مجلة أوراق فلسفية جديدة / الإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية (مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي) / العدد العاشر / ربيع 2013

أوراق فلسفية جديدة

الفلسفة / حُب الحكمة        الفيلسوف / مُحب الحكمة

الفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10

الكتاب الجديد للدكتور محمد  الفرحان

الإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية

مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي

القسم الأول

مع العدد كتابنا المسلسل

الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة

حانا إرنديت (1906 – 1975) (بالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل)

3

الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN      Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – أُنتاريو – كندا

رئيس التحرير – الدكتور محمد الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

يُفضل قراءة هذا العدد بصحبة الإستماع إلى رائعة الموسيقار الفرنسي كلود ديبوسي (1862 – 1918) والمعنونة الأرابسك (فن الزخرفة العربية) والتي كتبها في العام 1888 وهذه الرائعة الموسيقية تتألف من قسمين وكانت من أعماله الأولى ، والتي شكلت ما يُعرف بالموسيقى الإنطباعية (وهي موجودة على اليوتيب) .

مجلة أوراق فلسفية جديدة

الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة

لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة يكتبها أكاديمي – فيلسوف واحد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذا العدد :

1 – في جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يُونان

2 – المدارس الفلسفية : قراءة في مدخل ديوجانس لارتيوس

3 – الحكماء السبعة : مقدمة ديوجانس لارتيوس الفلسفية الناقصة

4 – تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم

5 – المدرسة الطبيعة الأولى : طاليس برواية ديوجانس لارتيوس

6 – المدرسة الطبيعية الأولى : إنكسيمندر برواية ديوجانس لارتيوس

7 –  المدرسة الطبيعية الأولى : إنكسيمانس برواية ديوجانس لارتيوس

8 – المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة

9 – تاريخ المدرسة الكلبية بعد الميلاد

10 – وشاركتنا الدكتورة نداء إبراهيم خليل في القسم الثالث من كتابنا المسلسل الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية حانا إرنديت ، والمعنون : الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز (القسم الأول) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر/  2013

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

المقدمة : في جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يُونان

الدكتور محمد الفرحان

  من الثابت القار في دوائر علم الفلك والتنجيم اليونانيين خاصة ، ودوائر التفكير الديني والفلسفي اليونانيين عامة الإعتراف بأن هناك جسوراً من الأتصال ، ومن ثم الأخذ والتفاعل قد حدثت بين منتوجات العقل البابلي وعقل العم يُونان وفي مراحل تاريخية متقدمة على ولادة السيد المسيح على الأقل بسبعة قرون ، وبالتحديد مع تباشير شروق شمس الفلسفة اليونانية على يد طاليس فيلسوف اليونان الأول (إن أبحاثنا في هذا العدد تصحح الخطأ الشائع ، والذي يردد ليل نهار على إن طاليس هو فيلسوف اليونان الأول الوحيد ، هذا غير صحيح وإنما كان هناك فلاسفة أخرون معاصرون له ، وخصوصاً في قوائم ما يُسمى بالحكماء السبعة (أو حسب ديوجانس لارتيوس الأثنتا عشر وفي رواية أخرى السبعة عشر) ومنهم من تقدم عليه وفقاً لكتاب فرق الفلاسفة ، الذي كتبه أبولدورس وهو واحد من مصادر ديوجانس لارتيوس في كتابه الشهير حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . وبالمناسبة إن كتاب فرق الفلاسفة قد ضاع وطواه النسيان بُعيد إنجاز ديوجانس لارتيوس كتابة موسوعته حياة وآراء  ، وللقارئ نقول إن كتاب فرق الفلاسفة سيتردد ذكره في أطراف من مباحث هذا العدد .

  الحقيقة إن جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يُونان ، ليس حلماً فنطازياً لفيلسوف عراقي – بابلي ، وإنما هي حصيلة قراءات عميقة وواسعة لإمهات كتب وموسوعات تاريخ الفلسفة اليونانية القديمة منها وخصوصاً التي كُتبت في العصريين الهيليني والهيلينستي ، والتي تُرجمت إلى الإنكليزية وهذا ماتُدلل عليه أبحاثنا وكتبنا ومشاريع أبحاثنا المتنوعة خلال ما يُقارب الأربعة عقود مضت . ولهذا نقول للقارئ والباحث في مضمار الفلسفة اليونانية ، إن الحديث عن جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يونان ، هو هم أكاديمي ، وكدُ فلسفي جمع كل الشذرات المتناثرة في أمهات مصادر الفلسفة اليونانية ، والتي تُجمع على إن مثل هذا الإتصال قد حدث فعلاً ما بين منتوجات العقل البابلي وفلاسفة العم يُونان . وهنا نقدم أمثلة منتخبة تدلل على نماذج من الأتصال البابلي – اليوناني :

أولاً – زيارة طاليس لبابل وجلب معه الجداول الفلكية الكلدانية

     حقيقة إن هناك إجماع بين الباحثين في بواكير التفكير الفلسفي اليوناني ، على إن طاليس قد إعترف بأنه زار بابل ، وإطلع على الفكر الفلكي الكلداني وهذا ما تؤكده كتب تاريخ الفلسفة اليونانية . ونود هنا أن نوضح مسألة إرتبكت على مؤرخي الفلسفة اليونانية قديماً وحديثاً . وهي إنهم فشلوا في إدراك معاني ودلالات اللفظة كلداني . ونقول لهم إن كلمة كلداني تعني عالم الفلك وتدل على وظيفته وهي مراقبة أو رصد حركة الأفلاك في القبة السماوية .  وفعلاً فإن طاليس جلب معه إلى أيونيا الجداول الفلكية الكلدانية ، والتي على أساسها تكهن طاليس بالتاريخ الدقيق لوقوع كسوف الشمس ، والتي إرتبط توقعه بحصاد وفير لمحصول الزيتون . فقام طاليس بتأجير معاصر الزيتون وجنى أرباحاً وفيرة .

ثانياً – إقترح طاليس على تلميذه فيثاغوراس بزيارة بابل

    فعلاً إن ما تذكره بعض المصادر التاريخية القديمة إن طاليس إقترح على فيثاغوراس بزيارة بابل والإتصال بالحكمة البابلية (الرياضية) عامة ومنها الكلدانية (الفلكية) خصوصاً . ولعل قارئ مصادر الإفلاطونية المحدثة التي كتبت عن حياة فيثاغوراس (وخصوصاً نصوص فرفريوس الصوري وإمبيلكوس السوري) يلحظ إنه زار بابل وإتصل بعلمها الرياضي ، وجلب معه ما يُعرف بمبرهنة فيثاغوراس ، التي يتردد صداها في كل كتب الرياضيات اليونانية أو الفصول التي كتبت في موسوعات الرياضيات الحديثة والمعاصرة . وهي في الحقيقة مبرهنة عراقية أبدعها العقل الرياضي العراقي (أو الكلداني البابلي) كما تجمع نتائج الأبحاث الأركيولوجية التي حفرت في المناطق الحضارية العراقية ، والتي أنجزها جهابذة من علماء الأثار من جامعات غربية وشرقية متنوعة .

  وكذلك فقد جلب فيثاغوراس من بابل التي تجول فيها أو من أقاليم كانت تقع يومذاك ضمن الحدود الجغرافية للمملكة البابلية (أجزاء من بلاد الشام أو سوريا) . نقول جلب معه تعاليم الأورفية أو عقائد أورفيوس ، وهي شكل من الأخوة العقدية (ذات طبيعة فلسفية – دينية) خصوصاً في عقيدة النفس التي ستترك أثرها على الفكر الفلسفي اليونانية من خلال عبورها من مسارات عقائد الفيثاغورية إلى إفلاطون ومن ثم إلى الفلسفة الغربية حتى يومنا الحاضر هذا طرف .

 وإن الطرف الثاني هو التكوين الأخوي للأورفية (إخوة دينية أو الأصح إخوة عقدية ذات طبيعة فلسفية تدور حول عقيدة النفس ..) وعلى أساس ذلك كون فيثاغوراس إخوته الفيثاغورية التي هي في جوهرها إحياء لفكرة الأخوة الأورفية التي جلبها من مملكة بابل الكبرى . ويبدو إن إهتمام فيثاغوراس بالموسيقى الدينية عبر له من خلال الأورفية البابلية . ولعل تراتيل الفيثاغورية التي كانت تصدح خلال الطقوس اليومية في المدرسة الفيثاغورية ، هي تراتيل أورفية .

ثالثاً – إحتلال الإسكندر ونشوء المدارس الفلسفية الرواقية في بابل

   بعد إحتلال الأسكندر (353 – 323 ق.م) للعراق ، ومن ثم موته في بابل المفاجئ (وبالتحديد في قصر نبوخذ نصر) والتي إتخذها عاصمة ومركزاً لعملياته الحربية . فإن جنرالاته وخصوصاً سلوقيا / نيكاتور (358 – 281) قد نجح في السيطرة على العراق بعد معارك طاحنة وأسس مملكته السلوقية (التي إمتدت من 312 – وحتى 64 ق.م) ، والتي إستمرت في البداية من بابل عاصمة لها . ولكن خليفته فكر في إنشاء عاصمة جديدة تعكس الهوية الجديدة للمملكة ، فأسس عاصمته الجديدة سلوقيا التي تقع على ضفاف دجلة الخالد (وهناك قصة حول تأسيس وإستشارة علماء الفلك البابليين / الكلدان) ، والتي تقع في الجهة المقابلة لعاصمة الفرس في العراق قبل تدمير الإسكندر لإمبراطوريتهم .

  المهم في أمر الإتصال بين بابل والفلسفة اليونانية ، هو إن السلوقيين أنشأوا الكثير من المدارس الفلسفية الرواقية . ولعل أشهرها المدرسة الرواقية البابلية (أو مدرسة سلوقيا الرواقية) والتي تخرج منها الفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي ، والذي سيصبح رئيس المدرسة الرواقية في أثينا بعد إن شد الرحال وذهب هناك لإكمال دراساته الفلسفية ، وأصبح له حواريين ومنهم من خلفه في قيادة المدرسة الرواقية في أثينا .

رابعاً – تعاون رجال اللاهوت البابليين مع السلطات اليونانية (السلوقية)

   ذكرنا سابقاً بأن سلوقيا / نيكتور أتخذ من بابل عاصمة لمملكته الجديدة ، وكانت بابل مركز العلم واللاهوت . وفعلاً فقد إستمرت مكانة الكهنة البابليون ، وخصوصاً الكلدان / رجال الفلك الذين كانوا مقربين من الحكام السلوقيين ، يستشيرونهم في أمور الحياة والحرب (وقراءة الطالع من حسن وسئ) . وهكذا كان تعاون رجال اللاهوت البابليين قد إتخذ شكليين سلبي وإيجابي . وكان حرصهم هو رفض الفكرة السلوقية في نقل عاصمتهم من بابل إلى مدينة جديدة ، بل والعمل على إفشالها . وفعلاً لما سألهم الحاكم السلوقي عن قراءة الطالع وتحديد الوقت المناسب لبداية العمل في تأسيس العاصمة الجديدة ، قدموا الكثير من القراءة غير السارة في إنشاء العاصمة الجديدة . وفي النهاية إكتشف الحاكم السلوقي خطة رجال اللاهوت البابليين في إفشال فكرة الإنتقال وتعطيل مشروع إنشاء عاصمة لمملكته السلوقية . إلا إن رجال اللاهوت البابليين إعترفوا له ، وإن هدفهم الإبقاء على بابل عاصمة الثقافة والعلم . فعفى عنهم ومن ثم تعاونوا في إنشاء العاصمة الجديدة ، وإنتقل بعض منهم إلى سلوقيا العاصمة الجديدة .

خامساً – مشاركة رجال اللاهوت البابليين في الحياة العلمية والدينية اليونانية

    ساهم عدد من رجال اللاهوت والكهنة ، ومنهم مؤرخين في العلم الكلداني (الفلك) في التأليف والنشر باللغة اليونانية . فكانت مؤلفاتهم تكون مرحلة تفاعل بين الفكر اللاهوتي العلمي والعقل اليوناني . وهنا أقدم أمثلة دالة في مضمار التفاعل الثقافي والعلمي البابلي – اليوناني . منها النبية ” هيروفيل ” وهي واحدة من النبيات اليونانيات ، وهي كلدانية ، تعود إصولها إلى جنوب بابل (أي عراقية الإصول) ، وهي بنت الكاتب والمؤرخ بيروسوس ، وهو عالم فلك وكاهن للإله بل مردوخ البابلي ، والذي إشتهر بكتابه الذي ألفه باليونانية والذي كان بعنوان التاريخ الكلداني . وكان نشطاً في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد  .

سادساً – الفيثاغوري الجديد أبولونيوس التاني وزيارته إلى بابل

    وتجدد وعد اللقاء بين الفلسفة اليونانية ودوائر المعرفة العلمية واللاهوتية البابلية مرة أخرى ، وبالتحديد في بداية القرن الأول الميلادي ، وذلك بزيارة الفيلسوف الفيثاغوري الجديد أبولونيوس (15 – 98م) (والذي يُعرف بالمسيح التاريخي والذي كان معاصراً لمسيح الكنيسة ، ويطلق على إنجيل المسيح التاريخي أبولونيوس بالإنجيل الفيثاغوري وله ضريح في تركيا وكانت تقدسه العوائل الرومانية الحاكمة) . وفعلاً فقد تجول أبولونيوس في العراق أولاً وإلتقى حواريه ديمس في نينوى . ومن ثم ذهبا سوية إلى بابل . وهذه الزيارة وماحدث فيها وأقوال المسيح الفيثاغوري الجديد أبولونيوس ، سجلها ديمس الموصلي في مذكراته ، التي وصلت إلى مكتبة الإمبراطورة الرومانية من إصول عربية (حمصية) جوليا دومنا (170 – 217م) والتي كانت تعبد وتقدس المسيح أبولونيوس وتزور ضريحه وتقدم الهدايا له . وهي التي طلبت من الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس (170 – 247م) من كتابة مؤلفه حياة أبولونيوس وبالإعتماد على مذكرات الموصلي ديمس .

سابعاً – كلدان بابل في موسوعة ديوجانس لارتيوس وقضية الفلاسفة

   إن قارئ المقدمة التي كتبها مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) لموسوعته المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، يدرك بشكل واضح لعبة ديوجانس لارتيوس الجدلية في السؤال الذي أثاره حول إمكانية وجود فلاسفة (وبالطبع فلسفة) خارج المحيط الجغرافي اليوناني . يرى ديوجانس لارتيوس إن هناك من يقول بأن دراسة الفلسفة قد بدأت في حضارات غير يونانية (يطلقون إصطلاح برابرة على كل ما هو غير يونانية) . ويرون إن البابليين والآشوريين كان لهم  ” كلدانيهم ” (أن كلمة كلدان تعني مهنة الفلك والتنجيم وهذا هو المقصود) . وبالطبع إن ديوجانس سرب الكثير من الأراء حول فلاسفة الشرق غير اليونانيين في موسوعته .

  صحيح إن ديوجانس جادل في مسألة قيام فلسفة عند ما أسماهم بالبرابرة . وهذه مسألة لا تهمنا إلا إن الذي يهمنا إن ديوجانس إعترف بأن الإصطلاح البابلي للفلاسفة (بالطبع علم الفلك واحد من علوم الفلسفة) هو الكلداني . وقد بينا بأن الكلداني كان معلماً للفيلسوف اليوناني الأول طاليس (وأبحاثنا بينت إنه ليس الأول الوحيد) وعلى جداوله الفلكية عمل تنبؤه بكسوف الشمس … والفيلسوف فيثاغوراس زار بابل وإطلع على العلم الرياضي الكلداني .. إذن جسور الحوار العلمي والفلسفي بين بابل وبلاد العم يونان حقائق بديهية لا يستطيع إن يخفي شمسها غربال متبجح جاهل بحركة الأفكار ورحلة العلوم من بلاد أجدادنا الكلدان إلى ديار أعمامنا اليونان (إذا ما إعترفنا بأن دماءنا إمتزجت بدماء الحكام السلوقيين الذين إمتد حكمهم للعراق كجزء من مملكتهم الكبرى ما يُقارب الثلاثة قرون من الزمن) .    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)

المدارس الفلسفية : قراءة في مدخل ديوجانس لارتيوس

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم : 

 من الثابت في دوائر البحث الأكاديمي الغربي إن علوم الفلسفة في التصنيف اليوناني ، هي العلم الطبيعي والرياضيات والفلك والموسيقى . ومعلوم بشهادة فيلسوف اليونان الأول طاليس ، وتلميذه الفيلسوف فيثاغوراس ، إنهما زارا بابل ، والأول تعرف على الجداول الفلكية الكلدانية (وكانت دقيقة جداً في توقع حدوث الكسوف ، وما سببته له من منافع إقتصادية) . وعلم الفلك حسب التصنيف اليوناني أعلاه ، هو العلم الثالث من علوم الفلسفة . ومعلوم كذلك حسب المصادر اليونانية ، إن طاليس جلب معه العديد من المفاهيم الرياضية المتعلقة بالحسابات الفلكية . كما وإن طاليس ، هو الذي نصح تلميذه فيثاغوراس وشجعه على زيارة بابل والتعرف على الرياضيات البابلية والعلم البابلي . وفعلاً اليوم مصادر الرياضيات اليونانية تردُ الكثير من المفاهيم الرياضية إلتي أخذتها من دائرة الرياضيات البابلية ، بل وحتى ما يعرف بمبرهنة فيثاغوراس الهندسية ، فإنه يوجد لها ما يشابهها في التراث الرياضي البابلي .

  والرياضيات حسب التصنيف اليوناني ، هي العلم الثاني من علوم الفلسفة وفيثاغوراس وفقاً للمنقول عنه وحسب المصادر اليونانية ، إنه جلب من سوريا أو من بابل أفكار أورفيوس في النفس ، والتي هي بإعتراف جميع الأكاديميين الغربيين مفهوم وعقيدة غريبة على اليونان ، كما وجلب معه فكرة الإخوة الأورفية التي نظم جمعيته الفيثاغورية على أساسها ، ومعلوم إن موضوع النفس من مباحث العلم الطبيعي (ومن ثم من مباحث مابعد الطبيعة الميتافيزيقا) . والعلم الطبيعي (ومن ثم الميتافيزيقا) ، هو العلم الأول من علوم الفلسفة .

  ومن الثابت في المصادر اليونانية ، إن فيثاغوراس جلب معه من بابل (أو سوريا التي كانت جزء من بابل يومذاك) التراتيل الأورفية ، فأصبحت التراتيل الأورفية جزء من حياة الإخوة الفيثاغورية . وبالمناسبة كانت واحدة من بنات الفيلسوف فيثاغوراس وهي الفيلسوفة مايا* ، تقود مجموعة من الفتيات الفيثاغوريات في غناء هذه التراتيل  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلاسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد / موقع الفيلسوف / 3 مارس 2011 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيثاغورية (ولعل الأصح التراتيل ذات الإيقاع الموسيقي الأورفي البابلي) ، بعد إن كانت الأساس الروحي (الموسيقي) البابلي الأورفي . والموسيقى ، هي العلم الرابع من علوم الفلسفة .

    صحيح إن الكتاب الأول من موسوعة ديوجانس لارتيوس حياة وآراء مشاهير الفلاسفة جاء بعنوان الحكماء السبعة ، وبالرغم من أهمية الحكماء السبعة (أو الثلاثة عشر) في التمهيد لإنبثاق الفلسفة في بلاد بني يونان ، بل والأدق هو القول إن الفلسفة بدأت مع واحد من هؤلاء الحكماء ، وهو الحكيم أو الفيلسوف الأول طاليس الملطي ، فإن هذا الكتاب ضم مقدمة خطيرة في تاريخ الإعلان عن بداية الفلسفة . ونحسب إنها كانت مدخلاً فلسفياً في غاية الأهمية للباحث الذي يتطلع دارسة المدارس الفلسفية اليونانية والفلاسفة اليونان .

مدخل ديوجانس لارتيوس : ومنطق الدوران في إمكانية قيام الفلسفة

  جادل ديوجانس لارتيوس في هذا المدخل الفلسفي ، إمكانية قيام الفلسفة خارج حدود جغرافية اليونان ، وإنتهى إلى إن الفلسفة نشأت في رحم الحضارة اليونانية . ونفضل هنا وضع آراء لارتيوس في النقاط اللاحقة التي تلخص بوضوح رأيه في يونانية الفلسفة نشوءً وتكويناً (وقد إنتخبنا منها الأرقام التي تخص موضوع بحثنا وتجاوزنا النقاط الأخرى التي ناقشت إموراً على الأقل لا تتعلق بجوهر بحثنا الحالي) ، فيقول :

  1- هناك من يقول بأن دراسة الفلسفة قد بدأت في حضارات غير يونانية (يطلقون إصطلاح برابرة على كل ما هو غير يونانية) . ويؤكدون بأن الفرس كان لهم “ميجاي ” (أي مجوسي وتعني الرجل العاقل أو الحكيم) . ويرون إن البابليين والآشوريين كان لهم  ” كلدانيهم ” (أن كلمة كلدان تعني مهنة الفلك والتنجيم وهذا هو المقصود) . كما إن الهنود كان لهم ” جيمناسفست ” (وهم فلاسفة الجينية (الهنود) : وهم رجال عراة مقدسون كما جاء في تقارير جنود الأسكندر المقدوني اللذين أخبروا من خلالها اليونان) .

  وكذلك فقد كان بين السلت (شعوب هندو – أوربية مثل الإيرلنديين .. ) والكول (شعوب كانت تعيش جنوب وشمال جبال الآلب) أناس يطلق عليهم  ” درويد ” (أي رجال دين) أو المقدسون . كما جاء في إقتباسات أرسطو في كتابه ” السحر ” (الحقيقة  إننا نتردد كثيراً في تأكيد وجود كتاب للسحر بين مؤلفات أرسطو . ولكن يمكن أن نقول أن أرسطو تحدث عن سحر الرقم سبعة وعن سحر الحركة الكاملة للكواكب) ، وفي إقتباسات سوشن في كتابه الثالث والعشرين من موسوعته ” تسلسل الفلاسفة ” (وعلى هذا الأساس يصبح إصطلاح الفلاسفة غير اليونانيين أو البرابرة يشمل كل من المجوس  الفرس ، الكلدانيين عند البابليين والآشوريين ، جيمناسفست عند الهنود ،  ودرويد عند السلت والكول) .

  ومن ثم أضافوا إليهم ” ماكوس ” الفينيقي ، و” زامولكس ” التراقي (وهو كان عبداً لفيثاغوراس ومن ثم حرره من العبودية ورحل إلى مصر) ، و ” أتلس ” الليبي (وأتلس في الميثالوجيا اليونانية أخ برمثيوس سارق النار) . وإذا حسبنا المصريين كذلك ، فإن هفيستوس ، وهو إبن النيل ، فإن الفلسفة تكون قد بدأت معه . وإن رجال الدين والأنبياء كانوا من حوارييه وأنصاره . (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكنز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 ، المجلد الأول / الكتاب الأول ، الفقرة رقم 1) .

  2- عاش هفيستوس 48863 سنة قبل الإسكندر (نحن نشك في دقة هذه الأرقام التي وردت في نص لارتيوس) . وقد حدث في هذه الفترة 373 كسوف شمسي و832 خسوف قمري . أما تاريخ الحكماء المجوس فقد بدأ مع زرادشت الفارسي (ولد زرادشت ما بين القرنين الثامن عشر والعاشر قبل الميلاد ، وهو نبي إيراني قديم وفيلسوف ومؤسس للديانة الزرادشتية ) ، والذي كان بالتحديد 500 عاماً قبل سقوط  طروادة كما قدرها “هارمودورس الإفلاطوني ” في أعماله الرياضية (عاش في القرن الرابع قبل الميلاد وله كتابين : الأول عن إفلاطون والثاني عن الرياضيات) . أما ” إكسانوثس الليدي ” (وهو مؤرخ يوناني وكاتب حوليات ، عاش في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد ، كتب في تاريخ ليديا ، وكتب عن حياة إمباذوقليس . وكانت له معرفة واسعة بالتقاليد الفارسية. وكان معاصراً وزميلاً للمؤرخ اليوناني هيرودوتس) فقد قدرها 6000 سنة وبالتحديد من زرادشت وإلى الحملة العسكرية التي قام بها كسرى . وبعد هذه الحملة نظم خط خلافة وتعاقب الحكماء المجوس ، ومنحهم أسماء مثل : ” أوستانس ” ، و” أسترامسيكوس ” ، و” كوبريز ” و ” بازتاس ” وحتى إحتلال الإسكندر لبلاد فارس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 2) .

 3- لقد تجاهل هؤلاء الكتاب (هكذا يقول ديوجانس لارتيوس) هذه الإنجازات ونسبوها إلى البرابرة ، والتي هي تنتمي إلى اليونانيين . ومع اليونان لم تبدأ الفلسفة فحسب ، بل بدأ الجنس الإنساني بحد ذاته (أنظر ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 3) .

4 – وإستنتج لارتيوس بأن نشوء الفلسفة كان يونانياً محضاً ، ولذلك بقي إسماً (أو إصطلاحاً) يونانياً عصياً على الترجمة ، وبقي كما هو في جميع اللغات الأجنبية (أنظر ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4) .

5 – ثم عاد فناقش لارتيوس قضية أورفيوس (منا : ومن المعلوم إن أورفيوس سوري يوم كانت سوريا جزء من المملكة البابلية ، والذي ترك أثاراً قوية على فيثاغوراس ومدرسته أو إخوته الفيثاغورية . وكذلك من خلال فيثاغوراس إنتقلت فكرة النفس المنفصلة عن الجسم من الأورفية إلى إفلاطون وعموم الفلسفة اليونانية ، وهي بالتأكيد فكرة غريبة على الحضارة اليونانية وهذا أمر يعرفه جميع الأكاديميين في تاريخ الفلسفة اليونانية خاصة والفلسفة الغربية عامة) ، وتساءل لارتيوس (بالطبع الحديث عن أورفيوس) هل هو فيلسوف ؟ أم لا ؟ ورأى إن هناك من ينسب فعلاً  إختراع الفلسفة إلى البرابرة ، وتحدثوا بالتحديد عن شخصية أورفيوس التُراقي ، وأطلقوا عليه إصطلاح الفيلسوف ، والذي كان له تراثاً لا يستطيع أحدُ أن يشك فيه . ولكن ديوجانس لارتيوس عاد فأثار الحجة ضد من يطلق عليه إصطلاح الفيلسوف . فقال : إن كل ما حكاه أورفيوس يدور حول الألهة . وعلى هذا الأساس يصبح من الصعب أن نسميه فيلسوفاً (أنظر : المصدر السابق ، الفقرة رقم 5) .

  وهنا سأحاول إنتخاب بعض الفقرات التي ناقش فيها ديوجانس لارتيوس مضمار إنشاء الفلسفة في الحضارة اليونانية ، وسأترك الفقرات الأخرى إلى بحث قادم يُركز على مقدمة ديوجانس في كتابه حياة وأراء مشاهير الفلاسفة . ولذلك سأقفز إلى الفقرتين الثامنة والعاشرة لأهميتهما في الحديث عن الفلسفة اليونانية ومدارسها .

8 – إن فيثاغوراس هو أول من نحت إصطلاح الفلسفة ، كما هو أول من أطلق على نفسه إصطلاح الفيلسوف (المصدر السابق ، الفقرة رقم 8) .

10 – نمت الفلسفة في صورة مدرستين ؛ واحدة إنبثقت من إنكسيمندر . والأخرى تولدت من فيثاغوراس . وكان طاليس معلم إنكسيمندر ورأس مدرسته . في حين كان فرسيدس (إزدهر ما بين عامي 544 و 541 ق.م ، وهو واحد من الحكماء السبعة أو الثلاثة عشرة كما عددهم) معلماً لفيثاغوراس . والأولى أُطلق عليها إسم المدرسة الأيونية ، وذلك بسبب إن طاليس كان أيونياً (ولكونه مواطناً من ملطيا وهي جزء من أيونيا) وبسبب كونه معلماً لأنكسيمندر . والثانية أُطلق عليها إسم المدرسة الإيطالية ، وذلك لكون فيثاغوراس قد صرف الجزء الأعظم من حياته في إيطاليا . ولكون المدرسة الأيونية إنتهت مع كليتوماشس وكريسبس وثيوفراستس . فإن المدرسة الإيطالية إنتهت مع أبيقور (المصدر السابق ، الفقرة رقم 10) .

المدارس الفلسفية وفلاسفتها :

  قدم لنا ديوجانس لارتيوس مجموعتين كبيرتين من القوائم بأسماء فلاسفة المدرستين الأيونية والإيطالية . ولكن من الملاحظ على هذه القوائم إنها أسماء مدارس فرعية (ونحسبها مدارس أساسية مستقلة) وضمت أسماء فلاسفة كانوا المؤسسين ، ومن ثم سلسلة من الفلاسفة الخلفاء للفيلسوف المؤسس .

  صحيح إن ديوجانس لارتيوس قد خلط بين فلاسفة المدرسة الطبيعية الأولى وفلاسفة المدرسة الطبيعية الثانية عندما تحدث عن فلاسفة المدرسة الأيونية . ويبدو إن ديوجانس لم يكن معنياً بإقامة الحدود بين المدارس الفرعية وفلاسفتها ، وإنما كانت مهمته إقامة الحدود بين المدرسة الأيونية والإيطالية (بين فلاسفة مدرسة الشمال وفلاسفة مدرسة الجنوب الفلسفيتين وحسب) ولاحظنا إن هذا لم يحدث لفلاسفة المدرسة الأيونية فقط ، وإنما حدث ذلك لفلاسفة المدرسة الإيطالية أيضاً وهذا ما سنشير إليه من خلال القوائم التي تقدم بها ديوجانس وسلاسل الفلاسفة الذين ينتمون إلى المدرستين والمدارس الفرعية .

المدرسة الأيونية وسلاسل فلاسفتها

  ولأغراض البحث سنقوم بتقطيع السلاسل وذلك لبيان العلاقة الحقيقية بين الفلاسفة والمدرسة الفلسفية التي أهملها ديوجانس أثناء الحديث ، وركز فقط على المدرسة الأيونية . في حين إن هؤلاء الفلاسفة (وبعض منهم فعلاً أيونيين ولكن ليس جميعهم) أبناء مدن ومستعمرات يونانية متنوعة .

السلسلة رقم 1

  يقول ديوجانس لارتيوس :

وخلف طاليس (وهو المعلم كما ذكر ديوجانس أعلاه) إنكسيمندر ، ومن ثم خلفه تلميذه إنكسيمانس (المصدر السابق) . وإلى هنا فإن ديوجانس يتحدث عن ثلاثة فلاسفة كونوا في تاريخ الفلسفة اليونانية أول مدرسة فلسفية ، وهي المدرسة الطبيعية الأولى هذا طرف ، والطرف الثاني إنهم كانوا فعلاَ فلاسفة مليطيين ، ومليطيا جزء من أيونيا ، ونحسب إن ديوجانس لارتيوس كان على حق في ضمهم إلى المدرسة الأيونية (مدرسة الشمال) . ولكنه أهمل الحديث عنهم فلاسفة مدرسة خاصة وهي المدرسة الطبيعية الأولى * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على المدرسة الطبيعية الأولى وفلاسفتها أنظر :

1 – WilliamTurner. “IonianSchool of Philosophy” In the Catholic Encyclopedia, New York 1910, Vol. 8

2 – Richard McKirahan . Philosophy before Socrates, Indianapolis: Hacett 1994, p. 5

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلسلة رقم 2

   غير إن ديوجانس إستمر في كلامه فذكر أسماء فلاسفة طبيعيون أخرون ، ولكنهم من مدرسة  طبيعية ثانية ، والتي جاء فلاسفتها فيما بعد وتابعوا المدرسة الأولى إلا إن مدرستهم إختلفت عن المدرسة الأولى في عدد المبادئ الطبيعية الأولى التي آمنوا بها أساس كل شئ في العالم (فالمدرسة الطبيعية الأولى كانت فلسفية أُحادية ، في حين كانت المدرسة الطبيعية الثانية تعددية) ، فمثلاً أضاف ديوجانس لارتيوس إلى القائمة الأولى إسم  الفيلسوف إنكساغوراس وتلميذه أركليوس  (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 10) . صحيح إن إنكساغوراس (480 – 406 ق.م) ، هو رأس المدرسة الطبيعية الثانية ، ولكنه هو وتلميذه إركليوس (عاش في القرن الخامس قبل الميلاد) وليسا هما الفيلسوفان الوحيدان للمدرسة الطبيعية التعددية ، وإنما هناك فلاسفة أخرون يندرجون هم وفلسفتهم تحت مظلة المدرسة الطبيعية الثانية (التعددية) مثل إمباذوقليس (490 – 430 ق.م)  والذي تكلم عنه ديوجانس لارتيوس في باب المدرسة الفيثاغورية ، والسبب هو إن إمباذوقليس كان تلميذاً لأبن فيثاغوراس تيلكوس (إزدهر عام 500 ق.م) وإنه ولد في إغرنجي التابعة لسيسلي الإيطالية فهو من فلاسفة الجنوب ولهذا الأمر فضل ديوجانس ضمه إلى المدرسة الإيطالية وأبعده من المدرسة الأيونية مدرسة الشمال رغم إن فلسفته هي فلسفة طبيعية تعددية وهذا تحدي كبير لديوجانس ونظريته في تقسيم مدارس الفلسفة اليونانية إلى مدرستين ؛ المدرسة الأيونية (مدرسة الشمال) والمدرسة الإيطالية (مدرسة الجنوب) . ومن فلاسفة المدرسة الطبيعية الثانية التعددية ، فلاسفة المدرسة الذرية كل من ليسبيوس (عاش في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد)  وديمقريطس (460 – 370 ق.م)*. ومن ثم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على تفاصيل عن المدرسة الطبيعية الثانية (التعددية) أنظر :

1 – C.w. Taylor, Routledge History of Philosophy: From the Beginning to Plato, Vol.1 1997, pp. 192 – 225

2 – Daniel Grahm. “Empedocles and Anaxagoras: Responses to Parmenides”, In the Cambridge Companion to Early Greek Philosophy, CambridgeUniversity Press 1999, pp. 159 – 180

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تبعت هذه السلسة ، فلاسفة كونوا سلسلة أخرى .

السلسلة رقم 3

  بدأت هذه السلسلة بالفيلسوف أوريكليوس الذي كان تلميذاً للفيلسوف إنكساغوراس (وكلاهما فيلسوفان طبيعيان يؤمنان بمبادئ طبيعية متنوعة في تفسير التغير والتنوع) . ولكن المهم من كل ذلك إن ديوجانس منح أوريكليوس لقب المعلم للفيلسوف سقراط . ورغم إن أوريكليوس أثينياً فقد جعل منه ومن أستاذه إنكساغوراس أيونيان ، وذلك ليؤمن ربط الفيلسوف سقراط بفلسفة الشمال (الفلسفة الأيونية) من طرف أستاذية أوريكليوس له . يقول ديوجانس لارتيوس ” وكان أوريكليوس معلماً لسقراط الذي أبدع الفلسفة الأخلاقية ، والذي كان رئيساً لنزعة فلسفية ضمت عدداً من الفلاسفة السقراطيين ، وهو معلم إفلاطون ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 10) .

  ومن المعلوم إن شهيد الفلسفة الأول سقراط مات مسموماً (وهي طريقة الإعدام اليونانية يومذاك بعد ان أدانته المحكمة بدعوى إفساد الشباب الأثيني والقول بآلهة غير ألهة المدينة) ولم يترك شيئاً مكتوباً ، وإنما كل ما بقى ورائه هو صدى لمحاضراته الشفوية التي كان يلقيها على طلابه وأحاديثه قبيل محاكمته ودفاعه في المحكمة ضد التهم التي وجهت له ، والتي حفظها حوارييه كل من المؤرخ أكسانوفان والفيلسوف إفلاطون وطلابه الأخرين الذين أنشأوا ما يعرف في تاريخ الفلسفة اليونانية بمدارس السقراطيين الصغار أو المدارس السقراطية الصغرى . ونحن اليوم نعتمد في الكتابة عن فلسفة سقراط على جملة مصادر ، منها :

أولاً – مؤلفات المؤرخ اليوناني أكسانوفان . وهنا نحسب إننا سنقف على شخصية سقراط الأكسانوفاني (نسبة إلى كتابات أكسانوفان تلميذ سقراط) والتي تختلف في أطراف عن روايات تلميذه الفيلسوف إفلاطون . كما وفيها نقاط إتفاق بين الأثنين* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 *للإطلاع على شخصية سقراط من زاوية تلميذه المؤرخ أكسانوفان ، أنظر :

1 – Leo Strauss, Xenophon’s Socrates, Cornell University Press, New York 1972

2 – Xenophon, Memorabilia, Trans. By Army Bonnette, CornellUniversity Press 1994

3 – Xenophon, Conversations of Socrates, Trans. By Hugh Tredennick & Robin Waterfield, Penguin 1990

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثانياً – محاورات الفيلسوف إفلاطون ، وخصوصاً المحاورات الأولى ، التي تُعرف بالمحاورات السقراطية . والتي سنعرف شخصية لسقراط فيها قريبة إلى حد ما من شخصية سقراط  الحقيقية* ، والتي تختلف عن شخصيته في محاورات إفلاطون في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على شخصية سقراط من زاوية المحاورات السقراطية (المحاورات المبكرة الأولى التي كتبها إفلاطون ، والتي تضم عشرة محاورات ، تتقدمها محاورة الدفاع ، وهي المحاورة التي صورت سقراط في المحكمة يُدافع عن نفسه ضد التهم التي وجهت له) ، أنظر :

1 – Thomas West, Plato’s Apology of Socrates, Cornell University Press 1979

2 – Thomas Brickhouse, Socrates on Trial, PrincetonUniversity Press 1989

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرحلة التحول والنضوج والكهولة ، والتي نقترح لها عنواناً سقراط الإفلاطوني* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هناك إعتقاد بين الأكاديميين الغرببيين المتخصصين في دراسة محاورات إفلاطون إلى إن هناك ألواناً مختلفة لشخصية سقراط في محاورات إفلاطون في مرحلة التحول ، ومن ثم توسع غير إعتيادي في التفاصيل في فلسفته ومنهجه في محاورات الكهولة والشيخوخة . مثالاً على ذلك محاورات الجمهورية ، المأدبة ، فيدون ، تيتياتوس ، كريتون ، مينكسينس ، وفيدرس … للإطلاع أنظر :

1 – A. E.Taylor, Plato: The Man and his Work, Dover Publication 2001

2- Richard Kraut (Ed.), The Cambridge Companion to Plato, Cambridge University Press 1993

3 – Plato, The Dialogues of Plato, Trans. By B. Jowett, 2 Vols, Random House, New York 1937

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثاً – كوميديا السحاب التي كتبها الكاتب المسرحي اليوناني إرسطوفان ، وهي مسرحية ساخرة من الفيلسوف سقراط ، وفيها خلط بين ما هو حق وما هو ترويج غرضه توفير المتعة للجمهور . ومن المعلوم إن هذه الكوميديا قد عرضت على المسرح وسقراط كان حياً هذا طرف ، والطرف الثاني هو إن إرسطوفان كتبها وعرضها على خشبة المسرح في فترة صراع سقراط مع الحركة الديمقراطية ممثلة على المستوى الفلسفي بالسفسطائين خصوم سقراط ، والذين لعبوا دوراً في توجيه التهم لسقراط ومقاضاته في المحكمة . كل ذلك يحملنا على أقل تقدير القول إن أرسطوفان كان متعاطفاً مع الحركة السفسطائية المناوئة لسقراط . وعلى هذا الأساس نحسب إن كوميديا السحاب قدمت لنا شخصية سقراط الأرسطوفاني . والحقيقة إن سقراط قد ذكر في محاورة الدفاع (الفقرة رقم 19 ب وس) بأن أرسطوفان ” طعن به وإفترى عليه في مسرحية كوميدية ” ولامه سقراط في التشهير بسمعته ، بل ولعب دوراً في موته* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*للإطلاع على شخصية سقراط الأرسطوفاني أنظر :

1 – K. J. Dover, Aristophanes: Clouds, Oxford University Press 1970

2 – Andrew David Irvine, Socrates on Trail: Aplay based on Aristophanes’ Clouds and Plato’s Apology, Crito and Phaedo…, Toronto: University of Toronto 2008

وأنتجت أصلاً في مدينة ديونسيا عام 423 ق.م (أي قبيل إعدام سقراط بحوالي ربع قرن) . وقد نقحت وأعيد إنتاجها في الفترة ما بين 420 – 417 ق.م ، وسقراط لازال حياً ويخوض صراعاً شديداً مع السفسطائية . وقد ترجمها إلى الإنكليزية وليم جيمس هيكي عام 1853 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابعاً – ويمكن الحديث عن صور مختلفة لسقراط من زاوية النصوص التي كتبها طلابه ، والذين عُرفوا في تاريخ الفلسفة اليونانية فيما بعد بالفلاسفة السقراطيين الصغار أو على الوجه الأدق فلاسفة المدارس السقراطية الصغرى . فمثلاً نجد صورة لسقراط في تعاليم تلميذه إقليدس الميغاري مؤسس المدرسة الميغارية ، والتي زارها إفلاطون وإطلع على برامجها وقواعدها قبل أن يؤسس الأكاديمية (1) . ونجد صورة مختلفة لسقراط في كتابات تلميذه الفيلسوف القورينائي (الليبي) أرستبس الكبير ، وإبنته الفيلسوفة القورينائية أريتا ، وحفيده (إبن بنته أريتا) إرستبس الصغير ، وهم من فلاسفة المدرسة القورينائية (اللذة) (2) . كما تجددت صورة سقراط في نصوص تلميذه الفيلسوف الكلبي إنتيسثينس مؤسس لمدرسة الكلبية (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – للإطلاع على صورة سقراط وتعاليمه الفلسفية من خلال نصوص إقليدس الميغاري وفلاسفة المدرسة الميغارية ، أنظر :

1 – William Kneale & Martha Kneale, The Development of Logic, Oxford University Press 1984

2 – William Turner, Megarians, Catholic Encyclopedia 1913 / on line

2 – للإطلاع على الصورة القورينائية لسقراط وفلسفته ، أنظر :

1 – Voula Tsouna, The Epistemology of the Cyrenaic School, Cambridge University Press 2008

2 – Julia Annas, The Morality of Happiness, Oxford University Press 1995

3 – للتفاصيل عن صورة سقراط في الفلسفة الكلبية (الساخرة) أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة / منشور في العدد الحالي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خامساً – ومن الممكن الحديث عن صورة أرسطية لسقراط وتعاليميه الفلسفية ، وذلك من خلال نصوص الفيلسوف الإسطاغيري أرسطو . وبالطبع إن إرسطو لم يعرف الفيلسوف سقراط بصورة مباشرة ، وذلك لأن أرسطو لم يكن تلميذاً لسقراط على الإطلاق ، حيث مات سقراط عام 399 ق.م أي قبل ولادة أرسطو بخمسة عشر سنة (ولد أرسطو عام 384 ق.م) . ويبدو إن مصادر أرسطو المباشر جاءت من خلال الروايات المنقولة من خلال طلاب سقراط وفي مقدمتهم إفلاطون الذي كان أستاذ أرسطو لفترة إمتدت عشرين عاماً (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4 – للإطلاع على صورة سقراط الأرسطية أنظر :

Aristotle, Metaphysica, In the works of Aristotle, vol. viii, Clarendon Press 1963

وفي كتاب الميتافيزيقا يُعد أرسطو مؤرخاً للفلسفة اليونانية قبل سقراط ، وبالطبع يقدم لنا تفسيراً لفلسفة سقراط ومن ثم لفلسفة إفلاطون . وفيها الكثير من الكشف لأسبقية سقراط على إفلاطون ، خصوصاً فيما يتعلق بنظرية التعريف ، أنظر :

محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، الفصل الثاني والمعنون محاولة إفلاطون لوضع أسس العلم البرهاني ، دار الحرية للطباعة ، بغداد 1983  ص ص 52 – ومابعد .  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلسلة رقم 4

  بدأت هذه السلسلة بالفيلسوف إفلاطون الذي كان تلميذاً لشهيد الفلسفة سقراط ، وإفلاطون حسب ديوجانس لارتيوس هو ” مؤسس أقدم أكاديمية ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) ومن ثم جاء تلاميذ إفلاطون ، و” هم كل من سيسبيوس ، وزنكراتس ، وبليمو الذي كان تلميذاً لزنكراتس ، وكرنتور ، وكريتس بوليمو ، وكريتس كان معلماً لأرسيسليوس مؤسس الأكاديمية الوسطى ، وكان تلميذه لكيدس الذي صاغ مبادئ الأكاديمية الجديدة ، ومن ثم جاء تلميذه كارنيدس والذي كان بدوره معلماً لكليتوماشس ، ومن ثم إنتهت المدرسة  ” (5) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 – راجع :

Diogenes Laertius, The Lives and Opinions of Eminent Philosophers, Trans. By Charles Duke Yonge, Bohn 1853, Book 1, Introduction, Paragraph 10

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 السلسة رقم 5

   وبدأت هذه السلسلة بمؤسس المدرسة الكلبية ، الفيلسوف ” إنتيسثينس وهو تلميذ سقراط ، ومعلم ديوجانس القورينائي الكلبي (منا : صاحب الفانوس) ، وكان تلميذ ديوجانس كل من كريتس الطيبي ، وزينون الأكتومي (منا : مؤسس المدرسة الرواقية) وكان تلميذه كذلك الفيلسوف الرواقي كلينثيس (وهو الرئيس الثاني للمدرسة الرواقية بعد زينون الأكتومي) ، وكان تلميذه الفيلسوف الرواقي كريسبس ، فكانت نهاية المدرسة ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول ، المقدمة ، الفقرة رقم 10) . ويلاحظ القارئ إن ديوجانس قد خلط في هذه السلسلة بين فلاسفة المدرسة الكلبية وفلاسفة الرواقية الذين كانوا طلاباً للفلاسفة الكلبيين أو ربما بدأوا حياتهم الفلسفية كلبيون وإنتهوا إلى مدرسة فلسفية مستقلة هي المدرسة الرواقية .

السلسة رقم 6

  وهي مدرسة خاصة بما يُعرف في تاريخ الفلسفة بالمدرسة المشائية ، ضمت المدرسة مؤسسها ، الفيلسوف ” آرسطو وهو تلميذ إفلاطون ، وثيوفراستس وهو تلميذ أرسطو ، وبهذه الطريقة إنتهت المدرسة الأيونية ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) . ونحسب هنا إن خطاب ديوجانس لارتيوس موجز بصورة غير مقبولة ، فقد قفز على سلسلة من الفلاسفة الذي قادوا المدرسة المشائية في أثينا أو الفلاسفة المشائيون الذي عملوا في مدن يونانية وهيلينستية مختلفة وهذا الأمر ستكشفه بحوثنا التفصيلية الخاصة بتاريخ هذه المدارس الفلسفية اليونانية .

المدرسة الإيطالية وسلاسل فلاسفتها

  يقول ديوجانس لارتيوس ” أما المدرسة الإيطالية فقد سارت بنفس الطريقة ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) .

السلسلة رقم 1

  بدأت هذه السلسلة بالفيلسوف ” فيثاغوراس الذي كان تلميذاً لفرسيد (منا : وهو واحد من الحكماء السبعة أو الثلاثة عشر) . وكان فيثاغوراس معلماً لولده تيلوكس ” (المصدر السابق) . وهذا كلام موجز جدا جدا لفلاسفة مدرسة فلسفية مهمة في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وهي المدرسة الفيثاغورية وهذا ما سنوضحه في أبحاثنا الحالية .

السلسلة رقم 2

  وضمت ثلاثة فلاسفة كونوا مدرسة فلسفية بيروسقراطية وهي المدرسة الإيلية ، وهي مدرسة نشأت في رحاب مدينة إيليا ، وبدأت بالفيلسوف الإيلي ” أكسانوفان الذي كان تلميذ الفيلسوف الفيثاغوري تيلكوس (ولد فيثاغوراس) ، وكان أكسانوفان معلماً لبارمنيدس ، وكان بارمنيدس بدوره معلماً لزينون الإيلي ” (المصدر السابق) .

السلسة رقم 3

  كون فلاسفة هذه السلسة مدرسة فلسفية بيروسقراطية ، هي المدرسة الذرية أو مدرسة ديمقريطس . وحسب رواية ديوجانس لارتيوس ” كان زينون الإيلي معلماً للفيلسوف الذري ليسبيوس ، والذي كان بدوره معلماً لديمقريطس الذي إلتف حوله حواريون كثيرون ، وكان من أشهرهم نوسفان ونوسيدس ” (المصدر السابق) .

السلسة رقم 4

  وهنا ضمت رمزاً فلسفياً وحيداً ، هو الفيلسوف أبيقور مؤسس المدرسة الأبيقورية ، وحسب رواية ديوجانس لارتيوس ” إن مُعلمي أبيقور هما الفيلسوفان الذريان أو فيلسوفا مدرسة ديمقريطس كل من نوسفان ونوسيدس” (المصدر السابق) . وكما قلنا بحق خطاب ديوجانس لارتيوس الخاص ببعض المدارس الفلسفية اليونانية ، والذي وجدناه إنه جاء مقتضباً جدا جدا ولا يتناسب وتاريخ هذه المدارس العريقة ، وهذا الأمر ينطبق على فلاسفة المدرسة الأبيقورية وهذا ما سنبينه في أبحاثنا الخاصة بالإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية .

تعقيب

  لاحظنا إن مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، قد تداول منطق الدوران في مدخله للكتاب الأول من موسوعته ، المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة على الأقل مرتين :

الأولى – عندما تسائل عن إمكانية قيام الفلسفة خارج جغرافية الحضارة والثقافة اليونانيتين . وفعلاً ذهب إلى إن هناك إمكانية وإحتج برأي من يقول بأن دراسة الفلسفة قد بدأت في حضارات غير يونانية . فمثلاً أكدوا على إن للفرس كان لهم ” ميجاي ” أي مجوسي والذي يعني الرجل العاقل أو الحكيم . وإن للبابليين والأشوريين كان لهم ” كلدانيهم ” وتعني عالم الفلك والتنجيم . كما إن للهنود كان لهم ” جيمناسفت ” وهم فلاسفة الجينية … وإعتماداً على منطق الدوران عاد ديوجانس لارتيوس فجردهم من الفلسفة ، وإستنتج بأن نشوء الفلسفة كان يونانياً محضاً ، وبقي إصطلاحاً يونانياً عصياً على الترجمة ، وظل محتفضاً بجوهره في جميع اللغات الأجنبية .

الثانية – ثم إستخدم منطق الدوران في مناقشة قضية أورفيوس ، وتساءل لارتيوس (بالطبع الحديث عن أورفيوس) هل هو فيلسوف ؟ أم لا ؟ ورأى إن هناك من ينسب فعلاً  إختراع الفلسفة إلى البرابرة ، وتحدثوا بالتحديد عن شخصية أورفيوس التُراقي وأطلقوا عليه إصطلاح الفيلسوف  ، والذي كان له تراثاً لا يستطيع أحدُ أن يشك فيه . ولكن ديوجانس لارتيوس عاد فأثار الحجة ضد من يطلق عليه إصطلاح الفيلسوف . فقال : إن كل ما حكاه أورفيوس يدور حول الألهة . وعلى هذا الأساس يصبح من الصعب أن نسميه فيلسوفاً .

الثالثة – فشل ديوجانس في إستخدام منطق الدوران في مناقشة إبوة طاليس للفلسفة ، ومن ثم تعطل منطق الدوران في دفاعه عن طاليس فيلسوفاً وحيداً قاد عملية التحويل من الفكر الإسطوري إلى مضمار الفلسفة العتيد . صحيح إن طاليس هو الأب الروحي لأول مدرسة فلسفية يونانية ، هي المدرسة الطبيعية الواحدية . ولكن نصوص ديوجانس لارتيوس قد أشارت بصورة مكشوفة إلى إن هناك من شارك طاليس في عنوان إبوة الفلسفة ، ومن الحكماء الذين عاصروه من أمثال سولون ، وفرسيد ، وأناكارسيس

الرابعة – ولعل من نتائج منطق الدوران إعتراف ديوجانس لارتيوس بإن فيثاغوراس هو أول من نحت إصطلاح الفلسفة ، كما هو أول من أطلق على نفسه إصطلاح الفيلسوف .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

الحكماء السبعة : مقدمة ديوجانس لارتيوس الفلسفية الناقصة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  صحيح إن الحكماء السبعة قد تقدموا على الفلاسفة ، وأسهموا في تأسيس مباحث لعبت دوراً في بلورة نمط من التفكير النظري ، الذي سيتطور على يد جيل أول من الفلاسفة اليونان ، وسيعلن عن هويته الفلسفية المستقلة عن التفكير الإسطوري الذي مازج الكثير من إطروحات الشعراء الحكماء السبعة . وصحيح جداً إن تفكير وإطروحات الحكماء السبعة قد شكلت مرحلة التحول من الفكر الإسطوري إلى نمط جديد من الفكر سيصطلح عليه بالفلسفة أو التفكير الفلسفي . ولكن من الإنصاف القول إن قائمة ديوجانس لارتيوس للحكماء السبعة ، قد ضمت ثلاثة حكماء ، وهم كل من فرسيد ، وطاليس وفيثاغوراس . ونحسب إن هؤلاء الثلاثة كانوا حقاً المؤسسين للتفكير الفلسفي اليوناني . وعلى هذا الأساس نعلن مخالفتنا لجيش من الأكاديميين الغربين الذين منحوا إبوة الفلسفة للفيلسوف طاليس فقط . وهنا نوسع عنوان إبوة الفلسفة بحيث يشمل فرسيد وطاليس وفيثاغوراس .. على حد سواء . وبذلك ننصفهم لأول مرة في التاريخ .

  ونحن نتفق جزئياً مع رأي ديوجانس لارتيوس الذي نظر إلى الحكماء السبعة مقدمة فلسفية لنشوء الفلسفة ومدارسها الفلسفية . ولكن في الوقت ذاته نعلن بأن مقدمة ديوجانس لارتيوس ، هي مقدمة فلسفية ناقصة ، فقد شطبت من مضمونها التفكير الإسطوري الذي حمل في رحمه معالجات فلسفية غير ناضجة ، وخصوصاً في ملاحم هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) ومعاصره الشاعر الملحمي هزيود ومن ثم فيما بعد في تأملات الشاعر بندار (ولد في القرن السادس قبل الميلاد) ، وآراء النحل الدينية في الحياة والموت (والبعث / الرزركشن بالمفهوم الذي ستتبناه المسيحية لاحقاً وبتأثير العقائد الدينية اليونانية التي خاضت صراعاً مريراً حتى نهايات القرن السادس الميلادي ، ومثال هذه النحل الدينية اليونانية نحلة أليسوس وديونسيوس .. وهذا هو الطرف الغائب من مقدمة ديوجانس لارتيوس ، وبحضوره يجعل من المقدمة الديوجانسية مقدمة فلسفية شاملة .

  ولكن قدرنا إن ديوجانس لارتيوس خصص كتابه الأول للحديث عن الحكماء السبعة فقط ، وتجاهل الفكر الملحمي لكل من هوميروس وهزيود ، والفكر الديني اليوناني الذي عبرت عنه النحل الدينية اليونانية التي كانت نشطة ولها جمهور من الأتباع في القرن الثاني عشر قبل الميلاد والقرن العاشر قبل الميلاد ، والتي ظلت عاملة في حياة اليونان لفترات لاحقة تحت مضمار العقيدي الديني اليوناني والذي ظل يتصارع مع أشكال من المسيحية حتى نهايات الإفلاطونية المحدثة وغلق الإمبراطور الروماني جوستنيان للمدارس الفلسفية عام 529 ميلادية .

  والحقيقة إن قارئ الكتاب الأول من موسوعة ديوجانس لارتيوس المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، يلحظ إنها تناولت إثنتا عشر حكيماً وليس سبعة حكماء . مع الإشارة إلى إن بعض مصادره قد عددت سبعة عشرة ربما جاء منهم الحكماء السبعة (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المقدمة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013) . ولهذا فإن بحثنا سيعالج أثنتا عشر حكيماً ربما جاء من بينهم الحكماء السبعة .

وبالمناسبة إننا تناولنا في طرف من هذا العدد طاليس فيلسوفاً وحكيماً ، ولذلك سنتجاوز طاليس ، ونبدأ بحثنا بالحكيم سولون .

أولاً – الحكيم سولون برواية ديوجانس لارتيوس

تقديم :

  جاء حديث ديوجانس عن الحكيم سولون فيما نسميه بالفصل المعنون حياة سولون ، والذي تكون من عشرين فقرة . وهو فصل بحدود ما موسع مقارنة بما كتبه عن الفيلسوف – الحكيم طاليس . ويبدو للوهلة الأولى إن ديوجانس قد كتب أطرافاً من هذا الفصل دون أن يذكر المصادر التي إعتمد عليها . ولكن لإنصاف ديوجانس في المنهج الذي إتبعه ، نشعر بمسؤلية علمية في الإشارة إلى إن إنه في أطراف كثيرة من هذا الفصل سرب الكثير من المعلومات عن المصادر التي زودته بالمادة المعرفية . وبالطبع هذه قراءة داخلية قام بها الدكتور محمد جلوب الفرحان ، للنص الذي كتبه المؤرخ اليوناني ديوجانس لارتيوس عن الحكيم الفيلسوف سولون . ولإنصاف سولون وجدنا من مصادر ديوجانس لارتيوس ، وبالتحديد الكاتب اليوناني أبولدوروس الذي تحدث عن سولون في كتابه المعنون فرقة الفلاسفة فيلسوفاً من الفلاسفة . وهذا ما سنشير إليه في ثنايا البحث عن مصادر الفصل الذي كتبه ديوجانس لارتيوس في كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . حقاً إنها مسألة جديدة في تاريخ الفلسفة اليونانية ، فقد إعتادت كتب الفلسفة اليونانية تتحدث عن طاليس الأب الوحيد للفلسفة اليونانية . وهنا لاحظنا سولون يشاركه في هذا العنوان . والحقيقة إن هناك أكثر من حكيم أخر من يشارك طاليس وسولون بجدارة في هذا العنوان .

مصادر ديوجانس لارتيوس في الكتابة عن سولون

  لقد وجدنا مثلاً في الفقرة رقم 2 أشار ديوجانس لارتيوس إلى الشاعر الملحمي اليوناني هومر (أو هوميروس) والذي عاش وكتب في القرن الثامن قبل الميلاد (1) . وجاءت الإشارة إلى هوميروس أثناء حديث ديوجانس لارتيوس عن مجموع هومر (2) وقصائد هومر (3) . ومن مصادره المؤرخ اليوناني سوسيكراتس (الروديسي) (عاش ما بين 200 – 128 ق.م) (4) فقد نقل عنه في حديثه عن الحكيم سولون (5) . وأشار إلى كرويسوس (6) ملك ليديا (595 – 547 ق.م) (7) وإستند إلى تيلوس الأثيني (8) الذي كان رجل الدولة الأثيني المشهور (9) . وتبنى ديوجانس لارتيوس إسطورة الأخوين كليبوس وبايتون (10) ، مصدراً وكما ورد ذكرها في نص الحكيم سولون (11) .

  ونحسب إن من مصادر ديوجانس لارتيوس في كتابة نصه عن الحكيم سولون (والأدق جاء ذكرها في نص سولون) طاغية أثينا بيسسترتوس (إزدهر في القرن السادس قبل الميلاد) وحكم أثينا للفترة من 561 – 527 ق.م (12) والذي تردد ذكره في مواقع مختلفة في نص ديوجانس وهو يتحدث عن سولون وعلاقته بالطاغية بيسسترتوس (13) . وجاءت الإشارة إلى  كرويسوس (14) ملك ليديا من 560 – 547 ق.م  (15) كما ذكر مصدراً ملك أثينا الإسطوري كوردس (16) (إزدهر حوالي 1089 – 1068 ق.م) والذي كان مثالاً للوطنية والتضحية (17) .

  ومن الرموز اليونانية التي ورد ذكرها مرجعية في داخل النص الذي كتبه ديوجانس لارتيوس عن الحكيم سولون ، الكاتب والخطيب اليوناني ليسيس (445 – 380 ق.م) (18) . والذي جاء ذكره مصدراً لحديث سولون عن الرواد في التشريعات القانونية (19) وهناك إحالة مرجعية إلى السياسي الأرستقراطي الأثيني نيكياس (20) (470 – 413 ق.م) مع إشارة إلى خطاب ليسيس ضد نيكياس (21) . ولكن النص ذكر مرجعية أخرى في نص ديوجانس لارتيوس عن الحكيم سولون ، فقد تم ترجيح مكانة داركو (القرن السابع قبل الميلاد) (22) في تاريخ التشريع اليوناني (23) .

  كما تم الإشارة إلى مرجعيات أخرى داخل النص الذي كتبه ديوجانس لارتيوس عن الحكيم سولون . فمثلاً ذكر القائد العسكري بوليزليس (24) الذي قاتل في معارك طروادة (25) ، والمقاتل كينكريس (490 ق.م) (قاتل مع أخيه ) (26) في معركة المارثون (27) ضد الجيش الفارسي بقيادة دارا الأول (550 – 486 ق .م) (28) .

ومن ثم أشار إلى مقاتلين أخرين مثل كاليماشوس (ويبدو إنه غير الكاتب القورينائي الذي عمل في مكتبة الإسكندرية والذي ولد بعد هذه الأحداث بأكثر من قرنين من الزمن / تم الإشارة إليه في مواقع مختلفة من هذه الأبحاث) وهو برواية ديوجانس من الذين قاتلوا في معركة المارثون (29) ، ومنهم المقاتلين كل من هارمديس وأرستكتن (30) وهما أثينيين وهناك من ينسبهما إلى سوريا أو إلى الفينقيين (وماتا سوية عام 514 ق.م بعد نجاحهما في قتل طاغية أثينا) ومن ثم تحولا بعد موتهما إلى رمز للديمقراطية (31) ، والرياضي الأولمبي ملتايدز (550 – 489 ق.م) (32) والمشهور بدوره في معركة المارثون (33) وأخرون ” من الأبطال ” (34) .

    كذلك أشار ديوجانس لارتيوس أثناء كتابته عن سولون الحكيم إلى مصدر مهم ، وهو الكاتب المسرحي اليوناني يوربيدس (480 – 406 ق.م) (35) . ومن المعروف إن يوربيدس قد ولد بعد موت سولون بأقل إحتمال ما يقارب القرن من الزمن أو أكثر . إذن الإستشهاد بأقوال الكاتب المسرحي يوربيدس ، جاءت مصدراً مضافاً من قبل يراع ديوجانس أو على الأقل من المصادر التي إعتمد عليها ديوجانس في كتابة نصه عن سولون الحكيم (36) .

  ومن ثم تمت الإشارة في النص الذي كتبه ديوجانس لارتيوس ، وهو يتحدث عن سولون الحكيم ، إلى المؤرخ الميغاري ديوشيدس (37) ، وبالتحديد إلى الجزء الخامس من كتابه المعنون تاريخ ميغارى (38) . كما ورد في النص الديوجانسي ، إسم المؤرخ والكاتب أبولودورس (وربما هناك إحتمال إلى إنه غير أبولدورس الأثيني الذي ولد حوالي 180 ، ومات عام 120 ق.م) (39) ، وبالتحديد جاء ذكره أثناء حديث ديوجانس لارتيوس عن كتابه الثاني والمعنون رسالة في صانعي القانون (40) . وفي مرجعيات النص ذكر ديوجانس لارتيوس الشاعر وأول ممثل يوناني تسبيس (القرن السادس ق.م) الذي أول من عمل على خشبة المسرح وفقاً لرواية آرسطو في كتابه السياسة (41) وأشار ديوجانس إلى عروضه المسرحية التي قدمت تراجيدياته المسرحية إلى جمهور المشاهدين اليونان في القرن السادس قبل الميلاد (42) .

   ومن مصادر ديوجانس لارتيوس في كتابة النص عن سولون الحكيم ، كتاب أبولودورس المعنون فرق الفلاسفة (والذي إعتمد عليه ديوجانس كثيراً ، والذي ضاع مع الأسف وطواه النسيان ، خصوصاً بعد تأليف ديوجانس لكتابه حياة وآراء الفلاسفة) (43) والذي نقل منه خصوصاً نصائح سولون (44) . وأشار ديوجانس في داخل نصه الذي يتحدث عن سولون ، إلى الشاعر اليوناني ميمنرومس (إزدهر 630 – 600 ق.م) الكولوفوني أو الساميراني (45) ، والذي وبخه سولون على قوله ” سعادة الإنسان الهروب من المرض ..” ورد عليه بقوله ” خُذ بنصيحتي وأشطب مثل هذا الشعر ، ولا تكن حسوداً إذا ما كنت أكثر حكمة منك .. ” (46) . ومن ثم إعتمد مرجعية على الشاعر الأثيني الساخر كراتينوس (519 – 422 ق.م) والذي يمثل الكوميديا القديمة (47) والذي حضر بعمله المعنون إسطورة كيرون (48) .

  وهناك مرجعية في النص الديوجانيسي (نسبة إلى ديوجانس لارتيوس) إلى كتاب سولون المعنون الأمثال أو الحكم ، والذي يذكره البعض على حد رواية ديوجانس (49) . كما جاءت الإشارة إلى الطبيب الجراح اليوناني ديسقوريدرس (40 – 90م) ، والذي عاش عصر الإمبراطور نيرون (37 – 68م) (50) . وهذه الإشارة الديوجانسية جاءت أثناء الحديث عن شروح ديسقوريدس ، والتي تناولت قضية عويله (البكاء) على فقدان ولده (51) . وبالمناسبة كان لكتاباته الطبية – الصيدلانية ، وخصوصاً في الأعشاب الطبية حضوراً في الكتابات الطبية العربية (52) . 

   ومن مصادر النص الذي كتبه ديوجانس لارتيوس عن الحكيم سولون ، أربعة نصوص (أو الأدق مقاطع منها) لمراسلاته مع مشاهير عصره من السياسيين والطاغاة والشعراء . فالرسالة الأولى وجهها سولون إلى طاغية كورنيثيا بيرانيدر (القرن السابع قبل الميلاد) والذي خلف والده في العام 627 ق.م وتوفي عام 585 ق.م (53) وهو برأي آرسطو نموذجاً للطاغية الشرير . وجاء ت الإشارة إليه عند ديوجانس في رسالة سولون التي حملت العنوان الأتي : ” من سولون إلى بيرايندر ” (54) . والرسالة الثانية بعثها سولون إلى الشاعر الفيلسوف الإسطوري إيمينايدس (عاش مابين القرن السابع والسادس قبل الميلاد) (55) والتي جاءت بالصيغة الأتية ” من سولون إلى إيمينايدس ” (56) . وفي مقدمتها ذكر سولون ” إن قوانيني ، لم  تقرر خدمات طويلة الأمد للأثينيين …” (57) . أما الرسالة الثالثة فقد وجهها سولون إلى طاغية أثينا بيسستروتس (القرن السادس ق.م) (58) ، والتي جاءت بعنوان ” من سولون إلى بيسستروتس ” (59) . في حين بعث بالرسالة الرابعة إلى ملك ليديا كرويسوس (595 – 547 ق.م) (60) والتي حملت العنوان الأتي : ” من سولون إلى كرويسوس ” (61). 

ديوجانس لارتيوس : حياة سولون الحكيم

   تناول ديوجانس لارتيوس في طرف من الكتاب الأول من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، حياة الحكيم سولون  بالدرس والتوثيق وفقاً للمصادر التي توافرت له يومذاك . ومع الأسف ضاع وطواها النسيان بعد نشر موسوعته . كيف ؟ لا أحد يدري . فعلاً لقد خصص ديوجانس عشرين فقرة لحياة سولون ، وإذا وضعنا جانباً الفقرات الأربعة الأخيرة ، والتي حملت الأرقام (على التوالي) التالية : 17 ، 18 ، 19 ، وعشرين والتي درسناها في المحور المعنون تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم ، فإن هذا يعني إن الفقرات من رقم 1 وحتى نهاية الفقرة رقم 16 قد تداولت أوجه مختلفة من حياة سولون الحكيم . وهذا مانتطلع إلى بحثه في المحور الحالي ، وبالصورة الأتية :

1 – بدأ ديوجانس بالتعريف بشخصية الحكيم سولون ، وذهب إلى أن سولون هو إبن ” إكسيستايدس السالاميسي ” (منا = نسبة إلى دولة – مدينة سالاميس الواقعة على الساحل الشرقي لجزيرة قبرص . والحقيقة إن أراضي كل من إليسوس وجزيرة سالاميس كانت موضوع تنازع طويل مرير حول عائديتمها إلى كل من دولة – مدينة ميغارى ودولة – مدينة أثينا أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم / ثالثاً – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بيسستروتس / الهامش المعنون : مؤشرات من سيرة الطاغية بيسستروتس)+ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ حياة سولون الحكيم من زواية المصادر الحديثة ، وخصوصاً الإنكليزية والمترجم إليها ، فهي كثيرة ومتنوعة ولكن مصادرها في الكتابة إثنين من المصادر القديمة ؛ وهما هيرودوتس وهو إبن القرن الخامس قبل الميلاد وبلوتارك وهو إبن القرن الأول والثاني الميلاديين . ولعل من الملفت للنظر في رواية بلوتارك إنها أشارت إلى ” علاقة قرابة ” بين سولون المصلح الإجتماعي وخصمه السياسي بيسستروتس الطاغية ونصير الفقراء ، فحسب بلوتارك إن ” أم سولون وأم بيسستروتس بنات عمومة أو بنات أختين ” . وهذه مسألة تتطلب بحث عميق ، وذلك لأن بلوتارك إنفرد لوحده بهذه الرواية .

  وقد لا حظنا خلال تجربتنا الفلسفية التي جاوزت الأربعين عاماً إن الكتب التي تناولت بواكير التفكير الفلسفي اليوناني ، قد لا تخلو من الإشارة إلى الحكماء السبعة (مقدمة ثقافية أسهمت في إنبثاق الفلسفة عند بني العم يونان) وبالطبع إن سولون واحداً منهم ، كما إن سولون كان معاصراً لطاليس الذي هو بنظر هذه المصادر هو أول فيلسوف يوناني ومن هنا تأتي أهمية سولون في تاريخ الفلسفة اليونانية حكيماً أوربما فيلسوفاً حسب واحد من مصادر ديوجانس لارتيوس ، وهو أبولدورس في كتابه فرقة الفلاسفة والذي أشرنا إليه في المحور المعنون من هذا البحث : مصادر ديوجانس لارتيوس في الكتابة عن سولون .  

  وعلى كل فأننا نقرأ سيرة سولون في هذه الكتب الإنكليزية ، والتي ترى إنه كان رجل دولة ، ومُشرع ومُصلح وشاعر شأنه شأن جميع الحكماء السبعة . وهو في ذاكرة التاريخ اليوناني عامة ، وتاريخ دولة – مدينة أثينا خاصة ، حيُ وتتذكره الأجيال بجهوده التشريعية التي عملت على وقف التداعي السياسي والإقتصادي ، بل والأخلاقي لدولة – مدينة أثينا . ومع الأسف إن تشريعاته فشلت بُعيد صدورها بفترة قصيرة ، ورغم هذا الحال ، فإن التاريخ الإثيني منحه إمتياز ، ولم يسبق إن منحه لأحد قبله ، وهو تسجيل إسمه بحروف من نور ، وذلك لأنه أول من وضع أُسس الديمقراطية الأثينية .

  وكتب سولون الشعر وظل معظمه خالداً إلى يومنا ، كما كتب الخطابات السياسية الوطنية (والبعض يرى إنها إنموذجاً أولياً لأدب الترويج والدعاية السياسية البروبيكندا) ، وهو مُدافع عنيد عن الإصلاحات الدستورية وإن إصلاحاته كانت موضوع إلهام للفيلسوف اليوناني آرسطو ، والتي سجلت حضوراً في كتابه الدستور الأثيني (والبعض يرى إن هذا الكتاب منسوب لأرسطو وإن كان من نتاج مدرسته المشائية) . والحقيقة إننا لم نكن محظوظين في توافر المعرفة الدقيقة عن أراء سولون وكتاباته ، فقد ضاعت وطواها النسيان ، ولم يبقى منها سوى شذرات ظلت محفوظة في متون كتابات مؤلفين جاءوا فيما بعد ، والتي تُشكل عنواناً جذاباً : سولون المصلح والشاعر ، وهذا عنوان مقال سنعالجه في المستقبل القريب . للتفاصيل أنظر :

1 – P.Rhodes, The Reforms and Laws of Solon The Wise …, Brill, Leiden 2006

2 – I. M. Linforth, Solon the Athenian, University of California Press 1919,   

3 – V. Ehrenberg, From Solon to Socrates: Greek History and Civilization, Routledge 1973 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   لقد كشفت هذه الفقرة عن أعمال الحكيم سولون الإصلاحية ، وخصوصاً التشريعات الإقتصادية والتي هدف منها إلى إقامة نوع من العدالة الإجتماعية ، وبالطبع العدالة الإجتماعية بمنظور ديمقراطي إرستقراطي (فيه محافظة على الإمتيازات الإرستقراطية) .  وعلى هذا الأساس ذكر ديوجانس لارتيوس بأن سولون هو أول مُشرع أصدر مرسوماً إصلاحياً يُنظم حياة الأثينيين الإقتصادية ، وبالتحديد تخفيض الديون . وكان غرضه (أي سولون) هو ” تحرير الإفراد والممتلكات من سيطرة الدائنين . ويومذاك كان على الأشخاص الذين تقدموا بطلب إستدانة الأموال ، إن يقدموا أشخاصهم ضماناً لدفع الدين في الوقت المحدد ، ولهذا السبب تحول العديد منهم إلى عبيد نتيجة عدم قدرتهم على دفع الدين ” .

  ولما كان سولون حسب إفادة ديوجانس لارتيوس يتمتع بمهارات عالية ورثها من والديه ، فقد ساعدته على أن يكون ” أول شخص عمل ترتيبات مع الناس الذين أقرضهم مالاً ، وقام بتحريرهم ، وفي الوقت ذاته حرض الأخرين على تحرير الأشخاص الذين إستدانوا منهم بالطريقة ذاتها  . وهذا المرسوم التشريعي أُطلق عليه إصطلاح ” تسهيلات أعباء الدين ” . وبعد ذلك أصدر قوانين أخرى ، ونقشها على ألواح خشبية ” (62) .

2 – والسؤال : ما هو أهم فعل قام به سولون على الإطلاق ؟ من الثابت تاريخياً إن هناك نزاع وجدل مرير وطويل حول بلده ” جزيرة سالاميس ” بين الأثينيين والميغاريين . ولكن لسوء حظ الأثينيين (وكذلك السالاميسيين) إن دولة – مدينة أثينا واجهت العديد من الكوارث في حربها مع دولة – مدينة ميغارى . وعلى هذا الأساس صدر مرسوم أثيني يُعاقب بالموت كل من يحرض الأثينيين للقيام بالحرب لصالح سالاميس . وهنا تظاهر سولون بالجنون ، ووضع التاج على رأسه ، وإنطلق إلى الأماكن العامة والأسواق يُلقي بقصائده الشعرية (المشهورة بالإيلجيز ، وهي نوع من الشعر ذات جرس موسيقي حزين خصوصاً يلقى أثناء تشييع الموتى ودفنهم) ولكن ليس بنفسه ، وإنما من خلال مجاميع من المنشدين . وكل هذه القصائد الشعرية كانت تحتفل بمدينة سالاميس . وبهذه الوسيلة أثار الحماس لدى الأثينيين ، ودفعهم مرة ثانية إلى إعلان الحرب على الميغاريين ، وإحتلوهم بطريقة سولون .

  ولعل من الأشعار التي ألهبت مشاعر الأثينيين ، قصائده الشعريه المعروفة بالإيلجيز ومنها قوله  :

أتمنى أن أكون رجلاً من الجزر المتناثرة (منا : يشير إلى أربع وعشرين جزيرة متناثرة في بحر إيجة) أو أكون من جزيرة سيسنا (جزيرة صغيرة قرب كريت) على أن أكون أثينياً

حيث تحول الحال إلى مثل يردده الناس

هذا هو الأثيني الذي لايرغب في القتال لصالح سالاميس

أو كما قال في بيت شعري أخر :

دعنا نذهب ونقاتل من أجل سالاميس الحبيبة

ونمحو هذا العار الذي يُطاردنا ليل نهار

  ومن ثم حاول سولون إقناع الأثينيين على السيطرة على شبه جزيرة كيرسوسن التراقية (منا = هي الأن جزء من أراضي تركية الأوربية ويطلق عليها إسم شبه جزيرة جاليبولي) . ولإنجاز الأثينيين ذلك لابد من السيطرة على سالاميس . وفعلاً تحقق لهم ذلك ليس بالقوة وإنما بالعدل . وأثبت لهم سولون بأنها أرضاً أثينياً وذلك من خلال قيامه ” بفتح قبور الموتى ، وبين لهم إن كل الجثث متجهة نحو الشرق ، وهذا هو الطقس الأثيني في دفن الموتى ، وإن كل العناوين التي نُقشت على القبور قد جرت حسب التقاليد الأثينية . وقال البعض إن سولون هو الذي أضاف إلى شعر هوميروس ، ما قاله :

وظهر مع هؤلاء من يرفع بيراق السالاميسيين

وكان إبن سليمان العظيم الذي يتقدم الصفوف

وقال في بيت شعري أخر :

والسفن الأثنتي عشر السوداء

وهي تبحرً في طريقها إلى طروادة

إنضم إليها فرسان الأثينيين الأشداء (63) .

3 – ويكشف ديوجانس لارتيوس في هذه الفقرة عن علاقة الحكيم سولون الحميمة بالأثينيين من طرف والظروف المحيطة بعلاقة سولون بقريبه (طاغية أثينا) بيسستروتس حسب رواية ديوجانس النازلة إليه من الكاتب اليوناني سيسكراتس (إبن القرن الثاني قبل الميلادي) ، وكما نحسب إنه كان المصدر المعرفي لكل من كاتب السير اليوناني بلوتارك (إبن القرن الثاني والثالث الميلاديين) وديوجانس الذي كتب كتابه في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي ، وبالتحديد في قضية قرابة سولون الحكيم للطاغية بيسستروتس .  

  وفعلاً فقد بدأت الفقرة بقول ديوجانس لارتيوس : ” وإنه لم يمض وقت طويل حتى أصبح الأثينيين راغبين بإطاعة سولون ، وباتوا مقتنعين بإنه أفضل من يحكمهم . إلا إنه رفض أن يكون حاكماً عليهم ” . وإستشهد هنا لارتيوس بقول الكاتب اليوناني سيسكراتس ، والذي أضاف : ولما كان سولون ” بعيداً عن قبول عرض الأثينيين ، وفي الوقت ذاته سد الطريق أمام قريبه بيسستروتس ، والذي كان يحاول إقناع الجمعية على قبوله (منا = قبول تعيينه رئيساً للحرس) ، إندفع سولون إلى الجمعية الأثينية حاملاً رمحه ودرعه ، وحذر الأثينيين من تعيين بيسستروتس ، وعرض عليهم مساعدته ، وقال :

آه يارجال آثينا ، أنتم عارفون ، أنا أكثر حكمة من بعضكم ، وأكثر شجاعة من الأخرين ، كما وأكثر حكمة من أولئك الذين لا يدركون العواقب المدمرة من تعيين بيسستروتس ، وأكثر شجاعة من الذين لم يرفعوا صوتهم ، ولذلك أدعوكم إلى التمسك بالسلام ولكن بشرط ، وهو الخروج من دائرة الخوف ” . إلا إن الجمعية الأثينية كانت لها مصالح في تعيين بيسستروتس ، فقالوا : إن سولون شخص مجنون ، وبعد سماعه قولهم ، تكلم فقال :

أيها الأثينيون تمهلوا قليلاً

وإن جنوني سيبرهن لكم

وستشخص الحقيقة الكارثة

أمام ناظريكم .

  وهذه مقاطع شعرية (اليجيك = الشعر ذات الجرس الموسيقي الحزين ، وعادة يُقرأ في المآتم) كتبها سولون بيراعه ، وكانت تدور حول الطاغية بيسستروتس ، وتحمل إلى الأثينيين نبؤة الكارثة القادمة إلى دولة – مدينة أثينا :

ثلج أسود وحالوب كثيف هبطا علينا من السماء

ورعد مدوي ، سبقه برق لطيف يعوي بغضب

وجاء سقوط المدينة ، وهي بيد رجالها الفرسان

فتحولت جموع الرعاع الغافلون إلى عبيد للملوك (64) .

4 – في هذه الفقرة وصف ديوجانس لارتيوس التحولات التي حدثت في حياة كل من سولون والأثينيين بُعيد صعود الطاغية بيسستروتس إلى سدة الحكم في دولة مدينة – أثينا . فأفاد قائلاً : ” وعندما تمكن الطاغية بيسستروتس من السيطرة على مقاليد الأمور في أثينا ، وفشل سولون من التأثير عليه أو حمله على التغيير ، وضع سولون سلاحه أمام رئيس الجمعية الأثينية ، وقال :

 آه وطني ، أنا الوحيد الذي سيُدافع عنك بالكلمة والعمل .

ومن ثم ترك مدينة أثينا وراءه ، وأبحر متوجهاً نحو مصر ، وقبرص ، وجاء إلى كرويسوس (ملك ليديا) . وبينما هو في ضيافته وواحدُ من حاشيته ، سأله كرويسوس : من هو الذي برأيك الشخص الأكثر سعادة ؟ فرد سولون على الملك : إنهم ثلاثة ، أولهم تيلوس ، ومن ثم الأخوين كليوبس وبايتن ، وذكر أمثلة . ولكن البعض يقول : ولما كان كرويسوس يعتز بنفسه ، فأخذ كرسيه من العرش ، وبادر سولون بالسؤال مرة ثانية : ومن هو أبهى جمالاً في حضرته حسب رؤيتك وخلال حياتك على الإطلاق ؟  فأجابه سولون قائلاً : ” نعم ، أنا رأيت الديك والحجل والطاووس ، وهم يعشقون ويعتزون بألوانهم الطبيعية البراقة ، وهم أكثر جمالاً عشرة آلاف مرة ” .

  ومن ثم ترك سارديس (منا : عاصمة مملكة ليديا) وذهب إلى قيليقية (منا : الجزء الساحلي الجنوبي من تركيا الحالية ، وتقع في شمال وشمال شرق قبرص) ، وهناك أسس سولون مدينة أُطلق عليها إسم صوليا وإقترن إسم سولون الحكيم بها ، ووطن فيها العدديد من الأثينيين ، والذين تخلوا عن لغتهم الأُم ، وأخذوا يتكلمون لغة الصوليسزم (منا : وهي لهجة الأثينيين الذين سكنوا صولي – قيليقية ، وهي لهجة مُحرفة من اللهجة الأتيكية – اليونانية) . وإن الذين إستقروا بها أُطلق عليهم إسم الصوليسينيين . أما الذين إستقروا في صولي – القبرصية فقد أُطلق عيهم الصوليين (65) .

5 – وخصص ديوجانس لارتيوس الفقرة الخامسة ، للحديث عن حقيقة تاريخية ، وكيف إستجاب لها سولون . فالحقيقة التاريخية تمثلت ” في معرفة سولون بأن بيسستروتس مستمر بإصرار على حكم الأثينينين بإسلوب الطغاة ” . أما الإستجابة فقد جاءت عن طريق كتابة سولون ” للشعر إلى الأثينين . والذي يقول فيه :

إنها بعض من رذائلكم التي إبتليتوا بها

فلا ترموا اللوم بمصيبتكم على الله

أنتم اللذين من صنع من الحكام جبابرة

وكنتم لهم حرساً

والآن تُعانون من عصا العبودية الغليظة

ومن ثم أخذ كل واحد منكم يرقص بخطوات ثعلبية

إنكم تحملون عقلاً واهياً ، متناقضاً وفارغاً من ذرة إيمان

وتثقون بلسان معسول وخطاب رجولي متزلق

وتجدون الصدق خلال تشريعاته (منا : أي تشريعات سولون) فقط (66) .

6 – رسالة بيسستروتس إلى سولون : خطاب الإختلاف

   نحسب إن هذه الفقرة التي كتبها لنا ديوجانس لارتيوس (أو الأدق التي نقلها لنا) هي من الرسائل أو الخطابات السياسية المكتوبة بقلم الطاغية بيسستروتس . ومن هنا تأتي أهميتها ، فكل ما سمعناه الأن وسنسمعه في باب التأمل في خطابات سولون السياسية ، هو وجهات طرف واحد في الجدل السياسي الأثيني ، وهو طرف الديمقراطي الأرستقراطي سولون ، وظل بيسستروتس الطاغية نصير الفقراء غائباً من الحوار والنقاش . ولهذا نفضل معالجة رسالة بيسستروتس والتي بعثها إلى سولون كخطاب سياسي معارض لخطاب سولون المهيمن في هذا المضمار .

   لقد بدأ ديوجانس لارتيوس بالتعريف بظروف كتابة هذه الرسالة ودوافعها فأشار إلى ” إن بيسستروتس أرسل رسالة إلى سولون ، وبالتحديد بعد معرفته إن سولون قرر ترك أثينا والهجرة إلى خارجها ” (67) . والتي جاءت بعنوان ” من بيسستروتس إلى سولون ” (68) . ونحسب إن الرسالة في قسمها الأول ، هي عبارة عن دفاع بيسستروتس عن نفسه حاكماً جديداً لأثينا ، ودفاع عن نظامه السياسي الذي إختاره للأثينيين . كما ونتحسس فيه نقد للنظام الديمقراطي ومن خلاله إلى سولون حكيم الإرستقراط . والشئ الموضوعي الذي نجده في رسالة بيسستروتس ، إعتراف بأن الأثينيين لازالوا يعيشون تحت ظلال التشريعات والقوانين التي سنها المشرع سولون . وهنا نرى رغم إختلاف الرؤى السياسية لكل من سولون وبيسستروتس ، والتي تصل إلى حد التقاطع حتى النخاع ، فإنهما يقفان على قاعدة مشتركة واحدة ، وهي تشريعات وقوانين سولون ودورها الذي لازال فاعلاً في حياة الأثينيين حسب قول بيسستروتس . وهذه ترجمة للقسم الأول من الرسالة السياسية التي بعثها بيسستروتس إلى سولون ، والتي بدأت بحجة يبدو إنها مقبولة في منطق الإحداث السياسية يومذاك وظروف العصر الذي عاشته دولة – مدينة أثينا . وتخفي بيسستروتس وراء حجته التي تذهب إلى إنه الأخير من سلالة الملوك الذين كان لهم حقوق في رقاب الأثينيين … يقول بيسستروتس :

” أنا لم أكن أول واحد من اليونانيين من الذين مسكوا السلطة على سيادة هذا البلد . ولا أنا أول واحد لا أملك الحق في عمل ما أرغب أن أقوم به ، ومنذ أنا من أصل كودروس + ، وأنا الوحيد الذي بقي منهم ، ومن المعلوم للجميع كما يعرف سولون إن الأثينيين قد أقسموا على تشريف كودروس والتضحية له ولكل أفراد عائلته إستثناءً .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  + ذكرنا أعلاه إلى إن كودرس (حوالي 1089 – 1068 ق.م) هو الحبة الأخيرة من عنقود عنب الملوك الأثينيين (شبه الإسطوريين) . وكان مثالاً للوطنية والتضحية . وخلفه ولده ميدون ، والذي رفض أن يحكم الأثينيين ملكاً ، وكان أول رئيساً للسلطة التشريعية في أثينا (ويسمى لقب الحاكم آركون) وهو السلطة التشريعية والتي تشبه الجمعية أو المجلس (وفي الحضارة العربية ما يُقابلها مجلس القضاة وقاضي القضاة) . ولكون ميدون أعرجاً فقد حاول أخيه نيلوس منعه من الحكم . إلا إن وحي معبد دلفي منحه السلطة .

  والحقيقة من بواكير القصص التي سادت عن الملك كودروس جاءت من خطبة كانت رائجة في القرن الرابع قبل الميلاد ، والتي كتبها الخطيب اليوناني لوكريكس الأثيني (396 – 323 ق.م) والتي كانت بعنوان ضد لوكريتس ، ولوكريتس هو جنرال أثيني شارك في الحرب البيلوبنزية الأولى .

Hugh Chisholm (Ed.). “Codrus”. Encyclopaedia Britannica, (11th ed.). Cambridge Universiyt Press 1911

    ودرس الخطيب لوكريكس الأثيني في أكاديمية إفلاطون ، ونحسب إنه إلتقى أرسطو في الأكاديمية أو كان زميلاً له . إلا إن لوكريس أصبح حوارياً لعالم الخطابة الشهير في عصره إيسقراط (436 – 338) .

William Smith, Op. Cit, V.1, p. 3

وبالمناسبة  إن الفيلسوف اليوناني أرسطو هو الأخر كتب عن  الملك كودروس في كتابه الدستور الأثيني . ولكنه قدم رؤية مختلفة عن قصة الخطيب لوكريكس . فقد ذكر بأن نظام الملوكية إستمر مع ميدون الذي خلف والده الملك كودورس ، ومن ثم خلف ميدون الملك إكستوس .

Aristotle, Constitution of Athens (Op. Cit), Book 3

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإجلالاً وإحتراماً لكل ذلك ، فأنا لم أرتكب أية خطيئة ضد الناس أو ضد الألهة على الإطلاق . ولكن كما تعرف أنت يا سولون ويعرف القاصي والداني من الأثينيين ، أنني قد سمحت لهم أن يعيشوا وفقاً للقوانين ، التي أصدرتها أنت ياسولون لهم . والأن يعيش الأثينيين بطريقة أفضل مما كانوا عليه في ظلال الديمقراطية . وأنا في الوقت ذاته وفرت بلداً آمناً للجميع ، فلم أسمح لأي كان أن يُشارك في العنف ويخلق البلبلة ، وأنا رغم ذلك ياسولون طاغية ، فأنا لم أحصل على أية إمتيازات تتخطى سلطتي سواء من طرف المنصب أو من طرف التشريف . وكما تعلم إن القناعة والتشريف سمات من سمات الملوك الأوائل .

  كما ولعلمك ياسولون ، بأن كل واحد من الأثينين تبرع بجزء مما يملكه ، ليس لي شخصياً ، وإنما للخزينة العامة ، والتي هي تضحيات الأثينيين ، المخصصة لخدمة المدينة . ومنها ما يستخدم لأغراض عامة أخرى ، أو في حالة طوارئ الحروب ” (69) . 

   أما القسم الثاني من خطاب بيسستروتس حسب رواية ديوجانس لارتيوس ، فقد ركز فيه بيسستروتس على عرض حجته فيما يمكن أن نسميه بمضمار الخلاف بين الشخصيتين ؛ السمات الشخصية وطريقة التصرف وإسلوب الحكم ، وبالتحديد بين شخصية سولون وشخصية بيسستروتس ، كما وفي الخطاب نقد لسولون على إنه أغفل معرفة الواقع السياسي في عصر بيسستروتس ، وإنه إذا إنفتح (أي سولون) بعقل سمح على نظام الحكم الجديد لأقتنع بالكثير الكثير وفضل العيش تحت ظلاله . وهذه ترجمة للقسم الثاني من رسالة الطاغية بيسستروتس نصير الفقراء إلى سولون حكيم الإرستقراط . يقول بيسستروتس :

 ” ولكنني شخصياً لا ألومك على طريق هجومك على خططي ، وذلك لأنني عارف وأنت عارف كذلك ، بأنك فعلت ذلك دون التفكير بمصلحة المدينة . وإن دافعك مكشوف للجميع ، وهو كرهك لشخصي هذا طرف . والطرف الأخر هو إنك لا تعرف شيئاً عن إسلوب الحكم الذي أخترته ، وبدأت بإنجازه . ولذلك أقترح عليك أن تتخلى عن جهلك بإسلوب الحكم الذي إنتخبناه ، وتسعى بكل جهد للتعرف عليه . وأنا متأكد إنك ستقتنع بالعيش في ظلال حكومته ، وتخليت عن فكرة الفرار من المدينة والعيش في المنفى على الإطلاق . وفي ضوء كل ذلك : أدعوك الأن بالعودة إلى وطنك مرة ثانية . وكن واثقاً ياسولون ، بأنني لم أعرضك لأي نوع من العقاب بيدي (أي يد بيسستروتس) . وفي هذا الحال سيسلم كل أعدائي من شرورك . أما إذا وافقت أن تكون واحداً من أصدقائي ، فإنك ستفوز بالمكانة الأولى ، خاصة إذا تأكدت بأنه لا ضرر أو خيانة ستصدر عنك . وإذا رغبت بالعيش في آثينا بالطريقة التي تفضلها ، فإننا سنسمح لك ذلك . وشرطنا الوحيد ، هو أن لا تحرم نفسك من وطنك بسبب أفعالي ” (70) .

7 – تأمل أكسيولوجي في شذرة من خطاب سولون الحكيم

   تحملنا قراءة هذه الشذرة من زاوية الأكسيولوجيا – الأخلاقية (بالطبع هناك أكسيولوجيا – جمالية) على القول إن تفكير سولون القيمي – الأخلاقي من وجهة نظر تاريخ تطور النظريات الفلسفية مهم جداً . وبالتحديد إذا نظرنا إليه كمحاولة من المحاولات الأولى ، التي تطلعت إلى تأسيس مقدمات للفكر الفلسفي الأخلاقي اليوناني . ونحسب إن هذا الإهتمام الأولي بالأكسيولوجيا – الأخلاقية عند سولون ، هو بحد ذاته مقدمة سيكون لها الأثر الكبير في إنشاء ومن ثم تطوير مباحث هذا المضمار الفلسفي في الفلسفة اليونانية البيروسقراطية (قبل سقراط) ، والذي سيتعمق خطه في تفكير سقراط (والذي تعكسه محاوراته التي نقلها إلينا كل من تلميذه المؤرخ أكسانوفان ، والمحاورات السقراطية التي كتبها مُبكراً تلميذه إفلاطون) . وسيصل هذا الفكر الفلسفي (الأكسيولوجي – الأخلاقي) إلى أعلى درجاته في محاورات أفلاطون في مرحلتي النضوج والشيخوخة ، وفي كتابات تلميذه الفيلسوف آرسطو الأخلاقية (ومن ثم في نصوصه الجمالية) .

  ومن الجدير بالذكر إن هذا البحث الفلسفي – الأخلاقي سيتجدد نمطاً من الأدب الأكسيولوجي – الأخلاقي في نهايات العصور الهيلينستية ، وسينتقل عبر ترجمات سريانية متنوعة إلى دائرة التراث العربي الإسلامي ، والذي سيُعرف بأدب المرايا ، ومثالاً على ذلك : كتاب العهود اليونانية لإفلاطون ، وكتاب سر الأسرار لأرسطوطاليس ، ومن ثم دشن هذا الدرب حنين بن إسحق في كتابه نوادر الفلاسفة ، والذي إختفى ولا نعرف عنه اليوم شيئاً إلا من خلال النسخة التي إختصرها محمد بن علي الأنصاري ، والتي كانت بعنوان آداب الفلاسفة + .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الكلم الروحانية من الحكم : العقل العربي الإسلامي والمؤسسة السياسية ، الشركة العالمية للكتاب 2001 ، ص 9

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومن ثم تجدد هذا الشكل من الأدب الأكسيولوجي – الأخلاقي ، في صورة أمثال وحكم مختصرة ، هي في الحقيقة إختصار شديدة لتجربة حياتية وفكرية ، والتي يُطلق عليها أفوررزم ، والتي بدأت مع الألمان من أمثال غوته ، وشوبنهور وفردريك نيتشه وفيتجنشتاين … بل وشاركت فيها ثقافات أوربية أخرى ومنها الدنماركية ممثلة بكتابات رائد الوجودية سورين كيركيجارد … والقائمة طويلة .

   وهنا نقدم ترجمة لهذه الشذرة . يقول سولون :

” إن حدود الحياة الإنسانية ما يقارب السبعين سنة (مابين قوسين منا : هذا هو معدل عمر البشر يومذاك حسب سولون)  ، ولهذا كان سولون من أعظم الذين سنوا القوانين والتشريعات (الإنجاز). والتي منحته حياة مملوءة بالحبور والبهجة (قيمة الإنجاز) (71) . ومن مثل هذه القوانين التي تعكس القيم الأكسيولوجية الأخلاقية  : ” إذا أمتنع شخص ما من مساعدة والديه ، فإن إسمه سيُدرج في قائمة المنسيين ” . و ” إن الرجل الذي يُبذر ميراثه النازل إليه من والديه ، هو في عداد المنسيين كذلك ” . و ” إن الشخص المهمل يستطيع أي شخص أن يقاضيه بتهمة الخيانة والإهمال ” (72) . 

    إلا إن الكاتب والخطيب اليوناني ليسيس (الذي عاش وكتب ما بين القرنيين الخامس والرابع قبل الميلاد) ، قد ذكر في خطابه ضد نيكياس ” بأن داركو هو أول من أصدر القانون ، وإن سولون هو الذي نفذه ” (73) . ومنها جاءت وقوانينه وتشريعاته ملتزمة بقواعد الأكسيولوجيا الأخلاقية (المعيارية) خصوصاً في تعيين النخب (الشخصيات الإنموذجية) في مناصب الدولة ، وتحديداً في المحكمة ، وفي الوقت ذاته ” تحريم كل الذين يعيشون في الشهوات الحسية (أو يتكسبون منها) من الصعود إلى المحكمة ” (74) .

  وفي مضمار إصلاحاته الإقتصادية التي تسورت بسور أكسيولوجي أخلاقي ، قدم أمثلة ونماذج محددة من التشريعات ، مثلاً ” إنه خفض حجم الهبات المالية التي تدفع للرياضين ، تكريماً وتشريفاً لفوزهم في الألعاب ، بل وحدد جائزة الفوز في الأولمبياد بخمسمائة دراهما . أما بالنسبة للرياضي الذي يحصد جوائز الألعاب الأسميثين (أو الأسمين)* فقد حددها بمئة . وفي هذا الجزء من القانون ثبت قيم الجوائز التي تقدم في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * الألعاب الأسمين هي واحدة من الألعاب التي تقام كل أربع سنوات مثل الأولمبياد في اليونان القديمة ، وسميت بهذا الأسم لأنها تُقام في أسمينا الكورنثية . والألعاب الأسمينية تُقام في سنة قبل الألعاب الأولمبية ، وبعدها بسنة . للتفاصيل أنظر :

Oscar Broneer, ‘The Isthmian Victory Crown’, American Journal of Archaelogy, No. 66 (1962), pp. 259 – 263

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الألعاب الأخرى ” (75) .

   ومن الأسباب التي حملته على هذا التعديل الإقتصادي ، وهي بالتأكيد أسباب ذات بعد أكسيولوجي أخلاقي ، هي أسباب تتعلق بتكريم الأبطال الأثينيين الحقيقيين . فقال : ” إنه من السخف أن يُمنح شرف عظيم لهؤلاء الرجال ، وكان من المفروض أن يحفظ هذا الشرف حصراً لأولئك الذي ماتوا في الحروب . ولهذا أمر سولون أن توفر لأولادهم كل الرعاية والتعليم ، وأن تُغطى حسابات ذلك من المال العام . وإن الشجاعة دينُ بعناق كل الأثينيين ، الذين كانوا نبلاء وفي الوقت ذاته جنوداً شجعاناً في الحرب . والأمثلة كثيرة منها بوليزليس وكينكرس وكاليماشوس الذين كانوا جنوداً قاتلوا في معركة المارثون . والمقاتلون كل من هارمديس وإرستكن وملتايدز وأبطال أخرون  (76) .

   ومن طرف الرياضيين فإن تدريباتهم مُكلفة جداً من الزاوية الإقتصادية ، وفوزهم يكون مؤذياً كذلك من الزاوية ذاتها . وإذا ما حصل لهم تتويج فإنهم سيكون مثل المحتلين لوطنهم ، بل والأكثر إيذاءً من الأعداء ، وإذا ما أصبحوا شيوخاً ، فإنهم كما يقول يوربيدس :

إنهم أشبه بقبعات قديمة

قماشها لا قيمة له ” (77) .

9 – تأمل ميثدولوجي في شذرة سولونية

  لاحظ الباحث من خلال قراءة الشذرة رقم 9 (بالطبع الفقرة رقم 8 غير موجودة في نص ديوجانس لارتيوس) بأن عقلية سولون قد تميزت بكونها عقلية واقعية ، وذلك من طرف إستنادها إلى الحقائق ، وليس إلى الخيال السياسي الإصلاحي فقط ، وبالتحديد في صياغة القوانين والتشريعات التي تُسرع نبض الحياة وتستجيب للتحديات التي تواجهها وفي إطار أرستقراطي منفتح على شكل من أشكال العدالة الإجتماعية . وفعلاً فالنص الذي نقله ديوجانس لارتيوس يُفيد ” بأن سولون قدر (قيم) هذه الحقائق ، وتعامل معها بإسلوب مُعتدل (الإعتدال) ” (78) . والحقيقة إن هذا الفهم المنهجي جدا مهم في مرحلته التاريخية المبكرة والمتقدمة على لحظة إنبثاق الفلسفة إصطلاحاً ، وذلك لأن هذه التفكير المنهجي سيُلازم إيقاعات البحث الفلسفي فيما بعد . وجاء دور الحقائق في واحد من تشريعات سولون التي حفظت حقوق الإيتام وحددت شروط إختيار ولي أمرهم ، وبذلك سدت الطريق أمام تبديد ميراثهم . وهنا تقول الشذرة السولونية : ” وهذا توجيه من سولون يُثير الإعجاب ، ونصه : أن لا يُشارك ولي أمر (حارس حقوق) الأيتام العيش مع أمهم تحت سقف واحد ، وأن لا يُسمى شخص ما ولياً لهم ، وإنه سيرث ما يملكون بعد موتهم ” (79) .

  ومن طرف الإهتمام بالتفكير المنهجي السولوني ، الإشارة إلى طرق سولون في التحري عن الحقيقة ومصادرها المعرفية ، وهي قضية في غاية الإعتبار . وهنا نذكر مثالاً ورد عند ديوجانس لارتيوس ، والذي تحدث عن سولون وإهتمامه بشعر هوميروس . فقد قام بكتابة قصائد هوميروس ، وذلك من خلال الإستماع إليها من مصادر متنوعة ، وهذا هو طريق الوصول إلى حقيقة شعر هوميروس . فقال : ” وإذا تم قراءتها بصور مختلفة ، فإن هذا هو الطريق لمعرفة الدليل الأقوى في قراءة الأخر ” . وعلى هذا الأساس نقل لنا ديوجانس لارتيوس رأي الباحثين يومذاك ، وهو الرأي القائل : ” إن سولون هو الذي أول من ألقى الضوء على هوميروس ، وليس بيسستروتس ” . وأكد ديوجانس ذلك بقوله ” إن المؤرخ الميغاري ديوشيدس ، هو الذي ذكر في الجزء الخامس من كتابه تاريخ ميغارى ، وكان من أشهر أبيات شعره ، المقطع الأتي :

وجاءت الخمسين كاملة ، أو معظمها من أثينا

وهي تتسارع نامية نحو أصلها (80) .

  كما كان سولون حسب رواية ديوجانس لارتيوس ، يُفضل طريقة الحوار ، والإستماع إلى ما يقوله الأخرون ، ويتطلع إلى معرفة أراء الحكام والسياسيين ومن كل الشواطئ المختلفة ، وذلك سعياً في صياغة مفهومه في التوسط والإعتدال بين الأراء والأحكام . يقول ديوجانس : ” وكان سولون أول شخصية دعت إلى الإجتماع بتسعة من الحكام سوية ، وذلك للإستماع إلى أرائهم ” (81) . ولعل الإستشهاد الأخير هو الدال على موضوعية سولون المحايدة ، ونهجه الذي يراقب الأحداث ، والذي يستند إلى مفهومه في الإعتدال ورفض التطرف . وهذا ما نقله ديوجانس لارتيوس من واحد من مصادره في الكتابة عن سولون ، وهو أبولدورس الذي يخبرنا في كتابه الثاني من رسالته المعنونة صانعو القوانين : ” بأنه مرة ضربت الإضطرابات والفوضى المدينة ، فظل سولون محايداً مراقباً ما يجري ، ولم يُشارك المواطنين ، ولا سكان السهول ، ولا مع رجال السواحل البحرية ” (82) .

   ونحسب إن في خطاب سولون سمة منهجية مهمة وسيكون لها أثر في مباحث الفلسفة فيما بعد . ولذلك نود هنا إن نؤكد عليها ، وهي سمة الإعتدال ، والتي تتضمن درجات من الموضوعية المُحايدة ، وفي الوقت ذاته رفض التطرف والإنحياز إلى أحد القطبين . فقد لاحظناه في حججه وأحكامه (في أغلب الأحيان) يتوخى الإعتدال . ونحسب إن مفهوم الإعتدال السولوني سيجد له صدى في مفهوم  الوسط الذهبي عند أرسطو ، والذي هيمن في مباحث فيلسوف إسطاغيرا الأكسيولوجية الإخلاقية . وهنا نقدم مثالاً أرسطياً كلاسيكياً للوسط الذهبي ، وبالتحديد في مفهم الشجاعة ، وهو وسط (توسط) بين الجبن والإستهتار + .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + للإطلاع على مفهوم الوسط الذهبي في كتابات أرسطو الأخلاقية ، وخصوصاً كتابه الأخلاق النيقوماخوسية (نسبة إلى إسم ولده نيقوماخوس) أنظر :

R. Hursthouse. “The Central Doctirne of the Mean” In R. Kraut, The Blackwell Guide to Aristotle’s Nicomachean Ethics, Oxford 2006, pp. 96 – 115

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 – سولون : الخطاب صورة الأفعال

   إن التأمل في هذه الشذرة السولونية ، تحملنا على القول إن فيها مشروع بحث أولي في فلسفة اللغة أو بمعنى أخر في منطق اللغة . إن أول مقطع من هذه الشذرة ، هو تعريف سولوني للكلام أو الخطاب . فقد عرفه بصورة واضحة ، فقال : ” إن الكلام (الخطاب) هو صورة الأفعال ” (83) . ونحسب إن تفكير سولون لا يُغادر دائرة النظر إلى الكلام على إنه خطاب أو لغة ، وهما في المحط الأخير مجموعة الصور أو نظام تترتب فيه الصور وفقاً لقواعد هذا الخطاب أو النظام اللغوي . كما إن سولون لم يكتف بذلك ، بل تحدث عن الخطاب ، الذي يكون لغة ” مسكوت عليها (مختومة أو غير مسموعة) خلال الصمت ، ومن ثم يتحول الصمت إلى خطاب ممكن ” (84) .

    ونرى إن هذه المسألة (أي الإهتمام باللغة والخطاب) في غاية الأهمية في هذه المرحلة التاريخية من تطور الفكر اليوناني ، وهي مرحلة تفكير الحكماء السبعة ، التي إنبثقت الفلسفة في بيئتهم الثقافية ، ولا تنسى بأن الفيلسوف طاليس هو واحداً منهم . إذن لا غرابة إن نجد تفكير سولون الذي وصلنا (والذي يصنفه أبولدورس في كتابه فرقة الفلاسفة فيلسوفاً يشارك طاليس بإمتياز في لقب إبوة الفلسفة اليونانية) هو أوسع من الفقرات المحدودة التي وصلتنا عما يسمى بفيلسوف اليونان الأول طاليس (والذي أصبحت أبحاثنا لا تعتبره الأول لوحده) هذا طرف من القضية .

   أما الطرف الثاني فإن اللغة والخطاب هما من المباحث الفلسفية البالغة الأهمية ومنذ بداية التفكير الفلسفي سواء في إهتمام الفلسفة في إنشاء لغة فلسفية ذات إصطلاحات خاصة بالبحث الفلسفي وتمنحه الخصوصية والتفرد وهذا ما نحت الفلاسفة فيه الكثير الكثير من الحدود والإصطلاحات . ومن ثم تحول الإهتمام اللغوي بحثاً منطقياً سواء في لغة التعريف أو لغة البرهان ، ولعل كتب الفلاسفة منذ إفلاطون ومجموعة كتب أرسطو المنطقية دليل يؤشر مرحلة مهمة في تاريخ تطور الفكر اللغوي من زاوية التحليل المنطقي أو ما يُطلق عليه بمنطق اللغة + .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + بالطبع الفلاسفة قبل سقراط إهتموا باللغة وأولوها أهمية في أبحاثهم الفلسفية وفي وقت مبكر من تطور الفكر الفلسفي ، خذ مثلاً هرقليطس أو فلاسفة مدرسته فيما بعد ، ولعل واحدة من أهم محاورات إفلاطون التي إهتمت باللغة ، هي محاورة كراتليوس والتي كتبها إفلاطون في مرحلة النضوج . وكراتليوس هو أستاذ إفلاطون وتلميذ هرقليطس أو واحد من فلاسفة مدرسته (عاش في القرن الخامس قبل الميلاد) أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلاسفة اليونانية ، موقع الفيلسوف / 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 .

  كما أولى السفسطائيون البحث في اللغة والخطاب مكانة مهمة في تفكيرهم ودروسهم التعليمة التي قدموها لتلاميذهم . وخصوصاً السفسطائي برودكيوس (465 – 395 ق .م) وإهتمامه بالنظرية اللنكوستية (فقه اللغة) أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور السفسطائية وفلاسفة السفسطائية الثانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012 .

  ومن ثم جاء أرسطو الذي كتب مجموعة كتب منطقية درس فيها اللغة من زاوية المنطق ، وعالج فيها اللغة في مستويات منطقية متنوعة ، وأظهرت أبحاثه إهتماماً في تحليل لغة الحياة اليومية تطلعاً لصياغة لغة علمية ، كما درس لغة التعريف ولغة البرهان ، وجاهد في وضع إنموذج للغة رمزية أولية . أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، دار الحرية للطباعة بغداد 1983 فصول متنوعة خاصة بالمقولات ونظرية التعريف والبرهان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وفعلاً إن قوة الخطاب اللغوي عند سولون إنعكست على قوة وسلطة لغة الأمثال والحكم التي نحتها أو صاغها . مثال ذلك قوله : ” الملك هو الشخص الأقوى وذلك لسلطته الجبارة (القوية التي لا تعلو عليها قوة أخرى) ” (84) .ومقارنة لغة الملك التي هي صورة تعكس أفعاله  بلغة القوانين ، فقد لاحظ سولون برواية ديوجانس لارتيوس ” نها تشبه خيوط العنكبوت ، والأشياء التي لاحول لها تسقط ضحية فيها ، وأما الشئ الذي له وزن ، فإنه إذا ما سقط فيها ، فض الشبكة وهرب منها بجلده ” (85) . كما وله أقوال أخرى تدلل على إن لغاتها تتناسب وطبيعة العلاقة بين الحاكم الطاغية والمحكوم الذي لا حول له وقوة ، سوى الإستسلام إلى القدر وفعل الطاغية الغاشم . يقول سولون ” أما أولئك الذين في حاشية الطاغية ، فإنهم مثل الحصى ، التي يتداولها الطاغية لأغراض العد . وعلى هذا الأساس فإن كل واحدة من هذه الحصى لها قيمة بعض الأحيان أكثر ، وبعض الأحيان أقل . وذلك لأن الطاغية يجعل كل واحد من هؤلاء عاقبة (نتيجة) ، وبعض الأحيان مجرد مهملات ” (86) .

  ولعل السؤال الذي يُثارُ هنا : لماذا لم يصدرُ سولون قانوناً يعالج ظاهرة القتل (البرسايد = قتل الأب أو الأم أو واحد من الأقارب المقربين) ؟ وكان جوابه ” إنه لا يتوقع إن مثل هذا الشخص له وجود ” . وعندما سأله شخص ما : ” كيف يُمنع الرجال الذين يمتلكون القدرة من عمل الظلم ؟ فقال : إن هؤلاء إذا كانوا أصحاب مشاعر مجروحة ، فإنهم أكثر تعاسة ، ويعانون من الظلم أكثر من ضحاياهم ” . ومن حكمه الأخرى ، قوله : ” ولد الثراء التخمة ، وولدت التخمة الغطرسة ” (87) .

11 – شذرة سولونية في الفلك والتقويم القمري (لونر سيستم) والنقد المسرحي

   نقل لنا ديوجانس لارتيوس في هذه الفقرة القصيرة قضيتين ؛ الأولى قدمت سولون باحثاً ومعلماً لطرف من علم الفلك . ومعلوم إن علم الفلك هو واحد من علوم الفلسفة . فوفقاً للإفادة الديوجانسية إن ” سولون علم الأثينين كيف يحسبون أيامهم على أساس مسار القمر ” . وهذه إشارة جداً مهمة تدلل على إن سولون ومعه الأثينيين كانوا يتطلعون لوضع تقويم لهم على أساس النظام الفلكي القمري (لونر سيستم) وليس على أساس النظام الفلكي الشمسي (سولر سيستم) . أما القضية الثانية فقد قدمت سولون ناقداً ورجل يعتمد في تفكيره على الحقائق وفي الوقت ذاته رافضاً للأراء الكاذبة . يقول ديوجانس لارتيوس ” وسولون هو الذي حرم على المسرحي ثيسبيس+ من عرض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + ثيسبيس أو تسبيس الإيكري (نسبة إلى جزيرة إيكرا اليونانية في بحر إيجة) واليوم تُعرف بديونيسس اليونانية  ، وهو شاعر وكاتب مسرحي يوناني من القرن السادس قبل الميلاد . ويُعد أرسطو من المصادر القديمة التي قدمت لنا بعض المعلومات عن تسبيس ، والذي ذكر بأنه أول ممثل ظهر على خشبة المسرح ، وقدم الشخصية في المسرحية بدلاً عن الكلام عنه أوعنها كما كانت العادة قبل ذلك . في حين ترى مصادر أخرى بأن تسبيس ، هو أول من أدخل شخصية الممثل الرئيسي إضافة إلى الكورس .

  وعلى أساس رواية أرسطو ، والتي جاءت متأخرة بحدود القرنيين من الزمن ، فإن تسبيس هو في الأصل مغنياً يُغني قصص من الأساطير . وهو الذي أدخل إسلوب جديد ، وهو إن مغني واحد أو ممثل واحد يقوم بإلقاء كلمات الشخصية في القصص ، وهذا الإسلوب يميز بين الشخصية الرئيسية وبين الشخصيات الثانوية ومن خلال أقنعة مختلفة . وأطلق على هذا الأسلوب الجديد بالتراجيديا . وفي عام 534 ق.م كانت هناك مسابقة لإختيار أحسن مسرحية تراجيدية ، وقد أُقيمت في مدينة ديونسيا / أثينا . وفعلاً فإن تسبيس فاز بالمسابقة الأولى . كما وينسب له إختارع فكرة المسرح المتنقل ، بل وقام بتحقيقها وذلك من خلال نقل مسرحه بين المدن المختلفة ، حاملاً معه في عربات خاصة كل الملابس والأقنعة والعُدد المساعدة .

   وهناك بعض المسرحيات التي تنسب إلى تسبيس ، وهي : مسابقة بيلاس وفوربس ، القساوسة (مفرد قسيس) ، هيثيو (أنصاف الألهة أو ألهة الشر) ، بنثيوس . ولكن الباحثين في العصور الحديثة أخذوا برأي مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس وأعتبروها مسرحيات منتحلة . وفعلاً فإن بعضها قد كتبت بيراع الفيلسوف وعالم الفلك اليوناني هركليدس بونتكيوس (390 – 310 ق.م) وهو تلميذ إفلاطون في الأكاديمية ومن ثم بعد موت إفلاطون أصبح تلميذاً لخليفته على الأكاديمية وإبن أخته سيسبيوس . كما إن مسرحيات أخرى رأى الباحثون إنها كتبت بأقلام كتاب مسيحيين ونسبت لتسبيس . للتفاصيل أنظر :

1 – Theodor Gaster, Thespis: Ritual, Myth, and Drama in the Ancient Near East, New York 1950

2 – Diogenes Laertius, Op. Cit, Book V (Life of Heraclides) Sction No. 7  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وتقديم مسرحياته التراجيدية على خشبة المسرح ، والتي فيها تلفيق أو إختراع كاذب وغير نافع . فمثلاً عندما جرح الطاغية بيسستروتس نفسه ، قال سولون إنها جاءت من تراجيديا ثيسبيس ” (88) .

12 – شذرة جامعة لبعض أمثال وحكم سولون

  إنها شذرة صغيرة نقلها لنا ديوجانس لارتيوس ، وهي في وصفها العام تشبه كشكول يضم بعض الأمثال والحكم التي كتبها الحكيم سولون . والحقيقة إن ديوجانس لارتيوس إعتمد على بعض المصادر في تسجيل هذه الحكم . ولعل لواحد من هذه المصادر أهمية بالغة في تاريخ الفلاسفة والفلسفة اليونانية ، وهو كتاب أبولودورس المعنون رسالة في فرق الفلاسفة +. وأهميته تعود من إنه تحدث عن سولون في كتابه فرق الفلاسفة هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + أبولودورس الأثيني وفقاً للمتوافر لدينا من معلومات (ولد حوالي عام 180 ق.م ، وتوفي مابعد عام 120 ق.م) وهو إبن إسكليبايدس ، وأبولدورس باحث يوناني ومؤرخ وعالم نحو ، وهو تلميذ الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي أو ديوجانس السلوقي (ولد في سلوقيا على ضفاف نهر دجلة الخالد / جنوب بغداد الآن ، حوالي عام 250  وتوفي ما بين 150 / 140 ق.م وهو رئيس المدرسة الرواقية في أثينا) . وهرب أبولودورس من الإسكندرية عام 146 ق.م ، ويبدو إنه توجه إلى بيركموم (مدينة أسسها جنرالات الإسكندر واصبحت عاصمة مملكة بيركموم وفي مستشفاها تعلم جالينوس الطب) ومن هناك توجه أبولودورس إلى أثينا وأستقر فيها .

   وعلى أساس معلومات الموسوعة البيزنطية (سودا أو سودس) التي تصعد إلى القرن العاشر الميلادي ، فإن أبولودورس كتب العديد من المؤلفات ، ولكن أشهرها كان كتابه المعنون ” البايبلثيكا ” وهو كتاب يبحث في أصل الألهة . ومنها ثلاثة كتب زعم مؤلفو الموسوعة البيزنطية قد وصلتهم ، الأول كان كتاب حواليات (تاريخ) حول تاريخ طروادة وحتى عصره . والثاني رسالة بعنوان مشاهير المشرعين (رجال القانون) . والثالث رسالة حول فرق الفلاسفة . أنظر :

1 – William Owen & William Johnston (Ed.), A New General Biographical Dictionary, London 1798, pp. 277 – 278

2 – Simon Hornblower, “Apollodorus of Athens”. The Oxford Classical Dictionary, Oxford University Press 1996, p. 124

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 طرف . والطرف الثاني إنه قدم لنا نصيحة سولون القائلة :

فكر في شرفك كإنسان نبيل ، له وزن أكثر من القسم (اليمين)

إمتنع عن الكلام الكاذب

وركز تفكيرك على الموضوعات الأكثر أهمية

ولا تتعجل في تكوين أصدقاء جُدد

ولا ترمي بأصدقاءك القُدامى

وأحكُم بعد أن تتعلم أولاً كيف تخضع نفسك للحُكم

ولا تُقدم النصيحة حول الأشياء التي تم الإتفاق عليها

ولكن قدم نصيحتك حول الأحسن

إجعل من العقل دليلك

ولا تستسلم للشر

شرف (كرم) الألهة وإحترم والديك (89) .

13 – حوار شعري – فكري بين الشاعر سولون والشاعر ميمنرومس

   قدم لنا ديوجانس لارتيوس فقرة قصيرة في غاية الأهمية في مضمار فكر الحكيم سولون . فقد ضمت حواراً شعرياً بين قامتين شعريتين يونانيتين ينتميان إلى ثقافة نهايات القرن السابع قبل الميلاد . فقد إزدهر ميمنرومس خلال الفترة الممتدة ما بين 630 و 600 قبل الميلاد وكان معاصراً لسولون . والحوار جاء شعرياً في معظم أطرافه ، ونحسب إن في الإمكان وضعه في صيغتي الفعل الثقافي الشعري ورد الفعل الثقافي الشعري . والفعل الثقافي ولده عقل الشاعر ميمنرومس+ ، في حين ولد رد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + ميمنرومس الكولوفوني أو الساميراني من أيونيا ، وهو شاعر أليجيك يوناني (الشعر أليجي هو شعر ذات جرس موسيقي حزين يُلقى في التأبين ودفن الموتى ..) . وإزدهر في الثلث الأخير من القرن السابع قبل الميلاد . وعلى أساس رواية بعض المصادر إنه عاش في فترة مبكرة إلا إنها كانت قريبة من عصر الحكماء السبعة . في حين إن مصادر أخرى جعلته معاصراً لهم . وقد ظهر عليه أثر هوميروس بقوة ، بل وإتخذ من هوميروس مثالاً . وفعلاً فقد كتب القصائد الشعرية القصيرة ، والتي كانت مناسبة لحفلات الشرب .

  ولاحظنا بأن الكثير من المصادر تذكره شاعراً للحب بالدرجة الأولى . والشاعر ميمنرومس من طرفه مارس أثراً قوياً على الشعراء الهيلينستيين من أمثال الشاعر القورينائي كاليماشوس (310 – 240 ق.م) ، وعلى الشعراء الرومانيين من أمثال الشاعر اللاتيني ساكس بروبرتيوس (ولد حوالي 50 – وتوفي قليلاً بعد عام 15 ق.م) والذي كان يُفضله حتى على هوميروس خصوصاً في فصاحته وفي موضوعات الحب . وقد جمع الباحثين الإسكندرانيين مجمل أعماله في كتابين ، ومع الأسف لم يبقى منها اليوم سوى شذرات . ويرتبط إسمه بشخصية فتاة تعزف الناي ، وكان يطلق عليها نينو ، وفعلاً إن عنواناً واحداً من كتبه حمل إسمها . كما وكان سولون الحكيم معجباً بشعره ، إلا إنه أعترض على نزعته في اللذة . أنظر للتفاصيل :

1 – Douglas Gerber, Greek Elegiac Poetry, Loeb 1999

2 – A. Allen, The Fragments of Mimnermus: Text and Commentary, 1993

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الفعل الثقافي عقل الحكيم سولون . وعلى أساس رواية ديوجانس لارتيوس : ” قالوا لما كتب الشاعر ميمنرومس :

ويفرُ الإنسان السعيد من المرض والرعاية بجلده

ويموت راضياً بستينيات عمره

وبخه سولون ورد عليه قائلاً :

إختارني مرشداً مُعلماً لك وأمحو ذلك القصيد

ولا تحسدني لأنني أكثر حكمة منك

وإذا تمنيت كتابة ذلك ، فلا تجعل رغبتك أسوء مما كتبت

ومن الممكن في ثمانينيات عمري

أن يرمي بي الموت إلى الأسفل

وينقل لنا ديوجانس لارتيوس مقاطع أخرى من قصيدته ، والتي جاءت بالشكل الآتي :

راقب جيداً كل مواطن

خوفاً من أن في قلبه قلوباً مختلفة

ولازال رمحُ مستور من المتوقع أن يآتي

يُحييك بوجه ضاحك وينطق بلسانين

ورغبات جيدة زائفة

ولدها عقل حذر من خطر قادم (90) .

  إضافة إلى كل ذلك فقد سن سولون التشريعات المشهورة الصيت ، وكتب الخطب التي ألقاها على الجمهور . وله كتاب الإقتراحات ، وألف الشعر ذات الجرس الموسيقي الحزين (المعروف باليونانية باليجيك) ، وكتب خمسة ألاف بيت من الشعر بحق وطنه سالاميس ، وكتب دستور الأثينيين ، وألف القصائد الساخرة ، كما كتب قصائد غنائية (91) . ويبدو إن الفقرة رقم 14 قد دمجت مع الفقرة رقم 13 أو مع الفقرة رقم 15 . أو إنها ضاعت من النص الذي كتبه ديوجانس لارتيوس .

15 – يُخبرنا ديوجانس لارتيوس في هذه الفقرة بما نُقش على تمثال سولون من كلمات تأبين وتكريم :

وإختبر السالاميس (مواطني سولون) تصرفات الفرس (الإيرانيين) المُهينة   

فجاءت ولادة مُشرع القانون المقدس ، سولون الحكيم (92) .

 ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، فإن سولون ” إزدهر تقريباً بحدود الأولمبياد السادس والأربعين . وكان حاكماً لأثينا في السنة الثالثة من الأولمبياد . وفي هذه السنة نفذ قوانينه كما كتب سيسكراتس . ومات في قبرص بعد إن عاش ثمانين سنة . وأوصى أن يحمل أهل بيته رفاته إلى سالاميس ، ويتم حرقها ، وينثر رماده على أرض سالاميس . وذلك إشارة إلى الشاعر الكوميدي الأثيني كراتينوس (519 – 422 ق.م)+ وكوميدياه المعنونة ” كايرن ” ، والذي قدمه يتحدث هكذا :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + كراتينوس هو من شعراء الفترة التي تُعرف بالكوميديا القديمة . ويُنظر إليه كواحد من ثلاثة شعراء كبار (سادة المسرح الكوميدي الأثيني القديم) وهم بالإضافة إليه ، كل من أرسطوفان (446 – 386 ق.م) والشاعر الأثيني يوبلس (446 – 411 ق.م) . وفعلاً فقد ذكرت المصادر ، إن الشاعر كراتينوس قد فاز ستة مرات بجوائز مدينة ديونسيا الأثينية . ولعل أخر مرة شارك في المسابقات عام 423 ق.م ، والتي إنتزع فيها الجائزة بمسرحيته المشهورة والمعنونة بايتن ، والتي حملت رد فعل على مسرحية الفرسان (أو ربما على مسرحية السحاب) للشاعر المسرحي أرسطوفان . ونحسب إن صح هذا فإن في مسرحية بايتن إنصاف للفيلسوف سقراط .  وتوفي كراتينوس بعد فوزه بأقل من سنة واحدة (مات عام 422 ق.م) ، وقد ناهز من العمر السادسة والتسعين عاماً .

  ولاحظ الباحثون إن موسوعة سودا (منا : موسوعة بيزنطية من القرن العاشر الميلادي ، وهذا التاريخ جداً مهم في مناقشة مصداقية هذه الموسوعة ، وذلك لأنه برأينا لا يعمل لصالح مزاعمها ، فمدة ثلاثة عشر قرناً على الأقل مدة جداً جداً طويلة تفصلها بين موت الشاعر كراتينوس وما كتبته هذا من طرف ومن طرف أخر إنه لا يتوافر نص معاصر لكراتينوس (خصوصاً أرسطوفان) ظل صامتاً مع إشارات له تخص التهمة الثالثة) قدمت ثلاثة تهم ضد كراتينوس : الأولى إنه كان جباناً . الثانية إنه وضيع الأخلاق . والثالثة إنه كان سئ الطبع والمزاج .

  وفعلاً فقد دقق الباحثون في هذه التهم ، ورأوا إنها غير صحيحة على الإطلاق ، وذلك لأنهم لم يعثروا على أي دليل يدعم مذهب مؤلفي موسوعة سودا . إضافة إلى مؤلفين أخرين ، ومنهم أرسطوفان (الذي كان منافساً له) ظل صامتاً ولم يدلي بأي شئ يدعم هذه المزاعم التهم . ولكن فيما يخص التهمة الثالثة فقد وجد الباحثون إن هناك نصوصاً أرسطوفانية وكذلك نصوص لكتاب أخرين تُشكل ما يمكن أن يسمى إعترافات كراتنيوس ، والتي تجمع على إنه عالج هذا الموضوع في مسرحيته بايتن ولأغراض المتعة والتهريج .

  ويُوصف شعر كراتنيوس بكونه حوشي ، وعدائي وخال من أي نوع من الرحمة . ورغم ذلك فقد ظلت مسرحياته تُقرأ خلال الفترتين الهيلينستية والرومانية . وينسب له الباحثون 21 مسرحية كوميدية ، بقيت منها 514 شذرة ، فيها وضع وإنتحال . ولعل من أشهرها : رعاة البقر ، نساء من ديلوز ، المرأة الهاربة ، رجال على النار ، أطفال يونيس ، نساء من تُراقيا ، القوانين ، المتنبؤن ، ألهة الثروة ، العاصفة التي قذفت بالرجال ، الساعات …

  لقد ذكرنا بأن أرسطوفان كان منافساً للشاعر كراتنيوس . وفعلاً فقد صور أرسطوفان في مسرحيته الفرسان ، رجلاً ظل طريقه ، وقد تلاشى تاجه وأهمله المعجبين . وهذا الفعل الأرسطوفاني ولد رد فعل كراتنيوسي تمثل في إنتاج مسرحية بايتن ، والتي هزمت مسرحية السحب لأرسطوفان وفازت بجائزة مدينة ديونسيا الأثينية . ومن طرف معرفتنا بموضوع مسرحية السحب ، والتي صورت سقراط شهيد الفلسفة معلقاً في السحب . ولضياع مسرحية بايتن فقد ضاعت فرصة إمكانية مقابلة المسرحيتين ومعرفة الجواب على بعض من أسئلتنا ؛ وهل في مسرحية بايتن تفنيد للتهريج الذي إختلقه أرسطوفان على الفيلسوف سقراط ؟ ولما كان سقراط خصماً عنيداً للسفسطائية يوم تأليف أرسطوفان للسحب ، فهل هناك رد في مسرحية بايتن على أرسطوفان (ربما) السفسطائي مثلاً ؟ إنها مجرد أسئلة باحث مسكون بروح حب الإستطلاع والبحث عن الحقيقة فقط (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الفلسفة في المسرح اليوناني القديم / بحث قيد الإنجاز) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما قال الرجال ؛ سأبقى جزيرة مسكونة على الدوام

والتي على أرضها نمت البذور المنثورة

أبطالاً للمدينة الإسطورة (93) .

 ويخبرنا ديوجانس لارتيوس بأن هناك جنس من القصائد الشعرية الموجزة (وفي حالة النثر عبارات موجزة) يُطلق عليها باليونانية ” إيبكرم ” والتي جاء ذكرها في مجموع من القصائد سابقاً ، وهي ذات تكوينات متنوعة ، وقد عمل فيها مجموعة ملاحظات تتعلق بالرجال المشاهير الذين ماتوا ، ومنها هذه النماذج ذات التراكيب والإيقاعات الأتية :

وإبتلع اللهب القبرصي رُفات (جثمان) سولون

والذي وافه الأجل في الأرض الغريبة

ولكنه عاد إلى سالاميس رُفاتاً معفراً

تراباً كريماً فتحول إلى نبات إذرة طيبة

وعرجت إلى العُلى ألواح قوانينه

وتسلق عقله دروب السماء برقاً

ساطعاً

إنها قواعد الخلود للغابة السعيدة (94) .

16 – وسولون حسب رواية ديوجانس لارتيوس ، هو ” المؤلف لمجموع من الحكم (أفوريزمز) القصيرة ، من مثل : فتش عن التفريط في الفاقة ” (95) . ونحسب من النافع أن نشير هنا إلى إن المقطع الأول ، والذي هو فعلاً يتعلق بالحكيم سولون . في حين إن المقطع الثاني ، يبدو إنه إضافة من مصادر ديوجانس التي إعتمدها في الكتابة عن سولون الحكيم أو إن ديوجانس أضافه بيراعه إلى النص السولوني , والشاهد على ذلك إن شخصية الطبيب والصيدلاني والنباتي ديسقوريدوس الذي دار حوله المقطع الثاني  ، قد عاش وعمل وكتب بعد سولون على الأقل بستة قرون هذا طرف . والطرف الثاني إن حكمة سولون السابقة كانت لها دلالة على حالته المأسوية ونواحه وعويله . ولعل العودة إلى رواية ديوجانس ، هي خير سبيل للإيضاح . يقول ديوجانس لارتيوس ” فقد قال ديسقوريدوس في شرحه ، وذلك عندما كان مفجوعاً حزيناً إلى درجة العويل على موت ولده (وهنا ديوجانس لا يتذكر إسمه لكونه غريباً عليه) . وحين حاجه شخص بالقول ” إنك لا تعمل شيئاً جيداً بالعويل ” . فرد عليه ” لهذا السبب أنا أنوح لكوني عارف إنني لا أفعل شيئاً جيداً ” (96) .  

الهوامش :   

1 – للتفاصيل عن حياة هومر وشعره الملحمي ودوره في تكوين بيئة ثقافية – معرفية إنبثقت في رحمها الفلسفة ، أنظر :

A – Robert Fowler (Ed.).The Cambridge Companion to Homer, Cambridge University Press 2004

B – William Thalman, Conventions of Form and Thought in Early Greek Epic Poetry, Johns Hopkins University Press 1984

2 – أنظر :

Diogenes Laertius, Lives and Opinions of Eminent Philosophers,Trans. By C. D. Yong, Book 1 (Life of Solon)

الفقرة رقم 1

3 – أنظر : المصدر السابق ، الفقرة رقم 9  

4 – أنظر للإطلاع على بعض ما يتوافر من معلومات حول سوسيكراتس :

William Smith (Ed.), Dictionary of Greek and Roman Biogrophy and Mythology, John Murray, London 1877, V. 3, p. 882

5 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر رقم 2) ، الكتاب الأول (حياة سولون) ، الفقرة رقم 3

6 – للإطلاع على تفاصيل عن حياة كرويسوس أنظر :

Heredotus, Histories, Trans. By A. D. Codley, Harvard University Press 1920, Book 1, Chapter 32

7 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4

8 – أنظر :

Heredotus, Op. Cit, Book 1, Chapter 30 – 31

9 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4

10 – أنظر للأطلاع على إسطورة الأخوين كليبوس وبايتون :

Heredotus, Op. Cit, Book 1, Chapter 31

11 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4

12 – للإطلاع على شخصية الطاغية بيسسترتوس وحكمه وخلافة ولديه للحكم من بعده وتأسيسهم لنظام الحكم الديمقراطي – الذي يقف على قمته الحاكم الطاغية ، أنظر :

Brain Lovell, Mony and Power: The Raise of Peisistrates and Democratic Tyranny at Athens. The University of Michigan Press 2005

13 – أنظر : ديوجانس لارتيوس : المصدر السابق ، فقرات متنوعة (مثلاً الفقرة رقم 4 والفقرة رقم 5 ورقم 6 ورقم 18) .

14 – للإطلاع على حياة كرويسوس أنظر :

Heredotus, Op. Cit, Book 1, 34 – 45

15 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ، المصدر السابق ، الفقرات رقم 4 ، 20 مثلاً

16 – أنظر للإطلاع على شخصية ملك أثينا كوردس :

Hugh Chisholm (Ed.), Codrus, Encyclopaedia Britannica, 11th Ed. Cambridge University Press 1911

17 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 6

18 – أنظر :

1 – S. C. Todd, A Commentary on Lysias, Speeches 1 – 11, Oxford University Press 2007, P.1X

2 – Debra Nails. The People of Plato, Hackett 2002, p. 190

19 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

20 – أنظر للإطلاع على حياة نيكياس ودوره في الحرب البولوبنزية :

R. Sealey, A History of Greek City States (c. 700 – 338 BC), University of California Press 1977, p. 353

21 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

22 – للإطلاع على حياة المشرع اليوناني الأول داركو ، أنظر :

 Edwin Carawan, Retoric and the Law of Draco, Oxford University Press, 1998

23 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

24 – أنظر للإطلاع على أطراف من حياة بوليزليس :

William Smith, Op. Cit, V.3, p. 471

25 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

26 – أنظر :

Maximus Valerius, Memorable Deeds and Sayings: one Thousand Tales from Ancient Rome, Hackett Publishing 2004, p. 90

27 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

28 – أنظر للتفاصيل عن حياة الفارسي دارا :

Shapur Shahbazi, “Darius 1 the Great”, In Encyclopedia Irancia, 7, New York: Columbia University 1996, p. 40 & pp. 45 – 49

29 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

30 – أنظر : المصدر السابق

31 – أنظر :

 Brian Lavelle, “The Nature of Hipparchos” Insult to Harmodios” The American Journal of Philology.107 (3) (Autumn 1986), p. 318

32 – للتفاصيل عن حياة الرياضي والمقاتل ملتايدز أنظر :

Edward Shepherd Creasy, The Fifteen Decisive Battles of the World: From Marathon to Waterloo, New York, pp. 9 – 20 & pp.  23 – 28, 380

33 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق

34 – المصدر السابق

35 – أنظر :

Moses Hadas, Ten Plays by Euripides, Bantham Classic 2006, Introduction, pp. 8 – 9

36 – أنظر : ديوجانس ؛ المصدر السابق

37 – للتفاصيل أنظر :

J. A. Davison, “Dieuchides of Megara”. The Classical Quarterly, Vol. 9, No. 2 (Nov. 1959), pp. 216 – 222

38 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 9

39 – أنظر :

Simon Hombower. “Apollodorus of Athens”.The Oxford Classical Dictionary, Oxford University Press 1996, p. 124

40 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 9

41 – أنظر للتفاصيل :

Theodor Herzl Gaster, Thespis: Ritual, Myth, and Drama in the Ancient Near East,Henry Schuman Publishing, New York, 1950

42 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 11

43 – أنظر :

Benjamin Hallkennedy (Editor), Materils for Translation into Latin prose, Nabu Press 2010

44 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 12  

45 – أنظر للتفاصيل :

P. Easterling & B. Knox (eds), The Cambridge History of Classical Literature: Greek Literature, Cambridge University Press1985, p. 136

46 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ح المصدر السابق ، الفقرة رقم 13

47 – أنظر للتفاصيل عن الشاعر كراتينوس :

W. Smith, Op. Cit, V.1, p. 886

48 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 15

49 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 16

50 – أنظر :

Vivian Nutton, Ancient Medicine, Routledge 2004, p. 177

51 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 16

52 – أنظر للتفاصيل :

M. M. Sadek, The Arabic meteria medica of Dioscorides, Quebec, Canada 1983

J. Scarborough & V. Nutton. “The Preface of Dioscorides: introduction, translation and commentary, Studies of the College of Physicians of Philadephia, V. 4, No. 3 (1982), pp. 187 – 227

53 – أنظر :

Herodoyus, Histories (Op. Cit), Book 5

54 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 17

  55 – أنظر :

Hugh Chisholm (Ed.), “Epimenides”, Encyclopaedia Britanica (11th ed.), Cambridge University Press 1911

56 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 18

57 – المصدر السابق

58 – أنظر الهامش رقم 12 من هذا البحث

59 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 19 ولم يظهر الرقم بالطبع إلا إنه واضح من رقم الفقرة التي سبقتها ورقم الفقرة التي لحقتها .

60 – أنظر الهامش رقم 6 من هذا البحث

61 – أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 20

62 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 1

63 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 2

64 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 3

65 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 4

66 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 5

67 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 6

68 – المصدر السابق

69 – المصدر السابق

70 – المصدر السابق

71 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

72 – المصدر السابق  

73 – المصدر السابق

74 – المصدر السابق

75 – المصدر السابق

76 – المصدر السابق

77 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 7

ويبدو لنا إن الفقرة رقم 8 تم إضافتها إلى مكونات الفقرة رقم 7 ، أو إنها ضاعت ولذلك نحسب إن لا وجود لها في نص ديوجانس لارتيوس .

78 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 9

79 – المصدر السابق

80 – المصدر السابق

81 – المصدر السابق

82 – المصدر السابق

83 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 10

84 – المصدر السابق

85 – المصدر السابق

86 – المصدر السابق

87 – المصدر السابق

88 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 11

89 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 12

90 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 13

91 – المصدر السابق

92 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 15 . أما الفقرة رقم 14 فلم تظهر في نص ديوجانس لارتيوس ، ونحسب إنها ضاعت من النص الأصلي أو دمجت مع الفقرة رقم 13 أو الفقرة رقم 15 .

93 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 15

94 – المصدر السابق

95 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 16

96 – المصدر السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)          

تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   بداية نحسب من المفيد إن نشير إلى إن هذه الرسائل أو الخطابات الأربعة (بتقديرنا) لها قيمة في غاية الأهمية من ناحيتين : الأولى من الناحية الفلسفية ، إذ من المعروف إن السياسة مضمار من ميدان الفلسفة العملية ، وبل وحتى الفلسفة النظرية (التأملية) والتي سيكتب فيها إفلاطون أطراف مهمة من رائعته محاورة الجمهورية ، وسيخلط تلميذه إرسطو بين الجانبين العملي (الواقعي) والنظري في دراسته لدول – المدن اليونانية في كتابه الإنجيلي المعنون السياسة . ومن الناحية التاريخية ، فهذه النصوص (أو الأدق الشذرات المتبقية منها) هي من النصوص السياسية الأولى التي نزلت إلينا من القرنيين السابع والسادس قبل الميلاد . وقد أشرنا أعلاه إلى معرفة آرسطو بشخصية الطاغية بيرانيدر ، والذي وصفه بكونه ” كان إنموذجاً للطاغية الشرير ” وخصوصاً في كتابه (أي كتاب آرسطو) المعنون دستور الأثينيين .

أولاً – تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بيرانيدر

   تدلل القراءة الداخلية لنص الخطاب السياسي الذي بعثه ما أسميه ” الفيلسوف السياسي ” الحكيم سولون إلى طاغية كورنثيا بيرانيدر ، على حقيقية سياسية ، وهي إن الطاغية قد أرسل برسالة إلى الحكيم سولون ، يشرح له فيها طبيعة الواقع السياسي في دولة – مدينة كورنثيا . ويبدو إنه تطلع من الحكيم أن يتقدم له بتحليل لهذه الظاهرة السياسية (ونصيحة في كيفية معالجتها) وما يلفها من خوف متجذر في نفوس المواطنين الكورنثيين ، وخيارات الطاغية الصعبة ، وما يحمله المستقبل السياسي الكورنيثي من مفاجآت متولدة ليست من بين عامة الشعب الكورنيثي ، وإنما من شاطئ سياسي لم يُفكر به الطاغية على الإطلاق ، وهو شاطئ الحاشية السياسية التي في الظاهر حاشية مخلصة للطاغية . ولكن في حقيقة الأمر لها حساباتها الخاصة التي فشل الطاغية في معرفتها وتقدير خطورتها عليه .

  إذن على أساس رسالة طاغية بيرانيدر ، جاء خطاب سولون السياسي التحليلي لظاهرة الطاغية (الدكتاتورية / الشمولية بلغة عصرنا السياسية على الأقل) جواباً ورداً على تلك الرسالة (الكلمة بلغة سولون) . يقول سولون : ” لقد أرسلت كلمة لي تقول فيها إن الشعب الكورنيثي …” (1) . الحقيقة إن الرسالة كشفت عن هواجس الطاغية ومخاوفه بل وأساليبه في معالجة ظاهرة رد فعل الشعب الكورنيثي على فعل الطاغية السياسي ورفضه بإسلوب مستبد لفهم حقيقة مطالبة الشعب الكورنيثي المشروعة بالتغيير في شكل نظام الحكم الذي إختاره الطاغية وفرضه دون وجه حق على الشعب الكورنيثي . يقول الطاغية بيرانيدر برواية سولون ونص رسالته التي نقلها لنا ديوجانس لارتيوس : ” إن الشعب الكورنيثي يتآمر عليك (أي على الطاغية بيرانيدر) … ” (2) .

   هنا نلحظ إن الطاغية بيرانيدر قد قرأ الظاهرة السياسية من زاويته ، والتي تحمل لوماً مريراً للشعب الذي رفض الظلم وطالب بحقه في العيش في ظل نظام سياسي عادل . فعلاً لقد قطع الطاغية الظاهرة السياسية من جذورها الأساسية وهذا هو شأن الطغاة في كل عصر وزمان . ولكن سولون الحكيم عارف بأسباب تآمر الشعب على الطاغية ، ولهذا جاءت نصيحته السياسية للطاغية مشروطة بفهم الأسباب التي تقف وراء ظاهرة الطغيان السياسي (ولا تنسى إن سولون ديمقراطي ومارس السلطة الديمقراطية) ، والتي تجاهلها أو شطب دورها في رد فعل الشعب ضده . والواقع إن نصيحة سولون لفتت إنتباه الطاغية إلى الأسباب الحقيقة وراء التآمر ، فبينت له بأنه ليس من الصحيح تجاهل مطالب الشعب الكورنيثي ، وعدم الإهتمام بمحاولاتهم المتكرر في رفض هذا النمط من الحكم . ولهذا بين له  بأن قرائتك لها نتائج وخيمة وسيئة ، وبلغة خطاب سولون ” ليست جيدة على الإطلاق ” (3) .

  وبعد ذلك ذهب سولون محللاً القشرة السياسة للطبقة الحاكمة وحاشيتها ، وهذا هو الطرف الخطير الذي يهدد الطاغية بيرانيدر (وكل الطغاة في كل العصور) ، ولكنه عصب عينيه عنها وركز فقط على رد فعل الشعب الكورنيثي . الحقيقة إن كلام سولون الحكيم فيه تحليل لخوف الطاغية ، وهو في الوقت ذاته يحمل بيان له ، مفاده أن الآمان مفقود ، ولا ضمان وإطمئنان من الحاشية على الإطلاق وهذه مسألة سياسية أدركها سولون وغابت عن أذهان الطاغية . ولذلك أكد له بأن الخطر سيأتي لا محالة من الحاشية التي لها حساباتها السياسية الخاصة . فقال له : ” بأن هناك من لاتشك فيه على الإطلاق ، بأنه سيتآمر ضدك . وذلك بسبب الخوف منك ، ولكن هذا الخوف تجذر في أعماقه ، وهو بالتأكيد عارف بأنك لا تحب (بل ولا تريد) أن تكون خائفاً من مثل هذه الأشياء على الإطلاق . وإن خطة هذا الفرد من الحاشية ، والذي قلب المدينة كلها ضدك . هو إنه يعمل على ربح المدينة لصالحه ، وإنك بالتأكيد بعيداً كل البعد عن الشك به ذرة واحدة ” (4) .

  ومن ثم يعود سولون في تحليل ظاهرة الطغيان وما ستنتهي إليه من نتائج مدمرة وخطيرة على مستوى نظام حكم الطاغية ومستقبل الشعب الكورنيثي على حد سواء ، فرأى سولون إن الطاغية ركز لومه على الشعب الكورنيثي فقط ، وتجاهل في الوقت ذاته دور العوامل الأخرى المتخفية خلف هذه الظاهرة السياسية . فقال سولون مجادلاً الطاغية : ” وحتى تهرب من اللوم ، لوم الشعب الكورنيثي ، (وهذا طرف من حجة سولون = منا) هو أن تكون طاغية مطلقة . وعلى هذا الأساس يترتب عليك أن تمنح السلطة العليا للقوى الأجنبية على حساب حقوق المواطنين الكورنثيين . وبهذا الخيار لا يمكن لواحد منهم أن يُفكر بالمعارضة والتآمر عليك ” (5) .

  وبعد هذا الدوران في التحليل السياسي ، وصلت سفينة سولون إلى هدفها النهائي ، وأعني النصيحة الساسية السولونية (نسبة إلى سولون الحكيم) ، وهو ” من الأفضل أن تتخلى من هذا الطريق ” من الحكم (التخلي من الطغيان) و” ذلك لأنه لا واحد سيتأمر عليك ، وإنك لا تحتاج أن تلغي دور الشعب الكورنيثي من هذا الطريق ” (6)

ثانياً – تأمل في خطاب سولون إلى الشاعر الفيلسوف إيمينايدس

   لانقول جديداً إذا ما ذكرنا للقارئ الكريم بأن هذا الخطاب السياسي ، هو نوع من الحوار النفسي بين سولون الحكيم وبين الشاعر الإسطوري إيميناس كما نحسب ، وهو إيمينايدس الشاعر الإسطوري على إجماع جميع المصادر المتوافرة لنا . ويبدو  إن خيال الشاعر الحكيم سولون ، هو الذي رتب هذا النوع من الحوار وإصطنعه ، وذلك سعياً لمناقشة أغراض متنوعة منها ما يخص التشريعات التي أنجزها سولون أو أصدرها وتطلع إلى إنجازها . كما وناقش قضية دور الألهة والمشرعين إضافة إلى دور الشعب . وهي قضية فيها مراهنات كثيرة وخطيرة في ذلك العصر ، وخصوصاً قضيتي الديمقراطية والطغيان ودور القائد الديماغوغي في تعزيز الطغيان على الرغم من إنه ولد في رحم النظام الديمقراطي .  وهذه القضية التي يُعالجها سولون لها بالتأكيد خطورة وعليها مراهنات على صعيد عصرنا كذلك .

  وفي الإمكان وضع هذه القضية السولونية بصيغة بسيطة وفي شكل الإسئلة الثلاثة الأتية :

 هل الألهة والأرباب يمتلكون القوة والسلطة في فرض التشريعات والقوانين ؟ أو هل المشرعون وصانعو القوانين يمتلكون القوة والسلطة على إنجاز التشريعات والقوانين ؟ أم إن الشعب هو صاحب السلطة والقوة الوحيدة القادرة على إنجاز مثل هذه التشريعات والقوانين ؟*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  *وقبل تحليل خطاب سولون الذي بعثه إلى الشاعر وصانع القوانين إيمينايدس ، نود أن نشير إلى بعض الحقائق التي تنفعنا في فهم هذا الخطاب السولوني وأغراضه . أولاً إن إيمينايدس أو إيمينايدس كنوسوسي ، نسبة إلى الإسم القديم لمدينة كريت وهو كنوسوس ، وإيمينايدس هو شخصية شبه إسطورية من القرن السابع أو السادس قبل الميلاد (وفعلاً فقد وجدنا إنه بعث برسالة إلى سولون الحكيم وهذا ما يدلل على وجود نوعاً من المراسلات بينهما أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول ، الفقرة رقم 9) . وإيمينايدس هو متنبئ وشاعر فيلسوف يوناني . وهناك قصة إسطورية نسجت حول حياته ، والتي تذهب إلى إن إيمينايدس أثناء رعيه لأغنام والده ، نام لمدة سبع وخمسين سنة في كهف مقدس للأله زوس ، وهو واحد من كهوف كريت . وبعد إن إستيقض من نومه مرات عديدة ، جاءته النبوة (7) . كتب إيمينايدس حسب قائمة ديوجانس لارتيوس العديد من القصائد الشعرية ، منها قصيدة تألفت من خمسة آلاف بيتاً عالج فيها قضية الخلق وإصول الألهة وقصائد متنوعة أخرى (8) . وكتب رسالة نثرية في تقديم الضحايا في كريت ، وأخرى حول الدستور الكريتي (9) . ويبدو إن الرسالة الأخيرة كانت موضوع إهتمام كل من سولون والفيلسوف أرسطو حين كتب كتابه الدستور الأثيني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إستهل سولون حجته في مناقشة إيمينايدس بالإعتراف بواقعية نبض التشريعات والقوانين في حياة الأثينيين ، من جهة كونها نسبية وليست مطلقة ، فقد تكون مقبولة وتحقق أماني الأثينيين لحظة صدورها ، ولكنها على حد تقويم سولون ” إن القدر مكتوب عليها ، على أن تكون غير قادرة على تقديم الخدمات طويلة الآمد للأثينيين ” (10) حالها حال ” محاولتك (أي محاولة إيمينايدس) في تطهير المدينة ” (11) . والحقيقة إن الحكيم سولون قد إستغل حضور الشاعر الفيلسوف الإسطوري إيمينياس ليطرح محنة دولة – مدينة أثينا وشعبه الأثيني ، وليرسم تفاصيل مآساة الديمقراطية الأثينية والصراع مع الطاغية بيسستروتس ونظام الطغيان والإستبداد . إنها حقاً محنة سولون ومدينته أثينا والديمقراطية الأثينية ، لكن في التقويم الأخير هي محنة الإنسانية والديمقراطية في كل زمان ومكان .

    ومن طرف البحث عن إجابات عن الأسئلة التي رفعناها أعلاه ، والتي وردت بصيغ مختلفة في خطاب سولون إلى الشاعر الفيلسوف إيمينايدس ، وجدنا إن سولون قد نظر إلى دور الألهة والمشرعين والشعب بمنظار سولوني مختلف عما ذهب إليه إيمينايدس . فمثلاً رأى ” إنه لا الألهة ولا المشرعين بقادرين أن يعملوا شيئاً جيداً أكثر من عمل المدن بحد ذاتها ” . كما إنه بالمقابل وجد ” إن الشعب يمتلك القوة ، وهو الذي يقود الناس من وقت وآخر إلى الإعتقاد بالأراء التي يختارونها . وعلى هذا الأساس فإن القوى الإلهية والقوانين تكون نافعة ، عندما يكون المواطنين خاضعين لنظام حكم جيد . ولكن خلاف ذلك فإن المواطنين يكون عليلين (مرضى بالمعنى السياسي = منا) عندما يكونون خاضعين لنظام حكم سئ ” (12) .

   ومن ثم كشف سولون بصراحة السياسي الحكيم المسؤول ، بأنه ” لا القوانين ولا التعديلات التشريعية التي عملتها ، كانت فاعلة ما دام في السلطة من يتجاوزعليها . وإنهم بتجاوزاتهم هذه قد سببوا للمنفعة العامة أضراراً عميقة هذا من طرف . ومن طرف أخر إنهم عجزوا من وقف بيسستروتس من فرض نظام الطغيان (وحكم الطغاة) ” (13) . كما ذكر سولون الأثينيين من إنهم ” قد ضيعوا الفرصة وذلك عندما لم يصدقوه حين حذرهم من المخاطر المحتملة . وبالمقابل فإن بيسستروتس قد حصد النتيجة لصالحه وذلك عندما خدع الأثينيين بالكلام المعسول ، بينما أنا سولون هو الذي أخبرهم بالحقيقة ، وقال لهم الصدق ” (14) .

   وأستمر سولون في تحليله السياسي لظاهرة الطغيان وما رافقها من نتائج مدمرة لحال الشعب ونظام الحكم الأثينيين . وبالمقابل قدم نفسه أمام مجلس المدينة نفسه ومشروعه لإنقاذ دولة – مدينة أثينا . فذهب محللاً وبتفاصيل تقارن بين شخصية سولون الحكيم وشخصية بسستروتس الطاغية ، فقال : ” أنا الذي أوضح للمجلس حكمة سولون المتعالية عليهم ، وبين بالمقابل أفعالهم المتخبطة ، وأعلمت أولئك الذين كانت تساورهم الشكوك ، بأن بسستروتس رجل شهوة ومتعطش للطغيان . وبالمقارنة بينت لهم بأنني الشجاع وليس من المترددين ، في الدفاع عن الدولة ضد الطاغية بسستروتس . إلا إنهم شجبوا أقوالي وإتهموا سولون بالجنون ” (15) .

  وهنا إنتخى سولون الحكيم بحميته السياسية وأخذ يصرخ بصوت مدوي قائلاً :

 ” أوه  وطني ،

هنا أنا سولون مستعد للدفاع عنك بالكلمة والفعل .

ولكنني بنظر أولئك الرجال  أبدو مجنوناً

ولذلك قررت هجرك والرحيل عنك

وسأبقى الخصم الوحيد للطاغية بيسستروتس

ودع أولئك الرجال يكونوا حراساً أوفياء له

وليبتهجوا بالقيام بهذا الدور ” (16) .  

   وبعد هذه المناجاة مع الوطن وما حل به ، عاد سولون ليحلل سياسياً التحولات التي حدثت في الوطن بعد رحيله ، وكيف تحول رفاق المعارضة إلى رفاق للطاغية ، بل وتحولوا إلى أبواق تحشد الحشود لينظموا لمسيرة الطاغية ، ويكونوا قواعد لحراسته . إنها فعلاً خيانة عقيدية ومآساة للديمقراطية . ولعل العودة إلى الأطراف الأخيرة من خطاب سولون السياسي ، لتدلل على شدة الألم السولوني وهو يصف المآساة السياسية لدولة – مدينة أثينا وشعبها . يقول سولون وهو يناشد الوطن :

” وأنت عارف بالرجل صديقي الذي سيطر على الطاغية بذكاء عال ، وكيف بدأ حركته ؛ أولاً بتحول عقيدي دراماتيكي (ديموغوغي) (1) ، ومن ثم قام بجرح نفسه ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – تعني كلمة ديماغوغي اليونانية القائد الذي جاء من بين صفوف العامة من الشعب . والحقيقة إن هذه الكلمة – الإصطلاح السياسي ظهرت لأول مرة في اليونان القديمة . وهي في الأصل لا تحمل أية دلالة سلبية ، ولكن فيما بعد إرتبط بها معنى القائد المُشكل (صاحب المشاكل أو صانعها) في النظام الديمقراطي الأثيني . والديماغوغي هو نوع من القائد (ويعكس نوعاً من القيادة) التي إنبثقت بين صفوف الطبقات الفقيرة والمعدمة . وعادة الديماغوغي ضد الحرية والتحرر ، ويستخدم العنف في التعامل مع الأزمات التي يمر بها الوطن . ودائماً يستغل الديماغوغي النقاط الهشة في النظام الديمقراطي لصالحه ، وذلك بسبب إن السلطة النهائية بيد الشعب ، فيتسلل الصفوف صعوداً إلى الطوابق العليا للسلطة ومن ثم يفرض نظام الطغيان على الشعب . للتفاصيل أنظر :

Michael Signer, Demogogue: The Fight to Save Democracy from Its Worest Enamies, Macmillan 2009, pp. 32 – 38

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وجاء إلى محكمة أثينا العليا (2) ، يصرخ ويقول :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 – إن كلمة هيليا اليونانية تعني المحكمة العليا في أثينا القديمة . وهناك من يرى إن الأسم جاء من الإستماع والذي كان يحدث عادة خارج البنايات وتحت أشعة الشمس . وهيليا في قراءات أخرى هي إسم المكان الذي يحدث فيه الإستماع ، ومنه جاء إسم القضاة باليونانية ، وهي هيليستس . كما ومنه جاءت عملية الحكم . للتفاصيل أنظر :

A – Aristotle, Constitution of Athens, Ed. By John Edwin Sandys, The Lawbook Exchange 2000 (331 pages)

B – R. K. Sinclair, Democracy and Participation in Athens, Cambridge University Press 1991, p. 20

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظروا كيف عاملني الأعداء ، إنهم عاملوني بهذه الطريقة !!

ومن ثم دعا الناس للإنضمام حراساً للطاغية ، وفعلاً فقد كان عددهم أربعمائة رجلاً شاباً . وبالمقابل تخلوا عن نصيحتي (هنا يلمح سولون إلى فعل بيسستروتس وتسلله إلى السلطة أنظر للتفاصيل الفقرة الأتية والمعنونة تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بيسستروتس ، وخصوصاً مؤشرات من سيرته) .

دعهم ينظموا إليه ، ويكونوا حراساً مدججين بالسلاح .

والحاصل من كل ذلك إلغاء الديمقراطية .

إنه لا أمل منهم في مساعدة الفقراء ، فدولتهم هي دولة العبودية .

والآن كلهم أصبحوا عبيد الطاغية بسستروتس ” (17) .

ثالثاً – تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بسستروتس

  حمل هذا الخطاب السولوني تحليلاً سياسياً واقعياً لنظام الطاغية بسستروتس وكيفية تسلله إلى السلطة وتعطيل النظام الديمقراطي وإقامة نظام الطغيان .  إن ذلك حدث من خلال إستغلال بيسستروتس لحالة الفوضى التي عمت أثينا خصوصاً بعد إنتصار الأثينيين على الميغاريين وفرض الأخيرة (أي ميغارى) حالة المقاطعة الإقتصادية التي إستمرت لعقود  ، ومن النافع أن نشير إلى إن سولون أسس تحليله ونقده السياسيين للطاغية ونظام الطغيان على حقائق وحجج في مجملها تتعلق بحياة ومصالح الأثينينين . وفيها كان سولون موضوعي في المناقشة ، فقد إعترف بصداقته للطاغية خصوصاً قبل أن يفرض نظام الطغيان ، وقارن حال أثينا والأثينيين عندما كان سولون في السلطة وفي ظل الديمقراطية . وبين للطاغية بأن إختيار نظام الطغيان سهل وميسور وكان في إمكانه (أي سولون) عندما كان في السلطة إن يختار الطغيان ، ولكنه فضل الديمقراطية لإنها النظام الذي يتوافق والإثينيين وهو شأن أثيني وليس شأن سولون الديمقراطي أو بيسستروتس الطاغية .

  ولكل هذه سعى الباحث إلى توفير للقارئ بعض المؤشرات من سيرة الطاغية بيسستروتس وشرح للظروف التي تسلل من خلالها إلى السلطة وفرض نظام الطغيان . وكذلك تقديم كشوف عن ردود الفعل الأثينية على نظام الطغيان ، والتي تمثلت بنفي بيسستروتس مرتين ، وإغتيال الأثينيين لولده هيباركوس ووريثه ، ومن ثم نفي ولده هيبياس وتجديد النظام الديمقراطي الأثيني وذلك من خلال العودة إلى جوهر الإصلاحات التي قام بها سولون الحكيم .  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤشرات من سيرة الطاغية بيسستروتس

بيسستروتس أو في قراءة أخرى بيسستروتيس (القرن السادس ق.م) وفقاً للمعلومات النازلة إلينا من المصادر اليونانية الأولية ، وهي كل من كتاب التواريخ (الكتاب الأول) للمؤرخ اليوناني هيرودوتس (484 – 425 ق.م) ، وكتاب الدستور الأثيني (الجزء 13 ، 14 و 16) للفيلسوف اليوناني آرسطو (384 – 322 ق.م) ، هو (أي بيسستروتس) طاغية أثينا المشهور ، والذي ولد في اليونان خلال الصراع الطويل الأمد بين دولة – مدينة أثينا ودولة – مدينة ميغارى ، والذي يتلخص في النزاع حول ملكية أراضي كل من إليسوس (الفسينيا) وجزيرة سالاميس . وهذا الصراع إنتهى عام 565 ق.م بهزيمة الميغاريين وتشتيت جيشهم على يد بيسستروتس الذي قاد الجيش الأثيني في المعارك .

 والواقع إن الصراع الميغاري – الأثيني قد لعب دوراً في شهرة بيسستروتس بين صفوف الأثينيين . وعلى الرغم من إنه لم يمتلك تجمع سياسي يمكنه من الصعود إلى السلطة ، إلا إنه أخذ يتقدم الصفوف في حياته . وفي فترة عمت فيها الفوضى والإضطرابات ، قام بيسستروتس بإقناع الجمعية الأثينية بتعيينه قائداً للحرس ، وهنا إستغل منصبه وعصف بالجمعية الأثينية وأعلن نفسه طاغية .

   ولكن بيسستروتس تعرض للنفي مرتين ، كانت الأولى عام 555 ق.م ، ومن ثم عاد إلى أثينا بإحتفالية حملت العديد من الأثينيين من الإعتقاد بأن الألهة راضية عليه . وهكذا عاد طاغية من جديد . ومن ثم نفي مرة ثانية ، وبعد عشرة سنوات جمع حشود من المقاتلين ، وبالتحديد من المناطق المحلية (الريفية / الفلاحية) المجاورة لأثينا ، وعاد إلى السلطة حتى موته عام 527 ق.م .

  لقد حكم الطاغية بيسستروتس أثينا خلال الفترة مابين 561 و 527 ق.م . ويرتبط بإسمه الإحتفالات البنثانيك (إحتفالات ذات طبيعة دينية – رياضية …) . ولعل أشهر هذه الإحتفالات ، الإحتفالات التي أُقيمت في عصر بيسستروتس ، هو إحتفال عام 566 ق.م . وكذلك يرتبط بإسمه محاولة إعادة نشر الملاحم الهومرية (نسبة إلى الشاعر هوميروس) .

  ويُنظر إلى بيسستروتس على إنه مناصر للطبقات الدنيا من المجتمع الأثيني . وفعلاً حين صعد إلى السلطة لم يتردد في تحدي الطبقة الإستقراطية ، والذي تمثل في الحد من إمتيازاتها ، بل وتخطى ذلك إلى إنتزاع الأراضي منهم وتوزيعها على الفقراء . كما وساعد مالياً العديد من البرامج الفنية والدينية . وبيسستروتس هو إسم لثلاثة طغاة حكموا أثينا خلال الفترة الممتدة من عام 546 وإلى 510 ق.م ، وهم كل من الأب بيسستروتس وولديه كل من هيبياس الأثيني (الذي خلف والده عام 527 ق.م) وهيباركوس (مات مقتولاً عام 514) .

  ومن الملاحظ إن عائلة الكيمونا الأثينية النبيلة قد لعبت دوراً في طرد الطاغية هيبياس ، وذلك من خلال رشوة كاهنة الوحي في معبد دلفي ، وحملها على إخبار الإسبارطيين على ضرورة تحرير أثينا . وفعلاً حدث هذا في عام 510 ق.م وتم نفي هيبياس . وبعد ذلك قام كليثنيز (ولد عام 570 ق.م وهو خال رجل الدولة الأثيني بريكلس (495 – 429 ق.م) بتجديد النظام الديمقراطي الأثيني القديم وعلى أسس العودة إلى إصلاحات سولون الحكيم . للتفاصيل أنظر :

1 – A. French. “The Party of Peisistratos”. Greece & Rome. Vol. 6, No. 1, March 1959,pp. 45 – 57

2 – B. M. Lavelle. Fame, Money and Power: The Rise of Peisistratos and Democratic Tyrany at Athens, The University of Michigan Press 2005  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  بدأ الخطاب بحقيقة ، وهي قبول سولون العودة إلى أثينا بعد إن إختار المنفى إختيار خلال فرض بسستروتس لنظام الطغيان . فقال وهو يخاطب الطاغية بيسستروتس : ” أنا متأكد جداً سوف لا أتعرض إلى أي نواع من الشر على يديك ، وأنت عارف بأنني كنت صديقاً لك قبل أن تفرض نظام الطغيان ” (18) . إنها فعلاً مقدمة سياسية هادئة مؤسسة على الوقائع وتفصل بين المصلحة الفردية ومصلحة الشعب الأثيني الذي إختار النظام الديمقراطي ، والأن يائس ويعاني سراً وعلانية من شرور الطغيان .

   وعلى هذا الأساس السياسي تحول الخطاب إلى إسلوب حوار ومحاجة بين الحكيم سولون والطاغية بسستروتس . فالقضية في أساسها ليست قضية سولون ومعاضته الفردية كما يصورها الطاغية وإنما هي قضية الأثينين عامة  وسولون واحداً منهم . ولهذا أفاد سولون مجادلاً بسستروتس الطاغية : ” والأن إن قضيتي لا تختلف عن قضية أي مواطن أثيني ، يائس وحزين من الطغيان ” (19) .

  وجادل سولون الطاغية بأن نظام الحكم هو خيار الأثينيين ، فهم وحدهم الذين يمتلكون الحرية في إنتخاب الحاكم وشكل الحكم المناسب لهم ، وهذه القضية هي التي حملت سولون أن يقف في صف الأثينيين ويضع نفسه معارضاً لصديقه السابق بعد أن تحول إلى طاغية . يقول سولون ” وسواء إنه من الأفضل للأثينيين أن يعيشوا تحت نظام سياسي يقوده فرد واحد (طاغية) ، أوالعيش في ظلال الديمقراطية ” (20) وهذا الأمر بينه سولون للطاغية بصراحة ، وإنه متروك للشعب الذي هو في الحقيقة مجموعة أفراد : ” وهذا الأمر بيد الأفراد ، ومعروف إن لكل فرد رأي وقرار ، والذي يعكس إتجاهاته ومشاعره الخاصة ” (21) إذن مسألة الخلاف والمعارضة ليست بين سولون بشخصة وبسستروتس الطاغية ، وإنما هي قضية دولة – مدينة أثينا والشعب الأثيني برمته أفراداً وجماعات .

  ومن ثم تحول التحليل السياسي السولوني إلى شواطئ الواقعية السياسية النقدية أو على الأدق الشكل السولوني القديم لها . فقد إعترف سولون بأن نظام بسستروتس ليس من أسوء أنظمة الطغيان ، بل إنه من أفضلها ، ولكنه من طرف أخر هو ليس ” بالجيد في نظري ” أما الإثينيين فهم أحرار في إختياراتهم وهذا الأمر يعود إليهم . وهنا أفاد سولون موضحاً : ” وأنا أعترف بأنك أفضل من كل الطغاة ، ولكنني صراحة لا أستطيع الحكم على إن طغيانك هو جيد لي ، وإنما ذلك يعود إلى الأثينيين ” (22) .

  وإنتهى الخطاب السياسي السولوني بالمقارنة بين الفعل السياسي الذي أنجزه سولون الحكيم لصالح اثينا والأثينيين ، والفعل السياسي الذي قام به الطاغية بسستروتس ، وفي هذه المقارنة نقد وتوصيف للظروف التي عمل فيها سولون في تعزيز النظام الديمقراطي الأثيني ، وهي الظروف ذاتها (أي الصعود إلى السلطة) التي إستغلها بسستروتس في الإنفراد بالسلطة وإقامة نظام الطغيان . والحقيقة إن سولون لم يغفل الإشارة إلى النقاط الهشة في النظام الديمقراطي والتي سمحت للطاغية من الصعود ومن ثم إلغاء الديمقراطية وتحويل دولة – مدينة أثينا إلى نظام طغيان ذاعت سمعته السيئة في عالم اليونان القديم . ولهذا أفاد سولون مدققاً : ” وعلى الأقل سيوجه لي اللوم خصوصاً بعد قيامي بتأسيس نظام المساواة في الحقوق المدنية بين الأثينيين ، وبعد رفضي كل المحاولات لأكون طاغية بنفسي ، بينما كانت السلطة بيدي . ونعود إلى العقد ونسألك : ماذا أنت فاعل الآن ؟ ” (23) . إنه سؤال السياسي الواقعي سولون الحكيم ، وهو بالتأكيد سؤال الشعب الأثيني الذي يتطلع إلى يوم أثيني جديد ليس فيه وجود للطغيان والطاغية بسستروتس . وهو سؤال يرعب الطاغية في كل لحظة تغيب فيها الشمس ، وفي كل لحظة فيها شروق جديد .        

رابعاً – تأمل في خطاب سولون إلى ملك ليديا كرويسوس

   ونحسب من النافع أن نُعلم القارئ بأن هذا الخطاب السولوني ، خطاب قصير جدا جدا . ورغم إنه قصير فهو مهم من ثلاثة نواح : الأولى إنه خطاب موجه من الحكيم سولون إلى ملك ليديا كرويسوس ، وفيه محاجة مقتضبة حول الديمقراطية والإستبداد والطغيان . والثانية إنه درس سياسي من طرف إن ملك ليديا يسمع لما يقوله الحكيم سولون ، ومسرور في قدوم سولون الواعد إلى بلاطه . والثالثة إن سولون مهموم بصورة غير إعتيادية بما يجري في بلاده أثينا ، ولذلك رهن حياته للإنتصار للديمقراطية ليل نهار ، وبالمقابل فضح مبررات الإستبداد وإغتصاب السلطة بقوة السلاح والرجال وهذا ما قام به الطاغية بيسستروتس .

 بدأت الرسالة بتحية قدمها سولون إلى كرويسوس ملك ليديا+ ، وهذه ترجمة لها : ” أشكرك على هذه الإرادة الخيرة وإهتمامك بشخصي . وأقسم بالإلهة مينيرفا : بأنني إذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ لتقديم فهم دقيق لهذا الخطاب السولوني ، وعلاقة سولون بملك ليديا ، وطبيعة عقيدته بالإلهة مينيرفا التي أقسم فيها ، نقدم هذين الهامشين :

1 – كرويسوس (595 – 547 ؟ ق.م) ملك مملكة ليديا للفترة من 560 وحتى 547 ق.م ، وهو العام الذي تمكنت القوات الفارسية من دحر قواته . والحقيقة إن هزيمة كرويسوس على يد الفرس ترك أثراً كبيراً على العالم الهيليني (اليوناني الخالص) كما وتركت معلماً خاصاً في تقويمهم السنوي ، وبالتحديد في القرن الخامس قبل الميلاد .

  ونود أن نشير هنا إلى حقيقتين تاريخيتين :

الأولى – الخلفية التاريخية لمأساة كرويسوس ومملكة ليديا :

       من الثابت تاريخياً إن علاقة كرويسوس بالمستعمرات الأيونية (اليونانيون الأيونيون) لا تعمل لصالحه يومذاك ، وذلك بسبب نظام دفع إجور الحماية التي يوفرها ملك ليديا لهذه المستعمرات . وبالرغم من إن كرويسوس لم يُظهر أية مواقف عدائية لهم ، بل إنه كان ودوداً لهم أكثر من والده . الأمر الأخر من ظروف المآساة ، هو إن كرويسوس منح ملجأً للأمير دارستوس بن الملك غوردياس ملك مملكة فريجيا ، والذي طرده والده بعد قتله لأخيه . وهذا فعلاً ما يُخبرنا به هيرودوتس ، فيقول إن كرويسوس رحب به لاجئاً في المملكة . ولكن دارستوس قتل خطأً أتيس بن الملك كرويسوس ، ومن ثم قتل نفسه .

   في ظل هذه الظروف تزايدت القوة الفارسية في الأناضول ، وكرويسوس هو الحامي للمدن الأيونية ضد التهديدات الفارسية . لذلك بدأ بالترتيب لحملة ضد كورش الكبير الفارسي (576 – 530 ق.م) . وقبل أن يُباشر حملته ، فضل إستشارة الوحي في معبد دلفي وإستشارة المتنبئ إمفايروس ، وذلك للإختيار بين القيام بحملته أو البحث عن حلفاء . غير إن الإستشارة جاءت غامضة . وبالصيغة الآتية : إذا هاجم كرويسوس الفرس ربما سيدمر الإمبراطورية . ومن ثم تحول هذا الوحي إلى واحدة من قضايا الوحي المشهورة والمثيرة للجدل في معبد دلفي .

  وإعتماداً على النصيحة التي قُدمت له تحالف كرويسوس مع دولة إسبرطة القوية ، ثم تحالف مع المصريين والبابليين ، وبدأ حملته ضد الفرس في عام 547 ق.م . وكانت العادة إذا جاء الشتاء إنسحب الطرفان . وفعلاً فعل كريسوس ، ولكن كسرى إستمر في الهجوم وأسر كريسوس في مدينة سارد عاصمة مملكة ليديا . وهكذا أصبحت رسالة الوحي واضحة ، وهي إن إمبراطورية كريسوس القوية تدمرت بيد كريسوس … للتفاصيل أنظر :

1 – Herodotus, Histories (Op. Cit), Book, 1, 34 – 45

2 – Stephanie West, “Croesus’ Second Reprive and Other Tales of the Parsian Court”, Classical Quarterly 53 (2003), pp. 419 – 424   

الثانية – شهادة سولون الحكيم :

   تكشف هذه الشهادة السولونية عن الكثير من المرامي المتخفية (تجاه ملك ليديا كرويسوس) وراء خطاب سولون ذو الطبيعة الفلسفية العالية ، والذي لا يقل مقاماً عن خطاب إفلاطون وأرسطو فيما بعد (على الإقل بعد قرنين من الزمن) . ونحسب إن كلاهما (أي إفلاطون وتلميذه آرسطو) قد تعلما الكثير من خطاب سولون و إستبطنا الطريقة السولونية في معالجة هذه القضية الأكسيولوجية في نصوصهما التي درست مضمار السعادة .

  ونرى من النافع في فهم قوة خطاب سولون الأكسيولوجي على الملك كرويسوس الذي كان يتطلع إلى  الإستماع من سولون على جواب يُرضيه ، هو أن نذكر بعض الحقائق التي يعرفها الإثنان ؛ الملك كرويسوس والحكيم سولون ، والتي لا تؤهل كرويسوس أن يكون سعيداً : الأول هو موت إبن الملك كرويسوس مقتولاً بيد ضيف الملك والذي إنتحر هو الأخر (أي القاتل) . الثاني هو موت زوجة الملك إنتحاراً بسبب مقتل ولدها . الثالث هو إن الملك كرويسوس ومن قبله والده قد رهنا حرية المستعمرات الأيونية (اليونانية) بيد مملكة ليديا ، وإن الأخيرة بالمقابل وفرت الحماية لليونانيين في هذه المستعمرات لقاء دفع أتاوة (ما يشبه الجزية) . وهذا الموقف بالتأكيد لم يرضي اليونانيين سواء الذين كانوا يعيشون في هذه المستعمرات أو يوناني أثينا ومنهم سولون الحكيم .

  ولذلك تشعر إن في هذا الخطاب السولوني ذو الطبيعة الحوارية بين الملك كرويسوس وسولون ، الكثير من الأشياء التي تكشف عن عدم إرتياح سولون من كرويسوس بالرغم من إن الملك كان يتودد لسولون ، ويوجه له الدعوات المتكررة بالزيارة ، والإستضافات المتنوعة لسولون في قصره .  والحقيقة إن القارئ يمكنه أن يقرأ القصة كاملة عند المؤرخ اليوناني هيرودوتس ، وفي كتابه التواريخ / الكتاب الأول . ولكن ما يهمنا منها ، هو الإشارة إلى إن هذا الخطاب السولوني ، يكشف عن قدرة فلسفية حوارية تمتع بها سولون ، وهو يواجه السؤال الأكسيولوجي (الذي رفعه الملك كرويسوس) المتعلق بالسعادة ، وهذا السؤال جاءعلى لسان الملك :

   من هو الإنسان السعيد ؟ ويبدو لنا أولاً إن شخصية كرويسوس في هذا الخطاب ، شخصية مصطنعة لأغراض المعالجة الفلسفية لقضية السعادة . وثانياً وهذه حقيقة تاريخية ، وهي إن الملك كرويسوس كان من الأثرياء الذين ذاعت شهرتهم العالم القديم (وفي الرواية الفارسية إنه قارون الذي جاء ذكره في القرآن) . وثالثاُ إنه يحكم مملكة قوية آمنة . ولهذا كان الملك موهوماً بأن جواب سولون سيكون بلا شك ، هو إن الملك كرويسوس هو الإنسان السعيد .  ولكن جواب سولون صدم الملك وخيب آماله على الإطلاق . فقد بين سولون دون مجاملة وملق ، إن كرويسوس ليس واحداً من سعداء العالم ، وهذا هو خلاصة جواب سولون الحكيم ، وهي إن هناك  ثلاثة رجال أكثر سعادة من كرويسوس ، وهم رجل الدولة الأثيني تيلوس الذي كان له ولدان من أجمل فتيان العالم ، وتمتع برؤية أحفاده ، ومات مدافعاً عن أثينا خلال الحرب ، فدفنه الأثينيين بكل شرف وإحترام ، والثاني والثالث هما الأخوين كليوبس وبايتن اللذان أعزا أمهما خلال الإحتفالات الدينية وبذلا جهداً بطولياً ، وفي النهاية ناما فماتا في نومهما ، بعد إن دعت لهما أمهما بالسعادة الكاملة  للتفاصيل أنظر :

       Herodtus, Op.Cit, Book 1, 6 – 94 

2- الإلهة مينيرفا : وهي ألهة الحكمة والفنون والصناعات والدفاع . وبالتحديد منذ القرن الثاني قبل الميلاد ونازلاً أخذ الرومان يعادلون بينها وبين ألهة اليونان أثينا . وهي ألهة عذراء للموسيقى والشعر والطب والتجارة والمهن والسحر . وغالباً ما ترتبط الجذور الثقافية السرية لعبادتها بالبومة . ولهذا يُطلق عليها ” بومة مينيرفا ” وذلك لإرتباطها رمزاً بالحكمة .

  وحال مينيرفا حال أثينا التي حسب الإسطورة التي نسجت حولها ، إنها ولدت من عقل أبيها ، الإله جوبيتر عند الرومان (زوس عند اليونان) . وهناك إعتقاد إلى إن هذه العقيدة وبضمنها الإلهة مينيرفا غريبة على اليونان ، وإنها جاءت إلى اليونان وإيطاليا من الشرق . وهناك مصادر أخرى تُرجح إنها تولدت في أسيا الصغرى (تركيا اليوم) حيث المستعمرات الأيونية . في حين ترى مصادر أخرى إن إسمها جاء من المينز والذي يعني العقل أو الذاكرة والتذكر .

  ويحتفل الرومان بالألهة مينيرفا كل عام خلال الفترة الممتدة ما بين 19 آذار وحتى 23 آذار . ومينيرفا تُعبد جنباً إلى جنب الإله جوبيتر في معبد مينيرفا مديكا ، وفي معبد مينيرفا دلبورم والذي شيده عام 50 ق.م القائد السياسي والعسكري بومبيس الكبير (106 – 48 ق.م) وفي منطقة اليوم تشغلها كنيسة تسمى كنيسة ” القديسة مريم سوبرا مينيرفا ” (منا : وهي مسألة تلفت الإنتباه إلى الإمكانية المسيحية في تحويل معبد لعبادة رموز من الديانات الوثنية اليونانية إلى كنيسة لقديسات مسيحيات) … للتفاصيل أنظر :

William Smith, Op.Cit, V.2, p. 1090

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 لم أفكر بالشئ الذي لا تعلو عليه قيمة أي شئ في هذا العالم ، وهو العيش في ظلال الديمقراطية ، فإنني بالتأكيد راغب ، بل وهذا ما أفضله وهو العيش معك في قصرك على العيش في أثينا ما دام بيسستروتس قد صنع من شخصه طاغية بالقوة والإجبار .

والحقيقة إن الحياة تكون عندي أكثر بهجة عندما يسود العدل والمساواة في عموم الكون . وعلى أي حال سأتوجه أليكم وأرى حضرتكم في هذا الفصل من السنة . وأنا أتطلع بسرور للإستمتاع بحسن ضيافتكم وكرمكم ” (24) .

تعقيب    

 صحيحُ إن حياة الحكيم (وربما الفيلسوف) سولون ، ونصوصاً من خطاباته السياسية سجلت حضوراً قوياً في كتاب ديوجانس لارتيوس حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . ولكن من الصحيح جداً إنها نزلت إلى ديوجانس من مصادر متنوعة كثيرة (وهذا ما بيناه فعلاً في الباب المعنون : مصادر ديوجانس لارتيوس في الكتابة عن سولون / البحث الحالي) . كما إن أهمية نصوص سولون تعود إلى إنها كونت مقدمات سياسية إنموذجية مبكرة في الفكر السياسي اليوناني (والأدق الأثيني) ومشروع إصلاح للتشريعات الدستورية الأثينية هذا من طرف . وإنها من طرف أخر جذبت إهتمام إثنين من كبار العقول اليونانية ، وهما كل من المؤرخ اليوناني الكبير (أبو التاريخ) هيرودوتس ، وفيلسوف اليونان الكبير آرسطو . وفعلاً إن قارئ كتاب التواريخ لهيرودوتس يلحظ إن سولون وخطاباته السياسية سجلت إهتماماً غير إعتيادي . في حين إن آرسطو إحتفل بها في كتابه الدستور الأثيني إحتفالاً تطلع إلى تأسيس مضمار فلسفة سياسية مهمتها إنجاز إصلاح دستوري لمدينة – دولة أثينا (وربما تطلع أرسطو إلى حدود جغرافية أوسع) …

  ومعلوم إن هناك إختلاف بين ذهنيتين سياسيتين ؛ ذهنية الحكيم – الفيلسوف الإرستقراطي سولون ، وذهنية القائد العسكري بيسستروتس الذي ولد في رحم الطبقات الفقيرة والمعدمة . وهذه الحقيقة تقدم لنا فهماً في الصراع بين الشخصيتين كما عكستها الخطابات السياسية ، وهو الصراع بين نظام ديمقراطي مدعوم بالطبقة الإرستقراطية ، ونظام إستبدادي إنفرد بالسلطة وكان نصير الفقراء والمعدمين . كما تيسر لنا هذه الحقيقة فهماً في كيفية صعود بيسستروتس لسلم السلطة ، وعودته إلى السلطة مرتين بدعم من الفقراء ورجال فتيان محليين (أولاد الفلاحين) بعد إقصائه من السلطة ونفيه مرتين .

  وعلى هذا الأساس بقي سولون الحكيم في سجلات التاريخ حكيم وفيلسوف الإرستقراط ، بينما ظل بيسستروتس طاغية ونصير الفقراء والمعدمين . ولا تنسى إن الحكيم سولون إعترف في خطاباته السياسية بأن ” بيسستروتس من أفضل الطغاة ” . ولعل مسك الختام القول بأن من جديد هذا البحث ، هو تقديم شخصية سولون فيلسوفاً . وهذا فعلاً ما بينه واحد من مصادر ديوجانس لارتيوس ، وهو الكاتب أبولودورس في كتابه المعنون فرقة الفلاسفة . وهذا الأمر له أهمية خطيرة في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وذلك من حيث إنه يقدم فهماً جديداً يدلل على إن الفيلسوف اليوناني طاليس لم يكن كما تردد كتب تاريخ الفلسفة اليونانية لقرون مضت (وبالطبع كتب تاريخ الفلسفة بالعربية كذلك) من إنه فيلسوف اليونان الأول والوحيد بلا منازع ، وإنما في الحقيقة هناك فلاسفة أخرون ، ومنهم سولون مثلاً يُشاركون طاليس في إبوة الفلسفة اليونانية ، وكانوا في الوقت ذاته معاصرين له ومنهم من هو أكبر سناً من طاليس ، وظلت نصوصهم خالدة في حين لم تبقى من كتابات طاليس سوى جملتين أو ثلاث (وهذه المسألة أشرنا إليها في الباب المعنون : ديوجانس لارتيوس : المقدمة الفلسفية الناقصة / من البحث الحالي) . 

الهوامش :

 1 – ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 17

2 – المصدر السابق

3 – المصدر السابق

4 – المصدر السابق

5 – المصدر السابق

6 – المصدر السابق

7 – ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول (حياة إيمينايدس الفقرات من 1 – 13) الفقرات من 1 – 2  

8 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 5

9 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 6

10 – المصدر السابق ، الكتاب الأول (حياة سولون) ، الفقرة رقم 18

11 – المصدر السابق

12 – المصدر السابق

13 – المصدر السابق

14 – المصدر السابق

15 – المصدر السابق

16 – المصدر السابق

17 – المصدر السابق

18 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 19 (ولم يظهر الرقم في الطبعة ولكن المقارنة بين رقم الفقرة 18 وهي الفقرة التس سبقتها ، ومقارنة بالفقرة التي جاءت بعدها وحملت الرقم 20 ، يظهر بصورة بديهية إن رقم هو 19 .

19 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 19

20 – المصدر السابق

21 – المصدر السابق

22 – المصدر السابق

23 – المصدر السابق

24 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 20    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

المدرسة الطبيعية الأولى : طاليس برواية ديوجانس لارتيوس

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   يُوفر لنا تاريخ الفلسفة اليونانية معلومات تفصيلية عن الدور الثقافي الذي لعبته أثينا (عاصمة الثقافة اليونانية) إضافة إلى مدن يونانية أخرى كانت يومها مراكز ثقافية ترعرت فيها مدارس فلسفية معروفة مثل ملطيا ، وهي مدينة أيونية (مستعمرة يونانية في أسيا الصغرى) شهدت ولادة الفلسفة ، وولادة أول فيلسوف (منا : طبعاً أثبتنا فيما سبق إن طاليس لم يكن الفيلسوف الأول الوحيد) في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وهو طاليس المليطي (624 – 546 ق.م) وهو الذي أسس أول مدرسة فلسفية يونانية ، وهي المدرسة المليطية (القرن السادس ق.م) وهي جزء من مدرسة أوسع ، هي المدرسة الأيونية (والتي تضم طاليس ، إنكسيمندر ،إنكسيمانس ، هرقليطس ، إمباذوقليس (490 – 430 ق.م) ، إنكساغوراس (500 – 428 ق.م) ، أركليوس (القرن الخامس ق.م) ، وهيبو (حوالي 425 ق.م) ، وديوجانس الأبولوني (حوالي 425 ق.م) (أنظر : الأنسكلوبيديا الأمريكية العالمية ، نشرة شركة لتل ، نيويورك 1954 ، المجلد 8) .

   ويُطلق على المدرسة المليطية إصطلاح المدرسة الطبيعية الأولى ، وهي مدرسة واحدية (أو أُحادية) ، فقد إنتخب الفيلسوف الطبيعي طاليس مبدأ واحد ، وهو الماء ، مبدأ لفهم التغيرات الحاصلة في العالم . وقد ضمت المدرسة الطبيعية ثلاثة فلاسفة من مدينة ملطيا ، وهم طاليس المؤسس ، وتلميذه إنكسيمندر (610 – 546 ق.م) والذي قال الأبيرون أو اللامحدود (وتصور العالم صندوقاً يحتوي على مزيج من الأضداد الحار والبارد ، اليابس والرطب وغيرها) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان : النفس الإنسانية ، نشرة مطابع جامعة الموصل 1986 ، ص 59) . ومن ثم تلميذ الأخير ، وهو الفيلسوف المليطي أنكسيمانس (585 – 528 ق.م) والذي عاد إلى موقف طاليس ، ووضع بدلاً من الماء الهواء أصلاً للأشياء (المصدر السابق ، 61) . والمدرسة الطبيعية ضمت فيلسوفاً من خارج ملطية ، وهو الفيلسوف الأفسوسي (نسبة إلى مدينة أفسوس) ، وهو هرقليطس (540 – 475 ق.م) والذي قال بالنار مبدأ طبيعي لتفسير التبدل الواقع في الكون (أنظر : ج . كيرك وأخرون ؛ الفلاسفة البيروسكراتيون (ما قبل سقراط) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، 1983 ، ص ص 108 – 109) .

 صحيح جداً إن ديوجانس لارتيوس كتب مقالاته حول الفيلسوف طاليس بعد موت الأخير بأكثر من ثمانية قرون . ولذلك أثار الكثير من الأكاديميين الغربيين السؤال حول دقة المعلومات التي قدمها لارتيوس . ولكن من الصحيح جداً إن لارتيوس إعتمد على مصادر كثيرة أشار إليها في كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على مصادر ديوجانس لارتيوس أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني / ربيع 2011 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلى هذا الأساس نستبعد الإختراع ونؤكد على المصادر والكتب التي إستند إليها ديوجانس لارتيوس ، والتي ضاعت إصولها وإندثرت ، ولكن ظل لها صدى في كتابات لارتيوس وكتاب أخرين . إذن نحن نرفض التشكيك المطلق بروايات لارتيوس ، مع الإلتزام بمنهج التمحيص والمقارنة والنقد وصولاً إلى كبد الموضوعية . وهذه مسؤليتنا وليست مسؤولية لارتيوس .

  أفرد لارتيوس أجزاء من الكتاب الأول في الحديث عن الفيلسوف الأول (؟) أو الأدق الحكيم طاليس كواحد من الحكماء السبعة (أوربما الأكثر من ذلك كما تكشف رواية لارتيوس) . وبالتحديد ثلاث وعشرين فقرة (مقالة قصيرة جدا جدا) إمتدت من الفقرة 22 وحتى الفقرة 44 *. والحقيقة لاحظنا في ترجمة ونشرة يونك زيادة في الفقرات ، 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل أنظر :

Diogenes Laertius, Lives of the Eminent Philosophers, Trans. By Robert Drew Hicks, A Loeb Classical Library edition 1925, V.1, Book 1, 22 – 44

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبالتحديد زيادة فقرتين ، نشر فيهما رسالتين بعثهما طاليس إلى حكيمين من الحكماء السبعة أو الثلاثة عشر ؛ واحدة منهما إلى فيرسيدس وحملت الرقم 15 من ترتيب يونك ، والثانية بعثها إلى سولون الحكيم وحملت الرقم 16* . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قارن ذلك عند :

Diogenes Laertius, Lives of the Eminent Philosophers, Trans. By C. D. Yonge, Henry G. Bohn, London 1853, Book 1, Life of Thales, 15 – 16)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحسب رواية ديوجانس التي نهضت على إتفاق مع ما قاله كل من المؤرخ اليوناني هيرودوتس (484 – 425 ق.م وهو صاحب كتاب التواريخ المشهور) والمؤرخ اليوناني دورس (350 – مات بعد عام 281 ، وهو تلميذ الفيلسوف المشائي الأول ثيوفراستس) ، وما نُقل عن الفيلسوف اليوناني ديمقريطس (460 – 370 ق.م) فإن طاليس هو ” إبن كل من إكزاميس وكليوبلينا ، وهو من عائلة تليديا الفينقية ، التي تصعد إصولها النبيلة إلى كل من كادميوس وإيكنور ” (المصدر السابق (ترجمة يونك) ، الفقرة رقم 1) كما ذكر ذلك إفلاطون (429 – 347 ق.م) في شهادته عن طاليس (المصدر السابق) . وطاليس هو أول شخص حصل على لقب الحكيم . وبالمناسبة إن طاليس حصل على هذا اللقب في الوقت الذي حصل عليه ستة أخرون (ولذلك أُطلق على طاليس والرجال الستة لقب الحكماء السبعة) كما ذكرت ذلك فهارس المؤرخ ديميترس فلاريوس* (350 – 280 ق.م) المعنونة كاتلوكات أراكونز أو بترجمتنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وديميترس كان هو وشاعر الدراما اليونانية الشهير ميناندير (341 – 290 ق.م) تلميذين للفيلسوف ثيوفراستس خليفة أرسطو على المدرسة المشائية ، وكان ديميترس خطيباً أثينياً ومؤلفاً ، كتب بصورة واسعة في التاريخ والخطابة والنقد الأدبي .. للتفاصيل أنظر :

Algra et. Al, The Cambridge History of Hellenistic Philosophy, Cambridge 1999, pp. 49 – 50

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العربية جامع تاريخ كبار العقلاء (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) . وبعد قدومه من فينيقيا حصل على المواطنة في مليطيا ، وأصيح مليطيا (أو مليسينياً) نبيلاً (المصدر السابق) .

  ويبدو من الروايات التي إستند إليها لارتيوس ، إن طاليس وصل مليطيا في مرحلة النضوج من حياته أو على الأقل في بداياتها ، والدليل هو إنغماسه مباشرة في شؤون الدولة ، غير إنه تحول بعد ذلك إلى شواطئ الفلسفة ، وأخذ بالتحديد الإهتمام بمضمار الفلسفة الطبيعية . وهناك من يحسبُ إن طاليس لم يترك أي نوع من الكتابات والنصوص خلفه . وإن كتاب علم الملاحة (أو علم فلك الإبحار) الذي يُنسب إليه ، هو في الحقيقة عمل يعود إلى فوكس الساميان . إلا إن كاتب سير المؤلفين كاليماشوس*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاليماشوس هو قورينائي (ليبي) (310 – 240 ق .م) من عائلة نبيلة ، وإدعى من إصول ملكية حكمت المستعمرة اليونانية في شمال أفريقيا . تعلم في أثينا ومن ثم عاد إلى شمال أفريقيا ، وتحول إلى الإسكندرية . وهو شاعر يوناني ملحمي وباحث في خلايا مكتبة الإسكندرية . كان يتطلع بعد فراغ درجة رئيس مكتبة الإسكندرية أن يشغل هذا المنصب . غير إن فرعون مصر من إصول مقدونية ، تخطى كاليماشوس وعرض الوظيفة على تلميذ كاليماشوس الشاب والشاعر الملحمي أبولونيوس الروديسي (عاش في القرن الثالث قبل الميلاد) …

  من أهم أعمال كاليماشوس كتاب الفهارست ، وهو كتاب ضخم ، هو في الواقع بحث في سير المؤلفين التي تتوافر مؤلفاتهم في مكتبة الإسكندرية . وهو واحد من الأعمال الأولى والوثائق الفريدة في مضمار فهرست الكتب ووصف محتويات المكتبة وتصنيفها . ويبدو حسب رأي الأكاديميين إن كاليماشوس لم يتبع أي نموذج متوافر قبله ، وإنما إخترع موديله الخاص في فهرسة الكتب . (ونحسب (أي الدكتور الفرحان) إن هذا الكتاب ربما إطلع عليه العرب من أمثال إبن النديم ، فكتبوا أبحاثهم في علم الفهرسة على منهج كاليماشوس ، والذي وردت عنه روايات إلى دائرة الثقافة العربية يومذاك ) . للأطلاع أنظر :

R. Blum. Kallimaches: The Alexandrian Library and the Origins of Bibliography, Trans. By H. Wellisch, University of Wisconsin 1991

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (310 – 240 ق.م) حذرُ جداً من ذلك ، خصوصاً وإنه عارف من طاليس هو مكتشف كوكب الدب الصغير . في حين رأى أخرون إن طاليس كتب مؤلفين فلكيين فقط ؛ الأول كان يدور حول الإنقلاب الشمسي . والثاني كان يبحث في الإعتدال (تساوي زمن الليل والنهار) (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة طاليس (المصدر السابق) ، الفقرة رقم 2) .

    وعلى أساس أخبار أخرى فإن طاليس هو أول من درس علم الفلك ، وتكهن بحدوث الكسوفات وذلك من خلال ملاحظاته لحركات الشمس . وفعلاً فقد أشار إلى ذلك أودموس الروديسي (عاش من عام 370 وحتى عام 300 ق.م) في كتابه المعنون تاريخ الإكتشافات في علم الفلك* . ووفقاً لهذه الإكتشافات أعلى من مكانته كل من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  *كان أودموس فيلسوفاً يونانياً قديماً ، وهو أول مؤرخ للعلم ، وهو من أشهر تلاميذ الفيلسوف أرسطو . ولعل أهميته في تاريخ الفكر الأرسطي ، إنه قام بنشر أعمال أرسطو وجعلها ميسرة هذا من طرف . ومن طرف أخر إن إبن إخته بيسكليس هو الأخر عمل على نشر مؤلفات أخرى لأرسطو .

  لقد صرف أودموس جزء كبير من حياته في أثينا ، حيث درس هناك الفلسفة ، وبالتحديد في مدرسة أرسطو . ويُنظر إليه على إنه واحد من أكثر تلاميذ أرسطو ذكاءً ، وكان هو وثيوفراستس (خليفة أرسطو فيما بعد) يُعدان رفيقين للفيلسوف أرسطو أكثر من كونهما حواريين له . وفعلاً فقد تعاون أودموس مع أستاذه أرسطو لفترة طويلة . وبالرغم من تفوق ثيوفراستس في بعض المجالات ، فإن أودموس بز ثيوفراستس في مجالات البحوث الأصيلة . ونحسب إن شهادة ذلك واضحة في كتابات المؤلفين الذين جاءوا فيما بعد ، وخصوصاً في شروحهم على مؤلفات أرسطو ، حيث نلحظ إنهم إقتبسوا الكثير من كتابات أودموس الأولية . ولهذا السبب بقيت كتاباته دون توسع ، ولكن في الوقت ذاته نعرف ومن خلال حجم الإقتباسات من كتابات أودموس ، إنه في الإمكان تشكيل صورة واضحة عن شخصية أودموس وكتاباته .

  وقبيل موت أرسطو بفترة قصيرة (كان موت أرسطو عام 322 ق.م) عين أرسطو ثيوفراستس خليفة له على رئاسة المدرسة المشائية ، فقرر أودموس ترك أثينا ، والعودة إلى روديسا ، وأسس هناك مدرسته الفلسفية الخاصة ، ومن ثم إستمر في مضمار البحث الفلسفي ، ونشر مؤلفات أرسطو . كما إن أهمية أودموس في تاريخ العلم اليوناني تكمن في إنه كتب بطلب من أستاذه أرسطو تواريخ للرياضيات وعلم الفلك وبين فيها دور المعرفة العملية للبابليين والمصرين والتي مكنت اليونان من صياغة الأسس النظرية للعلوم اليونانية ، وبناء أنظمة فلسفية شاملة ومتناسقة . وأهم مؤلفاته : تاريخ في علم الحساب ، وتاريخ الهندسة ، وتاريخ علم الفلك . وينسب له كتاب في تاريخ اللاهوت ، والذي ناقش فيه أراء البابليين والمصريين وعلاقتها بأفكار اليونان في أصل الكون .. للتفاصيل أنظر :

Ivor Bulmer – Thomas. “Eudemus of Rhodes” In: Dictionary of Scientific Biography, Ed. By Charles Gillispie, New York 1971, v.1V, pp. 460 – 465

Leonid Zhmud, “Eudemus’ History of Mathematics” In the RugersUniversity Series in the Classical Humanities, Ed. By Bondnar Fortenbaugh, New Brunswick 2002, pp. 263 – 306

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 أكسانوفان و هيرودوتس . كما شهد له بالعمل في مضمار علم الفلك كل من هرقليطس  (حوالي 535 – 475 ق.م) وديمقريطس (حوالي 460 – 370 ق.م) (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) .

  وهناك من يعتقد (ومن ضمنهم الشاعر كورليوس) (5) بأن طاليس هو أول من أكد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 – ويبدو إنه الشاعر الملحمي كورليوس الساموس (إزدهر في نهايات القرن الخامس ق.م) وبعد سقوط أثينا إستقر في بلاط الملك المقدوني أركليوس الأول (من عام 413 وحتى عام 399 ق.م) . وفي البلاط المقدوني أصبح زميلاً للشاعر الملحمي أكاثون (448 – 400 ق.م) وأكاثون ظهر في محاورة المآدبة للفيلسوف إفلاطون . ومن زملاء كورليوس في البلاط المقدوني ، الشاعر الغنائي ملينبيدس (إزدهر في منتصف القرن الخامس ق.م) . ومن زملائه في البلاط المقدوني الشاعر الكوميدي الأثيني إفلاطون (غير إفلاطون الفيلسوف) والذي كان من معاصري الكاتب المسرحي أرسطوفان . وتنسب بصورة مؤكدة له الملحمة الشعرية التي حملت عنوان الفارسية ، وفي هذه الملحمة أرخ الشاعر كورليوس تاريخ الصراع اليوناني الفارسي . وبشكل رئيسي ركز على معركة سالاميس (حدثت عام 480 ق.م) التي تؤرخ للإحتلال الثاني للفرس للأراضي اليونانية . والحقيقة إن الفيلسوف أرسطو قد تحدث عن الشاعر كورليوس في كتابين من كتبه ؛ الأول كتاب المواضيع (أو الجدل) / الكتاب الثامن ، الفقرة رقم 1 . وفي كتاب الخطابة / الكتاب الثالث ، الفقرة رقم 14 . أنظر :

Hugh Chisholm (Ed.), “Choerilus”, Encyclopaedia Britannica (11th ed.), Cambridge University Press 1911

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على إن ” نفوس البشر خالدة ” . كما وله آراء فلكية ونحسب إنها تكونت لديه من خلال ملاحظاته لحركة الشمس والأفلاك (أو ربما بعضها إكتسبها من خلال زياراته إلى بابل ومصر) ، فقد تحدث وفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس عن حركة الشمس وإرتفاعها عن القمر . ومعلوم إن علم الفلك مجالاً من مجالات الفلسفة الطبيعية . ولهذا عده لارتيوس هو ” أول من تحدث في مضمار الفلسفة الطبيعية ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 3) . ولكن أرسطو وهيبياس (6) يحسُبان إن طاليس قد نسب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6 – وهيبياس هو السفسطائي اليوناني (إزدهر في أواخر القرن الخامس ق.م) وكان معاصراً للسفسطائي الكبير بروتاغوراس والفيلسوف سقراط ، ولكنه كان أصغر منهما . وقد خصص له إفلاطون محاورتين من محاورات الشباب أو المحاورات السقراطية ؛ الأولى بعنوان هيبياس الكبير ، والثانية بعنوان هيبياس الصغير (ونحسب إن المحاورة الثانية لهيبياس أخر وهو كذلك سفسطائي) وفيهما يصف إفلاطون عدو السفسطائية ، هيبياس بالفارغ والمتغطرس . أنظر :

Daviad Sider, Plato’s Early Aesthetics: “The Hippias Major”, Journal of Aesthetics & Art Criticism, June 1977, Vol. 25 Issue 4, p. 465

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النفوس إلى الأشياء الجامدة (غير الحية) كذلك ، خصوصاً من خلال ملاحظته لحجر المغناطيس (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) .

  أما في مضمار الحديث عن طاليس فيلسوفاً وعالماً في الرياضيات ، فقد إعتمد ديوجانس في بيان مكانة طاليس في علم الهندسة على كاتبة ومؤرخة يونانية من إصول مصرية ، وهي الكاتبة بامفيل (7) وهي من القرن الأول ، والتي ذهبت إلى إن طاليس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 – بامفيل أو بامفيلا أبيدوراس (نسبة إلى مدينتها الصغيرة في اليونان) (القرن الأول) وهي مؤرخة وكاتبة يونانية من إصول مصرية ، حيث جاءت عائلتها من مصر ، وعاشت في فترة حكم الإمبراطور الروماني سئ الصيت نيرون (37 – 68م) . ولعل من أعمالها الشهيرة ، كتابها الرئيس والمعنون شروح تاريخية ، وهو بحث في تاريخ اليونان ، ويتألف من ثلاث وثلاثين مجلداً . وهذا الكتاب حسب رأي البطريق العلماني والسفير البيزنطي في بغداد فوتوس الإسطنبولي (حوالي 820 – 893 م) لم يُنظم على أساس الموضوعات التي درسها ، ولا توجد في الكتاب خطة ، وإنما كما يبدو كتاب عام ، عرض موضوعات متنوعة توافرت للكاتبة يومها ، فسجلتها كما هي . وكل قطعة منها توفر بهجة للكاتب إضافة إلى المعرفة التاريخية والأدبية . وهذا الكتاب إعتمد عليه ديوجانس لارتيوس ، وكذلك الكاتب اللاتيني وعالم النحو أوليوس جيلوس (حوالي 125 – 180م) ، وإعتمدت عليه موسوعة سودا من القرن العاشر الميلادي . أنظر :

William Smith (Ed.), Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology, By Various Writers, London 1880, 3 Vols.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعلم علم الهندسة على يد المصريين ، وهو أول من عرض وصفاً لمجموع زوايا المثلث القائم الزاوية داخل الدائرة . ولوصوله لهذا الإنجاز الهندسي قدم طاليس ثوراً قُرباناً (ضحية) لذلك . ولكن هناك من يرى ، ومنهم أبولودورس الحاسب (8) ، بأن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8 – وأبولودورس الحاسب هو عالم الحساب والذي كان فيثاغورياً . أنظر :

Leonid Zhmud, The Origin of the History of Science in Classical Antiquity, Berlin 2006, pp. 24 – 25

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 فيثاغوراس هو من إكتشف هذه المبرهنة الهندسية . والحقيقة إن طاليس عمل في هذا المجال وتوصل إلى إكتشافات متقدمة . ولاحظ ديوجانس لارتيوس إلى إن هناك من يرى إلى إن طاليس قدعمل فعلاً في هذا المضمار إلا إنه لم يكون الأول ، وذهب عدد من الباحثين ، ومنهم  كليماشس (310 – 240 ق.م وهو القورينائي الليبي / الباحث في مكتبة الإسكندرية تناولناه أعلاه) إلى إن عمل طاليس كان مسبوقاً بما أنجزه قبله إيفوربس الفريجن (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) (9) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

9 – والحقيقة إن الباحث في الرياضيات اليونانية ت . هيث قد نقل نص كلام كليماشس في أسبقية إيفوربس الفريجن على طاليس ، فقال على لسان كليماشس : بأن إيفوربس الفريجن قد توصل إلى تحديد  ” أشكال المثلثات .. والدوائر ..” أنظر للتفاصيل :

Thomas Little Heath, A History of Greek Mathematics, Dover 1981, V.1, p. 142

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ويبدو طاليس حسب رواية ديوجانس لارتيوس كان رجلاً يتمتع بحكمة عالية رفيعة في المضمار السياسي . والشاهد على ذلك عندما أرسل كرويسوس (10) الدعوة إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 – وكرويسوس (595 – 547 ق.م) وهو ملك مملكة ليديا من عام 560 وإلى عام 547 ق.م وهي سنة هزيمته على يد الفرس . وكان لهذه الهزيمة الأثر الكبير على اليونانيين (الهيلينيين) ، حيث تحولت مؤشر كبير في التقويم السنوي اليوناني . وكرويسوس تحول بعد هزيمته إلى إسطورة للثراء . وفعلاً فإن القارئ لنصوص المؤرخ اليوناني هيرودوتس (484 – 425 ق.م) وخصوصاً كتابه التواريخ ، والرحالة الجغرافي يوسانياس (عاش في القرن الثاني الميلادي) والذي إشتهر بكتابه المعنون وصف اليونان ،ويُرجح إنه من مواطني ليديا . نقول إن كل من هيرودوتس ويوسانياس يؤكدان على إن هدايا كرويسوس ظلت محفوظة في معبد دلفى …

J.A.S. Evans, “What Happened to Croesus?” Classical Journal, Vol. 74, 1(Oct. Nov. 1978), pp. 34 – 40

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المليطيين للإنظمام إلى التحالف . ولكن طاليس منع الملطيين من الموافقة على طلب كرويسوس . وفعلاً فإن قرار طاليس السياسي أنقذ مدينة ملطيا من العدوان الفارسي ، خصوصاً بعد إنتصار كورش (الإيراني) (11) على كريسوس . ولكن هناك من يرى ، وعلى الأخص هركليدس(12) إلى إن طاليس كان يحب العزلة وحياة الإعتزال والوحدة (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

11 –  كورش الثاني (600 أو 576 – 530 ق.م) ويُعرف بكورش العظيم ، ويُلقب بكورش الكبير . وهو مؤسس الإمبراطورية الأخمينية . وفعلاً فإنه تحت حكمه إمتدت الإمبراطورية بصورة كبيرة حتى شملت معظم الدول المتحضرة في الشرق ، ومن ثم ضم إلى إمبراطوريته الأجزاء الجنوبية الغربية من أسيا ، وأسيا الوسطى والقوقاز . وبذلك خلق إمبراطورية مترامية الأجزاء لم يعرف قبلها مثيل .

  لقد إمتد حكم كورش الثاني فترة إمتدت ما يقارب الثلاثين عاماً ، وخاض معارك شرسة ، فإحتل أولاً إمبراطورية مدين ، ومن ثم لديا والإمبراطورية البابلية ، ومات في المعركة عام 530 ق.م أنظر :

John Boardman (Ed.): The Cambridge Ancient History: Persia, Greece and the Western Mediterranean c. 525 – 479 B.C, Cambridge University Press 1994

12 – هركليدس أو هركليدس بونتكيوس (390 – 310 ق.م) هو الفيلسوف وعالم الفلك اليوناني ، وتلميذ الفيلسوف إفلاطون . والذي عاش ومات في هرقلية بونتيكا (اليوم جزء من تركيا) . والمتداول عنه إنه إفترض إن الأرض تدور حول محورها من الغرب وإلى الشرق ، مرة واحدة خلال الأربع وعشرين ساعة .

  جاء هركليدس من عائلة ثرية ، فقد كان والده إيثافرون رجلاً نبيلاً ، ولهذا الحال أرسل ولده هركليدس للدراسة في الأكاديمية الإفلاطونية في أثينا ، وتحت إشراف مؤسس الأكاديمية الفيلسوف إفلاطون ، ومن ثم تحول للدراسة تحت خليفة إفلاطون ووريثه على الأكاديمية (وإبن أخت إفلاطون) سيسبيوس . وعندما رحل إفلاطون إلى سيسلي (صقلية بالعربية) عام 361 أو 360 ق.م ، ترك إفلاطون هركليدس ليشرف على الأكاديمية فترة غيابه . كما إن هركليدس كان قريباً جداً من الفوز بإنتخابات الرئاسة على الأكاديمية لخلافة سيسبيوس . ولكنه خسرها بأصوات طفيفة ولصالح زينكراتس.

  وهركليدس حاله حال الفيثاغوريين كل من هيكتيس (حوالي 400 – 335 ق.م) وإسفانتوس (هو فيلسوف فيثاغوري من القرن الرابع قبل الميلاد) ، إفترض بأن الحركة اليومية الظاهرة للكواكب ، إنما تعود إلى دورة الأرض حول مركزها في اليوم الواحد . وهذه النظرة الفلكية تتعارض والموديل الفلكي الأرسطي للكون ، والذي يقول بأن الأرض ثابتة وإن حركات الكواكب والنجوم في أفلاكها هي الأخرى يجب أن تكون ثابتة كذلك . وسمبيلقوس (490 – 560م وهو من أواخر الإفلاطونيين المحدثين ومن شراح كتب أرسطو) يقول بأن هركليدس إفترض حركات غير نظامية للكواكب حتى يتمكن من تقديم شرح يذهب إلى إن الأرض تتحرك مادامت الشمس ثابتة . أنظر :

1-  H. B. Cottschalk, Heraclides of Pontus, Clarendon Press 198o, p. 2

2-  W. K. C. Guthrie, A History of Greek Philosophy: The Later Plato and the Academy, Cambridge University Press 1986, Vol. 5, p. 470   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      وإعتماداً على روايات ديوجانس لارتيوس المتنوعة ، فإنه في الإمكان الحديث عن حياة الفيلسوف طاليس الشخصية . ففي هذه الروايات ما يدلُ على إن الفيلسوف قد تزوج فعلاً وكان له ولد يُدعى سايبسثيوس . في حين أكدت روايات أخرى على إن طاليس عاش حياته عازباً ولم يتزوج على الإطلاق . ولكنه تبنى إبن أُخته ولداً له وذلك ” لحبه للأطفال ” . والسؤال الذي أثاره ديوجانس أو على الأدق السؤال الذي أثارته رواياته ؛ لماذا لم يتزوج طاليس ؟ ولماذا لم يفكر بولادة أولاده الحقيقيين ما دام محباً وراغباً في أن يكون له أطفالاً ؟ الروايات التي أوردها ديوجانس لارتيوس لم تقدم إجابة مباشرة صريحة على هذه الأسئلة . ولكنها بالمقابل قدمت لنا تفسيراً على لسان طاليس بأنه لم يكن مهتماً بالزواج على الإطلاق . ففي حوار لطاليس مع والدته التي كانت تلح عليه دائماً وتشجعه على الزواج . كان رده على سؤالها : ” بالله عليك يا أمي ، إن الوقت لم يحن بعد ” . وعندما تجاوز مرحلة الشباب ، وعاودت والدته سؤالها بالزواج ، قال لها رافضاً فكرة الزواج ومؤكداً على حياة العزوبية ؛ ” يا أمي : إنه لم يبقى من العمر شئ للزواج ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول حياة طاليس ، الفقرة رقم 4) .

 ومن مصادر ديوجانس لارتيوس في الحديث عن الفيلسوف طاليس ، الفيلسوف المشائي هيرونوميس الروديسي (13) ، وبالتحديد في الجزء الثاني من كتابه المعنون

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

13 – هيرونوميس الروديسي (حوالي 290 – 230 ق.م) وهو الفيلسوف المشائي ، وهو خصم عنيد لكل من الفيلسوف أرسيسليوس (315 – 240 ق.م) مؤسس الأكاديمية الوسطى أو ما تعرف بالأكاديمية الشكية ، والفيلسوف المشائي ليكون أو ليكو الطورس (حوالي 299 – 225 ق.م) وهو حواري الفيلسوف المشائي ستراتو (حوالي 335 – 269 ق.م) وهو خليفة ثيوفراستس (371 – 287 ق.م وهو خليفة أرسطو) . ولم تبقى من كتابات هيرونوميس إلا بضع فقرات ظلت محفوظة في نصوص كتاب جاءوا في فترة متأخرة . ولكن ديوجانس لارتيوس ينسب له كتابين ؛ الأول جاء ذكره في الكتاب الثاني من موسوعوته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبعنوان تعليق الأحكام . والكتاب الثاني أشار إليه لارتيوس في الكتاب الأول من موسوعته وبعنوان ملاحظات مبعثرة . أنظر :

Brad Inwood & Lioyd Gerson, Hellenistic Philosophy: Introductory Reading, 1997, p. 405  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مذكرات متنوعة ، والذي بين فيه ” إن طاليس عندما رغب في أن يكون ثرياً ، فقد أعلن بأن الطريق سهل جداً وممكن أن يكون قصيراً ، فمثلاً عندما تكهن بأن الموسم الزراعي القادم سيكون وفيراً لمحصول الزيتون ، فقام بتأجير العديد من مزارع الزيتون ، وبذلك حصل على أموال طائلة ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 5) .

  وطاليس هو الفيلسوف المليطي الأول ، الذي أكد على إن ” الماء هو مبدأ جميع الأشياء ، وإن العالم حي (حيوان) ، ومملوء بالأرواح ” . وحسب رواية لارتيوس إن هناك العديد من المهتمين من يرى ” إن طاليس هو أول من عين فصول السنة ، وقسم السنة إلى ثلاثمائة وخمس وستين يوماً ” . على الرغم من إنه لم يكن تلميذاً لمعلم على الإطلاق . فيما ” عدا الفترة التي زار فيها مصر وصاحب رجال الدين المصريين ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 6) .

  والحقيقة إن رواية ديوجانس لارتيوس قد جانبت الحق ، فإن هناك إجماع بين مؤرخي الفلسفة اليونانية وبالإعتماد على ما قاله طليس بنفسه ، من إنه زار بابل ونقل معه الجداول الفلكية الكلدانية . وعلى هذا الأساس تعلم من البابليين – الكلدان (معنى كلدان = عالم النجوم أو الفلك في الأصل ومن ثم أصبحت عنواناً لشريحة من الشعب العراقي) ومن خلال حساباتهم موعد كسوف الشمس ولهذا توقع بالحصاد الوفير لمحصول الزيتوت ، فأجر معاصر الزيتون وحصل على أموال طائلة ، وطاليس هو الذي إقترح على تلميذه فيثاغوراس بزيارة بابل .. وهذه قصة لها مقام أخر .

  ووفقاً لرواية الفيلسوف المشائي هيرونوميس الروديسي فإن طاليس قام بقياس مساحة الإهرامات المصرية ، من خلال مراقبته لظلها ، وبالتحديد في الفترة التي يتطابق ظلها مع الهرم (المصدر السابق) . وعلى أساس حكاية منقولة على لسان ملك مثير للجدل إسمه ماينس (تدور حوله الأساطير) (14) ، يقول ديوجانس لارتيوس ” بأن طاليس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

14 – ماينس أو الملك ماينس ، هو المؤسس لمستعمرة أورخوميوس (بويوتيا) اليونانية . والتي كانت مأهولة بالسكان منذ العصر الحجري الحديث وخلال المرحلة الهيلينستية . ولهذا يُعد ماينس الجد الأعلى الأول للماينسيين .. ووفقاً للمصادر الكلاسيكية فهو إبن أورخومينوس وهبرميب . وأبوه الحقيقي هو بوزيدون / الإله الأولمبي الثاني عشر وفقاً للإسطورة اليونانية . وحسب رأي كل من الشاعر الملحمي أبولونيوس الروديسي (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد) والجغرافي الرحالة اليوناني بوسانياس (من القرن الثاني الميلادي) ماينس هو ” أول ملك بنى ثروة هائلة ، والتي ظلت أثارها باقية حتى عصر بوسانياس ” . أنظر : 

Connop Thirlwal. A History of Greece, Longmans: University of Virginia 1895, p. 92

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 عاش في الفترة التي كان الطاغية ثريسبيولس (15) يحكم ملطيا ” (المصدر السابق) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

15 – ثريسبيولس هو طاغية ملطيا في القرن السابع قبل الميلاد . وتحت حكمه شنت مليطيا الحرب ضد مملكة لديا ، ولم تتحقق في الحرب أية نتيجة حاسمة ، فقرر ملك لديا ألياتس الثاني (619 – 560 ق.م) بإقامة معاهدة سلام بين الطرفين . وعلى أساس المعاهدة الجديدة دخلت مليطيا ومملكة ليديا في تحالف . وثريسبيولس من طرفه كان حليفاً مع بيرياندر / الطاغية الثاني لكورنيثيا في القرن السابع قبل الميلاد . للتفاصيل أنظر :

John Fine, The Ancient Greeks: A critical history, Harvard University Press, 1983

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

  وكان طاليس حسب روايات ديوجانس لارتيوس ، عالماً فلكياً ، مشغولاً على الدوام بمراقبة حركة الكواكب والنجوم ، وفي الوقت نفسه غير مكترث بما يجري تحت قدميه ، ومرة وهو يُراقب الكواكب هوى في حفرة فسيطرة عليه مشاعر مخلوطة من الحزن والإرتباك ، وفي هذه اللحظة كانت إمرأة طاعنة السن تراقبه وشاهدة على ما حدث له ، فوجهت له نقداً ، وقالت : ” آوه ، هل أنت طاليس ؟ يا بُني إذا أنت لا تستطيع إدراك ما يحدث تحت قدميك ؟ فتصور ؛ هل أنت قادر على فهم مايجري في السماء ؟ (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 8) .

   ومن ثم عزز ديوجانس لارتيوس رأيه الذي يؤكد على إن طاليس كان عالماً في الفلك ، على نص إقتبسه من كتاب الفيلسوف الشكي الأبيروني تايمون فيلوس ، والمعنون سيلو ، وهي قصيدة فلسفية ساخرة نقدية للفلاسفة (16) والذي مدحه في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16 – تايمون فيلوس (320 – 230 ق.م) وهو الفيلسوف الشكي اليوناني ، وتلميذ الفيلسوف الشكي ومؤسس المدرسة الشكية بيرون (360 – 270 ق.م) والتي تُعرف مدرسته بعد موته بالمدرسة الأبيرونية . وهو فيلسوف شاعر مشهور بقصائده الساخرة النقدية ، والتي حملت عنوان سيلو ، ولد في فيلوس ، وتحول إلى ميغارى ، ومن ثم إنتقل إلى أليس وأخذ يحضر محاضرات الفيلسوف الشكي بيرون ، وتبنى عقائده الفلسفية. كتب الشعر والتراجيديا ، المسرحيات الساخرة .. واليوم لم يبقى منها إلا شذرات . ولعل من أشهرها مجموعته سيلو ، والتي هي تفسير نقدي ساخر لمشاهير الفلاسفة . وهذه المجموعة هي الأخرى ضاعت وطواها الدهر ، ولكن بقيت منها شذرات في نصوص العديد من المؤلفين القدماء . واليوم نعتمد على مصدرين مهمين من النصوص التي كتبت بعد الميلاد :

الأول – نصوص الفيلسوف الشكي ساكس إمبيرقوس (160 – 210م) وبالتحديد في كتابيه : ضد المهندسين وضد الأكاديميين .

الثاني – كتاب ديوجانس لارتيوس (وهو من كتاب القرن الثالث الميلادي) الشهير حياة وآراء مشاهير الفلاسفة / الكتاب التاسع والذي تناول فيه حياة تايمون فيلوس . للتفاصيل راجع :

J. Brunschwing, Introduction: the beginnings of Hellenistic epistemology, In Barns Algra & others(eds), The Cambridge of Hellenistic Philosophy, Cambridge University Press 1999, pp. 229 – 259    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 مضمار عمله كباحث وعالم للفلك ، فقال : ” مثال ذلك طاليس ، أحكم الحكماء السبعة

وأعظم علماء الفلك ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) . وكذلك إعتمد ديوجانس على رواية خطيب وكاتب جاء من القرن الثالث أو ربما الرابع قبل الميلاد ، وهو لوبون أركوس ، وهو كاتب مجموعات (17) . وذكر لوبون بأن هناك قصيدة نُقشت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17 – وكتاب لوبون أركوس المجموع أو المجموعات ، مع الأسف ضاع وطواه النسيان ، وهو كتاب خصصه للحديث عن شعراء الحكم القصيرة ، والتي كانت على شكل أمثال مختصرة حتى يُسهل حفظها ، ويطلق على هؤلاء الشعراء بالإنكليزية شعراء النومك أي شعراء الحكمة والأمثال المأثورة (ومثلاً سيعود إلى هذا الأسلوب الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه في نهايات القرن التاسع عشر) . ويُذكر إن واحداً من مكونات هذه المجموعة كتاب الأعمال والأيام للشاعر الملحمي اليوناني هزيود والذي كان معاصراً للشاعر اليوناني هوميروس . والمجموعة ضمت حكم كتبت من قبل الحكماء السبعة ، وبالطبع الفيلسوف طاليس يتقدم القائمة ، ومن الأمثال والحكم التي وردت ” إعرف نفسك ” … وشذرات للحكيم سولون وأخرون .. ويبدو إن فيثاغوراس وإكسانوفان قد بدأو عملهم شعراء حكم قصيرة . أنظر :

George William, Tales of Thebes and Lobon Argos, Oxford, London 1864, Introduction

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على تمثال طاليس ، تتألف من مئتين بيت من الشعر . جاء فيها :

مليطيا .. يا أبهى مدينة آيونية

بشرى لك بولادة طاليس .. أعظم عالم فلك

وحكيم حكماء الأخلاق ، وكل أنواع المعرفة (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) .

قائمة فريدة بأقوال طاليس

  يتفردُ كتاب ديوجانس لارتيوس حياة وآراء مشاهير الفلاسفة بقائمة فريدة من أقوال الفيلسوف طاليس مؤسس المدرسة المليطية ، وهي قائمة لم تتوافر لنا في مصادر أخرى ، ومن هنا تأتي أهميتها في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة وتاريخ المدرسة الملطية خاصة . ونحاول وضعها في الترجمة العربية الآتية :

الله هو أقدم الأشياء ، ولهذا فإن الله لم يولد من أي شئ .

العالم هو أجمل الأشياء ، وذلك لكونه من صنع الله .

المكان هو أوسع الأشياء ، ولهذا فهو يحتوي الأشياء كلها .

العقل هو أخف الأشياء وألطفها ، فهو يعمل من خلالها كلها .

الضرورة هي أقوى من كل الأشياء ، ولهذا فالعقل يحكمها .

الزمن هو أحكم الأشياء ، وهو يتمظهر في كل شئ .

  كما قال طاليس :

لا يوجد إختلاف بين الحياة والموت ، والسؤال ؛ لماذا إذن ؟ وقال له شخص ما : هل إنك قادم على الموت ؟ فقال : بسبب إن ذلك لا يصنع شيئاً مختلفاً .

وسأله شخص أخر ؛ هل الليل خُلق قبل النهار ؟ فرد عليه : بأن الليل خُلق في يوم واحد .

وسأله شخص أخر : هل الإنسان الذي يسبب ظلماً (أو يرتكب خطأً) ممكن أن يفلت من ملاحظة الألهة ؟ فقال له : لا ، لا حتى في حالة التفكير في عمل الظلم والخطأ .

وسأله الزاني : هل في الإمكان أداء اليمين على إنه لم يرتكب الزنا . فقال له : هذا زور (يمين كاذب) ، وهو أسوء من الزنا .

وعندما سأله شخص ما : ما هي المهمة الصعبة ؟ فقال : معرفة ذات (شخصية) الأخر؟ وما هي المهمة السهلة ؟ هو أن تقدم النصيحة للأخر .

وما هو الشئ الأكثر بهجة في الحياة ؟ فقال : أن تكون ناجحاً

وحين سأله أخر : ما هو الإلهي (والإلوهية) ؟ فقال : هو الذي ليست له بداية ، وليست له نهاية .

وعندما أُثير السؤال أمامه : ما هي أبشع الأشياء التي شاهدتها في حياتك ؟ فقال : عندما يتحول الرجل الطاعن السن إلى طاغية .

وحين سأله شخص آخر : كيف يتحمل الإنسان سوء حظه ؟ فقال : إذا رأى الإنسان أعدائه لازالوا أسوء حظ .

وواجهه جماعة بالسؤال الأتي : كيف يستطيع الناس أن يعيشوا حياة الفضيلة والعدالة ؟ فقال : هو أن نعمل بأنفسنا ما نلوم الناس عليه .

وعندما سأله شخص أخر : من هو الإنسان السعيد ؟ من له جسم مُعافى ، وظروفه ميسرة ، وعقله مدرب تدريباً جيداً .

وقال : على الناس أن يتذكروا أصدقائهم في حالة غيابهم ، كما يتذكرونهم وهم حاضرون . وأن لا يكون إهتمامهم بحلاوة وجوههم ، وإنما بجمال دراساتهم (المصدر السابق) .

   ومات طاليس وهو حاضر ، ُيشاهد مسابقة للجمناستيك ، وقد كان السبب وراء موته : ” الحرارة ، والعطش ، والضعف ، وكبر السن ” ونُقشت على قبره العبارة الآتية :

أيها الناظر إلى هذا القبر الصغير

تذكر

سمعة طاليس التي طالت السموات

ويقول ديوجانس لارتيوس بأنه كتب بنفسه قصيدة شعرية قصيرة عن طاليس ، وضمها للكتاب الأول من كتابه المعنون قصائد قصيرة في موضوعات متنوعة (18) . والتي جاء فيها :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

18 – ويُطلق على هذا الجنس من القصائد (أو العبارات النثرية القصيرة كذلك) بالإنكليزية إيبكرام ، وهي فعلاً عبارة موجزة ، فيها روح الدهشة ، وبعض الأحيان روح السخرية الناقدة . وعلى الأغلب كانت تُكتب أو تُنقش على قبور وتماثيل الرياضيين . وهي مشتقة من اليونانية والتي تعني ” تنقش أو تكتب ” وكانت وسيلة كتابية متداولة حوالي الألفية الثانية قبل الميلاد . ومن الأمثلة اليونانية : ” إمضي وإعلم الإسبارطيين .. ” ومنها : ” أيها العابر .. ” أو ” أيها الناظر .. ” . وقد عملت هذه الوسيلة دورها في تأبين الأبطال ، والرياضيين ورجالات الدولة .

  ولكن هذا الصنف من الأدب (الجنر) قد ساد في العصور الهيلينستية ، وتطور من خلال قيام عدد من الباحثين يومذاك ، في جمع الكثير من القصائد والقطع النثرية القديمة . ولعل من أهم المصادر اليونانية في القصائد القصيرة (إيبكرام) اليونانية ، المجموع اليوناني الذي جاء من القرن العاشر الميلادي ، والذي هو مؤسس على مجموع يوناني قديم .

Jay Peter (Ed.), The Greek Anthology and Other Ancient Greek Epigrams, Penguin 1981

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آه شمسنا العظيمة

لقد قبضت على أعقل حكماء عصرنا

طاليس وهو مستمتع بمشاهدة الألعاب

ولكن الحق معك ياشمسنا العظيمة

فقد رفعته إلى مقامك العالي

وليكون إلى قربك

والآن تكشف لنا سر هذا الطاعن في السن

وكيف طال عنان السموات (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 12) .

طاليس الفيلسوف ؟ أم طاليس الحكيم ؟

  أثار ديوجانس لارتيوس قضية بالغة الأهمية في تاريخ الثقافة اليونانية عامة ، وتاريخ الفلسفة اليونانية خاصة (وبالتحديد في المرحلة الأولى من الإنشاء الفلسفي اليوناني) . وهذه القضية السؤال تتضمن توسيع لقوائم الفلاسفة الأوائل وبالطبع تشمل طاليس معهم في الإجابة على طرف من هذا السؤال ، ولكن في الوقت ذاته إن الإجابة بالإيجاب على الطرف الثاني ، فإن حال طاليس ليس أكثر من حال الحكماء السبعة . وللتبسيط نُعيد كتابة هذه القضية التي أثارها ديوجانس لارتيوس في صيغة السؤال الأتي : هل الحكماء السبعة (ومنهم طاليس بالطبع) فلاسفة ؟ أم حكماء ؟ وفعلاً فقد جاء كلام ديوجانس عاماً عن الحكماء السبعة وبالطبع لم يكن خاصاً بالفيلسوف الأول طاليس . فقال : ” إن إهتمامنا هنا يتعلق بالحكماء السبعة ، وهنا سنتكلم عنهم سوية ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 14) .

 والحقيقة إن ديوجانس إعتمد على مجموعة من المصادر في مناقشة هذه القضية ومن ثم تقديم إجابة على السؤال المرفوع أعلاه . فمثلاً إنه إستند إلى دايمون القورينائي (19) الذي كتب حول الفلاسفة ، وعنتهم بشدة ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

19 – وهو كاتب قورينائي لا تتوافر حول حياته تواريخ مؤكدة ، وربما ينتمي إلى مدرسة الفيلسوف الليبي إرستبس الكبير أو إلى حفيده إرستبس الصغير مؤسس المدرسة القورينائية ، وهي من المدارس السقراطية الصغرى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وخصوصاً السبعة (منا : أي الحكماء السبعة) (المصدر السابق) .  أما المصدر الثاني من مصادر ديوجانس لارتيوس ، فقد كان الفيلسوف المليطي إنكسيمانس (وهو الفيلسوف الثالث من فلاسفة مدرسة مليطيا موضوع حديثنا الحالي وبالطبع طاليس مؤسسها) (20) . فقد قال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

20 – إنكسيمانس المليطي (585 – 528 ق.م) هو فيلسوف يوناني بيرسقراطي (قبل سقراط) كان نشطاً في النصف الأخير من القرن السادس الميلادي . وهو تلميذ الفيلسوف المليطي إنكسيمندر أو الصديق الأصغر له . وإنكسيمندر هو واحد من فلاسفة المدرسة الفكرية التي تعرف بالطبيعية الواحدية . والحقيقة إن إنكسيمانس قد تخلى عن مبدأ الأبيرون الذي إقترحه أستاذه إنكسيمندر وذلك للغموض الذي يلفه ، وعاد إلى المبدأ الواحد الذي قال به طاليس . إلا إن إنكسيمانس إقترح الهواء لأنه أكثر لطافة مبدأ لجميع الأشياء بدلاً من ماء طاليس .

  وإقترح إنكسيمانس إضافة إلى الهواء ، أزواج من الخصائص مثل الحرارة / الجفاف و البرودة / الرطوبة (ومن خلالهما يحدث التخلخل والتكثاف) وعلى هذا الأساس تمكن من تفسير التحولات في مضمار الظاهرة الطبيعية سواء على الأرض أو في عالم السماء والنجوم . والحقيقة إن إنكسيمانس إستخدم ملاحظاته الطبيعية وإستدلالاته ليقدم تفسيراً سببياً للظاهرة الطبيعية دون الإعتماد على قوى خفية فوقطبيعية . فمثلاً فسر الهزة الأرضية بأنها نقص في رطوبة ، فيحدث الإنكسار والتشقق .. للتفصيل أنظر :

W.K. C. Guthrie. “The Milesians: Anaximenes” A History of Greek Philosophy, Cambridge University Press 1962, pp. 115 – 116 , 124 – 126

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 إنكسيمانس : ” بأن جميعهم ينتمون إلى مضمار الشعر ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) . ولاحظنا إن في كلام إنكسيمانس دعوة تجريد لطاليس كواحد من الحكماء السبعة من لقب الفيلسوف ، ومن ثم إخراجه من دائرة الفلسفة ، وضمه إلى دائرة الشعر . وهذه إفادة خطيرة مبكرة تصدر على لسان فيلسوف مليطي ينتمي إلى مدرسة طاليس ، والتي لا تتوافق مع ما إعتادت كتب تاريخ الفلسفة اليونانية في الحديث عنه ، أي الحديث عن إنكسيمانس كتلميذ لإنكسيمندر الفيلسوف المليطي الثاني ، والذي كان بدوره تلميذاً للفيلسوف طاليس . والثلاثة في تاريخ الفلسفة اليونانية : طاليس ، إنكسيمندر وإنكسيمانس يشكلون الأعمدة الثلاثة للمدرسة المليطية (أو الفلسفة الطبيعية الواحدية) .

  ولكن الفيلسوف المشائي والمؤرخ دايكركس (21) جردهم من الحكمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

21 – دايكركس أو دسايرك المسيني (حوالي 350 – 285 ق.م) وهو فيلسوف يوناني ، وكارتوكرفي (عالم خرائط) وجغرافي ومؤرخ ، وعالم رياضيات وكاتب . ولد في مسينيا / سيسلي (صقلية بالعربية) ، وصرف معظم حياته في اليونان ، خصوصاً في شبه جزيرة بيلوبونيز .

وكان حوارياً للفيلسوف أرسطو ، وصديقاً للفيلسوف المشائي فيوفراستس (خليفة أرسطو على مدرسة اللوقيون أو المشائية) . وفعلاً فقد أهدى بعض مؤلفاته لكل من أرسطو وفيوفراستس . ومع الأسف إن جميع أعماله قد ضاعت ، ولم يبقى منها سوى شذرات محفوظة في مؤلفات كتاب جاءوا فيما بعد .

  كتب دايكركس في تاريخ وجغرافية اليونان وأسهم في علم الخرائط ، وكتب مؤلفات في الفلسفة والسياسة . ولعل من أهم مؤلفاته ؛ كتابه المعنون حياتي في اليونان ، والقبيلة (وهو تفسير للعلاقات الإنسانية ، وحديث عن إصول الموسيقى والثقافة اليونانيين) ، وكتاب عن الأرض ، وأعالي الجبال (ويبدو إنه جزء من كتاب الأرض) . وكتاب السقوط (وهو نقد لرجال الدين) . ومؤلفات أخرى : مثل الدستور الإسبرطي ، وحوار أولمبي ، وحوار خاص بالإحتفالات الأثينية (خاص بالإلهة أثينا) . وحوار حول ثلاث مدن (وهو دراسة مقارنة للحكومة) وثلاثة كتب فلسفية على شكل محاورات .. للتفاصيل أنظر :

David Mirhady, “Dicaearchus of Messena: The Sources, Texts and Translations, in W. Fortenbaught & W. Schutrumpf (editers), Dicaearchus of Messena: Text, Translation, and Discussion, Transaction Publishers 2001, pp. 53 – 77, pp. 105 – 108  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 والفلسفة على حد سواء فقال حسب رواية ديوجانس لارتيوس : ” إن لا واحداً منهم حكيماً أو فيلسوفاً . وإنما هم رجال حُذاق (منا : أصحاب خبرة عملية) . وكل ما في الأمر إنهم درسوا التشريع وقوانين الحكم والقيادة ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) .

  وإذا جرد بعض المؤلفين في روايات ديوجانس لارتيوس ، طاليس (ومعه عدد من الحكماء) من لقب الفيلسوف أو الفيلسوف والحكيم معاً . فإننا وجدنا في رواية ديوجانسية (نسبة إلى ديوجانس لارتيوس) إشارة إلى مصدر مهم من مصادره ، ومن مصادر الفلسفة اليونانية المبكرة . وهذا المصدر كتبه المؤرخ اليوناني هيبوبيتس (22) وبعنوان وصف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

22 – هيبوبيتس (إزدهر حوالي 200 ق.م) وهو مؤرخ يوناني للفلاسفة والمدارس الفلسفية . وقد تفرد ديوجانس لارتيوس بذكر كتبه وإعتمد عليها . فمثلاً وحسب رواية ديوجانس ، كتب هيبوتس كتاباً حول الفرق ، والفلاسفة المشاهير . ولعل أهميته في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وخصوصاً في بواكيرها الأولى ، إنه إهتم بتفكير الحكماء السبعة كنمط من التفكير الفلسفي (فهم فلاسفة أوائل) وبالطبع من ضمنهم فيلسوف اليونان الأول طاليس وفيثاغوراس . ومن ثم تابع الإهتمام بالفلاسفة ، وخصوصاً كريتس الطيبي ، ومينديموس القورينائي ، وزينون الإكتومي . وتأتي أهمية كتاباته ، في إنها رصدت البدايات الأولى لإنبثاق الفكر الفلسفي اليوناني هذا من طرف . وإنها من طرف ثان كُتبت في وقت مبكر من تاريخ الفلسفة اليونانية ، وبالتحديد كتبها في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد .

  كما إن كتاباته الفلسفية ضمت قائمة من طلاب زينون الأكتومي مؤسس الرواقية ، وقائمة أخرى بطلاب الفيلسوف الشكي البايروني تايمون فيلوس . وفي الوقت نفسه فإن ديوجانس لارتيوس يخبرنا بأن هيبوبيتس قد رفض في ضم المدرسة القورينائية واتباعها ، والمدرسة الإيلية وفلاسفتها ، والمدرسة الديالكتيكية (الميغارية) إلى كتابه الفرق .

للتفصيل أنظر :

ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ؛ الكتاب الأول ، والثاني ، والخامس ، والسادس ، والسابع ، والثامن والتاسع .  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الفلاسفة ، والذي عدد فيه عدد من الحكماء في صف الفلاسفة ، ومنهم : ”  أورفيوس  ، لينوس ، سولون ، بيرايندر ، أناكرسيس ، كليوبولس ، مايسن ، طاليس ، بايس ، بيتاكوس ، أبيكارموس ، وفيثاغوراس ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول ، الفقرة رقم 14) . وفعلاً فإننا نحسب إن المؤرخ اليوناني هيبوبيتس على حق في الحديث على الأقل عن بعض هؤلاء الحكماء فلاسفة (ولكننا لا نتفق معه في جميعهم ) . فمثلاً من بين هؤلاء الحكماء كانوا فلاسفة ، كل من طاليس ، وأبيكارموس (23) وفيثاغوراس وربما أناكرسيس (24) كذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

23 – الحقيقة لا تتوافر لدينا معلومات عن مكان ولادة كاتب الدراما (والأدق الكوميديا) والفيلسوف أبيكارموس . ولكن بالإعتماد على لقبه ، وهو الكوسي أو الكوني ، تبدو رواية ديوجانس لارتيوس مقبولة ، فقد ذهب ديوجانس إلى إن أبيكارموس ولد في إسطنبول (التركية) والتي كان عاصمة كوس ، والتي جاء منها لقب الفيلسوف . كما ويُعتقد إنه عاش فترة ناهزت التسعين عاماً ، والتي تمتد ما بين عام 540 وحتى عام 450 ق.م . ويذكر عنه إلى إنه من أوائل الكتاب الذين كتبوا أشكالاً من الكوميديا بالإسلوب الدوري أو السيسلي .

  والملاحظ إن إفلاطون قد ذكره في محاورتي جورجياس وثيتاتتوس . وفي المحاورة الأخيرة يطلق عليه سقراط لقب ” أمير الكوميديا ” كما يطلق على هوميروس لقب ” أمير التراجيديا ” . ويذكره أرسطو في كتاب الشعر ، حيث قال عنه : ” بأنه من الذين إبتدعوا الحبكة الكوميدية ” (5 / الفقرة رقم 1449 ب). ومن ثم جاء ذكره في نصوص الخطيب وعالم النحو أثنيوس (إزدهر في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلادي) . وبالطبع هو واحداً من مصادر ديوجانس لارتيوس وكتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (الكتاب الأول وذلك عندما تحدث عن الحكماء السبعة) . ومن ثم موسوعة سودا ، وهي الموسوعة البيزنطية الواسعة ، والتي جاءت من القرن العاشر الميلادي .

   ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، فإن والد أبيكارموس ، كان طبيباً مشهوراً إسمه هيلوثيلز ، وهو الذي قرر نقل العائلة معه إلى  ميغارى / سيسلي الإيطالية ، ويومها كان أبيكارموس طفلاً رضيعاً ، وقد تطلع والده إلى أن يقتفي ولده خطاه فيكون طبيباً . إلا إن أبيكارموس ما إن أصبح رجلاً تحول إلى الفيثاغورية ، وأصبح من حواري الفيلسوف فيثاغوراس . ولذلك حاول بعض الأكاديمين الغربيين من أمثال بيكارد كيمبريدج على تقديمه مستمعاً لفيثاغوراس ، ومن ثم فيلسوفاً فيثاغورياً .

  ويُعتقد بأن أبيكارموس قد كتب مابين خمس وثلاثين وإثنين وخمسين كوميديا ، والتي ضاعت ولم يبقى منها سوى شذرات . ولعل من أهمها حسب رأينا (والتي عناوينها تحدد أهميتها لنا) الكوميديات الآتية : ديونسيوس (وهذه المسرحية الكوميدية جداً مهمة في التفكير الديني اليوناني ، وفي جذور المسيحية ، فهو إبن الله ، وهو إله النبيذ والشهوة . وفي ولادته إحتفالية طقوس شرب النبيذ ، فديونسيوس هو مسيح القرن السادس عشر وحتى الثاني عشر قبل الميلاد . مثلما المسيح هو ديونسيوس القرن الميلادي الأول وما بعد) . ومسرحية هرقليطس (وهي سجل جداً مهم ومبكر في تاريخ الفلسفة اليونانية ، خصوصاً في المرحلة ما قبل سقراط ، وهي بالتحديد تتحدث عن فيلسوف النار والصيرورة هرقليطس . ومسرحية الفرس التي صور فيها الإحتلال الفارسي للأرض اليوناني ، ونُرجح فيهاً حديثاً مبكراً عن معابد النار المتنقلة والعقيدي الزرادشتي .. وربما هذا الحضور الزرادشتي ، هو الذي دفع بهرقليطس أن يقترح النار مبدأ أولاً للوجود …

 وحسب رواية ديوجانس لارتيوس (حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثالث ، الفقرتين رقم 9 و10) فإن إفلاطون إستحوذ دون وجه حق على أفكار الفيلسوف وكاتب الكوميديا أبيكارموس .. ولم يكتف لارتيوس بهذا الحد ، بل قدم في الكتاب الثالث ، الفقرة رقم 10 قائمة للطرق المتنوعة التي ” إستخدم فيها إفلاطون عبارات أبيكارموس ” . ولمزيد من التفاصيل ، أنظر :

Brnard Knox (Editor), Cambridge History of Classical Literature, V.1(Greek Literature), 1985, Chapter 12, p. 367 on Epicharmus and others  

24 – أناكرسيس هو فيلسوف سكوثي (والسكوثيون هم قبائل بدوية رحالة تنحدر من إصول إيرانية) . وهو إبن كنروز ، رئيس قبيلة السكوثي . وكان أناكرسيس شخصية مزدوجة من جهة التكوين الثقافي ، فأمه كانت يونانية ، ونصفه الأخر من السكوثيين ، وكان يتقن اليونانية والسكوثية . وجاء من مملكة بوسبران الواقعة على السواحل الشمالية للبحر الأسود إلى أثينا في طلب المعرفة ، وبالتحديد وصل أثينا حوالي عام 589 ق.م ، ويومها كان الحكيم سولون مشغولاً بصياغة تشريعات الإصلاحية ، وأصبح صديقاً له .

  وأناكرسيس هو أول شخصية أجنبية حصلت على المواطنة الإثينية بإمتيازاً وتشريف . وهو يُعد برأي العديد من الكتاب القدمى (وبالطبع من ضمنهم ديوجانس لارتيوس) بأنه واحد من الحكماء السبعة . كما وينظر له على إنه واحد من أباء الفلسفة الكلبية الروحيين الأوائل . ولكن مع الأسف لم يبقى شيئاَ من مؤلفاته .

  ووفقاً للمؤرخ اليوناني هيرودتس ، فإن انكاريس قرر العودة إلى بلده ، وهناك قتل بيد أخيه ، والسبب إنه تخلى عن التقاليد السكوثية ، وتعلق بنمط الحياة الدينية والثقافية اليونانية . وبالتحديد في محاولته تقديم الضحايا ، كعادة اليونانيين ، إلى الإلهة الأم كوبيلي ، والتي كانت تلف حولها نحلة دينية معروفة يومذاك . إلا إنها لم تلق القبول والترحيب بين السكوثيين . فربما كانت السبب وراء موته . والحقيقة إن هناك رواية متداولة بين المؤرخين وخصوصاً ديوجانس لارتيوس ، وهو إنه مات بسهم سدده أخيه خلال عملية الصيد . ونقلاً عن ديوجانس لارتيوس ، قال أثناء سقوطه : ” لقد حمتني شهرتي وسمعتي في اليونان . ولكن الحسد في بيتي وبين أهلي تصاعدت حرارته ، فكان السبب وراء دماري ” (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء .. الكتاب الأول ، الفقرة رقم 103).

  لقد ذكرنا أعلاه بأنه لم يحفظ لنا الدهر شيئاً من كتاباته . ولكن يُنقل عنه إلى أنه ألف كتاباً في القانون ، يُقارن فيه بين القوانين السكوثية (بالطبع في بلده سكوثي) والقوانين اليونانية . إضافة إلى ذلك فإنه ألف كتاباً أخراً في فن الحرب وهذا ما جاء في الكتابات المتأخرة . وكل ما هو معروف عنه ، هو طريقة حياته البسيطة المتواضعة ، ومحافظته الصارمة على العيش وفقاً للأعراف والتقاليد اليونانية . وكان يُنقل عنه المثل القائل : ” أُضبط لسانك ، وشهواتك وإنفعالاتك ” . وبالمناسبة إن شيشرون (106 – 43 ق.م) قد نسب له عشرة رسائل ، وواحدة من هذه الرسائل ، وهي الرسالة التاسعة قد جاءت من القرن الثالث ق.م ، وجاءت مع مجموعة رسائل للفلسفة الكلبية (والحقيقة إن له مكانة محترمة في تفكير فلاسفة المدرسة الكلبية) . في حين إن الرسالة العاشرة قد ذكرها وإقتبس منها ديوجانس لارتيوس ، وهي موجهة إلى ملك ليديا الثري كرويسوس (أنظر الهامش رقم 10 أعلاه) . أنظر :

1 – Diogenes Lartius, Op .Cit, Book 1, 101 – 105

2 – Abraham Malherbe (Editor). The Cynic Epistles: A Study Edition, Society of Biblical Literature 1977, pp. 6 – 7  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ومن الملفت على هذه الرواية الديوجانسية (وبالطبع على مصدرها / المؤرخ اليوناني هيبوبيتس) إنها أشارت إلى أسماء فلاسفة من أصول شرقية (سورية ) يوم كانت جزء من مملكة بابل . ونعني بالتحديد أورفيوس (25) . وقد حفظ لنا ديوجانس لارتيوس مقاطع من رسالتين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

25 – أورفيوس الإله أو أورفيوس النبي والمغني والشاعر الإسطوري ، لازال موضوع بحث أكاديمي غربي دائم . والأسئلة القديمة الجديدة لازالت تدور حول إسطورة أورفيوس أو إمكانية البحث عن أورفيوس التاريخي . ومثلما يجري في الدراسات المسيحية البحث عن شخصية المسيح التاريخي المؤسس للمسيحية ، فإنه يجري بخط بحث متوازي البحث عن شخصية أورفيوس التاريخي ، الذي يرتبط إسمه بالأورفية أو الأسرار الدينية الأورفية التي تركت أثرها على الحضارة والدين والثقافة اليونانية ، والتي عبرت بطريق مباشر أو خلال التعاليم الفيثاغورية .

  وتتعدد وجهات النظر الغربية حول أورفيوس ، فهناك من يعتقد إنه موسيقي إسطوري ، وشاعر ونبي في الدين والإسطورة اليونانيين . فمثلاً معظم القصص التي تدور حوله ، تركز على قدرته في سحر الأشياء الحية ، وغير الحية مثل الحجر بموسيقاه . وتتحدث هذه المصادر عن محاولته الرحلة إلى عالم الأموات وإعادة الحياة إلى زوجته يورديكا . في حين تصوره المصادر الإفلاطونية المحدثة ، على إنه نبي شرقي (سوري أو بابلي) نقل تعاليمه فيثاغوراس عندما زار سوريا وبابل (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري ” حياة فيثاغوراس ” / موقع الفيلسوف / 1 يوليو / 2012 . وكذلك أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الملك إمبيلكوس السوري ” حياة فيثاغوراس ” / موقع الفيلسوف / 21 يوليو / 2012) .

  وما دام حديثنا يتعلق بأورفيوس وعلاقته بالحكماء السبعة ، ومن ثم علاقته بالحضارة والثقافة اليونانية . فإن ذلك يحملنا على الحديث عنه مؤسس ونبي لما يُعرف بالأسرار الأورفية (أو النحلة الأوفية) . ومن هذا الطرف تنسب المصادر اليونانية القديمة مجموعة من التراتيل الدينية تُعرف بالتراتيل الأورفية ، والتي ظهر ما يوازيها (أو هي ذاتها معروضة بروح ونفس فيثاغوري) في الثقافة اليونانية المبكرة ، والتي تُعرف بالتراتيل الفيثاغورية (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلاسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد / موقع الفيلسوف / 3 مارس / 2011) . ومن ثم تحولت الأضرحة والعتبات الفيثاغورية (واليونانية) إلى معابد للوحي الأورفي .

  كما أشارت بعض المصادر اليونانية القديمة إلى إصول إورفيوس التراقية . وتراقيا أو الشعوب التراقية هي مجموعة قبائل هندو أوربية سكنت القسم الأكبر من المركز والجنوب الشرقي من أوربا ، وهم يتكلمون اللغة التراقية ، التي هي فرع من اللغة الهندو أوربية الأم . ولعل من إولى المصادر اليونانية القديمة التي ذكرت أورفيوس ، هو الشاعر اليوناني الغنائي القديم بندار (522 – 443 ق.م) . فقد أطلق على أورفيوس لقب ” أب الأغاني ” . وذهب إلى إنه إبن الملك التراقي أوركيس . وهناك إجماع أكاديمي غربي على إن أورفيوس هو المصدر الفلسفي لفكرة النفس المستقلة عن الجسم (والتي هي فكرة أجنبية غريبة على الثقافة اليونانية) والتي حملها فيثاغوراس ، وسجلت لها حضوراً في محاورات إفلاطون ، ومن ثم تركت أثرها على مجمل تاريخ الفلسفة الغربية ..   

ومن المصادر المهمة التي صدرت باللغة الإنكليزية عن أورفيوس وأثره على الثقافة اليونانية ، كتاب كوثري المعنون : أورفيوس والدين اليوناني . للإطلاع أنظر :

W. K. C. Gutherie. Orpheus and Greek Religion (With a new foreword by Larry J. Alderink), Princeton University Press 1993, Chapter I, pp. 1 -5 and Chapter III, pp 25 – 39

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

كتبهما طاليس وبعث واحدة منهما إلى فرسيد (26) ، والثانية سنتحدث  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

26 – فرسيد السيروس (580 – 520 ق.م) وهو مفكر يوناني ذاع صيته ما بين عامي 544 – 541 ق.م . وقيل إن والده هو بايس (وفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس في كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، حياة فرسيد الكتاب الأول ، الفقرة رقم 1 ، وقد خصص له الفقرات من 1 وحتى الفقرة رقم 8 مع رسالة من فرسيد إلى طاليس) ، وإنه من ساموس ، وبالتحديد من مدينة إفسوس . وجاء ذكره في كتاب الميتافيزيقا لأرسطو ككاتب أساطير . بينما قدمه بلوتارك ككاتب في اللاهوت . وفعلاً فيُنظر له على إنه مؤلف لرسالة لاهوتية تدور حول ولادة الألهة وخلق العالم . ويبدو إن لها إتصال بصورة ما بتصورات الشاعر الملحمي اليوناني هزيود (القرن الثامن – السابع قبل الميلاد) (الثيوجني أو أنساب الألهة / وخلق العالم) . وقد وجد كتاب فرسيد مكتوباً على ورق البردي المصري .

 كما يُعد هذا الكتاب من الأعمال النثرية الأولى في الأدب اليوناني ، وهو بتقدير العديد من الأكاديميين الغربيين ، هو شاهد فكري جاء من من مرحلة التحول من التفكير الإسطوري إلى الفكر الفلسفي قبل سقراط . وجوهر هذا العمل في حقيقة الأمر ، خلاصة كوسموجينية تفسر ظهور الموجودات ، وهي تنهض على ثلاثة مبادئ إلهية : زوس (رب الأرباب أو كبير الألهة) ، والنفوس في عالم ما تحت العالم ، والزمن .

  ولاحظ الباحثون بأنه قد حدثت إضافات وتوسيعات لكتابات فرسيد في الفترة الهيلينستية . ورغم هذا الحال فقد بقيت بعض الشذرات من هذا الكتاب خالدة حتى هذا اليوم . ويُقال بأن كتاباته هي النوع الأول من النثر الذي عالج فيها بعض القضايا الفلسفية . وقد جرى جدل بين الكتاب حول عنوان الكتاب ، ويظهر إن هناك أراء غالبة بين الباحثين ، ترجحُ عنوان : الرجعات الخمسة (أو الإنسحابات الخمسة) . للتفاصيل أنظر :

Herbert Granger, The Theologian Pherecydes of Syros and the Early Days of Natural Philology, Harvard Studies of Classical Philology, 2007,Vol. 103, pp. 135 – 163

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنها فيما بعد . وجاء في الرسالة الأولى والمعنونة من طاليس إلى فرسيد :

 ” لقد سمعت (طاليس يقول) إنك ميالُ ، ولم يسبقك واحد من الأيونيين ، إلى الحديث إلى اليونانيين عن الأمور الإلهية . وربما من الحكمة إن تحفظ هذا الحديث بينك وبين أصدقائك المقربين . ولعل الكتابة هي أفضل وسيلة ، وأحرص من نشرها بين الناس العامة لأنه ليس في ذلك منفعة . وإذا كان ذلك موافقاً لك ، فإني سأكون سعيداً جداً لأصبح واحد من طلابك وقارئ لكتاباتك . وإذا وجهت لي الدعوة ، فإني لا أُمانع من القدوم إليك في سيروس .

  وبالمناسبة إن سولون الإثيني وأنا سنقوم برحلة بحرية إلى كريت نستكشف فيها تاريخ هذا البلد . ومن ثم نبحر إلى مصر من أجل الحوار مع رجال الدين وعلماء الفلك هناك . ونحن الأن لسنا متأكدين من القيام برحلة بحرية إليك . ولكن بشرط أن تمنحه الإذن ، كما نشعر إنك لا ترغب في القدوم إلى أيونيا ، وذلك لأنه ليس من طبعك مقابلة الغرباء . ولكن لي أمل ، وهو أن تكرس جُل إهتمامتك على الكتابة . ومن طرفنا فنحن لم نكتب شيئاً ، وإن كل ما نقوم به هو زيارات اليونان وأسيا ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول ، الفقرة رقم 15)

  أما الرسالة الثانية فقد بعثها طاليس إلى سولون الحكيم (27) . والتي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

27 – سولون أو سولون الحكيم الأثيني (638 – 558 ق.م ) هو شاعر ورجل دولة ، مشهور في إصلاحات التشريعية لدولة – مدينة أثينا . وفعلاً فأن التاريخ اليوناني يذكر إسمه بإفتخار ، خصوصاً في جهوده التشريعية الهادفة إلى وقف التداعي والإنهيار لمكانة أثينا الأخلاقية والإقتصادية والسياسية . ولكن مع الأسف إن إصلاحاته قد إنهارت بعد فترة قصيرة من تشريعها . إلا إن التاريخ سجل إسمه بإمتياز كواضع أسس الديمقراطية الأثينية (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : الحكماء السبعة : المقدمة الفلسفية الناقصة في رواية ديوجانس لارتيوس / العدد الحالي من مجلة أوراق فلسفية جديدة) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جاءت معنونة من طاليس إلى سولون . نقول جاء فيها (كما يقول طاليس برواية ديوجانس لارتيوس) :

” إذا قررت مغادرة أثينا ، فإنه يبدو لي إنك تبحث عن موطن آمن ، ولذلك أقترح عليك مليطيا ، فهي من المستعمرات الأثينية الأكثر ملائمة لك (من أي مكان أخر) . وهنا أو هناك كل شئ مريح ولا يوجد ما يسبب الإنزعاج وتعكير البال . ولكن لكونك كاره للظلم ، وأنت عارف بأننا محكومون بحاكم طاغية (وإنك تكره الحكام الطغاة المغتصبين) . إلا إنك ستجد مليطيا على كل الأحوال ، مكاناً مُبهجاً للعيش ، خصوصاً في وسطنا وبين أصدقائك . وبالمناسبة بايس (منا : هو واحد من الحكماء السبعة) قد وجه إليك دعوة ، وإذا فضلت مدينة بريني (منا : مدينة أيونية قديمة) فإننا سنتحول هناك ونسكن بقُربك (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول ، الفقرة رقم 16) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

المدرسة الطبيعية الأولى : إنكسيمندر برواية ديوجانس لارتيوس

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  يُعد إنكسيمندر ثان فلاسفة اليونان ، وهو تلميذ فيلسوف اليونان الأول (؟) طاليس ، وكلاهما يُشكلان العمودين الأساسيين في تكوين المدرسة الملطية (الأيونية) والتي إعتاد الأكاديميون الغربيون في مضمار الفلسفة اليونانية ، يطلقون عليها إصطلاح المدرسة الطبيعية الأولى ، وذلك لكون فلاسفتها إقترحوا مبدأً طبيعياً واحدة لتفسير التبدل الطبيعي ، بل والأساس الطبيعي للكون برمته . وهنا نسعى إلى تقديم شخصية الفيلسوف الطبيعي إنكسيمندر برواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، وكذلك من خلال الحفر عن مصادر ديوجانس لارتيوس في كتابة روايته عن هذا الفيلسوف المليطي .

  جاء حديث ديوجانس لارتيوس عن الفيلسوف إنكسيمندر في الكتاب الثاني من موسوعته الشهيرة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . وبالمناسبة إن القارئ والباحث قد عرفا من خلال حديثنا عن الفيلسوف الأول طاليس ، إن ديوجانس تحدث عن طاليس في الكتاب الأول الذي خصصه في للكلام عن الحكماء السبعة (أو الثلاثة عشر وبراويات ديوجانسية السبعة عشر) . نقول إن ديوجانس تناول حياة الفيلسوف إنكسيمندر وآرائه الفلسفية في الكتاب الثاني ، وبالتحديد في فقرات خمسة قصيرة فقط . والذي نريد أن نقوله إن رواية ديوجانس عن الفيلسوف المليطي الثاني إنكسيمندر جاءت مقتضبة جدا جدا (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op.Cit, Book 2 (life of Anaximander), 1 – V

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

  وعلى أساس رواية ديوجانس لارتيوس فإن إنكسيمندر ، هو ” إبن بركسايدس ، وكان مواطناً ملطياً (أيونياً) ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني ، الفقرة رقم 1) . وفي مضمار فلسفته الطبيعية الواحدية المنبت أكد ” على مبدأ أولي لكل الأشياء ، وهو اللامحدود (أو الأبيرون) . ولم يقدم تعريفاً محدداً لمبدأ اللامحدود ، وهل هو الهواء أو الماء (منا : كما في حالة أستاذه طاليس أو تلميذه إنكسيمانس) أو أي شئ أخر “. ويبدو لنا إن إنكسيمندر هو أول فيلسوف عرض تفسيراً نظرياً مجرداً في حديثه عن علاقة الكل بالأجزاء . فقد قال ” الأجزاء قابلة للتغير والتحول من حالة إلى حالة . في حين إن الكل ثابت لا يتعرض للتغير والتحول . ولهذا فإن الأرض تحتل مكانا في الوسط ، وهي المركز وعلى شكل كروي . وإن مصدر ضوء القمر هو الشمس ، وحجم الشمس لا يقل عن حجم الأرض (وليس أقل من ذلك) وإنها (أي الشمس) هي نار دائمية ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 2) .

  ويُنظر إلى إنكسيمندر على إنه ” أول من إكتشف المزولة (الساعات الشمسية الرملية) . وفعلاً فقد أقام العديد منها في مدينة لكديمون اليونانية ” . ونلحظ هنا إن ديوجانس لارتيوس قد أشار إلى رواية ففرنيس في كتابه التاريخ العام (1) والتي تذهب مفصلة  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 1 – وهو المصدر الذي سيعتمد عليه ديوجانس لارتيوس كثيراً في الحديث عن الفلاسفة قبل سقراط ، وسقراط وحتى إفلاطون ..) ونحسب بنسبة ما إن ففرنيس هو الخطيب الكوريثيني الذي لا تتوافر معلومات أكيدة عن حياته ، وتتردد المصادر بين كونه فيلسوف من فلاسفة الأكاديمية وخطيب وكاتب ساخر .. أنظر للتفصيل مثلاً :

Wytse Keulen, Gellius the Satirist, Brill 2009, Chapter 4, pp. 97 – 112

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وظيفة هذه المزولة ، فتقول على لسان ديوجانس بأنها كانت تحدد أوقات الخسوف والكسوف ، والإنقلاب الصيفي والشتوي ، وأوقات تساوي ساعات الليل والنهار (منا : خصوصاً في الربيع والخريف) . كما عمل إنكسيمندر خرائط للأرض والبحر وللعالم . وكتب رسالة عرض فيها آرائه ، وقد إطلع عليها أبولدورس الأثيني (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 3) (منا : وهو الباحث والمؤرخ وعالم النحو اليوناني ، ولد عام 180 ق.م ومات بعد 120 ق.م ، وهو تلميذ الفيلسوف الرواقي العراقي ديوجانس البابلي .. ) .

  وكذلك إعتماداً على أبولدورس الأثيني ، وبالتحديد على كتابه الحوليات ، يُؤكد ديوجانس لارتيوس على إن إنكسيمندر ” كان في السنة الثانية من الأولمبياد الثامن والخمسين بعمر أربعة وستين عاماً ، وبُعيد ذلك توفي وغادر هذا العالم . وذاعت شهرته في الوقت الذي كانت سمعة بوليكراتس (2) ، طاغية ساموس نار على علم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 – هو إبن إيكس ، وكان طاغية ساموس للفترة الممتدة مابين 538 – 522 ق.م ، وقد إغتصب السلطة خلال الإحتفالات بالإلهة حيرا ، وبمشاركة أخويه كل من بنتاغنوس وسيلسن ، وحينما تمكن من السلطة قتل بنتاغنوس ونفى سيسلن ، وتحالف مع كل من أحمس الثاني فرعون مصر (570 – 526 ق.م) وطاغية ناكسوس المدعو لكديمس (طاغية ناكسوس في الربع الثالث من القرن السادس قبل الميلاد . وكان مشهوراً لكونه محارباً شرساً ، وطاغية متنوراً . وشيد معبداً فخماً للإلهة حيرا ، والذي إحتضن مقامها الكثير من هدايا إحمس فرعون مصر . ومن ثم فض تحالفه مع فرعون مصر وأقام تحالفاً مع الفارسي قمبيز الثاني . وبالطبع هذا التحالف هدد فرعون مصر . ومات بوليكراتس في نهاية حكم قمبيز مغدوراً به ، وتدور الروايات حول خطة لتصفيته من قبل الحاكم الفارسي قمبيز الذي كان يتطلع إلى ضم ساموس إلى سلطته بعد إن فشلت محاولاته في إحتلالها . للتفاصيل أنظر :

Herodotus. The Histories (An Introduction and Notes by John Marincola, Penguin Classics 2003, p. 224

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

 وقيل بأن إنكسيمندر ” عندما كان يغني ، فإن جميع الأطفال الحاضرون يضحكون على طريقة غنائه ” . وقد سمع من الحضور القول ” ينبغي علينا أن نغني بطريقة أفضل وذلك لمنفعة الأطفال ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4) . وبالمناسبة إن ديوجانس يذكر في نهاية كلامه عن إنكسيمندر الفيلسوف الطبيعي كلاماً عن سميه ، فقال : ” إن هناك إنكسيمندر آخر ، وهو مؤرخ ، وكذلك هو مليطي ، وكتب باللهجة الأيونية ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 5) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

المدرسة الطبيعية الأولى : إنكسيمانس برواية ديوجانس لارتيوس

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  يُنظر إلى إنكسيمانس على إنه العمود الثالث من أعمدة المدرسة الطبيعية الأولى (بالطبع الأيونية) وهو تلميذ الفيلسوف إنكسيمندر . ويبدو إنه لم يقتنع بمبدأ اللامحدود (الأبيرون) الذي إنتخبه أستاذه إنكسيمندر وفضل العودة إلى رأس المدرسة المليطية طاليس ، فإختار مبدأ واحد حاله حال طاليس وإنكسيمندر ، ولكنه فضل الهواء مبدأ أولياً يفسر على أساسه جوهر العالم وحالات التغير والتبدل في الكون . وهنا نفضل عرض ما قاله ديوجانس لارتيوس عن حياة إنكسيمانس وآرائه الفلسفية وإسهاماته في تاريخ العلم والفلسفة الطبيعيين .

  لقد خصص ديوجانس لارتيوس في كتابه الثاني من موسوعته الفلسفية حياة وآراء مشاهير الفلسفة ، باباً بعنوان حياة إنكسيمانس (عاش ما بين 585 – 528 ق.م) ، والتي تكونت من أربعة فقرات . ونحسب إن في رواية ديوجانس طرفين مهمين جداً ، الأول هو إشارته إلى إنه تلميذ بارمنيدس (1)إضافة إلى تلمذته على يد إنكسيمندر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – نحن نشك في تلمذة إنكسيمانس على يد الفيلسوف الإيلي بارمنيدس ، لسبب بسيط جداً ، وهو كيف يتتلمذ الفيلسوف الأكبر سناً ، ونقصد إنكسيمانس على يد بارمنيدس الذي ولد على حد رواية ديوجانس ذاته الذي أورد الخبر ، عام 500 ق.م ، أي إن إنكسيمانس مات ، ومن ثم بعد موته بثمان وعشرين سنة ولد بارمنيدس هذا أمر . الأمر الثاني إذا قبلنا الروايات الأخرى التي ترى بأن ولادة بارمنيدس كانت ما بين عامي 540 و 515 . وإذا أخذنا بالإحتمال المتطرف ، وهو إن بارمنيدس ولد عام 540 ق.م ، فكيف يكون بارمنيدس الفتى إبن الثانية عشر(عندما مات إنكسيمانس) أستاذاً لفيلسوف مشهور ، وهو إبن الخامسة والأربعين (نقصد إنكسيمانس) . إن العقل والمنطق لا يقبلان رواية ديوجانس على الإطلاق . ولكنها قد تكون مقبولة إذا كان ديوجانس يتحدث عن بارمنيدس أخر غير بارمنيدس الفيلسوف الإيلي ونحن نشك في ذلك أيضاً ، ولأسباب منها إن ديوجانس عارف جداًعما يتحدث وهو مؤرخ الفلاسفة والمدارس الفلسفية ، وفعلاً فإنه خصص في حديثه عن الفيلسوف الإيلي بارمنيدس ، الكتاب التاسع من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، والمعنون حياة بارمنيدس (الفقرات من 1 – 5) . ورب هناك من يفكر في إحتمال وقوع خطأ في رواية ديوجانس لارتيوس ، وذلك من حيث إن الأخير قصد إن يكون إنكسيمانس أستاذاً لبارمنيدس وليس العكس ، وإذا قبلنا هذا الإحتمال ، فإن العقل لا يقبل مثل هذه التلمذة والأستادية وذلك لأن رواية ديوجانس تتحدث عن ولادة بارمنيدس حوالي 500 ق.م فكيف يكون إنكسيمانس الذي مات قبل ولادة بارمنيدس بثمانية وعشرين سنة أستاذاً وحتى إذا أخذنا بالرواية المتطرفة فكيف يكون الفيلسوف أستاذاً لصبي صغير ؟ سؤال كبير تقف رواية ديوجانس ضعيفة أمامه . للتدقيق في حياة بارمنيدس ، أنظر :

1-  Martin Heidgger, Parmenides, Trans. By Andre Schuwer & Richard Rojcewicz, Indiana University Press 1992

وهي في الأصل مجموعة محاضرات جامعية ، ألقاها الفسيسوف (يومها كان البروفسورمارتن هيدجر) . وبالمناسبة حضرت طرفاً منها الفيلسوفة حانا أرنديت عندما كانت طالبته في جامعة ماربورك في بداية العشرينات من القرن الماضي .

2 – Patricia Curd. The Legacy of Parmenides: Eleatic Monism and Later Presocratic Thought, Princeton University Press 1998

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 والثاني إن ديوجانس خصص في الفقرتين الثالثة والرابعة نص رسالتين بعث بهما إنكسيمانس إلى الفيلسوف فيثاغوراس (عاش ما بين 570 – 495 ق.م) . وهذا طرف مهم في العلاقة بين الفيلسوف الطبيعي إنكسيمانس والفيلسوف فيثاغوراس.

  والحقيقة إن إنكسيمانس حسب رواية ديوجانس لارتيوس ، هو ” إبن يورسترتس ، وهو مليطي ، وتلميذ إنكسيمندر . وهناك من يعتقد بأنه كان في الوقت نفسه تلميذاً لبارمنيدس . وقال إنكسيمانس بأن الهواء هو مبدأ أولي لجميع الأشياء ، وهو لامحدود . وإن الكواكب لا تدور تحت الأرض ، وإنما تتحرك حول الأرض . وكتب أرائه في لهجة أيونية خالصة . وعاش في الأولمبياد الثالث والستين . ومات في الوقت الذي تم فيه إحتلال سارديس (منا : حوالي 528 ق.م وبالطبع من قبل الفارسي قمبيز) (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني (حياة إنكسيمانس) ، الفقرة رقم 1) .

  ولم يكتفي ديوجانس لارتيوس بالتعريف بشخصية الفيلسوف الطبيعي إنكسيمانس . وإنما قدم لنا بعض المعلومات عن إثنين من الشخصيات المرموقة في تاريخ الثقافة اليونانية ، واللتان كانتا تحملان الإسم إنكسيمانس كذلك . فقال : ” وهناك إثنان من الأشخاص ، يطلق عليهما الإسم أنكسيمانس ؛ الأول خطيب . والثاني مؤرخ . وهما من مواطني لامبسكوس (منا : مستعمرة أيونية) . والمؤرخ هو إبن أخت الخطيب ، والذي كتب (منا : أي المؤرخ) مؤلفاً بعنوان : أعمال الإسكندر ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 2) .

الرسالة الأولى التي بعثها إنكسيمانس إلى فيثاغوراس

   إذا صح نسبة هاتين الرسالتين اللتان نسبهما ديوجانس لارتيوس إلى إنكسيمانس . وإذا صح إن الفيلسوف فيثاغوراس قد إستلم هاتين الرسالتين . فإنهما يدللان على إن نوعاً من الحوار المدني العالي قد حدث بين رمزين فلسفيين ، ينتميان إلى مدينتين يونانيتين مهمتين ، وهما مدينة ملطيا ومدينة ساموس . كما ويدللان على إن الحوار مستمر بين الفلاسفة رغم الإختلاف في الإنتماء الفلسفي والمدارس الفلسفية المختلفة التي ينتميان إليها . فمن المعروف إن إنكسيمانس ينتمي إلى المدرسة الطبيعية الواحدية ، وإن فيثاغوراس هو مؤسس المدرسة الفيثاغورية الرياضية (أو الأدق الفيزياوية الرياضية) وهي من هذا الطرف مدرسة واحدية – تعددية وذلك من خلال إهتمامها بالمفاهيم الحسابية من ” وحدة وعدد ” (1) . كما ومارست الفيثاغورية تأثيراً واضحاً 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، دار الحرية – بغداد 1983 / الفصل الأول والمعنون الفلسفة الرياضية قبل أرسطو (إضافات الفيثاغورية في العلوم الرياضية) ، ص 18

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على المدرسة الإيلية سلباً وإيجاباً ، فكما هو معروف إن فلسفة بارمنيدس وتلميذه زينون الإيلي (490 – 430 ق.م) قد إنصبت على دحض الكثرة التي صرحت بها الفيثاغورية بقولها : ” إن مبادئ الأعداد هي مبادئ كل الأشياء …” وفي الوقت ذاته دافعت عن الوحدة ، وذلك من خلال إنكار الكثرة بطريقة منطقية (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق ، ص 19  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن النافع أن نشير إلى إن ديوجانس قد تداول في مقدمة الفقرة رقم 3 من حياة إنكسيمانس إصطلاح الفيلسوف وأطلقه على إنكسيمانس ، والذي بدوره بعث بهاتين الرسالتين إلى فيثاغوراس . مع ملاحظة إن ديوجانس قد ذكر فيثاغوراس بلا عنوان الفيلسوف وهذه المسألة مهمة جداً في هذه المرحلة من علاقة الفيلسوف بفيثاغوراس ، التي من المحتمل فيها إن تكون علاقة المعلم إنكسيمانس بالتلميذ فيثاغوراس أو مجرد معاصر له .

  ونحاول هنا أن نقدم ترجمة عربية لنص رسالة إنكسيمانس :

من إنكسيمانس إلى فيثاغوراس

 طاليس ، هو إبن يوكسمايس (منا ورد الإسم مختلف عند حديث ديوجانس عن حياة طاليس ، وجاء بالشكل الأتي : طاليس ، هو إبن أكسمايس (قارن : ديوجانس لارتيوس ، الكتاب الأول حياة طاليس ، الفقرة رقم 7)) ، والذي مات بعد عمر طويل ، ومع الأسف جاء نتيجة حادث مؤسف . ففي المساء وكما هي عادته ، ذهب خارج البيت برفقة خادمته لمراقبة الكواكب والنجوم (وتجاهل أو لم ينتبه لخطورة المكان) وفعلاً بينما هو يراقب الكواكب ويدقق في صفحة السماء ، سقط في هوة عميقة ، وهكذا كانت نهاية عالم الفلك طاليس .

  ولما كنا نحن طلابه ، فإننا دائماً نجدد ذكراه ونعتز بهذا الرجل ، وسيفعل ذلك أولادنا وجميع طلابنا . وسنستمر ننشر تعاليمه ، وندرس مبادئه في كل مناسبة . وإن بداية الحكمة ينبغي أن تنسب إلى طاليس (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 3) .

الرسالة الثانية التي بعثها إنكسيمانس إلى فيثاغوراس

  هذه الرسالة في جوهرها رسالة سياسية في مضمونها العام . ولهذا فهي مهمة من الناحيتين التاريخية والفلسفية ، فمن الناحية التاريخية تؤشر حجم الوجع الذي عانى منه الفيلسوف إنكسيمانس ومعه الشعب الأيوني برمته من طغاة الداخل ، ومن حالة الرعب الذي خلقها تهديد الأجنبي بإحتلال الأرض ومن ثم إغتصاب الحقوق وتعطيل الحريات . ومن الناحية السياسية فإنها تتحدث عن السلام والتضحيات من أجله . ومن ثم أختيار الحرب وسيلة للتطلع للحرية . يقول إنكسيمانس في رسالته الثانية برواية ديوجانس لارتيوس :

  صحيح إنك يا فيثاغوراس أكثر حكمة منا ، ولذلك قررت ترك بلدك ساموس ، والهجرة إلى كروتونا حيث تمتعت بالعيش الرغيد المفعم بالسلام . وأنت تعرف بأن أسلاف الملك إيكوس قد إرتكبوا الجرائم التي لم يسمع بها أحد من قبل . وإن الطغاة لم يتوقفوا على الإطلاق من إضطهاد المليطيين . كما إن ملك ميديا (منا : الفارسي) هو الأخر ولد لنا خوفاً ورعباً شديديين ، ولذلك إخترنا أن ندفع له الجزية إعترافاً بخضوعنا لسلطته . وهذا هو السبب بعينه الذي حمل الأيونيين إلى الدخول في حرب مع ميديا ، تتطلعاً للحرية . وكما تعرف إذا إستسلمنا لرغبة ميديا ، فإنه لا أمل لأي آمان لنا . ولهذا جاء السؤال الملحاح : كيف يستطيع إنكسيمانس أن يفكر ، ويتأمل في القبة السماوية ، وهو في حالة خوف دائم في إختيار واحد من إثنين : الموت أو العبودية ؟ . ولكن من حسن حظك يا فيثاغوراس ، فأنت محبوباً من قبل أهالي كروتونا ، ومن قبل عموم الإيطاليين ، ومن طلابك ومعارفك ، بل وحتى من قبل السيسليين (منا : الصقليين بالعربية) (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 4) .

تعقيب

  صحيحُ إن ديوجانس لارتيوس قد فشل مئة في المئة في الإفصاح عن المصادر التي زودته بالمادة المعرفية ، التي أعانته في الكتابة عن حياة وأراء الفيلسوف الطبيعي إنكسيمانس . إلا إن من الصحيح جداً إن ديوجانس في أطراف من هذا البحث ، قد أفصح بصراحة عالية جداً وصلت إلى مئة في المئة في الحديث عن مصادره عندما سعى إلى الكتابة عن فيلسوف اليونان الأول طاليس ، ومؤسس المدرسة الطبيعية الأولى ، وبالتحديد إستند إلى وثيقة مكتوبة عرضت شهادة إنكسيمانس ، وبالتحديد الرسالة الأولى التي بعثها إلى فيثاغوراس . وعلى هذا الأساس فإن الرسالة الأولى هي المصدر الإنكسيمانسي الوحيد بل واليتيم الذي زود فيثاغوراس بشذرات عديدة عن حياة طاليس ، وطريقة موته ، وإنغماسه حتى الموت في علم الفلك ، والبحث في أسرار الكواكب والنجوم .

  ومن ثم جاءت الوثيقة الثانية المكتوبة بيراع إنكسيمانس على حد رواية ديوجانس لتتفرد بشهادة تاريخية وسياسية لواقع المدن الأيونية ، وما يعانيه المليطيين من حالات الإضطهاد من قبل طغاة الداخل ، وخوف ورعب من طغاة الخارج ، وتهديد بالإحتلال أو دفع الجزية ، ومن ثم وضع مصير المليطيين أمام خيارين لا ثالث بينهما : أما الإستسلام والسقوط في معاقل العبودية أو الدخول في الحرب ومواجهة الموت أملاً في الفوز بالحرية . كما إن الرسالة الثانية حملت مقارنة بين المدن الأيونية وما يعانيه المليطيين ، ومدينة كروتونا الملاذ الفيثاغوري الأخير بعد إن ترك ساموس الأيونية ، وهاجر نحو السلام والعيش الرغيد بين أحضان الكروتونيين ، والإيطاليين والسيسليين .  إنها رسالة سياسية فيها بذور لمشروع الفيلسوف الإسطاغيري (أرسطو) في دراسة واقع المدن اليونانية في كتابه الشهير السياسة . صحيحً إن ما نقله لنا ديوجانس لارتيوس مجرد قطعتين من هذه الرسالتين اللتين بعثهما إلى فيثاغوراس . إلا إنهما نافعان بحدود التحليل والتأمل ، والمقارنة والتكهن .                  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 1203

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(8)

المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم : بحثُ في الإصطلاح

    نحسبُ إن الإصول الفلسفية لهذه المدرسة تصعد إلى أراء وعقائد مجموعة من الفلاسفة اليونان القدماء ، والذين يُعرفون بالكلبيين . وفي إسم المدرسة وفلسفتها روح ساخرة ومتمردة على كل بهارج الحياة ومظاهرها الزائلة . ومن هنا جاء إسمها باليونانية والمترجم إلى الإنكليزية بلفظة سينك أي السخرية ، وللدلالة على سلوك الشخص وتفكيره جاءت لفظة سينكل أي الساخر أو المُثير للسخرية والضحك هذا طرف من إشتقاق إسم المدرسة والفلسفة والفيلسوف . أما الطرف الأخر لإسم المدرسة ، فيكمن في المحاولات القديمة للإجابة عن السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟ ولعل واحدة من هذه المحاولات ترى بإن السبب وراء التسمية ، هو إن الفيلسوف الكلبي الأول أنتيسثينيس (445 – 365 ق.م) ، كان يُعلم ويلقي محاضراته في الجمنزيوم المسمى كاينوساركس في مدينة أثينا . وإن كلمة كاينوساركس تعني مكان ” الكلب الأبيض ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 الكتاب السادس ، ص 23) .

  ونحسبُ على أساس الطرف الأخير ، إن كلمة الكلب ، هي كلمة فيها قذف وتجريح للفلاسفة الكلبيين الأوائل . كما وفيها تسفيل وإلحاق الضرر بهم ، وذلك بسبب عدم إلتزامهم بقواعد الحياء والحشمة ، وخروجهم على تقاليد وروتين الحياة اليونانية ،  وفضلوا العيش على أرصفة شوارع المدن اليونانية . وفعلاً فإن الفيلسوف الكلبي ديوجانس الساخر ، قد أدرك المعاني السلبية (التي تحمل الذم) في كلمة كلب وكلبية ، ولكنه سعى بكل قوة إلى تحريرها من مضمونها السلبي ، وتوجيها توجيهاً إيجابياً لصالح هذه النزعة الفلسفية الساخرة والمتهكمة من بهارج الحياة بكل ألوانها . ولعل في كلمات الفيلسوف ديوجانس الكلبي الصدق الكثير . فقد كانوا ينادونه ” ديوجانس الكلب ” . وفي رده عليهم ما يحمل التصحيح ، فقال : ” الكلاب الأخرى تعضُ أعدائها أما أنا فأعضُ أصدقائي لأنقذهم ” .  

   وقد حفظت لنا كتابات الفلاسفة الكلبيون المتأخرين ، نصوصاً تشهد على تحويل كلمة كلب و كلبية وكلبي ، من معانيها السلبية التي تحمل الذم والإنتقاص ، إلى معاني إيجابية تحمل معاني التسامي والعلو والتي تشتغل لصالحهم ، وتقوض دعاوي خصومهم . ولعل الشرح الكلبي المتأخر يوضح ذلك :

  هناك أربعة أسباب تدور حول السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟

أولاً بسبب روح التشابه وعدم وجود إختلافات في طريقتهم في العيش والحياة . ولذلك شكلوا نحلة (فرقة) متساوية (لا إختلاف فيها) ، وهم بهذا المعنى مثل الكلاب ؛ يأكلون في الأماكن العامة ، ويتزاوجون في الشوارع ، ويمشون حفاة ، وينامون في الحبوب (وهي جرار أو أحواض فخارية كبيرة مهجورة) في تقاطع الشوارع .

ثانياً بسبب إن الكلب حيوان لا يعرف الحياء والعار ، ولذلك كونو نحلة (طائفة) متحررة من العار والحياء . وهذا ليس بمعنى التواضع ، وإنما بمعنى السمو والعلو .

ثالثاً بسبب إن الكلب هو الحارس الآمين ، ولذلك كان الفلاسفة الكلبيون ، الحراس المخلصيين (الأوفياء) على عقائدهم الفلسفية .

رابعاً وبسبب إن الكلب حيوان متميز (متفوق) ، يمتلك القابلية على التمييز بين الأصدقاء والأعداء .

  وعلى هذا الأساس فإن الفلاسفة الكلبيين يعترفون بحق الأصدقاء المناسبين إلى الفلسفة ، ويقومون بإستقبالهم بكل رحابة وإبتهاج . وبالمقابل فإن الأخرين اللذين لا يتلائمون مع الفلسفة ، فإنهم يُطردون مثل الكلاب ، وذلك عن طريق النباح عليهم . (أنظر : دونالد دولي ؛ تاريخ الكلبية من ديوجانس وحتى القرن السادس الميلادي / نشرة أوراق كلاسيكية – برستول 1937 ، ص 5) .

تأملات تاريخية في إصول الحركة الكلبية

  لاحظ الباحثون الأكاديميون في إصول وتاريخ الفلسفة الكلبية ، بأن هناك أثاراً لعدد من الفلاسفة على بنية الفلسفة الكلبية ، وعلى نمط حياتهم الذي إختاروه . ومن هؤلاء الفلاسفة ، فيثاغوراس (570 – 495 ق.م) والإخوة الفيثاغورية التي نظمها كأسلوب حياة للجماعة الفيثاغورية رجالاً ونساءً . وهكذا دافع الفيثاغوريون عن حياة البساطة ، وإسلوب العيش المشترك للجماعة الفيثاغورية في إطار قواعد تضبط حياة المدرسة الفيثاغورية . وبذلك يمكن القول إن نمط الحياة الفيثاغوري ، قد تقدم على الكلبية بقرون عدة ، حيث تصعد المدرسة الفيثاغورية إلى القرن السادس قبل الميلاد . حقيقة إن الفيثاغوريين في بعض الجوانب من حياتهم كانوا كلبيين في القرن السادس قبل الميلاد . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الكلبيين ومدرستهم في القرن الرابع وما بعد كانوا فيثاغوريي القرن الرابع قبل الميلاد وما بعد (للتفصيل عن الفيثاغورية أنظر : محمد جلوب الفرحان 1 – تحليل أرسطو للعلم البرهاني (رسالة ماجستيرأُجيزت في صيف عام 1976) ، نشرة وزارة الإعلام العراقية ، بغداد 1983 ، الفصل الأول المعنون الفلسفة الرياضية قبل أرسطو (إضافات الفيثاغورية) ، ص ص 18 – 30 . 2- فلسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد / منشور على موقع الفيلسوف ، 3 أذار 2011 . 3 – دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع خريف 2011) .

  كما لاحظ الدارسون في إصول الكلبية ، وجود رموز يونانية وغير يونانية ، قد تقدموا على الكلبيين ، وكانوا رواداً لهم . منهم الفيلسوف السيكوثي أناكارسيس ، وبالمناسبة إن السيكوثيين هم شعوب أسيوية جاورت اليونان ، وتزاوجوا مع اليونان ، والشاهد على ذلك أناكارسيس (وهو يُنازع طاليس في إبوة الفلسفة أو على الأقل يشاركه في هذه الأبوة للفلسفة) الذي كان سيكوثي وأمه تراقية يونانية ، والذي جاء إلى أثينا في القرن السادس قبل الميلاد ، وبالتحديد في العام 589 ق.م ، والذي تربطه صداقة بالحكيم اليوناني صولون (638 – 558 ق.م وهو واحد من الحكماء السبعة ، وقد خصه ديوجانس لارتيوس في الكتاب الأول من موسوعته حياة وآراء .. بإثنتي وعشرين فقرة ، بدأت بالفقرة رقم 45 وإنتهت بالفقرة رقم 67) .  

   وأناكارسيس هو بتقدير المصادر اليونانية واحد من رواد الكلبية الأوائل . والحقيقة إن مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس قد تناوله ضمن حديثه عن الحكماء السبعة (واللذين رفع عددهم إلى حوالي الأثنا عشر..) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمه إلى الإنكليزية روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 ، الكتاب الأول ، الفقرة 101 . والواقع إن ديوجانس قد خص أناكارسيس بخمس فقرات ، بدأت بالفقرة رقم 101 ، وإنتهت بالفقرة 105) . وحسب هذه المصادر فإن أناكارسيس وحكيم أخرسيكوثي ، قد عاشا سوية ، حياة مشتركة بسيطة ، كانت موضوع نقد وإستهجان من زاوية الأعراف اليونانية . ومن هذا الطرف تحول نمط حياتهما إلى مثال إحتفل به الكلبيون (أنظر : أر مارتن ؛ اللهجة السيكوثية : أناكارسيس والكلبيون / منشور في كتاب ماريا أوديل وأخرون ؛ الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1996) .

   ولاحظنا إن هناك من الباحثين من تجاوز المحيط الثقافي اليوناني وجيرانه في البحث عن شواهد زهدية متقدمة على الكلبيين ، وذهبوا يفكرون ويربطون النزعة الزهدية للكلبية بمصادر من حضارات أبعد جغرافياً بحدود ما ، فمثلاً حاولوا ربطها بالفلاسفة الهنود العراة (جيمنسوفستس ، والتي تعني الفيلسوف الهندي العاري – الزاهد أو الراهب البوذي) . ويحسب هؤلاء الباحثون إن قصص الفلاسفة الهنود العراة قد وصلتهم ربما من خلال عساكر الإسكندر التي إحتلت أطراف من الهند يومذاك أو ربما أبعد من ذلك . ومن هذا الطرف تبنى الكلبيون طريقتهم الزهدية الصارمة ، وعدم إحترامهم القوانين وإنقيادهم إلى الأعراف والتقاليد (أنظر : ج . روم ؛ العقول الكلبية والمتوحشون النبلاء : الكلبية قبل الكلبيين / بحث منشور في المصدر السابق) .

  ومن ثم نظر الباحثون في مصدر مهم للفلسفة الكلبية ، وهي السفسطائية وفلاسفتها الجوالون ، واللذين بدأوا في القرن الخامس قبل الميلاد بإثارة أسئلة كبرى حول  تلامس مظاهر متنوعة من المجتمع اليوناني ، مثل الدين والقوانين والأخلاق . والسفسطائيون هم مجموعة فلاسفة جوالين ، رافقوا الحركة الديمقراطية في المجتمع الأرستقراطي اليوناني ، ومنهم بروتاغوراس ، وجورجياس ، وبردكيوس ، وهبياس وأخرون . ومن النافع أن أشير هنا وإعتماداً على كوثري إلى إن سقراط كان سفسطائياً وبتقديرنا إلى حد الثلاثين من عمره ..وهذا الكلام أدليت به إلى إذاعة النور اللبنانية ضمن حوار حول تاريخ الفلسفة وموضوعات خاصة بفلسفة التاريخ / خريف 1998 / الحلقة مسجلة بحدود الساعة (أنظر : كوثري ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1969 / المجلد الثالث ، ص 401) .

 ومسك الختام حديث عن الأثر الذي تركه سقراط على الحركة والفلسفة الكلبية ، ومن خلال تعاليمه وذكرى دروسه على تلميذه وحواريه أنتيسثينس مؤسس المدرسة الكلبية . صحيح إن سقراط لم يكن فيلسوفاً زاهداً ، ولكنه كان صاحب منهج عرف بمنهج التهكم والتوليد ، وهو منهج كشف فيه عن جهل السياسيين ، وعن التناقض في حجج السفسطائيين فلاسفة الحركة الديمقراطية ، فإتهموه بإفساد الشباب والقول بآلهة غير آلهة المدينة ، وواجه حكم الموت ، وكان الفيلسوف الكلبي أنتيسثينس حاضراً اللحظات الأخيرة من حياة أستاذه سقراط . ومن هذا الطرف السقراطي ، إمتلك أنتيسثينيس وعموم الكلبيين الشجاعة في التمرد السلبي على القوانين والأعراف . وبالمقابل تنبيه الناس على الأخطاء في سلوكهم وإعتقاداتهم وإسلوب حياتهم . صحيح إن هناك إختلافات بين مواقف الأستاذ سقراط حول الثروة ، ومواقف التلميذ أنتيسثينيس . فالأستاذ سقراط لم يكن زاهداً ، ولكنه كان مُحباً للفضيلة . فإن التلميذ على عكس أستاذه قاد في المجتمع الأثيني حركة وفلسفة تدعو الناس إلى العيش حياة الزهد والفقر  . ولكنه في الوقت ذاته عزز الخط الأخلاقي للأستاذ سقراط ، فكان التلميذ أنتيسثينيس يدعو المجتمع الأثيني إلى العيش وفقاً للفضيلة (أنظر : كريستوفر تايلر ؛ سقراط : مدخل موجز ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2001) .       

تأمل في مبادئ المدرسة الكلبية الفلسفية

   والكلبية هي واحدة من أهم الفلسفات الهيلينستية على الإطلاق ، وذلك لأنها قدمت للناس صور من السعادة الممكنة ، والخلاص من المعاناة في عصر غاب فيه اليقين . وفي الإمكان تلخيص مبادئها الأساسية بالصورة الآتية :

أولاً – إن هدف الحياة هو السعادة ، والتي تتحقق عن طريق العيش وفقاً للطبيعة .

ثانياً – تعتمد السعادة على الإكتفاء الذاتي ، والسيطرة على الميول العقلية .

ثالثاُ – إن إنجاز الإكتفاء الذاتي ، هو أن يعيش الإنسان حياة ” الأريت ” .( والأريت مفهم يوناني يعني أن يعيش بدرجات من الإمتياز . وبعض الأحيان تعني أن يعيش الإنسان حياة الفضيلة . وتعني كذلك بأن ” يعيش الإنسان بأحسن ما يستطيع أو الوصول إلى أعلى الممكنات الإنسانية (أنظر للتفصيل : ورنر ييجر ؛ مُثل الثقافة اليونانية ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورج ، نيويورك 1945 ، المجلد الأول ، ص 5)

رابعاً – إن الطريق إلى الأريت ، هو تحرير النفس من تأثير الثروة ، والشهرة والسلطة ، والتي لا قيمة لها في الطبيعة .

خامساً – تسبب المعاناة والعذابات ، الأحكام الكاذبة ، والتي هي سبب الإنفعالات السلبية والشخصية الشريرة .

  وعلى هذا الأساس فإن الكلبي لا يملك ملكاً ، ويرفض كل صور الثروة والأموال ، والشهرة والسلطة والسمعة (أنظر : أي لونك ؛ التقليد السقراطي : ديوجانس ، كريتيس والأخلاق الهيلينستية / منشور في كتاب (وشارك فيه مجموعة باحثين ) : الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1996 ، ص ص 28 – 29) .

  ويتطلب العيش وفقاً إلى الطبيعة ، تلبية الضروريات للوجود فقط . وإن الإنسان يصبح متحرراً عن طريق تحرير النفس من الحاجات التي نتيجة للتقاليد والعادات . ولهذا تبنى الكلبيون شخصية هيركلس بطلاً مثالياً لهم (وهو بطل إلهي وفقاً للإسطورة اليونانية ، وهو إبن رب الأرباب زوس (أنظر : كارل كيرني ؛ أبطال اليونان ، نشرة دار تايمز وهيدسن ، لندن 1959) . وفعلاً فإن الطريق الكلبي للحياة ، يتطلب التدريب المستمر ، وليس فقط التدريب على الأحكام والتعبيرات العقلية ، وإنما عن طريق التدريب الرياضي كذلك . ولذلك كان ديوجانس دائماً يقول :

  هناك نوعان من التدريب ؛ العقلي والجسمي ، والأخير تم خلقه في العقل بسرعة .. ولكن الواحد منهما بدون الأخر يكون ناقصاً .. ولما كانت الصحة والنشاط يعملان في خدمة ما هو خير ، فإنهما بالتأكيد يعتمدان على كل من العقل والجسم سوية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب السادس ، 70) .

  والحقيقة إن الفيلسوف الكلبي ليس بفيلسوف إنسحابي (وهذا يشمل المجتمع الكلبي عامة) ، بل هو دائماً مكشوف ، شاخص أمام أنظار الجمهور ، وعند الحديث عن الفيلسوف الكلبي فهو شخصية واحدة على طول خط الحياة ، لا يعرف التلون بضغط الظروف ، ولا يتصنع المواقف ليرضي السلطة والسلطان بمعناها العام . وهو شخصية صبورة يواجه الإعتداءات بإعتدال ، لأنه عارف بأن مظهره وسلوكه الذي لا يتناسب وتقاليد وأعراف المجتمع المحلي المنغلق الذي يعيش في وسطه . ولذلك فإن الفيلسوف الكلبي بدلاً من التأكيد على هويته المحلية ، تطلع نحو هوية المواطن العالمي . وفعلاً فإن الكلبيين هم الذين إخترعوا فكرة العالمية أو الكوسموبولتية . ولعل صدى ذلك تجده في السؤال ، الذي يُلقى على الكلبيين دائماً من قبل الجمهور المحلي : من أين أتيتم ؟ فإن ديوجانس يجيب ” أنا مواطن العالم “ (المصدر السابق ، 63) .

  وإن الكلبي هو مثال للواعظ اليومي للناس ، وهو الحارس الأمين (وكلب الحراسة الأمين) على مقدرات الإنسانية ، وعمله الحقيقي هو تنبيه الناس على الخطأ في إسلوب حياتهم . ولعل المثال من حياة الكلبي (وبالمناسبة إن تداول كلمة العظ هي للسخرية فقط) يكشف حقيقة عمله ، فهو دائماً يحفر عميقاً من أجل الإمساك بالقيم المتخفية في جذور التقاليد والأعراف . ومن هذا الطرف يمكن الحديث عن الفلسفة الكلبية بأنها فلسفة تركز على الأخلاق فقط . والشاهد على ذلك الأثر الذي تركته في العالم الهيلينستي عامة ، وعلى الفلسفة الرواقية خاصة . ومن الشهادات الرواقية على أثر الفلسفة الكلبية عليها ، إسمع إلى ما يقوله الفيلسوف الرواقي ” أبولودورس ” (إزدهر في عام 150 ق.م) ، فقد أفاد بالحرف الواحد : ” إن الفلسفة الكلبية هي أقصر الطرق إلى الفضيلة ” (أنظر : المصدر السابق / الكتاب السابع ، 121) .  وفعلاً فإن الكثير من هذه الآراء الكلبية قد إمتصتها وإستبطنتها المدرسة الرواقية (أنظر : مالكولم سوكفيلد ؛ فكرة الرواقية للمدينة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1991) .

فلاسفة المدرسة الكلبية الأوائل

  وإن الفيلسوف الأول  من فلاسفة المدرسة الفلسفية الكلبية ، هو الفيلسوف أنتيسثينيس ، وهو أثيني من جهة الوالد*وتراقي من طرف الأم ، بدأ حياته محارباً

ــــــــــــــــــــــــــ

* لقد خصص ديوجانس لارتيوس الحديث عن الفيلسوف الكلبي أنتسثينيس ، الكتاب السادس من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد تسعة عشر فقرة ، تبدأ بالفقرة رقم 1 وتنتهي بالفقرة رقم 19 . ورغم إن ديوجانس يعتمد بعض الأحيان على مصادر معادية للكلبية ، فهو من المصادرالفلسفية الأولى التي وصلت إلينا كاملة . والذي قام بترجمته إلى الإنكليزية روبرت درو هيكز ، وهو من نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية ، والصادر عام 1925 . وهناك ترجمة أخرى إلى الإنكليزية قام بها هربرت . أس . يونك / نشرة المكتبة الكلاسيكية 1972 . أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني / ربيع 2011 . وقد إعتمدناها في أبحاثنا في العدد العاشر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / ربيع 2013 .

ــــــــــــــــــــــــــ

 ، وفعلاً فقد قاتل في شبابه في معركة تناجرا (بين أثينا من طرف وتناجرا وطيبة من طرف أخر وذلك في عام 426 ق.م ، وكان عمره ثمانية عشر ربيعاً) ، ومن ثم أصبح حوارياً وتلميذاً للفيلسوف السفسطائي جورجياس (485 – 380 ق.م) والذي تعلم على يديه فن الخطابة (وهذه التلمذة على يد السفسطائي جورجياس ، تمنحنا فرصة مهمة لفهم الكثير من أنماط حياة الكلبيين ، وهم فعلاً فلاسفة جوالون ، حالهم بدرجات ما تشبه حال فلاسفة السفسطائية ..) . ومن ثم كما يبدو لنا إن التلميذ أنتيسثينيس ، إنقلب على أستاذه جورجياس ، وأصبح تلميذاً متحمساً للفيلسوف الشهيد سقراط (469 – 399 ق.م) وكان ذلك في نهايات القرن الخامس قبل الميلاد .

   إن هذا الإنقلاب الدرامي في حياة أنتيسثينيس وتفكيره ، خلق إنعاطفاً فكرياً وترجيحاً لفلسفة المعلم الجديد سقراط وعلى حساب فلسفة المعلم الأول جورجياس ، والذي يعدُ واحداً من خصوم سقراط . ونحسب إن ذكريات دروس المعلم جورجياس في الخطابة ظلت متخفية تحت جلد الخطاب الفلسفي الذي أنتجه أنتيسثينيس ، وإن مأساة معلمه سقراط ، التي تلوثت فيها يد بعض السفسطائيين ، سببت تروما (الصدمة النفسية) وجرحاً نازفاً ، عاشه أنتيسثنيس بقية عمره ،  وحمله معه إلى قبره . وفعلاً فإن المصادر التي تناولت حياته ، وخصوصاً ديوجانس لارتيوس ، تذكر بإنه كان حاضراً لحظة إعدام أستاذه سقراط ، وتشير إلى أن أنتيسثينيس لم ينسى على الإطلاق مسببي مأساته وقتلته ( أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 9) .

   تبنى أنتيسثينيس الجانب الأخلاقي من التعاليم الفلسفية للأستاذ الشهيد سقراط ، وطوره ليتناسب ونزعته الفلسفية الأخلاقية ، التي تدافع بقوة عن حياة الزهد ، وذلك خلال التأكيد على العيش وفقاً للفضيلة . وهو بمنظار العديد من كتاب المرحلة الهيلينستية ، وخصوصاً المتأخرين ، هو المؤسس الحقيقي للفلسفة الكلبية . وبدأ محاضراته في كاينوساركس ، وهو مجاور لمعبد هركليس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 13) .

    واليوم يقدم لنا كاينوساركس فهماً للأسباب التي حملت الكلبيين ، ومنهم أنتيسثينيس على وجه الخصوص ، على عدم التمسك بمواطنتهم وهويتهم الأثينية ، ففضلوا الهوية الكوسموبولتية والمواطنة العالمية (وهذه الفكرة الكلبية ستلقى لها ترحيباً وتبنياً قوياً عند الرواقية ، وربما من خلالها أو من خلال الكلبيين المتأخرين إستبطاناً ملفت للنظر عند المسيحية) (أنظر الكتاب الممتاز : دونالد دولي : تاريخ الكلبية من ديوجانس وحتى القرن السادس الميلادي ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، ص ص 209 وما بعد) . نقول وفقاً لقواعد الحياة الثقافية الأثينية يومذاك ، فإن كاينوساركس كان مكاناً تعليمياً للأشخاص الذين تكون أمهاتهم أجنبيات . وفعلاً كما ذكرنا أعلاه إن أم أنتيسثينيس كانت تُراقية أجنبية على الرغم من والده الأثيني القُح .

  وحسب رواية ديوجانس لارتيوس ، فإن كتابات أنتيسثينيس تشكل عشر مجلدات كاملة . ولكن مع الأسف لم يبقى منها سوى مقاطع متفرقة . وكان يفضل إسلوب المحاورة في الكتابة (ويبدو في هذا الأسلوب الأثر السقراطي ، والذي يُعزز الفهم لدينا في طرفين ؛ الأول إن أسلوب المحاورة السقراطية ، قد تبناه فيما بعد معظم تلاميذ سقراط ، من أمثال أنتيسثينيس ، أكسانوفان ومن ثم إفلاطون .. والثاني إن محاورات أكسانوفان السقراطية ، ومحاورات إفلاطون السقراطية ، هي في الأصل نسخً أكسانوفانية وإفلاطوني لمحاورات سقراط الشفهية في الأصل) .

  لقد هاجم أتيسثينيس في محاوراته بعض من معاصريه من أمثال الخطيب والجنرال الأثيني القبايدس (450 – 44 ق.م) ، ومعلمه الأول ، السفسطائي جورجياس ، وإفلاطون (424 – 347 ق.م) . وكان إسلوبه يتمتع بالأناقة والصفاء . وزعم الخطيب والمؤرخ اليوناني ثيوبومبس (ولد عام 380 ق.م) في رسالة بعنوان ” في الشفقة ” (والتي فيها هجوم على إفلاطون) ، بأن إفلاطون إستحوذ دون وجه حق ، على الكثير من أفكار أنتيسثينيس . وعلى أي حال ، فإن شيشرون كان له رأي أخر بحق الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، فبعد قراءة لبعض مؤلفات أنتيسثينيس ، وصفه ” بالرجل الأكثر ذكاءً من المثقف ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 4) .

  ومن ثم جاء الفيلسوف الكلبي ” ديوجانس السينوبي (نسبة إلى مدينة سينوب التركية اليوم) (ولد حوالي 412 – 323 ق.م) . وهو فيلسوف يوناني ، وواحد من مؤسسي الفلسفة الكلبية . ولد في سينوب ، وهي مستعمرة أيونية ، تقع على البحر الأسود (أنظر : لوي نيفيا ؛ ديوجانس سينوب : الرجل في الحوض الفخاري ، نشر دار كرين وود 1998) . وإتخذ ديوجانس من هركليس مثالاً له ، جسده في حياته وتصرفاته . وإعتقد إن الفضيلة تُفصح عن حالها في أفضل صورة في الفعل ، وليس في النظرية *.

ـــــــــــــــــــــــــــ

* ومن الملاحظ على مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، إنه قد خص الفيلسوف الكلبي ديوجانس بحجم كبير من الفقرات ، بحيث جاءت ثلاثة أضعاف الفقرات التي كتبها عن الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، وفعلاً فقد شغلت من الكتاب السادس من موسوعته حياة وأراء … ، الفقرات التي تبدأ بالفقرة 20 وتنتهي بالفقرة الحادية والثمانيين .

ــــــــــــــــــــــــــ

  كما وإستخدم الأسلوب الكلبي في الحياة والتصرف ، وذلك لنقد القيم والأعراف الإجتماعية ، والتي رأها صورة للمجتمع الفاسد . وأعلن عن نفسه مواطناً كوسموبولتياً أي عالمياً . وهناك روايات تذكر بأنه تابع خُطى الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، وأصبح مريداً مخلصاً له على الرغم من قسوة المعلم التي صبها عذاباً جسدياً على التلميذ ديوجانس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، التاب 6 : 18 ، 21) . ورواية اللقاء بين الإثنين ، هي موضوع شك . فليس هناك ما يؤكد على إن الرجلين إلتقيا في حياتهما (أنظر : أي لونك ؛ التقليد السقراطي : ديوجانس ، كريتس والأخلاق الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 45) .

  وتذكر المصادر التي أعتنت بديوجانس ، إلى إنه إصطنع فضيلة الجوع والفقر ، وبدأ بالتسول في الأسواق العامة ، وذلك من أجل العيش ، وينام في الأحواض الفخارية المهملة في الأسواق . وتحول إلى ظاهرة فلسفية مشهورة ، وبالتحديد في حمله مصباحه في ضُحى النهار ، زاعماً بأنه يبحث عن الرجل الآمين الصادق . ومعروف عنه ، إنه تهكم وسخر من الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م) الرمز السياسي الكبير يومذاك . كما ووبخ إفلاطون ، وهاجمه في تفسيره لسقراط ، وتخريب محاضراته . وهنا أدلي (رأي الدكتور محمد الفرحان) برأي يخالف الفيلسوف الألماني نيتشه ، والذي أشرت إليه في مقالنا المعنون : ثورة الفلسفة : مشروع نيتشه في كتابه ما بعد الخير والشر / موقع الفيلسوف / 14 نيسان (أبريل) 2011 . فيرى نيتشه : إن سقراط ” أفسد إفلاطون ، وأفسد الشباب ، ولذلك إستحق شرب كأس السم ” . وبالطبع هذه هي طريقة اليونان في الإعدام يومذاك .  فأقول مخالفاً نيتشه وبالإعتماد على نقد ديوجانس الكلبي (أو صاحب المصباح) بأن إفلاطون هو الذي أفسد سقراط وليس العكس كما أشار نيتشه .

  وبعد رحلة بحرية ، قبض على ديوجانس القراصنة ، وباعوه عبداً في أسواق النخاسة . فقررالإستقرار في كورنيثا . وهناك سلم مصباح الفلسفة الكلبية ، إلى وريثه الفيلسوف الكلبي كريتس ( والذي كان بدوره معلماً لزينون الأكتومي ، مؤسس الفلسفة الرواقية) . ولم يبقى لنا من مؤلفات ديوجانس العديدة شئ حي . ولكن جاءتنا التفاصيل عن حياته من خلال روايات نقلها لنا ديوجانس لارتيوس ، في كتابه الموسوعة الشهير حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : ديوجانس لارتيوس وموسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) . والحقيقة إنه رغم ضياع مؤلفات ديوجانس الكلبي ، فإن مؤرخ الفلسفة ديوجانس لرتيوس يذكر بأنه كتب عشرة كتب ، ومجلد من الرسائل ، وسبع مسرحيات تراجيدية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 80).

   واليوم كل ما لدينا روايات عن حياته ، وأقوال تنسب له ، وهي مبعثرة في مصادر كلاسيكية (أنظر : لوس نفيا ؛ المصدر السابق ، ص 226) . وبالطبع إختلط فيها الحقيقي الأصيل الذي كتبه يراع الفيلسوف الكلبي ديوجانس ، بالروائي المنحول الذي أضافته خيالات الكتاب وذلك لملأ الفراغات الناقصة عن حياة وآراء هذا الفيلسوف الظاهرة * .

ـــــــــــــــــــــــــ

* وبالمناسبة فإن العقل العربي الإسلامي ، قد تعرف في وقت مبكر معقول ، على الفلسفة الكلبية ، وخصوصاً على رمزها الظاهرة الثقافية ” ديوجانس ” . ولعل من الشواهد التاريخية على معرفة العقل العربي الإسلامي بآراء ديوجانس وتداولها ، المصادر الآتية :

1 – أبو الفرج بن هندو ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية / دراسة وتحقيق وشرح الدكتور محمد جلوب الفرحان ، نشرة الشركة العالمية للكتاب ، ط1 بيروت 2001 ، ص ص 233 – 240) .

2 – حنين بن إسحاق ؛ آداب الفلاسفة ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، ط1 ، الكويت 1985 ، ص 45 

3 – مسكويه ؛ جاويدان خرد ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، دار الأندلس ، بيروت بلا تاريخ ، ص 216

4 – المبشر بن فاتك ؛ مختار الحكم ومحاسن الكلم ، حققه عبد الرحمن بدوي ،  ط1 ، مدريد 1958 ، ص ص 72 – 74

ــــــــــــــــــــــــ

 فلاسفة كلبيون من القرن الرابع قبل الميلاد

 وقبل الحديث عن كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) ، وريث ديوجانس على المدرسة الكلبية ، نود المرور على قائمة من أسماء الفلاسفة الكلبيين في القرن الرابع قبل الميلاد ، والذين لازم بعض منهم ديوجانس ، وكانوا تلاميذاً له ، ويتقدم القائمة أونيسكرتيوس (360 – 290 ق.م) وكان تلميذاً وحوارياً لديوجانس رغم إن ولديه قد تقدموا عليه في الزمن في التلمذة على يد ديوجانس(أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 84) ، ومنهم الفيلسوف فيلسكوس الإيجيني (عاش في نهايات القرن الرابع قبل الميلاد) وكان تلميذاً لديوجانس مثل والده أونيسكرتيوس وأخيه الأصغر إندروسثينس واللذان سبقا والدهم وجاءوا إلى أثينا وتعلموا الفلسفة بحضور محاضرات المعلم ديوجانس (المصدر السابق ، الكتاب 6 : 75) .

  ومن الفلاسفة الكلبيين اللذين درسوا على يد ديوجانس ، الفيلسوف هيجسيس سينوب (إزدهر عام 325 ق.م) وهو تلميذاً لديوجانس ، وكذلك مونميوس السركوسي (بالعربية سرقاسطة) وهو من فلاسفة الكلبية في القرن الرابع قبل الميلاد ، وكان في الأصل عبداً ، ومن ثم أصبح تلميذا لديوجانس وأصبح زميلاً للفيلسوف كريتس الطيبي الذي كان في الوقت ذاته تلميذاً لديوجانس (المصدر السابق ، الكتاب 6 :82 . وفعلاً فقد خصص له مؤرخ الفلسفة ديوجانس فقرتين وهما 82 و 83) ، ومنهم الفيلسوف الكلبي ثراسليس (إزدهر عام 325 ق.م) . ومن ثم تصاعد نجم الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) وأصبح رئيساً للمدرسة الكلبية* .

ـــــــــــــــــــــــــ

* ولدينا قوائم بأسماء فلاسفة المدرسة الكلبية ، تُغطي القرن الرابع والثالث والأول قبل الميلاد . كما وتمتد قوائمنا ، فتغطي فلاسفة الكلبية في القرون الميلادية ، الأول والثاني والرابع والخامس .

ـــــــــــــــــــــــــ     

  ولد كريتس عام 365 ق.م في طيبة اليونانية (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 52) ، وهو إبن أسكوندرس ، ومن خلال والده ورث كريتس ثروة هائلة . وقد أورد ديوجانس لارتيوس عدداً من الروايات (خصص ديوجانس لارتيوس من موسوعته حياة وآراء .. للحديث عن كريتس ثمان فقرات من الكتاب السادس ، بدأت بالفقرة رقم 85 وإنتهت بالفقرة 93) ، التي تشرح التحولات التي حدثت في حياة كريتس . منها الرواية التي تشرح أسباب توزيع الفيلسوف لأمواله على مواطني طيبة . فترى إن الفيلسوف شاهد في إحدى المسرحيات التراجيدية ، إنقلاب حياة الملك تيليفوس الدراماتيكية ، فبعد إن كان صاحب المُلك والسلطة ، تحول إلى متسولاً في الشوارع . وفي رواية أخرى إن الفيلسوف كريتس أودع أمواله عند صاحب بنك ، وإشترط عليه في الإتفاق بينهما ، أن يسلم هذه الأموال لأولاده . ولكن إذا أصبحوا فلاسفة ، فطلب منه أن يوزعها على الفقراء (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب 6 : 87 – 88) .

  ومن ثم إنتقل كريتس إلى أثينا ، وأصبح تلميذاً لديوجانس . وهناك بعض المصادر لا ترى بإن هذه العلاقة بين التلميذ كريتس والمعلم الفيلسوف الكلبي ديوجانس يقينية . إلا إننا نحسب إن هناك إفادات يقينية وردت على لسان كريتس ، تؤكد على قيام مثل هذه العلاقة ، فقد قال بالحرف الواحد ” إنه كان زميلاً لديوجانس ، والذي تحدى كل محاولات الحسد والغيرة ” (المصدر السابق ، الكتاب 6 : 93) .

  وتذكرُ روايات أخرى بأن كريتس تتلمذ على يد إثنين من فلاسفة المدرسة الميغارية ، وهما كل من ستلابو (360 – 280 ق.م) وتلميذه البرايسن الأكيني (إزدهر سنة 330 ق.م) (المصدر السابق ، 6 : 85) ، وعاش كريتس حياة بسيطة مملوءة بالفرح والبهجة* . ومن النافع الإشارة إلى إن بلوتارك ، الذي

ـــــــــــــــــــــــ

* وهذه إشارات كافية تلوح على عبورالفلسفة الميغارية إلى ديار الفلسفة الكلبية ، وخصوصاً مع الفيلسوف الكلبي كريتس . ويبدو إن صدى دروس الأساتذة الميغاريين ؛ برايسن وستلابو ، وبالتحديد دروسهما في منطق القضايا الميغاري ، قد عبرت خلال كريتس إلى تلميذه زينون الأكتومي مؤسس الرواقية ، ومن خلال الرواقية أو الإفلاطونية المحدثة التي إستبطنت الكثير من الفكر الرواقي ، وبالتحديد الفكر المنطقي عبرت الى دائرة المباحث الفلسفية والمنطقية الإسلامية .

ــــــــــــــــــــــ

ولد في نهايات النصف الأول من القرن الأول الميلادي ، وبالتحديد في العام 46 ، وتوفي عام 120 ، قد كتب سيرة ذاتية تفصيلية عن الفيلسوف الكلبي كريتس . ولكن مع الأسف تعرضت للضياع ، وبقيت منها إشارات فقط ، يِؤكد فيها بلوتارك على علو كعب كريتس ، ويصفه بالتحديد بأنه إنسان من نوع خاص . فيقول :

   كان كريتس لايملك شيئاً ، سوى محفظته ، وردائه الرث ، ودائماً تراه يُضاحك الحياة بدعابة ساخرة ، وكأنه في مهرجان .

   وقيلً إنه كان يُعاني من عوق جسمي ، تمثل في تحدُب في أكتافه ، وعرج في واحدة من رجليه . وإعتاد الأثينيون على تلقيبه بفاتح الأبواب ، وذلك بسبب دخوله كل البيوت دون تردد ، وإن الناس كانوا يستقبلونه بترحيب وتشريف . فقد كان يدخل بيوت الأصدقاء حتى بدون توجيه دعوة له (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بلوتارك مؤرخاً للفلسفة اليونانية / سينشر على موقع الفيلسوف) .

  كتب الفيلسوف الكلبي كريتس العديد من الرسائل ، تناول فيها موضوعات فلسفية متنوعة ، كونت بمجموعها كما يحسب ديوجانس لارتيوس كتاباً . ويعتقد لارتيوس إن كريتس كان يُفضل إسلوب المحاورة . وعلى هذا الأساس قارن لارتيوس بين إسلوب كريتس وإسلوب إفلاطون . ولكن هذه الرسائل – الكتاب لم تبقى متداولة لفترة طويلة ، فقد ضاعت وطواها النسيان (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب السادس : 98) .

  وهناك ست وثلاثون رسالة فلسفية كلبية ، حفظها لنا القدر من الضياع ، واليوم تُنسب إلى الفيلسوف الكلبي كريتس ، ويرى الدارسون إنها كُتبت ولفقت في القرن الأول قبل الميلاد . وكريتس هو مؤلف لعدد من التراجيديات الفلسفية ، وعدد من القصائد الشعرية الصغيرة والتي يُطلق عليها بالألعاب . ويبدو من خلال ما تبقى منها من مقاطع لكتابات كريتس ، يتبينُ إنه كان يُعلم إسلوب الزهد البسيط . ولهذا كان صاحب نهج زهدي معتدل أكثر من سلفه ديوجانس .

  وفعلاً في مقطع ظل محفوظاً له ، تأكدت هذه النزعة الزهدية المعتدلة ، فقد جاء فيه ، إن رجلاً سأل الفيلسوف كريتس قائلاً : ” ماذا سيكون حالي إذا أصبحت فيلسوفاً ؟ فرد عليه الفيلسوف ” ستكون قادراً بالتأكيد ” . ومن ثم فصل أكثر ” ستكون قادراً على فتح محفظتك بسهولة ، وتصرف بسخاء ، وتوزع بكرم بدلاً مما عليه أنت الآن ؛ الخجل يلفك ، كثير التردد ، ودائماً ترتجف مثل أيادي المشلولين . وبدلاً من ذلك ، إذا كانت محفظتك مملوءة ، فبالتأكيد ستنظر بكل ذلك . ولكن إذا كانت محفظتك فارغة ، فإنك لا تكون متحيراً ممتحناً . وإذا حاولت مرة أن تستعمل النقود ، فإنك ستكون قادراً على التصرف بها بسهولة ويسر. ولكن إذا كنت لا تملك شيئاً ، فإنك لا تستحق شيئاً ، وإنك ستعيش بقناعة مع ما تملك ، ولا ترغب بما لا تملك ، ولا تبتئس بما سيأتي في طريقك ” (أنظر : أدورد أونيل ؛ حكايات : المعلم الكلبي ، نشرة دار الباحثين الأكاديميين ، مونتانا 1977 ، الفقرة رقم ) .   

   كما وجذب كريتس العديد من التلاميذ ، وبالمناسبة كانت الفيلسوفة الكلبية هبريشا الماروني (إزدهرت عام 325 ق.م) واحدة من طالباته (وقد خصها ديوجانس لارتيوس بالفقرات 96 و97 من كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس) ، وهي أخت تلميذ له يُدعى ميتروكلس . وقيل إن هبريشا هامت به عشقاً ، وأحبت طريقه في الحياة ، فكان الحاصل تمردها على إسلوب حياة عائلتها الثرية . ومن ثم تزوجت منه ، فكان زواجهما زواجاً إحتفالياً في مدينة أثينا ، وذلك بسبب إن هذا الزواج تأسس على علاقات المساواة والإحترام بين الزوجين . فتحولت قصتهما إلى حديث كل لسان أثيني . وفعلاً فقد تسائل الناس : كيف يجوز لأمرأة محترمة أن تتصرف بهذه الطريقة ؟ وكان لهما من هذا الزواج ولد وبنت (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع ، خريف 2011) .

  كما كان كريتس معلماً للفيلسوف الرواقي زينون الأكتومي (334 – 262 ق.م) ، وبالترجيح في السنوات الأخيرة من القرن الرابع الميلادي . وبلا شك فقد ترك أثراً ملحوظاً على تطور فلسفته الرواقية . وبالمقابل فإن التلميذ الفيلسوف زينون عندما يتحدث عن كريتس ، فإن كلامه مملوء بعبارات التقدير والإحترام العاليين . (أنظر : ديوجانس لارتيوس : الكتاب الأول : 15 ، الكتاب السادس : 105 ، والكتاب السابع : 2 …) . وفعلاً إن قارئ موسوعة ديوجانس لارتيوس حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، وخصوصاً عندما يتحدث عن كريتس وزينون الأكتومي ، يتأكد بأن كتابات زينون ، كانت واحدة من المصادر المهمة التي عرفتنا بالفيلسوف الكلبي كريتس (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 91 ، وقارن كذلك الكتاب السابع : 4) .

  أما طلاب كريتس الأخرون التي حفظت لنا أوراق التاريخ أسماءهم ، منهم ميتروكلس (إزدهر عام 325 ق.م) . وهو فيلسوف كلبي من مارونيا (وقد خصه مؤرخ الفلسفة ديوجانس لارتيوس بفقرتين من كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس ، وهما الفقرة رقم 94 والفقرة رقم 95) ، درس أولاً في مشائية أرسطو ، ومن ثم تحت يد الفيلسوف المشائي ثيوفروستس (خليفة أرسطو على المدرسة) ولكنه تحول إلى الكلبية* ، بعد إلتحاقه بالفيلسوف كريتس ومتابعة أبحاثه الفلسفية تحت إشرافه (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 94) .

ـــــــــــــــــــــــــ

 * وهنا نلفت الأنظار إلى إن أفكار الفلسفة الأرسطية ، والمدرسة المشائية ممثلة بأراء ثيوفروستس ، قد عبرت إلى الفلسفة الكلبية ومن خلالها إلى الرواقية ، وبالطبع من خلال ميتروكلس . ونحسبُ خلال كل هذه المصادر عبرت إلى دائرة الثقافة العربية الإسلامية ، خصوصاً إذا وضعنا في إعتبارنا المدراس الرواقية التي إنتشرت في العراق وفارس والهند وبلاد الشام في عهد السلوقيين خلفاء الإسكندر المقدوني ، ومنها المدارس الرواقية البابلية التي إنطلقت شعلتها في سلوقيا عاصمة السلوقين التي أسسوها على ضفاف دجلة الخالد (تقع اليوم بقاياها جنوب بغداد ، وكانت مقابلة لعاصمة الفرس ، طيسفون التي تقع على الجهة الأخرى من دجلة  خلال الإحتلال الفارسي للأراضي العراقية) والتي ولد فيها وتخرج من مدرستها الفلسفية الفيلسوف الرواقي الشهير ديوجانس البابلي ، ومن ثم شد الرحال إلى أثينا ، وأصبح رئيساً للمدرسة الرواقية في أثينا .

ــــــــــــــــــــــــــ

 ومنهم مونميوس السركوسي الذي كان تلميذاً لديوجانس الكلبي ، ومن ثم تعرف على كريتس وتابع دراسة الفلسفة بصحبته . وكتب كتابين ؛ الأول بعنوان في الدوافع . والثاني بعنوان التشجيعُ على الفلسفة (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 82 – 83) . ومنهم الفيلسوف الكلبي ثيومبروتس (إزدهر عام 300 ق.م) وكان تلميذاً وزميلاً للفيلسوف كريتس الطيبي . وكذلك منهم الفيلسوف كليمونس الكلبي (إزدهر عام 300 ق.م) ، وهو تلميذ للفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي (أنظر : ماريا أوديل : الكلبيون : الحركة الكلبية وتراثها (مصدر سابق) ، ص 392) .

فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد

  يتقدم القائمة الفيلسوف الكلبي (الساخر) بايون بوريسثينس (325 – 250 ق.م) ، ويُشار إليه كفيلسوف كلبي وسفسطائي (وأحسب هنا قد وقع خلط واضح بين الكلبية والسفسطائية ، وذلك لأن حال الفيلسوف الكلبي في السلوك حال السفسطائي ، فهو فيلسوف جوال يسكن الشوارع وينام في الأماكن العامة ..) . وتذكر المصادر حادثة مهمة غيرت إتجاه الفيلسوف بايون ، فقد وقع أسيراً ، وبيع عبداً في أسواق النخاسة ، وبعد تحريره ، رحل إلى أثينا متطلعاً إلى دراسة الفلسفة . وفعلاً بعد إن حط الركاب في عاصمة الفلسفة ، إنخرط في الدراسة في معظم المدارس الفلسفية هناك . ومن ثم تبنى إسلوب الحياة الكلبي ، وتدرب على إسلوبهم الساخر ، وفعلاً فقد سخر من حماقات البشر ، وهاجم الدين . وبالمقابل أعلى من مكانة الفلسفة .

  جاء بايون في الأصل من مستعمرة أولبيا اليونانية (هي اليوم جزء من أوكرانيا) والتي تقع في الساحل الشمالي للبحر الأسود ، وبالتحديد على مدخل نهر بوريسثنيس ، الذي جاء منه لقب الفيلسوف الكلبي بايون . صحيح إن المصادر تشير إلى إنه عاش في الفترة ما بين 325 و 250 قبل الميلاد . ولكن ليست هناك شواهد تاريخية دقيقة على تاريخ ولادته ووفاته بالتحديد اليقين .

  إلا إننا نتلمس عند المؤرخ اليوناني سترابو (63 ق .م – 24 م) شهادة تاريخية نافعة ، فقد ذكرته معاصراً للجغرافي وعالم الرياضيات القورينائي أرتوسثينس (الليبي) (276 – 194 ق.م) ، والذي ولد عام 276 ق.م (أنظر : دون رولر ؛ جغرافية أرتوسثينس : مقاطع مترجمة وشرح ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 2010) . بينما حفظ لنا ديوجانس لارتيوس على شهادة منقولة عن الفيلسوف الكلبي بايون ، يصف فيها سلالته التي ترتبط بالملك المقدوني إنتيغونس الثاني غونتس (319 – 239 ق.م) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 4 : 46 – 47) .

   ذكرنا أعلاه إن بايون بعيد وصوله إلى أثينا ، بدأ بدراسة الفلسفة . وفعلاً إستهل دراسته في الأكاديمية تحت إشراف أكسينوكرتس (396 – 314 ق.م) والذي كان رئيساً للأكاديمية الإفلاطونية من 339 وإلى 314 ق.م (المصدر السابق ، ص 15) وهو المدافع عن العودة إلى إفلاطون وفلسفته (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 48) ، ومن ثم إنتقل للدراسة تحت إشراف كريتس الأثيني (توفي ما بين 268 و 264 ق.م) وكان رئيساً للأكاديمية كذلك (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، ص 21) .

  ومن ثم أصبح فيلسوفاً كلبياً (المصدر السابق) ، وهناك إحتمال من إنه درس تحت إشراف الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، والذي كان رئيساً للمدرسة الكلبية يومذاك . وحسب ديوجانس لارتيوس فإن بايون أقام علاقة مع الفيلسوف القورينائي ثيودورس الملحد (340 – 250 ق.م) (المصدر السابق ، الكتاب 2 : 86) ، والذي حينها كان يعيش في اليونان والأسكندرية ، وقبل أن يتحول إلى مدينته قورنيا (أنظر : ألكرا وأخرون ؛ المصدر السابق ، ص 52) . ومن المحتمل إن إلحاد ثيودورس قد ترك أثراً على الفيلسوف الكلبي بايون (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 4 : 54) .

  وأخيراً أصبح تلميذاً للفيلسوف المشائي ثيوفروستوس (المصدر السابق ، 52) وبعدئذ رحل إلى اليونان ومقدونيا ، وأصبح من أعضاء الدائرة الثقافية لحاشية الملك المقدوني أنتيغونس الثاني غونتس (المصدر السابق ، 46 ، 54) . ومن ثم بدأ بتدريس الفلسفة في مدينة روديس (المصدر السابق ، 49 ، 53) . ونحسب قبل أن نغادر الحديث عن الفيلسوف الكلبي بايون ، إن نذكر حقيقتين :

أولاً – يرى الدارسون الأكاديميون اليوم ، إن بعض وجهات ديوجانس لارتيوس جاءت من مصادر معادية للفيلسوف بايون ، وخصوصاً في قضية إلحاده . ولكن الفقرات المتبقية من تراث بايون ، تكشف بأن الفيلسوف كان صاحب نظرة دينية شكية ، فيما يتعلق بالأديان السرية والوحي (أنظر : دونالد ديودلي ؛ تاريخ الكلبية ، ص ص 64 – 66) .

ثانياً – إن التنوع في مصادر دراسة الفيلسوف الكلبي بايون ، قد كونت ظاهرة فلسفية ، إنفتحت فيها المدارس الفلسفية بعضها على البعض الأخر . ومن خلال هذا الطريق تلاقحت الأفكار الفلسفية المتنوعة ، وعبرت من جيل من الفلاسفة إلى جيل أخر وكأنها المكون الفلسفي للمدرسة الكلبية مثلاً . مع الإشارة إلى إن هذا الحال يشمل مختلف المدارس الفلسفية . وهذا ما نراه في دراسات أخرى .

  ومن الفلاسفة الكلبيين في القرن الثالث قبل الميلاد ، كل من ديمترس الإسكندري (إزدهر عام 275 ق.م) وهو من تلاميذ الفيلسوف الكلبي ثيومبروتس و إيشكليس الأفسوسي (إزدهر في عام 275 ق.م) وهو من تلاميذ الفيلسوفيين ثيومبروتس وكليمونس . والفيلسوف الكلبي تيماركوس الإسكندري (إزدهر عام 275 ق.م) وهو تلميذ الفيلسوف الكلبي كليمونس . و ساكرس (إزدهر عام 275 ق.م) . ووفقاً لرأي مؤلفي كتاب الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، فإنهم كانوا من حواريي الفيلسوف الكلبي ميتروكلس ، تلميذ كريتس الطيبي ، وأخ زوجته هبريشا الماروني (أنظر : ماريا أوديل وأخرون ؛ المصدر السابق) .

  ومن الكلبيين في هذا القرن ، كان الشاعر سوتيدس الماروني (إزدهر في عام 275 ل.م) . وقد تشرب الفلسفة الكلبية ، وعكسها شعراً ، سخر فيه من الرموز الحاكمة وأخلاقها ، ودفع بسبب ذلك حياته . ولد سوتيدس في مارونيا ربما في تراقيا أو كريت . وهو شاعر ساخر ، كتب باللهجة الأيونية ، وعاش في الإسكندرية خلال حكم بطلميوس الثاني فيلادلفيس (309 – 296 ق.م) والذي إمتد حكمه لمصر ما بين 285 و246 ق.م (أنظر للتفاصيل عن فرعون مصر بطلميوس الثاني : بول ماكشاين وفيليب كولمان (مجموعة بحوث بإشرافهما) ؛ بطلميوس الثاني فيلادلفيس وعالمه ، بيرل 2008) .

  وفعلاً فإن الشاعر الكلبي سوتيدس ، قد هاجم بطلميوس ، وذلك بسبب زواجه من إبنته أريسانيو ( توفيت حوالي 260 ق . م) (أنظر : بلوتارك ؛ تربية الأطفال ، الفقرة رقم 11 أ / مترجمة في كتاب كراهام شبلي ؛ عالم اليونان بعد الإسكندر 0323 – 30 ق.م) ، نشرة روتليدج (سلسلة تاريخ روتليدج للعالم القديم) ، لندن 2000 ، ص 138) . ولهذا السبب تعرض الشاعر الكلبي إلى السجن ، ومن ثم هرب ولاذ إلى جزيرة كانوس ، وبعد فترة قصيرة قبض عليه الأدميرال باتروكلس ، والذي بدوره تلقى أوامر قتله ورماه في مياه البحر . ولكن ظل الشاعر خالداً ، في حين لف التاريخ قتلته برداء من العار .

  ومنهم الكاتب الكلبي الساخر مينبيس جدارا (الأردني) وقد خصص له ديوجانس لارتيوس صفحات من الكتاب السادس من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (والتي تضم الفقرات 99 ، 100 و101) . وعلى الرغم من ضياع جميع أعمال مينبيس جدرا ، فإنه ترك أثراً واضحاً على كل من الباحث الأكاديمي الروماني ماركوس ترتنتيوس فيرو (116 – 27 ق.م) ، والكاتب الخطيب الأشوري الساخر لوكين الساموستي (125 – 180 م) (واللقب نسبة إلى مدينة ساموستا الواقعة في أعالي الفرات الخالد) هذا طرف  . والطرف الثاني من فهم الأثر الذي تركه الكاتب الكلبي الساخر مينبيس الأردني على الأدب اليوناني والروماني ، واضح من خلال الجنس الأدبي الذي إرتبط بإسمه ، والذي يطلق عليه إصطلاح الأدب الساخر المينبيسي .

   ولد مينيبيس في مدينة جدارا (اليوم هي جزء من الأرن ويطلق عليها أُم قيس) ، وكان عبداً يعمل في خدمة مواطني بونتس ، وبعد إن حصل على حريته ، توجه إلى طيبة وعاش هناك بقية من حياته . وهناك قصة غريبة ينفرد بها ديوجانس لارتيوس ، كان الحاصل منها إنتحار الكاتب الكلبي مينيبيس . وبالمقابل نجد رواية لوكين الذي يتقدم على ديوجانس بحدود نصف قرن من الزمن على الأقل ، والذي وجدناه يُعلي من مكانة مينيبيس إلى مقام الفلاسفة الكلبيين الأوائل الرواد ، من أمثال أنتسيثينس ، ديوجانس وكريتس الطيبي .

  ومن أعمال الكاتب الكلبي (الساخر) مينيبيس ، والتي يُعددها مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، كتابات نقدية فيها هجوم على الأبيقورية والرواقية ، وكتاب الوصايا ، ورسائل كتبها عن الألهة ، والرد على الفلاسفة الطبيعيين (وهذا الكتاب يُذكرني بعناوين إسلامية مشابهة ، وقريبة مثل الرد على الدهريين .. والرد على رجال الرياضيات ورجال النحو) . وكتاب عن ولادة أبيقور ، والإحتفالات في المدرسة الأبيقورية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، التاب 6 ، الفقرة رقم 101) .

  ووفقاً للخطيب والنحوي أثانيوس ، والذي عاش في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين ، فإن هناك كتاباً بعنوان السمبوزيوم (الأجتماع) يُنسبه إلى الكاتب الكلبي مينبيس (أنظر : دونالد بودلي ، تاريخ الكلبية (مصدر سابق) ، ص 70) . ونحسب إن عنوان الكتاب سمبوزيوم ، يُذكرنا بواحدة من أهم محاورات إفلاطون والتي حملت العنوان ذاته (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور على موقع الفيلسوف ، 2 نوفمبر 2011 ، القسم الثاني والمعنون محاورات إفلاطون من زاوية تاريخية) ، ولا تتوافر لدينا نسخة من هذا الكتاب لنعرف حقيقة هذا الكتاب ، وهل هو مجرد عنوان ؟ أم إن هناك إستثمار لفكرة الكتاب الإفلاطوني ؟ أم هو معارضة كلبية للموضوع الإفلاطوني ؟ أم إنه لا هذا ولا ذاك ، وإن الكتاب في جوهره تأسيس مستقل أنتجه يراع الكاتب الكلبي مينبيس .

 ومن الفلاسفة الكلبيين في القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف ميندميس ، والذي لا نعرف شيئاً محدداً عن تاريخ ولادته ، ولا عن وفاته . ولكن كل مانعرفه إنه كان من فلاسفة الكلبية في القرن الثالث . إلا إن ما نعرفه قطعاً ، هو إن ديوجانس لارتيوس من مصادرنا الأولى عن ميندميس . وفعلاً فقد خصص في كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد الكتاب السادس ، الفقرات الأربعة ؛ 102 ، 103 ، 104 و 105 . ولكن كلام لارتيوس جاء عاماً عن الكلبية ، ماعدا مقدمة الفقرة 102 ، وبالتحديد السطرين الأولين ، اللذان أشار فيهما إلى إنه ” كان من تلاميذ كولتس لامبسكيوس ” وعن بعض الخوارق المتداولة عنه (لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب السادس ، الفقرة رقم 102) .

  والمعلم كولتس لامبسكيوس (320 – 268 ق.م) هو تلميذ للفيلسوف أبيقور ، وواحد من أشهر حوارييه ، والذي كتب رسالة بعنوان : هل إنه من المستحيل العيش وفقاً لمبادئ فلاسفة آخرون ؟ (أنظر : ألكرا وآخرون ؛ المصدر السابق ، ص 51) . صحيحُ إنه ليس هناك تأكيد مئة في المئة على إن ميندميس ، كان تلميذاً للأبيقوري كولتس . ولكن الصحيح كذلك إن هناك رأي مقابل نهض على نسختين من المخطوطات البردية ، اللتان تم إكتشافهما لاحقاً ، وفيهما لاحظ الأكاديميون على وقوع تنازع بين ميندميس وكولتس ، حول آراء الأبيقورية في الشعر .

  ومن فلاسفة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف والشاعر والمُشرع (رجل القانون) كركيدس مكلوبلس (290 – 220 ق.م) نسبة إلى مدينة مكلوبلس اليونانية (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة 76) . ومنهم تيليس الميغاري (إزدهر عام 235 ق.م) ، وهو معلم كلبي وكاتب خطابات . والمصدر الوحيد الذي حفظ لنا بعض المقاطع المنتزعة من مصادر تعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي ، هو ستوبس المقدوني . والمقاطع السبعة حملت العناوين الآتية : في الظاهر والوجود ، في الكفاية الذاتية ، حول المنفى ، مقارنة بين الفقر والثروة ، في اللذة التي ليست هي بهدف الحياة ، وفي الظروف ، وفي التحرر من الإنفعال (أنظر : أدورد أونيل ؛ تيليس : المعلم الكلبي ، نشرة دار الأكاديميين 1977 ، ص ص 12 – 15) . وفي أعماله يشير دائماً إلى سقراط وديوجانس . وضم مقاطع من أعمال الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، ستلابو وبايون بوريسثينس  (أنظر : دونالد ديدلي ؛ تاريح الكلبية (مصدر سابق) ، ص 86) .

   ومن فلاسفة الكلبية في القرن الأول قبل الميلاد ، الكاتب الساخر ميليكر جدرا (الأردني – الفلسطيني) . يصنفه مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، كاتباً كلبياً مع الكاتب الكلبي الساخر مينبيس (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس ، الفقرة رقم 99) . كتب مليكر شعراً ساخراً مثيراً ، ضاع الكثير الكثير منه ، ولم يبقى سوى 134 قطعة نثرية ساخرة ، والتي حفظها لنا المخطوط المعنون المجموع اليوناني ، وهو اليوم المصدر الوحيد لكتابات مليكر جدرا (أنظر : بيتر جي ؛ المجموع اليوناني وقطع يونانية قديمة أخرى ، الناشر ألين لين 1974 ، ص 142) .

  والشاعر والكاتب الساخر (الكلبي) ميليكر جدرا ، هو إبن أوكرينس ، والذي ولد في مدينة جدرا (اليوم تسمى أم قيس في الأردن) . وكانت يومذاك نصف هيلينستية ، تقع في شمال فلسطين . وذهب للدراسة في مدينة صور اللبنانية ، ومن ثم تحول إلى مدينة كوس ، التي صرف فيها بقية حياته ، ومات فيها في عمر متقدم . وإعتماداً على مخطوط المجموع اليوناني ، فإن الأكاديميين يرجحون إلى إنه إزدهر خلال (95 – 93 ق.م) ، وبالتحديد خلال حكم الملك سيلوقس السادس إيبهانس نكتر ، حاكم المملكة السلوقية (للإطلاع على تاريخ المملكة السلوقية أنظر : أميل كوهرت وسوزان وايت ؛ من سمرقند وإلى سرديس : مشروع جديد للإمبراطورية السلوقية ، لندن 1993) .

  إضافة إلى ربط ديوجانس لارتيوس للشاعر الساخر ميليكر بالكاتب الكلبي مينيبيس ، فإننا نلحظ إن رأيه وجد صدى قوياً لدى بعض الباحثين الأكاديميين ، فرددوا نسبته إلى المدرسة الفلسفية الكلبية ، وذهبوا إلى إن حال ميليكر حال مينيبيس ، كتب مقالات نثرية ساخرة ، بث فيها الفلسفة في إسلوب تصويري مرح . ومن سوء حظنا إن هذه المقالات هي الأخرى ضاعت وطواها النسيان .  ويبدو إن شهرة الكلبي ميليكر جدرا ترتبط بالمقاطع 134 التي حفطها مخطوط المجموع اليوناني (أنظر : وليم سميث ؛ معجم الأساطيروالسير اليونانية والرومانية ، نشرة لتل براون وشركاؤه ، بوسطن 1867 ، ص 385) .

 كما وتحتفل المصادر المهتمة بالمجاميع الشعرية والنثرية اليونانية في المرحلة الهيلينستية ، بالشاعر الكلبي والكاتب الساخر ميليكر جدرا ، وذلك لأنه كتب مجموعاً شعرياً ، عُرف بعنوان الكارلاند ، وهو مجموعة قصائد تركز على موضوع خاص محدد . إنتخب فيه قصائد لست وأربعين شاعراً من عصور يونانية مختلفة . و الكارلاند يعني مقارنة القصائد الشعرية القصيرة الجميلة ، بالزهور الملونة الجميلة . وفي المدخل الذي كتبه ميليكر للمجموع ، تحدث فيه عن أسماء زهور مختلفة ، وصنفه على الطريقة الألفبائية وإعتماداً على الحروف الأولى التي يبدأ بها البيت الشعري ولكل قطعة شعرية منتخبة . ولعل من المؤسف القول بأن مجموع الكارلاند قد تعرض للضياع . ولكن الحظ كان في جانبنا ، فقد شكل الأساس الذي تبناه مخطوط المجموع اليوناني (أنظر : فيليب سميث ؛ كارلاند ميليكر ، منشور في كتاب وليم سميث ؛ المصدر السابق) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسقية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

تاريخ المدرسة الكلبية بعد الميلاد

الدكتور محمد جلوب الفرحان

فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الأول والثاني الميلاديين

  ضمت قائمتنا للفلاسفة الكلبيين في القرن الأول الميلادي ، إثنان من الكلبيين ؛ الأول ديمتريس الكورنثي . والثاني إيسدور . أما ديمتريس (1 – 75م) فكان صديقاً حميماً للفيلسوف الرواقي سنيكا (4 -65م) والذي غالباً ما كان يكتب عن الفيلسوف الكلبي ديمتريس ، والذي يصفه بلقب الرجل الكامل ، وجاء كلام الفيلسوف الرواقي عن الفيلسوف الكلبي ديمتريس ، في كتابه المعنون الرسائل ، فأفاد :

   إحتل ديمتريس بطبيعته مكانة في عصرنا ، ولذلك أثبت بأننا لسنا بكائنات قادرة على إفساده ، ولا نحتاج إليه لأصلاحنا . إنه رجل متشرب بالحكمة ، رغم إنه لا يدعي إمتلاكها ، وإنه ثابت على المبادئ التي يعمل بهديها . ويمتلك فصاحة لسان عالية ، وهو متمكن بصورة ملفتة للنظر في معالجة الموضوعات العويصة .. ويتمتع بروح صافية لا حدود لها ، وتلهمه أفكار سديدة . وأنا (سنيكا يقول) ليس لدي أي شك ، من إن ديمتريس مسكون برعاية إلهية ، وطهارة الحياة ، والطاقة القوية على الكلام . ولذلك فإن عصرنا لا يحتاج إلى مثال ، ولا إلى زجر (سنيكا ؛ رسالة في الفائدة ، الناشر أبري ستيوارت (أون لاين) 3 ديسمبر 2009 ، الكتاب السابع ، الفقرة رقم 8) . هذه شهادة رواقية تدللُ على علو كعب الفيلسوف الكلبي ديمتريس .  

   عاش الفيلسوف الكلبي ديمتريس خلال حكم ثلاثة ملوك رومان ، وكانت فترة حكمهم فيها مد وجزر في حريات الإعتقاد مما كان لذلك من الأثر على التفكير الفلسفي عامة ، وعلى الفلسفة الكلبية خاصة ، والفيلسوف ديمتريس على وجه الخصوص ، ولعل من أصعب الفترات التي واجهها الفكر الفلسفي الكلبي ، فترة الإمبراطور الطاغية نيرون . إذن عاش ديمتريس خلال حكم الملوك الرومان ، كل من كاليكولا (12 – 41 م) والذي إستمر حكمه حوالي أربعة سنين ، إمتدت من 37 وإلى 41 م ، وكانت نهايته مأساوية ، إذ تم إغتياله بواكير عام 41 م (أنظر للتفاصيل : إنثوني بيريت ؛ كاليكولا : فساد السلطة ، لندن 1989) .

  ومن ثم إنتقلت البلاد والعباد ، ومنهم الفيلسوف الكلبي ديمتريس ، ليعيشوا في عصر فُقدت فيه الحريات ، وضربت البلاد الحروب ، وحُرقت العاصمة روما . كل ذلك حدث في حكم الإمبراطور الروماني الطاغية نيرون (37 – 68 م) ، والذي حكم للفترة الممتدة من 54 م وإلى 68 م . وكان الحاصل من حروبه المدمرة ، فشله وإندحاره التاريخي ، فقرر الإنتحار ، ولكن حال نيرون حال كل الطغاة ، فلم يمتلك الشجاعة على قتل نفسه ، فطلب من سكرتيره الخاص تنفيذ المحاولة ، فمات عام 68 م (أنظر للإطلاع على التفاصيل: ميرام كريفن ؛ نيرون : نهاية السلالة الحاكمة ، دار نشر الفردوس الجديد ، مطبعة جامعة ييل ، لندن 1985) .

  وإستمرت حياة الفيلسوف الكلبي ديمتريس تحت مظلة حكم ملك روماني ثالث ، وهو الإمبراطور فاسباسيان (9 – 79 م) والتي إمتدت مابين 69 م وإلى 79 م . وعرفت فترة حكمه الكثير من الأصلاحات ، فكان بالتأكيد لذلك من الأثر على نشاط الفلاسفة الكلبيين عامة ودمتريس خاصة ، فقد عاش سائر العباد ، فترة إنفتاح بعد مد من الطغيان خلال حكم الطاغية نيرون (أنظر : بربارا ليفكس ؛ الإمبراطور فاسباسيان ، نشرة دار لوتليدج 1999) .

   ولكن رجال السياسة والحكام ، تحكمهم نواميس لا يستطيع العباد والفلاسفة التكهن بمستقبلها القريب والبعيد . وهذا ما سنراه يحدث في حكم رجل الإصلاح فاسباسيان ، والذي تمثل بالتحديد في إرتكابه جريمة تاريخية سبقت فعل الإمبراطور الروماني جوستنيان السئ الصيت (527 – 565 م) ، وذلك عندما أقدم على غلق المدارس الفلسفية في عام 529 م ، وطرد الفلاسفة إلى منافي خارج الإمبراطورية . فعلاً ما يشابه هذا حدث في حكم الإمبراطور فاسباسيان . وهذا مانبيه من خلال العلاقة بين الفيلسوف والسلطان .

   علاقة الفيلسوف الكلبي بالسلطان :

     يبدو في تصورنا لواقع الحياة الهيلينستية عامة والسياسية خاصة ، إن الفيلسوف الكلبي كان يراقب السياسيين ورجال السلطة دائماً ، وتراه أحياناً يصرخ بوجه الطغاة أمام الملأ دون خوف وتردد . حدث هذا مع الفيلسوف الكلبي إيسدور والطاغية الروماني نيرون هذا طرف . كما إن الفلسفة الكلبية كانت ثقافة تمرد وإحتجاج ، ومنهج تحريض للخروج على سلطة الطاغي . هذا الحال جعل السلطان ورجال السياسة بشكل عام ، يُفكروا ملياً للتعايش مع الفلاسفة الكلبيين أو على الأقل تركهم وشأنهم . ولكن لا سلام دائم مع الطغاة . وهذا فعلاً ما حدث في عصر نيرون .

  ولكن تولد بصيص أمل لدى الفلاسفة الكلبيين بصعود الإمبراطور فاسباسيان ومشروعاته الواعدة بالإصلاح . ولكن فاسباسيان خيب أمال العباد والفلاسفة الكلبيين ، وهم فرسان النقد ورجال التصحيح . ويبدو إن التوتر بين معسكر الإمبراطور فاسباسيان ومعسكر الفلاسفة الكلبيين وعلى الخصوص ديمتريس ، أخذ بالتصاعد ، حتى وصل إلى درجة لا مصالحة فيها بين المعسكريين ، فأصدر السلطان فاسباسيان قراره التاريخي سئ الصيت . ونحاول هنا أن نعرض الشواهد التاريخية التي تكشف عن شجاعة الفيلسوف الكلبي ديمتريس ، وبالمقابل عدم أخلاقية السلطان في التعامل مع الفيلسوف الكلبي :

أولاً – إن الشائع عن الفيلسوف الكلبي ديمتريس ، هو إحتقاره للثروة والأثرياء . وهذا الأمر حمله على التقاطع والمجابهة الحادة مع الإمبراطور كاليكولا ، والذي تطلع الأخير إلى رشوة الفيلسوف (أي إفساده بلغة ديمتريس) وشراء صوته ليعمل لصالح الإمبراطور . حدث عن طريق عرض الإمبراطور مساعدم مالية كبيرة تُقدر بمائتين ألف سسترتيس (وهي عملة فضية رومانية) . فكان رد الفيلسوف ديمتريس قائلاً :

  إذا كان هذا يعني إغرائي ، فإن على الإمبراطور أن يُقدم لي مملكته كاملة ” (سينيكا ؛ رسالة في الفائدة (مصدر سابق) ، الفقرة رقم 11) .

ثانياً – تتكشف قوة وشجاعة الفيلسوف الكلبي ديمتريس ، حين وقف مع صديقه السنتور الروماني ثريسا بيتوس (وهو ذو ميول رواقية وعاش في القرن الأول الميلادي) في محنته مع الطاغية نيرون ، والتي بدأت بعزل السنتور ثريسا وإتهامه ومن ثم محاكمته وإعدامه . فقد بقي ثابتاً مع صديقه السنتور إلى النهاية دون خوف من الطاغية (حدثت محنة السنتور ووصلت إلى نهايتها الدرامية عام 66 م) (أنظر : ج . سيكر ؛ ميونتس رافس وثريسا بيتوس وكيتو الشاب ، أثينا 1979 ، ص 48 ومابعد)  .

ثالثاً – تردد إسم الفيلسوف الكلبي ديمتريس مرة أخرى في عصر الإمبراطور فاسباسيان ، وبالتحديد في العام 70م ، وذلك عندما دافع ديمتريس عن الفيلسوف الرواقي بوبليس أكناتيوس سيلر (عاش في القرن الأول الميلادي) ضد تهمة الخيانة التي رفعها ضده الفيلسوف الرواقي موسنيس رافس (إزدهر في القرن الأول الميلادي) (أنظر : كايس كورناليس تكتيس ؛ التواريخ ، ترجمة هاملتون فايف (أون لاين) 23 إكتوبر 2005 ، المجلد 4 : 40) . وإن تعاون الفيلسوف الرواقي موسنيس مع السلطان الطاغية ضد فيلسوف زميل ، لم يكن مشروع سلام دائم ، فقد إنقلب عليه فاسباسيان ، وكانت النتيجة نفي موسنيس مع جميع الفلاسفة من روما عام 71 م ، وأثناء إصدار القرار ، قال فسباسيان لديمتريس :

 ” إنك تفعل كل شئ ، لتحملني على قتلك . ولكنني لا أذبح كلب يعوي ” وإختار ديمتريس وهوستالينوس الجزر منفى لهم (أنظر : كاسيوس داو ؛ التاريخ الروماني ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية1925 ، الكتاب 65 ، الفقرة رقم 13) ، ولم يعود الفلاسفة من منافيهم إلى روما إلا بعيد موت فاسباسيان .

  وفعلاً كما قلنا عاش خلال القرن الأول الميلادي الفيلسوف الكلبي إيسدور ، وبالتحديد كان ناشطاً في العام 60 ميلادي ، وذلك عندما صرخ بوجه الطاغية نيرون ، ولم يخف من سلطته وبطشه ، وبذلك جسد مثالاً للمقاومة الكلبية ضد الظلم ، وتطلعاً للتصحيح والإصلاح . هذا فيما يخصُ فلاسفة الكلبية في القرن الأول الميلادي . أما حال الفلاسفة الكلبيين في القرن الثاني الميلادي ، فله قصة أخرى ذات طعم ومذاق خاص . وهذا مانسعى إل معالجته في الصفحات اللاحقة من هذا البحث .

  إستهل قائمة الفلاسفة الكلبيين في القرن الثاني الميلادي ، الفيلسوف الكلبي أكاثوبولس الإسكندري (والذي كان حياً في القرن الثاني الميلادي ، وبالتحديد في العام 125) ، وهو معلم لأثنين من الفلاسفة الكلبيين في القرن الثاني حسب رواية الكاتب الأشوري لوكين السامساتي* (125 – 180م) ، وهما كل من ديمونكس

ـــــــــــــــــــــــــــ

* لوكين شاعر ساخر وروائي (وهو أول روائي في اليونان وبالطبع في الغرب ، والذي يعد الرائد في قصص الخيال العلمي خصوصاً في روايته الرحلة إلى القمر …) ولذلك خلط لوكين الحقيقة بالخيال عندما تحدث عن الفلاسفة الكلبيين هذا طرف . والطرف الثاني إن لوكين أظهر كرهاً للفلسفة والفلاسفة الكلبيين . هذه الحقائق تحمل الباحث إلى التردد في أخذ أراء لوكين في الفلسفة الكلبية مأخذ الجد والموضوعية . ولكن رغم هذا الحال فإن كتاباته عن الفلاسفة الكلبيين ، هي من المصادر القليلة النادرة خصوصاً عن أكاثوبولس والكلبيين في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي . وقد ترجم أعمال لوكين البالغة 80 عملاً إلى الأنكليزية ، الأستاذ أي . أم . هارمون في ثمانية مجلدات ، ونشرتها مكتبة لوب الكلاسيكية سنة 1913 . وأعجبني المجلد السابع والذي إحتوى على : حوارات الموتى ، حوارات ألهة البحر ، وحوارات الألهة ، وحوارات العاهرات . ولعل من الدراسات المهمة التي أقترحها للقارئ : كيث سيدويل ؛ مدخل إلى لوكين ، نشرة دار بنكوين للكلاسيكيات 2005 .

ـــــــــــــــــــــــــــ

 و بيركرينوس بروتيوس (سيأتي الكلام عنهما لاحقاً) . وعلى أساس الأشارة التاريخية إلى إنه كان حياً في عام 125م ، وإعتماداً على المصدر الوحيد عن الفيلسوف الكلبي أكاثوبولس ، وهي كتابات الكاتب الأشوري لوكين الذي مات 180م . نستطيع القول بأن الفيلسوف أكاثوبولس يمثل الفلسفة الكلبية في القرن الثاني الميلادي ، وحمل راية الفلسفة الكلبية في نهايات القرن الثاني الميلادي ، ومن ثم سلمها بدوره ، ومن خلال تعاليمه ، إلى تلميذيه ديمونكس وبيركرينوس ، فيلسوفا الكلبية في القرن الثاني الميلادي كذلك .

  جاء بعد ذلك الفيلسوف الكلبي سكاندوس الصامت (القرن الثاني الميلادي) ، وهناك من يرى إنه كان فيثاغورياً جديداً . عاش في بواكير القرن الثاني الميلادي . وأدى اليمين على أن يظل صامتاً طوال حياته الباقية . ولهذه القضية ، قصة مؤلمة ، يشرح جوانبها ، المصدر الوحيد عن الفيلسوف سكاندوس ، وهو مصدر مجهول المؤلف ، وبعنوان : حياة الفيلسوف سكاندوس (أنظر : بن أدوين بيري ؛ سكاندوس الفيلسوف الصامت ، نشرة مطبعة كورنيل ، نيويورك 1964) . يقول الكتاب :

  إن أم سكاندوس قتلت نفسها شنقاً ، بسبب عبارات سكاندوس التي وجدتها ، وهي عبارات مخجلة ولا تحتمل . وفي رد فعل سكاندوس على موت والدته . فإن الفيلسوف أقسم على الصمت طول سني حياته الباقية ( المصدر السابق / المقطع الأول) .

  ويبدو من هذا الكتاب إن نوعاً من علاقة التحدي غير المتوازنة قد فرضت نفسها بين الفيلسوف الكلبي الصامت وبين الجبروت السياسي ؛ بين سكاندوس والإمبراطور الروماني الرابع عشر هادرين أوغسطس (76 – 138م) والذي حكم من سنة 117 وإلى 138 (للإطلاع على التفاصيل ، أنظر : إنثوني بيرلي ؛ هادرين : الإمبراطور النشيط ، نشرة دار أوتليدج ، لندن 1997) . ويبدو لي إن صمت الفيلسوف فوق هذا وذاك ، فيه إمكانيات تمرد مدني عال ضد سياسات الإمبراطورية ، وهيمنة رجال المال ونسيان أوضاع العباد ، وشيوع الفساد والرذائل ، وغياب الفضيلة والمجتمع الفاضل . إن كل ذلك يبينه كتاب حياة الفيلسوف سكاندوس .

   لقد كان صمت الفيلسوف سكاندوس للسلطة ، والسلطة من طرفها إستجابت بالتهديد ، وإجبار الفيلسوف على الكلام ، فكانت محنة للطرفين . ولنقف هنا ونعود إلى كتاب حياة الفيلسوف سكاندوس يشرح لنا قصة التحدي ، وماذا نتج عنها ؟* :

ـــــــــــــــــــــــ

*وبالمناسبة إن كتاب حياة الفيلسوف سكاندوس الذي كتبه مؤلف مجهول أمامي والذي قام بترجمته إلى الإنكليزية الأستاذ بن أدوين بيري (المصدر السابق) ، والموجود على صفحات الأنترنيت ، وسأقوم هنا بتوفير ترجمة عربية لنص من هذا الكتاب لأول مرة في دارنا الثقافية العربية ، وسنفصل الحديث عنه في مقالنا المعنون ” الفلسفة والسلطة : إنموذج من علاقة الفيلسوف بالسلطان ” قراءة في كتاب حياة الفيلسوف الكلبي سكاندوس .

ـــــــــــــــــــــــــ 

” بعد وصول الإمبراطور هادرين إلى أثينا ، جاءته أخبار الفيلسوف الصامت سكاندوس ، فدعاه بالمثول أمام حضرته .. وعند حضور سكاندوس ، رغب هادرين إختباره ، والتحقق من إن الفيلسوف جاد في إلتزامه بالصمت أم لا . فنهض الإمبراطور مرحباً به ، وسكاندوس إستمر هادئً ، محافظاً على صمته . فبادره هادرين بالسؤال :

  تكلم أيها الفيلسوف ، فإننا نرغب بالتعرف عليك . وإنه من المستحيل أن تمارس الحكمة وتحافظ عليها ، وأنت تلوذ إلى الصمت ، ولا تنطق بشئ ” .

  ورغم هذا السؤال من الإمبراطور ، ظل الفيلسوف الكلبي سكاندوس صامتاً ، فقال الإمبراطور :

سكاندوس ، قبل القدوم إليك ، فإن هناك فائدة لك إذا لازمت الصمت .  ومنذ إنك لا تملك مستمع متميز غير نفسك ، وحينذاك لا يوجد شخص ما يستحق أن يكون مساوياً لمنزلتك . ولكن الآن أنا أمامك ، وأنا أطلب منك أن توقف صمتك ، وأن تتكلم ، وأن تستدعي فصاحتك إلى أعلى درجة من النوعية ” .

  ولكن سكاندوس إستمر في صمته ثابث ، ولم يتردد لحظة ، ولم يُظهر أي علامة من الخوف من الإمبراطور . وفي هذه اللحظة نفذ صبر هاردين . وقال لواحد من أفراد حاشيته :

جنرال : دع الفيلسوف يتكلم إلينا . فجاء جواب الجنرال المبني على الحقائق ، بالعبارة الآتية :

إنه من الممكن إقناع الأسود وبهائم البرية على الكلام بلغة بشرية . ولكن من المحال إرغام الفيلسوف على الكلام ضد إرادته ” . فدعا الجنرال الجلاد ، وهو يوناني ، وقال له :

أنا لا أحب لرجل رفض الكلام مع الإمبراطور هادرين ، أن يبقى حياً : خذه بعيداً وعاقبه ” . ولكن الإمبراطور دعا الجلاد ، وتكلم معه بسرية ، وقال :

عندما تأخذ الفيلسوف بعيداً ، تكلم معه أثناء الطريق ، وحثه على الكلام ، فإذا أقنعته وتكلم ، إقطع رأسه . ولكن إذا ظل ملتزماً الصمت ، عود به إلى هنا دون ضرر ” .

  وبعد محاولات الجلاد الفاشلة في إقناع الفيلسوف سكاندوس على الكلام ومحاولات الإغراء ، والتخويف والترهيب ببدأ عملية إعدامه ، وسلم الفيلسوف رقبته تنفيذاً لطلب الجلاد وهو ممسك بسيفه لتنفيذ الإعدام . وحينها الفيلسوف كان هادئً ملتزماً بصمته . فأخذه الجلاد وعاد به إلى الإمبراطور ، وقال :

 ” سيدي القيصر : عدت ومعي سكاندوس مثلما أنت سلمتني أياه ، صامتاً حتى الموت ” . تعجب الأمبراطور من صلابة الفيلسوف الكلبي ، وشجاعته وسلامة غرضه ، ووقف قائلاً :

سكاندوس حافظ على الصمت الذي ألزمت نفسك به ، إنه نوع من القانون . وهذا هو قانونك ، وأنا غير قادر على كسر هذا القانون . ولكنني أطلب منك أن تأخذ هذه اللوحة ، وأن تكتب عليها ، وبهذه الطريقة ممكن أن نتحاور . أخذ سكاندوس اللوحة وكتب عليها :

هادرين من طرفي : أنا سوف لا أقف أمامك خائفاً من الموت . صحيح إنك تمتلك القوة والسلطة وتستطيع أن تحكم علي بالموت لأنك الحاكم اليوم . وهذا كل ما في الأمر . ولكن لا توجد لك قوة على كلامي ، وليست لك سلطة تجبرني على إختيار كلماتي في الكلام إليك  ” . قرأ الإمبراطور هادرين كلام الفيلسوف سكاندوس ، وقال :

إن وقفتك للدفاع عن نفسك جيدة . ولكن غرضي الآن ، أن تقترب مني ، وتقدم لي إجوبة على عدد من الأسئلة الفلسفية .. ” (أنظر : مؤلف مجهول ؛ حياة الفيلسوف سكاندوس (مصدر سابق) . هذا هو رمز من رموز الفلاسفة الكلبيين في القرن الثاني الميلادي . والخطاب السابق كشف عن ندية متوزانه بين الفلسفة والسلطة من طرف ، وبين الفيلسوف سكاندوس والسلطان ، الإمبراطور هادرين . (إن قصة الفيلسوف سكاندوس وصلت إلى نهايتها فيما يخص أغراض هذا البحث . ولكن القصة حقيقة لم تنتهي عند هذه الحدود ، وإنما سنعود إليها بمقال موسع بعنوان أعلنا عنه مسبقاً ، وهو ” الفلسفة والسلطة : إنموذج من علاقة الفيلسوف بالسلطان “) .

 بعد هذا نتناول بالدراسة الفيلسوف الكلبي ديمونكس القبرصي (إزدهر عام 150م) . وهو معلم الكاتب الساخر والروائي الأشوري لوكين . وبالمناسبة إن تلميذه لوكين وكتابه المعنون حياة ديمونكس (أنظر : لوكين ؛ الأعمال الكاملة ، ترجمة دبليو . فولر و أف . فولر ، نشرة مطبعة كيلرندون ، أكسفورد 1905 ، المجلد الثالث (حياة ديمونكس)) ، هو المصدر الوحيد الذي تعتمده الدراسات في إستخراج المادة  الأساسية في الكتابة عنه . ومعروف إن لوكين قد ولد وعاش وكتب ومات في القرن الثاني الميلادي (125 – 180م) . وإضافة إلى لوكين يتوافر لدينا مصدر من القرن الخامس الميلادي ، كتبه السفسطائي يونيبس والذي كان بعنوان حياة السفسطائيين .

  وعلى هذا الأساس يمكن القول إننا نعرف بدرجات ما إن الفيلسوف الكلبي ديمونكس القبرصي  ولد في الربع الأخير من القرن الأول الميلادي ، وتوفي في الثلث الأخير من القرن الثاني (أي عاش بحدود غير يقينية ما بين عامي 70 م و170م) . وقد ولد في قبرص ، ورحل إلى أثينا حيث تكونت هناك حكمته (فلسفته) . وكان يتمتع بمهارات في حل النزاعات بين الأطراف المتنازعة . ولهذا إنتزع إعجاب المواطنيين الأثينيين . وفعلاً كان أستاذ الكاتب الأشوري الساخر لوكين ، والذي بدوره كتب مؤلفه حياة ديونكس ، تكريماً لأستاذه . والذي يصف مكانة الأستاذ الإجتماعية وشهرته في الأوساط الإجتماعية ، فيقول لوكين واصفاً ديمونكس :

جاء ديمونكس من عائلة قبرصية ذات حظوة مالية وسياسية ، ولكنه على خلاف عائلته ، كرس نفسه وحياته للفلسفة .. وبدأ بدراستها مع الفيلسوف أكاثوبولس ، وديمتريس أو إبكتيتس (لوكين : حياة ديونكس ، ص 1) .

  ومن النصوص المثيرة للجدل التي إحتواها كتاب لوكين حياة ديمونكس ، النص الذي يجعل من الفيلسوف الكلبي غير منتمي إلى مدرسة محددة ، فيقول :

  بدلاً من أن يسجن ديمونكس نفسه في مدرسة فلسفية واحدة ، وضعها جميعاً أمام ناظريه ، دون أن يُظهر تفضيل لواحدة منها أو أن ينحاز إلى أية مدرسة منها . ولكنه ربما كان الأقرب إلى سقراط ، وكان ميالاً إلى ديوجانس . وكان غير مبالي بإعجاب الجمهور , وحياته كانت عادية مثل حياة المواطنين ، وكان لا يمتطي حصاناً عالياً (المصدر السابق ، ص 2) . 

  ونحسب من النافع أن نُشارك القارئ والأكاديمي الباحث ، بأن كتاب لوكين حياة ديمونكس ، هو المصدر الوحيد الذي جاءنا من الربع الأخير من القرن الثاني . ولكن هناك إشكالات تتعلق بكتاب لوكين هذا ، منها إن لوكين كاره للفلسفة الكلبية على الرغم من إعجابه بإستاذه ديمونكس الفيلسوف الكلبي . ولهذا الحال لاحظ الباحثون إن اللغة التي يستخدمها لوكين في وصف أستاذه فيها إختلاق وتلوين روائي لا يتناسب وحياة فيلسوف كلبي ، يعيش ببساطة وزهد ، وربما جوع وفقر . ويبدو لي إن حال لوكين لحظة الكتابة عن أستاذه ، تمثلت بصراع قوي بين تقديم أستاذه فيلسوفاً كلبياً وهذه هي الحقيقة التي يكرهُها لوكين ، أو الركون إلى عالم الرواية ، وهو مبدعها ومن خلال الرواية تقديم شخصية أستاذه ، بإطار روائي مختلف ملفق ولكنه محبب له وهذا ما حدث في أطراف من كتاب حياة ديمونكس . فمثلاً في الصفحة رقم 10 يقدم لوكين (وهوالفيلسوف الكلبي) ديمونكس يسخر من الكلبي ، فقال :

  رأى ديمونكس كلبياً يحمل محفظته ، ولكنه بدلاً من إنه يمسك بعصاه ، وجده يمسك بآلة للنباح (آلة لتقليد صوت الكلاب) ، فناداه بصوت عالي ، وقال : بالتأكيد إنك من أتباع إنتيسثينيس (الفيلسوف الكلبي المؤسس للمدرسة) ، ومن أتباع كريتس وديوجانس : إخبرنا بصدق ، ولا تكذب علينا ؛ هل إن سيدك أستاذ النباح (نسبة إلى الكلب) ( لوكين ؛ حياة ديمونكس (مصدر سابق) ، ص 10) . بالتأكيد هذا الخطاب لا يصدر عن فيلسوف كلبي ، وإنما هو كلام خصم سخر من الكلبية . وهذا هو كلام لوكين الروائي الساخر . وفعلاً هنا إستخدم لوكين الفيلسوف الكلبي ديمونكس ليطعن بالكلبيين وفلسفتهم ، وليسخر بالتأكيد من أستاذه الكلبي . كما إن لوكين كاتب ساخر ، يتلاعب في اللغة ومفرداتها ، وهنا وضع الفيلسوف الكلبي في مكان غير مكانه ، وذلك ليحمل الجمهور على الضحك وليحقق أهداف عمله التهريجي .

  وعلى هذا الأساس ننبه الباحثين من الإلتفات إلى هذه الحقيقة في كتاب لوكين عن أستاذه الفيلسوف الكلبي ديمونكس . وحتى لا نظلم لوكين (الذي نعتز به وبكتاباته وخصوصاً في جانبين ؛ الأول في كتاباته الروائية التي تقدمه أول روائي في عالم الرواية الغربية ، ونقصد جنرا الرواية العلمية . والثاني نحبه لأن حاله مثل حالنا ، ولد على ضفاف نهر الفرات وشرب من مياهه الكثير الكثير) ، فإننا  إذا ما قرأنا ماكتبه لوكين مقارنة لأوضاع الكلبيين في نصوص كتابات معاصرة له ، نجد إن هناك إختلافات تصل إلى حد التقاطع بين ما كتبه لوكين ، وما كتبه الكتاب المعاصرين له عن الكلبيين وإختيارهم لأسلوب الزهد والفقر والجوع والتسول.    

   صحيح إن مصدرنا الثاني كما قلنا هو كتاب السفسطائي يونيبس ، والذي جاء من القرن الخامس الميلادي والمعنون حياة السفسطائيين . وهذا الكتاب ظل محفوظاً ولم يتعرض للضياع وهذا من حسن حظنا ، وهو في حقيقته مجموعة سير ، تتحدث عن حياة وآراء ثلاث وعشرين فيلسوفاً وسفسطائياً .  إلا إن يونيبس تعرف على الفيلسوف الكلبي من خلال الكاتب الأشوري لوكين وكتابه حياة ديمونكس (أنظر : يونيبس ؛ حياة الفلاسفة والسفسطائيين ، ترجمة ويلمر كيف راين ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921 / المدخل) . ولعل الشاهد على ما قلناه بحق الكاتب الأشوري لوكين ، وسخريته المستمرة من الكلبية وفلاسفتها ، ما سيظهر بوضوح مكشوف عند حديثه عن الفيلسوف الكلبي بيركرينوس بروتيوس .

  ونحسب أولاً الإشارة إلى إن الفيلسوف الكلبي بيركرينوس كان أكثر حظاً من الفيلسوف الكلبي ديمونكس . فقد رأينا إن الكاتب الأشوري الساخر لوكين كان المصدر الوحيد الذي كتب عن ديمونكس . وفي حال الفيلسوف الكلبي بيركرينوس تكرر الأمر مع فارق ، وهو توافر مصدر كتبه رجل التشريع الروماني ، الأثيني الثقافة أوليس كليوس (125 – ومات بعد عام 180م) بعنوان الليالي الأتكية (أنظر : أوليس كليوس ؛ الليالي الأتيكية ، ترجمة ج . رولفي ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1927) . وبالمناسبة إن الكاتب أوليوس كليوس هو واحد من تلاميذ الفيلسوف الكلبي بيركرينوس . وكتابه الليالي في حقيقته ملاحظات بدأ بكتابتها في الشتاء الأتيكي ، وغطت الفلسفة (وخصص الكتاب رقم 12 عن الفيلسوف بيركرينوس) ، والتاريخ ، والسير ، ووجهات نظر قانونية ، ونقد أدبي ، ومعجم لغوي …

  صحيح إن لوكين كتب سيرة بيركرينوس ، وكانت سيرة عدائية ساخرة  وبذلك من الصعب الإعتماد عليها لوحدها مصدراً في الكتابة عن الفيلسوف الكلبي  ، وجاءت بعنوان موت بيركرينوس (أنظر : لوكين ؛ موت بيركرينوس ، ترجمة وملاحظات أي . أم . هارمون ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1936) . ولهذا نعتقد إن توافر مصدر موضوعي محايد مكتوب بقلم رجل تشريع ، سيُساعدنا على عقد مقارنة بين الكتابين ، ومن ثم الوقوف على الأصيل والمنتحل الملفق على الفيلسوف الكلبي بيركرينوس في كتاب لوكين موت بيركرينوس (وهذه قصة تحتاج إلى وقت لإنجاز بحث على الأقل فيه) .

  على كل جاء الفيلسوف الكلبي بيركرينوس حسب رواية لوكين ، من مدينة بريون (وهي جزء من ميسيا) ، حيث ولد هناك عام 95م ، ومدينة بريون تقع على الساحل الجنوبي لبحر مرمرة (اليوم جزء من تركيا) ، ترك بلده في عمر مبكر من شبابه ، وفي البداية عاش مع المسيحين في فلسطين قبل أن يُطرد من هذه الجماعة ، ويتبنى الحياة الكلبية ، ومن ثم يستقر في اليونان .

  ونحسب في الرواية التي أوردها لوكين عن ترك بلده وإختياره الترحال ، فيها تلفيق روائي ، فقد ذكر لوكين إلى إن الفيلسوف كان يعاني من أوهام تدور حول مقتل والده أو والدته أو أحد أقربائه ، فقرر ترك بلده والفرار بنفسه . وخلال الترحال ، وصل إلى فلسطين ، وإتصل بالجماعة المسيحية ، وبسرعة أصبحت له سلطة بينهم . فإعتقلته السلطات الرومانية وسجنته . ولكن حاكم سوريا أطلق سراحه ، ويبدو خلال السجن تحول إلى فيلسوفاً كلبياً (أنظر : لوكين ؛ موت بيركرنيوس (مصدر سابق)) هو الذي شفع له بإنقاذ حياته من موت أكيد ، ولكن الموت المبكر مكتوب على ظهر قدر هذا الفيلسوف  ، وإنها في هذه الفترة ، هي محض تأجيل موقت فقط .

  وفعلاً قرر بيركرينوس العودة إلى مدينته ، وتخلص من ثروته الواسعة بتوزيعها على  الناس هناك ، ومن ثم إستمر في الترحال هائماً على وجهه مستمراً في الإتصال بالمسيحيين ، ولكنه لم يحافظ على هذه العلاقة ، فقد إنتقدهم مما حمل المسحيين على إعتبار فعله سُبة وموقفاً عدائياً ، فطردته الجماعة المسيحية . ومن هناك توجه إلى مصر ، وإتصل بالفيلسوف الكلبي أكاثوبولس ، وبدأ بالدراسة تحت إشرافه . وهناك تعلم إسلوب الحياة الزهدية ، وفعلاً فقد أخضع نفسه لحياة زهد وتنسك صارمين . ومن ثم قرر التوجه إلى روما . وهناك بدأ حملة مواجهة مع السلطات الرومانية (أنظر : لوكين ؛ المصدر السابق) ، وخصوصاً مع الإمبراطور إنطونيوس بايس (86 – 161م) (والذي إستمر حكمه ما بين 138 وإلى 161 ، وكان والده بالتبني الإمبراطور هادرين ، للإطلاع أنظر : ألين باومان ؛ تاريخ كيمبريدج القديم : الإمبراطورية العالية (70 – 192م) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2000) .

  وفعلاً فقد إصطف الجمهور في روما وراء الفيلسوف الكلبي ضد السلطات الرومانية (هذا شاهد على ثورة الفلاسفة ضد جبروت الطغاة) . وفي هذه الأثناء ، أصبح الفيلسوف الكلبي ثيوجينز باترس (إزدهر عام 160م) ، وهو الصديق الحميم للفيلسوف بيركرينوس، الحواري الرئيس . وفي البداية كان هناك نوعاً من التسامح ، ولكن السلطات الرومانية أحست بخطورة الوضع ، فقرر حامي المدينة طرد الفيلسوف الكلبي بيركرينوس منها ، فذهب إلى مدينة إليا اليونانية ، وإستمر في التحريض ضد السلطات الرومانية .

   وخلال الألعاب الأولمبية ( عام 153م أو 157م) أتهم الفيلسوف الكلبي بسوء  إستخدام ثروات المحسن الإنساني هيرودس أتكيوس (101 – 177م) (وهو أرستقراطي ثري يوناني ، وسنتور وسفسطائي ، من أتباع حركة السفسطائية الثانية كما يذكر فيلوستروتس في كتابه حياة السفسطائيين . وستكون لنا وقفة بحث عند السفسطائية وحركاتها (للإطلاع على السفسطائي فيلوستروتس أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، ربيع عام 2011) . ولهذا السبب هجمت الجموع الغاضبة على الفيلسوف الكلبي بيركرينوس ، فهرب بجلده محتمياً في مذبح الإله زوس  .

  ومن ثم في أثينا كرس الفيلسوف بيركرينوس نفسه ، للدراسة وتعليم الفلسفة   ، فألتف حوله عدد محترم من التلاميذ ، كان من بينهم أوليوس كليوس  (أنظر : أوليوس كليوس ؛ الليالي الأتكية (مصدر سابق) ، الكتاب 12 : 11) . وفي الألعاب الأولمبية عام 161م أعلن بأنه قرر حرق نفسه حتى الموت في الألعاب الأولمبية القادمة ، فأفاد على لسان لوكين قائلاً :

  رغب بيركرينوس أن يقدم هبة ذهبية عن الحياة الذهبية ، وخصوصاً لواحد عاش كهركليس ، وسوف يموت مثل هركليس ، ويتطلع أن يمتزج مع الأثير ، وأنا أرغب (كما يقول) أن أنفع البشر ، من خلال توفير لهم الطريق الذي أهزم الموت فيه . ولذلك فإن في مستطاع جميع البشر أن يلعبوا دور البطل  في شخصية هركليس الخاصة بي (المصدر السابق ، الكتاب 12 : 33) . وفعلاً في الليلة الآخيرة من أولمبياد 165م نفذ الفيلسوف الكلبي بيركرينوس وعده ، فكان صادقاً في إختيار الموت حرقاً .

  ولما كان وصف لوكين لتصرف الفيلسوف الكلبي ، فيها درجات من العدائية ، ولا تخلو من سخرية ، والتي يمكن إيجازها في النقاط الآتية :

أولاً – إن الفيلسوف بيركرينوس قتل والده شنقاً .

ثانياً – إعتنق المسيحية ليكون ثرياً .

ثالثاً – وسجن نفسه ليكون سئ الصيت .

رابعاً – ووزع ثروته ليكون مشهوراً بين مواطني مدينته .

خامساً – ودرس الفلسفة تحت إشراف الفيلسوف الكلبي أكاثوبولس ليصبح محترماً .

سادساً – وهاجم الرومان ليحصل على الصيت والشهرة .

سابعاً – قتل نفسه ليصبح ناراً على علم .

   ونحسب إن جميع نقاط لوكين تصب في دائرة النقد السلبي العدائي للفيلسوف الكلبي بيركرينوس ومن خلاله السخرية من المدرسة الكلبية وفلسفتها ، كما وببساطة يكتشف القارئ إن في هذه النقاط ما يناقض بعضها البعض . وإضافة إلى كل ذلك فإن العودة إلى تلميذه أوليوس كليوس وبالتحديد في كتابه الليالي الأتكية ، نجد ما يرسم لنا وللقارئ صورة مختلفة عن صورة لوكين . إن قارئ كتاب الليالي الأتكية ، يلحظ إن كلام أوليوس كليوس عن الفيلسوف الكلبي بيركرنيوس ، كله إحترام  وتقدير ، ومحافظة على كرامة الفيلسوف بيركرينوس . والحقيقة إن أوليوس كان على الدوام يزور أستاذه في كوخه ، خارج مدينة أثينا ، حيث هناك يستمع إلى خطابه الذي يصفه بالنبيل والنافع :

  وهو (أي بيركرينوس) يقول : الإنسان الحكيم لا يرتكب الخطيئة  ، وحتى إذا كان عارفاً لا يراقبه أحد سواء كانوا ألهة أو بشر . ولذلك كان مؤمناً بأنه مطلوب من البشر أن يتطهروا من ذنوبهم وخطاياهم  ، وليس من خلال الخوف من العقوبة والعار . وإنما من خلال حب العدالة والأمانة ، ومن خلال الشعور بالواجب (أوليوس كليوس ؛ الليالي الأتكية ، الكتاب 12 : 11) .

  ومن فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الثاني الميلادي ، الفيلسوف ثيوجينز باترس (إزدهر عام 160م) . واليوم نعتمد في الكتابة عنه ، على مصادر كان كتابها معاصرين له ، وهما كل من الكاتب الأشوري لوكين ، والفيلسوف الروماني والطبيب جالينوس (129 – حوالي 200م). والحقيقة إن شهادة جالينوس مهمة جداً ، ففيها الكثير من الحق الذي يحملنا على تقويم كتابات لوكين المعادية للكلبيين عامة ، وثيوجينز خاصة .

  تكلم لوكين عن الفيلسوف الكلبي ثيوجينز في كتابه موت بيركرينوس  ، وذكر بأن ثيوجينز كان رئيس حواريي بيركرينوس أثناء حركة معارضته للسلطات الرومانية في روما . كما إن رواية لوكين تقدم ثيوجينز ، صاحب طريق كلبي جديد ، وهو طريق الإنتحار حرقاً ، وذلك وصولاً إلى أعلى درجات الشهادة . إن ثيوجينز حسب رواية لوكين الساخرة ، هو العقل واليد التي ساعدت الفيلسوف بيركرينوس على تنفيذ خظة إنتحاره ، فهو الذي أعد النار وتحت إشراف بيركرينوس ، وعندها رمى الفيلسوف نفسه في النار .

  إن لوكين يُحمل الحواري الكلبي مسؤولية في موت صديقه الكلبي الحميم بيركرينوس ، وذلك عندما أشار إلى إن ثيوجينز قارن إنتحار بيركرينوس بالطقس الديني ذاته الذي يمارسه فلاسفة الهند العراة جيموسوفستس . والواقع إن رواية لوكين تنز بعدائيتها الساخرة من الكلبيين ، وخصوصاً في وصف فعل ثيوجينز المخترع أو المبالغ فيه على أقل إحتمال ، والذي يدعوه بأنه بدعة كلبية جديدة (للتفاصيل أنظر : لوكين ؛ موت بيركرينوس ، الكتاب 12 : 36 ، 25) . ولكن الوقائع تضع أحكام لوكين في دائرة التحامل والعدائية من الكلبية وفلاسفتها . وفعلاً إذا صح ما قاله لوكين لفعل ثيوجينز صاحب البدعة الجديدة ، فإن الرجل ثيوجينز لم يُنهي حياته حرقاً ، وإنما مات موتاً طبيعياً . وهذا مابينه لنا الفيلسوف الروماني والطبيب جالينوس الذي كان معاصراً للفيلسوف الكلبي ثيوجينز . وبالمناسبة إن جالينوس على عكس لوكين أعلى من مكانة الفيلسوف الكلبي بعيون مواطني روما حيث قال :

  كان ثيوجينز يُحاضر يومياً في جمهور عريض واسع في منصة ملعب تراجان في روما (بناه الإمبراطور الروماني تراجان 53 – 117م) .

  ونحسب إن شهادة الطبيب جالينوس شهادة تمتلك سلطة علمية لاتعلو عليها شهادة الكاتب الروائي الساخر لوكين . والذي قدم تفسيراً طبياً دقيقاً لموت ثيوجينز ، حيث قال :

  مات ثيوجينز بسبب معالجة طبية غير صحيحة لتضخم في الكبد من قبل طبيبه ستاتليوس أتلوس (عاش ما بين 100 – 170م) ، (وهو طبيب الإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي ماركوس أورليوس (121 – 180م)) (ما بين أقواس إضافة من الكاتب) (أنظر : جالينوس ؛ الطرق الطبية في العصور الوسطى ، ترجمه إلى الإنكليزية توماس كالي مايسر 1586 وهو من الترجمات الأولى (موجود أون لاين منذ 1999)) .                       

  ومن الفلاسفة الكلبيين ، أونوميس جدارا (الهيلينستي الفلسطيني) ، والذي إزدهر عام 150م . ومن النافع أن نذكر القارئ بأن مصادر الكتابة عن الفيلسوف الكلبي أونوميس اليوم ، قد كُتبت بأقلام مسيحية كارهة للناقد العلماني . وبالتحديد كتبها أولاً رئيس الأساقفة يوسبيوس . وثانياً إن مصادر كتبها القديس جيروم (والحقيقة إن جيروم في حديثه عن الفيلسوف الكلبي أونوميس ، يعترف بأنه إعتمد على يوسبيوس ،أنظر : القديس جيروم ؛ حوليات القديس جيروم ، ترجمة روجر بيرس وأخرون ، ترتلين 2005 (وموجود على اللاين)). 

   وأونوميس في الواقع هو ناقد كلبي للمعتقدات الدينية ، وهذا واضح في هجومه على الوحي (وفعلاً فقد ورد بعنوان دال ، وهو ضد الوحي) ، وبالتحديد في المقاطع الطويلة ، المحفوظة في نصوص كُتاب أخرين ، وهي في حقيقتها مقاطع منتزعة من كتاب له في مضمار نقد الوحي (أنظر : يوسبيوس القيصري ؛ ترتيب الإنجيل ، ترجمة أي . ها . كيفورد ، أكسفورد 1903 ، الكتاب الخامس ، ص 18 – 36) . وإن هذه النصوص وجدت محفوظة بين كتابات المؤرخ الروماني يوسبيوس القيصري الفلسطيني (263 – 339م) (وفي الأصل يوسبيوس كان مؤرخاً ومن ثم أصبح رئيس أساقفة القيصرية / فلسطين حوالي عام 314م . وللإطلاع أنظر كتاب : أريا كوفسكي ؛ يوسبيوس القيصري ضد الوثنية ، نشرة ليدن – بريل 2000) .

  وأونوميس في الأصل من جدرا (اليوم هي مدينة أم قيس الأردنية) . وهو واحد من الفلاسفة ، اللذين عددهم المؤرخ ورجل اللاهوت القديس جيروم (347 – 420م) . وقد ذكر في كتابه الحوليات ، إن الفيلسوف الكلبي أونوميس إزدهر في السنة الثالثة من حكم الإمبراطور الروماني هادرين (وكتاب الحوليات ألفه القديس جيروم في القسطنطينية عام 380م ، أنظر للتفاصيل : أسطيفان ريبنخ ؛ جيروم ، نشرة دار روتليدج 2000 ، ص 52 وما بعد) .

  وحسب موسوعة سودا (موسوعة بيزنطية من القرن العاشر الميلادي ، وفيها نوع من التشابه وكتاب الفهرست لأبن النديم) ، فإن أونوميس ألف الكتب الآتية :

1 – حول الكلبية           

 2 – الجمهورية

3- الفلسفة حسب هوميروس

4 – حول كريتس وديوجانس وموضوعات أخرى (أنظر : سودا ، إشراف ونشر أدا أدلر ( موجودة على اللاين) تجديد 2012 ، مادة أونوميس) .

  الحقيقة إن أهمية الفيلسوف الكلبي أونوميس ، تتركز في طرف منها في دوره في نقد الفكر الديني ، وبالتحديد نقد الوحي ، أو كما جاء في عنوان من عناوين كتابه ضد الوحي ، وفي عنوان ثالث أكثر دالة ومعنى إكتشاف الخادعون . وهنا نحاول أن نقف عند إكتشاف الفيلسوف الكلبي ، وماذا عناه بالجزء الثاني من عنوانه ” إكتشاف الخادعون ” ؟

  تتوافر لدينا قطعة طويلة منتزعة من هذا الكتاب ، وقد وجدت محفوظة عند رئيس الأساقفة الفلسطيني يوسبيوس (أنظر : يوسبيوس ؛ ترتيب الأنجيل ، الكتاب 5 : 18 وما بعد) . ويبدو إن هناك دافعاً حرك أونوميس جدرا على كتابته ، والذي يتلخص في إنه عاش تجربة خداع سببها الوحي (المصدر السابق ، الكتاب 5 : 22) . وعلى هذا الأساس هاجم التفاسير الإسطورية المتنوعة حول الوحي . وخصوصاً وحي دلفي * ، ومن ثم وجه هجومه إلى الإله أبولو **

ــــــــــــــــــــــــــــ

  * ويُدعى بيثيا ، إسم أشتق من بيثو ، وهو في الإسطورة الأسم الأصلي لدلفي . ومن ثم  شاع وحي معبد دلفي وأصبح هو المتداول . وبيثيا جاءت من إسم كاهنة معبد الإله أبولو في دلفي ، وهي الكاهنة التي تُفصح عن الوحي . وبيثيا كانت مشهورة بصورة واسعة في العالم اليوناني ، بتنبؤاتها التي ألهمها لها الإله أبولو . وبالمناسبة إن معبد دلفي يقع في سفح من سفوح جبل بارناسس . وتُرجح المصادر التاريخية إلى إن وحي دلفي بدأ نشاطه في القرن الثامن قبل الميلاد (أنظر : كاثرين موركن ؛ الرياضة والوحي ، كيمبريدج 1990 ، ص 148) .

ومن الشهادات التاريخية الأخيرة الدالة على نشاطات وحي دلفي ، الشهادة التي جاءت خلال عام 393م ، وذلك عندما أمر الإمبراطور ثيودسيوس الأول (347 – 395م) المعابد الوثنية من إيقاف فعالياتها . وهو الذي دمر المعابد الوثنية المشهورة مثل : سرابيوم في الإسكندرية ، و معبد أبولو في دلفي ، ومعبد العذارى (فستال) في روما (أنظر : ستيفن وليمز وجيرارد فرايل ؛ ثيودسيوس ، نشرة مطبعة جامعة ييل 1994 ، صفحات مختلفة) .

  وخلال الفترة من 393م وصعوداً إلى القرن الثامن قبل الميلاد ، كان وحي معبد دلفي ذات مكانة عالية ، ويتمتع بإحترام وسلطة قوية بين اليونانيين . كما إنه كان من أهم التقاليد والأعراف الدينية اليونانية . وعلى الرغم من إنكار جمهور من الأكاديميين الغربيين ، لوجود أي أثر شرقي في طرف من البنية الروحية لوحي دلفي ، فإننا على خلافهم نتلمس على الأقل الأثر العراقي البابلي (وبالتحدي الوحي الكلداني) قد عبر بسبل مختلفة إلى اليونان ، وخصوصاً مع أورفيوس والأورفية والتي تذكر المصادر الغربية بأن أورفيوس سوري ، وبالمناسبة إن الكثير من المصادر تشير إلى إنه بابلي (أو على الأقل إن سوريا يومذاك كانت جزء من الإمبراطورية البابلية) .

  وتناول قضية وحي دلفي عدداً من الشعراء والكتاب والفلاسفة اليونانيين ، ومنذ وقت مبكر . وهنا نقدم قائمة بأسمائهم ، ومنهم الكاتب المسرحي أسخليوس (524 – 456 ق.م) ، والشاعر الغنائي بايندر (522 – 443 ق.م) والكاتب المسرحي سوفكليس (497 – 406 ق.م) والمؤرخ اليوناني الأول هيرودوتس (484 – 425 ق.م) والكاتب المسرحي يوربيديس (480 – 406 ق.م) والمؤرخ اليوناني   ثيوسيديس (460 – 395 ق.م) والفيلسوف إفلاطون (424 – 247 ق.م) والفيلسوف المؤرخ السقراطي أكسانوفان الأثيني (530 – 354 ق.م) والفيلسوف الكلبي ديوجانس (حوالي 412 – 323 ق.م) والفيلسوف اليوناني أرسطو (384 – 322 ق.م) والمؤرخ اليوناني ديودورس الصقلي (إزدهر بين عامي 60 و 30 ق.م)  والمؤرخ وفيلسوف الأكاديمية الوسطى بلوتارك (46 – 120م) ورجل اللاهوت المسيحي كلايمت الإسكندري (150 – 215م) ، والإمبراطور الروماني يوليان المرتد (331 – 363م ، وهو أخر إمبراطور غير مسيحي) .

  ** أما الإله أبولو ، فله قصة إسطورية يونانية ورومانية أخرى ، فهو واحد من  أهم الأرباب الأولمبية ، وفي الوقت نفسه هو من أكثر الألهة اليونانيين والرومان تعقيداً . وكانت له مكانة رفيعة في الدين والأساطير اليونانية والرومانية على حد سواء . وهو مثال للشاب الرياضي الوسيم ، ويعتقد به الناس إلهاً للضوء ، والشمس ، والحقيقة والنبوة ، والعلاج ، والطاعون ، والموسيقى والشعر …

  والإله أبولو في الأصل هو الإله الأبن ، هو إبن الإله زوس (رب الأرباب اليوناني) ، وأمه ليتو . وكانت له أخت توأم إسمها أرتيمس . وله حضور وأثر قويين في الإسطورة اليونانية المعروفة بإسطورة تروسكن (وهي إسطورة يونانية قديمة تصعد أصولها إلى ما يقارب 1000 عام قبل الميلاد ، وكانت متداولة عام 500 قبل الميلاد) . وتقدمه هذه الإسطورة نصيراً لدلفي ، وهو إله الوحي أي وحي دلفي . وإنه إله الطب والعلاج ، سواء من خلاله أو بشفاعته من خلال ولده إسكلبيوس (إله (الطب) العلاج وبناته ..) . كما ويُنظر إلى الإله أبولو إلى كونه إلهاً تتسع قدرته على نشر المرض مثل مرض الطاعون المميت ، ومن ثم بإحلال الصحة والعافية ، وهو الإله النصير للرعاة . ولكونه الرب الكبير لإلهات (ربات) الإلهام ، فهو الرب النصير للموسيقى والشعر .

  وفي العصر الهيلينستي ، وهذا هو المهم ونحن نتحدث عن الفيلسوف الكلبي أونميس جدرا (الأردني – الفلسطيني) ، وبالتحديد في القرن الثالث قبل الميلاد ، أصبح الإله أبولو متطابقاً مع شخصية الإله هيلوس (إله الشمس) ، وأصبحت أخته أرتيمس معادلة للإلهة سيلين (إلهة القمر) . والحقيقة هناك من يعتقد من الباحثين الأكاديميين الغربيين ، بأن أبولو وهيلوس بقيا كائنات إلهية منفصلة حتى القرن الثالث الميلادي . ويُذكر بأن أول معبد للإله أبولو قد تم بنائه في الثلاثينيات من القرن الخامس قبل الميلاد (للتفاصيل أنظر : 1 – بوادين هك ؛ أثيتا الكلاسيكية ووحي دلفي : الإلوهية والديمقراطية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2005 . 2 – ولتر بوركارت ؛ الدين اليوناني ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1985) . 

ــــــــــــــــــــــــــــ

والذي شاعت عنه في بلاد العباد أخبار الوحي الآتية :

 في حالة الخطر الكبير ، فإن جميع المخلوقات تتطلع إليك . وأنت تعمل في لحظتين مزدوجتين ؛ فأنت العارف بسر المستقبل ، وأنت الذي يُخبرهم بتفاصيله . وأنت الناصح لهم بمجريات الحاضر الراهن . وبينما هم يعتقدون بأنك تستحق الثقة ، والتوكل عليك يقين ، فأنت متأكد من سذاجتهم ، وعارف إنهم حمقى .. والأن الفرصة سانحة جداً لتقودهم إلى مدارس السفسطة في دلفي .. ومن هناك إلى عروش الإلوهية .. (يوسبيوس ؛ المصد السابق ، الكتاب 5 : 25) . هذا مثال واحد للهجوم الذي شنه أونوميس ضد الوحي ، والأمثلة كثيرة وفيها تجريح أشد وأبلغ . ولكن ليس الجميع يتفق معه ، وينبهر بأفكاره . فمثلاً الإمبراطور الروماني يوليان المرتد ، إتهمه بعدم الورع والتقوى ، وقال :

  لا تدع الكلبي ، لا يشعر بالعار بعد ما فعله أونوميس ، وهو التجديف بجميع الإمور الإلهية والإنسانية . وبدلاً من ذلك دع الكلبي يفعل مثلما فعله ديوجانس ، والذي كان يحترم كل ما هو إلهي . وفقط التذكير ، هو إن الإمبراطور يوليان ، كان أخر إمبراطوراً على الديانة اليونانية ، أي وثنياً بالمنظور العقيدي المسيحي (أنظر : أردن ماردوخ ؛ الوثني الأخير : يوليان المرتد وموت العالم القديم ، نشرة دار التقليد العالمية ، سوتن 2005) .

  والحقيقة إن أونوميس ليس بملحد ، وإنما حاله حال جميع الكلبيين ، له وجهة نظر خاصة حول الألهة التي تجاهلت حياة البشر ومشكلاتهم . وكان أونوميس في نقده مستهدفاً الرواقية وفلاسفتها ، اللذين تركوا للقدر ، اليد الطولى في التحكم في كل شئ ، بل وحتى الحرية الإنسانية ، فهي بنظرهم مجرد إستجابة للقدر . ولذلك قال أونوميس :

 بالتأكيد إن هناك مهزلة في كل شئ . مهزلة المزج والربط بين مفهومين ؛ الأول إن هناك شء بيد البشر وتحت سلطتهم . والثاني إن هناك على الرغم من ذلك سلسلة حديدية ثابتة من الأسباب (السببية التي لا تسمح بأي هامش من الحرية) (يوسبيوس ؛ ترتيب الإنجيل (مصدر سابق) الكتاب 5 : 7) .

  يبدو هذا التناقض الظاهر بين الحرية الإنسانية والجبرية (القدر أو السببية) ، هو الذي دفع بالفيلسوف الكلبي أونوميس جدرا (الأردني الفلسطيني) إلى مهاجمة الوحي . وذلك على أساس مادام الإله أبولو مستريحاً في دلفي ، فهو بعيد من تنفيذ إرادته ، فأوكل المهمة إلى القدر أن يعلن عن نفسه ، وهو في الوقت نفسه إعلان الوحي عن الحقيقة الدالة على تعطيل حرية الإرادة لدى الكائنات البشرية .

  ومن فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الثاني ، الفيلسوف بانكريتس الكلبي (إزدهر عام 150م) . وقد جاء ذكره في مصدرين من مصادر السفسطائية . الأول هو كتاب السفسطائي فيلوستروتس (170 – 247م) (للإطلاع أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011) حياة السفسطائيين . والثاني كتاب السفسطائي ألكيفرون (يرجح إنه عاش بعد الكاتب الأشوري لوكين ، أي بعد عام 170م لأن ألكيفرون قلد إسلوب لوكين) المعنون الرسائل .

  ففي حياة السفسطائيين ذكر فيلوستروتس الفيلسوف الكلبي بانكريتس ، عندما تكلم عن السفسطائي المشهور يوليانس ، وذلك عندما كان الأخير في خطر مميت ، وكيف بانكريتس أنقذه من الحشود الأثينية الغاضبة ، والتي أمطرت السفسطائي يوليانس بالحجر خلال إحتجاجها حول الخبز . فقام الفيلسوف الكلبي بتهدأت الحشود ، وهتف بهم قائلاً :

  إن يوليانس ليس ببائع خبز ، وإنما الرجل بائع كلام (فيلوستروتس ؛ حياة السفسطائيين (أو لاين) الكتاب 1 : 23) . كما ذكره السفسطائي ألكيفرون في رسائله الروائية (أنظر : ألكيفرون ؛ الرسائل ، ترجمه إلى الإنكليزية وليم بيلو وتوماس مونري ، نشرة دار أر فولد وشركاؤه 1971 الكتاب 3 : 55) .

   أما الفيلسوف الأخير الذي نتكلم عنه في قائمة فلاسفة الكلبية في القرن الثاني ، فهو الفيلسوف كريسنس (إزدهر 160م) . والحقيقة لا تتوافر لدينا مصادر محايدة عنه ، وإنما مصادر مسيحية معادية له . فقد هاجم الفيلسوف الكلبي كريسنس  القديس (فيما بعد) الشهيد جوستن (100 – 165م)* . وفعلاً بعد مرور 150 سنة

ـــــــــــــــــــــــــ

حضور الفلسفة في برنامج تعليم الشهيد جوستن :

* الشهيد جوستن ، ويُعرف بالقديس جوستن كذلك ، وكان من أوائل المدافعين عن المسيحية . ولعل من النافع أن نشير إلى أن جوستن هو من المفسرين الرواد لنظرية اللوغوس (العقل وبعض الأحيان الناموس) في القرن الثاني الميلادي . ومع الأسف إن جميع مؤلفاته قد تعرضت للضياع وطواها النسيان ، ولكن من حسن الطالع بقيت منهما رسالتان ومحاورة في الدفاع عن المسيحية . وهو قديس من قبل كل من كنيسة الروم الكاثوليك ، وكنيسة الأرثوذوكس الشرقية .

  ونحسب إن سيرة جوستن لها من الأهمية من زاوية الباحث في تاريخ الفلسفة . صحيح إن جوستن ولد في نابلس الفلسطينية ، وجاء من عائلة وثنية . وهناك إشارات إلى إصوله اليونانية ، وقد جاء أسلافه كدبلوماسيين ، وإستقروا في نابلس فترة تأسيسها . تلقى تعليماً يونانياً ، وبدأ بعض الوقت في مدرسة واحد من الفلاسفة الرواقيين ، ولكن الفيلسوف الرواقي لم يقدم تفسيراً مرضياً عن وجود الله ، فتركه وقرر الإنتقال إلى مدرسة أخرى ، وأخذ فعلاً حضور دروس فيلسوف مشائي . وتوقف بعد إن لاحظ إن الفيلسوف المشائي متحمس للحصول على الإجور . وتحول إلى الإستماع إلى فيلسوف فيثاغوري . إلا إن الفيلسوف إشترط عليه أن يتعلم الموسيقى والفلك والهندسة أولاً ، ولم يرغب جوستن في القيام بذلك . ومن ثم تبنى الإفلاطونية بعد إن قابل فيلسوف إفلاطوني إستقر حديثاً في المدينة . ومن ثم لعبت الصدفة دوراً ، فقد قابل جوستن شيخ كبير ربما فلسطيني مسيحي أو سوري مسيحي ، ودخل معه جوستن في حوار حول الله ، وتكلم الشيخ عن شهادات الأنبياء التي تتسم بكونها أكثر مصداقية من إستدلالات الفلاسفة . وهذه المناقشة هي التي فتحت النور في قلب جوستن ، وقادته إلى إعتناق العقيدي المسيحي .

  ويبدو إن هذه المناقشة قد حدثت في إفسوس وخلال طريقه من فلسطين إلى روما . بعد ذلك إستهل جوستن نشر ما إعتنقه ، وأخذ يبشر به خلال حكم الإمبراطور الروماني إنطونيوس بيوس (86 – 161م) والذي حكم بين عامي 138 و 161م . فوصل إلى روما ، وفتح مدرسته هناك ، وكان من طلابه تيتيان الأشوري (120 – 180م) وهو من أوائل الكتاب المسيحيين . وفي حكم الإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي ماركوس أورليوس (121 – 180م) حدث له نزاع مرير مع الفيلسوف الكلبي كريسنس ، فقد أثار الأخير تهمة الإلحاد (وتصور جوستن هو المسيحي الورع ولكنه ملحد من وجهة نظر العقيدي اليوناني الوثني) ضده للسلطات الرومانية ، فأحيل إلى المحكمة وصدر القرار بقطع رأسه في عام 165م (أنظر : 1 – أوسكار سكارسن ؛ برهان من النبوة : دراسة في برهان الشهيد جوستن ، نشرة بريل 1987 . 2 – مارين هيلر ؛ من اللوغوس وإلى الثالوث : تطور العقيدي الديني من فيثاغوراس وإلى ترتليان (من أوائل الكتاب المسيحيين 160 – 225م) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2012) .

ـــــــــــــــــــــــــ

 إتهمه رئيس الأساقفة الفلسطيني يوسبيوس بأنه كان السبب وراء موت الشهيد جوستن . وفعلاً فإن جميع المعلومات المتوافرة عن الفيلسوف الكلبي ، جاءت مكتوبة بأقلام أباء الكنيسة . فحسب رواية رئيس الأساقفة يوسبيوس ، كان كرنسيس نشطاً في الفترة ما بين عامي 152 و 153م (أنظر : جيروم ؛ الحولايات (مصدر سابق) ، ص 203) . ووفقاً لتيتيان (تلميذ الشهيد جوستن) فإن كريسنس كان من سكان المدينة العظيمة ، ويقصد روما (أنظر : تيتيان ؛ خطاب إلى اليونانيين ، ترجمة جونثان أدوردز / منشور في كتاب كتابات أباء الكنيسة حتى عام 325م (إشراف الكسندر روبرتس و جيمس دونالدسن ، طبع ما بين 1867 و1885 ، المجلد الثاني الخاص بكتابات أباء الكنيسة في القرن الثاني الميلادي ، الفصل 19) .

  والفيلسوف الكلبي كريسنس ناقد عنيد حسب رواية الشهيد جوستن ، فقد هاجم المسيحية والمسيحيين بمرارة شديدة ، وإتهم المسيحيين بالإلحاد ، يقول جوستن بالحرف الواحد مقيماً الفيلسوف الكلبي :

  كان كريسنس مفتوناً بالفخر ، وحب السلطة ، وهو لا يستحق لقب الفيلسوف ، وهاجمنا علانية في موضوعات لم يفهمها ، وأشاع بصورة واسعة بأن المسيحيين ناس ملحدين وغير أتقياء ، وكان غرضه الحصول على مؤازرة الرعاع المخدوعين وإرضائهم (الشهيد جوستن ؛ الرسالة الثانية في الدفاع عن المسيحية ، ترجمة فيليب سكاف وأخرون (منشور في كتاب كتابات أباء الكنيسة ..) / المجلد الأول ، الفصل الثالث) .

  ويدعو الفيلسوف كريسنس المسيحين في نقده ، بأنهم ” الناس الأكثر إلحاداً ” . وفعلاً إن الشهيد جوستن يعترف ويقرُ بأن المسيحيين ملحدين في مواقفهم تجاه ألهة الوثنية . وهذا الإتهام بالإلحاد إنتشر بصورة واسعة ضد المسيحية بين الوثنيين ، وكانوا يرددون بأن المسيحيين ليس لديهم موقف تجاه الإلوهية ، ولا يقدمون الضحايا للإلهة . ومن هذا الطرف شاع يومذاك بأن المسيحيين مثل الشعوب المتوحشة والبدو والبرابرة (ليس لهم إلهاً) . وهذه التهمة ظلت متداولة حتى القرن الرابع الميلادي (أنظر : فيل زوكرمان و مارتن مايكل (المشرفان) ؛ صحبة كيمبريدج مع الإلحاد ، نشرة مطبعة كيمبريدج 2007 ، ص 56) .

  والحقيقة إن المواجهة الدرامية التي حدثت بين الفيلسوف الكلبي كريسنس والداعية المسيحي جوستن ، سببها إن الأخير حقق مع الفيلسوف (وجوستن يعترف بذلك) ، ولذلك إعتقد جوستن بالنتيجة الدارمية ، والتي تمثلت بدايتها في رعب عاشه الشهيد جوستن من إقدام الفيلسوف على رفع قضية إلى السلطات الرومانية ضده  ، وفعلاً فقد كانت مخاوف جوستن في محلها ، فقد أقام الفيلسوف التهمة ضد جوستن (أنظر : جوستن ؛ الرسالة الثانية في الدفاع (مصدر سابق) .

  والتلميذ تيتيان من طرفه وقف مع أستاذه جوستن ، ففي خطاب كتبه في زمن الحادثة ، يؤكد تيتيان على :

 إن كريسنس تجاوز الجميع في حبه للولدان ، وطمعه الشديد في المال (أنظر : تيتيان ؛ خطاب إلى اليونانيين (مصدر سابق)) . ومن ثم زعم بأن كريسنس : يتظاهر في إحتقاره للموت ، ولكنه في الحقيقة كان خائف وفزع من الموت ، ولذلك صبه على جوستن ، وبالتأكيد عليً كذلك ، وإن عقاب الموت هو رأس الشر بحد ذاته (تيتان ؛ المصدر السابق) . في حين زعم يوسبيوس بأن جوستن مات شهيداً عام 165م . وإن التهمة بمجملها تهمة فبركها كريسنس (يوسبيوس ؛ تاريخ الكنيسة ، ترجمة فيلب سكاف وأخرون الكتاب الرابع ، الفصل السادس عشر ) .

  ولعل الدليل الوحيد الذي فيه فهم موضوعي لقضية الصراع بين الفليسوف الكلبي والشهيد جوستن ، هي العبارة التي عرضها تيتيان تلميذ جوستن والذي عاش أطراف من المحنة . حقيقة إن تيتيان في عبارته لم يزعم بأن جوستن واجه الموت بسبب مباشر أو نتيجة مباشرة لمؤامرة حاكها كريسنس (أنظر : الإنسكلوبيديا الكاثوليكية 1913 ، مادة القديس الشهيد جوستن) .

الفلاسفة الكلبيون في القرن الرابع والخامس الميلاديين     

  ضمت قائمة الفلاسفة الكلبيين في القرنيين الرابع والخامس الميلاديين ، خمسة فلاسفة فقط . أربعة منهم عاشوا وكتبوا في القرن الرابع ، وواحد فقط عاش ونشط في القرن الخامس . إن هذا الواقع التاريخي يثير إستغراب الباحث الأكاديمي ، ولذلك نحسب إن هذا الأمر شمل فلاسفة الكلبية في القرن الثاني قبل الميلاد إذ لم تتوافر لدينا معلومات عن أي فيلسوف كلبي عاش وكتب فيه وهذه مسألة لا تتساوق مع تاريخ ونشاط المدرسة الكلبية  . وهذا الأمر تكرر مع فلاسفة الكلبية في القرن الأول قبل الميلاد ، فقد جاءتنا المعلومات عن فيلسوف واحد ، وهو الفيلسوف الكلبي ميلكير جدرا ، والحال تكرر مع فلاسفة الكلبية في القرن الأول الميلادي ، فقد توافرت لنا معلومات عن إثنين من فلاسفة المدرسة . وكذلك تجدد غدر التاريخ مرة أخرى مع تاريخ المدرسة الكلبية في القرن الثالث الميلادي ، إذ لم يأت لهم ذكر حسب علمنا في أي متن فكري تاريخي أو فلسفي . وهذ بالطبع يشمل فلاسفة الكلبية في القرن الرابع ، وعلى الأكثر القرن الخامس الميلادي .

  على كل إن أول فلاسفة القرن الرابع الميلادي الذي توافرت لنا المعلومات عنه ، هو الفيلسوف هركليس الذي كان نشطاً في العام 360م ، والذي كان موضوع نقد الإمبراطور يوليان المرتد* ، الذي كان فيلسوفاً يناصر الإفلاطونية المحدثة

ــــــــــــــــــــــــــ

* الفيلسوف الإمبراطور يوليان المرتد أو المعتدي :

   ويُعرف بالفيلسوف يوليان (331 / 332 – 363م) ، وهو الإمبراطور الروماني للفترة ما بين 261 – 363م . وهو بالإضافة إلى كونه فيلسوفاً ، فقد كان كاتباً يونانياً (أنظر : مايكل كرانت ؛ الكُتاب اليونان واللاتين (800 ق.م – 1000م) ، نشرة شركة دبليو ويلسن 1980 ، ص 240) . ولد في القسطنطينية عام 332م ، ومات في طرسوس عام 363م ، أثر جروح أُصيب بها في المعركة مع القوات الفارسية . وهناك من يعتقد إنها عملية إغتيال مسيحية ، نفذها أحد جنوده (أنظر : روالند سميث ؛ ألهة يوليان المرتد : الدين والفلسفة في تفكير وأفعال يوليان ، لندن 1995) .

  ونحسب إنه من النافع في هذا المقام أن نقدم لمحة موجزة عن عقائده الدينية والفلسفية ، ونعرض جرداً بمؤلفاته . الحقيقة إن ديانة يوليان هي مزيج من الوثنية والأفكار الفلسفية . ولذلك كان يرى في الأساطير اليونانية التقليدية ، هي مجرد قصة رمزية ، تتحدث عن الألهة القديمة بلغة لاهوتية فلسفية . ولعل المصدر الرئيس لكتاباته في هذا الموضوع ، ظل خالداً ولم يتعرض للضياع ، وكان بعنوان إلى الملك هيلوز (وهو تجسيد للشمس) وإلى أم الألهة ، وقد كتبه بإسلوب مدحي غنائي . ومن هذا الطرف لا ينظر إلى هذا الكتاب إلى كونه رسائل لاهوتية .

  ولما كان الإمبراطور يوليان تلميذ الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ماكسيمز الأفسوسي (310 – 372م وهو بدوره تلميذ الفيلسوف الأشوري الملك إمبيلكوس (245 – 325م) وهو رئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة) فقد ترك الأستاذ ماكسيمز تأثيراً كبيراً على الإمبراطور يوليان ، خصوصاً في السحر والطقوس الدينية السرية (الثيورجي) . وبسبب هذه الخلفية الفلسفية للإمبراطور يوليان ، وهي بالتأكيد جاءت عن طريق الإفلاطونية المحدثة ، قبل يوليان بنظرية الخلق (خلق البشر) التي يقول بها الفيلسوف اليوناني إفلاطون في محاورة طيماوس . وجاء صدى ذلك بقوله :

  عندما إستوى رب الأرباب زوس على العرش ، كان كل شئ في نظام . وحينها سقطت منه قطرات من الدم المقدس ، ومن هذه القطرات جاءت ولادة الجنس البشري .

  ومن ثم يفصل أكثر ، فيقول :

  واللذين بيدهم القوة ، وهم قادرون على خلق رجل واحد وإمرأة واحدة فقط ، في إستطاعتهم خلق العديد من الرجال والنساء في لمحة بصر .

   في الحقيقة إن هذا المنظور اليولياني (نسبة إلى الإمبراطور يوليان) يتعارض مع العقيدي المسيحي إلى حد كسر العظم ، فالعقيدي المسيحي يرى إن الإنسانية تولدت من زوج واحد ، وهو آدم وحواء . ويوليان هنا يجادل ضد مبدأ الخلق المسيحي في الأصل زوج واحد ، وهو بيان لتنكره ورفضه المنظور المسيحي للخلق . ولهذا جادل المبدأ المسيحي قائلاً :

إن هناك إختلافات كبيرة في أجسام الألمان والأسكثينز (شعوب أسيوية كانت مجاورة للمستعمرات اليونانية) ، فكيف تولدوا من الأثيوبيين والليبيين ؟

  وبالمناسبة فقد سخر المؤرخ المسيحي سقراط الإسطنبولي (ولد عام 380م) من الإمبراطور يوليان ، وذهب معلقاً ؛ إن يوليان يعتقد إنه الإسكندر الكبير حل في جسم جديد (إيماناً بعقيدة تناسخ الأرواح) ، وذلك تناغماً مع تعاليم فيثاغوراس (570 – 495 ق.م) . وفعلاً فقد كان يوليان نباتياً حاله حال فيثاغوراس (للتفاصيل ، أنظر : 1 – كلين باورسك ؛ يوليان المرتد ، لندن 1978 . 2 – بوليمانيا أثنسدي ؛ يوليان : سيرة فكرية ، نشرة دار روتليدج ، لندن 1992 . 3 – أليس كاردنر ؛ الفيلسوف الإمبراطور يوليان وصراع الوثنية الأخير ضد المسيحية ، نشرة دار يوتنمان وولده ، لندن 1895) .

  أما مؤلفات الفيلسوف والإمبراطور يوليان ، فمنها :

خطبة حول سلطة الشمس ، ترجمها من اليونانية إلى الإنكليزية س . دبليو كنك 1888 (موجودة أون لاين) .

خطبة حول أم الألهة ، ترجمة س . دبليو كنك 1888 (موجود أون لاين) .

القياصرة ، ترجمة دبليو س. رايت 1913 (موجود أون لاين) . كتبه في ديسمبر عام 361م ، وهو مقارنة بين ملوك الرومان والإسكندر الكبير ، وبحضور مجموعة من الألهة . والمناقشة سمحت ليوليان أن يتقدم بأحكام دقيقة بحق مجموعة من أسلافه الملوك .

منتزعات من كتابات يوليان في الخلق مقارنة بتعاليم الإفلاطونية واليهودية ، ترجمة توماس تايلور 1793 (موجود أون لاين) .

أعمال الإمبراطور يوليان ، ترجمة دبليو س . رايت نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1913 ، ومطبعة جامعة هارفارد 1980 . 

ــــــــــــــــــــــــــ

 على حساب المسيحية . أما موقفه من الكلبية وفلاسفتها ، فسيتوضح من خلال مواقفه من الفيلسوف هركليس . حقيقة إن الفيلسوف والإمبراطور يوليان قد خصص خطبته السابعة في نقد الفيلسوف الكلبي هركليس (أنظر : يوليان ؛ الخطبة السابعة والمعنونة إلى هركليس الكلبي ، ترجمة إيملي وايلمر رايت / منشورة ضمن أعمال يوليان ، مكتبة لوب الكلاسيكية 1913 (موجودة أو لاين)) .

  ويبدو إن يوليان قد إعتنى بالفلسفة الكلبية والفلاسفة الكلبيين في خطبته السادسة كذلك . ففيها مدح كثير للكلبيين الرواد الأوائل ، ونقد كثير للمتأخرين منهم (أنظر مقدمة الخطبة السابعة (المصدر السابق)) . وفعلاً ففي مقدمة الخطبة السابعة يسخر يوليان من الفيلسوف الكلبي هركليس (وكلامه فيه شمول للجميع) ، ويتهمهم بالكلام الفارغ والتجديف على الألهة .

  صحيح جداً إن الفيلسوف الإمبراطور يوليان قد عنون الخطبة إلى هركليس . إلا إنها خطبة نقدية للفلسفة الكلبية على وجه العموم ، وليس فيها شئ خاص بالفيلسوف الكلبي هركليس ، اللهم إلا شيئاً واحداً ، وهو إن الخطبة تستهدفه بالعنوان ، وإنه الفيلسوف الكلبي الحي يومذاك ، والمدافع عن الفلسفة الكلبية وإسلوب الحياة الكلبية ، الذي إستهدفه بالنقد والتجريح الإمبراطور الفيلسوف يوليان . إن جوهر النزاع بين الإمبراطور والفلاسفة الكلبية ، هي النقد الكلبي للوحي ، وهل الفلسفة الكلبية فلسفة تجديف على الألهة ؟ وهذا ماركزت عليه الخطبة ، وبينت إن الكلبية هي فلسفة جنون حسب يوليان . كما إن الخطبة حملت نقد شديد لأسلوب الحياة الذي إصطنعه الكلبيون . وهنا سأحاول تقديم أمثلة وشواهد من الخطبة (وفي الخطبة تصنيف لعلوم الفلسفة حسب منظور يوليان ، وتوجيه لها بما يتساوق وتحديده لوظيفة الفلسفة والفيلسوف ، وفيه عرض يولياني لتاريخ الفلسفة الكلبية في محطات مختلفة .. والجوهر هو الدفاع عن الوحي والألهة الوثنية ، ونقد شديد لما أسماه التجديف الكلبي بالألهة) :

أولاً – إنطلق يوليان في نقد الفلسفة الكلبية وفلاسفتها ، معتمداً شعاره ” العبد بالولادة ، والحر بالولادة ” . وكانت غاية يوليان الحط من مكانة الكلبيين ، ووصفهم بأنهم كانوا في عصره ” عبيداً بالولادة ” ، ومن ثم يوجه كلامه إلى الفيلسوف الكلبي هركليس (لا تنسى إن عنوان الخطبة إلى هركليس) ، فيقول :

  دعه يتلو ما يشاء من الأساطير ، ودعه يكتبها ، ودع جميع الناس اللذين يعيشون تحت ظلال الشمس ، يتركه ليلعب دور الباحث بالإسطورة . ولكن منذ إنه (أي هركليس) يؤكد على إنه الرجل الحر الوحيد على وجه الأرض . فأنا (أي الإمبراطور يوليان) أتساءل : ما هي حاجته إلى الأساطير؟ وهل يحتاجها لتخفيف درجة مزاجه العكر ، ونصيحته الجافة ، بنوع من الحلاوة والسحر؟ (يوليان ؛ الخطبة السابعة (مصدر سابق) ، الفقرة رقم 207) .

ثانياً – هاجم يوليان إسلوب حياة الفيلسوف الكلبي ديوجانس ، وشكك في رواية ديوجانس في إن الأسكندر الكبير قد زاره ، أو بعبارته ” إذا صدقنا ما قاله ديوجانس ” ( المصدر السابق ، الفقرة 212) وبذلك وضع الرواية على الأقل موضع التساؤل والشك . والسبب إن الإسكندر له مكانة عالية عند الإمبراطور (لا تنسى كتابه عن الإسكندر وأحكامه النقدية لأسلافه من الملوك الرومان) هذا طرف . والطرف الثاني إن يوليان في تشكيكه برواية الزيارة ، جرد الكلبية وفلاسفتها من الإسطورة المتداولة عن مكانتهم الإجتماعية والسياسية في الحياة اليونانية . وإنهم الفلاسفة الوحيدون اللذين لا يذهبوا إلى السلطان ، وإنما السلطان يأتي إليهم ويسألهم عن حاجتهم ، وجاء ردهم بلسان ديوجانس ، حين كان الأخير يتمتع بحرارة الشمس ، وبيده يمسك بمصباحه : ” سؤالي الوحيد ، هو أتتركني وشأني ، لأنك حجبت الشمس عني ” (أنظر طرف من هذا البحث أعلاه ، والخاص بديوجانس الكلبي) .

ثالثاً – الكشف عن عقيدة الكلبية بالألهة . وفعلاً فقد تساءل يوليان : ” هل ديوجانس كان حقاً يحترم الألهة ؟ ومن ثم يعرض يوليان حججه ، التي تقدمه كرجل دين ، وكيف إن الألهة قدمت الكثير لديوجانس ، الناكر لجميلها . وحجج يوليان جاءت بالشكل الأتي : إن الألهة أرسلته إلى كورنيثيا (وبالمناسبة إن كورنيثيا ستظل لها مكانة في تاريخ المسيحية والرسل المسيحيين الأوائل ، مما سيكون للفلسفة حضوراً بدرجات ما في كتاباتهم الإنجيلية ورسائلهم اللاهوتية) 

، وإن الألهة هي التي أرسلت له العون من خلال رجل ليشتريه من الأسر ويحرره من العبودية .

   ويجادل يوليان الكلبية بمنظار عقيدته الوثنية ، وبالطبع الجدل موجه لصاحب الزمان الكلبي هركليس ، فيؤكد إنه في حالة ديوجانس ” إن الألهة هي التي إعتنت به كثيراً ، وذلك عندما أمرت بإرساله إلى كورنثيا ، وليس ذلك كان محض صدفة عمياء ، وإنما بواسطة الألهة ولأغراض محددة . ولكن ديوجانس حسب كورنثيا أكثر بذخاً وبطراً من أثينا ، فوقف داعياً للإصلاح الشجاع الصارم ” (يوليان ؛ المصدر السابق ، الفقرة 213) .

رابعاً – إن الحديث عن الفيلسوف الكلبي هركليس ، كان مناسبة للإمبراطور الفيلسوف يوليان ليتصدى لعقيدة الكلبية في هركليس . وهو في الوقت ذاته فرصة ليوضح مكانة هركليس في جوهر عقيدة زوس الدينية . وبذلك جادل يوليان فلاسفة الكلبية ، وبالطبع الكلام موجه لصاحب الزمان الكلبي هركليس ، بأن هناك تجديف في العقيدي الكلبي بهركليس ، ونسيان في الوقت ذاته العقيدي الوثني الكلي بالإله ورب الأرباب زوس (أنظر :المصدر السابق ، الفقرات 214 – 220) .

خامساً – وفي مراجعة الحسابات التاريخية مع فلاسفة الكلبية (وتشمل المراجعة صاحب الزمان الكلبي هركليس) ، يعود إلى قضية الفيلسوف الكلبي أونوميس جدرا (الفلسطيني) ، والذي برأيه ترك أثراً كبيراً في حشود من الناس ، فتبنوا أفكاره حول الوحي . والحق إن يوليان هنا مارس دور التشويش على فعل الفيلسوف الكلبي أونوميس ، فقال يوليان خالطاً الحق بالباطل : ” واجه أونوميس صعوبات جمة في دراسة موضوع الوحي ” (المصدر السابق ، الفقرة رقم 219) . ومن ثم يتوجه إلى مستمعية ليضع في متناولهم تناقض المعالجة الكلبية لقضية الوحي ، فيقول لهم :

 تعلموا ذلك من لسان الكلبي ، حين قال ” الإلهام المباشر يأتي عن طريق الوحي ” . ثم يكتب (أي أونوميس) كتاباً بعنوان ” ضد الوحي ” (المصدر السابق) .

سادساً – يلخص يوليان تقويمه للفلسفة الكلبية ، وبالطبع هذا يشمل فلسفة صاحب الزمان الكلبي هركليس ، فيقول : ” إن الفلسفة الكلبية حسب ما نعتقد (وهنا أذكر القارئ بأن يوليان رجل السلطة ، سلطة البذخ والبطر ، والكلبية وفيلسوفها هركليس رجال الزهد والدعوة إلى حياة البساطة) إنها نوع من فلسفة الجنون ، وإسلوب حياة غير مناسب للبشر ، وهي بمجلها نزعات صارمة ، خالية من قيم التشريف والجمال الإنسانيين ، وهدفها التجديف على الألهة ” . وفي مسك الختام ، يقول الفيلسوف الإمبراطور يوليان : وكلامه موجه إلى صاحب الزمان الكلبي هركليس (ولكن فيه شمول لديوجانس ، وكريتس ، بل وحتى لمؤسس الكلبية أنتسثينيس) :

 دع الناس يصفوا الفلسفة الكلبية ، بأنها تجديف على الألهة ، ونباح على البشر . وأنا أقول (يوليان بالطبع) : دعه (أي الكلبي هركليس) يذهب ، دعه يرحل إلى أي بقعة من بقاع الأرض ..(المصدر السابق ، الفقرة رقم 211) .

 وخلاصة الموقف إن الخطبة السابعة ، التي كتبه الإمبراطور يوليان ، بعنوان إلى هركليس ، هي خطبة نقدية للفلسفة الكلبية عامة ، وصاحب زمانها الفيلسوف الكلبي هركليس . وفيها تصفية حسابات بين الفيلسوف ذو الميول الإفلاطونية المحدثة ، والوثني الأخير في صراعه مع الكلبية حاملة راية الفلسفة اليونانية من طرف ، والمسيحية من طرف أخر . وهكذا نرى إن الفلسفة الكلبية حسب يوليان فيها تجديف على الألهة . كما إن في المسيحية تجديف أخر . وفيما يخص الكلبية فإن يوليان كان صريحاً في عنوان الخطبة السابعة ، وهو أن يراجع مع صاحب زمان الفلسفة هركليس حساباته مع الفلسفة الكلبية وبحضور الجمهور وعلانية . وفعلاً فقد جاءت الخطبة بجوهرها مراجعة تاريخية لواقع الفلسفة الكلبية المعارض للوحي (وحي أبولو ومعبد دلفي وهما جوهر الديانة الوثنية)، والناقد بمرارة للأساطير المتعلقة بالوحي . وهنا قدم يوليان لهركليس ومن خلاله الدروس إلى المستمع لخطبته في إن الفلسفة الكلبية ، ما هي إلا فلسفة تجديف على الألهة . وبالمقابل إن الفلسفة الصحيحة ، هي الفلسفة التي تستلهم الوحي ، وتتابع خطاه (أي الوحي الوثني وليس الوحي المسيحي) (المصدر السابق ، الفقرتين 238 – 239) . ولذلك توجه يوليان بالسؤال إلى هركليس الذي حسب يوليان نسخة أخرى لديوجانس الكلبي (أنظر : الخطبة السابعة ، نهاية المقدمة) ومن خلاله إلى مستمعيه :

  دعني أسألك : هل الإنجاز العظيم ، هو أن تحمل عصاك ، وتطلق شعرك ينمو خلف كتفيك ، وتتسول في المدن ، وأن تجرح بالكلام البذئ الناس النبلاء ؟ (المصدر السابق ، الفقرة رقم 239) .

  ومن فلاسفة الكلبية في القرن الرابع الميلادي ، الفيلسوف الكلبيدس الكلبي ، والذي جاء ذكره على لسان الإمبراطور يوليان ، وذلك حين تحدث عن زيارة الفيلسوف الكلبي للإمبراطور يوليان في إنطاكيا عام 362م (أنظر : يوليان ؛ الخطبة السابعة ، الفقرة رقم 224) . ويبدو لنا من قراءة الفقرة رقم 224 إن الإمبراطور قابل جمع من القادمين لمقابلته ، لكنه صرف البعض لعدم إرتياحه منهم وخصوصاً القادمين من الجليل . في حين وجه الدعوة إلى الفيلسوف الكلبي الكلبيدس وضيفين أخرين . وفعلاً فأن أول القادمين إلى القصر كان الكلبيدس .

     أما المؤرخ الروماني في القرن الرابع الميلادي أميونس مارسيلينيوس (ولد مابين 325 / 330 ومات بعد عام 391/)* . فقد وصف حادثة إرتبطت بإسم

ـــــــــــــــــــــــــ

 * ولد المؤرخ أميونس مارسيلينيوس في المناطق الشرقية التي تتكلم اليونانية ، ومن المحتمل أن تكون ولادته في إنطاكيا . وإنخرط في الجيش ، جندياً في عمر مبكر . وفعلاً فقد خدم في جيش الإمبراطور قسطنطين الثاني (317 – 361م) ، وبالتحديد في مناطق الكال (اليوم فرنسا) وفي المناطق الفارسية ، وخدم تحت قيادة الجنرال بورسكاين ، حاكم نصيبين الواقعة يومذاك في بلاد ما بين النهرين (ميسوبتوميا = أي الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات).

   والحقيقة إن المؤرخ كان يحترم الجنرال بورسكاين ، ولذلك كان دائماً مصاحباً له . ولظروف غير معلومة ، إنفصل أميونس من بورسكاين ، وإتخذ ملجأً له إميديا (اليوم ديار بكر) . ومن ثم تلقى دعوة من الملك الساساني شابور الثاني (حكم من عام 309 وإلى عام 379م) .. ومن ثم عاد في عهد الإمبراطور الروماني يوليان ، وحصل على منصب له ، وكان يصاحب يوليان في جميع حملاته العسكرية . وفعلاً فقد أظهر حماساً غير إعتيادي في حملات يوليان ضد الألمان والساسانيين . وبعد موت الأمبراطور ، إنسحب إلى إنطاكيا وعاش فيها بقية حياته .  وعلى الرغم من إن المؤرخ أميونس كان وثنياً ، فإنه كان متسامحاً مع المسيحيين .

  أما الحديث عن المؤرخ أميونس ، فله طعم خاص ، فقد كتب موسوعة كبيرة ، بعنوان التاريخ الروماني ، والتي تتألف من إحدى وثلاثين مجلداً . وأميونس بمنظار المؤرخين المعاصرين ، هو مؤرخ عسكري ، وموضوعي بدرجات عالية ، خصوصاً في مقارنته بين الإمبراطورين ، قسطنطين الثاني ويوليان . مع الإعتبار إلى إن المؤرخ أميونس حاله حال كل المؤرخين شرقاً وغرباً ، له أجندا سياسية خاصة به . وهنا نقدم للقارئ العربي ولأول مرة ، رأي المؤرخ الإنكليزي الشهير أدورد كيبون (1737 – 1794م) صاحب كتاب تداعي وسقوط الإمبراطورية الرومانية ، الذي يصف به كتاب المؤرخ الروماني أميونس ، حيث يقول : إنه دليل دقيق وأمين لتاريخ عصره ، خال من الإنحياز والتعاطف .. (للإطلاع على التفاصيل ، أنظر : هنري تومبسن راول ؛ أميونس مارسيلينيوس : الجندي المؤرخ للإمبراطورية الرومانية المتأخرة ، نشرة مطبعة جامعة كتكاتي 1964 ، وكذلك : جين داريجيفيرز وديفيد هنت ؛ العالم الروماني المتأخر بعيون مؤرخه ، دار نشر روتليدج ، لندن 1999) .

  وأمامي الآن كتاب المؤرخ الروماني أميونس التاريخ الروماني ، في ترجمته الأنكليزية ، التي قام بها شارلز ديوك يونك ، نشرة بوهن ، لندن 1862 (والأن موجود أون لاين) . إن الكتاب الموسوعة ، كما قلت يتألف في الأصل من إحدى وثلاثين كتاباً . ولكن مع الأسف ضاعت الأجزاء الثلاثة عشر الأولى . وأمامي تتوافر الأجزاء الثمانية عشر المتبقية (والتي تبدأ بالكتاب الرابع عشر ، وتنتهي بالكتاب الحادي والثلاثين) .

ـــــــــــــــــــــــــ

الفيلسوف الكلبي الكلبيدس ، وكانت لها نتائج مؤسفة ، حيث دمرت معبد الإله أبولو في دافن – إنطاكيا ، وهو الحادث غير المقصود ، وسببه إن مجموعة من الشموع في المعبد سقطت على كومة من الخشب ، فإحترق المعبد بالتمام . يقول المؤرخ مارسيلينيوس واصفاً ما حدث :  

 لقد ذكرت الفيلسوف الكلبيدس في كتابي تاريخ مكنينتوس (وهو مغتصب الأمبراطورية الروماني فلافيوس ماكنوس مكنينتوس (303 – 353م) والذي إستمر إغتصابة للفترة ما بين 350 و353م) وذلك عندما قدم إلى الضاحية من الخارج لزيارة الإمبراطور يوليان . وكان يحمل معه صورة فضية للألهات الجنة ، وعند دخوله إلى المعبد ، أوقد الشموع كما هي العادة ، وذهب بعيداً ، ولعدم توافر من يقدم الخدمة والمساعدة ، تطايرت بعض الشرارات على خشب قديم متروك ، فإندلعت النيران ودمرت المعبد بالتمام . (إميونس مارسيلينيوس ؛ التاريخ الروماني (مصدر سابق) ، الكتاب الثاني والعشرين ، الفصل الثالث عشر). ويظهر إن الفيلسوف الكلبي الكلبيدس ظل حياً حتى حوالي عام 390م ، وذلك عندما جاء الحديث عن إمرأة قريبة له ، في كتاب الرسائل لرجل الدولة كوانتس أورليوس سماكوس (345 – 402م) (أنظر : كوانتس سماكوس ؛ الرسائل ، ترجمة ميشيل ريني سالزمان ومايكل روبرتس ، نشرة برل 2012 وقد نشروا الكتاب الأول الذي ضم إربع وتسعين رسالة . وبالمناسبة إن كوانتس كان رجلاً متسامحاً ، ولكنه في الوقت ذاته دعى ودافع عن التقاليد الدينية الرومانية بعد إن فرضت المسيحية هيمنتها . أنظر كذلك : ج . أي . ماكجيكي ؛ نشر رسائل سماكوس / مجلة فقه اللغة الكلاسيكية ، نشرة جطبعة جامعة شيكاغو ، العدد 44 لسنة 1949 ، ص ص 222 – 229) .

  ويبدو إن في كتابات المؤرخين والكتاب خلطاً بين إسم الفيلسوف الكلبي الكلبيدس إبن القرن الرابع الميلادي ، وفيلسوف كلبي أخر يحمل الإسم ذاته ، وعاش قبله بقرنيين من الزمن ، والذي ذكره الكاتب القرطاجي المسيحي ترتيلين . حيث يخبرنا بأن الفيلسوف الكلبي الكلبيدس الأول (أي الذي عاش كما نرجح في القرن الثاني الميلادي ، وهو ليس بصاحبنا الذي نتحدث عنه) ، كان يبحث في العالم ، وهو ممتطياً ظهر بقرته ، وفي بعض الأحيان يقوم بحلبها من ضرعها(أنظر: ترتيلين ؛ المفاهيم ، مترجم إلى الإنكليزية (موجد على اللاين) ، الفصل الثاني والمعنون ” الفلاسفة الذين فشلوا في إكتشاف الله ، وعدم اليقين والإرتباك في تأملاتهم “) . هذا كل ما يتوافر لدينا من معلومات عن الفيلسوف الكلبي الكلبيدس الذي عاش وكتب في القرن الرابع الميلادي .

 ومن فلاسفة الكلبية في القرن الرابع الميلادي ، الرياضي والملاكم هورس ، وهو بالإضافة إلى كل ذلك ، كان فيلسوفاً كلبياً . واليوم نعتمد في الكتابة عنه على معلومات قليلة جداً ، وردت في ثلاث مصادر ؛ الأول كتابات المؤرخ الروماني كوانتس سماكوس* . والثاني نصوص الكاتب الروماني ماكروبيوس** . والثالث كتابات معلم الخطابة (السفسطائي) ليبنيوس *** ، وهورس وفقاً لرواية ليبنيوس ، ولد في مصر ، وهو إبن فالنس ، وكان له أخاً يُدعى فانس ، وفي الأصل هورس كان طالب خطابة ورياضي ، وحقق إنتصارات رائعة في الألعاب الأولمبية في إنطاكيا عام 364م (أنظر : لبينيوس ؛ الرسائل (رسالة رقم 1278) . وأنظر كذلك : أرنولد هيوك وأخرون ؛ دراسة وصفية للإمبراطورية الألمانية المتأخرة (مصدر سابق) ، ص 445) .

  وفعلاً حسب رواية ماكروبيوس ، كان هورس ملاكماً (أنظر : ماكروبيوس ؛ ساترناليا ، (مصدر سابق) الكتاب الأول . وكذلك : أر . كاستر (مجموعة بحوث بإشرافه) ؛ دراسات على نص ساترناليا لماكروبيوس ، نشرة الجمعية الفيللوجية الأمريكية ، نيويورك 2010) . ومن ثم تحول إلى الفلسفة الكلبية ، وظهر شخصية في الحوار الذي كتبه ماكروبيوس في ساترناليا ، وبالتحديد في الكتاب السابع (أنظر : ماكروبيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب السابع ، فقرات 7 ، 8 ..) .

  كما ويظهر من خلال رسائل لبينيوس إنه جاء ذكر هورس  في العام 364 (وبالطبع أخيه كذلك) إلى ماكسيمس محافظ (أو حارس الأمن) في مصر ، وحدث الأمر كذلك مع المحافظ يتوكيوس (أنظر : ليبنيوس ؛ المصدر السابق ، الرسالة رقم 1238 ، وكذلك الرسالة رقم 1279) . 

  وكان الفيلسوف الكلبي هورس صديقاً لسماكوس ، والذي أطرى عليه في العام 384 ، إلى المحافظ نيكوماخوس فلايفس (382 – 432م) . ولكن في رواية سماكوس وردت عبارة (سنة 384 كان عاماً درامياً) ، والسؤال : كيف ؟ مع الأسف يصمت الكاتب سماكوس ، ولا يقدم لنا أية تفاصيل توضح الأمر (أنظر : سماكوس ؛ الرسائل (مصدر سابق) ، الرسالة رقم 2 : 39 ، وإنظر كذلك : أر ز برشت وأخرون ؛ الكلبيون : الحركة الكلبية (ماضي وتراث) ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 2000 ، ص 396) .

ـــــــــــــــــــــــــــ

* كوانتس أورليوس سماكوس (345 – 402م) ، هو رجل الدولة الروماني ، والذي كان خطيباً وكاتب رسائل . عمل حاكماً لأفريقيا في العام 373م ، ومن ثم محافظاً (أو حارس الآمن) لروما في عامي 384 و385م على التوالي ، وكذلك أصبح مستشاراً في العام 391م . ولعل أهميته تعود في إنه كان مدافعاً عنيداً ، وعاملاً بنشاط في الحفاظ على الأديان التقليدية الرومانية في وقت تخلت الأرستقراطية الرومانية عنها وإعتنقت المسيحية . كما إنه قاد معارضة وإحتجاج مع مجموعة من المندوبين ضد الإمبراطور الروماني فلافيس كرايتانس أوغسطس (359 – 383م) ، حكم من 375 وإلى 383م ، والذي أمر بإزالة مذبح النصر (أي مذبح ألهات النصر) من مجلس النواب ، الذي كان يُعرف بإسم كيوريا .

  وبعد سنتين تقدم سماكوس بطلب إلى الأمبراطور الجديد فالتنينيان الثاني (371 – 392م) والذي حكم من 375 وإلى 392م ، للذهاب في بعثة ، ولكن عارضها رئيس أساقفة ميلان القديس أورليوس أمبروز (ولد 337 / 340 – 397م) . وتعطل سماكوس عن العمل لفترة بسبب مناصرته للمغتصب مكنوس ماكسيموس (335 – 388م) والذي أصبح الإمبراطور للإمبراطورية الرومانية الغربية للفترة مابين 383 و388م . ومن ثم أُقيم بإعادة تأهيله ، وبعد ثلاث سنوات أُعيد تعينه مستشاراً (للتفصيل أنظر : كريستينا سوكنو ؛ كوانتس أورليوس سماكوس : السيرة السياسية ، نشرة مطبعة جامعة مشيغان 2006) .

  أما الحديث عن كتاباته ، فقد ضمت النصوص الآتية :

1- تسعة كتب من الرسائل (ولعل من أهمها الرسائل التي كتبها بهدف تجديد مذبح النصر ومكانته في مجلس النواب) (أنظر : ج . أف . ماثيوس ؛ رسائل سماكوس / منشور في كتاب الأدب اللاتيني في القرن الرابع الميلادي (بإشراف ج . دبليو . باينس) ، نشرة دار روتليدج ، لندن 1974 ، ص ص 58 – 99) .

2 – كتاب مجموع في العلاقات (أي في البعوث الرسمية) ، والقسم الرئيسي منها ، الرسائل التي كتبها عندما كان محافظاَ (أوحارس آمن) لروما وبعثها إلى الإمبراطور .

3 – خطبات مدح كتبها في شبابه ؛ إثنان منها إلى الإمبراطور فالنتينيان الأول ، وواحدة إلى الإمبراطور الروماني كرتيان عندما كان شاباً .

4- مقتطفات من خطب متنوعة ، إكتشفها الفيلولوجي الإيطالي الكاردينال أنجلو ماي (1782 – 1854م) في المكتبة الإمبروزية (نسبة إلى القديس إمبروز) والفاتيكان (أنظر : كريستينا سوكنو ؛ كوانتس أورليوس سماكوس : السيرة السياسية (مصدر سابق)) .

 **ماكروبيوس إمبروسيوس ثيوديسوس ، وهو الكاتب الروماني الذي كتب عن الإحتفالات الدينية الرومانية (الوثنية) ، وقرأ كتابات الفيلسوف الروماني شيشرون (106 – 43 ق.م) ووضع شرح على واحد منها . وكان يدعى خلال سني حياته بإسم ثيوديسوس ، ووفقاً لعبارات منتزعة من كتاب الإختلاف والتشابه بين اليونانية واللاتينية الضائع ، والذي أهداه إلى سماكوس (وبالنص من ثيوديسوس إلى سماكوس) ما يؤكد على إنه كان معاصراً للكاتب سماكوس . وإن ماكروبيوس كان فعلاً وثنياً من خلال عنوان كتابه الكبير ساترناليا أو عقائد الإله زحل ، الذي خص فيه الإحتفالات بالألهة الرومانية القديمة هذا طرف ، ومن طرف علاقته بالكاتب سماكوس الذي كان مدافعاً عنيداً عن مذبح النصر ، وهو رمز من الرموز الأخيرة للديانة الوثنية  .

  الحقيقة لا تتوافر لدينا معلومات عن حياته ، وكل ما يتوافر فرضيات ومجموعة أفكار ، هي خلاصة تأملات الباحثين فيما تركه من بعض العبارات الواردة خصوصاً في كتابه ساترناليا . ففي بداية هذا الكتاب قد ذكر بأنه ” ولد تحت السماوات الأجنبية ” . وهذه العبارة قادت نفر من الباحثين إلى إفتراض إنه كان وثنياً . ونحسب إن هذا الإفتراض صحيح جداً ، لا لأنه جاء من إفتراض مستخلص من العبارة السابقة ، وإنما من خلال الشهادة الكبيرة التي دافع فيها عن الإحتفالات الدينية الرومانية بالألهة والتقاليد الدينية القديمة في كتابه الشهير ساترناليا ، والذي أهداه إلى ولده يوستيكس .

  كما إن العبارة السابقة بأنه ولد تحت السماولت الأجنبية ، هي التي قادت الباحثين إلى إفتراض إنه من أقلية يونانية ، أو إنه ولد في مستعمرات تتكلم اليونانية ، والتي كانت جزء من الإمبراطورية الرومانية مثل مصر ، وذلك على أساس معرفته بالأدب اليوناني . ولكن بعض الباحثين ذهبوا مذهباً أخراً ، فقد لاحظوا إن ماكروبيوس كان مطلعاً على اللاتينية أكثر من اليونانية ، وخصوصاً في تحمسه لكل من الشاعر الروماني فيرجيل (70 – 19 ق.م) والفيلسوف الروماني شيشرون ، وتفضيله لشمال أفريقيا ، وهي الجزء اللاتيني من الإمبراطورية الرومانية . كما رجح الباحثون إنه كان حارس الآمن أو محافظاً في إيطاليا في العام 430م (أنظر : ألن كاميرون ؛ تاريخ وهوية ماكروبيوس / مجلة دراسات رومانية ، العدد 56 سنة 1966 ، ص 27) .

   لقد كتب ماكروبيوس عملين كبيرين ؛ الأول ساترناليا . والثاني شرح على كتاب حلم سكبيو الذي كتبه الفيلسوف شيشرون ، والذي كون الكتاب السادس من مؤلفه المعنون الجمهورية (أنظر : شيشرون ؛ حلم سكبيو ، ترجمة دبليو . د . بيرمان ، كيمبريدج 1883) . (وسكبيو هو الجنرال الروماني سكبيو أميلنيوس (184 – 129 ق.م) الذي دمر قرطاج والتي نرجح إنها كانت موطن ماكربيوس أو على الأقل مسقط رأسه) (للتفصيل أنظر : أي . ي . أوستن ؛ سكبيو إميلنيوس ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1967) .

  أما كتاب ساترناليا ، فهو من الكتب المهمة التي كتبها ماكروبيوس . ونحسب من النافع أن نعرف القارئ أولاً بساترناليا . هو في الواقع إحتفال أو مهرجان روماني قديم ، فيه يتم تكريم الألهة (وساترناليا جاء إشتقاقها من ساترن أي الكوكب زحل ، وهو إسطورة ودين روماني قديم . وفيها زحل هو الإله الكبير الذي تمتد سلطته على الزراعة والحصاد ) ، وعادة تبدأ الإحتفالات في 17 ديسمبر ، وتستمر مع إحتفالات أخرى حتى 23 ديسمبر . وهذه الفترة كانت عطلة رومانية ، وخلال إحتفالاتها ، يتم تقديم الضحايا في معبد زحل ، وتقام المآدب الجماهيرية ، ويشارك الشعراء بقصائدهم ، ويقدم الأسياد الهدايا لعبيدهم (أنظر : أديث هاملتون ؛ الإسطورة ، نشرة دار كتب بنكوين 1669 ، وهو كتاب تفصيلي يتألف من 335 صفحة) .

 واليوم تتوافر لدينا ترجمة إنكليزية لكتاب ساترناليا (أنظر : ماكروبيوس ؛ ساترناليا ، ترجمة بيرسيفل ديفيدز ، نشرة مطبعة جامعة كولومبيا ، نيويورك 1969) . وكتاب ساترناليا يعرض الآراء والمناقشات التي جرت في مجلس الإرستقراطي الوثني فيتوس أكريوس براتكستتيوس (315 – 384م) والتي جرت بالتحديد خلال عطلة الإحتفالات بالساترناليا (أنظر : روبرت كاستر ؛ ماكروبيوس : ساترناليا ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2011 ، ثلاث مجلدات) . وبالمناسبة إن الأرستقراطي فيتوس ، كان كبير الكهنة ، ولنحل دينية مختلفة تؤمن بآلهة متنوعة (أو رئيس القساوسة ، لاحظ تبني المسيحية للهرمية الدينية والعناوين الوثنية اليونانية الرومانية) (أنظر : أرنولد مارتين جونز وأخرون ؛ دراسة وصفية للإمبراطورية الرومانية المتأخرة (260 – 395م) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1971 ، المجلد الأول) .

  ونحسب إن هذا الكتاب في التقويم النهائي شهادة على ماكروبيوس كان وثنياً ، فقد كتب عن المناقشات الدينية الوثنية في مجلس رئيس الكهنة الوثني الأرستقراطي فيتوس . وهي في المحط الأخير محاولة ترويج ونشر بضاعة ثقافية وثنية بين الجمهور الروماني ، فيها الكثير الكثير من الدفاع عن الديانات الرومانية القديمة .

وللتدليل على مذهبنا الذي يؤكد على إن المؤلف كان وثنياً ، وعلى إن الكتاب دفاع عن الديانات الرومانية حسب المفهوم المسيحي المعادي لها ، والذي يصفها بإنها وثنية ، وإن رئيس الكهنة فيتوس كان كاهناً وثنياً . وإن المناقشات كانت تصب في الدفاع عن الوثنية ، وإن الشخصيات التي شاركت في النقاش ومن حضرها كانوا وثنيين . نقدم هنا عرضاً لكتاب المفكر الوثني ماكروبيوس . نقول تألف كتاب عقائد الإله زحل (ساترناليا) من عدة كتب . ولكن الكتاب بمجمله يحتوي على تنوع شامل ، ضم مناقشات تاريخية ، وإسطورية ، ونقدية ، وحفر أثري في الماضي ، وأراء لغوية .

  ولعل المآخذ النقدية على الكتاب ، هو إن هناك القليل من التفاصيل عن الشخصيات التي شاركت في الحوار . كما إن في كل كتاب منها ، هناك شخصية واحدة تفردت بالحديث وقادته . في حين إن ملاحظات الآخرين كادت تعمل في بعض الأحيان لخدمة الحوار . وإنها في مناسبات محددة تشتغل لتنشيط الحوار وإضافة درجات من الحرارة والحيوية في مساقاته فقط . وكتاب عقائد زحل أو ساترناليا تألف من سبعة كتب .

  وعلى كل نلحظ في الكتاب الأول إن ماكروبيوس قد ركز جهوده في البحث عن إصول عقيدة الرومان في الساترناليا (زحل) ومهرجانات الإله جانوس ، الذي كان وراء وضع التقويم السنوي الروماني . وهي في الوقت ذاته ، محاولة في إشتقاق كل صور العبادات والشعائر والطقوس من الشمس (أنظر : ماكروبيوس ؛ ساترناليا (مصدر سابق)) . وبالمناسبة إن الإله جانوس ، هو إله دين روماني قديم ، وهو إله البدايات والتحولات ، وهو إله له وجهين ؛ الماضي والمستقبل ، وقد كرس الرومان له الشهر الأول من كل سنة (كانون الثاني) (أنظر : أل . أي . ماكايا ؛ جانوس ، نشرة جامعة كليفورنيا في الفيللوجيا الكرسيكية 1956 ، ص ص 157 وما بعد) .

  أما الكتاب الثاني ، فهو عبارة عن مجموعة أقوال وعبارات حكيمة ، ويُنسب العدد الكبير منها إلى كل من الفيلسوف الروماني شيشرون ، والإمبراطور الروماني الأول أوغسطس (63 ق.م – 14م) وكلاهما وثنيان أو على الأصح كانا على الديانة الرومانية التقليدية . وهذا الجزء من الكتاب شمل على مناقشة اللذات المختلفة ، وخصوصاً اللذات الحسية . ومع الأسف إن معظم أجزاء هذا الكتاب قد ضاعت .

  في حين خصص ماكروبيوس الكتاب الثالث والرابع والخامس والسادس إلى الشاعر الروماني الملحمي فيرجيل ؛ وشملت دروسه التعليمية للعقائد الدينية ، مهاراته الخطابية ، ديونه للشاعر الملحمي اليوناني هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) (أرجو الإنتباه إلى إمكانية تحريف إسم هوميروس إلى إمرؤ القيس وخصوصاً آلهات الأول وحضورها في أسماء عربية عند الثاني) مع مقارنة فنية بين هوميروس وفرجيل ، ومقارنات مع كتاب يونان أخرين ، ودرجات إستعارته وإستبطانه (أي فرجيل) لنتاج الشعراء اللاتين الرواد .

  ويبدو إن الجزء الأخير من الكتاب الثالث ، والذي جاء على صورة رسالة في البذخ والبطر وقوانين تحديد الإنفاق للمواطنين في الملبس والأكل والأثاث وغير ذلك ، والتي عزم على التدقيق فيها . وهناك إحتمال على إنه جزء من الكتاب الثاني ، ولخطأ ما أًضيف إلى الكتاب الثالث .

  أما الكتاب السابع والأخير ، ففي معظمه شمل على مناقشة لأسئلة فسيولوجية متنوعة (أي أسئلة تدور حول وظائف أعضاء الجسم) (أنظر : ماكروبيوس : ساترناليا ، ترجمة بيرسيفل ديفيدز (مصدر سابق) . ونحسب إن قيمة كتاب ساترناليا تكمن في إنه إقتبس الكثير من الحقائق والأراء من نصوص كتاب أوائل تقدموا على ماكروبيوس (أنظر : ألن كاميرون ؛ المصدر السابق ، ص 27 وما بعد) . كما وإن جنس الكتاب يمكن مقارنته بمحاورة الفيلسوف إفلاطون والمعنونة سمبوزيوم أو الإجتماع ، ففي الساترناليا متابعة واضحة للسمبوزيوم . وكذلك ففي كتابه متابعة لعمل الكاتب اللاتيني أوليوس كاليوس ، والمعنون الليالي الأتكية (الشتوية) (تكلمنا عنه أعلاه) ، والذي كتبه بحدود القرن والنصف قبل ماكروبيوس . كما إنه إعتمد على الفيلسوف الرواقي سنيكا ، والمؤرخ اليوناني بلوتارك ، والخطيب أثينايوس (إزدهر في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين) ، وإستفاد من شروح رجل اللغة ماريوس سرفيوس على نصوص الشاعر فيرجيل …

  أما شرح ماكروبيوس على كتاب شيشرون المعنون حلم سكيبو ، فقد جاء في مجلدين ، والكتاب بقلم شيشرون شكل الكتاب السادس من كتابه الذي حمل عنوان الجمهورية . وحقيقة الحلم ، هو إن سكيبو الجد ظهر إلى حفيده بالتبني ، الجنرال سكيبو في الحلم ، ووصف له حياة الخير بعد الموت ، وهذا الحلم من طرف أخر منح ماركوبيوس فرصة لمناقشة طبيعة الكون ، والكثير من الأفكار الفلسفية الكلاسيكية (أنظر : ماكروبيوس : شرح على حلم سكبيو ، نشرة مطبعة جامعة كولومبيا ، نيويورك 1966) . ومن هذا الجانب شكل شرح ماكروبيوس على كتاب شيشرون حلم سكيبو مصدراً مهماً في أواخر العصور الوسطى الأوربية  .

 والحلم وفقاً للكتاب السادس من جمهورية شيشرون ، حدث قبل سنتين من أمر الجنرال سكيبو إميلنيوس بتدمير قرطاج عام 146 ق.م (وهي مسقط رأس ماكروبيوس كما نرجح) . فلما وصل الجنرال إلى أفريقيا ، زاره جده سكيبو أفريكان ، وهو بطل في حرب بيونك الثانية (وهي حرب هانيبال أو الحرب القرطاجية ، والتي إستمرت من عام 218 وإلى عام 201 ق.م) والتي حدثت فعلاً بين قرطاج وجمهورية روما (أنظر : كيث سيدول وأخرون ؛ العالم الروماني  : مدخل إلى الحضارة الرومانية ، نشرة مطبعة كيمبريدج 1997) .

  وعودة إلى وقائع الحلم ، وجد الجنرال نفسه ينظر إلى قرطاج من مكان عال مملوء بالنجوم المضيئة التي ترصع السماء . كما إن مستقبله قد قرأه له جده ، وفيه تحد كبير ، ويتضمن واجب ملكي قد أُلقي على كتف الجندي الروماني  ، وإن تنفيذ هذا الواجب ، تقابله مكافأة بعد الموت . ولاحظ الجنرال إن روما هي جزء من الأرض ، محيطة بالنجوم . وإن العالم السماوي مرقم بأعداد إشارة إلى الفكر الفيثاغوري ، وفكرة موسيقى الكون . كما الحلم شمل على مناقشة لطبيعة الآلهي ، والنفس والفضيلة من وجهة نظر رواقية (أنظر : شيشرون ؛ حلم سكيبو ، ترجمة دبليو . د . بيمان (مصدر سابق) ,هو موجود على اللاين ، ويتألف من إحدى وعشرين فقرة ، تتفاوت في طولها . أما الخاتمة فجاءت على لسان الجنرال : فبعد إن غادر صحوت من حلمي) .

***السفسطائي والخطيب ليبنيوس (314 – 394م) ، وهو معلم الخطابة في المدرسة السفسطائية ، إزدهر خلال صعود المسيحية ، وبالتحديد في أواخر الإمبراطورية الرومانية ، ولم يتحول إلى المسيحية على الإطلاق ، ويعد نفسه من المؤمنين الأتقياء بالعقائد الدينية الهيلينية .

   ولد ليبنيوس في أحضان عائلة متشربة بدرجات عالية من الثقافة ، وكانت لها حظوة وأثراً كبيراً في مدينة إنطاكيا . إلا إنها فقدت ثروتها ، وتلاشى تأثيرها بعيد صعود نجم المسيحية . وتذكرُ المصادر التي إعتنت بسيرته ، إلى إنه لما بلغ الرابعة عشر ربيعاً ، تعلق بحب الخطابة ولذلك كرس جُل حياته لدراستها  ومن ثم التخصص فيها ، وإختيارها مهنة له . ومن ثم إنسحب من الحياة العامة ، ورهن حياته وعمره لدراسة الفلسفة .

  بدأ ليبنيوس تعليمه في أثينا ، ومن ثم إستهل عمله الوظيفي كمعلم خصوصي في القسطنطينية . ولكنه تعرض إلى النفي فيما بعد . وفعلاً فقد نُفي إلى نيكومديا (بناها الملك نيكومديا الأول (عاش للفترة من 300 – 255 ق.م) في عام 264 ق.م ، والآن هي جزء من تركيا) . وقبيل نفيه كان صديقاً إلى الإمبراطور يوليان ، والذي كانت بينهما العديد من المراسلات ، وظل بعض منها محفوظاً ولم يتعرض للضياع . كما كتب ليبنيوس في ذكراه ، العديد من الخطب ، والتي ألفها ما بين 362 و 365م .

  ونحسب من النافع إن نذكر بأن ليبنيوس لم يكن متحمساً للأدب اللاتيني ، ولم يكن متفائلاً في إنتشار تأثيره (ويبدو إن حبه لليونانية يعود إلى إنها طرف من هويته التي هددتها المسيحية التي رافق صعودها علو مكانة اللغة اللاتينية ، كما إن اللغة اليونانية هي لغة التراث الهيليني الأصيل والذي هددته لاتينية مصطنعة وإنها لغة العقيدي الهيليني الذي هددته مسيحية مجلوبة ، أوعلى الأقل من خلال محاولات كهنوتية مخترعة لأعادة صياغة المسيحية , وترجمة أناجيلها إلى اللغة اللاتينية لتكون خطوة فيها تناغم مع المزاج الروماني) . وفوق كل ذلك فقد هاجم ليبنيوس تزايد ضغوط السلطات الإمبراطورية على المدن التقليدية ذات الثقافات المتنوعة (وأحسب في عبارة ليبنيوس نقد لتحول السلطات والطبقات الإرستقراطية بسرعة نحو ثقافة جديدة حملتها المسيحية ، والتي فيها تعارض مع روح الثقافة اليونانية ، وبالطبع تنافر وتصادم مع العقيدي اليوناني الكلاسيكي) . ولإنجاز كل ذلك ، إستخدم مهاراته الخطابية العالية ، ومنهجه الحجاجي (الذي لايخلو من سفسطة ، وهو معلم مشهور في مدرسة سفسطائية) في دفع الأسباب السياسية (ودوافعه الخاصة) خطوات متقدمة إلى الأمام .

   ويبدو إن ليبنيوس كان قارئً جيداً للأوضاع التي تمر بها الإمبراطورية الرومانية ، وخصوصاً لحقيقة إنتشار المسيحية وصعودها قوة مهيمنة ، ولذلك ركب درباً خاصاً ، فيه دفاع وتمسك بالعقيدي الروماني التقليدي ، والواقع تحت تحديات مسيحية ، تسعى إلى تقويضه وقبره إلى الأبد . ولعل الشاهدعلى ذلك إن ليبنيوس وصديقه الإمبراطور يوليان يؤمنان ويدافعان عن عقيدي روماني واحد . ولكن لبينيوس كان يستخدم لغة مسيحية في الحديث عن الإمبراطور يوليان فيها نوع من الدبلوماسية مع المسيحيين ، فكان يدعوه  يوليان المرتد . وكانت غاية ليبنيوس تختلف عن أغراض المسيحيين وإن إرتاحوا منها ، وهي إنه تذكير بالعقائد الدينية التقليدية ، وإعلان على إنها لازالت حية حالها مثل حال رمزها الإمبراطور يوليان المرتد (وهنا المرتد مفهوم عقيدي موجب دال على العقيدي الروماني التقليدي) هذا طرف . ومن طرف أخر نلحظ إن ليبنيوس قد حافظ على صداقاته مع نفر من المسيحيين ، سواء كانوا أفراد ، أو موظفين في الإمبراطورية .

   كما وإن لهذه الدبلوماسية التي إعتمدها ليبنيوس فوائد لاحقة ، فقد إختاره الإمبراطور المسيحي ثيودوسس الأول ، عضو شرف في نظامه القضائي (ومعروف إن ثيودوسس الأول أو الكبير (347 – 395م) ، هو الذي أعلن بأن المسيحية ، هي الديانة الرسمية للإمبراطورية ، والتي دعته الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية بالقديس ثيودوسس .. تكلمنا عنه سابقاً (أرجو ملاحظة كيف إن الكنائس لم تتوخى الحذر، فقامت بمنح ألقاب القدسية لأناس إرتكبوا جرائم إنسانية ، لايشفع لمرتكبيها الثالوث المسيحي : الأب والأبن وروح القدس .. وهنا أدعو إلى دراسات أكاديمية موضوعية وليست عقيدية منحازة تنتصر لهذا الدين وذاك ، دراسات تستقرأ تاريخ الكنيسة ، تكشف الأخطاء التي إرتكبتها الكنيسة في منح القداسة لمجرمين ، وقتلة وسفاحين من أمثال كايل أو سايل الذي شارك في قتل الفيلسوفة الشهيدة هبيشا الإسكندرانية ، وذلك بدفع مساعده على قيادة حشود من الرهبان السفاكين اللاأتقياء على سحل هبيشا في شوراع المدينة ، بعد تجريدها من ملابسها ، وتقطيع جسمها الشريف ، ومن ثم إقدامهم على حرقها وحي حية .. اليوم الكنيسة مطالبة بالإعتذار عن جرائمها ضد الإنسانية ..) .    

  أما الحديث عن كتابات ليبنيوس ، فلها طعم خاص ، وذلك من حيث إنها مصادر تاريخية ، كتبها شاهد عيان على التغييرات التي أصابت الإمبراطورية الرومانية في سنواتها الأخيرة . صحيح جداً إن الخطبة الأولى ، كانت رواية تبحث في السيرة الذاتية ، كتبها أولاً عام 374م . إلا إنه راجعها ، وأعاد تنقيحها مرات عديدة خلال حياته . واليوم متوافرة باللغة الإنكليزية في كتاب أي . أف . نورمان ؛ ليبنيوس : السيرة الذاتية ورسائل مختارة (مجلدان) ، كيمبريدج 1993 . وهذه السيرة الذاتية بنظر الباحثين ، هي من أقدم السير التي تناولت حياة النفي.

  أما كتاباته الأخرى ، فقد شملت 64 خطبة توزعت في ثلاثة مجالات ؛ التشريعية ، التعليمية والبرهانية (نوع من الخطب التي تتضمن الشرح والتوضيح) (مجلدان) في طبعتها الحديثة ، التي قامت بها مكتبة لوب الكلاسيكية . وكان الأول منه مخصص لخطب ليبنيوس عن الإمبراطور الوثني يوليان . في حين كان الثاني يضم خطبة عن أول إمبراطور مسيحي ، وهو القديس ثيودسيس  . ولعل أشهر خطبة فيها ، هي المناجاة الحزينة ، التي بكى ونعى حالة تدنيس المعابد الوثنية .

 ومن ضمنها 51 خطاباً عاماً (جماهيرياً) تناولت موضوعات تاريخية وإسطورية ، وقد ترجمت إلى الإنكليزية ، وظهرت في كتاب : د . أي . رسل ؛ رسل ؛ ليبنيوس : الخطابات الخيالية (خطابات مختارة) ، ترجمة وملاحظات ، دار نشر دوكورث ، لندن 1996) . كما وكتب 57 مقدمة لخطابات رجل الدولة اليوناني ديموستيني (384 – 322 ق.م) ويُرجح إن ليبنيوس كتبها في العام 352م .

  وهناك العديد من المشروعات الكتابية ، التي كان يستخدمها فصولاً في التعليم عندما كان رئيس الخطابة في إنطاكيا ، والتي تحولت فيما بعد إلى نماذج (موديلات) ممتازة في التدريب على الكتابة . وإضافة إلى ذلك فتُنسب إليه 1545 رسالة ، وهي بنظر الباحثين تتجاوز في عددها رسائل شيشرون . وهناك شك يُثار حول بعض منها ، إذ يوجه الدارسون في تراثه ، أصابع الإتهام إلى الإيطالي (صاحب النزعة الإنسانية) فرانسسكو زامبكري (القرن الخامس الميلادي) ويحملونه مسؤلية تلفيق وإصطناع عدد منها .

   ولعل من أهم الكتب التي صدرت في الإنكليزية في السنوات الأخيرة ، وتناولت تراث ليبينوس ، كتاب كتبه الأستاذ رافيل كرايبوري ، والمعنون مدرسة ليبنيوس في إنطاكيا ، نشرة جامعة برنكتن . ونحسب إن أهمية هذا الكتاب تعود إلى إن المؤلف ترجم 200 رسالة كتبها ليبنيوس ، وفيها معالجة لأوضاع المدرسة وطلابها .

ـــــــــــــــــــــــــ          

    أما تاريخ المدرسة الكلبية في القرن الخامس الميلادي ، فهو ظنين علينا ، إذ  لم تتوافر لدينا معلومات سوى عن فيلسوف واحد ، وهو الفيلسوف السوري – الحمصي سولستيس (إزدهر في عام 450 م) . وكان والده باسيليادس سورياً ، ووالدته ثيوسليا حمصية ، ومن المحتمل إن تكون ولادة الفيلسوف سولستيس في حمص . وفعلاً فقد صرف سني حياته الأولى في حمص . بدأ أولاً بدراسة التشريع ، ومن ثم الخطابة وتحول إلى سفسطائي . ورحل إلى أثينا ، ومن ثم إلى الأسكندرية بصحبة الفيلسوف الإفلاطوني المحدث أيسدور الإسكندري (450 – 520 م)*.

ــــــــــــــــــــــــ

* وأيسدور هو واحد من أواخر الإفلاطونيين المحدثين ، وأصبح رئيساً للمدرسة بعد مارنيوس الفلسطيني (ولد في فلسطين عام 450 وتوفي عام 500 م) ، والذي خلف برقلس (412 – 485 م) والذي يُعتبر من الرموز الإفلاطونية المحدثة الكبيرة الأخيرة .

ــــــــــــــــــــــــ

وفي الأسكندرية كان يتطلع سولستيس للدراسة في مدارس الخطابة . ولكنه تخلى عن الخطابة بعد إن تذوق طعم الفلسفة خلال دراستها على يد فلاسفة من الإفلاطونية المحدثة . ولم يظل متصالحاً مع الإفلاطونية المحدثة ، وإنما هجرها وفي فكره تحفظات كثيرة عليها ، وتحول إلى مضارب الفلسفة الكلبية . وفعلاً فقد تنازع مع برقلس رئيس المدرسة الإفلاطونية المحدثة ، وهاجم اللاهوت الإفلاطوني المحدث (أنظر : وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ، نشرة دار لتل براون وشركاؤه ، بوسطن 1867) .

تعقيب

    لقد إنتشرت الكلبية مع صعود الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد . ولذلك لاحظ الباحثون إن أعداد الفلاسفة الكلبيين وحوارييهم ، كانت ملحوظة في معظم مدن الإمبراطورية (حيث كانوا يتسولون ويلقون مواعظهم على الناس) . وفي نهاية القرن الخامس الميلادي إنطفأت هذه المدرسة الفلسفية . ولكن البعض من الباحثين يزعمون إن المسيحيين الأوائل قد تبنوا العديد من أفكار الكلبية ، خصوصها أفكارها الزهدية والخطابية الوعظية (أنظر : كيرالد دونك ؛ الكلبية والمسيحية ، أدنبرة 1992) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10)

الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز

الدكتور محمد جلوب الفرحان      الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تقديم :

 لعب تفكير الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز دوراً مؤثراً في تكوين ذهنية الفيلسوفة حانا إرنديت . فقد لاحظنا إنها قرأت كتابه المعنون سيكولوجيا النظر إلى العالم في العام 1922 ويومها كان عمرها لا يتجاوز الثالثة عشر ربيعاً ، وهو الكتاب الذي صدر في العام 1919 ، والذي حمل تباشير مشروع تحول ياسبرز من مضمار الطب النفسي إلى رحاب الفلسفة .

  ومن ثم إستمعت من خلال هروبها من البيت ولقاءها بالطالبة الجامعية أنا مندلسن ، وقبل ذلك من خلال صديق أنا مندلسن السابق ومن ثم صديق حانا إرنست كرومك إلى الكثير من القصص عن الحركة الفكرية (الثورية) التي كان يقودها في جامعة برلين كل من البروفسور الشاب مارتن هيدجر وزميله الأكاديمي كارل ياسبرز ، يوم كانت حانا إرنديت طالبة تتلقى بعض المحاضرات في جامعة برلين بعد طردها من المدرسة الثانوية .

 ولكن عام 1924 كان مرحلة التحول الكبيرة في حياة حانا إرنديت ، والتي إمتدت حتى عام 1929 ، ففيها دخلت رسمياً عتبات جامعة برلين ، وفيها إنخرطت في تجمع يقوده كلاً من الوجوديين مارتن هيدجر وكارل ياسبرز . ولاحظنا من خلال البحث في سيرة حانا الذاتية ، إلى إنها بدأت دراستها الجامعية الرسمية في جامعة ماربورك ، وليس في جامعة برلين . فقد أشارت الباحثة بروهيل إلى إن حانا إستهلت دراستها الأكاديمية في ماربورك ، وبالتحديد مع البروفسور الشاب (الأستاذ كامبل) الذي قدم تفسيراً ، أطلق عليه : الصياغات البرلمانية اللاشرعية (لجمهورية فايمر) لإعادة بناء جيشها . فسبب غضب القوميين الألمان في الكلية ، فطالبوا بطرده منها ، خصوصاً بعد إن أعلن في محاضراته الجماهيرية ، بأن التضحيات البشرية التي قدمتها ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى ، لا يتناسب والتشريف الذي حصل لها ، مقارنة بالتضحيات .

  ولعل المهم في هذه الحادثة طرفها المتعلق بالفلسفة الوجودية والفلاسفة الوجوديين . صحيح إنها كانت التجربة الجامعية الأولى التي عاشتها حانا إرنديت ، وبالتحديد في قضية التفكير الجامعي ، وكيف إن أستاذها الشاب كامبل واجه الإعصار الذي ولده غضب الأساتذة القوميين الألمان . إلا إن الأهم في تجربتها الجامعية ، التي عرفت من خلالها صوتاً وجودياً قوياً ناصر الحريات الأكاديمية ، ووقف بجانب الأستاذ الشاب ، وحاول بجد وقف جهودهم من طرده من الكلية . كان هذا الصوت ، هو صوت الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . وبين بأنه بإسم الديمقراطية ونظام الإقتراع ، تم التصويت في حق (قضية طرد) الأستاذ كامبل من التعليم الجامعي .

  وهكذا نجح القوميون الألمان بإسم الديمقراطية من خنق الحريات الجامعية . وعلق الأستاذ الأكاديمي ياسبزر عليها يومذاك قائلاً :    

  ” إن القضية في الأساس ، هي الحرية الجامعية ” . ومن ثم تذكر ياسبرز الحادثة فكتب في ممواره الفلسفي ، فعلق مفيداً : ” لقد طُرد الأستاذ بسبب وجهات نظره التي خضعت إلى التحقيق ” . ومن دلالات هذه الحادثة في طرفها الوجودي ، إن حانا إرنديت عرفت الوجودية ومواقفها من الحريات من خلال الفيلسوف الوجودي ياسبرز ، وليس من طريق الفيلسوف الوجودي الحبيب مارتن هيدجر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة (حانا إرنديت 1906 – 1975) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2013

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إلا إن العلاقة الأكاديمية بين الطالبة حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز تعمقت من خلال البروفسور الحبيب مارتن هيدجر . وفعلاً فقد لعب دوراً فعالاً في تعريف حانا بكارل ياسبرز أولاً ، ومن ثم حمل حانا إلى الإنتقال من جامعة ماربورك إلى جامعة هيدلبيرك ، وإقنع ياسبرزعلى قبول حانا وتسجيل إطروحتها للدكتوراه  بإشرافه ، والتي كانت بعنوان مفهوم الحب عند القديس أوغسطين .

  وبصعود النظام النازي عانت حانا إرنديت وأستاذها كارل ياسبرز الكثير ، فقد سُد الطريق أمام حانا لكتابة إطروحتها الثانية للتأهيل في التدريس الجامعي . ومن طرفه ياسبرز أُجبر على التوقف من العمل الأكاديمي ، وهو المسيحي الألماني ، وذلك بحجة إن زوجته كانت يهودية . ومن ثم تم إنتخاب مارتن هيدجر رئيساً لجامعة فريبيرك (1933 وبعد عشرة أيام وبالتحديد في 1 مايس إنتمى إلى الحزب النازي) ، فتكونت مواقف جديدة لكل من ياسبرز وحانا إرنديت التي هجرت ألمانيا وفرت إلى باريس . فبدأت مرحلة جديدة من العلاقة ، خصوصاً بعد الحرب بين الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف كارل ياسبرز ، والتي تكشفها المراسلات بينهما ، والتي فيها الكثير من المواقف والتوضحيات عما حدث في ألمانيا ، وخصوصاً في علاقة ياسبرز وحانا بهيدجر .

الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز معلماً ومشرفاً على حانا إرنديت

   بداية نحسب من المفيد أن نشير إلى الأحداث التي تطورت في جامعة ماربورك عامة ، وشكوك الفريدا هيدجر ، ومواقفها العدائية المعلنة ضد الطلبة اليهود وترويجها المكشوف لمنظمات طلبة الإشتراكية الوطنية (أي جمعيات الطلبة النازيون) ، وخصوصاً من المقربين جداً في حلقة أصدقاء حانا إرنديت+ . كل هذه الأحداث حملت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + للتفاصيل عن حياة الفيلسوفة حانا إرنديت أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة (1906 – 1975) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 حانا أن تترك جامعة ماربورك ولن تعود إليها ، خصوصاً وإنها قد ذهبت قبل كل هذه الأحداث للدراسة مع أدموند هوسرل  ، ورغم تحفظها الشديد وتجنب أي موقف يثير حفيظة الفريدا هيدجر . فقررت أن تبتعد عن هيدجر وماربورك ، وإن تتخلى عن فكرتها في كتابة الدكتوراه مع هيدجر (1)  .

   والحقيقة إن هذا القرار لم يكن من طرف حانا إرنديت لوحدها ، بل شاركها فيه هيدجر كذلك . وهذا فعلاً ما أوضحته كاتبة سيرة حانا ” إليزابيت بروهيل ” ، حيث قالت : ” إن كلاهما (أي حانا وهيدجر) قررا الحذر والإبتعاد قبل أكتشاف علاقاتهما. وعلى هذا الأساس رتب هيدجر قبولها في جامعة هيدلبيرك ، حيث هناك صديقه كارل ياسبرز ، رئيس قسم الفلسفة ” (2) .

  ويبدو إن قدر حانا إرنديت الأكاديمي تكرر مرتين ، فقد عرفنا من خلال البحث السابق ، إن حانا بدأت مشاوارها الأكاديمي في جامعة ماربورك ، وإن بروفسورها الحبيب ” ملك الفلسفة المتخفي ” إستهل كتابة إنجيله الفلسفي الوجود والزمن ، والذي إعترف لاحقاً بأن حانا هي التي ألهمته الكثير في كتابته والتي ساهمت في مناقشة أطراف منه خلال فترة لقاءهما في كوخه الخشبي الذي إشترته له زوجته الفريدا هيدجر+ . والمرة الثانية ما إن حطت الرحال في جامعة هيدلبيرك ، وإن باشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + للتفاصيل أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والكتورة نداء إبراهيم خليل : الفيلسوفة حنا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 بروفسورها كارل ياسبرز بجمع ملاحظاته ومحاضراته ، وبالطبع بعون من حانا إرنديت ، في تهيئة مخطوطة رائعته الفلسفية المعنونة ثلاث مجلدات في الفلسفة .

وعلى حد تعبير إليزابيث بروهيل : ” إن الألهة منحتها فرصتين : الأولى إنها درست مع أكبر فيلسوفين ألمانيين في عصرها ، واللذان وصلها إلى أعلى درجات نضوجهما خلال الحربين العالميين . والثانية إنها شاركت معهما في داخل المحاضرة ، ومن خلال المناقشات في تلوين أعمالهما الفلسفية الرائعة ” (3) .

  وإذا كان مثالها الفلسفي في جامعة ماربورك ، ملك الفلسفة المتخفي ، والبروفسور الحبيب هيدجر ، والذي كان يشكل إنموذجاً ذكياً غريباً في كل شئ ، غريباً في تحديه الدائم للعالم والجامعة ولشخصه وفكره وعائلته وعلاقاته الجنسية مع طالباته وخياراته السياسية التي عرضت الصديق والعزيز للدهشة والحيرة ، والتي عبرت عنها حانا أرنديت في مقالها الشهير ” هيدجر الثعلب ” (4) . فإن مثالها الفلسفي في جامعة هيدلبيرك كان معلماً تعلمت منه حانا درساً يتعلق بطريق الحياة . وهذا تحدي من نوع جديد للطالبة حنا ينبغي أن تواجهه وتعيشه . وهكذا كان طريق الفلسفة في هيدلبيرك مرتبط بنوع جديد من المثال والقدوة ، وهو طريق العقل ” الذي يأمر ويهيمن خلال الأمكانيات والذكاء والمهارات ” . وهكذا وجدت في البروفسور المتفرد كارل ياسبرز ” الأنسان الذي هو الإنموذج الإنساني المنافس لمثال غوته ” (5) . وياسبرز هو الإستاذ المشرف على إطروحتها للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان مفهوم الحب عند القديس أوغسطين + .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ خلاصة إطروحة الدكتوراه للفيلسوفة حانا إرنديت ومناقشة موجزة لبعض أطرافها ، أنظر :

Elisbeth Young Bruehl, Hannah Arendt: For Love of the World, Scend Edition, Yale University Press 2004, pp. 490 – 500

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : من هو كارل ياسبرز الإنموذج الإنساني ومعلم طريق الحياة الذي هو في الوقت ذاته طريق الفلسفة ؟ وما علاقته بالفيلسوفة حانا إرنديت ؟ وكيف أثر على فكرها الفلسفي ؟ هذه أسئلة ستحاول محاور متنوعة من هذا البحث الإجابة عليها .

مؤشرات عن سيرة ياسبرز ومصادر تكوين ذهنيته الفلسفية

  ونحسب بداية إنه من الضروري إعلام القارئ والباحث بأن كتابتنا عن سيرة الفيلسوف كارل ياسبرز قد إعتمدت في الأساس على الرسائل المتبادلة بين كارل ياسبرز ووالديه ، والتي قامت الباحثة سوزانا كيركبرايت بترجمتها إلى الإنكليزية ، والمنشورة بشكل واسع في كتابها المعنون ” كارل ياسبرز : سيرة ذاتية وإبحار في الصدق ” / وبالتحديد في ملاحق الكتاب . والحقيقة إن هذا الأسلوب من التخاطب قد دشنته الوالدة هنريت (أم ياسبرز كما سترى ذلك) ، ومن ثم أصبح تقليداً تربوياً – تعليمياً ووسيلة تخاطب بين أفراد العائلة ، ومن ثم وسعته ليشمل الأقارب والمعارف ومن ثم شمل أبناء مدينة أولدنبيرك . وهو الأسلوب من التخاطب  الذي سيطوره  الفيلسوف ياسبرز إلى ما سيعرف فيما بعد بطريق التخاطب الوجودي+ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ للتفاصيل أنظر :

Suzanne Kirkbright, Karl Jaspers (A Biography Navigations In Truth), Yale University Press 2004.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ولد كارل ثيودور ياسبرز في 23 شباط عام 1883 في مدينة أولدنبيرك في شمال ألمانيا . وتربى في أحضان عائلة بروتستانتية منفتحة وذات تركيب ثقافي ومهني متنوع . فمن طرف الوالدة هنريت ياسبرز (1862 – 1941) فقد أحب ياسبرزالريف وتعلق به وذلك لأن والدته جاءت من مجتمع فلاحي محلي . ومن طرف الوالد فقد كان رجل قانون وليبرالي وله وجهات نظر نقدية للحياة الدينية ” ولكنه لم يتطلع على الإطلاق إلى التأثير على إتجاهات أولاده الثلاثة (ولدان وبنت واحدة) وهم كل من كارل ، إرنا وإينو . فمثلاً كارل إرتبط بالكنيسة البروتستانتية عندما كان إبن الخامسة عشر . إلا إنه مثل والده كان حساساً من تأثير التعاليم المسيحية في الحياة العملية . والحقيقة إن إتجاهات الوالد الشكوكية لعبت دور الإنموذج في شخصية وتفكير وسلوك الولد ياسبرز” (6) .   

  وهكذا فبتأثير الوالد تكونت شخصية الطفل ياسبرز المحب للحرية . كما ومن طرف والده بدأ دراسته الجامعية أولاً مع القانون ، ومن ثم تخلى عنها إلى الطب ، وبالتحديد الطب النفسي . ولكن قدر ياسبرز قد حددته السنوات الأولى من حياته ، والتي كان للوالدة دوراً كبيراً في رسم إتجاهته بصورة عفوية يومذاك . فقد كانت الوالدة تستعير من المكتبة المحلية ، العديد من الكتب الفلسفية ، وإن ذكرى هذه الكتب وماتركته من أثار عميقة في شخص الصبي ياسبرز ستلعب دوراً في حسم أمره مع الطب النفسي ، وبالتحديد بعد وصوله إلى العقد الرابع من عمره ، وبعد شهرة في مضمار الطب النفسي ، ومجموعة من الكتب فيها ، قرر ترك الطب النفسي ، والصعود إلى عالم الفلسفة . وهذه قضية سنفصل فيها لاحقاً .

   لقد بدأ مشواره التعليمي والتربوي في شكلين من التعليم ، الرسمي في المدرسة والذي كانت فيه حياته عاصفة بالصراع مع الأراء المحافظة والتي تمثلت بشخصية مدير المدرسة . والحقيقة إن حياته المدرسية مختلفة على الإطلاق من بيئة البيت الهادئة المستقرة ، حيث بدأ تعليمه الخاص مع أخته إرنا ومع معلم خاص والتي ستستمر فيه شأنها شأن بنات جيلها . في حين سينتقل ياسبرز إلى مدرسة النحو عندما قارب العمر الذي أهله للدخول إلى هذه المدرسة .

  وفي مدرسة النحو حصل ياسبرز على التدريب في مضمار الإنسانيات (الكلاسيكيات) والتي ضمت اللغتين اليونانية والرومانية (منا = الأدق اللغة اللاتينية حيث أصبحت البديل اللغوي الجديد ومن ثم أزاحت اللغة اليونانية ، وتحولت إلى لغة السياسة والدين والثقافة ..) وبهذا الطرف ربطت الإنسانيات الفتى ياسبرز بوشائج قوية بالوضع الثقافي ورجال الفكر الحر يومذاك . ولا غرابة إن طورت دروس مدرسة النحو ، في بواكير شبابه ، علاقات قوية ببعض الرموز الثقافية الألمانية من أمثال غوته (1749 – 1832) وشيلر (1759 – 1805) (7) . وفعلاً فإن والدته هنريت ياسبرز إعترفت في كلمتها التي ألقتها في هيدلبيرك ، وبمناسبة عيد ميلاد ولدها الفيلسوف كارل ياسبر (الخمسين) ، بأنها ” إستعارت له (وكذلك كارل فعل بنفسه) بعض الكتب حول الفلسفة من المكتبة المحلية ” (8) . ومن ثم قرأ إسبينوزا +

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + ومن هنا حضر برأينا الفكر العربي الرشدي عبر إبن ميمون تلميذ إبن رشد غير المباشر وملهم إسبينوزا كما يعترف الأخير . وهذه مسألة تحتاج إلى أبحاث معمقة ومقارنات لبيان حجم ما حضر من فكر لإسبينوزا في فلسفة ياسبرز ورصد إصولها الميمونية (نسبة إلى لإبن ميمون وكتابه دليل الحائرين وجذورها الرشدية التي تفرغ لها إبن ميمون يوم كان طبيب صلاح الدين الأيوبي ما يقارب الأثنتا عشر سنة لدراسة كتب إبن رشد ومن ثم ألهم طلابه اليهود وكان المحرك لتأسيس حركة عارمة هي الحركة الرشدية العبرية . أنظر للتفاصيل :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس / شتاء 2012  .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1632 – 1677) وكانط (1724 – 1804) . وربما أعمال هؤلاء الكبار من الفلاسفة لعبت دوراً في إيقاظ وعيه وتوجيهه ليعمل بإتجاه الحياة والإنسجام والتوافق .

  ونحسب إن من النافع أن نشير إلى إن نمو ياسبرز الفكري قد تكون في رعاية رجل قانون ليبرالي متشكك لا يستقر على حال ثابت ولا يسلم أمره لعقائد لا تصمد أمام التجربة الحياتية والأختبار . وفعلاً إن ماحدث في هذه المرحلة إن برنامجه التعليم هيمنت عليه المعارف الكلاسيكية ، وإذا كان هذا منهج مدرسي مفروض ، فإن ياسبرز خضع له وتعلم منه الكثير إلا إنه كان مرحلة تعليمية ولم يكن خياره الدائم ، ولذلك تحول من التربية التي تقودها الكلاسيكيات ، وإنتقل إلى التربية عن طريق الخبرة ، والتي تستهدف القلب ، وتركز على المنافع والميول . وهذا التحول ترك أثراً فعالاً على خياراته التي حددت نوع المهنة التي يتطلع إليها في مستقبله . ولعل واحداً من الأمثلة الكلاسيكية البارزة في مسيرته الفلسفية ، إنه بدأ يقرأ الفيلسوف كانط بإمعان وتفصيل ، ولكنه في النهاية بدأ يكتشف كانط الحقيقي ، وهنا حدثت المواجهة مع فلسفة كانط (9) .

   كما ولعبت الأم هنريت في تدشين نوع من التقليد التربوي التعليمي المتفرد ، والذي تمثل في شكل من أدب الإتصال والتخاطب (المراسلات) بين أفراد العائلة والأقارب ومن ثم وسعتها لتشمل دائرة واسعة من أبناء مدينتها كما ذكرنا ذلك . ومن هذا الطرف دفعت الأم هنريت ولدها إلى المشاركة في هذا الفن من الإتصال . فكانت فعلاً تجربة رائعة مكنت ياسبرز إن يطور قدراته في الكتابة ، ويصقل مهارته في عملية الإنشاء والتأليف . وهذا الجنس من الإتصال سيطوره ياسبرز فيما عُرف بالإتصال أو التخاطب الوجودي . ولعل من المناسب الإشارة إلى إن الوالدة هنريت لم تكتف بذلك ، فقد قامت بتوثيق كل هذا التقليد التربوي (المراسلات) ، فقامت عام 1929 بطبعها وقدمتها هدية في عيد ميلاد كيرترود (1879 – 1974) زوجة ولدها ياسبرز (10) .

      وبالرغم من أن ياسبرز عاش في أحضان عائلة تنتمي في وضعها الأقتصادي والثقافي إلى أعالي الطبقة الوسطى ، التي وفرت العيش الرغيد لها ولأطفاله ، فإن حياة الطفل ياسبرز لم تنعم بكل هذه الأجواء السعيدة ، فقد مرت طفولته ، وبالتحديد منذ كان في الثالثة من عمره في إمتحان صحي (إعتلال مرضي) عسير صاحبها حالة حزن وفقدان معنى البهجة في الحياة ، وإنتهت إلى موجات من السعال . وهذا الحال أقلق العائلة التي كانت تسعى بكل جهدها إلى البحث عن فرص الشفاء لطفلها ياسبرز . وفعلاً فكانت تقوم بسفرات خلال العطل سعياً لتوفير الشفاء له .

  أما من طرف الوالدة هنريت فكانت حساسة وقلقة على أوضاع ولدها البكر ، وكانت مهمومة في رصد الأعراض المرضية وتطورها . ولما بلغ الخامسة عشر من عمره  لاحظت هنريت إنه بدأ مرة ثانية يعاني من موجات السعال الشديد والذي صاحبه حالة إنفلونزا . وقد كشفت واحدة من الرسائل التي بعثها الوالد إلى الوالدة ، إلى الغرض من هذه السفرات القصيرة ، والتي فيها طلب الشفاء من أعراض مرض الطفل ياسبرز . فقال : ” إن كلي (وهذا هو أسم كارل كما كانت العائلة تطلقه عليه) هادئ ونشيط ، ولكنه لازال في الوقت ذاته يقرقر ويسعل بشدة في المساء ، وإنه لا ينام إلا فترة قصيرة ، وأحسب إن ذلك العلاج قد ساعد بصورة عامة على تحسين أوضاعه الصحية ، خصوصاً في حالة تنفسه ، ولذلك يتطلب منا أن نستمر في إستحمامه وتوفير الراحة له ، وما علينا إلا أن ننتظر ونراقب الموقف ” (11) .

     لقد عاش ياسبرز خلال الفترة التي قضاها في مدرسة النحو ، نوعين من الصراع ؛ صراع مع المرض الذي عرضه إلى الغياب المتكرر من المدرسة ، كما وسبب له العزلة من رفاقه في الفصل الدراسي . وصراع مع مدير المدرسة الأستاذ هري ستينفورث ، والذي يُوصف بكلمات كتاب سيرته بأنها ” كانت معقدة ” . ولعل من المناسب هنا أن نشير إلى إن التقليد الذي خطه المدير ، هو قبل مغادرة الطلاب للمدرسة والذهاب إلى الجامعة ، بعد ألقاء خطاب باللغة اللاتينية . والفتى ياسبرز الشخصية الحرة ، تمرد على المدير ، ورفض إلقاء الخطاب باللغة اللاتينية ودافع عن موقفه المستقل . وفي النهاية كان لازاماً على ياسبرز أن يزور المدير قبل المغادرة . وفعلاً ذهب إلى زيارة المدير ، والمدير من طرفه رحب بياسبرز ، بالكلمات التي تترجم العلاقة المعقدة بين الطالب المتمرد ، والمدير الصارم . فقال المدير هري :

” لا شئ يمكن أن يتحول على أية حال ، وذلك بسبب إن مرضك حقيقة عضوية للحياة ” . والحقيقة إن هذا التعليق العدائي من قبل المدير ، سجل المنافع الرئيسة من تمرد الطالب ياسبرز على مدير المدرسة ستينفورث (12) .  

  ولكن هذه المرحلة شهدت مناقشات مفتوحة بين الفتى ياسبرز ووالده ، والذي كان يستمع بإمعان لأراء ولده ويسانده على الدوام ، إلا إن الأب في قضية المدير ستينفورث بين له الخطوط الحمر التي لا يجوز تجاوزها في علاقته بالمدير ، ولذلك حذر ولده من النتيجة غير السارة ، خصوصاً إذا ولده عازم على لوي يد (سلطة) مدير المدرسة ومن ثم هزيمته . وفي الوقت ذاته فإن تسوية قد تمت مع المدير بخصوص الحالة المرضية للفتى ياسبرز ، والتي ساهمت من طرفها في عزله من معظم زملائه في الصف . كل هذه الأوضاع حملت الفتى ياسبرز إلى الإفتنان بتاريخ الفن ، والذي إستهله بجمع البطاقات البريدية (والطوابع) واللوحات الفنية . ويحسب الباحثون في سيرته الذاتية إن إهتمامه بالفن أثارته هواية والده في الرسم بالألوان المائية . وفعلاً فإن لوحات والده للمناظر الطبيعية ، وخصوصاً مناظر البحر قد فتحت أمامه الطريق التي حضرت فيه الحياة وخلال توسط الفن الذي جلب الحقيقة إلى دائرة الإنتباه ، ورتبت الأشياء في حالة إنسجام هارموني .

  صحيح إن ياسبرز صمت في أعمال مرحلة النضوج ، ولم يفصل الحديث عن الفن فيها . إلا إن المفهوم النقدي للفنون الجميلة ، شكل مساراً يتساوق وإعجابه باللوحات التي رسمتها ريشة والده . ولعل اللذة والمتعة التي جناها من ملاحظة تلك اللوحات  أضافت بعداً ذوقياً خاص إلى جملة الأثار الشخصية القوية التي تركها والده عليه . وإن الحاصل من كل ذلك إضافة إلى التربية الكلاسيكية ، هو التغيير في القلب وخطة المستقبل في مسيرة ياسبرز المهنية ومن ثم في تجربته الفلسفية (13) .

  وفي نهاية هذه المرحلة من حياة ياسبرز ، وبالتحديد في نهايات شهر نيسان / أبريل عام 1901 ودع تعليم الكلاسيكيات ومدرسة النحو ، وتوجه بعيداً عن مدينته ، فرحل إلى الجنوب حيث جامعة فريبيرك وذلك لدراسة القانون  . ويبدو إنه ذهب للعلاج وتشخيص مرضه وفقاً لخطة سرية بدأت بفكرة الوالد بزيارة الدكتور فرانكيل ، وفعلاً فقد صرف الفصل الأول من دراسته للقانون ، في عيادة الدكتور ألبرت فرانكيل ، وهو صديق حميم لعائلة آل ياسبرز ، وذلك لتشخيص حالته المرضية . وقد كتب ياسبرز رسالة من هناك إلى والديه ، قال فيها :

” بادينويلر 27 أبريل 1901

الوالدان العزيزان

يعتقد الدكتور فرانكيل ، إنه من الضروري أن أعلق دراستي في الفصل الجامعي القادم ، وأن أنصرف للعلاج .. والذي سيكون باهضاً . ولكنني أحسب إن موارد الوالد المالية ستسمح بذلك العلاج . ومعلوم أن صحتي مرهونة بذلك ، بل وإن مجمل حياتي فيما بعد ستكون مرهونة بمثل هذا النوع من العلاج …

  وأنا لم أكن سيداً في إسلوبي الألماني ، ولا مدركاً بل ولا أعتقد بأنني محتاج لوصف الحال بأنه يحمل الكثير من السرور . ولهذا السبب كتبت إليكم بصورة صريحة تماماً ، وأستطيع أن أقول بكل قناعة ، وكما طلب مني الدكتور فرانكيل (ووعدني أن يكون صريحاً تماماً) وهو إنه لا يوجد شئ مزعج لحد الأن ، بل والأكثر من ذلك يجب أن أكون سعيداً لأن سبب مرضي المزمن ، على الأقل تم تشخيصه وإكتشافه وفي الإمكان علاجه … والمرض بحد ذاته هو إلتهاب الرئة ، وهو في كل الحالات مرض مميت . وهذا كما يبدو بوضوح تام إنها نظرة خاطئة . وإذا لم يكن مرض السل قد أصابني وإنتشر ، فأنا في صدمة قوية عندما سمعت بالأخبار أولاً ، ولكن سمحت لنفسي أن تتوقع الأفضل .

  وسأتوقع منكم إرسال برقية إلى فندق هوف وذلك لأتأكد بسرعة ، وأخطط للذهاب في هذه الحالة إلى البروفسور بويملر وذلك للإستماع إلى نصيحته في الموضوع ذاته . وأنا أستطيع البقاء في بادينويلر

مع أشواقي وتحياتي

إبنكم كلي ” (14) .

   وما دام ياسبرز تحت العلاج في عيادة الدكتور فرانكيل ، وبالتحديد خلال شهور الصيف التي إمتدت من مايس وحتى أواسط شهر تموز 1901 ، فأن حاله الصحي أخذ بالتحسن والدليل على ذلك زيادة وزنه المستمر ومن ثم إستقر عند وزنه الطبيعي . وعلى أساس هذا الحال الصحي الجديد ، بدأ ياسبرز برنامجاً خاصاً في القراءة وأعمال الفن . ولذلك طلب بعض الكتب من البيت . ونحسب إن عناوين والموضوعات التي تناولتها هذه الكتب لها من الأهمية في توجهات ياسبرز الفيلسوف خصوصاً فيما بعد تخليه عن الطب النفسي مهنة وتفضيله الصعود إلى طوابق الفلسفة العالية مهنته وقدره الذي لا خيار عليه . وهذه الكتب وبالطبع بينها مجلات دورية ، هي : مجلة تاريخ الفن ، معجم القانون الروماني ، ومجموعة كتب فلسفية مثل ؛ كتاب بولسين المعنون مقدمة في الفلسفة ، وكتاب الجيب المعنون الأخلاق عند سبينوزا (15). وهذه القائمة من الكتب تحمل حسن طالع واعد لوضع ياسبرز الصحي وربما عودة قريبة إلى مقاعد الدراسة الجامعية .

      صحيح جداً إن هذه القائمة من الكتب التي طلبها ياسبرز ، تكشف عن رغبته في طلب المتعة والترفيه في هدفها المعلن . إلا إنها  في الوقت ذاته بعثت من جديد في روح ياسبرز خطة دروس الرسم ضمن الفصول الأولى من إلتحاقه بجامعة فريبيرك . والتي سرعان ما صرف النظر من الرسم بعد ما فشل معلم الرسم في أن يرتقي إلى مستوى تطلعات ياسبرز . وفعلاً فقد شارك ياسبرز ذلك مع والده في الرسالة التي بعثها في 21 مايس 1901 ، فقال فيها :

” العزيز بابا

أنا جداً متمتع بالرسم ، ولكن المشكلة إن معلم الرسم ليس بالمستوى المطلوب ، فالبارحة رسمت شجرة بلوط قديمة ، وفعلاً فقد رسمت جذع الشجرة بصورة جيدة ، ولكنني لم أتمكن من رسم الأوراق ، فطلبت من معلم الرسم ، إذا سمح أن يبين لي كيف ترسم الأوراق … أنه لم يكن قادر على أن يبين لي بطريقة مقبولة كيف ترسم الأوراق ، ولم يستخدم سوى جملتين لشرحها ، إضافة إلى إن الدرس الواحد يكلفني ثلاثة ماركات . ولذلك قررت التوقف من هذه الدروس ، والقيام بالرسم إعتماداً على نفسي .

تحياتي وأشواقي للجميع

إبنكم كلي ” (16) .

  ومن النافع أن نشير هنا إلى إن هذا الإهتمام بالفن ، وخصوصاً بلوحات والده وما أثارته فيه من ولع في إكتشاف عالم الفن ، إنه سيتطور لاحقاً في مشروع كتابة عن الرسام الإنطباعي فان خوخ ( 1853 – 1890) وبالتحديد في كتابه عام 1922 +(أنظر في الهامش تفاصيل عن حياة الفنان فان خوخ) .

  وبعد علاج إستمر شهور عدة ، سمح الأطباء لياسبرز ومن ضمنهم الدكتور فرانكيل بمغادرة العيادة ، وربما العودة إلى دراسة القانون ، ففضل زيارة البيت . ومن ثم في منتصف إكتوبر ذهب إلى جامعة هيدلبيرك لدراسة القانون والتي إستمرت سنة واحدة (ومعلوم إن هناك فصل دراسي صيفي لم يكمله في جامعة فريبيرك) . ولكنه إستمر في فصل دراسي شتوي في هيدلبيرك ، وفصل صيفي في ميونيخ . وخلال هذه السنة بدأ ياسبرز يفكر جدياً في تغيير الإختصاص . ويبدو إن إلهاماً روحياً حدث لياسبرز بعد ما شخص الدكتور فرانكيل حالته المرضية (17) .

  وفعلاً فإن قارئ كتاب ياسبرز المعنون المموارز الفلسفي (وهو سيرة فلسفية بقلم ياسبرز) ، يرى كيف يصور ياسبرز التحولات التي أصابت القلب ومن ثم إمتدت فطالت الإختصاص الأكاديمي والمهني على حد سواء . ولعل العنوان الذي إختاره كارل ياسبرز يكفي للتدليل على هذا التغيير ، وهو القدر والإرادة (وهو العنوان الفرعي للممواره الفلسفي) . ويبدو لنا بوضوح الأثر الشوبنهوري على تفكير ياسبرز في هذه المرحلة ، والذي حدد قدره الأكاديمي وشحذ إرادته وحملها على إتخاذ القرار . وهناك شواهد جاءت من خلال مراسلات عائلة ياسبرز والتي تردد فيها بقوة المصطلح الشوبنهوري ، ونعني كلمة الإرادة . إضافة إلى إن ياسبرز في الفصل الأول من دراسته في جامعة هيدلبيرك ، قد ذكر بصورة موجزة إلى إنه قرأ كتاب شوبنهور (1788 – 1860) العالم كإرادة وصورة ، كما وتؤيد ذلك رسائله التي بعثها إلى والديه ، والتي فيها يكشف عن تحمسه لفلسفة شوبنهور+ خلال أجواء التشأم التي لازمت عزلته هناك . والحقيقة إن في الرسالة شواهد كافية على كل ذلك الأثر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + أنظر للتفاصيل عن كتاب شوبنهور العالم كإرادة وصورة :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ شوبنهور والشرارة الأولى للكانطية الجديدة / موقع الفيلسوف / 12 أبريل 2012 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشوبنهوري . يقول ياسبرز :

الوالدان العزيزان

أنا ميال إلى  حياة العزلة في غرفتي ، وإلى القراءة … فقد طلبت شراء كتب شوبنهور ، وذلك لأن فلسفته كما تبدو لي ، قد كتبت عن حالتي … تحيات وأشواق من إبنكم كلي ” (18) .

  كما كشفت رسائل ياسبرز في هذه المرحلة عن إهتمامه  الخاص بكتب نيتشه (1844 – 1900)+ . ونحسب إن هذه الكتب النيتشوية ، هي التي وجهت تفكير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ للإطلاع على أطراف من تفكير نيتشه ، أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ ثورة الفلسفة : مشروع نيتشه في كتابه ما بعد الخير والشر / موقع الفيلسوف / 14 أبريل 2011 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ياسبرز إلى شواطئ عالم النفس ، ومن ثم حملته على التخلي من دراسته الجامعية في ميدان القانون والتشريع ، وبالتحديد التحول إلى مضمار الطب النفسي . وفعلاً فإن قارئ رسالته التي بعثها إلى والديه من سيلس/ إيطاليا ، والمؤرخة في 1 أغسطس 1902 تكشف عن إنشغال تفكير ياسبرز في فلسفة نيتشه . ويبدو إن قدر ياسبرز ونيتشه كان واحداً على الأقل في زيارة سيلس . كما إن قدرهما (أي حالتهما المرضية) هي التي دفعت بهما إلى زيارة هذه المنطقة . وبعد وصف لجمال الطبيعة ، ختم رسالته بالحديث عن عظمة القوى الطبيعية التي لها صدى في موسيقى فاغنر  ، وهو زميل نيتشه ومعاصره وله كتابات (أي نيتشه) عن موسيقى فاغنر . قال : ” يبدو إنه كان من المفروض على نيتشه ، أن يصرف خمس سنوات من حياته هنا . أما بخصوص حالتي الصحية فهي ممتازة جداً

تحياتي وأشواقي 

ولدكم كلي ” (19) .

   ونحسب إن دافع ياسبرز في الكتابة عن أعمال نيتشه في الرسالة التي بعثها لوالديه ، هو ليبين لهم في هذا الوقت المبكر ، قيمة هذه الأعمال النيتشوية ، وخصوصاً إسلوبه المجازي في كتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” وفكرته فيما أسماه بالبعث الأبدي من طرف ، وليعلمهم من طرف أخر إلى إرتباط نيتشه بمنطقة سيلس التي زارها ياسبرز (20) .

ويبدو إن هذا الإهتمام بفلسفة نيتشه ، هو الذي لعب دوراً حاسماً في ترك دراسة القانون والتحول إلى مضمار الطب النفسي والإهتمام بقضايا النفس الإنسانية . والحقيقة إن قوة الأثر النيتشوي على ياسبرز لا يقف عند حدود التحول إلى مضمار النفس ، وإنما سيتطور في مشاريع ياسبرز الفيلسوف لاحقا ، والتي تمثلت في مشرع محاضراته عن نيتشه . والحقيقة إن هذا الإهتمام بنيتشه وفلسفته مثل معلماً قوياً في أبحاث الفيلسوفين الصديقين مارتن هيدجر وكارل ياسبرز (صداقتهما إستمرت حتى عام 1933 ، ثم أصابها مد وجزر سياسي) وهما اللذان كانا الرمزين الفلسفيين اللذان تركا طبعات قوية على تفكير طالبتهما الفيلسوفة حانا أرنديت ، والتي إرتبط إسمها ملهمة لكتاب هيدجر الوجود والزمن (21) ، ومساهمة في مناقشات وإعداد مشروع ياسبرز الفلسفي المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة (22) . وعلى هذا الأساس يصبح النقد الموجه لهيدجر من قبل خصومه طلاب مدرسة فرانكفورت / النسخة الأمريكية ، وبالتحديد في إهتمامه بينتشه له دوافع معاداة السامية هاوياً لا يستند إلى دليل (23) ، وذلك لأن ياسبرز الخصم العنيد للنازية ، هو الأخر إهتم حتى النخاع بفلسفة نيتشه ، وبفكرة السوبرمان ” زرادشت ” في كتاب نيتشه المعنون هكذا تكلم زرادشت .

  وهكذا جاء قرار ياسبرز بترك دراسة القانون ، والتحول إلى مضمار الطب بعد إقناع والده وبرسالة مدعومة من قبل الدكتور فرانكيل . وفعلاً بدأ دراسته للطب في 1902 في جامعة برلين ، وإستمرت حتى 1908 . ولعل رسالة والدته التي بعثتها في 25 إكتوبر 1902 ،  تكشف عن هذا التحول الإيجابي لصالح ياسبرز ومن ثم فيما بعد لوالديه . تقول الوالدة هنريت :

” في الحقيقة إن بابا وافق تماماً على شراء كل ما تحتاجه ، وهو يؤيد دراستك ، وربما إنك تحتاج أن تشتري أطلس جديد ، وشكل جديد للجهاز العظمي . وقال بابا إن كل ما يساعدك في الدراسة هو مال يمكن إستثماره بصورة حكيمة ، وأنا أحسب أنه جيد لك . وإذا كان من الممكن وخلال دراستك في الغرفة ، أن تضع شكل الإيضاحي للجهاز العظمي أمام ناظريك دائماً ” (24) .

  ومن المؤشرات المهمة في حياته نحو توجه العلمي والطبي ، إن والده في العطلة الصيفية لعام 1904 ، رتب له فرصة عمل تدريبي في المحظة الفيزيولوجية في هولكولاند ، ومن خلال علاقاته الشخصية مع مدير المحطة ، وكانت غرفة عمله في المنارة الضوئية لهداية السفن ، وكانت مطلة على البحر . وهذه كانت فرصة ممتازة لإقامة علاقات مع باحثين أخرين ، والتي ألهمته في إستمرار دراساته الخاصة في مكتبة المحطة . وبعد ثلاثة سنوات من التدريب الطبي (ستة فصول دراسية) ، إجتاز ياسبرز الإمتحان الأول بنتائج ممتازة والتي توافقت مع عيد ميلاده الثاني والعشرين (المصادف في 23 شباط / فبروري 1905 (25) .

   ورغم هذا التحول نحو جادة العلوم وقيامه بالتجارب ، فإن مشاعره في هذه المرحلة لم تكن مستقرة ، وربما إن هذا الطرف من التوجه سد عليه الطريق من إدراك هدفه الرئيس وإهتماماته المركزية ، والمقصود هو أن يتعلم عن الكائن البشري بالمعنى الإنساني . ولعل هذا الهم كشفته واحدة من ملاحظاته التي خطها قلمه فيما يمكن أن نسميها يومياته في كوتنكن ، وبالتحديد في العام 1904 / 1905 ، حيث قال فيها بالنص : ” كل واحد منهم (أي العلم والإنسانيات) يصف جانباً وحيداً ، ووحيداً فقط ، ولكن الفكرة الحقيقة السؤال : ما هي طبيعة الإنسان ككل ووحدة ” (26) .

  وتعتقد سوزان كيركبرايت ربما هذا جاء من طريق الشاعر الألماني غوته ، الذي كان ياسبرز في ذلك الوقت يقرأ روايته المعنونة الإلفة الإنتخابية ، وإعتقدت إن ياسبرز قد تداولها في يومياته ، وهي تقترح هذا النص من الرواية : ” ويتمتع الفرد بحرية في شغل نفسه بكل ما يجذبه ، وبكل شئ يمنحه اللذة ، ومع كل شئ يبدو له نافعاً : ولكن الدراسة المناسبة للكائن البشري ، هي دراسة الإنسان ” (27) . وهذا الهم الياسبرزي (نسبة إلى ياسبرز) ستحمله عناوين أبحاث ومؤلفات لما يسمى باللاهوت الوجودي ، والذي ستشاركه فيه طالبته الفيلسوفة حانا إرنديت ، ولللإستشهاد وليس الحصر كتابها المعنون الشرط الإنساني أو الحالة الإنسانية (28) .

   كما إن حضور ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، لعب دوراً في تكوين علاقة زمالة مع عدد من طلاب دفعته ، والتي ستكون في طرف منها ، ما يحدد التكوين المتفرد لعائلة ياسبرز (وإن كان في المستقبل فيها الكثير من الألام وخصوصاً بعد صعود الحزب النازي لسدة الحكم في ألمانيا وإستغلالها سبباً في تعليق أستاذيته وإحالته على التقاعد) . فمثلاً عندما ” وصل ياسبرز إلى هيدلبيرك ، طريق حياته بدأ يتغير نحو الأفضل ، وأخذت دائرة معارفه وزملائه من الطلبة تتسع ، ولم تقتصر على صديقه الوحيد فيرتز زور لويي . إنها إمتدت وشملت زميله في الدراسة إرنست ماير . وكان ماير مثل ياسبرز في الفصل العاشر من دراسته الطبية . صحيح إن تشخيص الدكتور فرانكيل حرره من مرضه المزمن . كما وصحيح جداً إنه يمتلك قوى وقدرات عقلية ممتازة مثل الذكاء والحساسية العالية . إلا إنهما غير كافيان لإستيعاب الصدمة التي خلقها تشخيص الدكتور فرانكيل . حقيقة إن ما يحتاج إليه ياسبرز ، هو إنعاش الجانب الروحي ، ولهذا كان الطرف من هذا الإنعاش ، هو الرحلة إلى سيلس . غير إن قرار زميله إرنست ماير بتعريف ياسبرز على أخته كيرترود ، كان هو طريق الإنعاش الحقيقي ، فقد وفر لياسبرز أجواء الصحبة مع عائلة ماير ، فكانت النتيجة إن تحولت حياة ياسبرز إلى أجواء مملوء بالسعادة والبهجة ” (29) .

   وبالمناسبة إن ياسبرز تعرف لأول مرة على كيرترود في 14 تموز (جُلاي) 1907 ،  ولم تمضي إلا بضعة شهور ، أصبح بعدها ياسبرز خطيباً لها بصورة رسمية . ومن ثم تلاه قرار سريع بالزواج دون علم والدي كيرترود وبعض أفراد عائلتها . وفي 29 سبتمبر 1910 حدثت مراسيم الزفاف ، وكانت عادية وهادئة للغاية ولسريتها فلم يحضرها لا عائلة ياسبرز ولا عائلة كيرترود . وإن الأحتفال تم في مكتب كاتب العدل في مدينة زاهليندوف ، والتي كان يعيش فيها كوستاف ماير الأخ الأكبر للعروسة كيرترود . وفعلاً فقد جاهدت كيرترود على إخفاء أخبار الزفاف عن عائلتها مدة أطول قدر الإمكان . ولهذا فإن والديها كانا أخر من عرف بهذا الزواج هذا من طرف . ومن طرف أخر فإن عائلة ياسبرز كانت عارفة بالوضع الصحي لولدها ، فمثلاً في تموز 1907 كان والدي ياسبرز يتوقعون بأن ياسبرز ربما لم يبقى على قيد الحياة ليحتفل بعيد ميلاده الثلاثين وهذه هي توقعات الأطباء كذلك (30) .

  وفي ضوء هذه الشكوك الخطيرة حول صحة ياسبرز ، فإنه من الممكن أن تتحول كيرترود إلى أرملة في المستقبل العاجل . ولهذا تحمل الأخ الأكبر كوستاف ماير ، مسؤولية ترتيب الأمور المالية لمساعدة أخته وبطريقة معقولة ، تتناسب وإلتزاماته العائلية (31) . أما من طرف الدكتور ياسبرز (السايكايتري / الطبيب النفسي) فقد كتب تقريراً لوالديه ملغوماً بالرمزية وغير واضح ، يفصل فيه واجباته في عيادة الطب النفسي في هيدلبيرك ، ومن ثم حشر فيها ملاحظة متفائلة حذرة ، يُظهر فيها إهتمامه الإنساني بسيدة شابة عمرها بحدود الثامنة والعشرين تتردد على العيادة النفسية ، وأخترع لها إسم فرويلين ماير . وكان في الحقيقة يسعى إلى  ذكر إسم كيرترود بطريقة تلفظ مشابهة لإسم صديقه الطالب إرنست ماير . وعملها بطريقة مدروسة لتكون إسما لشخص مجهول . وعلى هذا الأساس قدم المعلومات التي تبدو مشابهة لواحدة من مرضاه ، والتي لها تاريخ في العلاج النفسي .

   ونحسب من النافع أن نذكر بأن كيرترود أكبر سناً من ياسبرز بإربع سنوات ، ولها خبرة مع أعراض المرض العقلي في عائلتها (عائلة ماير) . فقد كانت أختها الأصغر منها عايدة ، ضحية للإنهيار العصبي . ومن الملاحظ إن مثل هذه الحقائق قد تم الإشارة إليها في رسالة ياسبرز التي ذكرت مقابلته (تعرفه) لأول مرة على كيرترود من خلال أخيها إرنست ماير (32) .

    كما ويبدو إن السبب وراء سرية زواج كيرترود وياسبرز يعود إلى إن ديفيد ماير/ والد كيرترود ، كان من الرموز الكبيرة للجماعة اليهودية في المنطقة . ولعل السؤال الصعب الذي كان يدوي في تفكيره ؛ كيف سيكون موقفه من الجماعة إذا تسامح وقبل زواج إبنته اليهودية من ياسبرز البروتستانتي ؟ صحيح إن القضية الدينية من طرف ياسبرز وعائلته ليست مهمة على الإطلاق . وعلى هذا الأساس ظلت الخطوبة مقبولة بحدود ما . أما الزواج فبقي مشروعاً معلقاً .

  وفي الوقت نفسه فقد وصلت أخبار زواجه إلى عائلة ياسبرز ، وذلك من خلال مصادر متنوعة . فمثلاً كوستاف ماير فكر بحكمة في إيجاد حل للمشكلة المادية لأخته كيرترود ومستقبلها مع وضع الإعتبار لحالة ياسبرز المرضية قبل إن يُفاتح عائلتيهما بالموضوع ، وخصوصاً في التفاهم مع والد ياسبرز في الدعم المادي للزوجين من طرف وتأمين وضع أخته في الوقت ذاته . وصادف إن جاء إلى هيدلبيرك إينو (1889 – 1931) / أخو ياسبرز لبداية دراسته في القانون ، وتعرف على كيرترود ، وعرف إينو الحال المُشكل في علاقة أخيه وزوجته كيرترود . فقدم إينو دليلاً على إمكانية إيجاد حل مناسب على الرغم من إن كيرترود ليست هي الخيار الذي كان يتوقعه لأخيه . ولكنه (أي إينو) رأى إن كيرترود مجرد هواء منعش له . وفي رسالة له بعثها لوالديه في 27 نيسان 1909 ، فيها تشع الكثير من المشاعر تجاه كيرترود . يقول إينو فيها :

” الولدان العزيزان

فرو ماير من الناحية المادية إسم على غير مسمى . وهي تعمل مثل الحصان ، وهي في هذه اللحظة دمرت أعصابها معه . وعلى أي حال ، فبعد التدقيق في رأيها ورأي كلي (أي ياسبرز) ، فإنها ستتعافى بسرعة مرة أخرى . وإنها شخصية فردية رائعة . والحقيقة إنه من الصعوبة جداً وصفها . إنها تماماً مختلفة على عكس ما تصورت ، وذات ذكاء عاطفي وليس عقلي فقط . إنها حقاً أكثر إنوثة وذكية جداً ، وقد عانت الكثير . وعلاقتها مع كلي (ياسبرز) هي خالصة وقائمة على أساس الصداقة . ولا تحاولوا وصفها بطريقة مختلفة . فمثلاً هي قالت : ” أذا أنا تزوجت أخيك ، فليس هناك ما يثير السؤال … ألخ (هكذا في الرسالة) ، وهي تقيم جسم كلي (ياسبرز) كما كلي يقيم نفسه (…)

تحيات وأشواق إلى أرنا (منا : أخت ياسبرز وإينو) كذلك

ولدكم

إينو ” (33) .

 ويبدو إنه بعد وصول رسالة إينو ، بعث والدي ياسبرز رسالة إلى ديفيد ماير ، تقدما له بطلب الموافقة على زواج ياسبرز من كيرترود . وفعلاً فقد لاحظ الباحثان إن هناك  ما يشير إلى العديد من الرسائل بعثتهما أسرة ياسبرز إلى إسرة ماير ، وبالتحديد رسالة بعثها الوالد ياسبرز إلى ديفيد ماير في 23 سبتمبر 1910 ، وفيها الكثير من المشاعر تجاه كيرترود ، ورسائل من الوالدة هنريت ياسبرز إلى والدة كيرترود كلارا ماير في 23 سبتمبر 1910 ، ورسالة من كلارا ماير إلى هنريت ياسبرز في 27 سبتمبر 1910 . (34) .

  كما إننا وجدنا نص أولي لرسالة بعثها ياسبرز إلى خاله السياسي المعروف والوزير في جمهورية فايمر ثيودور تانتزين (1877 – 1947) والمؤرخة في 23 سبتمبر 1910 ، والتي جاء فيها :

” عزيزي ثيو

في 29 سبتمبر كيرترود وأنا سنتزوج وبحضور إخوتنا وأخواتنا في برلين / زهيلندورف … وقد أرسلت رسالة طويلة إلى جدتي شرحت فيها كل شئ . وأسألك العفو والغفران ..

تحياتي وأشواقي

إبنكم

كلي ” (35) .

   وبعد تردد وافق ديفيد ماير على مشروع الزواج . ولعل رسالة ديفيد ماير إلى والدي ياسبرز ، فيها الكثير من الدلالات . يقول ديفيد ماير :

” برنزلوي 27 سبتمبر 1910

المحترم السيد ياسبرز

المحترمة السيدة ياسبرز

لقد فرحنا بجد عال برسالتكم ، وخصوصاً كلمات المودة من قبل الكريمة زوجتكم .

بعد إنصراف وقت طويل فاتحت إبنتنا كيرترود والديها ، وإعترفت بأنها سلمت قلبها ، بل وإكتشفت إنها في علاقة حب مع رجل كان من المفروض أن لا تقترن به ، وإخلاصاً للحب ، وهي تتمتع بقيمة وشرف . والحقيقة كما تعلم أنت وحرمكم ، فإن ملاحظتكم صحيحة جداً ، فقد تصارعت كثيراً مع نفسي للوصول إلى الموافقة على هذا الزواج . وأنا لم أكن متعصباً وصاحب عقائد منحازة وذلك للإنتظار للتغلب عليها ، فأنا رجل حر منها . ولكنني كنت أتصارع مع المبادئ المتجذرة عميقاً بحق أجدادي ، والذين لا أستطيع أن أقطع جذوري منهم .

  والأن أنا أعتمد على الحقائق وأستطيع مقابلة الزوجين ، وأمنحهم بركات الوالد وبقلب مملوء بالإيمان . وربما أطفالنا الآن يدخلون في وحدة صادقة ، مملوءة بالسعادة ، والتوافق والصحة والإلتزام المتبادل . مع السعادة والبهجة للوالدين من الطرفين . وآمانينا المشتركة ، هو إن نكون الملجأ الآمن لأطفالنا . كما وقد وصل إلى سمعي من إبنتنا كيرترود ومن كل الأطراف ، كل ما مجيد ومشرف حول شخصكم وعائلتكم المخلصة . ونحسب إن الوقت لقريب لنتعرف على بعضنا ونشارك وجهات نظرنا .

وأنا أتمنى لأبنتي بالولد الصالح ، حتى تفوز بحب وتقدير والدي زوجها .

ومع كل الإحترام إذا سمحت ، فإنني أتقدم لحرمكم هنريت ياسبرز بكل تقدير ولكل أفراد عائلتك .

محترمكم

ديفيد ماير ” (36) .

  ومع زواج ياسبرز وكيرترود وإلتأم العائلتين ينتهي فصل مهم من حياة الطبيب النفسي كارل ياسبرز . وسنتابع هذه المسيرة الحياتية الغامرة خلال معالجتنا لمحاور أخرى من البحث .

الهوامش : 

1 –  للتفاصيل أنظر :  

Elisabeth Young Bruehl, Hannah Arendt: For Love of theWorld, New Haven, Yale University Press 2004, pp. 60 – 62

2 – المصدر السابق ، ص 62 

3 – المصدر السابق

4 – أنظر :

Hannah Arendt, “Heidegger theFox” In Hannah Arendt, Essays in Understanding 1930 – 1954, New York 1994, pp. 361 – 362

وقام بترجمته والتعليق عليه الدكتور محمد جلوب الفرحان ونشر بعنوان هيدجر الثعلب : تأمل في مقال تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت / موقع الفيلسوف / 5 شباط 2013 .

5 – أنظر :

Elisabeth Bruehl, Op.Cit, p. 62  

6 – أنظر : 

   Suzann Kirkbright, Karl Jaspers: A Biography Navigations In Truth, Yale University Press 2004, p. 4

7 – أنظر :

Ibid, p. 5

8 – أنظر للتفاصيل :

Ibid, p. 282

9 – أنظر :

Ibid, p. 5

10 – أنظر :

Ibid, p. 6

11 – هذه مقاطع من رسالة بعثها ياسبرز إلى زوجته كيرترود في 28 تموز 1886 . أنظر :

Ibid, p. 283

12 – أنظر :

Ibid, pp. 10 – 11

13 – أنظر :

Ibid, p. 12

14 – أصل الرسالة موجود في الملحق ، أنظر الهامش رقم 5 :

Ibid, p. 284

15 – رسالة ياسبرز إلى أمه في 1 مايس 1901 أنظر :

Ibid,

16 – أنظر :

Ibid,

+ – هو الرسام الإنطباعي الهولندي فنست وليم فان كوخ ، والمعروف بلوحاته ذات الطبيعة الجمالية القاسية ، ولكن فيها الصدق في العواطف ، والجرأة في إستحدام اللون . وقد ترك أثاراً بعيدة على الفن في القرن العشرين . وبعد سنوات من القلق الحاد ، وموجات من المرض العقلي ، مات وعمره سبع وعشرين ربيعاً ، ونتيجة إطلاق ناري . وبدأ فنست الرسم وهو في مرحلة الطفولة ، وإستمر لسنوات ، ومن ثم إتخذ قراراً بأن يكون فناناً . وفعلاً فإنه أتخذ القرار في نهاية العشرينات من عمره . وأكمل خلال السنتين الأخيرتين من حياته أهم وأشهر أعماله الفنية . وخلال ما يُقارب العقد من السنين أنتج ما يُقارب 2100 عملاً فنياً ، منها 860 رسوماً زيتية ، 1300 رسوماً رسمها بالألوان المائية . كما وضمت رسوم وإسكشات ومطبوعات .. للتفاصيل أنظر:

Albert Lubin, Stranger on the Earth: A Psychological Biography of Vincent Van Gogh, New York 1972

17 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Ibid, p. 18

18 – أرسل كارل ياسبرز هذه الرسالة إلى والديه من هيدلبيك ، والمؤرخة في 23 إكتوبر 1901 . أنظر :

Ibid, p. 285

19 – أنظر :

Ibid,

20 – أنظر :

Ibid, p. 20

21 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013

22 – أنظر :

Karl Jaspers, Philosophy, Trns. By E.B. Ashton, University of Chicago Press, 1969

والحقيقة إن الكتاب أمامنا ، وهو في ترجمته الإنكليزية ظهر كاملاً في ثلاثة مجلدات .

23 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان : أطفال هيدجر : إنموذج من الكتب الأكاديمية التي إفتقدت إلى مشروعيتها / موقع الفيلسوف / 10 إكتوبر 2012 .

24 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 23

25 – أنظر :

الرسالة التي بعثها ياسبرز لوالديه  من كوتنكن في 23 شباط 1905

Ibid, p. 23 and p. 286

26 – أنظر :

Ibid, p. 24 and p. 286

27 – أنظر :

Ibid,

28 – أنظر :

Hannah Arendt, The Human Condition, With an Introduction by Margaret Canovan, The Universitu of Chicago Press, Second Edition 1998

29 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op.Cit, p. 27

30 – هذا ما أخبر ياسبرز كيرترود في 8 نيسان (آبريل) 1910 أنظر :

Ibid, p. 292 and p. 49

31 – كوستاف ماير يدعم عائلة والده سنوياً ، وهذا ما جاء في رسالة كيرترود ماير إلى كارل ياسبرز / برلين 6 نوفمبر 1910 أنظر :

Ibid, p. 292 and p. 50

32 – أنظر رسالة كارل ياسبرز إلى والديه / هيدلبيرك 18 تموز 1907 ، وكذلك :

Ibid,

33 – وهذه الرسالة موجودة في الملاحق ، وأنظر :

Ibid, p. 57 and p. 294

34 – أنظر :

Ibid, p. 295

35 – رسالة ياسبرز إلى خاله ثيودور تانتزين ، أنظر :

Ibid,

36 – للإطلاع لى رسالة ديفيد ماير ، أنظر الملاحق وكذلك :

Ibid,

الدكتور ياسبرز : الباحث الأكاديمي والإنجاز الفكري

   بعد إنجاز ياسبرز لأثنتي عشر فصلاً دراسياً في الكلية الطبية دخل الإمتحان في كانون الثاني / جنيوري 1908 ، ومن ثم عمل ياسبرز متدرباً في العيادة الطبية النفسية (للأمراض العقلية) في هيدلبيرك وحتى عام 1915 ، وهذا الموقع أهله لكتابة والدفاع عن إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” هومسكنس (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” ، وكان دفاعه عنها في 1909 (1) .

   ومن ثم ظهرت مقالته المعنونة ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” والتي فعلاً نشرت في عام 1912 . وهذه المقالة هي جزء من مجموعة تحليلات ياسبرز الرئيسية . والكلمة المفتاح هي الفينومنولوجيا ، وهي طبعة مكثفة لنتائج بحثه التي سيضمها الكتاب الذي كلفه بكتابته يوليوس سبرنكر في 1911 وليكون كتاباً أساسياً (مصدراً) للأطباء والطلبة خلال التدريب (2) . وكان هذا الكتاب المصدر ، هو الطبعة الأولى لمؤلفه الشهير الذي حمل عنوان ” علم النفس المرضي العام ” والذي نشر في مطبعة يوليوس سبرنكر / برلين 1913 . وفي حينها طبع وبعنوان فرعي ” دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس (السيكولجست) ” (3) . 

   وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت يقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد :

إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان (4) .

  لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938)+ ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ هو إدموند غوستاف البريشت هوسرل ، فيلسوف وعالم رياضيات ، ومؤسس لأهم مدرسة فلسفية في القرن العشرين ، ألا وهي مدرسة الفينومنولوجيا (الظاهراتية) . وهوسرل إنشق عن النزعة الوضعية في الفلسفة والعلم في عصره ، ومن ثم قام بنقد النزعتين التاريخية والنفسية في المنطق (منا : مع الإنتباه إلى إن هوسرل في بواكير بحثه كان مناصراً للنزعة النفسية في المنطق ولهذا وجه إليه جوتلوب فريجة نقداً في حينها) . كما إنه وسع من حدود التجريبية ولذلك إعتقد إن التجربة هي مصدر كل المعرفة … للتفاصيل أنظر :

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ جوتلوب فريجة : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس / ربيع 2012 .

2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا أرنديت (1906 – 1975) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012 .  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ياسبرز بذلك فقد سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 (5) .

   وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) لياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه (منا : وهنا يلتقي ياسبرز وهيدجر وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :

” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911

الوالدان العزيزان

أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …

تحياتي وأشواقي

ولدكم

كلي ” (6) .

   ونحسب إن هناك إشارة بالغة الأهمية والخطورة في تعليقات ياسبرز قد صدرت منه في الفترة التي تصعد إلى  بدايات حياته الأكاديمية (ومرور ثلاث سنوات على زواجه من كيرترود السامية / اليهودية) والتي تكشف عن المناخ الألماني (الذي تنفست منه ألفريدا هيجر ، وهيدجر بدرجات أقل ، وياسبرز بدرجات معلنة وبأسلوب الفكاهة والتندر) . ففي  نهاية سبتمبر من عام 1913 ” ذهب ياسبرز لزيارة عمه فيرتز ، وكان تحت العلاج من عملية جراحية في بون ، ومن ثم توقف في كوتنكن ، وكانت فرصة له ليقابل هوسرل ، وبعد ذلك شكى بحزن وشفقة إلى كيرترود ، قائلاً : ” إن هوسرل وجميع مساعديه هم من اليهود ” (7) .

 وفي 1913 صدر كتابه المعنون ” الأمراض النفسية العامة ” ، وهو في الحقيقة إطروحة دكتوراه ثانية ، تؤهل ياسبرز للتدريس الجامعي (وهذا هو التقليد الجامعي الألماني) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) (8). وفعلاً فقد تم تعيين ياسبرز محاضراً في كلية الفلسفة . والكانطي الجديد وندلباند ، هو من مدرسة بايدن للكانطية الجديدة (8) . ولعل من الأثار التي تركها على ياسبرز ، دعوته إلى ضرورة أن تقوم الفلسفة بفتح الحوار بين الإنسانيات والعلوم الطبيعية . وهو مهتم بعلم النفس والعلوم الثقافية الحضارية . وكان لوندلباند إرتباط قوي بالرمز القيادي للكانطية الجديدة هنريخ ريكت (1863 – 1936)  ومن الملاحظ إن طلاب ويندلباند لم يكونوا حواريون فلاسفة فقط ، وإنما كان بعض منهم علماء إجتماع من أمثال ماكس فايبر (1864 – 1920 وماكس سيترك أثاراً على كارل ياسبرز الذي سينضم إلى حلقة أل فايبر المشهورة) وبعض منهم رجال لاهوت من أمثال إرنست ترولتسيش(9) (1865 – 1923) . كما وبالمناسبة إن هيدجر صديق ياسبرز ، قد تخرج مع هنريخ ريكت ، وبدأ عمله المهني مساعداً لريكت ، ومن ثم كتب هيدجر إطروحته الثانية للدكتوراه تحت إشراف هنريخ ريكت (10) .

  وفي عام 1916 تم ترقيته إلى أستاذ مساعد في علم النفس ، وبعد ثلاث سنوات ، وبالتحديد في عام 1919 أصدر كتابه المعنون سيكولوجيا النظر إلى العالم . وهذا الكتاب حمل تحولاً كبيراً في تفكير ياسبرز ، حيث ربطه بقوة في مضمار الفلسفة . وفي هذا الكتاب يظهر أثر مناقشاته مع والده حول اللوحات التي رسمهما والده ، وأثر كانط وخصوصاً كتابه نقد الحكم ، والذي خصص له دراسة في نهاية الكتاب . وهي الدراسة التي تعتقد سوزانا كيركبرايت التي أعدها في سيمنارات أميل لاسك (1875 – 1915) عن كانط . ومن ثم أثر منهج ماكس فايبر في الموضوعية (11) .

  والحق إن ياسبرز يصف لوالده بصورة غير مباشرة صراعه مع منهج ماكس فايبر في الموضوعية  . ويبدو إن ياسبرز في هذه المرحلة كان حساساً بدرجة عالية من ربط أرائه الفلسفية بتفكير ومنهج ماكس فايبر . ولذلك سعى بتوجيه الأنظار والحذر من ربط تفكيره بقرابة حميمة مع منظومة أفكار ماكس فايبر (12) .

  والحقيقة إن القارئ المدقق لا يستسلم لمثل هذه المصادرة البسيطة التي تطلع ياسبرز إلى إقناعنا وغلق الباب وعدم التساؤل حول إمكانية ربط آراء ياسبرز بمنظومة أفكار ماكس فايبر . ونحسب إن هناك الكثير من الحقائق المتوافرة من داخل خطابات ياسبرز وأبحاثه تدلل بقوة على وجود مثل هذه المقاربة العميقة بين تفكير الرجلين : ماكس فايبر+ وكارل ياسبرز .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ وماكس فايبر هو فيلسوف وعالم في الإجتماع والإقتصاد السياسي . وهو الإبن الأكبر من بين سبعة أطفال لهلين والسير ماكس فايبر (1836 – 1997) وهو محامي ألماني وموظف دولة وعضو في الحزب الليبرالي الوطني . بدأ في الكتابة مبكراً ، ومن ثم قرأ سراً المجلدات الأربعين للشاعر والكاتب الألماني غوته (1749 – 1832) وقبل أن يدخل الجامعة ، كما قرأ العديد من الأعمال الكلاسيكية . وتأثر بالصراع بين والده ” المحب للشهوات الأرضية ” وإمه الزاهدة الكالفينية .

  بدأ حياته الجامعية في هيدلبيرك طالباً في القانون ، وبعد خدمة في الجيش لمدة سنة واحدة ، تحول إلى جامعة برلين . وبعد تخرجه في الأنظمة القانونية البريطانية والأمريكية ، إستمر بدارسة القانون والتاريخ . ومن ثم حصل في العام 1889 على درجة الدكتوراه في القانون وبإطروحة في تاريخ القانون . وبعد سنتين كتب إطروحته الثانية (للتأهيل بالتدريس الجامعي) وعين محاضراً في جامعة برلين .

  وفي العام 1893 تزوج من إبنة عمه مارين سشينجر ، وكانت ناشطة فمنستية ، ومؤلفة عن حقوق المرأة ، وهي التي جمعت مقالات وابحاث وكتب ماكس فايبر ، ونشرتها بعد موته المبكر . ومن ثم كتبت سيرته الذاتية التي لا تزال تُعد من المصادر المهمة في فهم حياة ماكس فايبر . ومن أهم أعماله :

1 – الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية

2 – الدين في الصين : الكونفوشيوسية والطاوية

3 – الدين في الهند : علم إجتماع (سوسيولوجيا) الهندوسية والبوذية

4 – اليهودية القديمة

5 – الإقتصاد والمجتمع . للتفاصيل أنظر :

Marianne Weber, Max Weber: A Biogrophy, Trans. By Harry Zohn, Transaction Books, New Brunswick 1988

  وقبل أن يحصل على وظيفته الأكاديمية في جامعة هيدلبيرك عام 1896 كان الرمز الرئيسي في حلقة عائلة فايبر ، والتي ضمت العديد من المفكرين مثل زوجته مارين ، جورج جيلينك (1851 – 1911وبالمناسبة إن زوجته كاميلا جلينك (1860 – 1940 قد إنضمت من خلال مارين فايبر إلى الحركة النسوية عام 1900) وإرنست ترولتسيش ، فيرنر سومبارت (1863 – 1941) ، ومارك بلوك (1886 – 1944) ، وروبرت مايكلز (1876 – 1936) ، جورج لوكاش (1885 – 1971)

أنظر :

Kim Ho Sung, Max Weber, Stranford Encyclopedia of Philosophy, August 24, 2007 (online).

 كما وحضر جلساتها كارل ياسبرز ، وزوجته كيرترود ياسبرز …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والبداية سؤال : ما حجم الأثر الذي تركه عالم الإجتماع ماكس فايبر على أعمال ياسبرز ؟ والحقيقة إن ياسبرز يعترف بمكانة فايبر خصوصاً في بداية مسيرته الأكاديمية في كلية الفلسفة عندما بدأ عمله محاضراً ، وكان يكرر دائماً بأن حيائه (حياء وخجل ياسبرز) منعه من الأنخراط الحقيقي في حوار مع ماكس . إلا إنه كان يتابع نشاطاته البحثية ويقرأ ما يكتب . ومن ثم أسهمت زوجة ياسبرز السيدة كيرترود في تنشيط العلاقة مع فايبر وعائلته ، وخصوصاً مع زوجته ماريان ، فأصبحت كيرترود صديقة لها . وهذه الصداقة مكنت ياسبرز أن يحضر دون حياء وتردد إلى حلقة عائلة فايبر .

  ففي رسالة بعثها إلى والديه من هيدلبيرك في 27 / 2 / 1910 . يقول فيها :

” الوالدان العزيزان

في الجمعة حضرنا أنا وكرهل في بيت ماكس فايبر (…) وأنا أعرف الرجل (ماكس) من خلال النظر وقراءة كتاباته . أنا بصدق أحبه . هو شخص نادر من بين الأكاديميين المثقفين ، ومتحمس تماماً لقيمة العقل . وإنه يتمتع بدرجة ذكاء عالية . وعلى الأقل يمكن أن يقال عنه إنه عبقري ، وأنا أتواصل معه من بعيد  ، شخص إلى شخص (…) . وأنا لدي تعاطف عام تجاه الشخصيات الفكرية والروحية . وهم النخبة التي يتطلب منك أن تعرفهم ، لا ليقوموا بإلهامك وتثق بهم شخصياً ، إنهم يفتقدون لكل مصداقية ، وفارغون … تحكمهم عواطفهم ، تنقصهم الرجولة … أما ماكس فايبر فهو تمام مختلف ، إنه يأسرك بحضوره وثقته منذ اللحظة الأولى . ولكن الشئ الوحيد الذي يُثير القلق ، هو التعابير التي تظهر على وجهه ، وعيونه الثاقبة ، حيث تخشى إنه في أي لحظة يصبح عصبياً وإنه مريض لفترة سنتين . وربما يبدو لك إنه يتصارع مع جهازه العصبي وكأنه سيعيش فترة من الإثارة . والمعركة لا تقدم أي شاهد على هذا الطريق . وزوجته تمتلك إسلوباً رائعاً في التخفيف من تأثيرها عليه . وتلاحظ إنه يدين لها بالكثير في هذا الطرف . ويبدو إن زواجهما جيد (…) وأنا دائماً أسأل بطريقة حميمة ، وأتصل بالهاتف وأطلب تعديل موعد اللقاء . ولكن لدي شكوك فيما أنا حقاً أنتمي إلى هذه الحلقة (أي حلقة عائلة فايبر) . الناس اللذين يحضرون جلساتها أذكياء جداً . وأنا أظن لا أمتلك شيئاً لأقدمه في جلسات هذه الحلقة .

تمنياتي وأشواقي

ولدكم كلي ” (13) .  

  كما إن ياسبرز أصيب بصدمة عند سماع مرض فايبر بالإنفلونزا ، وعطل رحلته وذلك للإطمئان على صحة فايبر . غير إن الموت كان أسرع ، وفعلاً فقد مات ماكس فايبر في 14 حزيران عام 1920 وعمره ست وخمسين ربيعاً . صحيح إن ماكس فايبر كان عالم إجتماع ، إلا إن ياسبرز في كلمته التي ألقاها في التأبين ، ومن ثم في نشاطته البحثية والكتابية ومحاضراته ، ركز على ماكس فايبر الفيلسوف . ونحن نتفق مع ياسبرز في أهمية تقديم ماكس فايبر فيلسوفاً .  وفي هذا الطرف يتكشف المطمور المتخفي من الأثار التي تركها ماكس فايبر على فلسفة ياسبرز . ولعل أثار صدمة ياسبرز والإعتراف بماكس فايبر فيلسوفاً ، تحمل أطرافها رسالته التي بعثها إلى والديه بتاريخ 16 حزيران 1920. حيث يقول فيها :

” والدي العزيزان

ريما تصفحتم الصحف ، فأن فيها خبر موت ماكس فايبر . لقد مات نتيجة الإصابة بالإنفلونزا . وفي الوقت الحاضر فإن القليل من الناس من يفكر ويثير السؤال ؛ ماذا يعني موت ماكس فايبر ؟ حقيقة أنا مصاب بالشلل  ، ولكن في الوقت ذاته أنا جداً متحمس لحبي هذا العقل وبالمعنى الموضوعي التام . وذلك لأنه فيلسوف عصرنا الوحيد ، وليس لدي شك في إنه سيحصل على الإعتراف بمثل ذلك في المستقبل . وبالنسة لي فإن العالم أصبح يبدو لي مختلفاً ، ونحن مصانون في عالمنا العقلي بسبب وجود ماكس فايبر ، الذي كان الضمان العظيم في الإمكان تحقيقه اليوم . والآن أشعر إنه لا يوجد من هو أرقى مني في مستوى التفكير العقلي في عالم يبدو فارغاً (…) . والأن أصبحنا كائنات فانية ، ونبحث عن مكاننا في العلم وبالإعتماد على فضائلنا . وأشعر إن مسؤوليتنا أصبحت مختلفة وذلك بعد إن إنطفأت الشعلة ، وحتى تتوهج الشرارة يتطلب أن تقدح من جديد .

  ماذا قال لي ماكس فايبر في المرة الأخيرة ، وقد غادرنا إلى عالم العتمة . قال بطريقة حميمة حول كتابي الأخير ” إنه يستحق كل تقدير ” ومن ثم كرر ذلك مرتين وبطريقته المعتادة والتي فيها تشديد ” أشكرك على هذا الكتاب ” ومن ثم قال : ” أتمنى لك نجاحاً وإنتاجاً كبيريين ” . وأخيراً فقد أضاف : ” سأحاول أن أعلق على كتابك في كل مكان ” . والآن لم يكن في وسعه أن يعمل شيئاً . ولكن لدي شعور بأنه وجد في هذا النوع من الشرارة المتوهجة ، وأنا أرغب أن أكافح بكل إمكانياتي إنجاز كل ماهو ممكن في مضمار الفلسفة . وسأحاول تقديم التفسير في هذا الميدان لكل الشباب اليوم شارحاً أفكاره وأعماله …

مع أطيب التمنيات والأشواق

 ولدكم كلي ” (14) .

    وعلى الرغم مما قاله ياسبرز عن فايبر الفيلسوف ، إلا إننا لم نجد بحث فلسفياً واحداً في قائمة أبحاث ماكس فايبر ، يُقنعنا بأن الرجل كان فيلسوفاً . فمثلاً الإطروحة الأولى للدكتوراه كانت في تاريخ القانون . والإطروحة الثانية كانت بحث تاريخي قانوني وكانت بعنوان ” تاريخ الملكية الزراعية الرومانية ودلالته في القانون العام والخاص ” . ولعل البحث الأقرب إلى مضمار الفلسفة ، هو الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية . لكن الرجل عالجه من زاوية عالم الإجتماع (الديني) وليس بمنظار الفيلسوف .

   كما إن أثار ماكس فايبر واضحة من خلال حلقة فايبر التي حضرها ياسبرز مع زوجته كيرترود صديقة مارين فايبر زوجة ماكس ، أو بصحبة زملاء أخرين . وهنا

 نود العودة إلى دائرة التوثيق وندع الباحثة سوزانا كيركبرايت تقرأ علينا رواية ياسبرز حول حلقة فايبر ، ومن كان يحضرها بالإضافة إليه ، وبعض ما كان يدور فيها . تقول سوزانا :

” بعد بداية الحرب ببضع أشهر ، كيرترود (منا : زوجة ياسبرز) وصفت إلى والدي زوجها إهتمام ياسبرز بما كان يسمى المساءات الثقافية الفلسفية . وبالتحديد منذ نهاية عام 1914 أخذ يتقابل مع الشاب جورج لوكاش ، إرنست بلوك ، وماكس شيلر (1874 – 1928 مشهور بتطوير المنهج الفلسفي القائم على الفينومنولوجيا) ، وقبل الإستماع إلى أحاديث ماكس فايبر المشهورة ، كان ياسبرز يتطلع إلى إستكشاف وجهة نظر فلسفية جديدة ، والتي إدعى إن كتابه الأول قدم وصف حقيقي لها . وإعتماداً على تقارير كيرترود فإن في التجمع الثقافي الفلسفي كانت دروس في موضوع الميتافيزيقا . وإن حضور ياسبرز في هذه الإجتماعات كما يبدو لم تمكنه من عرض نتائج سلبية ، والسبب كما تشرح كيرترود : بأن الميتافيزيقيين الحقيقيين في الإجتماع واجهوا تعليقات ياسبرز بعنف وناقشوها بساعات قليلة جداً . وفي وصفها لهذه الإجتماعات فإنها تلمح إلى إن ياسبرز قج حصل فعلاً على الشجاعة في المشاركة والمناقشة ، وربما تكونت لديه قناعة حول الإتجاه الفلسفي لعمله في المستقبل ” (15) .

   ومن ثم إستمرت الباحثة سوزانا شارحة ما حصل في هذه الحلقة أي حلقة فايبر ، والشخصيات التي قابلها ياسبرز ، وفيها كشف عن المصادر التي تركت أثرها على فلسفته سلباً وإيجاباً . فأفادت : ” وهذه اللقاءات كانت فرصة للتبادل الفكري ، وهي التي جذبت إهتمام كارل وكيرترود ياسبرز إلى إجتماعات فايبر في مساءات الأحد ، حيث قابلوا فيها عدد أخر من الباحثين الأكاديميين من أمثال (منا : الكانطي الجديد) أميل لاسك ، (منا : الكانطي الجديد) جورج ساميل (1858 – 1918) ، (منا والرمز الكبير في الكانطية الجديدة) هنريخ ريكت ” (16) . وهكذا كان ياسبرز محاطاً بماكس فايبر وصحبة عدد من مشاهير الكانطية الجديدة والفينومنولوجيا وهيكليين …

   ويبدو إن هذه الهيمنة والإهتمام غير الإعتيادي بما أسماه ياسبرز الفيلسوف ماكس فايبر ، قد أثار حفيظة زوجته كيرترود والتي نبهته على ذلك ، وهو إهتمام متطرف وصل إلى ذروته في العبارات الأخيرة من كتابه المعنون فلسفة (صدر عام 1932) والتي عزم فيها ياسيرز للتدليل على تبجيله لماكس فايبر(17) ولكنه في الوقت ذاته أيد الدعوة التي تصاعد صوتها ، إلى ضرورة وضع صداقته لماكس فايبر ، موضع التقويم النقدي ، وذلك عندما وصف ” فايبر بأنه سقراط العصر الحديث ” وعلى أية حال إن ” ما أراده ياسبرز هو أن تظل مثل فايبر حية بعد موته النهائي ” (18) . وفعلاً فقد شعرت كيرترود بالثقل الكبير لموت عالم الإجتماع ، ولذلك شجعت ياسبرز على تجديد المعاني الراقية في العبارات التي قالها فايبر ، وهو في النزعات الأخيرة من موته ” (19) .  

 ومسك الختام في هذا الطرف ، هو الحديث عن مصير رواية ياسبرز التي تتحدث عن ماكس فايبر الفيلسوف ، الحقيقة إنها تظل مجرد رواية متحمس . ومهما حاول ياسبرز أن يُدافع عن ماكس فايبر الفيلسوف ، فإن هناك حقائق ثابتة من داخل السيرة الذاتية للرجل ماكس تفند دعوى ياسبرز وتربط ماكس فايبر باللاهوت البروتستانتي وفي طرفه الكاليفيني . ففي الصراع بين والدي ماكس فايبر ، الوالد رجل دُنيا مُحب للشهوات ، وأمه هلين زاهدة كاليفينية ، فكانت النتيجة تقاطع إلى حد العظم بين الوالدين ، ووقف ماكس فايبر مع إمه وقطع علاقته بوالده . وبذلك إنحاز إلى اللاهوت البروتستاني(+) (ولعل الشاهد على ذلك فيما بعد كتابه الشهير الإخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (والذي كان موضوع إهتمام ياسبرز غير الإعتيادي) وكتابته عن علم إجتماع الدين ، وخصوصاً سوسيولوجيا الدين الصيني والهندي واليهودية القديمة…) ويبدو إن رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز قد أستبطن هذا الطرف وعمل على أساسه . فالمسألة في الأساس هي علاقة عالم إجتماع الدين ماكس فايبر برجل اللاهوت الوجودي ياسبرز .  

     هذا ما تركه ماكس فايبر على ياسبرز وتفكيره ، وهو كثير كثير . أما الأثر الأخر فقد جاء من طرف الفيلسوف مارتن هيدجر . صحيح إن مارتن كان أصغر من ياسبرز بستة سنوات في العمر . فياسبرز ولد عام 1883 وهيدجر ولد عام 1889 . إلا إن هيدجر كان أعمق فلسفة وصاحب مدرسة فلسفية ، هو مؤسسها وله طلاب يعتزون بإنتمائهم إلى هيدجر رغم خلافاتهم السياسية معه حين إختار الإنتماء إلى الحزب النازي ، فقد ترك هيدجر اللاهوت وترك معه الكاثوليكية وفاز بالفلسفة وكتب إطروحتيه الأولى والثانية في المنطق ، وهو قلب الفلسفة ومنهجها الأول منذ إن كتب أرسطو اليوناني أول أورغانون (الألة) للفلسفة ، فقد كان عنوان إطروحته الأولى ” نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (وكتبها في العام 1914) . والإطروحة الثانية كانت بعنوان ” نظرية المقولات عند دنس سكوتس ” (وكتبها في العام 1916) . ومن ثم كتب مؤلفه الإنجيلي في بداية عمله الأكاديمي والمعنون الوجود والزمن ، والذي إعترف مرات عديدة بأن الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حنا أرنديت قد ألهمته بفكرة الكتاب وساهمت في مناقشة أطراف منه وحثته على أكماله ، وكان شرطاً طالبته الجامعة ليكون خليفة لهوسرل في رئاسة قسم الفلسفة (أو كلية الفلسفة) والذي نشر في العام 1927 . هذا هو ثقل هيدجر (20) .

   أما من طرف ياسبرز فإن هذا البحث بين إنه لم يدرس الفلسفة أكاديمياً ، وإنما كان طالب قانون لثلاث فصول ، وترك القانون ودرس الطب وكتب إطروحته للدكتوراه في الطب النفسي وكانت بعنوان ” الهومسك والجريمة ” . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه وكانت بعنوان ” الأمراض النفسية العامة ” . كما إن من الصحيح إن ياسبرز لم يؤسس مدرسة فلسفية على الإطلاق ، وصحيح جداً إن ياسبرز كان رجل لاهوت وجودي أكثر من كونه فيلسوف وجودي وهذا الأمر تكشفه سيرته الأكاديمية وجوهر مؤلفاته وإن حملت عنوان الفلسفة (21) (أنظر قائمة بكتب ياسبرز) . 

  والسؤال : كيف تعامل ياسبرز مع الصديق مارتن هيدجر ؟ حقيقة إن علاقة رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز بفيلسوف فينومنولوجيا الحياة ، علاقة معقدة حكمتها شروط جداً مركبة ، فيها حسابات أكاديمية تطلع كل من ياسبرز وزوجته كيرترود في شخصية الفيلسوف الشاب هيدجر الكثير من الأمال في الإشتراك في أبحاث أو مشاريع مشتركة ، بعدما تيقنا إن هيدجر عقل فلسفي خلاق ممكن الإستثمار . وهذا ما أشارت إليه إليزابيتا إيتنكر ، حين ناقشت نظريات ياسبرز وحنا أرنديت حول ما أسمتها ” إبداعية هيدجر ” . ورأت بأن كلاهما فشل وذلك عندما تعاملا ببساطة شديدة ” في أهمية الإبداع في تفكير هيدجر المفكر (والأدق الفيلسوف) ” (22) .

   أما من طرف هيدجر فقد وقف بوجه الكانطيين الجدد (وخصوصاً كان واحد منهم هنريخ ريكت زميله الأكاديمي ومن ثم المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه) عندما إعترضوا على الجامعة في تعيين ياسبرز رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ، وسعوا إلى إزاحته ، فوقف وقفة الفيلسوف الشجاع الصديق ، وكانت محنة كبيرة لياسبرز وزوجته كيرترود ، ولا أحسب إن كلاهما ينسى ذلك العون الهيدجري الصديق ، ولكن ذاكرة التاريخ خلدت وقفة هيدجر لياسبزر ، في حين دارت الدنيا ، وطردت القوات الفرنسية المحتلة هيدجر من التعليم الجامعي ، ومن ثم فتحت أبواب العودة له بشرط تزكية من صديق جامعي ، وطلب من صديقه القديم ياسبرز تزكية ، فرفض ياسبرز وسجل التاريخ ذلك ، وعادت القوات الفرنسية فطلبت منه كلمة ، فقال كلمته الشهيرة التي عاد بها إلى التدريس الجامعي ” إنه في تلك السنوات تابع غريزة القطيع ” فكانت عبارة التوبة والفداء . ولم يعتذر هيدجر على الإطلاق . إلا إنه في جلسات خاصة أعلن قائلاً ” إنها كانت حالة غباء كبيرة في حياته ” (23) . ونحسب من الأهمية بمكان ، أن نذكر بأن ” هيدجر بعد زيارته لياسبرز وعائلته في نهاية حزيران عام 1933، لم يزرهم مرة ثانية على الإطلاق ” (24) . 

   كانت البداية حديث عن سخاء وكرم ياسبرز الإنسانيين تجاه الشاب مارتن هيدجر . ولكن الحقيقة خلاف ذلك لا سخاء ولا كرم وإنما قرض من زوجته كيرترود دفع عنها هيدجر فائدة لها . وهنا نحاول تقديم الحقيقة ومن مصادر ياسبرز التي لا خلاف حولها تقول الباحثة سوزانا كيركبرايت :

عندما وجه ياسبرز الدعوة لهيدجر للزيارة ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود … بأنه أرسل إلى هيدجر ألف مارك ألماني لتغطية نفقات سفر هيدجر ” (25) . وفي هامش النص السابق ذكرت سوزانا الطرف الثاني من الحقيقة أعلاه . فأعلمتنا ” إن هيدجر رد المبلغ فيما بعد مع فائدة ” ووثقت ذلك بالرسالة رقم 64 / ماربورك / 2 حزيران 1928 ، والرسالة رقم 66 / هيدلبيرك / 6 حزيران 1928 (26) . والسؤال : ما هو الغرض من زيارة هيدجر إلى ياسبرز ؟ إن القارئ سيندهش من الحقيقة المُحزنة ، وهي إن هيدجر سيعمل مع ياسبرز في طرف مهم من قلب أبحاث كتاب ياسبرز القادم ثلاث مجلدات في الفلسفة وهو فعل التفلسف (27) وبالمناسبة إن هيدجر وهذا ما راهن عليه ياسبرز ، إنه عالم بالفيللوجيا (علم فقه اللغة حاله حال نيتشه) وهنا تكمن جوهر مساعدة هيدجر لياسبرز في مضمار التفلسف ، وهو الميدان الذي ستشارك في أطراف أخرى من مشروع ياسبرز (أي ثلاث مجلدات في الفلسفة) الطالبة السابقة (الفيلسوفة) حانا أرنديت ، وبالتحديد خلال كتابتها للدكتوراه مع ياسبرز . ولنعود إلى جادة التوثيق فهي ملاذنا العلمي الوحيد . وفعلاً بعد وصول هيدجر ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود بأن مالها أستثمر لغرض نبيل : ” فنحن (أي ياسبرز وهيدجر) نعمل بجد عال في موضوع التفلسف ” (28) .

  ولعل فيما كتبته زوجة ياسبرز كيرترود ، كل الحقيقة حول مشروع إستثمار عقلية هيدجر الشاب الخلاقة في مضماري الفيللولوجيا والفلسفة . فقالت : ” إنها طبيعة هيدجر في البحث بعقله في الفلسفة والدين ، هو باحث أكاديمي وعالم فيللولوجيا ، ولكنه عاجز عن عرض كل شئ منهجياً في تفكيره ” (29) . ويبدو من الجملة الأخيرة إن هذه هي مهمة ياسبرز كما رسمتها زوجته كيرترود في مشروع التعاون الواعد بين هيدجر وياسبرز .

   ولما كان مشروع التعاون بين الطرفين ولد على فكرة إستثمار عقل هيدجر الخلاق ، فنحسب إنه ولد مشروعاً يحمل موته العاجل . وفعلاً فإن ما قالته سوزانا في تعليقها على دور كيرترود ما يدلل على حقيقة هذا المشروع الذي ينتظر لحظات موته ” إن كيرترود هي التي عملت هذا اللقاء بين العقلين حقيقة . وهي التي كانت شاهد على مواجهتهم التي سارت من قوة إلى قوة . وحالاً توقفت من الإعتقاد بهيدجر ، فأوقفت مساعدتها المعنوية . ولذلك أصبح من الصعوبة على ياسبرز الإستمرار في صداقته ” (30) .

   وعلى أساس تاريخ رسالة كيرترود لياسبرز في 12 آذار 1925 فإن آل ياسبرز حسموا موقفهم وحددوا علاقاتهم مع هيدجر سلباً . إلا إن هيدجر إستمر في علاقته الإيجابية مع ياسبرز حتى عام 1933 كما بينا أعلاه . ونحسب إن مواقف آل ياسبرز السلبية من هيدجر تصعد إلى فترة أبعد من 12 آذار 1925 . وبالتحديد تعود إلى عام 1919 ، وهو تاريخ صدور الكتاب الثاني ، والذي يحمل عنوان سيكولوجيا النظر إلى العالم . فقد كتب هيدجر مراجعة نقدية ، ومن ثم بدأت صداقتهما (منا : وإن ألتقيا قبل ذلك في عيد ميلاد هوسرل يوم كان هيدجر يعمل مساعداً لهوسرل) . وفعلاً فقد أرسل هيدجر نسخة من مراجعته إلى ياسبرز في حزيران عام 1921 . وتصادف في هذا الوقت إن ياسبرز كان يعمل على إصدار الطبعة الثانية من هذا الكتاب ، والتي صدرت في عام 1922 والتي حملت تعديلات غير جوهرية . وفيما بعد زعم ياسبرز ” إن مراجعة هيدجر مملة وغير مثمرة ” (31) ومن ثم رفض مراجعة هيدجر .

  ولم يكتف ياسبرز بذلك وإنما أعلن عن عدم إتفاقه مع النقد الذي وجهه هيدجر للكتاب ، وكتب على نسخته الخاصة من الطبعة الثانية من سيكولوجيا النظر إلى العالم ، في إنه ” لم يحدث أي تغيير في الطبعة الثانية ، وإنه لا يستطيع تعديل الكتاب من دون أن يبدأ بكتابته من نقطة الصفر ” + . ويبدو إن هذا الحال سبب جُرحاً نازفاً لياسبرز ، وهو صاحب الذات المتخمة بعد موت ماكس فايبر وهذا ما كشفته رسائله لوالديه . فكان رد فعل ياسبرز لنقد هيدجر ، إن أغلق كل أبواب الحوار مع هيدجر .     أما هيدجر فمن طرفه ألح على التواصل مع ياسبرز . وفعلاً فقد إستجاب عندما أرسل له ياسبرز نسخة من كتابه الجديد ستراندبيرك وفان جوخ والذي صدر عام 1922.

  ونلحظ هنا إن نقد هيدجر تحول نحو شواطئ جديدة ، فيها فتح هيدجر مناقشة حول ما أسماه بالإختلافات (المفارقات) التي شغلت إهتمامه في ذلك الوقت ، وهي المفارقات التي تحولت إلى سؤاله المفضل ، والذي يدور حول التقسيم بين الحياة ” و ” الوجود ” ، وفي هذه الحدود أيد هيدجر ياسبرز بأن دراسته كانت دراسة إستبطانية (منا : تلاحق أثر المرض على أعمال الفنان) وإن كانت مرتبطة بالوجود . وهيدجر لاحظ بأن واحداً من أهداف ياسبرز في دراسة فان جوخ هو التشديد على إستعمال المقولات التي تصف ظاهرة الشيزوفرينيا . في حين إن المشكلة بالنسبة لهيدجر هي ليست مشكلة روحية على الإطلاق . ومن ثم عاد هيدجر يحتج في إعتراضه على ياسبرز بالسيمنار الذي قدمه ياسبرز عن كيركيجارد ونيتشه ، وذهب إلى إن مفاهيم ياسبرز يعوزها الكثير من الدقة ، وإنه ” حرث في أرض لا يعرف حدودها ” (++) .

   غير إن الصداقة بين هيدجر وياسبرز تجددت على الأقل خلال الفترة التي دخلت فيها حانا أرنديت إلى الجامعة عام 1924 وحتى 1933 . وكان هيدجر يزور ياسبرز ويراسله . ولعل الرسائل المتبادلة بين حانا وهيدجر تدلل على ذلك . وإن هيدجر بعد ما أخذت شكوك زوجته الفريدا تتزايد عمل على إقناع ياسبرز بالإشراف على إطروحة حانا للدكتوراه ، وبالتحديد في موضوع مفهوم القديس أوغسطين في الحب (+++) .

 وإستمرت العلاقة بينهما حتى قبول هيدجر بمنصب رئيس جامعة فريبيرك وإلقاء خطابه في 27 مايس 1933 . والحقيقة إن أخر زيارة لهيدجر لياسبرز كانت في نهاية حزيران 1933 ولم يلتقيا بعد ذلك كما أشرنا أعلاه .

   أما إهتمام ياسبرز بفيلسوف الوجودية الرائد نيتشه ، فله طعم خاص إذ يكشف المعايير المزدوجة للنقاد في تقويم اللاهوت الوجودي لياسبرز وفلسفة مارتن هيدجر خصوصاً في دراستهما للفيلسوف الوجودي الرائد نيتشه . والحقيقة هناك حيرة لم يجد لها الباحثون حلاً سوى الإقرار بأن هناك تناقضاً في محاضرات ياسبرز المعنونة  نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية / 1936 (32) ومحاضرته المعنونة ” العلو الفارغ (أو الذي لاقيمة له) / 1960″ (33) . وللقارئ أقول إن هناك فارقاً زمنياً بين منتوج ياسبرز ، نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية ، ومحاضرة ياسبرز العلو الفارغ . نقول فارقاً زمنياً يتحدد بربع قرن من الزمن ، فنيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية أنتجه ياسبرز والنازيون في السلطة ، وفلسفة العلو الفارغة ألقاها بعد تحرير (؟) القوات الأمريكية لجامعة هيدلبيرك بخمسة عشر عاماً .  ولكن النقاد صمتوا عن هذه الحقيقة لصالح ياسبرز ، وصمتهم دليل على إنهم كالوا البضاعة بمكيالين .

   وبالمقابل فإن المكيال النقدي مع هيدجر كان مختلفاً . فقد درس مارتن فلسفة نيتشه مثلما درسها صديقه ياسبرز . وقال النقاد خصوصاً من طلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية ، الكثير ضده ، ووظفوه في مهاجمتهم له ومن ثم على النازية الألمانية التي إنتمى إليها . وهنا يُشارك هيدجر في الإهتمام بنيتشه وفلسفته ياسبرز خصم النازية والذي إكتوى بنيرانها . إذن القضية في أساسها مسألة توظيف ضد هيدجر ، ومسألة توظيف لصالح ياسبرز . هذا هو المنطق الأكاديمي المكسور لطلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية (34) .

 والحقيقة إننا لا نعرف شيئاً عن دوافع ياسبرز وراء الأعداد لهذه المحاضرات . ولكن الشئ المؤكد ، هو إن نيتشه من المروجين لما يُعرف بفلسفة العلو (ولعل فكرة السوبرمان في هكذا تكلم زرادشت مثالاً والأمثلة النيتشوية كثيرة) . وفلسفة العلو فكرة مكروهة عند ياسبرز (أنظر محاضراته أعلاه : العلو الفارغ) . الشئ الثاني إن تاريخ الأعداد لهذه المحاضرات ، هو عام 1933 ، وهو تاريخ صعود الحزب النازي إلى الرايخ الثالث برئاسة هتلر ، وتاريخ تعيين هيدجر . والشئ الثالث إن زميله الطبيب إرنست ماير (وهو أخو زوجته كيرترود) كانت لديه شكوك حول مشروع محاضرات نيتشه . وفعلاً عندما أرسل له ياسبرز في حزيران عينة من المخطوطة حول فردريك نيتشه ” ، طلب إرنست ماير من ياسبرز أن يراجع المخطوطة كاملة ، وبعد ذلك أخذ يعلن عن شكوكه ، ويفضل عدم المشاركة في هذا المشروع ” (35) .

  ومن ثم أنجز ياسبرز مشروعه في ديسمبر عام 1935 وكان رؤية شاملة لحياة نيتشه وأعماله . بينما ماير يعترف إنه حصل على مقدمة لهذا العمل في ربيع 1934 . على كل إن ياسبرز أشار في هذا الجزء من المخطوطة في إنه واجه مشكلة ، وتطلع إلى نصيحة من ماير . فقال ياسبرز ” هنا هي المشكلة : أنا أردت أن أقتبس بالضبط ما هو ممكن ، وأدع أفكاري تتحدث خلال نيتشه . ولكن يجب أن يقرأ النص بصورة كاملة … دون أن يتركها القارئ ” . ماير إعترض على هذا الإسلوب . وهنا زعم ماير ” إنه عارف بالمحتويات أفضل من ياسبرز نفسه ” (36) .

   وإذا كان هيدجر الرجل الغريب ، الكاثوليكي – النازي الذي إنتقد أعمال ياسبرز ،  ، فكيف الحال مع الصديق الأول إرنست ماير ، وهو الأخ للزوجة العزيزة كيرترود . إنها مسألة تنز بالألم . حقيقة منذ البداية تحفظ ماير من الفصل التمهيدي ، وإشتكى من إنه فصل حمل الكثير من التفاصيل عن موسيقى فاغنر وإزمة نيتشه ، بعيد إنهيار علاقة الصداقة بين الطرفين . أما ياسبرز فقد جادل بأن غرضه لم يستهدف تحليل نيتشه الفنان ، ولا بيان محاولته في التأليف الموسيقي . ورد ماير جاء في كلماته الآتية : ” إن ما كتبته عن فاغنر مهم ، وما دمت أنا لا أفهم الموسيقى ، فإن العرض بالطبع ينبغي أن يركز على نيتشه ” . وبدلاً من الإستمرار في المناقشة ، زعم ياسبرز بأن ما قرأه ماير في عمله ، هو ” إن ما خطط إليه ماير ، هو شطب كل شئ ” . غير إن ماير قام بمراجعة المشروع ، ومن ثم أبلغ ياسبرز بضرورة أن يكون عنوانه ” نقد نيتشه ” وفي الوقت ذاته إشتكى ماير بمرارة من إن نص ياسبرز هو تدخل في السيرة الذاتية المؤسسة على إسلوب حياة الكاتب . ولما كان نقد ماير إنفعالياً ، فقد إنتهىت المناقشة إلى النهاية الميتة في التفاهم . ونحسب إن من الإنصاف القول بأن بضع من ملاحظات ماير كانت إيجابية ، فقد أفاد : إنه بالرغم من كل ذلك ” فإن كتاب ياسبرز عرض شواهد تدلل على شروح مثيرة ” . إن نقد ماير في المحصلة الآخيرة ، كان حاداً ، وفيه إمكانية للتدمير ، وهو الصديق القريب والرفيق الصادق ، والأخ للعزيزة كيرترود (37) .

 ونختتم حديثنا بالعودة إلى هيدجر وياسبرز وجدلهما حول نيتشه ، وهي قضية مهمة في عصرهما ، كما هي مهمة اليوم للدارس والقارئ . وبالمناسبة إن الباحثة سوزانا كيركبرايت ترى ” إن كتاب ياسبرز متفرد عن نيتشه مقارنة بمحاضرات هيدجر ، والتي كانت بعنوان ” نيتشه : الإرادة والقوة من زاوية الفن ” ، والتي ألقاها في جامعة فريبيرك في الفصل الدراسي الشتوي لعام 1936 / 1937 ، وإن إستنتاجات ياسبرز تتعادل في قيمتها مع تفكير هيدجر . فمثلاً ياسبرز ذكر إن الجمال هو فقط إنجاز نبؤة ذاتية ، ولذلك فإن كل أنواع الفن هي من نتاج الخالق (38) . وكوفمان يعترض على إن ياسبرز ” رفض في الأخذ بفكرة السوبرمان ، والإنتعاش ، وإرادة القوة ، والسمو ، أو غير ذلك من المفاهيم ” (39) . 

   أما هيدجر فقد أوضح عدم الإنسجام ما بين الحقيقة والفن ، والذي شرحها في ضوء فكرته التي تذهب إلى إن سيرة نيتشه ذات أهمية ، وألح على قراءات تتلائم مع  الأسلوب المجازي النيتشوي ، والتفسيرات النظرية للحقيقة (40) . وهذه هي مشكلة رواية ياسبرز ، والتي سبق أن أثارها صديقه الحميم وصهره إرنست ماير . ونعني إن ياسبرز قرأ الإستعارة (وإسلوب المجاز) الذي إستخدمه نيتشه ” الإنعاش الأبدي ” كما إنها ” آوامر آخلاقية تتطلب منا أن نعيش كل شئ كما نشعر ، نريد ، نعمل وبمعايير واحدة ..” . الحقيقة إن طريقة ياسبرز في تفسير إستعارات نيتشه ، هي التي أزعجت هيدجر ، وحملته على النقد الحاد على كتاب ياسبرز . وعلى هذا الأساس قرأ هيدجر تأثير نيتشه الخلاق في العبارة الآتية : ” الفن له قيمة أكثر من الحقيقة ” . بل وذهب هيدجر أبعد ، فإعتقد إن ياسبرز ” قد خدع نفسه بتبجيل سيرة حياة نيتشه ” (41) . ونحسب إنه من النافع أن ننهي الحديث عن هذا الطرف بالإشارة إلى إن هيدجر في جامعة فريبيرك ، ظهر أكثر عدوانية وذلك من خلال رد فعله على كتاب ياسبرز نيتشه (1936) لإن الهدف هو الكشف عن مفهوم نيتشه ” الإرادة قوة ” ، وهو عمل ظل في دائرة النسيان ولم يُنشر ، وذلك لأن حزب الإشتراكية الوطنية (الحزب النازي) يدعي إن ” الإرادة قوة ” هو شعارها ، وهي التي أنتجته بنفسها (42) .      

الهوامش :

1 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 62

2 – أنظر :

Ibid, p. 66

3 – أنظر :

Karl Jaspars, General Psychopathology, Jylius Springer, Berlin 1913 and was published under the subtitle ‘A guide for student , doctors and psychologists’.

Ibid, p. 297

4 – أنظر :

Ibid, pp. 67 – 68

5 – أنظر :

Ibid, p. 68 and p. 297

6 – أنظر الملاحق للرسالة الأصلية ، وكذلك :

Ibid, pp. 68 – 69 and p. 297

7 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op.Cit, P. 69

8 –  أنظر :

Ibid, Chronology, p. 15

9 – أنظر :

Wilhelm Windelband & Guy Oakes, History and Natural Sciences, Vol. 19, No. 2 (Feb, 1980) pp.165 – 168

 وفي المقدمة تعريف يقول : ” حصل ويندلباند على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة برلين في العام 1870 ، ومن ثم أكمل الدكتوراه الثانية في جامعة لايبزك عام 1873 ، حيث بدأ عمله هناك محاضراً في السنة ذاتها . ومن دراساته المبكرة : كينو فيشر (1824 – 1907 وكتابه عن حياة كانط هو الذي ألهم حركة العودة إلى كانط ومن ثم ظهور الكانطية الجديدة) في جامعة جينا وهرمان لوتزه (1817 – 1881 وهو الفيلسوف وعالم المنطق) في جامعة كوتنكن ، وكلاهما مارسا أثراً على مفهوم ويندلباند لأهداف وحدود الفلسفة .

Ibid, p. 165

10 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر (مصدر سابق) .

11 – أنظر :

1 – Ibid, Chronology, p. 15

2 – Ibid, p. 81

وكارل ياسبر يحيل إلى الدراسة عن كانط إلى نص قدمه في السينمار عندما كان طالباً . نقلاً عن :

Paul Aruther Schilpp (Ed.), The philosophy of Karl Jaspers, Tudor Publishing Company 1957

12 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 81

13 – رسالة بعثها ياسبرز إلى والديه في 27 شباط 1910 ، والرسالة الأصلية توجد في الملحق ، أنظر :

Ibid, p. 299 and p. 77

14 – أنظر :

Ibid, p. 86 and p. 300

15 – أنظر :

Ibid, p. 84

16 – أنظر :

Ibid, pp. 84 – 86

17 – أنظر :

Paul Arthur Schilpp, The Philosophy of Karl Jaspers (Op.Cit), pp. 369 – 391

18 –

Ibid, p. 854

19 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op.Cit, p. 91

+ أنظر للتفصيل في هذه القضية :

A – Reinhard Bendix, Max Weber: An Intellectual Portrait, University of Califorania Press 1977, p.1

B – Lutz Kaelber, Max Weber’s Personal life, 1886 – 1893 (online).

20 أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012 .

21 – قائمة بمؤلفات ياسبرز ومحاضراته :

1 – إطروحة الدكتوراه الأولى ” الهومسك (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” / 1909 .

2 – إطروحة الدكتوراه الثانية (المهنية / للتأهيل في التدريس الجامعي) ” علم النفس المرضي العام ” / 1913 .

3 – سايكولوجيا النظر إلى العالم / 1919 .

4 – ستراندبيرك وفان جوخ  / 1922 ، (كتاب في الفن) ، ترجمه إلى الإنكليزية  أو . كرونا & د . ولشاين ، مطبعة أرزونا 1982 .

5 – فكرة الجامعة / 1923 .

6 – خطاب في الإحتفال بمرور مائتي عاماً على ولادة الفيلسوف عمانوئيل كانط / 1924 .

7– الإنسان في العصر الحديث / 1931 .

8– الفلسفة (ثلاث مجلدات) / 1932 .

9– العقل والوجود (محاضرات في آذار للفترة من 25 وحتى 29 / 1935 .

10– نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية / 1936 .

11– ديكارت والفلسفة (محاضرات) تم وقفها من قبل النظام النازي / 1937 .

12– صدور المنع الرسمي على نشر وتداول مؤلفاته / 1943 .

13– تنشيط دور الجامعة (حديث) / بعد تحرير القوات الأمريكية لجامعة هيدلبيرك / 1945 .

14 – أسئلة حول الجريمة الألمانية / الفصل الدراسي الشتوي / 1945 – 1956 .

15 – النظرة الأزلية للفلسفة (سلسلة محاضرات في جامعة بازل) / 1947 .

16 – العقل واللاعقل (أو المعقول ولامعقول) في عصرنا (سلسلة محاضرات في جامعة هيدلبيرك) / وطريق الحكمة (حديث إذاعي) / 1950 .

17– شيلينج / 1955 .

18 – الفلاسفة الكبار / 1957 .

19– القنبلة الذرية ومستقبل الإنسان / جائزة السلام للكتاب الألماني / 1958 .

20 – محاضرتان :

أ – العلو الذي لا قيمة له .

ب – الحرية والوحدة / 1960 .

21 – الميموارز (القدر والإرادة) / 1967 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

22 – أنظر :

Elzbieta Ettinger, Hannah Arendt & Martin Heidegger, (Op.Cit), p. 51

23 أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتوره نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013 .

24 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op.Cit, 137

25 –

Ibid, p. 129

26 –

Ibid, p. 312

27 – أمامنا كتاب ياسبرز ثلاث مجلدات في الفلسفة ، والذي حمل مناقشات لفعل التفلسف . للتفاصيل أنظر :

A – Karl Jaspers, Philosophy, Trans. By E.B. Ashton, The University of Chicago Press 1969, Vol. 1, 335 pages.

B – Karl Jaspers, Philosophy, The University of Chicago Press 1970, Vol. 2, 381pages.

C – Karl Jaspers, Philosophy,The University of Chicago Press 1971, Vol. 3, 211 pages.

28 –

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 129

29 – من رسالة كيرترود إلى ياسبرز في 12 آذار 1925 ، أنظر :

Ibid, p. 313 and p. 131

30 – أنظر :

Ibid, p. 131

31 –

Ibid,

+ أنظر :

Ibid, p. 132

++ – أنظر : 

Ibid,

+++ – أنظر :

Hannah Arendet & Martin Heidegger, Letters 1925 – 1975, Ed. By Ursula Ludz, Trans. By Andrew Shields, Harcourt, New York 2004 , pp. 48 – 49 , 83 – 85, 95 – 96 …

وكذلك :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رسائل حب وخطابات فلسفية : حانا أرنديت ومارتن هيدجر / موقع الفيلسوف / 2 يناير (كانون الثاني) 2013 .

32 – أنظر قائمة مؤلفات ياسبرز ومحاضراته / الهامش رقم 21 ومن الكتب رقم 10

33 – أنظر قائمة كتب ياسبرز ومحاضراته / الهامش رقم 21 ومن المحاضرات رقم 20 .

34 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ أطفال هيدجر : إنموذج من الكتب الأكاديمية التي إفتقدت إلى مشروعيتها / موقع الفيلسوف / 10 إكتوبر 2012 .

35 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p.155

36 أنظر :

Ibid,

37 – أنظر :

Ibid, p. 156

38 – أنظر :

Schilpp, The Philosophy of Karl Jaspers, p. 431 and also see

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 160

39 – أنظر :

Walter Kaufmann, ‘Jaspers Relation to Nietzche, in Schilpp, Op. Cit, p. 431

40 – أنظر :

Martin Heidegger, Nietzeche: The Will to Power as Art, Ed. & Trans. By David Farrell Krell, Harper & Row, New York 1984, p. 23

41 – أنظر :

 

Ibid, p. 75

42 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 162

تعقيب :

  لقد أشرنا أعلاه إلى إن قدر الفيلسوفة حانا إرنديت ، قد كُتب بأن تكون تلميذة لأثنين من كبار الفلاسفة الألمان ؛ هيدجر الذي سمعت عنه على مقاعد الدراسة الثانوية ، وتشوقت اللقاء به ، ومن ثم إنضمت إلى حلقته عندما جاءت لدراسة بعض الفصول الدراسية بعد طردها من المدرسة الثانوية ، ومن ثم  طالبة جامعية في ماربورك وحضرت دروسه ، وهامت وهام بها حباً ، وأسهمت في إلهامه في فكرة وكتابة كتابه الأنجيلي الوجود والزمن . وهذه قصة سبق إن درسناها في بحثنا المعنون ” الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر ” . وكان قدرها الأخر هو اللقاء كما أشرنا أعلاه بالفيلسوف كارل ياسبرز ، وذلك بعد شكوك ألفريدا هيدجر ، فرتب لها هيدجر القبول في جامعة هيدلبيرك لدراسة الدكتوراه ومع صديقه البروفسور ياسبرز . وبعد وصولها إلى هيدلبيرك كان ياسبرز يفكر ويرتب لإصدار مجلداته الثلاث حول الفلسفة ، فساهمت حانا إرنديت في المناقشات سواء مباشرة مع ياسبرز أو في السيمنارات التي كان محورها مواد المجلدات الثلاث .  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الخامس / العدد العاشر / ربيع 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في Academic Skepticism, Aristotle, Cynicism, Cyrenaic School, Democritus, Dr. Mohamad Farhan, Philosopher, Eleatic Philosophy, Epicureanism, Epicurus, HANNHAH ARENDT : GERMAN - AMRECIAN PHILOSOPHER, Heraclitus, Imblichus, Megarian School, Milesian School, Philosophy and Music, Philosophy and Woman, Plato, Plotinus, Pluralism and Atonism, Porphyry, Pre - Socratic Philosophy, Proclus, Pyrrhonian Skepticism, Pythagoreainism, Socrates, Sophistry, Stoicism, The Philosophy of Averroes and Its Presence in the West, فكر ما قبل الفلسفة, فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب, في جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يونان, فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, فريجه وكتاب لوتزه المعنون المنطق 1843, فريجه وأدموند هوسرل, مركز دريد للدراسات, هزيود وملحمتيه الشعريتين أنساب الآلهة والأعمال والأيام, أوراق فلسفية جديدة / العدد 10, الفلاسفة قبل سقراط, الفلسفة والموسيقى, الفلسفة والمرأة, الفلسفة الكلبية / الساخرة, الفلسفة اليونانية ومؤرخيها, الفلسفة الإيلية, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوف الطبيب جالينوس, الفيلسوفة لونتن الأبيقورية, الفيلسوفة مايا, الفيلسوفة هبريشا الماروني, الفيلسوفة إريتا القورينائية, الفيلسوفة الألمانية - الأمريكية حانا أرنديت, الفيلسوفة الشهيدة هبيشا, الفيلسوفة خانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر, الفيثاغورية الجديدة, الكانطي كينو فيشر وكتابه نظام المنطق والميتافيزيقا 1852, الكانطي الجديد هنريخ ريكارت, الكانطي الجديد ويلهلم وندلباند, الكانطي الجديد أميل لاسك, الكانطي الجديد بول نتورب, الكاهن البابلي اليوناني بيروسوس, الكاهنة البابلية اليونانية هيروفيل, اللوقيون / الفلسفة المشائية, الملك الأشوري " إمبيلكوس السوري " مؤرخاً للفلسفة اليونانية, المدارس الفلسفية : قراءة في مدخل ديوجانس لارتيوس, المدارس الفلسفية في العراقوالشام السلوقيين, المدرسة الفلسفية الشكية البيرونية, المدرسة القورينائية, المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة, المدرسة الميغارية, المدرسة الرواقية البابلية, المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة, المدرسة الطبيعية الأولى : إنكسيمندر برواية ديوجانس لارتيوس, المدرسة الطبيعية الأولى : إنكسيمانس برواية ديوجانس لارتيوس, المدرسة الطبيعية الأولى : طاليس برواية ديوجانس لارتيوس, الأكاديميون الشككاك, الإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية, الجغرافي والمؤرخ سترابو, الحكماء السبعة : مقدمة ديوجانس لارتيوس الفلسفية الناقصة, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, السفسطائية, تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم, تاريخ المدرسة الكلبية بعد الميلاد, جوتلوب فريجه : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي, حضور فلاسفة القورينائية خلال فلاسفة الأبيقورية, حضور فلاسفة الميغارية خلال الأبيقورية والرواقية, حضور فيثاغوراس وفلاسفة الفيثاغورية الجديدة, حضور هرقليطس في الفلسفة الرواقية, حضور الفلك البابلي في الفلك اليوناني, حضور السفسطائية وفلاسفة المدرسة السفسطائية الثانية, حضور ديمقريطس والفلسفة الذرية في الفلسفة الأبيقورية, ديوجانس لارتيوس وموسوعته " حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ", شواهد تاريخية قوية على نشوء مدارس فلسفية يونانية زمن السلوقيين في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s