مجلة أوراق فلسفية جديدة / في الأبستمولوجيا الفلسفية العربية (مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي) / العدد التاسع / شتاء 2013

أوراق فلسفية جديدة

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

Arabic Philosophical Epistemology

Dr. MOHAMAD FARHAN

الكتاب الجديد للدكتور محمد الفرحان

في الأبستمولوجيا الفلسفية العربية

مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي

مع العدد كتابنا المسلسل

الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة

حانا إرنديت (1906 – 1975) (بالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل)

2

الفيلسوفة خانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN      Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – أُنتاريو – كندا

رئيس التحرير – الدكتور محمد الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

يُفضل قراءة هذا العدد بصحبة الإستماع إلى السمفونية الرائعة ، والتي تحمل عنوان

زهرة الأندلس  ، وفيها روح عربية ، والتي ألفها الموسيقار الأسباني مانويل دي فيلا (وهي متوافرة على اليوتيب) .

مجلة أوراق فلسفية جديدة

الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة

لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة يكتبها أكاديمي – فيلسوف واحد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذا العدد :

1 – مصادر الأبستمولوجيا العربية المسكوت عليها

2 – تأملات في الفكر الأبستمولوجي الإسلامي

3 – الفكر الأبستمولوجي في المشرق الإسلامي

4 – الفكر الأبستمولوجي في مرحلة النقد الفلسفي الإسلامي

5 – الفكر الأبستمولوجي في المغرب الإسلامي

6 – الأبستمولوجيا وفلسفة المنهج عند جابر بن حيان

7 – الفكر الأبستمولوجي والمنهج العقلاني عند إبن رشد

8 – حضور الأبستمولوجيات في الخطاب الفلسفي الإسلامي المعاصر : تجربة الصدر إنموذجاً

9 – وكتب الدكتور الفرحان بالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل القسم الثاني من كتابنا المسلسل الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا إرنديت ، والذي كان بعنوان : الفيلسوفة خانا إرنديت والفيلسوف الوجودي الفينومنولوجي مارتن هيدجر

فتمتعوا بقراءة هذا العدد الممتاز .

الدكتورة نداء إبراهيم خليل

سكرتيرة التحرير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  المقدمــــــــــــــة

مصادر الأبستمولوجيا العربية المسكوت عليها

 الدكتور محمد لفرحان

 صحيح ُ إن بعض محاورات إفلاطون قد توافرت للعقل العربي الإسلامي بترجمات متنوعة كما وإن خلاصات عن محاورات أخرى قد حضرت إلى دائرة الثقافة الإسلامية ممزوجة بكتابات  بعض الشراح المشائين والإفلاطونيين المحدثين على حد سواء . وصحيح إن مؤلفات أرسطو وصلت إلى دار الثقافة العربية ممزوجة بأمشاج الإفلاطونية المحدثة وما لفها من فلسفات يونانية كانت سائدة لحظة الأقلاع الفلسفي الإفلاطوني المحدث (أنظر مثلاً أثر كتاب أثولوجيا أرسطو على الفلسفة الإسلامية في المشرق) . وصحيح أيضاً إن العقل العربي في بداية التأسيس الفلسفي في المغرب العربي حصل على ترجمات أصيلة لمؤلفات أرسطو . إلا إن من المسكوت عليه في تراثنا الفلسفي العربي ، وخصوصاً الأبستمولوجي ، هو إن الدار الثقافية الفلسفية الإسلامية قد وصلها شروح على محاورات إفلاطون ورسائله ، وعلى مؤلفات أرسطو . وهذه الشروح لعبت دوراً فاعلاً نحسب أكثر من المؤلفات الأصلية للفيلسوفين اليونانيين . وهنا نحاول التعريف بهذا التراث الشارح وبداياته التاريخية ولأول مرة في دارنا الثقافية العربية الإسلامية .

إفلاطون والشروح على محاوراته ورسائله : تاريخ وشواهد 

    شكلت الشروح  التي نهضت على محاورات إفلاطون (424 / 423 – 348 / 347 ق.م) ورسائله ظاهرة أدبية فلسفية واسعة في العصور اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي وفي العصور الوسطى  ، وبالطبع عبرت إلى عصر الإنشاء الفلسفي العربي الإسلامي (وضاعت من الغرب ماعدا محاورة يتيمة هي محاورة طيماوس وعادت إلى الغرب في بدايات عصر النهضة) ، ومن ثم إمتدت خلال ترجمة القرن الثاني عشر من العربية إلى العبرية واللاتينية لتلعب دوراً متفرداً في تأسيس نزعات فلسفية أبستمولوجية وميثدولوجية في عصر النهضة الأوربية والتي طال تأثيرها إلى العصور الحديثة والمعاصرة .

  وكان الدافع الأساس وراء الشروح ، هو تفسير وتوضيح مرامي ومعاني النصوص التي كتبها الفيلسوف اليوناني ، ومن ثم العمل على كتابة خلاصات لها . ونحسب إنه من النافع الإشارة إلى إنه خلال العصر الروماني ، كتب فلاسفة الإفلاطونية المحدثة شروحاً على محاورات معينة بحد ذاتها ، وإن العديد منها ظلت خالدة ولم تتعرض للضياع .

دور الشراح اليونان :

  نشط منذ وقت مبكر عدد من طلاب الأكاديمية التي أسسها إفلاطون ، في كتابة مقالات توضح وتشرح أفكار إفلاطون . فمثلاً تنقل لنا الدراسات الأكاديمية التي إعتنت بالشراح اليونان ، بأن أول خبر وصلنا عن الشروح على محاورات إفلاطون ، قد جاء إلينا من القرن الثالث قبل الميلاد ، أي بُعيد وفاة إفلاطون بنصف قرن من الزمن (ومن المعروف إن وفاة إفلاطون كانت عام 347 أو 348 قبل الميلاد) . وفعلاً فقد ذكرت هذه الدراسات وعلى وجه الخصوص مؤرخ الفلسفة اليونانية الألماني أدورد زيلر ،إلى ن فيلسوف الأكاديمية من القرن الرابع والثالث قبل الميلاد كرنتور صولي (من قيلقية / تركيا اليوم) هو كما يبدو أول من كتب شرحاً على محاورة طيماوس (1) .

  ونحن نخالف الأستاذ زيلر ، وندفع بتاريخ ظهور الشروح على محاورات إفلاطون ورسائله إلى القرن الرابع قبل الميلاد وليس إلى القرن الثالث كما ذكر أدورد زيلر . ورأينا ينهض على قراءة لتاريخ الأكاديمية بعد وفاة المؤسس الفيلسوف إفلاطون ، وبالتحديد خلال الفترة التي قادها وريثه سيسبيوس (أو سيسبيس) (407 – 339 / 338 ق.م) ، وهو إبن أخت إفلاطون (بوتوني) ووريثه على الأكاديمية لفترة ثمانية سنوات وفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس (2) .

    إمتدت قيادة سيسبيوس ما بين (348 / 347 – 339 / 338 ق.م) . وبعد تعرضه لجلطة دماغية سلم قيادة الأكاديمية إلى زنكراتس ، وهو وريث إفلاطون على الأكاديمية . ومعروف عن مخالفة سيسبيوس لتعاليم إفلاطون ، خصوصاً في رفضه لنظرية المثل التي يتربع في قمتها مثال الخير . وعلى خلاف خاله إفلاطون آمن سيسبيوس بأن الخير مبدأ ثانوي . إضافة إلى إنه جادل بإنه من المستحيل إمتلاك معرفة مقنعة عن أي شئ دون معرفة كل الإختلافات بين الأشياء موضوع معرفتنا ، وإن هذه الإختلافات منفصلة عن الأشياء (3) .

   وفعلاً فقد قدم لنا لارتيوس جرداً في غاية الأهمية للمؤلفات والشروح التي وضعها سيسبيوس . ولعل القارئ الحصيف يلحظ في عناوين محاورات وكتب سيسبيوس مقدار المتابعة لنهج خاله الفيلسوف إفلاطون مع ملاحظة إهتمامه بالفلسفة القورينائية (فلسفة اللذة ) عند الفيلسوف أرستبس . ومن المعلوم إن كلاً من إفلاطون وإرستبس كانا تلميذين للفيلسوف الشهيد سقراط . على كل جاءت جريدة مؤلفات سيسبيوس البالغة الثلاثين برواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس بالشكل الآتي :

أرستبس القورينائي (ويبدو إن هذه العمل ، هو سيرة ذاتية أو محاورة على نمط محاورات إفلاطون ، وفعلاً إن جريدة مؤلفاته تدلل عناوينها على إن سيسبيوس كتب المحاورات وبعض السير) (4) . وفي الثروة (وهو كتاب واحد ، وهي متعلقة بالفيلسوف أرستبس) ، وفي اللذة (كتاب واحد وهي متعلقة بالفيلسوف أرستبس) وإن العنوان يثير الكثير من التساؤلات حول مفهوم اللذة ومن ثم الثروة وحضور فيلسوفها أرستبس في إهتمام سيسبيوس ، ومفهوم الحب الإفلاطوني المقابل لمفهوم أرستبس القورينائي . وكتاب أومحاورة العدل (والعنوان بحد ذاته يحملنا على القول بأن هذه المحاورة ربما جاءت تحمل دفاعاً عن مفهوم إفلاطون أو شرحاً أو توسعاً وتبسيطاً له أو ربما شئ أخر ما دام أرستبس كان حاضراً) . وسأترك التعليق وأترك العناوين للقارئ ليتذكر صدى العنوان ومحاورات إفلاطون والموضوعات التي درستها .

  من ثم جاء  كتاب أو محاورة في الفلسفة ، في الصداقة ، في الألهة ، الفيلسوف ،  الرد على كيفليوس ، كيفليوس ، كلينماكوس أو ليسيس ، المواطن  ، في النفس ،  الرد على كرليوس (5) ، أرستبس (مرة أخرى عن فيلسوف اللذة القورينائي الجد أو الحفيد) ، نقد للفنون (كل نقد ألف كتاباً) ، ميموارات (سير ذاتية) على إسلوب محاورات ، رسالة في النظام (في كتاب واحد) ، محاورات في التماثلات في العلم (عشرة كتب) ، محاورات في التماثلات (التشابه) في العلم (عشرة كتب) ، التصنيف والفرضيات في التماثلات ، في الأجناس والأنواع ،  الرد على عمل مجهول ، خطبة تأبين إفلاطون ، رسائل إلى ديون (في سرقسطة وزاره مع خاله إفلاطون في رحلته الثالثة) وديونسيوس وفيليب ، في التشريعات ، عالم الرياضيات ، ماندربلس ، ليسيس ، التعريفات (وهذا طرف أساس في علم المنطق إضافة إلى الطرف الثاني نظرية البرهان ، وهناك نصوص في محاورات إفلاطون عالجت نظرية التعريف ، وهناك نصوص في كتب أرسطو المنطقية متخصصة في نظرية التعريف)* ، مخططات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل أنظر رسالتنا للماجستير والمعنونة : تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، دار الحرية ، بغداد 1983 الفصل الثاني المعنون محاولة إفلاطون في وضع أسس العلم البرهاني (المعنون التعريف ) ص ص 52 – 56 ، القسم الثاني ، الفصل الخامس المعنون نظرية التعريف عند أرسطو ، ص ص 137 – 155

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتحضيرات لعدد من الشروح (6) .

  إن كل هذه العناوين تدلل على إن شروحاً وتوسعات قد حدثت على محاورات إفلاطون ورسائله بقلم وريثه على الأكاديمية وإبن أخته الفيلسوف سيسبيوس ، وإن إنتاجاً لمحاورات جديدة ومشاريع شروح قد وضعت أو التخطيط لمشاريع أخرى . وبالتأكيد هذه الشروح دارت حول محاورات إفلاطون ورسائله ، مع ملاحظة إن عقل سيسبيوس وقلمه ربما لونا هذه الشروح أو التوسعات فيها بتراث فلسفي يصعد إلى فلسفة اللذة التي تنتمي إلى المدرسة القورينائية التي أسسها تلميذ سقراط أرستبس الجد أو أرستبس الحفيد . وللقارئ نقول إن فلسفة إفلاطون ومحاوراته ورسائله إختارت لها منذ البداية شاطئ فلسفي يقف بالمقابل للشاطئ الفلسفي الذي إنتخبته فلسفة اللذة القورينائية . والسؤال الذي يُثار أمامنا : كيف عمل سيسبيوس على المقاربة بين الشاطئين الفلسفيين الإفلاطوني والقورينائي ؟ الحقيقة إنها مهمة صعبة جدا جدا رغم إن الجسر الفلسفي المشترك هو فلسفة سقراط ودروسه الشفوية التي تلقاها كل من تلميذيه أرستبس وإفلاطون . إن أمنيتنا الوحيدة هو خلود وبقاء كتب ومحاورات وشروح سيسبيوس على الحياة ، لتعلمنا منها الكثير الكثير . ولكننا مع الأسف لم نكن أصحاب حظ ، فقد ضاع تراث سيسبيوس ولفه النسيان ، وإن ظلت العناوين (وبعض فقرات متناثرة في كتابات أخرين مثل أرسطو وساكس إمبريكوس ..) تحكي قصة كتابات فلسفية متفردة لم تصل إلينا .

   والسؤال : هل كان إفلاطون على حق في توريث إبن أخته سيسبيوس على أكاديمته وتفضيله على أرسطو القراء وداينمو الأكاديمية كما كان يصفه إفلاطون (وأرسطو تلميذاً لإفلاطون لأكثر من عشرين عاماً) ؟ في جزء من الجواب إنه (أي إفلاطون) لم يُكن على حق في عملية التفضيل ، وإن الأكاديمية دفعت من عمرها ثمناً غالياً إستمر ثمانية سنوات ساد خلال فعل إستسلام لقيادة سيسبيوس للأكاديمية وفي إتجاهات بعيدة ما عن جوهر تعاليم إفلاطون . ونحسب إن العودة إلى تعاليم إفلاطون وإن حاول الوريث الثاني زينكراتس إنجازها ، لم تحدث وذلك لأن ما قام به سيسبيوس هو إستجابة لعملية النقد لفلسفة إفلاطون في عصره  هذا من طرف ، ولأن زنكراتس هو الأخر قبل بعض أراء سيسبيوس ، كما وكانت له توجهاته الخاصة كعالم رياضيات في الدرجة الأولى وفيلسوف في الدرجة الثانية .

  كما إننا محظوظون في عدم توريث إفلاطون لأرسطو ، وإن حدث ذلك  لظل أرسطو واحداً من قيادي الأكاديمية . ولكن ضياع فرصة أرسطو في الأكاديمية ، حملته على أن يؤسس أكبر مدرسة فلسفية ، هي اللقيون أو المشائية التي نافست الأكاديمية في تاريخ الفلسفة اليونانية خاصة وتاريخ الفلسفة الغربية عامة . مع الإشارة إلى أن أرسطو  قد قبل بعض آراء سيسبيوس وإستشهد بنصوص من كتاباته ، وناقشها في كتابه التحليلات الثانية ، خصوصاً طريقة التصنيف ونصوص أخرى ضمنها في الميتافيزيقا ومؤلفات أخرى .  

  وزنكراتس أو زينكراط (396 / 395 – 314 / 313 ق.م) هو فيلسوف الأكاديمية ، وهو تلميذ إفلاطون منذ بواكير شبابه ، وهو الذي سافر مع إفلاطون إلى سيسلي (صقلية) عام 361 ق.م ، وهو الرئيس الثاني على أكاديمية إفلاطون (7) بعد وفاة الرئيس الأول على الأكاديمية سيسبيوس  .  وبعد موت أستاذه إفلاطون زار زينكراتس بصحبة أرسطو هرميس حاكم مدينة إترونس . وبالمناسبة إن هرميس قد تعلم الفلسفة في أكاديمية إفلاطون . وتذكر المصادر الأكاديمية إلى إن أرسطو حتى هذه الفترة كان يتطلع لرئاسة الأكاديمية ، وعندمت تأكد بأن الرئاسة إنتقلت إلى زينكراتس قطع كل أمل ، وأخذ يعمل في تأسيس مدرسة اللوقيون أو المشائية (8) . وهذا بالطبع يتعارض ورواية ديوجانس لارتيوس التي تنقل لنا نصاً فيه إفلاطون في حياته  يقارن بين زينكراتس وأرسطو ، ويشير فيه إلى إن أرسطو بعد إن حصل على التدريب الفلسفي العالي ، قرر الإنفصال وهجر الأكاديمية (9) .

 وفضل زينكراتس  بعد موت سيسبيوس ، وبداية قيادته للأكاديمية العودة بحدود ما إلى تعاليم إفلاطون . وعلى هذا الأساس نهضت أفكاره الفلسفية على قراءة حميمة (قريبة جداً) لفلسفة إفلاطون ولكن هذا لم يحدث على طول خط البحث الفلسفي . ففي مضمار الأبستمولوجيا سيلاحظ القارئ أراءً مخالفة لتعاليم المعلم إفلاطون التي تؤكد على إن العالم الحقيقي هو عالم المثل وإن المعرفة الصادقة تتحقق في عالم المثل .

  ومعلوم إن زينكراتس قد قاد برامج الأكاديمية بحدود عقدين ونصف (أي أربعة وعشرين سنة) إمتدت من عام 339 / 338 وحتى عام 314 / 313 ق.م (10) . وهذا يعني إن برامج الأكاديمية خلال رئاسته قد تميزت بدرجات من الإستقرار والثبات .  ولعل من أهم ما قام به ، هو التقريب الشديد بين نظرية المثل الإفلاطونية ومبادئ الرياضيات (خصوصاً إذا علمنا إن زينكراتس كان عالم رياضيات من الدرجة الأولى).

  لقد ميز زينكراتس بين ثلاثة صور من الوجود : المحسوسات ، والمعقولات ، والصورة الثالثة هي مزيج من المحسوسات والمعقولات . ونحسب هنا إن زينكراتس يتابع قصة الأبستمولوجيا الإفلاطونية في طوابقها الثلاث العتيدة ، وهي الطابق الأرضي عالم المحسوسات (عالم هرقليطس ..الذي رفضه إفلاطون) ، والطابق الثالث العلوي عالم المعقولات (عالم بارمنيدس وزينون الأيلي والذي أمن به إفلاطون) . والطابق الثاني عالم المتوسطات / مزيج من المحسوسات والمعقولات (عالم الرياضيات الفيثاغورية وهو العالم الذي وجه له إفلاطون النقد) .

  ويبدو هنا إن هذه الصور من الأنطولوجيا هي مستويات وتقابلها بالطبع أبستمولوجيات ثلاث ، هي الأبستمولوجيا الهرقليطسية الحسية  ، والأبستمولوجيا الفيثاغورية الرياضية (وتذكر إن زينكراتس عالم رياضيات بالدرجة الأولى) ، وأخيراُ الأبستمولوجيا العقلية / أبستمولوجيا المدرسة الإيلية (بارمنيدس وزينون الإيلي) . وحسب رأي زينكراتس إن هذه الصور الثلاثة تقابل على التوالي : عالم الحس ، وعالم العقل وعالم الرأي .

  وبرأي زينكراتس إن الوحدة والثنائية ما هما إلا ألهة تسيطر على الكون . وإن النفس ما هي إلا عدد يتحرك بذاته . وعلى حد رأيه إن الألهة تحكم عالم الأشياء . ويعتقد بتوسط نوع من القوى ما بين عالم الإلوهية (الخلود) وعالم الفناء . كما إنه أشاع في تعاليمه رأي يذهب إلى إن موضوعات الرياضيات ومثل إفلاطون ما هما إلا أخويين توأمين . ولكنه على خلاف إفلاطون ميز بين الأخوين التوأمين ؛ الرياضيات والمثل . وفي الأخلاق رأى بأن الفضيلة تُنتج السعادة (11) . وهنا نشعر بصدى لأراء أرستبس القورينائي التي ربما عبرت إليه من خلال تعاليم ومؤلفات ومحاورات سيسبيوس الرئيس الأول للأكاديمية . ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس فإن زينكراتس مات على أثر سقوطه من فرسه في بيته ، وإصدام رأسه بوعاء برونزي (12) . 

  ونحسب إن من المهم في بيان دور الفيلسوف زينكراتس في مشروع الشرح والتوسع في فلسفة المعلم إفلاطون ، هو الحديث عن الأعمال والرسائل التي كتبها الرئيس الثاني لأكاديمية إفلاطون . ونحن هنا نعتمد على القائمة التي ذكرها لارتيوس . وإعتماداً على هذه القائمة ، إن زينكراتس كتب عملاً كبيراً شاملاً بعنوان الديالكتيك (13) . ومعروف لدى الأكاديمين الغربيين المهتمين بتراث إفلاطون ، وصاحب القلم واحداً منهم ، إن مؤسس الأكاديمية تحدث كثيراً وبالتفصيل عن الدياكتيك في محاوراته وبطريقيه الصاعد والنازل (14) .

   وهنا نعدُ عمل زينكراتس إنجيلاً إفلاطونيا – زينكراتياً في الديالكتيك . والحقيقة إن طريقة الديالكتيك الصاعدة هي طريقة رد للفرضيات إلى فرضيات أعلى منها ، وهي عملية لا تتوقف إلا عند الفرضيات الأكثر وضوحاً (وصدقاً) حيث عالم المثل والخير. أما طريقة الديالكتيك النازلة ، فهي طريقة برهانية (وإن كانت هي طريقة إفلاطونية . فيبدو إن رجل الرياضيات زينكراتس قد منحها روحاً رياضية خالصة أعمق من أستاذه إفلاطون . وتفسيرنا هذا ينهض على قضية أكدناها أعلاه ، وجاء فيها إن زينكراتس عالم رياضيات في الدرجة الأولى ، ولذلك عمل على التقريب الشديد بين نظرية المثل الإفلاطونية ومبادئ الرياضيات .

    ولعل أرسطو قد إنتبه إلى مثابرة زينكراتس المتفردة ، والتي فيها خروج على كل من إفلاطون وسيسبيوس ، فقال في كتابه الميتافيزيقا ، وهو يقارن النظريات الثلاث ؛ نظرية إفلاطون وزينكراتس وسيبسيوس : ميز إفلاطون بين الأعداد المثالية والأعداد الرياضية . أما زينكراتس فقد وحد بين الأعداد المثالية والأعداد الرياضية . في حين إتخذ سيسبيوس من الأعداد الرياضية مصادرات فقط (15) . 

  وإضافة إلى عمله الكبير الديالكتيك ، فقد كتب زينكراتس رسائل منفصلة في نظرية المعرفة ، وفي التصنيف ، وفي الجنس والأنواع ، في المثل ، في الأضداد . ويحتمل ديوجانس إنه كتب في المثل المتوسطة (16) . وكتب كتابان في الطبيعيات (17) ، وكتب أخرى حول الألهة ، وفي الموجود ، وحول الواحد ، وكتاب عالج فيه اللامحدود ، وفي النفس ، وفي الإنفعالات ، والذاكرة . ورسائل أخلاقية عامة ، وحول السعادة ، وحول الفضيلة ، وكتب أخرى تناولت أخلاق الأفراد . وأربعة كتب في الملكية وجهها إلى الإسكندر ، كما كتب رسالة حول الدولة ، وحول سلطة القانون (18) . كما كتب حول الهندسة ، وعلم الحساب ، وعلم الفلك (19) ، وألف رسائل فلسفية عديدة ، وله كتابات في الشعر (20) .

  والحقيقة إن هذه الكتب والرسائل تسجل دليلاً قوياً على شخصية زينكراتس سواء في مقدار المتابعة والشرح والتوضيح الذي تقدم به على فلسفة أستاذه إفلاطون ، وحجم التفرد والإنتاج الخاص الذي يقع خارج فلسفة مؤسس الأكاديمية ، وخصوصاً في الطريق الذي إختاره في النظر إلى نظرية المثل الإفلاطونية من زاوية عالم الرياضيات ، والإنتاج المتفرد الذي أنجزه في علم الهندسة وعلم الحساب وعلم الفلك . مع الإشارة إلى إن محاورات إفلاطون مليئة بمناقشات لأسس الرياضيات ، وتذكر إن إفلاطون كتب على باب أكاديمته شعاراً يقول : لا يدخل أبوابي من لا يعرف الرياضيات أو من لايعرف الهندسة . وهذا الطرف هو الذي يميز زينكراتس عن إفلاطون ؛ فزينكراتس كان عالم رياضيات ، بينما كان إفلاطون فيلسوف رياضيات (21) . كما إن النزعة الواقعية في فلسفة السياسة عند زينكراتس ، قد دشنت مضماراً فلسفياً إبتعد بدرجات ما من سماوية جمهورية إفلاطون ومثاليتها . وهذا يتجسد في خطاباته السياسية أو كتبه الأربعة حول الملكية التي وجهها للإسكندر . ورسالتيه المعنونتين ؛ الأولى حول الدولة . والثانية حول سلطة القانون .   

   وبعد هذا الإنجاز الفلسفي الذي تقدم كل من سيسبيوس الرئيس الأول لأكاديمية إفلاطون ، وزينكراتس الرئيس الثاني للأكاديمية في شرح وتبسيط فلسفة إفلاطون بصورة عامة ، وإن ظهرت مخالفات لهما في فهم نظرية المثل ، وتوجهات غريبة لسيسبيوس نحو فلسفة اللذة نزلت إليه عن طريق أرستبس القورينائي ، ومن ثم عودة زينكراتس إلى إفلاطون مع ترجيح للرياضيات ، فإننا نعود ونتفق مع زيلر ، في إننا نواجه في القرن الثالث قبل الميلاد ظهور نزعات في داخل الأكاديمية تركز على إنتخاب محاورة واحدة من محاورات إفلاطون وتقديم شرحاً لها . هذا فعلاً حدث على يد كرنتور صولي .

   والحقيقة إن فيلسوف الأكاديمية كرنتور ، وحسب رواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، قد ترك مدينته صولي ورحل إلى أثينا لدراسة الفلسفة ، وفي أثينا حضر محاضرات عالم الرياضيات ورئيس أكاديمية إفلاطون ، الفيلسوف الإفلاطوني زينكراتس  ، وكان كرنتور تلميذاً لزينكراتس في الوقت الذي كان الفيلسوف الإفلاطوني بولمون تلميذاً لزينكراتس كذلك . وبالمناسبة إن بولمن سيصبح فيما بعد الرئيس الثالث لأكاديمية إفلاطون . ويُقال إن كرنتور جاء إلى أثينا قبيل وفاة أستاذه زينكراتس بسنة واحدة فقط (ومن المعروف تاريخياً إن وفاة زينكراتس كانت عام 314 / 313 ق.م) . ومع الأسف إنه لا تتوافر لدينا معلومات عن تاريخ ولادة كرنتور ، ولكن يُرجح بأنه ولد في أواسط القرن الرابع قبل الميلاد في صولي (قيليقية التركية) (22) ، أما وفاته فكانت حسب رواية ديوجانس لارتيوس قبل وفاة فيلسوفي الأكاديمية كل من بولمون وكريتس الأثيني وكان سبب وفاته مرض الوذمة (تورم الأنسجة بسبب الزيادة في إفرازات السائل) (23) . ونحن نعرف بأن بولمون توفي عام 269 / 270 وورثه على رئاسة الأكاديمية كريتس الأثيني (24) .  والذي نعرف بأنه توفي ما بين عامي 268 – 264 ق.م . ولذلك رجح الأكاديميون إن وفاة كرنتور كانت عام 276 / 275 ق.م (25) .

  ووفقاً لما يتوافر لنا من معلومات حول نهج كرنتور الفلسفي ، نستطيع القول إنه من الداعين إلى العودة إلى فلسفة الأكاديمية القديمة ، أي العودة إلى فلسفة إفلاطون . وهذه الدعوة تحملنا على القول إنه لم يكن راضياً على توجهات سيسبيوس وزنكراتس الفلسفية وقيادتهما لبرامج أكاديمية إفلاطون . ولهذا ركز جهوده في تقديم شروح متخصصة على محاورات إفلاطون . وفعلاً وضع كرنتور أول شرح على محاورة طيماوس كما أشار أعلاه أدورد زيلر ، ونحسب في هذا الصدد إن زيلر وديوجانس على إتفاق في إن كرنتور كما أشار لارتيوس بالحرف الواحد ، إلى إنه ترك شروحاً على مؤلفات إفلاطون تتكون من أكثر من ثلاثين ألف سطر . إلا إن ديوجانس عاد وأشار إلى إن النقاد في عصره ينسبونها إلى تلميذه أرسسليس (316 – 214 ق.م) وهو فيلسوف إفلاطوني ورئيس الأكاديمية فيما بعد (26) . وقد تعرضت هذه الشروح الضخمة  لمؤلفات إفلاطون التي كتبها كرنتور أو هي محاضراته التي كتبها تلميذه أرسسليس ،  للضياع ولم يبقى منها سوى شذرات مجتزأة وردت في بطون مؤلفات كتاب عاشوا في مراحل لاحقة.

  ومن المفيد أن نشير إلى إن الأكاديمية وبرامجها الفلسفية ، وبالطبع مؤلفات الفيلسوف المؤسس إفلاطون ظلت بحدود ما موضوع دراسة طلاب الأكاديمية . وإستمر هذا التقليد الأكاديمي خلال رئاسة بولمن وكريتس الأثيني للأكاديمية . ولكن مع صعود أرسسليس رئيساً للأكاديمية ، حدثت تحولات درامية في الأكاديمية . وهذا الأمر مهم جداً في فهم ما جرى لبرامج الأكاديمية عامة ومؤلفات إفلاطون خاصة . ولذلك فضلنا أن نقدم هنا خلاصة مكثفة عن وضع الأكاديمية وإهتمامات بولمون وكريتس الأثيني خلال رئاستهما لأكاديمية إفلاطون . وبعدها نلقي ضوءَ على التحول الفلسفي الدرامي فترة رئاسة أرسسليس للأكاديمية أو للدقة تأسيسه لما يُعرف بالأكاديمية المتوسطة أو  الثانية ، والتي هي وجه لما يسمى بالأكاديمية الشكية .

  بولمون فيلوستروتس أو بولمون الأثيني ، هو الفيلسوف الإفلاطوني الشهير ، والخليفة الثالث للفيلسوف إفلاطون ، ورئيس الأكاديمية للفترة من 314 / 313 وحتى 270 / 269 ق.م ، وهو تلميذ زينكراتس . وكان مؤمناً بأن خير سبيل للفلسفة ، هو أن نعيشها ونطبقها في حياتنا ، وليس أن ندرسها فقط . ووضع الخير الأسمى (وهو مبدأ إفلاطوني أصيل) في حياتنا التي نعيشها وفقاً للطبيعة (ويبدو هنا صدى للرواقية بصورة ملحوظة) .

  جاء بولمون من عائلة فيلوستروتس الثرية ، فقد كان والده فيلوستروتس رجل صاحب ثروات كبيرة ، ومكانة سياسية مرموقة . ولعبت الصدفة دوراً كبيراً في حرف إهتمامه نحو شواطئ الفلسفة . ففي يوم من الأيام ، وهو في الثلاثين ربيعاً من عمره إقتحم مع جماعة له مدرسة زينكراتس . وهناك وقع أسير المناقشات والحوارات الجارية في المدرسة . وإندهش بولمون من هدوء الفيلسوف زينكراتس رغم الفوضى والإزعاج الذي سببته الغارة والإقتحام . وهذا الهدوء والتوازن الذي تميزت به شخصية الفيلسوف زينكراتس تحول بولمون إلى مستمع وتلميذ مواضب على محاضرات ودروس زينكراتس . وبعد وفاة الأخير أصبح بولمون خليفة زينكراتس ورئيس الأكاديمية ، وهذا حدث بالتحديد في عام 315 ق.م (27) . 

  وكان من تلاميذ وحواري بولمون المقربين الفيلسوف الإفلاطوني كريتس الأثيني (28) . وبالمناسبة إن بولمون كما ذكرنا سابقاً كان زميلاً للفيلسوف كرنتور صاحب الشرح على محاوراة طيماوس ، والذي أصبح فترة حوارياً من حواري بولمون (29) ، وكان من طلابه الفيلسوف زينون الأكتومي (مؤسس المدرسة الرواقية) (30) . وكان من حواريه أرسسليس رئيس الأكاديمية بعد موت كريتس (31)  . ومات بولمون عام 270 / 269 ق.م . ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس فإنه مات وقد بلغ من العمر عتيا (32) ، وقد خلفه في رئاسة الأكاديمية كريتس الأثيني (33)  

  ووفقاً لرأي ديوجانس لارتيوس فإن بولمون قد تابع بدقة عالية خطى ونهج أستاذه زينكراتس في كل شئ (34) . وإنه أعلى من مكانة الفلسفة حيث دعا الناس إلى تطبيقها في كل جوانب الحياة ، وخصوصاً في الأعمال . ونبههم إلى إن الفلسفة لا تقتصر على التأملات والمناقشات الديالكتيكية (الجدلية) (35) وكان على المستوى الشخصي رجلاً صارماً ملتزماً بدقة عالية (36) . فمثلاً كان يفتخر في تقديم شخصه إنموذجاً عالياً للسيطرة على كل أنواع الإنفعالات . وفي الأدب كان معجباً بشخصية هوميروس وسوفكليس (37) .

  ويبدو إن بولمن تطلع في التوفيق بين تعاليم إفلاطون وما سيعرف لاحقاً بالشعار الرواقي ، وهو العيش وفقاً للطبيعة . ونحسب إنه الذي ألهم زينون الأكتومي بهذا الشعار ، خصوصاً إذا ما عرفنا بأن زينون حضر محاضراته وكان واحداً من حواريه وفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس (مذكورة أعلاه) . ومن هنا نفهم إن عنوان واحدة من رسائله التي لم تصل إلينا ، هي رسالة ” فيما يتعلق بالحياة وفقاً للطبيعة ” (38) . وقد ورد إقتباس منها عند كليمنت الإسكندراني (150 – 215) . ولعل إقتباس كليمنت لهذا النص من هذه الرسالة ، يعود إلى إن نظامه الفكري يتناغم ونظام بولمن الفلسفي القائم على الجمع بين إفلاطون ورؤية بولمن – الرواقية التي سيتبناها زينون الأكتومي والتي ستنتشر شعاراً فلسفياً رواقياً ، وهكذا سيطوي التاريخ وسننه فعل بولمن الفلسفي وسيخلد عبارته التي نقلها إلى حواريه زينون الأكتومي شعاراً فلسفياً رواقياً .

  أما كريتس الأثيني ، فهو الأخر فيلسوف إفلاطوني ورئيس الأكاديمية بُعيد موت أستاذه بولمن . والحقيقة لا تتوافر لدينا المعلومات الكافية عن حياته ومؤلفاته . ولكن حسب تقديرات الدارسين إنه مات في الفترة المحصورة ما بين عامي 268 و264 ق.م (39) ، وأصبح بالتحديد رئيس الأكاديمية في عام 270 / 269 ق.م (40) . وكانت بينه وبين أستاذه بولمن علاقة حميمة ، تحولت إلى شاهد إحتفالي في العصور القديمة . ولاحظنا إن مؤرخ الفلسفة اليوناني ديوجانس لارتيوس قد إحتفظ لنا بقصيدة إحتفالية كتبها الشاعر إنتكورس ، حيث يصف فيها إتحاد الصديقين بعد الموت في ضريح (قبر) واحد (41) .

  ومن أشهر طلاب كريتس الأثيني الفيلسوف أرسسليس الذي نجح في خلافته على رئاسة الأكاديمية ، وثيودورس الملحد القورينائي (عاش تقريباً ما بين 340 و 250 ق.م) وبالمناسبة هو تلميذ أرستبس الحفيد فيلسوف اللذة القورينائي (42) . وكذلك كان من طلابه الفيلسوف الكلبي (الساخر) بوين بورسيثنس (عاش ما بين 325 – 250 ق.م) والذي درس في الأكاديمية أولاً على يد زينكراتس (43) ومن ثم على يد كريتس الأثيني (44) ومن ثم تحول إلى الكلبية (45) . وبسبب إرتباطه أولاً بالأكاديمية ، فإن ديوجانس لارتيوس يعده واحداً من أتباع الأكاديمية . في حين إن أدورد زيلر يحسبه من فلاسفة الكلبية (46) . ومع الأسف إن جميع مؤلفات وكتابات الفيلسوف الأكاديمي كريتس الأثيني قد ضاعت وطواها النسيان . ولكن ديوجانس لارتيوس يقول : بأنها كانت تتوزع في ثلاثة محاور : كتابات فلسفية ، ونصوص كوميدية ، ومجموعة خطب (47) .

    أما أرسسليس (316 / 315 – 241 / 240 ق.م)  فقد نجح في خلافة أستاذه كريتس الأثيني على الأكاديمية  . ولكن مع رئاسته لأكاديمية إفلاطون حدثت تحولات درامية في مسيرتها الفلسفية وبرامجها ، ومن ثم على مستقبل مؤلفات إفلاطون التي كانت مركز المنهج الدراسي في الأكاديمية ، والتي أصبحت مهمشة أمام إتجاهات فلسفية غريبة طاغية على فلسفة إفلاطون ، والتي نازعتها في مكانة الصدارة والإهتمام . وفعلاً مع صعود أرسسليس رئيساً للأكاديمية حدث إنشطاراً في تاريخ أكاديمية إفلاطون ، فأخذ يجري الحديث عن حقبتين تاريخيتين مهمتين ؛ الأولى الأكاديمية القديمة . والثانية الأكاديمية الثانية أو الوسطى  .

  ويُنظر إلى أرسسليس على إنه المؤسس للأكاديمية الثانية أو الوسطى ، وهي وجه لما يُسمى بالشكية الأكاديمية . وكما ذكرنا أعلاه إن أرسسليس خلف كريتس الأثيني ، وأصبح الرئيس السادس (هناك عدد من الدارسين من يعتبر الفيلسوف إفلاطون هو الرئيس الأول وهناك من يرى إن إبن أخته سيسبيوس هو الرئيس الأول ولذلك ننبه) لأكاديمية إفلاطون في عام 264 ق.م (48) وإستمر لقيادتها بحدود أكثر من عقدين ونصف من الزمن  . فتصور حجم التأثير الذي تركته نزعة أرسسليس على مسيرة الأكاديمية .

  ولد أرسسليس في بايتن / إيولس (أناظول الغربية / تركيا الحالية) وحصل على تعليمه على يد عالم الرياضيات  (والفلك والجغرافيا) اليوناني أوتليكس * (360 – 290 ق.م)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * وقد عرف العرب كتابات أوتليكس الفلكية ، وخصوصاً جزء من مجموع لكتاباته الفلكية ، وبعنوان ” علم الفلك الصغير ” والذي ترجم إلى العربية في القرن التاسع الميلادي  ومن ثم  ضاعت أصوله اليونانية ، ولكن النسخة العربية قد جُلبت إلى أوربا خلال الحروب الصليبية  ، وترجم في القرن الثاني عشر من العربية إلى اللاتينية .  للإطلاع أنظر :

Carl Benjamin Boyer, “The age of Plato and Aristotle” In A History of Mathematics, New York: Wiley 1991, pp. 97 – 98  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والذي كان معاصراً للفيلسوف أرسطو . ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس قد هاجرا سوية (أي التلميذ أرسسليس وأستاذه أوتليكس) إلى سارد (49) . ومن بعد ذلك تحول إرسسليس إلى أثينا ودرس الخطابة ، وخلال ذلك ظهرت له ميول نحو الفلسفة ، فأصبح أولاً حوارياً للفيلسوف المشائي ثيوفروستس (371 – 287 ق.م) وهو خليفة أرسطو على مدرسة اللوقيون أو المشائية (50) .

   ويبدو إن ذكرى دروس ثيوفروستس في الأكاديمية ، ألهبت روح  حواريه أرسسليس ، فقرر التلميذ ترك مشائية ثيوفروستس ، والعبور إلى الأكاديمية والإتصال بفيلسوفها كرنتور ، بينما كان أخيه الأكبر موريس (وهو ولي أمره) يتطلع إلى أن يكون أرسسليس رجل خطابة . إلا إن الأخير رهن عمره وحياته للفلسفة وتعلق بالمعلم الفيلسوف كرنتور (51) .

  في الحقيقة لم يكتب أرسسليس أي عمل فلسفي ، حاله حال سقراط . وإن كل ما تركه محاضرات ودروس شفهية . وفعلاً فإن طلابه وحوارييه حفظوا لنا العدديد من حججه . ومن هؤلاء بيثودورس الذي كتب بعضاً منها ، ومن خلال لكيدس القورينائي خليفته على الأكاديمية ، وكتابات خصومه وخصوصاً كتابات الرواقيين . ونحن نعرف بأن كاريندس قد حمل إطروحات الشكية الأكاديمية إلى القرن الثاني قبل الميلاد (52) .كما وجدت حجج أرسسليس المنقولة عن طريق طلابه صداها في كتاب ساكس إمبيريكوس (160 – 210م) المعنون ” خُلاصات للأبيرونية ” (53) .

   لقد كان الإفراط في شرب الخمر سبباً في إعتلال صحة ومن ثم موت أرسسليس مؤسس الأكاديمية الوسطى أو الثانية ، وكان هو السبب في مرض خليفته لكيدس القورينائي المزمن ، والذي ترأس الأكاديمية من عام 241 ق.م  ، والذي أجبر على التنازل عام 215 ق.م بسبب إعتلال صحته . وقد ترأس الأكاديمية فترة طويلة ، وبالتحديد أكثر من ست وعشرين سنة . ومات عام 205 ق.م ، وخلال السنوات العشرة الأخيرة أشرف على إدارة الأكاديمية مجلس يقوده كل من فاندر وتيلسليس (مات عام 167 /166 ق.م)  وكلاهما من حواريي لكيدس . وبعد موت تيلسليس إستمر فاندر رئيساً للأكاديمية بضع سنوات ، ومن ثم خلفه تلميذه هيجسنيس من بيرغامون (التركية) ، وخلفه الشكي الأكاديمي كارنيدس (214/ 213 – 129 / 128 ق.م) (54) .

   وبعد موت كارنيدس خلفه على رئاسة الأكاديمية كريتس الطرسوس ، والذي توفي عام 126 / 125 ق.م ، فإستلم رئاستها كليتوماش (187 / 186 – 110 / 109 ق.م) وهو شكي أكاديمي ، ودرس الفلسفة تحت إشراف كارنيدس ، وفي الوقت ذاته درس الفلسفة مع الرواقيين (وربما مع الأبيقوريين) والمشائيين ، فتصور أثر هذا الخليط الفلسفي داخل الأكاديمية ، وعلى دروس كلتوماش . وبعد موته خلفه على رئاسة الأكاديمية فيلو اللارسي* (154 / 153 – 84 / 83 ق.م) والذي ترأس الأكاديمية عام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لمزيد من الإطلاع على نهايات أكاديمية إفلاطون (الأكاديمية الوسطى) وخصوصاً على أوضاع رئيسها الأخير فيلو اللارسي ، أنظر الكتاب الممتاز ، والمقالة الممتازة التي كتبها شارلز بريتن :

A – Charles Brittian, Philo of Larissa, OxfordUniversity Press 2001

B – Charles Brittain , “Philo of Larissa” In the Stanford Enyclopedia of Philosophy 2006 (On Line)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

110 / 109 ق.م . وبعد موته عام 83 ق.م إنشطرت الأكاديمية إلى عدة أكاديميات يقودها رؤساء متنافسون  ومن ثم تعرضت إلى الدمار ، فتلاشت من الوجود ، ولكنها عادت من جديد تحت مظلة فلسفية جديدة ، هي الإفلاطونية المحدثة (55) .

  ونحسب في ظل هذه الأجواء كتبت بعض الشروح على محاورات إفلاطون ورسائله .  ولكن لم يصل إلينا أي شئ من الشروح ومن كتابات هذه العدد من الرؤساء على الأكاديمية الوسطى أو الثانية . ولكن من الأمثلة التي يمكن ذكرها وإن جاءت متأخرة في تاريخ الشروح على كتابات مؤسس الأكاديمية ، الشرح الذي جاء من القرن الأول الميلادي ، وبالتحديد الشرح على محاورة الجمهورية ، والذي وضعه الفيلسوف اليوناني أونسندر (عاش في القرن الأول الميلادي) والذي ضاع مع الأسف (ولكن روح هذا المشروع سيتجدد في شروح لاحقة كما نعتقد) . واليوم بقي عمل مهم من أعمال هذا الفيلسوف . وهو مشروع متفرد في الفكر العسكري ، والذي حمل عنوان ” الستراتيجيك ” . وهو في الحقيقة كتاب موجز ولكنه شامل لواجبات القيادات العسكرية (الجنرالات) . والذي أهداه إلى الجنرال الروماني كونتس فيرينوس نيبوس (قنصل في عام 49م) (56) .

   وفي القرن الثاني الميلادي ثابر عدد من  فلاسفة الأفلاطونية في المرحلة المتوسطة ، على إنتاج رسائل مختصرة متنوعة عن فكر إفلاطون . وكان منهم الفيلسوف الإفلاطوني ألبينيوس (إزدهر عام 150م) ، والذي عاش في مدينة سميرنا (قرب أزمير / تركيا حالياً) ، وهو معلم الطبيب الفيلسوف جالينوس . وأهمية ألبينوس في تاريخ الإهتمام بأعمال الفيلسوف إفلاطون ووضع الشروح عليها ، تأتي من إنه كتب مدخلاً أو مقدمة عن أعمال إفلاطون ، وهي في حقيقتها رسالة صغيرة جاءت بعنوان مقدمة إلى محاورات إفلاطون . ولاحظ الأكاديميون الغربيون ومن خلال قراءة مخطوطات هذه الرسالة ، إن ألبينوس كان تلميذاً للإفلاطوني كايوس * (القرن الثاني الميلادي) . كما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وكايوس الإفلاطوني هو فيلسوف يوناني أو روماني يمثل الإفلاطونية الوسطى . والحقيقة لا تتوافر لدينا معلومات عنه ، سوى إنه ” كان معلماً للفيلسوف الإفلاطوني ألبينيوس ” . ويُشاع عن كايوس إنه نشر تسع مجلدات هي خلاصة محاضراته حول إفلاطون . وقد درس الإفلاطونية في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي . وهناك إعتقاد بين الأكاديميين إلى إن الكتاب المعنون : إفلاطون وعقيدته ، الذي كتبه الكاتب الروائي لوكيوس أبيلوس الجزائري (125 – 180م) قد إقتبس كثيراً من محاضرات كايوس . ولكن هناك من يشك في ذلك . وهناك ظن يدور حول شرح لمؤلف مجهول على محاورة تيتياتوس أو العلم لأفلاطون ربما جاءت من مدرسة كايوس . إضافة إلى كل ذلك فأن الإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري ، قد ذكر في كتابه حياة إفلوطين إلى إن أعمال كايوس كانت تقرأ في مدرسة إفلوطين . لمزيد من الإطلاع ، أنظر :

 A – Arthur Armstrong (ed), The Cambridge History of Later Greek and Early Medieval Philosophy, Cambridge University Press 1970, p. 15

B – Giovanni Reale, A History of Ancient Philosophy: School of Imperial Age, Suny Press 1990, p. 212

C – Gerald Sandy, Greek World of Apuleius, Brill 1997, pp. 27, 215

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ       

وجدوا إن ألبينوس في إجزاء من رسالته قد أشار صراحة إلى محاضرات أستاذه كايوس

، ومن ثم تقدم ألبينوس بشرح لطبيعة المحاورة ، وقارنها بالدراما ، وذهب مصنفاً محاورات إفلاطون إلى أربعة فئات ، وهي : المحاورات المنطقية ، والمحاورات النقدية ، والمحاورات الفيزيائية (الطبيعية) ، والمحاورات الأخلاقية . إضافة إلى ذلك فقد ذكر تصنيفاً أخراً للمحاورات أطلق عليه تترالوجي أي سلسلة محاورات تتألف من ثلاث أو أربعة محاورات وعلى أساس الموضوع الذي عالجته . ولذلك نصح مثلاً أن تقرأ كل من محاوراة ألقبيادس ، ومحاورة فيدون ، ومحاورة الجمهورية ، ومحاورة طيماوس في سلسلة (57) (للإطلاع على فلاسفة الإفلاطونية الوسطى ، أنظر الهامش رقم 57) .

  وتذكر المصادر الأكاديمية إلى إنه في القرن الثاني الميلادي راجت بعض الكتب الموجزة المدرسية عن الإفلاطونية ، منها كتاب تنازع على تأليفه بين الباحثين كل من ألبينس والكينس (للتفاصيل أنظر الهامش رقم 57) . كما ذكروا إن الكاتب الجزائري والروائي اللاتيني المعروف أبليوس قد كتب هو الأخر كتيب مدرسي عن الإفلاطونية (58) . ودرس أبليوس فلسفة الإفلاطونيين في أثينا ، كما إنخرط في دروس في الخطابة اللاتينية وكان يتطلع للعمل مثل والده في القضاء . وقام برحلات لدراسة الفلسفة والدين ، والتي شملت إيطاليا ، وأسيا الصغرى (تركيا) ومصر . ولعل من أشهر كتاباته روايته المعنونة الحمار الذهبي ، وهي الرواية اللاتينية الوحيدة ، التي ظلت كاملة خالدة ، ولم تتعرض للضياع .

  ومن أعماله المهمة كما ذكرنا أعلاه كتابه المعنون إفلاطون وعقيدته ، وهو في حقيقته موجز يتألف من كتابين ؛ الأول عن طبيعيات إفلاطون . والثاني عن إخلاقيات إفلاطون . وقد وضع مقدمة تسبق الكتابين تحدث فيها عن حياة إفلاطون . ويقال بأنه ترجم محاورة فيدون التي كتبها إفلاطون إلى اللاتينية (59) . وإذا نظرنا إلى أبيلوس كرمز من رموز الإفلاطونية المتوسطة . فإنه كان إنموذجاً فلسفياً ممتازاً في عملية مزج الفكر الإفلاطوني بالفكر الأرسطي النازل من المدرسة المشائية ، وخصوصاً عن طريق نشرة إندرنيقوس الروديسي لأعمال أرسطو الكاملة . وفعلاً فقد نسب الباحثون إلى أبيلوس كتيب بعنوان ” في التفسير ” ، وهو دليل لاتيني موجز في المنطق الأرسطي *.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وقد شكك الأكاديمي مارك مارفورد بصحة نسبة هذا الكتاب للفيلسوف الإفلاطوني الجزائري أبيلوس . ونحن نحسب إنه لا يوجد مبرر في التشكيك في نسبة هذا الكتيب ، بحجة إنه فيلسوف إفلاطوني مدافع عن فلسفة إفلاطون ، فلا يتناسب مع إفلاطونيته أن يكتب كتيباً عن منطق أرسطو . إذا كانت هذه هي الحجة فإن الحركة الإفلاطونية سعت بجد في المزج بين فكر إفلاطون وفكر أرسطو هذا طرف مهم في التدليل لصالح نسبة الكتاب إلى الفيلسوف الإفلاطوني أبيلوس . أما الطرف الثاني فإن أبيلوس كتب باللاتينية  روايته الشهيرة الحمار الذهبي  . كما وترجم إليها بعض محاورات إفلاطون ، وخصوصاً محاورة فيدون . للتعرف على رأي مارك مارفورد ، أنظر :

Mark Morford, The Roman Philosophers, Routledge 2002, p. 227

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وعلى الرغم من شيوع الأثر الأرسطي والأدق المشائي على الحركة الإفلاطونية (على الأقل) في القرنيين الأول والثاني الميلاديين ، فقد لاحظ أدورد زيلر ، إن الحركة الإفلاطونية قد عرفت رمزاً فلسفياً معادياً للأرسطية ، وهو الفيلسوف أتيكوس (إزدهر عام 175م) والذي يُعدُ خصماً عنيداً للمشائية . وفعلاً فقد وصلتنا شذرات من كتابه ضد المشائية ، وهو كتاب مُشكل . وقد وصلنا من خلال كتابات رئيس الأساقفة يوسبيوس القيصري / الفلسطيني . ويبدو إن أتيكوس كان يقود مركز الإفلاطونية في أثينا في عصر الإمبراطور الروماني ماركوز أورليوس (121 – 180م) . والحقيقة إن أتيكوس قد عارض الإنتخابية التي إجتاحت (مدرسة) الإفلاطونية ، والتي تمثلت بنظريات أرسطية متنافسة من طرف ، ومنحرفة من إفلاطون من طرف أخر(60) .

  أما فلاسفة الإفلاطونية المحدثة ، فقد نشطوا بجد في تقديم عروض توحد بين الأفكار الفلسفية لإفلاطون وأرسطو  . وفعلاً فقد حاول فرفريوس الصوري (القرن الثالث الميلادي) بيان إتفاق الفلسفة الإفلاطونية والأرسطية . وكتب عدداً من الشروح على إفلاطون وأرسطو وثيوفروستس (61) . كما لاحظ الباحثون إنه خلال هذه الفترة قد راجت شروح إضافية ، كتبها كل من الفيلسوف اليوناني ديكسبوز (إزدهر عام 350م) . وهو تلميذ وحواري الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس (245 – 325م) . وواحد من شروح ديكسبوز ، هو شرح ودفاع عن المقولات الأرسطية . وحسب رأي جون ديلون إن ديكسبوز لم يقف عند الشرح ، وإنما توسع فيه جزئياً . وكان غرض ديكسبوز من كتابة هذا العمل ، هو شرح المقولات الأرسطية لواحد من الحكام السلوقيين (وهم ورثة سلوقيا أحد جنرالات الإسكندر أثناء إحتلاله للشرق ، والذي أسس المملكة السلوقية في العراق والشام والجزيرة وجنوب تركيا ..) . وحاول ديكسبوز في الوقت ذاته دحض إعتراضات إفلوطين (وبالمناسبة يُعد إفلوطين الأب الروحي للإفلاطونية المحدثة التي ينتمي إليها إمبيلكوس أستاذ ديكسبوز) .

  إضافة إلى ذلك فإن ديكسبوز يُعد من المدافعين عن روح الإنسجام والتوافق بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو . والحقيقة إن الطبعة اللاتينية لكتابه المقولات الأرسطية ، ظهرت أولاً في عام 1549 ، ومن ثم قام لوينارد فون سبنجل بنشر النص اليوناني عام 1859 . وترجمه جون ديلون إلى الإنكليزية ، ونشره عام 1990 (62) .

  وشارك ديكسبوز في كتابة شروح على مؤلفات أرسطو وإفلاطون ، الفيلسوف الإفلاطوني المُحدث بلوتارك الأثيني* (350 – 430م) والذي كان ناشطاً في التعليم في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث بلوتارك الأثيني ، لا علاقة له بمؤرخ الفلسفة اليونانية بلوتارك (46 – 120م) والذي ولد قبل بلوتارك الأثيني بأكثر من ثلاثة قرون ، وهو كتاب ينتمي إلى حركة الإفلاطونية المتوسطة ، ومشهور بكتابة السير . ولعل من أهمها بدءً كتابه المعنون : حياة الأباطرة الرومان . وكتابه حياة الإسكندر ، وحياة قيصر … وغيرها . ومن ضمن خطتنا كتابة فصل عنه بعنوان : بلوتارك مؤرخاً للفلسفة اليونانية . لمزيد من المعلومات عن المؤرخ وكاتب السير بلوتارك ، أنظر :

A – Edith Hamilton. The Echo of Greece, W. Norton Company 1957, p. 194

B – Timothy Duff, Plutarch’s Lives: Exploring Virtue and Vice, Oxford University Press 1999

C – Christopher Pelling, Plutarch and History, Eighteen Studies, London 2002     

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أثينا في بداية القرن الخامس الميلادي . وهو الذي أعاد تأسيس الأكاديمية الإفلاطونية ، وأصبح رئيساً لها . وكانت غاية بلوتارك الأثيني من كتابة شروحه على أرسطو وإفلاطون ، هو التأكيد على المبادئ المشتركة بين فلسفتي الفيلسوفين اليونانيين .

  والحقيقة لا تتوافر لدينا معلومات حول جذور وإصول الإفلاطونية المحدثة في أثينا . ولكن كل ما نعرفه ، هو إن بلوتارك الأثيني ، هو الفيلسوف الذي أعاد أكاديمية إفلاطون على صورة الإفلاطونية المُحدثة . وإدعى بلوتارك الأثيني وتلامذته (الورثة الإفلاطونيين) بأنهم من حواريي الفيلسوف الإفلاطوني المُحدث إمبيلكوس (رئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المُحدثة ، والتي هي على خلاف مع الإفلاطونية المحدثة العلمانية التي أرسى جذورها فرفريوس الصوري* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * للإطلاع على الخلاف ، أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة / محلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012 ، المحور المعنون : بحث في أنماط من الإفلاطونيات المُحدثة المتنوعة) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهناك عدد ملحوظ من حواري بلوتارك الأثيني . ولعل من أشهرهم سيرنوس (توفي عام 437م) وبروقلس (412 – 485م) .

  ولاحظ الباحثون إن مشروع بلوتارك الأثيني في التعليم أو في الشرح ، ينهض على مبدأ يمنح أرسطو أسبقية في الدراسة على أفلاطون ، وذلك لتمكين الطلبة من معرفة نقاط الإتفاق الأساسية (المشتركة) بينهما . ولتحقيق هذا الغرض ، فعلاً كتب بلوتارك الأثيني شرحاً على كتاب النفس لأرسطو ، يُعد من الإسهامات البالغة الأهمية في تاريخ عملية التدوين الأرسطية ، وبالتحديد منذ عصر الإسكندر الإفروديسي . ومن ثم كتب شرحاً على محاورة طيماوس لإفلاطون (63) .

  وتحول شرح بلوتارك الأثيني إلى إنموذج للشرح ، فقد سار عليه عدد من ورثته . وفعلاً وجدنا إن حواريه أو تلميذه سيرونس قد إتخذه موديلاً في عملية الشرح ، وسيرونس هو وريث بلوتارك الأثيني على رئاسة الأكاديمية في أثينا في عام 431 / 432م ، وهو معلم الفيلسوف الإفلاطوني المحدث برقلس . ولعل من أشهر شروحه ، هو الشرح الذي وضعه على كتاب الميتافيزيقا لأرسطو . كما ينسب له شرح على كتاب السماء العلوية والعبارة (وهو واحد من أهم كتب أرسطو المنطقية) ، وشرح على كتاب طيماوس لإفلاطون (64) .

     ويردد الأكاديميون الغربيون في هذا المضمار الترجمة الجزئية والشرح المهم الذي كتبه باللاتينية الفيلسوف كلاسيديوس (من القرن الرابع الميلادي) على محاورة طيماوس  . والحقيقة إن كلاسيديوس ترجم الجزء الأول من محاورة طيماوس ، من اليونانية إلى اللاتينية بحدود العام 321م وقدم له شرحاً مركزاً . ويقال بأنه كتبه لرئيس أساقفة قرطبة هوسيوس القرطبي (257 – 359م) . ولعل ترجمة كلاسيديوس لمحاورة طيماوس ، هي الترجمة الوحيدة التي ظلت متداولة بين الباحثين في عالم الغرب اللاتيني وهو النص المتفرد الذي فرض هيمنته لمدة 800 سنة تقريباً (65) .

      ولعل من أهم الشروح على محاورات إفلاطون التي جاءتنا من فلاسفة الإفلاطونية المحدثة في مراحلها المتأخرة  ، الشروح التي كتبها كل من  برقلس ودمسقس وأولمبيودرس . صحيحُ إن برقلس كتب العديد من الشروح على محاورات إفلاطون ، غير إن  ما يميز عمله إنه كان شرح على محاورات محددة بعينها . وهذه الشروح توزعت في مضمارين ؛ الأول محاضرات شرح فيها بعض محاورات إفلاطون . والثاني شروح جاءت من خلال التأليف والإنشاء . ومن الملاحظ إن أغلب هذه الشروح قد ظلت خالدة ولم تتعرض للضياع (66) .وإعتماداً على رواية تلميذه مارنيوس ، فإن برقلس كان يفضل شرح محاورة طيماوس (واحدة من محاورات إفلاطون) ، ويحب كثيراً شرحه على محاورة تيتياتوس ، وغالباً ما كان يقول : ” إذا كان لدي سلطة ، سألغي كل الكتب القديمة من أنظار المعاصرين لنا ، وسأُبقي على كتب الوحي ، ومحاورة طيماوس ” .

  وهناك شرح لبرقلس على محاورة إفلاطون المعنونة القيبيادس (وهناك تنازع في نسبة هذه المحاورة لإفلاطون . ولكن الإفلاطونيين المحدثيين يعتقدون ، إنها عمل من أعمال إفلاطون) . وله شرح على محاورة إفلاطون إكراتليوس ، وشرح على محاورة إفلاطون بارمنيدس ، وشرح على محاورة إفلاطون الجمهورية . كما إن له شرح على محاورة إفلاطون طيماوس (ويبدو إن شرحه على محاورة تيتياتوس الذي أحبه إفلاطون كثيراً ، يُعد من كتب برقلس المفقودة ، أنظر خاتمة حياة برقلس بقلم تلميذه مارنيوس) (67) .

  كما قدم فلاسفة الأفلاطونية المحدثة في طورها المتأخر شروحاً على إفلاطون وإعماله ، جزء منها ظل محفوظاً خالداً ، وبعضها ضاع وطواه النسيان . ومن ضمن هذه الشروح ما كتبه كل من دمسقس وأولمبيدورس . أما الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأخير ، دمسقس (458 – 538 م) ، وهو الرئيس الأخير لمدرسة أثينا الفلسفية قبيل القرار الإمبراطوري سئ الصيت بغلقها . وهو فيلسوف على الديانة اليونانية القديمة (الوثنية بالمنظار العقيدي المسيحي الذي لف الكثير من العقيدي الوثني في داخل مبانيه وطقوسه ، ولعل يوم الأحد مثال صارخ على بقاء يوم عبادة إله الشمس الوثني بالطبع) ، وتعرض بسببها إلى الإضطهاد في عصر الأمبراطور البيزنطي جوستنيان (458 – 565 م)* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر البحث الممتاز عن الفيلسوف دمسقس : بوليمينه إثنسادي ؛ الإضطهاد والإستجابة في الوثنية المتأخرة : حالة دمسقس / مجلة دراسات هيلينية / العدد 113 سنة 1993 ، ص ص 1 – 29) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ولد الفيلسوف دمسقس في دمشق – سوريا ، ومنها جاء إسمه . وفي بداية شبابه شد الرحال ، وذهب إلى طلب العلم في الإسكندرية . وفعلاً فقد صرف من حياته إثنتي عشر سنة ؛ جزء منها تلميذاً للخطيب ثيون ، وجزء أستاذاً للخطابة . ومن ثم تحول إلى مضمار الفلسفة والعلم ، فدرس تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث هرمايس (410 –450 م) وأولاده ، كل من أمونيوس (440 – 520 م) و هيلودورس (عاش في القرن الخامس وبداية السادس الميلاديين) ، وكلاهما كانا تلميذان للفيلسوف برقلس في أثينا* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر: أي . جونز وأخرون ؛ صورة الإمبراطورية الرومانية فيعصورها الأخيرة / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1992 ، ص 532 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وأخيراً قرر الرحيل إلى أثينا ، وذلك للأستمرار في دراساته الفلسفية ، وما إن وصل أثينا ، حتى باشر دراسة الرياضيات تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث مارنيوس ، ومن ثم دراسة الفلسفة تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث زينودورتس (القرن الخامس الميلادي) (والذي كان يعمل مع مارنيوس عندما كان الأخير رئيساً للمدرسة في أثينا) (أنظر : جي واط أدورد ؛ المدينة والمدرسة في نهايات الماضي في أثينا والإسكندرية / نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 2006 ، ص ص 116 – 123) .

  وتابع دمسقس بعد ذلك دراسته تحت إشراف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إيسدور (450 – 520 م) ، وهو من أواخر الفلاسفة الإفلاطونيين المحدثين ، والذي أصبح رئيساً للمدرسة في أثينا بعد مارنيوس . ومن ثم تحول التلميذ دمسقس إلى صدرق حيث يكون قريباً من الأستاذ إيسدور ، وخلفه في قيادة المدرسة الفلسفية في أثينا ، وفي عام 515 م كتب دمسقس سيرة إيسدور الذاتية بعنوان حياة إيسدور ، وقدم لها فوتس (810 – 893 م) بطريق القسطنطينية وصفاً موجزاً فقال في الفقرة رقم 181 من مجموعه : ” إنه كتاب كبير يتألف من 60 فصلاً ” (فوتس : مجموع / المجلد السادس / نشرة رينيه هنري (موجود أون لاين ، تموز 2002)) (68) .

  أما الكتب التي تركها دمسقس ، فيبدو إن معظمها شروح على إفلاطون وأرسطو . ومن الشروح التي بقيت خالدة ، ولم تتعرض للضياع :

1 – شرح على محاورة إفلاطون بارمنيدس .

2 – شرح على محاورة إفلاطون فيدون .

3 – شرح على محاورة إفلاطون فيليبوس

4 – شروح على محاورات إفلاطون طيماوس ، القبيادس ومحاورات أخرى (أنظر : ريل جيوفاني ؛ المصدر السابق) .

5 – شروح على كتاب أرسطو في السماء وأعمال أخرى .

6 – كتاباته في الزمن والمكان والعدد ، والتي أشار إليها تلميذه سمبيلكوس في شرحه على طبيعيات أرسطو (أنظر : سمبيلكوس ؛ شرح على فيزياء أرسطو ، ترجمة أم . باميلا وأخرون / نشرة ذار ديوك ورث ، لندن 2011 ، الفقرات رقم 189 ب ، 153 أ ، 183 ب) (69) .

 ومن ثم جاء الفيلسوف الإفلاطوني المحدث أولمبيدورس أو أولمبيدورس الشاب (470 – 570م) ، والذي عاش في السنوات الأولى من الإمبراطورية البيزنطية . ونشط أولمبيدورس بعد قرار الإمبراطور جوستنيان عام 529م بغلق أكاديمية إفلاطون في أثينا (والأدق غلق مدرسة الإفلاطونية المحدثة) ، وهي أخر المدارس الفلسفية الوثنية بالمنظار العقيدي المسيحي . وكان أولمبيدورس الفيلسوف الوثني الأخير ، الذي حافظ على التراث الإفلاطوني في الإسكندرية . وبعد موته تحولت المدرسة إلى أيدي الأرسطيين المسيحيين ، ومن ثم إنتقلت إلى القسطنطينية .

  بدأ أولمبيدورس حياته الفلسفية تلميذاً وحوارياً للفيلسوف أمونيوس هرمي (440 – 520م) ، وأمونيوس تلميذ برقلس في أثينا ، والذي كتب شروحاً على إفلاطون وأرسطو ، وربما تركت هذه الشروح ونهج أمونيوس في الشرح ، أثرهما على إسلوب الشرح الذي إختاره الحواري أولمبيدورس . ولاحظنا فعلاً إن الحواري أولمبيدورس قد ورث رئاسة مدرسة الإسكندرية عام 520م بعد وفاة أستاذه أمونيوس ، والتي ظل يرئسها ، ويُعلمُ ويكتب فيها حتى عام 565م .

 وعلى خلاف فلاسفة أكاديمية الإفلاطونية المحدثة في أثينا ، وما حدث لهم من إضطهاد ومطاردة ونفي ، فقد ظل أولمبيدورس بعيداً عن كل ذلك ، ولم يصبه أي ضرر ، ويُرجح الأكاديميون الغربيون (ومنهم كاتب السطور) سبب ذلك إلى واحد من الأمرين أو كلاهما ؛ الأول – إن مدرسة الإسكندرية كانت أقل إهتماماً بالقضايا السياسية أو الأدق بالصراعات السياسية الجارية (ويبدو إن هذا الخط قد إختارته مدرسة الإسكندرية بعد القتل الدرامي الذي تعرضت له شهيدة الفلسفة هبيشا (ورئيسة المدرسة يومذاك) على يد الرهبان والذي يوجههم بابا الإسكندرية ويقودهم مساعده) . والسبب الثاني – إن أولمبيدورس كان باحثاً أكاديمياً متفرغاً للبحث ، وقطع علاقته بكل ما يجري في الحياة الدينية ، وعلى عكس فلاسفة الأكاديمية الأثينيين الذين كانت لهم نشاطات أو الأدق كانوا طرفاً في الصراعات الدينية يومذاك .

  ويُطلقُ عليه لقب أولمبيدورس الشاب ، وذلك للتميز بينه وبين أولمبيدورس الكبير ، وهو فيلسوف مشائي وكان بدوره تلميذاً للفيلسوف الإفلاطوني المحدث برقلس . ولعل من أهم أعمال وشروح أولمبيدورس ، هو كتابته الواسعة عن حياة إفلاطون ، وشروحه على العديد من محاورات إفلاطون ، كما له شروح أخرى على أرسطو ، وكتب كذلك مدخلاً في بالغ الأهمية عن الفلسفة الأرسطية . وقدم معلومات عن أعمال الفيلسوف الإفلاطوني المحدث أمبيلكوس ، رئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة .

  ومن أعماله التي ظلت خالدة ولم تتعرض للضياع : شرح على محاورة القيبيادس لإفلاطون . وشرح على محاورة جورجياس (ونحسب هذا الشرح مهم جداً في تاريخ الفلسفة اليونانية لسببين : الأول إن هذه المحاورة خص بها إفلاطون الحركة السفسطائية ، ومتمثلة بفيلسوفها السفسطائي جورجياس ، ومعلوم إن إفلاطون حاقد على السفسطائية لأنها وراء موت شهيد الفلسفة سقراط . الثاني إن أولمبيدورس كان قريباً جداً من عصر ولادة الحركة السفسطائية الثانية التي شغلت القرون الميلادية الأخيرة (الرابع والخامس والسادس ..) وربما إطلع أولمبيدورس على كتاب السفسطائي يونيبوس (عاش وكتب في القرنين الرابع والخامس الميلاديين) المعنون حياة الفلاسفة والسفسطائيين ، وفيه تحدث يونيبوس عن ثلاث وعشرين فيلسوف وسفسطائي كانوا معاصرين له . وهذا الكتاب يُعدُ من المصادر الوحيدة عن تاريخ الإفلاطونية المحدثة في تلك الفترة . أنظر الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب وهامش رقم 70 (هذا الكتاب موجود أونلاين)) .

 كما كتب أولمبيدورس شرح على محاورة فيدون ، وله كتاب بعنوان حياة إفلاطون (وهو ذاته المذكور أعلاه) . وله شرح على محاورة فيليبوس لإفلاطون ، ولكن يدور تنازع بين الباحثين حول نسبته إلى أولمبيدورس أو دمسقس (والباحثون يعتقدون اليوم إنه من عمل دمسقس) . وكتب أولمبيدورس مدخلاً لمنطق أرسطو ، وشرح على كتاب أرسطو في الأنواء الجوية . وشرح على كتاب المقولات لأرسطو (70) .      

  ومن الملاحظ إن الإهتمام بالعصور البيزنطية بأرسطو كان أكثر من الإهتمام بإفلاطون وذلك لإنشغال دوائر التفكير البيزنطي برسائل وكتب أرسطو المنطقية (71) . ولعل من الرموز المهمة التي تُذكر في هذا المضمار أرثيس القيصري (ولد عام 860م) وهو رئيس أساقفة القيصرية في فلسطين ، وكان من تلاميذ وحواري فوتس القسطنطيني (810 – 893م) . وكان أرثيس مفتوناً بإقتناء المخطوطات والمحافظة عليها . وفعلاً فقد كتب في القرن العاشر الميلادي سكوليا (وتعني هامش من التعليقات والشروح على المخطوط الأصلي) على نصوص إفلاطون بخط يده (72) .        

    كما لاحظ الأكاديميون الغربيون إن القرن الحادي عشر الميلادي قد شهد نشاطات إثنين من المتحمسين للإفلاطونية ، وهما كل من مايكل بيسلوس (1017 / 1018 – 1078م وهناك من يعتقد إنه مات بعد ذلك بأكثر من عقد من الزمن) وتلميذه جون إيتلوس (القرن الحادي عشر) . أما الأول مايكل بيسلوس فقد أصبح بروفسوراً رئيساً في جامعة إسطنبول التي أُسست حديثاً يومذاك . ولعل أهميته تكمن في إنه قدم سلسلة دراسات عن الفلسفة القديمة ، وخصوصاً فلسفة إفلاطون . وحصل على لقب فخري مستشار الفلاسفة .

  وبسبب نزعته المكشوفة في تفضيل إفلاطون وفلاسفة وثنيون أخرون (خصوصاً فلاسفة الإفلاطونية المحدثة) ، فقد أُثيرت الشكوك بين معاصريه حول عقيدته الأرثوذكسية . وفعلاً فقد أُجبر على الدفاع علنياً عن عقيدته . وقد أذاع واحداً من معاصريه تهمة مفاداها ، إنه كان يُردد : إذا تخليت عن المسيح ، فإتبع خطى إفلاطون (73) .

   أما جون إيتلوس فقد ولد في إيطاليا (التي جاء إسمه إيتلوس منها) ، ومن ثم رحل إلى إسطنبول . ودرس قبل إتصاله بمايكل بيسلوس المنطق ، ومن ثم تابع دراساته تحت إشراف أساتذة متعددون ، ومن ثم تحول إلى مايكل بيسلوس وأصبح حوارياً له ، وأصبح متميزاً في المنطق والفلسفة الأرسطية . وورث جون إيتلوس مكانة أستاذه مايكل ، وأصبح رئيساً للمدرسة الفلسفية ، وكانت مدرسته تزدحم بأعداد الطلبة ، ودراساتها كانت متنوعة بحيث شملت برقلس وإفلاطون ، إمبيلكوس وفرفريوس بالإضافة إلى أرسطو .

  وفي العام 1082 أُدين بالهرطقة (الكفر) وذلك بتهمة نشر تعاليم عن تناسخ الأرواح ، وإعتقاد بأفكار خاطئة وأراء منحرفة مع إستهزاء ببعض الصور المرافقة للعبادة . ورُفعت الدعوى عليه بأنه نجح في نشر تعاليمه بين عدد من النبلاء وموظفي البلاط ، وبعدد تردد الإمبراطور مايكل السابع (1071 – 1078م) حُكم عليه بالتحريم واللعنة وأرسل إلى دير بيج ، ومن ثم أعلن صراحة عن ندمه وتنكر لأخطائه . ولعل من أهم أعماله : الديالكتيك (ويبدو إنه خاص بديالكتيك إفلاطون) ، والعبارة واحد من كتب أرسطو المنطقية ، وكتاب عن فرفريوس (74) .

   وحسب رأي الباحثين لم يبقى من هذه الشروح ، سوى شرح يتيم ، نزل إلينا من الفترة المتأخرة من الإمبراطورية البيزنطية ، كتبه الفيلسوف والمؤرخ البيزنطي جورج بيكامرس (1242 – 1310م) وهو شرح على محاورة إفلاطون المعنونة بارمنيدس (الفيلسوف الأيلي وفيه حديث عن تلميذه زينون الإيلي) (75) .

   أما الإهتمام بإفلاطون في العالم الإسلامي ، فجاء بالدرجة الثانية بعد إن إحتل أرسطو المكانة الأولى . ولعل الترجمات العربية لمحاورات إفلاطون تدلل على ذلك . فقد شاعت ترجمات عربية لمحاورة القوانين ، والسفسطائي ، وطيماوس والجمهورية . ومعلوم إن إبن رشد كتب الشروح على مجمل مؤلفات أرسطو ، وربما الدافع الذي حمله على كتابة شرح على محاورة الجمهورية لإفلاطون ، هو عدم توافر كتاب السياسة لأرسطو ، فصرف نظره عنه ، وتوجه إلى كتاب الجمهورية (76) .

أرسطو والشروح على كتبه : تاريخ وشواهد

   يجري الحديث في أوساط الباحثين الأكاديميين الغربيين المهتمين بمصادر الفلسفة اليونانية عامة ، ومصادر الفلسفة الهيلينستية خاصة ، عن نمط من الأدب الفلسفي المتولد من قراءات شارحة على نصوص الفيلسوف اليوناني أرسطو . والحقيقة إن هذا الأدب من الضخامة ، حيث شكل بحد ذاته موسوعات كبيرة ، وخصوصاً في العصرين الهيلينستي ومن ثم الوسيط كذلك . وكان هدفها توضيح أعمال أرسطو . والحقيقة إن الإمساك بالخيوط الأولى من تاريخ محاولة الشرح على المتون الأرسطية تصعد إلى فترة قريبة جداً من حياة المعلم الأول . فقد كان طلاب أرسطو ، من أوائل (الرواد) من تقدم بشرح وتفسير لكتاباته .ومن ثم تحول هذا الإهتمام إلى تقليد لازم المدرسة المشائية في الفترتين الهيلينستية والرومانية . مع ملاحظة إن الإفلاطونيين المحدثين في نهايات الإمبراطورية الرومانية كتبوا العدديد من الشروح على مؤلفات أرسطو ، وذلك سعياً منهم في محاولة دمج أرسطو في فلسفتهم . وإستمرت الشروح تُكتب بأقلام  باحثين مسيحيين خلال الإمبراطورية البيزنطية ، ومن قبل الفلاسفة الإسلاميين والباحثين الغربيين الذين ورثوا هذه النصوص . 

   أما خلال المرحلة الهيلينستية من تاريخ الفلسفة اليونانية (وبالطبع تشمل فترة هيمنة اللغة اللاتينية كذلك) سادت نوعاً من الشروح الفلسفية . ولما كانت للفيلسوفين اليونانيين المعلم إفلاطون ، والتلميذ أرسطو سلطة معرفية وفلسفية يومذاك ، فقد فرضت نصوصهما الفلسفية نفسها على الباحثين في هذه الفترة ، وكتبت عنهما الكثير من الشروح والدراسات . ونحسب من المفيد الإشارة إلى إن أغراض الشرح في البداية كانت متنوعة ومختلفة من شارح وأخر . ولكن بمضي الزمن تحول الشرح إلى تقليد وضعت له القواعد والأصول (77) .

  وما دام الحديث يجري عن الفيلسوف أرسطو والشروح التي وضعت على كتبه ، ففي الإمكان التركيز على التقليد الشارح لكتب أرسطو . ولذلك نقول إن الغرض الأولي لشرح نص أرسطو ، هو توضيح وبيان معنى ودلالات النص الذي كتبه أرسطو . وجرت العادة على تقسيم نص أرسطو إلى لامات . واللامة هو النص الذي يبدأ بكلمة هي عنوان الموضوع الذي يدرسه النص وغالباً ما يبدأ النص أو اللامة وينتهي بأقواس التنصيص ، مثل ”     ” .  وبعض الأحيان إن النص بكامله وليست أجزاء أو لامات منه يتم إقتباسها ، وثم من يجري وضع الشرح والتفسير عليه . وفي أحيان أخرى يتم إقتباس بداية النص فقط . ونلحظ دائماً إنه بعد اللامة ، يأتي تحليل النص .

  وكان من الرواد في تدشين عملية الشرح (والتوسع في النص الأرسطي) تلميذ أرسطو ، الفيلسوف المشائي ثيوفروستس (371 – 287 ق.م) وجاء إلى أثينا شاباً ودرس في أكاديمية إفلاطون ، وبعد موت إفلاطون إلتحق بإرسطو ، وعينه أرسطو وصياً على كتاباته وخليفة له على المدرسة المشائية . وفعلاً ترأس ثيوفروستس المدرسة المشائية (فكان الرئيس الثاني بعد أرسطو الرئيس الأول) لفترة إمتدت ست وثلاثين سنة … (78) .  

 فمثلاً ثيوفروستس إخترع خمسة ضروب منطقية قياسية للشكل الأول من نظرية أرسطو القياسية ، وبين بدقة عالية قواعد الأقيسة الإشتراطية . مع ملاحظة إنه إختلف مع أستاذه أرسطو في جوانب مُحددة ، وجمع الكثير من المعارف المتعلقة بالحيوانات والظواهر الطبيعية والتي سبق إن إستبعدها أرسطو وشطبها من مضمار بحثه (79) .

    ثم جاء الفيلسوف المشائي ستراتو لامبسكوس (335 269 ق.م) وهو الرئيس الثالث للمدرسة المشائية (اللوقيون) بعد موت ثيوفروستس . إن أهمية ستراتو في تاريخ الفلسفة المشائية ، يعود إلى إنه أول فيلسوف مشائي حملت نصوصه توسيعاً لفلسفة أرسطو الطبيعية ، وأول فيلسوف مشائي قام بقراءة نقدية لفلسفة أرسطو الطبيعة ، وهو أول فيلسوف مشائي شطب أي إحتمال لوجود الإله خارج العالم المادي (تذكر رجاءً مفهوم المحرك الذي لا يتحرك عند أرسطو ، والذي يعادل مفهوم الله الذي حرك العالم). 

   ووفقاً لرواية شيشرون (106 – 43 ق.م) فقد كان ستراتو يتمتع بذكاء عال رغم إنه أهمل الجوانب الإخلاقية في فلسفته . ويبدو إن رأي شيشرون مقبول جزئياً ، وذلك لأن ستراتو قد رهن حياته لدراسة العلم الطبيعي . وعلى هذا الأساس توسع في العناصر الطبيعة من فكر أرسطو . هذا طرف جداً مهم في فهم مكانة ستراتو خلال التطورات التي حدثت على فلسفة أرسطو في تاريخ المدرسة المشائية وفلاسفتها . ولعل الطرف المثير للجدل في تفكير ستراتو (الذي فيه خروج على فلسفة المعلم الأول) ، هو نفي ستراتو الحاجة إلى إفتراض الله الفاعل في تشكيل الكون أو هندسته التي تحتاج إلى مهندس . أما مقابلة رأي شيشرون برواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، والتي قدمت لنا قائمة من مؤلفات ستراتو الأخلاقية ، يصبح رأي شيشرون موضع تساؤل وبحث . وفعلاً فقد ذكر لارتيوس في موسوعته المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، عدة عناوين لمؤلفات ستراتو الإخلاقية ، والتي ضاعت ولم يبقى منها سوى فقرات محفوظة في كتابات مؤلفين جاءوا فيما بعد .

  ونحسب إن كتابات الفيلسوف المشائي ستراتو لها أهمية بالغة في تاريخ الفلسفة المشائية ، فقد دشنت عملية توسيع لجوانب من فلسفة أرسطو ، كما فيها ملامح مشروع نقدي تقويمي للنظريات الطبيعية للمعلم الأول ، خصوصاً في مفهومي الزمان والمكان وكذلك لنظريات الفيلسوف الذري ديمقريطس ، التي كان لها حضور في فلسفة أرسطو الطبيعية . فمثلاً رفض ستراتو الفرضية الديمقريطيسية للمكان الفارغ . وإعتقد بالمقابل بأن المكان على الدوام مملوء بنوع من المادة . ولعل القضية التي دار حولها الجدل ، هي نفي ستراتو لأي شكل من الإلوهية خارج العالم المادي . مما حمل هذا الإعتقاد إلى قول بعض الأكاديميين إلى إن ستراتو مؤمن بوحدة الوجود ، وذهب نفر من الباحثين في القرن السابع عشر إلى التقريب بينه وبين إسبينوزا وفلاسفة الإسبينوزية . كما نفى ستراتو خلود النفس ، وهاجم البراهين التي أوردها إفلاطون في محاورة فيدون .

  لقد كان ستراتو إنموذجاً خاصاً من الفلاسفة المشائيين ، الذين تطلعوا لبناء نظام فلسفي يتجاوب وظروف عصره التي هي بالتأكيد مختلفة عن ظروف المعلم الأول ، ويتناغم وأرائه الخاصة التي فيها نقد وتقويم لفكر فيلسوف إسطاغيرا . فمثلاً كان ستراتو معاصراً للفيلسوف أبيقور ، وفلسفة أبيقور هي فلسفة تجديدية للمذهب الفلسفي الذري عامة ، وفلسفة ديمقريطس خاصة . وهذا شكل تحدياً فلسفياً لم يكن وارداً أمام المعلم الأول أرسطو . ولذلك تصدى للمذهب الذري ، سواء الأبيقوري ، أو حضوره الخاص في فلسفة أرسطو ، وسعى إلى تقويم المذهب الذري بصورته الأصلية الديمقريطسية أو الذرية أو صداه في الفلسفة الأرسطية . ولكن رغم هذا النقد للمذهب الذري ، فقد تولد إعتقاد عند ستراتو بدفع المذهب الذري ، وهو إعتقاد مادي متسور بإلحاد ينفي وجود الإله المستقل عن العالم . والإعتقاد بدلاً عنه بنوع من وحدة الوجود  (80) .

  ونعرف خلال بدايات الإمبراطورية الرومانية بعض الأسماء من مشاهير الفلاسفة المشائيين الذين كتبوا رسائل حول فلسفة أرسطو . ومن بين هؤلاء إندرنيقوس الروديسي (إزدهر عام 60 ق .م) وهو الرئيس الحادي عشر للمدرسة المشائية في روما (حوالي 58 ق.م) . وأهمية إندرنيقوس تعود إلى إنه قام بإعداد نشرة جديدة لأعمال أرسطو (وكذلك لأعمال خليفته ثيوفروستس) . والواقع إننا اليوم ندينُ لنشرة إندرنيقوس في طرفين ؛ الأول إنها كونت الأساس للنشرات الحديثة . والثاني إنا ندين له في المحافظة على عدد كبير من أعمال أرسطو . إضافة إلى ذلك فقد قدم إندرنيقوس نفسه شارحاً لبعض مؤلفات أرسطو ؛ فقد وضع شرحاً على الطبيعيات ، وشرحاً على الأخلاق ، وشرحاً على المقولات (81)

 نيكولاس دمسقس (ولد حوالي 65 ق.م) . واليوم نعتمد على معرفة شروحه على فلسفة أرسطو من خلال مخطوطة سريانية تم إكتشافها في كيمبريدج عام 1901 . وتاريخ هذه المخطوطة يعود إلى حوالي 1400 . وبالمناسبة إن كيمبريدج قد حصلت عليها عام 1632 ، وهي في حالة فقيرة وغير منظمة … ويُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن هذا العمل قد كُتب في روما بحدود القرن الأول الميلادي ، وذلك للإنتقادات التي وجهت لنيكولاس حينها ، والتي دارت حول إن إشتغاله بالفلسفة يعود إلى مغازلته ومحاباته للأثرياء من الرجال وأصحاب السلطة (82) .

  ومن الشراح الرواد الإسكندر الأيجي (إزدهر في القرن الأول الميلادي) هو فيلسوف مشائي إزدهر في روما  ، وكان معلماً للإمبراطور نيرون (37 – 68 م) الذي كتب شروح على فلسفة أرسطو ، وبالتحديد كتب شرحاً على كتاب المقولات وكتاب في السماء (83) .

    ويبدو لنا إن محاولات الفلاسفة المشائيون الأوائل قد تطلعت إلى البحث في إمكانية تطوير وتوسيع أعمال أرسطو . ولكن من الممكن الحديث في زمن إندرنيقوس إلى إن مهمة المدرسة المشائية وفلاسفتها تحولت إلى المحافظة على تراث أرسطو والدفاع عنه . ولعل من الرموز الكبيرة في الفترة الرومانية ، هو الإسكندر الإفروديسي (إزدهر سنة 200 ميلادية) والذي كتب العديد من الشروح على كتب أرسطو ، وفي فترة مهمة جداً في تاريخ الفلسفة ، وهي فترة صعود نجم الإفلاطونية المحدثة والعقيدي المسيحي في القرن الثالث الميلادي ، وهو القرن الذي أشر نهاية المدرسة المشائية كمدرسة مستقلة . ولكن الإفلاطونيين المحدثين حاولوا بجد في دمج فلسفة أرسطو في نظامهم الفلسفي ، وكانت الحصيلة ظهور العدديد من شروح الإفلاطونيين المحدثين على كتب أرسطو . مع ملاحظة إنه في القرن الخامس الميلادي ظل الحديث يجري عن فيلسوف مشائي ، هو أولمبدريس الكبير ، والذي علم في الإسكندرية ، وكان معلماً للفيلسوف الإفلاطوني المحدث بروقلس (84) .

   أما الإسكندر الأفروديسي فكان رئيس المدرسة المشائية في بدايات القرن الثالث الميلادي ، وقد عاش وعلم في أثينا . وإشتهر بشروحه على كتب أرسطو ، وبكتابة رسائل فلسفية أصيلة . من أهم شروحه ؛ شرحه الواسع على كتاب التحليلات الأولية (الكتاب الأول) ، وشرح على كتاب الجدل (الموضوعات) ، وشرح على كتاب الأنواء الجوية (السماء العلوية) ، وشرح على كتاب الحاس والمحسوس ، وشرح على الميتافيزيقا (من الكتاب الأول وحتى الخامس) (85) . كما وله شرح على الكتب التسعة الأخيرة من كتاب الميتافيزيقا (86) .

    وفعلاً فقد تعهد عدد من فلاسفة الإفلاطونية المحدثة حسب رأي الباحث وليم وينويل على وضع تفاسير وتوضحيات على كتب أرسطو ، وخصوصاً على موضوع الديالكتيك (الجدل ) الذي تركه إفلاطون بحثاً ناقصاً (87) . فمثلاً كتب فرفريوس الصوري (القرن الثالث الميلادي) كتاباً عن المقولات ، وقد لاحظنا إنه إنتخب بعضاً من مقولات أرسطو (وليست كلها) ، وأطلق على كتابه عنوان المقدمة أو الإيساغوجي ، وكما أشرنا في العديد من أبحاثنا إلى إن هذا الكتاب قد لعب دوراً فاعلاً في الغرب والعالم الإسلامي (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي / منشور على صفحات موقع الفيلسوف / 26 إكتوبر 2012) . بينما لاحظ الكاتب ريتشارد سوربجي إلى إن فرفريوس تطلع بجدية إلى إثبات حالة التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو ، وبالتحديد فيما يتعلق بالمقولات الأرسطية ونظرية المثل الإفلاطونية (88) .

 كما تابع تلميذ فرفريوس الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس السوري ، مشروع التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو (مع إستبطان عال للفيثاغورية والثيورجيا المصرية أو الفكر الهرمسي) (أنظر : محمد جلوب الفرحان : إمبليكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ربيع 2011) .

  ومن ثم أكمل  الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ديكسبيز (إزدهر عام 350م) مشاور أستاذه إمبيلكوس ، فكتب العديد من الشروح على كتب إفلاطون وكتب أرسطو . وفي واحد منها شرح ودافع عن المقولات الأرسطية ، وتوسع فيها جزئياً . والحقيقة إن ديكسبيز (جاء ذكره في طرف من حديثنا عن الشروح على إفلاطون أعلاه) في هذا الشرح ، فسر لواحد من الحكام السلوقيين (وهم خلفاء الإسكندر الذين أقاموا الدولة السلوقية في العراق والشام) المقولات الأرسطية . وحاول في الوقت ذاته تفنيد إعتراضات إفلوطين على المقولات الأرسطية ، كما دافع عن مشروع التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو . وبالمناسبة فقد قام الأستاذ جون ديلون بترجمة النشرة اليونانية لكتاب ديكسبيز : مقولات أرسطو إلى الإنكليزية (89)

   ومن ثم جاء الشارح ثامسطيوس (317 – 390م) والذي تعلم الفلسفة على يد والده ، ورهن حياته بصورة رئسية على دراسة أرسطو . وأثناء ذلك درس الفيثاغورية والإفلاطونية . وفي بداية شبابه كتب شروحاً على مؤلفات أرسطو ، وقد نشرت دون موافقته وحققت سمعة عالية . وقد صرف معظم سنوات شبابه في أسيا الصغرى وسورية . ومن ثم تحول إلى القسطنطينية وعلم الفلسفة لمدة عشرين عاماً . وفي العام 355 أُختير سنتوراً رغم إنه لم يكن مسيحياً .

   ووفقاً لرواية فوتوس (810 – 893م وبالمناسبة فوتوس زار الخلافة العباسية وفي محنته إختار بغداد منفى له) وهو كاتب مجاميع من القرن التاسع الميلادي ، فإن ثامسطيوس كتب العديد من الشروح على كتب أرسطو مثل التحليلات الثانية ، والطبيعيات وحول النفس (وقام بترجمته إلى الإنكليزية روبرت تد عام 1996) . كما له أعمال على إفلاطون . وقد ذكرت موسوعة سودا (وهي موسوعة من القرن العاشر الميلادي) بأن له شرح على طبيعيات أرسطو يتألف من ثمانية كتب (وفعلاً فقد قام بترجمته روبرت تد إلى الإنكليزية في ثماني كتب ، ونشره بدءً من عام 2003 وحتى 2011) ، وإن شرحه على التحليلات الأولى يتكون من كتابين وكذلك الحال لشرحه على التحليلات الثانية . وإن رسالته حول النفس تتألف من سبعة كتب ، كما له كتاب واحد على المقولات (90) .  

  وفي القرن الخامس الميلادي قدم أمونيوس هرمي (440 – 520م) عرضاً فلسفياً بين فيه إتفاق إفلاطون وأرسطو على كون الله هو الصانع للعالم (91) . ومن ثم وضع الفيلسوف الإسكندراني أولمبيدرس الإسكندراني (الشاب وذلك تمييزاً له عن أولمبيدرس الكبير ، وهو الفيلسوف المشائي الذي عاش في القرن الخامس) وهو تلميذ وحواري الفيلسوف أمونيوس هرمي . وأولمبيدرس الشاب فيلسوف إفلاطوني محدث عاش في السنوات الأولى من الإمبراطورية البيزنطية . ونحسب إن أهمية أولمبيدرس بالغة الأهمية في تاريخ الفلسفة ، فهو الفيلسوف الوثني الأخير في الإسكندرية ، الذي حافظ على التقليد الإفلاطوني (بعد غلق جوستنيان للأكاديمية في أثينا وعموم المدارس الوثنية في الإمبراطورية عام 529م  كما ذكرنا ذلك أعلاه) .

   وبعد موت أستاذه أمونيوس هرمي عام 520 خلفه على رئاسة مدرسة الإسكندرية للإفلاطونية المحدثة . وإنه نجح في أن يبقى بعيداً من عمليات الإضطهاد والملاحقة القضائية التي تعرض لها عدد من رفاقه الإفلاطونيين المحدثين (من أمثال الفيلسوف هركليس الإسكندراني…) . ولعل أهمية أولمبيدرس الشاب في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة ، وتاريخ الفلسفة الإسلامية خاصة (لأننا نحسب إن شروحه لها صدى في نصوص فلسفية إسلامية مختلفة) يكمن في إنه كتب سيرة إفلاطون ، وكتب شروحاً على العديد من محاورات إفلاطون ، كما كتب بالطبع شروحاً على مؤلفات أرسطو . وبالمناسبة كتب أولمبيدرس مدخلاً في غاية الأهمية للفلسفة الأرسطية . وفوق كل ذلك فإن أولمبيدرس يحتل مكانة مهمة في الكتابة عن تاريخ مدرسة الإفلاطونية المحدثة . وفعلاً فقد كتب الكثير من المعلومات عن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس / رئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة ، والتي لا تتوافر في المصادر الأخرى .

   ومن أعماله التي ظلت خالدة ولم يطويها الدهر : شروح على محاورات إفلاطون مثل شرح على محاوراة القيبيادس ، شرح على محاورة جورجياس ، شرح على محاورة فيدون . ومدخل على منطق أرسطو ، وشرح على كتاب أرسطو في السماء العلوية (الأنواء الجوية) ، وشرح على المقولات الأرسطية . كما له شروح ومحاضرات حول النظرية الفلكية (التنجيم) (92).

       وشارك إثنين من فلاسفة القرن السادس الميلادي ، في وضع شروح على كتب أرسطو ، وهما كل من سمبليقوس (490 – 560م) و بوثيوس (480 – 525م) .  والأول (أي سمبليقوس) فقد كان حوارياً لكل من أمونيوس هرمي  و دمسقس (458 – 538م) وهما من أواخر فلاسفة مدرسة الإفلاطونية المحدثة في أثينا . وقد تعرضا الثلاثة ومعهم أعضاء أخرين إلى الإضطهاد والمحاكمة بعد قرار جوستنيان عام 528 أو 529 بغلق المدارس الفلسفية وطرد الوثنين ومصادرة أملاكهم ، فأُجبروا على طلب اللجوء إلى البلاط الفارسي . كتب سملبيقوس بكثافة العديد من  الشروح على كتب أرسطو ، منها شرح على كتاب السماء ، والطبيعيات ، والمقولات ، وكتاب النفس …(93) .

   ومثلُ سمبيلقوس مثلُ كل الإفلاطونيين المحدثين حاول المصالحة بين مبادئ الفيثاغورية ، والإيلية التي إحتوتها فلسفة إفلاطون والرواقية ومبادئ أرسطو . فمن المعروف إن الطابق الثاني من مكونات فلسفة إفلاطون تحتله (الفيثاغورية  ) والطابق الثالث نظرية المثل تحتله (الإيلية) . إضافة إلى دفاعه عن رأي أرسطو في أبدية العالم (94) .

   أما أهمية بوثيوس فتكمن في جانبين ؛ الأول إنه قام بترجمة أجزاء من بعض من كتب أرسطو المنطقية إلى اللاتينية . وهذه الأجزاء فرضت هيمنتها على دائرة التفكير الفلسفي الغربي منذ القرن السادس وحتى القرن الثاني عشر (وهو القرن الذي شهد ترجمة عبرية ولاتينية عارمة من العربية) . والثاني إنه قام بترجمة كتاب الجدل (المواضيع) وهو جزء من كتب أرسطو المنطقية إلى اللاتينية . ولكن الذي حدث في الترجمة ، إن بوثيوس مزج بين النص المترجم وشرحه الذي جاء مزيجاً من الأفكار الأرسطية والإفلاطونية (95) .

  ومن المحاولات الشارحة لفلسفة أرسطو (والتي كان لها صدى في مصادر التراث الفلسفي الإسلامي) ، محاولة جون فيلوبنس (يوحنا النحوي) (490 – 570م) الإسكندراني . وهو شارح أرسطي ، وكاتب مثير للجدل في عصره ، خصوصاً في خروجه على التقليد الأرسطي – الإفلاطوني المحدث . فقد قرأ التراث الأرسطي من زاوية ميثدولوجية (منهجية) قادته إلى التجريبية والعلوم الطبيعية . ولمواقفه المثيرة للجدل إتهمته الكنيسة بعد موته بالهرطقة (الكفر) (عامي 680 – 681) وخصوصاً في قضية تفسير الثالوث . كما إن نقده لفيزياء أرسطو كان له أهمية في تاريخ العلم ، فقد ترك أثاراً على العديد من الفلاسفة والعلماء في عصر النهضة ، مثل غاليلو (1564 – 1642م) والذي إقتبس أشياء من يوحنا النحوي (96) .

   ويوحنا النحوي درس في الإسكندرية وبدأ نشر كتاباته عام 510م . وهو تلميذ (وبعض الأحيان كاتب ناسخ) للفيلسوف الإفلاطوني المحدث أمونيوس هرمي . وكاتابات يوحنا المبكرة كانت متولدة من محاورات أستاذه أمونيوس . إلا إنه طور بمرور الزمن طريقته المستقلة في شروحه ، ومن ثم نهضت على منهجية جديدة ، تمثلت في نقد أرسطو حول النفس والفيزياء ، بل وتطور تفكيره العلمي الخاص ، فكان من أوائل المفكرين الذين رفضوا ديناميكيا أرسطو (97) .

  كما إن أهمية يوحنا النحوي تكمن في إنه بين سوء فهم فرفريوس الصوري وبرقلس لفلسفة أرسطو ، وخطأ محاولتهما في دمج مبادئ أرسطو بمبادئ افلاطونيتهما المحدثة . بل وخطأ محاولتهما في المصالحة بين أرسطو ونظرية المثل الإفلاطونية . وبدلاً من ذلك عرض تفسيراً مسيحياً للتراث الأرسطي (98) . ومن شروحه على تراث أرسطو : شرحه عل كتاب العالم والفساد ، وشرحه على النفس ، وشرحه على المقولات ، وشرحه على التحليلات الأولى ، وشرحه على التحليلات الثانية ، وشرحه على الطبيعيات (الفيزياء) . أما رسائله المهمة ، فهي رسالتان ؛ الأولى حول أزلية العالم ضد برقلس . والثانية أزلية العالم ضد أرسطو (99) .

  وبعد موته وصدور قرارات الهرطقة بحقه من قبل الكنيسة ، إنحسر الإهتمام به في العالم الغربي . ولكن ترجمة أعماله إلى السريانية والعربية ، فتح باب إهتمام جديد في العالم العربي ، فحُفظت أعماله ، ودرسها العرب وأفادوا منها بما يتناسب وتطلعاتهم الفلسفية والنقدية لفلسفة المعلم الأول (100) .

  ومن شراح أرسطو جون دمسقس (يوحنا الدمشقي) (ولد ما بعد النصف الثاني من القرن السابع الميلادي ، وتوفي في القدس عام 749م) ، وهو بالعربية يوحنا بن منصور بن سرجون التغلبي (أي من قبيلة تغلب العربية المسيحية التي كانت مواطنها الصحراء السورية) . وهو راهب وقس سوري ، ولد وترعرع في دمشق ، وعمل كإداري للخليفة العربي في دمشق .من أهم مؤلفاته : الفصول الفلسفية ، ويُعرف بالديالكتيك (أو الجدل) . وهو كتاب يدرس المنطق ، وغرض المؤلف هو توفير مادة علمية تنفع في إعداد القارئ لفهم أغراض الكتاب والفصول اللاحقة (101) . كما كتب أعمالاً حول مؤلفات أرسطو (102) . 

 ومن ثم جاء القرن التاسع الميلادي ، ومعه بدأ فصل جديدة لكتب أرسطو وفلسفته والشروح على مؤلفاته ، لها طعم حضاري جديد ، ومذاق فيه المحافظة على تراث أرسطو الذي فقده الغرب مع إنقسام الكنيسة إلى غربية وشرقية ، وأصبح تراث أرسطو في ملك الكنيسة الشرقية ، فغادر أراضي بني يونان والغرب ، ودخل أراضي الأتراك التي ستصبح جزءً من أراضي العالم الإسلامي . وهكذا دخل أرسطو إلى العالم الأسلامي مع المدرسة الإفلاطونية في بغداد ، وبالتحديد مع ثابت بن قرة (826 – 901م) والذي ترجم أعمال أرسطو والشروح عليه إلى العربية (103) .

  ولد ثابت بن قُرة في مدينة حران ، وهي مدينة صابئية عريقة ، يشتهر جُل علمائها بالفلك والرياضيت والتنجيم ، وكانت لهم إتصالات واسعة بالعلم والثقافة اليونانية (104) . وبدعوة من محمد بن موسى بن شاكر (803 – 873م) ذهب إلى بغداد للدارسة في بيت الحكمة (وبالمناسبة إن عائلة موسى بن شاكر تتكون من ثلاثة إخوة من الباحثين عملوا في بيت الحكمة ، وقد إهتموا بالفلك والرياضيات ، ولهم أبحاث مهمة ومؤلفات (105) .

  وفعلاً قدم ثابت إلى بيت الحكمة وعمل مع أولاد موسى بن شاكر . ولعب دوراً فاعلاً في الترجمة من اليونانة إلى العربية (ويقال من السريانية إلى العربية كذلك) . فقد كان يتقن اليونانية والعربية والسريانية بطلاقة عالية . كما كان له الأثر في تكوين خلايا العلماء العرب الأولى في بيت الحكمة ، فقد قاد مع طلبته برامج البحث في بيت الحكمة ، والتي تمثلت في مجالات الرياضيات ، والفلك ، والتنجيم ، والسحر ، والميكانيكا ، والطب ، والفلسفة .

  ولعل من أهم ترجماته إضافة إلى كتب أرسطو والشروح عليها ، ترجماته من اليونانية إلى العربية لأعمال أبولونيوس (262 – 190 ق.م) ، و أرخميدس (287 – 212 ق.م) ، وإقليدس (إزدهر عام 300 ق.م) ، وبطلميوس (90 – 168م) . ومن ثم قام ثابت بإصلاح ترجمة كتاب الأصول لإقليدس ، والذي ترجمه حنين بن إسحق (809 – 873م) . وأعاد كتابة ترجمة حنين لكتاب بطلميوس المجسطي ، وترجم كتاب الجغرافيا لبطلميوس .

  ونحسب من المهم الإشارة إلى علو كعب ثابت بن قرة في مضمار الفيزياء عامة ، وفيزياء أرسطو خاصة ، مع ملاحظة إن ثابت قد رفض المفاهيم الأرسطية والمشائية للمكان الطبيعي . ووضع بدلاً عنه نظرية الحركة الصاعدة والنازلة (ويبدو لنا إن الأثر الإفلاطوني واضح في النظرية) التي تسبب الوزن (106) .

  ونظن إن الموضوع لم تنتهي فصوله عند إفلاطون وأرسطو والشروح التي وضعت على مؤلفاتهم . وإنما نحسب إن الطرف المضموم الأخر ، يكمن في الطرق التي مرت بها الفلسفة اليونانية إلى دار الفلسفة العربية الإسلامية ، وللحديث عن هذه الطرق ، نتطلع إلى كتابة مقال قادم وبعنوان الترجمة والمترجمون : من اليونانية والسريانية إلى العربية .

الهوامش :

1 – أنظر :

Eduard Zeller, Outlines of the History of Philosophy, Trans. By Sarah Alleyne & Avelyn Abbott, London 1886, p. 172

2 – أنظر :

Diogenes Laertius. Lives and Opinions of the Eminent Philosophers, Trans. By Robert Drew Hicks, Loeb Classical Library 1925, Book 1V: 1

3 – للتفاصيل أنظر :

A – John Dillon, The Heirs of Plato: A Study of the OldAcademy (347 – 274 BC), Clarendon Press, Oxford 2003

B – Leonardo Taran, Speusippus of Athens: A Critical Study with a Collection of the Related Texts and Commentary, Leiden: Brill 1982

4 – أنظر للتفاصيل :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 4

5 – أنظر :

Ibid,

6 – أنظر :

Ibid, 1V: 5

7 – أنظر :

Ibid, 1V: 5

8 – أنظر :

Russell Dancy, Xenocrates, Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2003 (on Line)

9 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 6

10 – أنظر :

Algra et al. The Cambridge History of Hellenistic Philosophy, CambridgeUniversity Press, 1999, p. 48

11 – أنظر :

E. Craig (ed), Routledge Encycloedia of Philosophy9, London 1998, pp. 806 – 807

12 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 14

13 – أنظر :

Ibid, 1V:  12 ,  13

14 – أنظر :

   الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، دار الحرية ، بغداد 1983 ، الفصل الثاني المعنون : محاولة إفلاطون لوضع أسس العلم البرهاني ، القسم الخامس المعنون الديالكتيك ، ص ص 49 – 52

15 – أنظر :

Aristotle, Metaphysics, Ed. By Werner Jaeger, Oxford Classical Texts, Oxford University Press 1957, vii. 2 1028

16 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V:13,  12

17 – أنظر :

Ibid, 1V: 11, 13

18 – أنظر :

Ibid, 1V: 11, 12, 13

19 – أنظر :

Ibid, 1V: 13, 14

20 – أنظر :

Ibid, 1V:11

21 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق ، القسم الأول / الفصل الثاني ، ص 38

22 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 24

23 – أنظر :

Ibid, 1V: 27

24 – أنظر :

Ibid, 1V: 20

25 – أنظر :

Algra et al, Op. Cit, p. 48

26 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 24

27 – أنظر :

Ibid, 1V: 16

28 – أنظر :

Ibid, 1V: 21, 22

29 – أنظر :

Ibid, 1V: 17, 22

30 – أنظر :

Ibid, Vii: 2, 25

31 – أنظر :

Ibid, 1V: 22, 24

32 – أنظر :

Ibid, 1V: 20

33 – أنظر :

Ibid, 1V: 21

34 – أنظر :

Ibid, 1V: 19

35 – أنظر :

Ibid, 1V: 18

36 – أنظر :

Ibid, 1V: 19

37 – أنظر :

Ibid, 1V: 20

38 – للتفاصيل عن نظام كليمنت الأسكندري الفلسفي الجامع بين إفلاطون والرواقية أنظر :

Albert Oulter, “Platonism of Clement of Alexandria”, Journal of Religion, (July 1940) 20 (3), pp. 217 – 240

39 – أنظر :

Algra et al, Op. Cit,

40 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 21

41 – أنظر :

Ibid,

42 – أنظر :

Algra et al, Op. Cit, p. 52

Diogenes Laertius, Op. Cit, ii: 86

43 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 10

44 – أنظر :

Ibid, 1V: 52

45 – أنظر :

Ibid,

46 – أنظر :

Zeller, Op. Cit, p. 247

47 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 23

48 – أنظر :

Algra et al, Op. Cit, p. 48

49 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 1V: 29

50 – أنظر :

Ibid, V: 36

51 – أنظر :

Ibid,

52 – أنظر :

Charles Brittain, “Arcesilaus”, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2005 (On Line)

53 – أنظر :

Julia Annas & Jonathan Barnes, The Modes of Scepticism: Ancient Texts and Modern Interpretations, CambridgeUniversity Press 1985

54 – أنظر :

Algra et al, Op. Cit, pp. 32 – 33

55 – أنظر :

Ibid, pp. 33, 48

56 – أنظر :

Onasander and Onasander, Greek text and English translation, Trans. By Illinios Greek Club, HarvardUniversity Press 1928 (On Line)

57 – أنظر :

B – John Whittaker, Parisinus Graecus 1962 and the Writings of Albinus, Phonix 28 (1974), pp. 320 – 354, 450 – 456

C – Bryn Mawr Classical Review 94. 10.4

وجاء عنوان المراجعة وإسم المراجع الكندي (من جامعة تورنتو) بالشكل الأتي :

John Dillon (trans.), The Handbook of Platonism, Clarendon Press, Oxford 1993, pp. liii + 226 (Reviewed by Lloyd Gerson, University of Toronto) (On Line)

   وأحسب من النافع هنا أن أقدم ترجمة لطرف من المراجعة وخصوصاً عن إصطلاح الإفلاطونية الوسطى (وفلاسفتها) . الحقيقة إن الأفلاطونية الوسطى ، هو إصطلاح عام يضم أفكار مجموعة من الفلاسفة الذين يُعدون أنفسهم تلاميذ إفلاطون (من خلال تبني أفكاره أو العودة إلى فلسفته وبالطبع هناك فترة زمنية بعيدة تفصل بينهم وبين إفلاطون) ، وبالتحديد بدءً من الفيلسوف إنطوكيوس إسكولن الذي إزدهر في الربع الأول من القرن الأول قبل الميلاد ونزولاً إلى الأسلاف المباشرين للفيلسوف إفلوطين في نصف القرن الثالث الميلادي .

  ويُنظر إلى الإفلاطونية الوسطى ، على إنها مرحلة تحول ، توسطت بين فكر إفلاطون والأكاديمية القديمة ، وبين التطورات المهمة التي دشنها إفلوطين ، والتي ستعرف عند المحدثين بأسم الإفلاطونية المحدثة . ومن الملاحظ إن جون دايلون في كتابه المعنون : فلاسفة الإفلاطونية الوسطى ، قد قدم مسحاً شاملاً للتاريخ الفلسفي المعقد لهذه المرحلة . والسبب في كونه تاريخ معقد ، في إنه جاء بعد ما يُعرف بالمرحلة الشكية (أو الشكية الأكاديمية أو الأكاديمية الثانية) في تاريخ أكاديمية إفلاطون .

  وعلى هذا الأساس ثابر إنطوكيوس بجد في العمل على تجديد عقائد إفلاطون الأصلية . مع الإشارة إلى إن مثابرته لم تكن سهلة ، فقد واجهت تحديات كبيرة ، خصوصاً إذا ما وضعنا في إعتبارنا إلى القرن الأول قبل الميلاد الذي نشط فيه إنطوكيوس ، كانت فيه هيمنة قوية لمدرستين فلسفيتين ؛ وهما الرواقية والمشائية . صحيح إن شمس المشائية تعرضت للكسوف ، ولكنها لم تغادر دوائر البحث الفلسفي ، بل وظلت عالقة في الأذهان بقوة ، وخاصة بعد إن قام بتجديد روحها إندرنيقوس الروديسي (وهو رئيس المدرسة المشائية الحادي عشر في روما ، وبالتحديد حوالي عام 58 قبل الميلاد) ، وذلك من خلال نشره للمؤلفات الأرسطية كاملة . وفي ظل هذه الأجواء ، تأثرت حركة العودة إلى إفلاطون ، بمجمل أغراض ومصالح وحجج هاتين المدرستين . إضافة إلى إن الإفلاطونية عملت بجد في ترسيخ جذورها الفلسفية بأبحاث معمقة في التراث الفيثاغوري ، ولهذا صاحب حركة العودة إلى إفلاطون ، تطورات فلسفية تتوجت بما يُعرف بحركة الفيثاغورية الجديدة ، والتي لفت القرنين الأول والثاني الميلاديين ، وذلك وسيلة لفهم التعاليم الإفلاطونية …

  والإفلاطونية الوسطى تشمل عقائد مجموعة من الفلاسفة في أثينا وروما ومدن ثقافية أخرى . صحيح إنه ليست هناك إتصالات عميقة بينهم ، ولكن الذي يجمعهم هم واحد ، وهو الإهتمام بإفلاطون ، وتكريس نشاطاتهم في تجديد عقائده الأصيلة ، التي هي حسب رأيهم المنبع الأصيل للحكمة . والواقع إن عقائد هؤلاء الفلاسفة من زاوية الأكاديميين المحدثين ، هي كما تبدو رواقية وأرسطية أكثر منها إفلاطونية .

  ونحسب من النافع أن نخبر القارئ والباحث العربيين إلى إن هناك بضع وثائق تعود إلى هذه الفترة ، ظلت محفوظة ولم تتعرض للضياع ، منها كتاب مدرسي ، هو موجز للإفلاطونية ، كتبه فيلسوف يدور حوله إسمه الجدل ، وهو ألبينس أو الكينس . ويعود تاريخ هذه الوثيقة / الكتيب المدرسي إلى منتصف القرن الثاني الميلادي . ولكن في العام 1879 ذهب الأكاديمي الألماني ج . فريدنثل إلى إن الكينس هو في الحقيقة الفيلسوف ألبينس معلم الفيلسوف الطبيب جالينوس (129 – 200 / 216م) . وبعد عشرين عاماً حاول جون ويتيكر رفض هذا الربط بين الشخصيتين الذي قام به فريدنثل ، وقدم نشرة نقدية لهذا الكتاب مع ملاحظات ، ومؤكداً على إن هذا الكتاب يعود إلى الكينس وليس إلى ألبينس (وبذلك فصل بين الأثنين) . وبرأي المراجع الأستاذ ليولد جيرسون ، إن هذا الفصل لا يغير من المسألة شيئاً ، خصوصاً إلى إنه لا يتوافر لدينا أية معلومات عن  الأول الكينس ولا شئ عن الثاني ألبينس . ورغم هذا الحال فإن التقويم الأخير لهذا الكتيب المدرسي وترجمة جون دايلون ، هما برأينا (أي الأستاذ جيرسون) مساهمة بالغة الأهمية في التعريف بالإفلاطونية الوسطى .

58 – أنظر :

Zeller, Op. Cit, p. 309

 59 – أنظر :

A – Lucius Apuleius, The Golden Ass, Trans. By Patrick Gerard Walsh, Oxford University Press 1999, pp. xi, xiv – xv

B – Mark Morford, The Roman Philosophers, Routledge 2002, p. 227

ولتفاصيل أكثر ، أنظر الكتاب الممتاز :

Gerald Sandy, The Greek World of Apuleius: Apuleius and the Second Sophistic, Brill, Leiden 1997

60 – أنظر :

Zeller, Op. Cit,

61 – أنظر :

Ibid, p. 323

62 – أنظر :

A – Llyod Gerson, Aristotle and Other Platonists, CornellUniversity Press 2005, p. 292

B – John Dillon, Dexippus: on Aristotle Categories, Duckworth, CornellUniversity Press 1990

63 – للتفاصيل أنظر :

A – Cosmin Andron, “Ploutarchos of Athens” The Routledge Encyclopedia of Ancient Natural Scientists, Edited by Paul Keyser & Georgia Massie, Routledge 2008

B – Edward Grant, Science and Religion, 400 B. C. to A.D. 1550, Greenwood Publishing Group 2004, pp. 93 – 94

64 – أنظر :

A – H. J. Blumenthal & A. C. Lloyd, Cosmic Principles in Syrianus, Soul and The Structure of Being in Late Neo- Platonism, Liverpool University Press 1982, pp. 1 – 10

B – John Dillon & D. OMeara, Syrianus: On Aristotle Metaphysics, Duckworth 2006

65 – أنظر :

A – Edward Grant, Op. Cit,

B – Stephen Gersh, Middle Platonism and Neoplatonism: The Latin Tradition, Medieval Studies, University of Notre Dame Press 1986, vol. 23, pp. 421 – 492

66 – أنظر :

Georg Wilhelm Hegel, Lectures on the History of Philosophy, Trans. By E. S. Haldane, University of Nebraska Press 1995, Volume 1, p. 403

67 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ بحث في أنماط من الإفلاطونيات المحدثة المتنوعة / المحور المعنون : برقلس : مشروع كوني للدين (الوحي الأورفي – الكلداني) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012

68 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق ، المحور المعنون : دمسقس : الرئيس الأخير لمدرسة أثينا الفلسفية .

69 – أنظر : المصدر السابق

70 – للتفاصيل أنظر :

A – A. H. Armstrong (ed), The Cambridge History of Late and Early Medieval Philosophy, Cambridge University Press, 1967, pp. 272 – 325

B – Christian Wildberge, Olympiodorus, Stanford Encyclopedia of Philosophy 2007 (on line)

وللإطلاع على الحركة الفلسفية الثانية وكتاب يونيبوس حياة الفلاسفة والسفسطائيين أنظر :

Eunapius, Lives of the Philosophers and Sophists, English Translation 1921 (on Line)

71 – أنظر :

George Kennedy, Classical Rhetoric and Its Christian Secular Tradition from Ancient to Modern Times, UNC 1999, p. 190

72 – أنظر :

Eleanor Dickey, Ancient Greek Scholarship, OxfordUniversity Press 2007, p 46

73 – أنظر :

Dimiter Angelov, Imperial Ideology and Political Thought in Byzantium, 1204 – 1330, Cambridge University Press 2007, pp. 344- 345

74 – أنظر :

A – Merry Bruce. Encyclopedia of Modern Greek Literature, GreenwoodPress, USA 2004, p. 57

B – Lowell Clucas: “The Trail of John Itales and the crisis of Intellectual Values in Byzantium in the Eleventh Century” 1981

75 – أنظر :

Dimiter Angelvo, Op. Cit,

76 – أنظر :

Oliver Leman. Islamic Philosophy, In Routledge Encyclopedia of Philosophy, Ed. By E. Craig, Routledge, London 1998 (On Line)

77 – من المصادر الإنكليزية المهمة في هذا المضمار :

1 – Roy K. Gibson, Christina Kraus, (editors), The Classical Commentary: Histories, Practices, Theory, Brill 2002

2- Lloyd Newton, (editor), Medieval Commentaries on Aristotle’s Categories, Leidan, Brill 2008

3- Richard Sorabji (editor), Aristotle Transformed: The Ancient Commentators and their Influence, Duckworth 1990

4 – Miira Tuominen, The Ancient Commentators on Plato and Aristotle, Durham 2009

78 – أنظر :  

Algra et al, The History of Hellenistic Philosophy, Cambridge 1999, pp. 52 – 53

79 – أنظر :

Johann Jakob Brucker, The History of Philosophy From the Earliest Periods, (1837), pp. 349 –

80 – للتفاصيل أنظر :

1 – Tiziane Dorandi, Chronology / In Algra et al, The Cambridge History of Hellenistic Philosophy, Cambridge University Press 2005, p. 36

2 – Eduard Zeller, Outlines of the history of Greek Philosophy, Routledge 2000, p. 204

3 – David Furley, From Aristotle to Augustine: Routledge History of Philosophy, Routledge 2003, p. 157, 162 – 163

4 – IrvineIsrael, Enlightenment Contested: Philosophy, Modernity and Emancipation of Man, OxfordUniversity Press 2006, p. 447, 450 – 451

5 – Diogenes Laertius, Life of Strato, translated by Robert Drew Hicks / part from / Lives of Eminent Philosophers, Loab Classical Library 1925

81 – أنظر :

William Smith, Op. Cit,

82 – أنظر :

Lulofs, H. J. Drossart. On the Philosophy of Aristotle, Brill, 1969, p. 46, p. 5

83 – أنظر :

Benjamin Jowett, Alexander of Aegae / In William Smith, Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology, Little, Brown and Company, Boston 1867, pp. 110 -111

84 – للتفصيل أنظر :

 Robert Sharples, “The PeripateticSchool” / In David Furley, From Aristotle to Augustine (Op. Cit), p. 153

85 – للإطلاع أنظر :

Donald Zeyl, Daniel Devereux, Philip Mitsis, Encyclopaedia of Classical Philosophy, 1997, p. 20

86 – أنظر :

William Fortenbaugh, R. Sharples, Theophrastus of Eesus, Brill 2005, p. 22

87 – أنظر :

William Whenwell, History of Inductive Sciences: From the Earliest Periods to the Present times, 1837, pp. 271 – 275

88 – أنظر :

Richard Sorabji, “Aristotle Commentators” / In Routledge Encyclopaedia of Philosophy1998, pp. 435 – 437

89 – للتفاصيل أنظر :

1 – J. Dilon, Dexippus: On Aristotle Categories, Duckworth 1990

2 – L. Gerson, Aristotle and Other Platonists, CornellUniversity Press 2005, p. 292

90 – أنظر :

Peter Heather & David Moncur, Politics, Philosophy and Empire in Fourth Century, LiverpoolUniversity Press, 2001

91 – أنظر :

Sorabji, Op. Cit,

92 – للتفصيل أنظر الأبحاث الممتازة التي كتبها هارولد تارنت :

1 – Horold Tarrant, “ Olympiodorus and History “, / In From the OldAcademy to Later Neo – Platonism: Studies in the History of Platonic Thought, Aldershot 2010

2 – H. Tarrant, “ Olympiodorus and Plato’s Republic “ (Op. Cit)

3 – H. Tarrant, “ Restoring Olympiodorus Syllogstic “ (Op. Cit)

93 – أنظر :

IIsetiaut Hadot, The Life and Work of Simplicius in Greek and Arabic Sources / In Richard Sorabji (Ed.), Aristotle Transformed, London 1990, pp. 275 – 303

94 – أنظر :

Whenwell, Op. Cit, pp. 271 – 275

95 – للتفصيل أنظر :

Boethius, Consolation of Philosophy, Translated by Joel Relihan, Norton: Hackett Publishing Company, 2001

96 – أنظر :

B. Mitrovic, “ Leon Batista Alberti and Homogenity  of Space “ / in The Journal of the Society of Architectural Historians, Vol. 63, No4 (2004), pp. 424 – 439

97 – أنظر :

Morris Cohen & Drabkin, A Source Book in Greek Science, Cambridge 1958, p. 220

98 – أنظر :

Bruker, Op. Cit, pp. 349 – 353

99 – أنظر :

S. Piens, An Arabic Summary of a lost Work of John Philoponus, Oriental Studies 2 (1972), pp. 320 – 352

100 – أنظر :

Ibid,

101 – أنظر :

David Richard Tomas, Syrian Christians Under Islam: the first thousand years, Brill 2001, p. 19

Suzanne Conkin Akbaei, Idols in the East: European Representations of Islam and the Orient, (1100 – 1450), ConnellUniversity Press 2009, p. 204

102 – أنظر :

Bruker, Op. Cit,

103 – أنظر :

Sorabji, Op. Cit,

104 – أنظر :

Tobias Churtons, The Golden Builders, Barnes & Noble Publishing 2006, p. 27

105 – لمزيد من التفاصيل أنظر :

   Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco – Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasaid Society, Routledge 1998, p. 133

106 – أنظر :

Mohammed Abattouy, “Greek Mechanics in Arabic Context: Thabit ibn Gurra, al – Isfizan and the Arabic Traditions of Aristotelian and Euclidean Mechanics”, / Science in Context 14, pp. 205 – 206

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

تأملات في الفكر الأبستمولوجي الإسلامي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

 لاحظ الباحث إن الفكر الأبستمولوجي الإسلامي جاء نتيجة حوار بين العقل الأبستمولوجي اليوناني بطرفيه الهيليني والهيلنستي ، والعقل الأبستمولوجي الإسلامي . ومنذ بداية الحوار ، لاحظنا إن العقل الإسلامي كان مهتماً بالأبستمولوجيا العلمية بصورها المتنوعة ، والتي لا تقتصر على الحدود الضيقة للأبستمولوجيا العلمية (ولعل من المدهش إن المدارك الإسلامية للأبستمولوجيا العلمية بحدودها الواسعة كانت السباقة (والمنفتحة على جميع العلوم دون إستثناء) ولهذا كانت الريادة على الصياغات التي وصلت إليها المدراس الكانطية الجديدة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كانط والكانطية الجديدة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس / ربيع 2012) .

حضور الفكر الأبستمولوجي اليوناني في دوائر الأبستمولوجيا الإسلامية

 يشعرُ قارئ النصوص الأبستمولوجية الإسلامية ، إن العقل الإسلامي قد عرف تفاصيل الأبستمولوجيا اليونانية ، وقد ذكرها صراحة ، وإستثمرها إستبطاناً في بعض الأحيان ، وظهرت بقوة على سفوح الأبستمولوجيات العلمية الإسلامية . ولفهم درجات الإبداع والإتباع ، والإستسلام لسلطة الأبستمولوجيات اليونانية . نسعى في هذا المفصل تقديم إطاراً عاماً للأبستمولوجيا اليونانية ، تنفع معاييراً يُحاكم بها الأبستمولوجيات العلمية الإسلامية ، وبيان مقدار المتابعة للأبستمولوجيا اليونانية ، وحجم الخروج على سلطة الأبستمولوجيا اليونانية ، وكتابة نص أبستمولوجي إسلامي متفرد ، ولكنه في الوقت ذاته جاء نتيجة الظروف التي عاشها كاتب النص الأبستمولوجي الإسلامي ، وتلبية لحاجات وتوجهات المجتمع الإسلامي يومذاك .

 وعلى هذا الأساس نتساءل : ما هي الصور الأولى للأبستمولوجيا العلمية في تاريخ الفلسفة اليونانية ؟ لاحظ الباحث إن محاورات إفلاطون ، وكتب أرسطو التي تدارسها العقل الإسلامي تفصيلاً ، قد كونت مصادر تاريخية لحال الأبستمولوجيا العلمية قبل إفلاطون . وعلى الرغم من إن كلا الفيلسوفين (أي إفلاطون وأرسطو) قد قرأ الأبستمولوجيا البيروسقراطية (قبل سقراط) من زوايا إفلاطونية ، وبمنظار أرسطي مشائي . وبذلك جاءت صورة الأبستمولوجيا العلمية قبل سقراط ناقصة ، وإنها جاءت ملونة حسب مزاج إفلاطون وذات طعم أفرزها مذاق أرسطو .

  ومن الثابت إن الفلسفة بدأت ” علماً طبيعياً (فيزيائياً) ” : أي البحث عن مبادئ الحركة . وكيميائياً : أي البحث عن مبادئ التكوين . وبايولوجياً : أي البحث عن مبادئ الحياة . ومنهجياً (مثدولوجياً) : فالفلسفة بدأت بحثاً إستقرائياً ، ومن ثم تحولت إلى نزعة إستدلالية عارمة مهيمنة على تاريخ الفلسفة اليونانية ، وإن ظلت مواقع قدم لنوع من الإستقرائية الخافتة هنا وهناك .

  إن هذا الفهم لعلوم الفلسفة أيدته أبحاث فلاسفة المدرستين الأيونية والإيلية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية (في العصرين الهيليني والهيلينستي) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر/ ربيع 2013) . فقد بحثوا في موضوعات العلم الطبيعي(1) (موضوعات الوجود عند المدرسة الإيلية). وتحولت الفلسفة إلى علم نظري يستعين بالمجردات والماهيات ، ثوابتاً لتفسير متغيرات العالم الخارجي ، فكانت الرياضيات العلم المناسب لإنجاز ذلك التحول . وفعلاً كانت العلوم الرياضية حاضرة في تأملات الفلاسفة منذ بواكير الفلسفة ، وذلك سعياً إلى دراسة العلوم الرياضة من زاوية المنهج الأبستمولوجي هذا طرف . والطرف الثاني إستثمار العلوم الرياضية أبستمولوجياً ، تطلعاً لصياغة الأنظمة الفلسفية وفق لدرجات الدقة ، والصرامة واليقين العالي ، التي تتسم بها العلوم الرياضية وإتخادها موديلاً في التحليل الأبستمولوجي لمختلف العلوم والفنون التي إشتغلت عليها أبحاث الفلاسقة ، وتحت ما يصطلح عليه تقليدياً بتصنيف أو تقسيم العلوم . وما نسميه وفقاً لحقيقة العمل الذي أنجزه الفلاسفة بالتحليل الأبستمولوجي للعلوم (والذي تتوج بتشجير أبستمولوجي للعلوم والذي إستلهم سمات الإنموذج الأبستمولوجي للعلوم الرياضية ، وهي درجات : التجريد العالية ، والدقة ، والصرامة واليقينية) .

  وعودة إلى علاقة الفلسفة بالعلوم الرياضية (التي هي جزء من بناء فلسفي أبستمولوجي كلي شامل) ، نقول صاحب هذا التشابك الأبستمولوجي بين الفلسفة والرياضيات ، ظهور نوع من الرياضيات الفلسفية . ولعل الفيثاغوريين خير ممثل لهذه النزعة الأبستمولوجية (2) . فقد تحدثوا عن الحساب والهندسة ، وميزوا بين الحساب (أرثماتيك) وبين اللوجستيك (3) ، فالأول هو “دراسة مجردة للعلاقة بين الأعداد” والثاني هو “الفن العملي لعد الأعداد” (4) . ومن الملاحظ إن فيثاغورس قد نظر إلى الهندسة على إنها “تعليماً حُراً ، يبدأ بفحص مبادئ العلم ، والمبرهنات بطريقة عقلية ثابتة” (5) ، وضم الفيثاغوريون إلى المشجر الأبستمولوجي للعلوم الرياضية ، علم الفلك (6) ، والموسيقى(7) .

   وتحول البحث الفلسفي من الزاوية المنهجية (المثدولوجية) إلى البحث عن قوانين الفكر والإستدلال ، فكانت الحصيلة ظهور علم المنطق ، علماً أداتياً (أورغانون باللغة اليونانية والإصطلاح الأرسطي ومدرسته المشائية) أورغانوناً تتوسل به العلوم لتحقيق أهدافها . ومن الملاحظ في هذا البحث الفلسفي ، إمتزجت مبادئ المنطق (على الأقل مبدأ الذاتية وعدم التناقض والثالث المرفوع) بالميتافيزيقا عند فلاسفة المدرسة الإيلية (8) .

   وتحول الفكر الأبستمولوجي اليوناني صوب شواطئ علوم جديدة إستدعتها ظروف التحول في المجتمع اليوناني . كان من نتائجها إنتقال دائرة البحث الفلسفي إلى الإهتمام بالإنسان (الفاعل ، والمراقب والمنتج والمستثمر ومن ثم المؤرخ للعملية الأبستمولوجية) ، سلوكاً وأخلاقاً ، أعرافاً ولغة وفناً ، نظماً إجتماعية وسياسية ، مما كان له الفضل في نشوء أبستمولوجية عملية ، تتوج في بزوغ شمس ما يُعرف في تاريخ الفلسفة ، بالعلوم العملية (وستصطلح عليها دائرة الأبستمولوجيات الإسلامية بحد الصناعات / للتفاصيل أنظر المحاور اللاحقة) . ومثل هذا الإتجاه السفسطائيين (9) . إن كل هذا إستوعبه إفلاطون سلباً وإيجاباً في فلسفته ، وظهر صدى ذلك بصور ودرجات مختلفة في فكره الأبستمولوجي عامة ، وتشجيره الأبستمولوجي للعلوم خاصة* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تناولنا في كتابنا المعنون : الإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية ، الفكر الأبستمولوجي اليوناني بتفصيل موسع ، وعلى أساس مجمل المدارس الفلسفية اليونانية ، بطرفيها الهيليني والهيلينستي / سيظهر في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الخامس / العدد العاشر ربيع 2013 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

  تقدم إفلاطون (427 – 347 ق.م) في محاوراته بصيغ أبستمولوجية مختلفة للعلوم ، كما عرض تشجيرات أبستمولوجية متنوعة لها . فمثلاً في الكتاب السابع من محاورة الجمهورية تقدم بتشجير إبستمولوجي سُداسي للعلوم (10) . وفي محاورة فيليبوس رسم تشجيراً أبستمولوجياً أخر للعلوم (11) ، وإقترح في محاورة (رجل الدولة أو السياسي) صورة إبستمولوجية مختلفة تتوزع فيها العلوم (12) (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الوافد الأبستمولوجي وتجربة الإقلاع الفلسفي العربي / مجلة أوراق فلسفية جديدة أ العدد السابع صيف 2012) . 

  وتناول أرسطو (384 – 322 ق.م) الوضع الأبستمولوجي للعلوم أو الأبستمولوجيا العلمية في ثلاثة مؤلفات مهمة من مؤلفاته ، وهي كتاب مابعد الطبيعة (13) وكتاب الأخلاق (14) وكتاب الخطابة (15) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تجربة التأسيس الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع صيف 2012) . وهذه الكتب قد وصلت إلى دائرة الأبستمولوجيا الفلسفية الإسلامية بصور وترجمات متنوعة منها الأصيل ومنها المنتحل (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية (الأصل والمنحول) / موقع الفيلسوف / 3 أغسطس 2011) .

   وتصدرت الأبيقورية تاريخ الأبستمولوجيا الفلسفية والتشجير الأبستمولوجي للعلوم في المرحلة الهيلينستية . ومعروف إنها إرتبطت بأسم مؤسس المدرسة الأبيقورية أبيقور (341 – 270 ق.م) ، والذي كان ينظر إلى الفلسفة على إنها ” طب للنفس ” ، ويعلمُ إن هدف الأبستمولوجيا (المعرفة) ، ليس هو إكتساب المعرفة من أجل المعرفة ، وإنما هي التنظيم العملي للحياة . ولهذا إحتقر أبيقور العلوم التي لا تفضي إلى عمل ولا تُؤدي إلى منافع عملية (16) .

  وفي ضوء رؤيته الأبستمولوجية قسم أبيقور علوم الفلسفة إلى ثلاثة علوم :

أولاً – علم المنطق

     ويطلق عليه العلم القانوني (17) (وسيظهر صدى لهذه النظرة الأبيقورية في الكتابات المنطقية الإسلامية) . ورأى أبيقور إن العلم القانوني ، هو العلم الذي يهتم بالإدراك الحسي ، وهو في الوقت ذاته معيار للصدق في بنية النظرية . بينما يختلف المعيار جذريا في الجانب العلمي ، والذي يتمثل في الشعور بالسعادة أو الألم (18) . والحقيقة إن إشتغال أبيقور بالمنطق لا يعني إنه كان مهتماً بالمنطق العلمي ، وإنما كان همه الأساس ، هو نقد المعرفة (ألأبستمولوجيا) ، و النظر في علامات الحقيقة (19) .

  ثانياً – علم الطبيعة (أو الفيزياء)

    ويشمل علم النفس واللاهوت (20) . ويأتي إهتمام أبيقور بالطبيعة لسبب وحيد ، وهو إن قواها تبدد المخاوف من عقول البشر (21) . وإن العلم الطبيعي ليس له قيمة بحد ذاته ، وإما الإهتمام به جاء لأغراض علم الأخلاق (22) . ونحسب إن ضم علم النفس إلى العلم الطبيعي يعود إلى تبني أبيقور للمذهب الذري ، وخصوصاً ذرية ديمقريطس . فالنفس عند أبيقور تتألف من ذرات (وهذه متابعة واضحة للفيلسوف الذري ديمقريطس) (23) . أما ضم اللاهوت إلى العلم الطبيعي ، ففي إعتقاد أرمسترونك يعود إلى إن أبيقور ناقش وضع الألهة في الكون في ضوء الإطروحة الذرية الخاصة بالطبيعة (24) .

ثالثاً – علم الأخلاق

     شطب أبيقور من إهتمامه الأبستمولوجي ، كل العلوم التي لا تعمل لصالح الأخلاق أو تتصل بها . فكانت الأخلاق على هذا الأساس محور الفلسفة وغايتها . وإن العلم القانوني ، أي المنطق والعلم الطبيعي يعملان لخدمة الأخلاق (25) . ومثلما أعلن أبيقور في العلم الطبيعي إن الذرات هي أساس كل الموجودات ، فإنه بين في علم الأخلاق إن الفرد هو هدف كل الأفعال . وإن مشاعرنا هي معايير التقدير لما هو خير وشر . وحال أبيقور في هذا المضمار حال ديمقريطس ، كلاهما إهتما بالسعادة والألم العقليين . ولأهميتهما رجحهما أبيقور على السعادة والألم الماديين (الحسيين) (26) . ولهذا الفهم الأبيقوري تحول عمل العقل والعلم والحكمة للقيام بتدبير الوسائل وتوجيهها إلى الغايات المنشودة ، والتي هي بالطبع تتطلع إلى تحقيق الحياة اللذيذة السعيدة (27) .

   وفي ضوء هذه الرؤية الأبستمولوجية ، وقف أبيقور بوجه بعض العلوم ، فسد الطريق الأبستمولوجي من إمكانية قيامها ، فتحولت إلى علوم باطلة (محذوفة) في شجرته الأبستمولوجية للعلوم . فمثلاً قد ذهب مذهباً غريباً في تاريخ العلوم ، وهي إن العلوم الرياضية عديمة الجدوى (28) . وذلك لأنها حسب رأيه معرفة غير مرغوب فيها ، وليست لها علاقة بالحياة ، وإن مبادئها ليست لها أهمية (29) . وقائمة العلوم الباطلة عند أبيقور ، إضافة إلى الرياضيات ، ضمت التاريخ والموسيقى (30) .

  ومن العلوم الأخرى التي ضمتها الشجرة الأبستمولوجية للعلوم ، هي فلسفة اللغة (أي اللنكوستيك) . ولاحظ زيلر إن البحث الأبيقوري في فلسفة اللغة قد تحول إلى شواطئ لا علاقة لها بالفهم الديمقريطي (نسبة إلى ديمقريطس) ، والذي يصف اللغة بأنها عملاً إصطلاحياً . وفعلاً رأت الأبيقورية على خلاف ديمقريطس ، بأن اللغة ، هي شـئ طبيعي وضروري . وإنطلاقاً من هذا التوجه الأبيقوري درس الأبيقوريون إصول اللغة بالإعتماد على منهج مقارن يبحث ويعقد موازنة بين التعبيرات عن المشاعر عند الحيوانات (31) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تأملات في التجربة الأبستمولوجية الأبيقورية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع / صيف 2012) .

    كما أسهمت الرواقية من طرفها في البحث الأبستمولوجي في أساس العلوم . والرواقية مدرسة فلسفية هيلينستية حالها حال المدرسة الأبيقورية التي كانت نداً لها . ومؤسس الرواقية ، هو الفيلسوف زينون الأكتومي (ولد سنة 342 وتوفي حوالي 261 262 ق .م) (32) . والبداية بحث في مفهوم الفلسفة عند الرواقية ، ننطلق منه مقدمة في معالجة الشجرة الأبستمولوجية للعلوم (أي علوم الفلسفة) . ولهذا وجدنا إن الفلسفة بالمنظار الرواقي ، هي ليست وسيلة إلى الفضيلة وحسب ، بل هي السعادة ذاتها . وهذا الفهم الرواقي يُساعدنا على فهم الدوافع التي حملت الرواقية على تشبيه الفلسفة بالحيوان مرة ، والبستان مرة ثانية ، وبالبيضة مرة ثالثة . ولنقف هنا نستمع إلى أقوالهم الدالة على هذه القضية . منها قولهم ؛ إن الفلسفة حيوان : المنطق عظامه وأعصابه ، والأخلاق لحمه ، والفيزياء روحه . ومنها قولهم ؛ الفلسفة كالبستان ؛ المنطق سوره ، الفيزياء أشجاره ، وعلم الأخلاق ثماره . ومنها قولهم ؛ الفلسفة كالبيضة ؛ المنطق قشرها ، والفيزياء بياضها والأخلاق صفارها (33) .

  والفلسفة حسب الرؤية الرواقية ، هي محبة الحكمة ومزاولتها . والحكمة هي علم الأشياء الإلهية والإنسانية (34) . وهذا التعريف سيتردد صدها في نصوص الفلاسفة الإسلاميين . وتكونت الشجرة الأبستمولوجية للعلوم من ثلاثة علوم رئيسية (مثل الأبيقورية) ، وهي : المنطق (ويشمل نظرية المعرفة) (وهذا المزج الأبستمولوجي في داخل المنطق الرواقي / بين المنطق والأبستمولوجيا (نظرية المعرفة) سيكون له صدى عند المتكلمين المسلمين وخصوصاً الأشاعرة منهم ، وعلى وجه الخصوص عند الغزالي وإبن تيمية) ، والفيزياء (والتي تضم اللاهوت وعلم النفس) ، و الأخلاق (35) . ويحسبُ زيلر إن الرواقية إستمدت هذا التقسيم الثلاثي لعلوم الفلسفة ، من مدارس أخرى (كالأبيقورية) (36) ونحن نتفق مع زيلر . في حين يذهب ستيس إلى إن المنطق والفيزياء (الطبيعة) بالمنظور الرواقي ، يعملان في خدمة الأخلاق ، وذلك لأن الرواقية في جوهرها نظام أخلاقي يستخدم المنطق نظرية في المنهج ، ويعتمد على الفيزياء (الطبيعة) أساساً للنظام الأخلاقي (37) . صحيح كل ما قاله ستيس ، ولكن فاته من إن الأبيقورية هي الأخرى نظام أخلاقي ، وكلاهما (أي الأبيقورية والرواقية) نظامين إخلاقيين ، وهما إستجابة للظروف التي ولدتها المرحلة الهيلينستية ؛ فالرواقية دعت أتباعها للعيش وفقاً لقوانين الطبيعة . في حين شجعت الأبيقورية أتباعها إلى تحقيق الحياة اللذيذة السعيدة .

   ونحسب من المفيد مناقشة مكونات الشجرة الأبستمولوجية للعلوم عند الرواقية ، وذلك إدراكاً لحضورها القوي في التشجير الأبستمولوجي للعلوم عند الفلاسفة (وبعض الكلاميين) الإسلامين . ولهذا نشير إلى إن المنطق تفرع عندهم إلى الخطابة و الديالكتيك (الجدل عند الإسلاميين) (38) . وفعلاً فقد أدرك الرواقيون مثل كريسب ، إننا من خلال المنطق نُميزُ بين نوعين من الكلام (الخطاب) : الداخلي و الخارجي . والداخلي هو الديالكتيك الذي يشمل نظرية المعيار و التعريفات ، والتي غالباً ما يتم بحثها تحت خيمة علم مستقل . والخارجي هو الخطابة التي تشمل السياسة و النظرية الموسيقية و النحو (39) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تأملات في التجربة الأبستمولوجية الرواقية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / صيف 2012) . كما عمل الرواقيون في النحو مقدمات مهمة سعياً لدراسته دراسة علمية ، ومن ثم تحول عملهم هذا (فيما بعد) ليصبح الأساس لتعليم النحو في المدارس اليونانية (40) .

   وحال الرواقية حال الأبيقورية في نظرتها الأبستمولوجية للفيزياء (الطبيعة) ، فهي تشمل اللاهوت و علم النفس . وإن اللاهوت الرواقي هو لاهوت طبيعي (41) . وهذا ينطبق على نحو خاص على الفيلسوف الرواقي كريسب ، الذي يُرجح إنه المؤلف الرئيس للاهوت الطبيعي (فيزيكو ثيولوجي) (42) . ولعل أهمية الفيزياء والمنطق تأتي من إنهما أساس قيام الأخلاق . ومن زاوية رواقية فإن كل من الفيزياء والمنطق لا قيمة لهما بحد ذاتهما . وإن الحكمة هي الفضيلة الأولى . وهي جذر لكل الفضائل الأخرى . ومن هذه الفضيلة تفرعت الفضائل الأخرى (43) . فالشجاعة هي الحكمة فيما يجب إحتماله ، والعفة هي الحكمة في إختيار الأشياء ، و العدالة هي الحكمة في توزيع الحقوق (44) . والحقيقة إن هذه المناقشات الأبستمولوجية الرواقية سيكون لها مقابل في النصوص الأبستمولوجية الإسلامية .

  وناقش زيلر مسألة السُلم (الترتيب الهرمي) الأبستمولوجي للعلوم في التقسيم الذي تقدمت به الرواقية ، فوجد إن التقسيم الثلاثي لم يُدرس بالترتيب الذي وضعته ، وإنما لاحظ إن هناك أراء رواقية مختلفة حول القرابة بين هذه العلوم ، فبعض الأحيان يمنح الرواقيون مكانة عالية للفيزياء (الطبيعة) ، مجالاً أبستمولوجياً (معرفياً) للأشياء الإلهية ، وفي أحيان أخرى يتكلم الرواقيون عن علم الأخلاق علماً مهماً جداً للإنسان . فمثلاً إن زينون الأكتومي ، ومن ثم كريسب بدأ بالمنطق أولاً ، وبالفيزياء (الطبيعة) ثانياً ، وبعدها جاءت الأخلاق . أما الرواقي كلينثيس فقد أضاف الخطابة إلى المنطق ، والسياسة إلى الأخلاق (45) (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تأملات في التجربة الأبستمولوجية الرواقية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع / صيف 2012) . ومن الملاحظ على هذا الموديل الأبستمولوجي لترتيب العلوم عند الرواقية ، إنه كان موضوع إهتمام العقل الإسلامي ، الذي عالج الأبستمولوجيات العلمية ، كما سنجد لهذا الموديل الأبستمولوجي الرواقي للعلوم صدى في كثير من النصوص الأبستمولوجية الإسلامية التي إشتغلت على العلوم وتطلعت إلى ترتيبها في مشجرات أو سلالم أبستمولوجية .     

 ومسك الختام إشارة إلى رأي الأكاديمي فيرنر ولهلم ييجر الذي قوم عمل المدرستين الفلسفيتين الهيلينستين الرواقية والأبيقورية ، وبين النتائج الفاجعة التي وصلت إليها الفلسفة مع نهايتهما ، فحسب إن كل هذا حدث بسبب إن الرواقية والأبيقورية تحولا إلى ما يشبه العقائد ، وحصيلة كل ذلك إن إنهارت الفلسفة العلمية (46) .

  ولعبت المدارس الفلسفية والعلمية التي أسسها خلفاء الأسكندر المقدوني ، وبالتحديد بعد إحتلاله لشمال أفريقيا والشرق ومن ثم إنشائهم لمدن بعضها حمل أسم الإسكندر وبعضها كانت عواصم ثقافية لممالك أسسها خلفائه في العراق والشام ، دوراً حيوياً في إنتاج نمط من التفكير الفلسفي والعلمي ، والذي لاقى قبولاً في دائرة التفكير الفلسفي والعلمي الإسلاميين . ومن هذه المدارس مدرسة الإسكندرية ، وبالطبع هناك  مدارس في العراق حملت إسم الأسكندرية ، ومع الأسف إنطمرت ولم يجري الحديث عنها وظلت أسماء تذكر في كتب التاريخ السلوقي العام  . وعلى هذا الأساس نحسب إن الحديث عن مدرسة الإسكندرية لوحدها (كما تقدم حكايتها كتب تاريخ الفلسفة باللغة العربية وكذلك في معظم كتب تاريخ الفلسفة في المكتبات الغربية) حديث خال من المصداقية ومخالف للواقع التاريخي في العصرين الهيليني والهيلينستي عامة ، وتاريخ العراق وبلاد الشام الكبرى في العصر السلوقي (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ التجارب الفلسفية الأبستمولوجية في الم يوناني هيلينستي متنوع / مجلة أوراق فلسفيةجديدة / العدد السابع / صيف 2012) .

   كما إن هناك مدارس حملت إسم خليفة الإسكندر ومؤسس الدولة السلوقية في العراق والشام (الجنرال سلوقس) ، فكانت مدارس سلوقيا التي إحتضنت المدرسة الفلسفية البابلية في سلوقيا والتي تخرج منها رئيس المدرسة الرواقية في أثينا الفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي (230 – 150 ق.م) وهو الرئيس الخامس للمدرسة الرواقية ، والمدرسة الفلسفية في طرسوس ,التي تخرج منها الفيلسوف الرواقي زينون الطرسوس (إزدهر سنة 200 ق.م) وهو الرئيس الرابع للمدرسة الرواقية (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ التجارب الفلسفية الأبستمولوجية في عالم يوناني هيلينستي متنوع / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع / صيف 2012) ، ومدرسة بيركمون (عاصمة مملكة بيركمون والتي أسسها أحد جنرالات الإسكندر) والتي تخرج منها الفيلسوف الرواقي كريتس ماليوس (إزدهر سنة 175 ق.م) والذي كان رئيس المكتبيين في بيركمون ، كما وتخرج منها الفيلسوف الطبيب جالينوس (129 – 200 أو 216 م) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد التجربة الأبستمولوجية الإسكندرانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / صيف 2012) . وأفاميا السورية والتي تقع على الضفة الغربية من نهر العاصي ، وهي من مدن الثروات للملوك السلوقيين . وهي علصمة أفاميا . ومن مشاهيرها الطبيب اليوناني أركيجنس (عاش ما بين القرن الأول والثاني) (أنظر : جيري ستانرد ؛ أركيجنس / معجم السير العلمية ، نشرة دار شارلز سكرينر وأولاده 1970 ، ص ص 212 – 213) . والفيلسوف اليوناني بوسيدنيوس الأفامي (135 – 51ق.م) وهو فيلسوف رواقي ، وهو تلميذ الرواقي بينتيوس (185 – 110 ق.م) والذي كان تلميذ الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي (أنظر : جورج سارتون ؛ وحدة وتنوع العالم المتوسطي / أوسريس / 2 / ص ص 406 وما بعد) . وهي مدينة الرائد الروحي للإفلاطونية المحدثة نومنيوس الأفامي (إزدهر في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي) (أنظر : مايكل فاجنر ؛ مدخل إلى كتابات نومنيوس / منشور في كتاب : الكتابات الإفلاطونية المحدثة لنومنيوس / ترجمة كينيث كوثري / نشرة دار كتب سلين 1987) .

   ومنها مدرسة صور التي تخرج منها الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول والمعلن عن الإفلاطونية المحدثة فرفريوس الصوري (233 – 306 م) (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري : الإفلاطونية المحدثة العلمانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة م العدد الثامن / خريف 2012) . و مدرسة حمص التي تخرج منها الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الملك الأشوري إمبيلكوس (245 – 325 م وهو من أل شميس غرام) وهو مؤسس مدرسة الإفلاطونية المحدثة السورية (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إمبيلكوس : رئيس الإفلاطونية المحدثة السورية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012) .

   كما عاصرت الإسكندرية مدارس فلسفية وعلمية لا تقل شهرة منها ، والتي  إحتضنت الفلسفة اليونانية وفلاسفتها ، فكانت منارات إشعاع فلسفي وعلمي ، نذكر منها مدرسة إنطاكية (التي أسسها في نهايات القرن الرابع قبل الميلاد سلوقس الأول / نيكتور (واحد من جنرالات الإسكندر ، ومن ثم أصبحت عاصمة الإمبراطورية السلوقية الغربية تحت ظل إنطوكيوس الأول ، والتي إحتلها العرب عام 633 (أنظر للتفاصيل : أدورد جيبون ؛ سقوط الإمبراطورية الرومانية ، نشر دار ستراهن وكاديل ، لندن ، الفصل الرابع والعشرين ، ص 800) ، فأصبحت من نقاط الإشعاع الحضاري بين الحضارتين اليونانية والعربية ، وكانت ملجأ للفلاسفة بعد غلق الأمبراطور جوستنيان للمدارس الفلسفية عام 529 م .

  ومنها مدرسة الرها (وهي مدينة أشورية قديمة تقع في أعالي بلاد ما بين النهرين ، أعاد تأسيسها سلوقس الأول / نيكتور (بحدود عام 304 ق.م) ، ومن ثم أسس فيها العرب مملكة الرها التي إمتدت أربعة قرون (من عام 132 قبل الميلاد وحتى عام 214 ميلادية) ومن ثم أصبحت تحت الحكم الروماني) (أنظر: أ . هارك ؛ الإسم القديم لمدينة الرها / مجلة دراسات شرقية / المجلد 51 / العدد 3 / لعام 1992 ، ص ص 209 – 214) ، ومدرسة نصيبين (أسسها عام 350 م مار يعقوب / تقليداً لنموذج مدرس طرسوس في إنطاكيا . وفي عام 489 غلق الأمبراطور الروماني زينون (425 – 491 م) المركز اللاهوتي والعلمي في الرها ، فتحولت إلى مدرسة نصيبين (والتي تتألف من ثلاثة أقسام ، وهي اللاهوت ، الفلسفة والطب) وكان يديرها أساتذة من مدرسة الرها . وفي عام 363 سقطت بيد الفرس الذين كانوا يحتلون بلاد مابين النهرين (العراق الحالي) فعاد القديس إفرام وبصحبته المعلمين إلى مدرسة الرها) (أنظر للتفصيل : جون فوستر : كنيسة يلالة تانج / نشرة جمعية المعرفة المسيحية ، بريطانيا 1939 / ووفقاً لجون فوستر ، فإن المدرسة غُلقت مرتين ؛ عام 431 ، وعام 489 ، ص 31) .

  وأخيراً مدرسة جنديسابور (وهي من أهم المراكز الطبية في القرنيين السادس والسابع الميلادين في العالم القديم . وهي مركز فكري مهم في الدولة الساسانية ، وكان يُقدم التدريب والمهارات في الطب ، والفلسفة ، واللاهوت والعلم . وبُعيد عام 529 م حدث تحول ي تاريخ مدرسة جنديسابور ، خصوصاً بعد غلق الإمبراطور جوستنيان(482 – 565) للمدارس الفلسفية في عموم الإمبراطورية . ففر الفلاسفة والعلماء اليونانيون الوثنيون إلى مدرسة جنديسابور ، يحملون معهم أبحاثهم في الطب والفلك والرياضيات (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ التجارب الفلسفية الأبستمولوجية في عالم يوناني هيلينستي متنوع / مصدر سابق) . وفي ظل أجواء الإضطهاد في الإمبراطورية البيزنطية ، أعلن الإمبراطور الفارسي كسرى الأول قراره الشهير بتوفير الحماية والمكان الآمن للفلاسفة اليونانيين والمسيحين الذين يتكلمون السريانية ، والنساطرة المسحيين . فكانت أجواء ترحيب بهم ، فبدأوا العمل الفلسفي والعلمي في أكاديمية جنديسابور . ونحسب من المفيد الإشارة إلى إنه بعد قرار جوستنيان في عام 529 بغلق المدارس الفلسفية ، فر الفيلسوف الإفلاطوني المحدث (ورئيس مدرسة أثينا الفلسفية) دمسقس (458 – 538 م) وست من زملائه ، يبحثون عن ملاذ آمن لهم ، وتذكر المصادر بأنهم نجحوا في العام 532 من الحصول على ملجأ لهم في بلاط الشاه الفارسي كسرى الأول أنوشيروان (531 – 579 م) ويدعى الملك الفيلسوف (أنظر : ريتشارد فراي ؛ تراث بلاد فارس ، نشرة شركة الناشرين العالميين 1963 ، ص 215) .

  ووجد دمسقس وزملائه ، إن الظروف في بلاد فارس قاسية ولاتحتمل . وكان من حسن حظ الفلاسفة ، إن توصل الإمبراطور جوستنيان وكسرى إيران إلى معاهدة سلام ، ومن ضمن ماتضمنته ، هو السماح بعودة الفلاسفة (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بحث في أنماط من الإفلاطونيات المحدثة المتنوعة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / صيف 2012) . ويُعتقد بأن دمسقس فضل العودة إلى الإسكندرية ، وكرس نفسه لكتابة أعماله (أنظر : رايل جيوفاني ؛ تاريخ الفلسفة القديمة : مدارس العصر الإمبراطوري ، نشرة سوني ، نيويورك 1989 ، ص 546) . وفي عام 832 فتح الخليفة المأمون بيت الحكمة مركزاً بديلاً عن مدرسة جنديسابور ، والذي ضم في كيانه العلمي ، أساتذة هم من خريجي مدرسة جنديسابور (أنظر : لي سترينج كي ؛ أراضي الخلافة الشرقية : بلاد ما بين النهرين ، فارس وأسيا الوسطى / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1905 ، ص 238) .  

  وفي هذا التصوير الشامل لأغلب المدارس الفلسفية في العصر الهيلينستي ، وبالتحديد بعد وفاة الإسكندر المقدوني ، يصبح الحديث عن مدرسة الإسكندرية وكأنها المركز الفلسفي والعلمي الوحيد فيه الكثير من التشويه ومخالفة وقائع تاريخ الفلسفة والعلم للمنطقة التي ستحتضن تجربة فلسفية وعلمية منذ بدايات الثلث الأول من القرن السابع الميلادي ، وبالتحديد بعد ضم مدرسة إنطاكيا الفلسفية والعلمية إلى الحكم العربي عام 633 ميلادية . وعودة مدرسة الرها إلى الحضرة العربية بعد إن أقام فيها العرب مملكتهم التي غطت أربعة قرون إمتدت من عام 132 قبل الميلاد وحتى عام 214 والتي أصبحت فيه محافظة رومانية . ومن هنا أدعو أقسام الفلسفة في العراق وسوريا ولبنان والأردن والجامعات الفلسطينية ، بتوجيه أنظار طلبتها في الدراسات العليا لدراسة واقع الفلسفة خلال العصر السلوقي والمالك الأخرى التي أقامها خلفاء الإسكندر على الأراضي العراقية والسورية واللبنانية والأردنية والفلسطينية .

  ولكن للإنصاف نقول بأن حضن مدرسة الإسكندرية المصرية كان واسعاً ، فقد إحتضن فلاسفة وعلماء جاءوا من بيركمون ، وسلوقيا ، وأفاميا ، وحمص ، وصور ، وعملوا في الإسكندرية وتوصلوا إلى الكثير من نظرياتهم الفلسفية والعلمية والشواهد كثيرة منها الفيلسوف الطبيب جالينوس ، والأب الروحي للإفلاطونية المحدثة إفلوطين ، وتلميذه فريوس الصوري ، وإمبيلكوس ، ودمسقس والقائمة طويلة … إذن في ضوء هذا الواقع التاريخي لمساهمات مدارس فلسفية نشطت في مدن أخرى عاصرت الإسكندرية في العصر السلوقي في العراق والشام الكبرى يصبح الحديث عن مدرسة الإسكندرية مقبولاً ومشروعاً .

  لقد أنجزت مدرسة الإسكندرية* عملاً فاعلاً في تاريخ حركة العلم والفكر الفلسفي ، وتجسد ذلك من خلال بروز إتجاهات علمية مختلفة سيكون لها الأثر في ظهور صور وتشجيرات أبستمولوجية للعلوم . ويرى ييجر إن هذه الأهمية لمدرسة الإسكندرية يعود إلى إنها كانت على إتصال مستمر بالعالم اليوناني . وحدد ييجر بدايات هذا الإتصال إلى الفترة المشائية من حياة أرسطو . والحقيقة إن هذا الإتصال مكن مدرسة الإسكندرية من تطوير العلوم الوضعية . ويعتقد ييجر إن العلم الأسكندراني في حقيقته هو إستمرار للفترة المتأخرة من حياة أرسطو . وهنا تحقق التفريق بين العلم والفلسفة بصورة واضحة . وإن معظم الإكتشافات المهمة للعلم القديم تُعزى لهذا التفريق ، والذي كان مطلوباً وضرورياً لتحرير البحث (47) .

   وهكذا تمكنت الإسكندرية من إنتزاع مركز الفلسفة من أثينا بجدارة (وبالطبع معها مدارس المدن في عراق والشام الكبرى السلوقيين) . فأخذ العلماء يتقاطرون عليها ، ومن ثم إستمر العمل في العلوم والصناعات على حد تعبير أوليري (48) . ومن المفيد الإشارة هنا إلى أهم الأتجاهات العلمية التي نشطت في الإسكندرية . فمثلاً إن الرياضيات أرتبطت إرتباطاً قوياً بالدراسات التي كانت جارية في متحف الإسكندرية ، والتي هي بالرؤية الأكاديمية الحديثة ، مؤسسة علمية متخصصة في الأبحاث العلمية العالية عامة ، والرياضية خاصة . وفعلاً فقد تطورت الرياضيات في البداية على يد إقليدس  (إزدهر عام 300 ق.م) والذي صاغ البراهين الهندسية على صورة الضروب القياسية لأرسطو (49) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد التجربة الأبستمولوجية العلمية الأسكندرانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / صيف 2012) . بحيث يمكن القول إن كتاب إقليدس الأصول في الهندسة ، هو أول محاولة هندسية أسست الرياضيات على أسس منطقية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي على هندسة إقليدس / مجلة أداب الرافدين (تصدرها كلية الأداب – جامعة الموصل) / العدد 11 / سنة 1979 ، ص ص 117 – 150) ، وبمعنى أخر إنها أول محاولة في أبستمولوجيا الرياضيات *.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وأحسب هذه مناسبة جيدة للتعبير عن أرائي في تاريخ الأبستمولوجيا والفلسفة الأبستمولوجية ، والتي إمتدت لأكثر من أربعين عاماً . وبالمناسبة سبق إن تداولت في كتاباتي في السنوات الثلاثة الأخيرة ، إصطلاحاً جديداً في الأبستمولوجيا ، وهو الأبستمولوجيا الرياضية أو أبستمولوجيا الرياضيات . وقد عرفت من مضمون بعض رسائل القراء والزملاء في مضمار الأبستمولوجيا سؤال فيه حذر وحياء عن إمكانية قيام مثل هذه الأبستمولوجيا الرياضية ؟ واليوم أزيل هذا الحذر ، وأرفع الحياء ، وبكل عزم رجال الأبستمولوجيا أقول : صحيح جداً جداً إن الرياضيات من العلوم العقلية (وهي علماً ذو طوابق من التجريد) . ويعرض درجات من اليقين العالي . وهو موديل معروض أمام العلوم للأقتداء به للوصول إلى درجات اليقين . وهو علم إستدلالي عالي يُمكنُ العلوم الأخرى إذا تمثلته من الأنتقال من قضايا صادقة إلى قضايا صادقة أخرى دون الحاجة للعودة إلى عالم الطبيعة وعالم الظواهر . والعلم الرياضي هو لغة رمزية عالية الدقة في صياغة المفاهيم والبناء القضوي للعلوم . وإن إستنتاجية العلم الرياضي مثال لم يُقدم لنا تاريخ الأبستمولوجيا والعلوم بديلاً عنه (إذا ما وضعنا المنطق خارج المناقشة الأبستمولوجية) . ولكن مذهبنا الأبستمولوجي (يستعير نشيد برتراند رسل) الذي يردد ليل نهار وبثقة عالية : إن المنطق هو طفولة الرياضيات ، وإن الرياضيات هي شباب المنطق . هذا طرف من المناقشة حول أبستمولوجيا الرياضيات . والطرف الثاني من المناقشة إن تاريخ الأبستمولوجيا أصبح يضيق بالتصنيف الثلاثي  الشائع في تاريخ الأبستمولوجيا ؛ أبستمولوجيا عقلية ، أبستمولوجيا تجريبية ، وأبستمولوجيا نقدية . وحتى الأبستمولوجيا المعاصرة وإن كانت علمية في إطارها العام ، فقد سجنت نفسها في داخل أسوار فيها عقلية جديدة ، وتجريبية جديدة ، ونقدية جديدة ، ومزج بين نوع من الإستدلالية ، هي إستدلالية نظرية خالصة ، وإستدلالية تجريبيىة بدلاً من الإستقرائية التي دخلت ذمة تاريخ الأبستمولوجيا . نقول إن هذا الواقع الأبستمولوجي يحملنا على الخروج من أسوار هذا التقليد الأبستمولوجي ، وصياغة أبستمولوجيات متخصصة لكل علم من العلوم هذا طرف . والخروج من قمقم العلمية التي تقتصر عليه بعض العلوم المتداولة ، وتوسيع دائرته بحيث ينفتح على كل العلوم الإنسانية (وبالمناسبة إن الفلسفة الفمنستية وفلاسفتها قد هاجموا العلوم وموضوعيتها ووجدوا إنها موضوعية قررها الرجال من العلماء … وفي مجادلتهم على سبيل المثال لطرف من نظرية النشوء والتطور الدارونية  ، وجدن بأن الرجل دارون إنحاز إلى الرجل فقال إن الرجل هو أول من نزل من الشجرة فحرم المرأة أوهمشها ، وبالمقابل قال فلاسفة الفمنستية إن المرأة أول كائن بشري نزل من الشجرة…) ، سعياً إلى صياغة إطار أبستمولوجي لكل العلوم الأنسانية . فمثلاُ نتحدث عن أبستمولوجيا العلوم البايولوجية ، واليوم وبكل تأكيد يمكن أن نتحدث عن أبستمولوجيا علم التاريخ والإجتماع والسياسة …(قبل أكثر من ربع قرن قمت بمساهمة متفردة في مضمار التاريخ ، فكتبت أبستمولوجيا له ، وبعنوان : القدر والإنسان : بحث إبستمولوجي في تواريخ اليعقوبي وإبن الأثير / نشرة دار الطليعة ، بيروت – لبنان شباط 1986) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ         

   كما نشطت علوم الميكانيكا ودراسة المنحنيات الهندسية على يد أرخميدس (50) . وهذا الخطاب العلمي الأرخميدسي ، يمكننا من الحديث عن أبستمولوجيا الميكانيكا ، وهي بالطيع أبستمولوجيا يعمل فيها العقل واليد ، أو قل النظرية والتجربة في آن واحد وعلى حد سواء ، وهي أبستمولوجيا مستثمرة للموديل الهندسي وطوابقه الأبستمولوجية العالية الدقة واليقين .

  والحقيقة إن محاولتنا هنا تسعى إلى قراءة أطراف من رواية التجربة الأبستمولوجية العلمية الإسكندرانية من زاوية مصادر التجربة الأبستمولوجية العربية (أو الإسلامية) ، بعد إن عرضنا في القسمين الأولين من ثلاثيتنا الأبستمولوجية من زاوية مصادرها الغربية (للتفاصيل أنظر : 1 – محمد جلوب الفرحان ؛ في الأبستمولوجيا والأبستمولوجيا الفلسفية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع / صيف 2012 / المحور المعنون رصيد التجربة الأبستمولوجية الأسكندرانية . 2 – محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012) .

  ومن ثم عرض بطليموس العلم في الصورة التي وصلت إليه . فقد إشتهر بكتاب المجسطي ، الذي يُعد ” أول كتاب دون كل فروع علم الفلك القديم ، ونقل إلى العربية ، وكان المرجع الأكبر في هذا العلم ” (51) . وهنا يجوز لنا الحديث عن أبستمولوجيا علمية جديدة ، ويمكن أن نطلق عليها إصطلاح الأبستمولوجيا الفلكية . كما وتقدم الطب على يد جالينوس (52) ، حتى جاء وصف إنجازه بلسان عربي ، يقول : إن ” الفلسفة والطب إجتمعا وإتحدا عند جالينوس ” (53) . وفي الأمكان الحديث في هذا المقام عن نوع جديد من الأبستمولوجيا ، هي الأبستمولوجيا الطبية . ويصح الحديث عن أبستمولوجيا جغرافية عند مراجعة التقدم الناجز في علم الجغرافية وذلك من خلال الرحلات الجغرافية وإستكشاف عوالم جديدة (54) . وفي طرف من رواية العلم الإسكندراني ، يمكن الحديث عن أبستمولوجيا كيميائية . مع الإنتباه إلى حقيقة مهمة كانت سائدة في أوساط العلماء والفلاسفة في الإسكندرية ، وهي إنتشار السحر والتنجيم والكيمياء (55) (قارن ذلك عند : محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد التجربة الأبستمولوجية العلمية الإسكندرانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع / صيف 2012 ، المحور المعنون الوافد الأبستمولوجي الكيميائي) .

    كان ذلك الإتجاه الأول للمدرسة الإسكندرية ، أما الإتجاه الثاني فتمثل في الشكل الإسكندراني للعلاقة بين الفلسفة والدين . والحقيقة هو نمط من التفكير تميزت به المرحلة الإسكندرانية ، وفي إمكاننا أن نصفه بنسيج فكري إختلطت في لُحمته الفلسفة والدين والعلم ، وهذا النمط من التفكير هو الذي مهد الطريق أمام شكل فلسفي طبع تاريخ الفلسفة اليونانية في مرحلته الهيلينستية عامة ، وأوساط البحث الإسكندراني خاصة ، هو الإفلاطونية الجديدة (56) (وللتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012) .

  يذهب محمد علي أبو ريان إلى إن الإفلاطونية الجديدة ، هي فلسفة الإسكندرية ، وإن إسمها يدل على قيام عاملين أساسيين فيها : عامل فلسفي إفلاطوني وعامل أخر غير فلسفي (شرقي) (57) . هذا الكلام عام وغير دقيق ، فالفلسفة الإفلاطونية الجديدة (ونحن نفضل المحدثة) هي ليست فلسفة الإسكندرية وحدها ، وإنما هي فلسفة العصر الهيلينستي برمته . صحيح إن الرائد الروحي للإفلاطونية المحدثة أمونيوس ساكس كان إسكندرانياً . وإن المؤسس الروحي الحقيقي إفلوطين كان مصرياً يونانياً . ولكن صحيح جداً إن الرائد الروحي للإفلاطونية المحدثة ، هو الفيثاغوري الجديد نومنيوس الأفامي السوري . ولذلك فإن الحديث عن العامل الإفلاطوني فيه تبسيط فلسفي شديد لتكوين الإفلاطونية المحدثة . فمثلاً إثنين من كبار الإفلاطونيين المحدثين فرفريوس الصوري كتب موسوعة عن حياة فيثاغوراس (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني / ربيع 2011) ، و الملك إمبيلكوس الأشوري ، كتب موسوعة بعنوان حياة فيثاغوراس (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف أمبيلكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني / ربيع 2011) .

  وإن الحديث عن العامل الفلسفي الإفلاطوني ، فيه تشويه لمكونات المشروع الإفلاطوني المحدث المنفتح على جميع الإتجاهات الفلسفية . ونحن هنا نؤكد على خلاف الدكتور أبو ريان على العامل الفلسفي الأرسطي المشائي . فقد وضع الفيلسوف المشائي إسبيوس (100 – 150 م) برواية الفيلسوف بوثيوس (بواكير القرن السادس الميلادي) شروحاً على معظم كتب أرسطو ، مثل العبارة (المنطق) ، والطبيعيات ، والميتافيزيقا ، والمقولات (المنطق) ، والأخلاق النيقوماخية وقد تم نشرها في مجموعة كتب أرسطو . كما وأشار فرفريوس الصوري إلى إنه وضع شروحاً على محاورات إفلاطون . وإن شروحه على أرسطو كانت تقرأ في مدرسة إفلوطين (الإفلاطونية المحدثة بإصطلاحات المحدثين) (أنظر : إنطونين ألبرتا وروبرت شاربلس ؛ إسبيوس ؛ شرح مبكر على أخلاق أرسطو ، نشرة دي كروتير 1999) .

   ومن المعروف كذلك إنه لحظة صياغة الإفلاطونية المحدثة ، كانت تموج المدارس الفلسفية في عموم العالم الهيلينستي ، والعديد من هذه المدارس الفلسفية ، قد تفاعل معها فلاسفة الأفلاطونية المحدثة . ومن هذه المدارس التي كانت سائدة لحظة الإعلان عن الإفلاطونية المحدثة ، وظلت معاصرة لها وفاعلة :

 أولاً – حضور المدرسة الفيثاغورية (وخصوصاً فيثاغوراس) وفلاسفة الفيثاغورية الجديدة ، حضور السفسطائية وفلاسفة المدرسة السفسطائية الثانية ، حضور المدرسة الميغارية وفلاسفتها خلال الأبيقورية والرواقية ، حضور القورينائية وفلاسفتها من خلال الأبيقورية ، حضور الفلسفة الكلبية في أجواء تكوين الإفلاطونية المحدثة ، حضور المشائية وفلاسفتها لحظة تشكل المشروع الإفلاطوني المحدث ، حضور الأكاديمية وفلاسفتها في مناخات صياغة الإفلاطونية المحدثة (أنظر :  محمد جلوب الفرحان ؛ الخلفيات الفلسفية للتجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012) .

 ثانياً – حضور المدرسة الفلسفية الأبيرونية وفلاسفتها لحظة تشكل المشروع الإفلاطوني المحدث ، حضور المدرسة الفلسفية الأبيقورية وفلاسفتها في بيئة الإفلاطونية المحدثة ، حضور المدرسة الفلسفية الرواقية لحظة إقلاع الإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ واقع الفلسفة عشية الإعلان عن ولادة الإفلاطونية المحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012) .

  هذه هي الإتجاهات الفلسفية اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي ، والتي كانت سائدة في البيئات الثقافية سواء في أثينا أو روما ، وفي سلوقيات العراق والشام ،  وطرسوس وإنطاكيا .. ومن ثم إسكندرية البطالسة وقورينا وقرطاج .. عشية إنبثاق الحركة الفلسفية التي أطلق عليها الغربيون المحدثون إصطلاح الإفلاطونية المحدثة ، والتي كان لها رواد روحيون أوائل همما نومنيوس الأفامي ، وأمونيوس ساكس الإسكندراني ، كما وكان المؤسس الحقيقي إفلوطين . إلا إن هؤلاء الثلاثة لم يتركوا شيئاً مكتوباً . ولكن إفلوطين ترك بعض المخططات المختصرة للمحاضرات التي كان يُلقيها على طلبته ومنهم حواريه فرفريوس ، ومات ولم ينشر شيئاً . وكان فرفريوس في صقلية يتلقى العلاج هناك ، وعندما سمع بالخبر ، شد الرحال وعاد على عجل فجمع تلك الملاحطات ونظمها ، وكتب لها مدخلاً شرح فيها فلسفة أستاذه  إفلوطين (ويبدو فرفريوس تدخل كثيراً في الشروح والتنظيم ، إذ من المعروف إن إفلوطين كان غير مكترث بهذه المسألة ، وكان في حياته يعتمد على فرفريوس في النظر فيها)  ، ومن ثم كتب سيرته الذاتية ، ونشر المحاضرات بعنوان تساعيات إفلوطين ونشر معها في وقت واحد سيرة إفلوطين . وكان تاريخ النشر عام 270 م ، وهكذا كان عام 270م هو لحظة الإعلان الأولى عن ولادة تيار فلسفية جديد هو الإفلاطونية المحدثة على يد تلميذ إفلوطين فرفريوس الصوري  . والذي كان هو فيلسوف الإفلاطونية المحدثة الأول (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة /العدد الثاني / ربيع 2011) .   

   كما إن الإفلاطونية المحدثة هي أنماط متنوعة ، فبعد نشر الإنجيل الإفلاطوني المحدث التساعيات ، برزت أنواع من الإفلاطونيات المحدثة ، مثل : الإفلاطونية المحدثة العلمانية (فرفريوس الصوري) ، الإفلاطونية المحدثة الطقوسية – الثيورجيا (إمبيلكوس السوري) ، الشهيدة هبيشا الإسكندرانية وتصادم الإفلاطونية المحدثة مع العقيدي الوافد (رئيسة الأفلاطونية المحدثة في الإسكندرية) ، هيركلس الإسكندراني والإفلاطونية المحدثة المعارضة للثيورجيا (الطقوسية) ، بروقلس والمشروع الإفلاطوني المحدث الكوني للدين (الوحي الأورفي – الكلداني) ، محنة دمسقس الرئيس الأخير للإفلاطوني المحدثة (رئيس مدرسة أثينا) وليست الإسكندرية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بحث في أنماط من الإفلاطونيات المحدثة المتنوعة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012) .

  وعلى أساس رأي الدكتور أبو ريان ، عرضت الإفلاطونية المحدثة صورة للتعايش بين الفلسفة والدين من جانب ، وعلوم العقل وعلوم السحر والتنجيم والعرافة من جانب أخر (58) . وهذا الوصف الذي تقدم به الدكتور أبو ريان ، هو الأخر غير دقيق إذا نظرنا إلى الإفلاطونية المحدثة بصورة شاملة ، ولكنه بحدود جزئية ، وخصوصاً مع إفلاطونية الفيلسوف السوري إمبليكوس ومدرسته السورية . ولكن هذا الأمر لا يشمل الفيلسوف الإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري ، صاحب الإتجاه العلماني للإفلاطونية المحدثة ، والذي ندد بتوجهات تلميذه إمبيلكوس السوري نحو الثيورجيا (الطقوسية الدينية)  كما إنه لا يشمل الفيلسوفة الشهيدة هبيشا رئيسة الإفلاطونية المحدثة في الإسكندرية ، والفيلسوف الإفلاطوني المحدث هيركلس الإسكندراني المعارض للثيورجيا . وربما يشمل كلام أبو ريان الفيلسوف الإفلاطوني المحدث برقلس ومشروعه الكوني للدين (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق) .

  إن المهم من ذلك ، هو معرفة ما قدمته الإفلاطونية المحدثة في موضوع التشجير الأبستمولوجي للعلوم والمعارف وترتيبها ، أو على الأقل تلمس الأثر الذي تركته على إتجاهات الفكر الفلسفي العربي – الإسلامي ، وبالتحديد في الأسس الأبستمولوجية لشجرة العلوم والمعارف . فقد قام الرائد الروحي للإفلاطونية المحدثة أمونيوس ساكس (175 – 250م) في ” التوفيق بين إفلاطون وأرسطو في أهم النقط وأكثرها ضرورة وهي : الله والعالم والنفس ” (59) . وفعلاً فقد إنتقلت أفكار أمونيوس ساكس إلى دائرة تفكير المسلمين ، عن طريق تساعيات إفلوطين ، وخصوصاً التساعيات الثلاثة التي ترجمت إلى العربية ، وتحت عنوان مُشكل ، وهو أثولوجيا أرسطو (أنظر للتفاصيل : محمد جلوب الفرحان ؛ أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية (الأصل والمنحول) / مصدر سابق) .

  بعد ذلك جاء إفلوطين (205 – 270م) ، والذي إرتبطت بإسمه المدرسة (للتفاصيل عن مدرسة الإفلاطونية المحدثة : التأسيس والإعلان ، أنظر : محد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري : الإفلاطونية المحدثة العلمانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012) . فقد ميز إفلوطين بين علوم (الأشياء الأرضية) وعلوم (الأوائل النقية) . وشكك في العلوم الأولى ، وذلك لأنها تتخذ طريق علم المنطق ، ولذلك ” ظننا إن العلوم إنما هي آراء قد إستخرجت من قضايا ، وإنه لا يمكن إن يكون علم ما إلا لوضع القضايا وإستنباط النتائج منها ” . ورجح العلوم الثانية لأنها تصل إلى الحق ” بلا خطأ ولا كذب البتة لأنها بلا توسط ” (60) .

  وعرض أرمسترونك وصفاً لكتاب التساعيات للفيلسوف إفلوطين ، فهي تتألف من ” ستة كتب : كل كتاب يُعرف بالتساعية ، وهي : الأولى عالجت موضوع الإخلاق . والثانية والثالثة درست فلسفة الطبيعة والعالم المادي . والرابعة تناولت النفس . والخامسة بحثت في العقل الإلهي . والسادسة ركزت موضوعتها في المبدأ الأول – الواحد ” (61) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد التجربة الفلسفية الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة / المحور المعنون إفلوطين وكتابه التساعيات : إنجيل الإفلاطونية المحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة م خريف 2012) .

  وإذا نظرنا إلى الموضوعات التي ناقشتها تساعيات إفلوطين ، فإننا نجدها في ضمن مجالات أبستمولوجية وعلمية متنوعة ، وهي بحق ، كما ذكر يوسف كرم : من إنها ” كشكول العصر القديم بما فيه من فلسفات وديانات وسحر وتنجيم وعرافة وعلم طبيعي ” (62) . وإن هذا الكشكول سيكون موديلاً (مثالاً للإحتذاء) لمحاولات إسلامية لاحقة .   ومن المعروف إن بعض المترجمين السريان قد نقل إلى السريانية قطعاً من التساعيات الثلاث الأخيرة (أي التساعيات الرابعة والخامسة والسادسة) . وجعل عنوانها أثولوجيا أرسطوطاليس ، فنقلت إلى العربية مع الكتب الفلسفية في العصر العباسي (63) فخلق عنوان هذا الكتاب المنتحل إشكالاً للفلسفة في المشرق الإسلامي ، وإعتقد الفلاسفة المسلمون في المشرق الإسلامي بنسبة الكتاب إلى أرسطو ، وبنوا  على أساسه مشاريعهم الفلسفية (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية (الأصل والمنحول) / مصدر سابق) .

  وسار فرفريوس الصوري (ولد نحو 232 / 233 – 305 ويرى البعض 309 تقريباً) بطريق التوفيق بين الفلسفتين الإفلاطونية والأرسطية ، وكتب العديد من الشروح على أعمال إفلاطون وأرسطو وثيوفراستس (خليفة أرسطو على مدرسته المشائية) . أما كتابه ” المدخل إلى مقولات أرسطو ” فقد حقق شهرة كبيرة . وأُطلق عليه أسماً أخر ، وهو المقولات الخمسة . وفعلاً فقد عالج فيه خمسة مفاهيم (أو مقولات) ، وهي : الجنس ، والنوع ، والفصل ، والخاصة والعرض (64) (للتفاصيل أُنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي : دراسة في جهود إبن حزم الأندلسي / نشرة مطابع جامعة الموصل 1987 / الفصل الثالث والمعنون إبن حزم وكتاب الإيساغوجي ، ص ص 39 – 60) . وعُرف هذا الكتاب عند العرب بالإيساغوجي وقد أثر في الغرب كما ترك أثاراً خاصة في أبحاث المناطقة العرب المسلمين (65) (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كتاب الإيساغوجي وأثره في الغري والعالم الإسلامي / موقع الفيلسوف 26 إكتوبر 2012) .

  ويُعدُ فرفريوس برأي أميل برهيه مُدافعاً عن السحر والعرافة والتنجيم (66) . ونحسب إن هذا الرأي فيه من طرف خلط بين أراء الإفلاطونية المحدثة ، وخصوصاً البعد الثيورجي في تكوين إفلاطونية إمبيلكوس المحدثة (رئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة) بفكر فرفريوس . وإنه لا يتناغم ونزعة فريوس العلمانية الرافضة للثيورجيا والطقوسية التي أدخلها تلميذه إمبيلكوس على التفليد الإفلاطوني المحدث ، والتي ندد بها فرفريوس تنديداً شديداً . كما إن الطرف الثالث يتجسد في كتاب فرفريوس المعنون ضد المسيحيين ، فهو كتاب شاهد على علمانية فرفريوس التي تتعارض مع السحر والثيورجيا والطقوسية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ النقد الفلسفي للدين أو الفكر العلماني عند فرفريوس الصوري / منشور على موقع الفيلسوف 23 إكتوبر 2012) .

  وعبرت محاولة إمبيلكوس وبرقلس (والفيلسوف الأخير للإفلاطونية المحدثة دمسقس كذلك) عن موقف كان سائداً يومذاك ، وهو الجمع بين ” الديانات الهيلينية – الشرقية وكتابات أرسطو وإفلاطون ، وتقديمها على إنها العلم ” (67) . وظهر صدى لها في كتابات فلسفية إسلامية ، مثال ذلك تجربة جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا ، والتي حملتها نصوص كثيرة منشورة في رسائلهم الإثنتين والخمسين (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأسس الفلسفية للرياضيات عند إخوان الصفا / مشور في مجلة دراسات عربية / العدد 6 نيسان 1988 ، وقد ترجم هذا البحث إلى الإنكليزية (أنظر المجلة الإنكليزية الأكاديمية المشهورة مجلة العلم الإسلامي / صدرت في الهند العام 1999 ، العدد 15 ، ص ص 25 – 53) .

  كما عرف العرب على مجموعة من شراح كتب أرسطو ، وتعاملوا مع شروحهم نقداً وتسليماً مما كان له الأثر في بقية الترتيب والتشجير الأبستمولوجيين للعلوم التي تقدموا بها . ومن هؤلاء الشراح الإسكندر الإفروديسي ، وثامسطيوس ، وسمبليقوس ويوحنا النحوي (68) . ونحسب إن قائمة ماكس مايرهوف إنتخابية ومحدودة ، وفيها تجاوز على حركة فلسفية عامرة شرحت تراث المعلم تحت شعار العودة إلى تراث فيلسوف إسطاغيرا . ولذلك فضلنا دراسة هذه المسألة التي تركت أثراً قوياً على الفكر الفلسفي العربي الإسلامي ، وتحت عنوان (أرسطو والشروح على كتبه والتي ظهرت مقدمة لهذا الكتاب) . 

الهوامش :

1 – Sambursky, the Physical World of the Greeks, Trans.

By M. Dagut, London 1968, pp. 5 – 25

وهو فصل مفيد يبحث في بداية الإسهامات في العلوم البحتة والتطبيقية .

2 – Maziarz. E. A; Greek Mathematical Philosophy,   New York 1968, p. 14       

3 – They used different terms; first “Arithmetic“, and second “Logistic“. For more information: Eves. H; An Introduction to the history of Mathematics, New York 1969, p. 53  

4 – Ibid.,

5- Heath. T.L; A History of Greek Mathematics, Oxford 1965, Vol.1, p. 141

6 – Ibid., p. 167

7 – Ibid.,

8 – Kirk.G & Ravan.J.E; the Pre-Socratic Philosophy, Cambridge1963, p. 266

9 – Stace .W.T; A Critical History of Greek Philosophy, London 1969, p. 110

10 – إفلاطون ؛ الجمهورية ، ترجمة حنا خباز ، بيروت 1980 ، ص 206  

11 – Plato, Philebus, Trans. By B.  Jott, in the Dialogues of Plato, New York 1973, 56 d – 57e

12 – إفلاطون ؛ رجل الدولة ، نقله أديب نصور ، بيروت 1959 ، ص 30    

13 – Aristotle, Metaphysics, (In the works of Aristotle), Oxford, 1954, 1025b – 1026a19

14 – أرسطوطاليس ؛ الأخلاق ، ترجمة إسحق بن حنين ، حققه عبد الرحمن بدوي ، ط1 (الكويت 1979) ص 54

15 – أرسطوطاليس ؛ الخطابة ، الترجمة العربية القديمة ، حققه عبد الرحمن بدوي (بيروت بلاتاريخ) ص 3

16 – Zeller. E, Outline of the History of Greek Philosophy, Trans. By A. Polmer, New York 1955, p. 249

17 – Stace. W. T, Op. Cit, p. 204

18 – Zeller, Op. Cit, p. 252

19 – Armstrong. A, An Introduction to Ancient Philosophy, London, 1955, p. 122

وأنظر : يوسف كرم ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية (بيروت بلاتاريخ) ، ص 215

20 – Armstrong, Op. Cit, pp. 122 – 123

21 – Stace, Op. Cit, p. 355

22 – Armstrong, Op. Cit, p. 123

وأنظر كرم ؛ المصدر السابق ، ص 216

23 – Armstrong, Op. Cit, p. 135

24 – Ibid, p. 136

25 – Zeller, Op. Cit,

وإنظر كرم ؛ المصدر السابق ، ص 215

26 – Zeller, Op. Cit, P. 257

27 – Armstrong, Op. Cit,

وأنظر كرم ؛ المصدر السابق ، ص 219

28 – Zeller, Op. Cit, p. 251

29 – Stace, Op. Cit, p. 355

30 – عبد الرحمن بدوي ؛ خريف الفكر اليوناني (بيروت 1979) ، ص 10

31 – Zeller, Op. Cit, p. 253

32 – Stace, Op. Cit, p. 344

33 – Clark. G. H., Selection from Hellenistic Philosophy, New York 1955, p. 27

وأنظر : كريم متي ؛ الفلسفة اليونانية (بغداد 1971) ، ص 264

34 – عثمان أمين ؛ الفلسفة الأبيقورية (القاهرة 1971) ، ص 84 ، وأنظر كذلك : يوسف كرم ؛ المصدر السابق ، ص 224

35 – Armstrong, Op. Cit, p. 120

36 – Zeller, Op. Cit, p. 229

37 – Stace, Op. Cit, p. 315

38 – Armstrong, Op. Cit, p. 120

من المعروف إن المشائيين كانوا يرون منزلة المنطق دون منزلة غيره من العلوم الفلسفية ، لأنه في نظرهم بمثابة المدخلا إلى الفلسفة ، في حين إن الرواقيين أصروا على إعتباره جزءاً من الفلسفة نفسها (عثمان أمين ؛ الفلسفة الرواقية ، ص 86) وهذا الموقف الرواقي سيكون له صدى عند الإسلاميين .

39 – Zeller, Op. Cit, pp. 230 – 231

40 – Armstrong, Op. Cit, p. 120

41 – Ibid, p. 160

42 – Zeller, Op. Cit, p. 263

43 – Stace, Op. Cit, p. 351

44 – عثمان أمين ؛ المصدر السابق ، ص 85

    وأنظر كرم ؛ المصدر السابق ، ص 230

45 – Zeller, Op. Cit, p. 230

46 – Jaeger. W, Aristotle, Trans. By R. Robinson, Oxford 1960, p. 404

* – بدأت مدرسة الإسكندرية نشاطها العلمي الحقيقي بعد منتصف القرن الثاني بعد الميلاد

Armstrong, Op. Cit, p. 170

47 – Jaeger, Op. Cit, pp 404 – 405

48 – دي لاسي أوليري : علوم اليونان وسبيل إنتقالها إلى العرب ، ترجمة وهيب كامل 1962 ، ص 23 . وأنظر كرم : المصدر السابق ، ص 243 ، وكذلك : محمد علي أبو ريان ؛ تاريخ الفكر الفلسفي (أرسطو والمدارس المتأخرة) ، بيروت 1976 ، ص 316 .

49 – Messchkowaski. H, Ways of Thought of Great Mathematicians, Amsterdam 1964, p. 43

50 – جمال الدين القفطي ؛ أخبار الحكماء ، تحقيق محمد أمين الخانجي ، مصر بلاتاريخ ، ص 48

51 – نيلينو ؛ علم الفلك وتأريخه عند العرب في القرون الوسطى (روما 1911) ، ص 121 . وأنظر كذلك : يوسف كرم ؛ المصدر السابق ، ص 243 .

  وكان لكتاب الأصول لإقليدس في الهندسة ، وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك مكانة كبيرة في نفوس العلماء العرب وأثر كبير في أبحاثهم الفلكية (ياسين خليل ؛ العلوم الطبيعية عند العرب ، بغداد 1980 ، ص 83 .

52 – جورج سارتون ؛ تاريخ العلم / ترجمة لفيف من الأساتذة ، ط2 (مصر 1970) ج4 ، ص 238 .

53 – إبن أبي أصيبعة ؛ عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، تحقيق نزار رضا (بيروت 1965) ، ص 134 وما بعد . وأنظر : نجيب بلدي ؛ تمهيد لتاريخ مدرسة الإسكندرية وفلسفتها (دار المعارف بمصر 1962) ، ص 42 .

54 – إبن النديم ؛ الفهرست (المكتبة التجارية الكبرى ، بلاتاريخ) ، ص 388 .

55 – أميل برهييه ؛ الفلسفة الهيلينستية الرومانية ، ترجمة جورج طرابيشي ، ط2 (بيروت 1988) ، ص 199 .

56 – يطلق عليها كذلك الإفلاطونية المُحدثة . والحقيقة إن صوراً فكرية متنوعة ظهرت في الإسكندرية ، والتي خلطت الدين والفلسفة ، ومنها اللاهوت المسيحي

Armstrong, Op. Cit, p. 158

ومنها المعرفة الغنوصية (متمثلة بالمؤلفات الهرمسية) أنظر: بلدي ؛ المصدر السابق ، ص ص 87 – 89 . ومنها محاولة فيلو الإسكندراني في التوفيق بين علوم العقل وعلوم النقل .

Armstrong, Op. Cit, p. 160

57 – أبو ريان ؛ المصدر السابق ، ص 320 ، وأنظر : بلدي ؛ المصدر السابق ، ص 56

58 – أبو ريان ؛ المصدر السابق ، ص ص 318 – 319 ، وأنظر : يوسف كرم ؛ المصدر السابق ، ص 285

59 – ماكس مايرهوف ؛ من الإسكندرية إلى بغداد / بحث منشور في كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ، ترجمة عبد الرحمن بدوي (بيروت 1980) ، ص 41 . وأنظر : كرم ؛ المصدر السابق ، ص 286

60 – إفلوطين عند العرب / تحقيق عبد الرحمن بدوي (الكويت 1977) ، ص 157

61 – Armstrong, Op. Cit, p. 174

62 – كرم ؛ المصدر السابق ، ص 287

63 – إفلوطين عند العرب ، ص ص 1 – 2  وأنظر كرم ؛ المصدر السابق ، ص 297

64 – Zeller, Op. Cit, p. 323

65 – نشر عبد الرحمن بدوي كتاب الإيساغوجي لفرفريوس في نهاية كتاب منطق أرسطو (منطق أرسطو / الترجمة العربية القديمة ، تحقيق عبد الرحمن بدوي / ج1 (بيروت 1980) ، ص ص 1055 – 1104) . أنظر : محمد جلوب الفرحان : الفكر المنطقي الإسلامي (مصدر سابق) ، ص 42 . وكذلك : أبو ريان ؛ المصدر السابق ، ص 328 .

66 – برهيه : المصدر السابق ، ص ص 267 – 269 ، 235 – 236 ، وأنظر : كرم ؛ المصدر السابق ، ص 298 .

67 – Zeller, Op. Cit, p. 325

68 – ماكس مايرهوف ؛ المصدر السابق ، ص 41 ، وأنظر كرم ؛ المصدر السابق ، ص ص 302 – 304 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

الفكر الأبستمولوجي في المشرق الإسلامي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  دشن تاريخ التشجير الأبستمولوجي للعلوم في الحضارة العربية الإسلامية ، جابر بن حيان (توفي 160 هجرية ، 721 – 815م) . ومن الملاحظ إن تشجيره الأبستمولوجي للعلوم ، هو في الوقت نفسه تشجير أبستمولوجي للمعرفة العلمية ، وذلك من حيث تدرجها وترتيبها . ولاحظنا بداية إنه تقدم بتشجير أبستمولوجي ثنائي للعلوم : علم الدين وعلم الدنيا . ومن ثم أضاف ضرباً ثالثاً ، هو العلم الفلسفي . بعد ذلك تقدم بالتشجير الآتي للعلوم الدينية :

                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

              شرعي                                           عقلي

       ــــــــــــــــــــــــــ                            ــــــــــــــــــــــــــــ

     ظاهري           باطني                 علم الحروف          علم المعاني

                                          ـــــــــــــــــــــــ           ـــــــــــــــــــ

                                      طبيعي          روحاني    فلسفي     إلهي(69)

  وعرض تشجيراً أبستمولوجياً ثنائياً لعلم الدنيا :

                       ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                 شريف                                     وضيع

              (علم الصنعة)                            (علم الصنائع) (70)

   ومن ثم تقدم بتشجير أبستمولوجي رباعي للعلوم الفلسفية :

        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 العلوم الطبيعية    العلوم النجومية     العلوم الحسابية   العلوم الهندسية (71)

   وإعتماداً على الأساس الأبستمولوجي للعلوم من طرف وطبيعة المتعلم ، تقدم بتشجير للعلوم يعتمد الأسس البيداغوجية (التربوية) . وهذا التشجير الأبستمولوجي – البيداغوجي يمكن تلمسه في رسائله الفلسفية . فقد أعلن عن منهج تربوي – تعليمي للمتعلمين ، الذين يتطلعون إلى أن يكونوا علماء المستقبل ، ويبصرهم بالمناهج التي تتكون من علوم سبعة ، هي بتقديره تمثل علوم عصره ، وهي :

          ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 علم الطب       علم الطبيعة      علم الخواص                علم الطلسمات

            ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    علم إستخدام  الكواكب         علم الميزان               علم الصور (72)

   وشارك الفيلسوف الكندي (المتوفى نحو سنة 252 هجرية / ولد عام 801 – وتوفي 873م) في عملية التشجير الأبستمولوجي للعلوم ، فعرض تشجيراً يمكن ملاحظته في رسالته المعنونة ” في كمية كتب أرسطوطاليس وما يحتاج إليه في تحصيل الفلسفة ” . ولعل الملفت للنظر إنه تقدم بتشجير أبستمولوجي عاماً يتألف من العديد من المشجرات الأبستمولوجية الأدق التي تتفرع منه هذا طرف . والطرف الثاني إنه كانت أمام أنظار الكندي إضافة إلى فلسفة أرسطو ، مواقف الأبيقورية . ومن المعروف لنا إن أرسطو غادر العالم ولم يكن للأبيقورية وجود على الإطلاق . وهذا يعني إن دائرة تفكير الكندي قد وصلها مع تراث أرسطو تراث الأبيقورية (وبالطبع الرواقية والإفلاطونية المحدثة بصورة عامة التي كانت الحامل الحقيقي لكل المدارس الفلسفية اليونانية التي كانت حاضرة لحظة الإعلان عنها) . إن نقطة الخلاف بين الكندي والأبيقورية ، هو إنه أعلى من مكانة الرياضيات في تشجيره ، والذي يحمل بالتأكيد معارضة صريحة للأبيقورية (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تأملات في التجربة الأبستمولوجية الأبيقورية / موقع الفيلسوف / 1 أيلول (سبتمبر) 2012) .

   لقد كان أساس الكندي في تشجيره الأبستمولوجي العام للعلوم إذن هو كتب أرسطو ، ولذلك يقول : ” فكتب أرسطوطاليس المرتبة التي يحتاج المتعلم إلى إستطراقها على الولاء على ترتيبها ونظمه ، ليكون بها فيلسوفاً ، بعد علم الرياضيات ” (73) . وبذلك أصبحت مؤلفات أرسطو هي الثابت الأساس للتشجير الأبستمولوجي للعلوم عند الفيلسوف الكندي . ولكن مع الإنتباه إلى المخالفة التي أنجزها الكندي رغم قبوله الأساس الأبستمولوجي الذي عرضته كتب أرسطو . فمثلاً إن العلوم هي أربعة علوم على أساس كتب أرسطو (أربعة أنواع من الكتب) (74) . إلا إن الكندي خرج على الأساس الأرسطي ، وقدم تشجيراً أبستمولوجياً سداسياً للعلوم ، وبالطبع تشمل في بنيتها العلوم الأربعة . وفي الإمكان أن نضعها في المشجر الأبستمولوجي الأتي :

/ـــــــــــــــــــــــ/ــــــــــــــــــــ/ــــــــــــــــ/ـــــــــــــــ/ــــــــــــــــ/ـــــــــــــــــــــ

العلوم الرياضية        العلوم المنطقية     العلوم الطبيعية   علوم متوسطة         علوم ما بعد الطبيعية   العلوم العملية (75)

                                                     (بين الطبيعية وما

                                                       بعد الطبيعية)

   ومن العلوم التي أضافها الكندي إلى قائمة علوم التشجير الأبستمولوجي : النوم والرؤيا (76) ، والطب (77) ، وعلم الجغرافية (78) . في حين ظل علم الكيمياء يتأرجح بين العلوم المضافة والعلوم الباطلة (79) .

  ولم ينتبه الدارسون لمنزلة أبي بكر الرازي (250 – 313 هجرية) في مساهمته الأبستمولوجية للعلوم ، والذي كان معاصراً للفيلسوف الفارابي . فقد أخبرنا الرواة على إنهما (أي الرازي والفارابي) كانا قد إطلعا على كتاب التحليلات الثانية (وهو واحد من كتب أرسطو المنطقية ، والذي ركز على البرهان أو العلم البرهاني وتطبيقاته المنطقية والحسابية والهندسية (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهان / وزارة الثقافة والإعلام العراقية – بغداد 1983 / القسم الثاني ، ص ص 77 – 179) . وإن هذا الإطلاع من طرف الرازي ، قد ظهر أثره في أحد ملخصاته وهو كتاب ” حمل معاني أنالوطيقا الأولى إلى تمام القياس الحملية ” (80) .

   ومن الملاحظ من الزاوية الأبستمولوجية إن الرازي قد أرسى بقوة نزعة عقلانية أبستمولوجية في ديار الفلسفة الأسلامية ، فقد أرجع العلوم كلها وكذلك الفنون والصناعات في تشجيره الأبستمولوجي إلى العقل ، فهو يرى : إننا ” بالعقل أدركنا صناعة السفن … وبه نلنا الطب ، وسائر الصناعة العائدة علينا ” (81) ، كما وبه ” عرفنا شكل الأرض والفلك ” (82) . وإستند من طرف أخر على أساس سايكولوجي في قيام الطب الروحاني (83) .

  وفي ترجيحه للمنهج الفلسفي وفعل الفلاسفة في الإنشاء الأبستمولوجي للعلوم ، تحدث عما أسماه بالعلوم اللطيفة الدقيقة ، وهو إصطلاح له الريادة في خطه في خرائط الأبستمولوجيا ، وهو الإصطلاح ذاته الذي أخذت تتداوله دوائر الأبستمولوجيا العلمية المعاصرة . وبالتأكيد إن تراث الرازي العلمي قد إنتقل إلى الغرب من خلال الترجمات العبرية واللاتينية التي بدأت مع تباشير القرن الثاني عشر الميلادي والتي وصلت إلى ذروتها مع ترجمة التراث الرشدي في العقدين الأولين من القرن الثالث عشر (للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد ورصيد الحركة الرشدية العبرية واللاتينية / محور الترجمة العبرية واللاتينية للتراث العربي في القرن الثاني عشر الميلادي / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس شتاء 2012) .

   والحقيقة إن كلام الرازي عن العلوم اللطيفة الدقيقة جاء أثناء حديثه عن طبع الفلاسفة ، وبين إنهم لكي يكتسبوا هذا النوع من العلوم ، يتطلب أن تتوافر لديهم خصائص عقلية ، منها ” صفاء الذهن ” و ” لطافة الذهن ”  . وإن توافر ذلك حصل لهم ” إستخراج الصناعات المجدية النافعة ، ونحن نجد هذه الأمور مع الفلاسفة فقط ” (84) .  وفي الوقت نفسه وجه نقداً للرأي المتداول في عصره ، والذي يذهب إلى إن ” العلم والحكمة إنما هو النحو والشعر والفصاحة والبلاغة ” . وذكر القارئ والمتعلم إلى إن اللذين نشروا هذه الإغلوطة ” لايعلمون إن الحكماء لا يعدون ولا واحداً من هذه حكمة ، ولا الحاذق بها حكيماً ” . وبالمقابل رأى الرازي إن مواصفات الحكيم ، بالطبع حسب تصور تحديد الفلسفة والفلاسفة ، هو ” من عرف شروط البرهان وقوانينه ” ، وبلغ ” من العلم الرياضي والطبيعي والإلهي مقدار ما في وسع الإنسان بلوغه ” (85) . وكما هو واضح في كلام الرازي إنه ردد التشجير الأبستمولوجي الثلاثي للعلوم ، وهي الرياضيات والطبيعيات والإلهيات (وبالمصطلح الفلسفي الميتافيزيقا أو مابعد الطبيعة)

    وكتب الرازي في موضوعات متنوعة ، عالجت فيها علوماً مختلفة ، ومن هذا الطرف كانت لها أهمية في وضع تشجيره الأبستمولوجي للعلوم في عصره . والواقع إن عناوين هذه الكتب تدل دلالة واضحة على هذه العلوم ، منها كتاب في العلم الإلهي (الميتافيزيقا) ، وكتاب في الطب الروحاني ، وكتاب ” في عذل من إشتغل بفضول الهندسة من الموسومين بالفلاسفة ” وكتاب ” بشرف صناعة الكيميا ” (86) . وهنا أضاف إلى قائمة العلوم علماً جديداً هو الكيمياء ، وأظهر نقداً (وربما شطباً وإلغاءً) لعلم رياضي مهم ، وهو الهندسة من قائمة علوم الفلاسفة .

  ومن ثم تقدم بتشجير أبستمولوجي ثنائي لعلوم الفلسفة ، وهي ” العلم والعمل ” (87) . وذكر في المضمار العملي العلوم الأتية : ” البرهان (بالطبع البرهان منطقي ورياضي) ، والعلم الإلهي ، والطب الروحاني ، والعلم الطبيعي ، والكيميا ” . أما الرياضيات ، فهو يعترف بأنه لم يوليها أهمية . ولعل كلمته واصفة حال عدم الإهتمام بالعلم الرياضي ، فيقول ” إنه لاحظها ” (ملاحظة) (88) . أما الطرف العملي من الفلسفة ، فقد مثله بسيرته الفلسفية وسلوكه وأخلاقه وعلاقاته (89) .

  وفي تعريف تقدم به الرازي للفلسفة ، ذكر قائمة جديدة للعلوم ، وفيها إستدراك لعلم سبق إن تردد في ضمه لعلوم الفلسفة ، وهو علم الهندسة . فيقول : إن علوم الفلسفة هي ” الطب … الفلك والكواكب ، وحساب النجوم … (و) علم الهندسة ” (90) . ورغم هذا الحال فإننا نحسب إن الرازي كان منتبهاً للفارق بين علم الفلك والتنجيم والذي أطلق عليه إصطلاح ” حساب النجوم ” هذا طرف . أما الطرف الثاني فيتمثل بتشجيره الأبستمولوجي الثنائي للعلوم ، فقد ذكر في مناظرة دارت حول العلوم ، إن هناك نوعين من العلوم : ” إصطلاحية وإضطرارية ” ، وإن علم النحو من العلوم الإصطلاحية (91) . وهذه إلتفاتة جداً ذكية من الرازي في النظر إلى بعض العلوم من الزاوية الإصطلاحية . والحقيقة نحن في مضمار فلسفات العلوم نعرف بأن واحدة من أهم المدارس الفلسفية المعاصرة ، هي المدرسة الإصطلاحية * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل أنظر الكتاب الممتاز :

Elie Zahar, Poincare’s Philosophy: From Conventionalism to Phenomenology, Open Court – Illinois 2001

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والواقع إنه لا يتوافر لنا دليل مباشر على إن الغرب قد عرف نص هذه المناظرة التي جرت بين الرازي وأحد شيوخ علم النحو ، ولكننا واثقون من إن تراث الرازي قد ترجم إلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي . وإن هذه التراجم العبرية واللاتينية كانت مصادر أساسية للعقل العلمي الغربي . وربما حديث الرازي عن العلوم الإصطلاحية كان موضوع إلهام وتحفيز لعدد من فلاسفة المدرسة الإصطلاحية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ترجمة التراث العلمي العربي في القرن الثاني عشر إلى العبرية واللاتينية (مصدر سابق)) .

   وتحدث الرازي في بعض كتاباته عن بعض العلوم التي يمكن إضافتها إلى قائمة علوم التشجير الأبستمولوجي أو العلوم الممكنة ، وفي الوقت نفسه إنتقد علوماً أخرى ، وفي الإمكان إدراجها في باب العلوم الباطلة . ومن العلوم الممكنة : الموسيقى (92) ، وعلم التنجيم (93) ، وعلم الفراسة (94) . ومن العلوم الباطلة ، أي التي لا تدخل في قائمة علوم الحكمة : ” النحو والشعر والفصاحة والبلاغة ” (95) . أما الرياضيات فهي من العلوم التي تتأرجح عنده بين العلوم الممكنة والعلوم الباطلة (96).

  ومن ثم جاء الفارابي (259 – 339 هجرية / ويرجح إنه عاش مابين الثلث الأخير من القرن التاسع وبداية النصف الأول من القرن العاشر الميلاديين) فتقدم في كتابيه ” إحصاء العلوم ” و” التنبيه على سبيل السعادة ” بثلاث صور من التشجير الأبستمولوجي للعلوم . ففي كتاب الإحصاء عرض صورتين من التشجير ؛ الأول تشجير أبستمولوجي رباعي ، يبدأ بالعلوم اللسانية ، ومن ثم العلوم المنطقية ، والعلوم الرياضية (التعاليم) ، والطبيعيات والإلهيات (الميتافيزيقا) (97) .

   والثاني هو الأخر تشجير أبستمولوجي رباعي . إلا إنه سار بإتجاه مختلف عن الأول ، وفي الإمكان أن نطلق عليه إصطلاح السلم الأبستمولوجي للعلوم . وقد تصدرت هذا السلم الإلهيات ، وهي لا تقف على قمة االسلم الهرمي مثل اللسانيات ، وإنما هي في البدء ، وإن العلوم الأخرى تتزود بموجهات منها . ومن الملاحظ إن هذه العلوم تحتل في سلم العلوم مكاناً بعدياً بعد الإلهيات . ومن ثم جاء بعدها العلم المدني والفقه والكلام (إضافة إلى الطبيعيات (الفيزياء) والتعاليم (الرياضيات) والمنطق) (98) .

  وإستند في كتابه التنبيه إلى مفهوم أكسيولوجي (هو مفهوم الجميل) في صياغة تشجيره الأبسستمولوجي – الأكسيولوجي للعلوم . ولما كان الجميل حسب رؤيته الأبستمولوجية صنفين : ” علم ، وعلم وعمل ” ، صارت الفلسفة صنفين : الفلسفة النظرية والفلسفة العملية (المدنية) (99) . ومن ثم تقدم بتشجير أبستمولوجي ثلاثي لعلوم الفلسفة النظرية : ” علوم التعاليم ، وعلم الطبايع (الطبيعيات أو الفيزياء) ، وعلم ما بعد الطبيعيات (الميتافيزيقا) (100) . وأخيراً عرض تشجيراً لعلوم ما يُعرف عنده بالفلسفة المدنية (العملية) ، وهي ” الصناعة الخلقية ، والفلسفة السياسية (علم السياسة) ” (101) .

   وتقدم إخوان الصفا (ظهروا في القرن الرابع الهجري) بصيغ  مختلفة لأبستمولوجيا العلوم في رسائلهم . ففي الرسالة الأولى أخذوا بالتشجير الرباعي المعروف للعلوم ، وهي ” الرياضيات ، المنطقيات ، والعلوم الطبيعية والعلوم الإلهية ” (102) . ومن بعد ذلك عرضوا في هذه الرسالة ذاتها ، تشجيراً سباعياً للعلوم : ” علم العدد ، وعلم الهندسة ، وعلم التأليف (الموسيقى) ، وعلم التنجيم ، والمنطقيات ، والطبيعيات ، والإلهيات ” (103) .

   ومن ثم تحدثوا عن تشجير جديد للعلوم ، فذهبوا إلى إن العلوم التي ” يتعاطاها البشر ثلاثة أجناس : الرياضية ، الشرعية الوضعية والفلسفية الحقيقية ” (104) . ومن الملاحظ على هذا التشجير إنه تشجير شمولي حيث تجاوز حدود تشجيراتهم العلمية السابقة ، وفتح أبوابه ليشمل مختلف العلوم والصناعات والحرف (والفنون) . وعلى هذا الأساس نحسب إن مدارك إخوان الصفا كانت تتطلع لصياغة إطار أبستمولوجي أوسع من حدوده العلمية ، وإنه إطار مفتوحة أبوابه لتضم في داخله الفنون والحرف والصناعات (وبالطبع علوم الفلسفة بطرفيها العلمي والمدني) . وهذا يعني إن إخوان الصفا تطلعوا لصياغة إطار أبستمولوجي موحد لجميع علوم الفلسفة دون إستثناء . مع الإنتباه إلى إن إصطلاح العلوم الرياضية في هذا التشجير له دلالة خاصة ، وهي (علم الأداب) . أما العلوم الشرعية ، فهي (طب النفوس) ، بينما العلوم الفلسفية ، فقد ظلت محافظة على ترتيبها الرباعي العتيد ” الرياضيات ، المنطقيات ، والطبيعيات ، والإلهيات ” (105) .

  ومن ثم تحدثوا عن تشجير سداسي للعلوم ، والذي يتكون من ” علم العدد ، والهندسة ، وعلم الهيئة (الفلك) ، والتأليف ، والطبيعيات وعلم المنطق ” (106) وتلاحظ هنا غياب الميتافيزيقا أو علم ما بعد الطبيعة عن قائمة علوم هذا التشجير . غير إنهم عادوا إلى التشجير الثلاثي للعلوم ” العلوم الرياضية ، والطبيعية والإلهية ” (107) والذي غاب فيه علم المنطق أو العلوم المنطقية .

   ثم عرضوا تشجيراً جديداً للعلوم ، نهض على أسس تربوية ، وكان الإخوان يتطلعون لتقديم العلوم في إطار منهج تعليمي – تربوي للمتعلمين . وعلى هذا الأساس تقدم علوم التشجير علم المنطق . وجاءت بالترتيب الأتي ” المنطق ، والطبيعيات وعلم الأنبياء (الإلهيات) (108) . وأخيراً عرضوا تشجيرين للعلوم ؛ الأول إنهم رأوا إن العلم نوعين ” علم الأبدان وعلم الأديان ” (109) . والثاني تشجير يتكون من العلوم الأتية ” علم الكيمياء ، وعلم أحكام النجوم ، وعلم السحر والطلسمات ، وعلم الطب ، وعلم التجريد (تعريف النفس بذاتها) ” (110) . وتلاحظ في هذا التشجير ظهور علوم جديدة لم يذكرها إخوان الصفا من قبل في تشجيراتهم السابقة . مما نحسب إن في هذا الكلام  إمكانية الحديث عن علوم ممكنة جديدة في قوائم إخوان الصفا للعلوم ، مثل علم الكيمياء ، وعلم السحر والطلسمات ، وعلم النفس (الذي إصطلحوا عليه بعلم التجريد) .

   وتقدم أبو الحسن العامري (المتوفى سنة 381 هجرية)* في الفصل الأول من كتابه المعنون الأعلام بمناقب الإسلام ، بمشروع تشجير للعلوم ، في أساسه تشجير ثنائي في منطلقه العام . فالعلوم حسب رأيه على نوعين : العلوم الملية والعلوم الحكمية (111) . ومن ثم عرض تشجيراً ثلاثياً للعلوم الملية (صناعات ثلاث) : ” صناعة المحدثين ، وصناعة المتكلمين ، وصناعة الفقهاء ” (112) . وإقترح بعد ذلك تشجيراً ثلاثياً لصناعات العلوم الحكمية : ” صناعة الطبيعيين ، وصناعة الإلهيين ، وصناعة الرياضيين ” (113) . وهو بالطبع تشجير ناقص ، غابت منه على حد تعابير العامري صناعة المنطقيين .

   ويبدو إن هذا التشجير لم يوفر قناعة كافية للعامري في أساسه الأبستمولوجي ، إذ إن توسط صناعة الإلهيين بين علمي الطبيعة والرياضيات لا يوفر جسراً أبستمولوجياً للإنتقال من الفيزياء الأقل درجة في التجريد واليقين من الزاوية الأبستمولوجية إلى العلم الرياضي الأكثر تجريداً ويقينية . وهذا التوسط للعلم الإلهي سبب شللاً أبستمولوجياً وعقبة أبستمولوجية للأنتقال اليسير بين عالم الطبيعيات وعالم الرياضيات  . ونحسب لهذا السبب قام بمراجعة هذا التشجير الأبستمولوجي لصناعات العلوم الحكمية في الصفحات اللاحقة ، وقدم التشجير الأبستمولوجي (إعتماداً على درجتي التجريد واليقين الأبستمولوجيين) للعلوم الحكمية : ” صناعة الرياضيين ، وصناعة الطبيعيين ، وصناعة الإلهيين ” (114) .

   ورغم هذه المراجعة التي قام بها العامري ، فإن الإشكال الأبستمولوجي ظل قائماً ، إذ عملية الإنتقال الأبستمولوجي بين الصناعات الثلاثة صعبة جداً . ولكن الحل الأبستمولوجي الوحيد في ترتيب هذا التشجير ، قراءة أبستمولوجية خاصة لم ترد يومها أمام أنظار العامري ، ولكنها ميسرة أمام أنظارنا اليوم .  فهذه القراءة لا تبدأ بالرياضيات ، وإنما تبدأ بالطبيعيات (عالم الفيزياء الأقل تجريداً ويقينية) ، فهو القاعدة الأبستمولوجية وعلى يمينها عالم الرياضيات الأكثر تجريداً والذي يتمتع بدرجات عالية من اليقينية . وعلى يسار عالم الفيزياء (الطبيعيات) يقع العلم الإلهي الأكثر تجريداً وإن قضاياه صادقة بإطلاق مختلف عن الصدق الأبستمولوجي ، وذلك لأن صدق القضايا الإلهية يعتمد على الإعتقاد والأيمان وليس البرهان الأبستمولوجي (في طرفيه المنطقي والرياضي) .

   والحقيقة إن هذا الفهم الأبستمولوجي يمكن ملاحظته في أول محاولة هندسية منظمة في تاريخ العلوم ، والتي ضمها كتاب الإصول لإقليدس (300 قبل الميلاد) ، ففيها عملية إنتقال من عالم الحس (الفيزياء) إلى عالم أكثر تجريداً (عالم الهندسة) ومن ثم الصعود في درجات التجريد واليقينية وبالإعتماد على منطق أرسطو في إعادة بناء الهندسة نظاماً إستدلالياً عالي التجريد واليقينية في قضاياه (بديهياته ومصادراته) وبراهينه (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛  الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة أداب الرافدين / تصدرها كلية الأداب – جامعة الموصل / العدد 11 سنة 1979 ، ص ص 117 – 150) .

  وقبل أن أغادر هذا الموضوع ، أود أن أشير إلى سبب هذا الإشكال الأبستمولوجي الذي وقع فيه بعض فلاسفة العرب ، وبالتحديد في تشجيراتهم الأبستمولوجية التي يبدو إنها أقامت القطيعة الأبستمولوجية مع إصوله اليونانية عامة ، وتراث أرسطو المنقول إليها ، وخصوصاً في تشجيراتهم التي إقترحوها لعلم الفلسفة أو العلوم الحكمية في إصطلاح العامري ، والتي تمثلت في الترتيب الأبستمولوجي : الرياضيات ، الطبيعيات والإلهيات . الحقيقة إن جوهر الإشكال الأبستمولوجي يكمن في إصطلاح الإلهيات ، الذي نحته أو إقترحه العرب بديلاً عن إصطلاح الميتافيزيقا . وفي الحال الأرسطي تصبح العملية الأبستمولوجية ميسرة جداً ، ففيها إمكانية الإنتقال من عالم الفيزيقا (الطبيعة / العالم الخارجي / عالم الحس والظواهر) إلى الميتافيزيقا . وبالطبع في التقليد الأبستمولوجي الأرسطي ، إن أرسطو درس في كتب الميتافيزيقا أسس العلوم دراسة مفصلة ومن زاوية ميتا – أبستمولوجية (إصطلاحاً بديلاً من مصطلح أرسطو الميتافيزيقا إذا تمكنا من وضعه جانباً وللمناقشة فقط) . ولذلك نحسب إن الإشكال بمجمله يعود إلى إصطلاح الألهيات الذي سبب إرباكاً من طرف ، وفصل التشجير الأبستمولوجي عند بعض العرب من إصوله الأرسطية وبالتحديد من محتواه الميتافيزيقي .  وهكذا تصبح عملية الإنتقال الأبستمولوجي ميسرة وتجري بيسر من القاعدة الفيزيقا إلى اليمين الرياضيات ، ومن ثم العودة من عالم الرياضيات إلى القاعدة الفيزيقا ، ومن ثم الصعود مرة أخرى من الفيزيقا إلى اليسار حيث الميتافيزيقا .

  وضع الخوارزمي**(المتوفى سنة 387 هجرية) في كتابه مفاتيح العلوم تشجيراً للعلوم عاماً وخاصاً . ومن الملاحظ إنه في تشجيره العام قدم رسماً ثنائياً ، نهض في أساسه الأبستمولوجي على التمييز بين علوم الشريعة (علوم العرب) وعلوم العجم (اليونان وغيرهم) (115) . وبعد ذلك عرض رسماً لعلوم الشريعة (علوم العربية) ، وهو في جوهره رسم خاص في أبستمولوجيته ، وكان رسماً سباعياً فيه تداخل من الزاوية الأبستمولوجية ، خصوصاً في المنطلق والقاعدة الأبستمولوجية ، والتدرج والإنتقال .

  ولنبدأ بتشجير العلوم العربية (الشريعة ) كما قدمه الخوارزمي : ” الفقه ، والكلام ، والنحو ، والكتاب ، والشعر والعروض والأخبار ” (116) . إن أول ما يبدو لنا في هذا التشجير لعلوم العربية فيه إشكال أبستمولوجي كبير ، وهو الخلط بين علوم الشريعة وعلوم العربية . ونحسب إن الحل الوحيد لحل هذا الإشكال ، هو شطر هذا التشجير ، ونقل النحو إلى علوم العربية ، ومن ثم إعادة وضعه في مشجرين أبستمولوجيين مختلفين :

الأول – تشجير ثلاثي  يضم علوم الشريعة ، وهي : الفقه ، والكلام ، والكتاب . وإن هذا التشجير بحاله القائم يظل يلازمه إشكالاً أبستمولوجياً . ونحاول تقديم قراءة أبستمولوجية له ، بحيث يكون من الزاوية الأبستمولوجية مقبولاً . مع الأنتباه هنا إلى إن القراءة الأبستمولوجية تنطلق من القاعدة ، والقاعدة الأبستمولوجية هنا الكتاب (القرأن والذي جاء بترتيب الخوارزمي الرابع وهو الثالث بعد تحويل النحو إلى علوم العربية) . وعلى الكتاب نهض علم الكلام والذي يسير نحو اليمين صعوداً إلى درجات نحو صياغة القواعد العامة للحياة ومن ثم الأحكام الإسلامية ، التي فيها درجات من التجريد الذي بدأ بنوع من الإستقرائية الصاعدة التي وصلت إلى صياغة الأحكام / ومن ثم تطورت إلى نهج إستدلالي يتعامل مع الأحكام الفقهية  بدرجات من التجريد واليقينية ، ومن ثم محاولات التكييف بين الوقائع والأحكام الفقهية .

الثاني – تشجير رباعي يبدأ من القاعدة الأبستمولوجية ذاتها ، وهي الكتاب . إلا إنها تسير بإتجا اليسار ، حيث علم النحو ، والشعر والعروض ، وهذه السلسة هي علوم العربية ، وإن الكتاب هو لغة العرب وأساسها . أما الأخبار (التاريخ) فهو تاريخ العرب وأحوالهم ، والذي يتضمن تاريخ النحاة والشعراء ورجال العروض ، وفيه إمكانية  تجسير بين علوم الشريعة وعلوم العربية بحيث يضم بين دفتيه تاريخ المتكلمين والفقهاء والمسلمين وحضارتهم بصورة عامة . 

  وتقدم في المقالة الثانية من كتابه مفاتيح العلوم ، بتوصيف لعلوم العجم (اليونان وغيرهم) . وهذا التوصيف في حقيقته تشجير لعلوم الفلسفة ، والذي تميز في إطاره العام بكونه تشجير ثنائي ، فيه طرفين أو جزئين : جزء نظري وجزء عملي (117) . ومن ثم تقدم برسم ثلاثي لعلوم الجزء النظري ، وهي : علم الطبيعة ، والعلم التعليمي (الرياضي) ، وعلم الأمور الإلهية (118) (والأمور الإلهية هي الميتافيزيقا بلغة أرسطو) . وبعد ذلك عرض تشجيراً ثلاثياً لعلوم الفلسفة العملية ، وهي : علم الأخلاق ، وتدبير المنزل ، وسياسة المدينة والأمة والملك (119) .  

   وفي تفسير المقالة الأولى من كتاب أرسطوطاليس ذكر يحيى بن عدي * (المتوفى سنة 365 هجرية) تشجيراً مختصراً للعلوم الفلسفية ، وهو التشجير الثنائي المتداول للفلسفة يومذاك ، وهو : النظر العلمي ، والنظر العملي (120) . ومن ثم تقدم برسم لعلوم الطرف العلمي . ومن الملاحظ إن يحيى لم يأتي بشئ جديد ، وإنما ردد التشجير المعروف في دوائر الفكر الأبستمولوجي الإسلامي للعلوم ، فذهب إلى إن علوم النظر  العلمي ، هي : علم الطبيعة ، وعلم التعاليم ، وعلم الإلهيات (121) .  

  ثم جاء مسكويه ** (نحو 320 – 421 هجرية) فعرض في كتابه تهذيب الأخلاق ما يشبه أن يكون تشجيراً أبستمولوجياً للعلوم . ونحسب من النافع أن نشير إلى إنه ذكر في كتابه التهذيب ، إلى إن له كتاباً بعنوان ترتيب السعادات ومنازل العلوم . والحقيقة إن عنوان هذا الكتاب يكفي للإعلان عن إن الرجل إهتم بمنازل العلوم (والمنازل درجات تحتلها العلوم وفقاً لعلاقتها بعالم الحس والعقل ، ودرجات اليقين ..) ، وقد فتشنا عن هذا الكتاب فلم نعثر عليه (122) .

  وأثناء حديثه عن الإنسان عرض التشجير الأبستمولوجي الثنائي للفلسفة ، وهو التشجير الذي يتكون من : الجزء النظري والجزء العملي (123) . وعلى أساس تربوي رتب العلوم التي يتعلمها الفرد في مرحلة الصبا . وفي هذا الترتيب على الوجه الأعم غابت الشروط الأبستمولوجية وحلت محلها شروط ديماغوجية فكرانية . وهكذا كان ترتيبها حسب أولويتها الدينية والأخلاقية  ، ولذلك جاءت في الترتيب الأتي : أدب الشريعة ، وكتب الأخلاق ، والحساب والهندسة (124) . ويبدو لنا إن مسكويه تطلع بكل جد المسلم إلى صياغة إطار عقيدي – أخلاقي تتسور به العلوم . وإذا قبلنا أدب الشريعة وكتب الأخلاق كجزء من متطلبات تعليم العلوم للصبيان المسلمين . فإن المشكل الذي يواجهنا في قصور علوم الفلسفة التي ذكرها مسكويه في الجزء الثاني من نصه ، والتي إقتصرت على علمي الحساب والهندسة .

  وفعلاً فقد أدرك مسكويه النقص في منهج العلوم السابق الذي إقترحه ، وحاول مراجعته وتوسيعه . جاء ذلك عندما تحدث عن العلوم الشريفة المكنونة ، وفيها كشف عن تراتبية جديدة للعلوم في المنهج التعليمي . وهنا نلحظ إن مسكويه ضم ثلاثة أنواع من العلوم ، وهي : المنطق ، والعلوم الطبيعية (الخلائق والطبائع) ، والعلوم الإلهية (125) .

   صحيح إن العلوم الرياضية غائبة من هذا المنهج التعليمي . ولكن من الصحيح جداً بأننا إذا ما فهمنا كلام مسكويه على إنه إستدراك على النقص في المنهج الأول ، فإننا نفهم هذا الإستدراك على إنه توسيع للمنهج الأول ، بحيث يتكون المنهج التعليمي من علوم الأول الأربعة مضافاً إليها العلوم الثلاثة التي يتكون منها المنهج المضاف الثاني . وبذلك أصبحت علوم المنهج التعليمي سبعة علوم : إثنان منهما علوم التسوير وتحصين المتعلم ، وهما الشريعة والأخلاق ، والخمسة الأخرى هي العلوم الفلسفية ، وهي : الحساب والهندسة (من المنهج الأول) ، والمنطق ، والعلوم الطبيعية ، والعلوم الإلهية.

  والحقيقة إن قبول هذه العلوم الخمسة مكونات المنهج التعليمي أمر بالغ الأهمية من الزاوية التربوية . إلا إن هذا الوضع للعلوم في المنهج التعليمي لا يحل المشكل الأبستمولوجي ، بل يزيده ظلالاً من الغموض ، خصوصاً حول مرامي مسكويه في إقتراح ترتيبها بهذه الصورة . فمثلاً علمي الحساب والهندسة ، هما من العلوم العالية التجريد واليقينية من الزاوية الأبستمولوجية ، ويأتي بعدهما المنطق صعوداً (تذكر قول رسل بأن المنطق طفولة الرياضيات ، وإن الرياضيات شباب المنطق).  فالإنتقال الأبستمولوجي بين الهندسة والحساب والمنطق ميسرة في درجتي التجريد العقلي واليقينية . أما بالنسبة إلى علوم الفيزياء (الطبيعة التي تعتمد على نوافذ الحس أولاً ، ومن ثم التعاون بين نوافذ الحس والعقل صعوداً في درجات التجريد حيث طوابق اللغة وعالم المفاهيم ومضمار القضايا ذات المحتوى الطبيعي) فهي إذن القاع الأبستمولوجي ونقطة الإنطلاق الأبستمولوجي لعملية التجريد والتطلع نحو مناطق اليقين العالية التي تتوافر في علمي المنطق والرياضيات .

   كما إن النزول من علياء الرياضيات والمنطق إلى علم الطبيعة تصبح ميسرة ، وإن الإنطلاق من الطبيعة إلى الطوابق الأبستمولوجية العالية تصبح مشروعة ، حيث عالم الفرضيات الميتافيزيقية (عالم الميتافيزيقا) . هذا هو التعديل الأبستمولوجي لسلاسل علوم المنهج التعليمي عند مسكويه من زاوية الأبستمولوجي المعاصر . وأخيراً لا أجد أي مبرر لتداول إصطلاح الألهيات في باب علوم الفلسفة . ولعل الأصح هو إصطلاح الميتافيزيقا (مضمار الفرضيات العلمية وأسس العلوم وما يتعلق بأطراف من ميثدولوجياتها ، والتي تدخل في باب الأبستمولوجيات العلمية أو فلسفات العلوم) . كما وإذكر بأن الألهيات في كلام مسكويه هو تكرار لعلم الشريعة الذي بدأ به مسكويه المنهج التعليمي في صورته الأولى كتسوير للعلوم وتحصين للمتعلم المسلم . ولكل هذا حسبنا إن الخروج من هذه العقبة الأبستمولوجية ، هو العودة إلى المصطلح الفلسفي الأرسطي العتيد الميتافيزيقا ،  وحدوده التي تتساوق ومضمار العلوم وتلتحم بنسيجها إلتحاماً عضوياً .  

 وتقدم في كتابه الفوز الأصغر بصور مختلفة من التشجير للعلوم . الصورة الأولى عرض فيها تشجيراً ثنائياً لعلوم الحكمة : نظري وعملي (126) . ومن ثم إقترح تشجيراً ثلاثياً لعلوم الحكمة العملية : الأخلاق ، وتدبير المنزل ، وتدبير الملك (صناعة الملك) (127) . والصورة الثانية خاصة بالجزء النظري من الحكمة . وهنا إتخذ التشجير صورة منهج تعليمي للعلوم ، والذي بدأ بالطبيعيات ، ومن ثم يتدرج المنهج من مرتبة إلى مرتبة إلى ” أن تصير إلى أخر الفلسفة ” (128) .

 ونلحظ وإننا نقرأ نصوص أخرى لمسكويه ، إنها تقدمه عارضاَ لتشجير أخر للعلوم في إطار المنهج التعليمي للعلوم . وهذا المنهج بدأ هذه المرة بالرياضيات . إلا إن من الملاحظ إنه قدم الطبيعيات (العلم الأدنى) على العلم الأوسط (الرياضيات) ، ومن ثم جاء العلم الأعلى (الإلهيات) (129) . وبعد ذلك أشار إلى صورة أخرى للعلوم ، فبين إن المنهج التعليمي يبدأ بالرياضيات ، ثم المنطق ، والطبيعيات إلى ” أن يصل إلى أقصى الغايات ” (130) . أما الصورة الأخيرة التي قدمها ، فهي تتمثل بمنهج تعليمي يُرجح الدرس المنطقي في البداية . ومن ثم يتابع دراسته لعلوم الفلسفة (131) .

   لقد أبطل مسكويه مجموعة من العلوم (ونحن هنا ندرجها علوماً كما جاء الحديث عنها في نصوص مسكويه وغيره من الإسلاميين) ، منها : الشعبذة و (النارنجيات) (132) . وتأرجح في كتاب الهوامل والشوامل (133) في موقفه من بعض العلوم بين الإبطال والإمكان وتعليق إصدار الحكم . وهذه العلوم هي : الكيمياء (134) والعرافة والكهانة والتنجيم والطرق والنيافة والزهر (135) .

  وتحمل نصوص أبي حيان التوحيدي* (المتوفى سنة 400 هجرية) مكانة مهمة في التشجير الأبستمولوجي للعلوم ، والدفاع عن العلوم الفلسفية في ديار الثقافة الإسلامية . فمثلاً نلحظه في رسالته المعنونة في العلوم ، يعرض تشجيراً جديراً بالدراسة والإهتمام ، فقد إستهل رسالته بإستهجان الموقف المتداول في عصره من المنطق والفلسفة . وهو الموقف الذي يذهب إلى إنه ” ليس للمنطق مدخل في الفقه ولا للفلسفة إتصال بالدين ولا للحكمة تأثير في الأحكام ” . وفعلاً رد التوحيدي على هذا الموقف بعبارات ساخطة ، متهماً أصحابه بالمجازفة عن طريق الصواب . إذ إن دخول المنطق في بنية الفقه ، وإتصال الفلسفة بالدين قد ” ثبت في مقدمات الألباب الصريحة ” (136) .

  كما تحدث التوحيدي في هذه الرسالة عن ” أصناف العلوم ” (137) . ونحسب إن هذا الصنف شكل كتلة وحدت وجمعت بين علوم الدين وعلوم العقل . وإن هذه الكتلة تكونت من سلسلة العلوم الأتية : الفقه ، وعلم الكلام ، والنحو ، واللغة ، والمنطق ، والطب ، والنجوم (والمقصود علم النجوم = الفلك) ، والحساب ، والهندسة ، والبلاغة والتصوف (138) . والحقيقة نرى في هذه الكتلة التي إقترحها التوحيدي ، إشكال أبستمولوجي ، وإفتقار الكتلة إلى التساوق والإنسجام (معيار أبستمولوجي) بين علوم الكتلة رغم أهمية نية التوحيدي في التوحيد بين العلوم . ولذلك فضلنا العودة إلى كتلة العلوم التي إقترحها التوحيدي ، ونضعها تحت المجهر الأبستمولوجي :

أولاً – ظهر إن كتلة العلوم تتألف من ثلاثة سلاسل ، وهي :

أ – الفقه ، وعلم الكلام ، والنحو ، واللغة

ب – المنطق ، والطب ، والنجوم ، والحساب والهندسة

ج – البلاغة والتصوف

 ثانياً – إن التأمل في هذه السلاسل من زاوية أبستمولوجية تضعنا أمام جملة حقائق ؛ منها إن التوحيدي قد وحد في هذه الكتلة من العلوم بين ” علوم الدين وعلوم العقل ” . ومن هذا المنطلق نرى إن هناك إشكال أبستمولوجي في السلسة الأولى ، حيث إن علومها لا تنتمي جميعها إلى علوم الدين ، بل ولا تنتمي كذلك إلى علوم العقل . فمثلاً علمي الفقه والكلام ينتميان إلى علوم الدين . إلا إن النحو واللغة هي من العلوم اللسانية (العربية) . وهذا التجاور بينهما ، أي بين الفقه والكلام ، والنحو واللغة ، هو تجاور الغريب إلى الغريب من زاوية التساوق الأبستمولوجي بين هذه العلوم . مع الإشارة إلى وجود التساوق الأبستمولوجي بين علم الفقه وعلم الكلام من طرف . والنحو واللغة من طرف أخر .

ثالثاً – إن علوم السلسة الثانية تنتمي إلى ما أسماه التوحيدي بعلوم العقل . إلا إن في هذا الترتيب الذي إقترحه التوحيدي ، إشكال أبستمولوجي . فمثلاً العلاقة الأبستمولوجية بين المنطق والطب والنجوم ليست بوزن العلاقة العضوية بين المنطق والحساب والهندسة (أرجو تذكر قول رسل ” المنطق هو طفولة الرياضيات ، والرياضيات هي شباب المنطق “) . والمشكل الأبستمولوجي في النظرة الفلسفية للعلوم عند المسلمين ، إنهم ضموا علم الطب والفلك إلى العلوم العقلية ، وحتى إذا قبلنا ذلك منهم على إنهم تابعوا اليونان في هذه النظرة الفلسفية في العلوم . فأن علمي الطب والفلك فيهما محتوى تجريبي ملاحظ .

رابعاً – تكونت السلسة الثالثة من البلاغة والتصوف ، وهما بالتأكيد ليسا من العلوم العقلية ، كما إن التساوق غائب بين البلاغة والتصوف ، وذلك لكون البلاغة من علوم اللسان ، والتصوف من علوم الدين . وعلى هذا الأساس الأبستمولوجي نعيد ترتيب سلاسل العلوم عند التوحيدي بالشكل الذي يتوافر فيها التساوق الأبستمولوجي والتوحيد بينها في بنية السلسة ، وبالشكل الأتي :

سلسلة علوم اللسان (العربية) ، والتي ضمت : النحو ، واللغة والبلاغة

سلسلة علوم الدين ، والتي تكونت من : الفقه ، وعلم الكلام ، والتصوف

سلسلة علوم العقل (وبرأينا إنها تتضمن محتوى تجريبي – حسي) ، والتي تتكون من سلسلتين في كتلة علوم العقل (إذا أتفقنا مع التوحيدي للمناقشة فقط وليس على أساس أبستمولوجي صرف) ؛ الأولى ضمت : المنطق ، والحساب ، والهندسة (وهي علوم عقلية صرفة) . الثانية تكونت من : الطب والنجوم (وهما بالمنظار الفلسفي اليوناني والإسلامي المتابع ، عقليان ذات محتوى تجريبي ، كما إن المنطق يمكن أن يدخل كعلم أداتي ، والحساب والهندسة أجهزة لغوية كمية لهما) .

  عرض إبن سينا (المتوفى سنة 438 هجرية) أنواعاً من التشجيرات الأبستمولوجية للعلوم في مواضع كثيرة من مؤلفاته . ففي كتاب النجاة قدم مشروعاً لتشجير العلوم إستهله بعلم المنطق ، ثم تلاه بعلم الطبيعيات ، والرياضيات والعلم الإلهي . إلا إنه  في الحقيقة أعلن في بداية النص إلى إنه سيبحث عن العلوم الأتية : ” الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية ” . إن الذي نريد قوله إنه إستهل الكتاب بتشجير رباعي ، وأعلن على الغلاف تصنيفاً ثلاثياً ” (139) .

   وفي كتاب الإشارات والتنبيهات تكلم بما يشبه تشجيراً للعلوم . فقد ذكر في الصفحة الأولى من هذا الكتاب التشجير الأتي للعلوم : المنطق ، والطبيعيات ، والإلهيات ، والتصوف (140) . وتحدث عن العلم الخاص والعلم العام (141) . والعلم الجزئي والعلم الكلي (142) . وأشار إلى مجموعة من العلوم تندرج في مضمار التصوف ، وهي ” السحر .. المعجزات ، الكرامات .. النيرنجات .. والطلسمات ” (143) .

  وتحدث في كتاب التعليقات عن نوع من التشجير للعلوم ، وهو ” المنطق ، والطبيعة ، وما بعد الطبيعة ” . وبين إن هذه العلوم تحولت لتكون موضوعاً لدراسة علم المنطق (144) . ثم ذكر نوعين من العلم تحدث فينا : علم نفساني وعلم عقلاني . وإن الأول ” علم بالفعل ” وفاعل ” للعلم الثاني ” . وإن العلم العقلي ، هو ” علم إنفعالي ” (145) .  

   وفي رسالة إثبات النبوة كتب مقدمة فلسفية يمكن أن تكون أساساً فلسفياً لتشجير العلوم . إنه أساس ربط بين القوى المعرفية والعلوم . فقد تحدث عن ” العلوم الكلية العقلية ” وعن ” العلوم الجزئية ” ، وربط كل ذلك بالقوى المتخيلة (146) . ومن ثم تقدم في كتاب منطق المشرقيين بتشجير ثنائي للعلوم ، يحمل في أطره العامة نوعاً من التجديد ، فذهب إلى إن العلوم منها : ” علوم مؤقتة وعلوم دائمة ” (147) . وسكت ولم يذكر شيئاً عن العلوم المؤقتة . غير إنه شجر العلوم الدائمة إلى إصول وفروع . وذكر من علوم الفروع الفلاحة والطب . وجعل الإصول تشمل العلوم الإلهية ، والمنطق ، والعلوم المطلوبة لذاتها وهي العلوم الفلسفية . ومن ثم تقدم بتشجير العلوم المطلوبة لذاتها (أو العلوم الفلسفية) وذهب إلى إنها نوعين : علم نظري وعلم عملي (148) . ونحسب إن هذا التشجير السينوي سيكون له صدى في تشجيرات العلوم عند إبن خلدون .

  وعرض في رسالة في الطبيعيات ، التقسيم الثنائي المعروف للحكمة (الفلسفة) : حكمة نظرية وحكمة عملية . ومن ثم تقدم بتشجير ثلاثي للحكمة العملية : حكمة مدنية ، ومنزلية وخلقية . ووضع تشجيراً ثلاثياً للحكمة النظرية : حكمة طبيعية وحكمة رياضية والفلسفة الأولى (149) .   

الهوامش :

69 – جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج مافي القوة إلى الفعل / منشور في كتاب مختار رسائل جابر بن حيان ، تحقيق بول كراوس (مكتبة الخانجي 1354 هجرية) ، ص 100

70 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق

71 – المصدر السابق

72 – المصدر السابق ، ص ص 47 – 48

73 – الكندي ؛ رسالة في كمية كتب أرسطو / منشورة في كتاب ” رسائل الكندي الفلسفية ” حققها محمد عبد الهادي أبو ريدة ، مصر 1955 ، ص 64

74 – المصدر السابق / وهده الكتب هي (الرياضية والمنطقية والطبيعية وما بعد الطبيعة)

75 – المصدر السابق ، ص ص 369 – 370 ، 377 ، 368 ، 369

76 – الكندي ؛ رسالة في ماهية النوم والرؤيا (المصدر السابق) ، ص 293

77 – الكندي ؛ رسالة في حدود الأشياء ورسومها (المصدر السابق) ، ص 171

78 – أبو ريدة ؛ المقدمة لرسائل الكندي الفلسفية (المصدر السابق) ، ص 9

79 – للتعرف على موقف الكندي المتأرجح أنظر مثلاً إرتباط الكيمياء بشخص الكندي أبو ريدة ، مقدمة الرسائل ، ص 1 . إلا إن عمر فروخ يرى إن الكندي ألف ” رسالة في بطلان صناعة الذهب والفضة وخدعهم ” / فروخ ؛ عبقرية العرب في العلم والفلسفة ، بيروت 1969 ، ص 105

80 – محمد عبد اللطيف العبد ؛ إصول الفكر الفلسفي عند أبي بكر الرازي ، مكتبة الأنجلو المصرية 1970 ، ص 23 . كما ذكر دلك ماكس مايرهوف ؛ من الإسكندرية إلى بغداد (مصدر سابق) ، ص 45  

81 – الرازي ؛ كتاب الطب الروحاني / منشور في كتاب ” رسائل فلسفية لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي ” ، نشرة بول كراوس ، مصر 1939 ، ص 18

82 – المصدر السابق

83 – المصدر السابق ، ص 28

84 – المصدر السابق ، ص 29

85 – المصدر السابق ، ص 43

86 – الرازي ؛ كتاب السيرة الفلسفية / منشور في رسائل الرازي الفلسفية ، ص 99

87 – المصدر السابق ، 108

88 – المصدر السابق ، ص ص 108 – 109

89 – المصدر السابق ، ص ص 109 – 110

90 – مناظرة بين أبي حاتم الرازي وأبي بكر الرازي / منشورة في رسائل الرازي الفلسفية (مصدر سابق) ، ص ص 293 – 294

91 – مناظرة مع أحد شيوخ علم النحو / المصدر السابق ، ص 294  

92 – العبد ؛ المصدر السابق ، ص 207

93 – المصدر السابق ، ص 175

94 – المصدر السابق ، ص 176

95 – الرازي ؛ الطب الروحاني ، ص 83

96 – الرازي ؛ السيرة الفلسفية ، ص ص 108 – 109  

97 – الفارابي ؛ إحصاء العلوم ، حققه عثمان أمين ، ط3 ، القاهرة 1968 ، ص53  98 – المصدر السابق ، ص ص 120 – 122

99 – الفارابي ؛ رسالة التنبيه على سبيل السعادة ، دراسة وتحقيقة سحبان خليفات ، عمان 1987 ، ص 224

100 – المصدر السابق

101 – المصدر السابق ، ص 225

102 – رسائل إخوان الصفا ، ط2 بيروت 1957 ، ج1 ، ص 48

103 – المصدر السابق ، ص 49

104 – المصدر السابق ن ص 267

105 – المصدر السابق ، وقارن ذلك في الرسالة الجامعة (الرسالة السابعة) إذ تم إعادة كتابة الموقف ذاته الوارد في الرسائل الأصلية بتفاصيله . أنظر الرسالة الجامعة ، نشرة جميل صليبا ، دمشق 1949 ، ص ص 217 – 228 

106 – رسائل إخوان الصفا ، ج3 ، ص ص 432 – 436

107 – المصدر السابق ن ص 464

108 – المصدر السابق ، ص 348

109 – المصدر السابق ، ج4 ، ص 16

110 – المصدر السابق ، ص ص 286 – 287

* العامري هو أبو الحسن محمد بن يوسف ، وقد وضعه الشهرستاني جنباً إلى جنب مع كبار فلاسفة الإسلام ، أمثال الكندي والفارابي وإبن سينا . أنظر : العامري ؛ كتاب الأعلام بمناقب الإسلام ، تحقيق ودراسة أحمد عبد الحميد غراب ، القاهرة 1967 / من المقدمة ، ص 6 ، 21 .

111 – العامري ؛ المصدر السابق ، ص 84  

112 – المصدر السابق

113 – المصدر السابق ، ص 85

114 – المصدر السابق ن ص ص 87 – 88   

** – هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي .

115 – الكاتب الخوارزمي ؛ مفاتيح العلوم ، عني بتصحيحه ونشره للمرة الأولى إدارة الطباعة المنيرية ، مصر 1342 هجرية ، ص 4

116 – المصدر السابق ، ص 5

117 – المصدر السابق ، ص 79

118 – المصدر السابق ، ص ص 79 – 80

119 – المصدر السابق ، ص 80

* من أساتذته : متى بن يونس ، والفارابي . ومن تلامذته مسكويه وأبو حيان التوحيدي أنظر : يحيى بن عدي : تهذيب الأخلاق ، بغداد 1992 ، ص 5

120 – تفسير يحيى بن عدي للمقالة الأولى من كتاب أرسطوطاليس / منشور في كتابه رسائل فلسفية للكندي والفارابي وأبن باجة وأبن عدي ، تحقيق عبد الرحمن بدوي بنغازي 1971 ، ص 176

121 – المصدر السابق ، ص 171

* * هو أبو علي أحمد بن محمد مسكويه

122 – مسكويه ؛ تهذيب الأخلاق ، تحقيق قسطنطين زريق ، بيروت 1960 ، ص 49

123 – المصدر السابق ، ص ص 39 – 40

 124 – المصدر السابق ، ص 49

125 – المصدر السابق ، ص 72

126 – مسكويه ؛ الفوز الأصغر ، تحقيق عبد الفتاح أحمد فؤاد ، بنغازي 1974 ، ص ص 66 – 67

127 – المصدر السابق ، ص 67

128 – المصدر السابق ، ص 16

129 – المصدر السابق ، ص 19

130 – المصدر السابق ، ص 20

131 – المصدر السابق ، ص 60

132 – المصدر السابق ، ص 110

133 – أبو حيان التوحيدي ومسكويه ؛ الهوامل والشوامل / نشرة أحمد أمين والسيد صقر ، القاهرة 1951 / والهوامل هي أسئلة التوحيدي ، والشوامل هي أجوبة مسكويه عليها / والكتاب موجز لكثير من موضوعات الفلسفة .

134 – المصدر السابق ، ص ص 325 – 327

135 – المصدر السابق ، ص ص 339 – 340

* هو أبو حيان (علي بن محمد بن العباسي التوحيدي)

136 – أبو حيان التوحيدي ؛ الرسالة الثانية ” في العلوم ” / منشورة في كتاب رسالتان للعلامة الشهير أبي حيان التوحيدي ، ط1 ، مطبعة الجوائب ، قسطنطينية 1301 هجرية ، ص 201

137 – المصدر السابق

138 – المصدر السابق  

139 – إبن سينا ؛ النجاة ، ط2 ، مطبعة السعادة 1938 ، ص 302

140 – إبن سينا ؛ الإشارات والتنبيهات ، تحقيق سليمان دنيا ، القسم الأول / القاهرة بلاتاريخ ، ص 159

141 – المصدر السابق ، ص ص 530 – 531

142 – المصدر السابق ، ص ص 532 – 533

143 – المصدر السابق ، القسمان الثالث والرابع ، ص 901

144 – إبن سينا ؛ التعليقات ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، القاهرة 1973 ، ص 167

145 – المصدر السابق ن ص 193

146 – إبن سينا ؛ إثبات النبوات ، تحقيق ميشال مرموره ، بيروت 1968 ، ص 127

147 – إبن سينا ؛ منطق المشرقيين ، القاهرة 1911 ، ص 5

148 – المصدر السابق ، ص ص 5 – 7

149 – إبن سينا ؛ رسالة في الطبيعيات ، منشورة ضمن تسع رسائل ، القسطنطينية 1928 ، ص 2 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)

الفكر الأبستمولوجي في مرحلة النقد الفلسفي الإسلامي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  شارك أصحاب الإتجاه النقدي للفلسفة في عملية تشجير العلوم ، ومما يُلاحظ على تشجيراتهم إنها حملت سمات من التجديد على ما قدمه الفلاسفة . والحقيقة إن أعمالهم تميزت بسمتين : الأولى قامت بمراجعة تشجيرات الفلاسفة والوقوف عليها . والثانية رسم تشجيرات للعلوم تعكس هوية إسلامية . فمثلاً التشجير الذي تقدم به إمام الحرمين الجويني (419 – 478 هجرية) يتصدر أعمال نقاد الفلاسفة . فقد عرض في باب أحكام النظر ، وباب حقيقة العلم من كتاب الإرشاد جهداً أبستمولوجياً لتشجير العلوم متقدماً على الغزالي (150) .

  وفعلاً تقدم الجويني بتشجير ثنائي للعلم : العلم القديم والعلم الحادث ، ثم عرض بعد ذلك تشجيراً ثلاثياً للعلم الحادث : الضروري والبديهي والكسبي (151) . وفي فصل بعنوان ” في القوى والعقول ” ناقش أراء الفلاسفة وذكر بعض علومهم ، فبدأ بالحديث عن موضوعات الفيزياء (الطبيعيات) ، وإنتقل إلى الإلهيات ، ومن ثم ذكر ” الرياضيات التي هي من خواص الأعداد والهندسة ، وعلم الألحان ” (152) . وفي وصفه علوم الفلاسفة أشار إلى إمكانية أن يتقدم الدرس الرياضي (الرياضيات) على علم الإلهيات (153) . ومن ثم إعترف بإمكانية قيام بعض العلوم ، مثل : السحر (154) والتنجيم (155) وعلم التاريخ (الأخبار) (156) .

  ومن ثم جاء الغزالي  (450 – 505) فعرض في كتبه صوراً مختلفة من التشجيرات الأبستمولوجية للعلوم . ففي كتاب الإحياء تقدم بتشجير ثنائي للعلوم ، وهما علم المعاملة وعلم المكاشفة (157) . وفي كتاب جواهر القرآن وضع تشجيراً ثنائياً جديداً للعلوم ، هي : علم الصدف وعلم الجوهر (158) . وفي الرسالة اللدنية ، وبالتحديد في الفصل المعنون ” في أصناف العلم وأقسامه ” عرض تشجيراً ثنائياً للعلم ، وهما : علم ” شرعي وعقلي (159) . وفي كتاب المنقذ من الضلال ذكر أربعة علوم ، هي : علم الكلام ، وتعاليم الباطنية ، وعلوم الفلاسفة وعلم الصوفية (160) . وفي كتاب المقاصد ردد التشجير الرباعي للعلوم ، وهو بالطبع التشجير المتداول عند الفلاسفة ، والذي يتكون من : ” الرياضيات والمنطقيات ، والطبيعيات والإلهيات ” (161) .

   وبعد الغزالي جاء الشهرستاني (479 – 548 هجرية) في تاريخ النقد الفلسفي الإسلامي . ويُلاحظ إن الرجل في كتابه مصارعة الفلاسفة ، قد عرض نوعاً من التشجير الثلاثي للعلوم الفلسفية ، وهي : المنطق والطبيعيات والإلهيات (162) . ثم تكلم عن ثلاثة أنواع من العلوم ، وهي : العلم الضروري والعلم النظري (163) وعلم النبوات ، وجعل العلم النظري يستند إلى العلم الضروري (164) . ورأى إن علم النبوات يحتل ” أول المرتبة ” إذا ” عددناه من جنس العلوم الحاصلة ” (175) .

  وتحدث عن أنواع أخرى من العلوم ، منها (علم البارئ) (166) ، وعلم واجب الوجود ، وإنه علم فعلي ، وهو متميز من “ العلم الإنفعالي ” (167) . وهنا فرق بين العلم العقلي والعلم الإنفعالي ، وذلك لأن الإنسان يحتاج إلى ” القدرة والألات ” ، ولهذا لايمكن أن يكون ” علمه فعلياً ” ، بل ” علومه كلها إنفعالية ” (168) . ومن ثم فرق بين نوعين من العلوم : العلم الكلي والعلم الجزئي . وكان الأساس المعتمد في التفريق بينهما ، هو موضوع العلم (169) . ولذلك ذهب إلى إن العلم الجزئي مندرج تحت العلم الكلي ، وذلك من طرف ” التضمن فيصير الكل معلوماً له على هذا الطريق ” (170) . وإن العلم بالكلية ثابث ، وإن العلم بالجزئية متغير (171) .

  وفي حديثه عن بعض العلوم المتداولة في دائرة التفكير الإسلامي يومذاك ، تأرجح قراره بين الإعتراف بقيامها والتشكيك بها . وهذه العلوم هي : التنجيم وعلم السحر والطلسمات (172) .

   وتقدم أبو البركات البغدادي (المتوفى سنة 547 هجرية) في كتابه المعتبر ، بصور مختلفة من التشجير الأبستمولوجي للعلوم . فقد عرض أولاً تشجيراً للعلوم الحكمية ، والذي يتكون من ثلاث علوم : الوجودية والطبيعية والإلهية (173) ونحسب إن البغدادي قد وقع هنا ضحية في تداول الإصطلاحات ، خصوصاً إصطلاحي الوجودية والطبيعية (وكذلك اصطلاح الإلهية بحدود أقل) . والحقيقة إن نصوصه اللاحقة قد أدركت هذا الإشكال في تداول الإصطلاحات ، وذلك من خلال التخلي عن إصطلاح الوجودية ، ومن ثم العودة إلى إصطلاحات الفلاسفة الكلاسيكية (التقليدية) . وفعلاً فقد جاءت العودة إلى جادة إصطلاح الفلاسفة من خلال إستدراك البغدادي وتقديمه العلوم المنطقية على العلوم الوجودية (174) . بل ونحسب في مخططه الجديد للعلوم قد تخلى عن إصطلاح العلوم الوجودية لصالح العلوم المنطقية والعلوم الطبيعية . وهذا التخلي قد تجسد في تقسيم كتابه المعتبر على أساس النبض الثلاثي للعلوم الفلسفية الكلاسيكية . فالقسم الأول ” يشتمل على العلوم المنطقية والقسم الثاني يشتمل على العلوم الطبيعية والقسم الثالث يشتمل على علم مابعد الطبيعة والعلم الإلهي ” (175) .

  لقد كان البغدادي قارئاً جيداً لكتاب الميتافيزيقا للفيلسوف اليوناني أرسطو وشروحه المنقولة إلى دار الثقافة الإسلامية يومذاك ، إضافة إلى التأليفات الفلسفية الإسلامية في مضمار الميتافيزيقا . والذي نريد أن نقوله هنا إن العقل الفلسفي الإسلامي وكذلك تراث دوائر النقد الفلسفي الإسلامي قد عاشا مكابدة أبستمولوجية في قبول إصطلاح الميتافيزيقا (مابعد الطبيعة) اليوناني والهابط إليهم عبر الترجمات ، ومحاولة نحت مصطلح عربي خاص يعبر عن مضمار الميتافيزيقا . والفيلسوف كان عارفاً إن مصطلح العلم الإلهي (بديلاً عن إصطلاح مابعد الطبيعة) فيه تحجيم للإصطلاح الفلسفي العتيد . ومن المعروف إن كتاب الميتافيزيقا جاء بعد كتب الفيزيقا (وهذا حدث على يد طلاب أرسطو الذين جمعوا أولاً رسائل وكتب أرسطو في الطبيعة أو الفيزيقا ، ومن بعد ذلك جمعوا كتبه ورسائلة الأخرى ولكونها جاءت بعد كتب الفيزيقا ، تم إطلاق إصطلاح كتب ما بعد الفيزيقا أو الميتافيزيقا باليونانية). وفي طرف من كتاب أرسطو في الميتافيزيقا ، ناقش الفيلسوف اليوناني طبيعة ووجود والأدلة على وجود ” المحرك الذي لا يتحرك ” والذي يقابل الله عند المسلمين الذين بدورهم فضلوا إطلاق إصطلاح العلم الإلهي بديلاً عن الإصطلاح اليوناني ميتافيزيقا* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * إن إصطلاح الميتافيزيقا مشتق من الكلمتين اليونانيتين :  ميتا وتعني بالعربية ماوراء أو مابعد أو فوق . وكلمة فيزيكا أو فيزيقا أي الطبيعة . وتاريخياً فإن الميتافيزيقا إستعملت لأول مرة عنواناً لمجموعة من مؤلفات الفيلسوف اليوناني أرسطو . ومن الثابت إن مؤلفات أرسطو قد جمعت ووضع في مجموعات ، وأولى هذه المجموعات التي نظمت هي كتب أرسطو ورسائله وفصوله في الفيزياء . ومن بعد نشرها تم جمع مؤلفات أرسطو الأخرى في مجموعة أخرى ، والتي تم نشرها تحت عنوان الميتافيزيقا ، أي الكتب التي جاءت بعد كتب الفيزياء (وبذلك توافرت لنا نشرتان لمؤلفت أرسطو تحت عنوانين : الفيزيقا والميتافيزيقا . والحقيقة إن أرسطو لم يستخدم مصطلح الميتافيزيقا ولم يطلقه عنواناً على  الموضوع الذي درسته مؤلفاته على الإطلاق ، وإنما كان يتداول مصطلحاً أخر للإشارة إليها ، وهو مصطلح الفلسفة الأولى .

  ولعل إندرنيقوس الروديسي (إزدهر 69 قبل الميلاد ، وهو الرئيس الحادي عشر للمدرسة المشائية في روما) هو الناشر الأول (وفق تنظيم جديد) لأعمال أرسطو ، قد تيقن بأن كتب الفلسفة الأولى ، هي الكتب التي جاءت تماماً بعد كتب الفيزيقا ، فأطلق عليها بايبليا ميتافيزيكا ، أي مجموعة الكتب التي جاءت بعد مجموعة كتب الفيزيقا . وقد لاحظ الأكاديميون الغربيون بأن خطأ قد وقع في قراءة الميتافيزيكا على يد المدرسيين اللاتين ، فذهبوا إلى إن الميتافيزيقا هو ” العلم الذي يبحث فيما وراء العالم الفيزيائي ” .

   والميتافيزيقا الأرسطية تقليدياً تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

الأول – الأنطولوجيا : وهي تبحث في الوجود ، وتتضمن تعريف وتصنيف الموجودات ، الفيزيائية منها والعقلية ، وطبيعة خصائصها ، والتغيير الذي تتعرض له.

الثاني – اللاهوت الطبيعي : وهو دراسة الله أو الألهة ، والتي تتضمن موضوعات عدة ، منها موضوعات تعالج طبيعة الدين والعالم ، وجود الإلهي وأسئلة حول الخلق ، وقضايا متنوعة تتعلق بالجوانب الدينية والروحية التي تخص البشر على وجه العموم .

الثالث – العلم الكلي : والذي يدرس المبادئ الأولية ، مثل قانون عدم التناقض (وهو واحد من أهم ثلاثة قوانين منطقية : وهي على التوالي قانون الذاتية والثالث المرفوع وبالطبع قانون عدم التناقض) وحسب رأي أرسطو إنه الأساس لجميع الأبحاث اللاحقة.

(الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الميتافيزيقا : إصطلاح وتاريخ / وهو جزء من مدخل كتبه في 13 نوفمبر 2012) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  من كل هذه المقدمة نود أن نقول بأن البغدادي كان عارفاً بهذا الإشكال الأبستمولوجي وحدود الميتافيزيقا (مابعد الطبيعة) والعلم الإلهي . وفعلاً فإن البغدادي في مناقشاته قد ردد أطرافاً من هذا الإشكال الأبستمولوجي في الإصطلاح الفلسفي العتيد وحدوده الإسلامية . مع الإشارة إلى إن البغدادي في نهاية نصه السابق كان في أعلى درجات الدقة والموضوعية عندما قال : إن ” القسم الثالث يشتمل على علم مابعد الطبيعة والعلم الإلهي ” . وهذا يعني من طرف أخر إنه جلب إلى مداركنا الإشكال الأبستمولوجي بين إصطلاحي الميتافيزيقا (علم مابعد الطبيعة) وإصطلاح العلم الإلهي وظل محافظاً على هذا الإشكال لأنه عارف إن الميتافيزيقا أوسع من حدود العلم الإلهي .  والشاهد إن البغدادي رأى إن العلم الإلهي (وهنا زل فهم البغدادي عن جادة الدقة في تداول الإصطلاح ، وكنت أفضل أن يستخدم علم مابعد الطبيعة أو الميتافيزيقا) ، هو علم المبادئ والكليات قبل الجزئيات ، وإنه ” العلم الكلي” (وهذه هي حدود علم الميتافيزيقا وليس العلم الألهي) . والطرف الأخر من مناقشة البغدادي إنها أسست على حدود علم الميتافيزيقا مشروع دفاع عن العلم الإلهي وهذا طرف مختلف تماماً . وفعلاً إنطلق البغدادي من كل ذلك للقول : إن ” المبادئ تتقدم على ذوات المبادئ ” ، ومن ثم إستنتج إن العلم الإلهي ” يتقدم بالطبع على سائر العلوم ” (176) . حقيقة إن مثابرة البغدادي كانت في غاية الأهمية وخصوصاً في إثارة المناقشة حول الإشكال الأبستمولوجي بين علم مابعد الطبيعة والعلم الإلهي ، وهو جهد نثمنه رغم محاولة الدوران والترجيح التراجيدي للعلم الإلهي على حساب علم مابعد الطبيعة ، فإنها في المحصلة النهائية مثابرة نقدية كافية في حدودها التاريخية وحجم الحرية المسموح به للبغدادي والفلاسفة في عصره .

  ومن ثم عرض البغدادي في الفصل الخامس المعنون ” في موضوعات العلوم ومطالبها ومسائلها ومباديها ” تشجيراً أخراً للعلوم . وهذه المرة إعتمد موضوع العلم أساساً للتشجير ، وبالطبع كان تشجيراً ثنائيا : ” العلم النظري والعلم العملي ” (177) . وتكلم في الفصل السادس المعنون ” في ترتيب العلوم الحكمية وما تشترك فيه وما تفترق به ” عن تشجير أخر للعلوم . وهذه المرة إستند إلى ” الموجود ” . فتقدم بتشجير ثنائي ” موجود في الأعيان ، وموجود في الأذهان ” . وعلى هذا الأساس نظر إلى العلوم على إنها علوم ” وجودية لما في الأعيان وذهنية لما في الأذهان ” (178).

  وفي حديثه عن العلوم الحكمية ، ذكر إن علم المنطق ” يشتمل على علوم ” . وإن علم الطبيعيات (الفيزياء) ” يشتمل على علوم بأصناف المحسوسات الوجودية ” . وإن علم الرياضيات ” يشتمل على علوم ذهنية ” . وإن علم الإلهيات (وهو العلم الكلي) الذي ” ينظر في المبادئ الأول وبداية الخلق كيف هي ويعرف الموجود من حيث هو موجود ” (179) .  

  إنتقل بعد ذلك إلى العلوم الذهنية ، فأشار إلى إنها على نوعين :

أولاً – علوم ذهنية صرفة :

       وهي التي ” لا يتعدى حكمها ما في الأذهان ” . ويذكر من علومها : ” علم العلم ” وهو ” المنطق الذي يفيد القوانين الواجبة في العلم ” . و العلم الرياضي وهو ” علم الكميات التي هي المقادير والأعداد ” (180) .

ثانياً – العلوم الذهنية – الوجودية :

     وهي التي ” يتعلق حكمها بأشياء وجودية ” وذكر من علومها : ” علم هيئة الأفلاك ” (181) .

   ومن ثم تقدم بتشجير ثلاثي للعلوم ، تترتب فيه حسب درجات ” علميتها ” ، وهي : ” علم الأعيان الوجودية ، وعلم الصور الذهنية ، وعلم الألفاظ ” (182) . وعرض بعد ذلك تشجيراً ثلاثياً آخراً : ” علم الموجودات ، وعلم المعلومات ، وعلم العلم ” . وعلى أساس هذا التشجير الأبستمولوجي ، حدد أنواع العلم : ” فعلم الموجودات فيه من الطبيعيات والإلهيات ” و ” علم المعلومات قيل فيه علم النفس ” و ” علم العلم فيه الفن المنطقي ” (183) .

  وذهب في إمكانية قيام بعض العلوم مثل : علم الفراسة (184) وعلم النفس (185) وإنه لم يمانع من إمكانية أن يكون المنطق وهو علم العلم ” مبحثاً من العلم الرياضي ” (186) . ورأى إن هناك إمكانية من قيام الفلسفة العملية (187) . وعلى نحو خاص ” علم الأخلاق ” وكذلك علم الطب (188) وأحكام النجوم (189) . وفيما يخص علمي الطب وأحكام النجوم فقد خرج البغدادي على التقليد الفلسفي الإسلامي في ضمهما إلى الفلسفة العملية .

   أما علم الكيمياء فإن إفادات البغدادي تقدمه متأرجحاً بين إمكانيه قيامه ، وخاصة لمن ” تعلم العلم الطبيعي ” ولذلك إستنتج بأن من ” لم يعرف الكيمياء فقد عدم من شجرته أشرف ثمارها ” (190) وبين الشك في إمكانية قيامها ، فقال : هي ” ألفاظ تدل على أوهام لا حقائق لها ” (191) .

  وجاء فخر الدين الرازي (554 – 606 هجرية) فيما بعد وعرض في كتابه معالم إصول الدين ، ما يشبه أن يكون تشجيراً للعلوم . فقد ذكر إن هناك ” خمسة أنواع من العلوم المهمة ” ، ووضعها بالترتيب الآتي : علم إصول الدين ، وعلم إصول الفقه ، وعلم الفقه ، والإصول المعتبرة في الخلافيات ، وإصول معتبرة في آداب النظر والجدل (192) .

  وأشار في الباب السابع المعنون ” في النبوات ” إلى إن ” القرآن كتاب شريف بالغ في فصاحة اللفظ وفي كثرة العلوم . فإن المباحث الإلهية واردة فيه على أحسن الوجوه وكذلك علوم الأخلاق وعلوم السياسات وعلم تصفية الباطن ، وعلم أحوال القرون الماضية ” (193) .

  وقدم في مراتب النفوس (وبالطبع إن مجمل الأبحاث اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي والإسلامية المتابعة تُؤكد على الأساس النفسي للأبستمولوجيا وعلى هذا الأساس فضلنا أن نطلق عليها إصطلاح الأبستمولوجيا الفلسفية) ما يشبه أن يكون تشجيراً أبستمولوجياً للعلوم . والواقع إن تشجيره ينهض على التمييز بين القوتين النظرية والعملية . وفعلاً فقد بين إلى إن هناك علاقة بين النفوس وعلوم القوة النظرية . ورأى إن النفوس والعلوم تكون على أربعة أنواع ، وذلك ” بحسب أحوال قوتها النظرية ” : أشرفها ” النفوس الموصوفة بالعلوم القدسية ” . وتأتي بعدها النفوس ” التي حصلت لها إعتقادات حقة في الإلهيات ” . وتقوم هذه الإعتقادات عن طريق الإقناع أو التقليد . وفي المرتبة الثالثة تأتي ” النفوس الخالية عن الإعتقادات الحقة والباطلة (المحايدة) ” . وتحتل المرتبة الرابعة ” النفوس الموصوفة بالإعتقادات الباطلة ” (194) .

  كما ذهب إلى إن هناك علاقة بين النفوس وعلوم القوة العملية . وهنا ذكر إلى إن النفوس والعلوم تتمظهر في ثلاثة أنواع ، وذلك ” بحسب أحوال قوتها العملية ” : الأولى ” النفوس الموصوفة بالأخلاق الفاضلة ” . والثانية ” النفوس الخالية عن الأخلاق الفاضلة والأخلاق الردية (المحايدة) ” . والثالثة ” النفوس الموصوفة بالأخلاق الردية ” (195) .

  ومن الملاحظ على تشجير الرازي للعلوم ، إنه إستبطن التشجير الأبستمولوجي الذي تقدم به الفلاسفة للعلوم ، وهي : نظرية وعملية . وكذلك كان الأساس النفسي لتشجير

العلوم عند الفلاسفة حاضراً في دائرة تفكيره . إلا إن من الملاحظ على تشجيره كذلك ، إنه كان ناقصاً . فقد ذكر الإلهيات علماً متفرعاً وحيداً من العلوم النظرية . وإن الأخلاق كان العلم الوحيد المتفرع من العلوم العملية .

  ورأى بإمكانية قيام بعض العلوم ، فقد ذكر ” علم المنطق والهندسة ” (196) . و ” الطلسمات ” (197) . وأشار إلى بعض الإصطلاحات الدالة على العلوم ، منها ” العلوم الدقيقة ” (198) و ” علم الأحكام والسياسة لضرورتها في المعيشة ” (199). وفعاليات ” أصحاب الإكسير ” (الكيمياء) (200) وعلم التاريخ الذي أطلق عليه إصطلاح ” علم أحوال القرون الماضية ” (أنظر هامش رقم 193) .

  ومن ثم تابع خط النقد الفلسفي السهروردي* (549 – 587 هجرية) وقدم في مؤلفاته فيما يخص التشجير الأبستمولوجي للعلوم ، صوراً مختلفة . ففي كتاب اللمحات بحث في موضوعات الفلاسفة ، وعرض في هذا الكتاب والذي يتكون من فصوله الثلاثة تشجيراً ثلاثياً للعلوم . إلا إنه في هذا التشجير قد تجاهل العلم الرياضي . ومنح المنطق مكانة متقدمة على العلوم . وإذا رجعنا إلى الكتاب ، فإننا نجد إنه قد خصص الفصل الأول والمعنون العلم الأول لدراسة المنطق (201) . وتناول في الفصل الثاني العلم الثاني ، وهو العلم الطبيعي (202) . أما في الفصل الثالث والموسوم بالعلم الثالث ، فقد عالج ما بعد الطبيعة (203) . وكان السهرودي دقيقاً جداً في إصطلاحه (ما بعد الطبيعة = الميتافيزيقا باليونانية ولم يذكر إصطلاح الإسلاميين الإلهيات) والذي بز فيه أصحاب النقد الفلسفي وكذلك عدد من فلاسفة الإسلام .

   وفي كتابه التلويحات تقدم بنشجير ثنائي للحكمة ، وهو التشجير المتداول لدى الفلاسفة : الحكمة النظرية والحكمة العملية (204) . ثم عرض تشجيراً ثلاثياً للحكمة العملية : حكمة خلقية ، وحكمة منزلية وحكمة مدنية (205) . وتقدم بتشجير ثلاثي لعلوم الحكمة النظرية : العلم الأعلى والحكمة الوسطى والعلم الطبيعي (206) .

  وبحث في العلوم الشريفة ، وبدأ بالإشارة إلى المواقف المتداولة في عصره حول العلوم الشريفة ، فذكر موقفين :

الأول – موقف من يرى ” إن الطبيعي أشرف من الرياضي ” .

الثاني – موقف يعتقد ” إن الرياضي أشرف ” .

والسهرودي يرى إن كلا الموقفين ” فيه خلل ” (207) . وذلك لأن ” الرياضي من حيث إنه أقرب إلى التجرد (منا : هذا أساس أبستمولوجي) عن المادة فهو أشرف ” . وإن ” الطبيعي فهو من حيث إنه يبحث من جهة المبدأ للحركة والسكون (منا : هذا أساس أبستمولوجي) ، وهو أمر جوهري أشرف ” .  ولما كان العلم الرياضي ” بحثاً عن الكم والكيف ” فهو ” عرض ” ولا شك ” إن الجوهر هو أشرف من العرض ” (208) .

   ونحسب إنها مناقشة سهرودية أبستمولوجية في طرفها الأول ، والتي نهضت على حجة التفريق الأبستمولوجي بين المجرد والمرئي . وإنها مناقشة سهرودية فلسفية جدلية في طرفها الثاني ، والتي إستندت إلى حجة التمييز بين الجوهر والعرض وهما من مقولات الفيزيقا – الميتافيزيقا الأساسية ، واللذان يندرجان في مضمار فلسفة العلوم اليونانية والإسلامية . وعلى هذا الأساس وبحدود هذه المناقشة سجل السهرودي إسمه رمزاً من رموز الفلسفة العلمية الإسلامية . وفي الختام نشير إلى إن السهرودي تأمل في إمكانية قيام بعض العلوم ، فإقترح منها : السحر والنيرنجيات والطلسمات (209).

  جاء بعد ذلك إبن تيمية (661 – 728 هجرية) ، فتقدم بتشجير أبستمولوجي ثنائي :

 الأول – العلم العملي :

     ومن ثم تقدم بتحديد ماهيته ، فذهب معلقاً : إنه ” ما كان شرطاً في حصول المعلوم كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله ، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه ” .

الثاني – العلم الخبري النظري :

    وفي مثابرة إبن تيمية في تفريق العلم الخبري عن العلم العملي ، رأى إن جوهر هذا العلم ، هو ” ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى العلم به كعلمنا بوحدانية الله تعالى … والشرع مع العقل هو من هذا الباب ” (210) .

  وفي حديثه عن الأدلة الشرعية والعقلية ، كان التشجير الثنائي للعلوم حاضراً عنده ، وبالتأكيد يتكون من علوم : شرعية وعقلية (211) . ثم ذكر مجموعة علوم ، وهي : إصول الدين ، والكلام ، والعلوم العقلية ، والحكمة . عاد بعد ذلك فأشار إلى العلوم الكلية والمعارف الإلهية والحكمة الحقيقية أو الفلسفة الأولية (212) والعلم الإلهي (213) وعلم الفقه والحديث والتصوف (214) . ولعل القارئ يلحظ إن إبن تيمية في حديثه عن العلوم فيها مزج بين علوم الفلاسفة (العقلية) وعلوم الدين (الشريعة) . وهذا المزج يقدم شاهداً على إن دائرة تفكير إبن تيمية قد إستبطنت في سلسلة العلوم التي قدمتها علوم الفلسفة والفلاسفة التي نازعها في معظم كتاباته الأشعرية . وفي هذا الإستبطان ربح للفلاسفة على حساب الفكرانية الأشعرية التي تشربها إبن تيمية منهجاً وفكرانية .

 ومن الشواهد على إستبطان علوم الفلاسفة ، حديث إبن تيمية عن علم الهيئة فرعاً من الرياضيات . وتستمر شواهد الإستبطان ، فقد ذكر بعد الرياضيات الطبيعيات ، ومن ثم العلم الإلهي (215) . إنه التشجير الفلسفي المتداول مئة بالمئة . ومن ثم أورد قول الفلاسفة ، والذي يذهب إلى إن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية . ورد على ذلك (216) وفي هذا الرد ترك إبن تيمية فعل الإستبطان لعلوم الفلاسفة ، وعاد إلى وظيفته الفكرانية كناقد أشعري للفلاسفة وعلومهم ، وخصوصاً مناهجهم الأبستمولوجية . ويبدو إن إبن تيمية لم يقف على عتبة صلبة في نقد علوم الفلاسفة رغم تشربه العالي للفكرانية الأشعرية ، فقد عاد إلى دائرة العلوم وتقدم بمزج جديد لعلوم العربية (وفي هذا خروج على التشجير الثائي الذي تبناه في كل أحاديثه عن العلوم ، فقد ذكرنا بأن العلوم عنده شرعية وعقلية) . ولعل الشاهد على هذا التأرجح والخروج على تشجيره الثنائي ، التشجير الثلاثي الذي تقدم به ، والذي ضم ثلاثة علوم تتوزع بين العربية والشرع والعقل ، وهي بلغة أبن تيمية : علم النحو والفقه والطب .

  ومن الشواهد الأخرى على إستبطان أحاديث الفلاسفة في العلوم وتشجيراتهم في كتابات إبن تيمية ، قائمة العلوم التي تقدم بها . ولعل في البداية نود أن نشير إلى إن شأن إبن تيمية شأن من سبقه في تاريخ تشجير العلوم في دائرة الفكر العربي الإسلامي ، يخلط بين العلم والصناعات . فقد ردد في كتاباته التشجير الثنائي المعروف للعلم أو الصناعة : الصناعات العلمية والعملية . ومن عاد إلى قوائم الفلاسفة في العلوم ، فردد نشيدهم في العلوم والقائل : إن ” العلوم العقلية الإجتهادية : كالطب والعيافة … ” (217) ويستمر إبن تيمية في تعديد علوم الفلاسفة : والحساب والهندسة والطبيعيات والإلهيات (218) .

  وأخيراً بين إبن تيمية متابعة الفلاسفة لأرسطو في تشجير العلوم . وهذا خطأ كبير وقع فيه إبن تيمية ، فإن المجلوب من كتب فلسفية ومصادر حول العلوم لم تكن أرسطية ، وإنما هي تراث أرسطو الممزوج بإفلاطونية محدثة ورواقية وأبيقورية وفيثاغورية جديدة وفلسفة الشكاك التي هيمنت في المرحلة الوسطى من تاريخ أكاديمية إفلاطون هذا طرف . وإذا قبلنا كلام إبن تيمية على إن الفلاسفة تابعوا أرسطو ، وبالتحديد حسبإفادة إبن تيمية القائلة : هي متابعة الفلاسفة لأرسطو في التصنيف الثلاثي المعروف : المنطقيات والطبيعيات ، والإلهيات (219) . فإن هنا وقع إبن تيمية في خطأ أخر ، فهذا التشجير للعلوم لم يكن تشجيراً تقدم به أرسطو ، وخصوصاً في تقديم المنطقيات . وإن قراءة بسيطة لتراث أرسطو في العلوم ، إن الفيلسوف اليوناني لا يعتبر المنطق جزء من العلوم الفلسفية ، وإنما المنطق هو آلة أو أورغانون للفلسفة .

 ومن طرف أخر عاد إبن تيمية ليباشر عمله ناقداً للفلسفة والفلاسفة ، فإعتقد إن علم الهيئة (علم الفلك) هو أصح علوم الفلاسفة ، وهو ” علم حسابي رياضي ” (220) . ومن ثم شكك في بعض العلوم ، وبالطبع من زاوية فكرانية أشعرية ، ومنها ” علم السحر ” فهو يقترن بالشياطين (221) .   

الهوامش :

150 – الجويني ؛ كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في إصول الإعتقاد ، حققه محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم ، مصر 1950 ، ص ص 3 – 11 ، 12 – 16

151 – المصدر السابق ، ص 13

152 – المصدر السابق

153 – المصدر السابق ، ص 336

154 – المصدر السابق ، ص 321

155 – المصدر السابق ، ص 361

156 – المصدر السابق ، ص 411  

157 – الغزالي ؛ إحياء علوم الدين ، مطبعة مصطفى البابي ، مصر 1309 هجرية ، ص 10

158 – الغزالي ؛ جواهر القرآن ، ط3 بيروت 1978 ، ص 8

159 – الغزالي ؛ الرسالة اللدنية / منشورة في كتاب ” القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي ” ، مصر بلاتاريخ ، ص 106

160 – الغزالي ؛ المنقذ من الضلال ، مع مقدمة بقلم جميل صليبا وكامل عياد ، ط2 دمشق 1934 ، ص 76

161 – الغزالي ؛ مقاصد الفلاسفة ، تحقيق سليمان دنيا ، القاهرة 1961 ، ص 31

162 –  الشهرستاني ؛ كتاب مصارعة الفلاسفة ، تحقيق سهير محمد مختار ، ط1 ، مطبعة الجيلاوي 1976 ، ص 18

163 – المصدر السابق ، ص 72

164 – الشهرستاني ؛ كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام ، حرره وصححه الفرد جيوم ، نشرة مكتبة المثنى ، بغداد بلاتاريخ ، ص ص 106 – 107

165 – المصدر السابق ، ص 443

166 – المصدر السابق ، ص 41

167 – الشهرستاني ؛ مصارعة الفلاسفة ، ص 89

168 – الشهرستاني ؛ نهاية الإقدام ، ص 70

169 – الشهرستاني ؛ مصارعة الفلاسفة ، ص 79

170 – الشهرستاني ؛ نهاية الإقدام ، ص 223

171 – المصدر السابق ، ص 231

172 – المصدر السابق ، ص ص 433 – 434

173 – أبو بركات البغدادي ؛ المعتبر من الحكمة ، ط1 حيدرآباد 1357 هجرية ، ج1 ، ص 4

174 – المصدر السابق

175 – المصدر السابق

176 – المصدر السابق ، ص ص 226 – 227

177 – المصدر السابق ، ص 221

178 – المصدر السابق ، ص 225

179 – المصدر السابق ، ص 226

180 – المصدر السابق

181 – المصدر السابق

182 – المصدر السابق (حيدر آباد 1358) ج3 ، ص ص 2 – 3

183 – المصدر السابق ، ص 214

184 – المصدر السابق ، ج1 ، ص 202

185 – المصدر السابق ، ج3 ، ص 122

186 – المصدر السابق ، ص 9

187 – المصدر السابق ، ج1 ، ص 222

188 – المصدر السابق ، ج3 ، ص 3

189 – المصدر السابق ، ج2 ، ص ص 231 – 232

190 – المصدر السابق ، ص 231

191 – المصدر السابق ، ص 232

192 – الرازي ؛ معالم إصول الدين / منشور بهامش كتاب ” محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والخكماء والمتكلمين ” ط1 ، المطبعة الحسينية المصرية 1323 هجرية ، ص 2

193 – المصدر السابق ، ص ص 90 – 91

194 – الإقتباسات : المصدر السابق ، ص 126

195 – المصدر السابق

196 – المصدر السابق ، ص 20

197 – المصدر السابق ، ص 72

198 – المصدر السابق ، ص 153

199 – المصدر السابق ، ص 157

200 – المصدر السابق ، ص 101

* هو شهاب الدين أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك (الفيلسوف شيخ الإشراق) / أنظر الكتاب التذكاري شيخ الإشراق ، أشرف عليه إبراهيم مدكور ، القاهرة 1974 ، ص 223

201 – السهروردي ؛ اللمحات ، تحقيق أميل معلوف ، بيروت 1969 ، ص ص 58 – 97

202 – المصدر السابق ، ص ص 98 – 121

203 – المصدر السابق ، ص ص 122 – 150

204 – السهروردي ؛ كتاب التلويحات اللوحية العرشية (العلم الثالث) ، منشور ضمن مجموعة في الحكمة الإلهية ، تصحيح هنري كوربين ، أستانبول 1945 ، ص 2

205 – المصدر السابق ، ص 3

206 – المصدر السابق

207 – السهروردي ؛ كتاب المشارع والمطارحات / منشور في كتاب الحكمة الإلهية ، ص 197

208 – المصدر السابق

209 – السهروردي ؛ التلويحات ، ص 98

210 – إبن تيمية ؛ درء تعارض العقل والنقل ، تحقيق محمد رشاد سالم ، مطبعة دار الكتب 1971 ، ج1 ، ص 88

211 – المصدر السابق ، ص 19

212 – المصدر السابق ، ص 24

213 – المصدر السابق ، ص 19

214 – المصدر السابق ، ص 60

215 – المصدر السابق ، ص 159

216 – المصدر السابق ، ص 183

217 – المصدر السابق ، ص ص 184 185

218 – المصدر السابق ، ص 140

219 – المصدر السابق ، ص 148

220 – المصدر السابق ، ص 151

221 – إبن تيمية ؛ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، تصحيح محمد عبد الوهاب فايد ، دار العلم للجميع بلا تاريخ ، ص ص 37 – 38  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

الفكر الأبستمولوجي في المغرب الإسلامي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

شكلت الفلسفة المغربية التي ولدها العقل العربي الإسلامي قبل ظهور ” إبن رشد ” البيئة الثقافية والأفق المعرفي للعصر الذي عاش فيه فيلسوف قرطبة . وكان لحضور العلوم والمعرفيات في مباني الفلسفة المغربية أكبر الأثر في تكوين ذهنية إبن رشد المعرفية والمنهجية . كما ولعبت دوراً مهماً في تنمية إتجاهاته نحو بعض العلوم وترجيح مكانتها في الخطاب الفلسفي المعرفي العلمي الذي كتبه ، والتي كان لها بالمقابل الأثر في صرف إهتمام فيلسوف قرطبة عن بعض المعرفيات والعلوم ، مما حملته على التحفظ منها أو إهمالها على الإطلاق . ولهذا نحسب إنه من النافع جداً أن نوفر بياناً نكشف فيه رصيد المعرفيات والعلوم في البيئة الثقافية التي عاش فيها إبن رشد ، وتعلم منها ، والتي في الوقت ذاته أسهمت في تكوين ذهنيته في أجواءها .

   حقيقة إن الإجابة على السؤال الأول (ما حجم حضور العلوم والمعرفيات في الفلسفة المغربية قبل إبن رشد ؟) ، تتطلب تقديم شهادات دالة من داخل المباني الفلسفية التي كتبها الفلاسفة المغاربة قبل إبن رشد . ولهذا السبب سنبدأ أولاً بتقديم شهادات دالة من داخل المباني الفلسفية التي كتبها ” إبن حزم الأندلسي ” (384 – 456 هجرية) ، وذلك لأن الأندلسي قد أسهم بفعل معرفي وثقافي متميز في تكوين البيئة الثقافية والمعرفية التي إمتدت من المغرب وحتى الأندلس . ولهذا نرى إن إبن حزم يتقدم الصفوف في الفلسفة المغربية ، ويعرض في مؤلفاته أشكالاً ملونة من المعرفيات والعلوميات في العمارة الفكرية التي شكلها فكره وكتبها يراعه ، والتي كانت متوافرة أمام أنظار فيلسوف قرطبة ، فدقق في أسسها وتفاصيلها ، ووقف على طبيعة الفكرانية الظاهرية التي إستظلت بها ، فكانت موضوع درس ونقد وتقويم ، ومن ثم إستبطان وإفادة .

  لقد تناول إبن حزم موضوع المعرفيات والعلوميات في رسائله وكتبه المختلفة وبصور متنوعة . ففي رسالة له بعنوان ” التوقيف على شارع النجاة بإختصار الطريق “ ، أشار إلى وجود موقفين من العلوم في عصره . وهنا يمكن النظر إليه كمؤرخ للإتجاهات المعرفية والعلومية المؤيدة والمخاصمة يومذاك . وتمثلت هذه المواقف من المعرفيات والعلوميات في طائفتين :

الأولى – طائفة إتبعت علوم الأوائل :

   إن المهم في الإفادات التي تقدم بها إبن حزم ، إنها حددت لنا هوية علوم الأوائل ، ووضعت في متناولنا لوحة فهم تقويمية لها . فعلوم الأوائل حسب ضبطه هي : الفلسفة والمنطق وعلم العدد وعلم المساحة وعلم الهيئة (منا : علم الفلك) . وفي تقويم إبن حزم للعلوم من زاوية الفكرانية الظاهرية ، رأى إن المنطق ” علم حسن رفيع ” (إبن حزم الأندلسي ؛ رسالة التوقيف على شارع النجاة بإختصار الطريق ” منشورة في كتاب ” رسائل إبن حزم الأندلسي ” تحقيق إحسان عباس / المجموعة الأولى / مصر بلا تاريخ ، ص 43) . وإن علم العدد ” علم صحيح برهاني . إلا إن المنفعة به إنما في الدنيا فقط ” (المصدر السابق ، ص 44) . وإن علم المساحة (الهندسة) ” علم حسن برهاني ” . وأهميته تتحدد في ناحيتين ؛ في ” فهم صنعة الأفلاك والأرض ” . وفي ” رفع الأثقال والبناء وقسمة الأرضين ونحو ذلك . إلا إن هذا القسم منفعته في الدنيا فقط ” (المصدر السابق ، ص ص 44 – 45) . وإن علم الهيئة ” علم برهاني حسي حق ” ، وتأتي منفعته من جهة ” الوقوف على أحكام الصنعة وعظيم حكمة الصانع وقدرته ” (المصدر السابق ، ص 45) .

 ويلحظ الباحث إن إفادات إبن حزم لم تكتفي بهده الشجرة من العلوم ، وإنما تقدمت بصورتين أخريين من العلوم ؛ واحدة يمكن الإصطلاح عليها بالعلوم الممكنة أو العلوم المضافة ، والتي كان ” علم الطب ” ممثلاً لها . وفي تقويمه لهذا النوع من العلم ، وجدناه يفيد ؛ إنه ” علم حسن برهاني ، إلا إن منفعته إنما هي في الدنيا فقط ” (المصدر السابق) . وهنا نسجل تحفظاتنا على إصطلاح علم برهاني ، وذلك لأن الطب في جوهره علم تجريبي إختباري ، يعتمد الملاحظة . وربما في جانب التشخيص يستند على ما نطلق علية بالإستدلال التجريبي (وفي التسميات القديمة الإستقراء) . وبالتأكيد هذا النوع من الإستدلال يختلف عن البرهان المتداول في العلوم النظرية الخالصة (المنطق والرياضيات والفيزياء النظرية) .

   أما الصورة الثانية للعلوم ، ففي الإمكان تسميتها بالعلوم الباطلة والتي يمثلها ” القضاء بالكواكب ” ، وهو حسب الإفادات التي كتبها إبن حزم : علم ” باطل لتعريه من البرهان ، وإنما هو دعوى فقط ” (المصدر السابق) . وقد لا يغيب عن الأنظار بأن البرهان في هذا الإفادات ، هو ” علم المنطق ” ، والذي سيجد له صدى قوياً في الإفادات المعرفية ، وبالتحديد المنهجية التي سيكتبها فيلسوف قرطبة .

الثانية – طائفة إتبعت علوم النبوة :

 لاحظ الباحث إن إبن حزم ، بحكم كونه صاحب مذهب إسلامي ، يدافع عن أصولية الينابيع الأولى للرسالة الإسلامية ، فإنه من الطبيعي أن يركز على منفعة ” ما جاءت به النبوة ” (المصدر السابق ، ص 43) . ولذلك رأى إن هذه المنفعة تأتي من نواح ثلاث :

1 – إصلاح الأخلاق النفسية ، والدعوة إلى الإلتزام بأفضل ما فيها . وحسب إفادات إبن حزم ، إن ذلك يتحقق من جهة تفضيل إصلاح النفس على إصلاح الجسد ، ولذلك ذهب مؤكداً على إن ” صلاح النفس ومداواتها من فسادها ، أنفع مع مداواة الجسد وإصلاحه ” . وعلى هذا الأساس إعتقد إن صلاح الأخلاق لا يتم ” بالفلسفة دون النبوة ” (المصدر السابق ، ص 46) .

2 – ضبط سلوك العباد وتصرفاتهم ، وذلك عن طريق دعوة النبوة إلى ” دفع مظالم الناس الذين لم تصلحهم الموعظة ” . وهنا تؤكد إفادات إبن حزم على إنتخاب الطريق الأسلم الذي يؤدي إلى ” صنع النظام ” ، و” إيجاد التعاطف ” ، وإن كل ذلك لا يمكن إنجازه ” بغير النبوة أصلاً ” (المصدر السابق ، ص 46) .

3 – ولعل المنفعة الثالثة من علم النبوة ، هي منفعة حسب صاحب المذهب الظاهري تتجاوز حدود هذا العالم (الدار) الدنيوي ، وتتطلع إلى إنجاز مهمة تخص العالم (الدار) الآخروي ، والتي تتمثل بالعمل على ” .. نجاة النفس فيما بعد خروجها من هذا الدار ” . وإن الأولويات من المنافع ، هي تمكين العباد من ” معرفة حقيقة الخالق ” و ” معرفة طريق خلاصنا ” . وكلا الحالتين في يقين إبن حزم لا يتحققا “ إلا بالنبوة ” (المصدر السابق) .

وعلى أساس هذين الموقفين من المعرفيات ، كون إبن حزم رؤية فكرانية (ظاهرية) ، إنطلق في ضوءها إلى وزن علوم الفلسفة وبيان جدواها ، فهي محاكمة للعلوم الفلسفية في إطار علوم النبوة التي تتسور بها فكرانية إبن حزم الظاهرية ، وهذه هي الضميمة التي تلف مجمل الموقف الظاهري من العلوم الفلسفية . ولذلك قال إبن حزم صراحة ودون تردد الباحث في مضمار البحث الفلسفي ، بل بمنطق اليقين العقيدي الظاهري : إن العلوم الفلسفية غير قادرة على إنجاز ما حققته النبوة .

    وبالإستناد إلى هذه الرؤية إشتغل على مهاجمة الأفكار النابتة في الشواطئ الفكرية المقابلة لشاطئه العقيدي ، فذهب مفنداً رأي كل من يعتقد بخلاف رأيه الظاهري ، وإنتهى الى النتيجة الرافضة للحوار والتداول مع أصحاب الشواطئ الأخرى ، الذين إتهمهم ” بالكذب ” وإفتقار حججهم للبرهان . إن كل ذلك جاء في إفادته القائلة : إن ” من إدعى ذلك فقد إدعى الكذب لأنه يقول ذلك بلا برهان ” (المصدر السابق ، ص 48) .

   ومن ثم تقدم في نص معرفي أخر ، وكان بعنوان ” رسالة في ترتيب العلوم ” ، وهي في حقيقة الأمر خطاباً في المعرفيات والعلوميات المتداولة في عصره . ومن الملاحظ على هذا الخطاب إنه إستند إلى رؤية بيداغوجية (تربوية – تعليمية) . حملت معها مشجراً للعلوم فيه إختلاف ومديات تنوع ، تقتضيها العملية البيداغوجية . فأفاد منبهاً ولافتاً إنتباه أولياء أمور المتعلمين ، وبكلماته ” من ساس صغار ولدانه ” ، على ضرورة إختيار ” المؤدب ” الذي تتوافر فيه شروط التعليم ، والعلوم التي يقوم بتعليمها لهم . ولاحظنا إن منهاج إبن حزم البيداغوجي للعلوم ، يتشكل من مساقيين : الأول ما يمكن أن نسميه بالتعليم الأولي والذي ركز على ” تعليم الخط وتأليف الكلمات من الحروف ، فإذا درب الكلام في ذلك ، درس وقرأ ” (إبن حزم الأندلسي ؛ رسالة مراتب العلوم / منشورة في كتاب رسائل إبن حزم .. / مصدر سابق / ص 63) . أما المساق التعليمي الثاني ، فأنه مشروط بتوجيه إبن حزم ، الذي يطالب المؤدب (المعلم) أن يدرس المتعلمين ، منهجاً دراسياً ، يلتزم فيه بتراتبية للعلوم وبالصورة الآتية :

” علم النحو واللغة معاً ” (المصدر السابق ، ص 64) .

” رواية شئ من الشعر ” (المصدر السابق ، ص ص 65 – 66) .

هذا هو المستوى الأول من هذا المساق التعليمي . أما المستوى الثاني وهو مرحلة تحول أو إنتقال بالمتعلم نحو شواطئ علوم أخرى بكلمات إبن حزم ، تبدأ بعلم الحساب ، ومن ثم علم الهندسة ، وإختيار مقررات دراسية مشروطة محددة . ولعل العودة إلى إفادات إبن حزم ، هي السبيل الدقيق الوحيد الذي يرسم رحلة العلوم وتراتبيتها في المنهج التعليمي للصبيان ، فتفيد :

ومن ثم ينتقل ” إلى علم العدد ”

ويأخذه في طرف ” من المساحة “

ويقرأ ” كتاب أقليدس ” (المصدر السابق ، ص 67) . (وهو كتاب في الهندسة ، فرض هيمنته تاريخياً ولفترة طويلة على دوائر التفكير العلمي ، وظهرت له شروح كثيرة ، وأثيرت شكوك حول ما يسمى ببديهية التوازي خصوصاً في العالم الإسلامي بعيد ترجمته وتداوله .. وأصبح من الكتب الدراسية الكلاسيكية في العالم الغربي في المراحل الهيلينستية ، والأسلامية والوسطى المسيحية ، وعصر النهضة والعصور الحديثة . وإن المناقشات التي حدثت حول هندسة إقليدس وما جاءت به الإكتشافات العلمية ، كل ذلك تتوج بظهور هندسات جديدة أطلق عليها الهندسات اللا إقليدية . وأقليدس هو أحد علماء الرياضيات في مدرسة الإسكندرية ، ولا تذكر المصادر سواء كانت تأريخية أم التي إهتمت بالرياضيات شيئاً عن ولادته أو وفاته ، بل كل ما تذكر إن إسمه إرتبط بكتاب الأصول .. أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس / مجلة أداب الرافدين / كلية الآداب – جامعة الموصل / العدد التاسع 1978 ، ص ص 119 – 150) .

ويطالع ” كتاب المجسطي ” ( إبن حزم : المصدر السابق ، ص 68) . ومثلما لعب كتاب إقليدس دوراً تاريخياً في مناهج التعليم في المرحلتين الهيلينستية والإسلامية ، لعب كتاب المجسطي مثل هذا الدور كذلك . ووضعت عليه الكثير من الشروح ، وإمتد أثره إلى عصر النهضة وما بعد .. والمجسطي كان من تأليف بطليموس (90 م – 168م) وتعني كلمة ” مجسطي ” الرسالة العظيمة ، وهي تتألف من أربعة كتب أو رسائل : الأولى في الرياضيات ، والثانية في الجغرافية ، والثالثة في الفلك ، والرابعة في تعديل فلسفة أرسطو الطبيعية المتداولة يومذاك لتتماشى وعلم الفلك في عصره (أنظر : كتاب مجسطي بطليموس ، ترجمه إلى الإنكليزية جيرالد جيمس تومر ، نشرة جامعة برنكتن 1984).  ولهذا الكتاب سمعة عالية في التراث العلمي العربي الإسلامي ، والذي كانت له سلطة علمية قرابة ألف عام ، وهو كتاب في علم الفلك ويعرض موديلا هندسيا لحركة الكواكب والنجوم (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / منشور على موقع الفيلسوف ومواقع عديدة / خصوصاً القسم الخاص بشهيدة الفلسفة هبيشا الإسكندرانية) .

  ونلاحظ إن إبن حزم سعى إلى تنمية التفكير الرياضي عند المتعلم ، وذلك شرطاً أو إستعداداً لنقله لمساق تعليمي أعلى ، وهو ” النظر في حدود المنطق ” . ومن ثم ينقله للنظر ” في الطبيعيات ” (إبن حزم ؛ المصدر السابق ، ص 71) . وبعد كل ذلك يسمح له بأن يطالع ” أخبار الأمم السالفة .. وقراءة التواريخ القديمة والحديثة ” (المصدر السابق ، ص ص 71 – 72) .

 كما ويرى القارئ المدقق لإفادات إبن حزم في المعرفيات والعلوميات ، إن الرجل تقدم بصياغة جديدة لتراتبية العلوم ، فيها تصعيد لبعض العلوم ، وفيها سحب وتسفيل لمكانة علوم أخرى . فمثلاً يجد في الصياغة الجديدة لتراتبية العلوم ، إن ” علم الشريعة ” يتقدمها في قمة الهرم ، ومن ثم تأتي بعدها علوم ستة ، وهي ” علم الأخبار ” و ” علم اللغة ” علم النجوم ” و ” علم العدد ” و ” علم الطب ” و ” علم الفلسفة ” (المصدر السابق ، ص 78) .

  وإفتراضاً إذا قبلنا هذه التراتبية للعلوم ، وذلك على أساس إن العلوم إستندت في تحديد مكانتها وفقاً لدرجة قربها من علوم الشريعة . وإن الفلسفة تأتي في نهاية السلم التعليمي ، حيث تكونت عقيدة المتعلم بشكل صحيح ، ولا خوف عليه من دراسة الفلسفة . فإن من الملاحظ إن العلوم ما بعد الشريعة ، والعلوم ما قبل الفلسفة تفتقد إلى كل شكل من الأساس الذي يبرر تراتبيتها بهذه الصورة التي عرضها إبن حزم . فهو لم يستند إلى معيار ” الملموس المحسوس ” صعوداً إلى طوابق المجرد العالي . و لا إلى معيار ” الذهني المجرد ” نزولاً إلى قاع الملموس الواقعي . ولذلك لم يبدأ بعلوم التجريب والواقع ، ومن ثم يرتقي حيث علوم التجريد ، وهي علوم الرياضيات التي تمهد المتعلم إلى دخول الدرس الفلسفي . على كل إن غياب هذا الأساس المعيار ، هو قدر الإفادات التي كتبها فيلسوف الفكرانية الظاهرية ، والتي تناول فيها المعرفيات والعلوميات في تراتبية مختلطة شكلت جدولاً لتعليم العلوم .

  وبعد إن إنتهى إبن حزم من وضع هذا الجدول ، ورتب العلوم في سلم سباعي ، عاد فقسم علوم شريعة الإسلام إلى أربعة أقسام هي : علم القرآن ، وعلم الحديث ، وعلم الفقه وعلم الكلام (المصدر السابق) . ولعل من الإفادات البالغة الأهمية  ، التي أدلى بها إبن حزم ، هي الإفادة التي صورت العلوم والمعرفيات في إطار من الوحدة والإندماج ، حيث تشكل بمجملها كتلة تتكون من أطراف ، بعضها يعتمد على بعض ، وتلتحم لإنجاز غرض فكراني ، هو ” الفوز بالآخرة ” . وهو هدف ” علم الشريعة ” (المصدر السابق ، ص 90) .

  كما يرتبط بهذه الإفادات ، موقف لإبن حزم من بعض العلوم ، والتي شكلت لها مكانة ملحوظة في خرائط العلوم والمعرفيات ، والتي ذكرها الكثير من الفلاسفة والحارثين في مضمار المعرفيات والعلوميات . فمثلاً رأى إن هناك علوماً إندرست ، ولم ” يبقى منها إلا إسمها ، فمن ذلك علم السحر وعلم الطلسمات ، ومن ذلك علم الموسيقى ” (المصدر السابق ، ص ص 59 – 60) . وهنا نستغرب من إدراج إبن حزم لعلم الموسيقى في قائمة العلوم المندرسة ، وهو العارف بأن لها فعل في حياة الخاصة والعامة ، والذين يتطلعون بشغف للمشاركة في الإحتفالات والمواليد المأمولة ، والتي تصاحبها أشكال من الموسيقى هذا طرف . والطرف الثاني إن التقليد الفلسفي القادم من المشرق الإسلامي إلى دوائر المغرب ، قد أولى في تصانيفه للعلوم ، والتراتبيات التي إقترحها لها ، مكانة تقليدية للموسيقى في العلوم عامة وعلوم الفلسفة خاصة . كما إن العديد من فلاسفة المشرق كانوا مؤلفين موسيقيين ، ولهم معرفة بصناعة الموسيقى وآلاتها (خذ مثلاً الفيلسوف الفارابي) . ويبدو لي إن الفكرانية الظاهرية هي التي لعبت دوراً في شطب الموسيقى أو الحديث عنها كعلماً مندرساً في تراتبيات العلوم في خطاب إبن حزم الأندلسي . ولكن المؤكد إنه شاهد حي على مظاهر الحياة المدنية التي تولدت في الأندلس والمغرب ، ومن ضمنها ظهور العديد من مشاهير الموسيقى الأندلسية وصانعي الآلات الموسيقية .

  الحقيقة إن ما أراد إبن حزم أن يقوله في خطابه في العلوميات ، هو إن الإسلام  يرفض السحر والموسيقى ، ويبدو إن هناك تردداً حول الموقف الإسلامي من الطلسمات ، وخصوصاً الموقف الإسلامي الشعبي وليس الفقهي . أما موقفه من علم الكيمياء ، فقد كشفه في الإفادة القائلة : ” أما هذا العلم الذي يدعونه من قلب جوهر الفلز فلم يزل عدماً غير موجود وباطلاً ” (المصدر السابق) .

  والحقيقة إن موقف إبن حزم هذا ، هو موقف المؤسسة السياسية الصارم ، والضارب على أيدي المزيفين للعملة والذين يستخدمون الكيمياء وسيلة للوصول إلى الإثراء السريع ، وذلك عن طريق خداع العامة ، ومن ثم إحداث إضرار إقتصادية بالغة للمجتمع والدولة ومؤسساتها . نقول هذا شئ والتفكير العلمي في تطوير البحث في مضمار الكيمياء شئ أخر ، وهو شئ مختلف ويظل طموحاً إنسانياً مشروعاً ، ينتظر لحظة الولادة الشرعية للكيمياء علماً ممكناً بعد إن كانت ” حلماً إنسانياً ” يراود البشر للسيطرة على الطبيعة وتسييرها لصالحهم . صحيح إن هذه اللحظة كانت بعيدة من عصر إبن حزم ، وكان من حق الدولة أن تضرب على أيدي المزيفين للعملة وهذا طرف . ولكن غلق باب التفكير والبحث في الكيمياء وإعتباره علماً باطلاً طرف مختلف .  

   كما ونظن إن رأي إبن حزم حول ما أسماه “ بأحكام النجوم ” فيه خلط وشمول لعلم الفلك . يقول : إن ”  الإشتغال بأحكام النجوم فلا معنى له ” (المصدر السابق ، ص 68) . والحقيقة إن علم الفلك شئ والتنجيم شئ أخر . وإن عبارة إبن حزم فيها من الخلط والشمول لعلم الفلك على حد سواء وهذا أمر يفتقد إلى الموضوعية والإنصاف في الحديث عن العلوم .

  وتكتمل صورة المعرفيات والعلوميات في الخطاب الذي كتبه إبن حزم ، بقراءة كتابه ” التقريب لحد المنطق والمدخل إليه ” . ففي هذا الكتاب وصف العلوم المتداولة في عصره . وفعلاً عمل ذلك في أحسن ما يقوم به الباحث المؤرخ . فقد حدد هذه العلوم في ” إثني عشر علم ” . وإن المتولد منهما ” علمان زائدان ” . ولنبدأ أولاً بالعلوم الأساس ، ومن ثم ننتهي بالعلوم الزائدة . أما الأولى فهي تضم :

” علم القرآن ، وعلم الحديث ، وعلم المذاهب ، وعلم الفتيا ، وعلم المنطق ، وعلم النحو ، وعلم اللغة ، وعلم الشعر ، وعلم الخبر ، وعلم الطب ، وعلم العدد والهندسة ، وعلم النجوم ” (إبن حزم الأندلسي ؛ التقريب لحد المنطق والمدخل إليه ، تحقيق إحسان عباس ، بيروت ، بلا تاريخ ، ص 201) .

    ويلاحظ الدارس لهذه التراتبية للعلوم والمعرفيات إلى إنها لا تستند في ترتيبها على أساس . فمثلاً علوم الذات التي تولدت في الأرض العربية الأسلامية أو الأدق التي إستندت إلى فكرانية دينية (إسلامية أو ظاهرية = نسبة إلى مذهب إبن حزم) سارت في مساق مختلف عن سلسلسة أخرى ضمتها كتلة العلوم في تراتبية كتاب ” التقريب لحد المنطق..” . 

   صحيح جداً أن العلوم الأربعة قد تم ترتيبها على أساس الفكرانية الدينية (الإسلامية – الظاهرية) . ولكن علم المنطق (العلم الخامس في التراتبية) وهو علم وافد من دائرة الثقافة اليونانية قد إحتل المرتبة الخامسة . وبذلك إنقطعت سلسلة العلوم التي تنهض على فكرانية دينية . إلا إن من الملاحظ إن سلسلة هذه العلوم تعود إلى مساقها الأول بعد هذا الإنقطاع ، وتنضم إلى كتلة العلوم التي ولدتها الذات العربية الإسلامية ،  حدث هذا مع العلم السادس (علم النحو) ، ومن ثم جاء العلم السابع (علم اللغة) ، والذي تلاه العلم الثامن (علم الشعر) وأخيراً جاء العلم التاسع (علم الخبر : التاريخ) .

  وعند علم التاريخ  يحدث إنقطاع أخر في سلسلة علوم الذات ، فيعود إبن حزم إلى العلوم الوافدة ، وهي بالتصنيف التقليدي في عصر إبن حزم ، أطراف من العلوم الفلسفية ، وهنا حدثت متابعة لسلسلة العلوم الوافدة ، والتي بدأت مع العلم  الخامس (علم المنطق) ، ومن ثم جرت متابعة لسلسلة علوم الأخر ، فالعلم العاشر (علم الطب) ، والعلم الحادي عشر (علم العدد والهندسة) ، والعلم الثاني عشر (علم النجوم). وهكذا يصبح واضحاً في هذه الترابية للعلوم ، من إنها تكونت من سلسلتين مختلفتين في الأساس ؛ سلسلة علوم الذات (العلوم الرافدة) . وسلسلسة علم الآخر (العلوم الوافدة).

  ويواجهنا إشكال ظاهري في هذه التراتبية التي ذكرنا بأنها تكونت من سلسلتين  ، وذلك عند النظر فيما أطلق عليها إبن حزم إصطلاح العلوم الزائدة أو المضافة (أو الناتجة من علوم التراتبية أعلاه) . فعلوم مثل ” علوم العبارة ” و ” علم البلاغة ” هي ليست بعلوم زائدة ، وإنما هي جزء من كتلة علوم الذات (العلوم الرافدة) . وهي بهذا الحال  لا تكون مساق ثالثاً أو سلسلة ثالثة في تراتبية المعرفيات والعلوميات في كتاب التقريب لحد المنطق ..

 حقيقة إن علوم كتاب التقريب لحد المنطق .. كونت كتلة من المعرفيات والعلوميات ، كتلة تعايش فيها الوافد مع المتولد في الدار الثقافية المعرفية العربية الإسلامية (ويحق لك القول الظاهرية) .  وهي كتلة ثقافية معرفية دللت على حجم النمو والإنفتاح المعرفي والثقافي الناجز يومذاك تحت ظلال المشروع الثقافي الإسلامي .

ونحسب إن هذه الكتلة من المعرفيات والعلوميات ستكون متوافرة أمام أنظار فيلسوف قرطبة ” إبن رشد ” ، والذي من طرفه سيقوم بهضمها ، والتدقيق فيها ، وبالتأكيد سيضعها موضع الحوار والتقويم ، ومن ثم الإفادة منها في تجربته العقلانية التي ستملأ النصف الثاني من القرن السادس الهجري أو الثلث الأخير من القرن الثاني عشر الميلادي (حيث كانت وفاته عام 1198م) .                  

 جاء بعد ذلك ” إبن باجة ” (500 – 550 هجرية) وعرض صوراً مختلفة من المعرفيات ، نحسب إن لها سيكون من الأثر في توليد أشكالاً من المعرفيات والعلوميات عند فيلسوف قرطبة فيما بعد . فمثلاً إن القارئ لرسالة إبن باجة ” تدبير المتوحد ” يلحظ إنه تحدث عن نوعين من الصناعات * (وليس العلوم أو المعرفيات)

ــــــــــــ

* تداخل إصطلاح العلم بالصناعة عند أغلب الفلاسفة العرب ، حتى يصح القول إن العلوم تحولت لديهم إلى صناعات .

ــــــــــــ

لكنها في حقيقة الأمر تسميات ، وذلك لأن المادة المعرفية لهذه الصناعات تكشف عن جوهر المعرفيات التي كانت متداولة في دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي لحظة الإنشاء ، ومن ثم في تاريخ نمو المعرفيات الإسلامية وحتى اللحظة التي أنتج عقل إبن باجة هذه الصناعات المعرفية .

  ففعلاً تقدم البناء الفلسفي للصناعات المعرفية ، النوع الأول من الصناعات التي ذكرها إبن باجة ، وهي ” الصناعة الطبيعية ” . في حين تلاها النوع الثاني ، وهو ”  الصناعة المدنية ” . وضم صاحب تدبير المتوحد الطب إلى ما أسماه ” الصنائع الطبيعية ” . بينما جاء حديثه عن ” صناعة القضاء ” داخل مباني ” الصناعة المدنية ” (إبن باجة : تدبير المتوحد / منشور ضمن رسائل إبن باجة الإلهية ، تحقيق ماجد فخري ، بيروت 1968 ، ص 44) .

  والحقيقة إن إصطلاح الصناعة لم يمتلك القوة المطلقة ، حيث يفرض هيمنته على مجمل إفادات إبن باجة . بل إن الباحث المدقق في نصوصه يلحظ إنها تخلت عن هذا الإصطلاح ، وعادت لتتداول إصطلاح ” العلم ” . وكان الشاهد على ذلك إنه درس المعرفيات من طرف رؤيته إلى العلوم . وعلى هذا الأساس وجدناه في خارطة المعرفيات التي تقدم بها ، يشير إلى كتلة جديدة من العلوم تضم معاً ” العلم الطبيعي والعلم المدني ” .

  ومن المفيد الإشارة إلى أن الإفادات التي كتبها إبن باجة قد تغذت بمادة معرفية مستمدة من الخرائط المعرفية التي تصعد إلى الغزالي والصوفية . ولهذا نلحظه يعتمد على تراثهم المعرفي ، فيذكر في إفاداته التقسيم الثلاثي للحكمة النظرية مع الإشارة إلى علوم التعاليم (علوم الرياضيات) (المصدر السابق ، ص ص 90 – 91) .

  وفي تحليل إبن باجة لوعي المتوحد ، ومن ثم بيان ما يحتاجه من علوم ومعرفيات ، يعرض نوعين من العلوم الضرورية للمتوحد . وهي علم الأسباب الموصلة ، وعلم الصور الروحانية (المصدر السابق ، ص 91) . ويلاحظ الباحث إن إبن باجة قد ألزم المتوحد بدراسة هذه العلوم والإنشغال بها (لذواتها) ، ومن بعد ذلك حثه على التوجه نحو دراسة (العلوم النظرية) . ونحسب إن إبن باجة فضل أن تكون البداية في تجربة المتوحد في إكتساب العلوم والمعرفيات ، أن تبدأ من علوم الفكرانية الدينية (أو ما أسماها علم الأسباب الموصلة وعلم الصور الروحانية) . فهي أسوار وموجهات ضرورية لتشكيل ذهنية المتوحد ، كما وأنها أساس فكراني مطلوب أن تستظل به عملية إكتساب العلوم برمتها . ولذلك إعتقد إبن باجة ، إن النظر في هذه العلوم مسار ” جليل القدر ” (المصدر السابق) .

  وعاد إبن باجة إلى مضمار المتداول في دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي ، وإلتحم به بقوة . فمثلاً يجد القارئ لرسالة إبن باجة المعنونة ” قول يتلو رسالة الوداع ” . إن الفيلسوف إبن باجة قد ميز بين نوعين من العلوم ” العلم النظري والعلوم العملية ” (إبن باجة : قول يتلو رسالة الوداع / منشورة في الرسائل الإلهية / ص 123) . وهما النوعان المتداولان في دائرة الفكر الفلسفي العربي . كما إن حديثه عن الفضائل الفكرية وتقسيمه لها ، هو في الوقت ذاته التقسيم المعروف الشائع ، والذي يقسمها إلى علوم : عملية ونظرية (حسب الترتيب الباجوي نسبة إلى إبن باجة) . ومن ثم إنتهى إلى تقسيم العلوم العملية إلى مهن وقوى .

  ويبدو للقارئ المتخصص في فلسفة العلوم العربية في مراحل الصعود الحضارية الإسلامية فيما يسمى بالعصور الوسطى ، وبالتحديد لخرائط العلوم وتشجير المعارف (والتي تبناها العقل الإسلامي من التراث الفلسفي اليوناني المقروء بمنهج إفلاطوني محدث ، وعلى الأخص شروح فرفريوس الصوري على تساعيات أستاذه إفلوطين والتي ترجم بعض منها تحت عنوان كتاب منتحل ” أثولوجيا أرسطو ” . ومن ثم بعد ذلك أخذت تعرف شجرة العلوم بشجرة فرفريوس) . إن المقارنة بين ما هو متداول من تشجير للعلوم والمعارف في دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي ومن فيلسوف العرب الأول الكندي وحتى ما قبل حقبة الفكر الفلسفي الباجوي . نقول إن مقارنة ذلك بما توفره لنا نصوص إبن باجة . نشعر إننا نقف على تشجير ناقص ومقتضب جدا جدا للعلوم والمعارف عند الفيلسوف إبن باجة .

 ولعل الأمثلة الدالة التي تقدمها نصوص إبن باجة الفلسفية كثيرة ، منها إنه يذكر إن للعلم ” النظري أصنافاً ” (المصدر السابق ، ص 142) . ومن ثم يصمت ولم يتكلم بشئ عن هذه الأصناف . وتحول بحركة سريعة نحو المهن وألتها البشرية . فذهب معقباً ؛ بأن هذه المهن تستعمل ” البدن (وهي) كالنجارة والسكافة ” . أما القوى فهي

” كالطب والملاحة والفلاحة والخطابة وقود (هكذا وردت في النص ، وهي واضحة تعني قيادة) الجيش “ (المصدر السابق ، ص 136) .

  وتواجه شجرة التصنيف الباجوي للمهن والقوى ، مشكلة تصنيف معرفية علمية . فهذه الشجرة فيها تداخل بين أصناف المهن والقوى ، ويعوزها رسم الحدود الفاصلة بين أصناف ما هو مهني وما هو من أصناف القوى . كما إن الأمثلة الواردة في طرفي المهن والقوى ، تحمل القارئ على التساؤل : ما هو الفارق مثلاً بين النجارة والسكافة في طرف المهن و الملاحة والفلاحة في طرف القوى ؟ كما أن ضم الخطابة إلى طرف القوى وبالتحديد مع الأصناف الواردة في النص الباجوي ، فيها خروج على المتداول في خرائط العلوم وتشجير المعارف الفلسفية العربية ومنذ الكندي وحتى إبن خلدون . إذ درج تاريخ التصنيف الفلسفي العربي إلى إدراجها ضمن علوم الذات ، وبالتحديد في طرف من علوم اللسان .

  وفي طرف مهم من مشروع تشجير العلوم والمعارف الباجوي ، وهو الحديث عن إمكانية قيام علوم جديدة . ورغم معرفتنا بأن الحديث الباجوي لا يحمل إعلاناً عن تأسيس علوم جديدة ، فهي على كل حال محاولة في تكريس هذا الطرف من مشروع تشجير العلوم والمعارف في دائرة التفكير الفلسفي ما قبل مرحلة إبن رشد ومن هنا تأتي أهميتها التاريخية . ولهذا نقول إنه في موضوع الإمكان ذكرت إفادات إبن باجة صنفين من العلوم الممكنة ، وهي العلم الطبيعي والإلهي . مع ملاحظة تقديم العلم الطبيعي على العلم الإلهي ، وهي مسألة فيها مخالفة لطرف سابق من تشجير العلوم والمعارف الباجوي . بعد ذلك ذهب إبن باجة مناقشاً ماهية العلم الطبيعي أو جوهره ، فأفاد إنه الذي ” يدرك العلم وبقدر الإنسان على الوقوف عليه من تلقائه “. ومن ثم تحول صوب جوهر العلم الإلهي ، فقال : إنه العلم الذي ” يدرك بمعونة إلهية ” ( المصدر السابق ، ص 142) .

  ولا حظ الباحث في رسالة للفيلسوف إبن باجة ، وبعنوان ” في المتحرك ” يطلق الإصطلاح الفلسفي المتداول في دوائر الفكر الفلسفي الإسلامي الكلاسيكية على العلم الإلهي ، وهو إصطلاح ” الفلسفة الأولى ” (أنظر: رسالة لأبي بكر (أي إبن باجة) ؛ في المتحرك / منشورة في كتاب رسائل الكندي والفارابي وإبن باجة وإبن عدي / تحقيق عبد الرحمن بدوي ، بنغازي 1971 ، ص 144) .

  وكذلك سيلاحظ القارئ بسهولة لمشكلة تشجير العلوم والمعرفيات في المشروع الباجوي ، سواء في الجانب الذي ذكرناه أعلاه ، وهو الخلط بين أصناف تشجيره للمهن والقوى وبمثال باجوي بحد ذاته ودون تدخل منا ، فهو يخلط فيه بين مهنة النجارة الذي أورده سابقاً وبين صنف من القوى وهو الطب الذي تكلم عنه سابقاً كذلك . أو التقسيم الثنائي الذي إقترحه لعلم الفلسفة . حقيقة إن هذا التقسيم جاء أثناء حديثه عن طلاب الفلسفة . فقال : إن الفلسفة تنقسم إلى ” أشياء عملية (مثل النجارة والطب) ، وأشياء نظرية (مثل التعاليم : فهي معقولات ناقصة ، والهندسة فهي تعتمد على المحسوسات ” (إبي بكر الصائغ ؛ رسالة الإتصال / منشورة في تلخيص كتاب لإبن رشد / نشرة أحمد فؤاد الأهواني ، ط1 ، القاهرة 1950 ، ص 110) . ونشعر في النص الباجوي ، مسألتين في غاية الأهمية ، نود توضحيهما ؛

الأولى – إن النص حمل بشكل واضح لا غبار عليه النقد الإفلاطوني للعلوم الرياضية بالفهم الفيثاغوري ، فهي من زاوية إفلاطون علوم ناقصة لا ترقى إلى الطوابق العليا  حيث علوم المثل والخير وهي علوم مجردة لا علاقة لها بعالم الحواس . ونشعر بقوة إن هذا النص لم ينزل إلى دوائر الفكر الفلسفي الإسلامي عامة ومضمار فلسفة إبن باجة خاصة من المحاورات الإفلاطونية . وإنما هبط من كتاب الميتافيزيقا أو مابعد الطبيعة للفيلسوف اليوناني ” أرسطو ” والذي عرفته دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي بترجمات متنوعة ، ومخلوط بشروح إفلاطونية محدثة (للإطلاع على نقد إفلاطون للعلوم الرياضية (الفيثاغورية) ؛ أنظر رسالتنا للماجستير والمعنونة : تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، القسم الأول والذي كان بعنوان : الفلسفة الرياضية قبل أرسطو ، نشرة وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد 1983) .  

الثانية – إن النص فيه إشكال فهم باجوي لقضية تشجير العلوم والمعرفيات عامة ، وتشجير علوم الفلسفة خاصة . صحيح جداً إن شجرة العلوم والمعرفيات عامة تتفرع إلى علوم عملية وعلوم نظرية . وصحيح إن العلوم العملية تشمل النجارة ، وربما بدرجة أقل قبول الطب في قائمتها … ولكن مشكلة النص الباجوي إنه خلط التشجير العام للعلوم والمعرفيات بالتشجير الخاص بعلوم الفلسفة . ومن هنا نتحفظ بقوة على ضم إبن باجة النجارة إلى الطرف العملي من علوم الفلسفة . وذلك لأن المتعارف عليه بين الفلاسفة عامة والفلاسفة المسلمين خاصة ، إن علوم الفلسفة العملية هي الأخلاق والسياسة والتدبير المنزلي …

   كما إن مشروع إبن باجة لتشجير العلوم والمعرفيات ، قد حمل قائمتين في غاية الأهمية ، وهما ” علوم خارجة ” و ” علوم باطلة ” . فالأولى هي العلوم التي تقع خارج قائمة العلوم التي تقدم بها . ومن هذه العلوم ” الكيمياء ” و ” صناعة النجوم ”  ” طب النفوس ” و ” طب المعاشرات ” أي الحكومة ” (إبن باجة ؛ تدبير المتوحد ، ص ص 90 – 91) . و  ” صناعة المنطق ” (المصدر السابق ، ص 51) و “علم النفس ” (أبن باجة ؛ قول يتلو رسالة الوداع / ص ص 124 – 125) . أما العلوم التي كان ينظر إليها على إنها باطلة ، والتي هي حسب ظنه ، هي ” صنائع ظنونية ” وهي تشمل ” النحو وما جانسه ” (إبن باجة ؛ تدبير المتوحد ، ص 56) .

  ومما يلاحظ على إفادات إبن باجة الخاصة بالعلوم الباطلة ، إنها لم تكتفي بما هو مذكور أعلاه ، وإنما شملت علوماً سبق إن إعترف بإمكانية قيامها . فمثلاً في حديثه عن المدينة الفاضلة إستبعد منها صناعتي ” الطب و القضاء ” ويبرر ذلك بقيام ” المحبة بينهم أجمع فلا تشاكس بينهم أصلاً ” و ” لا يغتذي أهلها بالأغذية الضارة ” (المصدر السابق ، ص 41) . كما إستبعد ” صنائع الشعبذة ” (المصدر السابق ، ص 56) .

   وشارك في مشروع تشجير العلوم والمعرفيات الفيلسوف ” إبن طفيل ” (المتوفى عام 581 هجرية) وبالتحديد في روايته الفلسفية المعرفية ” حي بن يقضان ” . فقد كتب فيها مجموعة إفادات كونت بمجملها خطاباً فلسفياً في المعرفيات والعلوميات . ونحسب إن إبن رشد كان قارئاً جيداً لهذه الرواية ، وذلك بحكم الرفقة بين إبن طفيل وإبن رشد . أو ربما قد ناقشا سوية أطرافاً منها . ولهذا نرجح إنها كانت من المصادر التي زودت فيلسوف قرطبة بزاد ومواقف سيكون لها من الأثر في توجهاته في صياغة التشجير الفلسفي للمعرفيات والعلوميات . وهنا سنقوم بقراءة رواية ” حي بن يقضان ” من زاوية المعرفيات والعلوميات ، وذلك لمتابعة أثرها في الإفادات التي كتبها ” إبن رشد ” في خطابه الفلسفي الخاص بالمعرفيات والعلوميات .

  دشن إبن طفيل عمله الروائي في مضمار الفلسفة المعرفية ، بخطاب ميز بين نوعين من العلوم ، هما ” علم الطبيعة ” و ” علم ما بعد الطبيعة ” . وجاء ذلك أثناء التصنيف الفلسفي بين لحظتين معرفيتين ، لهما طابعهما الخاص المختلف ؛ لحظة ما أسماها ” إدراك أهل النظر ” و لحظة ما إصطلح عليها ” إدراك أهل الولاية ” . وخص بلحظة الأولى عمل العلماء ورجال المعرفيات . وشمل بالحظة الثانية مثابرات أهل السلطة ورجال الفكرانيات . والحقيقة إن هذا التفريق المعرفي فيه شئ من الشبه بالتمييز الذي أقام عليه الفلاسفة تصانيفهم للعلوم والمعرفيات . ونقصد التفريق بين العلوم النظرية والعلوم العملية .

  ومثلما فعل الفلاسفة في خرائطهم للعلوم وتشجيراتهم للمعارف ، والتي نهضت على أساس التمييز بين ما هو معرفي وما هو فكراني ، أنشأ إبن طفيل نظرته إلى العلوميات والمعرفيات . وإن الشاهد على ما عمله ، إفادته التي أشارت إلى إن فعل إدراك ” أهل النظر ” متعلق ” بعالم الطبيعة ” (إبن طفيل : حي بن يقظان ، تحقيق عبد الحليم محمود ، ط2 ، القاهرة بلا تاريخ ، ص 60) . بينما فعل إدراك ” أهل الولاية ” مرتبط ” بما بعد الطبيعة ” (المصدر السابق) . ونحسب إن هذه الإفادة ، تحمل بياناً في غاية الأهمية في مضمار المعرفيات والعلوميات ، وذلك من حيث إنها تكشف حالة التنوع والتمايز بين مثابرتين معرفيتين مختلفتين ؛ واحدة ميدانها العالم الخارجي ” الطبيعة ” . والثانية مضمارها فكراني فوقاني خالص ، حيث عالم ” ما بعد الطبيعة ” .

  لقد قدم إبن طفيل مثالاً دالاً ، وفي إفادة موجزة على علوم ” أهل الولاية ” ، وذلك حين تحدث عن ما أسماه ” المشاهد والأذواق والحضور ” . وبين بصورة واضحة ، إن هذا المسار العرفاني ” مما لا يمكن إثباته على حقيقة أمره في كتاب “ (المصدر السابق) . وهذا هو طريق المكاشفة الذي ذكره  ” الإمام الغزالي ” والذي مفاده ؛ إنه ” متى حاول أحد ذلك وتكلفه بالقول أو الكتب إستحالت حقيقته ، وصار من قبيل القسم الآخر النظري “ (المصدر السابق) .

  ويلاحظ الباحث إن إبن طفيل قد عرض خارطة معرفية ، فيها تشجير لعلوم الفلسفة . وذلك حين حكى قصة إنتشار علوم الفلسفة في الأندلس . وفيها ذكر ما يشبه إطاراً عاماً لمنهج يسعى إلى تعليم علوم الفلسفة . ونحسب في هذا الطرف قد منح إبن طفيل العلوم والمعرفيات ” بعداً بيداغوجياً ” ، حيث تحولت إلى دروس يلقيها معلمون متخصصون على طلبة متطلعين إلى التخصص فيها . فمثلاً وجدنا عند إبن طفيل ، إن ” علوم التعاليم ” (الرياضيات) تتقدم في هذا المنهج على العلوم الأخرى . وهذه العلوم هي :  علوم التعاليم ، وعلم المنطق ، والفلسفة (المصدر السابق) . وإن هذه الكتلة من العلوم ترجح برمتها العقل منهجاً ومساراً في البحث .

  والواقع إن هذا المنهج سيكون له حضور بدرجات ما في الإفادات التي سيكتبها فيلسوف قرطبة ” إبن رشد ” في مضمار المعرفيات والعلوميات . مما يدلل على إن جسور الحوار كانت قائمة بين إبن رشد وإبن طفيل .

  كما لاحظ الباحث في الإفادات التي كتبها إبن طفيل في روايته الفلسفية المعرفية ، إنه قد ذكر مشجراً للعلوم والمعرفيات ، يقع خارج قوائم العلوم التي تقدم بها ، مما يحملنا على القول إن هذا المشجر إقترح إمكانية لقيام مثل هذه العلوم ، والتي تشمل :

” الجغرافية “ و ” الهيئة ” (المصدر السابق ، ص ص 67 – 68) و ” علم التشريح ”  (المصدر السابق ، ص 77) و” علم التأويل ” (المصدر السابق ، ص 125) . ومن ثم أضاف إلى القائمة ، العلوم الممكنة الآتية : ” العلم المكنون ” و ” المعرفة بالله ” . وأشار إلى إن الأول يتحقق عن طريق الثاني . وذلك من حيث إن ” العلم المكنون ”  ” لا يقبله إلا أهل المعرفة بالله ” (المصدر السابق ، ص 130) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

الأبستمولوجيا وفلسفة المنهج عند جابر بن حيان  

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  تحتل النصوص الأبستمولوجية التي كتبها جابر بن حيان (المتوفى نحو عام 160 هجرية) مكانة متقدمة في تاريخ عملية التدوين للفكر الأبستمولوجي في دار الثقافة الإسلامية . ونحسبُ إن إعادة قراءة هذه النصوص في ضوء ما توفره دوائر الأبستمولوجيات المعاصرة من منهجيات (مثدولوجيات) متداخلة ، تُمكننا من إنتاج نصوص أبستمولوجية إسلامية معاصرة ، تُفيدنا في إنشاء ديوان الأبستمولوجيات العلمية أو علم المعرفة الإسلامي* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر هذا البحث في مجلة المنطلق اللبنانية / العدد 118 / ربيع – صيف 1997 ، ص ص 95 – 124 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 في الحقيقة إن قراءة نصوص جابر الأبستمولوجية ، هي قراءة لحكاية العلم في حقبة من تاريخ الأبستمولوجيات عامة ، والإسلامية خاصة . وإنها في الوقت ذاته تضعنا وجه لوجه أمام صور الحوار الثقافي المتقدم ، والتي كان الحاصل منها هذه التكوينات الأبستمولوجية التي ولدتها ذهنية عالم مسلم ، وبالتحديد في مرحلة تاريخية متقدمة من تاريخ فلسفة العلم وعلم العلم . وعلى أساس هذه الجهود الأبستمولوجية ، وخصوصاً في طرفها الكيمياوي ، منح الغربيون جابر بن حيان لقب ” أب الكيمياء ” * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لقد منح الغربيون جابر بن حيان (721 – 815م) لقب أب الكيمياء ومشاركة مع روبرت بويل (1627 – 1691م) (أنظر : مورين بروس ؛ المعرفة التحليلية (المختبرية) : الخيمياء ، الكيمياء والثورة العلمية (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2005) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ونشعر إن في هذه القراءة فعل إسترجاع لإنموذج حيوي متفرد من الأبستمولوجيات الإسلامية ، سيسهم بدوره في إعادة التوازن في مكونات شخصيتنا الثقافية ، بعد إن هيمنت أجناس من الثقافات غاب بينها النص الأبستمولوجي ، والذي يفتح أبواب التبادل بين العلم ومعطياته والتأمل الفلسفي الإسلامي ، والذي نعتقد إن في حضوره قوة لثقافتنا الإسلامية .

  ولهذا نتساءل : هل في الإمكان إسترجاع هذه التكوينات الإبستمولوجية ، التي ولدتها دائرة تفكير جابر ، أسوار فلسفية ومنهجيات وتربويات ، تُسهم في تعزيز مكانة الأبستمولوجيات في الدار الثقافية الإسلامية ؟ إن البحث يقترح إمكانية الإسترجاع ، وذلك من خلال فتح أبواب الحوار مع المنتوج الأبستمولوجي المعاصر .

المغامرة الأبستمولوجية في صياغة المنهج (الميثدولوجيا)

   في الواقع إن جابراً كتب نصوصاً أبستمولوجية عدة ، تناول فيها المنهج وطبيعته . وحقيقة إن هذه النصوص تكشف أبعاد المغامرة الأبستمولوجية التي أنجزها عقل جابر ، والمستفيدة من توجهات أستاذه الإمام الصادق في علم الكيمياء . وإن هذه المغامرة مكنته من تحديد طبيعة المنهج وعلى أساس الموضوع الذي يدرسه ، وحدود الوظيفة التي يقوم بها المنهج وفي كل حقل من حقول المعرفة ، وبين إن تلون المنهج وتنوعه يعود إلى الموضوع الذي يتناوله المنهج بالدراسة .

  ولعل من المفيد أن نبدأ بحثنا بإفادة معاصرة تُضئ لنا درب البحث . وهذه الإفادة أشارت إلى : إن ” البحث في منهج العلم ، وفرضياته ومفاهيمه ، موضوعه وحدوده ، والوسائل التي يستخدمها ، هو من إختصاص فلسفة العلم ” . وإذا كانت هذه هي حدود

المنهج ومضمار نشاطه ، فالسؤال : ما هي الإفادات التي عرضتها نصوص جابر بن حيان والتي تكشف عن طبيعة المنهج وفعالياته ؟

  عرضت نصوص جابر مجموعة إفادات تشكل بمجملها فهماً يُحددُ طبيعة المنهج وفعالياته . إن ما يميز هذه الإفادات هو التداخل بين ما هو معرفي (أبستمولوجي) وما هو منهجي (ميثودولوجي) في بنيتها . ونحسب إنه من المفيد أن نبدأ هذا البحث بإقتراح مفهوم لكلمة ميثودلوجي ، وذلك لأن هذا المفهوم سيُعيننا في وضع مقاربة بينه وبين ما تقدم به جابر من إفادات خاصة بالمنهج .

  إن الميثودلوجيا في الأصل كلمة يونانية تم تبنيها في جميع اللغات ، ومنها اللغة الإنكليزية . وهي تتألف من مقطعين ؛ الأول ميثود وتعني الطريقة أو المنهج . والثاني لوجيا وتعني العلم . وبذلك فإن الميثودلوجيا تعني علم الطريقة أو علم المنهج . والكلمة اليونانية ميثود تعني ” الطريق إلى ” أو ” المنهج المؤدي إلى ” ، ثم إستقرت بعد ذلك لتشكل إصطلاحاً يُطلق على علم المناهج (أي مناهج العلوم) . ويُعرف المنهج العلمي بأنه جملة من الإجراءات العقلية والعملية التي يقوم بها العالم من بداية بحثه حتى آخر خطواته . وذلك بهدف الكشف عن الحقيقة والبرهنة عليها أو التحقق منها (2) .

  ولهذا يمكن القول إن التداخل الذي أشرنا إليه في نصوص جابر بين ما هو أبستمولوجي ، وما هو ميثدولوجي له دلالته المهمة ، خصوصاً إذا ما وضعنا في الإعتبار بأن الدراسات المعاصرة قد تناولت هذين الإصطلاحين بالتحديد وأشارت إلى التداخل بينهما . فقد بينت أن الأول أوسع من الثاني ، بل ويحتويه في دائرة بحثه . فالأبستمولوجيا تتناول بالدرس العلوم وفروضها ونتائجها ، وذلك لتحديد قيمتها وحصيلتها الموضوعية . بينما تقتصر الميثدولوجيا على دراسة المناهج العلمية دراسة وصفية وتحليلية* وذلك لبيان مراحل الكشف العلمي (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * الحقيقة إن فهم الجابري للأبستمولوجيا والميثدولوجيا فيه تبسيط شديد لتاريخ التحولات الحادثة في مضماري الأبستمولوجيا والمثيدولوجيا من طرف . ويتعارض مع المنهج الفلسفي الفمنستي الذي تحول إلى معارض للأبستمولوجيات والميثدولوجيات التي صاغها الفلاسفة والعلماء الرجال . وبالمقابل صاغ الفلاسفة الفمنستيون أبستمولوجيات وميثدولوجيات فمنستية خاصة ناقشت موضوعية العلوم … للأطلاع عل المجهود الفلسفي الفمنستي في مضمار الأبستمولوجيا أنظر :

Elizabath Anderson, “Feminist Epistemology and Philosophy of Science “The Stanford Encyclopaedia of Philosophy, summer 2004 Edition

Miranda Fricker, Epistemic Injustice: Power and Ethics of Knowing, OxfordUniversity Press, 2009, pp. 1 – 20

وأنظر البحث الرائد في اللغة العربية الذي كتبه الدكتور محمد جلوب الفرحان ، وبعنوان : الأبستمولوجيا الفمنستية : دور الجندر في المعرفة / ستظهر خلاصة عنه على موقع الفيلسوف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وإذا كانت هذه هي حدود المنهج في دائرة الفهم الأبستمولوجي والمنهجي (الميثدولوجي) الطرائقي ؛ فما هو مفهوم جابر بن حيان له ؟ إن المتأمل في إفادات جابر المتعلقة بالتشجير الأبستمولوجي للعلوم ، يتيقن بما لا يقبل الشك إلى إن الرجل أدرك بأن لكل علم من العلوم منهجه الخاص به . ونحسب على هذا الأساس إن مراجعة ذلك التشجير الأبستمولوجي للعلوم ، يحملنا على ذكر جملة حقائق تخص المناهج الآتية :

أولاً – مناهج علوم الدين :

    فعلاً لقد حدد جابر المناهج التي تستخدمها علوم الدين . وجاء ذلك في إشارة مهمة بين فيها إن المنهج يتشكل على أساس طبيعة الموضوع الذي يتناوله . وهنا إقترب جابر كثيراً من دائرة الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم عامة وعلم المناهج خاصة . فكلاهما أفاد بأن موضوع البحث هو الذي يحدد شكل وآليات المنهج الذي يمتلك القدرة على دراسته وتحقيق الهدف . وهنا لاحظ الباحث إن بداية بسيطة قد تحققت على يد جابر . بداية تندرج ضمن حدود ما يُعرف بأبستمولوجيا المنهج (وفي هذا الإصطلاح وكذلك إصطلاح منهج الأبستمولوجيا نقد وخروج على الحدود البسيطة التي رسمها محمد الجابري بين الأبستمولوجيا والميثدولوجيا) . والآن نشعر إن الضرورة تقتضي منا الإنتقال إلى الإفادات التي أدلى بها جابر في هذا المضمار .

  تُفيد نصوص جابر إلى إن علوم الدين تستخدم نوعين من المناهج ، وذلك بالإستناد إلى التشجير الثنائي الذي إقترحته النصوص لهذه العلوم ، فهي على نوعين : علوم شرعية وعلوم عقلية . وبسبب هذه الطبيعة المزدوجة تداولت هذه العلوم نوعين من المناهج ؛ مناهج نقلية تعتمد إسلوب التلقين للحقيقة المطلقة ، المنقولة عن السماء من خلال الوحي . وهو منهج مطبوع باليقين والصدق المطلق ، ومن هذا الطرف فإن الحقيقة التي يعرفها المنهج النقلي لا تقبل الجدل والنقاش ، وهي حقيقة مسلم بها . ومناهج عقلية جاورت المناهج النقلية ، وعملت بجنبها وهي تستند إلى العقل مصدراً وطريقاً للمعرفة البشرية .

  ولعل ما يمكن الإحتفال به في هذه القضية ، هو دعوة نصوص جابر إلى التعايش بين مناهج النقل ومناهج العقل ، إضافة إلى إنها ذكرت مناهج مساندة لهما ، وهي مناهج اللغة والمنطق ، والتي أجرت تطبيقاتها في علمي المعاني والتأويل (4) .

ثانياً – مناهج علوم الدنيا :

    والسؤال المرفوع هنا : ما هي حدود مناهج علوم الدنيا ؟ وما هو المجال الذي تعمل فيه مثل هذه المناهج ؟ تحدثت نصوص جابر عن نوع أخر من المناهج ، والتي تُشكل في علم الميثدولوجيا ، الإجراءات العملية من فعاليات المنهج . ومن هذا الطرف فإن مناهج علوم الدنيا هي مناهج تطبيقية عملية ، وبإصطلاحات جابر هي ” علم الصنعة ” و ” علم الصنائع ” (5) .

ثالثاً – مناهج ” العلم الفلسفي ” :

  ضمت إفادات جابر في موضوع العلم الفلسفي ، أنواعاً مختلفة من المناهج تحت خيمة ” مناهج العلم الفلسفي ” ، وهي تشمل بإصطلاحلت جابر مناهج ” العلوم الطبيعية ” و ” العلوم الحسابية ” و ” العلوم الهندسية ” . وإن التأمل في مناهج هذه العلوم من زاوية ” أبستمولوجيا المنهج ” يحملنا على القول إلى إن هذه العلوم تعتمد على طريقين :

الأول – طريق الحس :

  إن العلوم التي تعتمد هذا الطريق هي العلوم الطبيعية ، وإن المنطق هنا هو المنطق الإستقرائي . وإن اللغة المتداولة تتألف من أبجديات من المفاهيم تتعامل مع الوقائع أو هي أطر عقلية لوصف هذه الوقائع . غير إن هذا الحال المنهجي لا يعني إن هذه العلوم لم تستخدم مناهج من أنواع مختلفة ، إنها في حقيقة الأمر وفي عصر جابر لاذت لتوسيع ساحة بحثها نحو أساليب نظرية مكنتها من إنجاز هذه المهمة .

الثاني – طريق العقل :

  إن العلوم التي إختارت هذا المسار المنهجي ، هي العلوم الرياضية . وإن منطق العلوم الرياضية هو الإستدلال . وإن اللغة المستخدمة هنا هي عبارة عن مجموعة مفاهيم على شكل رموز عالية التجريد وليست لها علاقة بعالم الوقائع .

  وفعلاً فقد أفصحت إفادات جابر عن كل الفعاليات الميثدولوجية (المنهجية) ، وبينت إن العلوم الفلسفية تستند إلى منهج مزدوج ” حسي – عقلي ” . وهي بهذا السند ربطت نشاط المنهج برأسين : رأس يعمل في الوجود (العالم الخارجي) وهذا يُشكل ما نصطلح عليه بإنطولوجيا المنهج . وإن هذه الإنطولوجيا تتشكل أولاً عن طريق الحواس . ورأس يرتبط بالعقل ونشاط الذهن (6) . إنه طريق يؤسس منظوماته المعرفية (الأبستمولوجية) بالمشاركة مع الحس وهذا ما نسميه بأبستمولوجيا المنهج .

الأسس الفلسفية للمنهج :

   صحيحُ إن أبستمولوجيات جابر هي رهينة للفيزياء المتداولة في عصره . وهي فيزياء أرسطو والمتولد منها من صور شارحة وتفاصيل يبدو فيها تعديلات مضافة . وبايولوجيات وكيميائيات وفلكيات مختلطة بأمشاج إسكندرانية تصعد في إصولها إلى جالينوس وأرخميدس وبطلميوس (خصوصاً كتابه المجسطي الذي حمل التعديل الفلكي للكون الذي قدمه أرسطو) . وهندسة إقليدس وما حملته من هوامش إسكندرانية ، والتي مثلت موديلاً نظرياً عالياً في إشتراطات عصر أبستمولوجيات جابر المستبطنة لفكرانيات هرمسية وافدة إلى المركب الأبستمولوجي الذي صاغه جابر بن حيان (وبالمناسبة إن دوائر الأهتمام الأوربي اللاتيني ما بعد القرن الثاني عشر أخذت تطلق على تراث جابر بن حيان العلمي وخصوصاً الكيميائي إصطلاح بالتراث الجابري وأبو الكيمياء الحديثة مشاركة مع روبرت بويل للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الوافد الأبستمولوجي الكيميائي / موقع الفيلسوف / 2 نوفمبر 2012) .

  وصحيح ُ كذلك إن النصوص التي كتبها جابر هي ليست في معظمها إنتاج نشاط تجريبي إختباري ، ولا هي في معظمها نصوص متولدة من عقل هو نتاج تجربة أبستمولوجية نظرية ، وإنما هي إنتاج متولد من قراءات واسعة لنصوص في أبستمولوجيات ملونة ، والتي وفدت عبر مصادر ورسائل كانت متداولة في الدار الثقافية الإسلامية عصر جابر بن حيان . وإن هذه الأبستمولوجيات الثقافية (نقصد نصوص في الأبستمولوجيا متوفرة للقراءة والإطلاع ، وبذلك هي مجرد نصوص ثقافية في الأبستمولوجيا) فيها حضور لثقافات أبستمولوجية تنتمي إلى مضمار العقل والتجارب النظرية (مع نضح لتجارب إختبارية قام بها جابر بنفسه فعلاً في مضمار تحويل المعادن والأكسيرات وفعاليات كيميائية متنوعة ..) .

  ونحسب إنه من المفيد أن نضيف إلى إن المنهج عند جابر قد تكونت هياكله الأولى عن طريق فعل إمتصاص وقراءة معمقة لثقافة كيمياوية وافدة وما تولد من تجاربه الإختبارية ، مما كان لها الأثر في كتابتة نص أبستمولوجي متميز في إشتراطات عصره في المنهجيات ، والذي أثار الكثير من الإندهاش لدى القارئ والمتخصص من هذا الحضور المبكر القوي للثقافة الكيمياوية في نصوص جابر بن حيان .

  ورغم هذا الواقع الأبستمولوجي المتفرد الذي أنتجه يراعُ جابر . إلا إننا وجدنا إن حركة اللاوعي عنده قد طفحت على سطح النص الأبستمولوجي ، مما كان الحاصل من ذلك إنتاج نمط من الأبستمولوجيات التي تدافع عن فكر ميثالوجي (فيه تقاطع كما يبدو حتى العظم مع طبيعة الأبستمولوجيات العلمية ، ولكننا عرفنا في الأبستمولوجيات المعاصرة ما يشبه ذلك في نصوص معاصرة أصحابها يتعبدون لقوى مافوقطبيعية ..) إذن لا غرابة في موقف جابر بن حيان على الإطلاق . نقول فكر ميثالوجي ، يحمل من رموز الإسطورة وفعل السحر وقوة الساحر والطلسم (هذا جاء من الأثر الهرمسي الذي حملته النصوص الإسكندارانية)… وفعلاً ففي نصوص جابر إمكانية التعبير واردة ، في صورة مفاهيم ومقولات عن تجربة السباحة في مضمار الخيال والتي تكون مقيدة بصور من الإشتراطات حيناً والمتحررة حيناً أخر من الإشتراطات في آن واحد . إن ذلك جاء في طرف منه في صياغة فرضيات المنهج عند جابر أو ما إصطلحنا عليه بالأسس الفلسفية للمنهج .

  حقيقة إن إفادات جابر الأبستمولوجية تُشكل في هذا المضار ، إطاراً يمكن تسميته بفلسفة المنهج . ونحاول هنا مصاحبة جابر في نصوصه بهدف التعرف عن قرب على الإفادات التي أدلى بها عن حقيقة الفلسفة التي نهض عليها المنهج . ولعل أول أمر يلاحظه القارئ لنصوص جابر ، إنها حملت الكثير من الإشارت التي تكفي للقول على إنها أكدت على حضور الفلسفة عند إختيار المنهج . ونحسب بين السطور التي خطها جابر شعاراً منهجياً يُفيد بلغتنا المعاصرة : ” إن منهجاً بلا فلسفة ، هو منهج يتخبط ولا يعرف طريقه ” . ولذلك أصبح من اللازم قبل أية خطوة يخطوها الباحث هو صياغة الأسس الفلسفية التي يقوم عليها المنهج .

  إن الأسس الفلسفية للمنهج ، هي أجوبة على مجوعة من الأسئلة التي شخصت أمام الباحث جابر بن حيان . وهذه الأسئلة مثل : هل الكون مخلوق ؟ ما طبيعة الخالق ؟ ما طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق ؟ وهل الكون سيبقى موجوداً في المستقبل كما هو موجود في الحاضر ؟ وما طبيعة التفسير الكيفي للأشياء والظواهر الطبيعية ؟ وما هومركز الكون ؟ * والحقيقية إن هذه الأسئلة بمجملها هي أسئلة إنطولوجية . وإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وبالمناسبة إن مثل هذه الأسئلة أو ما يشبهها قد واجهها الأبستمولوجيون المحدثون من تجريبيين حسيين مثل فرنسيس بيكون هوبز ولوك وجورج باركلي وهيوم وجون ستيوارت مل … والعقليون مثل ديكارت ومالبرانش وإسبينوزا ولايبنز .. والنقديون مثل كانط والأبستمولوجيون المعاصرون والقائمة طويلة . للتفاصيل في هذه القضية أنظر المصادر التي تم إختيارها للأشارة إلى تاريخ وتنوع وجهات النظر إلى الأبستمولوجيا الحديثة والمعاصرة في الغرب ، وبالمقابل إلى ضيق المفهوم العربي الأكاديمي للأبستمولوجيا المتداول مع الأسف :

Bertrand Russell, History of Westren Pilosophy, Routledge Classics 2012

Robert Audi, Epistemology: A Contemporary Introduction of Knowledge, Cambridge Uneiversity Press 1998

William Alston, Perceiving God: The Epistemology of Religous Experience, CornellUniversity Press 1991

John Greco, “Virtues and Vices of Vittue Eipstemology”, Candain Journal of Philosophy, 1993, 23: 413 – 433

Nicholes Wolterstorff, Epistemology of Religion, 1999, pp. 303 – 324

Fredrick Schmitt(ed), Socializing Epistemology, Lanham 1994

وأنظر كذلك مصادرنا السابقة عن الأبستمولوجيا الفمنستية عند حديثنا عن الحدود الضيقة لأصطلاحي الأبستمولوجيا والميثدولوجيا عند المرحوم محمد عابد الجابري طيب الله ثراه .

  وفي مضمار أبستمولوجيا الفمنست السود ، أنظر الكتاب الممتاز :

Patricia Collins, Black Feminist Thought : Knowledge, Consciousness and Politics of Empowerment, Routledge, New York 2000

وبالمناسبة أنظر محاولتنا الرائدة في مضمار الأبستمولوجيا التاريخية والمعنونة : القدر والإنسان : بحث أبستمولوجي في تواريخ اليعقوبي وإبن الأثير ، دار الطليعة ، بيروت 1986 ، وأنظر محاولتنا الجريئة في إنشاء أبستمولوجيا قرآنية ، والتي ظهرت في كتابنا المعنون : الخطاب التربوي الإسلامي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، الفصل الأول ، ص 25 – 27 . وقبل كل ذلك أنظر محاولتنا الجنينية في تأسيس مضمار أبستمولوجيا النقد الأدبي ، والتي ظهرت في مقالتنا المبكرة وتحت عنوان : أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية / مجلة الجامعة – تصدرها جامعة الموصل (على الأكثر ظهرت عام 1977) ، ص ص 103 – 107 من القطع الكبير / منشورة الآن على موقع المرحوم الدكتور عمر الطالب .  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

الإجابة عليها أسست ما إصطلحنا عليه بإنطولوجيا المنهج . وهذا يعني إن هذا المحور ، هو بحث في إنطولوجيا المنهج عند جابر بن حيان .

   جاءت الإجابة على تلك الأسئلة على صورة فرضيات . والواقع إن هذه الفرضيات تحدد ماهية فعل التأمل الذي مارسه جابر وهو يتناول مكونات منهج العلوم ، ومن ثم دقق الخطوات التي ينجزها ، وحسب النتائج التي توصل إليها . وبالتأكيد فإن تأملاته كانت محكومة بظروف العصر الذي عاش وتلقى تعليمه فيه ، وإكتسب منه مكوناته الثقافية ، وتعرف من خلاله على العلوم والمناهج الرائجة والمهيمنة على مساراته .

  وفعلاً فإن تأملات جابر تضع بأيدينا أكثر من دليل على إرتباطها بظروف عصره . فقد عاش ” خلال الشطر الأكبر من القرن الثامن الميلادي ” (7) . وللدقة كما بينا في هامش أعلاه إنه عاش مابين 721 – 815م . فإنه حياته شغلت (79 عاماً) من القرن الثامن وعقد ونصف (15 عاماً) من بدايات القرن التاسع الميلاديين . وعاش في جزء مهم من ديار الإسلام (كوفة وبغداد – العراق) . وإنه بحكم إنتمائه العائلي فقد تشرب مبادئ الإسلام ، مما كان لكل ذلك من الأثر على تكوين ذهنيته الفلسفية – العلمية (الأبستمولوجية) ، والتي كانت تستظل بمدركات إسلامية تنزع إلى التأمل في الكون والخلق صعوداً إلى معرفة الخالق .

  ونحسب من النافع الإشارة إلى إن ثقافة جابر قد تمثلت جميع علوم عصره ، وعلى الأخص النتاج الثقافي العلمي اليوناني بطرفيه الهيليني والهيلينستي . وكان لهذا التمثل دلالته في تأملاته ، حيث قدمت نفسها إنموذجاً دالاً على حالة النمو والتواصل المعرفيين الإنسانيين .

  كانت حصيلة كل ذلك إنشاء نص فلسفي أبستمولوجي مطبوع بسمتي الأصالة والمعاصرة بمقاييس عصر جابر . ونقف هنا ونتساءل : ما حدود إنطولوجيا المنهج عند جابر ؟ تمثلت هذه الإنطولوجيا في الفرضيات الآتية :

أولاً – فرضية الإيمان ” بوجود خالق للكون ، والأعتراف في الوقت ذاته بإن هذا الكون مخلوق ” .

  إقتصرت إنطولوجيا المنهج عند جابر (بحدود هذه الفرضية) على مجموعة تأملات فلسفية هي في حقيقتها إجابة على التساؤلات الآتية : هل الكون مخلوق ؟ ما طبيعة الخالق ؟ ما العلاقة بين الخالق والمخلوق ؟ ولاحظ الباحث إن فعل التأمل عند جابر ، قد وضع الكون موضوعاً للبحث والتفكير . وذهب إلى إن الكون بأشيائه وظواهره ، وما فيه من نواميس ، هو من خلق الله . إنه قرار إنطولوجي بأن هذا الكون مخلوق ، وهو مخلوق بتركيبته الفيزيائية التي تتكون من أشياء وظواهر ، وعلاقات بين الظواهر ، وعلاقات بين الأشياء ، وعلاقات بين الأشياء والظواهر ، وعلاقات بينها وبين البشر . وإن علاقة البشر بالكون تتحدد بنوع من الإستثمار ، والذي يكون بإسلوب من النظر إلى الكون والظواهر والأشياء . وبطريقة المحاولة على فهم ما يجري من أحداث ومن خلال ما توافر من آدوات وأساليب ولغة .

  وإستناداً إلى ذلك تشكل منهج البحث عند جابر ، وبالطبع هو سند فلسفي (إيماني) يعترف بأن النواميس والقوى والظواهر الطبيعية والأشياء تعود في أصلها إلى فعل من أفعال الخالق . ويبدو في الظاهر إن هذه الفرضية تقع خارج مضمار المنهج ، إلا إنها في الواقع تندرج ضمن موضوعات فلسفة المنهج . وهي تذكرنا بمواقف فلاسفة العلم والمناهج غرباً وشرقاً . وبالتحديد نستطيع إستذكار عدد من أسماء الفلاسفة والعلماء الذين أسهموا في صياغة نماذج من فلسفة العلم والمنهج . وإن شلة منهم من إعترف بأن هذا الكون وما تحكمه من قوانين دليل على إنه إبداع وخلق من لدن مبدع أو تنظيم مهندس (8) . وفي هذه القضية بالذات يكون حال جابر شبيه بالتأكيد بحالهم .

  وبذلك تكون تأملات جابر في الكون قد شكلت أساساً فلسفياً لمنهج البحث . وجاء التعبير عن هذه الأسس في بداية كتابه المعنون ” إخراج ما في القوة إلى الفعل ” (وبالطبع العنوان فلسفي وفيه إستبطان لأفكار أرسطو الفيزيائية) . إستهل جابر كلامه بوصف الخالق وعلمه ، وإعلان إسلامه بالشهادة لله ورسوله . فقال : ” الحمد لله الذي ليس كمثله شئ وهو على كل شئ قدير ، الأول بلا مثال ، والآخر بلا زوال . وتعالى وتقدست أسماؤه ، وهو بكل شئ محيط ، واللطيف الغامض في بطون الأجزاء وظاهرها ، وما في أوسطها ، العلي إلى ما لا نهاية ، والأسفل إلى ما لا نهاية له ، القدير على إدراك جميع الأشياء لطيفها وكثيفها ” (9) .

  إن المتأمل في هذه الفرضية يخرج بإستنتاج وحيد ، وهو إن في بنية هذه الفرض يتشابك الوجودي بالمعرفي (الإنطولوجي بالأبستمولوجي) في حضور الذات الآلهية هذا طرف . والطرف الثاني هو إن جابراً ظل يتحرك على أرضية فلسفية – دينية مشتركة عند صياغة الأساس الفلسفي للمنهج . ولذلك وجدناه يُدخل في وصف الوجود تفاصيل تدلل على وجود الخالق ، وحكمته في خلق الوجود . يقول جابر ” إن قطب تلك البروج وفلك الكواكب قطب واحد ، ومقدارها مقدار واحد . وهذه تسير خلاف هذه : أليس ذلك من صنعة حكيم ؟ ” (10) . ولعل من الملفت للنظر إن هذا الإستنتاج الأنطولوجي الذي أقامه جابر ، هو الإستنتاج الإنطولوجي ذاته الذي توصل إليه أنشتاين بعد أكثر من أحد عشر قرناً وهو يتأمل في إنطولوجيا الكون ويصيغ نظرياته الفيزيائية في النسبية العامة والخاصة ونظرية الحقل الموحد * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إنظر للتفاصيل :

Bertrand Russell. The ABC of Relativity, Allen & Unwin, London 1969

وفي البدأ نشر أنشتاين النظرية النسبية الخاصة ، وبالتحديد عام 1905 ، وبعد أحد عشر عاماً نشر النظرية النسبية العامة (1916) ومن ثم جمع بينهما في نظرية الحقل الموحد . وللإطلاع على رأي أنشتاين في مفهوم الله والإيمان أنظر الكتاب الممتاز :

Victor Stenger. Has Science Found Good? Prometheus Books, 2003

وهنا أشارك القارئ بما ورد في الفصل الثالث عن إيمان أنشتاين وعقيدته الدينية ” فقد رد أنشتاين على سؤال الحاخام هربرت كولدستاين عندما سأله الحاخام بالنص : هل تؤمن بالله ؟ فقال أنشتاين بالحرف الواحد : ” أنا مؤمن بإله الفيلسوف إسبينوزا ، الذي يكشف عن نفسه في الإنسجام بين الموجودات ” (عقيدة وحدة الوجود) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثانياً – فرضية الإيمان ” إن هذا الكون سيبقى موجوداً في المستقبل ، كما هو موجود في الحاضر ” .

  لاحظ الباحث إن منهج البحث عند جابر قد نهض على أساس هذه الفرضية الإنطولوجية ، ولذلك أصبحت مهمة المنهج مقيدة بمعرفة قوانين هذا الكون في الحاضر ، ومن ثم التكهن بأن هذه القوانين ستظل فاعلة في المستقبل . والحقيقة إن هذه الفرضية تكشف عن خصوصية جدل التحول والإستمرار عند (جابر – أرسطو) جدل التحول والإستمرار من الحاضر إلى المستقبل ، جدل التحول والإستمرار من القوة إلى الفعل .  

  إن هذه الفرضية تعترف بأزواج من الجدليات في فهم حقيقة الكون ؛ جدل القوة والفعل ، جدل الزمان والوجود (المكان) ، وجدل الزمان والزمان (الحاضر والمستقبل) . وللوقوف على فهم جابر لهذه الجدليات نذكر النص الآتي : ” فالشئ الذي هو بالقوة هو الذي يمكن أن يكون وجوده في الزمان الآتي المستقبل ” (11) . والحقيقة إن إفادات جابر لا تقتصر على وصف الجدليات الفاعلة في فهم طبيعة الكون ، وإنما تقدمت بتوصيف لمنطق الممكنات الذي يخترقها ، وهذا المنطق له أهميته في تاريخ المنهج وفلسفته . وعن هذا المنطق قال جابر : ” كقيام القاعد وقعود القائم ، والشئ بالفعل الموجود في الزمان الحاضر وسائر الأفعال الكائنة كقعود القاعد وقيام القائم ” (12) .

ثالثاً – فرضية الإيمان ” إن حقيقة الأشياء تعتمد على كيفياتها ” .

   أسس جابر منهجه في البحث على التفسير الكيفي للظواهر الطبيعية . وهذا التفسير أو المنهج الكيفي يقوم على الكشف عن خواص الأشياء . وفي الحقيقة إن هذه المسألة بينت الوضع الذي كان عليه العلم في عصر جابر ، والذي كان مشروطاً بمرجعية أرسطو الفيزيائية (الطبيعية) * . ويُلاحظ إن جابراً وقع فعلاً تحت هيمنة سلطة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * هناك عدد هائل من المقالات والكتب الأكاديمية الممتازة التي كتبت عن سلطة أرسطو في الفيزياء  . وهنا أحيل القارئ والأكاديمي العربيين إلى :

أولاً – إلى الكتاب المجموع الذي أشرفت على جمع مقالاته :

Lindsay Judson (ed), Aristotle’s Physics: A Collection of Essays, Claredon Press, Oxford 1991

ثانياً – الكتاب الممتاز الذي تناول العلم الفيزيائي (الطبيعي) عند أرسطو :

Andrea Flacon, Aristotle and the Science of Nature: Unity without Uniformity, CambridgeUniversity Press 2005

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجعية الأرسطية ، حيث إن محاولاته للخروج عليها كانت جداً محدودة . وهذا هو قدر العلماء ، فهم محكومون بظروف عصرهم ، وليس في إمكانهم تجاوز كل ذلك ، لأن فعل التجاوز وإقامة القطيعة الأبستمولوجية ومن ثم تدشين درب ومنهج أبستمولوجيين ، مرهون بإختراع تكنولوجيات بحثية تُلغي حدود العصر الذي عاشوا فيه . وإن حدث مثل هذا فإنه لا يحدث بالتأكيد إلا في مراحل الإنعطاف . وهذا الأمر ينطبق على عصر جابر (ولا تنسى إن الغرب يتحدث عن جابر أباً للكيمياء الحديثة ..) ، ولذلك كان في تأملاته الفلسفية وبصيرته المنهجية لا يسمحان له على شطب كل تلك الإشتراطات ومن ثم تخطي بوابة العصر ودخول عتبات عصر جديد . ومن المعروف إن عصر جابر تعامل مع نوع من التكنولوجيات التقليدية التي ليس فيها إمكانية قلب تفسير حقيقة الأشياء من الكيفي (النوعي) إلى الكمي (الرياضي) وإن ظهرت تباشير جابرية لوحت بإستخدام محدود للكمي . وفعلاً لم تتوافر لجابر مثل هذه التكنولوجيات ، ولو توافرت لأعانته في معرفة الأوزان الذرية للعناصر الفيزيائية . ولكن مثل هذه الفرصة الأبستمولوجية لم تتحقق للإنسانية إلا بعد أشواط حضارية * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * إن مثل هذا الإنعطاف والتحول لم يحدث إلا بعد أكثر من عشرة قرون ، وبالتحديد أصبح حلم جابر بن حيان ناجزاً على يد الكيميائي الإنكليزي جون دالتون (1766 – 1844م) بعد قيامه ببث روح جديد في النظرية الذرية (وهي نظرية الفيلسوف الذري اليوناني ديمقريطس) التي كونت مايسمى بالنظام الجديد للفلسفة الكيمائية (عام 1808) . للإطلاع على التفاصيل أنظر :

Frank Greenaway. John Dalton and the Atom, CornellUniversity Press, New York 1966

Elizabeth Patterson. John Dalton and the Atomic Theory, Garden City, New York 1970

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لقد كان جابر إبن عصره ، بل وكان مرتبط به أشد إرتباط ، ولذلك جاءت فلسفته المتخفية وراء منهجه وأبستمولوجياته ، معبرة عن كل ذلك . فلجأت إلى الوصف الكيفي للأشياء والظواهر ، مما يُعد فضيلة أبستمولوجية وميثدولوجية محسوبة لصالحه . فهي فضيلة من حيث إنها كشفت عن تعامل الرجل بموضوعية مع الأشياء والظواهر . فقد قدم وصفاً غير متأثر إلى حد ما بميول ذاتية وطموح علمي فيه نوع من البايز (الإنحياز) . ولهذا كان التفسير الذي قدمه مطبوع بحيادية علمية وفق إشتراطات عصره .

  ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن تفكير جابر في الوقت ذاته ، جنح نحو شاطئ من شواطئ التفكير العلمي الطامح ، وتحول من دائرة التفكير الموضوعي الحيادي إلى محيط التدخل والتأمل المنحاز . فمن المعروف إن الوصف يعتمد على مفاهيم وتصورات وإعتقادات . وهذا هو مجال التفلسف في موضوعات العلم . والحق إن تأملات جابر في هذا المضمار كانت نشطة إلى أبعد الحدود . وبذلك جاءت فرضيته الفلسفية التي ينهض عليها المنهج تستند إلى الكيفيات في التفسير . وعن ذلك أفاد جابر قائلاً : ” إن الطبيعة كائنة من تضاعيف الكيفيات بالحركة والسكون ” (13) .

  كما حملت فرضية المنهج إشارة في غاية الأهمية ، إشارة تجاوزت عصر جابر ، وإخترقت في الوقت ذاته جدران الزمان والمكان ، فهي تُلقي ضوءً جديداً في فهم فعالية التفسير العلمي للظواهر الفيزيائية (الطبيعية) . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن ذهنية جابر كانت تتحسس أهمية التفسير الكمي ، وذلك لكونه تفسيراً دقيقاً للظواهر . وإستناداً إلى ذلك جعل جابر التفسير الكمي يعمل بجوار التفسير الكيفي وفي آن واحد . وعن ذلك ذكر : ” وإبتداء تضاعيفها (أي الطبيعة) إمتزاج الكمية معها ، فالطبيعة إذاً أربعة أشياء إبتداء حركة وسكون بكيفية وكمية . هذا هو جوهر الطبيعة ” (14) . إنها حقاً إضاءة منهجية تدلل على قدرة العقل المسلم على فتح أبواب جديدة للتأمل الفلسفي (الأبستمولوجي) في مناهج العلوم والبحث ، خارج حدود العمل الإنساني المرهون بظروف العصر وإشتراطات تكنولوجياته .

رابعاً – فرضية الإيمان ” إن الأرض مركز الكون ” .

    لاحظ الباحث إن جابراً في هذه الفرضية أعاد كتابة فرضية بطليموس (عاش في القرن الثاني الميلادي) الفلكية القائلة : ” إن الأرض مركز الكون ” . وإنه (أي جابر) قد إتخذ منها سنداً فلسفياً لمنهجه في البحث . والحقيقة إن هذه الفرضية كانت في عصر جابر تمثل الفرضية الفلكية المتداولة . وهي بطبيعتها تتجاوز عصر بطليموس ، وتصعد إلى فلسفة أرسطو الطبيعية (15) .

  ونحسب إنه من العدل والإنصاف أن نقول كلمة بحق التصور الفلكي الإسلامي عامة وتصور جابر خاصة ، وهو إن المسلمين قد سجلوا تحفظات وأشروا ملاحظات جديدة على نظام بطليموس . وهذه التحفظات والملاحظات شكلت بداية نقدية ، وأسهمت من جانبها مع جهود نقدية لاحقة من تكوين مضمار أبستمولوجي ساعد في بناء نظام فلكي جديد للكون (16) .   

  لقد كونت هذه الفرضية ركناً مهماً من أركان البناء الفلسفي للمنهج عند جابر . وهي في حقيقة الأمر فرضية تعترف بأن الأرض هي مركز الكون . وإن الكواكب الأخرى تجري وتدور حول هذا المركز . وعلى هذا الأساس الفلكي أقام جابر منهجه في البحث . ونقف هنا ونستمع إلى ما يقوله جابر في هذا الصدد : ” تعلم إن الكواكب أعمل في عالمنا من البروج لقربها منه ، ولبعد فلك البروج وتوسط فلك الكواكب بين هذا العالم وبين فلك البروج ” (17) .

  وإذا كانت هذه هي الأسس الفلسفية للمنهج في البحث عند جابر ؛ فماهي إذن آليات المنهج وتنوعات إيقاعه ؟ هذه القضية يبحث فيها المحور اللاحق .

آليات المنهج وتنوعات إيقاعاته

  إن الجانب الأخر من أبستمولوجيات المنهج عند جابر ، هو البحث في آليات المنهج ، ومن ثم رصد تنوعات إيقاعات هذا المنهج ، والتي نقصد بها أنواع المنطق التي إستخدمها جابر في مضمار العلوم ، وبالتحديد في مضمار منطقيات البحث والمعرفة العلمية .

  ولاحظ الباحث إن المنهج عند جابر إستخدم نوعاًً من المنطق ، والتي نزلت إصوله إلى دائرة الثقافة الإسلامية عامة ، وثقافة عصر جابر بن حيان خلال ترجمة كتب أرسطو المنطقية وشروح الإفلاطونية المحدثة عليها ، والتي كان من ضمنها كتاب إيساغوجي لفرفريوس الصوري الذي يتقدم الصفوف ، وترجمات لمنطق الرواقية والأبيقورية القضوي الممزوج بحجج الشكاك والمعجون بنزعة حسية راجحة ، والتي تلقفها في البداية علماء الكلام الإسلاميين عامة والأشاعرة خاصة ، والذين إتكأوا عليه في مهاجمة منطق الفلاسفة المرجح لمنطق أرسطو (18) .  حقيقة إن هذه الثقافة المنطقية المتنوعة المصادر كانت رائجة في عصر جابر بن حيان والشاهد على ذلك حضورها في نصوصه صدى وروحاً . وهذا ما سنبحثه في الصفحات اللاحقة .

 فعلاً لقد إستخدم المنهج عند جابر نوعين من المنطق ؛ إستقرائي يحفر وينقب عن الماكث المتخفي في الظاهرة الطبيعية التي تبحث فيها العلوم ، ويقدم المنهج من خلال إلإستعانة بفعل الإستقراء وصفاً ومن ثم يرتقي خطوة خطوة ليقدم تفسيراً للظاهرة الطبيعية . وإستدلالي يعتمد لغة العلوم موضوعاً ويستخدم طريقة التحليل والتركيب نهجاً وإسلوباً . وإعادة عرض النتائج في موديل منطقي مستفيد من هندسة إقليدس ، سواء في رمزيتها أو إشتقاقيتها (19) .ولهذا سننظر إلى أبستمولوجيا المنهج عند جابر من خلال اللحظتين الأبستمولوجيتين الآتيتين :

الأولى – الوصف والتفسير :

   يبدأ المنهج بحثه بموضوع محدد ، وقد يكون هذا الموضوع شيئاً ، أو قد يكون ظاهرة طبيعية . وإن الخطوة الأولى من عمل صاحب المنهج ، هو القيام بتقديم وصف للشئ أو للظاهرة . وتشارك في عمل الوصف الحواس وذلك من خلال ما تلتقطه من صور عن الأشياء والظواهر ، والعقل وذلك من خلال تكوين مفاهيم أو أُطر عقلية تقابل المدركات الحسية (وهي الوصف العقلي لها) . والحقيقة إن الوصف يُشكل المستوى الأبستمولوجي الأول من آليات المنهج وتنوع إيقاعاته الأبستمولوجية .

  أما المستوى الأبستمولوجي الثاني في آليات المنهج عند جابر ، فهو التفسير والذي يشير في مثابرته الأبستمولوجية إلى تدخل الذات العارفة في صياغة الفهم الأبستمولوجي للعالم . وهنا نلحظ إن الفلسفة عادت للظهور بقوتها من جديد في آليات المنهج . فعلاً لقد أعان المنهج جابر على معرفة حقيقة الكون ، وذلك من خلال ما توافرت له من وسائل وطرق بحث . وهي على مستوى التفكير تضم أساليب التنظير واللغة وقواعد البناء (المنطق) . في حين كانت على مستوى التجريب والإختبار تشمل أدوات بسيطة ساعدته بحدود ما على إختبار الحقيقة الماكثة في ظواهر الكون . ومن ثم تلت ذلك خطوة أُخرى تمثلت في أساليب تتجاوب وهذا التطلع التجريبي ، فكان الأستقراء . جاء بعد ذلك الإستدلال إسلوباً مسانداً للتجريب والملاحظة في تراث جابر بن حيان .

  ويُلاحظ إن جابراً في نصوصه المتوافرة قد دعا إلى دراسة الظاهرة الطبيعية ضمن شروط البحث العلمي . ومن هذا الطرف تمتع الوصف بنوع من الحيادية . أما التفسير فقد كان على عكس الوصف ولهذا الحال إبتعد نوعاً ما عن الحيادية . وبين إن الإنسان قد يتدخل في عملية تفسير الظاهرة وذلك من خلال التفكير ، ولهذا التدخل كان التفسير بمنظار جابر منحازاً متأثراً بجملة عوامل فعلت فعلها في دائرة تفكير العالم – الفيلسوف .

  ويبدو إن جابراً في عملية الوصف للظاهرة الطبيعية لم يقف عند حدود الإعتماد على لغة التداول اليومي ، وإنما إنصرف إلى وضع صيغة الوصف في إطار لغة رمزية . وإن جابراً بهذا السلوك تطلع إلى تدوين الوصف بلغة رمزية ، وذلك عن طريق تكميم التفسير المقدم للظاهرة برموز . والحقيقة إن هذا العمل الذي أنجزه جابر ، كان له أهمية في تاريخ العلم والمنهج على حد سواء . وفعلاً إن الرجل إنتقل في وصف الظاهرة من صيغ اللغة المتداولة إلى دائرة اللغة الرمزية* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * وبالمناسبة إن اللغة الرمزية هي مجموعة من سلاسل أو مصفوفات تتألف من رموز . إن علم قواعد أو نحو اللغة الرمزية شبيه بقواعد نحو اللغة العادية ، ويطلق عليها إصطلاح قواعد الصيغ الصورية أو الرمزية . وبعض الأحيان تُسمى بقواعد السنتاكس . للإطلاع أنظر :

A – Michael Harrison, Introduction to Formal Language Theory, Wasly 1978

B – A. G. Hamilton, Logic For Mathematics, CambridgeUniversity Press 1978

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  والواقع إن البحث هنا يندرج ضمن ما أصطلحنا على تسميته بأبستمولوجيا اللغة . وهذا النوع من البحث يدرس بنية النظام اللغوي ومقدار إرتباط مكوناته بالواقع وبعالم التجريد . ومن ثم يميز في مستويات النظام اللغوي بين لغة الحياة (لغة الواقع) واللغة

الفوقية والتي تشمل المنطق واللغات الرمزية . وبذلك يصبح لدينا الجواب متوافراً على التساؤل المُثار دائماً : لماذا يصاحب كل تطور علمي ، تطوراً في أبنية المنطق والعلوم الرمزية (العلوم الرياضية) ووسائلها ؟ والواقع إن هذا التطور في اللغات ، هو تلبية لحاجة الإكتشافات العلمية الجديدة (وإن الأجهزة اللغوية المتداولة أصبحت عاجزة عن التعبير عن الأكتشاف الجديد) وبالمقابل إن التجديدات في الأنظمة اللغوية نجحت في التعبير عن جوهر الإكتشافات العلمية الجديدة .

 إن طرفاً مهماً من هذا التطور العلمي تجسد في نزعة جابر الرمزية في الوصف والتفسير للظاهرة الطبيعية ، والتي تمثلت في حضور الإنموذج المنطقي بكل مواصفاته في دائرة فهمه . وذلك إدراكاً منه إلى إن حضور الرمزية ، هو توفير الدقة والوضوح لصيغ الوصف والتفسير ، وفي الوقت ذاته تُبعد هذه الصيغ من الوقوع في التناقض الذي تعجُ به لغة التداول اليومي (وهي بذور جنينية نحو بناء لغة علمية خاصة) . كما إن هذه الرمزية تتيح عملية الإستنتاج بيُسر ، حيث تبدأ بترتيب تراكيب التفسير والوصف بإسلوب منطقي ، يوفر تتابع التراكيب (القضايا العلمية) بحيث تُشكل بناءً علمياً يتصف بنوع من الصرامة المنطقية . وفي الحقيقة هذا هو هدف العلم والمنهج وأمنية العالم وفيلسوف العلم وفلسفة المنهج .

  ونحسبُ من المفيد هنا الإشارة إلى إن تداول الرموز واللغة الرمزية في الفترة التي ظهر فيها جابر من تاريخ تطور العلم ، كانت محدودة جداً حتى في العلوم الرمزية (الصورية) وهي العلوم التي تتعامل بلغة الرموز . ولعل الشاهد على ذلك تعامل علم المنطق والرياضيات بلغة الرموز في تلك الفترة . فقد كان فعلاً تعاملهما محدوداً . وإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للإطلاع على أهم الدراسات في مضمار المنطق الرمزي والبناء الرمزي للعلوم ، أنظر:

A – Rudolf Carnap, Introducation to Symbolic Logic and Its Applications, Dover Books 1958

B – Alfred Tarski, Introduction to Logic and Methodology of Deductive Sciences, Dover Books 1994

C – Michael Hollett & Ulrich Majer, David Hellbert’s Lectures on the Foundition of Mathematics and Physics (1891 – 1933) Springer 2004

D – Pierre Duhem, To Save the Phenomena: An e Essay on the Idea of Physical Theory from Plato to Galileo, University of Chicago Press 1969

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كل ذلك كان له الأثر على عمل جابر ، فأبقاه مقيداً بحدود عصره في تداول لغة الرمز.

  وعلى كل نحاول هنا تقديم عرض لصيغة الوصف (وصف الظاهرة الطبيعية) كما هي في لغة التداول ، ومثلما وردت في نصوص جابر . ومن ثم نحاول وضعها في الصورة الأخرى التي تقدم بها لوصف الظاهرة الطبيعية ذاتها مُستخدماً لغة الرموز . يقول جابر ، وهو يستخدم لغة التداول : ” إن للنار أن تصير هواء بالقوة ، وللهواء أن يصير ماء بالقوة ، وللماء أن يصير أرضاً بالقوة ، فللنار أن تصير أرضاً بالقوة ” (20) .

   أما الصورة الرمزية لهده الصيغة التي تقدم بها جابر ، فهي في حقيقتها تكشف عن إسلوب بحث علمي يرقى بحدود إستخدام لغة الرموز إلى أكثر النماذج (الموديلات) العلمية دقة وصرامة ، وهو الأنموذج المنطقي . ومن المهم الإشارة هنا إلى إن الأنموذج المنطقي من الزاوية التاريخية والأبستمولوجية ، الذي يُعد من الموديلات المنطقية – الهندسية التي توحدت العلوم في داخلها (21) . ولهذا كانت العلوم التي عرضت أبنيتها مستعينة بالمنطق وقواعده ، تتطلع إلى بلوغ الدرجات العالية من الوضوح والدقة وإستبعاد التناقض عنها ، وتوفير الفرصة للباحث للإستنتاج والإشتقاق ، ومن ثم توسيع دائرة المعرفة العلمية . وفي هذا المجال تقدمت دائرة فهم جابر بوصف للظاهرة الطبيعية السابقة ، مستخدمة هذه المرة اللغة الرمزية ، ومستفيدة من الإنموذج المنطقي في عرض مثال من العلم الطبيعي :

يقول جابر : ” أ إن كانت في بعض ب

                و ب في بعض ج

                و ج في بعض د

               ف د في بعض أ ضرورة

               و أ في بعض د هذا ما لاشك فيه ” (22) .

   ويُلاحظ إن جابراً قد ميز بين الظاهرة البسيطة والظاهرة المركبة ، وطالب بإستيعاب هذا التمييز ، وأن يكون متوافراً للباحث في صيغتين لغوتين ، يعرضان تفسيرين علمين ؛ واحد للظاهرة البسيطة ، والأخر للظاهرة المركبة . يقول جابر : ” إن الأشياء إنقسمت قسمين ، وهي إما بسيطة وإما مركبة ، فما كان منها في الكون فهو مركب مطلق أو مركب ثان أو مركب مركب . فأما ما كان في البسيط الأول . فممتنع أن يخرج كل ما فيه بالقوة إلى الفعل لا لذاته ولا لأجزائه . أما لذاته فلأن البسيط غير متناه ، وما لم يكن متناهياً فهو غير فان ” (23) .

  إن جهاز المفاهيم الذي إستخدمه جابر كان له الأثر في تحديد هوية الأبستمولوجيا ومنهجها . وفعلاً فإن الباحث لاحظ سلطة أرسطو واضحة الحضور فيه ، كما إن هيمنتها على نصوصه بينة . وإن هذه الشبكة من المفاهيم الأرسطية أثرت على تشكيل مفهوم الأبستمولوجيا عنده . ومن هذا الطرف كان لها الدور في تعويق حركة المنهج كذلك . وحكمت عليه أن يقف عند حدود الفهم الأرسطي . وإذا كان ذلك عيباً نسجله على جابر ، فإنه بحدود عصره وظروفه يسجل تقدماً كبيراً ، خاصة وإنه ينزع إلى تأسيس قاعدة فلسفية لمنهج العلوم في دار تنظر إلى ثقافة الغريب الوافد بعين الشك والريبة .

  لقد ضم جهاز المفاهيم (الأرسطي – الجابري) مقولات مثل : القوة والفعل ، الزمان والمكان . ثم أضاف إليها في النص السابق مقولات جديدة ، وكان هدفه توسيع هذا الجهاز ، ومن ثم زيادة مساحة إستخدامه . والمقولات الجديدة ، هي التناهي واللاتناهي.  والحقيقة إن فكرتي التناهي واللاتناهي ، هما من المقولات الجديرة بالإهتمام في موضوعة التفسير كإجراء منهجي ، وهما في الوقت نفسه من المفاهيم التي تقاسمت الأهتمام بهما الفلسفة والرياضيات . ولعل أبحاث برتراند رسل شاهد على ذلك (24) . إلا إن التناهي واللاتناهي عند جابر قد جرى بحثهما حصراً في دائرة البحث الميتافيزيقي – الإنطولوجي (الفيزيقي) ؛ أي تناهي العالم أو لاتناهي العالم ، أو بمعاني أُخرى تم بحثهما في إطار : العالم محدود أم غير محدود . وجاءت مناقشة جابر لهما من زاوية المدرك الديني ، فهو يذهب إلى إن تناهي العالم تحمل دلالة على ” إنه فان ” وإن لاتناهي الخالق برهان على ” إنه ليس بفان ” (25) .

  وظهر لنا إن الإطار العام الذي تمت فيه مناقشة هذه القضية ، هو إطار منهجي – أبستمولوجي ، مما يحملنا على القول إن جابر يشارك فلاسفة العلم في معالجة هذه القضية . واليوم نحن نعلم إن عدداً من فلاسفة العلم يناقشون هذه المسألة في الإطار المرجعي ذاته الذي ناقش فيه جابر المسألة السابقة ، وإن عدداً محسوباً منهم قد أقروا بتناهي العالم ومحدوديته ، وبوجود ” مبدع منظم ” لهذا العالم (26) (وبالطبع هناك عدد منهم يعترف بتناهي العالم ولكن بلا محدوديته وبعض منهم ينكر وجود مهندس أو صانع أو منظم …) .

الثانية – التحليل والتركيب :

  قدم المنطق مرة أخرى للعلوم إنموذجاً ، وفيه تحريض للعلوم للإفادة منه في توحيدها . وفي هذا المضمار نحسب إن دائرة تفكير جابر كانت واعية لمثابرة المنطق في توحيد العلوم . وهذا الإنموذج الذي قدمه المنطق ، ومن خلال إفادات جابر كانت اللغة هي الخيار . ومن المعروف إن آليات المنهج ، هما الوصف والتفسير ، واللذان من طرفهما يحفزان العالم على البحث عن لغة للعلم تتناسب وتطلعاته . وإن الدقة التي توفرها مكونات اللغة هدف من الأهداف التي ينشد العالم بلوغها . أما الإجراء المنهجي الجديد ” التحليل والتركيب ” ، فإنه إجراء ينظر إلى اللغة على أساس إنها الخطوة الأكثر أهمية في الإجراء العلمي . فالتحليل هو تحليل للغة العلم . والتركيب هو إعادة بناء العمارات العلمية والأبستمولوجية وفق شروط وقواعد البناء المنطقي *.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* طريقة التحليل مغايرة لطريقة التركيب وتسير بطريق معاكس لها . للتفصيل في ماهيتهما أنظر :

A – Rey Georges. “The Analytic L Synthetic Distinction,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Ed. By Edward Zalta 2003

B – Leonard Linsky. Analytic / Synthetic and Semantic Theory, Springer 1970  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لقد إستخدم جابر هاتين الطريقتين في إجراءاته المنهجية . ولا نقول جديداً إذا قلنا إن هاتين الطريقتين تُعدان اليوم من الإجراءات المنهجية المهمة في الميثدولوجيا والأبستمولوجيا خاصة وفلسفة العلوم عامة . إن هدفنا هنا معرفة فهم جابر لهذه الإجراءات المنهجية . وفعلاً إن الباحث في نصوص جابر يلحظ إن تفكيره كان تفكيراً علمياً منظماً ، نازعاً إلى الإعتماد على عدة أساليب . ولعل واحد من هذه الأساليب ، هو طريقة التركيب ، وهي نهج يسلكه الباحث في سعيه لفهم طبيعة الظاهرة موضوع البحث . والتركيب طريق لبناء هياكل نظرية للعلوم ، سواء كانت صورية (رمزية منطق ورياضيات وفيزياء نظرية …) أم تجريبية . وهو في الوقت ذاته سبيل لبناء النظريات الأبستمولوجية بوجه عام . إلا إن عمله ليس حُراً بل إنه عمل مشروط ومقيد بمجموعة قواعد بنائية ، منها ما يُفيد في إختبار جهاز المفاهيم (أبجديات تتألف من مفاهيم أولية) وهذه الشروط هي : الدقة والوضوح ، والخلو من الغموض واللبس . وإن المفهوم الثانوي يخضع لقاعدة بنائية أُخرى ، وهي أن تكون صيغة المفهوم خالية من التناقض ومتناغماً مع المفهوم الأولي أو مجموعة المفاهيم الأولية . وأن تكون لغة الصيغة واضحة ودقيقة وموجزة * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل في القواعد البنائية من الزاوية المنطقية ، أنظر :

A – R. Carnap,The Logical Structure of the World, Trans. By Rolf George, University of California Press 1967

B – Pierre Wagner (ed), Carnap’s Logical Syntax of Language, Macmillan 2009

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  من هنا نفهم : لماذا يتطلع فلاسفة العلم والباحثون في المناهج ، ومنذ أمد بعيد ، إلى ضرورة أن تكون الدقة والوضوح من سمات هياكل الأبستمولوجيا التي ينشدون بنائها ؟ تحقق هذا لهم بإستخدام اللغة الرمزية ، فكانت الرياضيات هي اللغة الرمزية للعلوم . ومعلوم عند الجميع ما تتميز به الرياضيات من دقة ووضوح ، ورمزية تتيح الإستنتاجية للعالم ، وذلك من أجل أن يكون البناء الأبستمولوجي للعلم بعيداً عن أي منزلق يؤدي إلى التناقض ، ويجعل العملية الإستنتاجية التي يقوم بها العالم غير سليمة.

إن إشارة جابر لطريقة التركيب وما تحتاج إليه جاء في قوله : ” إن لنا نكتاً في كتب التعليم (الرياضيات) وغيرها … أو على ذكر التعليم والتركيب ، ولابد لنا من ذكر الأوائل (الأوائل من المفاهيم أو من القضايا أي البديهيات) التي يحتاج إليها ” (27) .

  وتتقدم على طريقة التركيب طريقة أُخرى ، تمهد لها سبيل البحث ، وهي طريقة التحليل ، والتي عن طريقها نتمكن من الوصول إلى الأبجديات من المفاهيم أو الأوليات ، ونتعرف على شروط إختيارها ، وكيفية توافر الدقة والوضوح فيها ، وإستبعاد الغموض واللبس عنها ، ووضع نماذج (موديلات) نظرية للعلوم ملتزمة بقواعد البناء . إن إشارة جابر لطريقة التحليل وما تتطلبه من لوازم جاءت في قوله : ” هو علم يخرج بالحدس ، وستراه في موضعه كله يخرج في الوزن بعد التحقيق الطويل البعيد … وقد فرضنا أولاً أ مرتبة وب مرتبة وج مرتبة ود مرتبة . وإن أ ليست ولا واحد من حدود ب ولا ج ولا د ” (28) .

  لم تكتف نصوص جابر بوصف الروح التحليلية – التركيبية للمنهج العلمي . بل قدمت شواهد وأمثلة على هذه الروح المستقاة من الصيغ التي تصف الظواهر الطبيعية ، ميدان المنهج العلمي وساحة عمله . يقول جابر : ” ونحتاج أن نضرب لذلك مثلاً وإلا كان مجهولاً .. مثال المركب الأول الطبيعة ، ومثال المركب الثاني تركيبها الأول ؛ فالحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، والنار والهواء والأرض والماء ” (29) . في الحقيقة إن هذا الشاهد يُبين لنا الروح التحليلية – التركيبية التي تمتع بها منهج جابر . فالطبيعة مفهوم مركب ، وهو في حقيقته يتألف من مكونات كثيرة . إنه مفهوم يتسع لضم كل مكونات العالم الخارجي . ولهذا كانت تركيبته عالية التعقيد . أما المكونات التي تُشكل أجزاء الطبيعة ، فهي بسائط تؤلف بمجملها هذا المركب الذي نسميه الطبيعة . وهنا تتحدد القيمة المنهجية – الأبستمولوجية لمثال جابر .

  كذلك أدت اللغة دوراً فاعلاً في التعبير عن الروح التحليلية – التركيبية في البحث في نصوص جابر . وهذه المرة جاءت الشواهد معروضة في كتابه المعنون ” الحدود ” . فقد عرض في هذا الكتاب مواصفات نظرية عامة للغة العلمية * ، ومهد لإنجاز ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على الدراسات الفلسفية المعاصرة في مضمار بناء اللغات العلمية ، أنظر :

A – Howard Sankey. The Language of Science: Meaning Variance and Theory Comparison, Language Sciences 22 (2): 117 – 136 (2000)

B – Gary Gutting. Conceptual Structures and Scientific Change, Studies in History and Philosophy of Science Part A 4(3): 209 – 230

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بوضع طريقة التحليل المنطقي للغة . وهي طريقة تنهض على التمييز بين لغة التخاطب اليومي المليئة بمفاهيم غامضة وقضايا (جمل) تُثير التناقض وبين اللغة الفنية الدقيقة للعلم على مستوى المفاهيم والخالية من التناقض على مستوى القضايا (30) . ويبدو إن جابراً كان واعياً إلى إن لغة التخاطب بالرغم مما تتصف به من مواصفات سابقة ، فهي السبب في الخلاف بين الناس ، وذلك بما تحدثه من تشويش فكري وإرباك علمي (أبستمولوجي) .

  ولذلك نفهم الدوافع التي حملت جابر إلى التطلع نحو تأسيس لغة فنية للعلم . وحقيقة إن المنهج ساعده على إنجاز مسعاه ومن خلال طريقتي التحليل والتركيب . ونقف هنا ونتساءل : ما هي جهود جابر النازعة إلى بناء منهج علمي يستخدم لغة فنية دقيقة وواضحة من حيث المفاهيم (التي تُشكل أوليات البناء) ، وذات تراكيب قضوية (قضايا) خالية من أي تناقض ؟ ونحن لا نريد أن نستغرق في هذه المسألة في هذه المسألة لأن غرضنا هو لفت الأنظار ، والدعوة إلى مراجعة كتاب الحدود الذي كتبه جابر بن حيان (31) .

  إن كتاب الحدود مهمُ من طرفين ؛ الأول إنه حمل روحاً تحليلية – تركيبية . والثاني إنه نص يتعلق بنظرية التعريف التي تحتل مكانة بالغة في كل من المنطق والأبستمولوجيا ، وخصوصاً في البناء النظري للمعرفة * . وعن نظرية الحدود أو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فيما يخص نظرية التعريف في المنطق أنظر :

Horty J., Frege on Definitions: A Case Study of Semantic Content, OxfordUniversity Press, New York 2007

Robinson J., Definition, Clarendon Press, Oxford 1950

أما فيما يتعلق بدور التعريف في الأبستمولوجيا (البناء النظري للعلوم ) أُنظر :

John Locke, An Essay Concerning Human Understanding, Ed. By P. H. Nidditch, OxfordUniversity Press 1975

وهو أحد الأناجيل الأبستمولوجية الحديثة الكلاسيكية (أو نظرية المعرفة وهو الإصطلاح الذي نتحفظ عليه) . ونقصد الأناجيل الثلاثة للأبستمولوجيا الحديثة ؛ الأنجيل الأبستمولوجي التجريبي (لوك المذكور أعلاه) ، والأنجيل الأبستمولوجي العقلي الديكارتي والإنجيل الأبستمولوجي النقدي الكانطي . وهذا موضوع يحتاج إلى أبحاث خاصة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعريف يقول جابر : إن الحد هو ” الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة حتى لا يخرجُ منه ما هو فيه ولا يدخلً فيه ما ليس منه ، ولذلك صار لا يحتملُ زيادة ولا نقصان ” (32) . ومن ثم عرض علينا بعض التعريفات الملتزمة بشروط التعريف ، وذلك من حيث شروط اللغة وقواعد البناء (أي شروط التحليل والتركيب) (33) .

  وإعتماداً على ما توفره طريقتي التحليل والتركيب ، ميز جابر بين عقلية العالم والإنسان الإعتيادي . وفعلاً فقد بين إن عقلية العالم تكون مقيدة عندما تعمل في ميدان الطبيعة ، ولذلك نفهم لماذا إستخدم جابر الرموز في التعبير عن الظاهرة الطبيعية . إذ إن الرموز مكنته من وضع موديلاً (صورة بناء إنموذجي) للظاهرة الطبيعية . ولعل مايميز هذا الموديل إنه بناء يتألف من مجموعة رموز لا علاقة لها بالأخطاء التي تُصاحب العملية الأبستمولوجية .

  إن كل ذلك يمكن فهمه عند جابر في إفادة تقدم بها ، وهي في حقيقة الأمر تتحدث عن مكونات الموديل المنطقي (الرمزي) للظاهرة الطبيعية . وإن المكونات كانت بمجملها مجوعة رموز . ولنقف نستمع لإفادة جابر الرمزية : ” إن الأشكال الأول هي أ ب ج د ، وهي المرتبة الأولة … ثم المنزلة الثانية وهي هـ و ز ح … ثم المنزلة الثالثة وهي ط ي ك ل … ثم بعد ذلك م ق س ع ، ثم بعد ذلك ف ص ق ر ، ثم بعد ذلك ذ ص ظ غ ” (34) .

المثابرة الجابرية في الأبستمولوجيات العلمية ونهج الإصلاح والتوحيد

   إن أول شكل من التطبيقات التي أجراها جابر على المنهج وفلسفته ، هو المثابرة التي أنجزها في التصنيف ، والذي تقدم به لعلوم عصره ونهجه في إصلاح وتوحيد العلوم . كان تصنيفه في حقيقته لوحة للعلوم ، تتوحد فيها وتتشابك بحيث تُشكل شجرة تتفرع منها أغصان جميع علوم عصره . وإن قارئ نصوصه يمسك بيده على أدلة عدة تُفصح عن مشروع نقدي وإصلاحي لهذه العلوم .

   لقد بدأ الخطوة الأولى في التصنيف بتدقيق وفحص المصادر الأبستمولوجية (المعرفية) التي يعتمد عليها الباحث ، وهو يسعى إلى تشكيل أبنية العلوم . والحقيقة إن هذه المصادر لعبت الدور الفاعل في وضع تصنيف للعلوم ، فهي التي حددت درجة إرتباط العلوم بأرض الواقع وميدان الطبيعة ، فكانت على هذا الأساس علوم الواقع والطبيعة (والعلوم التطبيقية) . وإن هذه المصادر هي التي حددت درجة التجريد التي تتطلع إليها علوم أخرى . ولذلك كانت علوم التجريد والصورة (العلوم النظرية) . إن العلوم الأولى توسلت بأساليب الحس والملاحظة والتجريب . بينما إعتمدت العلوم الثانية على أساليب التفكير والتأمل والترميز والمنطق .

  ويُلاحظ على نصوص جابر ، إنها عرضت نوعاً من التدرجية المعرفية ، تدرجية تحملنا على تأكيد منهجية تفكيره . فكانت خطوته الأولى تثبيت الأساس المنهجي لتصنيف العلوم ولذلك كانت إفادته الأولى تتحدث عن الحواس الطريق الأول للمعرفة . وجاءت تلك الإفادة في خطابه الفلكي الذي يتكلم عن طبيعة الكواكب . وعن هذه القضية أفاد قائلاً : ” وطباع الكواكب عند الحس إنما يكون من الثواني التي هي : الحارة اليابسة ، والحارة الرطبة ، والباردة اليابسة والباردة الرطبة ” (35) .  

  بينت هذه الإفادة إن الحس الطريق المعرفي الأول لبناء المعرفة البشرية . وإنه المصدر الأول لتصنيف العلوم ، وهو السبيل الذي ينقل عالم الواقع بألوانه وصوره المتعدة وكيفياته المختلفة . ولذلك كانت علوم الحس مطبوعة بهذا التنوع والإختلاف . كما إن الحس ليس هو المصدر الوحيد عند جابر . بل هناك طريق ثان ؛ إنه الكلام المنقول (الرواية) ، وهي بالتأكيد رواية العلم (الإخبار العلمي) . وهو طريق من طرق المعرفة البشرية ، ومصدر من مصادر تصنيف العلوم . وإن قبول الرواية يعتمد على مدى ما تحمله من صدق . وإن صدقها يتقرر من خلال الإعتماد على ما يكشفه من حقائق أو أباطيل . ولهذا بين جابر بكلمات دقيقة ؛ ” وهذا – وحق سيدي – كلام جوهري نقي ما فيه شوب ولا رمز . ولقد صورت لك به طبائع الكواكب في مصوغاتها على حقها ” (36) .

   ويظهر على المناقشة التي أجراها جابر حول طرق المعرفة ، إن تفكيره المعرفي (الأبستمولوجي) قد ميز بين المعرفة الساذجة والمعرفة العلمية (بحدود عصره) . وهو تمييز له أهميته في تاريخ الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم . ولهذا بين جابر ما تتميز به المعرفة العلمية عن المعرفة الساذجة ، فذكر إن الأولى تمثل آراء العلماء الباحثين وتفسيراتهم . أما الثانية فهي تشمل كلام الناس العاديين . وجاءت إفادات جابر عن هذه المسألة ، أثناء حديثه عن قضية فلكية لا زال الناس علميون وغير علميين يتداولونها ، ولدقة هذه القضية نشير إلى النقد والإصلاح الذي تقدم به جابر لها . ونقصد بها قضية الشروق والغروب ، أو الشرق والغرب . يقول جابر : ” يسير من المغرب إلى المشرق على كرة الأرض بحركة ظاهرة للحس ، فكأن هذا القول شكل في العيان عند جل الناس ولا خبرة لديهم … وذلك إنا لو سألنا مائة ألف من الناس : من أين تطلع الشمس ؟ يقال : من المشرق وتغرب من المغرب . وذلك إذا سُمي المشرق مشرقاً والمغرب مغرباً . وإنما هو بالإضافة إلى الشمس ، وإلا فالواجب على ما حكينا عن أن يكون المغرب مشرقاً والمشرق مغرباً ليكون الصواب ” (37) . هذا تصحيح معرفي جدير بالتقدير ، تصحيح لمفاهيم نشأت وإستقرت على مباحث العلوم والتفكير العلمي ، إنها إلتفاتة جابرية مهمة في تاريخ الأبستمولوجيا وتصحيح المفاهيم وتعديل الأفكار .

  جاء بعد الحواس في بناء المعرفة ، العقل طريقاً ومصدراً للمعرفة البشرية ، طريقاً يمكن الإعتماد عليه في العملية الأبستمولوجية لتصنيف العلوم . والعقل يلعب دوراً مهماً في تحويل الصور الحسية إلى صور عقلية تتألف من مفاهيم نظرية هي في واقع الحال أُطر نظرية للمعرفة . وقوانين (وقضايا) هي أكثر تعقيداً في بناء المعرفة من المفاهيم التي تتميز بكونها أبنية معرفية أولية أو أبجديات معرفية بسيطة . وعن هذه المسألة أفاد جابر موضحاً : ” إن إصول النقل من الأمور الحسية إلى الأمور العقلية التي هي في غاية العناد لها والبعد منها في جميع الأمور كلها يجب أن تكون أولاً أولاً ، كما يجب ذلك في تعاليم جميع العلوم ” (38) .

  تقدم جابر بعد هذا التأسيس لمصادر المعرفة ، بتوصيف لخارطة أبستمولوجية تتوزع فيها العلوم بحيث تتحددُ مكانة لكل منها ، وتتعينُ علاقة بعضها بالبعض الآخر ، فتكون شجرة للمعرفة تتشابك فيها أغصان العلوم وفروعها . ولكن لاحظ الباحث على تفكير جابر إنه تصدى لدارسة علوم مصادرها غير مصادر المعرفة البشرية ، ونعني بها علوم الدين . والحقيقة إن الرجل درسها بجوار علوم مصادر المعرفة البشرية .

  صنف جابر علوم عصره في ضربين ، ثم إستدرك وأضاف ضرباً ثالثاً . وعلى أساس هذا التصنيف الأبستمولوجي الثلاثي ، يمكن الحديث عن شجرة العلوم عند جابر ، والتي تتشابك فيها أغصان علوم ثلاثة :

1ـــــــــــــــــــــــــــــــــ2ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 3

            علم الدين                 علم الدنيا                العلم الفلسفي(39)

   

   تحمل هذه الشجرة للعلوم والأدق للمعارف دلالات في غاية الأهمية ، فهي تحمل من الشواهد على توحيد العلوم ، أو على الأصح توحيد العلوم ، وترفض في الوقت ذاته الحواجز التي تقام بين المعرفة والعلوم . إنه درس نحن بأمس الحاجة إليه ، فهو ينظر إلى العلوم بمختلف حقولها على إنها في مرتبة واحدة . إنه رأي جابري نعتز به في لجة الصراع غير المشروع المحتدم في دوائر العلوم .

  هذه هي شجرة العلوم ، أما أغصانها فهي ثلاثة ، ولنبدأ بغصن علوم الدين وفروعه

، ثم غصن علوم الدنيا وفروعه . وأخيراً غصن العلم الفلسفي وفروعه . ولما كان هدفنا تقديم شواهد على توحيد العلوم ، فإننا نكتفي هنا بتقديم رسوم إيضاحية لأغصان هذه العلوم :

1 – غصن علوم الدين :

 

                           1ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2

                        شرعي                        عقلي

              1ــــــــــــــــــــــــ2              1ــــــــــــــــــــــــــــــــ2

     ظاهري                باطني         علم الحروف        علم المعاني

                                                                1ــــــــــــــــــ2

                                                           إلهي            فلسفي

2 – غصن علوم الدنيا :

                      1 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ2

                شريف                       وضيع

                ـــــ1ـــــ                       ــــ1ـــــ

             علم الصنعة               علم الصنائع

 

3 – غصن العلم الفلسفي :

       1 ــــــــــــــــــــــــ2 ــــــــــــــــــــــــــــــ3 ـــــــــــــــــــــــــــ4

  العلوم الطبيعية       العلوم النجومية     العلوم الحسابية     العلوم الهندسية

 

البعد البيداغوجي للمنهجيات وترتيب العلوم

   ما هو البعد البيداغوجي للمنهجيات عند جابر بن حيان ؟ وما هي الوظيفة البيداغوجية لترتيب العلوم الذي تقدم به ؟ حقيقة إن الشكل الثاني من التطبيقات التي أجراها جابر على المنهج وفلسفته ، كان ترتيب العلوم في منهج دراسي ، يُقدم علوم العصر إلى المتعلمين . وهنا أقترح ترتيباً من خلال قراءة نصوص جابر . والملاحظ إن في هذا المنهج تتقدم بعض العلوم مواداً دراسية للمتعلم ، في حين تتأخر علوم أخرى في جدول المواد الدراسية . وهذا التقديم والتأخير تحكمهما شروطاً بيداغوجية (تربوية – تعليمية) .  والحق إن قارئ نصوص جابر يقف على أبعاد مشروع نقدي – إصلاحي لهذه العلوم من زاوية ما يمكن أن نصطلح عليه في تاريخ الثقافة العربية ، وهو إصطلاح البيداغوجيا المعرفية (الأبستمولوجية) .

 لقد أعلن جابر في رسائله الفلسفية عن برنامج تربوي (تعليمي) للمتعلمين الذين يتطلعون إلى أن يكونوا علماء المستقبل ، برنامج يُعرفهم من خلاله بالمناهج التي تستخدمها علوم سبعة . وهي بتقديره تمثل علوم العصر يومذاك . ولبيان حدود هذه العلوم وطبيعتها نتساءل : ما هي العلوم السباعية التي إقترحها جابر مواداً لبرنامج تعليمي للمتعلمين ؟ إن الإشارة إلى المناهج السباعية جاءت بعنوان فرعي ، فقال : ” القول في السباعية ؛ إن السباعية هي العلوم التي قدمنا الوعد بها ، إنا نشرحها في كتبنا هذه أعني كتب الموازين ” (40) . 

  إن هذه الإشارة الجابرية مهمة جداً في تاريخ العلوم والبيداغوجيا . فهي تذكرنا بالفنون الحرة السبعة التي هيمنت على برامج التعليم في أوربا ، والتي إرتبطت بإسم كابلا (41) ومن الثابت إن هناك مسافة زمنية بين كابلا وجابر بن حيان ، وهي بالتأكيد مسافة محسوبة لصالح جابر . إذ من المعروف تاريخياً ووفقاً للمصادر الأكاديمية الغربية إن الكثير من المؤلفات العلمية العربية والفلسفية ذات الطبيعية العلمية قد ترجمت إلى العبرية واللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي . ولعبت هذه الترجمات دوراً مؤثراً في تكوين دائرة الثقافة الأوربية العبرية واللاتينية ، ونحن مطمئنون من إن كتب جابر بن حيان قد ترجمت يومذاك وعلى هذا الأساس منح الغربيون لقب أب الكيمياء لجابر بن حيان مشاركة مع العالم روبرت بويل (أنظر الهامش الأول / الصفحة الأولى من هذا البحث) .

  أما العلوم السبعة التي تشكل البرنامج التعليمي ، فهي حسب نصوص جابر علوماً  (بينما كانت فنون كابلا السبعة فنوناً والعلوم شكلت جزءً من كل) . وكانت علوم جابر السبعة هي :

1 – علم الطب وحقيقة ما فيه

2 – علم الطبيعة وإخراج ما بها

3 – علم الخواص وما فيها ، أعني علم الطلسمات

4 – العلم الأكبر العظيم الباطل في زماننا

5 – العلم العظيم .. علم إستخدام الكواكب العلوية

6 – علم الطبيعة كله وهو علم الميزان

7 – علم الصور وهو علم التكوين (42) .

  وتوسع جابر في كتابه المعنون كتاب البحث ، نقول توسع في نهجه التربوي في ترتيب العلوم مواداً دراسية ، فتناول الجانب الآخر من هذا النهج . وكان هدفه تناول العلاقة بين العالم والمتعلم ، وذلك بإتجاه خلق مناخ ملائم لنقل العلوم ، وإنجاز المنهجية التي تؤكد عليها . ولذلك تمنى توافر مجموعة مواصفات تربوية في شخصية المتعلم ، وهي في الوقت ذاته شروط المنهج الذي تؤلف العلوم مواده .

  إن واحداً من أهم الشروط التربوية التي دعا جابر إلى توافرها في المنهج الدراسي ، هو ضرورة تقديم العلوم بإسلوب مبسط بحيث يتلائم وطبيعة المتعلم . وهنا وجدناه يُسطر مجموعة من الشروط التي تُشكل بمجملها الشرط التربوي العام . وهي : أن يكون متعلم العلوم ” ذا طبيعة لينة ” تتقبل جميع ما يقوله العالم ” من جميع جوانبه ” (43) .

  وحذر جابر المتعلم من الإعتراض على مسألة علمية قدم لها الأستاذ عرضاً كافياً (44) . ودعاه إلى الموازنة بين العلم ومكانة الأستاذ ، وذكره في خطاب بمنزلة الأستاذ ، وبين له بأن منزلته ” منزلة العلم نفسه . ومخالفة العلم مخالف للصواب ، ومخالف الصواب حاصل في الخطأ والغلط ” وهذا أمر لا يقبله ” عاقل” (45) .

  وطالب جابر بتوافر مجموعة من المواصفات في شخصية المتعلم حتى تتحقق الأبعاد التربوية لمنهج تدريس العلوم . وهذه المواصفات هي : أن يكون مطيعاً لأستاذه في ” العلم والدرس وسماع البرهان عليه وحفظه ” (46) . ودعوته إلى رفض ” التكاسل والتشاغل ” عن العلم والدرس . وأن يكون مستمعاً جيداً لأستاذه و ” كتوماً لسره ” (47) ، متفرغاً للعلم ” دائم الدرس و ” كثير الفكر فيه ” (48) .

  كما إقترح جابر مجموعة شروط تربوية على صعيد شخصية الأستاذ وذلك بإتجاه تحقيق الأبعاد البيداغوجية للعلوم وإنجاز وظيفتها التربوية المتمثلة في إكمال متطلبات المنهج الدراسي . فمن الشروط التي طالبها : أن يقوم الأستاذ بإختيار المتعلم ومعرفة ” قريحته ” والوقوف على إمكاناته في ” الإصغاء والقبول إلى أدب إذا سمعه ” (49) .

  ولاحظ الباحث على إفادات جابر إنها أعلت من مكانة الأستاذ . وذلك من خلال تداولها إصطلاحاً مهماً ، وهو جدير بالأستاذ ، وهو إصطلاح الأستاذ الرباني . إنها فعلاً مكانة إستحقها معلم العلوم في عصر جابر . ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى مثل هذا النمط من المعلمين ، في زمن تتصارع فيه المادة والمظهر والشهرة والألقاب دون غطاء علمي حقيقي * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فهناك من يترقى علمياً لأسباب يعرفها الجميع (فلا تتعجبوا إن ترقى واحداً منهم بتحقيق صفحات معدودات من طوق الحمام لأبن حزم) ، ولا تتعجبوا إن تم عرقلة ترقية باحث جاد طول عمره لأسباب طائفية (وهو العلماني الكافر بكل طائفية منذ إن قرأ إفلاطون وأرسطو وكتاب رسل : لماذا أنا لست مسيحياً) أو لأسباب يعرفها ثجيل والعم شعسان في قسم الفلسفة البغدادي العتيد أيام زمان وصاحبه الرواندي الصغير .. وعميد كلية التربية في الموصل الحدباء ، الذي ترقى بثلاث بحوث فقط ، في إثنين منها ظهر إسمه مع إسماء تدريسيين لاحول لهم ولاقوة وهو العميد والسياسي قاطع الأرزاق والحقوق (فخان العقيدي ولياقات الإداري الرشيد)  .. فهذا عيبُ إحتج عليه الفيلسوف أبا سفيان / وندد به بوجوههم ، وبذلك دخل الفيلسوف مدني صالح حضرة تاريخ الفلسفة المجيد ، وذهب شعسان وربعه وعميد كلية التربية زيرشوك إلى مزبلة التاريخ تلعنهم أجيال جديدة من الفلاسفة في اليوم خمس مرات .

وفي الختام ذكرى ورحمة للشهيد الدكتور خضر الدوري الذي كان يقاوم مواقف الشر كلما صدرت من عرضحالجي التاريخ ضد تعضيد بحث لكاتب السطور، وهكذا أفشلت عدالة الدوري طيب الله ثراه  كل محاولات العرضحاجي في إيقاف بحث واحد من سيل بحوثه المنشورة في بيروت وجامعة الكويت . ومن ثم كان كاتب السطور الخبير على كتاب دراسات في فلسفة التاريخ ، وكان مؤرخ الزمن التعيس وعرضحالجي التاريخ مشاركاً بكتابة فصل فيه . وكان كاتب السطور موضوعياً ففصل بين شر العرضحالجي ومواقفه ضد كاتب السطور وهذا الكتاب ، فكتب تقريراً تفصيلياً عدل فيه الكثير الكثيرمن فصله وفصل الملاح والحفو وملاحظات طفيفة على فصل الجواهري الذي أشار إلى ريادة كاتب السطور في مضمار فلسفة التاريخ وهمش لمؤلفاته وأبحاثه . ولم  يرفض صاحب القلم الكتاب وإنما أوصى بنشره شرط الأخذ بالتعديلات ، ومن ثم نشر الكتاب ، فكان ذكرى وعبرة يتحدث عنها الجواهري والحفو ، في حين ظل الشر يعصر نفوس العرضحالجي والملاح ما دام هناك نهار وليل . فكان الجواهري رجل الصدق الحكيم ، في حين ظل العرضحالجي والملاح منظفي الأتربة الأكاديميين …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إن مواصفات الأستاذ الرباني بتشبيهات جابر ، هي أن يكون ” كالراعي والسائس للأشياء التي يتولى صلاحها وإصلاحها ، فمتى عسرت عليه أو عسرت عن التقويم فأما أن يطرحها وإما أن يتعبه تقويمها إلى أن تستقيم ” (50) . وأن يكون من ذوي الخبرة بحيث يتمكن من نقل العلوم إلى المتعلم بمقدار ” ما يلقنه إليه ” (51) . وأن يكون ” سمحاً بما عنده من العلم . وليس على كل أحد ولكن على مثل هذا التلميذ الذي رتبناه تلك المرتبة ” (52) .

  وإشترط جابر أن تكون العلاقة بين العالم والمتعلم علاقة مودة وتعاطف ، وذلك لأن ” سبيل الأستاذ والتلميذ أن يكونا متعاطفين بعضهما على بعض تعاطف قبول ” (53) . وبذلك إتخذت الإجراءات التربوية في نهج ترتيب العلوم من شخصية الأستاذ الهدف المركزي لأنه محور العملية التعليمية في المضمار التربوي الإسلامي . وعن هذه المسألة أفاد جابر ” ولا يزال في تدريجه على ذلك من مرتبة إلى مرتبة إلى أن يبلغ إلى آخر المراتب ويصير في عداد الأستاذين الذين يجب عليهم للتلامذة مثل ما وجب له في أول أمره ” (54) .

تعقيب ختامي :

   والختام سؤال : ما الفائدة من دراسة نص معرفي (أبستمولوجي) ماكث مستقر في الذمة التاريخية ؟  صحيح إن النص الذي كتبه جابر بن حيان يدخل في الذمة التاريخية . ولكن من الصحيح جداً إن هذا النص الجابري يكشف عن تجربة أبستمولوجية رائدة في صياغة نص أبستمولوجي منفتح على المنتوج المعرفي الإنساني في إيقاعاته الثلاثية : الأبستمولوجيات والميثدولوجيات والبيداغوجيات (المعرفيات والمنهجيات والتربويات) ، وفيه دروس وعبر ، نتعلم منها ونحن نسعى إلى كتابة نصوص أبستمولوجية عربية معاصرة .

   وعلى هذا الأساس نعيد إنتاج السؤال السابق بالصيغة الآتية : ما هي الدروس التي نتعلمها من قراءة النص الأبستمولوجي الذي كتبه قلم جابر بن حيان ؟ إنها الدروس الآتية :

أولاً – إن الدرس الذي نتعلمه ، هو إن ما كتبه جابر يُشكل ركناً من أركان ذاكرتنا الأبستمولوجية ، وفيه بيان لفعل الإجتهاد العربي الإسلامي في مضمار الأبستمولوجيات (المعرفيات) ، وفيه كشف لوظيفة المعرفيات في الدار الثقافية العربية الإسلامية . كما وفيه شهادة على روح الإنفتاح على كل حديث متجدد في نبضه الميثدولوجي وإيقاعه الأبستمولوجي الوثاب .

ثانياً – إن الأبستمولوجيات بما تمتلكه من روح التجدد ، تكون قادرة على إنجاز مشاريع الحوار مع النصوص الأبستمولوجية الوافدة ، وذلك بهدف إستكشاف الحقيقة الماكثة في مضمومات النصوص . ومن ثم إظهارها لتكون محكات (معايير) أبستمولوجية ينتفع العقل العربي في تأسيس مشاريع أبستمولوجية جديدة ، وهو يودع السنوات الأخيرة من القرن العشرين ، ويستقبل القرن الحادي والعشرين (أنظر لتاريخ نشر هذا البحث) .

  إن الدرس المستفاد ينهض على تنشيط العقل العربي ، ووضعه على أتم الإستعداد لإحداث وثبة أبستمولوجية تنقل مجمل مؤسسات التعليم والثقافة والكتابة والإصدار والنشر إلى مضمار العصر . وفي الوقت نفسه لتشارك في صياغة مشروع ثقافي يستبطن كل ما هو متجدد من الأبستمولوجيات والميثدولوجيات والبيداغوجيات .

ثالثاً – إن الإفادة من قراءة النص الأبستمولوجي الجابري تضعنا أمام نمط من الأبستمولوجيات ، هي الأبستمولوجيات الثقافية ، ومن هذا الطرف هي نافعة حيث يتدرب عليها العقل العربي المعاصر ، وهو يسعى إلى تكوين دائرة أبستمولوجياته المعاصرة والمتطلعة إلى كل ما هو جديد في عقود القرن الحادي والعشرين .

  إن طريق التدريب هنا يكون من خلال قراءة هذه الأبستمولوجيات في كتاب أو مقالة أو رسالة جامعية ، وليس من خلال التدريب عليها في المختبر والمعمل ، والأجهزة العلمية وآلات الإستكشاف والرصد .

رابعاً – تعلمنا نصوص جابر على إن هناك نمطاً من الأبستمولوجيات مؤسسة على الحس والتجربة ، وميثدولوجيات تعتمد الإستقراء والمنطق الإستقرائي النازع إلى التعامل مع الظاهرة الطبيعية من خلال الرصد ، ومعتمداً الحواس صعوداً إلى تحسين النظرة إلى العالم ، وبدءً بإستخدام أبسط الوسائل المساعدة للحواس وإرتقاءً إلى أعقد الأجهزة العلمية .

خامساً – إن النمط الآخر من الأبستمولوجيات الذي تُعلمنا أياه نصوص جابر ، هو أبستمولوجيات العقل والنظر الناهضة على منهجيات الإستدلال والمنطق الإستدلالي ، أبستمولوجيات نازعة إلى إقتراح موديلات نظرية تتمثل بلغات رمزية ومصفوفات رياضية وذلك لعرض تصوراتنا عن العالم والظواهر ، بحيث لا تتعامل مع مفاهيم وقضايا مرتبطة بالحس والواقع ، وإنما مع متواليات رمزية ، ومصفوفات من مفاهيم تُشكل سلاسل من القضايا تتابع بعضها البعض على شكل سيل نظري يُكون عمارة أبستمولوجية لهذا العلم أو ذاك .

سادساً – درس يعلمنا إمكانية الحديث عن أنواع من الأبستمولوجيات ؛ أبستمولوجيات فلسفية ، أبستمولوجيات فيزياوية ، أبستمولوجيات فلكية ، أبستمولوجيات غنوصية (صوفية) ، أبستمولوجيات كيمياوية ، أبستمولوجيات لغوية ، وأبستمولوجيات منطقية . وفي داخل ذلك يمكن الحديث عن أنماط متفرعة مثل : أبستمولوجيات شعرية ، وأبستمولوجيات خطابية ، وأبستمولوجيات جدلية ..

سابعاً – تكشف لنا إبستمولوجيات جابر عن إيقاع أبستمولوجي يتنقل فيه قلم جابر من مضمار الكيمياء إلى ميدان الفلسفة ، ومن فلك الفلسفة إلى محيط الأبستمولوجيات . وإن النظر في هذه الأبستمولوجيات تقدم لنا دروساً تفيدنا ، ونحن نشرعُ في تأسيس عمارات أبستمولوجية مستفيدة من الوثبات التي أحدثتها العلوم في مختلف أوجه الحياة .

ثامناً – إن قراءة النص الأبستمولوجي الجابري يُفيدنا في درس معرفي مهم ينبغي أن نلفت الأنظار إليه في دارنا الثقافية العربية الإسلامية المعاصرة ، وهو ضرورة أن تتغذى الفلسفة من العلم والعلم من الفلسفة ، وبخلاف ذلك فإن خفض العلاقة مؤذي للطرفين وللمحيط الثقافي العام . إذ إن هذا الخفض سيؤدي إلى إصابة ثقافتنا بحالة من الجدب والتصحر . وهو مرض معرفي لا نريده لثقافتنا .

تاسعاً – بين هذا البحث إن المنهج لا ينفصل عن فلسفة الفيلسوف والباحث . وإن تاريخ المنهج ، والفلسفة والعلم يُقدم لنا شواهد كثيرة . فمثلاً إن المنهج الديالكتيكي عند إفلاطون مرتبط بفلسفته (وبطريقيها الصاعد والنازل) ، بل وإنه معلمُ من معالمها . وإن المنهج الإستدلالي (وبحدود ما إستقرائيته) عند أرسطو مرتبط بفلسفته وسمة من سماتها . وإن المنهج الحدسي – الإستنباطي عند ديكارت مؤسس على فلسفته ومعبر عنها . وإن المنهج الإستقرائي عند فرنسيس بيكون قائم على فلسفته ونزعته الحسية التجريبية النازعة إلى تجديد الأورغانون .

  وأخيراً ما منهج جابر إلا جُهد مؤسس على فلسفته ، ونابت عليها ، وهو دليلها في الرؤية والبحث . ولهذا يُعدُ عمل جابر في تأسيس المنهج على الفلسفة ، جُهداً متقدماً على ما عمله بيكون وديكارت . إنه لحظة من لحظات إبداع العقل العربي الإسلامي ، وشاهد على إن التفكير العربي الإسلامي كان تفكيراً ممنهجاً منظماً .                     

الهوامش

1 – Kemmeny J. G, Philosopher Looks at Science, New jersey 1959, p. 11

2 – أنظر : محمد عابد الجابري ؛ مدخل إلى فلسفة العلوم ، تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة ، ط2 ، دار الطليعة ، بيروت 1982 ، ص ص 16 – 17

3 – المصدر السابق

4 – أنظر : جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل / منشور في كتاب مختار من رسائل جابر بن حيان ، صححها ونشرها المستشرق بول كراوس ، مكتبة الخانجي 1354 هجرية ، ص 100

5 – المصدر السابق

6 – المصدر السابق

7 – أنظر : زكي نجيب محمود ؛ جابر بن حيان ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975 ، ص ص 13 – 14 وهو فصل في غاية الأهمية .

8 – راجع تفاصيل هذه المواقف عند كل من :

A – Einstein A.The Laws of Science and the Laws of Ethics, New York 1942

B – Eddington A. S. The Nature of the Physical World, New York 1989

C – Russell B. Religion and Science, London 1960

9 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص 1

10 – المصدر السابق ، ص 39

11 – المصدر السابق ، ص 2

12 – المصدر السابق ، ص ص 2 – 3

13 – المصدر السابق ، ص 15

14 – المصدر السابق

15 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بيئة الفكر الفلسفي الحديث ، مديرية دار الكتب ، جامعة الموصل 1986 ، ص 40

وكذلك :

Hull W. H. History and Philosophy of Science, London 1966, pp. 40 – 41

16 – راجع تفاصيل ذلك :

 نلينو ك ؛ علم الفلك عند العرب في القرون الوسطى ، روما 1911 / وهو سلسلة محاضرات .

17 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص 3

18 – أنظر :

  1 – محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ،مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1986 ، الفصل الرابع ، ص ص 109 – 110

  2 – محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق عند العرب مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 11 – 22

  3 – محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي : دراسة في جهود إبن حزم المنطقية ، مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 23 – 26 ، 41 – 56

  4 – محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي / موقع الفيلسوف / 26 إكتوبر 2012

19 – للإطلاع على الأساس المنطقي لهندسة إقليدس ، أنظر :

محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس / منشور في مجلة أداب الرافدين – جامعة الموصل (مجلة محكمة) / العدد 11 سنة 1979 ، ص ص 117 – 150

20 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق

21 – من الأمثلة التقليدية في تاريخ العلم ، والتي تأثرت بالإنموذج المنطقي هندسة إقليدس . أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس (مصدر سابق) .

22 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق

23 – المصدر السابق ، ص 4  

24 – أنظر :

Kemeny J. G., Op. Cit,

25 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق

26 – أنظر لمعرفة هذه المواقف :

A – Frank. P. P, Modern Science and Its Philosophy, Massachusetts 1950

B – Brood C. B, Scientific Thought, London 1952

27 – جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، ص 2

28 – جابر بن حيان ؛ كتاب ميدان العقل / منشور في كتاب مختار رسائل جابر (مصدر سابق) ، ص 215

29 – المصدر السابق ، ص 5

30 – للإطلاع على جديد الدراسات في مضمار التحليل المنطقي للغة ، أُنظر :

A – Rodulf Carnap. Logical Syntax of Language, Trans. By Amethe Smeaton, Open Court Publishing 2003

B – E. H. Reck,(ed) From Frege to Witteggnstein: Perspective on Early Analytic Philosophy, Oxford University Press 2002, pp. 39 – 51

31 – جابر بن حيان ؛ كتاب الحدود / منشور في كتاب مختار رسائل جابر / ص ص 97 – 114

32 – المصدر السابق ، ص 97

33 – المصدر السابق ، ص ص 112 – 114

34 – جابر بن حيان ؛ كتاب ميدان العقل (مصدر سابق) ، ص 214

35 – جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، ص 29

36 – المصدر السابق ، ص 31

37 – المصدر السابق ، ص 34

38 – المصدر السابق ، ص 116

39 – المصدر السابق

40 – المصدر السابق

41 _ للإطلاع على الفنون السبعة وكابلا أنظر :

Butts R., Acultural History of Education, New York 1947

42 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص ص 47 48

43 – جابر بن حيان ؛ كتاب البحث / منشور في كتاب رسائل جابر / ص 501

44 – المصدر السابق

45 – المصدر السابق

46 – المصدر السابق

47 – المصدر السابق ، ص ص 501 – 503

48 – المصدر السابق ، ص  503   

49 – المصدر السابق

50 – المصدر السابق ، ص 502

51 – المصدر السابق ، ص 504

52 – المصدر السابق ، 505

53 – المصدر السابق

54 – المصدر السابق ، ص 504

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

 الفكر الأبستمولوجي والمنهج العقلاني عند إبن رشد

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   تتحدث إلينا الإفادات التي كتبها فيلسوف قرطبة ، عن نوعين من العلوم والمعرفيات ؛ علوم ومعرفيات ممكنة ، وعلوم ومعرفيات إفتقدت بتصوره إلى شروط الإمكان ، فأصبحت علوماً ومعرفيات باطلة . ونسعى في هذا الطرف من البحث في كتاب ” تهافت الفلاسفة ” إلى وضع دراسة في العلوم والمعرفيات الممكنة ، والعلوم والمعرفيات الباطلة وذلك لأن في وجود هذه العلوم والمعرفيات ، فعل تقوية لمنهجه العقلاني ، وفي شطبها نقاط ضعف .  والحال كذلك فيما يخص العلوم الباطلة ، فإن في عملها ما يضعف المنهج العقلاني الرشدي . وفي شطبها تسهيل لعمله ، وإمكانية لدخوله والعمل في مناطق تركت التأثير فيها لهذه المعرفيات . كما وإن تعطيل بعض المعرفيات ، فيه تصعيد لوعي الجمهور والإرتقاء به إلى طوابق عالية ، يتسامح فيها ويقبل بفعالية المنهج العقلاني . إذن في الحديث عن العلوم الممكنة والمعرفيات الباطلة ، أطراف من الحديث عن المنهج العقلاني عند فيلسوف قرطبة .

المنهج الأبستمولوجي والعلوم الممكنة والمعرفيات الباطلة

   والبداية بحث في الإفادات الرشدية عن الموقف العقلاني الذي كونه فيلسوف قرطبة من ” معرفيات الأحلام ” . وهو موضوع بالغ الأهمية في قضية النزاع بين الفلاسفة وبين الغزالي . وبالتحديد في طرف من المنهج الذي إستند إليه صاحب كتاب تهافت الفلاسفة ، في التشويش على الفلاسفة . فمن المعروف إن الغزالي توجه إلى الجمهور (الحشود البريئة والغير عارفة ببضاعة الفلاسفة) في معاندته للفلاسفة . وذلك ليحرك غضبها ويجيشه ضد الفلسفة والفلاسفة . وهذا ما حدث فعلاً . ولذلك نحسب إن مراجعة فيلسوف قرطبة لموضوع ” معرفيات الأحلام ” يندرج في كشف الحساب لما إنتهت إليه المثابرة الغزالية (المتسورة بالفكرانية الأشعرية) من نتائج على صعيد العلوم وصعيد ذهنية الجمهور .

   كشفت المراجعة الرشدية لرصيد المثابرة الغزالية ، عن مستويات من المعرفيات ، التي تلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً في حياة الجمهور . وهذه المعرفيات تدخل دائرة ” الأحلام ” أو شبيهة بها . وعلى هذا الأساس رأى إبن رشد ، إن الخطاب الذي يوجه إلى الجمهور ، وهو في حقيقته خطاب الخاصة (وهذا مافعله الإمام الغزالي في إشراك الجمهور في الجدل بينه وبين الفلاسفة) ، خطاب إرتكب خطئين : خطأ بحق الجمهور وذلك لأن مثل هذا الخطاب بدلاً من أن يعمل على رفع وعي الجمهور وتصعيد درجاته ، فإنه كرس حالات الجهل ، وأشعر الجمهور بأنه على حق في الإستمرار على ما يعتقد . والخطأ الآخر بحق العقل والعلم .

   ومن هنا أدرك فيلسوف قرطبة إن توجه الغزالي إلى الجمهور ، وتحريك غضبه ضد الفلسفة وعلومها ، هو فعل محاصرة للعلم والمعرفيات التي تسعى من طرفها إلى ترقية الوعي وتصعيد درجته العلمية والمعرفية (وبالطبع الفلسفية) ، ومن خلال كل ذلك تمكين الجمهور من رؤية الحقيقة كما هي . ولكن الإمام الغزالي عوضاً عن هذه المعرفة الفلسفية في طرفيها العلمي والمعرفي ، ساعد على تقوية سلطة نوع من المعرفيات التي تسبب أضراراً وخسائر على جبهة الجمهور وجبهة العلوم وذلك من خلال إنتصاره وترويجه ” معرفيات الأحلام ” . ولذلك جاءت الإفادة الرشدية تحمل نقداً شديدأ للإمام الغزالي . ولنتركها تتحدث للقارئ : ” أعني ما إذا صرح به (أي الغزالي) كان شنيعاً وقبيحاً في بادئ الرأي وشبيهاً بالأحلام ، إذ ليس يوجد في هذا النوع من المعارف مقدمات محمودة (أي مقدمات البرهان) يتأتى من قبلها الأقناع فيها للعقل الذي بادئ الرأي أعني عقل الجمهور فأنه يشبه أن يكون مايظهر بأخره للعقل هو عنده من قبيل المستحيل في أول أمره . وليس يعرض هذا في الأمور العلمية بل وفي العملية ، ولذلك لو قدرنا أن صناعة من الصنائع قد دثرت (ماتت)

ثم توهم وجودها لكان في بادئ الرأي من المستحيل ولذلك يرى كثير من الناس إن هذه الصنائع هي من مدارك ليست بإنسانية فبعضهم ينسبها إلى الجن وبعضهم ينسبها إلى الأنبياء حتى لقد زعم إبن حزم أن أقوى الأدلة على وجود النبوة هو وجود هذه الصنائع ” (المصدر السابق ، ص 208) .

   ولاحظنا إن تفكير فيلسوف قرطبة دار حول ما أسماه بمعرفيات الأحلام ، دوران العاقل الذي واجه موقفاً يتضمن موقفين لا ثالث لهما ” أسود وأبيض ” . ولما كان طريق البرهان غير متوافر في هذا المضمار المعرفي حتى يحسم الأمور . فقد رأى إبن رشد إن البحث في هذا الموضوع يتطلب منهجية جديدة ، تعالج هذا الموضوع المعرفي بإسلوب جديد مختلف عن المتداول من منهجيات .

   والحقيقة إن هذا الإعلان الرشدي وسط الأراء السائدة عن هذا الموضوع ، كانت هي القضية التي سببت لفيلسوف قرطبة الكثير الكثير من المتاعب ، ومن ثم تصاعدت إلى درجة المحنة والإمتحان . وهي محنة معروفة عاشها فيلسوف قرطبة ، خصوصاً بعدما كشف خصومه فكرانيته المعرفية المعادية لفكرانيتهم الكلامية (والتي فيها إستبطان قوي للأشعرية بوعي ولا وعي) ، ووقفوا على طبيعة منهجيته التي تختلف عن منهجيتهم . ولهذا تحركوا وأحكموا الظروف ؛ فكانت البداية توجيه الإتهام لإبن رشد ، من خلال إفادة كتبها بقلمه . ومن ثم تمكنوا في الوقت ذاته من تحريك الجمهور وتصعيد درجات غضبه ضد الفلسفة عموماً وفلسفة إبن رشد على وجه الخصوص . ومن خلال هذا الضغط تم تحريك مشاعر السلطان ، وتدخله في حسم هذه القضية التي إنشغل بها العامة والخاصة . وفعلاً حسم السلطان هذه القضية لصالح فكرانية خصوم فيلسوف قرطبة وذلك لإرضاء الجمهور الغاضب وتهدأة مشاعره . وفعلاً كانت المحنة الرشدية المعروفة في تاريخ الثقافة الإسلامية .

   وهكذا عاش تاريخ الفكر الإسلامي عامة وتاريخ الفلسفة خاصة ، هذه المحنة ، والتي كشفت عن تصادم مصالح أصحاب الفكرانية المهيمنة مع مثابرة إبن الرشد وما تحمله من تهديد لهم ، وبالطبع تعرض مصالحهم للخطر ، وتهدد مكانتهم الإجتماعية والتي تتضمن تضييع الرتب التي إحتلوها في الطوابق العالية من هرم المؤسسة السلطانية . ولهذا نحسب إن دوران فيلسوف قرطبة ، كان له مايبرره من زاوية العقل والمنطق وظروف الواقع يومذاك . وعن هذا الدوران في الفهم ، أفاد : ” وإذا كان هذا هكذا فينبغي لمن آثر طلب الحق إذا وجد قولاً شنيعاً ، ولم يجد مقدمات محمودة تزيل تلك الشنعة إلا يعتقد إن ذلك القول باطل وأن يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي له إنه يوقف منها عليه ويستعمل في تعلم ذلك من طول الزمان وترتيب ما تقتضيه طبيعة ذلك الأمر المتعلم ” (المصدر السابق ، ص 208) .

   أما إذا إنتقلنا إلى الإفادات التي كتبها إبن رشد وعالجت المعرفيات والعلوم الممكنة ، فإننا سنجد إن فيلسوف قرطبة قد مارس في هذه الإفادات دور الناقد للفلاسفة والمتكلمين في إعترافهم بإمكانية بعض العلوم والمعرفيات . في حين إن الرجل وبالإستناد إلى منهجه العقلاني المحروس بالمنطق ، وبعض الأحيان المحكوم بنظرة حضارية واقعية ، يرفض بعض المعرفيات هذا طرف . ومن طرف أخر إن له موقف من بعض العلوم أملاه ظرفه الحياتي المترف ولذلك وقف موقف المتحيز الناكر لها . على كل لنقف عند تلك العلوم والمعرفيات حتى نتعرف بدقة على حدود المنهج العقلاني الرشدي :

الموقف الرشدي من بعض علوم الطبيعيات

   الحقيقة تكون هذا الموقف الرشدي من خلال النظر في مواقف الفلاسفة عامة ، وإبن سينا خاصة . وما عرضه الإمام الغزالي من نقد وتعديل وأحكام . ولذلك فأن هذا الموقف له أهميته وسط آراء الفلاسفة وأفكارالمتكلمين ممثلاً بالغزالي ، ومن مرجعيات فلسفية خصوصاً من فيلسوف إسطاغيرا ” أرسطو ” . ولهذا نسعى في هذا الطرف من البحث دراسة موقف فيلسوف قرطبة من علوم الطبيعيات . ولعل البداية هو الإشارة إلى الإفادات الرشدية التي تعترف بصحة الأساس الذي إعتمد عليه الفلاسفة  وإعتمد علييها الغزالي كذلك . وخصوصاً النظر فيما أسماه ” أجناس العلم الطبيعي “

. والحقيقة إن معيار الصحة عند فيلسوف قرطبة هو كتب أرسطو الثمانية في العلم الطبيعي .

   جاء بعد ذلك إعتراض رشدي على الرأي المتداول عند الفلاسفة وعند المتكلمين  وخصوصاً الغزالي . إن مايميز هذا الإعتراض ، ويعطيه أهمية تاريخية ، هو النقد الفلسفي الرشدي لمرجعياته وبالطبع المرجعيات الأرسطية . وهذا أمر قد يستغرب منه البعض ، فكيف إبن رشد الأرسطي يعترض على المرجعية الأرسطية للفكر الفلسفي والكلامي الإسلاميين . هذا هو واقع حال الفيلسوف إبن رشد ، وهذا ما عكسته الإفادات الرشدية . ونحسب إن السبب الذي حمل فيلسوف قرطبة في الإعتراض على السلطة المرجعية الأرسطية ، ومن ثم التفكير في مناطق فيها خلاف مع المعلم الأول ، هو تكوين مضمار معرفي رشدي ، فيه نوع من الإستقلالية عن إطروحات الفيلسوف الأسطاغيري في العلم الطبيعي .

   والواقع إن الإعتراض الرشدي على مرجعية أرسطو ، كان موجهاً في الأساس إلى الغزالي مباشرة ، ومن ثم شمل الفلاسفة الإسلاميين . وهو إعتراض جاء على العلوم الطبيعية التي عددها أرسطو ” على إنها فروع له ” وهي من زاوية النظر الرشدية ليست ” كما عدها ” (إبن رشد ؛ تهافت التهافت / تحقيق سليمان دنيا / القسم الثاني ، ص 767) .

   وإنطلاقاً من هذا الإعتراض الرشدي على فروع العلم الطبيعي ، تكون لدى إبن رشد موقف معرفي سعى إلى شطب بعض العلوم من قائمة العلم الطبيعي (الأرسطي بالطبع والموظف في كتابات الفلاسفة والمتكلمين ممثلاً في الغزالي) . ومن ثم أضافها إلى قائمة العلوم العملية . وعلى هذا الأساس من الفهم الرشدي يمكن القول إن فيلسوف قرطبة قد رأى بأن بعض العلوم في قائمة العلم الطبيعي غير ممكنة . في حين وجد إن هذه العلوم ذاتها ممكنة في المضمار العملي . وهذه العلوم هي :

الطب :

   يقوم الموقف الرشدي من الطب على مخالفة المعلم الأول  أرسطو ” ، ومن ثم الفلاسفة الإسلاميين ، وكذلك الإمام الغزالي ومعه رهط من المتكلميين .  فمن الملاحظ إن فيلسوف قرطبة قد أخرج الطب من خيمة العلم الطبيعي ، وإنتقل به إلى ساحة ” الصناعة العملية ” (المصدر السابق) . ولكنه في الوقت ذاته كان مؤمناً بإن هذه الصناعة تستلم ” مبادئها من العلم الطبيعي ” (المصدر السابق ، ص ص 767 – 768) . وإن كل ذلك يعود حسب الإفادات الرشدية إلى إن ” العلم الطبيعي نظري والطب عملي ” (المصدر السابق ، ص 768) . إضافة إلى إن الموقف الرشدي المعرفي إلتفت إلى الأرضية المشتركة التي يتحرك عليها كل من عالم الطبيعيات ورجل الطب . والتي تمثلت بطرفي ” الصحة والمرض ” ، فرأى إن الأول ينظر إليهما ” من حيث هما من أجناس الموجودات الطبيعية ” . أما رجل الطب  فإن وظيفته ، هو السعي إلى حفظ ” الصحة ” وإبطال ” المرض ” (المصدر السابق) .

علم أحكام النجوم :

     إن أول ما يلاحظه الباحث على الإفادات الرشدية ، إنها كونت موقفاً رافضاً لهذا العلم . صحيح إنه شطبه من قائمة العلم الطبيعي ، إلا إنه لم يضيفه إلى ميدان علم أخر . بل بالعكس وضعه في خانة المعرفيات المظلمة . والحقيقة إن الرجل كان دقيقاً في نظرته إلى ” علم أحكام النجوم ” ، وذلك للحساسية الشعبية ومن ثم السلطانية يومذالك . فمن المعروف إن التقليد السلطاني فترة فيلسوف قرطبة ، هو إن لكل أمير أو سلطان عالم يقرأ ” حسن الطالع ” أو ” سوء الطالع ” . ووفقاً لتلك القراءة ( وبالطبع هي فرضيات وحدوس ، وليست وقائع وحقائق) لحركة ” النجوم في القبة السماوية ” ، وما تحمله من أثار على حياة السلطان أولاً ، ومن ثم على أوضاع الجمهور ثانياً ؛ سعادة وحزناً ، إنتصاراً وإندحاراً .. ولذلك جاءت كلمات إبن رشد دقيقة تخرج هذا العلم من مضمار الطبيعيات ، وتدخله في معاقل ” الفرضيات ” ، والتي عبر عنها بعبارة ” علم بتقدمة المعرفة بما يحدث في العالم ” . إذن هو مجموعة تكهنات غير مؤسسة على حقائق . ولهذا جعله شكلاً معرفياً يندرج في ” الزجر والكهانة ” (المصدر السابق) .

علم الفراسة :

   وإعتماداً على منهجه المنطقي العقلاني ، نظر إلى علم الفراسة ، ورأى إنه لا ينتمي إلى العلم الطبيعي . وفي تعريفه لعمله (على الرغم من رفضه له) ، فذهب إلى إنه ” علم بالإمور الخفية الحاضرة ، لا المستقبلة ” (المصدر السابق) .  وهنا أراد أن يميز بينه وبين علم أحكام النجوم أولاً ، ومن ثم ينطلق من ذلك إلى إخراجه من دائرة العلوم ، ووضعه في مناطق خارجة عن مضمار المعرفيات التي تقوي شعاع العقل الإنساني (ووضعه في مناطق ينطفأ فيها ضوء العقل) . والواقع إن فيلسوف قرطبة قد عرف جيداً ، قوة هذه العلوم وسلطتها في حياة الجمهور ، ولذلك كان يعمل بقوة ونشاط ، ليلفت الأنظار إلى إنها ليست من العلوم ، وإنما هي نوع من ” الزجر والكهانة ” (المصدر السابق) .

الموقف الرشدي وإمكانية قيام بعض العلوم

   إستناداً إلى منهجه العقلاني المتسلح بالمنطق البرهاني ، ونظرته الحضارية الواقعية ، ووضعه الإقتصادي والإجتماعي ، إعترف إبن رشد بأن هناك إمكانية قيام بعض العلوم . وهذه العلوم هي :

المنطق والجدل :

   حقيقة إن المنهج العقلاني الرشدي تطلع للصعود بالخطاب الفلسفي إلى أعلى طوابق اليقينية . وأن هذا الأمر أكد عليه بشكل مفرط في كتابه تهافت التهافت ، ومن خلال الرد على الغزالي بعبارته الذائعة الصيت : إنه ” غير برهاني ” .  وهكذا فعل مع الفلاسفة والمتكلمين عامة وإبن سينا خاصة . وهذا الدفاع عن المنطق ، ستظهر له صورة واضحة في كتاب ” فصل المقال ” . ولهذا كله فإن ” صناعة المنطق ” بالإصطلاح الرشدي ، هي من العلوم التي تتوافر فيها إمكانية عالية لتكون علماً عند إبن رشد (المصدر السابق ، ص785) .

  كما إن الجدل حسب الإفادات الرشدية فيها إمكانية لتشكل مضماراً في المعرفيات والأدق في المنهجيات . إلا إن الجدل لا يرقى إلى مكانة المنطق البرهاني ، ولهذا لاحظنا إن فيلسوف قرطبة قد أباح للجدل أن يعمل في مناطق ” سائر العلوم ” . غير إنه أوقف عمله في مناطق ” العلم الإلهي ” .

علم النفس

  إحتل علم النفس مكانة متميزة في الإفادات الرشدية والتي تظل تدور في إطار علم النفس الأرسطي (وماهية النفس بالمفهوم الفلسفي الذي وصل إلى فيلسوف قرطبة) ، حيث نجد إن صاحب كتاب تهافت التهافت تطلع إلى تأسيسه على المنطق البرهاني .  وهذه قضية في غاية الأهمية ، إذ أن تأسيس هذا العلم بهذه الطريقة ، فيها طاقة معرفية تسهم في تقوية المنهج العقلاني الرشدي . ولذلك رأى إبن رشد إن علم النفس ، هو من العلوم الشريفة ، والتي لا تدرك ” بصناعة الجدل ” (المصدر السابق / القسم الثاني ، ص 827) .

الموقف الرشدي وإبطال بعض العلوم

  يكشف إبطال بعض العلوم عن حدود المنهج العقلاني الرشدي ، وذلك لأن في عمل هذه المعرفيات ما يضعف هذا المنهج ، وبالمقابل فيه تقوية لمضار معرفي شعبي ، فيه معارضة لكل ما هو عقلاني ومنطقي ، وواقعي حضاري . ومن هنا ننظر بتقدير عال للمثابرة المعرفية التي أنجزها فيلسوف قرطبة في مضمار العلوم والمعرفيات . وفي الوقت ذاته نحسب إن هذه المثابرة الرشدية ستولد له من الخصوم والأعداء ، والذين سيتجمعون لتحريك الجمهور أولاً وتحشيده ضد فيلسوف قرطبة . ومن ثم ثانياً الهمس في مسامع من لهم سلطة وسلطان ، بأن صاحب تهافت التهافت أخذ يشطح ويتجه نحو ميادين الهرطقة . وذلك لدفع السلطان إلى نفيه وحرق كتبه . وفعلاً هذا ما حدث لفيلسوف العقل .

  والحقيقة إن العودة إلى الإفادة الرشدية ، والخاصة بالعلوم الباطلة ، فإننا نجدها تتكلم عن العلوم الأتية :

علم الطلسمات

   يعلن إبن رشد بصراحة عن موقفه من هذا النوع من المعرفيات ، وهي بالتحديد (علوم) تتعارض مع منهجه العقلاني ، ومع نظرته المؤسسة على المنطق البرهاني ، وفي الوقت نفسه تستند إلى الواقع ودرجات النمو الحضاري يومذاك . فيرى إن علوم الطلسمات ” باطلة ” . وجادل فيلسوف قرطبة الذين يقفوا وراء هذا العلم ، فذهب إلى إننا حتى لو إفترضنا وجود مثل هذا العلم . وإفترضنا إن للأفلاك تأثير على حياة البشر ، فإن هذا التأثير لا يتعدى حسب فيلسوف قرطبة أثر ” النصب الفلكية ” على ” الإمور المصنوعة ” من قبل رجال الطلسمات ولا تمتد إلى حياة البشر .

  ونحسب إنه من المفيد أن نضع الإفادة الرشدية التي ناقشت بطلان علم الطلسمات ، في متناول القارئ . يقول إبن رشد : إنه ” ليس يمكن إن وضعنا للنصب الفلكية تأثيراً في الأمور المصنوعة ، أن يكون ذلك التأثير لها ، إلا في المصنوع ، لا أن يتعدى تأثير ذلك المصنوع إلى شئ خارج عنه ” (المصدر السابق ، ص 765 – 769) .

الرؤيا

  أصبح واضحاً لدينا إن فيلسوف قرطبة ، صاحب منهج عقلاني ، وهذا المنهج هو مجهود بشري مشروط بظروف الواقع والتطور الحضاري ، وما يمتلكه من أدوات إنسانية ، تساعده في إكتساب المعرفة ، ومرهونة حركته وكبوته بشروط التفكير . وخلاف ذلك فإن أي معرفة ونشاط فكري يتخطى هذه الشروط البشرية ، هو موضوع نظر ورفض عند صاحب تهافت التهافت . وعلى هذا الأساس نظر إلى ” الرؤيا ” ووضعها خارج المناطق التي يعمل فيها منهجه العقلاني . وهنا نلحظ الفيلسوف إبن رشد يعود إلى المرجعيات الفلسفية والمعرفية ، يستفتيها في هذا الموضوع . وفعلاً فقد وجد إنه لا يمتلك ” معرفة أو علماً ” بأن هناك ” واحداً من القدماء ” قال بالرؤيا ، إذا ما قمنا ” بإستثناء إبن سينا ” (المصدر السابق ، ص 776) .

الموقف الرشدي والتأرجح بين الشك والتعجب والإمكان

  الحقيقة إن الإستسلام للمنهج العقلاني ، فيه ربح وخسارة . ومن جهة الربح ذكرنا الكثير من المواقف الرشدية التي أسهمت في تنمية الكثير من العلوم والمعرفيات ، والتي لعبت دوراً كبيراً ، تمثل في تصعيد درجات وعي الجمهور وتبديد الكثير من الجهل والخرافات . ولكن من طرف الخسارة ، هو أن يتحول العقل إلى وصي وقوة مهيمنة على حركة نمو العلوم والمعرفيات . وعند ذلك يصبح العقل قيد وعقبة أمام إنطلاق علوم ومعرفيات جديدة ، والتي ستشكل بدورها علوم ومعرفيات المستقبل .

  وفعلاً هذا ما حدث عندما تقرأ بعض الإفادات التي كتبها إبن رشد حول بعض من العلوم والمعرفيات . في بعضها كان له الحق ، وبعضها الأخر جانبه الحق ، فظلم تاريخ نمو المعرفيات والعلوم . ولكون أرائه كانت مترددة ، ولم تحسم القضية لصالح علوم المستقبل ، ولوضعه المرتبط بالسلطة يومذاك ، فقد مارست أرائه سلطتها الضاغطة على مجمل المواقف من علوم المستقبل . وهذه العلوم هي :

علم التعبير

   لقد أظهرت الإفادات الرشدية موقف الشك من قيام مثل هذا العلم من ناحيتين ؛ الأولى إن هذا العلم هو من العلوم التي تتكون مبانيه بإصطلاح فيلسوف قرطبة ” بتقدمة المعرفة بما يحدث ” . والثانية إن شكوك إبن رشد حول قيام مثل هذا العلم ، لكونه لا يندرج ضمن العلوم النظرية والعلوم العملية . رغم إقراره بأن هناك إمكانية إنتفاع من قيامه . يقول فيلسوف قرطبة معترفاً : وإن ” كان قد يظن به إنه ينتفع به في العمل ” (المصدر السابق / القسم الأول ، ص 268) . إن العقبة الرشدية من قيام ” علم التعبير ” أملاها المنهج العقلي الذي إعتمده فيلسوف قرطبة . إضافة إلى كونه ظل سجين قوائم العلوم والمعرفيات التي قدمتها له المرجعيات الفلسفية ، وعلى الأخص الأرسطية منها ” إنجيلاً ” لا يجوز الخروج على سلطته .

علم الحيل (الميكانيك)

   إن القارئ المدقق في إفادات الفلاسفة ، بدءً بالمرجعيات الأرسطية ، ومن ثم الإسلامية ، يلحظ إن هذا العلم (الذي يُسمى اليوم بإصطلاحاتنا علم الميكانيك) ، هو فرع من العلم الطبيعي . إلا إن فيلسوف قرطبة ، وبسبب واقعية منهجه العقلاني ، لم ينظر إلى مديات أبعد من تطبيقات العلم الطبيعي في مضمار الحيل (أي الصناعات أو ربما التقنيات) . ولهذا نظر إلى هذا العلم من زاوية عقلانية ضيقة ، وهي ” باب التعجب ” .

  ومن الملاحظ إن الموقف الرشدي من هذا العلم لم تنتهي ، ولو إنتهى عند هده الحدود لكان فيه ربحاً لصالح منهجه العقلاني . إلا إن فيلسوف قرطبة قد كتب إفادة تشكك في إمكانية قيام هذا العلم ، وذلك من طرف إن ليس له ” مدخل … في الصنائع النظرية ” (المصدر السابق ، ص 769) . والحقيقة إن مثل هذه الإفادات تسد الطريق أمام المنهج العقلاني ليكون منهجاً متحرراً من قيود النظرة الواقعية ، وقادراً على التفكير في مناطق معرفية مفتوحة أمام إمكانية قيام معرفيات وعلوم جديدة .

الكيمياء

    إن الموقف الرشدي من الكيمياء ، كشف عن الحدود الضيقة للمنهج العقلاني . وحجم النمو الحضاري لعصر فيلسوف قرطبة أو الأدق المواقف الفكرانية التي تحكم حركة هذا النمو الحضاري . كما وإنها تحدد الوضع الإقتصادي للفيلسوف ، وعلاقته بالمؤسسة السياسية ، التي كانت على العموم تنظر بعيون من الريبة والشك لكل من يشتغل في الكيمياء . وترى إن من يشتغل فيها ، هو واحد من إثنين ؛ أما يعمل على تزييف العملة وإحداث الضرر في الإقتصاد وتهديد الآمن الإجتماعي للجمهور . أو العمل بما يخالف الطبيعة ، فهو واحد من المدلسين . ونشعر إن موقف إبن رشد ، قد إستبطن كل المخاوف التي تعكسها السلطة ، والتي كانت له في يومها مكانة في هرمها المؤسساتي .

  لقد أعلنت الإفادات الرشدية عن موقف صريح تجاه الكيمياء ، فهي حسب الإعلان الرشدي صناعة ” مشكوك في وجودها ” (المصدر السابق) . وعلى إفتراض إنها موجودة ، فإنه ليس في الإمكان ” أن يكون المصنوع منها هو المطبوع بعينه ” (المصدر السابق) . وهذا ما عنيناه بمخاوف السلطة من التزييف في العملة النقدية . ولعل المبرر الرشدي الذي دفع فيلسوف قرطبة إلى الشك في إمكانية قيام علم الكيمياء ، هو إن هذه ” الصناعة قصارها إلى التشبه بالطبيعة ولا تبلغها في الحقيقة ” (المصدر السابق) .

  وفي متابعتنا إلى إبن رشد ، ومن ثم وضع الشك أمام إفاداته من زاوية المنهج العقلاني ، نحسب إن المسألة لم تنتهي بهذه النظرة الرشدية التي بسطها لنا فيلسوف قرطبة . وإنما نتطلع إلى البحث عن مواقف حاسمة في الإفادات الرشدية عن إمكانية قيام علم الكيمياء ، وذلك لإعتقادنا إن إبن رشد في هذا الموقف قد قيد حركة المنهج العقلاني ، وجعله يستسلم إلى واقع المعرفيات ومواقف السلطة في عصره . ومن ثم عجز عن إختراق هذا الواقع المعرفي والسلطوي ، والتفكير في مناطق معرفية أرحب ، فيها إمكانية تأسيس لعلوم مستقبلية مثل علم الكيمياء .

  والحقيقة إن متابعتنا تنهض على سؤال محدد ، يتطلب جواب رشدي محدد ، وهو : هل الكيمياء تفعل شيئاً شبيهاً بما يحدث في الطبيعة ؟ جاء الجواب الرشدي في جزء منه محدداً ، حيث تعترف بإستحالة قيام علم الكيمياء ، ومن ثم عدم إمكانيتها . ولذلك رأى إنه ليس ” عندنا ما يوجب إستحالة ذلك ، ولا إمكانه ” (المصدر السابق ، ص769) . وفي جزء أخر نلحظ نوعاً من الدوران في الموقف الرشدي ، مما يجعلنا أن نقول إن فيلسوف قرطبة ، وهذا شأن الفيلسوف العقلاني ، ترك الباب مفتوحاً بحدود ما لقبول ما تأتي به الأيام من جديد حول القضية التي يبحث فيها ، ويبدو هذا الحال الرشدي ينطبق على الكيمياء .

إنموذج الأبستمولوجيات والعلوميات في ” تفسير مابعد الطبيعة “

  في الواقع إن هذا الإنموذج من الأبستمولوجيات والعلوميات ، فيه من الإختلاف عن الإنموذجين الرشديين في كتاب تهافت التهافت ، وكتاب فصل المقال . وإن هذا الإختلاف يعود إلى إن فيلسوف قرطبة قد كون منهجه المستقل بحدود ما بعد إستحواذ المعلم الأول أرسطو الإسطاغيري على نصوصه . ولذلك أنتج مواقفاً معرفيه فيها الكثير من الإبداع والإبتكار . في حين إن هذا الإنموذج المتولد من قراءة كتاب تفسير ما بعد الطبيعة ، يحملنا على القول بأن متابعة فيلسوف قرطبة للمعلم الأول بينة ، وإن إستحواذ النص الأرسطي واضح . وهذا أمر طبيعي جداً ، وذلك لأن إبن رشد كان محكوماً بحركة النص الأرسطي صعوداً وهبوطاً . ولكن مع التأكيد على ظهور هنا وهناك مواقف رشدية ، أملتها ظروف التفسير التي تتأثر بمكونات الثقافة والمعرفيات والعلوم الإسلامية ، والتي كان لها من الأثر في تكوين منهج ورؤية إبن رشد ، ومن خلالهما فهم النص الأرسطي وقدم له تفسيراً . مع ملاحظة إن حركة التفسير الرشدية كانت تدور بين مدارك الشراح المشائيين التي نزلت إليه خالصة أو ممزوجة بتراث إفلاطوني محدث (للتفاصيل أنظر المقدمة التي كتبناها بعنوان : مصادر الأبستمولوجيا العربية المسكوت عليها) .

  ولذلك نحسب إن التفسير مثابرة رشدية لتكييف النص الأرسطي في المعرفيات والعلوميات وأجواء الثقافة والمعرفيات الإسلامية عامة ، وثقافة وعلم فيلسوف قرطبة خاصة . وعلى هذا الأساس نبدأ بحثنا بإثارة الأسئلة الأتية :

ما حجم حضور المعرفيات والعلوم في الإفادات التي ضمها تفسير إبن رشد لكتاب ما بعد الطبيعة ؟ وما الأساس الذي إستند إليه في وضع مشجراته للعلوم وخرائطه للمعرفيات ؟ وما هي حقيقة ” العلم الشريف ” عند فيلسوف قرطبة ؟ وما أثر ذلك على منهجه العقلاني المنطقي الواقعي سلباً وإيجاباً ؟ وما هي العلاقة التي إقترحها أن تنهض بين المنطق وعلم التعاليم (الرياضيات) ؟ وما هو الموقف الرشدي من بعض العلوم ، والتي تشكل ما يمكن الإصطلاح عليه بالعلوم الممكنة ؟ وأخيراً هل شكلت قوائم الفيلسوف الإسطاغيري للعلوم والمعرفيات عقبة معرفية أمام إبن رشد ، ومنعته من الخروج على سلطتها ، ومن ثم التفكير في مناطق معرفية أرحب ، وفيها إحتمال لتأسيس علوم ومعرفيات جديدة ؟ ومن النافع إن نذكر للقارئ وقبل التحول إلى الأطراف اللاحقة من البحث والتي تحمل الإجابة عن الأسئلة المرفوعة ، وهو إن إبن رشد وبتأثير أرسطو ، قد سكت ولم يكتب أية إفادة عما يمكن تسميته بالعلوم الباطلة .

حضور العلوم والأبستمولوجيات في مباني التفسير الرشدي

  بداية نحسب من المفيد الإشارة إلى إن حضور المعرفيات والعلوم في الإفادات الرشدية ، في مضمار التفسير الذي كتبه إبن رشد على كتاب ما بعد الطبيعة للفيلسوف اليوناني أرسطو ، فيها من الطاقات المعرفية التي تقوي سلطة المنهج العقلاني الرشدي . كما ومن الصحيح كل الصحة إن فيلسوف قرطبة قد تابع التقسيم الأرسطي المتداول لعلوم الفلسفة . وهو التقسيم الذي يرى إن العلم علمان ، علم نظري وعلم عملي (إبن رشد ؛ تفسير ما بعد الطبيعة ، تحقيق أم . بويج ، دار الشرق ، بيروت / المقالة الأولى ، ص 12) . ولكن مع ملاحظة إن إبن رشد كان يتطلع إلى إنشاء أفق معرفي فلسفي ، وثقافي إنساني في ديار الفكر الإسلامي ، فيه تمهيد للمنهج العقلاني ، وإمكانية أن يشتغل في مختلف مناطق التفكير والمعرفة .

  كما وإن في هذه القسمة لعلوم الفلسفة ، دفاع عن هدف المنهج العقلاني ، وهو الوصول إلى ” الحق ” وليس غير الحق . وإذا توصلنا إلى الحق يصبح الطريق أمامنا مفتوحاً لعمل وفعل كل ما هو حق كذلك . ولنقف هنا نستمع إلى ما يقوله فيلسوف قرطبة ؛ إن العلم النظري هو ” معرفة الحق من الفلسفة ” وهو ” أعلى العلوم التي يقصد بها معرفة الحق ” . والعلم العملي ” غايته العمل ” وهو ” يفحص عن أسباب الأشياء وحدودها ليمكن المرء من فعلها وعملها فقط ” (المصدر السابق) .

البرنامج التعليمي للعلوم والمنهج الأبستمولوجي العقلاني

  وفي مسعى إبن رشد في تكريس المنهج العقلاني في الحياة الإسلامية ، وجعله أداة التفكير والعلم والمعرفة ، ومن ثم مصدر الحكم . إقترح برنامجاً تعليمياً للعلوم والمعرفيات التي فيها كل ما يعزز مكانة هذا المنهج . وفي الوقت ذاته كان غرضه البعيد ، هو تكوين جيل من المتعلمين والمثقفين يعتمدون هذا المنهج أداة للحياة والتفكير . ولذلك تقدم بهذا البرنامج لتعليم العلوم وتدريب هذا الجيل ، ومن خلال كل ذلك تمكينهم من المنهج العقلاني . ورب أحد يتسائل : ما هي علوم البرنامج التعليمي ، والتي فيها طاقة تقوية للمنهج العقلاني ، ورغب فيلسوف قرطبة نقلها إلى جيل جديد من المتعلمين ؟ إنها العلوم الآتية : علم المنطق وعلوم التعاليم (الرياضيات) والعلوم الطبيعية ” (المصدر السابق ، ص 51) .

علم المنطق والمنهج الأبستمولوجي العقلاني

  من الواضح إن البرنامج التعليمي يبدأ بعلم المنطق ، ومعلوم إن الدرس المنطقي عبارة عن تدريب عال على تقنيات المنهج العقلاني الدقيق الصارم ، والخالي من أي حشو أو لبس وتناقض . فهو تدريب على إستخدام المفاهيم البسيطة الدقيقة والواضحة ، والتي بدورها تشكل أبجديات اللغة المنطقية الدقيقة ، والتي من طرفها توفر للخطاب المعرفي الدقة والوضوح .

  كما إن الدرس المنطقي هو تدريب على كيفية تركيب الصيغ (أو القضايا) وذلك بالإعتماد على المفاهيم البسيطة . والصيغ بدورها تشكل أبنية عالية خالية من التناقض . والقضايا أو الصيغ تمتلك القدرة على وصف الظاهرة أو الحادثة أو العلاقة بين ظاهرة وظاهرة ، وشئ وشئ بإمكانية عالية جداً . كما إن الدرس المنطقي هو تدريب على كيفية ترتيب القضايا أو الصيغ في نظام منطقي ، حيث إن صدق القضية يقود بالضرورة إلى صدق النتيجة . وهذا النظام ، هو الذي يتحدث عنه فيلسوف قرطبة كثيراً في كتابه تهافت التهافت ، والذي يسميه مرات البرهان ، ومرات المنطق البرهاني ، ويصف قضاياه بعبارة ” الأقاويل البرهانية ” . ومن هنا تتحد أهمية تقديم إبن رشد لعلم المنطق في البرنامج التعليمي للعلوم . وذلك من حيث إن علم المنطق حسب الفهم الرشدي هو علم العلوم وبالإصطلاحات المعاصرة المتداولة منطق العلوم وبعبارات إبن رشد التعريفية لعمل علم المنطق ، هو إنه : ” يفحص في علم علم من صناعة صناعة ويتأدب به الناظر في العلوم ” (المصدر السابق) .

علم التعاليم (الرياضيات) والمنهج الأبستمولوجي العقلاني

  وفي إفادة رشدية في غاية الأهمية قدمها لنا فيلسوف قرطبة ، فيها إشارة إلى إن البرنامج التعليمي للعلوم ، يسعى إلى تدريب المتعلمين على التفكير الرياضي (بالطبع يستخدم الإصلاح التقليدي علوم التعاليم) ، وكيفية إستخدام البراهين الرياضية التي تتصف بالدقة العالية من طرف المفاهيم ، والصرامة من طرف تلازم القضايا والنتائج في نظام منطقي إستدلالي يتنقل من صدق المقدمات إلى صدق النتائج . كما إن وضع الدرس الرياضي في المرتبة الثانية (بعد الدرس المنطقي) له دلالة كبيرة في تاريخ العلوم والمعرفيات ، وذلك من حيث إن الرياضيات ومنذ عصر إفلاطون وأرسطو ، ومن ثم إقليدس (صاحب كتاب مبادئ الهندسة الإقليدية) والفكر الفلسفي قبل إبن رشد ، يؤكد على إن الرياضيات ” تطبيق للمنطق ” (أنظر بحثنا : أثر منطق أرسطو على هندسة إقليدس / مجلة آداب الرافدين / كلية اآداب – جامعة الموصل ، سنة 1978) .

  ومن هنا ندرك أهمية الدرس الرياضي على صعيد تقوية سلطة المنهج العقلاني ، ودوره في تحقيق إنتشار له في دوائر الفكر المعرفي خاصة ، وفكر الجمهور عامة . والحقيقة إن إفادة فيلسوف قرطبة قد أشارت إلى ما يتمتع به البرهان الرياضي من يقينية عالية ، وذلك لما لها من إنعكاس على المنهج العقلاني . وبهذا الصدد ذهب موضحاً : ” إن البراهين التعاليمية (الرياضية) هي من المرتبة الأولى من اليقين “ (المصدر السابق) .

العلم الطبيعي والمنهج الأبستمولوجي العقلاني

  لقد سعى إبن رشد على تقوية سلطة المنهج العقلاني في كل فرصة معرفية تتوافر أمامه . وفعلاً فقد إعتمد هنا على درس العلم الطبيعي ضمن البرنامج التعليمي للعلوم الذي إقترحه لتعليم جيل جديد من المتعلمين . وخصوصاً في تدريبهم على كيفية إستخدام هذا العلم للبرهان ، سواء كان برهاناً منطقياً أو رياضياً (مع الإنتباه هنا إن العلم الطبيعي علم نظري صرف حسب فهم الإثنين أرسطو وفيلسوف قرطبة) .

 ولذلك نجد من اللازم تذكير القارئ بإن البرهان في العلم الطبيعي يهبط بعض الشئ من عالم اليقينية المنطقية والرياضية إلى حقائق تتحدث عن عالم الطبيعة . ونحسب هنا إن العالم الطبيعي يقوم بفعل تكييف للبرهان وبما يتناسب وطبيعة الظواهر والعلاقات والأشياء الطبيعية . إلا إنه في كل الأحوال برهان . ولهذا أفاد فيلسوف قرطبة بإختصار شديد : ” وإن البراهين الطبيعية تتلوها ” (المصدر السابق) أي تتلو البراهين الرياضية .

العلم الإلهي والمنهج الأبستمولوجي العقلاني

  تحولت المثابرة الرشدية في العلوم والمعرفيات صوب العلم الإلهي . ولعل أول أمر نشير إليه هو إن حضور العلوم القوي عزز من مكانة المنهج العقلاني في دائرة التفكير والثقافة الإسلاميين . كما وتضع في متناول القارئ ، ومن ثم الجمهور إنموذجاً من الفكر الذي يبحث في الإلهيات ، هو فكر من نتاج العقل الإنساني . ونحسب إن تقديم هذا الإنموذج له دلالة على إمكانية أن يشتغل العقل الإنساني في هذه المناطق التي حرمت بعض الفكرانيات الكلامية على العقل من العمل فيها . وذلك لإقتناعها بأنه غير مؤهل للقيام بذلك . فكان فعل إبن رشد المعرفي يتطلع إلى تقويض دعاوي هذه الفكرانيات . ومن ثم إطلاق الحرية للعقل للعمل في هذه المناطق .

   كل هذا جاء في عينات من الإفادات الرشدية . فمثلاً في عينة ناقش طبيعة كل من ” العلم الطبيعي ” و ” العلم الإلهي ” وتطلع إلى إنشاء ميتافيزيقا إسلامية . فقد لاحظ إن هناك خطأ شائع بين الناس ، وهو إعتبار ” العلم الطبيعي والالاهي شئ واحد بعينه ” في حين ” إنهما علمان لا علم واحد ” (إبن رشد : تفسير ما بعد الطبيعة / المقالة المرسومة بالألف الكبرى (مصدر سابق) ص 100 وكلمة ” الالاهي” جاء رسمها بهذا الشكل) .

  ومن ثم ذهب فيلسوف قرطبة باحثاً في إتجاه تأسيس الميتافيزيقا الإسلامية، وذلك من خلال تداوله للفظة المرادفة للميتافيزيقا ، وهي ” الفلسفة الأولى ” . وعلى هذا الأساس رأى إن الفلسفة الأولى (العلم الإلهي) هي العلم الذي ينبغي أن ” تستقصي القول في جميع الأشياء ” (المصدر السابق ، ص 161) . وهذا الفهم الرشدي يضعنا أمام حقيقة تخص الميتافيزيقا ، وهي إنها نظرة شمولية للعالم (جميع الأشياء) مما يحولها هذا الفهم إلى شكل من أشكال الفكرانية .

الحكمة والمنهج الأبستمولوجي العقلاني

   إن إختيار فيلسوف قرطبة لوضع تفسير لكتاب ” ما بعد الطبيعة ” له دلالات بالغة الأهمية على صعيد تفعيل المنهج العقلاني ، ومن ثم دفعه خطوات إلى الأمام ليعمل ويثابر في مناقشة قضايا شبيهة في دائرة المعرفيات والفكرانيات الإسلامية . ولهذا لاحظ الباحث إن فيلسوف قرطبة ، وبالتحديد في المقالة الثالثة من تفسير كتاب مابعد الطبيعة ، يقدم خارطة للعلوم وفيها ترجيح لعمل المنهج العقلاني . فقد بدأت الخارطة بموضوع الحكمة . ومن الكلام المعاد القول إن العقل هو المنهج الذي يتفرد لوحده في العمل في مباني الحكمة المتنوعة . وهذا الأمر نلحظه في الضبط الرشدي لمعنى الحكمة . فقد ذهب موضحاً مضمارها بقوله : إنها ” أي علم من العلوم ينبغي أن يسمى حكمة ” .

   ويبدو لنا إن هذا مفهوماً رشدياً خاصاً إنطلق منه إلى رحاب مفهوم أكثر شمولية وفيه ضم للخاص في صيغة جامعة . وفعلاً فإن المفهوم الشمولي جاء تحت إصطلاح ما أسماه إبن رشد ” الحكمة العالية المتقدمة ” . والحقيقة إن الإفادات الرشدية بذلت جهداً واضحاً من أجل صياغة تعريف للحكمة بمعناها الشمولي . ومن الملفت للنظر إن هذه الصيغة قد ترددت في النظر إلى الحكمة بين كونها ” علم العلوم ” أو ” علم الصورة الأولى أو الغاية الأولى ” والذي يقترب من ” الميتافيزيقا ” بحيث يحمل القارئ إلى التفكير في إمكانية أن تكون الحكمة في الضبط الرشدي ، ما هي إلا ” ميتافيزيقا العلوم والمعرفيات ” وهو مضمار معرفي يبحث في أسس العلوم وقد تناول هذا المبحث الفيلسوف الإسطاغيري فعلاً في كتابه الأصل الميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة .

  وإن العودة إلى الإفادات الرشدية مطلب ضروري ، وذلك للوقوف عن قرب على مفهوم الحكمة عند فيلسوف قرطبة . فالحكمة هي ” علم علة التمام والخير ” . والقارئ يلحظ إن كلمة الخير التي وردت في العبارة تتسع لتشمل علم الأخلاق والقيم ومجمل العلم الإنساني ، والذي فيه إمكانية للدخول تحت خيمة ” علم العلوم ” .  وبالإشتراط الرشدي فإن الحكمة تمتلك القدرة على جعل ” بقية العلوم معترفة لها ” (المصدر السابق ، ص 185) . ومن جهة الضبط الرشدي لمفهوم الحكمة تحت إطار ” ميتافيزيقا العلوم ” يقول ” إن هناك ” علماً واحداً يسمى حكمة وهو الذي يختص بالنظر في الصورة الأولى والغاية الأولى ” (المصدر السابق ، ص 192) .

علوم الرأي والمنهج الأبستمولوجي العقلاني

  كما سجلت المعرفيات والعلوم حضوراً في الإفادات الرشدية التي دشنت مضماراً علمياً فلسفياً جديداً في دائرة الثقافة والفكر الإسلاميين . وهو مضمار ” علوم الرأي ” أو ” الفلسفة الرائية ” والتي كانت إصطلاحاً بديلاً عن التسمية المتداولة ، وهي ” علوم نظرية ” أو ” الفلسفة النظرية ” مقابل ” العلوم العملية ” أو ” الفلسفة العملية ” (المصدر السابق ، ص 710) .

  و ” علوم الرأي ” أو ” الفلسفة الرائية ” هي إصطلاحات دالة على إنها من إنتاج العقل والمنهج العقلاني . ولهذا عمل فيلسوف قرطبة على إعادة إنتاج العلوم إنطلاقاً من العقل المتولد للرأي والفلسفة الرائية . وهكذا كانت ” الفلسفة التعليمية ” و ” الفلسفة الطبيعية ” و ” الفلسفة الالاهية ” (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 710 – 712 وكلمة الالاهية هكذا رسمها إبن رشد وبالطبع تعني الإلهية) هي فلسفات متحصلة عن طريق العقل والمنهج العقلاني ، وهي بالإصطلاح الرشدي ماهي إلا ” فلسفة رأي ” و ” علم رأي ” .

مثابرة أبستمولوجية عقلانية في صياغة الأساس الفلسفي للعلوم

  تتنقل الإفادات الرشدية النازعة إلى صياغة الأساس الفلسفي للعلوم والمعرفيات ، بين الأساس الإنطولوجي (الوجودي) و الأبستمولوجي (المعرفي) و البيداغوجي (التربوي/ التعليمي) . ومن الملاحظ على هذه الأسس ، إنها تداخلت بعضها مع البعض الأخر في نصوص فيلسوف قرطبة . والحقيقة هذا تقليد لا يخص إبن رشد وحده ، وإنما تقليد يطوي كل نصوص الفلاسفة الإسلاميين .

  إعتمد صاحب كتاب ” تفسير ما بعد الطبيعة ” في الترجيح بين العلوم والمعرفيات على الموضوع الذي إنتخبته هذه العلوم والمعرفيات مادة لبحثها . وهو بالطبع مقطع من مقاطع الوجود ، وإن الحديث الفلسفي عنه ، نصطلح عليه بالإساس الإنطولوجي . وهو المضمار الذي على أساسه تتمايز وتتخلاف مباني العلوم المتنوعة . وهو في الوقت ذاته المحفز على تصميم آليات المنهج المناسب لدراسة هذا المقطع من الوجود . فمثلاً إن ما يميز ” العلم الإلهي ” عن ” العلم الطبيعي ” هو كون موضوع الأول ” جوهر غير متحرك ” مقابل موضوع العلم الطبيعي الذي في حقيقته ” جوهر متحرك ” . وإنطلاقاً من هذا الموضوع تتشكل مباني العلوم والمعرفيات ، وبالطبع على اساس الأسلوب الأبستمولوجي (المعرفي) الذي تختاره لدراسة هذا الموضوع .

   وهذا الأسلوب الأبستمولوجي قد يكون الحس أو العقل أو الإثنين معاً . وفي لحظة إنتخاب الأسلوب تبدأ عملية تكوين المفاهيم أو إحضارها لتشكيل الخطاب اللغوي ، الذي يستعين به العالم في وصف الظاهرة / الشئ / العلاقات بينهما أو يتوسل به الفيلسوف في الحديث الفلسفي عن الظاهرة الطبيعية . وعن هذا الطريق تتكون مباني هذا العلم أو ذاك (والحديث الفلسفي عن هذا الأساس) . وهذا الجانب يشكل الأساس الأبستمولوجي (المعرفي) للعلوم والمعرفيات .

  ولنعود إلى مضمار الإفادات الرشدية نتعرف على الدلالات التي حملتها في تشكيل أساس إنطولوجي وإبستمولوجي وبيداغوجي لتكوين بنية العلوم والمعرفيات . فمثلاً في إفادة بين إن الموضوع الذي يبحث فيه ” علم ما بعد الطبيعة ” أو ” الفلسفة الأولى ” هو ” جوهر غير متحرك ” مقابل موضوع ” العلم الطبيعي ” الذي هو ” جوهر متحرك ” ، وإن الموضوع الأول هو الذي تبحث فيه ” الفلسفة الأولى الكلية ” ويفصل أكثر شارحاً طبيعة هذا الحقل الفوق – طبيعي ، فهذا الموضوع هو ” الجوهر الموجود ” والذي يختلف عن موضوع العلم الطبيعي ، وذلك من حيث إن الأول ” موجود أول ” وإن علم ما بعد الطبيعة هو ” علم هذا الجوهر ”  وهو ” العلم الكلي والفلسفة الأولى ” (المصدر السابق / المقالة الخامسة / ص 714) .

   أما الرياضيات (التعاليم) فهي حقل معرفي يختلف من جهة الموضوع عن العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة . وإن كانت هناك أرضية مشتركة بين علوم التعاليم ومابعد الطبيعة ، وهو إنها تبحث في موضوعات أسمتها إفادات فيلسوف قرطبة ” الجواهر المفارقة ” (المصدر السابق / المقالة الرابعة / ص 318) . وهذا يتأتى من إن موضوع الرياضيات وما بعد الطبيعة ، هو موضوع مجرد ، ليست له علاقة بموضوع العلم الطبيعي اللهم إلا من جهة إستخدامه للرياضيات وإعتماده على فروض علم ما بعد الطبيعة . أو إنطلاق علم ما بعد الطبيعة من العلم الطبيعي قاعاً ، ومن ثم صعوداً إلى الطوابق العليا ، حيث عالم السماء وما يرتبط به .

  ومن الملفت للنظر إن الإفادات الرشدية قد ميزت بين نوعين من التعاليم ؛ التعاليم البحتة والتي أسمتها ” جزء أول ” والتي تشمل ” العدد مثلاً والهندسة ” (المصدر السابق) . والتعاليم العملية أو التطبيقية والتي عبرت عنها بإصطلاح مركب ” أجزاء ثوان ” وهي نوع من الرياضيات تستخدمها العلوم الأخرى . وفصل فيها إبن رشد فقال : هي ” أجزاء ثوان مثل المناظر والموسيقى ” (المصدر السابق) . ولهذا إلتفت الإفادات الرشدية إلى الفارق بين التعاليم البحتة والتعاليم العملية ، فذهبت موضحة بالمثال ، فرأت إن الباحث في موضوع التعاليم البحتة ، هو ” الناظر في الجواهر المفارقة (اي المجردة العالية) ” . وإن العامل في مضمار الأجزاء الثوان (التعاليم التطبيقية) هو ” الناظر في الجوهر المحسوس ” (المصدر السابق) .

  كما وكشفت الإفادات الرشدية عن الإختلاف في النظر إلى العلوم والمعرفيات من زاوية الأسس . فمثلاً عندما ننظر إليها من زاوية الأساس الإنطولوجي ، فأن ترتيب العلوم والمعرفيات يكون مختلفاً عما إذا نظرنا إليها من زاوية نظر أبستمولوجية أو زاوية نظر بيداغوجية . فمثلاً موضوع علم مابعد الطبيعة سيكون ” الأول في الوجود ” ولكنه ليس ” الأول في التعليم ” كما ليس ” الأول في المعرفة ” .

   أما من زاوية الأساس الأبستمولوجي ، فإن ” علم ما بعد الطبيعة ” يأتي في نهاية المطاف ، وذلك لأن المعرفة تبدأ مع ” الجوهر المحسوس ” الذي يطلق عليه  ” إسم الطبيعة ” . في حين إن علم ” ما بعد الطبيعة ” ينظر حسب رأي فيلسوف قرطبة ” في الجوهر المفارق ” . وهذا الجوهر هو ” أخر في المعرفة أول في الوجود ” ، ولذلك ” سمي ما بعد الطبيعة أي بعد النظر في الجوهر المحسوس الذي هو الطبيعة ” (المصدر السابق) .

حدود المنهج الأبستمولوجي العقلاني وترجيح مكانة ” العلم الشريف ”

   والبداية أسئلة من مثل : ما الربح الذي كسبه فيلسوف قرطبة على صعيد منهجه العقلاني عندما رجح علماً من العلوم وصعده إلى مصاف ” العلم الشريف ” الوحيد ؟ وهل فعلاً قال فيلسوف قرطبة بعلم واحد هو العلم الشريف ؟ أم إن الإفادات الرشدية تحدثت عن علوم شريفة متنوعة ؟ وقبل كل ذلك ومدخلاً للإجابة نثير السؤال المفتاح : ما المفهوم الرشدي للعلم الشريف أو للعلوم الشريفة ؟ ونحسب إنها أسئلة مشروعة تسعى إلى حساب الربح الذي حصده قلم إبن رشد لمصلحة المنهج العقلاني الذي إنتخبه مساراً في الحياة والتفكير والعبادة والمعرفة والحكم والفتوى .

  ونظن إن الطريق الذي إختاره إبن رشد فيه نوع من الدوران في تقرير العلم الشريف . وفيه ضميمة متخفية تسعى إلى تحفيز العقل الإنساني إلى الدخول إلى المناطق التي جعلتها بعض الفكرانيات الكلامية مناطق محرمة على العقل الإنساني من العمل فيها . ولعل الحاصل من ذلك حصاد رشدي وفير لصالح منهجه العقلاني وعلى صعيد الجبهتين ؛ جبهة العلم الشريف ، وجبهة تحفيز العقل للعمل في مناطق العلم الإلهي .

  ولنعود إلى مضمار الإفادات الرشدية ، ونستهلها بمفهوم فيلسوف قرطبة للعلم الشريف ، فهو العلم الذي يكون بالضرورة ” العلم الشريف للجنس الشريف ” (المصدر السابق / المقالة الخامسة ، ص 712) . ونشعر إن الضبط الرشدي لهذا العلم ، يحوله إلى نوع من الفكرانية العلمية (أيديولوجيا بالمعنى المتداول اليوم أي أيديولوجيا علمية) ولمجمل العلوم والمعرفيات . وإن هذه الفكرانية العلمية هي التي تزود العلوم والمعرفيات بموجهات تقودها وتهديها في العمل . ومن هنا تنتقل ” شرفية الفكرانية ” إلى العلوم والمعرفيات . وبالطبع العلم الذي يولد الفكرانية العلمية ، هو ” العلم الالاهي (الإلهي) ” (المصدر السابق) . ومن هذه الرتبة التي يحتلها ” يؤثر على جميع العلوم التي بالرأي ” . ولما كانت حسب رأي إبن رشد إن العلوم ” كلها شريفة ” ، غير إن ” العلم بالالاه (بالإله) هو أشرفها “

وذلك من جهة إن ” موضوعه أشرف من جميع الموضوعات ” (المصدر السابق ) .

  ويكشف فيلسوف قرطبة عن طبيعة العلم الإلهي ، وعلاقته بالعلوم والمعرفيات ، وهي متابعة للفيلسوف الإسطاغيري الذي ربط بين الميتافيزيقا والعلوم . ولاحظنا هنا إن ذهنية إبن رشد تتمتع بنوع من الشمولية والإستيعاب لدقائق تاريخ الفكر العربي الإسلامي . فمثلاً رأى إن العلم الإلهي ” هو جنس علوم الحق ” وإنه ” جزء من الفلسفة النظرية ” (المصدر السابق / المقالة الأولى ، ص 13) .

  ومن ثم ذكر الإصطلاح المتداول في دائرة الثقافة الإسلامية والذي هو مرادف معبر عن هذه الفكرانية العلمية ، وهو إصطلاح الميتافيزيقا أو ” ما بعد الطبيعة ” والذي بدوره يقابل فكرانية شائعة في الوسط الفكر الإسلامي يومذاك . فيقول إبن رشد : وهذا العلم يسمى ” عندنا علم الكلام ” (المصدر السابق ، ص 44) . إذن هناك فكرانيتان ؛ فكرانية فلسفية وفكرانية كلامية .

المنهج الأبستمولوجي العقلاني والعلاقة بين علم المنطق وعلم التعاليم (الرياضيات)

  تكشف الإفادات الرشدية عن علاقة حميمة بين علم المنطق وعلم التعاليم . بل ونلحظ إنها تتسع لكل العلوم والمعرفيات ، مما يولد فرصة لدفع المنهج العقلاني ليعمل من خلال هذه العلاقة في كل مناطق المعرفيات والعلوم والفكروالثقافة والعقائد . ولعل نقطة الإنطلاق هو بيان معرفي رشدي ، فيه كشف للعلاقة بين علم المنطق وعلم التعاليم . والحقيقة إن العلاقة قائمة في بنية كل منهما ، فإن البرهان المنطقي يتطلع على الدوام لإيجاد تطبيقات لبراهينه ، فيتوجه صوب الرياضيات ويتمثل بها أو يعرض قوانينه المنطقية بأمثلة من الرياضيات . وإن التعاليم في واقع الأمر هي عبارة عن تطبيقات رياضية لعلم المنطق . وفي ضوء هذا الفهم للعلاقة الحميمة بينهما ، بين في إفاداته بأن ” عدم التأدب بصناعة المنطق ” هي السبب المحرك للجمهور على المطالبة من كل علم ومعرفة أن تعرض قضاياها على صورة ” أقاويل برهانية ” شبيهة ” ببراهين علوم التعاليم ” ( المصدر السابق ، ص 46) .

 وقدمت إفادة رشدية مهمة ، إبن رشد باحث في تاريخ علم المنطق ، فأشار إلى إن المعلم الأول ” أرسطو ” هو الذي أطلق على المنطق إصطلاح ” علم الأدب ” ومن خلال قراءتنا لكتب أرسطو المنطقية ، والبحث في جوانبها المتنوعة (ولمدة أربعة عقود) . يمكننا القول إن فيلسوف قرطبة قد تفرد بنسبة هذا الإصطلاح إلى المعلم الأول .

  كما وتحدثت الإفادات الرشدية عن الطبيعة المزدوجة لعلم المنطق ، فهناك ما يمكن تسميته بعلم المنطق ، وهو بالمفهوم الرشدي صناعة ” عامة لجميع العلوم ” وهو مضمارعام مطبوع بالشمول . وهناك ما يمكن الإصطلاح عليه ” المنطق الخاص لكل علم ” (المصدر السابق ، ص 48) وهو يرادف إصطلاح ” منطق العلم ” . والأمثلة كثيرة في مضمار العلوم ، مثل ” منطق الحساب ” و ” منطق الهندسة ” و ” منطق الفيزياء ” وهكذا .. وهذه الإلتفاتة الرشدية لها أهميتها البالغة في تاريخ العلوم عامة وتاريخ المنطق خاصة .

  ومن ثم نظر إلى هذين النوعين من المنطق من زاوية بيداغوجية ، فقام بترسيم معالم برنامج تعليمي لمواد علم المنطق ، ومن خلال الإنموذجين المقترحين . فمثلاً وجدناه يدعو المتعلم إلى الإلمام بعلم المنطق ، إذا رغب أن يكون ” أديباً في تعلم كل صناعة ” . ومن المعلوم إن تعريف الأديب ، هو أن يلم بطرف من كل شئ . ولذلك مطلوب منه ، أن يتعلم من هذه الصناعة (أي المنطق) ؛ ” العام منها والخاص ” .

 ولحسم هذا الموقف عاد إبن رشد إلى المعلم الأول في علم المنطق ، يستعين بإفاداته وذلك لتحويل هذه القضية إلى حقيقة معرفية لا شك فيها . فأفاد قائلاً : ” جرت عادة أرسطو إن جعل العام منها في علم المنطق ” و ” الخاص علم علم ” (المصدر السابق / المقالة السابعة ، ص 749) .

  ونختتم هذا المضمار بتقديم ضبط رشدي للتمييز الذي أقامه بين مفهوم ” علم المنطق ” وذلك بإعتباره صناعة تستعمل كعلم آخر ، أي علم مستقل قائم بذاته . وبين ما إصطلاحنا عليه بالمنطق ، وذلك من حيث إنه ” آلة وقانون تستعمل في غيرها ” (المصدر السابق) .

المنهج الأبستمولوجي العقلاني والمعرفيات والعلوم الممكنة

  يلاحظ القارئ للإفادات الرشدية التي تناولت المعرفيات والعلوم في كتاب ” تفسير ما بعد الطبيعة ” ، إنها إقترحت قائمة جديدة من العلوم على القوائم المتداولة . ونحسب إن في هذه العلوم الممكنة ، إمكانية عالية لتقوية سلطة المنهج العقلاني الذي ثابر فيلسوف قرطبة إلى توطينه في دائرة الثقافة العربية الإسلامية . ومن ثم تطلع إلى الترويج له في ساحة معرفيات الجمهور .

  وهنا تكمن القوة التي حملتها قائمة العلوم الممكنة . فمثلاً إن إفاداته قد ذكرت ” صناعة المناظر (البصريات) “ ، وهي في التقليد المعرفي المتداول مضمار من العلوم الطبيعية . وإن إدراجه علماً ممكناً من قبل فيلسوف قرطبة ، لم يأتي من هذا الطرف . وإنما جاء من طرف كونه متعلق بصناعة الهندسة (المصدر السابق) . ومعلوم إن الهندسة فرع من علوم التعاليم (الرياضيات) ، والذي يتكون مبناه المعرفي من مفاهيم عقلية محضة ، وقواعد رياضية مستبطنة لقواعد المنطق وصرامة قوانينه ، ويقينية براهينه .

  ومن العلوم التي جاء ذكرها في قائمة العلوم الممكنة ” صناعة الموسيقى “ . وهذا في الواقع موقف رشدي فيه خروج على الموقف الإسلامي العام ، والذي يقف من الموسيقى موقف المتنكر ، وفي أحسن الأحوال المتحفظ . وهنا نلحظ إن فيلسوف قرطبة قد إنحاز إلى الموقف الفلسفي ، الذي عبر عنه معظم الفلاسفة من أمثال ”  الكندي ” و  ” الفارابي ” و ” الرازي ” و ” إبن سينا ” و ” إخوان الصفا ” … والقائمة طويلة . وفي هذا الإنحياز الرشدي نتلمس لحظة الإنتصار إلى البعد الذوقي والجمالي للمنهج العقلاني ، الذي جاء تلبية لحاجة أفرزها التطور الحضاري .

  إن إمكانية قيام  ” صناعة الموسيقى ” جاءت حسب المسوغ الرشدي ، بسبب إنها مرتبطة بصناعة العدد ( المصدر السابق / المقالة المرسومة بالألف الكبرى ، ص 201) . والواقع إن الموسيقى في التقليد المعرفي ، هي فرع من علوم التعاليم . إلا إنها عند فيلسوف قرطبة ، صناعة تستخدم العلم الرياضي (العدد) في صناعة الأنغام . وهنا نتحسس صدى فيثاغوري ، ربما هبط إلى إبن رشد من خلال مصادر الإفلاطونية المحدثة أو الفيثاغورية الجديدة . أو ربما من خلال جمهورية إفلاطون التي وضع لها فيلسوف قرطبة شرحاً أو الأدق تفسيراً .

  كما وضمت القائمة الرشدية ، ” علم النجوم ” أو ” علم أفلاك النجوم ” ، وذلك بإعتباره علماً ممكناً . وإن سبب الإضافة جاءت لكونه ” من علوم التعاليم ” (المصدر السابق ، ص ص 207 – 208) . وفي هذا إتفاق بين إبن رشد والتقليد المعرفي المتداول يومذاك .

تعقيب ختامي

  ما هي الدروس التي يمكن إستنباطها من حضور العلوم والمعرفيات ، على حدود وسلطة المنهج العقلاني الذي إختطه فيلسوف قرطبة ؟ إنها الدروس الآتية :

أولاً – درسُ في تواصل العقل الرشدي مع الخط العقلاني المغربي . فقد دلل هذا البحث على تواصل عقل فيلسوف قرطبة مع الخط العقلاني ، الذي نما سلطته الفلاسفة المغاربة . والذين تقدموا على إبن رشد في المثابرة المعرفية والعلمية ، وخصوصاً في عملية التأمل والتدوين .

  كما وأثبتت الشواهد على إنه إلتقى معهم في المفاصل العامة للمشجرات والخرائط التي إقتروحها للمعرفيات والعلوم . وبالتحديد في تداول إصطلاح ” الصناعات ” و ” العلوم ” كمرادفات الواحد للأخر . وكذلك في تبني التقليد المعرفي الفلسفي اليوناني المنقول إليهم من فلاسفة المشرق . وهو التقليد الذي ينهض على تقسيم العلوم أو الصناعات إلى نظرية وعملية . مع حضور لبعض المفاصل العامة للصناعة النظرية والعملية ، والتي هبطت إلى المشارقة من مصادر منتحلة على الأغلب ، وأصيلة كانت غير متوافرة دائماً . ومن المفيد الإشارة إلى إن إختلافاً قد ظهر عند بعض من فلاسفة المغرب ، وبالطبع في الإفادات الرشدية فيما يخص بعض الرؤوس المعرفية . وعلى الأغلب في فروع النظري والعملي من الصناعات .

  ومن الملاحظ إن ذلك حدث في قوائم العلوم الممكنة والعلوم الباطلة . مما يدلل على إن هذا الإختلاف سواء في علوم الإمكان أو علوم الإبطال ، كان له الأثر في عملية تحفيز العقل (أو على العكس الحد من مثابرته ولجمه) من العمل في مناطق محددة ، أو السعي إلى تحريره ، وحثه على الإشتغال في مناطق جديدة .

  لقد دلل هذا الدرس ، وبالشواهد على إن فيلسوف قرطبة قد إستوعب كل ذلك التراث الفلسفي في العلوم والمعرفيات . وإستفاد منه ، عبر عملية حوار نقدي ، قل فيه فعل الإستحواذ والتبني ، خصوصاً في تشكيل المباني الفلسفية للعلوم والمعرفيات . وهذه شهادة تعكس حدود وسلطة منهجه العقلاني ، وإيمانه بأن هذه العلوم تمتلك من طرفها ، الطاقات التي تسهم في تقوية سلطة المنهج العقلاني ، ودفعه إلى الخروج من حدوده ، ومن ثم العمل في مناطق حرمتها بعض الفكرانيات الكلامية ، وإعتبرتها مناطقاً غير مسموح للعقل من الدخول إليها .

ثانياً – درسُ في الحوار بين العقل الرشدي والفكرانيات الكلامية وخصوصاً المعاندة للفلسفة وعلم المنطق (وبالطبع للفلاسفة والمناطقة) . فقد عرف فيلسوف قرطبة المحنة والإمتحان الذي عانته علوم الحكمة على وجه العموم في الفترة القريبة من عصره . والتي كان فيها رجال أحياء يتحركون بكل ما توافر لهم من فرص لمحاربة الدرس الفلسفي والمنطقي ، وتحريك الجمهور ضد الفلسفة والفلاسفة ، ومن ثم دفع السلطة إلى حرق كتب الفلسفة والمنطق ، ومعاقبة من يعلمهما علانية وسراً .

   في وسط هذه الأجواء كتب فيلسوف قرطبة كتابه الشهير ” فصل المقال ” ودافع فيه عن الفلسفة والمنطق ، وبين من خلال العودة إلى المدرك الديني ، والإستدلال بآيات عدة ، بأن الفلسفة هي ” الأُخت الرضيعة ” للشريعة . وفي الوقت ذاته تحرك من جرف الفلسفة ، ساعياً إلى إنجاز مشروع لتغليب منهجه العقلاني ، وتمكينه من العمل في مناطق معرفية وعلمية محسوبة لصالح علوم الشريعة . وهذا المشروع تمثل في إدخال ” علوم التعاليم (الرياضيات) ” إلى بنية علمي ” أصول الفقه والفقه ” . إنه درس رشدي في تنشيط العقل ليعمل على كل الجبهات ؛ جبهة علوم الحكمة وجبهة علوم الشريعة .

  كما نزع إبن رشد ومن خلال الإفادات التي كتبها في مضمار المعرفيات والعلوم ، إلى تأسيس ملامح حقل مهم من حقول المعرفة ، بمكن الإصطلاح عليه بالبعد الإجتماعي للمعرفة . فقد لاحظ الباحث إن فيلسوف قرطبة قد نظر إلى العلوم والمعرفيات من خلال منازل الناس الإجتماعية ، فجعل لكل منزلة إجتماعية نوعاً من العلوم والمعرفيات أو الأدق منهجاً من المناهج التي تستخدمها هذه العلوم والمعرفيات . وهذه المناهج تبدأ من أدنى منزلة ، ومن ثم صعوداً إلى أعلى المراتب الإجتماعية . وهي على الترتيب الآتي : ” الخطابة ، و الجدل ، والبرهان ” . إن المتأمل في إفاداته يلحظ إن إبن رشد قد إنتصر إلى المنهج العقلاني الذي كان يسعى إلى تعزيز مكانته في دائرة الثقافة العربية الإسلامية ، وذلك من خلال إنحيازه إلى المنطق البرهاني .  

ثالثاً – درسُ فيه كشف عن الحق و الحقيقة في مثابرة الإمام الغزالي ، الذي وضع الفلسفة والفلاسفة في محنة وإمتحان لم تجد بعدها أجواء العافية ، حيث تتمكن من إنتاج بنيات معرفية وعلمية في ظروف من الحرية والتسامح . إن هذا الدرس الرشدي بين إن الغزالي في مثابرته لم يعتمد على المنطق ، كما هو أعلن ، في هدم الفلسفة ، وإنما إستند إلى فكرانية كلامية وحيدة (الأشعرية) في التشويش على الفلسفة والفلاسفة* . كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

* إذن مشروع الغزالي مشروع تشويش على الفلسفة والفلاسفة وليس نقض لها ولهم ، والتشويش فكراني بالطبع وليس له علاقة بالمنطق المشائي السُبة التي كان يرميها الإمام الغزالي خطأً على الفلاسفة المسلمين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

وإنه لم يسلك طريق النقد العلمي الموضوعي القائم على عرض أراء الفلاسفة . وإنما  كان على الأغلب الأعم يعتمد على مواقف ” إبن سينا ” ، وهي مواقف تتفرد بمذاقها الفلسفي الخاص ، الذي لا يعبر عن مواقف الفلاسفة الإسلاميين على وجه الأعم* .

ـــــــــــــــــــ

* يبدو إن الفكرانية الأشعرية لعبت أوراقها مرتين في إختيار الغزالي فلسفة إبن سينا عينة لفعل التشويش . أولاً إعتقاد غزالي خاطئ بإن فلسفة إبن سينا ما هي إلا فلسفة مشائية . ولذلك هاجم الغزالي ما أسماه الفلسفة المشائية الإسلامية . وبينا في بحثنا المعنون ” كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية ” بأن فلسفة المشارقة من الكندي وحتى إبن سينا ومروراً بالفارابي وإخوان الصفا لم تكن فلسفة مشائية . وإنما هي على الأقل عند الفارابي وإبن سينا وإخوان الصفا فلسفة فيضية إفلوطينية أو إفلاطونية محدثة (ومباني الإفلاطونية المحدثة فيها حضور لمجمل المدارس الفلسفية اليونانية زائداً الفكر الهرمسي ..) ولعل واحداً من مصادرها (تساعيات المؤسس إفلوطين ” والتي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان منتحل ، هو أثولوجيا أرسطو) ، قد لعب دوراً فاعلاً في مباني هذه العينة من الفلاسفة المشرقيين والذين يتهمهم الغزالي بالمشائيين . ثانياً إعتقاد غزالي بأن إبن سينا ينتمي إلى فكرانية باطنية (فكتب التاريخ وإبن سينا يروي أطراف من حكاية إنه كان يستمع للأحاديث التي تجري في بيتهم بين مجموعة من الباطنيين وذلك من طرف والده وأخيه الكبير .. ومن طرف أُستاذه أبو عبدالله النائلي ..) ولعل هذه هي ضميمة الغزالي في مهاجمة الفلسفة والفلاسفة من خلال عينة إبن سينا . وإذا صح ذلك فأن المعاندة لم تجري مع الفلسفة والفلاسفة ، وإنما حدثت بين فكرانيتين ؛ فكرانية أشعرية وفكرانية باطنية ذات ريحة إسماعيلية .. يضاف إلى كل ذلك إن إبن سينا عمل تحت حماية السامانيين المحبين للمباحث العقلية ومنها الفلسفة والمنطق ، وهم أصحاب فكرانية مخالفة لفكرانية السلاجقة الكارهين للفلسفة والفلاسفة ، والذين عمل الإمام الغزالي لهم ونفذ رغبتهم في التشويش على الفلسفة والفلاسفة ..

ــــــــــــــــــ

  ولذلك نلحظ إن الغزالي بدلاً من الإعتماد على المنطق كما أعلن ، فإنه توجه إلى الجمهور الذي لا يعرف جوهر المعاندة الغزالية للفلاسفة ، ويفتقد إلى شروط الحوار ، يحثه ويحرك غضبه ضد الفلاسفة وتحت شعار ” من تمنطق تزندق ” . ومن خلال الجمهور تم الضغط على السلطة ، والتي كانت هي في الحقيقة مستعدة ، وهي التي كلفت الغزالي رسمياً بمعاندة الفلسفة والفلاسفة ، وجاء مقاصد الفلاسفة ، وتهافت الفلاسفة إستجابة للتكليف السلجوقي الرسمي . إذن هو مشروع تعاون ضد الفلسفة والفلاسفة ، خططت له السلطة السلجوقية وقاده ونفذه الأمام الغزالي في التشويش على الفلسفة والفلاسفة . والحقيقة كانت فرصة تاريخية بيد الغزالي ولو فعلاً نقد الفلسفة بإستخدام المنطق الأرسطي المشائي في نقدها لكانت فرصة أخرى عاشتها الأمة ودوائرها الثقافية . لكن ضاعت فرصة النقد وتحولت إلى منازلة فكرانية تلاحق أشباح فكرانية مقابلة وحسب .

  حقيقة إن ما تميز به الدرس الرشدي ، إنه بين بأن الفلاسفة في بعض المواقف كانوا يجانبون الحق ويجانبون الحقيقة . وإن الإمام الغزالي ومثابرته كان فيها أطراف من الحق والحقيقة . وذلك لأن الموقف الفلسفي قد هوى في معاقل الفكرانية التي لم تعتمد طريق البرهان في عرض القضية الفلسفية ، وخصوصاً في مضمار العلم الإلهي . إلا إنه كشف في الوقت ذاته عن إبتعاد فهم الغزالي أشوطاً بعيدة عن القضايا الفلسفية (ولعل السبب إن وقت الإمام لم يكن كاف حتى يمكنه من الإلمام بالقضايا الفلسفية المتنوعة والتكليف السياسي صدر وينبغي الإسراع وإنجاز فعل التشويش) . ولذلك كان فيلسوف قرطبة يعود إلى المرجعيات الفلسفية ليعرض القضية في حدود الضبط المرجعي الدقيق لها .

  وكشف فيلسوف قرطبة ، ومن خلال قوائم العلوم الممكنة ، إمكانية تحفيز العقل والمنهج العقلاني للعمل في مناطق جديدة ، كما إنه ، ومن خلال قوائم العلوم الباطلة ، والتي في بعضها سلطة تُلجم وتُحد من حركة العقل ، قد رفع عن طريق العقل بعض العقبات المعرفية التي فيها تعطيل لعمله .

  أما بعض العلوم التي وقف إبن رشد منها متردداً بين الإبطال والتشكيك في إمكانية قيامها ، من مثل ” علم الكيمياء ” ، فإنها كشفت عن حدود المنهج العقلاني الرشدي المحكوم بوضع فيلسوف قرطبة الإقتصادي والإجتماعي ، وعلاقته المهمة بالمؤسسة السلطانية . مما جعل كل ذلك أن يكون منهجه العقلاني سجين الواقع ، ولم يتمكن من إختراق هدا الشرط ، ويعترف بإمكانية قيام علم الكيمياء . إن هذا الدرس الرشدي المستند إلى العلوم والمعرفيات في بيان الحق والحقيقة ، جاء في الإفادات التي كتبها إبن رشد في كتابه تهافت التهافت ، وهو بالطبع رد على كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة .

رابعاً – درسُ في الحوار بين المعرفي والفكراني ، بين الخطاب العقلي والخطاب العقيدي . إن هذا الدرس جاء في كتاب إبن رشد ” تفسير ما بعد الطبيعة ” . صحيح إن نص ما بعد الطبيعة للمعلم الأول . إلا إن التفسير الذي وضعه فيلسوف قرطبة ، يكشف عن مسعى جديد في دائرة الثقافة العربية الإسلامية . مسعى ينزع إلى إنشاء العلم الإلهي بالإعتماد على المثابرة الإنسانية ، التي تستند إلى العقل والمنهج العقلاني .

  ونحسب إن غرض إبن رشد في هذا المشروع ، هو مجابهة الفكرانية الكلامية (الأشعرية) التي حرمت على العقل من دخول مناطق العلم الإلهي . لأنها إعتقدت بأن العقل غير مؤهل للخوض في قضايا هذا المضمار . كما إن فيلسوف قرطبة في الوقت ذاته رغب في إنشاء فكرانية علمية (ميتافيزيقا علمية) تمد العلوم والمعرفيات بموجهات تعمل على أساسها في تكوين مناهجها ومبانيها المعرفية . وفي الحالتين ربح محسوب لصالح العقل والمنهج العقلاني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(8)

حضور الأبستمولوجيات في الخطاب الفلسفي الإسلامي المعاصر :

                        تجربة الصدر إنموذجاً

الدكتور محمد جلوب الفرحان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرته مجلة المنطلق اللبنانية ، العدد 116 خريف 1996

                 ص ص 149 – 166

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

  تعد الأبستمولوجيات اليوم من أمهات الموضوعات الفلسفية الأكثر حيوية ، والأشد إرتباطاً بالعلم ، وتشابكاً في نسيجه. وإنها المشهد الفلسفي الذي يعكس التبدلات العلمية في البناء المعرفي. وهي فوق كل هذا ، المقياس الذي يكشف عن إنتماء البناء الفلسفي إلى روح العصر . أو بالعكس يعلن عن إندراجه في خانة من خانات التاريخ الثقافي والمعرفي .

  وإذا كانت هذه هي حال الأبستمولوجيات ، فإننا نتساءل: ما حجم المساهمة التي أنتجتها دائرة تفكير الصدر في محاولة فهم دور وفعل المعرفيات في بناء الخطاب الفلسفي الأسلامي المعاصر؟

  إن من الثابت في دوائر الإهتمام الثقافي الإسلامي ، إن ما أنتجته دائرة تفكير الصدر من نتاج ثقافي ، ينتمي إلى العقد الأول من النصف الثاني من القرن العشرين(1). وهي الفترة التي راجت فيها ثقافات إنسانية مختلفة الألوان ، وافدة من الشرق والغرب . وكانت لها دوائر نشر وترويج منظمة ، مارست التأثير على الأذهان الإسلامية . كما أسهمت في تكوين أطر تفكير جيل من المتعلمين . الأمر الذي حتم وقفة مفكر إسلامي ، يعلن من داخل دائرة الثقافة الإسلامية ، عن خطاب فلسفي إسلامي ، يحاور الإتجاهات الفلسفية الوافدة بمنهجية نقدية ، إستبطنت في داخلها كل نتاج المعرفيات الإسلامية التي هي حصيلة عصور إسلامية كانت مرهونة بتطور المعرفة العلمية في عصرها . وأظهرت تلك المنهجية فعل مثابرة جادة من قبل دائرة تفكير الصدر ، في الإستناد في الوقت ذاته إلى مرجعيات معرفية معاصرة في مناقشة ونقد الإتجاهات الفلسفية الوافدة إلى الدار الثقافية الإسلامية .

   وبعد مرور ما يقارب الأربعة عقود على صدور ” فلسفتنا ” (2) ، وما يقارب الثلاثة عقود على صدور كتاب ” الأسس المنطقية للإستقراء ” (3) ، نتساءل :

   ما المعرفيات (الأبستمولوجيات) ؟ وما الفارق بين المعرفيات ونظرية المعرفة ؟ ما الإسهام الذي قدمه تفكير الصدر في المعرفيات ؟ ما هي الإشكاليات في نظرية المعرفة؟ وأين توقف تفكير الصدر ؟ ولماذا ؟ إن العينة التي نقوم بقراءتها متوفرة في كتاب ” فلسفتنا ” ، وهي عينة فريدة ، تكشف عن إنفتاح على المعرفيات بأشكالها الثلاثة : المعرفيات الفلسفية والحديثة ، والعلمية المعاصرة . ومن هنا تأتي قيمة وأهمية تجربة الصدر في تاريخ المعرفيات وتاريخ المنهجيات .

النص المعرفي في فلسفتنا :

 إحتوى كتاب ” فلسفتنا ” على نصين من النصوص المعرفية :

الأول – بعنوان ” نظرية المعرفة ” (4) وقد شغل القسم الأول من الكتاب .

الثاني – بعنوان ” الإدراك ” (5) . إحتل حيزاً من القسم الثاني الموسوم ب ” المفهوم الفلسفي للعالم ” .

  لقد عالج تفكير الصدر في هذين النصين المعرفيين (الأبستمولوجيين) موضوع المعرفيات من زاوية ” مصادر المعرفة ” و ” قيمة المعرفة ” . وهما من موضوعات دائرة المعرفيات الحديثة . أما موضوعة  ” الإدراك ” ، فقد ضمت شواهد من دائرة المعرفيات العلمية المعاصرة ، جعلت تفكير الصدر يتصدر دائرة الإهتمام الإسلامي في موضوع المعرفيات . ولذلك يتناول البحث في النص الأول الجوانب الأتية :

دائرة تفكير الصدر بين الأبستمولوجيا ونظرية المعرفة :

   يلحظ القارئ للقسم الأول من كتاب ” فلسفتنا ” عنواناً إقترحته دائرة تفكير الصدر لهذا القسم ، وهو ” نظرية المعرفة ” . إذن ومن العنوان إنحاز تفكير الصدر إلى إصطلاح نظرية المعرفة ، وظلت الأبستمولوجيا (أو كما نقترح لها في اللغة العربية إصطلاحاً مرافقاً : المعرفيات) ، مبحثاً وإصطلاحاً جرى السكوت عنهما في دائرة إهتمام الصدر . ولعل السؤال الذي يُثار هنا : أنظرية معرفة ؟ أم معرفيات (أبستمولوجيا)؟

   ونبدأ الإجابة بإيضاح منهجي في غاية الأهمية ، يساعد في إزالة اللبس في الإستعمال المفهومي غير الدقيق فلسفياً بين إصطلاحي نظرية المعرفة التي جرى تداولها في دوائر تفكير ما بعد النهضة الأوربية وخصوصاً في دوائر التفكير الإنكلوسكسوني ،  وما ترجم منه إلى اللغة العربية . والإصطلاح الفلسفي العتيد الأبستمولوجيا أو المعرفيات . حقيقة إن ما نريد أن نؤكده هنا ، هو إن الترادف المتداول في بعض الكتابات الفلسفية الإبداعية التي انتجتها أقلام غير متمرنة فلسفياً ، سواء كانت أكاديمية أو غير اكاديمية قد جانبها الصواب من زاوية المصطلح الفلسفي الذي يشكل ألفباء اللغة الفلسفية . وإذا كان الباحث غير الأكاديمي معذوراً ونحمده على جهوده ، فأن الأكاديمي مسؤول والتحري عن الدقة غايته ووسيلته .  

  على كل إن نظرية المعرفة هي  (ثيري أوف نولج) ، والأبستمولوجيا أو المعرفيات هي (الأبستمولوجيا ، وهي كلمتين = علم المعرفة)(6) . وهناك كما يظهر لك فارق كبير بين العلم وهو إصطلاح واسع وشامل الدائرة ، والنظرية التي تشكل طابقاً واحداً من طوابق العلم المتنوعة . والحقيقة أن هناك تحفظاً على تداول الإصطلاح الأول ” نظرية المعرفة ” في دوائر الفكر الفلسفي العلمي وبين أوساط الفلاسفة الناشطون في طوابقة المختلفة . وذلك لأنه إصطلاح لا يعبر بدقة ، وغير مستوعب لمجمل فعاليات دائرة المعرفيات وأدواتها ومستوياتها ومن ثم موضوعاتها … ولذلك يفضل العاملون في هذا المضمار من الدراسات الفلسفية العودة إلى إصطلاح ” الأبستمولوجيا ” وتفعيله من جديد وإحلاله محل ” نظرية المعرفة ” (7) . وذلك لأن الأبستمولوجيا (أو علم المعرفيات) إصطلاح أكثر دقة وشمولية . والقارئ في الأبحاث والدراسات التي تتناول علم المعرفيات ، يجد أن الباحثين يستخدمون إصطلاح الأبستمولوجيا ويضعون بجواره كلمة نظرية المعرفة ، ويضعوها بين هلالين للإشارة إلى تحفظهم على تداول إصطلاح ” نظرية المعرفة ” .

  إن نظرية المعرفة تقتصر إصطلاحاً ودلالة على طابق واحد أو جزئية صغيرة من البناء الأبستمولوجي المتعدد والمتنوع الطوابق ، لإنها تدل على الجانب النظري من علم المعرفيات . بينما هناك جوانب (طوابق) أخرى تقع خارج مضمار الجانب النظري ، لا يضمها أو يعبر عنها إصطلاح نظرية المعرفة مثل : موضوع المعرفة ، أدوات المعرفة ، مصادر المعرفة ، المعايير أو ما يسمى ب ” الإستاندرات أو الكريتريات ” (8) ، والموديلات المعرفية ، ومستويات المعرفة ودرجات يقينيتها .

  ويجري اليوم في دائرة علم المعرفيات ، لا في حقل نظرية المعرفة ، الحديث عن أنواع من المعرفيات :

أولاً – الأبستمولوجيات الفلسفية :

   وتشمل صوراً من المعرفات التي ضمها تاريخ الفلسفة اليونانية والفلسفتين الإسلامية والمسيحية . وممكن الحديث عن معرفيات ما قبل الفلسفة في حضارات بلاد الرافدين ومصر والهنود والفرس والصينيين واليونان (هوميروس وهزيود وغيرهم) . وهي معرفيات عكست بحدود مرحلة التطور العلمي يومذاك ، كما ضمت في داخل أبنيتها الكثير الكثير من المفاهيم والتصورات العلمية وإستثمرت درجات يقيننية النماذج المنطقية والرياضية . إلا أن المعالجة الفلسفية لها كان من زاوية النفس وقواها أو ملكاتها . وشملت معرفيات غنوصية وصوفية (9) .

ثانياً – المعرفيات (الأبستمولوجيات) الحديثة :

  وهي مرحلة التأسيس الحقيقي لمسألة المعرفة ، ومن ثم نشوء مذاهب ومدارس معرفية لها ، وهي تضم التفسيمات الكلاسيكية التي كانت متداولة في دوائر المعرفيات ، وهي :

أ – المعرفيات (الأبستمولوجيات) الحسية :

  أو المعرفيات التجريبية وهي نوع من المعرفيات تعتمد ” الحس ” أو ” التجرية طريقاً وحيداً لإكتساب المعرفة . وهنا الإستناد جاء على طريق المعرفة وليس على نظرية المعرفة . وقد جاء التأسيس لهذا النوع من الأبستمولوجيات في كتاب ” فرنسيس بيكون ” (1561 – 1626 م) الذي عنوانه ” الأورغانون الجديد ” أي المنطق الجديد . وطبع في اللاتينية أولاً في العام 1620 م ، وترجم وطبع بالإنكليزية في العام 1863 م . وإن الأسم فيه إشارة إلى ” أورغانون أرسطو ” . فالأرغانون الجديد عند بيكون هو نظام جديد في المنطق يعتمد الإستقراء بدلاً من الإستدلال . ولهذا كان بيكون يعتقد أن أورغانونه له السلطة العليا على الأورغانون القديم (10) .

  وهكذا اختارت الأبستمولوجيات الحسية الإستقراء ، الطريق المنطقي الذي يتجاوب مع هذه التوجهات الحسية التجريبية (11) . كما وإرتبطت هذه المعرفيات بمجموعة من الفلاسفة الإنكليز من أمثال : ” توماس هوبز ” الذي قادته نزعته الأبستمولوجية الحسية التجريبية  إلى المادية  الذي يعد رمزاً من رموز مؤسسيها (12) ، و” جون  

لوك ” (1632 – 1704) الذي يعتبر من مؤسسي الأبستمولوجيا الحديثة (وإن ظل مقيداً في حدود نظرية المعرفة إصطلاحاً) والذي بحث في أصل المعرفة وكونها تأتي من خلال الحواس . إن كل ذلك جاء في كتابه ” مقالة تتعلق بالفهم الإنساني ” والذي صدر في العام 1690 ، و” دافيد هيوم ” (1711- 1776) الذي تناول المعرفة الحسية وما إرتبط بها من مشكلات تولدت للإستقراء . درس هيوم ذلك في كتابه المعنون ” بحث يتعلق بالفهم الإنساني ” والذي نشره فيالعام 1748 . ومن ثم تتوجت بنزعة ” جون ستيوارت ميل ” (1806- 1873) الحسية المتطرفة وتاتي ظهرت في كتابه المعنون ” نظام علم المنطق ” والذي نشره في العام 1843 (ويتألف من مجلدين) . وقد صاغ فيه المبادئ الخمسة للإستدلال الإستقرائي (والذي عرف بطريقة ستيوارت العلمية) . في حين جاءت نزعته الحسية المتطرفة أكثر وضوحاً في المجلد الثاني ، وذلك عندما أعلن إن ” بديهيات الهندسة هي ليست حقائق فرضية ، وإنما هي حقائق تجريبية ” (13) .

ب – المعرفيات (الأبستمولوجيات) العقلية :

   إنه إتجاه معرفي حديث يعتمد ” العقل ” الطريق الوحيد لإكتساب المعرفة . إن هذا الإتجاه إرتبط بنخبة من الفلاسفة العقليين الذين إنتجوا لنا نصوصاً أبستمولوجية في غاية الأهمية في تاريخ الأبستمولوجيا عامة والنزعة العقلية على وجه الخصوص ، كان في طليعتهم الفيلسوف الفرنسي ” ديكارت “(1596- 1650) والذي ركز مشروعه الأبستمولوجي في كتابه المعنون ” تأملات في الفلسفة الأولى ” والذي صدر لأول مرة باللغة الاتينية في العام 1641 ، ومن ثم ظهرت له ترجمة فرنسية في العام 1647 ، وبعد أكثر من قرن ونصف جاءت الترجمة الإنكليزية (التي قام بها جون فيتش في العام 1901) .

   ومن ثم جاء ” باروخ إسبينوزا ” (1632- 1677) وهو من أكبر الفلاسفة العقلانيين ، وقد تأثر بكل من ” إقليدس ” (عاش بحدود 300 ق.م وهو صاحب كتاب الأصول في الهندسة) و” ديكارت ” . وفي أبستمولوجياته كان يتطلع إسبينوزا إلى صياغة مكوناتها على صورة موديل هندسي . وفعلاً نجح إسبينوزا في كتابه ” مبادئ الأخلاق ” في بناء الأخلاق على صورة مصفوفات هندسية تبدأ بتعريفات وبديهيات … (14) . وفي مضمار عمله في الأبستمولوجيات العقلية ، أعتقد إسبينوزا ”  في إمكانية إمتلاك المعرفة الأولية ” ومن ثم حدد ثلاثة أنواع من المعرفة (15) .

   وكان الفيلسوف الألماني ” جوتفريد لايبنز ” (1646- 1716) وهو فيلسوف وعالم رياضيات ومنطق . وتوصل إلى إكتشاف ” حساب التفاضل والتكامل ” في الوقت ذاته الذي أعلن فيه ” إسحاق نيوتن ” (1643- 1727) عن إكتشافه هذا النوع من الحساب . وتصاعدت درجات الصراع بين المانيا وإنكلترا حول الأحقية بالإكتشاف وأقتربت من إعلان الحرب (16). ولايبنز سعى بكل جهد إلى تأسيس أبستمولوجياته العقلية على قواعد رياضية ومنطقية ومن ثم تطلع إلى صياغة القضايا الأبستمولوجية بلغة الرياضيات الرمزية والملتزمة بقواعد المنطق الرمزي (17) . وقد أعاد هؤلاء الفلاسفة وخصوصاً لايبنز المكانة للإستدلال ، وخاصة الإستدلال الرياضي ، طريقاً لتأسيس المعرفة اليقينية (18).

ج- الأبستمولوجيات النقدية :

   إنها إتجاه أبستمولوجي حديث مارس عملية النقد للإتجاهين المعرفيين السابقين (أي نقد للأبستمولوجيا الحسية والعقلية على حد سواء) . ومثل هذه النزعة الأبستمولوجية في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة ، الفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” (1724- 1804) هو فيلسوف ألماني ، وهو آخر الفلاسفة المحدثين الذي كان له تأثيراً واسعاً في عموم البيئات الفلسفية الأوربية عامة والأبستمولوجية خاصة (19) .

  حقيقة إن تأثير كانط في المضمار الأبستمولوجي على الأقل ، لم يظل محبوساً في إطاره الجغرافي (قارة أوربا) ، أو سجيناً في معاقل عصر الأنوار ، بل تجاوز ذلك وأصبح كانط فيلسوفاً كونياً ، كما وتحول إلى فيلسوف الأبستمولوجيا المتجدد الذي تجاوز إنتماؤه الحدود الزمنية ، فطوت حركة الأهتمام في أبستمولوجياته القرنيين التاسع عشر والعشرين ، وأصبح الأهتمام بكانط شغل دوائر البحث الأبستمولوجي في القرن الحادي والعشرين (والباحث شاهد على إهتمام أقسام الفلسفة وكتاب فلسفة العلوم والأبستمولوجيات في أمريكا الشمالية : كندا والولايات المتحدة الأمريكية) .

   أشتغل كانط على ثلاثة عشر مشروعاً في البحث والكتابة قبل أن ينشر كتابه ” نقد  

 العقل النظري الخالص ” ، فقد ظهرت طبعته الأولى باللغة اللاتينية في العام 1781 ، (وترجم إلى اللغة الإنكليزية في العام 1838 من قبل ” فرنسيس هايوود ” . وهذا يعني أن عمر كانط يوم صدور الطبعة اللاتينية ، كان سبعة وخمسين عاماً (وهذه هي مرحلة النضوج) . وهو في التقويم الأخير مساهمة كانطية عالية في الأبستمولوجيا(20) . وفعلاً أن كانط في طرف من كتابه أنتقد الأبستمولوجيا التقليدية : أبستمولوجيا التجريبين والعقليين . وفي طرف آخر القى الضوء على النهج الكانطي في تأسيس أبستمولوجيا نقدية . والحقيقة أن مشروع كانط النقدي سعى في جوهره إلى المصالحة بين الأبستمولوجيا التجريبية والأبستمولوجيا العقلية .

  لقد أعتقد التجريبيون أن أكتساب المعرفة يكون عن طريق وحيد هو التجربة (أو الحواس) فقط . في حين رأى العقليون أن مثل هذه المعرفة مفتوحة للشك الديكارتي ، وإن العقل هو الطريق الوحيد الذي يوفر لنا مثل هذه المعرفة . كانط جادل التجريبين والعقليين ورأى إن إستعمال العقل وحده دون الأستعانة بالتجربة سيقودنا إلى الوهم . في حين إن الأعتماد على التجربة وحدها ، ستكون تجربة شخصية تماماً دون إخضاعها إلى العقل الخالص (21) . كما تطلع كانط إلى إصلاح الميتافيزيقا من خلال الأبستمولوجيا . وفعلاً فقد إختار كانط طريقاً أبستمولوجياً ثالثاً ، طريقا يمنح الحس والعقل على حد سواء دوراً في عملية تكوين المعرفة . إلا إنه لا يؤمن كما آمن الحسيون بأن العقل صفحة بيضاء (جون لوك مثلاً) قبل المعرفة . وإنما هناك أطر عقلية ، وإن المعرفة التي تأتي عن طريق الحس تنتظم وفق تلك الأطر العقلية وهي مثل : الزمان والمكان (22) .

ثالثاً- الأبستمولوجيات المعاصرة :

      تميز تاريخ الأبستمولوجيات في الحقبة المعاصرة بإستمرار المدارس الفلسفية الناشطة في صياغة إبستمولوجيات تعكس توجهاتها الفلسفية . وفي الوقت ذاته شهدت هذه الحقبة إنبثاق ما يعرف اليوم بدوائر الأبستمولوجيات الناهضة على ما توافر في دوائر العلوم المعاصرة ، من أساليب تجريبية تمثلت بأنواع معقدة من أجهزة في غاية التعقيد والتطور سواء في رصد الظواهر الكبيرة في الكون ، أم الظواهر الصغيرة التي لا نراها بالعين المجردة ، وإنما بمساعدة أجهزة في غاية الحساسية والدقة ، وبمصادر التنوير والتكبير العالية .

  وفي المقابل تطورت أساليب نظرية عالية تمثلت بأنواع من الرياضيات العالية ، التي تجاوزت حساب التفاضل والتكامل ، والتي إنتظمت على صورة مصفوفات رياضية عالية التجريد ، والتي صاحبها تطوير أنواع من المنطق الثلاثي القيم والمتعدد القيم .. وتطوير الإستنباط والإستقراء التقليديين إلى إستدلال تجريبي ونظري (23) . إن ما يميز الأبستمولوجيات المعاصرة ، إنها مشروع تعاون بين العلماء والفلاسفة ، وحصيلة تضافر جهودهما المشتركة والتي إنعكست في شكل المعرفيات العلمية أو المعرفيات المعاصرة .

   لقد تميزت الأبستمولوجيا المعاصرة في إطارها الفلسفي بطعم خاص عكس تنوع مدارسها الفلسفية المعاصرة . فمثلاً كانت هناك مساهمة أبستمولوجية عالية للوضعية المنطقية ، والتي كانت تعرف بالتجريبية المنطقية كذلك . وقد جاءت نتيجة لجهود أعضاء حلقة فينا (24) والتي ضمت مجموعة من علماء الرياضيات ، والعلماء والفلاسفة ، الذين جمعهم هدف واحد ، وهو مناقشة التطورات الحديثة في علم المنطق ، ومن ضمنها مناقشة كتاب فيتجنشتاين (1889- 1951) المعنون : ” رسالة منطقية – فلسفية ” والذي صدر في العام 1922، وكان يقودهم مورتيز شيلك (1882- 1936).

  وفيما يتعلق بالأبستمولوجيا المعاصرة ، نرى من الضروري أن نذكر بأن واحداً من أهم مؤلفات شيلك ، كان في مضمار الأبستمولوجيا ، والذي كان بعنوان : ” الأبستمولوجيا والفيزياء الحديثة” والذي صدر في العام 1925. وكذلك كتابه المعنون : ” النظرية العامة للمعرفة” والذي ترجم إلى الأنكليزية في العام 1985 . وبالإضافة إلى شيلك ، ضمت الحلقة كل من كرناب (1891- 1970) ، فيجل (1902- 1988) ، جودل (1906- 1978) ، هان (1879- 1934) ، نيروث (1882- 1945) وويزمان (1896- 1959). وبعد وفاة هان وشيلك في العام 1939 ، تفرق أعضاء حلقة فينا ، فرحل بعضهم وأستقر في بريطانيا ، وذهب البعض الآخر إلى الولايات المتحدة الأمريكية .

   أن الوضعية المنطقية هي مدرسة فلسفية ، جمعت بين التجريبية (التي تعتمد على الملاحظة في معرفة العالم) والعقلانية التي تشمل البناء اللغوي ذو الطبيعة المنطقية الرياضية والإستدلال الأبستمولوجي . وإعتماداً على الكتيب الصادر عام 1929 والذي كتبه كل من نيروث وهان وكرناب ، فأننا نلحظ إن هذا الكتيب قد لخص مبادئ حلقة فينا عامة في حينها ، والوضعية المنطقية في مضمار الأبستمولوجيا خاصة . أن هذه المبادئ تتضمن معارضة لكل أنواع الميتافيزيقا ، خصوصاً الأنطولوجيا والقضايا التركيبية الأولية (التي إنشغلت بها الأبستمولوجيا عند كانط) . والحقيقة إن رفض الميتافيزيقا جاء ليس لكونها قضايا خاطئة ، بل لكونها فارغة من المعنى (25) .

   وإستندت أبستمولوجيا الوضعية المنطقية إلى معيار المعنى الذي يعود في إصوله إلى الكتابات المبكرة لفيلسوف العلم واللغة لودفيغ فيتجنشتاين (أي كتابه رسالة منطقية – فلسفية) . ولعل مما يؤكد عليه معيار المعنى ، هو إن تتم صياغة المعرفة في لغة العلم الإنموذجية . كما وأن هذا المعيار يتطلع إلى إحلال المفاهيم الدقيقة للغة العلم محل مفاهيم لغة الحياة اليومية (26) . إذن معيار المعنى يسعى إلى تطهير الفلسفة والعلم من كل اللغو الذي ساد في تاريخهما العتيد ، والذي سبب سوء الفهم والتنازع ، و كان وراء الجدل الطويل الذي ضاعت فيه جهود وفرص الفلاسفة والعلماء على حد سواء .

  كما وتعتمد أبستمولوجيا الوضعية المنطقية على مبدأ التثبت (أو التحقق) والذي تظهر عليه أثار ما كتبه فيتجنشتاين في الرسالة المنطقية – الفلسفية واضحة كذلك . أن مبدأ التحقق هو الطريق الذي يحدد أن هذه القضية أو هذا السؤال لهما معنى . فمثلاً القضية القائلة : ” أن العالم جاء إلى الوجود قبل فترة قصيرة ” . فإن مثل هذه القضية ” لا معنى لها ” من زاوية مبدأ التحقق ، وذلك لأنه لا يتوفر طريق ” يثبت بأن هذه القضية صادقة أم لا ” (27).

   إتخذ مبدأ التحقق مساراً خاصاً مع الفريد آير ، خصوصاً في كتابه المعنون : ” اللغة : الصدق والمنطق ” والصادر عام 1936. إنه مبدأ أو معيار للمعنى ، ولكن ليس عن طريق التحليل اللغوي ، وإنما يكون عن طريق التثبت التجريبي . وحقيقة إن فكرة التحقق ، فكرة قديمة تصعد على الأقل إلى دافيد هيوم والتجريبيين الذين يعتقدون بأن الملاحظة هي الطريق الوحيد الى المعرفة (28) .

  واليوم يستعمل مبدأ التحقق بمعنى مبدأ التكذيب الذي ينظر إليه كإمكانية منطقية تسعى إلى تحديد قضية ما بأنها كاذبة ” عن طريق ملاحظة خاصة أو تجربة فيزيائية ” . وإن مبدأ التكذيب لا يعني ” إن شئ ما هو كاذب ، بل إنه يعني إن القضية كاذبة ، وتحتاج إلى برهان على كذبها ” .

   ثم أنبرى كارل بوبر (1902- 1994) فرفض إشتراطات مبدأ التحقق في النظر إلى ” معنى القضية ” ، وبالمقابل رأى أن تكون ” القضية قابلة على التكذيب ” . وفي فترة لاحقة أوضح بوبر بأن غرضه من مبدأ التكذيب ، لا يسعى مطلقاً إلى تكوين ” نظرية في المعنى ” . وإنما أراد له أن يكون ” معيار منهجي للعلوم ” . والحقيقة إن كارل بوبر يصنف اليوم مع المشايعين لمبدأ التحقق بدلاً من كونه ناقداً له (29) .

  كما تبنى عدداً غير قليل من الوضعيين المنطقيين في مضمار الأبستمولوجيا بما يعرف ” بنظرية التطابق ” ، وهي النظرية التي دافع عنها فتجنشتاين في رسالته المنطقية الفلسفية . والحق يقال أن بعض الوضعيين المنطقيين من أمثال أوتو نيروث لم يقبلوا بنظرية التطابق ، بل فضلوا نظرية الإتساق (أو ألإنسجام) والتي ” ترى أن صدق القضية هو إتساقها أو إنسجامها مع مجموعة القضايا الأخرى في النظام الذي تنتمي إليه ” والإتساق يعني أن لا تثير القضية أي تناقض في النظام الذي دخلت إليه . والحقيقة إنه ليست هناك نظرية واحدة في مضمار نظرية الإتساق (أو الإنسجام) ، بل هناك وجهات نظر عديدة في مضمار نظرية الإتساق (30) .

   ونعود إلى نظرية التطابق في مضمارها الأبستمولوجي من زاوية الوضعيين المنطقيين المشايعين لها . فهذه النظرية ترى إن صدق قضية ما أو كذبها يتقرر من خلال علاقتها بالعالم الخارجي أو مدى نجاحها في وصف العالم الخارجي (أو تتطابق معه). ونظرية التطابق تتعارض مع نظرية الإتساق ، والتي ترى إن صدق قضية ما أو كذبها يعتمد على علاقتها مع القضايا الأخرى بدلاً من علاقتها مع العالم الخارجي (31).

   وتزعم نظريات التطابق في مضمارها الأبستمولوجي ، إلى أن الإعتقاد يكون صادقاً أو القضية تكون صادقة  بمقدار تطابقهما على الموضوعات والأشياء الواقعية . وهذا النمط من النظريات يفترض وجود علاقات بين الأفكار والقضايا من طرف ، وبين الأشياء والوقائع من طرف آخر . ويصعد الشكل الإبستمولوجي لنظرية التطابق ، على الأقل ، إلى فلاسفة اليونان الكلاسيكيون سقراط ، إفلاطون وارسطو ( والثلاثة يشكلون  طرفاً من مكونات كتابنا المعنون : تجربة الوافد في مضمار الأبستمولوجيا الفلسفية). وتعتقد هذه النظريات إن الصدق أو الكذب يتقرران من خلال إرتباطهما(أو عدم إرتباطهما) بالحقيقة أو وصفهما (أو عدم وصفهما) للحقيقة بدقة . وهناك أنواع من    

نظريات التطابق (32) :

أولاً- التطابق بالمعية (أي أن شيئان يحدثان معاً) . يرى الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872 – 1970) ، لكي تكون القضية صادقة ، ينبغي أن تتماثل في بنيتها وبنية موضوعات العالم الخارجي ، والتي جعلت منها قضية صادقة . والمثال الذي قدمه رسل ، هو المثال القائل : ” القطة (توجد) على البساط ” هي صادقة ، إذا وفقط إذا كان هناك في العالم الخارجي ؛ قطة وبساط ، وإن القطة مرتبطة بالبساط من خلال وجودها على البساط . وإذا غاب أي من هذه المكونات الثلاث ( القطة ، البساط ، والعلاقة بينهما والتي تطابق بالتتابع الموضوع والمحمول وفعل القضية) فأن القضية تكون كاذبة (33).

ثانياً- التطابق بالترابط العلاقي ؛ يعد فيلسوف اللغة البريطاني جون لانكشو أوستن (1911- 1960) هو المنظر لهذا النوع من التطابق (وله كتابان صدرا بعيد وفاته ، الأول – أوراق فلسفية والذي ظهر بنشرة اكسفورد عام 1961 . والثاني – كيف تعمل الأشياء بالكلمات والذي صدر من أكسفورد في العام 1962) ، فقد ذهب إلى إننا لا نحتاج إلى تركيب فيه توازي بين صدق القضية وموضوعات العالم الخارجي التي تمنحها الصدق . وإنما كل ما في الأمر ، هو البعد السيمانطيقي (بعد المعنى) للغة التي نستخدمها في التعبير عن القضية ، وهذا البعد السيمانطيقي هو الذي يركز على العلاقات الترابطية الكلية للقضية التي ترتبط بموضوعات العالم الخارجي . وإن كذب القضية حسب رأي أوستن ، عندما لا تكون واحدة من هذه القضايا موجودة *.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل في الأبستمولوجيات المعاصرة ، أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ في الأبستمولوجيا والأبستمولوجيا الفلسفية مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي (ج1) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2013 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دائرة تفكير الصدر ودوائر الأبستمولوجيات

  نبدأ بحثنا في هذا المضمار بالتساؤلات الآتية : هل تنتمي دائرة تفكير الصدر ” في نظرية المعرفة ” ومنهجياتها المتداولة ؛ نقداً وتقويماً ، وإعادة تشكيل إلى دائرة وسطويات الفكر المعرفي الفلسفي ؟ أو إنها تنتمي إلى دائرة الفكر المعرفي الحديث ؟ أم إنها تتطلع في أنظارها إلى مضمار الفكر الأبستمولوجي المعاصر ؟ في الحقيقة تواجه الباحث جملة إشكاليات وهو ينقب ويحفر في النصوص عن إجابات عن الأسئلة أعلاه . والمقصود بذلك إشكاليات إنتماء ، فهو يرى :

أولاً – إن دائرة تفكير الصدر تداولت إصطلاحاً ينتمي إلى المعرفيات الحديثة ، وهو نظرية المعرفة (34) ، وإن تضمنت بينها وإحتوت مقولات تنتمي إلى المعرفيات الفلسفية .

ثانياً – إن التقسيم الذي أجرته دائرة تفكير الصدر للمعالجة المعرفية ، هو تقسيم ثنائي : ” مصادر المعرفة ” و ” قيمة المعرفة ” (35) . في جوهره تقسيم ينضوي تحت خيمة المعرفيات الفلسفية الوسطوية (المستبطنة للإرث المعرفي اليوناني) في طرف ، والمعرفيات الحديثة في طرف أخر .

ثالثاً – يوجد إشكال في النص المعرفي الذي كتبه الصدر ، إشكال يتجاوز المعرفيات : الفلسفية والحديثة . والطرف الأول من الإشكال إنه إنتخب نماذج فكرية معاصرة . إلا إن المعالجة جاءت في ضوء المعرفيات الحديثة . ولرفع هذا الإشكال كان على الصدر أن يختار طريقيين في المعالجة :

1 – أن يدرس المعرفيات الحديثة بصورة مستقلة ، ومن ثم يقوم بتقويم إنجازها المعرفي من خلال قراءتها في ضوء الإنجاز الأبستمولوجي المعاصر . وبالطبع هذا لم يحدث ولذلك ظل الإشكال قائماً ومدفوناً إلى الأبد في بنية المعرفيات الصدرية .

2 – هو أن يدرس الأبستمولوجيات المعاصرة بصورة مستقلة عن المعرفيات الفلسفية الوسطوية والحديثة . وهذا الدرس لم نجد له أثراً في النص الصدري وذلك لأن أغراض النص الصدري في حقيقته كانت أغراض فكرانية بحتة ولم تكن أبستمولوجية خالصة ولذلك ظل الإشكال ملازم النص الصدري . ولعل الشاهد على ذلك معالجة ” الماركسية والوضعية ” في داخل دائرة ” المعرفيات التجريبية ” (36) .

  وعلى هذا الأساس نقول إن المعالجة المعرفية التي تقدمت بها دائرة تفكير الصدر ستظل في طرف منها إنموذجاً في التحليل المقبول . واحسب إنها ستظل صورة من التحليل للفكر الماركسي والوضعي في جوانبه المتداولة زمن كتابة الصدر لهذا لنص المعرفي .

دائرة تفكير الصدر والأبستمولوجيات المعاصرة

  تجاوزت دائرة تفكير الصدر ، وتخطت دوائر الفكر الفلسفي الحديث لأغراض فكرانية محضة وليست أبستمولوجية وذلك لأنها هدفت مُعاندة الماركسية على وجه الخصوص . ولهذا الغرض تناولت مسائل من المعرفيات المعاصرة ، وإحتوت نقداً للمعرفيات الحديثة . ومثلاً على ذلك النقد الموجه إلى المعرفيات التجريبية والمثالية . وتناولت مسائل من الفيزياء المعاصرة المتجاوزة والمتخطية للفيزياء الكلاسيكية كما وضمت معالجة للمثالية الفيزيائية (37) . وكان النقد الذي مارسته دائرة تفكير الصدر له من الأهمية في النقد الإسلامي الهادف إلى الإنشاء الفلسفي المعاصر .

  وتمنت دائرة البحث أن تكون مرجعية النقد خارج مضمار الفكرانيات والإيمانيات . ونحسب إن ذلك يُشكل أُمنية مستحيلة وذلك لأن الصدر رجل دين ، صرف عمره للدفاع عن دائرة الفكرانيات والإيمانيات هذا من طرف . وإنه من طرف أخر لم يُفكر على الإطلاق في كتابة نص معرفي معاصر محايد خالص ، وهذا ما تشهد عليه ظروف كتابة هذا النص المعرفي والذي تمثلت بلغة الصدر بهجمة التفكير الماركسي وخصوصاً الشيوعي ومحاصرة الحوزة العلمية بعد إن تحول أبناء عدد من رجالات الحوزة إلى أعضاء قياديين في الحزب الشيوعي . وعلى هذا الأساس جاء النقد محتمياً بدائرة الأيمانيات وخصوصاً حضور طرف منها في عملية نقد المثاليات الفيزيائية . وكان الباحث يتمنى أن يكون النقد متجهاً نحو تأسيس فلسفة علم تتخذ من الإيمانيات موجهات لإنشاء فلسفة علوم إسلامية . ولكن مثل هذا لم يحدث في النص المعرفي الذي كتبه الصدر ، ومثل ذلك قد حدث في دوائر الفكر الغربي ، والتي أنشأت فلسفة علوم هي خليط من إيمانيات مسيحية ويهودية ووثنية .

  لقد ذهب التحليل للإتجاهات الأبستمولوجية (المعرفية) في دائرة تفكير الصدر ، مذهباً فيه الشئ الكثير من الأيديولوجيا (الفكرانية) . ولعل الشواهد كثيرة التي يمكن الإستشهاد بها من داخل دائرة تفكير الصدر ، وهي عينات غنية في معالجات المعرفيات المعاصرة بعيون أيديولوجية وهي بالتأكيد لا علاقة لها بالأبستمولوجيا . فمثلاً النص المعرفي الصدري يُقدم لنا عينات من ” أوزوالد ” ومعالجته للطاقة الحركية (38) . و ” كارل بيرسون ” وخطوته المعرفية في ” المادة التي اللامادي الذي هو في حركته ” (39) . وعينة من ” أدينغتون ” في ” إن ما أدرك عن الكون هو تماماً وبصورة صحيحة دقيقة الشئ نفسه الذي نضيفه إلى الكون ليصبح مفهوماً ” (40) .

  إن إشكالية النقد المعرفي (الأبستمولوجي – الفكراني) في دائرة تفكير الصدر تنبع من إنه تعرض لموضوعات الأبستمولوجيا المعاصرة وفي إستطالات منها أكثر تطوراً ، ليس في تقويمها ونقدها من زاوية ابستمولوجية خالصة وإنما لتوظيف فكراني (نقد أيديولوجي) غايته المعاندة وإرضاء الرأي العام الذي لا يعرف شيئاً عن هذه الأسماء والنزعات الفلسفية والأبستمولوجية المعاصرة . نقول إن هذه الإشكالية في النقد إنشغلت في كيفية تدمير الأساس المادي للعالم . وفعلاً تحقق ذلك ، ومن خلال إفادات أبستمولوجية معاصرة . وبعد إن أطمأنت دائرة تفكير الصدر إلى ذلك ، حملت معها ذلك النقد إلى دائرة الأيديولوجيا ، وكانت الغاية إنجاز فعل سحب للبساط المعرفي من تحت أقدام واحدة من الأيديولوجيات التي كانت أمام أنظار دائرة تفكير الصدر . وهذه المنظومة المعرفية هي الماركسية بطرفها الفلسفي ، والشيوعية بجانبها الأيديولوجي .    ولعل الواقف على أسباب وظروف كتابة هذا النص المعرفي ، يعرف بصدق بأن الصدر واجه موجة هذه الأيديولوجيا وبمختلف واجهاتها المعرفية والفلسفية واالسياسية وعانى من مضايقاتها الفكرية . وإنطلاقاً من مسؤليته الفكرية والدينية شد العزم على مقاومتها ، ولذلك ولدت دائة تفكيره ردة فعل ثقافية مقاومة لها .

 إن هذا الظرف الثقافي – السياسي ، والمحنة التي عاناها الصدر على مُختلف الصعُد ، حتمتا على دائرة تفكيره ، أن تكون بحجم المواجهة في إستجابتها النقدية لهذا الفعل الذي ولدته المعرفيات الماركسية (وهي الهدف الرئيس في كتابة نص فلسفتنا) ، والتي وإن كانت متداولة رائجة في القرن العشرين ، فهي ليست معاصرة بحدود الإنتاج والتدوين الفلسفي  ، وإنما هي البنت الشرعية للقرن التاسع عشر ، ومن هذا الطرف فهي تنتمي إلى العصر الحديث ولادة وإرثاً فلسفياً وأبستمولوجياً ونتاجاً أيديولوجياً أوربياً محضاً .

  ولهذا الحال غلب على دائرة تفكير الصدر النقد الإيديولوجي على مضمار معرفيات القرن التاسع عشر ، وإن نقده إستند على إنتاج ثقافي مصاحب للمعرفيات في القرن العشرين ، وذلك لأثبات خواء المنظومات الماركسية (والأدق الأيديولوجيا الشيوعية تغليباً) وإطروحاتها حول العالم والمعرفة والمجتمع والأخلاقيات والمفهوم المادي للدين (41) . وكذلك خواء مقولات الفكر الماركسي ، وفشلها في الصمود أمام عملية النقد للمعرفيات المعاصرة . وذلك لأن الماركسية بنت إطارها الفلسفي للعالم على الفيزياء الكلاسيكية (فيزياء نيوتن) . ولهذا كان النقد عند دائرة تفكير الصدر من زاوية المعرفيات المعاصرة ، وهي البديل المتداول في دوائر المعرفيات وفلسفات العلوم ، والتي تنظر إلى معرفيات نيوتن ونظريته في الجذب العام ، ومن خلال ذلك إلى مجمل الفيزياء الكلاسيكية على إنها صورة للعالم ودرب في المعرفة وحيد الجانب تجاوزه العلم وفلسفة العلوم * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من الملفت للنظر إن الصدر في كتابه فلسفتنا الذي ظهر بعد كتاب المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية بحدود أكثر من عقد من السنين ، وهو الرائد في نقد الماركسية واللأنظة الفلسفية الغربية وخصوصاً الحديثة والمعاصرة ، وهو العالم والمهندس في الهندسة اللاسلكية . نقول إنه من الملفت للنظر إن غاب من مصادر كتاب فلسفتنا وهذا يشمل جميع مؤلفات ومقالات مالك بن نبي ، والذي إحتفل بكتاباته المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهب ، وخصوصاً شيعة لبنان وعلى رأسهم الإمام موسى الصدر . إنها مسألة تدعو للحيرة والتساؤل . للتفصيل في فكر مالك بن نبي ، أنظر :

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مالك بن نبي والمشروع الإسلامي للإقتصاد / مجلة الإجتهاد / بيروت – لبنان / العدد 37 / خريف 1997

2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ محاولة موضوعية لإنصافه : مالك بن نبي من زاوية أخرى / مجلة البلاد ، بيروت – لبنان / العدد 399 أب 1998   

3 – الدكتور محمد جلوب الفرحان / عشرات المقالات عن فكر مالك / نشرت في صحيفة البلاد اللندنية (كندا) / منذ عام 2004 وحتى 2012 / وكذلك نشرت مقالات أخرى في صحيفة الناس البغدادية .

4 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

5 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ محمد باقرالصدر والمذهب الإقتصادي في الإسلام / مجلة البلاد / بيروت – لبنان 1998 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دائرة تفكير الصدر والأبستمولوجيات النسبية والمطلقة

  تحركت دائرة النقد الأبستمولوجي عند الصدر بين إنموذجين : أحدهما حديث ينتمي إلى ذمة تاريخ الأبستمولوجيا ، فقد عالجت دائرة تفكير الصدر إنموذج الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط على إنه إنموذج من نماذج المضمار العقلي في المعرفيات وإن كان هو على الوجه الدقيق ، هو شكل من أشكال الأبستمولوجيات النقدية *. والثاني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على الأبستمولوجيا الكانطية النقدية (وليست العقلية كما جاء عند الصدر) ، أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ كانط والكانطية الجديدة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إتجاه معرفي ممتد إلى القرن العشرين ، وإن كانت بنيته الفلسفية حديثة وليست معاصرة . وإذا قبلنا بها معاصرة ، فإن الإشكال في عملية النقد يكمن في إن الرؤية الفلسفية مؤسسة على أبستمولوجيات نظرية نيوتن والفيزياء الكلاسيكية .

  إذن عملية النقد كانت تدور بين أشكال من الأبستمولوجيات الحديثة (الأدق نظريات المعرفة) : الأول ينتمي أصلاً إلى العصر الحديث . أما الثاني فإن له إستطالة ظلت تحرك فيها أفعال الإنعاش لتظل حية في القرن العشرين . بينما هي فعلاً بنت القرن التاسع عشر تكويناً ، وبنت القرن التاسع عشر تأسيساً ، تأسيساً على فيزياء نيوتن والفيزياء الكلاسيكية .

  لقد حدث التحول في عملية النقد المعرفي ، من دوائر الفلسفة إلى دوائر علم النفس ، من السلوكية ومدارس التحليل النفسي ، إلى المادية الديالكتيكية الوجه الأخر للماركسية (42) . والحقيقة إن كل ذلك يندرج في دفاتر وسجلات المعرفيات في القرن التاسع عشر ؛ معرفيات الفيزيولوجيا والنظر إلى الإنسان . إنها فعلاً بداية الإعلان عن إنموذج الإنثروبولوجيات وأبستمولوجياتها (والأدق نظريتها في المعرفة) .

الأبستمولوجيات (المعرفيات) المستقلة في دائرة تفكير الصدر

  في البدء نتساءل : هل هي فعلاً أبستمولوجيات مستقلة ؟ وإذا كانت مستقلة ؛ فماهي حدود الإستقلال ؟ وإذا كان هناك إنفتاح ، وهذا من المطلوب توافره في المعرفيات ، حتى تظل مفتوحة لقبول رياح التغيير والقبول في دوائر العلوم والمنهجيات ، وإذا تحقق ذلك : فما مقدار هذا الإنفتاح ؟

  حقيقة إن تأسيس المعرفيات المستقلة يتطلب مناقشة لعدة جوانب ، منها :

أولاً – منطق المعرفيات المستقلة :

   ما مقولات المنطق المعرفي المستقل ؟ وهل هو منطق ثنائي القيم ؟ أم منطق ثلاثي القيم ؟ أم منطق متعدد القيم ؟ (43) . في الواقع إن الخطاب الذي تقدمت به دائرة تفكير الصدر ينتمي إلى دائرة المنطقيات الثنائية القيمة ” الصدق والكذب ” ، يقول الصدر معبراً عن إنتماء منطقه إلى المنطق الثنائي  : ” إن الإدراك البشري على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للإطلاع على نماذج من هذا النمط من المنطق ، أنظر :

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، بغداد 1983

2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق عند العرب ، جامعة الموصل 1986

3 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، جامعة الموصل 1987

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قسمين : أحدهما التصور والأخر التصديق ” (44) . والواقع إن القارئ لتاريخ المنطق الإسلامي ، ومن جابر بن حيان وحتى إبن خلدون ، وكتب مفاتيح العلوم وإحصاء العلوم والنصوص المنطقية الشارحة في هوامشها ، أو في متونها المنطقية ، يرى إنها كانت تردد ما قاله الصدر .

  والحقيقة إن مرجعيات هذه النصوص ، وهي في الوقت نفسه مرجعية لدائرة تفكير الصدر في المنطقيات ، هي كتب منطق أرسطو والشروح اللاحقة عليها ، والتي أعادت إنتاجه بإسلوب شارح وزودته بأمثلة مستفيضة . إن هذا المنطق ثنائي القيمة من جهة صدق القضية (التصديق) والذي يعتمد على بنية القضية ذاتها ، وذلك من حيث إن القضية أو التصديق بلغة المناطقة ولغة الصدر كذلك ، هي ” قول مفيد يحتمل الصدق والكذب ” .

  إن هذا المنطق نبع من أبستمولوجيات تعالج المعرفيات بالإستناد إلى قوى النفس ، فهو مؤسس عليها وسور لها ، ويُحدد مباحثها ولغتها ، وصدق قضاياها ودرجة تجريدها وعلاقتها بالواقع ، ودرجة إنعكاس الواقع في أبنيتها .  

  لقد أعلنت دائرة تفكير الصدر صراحة إن المنطق الذي إختاره هو منطق الإسلاميين المتداول من جابر بن حيان وإنتهاءً بإبن خلدون والنصوص الشارحة بعدها . إذن الأبستمولوجيات التي ينبع منها هذا المنطق وتتسور به هو منطق ثنائي يندرج ضمن دائرة التفكير الإسلامي في العصر الوسيط والذي يعكس درجة محدودة من تطور العلوم وأدواتها . وهي بمجملها معرفيات تاريخية أصبحت بعد التأسيس الحديث ، وثورة العلم المعاصر ، التي تكلمت عنها دائرة تفكير الصدر في ” فلسفتنا ” والتي أوجدت أبستمولوجيات معاصرة نابعة من الثورة العلمية . نقول أصبحت تلك المعرفيات عينات تاريخية وموضوعاً للقراءة ، وهي تعكس درجات مُحددة من النمو في العلوم وأدواتها .

ثانياً – معرفيات المنطق الثنائي :

  إن المعرفيات في دائرة تفكير الصدر مؤسسة على المنطق الثنائي . فمن الملاحظ إن البناء المعرفي محكوم بإيقاع ثنائي ، يعكس ثنائية المنطق الذي تتسور به ، فمثلاً مبدأ عدم التناقض وهو واحد من قوانين المنطق الثنائي نجد له حضوراً في بنية معرفيات هذه الدائرة . وهو يتضمن الطرف المقابل ” التناقض ” ليُشكل معه الإيقاع الثنائي لهذا النوع من المنطق . كما وإن من ثنائيات هذا المنطق : مبدأ العلية ، والذي يتضمن طرفين ” الشئ وسببه ” . وهكذا تكون حركة المعرفيات محكومة بإيقاع ثنائي النغم والتكون . وهذه المعرفيات الثنائية تنتمي ببنيتها ومنطقها إلى المعرفيات الفلسفية التي دخلت ذمة التاريخ .

ثالثاً – معرفيات العلوم الطبيعية والرياضيات والميتافيزيقا :

   تذهب دائرة تفكير الصدر إلى إن المعرفيات في العلوم الطبيعية والرياضيات والميتافيزيقا تنهض على تطبيق للأسس والمبادئ العقلية : ” مبدأ عدم التناقض ومبدأ العلية ” ، والتي هي إضاءات عقلية للمعرفة . وعن هذه القضية أفادت : بأن المعارف في هذه العلوم تتكون بتطبيق ” تلك الأسس ومدى إستنباطها منها ، ولذلك كان من الممكن إستحصال معارف صحيحة في كل من الميتافيزيقا والرياضيات والطبيعيات على ضوء تلك الأسس ، وإن إختلفت الطبيعيات في شئ ، وهو أن الحصول على معارف طبيعية بتطبيق الأسس الأولية يتوقف على التجربة التي تهيئ للإنسان شروط التطبيق ، وأما الميتافيزيقا والرياضيات ، فالتطبيق فيهما قد لا يحتاج إلى تجربة خارجية ” (45) .

  حقيقة إن الخطاب الذي قدمته دائرة تفكير الصدر ، وهو يتحدث عن هذه المستويات من المعرفة ، فيه إشكال من زاوية الأبستمولوجيات . ففي الواقع إن هذه المستويات مختلفة ، وإن لكل منها خطاباً معرفياً خاصاً يتحدد بدرجة صدق قضاياها ، ودرجة التجريد والإرتباط بأرض الواقع ، وإستخدام لغة الرموز أو لغة التداول اليومي . 

  إن هذا المجال قد إهتمت بدراسته الأبستمولوجيات المعاصرة ، إذ وضعت حاجزاً يكاد يفصل فصلاً تاماً بين :

أولاً – درب الطبيعيات ولغتها ، وإرتباطها بالواقع ، وإنخفاض درجات التجريد أثناء عرض قضاياها وتقديمها تفسيراً للأحداث والظواهر الطبيعية .

ثانياً – مضمار الرياضيات وأنظمتها اللغوية ، وهي نمط أخر من المعرفيات ، وفعلاً فقد أسهمت دائرة الأبستمولوجيات المعاصرة في بيان الفرق بينها وبين دائرة الطبيعيات . وذلك من حيث إن الرياضيات تستخدم الرموز ، مما أتاح لقضاياها الصدق والإسنتاجية العاليتين ، واللتان لا تتوفران في الطبيعيات والميتافيزيقيات .

ثالثاً – وفيما يخصُ حقل الميتافيزيقيات ، فإننا نجد إن الأبستمولوجيات المعاصرة قد تعاملت معها بصورة مختلفة عن الرياضيات والطبيعيات . فهي مبحث فوقطبيعي ورائي ، يستخدم مقولات هي غير مقولات العلم الطبيعي والرياضي . وإن كانت الميتافيزيقا تسعى إلى أن تكون شبيهة من ناحية التجريد برموز الرياضيات ، إلا إن مجال شغلها هو عالم شبيه بعالمنا ، إلا إنه غير مرئي . كما وإنه مضمار معرفي غابت فيه لغة البحث الخاص . ومن هنا ظلت أبحاث الميتافيزيقا تستخدم لغة التداول اليومي مع تضمينها ببعض المقولات الفلسفية التي كان لها مساهمة في تدثير المباحث الميتافيزيقية بدثار من الغموض وعدم الوضوح . مع الإنتباه إلى إن أذهان الصدر قد غاب عنها مجالاً متفرداً في الميتافيزيقا ، وهو ما يصطلح عليها بميتافيزيقا العلوم .

  ولعل آخر ما نقوله عن دائرة تفكير الصدر في موضوعة الأبستمولوجيات ، إنها أنتجت خطاباً معرفياً ينتمي إلى دائرة الفكر الفلسفي الإسلامي في عصر ذروته الوسطوية (والأدق في عصرها الذهبي) .

دائرة الصدر ومعرفيات المادية الديالكتيكية

  أثارت المادية الديالكتيكية (الماركسية) فعلاً ثقافياً مؤثراً في دائرة الثقافة الإسلامية* ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على حضور الفكر الماركسي في الفكر العربي الإسلامي المعاصر ، أنظر:

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الماركسية والفانونية في خطاب مالك بن نبي / جريدة البلاد اللندنية (كندا) / العدد 110 شباط 2011 .

2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الماركسية والفانونية في خطاب مالك بن نبي / جريدة البلاد اللندنية / العدد 111 أذار 2011 .

3 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الماركسية والفانونية في خطاب مالك بن نبي / جريدة البلاد / العدد 113 أبريل 2011 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كانت نتيجته رد فعل ثقافي مقابل ولدته دائرة تفكير الصدر ، تمثل بإطروحات فلسفية مقابلة لإطروحات الخصم ” المادية الديالكتيكية ” . وضمن قانون الفعل المعرفي المتمثل بالمادية الديالكتيكية ، ورد الفعل المعرفي المتمثل بما ولدته دائرة تفكير الصدر (والذي تجسد في كتاب فلسفتنا ” نتدارس فعل الإنتماء إلى المنظومتين المعرفيتين : أبستمولوجيات الماركسية ومعرفيات فلسفتنا .

  لقد قلنا كلمتنا بحق الأبستمولوجيات (معرفيات) الماركسية ، فهي في حقيقتها مبنية ومؤسسة في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، هذا من طرف الولادة التاريخية . ولذلك فهي ليست بالأبستمولوجيات المعاصرة ، وإن وجدت لها تحويلاً إلى أيديولوجيا نظام سياسي في القرن العشرين . كما قلنا إن المعرفيات (نظرية المعرفة) الماركسية مؤسسة على فيزياء نيوتن (1642 – 1727م) والتي (أي فيزياء نيوتن) كانت بنت القرن الثامن عشر . وبهذا المنحى المعرفي كانت الماركسية تطبيق للفيزياء الكلاسيكية . هذا هو خط المعرفيات الماركسية الخصم الفكري (46) لدائرة تفكير الصدر* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * جاء الأعلان عن ظهور نمط جديد من الفيزياء الحديثة في عام 1905 وذلك عندما نشر عالم الفيزياء النظرية الألماني ألبرت أنشتاين (1879 – 1955م) . وهذا التاريخ (أي 1905) هو الذي حول فيزياء نيوتن إلى دائرة الفيزياء الكلاسيكية . للإطلاع أنظر :

Ronald Clark. Einstein: The life and Time, Evon Books, New York1971    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  أما معرفيات رد الفعل أي دائرة تفكير الصدر ، ومنها كتاب فلسفتنا إنموذجا فقد نهضت على فهم إسلامي لإطروحات الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط (1724 – 1804 والذي توقف عن الكتابة قبل وفاته بسنوات) . وعلى هذا الأساس إن تفكير كانط الأبستمولوجي ينتمي إلى القرن الثامن عشر . وإن إعتماد تفكير الصدر جاء كما بينه هذا النص من كتاب فلسفتنا : ” إنما يجب علينا أن ننطلق من المذهب العقلي لنشيد على أسسه المفهوم الواقعي للحس والتجربة ، فنؤمن بوجود مبادئ تصديقية ضرورية في العقل ، وعلى ضوء تلك المبادئ نثبت موضوعية أحاسيسنا وتجاربنا ” (47) . وهنا نود أن نصحح خطأ في نص الصدر ، وهذا التصحيح يجعل من نص كتاب فلسفتنا مقبولاً في مجمله . فقد قال الصدر ننطلق من المذهب العقلي ، والأصح على وجه الدقة الأبستمولوجية وعموم نص الصدر ، هو أن ننطلق من المذهب النقدي ، وهذا هو جوهر أبستمولوجيا كانط النقدية في تاريخ الأبستمولوجيا الحديثة . وأبستمولوجيا كانط أو الأبستمولوجيا النقدية الكانطية فيها نقد للمذهب العقلي وفيها نقد للمذهب التجريبي * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * للإطلاع على الأبستمولوجيا الكانطية أو الأبستمولوجيا النقدية أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان : كانط والكانطية الجديدة / مجلة أوراق فلسفية جديدة /  المجلد الثالث / العدد السادس / ربيع 2012 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إن هذا الإعلان الصدري ، إعلان مهم في دائرة المعرفيات الإسلامية ، وفعل مثابرة إسلامي لتطويرها ، وإعلان صريح لتأسيس معرفيات نقدية إسلامية . وفيها إنفتاح على نتاج المعرفيات الأوربية الحديثة ، تتحاور معها للإفادة منها في تأسيس مشروع معرفيات نقدية إسلامية هذا طرف . ولكن الطرف الأخر ، هو إن الفعل المعرفي ورد الفعل المعرفي ينتميان إلى دائرة المعرفيات الحديثة وليست إلى دائرة الأبستمولوجيات المعاصرة . ولهذا أصبحا إنموذجين معرفيين يحتلان مكانة مهمة في ذمة تاريخ الأبستمولوجيا ، وتحولا إلى عينات دراسة وتأمل ونظر . وهكذا تظل الأفعال المعرفية والردود المعرفية عليها (48) ، في حال سجال وحوار نقدي رافضين لهرطقات الخصم الثقافية .

  وقد فاتنا أن نؤكد على إن معرفيات كانط النقدية التي تبناها الصدر ومعرفيات الماركسية التي نازعها الصدر ، قد إتخذتا كلاهما من الفيزياء الكلاسيكية أي فيزياء نيوتن إنموذجاً أبستمولوجياً (معرفياً) يتجاوب مع توجهاتهما الفلسفية . ولذلك يصحُ القول إن الحوار كان داخل المعرفيات الإسلامية ، أي داخل نص كتاب فلسفتنا ، حوار بين إطروحات إنموذجين أبستمولوجيين غربيين وافدين إلى دائرة الثقافة الإسلامية ، تسورهما وتوجههما دائرة الإيمان الإسلامية .

  ولعل من الغريب المدهش القول إن في ميثدولوجيا مشروع كتاب فلسفتنا صدى لنهج أشعري حي في ذاكرة الثقافة الإسلامية في العصور الوسطى (والأصح بمذهبنا في عصرها الذهبي) . ولهذا نقول إن هذا النمط من المعرفيات قد عرفه تاريخ الفكر الإسلامي في مرحلة الصعود الحضاري ، ونعني به المشروع الفلسفي الأشعري الذي تجسد في كتابي الأمام الغزالي مقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة ، ففيهما معاندة لما أسماهم الغزالي فلاسفة المشائية الإسلامية وإعتماداً على المنطق اليوناني (وقد بينا في كتابنا المعنون : فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب* ، إن الغزالي لم يستخدم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث / العدد الخامس / شتاء 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المنطق على الإطلاق في التشويش ، وإنما إستخدم الجدل وبعض حجج الشكاك) قام بهدم الفلسفة (وخصوصاً التشويش على فلسفة الفارابي وإبن سينا …) . فالغزالي كان هدفه محاصرة الفلسفة اليونانية (المشائية بلغته) ورموزها والصدر تصدى في كتابه فلسفتنا للفلسفة الماركسية (الغربية الإنشاء) . والغزالي إتكأ على المنطق اليوناني (والأدق الجدل ..) في هدم الفلسفة . والصدر إعتمد على معرفيات كانط النقدية في إنشاء دار معرفيات إسلامية تقارع الماركسية .

الأبستمولوجيات النسبية والمعرفيات المطلقة

 ناقشت دائرة تفكير الصدر موضوعة أخرى إرتبطت بالفعل المعرفي الذي دفعت به الماركسية إلى دار الثقافة الإسلامية . وكان في بدايته تفاعلاً ثقافياً محسوماً لصالح المعرفيات الماركسية . وإن هذا الحال الثقافي هو الذي حفز ضمير وتفكير الصدر على أن يتحركا بحرارة إسلامية ، ليتصديا لذلك الفعل الثقافي بفعل ثقافي معرفي مقاوم . إنه الفعل المعرفي الماركسي مطبوعاً بنسبية تقرر بأن المعرفة تختلف وفق ظروف الزمان والمكان وموضوع المعرفة والذات العارفة وظرفها الإجتماعي والتاريخي النابتة فيه . يقول الصدر وهو يُعرفُ بالفكر الماركسي : ” تناولت الماركسية بعد ذلك المذهب النسبي في الحقيقة … وقررت النسبية بشكل جديد ، أوضحت فيه تغير الحقائق طبقاً لقوانين التطور والتغير في المادة الخارجية ، فليست في الفكر الإنساني حقائق مطلقة . وإنما الحقائق التي تدركها نسبية دائماً ” (49) .

  في الواقع إن دائرة تفكير الصدر ولدت رد فعل معرفي مقابل للفهم المعرفي الماركسي . فرددت معرفيات تؤمن بالإطلاق مقابل القول بمعرفيات نسبية ماركسية ، وفي هذا الإقرار بالإطلاقية تقول دائرة تفكير الصدر : ” إن الحقيقة لا يمكن أن تتطور وتنمو ، وإن تكون محدودة في كل مرحلة من مراحل تطورها بحدود تلك المرحلة الخاصة . بل لا تخرج الفكرة كل فكرة من أحد أمرين ؛ فهي إما حقيقة مطلقة وإما خطأ ” (50) . وهذا صحيح كل الصحة في مضمار المعرفيات الإيمانية .

  ولكن يبدو إن الصدر قد أغفل المعرفة العلمية التي إحتج بها ومن ميادين علمية متنوعة ، بأنها جُهد بشري وفيه إمكانية إصابة كبد الحقيقة ، وفيه هامش من الخطأ في الوقت ذاته . ولهذا كان التجديد مستمر في تاريخ العلم والأبستمولوجيا . وإن الصدر لحظة كتابة هذا النص كان يفكر في نوع واحد وواحد فقط من المعرفة ، وهي المعرفة التي تأتي عن طريق الوحي وهي معرفة مطلقة صادقة على الدوام لا يأتي إليها الشك لا من قريب أو بعيد  . وهذه ليست معرفة علمية وليست لها علاقة بالأبستمولوجيات الماركسية ولا الكانطية التي إحتج بها في مقاومة المعرفيات الماركسية .

  ومن ثم لخصت دائرة تفكير الصدر موقفها من مسألة النسبية والإطلاقية في المعرفة ، وكشفت عن إنحيازها التام إلى دائرة المعرفيات الإطلاقية . وقد جاء ذلك في نهاية نصه المعرفي الأول من كتاب فلسفتنا ، وبالشكل الأتي :

أولاً – ” إن الحقيقة مطلقة وغير متطورة ، وإن كان الواقع الموضوعي للطبيعة متطوراً ومتحركاً على الدوام ” (51) . إن هذه الجملة الصدرية من زاوية التحليل المنطقي والأبستمولوجي المعاصر تتألف من جزئين لا علاقة لبعضهما بالبعض الأخر:

أ – ” إن الحقيقة مطلقة وغير متطورة ” ونحن نتفق مع الصدر في إن هذه قضية صادقة على الإطلاق بإختلاف ظروف الزمان والمكان من الزاوية الدينية والمذاهب المثالية في المعرفة .

ب – ” الواقع الموضوعي للطبيعة متطوراً ومتحركاً على الدوام ” . هذه الجملة الصدرية لا علاقة لها بالجملة السابق . وهذا هو واقع العلوم والأبستمولوجيات والمعرفة البشرية التي تكافح من أجل الوصول إلى معرفة حقيقة هذا الواقع الموضوعي الذي يتكلم عنه الصدر . ولكن هيهات أن تصل إلى الحقيقة المطلقة ، لأنها مثابرة إنسانية مشروطة بالظروف الزمانية والمكانية والتطور التقني ونمو أجهزة اللغة والوصف والرياضيات ، وهامش الخطأ وارد لأن الإنسان هو الذي يقود العملية الأبستمولوجية للواقع الموضوعي للطبيعة برُمتها .  

ثانياً – ” إن الحقيقة تتعارض تعارضاً مطلقاً مع الخطأ ، فالقضية البسيطة الواحدة لا يمكن أن تكون حقيقة وخطأ ” (52) . هذا صحيح عند الكلام عن الحقيقة بمفهومها الديني العقيدي . ولكن الحديث هنا عن المفهوم العلمي الأبستمولوجي ، وكما قلنا إنها مثابرة إنسانية مشروطة بظروف زمانها ومكانها ، والصدر قد إستشهد بأمثلة من النظريات العلمية ومن ميادين مختلفة ومرتبطة بشخصيات من العلماء عدد أسمائهم ، وهذا شاهد على إن نظرياتهم العلمية مثابرات إنسانية مربوطة بظرفها الزماني والمكاني ، فهي ليست حقائق مطلقة بالمعنى الديني ، وإنما حقائق علمية مشروطة بزمانها ومكانها ، وفيها هامش من الخطأ لكونها مثابرة إنسانية .

ثالثاً – ” إن إجراء الديالكتيك على الحقيقة والمعرفة يحتم علينا الشك المطلق في كل حقيقة ، ما دامت في تغير وتحرك مستمرين ، بل يحكم على نفسه بالإعدام والتغير أيضاً ، لأنه بذاته من تلك الحقائق التي يجب أن تتغير بحكم منطقه التطوري الخاص ” (53) .

  وإذا إتفقنا مع الصدر في وصف نظرية المعرفة الماركسية وألياتها (وبالطبع نحن نشك في ذلك) لأن الماركسية تؤمن بنظرية التطابق الأبستمولوجية . فنقول للصدر بأن الماركسية عقيدة فلسفية حالها حال كل عقيدي . وفي هذا الطرف تتحرك الماركسية على الأرضية الأبستمولوجية العقيدية التي يتحرك عليها الصدر ودائرة تفكيره . وبخلاصة فإن العقيدي الماركسي يرفض التطورات العلمية والأبستمولوجية التي تتخالف والعقيدي الماركسي والحال كذلك بالنسبة لتفكير دائرة الصدر على الرغم من إنها إنتخبت الكثير من المعطيات العلمية والأبستمولوجية التي تتناغم وتطلعاتها العقيدية وليست الأبستمولوجية والعلمية المحضة هذا طرف .

  أما الطرف الثاني فإننا نحسب إن المعرفيات النسبية التي قالت بها الماركسية عقيدة معرفية ، فإنها في حقيقة الأمر تنتمي إلى المعرفيات الحديثة التي تجاوزتها الأبستمولوجيات المعاصرة ، والمؤسسة على فهم جديد للإطلاقية والنسبية وفق فهم دائرة أبستمولوجيات أينشتاين في النسبية الخاصة والعامة ونظرية الحقل الموحد .

  كما إن معرفيات دائرة تفكير الصدر تعود بنا إلى دائرة المعرفيات الوسيطة التي نهضت على إن العمليات المعرفية بطرفيها الحسي والعقلي في أساسها نشاط من نشاطات النفس . وإنها نتاج تطور محدود للعلوم وأجهزة الرصد الفلكية والكشف العلمي ، وإن تسورت بدائرة الإيمانيات وإطلاقيتها . وهنا تحولت دائرة تفكير الصدر من دائرة الأبستمولوجية العلمية ، وإنتقلت إلى دائرة المعرفيات الفلسفية . والحال ذاتها حدثت لدائرة الأبستمولوجيات الماركسية * ، وذلك عندما أغلقت باب البحث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * للإطلاع على تفاصيل عن الأبستمولوجيا الماركسية ، أنظر :

A – Stephen Resnick & Richard Wolf, Marxist Epistemology: The Critique of Economic Determinism, Duke University Press 1982, pp. 31 – 72

B – Barrows Dunham, On Teaching Marxist Epistemology L In Philosophy of Science, The University of Chicago Press 1962, Vol. 29, No 4, pp. 365 – 368

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأبستمولوجي ، وإنتقلت لتناقش القضية داخل أروقة الأيديولوجيا الماركسية ، وبذلك  سدت باب البحث الأبستمولوجي المتجدد ، وأقامت معقلاً لما يُسمى بفلسفة العلوم من الزاوية الماركسية .

النص المعرفي الثاني (في كتاب فلسفتنا) : معرفيات الإدراك

  إن الإدراك فعل من أفعال القوى المعرفية المعنية بهذا الشكل من أشكال المثابرة الإنسانية النازعة إلى إكتشاف الكون والوسط الإجتماعي الذي يعيش ويعمل فيه الإنسان . وقد أدلت دائرة تفكير الصدر بموقف معرفي متفهم لفعل الإدراك ، وهو موقف مقابل للمعرفيات الماركسية التي تقدمت بتفسير معرفي لفعل الإدراك من الزاوية المادية . لقد أفرد كتاب فلسفتنا الجزء الأخير من القسم الثاني ليعرض مناقشة للموقف المعرفي الماركسي من الإدراك ، ومن ثم الموقف المقابل الذي تقدمت به دائرة تفكير الصدر (54) .  

   تقول دائرة تفكير الصدر بعد إن قدمت عرضاَ ماركسياً على لسان ماركس وإنجلز وبوليتزر وغارودي : ” وفيما يلي نضع النقاط على الحروف في تلك النواحي المتشعبة ، بالمقدار الذي يُنير لنا طريقنا في البحث ، ويوضح موقفنا من المادية والماركسية ” (55) . إذن تأسيس المعرفيات (معرفيات الإدراك) من زاوية دائرة تفكير الصدر يتطلب إيجاد موقف معرفي مقابل ومقاوم للمعرفيات الماركسية . وبالمناسبة إن دائرة تفكير الصدر أظهرت إستيعاباً عالياً للإطروحات الماركسية في مضمار المعرفيات . وأثبت في الوقت ذاته قدرة عالية على هضم المواقف العلمية من الإدراك في ميادين : ” الفيزياء والكيمياء ” و ” الفيزيولوجيا ” وعلم النفس ، وفي المفهوم الفلسفي للإدراك .

  وأخيراً يأتي موقف المعرفيات الإسلامية للإنسان ، وهي نظرة دائرة تفكير الصدر ، وفيها يأتي كشف الحساب عن المضموم المعرفي المتخفي وراء النظرة الثنائية لطبيعة الإنسان ، وهي الثنائية التي طبعت تاريخ الفلسفة الإسلامية من جابر بن حيان وحتى الصدر مروراً بالفارابي وإبن سينا وإبن باجة وإبن طفيل وإبن رشد . يقول الصدر : ” ونصل هنا ، إلى نتيجة خطيرة (منا : إنها نتيجة طبيعة سيطرة على تاريخ الفلسفة الإسلامية ومناقشات بعض علماء الكلام ولا أرى فيها خطورة) ، وهي إن للإنسان جانبين : أحدهما مادي يتمثل في تركيبه العضوي (والفلاسفة المسلمون يطلقون عليه الجسم) والآخر روحي (والفلاسفة المسلمون يسمونه بالنفس) ” (56) . وإن العلاقة بين الروح والجسم ” نتاج للحركة الجوهرية ” (57) . ويبدو إن الصدر قد تبنى في هذا الطرف مفهوم الشيرازي للحركة الجوهرية (58) . وعلى كل فإن هذه المعالجات الصدرية تندرج في مضمار دائرة فلسفة المعرفيات الإسلامية . وهي بالتأكيد لا تنتمي إلى الأبستمولوجيات العلمية . وهي توظيف للعلم والعلوم السلوكية ، والفهم الفلسفي لصالح فلسفة المعرفيات وليس لصالح الأبستمولوجيات العلمية .

تعقيب ختامي :

 إن هذه الوقفة عند دائرة تفكير الصدر ، تقتضي تجاوز الإحتفاليات ، والتوجه نحو الدراسات العلمية التي تعتمد منهجاً تحليلياً – نقدياً ، يستند إلى تاريخ العلوم وتطورها . وبالتحديد إلى تاريخ الأبستمولوجيا ، وما أفرزته من منهجيات . وهنا نقترح إنجاز مرحلتين :

الأولى – تقويمية لجهود الصدر في المعرفيات في عينتين : عينة فلسفتنا والأسس المنطقية . ونحن نقترح بعض المؤشرات المفيدة بإتجاه التقويم لجهود الصدر :

أولاً – إن المثارة المعرفية لدائرة تفكير الصدر ، وبسبب ظروف المجابهة مع الخصم الفكري الوافد إلى دار الثقافة الإسلامية ، لم يُتح لدائرة تفكيره أن تكون إستجابة معرفية ، قائمة على تأسيس هادئ للمعرفيات ، تستند إلى قراءة غير أيديولوجية لتاريخ العلوم ومنها العلوم المعاصرة .

ثانياً – وبسبب ظروف المجابهة أعلاه فإن المعرفيات في كتاب فلسفتنا لم تكن تمتلك مفتاح الشمولية النقدية لكل النتاج الفلسفي الغربي المعاصر (وإن النقد والإعتماد على الأغلب على أنماط حديثة مثل كانط والماركسية) . وعلى هذا الأساس لم تفتح حوراً نقدياً مع الأبستمولوجيات المعاصرة ، والمتمثلة بمدارسها المختلفة من أمثال : الوضعية المنطقية والبراجماتية (خصوصاً تشالز بيرس ) ، وإن جاءت إشارات سريعة عنها (59) . كما إنها لم تحاور الكانطية الجديدة ، وفلسفات العلوم  (مثلاً فريجة ورايخنباخ وكرناب والقائمة طويلة) والفينومنولوجيا (هوسرل وهيدجر والهيدجريون الجدد مثل خانا أرنديت ولويث …)  والعقلانية الجديدة (مثالاً على ذلك البشلارية) والبنيوية وما رافقها من أبحاث في الألسنيات (والنزعات النكوستية) …

ثالثاً – وبسبب ظرف المجابهة أعلاه ، فإن المعرفيات في فلسفتنا جاءت إستجابة لرد فعل مع الماركسية ، وذلك بسبب هيمنتها على الفترة التي عاش فيه الصدر . فقد كان في مواجهة يومية معها ، ولهذا لم تتح له الفرصة المستقلة ، وبعيداً عن رد فعل الخصم الفكري ، ليناقش الأبستمولوجيات المعاصرة بمنهج نقدي شمولي ولمختلف نزعاتها . ولكل ذلك جاءت مناقشته في كتابه فلسفتنا جزئية ، والحوار الذي أجرته دائرة تفكيره ، ولد نتاجاً ثقافياً جزئياً في مظهره ، ومعرفياته كانت هي الأخرى جزئية .

الثانية – تأسيسية تسعى إلى تشكيل معرفيات إسلامية معاصرة . ففي ضوء قراءة ما تقدمت به دائرة تفكير الصدر من معالجات معرفية نقترح تأسيس مشروع لمعرفيات إسلامية معاصرة ، ينجز الخطوات الآتية :  

أولاً – وضع موجهات إسلامية (أسس فلسفية) للعلوم مع دراسة مستفيضة لمعرفيات متسورة بمقولات إحتوت في داخلها على مختصرات لكل النتاج العلمي ، بحيث نكون مشروع معرفيات لتوحيد العلوم المعاصرة .

ثانياً – تأسيس مشروع إنفتاح معرفي قائم على الحوار مع المعرفيات الفلسفية والحديثة والأبستمولوجيات المعاصرة ، وتحديد الإنتماء إليها ، ومن ثم رسم الهوية الإسلامية للمعرفيات أو الأبستمولوجيات .

ثالثاً – أن تستوعب الأبستمولوجيات الإسلامية المعاصرة ، التطور العلمي الحاصل بمختلف مفاصله بحيث تكون هذه الأبستمولوجيات في طرف منها المضمار الثقافي المتطور العام والمنفتح على النتاج الإنساني .

رابعاً – إن المعرفيات الإسلامية في جانب منها ينبغي أن تتضمن ممارسة نقدية مستمرة لشبكة المفاهيم والمقولات المتداولة بإتجاه المساهمة في نزع الغموض الذي يغلف بعض المفاهيم والمقولات ، والتي إن بقيت على هذه الحال ، فستتحول إلى عائق معرفي يُوقف التطور والنمو في مسيرة العلوم ، ومن ثم إقتراح بديل عنها يُلغي الغموض القائم ، وهذا الإقتراح للمفهوم البديل يكون عوناً في توليد وثبة معرفية . 

  كما وأن عملية نقد الميثدولوجيات (المنهجيات) الوحيدة الطرف ، والدعوة إلى المزاوجة بين أنواع من المنهجيات ومن ثم تجربتها في العمل ، وإختيار الناتج المعرفي المتولد من هذه المزاوجة في المنهجيات سيشكل بحد ذاته بناءً معرفياً جديداً . وإن نقد المنطلقات الفرضية للأبستمولوجيا العلمية (المعاصرة) وبمختلف مفاصلها ، والإتجاه نحو إعادة البناء المعرفي وفق فعل النقد ، سيُتيح الفرصة لقلب مفاهيمنا حول العالم والإنسان والتفكير وفي إطار من الإشتراطات الفلسفية الإسلامية الداعية إلى التأمل الحر والتفكير في العالم والإنسان .

خامساً – الربط بين المعرفيات والنسق القيمي المتداول في حياة المجموعة البشرية  (أي الربط بين الأبستمولوجيا والأكسيولوجيا) ، والقائم على إحترام كرامة الإنسان والإنتصار لكل ما هو خير والوقوف بوجه كل ما هو شر . مع لفت الأنظار إلى إن أي تبديل في المعرفيات يستدعي إعادة ترتيب نسق القيم وبما يتماشى والتبديل المعرفي بحيث لا نسمح بقيام تنافر أو ظهور فجوة في جدار القيم ، فجوة تتسع ويصعب تجسيرها . فيكون الحاصل من ذلك إزدواج في شخصية الفرد وتهديد لهوية المجتمع .

سادساً – دراسة نقدية لدائرة المنطقيات وفي ضوء نزع الفلسفة التي تقف خلف المنطق ، مع فهم لتولد الثنائيات في القيم المنطقية ” قيم الصدق والكذب ” . ودراسة التوجهات الإسلامية في دراسة المنطق اليوناني وذلك بإتجاه إعادة تأسيس منطق إسلامي متحرر من الميتافيزيقا اليونانية . والبحث الجاد في التجديدات المنطقية الحديثة والمعاصرة التي صاحبت الثورات العلمية ، خصوصاً التجديدات التي تتوجت بشيوع أنواع من المنطق ، مثل المنطق الصوري والرياضي ، والمنطق الثلاثي والمتعدد القيم .

سابعاً – حساب حضور المعرفة العلمية الوافدة بحيث يكون لذلك دور وفعل في كتابة نص فلسفي مؤسس على الأبستمولوجيات الناهضة على هذا الحضور . مع لفت الأنظار إلى إن هذا الحضور لا يكون على شكل موجات إجتياح ثقافي يُهدد هوية المعرفيات الإسلامية ، وتتحول المعرفة العلمية الوافدة إلى فعل تسلط ، بحيث تسبب إحباطاً للعقل العلمي الإسلامي . مما يُعطل ذلك فعل الحوار والتبادل المعرفي ، ويُحيله إلى حالة إنبهار وإندهاش وشعور بالعجز أما هذا المارد الأبستمولوجي الوافد .

  إنها خطوات تحتاج بالتأكيد إلى آليات تحقيق وإنجاز ، فهي مشروع يحتاج إلى النقاش والنظر والتأمل ..

الهوامش :

1- أنظر لمعرفة التفاصيل عن حياة المفكر الإسلامي محمد باقر الصدر :

    كاظم الحائري ؛ مباحث الأصول ، ط1 ، إيران 1987 ، ج1 ، ص 15 ومابعد

2- صدرت الطبعة الأولى سنة 1960 م \ 1379 هجرية

3- صدرت الطبعة الأولى سنة 1391 هجرية

4 – الصدر (محمد باقر) ؛ فلسفتنا ، ط 14 ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت 1986 ، ص ص 51 – 176

5- المصدر السابق ، ص ص 319 – 344      

6- أنظر :

Woozley. A .D, Theory of Knowledge, An Introduction, London 1950, pp 8 – 10

7- أنظر :

Knowledge and Belief, In Encyclopaedia of Philosophy, London 1967, V. 4, pp 245 – 246

8- أنظر :

Popkin. R, Philosophy, made simple, London 1969, pp 177-178

9- أنظر :

– محمود زيدان ؛ نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصريين ،  ط1 ، بيروت 1989

– محمد غلاب ؛ المعرفة عند مفكري الإسلام ، القاهرة (بلا تاريخ)

10- أنظر :

Hesse. M .B, Francis Bacon’s Philosophy of Science, In A Critical History of Western Philosophy, ed. J. O’Conner, New York 1964, pp 141 – 152

11- أنظر :

Popkin R, Op. Cit, p. 186

12- أنظر:

Clarence. H. Bradford, An examination of Thomas Hobbes’ Theory of Knowledge, Chicago 1956

13- أنظر :

Anthony Kenny; the Rise of Modern Philosophy, Oxford, 2006

 14- أنظر :

Jonathon Bennett, A study of Spinoza’s Ethics, Hackett, 1984

15- Edwin. Curley, the Collected Works of Spinoza, PrincetonUniversity Press 1985

16- أنظر :

Hall, A. R., Philosophers at War: The Quarrel between Newton and Leibniz, CambridgeUniversity Press 1980

17- أنظر :

Rutherford, Donald, Leibniz and Rational Order of Nature, CambridgeUniversity Press 1998

18- أنظر :

Popkin. R, Op. Cit, p. 190

19- أنظر :

Carne Brinton. “Enlightenment”, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1967, Vol. 2, P.519

20- أنظر :

Kant, Critick (Critique) of Pure Reason, Trans. By Francis Haywood, 2 ed. London 1848

21- أنظر :

Hartnack, Justus, Kant’s theory of Knowledge: An Introduction to the Critique of Pure Reason, Hactett publishing 2001

22- أنظر :

Kant, Op. Cit, pp 29 – 31, pp 23 – 28

23- أنظر :

– Ayer. A. J, the Problem of Knowledge, London 1933

– Popper. K, Objective Knowledge, London 1972

24- أنظر:

      محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الألماني المعاصر ، الفصل الثالث المعنون : رودلوف كرناب: فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر ، القسم السابع : كرناب والإتجاهات الفلسفية لحلقة فينا (موجود على موقع الفيلسوف) .

25- أنظر مقال كرناب المعنون : إستبعاد الميتافيزيقا ، عند :

Ayer, A. J. Logical Positivism, New York 1959, pp 60 – 80

26- أنظر :

Sarkar, Sahotra. Logical Empiricism at its peak, New York 1996, p. 38

27- أنظر :

A J Ayer, Language, Truth and Logic, 2nd with an important new Introduction, 1946

28- أنظر :

Ibid,

29- أنظر :

Bryan Magee, Popper, Modern Masters Series, 1973

30- أنظر :

Benjamin, A. Cornelius, Coherence Theory of Truth, 1962

31- أنظر :

Kirkham, Richard L. Theories of Truth: A Critical Introduction, Cambridge 1992

32- أنظر :

Arthur. Prior, Correspondence Theory of Truth, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1969, Vol.2

33- أنظر :

Kirkham, Op. cit, section 4.2

34 – أنظر : الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 50

35 – أنظر : المصدر السابق ، ص 51 وكذلك ص 95

36 – المصدر السابق ، الصفحات : 79 ، 85 ، 90

37 – المصدر السابق ، ص ص 115 – 116

38 – المصدر السابق ، ص ص 116 – 117

39 – المصدر السابق ، ص 117

40 – المصدر السابق

41 – المصدر السابق ، ص 119

42 – المصدر السابق ، ص 135 وما بعد

43 – للأطلاع على المنطق الثلاثي القيم ، والمتعدد القيم وأنواع أخرى من المنطق ، أنظر المصادر الآتية :

1 – Grzegorz Malinowaski, Many – Valued Logics, Clrendon Press, Oxford 1993

2 – Merrie Beergmann, An Introduction to Many – Valued and Fuzzy Logic, CambridgeUniversity Press 2008

وخصوصاً الفصول من الخامس وحتى التاسع .

44 – الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 141

45 – الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 142

46 – الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 145 وما بعد

47 – المصدر السابق ، ص 147

48 – أنظر : المصدر السابق ، ص 148 وما بعد ، والتي تضمنت إستشهادت تدل على الفعل المعرفي عند أعلام الماركسية والشيوعية من أمثال: ” غارودي ” و ” لينين ” و ” جورج بوليتزر ” .

49 – المصدر السابق ، ص 159

50 – المصدر السابق ، ص 166

51 – المصدر السابق ، ص 175  

52 – المصدر السابق

53 – المصدر السابق

54 – المصدر السابق ، ص ص 319 – 344

55 – المصدر السابق ، ص 322

56 – المصدر السابق ، ص 334

57 – المصدر السابق ، ص 336

58 – أنظر : هادي العلوي ؛ الحركة الجوهرية عند الشيرازي ، دار المدى للثقافة والنشر ، ط2 / 2007

59 – أنظر : الصدر ؛ المصدر السابق ، إشارات للوضعية ، ص 185 ، وإشارات للبراجماتية ، ص 164

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد التاسع / شتاء 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

الفيلسوفة الفمنستية الألمانية – الأمريكية المعاصرة

      هانا (حانا) أرنديت (1906 – 1975)

الدكتور محمد جلوب الفرحان   الدكتورة نداء إبراهيم خليل

كتابنا الجديد المسلسل

(2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلسوفة هانا إرنديت والفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر

تقديم :

  تحدثت الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية حانا إرنديت كثيراً عن الفيلسوف الحبيب مارتن هيدجر . فمن الملاحظ إن كتبها تضجُ بالإحالات إلى هيدجر ونحسب هذا أمراً طبيعياً . وفعلاً فإن حديثها من الزواية الفلسفية كان إيجابيا بنسبة عالية ، وهذا يأتي من إن هيدجر هو الأب الروحي لمدرسة فلسفية جديدة تنتمي إليها هانا مع عدد من الفلاسفة المعاصرين (هم طلاب هيدجر وزملاء هانا في جامعة ماربورك) . والحقيقة إن هذه المدرسة الفلسفية التي نطلق عليها الهيدجرية الجديدة ظلت مغمورة ولم يكتب أحد عنها شيئاً في أكاديميات الغرب ، واليوم نشعر بغبطة عالية بعد أن ألقينا الضوء على هذه المدرسة الفلسفية المعاصرة (في هامش من هوامش هذا البحث ، ونعمل على إستكمال بحث خاص عنها في القريب العاجل).

  وبالمناسبة إن هذه المدرسة وفلاسفته الذين جميعهم يهود ألمان ظلوا أوفياء لهيدجر رغم ما حل بهم بسب السياسات النازية من محن ومآسي . صحيح هناك نقد لهيدجر السياسي من قبل هؤلاء الفلاسفة وخصوصاً من قبل الفيلسوفة الحبيبة هانا إرنديت وذلك عندما إنتمى للحزب النازي ، ولكن من طرف أخر يعرف هؤلاء الفلاسفة إن هيدجر عرض نفسه للخطر عندما سهل عمليات تهريب بعضهم من ألمانيا قبل أن تطالهم اليد النازية . فمثلاً هانا ظلت على إتصال دائم بهيدجر وإستمرت بمراسلته وهو من طرفه ظل وفياً في مراسلتها حتى بعد إن تركت ألمانيا ، وإستقرت لفترة في باريس ومن ثم إنتقلت إلى أمريكا . والحقيقة إن الزيارات المتبادلة إستمرت بين الفيلسوفة هانا والفيلسوف هيدجر وحتى وفاة هانا في عام 1975 . ويبدو إن صدمة فقدان الفيلسوفة الحبيبة قد سارع في موت الحبيب هيدجر ، وفعلاً بعد أقل من ستة أشهر فارق العالم هيدجر إلى الأبد ، وبالتحديد في عام 1976، ولكن الحب الذي عاشاه وأقسما على المحافظة على سريته ، ظل مدفوناً في رسائلهم المتبادلة ولم يعرف أحدُ بها إلا بعيد وفاة خانا مع الإشارة إلى خانا قد همست عن قصة حبها للبروفسور هيدجر(وهو بدايته أي في عام 1925) إلى زميلها الوفي وصديق العمر هانز جونز* (1903 – 1993)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ هيدجر والهيدجريون الجدد / ظهر هامش له في كتابنا المسلسل (مشاركة مع الدكتور نداء إبراهيم خليل) / المعنون الفيلسوفة الأمريكية – الألمانية هانا إرنديت (القسم الأول) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / خريف 2012 . والباحث يعمل بجد لإصدار هيدجر والهيدجريون الجدد قريباً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الفيلسوف الهيدجري الجديد فيما بعد والذي أخفى السر ولم يتكلم عنه على الإطلاق (أنظر: الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رسائل حب وخطابات فلسفية : بين الفيلسوفة خانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / ظهر الجزء الأول منها على صفحات موقع الفيلسوف / 2 كانون الثاني 2013) .

الفيلسوفة خانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر

  تعود علاقة الفيلسوفة هانا إرنيت بالفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر إلى بداية العشرينات من القرن العشرين ، وبالتحديد إلى العام 1924 ، يومها كانت هانا بنت الثامنة عشر ربيعاً ، طالبة في جامعة ماربورك ، ووجدت نفسها في خريف عام 1924  ” وسط ثورة سياسية في الجامعة ، يقودها شاب يصفه الطلاب ، بأنه حدد نهاية الأنظمة الفلسفية القديمة . وهو مشهور بين صفوف الطلاب بالرغم من إنه لم ينشر كتاباً مهماً . وهذا الرمز لعب دوراً في تطور شخصية هانا ، وخصوصاً الطرف الفكري منها . إنه مارتن هيدجر إبن الخامسة والثلاثين ربيعاً يومذاك ” (إليزابيث بروهيل ؛ هانا إرنديت (مصدر سابق) ، ص 44) .

   والحقيقة إن هانا قدمت وصفاً دقيقاً لشخصية ومكانة مارتن هيدجر ، فقالت : إنه كان ملكاً متخفياً ، وهو الذي يحكم مضمار التفكير ، حتى إنه عالمه الكامل ، ولكن تخفيه يحمل المرء على الشك في إمكانية وجوده على الإطلاق (المصدر السابق) . وبذلك إختارت هانا المعسكر الإكاديمي المتمرد على التقليد الفلسفي ، حيث مُعلمها جورداني ومن خلاله بطلها كيركيجارد . ولذلك كان اللاهوت هو إختيارها الرئيس في فصول دراستها الجامعية . ومثل معظم طلاب الجامعة ، أعدت نفسها لمتابعة دراساتها في عدد متنوع من الجامعات الألمانية . وأخيراً إستقرت في  جامعة ماربورك . وذلك لإعتقادها إنها وجدت فيها ” النزعة الفلسفية الأكثر حداثة وأهمية ” حيث فينومونولوجيا أدموند هوسرل (1858 – 1938) ، و المعلم الكامل (بوصف الفيلسوفة هانا إرنديت) مارتن هيدجر ، وكان من حواريي هوسرل . وهيدجر هو الذي طور فينومونولوجيا أُستاذه هوسرل بطريقة إبداعية . ووفقاً لإليزابيث بروهيل فإن ” هانا ستصبح مشهورة مثل إستاذها هيدجر ” ، وفعلاً كانت جامعة ماربورك ، ملجأ هانا الأول ، الذي واجهت فيها قدرها المحتوم مع الفلسفة ، والتي كانت ” حُبها الأول “ ، ولكن ليس كل أنواع الفلسفة ، وإنما الفلسفة ” التي تجسدت في شخصية مارتن هيدجر ” (المصدر السابق ، ص ص 45 – 46)  

  والسؤال هنا : من هو مارتن هيدجر ملك الفلسفة المتخفي بكلمات هانا إرنديت وما علاقته بالفيلسوفة هانا ؟ وكيف ألهمت هانا هيدجر في كتابة إنجيله الوجودي المعنون الوجود والزمن ؟ وهل إعترف الفيلسوف الوجودي هيدجر بفضل الفيلسوفة هانا إرنديت على تفكيره الفلسفي ، وبالتحديد في كتابة الإنجيل الوجودي الوجود والزمن ؟

 ولد مارتن فردريك هيدجر في 26 أيلول (سبتمبر) 1889 في مسكيرش / ألمانيا . ومسكيرش هي قرية ريفية كاثوليكية مُحافظة . وكان والده فردريك راعياً لكنيسة القرية . ولعل من الأحداث التي تركت أثرها على شخصية الطفل مارتن ، هو إن والده سلم له مفتاح الكنيسة ، وذلك خلال إحتفلات وحدة المصليين ، وكان عمره ستة سنوات فقط . (للتفاصيل أنظر : جون فان بيرن ؛ هيدجر الشاب وإسطورة الملك المتخفي / سلسلة دراسات في الفكر القاري 1994 ، وهو كتاب واسع يتألف من 448 صفحة) .

  ولما كانت أوضاع العائلة الأقتصادية لا تسمح بإرسال مارتن إلى الجامعة ، ففي عام 1909 إنخرط في الدراسة في مدارس الجزيوت* . وبعد إسبوعين ، ترك مارتن

ـــــــــــــــــــــ

* وهو نظام مسيحي ، يخضع لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ، أسسه الفارس الأسباني إكناتيوس لويولا (1491 – 1556) في العام 1540 (للتفاصيل أنظر : جون أومولي ؛ الجزويت (اليسوعي) الأول ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1993) . وفي مضمار التربية والتعليم عمل إكناتيوس على تأسيس المدارس ، والكليات ، والسيمنريس ، وهي مدارس أو حلقات التبشير الديني .. وغير ذلك (أنظر : هارو هوبفل ؛ الفكر السياسي للجزويت ، نشرة مطبعة كيمبريدج 2004 ، ص 426) .

ـــــــــــــــــــــ

الدراسة وذلك لأسباب صحية ، وصفها طبيب ومدير المدرسة يومذاك ، بأنها أعراض نفسية جسمية ، سببها إعتلال في القلب (أنظر للتفاصيل : هيرمان فيليبس ؛ فلسفة هيدجر في الوجود ، نشرة جامعة برنكتن 1998 ، ص 173) .

  ونلحظ ونحن نقرأ سيرة هيدجر الذاتية ، إن تحولات دينية مبكرة ، قد حدثت في حياة وتفكير صاحب الوجود والزمن . فقد قطع أولاً علاقته بالكاثوليكية وإلى الآبد وهو على أعتاب الجامعة ، وذلك إعتقاداً منه إن كاثوليكيته فشلت في منافسة الفلسفة . كما ويبدو ثانياً إن اللاهوت فشل هو الأخر في إيقاف إغراء الفلسفة . ففعلاً قد درس اللاهوت في جامعة فريبيرك للفترة الممتدة من 1909 وحتى 1911 . إلا إنه قرر ترك اللاهوت والإنتقال إلى الفلسفة ولأسباب صحية كذلك (أنظر : المصدر السابق) .

  ووفقاً لشهادة الفيلسوفة هانا إرنديت ، فإن إهتمام هيدجر بالفلسفة بدأ مع فلسفة أرسطو ، وبالتحديد عندما كان طالباً في المدرسة الثانوية في كل من كونستنس وفريبيرك . وقرأ كتاب برنتانو* المعنون المعاني المتعددة للوجود (الأنطولوجيا) عند أرسطو ، عندما كان هيدجر إبن الثامنة عشر ربيعاُ ، ومن ثم بعد دراسته للرياضيات  وعلم المنطق في جامعة فريبيرك ، تحول إلى الأبحاث المنطقية عند أدموند هوسرل (1900 – 1901) ، وذلك لمعرفته إن هوسرل كان مُتأثراً بأبحاث برنتانو . ومن ثم إستمر في أبحاثة الإستكشافية لمعنى الإنطولوجيا (الوجود) (أنظر : إليزابيث بروهيل : هانا إرنديت : من أجل حب العالم (مصدر سابق) ، ص 46) .

ـــــــــــــــــــــ

* هو القس فرانز برنتانو (1838 – 1917) الذي إشتهر بكتابه المعنون فلسفة علم النفس . كما أسهم في العديد من حقول الفلسفة مثل : الأخلاق ، الإنطولوجيا ، المنطق ، تاريخ الفلسفة ، واللاهوت الفلسفي .. وبرنتانو تأثر بصورة قوية بأرسطو والفلاسفة المدرسيين ، وبحركات الوضعيين والتجريبيين في بواكير القرن التاسع عشر . وهو من دعاة تطبيق منهج العلوم في مضمار الفلسفة . ويُنظر إليه كرائد لحركتي الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية . وواضح أثره على هوسرل . من أهم أعماله ؛ إطروحة الدكتوراه الأولى التي كتبها والمعنونة المعاني المتعدد للوجود عند أرسطو . وإطروحته للدكتوراه الثانية (للحصول على إجازة التعليم الجامعي) والمعنونة علم النفس عند أرسطو ، وكتب أخرى (أنظر : فرانز برنتانو ؛ المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو ، ترجمة رودلف جورج ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا ، براكلي 1975) .

ـــــــــــــــــــــ    

  ومن ثم كتب هيدجر إطروحتين للدكتوراه ، كما هو التقليد الأكاديمي في الجامعات الألمانية ؛ الأولى إطروحة أكاديمية كتبها في العام 1914 وكانت بعنوان نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق ، وفيها ظهرت أثار برنتانو – هوسرل واضحة عليه . كما وفيها حضور ملحوظ لأفكار النزعتين الفلسفيتين ؛ التوماوية الجديدة* ، والكانطية الجديدة** (أنظر : أنماري كيثمان  

ـــــــــــــــــــــ

* التوماوية الجديدة ، ويُطلق عليها المدرسية الجديدة ، وهي حركة على الأعم لاهوتية يُغلفها إطار فلسفي .  نشدت إلى إحياء الفلسفة الإسكولائية (المدرسية) في العصور الوسطى . وبدأت نشاطها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . وسُميت بالتوماوية الجديدة لكونها ترتبط جزئياً بالقديس توما الإكويني ، الذي وضع الصياغة النهائية للإسكولائية في القرن الثالث عشر . وجزئياً بسبب إن التومائية دمجت في داخلها كل تراث الإسكولائية في القرن الثاني عشر .

  لقد قام بالإعلان عن التومائية الجديدة في القرن التاسع عشر ، كل من بوسلين ، ورودلف كريستوف يوكين (1846 – 1926) كحركة لاهوتية – فلسفية منافسة للكانطية . وفعلاً تحول الصراع بينهما إلى مصادمة بين معسكرين فكريين : التومائية الجديدة والكانطية الجديدة (أنظر للتفاصيل : شارلز هاربرمان ؛ الإسكولائية الجديدة / منشور في الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، نشرة شركة روبرت أبليتون 1913) .      

** الكانطية الجديدة ، هي حركة فلسفية نشأت في القرن التاسع عشر وإمتدت حتى النصف الأول من القرن العشرين ، تطلعت إلى إحياء إنموذج فلسفي مُستلهم لكتابات الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط . ونحسب إن الشرارة الأولى للكانطية الجديدة ، بدأت مع نقد وتقويم شوبنهور لفلسفة كانط ، وبالتحديد مع نشر كتابه : العالم إرادة وصورة ، ومن ثم مع حركة العودة إلى كانط … (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ كانط والكانطية الجديدة / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد السادس ربيع 2012) .

ـــــــــــــــــــــ

سيفيرت ؛ مارتن هيدجر / الإنسكلوبيديا اللاهوتية 1982 ، ج 14 ، ص 542) . أما إطروحة الدكتوراه الثانية (وهي شرط أكاديمي للحصول على إجازة مهنية للتدريس في الجامعة) التي كتبها عام 1916 فكانت بعنوانها المفروض أن يكون نظرية المقولات عند دنس سكوتس* وأهمية نظرية توماس إرفورت** . ولكن هيدجر إختار الجزء  

ــــــــــــــــــــــ

* هو جون دنس سكوتس (1265 – 1308) ، والذي يُنظر إليه إلى إنه واحد من أهم رجال اللاهوت في المرحلة المتوسطة من العصور الوسطى . هيمنت على نصوصه اللاهوتية نزعة فلسفية (ميتافيزيقية) عارمة . بدأ نشاطه في التأليف بوضع شروح على كتاب الجمل المشهور ، وهو عمل لاهوتي يتكون من أربعة كتب ، كتبها بيتر لامبورد (1096 – 1164) في القرن الثاني عشر ، وهو القرن الذي شهد ترجمة واسعة للتراث العلمي العربي إلى العبرية واللاتينية . وهناك شكوك بين الباحثين حول حقيقة هذه الشروح ، وذلك لأن سكوت مات فجأة وترك كتاباته غير كاملة ، فقام طلابه بجمعها وتم خلط الحقيقي بأعمال ليست له . مثلاً على ذلك إنهم نسبوا إليه كتاب التحليلات الأولى ، وهو كتاب منطقي مشهور كتبه أرسطو . هذه الحقيقة وضعت مؤلفات سكوت موضع المراجعة والتدقيق من قبل الباحثين منذ القرن السادس عشر . 

  صحيح إن دنس سكوت كان إسكتلندياً ، لكنه عاش فترة من الزمن في ألمانيا ، ومات ودفن فيها . ويبدو إنه ترك أثراً على دوائر التفكير اللاهوتي الكاثوليكي الألماني ، الذي كان ينتمي إليه والد هيدجر (وكذلك هيدجر قبل دخوله الجامعة) . ونحسب لهذا السبب إختار هيدجر أبحاث سكوت المنطقية ، وهي الطرف العلماني من تفكيره موضوعاً لأطروحته الثانية للدكتوراه . وبالطبع هناك شكوك بين صفوف الأكاديميين الغربيين ، تدور حول أصالة الأبحاث المنطقية التي إعتمدها هيدجر ، ونسبتها إلى دنس سكوت . ويرى الباحثون إلى إن ما أشار إليه هيدجر ، هو نصف الحقيقة . وإن النصف الأخر من حقيقة الأبحاث المنطقية تعود إلى عالم المنطق في القرن الرابع عشر ، وهو توماس إرفورت (أنظر للإطلاع على التفاصيل : توماس وليمز ؛ صحبة كيمبريدج مع دنس سكوت ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2003 ، وكذلك جيورجي بني ؛ المقولات والمنطق عند دنس سكوت : تفسير مقولات أرسطو في أواخر القرن الثالث عشر ، نشرة بريل 2002) .

** أما توماس إرفورت ، فهو واحد من أكثر الفلاسفة أهمية في مضمار المنطق عامة واللنكوستيك (فلسفة اللغة) خاصة . صحيح إنه ظهر في نهايات العصور الوسطى إلا إنه رمز مهم في منطقيات اللغة ، مما حمل الفيلسوف البراجماتي شارلز بيرس (1839 – 1914) إن يشير إليه وهو يحفر في مضمار السيمونطيقا (فلسفة اللغة). فقد ترك كتابه المعنون ضروب الدلالة أثاراً واضحة في مضمار النحو والسيمونطيقا ، بل وتحول ليكون نصاً من النصوص الكلاسيكية في القرن الرابع عشر وما بعد .

  ورغم أهمية هذا الرمز ، فإن مصادر السير الغربية ظنينة ، ولا تقدم للقارئ إلا اليسير من المعلومات . فمثلاً كل ما نعرفه ، هو إنه كان معلماً وفيلسوفاً في الربع الأول من القرن الرابع عشر . وجاء من مدينة إرفورت (وهي اليوم جزء من ألمانيا الحالية) . وهناك إعتقاد إلى إنه تعلم ، ومن ثم أصبح أستاذاً في جامعة باريس . وهو ينتمي إلى مجموعة من الفلاسفة ، الذين نشطوا في أواخر القرن الثالث عشر وبواكير القرن الرابع عشر ، ويُعرفون برجال النحو التأمليون أو المودست (من مود أي ضرب أو إنموذج) .

  ومن أهم مؤلفاته حول ضروب الدلالة ، وله شروح على إيساغوجي فرفريوس الصوري ، والمقولات والعبارة والسفسطة لأرسطو … ( أنظر : جاك زبكو ؛ توماس إرفورت / إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة ، ط1 2002) .       

ــــــــــــــــــــــ

الأول عنواناً لإطروحته (نظرية المقولات عند دنس سكوتس) ، مما أثارت شكوكاً لاحقة حول أصالة وحقيقة الأبحاث المنطقية التي إعتمدها هيدجر ونسبتها إلى دنس سكوت . وبالمناسبة إن موضوع كلا الإطروحتين اللتين كتبهما هيدجر يدوران حول  

 مضمار علم المنطق (وهو الموضوع الذي يشدُ خصوصاً الدكتور محمد جلوب الفرحان إلى الفيلسوف هيدجر) .

   شكل كتاب توماس إرفورت مشكلة ومحنة للفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، وبالتحديد بعد إجازة إطروحته بست سنوات . فقد ظهرت كتابات للباحث مارتن كرابمان في العام 1922 لتبين الخلط الذي وقعت فيه نشرة لوك لمؤلفات دنس سكوت الكاملة ، ومن خلال ذلك ليكشف براكمان عن متابعة هيدجر للوهم الذي خلقته النشرة . ولبيان ذلك نعود قليلاً إلى الوراء لنرسم صورة كاملة للإشكال الذي خلقته نشرة مؤلفات سكوت ، والوهم الذي لف إطروحة هيدجر الثانية .

  لقد قلنا إن أهم مؤلفات توماس إرفورت كتابه المعنون حول ضروب الدلالة . وإن هذا الكتاب طبع 11 مرة قبل أن يطبع في عام 1639 في مطبعة لوك مع الأعمال الكاملة لرجل اللاهوت دنس سكوت . وفي هذه الطبعة إختلطت هوية الكتاب ومؤلفه الحقيقي بكتابات دنس سكوت هذا طرف من الإشكال ، وإن الطرف الثاني منه يتعلق بملاحظة الفيلسوف البراجماتي بيرس ، فقد قرأ النصوص في نشرة لوك ، وبين بالحرف الواحد : إن هناك تشابه بين طريقة سكوت والفلاسفة التأمليين ، وبرأينا إن بيرس فشل في توزيع الحقوق على الطرفين ، فقد فشل بوضوح كامل في بيان ما هو حق لسكوت ، وما هو حق لتوماس إرفورت . وبعد ذلك جاء هيدجر وسار على الدرب ذاته مقتنعاً بأن كل محتويات نشرة لوك ، تعود إلى دنس سكوت . وفي هذا الصدد تعلق موسوعة جامعة ستانفورد للفلسفة :

” ولكن بعد دراسات قام بها الباحث مارتن كرابمان (في عام 1922 و 1926) والتي بينت بأن هيدجر أشار بشكل مكشوف بأنه مهتم جداً بالكشوف والتطبيقات التي ضمها كتاب ضروب الدلالة ، وخصوصاً نظرية المعنى . وإستمر الباحثون ينسبون ضروب الدلالة إلى دنس سكوت . وهذا برأي كرابمان خطأ . وعاد كرابمان مرة أخرى ، وبين إلى إن توماس إرفورت ، هو مؤلف ضروب الدلالة ، وليس دنس سكوت (أنظر : المصدر السابق) .

   أصبح مكشوف جداً درجات الخلط التي وقع فيها هيدجر ، ولم ينتبه إليها المشرف على إطروحة هيدجر ولا أحد من أعضاء لجنة المناقشة ، وعلى هذا الأساس إقترح كربمان تعديل عنوان إطروحة هيدجر الثانية ليكون دالاً بصدق على الموضوع مع حفظ الحقوق لكل من سكوت وإرفورت . وذهب معلقاً إلى إن عنوان إطروحة هيدجر يكون صحيحاً في الجزء الأول منه ، والقائل نظرية المقولات عند دنس سكوت (كما حملتها إطروحة هيدجر في الأصل) . وفعلاً فإن سكوت طورها عندما وضع شروحاً على إيساغوجي فرفريوس ، وعلى العبارة والمقولات وتفنيد السفسطة لأرسطو . ولكن الجزء الثاني مؤسس بصورة كلية على كتاب ضروب الدلالة لتوماس إرفورت (أنظر المصدر السابق) .

   وإذا قبل كرابمان هذا الحال بتعديل العنوان فقط . فنحن نعتقد على خلاف كرابمان بأن الإطروحة تحتاج  إلى ذيل يوضح حقوق توماس إرفورت في إطروحة هيدجر ، وخصوصاً في كل الفصول التي تحدث فيها عن ضروب الدلالة ككتاب للاهوتي دنس سكوت ، وتُرفع كل الإشارات إلى دنس سكوت عندما إختلط الأمر على هيدجر ، ويحل محلها إسم توماس إرفورت . وياحبذا تُكتب مقدمة للنشرة الجديدة لكتاب هيدجر (الإطروحة الثانية) يُوضح فيها الإشكالات التي إختلطت فيها حقوق دنس سكوت بحقوق توماس إرفورت .

  ونحسب من النافع أن نلقي الضوء على وجه من وجوه الأثار الفلسفية التي لعبت دوراً في تكوين ذهنية هيدجر الفلسفية . فقد كان واحداً من الرموز الفلسفية لحركة الكانطية الجديدة أُستاذاً لهيدجر في الدراسات الأولية ، وهو البروفسور هنريخ جون ريكيرت (1863 – 1936)* . كما وكتب إطروحته للدكتوراه الثانية تحت إشرافه ،

ــــــــــــــــــــــــ

* هنريخ جون ريكيرت ، هو واحد من المبرزين من فلاسفة الكانطية الجديدة ، وكان بروفسوراً للفلسفة في جامعة فريبيرك وللفترة (1894 – 1915) ، ومن ثم بروفسوراً للفلسفة في جامعة هيلدبيرك للفترة (1915 – 1932) . وكان معاصراً لمارتن هيدجر منذ إن كان طالباً وأستاذاً . كان ريكيرت معارضاً لنيتشه وبرغسون (1859 – 1941) . وكان مشايعاً للمنهج الترانسندنتالي عند كانط . ومعروف عنه التمييز بين الحقائق التاريخية والحقائق العلمية . وإستعار عالم الإجتماع الألماني ماكس فايبر (1864 – 1920) من كتابات ريكيرت منهجيته ، والتي تشمل مفهوم الإنموذج المثالي . وقاد ريكيرت وويلهيلم ويندلباند مدرسة بايدن للكانطية الجديدة .

  من أهم أعماله : حول مبادئ التعريف (1888) وهو من بواكير أعماله ، حدود مفهوم الصورية في العلم الطبيعي (الترجمة الإنكليزية عام 1986) ، العلم والتاريخ : نقد الأبستمولوجيا الوضعية (الترجمة الإنكليزية عام 1962) ، موضوع المعرفة (الأبستمولوجيا) : مساهمة في حل مشكلة الترانسندنتالية الفلسفية (1892)  ، حدود الأيديولوجيا العلمية (1896 – 1902) ، ط 2 ، 1913 مجلدان ، كانط : فيلسوف الثقافة الحديثة (1924) ، المشكلات الأساسية للفلسفة ، المنهج ، الأنطولوجيا والإنثروبولوجيا (1934) … (أنظر : شارلز بامباخ ؛ هيدجر ، ديلثي ومشكلة التاريخانية ، نشرة مطبعة جامعة كورنيل 1995) .  

ــــــــــــــــــــــــ

ومن ثم بدأ هيدجر عمله الأكاديمي مساعداً للفيلسوف الكانطي الجديد ريكيرت (أنظر : راينر بيست ؛ هنريخ ريكيرت : السيرة الذاتية / برلين 2003 (بالألمانية) ، ص ص 550 – 552) . كما ظهرت أثار ريكيرت وزميله أدموند هوسرل على إطروحة هيدجر للدكتوراه الثانية . والحقيقة إن حضور هوسرل يكشف عن الوجه الأخر من الوجوه الفلسفية التي لعبت دوراً في تكوين ذهنية هيدجر الفلسفية ، ونعني بها فينومنولوجيا هوسرل*والتي سيكون لها الأثر في صياغة هيدجر لنزعته المعروفة  

ـــــــــــــــــــــ

* هو أدموند غوستاف ألبريشت هوسرل (1859 – 1938) ولد في أحضان عائلة يهودية ، ولكن تم تعميده مسيحياً لوثرياً في عام 1886 (وهذا يعني إن الرجل تحول إلى المسيحية عندما كان عمره سبع وعشرين عاماً ، ولكن هذا التحول العقيدي لم يشفع له مع سياسات العنصرية النازية في الثلاثينيات من القرن العشرين ، فعادوا ينبشون في ديانة الأباء التي قرر تركها ليجدوا فيها سبباً للإضطهاد ومن ثم تعطيله من خدمة ألمانيا أكاديمياً وإنجازاً) . ودرس في جامعة لايبزك للفترة (1876 – 1878) الرياضيات ، والفيزياء ، وعلم الفلك . وكان في لايبزك مُلهماً بمحاضرات الفلسفة التي قدمها وليهلم فونت (1832 – 1920) . والأخير يُعدُ واحداً من مؤسسي علم النفس الحديث .

  ثم إنتقل هوسرل إلى جامعة برلين ، وبالتحديد في عام 1878 ، وإستمر بدراسة الرياضيات تحت إشراف ليوبولد كرونكر (1823 – 1891 ويومها كان كرونر مشغولاً بنظرية الأعداد وعلم الجبر) . ودرس الرياضيات تحت إشراف كل من عالم الرياضيات كارل ويرستراس (1815 – 1897 ، وهو أب التحليل الحديث) ، وحضر محاضرات الفيلسوف فردريك بولسن (1846 – 1908) .

   وفي عام 1881 ترك جامعة برلين ، وذهب إلى جامعة فينا ، وأكمل دراساته في الرياضيات ، وتحت إشراف عالم الرياضيات ومؤرخ العلم ليو كونكسبيرك (1837 – 1921 والذي كان تلميذاً لعالم الرياضيات ويرستراس). وفي فينا حصل هوسرل عام 1883 على درجة الدكتوراه في الرياضيات ، وكان عنوان إطروحته مساهمة في حساب المتغيرات . وفي عام 1884 حضر في جامعة فينا دروس ومحاضرات فرانز برنتانو في الفلسفة وعلم النفس الفلسفي . وبرنتانو هو الذي عرفه على كتابات كل من الفيلسوف وعالم المنطق برنارد بولزانو (1781 – 1848) ، و الفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتز (1817 – 1881) ، والفيلسوف الإنكليزي جون ستيوارت مل (1806 – 1873) والفيلسوف التجريبي (الحسي) ديفيد هيوم (1711 – 1770) . وكان هوسرل مسحوراً يومها بالفيلسوف برنتانو ، فقرر رهن حياته كلها للفلسفة . وفعلاً بعد سنتين ، وبالتحديد في عام 1886 ذهب هوسرل إلى جامعة هيل لمتابعة دراساته الفلسفية مع كارل ستامبف (1848 – 1936 ، وهو تلميذ سابق لبرنتانو) ، وكتب إطروحته الثانية (التأهيل لتدريس الفلسفة في الجامعة) في العام 1887 ، وتحت إشراف ستامبف ، وكانت بعنوان في مفهوم العدد ، والتي كونت الأساس الأول لكتاب مهم نشره هوسرل بعنوان فلسفة علم الحساب (1891) .

   وبدأ عمله الأكاديمي محاضراً في جامعة هيل ، فدرس الفلسفة عام 1887 . ومن ثم أصبح بروفسوراً أولاً في جامعة كوتنكن عام 1901 ، ومن ثم في جامعة فريبيرك عام 1916 وإستمر فيها حتى تقاعده عام 1928 . ومن ثم تعرض للإضطهاد من قبل النظام النازي رغم تضحياته الكبيرة من أجل ألمانيا ، فقد أُستشهد ولديه في الحرب دفاعاً عن ألمانيا وهو الأخر خدم في الجيش الألماني فترة من الزمن ، وهو مسيحياً على المذهب اللوثري . كل ذلك لم يشفع له ، فقد إحتج النظام النازي بيهودية والديه فحرمه من ألقابه العلمية والأكاديمية عام 1933 . فكان ذلك ظلم ما بعده من ظلم ولكن هوسرل على خلاف غيره مات في عام 1938 ألمانيا ، متمسكاً بتراب ألمانيا إلى الآبد ، وبالتحديد مات متمسكاً بتراب جامعته فريبيرك (أنظر : ولترود هاربستريث و أديث ستين ؛ السيرة الذاتية ، نشرة دار هاربر ، نيويورك 1985 ، وكذلك موريس ناتنسن ؛ أدموند هوسرل : فيلسوف المهمات اللانهائية ، نشرة مطبعة جامعة نورث وسترن 1973) .     

ـــــــــــــــــــــ

فينومنولوجيا الحياة . وبالمناسبة إن هيدجر عمل مساعداً لهوسرل في جامعة فريبيرك للفترة من 1919 وحتى 1923 . وفي عام 1926 أهدى هيدجر كتابه الوجود والزمن إلى هوسرل ، وجاءت كلمات الأهداء تقول : مع إحترامي العالي وصداقتي (مارتين هيدجر ؛ الوجود والزمن ، ترجمة جون ماكواري وأدورد روبنسن ، نشرة دار هاربر ، سان فرنسيسكو 1962 . وجاءت كلمات إهداء هيدجر لهوسرل ، بالكلمات الآتية “ أهدي الكتاب إلى أدموند هوسرل : صداقة وإعجاباً / بايدن – بلاك فورست 8 أبريل 1926) .

  ونلاحظ إنه في العام 1923 تم إنتخاب هيدجر بروفسوراً متميزاً في جامعة ماربورك (وفيها يومذاك الكانطية الجديدة مهيمنة) . وكان من زملائه يومذاك كل من رجل اللاهوت اللوثري رودلف بولتمان (1884 – 1976) والذي أظهر بوضوح تأثره بأفكار هيدجر ، والكانطي الجديد نيكولاي هرتمان (1882 – 1950) ومعه تأتي نهاية حركة الكانطية الجديدة ، و بول نتورب (1854 – 1924) وهو من مؤسسي مدرسة ماربورك للكانطية الجديدة . وأحسب إن هذه الفترة من تفكير هيدجر ستتأثر بقوة تتفاوت درجاتها مداً وجزراً من الكانطية والكانطية الجديدة هذا طرف . والطرف الثاني هو إن العام 1929 شهد جدلاً في دافوس في سويسرا ، بين هيدجر والكانطي الجديد كاسيرر في جامعة ماربورك ، دار حول مفاهيم الحرية والعقلانية في كتاب كانط نقد العقل الخالص . وبينما دافع كاسيرر عن دور العقلانية عند كانط . رجح هيدجر أولوية الخيال (بالطبع تدخلت أطراف من مدارس فكرية أخرى في الجدل) (أنظر للتفاصيل : بيتر إلي جوردن ؛ الإنقسام القاري : هيدجر وكاسيرر (دافوس) / نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2010 (والكتاب يتكون من 448 صفحة) . وأنظر كذلك : مايكل فريدمان ؛ تقاطع الطرق : كرناب ، كاسيرر وهيدجر ، نشرة دار أوبن كورت 2000 (ويتكون الكتاب من 144 صفحة)) .

    ونحسب إن هذا الجدل الفكري تتوج بكتابات هيدجر عن الكانطية ، والتي تمثلت بكتابه المعنون كانط ومشكلة الميتافيزيقا والذي صدر بالألمانية عام 1929 ،  وهو عام الجدل بين هيدجر وكاسيرر ، والذي قام بترجمته إلى الإنكليزية ريتشارد تافت ، ونشرته مطبعة جامعة إنديانا عام 1990 . وكذلك كتابه المعنون إصول العمل الفني والذي ظهر بطبعته الألمانية عام 1935 ، وفيه إحالات إلى كتاب كانط نقد الحكم (والتي تشمل إصول علم الجمال الكانطي) ونشر بالإنكليزية في كتاب : مارتن هيدجر ؛ الكتابات الأساسية / طبع بإشراف ديفيد فيرل كريل / نشرة دار هاربر كولينز ، نيويورك 2008 (وضم كتاب إصول الفن ، الصفحات من 143 وإلى 212) .

  ونحسب في الإمكان الحديث هنا عن مدرسة فلسفية ألمانية جديدة ، وضع أسسها مارتن هيدجر ، ومن ثم عمل طلابه في توسيعها في كتاباتهم ، وبالتأكيد تتقدم الصفوف في هذا المضمار الفيلسوفة حنا إرنديت وكان مؤسس المدرسة البروفسور هيدجر هو الحبيب ، وكان كونثر واحداً من أعضاء المدرسة زوجاً للفيلسوفة حنا ومن ثم طليقها ، وكان الفيلسوف وعضو المدرسة هانس جونز صديق العمر للفيلسوفة حنا . وهذه المدرسة في الإمكان تسميتها بالهيدجرية الجديدة  ، والتي كانت تقابل في جامعة ماربورك الكانطية الجديدة* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Neo – Heideggerains   أو الهيدجريون الجدد *الهيدجرية الجديدة

   لم يكتب أحدُ قبلنا مقالاً ، لا في الغرب ولا في الشرق ، بعنوان : الهيدجرية الجديدة أو الهيدجريون الجدد ، وهذا هو المقال الأول الذي نعلنُ فيه عن وجود مثل هذه المدرسة الفلسفية على الأقل في كتابات طلاب مارتن هيدجر ، الذين درسهم الفلسفة في الجامعات الألمانية ، وخصوصاً في جامعة ماربورك ، وأشرف على بعض من أطاريحهم للدكتوراه .

   والحقيقة وأنا أكتب هذا الهامش ، شعرت بغبطة عالية حين عثرت على كتاب إنكليزي كتبه الأستاذ ريتشارد وليون المعنون أطفال هيدجر ، عدد في العنوان أربعة من طلاب هيدجر (وهم حنا أرنديت ، كارل لويث ، هانز جونز ، وهربرت ماركوز) والثلاثة الأوائل هم فعلاً من الهيدجريين الجدد (ولكنهم بعض من الهيدجرين الجدد وليسوا جميعهم) . أما ماركوز فهو عضو من أعضاء مدرسة فرانكفورت النقدية (وهو ماركسي جديد على وجه الدقة وليس هيدجري جديد . صحيح كان هيدجر في جامعة فريبيرك مشرفاً على إطروحة ماركوز الثانية (للحصول على إجازة التعليم الجامعي) والمعنونة إنطولوجيا هيجل / عام 1928) . ونحسب إن الهيدجريين الجدد مجموعة من الفلاسفة (وإنهم أكثر بكثير من كونهم أطفال هيدجر) سعوا إلى العودة إلى هيدجر ، وتجديد فلسفته والصعود بها إلى طوابق فلسفية متنوعة حسب توجهات الفيلسوف الهيدجري الجديد .

ضمت المدرسة الهيدجرية الجديدة ، طلاب هيدجر في جامعة ماربورك يومذاك ، والذين شكلوا فيما بعد تجمعاً من الفلاسفة ، نشطوا بصدق في توسيع فلسفة هيدجر ، وهؤلاء كل من هانز جورج كادمير (1900 – 2002) وهو فيلسوف ذاع صيته في الستينات (أنظر : جين كرونداين ؛ 1 – هانز جورج كادمير : السيرة الذاتية ، ترجمة جويل وينشماير ، نشرة دار الفردوس الجديدة ، مطبعة جامعة ييل 2004 . 2 – فلسفة كادمير ، ترجمة كاثرين بلانت ، مطبعة جامعة مكيل ، نيويورك 2002) . والفيلسوفة حنا إرنديت (وهي موضوع بحثنا الحالي) ، والفيلسوف كارل لويث (1897 – 1973) (أنظر : ريتشارد وليون ؛ أولاد هيدجر : حنا إرنديت ، كارل لويث ، هانز جونز وهربرت ماركوز ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 2003 ، ص ص 70 – 100) .

  وضمت الهيدجرية الجديدة ، تلميذ هيدجر الفيلسوف كارهارد كروكر (1902 – 1972) والذي شكلت إهتماماته الفلسفية ، مشروع تفاهم متميز بين الهيدجرية والكانطية . جاء ذلك في إطروحتيه للدكتوراه ؛ الأولى حملت عنوان العقيدة الكانطية ، التي كتبها عام 1925 . والثانية (إطروحة التأهيل للتدريس) والمعنونة الفلسفة والأخلاق في الفلسفة الكانطية ، التي أكملها عام 1929 (أنظر: ليالي فرانك ؛ العلاقة بين الفلسفة واللاهوت عند كارهارد كروكر / إطروحة بالألمانية ، قدمتها إلى كلية اللاهوت – جامعة ماربورك 1991) . وينضم إليه تلميذ هيدجر ، الفيلسوف ليو ستراوس (1899 – 1973) وهو في الأصل كانطي جديد من أتباع إرنست كاسيرر ، ودرس تحت إشراف هوسرل وهيدجر . وحصل في العام 1921 على درجة الدكتوراه ، وكان عنوان إطروحته مشكلة المعرفة في فلسفة فردريك هنريخ جاكوبي (1747 – 1819) ، وكانت بإشراف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر . ويبدو إن ذكرى دروس هوسرل وهيدجر ، أعادته من جديد إلى جادة تفكير هوسرل وهيدجر ، فإنكب على دراسة فينومنولوجياتهما بعمق . كما إنه إنشغل بدراسة النصوص الفلسفية العربية ، وخصوصاً نصوص الفارابي ، وقد جاء ذلك بتأثير صهره المستشرق المشهور بول كراوس (أنظر : توماس بنكل ؛ ليو سترواس : مدخل لفكره وتراثه ، نشرة مطبعة جونز هوبكنز ، بلتيمور 2006) .

  ومن طلاب هيدجر ، الفيلسوف جاكوب كلاين (1899 – 1978) وهو فيلسوف ألماني – أمريكي ، ومشهور بشروحه على محاورات إفلاطون . تعلم في جامعتي برلين وماربورك . حصل على الدكتوراه عام 1922 من جامعة ماربورك ، وهو تلميذ كل من الكانطي الجديد نيكولاي هرتمان ، وهيدجر وهوسرل . وهو واحد من طلاب هيدجر المبرزين ، يُطلق عليه لقب نجم الفلسفة من الخريجين . من أهم مؤلفاته  : الفكر الرياضي اليوناني وإصول علم الجبر (وقد إستفاد صاحب القلم منه مصدراً من مصادره عند كتابته رسالته للماجستير المعنونة تحليل أرسطو للعلم البرهاني) . وكتابه شرح على محاورة مينون لإفلاطون ، ومحاورات إفلاطون الثلاثة : تيتياتوس (أو العلم) ، السفسطائي ورجل الدولة (السياسي) (أنظر : جاكوب كلاين : محاضرات ومقالات / أشرف على نشرها روبرت وليمسن وإليوت زكرمان ، نشرة مطبعة كلية سانت جونز 1985) .  

  ومن طلاب هيدجر ، وأحد أعضاء مدرسة الهيدجرية الجديدة ، الفيلسوف والإعلامي كونثر (ستيرن) أندريس (1902 – 1992) ، وهو زوج الفيلسوفة حنا إرنيت (من العام 1929 وحتى 1937) ومن ثم طليقها . ويرتبط بإسمه مضمار الإنثروبولوجيا الفلسفية في عصر التكنولوجيا . والفيلسوف الهيدجري أندريس هو إبن وليم سترن و كلارا سترن ، وهما مؤسسا علم نفس الطفل . وهو إبن عم فيلسوف التاريخ ، وأحد أعضاء مدرسة فرانكفورت النقدية بنجامين فالتر .

  وفي عام 1923 حصل الفيلسوف الهيدجري كونثر أندريس على درجة الدكتوراه في الفلسفة . وكان أدموند هوسرل هو المشرف على إطروحته ، ودرس الفلسفة مع الفيلسوف مارتن هيدجر . ومن مؤلفاته : حول هيدجر ، وعشرات المؤلفات والمقالات عن الحروب والإعلام (أنظر : بول فان جيك ؛ الإنثروبولوجيا في عصر التكنولوجيا : مساهمة فلسفية لكونثر أندريس ، أمستردام 2000) .

  ومن الهيدجريين الجدد الفيلسوف هانز جونز (1903 – 1993) وهو صديق العمر للفيسوفة هانا إرنديت ، وكان زميلاً لها في قسم الفلسفة في ماربورك . درس الفلسفة واللاهوت في كل من جامعة فريبيرك ، برلين وهيدلبيرك . ومن ثم أنجز إطروحته للدكتوراه في جامعة ماربورك ، حيث كان هناك أدموند هوسرل ، مارتن هيدجر و رودلف بولتمان ، فدرس تحت إشرافهما . وفي ماربورك قابل الفيلسوفة هانا حيث كانت هناك (أنظر : ديفيد ليفي ؛ هانس جونز : وحدة التفكير ، نشرة مطبعة جامعة ميزوري 2002) .. 

  وفي العام 1933 إرتبط هيدجر بالحزب النازي ، فأثر ذلك شخصياً على جونز بسبب إصوله اليهودية وكونه عنصراً فاعلاً في الصهيونية يومذاك . فقرر ترك ألمانيا والذهاب إلى بريطانيا ، ورحل من هناك ، وبالتحديد في العام 1934 إلى فلسطين . وشعر بعيد عام 1948 وهو في فلسطين بأن قدره لا يتناسب والحركة الصهيونية ، فتركها دون رجعة وندم ، وركز جهوده على الفلسفة ودرس الفلسفة لفترة جداً قصيرة في الجامعة العبرية في القدس . ومن ثم ترك فلسطين ورحل إلى شمال أمريكا ، وبالتحديد وصل إلى كندا في العام 1950 ، وبدأ التدريس في جامعة كارلتن ، وبعد خمس سنوات (أي عام 1955) رحل إلى مدينة نيويورك التي أنهى فيها بقية عمره ، وعمل زميلاً في مركز هاستنك ، وبروفسوراً للفلسفة في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي (من 1955 وحتى 1976) . وخلال عامي 1982 و 1983 عمل بروفسوراً زائراً في جامعة ميونخ . ومن ثم مات في بيته في نيويورك في العام 1993 ، وقد ناهز من العمر تسع وثمانين عاماً (أنظر : هانس جونز ؛ التجربة الشخصية (ميموار مختصر) / تقرير مركز هاستنكس ، تموز – أب 2002 ، ص ص 27 – 35 ، وأنظر كدلك : ستراشن دولي : هانز جونز (1903 – 1993) / تقرير مركز هاستنكس أذار – نيسان 1993 ، ص 12) .

  من مؤلفاته : الدين الغنوصي : رسالة الله الغريب وبواكير المسيحية (نشرة مطبعة بيكون ، بوسطن1958) . وهو تفسير فلسفي وجودي للدين على الأقل من زاوية جونز ، وتحول إلى مصدر مثالي في مضمار الدراسات الغنوصية . وتبعه كتابه المعنون : ظاهرة الحياة : نحو بايولوجيا فلسفية (نشرة مطبعة هاربر ، نيويورك 1966) . وتحول هذا الكتاب إلى إنجيل فلسفي لمدرسة أخلاق البايولوجيا الأمريكية . وفيه حضور كبير للفيلسوف هيدجر .والكتاب على العموم محاولة تركيبية بين فلسفتي المادة والعقل ، قدم فيها جونز فهم وجودي غني للبايولوجيا . وعلى هذا الأساس هو أول فيلسوف إهتم بسؤال الأخلاق في مضمار علوم البايولوجيا . وتلاه كتابه المعنون : مقالات فلسفية : من عقائد الماضي وإلى إنسان التكنولوجيا (نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 1974) . ثم جاء كتابه : أوامر المسؤلية (النشرة الألمانية 1979) ، وعنوانه الإنكليزي : أوامر المسؤولية : بحث أخلاقي في عصر التكنولوجيا ، ترجمة هانز جونز وديفيد هير ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 1984 .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وفي ماربورك بدأ هيدجر يطور محاضراته في موضوع فلسفي رئيس ، وهو السؤال عن معنى الوجود أو الأنطولوجيا . وكانت البداية بحث معمق في تراث الفيلسوف اليوناني أرسطو ، ومن ثم وسع المفهوم ليشمل التاريخ والوجود الواقعي . وعلى هذا الأساس شمل في بحثه مفكرين مسيحيين من أمثال القديس بولس (والذي يُعرف سول طرسوس) (5 – 67م) ، والقديس أوغسطين (أوغسطين هيبو / عُنابه الجزائرية) (354 – 430) ، والمصلح البروتستانتي مارتن لوثر (1483 – 1546 وهو بروفسور اللاهوت) ، وكيركيجارد . وقرأ هيدجر أعمال كل من المؤرخ وفيلسوف التفسير ولهليم ديلثي (1833 – 1911 والذي سيترك أثراً واضحاً على منحى التفسير عند هيدجر) (للتفاصيل أنظر : رودلف ماكريل ؛ ديلثي : فيلسوف الدراسات الإنسانية ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1993) ، وقرأ هيدجر أعمال أستاذه وزميله في جامعتي ماربورك وفريبيرك أدموند هوسرل (صاحب الفينومنولوجيا التي سيتبناها هيدجر) ، والفيلسوف الألماني ماكس فردينارد شيلر (1874 – 1928) . ولعل أهمية الفيلسوف شيلر إنه درس الفينومنولوجيا ، ولم يكن على الإطلاق تلميذاً للفيلسوف هوسرل . وتحول فيما بعد وهذا هو المهم لهيدجر ، إلى ناقد لأعمال السيد هوسرل ، وخصوصاً كتابيه : أبحاث منطقية ، و الأفكار . كما وكانت له تحفظات كثيرة على كتاب هيدجر الوجود والزمن (للتفاصيل أنظر : يوجين كلي ؛ التركيب والتنوع : دراسات في الفلسفة الفينومنولوجية عند ماكس شيلر ، نشرة دار كلوير ، بوسطن 1997 (247 صفحة)) .

  كان كتاب مارتن هيدجر الأكاديمي الأول ، هو الوجود والزمن ، وله قصة متفردة ، فيها طرف أكاديمي ، وطرف أخر له علاقة بالفيلسوفة حنا أرنديت ، يوم كانت طالبة وحبيبة للفيلسوف هيدجر في جامعة ماربورك . الطرف الأكاديمي منها ، هو إن هيدجر كان يتطلع إلى خلافة الفيلسوف الفينومنولوجي هوسرل على رئاسة قسم الفلسفة في جامعة فريبيرك . وكانت شروط الجامعة ، هو أن ينشر كتاباً ، وأن يحقق الكتاب نجاحاً . وفعلاً تحت هذه الظروف كتب هيدجر كتابه الوجود والزمن (وهو مشروع ظل ناقصاً بعد نشره ولم يعود إليه هيدجر ويفكر بإكماله) .

   وإن قارئ هذا الكتاب يلحظ إن الكتاب المنشور هو جزء أول من مشروع الوجود والزمن . والطرف الثاني المتعلق بالفيلسوفة حنا أنديت . فالشائع إن حنا كانت طالبة هيدجر وحبيبته يومذاك ، وهي التي ألهمته فكرة الكتاب ، وهي التي شجعته خطوة خطوة على إكماله . ونحسب مثلما إن كتاب الوجود والزمن قد نشر الجزء الأول (وهو فترة علاقة هيدجر بالفيلسوفة حنا) والذي طبع عام 1927 . فإن علاقتهما هي الأخرى تعثرت إلى الأبد بسبب إختيار هيدجر لزوجته وطفليه وبقاءه معهما ، رغم حبه لحانا أرنديت والتي هي بقيت تحبه إلى الآبد . فقررت الزواج من زميلها الهيدجري الجديد كونثر (ستيرن) أندريس كما أشرنا في هامش سابق ، والذي جاء بعد نشر الوجود والزمن* بسنتين ، أي عام 1929 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملاحظة الدكتور محمد جلوب الفرحان : وأنا أُخالف من يقول بأن الوجود والزمن كُتب بعد إفتراق حانا وهيدجر ، وذلك لأسباب منها أولاً إن هيدجر إعترف بأن حانا هي التي ألهمته فكرة الكتاب . وثانياً إن هيدجر بدأ بحثه في الوجود بسلسلة محاضرات في جامعة ماربورك قبل التفكير بكتابه الوجود والزمن بفترة ليست بالقصيرة ، وبالتحديد في عام 1922 كتب هيدجر مدخلاً لمشروع كتابه عن أرسطو ، أعجب الكانطي الجديد بول نتروب والذي كان السبب في تعين ناتروب هيدجر في جامعة ماربورك عام 1923 (وبالمناسبة إن هيدجر كان قارئً جيداً لكتاب فرانز برنتانو المعنون المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو) . وبإلحاح من أُستاذه هوسرل وشروط الجامعة في فريبيرك في خلافة الأخير في رئاسة قسم الفلسفة ، طلبت من هيدجر أن ينشر كتاباً وأن يحقق هذا الكتاب نجاحاً شرطاً أولياً للتعين . وبتشجيع من حانا أخذ يراع هيدجر يُسرع لأنجاز البحث ، والذي كانت إصوله محاضرات هيدجرفي جامعة ماربوك . ونحسب إن لحظة إفتراق هيدجر من حانا كانت لحظة التوقف . وهكذا لم يتمكن هيدجر بعد الفراق من كتابة سطر واحد من الوجود والزمن . وهناك خطأ شائع بأن هيدجر وحانا قد إفترقا عام 1926 أي بعد سنتين من عمر علاقتهما . هذا غير صحيح وذلك لأن حانا تركت ماربورك وذهبت إلى جامعة هيدلبيرك لكتابة إطروحتها في الدكتوراه تحت إشراف كارل ياسبرز ، وفي موضوع الحب في مفهوم القديس أوغسطين (وإن علاقتهما إستمرت حتى قبيل زواجها من الفيلسوف الهيدجري الجديد كونثر (ستيرن) أندريس عام 1929 (ويبدو إن زواجها جاء رد فعل للحظة الإفتراق من هيدجر) . ومعروف لقارئ الكتاب إنه يتألف من جزئين . ولكن تحت ضغط شروط جامعة فريبيرك بخلافة هوسرل ، قام هيدجر بنشر هذا الجزء غير الكامل من مشروع الوجود والزمن . والذي نحسب إنه بنشرته الناقصة ، رسالة فلسفية غير كاملة ، والتي تركها هيدجر غير كاملة إلى الأبد .

  ولاحظنا إن الفيلسوفة حانا مع زوجها الثاني الشاعر الألماني والفيلسوف الماركسي هنريخ بلوشر (1899 – 1970) (وكان عضو الحزب الشيوعي الألماني وترك الحزب بسسب تبني الستالينية) ، وحشد من طلاب هيدجر ، قد حضروا الإحتفال بعيده الثمانين . وفي هذه الأجواء كتبت حانا عن كتابه الوجود والزمن ، واصفة حقيقته التي عاشتها مع هيدجر وخلال علاقة الحب العارمة ، فقالت بالحرف الواحد : هبت عاصفة خلال عمل هيدجر (أي الوجود والزمن) ، مثلما هبت مثلها واحدة في أعمال إفلاطون ، والتي لا تنتمي إلى هذا القرن (أي القرن العشرين) (ليند ديلا دورتيني ؛ الوجود هناك / مجلة كابينت ربيع 2007 / العدد 25 أونلاين) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وعلى أساس هذه الشروط تم تعيين هيدجر خليفة لهوسرل ، بعد تقاعد الأخير في العام 1928 . وخلالها تلقى هيدجر الكثير من العروض من جامعات عدة مثل ماربورك ، وبرلين وهامبولت . إلا إنه فضل جامعة فريبيرك والتي صرف فيها بقية عمره . وفي عام 1933 تم إنتخابه رئيساً لجامعة فريبيرك ، وتبعها إرتباطه بالحزب النازي ، ومن ثم مناصرته لما يجري في ألمانيا . إلا إنه بعيد أقل من سنة ، وبالتحديد في نيسان 1934 قرر الإستقالة . ورغم بقاءه في الحزب النازي ، فإن السلطات النازية منعته من التعليم (أنظر : بامبك شارلز ؛ جذور هيدجر ، نشرة مطبعة جامعة كورنيل 2003 ، ص 82 ، وأنظر كذلك : جوليان يونك ؛ هيدجر : الفلسفة والنازية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1997 ، ص 3 و 11) . وقد ذكرنا في بحث سابق عن هابرمس ، بأن هيدجر خلال رئاسته للجامعة أوقف زحف الشباب النازي نحو مكتبات الجامعة وحرق الكتب وتراث العلماء والفلاسفة اليهود . ويقال إنه سهل هرب العديد من طلابه اليهود (وهناك دلائل على إن هيدجر كتب رسائل تزكية لبعض طلابه اليهود من أمثال كارل لويث ، وأصدقائه من أمثال إليزابيث بلوكمان) . ربما كان السبب وراء إستقالته وتحريمه من التعليم الجامعي .

  وبعد الحرب وتدمير الحلفاء لألمانيا وهزيمة هتلر ومعه النظام النازي ، رأت القوات العسكرية الفرنسية المحتلة لألمانيا عام 1946 بضرورة حرمان هيدجر من كل النشاطات الجامعية وذلك بسبب إرتباطه بالحزب النازي . وإستمر الحظر عليه حتى عام 1949 ،  وتم رفع الحظر عنه بعيد إعلانه ” بأنه في تلك السنوات تابع غريزة القطيع ” . فكانت عبارة التوبة والفداء * ، فعاد إلى التعليم في جامعة فريبيرك ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الحقيقة إن هيدجر لم يعتذر ولم يُظهر الندم على إرتباطه بالحزب النازي ، ولكن في جلسات خاصة أعلن قائلاً  ” إنها كانت حالة غباء كبيرة في حياته ” (أنظر : هنريخ ويجند بيتزت ؛ الوصول إلى النجم : إجتماعات ومناقشات مع مارتن هيدجر / النشرة الألمانية 1983 ، ص 43) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبالتحديد في الفصل الدراسي الشتوي لعام 1950 / 1951 كأستاذ متقاعد ، ومن ثم عاد بصورة إعتيادية للتعليم من عام 1951 وحتى عام 1958 ، وبعدها علم كأستاذ زائر وحتى عام 1967 (أنظر : هيجو أوتو ؛ مارتن هيدجر : الحياة السياسية ، نشرة دار هاربر كولينس 1993 ، ص 348 . وأنظر كذلك : رودكير سافرنسكي ؛ مارتن هيدجر : بين الخير والشر ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1989 ، ص 373) .

  وبعدُ نعود إلى حياته الشخصية ، ففيها الشئ الكثير ، وبعضها ينز بالألم على صعيد حياة الفيلسوفة حنا إرنديت ، وعلى صعيد أسرة هيدجر ، وخصوصاً زوجته وأطفاله .  صحيح إن هيدجر تعرف على زوجته الفريدا بيتري (1893 – 1992) طالبة تدرس الإقتصاد السياسي  ، وتحضر محاضراته الأولى في الجامعة وللفصل الدراسي 1915 / 1916 وخلال الفصل تعرف عليها .  وبعد ذلك تزوج هيدجر من الفريدا في 21 أذار 1917 في إحتفال كاثوليكي ، ومن بعد إسبوع أُقيم إحتفال بروتستانتي حضرته عائلة زوجته البروتستانتية . وفي عام  1919 ولد لهما ولدهما الأول جورك ، ومن ثم في عام 1920 ولد لهما هرمان . ووفقاً للمراسلات بين هيدجر وزوجته ” إن هرمان هو إبن زوجته الفريدا والطبيب فريدل قيصر . وإذا صحت هذه الرواية (وهناك أسئلة تدور حول الرواية بسبب إن هيدجر كاثوليكي والفريدا بروتستانية ، وإن الزواج الكاثوليكي هو الرباط المقدس الإلهي الوحيد ، وما حدث في حالة هيدجر والفريدا إن نوعين من العقد قد حدثا ؛ واحد كاثوليكي ، ومن ثم تبعه عقد زواج برتستناتي . ونحسب إنه على هذا الأساس شاع في الأوساط إن زواج هيدجر والفريدا قد أخذ شكل الزواج المفتوح* ، وشاعت الأخبار بأن الفريدا كانت عارفة بعلاقات هيدجر الجنسية 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الزواج المفتوح ، هو شكل من الزواج شائع في الغرب يتفق فيه الزوجان على السماح لكل منهما بإقامة علاقات جنسية متنوعة ، دون إعتبار ذلك زنا أو فيه خيانة ومخالفة لعقد الزواج . ومن وجهة نظر المؤمنين بالزواج المفتوح ، إن فيه قيم عالية من الصدق والإخلاص لحاجات ورغبات الشريكين . وهناك قائمة طويلة من المشاهير ورجال الأعلام في الغرب من الذين يعيشون تحت مظلة الزواج المفتوح (مثل الإعلامي الأمريكي المشهور ليري كنك وزوجته الحالية) (أنظر للإطلاع عن الزواج المفتوح : جاكبسن وماثني ؛ إختيار الشريك وأنظمة الزواج المفتوح / بحث منشور في كتاب العائلة والزواج ، بإشراف ك . أشروان و أم . موكي / دار بريل ، ليدن هولندا 1963 ، ص ص 98 – 123) .

  ولأهمية هذا الموضوع ، نشير إلى علاقته بتاريخ الفلسفة ، وخصوصاً في طرف علاقة إليزابيث بلوكمان الجنسية (والتي إستمرت لسنوات طويلة) بإستادها الفيلسوف (البروفسور يومذاك) مارتن هيدجر (وهناك إحتمال بأن علاقتهما بدأت بعد إنطفاء علاقته بطالبته الفيلسوفة حنا أرنديت ولكنها قضية لازلت موضوع نقاش بين الباحثين) . ويبدو إن كل تلك العلاقات ترتبت على زواج هيدجر المفتوح مع زوجته الفريدا (فكلاهما يعرف علاقته وهو يعرف علاقات الفريدا) . وبالمناسبة إن الفريدا هيدجر وإليزابيث بلوكمان كانا صديقتين وطالبتين في صف واحد . وهذه القصة قد نشرت عام 1989 مدعومة بوثائق عديدة جاءت من خلال رسائلهما التي بدأت عام 1918(أنظر : جوكهيم ستورك ؛ مارتن هيدجر وإليزابيث بلوكمان (1918 – 1969) / نشرة ماربك نيكر ، ط2 1990) .

   ونحسب (ملاحظة الدكتور الفرحان) إن هذا التاريخ يمنح علاقة إليزابيث بهيدجر هي الأولى وسابقة على علاقة هيدجر بحنا ، وذلك لكون حنا كانت بنت أثنتا عشر سنة في العام 1918 ، ولم تعرف هيدجر أوسمعت به إلا بعد (على الأقل) أربعة سنوات ، وذلك من خلال أنا مندلسن وصديقها ، ولم تقابل حنا هيدجر إلا بعد إن كانت بنت ثمانية عشر ربيعاً ، وبالتحديد في جامعة ماربورك ومن ثم هامت بحبه .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 خارج بيت الزوجية . ويبدو الحال ذاته كان بالنسبة للزوجة الفريدا وعلاقتها مع الطبيب فريدل وولادة إبنها هرمان وهذا ما ذكرته مراسلاتهما (أنظر : رسائل هيدجر إلى زوجته (1915 – 1970) ميونخ 2005) .

   وفعلاً فقد أقام هيدجر علاقة جنسية مع طالبته الفيلسوفة حانا أرنديت ، وطالبته إليزابيث بلوكمان (1892 – 1972) وهي أكبر من حانا بأربعة عشر سنة ، وإن  هناك إحتمال بأن علاقة هيدجر الجنسية بدأت أولاً مع حنا أرنديت ، والتي إستمرت لأكثر من سنتين وإنتهت في عام 1926 (ولنا رأي مخالف / أنظر ملاحظتنا أعلاه)، وبعدها جاءت علاقته الجنسية بطالبته إليزابيث بلوكمان * والتي إستمرت علاقتهما  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هي إليزابيث هنريخ بلوكمان ، ولدت في ماربورك ، وهي بنت المدعي العام الدكتور هنريخ بلوكمان وزوجته آنا ني ساشس ، وهم من أبناء اليهود المحظوظين ، الذين ينتمون إلى القشرة العليا من الطبقة الوسطى . ترعرت إليزابيث في مدينة دوكلا الكبيرة ، وهي عاصمة فايمر . حيث دخلت هناك المدرسة العليا للبنات ، وحصلت على إجازة في التمريض ومؤهلة للتعليم (معلمة) . وخلال السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى عملت إليزابيث ممرضة في فايمر ، ومن ثم عملت معلمة في مدرسة دوكلا الكبيرة لمدة سنتين .

  وفي العام 1917 سجلت في جامعة ينا لدراسة التاريخ ، الفلسفة واللغة الألمانية والأدب . ومن ثم إنتقلت إلى جامعة ستراسبورك ، وعادت إلى ألمانيا وحضرت محاضرات الفيلسوف الكانطي الجديد (وعالم الإجتماع) جورج صمويل (1858 – 1918) وبعد فصل دراسي واحد ، ونتيجة لإنتهاء الحرب ، إنتقلت إلى جامعة ماربورك ، وركزت دراستها على تاريخ العصور الوسطى ، والتربية والفسفة ، وكان أُستاذها ورئيس قسم التربية والفلسفة الكانطي الجديد المشهور بول ناتروب (ويبدو خلال هذه الفترة (ومن المحتمل في الفصل الدراسي الصيفي لعام 1918 قابلت إليزابيث بلوكمان هيدجر) كان مارتن هيدجر يُدرسُ بعض الفصول الدراسية في القسم وبعنوان النزعات الأساسية في الفلسفتين القديمة والمدرسية والتي حضرتها زوجته الفريدا والتي كانت زميلة يومذاك لإليزابيث بلوكمان) . وهنا كانت لحظة لقاء البروفسور هيدجر بطالبته إليزابيث وزوجته الفريدا .

  وإنتقلت في عام 1919 إلى جامعة كوتنكن ، حيث إلتقت أُستاذها الأكاديمي الشهير هرمان نوهل (ونوهل تحول من الطب إلى الفلسفة وكتب إطروحته للدكتوراه في عام 1904 وبعنوان سقراط والأخلاق ، ومن ثم كتب عمله العلمي الرائع عام 1907 بعنوان كتابات هيجل المبكرة ، معتمداً على مخطوطات هيجل اللاهوتية) والذي كانت إليزابيث تكن له إحتراماً عالياً ، وكتبت عنه فيما بعد واحداً من كتبها وبعنوان : هرمان نوهل : اللحظة التربوية لعصره (1879 – 1960) (بالألمانية) ، كوتنكن 1969) .

  وإجتازت إليزابيث عام 1922 إمتحان الدولة للتأهيل للتعليم الثانوي . وفي عام 1923 حصلت على درجة الدكتوراه في التاريخ . ومن ثم عملت محاضراً في مدرسة الدراسات الإجتماعية النسوية (1926) . ومن 1926 وحتى عام 1930 كانت محاضراً في مركز فروبل . وأصبحت بروفسوراً في التربية الإجتماعية في أكاديمية التربية – جامعة هيل . وبعد صعود الحزب النازي عام 1933 طُردت من عملها . وبسبب إصولها اليهودية فرت إلى إنكلترا عبر هولندا (والشائع إن حبيبها هيدجر هو الذي رتب ظروف هجرتها) . وفي بريطانيا حصلت على درجة الماجستير من جامعة أكسفورد عام 1938 . وعلمت في كلية النساء في جامعة أكسفورد ، وعملت من ثم مُحاضرة في مادة التربية في الجامعة (ومنذ 1945) وحصلت على الجنسية البريطانية عام 1947  وفي عام 1952 عادت إلى جامعة ماربورك وعملت رئيسة قسم للتربية ، ومستشاراً لجيل من علماء التربية ، والذي شكلوا فيما بعد ” مدرسة بلوكمان ” . وفي عام 1970 توفيت في ماربورك . إن إليزابيث بلوكمان كانت من الباحاثات الرواد في مضمار التعليم النسوي في ألمانيا (أنظر : إليزابيث بلوكمان (1892 – 1972) (بالألمانية) / نشر بإشراف لفكانك كيلنك وهلموت مولير ، نشرة جامعة ماربورك 1992 . وهو في الحقيقة سيرة ذاتية مختصرة ، كُتبت بأقلام طلابها . وفيها تجاهل لعلاقتها الجنسية بالبروفسور مارتن هيدجر على الإطلاق) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لعقود من الزمن وساعدها على الهروب من ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية (وهناك إحتمال إن هيدجر أقام علاقته مع حنا وكانت علاقته مع إليزابيث مستمرة . وبالمناسبة إن حانا حافظت على سرية علاقتها بالبروفسور هيدجر ، ولم تتحدث عنها لأحد سوى لصديق عمرها وزميلاها في ماربورك الفيلسوف الهيدجري الجديد هانز جونز) . وحنا إرنديت كانت يهودية ، في حين كان واحداً من والدي إليزابيث يهودياً . وهذا كان سبب كافي لإضطهاد السلطات النازية لكل من حانا وإليزابيث . وقد ساعد هيدجر من طرفه إليزابيث قبيل الحرب العالمية الثانية  على الهجرة من ألمانيا . وعاد هيدجر بعد الحرب من الإتصال بهما (أنظر : جوكهيم ستورك ؛ مارتن هيدجر وإليزابيث بلوكمان (1918 – 1969) ، نشرة ماربك تيكر ، ط2 1990) .

  وكان هيدجر ، كما يبدو من رسائله إلى حانا إرنديت ، يلتقي بحبيتيه حانا ومن ثم إليزابيث فيما كان يطلق عليه ” اللقاء في حديقته ” ، وهو بيته (والأدق كوخه الخشبي) على حافة الغابة السوداء في تودنبيرك . وبالمناسبة إن زوجته إلفريدا هي التي إشترته له بعد إن حصلت على ميراث لها ، وكان هيدجر يعتقد ” إنه جنته الآمنة ” التي وفرت له مناخات التفكير الفلسفي . ويبدو إنه ” أكمل كتابه الأكاديمي الأول الوجود والزمن في ظلاله وبصحبة حنا أولاً وربما إليزابيث كذلك ” ويبدو هذا الكلام يتساوق وقضية الزواج المفتوح ورغبة هيدجر في تعدد العلاقات الجنسية مع أكثر من أمرأة في وقت واحد (وهو المفهوم الذي يطلق عليه بالإنكيزية بوليكمست) . وفي 26 مايس 1976 مات هيدجر ودفن في مقابر قريته مسكيرش الكاثوليكية (أنظر : ليند ديلا دورتيني ؛ الوجود هناك / مجلة كابينت ، ربيع 2007 ، العدد 25 أونلاين) .

  صحيح إن حانا لم يمنحها القدر فرصة لتبكي على موت حبيبها الفيلسوف هيدجر ، فقد ودعت هذا العالم قبله بخمسة أشهر وأثنتين وعشرين يوماً (فقد توفيت في 4 ديسمبر 1975) . ويبدو (والسر كان دائماً مكتوماً بين العاشقين مارتي وحانا) إن هيدجر لم يتحمل موت حانا ، فجاء موته بعد موتها سريعاً ليختم قصة عشق الفلسفة ويخط فصلها الأخير بموت الحبيب مارتي . والموت هو اليقين . وكما هو معروف إن ديدن الفلسفة وبحثها الدائم هو الوصول إلى اليقين . وهكذا وصلت رحلة الفيلسوفين : مارتي وخانا إلى يقينها المحتوم .

  تلك هي رواية الفلسفة بقلم عاشقها البروفسور هيدجر ، وكما قدمتها سيرته الذاتية ومصادرها . أما هنا فتبدأ رواية الفيلسوفة حانا أرنديت ، التي عاشتها طالبة في كلية الفلسفة في ماربورك ، وبطلها البروفسور الوسيم مارتن ، وفي الوقت نفسه الحبيب مارتي الذي كانت تلتقيه في حديقته كما جاء في مراسلاته مع حنا يومذاك (أو كوخه الخشبي على حافة الغابة السوداء في تودنبيرك) . والحقيقة إن رواية حانا أرنديت مهمة للحبيب مارتي وفلسفته ، ففيها الكثير من الفهم للإلتباس الذي غلف مثلاً فترة علاقة هيدجر بالفيلسوفة حانا وتأليف كتاب الوجود والزمن الذي يعترف بأن حانا هي التي ألهمته فكرة الكتاب وكانت الدافع والمشجع لأكمال مشروعه . كما وهي مهمة للحبيبة الفيلسوفة حانا ، وبالتحديد كشف مناحي وجوديتها أو حياتها الوجودية مع الوجودي مارتي خلال سنوات ماربورك (وأحسب إنها تتعدى ماربورك وتمتد إلى هيدلبيرك وإختيارها موضوع إطروحتها الحب في فكر القديس أوغسطين ، وكتابتها تحت إشراف الوجودي البروفسور كارل ياسبرز والتي أنجزتها في عام 1929) .

  وهنا نحاول تركيب رواية الفيلسوفة حانا إرنديت الخاصة بالفيلسوف هيدجر ومكانتها في حياته وتفكيره الوجودي ، وخصوصاً في التفكير وكتابة كتابه الإنجيلي في الفلسفة الوجودية الوجود والزمن :

أولاُ – ترى حانا إن هناك مرحلتين متميزتين في حياة البروفسور مارتن هيدجر ؛ مرحلة ماقبل اللقاء به ، ومرحلة اللقاء والهيام في الحب بين بروفسور وقور (وهو إبن الخامسة والثلاثين) وطالبة اللاهوت أولاً والفلسفة ثانياً حانا إرنديت (بنت الثامنة عشر ربيعاً) . تقول حانا  واصفة حال هيدجر في المرحلة الأولى (على حد رواية كاتبة سيرتها إليزابيث يونك بريهول) :

 كان هيدجر رمزاً أكاديمياً صارماً ، بعيداً عن كل أشكال الرومانسية ، موهوباً بدرجات عالية من الذكاء والشاعرية ، شامخاً مترفعاً بين المفكرين الأكاديميين ، وفي نظر الطلاب . وسيماً جميل الطلعة ، يرتدي ملابس بسيطة ، يحب التزحلق كثيراً ، وتراه يبتهج بدرجات عالية عندما يُقدم دروساً في التزحلق (إليزابيث بريهول ؛ حانا إرنديت (من أجل حب العالم) ، مصدر سابق ، ص 49) .

   أما المرحلة الثانية ، فهي المرحلة التي إنقلب فيها البروفسور الوقور إلى عاشق رومانسي ، يكتب رسائل الحب ويتبادلها مع طالبته حانا . هذا مهم جداً في رواية حنا ، ولكن الأهم من هذا إن رواية حنا فيها تصحيح للإلتباس الذي وقعت فيه المصادر التي كتبت قصة تأليف الوجود والزمن ، والتي ذكرت بأن تأليفه جاء بعد إنفصال هيدجر من حنا عام 1926 (والذي تحفطنا عليه لأسباب ذكرناها في ملاحظتنا أعلاه) . وهنا حنا تتذكر كل ذلك ، وتنشره في عيد ميلاد حبيبها الفيلسوف هيدجر الثمانين ، والذي حضرته مع زوجها الثاني . وبعد عودتها إلى أجواء الحلقات الدراسية في جامعة ماربورك ، تقول :

لا أحد يشك أو يتبادر إلى ذهنه ، بأن مارتن هيدجر ، ليس فقط معلم حانا إرنديت ، وإنما كان حبيبها . والحقيقة إن هيدجر حافظ كل ذلك بسرية وكتمان عميقين . وبالتحديد خلال السنوات ما بين 1923 – 1928 ، وهي سنوات التحضير لكتابيه الوجود والزمن ، وكانط ومشكلة الميتافيزيقا ، حيث قال هيدجر على الملأ ” إن هذه الفترة من أكثر الفترات إثارة وتحفيزاً على التأليف ” (والتر بيميل ؛ مارتن هيدجر : دراسة توضحية ، ترجمة ج . مهتا ، نشرة دارهاركورت بريس جوفانوفيك ن نيويورك 1976 ، ص 15) .

مارتن هيدجر وخانا إرنديت : رسائل حب وخطابات فلسفية

  وفعلاً بعد مرور عشرين عاماً على هذه الفترة ، إعترف الفيلسوف الوجودي – الفينومنولوجي هيدجر للفيلسوفة حانا إرنديت ، بأنها ” كانت ملهمة لأعماله في هذه السنوات ” . وتتذكر حانا جيداً قرارهما (حانا ومارتي) على كتمان سر هذا الإعتراف والإحتفاظ به لإنفسهما ، كما حافظا على سر علاقتهما في عام 1925 . وهذا ما تؤيده رسائل الحب التي تبادلها العاشقان (هيدجر وحانا) ، والتي حفظت كل ذلك ، والتي لم تكن متوافرة للأخرين . ومن طرف حانا فإنها حافظت عليها ، وتركتها بين أوراقها غير المنشورة ، وهي رسائل تفسر الكثير من القضايا المتعلقة بسنواتها في ماربورك ، والتي كتبتها لمارتن هيدجر . ومن طرف مارتن هيدجر هي الرسائل التي كتبها وبث فيها حبه وشوقه ومواعيده في اللقاء ومقابلة هانا سواء في مكتبة الجامعة أو بيته الخشبي وما يسميها في رسائله في حديقته ليختلي بها سراً عن جميع الناس وخصوصاً زوجته الفريدا  .   

  والحديث عن هذه الرسائل يتطلب الإشارة إلى إنه بعد وفاة الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية خانا أرنديت (أو حانا أرنديت) عام 1975  تحولت الرسائل التي تحتفظ بها الفيلسوفة خانا أرنديت مع مجمل أوراقها إلى صديقتها الكاتبة والناقدة الأمريكية ماري مكارثي (1912 – 1989) والتي أوكلتها الفيلسوفة بوصية على مؤلفاتها المطبوعة وغير المطبوعة . وبالطبع من ضمنها رسائلها وخطاباتها التي تبادلتها مع الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر  .

   أما رسائل الحب وخطابات هيدجر وهانا التي يحتفظ بها هيدجر ، فقد إنتقلت ملكيتها الفكرية بعد موت الفيلسوف هيدجر في شباط 1976 إلى ولده الدكتور هيرمان هيدجر ، والذي إقترح فترة زمنية لنشرها ، وهي أربعين عاماً . ويبدو إن الولد عارف بما إحتوته المراسلات وما فيها من أسباب الألم لوالدته الفريدا إذا ما تم نشرها . وفعلاً كان كثير الحذر والتردد في فتحها للباحثين ، ولم يسمح بفتحها إلا بعيد وفاتها .

 وتُخبرنا الدكتورة لوتي كوهلر (توفيت في 24 أذار 2011 وعمرها 91 عاماَ) بأنه في حزيران من عام 1976 تم تنفيذ وصية الفيلسوفة هانا وذلك بنقل مراسلاتها مع هيدجر إلى ألمانيا ، وتم حفظها في الأرشيف الأدبي لمتحف شيلر الوطني في ماربوك . وقد وضعنا فترة مدتها خمسة سنوات لنشرها (كما ذكرت لوتي كوهلر)  .  

ومن ثم تذكر لوتي إلى إن  إليزبيتا إيتنكر (توفيت 12 أذار وبعمر 80 عاماً) وبالتحديد في عام 1989 إقتربت من ماري مكارثي وتقوت علاقتها بماري الوصية الوحيدة على أدب هانا . وبعد وفاة ماري إنتقلت الوصية إلى لوتي ، وهي التي سمحت لإليزبيتا في إستخدام المراسلات في خطتها لكتابة السيرة الذاتية الكاملة للفيلسوف هانا . وفعلاً فقد عملت لوتي لإليزبيتا نسخة من مراسلات إرنديت وهيدجر (من رسائل 1967 التي تم نقلها إلى ألمانيا)  .

  ومن ثم للفترة 1990 / 1991 كتبت لوتي إلى الدكتور هيرمان هيدجر تتطلب منه مناقشة السماح بإستعمال نسخ المراسلات التي يحتفظ بها لأغراض البحث العلمي الجاد . ولكن الدكتور هيدجر لم يكن في ذلك الوقت مقتنعاً بذلك العرض ، بل وجاء رده سلبياً ، حيث إنه لا ينوي على الإطلاق بالسماح للباحثين على الإطلاع أو نشر ما تحتويه مجموعة مُحددة من المراسلات مادامت والدته على قيد الحياة . 

   وبعد وفاة والدته في عام 1992 كتبت لوتي للدكتور هيدجر تعلمه بأن الوقت أصبح ممكناً في السماح للباحثين الجادين للإطلاع على المراسلات . وفعلاً وافق وعمل بعض الإستثناءات وإنتخب بعض النصوص من مراسلات والده وجعلها متوافرة للباحثين . وهكذا تعطلت النشرة الكاملة لهذه الرسائل حتى تم طبع الأعمال الكاملة لهيدجر في الجزء الخامس . وهنا تتذكلا لوتي فتقول : ويومها أخبرتني إليزبيتا بأنها تنوي أن تنشر فصلاً مستقلاً عن علاقة هانا بهيدجر . وهذا الخبر سبب صدم وخيبة لنا ، وذلك لأننا كنا نتطلع نشر السيرة الذاتية الكاملة . ولكن إليزبيتا أكملت السيرة الكاملة فيما بعد وتم نشرها فعلاً .

 ومن حُسن الطالع إن صديقاً للدكتورة لوتي في ألمانيا نجح في إقناع الدكتور هيدجر على السماح بنشر المراسلات كاملة . وفعلاً كما قالت الدكتورة لوتي : “حصلنا على عقد لهذا الكتاب مع دار نشر فيتوريا كولسترمان في فرانكفورت ” .

كما ولعب كتاب البروفسورة والروائية إليزبيتا إيتنكر والمعنون هانا إرنديت ومارتن هيدجر والذي صدر في عام 1994 ، دوراً في نشر النصوص الألمانية لمراسلات هيدجر/ هانا . فقد تحول كتاب إليزبيتا إلى كتاب مثير للجدل حول مارتن هيدجر ، مما حمل ورثته على ممتلكاته الفكرية وبفترة قصيرة إلى نشر النصوص الكاملة لمراسلات هيدجر وإرنديت . ومن هذا الجانب كان الفضل في كتاب إليزبيتا في حمل ولده الدكتور هرمان هيدجر على السماح بنشر المراسلات وخصوصاً بعيد وفاة والدته ألفريدا عام 1992 .

 وعلى هذا الأساس صدر كتاب بطبعته الألمانية بعنوان رسائل 1925 – 1975 / هانا أرنديت ومارتن هيدجر ، وكان بتحقيق وإشراف أورسولا ليدز ، وترجمه من الألمانية إلى الإنكليزية أندرو شيلدز

  تألف الكتاب في نشرته الإنكليزية من 335 صفحة ، وضم تصدير وإعتراف وشكر والرسائل ، وملاحق وفهارست . أما قسم الرسائل فقد تكون من عدة محاور وليست فصول (شغل الصفحات من 1 وإلى 289) وهذه المحاور جاءت تحمل العناوين الأربعة الأتية :

أولاً – الرؤية الأولى (ص ص 1 – 53)

ثانياً – النظرة الثانية (ص ص 55 – 124)

ثالثاً – الخريف (ص ص 125 – 215)

رابعاً – الإضافات (ص ص 217 – 218)

ومن ثم جاء محور خامس بعنوان ملاحظات حول الرسائل (ص ص 219 – 289)

وفي الملاحق هناك عدة مكونات :

1- كتابات متنوعة  (ص ص 291 – 307)

2 – المختصرات / الأدب المقتبس في صور موجزة (ص ص 309 – 310)

3 – أعمال خانا أرنديت المشار إليها (ص ص 311 – 312)

4 – أعمال مارتن هيدجر التي جاء ذكرها (ص ص 313 – 318)

5 – مصادر الرسالة (ص ص 319 – 325)

6 – مصادر الكتابات المتنوعة (ص 325)

7 – مصادر توضيحية (ص 325)

ومن ثم جاء الفهرست (ص ص 327 – 335)  

  بدأ تصدير هذه الرسائل بالإشارة إلى إن السنوات في عنوان هذه النشرة (1925 و 1975) يُؤشر المدى الزمني لقصة خانا أرنديت ومارتن هيدجر إذا ما إعتمدنا الوثائق مقياساً لها . وفعلاً فإن الرسالة الأولى جاءت مؤرخة في 10 شباط 1925 . وفيها هيدجر يُقدم شخصه إلى ” العزيزة الأنسة أرنديت ” . وهكذا بدأ البروفسور بخط يديه بملاحظة ووجهها إلى إمرأة شابة قد بدأت فصلها الدراسي الأول في الجامعة ، والتي جاءت بالحرف الواحد ” سأمر هذا المساء لرؤيتك … ” . وقد وقعت هذه الحادثة في مدينة ماربورك .

 أما الوثيقة الأخيرة فهي في الحقيقة رسالة تحية وسلام جاءت إفتتاحيتها بالكلمات الآتية : ” العزيزة هانا ” والتي يعود تاريخها إلى 30 تموز 1975 . والتي تتضمن دعوة أرنديت ، والتي جاءت بالنص الآتي : ” نحن ” أي مارتن هيدجر وزوجته إلفريدا : ” نحن نتطلع إلى زيارتك ” . وخلالها كانت الفيلسوفة خانا أرنديت أرملة (منذ عام 1970) ويومها كانت في تكنا في رحلة إستجمام ، فتركت تكنا وذهبت إلى فريبورك – زيورخ .

  وفي 12 أغسطس (آب) 1975 قابل مارتن هيدجر تلميذته الحبيبة الفيلسوفة هانا أرنديت ورأى حضورها أمامه لأخر مرة . وبُعيد بضعة أشهر ، وبالتحديد في 4 ديسمبر ، وعن عمر ناهز التاسعة والستين ، تُوفيت هانا فجأة بسبب أزمة قلبية في مدينة نيويورك . وبعد أشهر معدودات تُوفي هيدجر في 26 مايس 1976 والذي يكبرها بسبعة عشر سنة .

  الواقع إن العلاقة بين الفيلسوف المعلم والفيلسوفة التلميذة لفت ما يُقارب الخمسة عقود من الزمن . وفي منتصف القرن العشرين تزايد التأثير على توثيق القصة ، ويبدو إنه من الزاوية الدرامية إن عام 1950 له أهميته ، فهو من جهة يمثل منتصف القرن العشرين ، وهو من جهة القصة يؤشر تاريخاً درامياً ، وهو مرور خمسة وعشرين عاماً على قصة حب هيدجر وحانا (أي منتصف القرن ومنتصف عمر قصة الحب بين الفيلسوفين) . وعلى هذا الأساس تم تقسيم عمر الرسائل . ويبدو إن له معنى مقبول للفصل بين رسائل ماقبل 1950 ورسائل ما بعد 1950 . إضافة إلى ذلك هناك دليل من داخل الرسائل ما يؤيد هذا الفصل الزمني :

أولاً – إنه في سنة 1950 حسب رأي خانا أرنديت ” إن هيدجر أخذ يحتفل بالعودة وبمرور نصف الخمسة عقود ” . وهذا العمر الزمني غطى رسائل المحور الأول أعلاه والمعنون النظرة الأولى .

ثانياً – إن المحور الثاني أعلاه جاء الدليل عليه في رسائل لكل من هيدجر وأرنديت ، وإن عنوان النظرة الثانية قد تم الإشارة إليه في نصوص الرسائل بينهما ، وهي بالألمانية ” سونتا سونانس ” . هذا طرف . والطرف الأخر إن هناك رسالة لهيدجر جاء تاريخها في 15 شباط 1950 تتضمن عبارة تقول : ” ربع قرن من حياتنا ” والتي يقترح فيها اللقاء بالفيلسوفة خانا . ولاحظ الباحثون إنه في رسالة كتبتها هانا إلى صديقتها هيلدا فرانكل في نيويورك (تاريخها 10 شباط 1950) تعلق فيها على إقتراح اللقاء الذي تقدم به هيدجر ، فقالت هانا : ” لم يكن عند هيدجر أية فكرة على الإطلاق ، بأن كل ذلك كان قبل خمسة وعشرين عاماً مضت ” . ولم تنتهي الفيلسوفة ، بل كتبت في الرسالة ذاتها ” في الأساس  أنا سعيدة ، لسبب بسيط يؤيد بأنني كنت على حق ، بأنه لم ينساني على الإطلاق ” .

  ونحسب إنه من المفيد أن نخبر القارئ بأن التناقض والإختلافات التي سيجدها في الرسائل ، هي في حقيقتها تعود إلى وجهات النظر والتفسيرات الذي تقدم بها الطرفين ؛ الفيلسوف المعلم هيدجر ، والفيلسوفة التلميذة إرنديت .  كما هي نتيجة إلى إن هذه الرسائل هي رسائل غير كاملة . وإن أقل من ربع هذه الرسائل كُتبت بيد الفيلسوفة أرنديت .

   وإن هناك مشكلة تدور حول قيمة التوثيق المتواجدة في إصول هذه الرسائل ، وذلك لأننا في الحقيقة لم نكن متأكدين من إن هذه الرسائل أو نُسخ منها قد وصلت إلى عنوانيهما أو إن هذه الرسائل قد أُرسلت فعلاً . وفوق كل ذلك فإن ما يتوافر اليوم من هذه الرسائل هي فقرات فقط . لكنها في الوقت ذاته تحمل كشوفاً على المراحل التي مرت بها العلاقة بين الحبيبين ، ومن ثم فيما بعد بين الصديقين . وهذا الحال اليوم يُشكل تحدياً كبيراً لكل شُراح هذه الرسائل والباحثين فيها على حد سواء .

  إن أول أمر نقوم به ، هو عملية إحصاء ثقافي للرسائل المتبادلة بين الفيلسوف هيدجر وطالبته الأنسة خانا أرنديت . وهذه العملية الإحصائية مهمة جداً ، وذلك لأنها تُفيدنا في فهم : كيف تطورت العلاقة بين الحبيبين خلال الرسائل ؟ ومن هو المبادر ؟ ومقدار السلطة التي باشرها في دفع علاقة الغرام إلى شواطئ غير آمنه ؟ وما حجم المقاومة أو الأدق التردد من الطرف المقابل ؟ وما هي درجات الخوف من هذه المغامرة في الوسط الأكاديمي ؟ وهل كان هناك حساب دقيق من الطرفين في التستر عليها خصوصاً من  طرف الزوجة الفريدا أولاً والسلطة الجامعية وزملاء هيدجر ؟ ونحن نعرف من خلال الكتاب المسلسل عن الفيلسوفة خانا أرنديت (القسم الثاني الذي سيظهر في شتاء 2013) بأن حانا أباحت أو على الأقل كان لها حديث مع زميل مقرب إليها عن علاقتها بالبروفسور هيدجر ، وهو هانز جونز (1903 – 1993) : فهل  كان في ذلك التصرف درجات من الخطورة في نشر العلاقة وفضح الأمر ؟ كانت هناك إحتمالات ، لكن الرجل (هانز جونز وفياً للإثنين فحافظ على الآمانة) كان صديقاً وفياً على الأقل لهانا أرنديت ، وكان محباً للفيلسوف هيدجر ، وواحد من الفلاسفة الهيدجريون فيما بعد * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ هيدجر والهيدجريون الجدد (سلسلة مقالات) نشر بعضها والبعض الأخر في طريق النشر ، وهي تُشكل بمجملها كتاب قادم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  تكونت رسائل هذا المحور من خمس وأربعين رسالة ، منها إثنتين وأربعين رسالة بعثها البروفسور هيدجر لطالبته أرنديت . وهي على التوالي : الرسالة رقم : 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 10 ، 12 ، 13 ، 14 ، 15 ، 16 ، 17 ، 18 ، 19 ، 20 ، 21 ، 22 ، 23 ، 24 ، 25 ، 26 ، 27 ، 28 ، 29 ، 30 ، 31 ، 32 ، 33 ، 34 ، 35 ، 36 ، 37 ، 38 ، 39 ، 40 ، 41 ، 42 ، والرسالة رقم 45 .

   أما رسائل الطالبة أرنديت التي ردت بها على رسائل أستاذها هيدجر ، فقد كانت ثلاث رسائل فقط . وهي : الرسالة رقم 11 ، والرسالة رقم 43 ، والرسالة رقم 44 . إذن هذه العملية الحسابية تكشف ببساطة عن هيمنة رسائل هيدجر بإطلاقية عالية على الرسائل الثلاثة التي كتبتها الطالبة خانا أرنديت .   

    بدأت مجموعة رسائل هذا المحور ” الرؤية الأولى ” برسالة رقم 1 ، وهي الرسالة الأولى التي بعثها البروفسور هيدجر ، فهي دليل على إنه هو صاحب المبادرة في التقرب من طالبته التي بدأت الفصل الدراسي من حياتها الجامعية ، ومغازلتها . ولما كان حجم رسائل هيدجر كبير جداً وبلغ عددها 42 رسالة ، مقارنة بثلاث رسائل فقط . فإن دراستنا إنتخبت منهجاً نحلل فيه عينات من رسائل هيدجر ، وبالطبع سنختار 3 رسائله مقابلة لرسائل هانا الثلاثة الوحيدة . ورسائل هيدجر الثلاث التي إنتخبناها هي :  رقم 1 ، 10 ، و 42 ، أما رسائل خانا أرنديت ، فكانت هي الرسائل المرقمة : 11 ، 43 و 44 . وعلى هذا الأساس سارت منهجيتنا بالشكل الآتي :

أولاً – إن هيدجر كتب عشرة رسائل لطالبته خانا (وهي من الرسائل رقم 1 وحتى 10 ، وكان تاريخ الرسالة الأولى في 10 شباط 1925 ، والثانية في 21 شباط ، والثالثة في 27 شباط 1925 ، والرابعة في 2 أذار 1925 ، والخامسة في 6 أذار 1925 ، والسادسة في 21 أذار 1925 ، والسابعة في 24 أذار 1925 ، والثامنة في 29 أذار 1925 ، والتاسعة في 12 أبريل 1925 ، والعاشرة في 17 أبريل 1925 .

 ثانياً – وبعد هذه الرسائل العشرة التي أرسلها البروفسور هيدجر ، جاءت الرسالة الأولى للأنسة خانا أرنديت إلى أستاذها هيدجر ، وهي الرسالة الرقم 11 في تسلسل الرسائل عامة والتي لاتحمل تاريخ ليوم وسنة إرسالها . ونحسب وفق قرائتنا للرسائل العشرة السابقة ، إن خانا أرسلتها قبل الرسالة العاشرة لهيدجر ، ولذلك نحن نشك في هذا التسلسل للرسائل . وفعلاً فأن هيدجر في الرسالة العاشرة يشكر طالبته على إستجابتها ، فيقول : العزيزة خانا

      بعجلة ، أنا أشكرك جداً جداً على رسالتك * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رسائل حب وخطابات فلسفية : حانا إرنديت ومارتن هيدجر / منشور على موقع الفيلسوف / 2 يناير (كانون الثاني) 2012 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلسوف مارتن هيدجر في تقويم خانا إرنديت   

   تناولت الفيلسوفة خانا إرنديت في كتابها المعنون مقالات في الفهم 1930 – 1954 ، ذكرياتها وهمومها مع الفيلسوف الحبيب مارتي سلباً وإيجاباً . وحديث خانا عن هيدجر فيلسوف فينومنولوجيا الحياة على الأغلب إيجابياً وهي بالطبع الفيلسوفة الهيدجرية الجديدة . ولكن عندما يأتي الحديث عن هيدجر السياسي (عضو الحزب النازي ورئيس جامعة فريبيرك لمدة أقل من سنة) فإنه بصورة قاطعة حسب رأي طالبته الفيلسوفة خانا ، هو فيلسوف النظام الشمولي (النازي) . 

   وعلى هذا الأساس لاحظنا إن الفيلسوفة خانا (مثلاً) في مقالها الفلسفي المعنون : ما هي الفلسفة الوجودية ؟ ، إنها بحثت في معنى مفهوم الوجود ودلالته عند هيدجر (أنظر : خانا إرنديت ؛ مقالات في الفهم (مقالات 1930 – 1954) / إعداد وتقديم جيروم كوهن ، نيويورك 1994 ، ص ص 163 – 187) . والحقيقة إن هذا المقال نشر بالألمانية في العام 1948 وهي لغة خانا إرنديت الأم . ولكن لاحظنا في هامش المقال في كتاب مقالات في الفهم ، شيئاً يُثير التساؤل فقد أُشير إلى تاريخ صدور نسخته الإنكليزية في العام 1946 . ويبدو لنا إن الخطأ في تاريخ النشر للنسخة الإنكليزية وذلك لأنها جاءت بالتأكيد بعد النشرة الألمانية . وفعلاً فقد ظهرت في دورية مراجعة بارتسن 17 / 1 . وقام بترجمة النسخة المعدة لكتاب مقالات في الفهم إلى الإنكليزية كل من روبرت كيمبر وريتا كيمبر (المصدر السابق ، ص 163) .

  وفي مقال بعنوان : حول طبيعة الأنظمة الشمولية : مقالة في الفهم ، وهو مقال طويل نسبياً مقارنة بالمقالات التي ضمها مجموع المقالات في هذا الكتاب (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 328 – 360 ولا تنسى بأن واحداً من أهم كتب خانا أرنديت وفكر القرن العشرين السياسي كتابها المعنون : إصول الأنظة الشمولية (الدكتاتورية)/ الطبعة الجديدة / نشرة دار هوفتن مافلين هاركورت 2001 (يتألف الكتاب من 576 صفحة ، وفيه تحليل لعينتين من النظام الشمولي : الستاليني والنازي) . وبالطبع تحدثت في مقالها حول طبيعة الأنظمة الشمولية : مقالة في الفهم عن هيدجر فيلسوفاً – سياسياً للنظام النازي (ص ص 351 وما بعد) ولا أجد قناعة كافية في حجة الفيلسوفة خانا إرنديت في إنضمام هيدجر للحزب النازي ورئاسته للجامعة لمدة أشهر معدوات وإستقالته منها أو طرده لوقوفه ضد الشباب النازي الذي أخذ يزحف على الجامعات ويحرق كل المكتبات والكتب التي ألفها اليهود والشيوعيين وغيرهم من غير الجنس الألماني الخالص ، ما يُدعم حجتها في أن يكون فيلسوف النازية .

   والحقيقة كل هذا الكلام الذي قالته خانا إرنديت عن هيدجر يتعارض وعبارتها التي بدأت مقالها ” حول طبيعة الأنظمة الشمولية …” حيث قالت بالحرف الواحد : لكي نقاتل الأنظمة الشمولية (الدكتاتورية) فإن شئ واحد فقط نحتاج فهمه ، وهو إن الأنظمة الدكتاتورية هي أنظمة ترفض جذرياً الحرية على الإطلاق .. (المصدر السابق ، ص 328) . وعلى أساس حجة خانا نجادل ونقول : ألا إنه نوع من الترويج لفكرالأنظمة الدكتاتورية النازعة إلى إنكار حق مارتن هيدجر ورفض حريته على الإطلاق في الإختيار (وهو المفهوم الوجودي المركزي) ومن ثم الإنتماء للحزب والأيديولوجيا التي إقتنع بها يومذاك .

  على كل إنها محنة الشعب الألماني برمته التي سببها النظام الشمولي النازي . وقد فات خانا بإن مآسي الأنظمة الشمولية لا ينجو منها قريب أو بعيد فالكل ضحايا ، وهذا يشمل الفيلسوفة خانا إرنديت وجميع فلاسفة الهيدجرية الجديدة ومن ضمنهم بالتأكيد هيدجر الأب الروحي لمدرسة الهيدجرية الجديدة التي تنتمي إليها الفيلسوفة خانا إرنديت هذا طرف . والطرف الثاني في عملية الجدل مع الفيلسوفة خانا ومناقشة حجتها حول هيدجر فيلسوفاً للنظام الشمولي النازي . نقول ألا إن هناك تعادل في ميزان الإنتماء للأنظمة الشمولية بين كفة مارتن هيدجر ، وزوج الفيلسوفة خانا إرنديت ، الشيوعي الألماني السابق هنريخ بلوشر (1899 – 1970) *. ونحسب إن ما ينطبق على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ولد هنريخ بلوشر في برلين في 29 كانون الثاني عام 1899 ، وتوفي في 30 إكتوبر عام 1970 . وهو شاعر ألماني وفيلسوف إضافة إلى إنه الزوج الثاني للفيلسوفة خانا إرنديت . وكان عضواً في الحزب الشيوعي الألماني حتى عام 1928 ، غير إنه رفض الستالينية وترك الحزب محتجاً على السياسات الستالينية . ومن ثم أصبح عضواً في تجمع صغير مقاوم للستالينية أُطلق عليه حينها إسم الحزب الشيوعي المعارض .

  وشغل بلوشر كشيوعي (ومن ثم معارض للستالينية) محاضراً في الجامعة ، ومن ثم هرب من ألمانيا بعد صعود حزب الإشتراكية الوطنية (الحزب النازي) إلى سدة الحكم . وتزوج خانا إرنديت في فرنسا ، وهاجرا إلى مدينة نيويورك في العام 1941 . وتوفي هنريخ بلوشر في نيويورك .

  ولعل أهمية بلوشر في نمو فكر الفيلسوفة خانا إرنديت ، وخصوصاً فكرها السياسي يكمن في إمور عدة ، منها إنه شجع زوجته خانا على الإهتمام بالماركسية والنظرية السياسية . وفعلاً فإن القارئ لكتابات خانا إرنديت السياسية ، يلحظ إنها تداولت ماركس في كثير من دراساتها ، ولكن بطريقة غير أرثوذوكسية ، وهذا واضح في كتابيها ؛ إصول الأنظمة الشمولية (الدكتاتورية) والذي صدر عام 1951 ، والشرط الإنساني الذي صدر عام 1958 . ومنها إن أثر بلوشر جاء من خلال صياغته لمفهوم ” المبدأ السياسي – المضاد ” وذلك لوصف سلوك الأنظمة الشمولية النازعة إلى تدمير المعارضة . وقد إستعار هذا المفهوم من بلوشر كل من الفيلسوفة خانا ، والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز .

للتفاصيل أنظر :

Hans Mommsen “Interpretation of Holocaust as a Challenge to Human Existence” In Hannah Arendt In Jerusalem, Ed. By E. Aschheim, University of California Press 2001, p. 227

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الحبيب مارتن هيدجر ، ينطبق بالتفصيل (ووفقاً لمعايير الفيلسوفة خانا وخصوصاً معايير كتابها إصول الأنظمة الشمولية) على الزوج هنريخ بلوشر . ولهذا فإن حجة الفيلسوفة خانا مردودة لأنها إنتزعت حق هيدجر ، في حين لم تنتزع حق حرية الإنتماء من زوجها هنريخ بلوشر للحزب الشيوعي الألماني حليف النظام الشمولي في الإتحاد السوفيتي ، وهما العينتان اللتان درستهما الفيلسوفة خانا في كتابها الشهير إصول الأنظمة الشمولية .

    جاء مباشرة بعد مقال الفيلسوفة خانا إرنديت طبيعة الأنظمة الشمولية ، مقالها المعنون : هيدجر الثعلب ، وهذا العنوان ليس إبداعاً من الفيلسوفة خانا إرنديت ، وإنما إستلهمته من حجة لهيدجر رد فيها على من يطلق عليه عنوان هيدجر الثعلب . والواقع إن خانا قد إستشهدت بحجة هيدجر ، حيث قالت : ” يقول هيدجر بفخر كبير ” الناس يقولون بأن هيدجر هو ثعلب ” (خانا إرنديت ؛ هيدجر الثعلب / مقال نشرته في مجلة الفكر عام 1953 ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من روبرت كيمبر وريتا كيمبر ، وطبع في كتاب خانا : مقالات في الفهم (مصدر سابق) ص ص 361 – 362) وهو مقال قصير وقد قام الدكتور محمد جلوب الفرحان بترجمته كاملاً من الإنكيزية) . ومن ثم تابعت الفيلسوفة خانا مقالها بالقول : ” وهذه هي القصة الحقيقية لهيدجر الثعلب ” (المصدر السابق ، ص 361) . ومن ثم قدمت قراءتها للقصة ، فأفادت :

” في يوم من الأيام كان هناك ثعلب ، وكان ينقصه فن ومهارات الخُداع ، حتى إنه بات يقع ضحية مصيدة أثر مصيدة ، والحال لم يقف عند فشله في السقوط في المصيدة تلو المصيدة ، وإنما تاه عليه الأمر حتى أصبح غير قادر على التفريق بين المصيدة وغير المصيدة ، ولذلك عانى الثعلب من الفشل مرة أخرى .

  وكانت هناك علة في فراء الثعلب ، ولذلك كان تماماً بلا نظام حماية من قساوة الحياة التي يعيشها الثعالب . وبعد إن صرف فترة شبابه كلها يركض للفوز بفريسة حول المصائد التي وضعها الناس . وبعد فقدان الفراء تماماً ، ولم تبقى قطعة واحدة من الفراء تحميه ، قرر هذا الثعلب الإعتزال من عالم الثعالب تماماً ، فحفر له حفرة كانت معتزله الأخير . حقاً كانت صدمة كبيرة وهو إن هذا الثعلب جاهل ولا يعرف أن يميز بين المصائد وغير المصائد بالرغم من خبرته الفائقة والطويلة مع المصائد (جمع مصيدة) . ومن ثم وردت على باله فكرة جديدة لم تكن مسموعة أو حتى متداولة بين الثعالب ؛ وهو أن يبني مصيدة شبيهة بالحفرة التي إتخذها معتزلاً له ، وإختارها ملجأ .. وذلك لأنه كان على الدوام يعتقد بأن مصائد الأخرين هي معتزلاتهم ، ولهذا قرر أن يكون مُخادعاً بطريقته الخاصة . ولما كانت مصيدته الجديدة التي بناها وإختارها معتزلاً لنفسة لا تتوائم مصيدة للأخرين . فقد أثبت بنفسه على الجهل المطبق بفن المصائد . والنتيجة إنه لا واحد من الناس وقع في مصيدته ، وذلك بسبب إنه جالس فيها ويسكنها بنفسه على الدوام . وهذا الحال أزعجه (رغم كل ماعمل) ، وخصوصاً عندما عرف الجميع .

  والواقع إنه في مناسبات ما يتم صيد الثعالب رغم وسائل خُداعهم وذكائهم العالي . والسؤال ماهو السبب في إن مصيدة الثعلب وخصوصاً التي تم تصميمها بطريقة أكثر مهارة من الثعالب الأخرى ، ولكن الثعالب عارفون بأن مصائدهم لا ترقى إلى مهارة وفعالية المصائد التي يصممها البشر والصيادون ؟ السبب الوحيد إن هذه المصيدة ذات طبيعة سرية تماماً بخلاف المصيدة الإعتيادية . وقد حدث لثعلبنا إن عمل بجد ليضع مصيدته في إطار ديكور جميل ، وصمم لها علامات وإشارات ونشرها في كل مكان وبطريقة واضحة ودقيقة . ومن ثم قال : تعالوا هنا ، وتابع بغنائية قائلاً : هذه هي المصيدة التي لا يوجد أجمل منها مصيدة في العالم . ومن هذه الناحية أصبح واضحاً إنه لا واحد من الثعالب ممكن إن يقع فريسة في هذه المصائد خطأً . وعلى اي حال جاء العديد . وهذه المصيدة هي من خداع ثعلبنا الذكي ، وإذا رغبت زيارته عندما يكون في  مصيدته (منا : إحتمال كبير إن ما تقصده الفيلسوفة خانا إرنديت هو كوخه الخشبي المشهور) ، فإن المطلوب منك أن تمر عبر مصيدته . وكل يستطيع المرور بسلام ماعدا ثعلبنا .. ولكن الثعلب الذي يعيش ويسكن داخل المصيدة إنتفض قائلاً بفخر : ” إذن العديد من الناس زاروني في مصيدتي وذلك لأني أصبحت أفضل كل الثعالب ” . ولكن هناك بعض الحق والصدق في ذلك ، وهي إنه لا أحد يعرف طبيعة المصائد أفضل من الذي يعيش حياتها كاملة داخل المصيدة (خانا إرنديت ؛ هيدجر الثعلب ، ص ص 361 – 362) . وللقارئ نقول بأن زوجة الفيلسوف هيدجر الفريدا قد ردت على هذا المقال وعلى من يصف هيدجر بالثعلب بمقال مقابل .

   ونحسب إن في هذا المقال تصفية حسابات قديمة بين البروفسور هيدجر وطالبته خانا ، ففيها إشارات إلى كوخ البروفسور الذي كان مصيدة ، وإن خانا كانت فريسة وضحية من ضحايا البروفسور الجنسية . هناك إمكانية في قراءة قصة هيدجر الثعلب على مستويات عدة ، منها السياسية ، وعلى مستوى علاقة حب البروفسور لطالبته خانا التي بدأت فصلها الجامعي الأول فوضع لها البروفسور مصيدته وإستثمرها لسنوات عدة ، وهو المتزوج والعارف بالتابو الذي يغلف هذه العلاقة … وبالطبع خانا لم تكن الأولى والوحيدة (للإطلاع راجع أوراق بحثنا أعلاه) .

مارتن هيدجر السياسي : ظاهرة نقدية في القرن العشرين

   الواقع إن الفيلسوفة خانا إرنديت لم تكن الأولى التي شنت الهجوم على هيدجر السياسي و(بالطبع ليس هيدجر الفيلسوف ، فالفيلسوفة خانا تشربت الكثير الكثير من أراء هيدجر الفلسفية وعبرت عنها مع مجموعة زملاء فلاسفة كانوا تلاميذ هيدجر ، والذين كونوا مدرسة إصطلاحنا عليها بالمدرسة الهيدجرية الجديدة) . الحقيقة إن هيدجر السياسي تحول إلى ظاهرة نقدية في القرن العشرين ، فزميله كارل ياسبرز والذي وقف معه هيدجر عندما حاول البروفسور الكانطي الجديد من الإعتراض على تعيينه رئيساً لقسم الفلسفة ، تحول في وقت مبكر إلى خصم لهيدجر ، ورفض تزكية هيدجر عندما طلبت قوات الإحتلال الفرنسية لألمانيا من الأخير تقديم تزكية من زميل جامعي له ، وهابرمس وبعض مفكري مدرسة فرانكفورت ، وطلابهم من الأمريكان الذي درسوهم في مدرسة البحث الإجتماعي الجديدة (نسخة أمريكية لمدرسة فرانكفورت) . شنوا هجومهم على هيدجر وعلى أولاده ومن ضمنهم خانا إرنديت ، كما جاء في عنوان واحد من الكتب النقدية . ونحاول هنا تقديم معالجة لهذا الكتاب وبما يتناسب والبحث .

   بدأ هذا الكتاب حملته الهجومية على الفيلسوف الفينومنولوجي – الوجودي مارتن هيدجر  من العنوان ” أطفال أو أولاد هيدجر ” . ولهذا صنف المؤلف نفسه وكتابه في باب ” الترويج الذي قاده هابرمس منذ أكثر من خمسة عقود ضد صاحب كتاب الوجود والزمن ” . وبالمناسبة إن المؤلف ” ريتشارد وليون ” هو في شكل من الأشكال حواري من حواري هابرمس / فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة التي جاءت بعد تدمير الحلفاء لألمانيا (أنظر : ريتشارد وليون ؛ أطفال هيدجر ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 2001) حيث قال في كلمات الإهداء :

  إلى يورغن هابرمس : إعجاباً وإعترافاً

 إذن من الإهداء إنحاز المؤلف إلى البروفسور هابرمس ، الذي إنضم في شبابه إلى ” منظمة شباب هتلر ” وذهب مقاتلاً إلى جبهات الحرب ، وقاتل جيوش الحلفاء . هذه حقيقة معروفة وموثقة لم يتحدث عنها هابرمس ولا حواريه ريتشارد وليون . أما هيدجر فقد كان رجل مدني إنظم إلى الحزب النازي وهذا خياره وأيد سياسات هتلر ، ودفع الثمن غالياً بمنعه من التعليم الجامعي من قبلالنظام النازي أولاً ، ومن ثم من قبل قوات الإحتلال الفرنسي . ولكن هيدجر لم يذهب مقاتلاً مثلما فعل هابرمس .

   والحقيقة إن المؤلف كشف في المقدمة عن إنحيازه لهابرمس ، حيث قال بالحرف الواحد :

  أهدي هذا الكتاب إلى يورغن هابرمس ، والذي قابلته قبل عشرين عاماً في جامعة براكلي ، حيث قدم فيها سلسلة محاضرات ، والتي نشرت فيما بعد بعنوان نظرية الفعل التواصلي (أطفال هيدجر ، ص 15 من المقدمة) .

 إذن واضح هدف الكتاب وهو الوقوف مع حملات هابرمس الترويجية ضد فيلسوف كبير تركت فلسفته أثراً قوياً في مضمار فلسفة القرن العشرين وتحول كتابه الوجود والزمن (1928) إنجيلاً فلسفياً لحركات الوجودية بمنازعها المتنوعة . في حين إن مؤلفات هابرمس هجرت مضمار الفلسفة وتحولت إلى خطاب سياسي مدثر بنظريات إجتماعية مستفيدة من ماكس فايبر ، ومستبطنة للكثير من الكانطية والكانطية الجديدة ، وفشل في إنشاء نزعة فلسفية في الأبستمولوجيا والإنطولوجيا ، وتعثر كثيراً في مضمار الأكسيولوجيات ، لذلك وجد الطريق الوحيد هو تهشيم صورة فيلسوف كبير ممتحن حاله مثل حال جميع الألمان الذين لا حول لهم في مجابهة طاغية كبير مثل هتلر ولا حول لهم في مجابهة قوات الحلفاء ووقف زحفهم الهادف تدمير كل شئ في ألمانيا  ، وهابرمس فضل يومها ، وهذا هو خياره أن ينخرط في منظمة شباب هتلر ويذهب متطوعاً للقتال في جبهات القتال ضد قوات التحالف وبالطبع من بينهم أمريكا التي ستفتح حضنها الدافئ للبروفسور هابرمس … وإختار هابرمس جبهة الحلفاء وإشتغل معهم على تدمير ألمانيا .

وهيدجر رجل مواقف فقد قبل إنتخابه  رئيسا للجامعة وألقى خطابه الذي أيد النظام النازي . إلا إنه بعد ثمانية أشهر من رئاسته إلى الجامعة تقدم بإستقالته ، وبالتحديد في عام 1934 . وسببت مواقفه من الطلبة النازيين وإيقافهم من حرق الكتب عن اليهودية والمفكرين اليهود حساسية عالية فيها الكثير من الشكوك حول هيدجر . كما إن هيدجر عرض نفسه للخطر عندما ساعد طلبته من اليهود من أمثال كارل لويث وكذلك بعض الأصدقاء اليهود من أمثال إليزابيث بلوكمان في الهروب من ألمانيا . وهذا الحقيقة الدامغة هي التي حملت مؤلف الكتاب أن ينظر إليهم أطفالاً لهيدجر . لأن مواقفهم المخلصة للفيلسوف هيدجر تجعل من حجة تأليف الكتاب برمتها مردودة .

   بداية نحسب إنه من المفيد أن  نُذكر القارئ بأن المؤلف ريتشارد وليون ، هو بروفسوراً في التاريخ  ، وكان مطالباً ومسؤولاً في توضيح المقصود من العنوان وأهدافه من إنتخاب العنوان . ولكنه فشل فشلاً كبيراً وفضل الصمت ولم يقل لنا شيئاً ، وبالتحديد فيما يخص المصادر التي إستلهم منها عنوان كتابه : أطفال هيدجر . ورغم هذا الإهمال من قبل بروفسور التاريخ ، وجدنا بسهولة إن هناك مصدرين :

الأول – التراث اليهودي الديني ، وخصوصاً التوراة ، التي كثيراً ما تتحدث عن أطفال إسرائيل أو أبناء إسرائيل .

الثاني – مصدر أخر تداولته رواية بروفسور التاريخ في كتابه هذا ، وهذا المصدر جاء  إليه منقولاً في رواية الفيلسوف كارل ياسبرز ، الذي عاش المحنة مع الحزب النازي ، حين هددته السلطات النازية بالمحرقة ، وهو المسيحي وزوجته اليهودية . ورغم صداقة أكاديمية عميقة مع هيدجر ، ورباط روحي وفلسفي وجودي ، تنكر لهيدجر عنما سأله الأخير ليُزكيه أمام قوات الإحتلال الفرنسي التي منعته من التدريس عام 1946 ، ومن ثم طلبت منه في العودة بشرط تزكية من زميل أكاديمي له . فكانت محنة وجودية وأكاديمية وإنسانية للطرفين ، هيدجر والزميل ياسبرز . والذي وقف معه هيدجر عندما قاد الفيلسوف الكانطي هنريخ ريكارت (وهو أستاذ هيدجر) حملة التشكيك في إمكانيات ياسبزر العلمية والأكاديمية في رئاسة قسم الفلسفة . نقول إن عنوان الكتاب جاء في طرف نقلاً من عبارة عالم الإجتماع الألماني ماكس فايبر (1864 – 1920) والتي أعاد صياغتها زميل هيدجر ياسبزر في تقريع هيدجر: ” الأطفال هم الذين يلعبون بعجلة التاريخ … “ (أطفال هيجر ، ص 173) .

    ونحسب إن مسألة العنوان لم تنتهي عند المصادر ، وإنما هي أعقد من ذلك بكثير . ولذلك فضلنا وضعها في الجوانب الآتية :

أولاً – إن الكتاب ظهر في عنوانين فرعين مختلفين ، مما يدل ذلك على حيرة المؤلف وتردده في إنتخاب العناوين الإعلامية التي تجذب القراء

ثانياً – العنوان في النشرة الأولى كان : أطفال هيدجر : الفلسفة ، ضد السامية والهوية اليهودية الألمانية . ويبدو إن هناك من المؤلفين المتمرسين وأصحاب حرفة الكتابة قد بينوا لريتشارد وليون التناقض المفضوح في عنوان كتابه ، وهو إن الفلاسفة الأربعة = أطفال هيدجر هم يهود ألمان أقحاح ، فكيف ينطبق عليهم عنوان ضد السامية . وإن في العنوان تركيز على نقد أطفال هيدجر اليهود . وحرف النقد واللوم من هيدجر إلى أطفاله اليهود ، ومن أطفاله اليهود إلى هيدجر. وفي هذا خسارة إعلامية إضافة إلى كشف مفضوح لغياب الموضوعية الأكاديمية ومجانبة الحقيقة .

ثالثاً – ولهذا نحسب إن هناك نصيحة جاءت من أحباب ريتشارد الأكاديميين وأصحاب الحرفة ، فطالبوه بتعديل في العنوان ، وفعلاً إستجاب ريتشارد وظهر التعديل في بقية نشرة الكتاب ، وكان العنوان الجديد : أطفال هيدجر : حانا إرنديت ، كارل لويث ، هانز جونز وهربرت ماركوز .

رابعاً – وبالطبع  إن بروفسور التاريخ  لم يكن مهتماً بالموضوعية الأكاديمية والنزاهة العلمية ، وإنما كان هدفه الرئيس حفر في أوراق ماضي محزن للجميع ، وفيه مسؤلية يتحملها الجميع ، وبالتأكيد سببت أضراراً موجعة للفيلسوف هيدجر الغائب عن هذه الدنيا لأكثر من ربع قرن (وهو حد بين موت هيدجر عام 1976 وتاريخ تأليف ونشر كتاب أطفال هيدجر عام 2001) وحرف ذهنية القارئ للتفكير في ماضي مؤلم تتوزع مسؤليته على أطراف عالمية ومؤسسات كنسية كانت شاهد على ما يجري من تعذيب وتصفيات لشعوب وفئات لا تقتصر على اليهود ، فقد كان ضحايا الهولكوست ، جماعات من النور (الجبسي / الكاولية) وشخصيات كاثوليكية والمثليين وأعداد من الألمان المُعاقين ..

   وبالمناسبة إن اليهود عندما فروا من ألمانيا غلقت أمريكا وكندا موانيئهما بوجههم وظلوا في سفنهم  في البحر ، فعانوا من النظام النازي وعانوا من جوع وخوف في البحر لا أحد يمد العون لهم . إن القصة يجب أن تقرأ بكاملها وليس بإنتخاب أجزاء وتوجيه اللوم على الفيلسوف هيدجر الذي كان هو الأخر ضحية . وقد قال الرجل لقوات الإحتلال الفرنسي بعد إن منعوه من التدريس في الجامعة ” إنها مجرد متابعة لغريزة القطيع ” . ثم ردد كثيراً في جلساته الخاصة والتي يعرفها طلابه من اليهود الذين يعتبرهم بروفسور التاريخ  ريتشارد وليون أطفال هيدجر . إن حالة تورطه في الحزب النازي ومدح نظام هتلر  ” هي من إشد حالات الغباء في حياته ” .

خامساً – قلنا إن العنوان الرئيس في النشرة الثانية أطفال هيدجر . ولكن هناك عنوان فرعي يكشف بصورة مكشوفة أسباب تأليف الكتاب . وهذا العنوان الفرعي : حانا أرنديت ، كارل لويث ، هانز جونز وهربرت ماركوز .

الحقيقة إن هؤلاء فلاسفة كبار يا أستاذ ريتشارد وليسوا أطفال هيدجر . وقد شكلوا مدرسة فلسفية كبيرة في القرن العشرين ومؤلفاتهم منشورة بصورة واسعة حتى في بلدهم الأول ألمانيا وتلاميذهم يتوزعون المعمورة . وعلى خلاف تقويم البروفسور ريتشارد أطلقتُ على مدرستهم إصطلاح فلسفي دال ، وهو الهيدجرية الجديدة (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الهيدجرية الجديدة / مقال جاهز للنشر / ظهر هامش منه في كتابنا : الفيلسوفة الأمريكية الفمنستية حنا أرنديت / وهو كتاب مسلسل / ظهر الجزء الأول منه في العدد الثامن من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، خريف 2012 وستستمر المجلة بنشر أجزاء منه في كل عدد) .

   المسألة الموجعة إن هؤلاء الفلاسفة وعدد أخر من أعضاء المدرسة الهيدجرية الجديدة كلهم يهود ، وإستمروا في علاقتهم مع هيدجر ، وإنهم فهموا موقفه السياسي في فترة صعبة عاشها الشعب الألماني بمختلف شرائحه في محنة كبيرة وكانوا ممتعضين فعلاً من مواقف أستاذهم هيدجر وهذا حق (ولكنهم فرقوا بين هيدجر الفيلسوف وهيدجر السياسي) . وهذه المسألة هي التي حملت المؤلف أن يكتب كتابه مهاجماً هؤلاء الفلاسفة اليهود الذين ظلوا مخلصين لفيلسوفهم الروحي هيدجر في محنته ، والتي هي محنة كل الألمان . صحيح إن هابرمس ليس بيهودي وفضل العمل مع الحلفاء (وهذا ينطبق على ما أسماه طفل هيدجر هربرت ماركوز الذي عمل في قسم المخابرات الأمريكية خلال الحرب ضد هتلر، وكان مضطراً لأن الأمريكان دفعوا لهابرمس وماركوز رواتب عافية مجزية) .  

   أول شئ أود أن أُذكر القارئ الكريم إن البروفسور ريتشارد وليون لم يتخرج من قسم الفلسفة ولم يكتب إطروحته في طرف من أطراف الفلسفة . وإنما أستاذ تاريخ . ولهذ ا فضلت أن أقرأ شيئاً من سيرته المتوافرة : فهو بروفسور التاريخ (وليس الفلسفة) إذن هو مؤرخ أولاً وليس بفيلسوف . وهذه مسألة مهمة في جنس كتاباته والمبرر القوي لوقوفه مع هابرمس . وكان بروفسوراً للتاريخ في جامعة مدينة نيويورك – مركز الدراسات العليا ، وعمل هناك منذ عام 2000 . وهو معروف في سلسلة من الهجومات التي يُطلق عليها حسب رأينا الأكاديمي الفلسفي خطأ إعلامياً ” بالهجومات الإفلاطونية ” على نزعات ما بعد الحداثة . والأهم في بعدها السياسي – الفكراني ، خصوصاً في هجومه على مصادر تكوين فكر القرن العشرين (وهذه هي ضميمة النهج الهابرمسي (نسبة إلى هابرمس) ومن ثم حواريه المتشدد ريتشارد وليون) على الرمزين الفلسفيين الروحين للقرن العشرين كل من نيتشه وهيدجر . وريتشارد قبل ذلك كان بروفسوراً للتاريخ في جامعة رايس في هيوستن – تكساس . إن عناوين مؤلفات البروفسور ريتشارد ، تؤكد على إنها عناوين إعلامية فيها ترويج وفيها إستفزاز . وأضع أمام أنظار القارئ قائمة من مؤلفاته :

1 – والتر بنجامين : جمالية الفداء (1982) ويبدو لي إن هذا الكتاب كان من بواكير كتاباته . وبنجامين هو واحد من أعضاء مدرسة فرانكفورت النقدية / ومشهور في كتاباته كفيلسوف للتاريخ . وقد إنتحر في باريس بعد إن فر إليها من ألمانيا ، وقبيل أكمال معاملة ترتيبات سفره إلى أمريكا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة فرانكفورت النقدية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس ، ربيع 2012) .

2 – سياسات الوجود : الفكر السياسي لمارتن هيدجر (1990) .

3 – زوبعة هيدجر : القارئ الناقد (إشراف) (1991) .

4 – حدود النقد الثقافي : مدرسة فرانكفورت ، الوجودية وما بعد التركيبية (1992) .

5 – كارل لويث ، مارتن هيجر والعدمية الأوربية (إشراف) (1995) .

6 – ليبيانث (في الإسطورة اليونانية تعني قصر المتاهة) : إستكشاف التاريخ النقدي للإفكار (1995) . وبعد هذا الكتاب ظهر كتاب أطفال هيدجر (2001) .

7 – إغراءات اللامعقول : الرومانسية الفكرية مع الفاشية من نيتشه وحتى ما بعد الحداثة (2004) .

8 – هربرت ماركوز : الهيدجري الماركسي ، مؤلف مشارك (2005) .

9 – مدرسة فرانكفورت (2006) .

10 – رياح من الشرق : المفكرين الفرنسيين وميراث حركة الستينات (2010) .

  أما كتاب أطفال هيدجر ، فقد تألف من مقدمة ، وتمهيد وستة فصول ، وملحق ونتيجة وملاحظات وفهرست . وتكون الكتاب بمجمله من 276 صفحة . ونحسب من الأهمية في الإهتمام بتاريخ كتاب أطفال هيدجر ، وبالطبع إن كاتبه مؤرخ وليس فيلسوف ، إن نخبر القارئ بأن بعض مواد وفصول هذا الكتاب قد نشرت على شكل مقالات ، وخصوصاً الفصل الخاص بالفيلسوفة الهيدجرية حانا إرنديت ، والفصل الخاص بالفيلسوف الهيدجري هانز جونز . وكان البروفسور ريتشارد صادقاً وأميناً على تلك الحقيقة الخاصة بتاريخ الكتاب ، فأخبر القارئ في مقدمته بهذا الحال (ص 14) .

  في حين جاء التمهيد بعنوان مُركب من عنوانين ؛ الأول عنوان كوخ هيدجر ، والثاني مفردة ” الذاكرة الميتة ” وهو عنوان قصيدة الشاعر اليهودي بول كلين  (الذي زار هيدجر في صيف 1967) ، وهو من الناجين من محرقة النازيين ، والذي زار هيدجر بعيد الحرب ، وإلتقاه في كوخه الخشبي المطل على الغابة السوداء ، فكان عنوان التمهيد : تودنبيرك (عنوان بيت هيدجر الخشبي الذي إشترته له زوجته الفريدا) و الذاكرة الميتة (هي عنوان قصيدة كلين)(ص ص 1 – 3) وهي فعلاً ثلاثة صفحات فقط  .

   وتحدث الشاعر والفيلسوف في كثير من الأمور . وكان الشاعر يتطلع من زيارته إلى إعتذار الفيلسوف كما روج في الإعلام . إلا إننا نحسب غير ذلك فقد جاء الشاعر ليقف بقرب الفيلسوف الذي إختار مواقف الإنظمام إلى حزب النظام  ومواقف تخفيف من تدمير الطلاب النازيين ووقف زحفهم لحرق الكتب والمكتبات ، ومواقف حماية لطلبته وأصدقائه اليهود . ونحسب إن كلاهما كان ضحية ، فالشاعر كلين كان ضحية النظام النازي وهيدجر كان ضحية مركبة ؛ ضحيةالنظام النازي ودول التحالف التي منعت الفيلسوف الوجودي من التدريس ومن المواد الغذائية له ولعائلته ، وكان طلابه النجباء ومنهم يهود يهربون المواد الغذائية له . فأي إعتذار يتطلعون إليه والفيلسوف هيدجر هو ضحية النظام الذي مال إليه ، وضحية دول الإحتلال التي دمرت بلده .

  ومن ثم وجه الشاعر الدعوة لزيارته وتبادلا الزيارات والأحاديث . وعلى هذا الأساس أحسب إن الحوار الإنساني الراقي بين الشاعر والفيلسوف جسد صورة تفاهم لا تحتاج إلى إعتذار من أفعال جلادي الإنسانية .

الفصل الأول : فصل غريب من ناحية البنية التركيبية . وأحسب كأكاديمي وكاتب متمرس في الكتابة لمدة أكثر من أربعين عاماً ، القول إن من أبسط الأمور في الكتابة هو تطابق العنوان مع محتوى الفصل . فمثلاً جاء عنوان الفصل الأول  الفلسفة ورومانسية العائلة . إن الذي حدث في كتاب أطفال هيدجر ، الفصل ، مدخل : الفلسفة ورومانسية العائلة . ومن ثم عنوان فرعي لاحق : مأزق الحوارية  (ص ص 5 – 10) . وفي الفصل حق وباطل . ولكن غاية المؤلف غير بريئة . وقد إتهم هيدجر بالإنحياز والوقوف مع النازية . فعاد في هذا الفصل ليسقط بصورة واضحة في دائرة الإنحياز والتصنيف الديني المقيت الذي لا ينتمي إليه الفلاسفة ، لأن دين الفلاسفة دين مختلف عن دين الأجداد والأمهات . وقد إعترف المؤلف بهذه الحقيقة . إلا إنه إستمر يعدد أسماء الفلاسفة ومعلميهم في الجامعات الألمانية الذين من إصول يهودية . هذه هي جوهر القضية التي لم يتمكن أن يدركها بروفسور التاريخ ، وهي إن الإنحياز الوحيد والدين الوحيد عن هيدجر وهوسرل وحانا وهانز وكارل لويث وماركوز هي الفلسفة . وفي هذا الطرف من الفصل وردت معلومات غير دقيقة عن الفيلسوف هيدجر في طرحها العام . فمثلاً في السطر ما قبل الأخير من الفقرة الأولى التي بدأ بها الفصل . يقول البروفسور ريتشارد ليون ” إن هيدجر لم ينشر شيئاً ، حتى ظهر عمله المميز الوجود والزمن عام 1927 ” (ص 5) .

  هذا الكلام غير صحيح بصورته الحالية ، والكلام الصحيح هو إن قائمة لمقالات هيدجرالغنية والمتنوعة ، قد ظهرت في مجلات عدة . فقد لاحظنا من خلال مراجعة تاريخ مقالاته ، إنه نشر قبيل تقديم مخطوطة كتابه الوجود والزمن في 8 أبريل 1926 إلى هوسرل في عيد ميلاده السابع والستين ، نقول نشر عشرات المقالات والمراجعات الفلسفية . منها ثلاثة مقالات في غاية الأهمية نشرها في مجلة الأكاديمي عام 1912 ، وهي على التوالي : ما درجات النجاح في دراسة أرسطو بالإعتماد على توما الإكويني ، المشكلة الحقيقية في الفلسفة الحديثة ، والبحث الجديد في علم المنطق .  ومنها مقالاته عن الفيلسوف كانط . وكانت واحدة منها بعنوان : كانط وأرسطو ، والتي نشرتها مجلة ألمانيا الكاثوليكية عام 1914 (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ هيدجر والهيدجرية الجديدة / مقال منجز / سيظهر قريباً على موقع الفيلسوف) . وبعد عشر سنوات  وبالتحديد عام 1924 ظهر شرح مهم على كتابات هيدجر ، سجل فتح في الإهتمام بهيدجر عالمياً . قام به الفيلسوف الياباني هاجيم تانبي (1885 – 1962) في مقالته المشهورة : تحول جديد في الفينومنولوجيا : فينومنولوجيا الحياة عند هيدجر . وبالمناسبة إن الفيلسوف هاجيم تانبي هو من أعضاء مدرسة كايوتو (أنظر للإطلاع : ديفيد ديلورث ؛ الكتاب المصدر عن الفلسفة اليابانية الحديثة / نشرة مطبعة كرين وود 1998) .

  وعودة إلى الفصل الأول من كتاب أطفال هيدجر ، فإننا نواجه عنواناً فرعياً أخراً في هذا الفصل جاء يحمل دراما هيدجرية وعزاء لأطفاله الفلاسفة الأربعة . وكان العنوان سقوط هيدجر (ص ص 10 – 16) . ويبدو إن بروفسور التاريخ قد خلط الأوراق ، فسقوط هيدجر إدارياً وسياسياً لا علاقة له بإنجازاته الفلسفية التي كتب عنها اليابانيون والخاصة بالفينومنولوجيا الجديدة : فينومنولوجيا الحياة ، والوجود والزمن الذي وحده كاف لتخليد هيدجر . وكذلك مشكلة ميتافيزيقيا الأخلاق عند كانط . أقول هذه الثلاثية الفلسفية كافية لوحدها أن تجعل من هيدجر فيلسوفاً خالداً . وهذه الثلاثية تشكل الحاضر المجيد والمستقبل الخالد الذي لم يؤثر عليه سقوط سياسي زائل . وهذا ما فهمه طلابه الذين أطلق عليهم ريتشارد أطفال هيدجر وهم الهيدجريون الجدد الذين رفعوا راية هيدجر عالياً وذهبوا بها إلى شواطئ بعيدة في مضمار فلسفة القرن العشرين .

  وفي عنوان أخر في هذا الفصل جاء بعنوان التحول الهيدجري . ولعل المهم في هذا الطرف (والذي يُؤلم المؤلف ريتشارد : لأن هيدجر فاشي ونيتشه فاشي ) هو إهتمام هيدجر بالفيلسوف نيتشه ، الذي كرس هيدجر سنواته الأخيرة لفلسفة نيتشه . ولعل الطرف الذي فات بروفسور التاريخ أو تجنبه فعلاً ، هو مفهوم هيدجر للفن وعلاقته بنيتشه . ومعروف إن أبحاث نيتشة الجمالية شكلت موضوع إلهام لجيل كبير من الفلاسفة بدءً بهيدجر ورجال مدرسة فرانكفورت الذين كتب عنهم ليون في ثلاثيته : الأول بنجامين فالتر : جمالية الفداء ، وهربرت ماركوز : الهيدجري الماركسي ، ومدرسة فرانكفورت .

   جاء الفصل الثاني بعنوان : الحوار اليهودي الألماني : محطات من التجاهل (ص ص 21 – 29) . وإذا وضعت نفسي في مكان البروفسور ليون من طرف ، والإفادة من التجربة العنصرية اللاإنسانية للنازية لتخليت أولاً من مفردات هذه اللغة التي تنز بالمقابل من تصنيفات عرقية لاإنسانية ، وبالتحديد لفلاسفة من نمط جديد لا يعترفون بعقيدة الأمهات والأجداد التي فيها توظيف سياسي لكوارث لا تقل عن كوارث النازيين . على كل ما دمنا نراجع كتاب أطفال هيدجر ، فلنقبل عليه كما هو . يقول المؤلف في الصفحة الأولى من الفصل ، وفي السطور الأولى تعريفاً بالفصل : أطفال هيدجر هي حكاية الخبرة اليهودية الألمانية . والتي يُطلق عليها بحوليات (تواريخ) الخُداع اليهودي بتمثل  (إمتصاص) الهوية الثقافية الألمانية (ص 10) .  

   إذن هذه هي مشكلة المؤلف ريتشارد وليون وهي ليس مشكلة أطفال هيدجر أو حسب فهمنا هي ليست مشكلة فلاسفة الهيدجرية الجديدة على الإطلاق . هذا طرف من وهم ريتشارد وليون في الإحتجاج على سياسة تمثُل الثقافة الألمانية ، وكون اليهودي الألماني مواطن ألماني أولاً وقبل أي شئ وهذا ما حصل لفلاسفة الهيدجرية الجديدة الألمان (من إصول يهودية بلغة البروفسور وليون) .

  والفصل سار في إتجاهين لهما خطورة على الكيان اليهودي كجزء من المواطنية الألمانية :

الأول – أصوات رفض التماثل للثقافة الألمانية

    وهذا التوجه بدأ سنوات عديدة قبل الحرب العالمية الأولى ، وخصوصاً في تحديات مارتن بوبر (1878 – 1965 قطع علاقته باليهودية وأصبح مفكراً علمانيا ، ومن ثم تحول ليكون محرر لصحيفة إسبوعية لحركة الصهيونية  .  غير إنه إنسحب منها ، وله كتاب مشهور ، يُنظر له على إنه جزء من التراث الوجودي ، وكان بعنوان أنا وأنت ، وظهر عام 1923 ، وقد ترجم إلى الإنكليزية عام 1937 ، للتفصيل أنظر : بامليا فيرمز ؛ بوبر ، نشرة دار بيتر هابلن للناشرين ، لندن 1988) . وهو التحدي الذي يجب أن يتخذ شكل نهضة يهودية ، والتي حددها بكلماته : بأنها ” بعث جديد لليهود من حياة جزئية إلى حياة كلية شاملة ” (ريتشارد وليون ؛ أطفال هيدجر ، ص 28) .

الثاني – النهضة اليهودية في جمهورية فايمر

  وأشار ريتشارد وليون إلى إن النهضة اليهودية الحقيقة ، كانت خلال سنوات جمهورية فايمر ، وإنتهت النهضة اليهودية إلى قدرها القومي المحتوم في الحركة الصهيونية . ولعل بروفسور التاريخ ليون ، يشير إلى ذلك في الصفحة الأخيرة من هذا الفصل ، وبالتحديد في إستشهاده بكلام الصهيوني مورتز كولدستين ، والذي دعا فيه اليهود عشية الحرب العالمية الأولى ، حيث قال : الدراما اليهودية ، والرواية اليهودية لم تُكتب بعد . إن خلق النموذج اليهودي الجديد – ليس في الحياة الواقعية  ، ولكن في الأدب ، وهو الأكثر أهمية في هذا المضمار … إذن مطلوب من الكتاب اليهود أن يعملوا بجد ونشاط (المصدر السابق ، ص 29) .

   ماذا كان رد فعل الألمان على هذه النزعة القومية اليهودية ، نزعة قومية ألمانية أشد منها ، تتوجت بصعود هتلر في الثلاثينيات (المصدر السابق) . وأول ما نشد تحقيقه هو حرق اليهود في معسكرات الإبادة التي بناها في عموم الأراضي التي أصبحت تحت سيطرته . ويبدو إن التاريخ شاهد على نهاية الحركات القومية في حروب مدمرة للذات والأخر . وتحول تاريخها الى روايات حروب القتل والدمار .

 أما الفصول الثالث والرابع والخامس والسادس ، فهي الفصول الخاصة بأطفال هيدجر ، وهم حانا إرنديت (1906 – 1975) ، كارل لويث (1897 – 1973) ، هانز جونز (1903 – 1993) ، وهربرت ماركوز (1898 – 1979) .

    وفي الفصل الثالث  الذي خصصه رتشارد ليون في الحديث عن حانا إرنديت ومن خلاله رتب هجومه على فيلسوف الفلاسفة مارتن هيدجر(المصدر السابق ، ص ص 30 – 69) .  لقد بين المؤلف إن مشكلة الفيلسوفة حانا إرنديت ، هي مشكلة تمثل أو تشرب الثقافة الألمانية مئة في المئة ، فقد ولدت في عائلة لم تُذكر في حياتها كلمة يهودي على الإطلاق . وهذا غير صحيح حتى وإن جاء على لسان حانا (المصدر السابق ، ص 39) . فمن الثابت إن والديها العلمانيين ، قد سمحا لها أن تذهب مع أجدادها كل سبت إلى المعبد اليهودي ، وكان صديق العائلة الحاخام اليهودي يزور العائلة ومهتماً بالطفلة حانا ، والتي أعلنت من جانبها  في إنها قررت أن تتزوج من الحاخام ، فعلقت والدتها بأن الحاخام سوف يُحرم عليك أكل لحم الخنزير (الهام)  . هذا مثال على عدم دقة بروفسور التاريخ ريتشارد وليون . المثال الأخر الذي أسوقه من هذا الفصل والأمثلة كثيرة ، عندما تكلم عن كتاب الفيلسوفة حانا أرنديت الرائعة في مضمار الفلسفة السياسية المعنون الأنظمة الشمولية (أو الدكتاتوريات) والتي قارنت فيه بين الدكتاورية النازية والستالينية . وبروفسور التاريخ إعترف بمكانته في مضمار كتب الفلسفة السياسية في القرن العشرين . ولكن كعادته إنطلق منه لينتقد الفيلسوفة حنا ، ويشن هجومه على الفيلسوف هيدجر . فقال بالحرف الواحد كل ماقالته حانا صحيح فيما يخص الربط بين الدكتاتوريتين ؛ النازية والستالينية . لكن فاتها بأن فيلسوفها الحبيب هيدجر ، هو ” فيلسوف الديكتاتورية النازية ” (أنظر : أطفال هيدجر ، ص ص 32 – 33) .

    صحيح إنه وجد في إطروحة حانا للدكتوراه التي أشرف عليها الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز ، والتي كانت بعنوان مفهوم الحب في فكر القديس أوغسطين ، مجالاً في إستغلال أراء حانا ضد أستاذها الحبيب هيدجر (أطفال هيدجر ، ص 42) . لكن فات بروفسور التاريخ مقالاً في غاية الأهمية ، كتبته حانا بعنوان هيدجر الثعلب ، والذي نشرته أولاً في مجلة الفكر في عام 1953/ ترجمه إلى الإنكليزية روبرت وريتا كمبر / ومن ثم نشر في كتاب حانا الواسع الإنتشار :  مقالات في الفهم (أو في الفكر) (أنظر : حانا أرنديت : مقالات في الفهم (1930 – 1954) / نشرة الولايات المتحدة الأمريكية 1994 ، ص ص 361 – 362 ، وأنظر ترجمتنا للمقال إلى اللغة العربية أعلاه) والذي ستعقب عليه بمقال مقابل زوجة هيدجر الفريدا بيتري . وأحسب إن الفريدا لو ظلت حية لتصدت لهذا الكتاب بقوة وفندت دعاوي بروفسور التاريخ . لكنها رحلت من هذا العالم عام 1992 .

  أما الفصل الرابع فقد ركز فيه المؤلف الحديث عن كارل لويث (أطفل هيدجر ، ص ص 70 – 100) . إن  مشكلة الفيلسوف الهيدجري الجديد لويث مع المؤلف ريتشارد، إضافة إلى كونه طفلاً من أطفال هيدجر ، فهو فيلسوف علماني (وفيلسوف عدمي بلغة ريتشارد) مُشايعاً لنبي العدمية نيتشه . وإنه إستبطن نفساً رواقياً في كتاباته للأزمة التي تمر بها أوربا . وقد فات على مؤرخ التاريخ ريتشارد بأن جميع مكونات الفكر اللاهوتي للآديان السماوية ، وخصوصاً الأديان الثلاثة : اليهودية والمسيحية والإسلام قد إستبطنت الكثير الكثير من الفكر الرواقي (ونحسب إن عدداً ملحوظاً من لاهوتي الأديان الثلاثة كانوا فعلاً رواقيون) فهذا ليس بعيب في تفكير الهيدجري لويث بل عنصر قوة في فترة تاريخية نحسبها كانت في إزمة إخلاقية .  وهو فوق كل ذلك جمع بين ” ماكس فايبر وكارل ماركس في كتابه المعنون من هيجل وحتى نيتشه والصادر عام 1932) (أطفال هيدجر ، ص 71) .

  إن مشكلة الفيلسوف الهيدجري لويث بمنظار الكاتب ريتشارد ، إنه سقط ضحية في ” محيط العدمية النيتشوية ” . يقول المؤلف واصفاً حال الفيلسوف لويث :

وهكذا فبالنسبة إلى لويث ، نيتشه هو نبي أوربا الإخلاقي ، ونبي العدمية الفكرية ، ونصيراً للإرادة الجذرية (الراديكالية) لقيم التأكيد الذاتي .. وفكر نيتشه ممزوج بفكر الحداثة الفاوستي . وفعلاً بعد موته في النصف الأول من القرن حدثت كل الكوراث التي تنبأ بها . ولويث مقتنع بأن مصطلح نيتشه ” العدمية النشطة ” قد ساعدت في تمهيد الطريق ” (اطفال هيدجر ، ص 75) .

  صحيح إن الفصل خاص بالهيدجري لويث . إلا إن هدف المؤلف شن هجمة من خلاله على هيدجر (وبالطبع على نيتشه كذلك) .  يقول لويث ما لا يُحب أن يسمعه المؤرخ ريتشارد :

 1 – ” إن الفلسفات الخالدة لكل من نيتشه وهيدجر قد تصالحت وعقدت معاهدة سلام (وبطرق مختلفة) بينها وبين مواقف العدمية الحديثة ” (أطفال هيدجر ، ص 78) .

2 – ” إذن  ، ورغم بصيرة لويث كمؤرخ للفلسفة ، وناقد لروح الحداثة ، يبدو إن التشويهات وإنحيازات المزاج الفلسفي لمعلمه هيدجر قد ظهرت على السطح ، وكانت أبعاد أساسية في تفكير لويث في مرحلة النضوج ” (المصدر السابق ، ص 79) .

3- ويختتم ريتشارد هذا الفصل بهجومه على الأستاذ هيدجر والتلميذ لويث على حد سواء ، فيقول : ” لقد فسر كل من هيدجر ولويث الحداثة بمعاني ” العقل الأداتي ” ، وتجاهلا بصورة أكيدة اوجه الحداثة التي لا يمكن إختصارها في حدود العقل الأداتي . وتعجلا فكتبا عن تقدم الأخلاق الكونية التي بالمصادفة فتحت الطريق أمام الديمقراطية والمنافع الإجتماعية .. ” (المصدر السابق ، ص ص 99 – 100) .

  وجاء الفصل الخامس ليلقي الضوء على الفيلسوف الهيدجري هانز جونز ، وهو رفيق العمر للفيلسوفة حانا إرنديت وتلميذ الفيلسوف هيدجر (المصد السابق ، ص ص 101 – 133)  . وهدف بروفسور التاريخ  شن هجوم على المعلم بشراسة وبالطبع على التلميذ الفيلسوف الهيدجري الجديد جونز المستهدف في الفصل . ولكن مع إختلاف ، فقد كان جونز شخصية متفردة ، فكانت شخصية مزدوجة التكوين (وهذا ما جعل جونز يختلف عن حانا ولويث في نزعتهما العلمانية أو على حد تعبير ريتشار يهود بلا يهودية) فقد كان مهتماً بالفلسفة ومرابطاً قوياً لدراساته في اللاهوت اليهودي . فقد كان حوارياً للفيلسوف هيدجر ، وحوارياً في اللاهوت للأكاديمي  لرودلف بولتمان (1884 – 1976) . وفعلاً فقد كتب إطروحته بعنوان الدين الغنوصي ، وتحت إشراف هيدجر وبولتمان (أنظر : محمد جلوب الفرحان : هيدجر والهيدجريون الجدد / بحث منجز سيظهر على موقع الفيلسوف قريباً) .

  كان هذا الفصل مقالة عادية عرضت كتابات ومعاناة جونز ، وفيها القليل من النقد مقارنة مع أطفال هيدجر : حانا ولويث ، ولكن المؤلف تصدى في نص مهم من الفصول السياسية لكتاب جونز المعنون شروط المسؤلية ، فأشار إلى تبني جونز وجهة نظر كتاب تدهور الغرب (إسوالد إشبنجلر) ، وهي الوجهة التي تختلف بدرجات من وجهة نظر هيدجر . ومثل كل رجال الثورة القومية الألمان ، جونز يفترض ” إن الديمقراطية الليبرالية ، تقع خارج إطار المستقبل ثقافياً وتاريخياً ” (أطفال هيدجر ، ص 125) . وهذا الكلام للفيلسوف الهيدجري جونز أغاض بروفسور التاريخ ريتشارد وليون .

  ونحسبُ إن حالة الوجع التي عاشها الفيلسوف الهيدجري الجديد جونز والخيارات الكارثية التي مر بها ، رجحت مواقف له بإتجاه الفلسفة وإتجاه إستاذه الفيلسوف هيدجر . فقد عاش بعيد صعود هتلر متشرداً في لندن ومقاتلاً في صفوف الجيش البريطاني ، ومشاركاً في القتال في تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين ، ومن ثم عانى محنة شخصية مؤلمة تمثلت في جريمة قتل أمه في ألمانيا ، فقرر بكلماته أن يعود إلى ألمانياً فاتحاً . وفعلاً دخل إلى ألمانيا ببزته العسكرية البريطانية . وعاد إلى فلسطين وقطع علاقته بالحركة الصهيونية وتفرغ للفلسفة كلية . وبعد تدريس فصل دراسي في الجامعة العبرية ، هاجر إلى كندا ودرس في جامعة ميكل في أتوا ، ومن ثم إستقر في نيويورك في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي مع زميلة العمر حانا إرنديت وكارل لويث .

  كل هذه الأمور حملته على ترك الفلسفة ، ومن ثم اللاهوت الذي نشط فيه في الفترة التي تعرف بما بعد الهولكوست (الإبادة / المحرقة) . فتركهما مشتغلاً في مضماري فلسفة البيئة ، فأصبح رائداً في حركة البيئة الألمانية . وفي مضمار أخلاق البايولوجيا فكان رائداً في دائرة أبحاث الأخلاق العلمية / البايولوجيا في أمريكيا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ هيدجر والهيدجريون الجدد (مصدر سابق)) .

  وتناول في الفصل السادس الفيلسوف الماركسي وتلميذ هيدجر هربرت ماركوز (المصدر السابق ، ص ص 134 – 172) ، وهنا وقع المؤلف في حرج ، فماركوز عضو من أعضاء مدرسة فرانكفورت *، ومن الجيل الأول للمدرسة  ، وهابرمس من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة فرانكفورت النقدية وإتجاهاتها الفكرية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس ربيع 2012 ، المحور المعنون الجيل الأول من مفكري مدرسة فرانكفورت) 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجيل الثاني . والمؤلف قد أهدى كتاب أطفال هيدجر إليه (إعجاباً وإعترافاً) . وهابرمس هو الناقد الشرس لهيدجر والنشط مع قوات الإحتلال التي دمرت ألمانيا  ، وهو الذي يشعر أمام هيدجر بعقدة نفسية عميقة ، وهي إرتباطه بالنظام النازي حاله حال هيدجر وبصورة أكثر تطرفاً ، وبحالة لا شعورية هاجم هيدجر ، وللباحث المدقق في سيرة هابرمس ، يعرف جيداً إن هابرمس إلتحق بمنظمة شباب هتلر ، وتطوع مقاتلاً للدفاع عن النظام النازي ضد قوات الحلفاء وخصوصاً القوات الأمريكية . هذه هي عقدة هابرمس* التي حملته على الهجوم على هيدجر ، الذي هو في الحقيقة الهجوم على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الإشكال الفلسفي في فكر يورغن هابرمس / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس ربيع 2012 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هابرمس المقاتل في صفوف الجيش النازي . ويبدو إن هذا المرض النفسي وهذا الوهم النازي نقله هابرمس إلى تلميذه البروفسور ريتشارد وليون ، والذي جسده في كل صفحة بدءً من العنوان وحتى أخر سطر من النتيجة .

  بدأ الفصل بمشكلة منهجية وقع فيها المؤلف ريتشاد وليون ، وهي مشكلة تصنيف تفكير هربرت ماركوز ، ففضل وضعها في عنوان مُشكل بحد ذاته : هربرت ماركوز من الماركسية الوجودية وإلى الهيدجرية اليسارية . وماركوز في التقويم الأخير هو عضو من أعضاء مدرسة فرانكفورت النقدية ، التي إمتصت إصولها الفكرية من  مشارب متنوعة الهيجلية والماركسية ولوكاش وفرويد ، كما وإنفتحت على الكانطية وإستبطنت أشياء من الوجود والزمن للفيلسوف الوجودي الفينومنولوجي مارتن هيدجر . ويعرف الكاتب إن ماركوز كما صنفه هو واحد من أطفال هيدجر (ونحن قد تحفظنا على ذلك) . فكيف الأن تحول إلى هيدجري يساري . هذا ما أراده المؤلف وذلك لخلق مجال يمكن فيه إستثمار ماركوز في نقد ما يمكن الإصطلاح عليه بالأرثوذوكسية الهيدجرية.

  على كل درس هربرت ماركوز على يد هيدجر في فترة متأخرة زمنياً نسبياً عن فترة أطفال هيدجر الثلاثة : حانا ولويث وجونز ، على الرغم من إنه كان أكبر من حانا بثمانية سنوات ، فإنه بدأ دراسته بعدها مع هيدجر ، بحدود أربع سنوات (كانت دراسة ماركوز مع هيدجر من 1928 وهي سنة صدور كتابه الوجود والزمن ، وإستلامه رئاسة قسم الفلسفة وريثاً لأستاذه أدموند هوسرل ، وإستمر ماركوز تلميذاً لهيدجر حتى عام 1932 أي قبل عام واحد من التحولات الدرامية في حياة الشعب الألماني والبروفسور هيدجر) . هذا طرف من حيرة المؤلف ريتشارد وليون . 

      أما الطرف الأخر من الحيرة ، فإن المؤلف تورط في تداول إصطلاح جديد  ،وهو ” الماركسي الهيدجري ” (أطفال هيدجر ، ص 135) . ثم يعود المؤلف فيزيد الأمر أكثر حيرة ، حين يعلن ” إن ماركوز لم يقتنع على الإطلاق بكونه هيدجري ، رغم إهتمامه بفكر هيدجر ” (المصدر السابق) . هذا هو طرف من الرصيد الماركوزي الذي نشد المؤلف إستثماره ومن ثم تحريكه لنقد هيدجر . ونحاول هنا عرض بعض الأمثلة :

1 – يقول ماركوز برواية المؤلف ريتشارد وليون ” ماذا حدث بعد فشل الثورة (1921 ومقتل كارل ورفيقته روزا لوكسمبيرك) ؟ وهو سؤالنا الحاسم . بالتأكيد الوضع التربوي – التعليمي في ذلك الوقت ، والذي كانت في المشهد الأكاديمي هيمنة للكانطية الجديدة والهيجلية الجديدة . وفجأة ظهر الوجود والزمن ، والذي كان فلسفة واقعية حقيقية . فالكتاب كان يتحدث عن الحياة ، والوجود ، والأخرين ، والموت والعناية . لقد ظهر هذا الكتاب وكأنه يتحدث إلينا ” (المصدر السابق ، ص 136) .

2 –  وظف المؤلف من أجل الهجوم على هيدجر ، أجزاء من مقابلة عام 1971 أعلن فيها ماركوز عن فشل المحاولة الجامعة بين الماركسية والوجودية . حيث قال : ” أعتقد .. إن هناك بعض الترابط بين الوجودية والماركسية ، وذلك لكونهما يؤكدان بإصرار على التحليل الواقعي (الكونكريت) للوجود الإنساني الحقيقي ، والموجودات الإنسانية وعالمهما . ولكنني تحققت بأن واقعية هيدجر هي واقعية زائفة ، وواقعية كاذبة . ولذلك كانت في الحقيقة فلسفته هي نوع من التجريد الذي إنفصل وغادر الحقيقة ، شأنها شأن كل الفلسفات التي كانت لها هيمنة في الجامعات الألمانية (المصدر السابق ، ص 137) . وهكذا حقق المؤلف ريتشارد وليون غرضه وذلك بإستثمار واحداً من أطفال هيدجر في نقد هيدجر والخروج على سلطته الأبوية حسب مصطلح المؤلف ” أطفال هيدجر” .

3 – يشرح المؤلف في طرف من الفصل تمرد الطفل ماركوز على سلطة الأب هيدجر ، فيرى إن ماركوز خرج على هيدجر في عام 1933 بعد إعلان هيدجر مساندته للنظام النازي (وبالطبع القضية برمتها سياسية وليست فلسفية) . فكل شئ تغير بمنظار المؤلف ، ولم يبقى أطفال هيدجر أطفال ، ولا الأب هيدجر أباً روحياً لهم . حيث يقول المؤلف : ” ونتيجة لذلك ، نلحظ بإندهاش بأن الممالات للهيدجرية والتأثيرات الهيدجرية قد تلاشت وغابت تماماً من أعمال ماركوز الفلسفية في مرحلة النضوج ” (المصدر السابق ، ص 167) .

4 – في الفقرة الأخيرة من الفصل يتخلى ماركوز عن طفولته الهيدجرية (لأنها طفولة مخترعة بقلم المؤلف  كما قلنا سابقاً وهو إبن غير بار لهيدجر ، وهو مختلف عن طينة حانا ولويث وجونز) ويعود ماركوز مع المؤلف إلى مدرسة فرانكفورت وهذا منبته الأساس ليعمل مع قوات التحالف في دائرة الإستخبارات . ولنترك المؤلف ريتشارد يقول الحقيقة بلسانه دون رتوش :

ونتيجة لكل ذلك ، فإن المنظرين النقديين صادقوا على وجهة نظرالماركسية التقليدية  في الديمقراطية ، التي هي المسار للديمقراطية الحقيقية ، أو كما نبه فالتر بنجامين (وهو من أعضاء مدرسة فرانكفورت) فقال : ” مادام هناك إبن سبيل واحد ، فإن هناك إسطورة ” (المصدر السابق ، ص 172) .

  وقبل غلق صفحات كتاب أطفال هيدجر للأكاديمي ريتشارد وليون ، أود أن أقف على نتيجته (أطفال هيدجر ، ص ص 233 – 237) التي ختم بها كتابه . ففيها خلاصة موقفه الذي حملته صفحات كتابه البالغة 232 صفحة  . وقبل كل شئ أضع عبارة المؤلف التي بدأ بها النتيجة في متناول القارئ الكريم لأن فيها الكثير من حقيقة منهجه الغريب ، وأحاول للتبسيط تقسيمها إلى جزئين :

 1– فيها رد على زملائه المؤرخين الذين وجدوا في تخليه عن المنهج التاريخي ، معياراً غريباً دفع به إلى تعطيل المنهج التاريخي في فهم ما حدث في ألمانيا ، والشعب الألماني عامة ، وخيارات الفيلسوف مارتن هيدجر خاصة . يقول ريتشارد وليون بالحرف الواحد :

بُعيد فترة قصيرة من إكمال دراستي المبكرة ” فكر هيدجر السياسي ” كتب عنها مراجعة ميشيل أبولافاي (أنظر : ميشيل أبولافي ؛ سياسات الوجود : فكر هيدجر السياسي / المجلة العالمية للفلسفة 1991) والذي قيم نتائج دراستي ، وتساءل عن درجات النجاح في تقييم تراث هيدجر الفلسفي بمعايير السياسات الديمقراطية . وأنا من طرفي لم أستخدم معايير غريبة ” (أطفال هيدجر ، ص 233) .

2 –  وفي رده على المنهج التاريخي الذي إستخدمه كاتب السيرة الذاتية للفيلسوف هيدجر ، الكاتب نولتي ، الذي رأى بأن :

 ” إختيار هيدجر للإشتراكية الوطنية عام 1933 هو خيار صحيح ” . المسألة لم تنتهي عند المؤرخ الذي رفض المنهج التاريخي ، فأسس نتيجة على ” خيار هيدجر وألمانيا ” ، فقال : ” إن خيار هيدجر (وألمانيا) كان منحازاً بصورة متطرفة ضد مصالح نصف مليون (وبكلماته 500000) مواطن يهودي ألماني . إنه الخيار الذي وضع مستقبل أوربا في كارثة ” ( أطفال هيدجر ، ص 233).  إن ما أذهلني هو الرقم المتواضع لنفوس المواطنين اليهود الألمان (نصف مليون) الذي هو رقم قليل جدا جدا ، ولا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال مع المتداول ” وهو إن هتلر ونظامه النازي أباد في معسكراته 6 مليون يهودي ” .

  أحسب إن المؤرخ مطالب بتقديم تفسير للقارئ حول ما خلقه من تناقض بين عدد المواطنين الألمان اليهود (نصف مليون) والثابت عند المؤرخين ، وهو ” إن هتلر أباد 6 مليون مواطن يهودي أوربي ” . ويبدو هنا إن المؤرخ ريتشارد وليون قد وقع في ” فخ اللاسامية ” وهي السُبة التي وجهها للفلاسفة اليهود الهيدجريون (أطفال هيدجر : حانا ، لويث وجونز وبدرجات أقل ماركوز) عندما وصفهم بأنهم :

                ” يهود بلا يهودية مرة ، ولا ساميين مرة أخرى ” .

 وعلى هذا الأساس نناقش نتيجة المؤرخ الذي تخلى عن منهجه التاريخي ، وختار منهج مقصود منه تهشيم صورة فيلسوف كبير عجز عن قراءة فلسفته بمنهج فلسفي متوازن 

، فأشتغل على المواقف السياسية لفترة عصيبة عاشها الشعب الألماني بكل فئاته تحت مظلة النظام النازي الدكتاتوري  :

أولاً – إن الموضوع الذي شغل بال المؤلف هو نازية الفيلسوف هيدجر ، وليست فلسفة هيدجر وفلسفة أطفاله الثلاثة (حانا ، لويث وجونز) والتي حاول المؤلف أن يحاكم أطفال هيدجر على أساسها . أما الطفل الرابع هربرت ماركوز فأمره مختلف .

ثانياً – إن الكتاب يرفض بإصرار دراسة فلسفة وفكر هيدجر على أسس ومعايير منهجية فلسفية . ويلح على دراسته في ضوء معايير الديمقراطية الليبرالية وهذه مسألة نبه إليها زملاء المؤلف .

ثالثاُ – إن المؤلف في هذه النتيجة يُدافع عن معاييره الديمقراطية في تقويم سياسات هيدجر وأطفاله . ويُخبرنا بأن عدداً من المراجعين لكتبه حول هيدجر ، قد نبهوا إلى عدم سلامة ما أسموه ” بمعاييرنا الديمقراطية ” في تقويم التاريخ الألماني في فترة عصيبة جداً ، وهي الحقبة النازية ، وبالتالي فكر وفلسفة هيدجر وأطفاله .

رابعاً – لقد قلنا إن ماركوز ماركسي وليس هيدجري جديد . إلا إن المؤلف إختاره طفلاً من أطفال هيدجر ، وكان لغايات غير بريئة فهو لا يتناغم بفكره مع فلسفة أطفال هيدجر الثلاثة (حانا ، لويث وجونز) ، ولذلك إستغله لنقد الأطفال الثلاثة ، الهيدجرون الجدد . إن ماركوز زميل لهابرمس وعمل مع هابرمس في المدرسة الجديدة (النسخة الأمريكية لمدرسة فرانكفورت النقدية) للبحث الأجتماعي . ومؤلف الكتاب عارف بهذه الحقيقة . وهذه ضميمة هابرمسية إستبطنها المؤلف ريتشار وليون وإستغلها إستغلالاً نافعاً .  

  وفي الختام نختار العبارة الأخيرة من النتيجة والكتاب برمته والتي تكشف عن خواء منهجه الأكاديمي الذي إختاره في نقد هيدجر وأطفاله . يقول ريتشارد وليون :

 إن الفهم الوحيد لأطفال هيدجر ، هو إنهم ثمنوا إرتباطهم وعلاقتهم بالكارثة الألمانية التي برهنت على إمكانيتهم في إقامة العدل بالإعتماد على سلطتهم وميراثهم الفلسفي المعقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للتفاصيل أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ أطفال هيدجر : إنموذج من الكتب الأكاديمية التي إفتقدت إلى مشروعيتها / موقع الفيلسوف / 10 إكتوبر 2012 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حضور مارتن هيدجر في كتابات الفيلسوفة خانا إرنديت            

  ولا نحسب إن الجدل الذي دار حول هيدجر السياسي مهم جداً من الزاوية الفلسفية ، وهو لا يتناسب والتقويم الحقيقي لفلسفة هيدجر ، التي تحولت بإنجيلها : الوجود والزمن إلى ثورة عارمة عمت كل المباني الفلسفية لعدد من