (الثالثة) أو كيف نبصر (تسع 4 ميم 5)

30 – في التأمل (تسع 3 ميم 8)

31 – في الجمال العقلي (تسع 5 ميم 8)

32 – إن المعقولات لا توجد خارج المبدأ العقلي ؛ وفي الخير (تسع 5 ميم 5)

33 – ضد اللاأدريين (تسع 2 ميم 9)

34 – في الأعداد (تسع 6 ميم 6)

35 – لماذا تبدو الأشياء البعيدة صغيرة (تسع 2 ميم 8)

36 – هل تعتمد السعادة على طول الوقت (تسع 1 ميم 5)

37 – في الوحدة (أو الإتحاد) (تسع 2 ميم 7)

38 – في وجود الوفرة من الأفكار ؛ وفي الخير (تسع 6 ميم 7)

39 – في الإرادة الحرة (تسع 6 ميم 8)

40 – في العالم (تسع 2 ميم 1)

41 – في الحواس والذاكرة (تسع 4 ميم 6)

42 – في أنواع الوجود (الأولى) (تسع 6 ميم 6)

43 – في أنواع الوجود (الثانية) (تسع 6 ميم 2)

44 – في أنواع الوجود (الثالثة) (تسع 6 ميم 3)

45 – في الآبدية والزمن (تسع 3 ميم 7) .

ومن ثم يعلق فرفريوس :

وهكذا يكون في حوزتنا أربعة وعشرين رسالة ، تم تأليفها خلال السنوات الست التي لازمت فيها إفلوطين . والعناوين تدل على إن مثل هذه المشكلات قد أُثيرت في جلسات النقاش . وإذا أضفنا إليها الرسائل الإحدى والعشرين التي كتبها قبل وصولنا ، فإننا نمتلك خمس وأربعين رسالة (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ؛ الفقرة رقم 5) .

  ويضيف فرفريوس إليها خمس رسائل أخرى ، أرسلها إليه إفلوطين حينما كان يعيش (فرفريوس) في سيسلي . وجاءت بالشكل الآتي :

46 – في السعادة (تسع 1 ميم 4)

47 – في العناية (الإلهية) (الرسالة الأولى) (تسع 3 ميم 2)

48 – في العناية (الإلهية) (الثانية) (تسع 3 ميم 3)

49 – في الطبيعة (أو الجوهر) الواعي وصعود الكل (تسع 5 ميم 3)

50 – في الحب (تسع 3 ميم 5)

ويقول فرفريوس معلقاً على هذه الرسائل الخمس :

كتب إفلوطين هذه الرسائل الخمس ، وأرسلها إلي ، حيث كنت أعيش في سيسلي ، وقد كان حكم كالينيوس في السنة الخامسة عشر (فرفريوس الصوري المصدر السابق ، الفقرة رقم 6) .

   وبحسابات التاريخ وإعتماداً على رواية فرفريوس المتعلقة بحكم الإمبراطور الروماني كالينيوس . فإن السنة التي أرسل له الرسائل ، كانت 268م

أي قبل وفاة الأستاذ إفلوطين بسنتين (ومعلوم إن وفاته كانت في العام 270م) . ولكن هذه التواريخ لا تتناغم مع التواريخ التي ذكرها فرفريوس سابقاً ، وخصوصاً تاريخ لقائه الأول بالمعلم إفلوطين والذي حدث عندما كان إفلوطين في التاسعة والخمسين وبالتحديد في السنة العاشرة من حكم كالينيوس كما ذكر فرفريوس .(وإن حكم كالينيوس إستمر خمسة عشر سنة إمتدت من عام 253 وإلى موته في العام 268م) أي إن فرفريوس إستلم الرسائل الخمس قبيل موت أستاذه بسنتين .

ومن الثابت لدينا وفقاً لرواية فرفريوس إنه لازم إفلوطين في روما مدة ست سنوات ، وسافر إلى سيسلي وظل بعيداً عن الأستاذ مدة خمس سنوات ، وثم عاد إلى روما عندما سمع أخبار موت إفلوطين في العام 270 م . ويبدو لنا إن هناك مشكلة تاريخية ليس لها حل حسب رواية فرفريوس .

وللتبسيط نبينها بالشكل  الآتي :

 إنه قابل إفلوطين وكان عمر المعلم :

59 عاماً + 6 سنوات ملازمة في روما + 5 سنوات في سيسلي وعاد إلى روما عام 270 م وهو تاريخ موت المعلم إفلوطين والذي مات وعمره حسب رواية فرفريوس 66 عاماً .

والحقيقة إن عمر إفلوطين لحظة موته حسب التواريخ التي ذكرها فرفريوس أعلاه ، كان سبعين عاماً وليس كما ذكر فرفريوس الصوري .

أو حل التناقض بقبول الرأي القائل بأن هناك شك حول السنوات الست التي لازم فيها فرفريوس إفلوطين في روما . أو ربما إن فرفريوس وقع في خطأ عندما ذكر إنه عاش في سيسلسي مدة خمس سنوات أو إن فرفريوس أخطأ في حساب الفترتين ؛ فترة الملازمة في روما والفترة التي قضاها في سيسلي . ولذلك كله نحن نقتنع بأن فرفريوس مات عام 270 وعمره ست وستين عاماً وخلاف ذلك هو محض تقدير خاطئ للتواريخ من قبل فرفريوس .

 وبعيد سطر واحد فقط ، يقول فرفريوس ما نصه :

وتلك الرسائل الخمس ، قد أرسلها إفلوطين في السنة الأولى من حكم كلوديوس (وهو الإمبراطور الروماني كلوديوس الثاني (213 – 270) وكان إمبراطوراً من 268 وإلى 270) (المصدرالسابق) أي سنة 268 وهي سنة موت كالينيوس وصعود كلوديوس .

 ثم يتابع فرفريوس قائلاً : 

وفي الأشهر الأولى من السنة الثانية (من حكم كلوديوس ، أي عام 269) وقبيل موته بقليل (وللصدفة فإن الأثنين ؛ كلوديوس وإفلوطين ماتا في عام 270) إستلمت الرسائل الأربعة الآتية :

51 – في الشر (تسع 1 ميم 8)

52 – فيما إذا كان للنجوم فعاليات سببية (تسع 2 ميم 3)

53 – في الحي (أو الأحياء) (تسع 1 ميم 1)

54 – في السعادة (تسع 1 ميم 7) (المصدر السابق) .

وفي نهاية هذا الطرف من كتاب فرفريوس الصوري ” حياة إفلوطين وترتيب عمله ” ، بين حقيقتين :

الأولى – إن مجموع رسائل إفلوطين التي في حوزتنا الآن هي أربع وخمسين رسالة . وبلسان فرفريوس ” إذا أضفنا الرسائل التسع الأخيرة إلى الرسائل الخمسة والأربعين ، وهي رسائل المجموعتين الأولى والثانية ، فإن المجموع أربعة وخمسين ” (المصدر السابق) .

الثانية – إن رسائل إفلوطين تتفاوت في قوتها ودرجة نضوجها . وعلى هذا الأساس وزعها فرفريوس في ثلاث مراحل مرت بها عملية الكتابة الإفلوطينية ؛ أولاً رسائل المرحلة المبكرة ، والتي شملت الرسائل الإحدى والعشرين الأولى . وحسب رأي فرفريوس إنها كشفت عن قدرة بدرجات ما ، ودللت على صور من الذكاء . ولكنه لم يصل إلى درجات عالية من النضوج . مع قوة تصاحبها حساسية وتوتر. ثانياً رسائل المرحلة المتوسطة ، والتي ضمت رسائل المجموعة الثانية ، والتي تكونت من أربع وعشرين رسالة ، تميزت بالقوة العالية . ما عدا الرسائل القصيرة التي إتصفت بالكمال . ثالثاً رسائل المرحلة المتأخرة ، والتي تكونت من الرسائل التسع الأخيرة . وقد حملت هذه الرسائل شواهد على بداية الضعف في قوى إفلوطين العقلية . بل ويرى فرفريوس بأن هناك إختلافاً ملحوظاً حتى ما بين الرسائل الأربع الأخيرة مقارنة بالرسائل الخمسة التي تتقدم عليها . فمثلاً نلحظ إن الحماس كان أقل في الرسائل الأربعة الأخيرة مما هو عليه في الخمسة الأولى (المصدر السابق) . كان هذا هو تاريخ تأليف الرسائل التي كتبها المعلم إفلوطين ، والتي كونت محتوى كتاب التساعيات الستة حسب رواية فرفريوس . أما قصة الخطة التي إقترحها فرفريوس لترتيب كتاب التساعيات ، فهي موضوع المحور القادم . 

خطة فرفريوس في ترتيب كتاب التساعيات : في الفقرة الرابعة والعشرين من كتابه ” حياة إفلوطين وترتيب عمله ” أفصح فرفريوس عن خطته الشاملة في ترتيب كتاب التساعيات ومن ثم إعداده للنشر . وهذه الخطة تكشف عن رؤية التلميذ الأكاديمية العالية لعمل الأستاذ المعلم . وهنا نسعى إلى توفير بعض الحقائق المتعلقة بخطة فرفريوس ، وبالنقاط الآتية :

أولاً – يعلن فرفريوس بصراحة إن المعلم إفلوطين طلب منه أن يقوم بترتيب التساعيات ، وكان ذلك بالتحديد ” في حياة إفلوطين ” . وبالمقابل إن فرفريوس تعهد لإفلوطين ” والحلقة المحيطة به ، على إنه سيقوم بإنجازها ” (فرفريوس الصوري : حياة إفلوطين وترتيب عمله / الفقرة رقم 24) .

ثانيا – يعترف فرفريوس بأنه قام بمراجعة جميع رسائل المعلم إفلوطين . كما إنه ضمناً إعترف بأن هناك أمامه خيارين في الترتيب تقدمهما الرسائل بحد ذاته . الخيار الأول منطقي (أي هناك إمكانية لترتيبها وفق الإعتبارات المنطقية أو التتابع المنطقي) . والخيار الثاني تاريخي زمني (اي ممكن ترتيب الرسائل وفقاً لزمن كتاباتها) . والذي حدث إن فرفريوس أهمل الخيارين ، فلم يأخذ بالتتابع المنطقي ولا بتاريخ كتابة الرسائل معياراً منهجياً في الترتيب (المصدر السابق) .

  حقيقة إن نشرة فرفريوس قد تجاهلت التاريخ الذي كتب فيه إفلوطين رسائله . والتاريخ مفتاح مهم في فهم درجات التطور والنمو الفلسفي الواقع خلال عملية التأليف . وهذه مسألة مهمة قد لا يجدها الباحث في نشرة فرفريوس لكتاب التساعيات . ولكن فرفريوس وفر لنا بنفسه فرصة لقراءة التساعيات من وجهة نظر تاريخية ، خصوصاً في الفقرات الرابعة والخامسة والسادسة من كتابه حياة إفلوطين وترتيب عمله (أنظر المحور السابق من هذا البحث) .

ثالثاً – إعترف فرفريوس بصدق بأنه بعد إن أهمل الخيارين ؛ التتابع المنطقي للرسائل ،  وتاريخ كتابتها ، فأنه أخذ وتابع المنهج المتوافر في بعض النصوص السائدة . فقد كانت أمام ناظريه حالات تشبه حال مؤلفات إستاذه إفلوطين . وقد رتبها ونشرها تلاميذ وحواريين مثل حال فرفريوس الصوري . وحقيقة إن فرفريوس قدم لنا كشفاً عن هذه المؤلفات . منها أعمال الشاعر اليوناني ” باكروس ” (عاش مئة عام وللفترة مابين 550 و450 ق.م ، وقد جاء ذكره عند إفلاطون في محاورة جورجياس ، وعند أرسطو في كتاب الشعر . أنظر: أم برنارد ؛ تاريخ كيمبريدج للأدب الكلاسيكي (الأدب اليوناني) 1985 / الفصل الثاني عشر ، ص 367)  . والتي قام بنشرها المؤرخ الإسكندراني – الأثيني ” أبلودورس ” في عشرة مجلدات (ولد عام 180 ومات بعد عام 120 ق.م ، وهو عالم نحوي وباحث يوناني ، وكان من طلاب الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي (الرواقي ورئيس المدرسة الرواقية في أثينا ، وأبلودورس هرب من الأسكندرية وإستقر في أثينا . أنظر: سيمون هورن بلور : أبلودورس الأثيني ؛ معجم أكسفورد الكلاسيكي ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1996 ، 124 وما بعد) .

  وكذلك كانت أمام أنظار فرفريوس أعمال الفيلسوف أرسطو (384 – 322 ق.م) وأعمال خليفته على المدرسة المشائية الفيلسوف المشائي ثيوفروتس (371 – 287 ق.م) والتي قام بتصنيفها ونشرهما على أساس الموضوعات الفيلسوف المشائي إندرنيقوس (إزدهر عام 60 ق.م ، وهو فيلسوف من رودس ، ورئيس المدرسة المشائية في روما حوالي عام 58 ق.م أنظر: هيك كسهولم ؛ الموسوعة البريطانية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريج 1911 ، ط 11) .

  وفعلاً فإن كل من أبلودورس وإندرنيقوس قد وفرا سوية نصوصاً رتبت ونشرت على أساس الموضوعات . وهذا المنهج سيتبناه فرفريوس الصوري ويشتغل عليه في ترتيب ونشر رسائل المعلم إفلوطين . يقول فرفريوس صراحة :

  لقد تبنيت خطة مشابهة (فرفريوس الصوري : المصدر السابق) .

أما عن خطته في ترتيب ونشر التساعيات ،  والتي ركز الحديث عنها في الفقرات الثلاثة الأخيرة من كتابه حياة إفلوطين وترتيب عمله ، وهي الفقرات الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين والسادسة والعشرين ، فيقول بلسانه :

كانت رسائل إفلوطين الرابعة والخمسين أمامي ، فقمت بتقسيمها إلى ست مجموعات . وكل مجموعة تألفت من تسع رسائل . وهو ترتيب أسرني كثيراً ، وذلك لأنها سعادة مرتبطة بالتكامل ما بين العددين 6 و 9 . وكل تساعية عالجت موضوع واحد

وبصورة عامة . ولهذا تميزت النشرة ببساطة في تقديم موضوعات الرسائل (المصدر السابق) . وهكذا كانت هناك تساعية عالجت موضوعات الأخلاق ، وأخرى ركزت على الفيزياء … وهذا ما سنبينه بالشكل الذي رتبه فرفريوس الصوري :

التساعية الأولى : وإعتماداً على الخطة ، فأن معظم رسائل هذه التساعية تركز على الأخلاق ، وهي :

1 – في الحي والإنسان

2 – في الفضائل

3 – في الجدل

4 – في السعادة

5 – هل السعادة تعتمد عل طول الوقت

6 – في الجمال

7 – في الخير الأولي والأشكال الثانوية للخير

8 – في الشر

9 – في هوامل المعقولات من الحياة

التساعية الثانية : وهي ذات طبيعة فيزيائية ، وتتكون من رسائل حول العالم وما يتعلق به . وهي :

1 – في العالم

2 – في الحركة الدائرية

3 – هل للكواكب تأثيرات سببية

4 – في نظامي المادة

5 – في الإمكانية والواقعية

6 – في الكيفية والصورة

7 – في الوحدة (أو الإتحاد)

8 – لماذا تظهر الأشياء البعيدة صغيرة

9 – ضد الذين يدعون إن خالق العالم ، والعالم ذاته هما شران

التساعية الثالثة : وهي إستمرار لموضوع العالم ، وتتضمن معالجة فلسفية لبعض مظاهره . وهي :

1 – في القدر

2 – الرسالة الأولى في العناية

3 – الرسالة الثانية في العناية

4 – في أرواحنا الحارسة

5 – في الحب

6 – في عدم إمكانية اللامادي من الشعور بالألم

7 – في الزمن والأبدية

8 – في الطبيعة ، والتأمل والواحد

9 – أسئلة متنوعة (المصدر السابق) .

  قدم فرفريوس في الطرف الأول من الفقرة الخامسة والعشرين ، بياناً كشف فيه الأسباب ، وعرض التبريرات التي حملته على نقل بعض الرسائل إلى التساعيات  الثلاثة الإولى . فيقول :

إن التساعيات الثلاثة الأولى تؤلف وحدة منسجمة . فمثلاً إن رسالة في أرواحنا الحارسة ، قذ نقلت إلى التساعية الثالثة ، وذلك بسب إن الروح لم تعالج كموضوع بحد ذاته ، وإنما جاءت مقالة تصنف تحت مضمار أصل الإنسان . والشئ ذاته فيما يتعلق برسالة في الحب . أما رسالة في الزمن والأبدية ، فقذ نقلت إلى التساعية الثالثة بسبب إنها ركزت على الزمن . والحال كذلك بالنسبة لرسالة في الطبيعة ، والتأمل والواحد ،فكان نقلها بسبب تركيزها على الطبيعة ( المصدر السابق ، الفقرة رقم 25) .

  أما التساعيتان الرابعة والخامسة ، فلهما قصة أخرى . وهذا ما سيتم معالجته .

التساعية الرابعة : وتتضمن رسائل عالجت موضوع النفس . وهي :

1 – في جوهر النفس (رسالة رقم 1)

2 – في جوهر النفس (رسالة رقم 2)

3 – أسئلة متعلقة بالنفس (رسالة رقم 1)

4 – أسئلة متعلقة بالنفس (رسالة رقم 2)

5 – أسئلة متعلقة بالنفس (رسالة رقم 3)

6 – في الحواس والذاكرة

7 – في خلود النفس

8 – في هبوط النفس إلى الأجسام

9 – هل النفوس واحدة (فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 25) .

التساعية الخامسة : وتكونت من عدة رسائل درست مضمار النفس ؛ منها رسائل ركزت على المبدأ العقلي . وفيها معالجة لصعود الكل إلى المبدأ العقلي في النفس ، وإلى الأفكار . وهي :

1 – في الأصول (المبادئ) الثلاثة الأولية (الشرح منا : وهي عند إفلوطين : الواحد ، العقل والنفس)

2 – في أصل نظام عالم ما بعد الأوليات

3 – في الطبيعة (أو الجوهر) الواعي وصعود الكل

4 – كيف يصدر ما بعد الأولي عن الأولي ، وفي الواحد

5 – إن المعقولات لا توجد خارج المبدأ العقلي ، وفي الخير

6 – إنه لا يوجد فعل عقلي يتعالى على الموجود الحقيقي ، وفي الطبيعة فهناك فعل عقلي أولي وأخر ثانوي

7 – هل هناك أفكار للجزئيات

8 – في الجمال العقلي

9 – في المبدأ العقلي ، في الأفكار ، والموجود الحقيقي (المصدر السابق )

ومن ثم يعلن فرفريوس بأنه رتب التساعية الرابعة والخامسة على أساس إنهما يبحثان في مضمار واحد (المصدر السابق ، الفقرة رقم 26) . ووفقاً لفرفريوس فإن التساعية السادسة تؤلف لوحدها مضماراً مستقلاً . وعلى هذا الأسس ذهب إلى إن عمل إفلوطين برمته يتوزع تحت ثلاثة مجالات ؛ الأول ضم التساعيات الثلاثة الأولى . والثاني تكون من التساعية الرابعة والخامسة . والثالث جاء ليشمل التساعية السادسة (المصدر السابق) .

التساعية السادسة : ونود هنا أن نلفت أنظار القارئ إلى إن أرباكاً قد أصاب أرقام أقسام أو ميامر التساعية السادسة أو ترتيب رسائلها . ففعلاً قد وقع خطأ في ترتيب الرسالة الأولى والتي تبحث في أنواع الوجود ففي الترتيب التاريخي منحها رقم 6 (ومنح رقم 6 لرسالة في الأعداد كذلك والتي جاءت في الترتيب التاريخي تحمل الرقم 34). ولعل الخطأ أصبح واضحاً وهو إن الرسالة الأولى في أنواع الوجود كان من المفروض أن تحمل الرقم 1 بدلاً من 6 الذي سبب الأرباك . وفعلاً إن فرفريوس في خطته الخاصة في ترتيب التساعية السادسة منحها الرقم 1 . ونحسب إن الخطأ وقع في الترتيب التاريخي (ولذلك ندعو القارئ والباحث إلى مقارنة الترتيب التاريخي للرسائل التي تحمل الأرقام 42 ، 43 ، 44 ، والخطأ وقع في رقم رسالة 42 . وقارن ذلك بمكونات التساعية السادسة ، الفقرة رقم 26 من كتاب فرفريوس ؛ حياة إفلوطين وترتيب عمله). ويبدو لنا إن فرفريوس أدرك هذا الإرتباك ولكنه حله بدمج رسائل أنواع الوجود الثلاثة في ثلاثة أرقام متتالية (1 ، 2 ، 3)  .

 وتكونت التساعية السادسة حسب ترتيب فرفريوس ، من الرسائل الأتية  :

1 ، 2 ، 3 – في أنواع الوجود . وأفضل العودة إلى الترتيب التاريخي ووضعها بما ينسجم وخطة فرفريوس التي خرج عليها هنا وبالشكل الآتي :

1 – في أنواع الوجود (الرسالة الأولى)

2 – في أنواع الوجود (الرسالة الثانية)

3 – في أنواع الوجود (الرسالة الثالثة)

ومثلما حدث مع الرسائل الثلاث الأولى ، حدث مع الرسالة الرابعة والخامسة والتي دمجهما معاً وبالشكل الآتي :

4 ، 5 – الموجود الحقيقي كلي وواحد ، والوحدة الذاتية للمتشابهات (وفي الترتيب التاريخي جاءتا مستقلتين (أنظر الترتيب التاريخي أعلاه ، وبالتحديد الرسائل التي تحمل الأرقام : 22 ، 23 والذي نهض على إتفاق بين فرفريوس وإميليوس تلميذ إفلوطين لمدة ثمانية عشر سنة قبل أن يأتي فرفريوس إلى روما ويقابل إفلوطين . إن دمجهما معاً يثير سؤال مهم يتعلق بمصداقية رواية فرفريوس حول الإتفاق بينه وبين إميليوس . ويبدو هنا إن فرفريوس تخلى عن قواعد الإتفاق . وهذه مسألة ثانية تثير الحيرة ؛ فهناك ضاع دفتر ملاحظات إميليوس ، وهنا تخلى فرفريوس عن الإتفاق بينهما في تحديد هوية الرسالة 22 و الرسالة 23 وهي الرسائل التي كتبها إفلوطين عندما تمتع بإجازة صيفية حسب إميليوس الحاضر وفرفريوس الغائب) . ونحن نفضل العودة إلى الترتيب التاريخي ، وترتيبهما حسب خطة فرفريوس في ترتيب رسائل التساعية السادسة وبالشكل الآتي :

4 – الموجود الحقيقي كلي وواحد

5 – الوحدة الذاتية للمتشابهات

6 – في الأعداد

7 – في وجود الوفرة في الأفكار ، وفي الخير

8 – في الإرادة الحرة ، وإرادة الواحد

9 – في الخير أو في الواحد (المصدر السابق ، الفقرة رقم 26) .

   وفي ختام الفقرة رقم 26 من كتاب فرفريوس الصوري ” حياة إفلوطين وترتيب عمله ” ، أعلن فرفريوس عن بعض الأفكار البالغة الأهمية ، والمتعلقة بدوره في ترتيب كتاب التساعيات ، والإضافات التي ضمها إليه ، ووضع الشروح عليها . كما إنه صرح بأن في ترتيب رسائل التساعيات ، عاد إلى الترتيب التاريخي . ومن ثم راجع عمل إفلوطين بشكل شامل ، ووضع الفواصل بين جمل النص ، وصحح بعض الأخطاء في الأفعال . فقال :

وهكذا فإن ما قمت بترتيبه من (عمل إفلوطين برمته) أربع وخمسين رسالة . وقمت بترتيبها في ست مجموعات ، وكل مجموعة ضمت تسع رسائل . وقد أضفت لبعض الرسائل شروحاً معمقة ، وذلك إستجابة لطلب الأصدقاء ، وسؤالهم عن إيضاح هذه النقطة أو تلك . وأخيراً وضعت موجزاً لكل رسالة من مجموع رسائل إفلوطين (ما عدا رسالة في الجمال) . وقد رتبت الرسائل إعتماداً على المنهج التاريخي . وسيجد القارئ إضافة إلى الموجزات ، نمواً وتطوراً . كما أني إتبعت المنهج التاريخي في ترقيمها . ومن ثم قمت بمراجعة العمل برمته ، فوضعت الفواصل (الفوارز) وصححت الأخطاء في الأفعال وما ورد في النص . والقارئ سيلاحظ ذلك بنفسه (فرفريوس الصوري ؛ حياة إفلوطين وعمله ، الفقرة رقم 26) .

  ولعل من الملفت للنظر إن النشرات المعاصرة لكتاب التساعيات ، قد إستسلمت لرؤية التلميذ فرفريوس  ، ولم تتمكن أن تتجاوز خطته المنهجية الأكاديمية العالية قيد أُنملة على الإطلاق ، سواء  في نشرته اليونانية (ومعلوم إن المعلم والتلميذ كانت ثقافتهم ولغتهم اليونانية) أو الترجمة الإنكليزية . فمثلاً نشرها باليونانية الأستاذ ” كيرشوف ” في لايبزك عام 1856 . كما نشره باليونانية مع ترجمة مقابلة بالإنكليزية وشروح مضافة الأستاذين ستيفن ماكينا وب. أس بيج ، وبعدة مجلدات وللفترة الواقعة ما بين عامي 1917 و 1930 . ثم توالت النشرات لأجزاء من التساعيات وتحت عناوين منتخبة من نشرة فرفريوس الأصلية الأولى . حقيقة إن أقل ما يقال عن التساعيات إنها موسوعة فلسفية كبيرة عكست تطورات فلسفية ، أسهم فيها نومنيوس الأفامي السوري ، وأمونيوس ساكس الإسكندراني ، وتتوجت في رسائل هذه الموسوعة التي كتبها إفلوطين ، والتي لعب التلميذ البار فرفريوس الصوري ، دوراً غير إعتيادي في جمعها ، وترتيبها ووضع الشروح لها ، وكتابة مقدمة لها   .

   فعلاً لقد كانت التساعيات الإنجيل الروحي للحركة الفلسفية الجديدة التي سيقودها التلميذ فرفريوس الصوري بعد موت الأستاذ ، والذي كان يحمل الأمل في قلبه وضميره في قيام هذه الحركة – المدرسة الفلسفية التي ستملأ القرون الثالث والرابع والخامس .. وحتى إغلاق جوستنيان لمدارس الفلسفة عام 529م ، وإتهام الفلاسفة بالهرطقة ، ومن ثم طردهم خارج الإمبراطورية .. ورغم فعل جوستنيان السلبي على الفلسفة والفلاسفة ، فإن أثر الحركة الفلسفية التي ولدها كتاب التساعيات إمتد إلى عصر النهضة (الرينسانس) الإيطالية على أقل تقدير ، والتي سيطلق عليها كتاب العصر الحديث إصطلاح الإفلاطونية المحدثة * . 

ـــــــــــــــــــــــــــ

  * هذا هو أصل التساعيات التي كتبها إفلوطين أو ” الشيخ اليوناني ” كما يطلق عليه العقل العربي الإسلامي في عصور ما يسمى بالوسطى . ولكن الذي وصل إلى دائرة التفكير الفلسفي العربي الإسلامي في المشرق ، بعض من التساعيات تحت عنوان منحول ، أو كتاب منحول هو أثولوجيا أرسطو . وتعامل الفلاسفة (لكندي والفارابي وإبن سينا .. ) أو ما أطلق عليهم خطأً بالفلاسفة الإسلاميون المشائيون ، على إنه كتاب ألفه فيلسوف إسطاغيرا . وخصوصاً الفارابي الذي قارب على أساسه بين الحكيمين أرسطو وإفلاطون ، وبين الفلسفة والشريعة أو العقل والوحي . ولعل كتاب الفارابي ” الجمع بين رأيي الحكيمين ” شاهد على دور المنحول في مشروع الفارابي الفلسفي العتيد . 

ــــــــــــــــــــــــــــ

الحواريون الإفلوطينيون أو الأخوية الإفلوطينية

   يبدو إنه بتأثير الفيثاغورية أو الفيثاغورية الجديدة ، تطلع إفلوطين بعد وصوله إلى روما إلى إنشاء أخوية مشابهة للأخوية الفيثاغوري . وفعلاً إن القارئ لكتاب فرفريوس الصوري حياة إفلوطين ، يلحظ إن الأخوية الإفلوطينية ضمت عدداً من الحواريين الذين عاشوا معاً وبالقرب من المؤسس إفلوطين ، حتى سجلت الروايات التي نقلها لنا فرفريوس إنتقال الملكية بينهم . وفعلاً فقج إنتقل الأرث بينهم بعد وفاة واحد منهم إلى الأخر ، خذ مثلاً ما حدث بين الثري الإفلاطوني المحدث كاستركيوس والفيلسوف الإفلاطوني المحدث زيثوس العربي  ، ومن ثم تجدد هذا التقليد بين زيثوس العربي وشيخه إفلوطين ، وأصبح ذلك تقليداً إفلوطينياً تجدد بين إفلوطين وفرفريوس الصوري وعدد أخر من الحواريين الإفلوطنيين .

   ومن الحواريين الإفلاطونيين إميليوس ، وهو فيلسوف إفلاطوني مُحدث وكاتب (من النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي) . وهو في الأصل سوري من أفاميا ، وكان تلميذاً للفيلسوف الرائد في تاريخ الإفلاطونية المحدثة نومنيوس الآفامي (وكان فيثاغورياً محدثاً بالأصل) . ومن ثم بدأ إميليوس بحضور محاضرات إفلوطين في السنة الثالثة من قدوم إفلوطين إلى روما ، ولم يتركه حتى وفاته . ومن ثم عاد إلى أفاميا . ووفقاً لرواية فرفريوس الصوري ، التي أودعها في كتابه حياة إفلوطين ، فإنه كان كثير القراءة ، ومواكباً بجد على الكتابة المستمرة ، حتى قيل إنه كتب مئة مجلداً من الأحاديث والشروح . ولكنها مع الأسف ضاعت ولم يبقى منها شيئاً .

   والحقيقة إن إميليوس له أهمية في تاريخ الحوارية الإفلوطينية خاصة والإفلاطونية المحدثة عامة . فهو الذي أقنع فرفريوس الصوري بصدق رسالة إفلوطين ، وسلامة مبادئه ، ومن خلاله أصبح فرفريوس حواراياً مقرباً من حواري إفلوطين  . وكلاهما (إمليوس وفرفريوس) عملا سوية على إغراء إفلوطين وحمله على تدوين أفكاره الفلسفية . ولعل الأهمية البالغة لإميليوس ، هو إنه تلميذ سابق للفيلسوف نومنيوس الآفامي وحواري للفيلسوف إفلوطين ، ولذلك كانت له سلطة معرفية عندما قام بالدفاع عن فلسفة إفلوطين ضد القائلين بأنها تعود إلى نومنيوس الآفامي . ولهذا كتب أربعين كتاباً فند فيها االإدعاءات التي تذهب إلى نومنيوس هو المؤلف الحقيقي لمبادئ إفلوطين (للتفاصيل أنظر : فرفريوس الصوري ؛ حياة إفلوطين ، ترجمة ستيفن ماكينا ، نشرة جمعية ماديشي 1917 ، الفقرات من 2 – 18) .

  ومن حواري إفلوطين فرفريوس الصوري (أنظر المحور المعنون : فرفريوس الصوري : الإفلاطونية المحدثة العلمانية) ، وكاستركيوس فارميوس ، وهو إفلاطوني محدث من القرن الثالث ، وكان حوارياً للمؤسس إفلوطين ، وترك تأثيراً على الجماعة الإفلوطينية ، وذلك لكونه ثرياً ويمتلك ضياعات وبنايات في الريف . وعالباً ما كان إفلوطين وصديقه الفيلسوف زيثوس العربي (من أصول عربية وفقاً لرواية فرفريوس) يمكثان فيها ويشاركانه العيش فيها . ولما مات كتب وصية  بأن تتحول ملكيتها إلى زيثوس العربي . وفرفريوس في كتابه حياة إفلوطين ، يُعلي من  مكانته بين الحواريين الإفلوطينيين . وهو محسن للجميع ، وكان يحترم إفلوطين ويجله ، وكرس حياته لخدمة الجميع ، وخصوصاً صديقه المخلص الإفلاطوني المحدث إميليوس . ويتذكر فرفريوس علاقتهما ، فيقول ” كان كاستركيوس مخلصاً لي ، وينظر لي كأخ حميم له ” (أنظر : فرفريوس الصوري ؛ المصدر السابق ، الفقرات 1 – 5 ، 7 ، 10 ، 16 – 22) .           

  وكذلك كان أوستكيوس الإسكندراني (من القرن الثالث الميلادي) ، من الحواريين الإفلوطينيين ، وهو فيلسوف إفلاطوني محدث ، وتلميذ للفيلسوف إفلوطين . وقد تحدث عنه فرفريوس الصوري في كتابه حياة إفلوطين ، فيقول : ” إنه كان من الأصدقاء المقربين ، وهو طبيب ، وجاء ليتحقق من رأي إفلوطين في قضية نهاية الحياة ، وظل ملازماً له حتى وفاته ، وكرس أوستكيوس نفسه ووقته لدراسة النظام الفلسفي ، الذي صاغه إفلوطين ، ومن ثم أصبح فيلسوفاً محترماً ” (أنظر : المصدر السابق ، الفقرتين رقم 2 و7) .

 وكانت في دائرة الحواريين الإفلوطينيين ، شخصيات سياسية مرموقة في عصرها ، منهما السنتورين ماركليوس أورنتيوس وسبينليوس ، وذكرهما فرفريوس في كتابه سابق الذكر ، من بين حواريي إفلوطين ، وكانا من فلاسفة الإفلاطونية المحدثة في القرن الثالث الميلادي . وقال عنهما فرفريوس : ” وكانا حواريان لإفلوطين ، ومن بين عدد من السنتورات المتميزين ، الذين حضروا محاضرات إفلوطين ، وكانا مشغولان بجد بالدراسات الفلسفية ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 6) .

  ولعل الطبيب الثالث في الإخوة الإفلوطينية ، هو الفيلسوف الإفلاطوني المحدث بولينس (من القرن الثالث الميلادي) . وقد جاء الكلام عنه في كتاب فرفريوس الصوري ، فقال : ” وكانت الجماعة (أي الإلوطينية) تضم بولينس ، وهو طبيب من بيسان (شمال فلسطين) . وكان إميليوس يدعوه دائماً باليونانية ميكلوس ، إشارة إلى حالته العقلية الشاردة . ومات بولينس قبل إفلوطين بزمن قصير” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 7) .

  وكان السنتور الثالث في الإخوة الإفلوطينية ، هو السنتور روكتيانس ، وهو فيلسوف إفلاطوني محدث (من القرن الثالث الميلادي) . والحقيقة إن رواية فرفريوس عنه ، وضعتنا وجه لوجه أمام التكوين الداخلي للإخوة الإفلاطوني ، والنظام السائد فيها أو طريقة حياة الإخوة الإفلاطونية . وفي كلا الحالتين ، نلحظ بوضوح أثر الفيثاغوري أو الفيثاغورية الجديدة ، خصوصاً في قضية الزهد في الطعام . كما ونلحظ صدى قوي للنزعة الكلبية ، والتي تمثلت في تخلي السنتور عن كل عناوينه السياسية المرموقة ، وتوزيع ممتلكاته ، وتفضيل العيش مع الجماعة الإفلوطينية ، والقبول بوجية غذائية واحدة كل يومين .

   ولنترك فرفريوس الصوري وروايته تتكلم عن شخصية السنتور روكتيانس ، والتحولات التي حدثت في حياته . يقول فرفريوس : ” وكان من بين حواري إفلوطين ، سنتوراً أخراً ، هو روكتيانس ، والذي كان من الطامحين السياسيين . ولكنه تخلى عن كل ذلك ، ووزع ممتلكاته ، وتنازل عن عبيده ، وتنكر لكل مظاهر الحياة (مثل الكرامة) ، وتخلى عن مكانته العالية في القضاء الإمبراطوري الروماني … وهجر حتى بيته ، وصرف وقته هنا (أي في الأخوة الإفلوطينية) مع أصدقائه ومعارفه ، ينام ويأكل معهم ، ويتناول وجبة غذائية واحدة كل يومين ، وأصبح واهناً شاحباً ، يُحمل على كرسي . إلا إن هذا النظام الغذائي الصارم ، جدد صحته ، وكان قبل ذلك عاجزاً على تحريك ذراعيه ، فتعافى وأصبح قادراً على إستعمالهما في العمل البدني الشاق . وكان موضوع إحترام وتقدير إفلوطين ، ويعتبر مثالاً عالياً لكل من يتطلع للعيش وفقاً لمبادئ الحياة الفلسفية ” (المصدر السابق) .

  وتنوعت شخصيات الإخوة الإفلوطينية في أحاديث فرفريوس ، وهو يتحدث عن الحواريين الإفلوطينيين ، فمنهم مثل روكتياس من تحول إلى مثال أو موديل ، ومنهم من حاول وتعثر في الوصول إلى المثال الإفلوطيني المطلوب . وكانت شخصية سوربين تجسد الحالة الثانية ، ونشعر في كلام فرفريوس ، نقداً وتقويماً لشخصية الإفلاطوني المحدث سوربين ، الذي كان فيلسوفاً إفلاطونياً محدثاً (من القرن الثالث الميلادي) وتلميذاً للفيلسوف إفلوطين . يقول فرفريوس الصوري : ” وكان هناك سوربين الإسكندراني ، الذي بدأ حياته المهنية خطيباً ، ومن ثم تحول إلى الفلسفة . إلا إنه لم يتمكن من دحر رذائل الطمع والربا ” (المصدر السابق) .

 أما الحواري زيثوس ، فكانت له مكانة خاصة عند المؤسس إفلوطين . وهو حوارياً لإفلوطين وفيلسوفاً إفلاطونياً محدثاً (من القرن الثالث الميلادي) ، ويُطلق عليه لقب زيثوس العربي (وذلك لأصوله العربية كما ذكر ذلك فرفريوس الصوري) . وتكلم عنه فرفريوس في كتابه حياة إفلوطين ، فقال : ” وصديق أخر هو زيثوس العربي (من إصول عربية) ، وتزوج من بنت ثيودسيوس ، وهو صديص لأمونيوس ساكس ، وزيثوس كان طبيباً ، وإفلوطين تعلق به كثيراً ، وسعى الأخير إلى تحويل إهتماماته السياسية ، وكانت له مكانة عالية عند إفلوطين ، وصرف معظم حياته مع زيثوس ، حيث كانا يقضيان وقتهما سوية في ضيعة ريفية ، هي في الأصل من ممتلكات الثري كاستركيوس فارميوس ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 2 ، 7) .

  والحبة الأخيرة من عنقود الأخوية الإفلوطينية ، هو الحواري زوتكس ، وهو فيلسوف إفلاطوني محدث (من القرن الثالث الميلادي) وتلميظ للفيلسوف إفلوطين .  وقد جاء ذكره في كتاب فرفريوس حياة إفلوطين ، فوصفه قائلاً : ” كان زوتكس ناقداً وشاعراً ، وهو الذي أصلح النص الذي كتبه النحوي والشاعر اليوناني إنتيماكوس (منا : هو من كولوفون وإزدهربحدود 400 قبل الميلاد ، ومن أعماله الملحمية طيبا (للتفصيل أنظر : ج . ف . ماثيوس ؛ إنتيماكوس : نص وشرح ، نشرة بريل ، ليدن 1996)) . وكتب زوتكس قصيدته المشهورة إطلانطس . وأصيب بالعمى ومات قبل إفلوطين بزمن قصير ” (فرفريوس الصوري : حياة إفلوطين ، الفقرة رقم 7) . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (4)

فرفريوس الصوري : الإفلاطونية المحدثة العلمانية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    صحيح جداً إن مؤسس الإفلاطونية المحدثة ، هو الفيلسوف الإسكندراني ” أمونيوس ساكس ، والذي لم يترك سوى دروساً شفهية ، ظل لها صدى في كتاب ” التساعيات ” الذي كتبه إفلوطين الفيلسوف الروحي للإفلاطونية المحدثة ، والذي تركه متناثراً على شكل رسائل دون أن يرى النور . وهذه النقطة جداً مهمة في تاريخ فلسفة إفلوطين خاصة وتاريخ الإفلاطونية المحدثة عامة . وهذا ما نسعى إلى بيانه من خلال بحثنا في سيرة الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري .

  ونحسب في البداية أن نخبر القارئ العربي ومن خلاله نخبر الباحث في المضموم في تاريخ الفلسفة اليونانية ، بأن هذا البحث كتب من زاوية المصادر الإنكليزية وما ترجم إليها . كما نحسب على الأقل إن هذا البحث ، هو محاولة رائدة في مضمار تاريخ الفلسفة اليونانية في دارنا الثقافة العربية . خصوصاً بعد إن تم إستهلاك المصادر الكلاسيكية التي ترجمت أو تم تأليفها في النصف الأول من القرن العشرين . ولعل السؤال المفتاح : من هو فرفريوس الصوري ؟ وما هي مؤلفاته ؟  

    ولد فرفريوس الصوري (233- 305  والبعض يرى 309 م تقريباً) في مدينة صور اللبنانية . وهوأول فيلسوف يوناني يمثل الفلسفة الإفلاطونية المحدثة بشكل فلسفي إصطلاحي وتاريخي في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي . صحيح جداً إنه جاء من أسرة فينيقية (أنظر: أ. باركر ؛ فرفريوس ، منشور في معجم أكسفورد الكلاسيكي ، ط 3 ، 2003 ، ص ص 1226- 1227) إلا أن تكوينه الثقافي ومن ثم الفلسفي كان يونانياً هيلينستياً خالصاً .

  فمن الملاحظ  على المصادر التي تتحدث عن حياة فرفريوس إنها تقدمه تلميذا للناقد الفلسفي والخطيب الهيلينستي ” كاسيوس لونكنس ” (213- 273 م) . ولونكنس في الأصل من حمص- سوريا ، درس في الإسكندرية تحت يد الفيلسوف  ” أمونيوس ساكس ” (عاش في القرن الثالث الميلادي) المؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة . ومن ثم إستقرلونكنس في آثينا .  ولم يعتنق الإفلاطونية المحدثة التي سيعمل إفلوطين على تطوير أسسها الفلسفية لاحقاً ، وظل لونكنس مؤمناً بالإفلاطونية بشكلها القديم . ومن ثم ترك آثينا وتوجه نحو الشرق ، وأصبح من كبار مستشاري الملكة زنوبيا الذي نصحها بالإستقلال وعملت على توسيع إمبراطوريتها (260- 263) التي ضمت بالإضافة إلى سوريا مصر وأجزاء من أسيا الصغرى .. (أنظر سودا : الموسوعة البيزنطية (كتبها في القرن العاشر الميلادي) ، مادة لونكنس ) .

  علم الأستاذ لونكنس مدة ثلاثين عاماً في أثينا ، وكان فرفريوس واحداً من طلابه. ويقال إن لونكنس هو الذي أطلق عليه الإسم فرفريوس (والذي يعني لباس الإرجوان) وهو دلالة على (سحنة فرفريوس) أو لون الرداء الإمبراطوري الذي كان يرتديه. تلقى فرفريوس من الأستاذ لونكنس دروساً في ” قواعد اللغة ” وفي ” الخطابة ” . وفعلاً فأن هذه الدروس ستلعب لاحقاً دوراً فاعلاً في تطوير أدواته النقدية وأساليبه ، خصوصاً في نقد الفكر الديني للديانات الثلاثة : الزرادشتية ، اليهودية والمسيحية (والنقد التاريخي للأناجيل) حصراً . وبالتحديد في نصوصه الثلاثة المتفردة : الفلسفة من الوحي ، المشكلات في نصوص هوميروس ، وضد المسيحيين

   ومن ثم  قرر فرفريوس الرحيل إلى روما ، متطلعاً للقاء بالفيلسوف إفلوطين (204- 270 م) الذي ذاعت سمعته دوائر الفكر الفلسفي في عالم الثقافة الهيلينستية يومذاك (للإطلاع على فلسفة إفلوطين ودور فرفريوس في نشرها ، أنظر الكتاب الممتاز الذي كتبه الأستاذ كيفن كوركن ؛ قراءة إفلوطين : مدخل إلى الإفلاطونية المحدثة ، نشرة مطبعة جامعة بوردو 1995) .

  لقد رهن فرفريوس حياته بعد لقائه بإفلوطين ، على دراسة الأسس الفلسفية للمشروع الإفلاطوني المحدث . وفعلاً خصص ست سنوات لدارسة هذا المشروع ، ونحسب من خلال دراسة رسائل إفلوطين والدروس الشفهية للمؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة أمونيوس ساكس والتي ظل لها حضور وصدى في كتابات ومحاضرات تلميذه إفلوطين . كان الحاصل من هذه الدراسة المركزة والطويلة ، نتائج درامية ؛ فقد أخذت صحة فرفريوس بالإعتلال والتدهور المستمرين ، ومن ثم تطورت إلى محاولات للإنتحار . وهنا تدخل الفيلسوف إفلوطين ونصح تلميذه فرفريوس بالرحيل إلى مدينة سيسيلي الأيطالية وذلك طلباً للشفاء والراحة . وفعلاً فقد صرف فرفريوس خمسة سنوات في سيسيلي . عاد بعد ذلك إلى روما (وهناك من يرى إن أخبار موت أستاذه كانت السبب وراء العودة) ، وأخذ يحاضر في الفلسفة ، ويعمل على جمع رسائل إستاذه إفلوطين (الذي مات خلال هذه الفترة) ومن ثم كتب السيرة الذاتية له ونشرهما معاً (أنظر: أرمسترونك ؛ إفلوطين ، سبع مجلدات ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1966- 1988 وكذلك أنظر: دوفر ؛ إفلوطين : السيرة الذاتية ، ليدن 2002) .

  تزوج فرفريوس في سنواته الأخيرة ، من مارسللا وهي إمرأة أرملة ولها سبعة أطفال وكانت طالبة متحمسة لدراسة الفلسفة ، ويبدو إنها لعبت دوراً فاعلاً في تركيز تفكير فرفريوس على الإفلاطونية . وفعلاً فقد كتب لها خطاب العزاء بعنوان ” رسالة إلى مارسللا ” .  والحقيقة إن المصادر التي تتحدث عن فرفريوس تكاد أن لا تذكر شيئاً عن حياته . كما إن ليس هناك دليل مؤكد يمكن الإعتماد عليه في تحديد سنة وفاته . إلا إن هناك من يرجح إنه مات في نهايات القرن الثالث أو بدايات القرن الرابع (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، الفصل الثالث المعنون : إبن حزم وكتاب الإيساغوجي ، ص 42) .

  دشن فرفريوس نشاطه في عملية التدوين الفلسفي ، بجمع رسائل أستاذه الفيلسوف إفلوطين وقام بتنقيحها ونشرها مع كتابة مقدمة لها ، ومن ثم كتب سيرة إفلوطين الذاتية والتي تعد المصدر الشاهد على حياة المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة كما سبق إن ذكرنا وسيكون لنا حديثاً مفصلاً عندما نتحدث لاحقاً عن الدور الذي لعبه فرفريوس الصوري في الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة  .

   ومن ثم كتب فرفريوس الصوري مؤلفه المهم والمتفرد في تاريخ علم المنطق ، والمعنون ” الإيساغوجي ” والذي يعد من أفضل مساهماته في مضمار الفلسفة . وفي طرف منه قدم لنا نصاً يساعد في دراسة المعقولات ، وهي في التقويم الأخيرخلاصة إفلاطونية محدثة أساسية للمقولات والتي تضمنت شرحاً لمقولات أرسطو  وهذا هو العنوان الحقيقي لكتاب الإيساغوجي .

  ولكن الأستاذ بيرنس يذهب مذهباً مغايراً ، فيعتقد إن العنوان الصحيح هو المقدمة أو الإيساغوجي . وعلى هذا الأساس فإن الكتاب ليس مقدمة للمقولات بشكل خاص ، وإنما هو مقدمة لعلم المنطق بصورة عامة ، والذي يضم نظريات الحمل (المحمولات) ، والتعريف والبرهان . والإيساغوجي يصف الطريقة التي يتم خلالها نسبة الكيفيات إلى الأشياء التي يمكن ترتيبها وتصنيفها . وإستناداً إلى ذلك قسم كتاب الإيساغوجي المفهوم الفلسفي ” الجوهر ” إلى مكوناته الخمسة الأتية : الجنس ، النوع ، الفصل ، الخاصة ، والعرض (أنظر: بيرنس ؛ مختصر تاريخ الأراء التي عناها فرفريوس بالإيساغوجي (مدخل إلى المقولات) ، نشرة 2003 ، ص 14 وكذلك أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، ص ص 52- 56) .

   لقد ترك كتاب فرفريوس الصوري ” الإيساغوجي ” آثاراً عميقة على صفحات تطور الفكرالمنطقي في غرب العصور الوسطى وشرق العالم الإسلامي على حد سواء . إن هذا الكتاب هو مساهمة في المقولات ، والذي مزج منطق آرسطو في تعاليم الإفلاطونية المحدثة . وخصوصاً في مقولات الوجود والتي شرحت في حدود ” الموجودات ” والتي سيطلق عليها في دوائر الفلسفة إصطلاح ” الكليات ” . والشاهد على ذلك ترجمة الفيلسوف المسيحي ” بوثيوس ” (480- 524 م) لكتاب الإيساغوجي إلى اللاتينية والذي تحول إلى نص كلاسيكي في العصور الوسطى ، يدرس في مختلف المدارس والجامعات الآوربية (أنظر: هنري جاويدك ؛ بوثيوس ، وعزاء الموسيقى ، المنطق ، اللاهوت والفلسفة ، نشرة مطبعة كالريندون ، أكسفورد 1981) .

 وهذا الكتاب قدم توضيحاً مشجراً للتقسيم المنطقي لمقولة الجوهر ، وهذا التوضيح سيعرف في أوساط علم التصنيف وآلياته بشجرة فرفريوس . وفي العصر الحديث قد إنتفع كثيراً من شجرة فرفريوس الصوري في تصنيف الكائنات الحية (البايولوجيا) (أنظر: أي . ماير و ج . بوك ؛ التصنيف ونظم الترتيب الأخرى ، مجلة أبحاث النشوء والنظم البايولوجية ، 2002 / العدد 40) .

  أما أثر كتاب الإيساغوجي في العالم الإسلامي ، فله قصة أخرى تميزت بطعمها الخاص . فتذكر المصادر إلى أن أول ترجمة تم تداولها في العالم الإسلامي ، هي ترجمة ” عبدالله بن المقفع ” (قتله الخليفة العباسي عام 756 أو 757 بحجة الهرطقة) . والحقيقة لم يترجمه إبن المقفع كما نحسب من اليونانية مباشرة ، وربما كان النص متوافراً بالفارسية خصوصاً إذا تذكرنا بأن الإسكندر الكبير ، بعد تدمير الإمبراطورية الفارسية ، إستدعا عدداً من الفلاسفة والمناطقة والعلماء اليونان إلى بلاطه الجديد في بلاد فارس ، وحدثت حركة حوار ثقافي عميق بين مجوس (حكماء) الفرس وفلاسفة ومناطقة اليونان ، وكان الحاصل منها تفكير جديد فيه حضور لفلسفة ومنطق اليونان مع حضور لحكمة المجوس (الزرادشتية) . ولعل من المفيد أن نشير إلى إن كتب أرسطو المنطقية كانت متداولة في بلاط تلميذه الإسكندر .

   كما وإن من الثابت إن الأراضي  الإيرانية والعراقية قد حتضنت مدرسة فلسفية وعلمية ظلت تعمل بنشاط حتى ظهور الإسلام ، ونعني بها مدرسة جنديسابور . وعلى هذا الأساس نفهم دور إبن المقفع في الترجمة من اليونانية أو من السريانية . خصوصاً إذا وضعنا في الإعتبار بأن مدرسة جنديسابور كانت تغص بأعداد من الفلاسفة والعلماء اليونان والسريان . ولهذا يتعجب الباحث من عدد من الباحثين المتعجلين الذين أنكروا على إبن المقفع حقه في ترجمة كتاب الإيساغوجي .

  كما إن برامج مدرسة جنديسابور (إضافة إلى برامج مدارس فلسفية أخرى إحتضنتها الأرض العربية قبل الأسلام بأشواط زمنية مثل : الرها ، نصيبين وإنطاكيا ، خصوصاً بعد غلق المدارس الفلسفية في بلاد اليونان عام 529 وطرد الفلاسفة من قبل الأمبراطور الروماني جوستنيان الأول (483- 565) ، والتي أصبحت فيما بعد هذه المدارس ملاذاً آمناً لعدد كبير من الفلاسفة اليونان) قد ضمت منطق أرسطو والشروح عليه ، ولعل نصوص وكتابات الإفلاطونيين المحدثين قد تصدرت برامج التعليم في هذه الفترة خصوصاً إذا تذكرنا بأن معظم معرفتنا بالفلسفة والمنطق والعلم اليوناني قد وصلت إلينا من خلالهم .

    لقد عرف العرب كتاب فرفريوس المنطقي ” المقدمة ” وأخذ يسمى بالعربية بالإيساغوجي . ومن ثم تحول هذا الكتاب إلى نص عربي منطقي كلاسيكي ، فرض هيمنته في العالم الإسلامي لمدة طويلة ، ومن ثم ترك آثاراً في مختلف مفاصل الفكر الإسلامي مثل علم الكلام (اللاهوت) ، الفلسفة ، النحو والفقه وحتى التشريع . وبالإضافة إلى محاولات التعديل والتكييف التي تعر

   لقد تحول هذا الكتاب إلى نص عربي منطقي كلاسيكي ، وفرض هيمنته في العالم الإسلامي لمدة طويلة ، ومن ثم ترك آثاراً في مختلف مفاصل الفكر الإسلامي مثل علم الكلام (اللاهوت) ، الفلسفة ، النحو وحتى التشريع . وبالإضافة إلى محاولات التعديل والتكييف التي تعرض لها كتاب الإيساغوجي على يد المسلمين . فأن عدداً من فلاسفة الإسلام قد كتبوا مقالات منطقية تحت عنوان ” الإيساغوجي ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ أثر فرفريوس الصوري / مجلة دراسات الأجيال ، بغداد 1986) .

  والحقيقة إن مناقشة فرفريوس الصوري ، في كتابه الإيساغوجي لمقولة ” العرض ” قد أشعلت نار مناقشات حادة في العالم الإسلامي تحت عنوان ” الجوهر والعرض ” . ولعل قارئ موسوعات الفلسفة الإسلامية عامة ، وكتب الفلسفة الإسلامية خاصة ، يجدها متخمة مناقشات الجوهر والعرض (أنظر مثلاً : محمد جلوب الفرحان : المنطق الإسلامي ، ص ص 47- 48) .

  كما إن من الثابت في دوائر الفكر الفلسفي ، هو إن فرفريوس الصوري كان خصماً عنيداً للمسيحية ، ومدافع شجاع عن الديانة اليونانية التقليدية (الوثنية بالفهم المسيحي) . ومن هنا تأتي أهمية كتاب ” الفلسفة من الوحي ” ، فأن العنوان فيه حجة مقابلة لحجة المسيحية . فالمسيحية تروج بأن العقيدي المسيحي هو كلام الله – المسيح . وإن فرفريوس بالمقابل بين بأن الفلسفة هي نتاج الوحي (وبالطبع الوحي اليوناني)

  إلا إن المهم من الناحية التاريخية ، هو إن فرفريوس الصوري قد كتب هذا الكتاب قبل حملات الإضطهاد التي تعرض لها المسيحيين من قبل كلاً من الأمبراطور الروماني “ديكلينتون” (244- 311 م) والذي حكم للفترة ما بين 284 و 305 . والإمبراطور الروماني ” كلوريس ” (260- 311 م) والذي حكم للفترة ما بين 305 و 311 . كما إنه كان خصماً للكاتب المسيحي ” لاكتنتيوس ” (240- 320 م) والمستشار للسياسة الدينية للأمبراطور الروماني المسيحي الأول ” قسطنطين الأول ” (272- 337 م)  والذي أصدر قرار ميلان الإمبراطوري في العام 313  والذي يؤكد على التسامح مع المسيحيين في عموم الإمبراطورية الرومانية (أنظر: إليزابيث دي بالما ؛ صناعة الإمبراطورية المسيحية : لاكتنتيوس وروما ، نشرة 2000) .

  لقد ولد كتاب ” الفلسفة من الوحي ” جدلاً بين طرفين وذلك للرسالة المزدوجة التي حملها الكتاب . طرف يؤيد نسبته إلى فرفريوس ، وطرف يشكك فيها . فمثلاً النظرة المسيحية للكتاب ، قد أيدت نسبته إلى فرفريوس . وكذلك قبل نسبته إلى فرفريوس “إيسبيوس” (263- 339 م) رئيس قساوسة مدينة القيصرية في فلسطين (أنظرللتعرف على حياة إيسبيوس : ولكر ويلينستون ؛ تاريخ الكنيسة المسيحية ، أدنبره 1959 ، ص 108) .  ولعل أول من رفض نسبة هذا الكتاب إلى فرفريوس ، هو القديس أوغسطين (345- 430 م) . ومن ثم تابعه في القرن الثامن عشر ، الدكتور ناثينال لارندر (1684- 1768 م) والذي رفض نسبة كتاب ” الفلسفة من الوحي ” إلى فرفريوس الصوري (أنظر: أعمال ناثينال لارندر ، نشرة مطبعة بينسلي 1815، المجلد الأول ، خصوصاً ماكتبه آندرو كبس بعنوان ” حياة ناثينال لارندر ، ص 23 وما بعد) .

    أما كتابه الشهير والمعنون ” ضد المسيحيين ” فحقيقة هو والكتاب السابق ، ولدا جدلاً واسعاً ، ومناقشات حامية بينه وبين المؤمنين بالعقيدي المسيحي (أنظر: فرفريوس ضد المسيحيين ، ترجمة أر . أم . بيركمان ، نشرة مطبعة بريل ، ليدن 2005) . ونكتفي هنا بهذه الإشارة وسنعود إلى دراسته في طرف لاحق من هذا البحث .

  وإعتنى فرفريوس الصوري بالعلم الرياضي ومنحه أهمية في مشروعه في التدوين الفلسفي عامة والتدوين العلمي خاصة . تتوج ذلك في الشرح الذي وضعه على كتاب الأصول في الهندسة  الذي كتبه عالم الهندسة إقليدس سنة 300 ق.م ، والذي عاش في الأسكندرية وآثينا (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لآرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة آداب الرافدين ، كلية الآداب – جامعة الموصل 1978 ، ص 141) .

  لقد كان شرح فرفريوس هذا ، مصدراً مهماً من مصادر رجل الرياضيات الإسكندراني ” بابيوس ” (290- 350 م) والذي يعد العالم الأخير من علماء الرياضيات اليونان الكبار والذي إشتهر بمبرهنة الهندسية المعروفة ” مبرهنة بابيوس ” وبكتابه المجموع في الرياضيات والذي يتألف من ثمانية مجلدات (أنظر: بيير ديدرون ؛ الرياضيات ورجال الرياضيات ، ترجمة جوديث فيلد ، نشرة مكتبة الطالب للترجمة 1974 ، المجلد

الأول ، ص 149) .

    وفي موضوعات أخرى كتب عنها فرفريوس ، ظهرت فيها له معارضة للجانب الطقوسي الشعائري الذي كان يمارسه تلميذه الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” (245- 325 م) . كما إن فرفريوس حاله حال الفيلسوف فيثاغوراس (570- 495 ق.م) . فقد دافع عن النزعة النباتية (الإمتناع عن أكل اللحوم) على أسس روحية وأخلاقية . فمن المعلوم إن كلاهما من أشهر النباتيين في دائرة الثقافة الهيلينية والهيلينستية .

  وبالنسبة لفرفريوس فإنه لم يقف عند حدود النزعة النباتية ، وإنما ألف كتاباً بعنوان ” الإمتناع عن أكل اللحوم وقتل الحيوانات لغرض الطعام ” والذي كتبه ضد نزعة إستهلاك اللحوم.. (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ حول ثقافة إبن حزم الأندلسي : أثر فرفريوس الصوري ، مصدر السابق) ، وكان العديد من الكتاب ومن مختلف العصور وحتى اليوم ، يقتبسون منه . كما وكتب فرفريوس بصورة واسعة في علم التنجيم ، الدين ، الفلسفة ، والنظرية الموسيقية . وبالمناسبة إن الشرح الذي كتبه على ” هرمونيكا بطلميوس ” (90- 168 م) قد إكتسب سمعة واسعة وتحول إلى مصدر مهم في تاريخ نظرية الهرمونيكا القديمة . ووضع كتاباً بعنوان ” بحث في كهف الحوريات ” (أنظر: مختارات أعمال فرفريوس ، ترجمة ت . تايلور ، نشرة كولد فورد 1994) .

  وكذلك كتب فرفريوس مجموعة كتب في تاريخ الفلسفة ، وفي حياة بعض الفلاسفة . فمثلاً كتب عن حياة أستاذه إفلوطين ، كما وله كتاب بعنوان ” أخبار الفلاسفة ” والذي توقف فيه عند إفلاطون (429- 347 ق.م) ، وقد بقيت منه أجزاء (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، الفصل الثالث والمعنون ” إبن حزم وكتاب الإيساغوجي ، ص 42) . ومن الملاحظ إن بابا الإسكندرية ” سيرال الإسكندراني ” (376- 444 م) قد إقتبس منه (أنظر: جيمس نوتوبولس ؛ كتاب فرفريوس حياة إفلاطون ، مجلة علم الفيلولوجيا الكلاسيكي ، عدد تموز 1940 ، ص 284 وما بعد) . وينسب كينث كوثري لفرفريوس مجموعة كتب تحت عنوان مثير للجدل . فيقول : ” كتب فرفريوس سبعة كتب تتعلق في النظام الفلسفي لكل من إفلاطون وآرسطو ، وكونه نظاماً واحداً ” (أنظر : كينث كوثري ؛ أعمال فرفريوس ) .

إن هذا العنوان لهذه الكتب السبعة ، ربما هي التي أوهمت المترجمين السريان إلى تلفيق مشروع التوحيد بين الفيلسوفين . ولعدم توافر نسخة أصلية عن كتب فرفريوس . ولإرتباط إسم الأخير ، بكتاب التساعيات ، كمنقح ، ومرتب وناشر ، وكذلك ككاتب لمقدمته . حملت البعض من هؤلاء المترجمين إلى إنتزاع إجزاء من كتاب التساعيات ونسبته إلى الفيلسوف آرسطو وتحت عنوان ” أثولوجيا آرسطو ” . والذي إحتوى حقيقة على مقاربة إفلوطينية بين أرسطو الإفلوطيني وإفلاطون . ومن المعروف الدور الذي لعبه كتاب ” أثولوجيا آرسطو ” في تاريخ الفلسفة الإسلامية (من الكندي إلى إبن سينا ومروراً بالفاربي صاحب كتاب الجمع بين رأي الحكيمين : آرسطو وإفلاطون) (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد الأب الروحي للعلمانية ، بحث مطول ، نشرت مقدمة منه على صفحات مجلة أفيروس ، 14 ديسمبر 2010) .  

  كما وكانت لفرفريوس الصوري ، شروحاً على الإفلاطونية والإرسطية ، والتي ضاعت ولم يبقى منها سوى فقرات ؛ فقرات من شرحه على محاورة ” طيماوس ” و محاورة ” بارمنيدس ” لإفلاطون (أنظر: روبرت بيركمان ؛ فرفريوس ضد المسيحيين ، نشرة دار بريل الأكاديمية ، ليدن 2004 ، الفصل الأول ، ص 1) . كما كتب كتابه الشهير ” حياة فيثاغوراس ” وهو موضوع رئيسي في بحثنا الحالي . 

   كشف فرفريوس الصوري في ردوده على المسيحيين ، عن إيمانه المطلق بالفلسفة

ومبدئيته القوية التي لم يساوم عليها . فقد نشر كتابه المعنون ” ضد المسيحيين ” الذي يحمل مشروع معارضة لمشروعهم العقيدي المسيحي ، ورد عليهم ودافع عن قيم المشروع الفلسفي عامة والإفلاطوني المحدث خاصة .

  ولكن كتاب ” ضد المسيحيين ” قد ضاع أصله وطواه النسيان بعد إن حرقه الإمبراطور الروماني ” ثيودسيوس الثاني ” عام 448 م  مع مجموعة كتب أخرى (أنظر: محمد جلوب الفرحان : النقد الفلسفي للدين أو التفكير العلماني عند فرفريوس الصوري ، بحث قيد الإنجاز ، نشرت منه أوراق على صفحات مجلة أفيروس) ، والتي لم يبقى منه سوى فقرات إشتغل عليها المحققون والمتخصصون في علم الفيللوجيا . ولعل الأستاذ بيركمان في مقدمة كتابه المعنون ” فرفريوس ضد المسيحيين ” يعلن صراحة عن هذه الحقيقة ، فيشير إلى إن كتاب فرفريوس ضد المسيحيين ، قد ضاع ولم تبقى منه سوى هذه الفقرات التي قام بترجمتها وتحقيقها ودراستها عدد من الباحثين ، وهناك ترجمات حرفية لها ، وكان منهج بيركمان هو متابعة هذه الفقرات ومن ثم إقتراح المعنى المناسب لها … (أنظر: فرفريوس ضد المسيحيين ، ترجمة روبرت بيركمان ، نشرة دار بريل الأكاديمية ، ليدن 2004 ، من المقدمة) .

   وكان هدف بيركمان من كتابه هذا ، هو إنتاج مقدمة لنصوص ضد المسيحيين تساعد الطلبة في الدراسات الأولية والعليا على فهمه . وإن هذا الكتاب حسب رأي بيركمان ، في فصوله الستة الأولى هو مدخل تاريخي مفصل ، وديني ، فلسفي ، وثقافي لكتاب ضد المسيحيين .. وممكن لبعض الباحثين أن يتجاوزوا هذه الفصول ، والتوجه مباشرة إلى الفصل السابع الخاص بفقرات نص ضد المسيحيين ( المصدر السابق) .

  وأحسب إنه من المناسب إن أقدم عرضاً لها الكتاب أولاً . تألف الكتاب بترجمته الإنكليزية التي قام بها الأستاذ بيركمان ، من مقدمة وسبعة فصول وخاتمة . جاء الفصل الأول بعنوان ” المؤلف ، تاريخ التأليف والمصادر (ص ص 1- 6) . أما الفصل الثاني فقد حمل عنوان ” التركيب ، الموضوع ، والتصنيف ( ص ص 7- 16) .

  وكان عنوان الفصل الثالث ” مبادئ دينية وفلسفية (ص ص 17- 71) ودرس فيه طرفين : الأول الأديان السائدة يومذاك والتي شملت : الدين الروماني ، اليهودية ن والمسيحية . الثاني خص فيه المبادئ الفلسفية والذي ضم فيه حديث عن الإفلاطونية المحدثة والدين . ومن ثم تحول صوب الأناجيل ؛ فناقش النقد الإنجيلي الهيلينستي ، والإنجيل اليهودي ، ومن ثم الإنجيل المسيحي . 

   في حين جاء عنوان الفصل الرابع ” الخلفية الثقافية ” (ص ص 72- 117) . ودرس فيه علاقة مجموعة من المفكرين والفلاسفة بالثقافة الهيلينية ، من أمثال ” بلوتارك ” (46- 120 م) ،  ” لوكين الساموستي ” (125- 180 م) ، ” جالينوس ” (129- 199 أو 217 م) ، ” سيلسس ” (فيلسوف يوناني من القرن الخامس جاء من قرية يهودية من فلسطين ، وهو من الكتاب الأوائل الذين هاجموا المسيحية) ، ” إفلوطين ” ومن ثم ” فرفريوس “.

أما الفصل الخامس فقد درس الفقرات واللغة (ص ص 118- 121) . وكان الفصل السادس بعنوان ” سيكلا ” (ص 122 صفحة واحدة فقط) ويعني المختصرات ، وسيكلا هو إصطلاح كان يستخدمه النساخون القدماء وفي العصور الوسطى وبشكل خاص في مضماري اللغتين اللاتينية ومن ثم اليونانية .

  ونحسب إن الفصل السابع ، وهو الفصل الوحيد من هذا المؤلف الخاص بكتاب ضد المسيحيين الذي ضاع ولم تبقى منه سوى الفقرات التي سيشتغل عليها هذا الفصل ، والذي  جاء بعنوان ” الفقرات ، الترجمة وملاحظات ” وضم فرفريوس وقائمة طويلة من المفكرين والفلاسفة (ص ص 123- 221) .

  على كل فأن دائرة الثقافة الغربية تنظر إلى فرفريوس الصوري ، ومن خلال كتابه ضد المسيحيين ، على إنه ناقد للفكر الديني والفلسفة الدينية . والشاهد على ذلك النقد الذي تقدم به ” للزرادشتية ، اليهودية والمسيحية ، وخصوصاً دراسته النقدية التاريخية للأناجيل المسيحية ” ( انظر: المصدر السابق ، الفصل الأول ، ص 2) . ويبدو إن هجوم فرفريوس على المسيحية ، لم يقتصر على كتاب واحد ، وإنما كتب مجموعة كتب أو أعمال جاءت تحت عنوان ” ضد المسيحيين ” . وكما تدلل على ذلك النشرات اليونانية واللاتينية (أنظر: ت . بيرنس : فرفريوس ضد المسيحيين : تاريح ونسبة الفقرات ، نشرة 1973 ، ص 434 وما بعد) .

  يرى بعض الباحثين إن نصوص فرفريوس في الهجوم على المسيحية ، لم تظهر في عمل واحد تحت عنوان ” ضد المسيحيين ” ولقرون عدة بعد موت فرفريوس . ويبدو إن العمل الذي ينسبه ” سودا ” في موسوعته البيزنطية ، ليس بالعمل الأصيل لكتاب ” ضد المسيحيين ” . وهذا العمل هو النسخة البيزنطية التي كانت متداولة يومذاك . ومن المحتمل إن هذا العمل إنتشر بعد حرق الأعمال الأصلية التي قام بها الأمبراطور “ثيودسيوس الثاني ” (401- 450) في العام 448 م (أنظر: سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادة إنجيل).

  وهناك من يعتقد بأن الكتاب المجموع ” ضد المسيحيين ” ، يتألف من ثلاثة أجزاء على الأقل ، وهي : ” الفلسفة من الوحي ” ، و ” المشكلات في نصوص هوميروس ” ، و” نصوص ضد الزرادشتية والمسيحية ” . والمصدر الأول هو نقد فلسفي للديني العقيدي . والمصدران الثاني والثالث يكونان أدباً نقدياً من الزاوية التاريخية للإنجيل (أنظر: بيركمان ؛ فرفريوس ضد المسيحيين ، الفصل الأول ، ص ص 3- 4) .

  لقد إستند بيركمان في تقرير ذلك ، إلى نص ينسب إلى ” لكتنتيوس ” المعاصر لفرفريوس ، يذكر فيه بأنه خلال حكم الإمبراطور ” ديوكلينتن ” كان رجل يعيش في قسطنطينية ، وهو ” كاهن الفلسفة الذي كتب عملاً بعنوان ” ضد المسيحيين ” والذي يتألف من ثلاثة كتب ” . وأشار إلى إن عام 1000 م دشن مرحلة جديدة لهذا الكتاب ، فبعد هذا التاريخ أصبح الحديث يجري عنه على إنه كتاب واحد يحمل عنوان ” ضد المسيحيين ” . ومن ثم ظهرت الكتابات النقدية لهذا الكتاب الذي كتبه فرفريوس ، في بدايات القرن العشرين ، خصوصاً ما قام به كل من ” بيدز ” و ” هارنك ” (المصدر السابق ، ص ص 5- 6) .

  ولعل حضور الفيثاغورية في فلسفة الإفلاطونية المحدثة ، وبالتحديد عند فرفريوس الصوري لشاهد مكشوف . وفعلاً فقد ترجم كتاب فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس ” من اليونانية إلى الإنكليزية الأستاذ كينث كوثري (1871- 1940) . وهناك من يجادل ويزعم بإن الترجمة تمت من الفرنسية إلى الإنكليزية . إن هذه المزاعم لا تهمنا في هذا المجال . بقدر ما يهمنا الإشارة إلى إن عمل كوثري ظهر في كتاب جامع وبعنوان ” المصدر الفيثاغوري والفلسفة الفيثاغورية ” . وهو بالطبع يضم ترجمة كوثري ، وترجمات إضافية قام بها توماس تيلر وآرثر فيربانكس . وقام بالإشراف على نشرها وكتب مدخلاً لها ديفيد فيدلر . وهي من تقديم كودين جوسلين ، وقامت بنشرالكتاب مطبعة فانس 1987 و1988 .

  يرى ” ديفيد فيدلر ” في مقدمته القصيرة التي كتبها لكتاب فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس ” ، إن الكتاب في حقيقته هي مجموعة فقرات ، وهي الفقرات الوحيدة التي بقيت خالدة من كتابه ” تاريخ الفلسفة ” ، الذي يتألف من أربعة كتب . ويعتقد إن فرفريوس من ألمع طلاب إفلوطين ، وأكثرهم ذكاءً . وهو من أهم فلاسفة الإفلاطونية المحدثة ، وكان قلمه سيالاً ، فقد كتب أكثر من سبعين عملاً ، عالج فيها موضوعات متنوعة غطت الميتافيزيقا ، النقد الأدبي ، التفسير المجازي للإسطورة وغيرها كثير .. وتعد السيرة التي كتبها فرفريوس عن فيثاغوراس ، سيرة مختصرة وممتعة ومليئة بالمعلومات . وتثير رغبة القارئ الى التمني في نجاة كتاب ” تاريخ الفلسفة ” برمته من الضياع .

  ويحسب فيدلر إن ترجمة كوثري لكتاب ” حياة فيثاغوراس ” ، هي أول ترجمة إلى الإنكليزية . ومن ثم تلته ترجمة ” مورتن سميث ” والتي ظهرت في عمل هادس وسميث المعنون ” أبطال وآلهة : السير الروحية في العصر القديم ” ، نيويورك 1965 .

وللتعرف على حياة فرفريوس وأعماله ، ينصح فيدلر بمراجعة رسالة فرفريوس إلى زوجته مارسللا ، نشرة مطبعة فانس 1985 . كما ينصح القارئ الذي يرغب في معرفة مؤلفات فرفريوس ، بمراجعة القائمة الكاملة لمؤلفاته المتوفرة في ملحق كتاب فرفريوس المعنون ” نقاط أساسية في مضمار العقل ” ، نشرة مطبعة فانس 1988 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

الفيلسوف إمبيلكوس : رئيس الإفلاطونية المحدثة السورية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  يعد الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” (245 – 325 م) واحداً من مصادرنا  القليلة المعدودة في تاريخ الفلسفة اليونانية . فقد كانت موسوعته المعنونة ” حياة فيثاغوراس ” من الموسوعات التاريخية المتفردة التي حفظت لنا الكثير الكثير من الحقائق المتعلقة بحياة هذا الفيلسوف المؤسس لثاني مدرسة فلسفية عرفها تاريخ الفلسفة اليونانية . ونقصد بها المدرسة الفيثاغورية . كما وحفظت لنا الكثير من أرائه الفلسفية ، ومعلومات عن مصادر فلسفته ، وعدد من الفلاسفة والفيلسوفات الفيثاغوريات .

  لقد دشن الفيلسوف إمبيلكوس إتجاهاً جديداً مغايراً للإتجاه الذي أعلن عنه كل من الفيلسوف المؤسس الروحي ” أمونياس ساكس ” والمؤسس الحقيقي ” إفلوطين ” والذي دافع عن خطه العلماني الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول ” فرفريوس الصوري “. حقيقة كان خلاف إمبيلكوس مع أستاذه فرفريوس الصوري ،  يدور حول ” الثيورجيا ” أو الطقوس والشعائر الذي كان يمارسها مع طلابه ، والتي شكلت إتجاهاً لمدرسة سورية ، ستعرف لاحقاً بأسم المدرسة الأفلاطونية المحدثة السورية ، والتي ستجد الكثير من الطلبة والمريدين ، كما سيتلقفها الغرب في عصر النهصة ، وستحمل من الأثار الفلسفية على الكثير الكثير من الأتجاهات الفلسفية بداية مع القديس ” أوغسطين ” الذي وجد فيها مثابرة جادة تحمل الكثير من البذور الفلسفية لفهم طبيعة الثالوث المسيحي العتيد : الأب والأبن وروح القدس …

   ومن هنا جاء المشروع الفلسفي الإفلاطوني المحدث ، على الأقل في طرفه الذي قدمه إمبيلكوس خاصة والإفلاطونية المحدثة السورية عامة ، مشروع تعايش للفلسفة مع العقيدي في طرفه ” الثيورجي ” الطقوسي الشعائري أولاً ،  ومن ثم في بنيته الفلسفية ثانياً . وهو المشروع ذاته الذي ستشتغل عليه جميع الدوائر الفلسفية المستظلة بعلم الكلام المتنوع الإسلامي واللاهوت اليهودي ومن ثم المسيحي .

  كما وإن نزعة إمبيلكوس ومدرسته السورية التي رجحت الطقوس ومالت في طرف منها نحو السحر ، والأسرار والعلوم الغامضة والتي ستعرف بالعلوم السرية ، وخصوصاً في كتاب ” الأسرار المصرية ” ، قد كونت تجربة فلسفية ألهمت العديد من كتاب الرينسانس الأوربية من أمثال ” هنريك كورنليوس أكريبا ” (1486- 1535) والذي قام بمحاولة إحيائية جريئة لفن ” السحر ” بعد أن أصابه الكثير من الإنحطاط خلال عصور الظلام الأوربية . والمهم إن أكريبا ألف كتابه الشهير ” فلسفة السحر/ العلوم الخفية ” والذي أشار فيه صراحة إلى الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس ” . وبعد عشرين عاماً على تأليف الكتاب قام أكريبا بتنقيحه وأضاف إليه الكثير في هذا المضمار ، وقام بنشره في العام 1533 . ومن ثم أصدرت محاكم التفتيش الكنسية قراراً ضد الكتاب ، وإعتباره ” كتاباً هرطقياً ” .

  وترك إمبيلكوس آثاراً قوية على عدد من المشتغلين في عصر النهضة وبالتحديد في مضمار ما عرف بالعلوم الخفية ، من أمثال ” مارسيلو فيشينو ” (1433- 1499) المفكر الإيطالي ، الذي قام بإحياء الإفلاطونية المحدثة (أنظر : إنثني جوتليب ؛ حلم العقل : تاريخ الفلسفة الغربية من اليونان وإلى عصر النهضة (بالإنكليزية) ، نشرة دار بنجوين ، لندن 2001) . كما كان له حضوراً في كتابات الفيلسوف الإيطالي النهضوي ” جيوفاني باكو مارندولا ” (1463- 1494) والذي إشتهر في كتابه ” البيان النهضوي ” ، والذي تحول إلى نص كلاسيكي (أو إنجيل) للحركة الإنسانية في عصر النهضة (أنظر : بول أوسكار كريستلر ؛ ثمان فلاسفة من عصر النهضة الإيطالية (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة ستانفورد ، كليفورنيا 1964) . وكذلك فقد لاحظ الباحثون إن آثار إمبيلكوس قد إمتدت إلى دائرة تفكير الفيلسوف العالم ، وشهيد الفلسفة الإيطالي ” جوردنو برنو ” (1548- 1600) والذي مات حرقاً على يد السلطات الكنسية (أنظر : مايكل وايت ؛ البابا والهراطقة ، نشرة دار ويليم مارو ، نيويورك 2002) .

  تتحدث المصادر التاريخية التي إعتنت بالتطور التاريخي للمدرسة الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً المكتوب منها باللغة الإنكليزية والمترجم إليها ، على إن الفيلسوف إمبيلكوس كان ” ملكاً أشورياً ” ، وهناك من يحتمل من إنه كان ” سريانياً أو آرامياً ” (أنظر : كيرث فودن ؛ هرمس المصري : مشروع تاريخي للعقل الوثني ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1986 ، وفيه فصلاً ممتازاً عن إمبيلكوس وعلاقة الإفلاطونيين المحدثين بالكتب التي تنسب إلى هرمس) .

   وهكذا كان إمبيلكوس حالة متفردة في تاريخ الفلسفة عامة والفلسفة الإفلاطونية المحدثة خاصة . فقد كان فيلسوفاً ملكاً ، وملك الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين . وفعلاً فقد قاد المدرسة الإفلاطونية المحدثة بعد موت أستاذه ” فرفريوس الصوري – اللبناني ” ، ورسم لها إتجاهاً جديداً ، سار عليه ورثته من الأفلاطونيين المحدثين الذين قادوا المدرسة من بعده . ولعل من أهم الأعمال التي كتبها ، ونالت شهرة وسمعة طيبة ، هو كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” .

    ينظر الباحثون إلى إمبيلكوس ، على إنه خير ممثل لنزعة من نزعات الفلسفة الإفلاطونية المحدثة ، والتي يطلقون عليها ” الإفلاطونية المحدثة السورية أو السريانية ” (أنظر : جورج شو ؛ الطقوس السرية أو ثيورجي والنفس : نزعة إمبيلكوس الإفلاطونية المحدثة ، نشرة مطبعة جامعة بنسلفانيا 1995 ) . ومن خلال قيادته لمدرسة الإفلاطونية المحدثة ، وممارسته للطقوس السرية ، فقد ترك آثاراً بالغة على عموم العالم القديم .

  والحقيقة ليس هناك الكثير من المعلومات المتوافرة عن حياته وعن عقائده الدينية ، ولكن الباحثين في كتاباته الممتدة ، تمكنوا من تكوين صورة عامة عن أرائه وعقائده الرئيسية . فمثلاً يرى ” سودا ” (وهي موسوعة بيزنطية ضخمة من القرن العاشر الميلادي ،  تغطي عالم البحر المتوسط القديم ، كتبت باللغة اليونانية ، وتتألف من ثلاثين ألف موضوعاً ، تم إستخراجها من مصادر قديمة ، التي تعد اليوم من المصادر المفقودة . أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ سودا : وثيقة تاريخية من القرن العاشر تؤرخ للفلسفة اليونانية / مقال قيد الإنجاز) وكذلك كاتب سيرة إمبيلكوس ، المؤرخ والسفسطائي اليوناني ” يونبيس ” (عاش في القرن الرابع أو الخامس الميلادي ، وله مجموع من السير يتألف من ثلاث وعشرين سيرة لفيلسوف وسفسطائي ) (أنظر : يونبيس ؛ حياة الفلاسفة والسفسطائيين ، ترجمة ويلمار رايت ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921) .

  ويذهب كل من سودا ويونبيس إلى أن إمبيلكوس ولد في مدينة ” خاليكس ” السورية . وقد ولد في أسرة ثرية مشهورة . وقيل بأنه كان من سلالة العديد من ملوك حمص . وقد إستهل دراسته تحت إشراف رئيس الأساقفة ” إنتوليوس الأسكندري ” (ولد في بدايات القرن الثالث ، وتوفي في عام 283) وهو واحد من مشاهير عصره في العلوم الطبيعية وفي الفلسفة الأرسطية ( أنظر: عمر إنجلبرت ؛ حياة القديسين ، نشرة بيرنز ونوبل ، نيويورك 1994 ، ص 256) .

  ومن ثم تحول للدراسة تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول ” فرفريوس الصوري ” (233- 305 والبعض يرى 309م تقريباً) وهو تلميذ ” إفلوطين ” (204- 270م) المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة . كما وأصبح شائعاً في دوائر البحث الفلسفي الإفلاطوني المحدث ، إن خلافاً قد نشب بين الأستاذ فرفريوس الصوري ، والتلميذ إمبيلكوس السوري . وهو الخلاف الذي دار حول ” الثيورجيا ” أو الطقوس السرية التي كان يمارسها التلميذ ومن ثم الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس . ومن ثم تطور الخلاف إلى شكل من النقد المعلن الذي وجهه الأستاذ فرفريوس إلى إمبيلكوس ، ومن ثم إتخذ صورة ” عدم إتفاق ” .

   هناك من يرى إن إنتقادات الأستاذ فرفريوس ، قد دفعت إمبيلكوس إلى تأليف كتابه الشهير ” الثيورجيا أوالأسرار المصرية ” وذلك ليرد على إعتراضات إستاذه . وفعلاً إن قارئ الكتاب ، يجد إن الفصل الأول يحمل عنوان ” رسالة فرفريوس الصوري ” . كما إن العنوان الفرعي للكتاب يكشف بصورة واضحة ، إن الكتاب جاء إستجابة من قبل إمبيلكوس على إعتراضات الأستاذ والفيلسوف ” فرفريوس الصوري ” (أنظر : إمبيلكوس : الأسرار المصرية ، ترجمه من اليونانية الكسندر وايلد (1911) ومن ثم قام بتنقيحه ونشره في طبعة جديدة إيما كلارك وأخرون ، طبعة جماعة الأدب الأنجيلي 2003) .

  إن هذا يدل على إن دراسات إمبيلكوس للفلسفة والتي تمت تحت إشراف فرفريوس الصوري ، قد حدثت خارج بلده سوريا ، وهي الفترة التي كان فيها فرفريوس مواطناً أثينياً ورمزاً مرموقاً من رموز ” الإتجاه الإفلاطوني المتأخر ” وهذا هي التسمية التي كانت تطلقها المصادر القديمة على ” فلسفة الإفلاطونية المحدثة ” وعلى فلاسفتها ومن ضمنهم الفيلسوف إمبيلكوس كذلك .

  وبعد إن أنهى إمبيلكوس دراساته الفلسفية على يد فرفريوس الصوري ، عاد إلى سوريا ، وبالتحديد حوالي عام 304 ، ومن ثم أسس مدرسته في مدينة آفاميا (قرب مدينة إنطاكيا) ، وهي من أشهر مدن الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين .  وفيها صمم الفيلسوف إمبيلكوس البرنامج الدراسي للمدرسة ، والذي كان يركز على دراسة إفلاطون وآرسطو . ومن ثم كتب شروحاً موسعة على فلسفتهما ، وقد طواها القدر ، ولم يبقى منها سوى شذرات . ولعل من أهم كتبه كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” . كما شاع إنه كتب مؤلفاً مجموعاً تناول فيه ” مبادئ العقيدة الفيثاغورية ” ، وهو يتألف من عشرة كتب ، وهو في حقيقته مختارات منتزعة من كتابات عدد من الفلاسفة القدماء . ولم يبقى منها سوى الكتب الأربعة الأولى ، وشذرات من الكتاب الخامس .

 وينقل عن إمبيلكوس ، من إنه كان رجلاً رفيع الثقافة وواسع المعرفة ، محسناً ومترفقاً على الآخرين . وكان محاطاً دائماً بطلابه ، الذين كانوا يعيشون معه في جو من الصداقة . ووفقاً لواحد من أكاديمي القرن السابع عشر ، وهو ” جوهان ألبرت فابركيوس ” (1668- 1736) والذي كتب إطروحة دكتوراه في العام 1693 ، وبعنوان ” الإفلاطونية وفيلو اليهودي ” ، وهي في جوهرها مساهمة أكاديمية عن جهود الفيلسوف ” فيلو الأسكندري ” (20 ق.م – 50 م) . يرى جوهان فابركيوس إن ” إمبيلكوس مات خلال حكم الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول (272- 337 م) ، وبالتحديد قبل عام 333 ” .

  صحيح جداً إن إفلوطين كان المؤسس الحقيقي للإفلاطوني المحدثة . ولكن الرجل لم يترك سوى كراريس محاضرات غير منظمة ، والتي لا تؤلف في حقيقتها مشروع كتاب كان إفلوطين يفكر في نشره  ، وإنما كل ما في الأمر إنها مجموعة ملاحظات كان يستعين بها في إلقاء محاضراته . وبعد وفاته قام تلميذه ” فرفريوس الصوري ” بجمعها وتنقيحها وكتابة مقدمة لها ، ومن ثم نشرها بعنوان ” الإنياد أو التساعيات ” ونشر في وقت واحد السيرة الذاتية لأستاذه إفلاطون . 

  ومن ثم رهن فرفريوس نفسه ومن خلال التدريس والكتابة ، على تعميق الخط الفلسفي العلماني للمدرسة الإفلاطونية المحدثة . ولعل ثلاثيته : الفلسفة من الوحي ، المشكلات في نصوص هوميروس ، وضد المسيحيين ، شاهد على نهج فرفريوس المتميز . كما وينيغي أن نذكر بأن فرفريوس كان من أول النقاد والمنددين بالثيورجيا أو الطقوس والشعائر السرية (السحرية) التي كان يمارسها تلميذه إمبيلكوس وطلابه (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخ الفلسفة اليونانية / منشورة منه صفحات على موقع الفيلسوف / وسينشر بصورة كاملة في مجلة أوراق فلسفية ، العدد الثاني / ربيع 2011) .

  وينظر الباحثون إلى عمل إمبيلكوس ، على إنه أدخل بعض التعديلات وتوسع في التفاصيل العامة لأقسام الفلسفة الإفلاطونية المحدثة . فمثلاً إمبيلكوس عمل تطبيقات منهجية على النظام الرمزي للأعداد الفيثاغورية ، كما إنه تأثر بالأنظمة الفكرية الشرقية ، وخصوصاً التفسير الأسطوري للإفلاطونية المحدثة . وفعلاً فأن إمبيلكوس هو الذي أدخل فكرة ” وجود النفس في المادة ” وكان يعتقد ” إن المادة إلهية شأنها شأن مكونات الكون ” وهذه المسألة فيها مقاطعة فلسفية بين إمبيلكوس وأسلافه من الإفلاطونيين المحدثين ، والذين كانوا يعتقدون بخلافه على إن ” المادة ناقصة ” ويعتريها الضعف والفساد (أنظر : أرمسترونك ؛ إفلوطين ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1966) .

 خلاصة الموقف من مدرسة إمبيلكوس وطلابه ، هي إنهم ” رفضوا طريقة التأمل الفلسفي الخالص ، والتي سار عليها أسلافهم من الإفلاطونيين المحدثين ” ، ورجحوا طريقة الثيورجي أو الطقوس والشعائر والقوة السحرية للإعداد الفيثاغورية (أنظر: ت . أر . ويلس : الإفلاطونية المحدثة ، نشرة مطبعة ديكوورث ، لندن 1972) . وهذه الطريقة هي التي حددت الملامح الجديدة للمدرسة السورية التي أرسى قواعدها الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس .  

  ضيع لنا القدر الكثير الكثير من تراث هذا الفيلسوف الملك المتميز . وعزائنا اليوم ، هو بقاء بعض الفقرات (شذرات) من مؤلفات إمبيلكوس ، والتي نعتمد عليها في تكوين معرفتنا بنظامه الفلسفي . والحقيقة اليوم نعتمد على فقرات إمبيلكوس ، والتي حفظها لنا الكاتب اليوناني ” جونز ستوبيوس ” (من القرن الخامس الميلادي)  وآخرون . وبالمناسبة فأن ستوبيوس ترك لنا كتاب يتألف من مجلدين : الأول بعنوان منتزعات . والثاني بعنوان مجموع . ومادة الكتاب هي منتزعات من كتابات عدد من المؤلفين اليونان (أنظر: وليم سميث ؛ المعجم اليوناني والروماني للسير والأساطير ، مادة ” ستوبيوس ” التي كتبها شارلز بيتر مايسن / نشرة عام 1870 ، المجلد الثالث ، ص ص 914- 915) .

 كما نعتمد اليوم في تكوين صورة تقريبية عن نظام إمبيلكوس الفلسفي ، على المصادر التي كتبها ورثته من الفلاسفة ، وخصوصاً ” بروكلس ” . وبالتحديد الكتب الخمسة الباقية والتي نسبها بروكلس إلى إمبيلكوس . وكذلك الأقسام المتبقية من عمله الكبير عن ” الفلسفة الفيثاغورية ” . إضافة إلى إن بروكلس ينسب إليه الكتاب المعنون ” الأسرار المصرية ” ، وهذا موضوع سندرسه في محور مستقل .

  على كل إن إمبيلكوس تقاطع مع أسلافه من الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين ، وخصوصاً مع أستاذه ” فرفريوس الصوري ” والذي شن الأخير نقداً وتنديداً للطريقة التي إنتخبها التلميذ إمبيلكوس لمدرسته وطلابه . إن نقطة الخلاف ، هي إن إمبيلكوس أعتقد إن الفلسفة عامة ، وفلسفة إفلوطين بالطريقة التي قدمها فرفريوس الصوري ، عاجزة عن تحقيق ” وحدة أو إندماج بين الفيلسوف والألهة ” . وهذه هي نقطة الطلاق الفلسفي بين الأستاذ والتلميذ ، بين فرفريوس وإمبيلكوس ، بين الأتجاه العام للإفلاطونية المحدثة الذي أرسى قواعده فرفريوس ، والنزعة السورية الخاصة للإفلاطونية المحدثة التي يقودها إمبيلكوس .

 ولهذا تسائل أمبيلكوس : ما هو السبيل لإنجاز مثل هذه الوحدة أو الإتحاد ” بين الفيلسوف والألهة ؟ ” أعتقد إمبيلكوس بصورة قاطعة ، إنها ”  الأفعال الطقوسية المناسبة ، والتي تتسم بنوع من الشعائر وذات طبيعة سحرية ” . وهذا السبيل أطلق عليه كلمة ” ثيورجي ” والتي توصف عن طريق ” تطبيق الشعائر والطقوس ” والتي تتمثل بعض الأحيان ” بطبيعتها السرية أو السحرية ” والتي تنجز من خلال ” الدعاء والتوسل بحضور واحد أو أكثر من الآلهة ” وذلك تطلعاً للتوحد (أو الإندماج) في الذات الإلهية ، والتي تمثل في الإفلاطونية المحدثة ، التوحد مع ” الواحد ” أو ” الموناد ” الذي هو مصدر ” الحقيقة الأساس ” (أنظر: صمويل أنجوس ؛ الأديان السرية : دراسة في الخلفية الدينية المبكرة (بالإنكليزية) ، نشرة دار مطبوعات دوفر 1975، ص 52) .

 ومن النافع أن نشير إلى دراسة مهمة حفرت عميقاً في البعد الثيورجي – الطقوسي الشعائري للإفلاطونية المحدثة ، وذلك سعياً في تحديد الإتجاه الجديد الذي خطه إمبيلكوس لمدرسته السورية أو لإفلاطونيته المحدثة السورية . يرى الباحث ” ويلس ” في كتابه ” الإفلاطونية المحدثة ” ، إن المقصود بالثيورجيا بالمفهوم الذي عرضه إمبيلكوس ومن ثم وسعه خلفائه على مدرسته السورية ، هي ” قوة وضعتها النعمة الآلهية في الطقوس والشعائر ، وكذلك تتمثل بالرموز التي تعمل من خلالها ” . وإن الإصطلاح ” ثيورجي ” لا يعني ” العمل الآلهي ” فقط ، وإنما يعني ” عمل الله ” أو يعني ” الآلهة العاملة في الإنسان ” وهو إصطلاح مختلف تماماً عن ” اللاهوت ” والذي يعني ” الكلام حول الآلهة ” فقط.

  إن ” الثيوريا ” هي نوعاً من التأمل الفلسفي الخالص والذي يعتمد الحدس طريقة . وهذه الطريقة التأملية ، هي الطريقة حسب إمبيلكوس ، التي طورها ” إفلوطين ”  المؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة . والتي يرى إن جوهرها هو ” شكل من السحر الطقوسي الشعائري ” . وكان هدفها تجسيد القوى الآلهية أما في ” موضوع مادي ” أو في ” وجود إنساني ” ، ويكون الحاصل من كل ذلك نوعاً من ” الغيبوبة البصرية ” .

 إن المنقول من نصوص عن إمبيلكوس ، تضع الدارس أمام الحقيقة القائلة : إن الفيلسوف السوري يعترف بأن في النفس إمكانيات ، تمنحها القدرة على الصعود إلى الطوابق العالية . وهنا إختلف إمبيلكوس مع إفلوطين الذي كان يذهب إلى إن ذلك يتحقق من ” خلال القوى التي تمتلكها النفس والتي تتمثل باللوغوس ” . وعلى العكس رأى إمبيلكوس إن ذلك يتحقق من خلال ” المصاحبة أو المشاركة ” وهذا هو معنى ثيورجي أو الطقوس السحرية ، أي مصاحبة الأسباب العالية للنفس أو الآلهة .

  وهنا لاحظ الباحثون إن إمبيلكوس ضحى بالطريقة الصوفية التي أنبت بعض بذورها إفلوطين ، ووضع بدلاً عنها طريقة السحر ذات الطابع الهرمسي  . لكن هذا التحول عند إمبيلكوس ، لا يعني على الإطلاق إن الآلهة تكون تحت سيطرة ” ثيروجست أو الذي يمارس الطقوس السحرية أو الذي يقودها ” وذلك لأن ” المتدني لا يسيطر على المتعالي ” . إن إمبيلكوس كان مدركاً لهذه المشكلة ، ولذلك ذهب شارحاً طبيعة الطريق الطقوسي الشعائري لإفلاطونيته المحدثة السورية . فقال: إنه من خلال الطقوس يتم الإستعانة بالآلهة ، وخلال هبتها التي تكون على شكل قوة إلهية يتحقق ذلك . ثم يضيف قائلاً : ” إن الإرادة الآلهية خيرة ومنيرة ومنفصلة عنهم ” وبدلاً من ” إن الوجود الإلهي يهبط إلى عالم المادة ، فإنه يقوم بتطهير العباد ويرفعهم درجات حيث العالم العقلي أو العالم الآلهي ” (أنظر : ويلس ؛ الإفلاطونية المحدثة (مصدر سابق منشور بالإنكليزية) ، ص 108 وما بعد) . إضافة إلى كل ذلك ، فأن التوجه الجديد للإفلاطونية المحدثة السورية التي قادها إمبيلكوس ، وعزز مكانتها طلابه في تاريخ الفلسفة ، يمكن فهم جوانب من طبيعتها من خلال الوقوف على كتاب ” الأسرار المصرية ” .

  رسمت الطقوس السرية التي كان يمارسها الفيلسوف إمبيلكوس وطلابه ، تحولاً جديداً في مسار الإفلاطونية المحدثة ، والتي ستطبع الفكر الفلسفي الغربي برمته بسماتها وتوجهاتها نحو الثيورجيا . ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن الفيلسوف المحدث الإفلاطوني ” بروكلس ” (412- 485م) والذي باشر الكتابة بعد إمبيلكوس بحوالي 100 عاماً ، وهو واحد من زعماء المدرسة الإفلاطونية المحدثة في فترتها المتأخرة ، قد نسب إلى إمبيلكوس المسؤولية الكاملة عن تأليف كتاب ” الأسرار المصرية ” .

  ولاحظ الباحثون إن هناك إختلافات واضحة بين كتاب ” الأسرار المصرية ” والكتب الآخرى التي كتبها إمبيلكوس ، خصوصاً في الإسلوب ، وفي بعض النقاط التي تتعلق بعقيدة إمبيلكوس . وإن هذه الإختلافات حملت الباحثين على البحث عن حقيقة نسبة كتاب الأسرار المصرية ، ومن ثم التساؤل : هل فعلاً إن إمبيلكوس ، هو المؤلف الحقيقي لكتاب الأسرار المصرية ؟

  وعلى أساس هذا التردد في نسبة الكتاب إلى إمبيلكوس ، وجدنا إن عدداً من الباحثين من يذهب مذهباً مختلفاً ، فيه ترجيح إلى إن الثيورجيا أو كتاب الأسرار المصرية كان من نتاج المناخ الطقوسي الهرمسي الذي كان يمارسه إمبيلكوس ،  ولكنه ليس من نتاج يراعه ، ولكنه كان فعلاً من نتاج مدرسة إمبيلكوس . وهي في حقيقة الآمر محاولة مقصودة ، هدفت إلى توفير تفسير عقلاني للطقوس الوثنية ، التي كان إمبيلكوس وطلابه يمارسونها يومذاك . وهذه نقطة بالغة الأهمية تساعدنا في فهم مكانة إمبيلكوس في تاريخ الإفلاطونية المحدثة عامة ، وفي الفترة التي قاد فيها إمبيلكوس ” الإفلاطونية المحدثة السورية ” خاصة ( أنظر: إمبيلكوس ؛ كتاب الأسرار المصرية (مصدر سابق)) .

 ونحسب إن نسبة الكتاب إلى إمبيلكوس وإعتباره المؤلف الحقيقي ، أو الأخذ بالرأي الأخر ، والقول إن الكتاب كان من نتاج مدرسة إمبيلكوس . إنه لا يغير من الحقيقة القائلة : إن الطقوس السرية التي كان يمارسها إمبيلكوس وطلابه ، وهي التي الطقوس التي ندد بها إستاذ إمبيلكوس ” فرفريوس الصوري ” ، قد كونت إتجاهاً جديداً للإفلاطونية المحدثة من بعده عامة ، والمدرسة الإفلاطونية السورية خاصة . والواقع إن هذا الإتجاه الذي خطه إمبيلكوس ، سيتلقفه الغرب في عصر النهضة ، ويعتبره جزءً أساساً من تعاليم وعقائد الإفلاطونية المحدثة .

  حقيقة إن القارئ لنصوص طلابه وأتباعه ، وشراح كتاباته يجدهم يمدحونه بنوع من الإطراء المتفرد ويعلون من مكانته . فقد كان ينظر إلى إمبيلكوس كرجل يمتلك “قوى عجائبية” . وفعلاً فأن الأمبراطور ” جوليان ” (331- 363) ، والذي كان يطلق عليه ” الإمبراطور الفيلسوف ” ، كان يعتبر إمبيلكوس ” أكبر من كونه إفلاطون الثاني ” ودعا إلى إنه ” سيتنازل عن كل ذهب ليديا لواحد من حواري إمبيلكوس ” . وخلال عملية بعث فلسفته في القرنيين الخامس عشر والسادس عشر ، فأن الأسم إمبيلكوس إكتسب نوعاً من القداسة ، فكان حين يذكر  ، يشار إليه بأسماء مثل ” الإلهي ” أو ” الأكثر إلهية ” .

  وهناك إفادة في غاية الأهمية عثرنا عليها في بطون السجلات التاريخية ، والتي تنسب إلى الإمبراطور الفيلسوف ” جوليان ” وهو إنه فضل إمبيلكوس على غيره ، وذلك لأن الأخير يؤكد في طقوسه على ” تقديم الضحايا والصلاة ” . وتقديم الضحايا تتضمن ” الطعام ، وذبح الحيوانات ، وربما البشر” (أنظر : هنري هربرت ومارسيل ماسس ؛ الضحية ؛ طبيعتها ووظيفتها ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 1981) . ومن طرف الإفادة التاريخية ، هو إن طقوس أمبيلكوس تشمل تقديم الضحايا للآلهة (ذبح الحيوانات) وهنا تقاطع الأستاذ فرفريوس الصوري النباتي والذي يحرم أكل لحوم الحيوانات (شأنه شأن فيثاغوراس) مع تلميذه إمبيلكوس ، فكان النقد والشجب و” عدم الإتفاق ” بينهما .

  ولهذا سنقدم قراءة لكتاب الأسرار المصرية ، وذلك سعياً لبيان هوية الإتجاه الجديد الذي خطه إمبيلكوس للإفلاطونية المحدثة ، وبالتحديد من خلال الطقوس الشعائرية والذي عززه أعضاء مدرسته السورية ، كتابة وطقوساً ، ومن ثم شاعت كإتجاه جديد للإفلاطونية المحدثة . كما سنضع لأول مرة في دار الثقافة العربية ، وفي متناول القارئ والباحث العربي ، نصاً أكاديمياً تناول الإتجاه الجديد الذي أرسى قواعده إمبيلكوس لإفلاطونيته المحدثة والتي أخذت تعرف بالمدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة . ولهذا سار البحث في منحيين : 

أولاً- الثيورجيا أو الأسرار المصرية

   في البدء لابد أن نشير إلى إن معنى ” ثيورجيا ” قد رسم معالمه الخاصة الفيلسوف إمبيلكوس ، وذلك حين حدد دلالاته في كتاب ” الأسرار المصرية ” عندما قال :

” إن الثيورجيا له صفة مزدوجة ؛ فهو من طرف شعائر وطقوس يقوم بتنفيدها الناس للمحافظة على النظام الطبيعي في الكون . وهو من طرف آخر قوة منحتنا إياها الرموز الإلهية التي تجلت خلال الشعائر ، والتي إرتبطت في طرفها العالي بالآلهة . والتي تتمثل بحالة تناغم وإنسجام حول نظامها . وهذا المظهر الأخير ، هو الذي نطلق عليه بدقة  .. شكل الآلهة ” ( إمبليكوس ؛ الأسرار المصرية ، 184 ، 1-8).

   كما إن ” ثيورجيا ” يدل على ” العمل الإلهي ” .  ويبدو إنه جاء من مصدرين ؛ الأول شرقي عراقي والثاني غربي يوناني . ومن جهة المصدر الشرقي العراقي ، فأن السجلات التاريخية الأولى تذكر إلى إن ظهور هذا الإصطلاح جاء من الكتابات الإفلاطونية المحدثة التي تنتمي إلى منتصف القرن الثاني الميلادي ، وذلك أثناء حديثها عما يسمى بالوحي الكلداني – البابلي العراقي الممزوج بعض الأحيان بالزرادشتي الفارسي ، والذي وجد في قصيدة شعرية لم تتوافر لكتاب تلك السجلات التاريخية يومذاك (أنظر: روث ماجريك ؛ الوحي الكلداني: دراسات في الدين اليوناني والروماني ، نشرة بريل ، ليدن 1989 ، المجلد الخامس). إن هذا المعنى يحدد  المصادر الشرقية لإصطلاح الثيورجيا . أما مصادر الثيورجيا الغربية ، فهي الفلسفة الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً إمبيلكوس .وربما إنتقلت أطراف من تجارب الوحي الكلداني – البابلي العراقي إلى دوائر التفكير الإفلاطوني المحدث من خلال قراءة كتب الهرامسة التي كانت متداولة يومذاك (للإطلاع على الحركة الثقافية الروحية التي ولدتها الكتب الهرمسية ، أنظر : كيرث فودين ؛ هرمس المصري : مشروع تاريخي للعقل الوثني المتأخر ، نشر مطبعة جامعة برنكتن 1993) .

    ورغم ذلك فإنه من الصحيح كذلك إن تجارب الوحي في معبد دلفى الآثيني اليوناني كان مصدراً يونانياً خالصاً للإفلاطونية المحدثة (أنظر: ويليم برود ؛ الوحي : الأسرار الضائعة والرسالة السرية لدلفي القديمة ، نشرة دار بنجوين ، نيويورك 2006) .  ومن هنا تأتي أهمية كتابه الثيورجيا أو الأسرار المصرية الذي ضم بين دفتيه تجارب الوحي الكلداني المعجونة بتعاليم الهرامسة ، وتجارب الوحي في معبد دلفى إضافة إلى الخيار والتجربة الخاصة لفلاسفة الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً إمبيلكوس وطلاب مدرسته السورية .

   جاء كتاب الأسرار المصرية الذي ينسب إلى إمبيلكوس ، كإستجابة منه على الإنتقادات التي وجهها له ولطلابه إستاذه الفيلسوف الإفلاطوني الأول ” فرفريوس الصوري ” ، والتي يقال إن الأخير بعثها له في رسالة ، والتي عرفت في مكونات كتاب الأسرار المصرية برسالة فرفريوس .

 ترجم الأستاذ أليكسندر وايلدر كتاب الثيورجيا أو الأسرار المصرية من اليونانية إلى الإنكليزية في نهاية العقد الأول من القرن العشرين ، وطبعته دار النشر الميتافيزيقية ، نيويورك عام 1911 . حقيقة إن هذا الكتاب تألف من مقدمة وعشرة أجزاء ، والكتاب برمته تكون من تسعة عشر فصلاً :

الفصل الأول كان مقدمة الكتاب ، وجاء بعنوان ” رسالة فرفريوس إلى النبي أنيبو “

وهذا الفصل – المقدمة الذي يبدأ بتحية من فرفريوس إلى النبي أنيبو (ويبدو لي إن إمبيلكوس وطلاب مدرسته كانوا يسعون إلى إكتساب شرعية من فرفريوس لدعم نزعتهم التي ترجح الثيورجي) . نقول إن المقدمة درست الجوانب الآتية : الآلهة وصفاتهم ، الأجناس العليا وتمظهرهم ، الوحي وطبيعته الآلهية ، الصلاة لدعوة القوى السرية (السحرية) ، تقديم الضحايا والصلاة ، شروط النتائج الناجحة ، الأسماء المقدسة والإشارات الرمزية ، العلة الأولى ، السكان الأصليون والأرواح الحارسة ، النجاح الحقيقي .

  كان الجزء الأول من كتاب الأسرار المصرية ، بعنوان ” الآلهة وصفاتهم ” وضم  ثلاثة فصول وهي :

الفصل الثاني وحمل العنوان الآتي ” رد المعلم إبمامنون على رسالة فرفريوس إلى النبي أنيبو ” . وبدأ الفصل بمقدمة تحدثت عن هرمس (وهو ذاته إله المصريين ” توث ” ، وهو رب التعليم والطب ، والذي يسجل أعمال الأحياء والموتى ..) . ومن ثم تحول الفصل إلى مناقشة قضايا من مثل : خطة للمناقشة ، والتي إستهلها بالقول ” إننا سوف نضع أربع أو ثلاث من الآراء المتوراثة عن الحكماء الأشوريين والمتعلقة بالمعرفة الصادقة أو الحقيقية .. ”  ، وضم هذا الفصل حديثاً عن صورتين من المعرفة ، صفات الأجناس (من الرس = الأصل) العليا ، ترتيب الأنظمة العليا ، والذي تكون من : النفوس ، الأرواح الشريرة والأبطال أو ” نصف الآلهة ، ومن ثم إنتهى الفصل بمعالجة ما أسماه بالأجناس (من الرس) المتوسطة .

أما الفصل الثالث فجاء بعنوان ” الأجناس (الرس) الأعلى ” ومن ثم أضيف إليه عنواناً فرعياً ” صفات الآلهة والنفوس ” . وبدأ في التمييز بين الآلهة والنفوس .. فقال ” الأول (الآلهة) هي الرأس الأعلى والكامل . أما الآخر (النفوس) فهي الأدنى والناقصة . وإحتوى الفصل على معالجات من مثل : التمييز بين الأجناس العليا ، كيف تحدد مكانة الأجناس الآلهية ؟ ، والموجودات الأعلى لاتصنف على أساس إنها موجودات ” لا تتفاعل ولا تنفعل ” .

وجاء الفصل الرابع بعنوان ” الشعائر ، الرموز والتقديمات ” . والحقيقة إن الفصل بدأ بسؤال : ” لماذا كانت العديد من الإحتفالات تاريخياً ، تتم في شكل من الشعائر المقدسة ، وكأن الآلهة خلالها تتمايل بإنفعال ” . ويأتي الجواب ” أنا أعتقد إن مثل هذا الكلام ينقصه الفهم الذكي للتقنيات المقدسة للأسرار ” . وعالج الفصل الجوانب : ماذا تحقق دعوات الآلهة ؟ ، الشعائر الهادئة (السلمية) ، ضرورات الآلهة ، الإبتهالات ومنافعها ، نقد التصنيفات ، آلهة السماء ليست مادية ، الآلهة في السماء لا تسبب الكوارث والموت ، تشترك الآلهة في جوهر واحد ، ضروب أخرى من التمييز ، التصنيفات المردودة (المرفوضة) .

وتكون الجزء الثاني من فصلين ، وجاء بلا عنوان . وهذان الفصلان هما :

الخامس والذي حمل العنوان الآتي : ” الأجناس (الرس) الأعلى وتمظهرهم ” . ولاحظنا إن الفصل دخل مباشرة في معالجة موضوع ” الأرواح وأنصاف الآلهة التي تختلف في جوهرها ” . إضافة إلى إنه درس الموضوعات الآتية : الطاقات الروحية ، التمظهر و الظهور (خصوصاً الآلهة ، الملائكة ، كبير الملائكة ، الأرواح أو النفس) ، الظهور خلال الشعائر والطقوس ، الأجناس العليا والعلاقة بالمادة ، وأخيراً المنافع التي يمكن الحصول عليها من الظهور .

أما الفصل السادس فقد جاء بعنوان ” النظام السائد في الشعائر ” . وعالج الموضوعات الآتية : الآلهة المرافقون للآلهة ، والملائكة الذين يحيطون بهم ، يرافق كبير الملائكة مجموعة من الملائكة ، وربما يتقدمون عليه أو يصطفون في خط واحد معه .. ومن ثم نظر الفصل في ” الظواهر الآخرى التي تكون ملازمة للشعائر ” وما يمكن ” إكتسابه من الأجناس الأعلى ” ، وتحول الفصل إلى دراسة ” كلام الإفتخار والصور الخادعة ” ومن ثم ” التوحد مع الربوبية ” .

وتألف الجزء الثالث الذي جاء بلا عنوان ، من ثلاثة فصول وهي السابع والثامن والتاسع . كان الفصل السابع بعنوان ” أصول الفن الإلهي ” والذي تناول الموضوعات الآتية : الإلهام والأحلام ، الإلهام وشفاء الأمراض ، المناطق المحددة لعمل العقل والنفس ، علامات الإلهام الحقيقية ، علامات أخرى مثل إرتفاع الجسم في الهواء ، نزول الروح الإلهي والنار ، الحماس والإلهام الإلهي ، أصول النشوة الإلهامية ، الموسيقى والشعائر السرية ، الإلهام والإثارة الفائقة ، وأخيراً الوحي .

وعالج الفصل الثامن الذي حمل العنوان الآتي ” الفن الإلهامي الكلي ” ، محاور مهمة مثل : الإلهام الزائف ، ضروب مختلفة من الغيبوبة ، الإلهامات الحاضرة في الشعائر ، الإلهام الخالص عمل إلهي ، الإلهام ليس بملكة من ملكات النفس ، الإلهام ليس بحقيقة مزدوجة . ودرس الفصل التاسع الذي جاء بعنوان ” الأرواح أو الآلهة الآرضية ” (وهي غالباً ما تكون شريرة) ، الموضوعات الآتية : الأحلام المتعلقة بالوحي ، شروط خاصة : النفس ليست مصدراً للإلهام ، المرض ليس عاملاً له علاقة بالآلهام ، فيما يتعلق بالإلهام العالي والحقيقي ، ليس الإلهام من الطبيعة ، ليس فن ، وليس من الشعور ، فيما يتعلق بالأصنام والتجسيد المادي للآلهة ، الأصنام غير الثابتة ، غياب الصفة الآلهية من الأصنام ، الإلهام الصادق والإلهام الكاذب .

تكون الجزء الرابع والذي جاء بعنوان ” الإبتهالات في الشعائر السرية ” ، من فصل واحد ، وهو الفصل العاشر والذي حمل العنوان الآتي ” فيما يتعلق بالقوى التي يتم الإبتهال لها ” . وناقش هذا الفصل عدة موضوعات مثل : لماذا الأرواح ملكات مأمورة (منقادة بغيرها) ، إقتراحات فيما يتعلق بالإبتهالات ، العاقبة والأمراض التي سببتها الحياة السابقة ، الخير يأتي عن طريق الآلهة فقط ، عمل الأرواح الشريرة ، تعاون أطراف مختلفة من الكون ، العديد من الأشياء وجدت بعفوية ، الربوبية ليست صانعة للأخطاء ، العفة وضبط النفس ، مصادر التحلل وفقدان ضبط النفس ، عدم ضبط النفس والتحلل ناتج من الأرواح الشريرة .

أما الجزء الخامس فقد جاء بعنوان ” تقديم الضحايا والصلوات ” ، وتكون من ثلاثة فصول ، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر . ركز الفصل الحادي عشر والمعنون ” السؤال الواضح ” على المواد الآتية : ليس هناك صراع حقيقي ، فيما يتعلق بتقديم الحيوانات ضحايا ، الآلهة في السماء لا تتأثر بالتمجيد ، فيما يتعلق بالضحايا ، فاعلية تقديم الضحايا في الشعائر المقدسة ، الآلهة متعالية على الطبيعة .

وجاء الفصل الثاني عشر بعنوان ” نقد مفاهيم الكهنة المصريين ” والذي درس الموضوعات الآتية : ثلاث مستويات من النماذج الأصلية ، الأرواح الشريرة وليست الآلهة تتأثر بالضحايا ، كيف تكون الضحايا نافعة ؟ تقديم النار ضحية للتطهير ، المفاهيم الصادقة ، نظامين للآلهة ، نوعين من الشعائر المقدسة ، لماذا تكون للعبادة خاصية حسية ؟ تبرير العبادة الحسية ، ثلاث طبقات ، ثلاث طبقات من الآلهة ، حالة التمجيد غير الشائعة على الأطلاق .

أما عنوان الفصل الثالث عشر فقد جاء بعنوان ” فيما يتعلق بالشعائر السرية (الصوفية) والذي عالج القضايا الآتية : الشعائر المقدسة المتعددة الاشكال ، المنفعة من تقديم الضحايا ، نوع شائع من الضحايا ، الآلهة الصادقة التي تكون لكل الناس ، فيما يتعلق بالصلاة .

لم يحمل الجزء السادس من كتاب سر الاسرار أي عنوان ، وتألف من فصل واحد ، وهو الفصل الرابع عشر ، والذي جاء بعنوان ” شروط من أجل نتائج ناجحة ” . وقد درس الفصل الموضوعات الآتية : التلوث من الحيوانات النافقة (الهالكة) ، نجاسة الميت ، الحيوانات والإلهام ، فن الإلهام الزائف ، التهديد الحادث أثناء الشعائر ، التهديد الأقوى ، الأرواح الشريرة هي الحارس الأمين .

في حين إنفرد الجزء السابع بالعنوان القائل ” الأسماء المقدسة والتعبير الرمزي ” والذي تألف من فصل واحد ، وهو الفصل الخامس عشر ، والذي جاء بعنوان ” أصول الرمزية المصرية ” وقد درس القضايا الآتية : شرح للرموز ، الشمس مصدر للطاقة ، الحدود التي لا يمكن فهمها ، لماذا لا يمكن ترجمة الحدود المقدسة الأجنبية ؟

أما الجزء الثامن فجاء خال من أي عنوان ، وتألف من فصل واحد ، هو الفصل السادس عشر ، والذي كان بعنوان ” أسئلة مفروضة ” . وعالج هذا الفصل موضوعات من مثل : الإله الأول وهو إله خالق ، العديد من الأسماء الإلهية هي رموز لموجودات مادية ، موجز التعاليم ، مقدمة لشرح موسع ، الإنسان ذو نفسين ،

التحرر من القدر ، شرح موسع عن الحرية .

وجاء الجزء التاسع بعنوان ” الولادات والرواح الحارسة ” . وهذ الجزء تكون من فصل واحد ، هو الفصل السابع عشر ، والذي حمل العنوان الآتي ” الأرواح الشخصية (الديمن ذو الطبيعة الشريرة على الأغلب) ” . وقد تدارس هذا الفصل مجموعة قضايا من مثل : نقد لنماذج من الأسئلة ، القدر والروح الشخصي ، تفسير علم التنجيم (الأرستولوجي) ، الروح الشخصي ليست بكشف من قبل علم التنجيم ، ، التفسير الحقيقي للأرواح الحارسة ، لكل فرد روح واحدة حارسة ، الروح الحارسة ليست جزء من النفس ، عدة أرواح حارسة ، حول دعوة (الديمن) الأرواح الحارسة .

أما الجزء العاشر فقد حمل العنوان القائل ” السبب الأول ” والذي تألف من فصل واحد ، هو الفصل الثامن عشر ، والذي كان بعنوان ” النجاح الحقيقي ” . وهذا الفصل درس الموضوعات الآتية : نقد لقضايا متنوعة ، فيما يتصل بالكوارث الطبيعية ، الهبة الآلهية ، طريق النجاح الحقيقي عودة النفس إلى عالم الإلوهية ، فيما يتصل بالخير .

الفصل التاسع عشر . والحقيقة لا يوجد مثل هذا الفصل في نص كتاب ” الأسرار المصرية ” . ولكن جاء عنوان بما يشبه الخاتمة ، وه كلمة ” الوداع ” أو ” فيلدكتيري ” . وهي في مجملها عبارة توديع ، بين فيها بأن الكثير من التساؤلات قد تم الإجابة عليها ، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة بين الفن الإلهي والإلهام والشعائر .. ومن ثم بث إلى القارئ الفكرة الأساسية للكتاب ، وهي المشاركة بالمفاهيم الكاملة المتعلقة بالموجودات الإلهية . وحسب إن كل ذلك قد ساعد على قيام نوع من الصداقة الروحية ، كما قال ” بيننا ” . الختام .

  في الحقيقة لا يتوافر لدينا دليل على إن العقل العربي  في العصور العباسية ، قد حصل على ترجمة لهذا الكتاب ، سواء من السريانية أو مباشرة من اليونانية . إلا إن من المستقر القار لدينا إن الفكر الهرمسي ، قد عبر إلى دائرة الثقافة الإسلامية ، ولعل القارئ المهتم في هذا الموضوع من الدراسات المقارنة ، يجد مقالات عنها في كتب الملل والنحل وتواريخ الفكر والفلسفة هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر ، فأن موضوعات كثيرة قد تدارسها كتاب “الأسرار المصرية” قد وجدت لها مضامين مشابهة في عديد من النصوص الأسلامية.

ثانياً- الثيورجيا والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة

   هذه إطروحة دكتوراه جاءت بعنوان ” الثيورجيا أو الطقوس السرية والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة ” تقدم بها الباحث الأكاديمي ” كريكوري شو ” إلى جامعة كلبفورنيا / سانت بربارة ، وكانت تحت إشراف الأستاذ ” بيركر بيرسون ” (1934- ؟) وهو أستاذ متمرس وكاتب لعديد من المؤلفات التي غطت المسيحية الأولى واللاأدرية ، والمسيحية القبطية (المصرية) .. (أنظر: بيركر بيرسون : اللاأدرية والمسيحية في روما ومصر القبطية (بالإنكليزية) ، نشرة دار كلارك للنشر 2004). ومن ثم نشرت هذه الإطروحة  بكتاب تحت العنوان ذاته ” الطقوس السرية والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة ، نشرة مطبعة جامعة بنسلفانيا 1995  .

  ونحسب إنه من المفيد أن نبدأ بحثنا هنا بالإشارة إلى الكلمة التقويمية التي قالها الفيلسوف الإيرلندي ” جون دايلون ” (1939- لازال حيا) بحق هذا الكتاب ومؤلفه.

ودايلون هو أستاذ متمرس في الكلاسيكيات ، وعلم في جامعة دبلن وكليفورنيا وباركلي ، وهو متخصص في تاريخ الإفلاطونية ، والأكاديمية القديمة والرينسانس .. وقد ترجم دايلون وإيما كلارك وآخرون كتاب إمبيلكوس ” الأسرار المصرية ” من جديد ، والذي نشر في أتلنتا عام 2003 . كما ونشر دايلون ” رسائل إمبيلكوس ” في العام 2010 و نشر بتحقيق ممتاز ” النفس عند إمبيلكوس ” في العام 2010 كذلك .

  يقول دايلون : ” إن كتاب جورج شو المعنون (الشعائر والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة) يساعدنا على فهم مكانة إمبيلكوس في تاريخ الفكر ، خصوصاً مفهومه للشعائر والطقوس السرية ، والذي يبدو لنا على إنها ” نوع من الضلال العقلي ” . إلا إن شو في الحقيقة نبهنا إلى إنه من الممكن النظر إليه على إنه ” مشروع متناغم مع الحقيقة ” . كما إنه مختلف عن اللاهوت المقدس المسيحي ، وبذلك وضع شو الشعائر على طاولة البحث ” . 

  لقد تألف الكتاب حقيقة من مدخل وأربعة فصول وخاتمة . ونحسب إن المدخل شكل مقدمة في غاية الأهمية ، ولذلك سنسعى إلى عرض القضايا التي ناقشها المدخل ، ومن ثم سنعرج إلى فصول الكتاب قراءة . حمل المدخل عنواناً في غاية الأهمية ، وهو يكشف عن حال الفلسفة اليونانية عامة ، والمحنة التي تواجهها الإفلاطونية المحدثة خاصة . فقد جاء المدخل بعنوان ” المحافظة على نظام الكون ” . إن العنوان يشير إلى إن هناك مواجهة حادة ومصيرية قد وقعت بين معسكرين : معسكر الفلسفة والذي تقوده الإفلاطونية المحدثة ومعسكر الديانة المسيحية والذي ينفذ ستراتيجيته جماعات من الرهبان المتحمسين . ولابد من تنبيه القارئ هنا من اللغة التي يتداولها جورج شو ، فهي لغة فيها إنحياز للثقافة المسيحية ، وفي الوقت ذاته فهي لغة معادية لكل ماهو فلسفي يوناني ، والنظر إللى التراث اليوناني برمته على إنه ثقافة وثنية هرطقية .

  لقد رسم هذا المدخل صورة واضحة عن الصراع بين المعسكرين ، وكشف عن النتائج التي إنتهى إليها . ولذلك سنحاول عرضها في النقاط الآتية :

أولا ً- قاد تداعي الثقافة اليونانية في نهايات القرن الرابع الميلادي ، إلى الإهتمام بمعابد الآلهة وذلك كخيار آخير للمحافظة على التقاليد اليونانية القديمة . فمثلاً في العام 386 تم تحريم تقديم الضحايا للآلهة ، وبدأت عملية منظمة واسعة يقودها الرهبان المسيحين لتدمير الأماكن المقدسة اليونانية (الوثنية كما يقول شو) (أنظر: جورج شو ؛ الشعائر والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة (بالإنكليزية) ، ص 1) .

ثانياً- وفي ظل هذه الأجواء ناشد الخطيب الإنطاكي ” ليبنيس ” (314- 394م والذي ظل على عقيدته اليونانية ولم يتحول إلى المسيحية بالرغم من إن له صداقات مع العديد من المسيحين من ضمنهم الأمبراطور ثيوديسيوس / كم كان له العديد من الطلبة المسيحيين). نقول ناشد ليبنيس الإمبراطور الروماني ” ثيودسيوس ” (357- 395 م والذي شجع على تدمير المعابد ومنع الجمهور من التوجه إليها) قائلاً :

” لقد إنتشر الرهبان كسيل جارف في الأرياف ، وأخذوا بتدمير المعابد ، وإن عملهم هذا هو تدمير للأرياف في الوقت ذاته . كما إن المعابد هي حياة الأرياف ، فحولها شيدت البيوت ونهضت القرى ، وفي ظلالها ولدت الأجيال التي تتوارث الحياة حتى هذه اللحظة . وفي المعابد عقد الفلاحون آمالهم بأنفسم وزوجاتهم وأطفالهم ، وثيرانهم والأرص التي حرثوها وزرعوها . إن مناطق الأرياف التي دمرت معابدها بهذه الطريقة قد ضاعت إلى الآبد ، وذلك لأن الفلاحين فقدوا الدافع والإرادة للعمل . ولم يبق شئ يحث الفلاحين على العمل أو التفكير وذلك لأنه قد أحيل بينهم وبين آلهتهم التي عليها يتوكلون ولآجلها يعملون وبها يزدهرون ” (إعتمد جورج شو في نقل هذا النص على كتاب ليبنيس المعنون ” المعابد القديمة ” والمنقول أصلاً من كتاب سافري المعنون دعاوي الرحمة وصلوات الرجال والنساء في العصر القديم ، نشرة أرمسترونك ، نيويورك 1986 ، ص 200 وأنظر كذلك شو: الشعائر والنفس : إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة ، ص 1) . على كل لقد عكست عبارات ليبنيس السابقة حالة اليأس التي أصابت الثقافة اليونانية يومذاك ، والتي كانت قبل جيلين مفعمة بالأمال العريضة .

ثالثاً- إن تحولات مهمة حدثت لصالح الإفلاطونية المحدثة السورية عامة ، وشخصية الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس ، وذلك بعد إن أصبح البلاط الإمبراطوري تحت تأثير المسيحية ، وبالتحديد خلال حكم الإمبراطور قسطنطين (312- 336م) . وفعلاً فأن العديد من المفكرين قد تحولوا صوب مضارب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس ، وذلك بحثاً وتطلعاً لقيادة فكرية وروحية . وبالتأكيد فأن عبارات التثمين التي قالها واحداً من موظفي الإمبراطور ، بحق شخصية الفيلسوف إمبيلكوس  ، كان لها من الأهمية التاريخية في التعبير عن هذه التحولات التي حصلت لصالح الإفلاطونية المحدثة السورية . وأترك القارئ هنا يستمع ويقيم بنفس عبارات التثمين والمدح الصادرة من دائرة القرار السياسي الإمبراطوري (وأذكر القارئ بأن الفيلسوف إمبيلكوس ملك أشوري ومن سلالة ملوك) :

” إن إمبيلكوس محسن (صاحب فضل) لكل العالم ” ، وهو في الوقت ذاته ” بركة كونية لليونانيين ” ، وبالإضافة إلى ذلك ، فقد ” إختارته الآلهة ليكون المخلص (المنقذ) للعالم اليوناني برمته ” (شو ؛ المصدر السابق ، ص 2) .

رابعاً- يرى جورج شو ، إن ذلك لم يكن مبالغة مقصودة فيها تضخيم لدور الفيلسوف إمبيلكوس . ولكن الحقائق التاريخية اللاحقة تحمل معها تأيداً لذلك . ففعلاً بعد وفاة إمبيلكوس بجيل واحد ، سعى الإمبراطور الروماني ” جوليان ” (332- 363 م ، ويطلق عليه بالفيلسوف ، وهو أخر إمبراطوراً غير مسيحي ، والذي حاول العودة بالإمبراطورية إلى اقيم الرومانية الأولى ، وذلك من أجل وقف تداعيها من الإنهيار..أنظر للتفاصيل : بوليمانيا ؛ جوليان : سيرة ذاتية عقلية (بالإنكليزية) ، نشرة وتليدج ، لندن 1992) إلى تجديد عقائد الإفلاطونية وطقوسها اليونانية ، وذلك في محاولة لوقف الإنحراف الزاحف في مسيرة الأمبراطورية ، والعودة بها إلى تقاليد الأسلاف الرومانية الأولى . ولهذا أعلى الأمبراطور من مكانة إمبيلكوس ، وإعتبره ” فيلسوفاً بمنزلة إفلاطون ” .

  إن هذا التثمين لإمبليكوس ، قاد الإمبراطور جوليان ، وعدداً أخر (مما أسماهم شو بالوثنيين) إلى فهم عميق لتراثهم الديني وطقوسه التقليدية . خصوصاً في فهم النزعة الإفلاطونية المحدثة ، التي قادها إمبليكوس والتي عرفت بالمدرسة السورية . ونقصد ربط إمبليكوس المحكم ” بين طقوس العبادة والتدريب العقلي للثقافة الفلسفية ” ( أنظر : شو ؛ المصدر السابق ) .

خامساً- يحسب جورج شو ، إنه كان من الصعوبة على الفلسفة والعقائد (اللامسيحية) أن تبقى حية فيما بعد القرن الرابع الميلادي . وحقيقة إن الأمبراطور جوليان قد أدرك هذا الأمر ، ولذلك سعى إلى تجديد روح الإمبراطورية الرومانية ، مستعيناً بتراث وتقاليد أسلافه الأوائل (فلسفة وعقائد يونانية) . ولكن على أسس فلسفة وطريقة إمبليكوس . وفعلاً فأن جوليان وخلال فترة حكمه القصيرة (الممتدة من 361 إلى 363) قام بتعمير المعابد اليونانية ، ونشط من جديد نظام كهنة الدولة ، وإضافة إلى طريقة شكر الآلهة تراتيل دينية من كتابات إمبليكوس .

 ولكن هذه العملية الإحيائية التي قام بها جوليان لم تستمر ، وأصبحت جزءً من الذاكرة . فبعد موت جوليان (عام 363) وربما بالتحديد في نهاية القرن الرابع ، إنتهى كل شئ قام به جوليان ، فقد مات العالم اليوناني ، وتم نفي آلهة اليونان من الإمبراطورية المسيحية ، ومن ثم تقلصت أعداد المهتمين بالفلسفة ، وتحولوا إلى نخبة وجماعات صغيرة ( المصدر السابق) .

سادساً- ومن النافع أن نشير إلى إن إمبليكوس ، كان أقل حماسة من الإمبراطور جوليان إلى الإهتمام بالتراث والعقائد اليونانية . حقيقة إن إمبليكوس حاله حال إفلاطون ، فقد إنتقد اليونانيين ، وأعلى من مكانة ، مما أسماه المؤلف ” الشعوب البربرية ” . وإذا كان ذلك إفلاطون ، فأن إمبليكوس لام اليونان ومدح المصريين

، وبين قوة شعائرهم الدينية المتوارثة . يقول إمبليكوس :

 ” إن من الضروري فهم إن المصريين كانوا الأوائل في المشاركة مع الآلهة ، فالآلهة تشكر عندما تستدعى خلال الشعائر والتقاليد المصرية .. ” (المصدر السابق ، ص 3) .

سابعاً- يعتقد جورج شو ، إلى إن إمبليكوس كان مدركاً إلى إن هناك القليل من الأمر ، مما يمكن عمله مع المسيحية بخصوص أزمة القرن الرابع الميلادي . وذلك لأن إمبليكوس مثله مثل إفلاطون قد قبل الحقيقة القائلة : ” إن الأسلوب الجديد سوف لا يفسد التقاليد السابقة والمتجذرة في آلهة الكون ” . ولعل من المفيد الإشارة إلى إن أزمة القرن الرابع الميلادي ، هي التي حملت إمبليكوس إلى إحلال ” الثيوجري / الطقوس (عمل الله) في قلب تعاليم الإفلاطونية في عصره .

  وهذا الرأي يفسر لنا : لماذا فضل إمبليكوس ” الثيوجري ” (كلام الله) ؟ ولماذا إعتقد إمبليكوس في إن علم التنجيم مرتبط بعلاقة حميمة بدعوات إستدعاء ” القوى الطبيعية في الكون ” خلال الطقوس؟ لقد إعتقد إمبليكوس بأن العالم الذي وصفه إفلاطون في محاورة ” طيماوس ” قد فقد وحدته في هذا النوع من الإفلاطونية (المحدثة) ، والتي رفضت ” قدسية العالم ” ورفعت بالمقابل العقل الإنساني فوق حدوده الطبيعية . ووفقاً لإمبليكوس فأن مثل هذه النزعة العقلانية ، قد هددت الإنسان وعزلته من نشاطات الآلهة . وكان العرض الذي قدمه إمبليكوس والمتمثل بالثيوجري (طقوس الله وكلامه) ، هو البلسم الذي سيجدد الإرتباط بالنظام الكوني (المصدر السابق ، ص ص 4-5) .

ثامناً- دافع إمبليكوس عن ممارسة الطقوس والشعائر ، وإعتبرها كجزء من تقاليد الإفلاطونية ومدرسته السورية . وعلى هذا الأساس يحسب جورج شو ، إن أي محاولة لفهم ” طقوس إمبليكوس ” تتطلب متابعة للموضوعات الإفلاطونية التي يشرحها إمبليكوس بنفسه بعناية فائقة . فمثلاً كان إهتمامه المركزي ، هو شرح إفلاطون للكون ، ودوره في التربية ، وتآليه النفس . ومن هنا كان مفترق الطريق بين إفلاطونية إمبليكوس وإفلاطونية الآخرين . فقد كان إحلال النفس في العالم المحسوس ، هو الفيصل القوي بين إمبليكوس والإفلاطونيين الذين الذي أخذوا بطريق الثيوجري / الطقوس والشعائر من طرف والإفلاطونيين الذين رفضوا طريق الثيوجري / الطقوس من أمثال إفلوطين وفرفريوس (المصدر السابق ، ص 5) الصوري المعروف بنقده الشديد لطرائقية تلميذه إمبليكوس ونزعة مدرسته السورية .   أما فصول هده الإطروحة – الكتاب ، فجاءت كمايلي :

  كان الفصل الأول  بعنوان ” المادة والتجسد ” ، والذي درس الموضوعات الآتية : التجسد في التقليد الإفلاطوني ، المادة كآلة كونية ، المادة معوق لتجسد النفس ، وأخيراً الثيورجي (الطقوس) والصانع (الديميرج بالمعنى الإفلاطوني والإفلاطوني المحدث  = الإله الصانع للعالم) (أنظر شو؛ المصدر السابق ، ص ص 19- 52).

  وجاء الفصل الثاني  بعنوان ” الطبيعة وحضور (تجسد) النفس ” ، وفيه قدم الباحث بحثاً لعدد من القضايا منها : هبوط النفس ، النفس كوسيط ، معوقات التجسد ، الحرية والأجسام غير الفانية (الخالدة) ، معضلة التجسد ، الهبون من الأعلى ، وأخيراً الإله إيروس (إله الحب) وأحادية النفس (أنظر: المصدر السابق ، ص ص 59-126) .

  وعالج الفصل الثالث الذي حمل العنوان الآتي ” الطقوس الكونية ” ،  بعض الجوانب الفلسفية المهمة من النظام الفلسفي للإفلاطوني المحدث إمبليكوس ، مثل :  الطائفة (أو النحلة) والكون ، الشعائر والهرم الإنساني ، الشعائر كنظام كوني ، السانثيماتا المادية (والسانثيماتا إصطلاح يصعد إلى التراث الفلكي (التنجيم) والوحي الكلداني (العراقي) . والسانثيماتا تعني حسب المفهوم الكلداني ” أفكار الأباء ” ، والتي لعبت دوراً في نشاطات الإفلاطونية المتوسطة . أنظر: الكيز يوزدينس ؛ مجموع للفلسفة الإفلاطونية والفيثاغورية ، نقلاً عن معجم الإصطلاحات الروحية ، موجود على اللاين . كما تساءل أندرو سميث : عن علاقة السانثيماتا بالمثل الإفلاطونية ؟  وإعترف على الرغم من التشابه بين السانثيماتا والمثل ، إلا إن السانثيماتا تتفرد في عالم مثالي كامل .. أنظر: أندرو سميث ؛ مكانة فرفريوس في تقاليد الإفلاطونية المحدثة ، نشرة مطبعة مارتنيوس نيجوف ، هولندا 1974) . ومن ثم درس الفصل :

السانثيماتا المتوسطة : رؤية الآلهة ، السانثيماتا المتوسطة : تسمية الآلهة ، السانثيماتا العقلية : الرياضيات والنفس ، السانثيماتا العقلية : شعائر الأعداد ، وأخيراً بحث في سانثيماتا الشمس (أنظر : شو ؛ المصدر السابق ، ص ص 127- 228) .

  أما الفصل الرابع وهو الفصل الأخير ، فقد جاء بعنوان ” نحو إفلاطونية عالمية ” ونشعر من خلال العنوان والمضمون للفصل ، إن هناك أهداف متخفية وراء هذا النوع من الإفلاطونية التي يسعى جورج شو إلى تحقيقها ، وهي بالتأكيد ليست دعوة بريئة لصالح الإفلاطونية . ولكن لصالح إفلاطونية تمهد لهيمنة مسيحية عالمية .. وهذا المضموم في إفلاطونية إمبليكوس المحدثة ومدرسته السورية . حقيقة إن الفصل الرابع درس مبحثاً واحداً ، وكان بعنوان ” صياغة إفلاطونية للدين السائد ” (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 229- 237) . وبعد عرض هذه الإطروحة- الكتاب ، نحسب إنه من الضروري أن نقول كلمة بحق الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس ” ، وهي إنه ظل وفياً لأستاذه الأول ، ولم ينسى الدروس التي تلقاها على يده . وللقارئ نذكر بأن أستاذه الأول كان رئيس الأساقفة ” إنتوليوس الإسكندري ” . صحيح إنه تعلم منه العلوم الطبيعية ، وصحيح إنه فتح عيونه  خلال دروسه على الفلسفة الآرسطية . إلا إن المضموم والمستقر تحت قشرة اللاوعي كان أقوى ، وهو إن ” إنتوليوس الإسكندري ” رئيس الأساقفة ، كان رجل يقود الطقوس المسيحية التي تشارك فيها الحشود من المؤمنين المسيحين . ونحسب إن إمبيلكوس قد تعرف على هذه الطقوس على أقل إحتمال وظلت تفاصيلها تعمل في داخل تفكيره . هذا طرف من القضية ، والطرف الآخر إنه لم يكن مقتنعاً بالخط الصوفي العلماني الذي ورثه أستاذه ” فرفريوس السوري ” من حضرة ” إفلوطين ” المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة . ولذلك رغب إمبيلكوس أن تكون لمدرسته الإفلاطونية المحدثة السورية على الأقل طقوساً مصاحبة للتعاليم الفلسفية ، ولكنها بالتأكيد طقوساً غير مسيحية ، فأخترع هذه الطقوس أو الأصح تبناها من التراث الهرمسي الذي كان متداولاً يومذاك ، ومن ثم أخذ بممارستها مع طلاب مدرسته السورية . وبعد ذلك جاءت عملية التدوين لها ، ربما في كتاب عنوانه ” الأسرار المصرية ” .    

كتاب إمبيلكوس السوري” حياة فيثاغوراس ” :

تتوافر أمام الباحث نسختان من كتاب ” حياة فيثاغوراس ” الذي كتبه الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس :

الأولى – قام بترجمتها من الأغريقية ” توماس تايلر ” ، وصدرت من دار ثيوسوفيكل للنشر ، كليفورنيا 1918 .

الثانية – نشرة كاملة لأعمال فيثاغورس ، والتي تألفت من مجلدين ، قام بإكمال ترجمتها ” كينيث سليفان كوثري ” وراجعه ووضع مقدمة له ” ديفيد فيدلر ” وطبعته دار فانز ما بين 1987 و1988 . والمجلد الأول ضم أربعة نصوص عن ” حياة فيثاغوراس ” : الأول حياة فيثاغوراس الذي كتبه إمبيلكوس . الثاني حياة فيثاغوراس بقلم فرفريوس الصوري (وقد تناولناه في بحثنا : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشورة منه أوراق على موقع الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان) والثالث بعنوان ” سيرة مجهولة لفيثاغوراس ” وهي نسخة حافظ عليها رجل الدين العلماني ” فوتوس ” (820- 891 م) وكان أستاذ الفلسفة في أكاديمية أسطنبول ، والذي نفي وعاش في بغداد أو سامراء (والآن نعمل لإنجاز مقال عن العلماني فوتوس ونسخته المعنونة ” سيرة مجهولة الكاتب عن حياة فيثاغوراس “) . والرابع حياة وآراء فيثاغوراس ، الذي كون الكتاب الثامن من موسوعته المعنونة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” التي تألفت من عشرة كتب (أنظر محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشورة منه أوراق على موقع الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان) . ولكون النشرة المتداولة لكتاب ” حياة فيثاغوراس ” بقلم تايلر ،  قد تضمنتها نشرة  ” كينث كوثري ” . لذلك فضلنا الإعتماد على نشرة كوثري في هذا البحث .

  شكل كتاب إمبليكوس ” حياة فيثاغوراس ” أو ” الحياة الفيثاغورية ” كما أضاف تايلر وتابعه كوثري في هذا المضمار الجزء الأول من النشرة المعتمدة . تقدم نص إمبليكوس ، دراسة مقتضبة كان هدفها التمهيد وإلقاء الضوء على بعض النقاط المهمة في حياة إمبليكوس الفكرية . ونحسب إنه من النافع إن نشير إلى بعض من هذه النقاط وبالصورة الآتية :

أولاً – صحيح إن إمبليكوس كان فيلسوفاً إفلاطونياً ( ونضيف إفلاطونياً محدثاً) ، إلا إنه في الوقت ذاته يعتبر نفسه ” فيلسوفاً فيثاغورياً ” . والحقيقة إن هذه المسألة كانت معلماً يميز عدداً كبيراً من الإفلاطونيين المحدثين . ونلحظ إن منهم من يصرح علانية بفيثاغوريته ويعلي منها في تفكيره . ومنهم من يستبطنها في طوابق مختلفة من مكونات نظامه الفلسفي . وفعلاً هذا معلن عند فرفريوس الصوري ونزعته في تحريم أكل لحوم الحيوانات ونزعته النباتية التي هي جزء من تعاليم فيثاغوراس وأسلوب حياته . وإمبليكوس كان مثالاً آخراً ، فقد إستخدم الأاعداد والرياضيات الفيثاغورية إسلوباً في شرح إفلاطونيته المحدثة .  ولعل قارئ نصوص إمبليكوس يلحظ بوضوح إعتماده على الأعداد الحسابية والأشكال الرياضية الفيثاغورية .

ثانياً – كتب إمبيلكوس موسوعة تتألف من عشرة مجلدات ، دارت جميعها حول ” الفكر الفيثاغوري ” . وكان المجلد الأول بعنوان ” حياة فيثاغوراس ” ، وهوموضوع هذا الجزء من بحثنا . وكان الجزء الثاني بعنوان ” فيما يتصل بالتفسيرات الفيثاغورية ” والذي يتضمن ” الحض على الفلسفة ” ولذلك غالباً ما يطلق على هذا الجزء بالحض على الفلسفة . وهو في مجمله خلاصة تتحدث عن الفوائد التي تتوافر في الحياة الفلسفية ، إضافة إلى أنه قدم شرحاً تفصيلياً لتسع وثلاثين رمزاً من الرموز الفيثاغورية . وإحتوت المجلدات الباقية ؛ أعمال إمبليكوس الفيثاغورية ، والتي شملت العلم الرياضي العام ، مدخل إلى علم الحساب عند نيكوماخوس ، ولاهوت الأعداد .

ثالثاً – ينظر إمبليكوس إلى فيثاغوراس على إنه ” الأب الروحي للفلسفة ” ، وهو الذي كشف لحوارييه مبادئ الحياة الفلسفية . إضافة إلى إنه كان يهدف من مجمل الدراسات الفلسفية ، إلى تطهير العقل ” من الأدران التي تسربت إليه ” .

رابعاً – توافرت عند إمبليكوس نزعة شخصية ، سعت إلى قراءة فيثاغوراس بعيون إفلاطونية محدثة . والحقيقة إن الكثير من مصادر إمبليكوس ، التي زودته بزاد معرفي عن الفيثاغورية ، كانت مصادر قديمة . وإذا كان هذا ما يخص إفلاطونية إمبليكوس المحدثة ومدرسته السورية . فإننا نحسب إن النظام الفلسفي للإفلاطونية المحدثة برمته متخماً بأثر الفكر الفيثاغوري أو الفيثاغوري المحدث .

  وبعد فأن كتاب ” حياة فيثاغوراس ” الذي دونه الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبليكوس في نشرته الحالية ، والذي يتألف من ست وثلاثين فصلاً . والحقيقة إن معظم هذه الفصول ، كانت فصولاً قصيرة . وهنا نقدم تعريفاً لها وبالشكل الآتي :

الأول – أهمية الموضوع :

   كان هذا الفصل ، فصلاً قصيراً جداً ، ونحسب إنه مقدمة لهذا الكتاب ، حيث إنه تألف من عشرة أسطر ونصف فقط . وبدأ إمبليكوس الفصل قائلاً :

” كانت عادة االحكماء ، الإبتهال إلى الآلهة في بداية أي درس أو تأمل فلسفي . ومن ثم تحولت هذه العادة إلى تقليد يصاحب الدرس الفلسفي ، خصوصاً بعد فيثاغوراس الإلهي . ولما كانت الفلسفة صادرة من الآلهة ، فهي لا تدرك دون إلهام الآلهة ومساعدتهم . إضافة إلى إن جمال الآلهة وجلالها يتخطى كل الإمكانيات البشرية ، لهذا فأن الفلسفة لا يمكن أن تفهم بلمحة واحدة .

 وتدريجياً يمكن أن نكتسب بعض تفاصيل الفلسفة ، وبعون من النعمة الآلهية وتوجيهاتها ، نصبح قادرون على معالجة الموضوع بعقل هادئ . كما إن الإبتهال بالنعمة الآلهية ، وتكييف أنفسنا وتعديل أساليبنا وبما يتناغم والمناسبات الإلهية ، سيمكننا من الإذعان وقبول كل الأراء التي وردت إلينا .

  ولكل ذلك سوف لا نبدأ بحثنا بأي إعتذار يبرر الإهمال الذي تعرضت له هذه الطائفة (الفيثاغورية) ، ولا نردد ما قالته الكتابات الكاذبة . ولا ندافع عن المعوقات الخاصة التي سدت الطريق أمام تطورها . وبالنسبة لنا ، فإننا نحسب إن هذه هي إرادة الآلهة ، التي مكنتنا من التعهد بهذه المهمة وإنجازها بكل جرأة . وقد إعترفنا بأن هدفنا الأول هو الخضوع إلى الآلهة . والثاني هو تخصيص البحث عن ” أمير ” و ” أب ” الفلسفة ورائدها (فيثاغوراس) . ومن هنا كانت مهمة البحث البدأ بدراسة لأسلافه وقوميته ” .

الثاني – شباب فيثاغوراس ، تعليمه ورحلاته العلمية :

    يلحظ قارئ هذا الفصل ، إن الفيلسوف إمبليكوس لم يفصح صراحة عن المصادر التي إعتمد عليها في كتابة ، على الأقل وهو يتحدث عن حياة في فيثاغوراس ؛ أسلافه ، مراحل تعليمه ، ومن ثم رحلاته العلمية . وإذا حاولنا الإستناد إلى هذه الجزئية من كتاب إمبليكوس ، وقارناه بالفصل الذي كتبه أستاذه ” فرفريوس الصوري ” ضمن فصول كتابه الذي حمل العنوان ذاته ” حياة فيثاغوراس ” . ممكن القول دون تردد إن فرفريوس الصوري كان ملتزماً بقواعد التآليف ، فقد ذكر أسماء المصادر التي إستمد مادته العلمية ، وهو يتحدث عن حياة فيثاغوراس ، أسلافه ، تعليمه وأساتذته ..(أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، أوراق منشورة منه على موقع الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان / وسينشر في العدد الثاني من مجلة أوراق فلسفية / ربيع 2011) . في حين إن تلميذه الفيلسوف إفلاطوني المحدث إمبليكوس ، كان متساهلاً مع قواعد التأليف والتدوين ، فلم نجده يذكر صراحة عناوين الكتب التي إعتمد عليها في تأليف المادة العلمية لكتابه ” حياة فيثاغوراس ” ولا أسماء المؤلفين لهذه الكتب . ولكن إمبليكوس في الوقت ذاته يخبر القارئ لهذا الفصل بأنه نقل مادته من مصادر ما . ولعل عبارته التي بدأ فيها هذا الفصل تؤكد على هذا النمط من المنهجية في الكتابة والتأليف . يقول إمبليكوس :

” إن الشائع من أخبار منقولة ، هو إن ” أنكوس ” كان يسكن جزيرة ساموس في كافلينيا (وهي من أكبر الجزر الآيونية في غرب اليونان) وهو من سليل ” زيوس “

(وفقاً للإسطورة اليونانية ، هو ” أب الألهة والبشر ” . أنظر : آرثر كوك ؛ زيوس : دراسة في الدين القديم (ثلاث مجلدات) ، نشرة بايبلو ، نيويورك 1964) . ومن هذا الأصل النبيل ، جاءت فضائل ” أنكوس ” خصوصاً في رجاحة العقل والكرم ، والتي مكنته من أن يبز(يتخطى) جميع الكافلينيين في الحكمة والسمعة الحسنة .

 وقد أخبر الوحي كاهنة معبد دلفى ، من أن أنكوس سيقوم ببناء مستعمرة في  أركديا (تقع في مركز الجزء الشرقي من شبه جزيرة بيلبونيز) وتسالي (تقع في مركز اليونان) ، وجلب معه أعداداً من سكان أثينا ، إبداروس (تقع على ساحل بحر إيجه)

وكالكس (مدينة يونانية تقع في سوريا أو لبنان وربما اليونان القديمة ، وفيها ولد الفيلسوف إمبليكوس موضوع بحثنا وإليها ينتسب) . وتميزت أرض هذه الجزيرة بالخصوبة العالية وكثرة النباتات التي تغطيها ، ولذلك أطلق عليها إسم ” أرض السواد” . وكان يطلق على المدينة ” ساموس ” التي هي جزء من كافلينيا . أما كلمات الوحي فقد جاءت هكذا :

” أنا أمرك يا أنكوس ، أن تستعمر ساموس الجزيرة البحرية ، وتطلق عليها إسم ” فيلاس ” .

ومن عائلة أنكوس المؤسس لهذه المستعمرة وتحالفاته ، جاءت سلالة والدي فيثاغوراس : وهما كل من ” مانسركس ” وأمه ” بيثاس ” . وفيثاغوراس هو إبن ” أبولو ” الإسطوري (وأبولو كان إلهاً) . ولهذا تغنى الشاعر معتمداً على ما هو شائع من إصول فيثاغوراس النبيلة ، فقال مفتخراً :

       ” بيثاس صاحبة الإصول الساموسية (نسبة لمدينة ساموس) العالية

        التي تتسامى إلى عرش الإله أبولو

       والتي حملت فيثاغوراس ، خليل الإله زيوس ” . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف  2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

بحث في أنماط من الإفلاطونيات المُحدثة المتنوعة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  ظهرت نزعات إبستمولوجية متنوعة بعد هيمنت الإتجاه العلماني للفيلسوف المعلن عن الإفلاطونية المحدثة فرفريوس الصوري ، والإتجاه الثيورجي الذي قاده تلميذه الملك الفيلسوف إمبيلكوس مؤسس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة . ونلحظ في هذه الأنماط بروز نزعات نقدية وتقويمية للإتجاهين السابقين من طرف ، ونزعات عادت إلى الجذور الأولى للإفلاطونية المحدثة ، التي ظهرت في الإنجيل الفلسفي الأول الذي عمل على جمعه ونشره فرفريوس الصوري ، والذي نعني به كتاب تساعيات إفلوطين

هبيشا الإسكندرانية : تصادم الإفلاطونية المحدثة مع العقيدي الوافد

     كانت شهيدة الفلسفة هبيشا (350 أو 370 – 415 م) فيلسوفة يونانية إسكندرانية ، عاشت في مصر الرومانية ، درست العلوم الرياضية التي كانت تعد مدخلاً ومقدمة لدراسة العلوم الفلسفية ، على يد والدها عالم الرياضيات ثيون (405 – 335 م) ، وهو باحث يوناني وآخرعالم في الرياضيات أرتبط إسمه بمتحف الإسكندرية (وهو معهد علمي عال تلتحق به مكتبة عامرة يومذاك) (انظر : فريزر ؛ إسكندرية البطلميوسية ، 1972 ، ص ص 219 – 213) . قام بنشر وتعليم كتاب الأصول لإقليدس (ولد عام 300 ق.م) وجداول بطلميوس(168 – 90 م) الفلكية. 

وقد قامت هبيشا برحلات علمية ، إستهدفت البحث  والدراسة ، إلى كل من أثينا وإيطاليا (أنظر: جانيت بولس وديانا لونك ؛ القاموس التاريخي للحركة النسوية (بالإنكليزية) ، ص 166) وقبل أن تصبح رئيسة للمدرسة الإفلاطونية (المحدثة) في الإسكندرية بحدود العام 400 م (أنظر: آثلين فير وكريك باتك ؛ أمهات الإبداع : هبيشا الإسكندرانية (شهيدة العقل النسوي) ، 1988 ، ص ص 24 – 26) .

  وينظر إلى هبيشا إلى أنها أول أمرأة إشتغلت في العلوم الرياضية ، كما إنها كانت معلمة للفلسفة وعلم الفلك (أنظر: سو توهي ؛ حياة رائعة وموت تراجيدي للفيلسوفة هبيشا (بالإنكليزية) ، إنكلترا 2003) . وكانت تنتمي إلى تقاليد التعليم الرياضي لأكاديمية أثينا والذي يمثله إيدوكس كندوس (355 – 410 ق.م) وهو عالم رياضيات وفلك وتلميذ إفلاطون (أنظر: هبيشا الإسكندرانية ، الفيلسوفة الشهيدة (حديث) الإذاعة البريطانية ، 4  نيسان 2009) . 

   أما الأعمال الفلسفية التي كتبتها الفيلسوفة هبيشا ، فأنها من وجهة نظر الباحثين تعد عملاً مشتركاً تم إنجازه من قبلها ومن قبل والدها الفيلسوف ثيون الإسكندراني ، منها :

1 – شرح يتألف من ثلاثة عشر مجلداً لعلم الحساب كتبه ديوفانتوس الإسكندراني  (عاش مابين 200 و214 وإلى 284 او 298 م)  وهو الأب الروحي لعلم الجبر ، وهناك من يرى إنه بابلي او كلداني (عراقي) تشرب الثقافة اليونانية (أنظر: سودا الموسوعة البيزنطية ، 166وكذلك حياة هبيشا من سودا ، ترجمة جيرمايا قيدي ، مجلة الكونيات 1993) 

2 – شرح على كتاب أبولونيوس (190 – 262 ق.م وهو عالم في الهندسة وعلم الفلك)  في الأشكال المخروطية (أنظر: المصدر السابق).

3 – نشرت نسخة معدلة لكتاب بطلميوس الذي سبق أن شرحه والدها ثيون الإسكندراني (أنظر: مريا ديسلسكيا ؛ هبيشا الإسكندرانية ، ترجمة أف . لايرا ، مطبعة جامعة هارفارد 1995 ، ص ص 71 – 72) ولهذا الكتاب سمعة عالية في التراث العلمي العربي الإسلامي ، والمشهور ” بكتاب المجسطي ” والذي كانت له سلطة علمية قرابة ألف عاماً ، وهو كتاب في علم الفلك ويعرض موديلا هندسيا لحركة الكواكب والنجوم.

4 – صححت ونشرت شرح والدها على كتاب الأصول لإقليدس (أنظر: حياة هبيشا من سودا) . وأقليدس هو واحد من علماء الرياضيات في مدرسة الإسكندرية ، وان كتاب الأصول يتألف من ثلاثة عشر جزءً ، وان المطالع لهذه الأجزاء يستنتج بأن كتابة هذه الأجزاء قد أتم كتابتها أكثر من مؤلف واحد (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة أدآب الرافدين ، كلية الآداب – جامعة الموصل العدد التاسع 1978 ، ص 141 ومابعد) .

5 – وكتبت نص مؤلف بعنوان : القانون الفلكي (أنظر: حياة هبيشا من سودا)

  كما ولها إسهامات في العلم تشمل دراسة الأجسام السماوية ، وإختراع أداة لقياس الرطوبة . كما إن تلميذها سينسوس رئيس القساوسة سابق الذكر ، قد كتب رسالة دافع عنها كمخترعة لألة الأسطرلاب . كما أن والدها قد أكتسب سمعة في رسالته التي بحثت في موضوع الأسطرلاب أيضاً (أنظر: سو توهي ؛ المصدر السابق ، وكذلك : أثيليا فير وكرك باتك ؛ المصدر السابق ) (للتفاصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثالث ، خريف 2011) .

هيركلس الإسكندراني : الإفلاطونية المحدثة المعارضة للثيورجيا

   رجح الفيلسوف الإفلاطوني المحدث هيروكلس الإسكندراني (كان نشيطاً في العام 430 م) مشروعاً علمانياً وذلك من خلال نقده للثيورجيا والسحر ، ولذلك دفع ثمناً باهضاً كلفه السجن ، ومن ثم التغييب إلى الأبد . وهو كاتب إفلاطوني مُحدث ، وتعلم في أثينا تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث بلوتارك الأثيني (350 – 430 م ، والمعروف بشروحه على أرسطو وإفلاطون ، وهو وطلابه يعتبرون أنفسهم ، حواريون للفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس . وهذا مسألة بالغة الأهمية سيتقاطع فيها التلميذ هيركلس مع أستاذه بلوتارك ، أنظر للتفاصيل : كوسمان أندرن ؛ بلوتارك الأثيني / منشور في إنسكلوبيديا روتليدج (إشراف جورجيا أربي وأخرون) ، روتليدج 2008) . وتخبرنا المصادر التاريخية بأن هيركلس تعرض للمساءلة في القسطنطينية ، ورمي به في السجن وإنقطعت أخباره (وهناك إحتمال بأنه مات أو قتل) .

  ونحن محظوظون جداً بهذا الرمز الإفلاطوني المحدث لسببين ؛ أولهما إن عملاً كاملاً من أعماله قد وصلنا محفوظاً . وهو في الحقيقة شرح على أشعار فيثاغوراس الذهبية . والثاني إن هيركلس يقدم لنا شهادة قوية على إستمرار التقليد الإفلاطوني المحدث ، وهو الإحتفال بفيثاغوراس والفيثاغورية (هظا الحال حدث من قبل مع الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري ، الذي كتب مؤلفه الشهير حياة فيثاغورارس ، ومن ثم تجدد المشروع الإحتفالي الإفلاطوني المحدث مع الفيلسوف إمبيلكوس ، والذي كتب مثل أستاذه فرفريوس كتاباً بعنوان حياة فيثاغوراس .

  والحقيقة إن كتاب هيروكلس (شرح على أشعار فيثاغوراس الذهبية) ، قد حقق سمعة عريضة في العصور الوسطى ، وعصر النهضة ، حيث ترجم إلى معظم اللغات الأوربية . كما وهناك كتابات أخرى للفيلسوف هيروكلس مثل في القدر والعناية الألهية (أنظر : سشبيلي هرمان ؛ هيروكلس الإسكندراني / نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2002) . وعلى الرغم من إن هيروكلس لم يذكر شيئاً في كتاباته عن المسيحية ، فقد نُظر إلى كتاباته على إنها محاولة للمصالحة بين التقاليد الدينية اليونانية (بالطبع الوثنية بالمنظار المسيحي) والعقائد المسيحية . وربما لهذا السبب واجه تحقيقاً في القسطنطينية ، فزُج به بالسجن ، ومن ثم التغييب من الحياة على يد المؤمنين الذين يخافون الله الواحد القهار .

 ولاحظنا بأن هناك إشارات وردت في المصادر التاريخية (ربما هي السبب وراء سجن وتغييب هيروكلس) ، تدل على معارضته للثيورجيا والسحر (والثيورجيا هي كتاب الأسرار المصرية ، وهو نهج إحتفالي طقوسي تبناه الفيلسوف إمبيلكوس وحوارييه ، وندد به فرفريوس الصوري) . والحقيقة هذه المعارضة وضعت هيروكلس ومن ثم نهجه الفلسفي في شاطئ لا يتناغم والتوجهات الفلسفية لإستاذه بلوتارك وحوارييه الذي يؤيدون مشرع إمبيلكوس الإفلاطوني المحدث .

  وبالتأكيد هذه المعارضة للثيورجيا والسحر تذكرنا بالنقد والتنديد الذي قام به فرفريوس الصوري ، والذي على أساسه كتب إمبيلكوس كتابه  الثيورجيا أو الأسرار المصرية (للتفصيل أنظر المحور المعنون الفيلسوف إمبيلكوس : رئيس الإفلاطونية المحدثة السورية) . ونحسب في هذه النقطة ، هيروكلس جانب بلوتارك وحوارييه وإمبيلكوس ، وتساند مع المشروع العلماني للإفلاطونية المحدثة ، الذي دافع عنه فرفريوس الصوري (للتفصيل أنظر المحور المعنون فرفريوس الصوري : الإفلاطونية المحدثة العلمانية) .        

بروقلس : مشروع كوني للدين (الوحي الأورفي – الكلداني)

   وبروقلس (412 – 4485 م) ويُلقب بالخليفة (أو الوريث)  ، وهو أخرالفلاسفة الكلاسيكيين الكبار ، الذين ظهروا في المحطات الأخيرة من تاريخ الفلسفة اليونانية _ الهيلينستية . وقد ظهرت أثاره على الفلسفة الغربية في العصور الوسطى (اليونانية واللاتينية) وكذلك على الفكر الفلسفي الإسلامي .

  ومن مصادرنا الأولى في التعرف على مسارات ومنعطفات حياته ، كتاب كتبه حواريه الفيلسوف الإفلاطوني المحدث مارنيوس (450 – 500 م ) المعنون حياة بروقليس أو حول السعادة (والذي نشر لأول مرة مع أعمال  الإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي ماركوس أورليوس عام 1559 م ، ومن ثم نشره منفصلاً الباحث الألماني فابركيوس في هامبورك عام 1700 م . وفي عام 1814 قام بنشره مع إصلاحات وملاحظات الباحث الفرنسي بويزونيد (1774 – 1857 م) . ومن ثم قام بترجمته إلى الإنكليزية الباحث المعروف كينيث كوثري ، ونشره في العام 1925 .

  وإعتماداً على كتاب مارنيوس ، فإن بروقلس ولد عام 412 في القسطنطينية ، وترعرع في أحضان عائلة لها مكانة إجتماعية عالية في مدينة ليكيا (الأن جزء من تركيا الحديثة) ، ولهذا كان يُطلق على الفيلسوف بروقلس لقب اليكي . فقد كان والده باترايكس موظفاً قانونياً كبيراً ، وله مكانة محترمة في النظام القضائي خلال الأمبراطورية البيزنطية .

  لقد نشأ الفيلسوف بروقلس في أجواء هذه العائلة ذات المكانة في شئون القضاء ، ولذلك تطلعت العائلة أن يتابع الولد بروقلس خُطى أباه ، وهذا فعلاً ما كان بروقلس عازماً على القيام به ، ولكن رياح الفلسفة كانت أقوى ، فجذبت سفينة بروقلس إلى شواطئها الدافئة . وفعلاً فإن قارئ سيرته ، يلحظ إن بروقلس بدأ بدراسة الخطابة ، والفلسفة ، والرياضيات في الإسكندرية ، مع عزم في الحصول على وظيفة مشابهة لوظيفة والده . وقبيل إكمال دراساته ، حصل معلمه المشرف عليه على عمل في القسطنطينية ، فقرر بروقلس بالعودة إلى هناك .

  بدأ بروقلس بالعمل محامياً ، وفعلاً فقد حقق نجاحات ملحوظة . وهذه الخبرة في العمل القضائي وضعته وجهاً لوجه أما خيارات مهمة في حياته ومستقبله ، وهو الإستمرار في العمل القضائي ، أو ترك القضاء ، وتفضيل الفلسفة التي أخذ جذبها يشغل تفكيره اليومي . وأخيراً إختار الفلسفة ، فهجر القضاء ، وشد الرحال من جديد ، وعاد إلى الإسكندرية ليتابع دراساته الفلسفية . وبإرادة قوية بدأ في الإسكندرية بدراسة أعمال أرسطو تحت إشراف الفيلسوف المشائي أولمبيودورس الكبير (من القرن الخامس الميلادي) (أنظر صدى دروسه والفلسفة المشائية علىفلسفة بروقلس).

  وفي الوقت ذاته تابع بروقلس دراسته للرياضيات تحت إشراف معلم أخر ، إسمه هيرون (وبالتأكيد هو غير عالم الرياضيت المشهور هيرون الإسكندراني (10 – 70 م)) (أنظر أثر هذه الدروس في الرياضيات في ربج بروقلس بين العدد والجمال ، حيث تنقل المصادر عبارته الشهيرة ؛ كلما كان هناك عدد ، كان هناك جمال) . ولكن بروقلس لم يقتنع بالتعليم الفلسفي المتوافر يومذاك في الإسكندرية ، فقرر الرحيل إلى عاصمة الفلسفة أثينا ، ومدرسة الفلسفة في أثينا عصرذاك كانت الأكاديمية (أكاديمية إفلاطون قبل 800 عاماً) . إلا إن الأكاديمية لم تبقى إفلاطونية خالصة . ففي العام 431 أصبحت مركزاً للإفلاطونية المحدثة . ودرس بروقلس في الأكاديمية تحت إشراف الأفلاطوني المحدث ، ورئيس الأكاديمية بلوتارك الأثيني (ونُذكر بأن بلوتارك هو وحواريه يتابعون خط إمبيلكوس السوري وطقوسه في الثيورجيا ، ونحسب إن هذا سيكون له صدى في فلسفة بروقلس ومن خلاله سيتلقفها الفيلسوف العربي المسلم ..) .

  وفي أثينا عاش بروقلس ، رجلاً عازباً نباتياً (أنظر أثر نمط الحياة الفيثاغورية على حياة بروقلس من خلال ذلك على فلسفته) ، وكان مزدهراً وكريماً حتى نهاية حياته ، بإستثناء سنة واحدة ، فقد إختار المنفى إختياراً ، وذلك لتخفيف الضغط عليه بسبب نشاطاته الفلسفية والسياسية ومن ثم إمتعاظ الحكام المسيحيين منه ، فصرف فترة المنفى ، رحالاً جوالاً متنقلاً من نحلة سرية إلى نحلة أخرى ، وذلك بحثاً عن مشروع كوني للدين ، ومحاولاً تقديم نفسه كاهناً أو قساً للكون برمته (وهذه المحاولة تذكرنا بمحاولة متأخرة قام به عالم الأجتماع أوغست كومت عندما أسس كنيسة الإنسانية وجعل من نفسه قسيساً لدين الإنسانية) . على كل فإن بروقلس تطلع من مشروعه الكوني للدين ، وهذا فعلاً ما قام به ، هو عبادته لكل صور الله الواحد . 

  وبالطبع إستلهم تعاليمه في مشروعه الكوني للدين من تعاليم الثيورجيا للإفلاطونية المحدثة عند الفيلسوف الإفلاطوني المحدث السوري إمبيلكوس (وبالتأكيد من خلال أستاذ بروقلس بلوتارك الأثيني ) والمشتقة من الوحي الأورفي – الكلداني (البابلي) . ونختتم حديثنا عن سيرة الفيلسوف بروقلس ، بالإشارة إلى رواية تلميذه الإفلاطوني المحدث مارينوس ، وخليفته على الأكاديمية في أثينا ، حيث قال :

عندما زال المسيحيون تمثال الإلهة أثينا (العذراء) من معبد البارينثون ، ظهرت   إمرأة جميلة لبروقلس في الحلم ، وأعلنت له ، بأن سيدة الأثينيين (نسبة إلى الإلهة أثينا) ترغب في البقاء في بيته (ومن النافع تاريخياً أن نشير إلى إنه هذا المعبد قد تحول إلى جامع على يد العثمانيين في العام 1456 م ، وأضيفت إليه منارة . للتفاصيل عن تاريخ البارينثون ، أنظر : جنفير نيل ؛ البارينثون ؛ من الماضي وحتى العصر الحديث / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2005) .

  ومات الفيلسوف بروقلس ، وعمره ناهز الثالثة والسبعين عاماً ، ودفن في جبل  ليكباتوس (في مرتفعات أثينا) وأقيم له ضريحاً ، وقيل إنه كان كاتباً مُكثراً ، حيث كان يكتب ما يُقارب 700 سطراً في اليوم الواحد (للتفاصيل : 1 – مارينيوس الساماري ؛ حياة بروقلس أو فيما يتعلق بالسعادة ، ترجمة كينيث كوثري 1925 ، ص ص 15 – 55 (الأن موجود أون لاين) . ويتألف النص من ثمانية وثلاثين فقرة وما يشبه الخاتمة ، والتي جاء فيها ، بالطبع على لسان تلميذه مارنيوس ، فقال وأختصر ” كان بروقلس يفضل شرح محاورة طيماوس (واحدة من محاورات إفلاطون) ، ويحب كثيراً شرحه على محاورة تيتياتوس ، وغالباً ماكان يقول : ” إذا كان لدي سلطة ، سألغي كل الكتب القديمة من أنظار المعاصرين لنا ، وسأُبقي على كتب الوحي ، ومحاورة طيماوس ” .

بروقلس أو فيما يتعلق بالسعادة ، أُكمل بعون من الله / نهاية الفقرة رقم 38) .

2 – أم . أدورز ؛ القديسون الإفلاطونيون المحدثون : حياة إفلوطين وبروقلس بأقلام حوارييهم / نشرة مذبعة جامعة ليفربول 2000 ، ص ص 58 – 115) .

 ومن مؤلفات الفيلسوف بروقلس ، القائمة الآتية :

1 – اللاهوت الإفلاطوني : الكبير (يتألف من 6 مجلدات ، ويعتمد على نصوص من محاورات إفلاطون ، فيما يخص الإنظمة الإلهية المتنوعة) .

2 – مبادئ اللاهوت : عمل منظم (ويتألف من 211 قضية وبراهين ، وفيه وصف للكون بطريقة الصدور أو الفيض بعبارات الإسلاميين ، تبدأ من المبدأ الأول : الواحد ، ونزولاً إلى النفوس التس حلت في الأجسام) .

3 – مبادئ الفيزياء أو الطبيعيات

4 – شرح على محاورات إفلاطون المعنون القيبيادس (وهناك تنازع في نسبة هذه المحاورة لإفلاطون . ولكن الإفلاطونيين المحدثيين يعتقدون ، إنها عمل من أعمال إفلاطون) .

5 – شرح على محاورة إفلاطون إكراتليوس

6 – شرح على محاورة إفلاطون بارمنيدس

7 – شرح على محاورة إفلاطون الجمهورية

8 – شرح على محاورة إفلاطون طيماوس (ويبدو إن شرحه على محاورة تيتياتوس الذي أحبه إفلاكون كثيراً ، يُعد من كتب بروقلس المفقودة ، أنظ خاتمة حياة بروقلس بقلم تلميذه مارنيوس) .

9 – شرح الكتاب الأول من الأصول في الهندسة لإقليدس

10 – 3 كتب صغيرة : عشرة شكوك حول العناية ، في العناية والقدر ، وفي وجود الشر .

11 – تراتيل متنوعة (مقاطع بقيت)

12 – شرح على الوحي الكلداني (مقاطع) ونفترض وصول هذا الكتاب إلى العالم العربي الإسلامي . ونحسب إن وصوله كون لحظة عودة الأصول البابلية للفلسفة اليونانية إلى ديارها في العراق ، ومن ثم إشعاعاً نصوصاً فلسفية من جديد وحياً وفكراً فلكياً .

13 – وهناك الكثير من كتب بروقلس المفقودة . ولعل ختام المسك ، الإشارة إلى كتاب تردد ذكره في بعض قوائم كتب بروقلس ، وهو كتاب الأسباب . ويبدو إن ليس بعمل مباشر لبروقلس . وإنما هو موجز لكتاب بروقلس مبادئ اللاهوت . وذكر بعض الأكاديميين الغربيين ، إنه كتب بتفسير عربي ، وأُعتقد خطأً في العصور الوسطى ، بأنه كتاب أرسطي . ولكن القديس توماس الأكويني بين حقيقته (أنظر للتفاصيل : لورنس . ج . روسين ؛ فلسفة بروقلس : الوجه الأخير للفكر القديم / نشرة دار كوسموس ، نيويورك 1949) .       

دمسقس : الرئيس الأخير لمدرسة أثينا الفلسفية

   أما الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأخير ، فهو دمسقس (458 – 538 م) ، وهو الرئيس الأخير لمدرسة أثينا الفلسفية قبيل القرار الإمبراطوري سئ الصيت بغلقها . وهو فيلسوف على الديانة اليونانية القديمة (الوثنية بالمنظار العقيدي المسيحي الذي لف الكثير من العقيدي الوثني في داخل مبانيه وطقوسه ، ولعل يوم الأحد مثال صارخ على بقاء يوم عبادة إله الشمس الوثني بالطبع) ، وتعرض بسببها إلى الإضطهاد في عصر الأمبراطور البيزنطي جوستنيان (458 – 565 م) (أنظر البحث الممتاز عن الفيلسوف دمسقس : بوليمينه إثنسادي ؛ الإضطهاد والإستجابة في الوثنية المتأخرة : حالة دمسقس / مجلة جراسات هيلينية / العدد 113 سنة 1993 ، ص ص 1 – 29) . 

  ولد الفيلسوف دمسقس في دمشق – سوريا ، ومنها جاء إسمه . وفي بداية شبابه شد الرحال ، وذهب إلى طلب العلم في الإسكندرية . وفعلاً فقد صرف من حياته إثنتي عشر سنة ؛ جزء منها تلميذاً للخطيب ثيون ، وجزء أستاذاً للخطابة . ومن ثم تحول إلى مضمار الفلسفة والعلم ، فدرس تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث هرمايس (410 –450 م) وأولاده ، كل من أمونيوس (440 – 520 م) و هيلودورس (عاش في القرن الخامس وبداية السادس الميلاديين) ، وكلاهما كانا تلميذان للفيلسوف بروقلس في أثينا (أنظر: أي . جونز وأخرون ؛ صورة الإمبراطورية الرومانية فيعصورها الأخيرة / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1992 ، ص 532) .

  وأخيراً قرر الرحيل إلى أثينا ، وذلك للأستمرار في دراساته الفلسفية ، وما إن وصل أثينا ، حتى باشر دراسة الرياضيات تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث مارنيوس ، ومن ثم دراسة الفلسفة تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث زينودورتس (القرن الخامس الميلادي) (والذي كان يعمل مع مارنيوس عندما كان الأخير رئيساً للمدرسة في أثينا) (أنظر : جي واط أدورد ؛ المدينة والمدرسة في نهايات الماضي في أثينا والإسكندرية / نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 2006 ، ص ص 116 – 123) .

  وتابع دمسقس بعد ذلك دراسته تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إيسدور (450 – 520 م) ، وهو من أواخر الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين ، والذي أصبح رئيساً للمدرسة في أثينا بعد مارنيوس . ومن ثم تحول التلميذ دمسقس إلى صدرق مقرب إلى الأستاذ إيسدور ، وخلفه في قيادة المدرسة الفلسفية في أثينا ، وفي عام 515 م كتب دمسقس سيرة إيسدور الذاتية بعنوان حياة إيسدور  ، وقدم لها فوتس (810 – 893 م) بطريق القسطنطينية وصفاً موجزاً فقال في الفقرة رقم 181 من مجموعه : ” إنه كتاب كبير يتألف من 60 فصلاً ” (فوتس : مجموع / المجلد السادس / نشرة رينيه هنري (موجود أون لاين ، تموز 2002)) .

  وفي عام 529 أغلق الإمبراطور جوستنيان مدرسة أثينا الفلسفية ، ففر الفيلسوف دمسقس وست من زملائه ، يبحثون عن ملاذ آمن لهم ، وتذكر المصادر بأنهم نجحوا في العام 532 من الحصول على ملجأ لهم في بلاط الشاه الفارسي كسرى الأول أنوشيروان (531 – 579 م) ويدعى الملك الفيلسوف (أنظر : ريتشارد فراي ؛ تراث بلاد فارس ، نشرة شركة الناشرين العالميين 1963 ، ص 215) .

  ووجد دمسقس وزملائه ، إن الظروف في بلاد فارس قاسية ولاتحتمل . وكان من حسن حظ الفلاسفة ، إن توصل الإمبراطور جوستنيان وكسرى إيران إلى معاهدة سلام ، ومن ضمن ماتضمنته ، هو السماح بعودة الفلاسفة . ويُعتقد بأن دمسقس فضل العودة إلى الإسكندرية ، وكرس نفسه لكتابة أعماله (أنظر : رايل جيوفاني ؛ تاريخ الفلسفة القديمة : مدارس العصر الإمبراطوري ، نشرة سوني ، نيويورك 1989 ، ص 546) .

 كتب الفيلسوف دمسقس ، العديد من المؤلفات ، يتقدمها كتابه المعنون الصعوبات والحلول للمبادئ الأولى ، وناقش فيه طبيعة صفات الله ، والنفس الإنسانية . كما بحث فيه في المبدأ الأول لكل الأشياء . وكان غرضه بيان إن الله لانهائي ، وعصي على الإدراك . وإن صفاته هي الخير ، والمعرفة والقدرة . مع تأكيد على وحدة الله . وهذا الكتاب مهم جداً في تاريخ الفلسفة عامي والإفلاطونية المحدثة خاصة ، إذ لايحتوي على عنصر معارضة للعقيدي المسيحي . وبذلك حمل إختلاف كبير مع المشروع الإفلاطوني المحدث عند المؤسس إفلوطين ، وخصوصاً مع الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري وكتابه الشهير ضد المسيحيين .

  أما كتبه الباقية ، فيبدو إن معظمها شروح على إفلاطون وأرسطو . ومن الشروح التي بقيت خالدة ، ولم تتعرض للضياع :

1 – شرح على محاورة إفلاطون بارمنيدس .

2 – شرح على محاورة إفلاطون فيدون .

3 – شرح على محاورة إفلاطون فيليبوس أنظر

4 – شروح على محاورات إفلاطون طيماوس ، القبيادس ومحاورات أخرى (أنظر : ريل جيوفاني ؛ المصدر السابق) .

5 – شروح على كتاب أرسطو في السماء وأعمل أخرى .

6 – كتاباته في الزمن والمكان والعدد ، والتي أشار إليها تلميذه سمبيلكوس في شرحه على طبيعيات أرسطو (أنظر : سمبيلكوس ؛ شرح على فيزياء أرسطو ، ترجمة أم . باميلا وأخرون / نشرة ذار ديوك ورث ، لندن 2011 ، الفقرات رقم 189 ب ، 153 أ ، 183 ب) .

7 – كتابه الشهير عن حياة أستاذه إيسدور (أنظر : فوتوس ؛ المصدر السابق ، وكذلك بوليمانية إثنسادي ، المصدر السابق) (أنظر للتفاصيل الكاملة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / أعداد قادمة) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

HANNAH ARENDT:  FEMINIST GERMAN – AMRECIAN PHILOSOPHER

Dr. MOHAMAD FARHAN     Dr. NIDAA KHALIL

الفيلسوفة الفمنستية الألمانية – الأمريكية المعاصرة

      هانا (حانا) أرنديت (1906 – 1975)

الدكتور محمد جلوب الفرحان   الدكتورة نداء إبراهيم خليل

كتابنا الجديد المسلسل

(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

  يعود إهتمامنا بالفيلسوفة الفمنستية الألمانية – الأمريكية المعاصرة هانا أرنيت لدوافع عدة ، منها :

أولاً – إن عقيدتها الدينية كانت عقيدة دينية فلسفية ، لا علاقة لها بعقيدة الأمهات والأجداد . وهي العقيدة التي سببت لها محنة مؤلمة ، وجروح نفسية لم تندمل مع النظام النازي ، الذي صنف عقائدها الفلسفية في إطار عقائد الأمهات والأجداد دون وجه حق . والحقيقة إن عقائد هانا الفلسفية معجونة حتى النخاع بفلسفة كانطية من طرف ، وخصوصاً في بُعدها الأكسيولوجي بطرفية الجمالي والأخلاقي (ومن ثم السياسي) … وهي من طرف أخر قد إمتصت الفكر الفلسفي الوجودي من ثلاثة من كبار رواده الألمان ، وهما كل من البروفسور مارتن هيدجر ، الذي درسها في مراحل جامعية مختلفة ، والبروفسور كارل ياسبرز ، الذي أشرف على إطروحتها للدكتوراه ، والتي جاءت بحثاً أكاديمياً في قراءة فلسفة القديس أوغسطين في الحب من زاوية وجودية ، وكانت مولعة بقراءة المتوافر لها من كتابات الفيلسوف الوجودي الدنماركي الرائد سورين كيركيجارد  ، ونصوص الفيلسوف الوجودي الألماني الرائد فردريك نيتشه . وكانت حجة التصفية النازية لها ، وقطع الطريق الأكاديمي أمامها ، ومنعها من كتابة إطروحة الدكتواره الثانية ، التي تؤهلها للتدريس الجامعي ، وذلك بحجة كونها مؤمنة بعقيدة سامية – عبرية (يهودية) .

   ولعل من الكلام المُعاد ، القول إن دين الفلاسفة ، دين مُفلسف ، لا علاقة له بالمفهوم والطقوس التي يمارسها الأجداد البسطاء الطيبون ، والأمهات البسيطات الطيبات .. إن دين الأباء والأمهات (سواء في منظومته العقيدية أو في طقوسه ورياضاته الروحية ، وإحتفالياتها المصاحبة للقرابين وحرق البخور … ) ، هما موضوع تساؤل وتقويم ، ومن ثم إعادة صياغة وتعديل من زوايا فلسفية متنوعة .. وإن ماينطبق على الفيلسوفة هانا ، ينطبق مثلاً على فلاسفة الإسلام (كل من الكندي والفارابي وإخوان الصفا وإبن سينا … الذين أعادوا صياغة العقيدي الإسلامي في ضوء نظرية الفيض أو الصدور التي وضع إصولها الفيلسوف إفلوطين الأب الروحي لمدرسة الإفلاطونية المُحدثة ) . وعلى هذا الأساس هاجمهم الأشاعرة ، فكفروهم ببعض القضايا ، وبدعوهم (إصطلاح يُقابل الهرطقة بلغة مسيحي الغرب في العصور الوسطى) .

والحال ينطبق على الفلاسفة الذين عاشوا في العصور الوسطى العربية من أمثال القديس أوغسطين ، وألبرت الكبير وتلميذه القديس توما الأكويني .. إذن هي قضية قديمة جديدة . وهذا ما عانت منه الفيلسوفة الألمانية الأمريكية هانا في ظل أجواء ديمقراطيات القرن العشرين الغريبة العجيبة ، والتي تنزُ بالعنصري والعقيدي الديني الخارج على مسارات الحياة والتاريخ الإنسانيين (أنظر للتفاصيل حول منعطفات الفكر الديني عند هانا أرنيت المحور المعنون مؤشرات من سيرتها الذاتية ، من البحث الحالي) .

ثانياً – إنها كانت مفتونة حتى النخاع بفلسفة كانط النقدية ، وخصوصاً بفلسفته السياسية . وفعلاً فقد قدمت سلسلة محاضرات عن كانط ، أولاً في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي ، وبالتحديد خلال الفصل الدراسي لخريف عام 1970 . ولكن لاحظ الباحثون إن الموضوعات التي عالجتها في هذا الفصل ، هي موضوعات سبق إن تناولتها الفيلسوفة هانا ، بصور مبكرة في عام 1964 في جامعة شيكاغو . وفي الحقيقة إن هذه الصور المبكرة كانت جزءً من محاضراتها في الفلسفة الأخلاقية (الآدابية) في جامعة شيكاغو والمدرسة الجديدة خلال عامي 1964 و1966 .

  تكونت محاضرات الفيلسوفة هانا في الفصل الخريفي الدراسي من عام 1970 في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي من ثلاثة عشرة محاضرة  (أنظر : هانا أرنيت ؛ محاضرات حول فلسفة كانط السياسية ، تحقيق مع مقالة شارحة بقلم رونالد بينر ، نشرة جامعة شيكاغو 1982 ، ص ص 7 – 77) . ومن ثم قدمت حلقة سيمينارات عن كتاب كانط نقد الحكم ، في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي ، في الفصل الدراسي الخريفي من عام 1970 (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 78 – 85) . 

وكان مخطط في جدول الفيلسوفة هانا إن تُحاضر في نقد الحكم في الفصل الدراسي الربيعي من عام 1975 في المدرسة الجديدة . إلا إن يد المنون كانت أسرع ، فسلمت الروح إلى باريها ، وبذلك لم تتمكن من إنجاز ثلاثيتها الفلسفية المعنونة حياة العقل . فقد نشرت المجلد الأول الذي كان بعنوان التفكير ، وأكملت المجلد الثاني قُبيل وفاتها وكان بعنوان الإرادة . أما المجلد الثالث والمعنون الحكم ، فقد وجدت ورقة على آلتها الطابعة تحمل العنوان فقط . وثابر نفر من طلابها ومدرستها الفلسفية من بذل الجهد في التقيب عن ملاحظات وأوراق تركتها فقيدة الفلسفة . وفعلاً فقد حاول الباحث الأكاديمي الكندي رونالد بينر من جمع كل النصوص التي أشارت فيها إلى المجلد الثالث ، ومن ثم كتب مقالاً شارحاً لها ، وجمعهما ونشرهما في كتاب بعنوان : هانا أرنيت : محاضرات حول فلسفة كانط السياسية (مصدر سابق) (للتفاصيل أنظر المحور المعنون الفيلسوفة الكانطية الجديدة هانا أرنيت ، من البحث الحال) .

ثالثاً – إنها كانت تلميذة للفيلسوف الظاهراتي إدموند هوسرل ، وكذلك كانت تلميذة للفيلسوفين الوجوديين الألمانيين مارتن هيدجر و كارل ياسبرز . فالأول أي هيدجر كان أستاذها في الجامعة ، ومن ثم عاشت معه علاقة حب ، وراسلته وراسلها (وكان فيها نوعاً من التابو ، خصوصاً إذا ما عرفنا إن هيدجر كان يومها متزوجاً ويعيش مع عائلته) . وتذكر عزيزي القارئ بأن الفيلسوفة هانا أرنيت ، هي التي ألهمت الفيلسوف الوجدي هيدجر عندما كانت طالبة وعشيقة ،على كتابة مؤلفه الوجودي الشهير الوجود والزمن* . والثاني أي ياسبرز فقد كانت هانا تكن له الكثير من

ــــــــــــــــــــــــــ

* ظهرت النشرة الألمانية الأولى لكتاب الوجود والزمن في عام 1927 ، والنشرة كانت لقسمين من الجزء الأول للمشروع الذي عزم الفيلسوف الوجودي هيدجر على إنجازه ، ولكنه لم يتمكن من إنجازه . ومن ثم ظهرت الترجمة الإنكليزية له بعد ست وثلاثين عاماً ، والتي قام بها كل من جون ماكواري وأدورد روبنسن ، والتي ظهرت نشرته في العام 1962 . والوجود والزمن ترك أثاراً عميقة على كتاب الفيلسوف الوجودي الفرنسي جون بول سارتر المعنون الوجود والعدم ، والذي ظهر في العام 1943 ، أي بعد ستة عشر سنة من نشرة الوجود والزمن .

  ونحسبُ إن حال كتاب الوجود والزمن حال علاقتهما الرومانسية (أي علاقة الفيلسوف الوجودي هيدجر بتلميذته الفيلسوفة هانا أرنيت) لم تصل أبداً إلى شواطئها الآمنة ، فإن كتاب الوجود والزمن (الذي جاء ترجمة لإلهام الفيلسوفة هانا ) هو الآخر ظل مشروعاً ناقصاً ، ولم يكتمل على الإطلاق .

ــــــــــــــــــــــــــ

 الإحترام ، وكان المشرف على إطروحتها في الدكتوراه ، والمعنونة مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . كما وإنها قرأت بعمق كتابات إثنين من الرموز الروحيين (بل والرواد) للفلسفة الوجودية ، وهما الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد (والذي خصته في مقال) ، والفيلسوف  الألماني نيتشه ، الذي إقتبست منه (للتفاصيل أنظر المحور المعنون وجودية هانا أرنيت ومفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، من البحث الحالي) .

رابعاً – إنها عبرت بفكرها الفلسفي إلى شواطئ الشيوعية (أو الأدق الماركسية ربما بتأثير زوجها الثاني الذي كان عضو سابق في الحزب الشيوعي الألماني) (مع نقد شديد للستالينية) ومقاربة بين النظامين الشموليين الستاليني والنازي . كما إن حرثها في مضمار فلسفة التاريخ حملها على أن تتشرب الكثير من أفكار فيلسوف التاريخ الألماني بنجامين والتر ، وهو واحد من أعضاء مدرسة فرانكفورت النقدية ، وهي مدرسة ماركسية فيها تجديد على خط التفكير الماركسي الأرثوذوكسي . وبالمناسبة إن فيلسوف التاريخ بنجامين والتر ، هو إبن أخ الزوج الأول للفيلسوفة هانا أرنيت (للتفاصيل أنظر المحور المعنون ماركسية هانا أرنيت الجديدة وفلسفة التاريخ ، من البحث الحالي) .  خامساً – إنها فيلسوفة فمنستية ، فقد كتبت عن تحرير بنات جنسها . وهنا نقدم لأول مرة في تاريخ الثقافة العربية ، مراجعة وتقويم لمقالتها الفمنستية المعنونة تحرير المرأة  ، مع الإشارة إلى مقالات أخرى فيها إشادة ببعض من رموز الحركة الفمنستية في العالم  ، كما وفيها من النقد لهيمنة قيم الرجل على حساب تسفيل لمكانة المرأة (للتفاصيل أنظر المحور المعنون تحرير المرأة وفكر هانا أرنيت الفمنستي ، من البحث الحال) .

مؤشرات مهمة من السيرة الذاتية للفيلسوفة هانا أرنيت

  صدرت العديد من المقالات والكتب التي تتحدث عن سيرة الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية هانا أرنيت ، وبلغات أوربية مختلفة . ولكن كانت البداية بلغتها الألمانية ، والحقيقة إن هذه المقالة (وهي في الأصل سجلات الوالدة مارثا أرنيت والدة الفيلسوفة هانا أرنيت) تحولت إلى إصول لجميع المقالات والكتب التي ظهرت فيما بعد . وبالمناسبة إن هذه المقالة تُرجمت إلى الإنكليزية ، وهي متوافرة أمام الباحثين . واللذان وجدا مثلاً إن الباحثة إليزابيث يونك بروهيل ، قد إعتمت عليها في كتابها المعنون هانا أرنيت وحبها للعالم ، خصوصاً الطبعة الثانية (نشرة مطبعة جامعة ييل ، لندن 2004 ، الفصل الأول ، ص ص 5 – 41) . ومن الحق علينا إن نقول إن الصورة التي قدمتها الباحثة إليزابيث كانت واسعة ، وفيها إسهاب عميق . وقبل مغادرة هذه النقطة ، نحسب من الازم علينا أن نخبر القارئ ، بأن كتاب إليزابيث هانا أرنيت وحبها للعالم ، هو سيرة ذاتية للفيلسوفة هانا . وهو كتاب ضخم يتألف من عشرة فصول كبيرة ، وملاحق ، وتكون من 563 صفحة ، وبالطبع كتبته بالإنكليزية *

ـــــــــــــــــــــــــــ

* والباحثة إليزابيث يونك بروهيل (1946 – 2011) ، هي أكاديمية أمريكية ، وعالمة في التحليل النفسي ، وعملت في كلية كولومبيا / مركز التدريب والبحث في التحليل النفسي – مدينة نيويورك . وفي العام 2007 إنتقلت إلى كندا – تورنتا ، حيث ماتت فيها . كتبت العديد من المؤلفات ، والتي حصدت العديد من الجوائز ، منها السيرة الذاتية للفيلسوفة هانا أرنيت ، والسيرة الذاتية لآنا فرويد . ومن كتبها المشهورة الأخرى (وبالطبع هي كثيرة) ، الحرية وفلسفة كارل ياسبرز ، 1981 ، فرويد والمرأة ، 1991 .  

ـــــــــــــــــــــــــــ

  ولدت الفيلسوفة هانا في مدينة هانوفر الألمانية ، وبالتحديد في 14 إكتوبر من عام 1906 . وكانت ولادتها في أحضان عائلة يهودية علمانية (غير دينية) وذات ثقافة عالية (أنظر : هانا أرنيت ؛ مقالات في الفهم (1930 – 1954) ، نيويورك 1994 / من المدخل الذي كتبه جيروم كوهن ، ص 11) .

  رسمت الكاتبة إليزابيث بروهيل ، حياة الفيلسوفة هانا أرنيت ، في صورة تتكون من عشرة محطات تاريخية مهمة . وهنا نقدم عرضاً موجزاً لمحطة مهمة من هذه المحطات ، وهي المحطة التي تُغطي طفولتها، وتكوين شخصيتها ، والمنعطفات التي حدثت في تعليمها الثانوي ، وحصولها على الشهادة الثانوية ، وحتى وصولها إلى عتبات جامعة برلين وبداية مشوارها الجامعي بصورة رسمية . وهي الفترة الممتدة من الميلاد عام 1906 وحتى 1924.

   بدأت الكاتبة بالحديث عن معالم البيئة الأجتماعية ، التي ولدت فيها الفيلسوفة هانا ، وإستهلتها بالكلام عن الوالدين : الأب بول ، والأم مرثا . واللذان كانا يتمتعان بثقافة عالية ، ويسافران كثيراً ، وكانا أكثر يسارية من والديهما (أجداد هانا من جهة الأم والأب) . فمثلاً كان الوالد بول والأم مرثا إشتراكيين في بواكير شبابهما ، ويومها كان الحزب الإشتراكي سرياً ومحظوراً عليه بالعمل علانية في ألمانيا . وهذا الإلتزام بالإشتراكية ميز والدي الفيلسوفة هانا من بين جميع معاصريهم ، الذين فضلوا الإنتماء إلى الحزب الديمقراطي الألماني .

   وكان الوالد بول قد حصل على شهادة في الهندسة من البرتنيا ، وكان في الوقت ذاته باحثاً أكاديمياً هاوياً . وكانت مكتبته تعج بالكتب اليونانية واللاتينية الكلاسيكية ، وهي المكتبة التي ستصبح المآوى الأمن الوحيد لأبنته هانا ، والتي ستقضي جُل وقتها بقراءات متحمسة للكلاسيكيات اليونانية . أما الوالدة مرثا فحالها حال بنات طبقتها وجيلها ، فقد حصلت على تعليمها في البيت أولاً ، ومن ثم ذهبت للتعليم في الخارج ، فرحلت إلى باريس ، ودرست لمدة ثلاث سنوات اللغة الفرنسية والموسيقى . ولم يكن واحد من والدي الفيلسوفة هانا متديناً على الإطلاق . ولكن رغم تفكيرهما العلماني ، فقد سمحا لإبنتهما أن تذهب إلى السنكوك (المعبد اليهودي) وبصحبة أجدادها ، كما وحافظا على علاقة طيبة مع الحاخام فوكلستين وعائلته . وكانا يلتقيان به كزميل من أعضاء الحزب الديمقراطي الإشتراكي .

  ومن المهم أن نشير هنا إلى العلاقة بين الطفلة هانا والحاخام فوكلستين ، وخصوصاً في طرفها الشخصي بخيال ولغة الطفلة هانا يومذاك ، والتي فيها لدغة قوية من الطفلة هانا :

  كانت مارثا أرنيت تتلذذ كثيراً بتلاوة الحكاية لأصدقاءها ، فتخبرهم بأن هانا أعلنت عن رغبتها في الزواج من الحاخام عندم تصل سن البلوغ . ومرثا ترى إن هانا إذا ما تزوجت الحاخام فوكلستين ، فإنها ستعيش محرومة من أكل لحم الخنزير .. ولكن هانا تقول سوف لا أخسر شيئاً ” سأتزوج الحاخام مع الخنزير ” (أنظر : إليزابيث يونك بروهيل ؛ المصدر السابق ، ص 9) .

  والحقيقة إن هانا عندما كانت طالبة في المدرسة الإبتدائية ، كان الحاخام فوكلستين يدرس في الأسبوع عدة فصولاً دراسية في التربية الدينية . وهذه الدروس بدأت حين كان عمر هانا سبع سنوات فقط . وكانت هي الدروس الدينية الوحيدة التي تلقتها طول حياتها . مع الإشارة إلى إنها في سنوات لاحقة عندما كانت في باريس قد أخذت بدراسة العبرية بصورة خاصة .  كما وإنها تلقت بعض الدروس الدينية المسيحية في مدارس الأحد المسيحية ، والتي كانت جزءً من البرنامج الدراسي الإجباري لجميع الطلبة في الروضة . ولعبت الخادمة المسيحية في البيت في باريس دوراً في تلقين هانا دروساً تدريبية في الصلاة للمسيح . وقد أخبرت الخادمة الحاخام فوكلستين ، والذي أصابته الدهشة الكبيرة من سماع الحكاية (المصدر السابق ، ص ص 9 – 10) .

  صحيح إن الحاخام لم يأخذ ما حدث في باريس مأخذ الجد الكامل ، خصوصاً عندما وضعه في إطار تصرف طفولي برئ . غير إن الموقف تطور لاحقاً ، وتصاعدت درجات حرارته ، وذلك عندما أعلنت الطفلة هانا إلى الحاخام ، بأنها :

               لم تعد مؤمنة بالله على الإطلاق “

وجاء رد الحاجام الدبلوماسي : من سألك ذلك ؟ والحقيقة إن حال الحاخام حال كل رجال الدين ، فعندما يواجهوا قضية الإلحاد ، فإنهم في البداية يخففوا من درجات حراراتها ، ويحاولوا وضعها في خدمة العقيدي وليس ضده ، فقال مرحباً بإعلان هانا الإلحادي :

  الحقيقة إن الشك الديني والمثابرة الدينية ، هما قضية شخصية ، ولكنهما ليستا بالأساس جزء مركزي من مكونات الهوية اليهودية (المصدر السابق ، ص 10) .

   وهذه المواقف تدلل بقوة من طرفها على إن عائلة هانا كانت متسامحة ومنفتحة ، وهذه سمة مهمة كان لها من الأثر في تكوين البيئة البيتية الحرة لنمو تفكير هانا اللاديني ، والذي تطور في محطات أخرى إلى إعلان علماني ميال نحو الإلحاد والهرطقة بلغة رجال الدين في العصور الوسطى .

   ونحسب إن هذين الطرفين المتخالفين سيظلان متعايشيين داخل مفهوم الهوية اليهودية . وفي حالة هانا يمكن ملاحظة هذين الطرفين المتخالفيين ، قد تجسدا بوضوح في حضور الحاخام في حياة هانا (رمز للعقيدي اليهودي) وتحديات الطفلة هانا للحاخام (البديل العلماني) ، واللذان كونا سمة من سمات البيئة العائلية ، ومن ثم سمة من سمات التكوين الفكري لشخصية هانا . والحقيقة إن الكاتبة إليزابيث بروهيل قد إلتقطت إفادة مهمة في هذا المجال ، وبتقديرنا تحمل الإشكال الكثير الملازم للهوية القومية اليهودية ، وهذا المفهوم القومي نهض على وهم المعايشة بين الطرفين المتخالفين للهوية اليهودية . وهذه الإفادة جاءت بالشكل الآتي :

  ” إن هانا قد فهمت هذا التحول في الوعي اليهودي الألماني ، خصوصاً خلال السنوات الأولى من القرن العشرين … ففي مرحلة التحرر فإن المرء يتساءل : ماذا تعتقد ؟ ولكن اليوم الواحد يتساءل : من أنت ؟ والجواب الصادق للسؤال الجديد كان (كما شعر بلومنفيلد ووافقت هانا عليه) : لا أهمية لما تعتقد أو لا تعتقد ، فإنك ولدت يهودياً ” * (المصدر السابق) .

ــــــــــــــــــــــــــ

* كورت بلومنفيلد (1884 – 1963) هو الذي سجل التحول في الوعي اليهودي عندما إقتبس كلمات صديقه الناشر سليمون سوكن (1877 – 1959) والتي بدأت في النص أعلاه من كلمة ” ففي مرحلة التحول.. ” وحتى ” فإنك ولدت يهودياً ” . والأول بلومنفيلد ، هو السكرتير العام للحركة الصهيونية العالمية من 1911 وحتى 1914 (أنظر : والتر لوكير ؛ تاريخ الصهيونية ، نيويورك 1972 ، ص 156) . والثاني سوكن ، وهو واحد من مؤسسي مجلة الصهيوني عام 1915 . وفي العام 1931 أسس دار نشر سوكن . وفي العام 1933 أسقطت السلطات النازية جنسيته الألمانية ، فسافر إلى فلسطين . وفي العام 1940 إستقر مع جميع أفراد عائلته (ماعدا ولده) في الولايات المتحدة الأمريكية . ومن ثم أسس دار نشر سوكن ، وبمساعدة من الفيلسوفة هانا أرنيت . وأصبحت دار نشر سوكن في العام 1960 جزءً من دار نشر رندم . ومات سوكن في عام 1959 خلال رحلته إللا سويسرا (أنظر : إنثوني ديفيد ؛ النصير : حياة سليمون سوكن (1877 – 1959) ، دار نشر ميتروبولتن ، نيويورك 2003) .

ــــــــــــــــــــــــــ

  عندما ولدت هانا في عام 1906 كانت الأم مارثا والوالد بول يعيشان في ليندن  ، وهي من ضواحي هانوفر . ولما كان بول مهندساً كهربائياً يعمل في شركة الكهرباء ، فقد وفر لعائلته ظروفاً مريحة ، تمثلت في شراء يتناسب ووضعه الإقتصادي وطبقته ، كما وكانت تعمل في البيت ممرضة إسمها آد ، وهي إمرأة مسيحية . (كثير من المعلومات الأولى عن طفولة هانا جاءت من سجلات أمها مارثا ، والذي كان بعنوان طفلتنا) . وكان الجو العائلي مفعماً بالحيوية ، ومعتاداً على زيارات الأقارب والأصدقاء حتى بداية ظهور الأعراض المرضية على الأب بول أرنيت . ويومها كانت الوالدة مارثا تعزف على البيانو ، وكان الجميع ومن ضمنهم الطفلة الصغيرة هانا ، يتغنون بالأغاني ويتمتعون بالإستماع الى القصص التي تروى . فيما عدا أيام الشتاء الألماني الشمالي ، فإن العائلة تذهب إلى الحديق المجاورة أو حدائق هانوفر المركزية للإسترواح وتنفس الهواء النسيم كعادة اللمان شرطاً من شروط المحافظة على الصحة (المصدر السابق ، ص 13) .

  بدأت هانا بالكلام عندما كان عمرها أكثر بقليل من سنة واحدة فقط .  ولاحظت الأم مارثا إن طفلتها قد طورت لها العديد من المفردات . وفعلاً فإن مارثا قد أخبرتنا في سجلها اليومي الخاص بالتطورات الجسمية والعقلية لطفلتها :

   إن هانا كانت مبتهجة بإصطناع لغة خاصة لها ، إلا إنها كانت تُكابد في صورة ما مع الحرف ” أر ” .. وفوق كل ذلك رغبتها وتطلعها إلى تقليد كل الأصوات ،  وبعد السنة والنصف ، لازال الكلام هدفها ، وكثيراً ما تتلفظ الكلمات دون أن يكون لها معنى ، وكانت على الأغلب تتكلم لغتها الخاصة بطلاقة عالية ، مع فهم لكل شئ (المصدر السابق ، ص 15) .

  وعندما إعتلت صحة الوالد بول أرنيت بسبب مرض السفلس (وبالمناسبة إن والده مات هو الأخر نتيجة مرض السفلس)، فقد ترك عمله ، فقررت العائلة الإنتقال إلى مدينة كونكسبيرك . وبعد خريف عام 1911 أصبحت حالته المرضية صعبة جداً ، مما حمل العائلة على عدم دعوة الأطفال إلى البيت في كونكسبيرك . ولكن من حسن حظ الطفلة هانا ، إنها بدأت سنوات تعليمها الأولى في الروضة ، مما مكنها إن  تظل على إتصال مع عدد من الأطفال في الروضة . وقد سجلت والدتها أهمية حضور هانا في الروضة وأثر ذلك على حياتها في البيت ، فقالت :

   جلبت هانا معها من الروضة الكثير من الأراء المثيرة ، والتي ساعدتها على اللعب في البيت ، ولكن بطريقة إبداعية ، فقد تحولت هانا في البيت إلى معلمة (المصدر السابق ، ص 16) .

  ولعل من المهم الإشارة إلى إن الوالد بول قد أُصيب بالسفلس عندما كان شاباً ، وبعد المعالجة لازمته الحمى الشديدة ، ويومها كان طبيبه يعتقد بأن هناك إمكاني عالية في شفاءه . وزوجته مارثا كانت عارفة بمرضه ، ومن ثم علاجه عندما تزوجته في العام 1902 . ولم تكن هناك أعراض للمرض ، عندما رغبا بأن  تكون لهما أولاد . ولكن بعد سنتين ونصف السنة من ميلاد هانا ، فإن الوالد بول ذهب إلى عيادة جامعة كونكسبيرك ، باحثاً عن العلاج . إلا إن حالته المرضية تطورت نحو الأسوء ، وبحدود ربيع عام 1911 وصل المرض إلى المرحلة الثالثة من تطوره  ، فظهرت أعراض الجنون عليه ، فتم إيداعه في مستشفى الأمراض العقلية في كونكسبيرك ، وكان ذلك في صيف عام 1911 (المصدر السابق ، ص 17) .

  وكانت الطفلة هانا تحب والدها بول ، ولذلك كانت مثابرة على زياراته بصورة دائمة إلى مستشفى الأمراض العقلية ، ولم تتوقف والدتها من جلبها للزيارة ، إلا بعد إن وصل بول إلى درجة فقد فيه القدرة على معرفة طفلته . وفي الوقت ذاته ، فإن الوالدة مارثا حاولت إن تُحافط على نبض الحياة الطبيعية في داخل البيت قدر الإمكان . وفعلاً بدأت بتعليم هانا على العزف على البيانو ، وتشجيعها على زيارة الأقارب  ، وخصوصاً عمتها فريدا (وهي الأخت غير الشقيقة للوالد بول) ، والتي كانت من القريبات المفضلات لدى الطفلة هانا .. وكانت هانا مبتهجة في تعليمها في الروضة ، وقد أدهشت معلمتها في قدراتها على القراءة والكتابة ، ويومها كان بنت خمس سنوات فقط  . وهكذا كانت حياة الطفلة هانا مملوءة بالمسرات سواء في البيت أو المدرسة الإبتدائية ، والتي بذأت مشوارها التعليمي الجديد في آب 1913 ، وكانت تحب معلماتها حباً كبيراً ، خصوصاً إلى الأنسة جاندر ، والتي كتبت عن هانا قائلة :

 لقد تعلمت هانا بصورة جيدة ، وكانت تقود مجموعتها لمدة سنة كاملة ، وكانت مواكبة على الحضور في مدرسة الأحد ، وهو حضور إجباري لجميع الطلبة  ، حيث تعلمت فيها الكثير وبحماس منقطع النظير (المصدر السابق ، ص ص 19 – 20) .

 وفي إكتوبر عام 1913 توفي الوالد بول ، وقد سجلت الوالدة مارثا ، التفاصيل التي وصفت حال الطفلة هانا وردود أفعالها ، وحزنها وصبرها ، فقالت :

  لقد فهمت هانا ما حدث ، هو شئ مُحزن لي ، أما بالنسبة لها ، فقد بقيت  بعيدة عن آثاره ، وكأن الفاجعة لم تمسها ، وكانت تقوم بتعزيتي مخففة وجع المأساة ، فتقول : ماما تذكري بأن ذلك حدث ويحدث لعدد كبير من النساء . وقد حضرت مراسيم الدفن وبكت (ومن ثم أخبرتني) فقالت : ماما بسبب الغناء الجميل . يبدو لي إن هانا إكتسبت من الناس الذين حضروا مراسيم الدفن ، نوعاً من القناعة  … ورغم كل ذلك ، فإنا هانا كانت طفلة تشع بالحيوية والحبور ، وتمتلك قلباً طيباً (المصدر السابق ، ص 20) .

  لقد كانت الوالدة مارثا قلقة جداً على حال هانا ، وذلك بسبب إنها في عام واحد فقدت أولاً الجد ماكس في أذار 1913 ، وكان من المفضلين عندها وخصوصاً خلال مرض والدها ، فقد كانا يقضيان الكثير من الوقت سوية ، ويقرأ لها العديد من القصص التي تُحبها ، ومن ثم تبعه الوالد بول في إكتوبر من العام ذاته .  إلا إن الغريب من زاوية الأم إن هانا لم تُظهر أي علامة حزن على فقدان الأعزاء ، كما وإنها لم تهتم عندما قررت الأم الذهاب بعد موت الجد ماكس برحلة إلى باريس لمدة عشرة أسابيع . ولاحظت الأم إن هانا كانت سعيدة في البقاء مع جدتها . ولكنها عندما قامت الأم بالرحلة للمرة الثانية إلى لندن وفينا ، لاحظت إن عودتها سببت نوعاً من السعادة لطفلتها . وبعد مرور سنة تحولت الطفلة المرحة إلى طفلة تعيسة (المصدر السابق ، ص ص 20 – 21) .

  ورغم كل هذا الحال الفاجع للطفلة هانا ، ومرضها ، فإنها وفقاً لسجلات والدتها وملاحظاتها ، قدمت دليلاً واضحاً على قوتها الذهنية ، فقد كانت من الطلبة المتميزين خلال عامي 1916 و1917 . ومن خلال مرضها ومكوثها في البيت لأكثر من عشرة أسابيع ، بدأت في البيت تتعلم اللغة اللاتينية وبالإعتماد على المنهج المدرسي ، ومن ثم أدت الإمتحان بجدارة عالية  . غير إن الأم أدركت بوضوح إن أبنتها عندما بدأت سن مراهقتها ، تحولت إلى ” لغز غريب ” وعند هذه الحال وصلت كتابات الأم إلى نهاياتها (المصدر السابق ، ص 23) .

 وكونت هانا في بداية مراهقتها العديد من الأصدقاء في المدرسة ، وهذا ساعدها على تجاوز محنتها ، والخروج من عزلتها . وفعلاً فإن هذا الحال ساعدها على التخفيف من بؤسها وإنغلاقها على نفسها . وتمثل هذا بالعديد من علاقات الصداقة والصحبة مع الفتيان ، والذهاب إلى المسرح ، وخصوصاً مشاهدات المسرحيات الكوميدية . ولكن ظلت هانا تعيش بقوة مع ذكرياتها ، وخصوصاً السنتين اللتين مكث فيهما والدها في البيت مريضاً يحتضر والألم يعصر أنفاسه ، والتي تجسدت في صورة ظلت شاخصة في مخيلة هانا دائماً ، فقد كان الوالد ممداً في الليل على فراشه ، يتألم من فضاعة الألم ، وإن الأم تعزف على البيانو ، لتصرف إنتباهه من الألم .  وبالمناسبة إن الفيلسوفة هانا تذكرت كل هذه الصور ، وشاركت بها أصدقاءها المقربيين ، وبالتحديد قبيل نهاية حياتها . وجاء ذلك عندما سألها طلبتها خلال الحديث عن وجهات نظر نيتشه من المرض ، وكيف شغل نفسه خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته ، وهو يحتضر من مرض السفلس ؟ جائ جواب الفيلسوفة هانا أرنيت :

  إن عزاء نيتشه (أي تخفيف الألم) كان بالإستماع إلى الموسيقى ، التي تصدح من البيانو التي تعزفها أخته (المصدر السابق ، ص 26) .

 ونحسب من النافع أن نذكر حادثتين مهمتين أثرتا على حياة المراهقة هانا :

الأولى – إن الأم مارثا قررت إن تؤجر بعض غرف البيت الزائدة للطالبات ، وبذلك تحصل على مصدر إقتصادي من طرف ، وعلى صحبة لها وإبنتها من طرف أخر . وفعلاً فإن الأم أجرت غرفة لطالبة يهودية إسمها كاثي فيشر ، والتي كانت أكبر من هانا بخمس سنوات . ويومها هانا كانت بنت إثنتي عشر ربيعاً . فتحول البيت إلى لحظات جدل ومصادمات بين الشابتين ، ولحظات مصالحة حميمية بينهما .  والحقيقة إن هذا الحضور للشابتين كان له من الأهمية في حياتهما وحياة الأم مارثا ، والذي تمثل بحضور لشخصيتيتن متميزيتين ، واحدة كبيرة وأخرى صغيرة وذكية جداً  ، وكانت الكبيرة تطالب الصغيرة بإنجاز دروسها المدرسية . وهذا الحال ساعد هانا على صعيد دروسها في اللغة اليونانية ، وعلى صعيد الخروج من عزلتها والتفكير الذاتي . ومن طرف الأم مارثا وجدت لنفسها مجالاً لتبعد نفسها من مشاكل العائلة ، ولتنصرف نحو الموقف السياسي في ألمانيا . وفعلاً فإن بيتها تحول إلى مكان إجتماعات للديمقراطيين الإشتراكيين ، وبالتحديد خلال السنتيين الأخيرتين من الحرب العالمية الأولى ، وخلال ثورة 1918 / 1919 (المصدر السابق ، ص 27) .

الثانية – بعد فشل الثورة ومقتل روزا لوكسمبيرك ورفاقها في الشوارع* ، قررت

ــــــــــــــــــــــــــــ

* روزا لوكسمبيرك (1871 – 1919) ، هي فيلسوفة ماركسية ، وإقتصادية ، وصاحبة نظريات في الثورة الإشتراكية ، وحملت راية النقد للماركسية ، والثورة الروسية ، وعلم الثورة الماركسي بمفهومه اللينيني . وهي فوق هذا وذاك من رواد تحرير المرأة والحركة الفمنستية في العالم . تخرجت من جامعة زرويخ ، ودرست الفلسفة والعلوم السياسية والإقتصادية والرياضيات ، وتخصصت في الدولة وصورها المتنوعة ، من أهم مؤلفاتها العديدة ، كتابها المعنون تراكم رأس المال ، الذي نشرته عام 1913 . وبالمناسبة هناك ترجمة إنكليزية لمجموعة من رسائلها البالغة عددها 230 رسالة ، والتي أكتشفت ثلاثة عقود بعد شهادتها ، تُعد برأي الناقدة الألمانية – الكندية إيرين كاميل مساهمات رائدة للفيلسوفة الماركسية التجددية روزا لزكسمبيرك في المضمارين السياسي والفمنستي .

  تنحدر روزا من إصول يهودية بولندية ، ومن ثم أصبحت بعد زواجها مواطنة ألمانية . وكانت عضواً في الحزب الديمقراطي الإشتراكي في كل من مملكة بولندا ولثوانيا . وفي عام 1915 ، وبعد إن ساند الحزب الديمقراطي الإشتراكي ألمانيا في إنخراطها في الحرب العالمية الأولى  ، فقررت مع كارل ليبكنشت (1871 – 1919) (وهو أصغر من روزا بحدود خمسة أشهر) بترك الحزب الديمقراطي الإشتراكي ، وتأسيس عصبة معارضة للحرب ، أُطلق عليها عُصبة سبارتكوس ، والتي تحولت إلى الحزب الشيوعي الألماني لاحقاً .

  وبعد إنتفاضة عصبة سبارتكوس ، وقيادة روزا للإضرابات والمظاهرات في الشورارع ، تصدت حكومة الديمقراطية الإشتراكية للإشتراكية للثوار وقضت على إنتفاضتهم ، وتم أسر روزا وليبكنشت ورفاقهم وأعدمتهم في 15 كانون الثاني من عام 1919 (أنظر للتفاصيل : 1 – رايا داينفسكي ؛ روزا لوكسمبيرك : تحرير المرأة وفلسفة ماركس في الثورة ، نيوجرسي 1984 . 2 – ستيفن أريك برونر ؛ روزا لوكسمبيرك : ثائرة في عصرنا ، نشرة مطبعة جامعة كولومبيا 1984 . 3 – هالمت ترتنو ؛ كارل ليبكنشت 01971 – 1919) : السيرة الذاتية ، نشرة دار كتب أركون 1984) . 

ــــــــــــــــــــــــــــ

 الأم مرثا الزواج مرة ثانية ، والتي كانت من المتحمسين والمعجبين بشخصية روزا  . وفعلاً فإن الأم وهانا شاركا في إضراب عام 1919 . والفيلسوفة هانا تتذكر عندما حضرت بصحبة والدتها إلى مناقشات روزا لوكسمبيرك في دائرة كونكسبيرك  ، والتي أشعلت فتيل الإنتفاضة التي عمت الشوارع . وكانت الأم مارثا من بينهم ، تركض وتنادي على إبنتها هانا ، قائلة :

إنتبهي يا هانا ، هذه هي اللحظة التاريخية (المصدر السابق ، ص ص 27 – 28) .

   وهكذا تزوجت الوالدة مارثا من مارتن بيرولد ، وهو إبن صاحب بنك روسي ، وكانت زوجتها قد توفيت بسبب داء السكر في عام 1916 ، وكانت له منها بنتين ، وهما كل من كارلا ، و حواء (المصدر السابق ، ص 28) .  ومارثا تعرفت على مارتن لعدد من السنين . وفي بداية زواجهما لم تظهر إختلافات بين إبنتيه وهانا . ولكن مارتن لاحظ بإن إبنت زوجته ، هي تماماً غريبة الأطوار مقارنة مع إبنتيه الهادئتين . فمثلاً لاحظ إن هانا تمتلك عقلية قوية ، وذكاءً مرعباً ، وشخصية متطرفة في إستقلالها (المصدر السابق ، ص 29) .

  إن هذا الزواج وفر لمارثا وإبنتها هانا ، أوضاعاً إقتصادية مستقرة . إلا إنه من طرف أخر خلق أوضاعاً عائلية متوترة ، خصوصاً بين هانا وإبنتي مارتن ؛ كارلا وحواء . وحمل الأم مارثا مهمة جديدة ، وهي الوقوف مع رغبة بنتها ، ولعب دورالمصلح بين الطرفين . ورغم كل هذه الصعوبات ، فهناك إيجابيات في الزواج ومأسي وإشكالات . في الأمكان وضعها في النقاط الآتية :

أولاً – رغم الصراع المستمر بين كارلا وهانا ، فإن كارلا تركت أثراً على هانا في متابعة دراساتها الجامعية لاحقاٌ . فقد كانت كارلا تدرس الرياضيات والكيمياء ، وكانت عازمة على كتابة إطروحتها في الدكتوراه في الكيمياء . ولكن تم إقناعها لتتحول نحو الصيدلة والعقاقير لأنه الإختصاص الذي يتناسب والمرأة يومذاك .

ثانياً – حواء من طرفها شكلت تحدياً لهانا ، فقد درست طب الأسنان ، وفتحت لها مختبراً في العديد من المدن الألمانية . كانت العلاقة بين حواء ومارثا علاقة قوية ، وذلك لفهم مارثا وضع حواء ، ومعاملتها الحسنة لها والوقوف بجنبها في الظروف الصعبة .

ثالثاً – إقدام كارلا على الإنتحار عدة مرات بسبب فشلها في الحب ، ومن ثم نجاحها في المرة الأخيرة ، وكان عمرها ثلاثين ربيعاً . وبعد إن أصبحت هي وهانا صديقتين قريبتين . مما تركت هذه الحادثة جروحاً نفسياً في شخصية هانا لم تتمكن الأيام من معالجتها .

رابعاً – سماع هانا بأخبار آنا مندلسن من صديق في كونكسبيرك (إسمه إرنست كروماك) ، فقررت التعرف عليها ، فهربت من نافذة غرفتها في الليل ، وذهبت إلى مدينة ستولب الواقعة غرب كونكسبيرك ، ووصلت إلى بيتها ، ورمت بحصاة على نافذتها ، وتقابلا وتحدثا سوية ، ومن ثم أصبحتا صديقتين مقربتين ، وإستمرت صدقاتهما لمدة أكثر من خمس وخمسين عاماً .

خامساً – إنزعاج مارتن زوج الأم مارثا من تصرفات هانا ، وأظهر عدم ترحيبه بمثل هذا السلوك (المصدر السابق ، ص ص 28 – 31) .

سادساً – معلوم لدينا إن الأم مارثا دربت إبنتها على العزف على البيانو . وفعلاً كانت هانا تعزف على البايانوا في مناسبات متنوعة . ولكن بتأثير كارلا وحواء ، اللائي كن يعزفن على ألة الكمان ، أخذت تتطلع للتدريب على العزف على الكمان ، وقد إختلطت الأوراق في رغبتها الحقيقية في تعلم العزف على الكمان ؛ بين المنافسة داخل البيت مع كارلا وحواء ، أو حبها لمعلم الكمان الذي كان موضوع إعجاب هانا المتطرف ، وكانت دروس الكمان طريقاً لتكون بقرب معلم الكمان (المصدر السابق ، 33) . 

  وخلال هذه الفترة أصبحت هانا مركز إهتمام مجموعة من الفتيات والفتيان ، أغلبهم من أبناء عائلات يهودية من رجال الأعمال . وكان هؤلاء الفتيان أكبر سناً من هانا بثلاث أو أربع سنوات ، وقد ذهبوا للدراسة في الجامعات التي تقع في غرب ألمانيا ، وحملوا معهم قصصاً عن أساتذتهم . ومن بين هؤلاء الفتيان إرنست كروماك ، الذي حضر المحاضرات الأولى للبروفسور مارتن هيدجر ، عندما كان يحاضر في عام 1922 في جامعة ماربورك . وأخبر إرنست هانا إلى إنه سمع الكثير من القصص عن ذكاء وحصافة البروفسور هيدجر خلال إقامته في برلين .

  وكذلك كانت جماعة أخرى من كونكسبيرك ، منهم فيكتور كريجف  قد ذهب بصحبة إرنست كروماك إلى ماربورك ، بينما ذهب بول جاكوبي إلى هايدلبيرك  . وكان كريكور سيكل معتاداً على زيارة بيت مارتين  بيرولد (زوج مارثا أم هانا) ، وكان الصديق الذي وقف مع مارتين في محنته المالية . وكان صديقاً مخلصاً ، وقد حافظت هانا أرنيت على صداقته به بعد قرار بالهجرة إلى فلسطين .  وما جذب إهتمام هانا أرنيت بآنا مندلسن ، هو إن الأخيرة قد درست هايدلبيرك ، ومن ثم تحولت إلى هامبورك ، حيث أكملت كتابة إطروحتها في الدكتوراه في الفلسفة تحت إشراف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر (المصدر السابق ، ص 32)(للتفاصيل عن كاسيررأنظر : محمد جلوب الفرحان : كانط والكانطية الجديدة / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد السادس ربيع 2012) .

  وكانت هانا أرنيت موضوع إعجاب الشباب والشابات ، وذلك لما إمتلكته من قدرات عقلية . وبالمناسبة إن آن مندلسن تتذكر ذلك ، وتقول إن هانا كانت تقرأ كل شئ . وتعني بكل شئ الفلسفة ، والشعر ، وخصوصاً شعر غوته ، والكثير الكثير من الروايات الرومانسية ، الألمانية والفرنسية ، والروايات الحديثة ، التي تعتبر غير ملائمة لشابة من زاوية الإدارة المدرسية ، ومن ضمنها توماس مان (المصدر السابق) .

  ومما حفظته ذاكرة الوالدة مارثا عن قدرات طفلتها هانا العقلية ، الإفادات الآتية :

إن هانا بدأت في عمر الثانية عشر ، تحافظ على مكتبة صغيرة للشعر ، والتي قامت بحفظها على ظهر قلب . وفي ذلك الوقت كانت أمها تتباهى ، فتقول ” إن هانا تعرف كل شئ بقلبها ” . وكذلك فإن أُمها كانت سعيدة جدا بها ، وذلك لأن لديها الكثير من الطموح ، الذي تبز فيه الكثير من الطلبة . ولكنها لازالت تواجه الكثير من المشاكل في طريقها الساعي إلى تحقيق طموحها ، ولعل ذلك يعود إلى روتين المدرسة ، الذي يهيمن على أيام الأسبوع الدراسي (ستة أيام) ، وبالتأكيد لا يتناسب وطموحها (المصدر السابق) .

  ومن ثم حدث ما لم يكن في حسابات الأم مارثا ، وإمكانياتها في التوسط بين إدارة المدرسة وطموح ومزاج إبنتها هانا ، فقد توافق إن جاء معلم شاب جديد للمدرسة  ، وتطلع إلى ضبط تصرفات الطلبة ، ومنهم هانا ، فتفوه بكلمات فيها حس عدائي  نحو هانا ، والتي كانت يومها بنت الخامسة عشر ربيعاً . وبسرعة جاء رد فعل هانا المقاوم ، والذي تمثل في قيادة طلبة صفها إلى مقاطعة فصل المعلم الجديد .  ترتب على ذلك نتائج غير سارة لهانا ، حيث قررت الإدارة طردها من المدرسة . وحاولت الأم مارثا التدخل للمساعدة في المساعدة في الوصول إلى حل مرضي .  وفي الأخير وقفت الأم بجانب إبنتها ضد مدير المدرسة . فوصفت مواقفها بالغرابة  وفيها مخالفة لقواعد الضبط البروسي ، وبذلك ضاعت فرصة للوصول إلى مساومة قرار يُرضي جميع الأطراف بما فيها الطالبة هانا (المصدر السابق ، ص ص 33 – 34) .

   بعد طرد هانا من المدرسة ، رتبت الأم مارثا الطروف لمعالجة الحال ، فأرسلت  إبنتها إلى برلين لتدرس بعض الفصول الدراسية في جامعة برلين . وبإتصال مارثا بأصدقاء العائلة القدماء ، ومن ضمنهم الرفاق في الحزب الديمقراطي الإشتراكي ، تكون قد أمنت من يتابع الإشراف على إبنتها هناك . ولكن بشرط أن تعيش في الأقسام الداخلية للطلبة ، ومن ثم تحضر الفصول الدراسية التي إختارتها ، إضافة فصول في اليونانية واللاتينية . ولعل من المحاضرات المهمة التي حضرتها  ، هي محاضرات في اللاهوت المسيحي ، للأستاذ رومانو جورداني (1885 – 1868)* ،

ـــــــــــــــــــــــــــ

* ولد جورداني في إيطاليا ، وإنتقل مع عائلته إلى ألمانيا عندما كان عمره سنة واحدة فقط ، وظل طول حياتها يعمل ويعيش ومن ثم مات فيها . درس بداية الكيمياء في جامعة توبنكن ولمدة فصلين دراسيين ، ومن ثم تابع دراساته في الإقتصاد في كل من جامعتي ميونخ وبرلين ولمدة ثلاث سنوات . وغير رأيه وقرر أن يكون قساً ، فشد العزم ودرس اللاهوت في جامعتي فريبورك وتوبنكن ، وفي العام 1910 رسم قساً ، وعمل فترة قصيرة ، وعاد إلى الجامعة وكتب إطروحته في الدكتوراه في اللاهوت ، وتحت إشراف أنجيلبيرت كريبس (1881 – 1950) ، ومن ثم حصل جورداني على درجة الدكتوراه في العام 1915 ، وكانت حول لاهوت القديس بونافنتورا (1221 – 1274) . ومن ثم كتب إطروحة دكتوراه ثانية كشرط للتعليم الأكاديمي ، وكانت تدور حول اللاهوت العقائدي وكتبها في جامعة بون عام 1922 ، ومن ثم كتب إطروحة ثالثة حول لاهوت القديس بونافنتورا كذلك .

  وفي العام 1923 عُين رئيساً لقسم فلسفة الدين في جامعة برلين ، والذي ظل فيه حتى طرده النازيون عام 1939 . ويبدو إن أسباب الطرد جاءت بسبب مقالة نشرها بعنوان المُخلص ، والتي إنتقد فيها بصورة مكشوفة السلطات النازية ، وخصوصاً الصورة الإسطورية التي رسمتها للسيد المسيح (للتفاصيل أنظر : روبرت أنثوني كريج ؛ رومانو جورداني : رائد الفاتيكان ، نشرة مطبعة جامعة نوتردام 1997) .

ـــــــــــــــــــــــــــ

وهو من الأعضاء اللامعين لمدرسة الوجوديين المسيحيين الألمان* (المصدر السابق ، ص 34) . ونحسب إن البروفسور الوجودي جورداني ، هو الذي قدم لهانا أرنيت

ــــــــــــــــــــــــــ

* المدرسة الوجودية المسيحية ، هي إطار فكري – فلسفي يضم مجموعة كتابات إنتخبت لها منهج وجودي فلسفي في البحث في مضمار اللاهوت المسيحي . وإن إصول هذا المدرسة تصعد إلى أعمال الفيلسوف الدنماركي ، ورجل اللاهوت والأب الروحي للوجودية سورين كيركيجارد (1813 – 1855) . والوجودية المسيحية نهضت على أساس فهم كيركيجارد للمسيحية . فقد جادل كيركيجارد مؤكداً على إن الكون مملوء بالمتناقضات (المفارقات) . ولعل من أكبر المفارقات ، هي الوحدة المتعالية (الترانسندتالية) بين الله والإنسان ، والتي تتمثل في شخص المسيح .

  وواحدة من أهم المقدمات الفكرية للوجودية المسيحية ، هي دعوة المؤمنين للعودة إلى الصورة الحقيقية للمسيحية ، والتي تتمثل بالمسيحية المبكرة التي سادت خلال القرون الثلاثة التي تبعت صلب المسيح ، والتي تتوجت بمرسوم ميلانو الذي أصدره الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول (272 – 337م) في عام 313م .

  وفي هذا الشكل وصلت المسيحية إلى مستوى إحتفاليتها بين صفوف الرومان ، ومن ثم بين صفوف الأوربيين الأخريين لاحقاً ، والتي جاهد كيركيجارد إل بعثها من جديد في القرن التاسع عشر .

  والقضية الفكرية الثانية للوجودية المسيحية التي أكد عليها كيركيجارد ، هي العلاقة بين الله والحب . وفعلاً فقد دأب كيركيجارد على المعادلة الدائمة في كتاباته بين الله والحب . وكان على الدوام يؤكد بأن الإنسان عندما يدخل في علاقة حب ، فإنه ينخرط في شكل من أشكال الألوهية .

 والقضية الكبرى الآخيرة للوجودية المسيحية ، هي أفعال الشر . وكان كيركيجارد يؤكد على إن أفعال الشر ستُعرض وتُقييم أمام حضرة (وجه) الله . وهناك قائمة من الوجوديين المسيحيين المتميزيين ، منهم مجموعة من رجال اللاهوت البروتستانت الألمان ، منهم على سبيل المثال وليس الحصر بول تيليش (1886 – 1965) ، ورجل اللاهوت اللوثري رودلوف بولتمان (1884 – 1976) ، والفيلسوف والطبيب النفساني الألماني كارل ياسبرز (1883 – 1969) ، والفيلسوف الفرنسي جبريل مارسيل (1889 – 1973) .

  ولما كانت جذور الوجودية تصعد إلى القديس أوغسطين (354 – 430م) . فقد درست الفيلسوفة هنا أرنيت مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، موضوعاً لإطروحتها للدكتوراه ، وتحت إشراف الوجودي المسيحي كارل ياسبرز . والحال يمكن ملاحظته في العمل الذي أنجزه الفيلسوف الفرنسي جاك مارتين (1882 – 1973) قبل عمل هانا أرنيت ، والذي وجد إن قلب الوجودية الحقيقية في فكر القديس توما الإكويني (1225 – 1274م) (للتفاصيل أنظر : 1 – جاك مارتين ؛ الوجود والموجود : مقالات في الوجودية المسيحية ، ترجمها من الفرنسية إلى الإنكليزية لويس كلانتاير وجيرالد فيلن ، نشرة دار كتب بينثون ، نيويورك 1948 . 2 – لويس جوردن ؛ أوغسطين والوجودية / مجلة الجمعية اللاهوتية الإنجيلية / المجلد 8 ، العدد الأول ، شتاء 1965 ، ص ص 13 – 22 . 3 – أم . ج . أليد & ج . أدمز ؛ إنسكلوبيديا الدين ، نشرة شركة ماكميلان للطباعة 1987 ، المجلد الخامس) .

ــــــــــــــــــــــــــ

 الوجودية لأول مرة ، وقبل أن تتعرف على البروفسور مارتن هيدجر ، وخصوصاً فيما يتعلق بالفيلسوف الوجودي الدنماركي سورين كيركيجارد ، والذي ستكتب عنه الفيلسوفة هانا أرنيت فيما بعد مقالاً بعنوان سورين كيركيجارد (أنظر : هانا أرنيت ؛ مقالات في الفهم ، نشرة الولايات المتحدة الأمريكية 1944، ص ص 44 – 49) (وهذه قضية سنتناولها في المحور المعنون وجودية هانا أرنيت ومفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، من البحث الحالي) .

  ومن ثم قررت أن تعود إلى مدرستها التي طُردت منها ، وتُقدم الإمتحان النهائي . وفعلاً فقد وافقت الإدارة المدرسية مُكرهة على قبول طلبها بأداء الإمتحان والحصول على شهادة أبيتور (وهي شهادة الثانوية / بعد دراسة إستمرت إثنتا عشر سنة ، وتُمكنُ حاملها من القبول في الجامعة) . وأصبح أدولف بوستلمان / معلمها والمشرف الخاص رسمياً ، وهو مدير الفتيان في المدرسة ، ومدرساً للتاريخ الطبيعي فيها ، وفي الوقت ذاته كان صديقاً للأم مارثا . وبمساعدة عمتها فريدا (أخت أبيها بول غير الشقيقة) وكانت معلمة ، ولها قراءات واسعة في بالألمانية والفرنسية والإنكليزية ، فقد جهزتها باكتب اللازمة لأداء الإمتحان . وكان زوج العمة فريدا المحامي إرنست أرون المساند لهانا والمُعين المالي لها في هذه الفترة (ولاحقاً في دراستها الجامعية) (أنظر : إليزابيث بروهيل ؛ المصدر السابق ، ص ص 34 – 35) .

  وبمساعدة بوستلمان وأرون ، صرفت هانا فصلين دراسين في برلين ، ودراسة مكثفة إستمرت ستة أشهر ، أعدت نفسها هانا إلى إمتحان الأبيتور. والذي كان جواز المرور لتسجيلها بصورة رسمية في الجامعة . وفعلاً في ربيع  عام 1924 إجتازت هانا الإمتحان . وكانت المتفوقة الأولى في هذا العام ، فحصلت على مداليات ذهبية تحمل صورة الدوق البروسي ألبرت الأول ، وزارت مدرستها ، وإلتقت بزملاءها الطلبة ومعلميها ، وخاطبتهم بكل هدوء وإحترام فقالت : إن طردها من المدرسة ، كان الحافز على تفوقها في الإمتحان ، وحصولها على المرتبة الأولى (المصدر السابق ، ص 35) .

  بالمناسبة إن محاضرات البروفسور جورداني في جامعة برلين  ، والتي قدمت لها الفيلسوف الدنماركي ، ورجل اللاهوت كيركيجارد ، والتي تركت أثرها على هانا ، وبدأت تفكر في إمكانية التخصص في الجامعة في مضمار اللاهوت ، ولكن اللاهوت مملوء بالدوكوماتيات (العقائد المغلقة) ، وهي ليست مسيحية من طرف ،  وإن الدوكوماتيات لا علاقة بالكيركيجاردية (نسبة إلى الفيلسوف الوجودي كيركيجارد) . وفي هذا الوقت بدأت هانا أرنيت تقرأ كتاب كانط نقد العقل النظري ، وكتابه الدين في حدود العقل بنفسها ودون الإعتماد على مساعدة من الأساتذة أو الزملاء . وكان عمرها يومذاك ست عشرة ربيعاً فقط . وفي هذه الأثناء قدمت نفسها إلى تجمع جديد يقوده كل من مارتن هيدجر وكارل ياسبرز . ومن النافع الإشارة إلى إن هانا قد قرأت كتاب كارل ياسبرز المعنون سيكولوجيا النظر إلى العالم ، والذي صدر في العام 1919  ، وبالتحديد كانت قراءتها في العام 1922 ، أي بعد صدوره بثلاث سنوات وكان عمرها لايتجاوز الثالثة عشر ربيعاً (المصدر السابق ، ص 36) . وعند عتبات جامعة برلين ، وحضرة الوجودية والأستاذين هيدجر وياسبرز ، نصل إلى المحطة الأخيرة من سيرتها الذاتية : طفلة وشابة ، وسنعود إلى المحطات الأخرى في محاور لاحقة من البحث ، وبما يتناسب والقضايا التي ستعالجها تلك المحاور .

وجودية هانا أرنيت ومفهوم الحب عند القديس أوغسطين

  أشرنا في المحور السابق إلى هانا أرنيت تعرفت على شكل من الوجودية قبل أن تسجل في جامعة برلين رسمياً . وجاء ذلك من خلال محاضرات البروفسور جورداني ، والذي عرفها بالفيلسوف الوجودي ، ورجل اللاهوت سورين كيركيجارد . وعلى أساس هذا الإنطباع والإنبهار بكيركيجارد قررت أن تتخص في مضمار اللاهوت . إذن هذه كانت البداية مع الوجودية ، وبالتحديد مع وجودية كيركيجارد . ولكن عام 1924 كان مرحلة التحول الكبيرة في حياة هانا أرنيت ، والتي إمتدت إلى عام 1929 ، ففيها دخلت رسمياً عتبات جامعة برلين ، وفيها إنخرطت في تجمع يقوده كلاً من الوجوديين مارتن هيدجر وكارل ياسبرز كما أشرنا أعلاه .

  ولاحظنا من خلال البحث في سيرة هانا الذاتية ،  إلى إنها بدأت دراستها الجامعية في جامعة ماربورك ، وليس في جامعة برلين . فقد أشارت إليزابيث بروهيل إلى إن هانا إستهلت دراساتها الجامعية في ماربورك ، وبالتحديد مع البروفسور الشاب (الأستاذ المساعد) إي . ج . كامبل ، والذي نشر دراسة عما يسمى بالدفاع الأسود   ، والتي قدم فيها كامبل تفسيراً ، أطلق عليه : الصياغات البرلمانية اللاشرعية (لجمهورية فايمر)*لإعادة بناء جيشها . فسبب غضب القوميين الألمان في الكلية

ــــــــــــــــــــــــ

* بعد خسارة ألمانية في الحرب العالمية الأولى ، وقعت ألمانيا مع الحلفاء معاهدة فرسيا ، والتي حددت وظائف وحجم الجيش الألماني . وهذه الصياغات البرلمانية لحكومة فايمر تغافلت هذه الحدود لمعاهدة السلام التي وقعتها ألمانيا مع قوات التحالف في فرساي (أنظر للتفاصيل : كولب إمبرهارد ؛ جمهورية فايمر ، نشرة دار روتليدج ، لندن 2005) .

ــــــــــــــــــــــــ    

، فطالبوا بطرده منها ، خصوصاً بعد إن أعلن في محاضراته الجماهيرية ، بأن التضحيات البشرية التي قدمتها ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى ، لم يحصل لها التشريف مقارنة بالتضحيات التي قُدمت . ولعل المهم في هذه الحادثة طرفها المتعلق بالفلسفة الوجودية والفلاسفة الوجوديين . صحيح إنها كانت التجربة الجامعية الأولى التي عاشتها هانا أرنيت ، وبالتحديد في قضية حرية التفكير الجامعي وكيف إن أُستاذها الشاب كامبل واجه الإعصار الذي ولده غضب الأساتذة الألمان القوميين . إلا إن الأهم في تجربتها الجامعية ، إنها عرفت صوتاً وجودياً ناصر الحريات الجامعية ، ووقف بجانب الأستاذ الشاب ، وحاول إيقاف جهودهم من طرده من الكلية . هذا الصوت كان صوت الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . وبإسم الديمقراطية ونظام الإقتراع ، تم التصويت في حق (قضية طرد) الأستاذ كامبل في التعليم الجامعي . وهكذا نجح القوميين الألمان بإسم الديمقراطية من خنق الحريات الجامعية . وعلق الأستاذ الجامعي ياسبرز عليها يومذاك قائلاً :

    ” إن القضية في الأساس ، هي الحرية الجامعية ” ، ومن ثم تذكر ياسبرز الحادثة فكتب عنها في ميمواره الفلسفي ، فقال :

  ” لقد طُرد الأستاذ بسبب وجهات نظره التي خضعت إلى التحقيق ” (نقلاً من إليزابيث بروهيل ؛ المصدر السابق ، ص 44) . ومن دلالات هذه الحادثة في طرفها الوجودي إن هانا أرنيت عرفت الوجودية ومواقفها من الحريات من خلال الفيلسوف الوجودي ياسبرز ، وليس من طريق الفيلسوف الوجودي الحبيب مارتن هيدجر . وهنا نحاول تركيز البحث عن علاقتها بالفلسفة الوجودية والفلاسفة الوجوديين وبالمحاور الآتية :

الفيلسوفة هانا إرنديت والفيلسوف الوجودي سورين كيركيجارد

    صحيح إن هناك فارقاً زمنياً ومكانياً يفصل بين الفيلسوفة الألمانية هانا أرنديت والفيلسوف الوجودي سورين كيركيجارد . فقد توفي كيركيجارد بأكثر من نصف قرن قبل ولادة هانا . ومن الناحية المكانية الجغرافية ، فإن كيركيجارد كان دنماركياً وهانا كانت ألمانية . وبذلك لعبت العوامل الزمانية والجغرافية ، إضافة إلى اللغوية دوراً حاسماً لا يشتغل لصالح الفيلسوفة هانا ، وخصوصاً في أوقات مبكرة . ولكن كما قلنا أعلاه إن بداية علاقة الفيلسوفة هانا بالفيلسوف الوجودي سورين ، جاءت من خلال محاضرات البروفسور الوجودي جورداني . وعلى هذا الأساس قررت يومذاك إن تتخصص في اللاهوت حالها حال أُستاذها جورداني ، والذي قدم سورين رجل لاهوت وجودي . وبعد مايُقارب عقد من السنين ، وبالتحديد في 29 كانون الأول من عام 1932 ، نشرت الفيلسوفة هانا بالألمانية مقالاً مهماً عن الفيلسوف الروحي للوجودية سورين كيركيجارد ، حددت فيه الجسور الفكرية التي تشدها إلى الفيلسوف الوجودي سورين . وبالمناسبة فإن سورين كيركيجارد ” بطل ” الفيلسوفة هانا (أنظر : إليزابيث يونك بروهيل ؛ هانا أرنديت (من أجل حب العالم) / مصدر سابق ، ص 45) ، قبل وبعد إن تعرفت على معلميها الروحيين ؛ الوجودي مارتن هيدجر ، والوجودي كارل ياسبرز . وفي هذا الطرف من البحث نركز دراستنا على علاقة هانا أرنديت ببطلها الرائد الروحي للوجودية سورين كيركيجارد .

  بدأ سورين مشواره المدرسي في الجيمنزيم (ما يعادل الثانوية) في العام 1830 ، ودرس اللغة اللاتينية ، والتاريخ بين موضوعات أخرى . ومن ثم ذهب إلى دراسة اللاهوت في جامعة كوبنهاكن . ولم يُظهر إهتماماً بالأعمال التاريخية ، كما إن الفلسفة بصورتها التأملية يومذاك فشلت في توفير القناعة لتفريغ نفسه لدراستها . ورغم هذا الحال مع الفلسفة التأملية ، فإنه بدأ بقراءة فلسفة الفيلسوف الألماني كريستين ولف (1679 – 1754) ، الذي يتوسط في تاريخ الفلسفة بين عملاقيين فلسفيين ، هما كل من لايبنتز (1646 – 1716) وكانط (1724 – 1804) . كما إن كيركيجارد إنكب على قراءة كتابات الفيلسوف الألماني إفرايم ليسنج (1729 – 1781) والتي كان يُفضلها كثيراً . وبالمناسبة إن ليسنج كان واحداً من الرموز الكبيرة لحركة التنوير الألمانية في عصره . وتُقدم هذه الشواهد دلالات واضحة على إرتباط كيركيجارد بتاريخ الفلسفة الألمانية . مع الإشارة إلى كيركيجارد كان ناقداً عنيداً للفكر المثالي وفلاسفة عصره ، وخصوصاً الفلاسفة الألمان كل من هيجل (1770 – 1831)و شيلنج (1775 – 1854) (للتفاصيل أنظر : 1 – جوكيم كيرف ؛ سورين كيركيجارد : السيرة الذاتية ، ترجمة بروس كيمسي ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 2005 . 2 – كلير كارليس ؛ كيركيجارد : دليل الحيرة ، نشرة جماعة الناشرين ، لندن 2006 . 3 – إليمر دونكن ؛ سورين كيركيجارد : صانع العقل اللاهوتي الحديث ، نشرة عالم الكتب 1976) .

  ولاحظ الباحث على الكتابات الغربية التي عنت بسيرة كيركيجارد الذاتية ، إلى إنها تربط بين كيركيجارد والفيلسوف اليوناني ، وشهيد الفلسفة الأول سقراط  ، وبالتحديد إهتمام كيركيجارد بمنهج سقراط أو ما يُعرف بطريقة سقراط في التهكم والتوليد . وفعلاً فقد قرأ كيركيجارد محاورات إفلاطون ، وخصوصاً المحاورات السقراطية منها . ومكشوف لقارئ الفلسفة المتخصص صدى طريقة التهكم السقراطية في كتابات كيركيجارد (للإطلاع على طريقة التهكم السقراطية أنظر : هيك بينسن ؛ الحكمة السقراطية ، نشرة جامعة أكسفورد 2000) .

  ومن المفيد الإشارة إلى إن كل ذلك لعب دوراً عضوياً في تكوين ثقافة كيركيجارد ، وظهر لها صدى في نصوصه . إلا إن علاقته بخطيبته رجينا أولسن (1822 – 1904) قد لونت حياته سلباً وإيجاباً ، بل وألهمته في الكتابة وكانت في الوقت ذاته الوجع الدائم الذي لازمه طول حياته ، فكانت الكتابة طقس عزاء يخفف من جروحه العميقة . ودماً لاينضب يغذي يراعه ، ويحفزه على الكتابة . بدأت علاقتهما في 8 مايس عام 1837 ، فعاشا قصة حب عميقة . ولكن بعد أربعة سنوات ، وبالتحديد في 11 أغسطس (أب) قطع علاقته بها ، فكانت مأساة إنسانية عميقة إنعكست أثارها في كتاباته (أنظر : جوكيم كريف ؛ سورين كيركيجارد (مصدر سابق) ، وكذلك ألستير هاني ؛ كيركيجارد : السيرة الذاتية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2003) .

  أما أعماله الكتابية ، فقد بدأت مبكراً وهو على مقاعد الدراسة في جامعة كوبنهاكن وقد نشر بعض منها بأسماء مستعارة وبعض منها ظهر إسمه الحقيقي عليها ، ومن المؤلفات الأولى مجموعة دفاتر مفتوحة ، أُطلق عليها عنوان يوميات سورين كيركيجارد وبعد موت كيركيجارد إستلمها صهره ج . س . لوند ، ومن ثم إنتقلت إلى يد أخيه بيتر كيركيجارد  (وهو رئيس أساقفة) . والمهم هو قيام الإكسندر درو بترجمتها إلى الإنكليزية ، وظهرت نشرتها في مطبعة جامعة أكسفورد عام 1938 ، وهي النشرة الإنكليزية الأولى . وهذه اليوميات بتقدير الفيلسوف الألماني صمويل هيجو بيرجمان (1883 – 1975) : يوميات كيركيجارد هي واحداً من أهم مصادر فهم فلسفته (بيرجمان ؛ الفلسفة الحوارية من كيركيجارد إلى بوبر ، نشرة مطبعة سوني ، نيويورك 1991 ، ص 2) . واليوميات تتألف في إصولها الأولى من 7000 صفحة ، وهي يوميات عن الأحداث التي عاشها الفيلسوف كيركيجارد ، والأفكار التي تدور حول أعماله ، وتضم ملاحظات عن الحياة اليومية (أنظر : يوميات كيركيجارد ، ترجمة الأكسندر درو (مصدر سابق)) .

  وفي مضمار مؤلفاته الأخرى ، نود إن نذكر القارئ بما ذكرناه أعلاه ، وهو إن كيركيجارد قد قرأ محاورات إفلاطون ، وخصوصاً المحاورات السقراطية . وكان جُلً إهتمام كيركيجارد إكتشاف جوهر طريقة التهكم السقراطية . وفعلاً فقد تتوج هذا الإهتمام بكتابة إطروحته الأكاديمية في جامعة كوبنهاكن ، والتي جاءت تحت عنوان مفهوم التهكم ومرجعيتها إلى سقراط ، والتي دافع عنها في 29 سبتمبر 1841 . ووفقاً لتعليقات لجنة المناقشة : تستحق الإطروحة التقدير ، وفيها درجات عالية من التفكير كما فيها مستويات من التفوق . ولكنها لم تكن إطروحة أكاديمية تقليدية (أنظر : سورين كيركيجارد ؛ مفهوم التهكم ومرجعيتها إلى سقراط ، ترجمة هاورد وأدنا هونك ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1989) .

  والواقع إن مضمار الأطروحة وإن ركز على الطريقة التهكم السقراطية ، فإنها درست مفهوم التهكم في ضوء محاضرات الفيلسوف الألماني شلينج عام 1841 . وهي المحاضرات التي حضرها كيركيجارد مع كل من الرموز الفكرية الأوربية التي سيكون لها تاريخ مشهود في رسم الحياة الفكرية والسياسية للقارة الأوربية . وهم كل من المفكر الفوضوي ميخائيل بوكانين (1814 – 1876) ، و المؤرخ جاكوب بوركهارت (1818 – 1897) و الماركسي (مؤسس الحركة الشيوعية مع زميله ماركس) فريدريك إنجلز (1820 – 1895) . وكل واحد من هؤلاء الأربعة ذهب مذهباً خاصاً به (أنظر : ترستارم هنت ؛ الحياة الثورية لفردريك إنجلز ، نشرة دار هنري هونت 2009 ، ص ص 45 – 46) .

  وتخرج كيركيجارد في 20 إكتوبر عام 1841 . واليوم درجة الماجستير التي حصل عليها ، تُعادل درجة الدكتوراه . ومكنه الوضع الأكاديمي الجديد من الحصول على منح أكاديمية سهلت له مهمة التفرغ للبحث والتأليف (أنظر : سورين كيركيجارد ؛ مفهوم التهكم ومرجعيته إلى سقراط (مصدر سابق)) .

  ويبدو إن أول كتاب إلفه ، كان بعنوان ينبغي الشك في كل شئ ، والذي كتبه في الفترة مابين عامي 1841 و1842 ، وظل مركوناً ولم ير النور إلا بعد موته ، وكتبه بإسم مستعار ، هو جوهانز كلايمكس . وتبعه كتابه المشهور أما / أو ، والذي نشره في 20 شباط 1842 . وكتب معظمه خلال مكوثه في برلين ، وفعلاً فقد كتب بعض الملاحظات في برلين بعد قراءة كتاب شلينج المعنون فلسفة الإلهام* (* أشار إلى ذلك المترجم هونك : سورين كيركيجارد ؛ مفهوم التهكم (مصدر سابق)) .

  وبعد ثلاثة أشهر من نشر كتاب أما / أو ، نشر كتابه المعنون خطابان غير مركبين ، والذي نشره بإسمه في العام 1843 . وفي 16 إكتوبر من عام 1843 نشر ثلاثة كتب ، وهما : الخوف و الإرتجاف ، نشره تحت إسم مستعار ، هو جوهانز دي سايلنتو . وثلاثة خطابات غيلر مركبة بإسمه . ومن ثم نشر كتاب الإعادة (أنظر : سورين كيركيجارد ؛ الخوف والإرتجاف والإعادة ، ترجمة هاورد هونك وأدنا هونك ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1983 / من مقدمة المترجمان ، ص 14) .

  وبعدها نشر كتابه المعنون أربعة خطابات غير مركبة ، وبالتحديد في العام 1843 ، وقد حمل إسمه . وأعاد في العام 1844 طبع كتابه ، ونشر ثلاثة خطابات بإسمه . ومن ثم نشر فقرات فلسفية ، تحت إسم مستعار ، وهو جوهانز كلايمكس . ونشر مفهوم القلق ، تحت إسم مستعار ، وهو فيجاليوس هافنيس ، مع مقدمة كتبها نيكولاس نوتيبيني . وأخيراً أعاد نشر الخطابات الأربعة بإسمه . ومن ثم طبع ثلاث خطابات في المناسبات الخيالية ، وبالتحديد في 29 أبريل من العام ذاته وبإسمه .

  وفي الثلاثين من أبريل عام 1845 نشر كتابه المعنون مراحل في طريق الحياة ، والذي صدر من دار هيلريوس بوكبايندر . ومن ثم ذهب إلى برلين ، وعاد فنشر خطابات (1843 – 1844) في مجلد واحد . وفي 29 مايس من عام 1845 نشر ثمانية عشر خطاباً . وظهر له في العام 1846 كتابه المعنون جيلين : مراجعة أدبية . وفي العام 1847 ظهر كتابه الأول في هذه المرحلة ، والمعنون خطابات إلى الأرواح المتنوعة ، والذي تضمن طهارة القلب ، وأعمال الحب ، وقد حمل هذا الكتاب إسمه بالطبع (أنظر : سورين كيركيجارد ؛ الفقرات الفلسفية ، ترجمة هاورد وأدنا هونك ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1992) . وفي العام 1848 نشر كتابه المعنون خطابات مسيحية ، والذي حمل إسمه كذلك . وطبع كتابه الأزمة وأزمة حياة ممثلة ، والذي نشرة تحت إسم مستعار . ومن ثم جاء كتابه المعنون وجهة نظر حول أعمالي ككاتب ، والذي إنتهى منه في العام 1848 ، ولكنه لم ير النور إلا بعد وفاته ونشر في بواكير عام 1849 كتابه المرض والموت ، وظهر بإسم مستعار ، هو أنتي – كلايمكس . وفي العم 1850 نشر كتابه صورة التدين في المسيحية (أنظر : سورين كيركيجارد ؛ وجهة نظر حول أعمالي ككاتب ، ترجمة والتر لوري ، نشرة دار هاربر 1992) .

  والحقيقة إن كتاب صورة التدين في المسيحية ، وكتابه الذي نشره بعد أربعة أشهر ، من ظهور كتابه المرض والموت والمعنون خطابات في صلاة الجمع ، والذي حمل إسمه كونا مقدمة فكرية جديدة لتحولات جذرية حدثت في حركة فكر الفيلسوف كيركيجارد اللاهوتي ، نمت بسرعة كبيرة في السنوات الأخيرة من حياته ، والتي تمثلت بالهجوم على الكنيسة ، ونقدها بشدة . فقد قام بنشر مجموعة كبيرة من المقالات بعنوان أرض الأباء ، ومن ثم جمعت في بمفلت (مفردها كتيب صغير) ، وفيها هاجم الكنيسة أو ما أسماه مملكة المسيحية . والتي ترجمت إلى الألمانية ، وإلى لغات أوربية أخرى في العام 1861 و عام 1896(أنظر : هجوم كيركيجارد على المسيحية (1854 – 1855) ، ترجمة والتر لوري ، نشرة مطبعة جامع برنكتن 1968)  .

   ونحسب هذه شهادة قوية تتعارض مع مقال الفيلسوفة هانا أرنيت التي ذكرت فيه بأن ألمانيا قد تجاهلت كيركيجارد لأن مؤلفاته لم تترجم إلى الألمانية . وإن بداية الإنفتاح الألماني عل كيركيجارد بدأت بع الحرب العالمية الأولى . في حين إن ألمانيا وصلتها ترجمات لأراء كيركيجارد اللاهوتية مترجمة إليها قبل الحرب العالمية الأولى بخمسة عقود .

  ومن النافع أن نذكر بعض الشواهد التي تؤيد مواقف كيركيجارد من مملكة المسيحية ممثلة بالكنيسة . وبالتحديد شاهدين ؛ واحد يصف سلوك عائلة كيركيجارد بعد وفاته . والثاني شهادة من داخل كتابه اليوميات . فقد ذكر كُتاب سيرته بأن إبن أخته هنريك لوند إعترض ، وخلق حالة فوضى أزعجت السلطات الكنسية على طريق دفنه حسب المراسيم الكنسية . فقال بالحرف الواحد : إن كيركيجارد لم يؤيد ذلك . وسيرفض ذلك لوكان حياً ، لأنه قطع كل علاقاته بالكنيسة (للتفاصيل أنظر : جواكيم كريف ؛ سورين كيركيجارد (مصدر سابق)). وفعلاً فإن الكُتيبات التي نشرها كيركيجارد في نهاية حياته ، كانت كتب مُشكلة للكنيسة . فقد هاجم الكنيسة في العديد من المظاهر وكذلك في سياساتها (أنظر : هانس مارتنسن ؛ الأخلاق المسيحية ، ترجمة س . سبنس ، ص ص 206 وما بعد) .

 لقد تيقن كيركيجارد بأن الكنيسة قد تم االسيطرة عليها تماماً من قبل الدولة ، والتي نقلت الأخيرة بيروقراطيتها إل الكنيسة . ولذلك أصبح هدف الكنيسة مثل هدف الدولة السعي إلى زيادة أعضاءها ، وتوفير الأمتيازات لهم . وهذا يعني زيادة سلطة رجال الدين ، رموز الفساد (أنظر : المعجم المختصر للمعرفة الدينية ؛ كيركيجارد ، نشرة تالبوت ويلسون وأخرون / عام 1889 ، ص ص 473 – 475) . ولعل خير ما نختم هذا الطرف شهادة كتبها كيركيجارد بيراعه ، وأودعها كتابه الخالد يوميات ، حيث يقول :

إذا تمكنت الكنيسة من فك الأرتباط والتحرر من سيطرة الدولة ، ففي هذا الكثير من المكاسب ، ولذلك أستطيع أن أكون مناسباً لهذا الموقف . والتحرر ينبغي أن يأتي من خلال الشهادة . وإن تحرر الكنيسة يأتي من خلال الحركة الدينية ، والتي ينبغي أن تكون دينية خالصة . وخلاف ذلك عار (أنظر : سورين كيركيجارد ؛ اللحظة وكتابات أخيرة ، ترجمة هاورد وأدنا هونك ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1999) .   بعد هذا عودُ إلى الفيلسوفة هانا . وفعلاً نلحظ في مقدمة مقالها قد إحتفلت بالفيلسوف الوجودي سورين الذي مات شاباً ، وعانى فكره من الإهمال لفترة ليست بالقصيرة . فمثلاً بينت إن دوائر الثقافة الألمانية ظلت بعيدة عن معرفة سورين* .

ــــــــــــــــــــ

 * لقد بينا في المقدمة التي كتبناها أعلاه عن الفيلسوف الوجودي سورين كيركيجارد ، بأن فكر كيركيجارد اللاهوتي النقدي للمسيحية ومؤسساتها الكنسية البيروقراطية ، والتي كتبها في السنوات الأخيرة قبيل موته ، قد ترجمت إلى الألمانية (ولغات أوربية أخرى) وقد وصلت إلى ألمانيا في عام 1861 . أي قبل عقدين من السنيين من مصدر الفيلسوفة هانا (كريستوف سكرمبف) . ولذلك نحسب على خلاف الفيلسوفة هانا ، إن كيركيجارد كان معروفاً ومتداولاً في الدوائر اللاهوتي الألمانية في ستينيات القرن التاسع عشر. وعلى أساس هذه الحقيقة ، نذهب مذهباً مخالفاً لفيلسوفتنا هانا ، ونقولا إن الدوائر اللاهوتية الألمانية بطرفيها البروتستانتي والكاثوليكي قد إستقبلت تفكير كيركيجارد اللاهوتي في ستينيات القرن التاسع عشر وتعاملت معه بدوافع عقيدية متنوعة ، ووظفته أسلحة في جدالها مع الطرف المقابل (ملاحظة كتبها الدكتور محمد جلوب الفرحان في 9 سبتمبر 2012 وذلك خلال إنتهاءه من قراءة السيرة الذاتية للفيلسوف الوجودي كيركيجارد ، ومن خلال مقابلة الحقائق بالأراء التي أدلت بها الفيلسوفة هانا أرنديت في مقالها المعنون سورين كيركيجارد / والمنشور في كتابها مقالات في الفهم / ص ص 44 – 49) .

ـــــــــــــــــــــ

ولكن بعد خمسين عاماً من وفاته بدأ الإهتمام الألماني بسورين وفلسفته . والسبب حسب الفيلسوفة هانا ” إنه لاتوجد ترجمة ألمانية لأعمال سورين ، رغم التنبيه المبكر الذي قام به كريستوف سكرمبف (1860 – 1944)*، وبين فيه أهمية كيركيجارد ، وبالتحديد في بداية الثمانيات من القرن التاسع عشر ” (للتفاصيل أنظر : هانا إرنديت

ـــــــــــــــــــــ

* وهو فيلسوف ورجل لاهوت إنجيليكاني ، درس الدين في جامعة توبنكن ، ومن ثم أصبح محاضراً فيها . وفعلاً فقد درس الإنجيل من زاوية علمية . وكانت له شكوك حول عقيدة التعميد ، وحافظ على سرية شكوكه لفترة . ولكنه شارك هذه الشكوك مع جمهور من العباد في كنيسته . فقررت الكنيسة في العام 1892 طرده من الكنيسة . وفيما بع سمحت الكنيسة لمثل هذه الشكوك .

  ويبدو لي إن إهتمام الفيلسوفة هانا برجل اللاهوت كريستوف إلى أمرين أخرين إضافة إلى إهتمامه بالفيلسوف الوجودي سورين كيركيجارد : أولاً إنه كان فيلسوف سلام فقد رفض إحترام رايات الحرب تحت مظلة المسيحية ، وكان على الدوام يردد : نعم لتسامح المسيحية ، ولا للحرب . الثاني إنه رجل عانى من العنف الأسري ، ولذلك كرس حياته ضد كل أشكال العنف : العنف ضد المرأة ، ضد العنف في المدارس ، ضد عنف اليمينيين في الشوراع ، ورفض العنف ضد الأجانب .

  من أهم كتاباته : مجموعة أعماله التي طبعت بعد وفاته (وبالتحديد طبعت عام 1947) في 16 مجلداً ، منها 3 مجلدات طبعن بعنوان : دين بلا دين . وكل ذلك مهم إلا إن الأهم هو ما كتبه في مضمار الفلسفة . فقد كتب عدة معارضات : منها المعارضة الأولى ، وكانت لكل من كانط وليسنج ، والذي صدر في العام 1931 . وكتاب المعارضة الثانية والذي خصه لغوته ، والذي صدر في العام 1932 . وكتاب الصراع : سقراط ، نيتشه وبول ، والذي صدر في العام 1934 . والأهم من كل دلك لموضوعنا ، هو كتابه المعنون : النزاع : سورين كيركيجارد ، الجزء الأول ، والذي صدر في العام 1935 (أنظر : الموسوعة الحرة / أون لاين 5 نيسان 2012) .   

ـــــــــــــــــــــ

؛ مقالات في الفهم (1930 – 1954) / نشرة دار كتب سكوكن ، نيويورك 1994 ، ص 44 – 45) . ولعل السبب الرئيس في إهمال الدوائر الفكرية الألمانية لأعمال سورين بتقدير هانا يعود ” إلى المناخ الفكري والثقافي الألماني يومها الذي لم يُرحب بكيركيجارد ورسائله الغريبة على هذا المناخ الفكري الألماني ” (المصدر السابق ، ص 45) .

 وإن المهم في مقال هانا عن الفيلسوف الوجودي كيركيجارد ، إنها كانت شاهد عيان على التحولات التي حدثت في الواقع الفكري الألماني ، وبدايات الإنفتاح الألماني على التراث الوجودي لكيركيجارد . فأفادت موضحة ” إن السنوات اللاحقة للحرب العالمية الأولى ، كانت البدايات الأولى التي شهدت تخلخل البناء الفكري الألماني التقليدي ، وفي هذه الأثناء قدمت ألمانيا أرضاً خصبة للفكر الكيركيجاردي . وفعلاً فقد أخذت جذوره بالنمو عميقاً فيها ” (المصدر السابق) .

  ولم تكتفي هانا بالتنظير في شهادتها التاريخية على العلاقة بين الواقع الثقافي والنخب الألمانية المثقفة وتراث كيركيجارد . وإنما قدمت رسماً دقيقاً للفلاسفة الألمان والفرنسيين الذين لعبوا دوراً في تسهيل مهمة الإنفتاح الألماني على فلسفة كيركيجارد . حيث قالت ” نيتشه ، وما يسمى بفلسفة الحياة ، (المقصود) بيرغسون ، ديلثي  وصمويل مهدوا الطريق لفكر كيركيجارد أن يدخل إلى ألمانيا ” (المصدر السابق) . والحقيقة هذا الموضوع يحتاج إلى بحث أخر يتدارس هذا الموضوع . وذلك لأهمية الأفكار التي أدلت بها الفيلسوف هاما أرنديت ، والتي تقدمها في هذا الطرف مؤرخة للفلسفة الوجودية في ألمانيا (خصوصاً نقد كيركيجارد للفيلسوف الألماني هيجل ، واللاهوت الوجودي المسيحي لكيركيجارد ، والسؤال الألماني الملح يومذاك : هل هناك إمكانية في الإفادة من كيركيجارد في الثورة على الفلسفة ؟ يبدو في البداية إن لاهوت كيركيجارد الوجودي المسيحي كان عقبة أو على الأقل موضوع مُشكل في إمكانية الإفادة منه في الثورة على الفلسفة) .

  المهم إن هانا قد قرأت كتابات الفيلسوف الوجودي كيركيجارد ، وخصوصاً كتابه الشهير المعنون إما / أو ، والذي ظهر في طبعته الأولى عام 1913 ، وفي طبعته الثانية عام 1922 (أنظر الإشارات في المصدر السابق ، ص 48) . وقرأت ما كُتب عن لاهوته الوجودي المسيحي ، ومواقفه الوجودية في الإختيار ، والعلاقة بين الله والفرد .

   ولعل الأهم إن هانا وقفت على الحيرة التي واجهت كيركيجارد ، والتي تمثلت في ” إهتمامه بحياته الخاصة والتناقضات التي تُثيرها المسيحية ، وخصوصاً في طرف مهم منها ، وهي دعوتها الفرد إلى إنكار الذات ، وتأكيدها على إن الأمكانيات الدنيوية فيها مواقف تُعارض حقيقة الله ” (المصدر السابق ، ص 47) . هذا طرف والطرف الثاني الذي لم تنساه الفيلسوفة هانا من أفكار هذا الفيلسوف الوجودي مناقشة جذور عقيدة الخطيئة المسيحية بمنظار وجودي . فقد ضمنت مقالها نصاً في غاية الأهمية لكيركيجارد ، فقالت ” في حديث لكيركيجارد عن رغباته ، قال : بأن العامل الفاعل في حياته ، كان هو الخطيئة التي إرتكبها والده ، وكيركيجارد يتذكر عندما كان طفلاً ، كيف لعن والده الله مرة . وهذه اللعنة كانت حاسمة في حياة ولده ، وهكذا فقد ورث اللعنة (أي التجديف على الله) ” (المصدر السابق) . وبالمناسبة إن رعيل من الفلاسفة الوجوديون قد إستثمروا إطروحة كيركيجارد هذه ، وعالجوا مفهوم الحريةالإنسانية في ضوء علاقة الفرد بالله (أي حرية الفرد وحرية الله المطلقة) . ولذلك فإن اللعن أو التجديف سيمتلأ به الأدب الوجودي . ومثلاً على ذلك التجديف على الله عند سارتر (1905 – 1980) ، الذي سيصبح معلماً فلسفياً متميزاً في تأكيد حرية الفرد أمام ما أسماه سارتر بطغيان الحضرة الألهية المطلقة . يقول سارتر على لسان أرست بطل مسرحيته الذباب لله جوبيتر :

أنت إله البحار والأشجار والأحجار

ولكنك لست إله الإنسان

فيرد عليه الإله جوبيتر: ألم أخلقك ؟

فيرد الإنسان أرست : نعم إنك خلقتني ، ولكن رذيلتك خلقتني حراً (أنظر : جون بول سارتر ؛ الذباب ، كتبها عام 1943 ، وهي إحياء لإسطورة يونانية – رومانية ، مع إستبطان لأفكار نيتشه في كتاب هكذا تكلم زرادشت ، وما بعد الخير والشر . أنظر : ليستر بيرنستاين ؛ نقد الذباب / منشورة في صحيفة التايمز ، نيويورك ، عدد 18 نيسان) .

   أشرنا في نهاية حديثنا عن أعمال ونصوص الفيلسوف الوجودي سورين كيركيجارد إلى إنه تحول عن المسيحية ديانة مؤسساتية (بيروقراطية الكنيسة) . كما ويتذكر القارئ كيف تحول كيركيجارد إلى ناقد عنيد للمملكة المسيحية . إضافة إلى إن القارئ يتذكر إن ثلاثة مجلدات من المجلدات 16 التي كونت مجموعة أعماله قد حملت عنواناً مستفزاً للدوائر المسيحية يومذاك ، وهو دين بلا دين . يبدو إن كل ذلك قد هضمته الفيلسوفة هانا ، وجاء صداه في مقالها الذي كتبته عن فيلسوفها الوجودي كيركيجارد . ونحاول هنا أن نقدم مراجعة لأفكارها حول ما يمكن أن نسميه ظنون كيركيجارد حول المسيحية ، وما ترتب عليها من مواقف كيركيجاردية ، وبالصورة الآتية :

أولاً – قدمت هانا مقاربة نقدية بين منطقين ؛ المنطق الهيجلي والمنطق الكيركيجاردي ، وبينت بشكل جلي ؛ كيف إن كيركيجارد نظر إلى المسيحية من خلال منطق التناقضات . تقول الفيلسوفة هنا :

   وضع كيركيجارد ضد المنطق (المعتقد بتعبير هانا) الهيجلي ، الذي يتكون من الإطروحة ، والنقيضة والتركيب ، تناقضات أساسية للوجود المسيحي .   فمثلاً لتكون فرداً ، فأنك ستقف لوحدك أمام حضرة الإله (أو حضرة الموت) .  وهذا يتضمن إنك لا تمتلك ذاتاً على الإطلاق . وهذه الذات التي هي الفرد ، تصبح لا شئ أمام حضرة الإله إذا تم إنكار وجوده (هانا إرنديت ؛ المصدر السابق ، ص 46).     وترى الفيلسوفة هانا إن هذا التناقض (التعارض) وفقاً لكيركيجارد ، هو بنية أساسية للوجود الإنساني . أما حسب الفهم الهيجلي ، فإن التناقض بين الأطروحة والنقيضة ، يصل إلى حد التصالح على مستوى عالي من التركيب . وهو بمثل هذا الحال يضل تعارضاً قائماً بصورة متوارثة في الوجود (العام بالإنكليزية البينك) ، والذي يطلق عليه كيركيجارد ” الودود الإنساني (بالإنكليزية الإكسستنس) ، أي التعارض (التناقض) في الحياة الإنسانية ، وبرأي كيركيجارد التناقض متجذر في فيها (الحياة الإنسانية) . ولعل الفارق بين هيجل وكيركيجارد ، هو إن كيركيجارد دائماً يتحدث لنفسه فقط . بينما هيجل يتحدث كنصير للنظام (سستم) فقط .

  صحيح إن هيغل يتحدث بعمومية مطلقة ، ولكن كيركيجارد بمعنى محدد ، هو الأخر يتحدث بعمومية . فمثلاً القضايا العامة التي يستخدمها كيركيجارد ليست هي صيغ عامة مطلقة . وإنما هي قضايا عامة تُعبرعن الحقيقة المتعلقة بالوجود الإنساني لوحده / أي لكل واحد هو فرد (إندفجول) . وحسب فهم كيركيجارد إن هيجل نفى الحقيقة المرئية ، ولذلك فإن الفرد عندما يفسر التاريخ منطقياً ، لا يتصوره إلا في إطار تتابع شامل للأحداث ، وعملية خاضعة لمضمار حتمي . هذا في الحقيقة هو مُشكل  ضد هيجل ، وهذا هو مَشكل لكل الأنظمة الفلسفية (المصدر السابق) .

ثانياً – ترى هانا إن كيركيجارد تحول إلى سلطة أولية لعدد من المدارس الفكرية واللاهوتية المعاصرة . فمثلاً الجميع يلتقون على أرضية ضبابية مملوءة بالغموض والشكوك ، وفي الإمكان وصف إتجاهاتهم بكونها يائسة من وجود الأخر ، ويائسة من المبادئ العلمية والأكاديمية الأساسية .

  ولذلك فإن جميع االمدارس تشارك كيركيجارد في مفهومه الأساسي في الأختيار ، والذي إستخدم بعض الأحيان بمعناه المجرد . فمثلاً كلا المعسكرين الكاثوليكي والبروتستاني إعتمدوا كيركيجارد سلطة معرفية لهم . وتحسب هانا إن هذا لا يعود إلى كيركيجارد بقد مايتعلق بالبيئة أو المحيط التي عاشها فيها كوجود ديني . وإن كيركيرجارد عاش في عالم شبيه بالعالم الذي نعيش فيه اليوم . فقد عاش في  عالم علماني ألهبته حركة التنوير . هذا هو الشرط الذي هيمن على الحياة الدينية . وإن كل مسيحي من القديس بطرس ولوثر سيكون في مواقع الدفاع عن نفسه ضد العالمية وعلمانية الوجود ، وهما بالطبع عالم الشر ، وهذا في الأساس عالم مختلف من العالم الذي نسكنه ونعيش فيه .

  والإختلاف بين الكاثوليكية والبروتستانتية ليس بسيطاً ، وإنما عميقاً ، يتمثل بهوة عظيمة من المستحيل تجسيرها . فهو فارق بين عالمين : عالم ملحد ووجود متدين يكونان عالم واحد . وبالمعنى الديني الراديكالي إن مثل هذا العالم يعني أن تكون وحيداً ، ليس فقط بمعنى أن تقف لوحدك أمام حضرة الإله ، ولكن بمعنى إنه لا أحد أخر سيقف أمام حضرة الإله . وبالمقابل فأن كيركيجارد إنشغل بالتفكير بحياته في هذه الحياة ، التي هي تعارض (أو تناقض) مسيحي . وهذه هي الحقيقة التي طالب كيركيجارد إدراكها وإستيعابها (المصدر السابق ، ص ص 46 – 47) .

ثالثاُ – عقدت الفيلسوفة هانا بذكاء عال ، مقاربة فلسفية بين كيركيجارد ونيتشه (وهوالأخر يُعد رائداً روحياً للوجودية) . فقد درست في نهاية مقالتها سورين كيركيجارد ، السمات التي تجمع بين هذين العملاقين ، فأشارت إلى إن  “ كل من كيركيجارد ونيتشه ، قد إستهلا مشروعاتهما الكتابية في نهاية الحركة الرومانتيكية ، وبالطبع إختار كل منهما مضماراً مختلفاً . ولكن بالرغم من هذا الإختلاف ، فإن هناك مبدأ مشترك يقف وراء زحفهما وراء الحركة الرومانتيكية ، ومن ثم صعودهما الى الصفوف الأمامية . تمثل ذلك في ثراء الحياة والعالم ، اللذان جاء التعبير عنهما في حدود الرومانتيكيين بالفرص الجمالية والإمكانيات ، وفي حال كيركيجارد ونيتشه  ، فإنهما إتنزعا المعنى الجمالي من نصه الرومانتيكي وذهبا به مذهباً يتلائم وتوجهاتهما الوجودية المتنوعة . فمثلاً  في حال كيركيجارد ، إنما ما رأه الرومانتكيون في الجمال إمكانية ، أصبح عنده (أي عند كيركيجارد) مشكلة وجودية جوهرية . وهو مضمار الحياة الداخلية ، وإلتزامات لا يمكن الهروب منها . وإنها تحولت من إمكانية إلى حقيقة (واقع)، أي حقيقة الخطيئة . أما بالنسبة لنيتشه فإن الفن أصبح حقيقة أخلاقية جوهرية .. وهكذا دفع كيركيجارد بحياته ليسسدد ديون الحركة الرومانتيكية التي تركتها وراءها ، حتى دون أن تفكر بسدادها (المصدرالسابق ، ص ص48 – 49) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  

Advertisements
هذا المنشور نشر في Academic Skepticism, Ammonius Saccas, Aristotle, Cynicism, Cyrenaic School, Democritus, Dr. Mohamad Farhan, Philosopher, Eleatic Philosophy, Epicureanism, Epicurus, Epistemology and Philosophical Epistemology, HANNHAH ARENDT : GERMAN - AMRECIAN PHILOSOPHER, Heraclitus, Imblichus, Megarian School, Milesian School, Philosophy and Woman, Plato, Plotinus, Pluralism and Atonism, Porphyry, Pre - Socratic Philosophy, Proclus, Pyrrhonian Skepticism, Pythagoreainism, Socrates, Sophistry, Stoicism, The Philosophy of Averroes and Its Presence in the West, فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب, في الأبستمولوجيا والأبستمولوجيا الفلسفية, فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, فريجه وكتابه الرائد في المنطق الرمزي المعنون العلامات, كانط والكانطية الجديدة, كتب استاذ الإكويني " بيتر دي إبرينا " التي درسها للإكويني فيها إستبطان كبير لشروح إبن رشد, كرناب ونظرية السنتاكس المنطقي للغة, كرناب ونظرية السيمانطيقا, كرناب والسيموطيقا وأقسامها, كرناب وجمعية رايخنباخ وجماعة وارشو, مركز دريد للدراسات, مصادر التجربة الإفلاطونية في مضمار الأبستمولوجي الفلسفي, نهضة القرن الثالث عشر إستجابة حقيقية للحركة الرشدية الأرسطية, نظرية الحقيقة المزدوجة وبذور علمانية إبن رشد, هرمس الهرامسة, واقع الفلسفة عشية ولادة الإفلاطونية المحدثة, Zeno of Citium, Zethos (Arabic), أكاديمية إفلاطون, ألعودة إلى الفلسفتين اليونانية والإسلامية لفهم الفلسفتين الحديثة والمعاصرة, أوراق فلسفية جديدة / العدد 8, إقتبس القديس 503 مرات من إبن رشد وفقاً للموسوعة الكاثوليكية, إبن ميمون (طبيب صلاح الدين الأيوبي) وتلميذه يوسف أكنين والفيلسوف إبن تبون سهلوا مهمة إبن رشد, الفيلسوفة الألمانية - الأمريكية حانا أرنديت, الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي جونز, الملك الأشوري " إمبيلكوس السوري " مؤرخاً للفلسفة اليونانية, المدرسة الفلسفية الشكية البيرونية, المدرسة القورينائية, المدرسة الميغارية, المدرسة الرواقية البابلية, المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة, الأكاديميون الشككاك, الإفلاطونية المحدثة, الخلفيات الفلسفية للتجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, السفسطائية, تأملات في التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الأبيقورية, تأملات في التجربة الأبستمولوجية الرواقية, ترجمة القرن الثاني عشر من العربية إلى اللاتينية, ترجمت شروح إبن رشد إلى العبرية واللاتينية وموربيك كان صبياً وتوما كان طفلاً, حضور فلاسفة القورينائية خلال فلاسفة الأبيقورية, حضور فلاسفة الميغارية خلال الأبيقورية والرواقية, حضور فلاسفة المشائية لحظة تشكل المشروع الإفلاطوني المحدث, حضور فلاسفة الأكاديمية في أجواء صياغة الإفلاطونية المحدثة, حضور فلاسفة الأبيقورية في بيئة الإفلاطونية المحدثة, حضور فلاسفة الأبيرونية لحظة تشكل المشروع الإفلاطوني المحدث, حضور فلاسفة الرواقية لحظة إقلاع الإفلاطونية المحدثة, حضور فيثاغوراس وفلاسفة الفيثاغورية الجديدة, حضور هرقليطس في الفلسفة الرواقية, حضور الفلسفة الكلبية في أجواء تكوين الإفلاطونية المحدثة, حضور السفسطائية وفلاسفة المدرسة السفسطائية الثانية, حضور ديمقريطس والفلسفة الذرية في الفلسفة الأبيقورية, ديوجانس لارتيوس وموسوعته " حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ", شوبنهور ونقد مقولات كانط الإثنتي عشر وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

One Response to مجلة أوراق فلسفية جديدة / حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة (مع هوامش شارحة للمنبت الأبستمولوجي الفلسفي) / العدد الثامن / خريف 2012

  1. badreddine كتب:

    شكرا لكم على هذه الجهود الطيبة .. البحث في غوغل قادني الى صفحاتكم الثرية بالفكر والفلسفة .. تقدير وتحياتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s