مجلة أوراق فلسفية جديدة / فلسفة التاريخ وحضورها في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً / العددان 12 / 11 صيف – خريف 2013

أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————-

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

—————————————————————————–

(الحادي عشر والثاني عشر)

صيف – خريف 2013

———————————————————————————-

نحو مدرسة فلسفية مُتجددة

—————————————————————————————

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

 فلسفة التاريخ وحضورها في الفكر العربي المعاصر

مالك بن نبي إنموذجاً

مع العدد كتابنا المسلسل

الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية

حانا إرنديت (1906 – 1975)

وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل

4

الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز

القسم الثاني (وهو بحث واسع)

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN     DR. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات والأبحاث 

رئيس التحرير – الدكتور محمد جلوب الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل    

—————————————————————————————

في هذا العدد :

1 – تأمل في بعض مناحي فلسفة التاريخ

2 – سيرة مالك بن نبي من زاوية ثقافية

3 – حضور فلسفة التاريخ والحضارة في الخطاب المالكي

4 – حضور فيلسوف التاريخ هرمان دي كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي

5 – المشروع النهضوي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي

6 – الصعود من عتبات التاريخ إلى طوابق فلسفة التاريخ

7 – مُثابرة مالكية في التفسير الإسلامي للتاريخ

8 – الفهم المالكي للدورات التاريخية (الحضارية)

9 – إنموذج تطبيقي من التفسير الإسلامي للتاريخ

10 – الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وبالإشتراك مع الأكاديمية الدكتورة نداء إبراهيم خليل

فتمتعوا بقراءة هذا العدد الممتاز ، والمتفرد من مجلة أوراق فلسفية جديدة

الدكتور محمد الفرحان

رئيس التحرير

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

المقدمة

  صحيح جداً من طرف فلسفة التاريخ ، التي هي محور هذا العدد ، القول إن مالك بن نبي (1905 – 1973) هو إبن خلدون القرن العشرين (بشهادة زميله عمار الطالبي) . كما إنه من الصحيح القول إن إبن خلدون (1332 – 1406م) هو مالك بن نبي في القرنيين الرابع عشر – الخامس عشر الميلاديين .  وإن كلاهما من طرف العقيدي الذي وجه وقاد تفكيرهما في مضمار عملية النقد الفلسفي عامة ، وفي ميدان فلسفة التاريخ خاصة ، هو الينبوع الكلامي الأشعري الصافي .

  ونحسب إن العقيدي الأشعري كان حاضراً بقوة في مقدمة إبن خلدون ، وهو الذي مكن إبن خلدون من نقد الفلسفة (إن لم نقل هدم الفلسفة وتقويضها بمفهوم الغزالي الذي تابعه إبن خلدون على الأقل في مقدمته ، وفي الفصل المعنون إبطال الفلسفة) (1) . كما إن العقيدي الأشعري مُستبطن في مجمل نصوص مالك بن نبي في فلسفة التاريخ عامة (2) ، وفي نقده لفلاسفة التاريخ شرقاً وغرباً خاصة وعلى الأقل في المنهج الأشعري القائم على عرض بضاعة الخصم الفكرية (أو الأصح العقيدية) ومن ثم تقديم نقداً (أو تقويضاً) للنقاط الرخوة في البناء الفكري للخصم (3) .

  ومن الثابت لدى جيش من الأكاديميين الغربيين بإن إبن خلدون هو الرائد في مضمار فلسفة التاريخ ، وإن مقدمته هي أول بحث في فلسفة العمران والتاريخ . كما إن مالك بن نبي ، هو الأب الروحي والمؤسس لمباني فلسفة التاريخ في دائرة الثقافة العربية في القرن العشرين ، والتي إحتوت في رحم مباني فلسفة التاريخ ، على اللحظتين الأشعريتين (والتي نزلت إليه من الفكر الأشعري مباشرة أو من خلال إبن خلدون الأشعري) ، وهما اللحظتان ، الأولى النقدية – الهدمية . والثانية التقويمية – البنائية (4) . ولعل الشاهد على متابعة مالك بن نبي لخُطى إبن خلدون واضحة ، فمثلاً في نظرية مالك المشهورة بالظاهرة الإستعمارية ، كان إبن خلدون الرافد التراثي لنظرية مالك ، ونقصد النظرية الخلدونية في الغالب والمغلوب ، وتقليد المغلوب للغالب في لباسه وطعامه … (5) .

   ولكن مالك لم يكتف بالرافد التراثي الخلدوني ، وإنما إنفتح من خلال قراءاته الواسعة على التراث الغربي في مضماري الحضارة وفلسفة التاريخ ، وبالتحديد على مجمل المدارس والإتجاهات في فلسفة التاريخ ، مع إنتخاب خاص لفيلسوف التاريخ الألماني هرمان دي كيسرلنج (1880 – 1946) وتبنيه لوجهة نظره الفلسفية في كتابه الرائعة المعنون موزائيك أوربا. ولهذا فضلنا (فيما يخص مالك بن نبي من هذا الكتاب) أن نبدأ بحثنا بالتعريف بسيرة مالك بن نبي مدخلاً يُساعدنا على معرفة العوامل الأسرية والبيئية في طرفيها الثقافي والسياسي في مدينة تبسة ، والإشارة الى الشخصيات التي أُعجب بها وطبعت أثاراً في تكوينه الفكري ، والتي لم تمحوها الأيام ، بل وظل يتذكرها ومن ثم سجلها في كتابه المعنون مُذكرات شاهد العصر ، وهو سيرة ذاتية بالغة الأهمية لكل من يتطلع للكتابة عن مالك بن نبي ومن ثم فهم الخطوط العامة لتطوره الفكري . وجاء من ثم الحديث عن انماط التعليم التي خضع لها مالك بن نبي سواء في حلقات التعليم الديني أو في المدارس الرسمية ، وبيان حجم التأثير الذي تركه المعلمون في تكوين ذهنيته ، وتكوين إتجاهاته نحو بعض العلوم والأداب والفنون . مع الإشارة إلى الكتب التي قرأها في فترة إكتساب المعرفة والتي تركت أثاراً على شخصية الكاتب والمفكر مالك بن نبي .

  ولما كان موضوع كتابنا يُركز على شخصية مالك بن نبي حارثاً في مضمار فلسفة التاريخ ، فقد بينا بأنه كان من الرواد الأوائل الذين كتبوا نصوصاً أولية في تقويم المدارس المتنوعة لفلسفة التاريخ ، وأشرنا إلى إنه حفر في شخصيات وكتابات حشد من فلاسفة التاريخ غرباً وشرقاً . وعلى هذا الأساس كانت كتابات مالك بن نبي مدرسة فكرية متفردة في التعريف بمدارس وفلاسفة التاريخ الغربيين . صحيح إن نصوصه كانت تجنح نحو الإيجاز الشديد الشبيهة بصيغ المعادلات الرياضية ، إلا إنها في الوقت ذاته فتحُ رائدُ في دائرة الثقافة العربية  ، إذ فتحت أبواباً واسعة على مجمل مدارس فلسفة التاريخ والحضارة في وقت تأخر فيه البحث الأكاديمي العربي ، ولهذا ظلت أبحاث مالك ملهمة لجيل من الأكاديميين العرب في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة .

   كما ونحسب من حق مالك علينا القول بأن الجامعات العربية ومؤسسات التعليم العالي قد فشلت (حين دشن مالك مضمار الكتابة في فلسفة التاريخ والحضارة) من إنتاج عقلية كاتب واحد يرقى إلى عقلية مالك بن نبي في عملية التدوين في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . ومقابل ذلك وجدنا إن عدداً ملحوظاً من الأكاديميين العرب كانوا عيالاً على مالك  ، فقد إعتمدوا على كتابات مالك بن نبي ، وإستبطنوها في مؤلفاتهم التي حملت عناوين من مثل المفصل في فلسفة التاريخ أو التفسير الإسلامي للتاريخ … أو فلسفات الحضارة  ، مع الأسف إنهم فشلوا في الإشارة بصراحة إلى شخصية ونصوص مالك بن نبي . والحال تجاوز ذلك إلى دائرة السياسة والسياسيين (أو ما يُسمى بمفكريها) فقد أصدروا كتباً في الحضارة والثقافة ، ونُشرت بصورة واسعة ، ومن ثم تحولت إلى كتب مدرسية في أكاديميات عديدة  . ولكنهم مرة أخرى مع الأسف فشلوا في الإعتراف بحق مالك في الإشارة والإستشهاد . ولذلك ظلت نصوصهم في التقويم الأخير مؤلفات أعادت إنتاج المادة المعرفية التي كتبها مالك بن نبي في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة والثقافة .

   وهذا الحال حملنا على أن نقدم فصلاً تمهيدياً نافعاً (وجاء بعنوان تأمل في مناحي فلسفة التاريخ) وذلك لفهم مساهمة مالك بن نبي الرائدة في دائرة الثقافة العربية ، والتي جاءت في أواخر النصف الأول من القرن العشرين ، وبالتحديد في عام 1947 وهو تاريخ صدور رائعته المعنونة الظاهرة القرآنية التي كتبها بالفرنسية ، وفيها طرف يخص مضمار فلسفة التاريخ  عامة والإسلامي خاصة ، وكتب لها مقدمة بالفرنسية الديكارتي الأزهري الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز (6)، والتي حملت خلاصة فكرية لمذهبه الفلسفي في تفسير التاريخ الإسلامي .

  لقد شرحنا في هذا الفصل التمهيدي أولاً – المحاولات التجديدية في فلسفة التاريخ في دائرة الثقافة الغربية في الربع الأخير من القرن العشرين (أي بعد موت مالك بن نبي ، والتي غابت عن ذهن مالك ، وهي إتجاهات تعكس حالة الجدل بين فلاسفة التاريخ في الغرب) . ومن ثم ثانياً قدمنا صور عن جنس من الكتابات الأولى في فلسفة التاريخ (وبالتحديد في القسم الأول الذي كان بعنوان التاريخ موضوع تأمل فلسفي ، وأهم الإتجاهات التي تهيمن على مضمار فلسفة التاريخ وبما يتناسب وهذا الكتاب من طرف ، ويُقدم من طرف أخر فهماً لحجم الإستيعاب الذي إمتلكته إطروحة مالك بن نبي لهذه الإتجاهات في فلسفة التاريخ . صحيح إن الإطروحة المالكية (نسبة إلى مالك بن نبي) إنها إستوعبت أغلب المدارس في فلسفة التاريخ ، وأشارت إليها نقداً وتقويماً . إلا إنها في الوقت ذاته كانت أمام فعل إختيار وإنتخاب . ولهذا لاحظنا هيمنة إطروحات فيلسوف التاريخ الألماني الكونت هرمان دي كيسرلنج على إفادات مالك بن نبي ، بل ويمكن القول بدقة بأن مالك قام تبناها وأوجد لها تطبيقات على التاريخ الإسلامي بعد إن طبقها كيسرلنج على تاريخ المسيحية (7) .

   وبالطبع هذا الأمر لم يُعجب بعض الأكاديميين العرب ، فطلبوا من طلبتهم (طلاب دكتوراه) حذف كل ما له صلة بإطروحات الكونت الألماني كيسرلنج من نصوص مالك بن نبي ، بحجة أكاديمية غريبة عجيبة ، وذلك إعتقاداً منهم بأن ذكر ذلك فيه عيب منهجي وإنتقاص من فيلسوف التاريخ مالك بن نبي . هذا إنموذج من الصدق الأكاديمي العربي في جامعاتنا العربية العتيدة … (هذا الأمر فصلنا فيه في كتابينا ؛ الأول بعنوان الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي . والثاني بعنوان الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي) .

  ونحسبُ إنه من المفيد أن نذكر القارئ بأن مالك بن نبي كان قارئً جيداً لتاريخ الفلسفة الغربية ، وكان في قراءاته قريباً من الجهود الأولى التي تطلعت إلى تأسيس مضمار مستقل لفلسفة التاريخ . والشاهد على ذلك قراءاته التي شملت تاريخ الفلسفة الغربية برمته (بل وحتى الفترة التي سبقت قيام الفلسفة والتي تُعرف بما قبل الفلسفة) ، فقد أطلع على الفلسفة اليونانية ، والفلسفة المسيحية في العصور الوسطى ، ولمح لفلسفة عصر النهضة ، والفلسفة الحديثة ومن ثم الفلسفة المعاصرة +.

  لقد قرأ مالك فعلاً الفلسفة اليونانية إنتخاباُ ، فمثلاً إنه قرأ عن سقراط ، وكان عارفاً بإفلاطون وجمهوريته التي شكلت (مع زميله أكسانوفان) منبتا مهماً لمباحث سيتناولها فلاسفة التاريخ فيما بعد . وعرف الفكر المنطقي والسياسي لأرسطو الذي قدم فيه نظرة تاريخية أكثر واقعية من أستاذه إفلاطون الذي تطلع إلى السماء (عالم المثال) في صياغة جمهوريته . بينما تلميذه أرسطو درس واقع المدن اليونانية في عصره ، والتي أودعها في رائعته المعروفة بكتاب السياسة .

  كما ذكر مالك بن نبي القديس أوغسطين وبذلك كان قريباً من كتابه الرائعة مدينة الله ، والذي يُنظر إليه بعيون الأكاديميين الغربيين الذين حفروا بحثاً عن المحاولات الرائدة في مضمار فلسفة التاريخ ، على إنه مس في أطراف كثيرة من مباحثه فلسفة التاريخ . ويبدو لنا إن فيكو ورائعته المهمة في فلسفة التاريخ المعنونة إصول العلم الحديث (والتي منحته الريادة في مضمار فلسفة التاريخ في العصور الحديثة) قد غاب من إطروحة مالك بن نبي في فلسفة التاريخ . إلا إنه من الصحيح القول إن مالك ركز بدلاً من فيكو (وهو على حق من زاوية تاريخية ومن منظور فلسفة التاريخ) على إبن خلدون والذي يتقدم على فيكو بثلاثة قرون على الأقل .

  أما في مضمار الفلسفة الحديثة فقد كان مالك فعلاً قارئ جيداً للفلسفة الحديثة ، وخصوصاً الفلسفتين الألمانية والفرنسية . وفيما يخصُ الفلسفة الألمانية التي تلقفت الكثير من إطروحات فيكو (إصول العلم الحديث والتي تُرجمت مبكراً إلى الألمانية ، وهي يومها لا تحتاج إلى ترجمة لأنه كتبها ونشرها أولاً باللاتينية لغة الأكاديميات الغربية ، ومن ثم بلغته الأم الإيطالية) وخصوصاً تلميذ الفيلسوف عمانوئيل كانط ، ونقصد الفيلسوف المؤرخ جوهان كوتفريد هاردر ، والذي يُعد أول من تداول في تاريخ الثقافة الألمانية مصطلح فلسفة التاريخ عنواناً لثلاثة كتب من مؤلفاته . ولكن من الصحيح كذلك الإشارة إلى إن أستاذ هاردر ، الفيلسوف الألماني كانط والذي قرأه مالك جيداً قد عالج موضوعاً مهماً في مضمار فلسفة التاريخ ، وهو التاريخ العالمي والسلام العالمي .

  ولكل هذا نحسب إن العودة إلى الموضوع – الكتاب الذي نشرناه على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة ، وبعنوان : حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً ، ربما يُساعد في فهم الحاضر والغائب في مسارات فلسفة التاريخ في الإطروحة التي كتبها مالك بن نبي ، ومن ثم بيان حجم الإفادة منها .

  والحقيقة إن هذا الكتاب (فلسفة التاريخ وحضورها في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً) يتفرد بموضوعه في دائرة الثقافة العربية المعاصرة في ثلاثة أطراف :

الأول – تقديم مالك بن نبي حارث رائد في فلسفة التاريخ في القرن العشرين .

الثاني – عرض نماذج متقدمة في مضمار فلسفة التاريخ (خصوصاً أكسانوفان تلميذ شهيد الفلسفة سقراط ، والقديس أوغسطين في كتابيه الإعترافات ومدينة الله ، والفيلسوف الإيطالي فيكو ورائعته إصول العلم الحديث) (قدمنا هنا خلاصات وتركنا التفصيل لكتابنا القادم المعنون فلسفة التاريخ ” تاريخ ومدارس ونزعات) .

الثالث – بيان مفصل عن فيلسوف التاريخ الألماني الكونت هرمان دي كيسرلنج والذي كان معاصراً لفيلسوف التاريخ إسوالد إشبنجلر ، وخصوصاً رائعة هرمان المعنونة موزائيك أوربا . وهذا موضوع لم يكتب فيه أحد قبلنا في دائرة الثقافة العربية المعاصرة .

  وأخيراً نتطلع إلى أكمال مشروع كتابنا المعنون فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات ، وهو يتألف من أربعة مباحث كبرى ، يتوزع كل منها في فصول . فالمبحث الأول يحمل عنوان التاريخ موضوع تأمل فلسفي . والثاني فجاء بعنوان فلسفة التاريخ في عصر الأنوار . والثالث عالج موضوع المدارس والنزعات في فلسفة التاريخ في القرن العشرين . والرابع خص النزعات الجديدة في فلسفة التاريخ الراهنة .

  ونتمى إنجازها ومن ثم نشرها في بدايات العام 2015 ، وبالتأكيد سننشره على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة .

———————————————————

الهوامش :

+ أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً / مجلة أوراق فلسقية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

1 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تصنيف العلوم عند إبن خلدون (دراسة مقارنة) / إطروحة دكتوراه / ص ص 61 وما بعد

2 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي (مخطوطة)

3 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي (مخطوطة)

4 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب ، مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان 1986 .

الحقيقة كون الفكر الكلامي الأشعري في دائرة الثقافة الإسلامية ، مضماراً معرفياً نقدياً للفلسفة الإسلامية (التي هي بإعتقاد الأشاعرة تحمل إطاراً فكرياً مشائياً يونانياً غريباً على العقيدي الإسلامي) . وعلى هذا الأساس يكون من الصحيح جداً إطلاق إصطلاح دائرة النقد الفلسفي على الحركة الفكرية المقاومة التي قادتها حركة الأشاعرة ضد الفلسفة الإسلامية والفلاسفة الإسلاميين . وهنا أرجو الإنتباه إلى إن الحركة النقدية قد إستبطنت فكر فلسفياً يونانياً هي الأخرى ولذلك تصبح دعوتها في مقاومة المشائية ضعيفة جداً (هو مزيج من الرواقية والأبيقورية ومنطق الشكاك) . نقول تصبح دعوتها في مقاومة المشائية والحفاظ على الهوية والعقيدي الإسلاميين ضعيفة جداً . وهنا تتعادل قضية الترويج لفلسفة غريبة على الطرفين ؛ طرف الفلاسفة المسلمين وطرف نُقادهام من الإشاعرة . وهذا واضح على سبيل المثال وليس الحصر في كتاب الأشعري إبن تيمية المعنون الرد على المنطقيين .

   لقد عمت حركة النقد الفلسفي (الفكرانية الأشعرية) تاريخ الفكري الإسلامي ، وكان لها ممثلون كبار من أمثال الإمام الإشعري ، الإمام الجويني ، والإمام الغزالي ، وإبن تيمية … والقائمة طويلة .. وقد تناولنا ذلك في أبحاثنا وكتبنا . أنظر مثلاً :

أ – الجدل الثقافي عند العرب (مصدر سابق) ، والذي بنيناه على الإطروحة الفيزيائية النيوتينية (نسبة إلى إسحاق نيوتن) والقائلة لكل فعل رد فعل يُساويه في المقدار ويُعاكسه في الإتجاه (وهو جدل بين الفلاسفة من طرف والإشاعرة ومن تبنى إطروحتهم وتداول منهجهم) .

ب – تصنيف العلوم عند إبن خلدون (مصدر سابق) وخصوصاً الفصل المعنون : تصنيف العلوم في مرحلة النقد الفلسفي (ص ص 29 – 37) .

ج – فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس / شتاء 2012 .

5 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الثقافي – المعرفي (مصدر سابق)

6 – أنظر :

مالك بن نبي ؛ الظاهرة القرآنية ، ترجمة عبد الصبور شاهين ، تقديم محمد عبد الله دراز ومحمود محمد شاكر ، دار الفكر العربي ، بيروت 1987

ولاحظنا في ورقة مستقلة كتبها الأستاذ عمر مسقاوي (كان وزير الكهرباء فترة إقامتنا في بيروت) ، أشار فيها إلى المقدمة التي وضعها الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز . يقول المسقاوي : ” الأستاذ الدكتور دراز من كبار العلماء الذين خدموا القرآن والفلسفة وعلم الأخلاق ، ومن الرواد الأزهرين الأوائل ، الذين إتصلوا بالثقافة الغربية … وهو من الذين بلغوا الفكر الإسلامي بوسائل الحضارة الحديثة لغة ومنهجاً .

  لذا تبدو مقدمة الدكتور دراز ، صدى لذلك التكوين الفكري المتأثر بالديكارتية (التشديد منا) بوصفها منهج تفكير …” ص 8

7 – أنظر مباحث هذا العدد فقد فصلنا لأول مرة في دائرة الثقافة العربية عن درجات حضور الفيلسوف الألماني الكونت هرمان دي كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي في فلسفة التاريخ .

—————————————————————————————

مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(1)

تأمل في بعض مناحي فلسفة التاريخ

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  ننظرُ إلى فلسفة التاريخ مضماراً ينتمي لحماً وعظماً إلى دائرة الفلسفة ، وبالتحديد إلى ميدان فلسفة العلوم ، حاله حال فلسفة السياسة ، وفلسفة القانون ، وفلسفة الفن ، وفلسفة اللغة ، وفلسفة الرياضيات ، وفلسفة المنطق ، وفلسفة الفيزياء … وفلسفة التاريخ هي بحق مجمل تأملات الفيلسوف في التاريخ . وهذا يعني ببساطة إن التاريخ أصبح موضوعاً للتحليل الفلسفي وعلى هذا الأساس نفهم ظهور المدارس الفلسفية المتنوعة في تاريخ فلسفة التاريخ . كما لاحظنا إن فلاسفة التاريخ (وليس المؤرخون وإن كان هناك إستثناء وخروج على القاعدة لكن الغالبية منهم تخرجوا من أقسام الفلسفة أو تدربوا فيها ، وجاءوا من مدارس فلسفية متنوعة ولذلك تلونت كتاباتهم في فلسفة التاريخ بألوان وأطياف هذه المدارس الفلسفية . وهذا ما سنبينه في شواهد منتخبة) كتبوا أطناناً من المؤلفات في دوائر الفلسفة غرباً وشرقاً . ولهذا تلحظ جدباً مكشوفاً في المعالجة الفلسفية للعقيدة التي إنطلق منها فيلسوف التاريخ عندما يكون الباحث غير متخرج من أقسام الفلسفة أو لم يحصل له تدريب في أروقتها ، فالمنهج الفلسفي متنوع ومتداخل مع العلوم وهناك من يرجح منهجاً بايولوجياً (مثل إشبنجلر وتوينبي) أو جيولوجياً (مثل إشبنجلر في دراسته للحضارة العربية الإسلامية) ويستخدم أنواعاً متنوعة من المنطق (منها تقليدية على شكل من الإستدلالية والإستقرائية … وحديثة تجاوزت حدود المفهوم التقليدي للإستدلال والإستقراء)  .

  وهنا أقف وأقول إن الفيلسوف إشبنجلر لا يمكن فهمه دون قراءة إطروحته للدكتوراه التي كتبها عن فيلسوف التغير والصيرورة هرقليطس ، كما لا يمكن فهم الحقب التاريخية التي إقترحها إشبنجلر للحضارة الغربية الثلاثة : وهي مرحلة آبولو (إله يوناني روماني) ، والمرحلة السحرية (إعتماداً على بحث النفس وهو موضوع فلسفي خالص والذي نزل إلى اليونان من خلال إتصال الفيلسوف اليوناني طاليس وتلميذه فيثاغورس بالكلدان البابليين وتبني إطروحات أورفيوس البابلي) والمرحلة الفاوستية (التي تتطلب بحثاً فلسفياً يقف على مفهوم فاوست في العصور الوسطى ورحلته في تفكير الشاعر الألماني الفيلسوف غوته الذي تبنى منه إشبنجلر إصطلاح فاوست الذي طبع به الحضارة الغربية وصاغ قانونها الجبري الذي حكم عليها بالموت الحتمي حسب رأي إشبنجلر (1) .

   في حين نلحظ بالمقابل إن مسيحية توينبي منحته نوعاً من الأمل حمله على تكييف جبرية إشبنجلر لصالح إيجاد حل لمآزق الحضارة الغربية ، فردد توينبي كلمات السيد المسيح تمسك وإنتظر .. وهكذا وجد توينبي بعد الإنتظار العلاج الروحي للحضارة الغربية في العقيدة البهائية الجامعة . والتي يتطلب فهمها معرفة فلسفية لاهوتية بالمناقشات الفلسفية التي حدثت على هوامش العقيدي الإسلامي – الشيعي بداية من القرن العاشر ، والتي تطورت في أنماط من الدعوات التجديدية للرسالة الإسلامية المتمثلة بشخصية الإمام الذي يجدد نبض الرسالة ، والتي إتخذت أشكالاً تمثلت بالشيخية ، والبابية ومن ثم إستقرت في صورة البهائية ، التي تبناها توينبي حلاً للمأزق الروحي الذي تمر به الحضارة الغربية .

  كما إنه من الصحيح القول إن تاريخ مضمار فلسفة التاريخ يُخبرنا بأن المحاولات الأولى لفهم حركة الأحداث التاريخية وتقديم تفسير لها لا ترتبط بفلسفة الأنوار والقرن الثامن عشر ، وإنما تصعد بعيداً جداً ، حيث المرحلة الأسطورية من التفكير الإنساني (اليوناني) ، ونحسب إن المفكر الإسلامي مالك بن نبي كان قريباً جداً من إدراكها والإمساك بها ، وذلك حين إهتم بالشاعر الملحمي اليوناني هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) . إلا إن المحاولة الرائدة في فهم أحداث التاريخ ، ووضعها في صورة حقب تاريخية متتابعة لا تعود إلى هوميروس ، وإنما هي من إبداع معاصره (شاعر الفلاحين والرعاة) الشاعر الملحمي هزيود (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) والذي قدم أول رؤية تاريخية تشاؤمية للتاريخ . وعلى هذا الأساس نحسب هزيود ، هو أول من تأمل في مضمار فلسفة التاريخ وأسهم في تقسيم مساراته في شكل حقب تاريخية متتالية ، معتمداً على المعدن الذي كان مهيمناً يومذاك مع إدخال عصر الأبطال في فهم شبكة تتابعها وتحولاتها (وهذا ما أوضحناه في أطراف من أبحاث هذا العدد) .

   هذا طرف من الريادة في فهم أحداث التاريخ والتي كما قلنا لا ترتبط بعصر الأنوار والقرن الثامن عشر الذي شهد كتابات متخصصة في فلسفة التاريخ والتاريخ الإنساني . والطرف الثاني الذي لا يرتبط بعصر الأنوار كذلك ، هو إجماع أكاديمي غربي على إن العربي المسلم إبن خلدون (1332 – 1406م) ، هو واحد من آباء فلاسفة التاريخ بالمعنى العلمي الدقيق . وإن كتابه المعنون المقدمة ، هو من النصوص الأولى في فلسفة التاريخ ، والذي إنتهى من كتابته في العام 1377م وكان عمره يومذاك خمس وأربعين ربيعاً (1) . وبالمناسبة إن مالك بن نبي قد قرأ مقدمة إبن خلدون في أوقات مبكرة من تكوينه الفكري ، وبالطبع ليس في نصها العربي ، وإنما في ترجمتها الفرنسية .

———————————————–

1 – أنظر :

Frannz Rosenthal and N. J. Dawood, Ibn Khaldun,The Mugaddim: An Introdution to History, Princeton University Press 1967, p. x

———————————————-

  فعلاً لقد نهج إبن خلدون في كتابه المقدمة نهجاً نقدياً (في أغلبه نقد مؤسس على الفكرانية الأشعرية) (2) وخصوصاً في مضمار التاريخ فقد إنتقد بشدة الخرافات وقام بالتنديد بها وثابر

———————————————

2 – للتفاصيل عن منهج إبن خلدون النقدي وإبستمولجيته النقدية أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تصنيف العلوم عند إبن خلدون : دراسة مقارنة يونانية – إسلامية ، إطروحة دكتوراه بإشراف البروفسور مدني صالح 1994 (هناك نية بنشرها على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة) .

——————————————–

 على عزلها من النص التاريخي . بل ودعا إلى عدم قبول المعطيات والبيانات التاريخية ، إلا بشرط إخضاعها إلى منهج نقدي . وعلى هذا الأساس أدخل إبن خلدون الطريقة العلمية إلى فلسفة التاريخ ، والتي تُعدُ منهجاً جديداً في عصره ، وإعتبرها علماً جديداً (3) ، وهي اليوم يُطلق عليها علم التاريخ (والذي يُطلق عليه بالإنكليزية بالهستريوكروفي) وهو علم يهتم بدراسة المنهج والتطور التاريخيين (4) .

——————————————

3 – أنظر :

Franz Rosenthal and Dawood, Op. Cit,

4 – لمزيد من الإطلاع على علم التاريخ / الهستريوكروفي وعلاقته بفلسفة التاريخ ، أنظر :

Aviezer Tucker (ed.), A Companian to the Philosophy of History and Historigraphy, Chichester, U. K. 2009

——————————————

  ونحسب من الإنصاف أن نحتفل نحن الأكاديميون العرب بإبن خلدون مثلما إحتفل الأكاديميون الغربيون به ، وبالطبع إحتفلوا بإبن خلدون قبلنا بقرون عديدة ، وبالتحديد في إنجازه على الأقل في مضماري فلسفة التاريخ وعلم الإجتماع (وبلغة إبن خلدون علم العمران) . فمثلاً إنتبهت الدوائر الثقافية والأكاديمية الغربية منذ وقت مبكر إلى أهمية إبن خلدون ، وبالتحديد كان الإتصال الغربي الأول بإبن خلدون في عام 1697م ، وذلك عندما ظهرت سيرته في كتابات المستشرق الفرنسي بارتليمي هربلو (1625 – 1695) والذي صرف جُل حياته في عمله الكبير المعنون ببلوغرافيا مشرقية … ومات ولم يكمله ، إلا إن إنطوان جلاند (1646 – 1715) هو الذي أكمله ونشره في عام 1697م (وبالمناسبة إن إنطوان هو المترجم الأول لكتاب ألف ليلة وليلة وحكايات أخرى ، والتي ظهرت في 12 مجلداً فيما بين 1704 و 1717) . والحقيقة إن ببلوغرافيا مشرقية مؤسسة على النسخة العربية لكتاب كشف الظنون لحاجي خليفة (5) .

——————————————-

5 – للتفاصيل أنظر :

Hugh Chisholm (ed.), Encyclopeadia Britannica, Cambridge University Press, 11th ed. 1911

——————————————-

   ومن ثم تصاعدت وتائر الإهتمام الأوربي بإبن خلدون وأعماله وخصوصاً كتابه الإنجيلي المقدمة . ففي عام 1806 قام المستشرق (أو الأدق المستعرب) الفرنسي إنطوان دي سلاسي (1758 – 1838م) بنشر سيرة إبن خلدون مع ترجمة أجزاء من المقدمة (6) . وبعد عشرة سنوات وبالتحديد في العام 1816 أعاد نشر سيرة إبن خلدون مع ترجمة حملت تفاصيل موسعة لأقسام من كتابه المقدمة (7) . وإنصرفت على هذه الجهود ما يزيد على أربعة عقود من الزمن وبالتحديد في عام 1858 ظهرت النشرة العربية الكاملة لكتاب المقدمة / ومن ثم تلتها الترجمة الفرنسية الكاملة (8) .

—————————————–

6 – أنظر :

Muhammed Abdullah Enan, Ibn Khaldun: Its Life an Works, 2007, p. 118

7 – أنظر :

Ibid, pp. 118 – 119

8 – أنظر :

Ibid, p. 119

——————————————

   ومنذُ ظهور النشرتين العربية والفرنسية الكاملتين ، تحولت أعمال إبن خلدون إلى موضوع دراسات مكثفة وإهتمام خاص في العالم الغربي . وهنا نقدم أمثلة وشواهد :

1 – إهتمام فيلسوف التاريخ (المؤرخ) البريطاني أرنولد توينبي (1889 – 1975) بمقدمة إبن خلدون ، والتي وصفها بإنها حقاً مقدمة في فلسفة التاريخ ، والتي هي حسب قوله ” بلا شك أعظم عمل في هذا المضمار ، والذي لم يتقدم عليه عقل في أي مكان وزمان ولم ينجز أحد مثلما عمله إبن خلدون ” (9) .

——————————————-

9 – أنظر :

Encyclopaedia Britannica, 15th, Vol. 9, p. 148

——————————————-

2 – ونظر في أعمال إبن خلدون ، وقيم جهوده في فلسفة التاريخ ، الفيلسوف البريطاني روبرت فلينت (1838 – 1910) . والفيلسوف فلينت في الحقيقة رجل لاهوت إسكتلندي وعالم إجتماع وبروفسوراً للفلسفة الأخلاقية في جامعة سانت أندروز في العام 1864 ، ومن أهم كتبه في مضمار فلسفة التاريخ ، كتابه المعنون فلسفة التاريخ في فرنسا وألمانيا (1874) ومؤلفه المعنون الفلسفة التاريخية في فرنسا (1894) وكتابه المشهور الفلسفة : علم العلوم (1904) وكتابه عن فيلسوف التاريخ الإيطالي جيامباتيستا فيكو (1668 – 1744) (10) . فقد قال الفيلسوف فلينت مقيماً جهود إبن خلدون ” … هو منظر في التاريخ لا نجد له نظير في أي عصر أو بلاد ، بل وحتى فيكو الذي ظهر بعده بأكثر من ثلثمائة سنة ، وقبله إفلاطون وأرسطو وأوغسطين لا يجارونه وليسوا بأنداد له ، وإن الكثير من أمثال هؤلاء لا يستحقون أن تذكر أسمائهم عند الحديث عن إبن خلدون ” (11) . وقد كتبنا قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن بحثاً بعنوان البناء الفلسفي للتاريخ عند إبن خلدون ، ومن ثم أُعيد نشره فصلاً في كتابنا المعنون الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ +

——————————————-

10 – أنظر :

Hugh Chisholm (ed.), Encyclopeadia Britannica, Cambridge University Press, 11th ed. 1911

11 – أنظر :

Abderrahmane Lakhsassi, Ibn Khaldun, In S. H. Nasr and O. Leaman (eds.), History of Islamic Philosophy, Routledge, London 1996, Ch. 25, pp. 350 – 364

+ أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ ، مطابع جامعة الموصل 1987 ، الفصل الثاني المعنون البناء الفلسفي للتاريخ ، ص ص 29 – 40

——————————————-

إتجاهات جديدة في فلسفة التاريخ

  نتطلع هنا ولأول مرة في دائرة الثقافة العربية ، إلى الحوار مع عينة من الكتب الإنكليزية التي كُتبت في القرن العشرين (تقريباً في الربع الأخير من القرن العشرين فصاعداً) وركزت مباحثها على فلسفة التاريخ ، والكتاب الذي تم إنتخابه ، هو في الواقع من سلسلة قراءات أكسفورد في الفلسفة ، وكان بعنوان فلسفة التاريخ ، وهو في حقيقته عمل أكاديمي جماعي ، وكان بإشراف الأستاذ باتريك لانكستر كاردنر (1922 – 1997) ، وهو فيلسوف أكاديمي بريطاني (يحمل شهادة البكلوريوس في التاريخ ، وبكلوريوس ثانية في السياسة والفلسفة والإقتصاد من أكسفورد) . نشر أول كتاب له في مضمار فلسفة التاريخ ، وكان بعنوان طبيعة التفسير التاريخي (1952) (1) . وإشتهر أكاديمياً بدراساته عن الفيلسوف الألماني شوبنهور (1963) (2) ، وعن الفيلسوف الوجودي الرائد سورين كيركيجارد (1988) (3) . أما في تجربة التحضير والإشراف على الكتب الأكاديمية الجماعية ، فكانت له تجربتين ، الأولى إشرافه على كتاب الفلسفة في القرن التاسع عشر (1969) (4) ، ومن ثم تلتها تجربته الثانية في موضوع فلسفة التاريخ (1974) ، وهو موضوعنا الحالي (5) .

   تكون كتاب فلسفة التاريخ من عشرة مباحث ، ساهم في كتابتها عشرة من المؤلفين (الفلاسفة) ، وبعض منهم من المشاهير في مضمار فلسفة التاريخ . وبالطبع إن الكتاب يخلو من أية مناقشة لإصطلاح فلسفة التاريخ ، ولكن رغم هذا الحال فإن كل مباحث الكتاب تُشكل مكونات أساسية لفلسفة التاريخ (أو جدل ومناقشات بين فلاسفة التاريخ في الربع الأخير من القرن العشرين…) .

أولاً – الطبيعة البشرية (الإنسانية) والتاريخ الإنساني (6) .

   تم إختيار هذا المبحث من كتاب البروفسور روبن جورج كولينجود (1889 – 1943) ، المعنون فكرة التاريخ (وهذا المبحث تم إنتخابه  من كتاب فكرة التاريخ ، وشغل الصفحات من 205 وحتى 231  من نشرة 1946) +، وهذا الكتاب لم يرى النور في حياة كولينجود ،

—————————————————-

+ وبالمناسبة إن هذا الكتاب درسه صاحب القلم (الدكتور محمد جلوب الفرحان) على طلبة الصفوف الرابعة / قسم التاريخ – كلية الآداب بجامعة الموصل في نهايات السبعينيات من القرن المنصرم / وللتدريس والكتاب له قصة (بينا فيها عدم دقة وتسرع الدكتور عماد الدين خليل في غضبه على الدكتور الفرحان لا لسبب سوى إن الفرحان درس مادة فلسفة التاريخ بعد إن نقلت الدكتور عماد جامعة الموصل إلى متحف الأثار ومنعته من التدريس ، وإن الدكتور عماد غضب على الفرحان لأنه إختار كتاباً لفيلسوف في التاريخ بريطاني ، هو كولينجود والمعنون فكرة التاريخ ، بديلاً لكتابه التفسير الإسلامي للتاريخ ، وهذه القصة الأكاديمية تناولناها على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة .

—————————————————–

وإنما بعد موته ، وقد قام بجمع إصوله ومن ثم نشره تلميذه (أي تلميذ كولينجود) ت . أم . نوكس . وتحول هذا الكتاب إلى مصدر ملهم في فلسفة التاريخ في العالم الذي يتكلم الإنكليزية . وكولينجود هو بروفسور الفلسفة الميتافيزيقية في أكسفورد ، وهو مشهور بكتاباته في علم الجمال (الفن) وفلسفة التاريخ . وتأثر بالفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشه (خصوصاً في كتاباته في فلسفة الفن) وبرادلي وفيكو . كما إن رسالته التي كتبها في موضوع الفلسفة الفوقية (أو مايسمى بالميتا – فيلوسفي) والتي جاءت بعنوان مقالة حول المنهج الفلسفي (7) هي في الواقع من المحاولات الفلسفية البالغة الأهمية في النصف الأول من القرن العشرين .

  ولعل من أهم أعماله التي ظهرت في حياته : الدين والفلسفة (1916) ، وخارطة المعرفة (1924) (8) ، ومختصر فلسفة الفن (1925) ، والسيرة الذاتية (1939) ، ومقالة في الميتافيزيقا (1940) . أما الأعمال التي ظهرت بعد موته ، فمنها ؛ فكرة الطبيعة (1945) والتي أكملها قبيل موته ، وفكرة التاريخ (1946) ، ومقالات في فلسفة التاريخ (1965) ، ومبادئ التاريخ وكتابات أخرى في فلسفة التاريخ (2001) … (9) .

  ويلحظ قارئ هذا الفصل – المبحث ، إن كولينجود قد فضل الحديث عن فكرة التاريخ ، والفكر التاريخي بدلاً من فلسفة التاريخ والفلسفة التاريخية . والشاهد على ذلك إن هذا المبحث تكون من ثلاثة محاور ونتيجة ؛ المحور الأول جاء بعنوان علم الطبيعة الإنسانية (10) . والمحور الثاني حمل العنوان الآتي مضمار الفكر التاريخي (11) . في حين كان عنوان المحور الثالث التاريخ معرفة عقلية (12) . أما في نتيجة البحث (13) فقد خلص إلى مسألتين في غاية الأهمية ؛

الأولى إنه فيما يخص التاريخ ” فإن مناهج (طرق) البحث التاريخي الحديث قد نمت في ظلال طريقة (أسماها أخت قديمة) ، وهي طريقة (منهج) العلم الطبيعي ” . ورأى ” إن ذلك ساعد في بعض النواحي وخصوصاً من خلال إنموذجها قدمت الكثير . إلا إنها من نواح أخرى عوقت البحث وسدت أبوابه ” . ولهذا إعتقد كولينجود إن هذه المقالة – المبحث ” ضرورية للإنخراط في كفاح ضد ما يُسمى بالفهم الوضعي للتاريخ ، أو الأصح سوء الفهم الوضعي للتاريخ ” (14) .

الثانية إنه فيما يتعلق ” بمحاولات الماضي في بناء التاريخ علماً ، فإن الوظيفة الوضعية ، وبالتحديد فيما يُدعى بعلوم العقل الإنساني كلياً أو جزئياً (والتي يُسميها كولينجود دراسات من مثل نظرية المعرفة ، نظرية الأخلاق ، النظرية السياسية ، النظرية الإقتصادية وغير ذلك) قد أسيئ فهمها بقصد ” (15) .

   ومن ثم إنتهى كولينجود بسؤال ترك الباب مفتوحاً أمام البحث في فلسفة التاريخ حسبما نظن ، وليس أمام الفكر التاريخي كما إعتقد كولينجود . وهذا السؤال الكولينجودي ؛ ما هي الوظيفة التي يقوم بها علم النفس ؟ ويبدو للوهلة الأولى إن هناك إلتباس يتحمل معنيين متعارضين ؛ فمن ناحية إن علم النفس يدعي إنه من علم العقل (التفكير) . وإذا صح ذلك فإن إدواته ، هي الطريقة العلمية ، والتي هي مجرد ثمرة تشابه زائف ، وهذا الأمر إنتقل إلى مضمار التاريخ . ومن ناحية أخرى إن علم النفس يدعي بانه مهتم بدراسة وظائف العقل بحد ذاته (16) . والمشكلة كلها إن علم النفس معني بالنمو والتطور وهذا الموضوع ليس طبيعي وإنما تاريخي . وإن علم النفس إذا تطلع إلى تجنب الخطورة ونفى تدخله في موضوع التاريخ ، فإنه سيعود إلى مضمار العلم الخالص للطبيعة . وهذا يعني إنه سيتحول إلى فرع من الفيزيولوجيا ، يعالج حركة العضلات والأعصاب (17) .

ثانياً – مفاهيم وأفعال (18)

  إنتخب الناشر باتريك كاردينر هذا المبحث – الفصل الصغير (وهو الفصل الأخير) من كتاب الفيلسوف البريطاني بيتر كي وينش (1926 – 19979 المعنون فكرة العلم الإجتماعي وعلاقته بالفلسفة (وهذا المبحث شغل من هذا الكتاب ، الصفحات من 121 وحتى 136 / وهو من نشرة روتلدج وكين بول 1958) . وتأثر الفيلسوف بيتر وينش بثلاثة رموز فلسفية معاصرة ؛ الأول الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) . والثاني الفيلسوف راش ريس (1905 – 1989) وهو واحد من حواريي فيتجنشتاين وناشري كتبه بعد موته (19). والثالث فيلسوف التاريخ كولينجود . والحقيقة إن الفيلسوف بيتر وينش هو بروفسور للفلسفة في كلية كنك – لندن ، ورئيس المجمع الأرسطي للفترة ما بين عامي 1980 و1981 . ومن أهم مؤلفاته : دراسات في فلسفة فيتجنشتاين (1969) . والأخلاق والفعل (1972) .

  ونحسب إن المشرف على هذا الكتاب (الأستاذ باتريك كاردينر) لم يحالفه النجاح في إختيار هذا الفصل الصغير الذي لا تتجاوز صفحاته العشر ، فصلاً لكتاب عنوانه فلسفة التاريخ . ولنقف عند عتبات المفاهيم والفعل ، لنرى الحق والباطل في ضم هذا الفصل لكتاب يبحث في فلسفة التاريخ (20). والشاهد على ذلك إن المبحث تكون من ثلاثة محاور وإستنتاج عام إنتهى به المبحث . ويبدو إن عناوين المحورين الأوليين لا علاقة لهما بكتاب عنوانه فلسفة التاريخ . أما المحاور الثالث فليست له علاقة بفلسفة التاريخ ولكن جاءت فيه الإشارة إلى التاريخ .

  لقد جاء عنوان المحور الأول فيه نوعاً من الكونية ، وهو عالمية (أو كونية) العلاقات الإجتماعية (21) . وحتى لا نظلم الفيلسوف وينش ، فإنه تكلم عن ” العلاقات بين الرجال والأفكار التي هي تجسيد لأفعال الرجال ، وهي الأفعال التي في حقيقة الأمر تتشابه حتى من وجهات نظر مختلفة . وأنا (أي الفيلسوف بيتر وينش) أرغب التأمل في الفكرة العامة لما يحدث وذلك عندما تتعرض الأفكار الحالية إلى التغير في المجتمع . والمثال على ذلك إن الأفكار الجديدة تدخل إلى مضمار اللغة ، وإن الأفكار القديمة تغادرها تاركة المجال للأولى الجديدة …” (22) .

   أما المحور الثاني فكان بعنوان الأفكار الإستدلالية (المنطقية) والأفكار اللامنطقية (اللا إسستدلالية) (23) . ونلحظ إن هذا المحور مثل المحور السابق لا يمسُ مضمار فلسفة التاريخ مباشرة (وإن كان يمس المنهج وذلك من طرف إستدلاليته (منطقيته) ولا إستدلاليته ( لا منطقيته)) ، وحديثه ركز على التمييز بين العلاقات الإجتماعية والتفاعل الإجتماعي ، فذهب مجادلاً  ” بل ومؤكداً على إن العلاقات الإجتماعية هي علاقات داخلية ، مع التأكيد من طرف أخر على إن تفاعل الرجال هو تجسيد للإفكار ” (24) .

  ونحسبُ إن المحور الوحيد الذي ربما يندرج بدرجات ما في مضمار فلسفة التاريخ ، بل والأدق مضمار الفكر التاريخي ، هو المحور الثالث والمعنون العلوم الإجتماعية والتاريخ (25) . وفيه إعتراف بالعودة إلى أفكار فيلسوف التاريخ كولينجود . يقول بيتر وينش ” يحملنا النظر إلى هذا الموضوع ، أن نثمن مفهوم كولينجود القائل : إن تاريخ الإنسانية برمته ، هو تاريخ الفكر ” (26) وبالمناسبة إن كولينجود هو فيلسوف ينتمي إلى المدرسة الفلسفية المثالية العتيدة .

   ونذكر هنا القارئ بالمناقشة التي قام بها كولينجود لعلم النفس وسؤاله ؛ هل هو علم من العلوم الطبيعية أم إنه نوع من الدراسة الإنسانية ؟ . ونحسب هذه المناقشة الكولينجودية هيمنت على تفكير الأستاذ بيتر وينش ، وظهرت ظلالها في هذا المحور المعنون العلوم الإجتماعية والتاريخ . ويبدو إن الفيلسوف وينش شعر بالحرج ، فرغب أن يلعب دور اللاعب في مفهوم الفيلسوف كولينجود ، فأبعد تفكيره ولو ظاهرياً من متابعة كولينجود إلى النهاية ، فقال وهو يعلق على مفهوم كولينجود القائل : إن تاريخ الإنسانية برمته ، هو تاريخ الفكر : ” لا ريب إن هناك مبالغة ، وإن مفهوم وظيفة المؤرخ ، هو إعادة التأمل بأفكار المشاركين في الأحداث التاريخية ، وخلاف ذلك فهي عملية تشويه عقلي (فكري) ” (27) .

   ومن ثم يعود الفيلسوف بيتر وينش إلى دائرة فيلسوف التاريخ كولينجود ، فيقول ” لقد كان كولينجود على حق ، ولكن بشرط إذا سلم بأنها تكون الطريق الذي نتكأ عليه في فهم الأحداث التاريخية (الوقائع التاريخية) وفي لحمة التاريخ الإنساني ” . ومن ثم جادل بيتر وينش ، فذهب معلقاً ” بأنه حتى إذا كان ذلك حق ، فإنها لا تقدم عرضاً طبيعياً للأحداث ، وعلى إنها صراع (أو تطور) بين الأفكار المنطقية (العقلية) ، بل إنها تماثلات ، هي أكثر قرباً إلى أن تكون طريقاً لفهم تعبيرات الأفكار ، مما هي طريق نفهم من خلاله العمليات الفيزيائية (الطبيعية) ” (28) .

   أما الإستنتاج الذي إنتهى إليه الفيلسوف بيتر وينش ، فهو إستنتاج يربط بين نظريات علم الإجتماع (السيسولوجيا) والرواية التاريخية (وبدرجات متفاوتة لا تتوافر فيها درجات من اليقينية) . فلنستمع له يُعلق على هذه القضية : ” إن العلاقة بين النظريات السوسيولوجية والرواية التاريخية ، هي كما يظهر أقل درجة من العلاقة بين القوانين العلمية وتقارير التجارب القائمة على الملاحظات . ويبدو إنها تشبه العلاقة بين نظريات المنطق والحجج في إطار لغات معينة ” (29) .   

  ونرى إن مبحث الفيلسوف بيتر وينش يظلُ حاله حال مبحث فيلسوف التاريخ كولينجود ، رسالة في الفكرة والأفكار . إضافة إلى إن بيتر وينش بحث في الفعل والأفعال . وهو موضوع في أحسن الأحوال يندرج في ميدان الفكر التاريخي (وليس في مضمار فلسفة التاريخ) المدروس من زاوية السوسيولوجيا والعلاقات الإجتماعية والتفاعل الإجتماعي . وإن الموضوع اليتيم في مبحث بيتر وينش المهم من زاوية الفكر التاريخي (وبدرجات بمنظار فلسفة التاريخ) هو العلوم الإجتماعية والتاريخ .

ثالثاً – مشكلة القوانين السائدة في التاريخ (30) .

   كتب هذا المبحث الفيلسوف الأمريكي موريس ماندلبوم (1908 – 1987) وهو بروفسور الفلسفة في جامعة جونز هوبكنز منذ عام 1957 . تخرج عام 1929 من كلية دارتموث ، ومن ثم حصل على الماجستير من الكلية ذاتها عام 1932 ، وكتب الدكتوراه في جامعة ييل عام 1936 . وصرف ما يُقارب الخمسين عاماً من عمره في التعليم . وبدأ عمله الأكاديمي (أستاذاً مساعداً) في كلية دارتموث وللفترة من 1931 – 1932 ، وأستاذاً مشاركاً للفلسفة في كلية سورتمور وللفترة من 1934 – 1947 . وعاد إلى دارتموث بروفسوراً للفلسفة وللفترة من 1947 – 1957 . وتحول في عام 1957 إلى جامعة جونز هوبكنز بروفسوراً للفلسفة ، وأصبح رئيساً لقسم الفلسفة فيها وللفترة من 1958 – 1968 . ومن ثم تقاعد من جامعة جونز هوبكنز في العام 1974 وإن ظل محاضراً فيها لبعض الوقت .

   من أهم مؤلفات الفيلسوف موريس ماندلبوم :

1 – مشكلة المعرفة التاريخية عام 1938

2 – الفينومنولوجيا والخبرة الإخلاقية عام 1955

3 – الفلسفة ، العلم والإدراك الحسي عام 1964

4 – التاريخ ، الإنسان والعقل عام 1971

5 – تشريح المعرفة التاريخية عام 1977

6 – الفلسفة ، التاريخ والعلوم عام 1984 (31) .  

   ونحسب إنه من النافع أن نبين إلى إن مساهمة الفيلسوف موريس ماندلبوم المبكرة كانت في الفكر التاريخي وفلسفة التاريخ ، ولذلك نحسب إنه من المفيد الإشارة إلى مقالاته المبكرة في هذا المضمار وبالشكل الآتي :

1 – التحليل السببي للتاريخ (1942) وهي من المقالات المغمورة والتي جاء ذكرها في أعمال الفيلسوف موريس ماندلبوم الأولى (32) .

2 – نقدُ لفلسفات التاريخ (1948) (33) .

3 – معنى التاريخ الإنساني (1948) (34) .

4 – بعض المشكلات الفلسفية المهملة في مضمار التاريخ (1952) (35) .

5 – ما هي فلسفة التاريخ (1952) (36) .

6 – الحتمية والمسؤلية الأخلاقية (1960) (37) . وبالطبع هناك عدد كثير من المقالات التي كتبها الفيلسوف ماندلبوم في مضمار الفلسفة العام خلال الخمسين عاماً من عمله الأكاديمي .

  لقد كتب الأستاذ لويس وايت بيك مقالاً عن زميله الفيلسوف ماندلبوم في سنة وفاته (عام 1987) وفي هذا المقام قيم جهود موريس ماندلبوم الفيلسوف ورئيس الجمعية الفلسفية الأمريكية ، فقال : ” كان موريس ماندلبوم صديق لي لمدة تجاوزت الأربعين عاماً . وهنا أنا أتكلم عنه كمربي للجمهور العام .. وأحسب إن ذكراه ستظل خالدة في أمرين ؛ الأول هو إدارته الحكيمة للجمعية الفلسفية الأمريكية . والأمر الثاني إنه كان حقاً فيلسوفاً عميقاً ، وخصوصاً في فلسفة التاريخ ، وتاريخ الفلسفة ، والأبستمولوجيا ، والأخلاق الفوقية (ميتا – إثيك) وفلسفة العلوم الإجتماعية ” (38) .

  إستهل الفيلسوف موريس ماندلبوم تأملاته الفلسفية في موضوع التفسير التاريخي بالإعلان عن إن بحثه المعنون مشكلة القوانين … هو في واقع الأمر إستمرار للمناقشات الجارية بين الفلاسفة البريطانيين والأمريكان حول السؤال المتعلق بالتاريخ ، وهو السؤال الذي فرض هيمنة خاصة على جميع الأسئلة الأخرى (39) . كما إنه كشف بوضوح بأن كتاب وليم دراي (1921 – 2009) المعنون القوانين والتفسير في التاريخ ، هو الذي كان محور هذه المناقشات .

  ومن حق الفيلسوف وليم هربرت دراي علينا (فهو كندي وأنا كندي) أن أقف أمام حضرته مُعرفاً بعض الشئ وبما ينفع موضوع التفسير التاريخي وفلسفة التاريخ . فهو فيلسوف كندي في التاريخ ، وبروفسوراً للفلسفة في جامعة أتوا (عاصمة كندا) . وكان رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة ترنت قبل أن يتحول إلى جامعة أتوا .

  إن الحديث عن الفيلسوف دراي ، هو الحديث عن مساهماته المتفردة في مضمار الفلسفة التحليلية للتاريخ والعلوم الإجتماعية . فهو واحد من النقاد العنيدين للنزعات الوضعية ، فتراه دائماً يُجادل ويؤكد على إن موديل التفسير الذي تتداوله العلوم الطبيعية لا يصلح إطلاقاً في مضمار العلوم الإنسانية . وله مساهمات في دراسة علم التاريخ (الهستروغرافيا) وخصوصاً الحرب الأهلية في إنكلترا ، والتي أثارت إهتمام فلاسفة التاريخ من أمثال كولينجود .

  ولعل من أهم مؤلفاته التي ترجمت إلى العديد من اللغات كتابه الذي يتحدث عنه الفيلسوف موريس ماندلبوم والمعنون القوانين والتفسير في التاريخ (1957) ، وكتابه فلسفة التاريخ (1964) ، ورائعته التحليل الفلسفي للتاريخ (1978) ، وكتابه وجهات نظر حول التاريخ (1980) ، ومؤلفه حول التاريخ وفلاسفة التاريخ (1989) ، والتاريخ إعادة بناء : كولينجود وكتابه فكرة التاريخ (1995) (40) .

  وهذه مناسبة أقدم فيها عرضاً سريعاً لفصول رائعة فيلسوف التاريخ دراي ، لأوفر للقارئ فرصة للمقارنة بين ما كتبه الفيلسوف دراي والفيلسوف موريس ماندلبوم ، ومعرفة حجم التأثير الذي تركه الفيلسوف الكندي على كتابات موريس ماندلبوم . تألف كتاب القوانين والتفسير في التاريخ من ستة فصول ، وجاءت بالشكل الأتي :

1 – موديل القانون السائد

2 – عقيدة التعريف الضمني

3 – التفسير والتكهن

4 – القوانين السببية والتحليل السببي

5 – مفهوم (وصفة) الفعل

6 – تفسير لماذا ؟ وتفسير كيف ؟ (41) . 

 وبعد هذا عودة إلى مبحث الفيلسوف ماندلبوم ، فقد إستعار عنوان بحثه من الفصل الأول من كتاب الفيلسوف الكندي وليم دراي المعنون التفسير في التاريخ . وفعلاً فقد تابع ماندلبوم المناقشة ، فأشار إلى إن دراي كان يخص مجموعة معينة من المنظرين ، الذين بحثوا في موضوع القوانين التي تغطي التاريخ ، وكان أغلبهم فلاسفة علوم من أمثال كارل بوبر (1902 – 1994) والمشهور بكتابه ذائع الصيت والمعنون فُقر(أو عُقم) النزعة التاريخية (أو التاريخانية) والذي صدر في العام 1936 (42) وكارل غوستاف هامبل (1905 – 1997) وكذلك فيلسوف التاريخ المعاصر باتريك كاردينر (تحدثنا عنه في مقدمة هذا المحور) .

   أما كارل هامبل ، فهو فيلسوف علم ، ومن الرموز الكبيرة في الوضعية المنطقية . والمتداول في كتب فلسفة العلوم ، إنه كان أول من قدم موديلاً للتفسير العلمي ، وهو موديلاً عالياً للتفسير العلمي خلال الخمسينات والستينات . ومن أهم كتبه في فلسفة التاريخ ، كتابه المعنون وظيفة القوانين العامة في التاريخ ، والذي صدر في العام 1942 . وكتابه الشهير التفسير العلمي ، الذي ظهر في العام 1967 (43) .

  والحقيقة إن موريس ماندلبوم ، هو من المعارضين لوجهات نظر كارل بوبر ، وكارل هامبل وباتريك كاردينر . تكون بحث ماندلبوم المعنون مشكلة القوانين التي تغطي التاريخ ، وهو العنوان الذي إستعاره من أحد فصول فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي كما ذكرنا أعلاه ، تكون من مقدمة (كما نحسبها) وثلاثة محاور (كما نظنها) . ففي المقدمة التي نفترضها ، تحدث ماندلبوم عن معسكرين من فلاسفة التاريخ ؛

الأول معسكر المنظرين للقوانين في التاريخ ، من أمثال بوبر وهامبل وكاردينر  .

والثاني معسكر فلاسفة رد الفعل (فلاسفة التاريخ أصحاب رد الفعل) ومنهم وليم هربرت دراي ، وفيلسوف التاريخ ألن دونكن (1925 – 1991) ومن أهم كتبه ، رائعته المعنونة الفلسفة المتأخرة لفيلسوف التاريخ كولينجود (1962) (44) ، والفيلسوف الإنكليزي باتريك نويل سميث (1914 – 2006) (ومن بواكير كتاباته ، مقالته المعنونة حرية الإرادة والمسؤلية الأخلاقية والتي نشرها في مجلة العقل عام 1948) ، وفيلسوف التاريخ الروسي – البريطاني إيزايا برلين (1909 – 1997) وهو الذي أدخل طرق الفلسفة التحليلية في فلسفة التاريخ ، وله معارضات للتنوير وفلاسفة التاريخ خلالها (وخصوصاً الألمان) (45) .

    وهؤلاء حسب رأي موريس ماندلبوم ، ميزوا أنفسهم من مجموعة من الفلاسفة الذين رفضوا تفسير القوانين من أمثال بيندتو كروتشه وكولينجود (والذين حسب كلام موريس ماندلبوم) يشكلون معسكر المثالية في فلسفة التاريخ (46) . ولاحظ في حالة فيلسوف التاريخ البريطاني وليم هنري ولش (1913 – 1986) (وهو متأثر بفيلسوف التاريخ كولنجود ، ومستوعب للتراث المثالي حول التاريخ ، وخصوصاً ريكارت ، وديلثي وكروتشه بصورة واضحة ) (47) ولعل أهم كتب وليم هنري ولش رائعته المعنونة فلسفة التاريخ : مدخل (1951) . ولكن حسب ماندلبوم إن ولش قد بين بأن المسافة بين المشروعين جدا قريبة (أي بين معسكر فلاسفة العلم وفلاسفة أصحاب رد الفعل على النزعة الوضعية) (48) .

  وعلى هذا الأساس فإن المقال إشتغل على هذا الجدل بين فلاسفة التاريخ من الوضعين (بوبر وهامبل وكاردينر ) من طرف ، وفلاسفة رد الفعل ، ومن ثم الإحتجاج بمواقف معسكر فلاسفة التاريخ المثاليين . وفعلاً فإن موريس ماندلبوم في هامش الصفحة (رقم 53) يكشف صراحة عن موقفه من فلاسفة التاريخ الوضعيين والقائلين بالقوانين في التاريخ ، فيقول : ” إنه من الملاحظ إن هناك صلة بين هامبل وكاردينر ، خصوصاً في إنتقاداتهم المؤلمة لي (ماندلبوم) .. ويبدو إن فيلسوف التاريخ دراي كان متعاطفاً معهم ” .

  الحقيقة إن موريس ماندلبوم كان في حيرة وهو يسعى إلى تصنيف المواقف داخل أجواء الجدل بين معسكر القائلين بالقوانين في التاريخ ومعسكر المعارضين لهم ، وحيرته كانت واضحة في الإصطلاح – العنوان الذي إختاره للمعارضين ، فأسماهم بفلاسفة رد الفعل . ونحسب إن ماندلبوم لم يكن موفقاً في هذا العنوان ، فهو عنوان ملتبس عام ، وكان من الأفضل عليه إن يكون صريحاً ، ويختار عنوان المعارضين للقوانين في التاريخ . وهكذا يصبح لدينا معسكرين : الأول معسكر القائلين بالقوانين ، والثاني معسكر المعارضين لوجود مثل هذه القوانين . وبالطبع معسكر القائلين بالقوانين ، هم فلاسفة علوم ومنهم من ينتمي إلى مدرسة فلسفية عريقة الجذور وهي الوضعية المنطقية (حالة الفيلسوف هامبل) ومنهم من ينتمي إلى مدرسة الفلسفة التحليلية والتي هي الأخرى إنبثقت من الوضعية المنطقية (كما في حالة الفيلسوف كارل بوبر صاحب كتاب عُقم التاريخ) .

  ومن الملاحظ إن أغلب مقالات ماندلبوم (ومؤلفاته كذلك) تدور حول التفسير التاريخي هذا من طرف . والطرف الثاني إنه كان كاتباً متخصصاً في مضمار فلسفة التاريخ (إضافة إلى مؤلفاته في ميدان الفلسفة عامة) . وإنه بدأ عملية الكتابة والتدوين في الثلث الأول من القرن العشرين ، وهذه منزلة تضعه بجوار حضرة فيلسوف التاريخ كولينجود .

رابعاً – التفسير التاريخي للأفعال (49)

  كتب هذا المبحث فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي (تكلمنا عنه سابقاً) . وإستهله بالتذكير إلى إنه خلال السنوات العشرة (وهو يتحدث يومها في العام 1963) ظهرت كتابات في غاية الأهمية ، عالجت من زاوية تحليلية فلسفية ، طبيعة التفسير التاريخي . ومن ثم حدث جدل حول الطريقة التي يكون عليها هذا التفسير ، ومنها  السؤال عن حجم المتابعة (والتطبيق) لمثل هكذا تفسير للقوانين الإمبريقية (التجريبية) . ومن ثم تلت ذلك أي بحدود خمسة سنوات ، مثابرة قام بها في كتابه المعنون القوانين والتفسير في التاريخ ، وهي  مساهمة في الجدل والمناقشات الدائرة يومذاك (50) .

   وكان دراي صريحاً ، فهو لايريد العودة إلى كل القضايا التي عالجها في كتابه القوانين والتفسير في التاريخ ، وإنما العودة إلى سؤال واحد ، وواحد فقط ، وهو : السؤال التحليلي الذي يدور حول التفسير الوصفي ، لما أسماه العوامل التاريخية (الأفراد). وهنا كما أشار ” أنا لا أقصد فقط الأفعال الإنسانية الفردية ، التي هي بالتأكيد موضوع التفسير التاريخي ..” ولذلك فأن الفيلسوف دراي إتفق مع موريس ماندلبوم ، في ” إن أفعال الأفراد لها مصلحة تاريخية

مناسبة ، وأنهم يدخلون التاريخ عندما تكون لهم أهمية مجتمعية ” (51) . إذن في البحث

 ردود على أطراف دخل معها فيلسوف التاريخ دراي في جدل ، ومنهم على الأخص البروفسور موريس ماندلبوم .

  تكون المبحث من أربعة محاور ؛ المحور الأول إستهله بعبارة فيلسوف العلم هامبل ، والتي ركزت على نظرية القانون (الذي يغطي الأحداث التاريخية) في التاريخ ، والتي جاءت في مقالته المشهورة ، والتي حملت عنوان : وظيفة القوانين العامة في التاريخ ، وهنا ذهب دراي إلى مناقشة المقصود بالتفسير ، ومن ثم في مرجعية إلى القوانين (التي تغطي الحدث التاريخي) . وذهب موضحاً حجته ، فأفاد إلى إنه بالطبع هناك من إتفق مع البروفسور هامبل في تطبيقاتها العالمية على نظرية التفسير ، وبالطبع هناك حجج معارضة ، ولكن هذا لا يعني الدخول في صراع مع الحجج التي قدمها حشد من المؤرخين الذين فشلوا في عملهم والذي لا يُلبي شروط ومتطلبات هذه النظرية  حسب رأي فيلسوف التاريخ وليم هربرت دراي (52) .

 وإختتم المحور بإزالة سوء الفهم الذي يخلط بين التطبيق المناسب للقوانين التي تغطي الحدث التاريخ ، وبين الموديلات العقلية والتي لا علاقة لها بالسؤال الذي يدور حول التفسيرات التاريخية ، والتي تتعلق بحدود أفكار الناس أو بحدود الشروط الموضوعية لبيئاتهم الطبيعية والإجتماعية . ويرى دراي إلى إن البروفسور هامبل يبدو غير متأكد ، ولا مطمأن من تحليلات ورؤى فلاسفة المادية في التاريخ (53) .  

   ثم خصص فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي ، المحور الثاني للرد على عدد من النُقاد  ، الذين وجدوا أسباباً حملتهم على عدم الإتفاق معه في تفسيره العقلاني للتاريخ (54) . وخصوصاً إعتراضات الفيلسوف نويل سميث ، والذي جادل الفيلسوف دراي ، فذهب مُعلقاً ” حتى إذا وجدنا العامل التاريخي ، فإنه ليس بمقدورنا أن نستمر في حساباتنا الممكنة ، ولهذا فإن التفسير بالتأكيد سيكون كاذباً ” . ويعلق الفيلسوف دراي على إعتراض الفيلسوف سميث ، فيقول مجادلاً ” ويبدو إن البروفسور سميث يفترض إن هناك بعض العوامل موجودة ، ولكنها تعمل فيما أسماه في مناطق الوعي الذاتي ” (55) . وإستمر في المحور الثالث في ردوده وحواره مع فلاسفة التاريخ ، الذين لم يقبلوا تحليلاته ، من مثل السير إيزيا برلين ، والذين ” لم يقبلو على الأقل بأنه ليس هناك خطأ في الصيغة الأصلية للقوانين التي تغطي التاريخ ، بشرط إذا كان هناك توضيح لبنية (التركيب) التفسير في التاريخ ” (56) .

  وبالمناسبة إن فيلسوف التاريخ السير برلين ، هو فيلسوف روسي – بريطاني ، ومؤرخ للتاريخ الفكري (الأفكار) ، ومنظر سياسي . ولعل من أولى مقالته التي كتبها قبل كتابه الشهير : كارل ماركس : حياته وبيئته ، مقالته المعنونة الإستقراء والفرضيات (1937) (57) .

   ويُتابع فيلسوف التاريخ مناقشته ، فيرى إن هناك عدداً أخراً من فلاسفة التاريخ ، من أمثال

الفيلسوف (والإقتصادي ، ورجل الإحصاء) النمساوي – البريطاني فردريك أغسطس هيك (1899 – 1992) من أهم مؤلفاته الطريق إلى العبودية (58) ، والفيلسوف الألماني – الأمريكي ليو ستراوس (1899 – 1973) والذي كان من كتاباته الأولى ، مؤلفه المعنون نقد إسينوزا للدين (عام 1930) (59) ، والفيلسوف البريطاني بيتر ونش ، المشهور بكتابه المعنون فكرة العلم الإجتماعي وعلاقته بالفلسفة (1958) والذي هاجم النزعة الوضعية في العلوم الإجتماعية ، والذين (حسب رأي فيلسوف التاريخ دراي) قد ذهبوا بعيداً ، ورأى إن   

مفهوم الحقيقة التاريخية أو الأجتماعية ، بمعناه الإعتيادي ، هو مفهوم شبه معياري . وإن القوانين في مثل هذه المفاهيم ، هي الأخرى معيارية كذلك (60) .

   أما المحور الرابع والأخير من مبحث فيلسوف التاريخ دراي ، فقد تكلم فيه عن التحويرات التي جرت على نظرية القوانين التي تغطي التاريخ (61) . ومن ثم إعترف بأنه يتمسك بموقف ليبرالي (متحرر) قاده إلى الإعتقاد بأن الموديل العقلي في التفسير ، بسبب إن له منافع للجميع . كما إن منافعه يمكن ملاحظاتها بطريقة التفسير التي تُقدم للتاريخ من طرف ، ويكون منطقياً منافساً للنزعات اللاجبرية المتعلقة بالأفعال الإنسانية من طرف أخر (62) .

خامساً – حُجج حول القوانين (التي تغطي الأحداث التاريخية) في التفسير التاريخي (63)

   كتب هذا المبحث – الفصل فيلسوف العلم كارل هامبل ، وقد قام الفيلسوف كاردينر بإنتخابه لأغراض هذا الكتاب الجماعي ، والذي سبق إن نشر في كتاب بعنوان الفلسفة والتاريخ : الإجتماع (عام 1963) (ص ص 143 – 163) .  درس الفيلسوف كارل هامبل الرياضيات والفيزياء والفلسفة في جامعة كوتنكن ، وهيدلبيرك وبرلين الألمانية . وفي كوتنكن واجه هامبل عالم الرياضيات (والمنطق البديهي) المعروف ديفيد هلبرت (1862 – 1943) ومنذ تلك اللحظة طبع هلبرت لمسات قوية على هامبل ، وخصوصاً في مثابرته الرياضية – المنطقية التي نزعت إلى تأسيس الرياضيات على أسس منطقية صلبة ، ومشتقة من عدد محدود من البديهيات .

  ومن ثم تحول هامبل إلى جامعة برلين وشارك في مؤتمر الفلسفة العلمية والذي إنعقد في عام 1929 ، حيث قابل عالم المنطق رودلف كرناب (1891 – 1970) وأصبح فاعلاً مع فلاسفة حلقة برلين ، والتي إرتبطت بحلقة فينا . وفي عام 1934 حصل على الدكتوراه من جامعة برلين وبإطروحة كتبها عن نظرية الإحتمال . ومن أهم مؤلفاته :

1 – دراسات في الإثبات (التأييد) (1943) .

2 – منطق التحليل الدالي (1959) .

3 – الأوجه المتعددة للتفسير العلمي (1965) .

4 – فلسفة العلم الطبيعي (1966) .

5 – التفسير العلمي (1967) (64) .

  وتكون هذا المبحث من أربعة محاور ؛ الأول كان بعنوان التفسير الإستدلالي (الإستنباطي) والتفسير الإحتمالي عن طريق القوانين التي تغطي التاريخ (65) . وفيه عاد إلى مبحث فيلسوف التاريخ وليم هربرت دراي والمعنون القوانين والتفسير في التاريخ . ورأى بأن دراي ” طور فعلاً عدداً من الحجج البالغة الأهمية ضد كفايتها ، وخصوصاً في مضمار البحث التاريخي ” (66) . إذن المحور برمته محاجة وجدل بين فيلسوف العلم الوضعي هامبل وفيلسوف التاريخ دراي حول معاني ودلالات مصطلح موديل القانون (الذي يغطي التاريخ) في التفسير . وحسب هامبل إن الفيلسوف دراي قد تداول المصطلح موديل القانون (الذي يغطي التاريخ) ليقصد به ” الطرف الإستنتاجي في التفسير ، والذي يكون حاله حال الطرف الإستدلالي في إطار القوانين التي تغطي التاريخ ” (67) . وهناك مسألة في غاية الأهمية تتعلق بحجج الفيلسوف دراي ، وهي إن مثل هذا النوع من التفسير يلعب دوراً مهماً في فروع مختلفة من العلوم الإمبريقية (التجريبية) ، والتي حسب فيلسوف العلم هامبل ، ” هي تفسير القانون الذي يغطي التاريخ … وبإيجاز إن السيد دراي قد لمح في بحثه بأن بعض القوانين التي تغطي التاريخ ، هي شكل من القوانين الإحصائية الإحتمالية ” (68) .

   أما المحور الثاني فقد جاء بعنوان الشرط الضروري لكفاية التفسير (69) . وعالج فيه نوعين من التفسير اللذان ينهضان على القوانين التي تغطي التاريخ ؛ فهما يفسران الحادثة من خلال ظروف خاصة محددة وقوانين عامة . وإن حدوثها متوقع (بالمعنى المنطقي الخالص) باليقين الإستنباطي أو بالإحتمال الإستقرائي . وبهذا الحال فإن كلا الضربين من التفسير مقنعان للحادثة هذا من طرف (70) . ومن طرف ثان فإن مفاهيم القانون التاريخي التي يقوم عليها التفسير (والتي تُعرض من خلال الموديلات) ترتبط بمرجعية ، وهذه المرجعية هي علم المنطق ، وليس علم النفس  . وعلى هذا الأساس فإن التفسير حاله مثل حال مفاهيم البرهان الرياضي ، والتي سيكون مرجعيتها علم المنطق كذلك وليس علم النفس ، وكما إن هدف البرهان الرياضي ، هو البرهنة على المبرهنات الرياضية . والبراهين والتفسيرات من طرفهما كافيان بالمعنى البراجماتي – النفسي (71) .

  وإنتخب فيلسوف العلم والتاريخ كارل هامبل للمحور الثالث من بحثه ” حجج حول القوانين التي تغطي التاريخ ، عنوان ” الأحداث الفردية والتفسير الكامل ” (72) . وهو عنوان مقصود ، وذلك ليكمل هامبل عملية الجدل والنقاش ، وتصفية الحساب مع فيلسوف التاريخ الكندي وليم هربرت دراي . وإستهل هامبل المناقشة بالإشارة إلى إن بحث السيد دراي قد مس بصورة موجزة هذا الموضوع ، ولذلك حصل على إهتمام في أدب المناقشات الجارية . والذي يتلخص في السؤال : هل الأحداث الفردية تسمح بتفسير كامل ؟ وهل مثل هذا التفسير ممكن إنجازه بوسائل القوانين التي تغطي التاريخ ؟ وأود هنا إن أعلق بإيجاز على هذه القضية ، فأقول إنه في أي تفسير للحادثة الفردية عن طريق القوانين التي تغطي التاريخ ، فإن الحادثة في السؤال ، هي دائماً توصف بعبارة ، وهذه العبارة ، هي بالتأكيد عبارة التفسير (73) .

   ومن ثم تلاه المحور الرابع والأخير ، والذي جاء بعنوان الأفعال التفسيرية بواسطة العقول (74) . وفيه إستمر الجدل بين هامبل ودراي حول هذا الطرف من تفسير الأفعال . ويلاحظ هنا إن هامبل لم يكتفي بفيلسوف التاريخ دراي ، وإنما أدخل أسماء أخرى في الجدل . وهذا ما سنشير إليه . إستهل هامبل هذا المحور :

 أولاً بعنوان فرعي يقول ” إستنتاج دراي ” . وبعدها أفاد ” أنا أتحول الآن إلى بعض التعليقات على الموضوع الرئيسي لبحث السيد دراي . وأقصد مفهوم التفسير العقلي . والحقيقة إن دراي يعتقد بأن المنهج الذي يتداوله المؤرخين ، هو تفسير الأفعال الإنسانية في حدود العقل ، والتي لا يمكن أن تُفسر (ولا يمكن ضمانها) في إنموذج القانون الذي يغطي التاريخ . ولهذا دراي يقول ” إذا رغبت أن تقوم بإعادة تركيب خاطئ ، فإنك ستحصل على تفسير خاطئ ” . وحسب رأي هامبل إن حجة دراي لا تدعم الحكم ، وذلك لأن إسنتنتاجه البديل لمثل هذا التفسير ، هو شكل من المساهمة الأساس بإتجاه صياغة وتوضيح القضايا المحيرة  ” (75) .

 وثانياً بعنوان أخر ، هو مشكلة معايير العقلانية . ولاحظ هامبل إنه ليس هناك معنى واضح للسؤال : ما هو معيار العقلانية ؟ ويتابع القضية ، فيذهب إلى إن هناك بعض الكتاب في الفترة الراهنة ” يفترضون بأن هناك مفهوم واحد واضح للعقلانية في المعنى المطلوب هنا . إلا إنهم لم يقدموا أي تعريف واضح ، ولذلك فالشكوك أثيرت حول إمكانية صياغة معياركاف عام للعقلانية بحيث يمكن تأيده بواسطة النظرية الرياضية …” (76) .

  والخلاصة إن إقتراح دراي ، حسب إعتقاد هامبل ، للتفسيرات الإستنتاجية التي تستند إلى العقل ، في أساسها تعاني من عجز منطقي ، وذلك لأنها جاءت نتيجة ولادتها من نظرة ترى بأن من مثل هذه التفسيرات يجب أن تُؤسس على مبادئ الفعل بدلاً من تُبنى على قوانين عامة . (77) . ومن ثم دخل على الخط حسب إنتخاب فيلسوف العلم والتاريخ هامبل ، الفيلسوف الأسترالي جون باسمور (1914 – 2004) والمعروف بكتابيه الفلسفيين ؛ الأول نوايا هيوم (1952) . والثاني الإستدلال الفلسفي (1961) ، وبالطبع نشر كتاباً في تاريخ الفلسفة بعنوان الفلسفة في مئة عام (1956) . والنقطة الأساس في إعتراض باسمور حسب فيلسوف العلم والتاريخ هامبل ، هي ” إن التفسير من خلال المرجعية إلى مبدأ الفعل أو العقل الجيد ، هو ليس بحد ذاته تفسير على الإطلاق … والعقل يكون عقلاً جيداً بمعنى وجود مبدأ يمكن شخص ما أن يتكأ عليه في تبرير فعل شخص ما ، ودون أن يكون له في الواقع أي تأثير علينا ” (78) . وهذه المعالجة جاءت في مقالة باسمور (التي هي في الأصل مراجعة) وبعنوان القانون والتفسير في التاريخ (1958) والذي ذهب بصورة موجزة إلى إن التفسير عن طريق العقول (الأسباب) يرتفع إلى التفسير عن طريق الإحالة إلى العبارة العامة . فمثلاً لو سلمنا بأن العقل (السبب) ليكون التفسير الواقعي لتصرف الشخص … للتأكيد على الأقل … على العبارة العامة : الناس من فئة أكس ، في موقف واي ، فالفعل في مثل هذا الحال ، هو المحافظة على المبدأ زد ” (79) .

وثالثاً بعنوان العقلانية والأفعال العفوية (غير المدروسة) . إن التفسير العقلي الإستنتاجي يمكن أن يقدم حلاً للصعوبات المتعلقة بوجهة نظر السيد دراي ، والتي وردت في كتابه سالف الذكر ، والتي أشار إليها بإيجاز في بحثه هذا . ووفقاً للفيلسوف داري ، فإن ” هناك أفعال محددة هي مؤهلة أن تكون عقلية ، رغم إنها بالقرار خالية من أية منفعة في الحسابات والدراسات الواقعية ” (80) . وحسب رأي فيلسوف العلم والتاريخ هامبل ” إن الفيلسوف دراي يجادل حقاً في كتابه ، فيذهب إلى إن الفعل غرضي على الإطلاق ، مهما يكن مستوى الدراسة الواعية ، إذا كان قابلاً للتفسير العقلي ، وذلك بسبب هناك حسابات يمكن حسابها لصالحه ” (81) .

  إن الممتع والمتفرد في مبحث فيلسوف العلم والتاريخ كارل هامبل ، هو إنه إستخدم اللغة الرمزية في أمثلته ومناقشاته ، وهي لغة الرياضيات والمنطق الرمزي (والرياضي) الذي يتطلع إلى الدقة العالية ، وخصوصاً في الأمثلة التي عرضها ، وهو يُدافع عن أهمية ومكانة القوانين في التفسير التاريخي (وهذا يشمل في طرف منه الفيلسوف الأسترالي جون باسمور كذلك) .

سادساً – المعنى الإجتماعي وتفسير الفعل الإجتماعي (82)  

  كتب هذا المبحث – الفصل مؤرخ الفكر السياسي كونتين سكنر (1940 – لازال حياً) وهو بروفسور في الإنسانيات في جامعة لندن . ولعل أهم ما إشتهر به ، هي محاضراته في أكسفورد عن فيلسوف التاريخ توماس كارليل (1795 – 1881) صاحب نظريات البطل والبطولة (والرجل العظيم)  . وذاع صيت كونتين سكنر في الأعمال التي كتبها في النظرية السياسية والفكر السياسي وتاريخهما ، والتي شملت ميكافيلي (1469 – 1527) ، وتوماس مور (1478 – 1535) وتوماس هوبز (1588 – 1679) . ومن أهم مؤلفات كونتين سكنر:

1 – أسس التفكير السياسي الحديث (المجلد الأول) : عصر النهضة (1978) .

2 – أسس التفكير السياسي الحديث (المجلد الثاني) : عصر الإصلاح (1978) .

3 – مكيافيلي (1981)

4 – العقل والخطاب في فلسفة هوبز (1996)

5 – الحرية قبل الليبرالية (1998)

6 – الفلسفة والتاريخ (1984) وهو كتاب أكاديمي جماعي أشرف عليه (83) .

  وتكون بحث البروفسور سكنر من خمسة محاور عالجت بصورة كافية المعنى الإجتماعي والأفعال الإجتماعية ، وهو موضوع لم يمس فلسفة التاريخ بالطبع . إلا إن فيه جدل حول الأفعال الإجتماعية ولهذا السبب نظن إن فيلسوف التاريخ باتريك كاردينر إنتخبه وضمه إلى مباحث كتاب فلسفة التاريخ ، وهو الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه .

سابعاً – المفاهيم الضمامة (القابلة لضم / أو فهم مجموعة من الأحداث) في التاريخ (84)

  كتب هذا المبحث الفيلسوف البريطاني وليم هنري ولش (1913 – 1986) ، وهو بروفسور المنطق والميتافيزيقا في جامعة أدنبرة ، للفترة ما بين (1960 – 1970) . وفيلسوف أكسفوردي ، تدرب في الأصل في الفلسفة الحديثة ، وهو متأثر بفيلسوف التاريخ كولينجود . من أهم مؤلفاته : مدخل إلى فلسفة التاريخ ، الذي نشره في العام 1951 (أنظر الهامش رقم 47) .

  جاء هذا المبحث مقالة خالية من التقسيم المنهجي إلى محاور كما رأينا في أغلب مباحث – فصول هذا الكتاب الجماعي . ونحسب من الإنصاف أن نقوم بتوزيع الحقوق بين فلاسفة التاريخ (أو المؤرخين الذين كتبوا في مضمارها فمسوا بعض الأطراف منها مساً خفيفاً) . وهنا نود أن نشير إلى الريادة في عملية نحت أو إدخال مفاهيم جديدة في عملية الجدل والنقاش حول فلسفة التاريخ  ، (وهي من الموضوعات المهمة) وبالتحديد في عنوان الفيلسوف ولش ” المفاهيم الضمامة في التاريخ ” . حقيقة إن المفاهيم الضمامة ، هو إصطلاح تبناه فيلسوف التاريخ وليم هنري ولش من مؤرخ العلم الإنكليزي (وفيلسوف العلوم الإستقرائية) وليم ويهول (1794 – 1866) (85) . والواقع إن فيلسوف التاريخ ولش يعترف صراحة سواء في هذا المبحث أو في كتابه المعنون مدحل إلى فلسفة التاريخ ، بأنه لم يكن المخترع لإصطلاح ” المفهوم الضمام / الجامع) أو المفاهيم الضمامة . وإنما يعترف إن ” ويهول هو أول من أدخل هذا الإصطلاح إلى الفلسفة ” (86) . فالمبحث برمته متابعة متنوعة حول المفاهيم الضمامة في التاريخ .

ثامناً – الموضوعية في التارريخ (87)

  كتب هذ المبحث الفيلسوف الإسترالي جون باسمور (1914 – 2004) . والذي حصل على بكلوريوس شرف بالأدب الإنكليزي والفلسفة من جامعة سدني . وفي عام 1934 أصبح محاضراً مساعداً للفلسفة في جامعة سدني . وفي عام 1948 ذهب للدراسة في جامعة لندن . وكان بروفسوراً للفلسفة في جامعة أتاكوا – النيوزيلندية للفترة من 1950 – 1955 . وهو مؤرخ لتاريخ الفلسفة ، ودراساته ركزت على المشكلات التاريخية والفلسفية . ونشر حوالي عشرين كتاباً . من أهمها :

1 – الفيلسوف الإنكليزي الإفلاطوني (من كيمبريدج) رالف كادورث (1951)

2 – نوايا هيوم (1952)

3 – الفلسفة في مئة عام (1956)

4 – الإستدلال الفلسفي (1961)

5 – رجل اللاهوت الإنكليزي جوزيف بريستلي (1965)

6 – الإنسان الكامل (1970)

7 – مسؤلية الإنسان تجاه الطبيعة (1974)

8 – فلسفة التعليم (1980)

9 – ميموار الأسترالي المعتزل (1997) (88) .

  إستهل الفيلسوف باسمور بحثه ، بالإشارة إلى حادثة عاشها مع زميل مؤرخ عندما سمع بعنوان بحثه ” الموضوعية في التاريخ ” . وحسب رواية الفيلسوف ، فإن زميله المؤرخ قال ” تلك هي المشكلة التي لا تقلق المؤرخين العاملين على الإطلاق ” . ورد باسمور على قول زميله  بكلمات صريحة ” إنه كان على خطأ ” (89) . وكلام المؤرخ الزميل جلب إنتباه الفيلسوف باسمور على عبارة ” المؤرخين العاملين ” من طرف ، وأثار السؤال حول المناقشات التي لا تهدأ بين المؤرخين حول طبيعة الأبحاث التي يقومون بها . ومن هذا الجانب ، فإن هذا الزميل بكلمات الفيلسوف باسمور ” على حق ” (90) . غير إن تفكير هذا الزميل تحول صوب الجدل الدائر بين رجال الأبستمولوجيا ، والجدل الدائر حول إمكانية المعرفة . والمؤرخون كما شعر هذا الزميل حقاً ” لا تزعج عقولهم مثل هذه الموضوعات ” (91) .

  وفعلاً فإن المؤرخ عندما يسأله شخص ما ” هل يمكن أن يكون التاريخ موضوعياً ؟ فإنه ” لن يُعاني من التعميم من الطرفين الأبستمولوجي أو الشكي . وهذه هي بعض صور البحث . فمثلاً في مضمار الفيزياء ، هو يعتقد بأن البحث يمكن أن يكون موضوعياً ، وهو لا يشك في ذلك على الإطلاق . ولكن السؤال الوحيد بالنسبة له (أي المؤرخ) : هل ممكن أن يكون ذلك صادقاً تماماً على التاريخ ” (92) . ومن ثم إستشهد الفيلسوف بمقالة كروستفور بليك والتي نشرها في مجلة عقل (عام 1955) والتي تساءل فيها : هل ممكن أن يكون التاريخ موضوعياً ؟ والذي إستند فيه إلى ” مبدأ عدم فراغ الطرف المقابل ” ، وهو المبدأ الذي يمنعنا من إنكار الموضوعية في التاريخ … (93) . وهكذا فالبحث بمجمله مناقشة بين الفيلسوف والمؤرخ حول موضوعية ولا موضوعية البحث في التاريخ .

تاسعاً – الحتمية التاريخية (94)

   كتب هذا المبحث – الفصل فيلسوف التاريخ السير إيزايا برلين (1909 – 1987) ، هو فيلسوف روسي – بريطاني ، ومؤرخ للتاريخ الفكري (الأفكار) ، ومنظر سياسي . ولعل من أولى مقالته التي كتبها قبل كتابه الشهير : كارل ماركس : حياته وبيئته ، مقالته المعنونة الإستقراء والفرضيات (1937) .

 تأثر في بداياته بالمثالية الإنكليزية (خصوصاً برادلي وبوزانكيت ..) ، ومن ثم تحول إلى واقعية مور . وبعد سنوات إعتنق مبادئ الوضعية المنطقية لحلقة فينا ، وقرأ الكتابات المبكرة لفيتجنشتاين ، ومن ثم عاد إلى كتابات التجريبيين الإنكليز . كما إنه تأثر بالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط وخلفائه . وفي أكسفورد حيث فيلسوف التاريخ كولينجود ، الذي رعى إهتمام برلين ، خصوصاً في تاريخ الأفكار ، وهو الذي عرفه بكل من فيكو وهردر .

  من أهم مؤلفات فيلسوف التاريخ إيزايا برلين :

1 – كارل ماركس : حياته وبيئته (1939)

2 – عصر التنوير : فلاسفة التنوير (1956)

3 – أصالة مكيافيلي (1972)

4 – فيكو وهردر : دراسات في تاريخ الأفكار (1976)

5 – ضد التيار : مقالات في تاريخ الأفكار (1979)

6 – معنى الواقعية : دراسات في الأفكار وتاريخها (1996)

7 – ثلاثة نقاد للتنوير (فيكو ، هامان وهردر) (2000)

8 – قوة الأفكار (2000)

9 – الحرية ومُزيفيها : ستة أعداء للحرية الإنسانية (2002)

10 – الأفكار السياسية في العصر الرومانتيكي : صعودها وتأثيرها في الفكر الحديث (2006) (95) .

   بدأ فيلسوف التاريخ إيزيا برلين بحثه بعبارته القائلة ” إن المفهوم (أي الحتمية) هو الذي يرى إن التاريخ يخضع (أو يطيع) القانون ، سواء قانون طبيعي أو فوقطبيعي ” . وإن ذلك يعني إن كل حادثة في الحياة الإنسانية ، ما هي إلا عنصر من عناصر هذا النظام الضروري ، وإن مثل هذا الفهم ، له إصول ميتافيزيقية عميقة . وهو موضوع فيه إعجاب وإفتتان بالعلوم الطبيعية ، التي تغذي هذا المسار . وهو بالطبع ليس المصدر الوحيد لمفهوم التاريخ ، ولا المصدر الرئيس له (96) . ويرى فيلسوف التاريخ إيزايا برلين إلى إن هناك نظرة تيلولوجية (غائية) تصعد بجذورها إلى بدايات التفكير الإنساني ، والتي إتخذت صور مختلفة لها . إلا إن المشترك بينها ، هو الإعتقاد بأن ” الناس وجميع الكائنات الحية ، وربما الأشياء الجامدة كذلك

لها وظائف وتعمل على إنجاز غايات (أغراض) . وهذه الأغراض أما هي قرار من الخالق الذي صنعها ، وجعل من كل شخص ، وشئ أن يعمل على إنجاز هدف معين . أو إن هذه الأغراض لم تُفرض من قبل الخالق . وإنما هي داخلية بطبيعتها وتعود إلى مالكها ، وهذا يعني إن كل كيان له ” طبيعة ” وهي تعمل على إنجاز هدف ، هو طبيعي لها . وإن مقياس كمالها يعتمد بدرجات ما على إنجازها لهذا الهدف . وإن الشر ، والرذيلة ، وعدم الكمال (الإعتلال والنقص ..) ، وكل صور الفوضى والأخطاء ، هي صور من الإحباط (خيبة الأمل) تُحيل بين الأنسان والأشياء من تحقيق أهدافها . والفشل يُعزى في هذه الرؤية أما لسوء الحظ الذي وضع عقبات سدت طريق الإنجاز الذاتي . أو سوء توجيه إنجاز بعض الأهداف ، التي ليست بأهداف طبيعية للموجود ، وهذا يضع الموجود في دائرة التساؤل ” (97) .  وعلى هذا الأساس فإن مبحث فيلسوف التاريخ إيزايا برلين إنشغل برمته في معالجة مفهوم الحتمية في التاريخ بأطرافه الميتافيزيقية والطبيعية وما لفهما من مواقف متنوعة . وسنتحول إلى مبحث أخر عالج موضوع الحتمية في التاريخ ، وإخترنا ترجمة له الجبرية وهي كلمة مرادفة للحتمية ، وبالطبع الجبرية (أو الحتمية) هما وجهة نظر ميتافيزيقية تتعارض والموقف الفلسفي المشهور حرية الإرادة . ففي الجبرية (أو الحتمية) لا وجود لحرية الإرادة (وهناك أنواع من النظريات في الحتمية أو الجبرية سنلخصها في الهامش) (+) .

الجبرية في التاريخ (98)

   كتب هذا المبحث – الفصل فيلسوف العلم الأمريكي الوضعي المنطقي إرنست نايجل (1901 – 1985) ، والذي ولد في الأصل في سلوفاكيا ، يوم كانت جزء من الإمبراطورية الهنغارية – النمساوية . وهاجر مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان في سن العاشرة من عمره . ومن ثم حصل على درجة بكلوريوس علوم من كلية مدينة نيويورك عام 1923 . وكتب إطروحته للدكتوراه في جامعة كولومبيا عام 1931 وكان عنوانها مفهوم المقاييس . وأصبح بروفسوراً في جامعة كولومبيا عام 1967 . وعمل في مضمار فلسفة الرياضيات (فلسفة الهندسة ، نظرية الإحتمالات وميكانيكا الكم) . من أهم أعماله رائعته المعنونة بنية (أو تركيب) العلم ، والتي جاءت تتويجاً للفلسفة التحليلية للعلم . ومن ثم قام بتوسيع وشرح أنماط مختلفة من التفسير ، وذلك لتكون مناسبة لأنواع مختلفة من العلوم . وتقدم بخطوة في إطار نظرية التفسير ، فسعى إلى توحيدها في إطار واحد (وهو شكل من وحدة العلوم) .

   وكتب من أهم المؤلفات في مضمار المنطق وفلسفة العلوم ، منها :

1 – مدخل إلى علم المنطق والمنهج العلمي (بالإشتراك مع موريس كوهين) (1934)

2 – صياغة المفاهيم الحديثة للمنطق الصوري (الرمزي) ودوره في تطور الهندسة (1939)

3 – معنى الرد (التخفيض / التقليص) في العلوم الطبيعية (1949)

4- منطق المقاييس

5 – سلطة العقل (1954)

6 – علم المنطق بلا ميتافيزيقا (1957)

7 – برهان كودل (عالم المنطق الرياضي كارل كودل 1906 – 1978) (وبالإشتراك مع ج. أر. نيومان) (1958)

8 – بنية العلم : مشكلات في المنطق والتفسير العلمي (1961)

9 – الملاحظة ونظرية العلم (بالإشتراك مع أخرين) (1971)

10 – الجبرية في التاريخ (نشر في كتاب جماعي بعنوان فلسفة التاريخ) (1974)

11- الغائية ومقالات أخرى في الفلسفة وتاريخ العلم (1979) (99) .

   إستهل فيلسوف العلم إرنست نايجل بحثه المعنون الجبرية (الحتمية) في التاريخ ، بالإشارة إلى إنه ” قبل أكثر من ثلاثين سنة مضت (بالطبع كان يتحدث في عام 1960) (100) دقق مؤرخ مشهور بالتأثيرات الحاسمة التي مارستها بعض الشخصيات المهمة على الأحداث التاريخية ، مثال ذلك الإصلاح البروتستانتي في إنكلترا ، الثورة الأمريكية ، وتطور الحكومات البرلمانية . ومن ثم قيم هذا المؤرخ ، إفتراضاً الدور الحاسم للقرارات والأفعال التي لعبتها هذه الشخصيات في ولادة هذه الأحداث . ومن ثم قام بتعميم نتائجها ، وإستنتج ما يلي :

تبدو هذه التغييرات كبيرة ، وإنها جاءت نتيجة حتمية مؤكدة ، وتبدو إنها نزعة مستقلة في الأحداث ، وهي ضرورة لا ترحم ، تسيطر على تقدم الحياة الإنسانية … وفحصها عن قرب ، ووزنها ، وقياسها بعناية ، تصل إلى إنها مجموعة من وجهات نظر صادقة ، والتي تشمل القضايا الشخصية ، والعلاقات السببية ، وتأثيرات الأفراد في التاريخ ، كلها ذات أهمية في الدورة التاريخية العظيمة التي تلف كل شئ . والأحداث تظهر لتتحدث ، هذه هي الحقيقة . وإن الأحداث جاءت منسجمة ومتساوقة ، وليس في الإمكان تجنبها ، وهي قاعدة مثل الأسباب ، التي هي ليست ظاهرة فيزيائية وحسب ، وإنما تلف الأفعال الإنسانية كذلك . وهكذا كان مفهوم القانون في التاريخ . ويترتب على هذا إن مسار الأعمال الإنسانية ، هو ليس نتيجة جهود إختيارية من طرف الأفراد واالجماعات ، والحظوظ هنا محدودة ، وإنما كل شئ خاصع إلى القانون ” (101) .

   والحقيقة إن الفيلسوف إرنست نايجل قد إستند في هذا النص الذي يرسم أطراف الجبرية في التاريخ ، على أدورد ب. شيني ، وبالتحديد على كتابه المعنون القانون في التاريخ ومقالات أخرى (102) . وبالمناسبة إن أدورد بوتس شيني (1861 – 1947) هو مؤرخ أمريكي مشهور بكتاباته عن التاريخين الأنكليزي والأمريكي . تخرج من جامعة بنسلفانيا عام 1883 ، وزار العديد من الجامعات الألمانية . ودرس في المتحف البريطاني ، وهو أصغر بروفسور في جامعة بنسلفانيا يومذاك . وكان رئيس الجمعية التاريخية الأمريكية وللفترة ما بين 1922 و1923 . وكتب العديد من المؤلفات التاريخية ، والتي تعد من الكتب الأكاديمية التي تدرس للطلبة في القاعات الدراسية . من أهم مؤلفاته :

1 – التبدلات الإجتماعية في إنكلترا خلال القرن السادس عشر (1896)

2 – التاريخ الصناعي والإجتماعي لإنكلترا (1901)

3 – تاريخ مختصر لإنكلترا (1904)

4 – الخلفية الأوربية للتاريخ الأمريكي (1904)

5 – قراءات في التاريخ الإنكليزي (1908)

6 – تاريخ إنكلترا ، من هزيمة الأرمادا (البحرية الأسبانية) وحتى موت إليزابيث (مجلدان) (1914) (103) .

7 – حرية البحث والتعبير (1940) (104) . 

———————————————————– 

الهوامش :

1 – أنظر :

Patrick Gardiner, The Nature of Historical Explanation, Oxford University press, 1952

2 – أنظر :

Patrick Gardiner, Schopenhauer,Penguin Books, 1963

3 – أنظر :

Patrick Gardiner, Kierkegaard, Oxford University Press, 1988

4 – أنظر :

Patrick Gardiner (Ed.), Nineteenth – Century Philosophy, Free Press, New York, 1969

5 – أنظر :

Patrick Gardiner (Ed.), The Philosophy of History, Oxford Reading in Philosophy, 1974

6 – أنظر :

Ibid, pp. 17 – 40

7 – أنظر :

James Connelly, Robin George Collingwood, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010 (On Line)

8 – أنظر :

Louis Mink, Mind, History and Dialectic, Indiana University Press, 1969

ولويس مينك (1921 – 1983)هو فيلسوف تاريخ ، وكان معاصراً لفيلسوف التاريخ كولينجود ، وتُعد مؤلفات البروفسور مينك تحدياً لكولينجود ، وكان رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة ويسلاند .

9 – أنظر :

James Connelly, Op. Cit,

10 – أنظر :

Collingwood, Human Nature and Human History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 17 – 21

11 – أنظر :

Ibid, pp. 21 – 28

12 – أنظر :

Ibid, pp. 28 – 37

13 – أنظر :

Ibid, pp. 37 – 40

14 – أنظر :

Ibid, p. 37

15 – أنظر :

Ibid, p. 38

16 – أنظر :

Ibid, p. 39

17 – أنظر :

Ibid, p. 40

18 – أنظر :

Ibid, pp. 41 – 50

19 – أنظر :

Colin Lyas, Philosophy Now (Introduction: Peter Winch, a glimpse of a life), 1999

20 – أنظر :

Peter Winch, Concepts and Actions, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 41 – 50

21 – أنظر :

Ibid, pp. 41 – 45

22 – أنظر :

Ibid, p. 41

23 – أنظر :

Ibid, pp. 45 – 47

24 – أنظر :

Ibid, p. 45

25 – أنظر :

Ibid, pp. 47 – 50

26 – أنظر :

Ibid, p. 47

27 – أنظر :

Ibid,

28 – أنظر :

Ibid,

29 – أنظر :

Ibid, p. 49

30 – أنظر :

Murice Mandelbaum, The Problem of Covering Laws, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 51 – 65

31 – أنظر :

Lewis White Beck, Maurice H. Mandelbaum 1908 – 1987, American Philosophical Association , 1987, Vol. 60, No. 5, pp. 858 – 861

32 – أنظر :

Maurice Mandelbaum(1942). Causal Analysis in History, In Works By Maurice Mandelbaum (On Line) .

33 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1948), Acritique of Philosophies of History, Journal of Philosophy, 45 (14), pp. 365 – 378

34 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1948), The Meaning of Human History, The Review of Metaphysics, 2 (1), pp. 107 – 115

35 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1952), Some Neglected Philosophic Problems Regarding History, Journal of Philosophy, 49 (10), pp. 317 – 329

36 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1952), What is Philosophy of History, Journal of Philosophy, 49 (10), pp. 350 – 362

37 – أنظر :

Maurice Mandelbaum (1960), Determinism and Moral Responsibility, Ethics, 70 (3), pp. 204 – 219

38 – أنظر :

Lewis White Beck, Op. Cit,

39 – أنظر :

Maurice Mandelbaum, The Problem of Covering Laws, In The Philosophy of History, (Op. Cit), p. 51

40 – أنظر :

David Raynor, William Herbert Dray, The Canadian Encyclopedia, 2012, (On Line) .

41 – أنظر :

William H. Dray, Laws and Explanation in History, New Edition, 1979

وهو كتاب متوسط يتكون من 174 صفحة .

42 – وهو الفيلسوف البريطاني النمساوي ، ومعروف عنه معارضته للتفسير التبريري الكلاسيكي للمعرفة . وقام بوبر بتبديله بالعقلية النقدية ، وهو ” أول من قدم فلسفة لا تبريرية في فلسفة التاريخ ” . ونشر قبل كتابه عُقم أو فقر النزعة التاريخانية :

1 – مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة (1930 – 1933) .

2 – منطق الإكتشافات العلمية (1936) وصدر في العام الذي نُشر فيه كتاب فُقر النزعة التاريخانية . ومن الجدير بالذكر إن المرحوم الفيلسوف العراقي ياسين خليل عبد الله قد قرره مصدراً من مصادر مادة المنطق العلمي الحديث التي كان يدرسها لنا في قسم الفلسفة في نهاية الستينات من القرن المنصرم .

  وبعد كتابه فقر النزعة التاريخانية ، نشر كتابه الشهير : المجتمع المفتوح وخصومه / المجلد الأول عام 1945 . هذه منتخبات من كتبه الكثيرة . أنظر :

Mario Bunge, The Critical Approach to Science and Philosophy, The Free Press og Glence, 1964, Section No. 9

43 – أنظر :

W. Essler, H. Putnam & W. Stegmuller (Eds.), Epistemology, Methodology and Philosophy of Science: Essays in Honour of Karl G. Hempel on the Occasion of his 8oth Birthday, January 8th 1985, Holland, 1985 .

44 – أنظر :

  وهو فيلسوف له تأثير في القرن العشرين ، وهو متفرد في نظرياته التي تدور حول فلسفة التاريخ وطبيعة القيم الأخلاقية . وجادل مؤكداً على إن القيم النابعة من الأرث العبري – المسيحي ، هو الأرضية المشتركة لكل من توما الإكويني والفيلسوف عمانوئيل كانط (ونحسب إنه جانب الحق عندما أغفل الترجمات العربية في القرن الثاني عشر والعقدين الأولين من القرن الثالث عشر (خصوصاً تراث أبن رشد الحاضن لنزعة أرسطية متطرفة) وكونت نزعتين عبرية رشدية عارمة وللاتينية رشدية عارمة والتي لونت الفكر الأوربي في جامعات إيطاليا وفرنسا ، وعلى وجه التحديد فكر القديس توما الإكويني الذي إقتبس من إبن رشد بإعترافة أكثر من خمسمائة مرة ، ونحسب إنه إستحوذ إستحوذاً كبيراً على مؤلفات إبن رشد ووضع إسمه عليها (وبإعترافه إنه قام بدور المنظف لها مما أسماه الوثني الإسلامي . وبرأينا إن هناك جهل كبير في فهم الفكر الأوربي بعد العقدين الأولين من القرن الثالث عشر ، وأحسب إن الحديث عن التراث العبري – المسيحي هنا كلام غير دقيق ، ونحسب إنه يستقيم إذا أضاف إليه مصدره الملهم وهو التراث الرشدي) . من أهم مؤلفات ألن دونكن :

1 – الفلسفة المتأخرة لكولينجود (أكسفورد 1962) .

2 – فلسفة التاريخ (كتاب جماعي) كان بإشرافه مع بربارا دونكن (ماكميلان 1965)

3 – نظرية القيم الأخلاقية (شيكاغو (الطبعة الثانية) 1979)

4 – الإختيار : المبادئ الأساسية للفعل الإنساني (روتلدج و كيكن بول 1987)

5 – إسبينوزا (شيكاغو 1988) .

   ونحسب إن هذا الكتاب بدد كل شك حول رأينا بالفيلسوف ألن دونكن ، فهو شهادة قوية على إنه جاهل بالمصادر التي كونت الذهنية الحديثة للعقل الغربي (وإسبينوزا إنموذجاً) أو على خلاف ذلك إنه عارف بالحقيقة وحاول تجاهلها (ونحن نشك في ذلك ونرجح عامل الجهل) . إن فهم إسبينوزا وفلسفته لا يمكن إن  إنجازها دون معرفة حجم الأثر الذي تركه تلميذ إبن رشد غير المباشر الفيلسوف العبري إبن ميمون على فلسفة إسبينوزا الذي يعترف الأخير بذلك صراحة . وإبن ميمون هو الحامل للفكر الفلسفي الرشدي إلى فلسفة إسبينوزا . أنظر للتفاصيل عن حياة الفيلسوف ألن دونكن :

Brabara Donagan, Alan Donagan: A Memoir, In Ethics, University of Chicago Press, Vol. 104, No. 1, 1993, pp. 148 – 150

45 – أنظر للتفاصيل :

John Gray, Isaiah Berlin, Princeton University Press, 1996

46 – أنظر :

Maurce Mandelbaum, The Problem of Covering Laws, (Op. Cit), p. 51

47 – أنظر :

M. B. Foster, An Introduction to Philosophy of History by W. H. Walsh, Philosophy, Cambridge University Press, Vol. 27, No. 103 (1951), pp. 378 – 381

48 – أنظر :

Maurice Mandelbaum, Op. Cit,

49 – أنظر :

William Dray, The Historical Explanation of Actions Considered, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 66 – 89

50 – أنظر :

Ibid, p. 66

51 – أنظر :

Ibid,

52 – أنظر :

Ibid, pp.67 – 68

53 – أنظر :

Ibid, p. 70

54 – أنظر :

Ibid, pp. 70 – 75

55 – أنظر :

Ibid, pp. 70 – 71

56 – أنظر :

Ibid, p.75

57 – أنظر :

Joshua Cherinss & Henry Hardy, Isaiah Berline, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010 (On Line)

58 – جاء الفيلسوف فردريك هيك من عائلة أكاديمية . عمل أولاً رجل إحصاء وللفترة من 1927 – 1931 . ومن ثم أصبح محاضراً في الإقتصاد في جامعة فينا عام 1929 ، وتحول إلى جامعة لندن عام 1931 ، وجامعة شيكاغو عام 1951 . وإنتقل إلى جامعة فيربيرك عام 1962 وإستمر فيها حتى نهاية الثمانيات ، وتوفي عام  1992 . من أهم مؤلفاته :

1 – تداول المعرفة في المجتمع (1945) .

2 – الفردية والنظام الإقتصادي (1948) .

3 – الحرية ، العقل والتقاليد (1958) .

4 – دستور الحرية (1960) .

5 – دراسات جديدة في الفلسفة ، السياسة والإقتصاد ، وتاريخ الأفكار (1978) . أنظر :

David Schmidtz, Friedrick Hauek, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2012 (On Line)

59 – الفيلسوف ستراوس (أو شتراوس) صرف معظم حياته الأكاديمية بروفسوراً للعلم السياسي (الفلسفة السياسية) في جامعة شيكاغو ، ونشر خمسة عشر كتاباً . بدأ نشاطه الفلسفي كانطياً جديداً ، وركز دراساته على فينومنولوجيا هوسرل ، ومارتن هيدجر . وفي النهاية إهتم بفلسفة إفلاطون وأرسطو ، والفلسفة العبرية والإسلامية في العصور الوسطى . من أهم مؤلفاته :

1 – نقد إسبينوزا للدين (1930)

2 – الفلسفة السياسية عند هوبز (1936)

3 – الحق الطبيعي والتاريخ (1953)

4 – أفكار حول مكيافيلي (1958)

5 – العقيدي والفلسفة السياسية : مراسلات بين ستراوس وإيرك فوجلين (1934 – 1964)

6 – الفلسفة والقانون : مساهمات في فهم إبن ميمون وأسلافه (1995)

وأحسب إن الحديث (كما أفترض) جرى عن إبن رشد الذي تفرغ له إبن ميمون أكثر من عقد من الزمن دراسة وبحثاً ، وحث طلابه على الإهتمام به ، فإنبثقت أكبر حركة عبرية رشدية عرفها التاريخ والتي كانت وراء الحركة اللاتينية الرشدية التي لفت الجامعات الإيطالية والباريسية الفرنسية ومعها القديس توما الإكويني الذي إتهمه خصومه بالمروج للرشدية …

7 – بعض الملاحظات حول العلم السياسي عند إبن ميمون والفارابي (1990)

8 – الفلسفة العبرية ومشكلة الحداثة (1997)

أنظر :

Leora Batnitzky, Leo Strauss, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010 (On Line(

60 – أنظر :

William Dray, Historical Explanation of Actions Reconsidered, (Op. Cit), p. 76

61 – أنظر :

Ibid, pp. 86 – 89

62 – أنظر :

Ibid, p. 87

63 – أنظر :

Carl G. Hempel, Reasons and Coverning Laws in Historical Explantion, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 90 – 105

64 – أنظر :

W. Essler, H. Putnam & W. Stegmuller (Eds.), Epistemology, Methodology and Philosophy of Science: Essays in Honour of Karl G. Hempel on the Occasion of his 8oth Birthday, January 8th 1985, Holland, 1985 .

65 – أنظر :

Carl Hempel, Op. Cit, pp. 90 – 92

66 – أنظر :

Ibid, p. 90

67 – أنظر :

Ibid,

68 – أنظر :

Ibid, p. 91

69 – أنظر :

Ibid, pp. 92 – 95

70 – أنظر :

Ibid, pp. 92 – 93

71 – أنظر :

Ibid, p. 93

72 – أنظر :

Ibid, pp. 95 – 98

73 – أنظر :

Ibid, p. 95

74 – أنظر :

Ibid, pp. 98 – 105

75 – أنظر :

Ibid, p. 98

76 – أنظر :

Ibid, p. 99

77 – أنظر :

Ibid, p. 102

78 – أنظر :

Ibid,

79 – أنظر :

John Passmore, (Review Article), Law and Explanation in History, Australian Journal of Politics and History, 4 (1958), p. 275

80 – أنظر :

Carl G. Hempel, Op. Cit, p. 104

81 – أنظر :

Ibid,

82 – أنظر :

Quentin Skinner, Social Meaning and The Explantion of Social Action, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 105 – 126

83 – أنظر :

James Tully (Ed.), Meaning and Context: Quentin Skinner and his Critics, Princeton University Press, 1988

84 – أنظر :

W. H. Walsh, Colligatory Concepts in History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 127 – 144

85 – الفيلسوف وليم ويهول ، هو فيلسوف العلوم الإستقرائية ، ومؤرخ الأفكار العلمية . ونحسب في هذا الهامش أن نعرف بمؤلفاته ، فعناوينها تفصح للقارئ العربي تنوع إهتمامات هذا الفيلسوف ، ونقدم جرداً لأهمها :

1 – مراجعة بعنوان : خطاب أولي حول دراسة الفلسفة الطبيعية (1831) وهو من كتاباته الأولى .

2 – علم الفلك والفيزياء : تأمل ومرجعية إلى اللاهوت الطبيعي (1833)

3 – تاريخ العلوم الإستقرائية : من العصور المبكرة وحتى العصور الراهنة (1837)

4 – فلسفة العلوم الإستقرائية : أساسها وتاريخها (1940)

5 – مبادئ القيم الأخلاقية (1845)

6 – محاضرات حول القيم الأخلاقية (1846)

7 – الإستقراء : مع مرجعية خاصة إلى علم المنطق عند جون ستيوارت مل (1849)

8 – التفسير الرياضي لبعض مبادئ الإقتصاد السياسي (1850)

9 – محاضرات في تاريخ فلسفة القيم الأخلاقية (1852)

10 – تاريخ الأفكار العلمية (1858)

11 – حول فلسفة الإكتشافات : فصول تاريخية وفصول نقدية (1860)

12 – أوغست كومت والوضعية (1860) وكتب أخرى . أنطر للتفاصيل :

Laura J. Snyder, William Whewell, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2012 (On Line)

86 – أنظر :

W. H. Walsh, Op. Cit, p. 133

 87 – أنظر :

John Passmore, The Objectivity of History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 145 – 160

88 – للتفاصيل أنظر :

Papers of John Passmore, National Library of Australia, Ms 7613, Scope and Note (On Line)

89 – أنظر :

John Passmore, Op. Cit, p. 145

90 – أنظر :

Ibid,

91 – أنظر :

Ibid,

92 – أنظر :

Ibid,

93 – أنظر :

Ibid,

94 – أنظر :

Sir Isaiah Berlin, Historical Inevitability, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 161 – 186

95 – أنظر :

Joshua Cherinss & Henry Hardy, Isaiah Berline, (Op. Cit),

96 – أنظر :

Sir Isaiah Berline, Op. Cit, p. 161

97 – أنظر :

Ibid,

(+) – الحتمية أو الجبرية هي موقف فلسفي ميتافيزيقي يرى إن كل شئ يحدث بشروط ، ودون هذه الشروط لا شئ يحدث على الإطلاق . وهناك العديد من النظريات الحتمية والتي تعتمد على شروط الحادثة الأولية ، وهي التي تُقرر إن الحادثة محكومة بشروطها المحتومة . وفعلاً فإن هناك نظريات في الحتمية ذات منطلق إمبريقي (تجريبي) والتي إنبثقت من رحم الفيزياء أو فلسفة الفيزياء . وبالطبع الحتمية تتعارض وحرية الإرادة . وهناك وجهة نظر أخرى في الحتمية سيناقشها إرنست نايجل في كتابه المعنون : بنية العلم : مشكلات المنطق والتفسير العلمي (1979) (ولهذا إختار المشرف على كتاب فلسفة التاريخ ، فيلسوف التاريخ باتريك كاريدنر مبحثين ؛ واحد كتبه الفيلسوف إيزايا برلين ، والثاني كتبه فيلسوف العلم إرنست نايجل) .

   وعلى هذا الأساس يمكن الحديث عن أنواع من الحتمية ، مثل الحتمية الغائية ، والحتمية السببية ، والحتمية المنطقية ، والحتمية البيئية ، والحتمية الثقافية (الحضارية) ، والحتمية السايكولوجية ، والحتمية السلوكية ، والحتمية اللغوية (النكوستية) ، والحتمية الإقتصادية ، والحتمية التكنولوجية . وبالطبع الحتمية التاريخية …

   وفعلاً لقد قدم تاريخ الفلسفة قائمة طويلة من اسماء الفلاسفة الذين شغلتهم الحتمية ، فقلبوا في مناقشاتهم أطرافاً منها . منهم عل سبيل المثال الفيلسوف الرواقي (والإمبراطور الروماني) ماركوس أورليوس (121 – 180م) ، والفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1588 – 1679) ، والفيلسوف الهولندي باروخ إسبينوزا (1632 – 1677 والذي تغذى عن طريق إبن ميمون بأفكار إبن الرشد ، وغذى من طرفه هيجل) ، والفيلسوف الألماني كوتفريد ليبنز (1646 – 1716) ، والفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) ، وفيلسوف التنوير الألماني – الفرنسي بارون دي هولباخ (جدل حول ولادته ووفاته) ، وعالم الفلك والرياضيات الفرنسي بيير لابلاس (1749 – 1827 ويُعرف بنيوتن فرنسا) ، والفيلسوف الألماني أرثر شوبنهور (1788 – 1860) ، والفيلسوف البراجماتي الأمريكي وليم جيمس (1842 – 1910) ، والفيلسوف والفيللوجي الألماني فردريك نيتشه (844 – 1900) ، وعالم الفيزياء النظرية ألبرت أنشتاين (1879 – 1955) . أنظر للتفاصيل :

Richard Langdon Frankline, Free Will and Determinism: A Study of Rival Conceotion of Man, Routledge & K. Paul, 1968

John Earman, Aspects of Determinism In Modern Physics, In J. Butterfield & J. Earman (Eds.), Philosophy of Physics, Holand, 2007

  وهناك مقالة ممتازة كتبها كارل هوفر في موسوعة ستانفورد للفلسفة ، بعنوان الحتمية السببية ، وأحسب فيها أطراف مهمة للقارئ ، تكونت المقالة من :

1 – مدخل

2 – مفاهيم في الحتمية ، وتناول فيها : العالم ، وضع الأشياء في الزمن ، قوانين الطبيعة ، الثبات .

3 – أبستمولوجيا الحتمية ، ودرس فيها : القوانين ، الخبرة ، الحتمية والفوضى ، الحجج الميتافيزيقية .

4 – مقام الحتمية في النظريات الفيزيائية ، وعالج فيها : الميكانيكا الكلاسيكية ، فيزياء النسبية الخاصة ، فيزياء النسبية العامة ، ميكانيكا الكم .

5 – الصدفة (أو الحظ) والحتمية

6 – الحتمية والفعل الإنساني

للتفاصيل راجع :

Carl Hoefer, Causal Determinism, In Stanford Encyclopedia of Philosophy , 2010 (On Line)

98 – أنظر :

Ernest Nagel, Determinism in History, In The Philosophy of History, (Op. Cit), pp. 187 – 215

99 – للتفاصيل أنظر :

Andrew J. Reck, The New American Philosophers: An Exploration of Thought Scince World War ll, A Delta Book, New York, 1968

100 – أنظر للتفاصيل :

Ernest Nagel, Philosophy and Phenomenological Research, 20, 3 (1960), pp. 291 – 317

101 – أنظر :

Ernest Nagel, Determiism in History, (Op. Cit), p. 187

102 – أنظر :

Edward P. Cheney, Law in History and Other Essays, New York, 1927, p. 7

103 – أنظر :

Edward P. Cheney, Law In History, American Historical Association, Washinton, 2000 (On Line)

104 – أنظر :

Hans H. Gerth, Freedom of Inquiry and Expression By Edward P. Cheney, Journal of The History of Science Society (Isis), The University of Chicago Press, Vol. 32, No. 1 (Jul. 1940), pp. 200 – 203

التاريخ : موضوع تأمل فلسفي

  إشتغل عدد من الفلاسفة بالتاريخ موضوعاً في تأملاتهم الفلسفية ومنذ وقت مبكر ، حيث يصعد هذا الإهتمام إلى بواكير الفلسفة اليونانية ، وتتوافر لدينا سجلات ووثائق تكشف عن إهتمام الفيلسوف بالتاريخ موضوعاً ، ومثابرته في إنتهاج طريقة خاصة به في عرض المادة التاريخية أو كتابة سيرة ذاتية عن فلاسفة أخرين وبالتحديد من كانوا أساتذة له ومحاولة دراسة فلسفتهم وبعض الأحيان تقويمها وتوجيه نقد لها (خصوصاً لفلاسفة درس على أيدهم إلا إنه لم يقتنع في بعض القضايا الفلسفية التي يروج لها هؤلاء الفلاسفة المعلمون ، فتحول عنهم إلى مدارس فلسفية أخرى) . فمثلاً فيلسوف اليونان الأول طاليس (ونحن قد بينا في أبحاثنا بأنه لم يكن الفيلسوف الأول الوحيد ) وتلميذه الفيلسوف فيثاغوراس كانا من المصادر التاريخية الأولى التي أباحت لنا بالكثير من الحقائق التاريخية التي كشفت عن جسور الإتصال ما بين بابل والفلسفة اليونانية … (12) .

———————————————

12 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يونان / مقدمة لكتاب الإطروحة البابلية في مدارس الفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / شتاء 2013

———————————————

   كما إن مفهوم النفس الأورفي الذي جلبه فيثاغوراس ، وهو بالطبع غريب على اليونان ، سيجد له مكانة مرموقة في تراث إفلاطون النفسي ، وسيشيع من خلاله في طول وعرض تاريخ الفلسفة الغربية ، وسيجد له صدى في كتابات فلاسفة التاريخ وخصوصاً في التقسيم الحقبي الذي إقترحه فيلسوف التاريخ الألماني إسوالد إشبنجلر ، والذي نهض على مفهوم النفس (أنظر الحقبة التاريخية الثانية التي سيطرت عليها النفس السحرية ، والتي تشمل الحضارتين الوسطويتين المسيحية والإسلامية) (13) .   وهنا نقدم أمثلة ونماذجاً دالة على

——————————————–

13 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ ، طبع بمطابع جامعة الموصل 1987 ، الفصل الثالث والمعنون ” التآويل الجيولوجي – البايولوجي للتاريخ عند إشبنجلر ” ، ص  59 وما بعد 

——————————————–

إهتمام الفيلسوف بالتاريخ وكتابته للتاريخ من وجهة نظر فلسفية ، والتي آمن بها أو درسها وشايعها ومن ثم عرضها في مؤلفات دافع فيها عن ممثليها من الفلاسفة :

1 – فيلسوف التاريخ السقراطي إكسانوفان : الرواية التاريخية وتاريخ الفلسفة 

  كتب المؤرخ اليوناني والمحارب والفيلسوف السقراطي اليوناني أكسنوفان الآثيني (430 – 354 ق.م) العديد من المؤلفات التي غطت جوانب متنوعة من الحياة الثقافية اليونانية . ولعل أهمية إكسنوفان من الناحية التاريخية إنه كان شاهداً على الأحداث التاريخية التي كتب عنها . فمثلاً كتب عن الفيلسوف وشهيد الفلسفة الأول سقراط ، فقد كان إكسنوفان واحداً من حواريه وشاهداً على دفاعه في المحكمة ضد التهم التي وجهت له ومن ثم إعدامه (في حين كان إفلاطون متغيباً (وهناك من يرى إن إكسانوفان هو الأخر كان متغيباً)) عن حضور المحكمة والإستماع مباشرة إلى دفاع سقراط ، والذي سيكتب عنه إفلاطون محاورة الدفاع ويبدو إن إفلاطون إستمع إلى تفاصيل دفاع سقراط من مصادر ليست أولية وإنما من السماع والرواية . ولذلك نحسب إن كتاباته (أي كتابات إكسانوفان) الفلسفية هي سجل لأقوال الفيلسوف سقراط المكتوبة من زاوية المؤرخ والحواري المؤرخ إكسنوفان الشاهد والحاضر في المحكمة .

  كما إنه كان شاهد في كتاباته التاريخية التي غطت سني حياته التي عاشها في القرن الرابع قبل الميلاد ، والتي هي في نظر الباحث سجلات تاريخية تصف الحياة اليونانية في طرفيها الأثيني والإسبرطي . وكمؤرخ محارب شارك في الحروب الفارسية ، فأن كتاباته عن الحروب الفارسية تقدمه مؤرخاً شاهد تفاصيل الحروب وعاشها وإشترك فيها . ونقصد حروب الإمبراطورية الفارسية الإخمينية (وهي أولى الإمبراطوريات الفارسية والتي غطت تاريخاً يمتد من 550 – 330 ق.م) . وهنا لابد من القول بأن أكسنوفان المؤرخ قد شارك في تدشين مسار البحث التاريخي ، مع كل من مؤرخيُ اليونان الشهيرين هيرودتس (484 – 425 ق.م) في كتابه التواريخ ، وثيوسيديدس (460 – 395) . وأحسب إن كتابات هيرودتس ، وثيوسيديدس وإكسنوفان كونت مصادر دراسة ومرجعيات إستشارة عسكرية في إدارة الحرب لكل من الإسكندر الكبير وقواده في حروبه ضد الإمبراطورية الفارسية فيما بعد* (1) .

ـــــــــــــــــــــــــ

*والتي إنتهت بإنهيار الإمبراطورية الفارسية ، وسيطرة الإسكندر على البلاط الفارسي وزواجه من الفارسية روكسانة التي حملت وريثه على الحكم . إلا إن موت الأسكندر المفاجئ وعدم وجود وريث للحكم قاد إلى حروب ونزاعات بين قواده إمتدت خمسين عاماً  ، إنتهت بسيطرة القائد المقدوني ” سلوقس ”  والذي لعب دوراً في قيام الإمبراطورية السلوقية التي ضمت تركيا وسوريا والعراق وإيران وأفغانستان والهند ، والتي إمتدت في الحكم (312– 60 ق.م وكانت بداية تأسيس الإمبراطورية السلوقية في بابل ومن ثم شملت كل أجزاء الإمبراطورية الأخمينية الفارسية ما عدا مصر التي بقيت تحت حكم البطالسة) (2) . ومن خطتنا الكتابة عن واقع الفلسفة والفلاسفة (وبالطبع فيها إنتشرت المدرسة الفلسفية البابلية وفروعها) في ظل الإمبراطورية السلوقية وبالتحديد خلال حوالي الثلاثة قرون والنصف .

ــــــــــــــــــــــــ

  ليس هناك تاريخ محدد لولادة مؤرخ الفلسفة اليونانية ” أكسنوفان ” . وبالرغم من هذه الحقيقة ، فإننا نلحظ في المصادر الإنكليزية والمترجم إليها ، إتفاقاً بين الباحثين الأكاديميين على إنه ولد حوالي عام 431 ق.م . وكانت ولادته في منطقة الريف القريبة من أثينا . وفعلاً فإن مؤرخ الفلاسفة ديوجانس لارتيوس يرى إن أكسانوفان ” هو إبن كريلوس ، وكان مواطناً أثينياً ، ورجلاً متواضعاً وفائق الوسامة ، وقابل سقراط في الطريق صدفة ، وأصبح واحداً من حوارييه … وإكسانوفان هو أول من أخذ يكتب ملاحظات ، ويسجل أقوال سقراط ومناقشاته ، وجمعها في مجموع حمل عنوان ميموربيلا ” (3) . وإكسانوفان حسب رأي ديوجانس لارتيوس ” هو أول من كتب تاريخاً للفلاسفة ” (4) .

  ولد إكسانوفان خلال السنوات الأولى من الحرب البولبونزية ، والتي إمتدت للفترة من 431 – 404 ق.م . وكانت له إتصالات بالفيلسوفة اليونانية المشهورة إسبيشيا

والتي كان يزورها سقراط مع زوجته ويستمع إليها (5) والتي ذكرها أكسانوفان في كتابه المعنون الإقتصاد / التدبير المنزلي (6) . وعاش في أحضان عائلة تنتمي إلى الطبقات العالية في المجتمع الأثيني . وهذا الحال منحه حضوة  ، فقد تمتع بالإمتيازات التي يحصل عليها أبناء الإرستقراط ومنطقة أثيكا القديمة (اليونان القديمة) . ومنذ وقت مبكر تحول إهتمامه بالتاريخ العسكري ، فإنخرط في بعض الحملات العسكرية . وفعلاً فقد شارك حينما كان في بواكير شبابه في حملة عسكرية قادها الأمير الفارسي (الإيراني) قورش الأصغر (ولد بعد عام 424 – ومات 401) ضد أخيه الملك (الشاه) الفارسي أردشير الثاني (الذي كان ملكاً عام 401 وحتى عام 404 ق.م) . وبعد فشل الحملة ومقتل الأمير الفارسي قورش الصغير ، عاد أكسانوفان (الذي أصبح جنرالاً) بالحشود اليونانية المنهزمة عبر البحر الأسود إلى اليونان …(7) .

  ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس فإن إكسانوفان إزدهر في السنة الرابعة من الأولومبياد الرابع والتسعين ، ومن ثم شارك في حملة قورش التي ذكرناها في سنة واحدة قبل وفاة أستاذه سقراط (8) . وبعد عودته إلى اليونان ، عاد فإستقر في أثينا ، ولكنه طرد ونُفي منها فيما بعد ، فإنخرط في جيوش دولة – مدينة إسبارطة العدو التقليدي لدولة – مدينة أثينا . وفعلاً فهناك من يعتقد إن طرده من أثينا هو الذي حمله على أن يُقاتل تحت قيادة الملك الإسبرطي أغاسليوس الثاني (444 – 360 ق.م) ضد أثينا في معركة كورنا . إضافة إلى إنه كان من حواريي الفيلسوف الشهيد سقراط الذي أعدمه نظام الحكم الديمقراطي الأثيني عام 399 ق.م ، ولسبب خدمته العسكرية للقوات الفارسية . وعلى هذا الأساس وهبه الإسبرطيون أملاكاً في سيسلوس قرب أولومبيا ، حيث كتب هناك مؤلفه الشهير المعنون أناباسيس وبالعربية يعني الصعود .

   ولعل من المفارقات إن إبن أكسانوفان كريلوس قاتل ومات مع الأثينيين في معركة مانيتنا ، وكان يومها أكسانوفان حياً يُرزق وقد قام بتأبينه (ألتعزية) بخطبة مشهورة (9) ، وقد حفظها لنا الفيلسوف أرسطو (384 – 322 ق.م) وفيما بعد كتب أرسطو محاورة حملت إسم كريلوس ، وهو إبن الفيلسوف إكسانوفان ، والتي إنتقد فيها وجهات نظر الخطيب اليوناني إيسقراط (436 – 338 ق.م) (10) . ومات إكسانوفان في كورنثيا في السنة الأولى من الأولومبياد الخامس بعد المئة ، وفي السنة التي إرتقى فيها عرش مقدونيا فيليب بن أميانتس (11) ، وهو جد الإسكندر ، وفيلب كان ملكاً لمقدونيا من عام 392 وحتى وفاته عام 370 ق.م (12) . 

  والحقيقة إن مؤرخ الفلاسفة ديوجانس لارتيوس قد أشار إلى إن الفيلسوف السقراطي المؤرخ أكسانوفان كتب على الأقل أربعين كتاباً ، وكل واحد منها يتألف من عدة كتب . ومن هذه الكتب المؤلفات الأتية :

1 – أناباسيس وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية الصعود .

2 – كوربيديا وهو العنوان اليوناني (أو اللاتيني) وبالفارسية يعني كوروش نامه / وهي سيرة ذاتية للأمير الإيراني قوروش الشاب .

3 – هيلينيكا وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية اليونان (أو الكتابة عنها) .

4 – ميموربيلا وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية مجموعة المحاورات السقراطية .

5 – سمبوزيوم وهو العنوان اليوناني ، وهي محاورة سقراطية ، وتعني بالعربية محاورة المآدبة (أو الإجتماع) .

6 – إيكونوميكس وهو العنوان اليوناني (أو اللاتيني) ، وهي محاورة سقراطية ، ويمكن ترجمتها بالعربية إلى التدبير المنزلي والزراعة .

7 – بيري هبيكس وهو العنوان اليوناني ويعني بالعربية حول الفروسية (أو تدريب الخيالة) .

8 – كينكتيوس ، وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالعربية الصيد بصحبة الكلاب .

9 – هيباركيوس وهو العنوان اليوناني (وهو بحث حول واجبات جنرال الفرسان) . والترجمة العربية قائد الخيالة . وهناك عنوانين أخرين قد حملتهما بعض المخطوطات ؛ الأول – قائد الفرسان . والثاني – جنرال الفرسان .

10 – الأبولوجي وهو المقابل الإنكليزي للعنوان اليوناني (أي دفاع سقراط) ، وهو محاورة سقراطية ، والعنوان الكامل عند أكسانوفان دفاع سقراط في المحكمة (وبالطبع هو جزء من الميموربيلا أو الأدق إن إصوله في الميموربيلا) .

11 – بوريا وهو العنوان اليوناني ، ويعني بالإنكليزية والعربية الطرق والوسائل . وهذا الكتاب ظهر في عنوان أخر ، وهو حول الثروات ، وغرض أكسانوفان هو معالجة مشكلة الفقر التي تعاني منها دولة – مدينة أثينا

12 – هايارو الأول وهو العنوان اليوناني ، وهو يعالج مسألة الإستبداد ومن خلال شخصية الطاغية هايارو الأول السيركوزي (سيسلي – إيطاليا) (478 – 467 ق.م) . وهذا النص مهم جداً في معالجة شخصية الحاكم الطاغية فقد ألهم عدد قليل جداً من المعاصرين ، وهو يحتاج إلى دراسة أكاديمية عربية . وحسب إنطباعاتنا الأولية إن الفيلسوفة المعاصرة حانا أرنديت لم تلتفت إلى كتاب أكسانوفان عندما كتبت رائعتها المعنون أنظمة الإستبداد الشمولية (تتوتاليتريزم) .

13 –  أكسليوس ، وهو العنوان اليوناني ، وهو الملك الإسبرطي أكسليوس الثاني (444 – 360 ق.م) . وفي هذا العمل إعادة لجزء عالجه أكسانوفان في كتابه هيلينيكا أو اليونان .

14 – الدستور الآثيني والدستور الإسبرطي (ومن يرى الدستور الإسبرطي فقط) (13) .

  وبعد إن ذكر ديوجانس لارتيوس هذه القائمة من مؤلفات الفيلسوف السقراطي المؤرخ إكسانوفان ، عاد فعلق عليها ، قائلاً ” إن دميتريوس مكنيسا (منا : هو عالم نحو يوناني ، وكاتب سير ، عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، وكان معاصراً لشيشرون (106 – 43 ق.م)) (14) يرفض أن تكون المؤلفات الثلاثة الأخيرة (وهي : هايارو الأول ، أكسليوس والدستور الأثيني والإسبرطي) هي من أعمال أكسانوفان … وكانت هناك نوع من الغيرة والتنافس بينه (منا : أي أكسانوفان) وبين إفلاطون ” (15) (وللتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف السقراطي أكسانوفان مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، سيظهر فصلاً في كتاب : الفلسفة اليونانية بعيون مؤرخيها (كتاب منجز يتردد الكاتب في نشره خلال الأزمة التي يمر بها لبنان والوطن العربي خلال اللاربيع العربي وعودة أجواء العصور الوسطى المظلمة وطقوس بخورها وممارسات ذبح الإنسان بعد غياب الدولة المستقلة من سلطان المسجد والحسينية والكنيسة بكل تفاصيلها) . بالطبع المعالجة الكاملة لفيلسوف التاريخ السقراطي أكسانوفان ، ستظهر فصلاً في كتابنا القادم والمعنون فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .   

——————————————-

1 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ إبوة التالريخ : بين هيرودوتس ، ثيوسيدس والفيلسوف السراطي المؤرخ إكسانوفان / مخطوطة بحث / ستظهر منه أوراق على صفحات موقع الفيلسوف .

2 – أنظر للتفاصيل :

جورج راولنسون ؛ تاريخ المملكة السورية السلوقية (بالإنكليزية) / نشرة المطبعة الكولونية ، نيويورك 1899 .

3 – أنظر :

Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers,Life of Xenophon, Trans. By Robert Drew Hicks, A Loab Classical Library, 1925, Book 2, 48

وشمل الجزء الخاص بحياة إكسانوفان الفقرات من رقم 48 وحتى الفقرة 59

4 – أنظر :

Ibid,

5 – للإطلاع على تفاصيل عن الفيلسوفة إسبيشيا أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الرابع / خريف 2011

والذي تحول إلى موجة عارمة نشرته عدد من المجلات والمواقع الأكاديمية والمواقع المهتمة بشؤون المرأة ، ومن ثم أختير فصلاً في كتاب الفلسفة والنسوية الذي ساهم به عدد من الأكاديميين العرب ، صدر عن دار الضفاف والإختلاف 2013

6 – أنظر :

Xenophon, Oeconomicus , Ed. and Trans. By Sarah B. Pomerey, Clarendon Press, Oxford 1994

7 – أنظر :

Christopher J. Tuplin, Xenophn, Encyclopadia Britannica, 2009 (On Line) .

8 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 55

9 – أنظر :

Xenophon, Spartan Constitution, Ed. and Trans. By M. Lipka, Berlin 2002, pp. 14 – 18

10 – أنظر :

Christopher Tuplin, Op. Cit,

11 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 56

12 – أنظر :

N. G. L. Hammond, A History og Greece to 322 B.C, 3 Edition, Oxford University Press 1986 , p. 479

13 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit, 57

14 – أنظر :

William Smith, Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology, Little Brown & Company, Boston 1867

15 – أنظر :

Diogenes Laertius, Op. Cit,

2 – إفلاطون : المؤرخ الفيلسوف

    لاحظ الباحث إن المحاورات والرسائل التي كتبها الفيلسوف إفلاطون (427 / 428 – 348 / 347 ق.م) ، كونت أول نصوص فلسفية كاملة وصلت إلينا ولم تندرس أوتتعرض للنسيان . وإن في هذه النصوص الإفلاطونية تباشير لما سيطلق عليه المحدثون إصطلاح فلسفة التاريخ أو الفلسفة التاريخية ، ففي كل محاورة هناك وصف للأحداث التاريخية التي تلف أو تحيط بالمحاوراة وشخصياتها الذين كانوا فلاسفة أو ممثلون لمدارس فلسفية وسياسيون وسفسطائيون وخطباء ورجال دولة ، وهناك بالطبع شخصية البطل الفيلسوف سقراط . وهكذا فالمحاورة الأفلاطونية هي مرآة تاريخية من طرف وفيها فلسفات تتحاور وتتخاصم وفي الأخير هناك هزيمة فلسفية ورابح فيلسوف هو بالطبع سقراط في محاورات الشباب وسقراط الإفلاطوني في محاورات الكهولة والشيخوخة (1) . وللقارئ نقول لدينا مشروع بحث نحاول إنجازه ، ويركز على قراءة كل محاورة من محاوراة  إفلاطون (ورسالة من رسائله) من زاوية فلسفة التاريخ وذلك من خلال كشف الأحداث التاريخية التي ترسمها المحاورة ، والفلسفات التي تم حضورها خلال الحدث التاريخي ، ومنها بالتأكيد المواقف الفلسفية لسقراط ومن ثم للتلميذ إفلاطون . وبذلك نُعيد ربط المواقف الفلسفية بالتاريخ .

   كما إن في محاورات إفلاطون الكثير من الشواهد الدالة على تجاور النزعتين الفلسفتين التي عرفهما تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما النزعة التأملية والنزعة التحليلية (التفكيكية) النقدية لتاريخ المدارس الفلسفية (2) ، إضافة إلى نزعة فلسفية ثالثة (لم يتحدث عنها أدب فلسفة التاريخ وإن كانت واضحة على الأقل في نصوص ثلاثة من كبار فلاسفة التاريخ وهم كل من إشبنجلر في كتابه تدهور الحضارة الغربية ، وتوينبي في كتابه المعنون دراسة للتاريخ ، وكولن ويلسون في كتابه المعنون سقوط الحضارة) وهي النزعة التركيبية ، وهي النزعة ذاتها التي ميزت النظام الفلسفي الإفلاطوني القائم على ضم ثلاثة مدارس فلسفية يونانية كبرى في داخل رحم بنائه الفلسفي ، وهي المدرسة الإيلية التي ضمت الطابق العلوي (الثالث) أو ما يسمى بنظرية المثل ، والطابق الثاني الذي تحتله المدرسة الفيثاغورية والتي قبلها إفلاطون بعد إن وجه نقداً وتقويماً لها وخصوصاً في إن بعض قضاياها تحتوي مضموناً حسياً . والطابق الأرضي الذي تسكنه الفلسفة الطبيعية التي يمثلها هرقليطس وفلاسفة مدرسته والتي رفضها إفلاطون (3) .

  ولما كان موضوع فلسفة التاريخ ، هو التاريخ العالمي أو تاريخ الإنسانية (خذ مثلاً كتاب فيلسوف التاريخ الألماني جوهان كوتفريد هاردر والمعنون تأملات في فلسفة تاريخ البشر ، والصادر بالألمانية عام 1791) (4) . وعلى هذا الأساس فإننا نجد في محاورات إفلاطون ، وخصوصاً في محاورة الجمهورية تأسيساً فلسفياً للتاريخ وربما الأدق تأسيساً فلسفياً ينهض على إسطورة الأم – الأرض أو إسطورة المعادن (شكل من أشكال التأويل الجيولوجي) لظهور الإنسان والمجتمع والدولة ، وأنماط الحكم (الملك – الفيلسوف …) والممزوج بمفهوم النفس الذي نزل إليه من أورفيوس البابلي (يوم كانت سوريا جزء من مملكة بابل الكبرى) عن طريق فيثاغوراس ومدرسته .

  وفعلاً فإن قارئ محاورة الجمهورية (كتبها عام 360 ق.م) يلحظ إن إفلاطون قدم فهماً فلسفياً – إسطورياً لبداية حركة تاريخ الإنسان ، فذهب (فيما يُطلق عليها بالإكذوبة النبيلة) إلى إن : كل مواطن ولد في أحضان أرض الأم (الدولة) . وإن هناك معادن مختلفة تكون جوهر نفوسهم ، فالذهب مكون لجوهر نفوس الحكام ، والفضة مكون لنفوس المساعدين (الحراس والجنود) ، والنحاس مركب لنفوس الزراع والتجار ورجال المهن وعامة الناس (5) . ونحسب إفلاطون في هذا الفهم الجيولوجي (الناهض على نوع المعدن) قد إستبطن الإطار الإسطوري لحركة التاريخ عند الشاعر الملحمي اليوناني هزيود ، وأعاد إنتاجه ليعمل لصالح طبقة الإستقراط من طرف ، وجعل الطبقات الثلاثة مغلقة بمفاتيح جبرية حديدية لا تسمح بالخروج والدخول بين الطبقات . وهذا هو القانون العام (وهذا يُذكرنا بصورة إسطورية لقوانين الحتمية التي جرى الجدل والنقاش بين فلاسفة التاريخ في الثلث الأخير من القرن العشرين وهذا ما بيناه في المبحث سالف السابق والمعنون تأمل في مناحي فلسفة التايخ : إتجاهات جديدة في فلسفة التاريخ) . ولكن إفلاطون عاد فوضع شروط تفتح فيها أبواب الطبقات ، فتسمح بصعود بعض الأفراد الأذكياء الأفذاذ ، كما في الوقت ذاته تنزل (تُسفل) وتدفع ببعض الأفراد خارج الطبقات التي ولدوا فيها وذلك لكون معدنهم لا يتوافق والطبقة التي ولدوا فيها .

    فمثلاً إذا ولد طفل في طبقة النحاس ، وكان جوهر نفسه الذهب (درجات عالية من الذكاء العقلي ويتمتع بمهارات عالية) . فإن سياج الطبقات الحديدي يُفتح أبوابه ليسمح بترقية هذا الطفل من طبقة النحاس التي ولد فيها إلى الطبقة العالية ، طبقة الذهب (طبقة الحكام والملوك – الفلاسفة) التي تتوافق ومعدن نفسه . أما إذا ولد الطفل في طبقة الذهب ، وكان معدنه فضة أو نحاساً ، فإنه يُنزل (يُسفل) إلى الطبقة التي تتناسب ومعدنه ، فيكون جندياً إذا كان معدنه فضة ، أو يكون فلاحاً (تاجراً أو مهنياً أو من عامة الشعب) إذا كان معدن نفسه من النحاس .

   يقول إفلاطون في الكتاب الثالث من الجمهورية ، وهو يقدم وصفاً لظروف الولادات المختلفة من آباء جوهر نفوسهم تتعارض ومعدن نفوس أولادهم ، ومن ثم يتأمل في الأحوال الكارثية التي ستتعرض لها دولة – المدينة : ” يحدث بعض الأحيان أن يكون الآباء من معدن الذهب ، فينجبون ولداً معدن نفسه من الفضة ، فإنه لا يصلح أن يكون حاكماً ، وإنما يكون حارساً أو جندياً مقاتلاً .. وإذا أصبح الحراس من رجل جوهر نفسه من النحاس (أو الحديد) فإن مثل هذه المدينة مكتوب عليها الدمار والإندثار ” (6) . هذا الخطاب الإفلاطوني خطاب في فلسفة التاريخ ، وكاتبه إفلاطون فيلسوف تاريخ .

    قدم إفلاطون نفسه في محاوراته المختلفة ، مؤرخاً للمدارس الفلسفية التي سادت قبله والتي كان لها ممثلون من الفلاسفة في عصره ، ومن ثم عرض نقداً وتقويماً لها . ومن هذه المدارس ؛ المدرسة الطبيعية (وكان هرقليطس فيلسوف التغير والتحول علماً من أعلامها) وكان الفيلسوف كراتليوس أحد تلاميذ هرقليطس وهو معاصر لإفلاطون ، بل وكان واحداً من أساتذة إفلاطون . وقد خص إفلاطون هذه المدرسة بمحاورة متخصصة حملت إسم هذا الفيلسوف وكانت بعنوان كراتليوس . والمدرسة الفيثاغورية والتي خصها بمحاورات أخرى ، والمدرسة الإيلية والتي خصها بمحاورات منه على سبيل الإستشهاد محاوراة بارمنيدس وهو رئيس هذه المدرسة  (7) .

   ويُنظر إلى إفلاطون بأنه كاتب سيرة إستاذه سقراط ، فقد كتب عنه محاورة الدفاع التي عرضت القضايا التي رفعها خصوم سقراط ضده في المحكمة ومن ثم دفاعه وموته بطريق شرب السم . وإضافة إلى هذه المحاورة فقد كان سقراط الشخصية الرئيسية في مجمل المحاورات التي كتبها إفلاطون . ومن المدارس الفلسفية التي تعرض لها إفلاطون بالنقد والتنديد ، المدرسة السفسطائية والتي خصها بمجموعة محاورات ، ورغم العدواة بين إفلاطون والسفسطائيين لأنهم كانوا والحركة الديمقراطية وراء إعدام سقراط ، فإن إفلاطون المؤرخ هو اليوم واحداً من المصادر المتفردة في الكتابة عن الحركة السفسطائية وفلاسفتها ، وخصوصاً محاورات ؛ السفسطائي وبروتاغوراس وجورجياس وهيبياس … 

 كما إن إفلاطون المؤرخ مصدراً مهماً في الكتابة عن أحداث عصره ، فهو مصدر تاريخي فيه كشف عن تفاصيل كثير من الرحلات السياسية والعلمية التي قام بها ، والتي كابد خلال بعضها الكثير من المحن ، فقد سجن وبيع مثل ما يُباع العبيد ، وقبل دعوات الطغاة سعياً في إقامة جمهوريته المثالية والتي أعجبت جيل جديد من الحكام ، وبذلك تعرف عن قرب على شخصيات هؤلاء الحكام وكتب عنها . ومن ثم قام برحلات إلى مصر وكتب عنها في محاورته المشهورة القوانين ، ووصف بعين المؤرخ شاهد العيان عن أطراف من حياة المصريين ، وخصوصاً رجال الدين المصريين الذين تعلم منهم الكثير ، وكتب عن الألعاب التي يمارسها أو يستخدمها الأطفال من المصريين . كما زار ميغارى وإلتقى بالفيلسوف إقليدس الميغاري وإطلع على النظام التعليمي لمدرسة ميغارى والتي إستفاد منها في تأسيس أكاديميته المشهورة . وهكذا إحتوت محاوراته على مادة تاريخية تتوزع على صورة تواريخ مختصرة مكثفة للأشخاص الفلاسفة والسياسيين والعلماء ورجال السفسطة . إضافة إلى تاريخ للفلسفة مكتوب من زاوية إفلاطون أو الأدق من زاوية الفلسفة الأفلاطونية ، ومن ثم من زاوية فلاسفة مدرسته المعروفة بالأكاديمية (8) .

  صحيح جداً إن إفلاطون لم يذكر شيئاً صريحاً عن الشاعر الملحمي هزيود الذي يُعدً أول من قدم تفسيراً تشاؤمياً للتاريخ في الثقافة اليونانية (وهو طرف تشتغل عليه فلسفة التاريخ) ، وإعتمد تفسيراً جيولوجياً لحركة التاريخ ، وعرض فهماً لعصور التاريخ يعتمد على المعدن المستخدم في أدوات القتال والحرب . ولكننا نعرف بصورة مؤكدة على إنه قرأ تراث هوميروس الشعري الملحمي ، وهوميروس كان معاصراً للشاعر الملحمي هزيود  هذا طرف مهم . والطرف الثاني إن محاورة الجمهورية كما قلنا ، وبالتحديد في الكتاب الثالث قد إعتمدت على إسطورة الأم – الأرض أو إسطورة المعادن أو الكذبة النبلية ، وعلى أساس المعادن الثلاثة ؛ الذهب والفضة والنحاس (أو الحديد) قدم إفلاطون فهماً لحركة التاريخ والإنسان والمجتمع وظهور دول – المدن وإنهيارها . وهذا التفسير الجيولوجي (بحدوده)عند إفلاطون يحملنا على القول إن هذا التشابه بين عمل هزيود وفعل إفلاطون لم يكن إنتاجاً بريئاً عفوياً ، وإنما متابعة إفلاطونية واعية لما أنتجه الشاعر الملحمي اليوناني هزيود . ومن طرف مالك بن نبي وإطروحته في تفسير التاريخ على فعل الأبطال ما يؤكد على إن هناك مقاربة فكرية مالكية متفهمة للتفسير التاريخي الذي قدمه هزيود وبالتحديد للعصر الذي أسماه هزيود بعصر الأبطال وهو حقبة تاريخية أقحمها هزيود في تفسيره الجيولوجي الذي يعتمد على المعادن في تحديد هوية العصر والحقبة التاريخية . كما إن مالك قرأ إفلاطون وهذا ما بيناه في كتابنا المعنون حضور الفلسفة في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً (9) . للتفاصيل عن الفكر الفلسفي التاريخي عند إفلاطون ترقب كتابنا القادم ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .

———————————————

– أنظر :

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الأول / موقع الفيلسوف / 5 سبتمبر 2011

2 – أنظر :

W. H. Walsh, An Introducation to Philosophy of History, New Jersey 1967, pp. 15 – 29

فهو فصل في غاية الأهمية حيث فيه كشف للسؤال الذي رفعه المؤلف : ما هي فلسفة التاريخ !

3 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مصادر التجربة الإفلاطونية في مضمار الأبستمولوجيا الفلسفية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السابع / صيف 2012

4 – أنظر :

Johann Gottfried Herder, Reflections on the Philosophy of the History of Mankind, abridged, with an Introduction By Frank E. Manuel, University of Chicago press 1968

5 – أنظر :

Plato, Republic, Trans. By Benjamin Jowett, Cosimo Inc, New York 2008, 415a

6 – أنظر :

Ibid, 414e – 415c

7 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق

8 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الثاني والذي

كان بعنوان محاورات إفلاطون من زاوية تاريخية / موقع الفيلسوف / 2 نوفمبر 2011

9 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الفلسفة في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثاني / العدد الثالث / صيف 2011

———————————————

3 – أرسطو : بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم

   إهتم الفيلسوف اليوناني أرسطو (384 – 322 ق.م) بالتاريخ موضوعاً وعلماً من العلوم في مدرسته اللوقيون أو المشائية . فقد كان يُدرس التاريخ لعدد من طلابه ، والذين تحولوا فيما بعد إلى فلاسفة ، وقاد بعض منهم مدرسته المشائية . كما وظهر علم التاريخ في التصنيف الذي تقدم به لعلوم عصره (وفي مضمار العلوم الواعدة) . إضافة إلى إنه كتب أول موسوعة في علم المنطق ، وتحدث في أطراف منها مؤرخاً لعلم المنطق والرياضيات وكان فيها ناقداً للرواد في المنطق ولعلماء الرياضيات وخاصة عالم الرياضيات بيرسون ومحاولته تربيع الدائرة (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، بغداد 1983) .

  وكذلك كتب أرسطو أول موسوعة في علم الحيوان ، تحدث في أطراف منها حديث المؤرخ . وفي كتابه الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) كان يكتب من زاوية الفيلسوف المؤرخ ، وبذلك يمكن القول إنه عرض تاريخ نقدي للفلسفة اليونانية والفلاسفة قبل سقراط ، ومن ثم شمل سقراط وإستاذه إفلاطون . وعلى هذا الأساس قدم أرسطو تاريخ الفلسفة اليونانية مكتوب بقلم الفيلسوف أرسطو (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف أرسطو مؤرخاً للفلسفة اليونانية / من مخطوطة بحث منجز) . وترقب التفاصيل في فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .

4 – القديس أوغسطين : بين الرواية المانوية واللاهوت المسيحي

   كتب الفيلسوف المانوي الجزائري المنبت أوغسطين (354 – 430م) أو رجل اللاهوت المسيحي القديس أوغسطينوس بعد تحوله من المانوية إلى المسيحية (1) ، العديد من المؤلفات البالغة الأهمية سواء في مضمار تاريخ فلسفة التاريخ أو في تطوير العقيدي المسيحي والذي سيطلق عليه فيما بعد حشد من الأكاديميين وغير الأكاديميين إصطلاح الفلسفة المسيحية الغربية .

  ونحسب إن الكثير من أفكار المرحلة المانوية (التي إستمرت على الأقل تسع سنوات وكان فيها أوغسطين على مستوى المستمع ومن ثم أصبح بدرجة معلم في صفوفها) من تفكير القديس أوغسطين وجدت لها مكانة قوية في داخل رائعته الفلسفية التاريخية المعنونة مدينة الله . كما إن من المهم لدينا في مضمار الدراسات في فلسفة التاريخ ، هو تأملات أوغسطين الفلسفية التي إستبطنت الكثير من مشروع إفلاطون في رائعته الجمهورية والتي عبرت إلى القديس أوغسطين من خلال مسارات متنوعة منها على سبيل التمثيل وليس الحصر شيشرون وجمهوريته (2) ، إفلوطين وفلسفة ولاهوت الإفلاطونية المحدثة (3) .

  عاش وكتب أوغسطين في فترة دقيقة من تاريخ التحول في الثقافة الغربية ، التحول من العقيدي اليوناني – الروماني المتسور بالفلسفة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي إلى دائرة اللاهوت المسيحي المتنامي . وفعلاً فقد عاش وكتب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين (4) (وهو تاريخ نضال دموي مع ما يسميه كتاب الكنيسة بالفكر الوثني اليوناني ومن ثم تسويات عقيدية مع الإمبراطورية وصلت إلى حد تلوين العقيدي بثوابت وثنية لم تتنازل عنها الإمبراطورية وطبعت العقيدي المسيحي بطابعها الوثني وإلى الأبد …) تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية التي إحتضنت مدارس فلسفية متنوعة ، وهذه المدراس ستظل لها أدوراً فاعلة في الدوائر الثقافية في عموم الإمبراطورية وحتى بعد وفاة القديس أوغسطين بما يُقارب القرن من الزمن ، وإستمرت حتى غلقها الإمبراطور الروماني جوستنيان (482 / 483 – 565م) في العام 529م (5) . 

  إن محاولة فهم ماذا حدث في العقود الثلاثة الأولى من حياة القديس أوغسطين ، وبالتحديد أثنتين وثلاثين عاماً من عمره الفكري قبل أن يتحول إلى المسيحية ضرورة علمية . ففيها الكثير من الشواهد على المنعطفات العقيدية والفلسفية . صحيح إن الكتاب المسيحيين لا يرغبون في الكتابة عنها ، ويتمنون شطبها وإلغاءها من حياة القديس أوغسطين . ولكن من الزاوية الأكاديمية هي مطلب ملح لمعرفة المعارف التي تلقاها الرجل ، والتجارب التي عاشها ، والتحولات العقيدية من المانوية وإلى الشكية الأكاديمية التي إستقر فيها بعد تخليه عن المانوية والأدق تحوله عنها . فهي مرحلة مفيدة في فهم تحوله الأخير إلى المسيحية وتخليه عن الحياة والزواج والزوجة والعائلة … والسؤال : هل هذا التحول حمل قطيعة كاملة مع الحياة والمانوية والشكية الأكاديمية ؟ نحن لا نجد في كتابات القديس ما يقدم جواباً شافياً لصالح القطيعة ، بل على العكس هناك شواهد على إستمرار الأثر المانوي والفلسفي الشكي الأكاديمي على الأقل في رائعته مدينة الله .

  ولذلك نحسب إن الطرف الوثني من حياة القديس أوغسطين جداً مهم في فهم الحياة العقلية والتحولات العقيدية والخط التطوري في فكره اللاهوتي وفي تحديد حجم مساهمته فيما يسمى بالفلسفة المسيحية الغربية . ومن الملاحظ إنه خلال هذه العقود الثلاث (32 سنة) قد عاش حياة جنسية صاخبة ، وتم فيها إنبات الكثير من البذور الأولى لحياته العقلية اللاحقة وذلك من خلال برنامج التعليم وإستلامه العقيدي المانوي ، ومن ثم تشربه للطرف الفلسفي المتمثل بالشكية الأكاديمية ، وتبنيه لأفكار إفلاطون من خلال جمهورية شيشرون وإفلوطين والإفلاطونية المحدثة وقراءته لكتاب أرسطو المنطقي وهو المقولات وهو أول رسالة منطقية في تحليل اللغة. ولهذا نحن نخلاف الكتاب المسيحين ولا نحسب إنها توقفت أو إنطفت يوماً من الأيام بعد إن تحول إلى العقيدي المسيحي ، بل على العكس إنها ظلت تلعب دوراً قوياً تحت جلد القديس أوغسطين وتوجه تفكيره بحرية وتقود قلمه بإطمنان دون خوف وتهديد (مع الإشارة إلى إن القديس لم يسلم من عمليات كشف لهرطقته ومانويته في مرحلة لاحقة) .

   لقد إمتدت هذه الفترة منذ ولادة الطفل الجزائري أوغسطين عام 354 وإلى لحظة إنفتاحه على المسيحية عام 386 (وكان عمره إثنتين وثلاثين ربيعاً) وذلك من خلال سماعه بقصة باسليونس وأصدقائه عندما قرأوا لأول حياة القديس إنثوني الصحراوي أو إنثوني المصري (251 – 356م) . وهكذا تلاه تحول اوغسطيني من قصة حياة القديس إنثوني إلى الإنجيل ، وبالتحديد إلى إنجيل بولس والذي قرأ منه رسالة بولس إلى الرومان والمعنونة بتحولات المؤمنين (6) .

البيئة العائلية ومراحل التعليم الأولى

   ولد أوغسطين في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي ، وبالتحديد في عام 354م في مدينة تكاست الجزائرية ، والتي كانت جزء من الإمبراطورية الرومانية . ومن الملاحظ إن الطفل أوغسطين قد ترعرع في أحضان عائلة ذات تكوين عرقي وعقيدي متنوع . فمن طرف الوالد باترسيوس كان وثنياً (7) (منا = وربما كان على عقائد الدين الروماني ذات الإصول اليونانية ولهذا نتحفظ على كلمة وثني لأنها تتضمن تصنيف عقيدي مسيحي) . ومن جهة الأم مونيكا أو القديسة مونيكا (331 – 387م) فقد كانت مسيحية من البربر ، وهي ” من أوائل القديسات المسيحيات ” (8) . وفعلاً فقد ذكر الباحثون الأكاديميون في إصول القديس أوغسطين ، إلى إن أسلافه ينتمون إلى تنوع عرقي متفرد ، فهم ينتمون إلى البربر ، واللاتين والفينيقيين . ولكن العائلة كانت من الناحية القانونية ، عائلة رومانية وهي تتمتع بالمواطنية الرومانية الكاملة ، وعلى الأقل قبل ولادة أوغسطين بأكثر من قرن من الزمن (9) . كما إن عائلته كانت تنتمي إلى الطبقات العليا من المجتمع الروماني يومذاك ، وإن لغته الأولى هي اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية (10) .

  ويبدو لنا إن الطفل أوغسطين تلقى دروسه الأولى في التعليم في البيت وفي المنطقة التي تعيش فيها العائلة . ولما كانت المنطقة جزء من الإمبراطورية الرومانية ، فإن الثقافة التي كانت سائدة هي الثقافة الوثنية بالمفهوم المسيحي ، إضافة إلى إن الأم مونيكا كانت مسيحية ، فإن قدر الطفل أوغسطين كان موضوع تجاذب بين ثقافتين متقاطعتين حتى النخاع ، وهما ؛ الثقافة الوثنية (الرومانية – اليونانية) وهي ثقافة الوالد ، وثقافة مسيحية تبثها الأم من خلال قراءتها للإنجيل والصلوات والترانيم الدينية . وإن هذا التجاذب ظل فاعلاً في حياة وتفكير القديس أوغسطين على الأقل خلال العقود الثلاثة الأولى من حياته .

  ولما بلغ الحادية عشرة من عمره رغبت العائلة إرساله للتعليم في المدارس الرسمية ، ولكن هذه الرغبة العائلية ليست باليسيرة وذلك لعدم توافر مدرسة يومذاك في المنطقة التي تعيش فيها العائلة ، فتم إرسال أوغسطين ليتلقى تعليمه في مدينة مدراس حيث توجد فيها مدرسة رسمية عامة . وفعلاً كانت المدرسة فرصة تعليمية متفردة لأوغسطين ، التي إتصل من خلال دروسها بالأدب اللاتيني (11) والذي يشمل مقالات ، وكتب تاريخية ، وقصائد ومسرحيات ونصوص كُتبت باللغة اللاتينية . وهذا التقليد التربوي بدأ في القرن الثالث قبل الميلاد ، ومن ثم أصبح بعد القراءة والكتابة باليونانية القديمة وحتى عصر ماركوس أورليوس (121 – 180م)) وضم الأدب اللاتيني في عصر أوغسطين قراءة وكتابة نصوص كل من الخطيب والفيلسوف شيشرون والشاعر الروماني فيرجيل (70 – 19 ق.م) والشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 18م) والشاعر والفيلسوف الأبيقوري لوكريتوس (99 – 55 ق.م) (12) . إضافة إلى كل ذلك فإن أوغسطين تشرب الكثير من العقائد الرومانية (التي هي إحياء للعقيدي اليوناني) ومارس طقوسها اليومية كفعالية من المنهج الدراسي (13) .

   ولاحظ الدارسون وكتاب سيرته ، إنه خلال عودته من المدرسة إلى البيت ، وبالتحديد في عامي 369 و370 وكان في الخامسة عشرة من عمره ، قرأ واحدة من محاورات شيشرون والمعنونة هورتنسيوس أو حول الفلسفة (وكتبها شيشرون عام 45 ق.م وفيها إستبطان لأراء أرسطو وتوسيع ، وهي من المحاورات الضائعة والتي حملت أسم صديق شيشرون وهو الخطيب والسياسي الروماني هورتنسيوس (114 – 50 ق.م) وقد تركت هذه المحاورة أثاراً قوية على تفكير أوغسطين وخصوصاً توجهاته الفلسفية ، فيصفها أوغسطين قائلاً ” كانت محاورة هورتنسيوس مثل الشرارة التي قدحت في الإهتمام بالفلسفة ” (14) . وهنا إنتهى فصل من حياة طالب العلم أوغسطين ، وستلعب الظروف دوراً إيجابياً في فتح أبواب التعليم العالي أمامه وهذا فصل جديد سيخوض غماره بعيداً عن مرابض الأهل والعشيرة ، حيث سيتوجه إلى قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا .  

الرحلة العلمية إلى قرطاج والتجربة المانوية والجنسية المبكرة

  وفعلاً لما بلغ أوغسطين السابعة عشر ربيعاً ، حصل على منحة دراسية تقدم بها مُحسن روماني له ، فشد الرحال وذهب للدراسة في قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا الرومانية . وبدأ أوغسطين برنامجه التعليمي العالي في قرطاج في موضوع الخطابة والبيان (15) وهو من الموضوعات المرغوبة في العصر الروماني ، إذ تُهيأ المتخصص في العمل في المرافعات والدفاع في المحاكم .

  ونحسب من النافع أن نشير إلى إن رحلة أوغسطين إلى قرطاج لم تكن في جميع أطرافها رحلة في طلب العلم . وإنما كانت تجربة شخصية متنوعة ، ففي قرطاج حدث تحولاً جوهرياً في مضمار العقيدي حمله على الإيمان بالمانوية . ومن الملاحظ على صعيد التحول العقيدي ، إن أوغسطين تخلى عن الدين الروماني (الوثني بإصطلاحات المسيحية ) وهو دين والد أوغسطين ، ووضع وراء ظهره العقيدي المسيحي ، وهو يمثل ديانة مونيكا (القديسة مونيكا فيما بعد) وهي أم أوغسطين ، فكانت النتيجة خيبة للأم والأب على حد سواء (16) وهذا الطرف سنتناوله في مقال قادم  . كما إن أوغسطين عاش تجربة جنسية مع إمرأة إستمرت لأكثر من ثلاثة عشر سنة مملوءة بالحب العارم ، وكان حصيلتها ولادة ولده أديوداتوس (والتي تخلى عنها بعد من يقول ثلاثة عشر سنة ، وهناك من يرى إنه تركها عندما ناهز ولده السابعة عشرة ربيعاً ، وبالتحديد في عام 389م وذلك عندما تحول إلى المسيحية ، وكان أوغسطين يومها إبن الخامسة والثلاثين ربيعاً (17)) . وهذه العلاقة الجنسية وما إرتبط بها ستترك أثاراً على حياته الإجتماعية والفكرية ، وعلاقته بإمه التي ستكافح بإتجاه إنتخاب الزوجة المناسبة له … (18) وهذا طرف سنبحثه في مقال خاص كذلك .   

الأكاديمي أوغسطين والتعليم العالي

   بعد إكمال دراساته في قرطاج ، عاد أوغسطين إلى مدينة تكاست الجزائرية ، وأخذ يعلم فيها النحو وبالتحديد خلال عامي 373 و374 ، ولكنه لم يستقر فيها ، فقرر العودة إلى قرطاج ، وأدار هناك مدرسة للخطابة والبيان . وفعلاً إستمر هناك لمدة تجاوزت التسع سنوات (19) . ومن ثم أخذ ينزعج من تصرفات الطلاب غير اللائقة ، فرأى إنه من الأسلم ترك قرطاج والتحول إلى روما عاصمة الثقافة الأولى للإمبراطورية الرومانية . وفعلاً في العام 383 إنتقل إلى روما ، وأسس فيها مدرسة له . وكان يعتقد أوغسطين إنه في روما يتوافر الكثير من أفضل رجال الخطابة . ولكن حال أوغسطين لم يسير بيسر في روما ، فسرعان ما خابت أماله بمدارس الخطابة فيها ، وخصوصاً عندما تجاهلته ولم تهتم به هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر فإنه مل من تصرفات الطلاب في روما ، وهي كثيرة . فمرة وهو ينتظر حلول إستلام الأجور الدراسية التي يدفعها طلاب الخطابة لمدرسته ، هرب الطلاب ولم يدفعوا له شيئاً .

  ورغم هذا الحال المخيب للآمال ، فإن الصدفة لعبت دوراً في فتح أبواب جديدة أمام معلم الخطابة أوغسطين ،  والتي فيها بوراق من الأمل . فقد كان له صديق من المانويين ، والذي لعب دوراً في تقديمه إلى محافظ مدينة روما ، وهو كونتويس أورليوس سامكيوس (345 – 402م) (20) وحينها كان يبحث المحافظ عن بروفسوراً للخطابة ، وذلك ليشغل هذه الوظيفة في المحكمة الإمبراطورية في ميلانو . وفعلاً فقد نجح أوغسطين في الحصول على هذه الوظيفة الأكاديمية من بين عدد من المرشحين . وبدأ العمل بالتحديد في نهايات عام 384 . 

  ونحسب من المفيد الإشارة إلى إن أوغسطين في هذه الفترة أظهر ميولاً واضحة لصالح العقيدي المانوي مع محافظة على مستوى واطئ في تراتبية المانوية ، فقد ظل بمنزلة مستمع في الحلقات المانوية ، ومن ثم أصبح معلماُ . وأخذ بعد ذلك ينسحب شيئاَ فشيئاً منها(21) (وهناك مؤشرات لبداية هذا الإنسحاب قد حدثت في قرطاج وهذه قصة سنبحثها في مقالنا المعنون مانوية القديس أوغسطين) وتحول إلى الضفاف الآمنة للمذهب الفلسفي الشكي الذي هيمن على مصير أكاديمية إفلاطون ، وبالتحديد فيما يُسمى بالمرحلة الوسطى للأكاديمية ، وأصبح من مناصري حركة الأكاديمية الجديدة (22) .

  ومن طرف أخر فقد كانت عيون مونيكا والدة أوغسطين تُراقب عن كثب تحولات ولدها أوغسطين العقيدي والفلسفي ، وحسبت إن في هذا التحول نحو معاقل الشكية الفلسفية تباشير مشجعة لها لتعمل من جديد على إقناع ولدها للتحول إلى شواطئ المسيحية . إلا إن أمالها تبددت حين فضل أوغسطين العمل بجد على إنجاز دراساته الخاصة حول الإفلاطونية المُحدثة (23) خصوصاً وإن صديقه المحافظ ساميكوس كان يُشجعه بإلحاح على السير في هذا الإتجاه (24) .   

أوغسطين كاتب سيرة ذاتية وفيلسوف تاريخ

  قبل الخوض في مسألتين مهمتين في تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما تقديم أوغسطين كاتباً لأول سيرة ذاتية في تاريخ السير ، والتي تمثلت في رائعته التي حملت عنوان الإعترافات . وثانياً – التأمل في رائعته الفلسفية – التاريخية (وبالطبع اللاهوتية) المعنونة مدينة الله (أنظر للتفاصيل : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات (قيد الإنجاز)) .

  يبدو لنا إن القديس أوغسطين أو ما يسمى بفيلسوف المسيحية الغربية (وهو الشرقي الجزائري ، من مدينة عنابة) لم يكتب (أو على الأقل لم ينشر) شيئاً قبل تحوله إلى أحضان العقيدي المسيحي (وهو الذي قاوم محاولات والدته المسيحية القديسة مونيكا للإعتقاد بالمسيحية) ولمدة تجاوزت العشرين عاماً . وإذا صح هذا الإفتراض (إفتراض عدم الكتابة قبل عمر الثلاثين وقبل أن يكون مسيحياً) ، فإن كتاباته بالتأكيد تلونت بعقيدي مسيحي مُنحاز . وهذا أمر طبيعي في تاريخ حركة التفكير وتكوين العقول والذهنيات عامة وأوغسطين إنموذجاً . ولكل هذا فهناك الكثير من الأسئلة تُثار حول حيادية وموضوعية قلم القديس أوغسطين حين كتب عن الموضوعات الحساسة مثل المانوية  التي كانت عقيدته لفترة تجاوزت التسع سنيين من عمره ، والديانات الرومانية – اليونانية (وهي ديانة الوالد والأصدقاء) والتي أصبحت بجرة قلم وثنية ، والإتجاهات الفلسفية من أكاديمية شكية وإفلاطونية مُحدثة ، والتي تحول إليها بعيد إن تخلى من المانوية ، وأصبح بروفسوراً أكاديمياً للخطابة في المحكمة الإمبراطورية الرومانية في ميلانو ، والتي تحولت إلى فلسفات هرطقية .

  حقيقة هذا هو قدرنا في التعامل مع مؤلفات القديس أوغسطين . ولكن نحن من طرف أخر محظوظين بكتاب أوغسطين الإعترافات ، ففيه العديد من الإمكانيات التي تُساعدنا على تكوين معايير للتمييز بين الموضوعية واللاحيادية في تفكير أوغسطين بعيد تحوله إلى معاقل المسيحية ، ومن ثم دخوله في دوامة المصالح والحسابات في عملية الإنشاء والتأليف ، خصوصاً بعد إحتلاله منزلة عالية في تراتبية الكنيسة (رئيس أساقفة) ورجل لاهوت مدافع عن العقيدي المسيحي ضد ما يُسمى بالهرطقة . للتفاصيل ترقب كتابنا المعنون : فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات .

—————————————————

1 – للتفاصيل عن المرحلة المانوية من تفكير القديس أوغسطين أنظر :

Jason David BeDuhn, Augustine,s Manichaean dilemma: Conversion and apostasy, 373 – 388 C.E, University of Pennsylvania Press 2009, p. 163

2 – أنظر :

Johannes Brachtendore, Cicero and Augustine on the Passions, 1997, pp. 389 – 308

3 – أنظر :

Frank Cross & Elizabth Livingstone (Eds.), Platonsim, In The Oxford Dictionary of the Christian Church, Oxford University Press 2002

وللتفاصيل عن إفلوطين ومدرسته الفلسفية المعروفة بالإفلاطونية المحدثة أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة (كتاب) فصول متنوعة / منشور على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012 .

4 – للإطلاع على تفاصيل حياة القديس أوغسطين الجزائري ورئيس أساقفة عنابة أنظر :

Peter Brown, Augustine of Hippo: A Biography, University of California Press 2000

5 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق / المحور المعنون : دمسقس الرئيس الأخير لمدرسة أثينا الفلسفية .

6 – أنظر :

Augustine of Hippo, Confessions, Trans. By Henry Chadwick, Oxford University Press 2008, pp. 153 –

7 – أنظر :

Kim Power, “Family, Relatives”, In August through the ages: an encyclopdia, Ed. By Allan Fitzgerald, Grand Rapids, 1999, pp. 353 – 354

8 – للتفاصيل عن القديسة مونيكا (أم القديس أوغسطين) أنظر :

A – Michael Brett & Elizabeth Fertress, The Berbers, Wiley – Blackwell, 1997

B – Paula Scott, Santa Monica: a history on the edge, Arcadia Publishing , 2004

9 – أنظر :

Serge Lancel, Saint Augustine, Hymns Ancient & Modern , SCM Press, London 2002, p. 5

10 – أنظر :

Kim Power, Op. Cit,

11 – أنظر :

Andrew Knowles & Pachomios Penkett, Augustine and his World, Lion Publishing, England, 2004, Ch. 2 (Saved Without Power).

12 – أنظر :

A – Charles Eliot, Letters of Marcus Cicero and Letters of Gaius Plinius, Kessinger Publishing 2004

B – Susanna Morton Braund, Latine Literature, Routledge 2002

13 – أنظر :

Andrew Knowles & Pachomios Penkett, Op. Cit,

14 – أنظر :

Encyclopedia Americana, Grolier, Danbury, 1997 , Vol. 2, p. 685

15 – أنظر :

Ibid,

16 – أنظر :

Hugh Pope, “Saint Monica”, In Cathholic Encyclopedia, 2012 (On Line)

وهناك نص في غاية الأهمية يكشف عن حالة الألم التي عاشتها الأم المسيحية بعد تحول ولدها الى العقيدي المانوي ، وهذه ترجمتنا لهذا النص : ” في قرطاج تحول أوغسطين إلى المانوية ، وعندما عاد إلى البيت أخذ يُردد عدداً من القضايا العقيدية المانوية (الهرطقية من زاوية الأم المسيحية) ، والتي سببت لها إنزعاجاً ، فطردته من مائدتها . وبعد ذلك جاءتها الرؤيا (الحلم) وطلبت منها أن تسدعيه ، وفي ذلك الوقت ذهبت الأم مونيكا إلى واحد من رؤساء القساوسة (لم تذكر إسمه) وطلبت منه العون والنصيحة في كيفية التعامل مع ولدها الذي غير عقيدته الدينية ، فجبر رئيس القساوسة بخاطرها ، وواساها وقال كلماته الشهيرة ” إن هذا الطفل الذي تُذرف عليه الدموع سوف لا يهلك ” .

17 – أنظر :

A – Heinman Uta Rank. Eunuchs for the Kingdom of Heaven: the Chtholic Church and Sexuality, Penguin Book, 1998

B – John ABecket. ” Adeodatus”, In Catholic Encyclopedia (Op. Cit).

18 – أنظر :

John ABecket, Op. Cit,

وهناك نص يتعلق بولد أوغسطين نود ترجمته إلى القارئ : ” إن رؤية الذكاء الإعجوبي لولده ، أشعر أوغسطين بنوع من الصدمة . فقال أوغسطين ” إن عظمة عقله ، وضعتني في حالة من الرُعب ” .

19 – أنظر :

Encyclopedia of Americana, (Op. Cit), Vol. 2, p. 685

20 – وكونتويوس أورليوس ساميكوس هو رجل الدولة الروماني (نسبة إلى روما) وخطيب وصاحب رسائل . عمل في مكاتب الحاكم في أفريقا عام 373م ، ومحافظاً لروما خلال عامي 384 و385 ومستشاراً عام 391 . وهو من الجيل الأخير الذين حافظوا بصلابة على الديانات الرومانية التقليدية أمام إجتياح العقيدي المسيحي ، وخصوصاً في الوقت الذي تخلت عنه الطبقة الإرستقراطية وتحولت إلى شواطئ المسيحية . وله مواقف شجاعة في هذا الإطار ، فقد إعترض على قرار الإمبراطور الروماني جراتيان (359 – 383م) القاضي بإزالة مذبح النصر من بناية الجمعية العامة (البرلمان) في روما . للتفاصيل أنظر :

Cristiana Songno, Q. Aurelius Symmachus: A Political Biography, University of Michigan Press, 2006

21 – أنظر :

Eugene Portalie, Op. Cit,

22 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخلفيات الفلسفية للتجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة / سابعاً – حضور فلاسفة الأكاديمية في أجواء صياغة الإفلاطونية المُحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

23 – للتفاصيل عن الإفلاطونية المُحدثة أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة (مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012

24 – أنظر :

Encyclopedia of Americana, Op. Cit,

 

5 – فيلسوف التاريخ جيامباتيستا فيكو

   يُعد الفيلسوف – المؤرخ الإيطالي جيوفاني باتستا (أو غيامباتيستا) فيكو (1668 – 1744) واحداً من الرواد في العصور الغربية الحديثة في مضمار فلسفة التاريخ ، ولعل أهمية فيكو الفيلسوف  تعود إلى إنه من المعارضين للفلسفة الديكارتية ، وهي (الكارتينيزم أو الديكارتية) النزعة الفلسفية العارمة التي نشأت على فلسفة الفيلسوف الفرنسي رينه ديكارت (1596 – 1650) (1) وبالمقابل إنبثقت موجة فلسفية وأبستمولوجية معارضة لها (2) . ومن النافع أن نشير إلى إن فيكو ولد بعد موت ديكارت بثمانية عشر سنة . إضافة إلى ذلك فإن فيكو يحتل مكانة رائدة في حركة الأبستمولوجيا المعاصرة ، والتي أخذ يُطلق عليها بالأبستمولوجيا التركيبية (البنيوية) وذلك لأن فيكو من أوائل من نبه إلى مشكلة توسيع مديات العقلانية في الفلسفة والأبستمولوجيا على حد سواء ، بل وكان من النُقاد الأوائل للعقلانية (وهذا مضمار يحتاج إلى مقال مستقل) .   

   ونحسب إن أهميته الرائدة في طرف فلسفة التاريخ تكمن في رائعته المعنونة مبادئ أو إصول العلم الجديد ، والتي نشرها باللاتينية ومن ثم بالإيطالية . وجاءت النشرة الأولى عام 1725 أي قبيل وفاته بربع قرن من الزمن . والواقع رغم منح الباحثون الريادة لفيكو في فلسفة التاريخ الحديثة ، فإن مصطلح فلسفة التاريخ لا يوجد له أي أثر في نص رائعته إصول العلم الجديد .

  ولد جيوفاني باتستا فيكو في مدينة نابولي (مملكة نابولي ) الإيطالية ، وجاءت ولادته في الثالث والعشرين من حزيران عام 1668 ، وترعرع في أحضان عائلة تعيش على بيع الكتب ، فقد كان والده بياعاً للكتب واُمه بنت صانع عربات (3) . وتلقى تعليمه الرسمي في مدارس النحو في نابولي ، وعلى يد العديد من أساتذة الجزيوت . وفي عمر السابعة تعرض إلى حالة مرضية (يبدو مرض الحصبة) كان نتيجتها كآبة وحزن عميق وتوتر شديد في المزاج ، مما أدى إلى تغيبه مدة ثلاث سنوات من المدرسة ، فتحول خلالها إلى نظام التعليم البيتي (أو مدرسة البيت) . .

  ووفقاً لتقارير من سيرته الذاتية ، وبسبب إنقاطعه من المدرسة ، إن توجه نحو القراءة الذاتية ولذلك يصفُ فيكو حاله فيما بعد ” بإنه كان مُعلماً لنفسه ” . والحقيقة إن عادة القراءة تعود إلى مهنة والده بائع الكتب ، وتوجيهاته لولده وحثه على القراءة . ومن ثم إلتحق بجامعة نابولي وحصل على تدريب في الفقه (التشريع) . وقرأ خلال ذلك العديد من الكتب في الكلاسيكيات ، وفقه اللغة (الفيللوجيا) والفلسفة . وهذه القراءات تركت أثرها الواضح على تطوير وجهات نظره الأصيلة حول التاريخ ، وعلم التاريخ (هستروكرافيا) والثقافة (الحضارة) .

    وقبل فيكو في العام 1686 وظيفة معلم خاص في منطقة فراتسيوني في جنوب ساليرنو . وبعد ذلك كتب إطروحته للدكتوراه في جامعة نابولي ، وكانت في مضمار القانون الكنسي والمدني وحصل عليها وتخرج من الجامعة عام 1694 . وفي عام 1699 تزوج من صديقة طفولته تريزا ديستيتو ، وقبل رئاسة قسم الخطابة في جامعة نابولي . وفعلاً فقد صرف فيكو معظم حياته بروفسوراً للخطابة في جامعة  نابولي ، وكان يتطلع للحصول على رئاسة قسم فقه التشريع فيها . ولكن لسوء الحظ لم يحدث ذلك ، فظل أستاذاً ورئيساً لقسم الخطابة حتى عام 1734 . ومن ثم عُين مؤرخاً ملكياً لشارلز الثالث (1716 – 1788) وحصل على مرتباً عالياً تجاوز مرتبه بروفسوراً للخطابة بكثير ، وعاد رئيساً لقسم الخطابة حتى تقاعد في العام 1741 ومن ثم تقاعد وخلفه في شُغل هذه الدرجة الأكاديمية ولده البروفسور جينرو فيكو ، ومات الفيلسوف فيكو في 22 / 23 كانون الثاني عام 1644 وقد بلغ من العمر الخامسة والسبعين (4) .

 رائعة فيكو إصول العلم الجديد : من زاوية فلسفة التاريخ

   يذهب بعض الأكاديميين الغربيين إلى إن فيكو هو أول فيلسوف تاريخ في العصر الحديث . ولعل الدوافع التي حملتهم على الحديث عن ريادة فيكو في مضمار فلسفة التاريخ  ، هو رائعته المعنونة مبادئ أو إصول العلم الحديث . وبالرغم من إن فيكو لم يذكر إصطلاح فلسفة التاريخ على الإطلاق ، فإن أطراف من كتابه العلم الحديث يمكن أن تُقرأ على إنها أوراق في فلسفة التاريخ . وعلى هذا الأساس نسعى إلى مراجعة رائعة فيكو إصول العلم الحديث (والتي جاء عنوانها في ترجمة أخرى العلم الحديث) والتي نشرها أولاً باللاتينية ، ومن ثم بالأيطالية ، والألمانية وتلتها ترجمات إلى الإنكليزية (للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات (قيد الإنجاز)) .

     بعد ثلاثين سنة من موت فيكو ، ظهرت رائعة رائدة في فلسفة التاريخ (هي تنتمي إلى عصر الأنوار) كتبها الفيلسوف جوهان كوتفريد هردر (وهو من تلاميذ الفيلسوف عمانوئيل كانط ) وكانت بعنوان (الترجمة الإنكليزية) فلسفة أخرى للتاريخ تتعلق بتطور الإنسانية (صدر بالألمانية لأول مرة عام 1774 وكان عمره ثلاثين سنة فقط) (33) . ومن ثم كتب مؤلفات أخرى حملت عناوين صريحة في مضمار فلسفة التاريخ (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات ، كتاب قيد الإنجاز (هذا بعض من الجزء الأول منه) .

—————————————————–

1 – والكارتينيزم هي النزعة الفلسفية – الأبستمولوجية التي تطلق على العقيدة الفلسفية (أو المدرسة ) للفيلسوف ديكارت ، والذي هو أول فيلسوف حديث ألح على دور العقل في إنشاء العلوم الطبيعية (وبالطبع هو عالم رياضيات كذلك) . والكارتية أو الديكارتية ترى إن العقل منفصل عن الجسم المادي ، وإن الحواس هي مصدر الوهم ، وإن الحقائق اليقينية موجودة في العقل . ومن الكارتيين الأوائل وبعضهم كان معاصراً لديكارت (مثلاً وليس حصراً) كل من رجل الرياضيات واللاهوت إنطونيو إرنلاد (1616 – 1698) ، والكاتب في مضماري

الفلسفة واللاهوت بالثسير بيركر (1634 – 1698) ، والفيلسوف الألماني ورجل اللاهوت ورئيس جامعة ديوبيسبيرك جوهانز كلوبيرك (1622 – 1665) والذي كان يُعرف بالأكاديمي الديكارتي والقائمة طويلة .  أنظر للإطلاع على موجة الفلسفة (الكارتينيزم) الديكارتية :

Emily Grosholz, Cartesian Method and the Problem of Reduction, Oxford University Press, 1991

2 – للإطلاع على الحركة المعارضة للكارتية (الديكارتية) أنظر :

Ted Schmaltz (ed.), Receptions of Descartes. Cartesianism and Anti-Cartesianism in Early Modern Europe, Routledge, New York, 2005

3 – أنظر :

Timothy Costelloe, ” Giambattista Vico ” In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2012 (On Line) .

4 – أنظر :

Ibid,

———————————————

تعقيب

  صحيحُ جداً إن الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط قد إهتم بالتاريخي العالمي والسلم العالمي ، وكتابه الشهير الدين بحدود (أو شروط) العقل ، هي موضوعات تمسها فلسفة التاريخ . إلا إن تلميذه جوهان كوتفريد هاردر (أو هردر) هو الرائد في الفلسفة الألمانية في تداول إصطلاح فلسفة التاريخ (وإن تقدم عليه فولتير في فرنسا) ، فقد إستخدم هردر هذا الإصطلاح عنواناً لبعض من مؤلفاته ، من مثل :

الأول – فلسفة أخرى لتاريخ النوع البشري ، والذي كتبه عام 1774 أي بعد ثلاثين سنة من موت فيلسوف التاريخ الأول في العصر الحديث فيكو . وكان عمر هردر حين نشر الكتاب ثلاثين ربيعاً . وهذا الكتاب جاء بعد نشر عدة مؤلفات ، فقد نشر أول كتاب له عندما كان إبن إحدى وعشرين عاماً ، وكان بعنوان كيف تصبح الفلسفة أكثر شيوعاً وفائدة للناس ، والذي نشره عام 1965 ، وتلاه كتابه الأكثر أهمية والذي كان في مضمار فلسفة اللغة والأدب (وبعنوان شذرات في الأدب الألماني الراهن) والذي إشتغل عليه للفترة الممتدة مابين عامي (1767 – 1768) ومن ثم نشر في العام 1769عمله الفلسفي المهم في علم الجمال ، والذي حمل عنوان الغابات الحرجة (النقدية) (1) .

الثاني – كتابه المعنون تأملات حول فلسفة التاريخ للنوع البشري (الإنسانية) ، وهو من كتابات مرحلة النضوج ، وألفه في الفترة الممتدة مابين 1784 –  1791 (2) . وأحاول هنا أن أقدم عرضاً لفصول كتاب تأملات حول فلسفة التاريخ لأضع أنظار القارئ أمام الموضوعات التي عالجها فيلسوف التاريخ هاردر في هذا الكتاب :

1 – العبقرية القومية والبيئة (3) .

2 – الإنسانية نهاية الطبيعة البشرية (4) .

3 – البدايات الشرقية (5) .

4 – اليونان (أو فلسفة التاريخ وولادة اليونان) (6) .

5 – ولادة روما وسقوطها (7) .

6 – إنتشار المسيحية الأولى (8) .

7 – عالم العصور الوسطى (9) .

8 – إصول أوربا الحديثة (10) .

 ويبدو في جهة الثقافة الفرنسية إن الإهتمام بفلسفة التاريخ في عصر الأنوار على أشدها ، وهي لا تقل نشاطاً عن مثيلاتها في الطرف الإلماني (الذين ألهمهم الإيطالي فيكو) . تقدم الفرنسيين في مضمار فلسفة التاريخ الفيلسوف فولتير (1694 – 1778) وهو إسم مستعار إصطنعه للكتابة ، والإسم الحقيقي ، هو فرانسوا ماري أرويه ، وذلك ليتخفى وراءه ، ويتحرر من الخوف من الإضطهاد والتردد في الكتابة بصراحة (11) . ولعل المهم في الموضوع ، هو ريادة فولتير لفلسفة التاريخ في عصر الأنوار ، وخصوصاً في الدائرتين الثقافيتين الفرنسية والإنكليزية التي إستقر فيها ردحاً من الزمن . فقد كتب مؤلفه المعنون فلسفة التاريخ في العام 1764 (12) . وهذا التاريخ جداً مهم وذلك لبيان الحقائق الأتية التي تلف قضية الريادة في الكتابة في فلسفة التاريخ في عصر الأنوار :

أولاً – إن فولتير كان معاصراً لفيلسوف التاريخ الإيطالي فيكو ، فقد مات الآخير وعمر فولتير خمسين عاماً .

ثانياً – إن فولتير كتب كتابه فلسفة التاريخ بعد موت فيكو بعشرين سنة (للتذكير فيكو مات عام 1744) .

ثالثاً – كتب هردر مؤلفه في فلسفة التاريخ بعد ما يُقارب الأربعين عاماً من نشر فيكو لرائعته في فلسفة التاريخ والمعنونة إصول العلم الحديث (نشرها فيكو عام 1725) .

رابعاً – إن نشرة فولتير تتقدم بعشرة سنوات على نشرة الفيلسوف الألماني هردر (كتابه الأول المعنون فلسفة أخرى لتاريخ الإنسانية) .

  كما إن أهمية فولتير تكمن في فلسفة التاريخ ، في إنه لعب دوراً مؤثراً في تطوير علم التاريخ (الهسترغرافيا) ، فقد إنتخب نهجاً جديداً في النظر إلى الماضي ، والشاهد على ذلك كتاباته التي سبقت نشر كتابه في فلسفة التاريخ ، ونحسب إن كتابه في فلسفة التاريخ جاء خلاصة لتلك الأعمال التاريخية . منها :

1 – كتابه تاريخ شارلز الثاني عشر (ملك السويد) والذي نشر عام 1727 ، وكان يومها فيكو بروفسوراً في جامعة نابولي . وجاء بعد نشر فيكو لرائعته في فلسفة التاريخ المعنونة إصول العلم الحديث بسنتين فقط .

2 – كتابه عصر لويس الرابع عشر ، والذي نشره في العام 1733 (13) .

3 – مقالته المعنونة الأعراف والتقاليد وروح الأمم ، والتي صدرت عام 1756 .

4 – عصر لويس الخامس عشر (1746 – 1752) .

   وعلى هذا الأساس من النهج الجديد الذي إنتخبه فولتير في الكتابة التاريخية ، صدرت بحقه تقويمات أكاديمية أعلت من مقامه . ولعل من الأمثلة على ذلك ، ما قاله بعض الأكاديميين ، الذين رأوا ” إن فولتير كتب تاريخاً جيداً ، ومحص في الحقائق ، وكان ذو عناية عالية في البحث عن الإدلة التاريخية ، كما إن جُل عنايته النظر إلى الحضارة (أو المدنية) بمنظار كُلي ووحدة شاملة ” (14) .   

هذه منتخبات من كتابنا الجديد الذي سيحمل عنوان فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات . صحيح إن المنتخبات السابقة غطت مرحلة تاريخية مهمة (وهي المرحلة الأولى) من تطور مضمار فلسفة التاريخ . إلا إننا نحسب إن المرحلة الثانية ( والتي قدمنا منها إنمودجين : هردر الألماني وفولتير الفرنسي) في غاية الأهمية والتي حملت عنوان فلسفة التاريخ وعصر الأنوار ، والتي شملت :

1 – فلسفة التاريخ عند الفرنسي فولتير  

2 – التاريخ والفيلسوف المعلم كانط

3 – فلسفة التاريخ والفيلسوف التلميذ هاردر

4 – فلسفة التاريخ : الفيلسوف فيخته إنموذجاً

5 – الفيلسوف هيجل وجهوده في فلسفة التاريخ

6 – الفيلسوف ماركس والمفهوم المادي للتاريخ

  أما المرحلة الثالثة من تطور فلسفة التاريخ ، فقد أطلقنا عليها فلسفة التاريخ في القرن العشرين ، والتي ستشمل مدارس جيولوجية – بيولوجية ، ووضعية ، ووجودية …

—————————————————

الهوامش :

1 – أنظر :

Micheal Forster. Johann Gottfried von Herder, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2007 (On Line)

2 – أنظر :

Johann Gottfried von Herder, Reflections on the Philosophy of the History of Mankind, Abridged and with an Introduction By Frank E. Manuel, The University of Chicago Press, 1968

3 – أنظر :

Ibid, pp. 3 – 78

4 – أنظر :

Ibid, pp. 79 – 118

5 – أنظر :

Ibid, pp. 119 – 164

6 – أنظر :

Ibid, pp. 165 – 219

7 – أنظر :

Ibid, pp. 220 – 268

8 – أنظر :

Ibid, pp. 269 – 311

9 – أنظر :

Ibid, pp. 312 – 356

10 – أنظر :

Ibid, pp. 257 – 398

11 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فولتير من زاوية عراقية وتداعيات المشهد الثقافي المصاحب للإحتلال / موقع الفيلسوف / 12 إكتوبر 2011

12 – أنظر :

Voltarie, The Philosophy of History (1765), The Philosophical Library, New York, 1965

13 – أنظر :

A – Peter Gay, Carl Beckers Heavenly City, In Political Science Quarterly 1957, No. 72, pp. 182 – 199

B – J. B. Shank. Voltaire, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2009  (On Line) .

14 – أنظر :

J. B. Shank, Op. Cit,

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

 (2)                                  

سيرة مالك بن نبي من زاوية ثقافية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    لعبت السنوات الاولى من حياة مالك دوراً مؤثراً في تكوين شخصيته وخصوصاً العائلة ومن ثم برامج التعليم التي أنخرط فيها يومذاك . فقد كان قدر مالك ان تكون مؤسسات التعليم ذات طبيعة مزدوجة ، فمن ناحية كان مالك تلميذاً مواظباً في الكتاتيب ، وهي شكل من اشكال التعليم التقليدي . ومن ناحية اخرى كان منخرطاً في مؤسسات التعليم الحديثة .

   خلق هذا الوضع أزدواجية في حياة الطفل مالك بين طرفين ؛ التقليد والعصر ، وان هذه الازدواجية ستترك اثارها على تفكيره ومن ثم على خطابه الثقافي المعرفي . فقد أجبر مالك على وضع نصف من ذاته هناك حيث التراث ، ووضع نصفه الثاني في مؤسسات التعليم الفرنسية ، حيث الغرب بكل ثقافته الحديثة . انها بالتاكيد ثقافة الاغراء والجذب ، فكان الحاصل من ذلك أنحياز الطفل مالك رغم التهديد والعقاب نحو التعليم الفرنسي ومن ثم توقفه من المواظبة على التعليم في الكتاتيب .

    إلا ان هذه الازدواجية في التعليم لم يتوقف فعلها عند هذا الانتصار لمؤسست التعليم الحديثة والثقافة الغربية . بل ان فعل هذه الإزدواجية ظل قائما ، وعمل بقوة مؤثرة في التكوين الثقافي المعرفي للفتى مالك . والشاهد على ذلك تجاور الثقافتين في شخصيته : ثقافة العرب وثقافة الغرب . فمثلا كان مالك يتشرب الثقافة العربية وينهل منها كلما توافر لديه منشور في مكتبة او مقالا في صحيفة . وفي الوقت ذاته كان جاداً في إمتصاص الثقافة الغربية بكل تفاصيلها . أنه خيار مالكي لم يتعطل فعله لحظة . فمثلا وفرت المدرسة الفرنسية لمالك العديد من المصادر التي أعانته على إكمال ما تحتاج إليه الذات .

    واذا كان فعل الكتاب والمنشور الثقافي بهذا الحجم من الأثر على شخصية مالك ، فإن الوسط الإجتماعي الذي عاش فيه قدم له نماذجاً من الشخصيات التي كان لها حضوراً مؤثراً في تكوين شخصية مالك . وفعلاً نلحظ إن الفتى مالك قد تأثر بشخصية العراقي يونس بحري وبشخصية إبن باديس . وبذلك يمكن القول إن مصادر تكوين الذات الثقافية لدى مالك لم تكن هي المؤسسات التعليمية وبرامجها فقط ، وإنما الوسط الإجتماعي وما حفل به من نماذج من الشخصيات وما صدر منها من أفعال وتصرفات . وهذه الشخصيات هي من النوع الذي لم تُغادر مكانها وزمانها إلا وتترك في الجيل الناشئ أثاراً قوية من الصعوبة محوها .

   وعلى هذا الاساس فان هذا الفصل يسعى الى تقديم اجابة على الاسئلة الاتية :

أولا – ماذا قدمت السنوات الأولى من حياة الطفل مالك ، وبالتحديد ماذا قدمت على صعيد تكوين الذات الثقافية  ، من خبرات كان لها الأثر في تشكيل الملامح العامة لدربه الثقافي ونهجه المعرفي ؟

ثانيا – ما طبيعة الاتجاهات الثقافية السائدة في مدينة تبسة ؟ وما الدور الذي لعبته في تكوين الذات الثقافية لدى مالك ؟

ثالثا – ما نوع المصادر المعرفية العربية التي قرأها مالك . وما هي الأثار التي تركتها في خطابه الثقافي المعرفي ؟

رابعا – ما طبيعة المصادر المعرفية الغربية التي إطلع عليها مالك و تشرب افكارها ؟ وما حجم الأثار التي تركتها في عمارته الثقافية المعرفية ؟

خامسا – ما هي النماذج التي قدمتها بيئة مالك الإجتماعية والتي تركت أثارها في شخصيته ومن ثم في خطابه الثقافي المعرفي ؟

1 – السنوات الاولى وازدواجية مؤسسات التعليم :

    في البدء نتسائل : ما هي المؤشرات الثقافية المهمة في السنوات الأولى من نمو مالك الثقافي  المعرفي ؟ سؤال نحسب إنه مشروع ، نثيره في بداية سعينا لصياغة الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . وذلك لأن السنوات الأولى من حياة الإنسان حسب إفادات علماء النفس هي الركيزة الأساس لتكوين الشخصية . وان مايأتي بعد ذلك ، وبالتحديد من خلال برامج التعليم ، وما تقدمه الثقافات و اللياقات في فترات لاحقة ، ما هي إلا مثابرات تسعى الى تجميل الشخصية الإنسانية . في حين إن اللب قد تشكل إطاره الأساس في تلك السنوات الاولى .

   إستناداً الى ذلك يمكن القول إن السنوات الأولى من حياة مفكرنا مالك جداً مهمة ، فهي تعيننا على معرفة ما حدث فيها ، ومن ثم تيسر مهمتنا الساعية الى فهم شخصيته ومعرفة المحركات في خطابه الثقافي المعرفي . ولذلك نحسب إنه من المفيد أن نبدأ خطوتنا الأولى بقراءة بطاقته الشخصية ، فهي المفتاح لعالم المفكر مالك بن نبي . كما ولأن في هذه البطاقة من الدلالات والمؤشرات النافعة في مضمار البحث والدراسة . ولعل المدخل الى عالم مالك هو السؤال الاتي :

    ماذا نقرأ في بطاقة مالك الشخصية  ؟ نقرأ المعلومات التالية : هو ” مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي ” المولود في ” تبسة ” وهي من اعمال مدينة ” قسنطينة ” بالجزائر عام 1905 م  وينتمي الى عائلة فقيرة الحال (1) . ولم يترك قلم مالك هذه الحادثة دون تعليق ثقافي عليها ، فقد وجدناه يعتقد إن ولادته كانت في مرحلة الإنتقال والتحول ، وهي في الوقت ذاته مرحلة الإتصال بالماضي وذلك من خلال ” من بقي حياً من شهوده ” ، كما وإنها لحظة إستشراف المستقبل والإمساك بخيوطه في ساحة الراهن التي تصطرع في بنيتها قيم الماضي وتطلعات وامنيات المستقبل وذلك ” عبر الأوائل من رواده ” (2) .

     والحقيقة إن فقر العائلة لم يقف عائقاً إمام إهتمامها بالعلم والثقافة . فقد كان والد مالك متعلماً ، وإن كان تعليمه محدوداً فقد أهله للحصول على وظيفة في الإدارة الحكومية . مما كان لذلك من الأثر في توجيه إهتمام العائلة بتعليم  الطفل مالك . وكانت العائلة تسعى إلى توفير كل الفرص لتعليمه وحتى الى درجة الاقدام على بيع ” سرير نوم الوالدة ” . وعن هذا المؤشر التربوي المهم في حياة عائلته ، يتذكر مالك ذلك ويسجله في مذكراته فيقول ” ولا أزال أذكر كيف : انها اضطرت ( ام مالك) ذات يوم لكي تدفع لمعلم القرأن الذي يتولى تدريسي ، بدل المال سريرها الخاص ” ( 3 ) .

    والمهم لدينا في هذه الإفادات المالكية هو الوجه الأخر منها ، فقد كشفت عن طبيعة الدروس الأولى التي تلقاها مالك ، وهي دروس القرأن والتي سيكون لها أثاراً قوية في البنية الفكرية المالكية على وجه الخصوص ، ومن ثم ستظهر لها أثاراً واضحة في الطوابق المتنوعة من الخطاب الثقافي المعرفي المالكي  على وجه العموم .

     ومن المؤشرات المهمة التي تركتها العائلة وظهرت أثارها في بنية الخطاب الثقافي المالكي ، هي الأثار التي تركتها حكايات جدة مالك ، وهي بالتأكيد حكايات عمل فيها الخيال دوراً قوياً . ونحسب إن هذه الحكايات كان لها دوراً كبيراً في تشكيل الافق الثقافي المعرفي المالكي . حقيقة إن دائرة تفكير مالك لم تنس تلك الحكايات ، بل ظل مالك يذكرها بقوة ، مما يؤكد مقدار سلطتها على تفكيره ، حيث تحولت الى مصدر معرفي أسهم في توسيع ذهنيته ومن ثم تنمية تفكيره . وعن هذا المصدر الثقافي ، راجع مالك ذاكرته قائلا ” أخذت أدرك الى أي حد كنت مدينا لتلك الجدة العجوز ” ( 4) .

    ومن الحقائق المهمة التي تروي لنا ما حدث في السنوات الأولى من حياة الطفل مالك ، الحقيقة القائلة إن الطفل مالك قد عانى الكثير من أزدواجية التعليم ، وبسبب ذلك فإنه لم يتمكن من تحقيق النجاح المطلوب في إكتساب العلم في شكليه المختلفين : تعليم علوم الذات وإكتساب العلوم الحديثة المجلوبة من دائرة الحضارة الغربية . كما إن العلوم الحديثة تفتح أبواب الارتزاق الواسعة ، وتؤدي الى الصعود الى طوابق متنوعة من التعليم العالي . هذه الإختيارات كانت أمام أنظار مالك وكان عليه أن يختار واحداً من شكلي التعليم ، وفعلاً فإن الإختيار من قبل طفل طموح مثل مالك سيكون صوب طريق تعليم العلوم الحديثة . ومالك قد تذكر كل ذلك وبين مواقفه من الثقافتين وتقنيات كل منهما ، والنزعة التربوية والمعلمين وطرائق التدريس لكل منهما . فأفاد قائلا ” لقد أرسسلوني الى المدرسة الفرنسية . إلا إنني في الوقت نفسه ثابرت على التردد على مدرستي القديمة لتعلم القرأن . فكنت أقصدها كل يوم في الصباح الباكر لأكون فيما بعد عند الثامنة صباحاً في المدرسة الفرنسية وكنت أجد في ذلك صعوبة كبيرة ، أضف الى هذا إن الفارق الذي كنت أحس به بين المدرستين والمعلمين كان يجعلني لا أطيق هذا الوضع ، فبدأت أتغيب عن مدرسة القرأن  … مما كان يعرضني لعقاب متواصل من أبي ومن معلم القرأن . وهذا زادني كرهاً بمدرسة القرأن ” (5) .

    تركت مؤسسات التعليم الحديثة أثراً قوياً في ذاكرة مالك ، وذلك من خلال ما توفره من مناخات علمية حقيقية ، وخصوصاً في جانب العلاقة بين المعلمين والمتعلمين . وكذلك فقد لعبت شخصية المعلم دوراً فاعلاً في تحبيب مالك للمؤسسة التعليمية الحديثة وتفضيلها على الشكل التقليدي . إن ذاكرة مالك تتذكر بقوة شخصية ” مدام بيل ” وهي معلمته في المدرسة الفرنسية . فقد تركت هذه المعلمة أثاراً لم تتمكن الايام من محوها .

   لقد كان مالك صادقاً كل الصدق في تعليل العلاقة بينه وبين مدام بيل ، فذهب معللاً بالإعتماد على مدرسة التحليل النفسي . ويبدو إن هذه العلاقة قد حفرت في شخصيته أخاديداً عميقة . ونلحظ إن مالك عندما راجع سيرته ورغب تسجيلها ، كانت تلك العلاقة بين الطفل ومعلمته حاضرة . إن كل ذلك جاء في الإفادات الآتية ” الذي بقي في ذاكرتي هو الحب الصاعق الذي جذبني بقوة نحو مدام بيل ، ففي صباح أحد الأيام إستيقظت وأنا أستشعر حباً جنونيا نحو معلمتي الجديدة كما لو كانت أمي بالذات . ولعل من السهل تفسير هذه الحادثة إذا ما لجأنا الى نظريات فرويد . والغريب ان هذه السيدة قد إستجابت لنزوة قلبي الصغير ” (6) .

   يبدو للقارئ إن الإزدواجية في التعليم قد توقفت وذلك من خلال إنتصار مالك للعلوم الغربية وإنخراطه في المدرسة الفرنسية وقطع علاقته بالتعليم التقليدي ( الكتاتيب ) . إلا إننا نرى إن هذه الإزدواجية لم تتوقف لحظة وذلك لأن سنوات التعليم الأولى لها من الآثر على تكوين شخصية الإنسان ومالك خصوصاً . وإذا مالك قطع فعلاً علاقته بالتعليم التقليدي ( التراثي ) ، فإنه ظل ينهل من الثقافة التراثية ، وبالتحديد من خلال المصادر التي تتوافر له . ولذلك كانت الثقافة التراثية تشكل ركناً مهماً من أركان ذهنية الطالب مالك يومذاك .

2 – تبسة وازدواجية تكوين الذات الثقافية :

      يستهل هذا المبحث مضماره في سؤال وهو : ما طبيعة الاتجاهات الثقافية السائدة في مدينة تبسة ؟ وما الدور الذي لعبته في تكوين الذات الثقافية لدى مالك ؟ كانت مدينة تبسة رمزا ثقافيا بعيون الطفل مالك ، وهذا هو الحال في عيون اطفال كل المدن مهما تواضعت في مساهمتها المعرفية . فقد شهدت مدينة تبسة صراعا بين تيارات ثقافية عدة ، كان لها الاثر في تشكيل ذهنية مالك و ثقافته . وهذه التيارات لا تخرج في حقيقتها عن صورة نمطين ثقافيين :

      الاول – يمثل الماضي ( التراث = الذات )

     الثاني – ينتمي الى ثقافة العصر ( الغرب = الاخر )

 والواقع ان ذاكرة مالك كشفت بصورة واضحة عن اثر هذين التيارين في تكوين ذهنيته ، ولهذا جاء خطابه عبارة عن اعلان ثقافي فيه بيان عن مكونات ومصادر ثقافته ومعرفياته ” كانت تبسة عبارة عن مركز ثقافي تلتفي فيه عناصر الماضي بطلائع المستقبل ، وبالطبع فان مداركي كانت تنمو متاثرة بهذين التيارين ” ( 7) .

   ويبدو ان البذور الاولى لمواقف مالك من عموم القضايا الفكرية والاجتماعية قد نبتت في تبسة ، ومن ثم تم رعايتها وتنميتها لاحقا . فمثلا مواقف مالك من الطرق الصوفية تشكلت في مرحلة متقدمة من طفولته وهي المرحلة ذاتها التي اتصل مالك بهذه الطرق . وكان السبيل الى معرفته بها هو جده وهو الصديق الحميم يومذاك لمالك . كان الجد واحدا من اركان طريقة ” الزاوية العيسوية ” ، وان ذاكرة مالك حملت تفاصيلا دقيقة عن الصوفية فكرا وطقسا ، فلكلورا وكرامات ومن ثم رموزا دالة  ” تعرفت على جدي الذي اصبح صديقا لي بسرعة .. ( وكان ) .. يقودني احيانا الى الزاوية العيسوية التي كان احد اركانها . وكانت تحيي كل سبت حلقة من الذكر تعرض فيها الكرامات المدهشة والعجائب ” (8) . 

    ولبيان دور ازدواجية المصادر المعرفية التي اسهمت في تكوين شخصية مالك الثقافية . نسعى هنا الى كشف الاثار التي تركتها شخصيتين ثقافيتين في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي : احداهما تنتمي الى التراث والاخرى ترتبط بثقافة العصر . فقد لعبت شخصية الشيخ عبد المجيد ، الاستاذ في المدرسة التي حصل منها مالك على منحة ليكون ” عدلا في الشرع الاسلامي ” لعبت دورا في تشكيل بعض المواقف الثقافية . وفي الوقت ذاته لعبت شخصية  اخرى تنتمي الى الثقافة الغربية دورا مختلفا وهي شخصية ” مسيو مارتان ” . كون كل من هاتين الشخصيتين في عقل مالك خطين ثقافيين مختلفين سيحددان فيما بعد مجمل ميوله الفكرية (9) .

   ولعل اهمية الدروس التي كان يلقيها الشيخ عبد المجيد تتأتى من انها غذت الجانب التراثي من شخصية مالك . وكذاك تمثلت في اذكاء روح الكره والعداء للطرق الصوفية في نهجه الفكري . ولهذا استبعد مالك الطرق الصوفية ان تكون حركة اصلاح . وعن هذا الموقف افاد شارحا فعل الشيخ عبد المجيد الثقافي ، فقد ” كان يعطي دروسه في النحو كل صباح في الساعة السابعة في المسجد … وسرعان ما ادركنا عداءه لبعض التقاليد السائدة في المجتمع الاسلامي كالطرق الصوفية وكراهيته لتجاوزات الادارة الفرنسية ” (10)

   اما أثر مسيو مارتن على توجهات مالك الثقافية ، فقد حدده مالك في نوعين من الاثار :

الاول –  عمل مسيو مارتان على تنمية الثروة اللغوية للتلاميذ ، ومن بينهم مالك . فقد حملهم على تذوق فن الكتابة ، وذلك من خلال قيامه بقراءة ” القطع الجيدة التي كتبها من هم اكبر … والذين قضوا في مدرسته اكثر من سنة ” (11) .

الثاني – عمل مسيو مارتان على تنمية عادات طيبة في القراءة . فقد كان يحرص على تعويد الطلاب على وضع برنامج للقراءة في العطل الاسبوعية ، وكان هدفه من ذلك اثراء ثقافة الطالب . كما ان من فضائل هذا الاستاذ انه كان في ” مساء كل سبت … يُعير الكتب للتلاميذ ” . هذه العاذة تركت اثرها في خطاب مالك الثقافي المعرفي وذلك من خلال ما وفرته له من فرص لقراءة ” كل كتب جول فيرن  …. و … روايات الرداء والسيف ” (12) .

ومن الرموز التي اثرت في خطاب مالك وربطته بروح العصر وكان لها حضور دائم هي شخصية عمه ، فقد تعلم منه اشياء لم تقدمها المدرسة او الكتب والمناهج الدراسية . فقد تعلم منه الاقدام على عيش الحياة بتفاصيلها ، واكتسب منه كيفية التذوق الجمالي وحب الموسيقى . ان كل ذلك سيظهر اثره في الخطاب الثقافي المالكي وخصوصا فعل التربية الجمالية وتذوق الفن . وعن ذلك يقول مالك ” مع عمي تعلمت اشياء اخرى فقد كان رجلا مُحبا للحياة وتدربت معه على العزف على الة موسيقية ” (13) .

   ولعب الاساتذة العرب دورا حيويا في تحصين تفكير مالك وزملائه ، مما ساعدهم على عدم الانزلاق في درب التقليد لثقافة الغرب .  تمثل هذا الدور الشيخ  مولود بن موهوب الذي سعت دروسه الى تنمية الجوانب الروحية لدى التلاميذ وتوجيه انظارهم الى الامجاد دون نسيان الكوارث والمأسي .  ان مالكا استوضح هذا الدور التربوي للاساتذة العرب في العبارات الاتية : ” استطاعت الدروس ذاتها خاصة مع اساتذتنا العرب ان تنمي فينا الروح وتغذيها الاهتمام بالشرق امجاده ومأسيه ، وكنا نجد شيئا ما أكثر لدى الشيخ مولود بن موهوب ” (14) .

  وفعلا فقد جذبت دروس الشيخ مولود عقل مالك وزملائه ، ووجهت افكارهم نحو الخط الفكري للحركة الاصلاحية .الا ان من الملاحظ على مسيرة التلاميذ الفكرية ، ومالك الاظهر بينهم ، لم تصل الى النهاية التي رسمها الشيخ وذلك لان هناك  أشياء خفية في روح التلاميذ عجز الشيخ عن إدراكها . وهذه الاشياء الخفية تمثلت في عوامل اخرى كان لها دورها في تكوين شخصية الفتيان . ان افادات مالك وصفت فعل الشيخ وما كان يفتعل في نفوس مالك وزملائه ، فذهبت مبينة الى ان ” الشيخ ( مولود بن موهوب ) جذب افكارنا وعقولنا الى خط تلك الحركة التقليدية القديمة ، ولكنها وجدت في ارواحنا عناصر جديدة اضيفت الى بنائها ” (15) .

   واذا كان هذا هو حاصل فعل الاساتذة العرب على الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ، فماذا كانت النتيجة الفكرية والحصيلة المنهجية التي وفرها الاساتذة الفرنسيون لثقافة مالك ومنهجه الثقافي المعرفي ؟ تمثلت النتيجة الاولى في إستبطان المكون الثقافي المالكي منهجية مرجحة لديكارت واطروحته المعرفية . فمن الملاحظ على عمل هؤلاء الاساتذة انهم نشروا بين التلاميذ ثقافة ذات “محتوى ديكارتي” ، كان من أثارها حسب الافادات المالكية أفعال تبديد ” الضباب الذي نمت فيه العقلية الميثولوجية التي تتعاطف مع الخرافات النامية في الجزائر ” (16) .

   انها افادة مالكية في غاية الاهمية فقد صورت لنا حالة التعارض بين ثقافتين ونهجين : ثقافة الغرب المتمثلة بالنهج والفلسفة الديكارتية والثقافة الشرقية ومن خلالها ثقافة اسطورية متداولة في الشارع الجزائري . ومن المعروف ان منهج ديكارت يتكأ على الشك بداية وسعيا من ثم للوصول الى اليقين الذي ينهض عليه مجمل البناء المعرفي والثقافي (17) . في المقابل ان النهج الاسطوري الخرافي يعتمد المعجزة ودور العصا السحرية وفعل الاقدار .

    كما وان من نتائج ما عمله الاساتذة الفرنسيون هو غرس بذور المنهج العلمي في دائرة تفكير التلاميذ هذا من طرف وإضعاف النهج الخرافي من طرف أخر . ان ذاكرة مالك لم تنسى مثابرتهم التي كان لها دورا في تحريك تفكير مالك نحو الاهتمام بعلم النفس ومنهج التحليل الذي تعتمده العلوم النفسية . ولتغذية هذا الاهتمام نلحظ ان التلميذ مالك سعى الى البحث عن مصادر معرفية تحقق له هذا الهدف ، وفعلا وجد ما يلبي حاجته المعرفية خصوصا في قصة ” التلميذ لبيار بورجي ” ، فقد تركت قراءة هذه القصة فعلها المعرفي المؤثر على عقل الفتى مالك  والذي تمثل في تحرير عقله من ” اوهامه وسذاجته ” وفتحت امام انظاره خبايا وحقائق ” عالم النفس ” (18) .

   لقد كان الحاصل من هذه القراءات وتوجهات الاساتذة الفرنسيون ، ان اندفع مالك بقوة نحو الثقافة الغربية ، وكاد ان يغرق في محيطها المعرفي الثقافي ، ومن ثم يتماهى في اطروحاتها الفكرية والى حد طمس هويته الجزائرية . الا ان لحظة الغرق الثقافي لم تكتمل ، وان فعل التماهي لم يتم وذلك بفضل دروس الشيخ  مولود بن موهوب . فقد كانت كما يفيد مالك ، فرصة تذكير قوية بعودة روح مالك ” الى الطريق الصحيح ” (19) .

3 – حضور المصادر الثقافية المعرفية العربية :

  ركز هذا المبحث على سؤاليىن مهمين وهما : ما نوع المصادر العربية التي قرأها مالك ؟ وما هي الاثار التي تركتها في بنية الخطاب الثقافي المالكي ؟ كونت مجموعة من المصادر الثقافية العربية ، التي عثر عليها مالك في مكتبة النجاح ، ينابيع اساسية في تشكيل اتجاهه الثقافي المعرفي . ولعل من اهم هذه المصادر كتابين : الاول ” كتاب الافلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق لاحمد رضا ” . والثاني ” رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ، وقد تولى الشيخ مصطفى عبد الرازق ومستشرق فرنسي ترجمته للفرنسية ” (20) .

  لقد ترك كتاب احمد رضا اثارا عميقة في شخصية مالك الفكرية ، اذ حفزه على انجاز تحولات فكرية لصالح التراث . وكذاك كان له دور مهم في صياغة هويته الثقافية . ان كتاب الافلاس عرض حسب الافادات المالكية الكثير من الشواهد عن ” بهاء المجتمع الاسلامي في ذروة حضارته ” (21) . ولعل الحصيلة الناتجة من قراءة هذا الكتاب ، طاقة فكرية مكنت مالك من صياغة معياره المعرفي لقياس “البؤس الاجتماعي” الذي يعيشه المجتمع الاسلامي ” في العصر الحاضر ” (22) .

 كما ولعب كتاب الشيخ محمد عبده دورا فاعلا مثلما فعل كتاب احمد رضا ، وبتقدير مالك ان مقدمة رسالة التوحيد قد اكدت على ” غنى الفكر الاسلامي عبر العصور ” (23) . ومن طرف تاثير هذه القراءة على نهج مالك الثقافي المعرفي ، انها كونت ” قاعدة ” مكنته من اصدار حكم بحق واقع الفكر الاسلامي . قاعدة مالكية قررت فقر الفكر الاسلامي وحاله ” المحزن اليوم ” (24) .

   ومن المصادر المهمة والتي تركت أثارها الحاضرة في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ، هو القرأن الكريم . الا ان هذه المرة لم يكن التأثير من خلال القراءة ، وانما من خلال الصحبة والزمالة اللتان وفرتا لمالك فرص الحوار الثقافي والتبادل المعرفي . فقد لعبت مثابرة زميل له في توجيه نزعته الفكرية نحو مضمار ” تفسير القرأن ” . ان كل هذا حدث من خلال الحوار مع الزميل “محمد الساعي ” والذي استحضرت اسمه ذاكرة مالك يوم كتابة ” مذكرات شاهد العصر ” .

  مكن هذا الحوار الخطاب المالكي ، من الامساك بقائمة من الايات الكريمة التي تم استثمارها لمعالجة قضايا المجتمع الاسلامي يومذاك . فقد اشار مالك الى اثار الساعي الفريدة في نهجه في الكتابة والتفكير وبالافادة القائلة : ” كنت استمع الى طريقته في توجيهه الايات القرأنية لتتخذ تفسيرا اجتماعيا لحالة المجتمع الاسلامي الحاضرة وكان ذلك يؤثر في نفسي ” (25) .

   ومن المصادر الثقافية العربية التي قرأها مالك وتركت أثارها في مابعد على الخطاب المالكي ، المصادر التي قدمت الادب العربي والمتمثلة بديوان الشعر العربي قديمه وحديثه . ومن خلالها وقف على عبقرية الشاعر الجاهلي ، ومن ثم ادرك بفهم عال على ما حققه الشعر المتولد في الفترتين الاموية والعباسية ، وما انجزه من صعود الى الطوابق العليا من طوابق الابداع والجمال من عمارة الشعر العربي . ونحاول هنا ان نجعل من افادات مالك تقول كلمتها بحق الاثر الذي تركته على خطابه النازع الى تقويم جمالية الشعر العربي : فقد استرعى اهتمامي ” امرؤ القيس ولذ لي استماع الشنفرى ، واسترسل لي عنترة في احلام البطولات ، اما الفرزدق والاخطل وابو نؤاس فقد مارس كل منهم اغراءه في نفسي ” (26) .

      ونحسب ان قائمة اخرى من مصادر الثقافة العربية قد تداولها مالك وابناء جيله ، وكان لها اثرها على اهتماماتهم الادبية والثقافية . وهذه المصادر تمثلت في دواوين مجموعة من شعراء العرب من امثال ” حافظ ابراهيم والرصافي ” ، كما اكتشف مالك وابناء جيله ” شعراء العربية في المهجر كجبران خليل جبران وايليا ابي ماضي ” (27) .كما واثرت كتابات ” المنفلوطي ” : ” النظرات والعبرات ” على مالك وابناء جيله . وحسب الافادة المالكية ، فان هذين الكتابين تركا ” فينا الكثير من التنهيدات ” (28) .

   كما ان مالكا قرأ العديد من الصحف التي كانت تصدر بالعربية ، والتي ظل لها حضورا في ذاكرته . ان هذا الحضور يؤكد على ان هذه الصحف تركت اثرها على خطابه الثقافي المعرفي . فمثلا ان مالكا قرأ ” صحيفة الاقدام التي كان يصدرها الامير خالد ” (29) . وكان يطالع كذلك “صحيفة تونسية تكتب بالعربية هي ( العصر ) قد بدأت تصل الى تبسة لانها تخصصت بشؤون العالم الاسلامي ” (30) . وعرف المجلة التي كانت تصدرها شركة الشيخ ( ابن باديس ) المعنونة  ” الشهاب ” والتي يذكرها مالك ، فيقول : انها ” جاءت في اعقاب احتجاب ( المنقذ ) ” (31) .

   واشتغل تفكير مالك بموضوع النهضة الاسلامية ، وكان كتاب ” ام القرى ” الذي كتبه عبد الرحمن الكواكبي ، هو المصدر الثقافي الذي قرأه في هذه الفترة من حياته . وكان لاهمية هذا الموضوع ، ان أنكب التلميذ مالك مع زملائه على قراءة هذا الكتاب ” كله في ليلة ” (32) . ان هذا الكتاب احدث صدمة قوية في وعي مالك ، ووضعته امام حقيقة جديدة وهي ان الاسلام اخذ بعدا مختلفا عما كان عليه ، إسلام بدأ يبعث روحه من جديد . ويصف خطابه الثقافي المعرفي هذه اللحظة فيقول ” ان هذا الكتاب ترك فينا بسبب خصائصه الخيالية تاثيرا عجيبا … فقد عرفني باسلام بدأ ينظم صفوفه ليدافع عن نفسه ويقوم بحركة بعث جديد . انه كتاب خيالي لكنه معبر يحمل شعورا بدأ يعقل في العالم الاسلامي على الاقل في بعض الانفس كالكواكبي ” (33) .

  واخيرا فان مالك قرا اثناء وجوده في المدرسة الفرنسية كتابين مهمين من مصادر المعرفة العربية وهما ” مقدمة ابن خلدون ” و ” مروج المسعودي ” . غير ان القراءة لم تكن هذه المرة باللغة العربية وانما كانت باللغة الفرنسية  . فقد عثر مالك في مكتبة المدرسة على ” كتاب ابن خلدون في ترجمة فرنسية قام بها ( سلفسترساي ) ومروج الذهب للمسعودي ” في ترجمة  ضاع اسم صاحبها من ذاكرة مالك لحظة تدوين كتابه ” مذكرات شاهد العصر ” (34) .

 لقد تركت هذه القراءة اثارا واضحة ، وولدت نتائجا في غاية الاهمية على الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . ويتذكرمالك هذه المصادر وفعلها المؤثر ، فيشير الى اثرها مقيما : أنها ” كانت كبيرة للغاية ” (35) . وكان مالك مسكونا بروح التنقل والترحال ، ولذلك اندفع يقرأ كتب الاسفار والرحلات التي ألفها ابن بطوطة والمسعودي (36) . فكان الحاصل من هذه القراءة ، ان حركت في نفس مالك حب المغامرة والسفر .

  والخلاصة ان مصادر الثقافة العربية كانت حاضرة بحدود ما امام انظار مالك . وكان لها من الاثر في توجيه تفكيره وتمكين مالك من صياغة المعادل الفكري الذي يضبط التوازن داخل خطابه الثقافي المعرفي ، التوازن بين ثقافة الذات ( التراث ) وثقافة الغرب ( الاخر ) .

4 – حضور المصادر الثقافية المعرفية الغربية :

  يسعى هذا المبحث الى وضع اجابة عن السؤالين الاتيين : ما طبيعة المصادر الثقافية المعرفية الغربية التي اطلع عليها مالك وتشرب منها افكاره التي صاغ على اساسها خطابه الثقافي المعرفي ؟ وماحجم الاثار التي تركتها في عمارة مالك الثقافية ؟ أولا لابد من القول ان الفكر الديكارتي ومنهجيته كانا حاضرين في تفكير التلميذ مالك وزملائه وذلك من خلال الثقافات التي كان يقوم بترويجها الاساتذة الفرنسيون وخصوصا ” مسيو مارتان ” الذي سبق الاشارة اليه .

  لقد قرأ مالك العديد من المصادر الغربية وفي حقول معرفية متنوعة ، فكان لها من الاثر في صياغة مركبه الثقافي وكان لها حضورا في ذاكرة مالك . و من هذه المصادر رائعة لامارتين “البحيرة” التي وصف ما تركته من اثار في تكوين اتجاهه الثقافي ، بقوله : ” جعلتنا نتعرف الى لون جديد من الادب الفرنسي تولى ترجمته اساتذة الادب العربي المعاصرين . كان المنفلوطي سيد هذه المدرسة في ذلك الحين ” (37) .

   أتصل مالك بالثقافة الغربية من خلال قنوات متنوعة يسرت له الحوار الفكري وتبادل الخبرات المعرفية ، مما كان الحاصل من ذلك انتقال مالك الى ساحة ثقافة وعقائد الأخر . والحقيقة ان هذا الانتقال مثمر فيه ما ينشط الحوار واكتشاف الحقيقة ( او الباطل ) بعيون هي ليست عيون الذات التي غالبا ما تكون منحازة لاسباب كثيرة . الا انه في هذا الانتقال خطورة اذا لم يواكبه على صعيد الذات المحاورة لثقافة الغرب ، فعل استيعاب لمجمل فكرانية الامة وتراثها ، فان حركة تنقلها في ساحة الاخر غير مأمونة ومحفوفة بالمخاطر. حصيلتها الانزلاق في دروب الفكرانية والثقافة المقابلة .

   ان الشاهد المالكي يبين لنا بان مالكا انتقل الى ساحة البعثات التبشيرية الانجيلية ، فقد كان يتردد مع الزملاء بهدف اجراء المناقشات حول ما يسميه ” بعض الموضوعات ” . ان مالك يستعيد ذكرى هذه المناقشات ومن ثم يبين اثرها في خطابه الثقافي : فهو يخبرنا بانه تعرف في الارساليات و” لاول مرة على الانجيل . كان النقاش يدور حول ألوهية السيد المسيح . وكان يشاركني فيه طالب علم في الشريعة قديم حفظ القرأن كله في زاوية ( بن سعيد ) ثم اعتنق فيما بعد البروتستانية على يد أمرأة انكليزية يدعوها اهالي تبسة ( السيدة بينا ) . وهناك ايضا تعرفت الى بعض تلامذة الشيخ ( ابن باديس ) الذين جاؤا ايضا ليدافعوا عن الاسلام ” (38) .

    ويلاحظ القارئ ان مالكا في هذه المرحلة من نموه الثقافي والمعرفي ، كان يتمتع بتفكير منفتح على الاخر ، وفيه قابلية للحوار وتبادل الافكار ، وخصوصا حول العقائد والثقافات الانسانية . ولعل هذا الحال الفكري تكون بتأثير ما كان يحيط به من ثقافات غربية . ان مالكا ذهب واصفا هذا الحال الثقافي ، بأنه مرحلة قادته للشعور” بروابط قوية تشده الى تلك الفئة من الطلبة ، والتي تجعل من تفكيره وتفكير هؤلاء في اتجاه واحد ” (39) .

     ومن الطبيعي في ظل هذه المرحلة العمرية ، وفي أجواء هذه الظروف الدراسية ، وبرنامج التعليم ذو الثقافة المزدوجة ، ان عاش مالك مرحلة قلق فكري وعدم استقرارعلى نمط ثقافي معين . ولذلك شهدت هذه المرحلة حركة تحول وانقلاب من نمط ثقافي ينتمي الى الاخر ( الغرب ) الى نمط ثقافي مترشح من الذات  ( التراث العربي ) .  وقد تذكر مالك هذه الحال وما صاحبها من قلق ثقافي ومعرفي . والامثلة كثيرة غير اننا انتخبنا مثالا يعكس حالة القلق والتحول ، يقول مالك : ” كان اسم الشيخ ( اي ابن باديس ) قد بدأ يتردد في المدينة ، وتعرفي على بعض تلامذته جعلني ادرك اننا ننتمي الى عائلة فكرية واحدة ستسمى فيما بعد في الجزائر ( حركة الاصلاح ) (40) .

    لعبت الصحف التي قرأها مالك دورا متميزا في ضبط معادل الموازنة بين ثقافة الذات وثقافة الاخر . وهنا نود العودة الى افادات مالك ، نتعرف من خلالها على حقيقة الصحف التي قرأها ، وبالتحديد الصحف التي تروج لثقافة الغرب . قرأ مالك في هذه المرحلة ، صحيفة ( الراية ) التي كان يصدرها ( دندان ) والتي كان يتلقاها والد مالك (41) . وهكذا توفرت فرصة لمالك ليقرأ هذه الصحيفة ويتزود منها بمادة معرفية ، سيكون لها اثرمحسوب في الوزن المعرفي لثقافة الاخر داخل مكونات الخطاب المالكي .

  اضافة الى الصحف التي قرأها مالك ، فان مصادر ثقافية غربية اخرى لعبت دورا مؤثرا في بنية الخطاب الثقافي المالكي . فعلا ان كتاب ” في ظلال الاسلام الدافئة ” الذي كتبته ايزابيل ايرهارت ، كان نقطة تحول في توجهات مالك الفكرانية نحو ثقافة الذات ، بعد شهادة غربية جاءت لصالح الاسلام . وعن اثر هذه الشهادة الغربية ، يفيد مالك قائلا : ” لقد قرأت مرارا كتاب تلك المرأة المغامرة ( ايزابيل ايرهارت ) …. كنت أبكي أنا اقرأ ذلك الكتاب المسمى (في ظلال الاسلام الدافئة) والذي عرفت فيه شاعرية الاسلام وحنين الصحراء ” (42) .

   ان هذه الافادة التقويمية لكتاب في ظلال الاسلام الدافئة ، لها دلالاتها في فهم المسارات التي تكونت فيها ثقافة مالك . فالرجل لم يتعرف على الاسلام من خلال مصادر الذات . كما وان دروسه في القرأن لم تمكنه من التعرف على حقيقة الاسلام . وان دروس الشيخ عبد المجيد في مدرسة المنحة الفرنسية لم تضع الفرصة بيده . وكذلك فان الشيخ (مولود بن موهوب ) لم تكن كافية في هذا المضمار . وان الذي نجح في تنمية معرفته بحقيقة الاسلام ، هو كتاب من خارج دائرة الذات ، هو كتاب في ظلال الاسلام الدافئة . انها قضية تدعو الى النظر والدرس والتأمل ، وتتطلب بحثا مستقلا ، يهدف انجاز دراسة مقارنة بين ما تتناوله مصادر الذات التي تتحدث عن الاسلام ، وبالتحديد اختيار عينة من مصادر الذات ، وبين ما قدمه كتاب في ظلال الاسلام الدافئة .

   والحق ان مالك ادرك اهمية الدراسات المقارنة التي تقابل المناهج والابحاث المكتوبة في موضوع واحد من زاويتين ثقافتين مختلفتين ، وذلك لما له من اهمية في الكشف عن جوانب جديدة لم تتمكن الدراسة الواحدة المكتوبة من زاوية ثقافة احادية من انجازه . ان مالك قدم لنا درسا تعليميا في الدراسات المقارنة .  فمثلا ان كتاب في ظلال الاسلام بمنظور مالك ، احدث صدمة مثلما احدث ذلك كتاب ام القرى للكواكبي . وعن هذه المقارنة بين الكتابين ، يفيد واصفا الصدمة ” لقد استشعرت صدمة اكملت ما تركه في نفسي كتاب (في ظلال الاسلام الدافئة ) ، وضع امامي اسلاما شاعريا ، ولكنه اسلام غير ميال يبحث عن النسيان في المخدرات ” (43) .

   ولعبت مجموعة مصادر ثقافية غربية في تكوين اتجاها فكرانيا لدى مالك ، اتجاها نلحظ فيه ميلا نحو الثقافة اليسارية ، والتي تمثلت بالشيوعية . فقد اخذ مالك يتجه الى قراءة صحيفة ” الانسانية ” وهي صحيفة شيوعية . وكانت لها مكانة في برنامجه في القراءة . وبمنظور مالك فان هذه الصحيفة ” كانت تروي اكثر ظمئي الوطني ” (44) . وكان مولعا بقراءة المقالات التي ينشرها في هذه الصحيفة ، كل من ” كاشان ” و ” فايان كوتورية ” . وعن اهمية هذه المقالات يقول مقوما اثرها : كانت ” تثير في نفسي ثورة الغضب او تصب في قلبي اطيب عزاء ” (45) . اضافة الى انه كان يقرأ صحيفة ” الكفاح الاجتماعي التي يصدرها فيكتور سيولمان ” (46) .

     وكان لبعض الرموز الثقافية في حياة مالك اثرا في توجيه قراءاته نحو دائرة الثقافة الغربية . ومن هذه الرموز ” بوبريتي ” ،الاستاذ في المدرسة الفرنسية ، والذي تميزت دروسه بكونها ذات طبيعة اغرائية . ان هذا الاستاذ ، وكذلك دروسه حفرا مكانة متميزة في ذاكرة التلميذ مالك . اضافة الى ذلك ، فقد نمى الاستاذ بوبريتي لدى طلبته ومنهم مالك حب القراءة والاطلاع على الثقافات والمعارف ، وذلك من خلال اعارة الطلبة احد اعداد مجلة ” الاخبار الادبية ” ومجلة “كونفيرانسيا “اللتان مكنتا مالك من اكتشاف الشاعر الهندي “رابندرانت طاغور ” (47) . 

   ونلحظ ان مالك يدرج اثر الشاعر طاغور كبعد ثالث ضمن ثلاثة ابعادا كونت مركبه الثقافي يومذاك . البعد الثقافي الاول هو فكر معاصر، تمثل باعمال ” رابليه ” و ” فيكتورهوجو “، وهما ركنان مهمان في الثقافة الفرنسية .والبعد الثقافي الثاني غطته الثقافة العربية ، وبالتحديد ضمت قراءات مالك للشاعرين ” امرؤ القيس ” و ” حافظ ابراهيم ” . اما البعد الثقافي الثالث ، فتمثل بثقافة شرقية حمل لواءها الشاعر ” طاغور” . ويتذكر مالك فعل طاغور الثقافي ، فيقول ” اما اكتشافي لطاغور فقد اضاف بعدا ثالثا ذاك هو الفيدا ” (48) .

  الحقيقة ان شخصية طاغور لعبت دورا مؤثرا في إعادة التوازن في المركب الثقافي المعرفي المالكي . فقد كان لاكتشاف طاغور فعل ايقاف للانجراف وراء الثقافة الغربية وما تحمله من امكانات التماهي هذا من طرف . ومن طرف اخر كان له تاثير في اعادة ترتيب ثقافة الانسان داخل اطار الثقافة الغربية .

   ومن المصادر الثقافية الغربية التي قرأها مالك ، ومن ثم تركت اثارا في دائرة تفكيره ، وطريقته في الكتابة ، كتاب وضعه ” اوجين يونغ ” بعنوان ” الاسلام بين الحوت والدب ” . فقد صعد هذا الكتاب ” حرارة التيار المعادي للاستعمار ” بين ابناء جيل مالك بن نبي (49) . كما تابع مالك ما قام به ” لينين ” من مثابرات في بناء روسيا (50) . وكذلك استوعبت دائرة تفكيره مساهمة ” ماوتسي تونغ ” (51) النازعة  الى توليد تجربة الصين الجديدة .

  لقد وضعت بعض المصادر مالكا في طريق المواجهة مع الثقافة الغربية وبالتحديد في طرف منها . ومثالا على ذلك اطروحات ” الاب زويمر” ، وخصوصا اطروحاته حول” قضية تنصير المسلمين ” (52) . والحوار السلبي بين الاسلام والمسيحية ، الذي تمثل في مشروع الكاردينال الفرنسي “لافيجاري ” والذي اصبح ناجزا بقيام ” اخوية الاباء البيض ” واختراعه الوسائل الناجعة في تنصير ” اطفال بيسكرا والقبائل ” (53) . واثناء كتابة ” مذكرات شاهد العصر ” يتذكر مالك هذا الحوار ويقيم حصيلة الناتج من المواجهات مع الاخر ، فيرى انها تركت أثارا موجعة ، خصوصا اعلانهم سئ الصيت  ” انهزام الاسلام ” (54) .

    تركت هذه المواجهة الثقافية جروحا عميقة في ذات المثقفين من جيل مالك . ولذلك توقفوا لمراجعة حال الذات الثقافية وحساب كل حجج الجبهة الثقافية الغربية ومن ثم الاستعداد لمجابهة ما تخطط له الجبهة الثقافية الغربية من افعال مدمرة على الارض الجزائرية. وعن التفكير في هذا التحدي وما يحمله من اثار فاجعة على الحياة والثقافة افاد مالك مبينا ” اتخذ تفكيرنا في ذلك الحين ومع الاب زويمر اتجاها جديدا يهدف للبحث في مرامي مستقبل ذلك الصراع ” (55) .

  ومن الرموز الفكرية التي اعانت مالك في تكوينه الفكري ، واضافت لونا جديدا الى مركبه الثقافي ، واكسبته منهجية في ادارة الحوار الفكري مع الاخر، شخصية المفكر الاسلامي ” السيد امير علي ” . ففي هذه الحقبة قرأ مالك كتابه ” روح الاسلام ” (56) . وهكذا كان تفكير مالك على اتصال مستمر بالاطروحات الجديدة في العالم الاسلامي ، خصوصا الناشدة الى احداث فعل النهضة . وكان في الوقت ذاته واقفا على نقاط القوة والضعف في اطروحة الغرب ، خصوصا فيما يتعلق بالحوار مع الاسلام .

  تميزت قراءات مالك في هذه الفترة بالتركيز على فهم بعض جوانب الاساس الفلسفي للثقافة الغربية الذي تتقوى به في معاندة الاساس الفكراني للثقافة الاسلامية . وهنا نجد من اللازم الاشارة الى ان قراءاته تركزت على دراسة ما كتبه كل من الفيلسوف الفرنسي ” كوندياك ” الذي عاش في القرن الثامن عشر.  وكذلك قراءة ما دونه الفيلسوف الامريكي ” جون ديوي ” . ولم يترك مالك هذه المناسبة دون بيان لاثر هذين الفيلسوفين في صياغة اتجاهه الثقافي . فيقول ” باختصار كان هؤلاء … يعملون على تحديد شخصيتي في ذلك العصر ” خصوصا ” كاندياك وجون ديوي ” ( 57) .

   كما وقرأ كتاب المفكر “رومان لاند ” المعنون ” الهند الفتية ” والذي يؤشر البدايات الاولى لذيوع وانتشار ” اسم غاندي في العالم ” (58) . وقرأ ” الاجزاء الضخمة الثلاثة او الاربعة من كتاب تاريخ الانسانية الاجتماعي ” .  وهنا يتذكر مالك السبيل الذي حصل فيه على هذا الكتاب ، فيذهب الى ان والده كان ” قد اضافه مؤخرا الى مكتبته الصغيرة ” (59) . ومن ثم قرأ رسائل ” مدام دو سافيني ” (60) ، وكتاب ” انسان يعيش على ماضيه ” والذي تلاشى اسم مؤلقه من ذاكرة مالك لحظة كتابة “مذكرات شاهد العصر” ، واخيرا قرأ كتاب ” السفر ضرب من الموت ” (61) . وكان الحاصل من ذلك قرار مالكي بركوب البحر وخوض مخامرة السفر .

5 – دلالات بعض النماذج في الخطاب الثقافي :

 تركت بعض الشخصيات التي تتحرك على ارض الحياة يومذاك ، اثرا حمل دلالات طبعت الخطاب الثقافي الذي كونه المفكر مالك بن نبي . وهذه الشخصيات كان مالك يلتقيها يوميا ، ويراقبها بعمق ، ويتأمل في جوانب من سماتها الشخصية . ومن ثم يستبطن في دواخل الذات تفاصيلا من طريقة  تفكيرها وسلوكها . ولهذا نسعى أكمالا لمتطلبات هذا الفصل ان نقف على الدلالات التي تركها حضور هذه الشخصيات في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي .

  والبداية سؤال ومن ثم بحث في افادات مالك عن اجابة على هذا السؤال :

ما هي النماذج التي قدمتها بيئة مالك الاجتماعية ، وتركت اثرها في شخصيته ومن خلال ذلك في خطابه الثقافي ؟ قدمت بيئته الاجتماعية شخصيات عديدة ، الا ان من اهمها ، هي شخصية المثقف العراقي ” يونس بحري ” ، وشخصية المصلح الجزائري ” ابن باديس ” . ومالك يتذكر جيدا لقائه بيونس بحري ، ويسجل في كتابه ” مذكرات شاهد العصر ” تلك اللحظات . والحقيقة ان يونس بحري كان يمتلك شخصية جذابة ، تتسم بالاغراء والتحريض على خوض تجربة الترحال والاسفار . اضافة الى ذلك فقد كان يونس مذيعا في اذاعة برلين والتي منحته انتشارا في العالم العربي . وعن الاثار التي تركها لقاءه بهذا المثقف المثير للجدل والاشكاليات ، يفيد مالك موضحا ” تعرفنا على شخصية لا تقل غرابة وقد لعبت ايضا بطريقة لا شعورية دورا مؤلفا لافكارنا واندفاعها في اتجاه معين . انه ( يونس بحري ) ” (62) .

    الحقيقة ان مالكا وضع التأثير الذي تركه يونس بحري على خطابه الثقافي المعرفي بنفس الوزن الذي تركه الفيلسوفان ” كوندياك ” و ” جون ديوي ” . ويصف مالك الأثر الذي تركه الثلاثة ، مقدما تأثير يونس بحري على الفيلسوفين : ” باختصار كان هؤلاء الاشخاص جميعا يعملون على تحديد شخصيتي في ذلك العصر ، يونس البحري … وكاندياك وجون ديوي ” (63) . وسنبحث تفاصيل هذا الاثر في فصل خصصناه لذلك  + .

     ونتسائل : ما هو الاثر الذي تركه المصلح الاسلامي الشيخ ” ابن باديس ” على تفكير مالك في هذه المرحلة من تكوينه الثقافي  ؟  حقيقة لقد لعبت شخصية المصلح الاسلامي الشيخ “ابن باديس ” دورا فاعلا في دغدغة عواطف مالك ، وذلك من خلال ما حملته شخصية الشيخ من نقاط قوة ، وافكاره وطريقته من عناصر جذب لم يتمكن مالك من مقاومتها . فقد كان مالك يراقب الشيخ اثناء مروره امام  ” مقهى بن يمينة ” . ويقارن مالك بين الشيخ ” ابن باديس ” و الشيخ ” بن موهوب ” وبعبارات دقيقة ، يفصح مالك إنحيازه لشخصية الشيخ ” ابن باديس ” مع ذكر الفضل  في السبق للشيخ ( بن موهوب ) ، فقال مقارناً : ” كان منظر الشيخ (ابن باديس ) عند مروره امام مقهى بن يمينة في طريقه الى مكتبه قد بدأ يثير اهتمامنا ، فكثير من افكارنا وارائنا تتصل بشخصيته اكثر من اتصالها بالشيخ ( بن موهوب ) الذي كان اول من زرعها في نفوسنا ” ( 64) .

  ولم يقف مالك عند حدود الترجيح لمكانة ابن باديس ، وانما قدم التفسير الذي حمله وابناء جيله الى منح شخصية ابن باديس مكانة ميزته عن سواه من الشخصيات الاخرى التي عملت في مضمار الاصلاح . ولذلك نلحظ ان مالكا يكتب بقلمه ذلك التفسير ، فيذهب الى انه ” ربما كان ذلك لان الشيخ بن باديس قد بدا في ناظرينا خارج الاطار الاستعماري . فقد قطع صلته بعائلته وخاصة والده وهو تاجر كبير وبشقيقه المحامي ، وزوجه البورجوازية المترفة . هكذا بدا لنا اقرب الى نفوسنا ” (65) .

  وبتأثير الشيخ ابن باديس تحول مالك صوب دائرة التأليف والكتابة ، أو على الوجه الادق التفكير في إمكانية القيام بوضع مشروع في الإنشاء والتدوين . وفعلاً فإن مالكا فكر بعنوان لهذا المشروع ، وكذلك في المضمون الفكري له . وعن هذا المشروع ومحاولة التفكير في الإنجاز ، ومن ثم الدخول الى عالم التأليف والكتابة ، يصرح واصفاً حاله يومذاك : ” كنت افكر ايضا بتاليف كتاب تحت عنوان ( الكاتب المنفي ) ، لماذا هذا العنوان ؟ وماذا سيكون محتوى الكتاب ؟ تلك اسئلة تحرجني لو ان احدا سألنيها . ولكن الفكرة استهوتني فأخذت اتحدث  …. وكانت الفكرة تجعلني اكثر أستلطافا للشيخ بن باديس الذي يمثل بنظري الرجل المنفي بسبب وضعه العائلي” (66) . ان تفاصيلاً للأثر الذي تركه الشيخ ابن باديس سنبحثه في فصل ضمه كتابنا المعنون الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي + .

   وبعد : ماهي حصيلة كل هذه المثابرات المعرفية على تكوين مالك الثقافي المعرفي ؟ في الحقيقة ان كل هذه المثابرات المعرفية التي قام بها ، وبالتحديد خلال اكتسابه للعلم في الجزائر ، حفرت اخاديدا اختلفت في درجات عمقها في شخصيته ، واخذت تضغط على تفكيره ، ومن ثم على قلمه وطريقته في الكتابة لاحقا . فكانت فعالياته الفكرية ، ومن ثم كتاباته مشروطة بأثار ثلاثة مصادر : مصادر الذات ( الثقافة العربية ) ومصادر الاخر ( الثقافة الغربية ) ومصادر البيئة الاجتماعية ( والتي تمثلت في اثار شخصيتين : يونس بحري والشيخ ابن باديس ) . انه اشتراط طبع الفكر و الخطاب الثقافي المالكي بسمات تميز بها وجعلته يتفرد بعمارته المعرفية المتنوعة .

————————————————————————————–

الهوامش  :

+ يتقدم المؤلف بالشكر والعرفان للزميلن الطيبين:المفكرالعربي علي زيعور ، و للاستاذ الباحث مصطفى مغنية الكاتب في الفكر التنموي عند مالك بن نبي ، مرتين : اولا للوقت الذي صرفاه معه في مناقشة هذا الكتاب منذ كان فكرة . وثانيا لتوفير مجمل مؤلفات مالك بن نبي  فترة مكوث المؤلف في لبنان .

(1) – أنظر :

          مالك بن نبي : مذكرات شاهد العصر ، دار الفكر المعاصر ، ط 2 ، بيروت 1984 ، القسم الاول ( الطفل ) ، ص 15     وكذلك زكي احمد : مالك بن نبي ومشكلات الحضارة ، تقديم جودت سعيد ، دار الصفوة ، ط 1 ، بيروت 1992 ، ص 38

(2) – مالك بن نبي : المصدر السابق

(3) – المصدر السابق ، ص 19

(4) – المصدر السابق ، ص 20     

(5)– المصدر السابق ، ص 24 

(6) – المصدر السابق ، ص  25

(7) – المصدر السابق ، ص 28   

(8) – المصدر السابق ، ص 33    

(9) – المصدر السابق ، ص 47           

(10) – المصدر السابق ، ص ص 47 – 48  

(11) – المصدر السابق ، ص 48 

(12) – المصدر السابق

(13) – المصدر السابق

(14) – المصدر السابق ، ص 64

(15) – المصدر السابق ، ص 65  

(16) – المصدر السابق

(17) – أنظر:

      الفرحان ، محمد جلوب : حقيقة ديكارت و الديكارتية والدرس المستفاد ( مخطوطة كتاب ) ،  خصوصا الفصل الثالث والذي بعنوان ” ديكارت وفلسفة عصر النهضة ” ، ص 93 

(18) – مالك بن نبي : مذكرات شاهد العصر ، ص 66

(19) – المصدر السابق

(20) – المصدر السابق

(21) – المصدر السابق

(22) – المصدر السابق 

(23) – المصدر السابق

(24) – المصدر السابق

(25) – المصدر الصابق ، ص 67 

(26) – المصدر الصابق ، ص ص 67 – 68 

(27) – المصدر السابق ، ص 68 

(28) – المصدر السابق

(29) – المصدر السابق ، ص 83

(30) – المصدر السابق

(31) – المصدر السابق ، ص 85

(32) – المصدر السابق ، ص 87

(33) – المصدر السابق ، ص ص 86 – 88

(34) – المصدر السابق ، ص 113

(35) – المصدر السابق

(36) – المصدر السابق ، ص 187

(37) – المصدر السابق ، ص 68

(38) – المصدر السابق ، ص 73 

(39) – المصدر السابق

(40) – المصدر السابق ، ص 74

(41) – المصدر السابق ، ص 83

(42) – المصدر السابق ، ص 87 

(43) – المصدر السابق ، ص ص 87 – 88

(44) – المصدر السابق ، ص 89

(45) – المصدر السابق

(46) – المصدر السابق

(47) – المصدر السابق ، ص90 

(48) – المصدر السابق ، ص ص 90 –  91

(49) – المصدر السابق ، ص 92 

(50) – المصدر السابق ، ص 94

(51) – الصدر السابق

(52) – المصدر السابق ن ص 95

(53) – المصدر السابق

(54) – المصدر السابق

(55) – المصدر السابق ، ص 96

(56) – المصدر السابق

(57) – المصدر السابق ، ص 115

(58) – المصدر السابق ، ص 117

(59) – المصدر السابق ، ص 125

(60) – المصدر السابق ، ص 187

(61) – المصدر السابق ، ص 195

(62) – المصدر السابق ، ص 109

(63) – المصدر السابق ، ص 115

+ – انظر الفصل السابع من هذا الكتاب والمعنون ” حضور الفكر الاصلاحي والنهضوي ” .

(64) – المصدر السابق ، ص 130  هذه الافادة واحدة من افادات كثيرة تشكل درسا في الدقة والصدق في منهج مالك بن نبي . فهو يعطي لكل صاحب حق حقه بموضوعية لا غبار عليها .  انها واحدة من ميزات الموضوعية التي يتسم بها الخطاب الثقافي المعرفي المالكي .

(65) – المصدر السابق

(66) – المصدر السابق ، ص ص 130 – 131

+ – انظر الفصل السابع من هذا الكتاب والمعنون ” حضور الفكر الاصلاحي والنهضوي ” . 

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(3)

حضور فلسفة التاريخ والحضارة في الخطاب المالكي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

1

  شكلت فلسفة التاريخ والإطروحات المعرفية التي كتبها العلماء عامة ، وعلماء النفس خاصة ، وبعض النصوص الأدبية على وجه التعيين مضماراً معرفياً غير إعتيادي في خطاب المفكر الإسلامي مالك بن نبي . كما وإن تجربته الكتابية التي ضمت معطيات هذه الحقول المعرفية المتنوعة في خطاب ثقافي واحد ، قد وفرت لنا مجموعة شواهد دللت على طبيعة المنهج الخاص الذي إنتخبه  في عملية التدوين والإنشاء .

  ولعل المكشوف من شواهد تدلل على إن منهجه كان إنتخابياً قائماً على إختيار الإطروحات المعرفية التي تتلائم وتوجهاته الفكرانية ونبض مدركاته العقيدية الإسلامية . وعلى هذا الأساس لاحظنا إن هناك ترجيحاً لبعض التجارب في فلسفة التاريخ والحضارة ، وتفضيلاً لها وتصعيداً لها إلى طوابق عالية من عمارته في فلسفة التاريخ والحضارة . في حين أدار ظهره لفعل تجارب فلسفية تاريخية وحضارية أخرى .

   كما إن هناك ميلاً نحو بعض العلوم ، وتغليباً لمكانة بعض المدارس في علم النفس ، وإنتخاباً لبعض النصوص الأدبية دون سواها . ونحسب إن قلم مالك لم يتوقف عند حدود هذه المثابرة ، وإنما جاهد بكل طاقة على إيجاد تكييف لبعض الإطروحات والمناهج وذلك لتكون قادرة على تحريك تقنياتها مع نبض حركة التاريخ والحضارة العربيين الإسلاميين .

  والحقيقة إن الإفادات المعرفية المالكية في مضمار فلسفة التاريخ والعلم ، وعلم النفس والنصوص الأدبية ، تكون مضماراً خصباً على الرغم من إسلوب الإقتصاد في التعبير ، والإختصار في صياغة العبارة . وهي في الوقت ذاته فرصة معرفية تمكن الحارث فيها من البحث في أطرافها المختلفة بعقل هادئ منفتح ، مؤمن بمنهج الحوار المعرفي والتبادل الثقافي النازع إلى الأخذ بأية فكرة ، ومن أي مصدر ، ما دامت مؤسسة تأسيساً منهجياً ، وتكون قد نهضت على مجموعة معطيات علمية موثوق بها ومتعارف عليها . وفي الوقت ذاته فإن هذا المنهج لا يغادر أرض الإفادات دون فحص الإطار الفكراني الذي يحيط بالفكرة ويتغذى منها ويغذيها ، ويضعها على طاولة التأمل والنقد والتقويم .

  ولذلك فإن هذه السلسلة من المقالات تحاول تقديم إجابات على التساؤلات الآتية :

أولاً – ما حجم حضور الإتجاهات المتداولة في دوائر فلسفة التاريخ الغربية في الخطاب الذي كتبه مالك ؟ وهل إستوعب مالك جميع المناهج والإتجاهات في هذا المضمار ؟

ثانياً – هل كان لإختصاص مالك العلمي من الأثر في ترجيح بعض الإطروحات العلمية التي كتبها العلماء على غيرها من الإطروحات العلمية الأخرى ؟ وما اثر هذا الترجيح في كتابة الخطاب الثقافي المالكي ؟

ثالثاً – ما طبيعة الإفادات النفسية التي ولدتها دوائر علم النفس ، ووظفها مالك في خطابه الثقافي ؟ وهل أظهر مالك ميلاً نحو بعض المدارس النفسية دون سواها ؟

رابعاً – ما هي النصوص الأدبية المتداولة في الخطاب الذي كتبه مالك ؟ وما مقدار الإفادة منها في كتابة الخطاب الثقافي المالكي ؟

حضور فلسفة التاريخ والحضارة

   في البدء نتساءل : هل ألمت دائرة تفكير مالك بكل الإتجاهات في فلسفة التاريخ والحضارة ؟ والجواب إن دائرة تفكير مالك قد إنتخبت فعلاً مجموعة كبيرة من الإتجاهات والمناهج في فلسفة التاريخ والحضارة . وعلى أساس هذا الجواب ، نتساءل : ماذا قرأ مالك ؟ وماذا إختار وإنتخب ؟ وكيف تعامل مع المنتخب المختار ؟ وما حجم حضوره في الخطاب الثقافي المالكي ؟

  ولنبدأ بتقديم توصيف لخارطة معرفية نؤشر على مضمارها حجم الحضور الذي سجلته النصوص الشعرية والتاريخية نقطة إنطلاق . ومن ثم الوقوف على النصوص الفلسفية التاريخية والحضارية ، التي إستند إليها مالك أثناء كتابته للخطاب الثقافي الذي تناول فيه موضوعات فلسفة التاريخ والحضارة ، ونسعى من خلال ذلك إلى الإعلان عن الأسماء التي كتبت هذه النصوص وذلك لمعرفة المصادر التي إستمد منها مالك مادته المعرفية في البحث والكتابة .

  لقد إستند مالك في كتابة إطروحته الفلسفية في التاريخ والحضارة إلى شعراء كتبوا العديد من الملاحم الشعرية  ، والتي تمكنت من إختراق الجدران الجغرافية ، وتحولت إلى تراث مشترك للإنسانية برمتها . فقد إعتمد مالك على واحد من أكبر هذه المجموعة من الشعراء ، وهو الشاعر اليوناني ” هوميروس ” وبالتحديد درس ما قدمته ملحمتيه الشعريتين ” الأوديسة والإلياذة ” (مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 22) ، من إفادات في مضمار البحث التاريخي والحضاري (تناولنا هذه الإطروحة بالتفصيل في الجزء الثاني من كتابنا ” الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي ” الفصل المعنون ” التفسير الفلسفي للتاريخ ” . ومن النافع أن نذكر القارئ الكريم ، إلى إننا لم نتناول ” إبن خلدون ” في هذا المضمار الخاص بحضور ثقافة الغرب ، وسيجد معالجة ذلك في مقالات لاحقة) .

 والسؤال : من هو هوميروس ؟ وما مضمون ملحمتيه الشعريتين الأوديسا والإلياد اللتان أشار إليهما المفكر الإسلامي مالك بن نبي ؟ وهل كان مالك موفقاً في إنتخاب هوميروس وإهمال شاعر ملحمي معاصر له ؟ تذكر المصادر التاريخية التي إعتنت بدراسة التراث الهوميروسي ، إلى إن هناك جدلاً بين الباحثين حول تاريخ ميلاده الحقيقي . فبالنسبة إلى ” أبي التاريخ ” المؤرخ اليوناني ” هيرودوتس ” (484 – 425 ق.م) والذي كتب رائعته المعنونة ” التواريخ ” والتي يقدر فيها ” إن هوميروس عاش أربعمائة سنة قبل عصره ” . ومن ثم على هذا الأساس إقترح إنه ” عاش حوالي عام 850 ق.م ” (هيرودوتس ؛ التواريخ ، ترجمة روبن وترفيلد وكرولاين ديولد ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1998 / المجلد الثاني ، ص 53) .

  في حين تزعم مصادر قديمة إلى إن هوميروس عاش بحدود قريبة من الحروب الطروادية والتي كتب عن أطراف منها في ملحمتيه ، فقد عاش بالتحديد في القرن الثاني عشر قبل الميلاد (أنظر: بربارة كرازوسي ؛ إبداع هوميروس ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2002 ، ص 98 وما بعد) . بينما يزعم مارتن ويست بأن ” هوميروس ” ليس بإسم شاعر له وجود تاريخي ، وإنما هو شخصية روائية مخترعة أو مركبة (أنظر: مارتن ويست ؛ إختراع هوميروس / المجلة الفصلية الكلاسيكية 1999 ، العدد 49 ، ص 369) .

  على كل كتب هوميروس قصيدتين شعريتين طويلتين كما ذكر المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، وهما : الإلياد والأوديسا . وعلى أساسهما منحه الغربيون ومنذ وقت مبكر ، لقب ” أعظم شاعر ملحمي يوناني قديم ” . ويرون إن البداية الحقيقية للأدب الغربي كانت مع الإلياد والأوديسا . واللتان تركتا أثراً كبيراً على تاريخ الأدب بمجمله . ويعتقد الأكاديميون في العصر الحديث إلى إن ” عصر هوميروس ” لايتعلق بزمن الشاعر هوميروس ، بقدر ما يتعلق بالفترة التي تم فيها كتابة هاتين الملحمتين الشعريتين . كما إن هناك إجماع بين الباحثين على إن تاريخ الإلياد والأوديسا يصعد إلى القرن الثامن قبل الميلاد . وكذلك يجمعون على إن ملحمة الإلياد كتبت قبل ملحمة الأوديسا بعقود (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الملاحم الشعرية ودورها في ولادة الفكر الفلسفي اليوناني).

  تدور ملحمة الإلياد او ” الإلياذة ” كما ذكرها المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، حول الحرب الطروادية وبالتحديد السنة العاشرة من حصار قوات تحالف المدن اليونانية لمدينة ” إلوم ” . والملحمة تصف المعارك وبعض الأحداث التي وقعت خلال أسابيع القتال بين الملك إجمامنون والمحارب أخيل . والملحمة تغطي كذلك بعض الأسابيع من السنة الأخيرة للحرب . وتذكر الملحمة او تلمح إلى العديد من اساطير البطولة اليونانية حول الحصار . ومقارنة مع ملحمة الأوديسا ، فالإلياد تعد أقدم نص أدبي غربي ، ويعتقد إنها كتبت في نسخة جديدة بحدود القرن الثامن قبل الميلاد (أنظر: هوميروس ؛ الإلياد ، ترجمة ريشموند ليتمور ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 1951)

  تتألف هذه الملحمة من خمسة عشرألف بيتاً شعرياً . ويرجح إنها كتبت أولاً باللهجة اليونانية الأيونية ، ومن ثم كتبت بلهجات أخرى (المصدر السابق) . تعد ملحمة الأوديسا هي الأخرى من النصوص الأدبية الغربية الأولى . ومن المحتمل إن هوميروس كتبها في نهايات القرن الثامن قبل الميلاد ، وفي مكان ما من مستعمرة أيونيا اليونانية والتي هي اليوم جزء من تركيا الحديثة (أنظر: د. س. ريو ؛ المدخل إلى أوديسا ، نشرة مطبعة بنجوين 2003 / المقدمة ، ص 9) . وتركز الملحمة بصورة رئيسة على شخصية البطل ” أوديسا ” ورحلته الطويلة في العودة إلى بيته بعد سقوط طروادة . وهي الرحلة التي صرفت عشرة سنوات من حياة البطل أوديسا حتى وصوله إلى مدينته ” أثيكا ” (أنظر: أم . أ . فيانيلي : عالم الأوديسا ، نشرة ماكيملان ، نيويورك 1959) . وبسب غياب أوديسا وإنقطاع أخباره ، فقد أعتقد الناس في بلده إنه مات وطواه النسيان ، ولهذا واجهت زوجته ” بينيلوب ” وولده ” تيلماكيوس ” طلبات بالزواج من ” بينيلوب ” . وهكذا تنافس الرجال في طلب يدها والزواج منها …

  والملحمة في شكلها الأول كانت شعراً شفهياً غنائياً ، وهي حسب ” ريو ” كانت ذات طبيعة غنائية أكثر مما هي موضوع للقراءة (ريو؛ المصدر السابق) . وتتألف ملحمة الأوديسا من إثنتي عشر ألف ومئة وعشر بيتاً شعرياً (فيانيلي ؛ المصدر السابق) وهي على هذا الأساس أقصر من ملحمة الإلياد بحوالي ألفين وثمنمائة وتسعين بيتاً شعرياً .

ولاحظ الباحثون تعدد موضوعات أو قصص الملحمة والأحداث المرافقة ، ويبدو إن ذلك يعود إلى تعدد الإختيارات التي تقوم بها النساء والعبيد ، ودورهم في تحريك أفعال المقاتلين من الرجال . وفي اللغة الإنكليزية وكما في لغات أخرى ، أصبحت كلمة ” الأوديسا ” تعني ” الرحلة البحرية الملحمية ” .

  وبعد هذا نتساؤل : ما هو الغرض المالكي من الإشارة إلى عنواني الملحمتين حسب الإفادة التي وردت في خطاب مالك بن نبي الثقافي : ” الأوديسة والإليادة ” ؟ أقول دون تردد إن الغرض هو الإشارة إلى دور الأبطال في التاريخ وهو محور سيشتغل عليه ملك في مضمار فلسفة التاريخ (أنظر: محمد جلوب الفرحان : الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي / الفصل المعنون ” المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ)

غياب الشاعر الملحمي هزيود 

  ونحسب إن درجات التوفيق المالكي تتناقص عندما نقارن عمل هوميروس الملحمي بعمل شاعر ملحمي يوناني كان معاصراً لهوميروس ، وكان أكثر إهتماماً منه بحركة التاريخ وحقبه ، وقدم لنا أول صورة تشاؤمية في تفسير التاريخ , ونقصد به الشاعر اليوناني ” هزيود ” .  ولعل سؤال القارئ الكريم : من هو هزيود ؟ وماهي طبيعة ملاحمه الشعرية التي ربطته شاعراً ملحمياً معاصراً لشاعر اليونان الكبير هوميروس ؟

 ينظر إلى هزيود بمنظار مختلف عن شاعر الإرستقراط هوميروس ، فهزيود هو شاعر الفلاحين والرعاة  ، وهو برأي الكثير من الأكاديميين قد إزدهر للفترة ما بين 650 – 750 ق . م (أنظر: مارتين ويست : أنساب الآلهة ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1960 ، ص 40) . ومنذ عصر المؤرخ اليوناني ” هيرودتس ” أصبح متداولاً إن كلا من هزيود وهوميروس ، هما من أوائل شعراء اليونان ، التي ظلت ملاحمهما الشعرية محفوظة ولم يطويها النسيان (أنظر: هيرودوتس ؛ التواريخ / المجلد الأول / ص 53) .

  والحقيقة إن هناك تنازع بين الباحثين حول من هو السابق هوميروس أو هزيود . ولكن المهم في كتابات الشاعر هزيود ، إنها ظلت مصدراً مهماً في ” الأساطير اليونانية ” وتقنيات الشعر الغنائي ، والفكر الإقتصادي ، والتقاويم .. ولهذا السبب ينظر إليه الكثير من الباحثين على إنه ” رجل الإقتصاد الأول ” (أنظر: روثبارد موري ؛ الفكر الإقتصادي قبل آدم سميث ، نشرة أدورد إيكلر 1995 / المجلد الأول / ص 8).

كتب هزيود ملحمتين شعريتين ؛ الأولى أنساب الآلهة (وهي قصيدة ملحمية تركز على أنساب الألهة اليونان وطبقاتهم ، وخلق العالم ..) والثانية الأعمال والأيام (وتتألف من ثمانمائة بيتاً شعرياً وهي تدور حول العمل) (أنظر: روبرت لامبرتون ؛ هزيود ؛ الجنة الجديدة ، نشرة مطبعة جامعة ييل 1988 / خصوصاً الفصل الثاني ، ص ص 38 – 104) .

   إن المهم في عمل هزيود في مضمار البحث في فلسفة التاريخ ، والذي تطلع المفكر الإسلامي مالك بن نبي إنجازه ، هو إنه حمل الكثير الكثير لصالح مالك على الرغم من إن مالك قد أدار ظهره له ولعمله . ونحن نرجح بأن دائرة معرفة مالك يوم كتابة ” شروط النهضة ” لم تتوافر لها مصادر عن الشاعر الملحمي اليوناني هزيود . وعلى كل فإن المهم في عمل هزيود إنه قدم أول تفسير تشاؤمي للتاريخ يتألف من خمس مراحل ، والتي إعتقد هزيود إن الجنس البشري مر بها حتى عصره . وهذه المراحل أو العصور هي : (1) العصر الذهبي (أي عصر السلام وفيه عاش الناس في سعادة) . (2) العصر الفضي (خلق الآلهة جيلاً أحط منزلة من الأول) . (3) العصر النحاسي (خلق زيوس جيلا أخر أعضاؤهم وأسلحتهم وبيوتهم من نحاس فتقاتلوا فسلط عليهم الموت الأسود) . (4) العصر البرونزي (خلق زيوس جيل الأبطال الذين حاربوا في طروادة). (5) العصر الحديدي (عصر الحزن والبغضاء وجيله شر الناس وهم فاسدون) (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ النفس الإنسانية ، طبع مديرية دار الكتب / جامعة الموصل 1986 ، ص 25) . وإن هذا الموضوع شكل مبحثاً متفرداً في فلسفة التاريخ عند المفكر مالك بن نبي وبالتحديد في مضمار ” الدورات الحضارية ” .

2

  لاحظ الباحث إن المفكر الإسلامي المتنور مالك بن نبي قد أدار حوار فكرياً عالياً مع مجموعة من فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين ، وقرأ مؤلفاتهم بعقل مفتوح ، ولم يتردد من الإشارة إلى درجات الإفادة ، بل وأن يعلن دون تردد عن تبنى منهج بعضهم في دراسة الحضارة العربية . كما ولاحظنا إن مالكاً كان أكثر صدقاً وأمانة في الإعلان الصريح من بعض الدراسات الأكاديمية التي تناولت فكره الفلسفي في التاريخ والحضارة خلال العقود الثلاثة الماضية . والتي قامت بشطب تصريحات مالك وأهملتها بحجة إن ذلك يضعف من مقام المفكر الإسلامي في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . ولهذا نحسب إن مثل هذه الدراسات الأكاديمية قد فقدت مصداقيتها الأكاديمية وتجاوزت على موضوعية المنهج الأكاديمي .

    وهي بهذا الفعل إرتكبت خطأين : الأول أكاديمي ، فهي لم تقدم دراسة موضوعية أكاديمية حقيقية عندما أهملت إفادات مالك في تبني بعض الأطروحات الفلسفية والمناهج الغربية وذلك لأنه وجد فيها إمكانية التطبيق على واقع التاريخ والحضارة العربيين الإسلاميين . والثاني إنها لم تكن صادقة مع القارئ ومع النفس وذلك عندما إكتشفت حقيقة فعل التبني المالكي للإطروحة الغربية في فلسفة التاريخ والحضارة ، ورأت إن الحل الأسلم المرضي للذات هو تجاهل إفادات مالك وشطبها من البحث وكأن شيئاً لم يكن .

   حقيقة لقد كان مالك صادقاً مع نفسه ومع قرائه ، في حين غاب الصدق والأمانة والموضوعية من بعص الدراسات الأكاديمية العربية التي صدرت من مؤسسات أكاديمية عالية ، وتحت إشراف أساتذة أكاديميين مرموقين ، وتم إجازتها من لجنة مناقشة أكاديمية مشهودة . على كل هذا ماحدث مع فكر المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي الذي قال الصدق للقارئ ولأمته وللإنسانية ، فكان مفكراً قل من أمثاله في الربع الأخير من القرن العشرين في دارنا الثقافية العربية الإسلامية .

حضور فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين

  إحتفلت مؤلفات مالك بن نبي بقائمة كبيرة من أسماء فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين ، كما وأنها تناولت مؤلفاتهم  بالدرس والتعليق وأخذت طريق الحوار في المنهج الذي إعتمدت عليه والنتائج التي إنتهت إليه . كما إن مالكاً كان عارفاً بدرجات عالية بالمعلن والمضموم المتخفي من فلسفات وعقائد مطمورة خلف المناهج الغربية . كما إنه كان عارفاً في الوقت نفسه إن مسارات التاريخ والحضارة قد تأخذ أشكالاً مختلفة ويكون نبضها متسارعاً في لحظات حضارية مصيرية . كما إن مدياتها الحضارية قد تتداخل فيتم إختصار المسافات التاريخية الحضارية .

   وصحيح كذلك إن مالكاً كان عارفاً بأن الأمة العربية الإسلامية جزء حيوي من المجموعة الإنسانية ، فقد تتشابه المراحل ويكون نبضها الإنساني متناغماً هنا في أرضنا العربية الإسلامية ، وهناك حين قبل الغرب الفكرة الدينية المسيحية التي نهضت في الأصل في مناخاتنا الجغرافية وحملت تطلعات جزء من منطقتنا إلى عالم روحي يتعالى على العالم المادي الفاني . ولهذا لعبت الفكرة دوراً مهماً في مباني التفكير الفلسفي المالكي في مضماري التاريخ والحضارة . وكانت الفكرة ” البارومتر المالكي ” في فحص مسارات التاريخ والحضارة هنا في الأرض العربية الإسلامية مهبط الفكرة الأسلامية التي كانت المحرك وراء حركة تاريخ وحضارة عربيين إسلاميين ، كما وكانت الفكرة المسيحية هي المحرك في إنتشار نمط حضاري غربي هناك .

قائمة من فلاسفة التاريخ والحضارة

  في البدء سؤال : ما هي أسماء فلاسفة التاريخ والحضارة الغربيين التي وردت في القائمة التي إحتضنتها المؤلفات التي كتبها مالك بن نبي ؟ وما هي قوائم أسماء المؤلفات الغربية التي تعرف عليها مالك ، وأفاد منها في تشكيل خطابه في فلسفة التاريخ والحضارة ؟  إن الملفت للباحث الأكاديمي  ، هو تصدر إطروحة فيلسوف التاريخ الألماني ” هرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) والمعنونة ” الفكرة الدينية في التاريخ ” وإحتلالها مكاناً غير إعتيادي في الخطاب الذي كتبه مالك في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . والحقيقة إن فيلسوف التاريخ ” دي كيسرلنج ” قد تناولها بالدراسة في كتابه المعنون ” البحث التحليلي لأوربا ” (أنظر: مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 13) . وإن مالك أعلن صراحة ودون تردد على تبني فكرته ، وذلك لأنه وجد فيها إمكانية تطبيق على التاريخ والحضارة العربية الإسلامية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بنب نبي / الفصل الرابع من كتابنا المعنون “الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي “) .

  ولعل من أهم الإتجاهات المتداولة في دوائر فلسفة التاريخ والحضارة الغربية ، والتي عرفها مالك وأفاد منها في كتابة نصوصه ، فكرة ” فالتر شوبرت ” التي عالجت قضية الإنبعاث الحضاري والتي ذهبت إلى إن الإنبعاث الحضاري لا يتحقق ” إلا بالعقيدة الدينية ” وهي الفكرة التي أودعها ” شوبرت ” كتابه ” أوربا وروح الشرق ” (المصدر السابق ، ص 75) .

     كما وإستند مالك في إقامة منهجه في البحث المقارن بين الحضارات ، وخصوصاً الحضارتين الإسلامية والمسيحية على بعض الإطروحات المعرفية التي ولدتها دائرة المؤرخين الغربيين . فقد إعتمد مالك في هذا المضمار على إفادات المؤرخ ” هنري بيرن ” الواردة في كتابه ” محمد وشرلمان ” والتي كانت عينة ممتازة في المقارنة بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية (المصدر السابق ، ص 83) .

حضور فيلسوف التاريخ إسوالد شبنجلر

  وكذلك إعتمد في قضية ” موت الحضارات ” على ” إسوالد شبنجلر ” (1880 – 1936) الذي إستعمل إصطلاحاً دالاً على الموت الحضاري ، وهو ” الأفول ” أو ” الإنهيار ” . وفعلاً جاء ذلك في كتابه الذي حمل عنوان ” أفول الغرب ” (المصدر السابق ، ص ص 85 – 86) . وهنا لدينا تحفظ على مالك ومن خلاله ينسحب تحفظنا على عنوان كتاب شبنجلر ذاته . فالكتاب بنشرته الإنكليزية جاء بعنوان ” تدهور الغرب ” . ونحسب سواء أكان كتاب شبنجلر بلغة الخطاب المالكي ” أفول الغرب ” أو بترجمته الإنكليزية ” تدهور الغرب ” . إن العنوانين لا يعبران بدقة عن الموضوع الذي درسه شبنجلر . فقد وجدنا إن كتاب شبنجلر يتألف من مجلدين ؛ الأول خاص بالحضارة الغربية . والثاني خاص بالحضارة الإسلامية . وعلى هذا الأساس نشعر إن العنوان ليس من الشمولية بحيث يستوعب مادة المجلدين التي درسها شبنجلر ، فقد ذكر الغرب وحضارته وتدهورهما ، وشطب الحضارة الأسلامية من عنوان كتابه ، وكأنه ألغى المجلد الثاني من مضمار بحثه هذا طرف . أما الطرف الثاني فأن الثورة المعرفية التي إحتفل بها كتاب شبنجلر تتألف من مسارين معرفيين أو الأدق تنهض على منهجين مختلفين ؛ الأول بايولوجي طبقه على الحضارة الغربية ومن خلاله أعلن عن حتمية موتها . وهو منهج متناغم مع دعوة الموت الحضاري للغرب . أما المنهج الثاني فهو منهج جيولوجي طبقه شبنجلر على الحضارة الأسلامية ومن خلاله أصدر أحكاماً مختلفة عن أحكام المنهج البايولوجي ، فهناك كان الموت الحضاري المحتوم . وهنا التشكل الجيولوجي الصادق والتشكل الجيولوجي الكاذب . وبرأي شبنجلر إن الحضارة الإسلامية هي تشكل حضاري كاذب . وهنا لا نهتم بأحكام شبنجلر وذلك لأننا درسناها بالتفصيل في كتابنا ” الفيلسوف والتأريخ ” الفصل الثالث والمعنون ” التأويل الجيولوجي والبايولوجي للتأريخ عند أشبنجلر ” (نشرة مطابع جامعة الموصل 1987  ص ص 41 – 69) . إن المهم هنا إن عنوان الكتاب ” تدهور الغرب ” قد ركز على الغرب وممكن أن نضيف إنه شمل المنهج البايولوجي المتعلق بالغرب . في حين تجاهل موضوع المجلد الثاني ، وهو الحضارة العربيةالإسلامية والمنهج الجيولوجي الذي طبقه شبنجلر عليها .

  ومن النافع أن نشير إلى إن كتاب شبنجلر ” تدهور الغرب ” هو أكبر مغامرة معرفية ، كتبها فيلسوف تاريخ في بدايات العقود الأولى من القرن العشرين . والواقع إن دائرة تفكير مالك قد إعتمدت عليه تلميحاً وتوثيقاً ، وخصوصاً فكرة ” أفول الحضارات ” وعدم إمكانية بعثها من جديد وهو موضوع إختلف فيه المفكر الإسلامي مع فيلسوف التاريخ الألماني وصاحب نظرية ” الموت الحضاري ” المحتوم .

منهج مالك بن نبي وحضور المؤرخ اليوناني ” ثيوسيديدس “

   كما إن من الملاحظ على منهج مالك في كتابة خطابه في فلسفة التاريخ كان محكوماً بإسلوبه الذي يشبه المعادلات الرياضية ولغتها الرمزية المكثفة المختصرة . وهذا بتقديرنا كان لا يعمل لصالح الخطاب ، وخصوصاً إذا كان نص الخطاب في فلسفة التاريخ والحضارة ، والذي يحتاج إلى التوضيح والإستطراد الضروريين في بعض الأحيان . ولهذا سد الأسلوب الرياضي الرمزي المختصر باب الفهم الدقيق لمرامي المفكر الإسلامي وترك الباب مفتوحاً لتأويلات قد تصيب هدف مالك أو تذهب بعيداً فتجانب الرغبة المالكية .

  وعلى هذا الأساس تحولت عملية الكتابة إلى صورة تشبه ” الشفرات ” أو ” الرموز ” . ولعل الشاهد على ذلك إن المفكر الإسلامي قدم لنا في هذا المضمار قائمة فقط من أسماء المؤرخين وفلاسفة التاريخ والحضارة . منهم مثلاً المؤرخ اليوناني ” توسيديد ” (أو كما نسميه ثيوسيديدس) والذي ذكر إسمه دون أي تعليق . وثيوسيديدس هو صاحب الكتاب الشهير ” تاريخ الحرب البلوبونيزية ” .  والذي  يتنازع مع المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوتس على لقب إبوة التاريخ والذي غاب حضوره في الخطاب المالكي على الرغم من مكانة كتابه الشهير ” التواريخ ” ، والذي يعد أول سجل تاريخي حضاري وصلنا مكتوباً ، ففيه هيرودوتس كان مؤرخاً فيلسوفاً وفيلسوف حضارة متقدم على عصره بقرون عدة . 

  صحيح إن ” هيرودوتس ” ولد قبل ” ثيوسيديدس ” بأربع وعشرين سنة ، وتوفي قبله بثلاثين عاماً . فمن المعروف إن هيرودتوس ولد عام (484 ق.م) وإن ثيوسيديدس ولد عام (460 ق.م) . وإن الأول توفي عام (425 ق.م) ، وإن الثاني توفي عام (395 ق.م). وصحيح جداً إن هيرودوتس كان الأكبر سناً ، إلا إنهما عاشا وعملا سوية في عصر واحد وعلى الأقل لمدة أكثر من عقدين من الزمن . وإذا كان هيرودوتس أباً للتاريخ بلا منازع ، فإن ثيوسيديدس كان أباً للتاريخ العلمي بإستحقاق وجدارة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبوة التاريخ بين هيرودوتس وثيوسيديدس : تأمل فلسفي في الثقافة اليونانية / بحث سينشر على صفحات موقع الفيلسوف) .

  وإضافة إلى ثيوسيديدس فقد ضم مالك إلى قائمته المؤرخ ” فرانسو جيزو ” (1787 – 1874) (أنظر: مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 23) . و ” السير جون هالفورد ” (المصدر السابق ، ص 96) ، و ” أرنولد توينبي ” (1890 – 1975) (المصدر السابق ، ص 97) ، و ” هيجل ” (1770 – 1831) (المصدر السابق ، ص 18) ، و ” ماركس ” (1818 – 1883) (المصدر السابق ، ص 19) . كما وقد غابت من دائرة تفكير مالك أسماء مهمة أخرى من فلاسفة التاريخ والحضارة ، أسماء كانت لها دوراً مؤثراً في كتابة نصوص عالجت محاور بالغة الأهمية في مضماري فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة .

حضور فيلسوف التاريخ ” توينبي “

  ولما كان المفكر الإسلامي مالك بن نبي معني بقيام الحضارات وأفولها ، فإننا نجد من الازم أن نقف قليلاً عند المؤرخ وفيلسوف التاريخ الإنكليزي ” توينبي ” ، نستوضح موقفه من إزدهار الحضارات وتدهورها . حقيقة إن توينبي حاله حال إشبنجلر ، فقد إعتمد عليه  ، وكان قارئ جيداً لموسوعته ” تدهور الغرب أو إفول الحضارة الغربية ” . كما إنه أخذ بمنهجه البايولوجي ووضعه في إطار ” التحدي والإستجابة ” ، ولكنه  في الوقت ذاته رفض الجبرية الصارمة الملازمة له ، وإقترح بدلاً عن ذلك هامشاً من الحرية ، فقد رأى إن بعض الحضارات قد نجحت عندما وصلت إلى نقطة الإنطفاء ، وفعلاً تمكنت من تجديد نفسها وتجاوزت ” المأزق الحضاري ” لحظة الدخول إلى عالم الإنطفاء والسقوط . ونشعر في هذه النقطة إن قلب مالك وضميره قد خفقا وتعاطفا مع فكرة ” الإستمرار الحضاري ” أو ” تجاوز المأزق التاريخي ” ..

   لقد كتب توينبي موسوعته المعنونة ” بحث في التأريخ ” وهي شبيهة بمغامرة إشبنجلر . والواقع إن بحث في التأريخ يعد أغرب تسجيل لرحلة روحية في القرن العشرين قام بها فيلسوف التاريخ ” توينبي ” وهي بالتأكيد مسبوقة بالموسوعة الإشبنجرية ” سقوط الغرب ” . وتوينبي يعترف بأن الرؤية التي دفعته إلى تأليف بحث في التأريخ ، هي محاولة إدراك ” اللغز الذي يتمثل في جرائم البشر وحماقاتهم ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ ، نشرة مطابع جامعة الموصل 1987 ن ص 90) .

   إن إتجاه توينبي كإتجاه شبنجلر ، يحمل دعوى إحتجاج ضد أولئك المؤرخين الذين يكتبون وكأنهم يقفون خارج التأريخ . كما إن توينبي يتفرد في مفهومه للإزدهار الحضاري ، فهو يرفض التسليم بان البشر يزدهرون في أسهل الظروف . ويرى إنهم يزدهرون في الظروف التي تتحداهم أشد تحد ؛ فكلما ” إزداد التحدي صار الذين يواجهونه أشد عظمة ” (المصدر السابق ، ص 91) .

  ومن ثم يتساءل توينبي : لماذا تتدهور الحضارات ؟ وهو السؤال الذي سيكون موضوع إهتمام المفكر الإسلامي مالك بن نبي . ويرى توينبي إن السبب يعود إلى إن النوابغ يتخلون عنا ، ولذلك ينظر إلى الإنهيار الحضاري بإعتباره ” خسارة في الطاقة المبدعة التي تضم بين جنباتها ، نفوس المبدعين ، أو الأقليات المبدعة ، وهي خسارة تجردهم من قدراتهم السحرية على التأثير على نفوس الجماهير العاطلة من الإبتداع .. فإن الزمار (الموسيقي) الذي يفقد مهارته ، يعجز .. عن إغراء أرجل الجمع بالإستجابة للرقص ” (المصدر السابق ، ص 93) .

  ونحسب إن مالكاً قد تدارس بعناية فائقة أفكار ومناهج  فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” شبنجلر ” . كما وإعتنى بمنهج التحدي والإستجابة عند فيلسوف التاريخ والحضارة الإنكليزي ” توينبي ” . ولم يقف مالك عند ذلك ، بل حاورهما بندية عالية ، وتمكن من مقارنة وتقويم فلسفاتهما ومناهجهما مع المتولد من مناهج وفلسفات غربية متنوعة وخصوصاً إطروحات فيلسوف التاريخ ” هرمان دي كيسرلنج ” ، وفي ضوء مسارات التاريخ والحضارة الإسلاميين .

3

  عرفت دائرة تفكير المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي في فلسفة التاريخ ، العديد من الإتجاهات الفلسفية أو المناهج التي تناولت التاريخ والحضارة بالدراسة والتحليل والبحث . وهي بالتأكيد الإتجاهات أو المناهج التي ولدها العقل الغربي والتي حملت في أحشائها نتائج التجربة الحياتية والنفسية والأقتصادية والسياسية والتقنية التي عاشتها الذات الغربية أو كما يقول إشبنجلر ” النفس الفاوستية ” (نسبة إلى فاوست بطل غوته) خصوصاً في تجربتها الحديثة التي ورثت ” الحيرة وفقدان الإيمان ” من تراث بديلها الوسطوي ” النفس السحرية ” .. وهنا نسعى إلى بيان درجات حضور هذه الإتجاهات في الخطاب الثقافي المعرفي الذي كتبه مالك بن نبي .

الإتجاه المثالي في تفسير التاريخ

    سجل هذا الإتجاه من التفسير الفلسفي للتاريخ حضوراً ملحوظاً وبصور مختلفة في خطاب مالك . فمثلاً إن الصورة التي كانت لها مكانة راجحة ، هي حضور الفيلسوف الألماني ” جورج ويلهلم هيجل ” (1770 – 1831) ومعروف إن كتابه ” محاضرات في فلسفة التاريخ ” قد ترجم من الألمانية إلى الفرنسية في وقت مبكر بعيد نشره لأول بالألمانية والتي كانت بعد ست سنوات من موت هيجل وبالتحديد في العام 1837 . وفعلاً إن ولده شارلز هيجل ، هو الذي قام بمهمة نشرها وذلك عندما قام بجمع الملاحظات من الطلاب الذين حضروا محاضراته الأكاديمية ، ومن ثم قارنها بإصول محاضرات  والده المودوعة في مخطوطة هيجل لعام 1822 .

  والسؤال : هل قرأ مالك هذا الكتاب في ترجمته الفرنسية ؟ أو قرأ عنه مراجعة في المجلات والدوريات الفرنسية المعنية في فلسفة التاريخ والحضارة يومذاك ؟ إن نصوص مالك المتوافرة لا تقدم لنا أي جواب على سؤالنا هذا . ولما كان التاريخ عند هيجل هو زحف ، فإن حركته محكومة بالإيقاع الثلاثي لمنهجه الدايلكتيكي ، والمتمثل بثلاثية : الأطروحة ، النقيضة والتركيب ، والتي شرحها ماركس لاحقاً بالشكل الأتي : فمثلاً الإطروحة = الملكية في فرنسا ، النقيضة = الثورة الفرنسية ، التركيب = نابليون الذي حمل معه طرف من الملكية الفرنسية وطرف من الثورة الفرنسية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : فلسفة التاريخ ؛ دراسة في الإصطلاح والتأسيس / سيظهرعلى موقع الفيلسوف) . 

كما وصاحب الحديث عن هيجل في الخطاب المالكي، حضور التفسير الديني للتاريخ . وبحدود الإطروحة المالكية ، فأن هذا الحضور إتخذ شكلين :

الأول – التفسير المسيحي للتاريخ والمتمثل بإطروحة ” هيرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) .

الثاني – التفسير القرآني ” الإسلامي ” للتاريخ والذي تقدم به مالك بن نبي (أنظر:  محمد جلوب الفرحان ؛ المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي / الفصل

الرابع من كتابنا الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي) .

الإتجاه المادي (الإقتصادي) في تفسير التاريخ

 مثل هذا الإتجاه في أدبيات فلسفة التاريخ المتداولة ” كارل ماركس ” (1818 – 1883) والذي ولد بعد موت هيجل بثلاثة عشر عاماً ، ولا تبين جريدة مؤلفاته إنه خص فلسفة التاريخ بكتاب عالج فيه موضوع فلسفة التاريخ من زاوية ماركسية . ولكن الحق إن ماركس عالج حقب التاريخ في مؤلفاته (مثل المشاعية الأولى ، والعبودية أو الرق  ، والإقطاع والبرجوازية … ) في كتابه المشتركة مع زميله ” فردريك إنجلز (1820 1895) والمعنون ” شروط الطبقة العاملة في إنكلترا (1844) وكذلك في كتابه رأس المال . وهذا موضوع سيكتب عنه خلفاء ماركس  والذين حفروا في نصوصه ونصوص زميله إنجلز والتي كونت مضمار ”  التفسير الماركسي للتاريخ ” .

  والحقيقة إن مالك ذكر ماركس فقط .. ولم يذكر شيئاً على الإطلاق عن الكتاب الماركسين الأخرين ، والذين دشنوا دائرة الثقافة الغربية بكتاباتهم الرائدة في مضمار التفسير المادي للتاريخ . صحيح إن إنجلز ومن ثم فلاديميرلينين (1870 – 1924) قد كتبا في المادية التاريخية . ولكن حتى هذه الفترة لم يظهر كتاب بعنوان التفسير المادي للتاريخ في دائرة الثقافة الماركسية . ولعل التباشير الأولى لهذا النمط من الكتابات في التفسير المادي للتاريخ جاءت على يد كل من الألمانيين ” أدورد برنستين ” (1850 – 1932) (أنظر كتاباته المختارة من 1900 – 1921) و ” كارل كوتسكي ” (1854 – 1938) خصوصاً في كتابه المعنون ” الثورة العمالية ” والصادر عام 1924 .

  أما القصة الحقيقية لمضمار فلسفة التاريخ من زاوية ماركسية ، فإنها تبدأ مع الروسي “جورجي بليخانوف ” (1857 – 1918) . وكان شخصية غير مريحة للرفيق لينين ، وكان موته المبكر راحة للرفيق لينين .  كان بليخانوف فيلسوفاً حقيقياً ، وفيلسوفاً منتجاً في فلسفة التاريخ  . فقد أصدر العديد من المؤلفات ، مثل كتابه الشهير ” المفهوم المادي للتاريخ ” (نشر عام 1891) . وتلاه كتابه الرائع ” تطور النظرة الواحدية للتاريخ ” (نشر عام 1895) . ومن ثم تبعه كتابه ” مقالات في تاريخ المادية ” (نشر عام 1896) وكتب رائعته التي أثارت جدلاً والتي لازلت تثير الجدل ، والمعنونة ” أسئلة حول دور الفرد في التاريخ ” (نشر عام 1898) . إن كل هذه الأعمال المهمة في فلسفة التاريخ كانت غائبة من أنظار مفكرنا الإسلامي مالك بن نبي رغم إن ترجماتها الفرنسية كانت متوافرة له يومذاك .

 ولكن بالمقابل عرف مالك ماركس ونظرته الأحادية في تفسير التاريخ . وهذا الإتجاه من التفسير تعامل معه مالك أخذاً ونقداً ، تقويماً وتعديلاً . كما إن حضوره كان واضحاً في الخطاب الثقافي الذي كتبه المفكر الإسلامي والذي عالج فيه موضوعي التاريخ والحضارة (أنظر : مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص ص 18 – 19) .

الإتجاه البايولوجي – الجيولوجي في تفسير التاريخ

  يرتبط هذا النمط من التفسير البايولوجي – الجيولوجي للتاريخ والحضارة بكل من فيلسوف التاريخ الألماني ” إسوالد إشبنجلر ” ، وفيلسوف التاريخ البريطاني ” إرنولد توينبي ” والذي تابع الثورة الإشبنجلرية في طرفها البايولوجي المستبطن لبايولوجيا داروين ، والذي عطل فيه طرف جيولوجيتها المتفرد . إنه خيار توينبي وإنتخاب لطرف وشطب لطرف لا يتناغم والخليط العقيدي الذي رجحه داينمو جديد ينقل الحضارة الغربية من مأزق الموت الحضاري (كما ردد توينبي لكلمة السيد المسيح : تمسك وإنتظر) إلى محط الولادة الحضارية المرتبط بعملية إنبات روح شرقية متجددة في جسم الحضارة الغربية المادي التكنولوجي (والذي تمثل بكلمات توينبي بدور الخليط العقيدي البهائي ألمستبطن للإسلام واليهودية والمسيحية في التحريك للروح الحضاري الغربي الذي أصابه التخشب) .

   حقيقة إن الأول إشبنجلر ، وهو صاحب الثورة في فلسفة التاريخ ، قد سجل حضوراً في الخطاب المالكي ، وبالتحديد في حتميته البايلوجية في إفول الحضارات وموتها (مالك بن نبي ؛ المصدر السابق ، ص 95) مع لفت نظر القارئ الكريم إلى إن دائرة تفكير مالك قد أهملت حتى التعليق على خطورة التفسير الجيولوجي المجحف للحضارة العربية الإسلامية حين طبق عليها إشبنجلر التفسير الجيولوجي للحضارة ، وبالتحديد في المجلد الثالث من موسوعته المعنونة ” تدهور الحضارة الغربية أو إنهيار الغرب ” ووصم الحضارة العربية الإسلامية ، بأنها حضارة تشكلت تشكيلاً كاذباً مثلما تتشكل بعض الصخور بطريقة كاذبة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف والتاريخ ، نشرة جامعة الموصل  1987 ، الفصل الثالث ، ص 54 وما بعد) .

  أما الثاني توينبي ، وهو المستبطن للثورة الإشبنجلرية في طرفها البايولوجي ، فقد كان حاضراً في الخطاب المالكي في بايلوجيته التاريخية في طرفيها ” التحدي والإستجابة ” (أنظر: مالك بن نبي ؛ المصدر السابق ، ص 20) . إن حضور هذا الإتجاه بشكليه في الإطروحة المالكية كان بيناً وواضحاً . أما ما يهمنا من التفسير الإشبنجلري ، هو الطرف الجيولوجي والذي مثله المجلد الثالث من كتابه ” تدهور الغرب ” أو كما يسميه مالك ” إفول الغرب ” . ونحسب إن هذه المنهجية الإشبنجلرية الجيولوجية أو نقدها كانا غائبان عن دائرة تفكير مالك وإهتمامه لحظة كتابة خطابه في فلسفة التاريخ .

الإتجاه الجغرافي في تفسير التاريخ

   إحتضن الخطاب الثقافي الذي كتبه المفكر الإسلامي مالك بن نبي شكلاً من أشكال هذا الإتجاه . ومن الملاحظ على التفسير الجغرافي لحركة التاريخ وإنشاء الحضارات ، قد نهض بحدود الإطروحة المالكية على بيان لأثر الفكرة الدينية ” حين ترتبط بعنصر المكان ” (مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 54) . وهنا إستند مالك إلى مقال كتبه بيير دي فونتين ” (1685 – 1745) والذي تقدم فيه بملحمة أخاذة حسبما يرى مالك عن ” التفسير الديني في الجغرافية الإنسانية ” ( المصدر السابق ، ص 56) . كما إنه إعتمد على إفادات المؤرخ الفرنسي ، وفيلسوف التاريخ ” فرانسواز جيزو ” (1787 – 1874) (مالك بن نبي ؛ المصدر السابق ، ص 55) .

  ونحسب إنه قد غاب عن دائرة تفكير مالك مصدر مهم في تأويل الجغرافي للتاريخ . ونقصد ” مونتسكيو ” 01689 – 1755) صاحب كتاب ” روح القوانين ” . فقد أدلى مونتسكيو بأفكار في غاية الأهمية في مضمار إنشاء التأويل الجغرافي للتاريخ ، وبالتحديد دور المناخ في حياة الشعوب والحضارات ، والذي جاء في كتابه ” الملكية العالمية ” والصادر عام 1734 .

الإتجاه النفسي في تفسير التاريخ

   عرفت دائرة تفكير مالك الإطروحات النفسية التي إعتنت بدراسة ” الأحداث التاريخية ” وحركة الناس في التاريخ . وكان لتلك الإطروحات النفسية حضوراً واضحاً في الخطاب الثقافي المالكي ، والذي أخذ أشكالاً من الإعتماد على المنهج النفسي في التحليل ، أو على الأقل إستند إلى مقولات علم النفس والإستعانة بها في فهم حركة الأفعال البشرية . فعلاً لقد إعتمد مالك على مدرسة التحليل النفسي لسجموند فرويد (1856 – 1939)  والفريد أدلر (1870 – 1937) وكارل يونغ (1875 – 1961) في تفسير الفعل المباشر الذي تتركه الفكرة الدينية ” في الوقائع النفسية الإجتماعية التي تكون ظاهرة التاريخ ” (مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 13) .

  ويبدو لنا إن مالكاً كان يسعى إلى تحليل التاريخ الإسلامي من وجهة نظر نفسية ، قائمة على التعامل مع أحداث التاريخ على إنها ” أمراض ” إجتماعية تتطلب المعالجة النفسية . إضافة إلى إن الإطروحة المالكية قد نزعت إلى فهم أفعال البشر في التاريخ ولحظة إنشاء الحضارات ، إلى التمييز بين ما هو ” عقدة ” ، وما هو نابع من قرار ” السوية ” (مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 41) .

  كما وإعتمد في تفسير حركة التاريخ والحضارة ، والمجتمع ومن ثم تكوين شبكة علاقاته الإجتماعية على معطيات نفسية عامة . إلا إن مالكاً تحول إلى شواطئ التخصص في علم النفس . وهذا تحول مهم في دائرة تفكير مالك .فقد إستندت إلى إطروحات عالم النفس الروسي ” إيفان بافلوف ” (1849 – 1936) في بيان أسباب تمزق شبكة العلاقات الإجتماعية ، ومن ثم الإيذان بدخول الحضارة مرحلة الإفول (المصدر السابق ، ص ص 60 – 61) .

إتجاه البطولة والأبطال في تفسير التاريخ

   حقيقة كان هذا الشكل من التفسير لأحداث التاريخ ، حاضراً في الخطاب الثقافي الذي كتبه يراع المفكر مالك بن نبي . ولكن يبدو إن مالكاً لم يقبل بهذا الشكل من التفسير ، ولذلك قدم له نقداً وتقويماً ، على الرغم من إن صفحات التاريخ الإسلامي متخمة بقصص الأبطال والبطولة . فقد ذهب مالك إلى وصف هذا التفسير بكونه ” إسطوري ” وذلك لأن الأبطال على حد عبارات مالك ” أقرب إلى الإسطورة ” منها ” إلى التاريخ ” (مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 22) . ولأن الأبطال حسب فهم مالك ” يقاتلون من أجل الطموح ، وإكتساب المجد ، وليس من أجل مجتمعاتهم ” (المصدر السابق) ولهذا جاءت رؤيته إلى البطل ، على إنه شبح أو ” كأنه حلم طواه النوم ” (المصدر السابق) .

الإتجاه الإجتماعي في تفسير التاريخ

   تداولت دائرة تفكير مالك هذا الشكل من أشكال التفسير للتاريخ ، وتعاملت معه وذلك لتمكينها من فهم الأحداث التاريخية وخصوصاً حركة الناس في الحياة ، وفهم الكيفية التي تتشكل فيها مواقفهم ودور الحدث التاريخي في إستقطابهم وتجمعهم . ويرى مالك إن الفهم الإجتماعي يقدم زاداً معرفياً فيه الكثير من الفائدة ، وخصوصاً في معرفة عوامل حركة التاريخ . وبالتحديد في فهم طرفي العملية التاريخية ؛ الإنطلاقة الأولى ونقطة التوقف والإفول .

  ونحسب إن مالكاً كان الرائد والحارث الأول في مضمار التفسير الإجتماعي لحركة التاريخ في دارنا الثقافية العربية المعاصرة ، وذلك عندما إعتمد على مقولتي ” تكون شبكة العلاقات الإجتماعية ” و ” تمزق شبكة العلاقات الإجتماعية ” (المصدر السابق ، ص 25) . حيث تصاحب الأولى البداية الحقيقية لنشوء المجتمعات والحضارة . وترافق الثانية لحظة تفكك المجتمعات ودخول الحضارة دائرة ” الإفول ” . ومالك يعتقد بأن هذا التفسير ينطبق على ” المجتمع الإسلامي ” (المصدر السابق ، ص 26) .

الإتجاه الوثني في تفسير التاريخ

   تعاملت دائرة تفكير مالك مع شكل أخر من أشكال التفسير لحركة التاريخ ونشوء أنماط من الحضارات . وهذا التفسير يمكن الإصطلاح عليه ” بالتفسير الوثني للتاريخ “. والحقيقة إن مالكاً إعتمد على مفهوم ” الوثنية ” معياراً فسر على أساسه أسباب توقف نسغ الحضارة ، وتحول معطياتها إلى صور من الذاكرة ، والتي إختارت لها مكاناً في الذمة التاريخية . كما ويستند إلى مفهوم الوثنية من أجل فهم الإنكسارات والإنحرافات الحادثة في مسيرة الشعوب ، والتي تؤدي إلى شطب مساهمتها في البناء الحضاري الإنساني .

     وينهض هذا الشكل من التفسير على مفهوم ” الوثنية ” ، والذي يعني ببساطة إن ” الفكرة ” ولأسباب ما تتوقف من فعلها الروحي المؤثر ، وتتحول إلى ” صنم ” أو ” وثن ”  (المصدر السابق ، ص 36) . والحاصل من كل هذا إن هذا الصنم يجر معه الأحداث وأفعال الناس والوقائع الإجتماعية وما يتعلق بها من عادات وطقوس وتقاليد ،  إلى دائرة التحجر والإنجماد ، فتدخل الحياة والحضارة بداية في مأزق  ومن ثم الإفول وذمة التاريخ .

تعقيب ختامي

 كتب المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي العديد من النصوص التي تناولت التاريخ وفلسفته . حقيقة ان هذه النصوص بينت بصورة واضحة حجم المثابرة المالكية ، الساعية الى تحويل التاريخ ، وعلى الادق التاريخ الاسلامي ، موضوعا للتأمل الفلسفي . ولعل الحاصل من ذلك مواقف مالكية ، تكشف عن فعل متابعة ، وبعض الاحيان أستحواذ لاراء فلاسفة التاريخ والحضارة ، على الاطروحة المالكية هذا من طرف . وفيها من طرف اخر ، الكثير من الانتاج والريادة والتكييف مع المنهج الذي انتخبه مالك في دراسة التاريخ  ، ومساهمته في صياغة فلسفة خاصة به .

    ان ما كتبه مالك في التاريخ والحضارة وفلسفتهما ، يشكل ” ظاهرة معرفية ” في الدار الثقافية العربية . وان قراءة افادات هذه الظاهرة ، تبين لنا بأن مالك قد وفر للقارئ ، ومن ثم للباحث ، زادا معرفيا واسعا ، تعرضه جمل مختصرة ، تتجاور في داخل ابنيتها اراء مدارس متنوعة في فلسفة التاريخ . وكذلك تتقابل فيها نتائج ابحاث ، انجزها فلاسفة ومؤرخون كان لهم حضورا في دائرة الثقافة الغربية . في حين غابت بشكل ملحوظ مدارس فلسفية أخرى في التاريخ .

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(4)

حضور فيلسوف التاريخ ” هرمان دي كيسرلنج “

                في خطاب مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

1

  إهتم المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي ، بشكل ملفت للنظر بفيلسوف التاريخ الألماني الكونت  ” هرمان كيسرلنج ” (1880 – 1946) . حيث لاحظ الباحث  تصدر إطروحة  ” كيسرلنج ” والمعنونة ” الفكرة الدينية في التاريخ ” الواجهة المهمة من العمارة الفلسفية المالكية ، بل إنها إحتلت مكاناً غير إعتيادي في الخطاب الذي كتبه مالك في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . والحقيقة إن فيلسوف التاريخ ” كيسرلنج ” قد تناولها بالدراسة والبحث في كتابه المعنون ” البحث التحليلي لأوربا ” كما ورد في نصوص مالك (أنظر: مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 13) . ولا أعرف إن كان هذا العنوان هو عنوان الترجمة الفرنسية التي قرأها مالك أو كان عنواناً لإحدى المقالات الفرنسية التي تناولت كتاب كيسرلنج بالتحليل والتي إطلع عليها مفكرنا مالك .

  ولكن من طرفنا الأكاديمي نشعر بمسؤولية التدقيق في العناوين  وهي في الحقيقة مسؤولية وضعها مالك على عاتقنا وذلك عندما كان يدقق في الأسماء ومسمياتها . فقد كان حريصاً على تسميةالأشياء بأسماءها الحقيقية بحيث لا تترك مجالاً للغموض وساحة معتمة قابلة للتأويلات المتعارضة . ومن هنا  نحسب إنه من الضروري أن نخبر القارئ والباحث في مضماري فكر بن نبي وفلسفة التاريخ . بأن عنوان كتاب كيسرلنج في ترجمته الإنكليزية ، لم يحمل أية إشارة إلى ” بحث تحليلي ” وإنما جاء بعنوان عام هو ” أوربا ” . أما االمنهج الذي إستخدمه كيسرلنج في كتابه هذا ، فكان منهج التحليل الطيفي لواقع الشعوب الأوربية المتنوعة . وقد أنجز ترجمته الإنكليزية الأكاديمي الروماني الأصل ، والبريطاني الولادة والأمريكي الجنسية ” موريس صمويل ” (1895 – 1972) والتي نشرته دار هاركورت في نيويورك عام 1928 . ولكن عندما عدنا إلى قوائم كتب الفيلسوف كيسرلنج بالألمانية ، وجدنا إن عنوان الكتاب جاء بالشكل الأتي :

    أي ” طيف (موزائيك) أوربا ” Das Spektrum Europas 

 ولكن الباحث وجد نشرة للكتاب باللغة الفرنسية ، جاءت بالعنوان الأتي :

Analyse Spectrale de l’Europ

مما يدل على إن المفكر الإسلامي ، إعتمد على عنوان الترجمة الفرنسية ، التي فيها الإشارة واضحة إلى ” تحليل طيفي لأوربا ” أو كما ترجمه مالك ” بحث تحليلي لأوربا ” . وكذلك لاحظنا إن إسم الفيلسوف الذي ظهرت فيه لفظة ” دي ” جاء من الترجمة الفرنسية وليس من الأسم الألماني للفيلسوف الكونت كيسرلنج .والحقيقة إن مالكاً أعلن صراحة ودون تردد على تبني فكرته ، وذلك لأنه وجد فيها إمكانية تطبيق على التاريخ والحضارة العربية الإسلامية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي / الفصل الرابع من كتابنا المعنون “الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي “) .

 يهدف هذا المقال إلى :

أولاً – التعريف بشخصية فيلسوف التاريخي الألماني كيسرلنج ؛ إنساناً ومؤلفاً وفيلسوفاً . وبالتأكيد من وجهة نظر المصادر الإنكليزية وما ترجم إليها .

ثانياً – التأمل من زاوية فلسفة التاريخ في رائعة كيسرلنج ” أوربا ” في عنوانها الإنكليزي ، والتي أسماها مالك بن نبي ” بحث تحليلي لأوربا ” .

ثالثاُ – تحديد مكانة كيسرلنج في الخطاب الذي كتبه مالك في مضماري فلسفة التاريخ والحضارة .

رابعاً – مناقشة الأسباب التي حملت بعض الأكاديميات العربية والباحثين الأكاديميين فيها إلى شطب الإطروحة الكيسرلنجية من أطروحات طلبتها للدكتوراه ، وهي الجزء الذي يعتز به المفكر الإسلامي مالك بن نبي وأعلن صراحة عن تبني فكرته وعمل بكل صدق على تطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين .

هرمان كيسرلنج : إنساناً وفيلسوفاً

  جاء الفيلسوف الألماني ” هرمان الأسكندر كريف وهو لقب أرستقراطي) كيسرلنج ” من عائلة ألمانية إرستقراطية ثرية جداً . وكانت تسكن في السواحل الشرقية من بحر البلطيق ، والتي تشكل اليوم أراضي كل من دولتي إستونيا ولاتفيا (للتفاصيل راجع : كريستين أريك ؛ الحملات الصليبية الشمالية : سكان الثغور البلطيقية والكاثوليكية من عام 1100 وإلى عام 1525 ، والمنشور بالإنكليزية عام 1980) . ولد الطفل هرمان (في 20 تموز عام 1880) في قرية كونو التابعة إلى منطقة برنا التي كانت خاضعة للإمبراطورية الروسية يومذاك (واليوم هي جزء من دولة إستونيا) .

  ويحمل الفيلسوف هرمان كيسرلنج لقب ” الكونت ” أو ” كريف  ” باللغة الألمانية . ووفقاً لرواية ولده البروفسور والرمز الروحي ” إرنولد كيسرلنج ” ، فإن هذا اللقب المضاف إلى إسمه ، هو لقب توارثته العائلة منذ إن كانت تعيش في الريف البلطيقي من إستونيا ( البروفسور كيسرلنج (الإبن) : الكونت هرمان كيسرلنج : الفيلسوف ومؤسس مدرسة الحكمة / موقع إلكتروني / تحديث تموز 2010) .

   وبحكم مكانة عائلته الإرستقراطية فقد حصل على تعليم أكاديمي عالي . حيث ذكر كتاب سيرته ، إلى إنه إلتحق بعد تعليمه الثانوي بعدة جامعات مرموقة مثل جامعة تارتو (يطلق عليها اليوم جامعة إستونيا) ، وجامعة هيدلبيرك وهي من أقدم الجامعات الألماني (فقد تأسست عام 1386) وهي واحدة من أربعة جامعات أسستها الإمبراطورية الرومانية المقدسة . ومن ثم تابع دراساته الأكاديمية في جامعة فينا (وهي من أقدم الجامعات الألمانية في النمسا والعالم الذي يتكلم الألمانية على حد سواء ، فقد أسسها الدوق رودلوف الرابع عام 1365) . وكان مولعاً بالعلوم الطبيعية والفلسفة .

    ولاحظ الباحثون في سيرته الذاتية إلى إنه إنخرط قبيل الحرب العالمية الأولى في عدة فصول جامعية لدراسة الجيولوجيا . وإنه خلال هذه الفترة كتب العديد من المقالات التي تدور في مضمار ثقافة الجمهور . ومن ثم قام برحلات حول العالم ، إتصل خلالها بشعوب وثقافات متنوعة ، كان لها الأثر في تكوين أفقه الفلسفي الإنساني المنفتح ،  والتي كانت بدورها المحرك في تأسيسه لمدرسة الحكمة ، والتي ضمت بالإضافة له عدداً من المفكرين الذين سيكون لهم شأن في تكوين الأفاق الثقافية والمعرفية لعالم القرن العشرين .

  ولهذا ينظر الباحثون إلى هرمان كيسرلنج بتقدير عال ، وذلك لكونه أول مفكر غربي أعلى من مكانة ” الثقافة ” وسعى إلى تعزيز دورها بعيداً عن النزعات ” القومية ” و ” الإثنية ” . ودعا إلى الإعتراف بالثقافات والفلسفات ” اللاغربية ” . وإن تكون لها قيمة متساوية وعلى قدم وساق مع الثقافة الغربية (أنظر: البرفسورأورلوند كيسرلنج ؛ المصدر السابق) .

  وفي العام 1911 قام برحلة حول العالم ، والتي صرف فيها سنة كاملة من حياته . ومن ثم تفرغ لمدة ست سنوات لاحقة للكتابة عن التجارب التي ضمتها هذه الرحلة ، والتي نشرها بعنوان ” يوميات رحلة الفيلسوف ”  . وهي بالتأكيد رحلة روحية كما يصفها هرمان (البرفسور كيسرلنج (الإبن) ؛ المصدر السابق) . 

  وحملت الثورة الروسية التي حدثت في العام 1917 ، والتي أنهت حكم القياصرة ، وقادت إلى قيام الإتحاد السوفيتي ، حملت معها أثاراً مؤذية على هرمان كيسرلنج . فقد حرمته الثورة من ممتلكاته في لفونيا (وكانت جزء من الأمبراطورية الروسية ، اليوم تقع أجزاء منها في إستونيا وأجزاء في لاتفيا) ، وعلى الرغم من خسارة ممتلكاته بعد قيام الثورة الروسية ، فإنه إستثمر ما تبقى لديه من ثروة في تأسيس مدرسته الشهيرة التي عرفت بمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة ،  وذلك في العام 1920 والتي أقامها في مدينة دارمشتات التي تقع في الطرف الجنوبي من منطقة الراين .

   ووفقاً لرأي البروفسور كيسرلنج ، فإن مدرسة الحكمة نهضت على أسس مدارس الحكمة الأصلية التي إنتشرت قبل ألفين سنة في شمال الهند  والتي كانت خاضعة للقواعد التي وضعها “ بوذا ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة الحكمة ومكانتها الروحية في الغرب / قيد الإنجاز) . ولعل من النافع أن نشير إلى إن كيسرلنج الإبن يرى إن والده يختلف عن المتداول اليوم من الزعماء الروحيين . فهو لم يضع نفسه في مكانة عالية كقائد روحي أو ” كورو ” ، كما إنه لم ينشأ طائفة مرتبطة بإسمه . بل على العكس من ذلك شجع المشاركة المتساوية للجميع ، ومن ضمنهم أصدقائه كل من عالم النفس ” كارل يونك ” (1875 – 1961) ، وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم (1873 – 1930) ، وشاعر الهند الكبير طاغور (1861 – 1941) والروائي هرمان هس (1877 – 1962) (المصدر السابق) .

   كما كانت وظيفة المدرسة التركيز على الإهتمام بالجانب الفكري (العقلي) الألماني ، والدعوة إلى الإنفتاح الألماني على العالم ، والأخذ بالمبادئ الديمقراطية ، وذلك لأن الفيلسوف هرمان تيقن بأن النزعة الألمانية العسكرية قد ماتت وطوتها روح العصر. وإن الأمل الوحيد أمام ألمانيا هو تبني النزعة العالمية والأخذ بمبادئ الديمقراطية . ولعل أثر رحلاته حول العالم  ، هو الذي منحه هذا الأفق العقليً الجديد ، ولذلك تطلع أن يكون أفقاً ألمانياً جديداً . وإن الشاهد على ذلك كتابه المعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” والتي تصف رحلاته إلى أسيا وأميركا وجنوب أوربا (المصدر السابق) .

علاقة كيسرلنج بالفلاسفة الغربيين

  ومن النافع الإشارة إلى إنه كانت للفيلسوف هرمان كيسرلنج ، علاقات حميمة مع عدد من مشاهير الفلاسفة الغربيين يومذاك ، والذين سجلوا حضوراً في الخطاب الثقافي المعرفي الذي كتبه المفكر الإسلامي مالك بن نبي . و من أمثال هؤلاء الفلاسفة ،  الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” (1872 – 1970) . فقد أشار الباحث ” أورمز ستورب ” إلى إن زيارة الفيلسوف البريطاني إلى إستونيا في عام 1920 . ولكن هذا لايعني إنها دشنت مرحلة إتصال أولى بين فيلسوف السلام والمفكرين الأستونيين ، بل إن علاقتاته مع الفلاسفة الألمان من إصول بلطيقية تصعد إلى فترة أبعد من ذلك بكثير . فقد كانت له علاقات  متقدمة زمنية على زيارته مع الكونت هرمان كيسرلنج ، وأخته الكونتيسة ” لوني كيسرلنج ” (1887 – 1845) . وهي تحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هيدلبيرك عام 1912  ، وكان عنوان إطروحتها ” التطورات الدينية والسياسية .. ” والتي نشرت في هيدلبيرك شتاء العام 1913 في كتاب بعنوان ” التطورات الدينية والسياسية للفترة 1816 – 1820″ . ومن ثم أصبحت أستاذاً للفلسفة في جامعة شنغهاي .

  ويرجح الكاتب إلى إن العلاقات الشخصية بين رسل وآل كيسرلنج تعود إلى عام 1903 ،  فقد ذكر الفيلسوف هرمان في سيرته الذاتية ، إلى إنه في  هذه الفترة كان يعيش في فينا ، ومن ثم في باريس ، ومن هناك قام بزيارة إنكلترا (أنظر : أورمز ستورب ؛ برتراند رسل في إستونيا ، نشرة معهد اللغة الإستونية / وكذلك منشور في مجلة دراسات برتراند رسل ، مركز بحث برتراند رسل – جامعة ماكمستر (كندا) / العدد 26 صيف 2006 ، ص 55 ، 60 وما بعد) .

  وفي رسالة تعود إلى 30 أب 1916 ، بعثتها الفيلسوفة ليوني كيسرلنج إلى الفيلسوف برتراند رسل . تقول فيها :

  أخي وأنا قد إنتهينا تواً من قراءة كتابك ” العدل زمن الحرب ” . ونحن نعبر عن إعجابنا وتقديرنا (وبعد تفاصيل ومدح للكتاب ، ومناقشة للسياسات العالمية .. ) تقول :

إن حديثي معك يبقى من أهم الذكريات الإنكليزية .

(ومن ثم تسأله عن بنت أخته كارين كوستلو) ( المصدر السابق) .

  هذا فيما يخص الفيلسوف البريطاني وعلاقته بالفيلسوف هرمان كيسرلنج ، ويبدو إن علاقتهما أخذت بعض الأحيان مداً وجزراً . أما علاقته بالفلاسفة الغربيين الأخرين ، فقد ذكرهم عندما إسترجع ذاكرته فقال :

في الفترة التي عشت فيها في فينا وباريس ، غالباً ما أسافر وألتقي ببعض الشخصيات الروحية في أوربا  ” (المصدر السابق ) من أمثال ” برغسون ” (1859 – 1941) ، ” جورج سايمل ” (1858 – 1918) وهو فيلسوف كانطي ، ” ولثير راثينو ” (1867 – 1922) وهو سياسي ووزير خارجية ألمانيا خلال جمهورية فايمر ، والأخوين عالمي الإجتماع ماكس (1964 – 1920) والفريد فايبر (1868 – 1958) ، والفيلسوف الفرنسي ” أميل بوترو ” (1845 – 1921) ، والفيلسوف البراجماتي ” فيرديناد سكوت شيلر ” (1864 – 1937) ، والفيلسوف الإيطالي ” بينيدتو كروتشه ” (1866 – 1952) .

  أما الحديث عن كيسرلنج المؤلف ، فهو موضوع له طعم خاص . وهذه قصة سيتناولها المبحث القادم والذي سيبين خلالها ؛ كم كان مالك بن نبي مفكراً إنسانياً راقياً ، فهو لم يتردد لحظة في الأخذ بالحق من أي معسكر فكري كان والإعتراف به . وبذلك جسد لنا صورة من الصدق ، وخصوصاً الصدق في البحث الأكاديمي ؛ منهجه وآلياته وآمانته وموضوعيته . ولكن مع الأسف إن إثنين من الأكاديميات العربية المشهورة ، قد أجازت بحثين للدكتوراه  فيهما تجاوز صارخ على المنهج الأكاديمي ، خصوصاً حين تم شطب الإشارة إلى فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” الكونت هرمان كيسرلنج ” . وذلك لأنهما ومن منطلق فكراني ، حسبا إن في الإشارة إلى كيسرلنج ما يضعف الإطروحة المالكية في مضمار التاريخ والحضارة الإسلاميين . وهذا شاهد على إن مالك بن نبي كان يفكرفي الطوابق الإنسانية العالية ، في حين إن الأبحاث الأكاديمية العربية التي أنجزت عنه وعن فلسفته في الحضارة والتاريخ كانت قد تمت في مناخات أكاديمية عاجزة عن قول الصدق والإلتزام بالآمانة والموضوعية الأكاديمية ..   

2

  أن الحديث عن كيسرلنج المؤلف ، حديث له طعم خاص إذا ما تم النظر إليه من زاوية المفكر الإسلامي التنويري مالك بن نبي ، والذي أعلى من مكانته كفيلسوف للتاريخ والحضارة ، وأعلى من مكانة كتابه الرائد ” موزائيك أوربا ” أو كما أسماه مالك إعتماداً على الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب ، والتي جاءت بعنوان ” البحث التحليلي لأوربا ” .

   صحيح إن الفكرة الدينية التي طبقها كيسرلنج على التاريخ والحضارة الأوربية كانت حاضرة ومهيمنة في الخطاب الفلسفي التاريخي الحضاري المالكي . وذلك من خلال الإعلان المالكي بالتبني لها ، ومن خلال الإدراك المالكي بأن هناك إمكانية على تطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين . ولكن صحيح جداً إن هناك أشياء كثيرة غابت عن الخطاب الثقافي المعرفي الذي كتبه مالك بن نبي . وهذا المقال فيه معالجة للحاضر من فكر كيسرلنج ، وفيه تعريف للقارئ في الجوانب التي غابت لحظة الكتابة عن قلم المفكر التنويري مالك بن نبي .

التجارب الكتابية الأولى وإمتهان حرفة الكتابة

   بدأ الشاب هرمان الكتابة وهو في مرحلة التعليم وإكتساب المعرفة الأكاديمية . فمن الملاحظ إنه كتب العديد من المقالات ، يوم كان طالب علم جامعي . وفعلاً نشر مقالات تصب في مضمار ثقافة الجمهور . كما نشر في مضمار الفلسفة كتاباً في غاية الأهمية ،  وكان بعنوان ” شوبنهور  ” والذي قامت بنشره دار إكيروات عام 1910  . وهذا الكتاب شاهد أولي يساعد في  فهم دوافع كيسرلنج في الرحلة إلى الشرق ، ومن ثم الإهتمام بالفلسفة الهندية (وبالتحديد البوذية) . فالفيلسوف شوبنهور كان من أوائل الفلاسفة الألمان الذي إهتموا بالفلسفات الشرقية وعلى الأخص البوذية منها .

   الحقيقة إن الفيلسوف هرمان لم يفكر يوماً بإمتهان الكتابة حرفة له ، وذلك بحكم مكانته الإجتماعية وثرواته الطائلة . إلا إنه بعد إن فقد ممتلكاته بقيام الثورة الروسية ، وبعد سنوات من الترحال والكتابة الهادئة  ، فر من بلده إستونيا ولاذ لاجئاً في مكان ” فقير ” في ألمانيا . صحيح إنه رجل فكر وصاحب مهارات فكرية عالية .  وصحيح إنه كان يدير ممتلكاته الكبيرة دون صعوبات ، إلا إنها كانت روتين متوارث وإدارة تقليدية . إن ما كان يعوز هرمان هو مهارات إدارة الأعمال . ولهذا عاش في محنة مالية فيما بعد ، حملته على إمتهان الكتابة حرفة للعيش والإرتزاق .

  ومع كتاباته ، كما يصفها البروفسور كيسرلنج الإبن ، سيختبرالعالم أعمالاً فكرية هي من نتاج عقل لم ير مثله من قبل . فالفيلسوف هرمان ، رجل من نخبة نبيلة و صاحب ثقافة عالية ، ولم يكتب للإعلان والترويج . بل إن كتاباته تعكس الصدق والموضوعية ، فهو ” كاتب عضوي ” بلغة شبنجلر ، وليس ” منظف أتربة أكاديمي ” وهذا الجانب هو الذي حمل المفكر مالك بن نبي أن يتبنى منهجه ويعلن عن إمكانية تطبيقه على التاريخ والحضارة الإسلاميين .(يذكرني هذا الإصطلاح بزميل أكاديمي سابق ، فقد عمل منظف أتربة أكاديمي طوال العمر ، ولم يتطور وينقلب على هذا المنهج ، فهو يراسل الزملاء ويطلب منهم كتابة سيرهم ، وإن كل ما يعمله إضافة سطور فقط عن علاقته بهم ،  ومن ثم يقوم بنشرها ويعدها لعمل موسوعي ، فيأتي مقال الأستاذ المؤرخ كشكول غير مؤتلف . وإن المظلوم فيها هو القارئ البرئ الذي سلم أمره للكاتب وأمن بصدق رسالته وموضوعيتها) .

   ولهذا ستلقى  كتابات الفيلسوف هرمان كيسرلنج صدى في الواقع الثقافي العام وفي الدوائر الثقافية النخبوية الخاصة . ولذلك عاش الكونت كيسرلنج حالة إندهاش كبير عندما أصبح كتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” من أكثر الكتب مبيعاً في المكتبات . فكانت إستجابة الجمهور لكتاباته ملفتة للنظر . فتحول الكونت إلى مؤلف مشهور في عالم كتب الفلسفة ، خصوصاً في أسواق عالم الكتب في العالم . ومن النافع أن نذكر القارئ بأن هذا الكتاب الفلسفي الروحي الكبير قد غاب عن الخطاب الثقافي المعرفي ، ولم يلتفت إليه المفكر الإسلامي مالك بن نبي .

   ومع نشوة الشهرة   وبالتحديد في العام 1919 تزوج من ” جوديل  بيسمارك ” وهي حفيدة رجل الدولة والسياسي الشهير ” أوتو إدوارد بيسمارك ” (1815 – 1898) (أنظر: أريك أيسك ؛ بيسمارك والإمبراطورية الألمانية / منشور بالإنكليزية عام 1964 / ص ص 58 – 68) . والتي ستكتب بعيد وفاة مؤسس مدرسة الحكمة كتاباً مهماً عن زوجها الفيلسوف هرمان كيسرلنج .

جريدة مؤلفات الفيلسوف كيسرلنج

    إن الحديث عن الحاضر والغائب في الخطاب الثقافي المعرفي عند مالك بن نبي يتطلب منا الإشارة إلى إن الفيلسوف هرمان بدأ في نشر مجموعة مؤلفات (وهنا نشير إلى طبعاتها الإنكليزية والتي نقترح ترتيبها بالشكل أدناه) منها :

1 – الشرق والغرب : بحث عن الحقيقة المشتركة ، نشرة مطبعة شنغهاي ، شنغهاي 1912 .

2 – في الإعتقاد ، نشرة مطبعة فاستا ، مادرس 1912 .

3 – بعض الإقتراحات حول الثيوصوفيا (منا = هي طريقة الكشف الصوفي لمعرفة الله) ، مادرس 1912 .

4 – الهرمونيا ، نشرة فيشر ، برلين (؟191) (وهو في الموسيقى) .

5 – مقالات سياسية لعدد من الكتاب ، نشرها بالإشتراك مع فون كليشنروسورم ، دارمشتات 1919 .

6 – من السيرة الذاتية وقائمة بالأعمال ، دارمشتات 1919 .

7 – السلام أو الحرب الدائمة ، بوسطن 1920 .

8 – الكونت هرمان كيسرلنج (بالألمانية) ، نشرة دار مينر ، لايبزك 1923 .

ونحسب إن هذه المؤلفات قد ضمت بين دفتيها مانشره الفيلسوف هرمان كيسرلنج من مقالاته السابقة . ولكن نقطة التحول في مضمار الكتابة ، حدثت مع كتاب يوميات .

9 – يوميات رحلة الفيلسوف ، ترجمة هولرويد ريس ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1925 (وهو سيرة ذاتية) . ومن النافع أن نشير إلى إن الفيلسوف البريطاني ” برتراند رسل ” قد قرأ هذه اليوميات . كما ولاحظ الباحث إن هذا الكتاب ظهر في طبعة دار بيهفن – بومباي 1959 بعنوان فيه تخصيص جغرافي محدد : يوميات رحلة الفيلسوف إلى الهند .

10 – ملاحظات هرمان كيسرلنج إلى لويس مامفورد ، نشرة أليسون شيلي للمخطوطات 1926 .

   وهي مجموعة ملاحظات (وهناك من يعتقد رسائل) أرسلها كيسرلنج إلى لويس مامفورد . وقد كتبها في دارمشتت الألمانية في 22 نوفمبر 1926 ، وفيها شكر لمامفورد على الكتاب ، وعبر عن رغبته في زيارة إنكلترا ، (ربما) في شتاء 1928

11 – كتاب الزواج ؛ تفسير جديد ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1926 . وعندما طلب هرمان من رسل أن يشارك في هذا الكتاب ، رفض الأخير العرض معللاً ذلك ، بأنه ليس خبيراً في الموضوع ( أنظر : برتراند رسل في إستونيا ، ص 63 ويبدو إن هناك تعارض بين رؤية رسل التحررية ، ومنظور كيسرلنج المحافظ) .

12 – أبجدية الحياة ، نشرة 1926 .

13 – تحرير أمريكا ، نشرة دار هاربر ، نيويورك 1929 .

14 – عالم في إطار التكوين ، ترجمة موريس صمويل ، دار هاركورت ، نيويورك 1927 .

15 – أوربا ، ترجمة موريس صمويل ، نشرة دار هاركورت ، نيويورك 1928 . ومن المهم أن نشير إلى إن الفيلسوف الإنكليزي ” برتراند رسل ” قد قرأ هذا الكتاب وعلق عليه (أنظر : أورمز ستروب : برتراند رسل في إستونيا ، ص 63) .

  وهذا هو الكتاب الذي سجل حضوراً غير إعتيادي في الخطاب الذي كتبه مالك بن نبي في مضماري فلسفة التاريخ والحضارة ، وأعلن صراحة عن تبني فكرته وسعى إلى تطبيقها على التاريخ الإسلامي ، مثلما طبقها كيسرلنج على تاريخ أوربا المسيحية. ولعل دور الفكرة الدينية في التاريخ والحضارة ، كانت الافع وراء تبني مالك لكيسرلنج ومنهجه الفلسفي على التاريخ والحضارة الإسلاميين .

16 – الفهم الخلاق ، دار هاربر ، لندن – نيويورك 1929 .

17 – إكتشاف الحقيقة ، بالإشتراك مع بول فوهر ، دار هاربر ، لندن – نيويورك 1929 .

18– تأملات في أمريكا الجنوبية ؛ الجحيم والفردوس في روح الإنسان ، بالإشتراك مع تيريسا دورر ، نشر دار هاربر ، لندن – نيويورك 1932 .

19 – مشكلات الحياة الشخصية ، بالإشتراك مع السيدة مرسيدس باركس ، لندن 1934 .

20 – ذكريات في غاية الأهمية ، كلكتا 1937

21 – فن الحياة ، بالإشتراك مع ك . أس . شلفنكار ، دار نشر بلاونت ، لندن 1937

22 – النشاط الصامت ، ترجمة باتكريانا كوش 1937 .

23 – الأزلية ؛ نقد للعلاقات بين عمليات الطبيعة وأفكار الإنسان عن العالم ، بالإشتراك مع جين مارشل ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن – نيويورك 1938.

24 – من العذاب وإلى الإنجاز ، بالإشتراك مع جين مارشال ، نشرة دار بيتموستر ،

لندن 1938

25– ماذا يعني السود إلى أمريكا ، بلا مكان وتاريخ الطبع .

26 – إقتصاديات العمل والعلاقات الصناعية : الأسواق والمؤسسات ، بالإشتراك مع بول ستودهار ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1994 .

وبالتأكيد هناك كتب أخرى بالألمانية . كما إننا فضلنا ترك الكتب التي شارك في تأليفها مع جماعة رواد مدرسة الحكمة ، وهذا موضوع له قصة مختلفة سنخصص لها مقال خاص . حقيقة إن هذه الجريدة من المؤلفات الكيسرلنجية كانت جميعها غائبة ، ما عدا كتاب المغامرة الفلسفية الحضارية ” موزائيك أوربا ” التي إحتفل بها الخطاب الثقافي المعرفي المالكي بصورة ملفتة للنظر .

وقفة تأمل أمام عتبات ” يوميات رحلة الفيلسوف “

  شكل كتاب هرمان كيسرلنج الأول والمعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” إنجيلاً فلسفياً لمدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج . وقد أشرنا أعلاه إلى إن نشرة الكتاب في مطبعة بيهفن – بومباي ، قد ظهر بعنوان جغرافي محدد ، وهو ” يوميات رحلة الفيلسوف إلى الهند ” . ولما كان هرمان قد توفي عام 1946 ، وإن طبعة بومباي كانت عام 1959 ، فلهذا الحال نحسب إنه لا يوجد مجال لمعرفة درجات رضاء هرمان على هذا التخصيص الجغرافي لرحلته الفكرية . وكذلك فإننا لم نسمع من أرملته تعليقاً أو تحفطاً وهي التي أكملت ” ميمواره ” أي سيرته الذاتية .  كما ولم نعثر على شئ مفيد من ولده البروفسور أرنولد كيسرلنج بخصوص نشرة بومباي .

   إن كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” قد صرف من حياة كيسرلنج سبعة سنوات ، سنة كاملة كانت الرحلة البحرية ، وست سنوات قضاها في التأمل في دروس الرحلة الروحية ومن ثم كتابة اليوميات . وهذا الكتاب وكتاب ” موزائيك أوربا ” يعدان من المغمارات الفكرية المتفردة في القرن العشرين ، وقد جرى الكتاب والفلاسفة في التاريخ على مقارنتهما بكتاب ” إسوالد إشبنجلر ” المعنون ” ساعة القرار” .

  صحيح إن مدرسة الحكمة ونشاطاتها الفكرية وفعل روادها في الحياة الأوربية قد غابت في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . ولكن من الصحيح إن الطريقة التأملية لمدرسة الحكمة التي أسسها وقادها الفيلسوف هرمان كيسرلنج كانت في روحها بوذية . وصحيح إن أصول مدرسة الحكمة ، تعود إلى مدارس الحكمة القديمة والتي كانت منتشرة في شمال الهند قبل أكثر من ألفين سنة وخاضعة لقواعد وضعها بوذا . إضافة إلى إن واحداً من رواد مدرسة الحكمة ، هو شاعر الهند الكبير طاغور . أما الرواد الآخرون ، فهم كل من عالم النفس كارل يونغ ، وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم ، والروائي هرمان هس . فإنه من الصحيح كذلك إن الروح البوذية كانت مكشوفة ومتخفية بين سطور كتاب ” موزائيك أوربا ” الذي إعتنى به مفكرنا مالك بن نبي .

   ولهذا الدور الذي لعبته البوذية ، نحسب إنه من السذاجة الأكاديمية في الوطن العربي ، أن يُحسب الفيلسوف كيسرلنج فيلسوفاً تحركه فكرانية مسيحية . ولذلك وجدت إنه من العيب الفكري والعقيدي السماح للباحثين الأكاديميين في فكر مالك بن نبي من تناولها وحتى إن أشار إليها مالك صراحة ، وأعلن بقلمه إنه ساعي على تبنيها وتطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين . ولذلك جاء القرار الأكاديمي العربي يومذاك مع الأسف ، إنه من أجل السلامة الأكاديمية ، يحبذ شطب كل ما له علاقة بالفيلسوف كيسرلنج وكأن شيئاً لم يكن .

   لقد عرف مالك إن كيسرلنج كان صادقاً كل الصدق في وصف دور الفكرة الدينية عندما طبقها على التاريخ والحضارة الأوربيين . وكان مالك بدوره صادقاً كل الصدق في التبني للفكرة الدينية والسعي إلى تطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين .  

3

الغائب والحاضر

   في البدء سؤال : ما هو الغائب وما هو الحاضر من مؤلفات فيلسوف التاريخ الألماني كيسرلنج في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ؟ لاحظ الباحث إن مؤلفات مالك بن نبي قد غيبت معظم مؤلفات فيلسوف التاريخ الألماني ” هرمان دي كيسرلنج ” . ولم تحتفل إلا بكتاب واحد ، هو  ” موزائـيك أوربا ” . ونحسب إنه كان في إمكان المفكر الإسلامي التويري أن يستثمر الكثير الكثير من الإطروحات الكيسرلنجية التي ضمتها القائمة الطويلة من مؤلفات هذا الفيلسوف المتفرد . ورغم هذا الحال ، فإننا نشعر إن الحظ كان في صف القارئ العربي ، وذلك حين إهتم فيلسوف التاريخ والحضارة مالك بن نبي ، بكتاب كيسرلنج موزائيك أوربا ، وحتظنه وسعى إلى تطبيق فكرته على التاريخ والحضارة الإسلاميين . وللحقيقة والتاريخ نقول إن مالك بن نبي كان المفكر العربي الوحيد الذي ذكركتاب موزائيك أوربا ومؤلفه كيسرلنج وقدمه للقارئ العربي منذ إن نشر كتابه شروط النهضة .

    لقد ظلت الكتابات العربية المعاصرة تعتمدعلى الإشارات التي كتبها مالك بن نبي عن موزائيك أوربا ، بل وكانت عيالاً عليها ، ولم تستطع أن تتقدم في مجال البحث الكيسرلنجي في دائرة الثقافة العربية ، خطوة أبعد مما فعل مالك بن نبي . واليوم كاتب السطور يقدم الحلقة الثالثة (والأخيرة) من التعريف بهذا الفيلسوف الألماني الذي إستسلم له قلم المفكر الإسلامي وأعلن صراحة عن تبني فكرته ومن ثم طبقها في مضماري التاريخ والحضارة . وهنا أُجدد دعوتي مرة أخرى لأقسام الفلسفة في الجامعات العربية ، وأحثها على توجيه أنظار طلبتها من الجيل الجديد من الباحثين إلى الإهتمام بفكر كيسرلنج وإنجاز رسائل ماجستير وإطروحات دكتوراه عن هذا الفيلسوف الذي خرج على التقليد الغربي ، وأعلن عن إنحيازه إلى ثقافات الشرق . ولهذا نحسب إن في بضاعته الفلسفية الكثير الكثير من الفوائد التي تُغذي ثقافتنا العربية المعاصرة ، خصوصاً إذا ما عرفنا بأنه كان الصديق الحميم لشاعر الهند الكبير طاغور . بل وإن الأخير كان واحداً من الرواد الروحيين لمدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج  (أنظر محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة الحكمة وروادها / سيظهر قريباً على موقع الفيلسوف)

رائعة كيسرلنج ” موزائيك أوربا ” من زاوية فلسفة التاريخ

   ترك هذا الكتاب أثاراً واضحة على الخطاب الذي كتبه المفكر التنويري مالك بن نبي  . ولعل الملفت للنظر والإستغراب ، هو إن إثنين من الأكاديميات العربية قد شطبتا  الإشارة إلى كيسرلنج وكتابه موزائيك أوربا ، من إطروحتين للدكتوراه  أنجزهما طالبان في محافلهما العلمية  . وذلك لأن المشرفين ولجنة المناقشة وجدوا في ذلك عيباً يضعف من الخطاب المالكي في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . في حين بالمقابل ودون الإنتباه إرتكبت هاتين الأكاديميتين مخالفة لمعايير البحث العلمي الموضوعي النزيه . كما إرتكبتا في الوقت ذاته خطأ أكاديمي أضعف من مقامهما الأكاديمي العالي ، ووضع منهجهما العلمي الأكاديمي موضع شك وتساؤل . وللقارئ نقول إن هاتين الأطروحتين قد تم كتابتهما في مصر ” عين شمس ” ولبنان ” الأوزاعي ” ، ومن ثم نشرت هاتين الأطروحتان في كتابين وهما متوفران في المكتبة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كيف نقرأ مالك بن نبي / سلسلة مقالات نشرها جريدة البلاد الغراء بدءً من عام 2004) .

   حقيقة لقد كان كيسرلنج قارئ موضوعي لأطياف أوربا والتي وجد من خلال منهج التحليل الطيفي ، إن فكرة المسيحية كانت المحرك في حياة وتاريخ وحضارة الشعوب الأوربية المتنوعة . لقد ذكرنا إن كتاب الفيلسوف هرمان كيسرلنج  موزائيك أوربا ، ظهر في الإنكليزية بترجمة موريس صمويل ، وقامت بنشره دار هاركورت ، نيويورك 1928 . 

    ويحسبُ كتاب “ موزائيك أوربا ” بعنوانه المتداول في الدراسات الأكاديمية الغربية أو على الأقل الإنكليزية ، من الروائع التي كتبها هرمان كيسرلنج في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . ولاحظ الباحث إن الأكاديميين الغربيين إعتادوا على عقد مقارنات ومقاربات بين رائعة الألماني كيسرلنج ” موزائيك أوربا ” (1928) ورائعة فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” إسوالد شبنجلر ” المعنونة ” ساعة القرار ” (1934) .

   صحيح جداً إن شبنجلر حقق شهرة واسعة بين الجمهور أكثر من كيسرلنج . إلا إن الأخير كان في السنوات الأولى من جمهورية فايمر(وهي الجمهورية الألمانية الجديدة التي قامت عام 1919  نتيجة لخسارة ألمانيا في الحرب العامية الأولى وإستمرت حتى عام 1933) معروفاً أكثر من شبنجلر (أنظر: توماس بيرتينو : كورو القارة (الرموز الروحية) ؛ أوربا كيسرلنج وساعة القرار لشبنجلر ، منشور على صفحات مجلة بروسلس الإلكترونية) . فالجمهور يتحدث كثيراً عن شبنجلر ، إلا إنهم يقرأون كيسرلنج ، صاحب الإسلوب العذب السيال .

   إن كتاب أوربا أو موزائيك أوربا يصدم القارئ ، وذلك بكثرة المقارنات التي تظهر الإختلاف والتنوع بين الشعوب والدول الأوربية . ويصدم القارئ بمنهج التحليل الطيفي الذي إستخدمه كيسرلنج . فمثلاً يصدم القارئ في المقارنة بين القومية والنزعة الفردية في واقع الشعوب الأوربية . فهناك تفرد متميز للشعوب والدول الأوربية من جانب . وهناك علاقات معقدة بين بعضهم البعض من جانب أخر . وهذا فعلاً ما أراد أن يقوله المفكر التنويري مالك بن نبي . ولكنه سكت بعد إن حفز القارئ العربي ودفعه إلى البحث عن موازئيك أوربا ، وذلك ليجد فيه زاداً روحياً مهماً لفهم واقع الشعوب العربية المتفرد ، ويفهم العلاقات المعقدة بين بعض العرب والعرب . إنها إلتفاتة رائعة من قبل المفكر الأسلامي في زمن كان من الصعوبة أن يتحث العربي للعربي بصدق وصراحة ، خصوصاً في صيغ المشاريع الوحدوية المفروضة من قبل جنرالات عسكرية ذات ذهنيات طوبائية ، لا علاقة لأحلامها الوحدوية الساذجة بواقع الشعوب العربية ..

  وعلى هذا الأساس يقدم كيسرلنج الحجة القائلة : إذا ما سعت أوربا إلى صياغة الوحدة أو الإتحاد الإداري . فإن الشرط الأول ، هو شطب هواجسها ومخاوفها من قضية الإختلاف والتنوع ، وأن يكون الطريق الوحيد أمام قيام الإتحاد ، هو طريق منح الحقوق الكاملة ، والإعتراف بالشرعية التامة لهذا الموزائيك للشعوب الأوربية (الإختلاف والتنوع) . كما إن كيسرلنج يفضل قيام حكومة أوربية شاملة . وإن تكون وظيفتها الرئيسة ، هو التوسط في فظ النزعات بين حكومات الشعوب الأوربية (أنظر : المصدر السابق) . إنه أمل وحلم كيسرلنجي خال من أية تفاصيل تُحدد الستراتيجيات والأليات . ولكن مع كل ذلك ، نُذكر  القارئ الكريم ، بأن هذا الحلم الكيسرلنجي قد أصبح اليوم واقعاً معيوشاً بعد قيام الإتحاد الأوربي .

  تألف كتاب موزائيك أوربا من مقدمة وعشرة فصول وفهارس . وجاء في طبعته الإنكليزية بالشكل الأتي :

1 – المقدمة (ص 1 – 10) .          2 – إنكلترا (ص 11 – 38) 

3 – فرنسا (ص 39 – 72) .          4 – أسبانيا (ص 73 – 94) . 

5 – ألمانيا (ص 95 – 150) .        6 – إيطاليا (ص 151 – 180) .

7 – هنغاريا (ص 181 – 220) .     8 – سويسرا (ص 221 – 250) .

9 – هولندا (ص 251 – 270) .      10 – السويد (ص 271 – 290) .

11 – دول البلطيق (ص 291 – 316) .  12 – دول البلقان (ص 317 – 346)

13 – أوربا (ص347 – 394) .      كما وضم الكتاب فهارس (ص 395 ومابعد) .

  هذا هو الكتاب الذي ألهم المفكر مالك بن نبي ، وهو الذي حمله على تبني فكرته ومن ثم وجد فيها إمكانية تطبيق على مضماري التاريخ والحضارة الإسلاميين . 

مكانة كيسرلنج في خطاب مالك في فلسفة التاريخ

  تذكر الافادات المالكية الى ان المفكر الاسلامي إعتمد في صياغة رؤيته الفلسفية للتاريخ الاسلامي على اطروحة فيلسوف التاريخ ” هرمان دي كيسرلنج ” والتي أودعها كتابه ” البحث التحليلي لاوربا ”  والإدق موزائيك أوربا . وهذه الإطروحة الكيسرلنجية حقيقة تدور حول بيان دور ” الفكرة الدينية في التاريخ ” (مالك بن نبي ؛ شروط النهضة ، ص 13) .

   ان الاجابة على السؤال : ما حجم الإفادة المالكية من الوافد الثقافي الكيسرلنجي في صياغة التفسير الإسلامي للتاريخ ؟ تتطلب منا ان نشير أولا وقبل كل شئ الى ان المثابرة المالكية وهي تسعى الى صياغة تفسير إسلامي للتاريخ ، قد إستفادت كثيراً من أطروحة فيلسوف التاريخ الالماني ” هرمان دي كيسرلنج ” . ومن الملاحظ ان الاطروحة الكيسرلنجية قد إمتلكت سلطة على الإفادات المالكية ، ومن ثم إستحوذت على تفسير مالك للتاريخ الإسلامي .

  لقد نزعت الإطروحة الكيسرلنجية ومن خلال حضورها في الإفادة المالكية إلى بيان ” أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة ” وذلك من حيث صياغة  المركب ومن خلال دخول الفكرة الدينية ، والتأثير في ” التركيب البيولوجي لأحدى الحضارات ” (المصدر السابق ، ص 91) . إن الإفادة المالكية لم تقف عند حدودها الكيسرلنجية ، بل سعت الى توسيعها بحيث تمتلك إمكانية تطبيق على التاريخ الاسلامي ، بعد ان طبقها كيسرلنج على التاريخ الغربي المشدود إلى إيقاع الفكرة الدينية المسيحية .

   ساعدت مالك  على الحد من إستحواذ الإطروحة الكيسرلنجية على مشروعه  الإسلامي لفلسفة التاريخ ، أشكالاً مختلفة من المذاهب الفلسفية للتاريخ والحضارة والتي كانت حاضرة أمام انظاره . حقيقة إن هذه المذاهب الفلسفية حررت مالك من سلطة كيسرلنج هذا طرف . وإن مالك من طرف اخر إستفاد من رؤية المذاهب الفلسفية ، ومن مناهجها في التحليل أو من المقولات التي إستخدمتها في فهم الأحداث التاريخية .

 وأُود هنا ان أذكر بالحوار الذي أجراه مالك مع الهيجلية ، الماركسية ، التوينبية والجيزوية وقائمة طويلة من الفلاسفة ولعل على سبيل المثال وليس الحصر شبنجلر وفاليري .. .(أنظر محمد جلوب الفرحان : المشروع الإسلامي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي / وهو الفصل الرابع من كتاب الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي)

  وفي سؤال أثرناه ونحن نروم إلى فتح الباب واسعة لفهم  التفسير اسلامي للتاريخ عند مالك بن نبي  : هل التاريخ وحركاته وأفعاله تتطابق والمبدأ القرأني ؟ رأى مالك إن دورة التاريخ تبدأ فعلاً من ” بعث قوة فعالة في العناصر الثلاثة للمركب الحضاري ( الانسان ، التراب ، والوقت ) ”  . وحقيقة إن المفكر الاسلامي قد إستعار من (هرمان دي كيسرلنج ) فكرته القائلة : ” أثر الدين او الفكرة في دورة الحضارة ” (المصدر السابق ، ص 74) . ومن ثم قام بوضعها في أحضان التاريخ الاسلامي لتعمل وتشتغل . وللإنصاف نقول إن مالكاً لم يقف عند ذلك ، بل قدم لها شواهدا تاريخية إسلامية ، وجعل لها إيقاعاً يتناغم ونبض التاريخ الإسلامي . وذلك من حيث إن هذا الفهم جاء  ترجمة لإيمان مالك في إن الحضارة الإسلامية تكمن في بذورها الاولى في الدين الإسلامي .

   ولهذا لاذت الإفادات المالكية إلى التاريخ الإسلامي وحركة إنتاجه الحضاري ، وبالتحديد في مضماره الثقافي ، باحثة عن إستدلالات وشواهد لهذه الفكرة الكيسرلنجية اولاً والمالكية ثانياً . وهنا وجدنا مالك يردد العبارة الواردة في الكتب الدينية القديمة ، فيقول : ” ومن هنا يستطيع المؤمن إدراك الحقيقة الساطعة التي يفسرها التاريخ في الفقرة التي وردت في أحد الكتب المنزلة القديمة : (في البدء كانت الروح) ” (المصدر السابق ، ص 75) .

  كما  إن مالكاً كان صحيحا كل الصحة عندما تحدث عن ” أُفول الروح أو الفكرة الدينية ” والتي إستبطنها من فيلسوف التاريخ كيسرلنج . إلا إن مالكاً علمنا بأن الروح الإسلامية ستتحذ صوراً أُخرى من التصاعد وستصل إلى قمم من الرقي والإبداع الفكري والحضاري بعد واقعة صفين بأطوار زمنية بعيدة .

   والسؤال الضروري المفتاح لفهم إطروحة مالك المستنبطة للإطروحة الكيسرلنجية : ” هل المؤثر الديني يمنح النفس مبدأ الشعور ؟ ” . نقول إن حل المشكلة حسبما يرى مالك يكون في ” التركيب الضروري ” القائم على ” مزج الانسان والتراب والوقت ” (المصدر السابق ، ص 87) . ولعل إعادة طرح السؤال مفيد لإيضاح وجلاء معالم الطريق الحضاري الإسلامي الراهن : هل نمتلك إمكانية تحقيق ” المبدأ القرآني ” في الحالة الراهنة للشعوب الإسلامية ؟  إن الإجابة المبدئية على مثل هذا السؤال المهم في مضمار فلسفة التاريخ عامة ، وفلسفة التاريخ الإسلامي خاصة ، تنهض على إعتراف بأن الفكرة الدينية قوة تمنح التماسك لعناصر الحضارة وذلك من حيث إن الدين ” مؤثر صالح في كل زمان ومكان ” (المصدر السابق) . إنها دعوة مالكية تحمل النفس الإسلامية من جديد الى ” حظيرة الإيمان ” (المصدر السابق ، ص 88) .  

تعقيب

  لاحظ الباحث إن تعامل الأكاديميات العربية مع فكر مالك بن نبي ومنذ وقت مبكر ، لم يكن تعاملاً بريئاً  ، وتُحكمه أعراف وتقنيات المنهج الأكاديمي الموضوعي النزيه . وإنما كان تعاملاً مُقيداً بالفكرانيات المهيمنة على مساقات التعليم العالي يومذاك ، وذهنية الكوادر المُشرفة على رسائل وأطاريح الطلبة فيها . فمثلاً  قد تم تغييب حضور فيلسوف التاريخ الألماني  ” هرمان دي كيسرلنج ” ، وشطب الإطروحة الكيسرلنجية برُمتها من مضمار دراستين أكاديميتين . ولعل السبب هو الأعتقاد الأكاديمي المغلوط ، إن ذكر الإطروحة الكيسرلنجية فيها إضعاف لفكر مالك بن نبي . ولذلك جاء قرار المُشرفين على الإطروحتين ، إنه من الأسلم من الزاوية الأكاديمية ، هو أن تُشطب  الإشارة إلى كيسرلنج . وفي هذا راحة بال وغلق لكل الأبواب التي تجلب التعب ورياح الجدل .. هذا حدث في جامعة الإمام الأوزاعي ، وبالتحديد مع إطروحة الباحث أسعد السحمراني ، والمعنونة : ” مالك بن نبي ” مفكراً إصلاحياً ” / نشرة دار النفائس ، ط2 ، بيروت 1986) . ومن ثم تكرر الحدث الأكاديمي في جامعة عين شمس / كلية التربية للبنات ، وبالتحديد مع إطروحة الباحث سليمان الخطيب ، والموسومة ” فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي / نشرة المؤسسة الجامعية للدراسات ، ط1 ، بيروت 1993) .

————————————————————————————

4

مدرسة الحكمة : التأسيس والرواد

   صحيح جداً إن المفكر الإسلامي مالك بن نبي ، لم يذكر شيئاً في نصوصه عن مدرسة الحكمة . إلا إن الباحث لاحظ في الوقت نفسه إهتماماً غير إعتيادي بالمؤسس للمدرسة وقائدها الروحاني الفيلسوف هرمان كيسرلنج ، وبرائدين من روادها ، وهما كل من شاعر الهند الكبير طاغور وعالم النفس كارل يونك . ولأهمية مدرسة الحكمة في الحياة الفكرية لمؤلف كتاب ” موزائيك أوربا ” الذي ألهم المفكر مالك بن نبي ، وأشتغل على خطاه في  فهم دور الفكرة الدينية في التاريخ والحضارة الإسلاميين . ولكون كتاب ” موزائيك أوربا ” وكتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف ” من الأدبيات الكلاسيكية الأولى ” الأناجيل ” للمدرسة  . فإننا في هذا المبحث / الملحق نسعى إلى النظر في التكوين البنيوي لمدرسة الحكمة ، ودور المؤسس هرمان ، والرواد الأوائل ، ومكانتها الروحية في الغرب ، وأخيراً تقويم فعل الوريث الروحي البروفسور أرنولد كيسرلنج في قيادة المدرسة وبذلك نكمل الصورة الفكرية الكاملة لحضور فيلسوف التاريخ الألماني الكونت هرمان كيسرلنج في دائرة فلسفة التاريخ عند مالك بن نبي ، وبذلك نضع منها ما حضر ، وما غاب منها إى إن صدى له ظل ما بين سطور النصوص التي كتبها المفكر الإسلامي مالك بن نبي .  

المؤسس والرائد الروحي

  قلنا سابقاً بأن الفيلسوف كيسرلنج قد خسر ممتلكاته بقيام الثورة الروسية . وقلنا كذلك بأنه على الرغم من خسارة ممتلكاته بعد قيام الثورة الروسية ، فإنه إستثمر ما تبقى لديه من ثروة في تأسيس مدرسته الشهيرة التي عرفت بمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة ،  وذلك في العام 1920 والتي أقامها في مدينة دارمشتات التي تقع في الطرف الجنوبي من منطقة الراين .

   ووفقاً لرأي البروفسور كيسرلنج (إبن فيلسوف التاريخ هرمان كيسرلنج) ، فإن مدرسة الحكمة نهضت على أسس مدارس الحكمة الأصلية التي إنتشرت قبل ألفين سنة في شمال الهند  والتي كانت خاضعة للقواعد التي وضعها “ بوذا ” . ولعل من النافع أن نشير إلى إن كيسرلنج الإبن يرى إن والده يختلف عن المتداول اليوم من الزعماء الروحيين . فهو لم يضع نفسه في مكانة عالية كقائد روحي أو ” كورو ” ، كما إنه لم ينشأ طائفة مرتبطة بإسمه . بل على العكس من ذلك شجع المشاركة المتساوية للجميع ، ومن ضمنهم أصدقائه كل من عالم النفس ” كارل يونك ” (1875 – 1961) ، وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم (1873 – 1930) ، وشاعر الهند الكبير طاغور (1861 – 1941) والروائي هرمان هس (1877 – 1962) (المصدر السابق) .

   كما كانت وظيفة المدرسة التركيز على الإهتمام بالجانب الفكري (العقلي) الألماني ، والدعوة إلى الإنفتاح الألماني على العالم ، والأخذ بالمبادئ الديمقراطية ، وذلك لأن الفيلسوف هرمان تيقن بأن النزعة الألمانية العسكرية قد ماتت وطوتها روح العصر. وإن الأمل الوحيد أمام ألمانيا هو تبني النزعة العالمية والأخذ بمبادئ الديمقراطية . ولعل أثر رحلاته حول العالم  ، هو الذي منحه هذا الأفق العقليً الجديد ، ولذلك تطلع أن يكون أفقاً ألمانياً جديداً . وإن الشاهد على ذلك كتابه المعنون ” يوميات رحلة الفيلسوف ” والتي تصف رحلاته إلى أسيا وأميركا وجنوب أوربا (المصدر السابق) .

   كما إن تعاليم المدرسة تنهض على إعادة تكوين الإنسان على أسس جديدة سببتها الحرب ، والحقيقة إن هذه التعاليم متجسدة في كتاب الفيلسوف كيسرلنج المعنون ” نظرية المعرفة الخلاقة “ ، نشرة دار رايشل ، دارمشتات 1922 (أنظر : كيسرلنج ؛ يوميات رحلة الفيلسوف ، المجلد الأول ، ص 7) . وعنوان الكتاب يثيري إهتمامي ، ويدعوني إلى ألفات النظر إلى أهمية الدراسة المقارنة بين مضمار نظرية المعرفة الخلاقة عند الفيلسوف كيسرلنج وأفكار صديقه الفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” صاحب نظرية الدافع إو التطور الخلاق .

  لقد قاد كيسرلنج هذه الحركة الروحية الجديدة ، وصرف معظم وقته في إلقاء المحاضرات وفي الحديث إلى الجمهور . ولذلك جسد في شخصه ومفردات حياته الخصائص الحقيقية لشخصية المفكر العضوي ، والتي قد لا تتوافر بصورتها الجوهرية الكاملة خلال قراءة كتاباته .

عالم النفس ” كارل يونك “

   صحيح إن كارل يونك كان العضو الرائدا الثاني(طبعاً الرجل الأول هو الفيلسوف كيسرلنج وهذه التراتبية لا قيمة لها في مدرسة الحكمة ، لأن كيسرلنج بحد ذاته يرفض مثل هذه التراتبية كما أشرنا أعلاه ، ونحن نستخدمها للتبسيط فقط) في مدرسة الحكمة ، وصحيح كذلك إنه رحل إلى الهند حيث مواطن العقيدي البوذي ومدارس حكمتها القديمة . فكان الحاصل إن فكره تلون بطبقات من الفكرانية البوذية . وفي هذين الطرفين شارك كارل يونك الفيلسوف كيسرلنج في الكثير الكثير من السمات الفكرانية على وجه الخصوص ، ومع أعضاء مدرسة الحكمة على وجه العموم . ولكن هناك أطراف من العلاقة المسكوت عنها بين أعضاء مدرسة الحكمة (والتي فيها تحفظ وربما فيها تقويم ونقد) ، والتي أخذت أشكالاً من المد والجزر . ونحسب إن البداية هو أن  نقدم تعريف بشخصية عالم النفس كارل يونغ .

   ولد الطبيب النفسي السويسري ” كارل غوستاف يونك ” في 26 تموز عام 1875 ، وهذا التاريخ يؤشر على إنه أكبر من الفيلسوف كيسرلنج بخمس سنوات . على كل كانت ولادة الطفل كارل في مدينة كاسويل التابعة لمنطقة ثورغو السويسرية . وهو الطفل الرابع للقس الفقير ” بول أشيل يونك ” (والذي كان يومها يعمل في الأرياف) وكارل كان الطفل الوحيد الذي بقي على قيد الحياة . وهذه الوفيات المتكررة كانت طرفاً في كآبة الأم ” أميلي ” ، وسبباً وراء حزنها ومرضها الغامض ..

  ويبدو إن التفاوت الإجتماعي والإقتصادي بين والد كارل يونك ، وأمه ” أميلي ” التي جاءت من عائلة سويسرية ثرية وذات سمعة عريضة (فوالدها هو البروفسور ” صمويل بيرسورك ” وهو أستاذ اللغة العبرية) ، قد خلق للطفل كارل أجواءً متوترة ، فقد عاش بي بيت محكوم بعلاقات مضطربة بين الوالد ” أشيل ” والأم ” أميلي ، كان الحاصل منها كآبة مزمنة للأم ، حملتها على الأعتزال في الليل في غرفتها . ومن ذكريات الطفل كارل عن حالة أمه يومذاك :

إنها كانت تدعي إن روحاً تزورها في الليل  (أنظر : كلارا دون ؛ كارل يونك : معالج النفس المجروح (سيرة ذاتية) ، نشرة كتب باربولا ، نيويورك 2000 ، ص 3 ومابعد) .

  وعلى أساس هذا الوضع العائلي ، نمت علاقة حميمية بين الطفل كارل ووالده القس أشيل ، ويومها أعتقد الطفل بأن ” والده واضح وسهل التعامل معه وعلى العكس من أمه التي كان يصفها ” بأنها كانت مشكلة ” . وهذا الحال وضع أمام أنظار الطفل كارل صورة حياتين للوالدة : واحدة في غرفتها في الليل . والثانية سهلة التعامل في النهار . ويتذكر كارل لحظات الرعب التي كان يعيشها في الليل ، الرعب من غرفة أمه ، والتي يصف سلوكها ، فيفيد : ” بأنها في الليل تكون غريبة الأطوار وموضوع أسرار خفية ” .  ويدعي الطفل كارل ” بأنه في واحدة من الليالي ، شاهد ضوء خافت صادر من غرفتها على صورة شبح مقطوع الرأس من الرقبة ، وهو طائر في الهواء ، يلاحق جسمه الذي فر أمامه ” .  

  ولهذا الحال غابت الأم كثيراً من حياة الطفل كارل ، منها دخولها المستشفى مرات عديدة قرب بازل ولأسباب عدة . مما كان لها أثراً في عدم إستقرار الطفل ، فمثلاً أخذه الوالد ليعيش مع عمته أميلي (أخت الوالد) ، ومن بعد تحسن أوضاع الوالد جلبه مرة ثانية ليعيش معه في الأبرشية . ويتذكر كارل جيداً ، فيشير إلى إن كآبة أمه وغيابها من طفولته ، ولدت لديه إتجاهات سلبية نحو النساء ، وكونت ذهنيته الأبوية والتي ستكون موضوع نقد فمنستي في دوائر الفلسفة الفمنستية فيما بعد .

  حقيقة إن شخصية والدة عالم النفس التحليلي كارل يونك ، تركت أثارها على تفكيره ، فإقتنع بأن حاله حال والدته ، له شخصيتين ؛ واحدة شخصية سويسرية حديثة . والثانية في داخل البيت شخصية القرن الثامن عشر السلطوية . والتي عبر عنها في كتاباته ، في حدود ما أسماها ” الشخصية رقم 1 ” وهي شخصية طالب المدرسة الذي يعيش في أحضان عصره . و ” الشخصية رقم 2 ” وهي شخصية الرجل صاحب السلطة الذي ينتمي إلى الماضي (أنظر : كيري لوكمان ؛ يونك الصوفي ، نشرة دار بنكوين 2010) .

  وقبيل نهاية السنة الأولى من دراسته الثانوية (الجيمنزيم) في بازل ، وكان عمره إثنتي عشر سنة ، تدافع مع صبي في المدرسة ، فسقط على الأرض ، فاقداً الوعي لمدة دقيقة ، فكانت السبب في إنقطاعه عن المدرسة ، وبعد ستة أشهر بدأ الدراسة في البيت ، وحينها أقتنع الأب إن ولده ” ربما مصاب بالصرع ” وفعلاً إنه تعرض لنوبات من فقدان الوعي ، إلا إنه تغلب عليها فيما بعد . وبدأ بدراسة قواعد اللغة اللاتينية .

 والحقيقة لم يفكر الفتى كارل يوماً في مضمار الطب النفسي ، ولم تكن لديه خطة في دراسة هذا الحقل العلمي ، خصوصاً إن النظرة الإجتماعية للطب النفسي يومذاك كانت معوقاً وتسد الطريق أمام كل من يتطلع لدراسته وإتخاذه مهنة . ولكن توافرت في يد كارل نسخة من كتاب أكاديمي في الطب النفسي ، ومنذ اللحظات الأولى من قراءة الكتاب ، أصبح مولعاً جداً جداً بهذا التخصص ، وخصوصاً عندما قرأ فيه : إن الأعراض النفسية سببها أمراض في الشخصية . وحالاً إقتنع إن هذا هو المضمار العلمي المفضل لديه ، وأخذ يفكر في التخصص فيه . وخاصة عندما وجد إن هذا الحقل يشمل طرفين ؛ بايولوجي وروحي  (أنظر : كلارا دون ؛ المصدر السابق) .

  وفي عام 1895 بدأ بدراسة الطب في جامعة بازل ، ومن ثم في العام 1900 عمل في مستشفى ” بركولزلي ” للأمراض النفسية التابعة لجامعة زيورخ السويسرية ، وكذلك عمل مع الطبيب النفسي ” يوجين بلولر ” (1857 – 1939) الذي كان مديراً للمستشفى ، ومشرفاً على عدد من أطاريح الدكتوراه في الطب النفسي ( أنظر للتفاصيل عن يوجين بلولر : إي فلازدر ؛ قصة العلاقة المتداخلة : فرويد ويوجين بلولر / مجلة علم النفس التحليلي ، حزيران 2007 / 52 (3) ، ص ص 343 – 368) . ونشر في العام 1903 إطروحته للدكتوراه وكانت بعنوان ” علم نفس وعلم أمراض الظاهرة السرية (الخفايا) ”  . وتلاها بعام واحد (أي عام 1906) نشر كتابه المعنون ” دراسات في معنى الترابط أو الإقتران ” ومن ثم أرسل نسخة منه إلى عالم النفس ” سيغموند فرويد ” (1856 – 1939) ، فتعمقت الصداقة بينهما والتي إستمرت إلى ستة أعوام . إلا إن هذه الصداقة لم تستمر على ما يرام ، فقد حدث إنفراط لها بعد إن نشر كارل يونك في العام 1912 كتابه المعنون في ترجمته الإنكليزية ” علم نفس اللاوعي ” والذي بعده تراشق الطرافان بالنقد ، ومزاعم وقوع الخطأ في جبهة الأخر (أنظر : بيتر كي ؛ فرويد : حياة لعصرنا ، لندن 1988 ، ص 202) .  وخلال ذلك إندلعت الحرب العالمية الأولى وعاش كارل تجربة صعبة ، تمثلت في تجنيده طبيباً ، وفعلاً أخذ يعالج الضباط والجنود الإنكليز ضحايا الحرب (سويسرا كانت على الحياد يومذاك) . وكان يشجعهم على الإنخراط في فصول دراسية في الجامعة (أنظر : فيفيان كراولي ؛ يونك : رحلة التحولات ، نشرة دار كتب كوست 1999 ، ص 56 وما بعد) .

  وفي العام 1903 تزوج يونك من الكاتبة وعالمة التحليل النفسي ” أميا روخنباخ ” (1882 – 1955) ، وهي من عائلة سويسرية ثرية ، وأنجبت له خمسة أطفال ، هم كل من أكاثا ، كرت ، فرانز ، مريانا ، وهلين . وزواجه إستمر حتى وفاة أميا في العام 1955 .(أنظر : رونالد هايمن ؛ حياة يونك ، نشرة شركة نورتن ، نيويورك 1999 ، ص 84 وما بعد) .

 وتذكر مراسلاته مع فرويد ، ومذكرات وكتابات كل من الطبيبة ” صابينا سبلرين ” (1885 – 1942) وعالمة التحليل النفسي اليونكي (نسبة إلى يونك) ” تونيا ولف ” (1888 – 1953) ، إنه كانت ليونك علاقات مفتوحة مع نساء أخريات منهن مريضات ، ومنهن صديقات . ولعل من أشهرهن ” صابينا سبلرين ” وهي أول عالمة في التحليل النفسي ، وكانت طالبة يونك أولاً ، ومن ثم زميلة وصديقة ( أنظر أطروحة الدكتوراه التي كتبها ستيفن باركر ، وبعنوان ” النساء وكارل يونك ، 9 نوفمبر 2010 ” وقد إعتمد على مذكرات صابينا التي عثر عليها في العام 1977. وللتفصيل أنظر كذلك : جون كير ؛ الطريقة الأكثر خطورة : يونك ، فرويد وصابينا سبلرين ، نيويورك 1993) . ومنهن ” تونيا ولف ” والتي كانت طالبة له ، ومن ثم مساعدة ، وحبيبة صرفت الكثير من أيامها في بيته ، وساهمت في تطوير الكثير من مفاهيمه النفسية ، وكانت شاهد على أحلامه ، وأوهامه .. ولعل من أهم ما كتبته ” الأشكال البنيوية للنفس النسوية ” (1956) والذي ترجم إلى الإنكليزية (أنظر: فيرن جنسن ؛ يونك ، أميا يونك وتونيا ولف ، مجموعة مذكرات ، نشرة نادي علم النفس التحليلي 1983) . ونتطلع أنا والدكتورة نداء إبراهيم ، إلى الكتابة عن ” صابينا سبلرين ” وتونيا ولف ” كعالمات في التحليل النفسي (من زاوية فمنستية) ونتوقع نشره في العدد السادس من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، ربيع 2012 .

الرحلة خارج أوربا وإهتمام كارل يونك بالفلسفات الشرقية

  كان حال يونك مثل حال الفيلسوف كيسرلنج ، وهو التطلع إلى الرحلة حيث ديار الفلسفة الشرقية ، ليرتوي من مصادرها الأصيلة في بلاد الهند . وهذا الأمر وحد بين جهودهما ، وعملا سوية تحت ظلال مدرسة الحكمة التي أسسها كيسرلنج . حقيقة إن مشروع يونك الفلسفي كان فيه رحاب واسعة للأنفتاح على كل الأديان ، والنظر إليها كتجارب روحية خالصة ولذلك زار أمريكا وأفريقيا (وكان يتطلع لدراسة البدائيين وصياغة ما أسماه علم نفس البدائيين) . ونحسب إن البداية حديث عن رحلاته خارج القارة الأوربية ، ومن ثم حديث عن الرحلة إلى الهند ، ومن ثم يأتي الحديث عن مشروع يونك الفلسفي – الروحي .

  كانت رحلة يونك الأولى نحو أمريكا ، وفعلاً فقد ذهب في العام 1909  إلى جامعة كلارك في أتلنتا ، لحضور مؤتمر ، خطط له المربي وعالم النفس الأمريكي ” جرانفيل ستانلي هال ” (1844 – 1924) . والمؤتمر ضم سبع وعشرين طبيباً نفسياً , وعالماً في الأعصاب و النفس . والحقيقة إن المؤتمر بحد ذاته كان شهادة على قبول حركة التحليل النفسي في شمال أمريكا ، وفي الوقت ذاته ترحيب أمريكي بعالم النفس يونك (أنظر : صول روزنسوك ؛ فرويد ، يونك وهال : الرحلة التاريخية إلى أمريكا 1909 ، نشرة مطبعة دار رنا ، سياتل 1992) . ومن النافع أن نذكر القارئ بأن هذه الرحلة ، وإنعقاد المؤتمر جاء في الفترة الذهبية من العلاقة بين يونك وفرويد . ويومها لم ينشر يونك كتابه ” علم نفس اللاوعي ” الذي سبب التوتر بينهما  ومن ثم إنفراط علاقتهما .

  وتكررت رحلاته إلى أمريكا ، منها رحلاته إلى إلقاء محاضرات في جامعة فورهام في 1912 ، والتي إستمرت ستة أسابيع . وجاءت الرحلة الثالثة المهمة والتي كانت نسبياً أطول رحلة له مقارنة بالرحلتين السابقتين  ، والتي تطلع فيها يونك إلى التعرف على حياة وثقافة الهنود الأمريكيين . وفعلاً زار منطقة ” تازو بابلو ” وهي مواطن الهنود الأمريكيين (القائمة بشكلها القديم والتي لازال يعيش فيها الهنود) ، قرب تازو في مكسيكو الجديدة (أنظر : وليم ماكوير ؛ علاقة يونك ببريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية / مقالة منشورة في مجلة علم النفس التحليلي / 40 (3) ، ص 301 وما بعد) . وإذا كانت رحلة يونك الأولى قد حدثت قبل رحلة الفيلسوف كيسرلنج بسنتين ، وإن الرحلة الثانية حدثت خلال رحلة كيسرلنج . فإن الرحلة الثالثة تمت ما بين 1924 – 1925 ، أي حدثت بعد نشر كيسرلنج لكتابه ” يوميات رحلة الفيلسوف ” ، وبعد تأسيس الأخير لمدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة بأربعة سنوات ، وكان يومها يونك عضواً فاعلاً في المدرسة كما نرجح .         

  وفي إكتوبر عام 1925 باشر رحلته البحرية الإستطلاعية الطموحة (والتي إستمرت خمسة أشهر ، وإنتهت في العام 1926) إلى شرق إفريقيا وكان عمره حينها خمسين ربيعاً ، والتي يطلق عليها بالرحلة الإستطلاعية النفسية  ، وصاحبه فيها عالم التحليل النفسي ” بيتر باينز ” (1882 – 1942) (وهو الذي نضم له سيمنارين في كورنول في العام 1923 ، والأخر في العام 1925 ، وهو المترجم لبعض مؤلفاته ومقالاته) ، وشاركهما عالم التحليل النفسي اليونكي الأمريكي ” جورج باكوث ” (1896 – 1931) . وخلال الرحلة تعرف على إمرأة إنكليزية تُدعى ” روث بيلي ” والتي إلتحقت بهم ببضع أسابيع . وقامت الجماعة برحلتها خلال كينيا وأوغندا ووصلت إلى ” إلكون ” وهو جبل بركاني قديم . وكان يونك يتطلع إلى زيادة فهمه بعلم نفس البدائيين . وفعلاً قام بإجراء أحاديث مع السكان الذين كانوا يعيشون في هذه المنطقة المعزولة . وفيما بعد شكلت هذه الأحاديث مادة معرفية للمقارنات التي قام بها مع علم النفس الأوربي ، والتي شكلت بدايات جديدة في علم النفس اليونكي (أنظر : يونك في أفريقيا ، نشرة كونتيوم ، لندن 2005) .

  وقبل قيامه بالرحلة إلى الهند ، رحل مرتين إلى أمريكا ؛ الأولى في العام 1936 والثانية في العام 1937 وذلك لإلقاء محاضرات . ولعل أهمية هذه المحاضرات ، وخصوصاً محاضرات 1937 التي ألقاها في جامعة ييل ، إنها شكلت مضماراً مهماً في الإهتمام اليونكي (ومن خلالها في إهتمامات مدرسة الحكمة) ، يطلق عليه مضمار علم النفس والدين . ومن ثم جاء ديسمبر من عام 1937 ، والذي ترك يونك وراءه زيورخ ، وبدأ رحلته الواسعة في الهند . وصاحبه فيها ” فولر مكورمك ” . وفي الهند شعر يونك لأول مرة بالتأثير المباشر للثقافة الأجنبية عليه . وإذا كانت هناك حواجز لغوية لعبت في رحلته إلى أفريقيا ، ففي الهند لا توجد مثل هذه الحواجز اللغوية . ولذلك قاد يونك حوارات عميقة وتفصيلية ، وكان الحاصل منها إن شكلت الفلسفة الهندية عناصراً مهمة من فهمه لدور الرموز وحياة اللاوعي . ولكنه تعرض هناك إلى إضطرابات نفسية حادة ، أجبرته على دخول المستشفى في كلكتا ، وصرف فيها إسبوعين ، فقرر العودة ، ومن ثم إقتصر رحلاته في داخل أوربا فقط (أنظر : بيير دايردر ؛ يونغ : السيرة الذاتية ، نشرة لتل براون ، نيويورك 2003 ، ص ص 417 وما بعد) .

  لقد إقتنع يونك من خلال تحليله لشخصة ، ومن خلال تعامله مع مرضاه ، إلى إن للحياة هدف روحي يقف وراء الأغراض المادية . ولهذا عمل بكل جد على إكتشاف وإنجاز إمكانياتنا الداخلية العميقة . وإن هذه القتاعة اليونكية جاءت حصيلة دراسته للمسيحية ، والهندوسية ، والبوذية ، والغنوصيات الدينية ، والطاوية والتقاليد الدينية الأخرى . وهو يعتقد بأن العملية في مجملها كانت رحلة حملت العديد من التحولات والمراحل ، والتي يطلق عليها إصطلاح ” الإندفجوشن ” ( وهي تشمل دمج الوعي واللاوعي ولها مراحل) . وهي برأيه الجوهر الصوفي للأديان ، وهي مرحلة مواجهة الذات وجه لوجه ، ومواجهة الإلهي كذلك . وهو يعتقد على خلاف فرويد ، بأن الخبرة الروحية هي الجوهر الأساس لوجودنا الإنساني (أنظر : فيفيان كروالي ؛ المصدر السابق) .

  وتتوج هذا البعد الروحاني اليونكي ، في نشر يونك في العام 1944 كتابه المعنون ” علم النفس والخيمياء (الكيمياء القديمة) ” والذي حلل فيه الرموز السرية للخيمياء وبين علاقتها المباشرة بعملية التحليل النفسي . وفعلاً جادل في هذا الكتاب ، وذهب إلى إن العملية الخيميائية بحد ذاتها هي عملية تحويل للنفس غير الصافية (غير الطاهرة) (وهي مثل عنصر الرصاص) إلى نفس كاملة (الذهب) وهو مجاز لعملية الإندفجوشين (وهي مراحل تحول الوعي واللاوعي ودمجهما)(أنظر : كارل يونك ؛ علم النفس والخيمياء / منشور في أعمال يونك / المجلد 12 ، نشرة روتلدج ، لندن 1968) . ومات يونك في 6 حزيران عام 1961 ومات وجُل إهتمامه بالفلسفة والصوفية ونزعاتها الرمزية ذات الطبيعة السرية .

  واليوم يُنظر الباحثون الأكاديميون إلى كارل يونك ، على إنه كاتب منتج ، فمجموعة أعماله وملفاته كونت 19 مجلداً . وهناك العديد من أعماله لازالت بالألمانية ولم تترجم إلى الإنكليزية حتى بعد وفاته . ولعل من أهم مؤلفاته الكتاب الأحمر الذي ترددت العائلة على نشره . وهو في الحقيقة مجموعة ملاحظات شخصية بدأها أولاً في العام 1913 وذلك عندما عانى يونك (وكان في الثامنة والثلاثين ربيعاً) مما أسماه ” تحديات اللاوعي ” والتي تمثلت أعراضها في رؤية صور غريبة ، وسماع أصوات ، وهلوسات ، والتي أطلق عليها ” خيالات حادة ” وإعتقد بأنها أعراض الشيزوفرينيا ، وتيقن إنها تجربة ثرية ، وبدأ بتسجيلها في كتاب ملاحظات غلافه من جلد أحمر . وقد صرف في كتابته ستة عشر عاماً ومات يونك ولم ينشر هذا الكتاب .

  وظلت عائلته تترد في نشره ، وتدخل العديد من الشخصيات وحاولوا إقناع العائلة إلى أهمية هذا الكتاب في بيان نظريات يونك الخاصة في علم نفس اللاوعي . وفعلاً إقتنعت العائلة أخيراً وطبع بالألمانية في 7 إكتوبر عام 2009 ، ومن ثم ترجم إلى الإنكليزية مع مقدمة كتبها المؤرخ البريطاني ” سونو شامداسني ” وهو بروفسور في تاريخ الطب في كلية لندن الجامعية (وهو بدوره حاول ولمدة ثلاث سنوات على إقناع ورثة يونك على أهمية نشر الكتاب الأحمر) .       

عالم اللاهوت ” ريتشارد ويلهلم “

  والشخصية الثالثة من شخصيات مدرسة الحكمة أو الفلسقة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج ، هو رجل اللاهوت البروتستانتي ” ريتشارد ويلهلم ” ، وهو عالم متخصص باللغة والأدب الصيني ، والحارث الأكاديمي في مختلف إتجاهات الفلسفة الصينية . ووفقاً للسيرة الذاتية لصديقه عالم النفس كارل يونك :

  ويلهم كان أكثر من كونه باحث أكاديمي ، وعالم في اللنكوستيك (فقه اللغة) ، فهو باحث روحي تسربت إلى أعماقه الروح الصينية ، مع محافظة على المرجعية الأوربية . وقد عاش في الصين لأكثر من عشرين عاماً ، وهو المصدر الأول والشاهد الذي رأى بأم عينيه الإختلافات الروحية بين الشرق والغرب (أنظر : كارل يونك : مذكرات وأحلام وأفكار ، ترجمة ريتشارد وكلارا وينسون ، نشرة دار رندم ، تورنتو 1989) .

   ولد الطفل ريتشارد في 10 مايس من العام 1873 ، في مدينة توبنكن الألمانية . وحسب رواية يونك كان طالباً في مدرسة مرموقة ، وهي مدرسة ” توبنكر سليفت ” وكان ذو إهتمامات ثقافية واسعة ، كما كان مولعاً بأعمال الشاعر الألماني ” جوهان غوته ” . وريتشارد بطبعه كان شخصية روحية عميقة ، ولذلك تحولت دراساته إلى مضمار علم اللاهوت . وفي العام 1895 ، وكان عمره أثنتين وعشرين ربيعاً  رُسم

باستراً (أي قساً بالأصطلاحات الكاثوليكية) . وعمل لفترة باستراً في الأبرشية .

  ولما كان الشاب ريتشارد مثالياً ، ومتطلعاً لعالم أوسع ويحب المغامرة ، فإنه في سن السادسة والعشرين إلتحق بمهمات التبشير البروتستانتي ، ومن ثم وافق للعمل في التبشير في المستعمرة الألمانية في مدينة ” تسنكتو ” الصينية (أنظر : كارل يونك ؛ المصدر السابق) .

 وما حطت أقدامه على أرض المستعمرة ، حتى إكتشف تفتُح قريحته على تعلم اللغة الصينية بشكل خلاق ملفت للنظر . وفعلاً كما يذكر يونك ، إن مجموعة المبشرين قد سمحوا لريتشارد أن يصرف بعض الوقت في دراسة اللغة الصينية . وفي العام 1905 ولد ولده ” هاملت ” ، وفي هذا العام بدأ بترجمة كتابه الصيني الأول إلى الألمانية . وإن دراساته وترجمته للحياة الدينية الصينية إستمرت حتى يوم وفاته (المصدر السابق) .  وهكذا تحول من التبشير والوعظ الديني إلى باحث أكاديمي ومترجم من الطراز الأول للتراث الفلسفي الصيني والنصوص الدينية الصينية .

   وبعد تعلم ريتشارد للغة الصينية ، وجد نفسه مفتوناً بالنصوص الدينية الصينية ، التي بدأ بدراساتها . وفعلاً تنامى لديه نوع من التعاطف مع الثقافة الصينية ، وخصوصاً نصوصها الدينية . وفي تسنكتو وبكين بدأ بالدراسة في الجامعة ، وهناك  قابل العديد من قادة الثقافة الصينية في عصره . ووفقاً لزوجة ويلهم كان :

شخصية دافئة ، ولديه الإمكانيات لعقد صداقات مع العديد من الصينيين ، وتعلم طريقتهم في الحياة . وهذا الإرتباط باللغة والثقافة الصينيتين ، عملا على إحداث تحولات جذرية في شخصه ، ومن ثم خلقا منه إنساناً جديداً . وفعلاً بدأ ينظر إلى العالم من زاوية صينية (المصدر السابق)

   وفي العام 1911 قابل ويلهلم رجلاً رسم له مستقبلاً أكاديمياً متفرداً ، وشكل له قدراً معرفياً متميزاً ، خصوصاً في مضمار المعرفة الفلسفية والدينية الصينية . هذا الرجل هو الحكيم الصيني ” ليو ناي هاسان ” (1843 – 1921) . كما وإكتشف

 ويلهم الجمعية الكونفوشية في تسنكتو ، وأصبح الحكيم مرشداً له . ولعل القارئ

للمقدمة التي كتبها ” ريتشارد ويلهلم ” للترجمة التي أنجزها للكتاب الصيني القديم (والذي يُعرف بالشنك) وهو ” كتاب التغييرات ” (وخصوصاً بعد الثورة الصينية ، وتحول المستعمرة إلى مواطن لعيش عدد من الباحثين من أعضاء المدرسة القديمة) يقف عل الوصف الذي قدمه ويلهم لمكانة حكيمه الصيني :

   هو من الباحثين المشاهير من المدرسة القديمة ، وهو الوحيد على قيد الحياة من بينهم ، وهو معلمي المبجل ، وهو من الباحثين القلائل المتطلعين إلى التغيير ، وهو يتوقع أن تأتي قريباً عزلة الصين من العالم إلى نهايتها ، وهو الحكيم الحقيقي ، وينتمي إلى عائلة كونفشيوس ، وهو ماهر بعمق في اليوغا والطرق النفسية للتقاليد الطاوية . وإنه كان خبيراً بكتاب شنك ، ومحباً له ، وإن هذا الحب إنتقل بسرعة إلي (أي ويلهلم . وهكذا أصبح ليو مبشراً متفرداً ، وويلهلم (الذي جاء مبشراً) تحول إلى تلميذ ، ولأول مرة فإن التقاليد الروحية الصينية تم مشاركتها مع الأوربي (المصدر السابق) .

  وتعاون ريتشارد ويلهلم مع حكيمه الصيني خلال السنوات العشر التي جاءت بعد العام 1913 على ترجمة كتاب ” شنك ” من الصينية وإلى الألمانية . وهذه الترجمة قد ثبتت بأنها من أقوى الترجمات الغربية ، التي نقلت بصدق مضمون النص الصيني القديم . كما إن هذه الترجمة قد ترجمت إلى العديد من اللغات الأخرى .

 وكتب ويلهلم يصف الجانب الإجرائي للترجمة ، فيقول :

لقد فتح الحكيم الصيني ليو ذهنيتي على كتاب التغييرات ، وقادني خطوة خطوة لأقف على روائعه . وتحت إشرافه المهني العالي ، بدأت أتنقل مسحوراً في أركان وزوايا هذا العالم الغريب المؤلف .

  إن ترجمة هذا النص قد تمت بعد مناقشة التفاصيل معه ، وبعد إكمال النسخة الإلمانية ، أُعيد ترجمتها مرة ثانية إلى الصينية ، وبعد التحقق من تطابق المعنى على النص تماماً ، إعتقدنا إن النسخة الإلمانية كانت صحيحة جداً وجاهزة للطبع .

  وفي العام 1921 وصلت الصفحة الأخيرة من تصحيحات الناشر لكتاب شنك ، وتوفي الحكيم الصيني ليو . وعمل ويلهلم بعض الإضافات  ، وفعلاً لم يصدر كتاب ” شنك : التغييرات ” إلا في العام 1923 . وفي العام 1924 عاد ويلهلم إلى ألمانيا ، وعمل بروفسوراً للدراسات الصينية في جامعة فرانكفورت . ومن ثم في العام 1925 أسس المعهد الصيني ، وفي هذه الفترة تعرف على عالم النفس التحليلي ” كارل غوستاف يونك ” ، وأصبح صديقاً مقرباً له ، وكتب يونك مقدمتين لكتابي ويلهم ؛ الأول ” شنك : كتاب التغييرات ” . والثاني ” تاوست : رسالة الخيمياء (سر الوردة الصفراء) ” . ويحسب ويلهلم إن علاقتهما لم تقف عند حدود المقدمتين لهذين الكتابين ، وإنما تخطت إلى ظهور أثرهما على نظريات يونك وكتاباته .

  لقد كان ويلهلم مثالاً للفيلسوف الصادق ، الذي تخلى عن مهمته الدينية التبشرية التي ذهب إلى الصين لإنجازها ، وبالمقابل تمسك بمبادئه الإنسانية وهو يعيش على الأراضي الصينية ، وكثيراً ما إنحاز إلى الروح الإنسانية . فقال :

  أعتقد إن على المسيحيين أن يتطلعوا إلى الصين ، ويجدوا الله بينهم ، بدلاً من محاولة تنصيرهم . ومن ثم أخبر يونك عن حياته التي قضاها في الصين ، فقال :

لم أقم بتعميد شخص صيني واحد على الإطلاق . وشعر بأن مهمته هو تأسيس جسر بين الروحين الشرقي والغربي . وعالم النفس يونك كتب من طرفه في مذكراته يصف شخصية ويلهلم ، فقال :  كان ويلهلم الحواري الوفي للحكيم الصيني ليو ناي هوسان ، وحقق رغبته وحلمه (كارل يونك : مذكرات ، أحلام وأفكار ، ترجمة ريتشارد وكلارا ونسون ، نشرة دار رندم ، تورنتو 1989 ، ص 373 – 377) .

  ويبدو ويلهلم إنموذجاً صينياً مثالياً في سلوكه ، أكثر من كتاباته وأحاديثه ، وأن الثقافة الصينية القديمة قد تشربت في شخصة ، وإستقرت في أعماق روحه وتفكيره . كما إن الهوية الصينية للفيلسوف ويلهلم كانت من طرف أخر مصدراً من مصادر الصراع الداخلي ، والتي كانت وراء العديد من الصعوبات التي واجهها بعد عودته إلى أوربا . ويونك أحس بأن ويلهلم كان يعاني من ضغط الروح الأوربي عليه . وإن الصراع النفسي كان قوياً وعميقاً بين طرفيه الشرقي والغربي . ومات ريتشارد ويلهلم في العام 1930 ، وكان عمره سبع وخمسين ربيعاً فقط (أنظر : ريتشارد ويلهلم : السيرة الذاتية (أون لاين)) . 

 وفي موقع مدرسة الحكمة تعريف بشخصية ريتشارد ويلهم ، نرغب في توفيرها للقارئ العربي ترجمة :

   يُعدُ ريتشارد ويلهلم ماركو بولو العالم الداخلي للصين ، وهو أكثر من ذلك ، فهو الذي إتخذ على عاتقه مسؤلية فتح أبواب العالم الغربي على التراث الروحي الصيني وعموم أسيا . وقام ويلهلم بترجمة الأعمال الفلسفية الكبرى من الصينية إلى الألمانية ، ومن ثم تُرجمت إلى معظم اللغات الأخرى ومن بينها الإنكليزية . وتقف ترجمته لكتاب ” شنك : التغييرات ” الذي نشره في العام 1923 نداً لجميع الترجمات الأخرى ، بل وتتفوق عليها .

  وريتشارد ويلهلم هو الذي أدخل كتاب شنك ، والفلسفة الصينية إلى مدرسة الحكمة ، ومنذ فتح أبوابها في العام 1920 . وإن أفكاره تحولت إلى جزء من برامجها . وإن ريتشارد ويلهلم ، والحكماء الصينيين القدماء ، شكلوا المنابع الأساسية لمدرسة الحكمة (أنظر : مدرسة الحكمة / تاريخها ، موقع (أون لاين)) .

  وأخيراً فإن ويلهلم حسب رواية يونك ، قد شارك في كتاب كيسرلنج ” حول الزواج ” . وفعلاً كتب فصلاً بعنوان ” الزواج عند الصينيين ودلالته الروحية ” ، وشارك في مدرسة الحكمة في دارمشتات ، وترك أثاراً على كل من الأب كيسرلنج والولد أرنولد كيسرلنج ، خصوصاً في الفلسفة الصينية ، وكتاب شنك الذي أصبح ركناً مركزياً من منهج مدرسة الحكمة (يونك : المصدر السابق) .

شاعر الهند الكبير ” طاغور “

  وكان الشاعر الهندي الكبير ” ربند راند طاغور ” (1861 – 1941) هو الفيلسوف الرابع من فلاسفة مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج . وهو يتحدر من عائلة لها دور في التجديد في الفلسفة البراهمية ، فمثلاً كان جده ” دابند راند ” من جهة والده ، هو الذي أعاد صياغة الفلسفات البراهمية التي تبناها صديقه المصلح البراهمي ” رام موهان روي ” (1772 – 1833) ، ومن ثم تحول جد طاغور إلى رمز كبير ومتحدث في الجمعية البراهمية بعد موت المصلح ” روي ”  (أنظر : تاكي شاركر ؛ وجوه متعددة للحب ، مقال منشور في كتاب : برديب كومر ديتا ” رابند راند طاغور : البيت والعالم (صحبة نقدية) ، نشرة دار بلاك بيرممنت ، 1995 ، ص 36 وما بعد) .

   لقد ولد الطفل ” رابي” (الشاعر طاغور) في منزل العائلة الكبير (جورسانكو مانشن) في كلكتا الهندية ، في 7 مايس عام 1861 ، وكان الطفل الأصغر سناً بين إخوانه الثلاثة عشر من الأحياء (المصدر السابق ، ص ص 8 – 9) . وبسبب موت والدته في طفولته المبكرة ، وترحال والده الدائم لأغراض العمل ، إن أعتنى الخدم بتربية الطفل رابي . ومن الملاحظ إن رابي ترعرع في بيت مملوء بمجلات الأدب ، والمسرح ، كما إن الغناء البنغالي والموسيقى الكلاسيكية الغربية يشكلان الأجواء المعتادة في المنزل ، والذي كان في الوقت ذاته مركزاً للجماعة المحبة للفن .

 إن سيرته الذاتية تقدم لنا صورة غنية عن التنوع الثقافي في داخل أسرة الطفل رابي ، فقد كان أخوه الأكبر ” دواجيند راند ” فيلسوفاً محترماً وشاعراً ، كما إن أخيه الأخر ” ستيند راند ” أول هندي عُين في ” نخبة الخدمة المدنية الهندية الأوربية ” وكان مقرباً من العائلة المالكة الإنكليزية . وكان أخيه ” جويتيرند راند ” موسيقاراً وكاتب مسرحيات . إضافة إلى إن أخته ” سوراند ” كانت روائية .. (أنظر : أدورد جون تامبسون ؛ رابندراند طاغور : الشاعر وكاتب الدراما ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن 1926 ، ص 20 ، وكذلك : ديتا وروبنسون (ناشران) ؛ رسائل طاغور المختارة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1997 ، ص 10) . إن كل هذا يؤشر  الجو الثقافي العائلي الثري المتنوع الذي ترعرع فيه الطفل رابي طاغور ، وبالتأكيد سيكون له من الأثر في تنمية وتحديد إتجاهاته الثقافية والفلسفية فيما بعد .

   أما الحديث عن مراحل تعليمه ، فلها قصة ممتعة ، فالطفل رابي كان لا يفضل الإنخراط في صفوف مدرسية منظمة ، ورغب في تعلم السنسكريتية في مراكز ” بولبور ” و ” بناهاتي ” التي كانت تزورها العائلة (أنظر : تامبسون ؛ المصدر السابق ، ص 21) . وكان أخوه ” هامند راند ” معلمه الخصوصي ، والذي أشرف عليه في التربية المدنية ، وإشترط عليه تعلم السباحة ، والجري عبر التلول ، والجمناستيك ، والجودو والمصارعة . وتعلم طاغور الرسم ، والتشريح ، والجغرافية والتاريخ والأدب والرياضيات ، واللغة السنسكريتية والإنكليزية التي كانت الموضوع المحبب لديه  (أنظر ديتا و روبنسون ؛ طاغور : رجل صاحب عقل متعدد ، نشرة مطبعة القديس مارتن ، 1995 ، ص ص 48 – 49) .

 وفعلاً إن طاغور أظهر إحتقاراً للتعليم الرسمي ، وفضل الرحلة إلى الكلية الرئاسية المحلية ، وكان يصرف يوماً كاملاً هناك . وهي كلية هندوسية جامعة في كولكتا غرب البنغال ، أسسها المصلح البراهمي ” راج رام موهان روي ” في العام 1817

وبعد بلوغه الحادية عشرة سافر مع والده (في شباط 1873) في رحلة إستمرت شهور عدة ، زار أملاك والده في منطقة الهملايا . وهناك بدأ يقرأ السير الذاتية . وكان والده هو المعلم الخصوصي له خصوصاً في موضوعات من مثل : التاريخ والفلك واللغة السنسكريتية . وقرأ بالمناسبة السيرة الذاتية للمفكر الإمريكي المتعدد الإهتمامات ” بنجامين فرانكلين ” (1706 – 1790) . وناقش الأبن والأب كتاب المؤرخ الإنكليزي ” أدورد كيبون ” (1737 – 1794) المعنون ” تاريخ تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية ” (والذي يتألف من ستة مجلدات ، ظهر المجلد الأول منها في العام 1776 ، وظهر المجلد السادس في العام 1789 . للتفاصيل أنظر : بيتر كوش ؛ عصور كيبون المظلمة : ملاحظات حول أصول الإنحطاط والسقوط / مجلة الدراسات الرومانية ، العدد 73 سنة 1983 ، ص ص 1 – 23) ، وقرأ شعر الكاتب السنسكريتي ” كالديسا ” (من القرن الرابع الميلادي) (أنظر : ديتا و روبنسون ؛ المصدر السابق ، ص ص 54 – 55) .

 وعاش مع والده في الأشهر الأخير في بيت قريب من الشلالات ، تجربة قاسية في الدراسة وروتين الحياة اليومية . وأخذا يستحمان في الصباح الباكر بالماء المثلج . بعدها عادا إلى ” جورسانكو ” ، وأكمل في العام 1877 مجموعة من الأعمال الكبيرة ، واحدة منها قصيدة طويلة (أنظر : طاغور ؛ حبيب الله ، ترجمة ت . ستيوارت و س . ويشيل ، نشرة مطبعة كانيون كوبر 2003، ص 3) ، ومنها قصته القصيرة الأولى ، والتي كانت بعنوان ” المرأة المتسولة ” . ومن ثم كتب في العام 1882 قصيدته المشهورة ” إثارة الشلال ” (أنظر : ديتا و روبنسون ؛ رسائل طاغور المختارة ، ص ص 46 – 47) .

  ولما كان والد طاغور يتطلع إلى أن يكون ولده محامياً مرموقاً ، فقرر الوالد في العام 1878 تسجيله في مدرسة إنكليزية حكومية في منطقة بريتون البريطانية (أنظر : باسوتي كوش ؛ طاغور : المغني وأغانية ، نشرة بنجوين – الهند 2011 ، ص 16) ، وعاش طاغور بضعة أشهر في البيت الذي تملكه العائلة هناك ، ومن ثم إلتحق بكلية لندن الجامعية لدراسة القانون . ولكنه ترك قراءة القانون ، وفضل الدراسة المستقلة لأعمال شكسبير . وفي العام 1880 عاد فارغ اليدين ، وعمل على التوفيق بين الثقافة الأوربية والتقاليد البراهمية ، معتمداً منهجاً إنتخابياً ، ينتقي فيه ما هو جيد في الإثنين (أنظر : تامبسون ؛ المصدر السابق ، ص 31) . ومن ثم تزوج ديفا في العام 1883 وأنجبت له خمسة أطفال ، عاش منهم ثلاثة .

  وما بين عامي 1878 و 1932 زار طاغور أكثر من ثلاثين بلداً شملت خمس قارات (وزار العراق في العام 1932 وإلتقى في الصحراء العراقية بعدد من رؤساء القبائل البدوية العراقية) . وفي العام 1912 ترجمت أعماله إلى الإنكليزية ولاقت إهتماماً خاصاً من قبل قس الكنيسة الأنكليزية ” شارلز فرير أندروز ” (1871 – 1940) ، وهو المبشر والمصلح الإجتماعي في الهند ، وكان صديقاً للمهاتما غاندي (1869 – 1948) ، والشاعر الإيرلندي والكاتب المسرحي ” وليم ييتس ” (1865 – 1939) والشاعر الأمريكي ” عزرا بوند ” (1885 – 1972) وهو من الرموز الكبيرة في حركة الحداثة في الشعر ، والشاعر البريطاني ” روبرت بريجدز ” (1844 – 1930) ، والكاتب الإنكليزي ” إرنست رايس ” (1859 – 1946) والشاعر الإنكليزي ” توماس مور ” (1870 – 1944) وأخرون (أنظر : ديتا و روبنسن ؛ طاغور : رجل صاحب عقل متعدد ، ص ص 178 – 179) . وفي نوفمبر عام 1913 حصل على جائزة نوبل لآداب . وبعد عامين ، وبالتحديد في عام 1915 منحه التاج الربطاني لقب فارس . ولكن طاغور رفض اللقب الملكي في العام 1919 بعد المجزرة التي إرتكبتها القوات البريطانية ضد الشعب الهندي .

  وفي العام 1932 أصبح طاغور مولعاً بالشاعر الصوفي ” خواجه شمس الدين محمد حافظ شيرازي ” (1326 – 1390) . كما تفاعل مع الفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” ، وعالم الفيزياء ” ألبرت أنشتاين ” (1879 – 1955) ، والشاعر الأمريكي ” روبرت فورست ” (1874 – 1955) والروائي الألماني ” توماس مان ” (1875 – 1955) والكاتب المسرحي الإيرلندي ” جورج برنارد شو ” (1856 – 1950) والمؤلف الإنكليزي ” هربرت جورج ويلز ” (1866 – 1946) والروائي الفرنسي ” رومان رولاند ” (1866 – 1944) (أنظر : أر . جاك ريفرتي ؛ قارئ طاغور ، نشرة مطبعة بيكون 1961، ص 99 ، ص ص 100 – 103) .

   والمشهور الشائع عن طاغور إنه كان شاعراً ، وفعلاً كتب الكثير من الروائع الشعرية . إلا إنه كان روائياً ، وكاتب مقالات ، ومؤلف أدب الرحلات ، والقصص القصيرة ، وألاف الأغاني . وإن نثر طاغور وقصصه القصيرة يتميزان بقيمة جمالية عالية . ودائماً توصف أعماله بالحيوية ، والتفاؤل ، والطبيعة الغنائية .

  إن الناظر في أعمال طاغور ، يلحظ إنها غطت مضماراً معرفياً واسعاً ، فقد توزعت بين التاريخ ، واللنكوستيات (فقه اللغة) ، والروحانيات ، والسير الذاتية ، وأدب الرحلات ، وقصص ، وأغاني ، ومجاميع شعرية ، ومقالات ، ومحاضرات ، كونت عدة مجلدات ، من ضمنها ” رسائل من أوربا ” و ” دين الإنسان ” وموجز محادثته مع أنشتاين ، والتي نشرت بعنوان ” ملاحظة حول طبيعة الحقيقة ” . وبمناسبة مرور 150 عاماً على ولادته ، نشرت جميع أعماله في البنغال ، وأعتمد المنهج التاريخي ، إضافة إلى الملفات التي تركها ، وكونت جميعها ثمانين مجلداً . ومن ثم تعاونت في العام 2011 جامعة هارفد وجامعة بهراتي الهندية على طبع مجموع له بعنوان ” أساسيات طاغور ” ، وهي أكبر مجموع لأعماله المتوافرة في الإنكليزية والتي ظهرت بمناسبة مرور 150 عاماً على ولادته .

 أما مكانة طاغور في مدرسة الحكمة التي أسسها الفيلسوف هرمان كيسرلنج ، فلها قصة ذات طعم خاص . ولعل أول ما نود الإشارة إليه ، هو إن طاغور أسس في الهند ، وبالتحديد في عام 1901 (أي قبل مدرسة الحكمة بتسعة عشر عاماً) مدرسة أسماها ” فيسفا بهراتي ” وصرف عليها مما يأتيه من موارد من محاضراته ومبيعات كتبه . وهي نظام تربوي بديل للنظام التعليمي الفقير الذي فرضته قوات الإحتلال البريطاني على الهند . وتكون نظام المدرسة الجديدة من المجيد والأحسن في التربية الهندوسية التقليدية والمُثل الغربية .

  حقيقة إن جهود طاغور التربوية ذات الأبعاد الثقافية المتعددة ، ألهمت العديد من الفلاسفة والشخصيات في الغرب والشرق ، وكان من بينهم صديقه الفيلسوف ” هرمان كيسرلنج ” والذي بدوره أسس مدرسة الحكمة في العام 1920 وعلى أساس مدرسة طاغور ، والجامعات القديمة التي كانت موجودة في شمال الهند ، وكانت خاضعة لقواعد البوذية والتي كان يطلق عليها مدارس الحكمة أو الفلسفة الحرة . وفعلاً قاد طاغور برامج مدرسة الحكمة منذ لحظة إفتتاحها في العام 1920 ، وشارك في العديد من برامجها فيما بعد (أنظر : موقع مدرسة الحكمة (أون لاين) . 

الروائي ” هرمان هس “

  أما الفيلسوف الخامس من فلاسفة مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة التي أسسها الفيلسوف كيسرلنج ، فهو الروائي والشاعر الألماني السويسري ” هرمان هس ” ، والذي ولد في 2 تموز عام 1877 في الغابة السوداء من مدينة كالو التابعة لمنطقة ويتنبيرك الألمانية* . وقد خدما والديه في الهند من خلال جمعية التبشير المسيحي

ـــــــــــــــــــــــــ

* من الكتب الممتازة التي صدرت بالإنكليزية ، وتناولت السيرة الذاتية للروائي والشاعر الألماني ” هرمان هس ” ، الكتاب الذي نشره الأستاذ ” جوزيف مايلك ” ، وبعنوان ” هرمان هس : حياة وتراث أدبي ” ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا ، لندن 1978 . ولعل أهمية هذا الكتاب ، إن المؤلف إعتمد على معلومات مباشرة عن سيرة الروائي هس ، زوده بها ولدي الروائي هس ، وهما كل من ” برنو ” و ” هينر ” ، إضافة إلى العديد من الدراسات الأكاديمية (أنظر : المقدمة ، ص 13) .

ـــــــــــــــــــــــــ

البروتستانتي . وفعلاً إن أمه ” مريا كوندرت ” ولدت في الهند عام 1842 ، وكانت تصف طفولتها ” بأنها لم تكن طفولة سعيدة .. ” . وتتذكر بأن عمرها لم يبلغ الرابعة فقرر والديها تركها في أوربا ، وعادا إلى الهند للتبشير الديني  (أنظر : جوزيف مايلك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ، ص 5) .

  هذا مايخص أم هرمان ، وهو الحضن الذي سيترعرع في ظله . أما أبوه ” جوهانز هس ” فهو إبن دكتور ، وكانت ولادته في إستونيا عام 1947 ، وعندما تزوج ” مريا كوندرت ” إنتقل ليعيش في بيت العم كندرت وهو دكتور فلسفة . ولحالة الإزدحام في البيت أصيب في العام 1889 بكآبة شديدة  ، وبالتأكيد سيكون لها أثراً على الطفل هرمان . وكان الأب جوهانز ينتمي إلى أقلية ألمانية تعيش في منطقة البلطيق ، وإن الحاصل من ذلك إن ولده هرمان كان مواطناً بالولادة لكل من الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية الروسية . وكان والد الروائي هس ذو مزاج خاص ، تمثل في ميله نحو ” الأدب اللاتيني ، والفلسفات اليونانية ، والأديان الشرقية ” (جوزيف مايليك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ، ص 3) .

  وإنتقلت العائلة في العام 1873 إلى كالو ، وهناك بدأ والده يعمل في دار للنشر ، متخصصاً في طبع النصوص اللاهوتية والكتب المدرسية . وجدُ هرمان هس من جهة الأم  ، كوندرت هو الذي كان يدير دار النشر في وقته ، وحفيده هرمان تابع خطاه ، وورث دار النشر في العام 1893 . هذه هي الأجواء العائلية التي نمت فيها شخصية الطفل هرمان هس ، والتي سيكون لها من الأثار السلبية والإيجابية في تكوين ذهنيته وتحديد سلوكه وإتجاهاته الفكرية والحياتية .

  وفعلاً إن الطفل هرمان أظهر منذ سنوات مبكرة من حياته تصرفات دالة على إنه صعب المراس ، وإن العائلة واجهت صعوبات في التعامل معه . ففي رسالة بعثت بها أمه ” مريا ” إلى والده ، تقول فيها :

 جوهانز صلي معي للطفل هرمان  ، صلي من أجل أن تكون لدي القوة الكافية لتربيته ، إنه يبدو لي إن هذه القوة الجسمية غير كافية ، فالطفل الصغير يتميز بنشاط حيوي عال ، وقوة لا تُصدق ، وإرادة صلبة ، وهو إبن أربعة سنين فقط ، وله عقل عجيب ، حيث يستطيع التعبير عن كل شئ . وسبب عذاب لي . وهذا العذاب في حقيقته صراع داخلي ضد مزاجه الطاغي ، ومشكلته الإنفعالية ، وأسأل الله أن يُعيد تشكيل روحه الجامحة ، وأحسب إنه سيكون يوماً شخصية نبيلة وعظيمة . ولا أستطيع أن أتصور ماذا سيكون عليه هذا الصبي ، وهذا الشخص الإنفعالي ، إذا رُبي تربية كاذبة وضعيفة (المصدر السابق ، ص ص 6 – 7)

  وفعلاً لقد أظهر الطفل هرمان هس علامات من الكآبة المستمرة ، خصوصاً في بواكير السنة الأولى من دخوله الى المدرسة هذا طرف . والطرف الثاني إن جده من جهة أُمه ، وهو “هرمان كوندرت ” كان دكتوراً في الفلسفة ، ويتكلم عدة لغات بطلاقة  (أنظر : المصدر السابق ، ص 3) ، فكان لذلك من الأثر على الصبي هس ، والذي تمثل أولاً بتشجيعه على القراءة الواسعة ، ومنحه الحرية في الإطلاع والقراءة من مكتبته الخاصة ، والتي كانت تعجُ بكتب الأدب العالمي . وعن هذا الطريق غرس الجد الدكتور كوندرت في روح هس حس المواطنة العالمية . وفي الوقت نفسه لاحظ الصبي هس إن عائلته ” قاومت كل النزعات القومية ، وهذه الخلفية العائلية شكلت حياتي ” .

   كما إن الصبي هرمان كان يشارك أمه في حب الموسيقى ، والحقيقة إن الشعر والموسيقى كانا ركنيين مهمين في حياة عائلة هس . فمثلاً أُمه كانت تكتب الشعر ، ووالده من طرفه كان يتداول إسلوباً لغوياً خاصاً في مواعظه وكتاباته الدينية . وكان مثاله العائلي أخوه غير الشقيق ” ثيو ” الذي تمرد على العائلة ودخل معهد الموسيقى عام 1885 ، وهس من جانبه أظهر ميلاً نحو الإيقاع الموسيقي . ومن ثم خلال السنوات من 1889 – 1890 قرر أن يكون كاتباً .

  وعندما كان هس في الرابعة من عمره ، وبالتحديد في عام 1881 إنتقلت العائلة لتعيش في بازل السويسرية ، وبقيت هناك مدة ستة سنوات ، ومن ثم عادت إلى كالو . وأفلح هس في الإلتحاق بمدرسة اللغة اللاتينية ، وفي العام 1891 بدأ بحضور الحلقات الدراسية اللاهوتية الإنجيلية في دير مالبورن ، ولكنه في العام 1992 أظهر سلوكاً تمردياً ، فهرب من الحلقات ولم يُعثر عليه إلا في اليوم التالي . وهنا بدأت رحلة هس المنحوسة ، فأخذ يتنقل من معهد إلى معهد ، ومن مدرسة إلى مدرسة ، وعاش تجربة صراع شديد مع والديه (أنظر : المصدر السابق ، ص 7) .

  وخلال الفترة الممتدة من 7 مايس وإلى 20 حزيران تصاعدت مخاوف العائلة من سلوكه . وخصوصاً عندما أقترض بعض المال ، وإشترى مسدساً وترك رسالة أشر فيها إلى إنه عازم على الإنتحار ، ومن ثم إختفى لمدة يومين . وبعد محاولته الإنتحار توسلا الوالدين بالعون من المؤسسات الإجتماعية . وفعلاً صرف الصبي هرمان هس بعض الوقت في معهد ” باد بول ” وتحت إشراف رجل اللاهوت والقس ” كريستوف فردريك بلوهاردت ” (1842 – 1919) ، ومن ثم أُودع في مؤسسة الأمراض العقلية في ” ستتن أم رماستل ” ومن بعد ذلك في مؤسسة الصبيان في بازل . وفي نهاية عام 1892 إلتحق بالجمنزيزم (المدرسة الثانوية) ، وإجتاز في العام 1893 إمتحان السنة الأولى ، ولكنه عاد في السنة التالية وإرتبط بمجموعة من الأصدقاء الأكبر سناً وبدأ تعاطي المسكرات والتدخين ، وهكذا كان النهاية لتعليمه الرسمي (أنظر المصدر السابق ، ص ص 7 ، 10 ، 12 – 13) .

  وبدأ في 30 إكتوبر 1893 العمل في دار لبيع الكتب ، وبعد أربعة أيام فقط توقف عن العمل ،  ومن ثم عمل مع والده في  دار النشر ، وإلتحق لمدة أربعة عشر شهراً في برنامج تدريبي في الميكانيك في معمل لصناعة الساعات في كالو . وبدأ العودة إلى النشاطات الروحية . وفي إكتوبر من عام 1895 إلتحق في برنامج تدريبي في محل لبيع الكتب . وكل هذه الخبرات سيكتب عنها هس في روايته المعنونة ” تحت العجلة ” .

هرمان هس كاتباً

  لقد حدثت تحولات دراماتيكية في حياة الشاب هرمان ، فأعادته من جديد إلى قدره الحقيقي ، ونعني بذلك ، العودة إلى الوعد الذي تطلع إليه ، وأعلنه في حدود العام 1890 ، وهو أن يكون كاتباً ، وكان عمره يومها ثلاثة عشر ربيعاً فقط  ، وحينها قال : ” من اليوم لم يكن هرمان هس ذلك الشبح في البيت أو المدرسة ، وهذه هي البداية الحقيقية لمتابعة إهتماماتي الأدبية أكثر أو أقل كما ترضيني ” (المصدر السابق ، ص 17) . وفعلاً ففي 17 إكتوبر من عام 1895 (وكان عمره ثمانية عشر عاماً) بدأ في العمل في دار كتب في توبنكن ، وتخصص في كتب اللاهوت ، وفقه اللغة والقانون . وكانت مهمته تنظيم الكتب وحزمها ، ووضع أرشيف لها . وبعد عمل يومي طويل يمتد لمدة إثنتي عشر ساعة ، يتابع إهتماماته الخاصة ، فيصرف الوقت الطويل ، وأيام الآحاد في قراءة الكتب التي فضلها على رفقة الأصدقاء .

  وبدأ في هذه الفترة بدراسة الكتب اللاهوتية ، ومن ثم تحول نحو ” جوهان غوته ” (1749 – 1832) ، و” إفرايم ليسنغ ” (1729 – 1781) ، و” فردريك شيلر ” (1759 – 1805)  ، وكذلك أخذ بقراءة نصوص حول ” الإسطورة اليونانية ” . إضافة إلى قراءة ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) والتي تركت أفكاره أثاراً عميقة على معظم روايته . وفعلاً فقد وصف هس في رسالة بعثها إلى والديه إستجابته إلى أفكار نيتشه ، فقال فيها : ” كان في أفكار هذا الفيلسوف دافعاً مزدوجاً ؛ ففيها العاطفة ، وفيها النظام “(المصدر السابق ، ص ص 26 – 27) .

  وقرر هس في العام 1898 الإستقلال من والديه ، خصوصاً بعد أن أصبح لديه دخلاً محترماً . وفي هذه الفترة ركز جُل وقته على دراسة أعمال الرومانتيكيين الألمان ، والتي شملت أعمال الروائي الشاعر ” كالمنز برنتو ” ( 1778 – 1842) ، والروائي الشاعر ” يوسف فرير إيكندورف ” (1788 – 1857) ، والشاعر الغنائي ” جوهان فردريك هولدرلين ” (1770 – 1843) والفيلسوف ” نوفليس ” (وهو جورج فيلب هاردنبيرك) (1772 – 1801) (أنظر المصدر السابق ، ص ص 16 -17) . وحاول هس في هذه الفترة ، أن يُعبر لوالديه عن أرائه ، فأرسل لهم رسالة جاء فيها : ” لقد حلت الجماليات محل أخلاقيات الفنانين ”  (أنظر المصدر السابق) .

   وقبل ذلك وبالتحديد في العام 1896 نشر قصيدته الشعرية المعنونة ” مادونا ” والتي ظهت في الدورية المعنونة ” فينا ” . ويبدو إن عقيدة والديه الدينية ، وقراءاته اللاهوتية تركت أثرها في المفردات الشعرية للشاعر هس . وأصدر في الخريف من العام ذاته ، مجلده الشعري الصغير الأول ، والمعنون ” أغاني رومانتيكية ” والتي فيها إنقلاب فكري على العقيدي ، وإنتصار للإنساني العلماني والذي سيكون السبب في عدم رضاء والدته كما سنرى ذلك لاحقاً .

 وفي العام 1897 نشر قصيدته المعنونة ” كراند فاليس ” التي ستفتح له طريقاً مع الناشرين . وفعلاً فقد وصلته رسالة من أحدى المُعجبات ، وهي ” هلين فوكت ” والتي تزوجت من الناشر الشاب ” يوجين دايدريكز ” . ولإسعاد زوجته وافق على نشر مجموعة نصوص نثرية ، كتبها هس بعنوان ” ساعة بعد منتصف الليل ” والتي صدرت عام 1898 . والحقيقة إن كلا الطبعتان (أي ” كراند فاليس ” و” ساعة بعد منتصف الليل “) تُعدان عملان فاشلان من الزاوية التجارية ، حيث لم يباع منهما إلا القليل القليل . وأصيب هس بصدمة كبيرة ، خصوصاً عندما أعلنت والدته عن عدم موافقتها على ” أغاني رومانتيكية ” ، ورأت إنها ” أكثر علمانية ” و” خطيئة مفضوحة ” .

   ورحل في العام 1901 ولأول مرة إلى إيطاليا . وفي العام ذاته غير عمله ، وبدأ العمل من جديد في دار نشر ” أنتيكورم  واتنويل ” في بازل ، فكانت فرصة جيدة ، ساعدته على إصدار العديد من القصائد والنصوص الأدبية في المجلات . وفعلاً وافقت هذه الدار على نشر كتاب هس الثالث وبعنوان ” كتابات ما بعد الموت وقصائد هرمان لوسكر ” والذي حقق نجاحات مهمة (أنظر : المصدر السابق ، ص 21) .

  ووفقاً للتعليقات الجيدة التي حصل عليها الكتاب ، أصبح الناشر الشهير الهنغاري الألماني ” صمويل فيشر ” (1859 – 1934) مهتماً بالمؤلف هس ، فقام بنشر روايته الأولى المعنونة ” بيتر كامينزند ” في العام 1904 والتي إنتشرت إنتشاراً واسعاً ، وأصبحت الرواية المشهورة في عموم ألمانيا (أنظر : المصدر السابق ، ص 25) . وهنا إقتنع هس بأنه ممكن الإعتماد على الكتابة مصدراً مالياً للعيش . وفعلاً تفرغ للكتابة . وبالمناسبة فقد كتب عن هذه الرواية ” سيجموند فرويد ” ، والذي مدحها ، وأعتبرها واحدة من أهم قراءاته المفضلة .   وتحت ظل هذه النجاحات تزوج هرمان هس ، ومن ثم كتب روايته الثانية ، والتي كانت بعنوان ” تحت العجلة ” والتي طبعت في العام 1906* . وبعد ذلك كتب قصص قصيرة ، وقصائد شعرية

ـــــــــــــــــــــ

* إن من الكتب المهمة التي نشرت باللغة الإنكليزية ، وتناولت أعمال الروائي والشاعر ” هرمان هس ” ، الكتاب الذي كتبه الأستاذ ” مارك بولبي ” والمعنون ” هرمان هس : تفكيره وأعماله الأدبية ، نشرة مطبعة جامعة كورنل ، نيويورك 1967 . والكتاب تكون من مقدمة وسبعة فصول وببلوغارفيا مختارة وفهرست عام وجرد شامل بأعمال هرمان هس . 

ـــــــــــــــــــــ

 طويلة . ولعل قصته المعنونة ” الذئب ” ، والتي كتبها خلال الفترة (1906 – 1907) والتي كانت الأصول الأولى لروايته العاشرة التي حملت عنوان ” ذئب السهوب ” (أنظر : مارك بولبي ؛ المصدر السابق ن ص ص 159 وما بعد) .

  ومع روايته الجديدة ، والمعنونة ” غيرترود ” برزت إزمة في الإنتاج . وفعلاً فقد عانى الكثير في كتابتها . وأخيراً وصفها ، بأنها ” كانت الإحباط ” . والحقيقة إن هس في ” كينهوفن ” كان هو المكان الذي أظهر فيه الإهتمام بالبوذية . وفي رسالة له أرسلها في العام 1895 إلى ” كابف ” كانت بعنوان بوذي ، وهو ” النيرفانا ” ما يدلل على ذلك . إلا إن هس توقف من الأشارة إلى بوذا في هذه الرواية . وجاء عام 1904 فأعاد الفيلسوف الألماني ” أرثر شوبنهور ” الإهتمام بالفلسفة الهندية ، وخصوصاً البوذية . وهكذا جدد شوبنهور إهتمام هس بالهند . وحدث كل ذلك قبل طبع هس كتابه المعنون ” سادهارثا ” والذي طبع في العام 1922 وكان رائعة من روائع هس المشهورة .         

  وخلال هذه الفترة ظهرت بعض المشاكل على سطح علاقته الزوجية ، فقرر في العام 1911 القيام برحلة طويلة ، زار فيها سيرلانكا ، وإندونسيا ، وسومطرا ، وبورنو ، ودورما .. ولكنها كانت تجربة متعبة ، فسببت له الكآبة من طرف . إلا إنها من طرف أخر عمقت أعماله الأدبية . ومن ثم جاءت الحرب العالمية الأولى ، فعمل متطوعاً في الجيش الإمبريالي . ولكن موت والده عام 1916 ، ومرض ولده مارتن الخطير ، وحالة الشيزوفرينيا التي تُعاني منها زوجته ، إضطرته على ترك الخدمة في الجيش (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 23 – 25) . وفعلاً إنخرط في جلسات علاج نفسي ، وبدأ من خلالها يهتم بالتحليل النفسي ، ولذلك زار عالم النفس كارل يونك ( أنظر : جوزيف مايليك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ، ص ص 100 – 101) . إلا إنه تحدى كل ذلك بعمل إبداعي ، إنكب على كتابته في حدود ثلاثة أسابيع فقط (وللفترة الممتدة من سبتمبر وإلى إكتوبر عام 1917) فكانت روايته المشهورة ” ديمن ” وفيها دلالة على الشيطان وروحه الشريرة ، وطبعت في العام 1919 وبإسم مستعار ، هو ” أميل سنكلير ” والتي فيها حضور واضح للفيلسوف نيتشه وكتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” (أنظر : مارك بوبلي ؛ هرمان هس : تفكيره وأدبه ، نشرة مطبعة جامعة كورنل ، نيويورك 1967 ، ص ص 82 83) .

 وتتالت أعماله في النشر ، ولعل من أهمها روايته المعنونة ” ساد هارثا ” والتي سيكون لها موضع إهتمام في دوائر مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة . وفعلاً ففي هذه الرواية أظهر ولعاً غير إعتيادي بالثقافة الهندية وفلسفة بوذا ، ونحسب إن بذورها الأولى نمت في بواكير حياته (أنظر : مارك بولبي ؛ هرمان هس : تفكيره وعمله الأدبي ، ص 121 وما بعد) .. وكان أخر أعماله ” لعبة الحبات الزجاجية ” (والحقيقة إنها مسبحة الناسك البوذي والتي شاهدها في الهند والمناطق البوذية التي زارها ، فهي ليست لعبة وإنما طقس) والتي بدأها في العام 1931 ، ولكنها طبعت في العام 1943 (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 245 ومابعد) . والواقع إن هس أصدر رواية قصيرة بعنوان ” الرحلة إلى الشرق ” . ومن ثم في العام 1946 حصل على جائزة نوبل للآداب (أنظر : جوزيف مايليك ؛ هرمان هس : حياته وتراثه الأدبي ، ص 351) . وفي 9 أب من عام 1962 مات هرمان هس مخلفاً ورائه تراثاً مجيداً*

ــــــــــــــــــــــــــ

* كما كتب جوزيف مايليك موسوعة عن ” هيرمان هس ” وكانت تتألف من مجلدين ضخمين ، وكان بعنوان ” هيرمان هس : السيرة الذاتية وببلوغرافيا ” ، الأول ضم 782 صفحة ، في حين تكون المجلد الثاني من 620 صفحة . فكانت صفحات المجلدين ألف وأربعمائة وصفحتين . الكتاب الموسوعة طبعته جامعة كليفورنيا 1977 ، وصدر في لندن .

—————-

  الإرث الفكري والفلسفي لمدرسة الحكمة

   شكلت مؤلفات الفيلسوف كيسرلنج ، وخصوصاً يوميات رحلة الفيلسوف ، وموزائيك أوربا ،  الأدب الكلاسيكي (الإنجيلي) لمدرسة الحكمة . ولكن تراث مدرسة الحكمة أو الفلسفة الحرة يتجاوز ذلك ، فهو وفقاً لشهادة البروفسور ” أرنولد كيسرلنج الأبن ” يتألف من ثلاثة أنواع ؛ مؤلفات ، ومواد ، وثلاثة سيديات موسيقية . وفعلاً فقد تعاونت أكاديمية الفنون في فينا (النمسا) وأكاديميات أخرى على ترجمة مؤلفات مدرسة الحكمة إلى اللغة الإنكيزية واللغات الأخرى . ومعروف إن مؤلفات الكونت الفيلسوف الأب كيسرلنج قد ترجمت إلى الإنكيزية ، ونشرت في طبعات واسعة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين . ومثلاً على ذلك كتاب ” يوميات رحلة الفيلسوف الذي طُبع في ترجمته الإنكليزية عام 1925 ، وكان من أعلى مبيعات الكتب في أمريكا .

   ومنذ الحرب العالمية الثانية ، فإن منشورات وأفكار مدرسة الحكمة ، كانت متوافرة في الألمانية والفرنسية والإيطالية . ومن نتائج التعاون الأكاديمي الذي ذكرناه ، أصبحت نشريات مدرسة الحكمة ، والأفكار والموسيقى متوافرة في الإنكليزية ، وبالشكل الأتي :

المجلد الأول لمدرسة الحكمة ، وكان بعنوان ” رؤى عصر جديد ” ، وهو في حقيقته ثلاثة أعمال شعرية كتبها البروفسور ” أرنولد كيسرلنج ” ، وتتميز بكونها أعمال إلهامية ، وهي على التوالي ؛ رسائل من الوجود في الكون ، من الظلمة إلى الحياة ، ومن أعماق الكون . إن رؤى عصر جديد قد فرض هيمنته على روح العصور الحديثة ، وذلك بما تميز به من وضوح ، وعمق وعظمة الجمال . وهذا الكتاب الملهم هو ” شعر مقدس ” شكل مقدمة جميلة ، ومدخلاً غير عادي لأفكار مدرسة الحكمة .  وفي الكتاب دعوة للقارئ ، خصوصاً للقارئ الذي يمتلك ” عقلاً سليماً ” وفيه إمكانية ” الإنفتاح على الرؤى الإلهامية ” ، فإن هذا الكتاب هو البداية ومشروع الإنطلاق    (أنظر : موقع مدرسة الحكمة / قسم المنشورات (أون لاين) .

المجلد الثاني ، وجاء بعنوان ” الفرصة والخيار : خلاصة المعرفة القديمة والحديثة “. وكُتب هذا المجلد أصلاً باللغة الإنكليزية . وهو في حقيقته مقدمة عقلية ممنهجة للأعمال الأربعة الأولى . إن الفرصة والخيار عمل عميق ، يُقدم عرضاً لتصورات عالية ، ومن حقول علمية مختلفة ، من مثل الفن والدين وفي تناغم رائع . إضافة إلى إنه يضع في المتناول رؤية كلية شاملة للعالم ، وللرحلة الحديثة للتنوير الروحي . وهذا المجلة هو نص دراسي متقدم لمدرسة الحكمة (أنظر: المصدر السابق) .

المجلد الثالث وكان بعنوان ” قوانين الحكمة : ترتيب كلي للعلم والدين ” ، وهو نص أساسي لمدرسة الحكمة . وقوانين الحكمة تغطي أفقاً واسعاً حاله حال كتاب الفرصة والخيار . ولكنه مصمم ليعالج الزاوية القانونية . ويستعمل كمقدمة للكتاب الإنكليزي لمدرسة الحكمة .

المجلد الرابع والخامس عن الموسيقى ، فالمجلد الرابع يتناول نظرية الموسيقى (برايما ساوند) وتطبيقاتها . أما المجلد الخامس ، فيقدم وصفاً موجزاً للموسيقى والتأليف الموسيقي (أنظر : المصدر السابق) .

البروفسور أرنولد كيسرلنج : حبة العنقود الأخيرة

  ولد البروفسور ” أرنولد كيسرلنج ” (1922 – 2005) في إستونيا عام 1922 . ثم نُفي من الجمهورية (إستونيا البلطيقية) ، وبعد رحلة روحية طويلة توفي في النمسا في عام 2005 . وكما هو معلوم ، هو إبن الفيلسوف والكاتب الأستوني (من أقلية ألمانية) الكبير ” الكونت هرمان كيسرلنج ” . وهو كذلك حفيد السياسي البروسي (الألماني) ” أوتو بسمارك ” . ويُنظر إلى البروفسور أرنولد في أوربا على إنه ” مفكر عصر جديد ” . وهو أول من قدم لأوربا في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين كل من ” حركة الإمكان الإنسانية ” و ” الشامنز للهنود الأمريكيين ” . وهو بالإضافة إلى كل ذلك ، بروفسور الفلسفة الروحية في أكاديمية الفنون في فينا ، ومنذ ستينيات القرن العشرين . وفي الثمانينيات كان رئيس لجمعية علم النفس الإنساني الأوربية (أنظر : السيرة الذاتية للبروفسور أرنولد كيسرلنج / موقع مدرسة الحكمة (أون لاين)) .

  والبروفسور كيسرلنج هو واحد من الفلاسفة الكبار في نهايات القرن العشرين ، وهو رمز أوربي إجتماعي ومعلم . وهو تلميذ المعلم الروحي الروسي ” جورج كوردجييف ” (1877 – 1949) وهو صاحب طريقة روحية إنتشرت في أوربا وأمريكا . ومن أهم أعماله ” العمل على النفس ” وطور موسيقى خاصة لأتباعه ، ومن أهم كتبه ” الكل وكل شئ فقط ، إذن ، ومتى أنا ” (أنظر : بول بيكمان تايلر ؛ جورج كورد جييف : الحياة الجديدة ، نشرة دار أريكا 2008) . وكذلك هو تلميذ المعلم الروحي الهندوسي ” السير رحمان مهراشي ” (1879 – 1950) والذي أشتهر بطريقته في ” تحرير النفس ” (أنظر : ديفيد كودمان ؛ كُن كما أنت : تعاليم السير رحمان مهراشي ، نشرة دار بنجوين) . والبروفسور كيسرلنج هو تلميذ العالم والمؤلف الموسيقي النمساوي ” جوزيف ماثيوس هيور ” (1883 – 1959) والذي تنازع بمرارة مع  ” ثيودور أدرنو ” المفكر وعالم الموسيقى من الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت النقدية (أنظر : أرنولد وايتأول ؛ مدخل كيمبريدج إلى السريالية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2008) .

  والبروفسور كيسرلنج من طرفه ، هو أول من ضبط رياضياً ترددات ” الجكرز ” ، وإخترع الميزان الموسيقي للنغم والذي عُرف بإسم ” برايم ساوند ” . والبروفسور كان متمكناً من الحديث في لغات عدة ، فقد حاضر بالإلمانية ، والإنكليزية ، والفرنسية والإيطالية . وحاضر في أغلب بلدان العالم . ومعروف جيداً في النمسا والبلدان الأوربية (أنظر : موقع مدرسة الحكمة / السيرة الذاتية ، مصدر سابق) .

  والحقيقة إن البروفسور كيسرلنج قد ترعرع في أحضان مدرسة الحكمة ، وعاش أيام نهوضها الفكري منذ بواكير طفولته . وقابل وأستمع إلى مفكريها من أمثال عالم النفس ” كارك يونك ” ، وعالم الصينيات ومترجم كتاب ” شنك : التغييرات ” ، والشاعر الألماني ” هرمان هس ” ، والشاعر الهندي الكبير ” ربند راند طاغور ” . والذين كانوا يتقابلون ويعملون في مدرسة الحكمة في دارمشتات الألمانية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ، وحتى أغلقها النازيون ، فتحولت عائلة كيسرلنج إلى العدو الرسمي للنازية .

  وكما قلنا إن البروفسور كيسرلنج كان أستاد الفلسفة الدينية في أكاديمية الفنون في فينا ، لأكثر من ثلاثين عاماً ، وكان يسافر هو وزوجته ” ويهلامين ” لإلقاء محاضرات في كل أنحاء العالم . وقد عاشا في الهند مدة خمس سنوات . وهو مؤلف لأكثر من خمسين كتاباً ، شملت علم النفس ، والفلسفة ، والعلم ، والدين ، والشعر والموسيقى . وبعض منها تُرجمت إلى الإنكليزية كجزء من مشروع مدرسة الحكمة (أنظر : المصدر السابق) .

تعقيب

  يضم هذا التعقيب مسألتين :

أولاً –  تتوافر لدينا نصوص غربية متقدمة على تجربة الفيلسوف كيسرلنج ، فيها سجل الحوار الأوربي مع التراث الإيراني الزرادشتي الممزوج بفكر عراقي قديم ،  ومع تراث المدارس الهندية القديمة والفكر الهرمسي المصري ، حدث هذا في نصوص يونانية قديمة ؛ منها كتابات المؤرخ اليوناني وتلميذ الفيلسوف سقراط ” أكسانوفان ” (430 –  354 ق . م) ، وهو مؤرخ محارب شارك في الحروب الفارسية ، وقد شارك أكسنوفان في تدشين مسار البحث التاريخي ، مع كل من مؤرخي اليونان الشهيرين ” هيرودتوس ” (484 – 425 ق. م) و ” ثيوسيدسيوس ” (460 – 395 ق .م) والذي أعتمد عليهم الإسكندر المقدوني مصدراً في حملاته لأحتلال العراق وإيران والهند (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ أكسنوفان الأثيني مؤرخاً للفلسفة اليونانية / سينشر على موقع الفيلسوف)  ، و كتاب المؤرخ اليوناني ” هيرودوتس ”  ” التواريخ ” الذي ينظر إليه الأكاديميين على إنه ” الأب الروحي للتاريخ اليوناني ، وكتاب التواريخ صُنف على فترات حكم الملوك الفرس ، وهو مصدر معرفي يوناني عن الثقافة الفارسية القديمة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبوة التاريخ : بين هيرودوتس وثيوسيديدس (تأمل فلسفي في الثقافة اليونانية))  . وحوار الفيلسوف الفيثاغوري الجديد ” أبولونيوس ” وحواريه الموصلي ” دميس ” من طرف والفلاسفة الهنود العراة والحكماء المجوس (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011) والكتاب الفلسفي الموسوعي الذي كتبه الفيلسوف المؤرخ ” ديوجانس لارتيوس ” المعنون ” حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” خصوصاً المقدمة التي تكلم فيها عن ” الحكيم المجوسي ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان : ديوجانس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني / ربيع عام 2011) ،  ونصوص الفيلسوف الإفلاطوني الجديد الأول ” فرفريوس الصوري ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011)، ونصوص زعيم المدرسة الإفلاطونية الجديدة ” الملك إمبيلكوس ”  ، وبالتحديد في كتابه ” الثيورجي أو سر الأسرار المصرية ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الملك إمبيلكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011) .  ونصوص الفيلسوف ” القديس أوغسطين ” خصوصاً في الرسائل المانوية . ومونتسكيو ومن ثم شوبنهور ونيتشه ..

ثانياً –  مات مؤسس مدرسة الحكمة الفيلسوف ” هرمان كيسرلنج ” عام 1946 ، ويومها  لم تفكرالعائلة في القرار الذي وافقت عليه في التبرع بمخ الفيلسوف وعرضه في متحف ” برن ” في سويسرا مع عينات أخرى لعدد من العلماء . وجاء هذا القرار إستجابة لطلب العديد من العلماء ، والمتطلعين إلى دراسة مخه لأغراض توسيع المعرفة الإنسانية حول مصادر الروح والذكاء الإنسانيين (وحدث هذا لأنشتاين بعد وفاته في العام 1955 وإلتحق مخه في متحف برن بمخ الفيلسوف كيسرلنج) . وكان في هذا القرار معارضة لعقيدة الفيلسوف إلتفت إليه العائلة بعد مرور خمسين عاماً على وفاة الفيلسوف والقرار الخاطئ على فصل المخ من بقية جسد الفيلسوف الشريف . فقد كان الفيلسوف يؤمن بوحدة العقل والجسم ، وهي الوحدة التي وقعت في سوء فهمهما العائلة يومذاك ، خصوصاً في فصل المخ والموافقة على عرضه في زجاجة في المتحف .

  وفي 26 أبريل 1996 ، وفي الإحتفال بمرور الذكرى الخمسين على وفاة الفيلسوف كيسرلنج ،  عاد المخ إلى بقية رُفاته بناءً على طلب عائلة الفيلسوف كيسرلنج ، وبذلك صححت الخطأ الذي وقع قبل خمسين عاماً . وفعلاً كان إحتفالاً متفرداً ، فيه التأكيد على عقيدة الفيلسوف التي ترى ” إن مهاد الجسد كلية بعد الموت ، تعود إلى الأرض ، وليس إلى العرض في المتاحف ” . وهكذا إن روح مؤسس مدرسى الحكمة ، وبعد خمسين عاماً من عدم الإستقرار ، عادت إلى مهادها الأرض ، وإستقرت بسلام . وقد حضر الإحتفال بدفن المخ مع بقية الرُفات ، الرئيس النمساوي ، وعدد من السياسيين ، وعائلة الفيلسوف ، والأصدقاء والطلاب .

  لقد كان طموح هؤلاء العلماء الذين أقنعوا عائلة كيسرلنج بالتبرع بمخه للدراسة ، طموح علمي خالص ، غرضه هو دراسة ” المادة السمباثية ” من المخ والتي ظلت بعد الموت . ولكن ظهر فيما بعد إن نتائج هذه الأبحاث لم تكن بمستوى الطموح . وثانياً ظهر لهم إن مخ كيسرلنج ، ومن ثم أخرين من العلماء الأفذاذ ، مشابه لمخ الإنسان العادي . وكان الحاصل من ذلك إن هؤلاء العلماء كانوا يتطلعون للنظر في مناطق  ، ليست هي المناطق التي تُلبي طموحاتهم .. ووفقاً لعقيدة الفيلسوف كيسرلنج إن الذكاء البشري يتمركز في الروح ، والتي هي مجال الطاقة التي تحيط بالجسد ، وليس الجسد بحد ذاته . والفيلسوف كيسرلنج يعرفُ ذلك ، وإن حياته برمتها ، هي مكرسة حول ” وحدة العقل والجسم ” . واليوم عاد المخ إلى الأرض بعد عملية فصل لهذا الجزء المجيد من الجسد . إن جوهر هذا المخ عاش على هذه الأرض ، وسيولد هنا ، وسيبقى هنا . صحيح جداً حسب العقيد الكيسرلنجي ، إن مخه حي على الأرض ، وهو جزء من المخ الكوني ، وهو المكان المناسب للكونت كيسرلنج ، والذي كان ينظر إلى الأرض بمنظار كلي ، بعيد عن النزعات والحدود القومية .   

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(5)

المشروع النهضوي لفلسفة التاريخ عند مالك بن نبي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   شكلت الإفادات التي كتبها المفكر الاسلامي مالك بن نبي مضمارا معرفيا ، يمكن الاصطلاح عليه ب ” المشروع الاسلامي لفلسفة التاريخ ” . ونذكر القارئ بأن الإسلام بالفهم المالكي هو نهضة شاملة . وإن المشروع النهضوي هو إصطلاح يعادل بالمدركات المالكية إصطلاح المشروع الإسلامي .  ولاستجلاء طبيعة وماهية هذا المشروع ، رفعنا الاسئلة الاتية :

أولا – ما حجم حضور الاتجاهات الفلسفية العامة في تأويل التاريخ في النصوص التي كتبها مالك بن نبي ؟

ثانيا – ماهي الافادات التي أدلى بها مالك ، فحولت نهجه من ساحة التاريخ ، الى مضمار فلسفة التاريخ ؟

ثالثا – ما حقيقة الانجاز الذي حققه مالك في التفسير الاسلامي للتاريخ ؟

رابعا – ما هي حدود الفهم المالكي للدورات الحضارية  ؟

خامسا – ما طبيعة الانموذج التطبيقي الذي وضعه مالك في تفسير التاريخ الاسلامي ؟

   أسئلة كبرى يثابر هذا البحث ، في صياغة اجابات عليها .

 والبداية اشارة الى ان مالك كتب العديد من النصوص التي تناولت التاريخ وفلسفته . حقيقة ان هذه النصوص بينت بصورة واضحة حجم المثابرة المالكية ، الساعية الى تحويل التاريخ ، وعلى الادق التاريخ الاسلامي ، موضوعا للتأمل الفلسفي . ولعل الحاصل من ذلك مواقف مالكية ، تكشف عن فعل متابعة ، وبعض الاحيان أستحواذ لاراء فلاسفة التاريخ والحضارة ، على الاطروحة المالكية هذا من طرف . وفيها من طرف اخر ، الكثير من الانتاج والريادة والتكييف مع المنهج الذي انتخبه مالك في دراسة التاريخ  ، ومساهمته في صياغة فلسفة خاصة به .

    ان ما كتبه مالك في التاريخ والحضارة وفلسفتهما ، يشكل ” ظاهرة معرفية ” في الدار الثقافية العربية . وان قراءة افادات هذه الظاهرة ، تبين لنا بأن مالك قد وفر للقارئ ، ومن ثم للباحث ، زادا معرفيا واسعا ، تعرضه جمل مختصرة ، تتجاور في داخل ابنيتها اراء مدارس متنوعة في فلسفة التاريخ . وكذلك تتقابل فيها نتائج ابحاث ، انجزها فلاسفة ومؤرخون كان لهم حضورا في دائرة الثقافة الغربية .

  يكشف كل هذا عن درجات الاتصال الثقافي العالية ، التي حققها مالك مع الثقافة الغربية واتجاهاتها المختلفة . حدث هذا خلال ثلاثين عاما عاشها الرجل في قلب الثقافة الغربية النابض فرنسا ، مما مكنه ذلك من امتصاص هذه الاتجاهات الثقافية ، وهضمها ومن ثم تمثلها بطريقة مبدعة في كتابة نصوصه . والحقيقة ان طرق اتصال مالك بالثقافة الغربية ، قد اتخذت صورا متنوعة . فمثلا اتصل بها من خلال المسموع من محاضرات كان يحضرها ، وعن طريق ما توفره قنوات الاتصال والنشر ، وبالتحديد من خلال المنشور من مجلات وكتب ودوريات ..

   حقيقة ان ازدحام الجملة المالكية بأسماء الفلاسفة ، والمؤرخين وعلماء النفس ، ومن ثم اشارات مكثفة عن مدارس فكرية متنوعة ، لها دلالتها النافعة في استكشاف الماكث المتخفي في بنية الاشارة المالكية . هذا التوصيف يشير من طرف الى سعة اطلاع دائرة تفكير مالك . وانها من طرف اخر ، تضعنا امام نص غير اعتيادي ، فيه من العرض والتكثيف الشديد ، حيث يتحول النص الى جريدة أسماء وخلاصات عامة . مما يسبب هذا الحال دهشة وتعبا للقارئ العادي ، ومن ثم لحظة انبهار ممزوجة بالحيرة والتساؤل . أما بالنسبة للباحث الشمولي ، فهي مناسبة معرفية ، فيها ابتهاج كثير وهو يصعد الى الطوابق العلوية من العمارة الفكرية ، التي شيدها مالك بن نبي . ولهذا فأن مهمة الباحث كانت مزدوجة : تتطلب منه تخفيض الدهشة وفك لغز الحيرة ، وذلك من خلال انجاز دراسة تخصصية للنص المالكي ، يجيب على التساؤلات ، ويوضح الإشكال ، ويزيل الغموض والإبهام الذي يدثر الجملة المالكية .

   كما وان حضور الإطروحات الفلسفية الغربية في النص المالكي بهذه القوة ، منحتها سلطة إستحواذ على الموقف الفكري المتكون منها والناهض عليها ، بحيث يتطلب كل ذلك إعادة مراجعة الاطروحات في اصولها ومن ثم التأمل بدرجة خطورتها ، وذلك لان ورودها بهذا الحال في النص المالكي ، جاءت على شكل شفرات قبلها منهج مالك ، وتمثلها كما يتمثل علم الجبر رموزه ، ومن ثم يرتبها على شكل مصفوفات جبرية . ان هذا الحال سببه توقف المثابرة التحليلية النقدية للاطروحات الفلسفية الماكثة في النص المالكي .

    ولهذا يتطلب البحث في نصوص مالك ، بذل جهود استثنائية تعتمد اسلوب الحفر والتنقيب في اصول الاطروحات الواردة في النص المالكي ، تحديد طبيعة مناهجها . وذلك للوقوف على المتخفي الماكث في هذه الاطروحات ، وألفات النظرالى مواقفها ومناهجها ، وبيان صلاحيتها او عدم صلاحيتها في قراءة التاريخ الاسلامي . ومن ثم بيان مقدار الافادة من مقولاتها في التحليل ، واستخراج النتائج المتولدة من تلك المواقف ، والتي أفضت اليها المناهج المتداولة .

  ان نصوص مالك في فلسفة التاريخ ، تشكل بحرا معرفيا هائجا ، يتطلب من راكب أمواجه ان يكون قد أعد أدوات رحلته مسبقا ، وهيأ كل وسائل التحليل للبنيات المعرفية المالكية ، ووفر مهارات عالية لفك رموز الشفرات المالكية ، وسبر أغوارها للوصول الى الماكث المتخفي . أنها على كل مغامرة معرفية شبيهة بالمغامرة الي عاشها مالك بن نبي ، وكابد معاناتها وتلذذ بمنجزها . فمالك هو كاتب النصوص المعرفية ، ومغامرته مثابرة معرفية فريدة في الدار الثقافية العربية . ونحن نغامر في اعادة قراءة النص المالكي ، ومن ثم اعادة انتاجه من جديد بأتجاه صياغة المشروع الاسلامي لفلسفة التاريخ .

حضور الاتجاهات الفلسفية العامة في تأويل التاريخ

      تمثلت دائرة تفكير مالك بن نبي مختلف الاتجاهات المنهجية والفلسفية ، التي كانت متداولة في فلسفة التاريخ في ساحة الثقافة الغربية لحظة اتصاله بها . وهذا التمثل جاء بصور مختلفة ، منها ما جاء عن طريق الامتصاص والتبني ، او الحضور عبر الحوار والتبادل الفكري ، او الاعجاب والاستحواذ . ولبيان هذه الصور من التمثل ، سنحاول عرض الاتجاهات العامة في تأويل التاريخ ، والتي سجلت حضورا في النص الذي كتبه مالك :

أولا – المفهوم الثقافي للتاريخ :

         نجد من المفيد بداية ، الاشارة الى ان مالك كتب مجموعة نصوص معرفية ، أودعها في كتبه ومقالاته المختلفة . وقد تناول فيها التاريخ مجالا ثقافيا ومضمارا معرفيا للدراسة والبحث ، ومن ثم التأمل وذلك للوصول الى صيغ من القوانين التي تجري عليها حياة الشعوب والحضارات ، واستنباط عبر ودروس تنفع في تكوين شخصية الاجيال القادمة .

    ويلاحظ ان مالك لم يحبس تفكيره عند هذه الاغراض ، وان كانت مفيدة . الا انه تجاوز ذلك وتطلع الى فهم حركة التاريخ ، وتكوين أفق فكري ،  فيه امكانية استشراف صورة المستقبل ، وأستنطاق المخبأ من أحداث ووقائع . وبهذا الفعل المعرفي تخطى مالك عتبة التاريخ ، وصعد الى الطوابق العالية من عمارة فلسفة التاريخ .

    ونظن ان صياغة مفهوم ثقافي للتاريخ يتطلب منا ان نبحث ذلك في الاثر المتبادل بين الثقافة والتاريخ  ، ونحسب ان بيان ذلك يكون من خلال التساؤل الاتي : ماهي العلاقة بين الثقافة والتاريخ ؟

حقيقة ان هذا السؤال يشكل مدخلا لفهم حدود التاريخ من زاوية ثقافية . والواقع ان مالك اشتغل على هذه العلاقة بين الثقافة والتاريخ ، فأفاد ” لا يمكن لنا ان نتصور تاريخا بلا ثقافة ، فالشعب الذي فقد ثقافته قد فقد حتما تاريخه ” (1) .

    وان الثقافة بمنظار مالك هي ليست علما ومعرفة ، وانما هي محيط يتشكل في احشائه التاريخ . ونحسب ان منظور مالك كان ضيقا ، فلم يتسع لاضافة العلم والمعرفة الى الثقافة ، ونحن نسجل تحفظا على ذلك . وذلك لاعتقادنا ان العلم والمعرفة ثقافة ( ثقافة علمية وثقافة معرفية ) تسهم في تكوين الجو الثقافي الذي يتكون فيه التاريخ . ان منظور مالك ينهض على ان الثقافة هي الوسط الذي ” يغذي الحضارة في احشائه ” (2) . كما وتتشكل فيه ” جميع خصائص المتحضر ” (3) ، بما في ذلك مختلف افراده  ، من امثال ” الحداد ، والفنان ، والراعي ، والعالم ، والامام ” (4) .

    والحقيقة ان التاريخ في مفهومه الثقافي عند مالك ، هو ” كتلة ” (5) . والكتلة كمفهوم يتضمن ساحة عريضة من العادات المتجانسة والعبقريات المتقاربة ، فهي حسب الفهم المالكي ” كل ما يعطي الحضارة سمقها الخاصة ، ويحدد قطبيها ، من عقلية ابن خلدون ، وروحانية الغزالي ، او عقلية ديكارت ، وروحانية جان دارك ” (6) . ونحسب ان مالكا لم يكن موفقا في تشبيهاته واستشهاداته . فمثلا كان ابن خلدون غزالي عصره . ولعل الارضية الاشعرية ، كانت قاعدة لتفكير ومنهجية الاثنين . وكذلك الحال بالنسبة لديكارت وجان دارك ، فأن ما احتوته اطروحة جان دارك الدينية والتي أربكت الكنيسة وقررت حرقها على عود وهي حية ، متضمنة في موقف ديكارت من المعارف الدينية ، التي عطل على اساسها فعل شكه ، وأوقف عمله في مجالها ، خوفا من ان يتجدد له ما حدث لغاليلو . وللدقة كان على مالك ان يختار ” الرازي ”  مثالا للفيلسوف العقلاني ، و ” الحلاج  ” مثالا عن الخط الروحاني . وان يختار ” كانط ” مثالا وشاهدا على عقلانية الغرب ، و ” بسكال ” مثالا على روحانيته .

ثانيا – دور البطل في التاريخ :

     سجل البطل حضورا في النص المالكي ، النازع الى تأويل التاريخ . وشكل ثابتا يمكن الرجوع اليه فهم احداث التاريخ ، وفعل الانجاز الحضاري . ولنقف نتعرف على حقيقة فهم مالك لدور البطل ، ومعرفة حجم حضوره في تفسير التاريخ في النص المالكي .

    والبداية سؤال يضئ درب عودتنا الى افادات مالك : ما المكانة التي احتلها البطل في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – مالك بن نبي : شروط النهضة  ، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين ، دار الفكر ، ط 3 ، دمشق 1969 ، ص 29

2 – المصدر السابق

3 – المصدر السابق

4 – المصدر السابق

5 – المصدر السابق

6 – المصدر السابق ، ص 130

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التاريخ بمنظار مالك ؟ او بمعنى أخر : هل منحت دائرة تفكير مالك ” البطل ” دورا في تحريك احداث التاريخ وحسم نتائجها ؟ الحقيقة ان مالك كان صريحا الى ابعد الحدود في فهم افعال الابطال (7) . انه منح الابطال فعل الاشباح في حركة التاريخ . ويرى ان افعالهم هي أقرب ما تكون الى افعال في أجواء قصة نقرأها للمتعة ليس أكثر . فالابطال حسب الفهم المالكي : هم ” أقرب الى الاسطورة ” منها ” الى التاريخ ” (8) . وذلك لان الابطال ” يقاتلون من أجل الطموح وأكتساب المجد ” وليس من أجل انقاذ مجتمعاتهم (9) . ولهذا جاءت رؤية مالك الى البطل على انه شبح او ” كأنه حلم طواه النوم ” (10) .

   لقد ميز مالك بين فعل الفرد و وبين حركة الشعب . واذا كانت حركة الشعب تجسد تاريخا ، فأنه لم يرى في فعل الفرد أي تجسيد لحدث تاريخي ، وانما تصوره قصة ممتعة تعكس “جرأة فرد ” او ” قوة رجل ” ، أقتصرت حدود فعلها على انجاز تطلعات الفرد . والتي تتمثل في طرف منها ، في  صورة ” مناجاة ” ضمير فردي لا يتعدى حدود صاحبه . او انه صوت داخلي محبوس في معاقل الذات ، وذلك لان الفرد عجز عن ايصال رسالته الى الاخرين ، وفشل في ملامسة ضمائرهم ،  وتحويل رسالته لتكون رسالتهم . وحسب الافادات المالكية فشل هذا الصوت الداخلي من ان يصل صداه الى الضمائر الاخرى ” فيوقضها من نومها العميق ” (11) .

     ونحسب ان فهم مالك لدور البطل فيه ترفيع وأعلاء الى مستوى الفعل الملحمي الاسطوري ، والذي يقطع صلته بتفاصيل التاريخ . ورغم فعل الاعلاء لدوره ، فهو يظل دورا محركا لبعض احداث التاريخ ، وقد يحمل رسالة فيها تجديد لنشاط امته ، وفعل تنشيط لشعبه . كما ان لبعض الابطال او اشباحهم فعلا قد تسبب كوارث لشعوبهم ، واحداث انتكاسات لتجربتهم الحضارية ، فيكون الحاصل الانحراف بهم الى حياة الصحراء والبداوة وزوايا الظلام . والامثلة كثيرة ، والشواهد عديدة منها ما هو مدفون في اوراق الماضي السحيق ، ومنها ما هو شاخص في ساحة الحاضر القريب .

ثالثا – دور الوثنية في التاريخ :

    أعتمد مالك على مفهوم ” الوثنية ” معيارا في تفسير اسباب توقف نسغ الحضارة ، وتحول معطياتها صورا في الذمة التاريخية . كما انه أستند اليه في فهم الانكسارات والانحرافات في مسيرة الشعوب وشطب مساهمتها في البناء الحضاري . 

    وعلى هذا الاساس نعود الى الافادات المالكية نستفتيها وذلك لبيان دور الوثنية في التاريخ . واول ما نبدأ به ، هو تحديد معنى ” الوثنية ” في دائرة فهم مالك بن نبي . ان الوثنية تعني حالة توقف الفكرة من فعلها الروحي المؤثر ، فيكون الحاصل تحولها الى ” صنم ” او ” وثن ”  . وهذا التداول يجر معه الاحداث والواقع ويجمدهما .  كما ان من معانيه ” الجهل ضد العلم والمعرفة ” ، وانه يعني ” توقف فعل العقل مقابل الانقياد ” . وحقيقة ان مالك لم يقف عند معاقل التنظير ، وانما عاد الى دائرة الامثلة والشواهد ، وذلك ليبين دلالات معنى الوثنية ، فأفاد الى انه : ” اذا كانت الوثنية في نظر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 – انظر في التفصيل عن دور البطل في التاريخ :

   توماس كارلايل : في الابطال وعبادة البطل والبطولة في التاريخ ( الذي نشره لاول مرة عام 1841) . النشرة الانكليزية : لنكون نبراسكا ، مطبعة جامعة نبراسكا 1966

8 – مالك بن نبي : المصدر السابق  ، ص 22

9 – المصدر السابق

10 – المصدر السالق ، ص 24 

11 – المصدر السابق ، ص 29

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاسلام جاهلية ” فأن ” الجهل في حقيقته وثنية ” (12) .

    ونحسب ان مالك قد عمم مفهوم الوثنية  ، وجعله معيارا فلسفيا ،  يفهم على اساسه حركة التاريخ والحضارة ، خصوصا عندما يدخلا مرحلة الأفول . ولهذا اعتقد ان الوثنية في التاريخ قد مارست فعل اغتيال للعقل ، ومن ثم عطلت دور الفكرة الحية ، النازع الى استنهاض المجتمع ، وتحفيزه لاكمال متطلبات مشروعه النهضوي . كما يرى ان هذه الوثنية ، في وجه من وجوهها التاريحية فعل ” اختلاس العقول ” (13) . خصوصا بعد ان استعدت الى ” قطف ثمار نهضتها ، فأن هذه العقول قد عادت اليها الوثنية ” (14) .

    ونلحظ ان الافادات المالكية قد اشتغلت على تكوين تفسير مالكي لاسباب تنامي فعل الوثنية في التاريخ ، ومن ثم بيان حجم هيمنتها على الحياة . ورأت ان سبب تنامي الوثنية يعود الى تواري ” الفكرة الحية ” وتوقف فعلها من تغذية العقول . ولعل الحاصل هو حلول ” الوثنية ” محلها ، ومطاردتها في كل ركن  من اركان الحياة ، ومن ثم نصبت لها  ” في كل سوق منبر ” (15) .

     كما وان نظرية الوثنية ودورها في التاريخ ، فيها مضمون نقدي لواقع الفكر الاسلامي ، وما نهض عليه من فلكلور . ان هذه النظرية مساهمة مالكية رائدة في دار الثقافة الاسلامية ، وذلك في انها ثبتت الوثنية مرجعا فلسفيا لفهم احداث التاريخ ، وتفسير التحولات الواقعة في عقائد الناس ،  التحولات التي حولت العقائد الى فلكلور ، وتكايا وبخور ، اوثان واصنام أسهمت في اغتيال الفكرة ، وأوقفت فعلها الهادف الى ايقاظ الضمائر .

  ونحسب ونحن نقرأ نظرية مالك في الوثنية ، انها أستبطنت في بنائها الداخلي فعلين فكريين شكلا مصدرين معرفيين لهذه النظرية : الاول – مصدر رافد تمثل في فعل تراثي ، ألتحمت به ثقافة مالك بمشدات قوية . وهذا الفعل يصعد الى الخط الاشعري العتيد ، والذي كثيرا مايردد الوثنية واصنامها في افاداته الفكرية ، وبدأ من أنموذج قريب من عصر مالك ، ونقصد الانموذج الاشعري الوهابي ، وصعودا مع ابن خلدون ، وابن تيمية , والامام الغزالي ، والجويني ، والباقلاني ، ومن ثم الاشعري نقطة الانطلاق . والثاني – وافد ثقافي تمثل في فعل ثقافي غربي متولد من قراءة مالكية لكتاب ” الاورغانون الجديد ” وصاحبه الانكليزي ” فرنسيس بيكون ” والذي أودع فيه مثابرته الهادفة الى تحطيم مجموعة من الاصنام او الاوثان ، التي أعاقت الفكر الانساني ، وحملته على الجنوح بعيدا عن شواطئ المعرفة الصحيحة .

رابعا – دور الفكرة في التاريخ :

     أحتلت ” الفكرة ” مكانة غير اعتيادية في النص الذي كتبه مالك . فمثلا رجح فعلها في تحريك احداث التاريخ ، وتجديد الحضارات ، ومن ثم بين هجرة الفكرة الى مناطق جغرافية مختلفة عن مناطق المنشأ والانطلاق ، وذلك لتواصل الانتشار الى نهايات دورتها . ولبيان حجم حضور الفكرة في الافادات المالكية ، نتساءل :

   ما هو الدور الذي تنهض به الفكرة الدينية في التاريخ ؟ وما هو فعل الفكرة في بناء الحضارة ؟ يرى مالك ان دور الفكرة وفعلها يتحددان في مهمة الفكرة ودورتها في التاريخ . ومهمة الفكرة تتعين في تكوين شخصية الانسان الذي سيتحمل مسؤلية ” بناء الحضارة ” (16) . وتتكشف دورة الفكرة في اشكال متنوعة . فهناك شكل يرصد بداية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12 – المصدر السابق ، ص 36

13 – المصدر السابق ، ص 48

14 – المصدر السابق

15 – المصدر السابق ، ص 49

16 – المصدر السابق ، ص 92 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 دخول الفكرة التاريخ على صورة ” فكرة دينية معينة ” . في حين تشاغل مالك في شكل اخر من دور الفكرة وذلك عندما تدخل التاريخ على صورة ” مبدأ اخلاقي معين” (17) .

    وحسب افادات مالك فأن هناك علاقة بين الحضارة والروح والغرائز . فمثلا الحضارة تتوقف او تنتهي ” حينما تفقد الروح نهائيا الهيمنة التي كانت لها على الغرائز المكبوتة او المكبوحة الجماح ” (18) . ولما كان الانسان هو حجر الاساس في بزوغ شمس الحضارات ، وأنه هو المسؤل عن نهايتها . فأن مالك يتصور وضع الانسان في بداية الدورة الحضارية على أنه ” في حالة سابقة للحضارة ” (19) . اما حاله في نهاية الدورة الحضارية ، فيكون ” قد تفسخ حضاريا وسلبت منه الحضارة تماما . فيدخل في عهد ما بعد الحضارة ” (20) .

   في الحقيقة ان شواهد التاريخ ، وهي كثيرة ، لا تؤيد مالك في اطروحته الواصفة لحال الانسان . فكثير من الشواهد وخاصة من التاريخ الاسلامي تؤكد على ان الانسان ظل يتمتع ويستثمر معطيات الحضارة وكأنه في مرحلة الاوج الحضاري ، حتى بعد مرحلة الافول وانتقال مركز الحضارة الى خارج الدار الاسلامية هذا طرف . والطرف الاخر بيان على ان للفكرة كان لها سلطة على النص المالكي . وكان لها في الوقت ذاته فعل استحواذ على تفسيره للتاريخ . وقد بينا في الفصل الثاني المعنون ” كيف نقرأ كتابات مالك بن نبي ” (21) ، ان مالك قد استعارها من فيلسوف التاريخ الالماني ” هرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) وأعلن انه سيقوم بتوسيعها ، وذلك لكونها تتحمل إمكانية التطبيق على التاريخ الاسلامي ، بعد ان طبقها كيسرلنج على التاريخ الغربي ” ساحة الفكرة الدينية المسيحية ” (22) .

خامسا – مساهمة الاجتماعي في تفسير التاريخي

     إعتمدت دائرة تفكير مالك على ما وفرته ميادين على الاجتماع ، من معطيات ومقولات ، ووسائل توضيح تساعد في فهم احداث التاريخ والتحويرات التي تصيب الحضارات . كما ويرى مالك ان مضمار الفهم الاجتماعي يقدم لنا زادا معرفيا نافعا ، فيه من المفيد الذي يغطي الكثير من مناطق التاريخ وبالتحديد مناطق انطلاق شرارة الحضارة الاولى . وان الاجتماعي يسهل مهمة تسهيل بناء مرجعية تفسير السؤال الملحاح : لماذا يدخل تاريخ شعب من الشعوب دائرة الافول ، وهو في أعلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17– المصدر السابق ، ص 105

18– المصدر السابق

19 – المصدر السابق

20 – المصدر السابق

21 – محمد جلوب الفرحان : الخطاب الثقافي النهضوي عند مالك بن نبي ( معد للنشر ) ، وقد نشر هذا الفصل في كندا ومن ثم نشر على موقع مالك بن نبي

22 – قرأت دراسة اكاديمية صادرة من كلية البنات – جامعة عين شمس ، بعنوان ” فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي ” ، فوجدتها دراسة دفاعية ، خرجت في تناولها هذه القضية ، على الاعراف الاكاديمية ، وذلك في أغماط حقيقة مثابرة مالك في فلسفة الحضارة وتجريدها من مصادرها الحقيقية . فقد عمد الباحث وبشكل مقصود على شطب كل أثر لاطروحة كيسرلنج ، وتغييبها من أوراق رسالته . في حين ان مالك يعلن صراحة بأنه وسع من تطبيقات كيسرلنج على الحضارة المسيحية ، وذلك لتشمل الحضارة الاسلامية .

  انظر : سليمان الخطيب : فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، ط1 ، بيروت 1993 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

درجات الاوج الحضاري ؟ ان اجابة مالك على هذا السؤال ، تدرجت خطوة خطوة ، وكان ميدان بحثه التاريخ والحضارة الاسلاميين . وفعلا قام مالك باعادة قراءة التاريخ الاسلامي ، قراءة بداية تكوينه ، ومن ثم نقطة أنطفاء شرارة حضارته ، ودخول المجتمع الاسلامي مرحلة العصور المظلمة . 

    فالخطوة الاولى حددتها الاجابة على السؤال الاتي : ماهي محركات التاريخ في ضوء المنظور الاجتماعي  ؟  يرى مالك ان بداية التاريخ لاي مجتمع ، ومنه المجتمع الاسلامي على وجه الخصوص ، هي لحظة الاعلان عن ” تكوين شبكة علاقاته الاجتماعية ” (23) . ونفهم من اللغة المالكية ، ان شبكة العلاقات الاجتماعية الجديدة فيها تعارض لشبكة العلاقات الاجتماعية القديمة هذا طرف ، كما اننا نفهم من طرف اخر على ان شبكة العلاقات الاجتماعية الجديدة هي استجابة لتحد جديد . وعلى اساس هذا الفهم ، نحسب ان مفهوم مالك لتفسير حركة التاريخ من الزاوية الاجتماعية قد استبطن في مكوناته مفهوم الفيلسوف الالماني هيجل (1770 – 1831) وبالتحديد  ناموس التعارض المحرك لروح التاريخ (24) ، و على فهم أرنولد توينبي (1889- 1975) وبالتحديد في مقولتي التحدي والاستجابة اللتان تطويان اولا حياتنا البايولوجيا ومن ثم التاريخ والحضارة (25) . 

    ان مالك لم يقف عند حدود الفهم النظري لبداية تاريخ المجتمع الاسلامي ، وانما قدم استشهاداعلى ذلك ، فأفاد ” كان اول عمل قام به المجتمع الاسلامي هو الميثاق الذي يربط بين الانصار والمهاجرين . وكانت الهجرة نقطة البداية في التاريخ الاسلامي ” (26) .

   والسؤال الذي ينهض هنا ويكشف عن مدى استفادة دائرة تفكير مالك من معطيات علم الاجتماع : ما هي العوامل التي تشتغل على ايقاف دولاب حركة التاريخ ؟ يعتقد مالك ان تمزق ” شبكة العلاقات الاجتماعية ” لاي مجتمع ، ومنه المجتمع الاسلامي ، هي بالتأكيد لحظة توقف حركة التاريخ . ويستند مالك في توضيح قضية أفول الحضارة الاسلامية وهي في أعلى درجات رقيها ، الى خبر يصعد الى النبي (ص) . ونحسب ان مالك ثابر هنا الى وضع مضمار اجتماعي اسلامي يسهم في فهم احداث التاريخ ومتغيرات الحضارة . يقول الخبر المنقول : ” يوشك ان تداعي الامم عليكم كما تداعى الاكلة الى قصعتها ، قالوا : أو من قلة نحن يومئذ يا رسول ؟ قال لا ، بل انتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور اعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قيل : وما الوهن يا رسول الله … ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت ”  .

    ويرى مالك ان هذا الخبرعن رسول الله (ص) فيه من التنبوء لما سيؤول عليه المجتمع الاسلامي بعد تمزق ” شبكة علاقاته الاجتماعية ” . انها لحظة الانسحاب من مسرح التاريخ الفاعل اليقظ المنتج الى دياجير التاريخ ، والسبات والنوم الطويل ، والخدر المريح والعطالة  (27) .

   تحول تفكير مالك الاجتماعي نحو واجهة اخرى من واجهات الفهم الاجتماعي لحركة التاريخ والحضارة . فتناول بالدرس ما أسماه “بحركات دورة تطورية” . وهذه الحركات تطوي في اطارها الجوانب الاتية : ولادة المجتمع ، حركة التاريخ وأنشاء الحضارة ، 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

23 – مالك بن نبي : المصدر السابق ، 25

24 – أنظر :

       ستيفن هولكيت : مدخل الى هيجل ، الحرية ، الحقيقة والتاريخ (بالانكليزية) ، بلاك ويل ، أكسفورد 2005

25 – أنظر :

      وليم مكنيل : أرنولد توينبي  ، (بالانكليزية) مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد 1989

26 – محمد جلوب الفرحان : المشروع الاسلامي للاجتماع عند مالك بن نبي ، المحور المعنون : مثابرة في الفهم الاجتماعي لحركة التاريخ والثقافة (الفصل اللاحق) .

27 – المصدر السابق ، ص ص 4 – 5

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومراحل النمو والإنحدار التي يتعرض لها المجتمع والتاريخ والحضارة . ورأى ان هذه الدورة لها ثلاث حركات تطورية . وكل حركة منها ” تعبر عن الادوار الثلاثة المي يمر بها المجتمع : الحالة الكاملة ، حيث تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة الروح ومتصلة  بالاعتبارات ذات الطابع الميتافيزيقي ” (28) .

    اما المرحلة الثانية من الحركة التطورية ، فهي التي تكون فيها جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة ” العقل ” بخاصة ومتجهة نحو المشكلات المادية (29) . اما المرحلة الثالثة فهي التي تصور لنا نهاية التحلل . وان السلطة تكون فيها تحت قوة ” الغرائز ” التي تحررت من وصاية الروح والعقل . وفيها يصبح النشاط المشترك مستحيلا ، ضاربا بأطنابه في أغوار الفوضى والاضطراب (30) .

   وتقدم مالك بتوصيف لهذه المراحل التي بمر بها المجتمع ، وهو ممسوك بدورته التطورية . فقد لاحظ ان هناك سمة ثقافية غالبة في كل مرحلة من هذه المراحل الثلاثة ، فمن البديهي ” ان تكون ثقافة اي مجتمع ناشئ ثقافة اخلاقية . وعلى عكس ذلك حالة المجتمع لحظة افوله . اذ نجده يغرق في نزعة جمالية تبتعد قليلا قليلا عن اصول الجمال الحق ” (31) .

  ونحسب ان اراء مالك في توصيف مراحل التطور (الانحداري) الاجتماعي في مضمارها التاريخي ، لا ترقى الى مستوى التعميمات المبنية على استقرائية لتاريخ البشرية عامة ، وتاريخ الحضارة الاسلامية في كل حقبها . فمن المعروف والقار في فهم المؤرخين وفلاسفة التاريخ ، ان الجمالية ونمو القيم الجمالية تكون سمة طابعة لمرحلة الاوج الحضارية . وذلك لما توفره هذه المرحلة من امكانيات للمجتمع والفرد ، فيكون الحاصل ترقية لذوقه ونظرته الى الكون وذاته ، مما يساعد كل ذلك الى تكوين نظريات جمالية مرافقة للصعود الحضاري الى الطوابق العالية من المد الحضاري . اما مرحلة الافول فهي على الدوام مرتهنة بدعوات الى التمسك بالاخلاق ، وهذا ماحدث فعلا في تاريخ اليونان الذي شهد في مرحلة افول حضارة ” أبولو ” كما أسماها ” أسوالد أشبنجلر” (1880 – 1936) (32) ، ظهور تيارين فلسفيين هما الابيقورية والرواقية ، ومعلوم في دوائر الفكر الفلسفي ، انهما نزعتان اخلاقيتان ملئتا مرحلة الافول الحضاري اليوناني التي طبعتهما بطابعها.

سادسا – مثابرة النفسي في تأويل التاريخي :

     أستند مالك في تأويله لجوانب من احداث التاريخ ومسيرة الحضارة ، على معطيات علم النفس وما وفرته مدارسه المختلفة .  وان هذه المعطيات قد اعانته في فهم محركات الافراد والجماعات في المشاركة التاريخية في بناء الحضارات . وبالمقابل فهم دورهم في وقف نبض هذه الحضارات ، ودخولها دائرة الغروب والانطفاء .

     ان مسعانا في تناول هذا المضمار ، ادراكا منا لاهميته في مكونات الاطروحة 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

28 – مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 26

     وللاطلاع بصورة تفصيلية على مجمل هذه الادوار ومقارنتها مع ادوار أوغست كومت :

   أنظر: محمد جلوب الفرحان : المشروع الاسلامي للاجتماع عند مالك بن نبي ، الفصل اللاحق .

29 – مالك بن نبي : المصدر السابق ، ص 37

30 – المصدر السابق

31 – المصدر السابق ، ص ص 38 – 37 

32 – أنظر :

     محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف والتاريخ ، مطابع جامعة الموصل ، الموصل 1987 ، الفصل الثالث المعنون : التاويل الجيولوجي البايولوجي للتاريخ ، ص 51

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التاريخية والحضارية التي ولدها تفكير مالك بن نبي . يحملنا كل ذلك الى العودة الى دائرة السؤال والاستفهام : ما مقدارالافادات الحاصلة من معطيات علم النفس في دائرة فهم مالك في تأويل التاريخ واحداثه والحضارة ومحركاتها سلبا وايجابا ؟

    أولا وقبل كل شئ نجد من الضروري الاشارة الى ان دائرة تفكير مالك قد نزعت الى تقديم مثال ومن ثم تحليل في مضمار النفسي التاريخي ، مما يحملنا على القول ان مالكا كان يزمع الى صياغة تحليل للتاريخ والحضارة ، من زاوية المنظار النفسي القائم على التعامل مثلا وافتراضا ، مع احداث التاريخ ومسيرة الحضارة ، على انها ” امراض ” صادرة عن ” مرضى ” . وهنا نقف ونرفع السؤال الاتي : هل كان الرجل يعتقد ان بعض الاحداث تعبر عن ” عقد ” نفسية ، في حين ان بعضها الاخر صادر عن فعل يقوم على قرار “السوية ” ؟

   ان دائرة تفكير مالك كانت واعية لجوانب عدة مما اثارها السؤال المرفوع اعلاه ، ومن الافادات المالكية التي عنت بهذا الموضوع ، هي الافادة التي تذهب الى انه ” بوسعنا ان نتخيل ما كان يمكن ان يحدث – في مجتمع مريض – لو ان خليفة من طراز عمر بن الخطاب اراد ان يعزل رجلا كخالد بن الوليد من قيادة جيش الشام … ان محاولة كهذه كانت كفيلة بزلزلة العالم الاسلامي لو انها حدثت بعد ذلك بقرنين او ثلاثة قرون فحسب ” (33) . ويعتقد مالك ان ذلك جرى في اجواء سلمية لان المجتمع الاسلامي يومذاك كان مجتمعا معافى خال من اي عقد .

   وكذلك نحسب ان المتابعة المالكية في تفسيرالتاريخي بالنفسي ، قد استثمرت المفاهيم النفسية من مثل ” الانا ” و ” الفعل ” و”رد الفعل ” و ” العقدة ” و ” السوية ” . فذهبت تفسر الحدث التاريخي ” . ولكن ( الانا ) الاسلامية كانت في العهد الاول سليمة سوية ، فكان (فعل) عمر دون عقدة ، وكان (رد فعل) خالد دون عقدة ايضا ، لان علاقتهما كانت ” علاقات سوية منزهة ” (34) . واحسب ان المفكر الاسلامي عبر فوق بعض الحقائق التاريخية التي احدثت زلازل في المجتمع الاسلامي قبل هذا الحدث مثل : وفاة رسول الله (ص) وقضية خلافته ، ورفع قضية حق الانصار والمهاجرين في الخلافة وما تبع ذلك من اصطفاف داخل السقيفة ، انتخاب ابي بكر ، ومن ثم زلزال الردة …

    ويرى مالك وما استبطنه من افادات نفسية الى ان الزلزال الاجتماعي الذي يضرب المجتمع والذي يجعل من وظيفته غير ممكنة ، تعود الى معاناة الذات من بعض العقد النفسية : وهكذا فأنه في الوقت الذي تظهر فيه ” العقدة النفسية على صفحة (الانا) في مجتمع معين يغدو عمله الجماعي صعبا او مستحيلا ، وهنا يحق لنا ان نطلق على هذه الحالة (مأساة اجتماعية ..)”(35) .

   وعلى هذا الاساس اسهم مالك في ارساء قاعدة للدراسات النفسية ، التي من مهمتها دراسة التاريخ والحضارة من زاويتها في دار الثقافة الاسلامية المعاصرة . جاء ذلك من خلال نظرته الى امراض المجتمع المختلفة ، واعتقاده على ان في الامكان ردها الى امراض (الانا) ، والتي تسببت في تمزق شبكة علاقاته الاجتماعية . وبمنظور مالكي فأن هذا التفسير يحتل مكانة جوهرية في عملية فهم الاحداث التاريخية والمتغيرات الحضارية . وعن هذه القاعدة النفسية ، ودور امراض الانا في تعطيل عمل شبكة العلاقات الاجتماعية ، أفاد مالك ” وعلى هذا ، فاذا ما درسنا امراض مجتمع معين ، من مختلف جوانبه الاقتصادية والسياسية والفنية … الخ  … فاننا ندرس في الواقع امراض (الانا) في هذا المجتمع ، وهي الامراض التي تتجلى في لا فاعلية شبكته الاجتماعية . وعندما ننسى او نغفل هذا الاعتبار النفسي ، فان حكمنا يكون على ظواهر الاشياء لا على جواهرها ” (36). 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

33 – مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 41

34 – المصدر السابق

35 – المصدر السابق

36 – المصدر السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    لقد اعتمد مالك في تفسير حركة التاريخ والحضارة ، والمجتمع ومن ثم تكوين شبكة علاقاته على معطيات نفسية عامة . الا ان مالك تحول الى شواطئ التخصص في علم النفس . وهذا تحول مهم في دائرة تفكير مالك . فقد استندت على اطروحات عالم النفس الروسي  ” ايفان بافلوف ” (1849 – 1936) ، في بيان اسباب تمزق شبكة العلاقات الاجتماعية ومن ثم الأيذان بدخول الحضارة مرحلة الافول .

   ولتحديد مقدار ودرجة حضور الافادات النفسية البافلوفية في بنية التفسير الذي تقدم به مالك لفهم حركة التاريخ والحضارة . نتساءل : ماهي الافادات المالكية التي استثمرت معطيات علم النفس ، وخصوصا اطروحات بافلوف واخرون ، في تفسير حركة التاريخ وتكوين شبكة العلاقات الاجتماعية ؟ وماهي الافادات التي وظفت المعطيات النفسية في فهم اسباب توقف حركة التاريخ وتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية ؟

   أولا ان مالك أعلن صراحة الى انه لاذ الى دائرة علم النفس ، وبالتحديد أطروحات عالم النفس بافلوف في تفسير جوانب من منعطفات التاريخ والحضارة . وذلك لانه وجد فيها امكانية تقديم فهم لكل ذلك . وعن هذا اللجوء الفكري يقول : ” ينبغي ان نلجأ بخاصة الى نظرية الفعل (المنعكس الشرطي) بحيث نخلع على مصطلح بافلوف تفسيرا اجتماعيا ” (37) . وثانيا انه هضم هذه الاطروحات النفسية ووظفها لخدمة اغراض مشروعه . وهنا رغب في اخراج التفسير النفسي البافلوفي خصوصا من داخل بنية الفكر الاسلامي . وهذا فعل لا تستطيع اية مثابرة معرفية انجازه .

الا ان مجاهدة مالك المعرفية قد حققت ذلك . وهكذا يكون الفرد المشروط هو نتاج المجتمع وذلك لان ” وحدة هذا المجتمع ليست الفرد ، ولكنها الفرد المشروط (المكيف) . فأن الطبيعة تأتي الفرد في حالة بدائية ، ثم يتولى المجتمع تشكيله ، ليكيفه طبقا لاهدافه الحاصة ، وهو المعنى الذي يقصد اليه رسول الله … (ص) في قوله : ” كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه ” (38) .

   لقد وظف مالك الاطروحات البافلوفية وخصوصا مقولات ” التكييف ” و ” الافعال الانعكاسية ” لخدمة الفكر الاسلامي ، وتقديم تفسير من خلالها لحركة الاحداث في التاريخ ، وتكوين شبكة العلاقات في المجتمع الناهض . وحسب الافادات المالكية ان كل ذلك يفهم من خلال ” التكييف الذي يجعل الفرد أهلا لان يتخذ مكانه ، ولان يقوم بدوره في المجتمع ، اي اننا ينبغي اجمالا ان نحدد العلاقة التي يحتمل ان تكون بين مجموعة من الافعال المنعكسة المنظمة لسلوك الفرد ، وبين شبكة العلاقات التي تتيح لمجتمع ما ان يؤدي نشاطه المشترك ” (39) .

   ولاحظ مالك وهو يقرأ التاريخ الاسلامي في ضوء المنظار البافلوفي ، ان هناك تبادلا بين الانعكاس الفردي والعلاقة الاجتماعية ، مما يفسح المجال امام الديني ان يتدخل في هذا المضمار . ان هذا الفهم يؤكد على ” ان الفرد والمجتمع – في الظروف العادية – يعملان في نفس الاتجاه ، فان هناك تبادلا بين الانعكاس الفردي والعلاقة الاجتماعية ، وبفضل هذا التبادل ينبغي ان نتوقع تدخل الواقع الديني في هذا الجانب الجديد من المسألة ” (40) . كما التفت وهو يسعى الى توطين الاطروحات البافلوفية في طينة الفكر الاسلامي ، الى ان الانعكاس له تأثيره في الحياة الاجتماعية ، و “ان هذا التأثير يتطور مع عمر المجتمع ” (41) . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

37 – المصدر السابق ، ص 60

38 – المصدر السابق

39 – المصدر السابق ، ص 61

40 – المصدر السابق

41 – المصدر السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومن الافادات البافلوفية التي وظفها مالك في فهم محركات التاريخ ، وتفسير منعطفات الحضارة ، الافادة التي تقدمت بفهم لعلاقة الرمز وفعله في التأثير الاجتماعي ، وما يترتب عليه من اندماج الرمز ، ومن ثم تكوين علاقات اجتماعية تعلن عن ميلاد مجتمع جديد . ان الافادة البافلوفية جاءت حاضرة في اطار فهم مالكي لأفعال شخصيتين اسلاميتين مرموقتين ، كانت لهما مكانة عالية في الفعل الاجتماعي والتربوي الاسلاميين . وهما ” ابو ذر الغفاري ” و ” بلال ” ، فقد كشفت الافادة عن افعالهما المتبادلة والمؤثرة في القاع الاجتماعي الاسلامي يومذاك : ” وجدنا ان ابا ذر يسئ الى بلال لحظة من لحظات السأم  ، كان ذلك امارة على ان المجتمع الاسلامي لم يزل جنينيا في نفسية المسلم . ومع ذلك فأن ابا ذر الغفاري تعاوده صحوة ضميره ، فينقلب من فوره مرتميا على قدمي بلال يسترضيه ويعتذر اليه ” (42) .

  وكذلك استفاد مالك من دائرة معرفيات بافلوف ، واخذ منها ما ينفعه في بيان العلاقة المتوازنة بين الفرد والمجتمع ، وهي العلاقة التي حرص الفكر الاسلامي ومنابعه الاولى ( القرأن والسيرة النبوية) على ابقاءها متوازنة . ولهذا جاءت الافادة المالكية – البافلوفية لتلقي ضوءا على علاقة الفرد بالمجتمع وعلاقة المجتمع بالفرد ، وهي العلاقة التي ألغت الماركسية أحد أطرافها ، وألغت الليبرالية الطرف الأخر . تقول الافادة ” وعليه فالفرد يكتسب مجموعة انعكساته ، كما يكتسب المجتمع شبكة علاقاته ، والعلاقة وثيقة بين جانبي المسألة ، فهي علاقة كونية تاريخية . اذ ان المجتمع يخلق الانعكاس الفردي ، والانعكاس الفردي يقود تطوره ” (43) .

    وتداولت دائرة تفكير مالك مجموعة من المفاهيم النفسية التي ساعدت في فهم سلوك الشخصية الاسلامية في التاريخ ، وتصرفاتها وهي تتحرك في قاع مجتمعها . وهذه المفاهيم هي ” التنحية ” و ” المثير ” و ” القابل ” . ان هذا التداول للمفاهيم النفسية جاء في اطار فهم فعل ابي ذر داخل قانون  ” التكييف ” : فهو ” عملية تنحية تجعل الفرد لا يعبأ ببعض المثيرات ذات الطابع البدائي ( كتلك الحمية التي كانت تعتري عرب الجاهلية وتدفعهم الى الاخذ بالثأر ) وهو عملية انتقاء او احساس ، تجعل الفرد قابلا لمثيرات ذات طابع اكثر سموا ، طابع اخلاقي او جمالي مثلا ” (44) .

   تحول تفكير مالك في فهم حركة التاريخ ومسيرة الحضارة ، من دائرة علم النفس البافلوفي ونظريات الانعكاس الشرطي ، الى معاقل مدرسة التحليل النفسي و خصوصا اطروحات ” كارل يونج ”  (1875 – 1961) في علم النفس التحليلي (45) . أولا ذهب مالك الى ان  ” تكييف الفرد ” هو بحد ذاته من زاوية النظر النفسية ” عملية بناء للذات او (الانا) ” او تحديد لعناصر الشخصية (46) . وكانت مرجعية مالك في تأسيس اطاره المفهومي ، افادات كارل يونج النفسية التي تؤكد على ” ان كل بناء شخصي يقوم دائما على اساس نفسي عام في مجموع النوع ، ويتمثل في التجارب المتلاحقة التي خاضتها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

42 – المصدر السابق

43 – المصدر السابق

44 – المصدر السابق ، ص 62

     وللاطلاع على اراء بافلوف ونظريته في الانعكاس الشرطي ، انظر :

 روبرت بوكر : من الدارونية الى السلوكية ( بالانكليزية ) ، مطبعة جامعة كيمبردج ،

                          كيمبردج 1984

45 – احيل القارئ العربي الى الكتاب الممتاز عن كارل يونج :

     ولس كليف : يونج والمسيحية : تحديات المصالحة (بالانكليزية) ، منشورات شركة تقاطع الطرق ، نيويورك  1982

46 – مالك بن نبي : المصدر السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانسانية منذ عهودها الاولى ” (47) . ومن ثم يحسب ان الفرد يحمل في ذاته خلاصة لكل تجارب الانسانية . ومن زاوية هذا الاستثمار لافكار يونج في دائرة تفكير مالك ، فالفرد ” يستقبل عند ولادته ميراثا نفسيا معينا ، كما يستقبل تراثا حيويا ، هذا التراث هو الذي يكون مجال اللاشعور ويمثل رصيد العقائد والخرافات التي كدستها الانسانية في نفسيتها منذ بدء التاريخ ” (48) .

    ولعل من المسائل البالغة الاهمية في تفكير مالك ، هو انه أستحضر نصا معرفيا ، فيه حضرت افادة لعالم النفس كارل يونج ، تناقش وتحلل ظاهرة ” التدين ” ومن ثم بيان دورها في حركة التاريخ ومن خلال نشاط الفرد . انها قضية تستدعي التأمل ، فقد استبطنت الافادات المالكية فهما معرفيا يونجيا يحكي قصة التدين الطبيعي ، وظروف تشكله واستقراره في دواخل الفرد ، على شكل أكداس من الخبرات ، يعبر عنها بصور من الاحلام والرموز . ونلحظ ان مالكا استسلم لفهم  كارل يونج ،  ولم يبذل جهدا تحليليا يقوم فيه الفهم اليونجي للتدين الطبيعي . يقول مالك : ” والماضي الديني للانسانية في نظر يونج حاضر في نفسية الفرد ، وهو يظهر هنا وهناك في ألوان نشاطه النفسي ، ويتجلى في أحلامه في هيئة رموز ، او في افكاره في صورة مجازات لا شعورية ” (49) .

   ونحسب ان مالكا قد قبل التحليل الذي تقدم  به يونج للظاهرة الدينية . والشاهد على هذا القبول ، متابعة مالك لهذه القضية ، ومثابرته الجادة في اعادة تأسيس قاعدة للتحليل النفسي في دار الثقافة العربية الاسلامية . جاء الشاهد على المتابعة المالكية من خلال اعتماد مالك في درس الظاهرة الدينية على اطروحات عالم نفسي اخر ، وهو ”  از . أي . هدفيلد ” والواردة في كتابه ” علم النفس والاخلاق ” والذي درس دور العنصر الديني في بناء الانا . ان نهج هدفيلد هو نهج طبيب يتعامل مع المريض . ولهذا بدأ بالسؤال الاتي : ” ما هو المنبه المناسب لتنشيط الارادة ؟ وأجاب : ان المثل الاعلى هو اقوى عامل في تقرير خلق الانسان ، وفي تعيين مسلكه ، لانه هو وحده الذي يستطيع تنبيه الارادة ، وتنظيم جميع الغرائز ” (50) . ومن ثم يفترض هدفيلد المثل الاعلى الحارس الامين على افعال الانا . فيقول حسب المنقول في الافادة المالكية : ” ان الطاقة الحيوية الموضوعة تحت تصرف الانا هي في نهاية الامر في ظل مراقبة ما اسماه (هدفيلد) المثل الاعلى ” (51) .

   واخيرا يبين مالك اهمية معطيات علم النفس في فهم حركة الفرد ، الموجهة توجيها دينيا ، بحيث تحقق للفرد استثمارا تكون له منافع اجتماعية . كما ويفيد المجتمع في الوقت ذاته ، حيث يمكنه من اداء دوره في التاريخ . ان كل ذلك جاء في الافادة المالكية التي تؤكد : ” وهكذا يظهر لنا من وجهة نظر علم النفس ان العنصر الديني يتدخل في تكوين الطاقة النفسية الاساسية لدى الفرد ، وفي توجيه هذه الطاقة تبعا لمقتضيات النشاط الخاص بهذه الانا داخل المجتمع ، وتبعا للنشاط المشترك الذي يؤديه المجتمع في التاريخ ” (52) .

     وبذلك استفادت دائرة تفكير مالك من مضمار فكر علماني في مناقشة قضية يتعارض فيها السماوي مع العلماني . واننا نقدر المثابرة المالكية في ” التكييف ” بين الديني والعلماني في فهم ظاهرة تناولها المضماران . ونعد ما أنجزه مالك في دار الثقافة العربية الاسلامية ، هو ثمرة متقدمة من الافادة من رصيد العلوم النفسية في فهم احداث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

47 – المصدر السابق ، ص 63

48 – المصدر السابق

49 – المصدر السابق

  ولمزيد من التفاصيل عن كارل يونج ، احيل القارئ الى الكتاب الممتاز الذي صدر بالانكليزية عنه و بعنوان : يونج : سيرة ذاتية ، وهومن تأليف : بيير ديردر ، بوسطن 2004

50 – مالك بن نبي : المصدر السابق ، ص 67

51 – المصدر السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التاريخ ، ومن فعل العنصر الديني في المجتمع يومذاك . ولهذا نحسب ان العقيدي يتعارض مع العلماني الوضعي ، وخصوصا في ذهنية رجل منحازة نحو العقيدي .

سابعا – التأويل الجغرافي لحركة التاريخ

     سجل ” التأويل الجغرافي ” في بعض امثلته حضورا في النصوص التي ولدتها دائرة تفكير مالك ، وبالتحديد النصوص التي قدمت اطار فهم لحركة التاريخي والحضاري . ونعثر في هذا التأويل على فارق بين حركة الفكرة الدينية الاسلامية وحركة الفكرة الدينية المسيحية ، فالاولى حركتها محسوبة زمنيا والثانية محسوبة مكانيا .

   واذا كان ذلك هو الحساب الثقافي لحركة الفكرتين الدينتين : فما هي افاداته في التأويل الجغرافي لحركة التاريخ ؟ وعلام أستند في تكوين تأويله الجغرافي ؟ وهل هذا التأويل خاص بحركة الفكرة الدينية المسيحية في بعدها الجغرافي ( الغرب ) ؟ ام ان في هذا التأويل امكانية لفهم حركة الفكرة الدينية الاسلامية كذلك ؟ حقيقة ان الافادات المالكية اقترحت اجابات على هذه التساؤلات .

   نهض التفسير الجغرافي لحركة التاريخي والحضاري حسب الافادات المالكية ، لبيان الأثر الذي تتركه الفكرة الدينية ” حين ترتبط بعنصر المكان ” (52) . ومعلوم ان الفكرة الدينية الاسلامية قد أثرت في المجتمع الذي ظهرت فيه . وان ارتباطها كان بعنصر الزمان . وهذا حدث على خلاف الفكرة الدينية المسيحية التي ” لم تتخذ مجالها في نفس الظروف التاريخية التي كانت للفكرة الاسلامية ” (53) .

  اذن :  ماهو المسوغ لهذا التنوع في أثر الفكرتين الدينتين ؟ ولماذا عملت الفكرة الدنية الاسلامية بعنصر الزمان ؟ ولماذا أشتغلت الفكرة الدينية المسيحية بعنصر المكان ؟ ان ذلك يعود مثلا لان الفكرة المسيحية ” قد ولدت على ارض مزدحمة بالثقافات والاديان القديمة ، فكان من العسير عليها في هذه الظروف ان تجد عناصر اجتماعية حرة كيما تحدث تركيبا جديدا . وقد كانت الثقافة الاغريقية والرومانية والديانة اليهودية تحتل منذ عهد بعيد مجال عملها ” (54) . 

  ويقوم المفهوم الجغرافي في تفسير احداث التاريخ وحركة الافكار والديانات والافكار من مناطق جغرافية لم تتوافر لها ظروف النجاح ، للانتقال الى مناطق جغرافية اخرى ، ربما تتهيأ لها فرص النجاح والانتشار ، وانشاء حضارات ومؤسسات . حدث هذا حسب افادات مالك للديانة المسيحية ، فهي لم تجد مجالها الجغرافي المناسب ، ولذلك ” كان عليها ان تغادر مهدها ، وهذا هو الذي يفسر لنا كيف ان المسيحية ، قد ولدت قبل الاسلام بستة قرون ، لم تبدأ مهمتها التاريخية الا بعد الاسلام بستة قرون ، بعيدا عن مسقط رأسها ” (55) .

   وهذه الحالة التي تناولها قلم مالك ، وهو يثبت مرجعا جغرافيا في تفسير التاريخي والحضاري والديني ، ترينا ان تأثير فكرة دينية معينة رهن ببعض شروط الجغرافية الانسانية ، فأذا لم تجدها في موطنها هاجرت لتجدها في مكان أخر . حقيقة لم يكتف مالك بمثال الديانة المسيحية ، وانما قدم شواهدا اخرى لدعم التفسير الجغرافي لحركة الديانات والافكار ، ومن خلالها احداث التاريخ وانشاء الحضارات . وهذه المرة الشاهد جاء من الديانة البوذية ، فقد ” اضطرت الى هجرة مسقط رأسها في الهند ، بحثا عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

52 – المصدر السابق ، ص 54

53 – المصدر السابق

54 – المصدر السابق

55 – المصدر السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

 ظروف أكثر ملاءمة ، هنالك في الصين حيث غرست تعاليمها ” (56) .

   والسؤال : ماهي العوامل التي ساعدت الفكرة او الديانة في موطنها الجديد ، ان تتمكن من النجاح والانتشار ، وتكون نظرية حياة ومن ثم تؤسس حضارة تتحرك في مضمار التاريخ ؟ ولتوفير اجابة على هذا السؤال ، نعود الى الافادات المالكية الخاصة بالتأويل الجغرافي لاحداث التاريخ ، نستفتيها لنتعرف على حقيقة العوامل التي اشتغلت في المنطقة الجغرافية الجديدة . وفعلا وجدنا الاجابة في افادة مالكية في غاية الاهمية ، حيث اوضحت : ” اذن فقد غادرت الفكرة المسيحية ارض مولدها ” فلسطين ” بحثا عن هذه الظروف في أوربا الغربية ، حيث أنهت الحضارة الرومانية دورتها خلال القرنين الرابع والخامس الميلادين ” (57) .

  ويلاحظ ان دائرة تفكير مالك في تأسيسها لمشروع التأويل الجغرافي لحركة التاريخ والديانات والافكار ، قد أعتمدت على افادات المؤرخ الفرنسي وفيلسوف التاريخ  ” فرانسوا جيزو ” (1787 – 1874) ، وعن هذه الحقيقة اشار مالك : ” لقد ألمح جيزو الى تبيان هذه الحالة وهو المؤرخ الذي يظل … صاحب الكلمة المسموعة بصدد الحضارة الاوربية ، فقد حدثنا جيزو عن : كيف ان تركيب هذه الحضارة كان من عمل الفكرة المسيحية (التي) …هي السمة العظيمة الاصيلة للحضارة الاوربية ، منذ ان تطورت تحت تأثير الانجيل ” ( 58) .

   ومن المصادر المعرفية التي نهل منها مالك ، وهويسعى الى تأسيس مضمار التأويل الجغرافي للتاريخي وحركة الفكرة الدينية  ، مقال للكاتب الفرنسي ” بييردي فونتين ” (1685 – 1745) والذي كان معاصرا ومعاندا  شديدا للفيلسوف فولتير . ان بيير اعطى حسب الافادات المالكية ، لمحة اخاذة عن ” التفسير الديني في الجغرافية الانسانية ” (59) . وخلاصة موقف بيير : ” كيف ان الانسان لم يستخدم ذكاءه في جهات كفاحه ضد عناصر الطبيعة وحدها ، فهناك على ما ذهب اليه الكاتب : الانسان والغابة ، والانسان والريح ، والانسان والماء ، والانسان والفقر … وهناك الانسان في مواجهة ذاته … وهذا العمل الروحي قد طبع ايضا الجغرافية الانسانية حين نثر على سطح الارض الواقع الديني ” (60) .

    ونحسب ان مساهمة مالك في انشاء مضمار التأويل الجغرافي ، هي في غاية الاهمية ، وذلك في اضافة لون جديد الى الاتجاهات المتداولة في تفسير التاريخ في دار الثقافة الاسلامية . الا ان ما يثير التساؤل والاستفهام هو وجود تعارض بين اراء مالك في نصوص سابقة وما ادلى به من افكار في مضمار التأويل الجغرافي . فقد أكد مالك في معظم كتاباته الحضارية ونصوصه الثقافية الى ان ” الزمن ” مفهوم غربي . في حين عاد هنا ليؤكد ما يتخالف مع ما ذهب اليه ، فأذا به يرى ان الفكرة الدينية الاسلامية قد تحركت في مضمار زماني . في حين ان الفكرة الدينية المسيحية قد تحركت في مضمار مكاني ( الغرب ) . هذا اعتراض ليس من زاويتنا ، بل هو اعتراض من داخل النصوص المالكية على التأويل الجغرافي ، وان رفعه يحتاج الى توسيع واعادة صياغة ليشمل حركة الحضارة على وجه العموم والشمول .

   كما وان المصادر التي استعان بها مالك في تأسيس هذا المضمار ، هي جديرة بالاهتمام ، ونقصد افادات ” جيزو ” ومقال ” بيير دي فونتين ” . وبالحدود الزمنية لانشاء المضمار وكتابة وتداول المصادر . ولهذا نعتقد ان الافادات المالكية قد غاب عنها مصدر مهم جدا ، لا يستطيع اي حارث في مضمار التأويل الجغرافي للتاريخ ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

56 – المصدر السابق

57 – المصدر السابق ، ص 55

58 – المصدر السابق

59 – المصدر السابق ، ص 56

60 – المصدر السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ان يتخطاه . ونقصد ” مونتسكيو ” (1689 – 1755) صاحب كتاب ” روح القوانين ” . فقد ادلى مونتسكيو بأفكار مهمة في ساحة انشاء التأويل الجغرافي للتاريخ وبالتحديد دور المناخ في التمييز بين الشعوب والحضارات . وجاء هذا في كتابه ” الملكية العالمية ” الذي نشره في العام 1734 * . وهو المصدر الذي غاب من دائرة تفكير مالك بن نبي .

 —————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(6)

الصعود من عتبات التاريخ الى طوابق فلسفة التاريخ

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   كيف تحقق للمفكر مالك بن نبي الصعود من عتبات التاريخ والارتقاء الى الطوابق العالية من عمارة فلسفة التاريخ ؟ حقيقة تكشف الافادات المالكية عن مثابرة دقيقة ، أنجزها قلم المفكر الاسلامي وهو يخط السير في دراسته للتاريخ عامة والتاريخ الاسلامي خاصة . ومن ثم إتخاذه من هذه الدراسة قاعدة اقلاع الى الطوابق العليا من عمارة فلسفة التاريخ .

  بدأت المثابرة المالكية سيرها ، معتمدة على منهجية محددة ، قائمة على دراسة وحوار النتاج المعرفي المتوافر في فلسفة التاريخ ، وذلك للوقوف على طبيعته قوة وضعفا ، سلبا وايجابا . ومن ثم التفكير في امكانية استثمار النتائج المتولدة من كل خطوات الحوار والدراسة ، وبأتجاه بناء فلسفة للتاريخ الاسلامي . وفعلا جاء ت الحصيلة في انموذج تطبيقي على فلسفة التاريخ الاسلامي .

   واذا كانت هذه الخطوة مطلوبة ومحسوبة لصالح المنهج الذي اختاره مالك ، فهي في الوقت ذاته فرصة تضع بيد الدارس كشفا بجريدة المصادر التي قرأها مالك ، ومن خلالها حاور كتابها ، وافاد منها في صياغة الانموذج التطبيقي لفلسفة التاريخ الاسلامي .

   ان قراءة نصوص مالك التي تناولت فلسفة التاريخ والحضارة ، تكشف عن حشد من اسماء الفلاسفة والمؤرخين الذين تأملوا في التاريخ والحضارة وحركة الافكار والديانات بمنظار فلسفي .. وحقيقة ان الوقوف على هذه الجريدة من الاسماء يتبين لنا حجم قراءات مالك من طرف . ومن طرف أخر فأنها تمكننا من معرفة ما لم يقرأه مالك ويطلع عليه . ومن خلال ذلك نستطيع ان نعرف ان الاطروحة المالكية في فلسفة التاريخ والحضارة قد اغلقت بقصد او ربما دون قصد ابوابها بوجه فلاسفة ينتمون الى مدارس فلسفية حديثة ومعاصرة ، وكانت لهم اراء ذات وزن في مضمار التاريخ والحضارة وفلسفتهما .

  ولنبدأ اولا بوضع جريدة الاسماء التي تعامل معها مالك افادة وحوارا ، نقدا وأخذا ، تبنيا واشارة وتلميحا . ونقترح عرض جريدة الاسماء بالصورة الاتية :

  تذكر الافادات المالكية الى ان المفكر الاسلامي اعتمد في صياغة رؤيته الفلسفية للتاريخ الاسلامي على اطروحة فيلسوف التاريخ ” هرمان دي كيسرلنج ” والتي أودعها كتابه ” البحث التحليلي لاوربا” والأدق كما بينا ” في عنوانه الألماني وترجمته الإنكليزية ” موزائيك أوربا ”  . وهذه الإطروحة الكيسرلنجية حقيقة تدور حول بيان دور ” الفكرة الدينية في التاريخ ” (60) . كما ان مالكا اعتمد على فكرة ” فالتر شوبرت ”  في كتابه المعنون ” اوربا و روح الشرق” ، الفكرة التي تؤكد على ان الحضارة لا تنبعث ” الا بالعقيدة الدينية ” (61) ، وكذلك أستند الى ” هنري بيرين ” في كتابه ” محمد وشرلمان ” وخصوصا في مقارنته ” بين الحضارتين الاسلامية و المسيحية ” (62) . واستفاد  من ” اسوالد شبنجلر ” في كتابه ” افول الغرب ” (63) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ويحسب الباحث ان مونتسكيو قد أستبطن اراء الفيلسوف اليوناني ارسطو (ق.م 322 – 384) في اثر المناخ على شعوب الشمال والجنوب  ، ومن ثم تكوين الحضارات في المناطق المعتدلة المناخ .

60 – مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 13

61 – المصدر السابق ، 75

62 – المصدر السابق ، ص 83

63 – المصدر السابق ، ص ص 86 – 85

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحاور ” توسيديد ”  و ” جيزو ” (64) . و ” السير جون هالفورد ” (65) و ” هيجل ” (66) و “ماركس ” (67) و ” ارنولد توينبي ” (68) . ومن التراث الاسلامي ، كانت له وقفة مع ” ابن خلدون ” وإفادة كبيرة منه (69) .

    ومن المفيد الاشارة الى ان دائرة تفكير مالك كانت قريبة من قائمة اخرى من اسماء الفلاسفة والعلماء الذين اسهموا في مضمار فلسفة التاريخ ، وقد تعامل مالك مع اطروحات منتخبة من افاداتهم الفكرية في موضوعات اخرى . و في الوقت ذاته دار ظهره لافاداتهم في مضمار فلسفة التاريخ . والحقيقة ان هذه الاسماء كانت لها اراء في غاية الاهمية في فلسفة التاريخ ، منهم : ديكارت ، داروين ، اوغست كومت ، نيتشه ، الوضعية المنطقية ممثلة في رسل ومور ، والبراجماتية ممثلة في جون ديوي ، والبرغسونية ممثلة ببرغسون ، والوجودية ممثلة بسارتر وكولن ويلسون …

  وذكرت الافادات المالكية الى ان مجاهدة مالك في صعود طوابق فلسفة التاريخ ، قد حققت لفكره نقلة من التاريخ الى مضمار فلسفته . جاء ذلك خلال حواره مع ألوان مختلفة من الفلسفات التي اشتغلت على فهم حركة التاريخ وتقديم تفسير لها . ومن هذه الالوان : التفسير المثالي (الروحي) ، التفسير المادي (الاقتصادي) ، التفسير البايولوجي – الجيولوجي ، وفي طرف من البايولوجي التفسير الناهض على التحدي والاستجابة ، والتفسير الجغرافي ، والتفسير النفسي ، وتفسير التاريخ بالاعتماد على مفهوم البطولة و الابطال ، والتفسير الاجتماعي ، ومن ثم التفسير الوثني .. *

    وعلى الرغم من كل هذه الافادات ، نلحظ  ان البناء الفلسفي للتاريخ عند مالك قد منح مكانة وترجيحا لعدد منتخب من فلاسفة التاريخ والحضارة . وان هذا الاهتمام المالكي بهذه المجموعة من الفلاسفة شكل مقدمة فلسفية نقلت البحث في التاريخ الى مضمار البحث الفلسفي للتاريخ . ولهذا الترجيح واكمالا لجوانب البناء الفلسفي الذي وضعه مالك ، نتعرض بالدرس لاراء هذه المجموعة من الفلاسفة :

 أولا – الفيلسوف الالماني هيجل :   يتقدم قائمة الفلاسفة ، الفيلسوف الالماني ” هيجل ” . ومن المعروف ان التفسير الذي تقدم به يندرج تحت خيمة التفسير المثالي ، الذي يمنح الافكار دورا حيويا مرجحا في فهم حركة التاريخ والحضارة . وان تفكير مالك معني بالافكار ودورها في التاريخ اشد العناية والاهتمام  ، ولهذا جاء الترجيح المالكي  لدور هيجل في فهم عملية ولادة الافكار و تفسير حركة التاريخ والحضارة  في هذه المقدمة الفلسفية .

   يذهب هيجل حسب الفهم المالكي ، الى ان الحركة  التاريخية ، وهي التي تُظهر التغيير الاجتماعي ، فأنها محكومة بمبدأ ” التعارض الذي يتكون من قضية ونقيضها . فحينما تنشأ الحركة طبقا لهذه الاسباب المتعارضة ، فأن غايتها تتمثل امامه في صورة اندماج وتركيب محتوم ” (70) . هذا هو الايقاع الثلاثي الذي يفرض هيمنته على حركة التاريخ الذي يتلخص فيها كل تغيير اجتماعي حسب المنظار الهيجلي ، وفي تمثيل مالك على الحالات الثلاث التي تحكم حركة التاريخ وهي : القضية والنقيضة والتركيب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

64 – المصدر السابق ، ص 23

65 – المصدر السابق ، ص 96

66 – المصدر السابق ، ص 18

67 – المصدر السابق ، ص 19 

68 – المصدر السابق ، ص 97

69 – مالك بن نبي : مشكلة الثقافة ، ص 27

* ناقشنا ذلك بالتفصيل في الفصل الرابع والمعنون ” حضور فلسفة التاريخ في خطاب مالك بن نبي انظر : محمد جلوب الفرحان : الخطاب الثقافي النهضوي عند مالك بن نبي (معد للنشر) .

70 – مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 18

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيرى ان الحالة هي ” التي توجد فيها جماعة انسانية في لحظة معينة من تاريخها هي … قضية ” (71) .

  ولبيان كيفية نشوء حالة ” نقيض القضية ” بالمنظور الهيجلي ، نود الاشارة الى ان مالك قد علق على الفهم الهيجلي لحركة التاريخ ، وبالتحديد في مضمار ما هو ” روحي ” او ” فكري ” . وهذا التعليق متداول ، اذا ما وضعنا الفهم الهيجلي بميزان النقد الماركسي ، او حتى بالرؤية الهيجلية في مراحلها قبل موت ” هيجل ” .  ولكل هذا اعادت الافادات المالكية انتاج الفكرة الهيجلية ، مستفيدة من قراءات متنوعة ، وبالصورة الاتية : ان حركة التاريخ قد تكون ” ذات طابع اقتصادي او اخلاقي او مناخي تهدف الى تعديل اتجاهها . فبتأثير الافعال وردود الافعال المتبادلة يصبح الوسط مجالا لنزعات السكون المتصلة بخموده الفطري ، ونزعات الحركة التي تنشئ حالة مناقضة في طريقها الى الظهور يتكون عنها نقيض القضية ” (72) .

    وهنا نسعى الى رفع استفهاما ينشد بيان حجم الافادة المالكية من التفسير الذي تقدم به هيجل : ما هي محركات التاريخ ، ومن خلال ذلك نشوء الحضارة عند الفيلسوف الالماني ؟ وضعت الافادات المالكية بيانا كشفت فيه عن محركات التاريخ بفهم الفيلسوف هيجل ، وذهبت الى ان ذلك يمكن فهمه من خلال فكرة ” التعارض ” التي هي ” القوة المحركة التي تخلق الحركة التاريخية ، التي من شأنها ان تخلق اسبابها ” . وكذلك من خلال فكرة ” التركيب ” التي هي ” الغاية المنشودة من هذا الكيان كله ، ذلك الكيان الذي يجدد دورته كلما نشأ تعارض جديد يزلزل التعادل القائم المستقر ” (73) .

   بعد هذا نتساءل : هل قرأ مالك كتابات هيجل في فلسفة التاريخ ؟ وهل كانت قراءة مباشرة للنصوص الهيجلية ؟ وهل كانت قراءة شاملة للتراث الهيجلي ؟ ام كانت قراءة منتخبة لجزء من التراث الهيجلي ؟ واذا افترضنا ان مالكا لم يقرأ نصوص هيجل الاصلية . وهذا مانرجحه ولسبب بسيط وهو عائق اللغة الالمانية ، فأننا نعود الى دائرة التساؤل : وهل القراءة المالكية للمتن الهيجلي جاءت من خلال النصوص الماركسية النقدية ، والتي قرأت هيجل من زاوية خاصة غير بريئة ؟ حقيقة ان نصوص مالك لا تساعدنا في تقرير اي حكم تجاه هذه المسألة ، فهي ضنينة علينا ، اذ لم تذكر اي كتاب من كتب هيجل عامة او في مضمار فلسفة التاريخ خاصة . وهذه قضية حسب ما نرى في غاية الاهمية . ولكنها في الوقت ذاته تمنحنا نوعا من الأطمئنان الذي يساعدنا على الترجيح بأن مالك تعامل مع النص الهيجلي مباشرة ومن خلال الترجمات الفرنسية التي كانت متداولة يومذاك . ويترتب عليه امر في غاية الاهمية ، وهوان الفهم المالكي لهيجل تكون بعيدا من دوائر الفكر المخاصم لفلسفة هيجل .

ثانيا – الفلسفة الماركسية : يلاحظ قارئ الافادات المالكية ، انها اعتمدت بالاضافة الى هيجل على الماركسية ، وهي تسعى الى انجاز نقلة في البحث من التاريخ الى طوابق فلسفة التاريخ ( او بأستخدام المصطلح المالكي : انه مشروع أقلاع من التاريخ الى عوالم فلسفته ) . ومن المعلوم في الاوساط الثقافية عامة ، و الاقلام العاملة في فلسفة التاريخ خاصة ، ان التفسير المادي للتاريخ ينهض على الاطروحات التي قدمتها الماركسية ، وبالتحديد نظرتها الى المادة ، التي تعتبر حجر الزاوية ونقطة الاقلاع للصعود الى طوابق العمارة الفلسفية الماركسية .

   لقد ذهبت الماركسية مذهبا يقرر ان المادة هي الاصل والبداية ، وانها تحتوي في داخلها على قوانين حركتها ، كما تحمل في احشائها على نواميس تطورها . واذا كان هذا مدخل فلسفي لفهم مشروع الاقلاع الماركسي المادي . فالسؤال : ما هي الكيفية وحدود الافادة من الاطروحة المادية في تفسير التاريخ ؟ وما هي الطريقة التي تعاملت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

71 – المصدر السابق

72 – المصدر السابق

73 – المصدر السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 بها دائرة تفكير مالك مع الماركسية ؟ ان هذه الاسئلة مهمة ، الا ان الاهم من ذلك ، هو حجم الحضور للنص الماركسي في الافادة المالكية . معلوم ان الماركسية عرضت انموذجا لتفسير التاريخ ، له فرضياته ومقولاته الخاصة هذا طرف . والطرف الاخر ان مالكا تعامل مع الماركسية بطريقة انتخابية وما يتماشى وايقاع مشروعه الخاص في الاقلاع في فلسفة التاريخ . ولهذا نحسب ان حضور النص الماركسي بالطريقة التي اختارها مالك هي المهم ، وليس النص الماركسي في حقيقته الاصلية والواردة في بطون الكتابات الماركسية الخالصة . وذلك لان النص المالكي العارض للماركسية له شأن هنا ، في حين ان النص الماركسي الخالص كان بعيدا عن الاهتمام ، وغير ملتفت اليه في دائرة الشأن والبحث ، فهو نص غائب ومسكوت عنه ، والنص المالكي هو الحاضر وهو موضوع الدرس والبحث .

   والسؤال الاهم في مضمار الافادات المالكية : ما هي الاسباب التي تحرك التاريخ والتي تؤدي الى نشوء المجتمع ( ومن خلال تكوين شبكة العلاقات الاجتماعية ) ومن ثم الحضارة في دوائر الفكر الماركسي ؟ ترى الافادات المالكية المستفيدة من الماركسية في تأسيس قاعدة للاقلاع في مشروع فلسفة التاريخ ، الى ان الماركسية فكرة ” ترى ان الاسباب المتعارضة ” هي التي ” تؤدي الى حدوث التغييرات الاجتماعية ذات الطابع الاقتصادي ” (74) . وحقيقة ان مالكا استبطن الفهم الماركسي ، وهويسعى الى صياغة اطروحته ” ميلاد مجتمع وشكل الحضارة ” ، فيؤكد على انهما “ناشئان عن التعارض الاقتصادي ” (75) .

  وتكشف الافادات عن فعل تدخل مالكي لتقويم الفكرة الماركسية ، ومن ثم بيان فشلها في الانتشار في خارطة العالم ، وكذلك ظهور وقائع تتعارض والفهم الماركسي . ان كل ذلك جاء في خطاب مالك القائل : ” ومع ذلك فلو اننا طبقنا على هذه الفكرة مقياسها الاقتصادي الخاص ، فستبرز امام اعيننا حدود امتدادها على الخريطة الاقتصادية للعالم . فأن تأملنا امتداد الفكرة الماركسية باعتبارها ظاهرة اقتصادية يدلنا على انها ترسم منطقة اقتصادية يقع متوسط دخل الفرد السنوي فيها تقريبا بين مائتي دولار وسبعمائة دولار . وهو المستوى الذي وصلت اليه اليابان من ناحية . وانجلترا من ناحية اخرى ” (76) .

   دققت الافادات المالكية في الابعاد الجغرافية التي توقفت عندها الماركسية . وحقيقة ان هذه الابعاد حددت فعل التأثير الماركسي على واقع الاجتماع الانساني ، ومن خلال ذلك جعلت توجيهها لحركة التاريخ والحضارة محدودا وغير شامل كما طمح الماركسيون ، ورغبوا ان يكون : ” وبذلك نستطيع ان نقرر – الى ان يثبت العكس – ان انتشار الفكرة الشيوعية محدود داخل هذه الحدود الاقتصادية المطابقة لحدود جغرافية معينة . وان التفكير الماركسي لم يجد وراء هذه الحدود المزدوجة ظروف تأقلمه فهو بهذه الصورة لا يستطيع ان يقدم لنا تفسيرا معقولا للمجالات التي ينتشر فيها على الخريطة ” (77) .

ثالثا – فيلسوف التاريخ ارنولد توينبي : أستفادت دائرة تفكير مالك من المثابرة الفلسفية التي انجزها فيلسوف التاريخ الانجليزي ارنولد توينبي ، وفي جوانب عدة . ونقترح لبيان وزن الافادة المالكية من اراء توينبي ، ان نعود الى دائرة الاستفهام ، فنرى فيها خير سبيل للبيان والايضاح : ما درجة حضور تفسير توينبي للتاريخ  في الافادات المالكية ؟ وكيف تعاملت دائرة تفكير مالك مع هذا التفسير للتاريخ ونشوء المجتمعات ومن خلال ذلك الحضارة ؟ و ما هي المصادر التي اعتمدها مالك في معرفة التفسير   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

74 – المصدر السابق 

75 – المصدر السابق

76 – المصدر السابق ، ص 19

77 – المصدر السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذي تقدم به توينبي للتاريخ ؟

  حقيقة ان الافادات المالكية لا تنفعنا في هذا المضمار ، فهي ساكتة ولا تفصح عن هذه المصادر شيئا . وبتقديرنا هذه مسألة في غاية الاهمية من زاوية البحث الاكاديمي الذي لا يحبه مالك كثيرا . وهو الطريق الوحيد الذي يفيدنا في معرفة حجم القراءات التي انجزها ، وبيان الحدود التي توقفت عند عتبتها القراءة المالكية . يبدو انها مسألة غير مهمة ، حين نتعامل مع دائرة ثقافة مفكر كبير مثل مالك بن نبي .

   ان اول ما نبدأ به افادة مالكية في غاية الاهمية ، فهي تكشف عن أستيعاب مالكي للمنهج الذي اعتمده توينبي في دراسته للتاريخ . فالافادة قربت بين المنهجين : منهج هيجل ومنهج توينبي . وكانت واضحة حين أكدت على ان المؤرخ الانجليزي الكبير (توينبي) اعتمد ” منهجا ينطبق في جانب منه على تخطيط هيجل وذلك حين شبه فكرة التعارض بعقبة ذات طابع اقتصادي او فني عبر عنها بكلمة ” تحدي ” (78) .

   ان المستقر في دوائر الابحاث في فلسفة التاريخ ، ان التفسير التوينبي للتاريخ مؤسس على قوانين البايولوجيا ، فأن من المقولات التوينبية الاساسية هي ” التحدي ” و ” الاستجابة ” وهي مقولات بايولوجية في أصلها (79) . ولبيان حضور هذه المقولات التوينبية في الافادات المالكية ، ومن ثم توظيفها لاحقا في فهم محركات التاريخ الاسلامي ، نقول ان الافادات المالكية تظهر لنا قدرة مالكية عالية في اعادة انتاج القضية التوينبية النازعة الى تقديم فهم لحركة التاريخ ، المجتمع والحضارة ووفقا لقانون : التحدي والاستجابة . فقد ذهبت الافادات المالكية الى ” ان التحدي يتوجه الى ضمير الفرد او الجماعة ، وتكون مواجهته له بالقدر الذي تكون عليه اهمية الاستفزاز وخطورته ، فهناك تناسب بين طبيعة الاستفزاز وبين الموقف الذي يتخذه الضمير في مواجهته ” (80) .

  وبكل قوة وبفهم مالكي مستوعب لدقائق الرؤية التوينبية ، يعيد مالك انتاج ما يسمى بفكرة ” الوسط الذهبي ” * ، في فاعلية قانون : التحدي والاستجابة . وبيان متى يكون الانتاج الحضاري ، ومتى يتعطل الانتاج والتولد الحضاري .  وبكلمات مالكية دقيقة يتم اعادة كتابة القضية التوينبية ” وعلى هذا فلو افترضنا ان التحدي كان ضعيفا بحيث لم يصل الى مستوى معين ، فأن الاجابة عليه ستكون هي ايضا ضعيفة . وبعبارة اخرى ، لا لزوم لهذه الاجابة . وبذلك يفقد التحدي معناه كعامل في احداث التغيير الاجتماعي ” (81) . وبفهم مالكي مستبطن التحليل التوينبي ، تؤكد افاداته على ان هناك حدا ” يبدأ منه ما اطلق عليه توينبي ( التحدي المناسب ) الذي يستلزم نشوء ( اجابة ) كافية لتحريك اسباب التغيير ” (82) .

   ويستمر فعل القراءة المالكية لافكار توينبي ، ومن ثم استرجاعها بمثابرة فكرية عالية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

78 – المصدر السابق

79 – انظر :

محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف والتاريخ ، الفصل الرابع ، القسم المعنون : موضوعات توينبي الحضارية بمنظور وجودي ، ص 90 وما بعد

80 – مالك بن نبي : المصدر السابق

* ومن المفيد ان نخبر القارئ بان فكرة ” الوسط الذهبي ” قد استعارها توينبي من الفيلسوف اليوناني ارسطو ( م . ق 322 – 384) والتي درسها في كتبه الاخلاقية ، وخصوصا في كتابه ” الاخلاق الى نيقوماخوس ” . انظر : ميشيل باكلوك : ارسطو وكتابه الاخلاق الى نيقوماخوس (بالانكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو ، شيكاغو 2005

81 – مالك بن نبي : المصدر السابق 

82 – المصدر السابق ، ص 20

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   في الإفادات التي كتبها مالك ، وهذه الافادات تؤكد على ” ان فاعلية الاجابة تنمو متناسبة مع قيمة التحدي ، حتى يصل الى حد معين ، فأن استمر في نموه فأنه يصبح منعدم التأثير ، لأنه ينصب امام الضمير استحالة ليس في طوقه ان يحلها ، فالاجابة في مثل هذا الحال تصبح عديمة الجدوى ” (83) .

   ولهذا فان حركة التاريخ الانساني يمكن فهمها وفقا لقانون التحدي والاستجابة . وكذلك فان التغييرات الاجتماعية التي شهدتها الانسانية ، هي الاخرى يمكن ان تكون خاضعة لتفسيرقانون التحدي والاستجابة . ولكن قانون التحدي والاستجابة لا يعمل دائما في كل الظروف وذلك لان فعله يتعطل لاسباب عديدة . حقيقة ان الافادات المالكية اعادت كتابة التفسير التوينبي مع ذكر الامثلة التي يتعطل فيها قانون التحدي والاستجابة ، وذلك  ” ان العلة في بقاء بعض الجماعات الانسانية في حالة راكدة لا تكون مجتمعا بالمعنى المقصود من هذه الكلمة لا تخرج عن احد احتمالين : فأما ان التحدي لم يكن كافيا لدفع طاقتها الى اجابته ، واما ان هذه الجماعات قد عمدت الى الفرار عن طريقه ” (84) .

   لقد تداولت الافادات المالكية في فلسفة التاريخ والحضارة ، بعض المصطلحات ، حيث نجدها تسعى الى تكوين قاعدة اقلاع لبناء معجم فلسفي في  مضماري التاريخ والحضارة .  ونحاول هنا الاشارة الى بعض الامثلة ، منها : ” بادرة الحضارة” ، ” الحضارة ” ، ” الحالة السابقة على الحضارة ” و ” حالة الحضارة الكاملة ” … ان مكونات هذا المعجم ، تعود في جوانب مهمة منها الى دائرة فلسفة التاريخ عند توينبي . وان مالك  كان صريحا مع نفسه اولا و كان صادقا مع القارئ ثانيا وهذه هي سمات المفكر العضوي .  كان مالك عند تداوله لهذه المصطلحات ،  يشير الى فيلسوف التاريخ الانجليزي توينبي بالاسم  ، جاء هذا مثلا في كتاب مالك ” فكرة الافريقية الاسيوية ” (85) .

   وكذلك تداول قلم مالك اصطلاحات توينبية اخرى ، خصوصا المقولات التي استعملها فيلسوف التاريخ الانكليزي ، وهوينزع الى تفسير ظهور الحضارات وأفولها . ونشعر هنا ان مالكا فكر في امكانية بعثها في دائرة الثقافة الاسلامية . ونقصد مقولات ” التحدي و الاستجابة ” او بلغة مالك  ” الفعل ” و ” رد الفعل ” في احيان اخرى .

   ولنا هنا كلمة تخص تداول الاصطلاحات التوينبية في دائرة تفكير مالك ، فنقول ان اصطلاحي : التحدي والاستجابة ، هما اصطلاحان بايولوجيان يتماشيان مع التفسير البايولوجي للتاريخ والحضارة . ولكن اصطلاحي : الفعل ورد الفعل ، هما اصطلاحان فيزياويان . مما يدل على ان مالك تطلع لانشاء مرجعيتين لمشروعه الاسلامي في فلسفة التاريخ والحضارة : واحدة بايولوجية والاخرى فيزيائية . ونقف هنا ونتساءل : ماذا يعني هذا في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة ؟ يعني ان المفكر مالك بن نبي قبل من توينبي التفسير البايولوجي ، لكنه وجد ان التفسير البايولوجي غير كاف ولا يغطي كل مناطق التاريخ والحضارة  ، مما حمله هذا العجز في التفسير البايولوجي الى التفتيش عن تفسير مكمل فيه امكانية تغطية المناطق التي تركها التفسير البايولوجي . وهكذا اضاف مالك اليه ، وبحدود لغة الاصطلاحات ، تفسيرا فيزيائيا يصعد به الى العالم الفيزيائي اسحاق نيوتن (1642 – 1712) ، وهو القانون الثالث من قوانين الحركة ، و القائل : ” لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه “(86) . 

    ان توافر هذه الاصطلاحات التوينبية في الافادات المالكية ، تدلل على الحضور 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

83 – المصدر السابق

84 – المصدر السابق

85 – مالك بن نبي : فكرة الافريقية الاسيوية ، ص 22

86 – انظر :  بنجامين كرويل : فيزياء نيوتن ( سلسة الضوء والمادة ) ( بالانكليزية) ، فولرتون ، كليفورنيا  2000  . وبالمناسبة إن كاتب السطور قد طبق القانون الفيزياوي النيوتني في بحثه واسع الإنتشار ، والمعنون الجدل الثقافي عند العرب (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب / مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان 1986 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المتميز لفيلسوف التاريخ الانجليزي . ونجد من المفيد الاشارة الى ان حضور توينبي جاء اثناء مناقشة مالك لما يسمى ب ” العارض غير العادي ”  او ” الظرف الاستثنائي ” وذلك لان ” المجتمع لا ينتج القيمة الخلقية التي تنظم حياته … ان هذا العمل يبدأ اذا ما تم تركيب الانسان و التراب والوقت … وانما يتم هذا التركيب على أثر حدوث (عارض غير عادي) او بعبارة اخرى (ظرف) ” (87) .وحقيقة ان توينبي لم يكن الوحيد الذي اشتغل على تفسير ” العارض ” وانما هناك عددا من المدارس الاخرى قد شاركته البحث في تقديم فهم له . كانت الافادات المالكية مستوعبة لكل ذلك ، فذهبت مؤكدة على ان توينبي ” يرى انه ( اي العارض) يظهر في صورة (تحد) يخلقه الوسط الطبيعي او البشري بحيث يصبح المجتمع ملزما بمواجهته والاجابة عليه ” (88) .

   في الواقع ان توينبي كان مدرسة في عملية التدوين في مضماري التاريخ والحضارة وفلسفتهما . وان قلم المفكر الاسلامي مالك بن نبي كان على مستو عال في التعامل مع هذه المدرسة : اصطلاحات ومرجعيات تفسير . وكان فضل مالك الكبير ، انه قدم زادا معرفيا رائدا الى المثقفين المسلمين في فلسفة التاريخ ، ومن خلالهم قدم ذلك الزاد المعرفي الى دائرة الثقافة الاسلامية في زمن ثقافي كان بحاجة الى كل جديد في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . انها في التقويم الاخير مثابرة مالكية نسجل لها الفضل والريادة في هذا المجال مقارنة بعجز مؤسسات اكاديمية من انجاز ما قام به المفكر مالك بن نبي .

   ولعل من المفيد ان نذكر وانطلاقا مما ذكرناه ، ان ذلك رصيدا ايجابيا يضاف الى طوابق تراث مالك الثري المتجدد ، الا انه في الوقت ذاته فيه جانب من الإتكال على ماولدته دائرة معرفيات باحث أخر ، وبالتحديد في مجالي الاصطلاحات ومرجعيات التفسير . حيث الحاصل من كل ذلك ان تحول الزاد المعرفي الى قيود ثقافية جعلت من تفكير مالك اسيرا للغة الفيلسوف الانجليزي . ومعلوم ان اللغة هي وعاء الفكر والاصطلاح هو صيغة لغوية حاملة للفكر. . ومن هنا فأن المعالجة الفكرية المالكية ستظل اسيرة فكر الباحث السابق والذي تمتعت اصطلاحته بسلطة قوية ، مما مكنها ان تمارس فعل استحواذ على الافادات المالكية .

  وللأنصاف نقول ان فعل الاستحواذ توقف مرات عديدة في النص المالكي ، كما وانه لم يكن مهيمنا في مناطق كثيرة من الافادات المالكية . فمثلا تداول مالك اصطلاح ” الوحدات التاريخية ” وهو اصطلاح توينبي . الا ان من حق مالك علينا ان نقول : انه على الرغم من ان قلمه قد تداوله ، فأنه رفض اصطلاح توينبي كما ورفض ان تكون الوحدات التاريخي مستقلة كما اعتقد الفيلسوف الانجليزي . وعلى اساس هذا الرفض رجح مالك  بدلا عن الوحدات التاريخية ، اصطلاح ” وحدة التاريخ ” وهو اصطلاح  تقدم به  ” عمانوئيل مونيه ” .

   ويرى مالك معلقا على مشكلة الاصطلاحات الميتافيزيقية ، والتي هي بالمنظار التوينبي نابتة في الفكر الديني ، انها مجرد اصطلاحات نتداولها على اساس جهاز لغوي . ولهذا اكدت الافادات المالكية وهي تعيد انتاج القضية التوينبية  ولكن هذه المرة مقرؤة من زاوية عمانوئيل مونيه ، على ان وحدة ” التاريخ تتأكد في القرن العشرين بطريقة لا تدع مجالا للفكرة الكلاسيكية المألوفة ، فكرة ” الوحدات التاريخية” المستقلة ، حيث تفهم كل وحدة في حدودها ، فلقد دخلت الانسانية مرحلة لم يعد ممكنا فيها تحديد (مجال الدراسة) الخاص على طريقة جون توينبي … ولعله للمرة الاولى ينبغي على التاريخ ان يضع مشكله منهجيا في المصطلحات الميتافيزيقية . فالفكر الديني الذي ابعده التطور الديكارتي . وجهود الباحثين والعلماء عن نظريات التاريخ قد عاد اليها بطرق عقلية حتى لو عبرنا  في مصطلحاته عن المشكلة الاساسية … لعبرنا عنها بمشكلة خلاص 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

87 – مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 50

88 – المصدر السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجنس البشري ” (89) .

   ناقش مالك القضية التوينبية السابقة ورد عليها ، ومن ثم اعاد قراءتها من زاوية مرجعية جديدة تمثلت في دائرة تفكير ” عمانوئيل مونيه ” الذي هو حسب الافادة المالكية ” في طليعة التفكير المسيحي ” والذي أوضح ان المشكلة في اساسها تكمن في اصطلاح ” الوحدات التاريخية ” المتعددة التي أستخدمها توينبي . وان الحل يكون بأحلال اصطلاح ” وحدة تاريخية ” الذي ” يأخذ كل حدث فيها مكانة بالنظر الى الخلاص المشترك ، والى تنفيذ ارادة الله في الملك ” (90) .

   وتفصل الافادات المالكية في رأي ” مونيه ” الذي يذهب في تحليله لتفكير الانسان المتدين ، الى ان الانسان المتدين  أولا هو ” صورة من خالقه ” ،  وثانيا ان طبيعته وتفكيره يؤكدان على وجود نوع من التعادل ” بين العنصر الانساني والعنصر الالهي ” وتناسب بين ” الحقيقة الميتافيزيقية … و … الحقيقة الزمنية ” . ولهذا لاحظ مونيه ان حل مشكلة ” الخلاص المشترك ” بالنسبة الى الانسان يكون ” باستكمال سيطرة الانسانية ” (91) . وان هذا الحل ” يكمن في حتمية التاريخ اذ لا يقابل الخلاص الا الفناء والعدم ” . وان التاريخ فعلا حسب رأي مونيه وافادات مالك سيحقق ” هذا الحل ” (92) .

  واعتمادا على توينبي ناقشت الافادات المالكية دور الاستعمار في حركة التاريخ وحياة الشعوب ومن ثم نشوء الحضارات . واستنادا الى ذلك ثابر مالك على تقويم فعل الاستعمار على خلاف ما تراه دوائر الفكر الغربي والاسلامي بل ودوائر فكر العالم الثالث . ان مالك منح الاستعمار دورا ايجابيا في مسيرة الشعوب . وهذه الالتفاتة المالكية لم تكن متوترة ، كما انها لم تصدر عن عقدة نقص من الاستعمار . والحقيقة نحسب اننا بأمس الحاجة لمثل هذه الالتفاتة ، وان لم يقبلها بعضنا ، ففيها درس نتعلمه في فهم حقيقة الخصم الايجابية والسلبية . الا ان الحق يتطلب منا القول ان نظرة مالك الى الدور الذي لعبه الاستعمار في تحريك ” جزء من الانسانية ” قد استند في انشائها على اطروحات توينبية . وبذلك يمكن القول بالمنظار التوينبي وعلى لسان مالك ” بان المجتمعات البدائية قد بدأت بدورها في تسلق هذا الجانب بفضل الاستعمار ، وان سوطه اللعين هو الذي ايقظ المتأخرين الذين ما زالوا يأخذون – حمام الشمس – على الكورنيش ” (93) .

    واخيرا ناقشت الافادات المالكية مفهوم الدورات الحضارية عند توينبي وما يترتب عليه من بيان لمصير الحضارات . ولاحظ مالك ان مفهوم الدورات لازال له وزن في استنتاجات توينبي ، وبالتأكيد فأن استنتاجاته كانت منشغلة بمستقبل الحضارة الغربية . وهنا سجل مالك تقويما لمثابرة توينبي ، فرأى ان عقله كمؤرخ لم يكن ” على وفاق مع ضميره كأنسان غربي ، فقد كان المؤرخ مأخوذا فيما يبدو بفكرة (الافول) ، ولكن الانسان يتجاوز هذا الخوف حين يصوغ للحضارة الغربية أمنية ” (94) .

رابعا – مساهمة المؤرخ الفرنسي ” فرانسوا جيزو ” :

     أنتفعت الافادات المالكية من المساهمة الفكرية التي قام بها المؤرخ الفرنسي ” جيزو ” في دراسته لتاريخ اوربا . وحقيقة ان المساهمة الجيزوية لها اهميتها من ناحيتين :

    الاولى – انها استندت في تحليلاتها لاحداث التاريخ على معطيات علمي الاجتماع والنفس .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

89 – مالك بن نبي : فكرة الافريقية الاسيوية ، ص 195

90 – المصدر السابق

91 – المصدر السابق ، ص ص 196 – 195

92 – المصدر السابق ، ص 196

93 – المصدر السابق ، ص 47

94 – المصدر السابق ، ص 258 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والنفس .

     الثانية – انها قدمت تفسيرا له اهميته في تاريخ فلسفة التاريخ ، تفسيرا للحركات التي تعصف في مسيرة التاريخ . ومن النافع ان نشير الى ان مساهمة جيزو من الزاوية

الزمنية هي ولادة السنوات الاولى من القرن التاسع عشر .

     نقف هنا ونثير السؤال الاتي : ما الاسهام الفكري الذي تقدم به المؤرخ الفرنسي جيزو لتفسير الحركات التاريخية ؟ بينت الافادات المالكية ان اسهام جيزو الفكري كان منصبا على تاريخ اوربا ، وانه في تحليلاته اعتمد على معطيات علمي الاجتماع والنفس . ولهذا تحتل هذه المساهمة اهمية في تاريخ المعرفيات وفلسفة التاريخ والحضارة الممزوجة بمعطيات اجتماعية ونفسية  . انها مثابرة فكرية تتصدر المشروعات الداعية الى الافادة من اكثر من علم لفهم محركات التاريخ وحياة الفرد والمجتمع ومن ثم الحضارة . واعتمادا على الافادة المالكية ، فأن جيزو يرى ” ان التاريخ من حيث كونه (علم ما وقع فعلا) يمكن ان يتناول موضوعه بطريقتين : فأما ان يجد مجال دراسته في الفرد نفسه ، في كل ما يؤثر حياته ، ويغير من صفات انسانيته ، واما ان يجده في الوسط الذي يحيط بهذا الفرد ، اعني في كل ما يؤثر في حياة المجتمع ، ويغير من صفاته ، والتاريخ على اية حال ليس سوى هذا التغيير الذي تتعرض له الذات ، والمجال الذي يحوطها على السواء ” (95) .

   لقد استثمرت دائرة تفكير مالك اطروحات المؤرخ جيزو ، وذلك بهدف بناء عمارة فلسفية جديدة للتاريخ ، وان تكون في الوقت ذاته مرجعية تعيننا على فهم حركة المجتمع والحضارة ومعرفة الكيفية التي تتكون فيها شبكة العلاقات الاجتماعية . ولبيان جوهرية هذه العمارة الفلسفية ، نسعى اولا الى معرفة وزن حضور الاطروحة الجيزوية في العمارة الفلسفية المالكية ، ولانجاز ذلك نتسائل : ما حجم الاستثمار من الاطروحة الجيزوية ، الذي انجزته مثابرة مالك وهي تسعى الى بناء العمارة الفلسفية للتاريخ والحضارة ؟

   ان حجم الاستثمار المالكي للاطروحات الجيزوية كان واسعا ، فمن طرف تجسد في فعل استبطان لهذه الاطروحات . ومن طرف اخر تمثل في حضور لافكار جيزو وادواته في التحليل . ومن طرف ثالث تكشف في استحدام المقولات الجيزوية في العرض والتعبير . ولعل الشاهد على ذلك ما قدمته الافادات المالكية التي تناولت مساهمة جيزو . ومن الملاحظ على هذه الافادات ، انها اعادت كتابة القضايا التي تناولها قلم جيزو في موضوع ما اسماه الصناعة التأريخية ، وأثر الطوائف الاجتماعية في حركة التاريخ . ومن ثم اقتراحه مفهوم ” شبكة العلاقات الاجتماعية ” بعدا رابعا لعملية تكوين الحضارة واتجاهها .

   بدأت المراجعة المالكية للقضايا التي ادلى بها جيزو ، بمفهوم الصناعة التاريخية ، وذلك من حيث انها ” تتم تبعا لتأثير طوائف اجتماعية ثلاثة :

     أولا – تأثير ” عالم الاشخاص “

    ثانيا – تأثير ” عالم الافكار “

   ثالثا – تأثير ” عالم الاشياء ” (96) .

  وبين جيزو ومن خلال الافادات المالكية ، أثر هذه الطوائف وحدود الفعل المتبادل بينها نزوعا الى تكوين ” مركب ” الحضارة . واشار الى ان هذه الطوائف ” لا تعمل متطرفة ” ، وانما تدخل في  ” عمل مشترك ” يتناغم مع ايقاع الايديولوجيا المقترحة ، والتي تشكل في خارطة الطوائف الجيزوية ما اسمته ” عالم الافكار “* . وان الوسيلة المعتمدة في انجاز مشروع الايديولوجيا ، هي وسيلة مادية او حسب اللغة الجيزوية عن طريق ” عالم الاشياء ” . ولما كان للمشروع الايديولوجي هدف ، فأن هذا الهدف محدد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

95 – مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 23

96 – المصدر السابق

* للإطلاع عن تفاصيل عن فرانسوا جيزو أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الثقافي المعرفي عند مالك بن نبي (مُعد للنشر) ونشرت مقالات منه على صفحات جريدة البلاد اللندنية (كندا – إنتاريو) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومفروض من قبل ما إصطلحت عليه المرجعية الجيزوية  ” عالم الاشخاص ” (97) .

    وتذهب الافادات المالكية معلقة على العمل المشترك الذي تقوم به الطوائف الثلاثة ، فترى ان انجاز مثل هذا العمل يتطلب بالضرورة توافر عالم رابع ، وهو ” عالم العلاقات الاجتماعية ” او ما يسمى ” شبكة العلاقات الاجتماعية ” والذي يفعل فعله في اطار الحضارة  ( 98) وعلى اساس البعد الرابع تولد المجتمعات والحضارات ، واستنادا اليه تتفكك المجتمعات وتدخل الحضارات في ذمة التاريخ .  ان الاستثمار المالكي للاطروحات الجيزوية قاده الى صياغة مفهوم عمل المجتمع . وان هذ المفهوم نهض على الطوائف الثلاثة : الاشخاص ، الافكار والاشياء . وبالمنظار المالكي ان  ” عمل المجتمع ليس مجرد اتفاق عفوي ” بين العوالم الثلاث ، وانما هو تركيب يهدف الى تغيير وجه الحياة (99) .

   حقيقة شكلت هذه المثابرة المالكية تجربة فلسفية عربية اسلامية متفردة ، فهي من طرف قرأت وحاورت  مدارس غربية كبرى في فلسفة التاريخ والحضارة ، وهي الهيجلية ، والماركسية ، والتويبية و الجيزوية . وانها من طرف اخراستبطنت تراث حشد من فلاسفة تاريخ وحضارة يقف على رأسهم  أسوالد شبنجلر . فكان الحاصل مرجعية فلسفية هيأت للمفكر مالك بن نبي فرصة معرفية لتأسيس ما أسماها قاعدة اقلاع فلسفي للتاريخ والحضارة .

————————————————————————————–

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف2013 

—————————————————————————————

(7)

مثابرة مالكية في التفسير الاسلامي للتاريخ

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    ونحن نسعى الى معرفة ماهية المثابرة المالكية في التفسير الاسلامي للتاريخ ، نتساءل : ما طبيعة المثابرة المالكية في التفسير الاسلامي  للتاريخ ؟ انه سؤال كبير يتفرع الى سؤالين :

     الاول : ما حجم الافادة المالكية من الوافد الثقافي في صياغة التفسير الاسلامي للتاريخ ؟

     الثاني : ما مقدار الافادة المالكية من الرافد الثقافي الاسلامي حين اشتغلت على التفسير الاسلامي للتاريخ ؟

   ان الاجابة على السؤال الاول تتطلب منا ان نشير أولا وقبل كل شئ الى ان المثابرة المالكية وهي تسعى الى صياغة تفسير اسلامي للتاريخ ، قد استفادت كثيرا من أطروحة فيلسوف التاريخ الالماني ” هرمان دي كيسرلنج ” . ومن الملاحظ ان الاطروحة الكيسرلنجية قد امتلكت سلطة على الافادة المالكية ، ومن ثم استحوذت على تفسير مالك للتاريخ .

  لقد نزعت الاطروحة الكيسرلنجية ومن خلال حضورها في الافادة المالكية الى بيان ” أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة ” وذلك من حيث صياغة  المركب ومن خلال دخول الفكرة الدينية ، والتأثير في ” التركيب البيولوجي لأحدى الحضارات ” (100) . ان الافادة المالكية لم تقف عند حدودها الكيسرلنجية ، بل سعت الى توسيعها بحيث تمتلك امكانية تطبيق على التاريخ الاسلامي ، بعد ان طبقها كيسرلنج على التاريخ الغربي المشدود الى ايقاع الفكرة الدينية المسيحية .

   ساعدت مالك  على ان يحد من استحواذ الاطروحة الكيسرلنجية على مشروعه  الاسلامي لفلسفة التاريخ ، اشكالا مختلفة من المذاهب الفلسفية للتاريخ والحضارة والتي كانت حاضرة امام انظاره . حقيقة ان هذه المذاهب الفلسفية حررت مالك من سلطة كيسرلنج هذا طرف . وان مالك من طرف اخر استفاد من رؤية المذاهب الفلسفية ، ومن مناهجها في التحليل او من المقولات التي استخدمتها في فهم الاحداث التاريخية . وأود

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

97 – المصدر السابق ، ص 24

98 – المصدر السابق

99 – المصدر السابق

100 – المصدر السابق ، ص 91

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هنا ان اذكر إنه بحوار مالك مع الهيجلية ، الماركسية ، التوينبية والجيزوية وقائمة طويلة من الفلاسفة ولعل على سبيل المثال وليس الحصر شبنجلر وفاليري … فإنه حوارالمذاهب الفلسفية التي شكلت مرجعيات لتفسيره للتاريخ والحضارة ، وساعدته في صياغة  المفهوم الثقافي للتاريخ ، دور البطل … دور الوثنية … دور الفكرة … مساهمة الاجتماعي … مثابرة النفسي … والتأويل الجغرافي لحركة التاريخ (101) .

   لقد استفادت الافادات المالكية من كل معطيات الوافد الفلسفي الغربي ، استفادت منه في التحليل والتعميم وبناء الرؤية الفلسفية للتاريخ . ولعل ما يميز الافادات المالكية انها قدمت في الوقت ذاته مقاربات بين مثابرات الفلاسفة وحركة التاريخ الاسلامي وروافده الفكرية المحركة لروح التاريخ والحضارة الاسلاميين .

   ان من اهم الشواهد على ذلك المقاربة التي اقترحها مالك بين الاطروحة التوينبية والروافد الفكرية الاولى المحركة للتاريخ الاسلامي ، ونقصد القرأن الكريم . فعلا فأن الافادات المالكية قد كشفت عن استثمار للاطروحات التوينبية وذلك بهدف تنمية فكر تاريخي ينهض على مجموعة مسوغات وشواهد لتفسير حركة التاريخ والمجتمع ، ومن ثم الحضارة على وجه الاجمال والعموم .

  ان ما يميز المثابرة المالكية انها اعادت صياغة الاطروحات التوينبية وعملت لها موائمة تتلائم مع المفهوم القرأني للتاريخ . ومن ثم بينت صراحة في الافادة القائلة : ” ونحن يمكننا الى حد ما ان نصوغ هذا الرأي الذي ذهب اليه المؤرخ (أي توينبي) صياغة جديدة في ضوء القرأن الكريم ، فقد نستطيع – حيث لم نصل بهذه الطريقة الى تفسير واضح لمنشأ الحركة التي ولدت المجتمع الاسلامي وغايته التاريخية – ان نفسر هذه الحركة بالعوامل التي حفزت القوة الروحية في هذا المجتمع ، اعني شروط حركته عبر القرون ” (102) .

   أستبطنت الافادات المالكية وأظهرت الكثير من المفاهيم التوينبية النازعة الى تفسير حركة التاريخ والحضارة الاسلاميين . فمثلا جاء ذلك حينما توجه مالك الى القرأن لينطلق منه في تأسيس قاعدة فهم أسلامي لحركة تاريخه . ان ذلك تمثل بصورة واضحة في فعل المقاربة المالكية بين قانون التحدي والاستجابة التوينبي والفهم القرأني لبعدي ” الوعد والوعيد ” . ولبيان ذلك نعود الى الافادات المالكية ، فقد أوضحت : ” ان القرأن قد وضع الضمير المسلم بين حدين هما : الوعد والوعيد ، ومعنى ذلك انه قد وضعه في انسب الظروف التي يتسنى له فيها ان يجيب على تحد روحي في أساسه . فالوعيد هو الحد الادنى الذي لا يوجد دونه جهد مؤثر ، والوعد هو الحد الاعلى الذي يصبح الجهد من ورائه مستحيلا ، وذلك حين تطفئ قساوة التحدي على القوة الروحية التي منحها الانسان . وبذلك نجد ان الضمير المسلم قد وضع بين حدي العمل المؤثر ، وهما الحدان اللذان ينطبقان على مفهوم الايتين الكريمتين :

(أ) فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون (وعيد) .

(ب) انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون (وعد) .

   وبين هذين الحدين تقف القوة الروحية مناسبة مع الجهد الفعال الذي يبذله مجتمع يعمل طبقا لأوامر رسالة ، أعني طبقا لغاية ” (103) .

   الواضح ان الافادات المالكية أستفادات من الفهم التوينبي لقانون التحدي والاستجابة . الا ان الواضح كذلك ، هو ان التوجيه المالكي لقانون التحدي والاستجابة اخذ صورة مغايرة ، اذ ان المستقر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

101 – انظر المحور رقم (1) من  هذا البحث والمعنون ” حضور الاتجاهات الفلسفية العامة في  تأويل التاريخ  “.

102 – مالك بن نبي : شروط النهضة ، ص 21

103 – المصدر السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مغايرة ، إذ إن المستقر في الاذهان ان الفهم التوينبي يرى ان حركة التاريخ محكومة ب ” التحدي ” الطبيعي او البشري ، و ” الاستجابة ” هي بالتأكيد استجابة بشرية او طبيعية ، والتاريخ هو حضارة ومجتمع وصناعة وثقافة. أما المفكر مالك بن نبي ، فقد ذهب في فهمه لقانون التحدي والاستجابة ، مذهبا جديدا فيه شئ من الغرابة على هامش التطبيق المتعارف عليه لنظرية توينبي .

   وتثابر الافادات المالكية في تقديم صور من التطبيق للنظرية التوينبية في التاريخ الاسلامي ، وبالتحديد في افعال بعض الصحابة الذين لعبوا دورا مؤثرا في انماء الحياة الاسلامية الجديدة . مما كان لأفعالهم من الأثر في تكوين دائرة الاخلاقيات ، وبناء العمارة الفكرية للضمير الاسلامي . ورب أحد يتساءل : ما ذا تقدم لنا افادات مالك من صور وشواهد ، فيها تطبيق لنظرية توينبي ؟ الصور كثيرة والشواهد عديدة ، ولعل منها فعل الصحابي ” بلال ” ، فقد بينت الافادة المالكية ان معاناة ودرجات صبره على عذاب قريش ، يكون فعله أستجابة لتحدي قريش ، انها حالة روحية ولدتها العقيدة الاسلامية . يقول مالك : وفي ” هذه الحالة الروحية صبر بلال رضي الله عنه على ما كان يلقاه من عذاب ومحن ، فوجدناه وهو قمة المحنة يرفع اصبعه وهويكرر اجابته على تحدي قريش : أحد … أحد  … ولم تستطع قوة في الارض ، وما كان ان تستطيع – ان تخفض اصبعه ، اذ ان روحه ، في اللحظة التي كانوا يصبون فيها العذاب على بدنه ، كانت منغمرة في فيض نوراني لا يوصف هو (الوعد) الحق ” (104) . اما الشاهد الاخر الذي تذكره الافادات المالكية ، هي قصة المرأة  ” التي طلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم اقامة حد الزنا عليها ” ففيها بيان لقيمة ” الوعيد في توجيه الطاقات النفسية في حالة معينة ” (105) .

   انها شواهد من التاريخ والحياة الاسلامية ، انتخبها قلم مالك بن نبي وقدمها ادلة على امكانية تأسيس قاعدة فهم لحركة التاريخ ومجريات الحضارة وفق ادراك اسلامي خاص لقانون التحدي والاستجابة . ولهذا فأن الحركة التاريخية حسب الفهم المالكي ” تقع بين حدي – الوعد والوعيد – هادفة الى ما هو اعلى ، محلقة فوق ما هو ادنى . فالقوة الروحية التي تتطابق مع العمل المثمر الفعال تقع اذن بين حالين من احوال النفس ، لا يوجد وراءهما الا الخمول والرخاوة في جانب ، واليأس والعجز في جانب أخر . وان القرأن الكريم ليعرض لنا صور أخاذة لهذين الحدين اللذين يضمان العمل المثمر في قوله تعالى : ( ولئن اذقنا الانسان من رحمة ثم نزعناها منه ، انه ليؤوس كفور ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني انه لفرح فخور ) (106) .

  وتعود الافادات المالكية الى مراجعة المواقف التي تناولت حركة التاريخ بالتفسير . وكانت الافادات تنزع من هذه المراجعة الى تأسيس مشروع مالكي يتأمل في التاريخ وصناعته . كما ان المراجعة حملت نقدا للمواقف التي اشاعت في نظرتها الى التاريخ رؤية احادية ، سواء كانت رؤية  ماركسية تركن الى العامل الاقتصادي في تفسير حركة التاريخ ومجريات الحضارة . او الفهم التوينبي الذي يلوذ الى بايولوجيا التحدي والاستجابة … وبدلا من الرؤية الاحادية ، اشارات الافادات المالكية الى البديل الفلسفي (الفكري) في تفسير حركة التاريخ ومسيرة الحضارة ، والذي ينهض على مجموعة من العوامل . ونحسب في هذه المراجعة نقد و مثابرة تسعى الى تأسيس مشروع فلسفي مالكي بديل للتاريخ وحركته . يقول مالك : ” ولكننا نجد في التحليل الأخير ان ألية الحركة التاريخية انما ترجع في حقيقتها الى مجموع من العوامل النفسية الذي يعتبر ناتجا عن بعض القوى الروحية  ، وهذه القوى الروحية هي التي تجعل من النفس المحرك الجوهري للتاريخ الانساني ” (107) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

104 – المصدر السابق

105 – المصدر السابق

106 – المصدر السابق ، ص 22 

107 – المصدر السابق ، ص 23

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   واستفادت الافادات المالكية في تشييد العمارة الفكرية للتفسير الاسلامي لحركة التاريخ ، من المساهمة الاجتماعية التي حملها الوافد الثقافي الغربي . فقد رأت هذه الافادات ان دائرة الفهم الاجتماعي تقدم لنا زادا معرفيا يسهم في فهم حركة التاريخ وبالتحديد في فهم انطلاقة شرارته الاولى . وانه في الوقت ذاته يقترح علينا اجابة على السؤال المهم الاتي : ما الاسباب والعوامل الضاغطة على شعب من الشعوب على دخول دائرة الافول وهو في أعلى درجات رقيه ؟ حقيقة ان الافادات المالكية اعتمدت على قراءة خاصة للتاريخ الاسلامي ، قراءة لبداية تكوينه ونقطة انطفاء شرارته ، ومن ثم دخول المجتمع الاسلامي مرحلة العصور المظلمة . وللتفصيل فيما كتبته الافادات المالكية في هذا المضمار ، نعيد انتاج السؤال السابق بصيغة أكثر شمولية بحيث تتضمن اجابة شافية عليه . وسؤالنا بصورته الجديدة :

    ما محركات التاريخ في ضوء المنظور الاجتماعي ؟ ترى الافادات المالكية ان بداية التاريخ لاي مجتمع ، ومنه على وجه الخصوص المجتمع الاسلامي تتحدد في افعال ” تكوين شبكة علاقاته الاجتماعية ” (108) . والتاريخ الاسلامي يقدم شواهد انتفعت منها الافادات المالكية في اسناد مشروعها في التفسير الاسلامي لحركة التاريخ . فقد كان اول فعل اسهم في تكوين شبكة العلاقات الاجتماعية : ” هو الميثاق الذي يربط بين الانصار والمهاجرين ، وكانت الهجرة نقطة البداية في التاريخ الاسلامي ” (109) .

   واذا عدنا الى دائرة التساؤل مرة اخرى ، فأن عودتنا تنزع الى معرفة ظروف انطفاء الحضارة وتوقف حركة التاريخ . ولبيان ذلك نرفع السؤال الاتي  : ما هي العوامل والاسباب التي توقف حركة التاريخ ؟ تستند الافادات المالكية الى قاعدة فهم اجتماعي لبيان الاسباب والعوامل التي تؤدي الى توقف حركة التاريخ . فمثلا انها بينت ان لحظة تمزق ” شبكة العلاقات الاجتماعية ” لاي مجتمع ، ومنه المجتمع الاسلامي  ، في الحقيقة هي النقطة التي تعلن فيها بداية توقف حركة التاريخ . ومن النافع الاشارة الى ان الافادات المالكية قد استندت في توضيح قضية افول الحضارة الاسلامية ومن ثم توقف حركة التاريخ الاسلامي ، ومن خلال ذلك ركود المجتمع الاسلامي وهو في اعلى درجات رقيه . نقول استندت الى خبر منقول عن النبي (ص) . يقول الخبر : ” يوشك ان تداعي الامم عليكم كما تتداعى الاكلة الى قصعتها ، قالوا : او من قلة نحن يومئذ يا رسول الله … ؟ قال : لا ، بل انتم كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور اعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قيل : وما الوهن يا رسول الله … ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت ” (110) .

  وتذهب الافادات الى ان في هذا الخبر النبوي من التنبوء لما سيكون عليه المجتمع الاسلامي بعد تمزق ” شبكة علاقاته الاجتماعية ” . انها لحظة الاعلان عن الانسحاب من مسرح التاريح الفاعل اليقظ المنتج الى دياجير التاريخ ، والسبات والنوم الطويل والخدر المريح والعطالة .

    كما وانتفعت الافادات في تشكيل القاعدة الفكرية للتفسير الاسلامي لحركة التاريخ من المثابرة النفسية التي انتجتها دائرة المعرفيات الغربية . فقد استبطنت مقولات وادوات التحليل النفسي ، ومن خلال كل ذلك نحسب ان مالكا كان يزمع الى ارساء قاعدة تحليل للتاريخ الاسلامي من زاوية نفسية ، تنهض على التعامل مع احداث التاريخ على انها ” امراض اجتماعية ” تقتضي المعالجة النفسية ، والتي تميز بين ما هو ” عقدة ” من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

108 – المصدر السابق ، ص 25

109 – المصدر السابق

  ومن المفيد الاشارة هنا الى ان المفهوم المالكي لتفسير التاريخ يعتمد على فهم هيجلي يرى ان  الحركة هي تعارض . وفي طرف اخر فيه استبطان لفهم توينبي ينهض على مبدا يرى ان الحركة هي استجابة على تحد معين .

110 – المصدر السابق ، ص 26 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الافعال ، وما هو فعل صادر عن قرار من ” السوية “. وهنا قدمت الافادات تحليلا لبعض الامثلة من الحياة الاسلامية والتي دونها التاريخ الاسلامي في سجلاته . فذهبت مدققة : ” وبوسعنا ان نتخيل ما كان يمكن ان يحدث – في مجتمع مريض – لو ان خليفة من طراز عمر بن الخطاب اراد ان يعزل رجلا كخالد بن الوليد من قيادة جيش الشام .. ان محاولة كهذه كانت كفيلة بزلزلة العالم الاسلامي لو انها حدثت بعد ذلك بقرنين او ثلاثة قرون فحسب” (111) .

  ولهذا فأن ردود الافعال في المجتمع المعافى تكون استجابة سوية لافعال سوية . وان هذا حسب الافادات المالكية يعود الى طبيعة  ” الانا الاسلامية ” التي كانت ” في العهد الاول سليمة سوية ، فكان (فعل) عمر دون عقدة ، وكان (رد فعل) خالد دون عقدة ايضا ، لان علاقاتهما كانت علاقات سوية منزهة ” (112) . وهنا استندت الافادات في التحليل الى دائرة معرفيات عالم النفس الامريكي ( مورينو ) ، فبينت ان المجتمع يتخطى مرحلة عافيته عندما ” تظهر فيه العقد النفسية ” وبالتأكيد عندما تظهر ” على صفحة (الانا) في مجتمع معين يغدو عمله الجماعي صعبا او مستحيلا ، وهنا يحق لنا ان نطلق على هذه الحالة مأساة اجتماعية ” (113) .

   والحقيقة ان (مورينو) على عكس مدرسة (فرويد) لا يرى ان ” العقدة ” موجودة داخل الافراد ، بل يؤكد على ان ” العقدة النفسية ” موجودة بين الافراد . اذن هي بالمنظار المالكي ماكثة في شبكة العلاقات الاجتماعية ، وذلك من حيث ان ” امراض (الانا) في هذه المجتمع ، وهي الامراض التي تتجلى في لا فاعلية شبكته الاجتماعية ” (114) . وتؤكد الافادات المالكية على ان اي اغفال للبعد النفسي في فهم حركة التاريخ والمجتمع والحضارة : ” فأن حكمنا يكون على ظواهر الاشياء لا على جواهرها ” (115) .

  وكذلك استندت الافادات الى اطروحات عالم النفس الروسي ” بافلوف ” في تفسير حركة التاريخ والمجتمع ومن ثم فهم كيفية تكوين شبكة العلاقات الاجتماعية ، وبالمقابل بيان طبيعة العوامل التي ادت الى تمزقها . ولبيان حجم الاستثمار المالكي للاطروحات البافلوفية نتساءل : ما حجم حضور الاطروحات البافلوفية في الافادات المالكية النازعة الى انشاء قاعدة مشروع تفسير اسلامي للتاريخ ؟ بداية نود الاشارة الى ان افادات مالك كانت صريحة في بيان طريقة التعامل مع الاطروحات البافلوفية . فقد كانت طريقة لجوء فكري وحاجة معرفية للفهم . يقول مالك ” ينبغي ان نلجأ بخاصة الى نظرية الفعل (المنعكس الشرطي) بحيث نخلع على مصطلح بافلوف تفسيرا اجتماعيا ” (116) .

   ان الافادات المالكية لم تقف عند دائرة الحاجة المعرفية عند الاطروحات البافلوفية ، وانما كان الهدف المالكي توظيف ذلك بأتجاه انجاز مثابرة تسعى الى اخراج التفسير النفسي البافلوفي من داخل بنية الفكر الاسلامي ، وجعل الاحداث في التاريخ الاسلامي تجري وتتحرك في اطار فهم بافلوفي . وهذه في الحقيقة مثابرة فكرية عالية لا يستطيع أي من يشاء القيام بها ، انها حق مثابرة مالكية رائدة في دائرة الثقافة الاسلامية في القرن العشرين .

    ولبيان وزن المثابرة المالكية في مضمار الافادة من المعرفيات البافلوفية ووضعها وكأنها نابتة أصلا في ارض الفكر الاسلامي ، اشارت الافادات الى ” ان وحدة هذا المجتمع ليست الفرد ، ولكنها الفرد المشروط (المكيف) . فأن الطبيعة تأتي بالفرد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

111 – مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 41 

112 – المصدر السابق

113 – المصدر السابق

114 – المصدر السابق

115 – المصدر السابق

116 – المصدر السابق ، ص 60

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في حالة بدائية ، ثم يتولى المجتمع تشكيله ، ليكيفه طبقا لاهدافه الخاصة . وهو المعنى الذي يقصد اليه رسول الله … في قوله : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه ” (117) .

  وتنتفع الافادات المالكية الساعية الى وضع مشروع تفسير اسلامي للتاريخ من المعطيات البافلوفية وخصوصا تلك المتفهمة لعمل الفرد والمجتمع في مرحلة من التطور الحضاري . وتذهب مصورة مضمار عمل الاثنين ، مؤكدة على ان ” الفرد والمجتمع – في الظروف العادية – يعملان في نفس الاتجاه ، فأن هناك تبادلا بين الانعكاس الفردي والعلاقة الاجتماعية ، وبفضل هذا التبادل ينبغي ان نتوقع تدخل الواقع الديني في هذا الجانب الجديد من المسألة ” (118) .

  لقد سعت الافادات المالكية الى توطين الفهم البافلوفي وجعله نابتا في طينة الفكر الاسلامي بحيث يكون الناتج من ذلك ” مباشرة تأثير الانعكاس في الحياة الاجتماعية ” مع ملاحظة ” ان هذا التأثير يتطور مع عمر المجتمع ” (119) . كما انها وظفت الاطروحة البافلوفية بأتجاه فهم علاقة ” الرمز” وفعله بالواقع الاجتماعي ، سعيا لاعادة تشكيل هذا الواقع من جديد ووفق المدركات الاسلامية . ان التشكيل الاجتماعي يصبح ناجزا عند لحظة تكون ” شبكة العلاقات الاجتماعية ” بالمنظور المالكي .

   جاءت الافادة من الاطروحة البافلوفية في فهم فعل شخصيتين اسلاميتين كان لهما مكانة متميزة في الجانبين الاجتماعي والتربوي من الحياة الاسلامية ، وهما ” ابو ذر الغفاري ” و ” بلال ” . ولبيان ذلك نترك الافادات المالكية تبين ذلك : فقد ” وجدنا ان ابا ذر الغفاري يسئ الى بلال لحظة من لحظات السأم . كان ذلك امارة على ان المجتمع الاسلامي لم يزل جنينيا في نفسية المسلم . ومع ذلك فأن ابا ذر الغفاري تعاوده صحوة ضميره ، فينقلب من فوره مرتميا على قدمي بلال يسترضيه ويعتذر اليه ” (120) .

   صحيح ان ابا ذر وقع تحت تأثير جدول قيم البداوة ، وذلك لان ” شبكة العلاقات الاجتماعية ” كانت في بداية تكونها ومن ثم الاعلان عن اللحظة الاولى لولادة المجتمع الاسلامي .وكذلك انه صحيح جدا ان ابا ذر عاد بسرعة ، وجدد انتماءه الى المجتمع الجديد ، وعبر عن خضوعه لقانون   ” التكييف ” الذي هو عملية تجعل الفرد لا يعبأ ببعض المثيرات ذات الطابع البدائي (كتلك الحمية التي كانت تعتري عرب الجاهلية وتدفعهم الى الأخذ بالثأر) ، وهو عملية انتقاء او احساس ، تجعل الفرد قابلا لمثيرات ذات طابع اكثر سموا طابع اخلاقي او جمالي ” (121) .

  واستفادت الافادات المالكية من دائرة الفكر الجغرافي ، وهي تسعى الى بناء قاعدة تفسير اسلامي لحركة التاريخ ، فقد بين الفكر الجغرافي أثر الفكرة الدينية ” حين ترتبط بعنصر المكان ” (122) . في حين لاحظت الافادات ان عنصر المكان تعطل عمله كعامل مؤثر في حركة الفكرة الدينية الاسلامية . وذلك لان الفكرة الاسلامية حسب الفهم المالكي قد ارتبطت ” بعنصر الزمان على خلاف الفكرة الدينية المسيحية ” . والواقع ان الفكرة المسيحية ” لم تتخذ مجالها في نفس الظروف التاريخية التي كانت للفكرة الاسلامية ” (123) .

   ويلاحظ على دائرة تفكير مالك بن نبي ، انها لم تقف عند حدود اثارة الاختلاف بين 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

117 – المصدر السابق

118 – المصدر السابق ، ص 61

119 – المصدر السابق

120 – المصدر السابق

121 – المصدر السابق ، ص 62

122 – المصدر السابق ، ص 54

123 – المصدر السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفكرتين الدينيتين ، وانما قدم المسوغ لهذا التنوع ، فالاولى اي الاسلامية كانت محكومة ببعد الزمان . في حين كانت الثانية اي المسيحية مرهونة ببعد المكان ، وكذلك من حيث ان الفكرة المسيحية ” قد ولدت على ارض مزدحمة بالثقافات والاديان القديمية ، فكان من العسير عليها في هذه الظروف ان تجد عناصر اجتماعية حرة كيما تحدث تركيبا جديدا ، وقد كانت الثقافة الاغريقية والرومانية والديانة اليهودية تحتل منذ عهد بعيد مجال عملها ” (124) .

   وحتى تتهيأ للفكرة المسيحية ظروف الانتشار كان عليها ان تفتش عن ” مجالها المناسب ” ولهذا كان عليها حسب الافادات المالكية ” ان تغادر مهدها ، وهذا هو الذي يفسر لنا كيف ان المسيحية ، وقد ولدت قبل الاسلام بستة قرون ، لم تبدأ مهمتها التاريخية الا بعد الاسلام بستة قرون ، بعيدا عن مسقط رأسها ” (125) . وهذه الحالة التاريخية تقدم دليلا على ان ” تأثير فكرة دينية معينة رهن ببعض شروط الجغرافية الانسانية ، فأذا لم تجدها في موطنها هاجرت لتجدها في مكان أخر ” (126) .

  واستفادت الافادات المالكية في انشاء مضمار التفسير الاسلامي للتاريخ ، من مثابرة (فاليري) التي انشغلت في علاج قضية ” الفناء الحضاري ” . وحقيقة ان هذه القضية شغلت دوائر تفكير فلاسفة التاريخ في الغرب ، ويلاحظ ان مفكرنا مالك قد اعتنى بها من خلال مناقشة للعوامل التي تؤدي الى توقف حركة التاريخ . ولهذا وجدنا من الضروري ان نعرف حجم حضورها في الافادات المالكية . ولعل خير سبيل لبيان ذلك ان نعرض الافادة المالكية التي ناقشت اطروحة (فاليري) . تقول ” ولو راجعنا … رأي فاليري في الوقت الذي كان فيه يتأمل النتائج المتوقعة للحرب العالمية الاولى ، حيث عبر عنها في تلك الصورة المأثورة (الان ادركنا نحن ان الحضارات فانيات) ” (127) .

   ويعلق مالك على الاطروحة الفاليرية مقوما ومخطئا فاليري فيما ذهب اليه . ونحن نرى في اطروحة فاليري وتعليقات مالك ، اشياء تدعو الى النظر والتامل ، خصوصا اذا ما اقترحنا قراءتها في ضوء نظرة شبنجلر ورؤية توينبي ، فشبنجلر اصدر قراره بموت الحضارة . وتوينبي خفف من حتمية قرار شبنجلر ، وذهب الى توافر الامكانية لبعض الحضارات ، وخصوصا الحضارة الغربية ، ان تتجاوز المأزق الحضاري . ولذلك ردد توينبي كلمات السيد المسيح لانقاذ الحضارة الغربية :     ” تمسك وانتظر ” (128) . ان هذا يعني ان امام الحضارة الغربية ، لحظة انتظار لتجاوز مأزقها .

   ان التقويم المالكي للاطروحة الفاليرية فيه عدم رضا ، بل واقتراح بديل يعدل الخطأ الفاليري ، وبيان بأن الحضارة قادرة على دخول مضمار الخلود . ان كل ذلك جاء في الافادة المالكية القائلة :

” لو راجعنا رأي فاليري اليوم لوجدناه قد اخطأ . اذ في ذلك الوقت لم تعد الحضارة لتكون فانية ، لان نطاقها قد بدلها خلقا اخر ، فأصبحت عالمية ، وبذلك صارت خالدة ” (129) .

   ونحسب انه لا خلود للحضارة ، وان البهارج والتقدم التكنولوجي والوفرة من المعرفيات التي هي بيد الغرب ، ليست بدليل على الخلود . وانما هناك محركات داخلية وخارجية ، باطنية وظاهرية . وما هو داخلي وباطني يشير الى ان الجدب قد اصاب الحضارة الغربية . ولعل الشاهد الغربي ، ونعني كتاب ” كولن ويلسون : (سقوط الحضارة) يشير بصورة واضحة الى دخول الحضارة الغربية مرحلة  ” الشلل “

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

124 – المصدر السابق

125 – المصدر السابق 

126 – المصدر السابق

127 – مالك بن نبي : فكرة الافريقية الاسيوية ، ص 258

128 – أنظر :

      محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف والتاريخ ، ص ص 97 – 98

129 – مالك بن نبي : المصدر السابق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

او ” الاختناق ” … (130) .

   وفي اقتراح الاجابة على السؤال المرفوع : ما مقدار الافادات المالكية من الرافد الثقافي الاسلامي في صياغة قاعدة فلسفية للتفسير الاسلامي للتاريخ ؟ حقيقة ان الافادات المالكية قد استفادت كثيرا من اطروحات المفكر المسلم ” ابن خلدون ” . فمن المعلوم ان ابن خلدون هو المؤسس لعلم جديد هو ” علم العمران ” بالاصطلاح الخلدوني ، او علم الاجتماع الحضاري بالاصطلاحات المتداولة اليوم . (131) . والواقع ان بين ابن خلدون والمفكر مالك بن نبي علاقة قوية من حيث التحليل الاجتماعي للظواهر واستخدام المنهج الثقافي . وفعلا فأن ” عمار الطالبي ” يتمتع بدرجات عالية من المصداقية عندما وصف مالك بأنه ” ابن خلدون القرن العشرين ” (132) . وهي مسألة فيها نوع من الصحة ، وذلك لان ابن خلدون ومالك تحركا على ارضية فكرية واحدة ، وتسورا بالمدركات الاسلامية ، فالاثنان مالكيان في المذهب الفقهي ، وأشعريان في المذهب الفكري .

   وفي مضمار الفهم المالكي للاطروحة الخلدونية والمنهج العمراني الذي استند اليه ، أفاد مالك مقوما الانتاج الخلدوني : ” والواقع ان ابن خلدون كان قد وضع معالم الطريق ، فقبل ظهوره كان التاريخ ضربا من الاحداث المتتابعة ، حتى اذا جاء وجدناه يخلع على التاريخ نظرة جديدة ، فهو حين وصله بمبدأ السببية ادرك بتلك النظرة معنى تتابع الاحداث من حيث كونه عملية تطور ، كما حدد معنى الواقع الاجتماعي من حيث كونه مصدرا لتلك الاحداث ولتطورها ” (133) .

   كما نوهت الافادات المالكية الى الاكتشاف الخلدوني لطبيعة العالم الاسلامي . وهو الموضوع ذاته الذي اشتغل عليه مالك بعد غياب ابن خلدون ، فبين مالك ان هذه السرعة الحثيثة التي يقوم بها العالم الاسلامي ، وفي ” جانبه الروحي نحو الغرب ” ظاهرة سبق ان ادركها المؤرخ الكبير ابن خلدون في عمومها حيث ذكر ” ان المغلوب مولع ابدا بالاقتداء بالغالب في سفاره وزيه ونحلته وسائر احواله وعوائده ” (134) . ويعلق مالك على هذا الفعل الخلدوني ، فيذهب الى ان العصر الحديث يطلق على هذه الظاهرة ” قانون التكييف ” (135) .

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

————————————————————————————–

(8)

 4 – الفهم المالكي للدورات الحضارية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    استند مالك الى دائرة الفهم الخلدوني لمناقشة قضية مهمة شغلت اذهان فلاسفة التاريخ ، وهي قضية  ” الدورة التطورية ” او ما يصطلح عليها البعض ب ” الدورة الحضارية ” . ولهذا رأت افاداته الى ان المجتمع والحضارة يخضعان لنواميس حركة دورة تطورية . وان هذه الدورة التطورية محكومة بثلاث حركات تطورية ، وكل حركة منها  ” تعبر عن الادوار الثلاثة التي يمر بها المجتمع ” (136) . وهذه الحركات او

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

130 – انظر :

       محمد جلوب فرحان : كولن ويلسون ومشروعه الفلسفي للحضارة الغربية ، مجلة الباحث – تصدرها مؤسسة الباحث ، بيروت ، العدد (30) تشرين الثاني – كانون الاول 1983 ، القسم المعنون ” المنظور الفلسفي للانبعاث الحضاري ” .

131 – انظر :

  محمد جلوب الفرحان : الخطاب الفلسفي العلمي عند العرب ( ابن خلدون انموذجا) وهو اطروحة دكتوراه ، (معد للنشر) ، ص ص 125 – 126

132 – أنظر :   مقابلة مع عمار الطالبي ، مجلة العالم ، لندن ، العدد (96) ديسمبر 1985

133 – مالك بن ني : مشكلة الثقافة ، ص 27 

134 – مالك بن نبي : وجهة العالم الاسلامي ، ص 135

135 – المصدر السابق

136 – مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ، ص 37

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحالات الثلاثة هي :

أولا – الحالة الكاملة (سيطرة الروح) : اي الحالة التي يصلها المجتمع والحضارة ، وفيها تكون ” جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (الروح) ومتصلة بالاعتبارات ذات الطابع الميتافيزيقي ” (137) . وفي امكان قارئ هذه الافادة ان يسميها بمرحلة الروح او المرحلة الميتافيزيقية التي تذكرنا بمرحلة من مراحل قانون عالم الاجتماع الفرنسي ” أوغست كومت ” (138) .

ثانيا – المرحلة الثانية (سيطرة العقل) : وهي في الترتيب ادنى منزلة من المرحلة السابقة . ويبدو لنا ان الافادات المالكية تقدمها وكأنها تحمل نموا متصاعدا نحو العقل . الا ان النظر اليها من زاوية الحالة الكاملة ، فهي حالة انحدار نحو الادنى . ونعود الى الافادات المالكية ، فهي تحددها بأنها “المرحلة التي تكون فيها جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (العقل) بخاصة ، ومتجهة نحو المشكلات المادية ” (139) . وفي امكان القارئ ان يطلق عليها اصطلاح ” المرحلة العقلية ” . ونحسب ان هناك تداخلا بين المرحلتين : الاولى والثانية اذا نظرنا اليهما من زاوية نظر اوغست كومت . فالاولى لاهوتية اسطورية ، والثانية ميتافيزيقية فيها سيطرة للعقل .

ثالثا – مرحلة الغرائز : وهي  المرحلة النهائية من الدورة التطورية او الحضارية . وهي حسب الفهم المالكي المرحلة التي تكون ” تحت سلطان الغرائز المتحررة من وصاية الروح والعقل ، وفيها يصبح النشاط المشترك مستحيلا ، ضاربا بأطنابه في اغوار الفوضى والاضطراب ” (140) .

  وتحدد الافادات المالكية سمات طرفي الدورة الحضارية (التطورية) : فمرحلة النمو الاجتماعي تتميز بغلبة سمة ” الثقافة الاخلاقية ” . بينما تسيطر في مرحلة الافول الحضاري ” نزعة جمالية ” (141) . والحقيقة ان مسارات التاريخ الحضاري تتحرك على الشاطئ المقابل للشاطئ الذي تقوم عليه الافادات المالكية ، ففي مرحلة النمو الحضاري تسيطر النزعة الجمالية مثالا على ذلك تاريخ اليونان . وفي مرحلة الافول الحضاري تهيمن نزعة اخلاقية كما هو الحال في المذهبين الاخلاقيين : الرواقي والابيقوري .

  ويعود قلم مالك في فهم الدورة التاريخية الحضارية الى دائرة تفكير ابن خلدون ، يتزود منها بمواد معرفية تعينه على تأسيس مشروع تفسير لحركة التاريخ الاسلامي . ولهذا اكدت على ان ابن خلدون : ” كان … أول من استنبط فكرة الدورة في نظريته عن (الاجيال الثلاثة) ” والتي على اساسها ” رد نطاق الحضارة الى حدود العصبية الاسرية ” (142) .

  ومن هنا انطلقت الافادات المالكية ساعية الى توسيع حدود الاطروحة الخلدونية ، بعد ان رأى مالك ان ابن خلدون قد صاغها في اطار ثقافة عصره . وحقيقة ان الافادات المالكية سجلت نقدا على الفهم الخلدوني ، فذهبت مفصحة عن رأيها النقدي قائلة : ” وعلى الرغم من ضيق هذه النظرة التي قد تعكس لنا عناصر النفس الاسلامية انذاك ، فأنها تدفعنا الى تأكيد الجانب الانتقالي في الحضارة ، اي اننا لا نرى فيها سوى تعاقب ظواهر عضوية ، لكل منها بالضرورة في مجالها المعين بداية ونهاية ” (143) . وتنتفع الافادات المالكية من الرؤية الخلدونية في صياغة قرار مالكي فيه فهم للدورة الحضارية  ” وتأتي اهمية هذه النظرة من انها تتيح لنا الوقوف على عوامل التقهقر والانحطاط  ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

137 – المصدر السابق 

138 – انظر :

        جرترود لينزر : أوغست كومت : الكتابات الاساسية ، نيويورك 1975 (بالانكليزية) .

139 – مالك بن نبي : المصدر السابق

140 – المصدر السابق

141 – المصدر السابق ، ص ص 37 – 38

142 – مالك بن نبي : وجهة العالم الاسلامي ، ص 26

143 – المصدر السابق ، ص ص 26 – 27

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اي على قوى الجمود داخل الحضارة ، الى جانب شرائط النمو والتقدم ” (144) .

   وكذلك سجل قلم مالك تحفظه على المفهوم الحتمي الذي يحكم الدورة الحضارية ، سواء ذلك كان داخل بنية الفكر الخلدوني ، او كان في نسيج الاطروحات المؤمنة بالحتمية والناهضة على نظرة بايولوجية منعكسة في حركة التاريخ والحضارة والمجتمع . ويعود ذلك لان ” هذه الحتمية محدودة بل مشروطة ، لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية زمنية يمكن للمجتمع المنظم ان يعمل في نطاقها حين يعدل حياته ، ويسعى نحو غاياته في صورة متجانسة منسجمة ” (145) .

   لقد افاد مالك من كل ما سبق في كتابة رؤيته للدورة الحضارية . ونلحظ ان هذه الدورة تتمظهر في ثلاثة مراحل مركبة على التاريخ الاسلامي :

أولا – مرحلة الاسلام الاولى

      وهي المرحلة التي شهدت دفعة الاسلام الاولى الايمانية ” الحية ، وهي أقوى هذه المراحل في حيويتها وقوتها الدافعة وخصبها وتنتهي في معركة صفين ” . والحقيقة ان مالك ادخل في هذه المرحلة عصرين تاريخيين : عصر الرسالة والعصر الراشدي . وعلى الرغم من اختلاف العصرين ، فالاول احتفل بحضور صاحب الرسالة الاسلامية والشاهد على فعله الكريم في تأصيلها فكرا وتجربة . والثاني شهد موت الرسول (ص) واسئلة حول الخلافة والتحديات الجديدة والتي  كانت غائبة في عصر الرسالة . ولكن هذا الضم للعصريين داخل خيمة حضارية واحدة ، قد منح الافادات المالكية طابع الريادة والجدة في عملية ترسيم الحقب للتاريخ الاسلامي .

ثانيا – مرحلة المدنية الاسلامية

      تحدد الافادات المالكية هذه المرحلة بأنها ” مرحلة التفكير والازدهار الحضاري ، وتنتهي بسقوط دولة الموحدين ” . والحقيقة ان هناك تحفظا على هذا التحديد المالكي لهذه الحقبة التاريخية ، فهذه المرحلة اولا تخترق مدى زمني واسع ، كما وان في هذا المدى ثانيا نقاط ضعف وكوارث وأزمات . وثالثا ان المتعارف عليه في الدراسات التقليدية ان سقوط بغداد عام 606  هجرية ، هو الحادث الحضاري الفاصل بين مرحلتين حضارتين .

ثالثا – مرحلة الجمود والانحطاط  (146) .

      انها مرحلة التحلل و النوم الطويل والخدر والعطالة  ، والاعتماد على الاخر روحيا وماديا حسب الفهم المالكي .

  وتختصر الافادات المالكية تعريفها بالدورة الحضارية والمراحل التي تمر بها ، والاختصار اعتمد هنا على توصيف التاريخ بالشخصية الانسانية : ” فالتاريخ يبدأ بالانسان المتكامل الذي يطابق دائما بين جهده وبين مثله الاعلى وحاجاته الاساسية ، والذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة ، كمثل وكشاهد ، وينتهي التاريخ بالانسان المتحلل ، بالجزئ المحروم من قوة الجاذبية ، بالفرد الذي يعيش في مجتمع منحل ، لم يعد يقدم لوجوده اساسا روحيا ، او اساسا ماديا ” (147) .

    ومن الافكار التي لعبت دورا حيويا في مضمار التفسير الاسلامي الذي وضعه مالك بن نبي للتاريخ ومن ثم ترسيم حقبه التاريخية  ،  فكرتي : ” الخلق ” و ” التبليغ ” . فمن الملاحظ ان الشعوب والامم التي تكون في دور المساهمة الحضارية ، هي التي تقوم بفعل ” الخلق ” للافكار او القيام ب “تبليغها ” . واذا تعطل فعل “الخلق” وتوقفت مثابرة ” التبليغ ” ، فأن المجتمع يدخل مرحلة التهميش الحضاري .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

144 – المصدر السابق ، ص 27

145 – المصدر السابق

146 – انظر للتعرف على هذه المراحل الثلاث : مالك بن نبي : المصدر السابق ، ص 7

147 – المصدر السابق ، ص 32

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لقد استندت الافادات المالكية  الى هاتين الفكرتين ، وهي تنزع الى وضع توصيف للمراحل التي مر بها تاريخ الحضارة العربية الاسلامية . وان هذا الاستناد يجعلنا ان نضيف اسم مالك الى قائمة فلاسفة التاريخ والحضارة . وحقيقة ان الرجل انتج افكارا جديدة في مضمار فلسفة التاريخ والحضارة . وعن هذه الافكار اكدت الافادات المالكية : ” فيمكننا ان نقول : ان المجتمع الاسلامي في عصر الفارابي كان يخلق افكارا ، وانه كان على عهد ابن رشد يبلغها الى اوربا . وانه بعد ابن خلدون لم يعد قادرا لا على الخلق ولا على التبليغ ” (148) .

   اذن هنا اقترح مالك مراحلا جديدة للدورة الحضارية في عالم الافكار او تاريخ حركة الفكر الاسلامي ، وهذه المراحل ثلاثة هي : مرحلة الخلق الفكري ، ومرحلة التبليغ الفكري ، ومرحلة اللا خلق واللا تبليغ الفكريين . انها نظرة مالكية جديدة لحركة تاريخ الافكار في العالم الاسلامي .

  ومن الافكار التي اضافها مالك الى البناء الفكري الذي خطه لفهم حركة التاريح الاسلامي ، فكرة : مشروع الاسلام في انقاذ الانسانية . والحقيقة ان هذه الفكرة جاءت اثناء تدقيق مالك في مصير الحضارة الغربية ، وما ألت اليه من تقدم علمي وتقني ، وما انتهت اليه على صعيد الحياة الانسانية من خواء للنفوس ، وخراب للضمائر . واعتقد مالك ان انقاذ الانسانية يكون بالاسلام ، وان امكانية انجاز ذلك يكون عن طريق رسالة الاسلام . وان هذا ” يتحقق … بتوفر الظروف لاقناع المسلم برسالته لانقاذ الانسانية ” (149) . ويتحدث بطريقته الرياضية المختصرة عن منهج الاسلام في انقاذ الانسانية ، فيذهب الى ” ان منهج الرسالة يقتضي التغيير ، والتغيير يقتضي تغيير ما في النفوس اولا” (150) .

   في الواقع ان المنهج هو أطروحة قرأنية ، اعلن عنها الاسلام ، وهو في بداية قيادته لمشروع التغيير في محيط العرب الصحراوي ، الذي اخذت فيه الحياة العربية في الجدب ، والروح في الخواء ، والضمير في الخراب . ومن خلال هذه الاطروحة جدد الاسلام صورة الحياة ، وحرك الروح وجدد الضمير . ان الافادات المالكية قد استوعبت كل ذلك وقدمته على صورة مشروع لانقاذ الانسانية كافة .

   وناقشت الافادات المالكية أفكار أُخرى ، وقالت رأيها فيها ، ومن هذه الأفكار ، فكرة ” الكتلة الدينية ” . ومن المعلوم في كتابات فلاسفة التاريخ والحضارة عموما وتوينبي على وجه الخصوص قد انشغل بفكرة المركب الجامع للديانات الثلاث كحل للخواء الروحي الذي تعاني منه الحضارة الغربية . وعلى هذا الاساس شغلت فكرة ” التكتلات الدينية ” مكانة في خارطة حركة الافكار . ولذلك عرف فلاسفة التاريخ انماطا من التكتلات الدينية والمذهبية لتكون نمطا روحيا وسورا لشد الجماعات والافراد نحو مركز ثقافي . ولما كان مالك بن نبي صاحب نهج في فلسفة التاريخ والحضارة ، فأن فكرة ” الكتلة الدينية ” لم تروق له . ولعل ذلك يعود الى جملة اسباب حملته على رفض هذه الفكرة . ولبحث هذه المسئلة نبدأ بالسؤال الاتي :

  ما طبيعة المسوغات التي حملت تفكير مالك على رفض فكرة الكتلة الدينية ، بالرغم من انها مشروع توحيد روحي بين الديانات ؟ ان التدقيق في الافادات المالكية ، بحثا عن جواب على هذا السؤال تحملنا على القول ان هذه الفكرة ” الكتلة الدينية ” بالمنظار المالكي ولدت ” خرابا ” عندما ثابر البعض على تأسيسها . ان فعل الرفض الذي انتجته دائرة مالك لم يأت لمجرد رفض الفكرة ، وانما يعود الى انها لم تحمل ” ميثاقا اخلاقيا ” ، واكتفت لتكون مشروع اصطناع وتجميع بين ديانتين . وبذلك حملت معها مشروع موتها منذ اللحظة الاولى لولادتها . وعن هذه الافكار ، افاد مالك ” فاذا ما حاولنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

148 – مالك بن نبي : مشكلة الثقافة ، ص 49

149 – مالك بن نبي : دور المسلم ورسالته في الثلث الاخير من القرن العشرين ، ص 50

150 – المصدر السابق ، ص 58

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المزاوجة في اساس هذه الفكرة بين الاسلام والهندوسية ، فان الامر لن يكون محاولة للتلفيق والاصطناع ، بل لابد من ميثاق اخلاق بينهما ليتخذا وجهة دولية واحدة . وليس في هذا تجديد للمحاولة العابثة التي قام بها الامبراطور (اكبر) الذي اراد في القرن السادس عشر ان يؤسس امبراطوريته في الهند على اساس تلفيق وحدة اسلامية هندوسية ” (151) .

  حقيقة ان النقد الذي تقدم به مالك لهذه المثابرة ، حركه خوف من خطورة الكتلة الدينية على العقيدة . كما انه اسس نقده على مثال انتخبه من واقع الحضارة الغربية . وفي الواقع ان مالكا غادر في نقده هذا دائرة فلسفة التاريخ والحضارة ولاذ الى دائرة العقيدي ، وان الإمبراطور اكبر كان فيلسوف تاريخ وحضارة ، رغم انه كان رجل سياسة ودولة ، وانه كان صاحب رؤية توحيدية نزعت الى تأسيس قاعدة لقاء روحي بين ثقافتين ينتميان الى عقيدتين دينيتين .

  لقد صورت الافادات المالكية حجم الخطورة في مشروع الكتلة الدينية ، وذلك من خلال ما قدمته تجربة الحضارة الغربية من دروس امام انظار فيلسوف التاريخ مالك بن نبي ، ان التجربة الغربية بينت له ” ان الاديان لا يمكن ان تتنازل كيما تستقل وسائل لمثل هذه الغايات ، ولو اننا اردنا درسا من الماضي فان تاريخ الغرب يعطينا اياه ، فلقد قامت الحضارة الغربية في بدايتها على هيكل اخلاقي مسيحي ، اتاح لها التماسك ، والوثبة الضرورية لازدهارها . لكن تطورها قد غير هذا الاساس العقيدي شيئا فشيئا ، الى ان صار هيكلا مختلطا يتمثل فيه التفكير الكاثوليكي والبروتستانتي ، وما يسمى بالتفكير الحر والتفكير اليهودي . وعليه فلا مجال لان نبحث عن التماسك والتوافق في تلفيق ديني مصطنع ” (152) .

   والواقع ان القارئ اذا عاد الى اطروحات فلاسفة التاريخ والحضارة ، لوجد ان دائرة اذهانهم قد اشتغلت على فكرة التكتل الثقافي والتوحيد الروحي الفكري . والشاهد على ذلك فيلسوف التاريخ الالماني اسوالد شبنجلر ، فقد تناول في الجزء الثالث من كتابه ” تدهور الحضارة الغربية ” ما يشبه فكرة التكتل في الحضارة العربية ، باحثا بالتأكيد في ظروف التشكل او التكتل الروحي . (153) .

واقترح ارنولد توينبي في كتابه ” بحث في التاريخ ” حلا للحضارة الغربية لكي تتجاوز مأزقها ، حلا يستند الى فكرة تجميع ديني للديانات السماوية كما ذكرنا سابقا ( 154) .

  ان الحاصل من كل ذلك كسب لصالح مثابرة (أكبر) التي انتخبت لها مكانا بين محاولات فلاسفة التاريخ والحضارة . في حين اختارت الافادات المالكية الخروج من ساحة فكرة الكتلة الدينية ومن ثم الانتظار خارج مناخاتها . الا ان هذا برأينا ، هو ظاهر الفهم المالكي ، حقيقة ان فكرة الكتلة الدينية تكون مقبولة بشروط مالكية ، وهي ان تكون متسورة بميثاق اخلاقي يحدد الواجهة الدولية لها هذا طرف . والطرف الاخر من القضية وبحدود مشروعه ” فكرة الافريقية الاسيوية ” ، يجد القارئ مؤشرا على ان مالك فكر وبحث عما يوحد على مستوى الثقافة والاقتصاد والسياسة والفكرانيات ومن ثم الجوانب العقيدية بين شعوب ” محور طنجة – جاكرتا ” . انها مسألة نسجلها لصالح فيلسوف التاريح مالك بن نبي .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

151 – مالك بن نبي : مشكلة الثقافة ، ص 105

152 – المصدر السابق

153 – انظر :

اسوالد شبنجلر : تدهور الحضارة الغربية ، ترجمة احمد الشيباني (3 اجزاء) بيروت 1964

154 – انظر :

ارنولد توينبي : بحث في التاريخ ، ج1 ، ترجمة فؤاد محمد شبل ، راجعه محمد شفيق غربال ، نشرة الادارة الثقافية في جامعة الدول العربية ، ط2 ، القاهرة 1966 ، ص 101

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(9)

إنموذج تطبيقي من التفسير الاسلامي للتاريخ

الدكتور محمد جلوب الفرحان

    اقترح مالك بن نبي وسط حشد من التفسيرات الفلسفية للتاريخ والحضارة ، تفسيرا اسلاميا ، هو في حقيقته استثمار من كل تلك التفاسير كما بينا في المحور السابق . الا ان المفكر مالك لم يقف عند دائرة التنظير الفلسفي ، وانما حمل تفسيره الفلسفي الى ساحة حركة التاريخ الاسلامي ، راغبا ان يقدم انموذج تطبيقي ينهض على القرأن الكريم ويعتمد على الاطروحة الكيسرلنجية التي بينت ” أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة ” .

  ونحاول هنا دراسة المثابرة المالكية النازعة الى وضع انموذج تطبيقي ، يدرس التاريح وحركته ودورة الحضارة من زاوية اسلامية ( قرأنية ) . والبداية سؤال : ما هي المبادئ القرانية التي اعتمد عليها مالك بن نبي في تكوين منهج التفسير الاسلامي لدورة التاريخ ؟ يؤكد مالك على ان في القرأن ” النص المبدئي للتاريخ التكويني ” (155) . وذلك بالاستناد الى قوله تعالى : ” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” (156) . ويعتقد مالك ان هذه المسألة لا يمكن التحقق من قيامها دون فحص مسألتين :

الاولى – ” هل المبدأ القرأني سليم في تأثيره التاريخي ؟ ” .

الثانية – ” هل يمكن للشعوب الاسلامية تطبيق هذا المبدأ في حالتها الراهنة ؟ ” (157) .

    والسؤال الذي يفتح الباب لتفسير اسلامي للتاريخ : هل التاريخ وحركاته وافعاله تتطابق والمبدأ القرأني ؟ يرى مالك ان دورة التاريخ تبدأ من ” بعث قوة فعالة في العناصر الثلاثة للمركب الحضاري ( الانسان ، التراب ، والوقت ) ”  . وحقيقة ان المفكر الاسلامي قد استعار من (هرمان دي كيسرلنج ) فكرته القائلة : ” أثر الدين او الفكرة في دورة الحضارة ” (158) . ومن ثم قام بوضعها في احضان التاريخ الاسلامي لتعمل وتشتغل . وللانصاف ان مالك لم يقف عند ذلك ، بل قدم لها شواهدا تاريخية اسلامية ، وجعل لها ايقاعا يتناغم ونبض التاريخ الاسلامي . وان هذا الفهم المالكي جاء لايمان مالك ان الحضارة الاسلامية كامنة في بذورها الاولى في الدين الاسلامي .

   ولهذا لاذت الافادات المالكية الى التاريخ الاسلامي وحركة انتاجه الحضاري ، وبالتحديد الى مضماره الثقافي ، باحثة عن استدلالات وشواهد لهذه الفكرة الكيسرلنجية اولا والمالكية ثانيا . وهنا وجدنا مالك يردد العبارة الواردة في الكتب الدينية القديمة ، فيقول : ” ومن هنا يستطيع المؤمن ادراك الحقيقة الساطعة التي يفسرها التاريخ في الفقرة التي وردت في احد الكتب المنزلة القديمة : (في البدء كانت الروح) ” (159) .

   لقد بين الفكر المالكي فعل الفكرة في تكوين شكل الحضارة ، ومن ثم دور الفكرة في حركة التاريخ وذلك من خلال عمل هذه الفكرة ، وسعيها إلى تحويل شخصيات الناس ” البسطاء ” الى  ” دعاة اسلاميين ” . ان هذا البيان المالكي يصعد الى البدايات الاولى لعملية تشكل الحضارة الاسلامية ، انه كشف فكري عن كيفية تكونها  ” في دواخل هؤلاء البسطاء ” والذين من جانبهم دفعوا ” بهذه الفكرة لتتسع فتشكل حياة فكرية نهضت على  ” نقل علوم الاولين ” وادخال ” علوم جديدة ” (160) . ولهذا رأى مالك ان ” سر دعوة القرأن الكريم المؤمنين الى التأمل فيما مضى من سير الامم ” ومن ثم 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

155 – مالك بن نبي ك شروط النهضة ، ص 72

156 – قارن ذلك عند : مالك بن نبي : المصدر السابق

157 – المصدر السابق ، ص ص 72 – 73

158 – المصدر السابق ، ص 74 

159 – المصدر السابق ، ص 75

160 – المصدر السابق ، ص ص 76 – 77

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حثهم على إدراك الكيفية التي ” تتركب الكتلة المخصبة من الانسان والتراب والوقت ” (161) . وعلى هذا الاساس لاحظ مالك ان المرحلة الاولى من مراحل الحضارة الاسلامية ، قد بدأت  ” من غار حراء الى صفين ” وهي المرحلة الرئيسية من مراحل التاريخ والحضارة الاسلاميين وذلك لكونها  ” دينية بحتة  ، وتسودها الروح ” (162) .

   وفي تدقيق مالك في خصائص هذه المرحلة ، و بيان درجات صعودها ، ومن ثم الاعلان عنها في شكل حضارة ، أعتمد على شخصية المؤمن وبالتحديد ” روح المؤمن ” ، فقد لاحظ انها في هذه الحقبة تتمثل في ” العامل النفسي الرئيسي ، من ليلة حراء الى ان وصلت الى القمة الروحية للحضارة الاسلامية ، وهو ما يوافق واقعة صفين عام 38 (هجرية) ” (163) .

    ونحسب وان القارئ العارف بما حدث عشية وفاة رسول الله ، والجدل بين الانصار والمهاجرين حول من هو الأحق في خلافة رسول الله ، ومن ثم الاحتكام الى القيم والاعراف والتقاليد القبلية السابقة على الاسلام لتضغط بقوة ، حروب الردة ، اغتيال الخليفة الثاني والثالث ، جدل واعتراضات عمت العالم الاسلامي (مصر مثلا) ، تمتع بعض الاسرالعربية بالبهارج الحضارية وابتعادها عن مركز الاشعاع الروحي الاسلامي ، خصوصا تلك الاسر التي استقرت في الشام مثلا وليس حصرا (164) . كل هذه الشواهد لا تنفع التنظير الذي تقدم به مفكرنا مالك بن نبي .

    ويعتقد مالك ان ” واقعة صفين ” كانت مرحلة تحول في مجرى التاريخ الاسلامي ، فكان الحاصل ان ” خرجت الحضارة الاسلامية الى طور القيصرية الذي يسوده عامل العقل ، وتزينه الابهة والعظمة ” وهي في الوقت ذاته مرحلة فتور واعلان عن بداية ” أفول الروح ” (165) . وحسب الفهم المالكي ان هذه المرحلة ” الخالية من الروح ” هي خاتمة لكل حضارة . ويسميها مالك بالمرحلة ” السياسية ” ، والمعنى الذي قصده مالك ، هو المعنى السطحي لكلمة ” سياسية ” (166).

   ان مالكا كان صحيحا كل الصحة عندما تحدث عن ” افول الروح او الفكرة الدينية ” والتي استبطنها من فيلسوف التاريخ كيسرلنج . الا ان مالك علمنا بان الروح الاسلامية ستتخذ صورا اخرى من التصاعد وستصل الى قمم من الرقي والابداع الفكري والحضاري بعد واقعة صفين باطوار زمنية بعيدة . ولعل القارئ لهذا البحث يتذكر افادات مالك عن الفيلسوف الفارابي وعصره وما وصل اليه من رقي وانتاج فكري وتأسيس مرحلة جديدة من قمم الابداع الحضاري والانتاج الفكري (وهنا نقول كمتابعي لخط مالك بن نبي : ان الروح الاسلامية وصلت الى قمة اخرى من الرقي مع الفاربي ، ولكن نحسب انها ليست الاخيرة )  . ونحن نرى وفقا لمعطيات التاريخ والحضارة الاسلاميين ان الروح الاسلامية ظلت المحرك للابداع الحضاري والانتاج العلمي والثقافي حتى بعد سقوط بغداد سنة 656 هجرية .

    يؤمن مالك ان الحضارة تولد مرتين :

     الاولى – تكون بمناسبة ” ميلاد الفكرة الدينية ” .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

161 – المصدر السابق ، ص 77

162 – المصدر السابق

163 – المصدر السابق

164 – انظر :

   محمد جلوب فرحان : القدر والانسان : تحليل ابستمولوجي لتواريخ اليعقوبي وابن الاثير ، دار الطليعة ، بيروت 1986 ، ص ص 178 – 179

165 – مالك بن نبي : المصدر السابق

166 – المصدر السابق ، ص 79

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      الثانية – تكون اثناء ” تسجيل هذه الفكرة في الانفس ” اي ” دخولها في احداث التاريخ ”   (167) .

    لهذا فأن دائرة تفكير مالك متيقنة ان المدنية الاسلامية ” قد جمعت المولدين في وقت واحد ” وهذا الحال تفردت به ” الفكرة الاسلامية ” فقد وجدت ” فراغا ” في ” النفس العربية ” (168) . وكان الناتج من ذلك حضارة وثقافة ومن ثم معرفة وعلما وفنونا … ملئت ذلك الفراغ ، بل وفاضت به الى خارج حدود الارض العربية . وهكذا يصبح حسب الافادات المالكية الطريق الى الحضارة مفتوحا اذا توافرت الفكرة الدينية القادرة على تأليف ” كتلة ” تتكون من العوامل الثلاثة : ( الانسان ، والتراب والوقت (والأدق الزمن)) وهذه الكتلة  ” تسمى في التاريخ حضارة  ” (169) .

   ومن الشروط التي تقترحها الافادات المالكية لقيام مضمار التفسيرالاسلامي للتاريخ، وضع اجابة عن السؤال السابق : ” هل في الامكان تطبيق المبدأ القرأني الأن ؟ ” . حقيقة ان الاجابة تشكل قضية مهمة في فلسفة التاريخ . فهي مضمار معرفي لا يقتصر بحثه حول فهم مسارات الاحداث التاريخية ، وكيفية نمو الحضارة وإفولها وإنحدارها ، بل انه مضمار يتدارس الحاضر ويستشرف صورة الحياة والحضارة في المستقبل . ولعل خير طريق لفهم هذا البعد ، هو العودة الى الافادات المالكية ، نتعرف على معالجته لهذا البعد من المضمار المعرفي للتاريخ عنده .

   والسؤال الضروري المفتاح لفهم اطروحة مالك المستبطنة للاطروحة الكيسرلنجية : ” هل المؤثر الديني يمنح النفس مبدأ الشعور ؟ ” . نقول ان حل المشكلة حسبما يرى مالك في ” التركيب الضروري ” القائم على ” مزج الانسان والتراب والوقت (ونفضل الزمن كما فضله مالك لأن الوقت بالمفهوم المالكي بعد سلبي) ” (170) . ولعل اعادة طرح السؤال مفيد لايضاح وجلاء معالم الطريق الحضاري الاسلامي الراهن : هل نمتلك امكانية تحقيق ” المبدأ القرأني ” في الحالة الراهنة للشعوب الاسلامية ؟

   ان الاجابة المبدئية على مثل هذا السؤال المهم في مضمار فلسفة التاريخ عامة ، وفلسفة التاريخ الاسلامي خاصة ، تنهض على اعتراف بأن الفكرة الدينية قوة تمنح التماسك لعناصر الحضارة وذلك من حيث ان الدين ” مؤثر صالح في كل زمان ومكان ” (171) . انها دعوة مالكية تحمل النفس الاسلامية من جديد الى ” حظيرة الايمان ” (172) . 

تعقيب ختامي :

   أولا – ان مالك بن نبي كان مدرسة اسلامية رائدة في فلسفة التاريخ والحضارة ، ومن ثم في الثقافة (173) . ونحسب انه أول من دشن ساحة الفكر والثقافة الاسلاميين بمثل هذه الابحاث الاصيلة . ولعل تمكنه من اللغة الفرنسية ، والعيش والدراسة في فرنسا في الثلث الاول من القرن العشرين ، مكناه من امتصاص الثقافة الغربية ، ومن ثم الكتابة ونشر مؤلفاته بالفرنسية أولا وبالعربية ثانيا .

    تتكشف معالم المدرسة المالكية في فلسفة التاريخ في النصوص الاصيلة التي دونها مالك ، والتي عالج فيها مختلف الاتجاهات الفلسفية العامة في تأويل التاريخ والحضارة ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

167 – المصدر السابق ، ص 81

168 – المصدر السابق ، ص ص 81 – 82

169 – المصدر السابق ، ص 86

170 – المصدر السابق ، ص 87

171 – المصدر السابق

172 – المصدر السابق ، ص 88

173 –  أنظر ريادة مالك بن نبي في المفهوم الاسلامي للثقافة :

محمد جلوب الفرحان : المشروع الاسلامي للثقافة عند مالك بن نبي (بحث معد للنشر) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والتي شملت : المفهوم الثقافي للتاريخ ، دور البطل في التاريخ ،دور الوثنية في التاريخ ، دور الفكرة في التاريخ ، مساهمة الاجتماعي في تفسير التاريخي ، مثابرة النفسي في تأويل التاريخي ، والتأويل الجغرافي لحركة التاريخ . كما اعتمد في صياغة رؤيته الفلسفية للتاريخ الاسلامي على اطروحات كل من ” هرمان دي كيسرلنج ” و ” فالتر شوبرت ” و ” هنري بيرين ” و ” أسوالد شبنجر” وأخرون . الا ان مالك اهتم بصورة خاصة بمجموعة من الفلاسفة ، وكأني به يسعى الى كتابة مقدمة فلسفية تمهد له نقل البحث في التاريخ الى مضمارفلسفة التاريخ (حاله حال إبن خلدون وعمله في المقدمة) . وهذه المجموعة ضمت كل من الفيلسوف هيجل ، الفلسفة الماركسية ، فيلسوف التاريخ ارنولد توينبي ، والمؤرخ فرانسوا جيزو .

  ومن ثم استثمر مالك كل ذلك في بناء التفسير الفلسفي للتاريخ الاسلامي ، وكان يعتمد على ابن خلدون في الموازنة بين ما جاء به الوافد الفلسفي وما قدمه الرافد الثقافي الاسلامي وذلك للمحافظة على الهوية الاسلامية للقاعدة الفلسفية للتاريخ الاسلامي . ومن ثم تدارست الافادات المالكية مفهوم الدورات الحضارية ، وقدمت تصنيفا لثلاثة ايقاعات لها : الحالة الكاملة التي تسيطر عليها الروح ، والمرحلة التي يهيمن عليها العقل ، والمرحلة التي تطغى فيها الغرائز . وبين مالك بصورة واضحة ، الى ان العقل العربي الاسلامي قد تدارس مفهوم الدورة التاريخية الحضارية ، واستشهد بابن خلدون فأشار الى انه كان ” اول من استنبط فكرة الدورة في نظريته في الاجيال الثلاثة” . وتطبيقا لفكرة الدورة الحضارية ، فانه اقترح ثلاث مراحل : مرحلة الاسلام الاولى ، مرحلة المدنية الاسلامية ، ومن ثم جاءت مرحلة الجمود والانحطاط .

    وفي عالم الافكار قدم مالك تصنيفا جديدا لحركة الدورة الحضارية والتي تمثلت بثلاثة ايقاعات : مرحلة الخلق الفكري ، مرحلة التبليغ الفكري ، ومن ثم مرحلة أللاخلق وألاتبليغ . وأخيرا قدم أنموذجا تطبيقيا للتفسير الاسلامي للتاريخ ، فيه استثمار لفكرة كيسرلنج ” أثر الدين او الفكرة في دورة الحضارة ” ، وقام بوضعها في احضان التاريخ والحضارة الاسلاميين ، ليجعلها تعمل وتشتغل وكأنها نابتة في قاعه . انها حقيقة مدرسة اسلامية رائدة في فلسفة التاريخ .

 ثانيا- شكلت كتابات المفكر الاسلامي مالك بن نبي في مشروعه الاسلامي لفلسفة التاريخ ، مصدرا معرفيا مباشرا وغير مباشر لعدد من رجال الفكر ، وعلماء الدين من مختلف المذاهب الاسلامية ، واصحاب المشاريع السياسية وباحثين اكاديمين . كان منهم من استبطن اراء مالك دون ان يشير صراحة الى اسم المفكر الاسلامي ، ونشر بضاعته الثقافية في الحضارة وفلسفة التاريخ والثقافة في ماكنة الاعلام المذهبي ، ولعل المؤلم في هذا النهج ، انه رغم كونه إستحوذ على اراء مالك ، كان محرضا على منع مؤلفات مالك من التداول في الشارع الثقافي ، وتحريم البحث الاكاديمي في موضوعات تتعلق بمالك وفكره عامة وفلسفته في التاريخ الاسلامي خاصة . وكان منهم من أنتزع دون وجه حق، المخطط المالكي في فلسفة التاريخ والاقتصاد (174) والاجتماع (175) من متنه المالكي ، وقام بتوسيعه في مشروعات مؤلفات متخصصة ، ذاع صيتها وتداولها العامة والخاصة دون ان يتقوى أحد ويقول كلمة الحق ، ويعلن للجمهور ان مخططات هذه المؤلفات فيها حضور لمنهج ، وروح المفكر وفيلسوف التاريخ مالك بن نبي . والباحث قرأ هذه المؤلفات وبحث عن إصولها المعرفية ، ومن ثم قارن بينها وبين إصولها في مؤلفات مالك بن نبي ، فوجد الأثار واضحة والأخذ معلوم ، بدرجات لا تخفى على عين الاكاديمي الورع ، والذي يؤمن بأن من حق الجميع الاخذ والتبني ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

174– انظر ريادة مالك بن نبي في الفكر الاقتصادي الاسلامي :

   محمد جلوب الفرحان : المشروع الاسلامي للاقتصاد عند مالك بن نبي (الفصل السادس من هذا الكتاب) .

 175– انظر ريادة مالك بن نبي في الفكر الاجتماعي الاسلامي :

   محمد جلوب الفرحان : المشروع الاسلامي للاجتماع عند مالك بن نبي (الفصل الخامس من هذا الكتاب) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاثر والتأثر ، ولكن بشرط ان يكون عن طريق الإعتراف بحق الرائد والاصل ، ومن ثم الاشارة صراحة الى المصدر والمؤلف . ونذكر بان المصدر هو المؤلفات المالكية ، والمؤلف هو فيلسوف التاريخ مالك بن نبي* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للتفاصيل أنظر المقدمة التي كتبها الدكتور محمد جلوب الفرحان لمجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثالث صيف عام 2011 والمعنون : حضور الفلسفة الغربية في الفكر العربي المعاصر (مالك بن نبي إنموذجاً)

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 – 12 / صيف – خريف 2013

—————————————————————————————

(10)

الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف كارل ياسبرز (القسم الثاني)

الدكتور محمد جلوب الفرحان       الدكتورة نداء إباهيم خليل

حانا إرنديت وكتاب ياسبرز ثلاث مجلدات في الفلسفة

  لقد أشرنا أعلاه (أي في القسم الأول من هذا البحث) إلى إن قدر الفيلسوفة حانا إرنديت ، قد كُتب بأن تكون تلميذة لأثنين من كبار الفلاسفة الألمان ؛ هيدجر الذي سمعت عنه على مقاعد الدراسة الثانوية ، وتشوقت اللقاء به ، ومن ثم إنضمت إلى حلقته عندما جاءت لدراسة بعض الفصول الدراسية بعد طردها من المدرسة الثانوية ، ومن ثم  طالبة جامعية في ماربورك وحضرت دروسه ، وهامت وهام بها حباً ، وأسهمت في إلهامه في فكرة وكتابة كتابه الأنجيلي الوجود والزمن . وهذه قصة سبق إن درسناها في بحثنا المعنون ” الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر ” . وكان قدرها الأخر هو اللقاء كما أشرنا أعلاه بالفيلسوف كارل ياسبرز ، وذلك بعد شكوك ألفريدا هيدجر ، فرتب لها هيدجر القبول في جامعة هيدلبيرك لدراسة الدكتوراه ومع صديقه البروفسور ياسبرز . وبعد وصولها إلى هيدلبيرك كان ياسبرز يفكر ويرتب لإصدار مجلداته الثلاث حول الفلسفة ، فساهمت حانا إرنديت في المناقشات سواء مباشرة مع ياسبرز أو في السيمنارات التي كان محورها مواد المجلدات الثلاث .

 ونحسب من الإنصاف هنا أن نشير إلى إن ياسبرز صمت ولم يذكر شيئاً عن مساهمة حانا في المناقشات التي شاركت فيها حانا أو يبين دورها المساعد في إعداد هذه المحاضرات ووضعها في هذا الكتاب الذي يتألف من ثلاثة مجلدات ، وهو الصادق الأمين . ومن المؤسف إن هذا الإغفال حدث ، بينما تقدم الفيلسوف ياسبرز بالشكر إلى الطبيب والزميل أيام دراسة الطب إرنست ماير ، وهو الأخ لزوجته كيرترود ، فقال بالحرف الواحد ” إلى صديقي الطبيب إرنست ماير ، فأنا مدين إليه في الإرتباط بي في فعل التفسلف منذ أيام التلمذة في كلية الطب . وخصوصاً في هذا العمل فقد ساهم بعملية نقد خلاقة ، ومنحني تواصل مؤكد في لحظات الشك ..” (1) . أحسب إن هذا إن لم يكن نفاق ، فهو ينخرط في باب المجاملات . وإن كان حق وتقدم له بالشكر ، فإن من الحق إن يشكر تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت ، ويحدد مساهمتها والتي إكتشفها بطريق شجاعة مترجم هذه المجلدات الثلاثة ، وأشار إليها (سنشير إليها لاحقاً) . ويبدو لي إن ياسبرز حمل في قلبه وتفكيره تساؤلات حول ما يسمى ” أنتي سيمتزم ” . وربما إستخدم الفكاهة ليعرض وجهة نظره لزوجته كيرترود اليهودية ، حينما زار أدموند هوسرل + .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ أنظر :

الذكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الدكتور ياسبرز : الباحث الأكاديمي والإنجاز الفكري / من البحث الحالي / النص ماقبل الهامش رقم 7 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    في حين على العكس إعترف ” النازي ” أو ” الثعلب ” بلغة حانا إرنديت بفضل حانا في إلهامه والمشاركة في المناقشة وتشجيعها الدائم له على أكمال مشروع الوجود والزمن ، والذي ولد ناقصاً . ولعل من النافع أن نشير إلى إن مترجم كتاب ياسبرز إلى الإنكليزية ، الأستاذ أي . ب . أشتن  قد ذكر في المقدمة (مقدمة المترجم) لكتاب ثلاث مجلدات في القلسفة إسم الفيلسوفة حانا إرنديت (ص 18 من المقدمة) وفي أثناء مناقشة كلمة تفلسف ومعانيها ودلالاتها عند ياسبرز ، والتي ذهبت إلى ” إنها تعني الإشعاع أو الإنارة ” والتي تعني عنده إلقاء الضوء على الأشياء (2)  . ويبدو إن المترجم أراد أن يذكر حق حانا أرنديت في كتاب ياسبرز ، أو يعترف بفضل حانا إرنديت فيه ، وهي المهمة التي أهملها الوجودي الإنساني (أو الأصح رجل اللاهوت الوجودي) وصاحب كتاب القنبلة الذرية ومصير الإنسان .

  وأحسب إن هذه الإشارة من المترجم الإنكليزي ، هي دليل كافي على إعادة حق حانا إرنديت في كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وهنا نقدم مراجعة لهذا الكتاب وعلى الأقل في ملاحقة خيوط مساهمتها في توضيح معنى ودلالات كلمة تفلسف عند ياسبرز ، والتي تداولها بشكل مفرط في هذا الكتاب . ولعل غرضنا من كل ذلك ، هو إعادة  تجديد ذكرى حانا إرنديت ، وبالتحديد ذكرى لمساتها الفكرية على هذه المجلدات الثلاثة .

  تكون المجلد الأول من أربعة أطراف :

الأول ضم مقدمة مترجم الكتاب إلى الإنكليزية ، وهذه المقدمة كشفت أمرين : الأول مساهمة الفيلسوفة حانا أرنديت في توضيح مفردة ياسبرز المُشكلة من الزاوية الإصطلاحية والفلسفية ، وهي الفعل يتفلسف ، والثاني هو بيان مرامي دعوة ياسبرز في حديثه عن الفعل يتفلسف . والتي نحسب إنها دعوة غير بريئة ، فقد كان يتخفى وراءها لتعطيل تاريخ الفلسفة العتيد .

الثاني التصدير والذي يحمل كلمات ياسبرز بخصوص الفعل  يتفلسف ، حيث إنها فرصة للوقوف على معاني التفلسف بالفهم الياسبرزي ، وهو الطرف الجوهر في هذا الكتاب ، وفي هذا المحور من البحث الحالي . ولنقف نستوضح الموقف بنصوص ياسبرز . يرى ياسبرز إن ” تصرفنا يقود إلى الوعي الفلسفي فقط ، ومن خلال الإستماع إلى حفنة من الفلاسفة الذين يتحدثون إلينا من الماضي ” . وإذا كان هذا هو الحال بمنظار ياسبرز ؛ فما هو المطلوب في إحداث ثورة في عالم التفلسف ، وليس الفلسفة بمفهومه ؟ إن الثورة تكمن في فعل التفلسف وليس بماضي الفلسفة . يقول ياسبرز في التصدير الذي كتبه في عام 1931 ، لكتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة ولكن المعرفة بماضي الفلسفة ، الذي هو ليس بالفلسفة الحقيقية . إن التفلسف يحتاج دائماً إلى مصادر الحاضر ” (3) . ولم يقف عند هذا الحد ، بل ذهب يفصل عدم إماكانية الفلسفة لأنها ماضي ، وإمكانية الفعل يتفلسف . فقال ” إن تفلسف المعاصرين يبين كيف إنهم تابعوا البحث في الوجود القائم لمساعدة أنفسهم ، وشاركوا الحظوظ ذاتها ، وتحثوا إلى بعضهم البعض بماذا سمعوا هنا وليس من مكان أخر . إنها أخذت بفعل التفلسف الحاضر ، ومن خلاله حولت عظمة التفلسف في الماضي ، وعملت منه حاضراً فلسفياً جديداً ” (4) .

الثالث المقدمة التي أضافها إلى الطبعة الألمانية الثالثة والتي صدرت في العام 1955 . وهي مقدمة تحمل الكثير من الدلالات التي تصب في نقطة واحدة ، وهي إن ياسبرز واجه كم كثير من النقد ، ولذلك نحسب إنه على هذا الأساس وضع هذه التوسعة وليس المقدمة . وفيها كما يبدو إجابة ياسبرز على تساؤلات النقاد (ضمت هذه التوسعة الصفحات من 5 وحتى 37 من هذه الطبعة) (5) . ولعل كلمات ياسبرز في إفتاتحية هذه التوسعة (ونشدد إنها ليست مقدمة) تُفصح عن حاله ، فلنترك ياسبرز يتحدث إلينا ” من بين كل مؤلفاتي ، الفلسفة (أي ثلاث مجلدات في الفلسفة) هي الأقرب إلى قلبي ، والآن ثلاثة عقود مرت على إكمال هذا الكتاب ، ففي إمكاني أن أتأمل في إصوله وما حمله من مرامي . والخبرة تعلم المؤلف معرفة كيف فهم المتلقي الكتاب ، وبالمقابل كيف حدث سوء الفهم له . وإن فهم دوافع القوى المعارضة ، جعلتني أن أسأل نفسي ما هو جوهر معارضتهم ؟ وما هي إمكانية بروز أية مشكلة فلسفية ؟ … ” (6) . 

الرابع نص المجلد الأول من الفلسفة ، والذي ضم مدخل إلى الفلسفة وبعنوان التفلسف يبدأ مع موقفنا (7) وهذا المدخل جداً مهم في فهم المعاني والدلالات الياسبرزية للفعل يتفلسف ، وشمل أربعة محاور ، وهي : 1 – البحث في الوجود (8).

2 – التفلسف المؤسس على الوجود الممكن (9) . 3 – ضروب من العلو (الترتنسندنك) كمبدأ تركيبي (10) . 4 – مناطق التفلسف (11) .

  أما الكتاب الأول والذي كان بعنوان التوجيه (النظرة) الفلسفي للعالم . وهنا نود إعلام القارئ بإن حديث يلسبرز تحول من الحديث عن مجلدات ثلاثة للفلسفة إلى كتب ثلاثة (12) . وضم سبعة فصول ، وجاءت بالشكل الآتي : 1 – العالم (13) . 2 – حدود التوجيه (النظر) إلى العالم (14) . 3 – تنظيم العلوم (15) . 4 – شمولية التوجيه (النظر) إلى العالم : الوضعية والمثالية (16) . 5 – أصل الفلسفة (17) . 6 – صورة (شكل) فلسفة الوجود (18) . 7 – تنوعات الفلسفة (19) . وقبل أن نغادر هذا الفصل ، نود أن نعلم القارئ بأن ياسبرز تناول في طرف منه العلاقة بين الفلسفة والفن (وهو الموضوع الذي دار الجدل فيه بين هيدجر وياسبرز كما بيناه أعلاه) . فمثلاً درس الفلسفة والفن (20) ومن خلال ستة محاور صغيرة ، ولكنها في غاية الأهمية في مضمار الصلة بين الفلسفة والفن بمنظار ياسبرز . وجاءت بالشكل الأتي :  1 – هل الفن يتولد تلقائياً ؟ (21) . 2 – التبني في الفلسفة والفن (22) . 3 – عملية الخلق في الفلسفة والفن (23) . 4 – العمل في الفلسفة والفن (24) . 5 – عدم الإلتزام الجمالي (25) . 6 – الفلسفة في تنافرها وتوافقها مع الفن (26) . صحيح إن ياسبرز أشار إلى كل من شوبنهور ونيتشه في موضوع الموسيقى . كما وبين بأن  الموسيقى ظلت موضوعاً أقل إهتماماً أو ربما غريباً عند كل من فلوطين وكانط وهيجل أو شيلنج (27) . ونحسب إن هذا الموضوع سيجد له صدى في كتابات الفيلسوفة حانا  

اأرنديت ، والتي ستعود بتأثير ياسبرز (أوهيدجر بالطبع) إلى معالجة قضايا الفن في ضوء إهتمامهما بينتشه (28) وستتفرد بإنموذج كافكا (29) .   

  في حين كون المجلد الثاني أو الكتاب الثاني حسب معرفتنا بفكر ومنهج الفيلسوفة حانا أرنديت ، واحداً من مصادر معرفتها بفكر ياسبرز عامة ، ولاهوته الوجودي خاصة . ولعل الشاهد على ذلك ماكتبته حانا أرنديت عن كارل ياسبرز (30) وعن الفلسفة الوجودية (31) . ومن طرفنا نحسب إن هذا الكتاب مهم جداً للباحث في فهم جانب من فكر حانا إرنديت ، وعلاقته بكر ياسبرز وخصوصاً لاهوته الوجودي . وعلى هذا الأساس سنقوم بمراجعة نتطلع منها إلى تجديد الدعوة إلى إن هذا الكتاب هو واحد من مصادر حانا أرنديت سواء من طرف علاقتها بالوجودية أو بالخلاف الفكري بين عمودين من أعمدة الفكر الوجودي الألماني ، وهما هيدجر وياسبرز .

  حمل الكتاب (المجلد) الثاني عنواناً براقاً وهو التنوير الوجودي . وحسب رأينا إذا قبلنا بالشرح الذي قدمته الفيلسوفة حانا أرنديت لفعل يتفلسف (أو لفظة التفلسف) فإنها تعني القاء الضوء على الأشياء ، فالتفلسف هو تنوير أو إضاءة وتوضيح ، فإن الطرف الأول من عنوان هذا الكتاب هو مرادف للفعل يتفلسف . وهنا تكمن أهمية مساهمة حنا في الكتاب الأول وفي الكتاب الثاني . ونعني مساهمة حانا الفيللوجية في تحليل الفعل يتفلسف عند ياسبرز والتي أغفل ذكرها والتي نبه إليها مترجم الكتاب الأستاذ أشتون في مقدمته .

  تكون هذا الكتاب من مقدمة (أو ما يشبهها) وأربعة أقسام . تناول في المقدمة مفردته المشهورة الوجود ، وقدم لها شرحاً نحسب إنه في غاية الأهمية في فهم لاهوت ياسبرز الوجودي ، يقول ياسبرز : ” أنا موجود إذا لم أتحول إلى موضوع لنفسي . في الوجود أنا أعرف ، دون أن أكون قادراً على رؤيته ، ذلك ما أدعوه ذاتي والتي تكون مستقلة . وإن إمكانية الوجود هو ما يمنحني فرصة العيش فيه . وإن تحققه الوحيد هو إنني بذاتي . وعندما تحاول إدراكها ، فأنها تتلاشى ، وهي ليست بموضوع فسيولوجي ..” (32) . ومن ثم إستمر في بحثه في الوجود ، فدرس إمكانية الوجود (الذات) وعدم توافر القناعة في الوجود (خارج الذات) (33) وأشار إلى إن الشد يحدث بين ما هو موضوعي وذاتي ، وهنا يأتي دور التنوير الوجودي ليحل هذا الإشكال (34) . وبحث في ضروب الوجود ذات الطبيعة التنويرية (35) ، المظهر الغامض والعبارات المرتبكة (36) .

   أما الجزء الأول فجاء بعنوان ” أنا بذاتي في إتصال وحقيقة تاريخية ” (37) . ودرس فيه ثلاثة قضايا جاءت على التوالي : أولاً – أنا بذاتي (38) . ثانياً – الإتصال (39) . ثالثاً – الحقيقة التاريخية (40) . وجاء الجزء الثاني بعنوان وجود الذات كحرية (41) وبحث فيه الجوانب الآتية : 1 – الإرادة (42) . 2 – الحرية (43) . في حين حمل الجزء الثالث عنواناً فيه شئ من التوسع الشارح لمكوناته أكثر من كونه عنواناً ، وهو الوجود كموقف غير مشروط ، الوعي والفعل (44) . وهذه المكونات شملت : 1 – المواقف ذات الحدود (45) . 2 – الوعي المطلق (46) . 3 – الإتصال غير المشروط (47) . بينما جاء الجزء الرابع بعنوان الوجود في حالتي الذاتية والموضوعية (48) وتكون من ثلاثة محاور : 1 – الإستقطابية بين الذاتية والموضوعية (49) . 2 – صور من الموضوعية (50) . 3 – الوجود مع وجود أخر (51) .

  أما الكتاب (المجلد) الثالث فقد حمل عنواناً فلسفياً متداولاً في كل مؤلفات الفلاسفة منذ إن ظهر على يد طلاب أرسطو + وحتى لحظة تأليف ياسبرز لكتابه ثلاث مجلدات في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 + بعد إن قاموا أولاً بجمع كتبه في الفيزياء (الطبيعيات) ، ومن ثم جمعوا المنطقيات على حدة ، فبقيت لديهم مقالات أرسطو التي لاتقع في حدود الفيزياء أ فأطلقوا عليها عنوان الميتافيزيقا (أي الكتب التي جاءت بعد كتب الفيزيقا) ومن ثم أصبح إصطلاحاً فلسفياً لكل المباحث التي تدرس الخلق والخالق (عند أرسطو المحرك الذي لا يتحرك هو الذي حرك العالم وإستراح إلى الأبد) والجوهر ، الجواهر والكليات ، الواقعية والإحتمال … وأسس العلوم (المبادئ الأساسية : البديهيات) … هذا هو جوهر مقالات أرسطو التي ضمتها كتب الميتافيزيقا . للإطلاع أنظر :

W.D. Ross, Aristotle’s Metaphysics, 2 Vols. Oxford: Clarendon Press 1924

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفلسفة ، وهو الميتافيزيقا (52) . ويقابل إصطلاح اللاهوت عند الغربيين ، وعلم الكلام عند المسلمين . وما دمنا نتحدث عن ياسبرز رجل اللاهوت الوجودي ، فإن الميتافيزيقا هنا في الإمكان أن نطلق عليه إصطلاح الميتافيزيقا الوجودية ، وذلك لتتناغم مع إصطلاح اللاهوت الوجودي . والحقيقة إن هذا الكتاب مقارنة بكتابي ياسبرز السابقيين ، فهو أصغرها حجماً .

  وقبل أن نغادر هذا الموضوع ، نرغب في مشاركة القارئ بحقيقة منهجية إفتقدها هذا الكتاب أو على الأقل غابت ، وبغيابها تولدت مشكلة منهجية في ترتيب مقالاته . ونحسب إن الوضع الحالي للكتاب ، يجعل مكونات الجزء الأول الذي عالج مفهوم العلو في ثلاثة محاور موضوعاً ميتافيزيقا لا يتناغم والمحور الرابع المعنون : قراءة في الأصفار . ونشعر إن محنة ياسبرز في ضم رابعاً إلى مفهوم العلو ، هو إنه أراد أن يبني جسراً يبين فيه إن موضوع العلو هو مضمار الميتافيزيقيا ، وإن طبيعة الأصفار وعلاقتها بالعلو ، هي الأخرى ذات طبيعة ميتافيزيقية .

 الواقع إن الوضع الحالي لكتاب الميتافيزيقا لا يوفر درجة من الإنسجام بين مكونات العلو ومكونات الأصفار . ويبدو إن غياب الخطة جعل من مقالات الكتاب تتجاور بعضها بجنب البعض دون إنتقال سهل . ولعل الحل الأفضل هو مقدمة قصيرة يُشار فيها إلى إن كتاب الميتافيزيقا تألف من جزئين : الأول عالج مفهم العلو ، والثاني درس موضوع الأصفار .

  تكون كتاب الميتافيزيقا (الثالث) عند ياسبرز (52) من المحاور الأتية : 1 – العلو (الترانسندس) (53) . 2 – التعالي الصوري (54) . 3 – العلاقات الوجودية بالعلو (55) . 4 – قراءة في الأصفار (56) . ولما كان محور الأصفار من كتاب الميتافيزيقا يؤلف النصف الأصغر بقليل جدا من حجم الكتاب ، قام ياسبرز بتوزيعه في أربعة أقسام ، وهي : القسم الأول وجاء بعنوان طبيعة الأصفار (57) ، وحمل القسم الثاني عنوان عالم الأصفار (58) . وكان عنوان القسم الثالث قراءة تأملية في الأصفار (59) وهو في حقيقته لاهوت وجودي ياسبرزي محض .

   ونحسب في ختام هذا الطرف ، الإشارة إلى جانبين ؛ الأول إن ياسبرز درس فعل التفلسف في الجزء الخاص بالعلو من ميتافيزيقاه (60) وبالجزء الثاني الخاص بقراءة في الأصفار من ميتافيزيقاه (61) . الثاني إن ياسبرز إستعار عنوانه الأصفار من دائرة الرياضيات العربية . ولم يشير ياسبرز على الإطلاق إلى مصادره التي أخذ منها مفهوم الصفر . إلا إن جميع المصادر الغربية تعرف الصفر بالأشارة إلى إنه عربية الهوية والإنشاء والترميز ، والمعنى والدلالة ، وربما صوفيته (الجانب السحري السري للصفر العربي) (62). وهنا نرغب في الإشارة إلى مساهمة الفيلسوفة حانا أرنديت في شرح دلالات الصفر ، فذهبت إلى إن حديث ياسبرز عن الصفر في الميتافيزيقا ، هو حديث عن الرمز (63) .

 والحقيقة إن هذا الجزء من ميتافيزيقا ياسبرز يحتاج إلى دراسة من زاوية الترميز الرياضي ومن زاوية الفهم الميتافيزيقي العربيين وعقد مقارنة مع فهم ياسبرز ، وبيان حجم المتابعة والإبداع الياسبرزيين (نسبة إلى ياسبزر) .      

التفلسف : مقدمة لفهم فعله عند ياسبرز

   لدينا في هذا المضمار ، ثلاثة شهادات تدلل على إن الفعل يتفلسف قد خضع إلى عملية تدقيق فيللولوجي وذلك للمساعدة في الخروج من دائرة الغموض التي وضع فيها ياسبرز هذا الإصطلاح ؛ الأولى إن هيدجر صديق ياسبرز ، الفيلسوف والفيللوجست قد ساهم مبكراً في العمل مع ياسبرز في توضحيح معاني ودلالات الفعل يتفلسف . وقد أشرنا إلى هذا عندما زار هيدجر لأول مرة ياسبرز في هيدلبيرك ، وإن زوجة ياسبرز كيرترود هي التي دفعت ألف مارك لتغطية مصاريف زيارة هيدجر (القصة مذكورة أعلاه) . الشهادة الثانية هي إن الفيلسوفة حانا أرنديت ، وحين كانت طالبة في جامعة ماربورك قد تدربت على التحليل الفيللوجي ومن خلال أستاذها الفيلسوف الفيللوجي هيدجر . وقبل أن تساعد هيدجر في كتابه المعنون ثلاث مجلدات في الفلسفة بعد وصولها إلى هيدلبيرك لتبدأ دراستها للدكتوراه (والتي لعب الفيلسوف هيدجر في إقناع ياسبرز بالإشراف عليها وربما همس في أذن ياسبرز إنها تمتلك إمكانيات في الفلسفة والفيللوجيا غير إعتيادية من الممكن إستثمارها في كتاب المجلدات الثلاث في الفلسفة التي كان وصولها متزامن مع بداية مشروعه) . والطرف الأخر من قصة حانا أرنديت ومهاراتها في الفيللوجيا ، إنها ساعدت صديقها إرنست كرومك في إطروحته للدكتوراه وكانت في موضوع الفيللوجيا (بين ذلك في أطراف من بحثنا الفيلسوفة الألمانية الأمريكية حانا أرنديت) . الشهادة الثالثة ، هي شهادة مترجم كتاب ياسبرز الى الإنكليزية الأستاذ أي . بي . أشتون ، والذي بحث في مفردات ياسبرز في مقدمته ، ومنها الفعل يتفلسف ، ووقف عند مساهمة الفيلسوفة حانا أرنديت في توضيح معاني الفعل يتفلسف (وهذا ما أشرنا إليه أعلاه ) .

  فعلاً يعترف أي . بي . أشتون إن مفردات ياسبرز الفلسفية الأساسية قد أخذها من الفيلسوف عمانوئيل كانط  (مقدمة المترجم ص 15) وهذا واضح عند كانط وسيحمل درجات من الوضوح ذاتها عند ياسبرز . ولكن من الملاحظ إن ياسبرز يستخدم المفردة الكانطية خارج دائرة الفهم الكانطي المعروف ، فيضع نفسه في إشكال ، ويربك القارئ والباحث معه ، ويحمله على المخاطرة بين طرفين ؛ طرف الإمكانية وطرف عدم الإمكانية والفشل في تفسير الإستعارة الياسبرزية . وهذا الحال برأينا يتطلب من مضمار البحث في تفكير ياسبرز للدعوة إلى إنشاء معجم لفلسفة ياسبرز خاص ، مع عقد مقارنة مع معجم كانط ، وذلك لبيان مقدار المتابعة ، وحجم الخروج الذي سبب الإشكال والأرباك في النص الفلسفي الذي كتبه يراع ياسبرز (أنظر مقدمة المترجم للنص الأنكليزي لكتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة / ص ص 15 – 20) .

  وفعلاً فأن قارئ المجلد الأول من كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، يلحظ بصورة واضحة إن ياسبرز قد درس إصطلاح التفلسف ، في التصدير الذي كتبه في عام 1931 فقال : ” إن تفلسفنا يحترم كل ما تم إثباته من الإمكانيات الإنسانية .. وبالتفلسف نحن نتواصل ، ولا ننعزل … وتفلسفي يدين بكل مكوناته إلى الناس الذين كانوا يعيشون بقربي … وتفلسفنا متجذر في التقليد الذي يصعد إلى آلاف من سنيين الفكر الحر ” (كارل ياسبرز ؛ ثلاث مجلدات في الفلسفة / الترجمة الأنكليزية / المجلد الأول ، ص 2) .

  ومن ثم يفصل أكثر في معاني فعل التفلسف ، فيفيد ” التفلسف اليوم ، مثلما كان في الماضي ، هو مهتم بالوجود … وإن محور التفلسف ، هي فكرة وحيدة .. وهي وعي الوجود ” (المصدر السابق ، ص 3) . ومن ثم في مقدمة الطبعة الثالثة توسع في شرح فلسفته ، ودافع عن الكتاب بعد وجهت إليه الكثير من الإنتقادات ، وخصوصاً لإصطلاحه التفلسف . وفعلاً في طرف من هذه المقدمة ، كتب عنواناً سعى من خلاله إلى الرد على النقاد . وهذا العنوان جاء بالشكل الأتي : بعض الإنتقادات على تفلسفي (المصدر السابق ، ص ص 17 – 19) . وفي نهاية المقدمة خلص إلى النتيجة التي أراد أن يشارك الجميع بها ، وهي ” إن أعمال الفلسفة تتضمن ما يعمل في داخل الفرد ، وإن المفكرين سيلوذون إليه ، ويشاركون إرادته ، ويتخاطبون معه ، ويسمعون ما سمع ، وينقلون ما سمع ، ويؤمنون بأن أعمال فعل التفلسف الصادق الحقيقي ستظل تعمل في كل مكان …” (المصدر السابق ، ص ص 36 – 37) .

  وفي المدخل إلى الفلسفة من المجلد الأول جاء عنوان المبحث الأول التفلسف يبدأ مع مواقفنا (المصدر السابق ، ص ص 43 – 45) . فقال : ” كانت يقظتي لنفسي في الموقف الممكن ، أنا يجب أن أقوم بالبحث عن الوجود الحقيقي ، ولذلك بذأت بالتفلسف ، هذا هو ما ندعوه بالتفلسف على أساس الوجود الممكن ، والمنهج الذي نستعمله هو المنهج الترانسندنتالي ” (المصدر السابق ، ص 45) . ومن ثم عاد فبحث في محور خاص التفلسف على أساس الوجود الممكن (المصدر السابق ، ص ص 65 – 75) وركز على تركيب أو بنية التفلسف ، ودرسه من ثلاثة زوايا : 1 – كيف نفكر في النظر إلى العالم (المصدر السابق ، ص ص 68 – 71) . 2 – كيف نفكر في إلقاء الضوء على الوجود (وهنا التنوير أو التوضيح هو معنى فعل التفلسف وكما حددته الفيلسوفة حانا أرنديت كما سبق إن ذكرناه) (المصدر السابق ، ص ص 71 – 72) . 3 – كيف نفكر في الميتافيزيقا (المصدر السابق ، ص ص 72 – 75) . ومن ثم درس التفلسف في محور أطلق عليه مناطق التفلسف (المصدر السابق ، ص ص 90 – 95) ونظر إليه من ثلاثة زوايا : 1 – من زاوية ما أسماه طرق النظرة الفلسفية إلى العالم (المصدر السابق ، ص ص 90 – 92) . 2 – من زواية ما أطلق عليها طرق تنوير الوجود (المصدر السابق ، ص ص 92 – 93) . 3 – من زاوية طرق الميتافيزيقا (المصدر السابق ، ص ص 93 – 95) .

   وفي محور بعنوان القيمة الفلسفية (المصدر السابق ، ص ص 246 – 249) درس طرفاً من أفعال التفلسف ، وجاء بعنوان في خدمة التفلسف الوجودي (المصدر السابق ، ص ص 246 – 247) ، وكلمات ياسبرز توضح ذلك : ” أنا لا أستطيع أن أقبض على العالم بالمرآة ، ولا أستطيع تحويل ذاتي إلى أن تكون جزء من العالم ، لإن كل ما أستطيعه ، هو أن أقوم بتنوير ذاتي ، فأصبح في العالم كما أنا . وإن كل ما بقي عالم مغلق مشتت هو ما نطلق عليه النظر إلى العالم ” (المصدر السابق ، ص 246) .

  أما خطتنا في ملاحقة مباحث التفلسف في المجلدين أو الكتابين الثاني والثالث ، فهي تقديم مسح عام ، وترك البحث التفصيلي فيها لطلاب الدراسات العليا سواء في الماجستير أو الدكتوراه ، فهي جديرة بالبحث والدراسة . نقول تناول ياسبرز في المجلد الثاني فعل التفلسف كفعل تنوير أو إلقاء ضوء على الوجود كما أشارت الفيلسوفة حانا أرنديت . وعلى هذا الأساس فإن الكتاب الثاني بجمله يبحث في تنوير الوجود (ألمصدر السابق ؛ المجلد الثاني ، ص ص 3 – 382) . ورغم هذا الحال ، فإننا نحاول إنتخاب بعض المحاور التي نعتقد إن لها أهمية أبرز . فمثلاً في محور بعنوان إختراق الوثوقيات في تنوير الوجود (المصدر السابق ، ص ص 9 – 10) . يقول ياسبرز ” إذا لم أكن مقتنعاً ، وأتطلع إلى توضيح ذلك ، فإن القضية لا تقتصر على عزل ذاتي  والجلوس جانباً ، وإنما من خلال الأفكار الإيجابية حول ما يعني كل ذلك ، وهنا أنا أكون في حالة تنوير وجودي (المصدر السابق ، ص 9) .

   وفي محور بعنوان طرق تنوير الوجود (المصدر السابق ، ص ص 10 – 18) . يذهب ياسبرز في تحديد جوهر طرق التنوير ، فيفيد : ” يهدف التفكير بتنوير الوجود إلى حقيقة الفعل الوجودي ، والذي يكون في موقفه التاريخي ، وهنا الفكرة التنويرية تتطلب تفكير موضوعي ، كوسيلة للمفكر ، ولازالت وجود ممكن ، في إمكانه الصعود نحو العلو الأصيل للوجود بذاته …” (المصدر السابق ، ص 10)

  وبحث في محور بعنوان الحرية (المصدر السابق ، ص ص 154 – 174) ، ما أسماه بتنوير الحرية الوجودية (المصدر السابق ، ص ص 155 – 163) . ودرسها من خلال خمسة زوايا : 1 – من زاوية الحرية معرفة وفعل وقانون (المصدر السابق ، ص ص 155 – 157) . 2 – الحرية فكرة (المصدر السابق ، ص ص 157 – 158) . 3 – الحرية إختيار (المصدر السابق ، ص ص 158 – 160) . 4 – الهروب من الحرية (المصدر السابق ، ص ص 160 – 162) . 5 – مفهوم الحرية الوجودية (المصدر السابق ، ص ص 162 – 163) .

 ولاحظنا إن ياسبرز في المجلد الثالث ، قد بدأ كتابه بموضوع العلو (المصدر السابق ، المجلد الثالث ، ص 3) وبقوله ” ماذا يعني أن تكون ، هو بعينه السؤال اللانهائي للتفلسف . وتعريف الوجود هو أن يكون معروفاً . والمقولات تبين لنا الضروب الأساسية لتعريفه ، وإن أسس هذه المقولات تكون في المنطق ، والذي يجعلنا قلقين بصورة واضحة من ضروب الوجود …” (المصدر السابق) . ومن ثم وقف عند التنوير الإسطوري (المصدر السابق ، ص ص 101 – 102) . ويذهب معرفاً مثل هذا التنوير ، وبالطبع رجل اللاهوت البروتستانتي ياسبرز يرفض هذا التنوير لأنه يقر بتعدد الألهة . يقول : ” إن التنوير الإسطوري يحدث في تشكل قوتين ، وهذا التشكل غير شمولي ، وهو لا يعبر ببساطة عن إستقطاب مبسط للقوتين ، بل هو إستقطاب يميل إلى الإعتراقف بعدد من الألهة ، ومن ثم يتركز نحو الإعتقاد بأثنين (ثنائية) من الألهة ، وفيها يظهر قوى ضد الألهة ، ومن ثم تصل إلى حد الإعلان عن موت الألهة ” (المصدر السابق ، ص 101) .      

الإتصال وفعل التفلسف

   لقد أشرنا أعلاه إلى دور الأم هنريت (نعني أم ياسبرز) في إنشاء هذا النوع من إسلوب الأتصال كأسلوب للتخاطب ، أولاً بين أفراد العائلة ، ومن ثم وسعته فشمل الأقرباء والأصدقاء وأبناء مدينة أولدنبيرك . وبالطبع شارك فيه ياسبرز وطور أدواته في الكتابة والإتصال . ولعل رسائله إلى والديه وأخيه نينو وزوجته كيرترود ، ومن ثم رسائل زوجته المشهورة عن هيدجر . إن كل هذه الرسائل تصب في هذا الشكل من الإتصال ، الذي سيطلق عليه ياسبرز مصطلح الإتصال (التخاطب) الوجودي . وهنا أرى إن هابرمس قد قرأ جيداً هذا الجزء من كتاب ياسبرز ، وإستبطن ما إستبطن وهو كثير ، وأظهر ما أظهر وهو قليل في كتابه الشهير الصيت نظرية الفعل التواصلي (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الإشكال الفلسفي في فكر هابرمس / مجلة أوراق فلسفية جديدة / ربيع 2012 .)      

   ونحسب من النافع أن نشير إلى إن ياسبرز عاد فتأمل في فعل التفلسف من زاوية الإتصال . وفعلاً فقد درسه تحت عنوان الأثار على التفلسف (المجلد الثاني ، ص ص 93 – 103) وتناوله من خلال خمسة زوايا : 1 – تجنب التناغم مع نظرة العالم (المصدر السابق ، ص ص 93 – 95) . 2 – الرفض الممكن للإتصال (المصدر السابق ، ص ص 95 – 97) . 3 – العقائد الجامدة والسفسطة (المصدر السابق ، ص ص 97 – 100) . 4 – عواقب على صورة الفلسفة (المصدر السابق ، ص ص 100 – 103) . وبالمناسبة إن الدكتور محمد الفرحان يشتغل بين الحين والأخر على أطراف من كتابه القادم والمعنون : العلاقة بين الفلسفة والعلم : كتابات الوجودي كارل ياسبرز إنموذجاً .   

الهوامش :

1 – أنظر :

Karl Jaspers, Philosophy, Trans. By E. B. Ashton, University of Chicago Press 1969, From Foreword 1931, p. 3

2 – أنظر :

Karl Jasears, Philosophy (Op.Cit), Vol.1, From Translator’s Note, p. 18

3 – أنظر :

Ibid, From Foreword 1931, p. 2

4 – أنظر :

Ibid, p.1 – 2

5 – أنظر :

Ibid, Epilogue, pp. 5 – 37

6 –

Ibid, p. 5

7 – أنظر :

Ibid, pp. 43 – 45

8 – أنظر :

Ibid, pp. 47 – 74

9 – أنظر :

Ibid, pp.65 – 75

10 – أنظر :

Ibid, pp. 76 – 89

11 – أنظر :

Ibid, pp. 90 – 95

12 – أنظر :

Ibid, p. 96

13 – أنظر :

Ibid, pp. 99 – 119

14 – أنظر :

Ibid, pp. 120 – 173

15 – أنظر :

Ibid, pp. 174 – 225

16 – أنظر :

Ibid, pp. 226 – 249

17 – أنظر :

Ibid, pp. 250 – 268

18 – أنظر :

Ibid, pp. 269 – 293

19 – أنظر :

Ibid, pp. 294 – 335

20 – أنظر :

Ibid, pp. 326 – 335

21 – أنظر :

Ibid, pp. 326 – 327

22 – أنظر :

Ibid, pp. 327 – 329

23 – أنظر :

Ibid, pp. 329 – 330

24 – أنظر :

Ibid, pp. 330 – 332

25 – أنظر :

Ibid, pp. 332 – 333

26 – أنظر :

Ibid, pp. 333 – 335

27 – أنظر :

Ibid, pp. 335

28 – أنظر :

Hannah Arendt, Essays in Understanding (1930 – 1945), Ed. & with an Introduction By Jerom Kohn, Schcken Books, New York, 1994, p. 49

29 – أنظر :

 Hannah Arendt, ‘Fraz Kafka: A Revalution’ In Essays in Understanding, pp. 69 – 80

30 – أنظر :

Hannah Arendt, ‘Dedication to Karl Jaspers’, (Op. Cit), pp. 212 – 216

31 – أنظر :

Hannah Arendt, ‘What Is Existential Philosophy’, (Op. Cit), pp. 163 – 187

32 –

Karl Jaspers, Op. Cit, Vol.2, p 3

33 – أنظر :

Ibid, p. 6

34 – أنظر :

Ibid, pp. 9 – 10

35 – أنظر :

Ibid, pp. 10 – 18

36 – أنظر :

Ibid, pp. 18 – 22

37 – أنظر :

Ibid, pp. 23 – 129

38 – أنظر :

Ibid, pp. 25 – 46

39 – أنظر :

Ibid, pp. 47 – 103

40 – أنظر :

Ibid, pp. 104 – 129

41 – أنظر :

Ibid, pp. 131 – 382

42 – أنظر :

Ibid, pp. 133 – 153

43 – أنظر :

Ibid, pp. 154 – 174

44 – أنظر :

Ibid, pp. 175 – 292

45 – أنظر :

Ibid, pp. 177 – 222

46 – أنظر :

Ibid, pp. 223 – 254

47 – أنظر :

Ibid, pp. 255 – 292

48 – أنظر :

Ibid, pp. 293 – 382

49 – أنظر :

Ibid, pp. 295 – 306

50 – أنظر :

Ibid, pp. 307 – 359

51 – أنظر :

Ibid, pp. 360 – 382

52 – أنظر :

Karl Jaspers, Op.Cit, Vol. 3, pp. 1 – 208

53 – أنظر :

Ibid, pp. 3 – 32

54 – أنظر :

Ibid, pp. 33 – 60

55 – أنظر :

Ibid, pp. 61 – 112

56 – أنظر :

Ibid, pp. 113 – 208

57 – أنظر :

Ibid, pp. 113 – 147

58 – أنظر :

Ibid, pp. 147 – 175

59 – أنظر :

Ibid, pp. 175 – 208

60 – أنظر :

Ibid, p. 3

61 – أنظر :

Ibid, pp.113 – 208

62 – أنظر :

Ibrahim Al-Kadi, The Orgin of Cryptology: The Arab Contributions’, Cryptologia, 16 (2) (April 1992), pp. 97 – 126

63 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 231

الفيلسوفة حانا إرنديت في ذاكرة الفيلسوف ياسبرز

   كتبت الباحثة سوزانا كيركبرايت في كتابها المعنون كارل ياسبرز : السيرة الذاتية إبحار مع الحقيقة ، فصلاً صغيراً ، وجاء بعنوان الطفلة حانا (1) ، وهو الفصل الأخير من رحلتها مع السيرة الذاتية لرجل اللاهوت ياسبرز . صحيح إن حانا أرنديت عرفت ياسبرز أولاً من خلال إرتباطه بالبروفسور هيدجر ، وإنضمت إلى الحلقة الجامعية التي يقودها كل من هيدجر وياسبرز (2)  . ومن ثم عرفت الكثير عن ياسبرز من خلال علاقاتها الرومانسية بهيدجر ، والذي كان يتحدث عنه كثيراً ، سواء عن زياراته المتكررة إليه (3) . وكذلك فإن حانا بعد مواقف زوجة هيدجرالفريدا الحساسة تجاه المقربين من حلقة اصدقاء حانا ، تركت جامعة ماربورك ، وأخذت فصلاً دراسياً مع هوسرل . والحقيقة إن حانا لم تعد بعدها إلى ماربوك (4) . ووفقاً لرسائل حب 1925 – 1975 إن هيدجر هو الذي رتب نقل حانا أرنديت إلى جامعة هيدلبيرك وأقنعها وفي الوقت ذاته أقنع ياسبرز بتسجيل إطروحتها للدكتوراه تحت إشرافه (5) ، وكانت بعنوان مفهوم الحي عند القديس أوغسطين (6) .

  وعرفنا إن حنا إرنديت حين بدأت دراساتها الجامعية مع هيدجر ، كان في بداية التحضير لكتابة رائعته الوجود والزمن . وعرفنا كذلك إن القدر تكرر مرتين ، فما إن وصلت حانا إلى جامعة هيدلبيرك ، إلا إنها وجدت إن البروفسور ياسبرز ورئيس قسم الفلسف ، قد بدأ يحضر لنشر رائعته ثلاث مجلدات في الفلسفة . وفعلاً فقد قام بجمع ملاحظاته ومحاضراته وترتيبها لنشر كتابه هذا (7) . كما عرفنا إن ياسبرز طلب من زوجته أن تدفع ألف مارك ألماني لتغطية زيارة هيدجر إلى هيدلبيرك وذلك للعمل في أطراف من مشروع ياسبرز في ثلاث مجلدات في الفلسفة (أنظر تفاصيل القصة أعلاه) . وهذا الأمر حدث قبل وصول حانا بسنوات عديدة ، وبالتحديد قبل دخولها الى جامعة ماربوك بسنتين (هذا حدث في بداية سبتمبر 1922) (أنظر المحور المعنون أعلاه : حانا أرنديت وكتاب ياسبرز ثلاث مجلدات في الفلسفة) .

      ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى مشكلة حقيقية واجهت ياسبرز ، وذلك عندما قرر التحول من مضمار الطب النفسي إلى ميدان الفلسفة ، وظل تفكير ياسبرز يعاني الضعف منها ، على الأقل بتقديرنا ، وهذا فعلاً ما إكتشفته زوجته كيرترود مبكراً وعملت بكل جهدها على الجمع بين هيدجر وياسبرز لمعالجة هذا الإشكال الياسبرزي (أشرنا إلى هذا أعلاه) ، ولكن مشروع التعاون بين آل ياسبرز وهيدجر لم يستمر وذلك لأن زوجة هيدجر بدأت تثير الشكوك حول درجة الثقة بهيدجر . وتمر السنيين وعلاقة الصداقة بين هيدجر وياسبرز بين مد وجزر ، ولكن شعرة معاوية بينهما لم تنقطع ، وهذا ما يكشفه كتاب رسائل حب (1925 – 1975) بين حانا أرنديت ومارتن هيدجر . وهكذا كان قدوم حانا من ماربورك إلى هيدلبيرك لتكتب إطروحتها مع ياسبرز . هناك الكثير من الممكن قوله في مساهمة حانا وهيدجر وربما طلبة أخرين في رائعة ياسبرز ثلاث مجلدات في الفلسفة . وهذا طرف جدا مهم في الإسراع في نشر كتاب ثلاث مجلدات في الفلسفة . إلا إن التحدي الحقيقي الذي وجهه ياسبرز عندما كان رئيساً لقسم الفلسفة ، جاء من فيلسوف مشهور ، ورمز كانطي جديد هو البروفسور هنريخ ريكت . ولنترك كاتبة سيرة حانا الباحثة إليزابيت بريهل تصف حال ياسبرز والجو الأكاديمي الذي صدر فيه كتابه ثلاث مجلدات ، وبالطبع كانت حانا أرنديت شاهد لكل ذلك . تقول إليزابيت :

 بالنسبة لياسبرز ، فإن لصداقته المبكرة مع هيدجر ، وحضوره في الفصول الدراسية التي كان فيها العديد من الطلبة مثل حانا أرنديت كونت موقفاً حاسماً . وبينما كان يقرأ الفلاسفة الكبار ويفكر في كتاب ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، ولم ينشر شيئاً ، دخل في صراع مع هنريخ ريكت ، وهو واحد من قيادي الكانطية الجديدة في هيدلبيرك ، وهنريخ ريكت كان المعلم السابق لهيدجر . وريكت حاول إقناع زملائه بأن ياسبرز لم ينشر شيئاً على الإطلاق بسبب إنه إستنفذ افكاره ومواهبه في عمله 1919 وفي رئاسته للقسم . وريكت زعم إن ياسبرز أصبح عاجزاً . وفي النهاية ظهر كتاب ثلاثة مجلدات في الفلسفة (في عام 1931) ، فظل ريكت صامتاً . ولكن خلال سنوات التحضير ، كان ياسبرز محظوظاً بالمساعدة الفكرية التي حصل عليها من هيدجر ومن طلابه (منا : وبالتحديد من حنت أرنديت التي كانت حاضرة في كتابة إطروحتها للدكتوراه قبل صدور كتاب ثلاث مجلدات في الفلسفة بأربع سنوات) ، ومن زوجته كيرترود وأخيها إرنست ماير و الذي كان من أقرب المتعاونيين فكرياً مع ياسبرز (8) .

وبالمناسبة إن كاتبة سيرة حانا أرنديت ، نقلت لنا الرواية التي ربما كانت حانا أرنديت مصدرها ، عن هذا التحول في تفكير ومهنة ياسبرز . فقالت :

   وتقريباً بحدود الأربعين من عمره ، إتخذ ياسبرز قراراً ، وهو ترك عمله الناجح في علم النفس ، وطب الأعصاب ، والصعود إلى الطوابق العالية للفلسفة . وفعلاً ففي كتابه مموارز فلسفي ، يُخبرنا بقصة عدم قناعته بعمله المتميز في عام 1919 ، والمعنون سايكولوجيا النظر إلى العالم  . فكان قراره ، هو ترك كل شئ والبداية من جديد ، وبدأ لسنوات يقرأ عدد قليل من الأعمال الفلسفية الأصيلة ، وذلك في التحضير لكتابة رائعته ثلاث مجلدات في الفلسفة (9) .

  وبالطبع في هذا الكتاب ، وبالإفادة من عالم الإجتماع ، وزميله الأقدم في جامعة هيدلبيرك ماكس فايبر ، تمكن من التمييز بين أبعاد فعل التفلسف ، والتي هي نماذج من عملية التفكير الفلسفي ، ” يومها كان إهتمامه منصباً على محتوى النظر إلى العالم والذي أخذت قيمته تتناقص ، ومن ثم تحول نحو توجه جديد فيه إيجاز لعديد من الطرق المتنوعة . إلا إن المثال الأنموذجي ، هو إن التفلسف حقيقي ، وهو يغطي حياة الفرد في اللحظة الممنوحة . وبالنسبة لحانا أرنديت ، فهذا هو المنهج الكونكريت (الصلب / الواقعي) ، والذي هو لحظة إلهام ، وإن ياسبرز عاش فعل التفلسف ، وهو مثا إنموذج لها ” (10) .

   ونكتفي بهذا التمهيد وننتقل إلى ما قاله ياسبرز عن الطفلة حانا ، وهو عنوان الفصل الأخير من كتاب الباحثة سوزانا كيركبرايت . والواقع إنه بعد الحرب إلتقت حانا أرنديت بكارل ياسبرز في بازل في أيام أعياد الميلاد في العام 1949 . وإعتماداً على هذا التاريخ ، فإن حانا لم تعد طفلة  إشارة إلى عنوان الكاتبة سوزانا كيركبرايت ، وإنما هي  بنت ثلاث وأربعين  ربيعاً . والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا إذن هذا العنوان ” الطفلة حانا ” ؟ ليس هناك مايبرر لمثل هذا العنوان من الناحية المنهجية ما دام  الحديث بدأ عن حانا إمرأة في الثالثة والأربعين هذا من طرف المراسلة بعد إنهاء الحرب ، وهي طالبة دكتوراه في العام 1926 / 1927 وهي بنت الثانية والعشرين ربيعاً من طرف أخر . على كل مسألة نؤكد عليها ، ولكن نحسب إن في العنوان كما يبدو لي تصفية حسابات مع هيدجر والتلويح له بأنه أقام علاقة رومانسية مع الطفلة حانا .  

  وحينها كتب ياسبرز إلى زوجها هنريخ بلوشر . فقال :

زوجتي وأنا جداً سعيدين . ومن حانا نستمد الشجاعة ، لا لأنها ثابتة وذات ثقة عالية فقط ، بل هي مثال للعمل الخلاق وهو شاهد على شخصيتها . وهذا النوع من الحقيقة هي الحقيقة الباقية اليوم من الماضي (11) . والحقيقة إن ياسبرز يشير إلى ما هو مقدس في عالم حمله مسؤولية ، وذلك حين قبل توصية هيدجر بترشيح حانا أرنديت على أن تكون أول باحث دكتوراه تحت إشرافه في العام 1926 (منا : إن ياسبرز رئيس قسم منذ العام 1920 ولم يكن لديه إشراف على أية إطروحة إلا بعد ست سنوات وبدأ الإشراف مع حانا أرنديت) . ومن ذلك الوقت ياسبرز إعترف بمستقبل حانا إرنديت الباهر ، والذي يتخطى البحث الفلسفي الأكاديمي . وفعلاً فإن هذا جاء في التقرير الذي كتبه ياسبرز كممتحن لإطروحة حانا في الدكتوراه ، والمعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين (1929) (12) .

   وفي التقرير كشف ياسبرز بصورة تحليلية لمساهمتها المتفردة في مضمار البحث في فكر القديس أوغسطين (رغم إنه لم يمنح هانا درجة عالية يومها) . فقد ظهر ياسبرز مصعوقاً بقدرة حانا الخلاقة في الشرح . فقال :

 يتطلب الشرح الفلسفي لأوغسطين إمكانية عالية من الإدراك ، وذلك من خلال قراءة النص ، والذي هو بصورة كبيرة نص خطابي وتعليمي . وإن تراكيب الفكر فيها إتساق وتناغم  ، وتحتوي على لألئ كثيرة ، وهي في المحط الأخير قفزة ذكية في المضمون العقلي ، والذي جاء مكثفاً . وفي هذه القراءة الجريئة الكثير من التحدي والمواجهة مع القارئ ، ومن وقت ووقت فقط ، فإن هناك إعتراض واقعي من قبل القارئ بالطبع . حقاً إن كاتب هذه الأطروحة يمتلك موهبة عالية في القراءة (13) .

  غير إن هناك تحفظات لياسبرز حول ما أسماه بالأبعاد المنهجية لعمل حانا أرنديت ، ولكنه في الوقت ذاته ، بين ” قدرتها على تداول مفاهيم الحياة بطريقة تنير حقيقتها الراهنة ، والتي كان يطلق عليها بالتفلسف الموضوعي عند حانا أرنديت ” (14) . وبعد عقود عديدة ، وعندما تبدلت الإدوار ، وكانت لحانا أرندت الفرصة ، كتبت تقريراً عن مساهمة معلمها السابق ياسبرز . وفعلاً فقد عادت إلى ملاحظة ياسبرز حول التفلسف الموضوعي ، وبلغة حانا التفكير الموضوعي ، والذي جاء في خطابها الذي ألقته بمناسبة حصول ياسبرز على جائزة السلام الألمانية في العام 1958 ، حيث تكلمت عن كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة والذي صدر في العام 1932 . وحسب خطابها إنه وضع مجموعة معايير خلق مشكلات من الإتصال (التخاطب) مع عدد من المعاصرين في هذا المضمار . وتقويمها كان يدور حول ما أطلقت عليه تفكير ياسبرز المكاني . فأفادت :

  في هذا المكان ياسبرز دائماً يشع (فعل التنوير) ، وبالتحديد من خلال الكلام والإستماع إلى تفكيره تماماً ، ياسبرز موجود في البيت ، هذا هو بيت عقله (تفكيره) ، وذلك بسبب إنه المكان (الغرفة) بالمعنى الحرفي للكلمة ، وهي تماماً طرق التفكير التي يمكن تعلمها من خلال فلسفته ، وهي بمعناها الأصيل تعني المجلات المفتوحة على المكان . وفعلاً يعتقد ياسبرز إنها مكانية بسبب إنها دائماً تبقى تشير إلى العالم والناس الذين يعيشون فيه . ولكن ليس بسبب إنهم مشدودين بمكان معين . في الحقيقة العكس هو الصحيح ، فلأجل هدفه العميق أوجد ” مكانه الخلاق ” الذي يكون في إنسانية الإنسان ، والذي يبدو خالصاً ونوراً (15) .

   لقد كان لقاء حانا أرنديت بمعلمها ياسبرز في بازل ، فرصة نمو لتفكير حانا ، وهي فعلاً ثمنت بيئة بازل بأنها كانت مدينة تجديد الحوار مع معلمها ، حتى إنها صورت صدى هذا الحوار بأنه ظل رفيقاً حياً عاش معها في رحلة العودة إلى بيتها (أمريكا) . ومن ثم أخبرت ياسبرز قائلة :

 أنا جداً سعيدة برسالتك . وإن حياتي وتفكيري لازالا مشدودين إلى حوارنا في بازل . إنه من الرائع أن نستمر في هذا الحوار ، ونحن نتجول في الربيع والذي لم أر مثله في باريس . إنه مثل عالم الحلم مملوء بالزهور (16) .  

  صحيح جداً إن الفترة الزمنية التي فصلت بين حانا أرنديت ومعلمها ياسبرز قد تم التغلب عليها من خلال المراسلات . إلا إن حضورها من جديد في حياة المعلم ، هو أمر كانت متوقعاً ، خصوصاً من أهل بيت ياسبرز . وفعلاً فإن كيرترود زوجة ياسبرز كانت تنظر إلى حانا كواحدة من أعضاء عائلتها . إلا إنها في الوقت ذاته قلقة من الطفلة حانا ، وبعد زايارات حانا المتكررة ، لاحظت إن مناخ العائلة (المزاج) أخذ يتحسن بدرجات عالية (17) .

   ونحسب في الختام الإشارة إلى إن فلسفة ياسبرز السياسية أخذت تنتعش من جديد ، فيما يطلق عليها بسنوات ياسبرز في بازل ، والتي في الأساس جاءت لحظة  إلهام خلقتها إهتمامات حانا أرنديت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي تتوجت برائعتها في الفلسفة السياسية ، والمعنونة أصول الأنظمة الشمولية (الدكتاتوريات) ، وهو الكتاب الذي صدر في العام 1951 ، والذي كتب ياسبرز مقدمة لنشرته الألمانية التي صدرت في العام 1955(18) .

  وفعلاً فإن  ياسبرز بدأ يخطط في إستكشاف ما يعتبره مصادر نجاح حانا أرنديت في كتابها قبل أن ينشر وير النور ، والذي يدين إلى عقيدته في مستوى الموضوعية ، وهو الموضوع الذي إستمده من أعمال ماكس فايبر ، وهو طرف مهم من ذاكرة ياسبرز الحية عن فايبر ، خصوصاً في حضوره اللاواعي في ذهنية الشيخ ياسبرز . كل هذا جاء في حلم ياسبرز قبل نشر كتاب حانا أرنديت . يقول ياسبرز :

  ليلة البارحة عشت حلماً فريداً ، وكأننا سوية في بيت ماكس فايبر . وأنت يا حانا وصلت متأخرة ، وقد تم الترحيب بك بحرارة عالية . وكان طريق السلم يقود إلى ممر ضيق . وكانت الشقة في الحلم ، هي شقة فايبر القديمة . وكان عائداً لتوه من رحلة في العالم ، وقد جلب معه الكثير من المخطوطات السياسية وأعمال فنية ، وخصوصاً من الشرق . ومن ث وهبنا بعض منها ، وكانت حصتك الأفضل وذلك بسبب إنك تفهمين السياسة أكثر مني . وأنا شاهدتك بعيني ، وأنت تقومين بتصحيح الطبعات الأولية من كتابك الكبير . والسؤال : هل إعدت قراءة ماكس فايبر لمفهوم النموذج (الموديل لكل الأشياء) (وأشياء أخرى كذلك) (19) .

حضور ياسبرز في كتابات الفيلسوفة حانا إرنديت

   كتبت الفيلسوفة حانا أرنديت العديد من النصوص ، التي تناولت فيها كارل ياسبرز وفكره الوجودي ، وسيرته الذاتية ، وعلاقتها به خصوصاً لا تنسى إنه معلمها في جامعة هيدلبيرك والمشرف على إطروحتها للدكتوراه المعنونة مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . إضافة إلى إن مراسلاتهما قد صدرت في كتاب والتي غطت الفترة الممتدة من عام 1927 ، وهو تاريخ قدوم حانا أرنديت إلى جامعة هيدلبيرك لتبدأ بحثها في الدكتوراه وحتى موت ياسبرز في العام 1969 . كما إن ياسبرز كان حاضراً بصورة ملحوظة في رسائل حب 1925 – 1975  بين حانا أرنديت ومارتن هيدجر .

  وهنا سنبدأ بالمقالات المبكرة التي كتبتها الفيلسوفة حانا أرنديت وعالجت فيها أطراف من تفكير ياسبرز ومكانته في الفلسفة الوجودية :

أولاً – مراجعة الخطابات الأولى من رسائل حب 1925 – 1975 (20) والتي تبادلتها مع الفيلسوف مارتن هيدجر ، والتي ورد فيها الحديث عن كارل ياسبرز . وخصوصاً في رسائل ما يسمى بالرؤية الأولى ، والتي ضمت الرسائل من رقم واحد وحتى الرسالة رقم 45 والمؤرخة في شتاء 1932 / 1933 . وبالتحديد ماذا قالت حانا عن ياسبرز ؟ وماذا شاركها مارتن هيدجر في الحديث عن ياسبرز ؟ في الواقع إن خطابات هيدجر إلى حانا كانت هي المهيمنة بصورة مطلقة ، فقد بلغ عددها 42 رسالة ، في حين كتبت حانا أرنديت 3 رسائل فقط ، وهي الرسائل 11 ، 43 والرسالة 44 (21) .

  ولاحظنا إن حانا في رسالتها التي تحمل الرقم 11 والمؤرخة في أبريل 1925 والتي كانت بعنوان أشباح ، هي قطعة من رواية وجودية . وفعلاً إن هذه القطعة – الرواية قد سلمتها حانا إلى أرنديت ، وقرأها وعدل جملتين فيها . وليس فيها أية إشارة إلى المعلم ياسبرز (22) . أما رسالة حانا الرقم 43 والمؤرخة في (26 سبتمبر كما جاء في الهامش رقم 1 لهده الرسالة) من عام 1929 ، فهي الأخرى رسالة شخصية ليس فيها أي شئ يتعلق بياسبرز (23) على الرغم من إن تاريخها يدلل على إن حانا كانت قريبة من المعلم ياسبرز وجامعة هيدلبيرك ، وهي الفترة القريبة من تايخ حصولها على درجة الدكتوراه منها وبإشراف المعلم ياسبرز .

    وجاءت رسالة حانا الأخيرة التي تنتمي إلى فترة ما قبل الحرب (وبعدها فترة إنقطاع تمتد حتى 1950) ، فهي الرسالة التي تحمل رقم 44 والمؤرخة في 30 سبتمبر (منا : 1929) وهي رسالة مقارنة بين زوجها كونثر ومعلمها الحبيب هيدجر ، وفيها توحد وجودي لذات حانا ، وهي فارغة من أية إشارة إلى المعلم ياسبرز (24) . أما رسائل الحبيب هيدجر إلى حانا أرنديت في هذه الفترة المبكرة ، فقد حملت إشارات إلى ياسبرز ، وقد شارك هيدجرهذه المعلومات مع حانا طالبته أولاً ، وطالبة الدكتوراه للمعلم ياسبرز . وهنا سنمر عليها وبحسب متطلبات البحث .

  ففي الرسالة رقم 29 والمؤرخة في 14 سبتمبر 1925 ، يُخبر هيدجر حانا بأنه عازم على ” الذهاب إلى مدينته مسكيرش / بايدن ، وبالتحديد في 1 إكتوبر ، وسيمكث هناك ثمانية أيام ، ومن ثم سيتوجه من هناك في زيارة إلى جامعة هيدلبيرك لمدة عشرة أيام ، وسيقابل ياسبرز خلالها ” (25) . ومن ثم شارك هيدجر طالبته الحبيبة حانا أرنديت بمعلومات عن زيارته القصيرة إلى ياسبرز ، ومن ثم يُفضي لها طبيعة الحال الذي تمر به صداقتهما . جاء هذا في الرسالة رقم 31 والمؤرخة في 18 / 10 / 1925 . يقول هيدجر في رسالته التي بعثها من جامعة هيدلبيرك  : ” العزيزة حانا

شكراً لرسالتك الطيبة التي وصلتني إلى مسكيرش … من سوء الحظ ، فإنني سأمكث هنا مع ياسبرز فترة قصيرة ، وذلك لأن هنا (أي في هيدلبيرك) إجتماع أخر في الإسبوع القادم … (ومن ثم يقول) وأنا آمل أن أعود إلى العمل (ربما هنا هيدجر يلمح إلى العمل في كتاب ياسبرز ثلاث مجلدات في الفلسفة / القصة أعلاه ) . والأن كل شئ يبدو هادئ بصورة غير إعتيادية ” (26) .

  أما رسالة هيدجر إلى حانا ، والتي حملت الرقم 32 والمؤرخة في 5 نوفمبر 1925 ، فقج أخبرها عن تحسن علاقته بالأستاذ ياسبرز . فقال :

 ” عزيزتي حانا

اليوم أنا حييتك خلال محاضرتي ، ولاحظت إنك كنت سعيدة في المحاضرة …

وأنا كتبت إليك هذه الرسالة ، بالغم من إنك لم تتوقعين السبب وراء صمتي . أنا جداً سعيد إنك في المحاضرة ، وأنا آمل إنت وأنا سنلتقي قريباً . أما بخصوص الأيام التي قشيتها مع ياسبرز ، فكانت هادئة ومثمرة لي ، وأنا وياسبرز أصبحنا في علاقة حميمة مرة أخرى ، بالرغم من إننا نعرف بعضنا البعض جيداً ، ولكن في الحقيقة إن صداقتنا هي دائماً في جو من الصراع …” (27) .

   ومن ثم جاءت رسالة في غاية الأهمية في علاقة هيدجر وحانا وياسبرز . وهي الرسالة رقم 37 ، والمؤرخة في 7 ديسمبر 1927 ، ويومها حانا تكتث إطروحتها للدكتوراه تحت إشراف ياسبرز . وفيها هيدجر كان يبحث عن كل الوسائل للإتصال بحانا ، وهو في درجات عالية من الشوق للقاء بها ، وخلال الرسالة شارك حانا ببعض المعلومات عن مقابلته للمعلم ياسبرز . يقول هيدجر :

” عزيزتي حانا

فولا ، يت سيس (بالألمانية) ! هذا هو الجواب الوحيد ، الذي أعبر فيه عن رسالتك الحبيبة . وأنت ستظلين دائماً ، تلك الهبة لي كما كنت في أول يوم . وإن رسالتك جعلتك أن تكون قريبة أكثر إلي . أنا أمسك بيديك الحبيبتين بيدي ، وأصلي معك داعياً لك السعادة … وعندما سمعت من جونز (صديق حانا الوفي وواحد من تلاميذ هيدجر) في أب من إنك ستكونيين في الخريف في هيدلبيرك ، فإن رغبتي الوحيدة ، أن أراك هناك مرة ثانية … وفعلاً فقد صرفت في مايس بضعة أيام مع ياسبرز … وكنت على أمل أن ألقاك هناك ، وكنت أتطلع للحديث مع أي شخص ، ولذلك سألت ياسبرز عن أحوالك ، والحقيقة إن ياسبرز ذكر الكلام الطيب عنك وعن عملك ، وأنا تمالكت أنفاسي وهو يتكلم عنك . إنها كانت أكثر من مناقشة ، وتبادلنا الأخبار عن الأخرين . ومن ثم صعقني عندما أخبرني ” إنه يعتقد إنك مخطوبة الأن ، وبدون ملاحظته ، تطلعت بعجلة إلى إنهاء المناقشة ، حتى أكون وحيداً مع نفسي … (وتابع هيدجر) إن ياسبرز ذكر عقيدته لي ، وأنا لم أثير أي سؤال حولها ، ومن ثم تحولت مناقشتنا إلى مايشبه القيل والقال عن الأخرين ، ورأيت نفسي مفعماً بالسعادة عندما ياسبرز قيمك بجدية وكشف عن الأصالة في عملك (28) .        

  ولعل الرسالة الأخيرة في هذه المرحلة (ما قبل الحرب) التي بعثها إلى حانا وشاركها ببعض المعلومات عن ياسبرز حملت الرقم 40 والمؤرخة في 2 نيسان 1928 . يقول فيها :

” العزيزة حانا

البارحة قبلت العرض من جامعة فريبيرك … وأنا سأبدأ معهم في 1 إكتوبر . وسأبقى في ماربورك حتى الصيف ، وفي طريق عودتي من برلين حيث ناقشت شروط العرض في 28 أذار ، توقفت في هيدلبيرك ليوم واحد ، وقمت بزيارة إلى ياسبرز ، ورتبنا أن أعود إلى هيدلبيرك لزيارة ياسبرز في 15 نيسان وحتى 20 نيسان . وإن أفضل شئ عمله ، هو أن ترسلي عنوانك في هيدلبيرك … حتى نرتب للقاءنا . وأنا أتطلع لرؤيتك جدا جدا … ” (29) .

  أما في رسائل ما بعد عام 1933 ، وهو العام الذي تم إنتخاب هيدجر رئيساً لجامعة فريبيرك فلها قصة مختلفة ، فبعد عشرة أيام من ذلك إنضم إلى الحزب النازي ، وبالتحديد في 1 مايس 1933 ، ومن ثم إستقال من رئاسة الجامعة في نيسان عام 1934 . وكان شجاعاً فقد توقف من حضور إجتماعات الحزب النازي ، وترتب على ذلك  صدور قرار بمنعه من قبل النازيين من التدريس والحظر على منشوراته وكتبه لفترة . صحيح إن حانا أرنديت عانت الكثير من النظام النازي ، والحال ذاته عاشه كارل ياسبرز ، والذي واجه تعليقاً لدرجته في الأستاذية ، ومن ثم أحيل على التقاعد . ولكن بدلاً من قيام حانا وياسبرز بتحليل واقع ألمانيا النازية بصورة شاملة والإعتراف بأن الجميع كانوا ضحايا النازية ، أخذت حانا وياسبرز يرمون باللوم على هيدجر ، الذي هو الأخر ضحية النظام ، ومن ثم أصبح ضحية على يد صديقه ياسبرز وطالبته الحبيبة حانا . إنها حقاً كانت محنة الفيلسوف هيدجر ، الذي صمد بوجه رياحها … وعاد إلى التدريس والنشر بعد إن طردته قوات الإحتلال الفرنسي بسبب تأييده للسياسات القومية النازية … ومن ثم أعادته إلى التدريس بعد قال كلماته الذائعة الصيت : إنها لحظة غباء تابع فيها غريزة القطيع .

ثانياً – حوار حانا مع ياسبرز حول القومية الألمانية وماذا تعني له ؟ 

  إن مصدرنا في عرض هذه القضية المشكلة في تفكير ياسبرز ، هو واحد من المصادر ذات الأهمية في البحث عن حياة وفلسفة حانا أرنديت ، ونعني كتاب الباحثة إليزابيت يونك بريهل ، والمعنون حانا أرنديت : من أجل حب العالم . تقول إليزابيت وهي تلقي الضوء على الخلاف بين حانا وياسبرز وفي وقت متقدم من الحياة السياسية الألمانية :

عندما جاء هتلر إلى السلطة في ألمانيا ، فإن حانا أرنديت واجهت كارل ياسبرز ، خصوصاً بعد فرض النازية ودفعها بقوة في الحياة الألمانية ، ودخلت حانا وياسبرز في مناقشات عديدة حادة (حماسية) حول : ماذا تعني القومية الألمانية لياسبرز ؟ والحقيقة إنه تعلم من ماكس فايبر ، كما إعتقد (أي ياسبرز) بأن فايبر ” هو القومي (الوطني) الألماني الخلاق الأخير ” . إن القومية كما شعر فايبر ، ” هي حرية إرادة القوة في إمبراطورية واحدة ” وذلك بسبب إنها تهدف إلى تحقيق ” الوجود الفكري الأخلاقي … بإستخدام القوة ” . الواقع إن ياسبرز لم يتفق مع ماكس فايبر في ” مفهوم بروسيا العظمى ” أو ما أسماه فايبر ” بالروح العسكرية ” . وفعلاً لقد أدرك ياسبرز بعد موت فايبر بأن ” القومية السياسية ، والعقل العسكري في السياسة ، هما من الموضوعات الخطيرة جدا جدا لألمانيا ” . إن حديث ياسبرز عن الألمانية  هو مجرد ” موضوع لغة البيت والحدائق الخلفية ” . وهذا هو التقليد العقلي العظيم ، الذي شعر ياسبرز إنه إرتبط به في وقت مبكر . ومع تثمين حانا أرنديت لهذه النظرة التي عرضها ياسبرز ، فهي لم تترد على الإطلاق في إعلامه وجهاً لوجه ، بأنه فشل فشلاً ذريعاً في تقدير تهديدات الإشتراكية الوطنية (منا : النازية) ولم يتمكن من تحرير نفسه من الثقة الساذجة بمتابعة المواطنية  في مرحلة النضوج السياسي ” (30) .

      وحتى ننصف حانا أرنديت وكارل ياسبرز ، نود العودة إلى صديق ياسبرز الحميم الدكتور إرنست ماير ، وأخ زوجة ياسبرز كيرترود ، والذي أظهر مخاوفاً عن تورط ياسبرز في العمل السياسي ، وخصوصاً في إنخراطه في نشاطات الحزب الوطني (القومي) الديمقراطي . وجوهر القضية كلها ، هو إن ياسبرز بدأ يكتب كتاباً عن ماكس فايبر لحظة صعود هتلر إلى السلطة . ومعروف للقاصي والداني إن ماكس فايبر قد قبل في جمهورية فايمر ” وظيفة مستشار في كتابة الدستور ” . ومعلوم إن جمهورية فايمر جاءت نتيجة لخسارة ألمانيا في الحرب العالمية . فوقف ماكس فايبر ” مدافعاً عن سلطة الرئاسة بجانب سلطة المستشار ” . وهذا الموقف لن ينساه هتلر الذي أصبح فيما بعد مستشاراً . فعلاً إن ياسبرز أكمل مخطوطة كتاب ماكس فايبر ، وإن نشر الكتاب بالتأكيد سيربط إسم ياسبرز في أذهان النازيين ، وخصوصاً هتلر بالسياسي ماكس فايبر .

  وعلى هذا الأساس أعترض إرنست ماير على نشر كتاب ياسبرز ” وفضل تعطيل عملية الطبع . إلا إن ياسبرز تشكى من معارضة إرنست ، وزعم إن تخليه عن المشروع تترتب عليه تبعات قانونية ومالية وفقاً للعقد مع الناشر . وفي رسالة إلى والديه أيد بأن عملية النشر ستأخذ بالإعتبار بملاحظات أرنست ماير ، وقال بالحرف الواحد ” لكنني لا أشارك إرنست الرأي ، وأنا معجب بالكتاب ، وسأجري بعض التنقيحات في النص بالرغم من معارضة إرنست ، وقوله إن في الكتاب خطورة ، وبالطبع سيكون عملاً خطأ إذا جاء البرهان على صحة رأي إرنست ” . ولكن هذا ماحدث بعد نشر الكتاب ، فأعلن ياسبرز ” بأن كتابه قد أُسئ فهمه ومعاملته ” . وهكذا جاء إعتقاد ياسبرز ” بأن إرتباط إسمه بمجموعة من القوميين ، هو كلام لا أهمية له ” وهو في الواقع كلام غير دقيق . في حين ” إن قلق أرنست ماير ” كان في محله وإن حسابات ياسبرز ، هي مجرد إفتراضات ” غير واقعية ” (31) .

   وقبل مغادرة هذه القضية ، نود إن نشير إلى إنخراط إسرة  ياسبرز (والديه) في عالم السياسة ترك إيقاعات مهمة على إهتمامات ياسبرز المستقبلية ، وسيدفع ثمنها الغالي في حسابات النظام النازي الذي حفر في ماضي ياسبرز وجمع كل الوثائق بحيث إستخدمها دليلاً ضده ، فأوقفه من التعليم الأكاديمي بعد إن علق أستاذيته وأحاله على التقاعد (وبحجة إن زوجته كيرترود يهودية) . ومثلما سد الطريق أمام الفيلسوفة حانا إرنديت ، وحرمها من فرصة كتابة إطروحتها للدكتوراه الثانية ، وهي إطروحة التأهيل للتدريس الجامعي بحجة كونها يهودية أو ربما بحجة خفية وهي كونها تلميذة الفيلسوف ياسبرز .

  والواقع إن هذه الأثار السياسية جاءت من طرف والدته هنريت ، فقد أصبح أخيها ثيودور تانتزين (1877 – 1947) وزيراً لأولدنبيرك ، وكان يُسافر كثيراً خلال حكومة جمهورية فايمر + . المهم هو إن والدي ياسبرز (وربما ياسبرز بشخصه

     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ هو الإسم الذي منحه المؤرخون للجمهورية الفدرالية التي قامت نتيجة للحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا . وإمتدت ما يقارب العقد والنصف من السنين ، وبالتحديد إستمرت من عام 1919 وحتى عام 1933 حين إستولى هتلر على مقاليد الأمور ، وحل محلها الرايخ الثالث . ويطلق عليها إسم الديمقراطية الفاشلة ، وذلك بسبب إستغلال الحزب النازي للديمقراطية وصعوده إلى سدة الحكم بسهولة ميسرة . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كذلك ، فقد كان يومها إبن السادسة والعشرين ربيعاً) يتابعون خطابات خاله ثيودور تانتزين في الصحف المحلية . ويقرأون بنشاط عال حول عالم الإجتماع الألماني ماكس فايبر (1864 – 1920) وطموحات عائلته السياسية والتي تناقلاتها المراسلات المتبادلة والتي كشفت عن مبادئهم الوطنية والديمقراطية (32) .     

ثالثاً – مقالها المعنون ما هي الفلسفة الوجودية ، والذي ظهر في العام 1948 . 

  الحقيقة إن هذا المقال ، نشر أولاً بالألمانية ، وهو مساهمة لإستكشاف تاريخ الفلسفة الوجودية ، قامت به الفيلسوفة حانا أرنديت (الوجودية في هذه المرحلة من تطور فكرها الفلسفي والذي بدأ مع إطروحتها مفهوم الحب عن القديس أوغسطين) ، وبالنسبة فيما يتعلق بموضوع بحثنا بيان جهد معلمها كارل ياسبرز في هذا التاريخ ، وخصوصاً إنه عمل كتف بكتف مع كل من ماكس فرديناند شيلر ومارتن هيدجر . تقول حانا أرنديت : ” يصعد تاريخ الفلسفة الوجودية على الأقل إلى مئة عام أبعد ، فقد بدأ مع عمل شلنج الأخير ومع كيركيجارد . إلا إنه إتخذ مع نيتشه إتجاهات جديدة متنوعة ، والتي لازالت في مرحلة إستكشاف حتى اليوم . والحقيقة إن هناك عنصر كبير للوجودية في تفكير برغسون ، وبالتحديد في طرف ما يُطلق عليه فلسفة الحياة . غير إنه في ألمانيا ما بعد الحرب (منا : الحرب العالمية الأولى) وصل البحث في الفلسفة الوجودية إلى درجات عالية من الوضوح في أعمال كل من شيلر ، وهيدجر ، وياسبرز ، والتي كونت الإهتمامات المركزية للفلسفة الحديثة (منا : الأدق المعاصرة) (33) .

  ومن ثم خصصت حانا أرنديت مجالاً للحديث عن رؤية ياسبرز ، في المحور المعنون ولادة الذات ، وبعد إن بدأت تحليلاتها بكيركيجارد ، عبرت إلى ماركس ، ومن ثم عرجت إلى ياسبرز . فأفادت : ” قدم ياسبرز في كتابه سايكولوجيا النظر إلى العالم ، محتوى جديد في الفلسفة ، ويظهر لأول مرة بوضوح عال ، فهناك عند ياسبرز ما يسمى بالمواقف المحددة ، والتي تكون الطبيعة المشكلة (منا : المتناقضة) لوجود الإنسان ، والذي وضع نفسه فيه ، وقدم له دافع حقيقي لمتابعة الدرس الفلسفي . وحتى في أعماله المبكرة ، فإن ياسبرز حاول خلق إنواع جديدة من الفلسفة والتي تنهض على أسس هذه المواقف . وإنه أخذ هذا المحتوى من كيركيجارد ، إلا إنه أضاف إليها ، ولذلك يطلق عليها حيناً بالنضال ، وبعض الأحيان  

 يسميها الحب . ولكنها أصبحت فيما بعد عنده نظرية في التواصل ، والتي هي بالطبع نوع من الخطاب الفلسفي ” (34) .

  وكذلك تحدثت حانا أرنديت عن ياسبرز في محور جاء بعنوان خصائص الوجود الإنساني ، فرأت تاريخياً إنه من المناسب أن نبدأ مناقشة الفلسفة الوجودية المعاصرة مع ياسبرز ، وذلك لأن كتابه سيكولوجيا النظر إلى العالم ، والذي ظهرت طبعته الأولى عام 1919 ، هو دون شك الكتاب الأول من المدرسة الجديدة (منا : يُجمع الباحثون الأكاديميون في الغرب على إن ياسبرز لم يُؤسس أية مدرسة فكرية على الإطلاق) . وتعتقد حانا إن هناك سبب أخر يحملنا للحديث عن ياسبرز ، وهو إن كتابه الكبير في الفلسفة (ثلاث مجلدات) ظهر بعد خمسة سنوات ، من نشر هيدجر لكتابه المشهور الوجود والزمن + . إلا إن كتاب ياسبرز ثلاث مجلدات في الفلسفة (حسب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ يبدو هنا إن الفيلسوفة حانا أرنديت تلعب في الألفاظ ، خصوصاً في تقييم كتاب هيدجر الأنجيلي في تاريخ الفلسفة الوجودية المعاصرة . فجاملت المعلم ياسبرز على حساب المعلم الحبيب (النازي) هيدجر . وهي قضية مفهومة يفضحها تاريخ نشر هذا المقال (عام 1948 وفيها حانا وهيدجر في مرحلة حرجة من علاقتهما) . والحقيقة التي لم تتمكن حانا من إغفالها ، هو إن تاريخ كتاب هيدجر الوجود والزمن قد ظهر إلى العالم قبل كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة بخمسة سنوات على الأقل كما إعترفت حانا أرنديت في النص أعلاه . أما كتبه (أي كتب ياسبرز) الأخرى ، فهي تصنف في مضمار الطب النفسي ، وهو إختصاصه الأول .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رأي حانا أرنديت) ” لازل فاعل وبقي أكثر حداثة ، وذلك بمعنى إنه أستمر عاملاً دافعاً في الفكر الفلسفي الحديث ” (35) . 

رابعاً – مقالها المعنون الإهداء إلى ياسبرز ، والذي ظهر في 1948 (وهناك إشارة في نهاية المقال تدل على إنها كتبته عام 1947) .

   تناولت الفيلسوفة حانا أرنديت أطراف من الدروس التي تعلمتها من المعلم كارل ياسبرز في هذا المقال ، والذي جاء بعنوان إهداء إلى ياسبرز ، والذي نشرته بالألمانية أولاً ، وحمل في بدايته عنواناً فرعياً ترويجياً (إعلامياً / بروبكاندياً لصالح ياسبرز / وتصفية حسابات مع هيدجر) جاء نصه بكلمات حانا ” الليبرالي الشريف ” (36) . إن المقال موجه إلى ياسبرز كما يعلن العنوان ، ولكن في الحقيقة هو خطاب حانا إلى الشعب الألماني ، تصف فيه محنتها ومحنة أهلها بصورة مطلقة (اليهود الألمان) ، وخصوصاً في المنفى وتدافع عن حقهم كيهود ألمان (37) . ولعل الجانب الخاص بحديثها عن المعلم ياسبرز ، هو الجانب الذي أعادت إنتاجه مرات عديدة ، وفي مقالات متنوعة ، والذي أكدت فيه على تلمذتها على يد المعلم ياسبرز الإنسان الإنموذج . تقول حانا أرنديت : ” والسؤال : ماذا تعلمت منك ؟ وكيف ساعدني في السنوات اللاحقة ، من إكتشاف طريقي في وسط الحقيقة ، دون أن أبيع روحي لها . في حين إن كثير من الناس الذين وجدوا أنفسهم في وسط هذا الطريق ، وفي أزمان مبكرة ، قد باعوا أنفسهم إلى الشيطان . وهو الشي الوحيد المهم ، لا للفلسفات وإنما للحقائق ، والذي يحمل الشخص على العيش والتفكير في عالم مفتوح ، وليس العيش والتفكير في خندقه الصغير ، وليس المهم ماذا يحتوي هذا الخندق من أثاث توفر الراحة … إنه إغراء لنا لنعلب دوراً ، بدلاً من أن نحاول أن نكون وجود إنساني . أنا لم أنسى على الإطلاق شخصياً إتجاهك (ومن الصعوبة وصفه) على الإستماع ، وتسامحك الذي فيه إستعداد دائم على توجيه النقد . ولكنها لم تكن خالية من الشكية والحماسية . وفي النهاية يمكن الإعتراف بالحقيقة القائلة : إن كل الموجودات الإنسانية هي موجودات عقلية ، ولكن في الوقت نفسه ، إن عقلية الموجودات الإنسانية ليس معصومة من الخطأ ” (38) .

  ولاحظ الباحثان إن في هذا المقال الذي كتبته الفيلسوفة حانا أرنديت ، أعتراف بقلمها في حجم الأثر الذي تركه المعلم ياسبرز على شخصية حانا وعلى تفكيره . ولعل خير طريقة لبيان كل ذلك ، إن نترك الفيلسوفة حانا تتحدث بنفسها عن هذا المصدر المتفرد . حيث أفادت : ” ولنعود مرة أخرى إلى ياسبرز . فعلاً لقد وجدت نفسي مُغرمة بتقليده ، حتى في طريقة كلامه . والسبب إن هذه الطريقة قدمته لي رمزاً إنسانياً ، يتعاطى بطريقة مفتوحة ومباشرة مع العالم . إنه حقاً كائن إنساني خال من كل دوافع مستورة (خفية)” (39) .

  وفي نهاية المقال تقرأ حانا أرنديت على القارئ أشبه ما يكون بخاتمة خطابها الإعلامي (البروبكاندي) عن شخصها وشخصية معلمها ياسبرز ، فتقول : ” وفي حالتي (أي حالة حانا أرنديت) ، فإن حياتك (أي حياة ياسبرز) وفلسفتك قدما لنا إنموذجاً إنسانياً ، وبالتحديد في طريقة كلامه مع الأخر ، بالرغم من هيمنة الظروف المصاحبة للطوفان ” (40) .

خامساً – الرسالة رقم 142 التي بعثتها حانا إلى ياسبرز من نييورك في 13 مايس  1953 ، والتي نشرت في كتاب مراسلات 1926 – 1979 (41) .  في الحقيقة تركز أغلب مراسلات حانا وياسبرز على مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي غلب عليها إهتمامهما بقضايا تخص ألمانيا ، وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية . وفعلاً فقد كانت حانا وياسبرز من المتحمسين بصورة غير إعتيادية للولايات المتحدة الأمريكية . ولكن هذا الحال تبدل جذرياً عندما صعدت المكارثية+ ، والتي حملتهما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ المكارثية هي نهج وعقيدي سياسي أمريكي إرتبط بشخص السنتور الجمهوري جوزيف مكارثي (1908 – 1957) (ومن ثم الرئيس الأمريكي للفترة من 3 كانون الثاني وحتى 2 مايس 1957 وهو تاريخ وفاته) . ويومها كان سنتوراً لولاية وسكنسن . والمهزلة إن هذا السنتور كان ديمقراطياً للفترة من 1936 وحتى 1944 ، فعبر الخطوط الحمر بين الحزبين الأمريكيين ، وأصبح جهورياً بين عشية وضحاها .

  ويبدو إن مكارثي بعد ثرث سنوات من إنتخابه سنتوراً لم يعمل شيئاً مميزاً . ولكن شخصيته فجأة أصبحت في دائرة الضوء السياسي الأمريكي ، وأصبح مشهوراً في عام 1950 وذللك حين أعلن في خطابه المثير للجدل ، بأن لديه قوائم لأعضاء الحزب الشيوعي وأعضاء لحقة من الجواسيس يعملون في وزارة الخارجية .

  وفعلاً فقد لاحظ الباحثون إن بدايات المكارثية نهضت على مزاعم مكارثي بأن هناك عدداً كبيراً من الشيوعيين والجواسيس للإتحاد السوفيتي ، وعدد من المتعاطفين معهم يعملون فعلاً في داخل المؤسسات الحكومية الفدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك في مواقع أخرى . وفي النهاية فأن ستراتيجية مكارثي وتكتيكه لم يكن يتوافر دليل ليثبتها ، فقد رفضت مزاعمه بنقد وتوبيخ شديدين من قبل مجلس السنتورات الأمريكي .

  وفي الحقيقة إن مصطلح المكارثية قد تم صياغته في عام 1950 مع ربطه بنهج السنتور مكارثي ، ومن ثم أصبح إصطلاحاً نهج سياسي يدل ويعني ” مقاومة النشاطات الشيوعية ” . واليوم يستعمل المصطلح ليعني بصورة عامة على إصطلاح ديموغوجيا (وهو في جوهره ستراتيجية تنهض على إقناع الناس على أساس مخاوفهم وأفكارهم المسبقة) وعدم إكتراث وعلى أساس تهم لا أساس موضوعي لها ، وإستخدام إسلوب الهجوم الجماهيري على الشخصية الوطنية للخصوم السياسيين .

  وللتاريخ فإن الكنيسة الكاثوليكية وعائلة أل كندي الديمقراطية قد وقفا مع مكارثي الجمهوري ، (والذي كان كاثوليكياً مثل أل كندي) في معارضة الشيوعية والشيوعيين . فمثلاً جون كندي الديمقراطي عمل مع مكارثي خلال الفترة من عام 1953 وحتى موته ، ولم يهاجمه ، وذلك على حد قول جون كندي “ الجحيم ، إن نصف الأصوات التي حصلت عليها في ماسشيوستس تظر إلى مكارثي كبطل ” . للإطلاع أنظر :

Jack Anderson & Ronald May, McCarthy: the man, the Santor and McCarthism, Beacon Press 1952.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 على تغيير مواقفهما من الولايات المتحدة ، وخصوصاً بعد إضطهادها للمفكرين اليساريين ، إضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بفترة ما بعد الحرب ، وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية .

  ونحاول هنا تقديم بعض المقاطع من رسالة الفيلسوفة حانا أرنديت إلى المعلم ياسبرز . تقول حانا : ” كنت أتطلع في الكتابة إليك منذ أشهر ، وذلك لأشكرك على رسالتك ، وأدعك تعرف … بأنني جداً مبتهجة حول تكريمكم . والسبب إنني لم أكتب لك لحد الأن ، هو الظرف الثقيل الذي نعيشه كل يوم ، وكل لحظة ، والذي إنتزع منا الرغبة في عمل أي شئ . ومن المحتمل إنك إطلعت على ذلك من خلال ما تنقله الصحف . فهل تتصور حجم الإنقسام العميق الذي حدث ؟ حقيقة أصبح من الصعوبة جداً إظهار أية مقاومة ، وكل شئ ذاب مثلما تذوب الزبدة تحت الشمس . إن المهم هو إخبارك إن التشرذم طال ماكنة الحكومة ، ومن ثم إنعكس على مؤسسات الوعي ، حيث ضاعت منها السلطة القانونية ، ونتيجة لذلك ضاعت فرصتها في الإمساك بالسلطة … ” .

 ومن ثم قدمت حانا أرنديت بعض الأمثلة الحية ، التي تكشف عن جوهر الكارثة التي خلقتها المكارثية في الحياة الأمريكية ، وحياة المواطن الأمريكي على حد سواء ، فذهبت تفصل في رسالتها إلى المعلم ياسبرز . فأفادت : ” إن النتائج الحقيقية للكارثة ، هو إن التطاولات اللاقانونية مستمرة وأخذت بالإنتشار . وكل شئ يحدث خارج نطاق القانون . فمثلاً أولاً إن الحزب الشيوعي لم يُحرم بالقانون ، وهذه كارثة وفي الوقت ذاته مصيدة (فمثلاً كل مدافع عن تحريم الحزب الشيوعي سيُقال له بأنك ضد الديمقراطية) . والحقيقة إن الحزب الشيوعي لم يُلغى . في حين إن كل من إنتمى للحزب الشيوعي لا يستطيع الحصول على فرصة عمل ، بل ويُهاجم وتُحط قيمته … ألخ .

  وإن الشخص الوحيد الذي يفهم هذا الأمر ، هو جورج شوستر رئيس كلية هنتر في نيويورك ، والذي يقول : إذا الحزب الشيوعي مُنع عن العمل ، فهذه إغلوطة حول الحزب ، وذلك لأن كل شيوعي يكون قد إرتكب مخالفة قانونية . ولكن كل ما عمله في الماضي ليس من شغل أي فرد . وإن فاعلية القانون لا تكون لها علاقة بالماضي . وهناك الكثير من الأمثلة الصارخة ، والتي تدور حول ” ماضي الناس ” . وهذا الأمر ليست له علاقة بالقوانين ذاتها ، وإنما بالإدارة والإداريين ” (41) .

   وكانت حانا أرنديت شجاعة في قول الحقيقة ، ودون خوف أوتردد أخبرت المعلم ياسبرز حول ما جرى بعد صعود المكارثية ، وفي مقالها نقد وتقويم لواقع الحياة الأمريكية خلال المكارثية ، مع نقد خفيف للمعلم ياسبرز ، وبالتحديد في إستمراره في نشاطات مؤتمر الحرية الثقافية . فأفادت ” وسأحاول إعلامك عن تفاصيل كل ذلك . بالرغم من خوفي بأنك ستعتقد بأنني أبالغ في وصف الموقف . والسبب بسيط جداً ، وهو إن إعلامك بالحقيقة أمر مهم جداً بالنسبة لي . وأشعر إنه ليس من الممكن (وقبل بضعة سنين كانت ممكنة) أن تقف مع أمريكا دون تحفظ . وأنت تعرف بأن كلانا قد عمل ذلك (42) .

  وتتابع حانا في رسالتها إلى ياسبرز تحليل الموقف بعد صعود مكارثي رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية . فتقول ” إن هذا لا يعني أن نقف مع الكورس الأوربي ضد أمريكا . ولكن في الواقع إن المخاطر أصبحت واضحة وحاضرة أمام المشاهد . كيف كل هذا حدث ؟ لا أحد يعرف ذلك . ولكن إذا إفترضنا إن مكارثي لم يكن رئيساً لأمريكا في العام 1956 ؛ ما ذا كان الحال ؟  الحقيقة إن هناك حظ كبير بأن كل شئ سيظل على ما يرام . ولكننا شهود حول ما حدث هنا اليوم ، وأنت تتذكر بأننا تحدثنا السنة الماضية عن مؤتمر الحرية الثقافية . وأنا أعرف الشئ القليل حول نشاطاته في أوربا ، المشكلة بالنسبة لي ، هو بقاءك فاعلاً فيه . ربما إن الموقف في أوربا مختلف ، ولكنك تعرف بأن المؤتمر عازم على إصدار مجلة جديدة في لندن ، وبالتعاون مع سبندر+ وكريستول (…) وهو المدير هنا كناشرين . وكريستول++ أخبرني بأن المجلة ستكون النسخة الإنكليزية للموناد … ” (43) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ هو ستيفن سبندر (1909 – 1995) شاعر وروائي وكاتب مقالات ركزت معظمها على الظلم الإجتماعي والصراع الطبقي . وعندما إندلعت الحرب الأهلية الأسبانية ، ذهب ليقاتل قوات فرانكو ، وكان في الوقت ذاته مراسلاً للحزب الشيوعي البريطاني . كما إنه كان في فترة مبكرة من أعضاء اليسار السياسي . وهو من أوائل الكتاب الذين أعلنوا عن فك إرتباطهم بالشيوعية ، وكتبوا شهاداتهم وصدرت في كتابات بعنوان الله الذي فشل (1949) .

  وسبندر هو مؤسس مشارك لمجلة الأفق ، ورئيس تحريرها من 1939 وحتى 1941 . ومن ثم رئيس تحرير مجلة المعارض من عام 1953 وحتى عام 1966 ، ومن ثم إستقال بعد بزوغ مؤتمر الحرية الثقافية ، والذي أصدر مجلة مولتها وكالة المخابرات الأمريكية . وسبندر يلح دائماً بأنه لا يعرف مصادر تمويل مجلة المعارض . للتفاصيل أنظر :

John Sutherland, Steven Spender: The Authorized Biography, Viking 2004.

+ + وهو إيرفانك كريستول (1920 – 2009) صحفي وكاتب عمود ، وكان عضواً في مجموعة صغيرة من التروتسكية (مؤيدي تروتسكي) وهي مجموعة معارضة للإتحاد السوفيتي يومذاك . وإنه واحد من مفكري مدينة نيويورك ، ومن ثم إنتمى إلى مؤتمر الحرية الثقافية . وكتب في مجلة الشرح من عام 1947 وحتى 1952 . وهو مؤسس مشارك (مع ستيفن سبندر) لمجلة المعارض البريطانية من عام 1953 وحتى عام 1958 . وأصبح رئيس تحرير مجلة المراسل من عام 1959 وحتى عام 1960 . من أهم مقالاته : الرجل والأفكار : نيكولا ميكافيلي / مجلة المعارض ، ديسمبر 1954 . وميموارز تروتسكي ، نيويورك تايمز 1977 . للتفاصيل أنظر :

Irving Kristol, Neoconservatism: The Autobiography of an Idea, New York 1995.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

  ومن ثم تابعت حانا أرنديت  في طرف أخر من رسالتها إلى المعلم ياسبرز ، بالحديث عن نشاطاتها الأكاديمية ، فقالت ” أنا مشغولة الأن في التحضير لمحاضراتي في جامعة برنكتون وهارفارد . وفي برنكتون سأتكلم عن ماركس في ضوء إطار الفلسفة السياسية . والحقيقة كلما قرأت ماركس ، وجدت إنك على حق في إن ماركس لم يكن معنياً لا بالحرية ولا بالعدالة (وهو ألم معلق بالرقبة …) . وفي هذا الربيع كانت لدي دروس قليلة في المدرسة الجديدة (منا : هي النسخة الأمريكية لمدرسة فرانكفورت) إلا إنني تمتعت بها كثيراً ، وكانت تدور حول أشكال الحكومة .

  وأتمنى أن لا تكون غاضباً علي ، بسبب عدم إستجابتي السريعة لخطابكم الكريم ، ولكن كل هذه الأشياء التي حدثتك عنها ، كانت تغلي في تفكيري ووجداني ومنذ مدة ليست بالقصيرة . والحقيقة الأن إن شغلي الشاغل ، هو التدقيق في الفارق والإختلاف بين الآن والبدايات … وكل ماكتبته في هذه الفترة ، هي مقالة قصيرة حول صعوبات الفهم ، والتي ستنشر في الصيف في مجلة رفيو بارتسن+ . وسأرسل لك نسخة من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  + وهي مجلة أمريكية أدبية دورية / تصدر أربعة مرات في السنة . كانت بداياتها في العام 1934 وإستمرت حتى العام 2003 ، وأُوقفت من الصدور للفترة الممتدة ما بين إكتوبر عام 1936 وديسمبر 1937 . وكانت حانا أرنديت وشلة من أصحابها الكتاب وأبناء جيلها من المهاجرين إلى أمريكا يتصدرون أسماء الكتاب فيها . وأسس المجلة كل من وليم فيليبس (1907 – 2002) وفيلب راهف (1908 – 1973) وهما من إصول يوكرانية ، وصدرت مجلة بديلة عن مجلة التجمع الجديد ، التي كانت من منشورات الحزب الشيوعي الأمريكي . للتفاصيل أنظر:

Alexander Bloom, Prodigal Sons: The New York Intellectuals & Their World, Oxford University Press 1986.       

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال .

  كيف فصلك الدراسي ؟ وماذا تدرس ؟ إني أتطلع الحضور في محاضراتك . الحقيقة ؛ ما هي مشاريعك في الصيف ؟ أما من طرفنا ففي تموز وآب سنذهب إلى الجبال والتلال والسواحل . وفي المستقبل قررنا أنا وهنريخ أن نزور أوربا في 1955 إذا الأمور إستمرت على ما هي عليه ، وفي مقدورنا تحمل نفقات السفر . هنريخ يفضل السفر إلى إيطاليا . فتصور أجواء الرحلة ، إنها ستكون أشبه بحلم .

تمنياتي لكم بالأفضل

حانا ” (44) .

تعقيب

      يتفق الباحثان مع الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، في إن رجل اللاهوت الوجودي كارل ياسبرز قد حرث في أرض في أغلب الإحيان كانت غريبة على محراثه . فكان الحاصل من جهده المضني ، إن ضاع محراثه ، وظلت البذور التي نثرها في باطن الإرض ميتة لا حراك فيها . صحيح إن مفرداته التي تداولها في نصوصه ، ظلت غريبة على المعجم الفلسفي المتداول لحظة كتابته للنصوص ، وإن تسعة من عشرة من مفرادته كانت غريبة على لغة البحث الفلسفي أو إن معانيها في نصوص ياسبرز لا علاقة لها بمعانيها ودلالاتها في لغة الخطاب الفلسفي الألماني كما أشار مترجم كتاب ياسبرز ثلاث مجلدات في الفلسفة . ولكن من الصحيح جداً إن أبحاث اللاهوتي كارل ياسبرز قد أبهرت المهتمين وقراء اللاهوت البروتستانتي على حد سواء.

  كما إن أول عمل كتبته حانا إرنديت في حياتها الأكاديمية ، هو إطروحتها للدكتوراه ، والتي كان عنوانها في المخطوطة الألمانية مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . والتي كتبتها تحت إشراف رجل اللاهوت البروتستانتي الوجودي كارل ياسبرز ، وعن القديس أوغسطين وهو رجل لاهوت علم في اللاهوت المسيحي (والذي نحسب بداياته قبل أن يتحول إلى المسيحية رجل لاهوت مانوي (والمانوية هي تجديد للزرادشتية ومحاولة تكييف لها مع المسيحية ، حتى شاعت عنها في الجانب العقيدي ، كتبها المقدسة المعروفة بالأناجيل المانوية) .  ومفهوم الحب عند أوغسطين (وكان عنوانها في النشرة الإنكليزية الحب والقديس أوغسطين) هي في الحقيقة مساهمة لاهوتية جريئة كتبتها حانا أرنديت ، كما وصفها ياسبرز في التقرير الذي كتبه في إجازة الإطروحة . ومن ثم حملتها معها إلى باريس ، وصاحبتها في رحلة الهجرة إلى أمريكا.

    ولاحظنا إن حانا ترددت كثيراً في نشرها ، وكانت تتطلع إلى إجراء تعديلات ، وإحداث بعض التوسيعات فيها ، وظل هذا العمل مركوناً على رفوف مكتبة حانا ، والقارئ والباحث لايعرف عنها شيئاَ سوى الصفحات العشرة التي نشرتها كاتبة سيرتها ، الباحثة إليزابيت يونك بريهل في كتابها المعنون حانا أرنديت : من أجل حب العالم . وقبل موتها تجددت فكرة تحضيرها لنشرة إنكليزية . وفعلاً قامت بعمل جزئي فيها في العام 1974 إلا إن الموت كان أسرع فماتت في العام 1975 وقبل أن ترى النشرة الإنكليزية ، التي ظهرت في العام 1998 ، والتي جاءت بحدود ما يُقارب الربع قرن بعد موتها (24 سنة بعد موتها وبحدود ما يُقارب السبعين عاماً بعد كتابتها باللغة الألمانية) . وهذا موضوع سندرسه في البحث القادم والمعنون : الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين (وبالطبع التركيز على نظرة حانا أرنديت الوجودية إلى مفهوم الحب عند القديس أوغسطين) .

  جاءت حانا إلى العالم الحر (أمريكا) غير إنها لم تشعر بإرتياح تام في فردوسها الأرضي ، ولذلك كانت تشد الرحال إلى باريس وبازل حيث المعلم ياسبرز ، وحين تكون هناك فإنها عصفورة يشدها الحنين إلى ماربوك وهيدلبيرك الألمانيتين ، حيث الذكريات والبروفسور الحبيب هيدجر . صحيح إنها بدأت حياة جديدة في أمريكا وبصحبة الزوج الشيوعي السابق هنريخ بلوشر وشلة من الأصدقاء والأصحاب الذين جاءوا مهاجرين (أو فارين من بلدهم ألمانيا) إلى أمريكا ، وهي فترة إمتدت بالنسبة إلى حانا ما يُقارب الربع قرن من السنيين والتي شغلتها بالعمل الأكاديمي والإشراف على بعض من دور النشر ، ومن ثم البحث والتأليف . إلا إن فيها الكثير من الألام ، والتي بدأت مع صعود الحركة لمكارثية في أمريكا ، والتي إستهدفت الزوج اليساري بلوشر ، وبالطبع حانا وصحبها . ومن ثم فقدت بلوشر بموت مفاجئ سريع ، فكان فقدانه نزيفاً من الألم الدائم .

  الحقيقة إن الفيلسوفة حانا أرنديت لم تكن راضية عن فردوسها الأمريكي لحظة صعود وهيمنة المكارثية على الحياة الأمريكية ، وذلك لأنها إستهدفت اليسار الأمريكي عامة ، وعدد من المفكرين من إصول ألمانية خاصة ، وتحت شعارات تتعارض والأسس الفلسفية للديمقراطية الأمريكية ، شعارات تلوح بكونهم ماركسيون أو شيوعيون سابقون . وقد شاركها كارل ياسبرز في نقد المكارثية ، وأظهر عدم رضائه منها . وهذه قضية سنعود إلى درسها في بحث قادم .

————————————————————————————     

الهوامش :

1 – أنظر :

SuzanneKirkbright, Op. Cit, pp. 230 – 238

2 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا أرنديت (1906 – 1975) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2013 .

3 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل : الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013 .

4 – أنظر :

Elisabeth Young Bruehl, Hannah Arendt: For Love of the World, (Op. Cit) p. 62

5 – أنظر :

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Latters 1925 – 1975, Ed. By Ursula Ludz & Trans. By Andrew Shield, New York 2004, pp. 16 , 17 (from Foreword), 35, 48 – 49, 95 – 96, 181 – 182 …

وكذلك :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رسائل حب وخطابات فلسفية : حانا أرنديت ومارتن هيدجر / موقع الفيلسوف / 2 يناير (كانون الثاني) 2013 .

6 – أنظر :

Hannah Arendt, Der Liebesbegriffe Augustin (Auustine’s Conception of Love), In Elisabeth Bruehl, Op. Cit, Appendix 3, pp. 490 – 500

7 – أنظر :

Elisabeth Bruehl, Op.Cit, p. 62

8 – أنظر :

Ibid, p. 65

9 – أنظر :

Ibid, p. 62

10 – أنظر :

Ibid, pp. 63 – 64

11 – هذه الرسالة تحمل الرقم 95 ، والتي أرسلها ياسبرز من بازل في 28 ديسمبر 1949 . أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 342 and p. 230

12 – أنظر :

Ibid, p. 230 and p. 342 Footnote No. 2

 وجاء في الهامش رقم 2 الإشارة إلى إن إطروحة حانا الأن متوفرة بترجمتها الإنكليزية ، والتي قامت بمراجعتها وإعدادها جزئياً في العام 1974 وقبيل موتها . وهي نشرة نقدية ، فيها الكثير من التفاصيل ومقارنات مع المخطوطة الألمانية .

13 – أنظر :

A- Ibid, p. 230

B- Hannah Arendt & Karl Jaspers, Corrspondence 1926 – 1969 , Ed. By Lotte Kohler and Hans Saner, Trans. By Rita Kimber, University of Michigan 1992, p.689, Letter No. 2

C- Hannah Arendt, Love and Saint Augustine, Edited and with Interpretive Essay By Joanna Scott and Judith Staek, University of Chicago Press 1998 (254 pages).

14 – أنظر :

Hannah Arendt & Karl Jasper, Op. Cit, p. 690 and also Kirkbright, Op. Cit, p. 231

15 – أنظر :

Hannah Arendt, Men in Dark Times, Houghton Mifflin Harcourt 2001, p. 79

 وهذا الكتاب في الحقيقة مجموعة مقالات عالجت سير ذاتية لمجموعة من المفكرين ، ومنهم ياسبرز ، ونشرتها للفترة (1955 – 1968) وجمعت في هذا الكتاب الذي أثار إشكالية .

16 – أنظر :

Hannah Arendt & Karl Jaspers, Corrspondence, p. 181

وهي الرسالة رقم 123 والتي بعثتها من باريس في 17 نيسان 1952 .

17 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 232

18 – أنظر :

Ibid,

19 – أنظر :

Hannah Arendt & Karl Jaspers, Op. Cit, p. 148

  الرسالة رقم 100 وقد بعثها في 20 نيسان 1950 .

20 – أنظر :

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Letters 1925 – 1975, (Op. Cit) pp. 3 – 53

21 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان : رسائل حب وخطابات فلسفية / موقع الفيلسوف / 2 يناير 2013 .

22 – أنظر :

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Op. Cit, pp. 12 – 16

 وهي رسالة طويلة إلى حد ما مقارنة بالشذرات المتبقية من رسائل حانا وهيدجر التي بقيت ولم تتعرض للضياع ، وهي تضم ي كتاب الرسائل المطبوع خمس صفحات ( ص ص 12 – 16) . وفي الهامش رقم 1 ، ص 222 يُشار إلى حانا قدمته في نيسان 1925 على شكل بامفلت (فايل بصورة كتيب صغير) إلى هيدجر .

23 – أنظر :

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Op. Cit, pp. 50 – 51

 وقد جاء في الهامش رقم 1 من هذه الرسالة ، ص 232 . إن تاريخ هذه الرسالة يشير إلى 26 سبتمبر 1929 حانا أرنديت تزوجت زميلها (الهيدجري) كونثر سترن في نواوس (نيوبيبلسبيرك) خارج برلين ، والذي تعرفت عليه في سيمنار هيدجر في ماربورك ، ومن ثم دخلت معه مرة ثانية في علاقة بدأت في برلين . وهذه الرسالة كتبتها حانا إلى هيدجر في يوم زفافهما .

24 – أنظر :

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Op. Cit, pp. 51 – 52

  وهناك إشارة في الهامش رقم 1 ، ص 232 تفيد بأن تاريخ 30 سبتمبر ، كُتب في نهاية مخطوطة الرسالة . ويبدو إن حانا أرنديت قد أضافتها لاحقاً . كما إن مشهد القطار في رسالة حانا ، والإشارة إلى رصيف المحطة مع صورة هيدجر وزوجها كونثر والتلويح بأنهما سافرا معاً ، فإنها قضية لا يتوافر لإثباتها دليل . وذلك لأن الثابت إن حانا وزوجها في ذلك الوقت ، كانا يعيشان في مدينة فرانكفورت هذا من طرف . وإن هيدجر من طرف أخر قام برحلة في نهاية سبتمبر إلى كولونا ، ماربورك ، وكوتنكن …

25 – أنظر :

Ibid, p. 35

وفي الهامش رقم 1 من هذه الرسالة ، ص 227  إشارة إلى إن مارتن هيدجر ، وبالتحديد في نهاية أبريل 1927 ، كان قريباً من بيته الخشبي في تودنتبيرك ، ومشغولاً في الكتابة في مخطوطة ، التي ستحمل عنوان رائعته الوجود والزمن . ووفقاً لشهادة ولده الدكتور هيرمان هيدجر ، فإن والده أجر غرفة في بيت ريفي ، يقع في وادي التل الذي يقع فيه بيت هيدجر الخشبي ، ليكون قادراً على الكتابة دون أية منغصات . أنظر : رسالة مارتن هيدجر في 23 سبتمبر 1925 ، والتي بعثها إلى كارل ياسبرز

26 – أنظر :

Ibid, pp. 36 – 37

هناك إشارة في لهامش رقم 2 ، ص 228 من هذه الرسالة ، يفيد بأن هيدجر ذهب إل جامعة هيدلبيرك في 17 إكتوبر .

27 – أنظر :

Ibid, pp. 38 – 39

28 – أنظر :

Ibid, pp. 44 – 45

وفي الهامش رقم 5 من هذه الرسالة ، ص 230 إشارة إلى بينو فون ويس (1903 – 1987) وهو تلميذ في قسم الفلسفة في هيدلبيرك في ذلك الوقت ، ذكر ياسبرز بأن له علاقة نمت مع حانا أرنديت . وجاء ذلك في ميمواره ، ومن ثم أضاف يايبرز بأنه يتمنى أن يتزوجا . وهناك إحتمال بأن حانا في رسالة لها إلى هيدجر قد ذكرت علاقتها مع فون ويس عندما هيدجر راسلها وذكر القصة التي أهبره ياسبرز بها .

29 – أنظر :

Ibid, pp. 48 – 49

في الهامش رقم 3 من هذه الرسالة ، ص 231 إشارة إلى إن هيدجر تبادل الرأي مع ياسبرز بخصوص التعيين في جامعة فريبيرك وقبل أن يذهب إلى برلين لمناقشة عرض التعيين ز وبالمناسبة إن وزارة الثقافة الروسية هي المسؤولة عن هذا التعيين .

30 – أنظر للتفاصيل في هذه القضية :

Elisabeth Young Bruehl, Hannah Arendt: For Love of the World, (Op. Cit), pp. 69 – 70

31 – أنظر في التفاصيل في هذه القضية :

Suzanne Kirkbright, Karl Jaspers: A Biography Navigation In Truth, (Op. Cit), pp. 90 – 91

32 – أنظر :

Ibid, p. 8

33 – أنظر :

Hannah Arendt, ‘What Is Existential Philosophy’, In Essays in Understanding 1930 – 1954, (Op. Cit) p. 163

34 – أنظر :

Ibid, pp. 175 – 176

35 – أنظر :

Ibid, p.182

36 – أنظر :

Hannah Arendt, ‘Dedication to Karl Jaspers, in Essays 1930 – 1954, (Op. Cit), p. 212

37 – أنظر :

Ibid, pp. 212 – 216

38 – أنظر :

Ibid, pp. 213 – 214

39 – أنظر :

Ibid, p. 214

40 – أنظر :

Ibid, p. 216

41 – أنظر :

Hannah Arendt & Karl Jaspers, Correspondence 1926 – 1969, (Op. Cit), No. 142

42 – أنظر :

Ibid,

43 – أنظر :

Ibid,

44 – أنظر :

Ibid,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العددان 11 / 12 صيف – خريف 2013

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــِ

        

Advertisements
هذا المنشور نشر في Dr. Mohamad Farhan, Philosopher, HANNHAH ARENDT : GERMAN - AMRECIAN PHILOSOPHER, Heraclitus, Socrates, Sophistry, Stoicism, The Philosophy of Averroes and Its Presence in the West, فلسفة إبن رشد وحضورها في الغرب, فلسفة التاريخ وحضورها في الفكر العربي المعاصر : مالك بن نبي إنموذجاً, في جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يونان, فيلسوف التاريخ هرمان كيسرلنج, كيسرلنج وفلوبير, كيسرلنج وكانط وشوبنهور والفيلسوف الكانطي الجديد لانج, كيسرلنج وهيوستن شمبرلين, كيسرلنج والفلسفة البوذية, كيسرلنج والفيلسوف الكانطي الجديد جورج سايمل, كيسرلنج والفيلسوف البراجماتي شيلر, كيسرلنج والفيلسوف بيندتو كروتشه, كيسرلنج والفيلسوف رسل, كيسرلنج والفينومنولوجيا البوذية, كيسرلنج والروائي هرمان هس, كيسرلنج وشاعر الهند طاغور, كيسرلنج وعالم اللاهوت ريتشارد ويلهلم, كيسرلنج وعالم النفس كارل يونك, مُثابرة مالكية في التفسير الإسلامي للتاريخ, مالك بن نبي, مركز دريد للدراسات, هزيود وملحمتيه الشعريتين أنساب الآلهة والأعمال والأيام, إقتبس القديس 503 مرات من إبن رشد وفقاً للموسوعة الكاثوليكية, إنموذج تطبيقي من التفسير الإسلامي للتاريخ, الفهم المالكي للدورات التاريخية, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوفة الألمانية - الأمريكية حانا أرنديت, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, تأمل في بعض مناحي فلسفة التاريخ, حضور فلسفة التاريخ والحضارة في الخطاب المالكي, حضور فيلسوف التاريخ هرمان دي كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي, رحلة الفيلسوف كيسرلنج والتقليد الفلسفي وكلماته الدلالية , , ,