مجلة أوراق فلسفية جديدة / الفلسفة والعلم في تفكير الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014

أوراق فلسفية جديدة
الفلسفة : حُب الحكمة     الفيلسوف : مُحب الحكمة
والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة
نحو مدرسة فلسفية مُتجددة
——————————————————————————–
13
شتاء – ربيع 2014
——————————————————————————–
الكتاب الجديد للدكتور محمد الفرحان
الفلسفة والعلم
في تفكير الوجودي الألماني كارل ياسبرز
مع العدد كتابنا المسلسل
الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية
حانا إرنديت (1906 – 1975) وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل
5
الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين
——————————————————————————–
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
——————————————————————————–
NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

 Dr. MOHAMAD FARHAN      DR. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات / لندن – إنتاريو – كندا
رئيس التحرير – الأكاديمي الدكتور محمد جلوب الفرحان
سكرتيرة التحرير – الأكاديمية الدكتورة نداء إبراهيم خليل
مجلة أوراق فلسفية جديدة
الظاهرة الثقافية – الفلسفية الإلكترونية المتفردة
لأول مرة في تاريخ الثقافة تصدر مجلة بيراع أكاديميين إثنين فقط
يُفضل قراءة هذا العدد بصحبة الإستماع إلى رائعة الموسيقار الإلماني جوهانز برامز (1833 – 1897) والتي حملت عنوان لوليبي أي ليلة سعيدة (والتي كتبها عام 1868) والمتوافرة على اليوتوب .
—————————————————————————————
في هذا العدد :
1 – نظرة إلى حياة ياسبرز
2 – تحدي إينو ياسبرز ومآساته
3 – كارل ياسبرز مؤلفاً
4 – الإتجاهات الفلسفية والعلمية في عصر ياسبرز
5 – فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية
6 – مساهمة فرانز برنتانو في بيئة ياسبرز الثقافية الأكاديمية
7 – مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي
8 – الفيلسوفة حانا آرنديت والقديس أوغسطين
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
المقدمة
تكتسي الكتابة عن العلاقة بين الفلسفة والعلم في تفكير الوجودي الألماني المعاصر كارل ياسبرز (1883 – 1969) أهمية ذات طابع خاص في تاريخ الفكر الفلسفي الغربي المعاصر عامة ، وتاريخ الفكر الفلسفي الوجودي خاصة ، وذلك من نواح عديدة :
أولاً – إن الوجودية لم تكن معنية بالعلاقة بين العلم والفلسفة (أو ما يُسمى بمضمارالفلسفة العلمية) في نصوصها على الإطلاق . غير إن جُل إهتمامها كان متمركزاً حول الإنسان المحكوم بمواقفه . ومن هنا تأتي مكانة ياسبرز وزميله الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر (1889 – 1976) . فقد لاحظنا إن الأول (أي ياسبرز) شغل نفسه في العلاقة بين العلم والفلسفة ، وبالتحديد في كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة (1931) . أما الثاني (أي هيدجر)
فقد ركز أبحاثه الأكاديمية الأساس على آلة الفلسفة ولُب الفلسفة العلمية ، وهو علم المنطق ، وخصوصاً في إطروحته للدكتوراه الأولى ، والتي جاءت بعنوان نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (1914) وإطروحته للدكتوراه الثانية ، والتي كانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس (1265 – 1308) وكتبها هيدجر تحت إشراف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت (1863 – 1936) في العام 1916 . ومن ثم نشر كتابه الإنجيلي المعنون الوجود والزمن (1927) .
ثانياً – إن ياسبرز لم يدرس الفلسفة دراسة أكاديمية ، فهو لم يتخرج من قسم الفلسفة ، بل ولم يدخل أبوابها ، ولم يدرس فصلاً دراسياً في الفلسفة .
ثالثاً – بدأ ياسبرز دراسته الأكاديمية طالباً في القانون والتشريع ، وبعد ثلاثة فصول دراسية وبسبب مرضه المزمن أقنع والده رجل القانون وبتوصية من طبيبه بالإنتقال من دراسة القانون إلى دراسة الطب .
رابعاً – بعد إكماله لإثنتي عشر فصلاً دراسياً تخرج من كلية الطب ، وأخذ يعمل طبيباً متدرباً في العيادة النفسية في مستشفى جامعة هيدلبيرك . وفي الوقت ذاته تفرغ لكتابة إطروحته في الدكتوراه وفي إختصاص الطب النفسي . وفعلاً فقد كان عنوان إطروحته للدكتوراه الأولى ” الهومسك (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” (1909) . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه (وهي شرط للتأهيل في التدريس الأكاديمي) وكانت بعنوان علم النفس المرضي العام (1913) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) . ومن ثم جاء في العام 1931 ظهور رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والذي جاء ظهورها إلى دائرة النور بعد إنتظار طويل . إذ إنه لم ينشر شيئاً على الإطلاق منذ إن أصبح في العام 1920 رئيساً لكلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك .
لقد كان إنجاز رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة في أجواء إحتجاجات الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك على الأهلية الأكاديمية للبروفسور ياسبرز في مضمار البحث الفلسفي . وكان يقود الكانطيين الجدد في إحتجاجاتهم ، بروفسور الفلسفة المتمرس ، والرمز الكبير في حركة الكانطية الجديدة في هيدلبيرك هنريخ ريكارت ، والذي إتهم ياسبرز بعجزه وعدم إمكانيته في الكتابة بعد إن أخذته الشؤون الإدارية ، ونضبت أفكاره من عملية الإبداع في مضمار الفلسفة . وهكذا جاء نشر الكتاب صدمة للبروفسور هنريخ ريكارت (وبالطبع لمجموعة الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك) والذين لاذوا إلى دائرة الصمت .
كما وتزامن التحضير لكتابة رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وصول الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حانا أرنديت (1906 – 1975) إلى جامعة هيدلبيرك ، لكتابة إطروحتها للدكتوراه تحت إشراف كارل ياسبرز ، وقد شاركت في مناقشات أطراف من موضوعات الكتاب خلال السيمنارات والمناقشات المباشرة مع ياسبرز أثناء إعداد مقالاته للنشر ، وخصوصاً في طرف رئيس من فصول هذا الكتاب ، وهو الخاص بالفعل يتفلسف . ومن الملاحظ إن ياسبرز قد أغفل الإعتراف بجهود حانا أرنديت (والتي تدربت في التحليل الفيللوجي على يد مارتن هيدجر) أو الإشارة إليها مباشرة أو غير مباشرة . ولكن مترجم الكتاب إلى الإنكليزية الأستاذ أي . . أشتون قد إشار إلى حانا أثناء حديثه عن المعنى الفيللوجي لكلمة التفلسف ، والفعل يتفلسف . وكل ذلك جاء في مقدمة المترجم إلى النشرة الإنكليزية .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(1)
نظرة إلى حياة ياسبرز ومؤلفاته
الدكتور محمد جلوب الفرحان
مؤشرات عن سيرة ياسبرز ومصادر تكوين ذهنيته الفلسفية
ونحسب بداية إنه من الضروري إعلام القارئ والباحث بأن كتابتنا عن سيرة الفيلسوف كارل ياسبرز قد إعتمدت في الأساس على الرسائل المتبادلة بين كارل ياسبرز ووالديه ، والتي قامت الباحثة سوزانا كيركبرايت بترجمتها إلى الإنكليزية ، والمنشورة بشكل واسع في كتابها المعنون ” كارل ياسبرز : سيرة ذاتية وإبحار في الصدق ” / وبالتحديد في ملاحق الكتاب . والحقيقة إن هذا الأسلوب من التخاطب قد دشنته الوالدة هنريت (أم ياسبرز كما سترى ذلك) ، ومن ثم أصبح تقليداً تربوياً – تعليمياً ووسيلة تخاطب بين أفراد العائلة ، ومن ثم وسعته ليشمل الأقارب والمعارف ومن ثم شمل أبناء مدينة أولدنبيرك . وهو الأسلوب من التخاطب الذي سيطوره الفيلسوف ياسبرز إلى ما سيعرف فيما بعد بطريق التخاطب الوجودي .
ولد كارل ثيودور ياسبرز في 23 شباط عام 1883 في مدينة أولدنبيرك في شمال ألمانيا . وتربى في أحضان عائلة بروتستانتية منفتحة وذات تركيب ثقافي ومهني متنوع . فمن طرف الوالدة هنريت ياسبرز (1862 – 1941) فقد أحب ياسبرزالريف وتعلق به وذلك لأن والدته جاءت من مجتمع فلاحي محلي . ومن طرف الوالد فقد كان رجل قانون وليبرالي وله ” وجهات نظر نقدية للحياة الدينية ” ولكنه لم يتطلع على الإطلاق إلى التأثير على إتجاهات أولاده الثلاثة (ولدان وبنت واحدة) وهم كل من كارل ، إرنا وإينو . فمثلاً كارل إرتبط بالكنيسة البروتستانتية عندما كان إبن الخامسة عشر . إلا إنه مثل والده كان حساساً من تأثير التعاليم المسيحية في الحياة العملية . والحقيقة إن إتجاهات الوالد الشكوكية لعبت دور الإنموذج في شخصية وتفكير وسلوك الولد ياسبرز” .
وهكذا فبتأثير الوالد تكونت شخصية الطفل ياسبرز المحب للحرية . كما ومن طرف والده بدأ دراسته الجامعية أولاً مع القانون ، ومن ثم تخلى عنها إلى الطب ، وبالتحديد الطب النفسي . ولكن قدر ياسبرز قد حددته السنوات الأولى من حياته ، والتي كان للوالدة دوراً كبيراً في رسم إتجاهته بصورة عفوية يومذاك . فقد كانت الوالدة تستعير من المكتبة المحلية ، العديد من الكتب الفلسفية ، وإن ذكرى هذه الكتب وماتركته من أثار عميقة في شخص الصبي ياسبرز ستلعب دوراً في حسم أمره مع الطب النفسي ، وبالتحديد بعد وصوله إلى العقد الرابع من عمره ، وبعد شهرة في مضمار الطب النفسي ، ومجموعة من الكتب فيها ، قرر ترك الطب النفسي ، والصعود إلى عالم الفلسفة . وهذه قضية سنفصل فيها لاحقاً .
لقد بدأ مشواره التعليمي والتربوي في شكلين من التعليم ، الرسمي في المدرسة والذي كانت فيه حياته عاصفة بالصراع مع الأراء المحافظة والتي تمثلت بشخصية مدير المدرسة . والحقيقة إن حياته المدرسية مختلفة على الإطلاق من بيئة البيت الهادئة المستقرة ، حيث بدأ تعليمه الخاص مع أخته إرنا ومع معلم خاص والتي ستستمر فيه شأنها شأن بنات جيلها . في حين سينتقل ياسبرز إلى مدرسة النحو عندما قارب العمر الذي أهله للدخول إلى هذه المدرسة .
وفي مدرسة النحو حصل ياسبرز على التدريب في مضمار الإنسانيات (الكلاسيكيات) والتي ضمت اللغتين اليونانية والرومانية (منا = الأدق اللغة اللاتينية حيث أصبحت البديل اللغوي الجديد ومن ثم أزاحت اللغة اليونانية ، وتحولت إلى لغة السياسة والدين والثقافة ..) وبهذا الطرف ربطت الإنسانيات الفتى ياسبرز بوشائج قوية بالوضع الثقافي ورجال الفكر الحر يومذاك . ولا غرابة إن طورت دروس مدرسة النحو ، في بواكير شبابه ، علاقات قوية ببعض الرموز الثقافية الألمانية من أمثال غوته (1749 – 1832) وشيلر (1759 – 1805) . وفعلاً فإن والدته هنريت ياسبرز إعترفت في كلمتها التي ألقتها في هيدلبيرك ، وبمناسبة عيد ميلاد ولدها الفيلسوف كارل ياسبرز (الخمسين) ، بأنها ” إستعارت له (وكذلك كارل فعل بنفسه) بعض الكتب حول الفلسفة من المكتبة المحلية ” . ومن ثم قرأ إسبينوزا (1632 – 1677) وكانط (1724 – 1804) . وربما أعمال هؤلاء الكبار من الفلاسفة
لعبت دوراً في إيقاظ وعيه وتوجيهه ليعمل بإتجاه الحياة والإنسجام والتوافق .
ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن نمو ياسبرز الفكري قد تكون في رعاية رجل قانون ليبرالي (نقصد والد كارل ياسبرز) متشكك لا يستقر على حال ثابت ولا يسلم أمره لعقائد لا تصمد أمام التجربة الحياتية والأختبار . وفعلاً إن ماحدث في هذه المرحلة إن برنامجه التعليمي هيمنت عليه المعارف الكلاسيكية ، وإذا كان هذا منهج مدرسي مفروض ، وإن ياسبرز خضع له وتعلم منه الكثير إلا إنه كان مرحلة تعليمية ولم يكن خياره الدائم ، ولذلك تحول من التربية التي تقودها الكلاسيكيات ، وإنتقل إلى التربية عن طريق الخبرة ، والتي تستهدف القلب ، وتركز على المنافع والميول . وهذا التحول ترك أثراً فعالاً على خياراته التي حددت نوع المهنة التي يتطلع إليها في مستقبله . ولعل واحداً من الأمثلة الكلاسيكية البارزة في مسيرته الفلسفية ، إنه بدأ يقرأ الفيلسوف كانط بإمعان وتفصيل ، ولكنه في النهاية بدأ يكتشف كانط الحقيقي ، وهنا حدثت المواجهة مع فلسفة كانط .
كما ولعبت الأم هنريت في تدشين نوع من التقليد التربوي التعليمي المتفرد ، والذي تمثل في شكل من أدب الإتصال والتخاطب (المراسلات) بين أفراد العائلة والأقارب ومن ثم وسعتها لتشمل دائرة واسعة من أبناء مدينتها كما ذكرنا ذلك . ومن هذا الطرف دفعت الأم هنريت ولدها إلى المشاركة في هذا الفن من الإتصال . فكانت فعلاً تجربة رائعة مكنت ياسبرز إن يطور قدراته في الكتابة ، ويصقل مهارته في عملية الإنشاء والتأليف . وهذا الجنس من الإتصال سيطوره ياسبرز ، والذي سيُعرف فيما بعد بأدب الإتصال أو التخاطب الوجودي . ولعل من المناسب الإشارة إلى إن الوالدة هنريت لم تكتف بذلك ، فقد قامت بتوثيق كل هذا التقليد التربوي (المراسلات) ، فقامت عام 1929 بطبعها وقدمتها هدية في عيد ميلاد كيرترود (1879 – 1974) زوجة ولدها ياسبرز .
وبالرغم من أن ياسبرز عاش في أحضان عائلة تنتمي في وضعها الأقتصادي والثقافي إلى أعالي الطبقة الوسطى ، التي وفرت العيش الرغيد لها ولأطفالها ، فإن حياة الطفل ياسبرز لم تنعم بكل هذه الأجواء السعيدة ، فقد مرت طفولته ، وبالتحديد منذ كان في الثالثة من عمره في إمتحان صحي (إعتلال مرضي) عسير صاحبها حالة حزن وفقدان معنى البهجة في الحياة ، وإنتهت إلى موجات من السعال . وهذا الحال أقلق العائلة التي كانت تسعى بكل جهدها إلى البحث عن فرص الشفاء لطفلها ياسبرز . وفعلاً فكانت تقوم بسفرات خلال العطل سعياً لتوفير الشفاء له .
أما من طرف الوالدة هنريت فكانت حساسة وقلقة على أوضاع ولدها البكر ، وكانت مهمومة في رصد الأعراض المرضية وتطورها . ولما بلغ كارل الخامسة عشر من عمره لاحظت هنريت إنه بدأ مرة ثانية يعاني من موجات السعال الشديد والذي صاحبه حالة إنفلونزا . وقد كشفت واحدة من الرسائل التي بعثها الوالد إلى الوالدة ، الغرض من هذه السفرات القصيرة ، والتي فيها طلب الشفاء من أعراض مرض الطفل ياسبرز . فقال : ” إن كلي (وهذا هو أسم كارل كما كانت العائلة تطلقه عليه) هادئ ونشيط ، ولكنه لازال في الوقت ذاته يقرقر ويسعل بشدة في المساء ، وإنه لا ينام إلا فترة قصيرة ، وأحسب إن ذلك العلاج قد ساعد بصورة عامة على تحسين أوضاعه الصحية ، خصوصاً في حالة تنفسه ، ولذلك يتطلب (يقول والد كارل لزوجته هنريت) منا أن نستمر في إستحمامه وتوفير الراحة له ، وما علينا إلا أن ننتظر ونراقب الموقف ” .
لقد عاش ياسبرز خلال الفترة التي قضاها في مدرسة النحو ، نوعين من الصراع ؛ صراع مع المرض الذي عرضه إلى الغياب المتكرر من المدرسة ، كما وسبب له العزلة من رفاقه في الفصل الدراسي . وصراع مع مدير المدرسة الأستاذ هري ستينفورث ، والذي يُوصف بكلمات كُتاب سيرة كارل ياسبرز ، بأنها ” كانت معقدة ” . ولعل من المناسب هنا أن نشير إلى إن التقليد الذي خطه المدير ، هو قبل مغادرة الطلاب للمدرسة والذهاب إلى الجامعة ، مطلوب منهم إلقاء خطاب باللغة اللاتينية . ومن طرف الفتى ياسبرز الشخصية الحرة ، فقد تمرد على المدير ، ورفض إلقاء الخطاب باللغة اللاتينية ودافع عن موقفه المستقل . وفي النهاية كان لازماً على ياسبرز أن يزور المدير قبل المغادرة . وفعلاً ذهب إلى زيارة المدير ، والمدير من طرفه رحب بياسبرز ، بالكلمات التي تترجم العلاقة المعقدة بين الطالب المتمرد ، والمدير الصارم . فقال المدير هري :
” لا شئ يمكن أن يتحول على أية حال ، وذلك بسبب إن مرضك حقيقة عضوية للحياة ” . والحقيقة إن هذا التعليق العدائي من قبل المدير ، سجل المنافع الرئيسة من تمرد الطالب ياسبرز على مدير المدرسة ستينفورث .
وإن إهمية هذه المرحلة تكمن في إنها شهدت مناقشات مفتوحة بين الفتى ياسبرز ووالده ، والذي كان يستمع بإمعان لأراء ولده ويسانده على الدوام ، إلا إن الأب في قضية المدير ستينفورث بين لولده كارل الخطوط الحمر التي لا يجوز تجاوزها في علاقته بالمدير ، ولذلك حذر ولده من النتيجة غير السارة ، خصوصاً إذا ولده إستمر على لوي يد (سلطة) مدير المدرسة ومن ثم عزمه على هزيمته . وفي الوقت ذاته فإن تسوية قد تمت مع المدير بخصوص الحالة المرضية للفتى ياسبرز ، والتي ساهمت من طرفها في عزله من معظم زملائه في الصف . كل هذه الأوضاع حملت الفتى ياسبرز إلى الإفتنان بتاريخ الفن ، والذي إستهله بجمع البطاقات البريدية (والطوابع) واللوحات الفنية . ويحسب الباحثون في سيرته الذاتية إن إهتمامه بالفن أثارته هواية والده في الرسم بالألوان المائية . وفعلاً فإن لوحات والده للمناظر الطبيعية ، وخصوصاً مناظر البحر قد فتحت أمامه الطريق ، والتي حضرت فيه الحياة وخلال توسط الفن الذي جلب الحقيقة إلى دائرة الإنتباه ، ورتبت الأشياء في حالة إنسجام هارموني .
صحيح إن ياسبرز صمت في أعمال مرحلة النضوج ، ولم يفصل الحديث عن الفن فيها . إلا إن المفهوم النقدي للفنون الجميلة ، شكل مساراً يتساوق وإعجابه باللوحات التي رسمتها ريشة والده . ولعل اللذة والمتعة التي جناها من ملاحظة تلك اللوحات أضافت بعداً ذوقياً خاص إلى جملة الأثار الشخصية القوية التي تركها والده عليه . وإن الحاصل من كل ذلك وإضافة إلى التربية الكلاسيكية ، هو التغيير في القلب وخطة المستقبل في مسيرة ياسبرز المهنية ومن ثم في تجربته الفلسفية .
وفي نهاية هذه المرحلة من حياة ياسبرز ، وبالتحديد في نهايات شهر نيسان / أبريل عام 1901 ودع دروس الكلاسيكيات ومدرسة النحو ، وتوجه بعيداً عن مدينته ، فرحل إلى الجنوب حيث جامعة فريبيرك وذلك لدراسة القانون . ويبدو إنه ذهب للعلاج وتشخيص مرضه وفقاً لخطة سرية بدأت بفكرة الوالد بزيارة الدكتور فرانكيل ، وفعلاً فقد صرف الفصل الأول من دراسته للقانون ، في عيادة الدكتور ألبرت فرانكيل ، وهو صديق حميم لعائلة آل ياسبرز ، وذلك لتشخيص حالته المرضية . وقد كتب ياسبرز رسالة من هناك إلى والديه ، قال فيها :
” بادينويلر 27 أبريل 1901
الوالدان العزيزان
يعتقد الدكتور فرانكيل ، إنه من الضروري أن أعلق دراستي في الفصل الجامعي القادم ، وأن أنصرف للعلاج .. والذي سيكون باهضاً . ولكنني أحسب إن موارد الوالد المالية ستسمح بذلك العلاج . ومعلوم أن صحتي مرهونة بذلك ، بل وإن مجمل حياتي فيما بعد ستكون مرهونة بمثل هذا النوع من العلاج …
وأنا لم أكن سيداً في إسلوبي الألماني ، ولا مدركاً بل ولا أعتقد بأنني محتاج لوصف الحال بأنه يحمل الكثير من السرور . ولهذا السبب كتبت إليكم بصورة صريحة تماماً ، وأستطيع أن أقول بكل قناعة ، وكما طلب مني الدكتور فرانكيل (ووعدني أن يكون صريحاً تماماً) وهو إنه لا يوجد شئ مزعج لحد الأن ، بل والأكثر من ذلك يجب أن أكون سعيداً لأن سبب مرضي المزمن ، على الأقل تم تشخيصه وإكتشافه وفي الإمكان علاجه … والمرض بحد ذاته هو إلتهاب الرئة ، وهو في كل الحالات مرض مميت . وهذا كما يبدو بوضوح تام إنها نظرة خاطئة . وإذا لم يكن مرض السل قد أصابني وإنتشر ، فأنا في صدمة قوية عندما سمعت بالأخبار أولاً ، ولكن سمحت لنفسي أن تتوقع الأفضل .
وسأتوقع منكم إرسال برقية إلى فندق هوف وذلك لأتأكد بسرعة ، وأخطط للذهاب في هذه الحالة إلى البروفسور بويملر وذلك للإستماع إلى نصيحته في الموضوع ذاته . وأنا أستطيع البقاء في بادينويلر
مع أشواقي وتحياتي
إبنكم كلي ” .
وما دام ياسبرز تحت العلاج في عيادة الدكتور فرانكيل ، وبالتحديد خلال شهور الصيف التي إمتدت من مايس وحتى أواسط شهر تموز 1901 ، فأن حاله الصحي أخذ بالتحسن والدليل على ذلك زيادة وزنه المستمر ومن ثم إستقر عند وزنه الطبيعي . وعلى أساس هذا الحال الصحي الجديد ، بدأ ياسبرز برنامجاً خاصاً في القراءة وأعمال الفن . ولذلك طلب بعض الكتب من البيت . ونحسب إن عناوين هذه الكتب والموضوعات التي تناولتها ، لها من الأهمية في توجهات ياسبرز الفيلسوف خصوصاً بعد تخليه عن الطب النفسي (السايكيتري) مهنة وتفضيله الصعود إلى طوابق الفلسفة العالية مهنته وهو قدره الذي لا خيار يُعلى عليه . وهذه الكتب وبالطبع بينها مجلات دورية ، هي : مجلة تاريخ الفن ، معجم القانون الروماني ، ومجموعة كتب فلسفية مثل ؛ كتاب بولسين المعنون مقدمة في الفلسفة (وهذا الكتاب من المصادر المهمة في كتابة ياسبرز لرائعته ثلاث مجلدات في الفلسفة) ، وكتاب الجيب المعنون الأخلاق عند سبينوزا . وهذه القائمة من الكتب تحمل حسن طالع واعد لوضع ياسبرز الصحي وربما عودة قريبة إلى مقاعد الدراسة الجامعية .
صحيح جداً إن هذه القائمة من الكتب التي طلبها ياسبرز ، تكشف عن رغبته في طلب المتعة والترفيه في هدفها المعلن . إلا إنها في الوقت ذاته بعثت من جديد في روح ياسبرز خطة دروس الرسم ضمن الفصول الأولى من إلتحاقه بجامعة فريبيرك . والتي سرعان ما صرف النظر من الرسم بعد ما فشل معلم الرسم في أن يرتقي إلى مستوى تطلعات ياسبرز . وفعلاً فقد شارك ياسبرز ذلك الشعور مع والده في الرسالة التي بعثها في 21 مايس 1901 ، فقال فيها :
” العزيز بابا
أنا جداً متمتع بالرسم ، ولكن المشكلة إن معلم الرسم ليس بالمستوى المطلوب ، فالبارحة رسمت شجرة بلوط قديمة ، وفعلاً فقد رسمت جذع الشجرة بصورة جيدة ، ولكنني لم أتمكن من رسم الأوراق ، فطلبت من معلم الرسم ، إذا سمح أن يبين لي كيف ترسم الأوراق … أنه لم يكن قادر على أن يبين لي بطريقة مقبولة كيف ترسم الأوراق ، ولم يستخدم سوى جملتين لشرحها ، إضافة إلى إن الدرس الواحد يكلفني ثلاثة ماركات . ولذلك قررت التوقف من هذه الدروس ، والقيام بالرسم إعتماداً على نفسي .
تحياتي وأشواقي للجميع
إبنكم كلي ” .
ومن النافع أن نشير هنا إلى إن هذا الإهتمام بالفن ، وخصوصاً بلوحات والده وما أثارته فيه من ولع في إكتشاف عالم الفن ، إنه سيتطور لاحقاً في مشروع كتابة عن الرسام الإنطباعي فان خوخ ( 1853 – 1890) وبالتحديد في كتابه عام 1922 .
وبعد علاج إستمر شهور عدة ، سمح الأطباء لياسبرز ومن ضمنهم الدكتور فرانكيل بمغادرة العيادة ، وربما العودة إلى دراسة القانون ، ففضل زيارة البيت . ومن ثم في منتصف إكتوبر ذهب إلى جامعة هيدلبيرك لدراسة القانون والتي إستمرت سنة واحدة (ومعلوم إن هناك فصل دراسي صيفي لم يكمله في جامعة فريبيرك) . ولكنه إستمر في فصل دراسي شتوي في هيدلبيرك ، وفصل صيفي في ميونيخ . وخلال هذه السنة بدأ ياسبرز يفكر جدياً في تغيير الإختصاص . ويبدو إن إلهاماً روحياً حدث لياسبرز بعد ما شخص الدكتور فرانكيل حالته المرضية .
وفعلاً فإن قارئ كتاب ياسبرز المعنون المموار الفلسفي (وهو سيرة فلسفية بقلم ياسبرز) ، يرى كيف يصور ياسبرز التحولات التي أصابت القلب ومن ثم إمتدت فطالت الإختصاص الأكاديمي والمهني على حد سواء . ولعل العنوان الذي إختاره كارل ياسبرز يكفي للتدليل على هذا التغيير ، وهو القدر والإرادة (وهو العنوان الفرعي للممواره الفلسفي) . ويبدو لنا بوضوح الأثر الشوبنهوري على تفكير ياسبرز في هذه المرحلة ، والذي حدد قدره الأكاديمي وشحذ إرادته وحملها على إتخاذ القرار . وهناك شواهد جاءت من خلال مراسلات عائلة ياسبرز والتي ردد فيها بقوة المصطلح الشوبنهوري ، ونعني كلمة الإرادة . إضافة إلى إن ياسبرز في الفصل الأول من دراسته في جامعة هيدلبيرك ، قد ذكر بصورة موجزة إلى إنه قرأ كتاب شوبنهور (1788 – 1860) العالم كإرادة وصورة ، كما وتؤيد ذلك رسائله التي بعثها إلى والديه ، والتي فيها يكشف عن تحمسه لفلسفة شوبنهور خلال أجواء التشائم التي لازمت
عزلته هناك . والحقيقة إن في الرسالة شواهد كافية على كل ذلك الأثر الشوبنهوري . يقول ياسبرز :
” الوالدان العزيزان
أنا ميال إلى حياة العزلة في غرفتي ، وإلى القراءة … فقد طلبت شراء كتب شوبنهور ، وذلك لأن فلسفته كما تبدو لي ، قد كتبت عن حالتي … تحيات وأشواق من إبنكم كلي ” .
كما كشفت رسائل ياسبرز في هذه المرحلة عن إهتمامه الخاص بكتب نيتشه (1844 – 1900) . ونحسب إن هذه الكتب النيتشوية ، هي التي وجهت تفكير ياسبرز إلى شواطئ
عالم النفس ، ومن ثم حملته على التخلي من دراسته الجامعية في ميدان القانون والتشريع ، وبالتحديد التحول إلى مضمار الطب النفسي . وفعلاً فإن قارئ رسالته التي بعثها إلى والديه من سيلس/ إيطاليا ، والمؤرخة في 1 أغسطس 1902 تكشف عن إنشغال تفكير ياسبرز في فلسفة نيتشه . ويبدو إن قدر ياسبرز ونيتشه كان واحداً على الأقل في زيارة سيلس . كما إن قدرهما (أي حالتهما المرضية) هي التي دفعت بهما إلى زيارة هذه المنطقة . وبعد وصف لجمال الطبيعة ، ختم رسالته بالحديث عن عظمة القوى الطبيعية التي لها صدى في موسيقى فاغنر ، وهو زميل نيتشه ومعاصره وله كتابات (أي نيتشه) عن موسيقى فاغنر . قال : ” يبدو إنه كان من المفروض على نيتشه ، أن يصرف خمس سنوات من حياته هنا . أما بخصوص حالتي الصحية فهي ممتازة جداً
تحياتي وأشواقي
ولدكم كلي ” .
ونحسب إن دافع ياسبرز في الكتابة عن أعمال نيتشه في الرسالة التي بعثها لوالديه ، هو ليبين لهم في هذا الوقت المبكر ، قيمة هذه الأعمال النيتشوية ، وخصوصاً إسلوبه المجازي في كتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” وفكرته فيما أسماه بالبعث الأبدي من طرف ، وليعلمهم من طرف أخر إلى إرتباط نيتشه بمنطقة سيلس التي زارها ياسبرز . ويبدو إن هذا الإهتمام بفلسفة نيتشه ، هو الذي لعب دوراً حاسماً في ترك دراسة القانون والتحول إلى مضمار الطب النفسي والإهتمام بقضايا النفس الإنسانية . والحقيقة إن قوة الأثر النيتشوي على ياسبرز لا يقف عند حدود التحول إلى مضمار النفس ، وإنما سيتطور في مشاريع ياسبرز الفيلسوف لاحقا ، والتي تمثلت في مشرع محاضراته عن نيتشه .
والواقع إن هذا الإهتمام بنيتشه وفلسفته مثل معلماً قوياً في أبحاث الفيلسوفين الصديقين مارتن هيدجر وكارل ياسبرز (صداقتهما إستمرت حتى عام 1933 ، ثم أصابها مد وجزر سياسي) وهما اللذان كانا الرمزين الفلسفيين اللذان تركا طبعات قوية على تفكير طالبتهما الفيلسوفة حانا أرنديت ، والتي إرتبط إسمها ملهمة لكتاب هيدجر الوجود والزمن ، ومساهمة في مناقشات وإعداد مشروع ياسبرز الفلسفي المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وعلى هذا الأساس يصبح النقد الموجه لهيدجر من قبل خصومه طلاب مدرسة فرانكفورت / النسخة الأمريكية ، وبالتحديد في إهتمامه بينتشه له دوافع معاداة للسامية هاوياً لا يستند إلى دليل ، وذلك لأن ياسبرز الخصم العنيد للنازية ، هو الأخر إهتم حتى النخاع بفلسفة نيتشه ، وبفكرة السوبرمان ” زرادشت ” في كتاب نيتشه المعنون هكذا تكلم زرادشت .
وهكذا جاء قرار ياسبرز بترك دراسة القانون ، والتحول إلى مضمار الطب بعد إقناع والده وبرسالة مدعومة من قبل الدكتور فرانكيل . وفعلاً بدأ دراسته للطب في 1902 في جامعة برلين ، وإستمرت حتى 1908 . ولعل رسالة والدته التي بعثتها لوالده في 25 إكتوبر 1902 ، تكشف عن هذا التحول الإيجابي لصالح ياسبرز ومن ثم حدث التحول فيما بعد . تقول الوالدة هنريت :
” في الحقيقة إن بابا وافق تماماً على شراء كل ما تحتاجه ، وهو يؤيد دراستك ، وربما إنك تحتاج أن تشتري أطلس جديد ، وشكل جديد للجهاز العظمي . وقال بابا إن كل ما يساعدك في الدراسة هو مال يمكن إستثماره بصورة حكيمة ، وأنا أحسب أنه جيد لك . وإذا كان من الممكن وخلال دراستك في الغرفة ، أن تضع الشكل الإيضاحي للجهاز العظمي أمام ناظريك دائماً ” .
ومن المؤشرات المهمة في حياته وبالتحديد نحو توجه العلمي والطبي ، إن والده في العطلة الصيفية لعام 1904 ، رتب له فرصة عمل تدريبي في المحطة الفيزيولوجية في هولكولاند ، حيث كانت للوالد علاقات شخصية مع مدير المحطة ، وكانت غرفة عمل كارل في المنارة الضوئية لهداية السفن ، وكانت مطلة على البحر . كما إنها كانت فرصة ممتازة لإقامة علاقات مع باحثين أخرين ، والتي ألهمته في إستمرار دراساته الخاصة في مكتبة المحطة (وبالطبع دراسة الطب والتدريب في هذه المحطة يكشفان عن مصادر ياسبرز في فهم علاقة الفلسفة بالعلم وهو موضوع هذا الكتاب وجوهر كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة) . وبعد ثلاثة سنوات من التدريب الطبي (ستة فصول دراسية) ، إجتاز ياسبرز الإمتحان الأول بنتائج ممتازة والتي توافقت مع عيد ميلاده الثاني والعشرين (المصادف في 23 شباط / فبروري 1905 .
ورغم هذا التحول نحو جادة العلوم وقيامه بالتجارب ، فإن مشاعره في هذه المرحلة لم تكن مستقرة ، وربما إن هذا الطرف من التوجه سد عليه الطريق من إدراك هدفه الرئيس وإهتماماته المركزية ، والمقصود هو أن يتعلم عن الكائن البشري بالمعنى الإنساني . ولعل هذا الهم كشفته واحدة من ملاحظاته التي خطها قلمه فيما يمكن أن نسميها يومياته في كوتنكن ، وبالتحديد في العام 1904 / 1905 ، حيث قال فيها بالنص : ” كل واحد منهم (أي العلم والإنسانيات) يصف جانباً وحيداً ، ووحيداً فقط ، ولكن الفكرة الحقيقة ، هو السؤال : ما هي طبيعة الإنسان ككل ووحدة ” .
وتعتقد سوزان كيركبرايت ربما هذا جاء من طريق الشاعر الألماني غوته ، الذي كان ياسبرز في ذلك الوقت يقرأ روايته المعنونة الإلفة الإنتخابية ، وإعتقدت إن ياسبرز قد تداولها في يومياته ، وهي تقترح هذا النص من الرواية : ” ويتمتع الفرد بحرية في شغل نفسه بكل ما يجذبه ، وبكل شئ يمنحه اللذة ، ومع كل شئ يبدو له نافعاً : ولكن الدراسة المناسبة للكائن البشري ، هي دراسة الإنسان ” . وهذا الهم الياسبرزي (نسبة إلى ياسبرز) ستحمله عناوين أبحاث ومؤلفات لما يسمى باللاهوت الوجودي ، والذي ستشاركه فيه طالبته الفيلسوفة حانا إرنديت ، وللإستشهاد وليس الحصر كتابها المعنون الشرط الإنساني أو الحالة الإنسانية .
كما إن حضور ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، لعب دوراً في تكوين علاقة زمالة مع عدد من طلاب دفعته ، والتي ستكون في طرف منها ، ما يحدد التكوين المتفرد لعائلة ياسبرز (وإن كان في المستقبل فيها الكثير من الألام وخصوصاً بعد صعود الحزب النازي لسدة الحكم في ألمانيا وإستغلالها سبباً في تعليق أستاذيته وإحالته على التقاعد) . فمثلاً عندما ” وصل ياسبرز إلى هيدلبيرك ، طريق حياته بدأ يتغير نحو الأفضل ، وأخذت دائرة معارفه وزملائه من الطلبة تتسع ، ولم تقتصر على صديقه الوحيد فيرتز زور لويي . إنها إمتدت وشملت زميله في الدراسة إرنست ماير . وكان ماير مثل ياسبرز في الفصل العاشر من دراسته الطبية . صحيح إن تشخيص الدكتور فرانكيل حرره من مرضه المزمن . كما وصحيح جداً إنه يمتلك قوى وقدرات عقلية ممتازة مثل الذكاء والحساسية العالية . إلا إنهما غير كافيان لإستيعاب الصدمة التي خلقها تشخيص الدكتور فرانكيل . حقيقة إن ما يحتاج إليه ياسبرز ، هو إنعاش الجانب الروحي ، ولهذا كان الطرف من هذا الإنعاش ، هو الرحلة إلى سيلس . غير إن قرار زميله إرنست ماير بتعريف ياسبرز على أخته كيرترود ، كان هو طريق الإنعاش الحقيقي ، فقد وفر لياسبرز أجواء الصحبة مع عائلة ماير ، فكانت النتيجة إن تحولت حياة ياسبرز إلى أجواء مملوء بالسعادة والبهجة ” .
وبالمناسبة إن ياسبرز تعرف لأول مرة على كيرترود في 14 تموز (جُلاي) 1907 ، ولم تمضي إلا بضعة شهور ، حتى أصبح بعدها ياسبرز خطيباً لها بصورة رسمية . ومن ثم تلاه قرار سريع بالزواج دون علم والدي كيرترود وبعض أفراد عائلتها . وفي 29 سبتمبر 1910 حدثت مراسيم الزفاف ، وكانت عادية وهادئة للغاية ولسريتها فلم يحضرها أحد من عائلة ياسبرز ولا عائلة كيرترود . وإن الأحتفال تم في مكتب كاتب العدل في مدينة زاهليندوف ، والتي كان يعيش فيها كوستاف ماير الأخ الأكبر للعروسة كيرترود . وفعلاً فقد جاهدت كيرترود على إخفاء أخبار الزفاف عن عائلتها مدة أطول قدر الإمكان . ولهذا فإن والديها كانا أخر من عرف بهذا الزواج هذا من طرف . ومن طرف أخر فإن عائلة ياسبرز كانت عارفة بالوضع الصحي لولدها ، فمثلاً في تموز 1907 كان والدي ياسبرز يتوقعون بأن ياسبرز ربما لم يبقى على قيد الحياة ليحتفل بعيد ميلاده الثلاثين وهذه هي توقعات الأطباء كذلك .
وفي ضوء هذه الشكوك الخطيرة حول صحة ياسبرز ، فإنه من الممكن أن تتحول كيرترود إلى أرملة في المستقبل العاجل . ولهذا تحمل الأخ الأكبر كوستاف ماير ، مسؤولية ترتيب الأمور المالية لمساعدة أخته وبطريقة معقولة ، تتناسب وإلتزاماته العائلية . أما من طرف الدكتور ياسبرز (السايكايتري / الطبيب النفسي) فقد كتب تقريراً لوالديه ملغوماً بالرمزية وغير واضح ، يفصل فيه واجباته في عيادة الطب النفسي في هيدلبيرك ، ومن ثم حشر فيها ملاحظة متفائلة حذرة ، يُظهر فيها إهتمامه الإنساني بسيدة شابة عمرها بحدود الثامنة والعشرين تتردد على العيادة النفسية ، وأخترع لها إسم فرويلين ماير . وكان في الحقيقة يسعى إلى ذكر إسم كيرترود بطريقة تلفظ مشابهة لإسم صديقه الطالب إرنست ماير . وعملها بطريقة مدروسة لتكون إسما لشخص مجهول . وعلى هذا الأساس قدم المعلومات التي تبدو مشابهة لواحدة من مرضاه ، والتي لها تاريخ في العلاج النفسي .
ونحسب من النافع أن نذكر بأن كيرترود أكبر سناً من ياسبرز بإربع سنوات ، ولها خبرة مع أعراض المرض العقلي في عائلتها (عائلة ماير) . فقد كانت أختها الأصغر منها عايدة ، ضحية للإنهيار العصبي . ومن الملاحظ إن مثل هذه الحقائق قد تم الإشارة إليها في رسالة ياسبرز التي ذكر مقابلته (تعرفه) لأول مرة على كيرترود من خلال أخيها إرنست ماير .
كما ويبدو إن السبب وراء سرية زواج كيرترود وياسبرز يعود إلى إن ديفيد ماير/ والد كيرترود ، كان من الرموز الكبيرة للجماعة اليهودية في المنطقة . ولعل السؤال الصعب الذي كان يدوي في تفكيره ؛ كيف سيكون موقفه من الجماعة إذا تسامح وقبل زواج إبنته اليهودية من ياسبرز البروتستانتي ؟ صحيح إن القضية الدينية من طرف ياسبرز وعائلته ليست مهمة على الإطلاق . وعلى هذا الأساس ظلت الخطوبة مقبولة بحدود ما . أما الزواج فبقي مشروعاً معلقاً .
وفي الوقت نفسه فقد وصلت أخبار زواجه إلى عائلة ياسبرز ، وذلك من خلال مصادر متنوعة . فمثلاً كوستاف ماير فكر بحكمة في إيجاد حل للمشكلة المادية لأخته كيرترود ومستقبلها مع وضع الإعتبار لحالة ياسبرز المرضية قبل إن يُفاتح عائلتيهما بالموضوع ، وخصوصاً في التفاهم مع والد ياسبرز في الدعم المادي للزوجين من طرف وتأمين وضع أخته في الوقت ذاته . وصادف إن جاء إلى هيدلبيرك إينو (1889 – 1931) / أخو ياسبرز لبداية دراسته في القانون ، وتعرف على كيرترود ، وعرف إينو الحال المُشكل في علاقة أخيه وزوجته كيرترود . فقدم إينو دليلاً على إمكانية إيجاد حل مناسب على الرغم من إن كيرترود ليست هي الخيار الذي كان يتوقعه لأخيه . ولكنه (أي إينو) رأى إن كيرترود مجرد هواء منعش له . وفي رسالة له بعثها لوالديه في 27 نيسان 1909 ، وفيها تشع الكثير من المشاعر تجاه كيرترود . يقول إينو :
” الولدان العزيزان
فرو ماير من الناحية المادية إسم على غير مسمى . وهي تعمل مثل الحصان ، وهي في هذه اللحظة دمرت أعصابها معه . وعلى أي حال ، فبعد التدقيق في رأيها ورأي كلي (أي ياسبرز) ، فإنها ستتعافى بسرعة مرة أخرى . وإنها شخصية فردية رائعة . والحقيقة إنه من الصعوبة جداً وصفها . إنها تماماً مختلفة على عكس ما تصورت ، وذات ذكاء عاطفي وليس عقلي فقط . إنها حقاً أكثر إنوثة وذكية جداً ، وقد عانت الكثير . وعلاقتها مع كلي (ياسبرز) هي خالصة وقائمة على أساس الصداقة . ولا تحاولوا وصفها بطريقة مختلفة . فمثلاً هي قالت : ” أذا أنا تزوجت أخيك ، فليس هناك ما يثير السؤال … ألخ (هكذا في الرسالة) ، وهي تقيم جسم كلي (ياسبرز) كما كلي يقيم نفسه (…)
تحيات وأشواق إلى أرنا (منا : أخت ياسبرز وإينو) كذلك
ولدكم
إينو ” .
ويبدو إنه بعد وصول رسالة إينو ، بعث والدي ياسبرز رسالة إلى ديفيد ماير ، تقدما له بطلب الموافقة على زواج ياسبرز من كيرترود . وفعلاً فقد لاحظ الباحث إن هناك ما يشير إلى العديد من الرسائل بعثتهما أسرة ياسبرز إلى إسرة ماير ، وبالتحديد رسالة بعثها الوالد ياسبرز إلى ديفيد ماير في 23 سبتمبر 1910 ، وفيها الكثير من المشاعر تجاه كيرترود ، ورسائل من الوالدة هنريت ياسبرز إلى والدة كيرترود كلارا ماير في 23 سبتمبر 1910 ، ورسالة من كلارا ماير إلى هنريت ياسبرز في 27 سبتمبر 1910 .
كما إننا وجدنا نص أولي لرسالة بعثها ياسبرز إلى خاله السياسي المعروف والوزير في جمهورية فايمر ثيودور تانتزين (1877 – 1947) والمؤرخة في 23 سبتمبر 1910 ، والتي جاء فيها :
” عزيزي ثيو
في 29 سبتمبر كيرترود وأنا سنتزوج وبحضور إخوتنا وأخواتنا في برلين / زهيلندورف … وقد أرسلت رسالة طويلة إلى جدتي شرحت فيها كل شئ . وأسألك العفو والغفران ..
تحياتي وأشواقي
إبنكم
كلي ” .
وبعد تردد وافق ديفيد ماير على مشروع الزواج . ولعل رسالة ديفيد ماير إلى والدي ياسبرز ، فيها الكثير من الدلالات . يقول ديفيد ماير :
” برنزلوي 27 سبتمبر 1910
المحترم السيد ياسبرز
المحترمة السيدة ياسبرز
لقد فرحنا بجد عال برسالتكم ، وخصوصاً كلمات المودة من قبل الكريمة زوجتكم .
بعد إنصراف وقت طويل فاتحت إبنتنا كيرترود والديها ، وإعترفت بأنها سلمت قلبها ، بل وإكتشفت إنها في علاقة حب مع رجل كان من المفروض أن لا تقترن به ، ولكنها سلمت قلبها إخلاصاً للحب ، وهي تتمتع بقيمة وشرف . والحقيقة كما تعلم أنت وحرمكم ، فإن ملاحظتكم صحيحة جداً ، فقد تصارعت كثيراً مع نفسي للوصول إلى الموافقة على هذا الزواج . وأنا لم أكن متعصباً ولا صاحب عقائد منحازة وذلك للإنتظار للتغلب عليها ، فأنا رجل متحرر منها . ولكنني كنت أتصارع مع المبادئ المتجذرة عميقاً بحق أجدادي ، والذين لا أستطيع أن أقطع جذوري معهم .
والأن أنا أعتمد على الحقائق وأستطيع مقابلة الزوجين ، وأمنحهم بركات الوالد وبقلب مملوء بالإيمان . وربما أطفالنا الآن يدخلون في وحدة صادقة ، مملوءة بالسعادة ، والتوافق والصحة والإلتزام المتبادل . مع السعادة والبهجة للوالدين من الطرفين . وآمانينا المشتركة ، وإن نكون الملجأ الآمن لأطفالنا . كما وقد وصل إلى سمعي من إبنتنا كيرترود ومن كل الأطراف ، كل ما هو مجيد ومشرف حول شخصكم وعائلتكم المخلصة . ونحسب إن الوقت لقريب لنتعرف على بعضنا ونشارك وجهات نظرنا .
وأنا أتمنى لأبنتي بالولد الصالح ، حتى تفوز بحب وتقدير والدي زوجها .
ومع كل الإحترام إذا سمحت ، فإنني أتقدم لحرمكم هنريت ياسبرز بكل تقدير ولكل أفراد عائلتك .
محترمكم
ديفيد ماير ” .
ومع زواج ياسبرز وكيرترود وإلتأم العائلتين ينتهي فصل مهم من حياة الطبيب النفسي كارل ياسبرز .
——————————————————————————————-
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
——————————————————————————————-
(2)
تحدي إينو ياسبرز ومآساته
الدكتور محمد جلوب الفرحان
صحيح إن كارل ياسبرز كان الولد البكر لعائلة آل ياسبرز ، وكانت له مكانة في العائلة ، خصوصاً بما يتعلق بمرضه المزمن ” المميت ” الذي وصفه كارل في رسالته إلى والديه كما ذكرنا ذلك أعلاه ، وبالتأكيد إن هذا المرض ترك الكثير من الأثار في حياة كارل وعلاقته مع والديه وأخيه إينو وإخته إرنا ومن ثم زواجه السري لزوجته كيرترود . كما إن كل ذلك قاد إلى جملة من التحولات التي حدثت في حياته المدرسية والأكاديمية ، وخصوصاً في تركه دراسة القانون وتحوله إلى مضمار الطب النفسي (السايكيتري) ، ومن ثم سيقود إلى التخلي عن الطب النفسي والصعود إلى طوابق الفلسفة العالية .
حقيقة إن قارئ كتابات كارل ياسبرز ، وبالتحديد ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، يلحظ إهتمام كارل الفيلسوف بالموت ، إهتماماً غير إعتيادي ، مما يحملنا ذلك على القول إن حياة إينو المملوءة بالنشاط إنطفأت لحظة وذلك في إقدام إينو على الإنتحار فجأة . وإن هذين الطرفين المتعارضين ؛ الحياة الصاخبة والموت المفاجأ قد لونا كتابات كارل ياسبرز . صحيح إن الأدب الفلسفي الوجودي قد وقف عند الموت والإنتحار ، وعالجه في أطار النشيد الوجودي المتداول : يولد الإنسان ، ليتعذب ويموت . إلا إن موت إينو ياسبرز كانت له قصة ، وجاء بعد حياة صاخبة ، مملوءة بالفرح والبهجة ، فكان مأساة للعائلة ، ومأساة فلسفية للفيلسوف كارل ياسبرز الذي لم يتوقف قلمه من تناوله ، وخصوصاً في إنجيله الفلسفي الوجودي المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي نشرها بعد عام واحد من موت أخيه إينو .
في الواقع إن الباحث إعتمد هنا على نصوص من مذكرات كارل ياسبرز ورسائله التي وردت في كتاب سوزانا كيرك برايت المعنون كارل ياسبرز : سيرة ذاتية (إبحار نحو الصدق) ، خصوصاً الملاحق والفصل الثامن (ص ص 92 – 107) .
لقد كان إينو ياسبرز صورة مغايرة تماماً لأخيه كارل ياسبرز ، خصوصاً في الضبط والنظام الغذائي اليومي . فمثلاً إينو كان صاحب سلوك صاخب (نشط) بينما كان كارل يتميز بسلوك وتصرف هادئين . وكان إينو مبتهجاً بالحياة بصورة مسرفة (متطرفة) ، في حين كان أخيه كارل على العكس عليلاً ، مما جعل حظوظه محدودة ، ومستقبله معتم ، وخصوصاً في ميدان العمل والوظيفة . والحقيقة إنه ليس هناك ما يدل على إن إينو كان أقل ذكاءً من كارل وأخته إرنا ، ولكن الواضح إن إينو كان الأكثر إهملاً والأقل إكتراثاً مقارنة بكارل وأرنا . فمثلاً كان إينو يصرف بسرعة مصروفه الشهري ويبذره ، بينما كان كارل يتعامل مع مصروفه بصورة منظمة ، وبدرجات عالية من العقلانية في الصرف ولذلك تلحظ هناك مدخرات في رصيد كارل ، في حين نضوب دائم في رصيد إينو .
ولاحظ ياسبرز في وقت مبكر جانباً من القساوة (الحوشية) في شخصية أخيه إينو . وعلى أساس هذه الملاحظة عاد ياسبرز مؤخراً فحدد خمسة مبادئ تعمل وتحكم تصرفاته تجاه أخيه إينو . وهذه المبادئ كتبها ياسبرز في مذكرات كوتنكن ، والتي كتبها عام 1903 . ولكن هذه المذكرات لم تقدم تفاصيلاً لمعالجات فعلية لياسبرز الأخ الأكبر . إلا إنها في الوقت ذاته تعرض مؤشرات عن طبيعة علاقة الأخوين في ذلك الوقت .
ويبدو إن ثلاثة من هذه المبادئ ذات صلة وثيقة بسلوك إينو وعلاقة الأخوين من طرف ، وإنها مبادئ صحيحة وذلك من حيث كونها تتمتع بمكانة أخلاقية عالية من طرف ثان . والأول منها ، هو إنه كان من المطلوب من الأخ الكبير كارل ، أن يبذل جهداً في تعديل عقلانيته ، والتي وصفها بأنها كانت العائق في قيام صداقة حقيقية بين الأخوين . وثانياً إن كارل كان على الدوام يُقارن إسلوبه بطرق ووسائل أخيه الصغير المملوءة بالفرح والبهجة وحسن الحظ . وثالثاً إنه كان لا يتوقع على الإطلاق من أخيه الصغير أن يقدم له أي شئ ما يخلق السرور والرضاء لديه . ورابعاً إن الأخ الكبير كارل قدم وصفاً فيه الكثير من الدلالات على طبيعة العلاقة بأخيه الصغير إينو ، فقد بين عادته التي يبدو فيها كارل سيداً في المدرسة ، والتي تحمل في ثناياها الكثير من الإشكاليات ، والتي رغب أن لا تقدمه مثالاً وقدوة لأخيه إينو . والمبدأ الخامس تمثل في إدخال ملاحظة غير عادية في تسجيلات ياسبرز اليومية ، والتي فيها ندم الأخ كارل من حالة البرود التي ظل محافظاً عليها في علاقته بأخيه الصغير ، والتي تخفي حسده وغيرته من أساليب إينو في التمتع باللذة والحياة السعيدة . والتي تبدو خالية من أي تعبير أو شكل من الإنتقام .
ولعبت الأخت إرنا دور الوسيط بين الأخوين وذلك بحكم الأخت الأكبر لإينو والأخت الأصغر والأقرب عمراً إلى كارل . وفعلاً فقد كانت إرنا تقوم في مناسبات عديدة بعمل الطرف الثالث الذي يحافظ على السلام بين الطرفين ؛ كارل وإينو . وكارل أدرك ذلك بصورة واعية ، فوجد في أخته إرنا الوسيط الفاعل . وكتب كارل في مذكراته يصف ما تتميز به إرنا من هدوء وسمات الشخصية الإيجابية ، وكان يرى فيها شخصية ذكية وتتمتع بحس دبلوماسي . إن كل ذلك جاء مسجلاً في مقطع مهم ضمته مذكراته التي تصعد إلى عام 1905 ، وحينها كان كارل في كوتنكن يدرس الطب . فقال برواية إرنا :
” كارل غير مستنير ، غريب الأطوار ، غريب عن العالم (على الأغلب الأعم بسبب مرضه) . (…) دائماً على نمط واحد ، ويفضل ماهو أخلاقي (…) .
أما إينو فهو مُحبُ كثيراً للملذات ومفتنُ بالمباهج والمسرات ، وقليلاً ما يكون غريب الأطوار ، يحبُ العالم ، ومعنوياته عالية على الدوام (…) . يتطلع إلى التعليم في الوقت الراهن . ولكن تفكير غائم معتم مقارنة بتفضيلاته الأخرى (…) . إينو يحتاج إلى التغيير ، رغم إنه يفضل أفعالاً فيها شئ من التطرف ، ويحتاج إلى قليل من ضبط النفس ، وهو يندفع أكثر من اللازم بعض الأحيان . ويُشارك كارل في كل هذه الخصائص ، ولكن بحدود أقل .
بينما إرينا فهي كانت دائماً الجسر الذي يتوسط بين هذين القطبين المتطرفين . وهي تتطلع إلى تجاوز القيم التي تحكم تصرفات الأخوين . وإن علاقتها الحميمة منظمة (و …) ومشاعرها تطورت ونمت خلالها ، بعمق ومصداقية عالية ” .
وترى الباحثة سوزانا كيركبرايت إلى إن ملاحظات الأخ كارل عن الجوانب النفسية المختلفة بينه وبين أخيه نينو ، بدت بعض الأحيان غير حقيقية (ومظهرية في معظمها) . إلا إنها دللت من طرف أخر على إهتمامات كارل ياسبرز المبكرة في مضمار علم النفس . إضافة إلى إنها تقدم شهادة على إن الأخوين كانا في علاقة متشابكة وقريبة جداً . أما من الناحية الأكاديمية فإن إنجاز كارل يدلل على مستقبل واعد ، كما إن حصول إينو على شهادة الثانوية تشهد على كفاءته ، ويبدو إن إينو مكتوب عليه ما أسمته ” إختيار طريق الفعل ” . وهو العامل الذي سيحمل تطورات تراجيدية في حياة إينو لاحقاً . كما وظهرت المبادئ الأخلاقية التي حكمت رؤية الأخ الكبير كارل لتصرفات أخيه الأصغر غير دقيقة (بل وسخيفة) .
إن الفهم الحقيقي للظروف التي أحاطت حياة الأخ إينو ، تتجاوز مبادئ كارل الأخلاقية . فمثلاً إن الأوضاع التي واجهها إينو عندما إنتقلت من حال سئ إلى ؛ أكثر سوءً مع سلسلة متكررة من سوء الحظ ، والتي تمثلت في تصرفات مالية طائشة وغير حكيمة ، وضياع العديد من فرص العمل ، وفض ثلاثة خطوبات ، فإن كل ذلك سبب كارثة للأخ الصغير إينو ، وإن الأخ الكثير كارل لم يتمكن من إنقاذ أخيه من كارثتين نهائيتين ، وهما الإفلاس والإدمان على المخدرات .
ومن طرف أخر إن حوليات كارل التي تسجل أهم الأحداث في علاقته بأخيه إينو وأخته إرنا تكشف عن حقيقة مهمة للقارئ والباحث ، وهي إن إينو هو الأنا البديلة لكارل ، فإينو هو الأخ المحبُ للمتع والحياة ، يتمتع بالنشاط والحيوية ، والتي كانت بالتأكيد فيها إمكانية في عكس صورة كارل وأهدافه الشخصية . والشئ الوحيد هو إن إينو لم يُبلى بالمرض الذي عانى منه كارل . والعودة إلى الرسائل المتبادلة المبكرة بين الأخوين ، فيها الكثير من الشواهد على التلاحم بين الشخصيتين . والحقيقة إن هذه المراسلات بدأت عندما إستهل إينو أول عمل براتب له ، ككاتب بنك متدرب في مكتب شركة كارل أف . بلامب في بريمان . وخلال الأشهر الستة الأولى من عمله هناك بدأ إينو مراسلاته المتبادلة ، ومناقشاته الموسعة مع أخيه كارل ، والتي فيها عرض لما أسماه الستراتيجيات العاطفية التي يتداولها أخيه الأكبر وذلك من أجل حمايته . كما ويبدو إن إينو وضع أنظار كارل على التقارير المملوءة بالمرح وروح الفكاهة التي كانت تكتب عن إينو خلال فترة التدريب . وإن إينو كان من خلالها يتحدى أخيه ، ودعوته إلى التحرر مما أسماه درع المحافظة الغليظ ، وطالبه بنوع من التسماح والتي هي من المكونات الجوهرية للحياة الفكرية لكارل ياسبرز . ويبدو إن جزع إينو من كارل أخذ يتطور إلى شكل من الرسائل ذات روح من الفكاهة والتندر ، وفيها كشف عن طبيعة السأم التي لفت تجاربه مع أخيه كارل .
ولنقدم للقارئ العربي ولأول مرة نماذج من المراسلات بين إينو وأخيه الأكبر كارل ياسبرز ، والتي نعتقد فيها الكثير من الشواهد والدلالات على طبيعة العلاقة بين الأخوين . وخصوصاً من زاوية إينو الغائب إلى الأبد ، وإن مذكرات كارل وميمواره متداولين ، وبالطبع إنهما يعكسان وجهة نظر الأخ الكبير كارل .وهنا نحاول إحياء إينو وتجديد رسائله ونضعها في لحظات تحدي لأخيه الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . الحقيقة بدأت هذه المراسلات في عام 1907 كما يؤشر التاريخ الذي تحمله الرسالة الأولى المتوافرة لدينا .
بريمان 2 أذار 1907
العزيز كلي (هذا الأسم الذي تطلقه العائلة على كارل ياسبرز)
(…) إن عملي من أكثر الوظائف المملة والمملوءة بالضجر ، والذي يشمل
1 – دفع الأموال 2 – إستلام المال (ودفعه) نقداً 3 – والذهاب إلى مكتب البريد والبنك المركزي 4 – إستنساخ وتسجيل . وإن الأنماط الثلاثة الأولى من العمل ، هو للتدريب والتأكد من إن عضلات ساقيك لا تتعب وتكلُ من الركض والتنقل من مكان إلى أخر . أما الرابعة فهي تتطلب منك اليقضة ، وعدم الغفلة والنوم خلال العمل . وكل هذا الروتين يسبب لديك فقدان المتعة ولا يحملك على طلب الفهم لمجريات العمل ، فهو امر غير ضروري على الإطلاق . وفعلاً بعد فترة من الصعوبات التي تخطيتها ، وبالتحديد بعد نصف سنة تحول العمل عندي إلى روتين يومي ، وأصبح خال من أية متعة . حيث إن مجمل العمل ككاتب في البنك ، يتكون من إستنساخ الأوراق للأخرين (…)
مع تحيات مملوءة بالمودة
إينو .
وفعلاً فإن هذه الرسالة شكلت تحدياً للأخ الكبير كارل ، وجاءت إستجابة كارل في وصف نمو أخيه الأصغر إينو ” بكونه بطيئاً ، وهو يعكس مرحلة معينة ، وليس مجمل عمله المهني برمته . وهو متعاطف معه ، غير إنه يتعامل مع تحدي أخر ، وهو أكمال متطلبات الدكتوراه ، وخصوصاً في إتصالاته المبكرة مع المرضى في عيادة الطب النفسي في هيدلبيرك ” . ولاحظت سوزانا كيركبرايت إنه بينما كان إينو يطور حواراته مع أخيه الأكبر بإسلوب الصداقة الحميمة ، كان الأخ الكبير كارل يأخذ تساؤلات أخيه الصغير بجدية عالية . ومن ثم بعد أشهر عدة من التدريب ، تشكى إينو من إن رسائل أخيه كارل كانت سطحية ، بل وفيها روح من التبرير على إنه مشغول بالعمل والواجب . ورغب إينو إلى إستكشاف وجهات النظر المختلفة حول ماهو تافه ، وما هو متعة ، والفارق البديل بين الإلتزام واللذة . ويبدو إن إتهامات إينو لأخيه الكبير ، في عدم الشفافية والإنسحاب إلى الذات ، فيها الكثير من الحدة .
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على الرسالة الأولى أعلاه ، كتب إينو رسالته الثانية ، والتي جاء نصها بالصورة الأتية :
بريمان ، 5 تموز 1907
العزيز كلي
(…) الأن أنت في حال مُسر جداً ، حيث يمكنك على الدوام من صياغة أوصافك الشخصية في إطار ملاحظات عامة . وبهذه الطريقة ، فإنك متمكن من عدم إرغام نفسك على الكتابة عن القضايا الشخصية ، والتي تمنحك الحرية الحقيقية من إنحيازاتك وشعورك الدائم بالتفوق . وإذا تطلعت إلى الكتابة ففي الحقيقة إنه من السخف أن لا تمس الجوانب الشخصية . بل على العكس إنه من المشاعر الجميلة في وصف شخص ما بأنه يحتاج إلى الشفقة ويؤمن بها . وعندما تكون هذه هي الحقيقة ، فإنه من الخطأ تماماً (على الوجه الأعم) إن شخص ما لا يستطيع أن يُقنع نفسه بذلك . فإن جسمك يمنعك من القيام بإنجاز أشياء كثيرة ، وذلك لنقص في تجربتك الشخصية . إن كل ذلك يبدو لي غير مُقنعاً .
وهناك الكثير من الكلام في الرسالة القادمة !
مع تحيات مملوءة بالمودة
إينو
وفي عقيدة الكاتبة سوزانا كيركبرايت (وهي كاتبة سيرة الفيلسوف كارل ياسبرز) إن غرض الأخ الأصغر إينو من تبادل هذه الرسائل مع أخيه الكبير كارل ، هو أن تقربه هذه الرسائل إلى أخيه وتساعد أخيه الكبير كارل على تحرير نفسه (منا : من معاقل الإنغلاق على الذات) . وفعلاً فإن إينو يرى :
أولاً – إن أخيه كارل يمتلك مفهوماً فقيراً عن التجربة الشخصية . وبإيجاز إن إينو يتهم كارل بإنه كثيراً ما يتكأ على مرضه عكازاً في التبرير والدفاع وذلك ليتجنب التواصل مع الأخرين . والحقيقة إن إتهامات إينو ذات الطبيعة الإنفعالية وغير المبررة كانت حادة ومثيرة للإعصاب ، خصوصاً عندما زعم بأن وجود كارل درع مظهري ، يتخفى وراءه كارل من معرفة الأخرين لحقيقة تجاربه .
ثانياً – إن إينو حدد إمكانية كارل على التعميم بإسلوب عقلاني للتجربة الذاتية ، والتي تتضمن مثل هذه التعميمات والتي هي خلاصات ملائمة لمجمل وسائل النزوات الشخصية ، من مثل أحب ، وأكره والإنحيازات ، والتي هي في إعتقاد كارل قضايا شخصية ذات طبيعة سليمة من الناحية الكونية (يونفيرسل = العامة أو الكلية)، وإينو يفترض إن ذلك يُسبب الحيرة لكل خصوم كارل ، وبالطبع من ضمنهم أخيه الأصغر إينو والذي يبحث عن أرضية مشتركة وكان يتطلع إلى تنمية وجهة نظر مستقلة .
وإستجابة لكل ذلك إستلم إينو من أخيه كارل رسالة (رد فعل) تكونت من سبع صفحات مكتوبة بوجهين ، كتبها كارل من هيلدبيرك بتاريخ 5 تموز 1907 ، بين فيها كارل قدراته وإمكانياته على كتابة حجة تأملية في عرض تجاربه الشخصية كنقاط إنطلاق وبداية . وهناك جملة في رسالة كارل في غاية الأهمية وتلقي الضوء على جو وطبيعة المناقشة بين الأخوين . يقول كارل ” إنك مسكتني في مكان هو من أكثر مناطقي الحساسة ” .
وهذا الطرف من المناقشات تطور وأخذ مساراً جديداً ، وذلك عندما حضر إينو ياسبرز جلسات في مدينة بريمان عن علم النفس التجريبي ، الذي أسسه عالم النفس الألماني فليهلم فونت (1832 – 1920) وأنشأ له أولى المختبرات التجريبية . وهذه الجلسات ساعدت إينو على الإستمرار في الحوار مع أخيه كارل ، وبالتحديد في مضمار علم النفس ، كفاعلية خلاقة تتضمن وصفات للمشكلات الإقتصادية والسياسية القومية . وفي ذلك الوقت ، كان جُل تفكير إينو ، يدور حول مستقبله المهني ، وبالتحديد أن يكون محامياً (رجل قانون) . ومن هذا الطرف أخذ يفكر في ما يجلبه التدريب الجامعي ، من منافع . وهو بالتأكيد مسار يتناغم بإنسجام عال ، مع الإصطلاح الذي أطلقه عليه ، وهو ” رؤية العالم ” . ولعل في إصطلاح رؤية العالم ، محاولة من إينو للإستفسار من أخيه ، عن إمكانية إنجاز مثل هذا الهدف .
وكارل ياسبرز من طرفه أبتهج بسرور عال من مثالية إينو ، ورأى فيها فرصة إيجابية ، إذا ما إستمر إينو في المحافظة على مشروعه النقدي للتعليم المعمق الذي يتطلع إلى إنجازه ، فإنه (أي إينو) بالتأكيد سيحقق طموحاته بسرعة .
وفيما يتعلق بالطرف السايكولوجي (النفسي) ، فإن كارل ياسبرز ، توصل إلى نتيجة تفاؤلية حذرة ، تؤكد على الضبط والتدريب ، نقطة البداية لمستقبل أخيه إينو ، ودعم كارل وجهة نظره ، بنص من الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط . وفعلاً فإن دفتر ملاحظات كارل الشخصية يُدلل على إنه إقتبس النص كاملاً من كتاب كانط والمعنون ” الإنثروبولوجيا من وجهة نظر براجماتية ” (1798) ، وبالتحديد في النصف الثاني من النص الوارد ، والذي جاء بالصورة الآتية :
” أيها الرجل الشاب ، إعتز بالعمل وأبتهج به ، وتنكر لكل الشهوات ، ولكن بشرط التعفف منها حسب الإمكان ، وضع الشهوات دائماً أمام ناظريك (وحساباتك = منا) . ولا تدفع بحواسك إلى مستوى البلادة (والكسل) ، حيث إن الوصول بها إلى ذلك المستوى ، يكون عن طريق الإنغماس في الشهوات (اللذات) ، خصوصاً في بواكير حياتك . وسوف لا تندم في عمر النضوج على الإطلاق من إختيارك ، حالة التعفف من الإنغماس في الملذات الجسدية . كما إن هذه التضحيات من طرف أخر ، ستضمن لك منافع وقناعة (مع إطمئنان = منا) ، والتي ستكون متحررة من الصدف من طرف ، ومن قوانين الطبيعة من طرف أخر . ” .
وكما يبدو وفقاً لملاحظة سوزانا كيركبرايت ، فإن إينو ياسبرز إنتبه بآذان صاغية إلى نصيحة أخيه حول ما أسمته سوزانا ” بتعديل سلوكه المنفلت ” والناهض على نص كانطي ، إقتبسه كارل ياسبرز ، من مؤلف كانط الشهير ” الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية “. ونحسب من المفيد أن نشير إلى هذا الإهتمام بكانط وفلسفته ، سيتتوج لاحقاً في محاضرة ياسبرز الإحتفالية بالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط لاحقاً ، وهو عميد كلية الفلسفة في هيدلبيرك ، وخلال الأجواء النقدية والإعتراضات التي قادها ضده الفيلسوف الكانطي الجديد ، هنريخ ريكت ، والتي زعم خلالها بأن ” ياسبرز عاجز ولم يكتب لأكثر من عقدين من الزمن شيئاً مهماً في مضمار الفلسفة ” . ومن ثم جاء رد ياسبرز وبمساعدة هيدجر وحانا أرنديت في ترتيب كتاب ياسبرز الشهير ثلاث مجلدات في الفلسفة .
وفعلاً فإن إينو أخذ بنصيحة أخيه كارل ياسبرز ، وقرر بالتحديد في نهايات صيف عام 1909 ، بتأجيل إنخراطه في دراسة القانون في الجامعة ، وبدلاً من ذلك إختار ، إكمال الخدمة العسكرية الإجبارية ، والتي إستمرت سنة كاملة . ومن ثم صرف أسابيع عديدة في بورنماوث ، لأغراض تحسين اللغة الإنكليزية . كانت فرصة مناسبة لإينو ليتمتع برحلة الإبحار من طرف . كما إن هذه الزيارة الصيفية الإنكليزية ، كان لها طرف أخر من المنافع ، فقد ألهمت إينو ، وحملته على تقدير إسلوب حياة الرجل الإدواردي (الإنكليزي) . وذلك واضح في الرسالة التي بعثها إينو إلى والديه :
” بورنماوث ، 14 أب (أوغسطس) 1909
العزيزان الوالدان
اليوم كنت في جزيرة وايت ، وبالضبط والتحديد في كاوز (…) والمدينة بحد ذاتها مدينة مواجهة للبحر . وإن البيوت المواجهة للبحر يمتلكها اللوردات والأثرياء الإنكليز. غير إن سمعتها تأتي من إنها تحتضن اليخت الملكي ، وهي بهذا الحال تشبه اليخت الإمبراطوري الألماني . وهو بالطبع إسطول صغير ، دائم التواجد على ساحل الميناء . وفي الأسابيع القليلة الماضية ، أُقيمت سلسلة من سباقات للزوارق في ميناء كاوز ، وذلك بمناسبة تكريم القيصر ، الذي كان بالطبع حاضراً هناك ، إضافة إلى حضور العديد من اليختات الإنكليزية ، والكثير من السفن الفرنسية والهولندية ، والتي كانت راسية هناك . إن مشاهدة كل ذلك ، يُعدُ منظراً رائعاً . أما الأرياف في هذه المنطقة ، فهي جميلة وساحرة جداً . في حين إن الجرف الصخري الطباشيري ، ينحدر بإستقامة ملفتة للنظر ، بحيث يمس مياه البحر الزرقاء . إنه حقاً منظر أخاذ جميل . أما الغابات فتحتشد بكثافة ، وتتلامس بصورة رائعة مع الجرف الطباشيري المطلُ مباشرة على البحر . والواقع إن الطبيعة توفر للناظر مشهداً في غاية الجمال والروعة ، لم أراه من قبل على الإطلاق . (…) .
مع تحياتي الغالية
إبنكم إينو ” .
ونحسب إن نصيحة أخيه كارل ياسبرز من طرف ، والحياة الإنكليزية ، وإسلوب العمل والروتين اليومي ، التي عاشها بتفاصيل خلال زيارته من طرف أخر ، حملاه برأينا على تبني إسلوب حياة (روتين) جديد ، مما كان له الأثر في شخصية وسلوك الأخ الصغير إينو . ولعل الشاهد على ذلك التفاصيل ، الرسالة التي بعثها لوالديه ، وبالتحديد من بورنماوث – بريطانيا ، وبتاريخ 14 أب (أوغسطس) عام 1909 التي شرح بها إينو لوالديه ، روتين حياته ، فقال مفصلاً : ” في كل صباح ، وبالضبط في الساعة الثامنة ، أبدأ السباحة في البحر . وفي التاسعة أتناول فطوري , وفي الواحدة والخامسة عشر أتناول غذائي ، ومن ثم في السادسة والنصف هو موعد عشائي . وبالطبع كل عصر (ساعات ما بعد الظهر) ، وبالتحديد في الساعة الرابعة ، هناك فترة شاي العصر ” .
ويبدو إن زيارة إينو إلى بريطانيا ، والتجربة القصيرة التي عاشها هناك ، قد تركت أثراً على إينو أولاً ، ومن ثم ستلهم أخيه كارل ياسبرز وزوجته كيرترود وبنات عمومتها ، وتحملانهما على التخطيط بالقيام برحلة إلى بريطانيا . وهذه نقطة مهمة في التقارب بين الأخ الصغير إينو والأخ الكبير كارل ياسبرز . كما وفيها إشارة على قناعة الأخ الكبير ، بإن تحولاً ما قد حدث في شخصية أخيه الصغير ، ومن ثم قناعة الأخ الكبير بمصداقية روتين حياة إينو الجديد في بريطانيا (وربما يمكن القول إن الأخ الكبير إقتنع بولادة شخصية جديدة للأخ الصغير إينو ، وفي هذا مفتاح فرج يُعلن عن بداية تقارب بين الأخوين المتنافرين على الدوام) .
صحيح جداً إن تجربة إينو في بريطانيا ، لم يكن فيها قطيعة تامة عن حياة الترف ، والبحث عن المتع واللذات المادية والحسية ، وهي السمة الغالبة على حياة إينو ، والتي كانت من طرف أخيه كارل ياسبرز ، موضوع نقد وإستهجان كما كشفت رسائل كارل السابقة . ولكن الجديد في روتين حياة إينو ، إنها ذهبت مذهباً خال من نمط اللذات التي كان عليها إينو في ألمانيا ، وبالتحديد قبل سؤال أخيه كارل بنصيحة الأعتدال كما جاء في بعض من الرسائل السابقة . وفعلاً فإن مُتع ولذات إينو ، أخذت في بريطانياً مساراً مختلفاً ، فمن الملاحظ إن ” في رحلته إلى الأولى إلى لندن ، شملت نزهات ورحلات جماعية للمدينة ، وزيارة المواقع الأثرية – والسياسية المهمة . ففي رحلة لندن ، زار كتدرائية القديس بولس . كما إنه كان مفتوناً بإندهاش بالملكية الإنكليزية والتاريخ العسكري الإنكليزي . وفي ظل هذا المناخ ، لاحظ إينو الإختلافات الحضارية بين القطرين (منا = بريطانيا وألمانيا) ، وذلك من خلال المقارنات التي قام بها إينو بين إسلوب البناء المعماري لكاتدرائية القديس بولس ، وكتدرائية كولونيا (منا = وهي عمارة تنتمي إلى العصر القوطي – ألمانيا) . كما إن إينو تقدم بطلب للسماح له ، أن يكون زائراً لجلسة البرلمان ، مجلس العموم (منا = البريطاني) ” .
ونحسبُ في مقارنة الباحثة سوزانا كيركبرايت بين وصف الأخوين في زيارتهما إلى بريطاني ، فيها الكثير من الحق والصدق وهذه مسألة محسوبة لصالح الأخ إسلوب الأصغر على حساب إسلوب الأخ الأكبر . فقد بينت الفارق بين إسلوب الأخوين ، فذهبت إلى إن وصف إينو ، كان مُفعماً بالحيوية ، مقارنة بحديث الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، والذي تغلب عليه روح التقدير الحذر (منا = القلق) للحياة الإنكليزية في المدن ، وهو الحديث المتعلق بزيارته لبريطانيا في أواخر آب (أغسطس) من عام 1925 (أي بعد زيارة إينو بستة عشر عاماً)، والذي إستمر عدة أيام ، قضاها في بلومزبري، وبرفقة زوجته كيرترود ، وأبناء عمومتها ، كل من جوليا وإرنست كوتسجوك .
إضافة إلى كل ذلك ، فإن هناك فارقاً كبيراً في الزيارتين ، فزيارة الأخ إينو كانت رحلة سياحية خالصة ، وقد قام بها قبل إنخراطه في الخدمة العسكرية ، بل ودخوله الجامعة . بينما رحلة الأخ كارل ، يبدو إنها كانت رحلة أكاديمية ، وغرضها مختلف جداً عن غرض رحلة الأخ الأصغر . كما إن هناك عاملاً أخر ، حكم رحلة كارل ، ويومها كان بروفسوراً في جامعة هيدلبيرك . ولعل رسالة كارل في 2 إكتوبر 1907 ، توضح ذلك بجلاء . كما إن كتاب رئيس جامعة هيدلبيرك بالألمانية والمترجم بالإنكليزية ، يبين أغراض زيارة البروفسور كارل ياسبرز . فأفاد : ” الدكتور كارل ياسبرز ، هو بروفسوراً في جامعتنا ، وينوي بالقيام بزيارة دراسية إلى إنكلترا . ومن طرفي فأنا أوصي بزيارته وبمساعدته .
البروفسور كارل هامبي
رئيس جامعة هيلدبيرك ” .
وبعد رحلة إينو إلسياحية إلى بريطانيا ، إنخرط في الخدمة العسكرية ، وذلك لأكمال فترة سنة واحدة في التدريب العسكري الإلزامي ، وبالتحديد إلتحق لأكمالها في أولدنبيرك . ومن ثم بعد إكمال متطلبات الخدمة العسكرية ، بدأ تدريبه في مضمار القانون ، في هيدلبيرك ، حيث إنتفع هناك من علاقات أخيه كارل بالنخب الفكرية . وفعلاً فإن كارل عرفه بعدد من الأصدقاء من مثل صديقه بروفسور القانون غاستوف رادبروك ، سهل عملية تحويل إينو إلى جامعة بون ، حيث أكمل فيها متطلبات إمتحان الدخول لدراسة القانون ، وبالتحديد في شباط 1913 . وفي هذا الطرف من البحث ، نحسب من النافع الإشارة إلى إن الأخ الأكبر كارل ، إستمر في رسائل المساعدة والتعضيد لأخيه الأصغر إينو . إلا إنها في هذا الوقت أخذت مساراً في غاية الأهمية . ففي بداية أب من عام 1914 ، وكان إينو في رحلة في القطار من أولدنبيرك ، ومتجه نحو فرنسا ، فقد أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا . وبالتحديد في 4 أب 1914 ، كتب الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، رسالة إلى أخيه الأصغر إينو . وفيها الكثير من الوصف والمشاعر والهموم التي غلفت علاقتهما الأخوية . وهذا نص الرسالة :
” أولدنبيرك 4 / 8 / 1914
العزيز إينو
إني متشوق جداً إليك . وأنا على الدوام أود أن أعبر عن أخوتي ، وحبي لك . ولكننا لم نفعل مثل ذلك . وإن الثقة الفطرية بالقدر ، هو إنك عائد إلينا بصحة جيدة ، وإن الحياة تبدو ممكنة . وإن الشئ الوحيد الذي أتمناه ، هو أن أمتلك القوة للذهاب معك ، ولذلك يمكن مساعدة أحدنا للأخر ! إنا أحبك حباً لا حدود له .
أخوك كارل .
والواقع إن إينو لم يكن في خطوط المواجهة ، التي باشرتها المناورات العسكرية في بلجيكا وفرنسا ، كما إنه لم يُشارك في معارك المارن في عام 1915 . إلا إنه في الحقيقة أرسل مع قوات المشاة إلى مارن . وفي هذا الحال حالة فرج ونوع من الإرتياح سادت أجواء العائلة . وهذه المشاعر جاءت منثورة على سطور رسالة كارل ياسبرز ، والتي كتبها بُعيد أيام معدودات من رحيل إينو . وغعلاً فقد جاء فيها : ” لم يمضي وقت طويل ، بُعيد مغادرتك ، إجتمعنا بالوالد . وكان الوالد والوالدة يتمشون ، وهم في حالة إنفصال بعضهم عن البعض الأخر ؟ وكانا كلاهما يذرفون الدموع . ولكنهما كانا متماسكان بشجاعة ، ولم يُفكرا بشئ ، سوى عودتك إلينا بسلامة تامة ” .
ومن الثابت إن الحرب ، خيارمدمر في حياة الشعوب ، وتراجيديا نازفة في تاريخ الإنسانية . إلا إنها مناسبة كشفت عن المضموم والخفي في تفكير الأخ الأكبر كارل ياسبرز . ونحسبُ في مراسلات كارل مع أخيه إينو ، الكثير من الشواهد الدالة والمعاني والعبر . صحيح جداً إن إينو ذهب مُحارباً في صفوف قوات المشاة . وهذه قضية واضحة للجميع مثل شروق الشمس في الصباح الباكر . أما الأخ الأكبر كارل ياسبرز ، فإن ظل يترنح بين باطن مخفي وظاهر مكشوف من المواقف . وخصوصاً بُعيد موجة الحماس للذهاب إلى الحرب ، التي عمت أوربا الغربية ، والتي رافقت عملية إغتيال ” الأرشيدوق فرانز فرديناند ” (1863 – 1914) في سراييفو .
والواقع إن المزاج المتوتر الذي رافق عملية الإغتيال ، ودعوات الحرب ، قد وصلت بحراراته العالية إلى أولدنبيرك . وفعلاً فإن الرد الألماني في أولدنبيرك ، تمثل بتوقيع أساتذة الجامعة على رسالة تضامن ومساندة مع العلم الألماني ، وبالطبع كان كارل ياسبرز ، واحداً من الذين وقعوا على هذه الرسالة . وقد أوضح كارل الأسباب التي حملته على التوقيع ، في رسالة بعثها إلى أخيه أينو ، وشرح فيها له الأسباب . وجاء فيها إنه (أي كارل ياسبرز) رغب في أن يترك سجلاً يحتفظ بوجهة نظره عن العلم الألماني ، كعلم يتفوق على كل ما لدى الشعوب من مفاهيم ، وبإمتياز أكاديمي عال .
ولعل التبرير الذي تقدم به كارل لتوقيع الرسالة ، فيه الكثير من المعاني والدلالات على مواقف كارل السياسية الباطنية الخفية ، فقد بين لأخيه إينو ، بأن الأسباب التي حملته على التوقيع ، منها وجهة نظر إرستقراطية محافظة ، فيها نوع من الوفاء لذكرى ماكس فايبر. وعلى كل حال فإن الباحثة سوزانا كيركبرايت ، ترى إن القضية بمجملها غير واضحة في الموقف الذي حمل كارل ياسبرز على توقيع رسالة العلم الألماني . ولهذا وجدناها غير مقتنعة بموقف كارل ، وترددت في حسم موقفه ، من بين إفتراضات تقدمت بها ، منها ربما إن كارل وقع الرسالة لأن كان مقتنع بروح القرار ولذلك صوت محمولاً بعاطفة ومبادرة صادقتين . أو ربما فعل ذلك ليقف ويتساند مع أخيه إينو . ويبدو إن كارل ياسبرز قد رفض المفهوم البريطاني لما أسماه باللعبة العادلة ، ولهذا الحال وقع الوثيقة . ولكن كارل ياسبرز فوق كل ذلك ، كان واعياً إلى إن الحرب ستضع إسلوب حياته كأكاديمي في خطورة . ولهذا كتب إلى أخيه إينو رسالة أوضح فيه :
” اولدنبيرك 3 / 10 / 1914
العزيز إينو
(…) إن المسألة البالغة الأهمية هنا ، هو إن الأساتذة الألمان نشروا إعلان ” العسكرة ” . وعلى هذا الأساس فإن روح العلم ليست منفصلة من وجودنا ، ونحن في هذه اللحظة جميعنا في حالة إنتماء وفي جبهة واحدة . وأنا في هذا الوقت ، أُشددُ على هذه المسألة ، فقد قمت بنفسي التوقيع على هذا الإعلان . والإعلان في حقيقته موجهُ ضد إنكلترا . وإن إنكلترا هي بينت بأن العلم الألماني ، والعسكرة الألمانية ، أمران مختلفان . وإن الحرب أُعلنت ضد العسكرة الألمانية . وأنا من طرفي أعتقدُ بأن العلم الحقيقي يزدهر في ألمانيا على أسس ثابتة . ومن الملاحظ إنه في كل مكان ، إن عظمة الأفراد تكمن في تقليد ألمانيا . والحقيقة إنه لا يوجد مكان أخر بمستوى ما وصل إليه العلم الحقيقي هذه الأيام في ألمانيا . ومن طرفي فأنا لا أحبُ أن أنتمي إلى منظمة علمية أجنبية . وبمراجعة هذه الإمكانيات الحقيقية ، فإن كل شئ يصبح واضحاً تماماَ .
تحياتي وأشواقي ، وآمل أن تكون بصحة وعافية .
أخوك كلي ” .
ونحسب في هذا النمط من التخاطب بين الأخوين ، له أهميته البالغة في الكشف عن البعد الحقيقي والجوهري في شخصية الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز في هذه الفترة على أقل إحتمال . ولهذا نُعمم رأينا في ياسبرز الفيلسوف ، ونقول إن ما هو تحت السطح ، هو الحقيقي ، وإن ما على السطح ، هو نوع من التزويق اللفظي والإعلامي . خصوصاً بعد فترة التحولات التي حدثت في حياة كارل بُعيد طرده من الجامعة من قبل النظام النازي . فمن المعلوم إن خطابات ياسبرز (وبالطبع تشمل كتاباته) ما قبل صعود النازية إلى سدة الحكم ، كانت شبيهة بدرجات وخطابات القوميين الوطنيين الألمان (ويمكن ملاحظة تحفظات زميله وأخ زوجته كيرترود إرنست ماير) .
وعلى هذا الأساس نرى إن كارل جامل عائلة زوجته كيرترود في كثير من الجوانب ، والتي كانت له أراء مختلفة حتى في بداية زواجه من كيرترود (أنظر مثلاً تعليقاته على أدموند هوسرل ، بعد زيارته له ، وتعليقه على الزيارة ، بأنها أشبه بتجمع لليهود ، هذا هو كارل ياسبرز الحقيقي ، وقد أشرنا إلى هذا في مقالاتنا عن حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وبالمشاركة مع الدكتورة نداء إبراهيم خليل). ولكل ذلك نقترح البحث في رسائل كارل ياسبرز التي تداولها مع والديه ومع إينو ، وكذلك مع زوجته كيرترود ، فأن فيها الشئ الكثير من المواقف الأصيلة للفيلسوف كال ياسبرز ، والتي تتقاطع مع خطابه الأعلامي بعد إنهيار النازية .
وللمقارنة بين مواقف الأخ الصغير إينو ، والأخ الكبير كارل ياسبرز . فإن الفارق كبير ، فالأخ الصغير في رحم الحرب ، يعيش تفاصيلها يومياً . بينما مواقف الفيلسوف كارل تكشف أمراً مُغايراً ولا يتناغم مع أقواله التي صرح بها ، وهو يوقع على إعلان التضامن مع العلم الألماني . فمثلاً قد أشارت سوزانا كيركبرايت ، إلى إن مواقف كارل يومذاك ، كانت مسكونة بحالة رعب حقيقي ، وبالتحديد بُعيد إستلامه لدعوة أن يكون ” حارس الوطن ” ، وكان في أعلى درجات الإهتياج العصبي ، وهو يُغادر البرج العاجي للعلم .
ولعل الشاهد على ذلك الرسالة التي كتبها إلى والديه ، وهو في حالة إهتياج عالية ، ويُطيل التفكير في حالة تعيينه حارساً للوطن . وحسب تأملاته يومذاك ، إن العمل حارساً للوطن ، ربما يتضمن عملاً جسدياً ، وهو غير قادر على القيام به . وفعلاً فقد أخذ يتأمل في وضعه كمواطن مريض عليل . إلا إنه من طرف أخر مواطن مؤهل ، ومتدرب طبياً . وفي هذا الحال هناك إمكانيات المساهمة في المجهود الحربي ، وربما يعمل في واحدة من العيادات الطبية في هيدلبيرك . ولكي يضمن كارل ياسبر سلامة التعبير القانوني لموقفه ، فإنه عاد إلى ماكس فايبر ، والذي نصحه بالحصول على وثائق طبية صادرة من عدد من الأطباء ، وذلك لتسهيل عمله المكتبي . وبالرغم من ثقة فايبر بأن هذا هو عرض شكلي للحالة . فإن كارل ياسبرز
كتب إلى البيت ، وهو في حالة قلق ملحوظة ، فقال :
” (…) إنه من الحالات المرعبة ، هو إن تكون مريضاً عليلاً . ولكن في مثل الأيام ، فإنه من المثير للشفقة واليأس ، إن الإمبراطورية الألمانية برمتها ، لا تعني لي شيئاً على الإطلاق . ومن طرفي فأنا لا أرى إن هناك يتوافر مصدراً لنوع من الحماس الصادق في أي مكان . كما وإن هناك موجة من الرغبات ، تحمل المرء أن يكون جزءاً من هذه القوة . ولعل البديل عن كل ذلك هو حياتي مجملها . وإنه من المحزن أن أضع طريقي من خلال كل ذلك . من أجل أن أحافظ على وجودي ” .
وترى سوزانا كيركبرايت ، إن موقف كارل ياسبرز بعيون بعض الكتاب ، هو مثل موقف أخيه إينو ، أي إن كلا الأخوين يعيشان في أجواء الحرب . إلا إن هناك فارقاً جوهرياً فيه تحدي لكارل ولحساب إينو . فبينما كان إينو يُحارب في قلب الأحداث في فرنسا ، كان موقف كارل بالمقابل يراقب الأحداث العالمية ، وهو في قلب بلده ألمانيا . ومن هذا الطرف كان كارل حذراً ومتحسساً بدرجات من الآتي ، خصوصاً إذا تم إنكار أية نجاحات حققتها ألمانيا في الجبهات الحربية . وفي هذه الحالة حسب كارل ، فإنه من الضروري على الإنسانية ، أن تسجل لنا الإنتصار .
كما وكشفت الرسائل المتبادلة بين الأخوين ، في إن كارل لم يتردد من الإعلان بأنه من المؤيدين للحرب ، وإنه يأمل بإنتصار ألمانيا . غير دوافع كارل ، وكذلك رغبات زوجته كيرترود ، كانت إنسانية في جوهرها العام . والشاهد على ذلك متابعته للفعاليات الحربية ، التي تقوم بها الكتيبة العسكرية لأخيه إينو ، ومن خلال ماتنشره الصحف الألمانية هذا طرف . ولعل التحدي المهم الذي قام به الأخ الصغير إينو في هذه الفترة ، هو إلتحاقه في نهاية سبتمبر 1914 بسلاح الفرسان ، وذلك لكونه يتمتع بمهارات خبرة عسكرية . وفعلا شغل منصب ضابطاً في فرقة سلاح الفرسان . ومن ثم تلاحقت الأحداث ، فتم في كانون الثاني من عام 1915 بنقل إينو إلى فيلق الهندسة والمهندسين ، والذي كانت مهمته بناء الجسور في فرنسا .
ولعل من المفيد أن نذكر للباحثين وخصوصاً طلاب الفلسفة ، والمهتمين بفلسفة كارل ياسبرز وتحديات أخيه الأصغر إينو في مسار تفكيره ومواقفه ، هو إن الباحثة سوزانا كيركبرايت تحسب إن العديد من رسائل إينو بقيت محفوظة ، ولكن ليست في إصولها ، وذلك بسبب إن الوالدة هنريت قد قامت بنسخها ، ومن ثم حفظتها وبعد ذلك أرسلتها إلى كارل ياسبرز في هيدلبيرك . وإن المهم في هذه الرسائل ، إنها كشفت بوضوح شخصية إينو ، فقد بينت بأنه كان يتمتع بذكاء عال ، وقابليات في الطرفين العقلي والجسدي ، ويمتلك نزعة فطرية لحب المغامرة ، وإنه وظفها بآداء جيد .
وبحلول الربيع ، فإن إينو شارك في معركة قتالية ، في غالسيا الغربية . ومن ثم في نهاية سبتمبر 1915 ، إلتقيا الأخوين ياسبرز ولفترة قصيرة ، وذلك عندما تمتع إينو بإجازة لمدة أسابيع عدة . وفعلاً فإن إينو قام بزيارة أخيه كارل في هيدلبيرك . وبعد مرور مايُقارب السنة على الحرب ، فإن كارل لاحظ بأن ثمن الحرب كان غالياً ، وذلك لأنها فصلت بينه وبين أخيه . ولهذا أخذ كارل يُفكرُ في خطة جديدة لإنعاش علاقته بأخيه إينو ، خصوصاً بعد نهاية الحرب . وكان إجازة إينو العسكرية ، فرصة للتقارب بين الأخوين . وفعلاً فقد صرف إينو أسابيع عدة في هيدلبيرك للراحة والإسترخاء .
ويبدو إن حياة الأخوين في هذه الفترة ، كانت تسير في إتجاهين مختلفين ، وذلك لظروفهما المتباينة ؛ فبينما كان إينو في وضع تحدي مع حقيقة الحرب . كان كارل سجين الجامعة . وسعى كارل إلى إنجاز خطوة تحول من بيئته الأكاديمية الموضوعية ، وبإتجاه مساندة وجهة نظر أخيه إينو . وهذا التحول جاء من خلال رفضهما المشترك لأفكار السياسي الألماني فردريك نومان (1860 – 1919) والتي جاءت في كتابه المعنون ” أوربا الوسطى ” . ونحسبُ من النافع الإشارة إلى ألعون الذي ساعد الأخوين ياسبرز على رفض أفكار السياسي فردريك نومان ، وعد قبول ماجاء في كتابه من أفكار جيو – بولتكسية (السياسة – الجغرافية) ، هو تواريخ المؤرخ السويسري بالولادة والألماني بالثقافة والتعليم كارل ياكوب (يعقوب) بوركهاردت (1818 – 1897) . وكانت تواريخه من الكتب المفضلة عند الأخ الكبير كارل ياسبرز . كما إقترح كارل على أخيه إينو ، بقراءة أعمال الكاتب الألماني يوهان فون غوته (1749 – 1832) . ونحسب هذه الإشارة إلى غوته ، لها أهمية بالغة ، وذلك في تتبع الأثر الذي تركه غوته في ذهنية كارل ياسبرز ومن ثم في كتاباته ذات الطبيعة الفنية والجمالية .
إضافة إلى ذلك فإن كارل ياسبرز أهدى لأخيه في أعياد الميلاد ، مجموعة كتب ، من ضمنها نسخة من حملة غوته في فرنسا (1792) وأرفقها برسالة بعثها إلى إينو ، يقول فيها : ” إنها جداً مهمة ، من طرف إنها مصدر للمقارنة بما هو الحال الآن ، فهي تتحدث إلينا كسجل يومي ، وتقرير عن الأحداث في عام 1792 . وربما ترغب في قراءتها في أوقات فراغك . خصوصاً إنها مكان منطقة الحملة ، وقد تردد ذكرها كثيراً في هذه الأيام . وأسألك ؛ كيف حال الحرب هذه الأيام ! ” .
وهنا حاول كارل أن يوجه إينو خلال تجربته في الصراع (الحرب) لتكون متناغمة مع برنامجه الطامح في البحث . وفعلاً فإن سوزانا كيركبرايت قد لاحظت ، إنه من المحتمل أن يكون صيغة من التبرير بدأها كارل ، وذلك ما أشار إليه في رسالة بعثها إلى أخته ، وذكر فيها ما أسماه بوجوده المترف . ولعل كتاب ياسبرز الثاني ، والمعنون علم نفس النظر إلى العالم (1919) عكس بحثه المفصل في أعمال كيركيجارد ونيتشه الفلسفية ، في الوقت الذي كان يُعاني السكان المدنيين من تأثيرات الحرب المدمرة . وكذلك لاحظت سوزانا كيركبرايت بأن محاضرات ياسبرز بدأت بحضور عدد متواضع جداً من الطلبة ، وهذا يعكس تناقص أعداد الكلبة الذكور . ولعل تقرير زوجته كيرترود شاهد على ذلك . فقد ذكرت في تقريرها الإحصائي ، والذي بعثته إلى والدي زوجها (أي والدي كارل ياسبرز) ، والذي يعبر عما يجري من قيل وقال في هيدلبيرك :
” هيدلبيرك 18 / 5 / 1915
العزيزان الوالدان
(…) كلي بحالة جيدة ، وأنا سعيدة بذلك . ويحضر محاضراته عدد جيد حتى الآن ، والأحصاءات التي أبعثها إليكم هي بالصورة الآتية :
الشباب الشابات
11 19
17 22
11 24
13 29
وتلاحظون بأن أعداد البنات أخذ يتصاعد . ومع سوء الحظ مجملهم أغبياء (هكذا ورد نصاً ، ونحن نتحفظ على ذلك وخصوصاً إن الكلام صادر من أمرأة ذات حظ من الثقافة ..) . وأنا أنتظر للإجور الدراسية التي ستدفع . وحديثاً جاء إلى سمعي ، في إحياء ذكرى بسمارك ، الحوار الذي دار بين إثنين من الطلاب الشباب :
الطالب الأول : ” نعم إنه طويل إلى درجة ممقتة ، وأنا دائماً أراه في هابتستراب ، ويبدو غريباً في طوله ” .
الطالب الثاني : ” ياسبرز من المفروض أن يكون مهماً “
الطالب الأول : ” نعم ، من المحتمل أن يكون شخصية مهمة في جامعتنا ” .
وأنتم لا تتصورن ، كم كنت متشوقة للإستماع إلى حوارهم . وبالتأكيد كلي (أي كارل) سيغضب ، إذا عرف ، إني كتبت عن ذلك إليكم . ولكنني سأعترف له بذنبي فيما بعد . ومتأكدة ، لإنه متعة لكم كذلك .
عندما تسمعون عن إينو ، فإننا نود معرفة ذلك ؟
مع تحياتي وأشواقي
إبنتكم كيرترود ” .
وفي بواكير عام 1916 أعلن إينو عن قرار بالغ الأهمية في حياته (وبالطبع في حياة عائلته) ، وهو الإنخراط في مستوى جديد من خدمته العسكرية ، وهو تطوعه على التدريب ليكون طياراً . وإستجابة لذلك ، كتب كارل ياسبرز رسالة إندفاعية متعجلة ، عبرت عن همومه :
” هيدلبيرك 24 / 3 / 1916
العزيز إينو
لقد إستلمت رسالتك العزيزة تواً . ومن طرفي ، أنا في حالة صدمة أولية بالطبع ، ونحن في حالة تمكننا من التفكير بك دون قلق ؛ ولحد الآن فإنه ليس من الصحيح ، أن تسيطر علي مثل هذه المشاعر . وهذا واضح لي بلاشك . إن طريقتك بالكتابة عن الحقائق ، بسيطة جداً وخالية من كل وهم . وهذا حسن بالنسبة لي . وأنا من طرفي أحب وأقدر رجولتك ، التي هي في الحقيقة بعيدة عني ، ولكنني في الوقت ذاته أشعر بأني قريب جداً. (…) أنا أعتقد إن في نجمك الطيب يكمن قدرك ؛ ومن أعماق قلبي ، أنا أتمنى لك الإنجازات العظيمة . ولكن من طرف أخر ، فإن بقاءك حياً وفاعلاً من أجل إنجازات السلام .
وأنك حقاً الرجل ، الذي يتعامل مع نفسه بجدية عالية ، ولا يُخاطر بشئ لا معنى له . إن فعلك التطوعي ، حملني على الإبتهاج ، غير إن تطوعك طياراً ، فهو خيار لا يخلو من خطورة . وهذا الخيار حملني على أن أتوقع بأنك ستتلمس إنجازات حياتك ، وذلك عن طريق تركيز طاقاتك على إنجازاتك (وبعض الناس يتكلمون عن حياة ” الأعمال “) . في ضمان عالم نشاطاتنا ، فنحن لا نعرف شيئاً حول مثل الإنجازات .
سامحني ، عزيزي إينو ، فقد قدمت إجابة على رسالتك البسيطة في عدد من الكلمات . وإنه من السهولة لرجل الأفعال ، أن يكون أقل إنفعالاً .
تحياتي وأشواقي
أخوك كلي .
وكيرترود في رحلة إلى برنزالو ، وأنا أرسلت لها رسالتك ” .
وبعد تدريب على الطيران إستمر عدة أشهر ، ودروس في الأنواء الجوية ، والمراقبة والرصد وتصوير المواقع ، مهمة إينو كطيار إستطلاع بدأت فعلاً . وفي البداية تم تعيين مهمة عمله في إقليم فلاندرز (وهو واحد من الأقاليم الفندرالية للملكة البلجيكية ، ويحتل الجزء الشمالي من بلجيكا ، واليوم يُشار إلى لبجزء الذي يتكلم سكانه الهولندية) . وفي بواكير خريف عام 1917 ، نقلت والدته هنريت ياسبرز ، أخباراً وصلتها من خلال برقية وصلتها ، إلى إن أينو أُصيب بجروح .
وتصور لنا الباحثة سوزانا كيركبرايت المشهد وبالإعتماد على الرسائل المتبادلة بين إينو وأمه وبين العائلة بمجمل أفراده . فذهبت إلى إنه عندما قرأت الأم البرقية ، أصيبت بضربة حسن الحظ ، وخلاصة أخبار إينو ، هي من أحسن ما تأمله العائلة ، والذي جاء التعبير عنه بلسان هنريت ياسبرز ” إننا جداً محظوظين وسعداء ، في كيف كانت الإطلاقة سهلة وبسيطة ، عندما ضربت رأس إينو ” . ومن ثم تلت ذلك تبادل رسائل تفصيلية عديدة بين هيدلبيرك وكولونيا ، حيث أُرسل لإجراء عملية جراحية في ساقه ، وفي هذه الرسائل كارل أبلغ إينو حول العواقب الطبية التي سترتب على هذه العملية . مع الإشارة إلى إن العلاج كان ناجحاً . ولكن نقاهة إينو إستمرت عدة أشهر ، وإن الحرب أصبحت منتهية بالنسبة له . إلا إن شفاء إينو متعلق بالعديد من الجوانب غير المرئية . فمثلاً إينو لاحظ بأن هناك رضاء قليل ومحدود بالحياة المدنية ، بسبب إنه غير قادر على النجاح في أي طرف منها ، وهي بالتأكيد الأطراف التي تُشكل مصدر التقدير الإجتماعي . إضافة إلى إن إينو أصبح عاجز من الحفاظ على أي نوع من العلاقات ، سواء كانت ذات طبيعة مهنية أو شخصية .
ولاحظت الباحثة سوزانا كيركبرايت ، ومن خلال كتابتها عن سيرة كارل ياسبرز ، وبالتحديد قراءة رسائله المتبادلة بين أفراد العائلة ، إن أخيه الأصغر إينو ، بدأ في هذه الفترة ، يتصرف بصورة غريبة ، وملفتة لأفراد عائلته ، حيث كونت العلامات المبكرة ، على المحنة التي سببتها الحرب . وهذه العلامات تمثلت في عدم إكتراثه بمصروفاته المالية . فمثلاً قدر أخيه كارل ، مجموع المبالغ المالية التي إستدانها ، بمقدار 1600 مارك ألماني يومذاك . وإن نصف هذه المبالغ ، كانت مصادرها كل من الأخ كارل وأخته . وهذا الحال حمل كارل إلى الإستنتاج ” بأنه ما دامت الحرب مستمرة ، فإن المطلوب منا تلبية متطلباته ، وذلك لأن الرجل واجه الموت ، وهو الذي سيقرر ما هو الصحيح بنفسه ” . وبالطبع في ظروف السلام ، فإن العائلة ستكون لها توجهات مختلفة . مع الإشارة إلى إن إينو من طرفه عمل بجد إلى إعادة تأهيل نفسه للعمل في مهنة المحاماة من جديد . وفعلاً فقد عمل لفترة سنة كاملة ، في شركة محاماة محلية محترمة . ومن ثم بعد تقاعد والده عام 1921 ، ترقى إينو وأصبح المدير المشارك في مصرف والده ، وإستمر في العمل للفترة من كانون الثاني عام 1922 وحتى نهاية عام 1925 .
وهنا تغيرت الظروف العمل ، وذهبت في إتجاهات معاكسة لمصالح إينو ، ولم يستطع كارل من إنقاذ عمل إينو من الإنهيار ، بالرغم من إن كارل هو الأكبر ، ويمتلك سمعة عالية في العمل المصرفي ، وسبب الأنهيار ، هو إن إينو قام بمغامرة في ربيع عام 1926 ، وكانت هذه المغامرة وراء إنهيار عمله المصرفي . ومن حسن حظ إينو ، إنه كان مشاركاً في عمل شركة هولندية ، فشجعته على العودة إلى العمل بصورة موقتة في البنك ، وذلك ليعيد تأسيس عمله من جديد ، وكرجل إعمال مرموق في مضمار الطيران .
ومن المفيد الإشارة إلى إن إينو في بداية عام 1926 ، كان يعيش في برلين ، وبالتحديد في شقة ثرية واسعة ، في منطقة دهلام المشجرة ، وكان وقتها يعيش مع خطيبة جديدة ، من طبقة النبلاء ، وهي الكونتيسة شارلوت فون آرنيم ، وهي مظلقة وكان عمرها أحد وثلاثين ربيعاً . وكان يبدو إختيار موفقاً للأخ إينو بمعايير الخبرة من طرف . ومن طرف أخر إنها تتناغم وأمال إينو في التطلع نحو مستقبل مزدهر وناجح .
وفعلاً فإن عائلة آل ياسبرز ، وافقت على خطبة إينو على شارلوت بشروط مقيدة . وفعلاً فإن الوالدة هنريت ياسبرز زارت برلين ، وكانت كما يظهر ، متأكدة (دون توافر أسباب مقنعة) بأن خطوبة إينو الجديدة (وهي بالطبع الثانية) ستنهي بالزواج . وبعد الإعلان عن الخطوبة بشهر واحد ، فإن توقعات زواج إينو أخذت فرصها بالتناقص ، وذلك حين أصبح أصبح إينو مُلاحقاً بتسديد ديونه الكبيرة . ولعل حجم الديون يعكس حالة المآزق المالي الذي يمر به ، وهو في الوقت ذاته يكشف عن الوضع الإقتصادي غير المستقر في العشرينات من القرن المنصرم (أي عشرينات ألف وتسعمائة) .
كما ويبدو إن مناقشات إينو لشراء أسهم ، لتغطية ديون مقدارها 14000 مارك ، كانت مؤسسة على تقدير متفائل غير واقعي للشركة الهولندية . كما إن عقد إينو مع الشركة ، لم يكن كافياً لتغطية الدين الحقيقي بجدية مقبولة . ولذلك كان عليه في 1 تموز 1926 أن يدفع كما هو خطط ، مبلغ مقداره 40000 ماركاً . وإن الدين تم الوفاء به بتدخل والده ، وبمساهمة أخيه كارل بدفع 4000 مارك كدين . إضافة إلى 25000 مارك من بيع ملكية ريفية ، مع خطة في إطلاق أكثر من 50000 مارك خلال السنة الحالية .
وكان جزء من خطة الطوارئ المالية ، هو أن يتخلى إينو من شقته في برلين – دهلام ، ويبيع الأثاث الغالية ، وتأجيل زواجه من الكونتيسة شارلوت إلى أجل غير مسمى . وبذلك أصبحت آماله في العافية الإقتصادية ممكنة ، فأخذ يتأمل في إمكانية حصوله على وظيفة جديدة ، وفي بنك مختلف . وبالفعل فإن فرصة العمل عُرضت عليه ، وهناك إحتمال للإنتقال إلى فايمر لمباشرة العمل هناك . ويومها كانت العائلة مُحيطة به ، رغم إن تعليقاً صدر من الأم هنريت ، فيه إشارة إلى هم الجميع ورغبتهم بالتعقل ، فقالت موضحة في ردها على كل هذه الهواجس والرغبات : ” لقد أخبرت إينو بكل شئ وبوضوح ، وإن هذه المبالغ من المال جداً مهمة للعائلة ، وكذلك فإن البابا (والد إينو وكارل) قال سوف لن أتحدث عن ذلك طويلاً ” .
والحقيقة إن إينو حصد بعض المنافع من هواجس العائلة . فمثلاً إن الأموال التي قُدمت لمساعدته ، هي ليست أمواله ، وإنما هي مساعدات الوالد . ولهذا وضعت شروط على حياة إينو ، منها أن ينتقل ويعيش في مدينة كوتنكن ، وأن يُرافق ذلك تغيير جوهري في مظاهر حياته ، فقد طُلب منه أن يعيش في غرفة منفردة ، وفي بيت يتكون من مجموعة غرف ، والذهاب إلى السينما والمسرح في المناسبات فقط .
ولعل من المفيد أن نشير إلى التقرير ، الذي كتبه الأخ كارل ياسبرز عن إينو ، وبعثه إلى والديه من كاسل ، وهو تقرير يتكون من ثلاثة عشر صفحة ، وهو تفسير تحليلي تقدم به كارل ياسبرز ، وكان يغلبُ عليه إسلوب الإقتباس والتوثيق بنصوص مباشرة من الأحاديث التي درت مع الأخ الصغير إينو . وهناك إحتمال إلى إنها خرجت من سياقها العام . وهذه الرسالة – التقرير ، يمكن النظر إليها كمجاميع من الأمثال والحكم ، والتي فيها إمكانية تقويم لتصرفات لإينو المالية الطائشة ، وفي الوقت ذاته إنها شاهد على حالته العقلية اليائسة . وإن العامل الأساس في تفسير كارل ياسبرز ، جاء في الصفحة رقم 11 ، والتي قدمت لنا مثالاً دالاً على تصرفات إينو المالية . يقول كارل :
” يتشكى كارل من قلة المال . وأنا ، وبالطبع الوالد ندفع تآمين الحاجات الأساسية ، من مثل السفر ، وتكاليف العيش والتي ينبغي أن تكون كافية .
يقول إينو : ولهذا أنا أسافر كرجل نبيل . وفي فايمر ، أنا أمكث في أحسن الفنادق . ولإندهاشي ، فإنه رد علي قائلاً : ذلك جداً ضروري . خصوصاً إذا الناس إكتشفوا ، بأن ليس في حوزتي مالاً على الإطلاق . فالنتيجة إن كل شئ وصل إلى نهايته . وإذا ما حدث ، إن إستفسروا عن الفندق الذي أعيش فيه ، فبالتأكيد إن جوابي ، هو فندق من الدرجة الأولى ” .
وعلى هذا الأساس فإن التحليل يكشف عن إختلاف الأخوين ، حول طريقة التصرف بالمال . وهذا الحال لم يُساعد كارل على التعاطف مع حالة إينو ، ولذلك جاء تأكيد كارل على تعليقات أخيه ، بأنها لم تأخذ بالإعتبار ضرورة التركيز على الحاجات الأساسية للحياة . فقال كارل معلقاً : ” على أية حال ، هذا الكلام ذات طبيعة سرية . وبصورة عامة ، هو تكلم بموضوعية ، وواقعية . ولكنك من الصعب إن تلاحظ بأن هناك فنطازية (خيالية) ، خصوصاً عنما تخصص وقتك للحوار مع إينو ” . ومن طرف آخر فإن كارل بين همه الخاص ، وهو إن العائلة ربما ستتخلى عن إينو ، وتتركه وحيداً . وفعلاً ففي الصفحة ما قبل الأخيرة من تقريره ، وصف كارل الطرف الذي يُثير القلق في سلوك إينو . فقال :
” إنا لا أحتاج إلى أي شئ ، غير حبي لإينو . وأنا في الوقت ذاته أخاف ليس من أجله ، بل أخاف منه . وهو لا يستطيع أن يعمل أي شئ لنفسه ، وإنما هو مسكون بالطمع من أجل المرح والترفيه والمغامرة ، وذلك هو الشئ الوحيد الذي يلبي حاجاته المالية . وأنا أرى إينو كتلة صبيانية ، وطبيعة طيبة ، تعوزه اللياقات الشكلية ، وإطلاق نار لا يتوقف ، وصاحب تطلع أناني من أجل المال ، ومن أجل الإستهلاك ، وليس من أجل المال ، أساساً ووسيلة للحياة ومن أجل المستقبل . ولكن من أجل المال الذي يسميه ” القذارة ” ” .
وفي هذا الوقت ، أخذت الهواجس تُراود كارل بعد الإطلاع على رسالة إينو ، والتي بعثها إلى والديه . بأن أمراً ما سيحدث في حياة إينو . وسبب هذه الهواجس ، إن إينو كان متفائلاً بصورة غير إعتيادية بمشروعات جديدة . وهذا فعلاً ما جاء في رسالة إينو إلى والديه ، حيث أفاد : ” أشعر أنا ، ومن الزاويتين العقلية والجسدية بأنني قادر ومتمكن من إنجاز ما لم أستطع عمله في السنوات الحاضرة على الإطلاق . وهذا الشعور بالقوة منحني الإطمئنان والثقة . وكان الحاصل من ذلك إن وجودي إستقر على هذه الثقة وفي تناغم مع الأشياء ” .
ويبدو إن آمال إينو في نهايات نوفمبر عام 1926 قد تحولت من العمل المصرفي (المالي والذي تركه جانباً) إلى العمل في المحاماة . وفعلاً فقد عمل محامياً في هامبورك . وفي هذه الأثناء بدت مظاهر واضحة على تبدل في مزاج إينو ، صعوداً ونقوصاً ، ومن ثم تبين في إعترافه ” بأنه يتعاطى مخدر الكوكايين ” . ومع الأسف كانت والدته هنريت عارفة بذلك ، ولكنها قررت إخفاء الأمر عن أبيه وخاله الوزير في حكومة فايمر ثيودور تانتزين .
ومن ثم أخذت مخاوف العائلة تتصاعد ، وبالتحديد في الشهور الستة الأخيرة قبيل موت إينو ، وكيف إنه أكد على التغلب على الإدمان في تناول مخدر الكاكويين ، مع الرفض المتكرر لطلب أخيه كارل من تقديم معلومات آمينة . كما وإن مماطلات إينو حول وضعه المالي الواقعي ، حملت أخيه كارل إلى كتابة رسائل دفاع عن مواقف العائلة ، والتي تفيد بأن العائلة في حل على الإطلاق من محاولتها إنقاذ إينو من صعوباته المالية التي مر بها خلال عام 1926 . وبالمقابل قدم كارل لأخيه فرصة العلاج في عيادة الطب النفسي ، وبشرط إذا فوضه إينو على المساعدة ، ووافق على عملية علاجه من حالة الإدمان . ومن طرف كارل فقد عرض مساعدة مالية لعلاج أخيه في دار الضيافة في بيئة ريفية ، وذلك لقطع الطريق على إينو من شراء الكاكويين من مصروفه الخاص .
وفي بواكير شباط عام 1931 ، كان إينو في وضع مالي صعب جداً ، فطلب مساعدة مالية من أُخته أرينا ياسبرز ، وبمبلغ مقداره 4000 مارك ، وذلك لتحويله إلى سيدة مجهولة الهوية . إضافة إلى 2000 مارك مقدمة ، مطلوب منه دفعها قبل 2 آذار . وهذه المعلومات وصلت إلى مسامع أخيه كارل ، فقرر أن يتحمل المسؤلية . وفي الوقت ذاته ، قدم كارل 50 ماركاً ، مبلغاً إضافياً (وفي ثلاثة دفعات) وذلك لتوفير وجبات الطعام لإينو ، وإنه لن يموت جوعاً . وفي هذا الحال ، تكون هناك إمكانية في أن يستمر إينو في العمل محامياً في هامبورك . ونلحظ في رسالة كارل إلى إخته أرينا ، الكثير من الإفصاح عن الحال الذي يمر به أخيه إينو . فقال : ” إن إينو سيعلنُ ، بأن حياته بمجملها ، ومن ضمنها ماحدث له ، هي دائماً مسؤليتنا ، وإننا المذنبون في تدمير آفاقه المستقبلية الوهاجة . وهذا بالطبع سوف لا يغضبنا ” .
صحيح جداً إن توجيهات كارل ياسبرز كانت حادة جداً ، إلا إن أفعاله خلال عام 1931 ، كان محاولة في جمع المعلومات الدقيقة حول نمط حياة إينو . وفي هذه الأثناء برقية وصلت إلى هيدلبيرك ، وبالتحديد في 8 آذار 1931 ، وهو اليوم السابق على اليوم ، الذي تناول فيه إينو السم . وهذا هو نص الرسالة – البرقية التي بعثتها الأم هنريت إلى كارل ياسبرز :
” أولدنبيرك 8 / 3 / 1931
عزيزنا إينو ، البارحة مساءً ، وبالتحديد في الساعة العاشرة ، إستلقينا في المنام بإرتياح ، ولم يكن هناك شجار على وصيته . وكان هنا منذ ليلة الخميس . أطلب منك أن لا تأتي ، بسبب صحتك ، والرياح شرقية باردة جداً ، وهناك الكثير من الإنفلونزا منتشرة . وسوف أكتب لك اليوم بالتفصيل . ونحن الآن في حالة هدوء تام . وسوف نأتي لزيارتك في مايس . الأم الأب ” .
ومن النافع إن نشير إلى توقعات الأم هنريت المتفائلة بحال ولدها إينو . وهذه التوقعات جاءت في الرسالة التي بعثتها هنريت إلى أختها آنا هدويج . وفيها هنريت تصف حالة الآمل والفرج ، بعودة إينو إلى بيت العائلة . وفيها إشارة إلى إنها قادرة على التصالح مع إينو ، بالرغم من أفعاله ، وستقوم بالعناية به لعدة ساعات ، وبذلك فهي تستحق من إينو الكثير من الشكر . وبالمناسبة إن كارل ياسبرز ، وصف لاحقاً ظروف موت أخيه إينو إلى تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت ، وبالطبع بعد خمس وثلاثين عاماً ، برسالة بعثها إلى حانا أرنديت من باسيل ، وبالتحديد بتاريخ 17 آب 1966 .
ويبدو إن الأعراض المرئية الوحيدة على عذابات وآلام إينو ، جاءت في الرسالة الفاجعة ، وهي الرسالة الأخيرة التي كتبها إلى أخيه كارل ياسبرز . وهذه هي الرسالة الختام في رحلة المحامي والمصرفي إينو ياسبرز :
” أولدنبيرك 8 آذار 1931
العزيز كلي !
أنا في نهايتي . في هذه اللحظة أنا أعمل مسحوق ، مرة قد ذكرته لك ، أنني أمتلك منه . والعائلة سوف تهتدي إلى مكانه لاحقاً . أنظر بجدية ، أنا حقيقة مُحطم ، وأنا أعترف ، بأن كل الذنب هو ذنبي . وإن كل أفراد العائلة تمنوا لي كل ما هو أفضل ألخ . وفي النهاية فإن غريزة الفلاح العجوز ، تدفعه إلى الذهب ، الذي يتطلب البحث عنه وإكتشافه . ولكن الرجل مات والدوقية (العملة المالية) في حرز محفوظ .
الوداع
أخوك إينو ” .
وفي الختام تحسب الباحثة سوزانا كيركبرايت ، إنه من الصعوبة بمكان ، من فصل قدر إينو من الكارثة التي سببتها الحرب العالمية الأولى ، والتي عاش إينو تفاصيلها في مواقع عسكرية ومعارك فتاكة خارج حدود بلده ألمانيا . وبالطبع إن نتائج الحرب إعتلال صحته الجسمية والعقلية . كما كان من آثارها تصرفاته المالية والديون المالية الكبيرة ، والتي عمل زوج إخته أرينا ، يوجين دوجند على علاجها . وفعلاً فإن رسالة يوجين إلى كارل ياسبرز ، إن ديون إينو بلغت 13183 ماركاً ألمانياً ، وإن معظمها تحملته العائلة ، مع مساهمة يوجين بدفع حوالي رُبع المبلغ ، والربع الأخر حصلت العائلة على تخفيض ، والبقية دفعتها العائلة .
ولعل من المفارقات في مراسيم دفن جثمان إينو ، أن أخيه الأكبر كارل ياسبرز لم يحضر المراسيم ، بسبب الصدمة الكبيرة التي حلت عليه ، فكان مشلولاً ، لاحول ولا قوة له ، ولذلك لم يتمكن من حضور مراسيم الدفن ، وبسبب مخاوف والدته على صحته . ولذلك حضرت زوجته كيرترود مراسيم العزاء نيابة عنه . وفعلاً بعد عدة أيام من دفن جثمان إينو ، وبرفقة يوجين دوجند ؛ حضرت كيرترود إحتفالية ذكرى إينو ، وكتبت إلى كارل ياسبرز ، وكيف إنها كانت قريبة جداً ، وهي تشاهد المهاد الأخير لأخيه إينو ، وإستشهدت بعبارة دينية متداولة ، فقالت ” أحسب إنكم جئت من التراب ، وإلى التراب راجعين ” . والأن يشعر إينو ، ربما بقبول الصورة التي رسمناها له ..” . ونحسب إن الموت هو اليقين لجميع البشر على أرض البسيطة .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس/ العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(3)
الدكتور ياسبرز : الباحث الأكاديمي والإنجاز الفكري
الدكتور محمد جلوب الفرحان
بعد إنجاز ياسبرز لأثنتي عشر فصلاً دراسياً في الكلية الطبية دخل الإمتحان في كانون الثاني / جنيوري 1908 ، ومن ثم عمل ياسبرز متدرباً في العيادة الطبية النفسية (للأمراض العقلية) في هيدلبيرك وحتى عام 1915 ، وهذا الموقع أهله لكتابة والدفاع عن إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” هومسكنس (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” ، وكان دفاعه عنها في 1909 .
ومن ثم ظهرت مقالته المعنونة ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” والتي فعلاً نشرت في عام 1912 . وهذه المقالة هي جزء من مجموعة تحليلات ياسبرز الرئيسية . والكلمة المفتاح هي الفينومنولوجيا ، وهي طبعة مكثفة لنتائج بحثه التي سيضمها الكتاب الذي كلفه بكتابته يوليوس سبرنكر في 1911 وليكون كتاباً أساسياً (مصدراً) للأطباء والطلبة خلال التدريب . وكان هذا الكتاب المصدر ، هو الطبعة الأولى لمؤلفه الشهير الذي حمل عنوان ” علم النفس المرضي العام ” والذي نشر في مطبعة يوليوس سبرنكر / برلين 1913 . وفي حينها طبع وبعنوان فرعي ” دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس (السيكولجست) ” .
وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت ، ويقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد :
إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان .
لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938) ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف ياسبرز بذلك ، فقد
سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 .
وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) للطبيب النفسي كارل ياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه . وهنا نحسبُ إن ياسبرز وهوسرل يلتقيان وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل في بواكير النزعة الفينومنولوجية ، والتي كان فيها هوسرل مناصراً للنزعة النفسية في الفلسفة والعلم (أنظر الهامش رقم 117) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :
” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911
الوالدان العزيزان
أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …
تحياتي وأشواقي
ولدكم
كلي (منا : أي كارل) ” .
ونحسب إن هناك إشارة بالغة الأهمية والخطورة في تعليقات ياسبرز قد صدرت منه في الفترة التي تصعد إلى بدايات حياته الأكاديمية ،وبالتحديد بعد مرور ثلاث سنوات على زواجه من كيرترود السامية / اليهودية ، والتي تكشف عن المناخ الألماني (الذي تنفست منه ألفريدا هيجر ، وهيدجر بدرجات أقل ، وياسبرز بدرجات معلنة وبأسلوب الفكاهة والتندر) . ففي نهاية سبتمبر من عام 1913 ” ذهب ياسبرز لزيارة عمه فيرتز ، وكان تحت العلاج من عملية جراحية في بون ، ومن ثم توقف في كوتنكن ، وكانت فرصة له ليقابل هوسرل ، وبعد ذلك شكى بحزن وشفقة إلى كيرترود ، قائلاً : ” إن هوسرل وجميع مساعديه هم من اليهود ” . وأحسب إن ياسبرز تكلم بسذاجة ودون وعي عن يهودية هوسرل ، وتناسى إن في كلامه ما يشمل زوجته كيرترود اليهودية .
وفي 1913 صدر كتابه المعنون ” الأمراض النفسية العامة ” ، وهو في الحقيقة إطروحة دكتوراه ثانية ، تؤهل ياسبرز للتدريس الجامعي (وهذا هو التقليد الجامعي الألماني) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) (8). وفعلاً فقد تم تعيين ياسبرز محاضراً في كلية الفلسفة . والكانطي الجديد وندلباند ، هو من مدرسة بايدن للكانطية الجديدة . ولعل من الأثار التي تركها على ياسبرز ، دعوته إلى ضرورة أن تقوم الفلسفة بفتح الحوار بين الإنسانيات والعلوم الطبيعية . وهو مهتم بعلم النفس والعلوم الثقافية الحضارية . وكان لوندلباند إرتباط قوي بالرمز القيادي للكانطية الجديدة هنريخ ريكت (1863 – 1936) ومن الملاحظ إن طلاب ويندلباند لم يكونوا حواريون فلاسفة فقط ، وإنما كان بعض منهم علماء إجتماع من أمثال ماكس فايبر (1864 – 1920 وماكس سيترك أثاراً على كارل ياسبرز الذي سينضم إلى حلقة أل فايبر المشهورة) وبعض منهم رجال لاهوت من أمثال إرنست ترولتسيش (1865 – 1923) . كما وبالمناسبة إن هيدجر صديق ياسبرز ، قد تخرج مع هنريخ ريكت ، وبدأ عمله المهني مساعداً لريكت ، ومن ثم كتب هيدجر إطروحته الثانية للدكتوراه تحت إشراف هنريخ ريكت .
وفي عام 1916 تم ترقيته إلى أستاذ مساعد في علم النفس ، وبعد ثلاث سنوات ، وبالتحديد في عام 1919 أصدر كتابه المعنون سيكولوجيا النظر إلى العالم . وهذا الكتاب حمل تحولاً كبيراً في تفكير ياسبرز ، حيث ربطه بقوة في مضمار الفلسفة . وفي هذا الكتاب يظهر أثر مناقشاته مع والده حول اللوحات التي رسمهما والده ، وأثر كانط وخصوصاً كتابه نقد الحكم ، والذي خصص له دراسة في نهاية الكتاب . وهي الدراسة التي تعتقد سوزانا كيركبرايت التي أعدها في سيمنارات أميل لاسك (1875 – 1915) عن كانط . ومن ثم أثر منهج ماكس فايبر في الموضوعية .
والحق إن ياسبرز يصف لوالده بصورة غير مباشرة صراعه مع منهج ماكس فايبر في الموضوعية . ويبدو إن ياسبرز في هذه المرحلة كان حساساً بدرجة عالية من ربط أرائه الفلسفية بتفكير ومنهج ماكس فايبر . ولذلك سعى بتوجيه الأنظار والحذر من ربط تفكيره بقرابة حميمة مع منظومة أفكار ماكس فايبر .
والحقيقة إن القارئ المدقق لا يستسلم لمثل هذه المصادرة البسيطة التي تطلع ياسبرز إلى إقناعنا وغلق الباب وعدم التساؤل حول إمكانية ربط آراء ياسبرز بمنظومة أفكار ماكس فايبر . ونحسب إن هناك الكثير من الحقائق المتوافرة من داخل خطابات ياسبرز وأبحاثه تدلل بقوة على وجود مثل هذه المقاربة العميقة بين تفكير الرجلين : ماكس فايبر وكارل ياسبرز .
والبداية سؤال : ما حجم الأثر الذي تركه عالم الإجتماع ماكس فايبر على أعمال ياسبرز ؟ والحقيقة إن ياسبرز يعترف بمكانة فايبر خصوصاً في بداية مسيرته الأكاديمية في كلية الفلسفة عندما بدأ عمله محاضراً ، وكان يكرر دائماً بأن حيائه (حياء وخجل ياسبرز) منعه من الأنخراط الحقيقي في حوار مع ماكس . إلا إنه كان يتابع نشاطاته البحثية ويقرأ ما يكتب . ومن ثم أسهمت زوجة ياسبرز السيدة كيرترود في تنشيط العلاقة مع فايبر وعائلته ، وخصوصاً مع زوجته ماريان ، فأصبحت كيرترود صديقة لها . وهذه الصداقة مكنت ياسبرز أن يحضر دون حياء وتردد إلى حلقة عائلة فايبر .
ففي رسالة بعثها إلى والديه من هيدلبيرك في 27 / 2 / 1910 . يقول فيها :
” الوالدان العزيزان
في الجمعة حضرنا أنا وكرهل في بيت ماكس فايبر (…) وأنا أعرف الرجل (ماكس) من خلال النظر وقراءة كتاباته . أنا بصدق أحبه . هو شخص نادر من بين الأكاديميين المثقفين ، ومتحمس تماماً لقيمة العقل . وإنه يتمتع بدرجة ذكاء عالية . وعلى الأقل يمكن أن يقال عنه إنه عبقري ، وأنا أتواصل معه من بعيد ، شخص إلى شخص (…) . وأنا لدي تعاطف عام تجاه الشخصيات الفكرية والروحية . وهم النخبة التي يتطلب منك أن تعرفهم ، لا ليقوموا بإلهامك وتثق بهم شخصياً ، إنهم يفتقدون لكل مصداقية ، وفارغون … تحكمهم عواطفهم ، تنقصهم الرجولة … أما ماكس فايبر فهو تمام مختلف ، إنه يأسرك بحضوره وثقته منذ اللحظة الأولى . ولكن الشئ الوحيد الذي يُثير القلق ، هو التعابير التي تظهر على وجهه ، وعيونه الثاقبة ، حيث تخشى إنه في أي لحظة يصبح عصبياً وإنه مريض لفترة سنتين . وربما يبدو لك إنه يتصارع مع جهازه العصبي وكأنه سيعيش فترة من الإثارة . والمعركة لا تقدم أي شاهد على هذا الطريق . وزوجته تمتلك إسلوباً رائعاً في التخفيف من تأثيرها عليه . وتلاحظ إنه يدين لها بالكثير في هذا الطرف . ويبدو إن زواجهما جيد (…) وأنا دائماً أسأل بطريقة حميمة ، وأتصل بالهاتف وأطلب تعديل موعد اللقاء . ولكن لدي شكوك فيما أنا حقاً أنتمي إلى هذه الحلقة (أي حلقة عائلة فايبر) . الناس اللذين يحضرون جلساتها أذكياء جداً . وأنا أظن لا أمتلك شيئاً لأقدمه في جلسات هذه الحلقة .
تمنياتي وأشواقي
ولدكم كلي ” .
كما إن ياسبرز أصيب بصدمة عند سماع مرض فايبر بالإنفلونزا ، وعطل رحلته وذلك للإطمئان على صحة فايبر . غير إن الموت كان أسرع ، وفعلاً فقد مات ماكس فايبر في 14 حزيران عام 1920 وعمره ست وخمسين ربيعاً . صحيح إن ماكس فايبر كان عالم إجتماع ، إلا إن ياسبرز في كلمته التي ألقاها في التأبين ، ومن ثم في نشاطته البحثية والكتابية ومحاضراته ، ركز على ماكس فايبر الفيلسوف . ونحن نتفق مع ياسبرز في أهمية تقديم ماكس فايبر فيلسوفاً . وفي هذا الطرف يتكشف المطمور المتخفي من الأثار التي تركها ماكس فايبر على فلسفة ياسبرز . ولعل أثار صدمة ياسبرز والإعتراف بماكس فايبر فيلسوفاً ، تحمل أطرافها رسالته التي بعثها إلى والديه بتاريخ 16 حزيران 1920. حيث يقول فيها :
” والدي العزيزان
ريما تصفحتم الصحف ، فأن فيها خبر موت ماكس فايبر . لقد مات نتيجة الإصابة بالإنفلونزا . وفي الوقت الحاضر فإن القليل من الناس من يفكر ويثير السؤال ؛ ماذا يعني موت ماكس فايبر ؟ حقيقة أنا مصاب بالشلل ، ولكن في الوقت ذاته أنا جداً متحمس لحبي هذا العقل وبالمعنى الموضوعي التام . وذلك لأنه فيلسوف عصرنا الوحيد ، وليس لدي شك في إنه سيحصل على الإعتراف بمثل ذلك في المستقبل . وبالنسة لي فإن العالم أصبح يبدو لي مختلفاً ، ونحن مصانون في عالمنا العقلي بسبب وجود ماكس فايبر ، الذي كان الضمان العظيم في الإمكان تحقيقه اليوم . والآن أشعر إنه لا يوجد من هو أرقى مني في مستوى التفكير العقلي في عالم يبدو فارغاً (…) . والأن أصبحنا كائنات فانية ، ونبحث عن مكاننا في العلم وبالإعتماد على فضائلنا . وأشعر إن مسؤوليتنا أصبحت مختلفة وذلك بعد إن إنطفأت الشعلة ، وحتى تتوهج الشرارة يتطلب أن تقدح من جديد .
ماذا قال لي ماكس فايبر في المرة الأخيرة ، وقد غادرنا إلى عالم العتمة . قال بطريقة حميمة حول كتابي الأخير ” إنه يستحق كل تقدير ” ومن ثم كرر ذلك مرتين وبطريقته المعتادة والتي فيها تشديد ” أشكرك على هذا الكتاب ” ومن ثم قال : ” أتمنى لك نجاحاً وإنتاجاً كبيريين ” . وأخيراً فقد أضاف : ” سأحاول أن أعلق على كتابك في كل مكان ” . والآن لم يكن في وسعه أن يعمل شيئاً . ولكن لدي شعور بأنه وجد في هذا النوع من الشرارة المتوهجة ، وأنا أرغب أن أكافح بكل إمكانياتي إنجاز كل ماهو ممكن في مضمار الفلسفة . وسأحاول تقديم التفسير في هذا الميدان لكل الشباب اليوم شارحاً أفكاره وأعماله …
مع أطيب التمنيات والأشواق
ولدكم كلي ” .
وعلى الرغم مما قاله ياسبرز عن فايبر الفيلسوف ، إلا إننا لم نجد بحث فلسفياً واحداً في قائمة أبحاث ماكس فايبر ، يُقنعنا بأن الرجل كان فيلسوفاً . فمثلاً الإطروحة الأولى للدكتوراه كانت في تاريخ القانون . والإطروحة الثانية كانت بحث تاريخي قانوني وكانت بعنوان ” تاريخ الملكية الزراعية الرومانية ودلالته في القانون العام والخاص ” . ولعل البحث الأقرب إلى مضمار الفلسفة ، هو الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية . لكن الرجل عالجه من زاوية عالم الإجتماع (الديني) وليس بمنظار الفيلسوف .
كما إن أثار ماكس فايبر واضحة من خلال حلقة فايبر التي حضرها ياسبرز مع زوجته كيرترود صديقة مارين فايبر زوجة ماكس ، أو بصحبة زملاء أخرين . وهنا
نود العودة إلى دائرة التوثيق وندع الباحثة سوزانا كيركبرايت تقرأ علينا رواية ياسبرز حول حلقة فايبر ، ومن كان يحضرها بالإضافة إليه ، وبعض ما كان يدور فيها . تقول سوزانا :
” بعد بداية الحرب ببضع أشهر ، كيرترود (منا : زوجة ياسبرز) وصفت إلى والد زوجها إهتمام ياسبرز بما كان يسمى المساءات الثقافية الفلسفية . وبالتحديد منذ نهاية عام 1914 أخذ يتقابل مع الشاب جورج لوكاش ، إرنست بلوك ، وماكس شيلر (1874 – 1928 مشهور بتطوير المنهج الفلسفي القائم على الفينومنولوجيا) ، وقبل الإستماع إلى أحاديث ماكس فايبر المشهورة ، كان ياسبرز يتطلع إلى إستكشاف وجهة نظر فلسفية جديدة ، والتي إدعى إن كتابه الأول قدم وصف حقيقي لها . وإعتماداً على تقارير كيرترود فإن في التجمع الثقافي الفلسفي كانت دروس في موضوع الميتافيزيقا . وإن حضور ياسبرز في هذه الإجتماعات كما يبدو لم تمكنه من عرض نتائج سلبية ، والسبب كما تشرح كيرترود : بأن الميتافيزيقيين الحقيقيين في الإجتماع واجهوا تعليقات ياسبرز بعنف وناقشوها بساعات قليلة جداً . وفي وصفها لهذه الإجتماعات فإنها تلمح إلى إن ياسبرز قج حصل فعلاً على الشجاعة في المشاركة والمناقشة ، وربما تكونت لديه قناعة حول الإتجاه الفلسفي لعمله في المستقبل ” .
ومن ثم إستمرت الباحثة سوزانا شارحة ما حصل في هذه الحلقة أي حلقة فايبر ، والشخصيات التي قابلها ياسبرز ، وفيها كشف عن المصادر التي تركت أثرها على فلسفته سلباً وإيجاباً . فأفادت : ” وهذه اللقاءات كانت فرصة للتبادل الفكري ، وهي التي جذبت إهتمام كارل وكيرترود ياسبرز إلى إجتماعات فايبر في مساءات الأحد ، حيث قابلوا فيها عدد أخر من الباحثين الأكاديميين من أمثال (منا : الكانطي الجديد) أميل لاسك ، (منا : الكانطي الجديد) جورج ساميل (1858 – 1918) ، (منا والرمز الكبير في الكانطية الجديدة) هنريخ ريكت ” . وهكذا كان ياسبرز محاطاً بماكس فايبر وصحبة عدد من مشاهير الكانطية الجديدة والفينومنولوجيا وهيجليين (نسبة إلى الفيلسوف هيجل) …
ويبدو إن هذه الهيمنة والإهتمام غير الإعتيادي بما أسماه ياسبرز الفيلسوف ماكس فايبر ، قد أثار حفيظة زوجته كيرترود والتي نبهته على ذلك ، وهو إهتمام متطرف وصل إلى ذروته في العبارات الأخيرة من كتابه المعنون فلسفة (صدر عام 1932) والتي عزم فيها ياسيرز للتدليل على تبجيله لماكس فايبر ولكنه في الوقت ذاته أيد الدعوة التي تصاعد صوتها ، إلى ضرورة وضع صداقته لماكس فايبر ، موضع التقويم النقدي ، وذلك عندما وصف ” فايبر بأنه سقراط العصر الحديث ” وعلى أية حال إن ” ما أراده ياسبرز هو أن تظل مثل فايبر حية بعد موته النهائي ” . وفعلاً فقد شعرت كيرترود بالثقل الكبير لموت عالم الإجتماع ، ولذلك شجعت ياسبرز على تجديد المعاني الراقية في العبارات التي قالها فايبر ، وهو في النزعات الأخيرة من موته ” .
ومسك الختام في هذا الطرف ، هو الحديث عن مصير رواية ياسبرز التي تتحدث عن ماكس فايبر الفيلسوف ، الحقيقة إنها تظل مجرد رواية متحمس . ومهما حاول ياسبرز أن يُدافع عن ماكس فايبر الفيلسوف ، فإن هناك حقائق ثابتة من داخل السيرة الذاتية للرجل ماكس تفند دعوى ياسبرز وتربط ماكس فايبر باللاهوت البروتستانتي وفي طرفه الكاليفيني . ففي الصراع بين والدي ماكس فايبر ، الوالد رجل دُنيا مُحب للشهوات ، وأمه هلين زاهدة كاليفينية ، فكانت النتيجة تقاطع إلى حد العظم بين الوالدين ، ووقف ماكس فايبر مع إمه وقطع علاقته بوالده . وبذلك إنحاز إلى اللاهوت البروتستاني (ولعل الشاهد على ذلك فيما بعد كتابه الشهير الإخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (والذي كان موضوع إهتمام ياسبرز غير الإعتيادي) وكتابته عن علم إجتماع الدين ، وخصوصاً سوسيولوجيا الدين الصيني والهندي واليهودية القديمة…) ويبدو إن رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز قد أستبطن هذا الطرف وعمل على أساسه . فالمسألة في الأساس هي علاقة عالم إجتماع الدين ماكس فايبر برجل اللاهوت الوجودي ياسبرز .
هذا ما تركه ماكس فايبر على ياسبرز وتفكيره ، وهو كثير كثير . أما الأثر الأخر فقد جاء من طرف الفيلسوف مارتن هيدجر . صحيح إن مارتن كان أصغر من ياسبرز بستة سنوات في العمر . فياسبرز ولد عام 1883 وهيدجر ولد عام 1889 . إلا إن هيدجر كان أعمق فلسفة وصاحب مدرسة فلسفية ، هو مؤسسها وله طلاب يعتزون بإنتمائهم إلى هيدجر رغم خلافاتهم السياسية معه حين إختار الإنتماء إلى الحزب النازي ، فقد ترك هيدجر اللاهوت وترك معه الكاثوليكية وفاز بالفلسفة وكتب إطروحتيه الأولى والثانية في المنطق ، وهو قلب الفلسفة ومنهجها الأول منذ إن كتب أرسطو اليوناني أول أورغانون (الألة) للفلسفة ، فقد كان عنوان إطروحته الأولى ” نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (وكتبها في العام 1914) . والإطروحة الثانية كانت بعنوان ” نظرية المقولات عند دنس سكوتس ” (وكتبها في العام 1916) . ومن ثم كتب مؤلفه الإنجيلي في بداية عمله الأكاديمي والمعنون الوجود والزمن ، والذي إعترف مرات عديدة بأن الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حنا أرنديت قد ألهمته بفكرة الكتاب وساهمت في مناقشة أطراف منه وحثته على أكماله ، وكان شرطاً طالبته الجامعة ليكون خليفة لهوسرل في رئاسة قسم الفلسفة (أو كلية الفلسفة) والذي نشر في العام 1927 . هذا هو ثقل هيدجر .
أما من طرف ياسبرز فإن هذا البحث بين إنه لم يدرس الفلسفة أكاديمياً ، وإنما كان طالب قانون لثلاث فصول ، وترك القانون ودرس الطب وكتب إطروحته للدكتوراه في الطب النفسي وكانت بعنوان ” الهومسك والجريمة ” . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه وكانت بعنوان ” الأمراض النفسية العامة ” . كما إن من الصحيح إن ياسبرز لم يؤسس مدرسة فلسفية على الإطلاق ، وصحيح جداً إن ياسبرز كان رجل لاهوت وجودي أكثر من كونه فيلسوف وجودي وهذا الأمر تكشفه سيرته الأكاديمية وجوهر مؤلفاته وإن حملت عنوان الفلسفة .
والسؤال : كيف تعامل ياسبرز مع الصديق مارتن هيدجر ؟ حقيقة إن علاقة رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز بفيلسوف فينومنولوجيا الحياة ، علاقة معقدة حكمتها شروط جداً مركبة ، فيها حسابات أكاديمية تطلع كل من ياسبرز وزوجته كيرترود في شخصية الفيلسوف الشاب هيدجر الكثير من الأمال في الإشتراك في أبحاث أو مشاريع مشتركة ، بعدما تيقنا إن هيدجر عقل فلسفي خلاق ممكن الإستثمار . وهذا ما أشارت إليه إليزابيتا إيتنكر ، حين ناقشت نظريات ياسبرز وحنا أرنديت حول ما أسمتها ” إبداعية هيدجر ” . ورأت بأن كلاهما فشل وذلك عندما تعاملا ببساطة شديدة ” في أهمية الإبداع في تفكير هيدجر المفكر (والأدق الفيلسوف) ” .
أما من طرف هيدجر فقد وقف بوجه الكانطيين الجدد (وخصوصاً كان واحد منهم هنريخ ريكت زميله الأكاديمي ومن ثم المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه) عندما إعترضوا على الجامعة في تعيين ياسبرز رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ، وسعوا إلى إزاحته ، فوقف وقفة الفيلسوف الشجاع الصديق ، وكانت محنة كبيرة لياسبرز وزوجته كيرترود ، ولا أحسب إن كلاهما ينسى ذلك العون الهيدجري الصديق ، ولكن ذاكرة التاريخ خلدت وقفة هيدجر لياسبزر ، في حين دارت الدنيا ، وطردت القوات الفرنسية المحتلة هيدجر من التعليم الجامعي ، ومن ثم فتحت أبواب العودة له بشرط تزكية من صديق جامعي ، وطلب من صديقه القديم ياسبرز تزكية ، فرفض ياسبرز وسجل التاريخ ذلك ، وعادت القوات الفرنسية فطلبت منه كلمة ، فقال كلمته الشهيرة التي عاد بها إلى التدريس الجامعي ” إنه في تلك السنوات تابع غريزة القطيع ” فكانت عبارة التوبة والفداء . ولم يعتذر هيدجر على الإطلاق . إلا إنه في جلسات خاصة أعلن قائلاً ” إنها كانت حالة غباء كبيرة في حياته ” . ونحسب من الأهمية بمكان ، أن نذكر بأن ” هيدجر بعد زيارته لياسبرز وعائلته في نهاية حزيران عام 1933، لم يزرهم مرة ثانية على الإطلاق ” .
كانت البداية حديث عن سخاء وكرم ياسبرز الإنسانيين تجاه الشاب مارتن هيدجر . ولكن الحقيقة خلاف ذلك لا سخاء ولا كرم وإنما قرض من زوجته كيرترود دفع عنها هيدجر فائدة لها . وهنا نحاول تقديم الحقيقة ومن مصادر ياسبرز التي لا خلاف حولها تقول الباحثة سوزانا كيركبرايت :
” عندما وجه ياسبرز الدعوة لهيدجر للزيارة ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود … بأنه أرسل إلى هيدجر ألف مارك ألماني لتغطية نفقات سفر هيدجر ” . وفي هامش النص السابق ذكرت سوزانا الطرف الثاني من الحقيقة أعلاه . فأعلمتنا ” إن هيدجر رد المبلغ فيما بعد مع فائدة ” ووثقت ذلك بالرسالة رقم 64 / ماربورك / 2 حزيران 1928 ، والرسالة رقم 66 / هيدلبيرك / 6 حزيران 1928 .
والسؤال : ما هو الغرض من زيارة هيدجر إلى ياسبرز ؟ إن القارئ سيندهش من الحقيقة المُحزنة (والتي فيها كرم ياسبرز المثير للشفقة …!؟) ، وهي إن هيدجر سيعمل مع ياسبرز في طرف مهم من قلب أبحاث كتاب ياسبرز القادم ثلاث مجلدات في الفلسفة وهو فعل التفلسف . وبالمناسبة إن هيدجر وهذا ما راهن عليه ياسبرز ، إنه عالم بالفيللوجيا (علم فقه اللغة حاله حال نيتشه) وهنا تكمن جوهر مساعدة هيدجر لياسبرز في مضمار التفلسف ، وهو الميدان الذي ستشارك في أطراف أخرى من مشروع ياسبرز (أي ثلاث مجلدات في الفلسفة) الطالبة السابقة (الفيلسوفة) حانا أرنديت ، وبالتحديد خلال كتابتها للدكتوراه مع ياسبرز . ولنعود إلى جادة التوثيق فهي ملاذنا العلمي الوحيد . وفعلاً بعد وصول هيدجر ، أبلغ ياسبرز زوجته كيرترود بأن مالها أستثمر لغرض نبيل : ” فنحن (أي ياسبرز وهيدجر) نعمل بجد عال في موضوع التفلسف ” .
ولعل فيما كتبته زوجة ياسبرز كيرترود ، كل الحقيقة حول مشروع إستثمار عقلية هيدجر الشاب الخلاقة في مضماري الفيللولوجيا والفلسفة . فقالت : ” إنها طبيعة هيدجر في البحث بعقله في الفلسفة والدين ، هو باحث أكاديمي وعالم فيللولوجيا ، ولكنه عاجز عن عرض كل شئ منهجياً في تفكيره ” . ويبدو من الجملة الأخيرة إن هذه هي مهمة ياسبرز كما رسمتها زوجته كيرترود في مشروع التعاون الواعد بين هيدجر وياسبرز .
ولما كان مشروع التعاون بين الطرفين ولد على فكرة إستثمار عقل هيدجر الخلاق ، فنحسب إنه ولد مشروعاً يحمل موته العاجل . وفعلاً فإن ما قالته سوزانا في تعليقها على دور كيرترود ما يدلل على حقيقة هذا المشروع الذي ينتظر لحظات موته ” إن كيرترود هي التي عملت هذا اللقاء بين العقلين حقيقة . وهي التي كانت شاهد على مواجهتهم التي سارت من قوة إلى قوة . وحالاً توقفت من الإعتقاد بهيدجر ، فأوقفت مساعدتها المعنوية . ولذلك أصبح من الصعوبة على ياسبرز الإستمرار في صداقته ” .
وعلى أساس تاريخ رسالة كيرترود لياسبرز في 12 آذار 1925 فإن آل ياسبرز حسموا موقفهم وحددوا علاقاتهم مع هيدجر سلباً . إلا إن هيدجر إستمر في علاقته الإيجابية مع ياسبرز حتى عام 1933 كما بينا أعلاه . ونحسب إن مواقف آل ياسبرز السلبية من هيدجر تصعد إلى فترة أبعد من 12 آذار 1925 . وبالتحديد تعود إلى عام 1919 ، وهو تاريخ صدور الكتاب الثاني ، والذي يحمل عنوان سيكولوجيا النظر إلى العالم . فقد كتب هيدجر مراجعة نقدية ، ومن ثم بدأت صداقتهما (منا : وإن ألتقيا قبل ذلك في عيد ميلاد هوسرل يوم كان هيدجر يعمل مساعداً لهوسرل) . وفعلاً فقد أرسل هيدجر نسخة من مراجعته إلى ياسبرز في حزيران عام 1921 . وتصادف في هذا الوقت إن ياسبرز كان يعمل على إصدار الطبعة الثانية من هذا الكتاب ، والتي صدرت في عام 1922 والتي حملت تعديلات غير جوهرية . وفيما بعد زعم ياسبرز ” إن مراجعة هيدجر مملة وغير مثمرة ” ومن ثم رفض مراجعة هيدجر .
ولم يكتف ياسبرز بذلك وإنما أعلن عن عدم إتفاقه مع النقد الذي وجهه هيدجر للكتاب ، وكتب على نسخته الخاصة من الطبعة الثانية من سيكولوجيا النظر إلى العالم ، في إنه ” لم يحدث أي تغيير في الطبعة الثانية ، وإنه لا يستطيع تعديل الكتاب من دون أن يبدأ بكتابته من نقطة الصفر ” . ويبدو إن هذا الحال سبب جُرحاً نازفاً لياسبرز ، وهو صاحب الذات المتخمة بعد موت ماكس فايبر وهذا ما كشفته رسائله لوالديه . فكان رد فعل ياسبرز لنقد هيدجر ، إن أغلق كل أبواب الحوار مع هيدجر . أما هيدجر فمن طرفه ألح على التواصل مع ياسبرز . وفعلاً فقد إستجاب عندما أرسل له ياسبرز نسخة من كتابه الجديد ستراندبيرك وفان جوخ والذي صدر عام 1922.
ونلحظ هنا إن نقد هيدجر تحول نحو شواطئ جديدة ، فيها فتح هيدجر مناقشة حول ما أسماه بالإختلافات (المفارقات) التي شغلت إهتمامه في ذلك الوقت ، وهي المفارقات التي تحولت إلى سؤاله المفضل ، والذي يدور حول التقسيم بين ” الحياة ” و ” الوجود ” ، وفي هذه الحدود أيد هيدجر ياسبرز بأن دراسته كانت دراسة إستبطانية (منا : تلاحق أثر المرض على أعمال الفنان) وإن كانت مرتبطة بالوجود . وهيدجر لاحظ بأن واحداً من أهداف ياسبرز في دراسة فان جوخ هو التشديد على إستعمال المقولات التي تصف ظاهرة الشيزوفرينيا . في حين إن المشكلة بالنسبة لهيدجر هي ليست مشكلة روحية على الإطلاق . ومن ثم عاد هيدجر يحتج في إعتراضه على ياسبرز بالسيمنار الذي قدمه ياسبرز عن كيركيجارد ونيتشه ، وذهب إلى إن مفاهيم ياسبرز يعوزها الكثير من الدقة ، وإنه ” حرث في أرض لا يعرف حدودها ” .
غير إن الصداقة بين هيدجر وياسبرز تجددت على الأقل خلال الفترة التي دخلت فيها حانا أرنديت إلى الجامعة عام 1924 وحتى 1933 . وكان هيدجر يزور ياسبرز ويراسله . ولعل الرسائل المتبادلة بين حانا وهيدجر تدلل على ذلك . وإن هيدجر بعد ما أخذت شكوك زوجته الفريدا تتزايد عمل على إقناع ياسبرز بالإشراف على إطروحة حانا للدكتوراه ، وبالتحديد في موضوع مفهوم القديس أوغسطين في الحب .
وإستمرت العلاقة بينهما حتى قبول هيدجر بمنصب رئيس جامعة فريبيرك وإلقاء خطابه في 27 مايس 1933 . والحقيقة إن أخر زيارة لهيدجر لياسبرز كانت في نهاية حزيران 1933 ولم يلتقيا بعد ذلك كما أشرنا أعلاه .
أما إهتمام ياسبرز بفيلسوف الوجودية الرائد نيتشه ، فله طعم خاص إذ يكشف المعايير المزدوجة للنقاد في تقويم اللاهوت الوجودي لياسبرز وفلسفة مارتن هيدجر خصوصاً في دراستهما للفيلسوف الوجودي الرائد نيتشه . والحقيقة هناك حيرة لم يجد لها الباحثون حلاً سوى الإقرار بأن هناك تناقضاً في محاضرات ياسبرز المعنونة نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية / 1936 ومحاضرته المعنونة ” العلو الفارغ (أو الذي لاقيمة له) / 1960″ . وللقارئ أقول إن هناك فارقاً زمنياً بين منتوج ياسبرز ، نيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية ، ومحاضرة ياسبرز العلو الفارغ . نقول فارقاً زمنياً يتحدد بربع قرن من الزمن ، فنيتشه : مدخل إلى نشاطاته الفلسفية أنتجه ياسبرز والنازيون في السلطة ، وفلسفة العلو الفارغة ألقاها بعد تحرير (؟) القوات الأمريكية لجامعة هيدلبيرك بخمسة عشر عاماً . ولكن النقاد صمتوا عن هذه الحقيقة لصالح ياسبرز ، وصمتهم دليل على إنهم كالوا البضاعة بمكيالين .
وبالمقابل فإن المكيال النقدي مع هيدجر كان مختلفاً . فقد درس مارتن فلسفة نيتشه مثلما درسها صديقه ياسبرز . وقال النقاد خصوصاً من طلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية ، الكثير ضده ، ووظفوه في مهاجمتهم له ومن ثم على النازية الألمانية التي إنتمى إليها . وهنا يُشارك هيدجر في الإهتمام بنيتشه وفلسفته ياسبرز خصم النازية والذي إكتوى بنيرانها . إذن القضية في أساسها مسألة توظيف ضد هيدجر ، ومسألة توظيف لصالح ياسبرز . هذا هو المنطق الأكاديمي المكسور لطلاب مدرسة فرانكفورت النقدية النسخة الأمريكية .
والحقيقة إننا لا نعرف شيئاً عن دوافع ياسبرز وراء الأعداد لهذه المحاضرات . ولكن الشئ المؤكد ، هو إن نيتشه من المروجين لما يُعرف بفلسفة العلو (ولعل فكرة السوبرمان في هكذا تكلم زرادشت مثالاً والأمثلة النيتشوية كثيرة) . وفلسفة العلو فكرة مكروهة عند ياسبرز (أنظر محاضراته أعلاه : العلو الفارغ) . الشئ الثاني إن تاريخ الأعداد لهذه المحاضرات ، هو عام 1933 ، وهو تاريخ صعود الحزب النازي إلى الرايخ الثالث برئاسة هتلر ، وتاريخ تعيين هيدجر . والشئ الثالث إن زميله الطبيب إرنست ماير (وهو أخو زوجته كيرترود) كانت لديه شكوك حول مشروع محاضرات نيتشه . وفعلاً عندما أرسل له ياسبرز في حزيران عينة من المخطوطة حول فردريك نيتشه ” ، طلب إرنست ماير من ياسبرز أن يراجع المخطوطة كاملة ، وبعد ذلك أخذ يعلن عن شكوكه ، ويفضل عدم المشاركة في هذا المشروع ” .
ومن ثم أنجز ياسبرز مشروعه في ديسمبر عام 1935 وكان رؤية شاملة لحياة نيتشه وأعماله . بينما ماير يعترف إنه حصل على مقدمة لهذا العمل في ربيع 1934 . على كل إن ياسبرز أشار في هذا الجزء من المخطوطة في إنه واجه مشكلة ، وتطلع إلى نصيحة من ماير . فقال ياسبرز ” هنا هي المشكلة : أنا أردت أن أقتبس بالضبط ما هو ممكن ، وأدع أفكاري تتحدث خلال نيتشه . ولكن يجب أن يقرأ النص بصورة كاملة … دون أن يتركها القارئ ” . ماير إعترض على هذا الإسلوب . وهنا زعم ماير ” إنه عارف بالمحتويات أفضل من ياسبرز نفسه ” .
وإذا كان هيدجر الرجل الغريب ، الكاثوليكي – النازي الذي إنتقد أعمال ياسبرز ، ، فكيف الحال مع الصديق الأول إرنست ماير ، وهو الأخ للزوجة العزيزة كيرترود . إنها مسألة تنز بالألم . حقيقة منذ البداية تحفظ ماير من الفصل التمهيدي ، وإشتكى من إنه فصل حمل الكثير من التفاصيل عن موسيقى فاغنر وإزمة نيتشه ، بعيد إنهيار علاقة الصداقة بين الطرفين . أما ياسبرز فقد جادل بأن غرضه لم يستهدف تحليل نيتشه الفنان ، ولا بيان محاولته في التأليف الموسيقي . ورد ماير جاء في كلماته الآتية : ” إن ما كتبته عن فاغنر مهم ، وما دمت أنا لا أفهم الموسيقى ، فإن العرض بالطبع ينبغي أن يركز على نيتشه ” . وبدلاً من الإستمرار في المناقشة ، زعم ياسبرز بأن ما قرأه ماير في عمله ، هو ” إن ما خطط إليه ماير ، هو شطب كل شئ ” . غير إن ماير قام بمراجعة المشروع ، ومن ثم أبلغ ياسبرز بضرورة أن يكون عنوانه ” نقد نيتشه ” وفي الوقت ذاته إشتكى ماير بمرارة من إن نص ياسبرز هو تدخل في السيرة الذاتية المؤسسة على إسلوب حياة الكاتب . ولما كان نقد ماير إنفعالياً ، فقد إنتهىت المناقشة إلى النهاية الميتة في التفاهم . ونحسب إن من الإنصاف القول بأن بضع من ملاحظات ماير كانت إيجابية ، فقد أفاد : إنه بالرغم من كل ذلك ” فإن كتاب ياسبرز عرض شواهد تدلل على شروح مثيرة ” . إن نقد ماير في المحصلة الآخيرة ، كان حاداً ، وفيه إمكانية للتدمير ، وهو الصديق القريب والرفيق الصادق ، والأخ للعزيزة كيرترود .
ونختتم حديثنا بالعودة إلى هيدجر وياسبرز وجدلهما حول نيتشه ، وهي قضية مهمة في عصرهما ، كما هي مهمة اليوم للدارس والقارئ . وبالمناسبة إن الباحثة سوزانا كيركبرايت ترى ” إن كتاب ياسبرز متفرد عن نيتشه مقارنة بمحاضرات هيدجر ، والتي كانت بعنوان ” نيتشه : الإرادة والقوة من زاوية الفن ” ، والتي ألقاها في جامعة فريبيرك في الفصل الدراسي الشتوي لعام 1936 / 1937 ، وإن إستنتاجات ياسبرز تتعادل في قيمتها مع تفكير هيدجر . فمثلاً ياسبرز ذكر إن الجمال هو فقط إنجاز نبؤة ذاتية ، ولذلك فإن كل أنواع الفن هي من نتاج الخالق . وكوفمان يعترض على إن ياسبرز ” رفض في الأخذ بفكرة السوبرمان ، والإنتعاش ، وإرادة القوة ، والسمو ، أو غير ذلك من المفاهيم ” .
أما هيدجر فقد أوضح عدم الإنسجام ما بين الحقيقة والفن ، والذي شرحها في ضوء فكرته التي تذهب إلى إن سيرة نيتشه ذات أهمية ، وألح على قراءات تتلائم مع الأسلوب المجازي النيتشوي ، والتفسيرات النظرية للحقيقة . وهذه هي مشكلة رواية ياسبرز ، والتي سبق أن أثارها صديقه الحميم وصهره إرنست ماير . ونعني إن ياسبرز قرأ الإستعارة (وإسلوب المجاز) الذي إستخدمه نيتشه ” الإنعاش الأبدي ” كما إنها ” آوامر آخلاقية تتطلب منا أن نعيش كل شئ كما نشعر ، نريد ، نعمل وبمعايير واحدة ..” . الحقيقة إن طريقة ياسبرز في تفسير إستعارات نيتشه ، هي التي أزعجت هيدجر ، وحملته على النقد الحاد على كتاب ياسبرز . وعلى هذا الأساس قرأ هيدجر تأثير نيتشه الخلاق في العبارة الآتية : ” الفن له قيمة أكثر من الحقيقة ” . بل وذهب هيدجر أبعد ، فإعتقد إن ياسبرز ” قد خدع نفسه بتبجيل سيرة حياة نيتشه ” .
ونحسب إنه من النافع أن ننهي الحديث عن هذا الطرف بالإشارة إلى إن هيدجر في جامعة فريبيرك ، ظهر أكثر عدوانية وذلك من خلال رد فعله على كتاب ياسبرز نيتشه (1936) لإن الهدف هو الكشف عن مفهوم نيتشه ” الإرادة قوة ” ، وهو عمل ظل في دائرة النسيان ولم يُنشر ، وذلك لأن حزب الإشتراكية الوطنية (الحزب النازي) يدعي إن ” الإرادة قوة ” هو شعارها ، وهي التي أنتجته بنفسها .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(4)
الإتجاهات الفلسفية والعلمية في عصر كارل ياسبرز
الدكتور محمد جلوب الفرحان
تعلم صاحب اللاهوت الوجودي كارل ياسبرز ، وكاتب مشروع فينومنولوجي الأمراض النفسية في البيئة الثقافية الألمانية . ومن ثم في ظلها كتب هو وزميله فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر نصوصهما الفلسفية التي مست طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم . وكانت في هذه البيئة قد نمت إتجاهات فلسفة العلم أو الفلسفة العلمية ، نمواً مطرداً سواء في الجامعات الألمانية (والكلام هنا أوسع من البعد الجغرافي لألمانيا كدولة وإنما يشمل جميع البلدان التي تتكلم الألمانية) . فمثلاً هناك أولاً أسماء مرموقة من المعلمين الأكاديميين (الفلاسفة الروحيين) الذين أشرفوا عليهما في كتابة أطاريحهما للدكتوراه والرموز الأكاديمية التي تركت لمساتها القوية على تفكيرهما ومنهجهما الفلسفي ، وهي بالتأكيد ستُعرفنا بعمق على الإتجاهات العلمية التي حكمت علاقة الفلسفة بالعلم خلال فترة طلب العلم وتكوين الذهنية الفلسفية والتدريب الأكاديمي . ثانياً من الرموز الألمانية التي عملت في مضمار فلسفة العلم في عصر كارل ياسبرز ومارتن هيدجر ، كل من ويندلباند وكينو فشر ، وهرمان لوتزه وأدمون هوسرل (وكان مساعد هوسرل مارتن هيدجر / زميل كارل ياسبرز) ، وماكس فايبر ، وهنريخ ريكارت وتلميذه مارتن هيدجر الذي كان بالطبع زميلاً للوجودي كارل ياسبرز . ولنبدأ الرحلة مع هذه الأسماء ، والتي هي بالطبع ستوسع من دائرة المصادر التي أثرت على ياسبرز في قضية العلاقة بين الفلسفة والعلم .
أثر الكانطي الجديد الألماني ويلهلم ويندلباند
لقد كان الكانطي الجديد ويلهلم ويندلباند (1848 – 1915) المشرف على إطروحة كارل ياسبرز للدكتوراه الثانية المعنونة علم النفس المرضي العام ، والتي أنجزها في كلية الفلسفة – جامعة هيدلبيرك عام 1913 وقبيل وفاة أستاذه ويندلباند بسنتين فقط . وعلى هذا الأساس يكون الإستاذ ويندلباند هو أول معلم أكاديمي في مضمار الفلسفة للفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . ونحسب إن البروفسور ويندلباند ومؤلفاته لعبت دوراً مؤثراً في تكوين ذهنية الطالب كارل ياسبرز الفلسفية ، وبالتحديد في علاقة الفلسفة بالعلم . ولبيان ذلك الأثر العميق ، نلقي بعض الضوء على إهتمامات الدكتور ويندلباند الفلسفية والعلمية (وبالطبع أساتذته وعلاقاته بفلاسفة عصره) ، والتي تساعدنا في معرفة ما تركه الأستاذ على التلميذ كارل ياسبرز .
والحقيقة إن ويندلباند قبل أن يشرف على إطروحة كارل ياسبرز ، كان معروفاً في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك خاصة ودائرة الثقافة الألمانية عامة بإهتماماته الخاصة بعلم النفس ، ومحاولاته الجدية في صياغة حدود جديدة له . ومن الطرف الفلسفي الذي ستظهر أثاره على ياسبرز ، هو إن ويندلباند كان كانطياً جديداً من أعضاء مدرسة بايدن للكانطية الجديدة . إلا إنه كان معارضاً للكانطيين الجدد في عصره ، ولهذا حافظ على حد تعبيره على ” فهم كانط بصورة صحيحة ، وذلك عن طريق تجاوز كانط ” .
ومن الملاحظ إن ويندلباند في نزعته الكانطية الجديدة ، الهادفة إلى تخطي كانط ، قد إستندت إلى مجموعة من الفلاسفة ، من أمثال جورج ويلهلم هيجل (1770 – 1831) ، والفيلسوف التربوي وعالم النفس جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) وهربرت من فلاسفة ما يُعرف بحقبة ما بعد الكانطية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (1817 – 1881) . وويندلباند كان زميلاً مقرباً من الكانطي الجديد (الرمز القيادي لمدرسة بايدن) هنريخ ريكارت ، والذي سيقود الكانطيين الجدد في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ضد كارل ياسبرز (كل ذلك حدث بعد موت ويندلباند بأكثرمن عقد من السنين ، ومن النافع الإشارة إلى إن الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر قد وقف مع زميله الوجودي كارل ياسبرز ضد الكانطيين الجدد ، ومن بينهم أستاذه المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، ولا تنسى بأن هيدجر سيدخل هو الأخر في جدل حامي الوطيس مع الكانطيين الجدد ممثلاً بالفيلسوف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر (1874 – 1945)) . وكان من حواريي ويندلباند يومذاك الفيلسوف وعالم الإجتماع ماكس فايبر .
ومن القضايا البالغة الأهمية التي جادل فيها ويندلباند ، وستترك أثرها على العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ودور الفلسفة في تنشيط الحوار بينهما . هي ضرورة إنخراط الفلسفة في حوار إنساني مع العلوم الطبيعية . كما كان لإهتماماته بعلم النفس والعلوم الحضارية (الثقافية) إن وقف بوجه المدرستين النفسية والتاريخية . ولعل من أهم مؤلفات ويندلباند :
1 – تاريخ الفلسفة (1893) وأعيد طبعه في مجلدين عام 1901 .
2 – تاريخ الفلسفة القديمة (1899) .
3 – مدخل إلى الفلسفة (1895) .
4 – النظريات المنطقية
5 – التاريخ والعلم الطبيعي .
الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة الألماني كينو فيشر
ونحسب إنه بالإضافة إلى تأثير ويندلباند ، فإن الكانطي كينو فيشر (1824 – 1907) والذي كتب ويندلباند عنه بحثاً بعنوان كينو فيشر في جامعة يانا ، قد ترك أثراً على ياسبرز وذلك من خلال قراءة ياسبرز لهذا البحث أو من خلال ما تركه فيشر من أثر في كتبه ومحاضراته وأحاديثه مع تلميذه الدكتور النفسي (السايكايتري) كارل ياسبرز . ولعل أهمية فيشر على تفكير ياسبرز تكمن في إنه كانطي (ينتمي للمدرسة الهيجلية) ومن الكتاب الذين كتبوا عن حياة كانط وفلسفته ، ومن نتائج كتاب فيشر ، إنطلقت على أساسه حركة العودة إلى كانط ، ومن ثم ظهرت الكانطية الجديدة ومدارسها المتنوعة . وإن ياسبرز بدوره سيحتفل في جامعة هيدلبيرك ، ويلقي خطاباً بمرور مائتي عام على ولادة الفيلسوف عمانوئيل كانط .
والفيلسوف الألماني كينو فيشر ، هو مؤرخ أكاديمي للفلسفة وناقد . وبعد دراسة الفلسفة في جامعتي لايبزك وهيل ، عمل في العام 1850 محاضراً في جامعة هيدلبيرك . إلا إنه واجه في العام 1853 (أي بعد ثلاث سنوات من عمله الأكاديمي) قراراً بمنعه من التعليم ، والذي أصدرته حكومة بايدن ، وذلك بحجة أن أفكاره تحررية (ليبرالية) . ولكن هذا المنع عمل لصالخ الفيلسوف الكانطي فيشر ، فقد سبب تنامي تعاطف الجمهور الكبير مع وجهات نظره . ومن ثم تزامن مع حصوله على درجة بروفسور في جامعة يانا (وبالتحديد في العام 1856) ونتيجة لذلك إكتسب سمعة في الأوساط الأكاديمية والشعبية . وفي العام 1872 وبعد إنتقال البروفسور أدورد زيلر (1814 – 1908) إلى جامعة برلين ، والذي إشتهر يومذاك بكتابه فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي أصبح مرجعاً أكاديمياً في معظم الجامعات الأوربية بعد ترجمته إلى معظم اللغات الأوربية . وإن أخر نشرة له كانت عام 1902 ، خلفه فيشر بروفسوراً للفلسفة وتاريخ الأدب الألماني الحديث في جامعة هيدلبيرك وهي الجامعة التي عمل فيها ويندلباند فيما بعد وسيعمل فيها كارل ياسبرز وسيكتب إطروحته للدكتوراه الثانية فيها .
إن أهمية فيشر في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تعلم فيها ياسبرز ، وتطور تفكيره الفلسفي ، ومن ثم كتب ثلاثيته في الفلسفة ، تعود إلى الأطراف الآتية : أولاً إن كينو فيشر بنظر معظم الأكاديميين الألمان ، هو واحد من أتباع المدرسة الهيجلية ، وإن كتاباته في هذا المسار ، وخصوصاً محاولته في تفسير كانط ، حملته على الدخول في جدل عريض حاد مع البروفسور الفيلسوف والفيللوجي فردريك أدولف ترندلينبرك (1802 – 1872) في جامعة برلين وطلابه . فكان جدلاً عاشته البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية على وجه الخصوص .
ثانياً إن ترندلينبرك كان موضوع تقدير الرائد الوجودي سورين كيركيجارد (1813 – 1855) ، والذي ألهم الوجودي كارل ياسبرز . فقد قيم سورين كيركيجارد طريقة تدريس كينو فيشر بتقدير عال ، وقال عنه بالحرف الواحد : ” إنه واحد من أفضل العقلاء في مضمار الفيللوجيا الفلسفية الذين عرفتهم في حياتي ” .
ثالثاً إن كينو فيشر هو نقطة إنطلاق لحركة أكاديمية وثقافية عارمة ستُعرف بالكانطية الجديدة ، والتي طبعت البيئة الثقافية التي تعلم فيها كارل ياسبرز ، كما وكان الكانطيون الجدد أساتذة له (مثل ويندلباند) ومن ثم زملاء وخصوم كما عرفنا (مثل هنريخ ريكارت) . وفعلاً فإن كتاب فيشر المعنون كانط : حياته وأسس عقيدته ، والذي نشره في العام 1860 ، وهي أول محاولة أكاديمية سعت وألهمت الأنظار الألمانية إلى تكوين حركة فلسفية رفعت شعار العودة إلى كانط . كما إنه لم يكتف بذلك بل كتب واحداً من أهم كتبه عن كانط (بالطبع بعد كتابه الأول : كانط : حياته …) وهو كتابه المعنون شرح على كانط ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ ج . ب . ماهفي وبعنوان الناقد والعقل الخالص ، والذي صدر في العام 1866 .
رابعاً وتكمن أهمية كينو فيشر في مساهمته المتفردة في تاريخ الفلسفة ، والتي ليس في الإمكان محوها من ذاكرة الفلسفة . ونعني مساهمته التي ميزت بين التجريبية (منا : العلوم التجريبية) والعقلية (منا : العلوم العقلية) في مقولات الفلاسفة ، خصوصاً فلاسفة القرنيين السابع عشر والثامن عشر ، والتي شملت كل من جون لوك (1632 – 1704) ، جورج باركلي (1685 – 1753) وديفيد هيوم (1711 – 1776) في مقولات التجريبية (منا : وبالطبع تصعد إلى تراث الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561 – 1626) . وضمت كل من رينيه ديكارت (1596 – 1650) ، باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) ، وكوتفريد لايبنز (1646 – 1716) في مقولات العقلية . فالتجريبية تزعم إن المعرفة البشرية تأتي عن طريق الحواس (أو التجربة) . بينما العقلية تدعي بأن المعرفة اليقينية يمكن إكتسابها عن طريق مبادئ نظرية (خالصة) وهذا يحدث ما قبل التجربة .
خامساً ونحسب إن شخصية كينو فيشر / مؤرخ الفلسفة في غاية الأهمية للوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً لمعرفة مصادر ثلاثيته في الفلسفة (على الأقل في النسخة الإنكليزية) التي لاتحمل إلا إشارات نادرة إليها . ولعل موسوعية كينو فيشر المؤرخ في مضمار تاريخ الفلسفة ، ربما أعانت ياسبرز في كتابة ثلاثيته (وهناك إحتمال إلى إن الكانطي الجديد الدكتور ويندلباند (وهو تلميذ كينو فيشر) قد لفت أنظار تلميذه ياسبرز ومن خلال جلسات الإشراف على إطروحته للدكتوراه الثانية ، ولا تنسى إن ويندلباند قد كتب كتابه الشهير عن كينو فيشر وبعنوان كينو فيشر في جامعة يانا) . وهنا سنحاول ذكر عناوين كتب كينو فيشر والتي غطت تاريخ أطرافاً مهمة من تاريخ الفلسفة (وبالمناسبة قد ترجمت أغلبها إلى الإنكليزية) . وذلك لنوفر لقارئ الفلسفة فرصة لمعرفة حجم المستبطن من كتب فيشر في ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .
وهذه المصادر الفيشرية هي : دايتما : فكرة الجمال (صدر في العام 1849) . وبالمناسبة دايتما أو دايتيما المنتينية هي معلمة سقراط ، وقد خصها إفلاطون في سمبوزيوم (المآدبة) . وقد كتبنا عنها بحثاً واسعاً بعنوان الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية . كما إن ياسبرز درس موضوع الفن (والجمال) في كتابين : الأول ستراندربيك وفان جوخ والثاني محاضرات عن نيتشه . ولكن الغائب هو قفز ياسبرز على صفحات تاريخ الفن وعلم الجمال … ثم جاء كتاب كينو فيشر الثاني والذي حمل العنوان الاتي ” نظام المنطق والميتافيزيقا أو عقيدة المعرفة ” (صدر في عام 1852) . والحقيقة إن ياسبرز خص الميتافيزيقا في المجلد الثالث . ومن كتب فيشر الخطيرة والتي تكشف علاقة الأكاديمي بالسلطة السياسية ، كتابه المعنون تحريم محاضراتي (صدر عام 1854) .
ومن ثم جاء المصدر المهم لكل باحث أكاديمي في عصر كارل ياسبرز ، وهو في الحقيقة موسوعة فلسفية ، والتي جاءت بعنوان تاريخ الفلسفة الحديثة (صدر في 6 مجلدات ، ونشر للفترة مابين 1854 – 1877) . وهذه الملحمة الفلسفية تُعد بنظر الأكاديميين من المساهمات البالغة الأهمية ، ونتوقع أن ياسبرز مؤلف ثلاثة مؤلفات في الفلسفة ، قد إطلع عليها (وخلاف ذلك فقد أغفل مصدر أكاديمي لا عذر له على الإطلاق) . ونرى على الأكثر إن أستاذه ويندلباند قد لفت نظره إليه . وهذا الكتاب الموسوعة ، قد ضم مجموعة رسائل متخصصة عن ديكارت ، كانط ، فيخته ، شيلنج وعدد أخر من كبار الفلاسفة ونزولاً حتى شوبنهور . وكتابه المعنون مدرستان لفلسفة كانط في جامعة يانا (صدر عام 1862) . وكتابه المعنون باروخ إسبينوزا : حياته وشخصيته . وأخيراً إنتخبنا من كتبه الكثيرة ، كتابه المعنون شرح على كانط : نقد العقل النظري ، والذي ترجمه الأستاذ ج . ماهفي عام 1866 . ومسك الختام كتابه المعنون ديكارت ومدرسته ، والذي ترجمه ج . ب كوردي عام 1887 .
الفيلسوف وعالم المنطق الألماني هرمان لوتزه
إما الفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه الذي كتب عنه ويندلباند بحثه المعنون هرمان لوتزه في جامعة كوتنكن (وهو القسم الثاني من بحثه الواسع والمعنون كينو فيشر في يانا وهرمان لوتزه في كوتنكن) فقد ترك تأثيراً ملحوظاً في البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية خاصة والتي تطور فيها تفكير كارل ياسبرز شأنه شأن أبناء جيله . ولهذا نود أن نستذكر لوتزه فيلسوف العلم وعالم منطق ، وخصوصاً إذا تذكرنا بأن ياسبرز قرأ أبحاث هوسرل المنطقية ومقالته في العلوم الدقيقة والتي نحسب فيها حضور للأثر المنطقي الذي خطه عالم المنطق لوتزه . كما إن لوتزه هو عالم المنطق الذي ظهرت أثاره واضحة على كتاب النظريات المنطقية الذي ألفه ويندلباند أستاذ ياسبرز .
ومن طرف الفيلسوف الألماني وعالم المنطق رودلوف هرمان لوتزه ، والذي حمل تفكيره ويندلباند وقدمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تلميذه كارل ياسبرز ، سواء في الحديث عنه أو من خلال قراءة ياسبرز لما كاتبه ويندلباند عن لوتزه . هو في الأصل يحمل درجة دكتور في الطب شأنه شأن كارل ياسبرز ، وحاله حال ياسبرز فإن دراساته الطبية مكنته من أن يكون رائداً في مضمار علم النفس المؤسس على قواعد علمية . وهناك قصة تقف وراء دراسته للطب ، فبعد إن تخرج من الجيمنزيوم (تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك كطالب في الفلسفة والعلوم الطبيعية . إلا إنه ما بلغ السابعة عشر ربيعاً من عمره ، حتى حزم أمره وتحول إلى دراسة الطب .
ومن ثم سارت دراسات لوتزه المبكرة بإتجاهين متميزين ؛ الأول نهض على الأبحاث الرياضية والفيزيائية (منا : هذه أجناس من العلوم) وأنجزها تحت إشراف كل من الطبيب إرنست هنريخ (1795 – 1878) وهو مؤسس علم النفس التجريبي ، وعالم الفيزيولوجيا ويلهلم فولكمان (1801 – 1877) ، وعالم النفس التجريبي غوستاف فيشنر (1801 – 1887) . والثاني فني جمالي (منا : هذه أجناس من الفلسفة) وطوره لوتزه تحت رعاية الفيلسوف البروتستانتي كريستين هرمان ويس (1801 – 1866) . وكريستين كان مُشايعاً في البداية للهيجلية ، ومن ثم تحول إلى شواطئ فلسفة فردريك ويلهلم شيلنج (1775 – 1854) .
وهنا تأتي حكاية بالغة الأهمية في حديثنا عن لوتزه وربما نبه الأستاذ ويندلباند أنظار تلميذه ياسبرز إليها ، وهي حكاية تتعلق بموضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم . فمن الملاحظ إن لوتزه كان مفتوناً مثل ياسبرز بالعلم والتفلسف ، ولكن بالتخصيص إن إهتمام لوتزه كان إهتماماً مشروطاً بالإنتماء إلى التقاليد الفلسفية العريقة ، ولذلك كان مفتوناً بالعلم وبمثالية (منا : فلسفة) جوهان جوتلوب فيخته (1762 – 1814) ، وفردريك ويلهلم شيلنج ، وجورج هيجل . وكانت أولى مقالات لوتزه ، هي إطروحته للدكتوراه في الطب (منا : لاحظ علاقة الفلسفة بالعلم ممثلة بالطب أو الأدق البايولوجيا) والمعنونة الأسس الفلسفية للبايولوجيا (1838) ، والذي حصل عن طريقها على درجة الدكتوراه في الطب . وقبلها بأربعة أشهر حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة (وذلك لكون إطروحته ذات طبيعية ثنائية ، فيها طرف علمي طبي (بايولوجي) . وطرف فلسفي وعلى هذا الأساس حصل على درجتي الدكتوراه في الفلسفة والطب) .
ونحسب إنه من النافع الإشارة إلى إن هذه الدراسة الأكاديمية المزدوجة في مضمار الطب (أو البايولوجيا) والفلسفة (والتي تم إنجازها في عام 1838) كونت إنموذجاً من الأبحاث الأكاديمية المبكرة ، التي عنت بالعلاقة بين الفلسفة والعلم (الفلسفة والطب أو البايولوجيا) . وقد كتبها لوتزه قبل ولادة كارل ياسبرز بأقل من نصف قرن (وبالتحديد خمسة وأربعين عاماً) . ويبدو إن أستاذ ياسبرز المشرف ويندلباند قد وجه أنظار تلميذه إليها خاصة ، كما وجهه إلى قراءة مؤلفات لوتزه المهمة في مضمار علم النفس والتي ستعين ياسبرز في كتابة إطروحته الثانية . وبالمناسبة إن أبحاث لوتزه كونت حقلاً جديداً أخذت دوائر البحث تصطلح عليه بفلسفة علم النفس .
ومن ثم صاغ لوتزه أسس نظامه الفلسفي في الميتافيزيقا (لايبزك 1841) (منا : وهذا الموضوع جدا جدا مهم لكارل ياسبرز والذي نزل إليه مباشرة من كتب لوتزه أو من خلال أستاذه ويندلباند ، وبالتحديد مهم للمجلد الثالث من رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وبالمناسبة المجلد الثالث جاء بعنوان الميتافيزيقا) . وفعلاً فقد نشر أولاً بالألمانية ، ومن ثم ترجم نظام لوتزه الفلسفي في الميتافيزيقا إلى الإنكليزية ، وحمل عنوان الميتافيزيقا في ثلاثة كتب : الإنطولوجيا ، الكوسومولوجيا ، وعلم النفس) . وأحسب إن طرف من المجلد الثاني لكتاب ياسبرز ، قد حمل عنوان علم نفس الإرادة ، والذي يثير السؤال في دائرة البحث في تفكير الطبيب ياسبرز وعلاقته بأبحاث الطبيب لوتزه في علم النفس ، ومن ثم في الميتافيزيقا . وفي العام 1843 ظهر إلى النور بحثه المنطقي ، والذي نشر بالإنكليزية بعنوان المنطق في ثلاثة كتب : الفكر ، البحث ، والمعرفة . وبالمناسبة يُنظر إلى لوتزه على إنه الخليفة الحقيقي للفيلسوف الألماني لايبينز (1646 – 1716) . وهذا موضوع (أي منطق لوتزه ولايبينز) سنتناوله في مقال أخر .
عالم الرياضيات وفيلسوف الفينومنولوجيا أدموند هوسرل
إعترف ياسبرز إلى والديه برسائل عديدة بمكانة الفيلسوف أدموند هوسرل مؤسس الفينومنولوجيا ، وتقويمه العالي لمنهجه الفينومنولوجي . وفعلاً فقد إستخدم ياسبرز طريقة الفينومنولوجيا في إطروحته للدكتوراه الثانية والتي كانت بعنوان علم النفس المرضي (حصل عليها عام 1913) ، والتي أشرف عليها الكانطي الجديد ويندلباند ، والتي نشر ياسبرز خلاصة عنها في مقالته المشهورة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية (نشرت عام 1912) . ومن ثم تحول هذا الكتاب الإطروحة إلى دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس في الأمراض النفسية .
وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت يقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد : ” إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان ” .
لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938) ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف ياسبرز بذلك فقد سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 .
وإدموند غوستاف البريشت هوسرل ، هو فيلسوف وعالم رياضيات ، ومؤسس لأهم مدرسة فلسفية في القرن العشرين ، ألا وهي مدرسة الفينومنولوجيا (الظاهراتية) . وهوسرل إنشق عن النزعة الوضعية في الفلسفة والعلم في عصره ، ومن ثم قام بنقد النزعتين التاريخية والنفسية في المنطق (منا : مع الإنتباه إلى إن هوسرل في بواكير بحثه كان مناصراً للنزعة النفسية في المنطق ولهذا وجه إليه جوتلوب فريجة نقداً في حينها) . كما إنه وسع من حدود التجريبية ولذلك إعتقد إن التجربة هي مصدر كل المعرفة … .
ونحسب إن المهم في مراجعة سيرة الفيلسوف وعالم الرياضيات هوسرل ، هو إلقاء الضوء على التحولات الأكاديمية التي حدثت له ، والتي تشابهت في مسارها العام مع التحولات في حياة الطبيب النفسي – الوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً في تركهما الإختصاص الأول (بالنسبة لهوسرل الرياضيات ، والطب النفسي بالنسبة لكارل ياسبرز) وتحولهما إلى شواطئ الفلسفة الدافئة . وبالطبع في هذا التحول فهم عميق لعلاقة الفلسفة بالعلم عند المعلم هوسرل والتلميذ ياسبرز (بالطبع الأستاذية والتلمذة هنا لا نعني بها بالطريقة المباشرة وإنما بالقراءة والتبني للفينومنولوجيا في حالة التلميذ ياسبرز) . ولعل المهم في حياة هوسرل الأكاديمية ، وما حملته من دروس ، وأثر الرموز الأكاديمية في تطور تفكيره الفلسفي ، والتي نظن إن التلميذ ياسبرز من طرفه قد وضعها موضع الدراسة والإستثمار . ولهذا فضلنا عرضها بالصورة الآتية :
أولاً – بعد إن تخرج هوسرل من الجومنزيوم في فينا (منا : تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك وللفترة ما بين 1876 وحتى عام 1878 وخلالها درس الرياضيات ، والفيزياء ، و علم الفلك . وهناك إفتتن هوسرل بمحاضرات الفلسفة ، التي كان يُقدمها الفيلسوف الطبيب وعالم النفس الألماني (والفيزيولوجي) وليهلم فونت (1832 – 1920) ، وهو واحد من من مؤسسي علم النفس الحديث . ولعل أهمية فونت كذك ، تكمن في مضمار البحث عن علاقة الفلسفة بالعلم ، وخصوصاً أهمية فونت من طرف رجل الفينومنولوجيا هوسرل
(وبالطبع من خلاله على كارل ياسبرز) ، إلذي ينظر إلى علم النفس بمنظار ثنائي ، فهناك جزء منه ينتمي إلى البايولوجيا (علم الأحياء) . وهناك جزء ثان يلتحق بالفلسفة .
وتصعد البدايات التاريخية لفينومنولوجيا هوسرل الأستاذ ، وفينومنولوجيا ياسبرز التلميذ إلى هذه الفترة من طلب العلم من حياة هوسرل ، فقد صادف إن كان الموجه الأكاديمي لهوسرل ، هو توماس ماسريك (1850 – 1937) ، وهو تلميذ سابق للفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو (1838 – 1917) . وهذا موضوع سنتناوله في محور خاص فيما بعد إكمال حديثنا عن هوسرل على الرغم من إنه أستاذ هوسرل . ولعل المهم هنا أن نذكر ما تركه تلميذ فرانز برنتانو ، توماس ما سريك عل تفكير هوسرل المنطقي ، فقد كتب المعلم ماسريك كتاباً مهماً في علم المنطق وكان بعنوان أسس المنطق الحقيقي (1885) ومن ثم صدر بالألمانية في فينا في عام 1887 .
وكان تفكير هوسرل في هذه الفترة ، في حالة تحول دائم بين طرفين ؛ طرف الفلسفة وطرف العلم ممثلاً بالرياضيات . وفعلاً في هذه الفترة تحول إلى جامعة هامبولت في برلين وبالتحديد في عام 1878 . ومن ثم إستمر في دراسة الرياضيات ، وتحت إشراف ليوبولد كرونكر (1823 – 1891) ، وهو عالم رياضيات وواحد من العاملين في مضماري نظرية الأعداد والجبر . ويُنظر إليه كناقد لعالم الرياضيات جورج كانتور (1845 – 1918) ونظريته في المجموعات .
ثانياً – كما إن هوسرل حضر محاضرات فردريك بولسين (1846 – 1908) في الفلسفة . وهذه المحاضرات ستكون كتاب بولسين (وبالعنوان ذاته) والذي سيعتمده كارل ياسبرز مصدراً أساسياً (ونبالغ إذا قلنا الوحيد) لرائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والحقيقة إن بولسين فيلسوف ألماني ومربي ، بداية تلقى تعليمه العالي في جامعتي بون وبرلين ، ومن ثم أصبح بروفسوراً (متميزاً) للفلسفة والبيداغوجيا (علم التربية) وكان ذلك في العام 1878 . ويقترن إسم التلميذ بولسين بإسم أستاذه الفيلسوف وعالم النفس التجريبي غوستاف ثيدور فشنر (1801 – 1887) بل وينظر إلى بولسين على إنه واحد من أكبر حواريي فشنر . ويبدو إنه من خلال كتابات بولسين قد عبرت إلى دائرة تفكير كارل ياسبرز ، الكثير من الحقائق التي سيضمها كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وخصوصاً فيما يخص مضمار علم النفس ، والذي سيشغل مباحث مهمة من المجلد الثاني / القسم الثاني ، والذي جاء بعنوان علم نفس الإرادة وحدوده (ص ص 133 وما بعد) .
ولاحظ الأكاديميون إن تحولاً قد حدث في حياة البروفسور بولسين الأكاديمية ، وذلك عندما تقاعد في العام 1895 بروفسور الفلسفة أدورد زيلر (1814 – 1908) من جامعة برلين ، فشغل مقعده البروفسور بولسين أستاذاً للفلسفة الأخلاقية في جامعة برلين . ولعل أهمية زيلر في حياة بولسين ومن ثم في عمل الأكاديمي ياسبرز ، وبالتحديد مصدراً لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب زيلر الموسوعي ، والمعنون فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي صدر خلال الفترة ما بين عامي 1944 و1852 . والواقع إن هذا الكتاب مر بتاريخ من التطور والبحث الموسع ، حتى وصل إلى أخر نشرة له صدرت في العام 1902 . أي قبل أن ينشر ياسبرز كتابه ثلاثة مجلدات بأقل من ثلاثة عقود من الزمن . وبالتأكيد قد تحدث عنه أولاً بولسين ومن ثم إن هناك إحتمالاً قوياً إن ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام قد لفت إليه أنظاره . أو ربما جاءت الإشارة إليه في أبحاث فيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، والذي تبنى طريقته الفينومنولوجيا ياسبرز في إطروحته الثانية كما سبق إن أشرنا إليها سابقاً .
وتكمن أهمية بولسين في موضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم ، في أنه تجاوز أستاذه فيشنر ، وحاول تقديم (في العام ) 1892 تفسيراً أبستمولوجياً للمعرفة الفيزيائية – السايكولوجية . وهذا التفسير قاده إلى التسليم بفرضية كانط في المعنى الداخلي ، والتي مفادها ” إننا حالات عقلية واعية ” . وإنطلاقاً من هذه الفرضية إعتقد بولسين بأن ” الوعي هو معرفة الشئ بذاته ” . ومن المعلوم للجميع إن هذه القضية قد نفاها كانط على الإطلاق . وعلى الرغم من إن ياسبرز قد إعتمد على كتاب بولسين المعنون محاضرات في الفلسفة ، مصدراً لثلاثيته في الفلسفة (أنظر : كارل ياسبرز ؛ الفلسفة / التوسعة للطبعة الألمانية الثالثة / عام 1955 ، وهي توسعة لم تظهر في الطبعة الأولى لعام 1931) . فإن شهرة بولسين قد تجاوزت فضاء الفلسفة ، ولامست مضمار البيداغوجيا / التربية . ولعل الشاهد على ذلك كتابه الذائع الصيت : التربية الألمانية : الماضي والحاضر ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ أ . لورنز في العام 1907 .
وقبل إن نغادر حضرة الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة بولسين ، نود أن نذكر حقيقة بالغة الأهمية ، والتي نحسب إنها سجلت حضوراً قوياً في نصوص كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة (وربما عبرت بصورة مباشرة أو من خلال التلميذ أدموند هوسرل) . وهي إن بولسين تحدث عن النفس ومن خلال ربطها بمفهوم الإرادة الشوبنهوري . والحقيقة إن هذا الطرف ستظهر أثاره على نصوص ياسبرز وبالتحديد على مضماري الإرادة وعلم نفس الإرادة . وفعلاً فإن بولسين إستنتج على أساس دور الوعي الأبستمولوجي (أنظر أعلاه) ، إن النفس هي حقيقة عملية (وهنا يتفق بولسين مع شوبنهور (1788 – 1860)) ، والتي يمكن معرفتها من خلال فعل الإرادة . ولكن هذه الإرادة بالفهم البولسيني (نسبة إلى بولسين) ، هي ليست برغبة عقلية ، أو إرادة لا عقلية لا واعية ، ولا إرادة ذكية واعية . وإنما هي غريزة والتي هي إراداة الحياة ، والتي غالباً ما تكون الضمير ، الذي يتطلع نحو شواطئ الغايات … .
ثالثاً وفي العام 1884 حضر هوسرل وبالتحديد في جامعة فينا ، محاضرات فرانز برنتانو في مادتي الفلسفة وعلم النفس الفلسفي . وخلال هذه المحاضرات عرف برنتانو تلميذه هوسرل على كتابات الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق برنارد بولزانو (1781 – 1848) والذي ترك أثراً واضحاً على الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (تحدثنا عنه أعلاه) ، والفيلسوف وعالم المنطق الإستقرائي جون ستيوارت مل (1806 – 1873) والفيلسوف التجريبي الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) . وهنا يكمن التحول العميق في مضماري الفلسفة والعلم في كتابات المعلم هوسرل اللاحقة ، ومن ثم ستطبع توجهات التلميذ كارل ياسبرز كذلك .
رابعاً كتب هوسرل إطروحته الأولى للدكتوراه ، وإطروحته للدكتوراه الثانية في مضمار العلاقة بين الفلسفة والعلم ، وبالتحديد في العلاقة بين الفلسفة والرياضيات . فقد كان عنوان إطروحته الأولى مساهمات في حساب المتغيرات ، وكانت تحت إشراف ليو كونكسبيرك (1837 – 1921) والتي حصل عليها من جامعة فينا عام 1883. أما إطروحته للدكتوراه الثانية فكانت بعنوان مفهوم العدد ، والتي حصل عليها من جامعة هيل كما ذكرنا أعلاه ، وبالتحديد في عام 1887 . وكونت الإطروحة الأخيرة الأساس لعمله المهم الأول والمعنون فلسفة الحساب ، والذي صدر عام 1891 .
والحقيقة إن هوسرل في هذا الكتاب قد ربط بين الرياضيات والفلسفة على أساس سايكولوجي ، وهو الذي أثار حفيظة فيلسوف العلم وعالم المنطق الرمزي جوتلوب فريجه ، وحمله على توجيه نقد حاد لنزعة هوسرل السايكولوجية ، والتي سيتبرأ منها هوسرل لاحقاً ويتحول إلى ناقد للنزعة السايكولوجية .
وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) لياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه (منا : وهنا يلتقي ياسبرز وهيدجر وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :
” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911
الوالدان العزيزان
أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …
تحياتي وأشواقي
ولدكم
كلي ” .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(5)
فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية
الدكتور محمد جلوب الفرحان
يُلاحظ القارئ لسيرة فيلسوف العلم بولزانو ، إنه ترعرع في أحضان عائلة ذات تركيب إثني متنوع ، فالوالد برنارد بومبيز بولزانو جاء من إصول إيطالية . وفعلاً فقد تحول إلى براغ (عاصمة جيكيا) ومن ثم تزوج ميريا سيسليا ميرار ، وهي تتكلم الألمانية ، ووالدها تاجر من مدينة براغ . وأنجبا أثنتا عشر طفلاً ، ولكن لم يبقى منهما على قيد الحياة لمرحلة النضوج سوى طفلين فقط . وكان الفيلسوف بولزانو واحداً منهما .
دخل بولزانو جامعة براغ في العام 1796 ودرس الرياضيات والفلسفة والفيزياء (لاحظ توجهات بولزانو العلمية الأولى : رياضيات وفيزياء ومن ثم الفلسفة التي توسطت في مرحلة طلب العلم الأكاديمي . وهذا الأمر جداً مهم في علاقة الفلسفة بالعلم وهو الأمر الذي قدمه هوسرل المعلم إلى تلميذه بالقراءة والتبني الفكري كارل ياسبرز وذلك من خلال حديثه عن معلمه فرانز برنتانو وما قدمه له من رموز فلسفية علمية في محاضراته ، ومنهم خصوصاً برنارد بولزانو) .
وفي سيرة بولزانو ماهو إيجابي تمثل في صعوده الأكاديمي وإن كان بعكاز لاهوتي كاثوليكي ، فهو مبهج ومُسر . ولكن فيها ماهو سلبي ينز بالألم وعدم شفافية السلطات الأكاديمية والسياسية والذي تمثل بقرارها بطرده من الجامعة ووقفه من النشر ومن ثم تعريضه إلى النفي . وهذا الطرف يكون ما نصطلح عليه بالتحولات الفكرية (وبالطبع فيها ربح وخسارة وهذا ما حدث لرمزنا الكبير برنارد بولزانو) التي أصابت ذهنية الفيلسوف بولزانو . وفعلاً ففي بداية عام 1800 تحول من جادة الفلسفة والرياضيات والفيزياء ، وتوجه إلى شواطئ اللاهوت ، وكرس نفسه لدراسته لمدة أربع سنوات ، ومن ثم أصبح قسيساً في العام 1804 . وهكذا بدأ يتسلق في سلم الصعود ؛ فعين في عام 1805 رئيساً لقسم فلسفة الدين (وهو قسم جديد تم فتحه) .
والخطوة التالية في صعوده تمثلت بأنه أخذ يُقدم محاضرات جماهيرية ، فأظهر مهارات المحاضر الناجح ، فذاعت سمعته في الأطراف . وهذه المحاضرات لم تقتصر على ميدان الدين واللاهوت الكاثوليكي ، وإنما شملت مضمار الفلسفة . وعلى هذا الأساس تم إنتخاب بولزانو رئيساً لقسم الفلسفة ، وذلك في العام 1818. ولكن بعد ذلك أخذ نجم بولزانو يكسف وسمعته تضعف شيئاً فشيئاً ، وإنتهت به المسيرة في حالة إغتراب (وتقاطع) مع الرموز القيادية الكبيرة في الكلية والكنيسة ، والسبب هو تعاليمه التي هاجمت الطرف العسكري والدعوات إلى الحرب . إضافة إلى كونه قاد حملة تطالب بالإصلاح الشامل للإنظمة الإقتصادية والإجتماعية والتربوية ، وبرأيه هي التي ستقود الأمة نحو شواطئ السلام بدلاً من النزاع المسلح بين الشعوب (الأمم) .
ويبدو إن كل محاولات رجال اللاهوت الكاثوليكي والسياسة الهادفة إلى عودة النعجة التائهة إلى قطيع اللاهوت ، قد باءت بالفشل الذريع ، وذلك لتمسك بولزانو بمبادئه ، وإيمانه بسلامة ما يعتقد ، ورفضه القاطع على تغيير عقائده ، فقد قررت القيادات الكاثوليكية والسياسية طرد بولزانو من الجامعة وذلك في العام 1819 . كما إن قناعاته السياسية (والتي كان على الدوام ينشرها بين زملائه) قد كانت دليلاً كافياً على إنه كان ليبرالياً متطرفاً كما بدى للسلطات النمساوية . ولذلك قررت نفيه إلى الريف ، حيث كرس كل طاقاته هناك لكتاباته الإجتماعية والدينية والفلسفية وفي علوم الرياضيات . كما كان من شروط النفي ، منعه من النشر في المجلات العامة . غير إن بولزانو إستمر في تطوير أفكاره وتمكن من نشرها على حسابه الخاص أو في مجلات أوربا الشرقية . وفي العام 1842 عاد من نفيه إلى براغ ، ومات هناك في عام 1848 .
لقد ضيعت علينا السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والإدارات الأكاديمية السياسية وذلك لعدم شفافيتها في التعامل مع فيلسوف العلم بولزانو ، وحرمت أجيال من الشباب الألمان ، من الفرص العديدة التي كان يخطط بولزانو من الكتابة والإبداع فيها وبالتحديد في مضماري الفلسفة والمنطق والرياضيات ، وهي الفضاءات التي كان فيلسوف العلم وعالم المنطق برنارد بولزانو في أعلى درجات نضوجه فيها ، وبقرار لا إنساني فيه الكثير من الجبروت فقامت بطرده من الجامعة ، ومن ثم نفيه ، وعطلت تفكيره وقلمه من الإبداع ، وفوق كل ذلك منعته من النشر والتعليم لمدة تجاوزت العقدين من السنيين (وبالتحديد ثلاث وعشرين عاماً) وربما ثلاثة عقود إذا وضعنا في حساباتنا عام 1819 عندما طردته السلطات اللاهوتية الكاثوليكية من التعليم الأكاديمي وسنة وفاته ، وهي عام 1848 .
تراث فيلسوف العلم والمنطق والرياضيات بولزانو في ميزان التقويم
ونحسب في البداية الإشارة إلى إن فيلسوف اللغة وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجه ، قد قرأ تراث بولزانو وإستفاد منه الكثير . وهذه الإشارة جداً مهمة في تقويم ما تركه بولزانو من تراث في فلسفة العلم والمنطق على أقل تقدير . وفعلاً فبعد وفاة بولزانو بقليل ، ظهر إلى النور كتابه الشهير ” معارضات (تناقضات) اللانهاية ” ، وهو كتاب أثار إعجاب العديد من علماء المنطق المبرزين ، والذين جاءوا بعد وفاته وعملوا في هدا المضمار ، ومنهم الفيلسوف البراجماتي الأمريكي (وعالم المنطق والرياضيات) شارلز سندروز بيرس (1839 – 1914) وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية المجموعات) جورج كانتور (1845 – 1918) ، وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية العدد الجبري) ريتشارد ديدكيند (1831 – 1916) .
وينظر مؤرخو الرياضيات إلى كتاب بولزانو المعنون معارضات اللانهاية ، على إنه عمل خص به بولزانو نظرية المجموعات . فمثلاً مؤرخ الرياضيات ديفيد بورتن ، يُعلق على أهمية هذا الكتاب في تايخ نظرية المجموعات ، فيقول : نشر كتاب معارضات اللانهاية لبولزانو في عام 1851 ، أي بعد وفاة بولزانو بثلاث سنوات فقط ، وقام بنشره أحد أصدقائه الأوفياء . وهذا الكتاب إحتوى على نتائج بالغة الأهمية في مضمار نظرية المجموعات . وللإنصاف فإن بولزانو يعترف بأن عمله ، هو إمتداد موسع لعمل غاليلو غاليلي (1564 – 1642) المعنون : معارضة غاليلو . إلا إنه والحق يُقال إن بولزانو عرض تفاصيل واسعة وأمثلة كثيرة تدلل على التطابق بين مبادئ المجموعة اللانهائية والمجموعات الفرعية للمجموعة اللانهائية . والأهم من كل ذلك إن بولزانو يُسجل التاريخ إسمه على إنه أول من نحت بنفسه إصطلاح المجموعة .
ولعل من أهم مؤلفاته التي ظهرت خلال محنته مع السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والذي كتبه بولزانو في فترة نفيه في الريف ، هو كتابه الرائعة المعنون نظرية العلم ، والذي صدر في عام 1937 ويتألف من أربعة مجلدات . وهو عمل إنجيلي في مضمار فلسفة العلم والمنطق بالمعنى الحديث . إضافة إلى كونه بحث في الأبستمولوجيا والبيداغوجيا العلمية (نظرية التربية العلمية) . ولعل المهم في هذا العمل الإشارة إلى إنه طور نظرية منطقية كونت بحد ذاتها تحولاً جذرياً (ثورياً) في مضمار البحث المنطقي . والشاهد على ذلك إنه حاول صياغة الأسس المنطقية لكل العلوم . وهذه المحاولة بتقدير الباحثين ، هي إمتداد وتطوير لأفكاره في حقل فلسفة الرياضيات ، والتي تصعد إلى عام 1810 .
لقد بدأ بولزانو عمله في نظرية العلم بشرح منهجي عال لما يعنيه بنظرية العلم ، والعلاقة بين معرفتنا ، والحقائق والعلوم . وفيما يخص المعرفة البشرية ، فقد ذهب موضحاً ، فقال : إن المعرفة تتكون من الحقائق (أو القضايا الصادقة) وهي التي يعرفها البشر أو سبق إن عرفوها . وهي على أي حال ، تكون جزء صغير من الحقائق في هذا العالم . وهذا يعني إن الطريق أمام الإنسان طويل لمعرفة مجمل الحقائق . وعلى هذا الأساس فإن معرفتنا يمكن تقسيمها إلى مجموعة من الأجزاء التي في الإمكان إدراكها . ومثل هذه المجموعة من الحقائق ، هو ما يُطلق عليها بولزانو معنى العلم . ومن الملاحظ أن تعرف بأن ليس كل القضايا الصادقة قد تم معرفتها من قبل البشر . وعلى هذا الأساس فإننا نعمل في هذا الميدان ، ونتطلع إلى الإكتشافات المستمرة في العلم .
ولعل من أفضل السُبل لإدراك وفهم حقائق العلم ، أن يكون عن طريق إصطناع مرجعيات ، وهي الوسيلة الوحيدة التي نُسجل فيها القضايا الصادقة للعلم ، والتي تم معرفتها من قبل البشر . ولكن السؤال الذي يظل مرفوعاً ؛ ما هو السبيل الذي يحملنا على تقسيم معرفتنا ؟ وبالتأكيد يتبعه سؤال مهم أخر ، وهو ؛ كيف نعرف إن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ؟ إن جواب بولزانو حملته كلماته الأتية ؛
في النهاية فإننا سنعرف كل ذلك من خلال التفكير ، وإننا سنصل إلى القواعد التي تم إشتقاقها من عملية تقسيم معرفتنا بالعلوم ، وسندرك بأن هذا مجال علم خاص بذاته ، وهذا هو العلم الذي سيخبرنا بأن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ، وإن شرحها سيتم على أساس كتاب علم مرجع ، وهو نظرية العلم .
كما علاج بولزانو في كتابه نظرية العلم ، موضوع الميتافيزيقا ، وقبل ذلك نود أن نشير .إن أراءه في الميتافيزيقيا يمكن الوقوف عليها (بالإضافة إلى نظرية العلم) في بحثين مهمين كتبهما بولزانو في فترتين تاريخيتين مختلفتين ؛ الأول كتبه قبل نظرية العلم ، وكان بعنوان إثنسيا أو أسباب خلود النفس ، والذي نشره عام 1827 . والثاني كتابه الشهير نقائض (معارضات) اللانهاية والذي نشر بعد موته في العام 1851 . أما كتاباته الأخرى فظلت بعيدة عن النور إلى أن قام تلميده فرينسكي بتقديم شرح موسع عنها وبعنوان ذرية بولزانو ، والذي نشره عام 1857 .
ومن النافع الإشارة إلى إن كتاب الإثنسيا أو أسباب خلود النفس قد نشر في عام 1827 بإسم مجهول ، ولكن الطبعة الثانية ، والتي ظهرت عام 1838 (وكان بولزانو حياً يُرزق) قد حملت إسم بولزانو ، وفيها عبارة بقلم المؤلف (وكأنها عنوان فرعي) تقول : هو كتاب لكل شخص مثقف يتطلع إلى سلام العقل … .
والميتافيزيقا هو من الموضوعات التي سيشتغل عليها الوجودي كارل ياسبرز في كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي إشتغل عليها مارتن هيدجر في كتابه الوجود والزمن قبله بعدة سنوات وقبلهما حفر فيها ملهمهما أدموند هوسل في الفينومنولوجيا . ونشعر بأن هناك شيئاً مشتركاً في بحث الإثنين ؛ بولزانو وياسبرز بالرغم من إن ياسبرز أدخل مفهوم الأصفار وهو مضمار جديد على مبحث الميتافيزيقا كذلك .
والحقيقة إن إهتمام بولزانو بمبحث الميتافيزيقا هدف إلى معالجة ثلاثة حقول يبدو فيها شيئاً من الجدة (أو الخروج) على موضوعات الميتافيزيقا منذ إن كتب فيها أرسطو رسائله (أو كتبه) الأربعة عشر ، ومن ثم نحت طلاب مدرسته المشائية إصطلاح الميتافيزيقا ليكون عنواناً لأبحاثه التي جاءت بعد أبحاثه في الفيزيقا (الطبيعة) ، وحقول الميتافيزيقا عند بولزانو هي :
أولاً – مضمار اللغة ، والتي تتألف من الكلمات والجمل .
ثانياً – مضمار الفكر ، والذي يتكون من الأفكار الذاتية والأحكام (أو الحجج) .
ثالثاً – مضمار المنطق ، والذي يتألف من الأفكار الموضوعية (أو الأفكار بذاتها) والقضايا بذاتها .
كما إن بولزانو كرس أطراف من موسوعته الرائعة نظرية العلم لشرح هده الحقول الثلاثة من الميتافيزيقا ، ومن ثم بين العلاقة بين بعضهما البعض . كما إنه أشار إلى حقيقتين متميزيتين في نظامه وهما : الأولى التمييز بين الأجزاء والكليات ، والمثال على ذلك الكلمات التي هي أجزاء من الجمل ، والأفكار الذاتية التي هي جزء من الحجج (الأحكام) ، والأفكار الموضوعية التي هي أجزاء من القضايا بذاتها . ثانياً إن كل الموضوعات تُقسم إلى هذه الموجودات . وهذا يعني إنها مرتبطة سببياً ، وتوجد في زمان ومكان . أما الموضوعات التي لاتوجد في زمان ومكان فيزعم بولزانو إنها في الأصل تكون موضوعات المنطق .
ونحسب في نهاية حديثنا عن موسوعة بولزانو الفلسفية المعنونة نظرية العلم ، الإشارة إلى إن كتابات برنارد بولزانو في فلسفة العلم ظلت في دائرة النسيان لفترة طويلة ، إلى أن تم أكتشافها على يد إثنين من تلاميذ فرانز برنتانو ، وهما كل من أدموند هوسرل ، والفيلسوف وعالم المنطق البولندي كازميرز تاوردسكي (1866 – 1938) . وبعد ذلك أصبح واضحاً تأثير بولزانو على المدرستين الفلسفيتين ؛ الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية . ونكتفي بهدا الطرف ونتحول للكلام عن جوانب أخرى من تراث بولزانو .
أما أبحاث بولزانو في مضمار فلسفة الرياضيات ، فقد ضمتها رائعته في الرياضيات ، والتي جاءت بعنوان نظرية الكميات ، وهو عمل رائد إلا إنه مع الأسف من الأعمال التي لم يكملها بولزانو . ومن الجدير بالإشارة إلى إن أولى الأعمال التي نشرها بولزانو في العام 1804 كان بعنوان إعتبارات حول بعض موضوعات الهندسة الأولية . وبعد ستة سنوات من هذه النشرة عاد فنشر في الفترة الممتدة ما بين عام 1810 وعام 1817 أعملاً في مضمار الرياضيات أكثر عمقاً . ويبدو إن هذه العودة إلى الرياضيات كانت محكومة بدافع صياغة أسس جديدة للرياضيات بصورة شاملة . وفعلاً فقد نجح في عمل ذلك ، إلا إن عمله لم يكن كاملاً ، وإنما جاء جزئياً وفي أطراف صغيرة (شدرات) .
صحيح جداً إن بواكير أعماله في فلسفة الرياضيات ، بدأت ببحثه في الهندسة . ولكن من الصحيح جداً إنه صاغ معايير حديثة في بحثه المعنون برهان تحليل نظري (خالص) والذي يصعد إلى عام 1817 . وهذا العمل بحد ذاته إحتوى على ما سيعرف بمبرهنة بولزانو – ويرستراس (وهو كارل ثيدور ويرستراس 1815 – 1897 وهو عالم رياضيات ألماني ، وهو أبو التحليل الحديث) . ولاحظ الباحثون إن في هذ البحث (أي برهان تحليلي ..) وردت أمثلة على ما يسمى بدالات المتغيرات . كما إن من الصحيح جداً إن ويرستراس ، هو أول من إكتشف الدالات .
كما لاحظ الباحثون إن طرف أخر من أبحاثه الرائدة في فلسفة الرياضيات ترتبط بنظرية المجموعات . وفعلاً فإن بولزانو في كتابه نقائض اللانهاية (1851) وكتابه نظرية الكميات ،
قام بأول خطوة في مضمار تطوير نظرية المجموعة ، وعرض الكثير من الأفكار المتعلقة بها
. وبرهان بولزانو على وجود مجموعة اللانهاية كان معروفاً لعدد من الرياضيين ، وهو فعلاً كان مرجعاً لكل من كانتور عام 1883 / 1884 ، وديديدكيند عام 1888 ورسل عام 1903 . كما أسهم في صياغة أسس جديدة للرياضيات وهذا ما جاء ذكره أعلاه .
ومن ثم جاء كتابه المعنون مصدر في علم الدين ، والذي نشره طلابه في العام 1834 (دون أن يذكروا إسم المؤلف لأن بولزانو كان ممنوعاً عليه النشر خلال فترة النفي) . وهذا الكتاب بحث جرئ في مضمار فلسفة الدين واللاهوت . وفيه عرض بولزانو وجهات نظر متقدمة على عصره (وفيها روح مستقلبية) . ولهذا واجهت اراءه الرفض والمعارضة لأن في نقاط كثيرة منها تقاطع مع عقائد الكنيسة وهنا تكمن خطورة أفكاره .
وبحق هذا الفيلسوف المتفرد المتنوع الإهتمامات ، والذي بدأ رحلته فيلسوف رياضيات ، ومن ثم تحول إلى دائرة اللاهوت وكتب رائعته المعنونة علم الدين أو فلسفة الدين ، والتي أزعجت الدوائر الكاثوليكية التي إنتمى إليها أولاً ، ومن ثم إنقلبت عليه وحركت السلطان الى طرده من التعليم الأكاديمي ، ومنعه من النشر ونفاه إلى الريف . نقول بحق هذا الفيلسوف نود توضيح الحقائق الآتية :
أولاً – متابعة كارل ياسبرز للفيلسوف بولزانو في مضمار الميتافيلوسفي
إن قارئ رائعة كارل ياسبرز المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة (كانت طبعته الأولى عام 1931) يلحظ إن هناك ما يشبه المتابعة الحرفية من قبل ياسبرز ، وبالتحديد لمضمار التفلسف الدي درسه بولزانو في عمله المعنون ما هي الفلسفة ؟ (من كتبه التي ألفها فترة المنع عليه والتي بدأت منذ عام 1819 وحتى موته ) وهذا الكتاب نشر بعد موته بعام واحد ، أي بالتحديد عام 1849 .
والحقيقة إن بولزانو في هذا الكتاب تجاوز مضمار الفلسفة ، وتطلع إلى إنشاء بحث رائد وهو ما يطلق عليه الباحثون مضمار الميتافيلوسفي (أو الفلسفة الفوقية) وإذا كانت الفلسفة تتداول في مباحثها لغة رقم 1، وهي لغة التداول الفلسفي اليومي والتي تتألف من إصطلاحات معينة (ويحدد معانيها ودلالاتها قاموس المصطلاحات الفلسفية) ، فإن مضمار الفلسفة الفوقية تسودها لغة عالية ، ويطلق عليها إصطلاح اللغة رقم 2 ، وهي مضمار يعرض تحليلاً فلسفياً عالياً للإصطلاحات التي تتداولها اللغة رقم 1 ومثالاً على ذلك إن اللغة رقم 1 ، إستخدمت إصطلاح التفلسف ، فإن لغة الميتافيلوسفي ، تقدم تحليلاً عالياً لمفهوم التفلسف . والحقيقة إن ياسبرز في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة ، تحدث عن هذه المستويات المتنوعة للغة ، وذكر المستويات اللغوية (اللغة رقم 1 واللغة رقم 2) والتي تحدث عنها بولزانو . إلا إن ياسبرز تحدث عن اللغة رقم 3 ، وخصوصاً في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة . وياسبرز ربما أطلع على عمل بولزانو من خلال هوسرل ، والذي قام هو وزميله البولندي (تاوردسكي) بإكتشاف أعمال بولزانو ، وبتوجيه من قبل أستاذهما الفيلسوف الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .
والحقيقة إن أهمية عمل بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ تعود إلى إنه أوضح مفهوم الفلسفة والتفلسف . وبالمناسبة إن كتاب ياسبرز موضوع بحثنا ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، قد عالج بشكل واسع ، وعبر المجلدات الثلاثة ، فعل التفلسف وكلمة تفلسف ، وفضلها على الفلسفة الإصطلاح التقليدي (بالرغم من عنوان ثلاثيته حملت عنوان الفلسفة) . وهنا أود أن أشير إلى إن مارتن هيدجر ساعد صديقه كارل ياسبرز في تحديد معاني التفلسف وهو علم في الفيللوجيا وهذا التعاون رتبت له زوجة كيرترود (أي زوجة كارل ياسبرز) ودفعت مساعدة بمقدار ألف مارك لتغطية نفقات سفر هيدجر إلى هيدلبيرك . وهذا الأمر ساعدت فيه من طرفها الفيلسوفة (طالبة الدكتوراه يومها) حانا أرنديت أستاذها ياسبرز حين جاءت إلى جامعة هيدلبيرك ليشرف على إطروحتها الأولى للدكتوراه والتي كانت بعنوان الحب في مفهوم القديس أوغسطين ، وهي طالبة هيدجر والمتمرسة في التحليل الفيللوجي . وكذلك فقد إنتبه مترجم كتاب ياسبرز إلى الإنكليزية المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، الأستاد إي . ب . أشتون حين إعتمد على رأي الفيلسوفة حانا أرنديت في شرح معاني الفعل يتفلسف في مقدمة المترجم التي كتبها . ولكن فات الثلاثة هيدجر وأرنديت وأشتون من إكتشاف متابعة ياسبرز الحرفية للفعل يتفلسف وكلمة تفلسف عند بولزانو كما وفاتهم العودة إلى بحثه المعنون ماهي الفلسفة ، ويقفوا على المعاني التي قدمها بولزانو للفعل يتفلسف ويكتشفوا بأنفسهم حقيقة متابعة ياسبرز لبرنارد بولزانو ، ويعترفوا بأن بولزانو كان مصدر ياسبرز (وربما المصدر الوحيد) لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة وعلى الأقل في مضمار الفعل يتفلسف وكلمة التفلسف التي شغلت أجزاء ملحوظة من المجلدات الثلاثة . وللإنصاف نقول إن ياسبرز سيعيد إنتاجها وبتفاصيل وصورة موسعة .
وفعلاً فإن القارئ لبحث بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ يلحظ بأنه صاغ مجموعة أفكار تطلع من خلالها إلى تحديد وظيفة الفلسفة ، ومن ثم تحول إلى شواطئ التفلسف ، وهو فعل ليس مقيد بمضمار محدد من المعرفة . وإنما هو حالة إستفسار وتساؤل عن الأسباب ، ووفقاً لبولزانو ، فإنك تكون في حالة تفلسف . وهذا ممكن أن يحدث في كل مجالات العلوم والتي تقع خارج الميدان الحقيقي للفلسفة . وعلى الرغم من إن ياسبرز يتقدم جميع الفلاسفة الذين تابعوا بولزانو . فإن هناك عدداً من الفلاسفة والمناطقة قد فعلوا مثلما فعل بولزانو ، ومن أمثال لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) ، مورتيز شيليك (1882 – 1939) ورودلف كرناب (1891 – 1970) .
كما نحسب إن بولزانو كان موضوع إهتمام مشترك لكل من جوتلوب فريجه وأدموند هوسرل . وإن هوسرل (وتارودسكي) هما اللذان إكتشفا كتابات بولزانو . وإن فريجه من طرفه ، قد قرأ بولزانو . ولعل الكتاب الذي وضعه ب . ج . ساندهولم والمعنون : متى ، ولماذا قرأ فريجه بولزانو ؟ هو شاهد أخر على عبور بولزانو وتفكيره الفلسفي في الرياضيات والمنطق إلى فريجه ، وهو واحد من جهابدة فلاسفة العلم والمنطق الرياضي في الربع الأول من القرن العشرين . وعلى أساس فهم بولزانو لمعنى كلمة يتفلسف (والتي ستشغل ياسبرز في ثلاثيته الفلسفية) ، فإنه لا يوجد مضمار محدد للمشكلات الفلسفية والموضوعات الفلسفية وهذا المعنى تلقفه ياسبرز مباشرة من بولزانو أو ربما عن طريق هوسرل (وهناك إحتمال إنه جاء من خلال مؤرخ الفلسفة بولسين الدي تفرد كتابه محاضرات في الفلسفة (والذي يحتمل أن يكون المصدر الوحيد) في ثلاثية ياسبرز .
ثانياً – كارل ياسبرز ومؤرخ الفلسفة برنارد بولزانو
سهلت لنا مهمة الإمساك بالمصدر الذي إتصل به كارل ياسبرز ، وهو يدرس الفعل يتفلسف وكلمة تفلسف واللذان تفردت بهما رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب بولزانو المعنون ماهي الفلسفة ؟ كما عرفنا خلال الأوراق السابقة بأن بحث ياسبرز في الميتافيزيقا والذي كان ذات طبيعة متفردة (بإستثناء بحث الأصفار) بأن إصوله تصعد إلى أبحاث بولزانو ، وبالتحديد في كتابي بولزانو ؛ نظرية العلم ، و نقائض اللانهاية . وهنا نتطلع إلى تقديم بولزانو مؤرخاً للفلسفة ، ويبدو إن دائرة تفكير ياسبرز قد تشربت الكثير من معارفه الفلسفية من خلال مؤلفات بولزانو ، وخصوصاً في رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي كان فيها ياسبرز ظنيناً علينا في الإباحة عنها ، وإن تخفى وراء عبارة عامة فيها تكمن الكثير من أسرار مصادر ياسبرز المسكوت عليها ، وهي العبارة القائلة : ” إن تطلعنا قاد إلى الوعي الفلسفي الهادف ، والذي حملنا إلى الإستماع فقط إلى عدد قليل جداً (منا : ؟ لماذا عدد قليل) من الفلاسفة الكبار اللذين تحدثوا إلينا من الماضي . ولكن معرفتنا بفلسفة الماضي ، هي ليست الفلسفة الحقيقية . بينما التفلسف يحتاج دائماً إلى مصادر الحاضر . كما إن تفلسف المعاصرين بين لنا كيف إنهم تابعوا الوجود لإعانة أنفسهم . إن الإشتراك في فرص الإنجاز المتساوية ، مكنتهم من إخبار الأخرين عما سمعوهم من مصادر متفردة . وعلى هذا الأساس قام فعل التفلسف في الحاضر بتحويل عظمة الماضي الفلسفية وعملها حاضر جديد ” . تشعر وأنت تقرأ نص ياسبرز عن ” تفلسف المعاصرين ” إنه يتكلم عن بولزانو ومثابرته الرائدة في كتابه المعنون ما هي الفلسفة ، والتي خط فيها مساراً جديداً ، هو مسار التفلسف ، والذي لم يكتف بذلك ، وإنما قدم تفسيرات لمعانيه ودلالاته خارج الحدود التقليدية لإصطلاح الفلسفة .
وفعلاً إن الشواهد كثيرة في كتابات بولنزانو ، والتي تدلل بعمق على إنه درس تاريخ الفلسفة ، وإمتلك معرفة تاريخية واسعة ، والتي ظهرت في العديد من أعماله . فمثلاً في الطبعة الثانية من كتابه إثنيسيا (أسباب خلود النفس) قد أضاف ملحقاً ، فيه الكثير من التفاصيل التاريخية الواسعة ، والذي جاء بعنوان ” بحث نقدي للتراث المتعلق بالخلود ومنذ عم 1827 ” . إضافة إلى إن مقالة بولزانو المعنونة ” مفهوم الجمال ” هي الأخرى إحتوت على تفاصيل لقائمة من التعريفات لمفهوم الجمال (أو الجمالي) ، والتي صاغها عدد متنوع من الفلاسفة . وفوق كل ذلك فإن كتابه الشهير نظرية العلم ، ضم مادة تاريخية ثرية بحيث ترشحه مصدراً أساسياً لمؤرخ علم المنطق .
ثالثاً – كارل ياسبرز وحلقة بولزانو
الحقيقة إن بولزانو لم يكن شخصاً مغموراً ، وإنما كان نار على علم ، فقد عرفه هوسرل ومن خلال محاضرات الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، كما إن بولزانو كان له حواريين وأصدقاء يتحلقون حوله في حلقة علمية مشهورة في عصره ، وربما تكلم هوسرل عنها لياسبرز أو ربما ذكرها له أستاده المشرف على إطروحته الثانية البروفسور ويندلباند . وهنا نقدم بعض المعلومات عن هده الحلقة .
لقد تكونت هذه الحلقة في وقت مبكر من حياة بولزانو ، والتي ضمت أصدقاء وطلاب ، والذين تحملوا مهمة نشر أفكاره وظلوا محافظين على علاقتهم به رغم قرار الطرد من الجامعة ، ومنعه من النشر ، وهو القرار الذي أصدرته الإمبراطورية النمساوية يومذاك . وفعلاً فقد ذكر الباحثون ثلاثة حواريين للفيلسوف بولزانو . منهم كل من مايكل جوزيف فيسل (1788 – 1864) و فرانز فرينسكي (1788 – 1859) . والأول فيسل كان التلميذ والصديق الحميم للفيلسوف بولزانو . وكان من المعجبين والمتحمسين لأراء أستاذه ، ومن المعلوم إن الأستاذ بولزانو كان قساً كاثوليكياً ، وبروفسور العقيدة الدينية في كلية الفلسفة في جامعة براغ هذا طرف . والطرف الثاني إن أفكار بولزانو اللاهوتية والسياسية التقدمية قد سببت للأستاذ بولزانو الكثير من المشكلات له مع رؤسائه ورجال الدين (كلريكس) . وعلى هذا الأساس قرروا طرده من الجامعة عام 1819 ونفيه إلى الريف ومنعه من النشر في المجلات العامة . ونحسب إن هذه الظروف وضعت التلميذ والصديق فيسل في دائرة الضوء . وفعلاً عندما أقدم على تأليف جماعة عُرفت بتحالف المسيحيين ، والتي كانت وراء إتهامه بالخيانة ، فحكم عليه بالسجن .
إن المهم في علاقة الأستاذ بولزانو والتلميذ فيسل ، مجموعة رسائل تبادلها الطرفان خلال الفترة الممتدة ما بين عام 1815 وعام 1827 . وهذه الفترة شهدت صعود الفيلسوف الأستاذ بولزانو إلى الطوابق العليا في لاهوت الكنيسة الكاثوليكية وجامعة براغ ، كما وسجلت حالات التقاطع مع الكنيسة والطرد من الجامعة والنفي هذا طرف ، ودخول التلميذ السجن بسبب تهمة الخيانة العظمى . صحيح إن بولزانو وتلميذه فيسل تبادلا الرسائل لفترة إمتدت لأكثر من إثنتي عشر سنة . إلا إن هذه الرسائل لم تتطرق للقضايا الفلسفية والرياضية التي أبدع فيها الأستاذ بولزانو . وإنما جاء فيها نقاش للموقف السياسي ، وأسئلة تتعلق بالإيمان والأزلية . وهي بشكل عام تكشف عن الظروف السياسية غير المستقرة في بوهيميا ، وبالتحديد خلال القرن الثامن عشر . كما وتصور هذه الرسائل عمق الصداقة بين الأستاذ والتلميذ في تلك الفترة ، وحجم تبادل الأفكار بين الطرفين . ونحسب إن قيمة هذه الرسائل عالية لكل من المؤرخين ورجال اللاهوت .
أما الحواري الثاني فهو (فرانز فرينسكي) والذي عمل مع الحواري السابق فيسل في مساعدة المعلم بولزانو على نشر مؤلفاته خلال فترة النفي والمنع الذي أصدرته السلطات النمسارية . كما وكتبا المقدمات للعديد من طبعات أعماله ، ووضعا مراجعات لكتبه ، وشاركا في العديد من المناقشات التي دارت حول كتبه ، وردا على بعض المراجعات العدائية . والحقيقة إن بولزانو كان من خلف الستار يقدم لهما بعض الأفكار المختصرة .
في حين كان الحواري الثالث البروفسور روبرت زيمرمان (1824 – 1894) ، وهو جيكي بالولادة وفيلسوف نمساوي ، وعندما مات أستاذه بولزانو في عام 1848 كان عمره أربعة وعشرين ربيعاً . وكان في الأصل أحد طلاب بولزانو في الفلسفة والرياضيات . والحقيقة إن بولزانو كان معلمه الخصوصي . وزيمرمان هو الطالب الوحيد الذي حصل على مكانة أكاديمية . وفعلاً فقد عين أولاً رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة براغ وبالتحديد في عام 1852 . وفي العام 1859 إستدعاه الوزير (النمساوي المسؤول عن التعليم العالي) ليشغل رئاسة قسم الفلسفة في جامعة فينا ، ومن ثم مارس العمل الفعلي في عام 1861 . وبالمناسبة كان الفيلسوف الكبير فرانز برنتانو زميلاً له في القسم خلال هذه الفترة .
ويبدو إن البروفسور التلميذ لم يجري أبحاثاً كافية في أوراق أستاذه بولزانو الفلسفية والرياضية وذلك لأن إهتماماته محددة بمجال فلسفي واحد ، وهو علم الجمال (ولكن هذا الأمر لم يعفيه من المسؤلية لأن بولزانو كتب في علم الجمال وفلسفة الفن) . على كل إن أهمية الحواري زيمرمان تكمن في إنه حافظ على معظم مخطوطات بولزانو والتي كان يملكها وحتى عام 1882 ، وحينها قام بتسليمها إلى الأكاديمية النمساوية للعلوم (أي حافظ عليها شخصياً مدة أربع وثلاثين سنة وبالتحديد بعد موت أستاذه بولزانو) .
وفعلاً إن إهتمام زيمرمان الرئيسي بعلم الجمال حمله شيئاً فشيئاً إلى التحول من مضمار فلسفة أستاذه بولزانو ، والتوجه نحو شواطئ فلسفة جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) . وجوهان هربرت هو فيلسوف وعالم نفس الماني ، ومؤسس البيداغوجيا (التربيةوالتعليم) مجالاً أكاديمياً . وهو من فلاسفة ما بعد الكانطية . والمشهور بمخالفته للفيلسوف الألماني هيجل في علم الجمال (وهذه المخالفة لا تندرج في تفسير فكرة التربية) . ومن أهم كتاباته في علم الجمال ، كتابه المعنون علم التربية والإلهام الجمالي للعالم ، والذي ترجم إلى الإنكليزية في العام 1892 . ويلاحظ إن بحثه الجمالي قد خالط الأخلاق والتربية ويبدو إن هذا الربط بين الجمالي والأخلاق والتربية ، هو السبب في تحول زيمرمان إلى معسكر هربرت وتخليه عن أستاذه بولزانو .
والحواري البروفسور زيمرمان عارف كل المعرفة ، وهو الحافظ على مخطوطات إستاذه بولزانو لمدة أربعة وثلاثين عاماً بأنه فيلسوف الجمال ، والذي نشر رسالتين في علم الجمال ؛ الأولى كانت بعنوان حول مفهوم الجميل ، والتي نشرت في حياته . والثانية التي كانت بعنوان حول تقسيم الفنون الجميلة ، والتي قدمها في الجمعية الملكية البوهيمية للعلوم في عام 1847 والتي نشرت بعد وفاته .
ونحسب إن هذا التحول من علم جمال بولزانو إلى علم جمال هربرت سبباً غير كاف لأقناع فضول الباحث الأكاديمي . ويبدو إن هناك أسباباً أعمق من ذلك ، وقد تكون الظروف السياسية التي لفت قضية الأكاديمي بولزانو الذي طردته السلطات النمساوية من الجامعة ونفته ومنعته من النشر ، أو قد يكون السبب هو إتهام حواريه الحميم فيسل بالخيانة العظمى ومن ثم الحكم عليه بالسجن … أو قد يكون كل ذلك ، فقرر زيمرمان التحول نحو جادة فلسفية أخرى ، وتبرئة نفسه من كل العلاقات بالأستاذ بولزانو وذلك بتسليم مخطوطاته إلى السلطات النمساوية ممثلة بالأكاديمية النمساوية للعلوم ، وفي هذا الخيار آمان وراحة بال .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(6)
مساهمة فرانز برنتانو في بيئة ياسبرز الثقافية والأكاديمية
الدكتور محمد جلوب الفرحان
لعب الفيلسوف وعالم النفس الألماني فرانز برنتانو (1838 – 1917) دوراً مؤثراً في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تطور فيها تفكير الفيلسوف وعالم النفس الوجودي كارل ياسبرز . كما ونزل إلى ياسبرز الكثير من أراء برنتانو أولاً النفسية ومن ثم ثانياً الفلسفية من خلال أساتذة ياسبرز المباشرين وغير المباشرين ، فقد كان أدموند هوسرل مثلاً واحداً من تلاميذ برنتانو إضافة إلى كازمير تاودرسكي وأليكس مينيك (وبالطبع ترك أثراً على سيجموند فرويد) . وهؤلاء لم يكتفوا بالتأثر به ، بل تابع بعض منهم خُطاه ، وعملوا تعديلات لها لتتوائم وتطلعاتهم الفلسفية والنفسية .
صحيح جداً إن كارل ياسبرز كتب ونشر أبحاثه الأولى ، وكان فيها برنتانو حياً يُرزق ، وأفكاره ومؤلفاته لها وقع كبير في الساحتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين . فمن المعروف إن برنتانو مات عام 1917 وكان ياسبرز قد نشر ثلاثة من أعماله الأكاديمية الرئيسية في علم النفس (الطب النفسي) ، الأول وكان بعنوان الهومسك والجريمة ، وهي إطروحته للدكتوراه الأولى والتي دافع عنها عام 1909 . والثاني كان مقالته الأكاديمية الشهيرة والمعنونة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ، والتي نشرها في مجلة الزايمر عام 1912 ، وهو خلاصة لتحليلاته النفسية في إطروحته للدكتوراه الثانية . ومن ثم ظهر كتابه علم النفس المرضي العام ، والذي ظهر في العام 1913 ، وهو إطروحته للدكتوراه الثانية وكانت بإشراف الفيلسوف وعالم النفس الكانطي الجديد ويندلباند (1848 – 1915) . وفي المقال والكتاب أظهر ياسبرز أثار هوسرل وطريقته في الفينومنولوجيا على تفكيره وتحليلاته ، وبالطبع من خلاله أثر الأب الروحي للفينومنولوجيا وأستاذ هوسرل ، الفيلسوف وعالم النفس فرانز برنتانو . كما ونحسب إن ياسبرز كتب أجزاء من كتابه الشهير سايكولوجيا النظر إلى العالم ، وكان الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو حياً . إلا إن هذا الكتاب نشر بعد وفاة برنتانو بأقل من سنتين ، فقد ظهر الكتاب إلى النور في عام 1919 .
والسؤال : من هو الفيلسوف فرانز برنتانو ؟ هو فرانز كليمنس هندورتس هرمان برنتانو ، ويرى الباحث ماريو بوكليسيا ، في مقاله المعنون ” فرانز برنتانو : شذرات من سيرته الذاتية ” إلى إن إسم مؤسس علم النفس والأب الروحي للفينومنولوجيا ، برنتانو يُخبرنا بأنه من إصول عائلة إيطالية مشهورة . وهي تقليدياً ترتبط بإسم الفارس برنتايوس ، والذي كان يسكن في العام 1166 في قلعته الواقعة على ضفاف نهر برنتا ، والتي هي جزء من مقاطعة (أو إمارة) تايرول الإيطالية .
ويبدو إن الإسم برنتا ظهر لأول مرة في العام 1465 ، ومن ثم تحول إلى برنتانو . وفي القرن السابع عشر وإعتماداً على سجلات الحروب ، فإن عائلة برنتانو التي يصعد إليها الفيلسوف الروحي للظاهراتية فرانز برنتانو ، كانت مسجلة في قيودها . ومن ثم غادرت العائلة أراضيها الإيطالية ، وإستقرت في محافظة الراين .
جاءت ولادة الطفل فرانز في مقاطعة مارينبيرك / الراين ، وبالتحديد في 16 كانون الثاني من العام 1838 . وترع في أحضان عائلة ذات ثقافة عالية ، فقد كان والده كاتباً ، وأمه إرنيلا جنجر كانت زاهدة متعففة ، وسيدة عالية الثقافة . كما وأحاطت الطفل فرانز دائرة من أسماء الأقارب اللامعة يومذاك من أمثال أعمامه كل من سافكني وكليمنس برنتانو ، وسوفيا ، ولورشي ، وبيتني فون أرتيما . فمثلاً كان عمه كليمنس وخالته بيتني من كبار الكتاب في مرحلة الرومانتيكية الألمانية . وكان عمر فرانز ثلاثة عشر ربيعاً عندما توفي والده .
ويُلاحظ إن فرانز أظهر منذ بواكير شبابه ميلاً غير إعتيادي نحو الدراسة ، كما وكرس أطرافاً من سنوات شبابه للحياة الدينية ، وهذا جاء نتيجة التربية الدينية التي زرعتها أمه بحُب في برنامجه التعليمي المبكر . وفي الثانوية إتصل بفلاسفة السكولاستيكية (الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى) . وبعد فترة ذهب ليعيش مع عمه سافكي في برلين وليحضر بعض الفصول الدراسية في الجامعة . وخلال حضوره الفصول الدراسية تعرف على البروفسور فردريك أدولف ترندلنبيرك (1802 – 1872) . وفرانز يحترم بتقدير عال
أستاذه الفيلسوف ترندلنبيرك ، فهو الذي عرفه على أرسطو ، وزرع فيه حب وإحترام الفيلسوف اليوناني . وسنلاحظ لاحقاً إن دروس ترندلنبيرك ستوجه برنتانو نحو شواطئ الفلسفة ، وبالتحديد نحو معاني الوجود عند أرسطو (إطروحة برنتانو الأولى للدكتوراه) وعلم النفس عند أرسطو (إطروحة الدكتوراه الثانية للدكتوراه) .
وفي خريف من عام 1856 سجل فرانز برنتانو في كلية الفلسفة في ميونخ ، وأصبح على معرفة بمؤرخ الكنيسة الكبير إكناتيوس دولنكر (1799 – 1890) الذي كان يُعد في ذلك
الوقت واحداً من كبار رجال اللاهوت الأرثذوكس في مرحلة الكاثوليكية الألمانية . ومن ميونخ ذهب برنتانو إلى جامعة توبنكن وهناك حصل على درجة الدكتوراه ، وبالتحديد في 17 تموز من عام 1862 ، وكانت بعنوان حول المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو . وفي العام ذاته نشرها وكانت أول كتاب له ، وأهداه إلى أستاذه ترندلنبيرك .
وتنوعت دروس فرانز برنتانو الأكاديمية وقراءاته التي غطت مساحة واسعة من الميادين المعرفية والتي ستمكنه من تدشين الكتابة في مجالات متنوعة ، فيها الكثير من الريادة والتجديد . فمثلاً درس في كل من جامعة ميونخ وفيرزبيرك وبرلين الرياضيات ، والشعر واللاهوت . كما وإطلع في نهايات المدرسة الثانوية على الفلسفة المدرسية . وأشرنا أعلاه إلى إنه في جامعة برلين درس آرسطو مع ترندلبيرك ، ومن ثم قرأ الفيلسوف الفرنسي أوجست كومت (1798 – 1857) إضافة إلى الفلاسفة التجريبيين الإنكليز ، وخصوصاً جون ستيوارت مل (1806 – 1873) ، والذين تركوا أثاراً كبيرة على كتاباته .
وكان من حصاد التربية الدينية التي زرعت بذورها المبكرة والدة برنتانو ، إن كرس حامل الدكتوراه فرانز في فلسفة أرسطو ، نفسه للعمل الديني الكاثوليكي . وفعلاً بعد إستكمال متطلبات الدكتوراه ، ومن ثم التخرج ، بسنتين أي في عام 1864 أدى فرانز برنتانو اليمين ، ورُسم قساً كاثوليكياً . ولم يؤثر هذا الحال على عمله الأكاديمي ، فقد إستمر في العمل في جامعة فيرزبيرك وأكمل في العام 1867 متطلبات إطروحته للدكتوراه الثانية (الدكتوراه المهنية) وكانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ورغم تحفظات (بل وإعتراضات) العمادة على درجته الدينية (قساً) للعمل الأكاديمي ، فإنه في النهاية (أي في عام 1873) أصبح بروفسوراً كاملاً .
وإذا تصالحت الجامعة مع الكنيسة ، ومن ثم تسامحت مع البروفسور برنتانو وسمحت له بالدراسة ومن ثم التدريس الأكاديمي المستقل عن الكنيسة ونشاطاتها الدينية ، فإن برنتانو بنفسه لم يشعر بالسلام وكان هناك أمراً فكرياً وعقيدياً عميقاً يشغل تفكيره ويُقلقه على الدوام ولم يتمكن من قبوله والتعايش معه . وفعلاً ففد عاش برنتانو خلال هذه الفترة صراعاً حاداً ، وأخذت دراجاته تتزايد ، وخصوصاً مع العقيدة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية والمتعلقة بعقيدة عصمة البابا من الخطأ ، والتي فرضها الفاتيكان في عام 1870 . وهكذا جاء قرار البروفسور برنتانو الشجاع بعد فترة قصيرة من ترقيته في جامعة فيرزبيرك إلى درجة الأستاذية ، والذي تمثل بإنسحابه من أن يكون قساً في الكنيسة الكاثوليكية ، وتنازله عن درجة الأستاذية في جامعة فيرزبيرك . ومع قراره الشجاع تطاير الزائل الدنيوي وبقي اللقب الخالد الذي لا تتقدم على حضرته مسميات أكاديمية يتخفى وراءها جيش من العرضحالجية وأنصاف المتعلمين وقُراء الخيرة وكتاب أدعية السلطة والسلطان ومحققي الأخطاء الإملائية في مخطوطات طوق الحمام … وإبن الروند … وهكذا إنطمرت وضاعت أسماء العرضحالجية وبقي اللقب الخالد يحمله الفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .
ونحسب من النافع أن نُخبر القارئ الكريم بأن برنتانو بدأ بعد إطروحته للدكتوراه الثانية
علم النفس عند آرسطو ، بنشر مؤلفات واسعة وكان هدفه يتطلع إلى إرساء أسس علم النفس . وهذه المؤلفات نشرت بعنوان علم النفس من زاوية تجريبية . وفعلاً فقد حمل المجلد هذا العنوان ، والذي ظهر إلى النور في عام 1874 . ومن ثم جاء المجلد الثاني بعنوان تصنيف الظاهرة العقلية ، والذي نشر عام 1911 ، وتلاه أجزاء من المجلد الثالث ، والذي طبع في عام 1928 وبعنوان الحس والوعي العقلي (ونُشر بعد موته) .
ولعب نشر الجزء الأول من هذه السلسة دوراً في تغيير حياة برنتانو الأكاديمية ، فقد إستلم وظيفة بروفسور في جامعة فينا . وفيها حقق نجاحات فائقة في التعليم الأكاديمي وذاعت شهرته في الأوساط الجامعية والثقافية . إلا إن برنتانو وخلال السنوات العشرة التي قضاها في جامعة فينا تعرض هو ومؤلفاته إلى إنتقادات شديدة . ولذلك توقف من نشر الكتب ، وتحول إلى طبع محاضراته الأكاديمية المتنوعة ، والتي ضمت بين دفتيها موضوعات درست علم الجمال والمعرفة والأخلاق ، فمثلاً في علم الجمال ظهر واحد منها بعنوان الشر موضوعا للصورة الشعرية . ومن ثم نشر كتابه الشهير ، الذي حمل عنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ . وهذا الكتاب عالج فيه برنتانو وجهات نظره حول الأخلاق . ويُعد كتاب إصول معرفة الصحيح والخطأ من كتبه الأولى التي ترجمت إلى الإنكليزية . وفعلاً فقد نشر في عام 1902 . وكان هذه الترجمة مناسبة جداً مهمة في تعريف فرانز برنتانو بالعالم الناطق بالإنكليزية وهو حي يُرزق .
ومن الأحداث المهمة في حياته على الصعيد الشخصي ، ومن الأحداث المؤلمة في الوقت ذاته وسببت له محنة أكاديمية وقانونية مع السلطات النمساوية ، حين قرر برنتانو في عام 1880 وعايدة فون ليبن على الزواج . فكان قراراً واجه تحديات قوانين الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية في ذلك الوقت . فقد كان من سياسات الأمبراطورية عدم السماح لشخص رُسم قسيساً من الزواج . وكان الحاصل من ذلك إن تخلى برنتانو عن جنسيته النمساوية ، ومن ثم تبع ذلك تخليه عن وظيفته الأكاديمية في جامعة فينا . فغادرها وعايدة إلى سكسوني وتزوجا هناك .
وبعد بضعة أشهر عاد إلى فينا ، غير إن السلطات النمساوية لم تسمح له بالعودة إلى موقعه الأكاديمي (بروفسوراً براتب ثابت) ، ولكنه عاد محاضراً (وهي حسب التقاليد الأكاديمية يومذاك يقوم بالتعليم ولكنه يستلم إجوراً على محاضراته) وليس له حق في الإشراف على أطاريح طلبة الدكتوراه . وبعد سنوات من الكفاح لإسترداد وظيفته الأكاديمية ، فإن جهوده لم تثمر وباءت بفشل مطلق . ومن ثم تزامن كل ذلك بفاجعة موت زوجته (وبالتحديد عام 1895) . فقرر برنتانو هجر النمسا وقلبه مملوء بالحسرة والخيبة .
ولعل من ثمار هذه الخيبة من السلطات النمساوية ، إن بدأ ينشر سلسلة مقالات ، ثلاثة منها نشرتها الصحف في فينا ، وبعنوان تمنياتي الأخيرة للنمسا ، والتي ظهرت فيما بعد في كتاب هو أشبه بدفاع عن الذات . وفي هذا الكتاب أوجز برنتانو موقفه الفلسفي ، إضافة إلى مشروعه في علم النفس . كما فيه نقد شديد للموقف القانوني النمساوي من القسان السابقين . وفي عام 1896 إستقر في فلورنسا ، وهناك تزوج مرة ثانية من إيملي ربرشت (وبالتحديد في عام 1897) .
وبالمناسبة إن برنتانو خلال سنواته في فلورنسا عاد إلى نشاطه الإعتيادي في التأليف والنشر . وفعلاً إنه في عام 1907 طبع مجموعة نصوص قصيرة في علم النفس (إضافة إلى المجلد الثاني من علم النفس من زاوية تجريبية) . كما إنه نشر كتابين عن الفيلسوف اليوناني أرسطو ؛ الأول كان بعنوان أرسطو ونظرته إلى العالم . والثاني تفسير لفلسفة أرسطو . وهنا تجددت المناقشات مع البروفسور ومؤرخ الفلسفة أدور زيلر (1814 – 1908) . والحقيقة إن هذه المناقشات الجدلية تصعد إلى فترة مبكرة ، وبالتحديد إلى الستينات من القرن التاسع عشر ، ويومها كان زيلر بروفسوراً للاهوت ومن ثم للفلسفة في جامعة توبنكن ، وإن برنتانو كتب إطروحته للدكتوراه الأولى والمعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو في جامعة توبنكن هذا طرف من الإتصال بين الإثنين . والطرف الثاني إن برنتانو إنتقد زيلر على تفسيره لأرسطو ، وظهر هذا النقد في إطروحة برنتانو الثانية للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ومن ثم تحول الجدل بينهما إلى معركة فكرية حامية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينات من القرن التاسع عشر .
وعندما دخلت إيطاليا الحرب ضد ألمانيا والنمسا خلال الحرب العالمية الأولى ، شعر برنتانو بأنه مواطن لهذه الأقطار الثلاثة ، فإنتقل من فلورنسا إلى سويسرا المحايدة وإستقر فيها ، ومات في زيورخ ، وبالتحديد في 17 أذار من عام 1917 .
الإطروحات الأكاديمية ومؤلفات فرانز برنتانو
صحيح جداً عندما يُذكر إسم الفيلسوف فرانز برنتانو ، يتبادر إلى أذهان الباحثين الأكاديميين كتاباته الرائدة في مضمار فلسفة علم النفس ، وخصوصاً في إدخاله لمفهوم القصدية (ومن خلاله سينتقل إلى تلميذه أدموند هوسرل …) وإلى الفلسفة المعاصرة . كما وتستذكره دوائر التفكير الفلسفي بمساهماته المهمة المتنوعة في ميادين مثل الأخلاق ، الإنطولوجيا ، المنطق ، تاريخ الفلسفة ، وكذلك في اللاهوت الفلسفي . ومن النافع أن نذكر هنا ، حقيقة مهمة لفت تفكير برنتانو بمجمله ، وهي إنه تأثر بقوة بأرسطو والسكولائية (والشاهد على ذلك إطروحتيه للدكتوراه الأولى والثانية) . وهو يعترف بأنه تأثر بالحركة الوضعية والتجريبية في بواكير القرن التاسع عشر .
ولاحظ الأكاديميون الغربيون إن مكانة برنتانو في تاريخ الفلسفة الغربية (وبالطبع علم النفس) ، تكمن في إنه دشن إستخدام مناهج وطرق بحث متنوعة . فمثلاً إنه إعتمد على منهج الإستبطان في وصف الوعي (الشعور) ومن وجهة نظر الشخص الأول من ناحية . ومن ناحية أخرى تطلع إلى إستخدام إسلوب بحث فعال للفلسفة ، ولذلك دعا إلى أن تسخدم الفلسفة طرائق بحث دقيقة مثل الطرق التي تستخدمها العلوم . كما يُنظر إلى برنتانو إلى إنه الأب الروحي (الرائد) للحركتين الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية .
ويشهدُ تلاميذه الذين كونوا ما يُعرف في تاريخ الفلسفة الغربية بمدرسة برنتانو ، على إنه كان معلماً جذاباً (كرازما) يمتلك مهارات عالية في التدريس والحوار . وفعلاً فقد ترك أثاراً قوية على أعمال كل من أدموند هوسرل ، أليكس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، كازمير تاوردسكي ، كارل ستامبف وإنطون مارتي وأخرون ، والذين لعبوا دوراً فعالاً في تطور الفكر الفلسفي في قلب القارة الأوربية في بواكير القرن العشرين .
أولاً – حول المعاني المتعددة للوجود عند آرسطو (1862) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1975 ، وهي إطروحة الدكتوراه الأولى . وقد قرأها فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر في مراحل أكاديمية مختلفة ، وإستفاد منها في تأليف كتابه الإنجيلي الوجود والزمن .
ثانياً – علم النفس عند آرسطو (1867) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1978 . ومن المفيد الإشارة إلى إن الكانطي الجديد ويندلباند قد ألف في علم النفس ، ومن ثم أشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام .
ثالثاً – علم النفس من وجهة نظر تجريبية (1874) . والذي ترجمته لندا ماكلستر إلى الإنكليزية . وأصبح معلوم للقارئ إن إطروحتي ياسبرز الأولى الهومسك والجريمة والثانية علم النفس المرضي العام ، يدوران في هذا المضمار . إضافة إلى إن كتابه الثالث (أي ياسبرز) كان بعنوان سايكولوجيا النظر إلى العالم ، هو الأخر يندرج في هذا المضمار . ولا تنسى بأن برنتانو هو الأب الروحي للفينومنولوجيا . وإن أستاذ ياسبرز في مضمار الفينومنولوجيا ، هو أدموند هوسرل الذي كان تلميذاً للفيلسوف فرانز برنتانو . وإن أدموند هوسرل قد حاضر في علم نفس الفينومنولوجيا ، وأصدرها بكتاب يحمل عنوان ” محاضرات في علم نفس الفينومنولوجيا ” . وإن ياسبرز كتب تحليلاته في إطروحته الثانية ونشرها في مجلة الزايمر بعنوان ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” .
رابعاً – إفلوطين (أو ضد إفلوطين) (1876) . وينظر الأكاديميون الغربيون إلى هذه المقالة الرسالة التي كتبها برنتانو ، إلى إن فيها هجوم على إفلوطين ورد فكره إلى إصول شرقية ، وخصوصاً الأبونشياد الهندية . ونحسب على خلاف الأكاديميين الغربيين إن في آراء برنتانو الكثير من الصحة والحقيقة ، إذا ما تذكرنا بأن إفلوطين كان طامحاً جداَ بزيارة بابل وإيران والهند وذلك للإطلاع على الفكر الفلسفي الشرقي (البابلي الكلداني ، والإيراني الزرادشتي ، والهندي المتمثل بفلسفة الهنود العراة ..) . وفعلاً فقد إلتحق إفلوطين في مصر بحملة عسكرية يونانية متجهة نحو بلاد فارس ، ولكن الحملة العسكرية فشلت فشلاً ذريعاً ، ففر بجلده .
خامساً – إصول المعرفة بالصحيح والخطأ (1889) أو كما ترجمه إلى الإنكليزية سيسل هوكو وبعنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ ، والتي صدرت في العام 1902 .
سادساً – أرسطو ونظرته إلى العالم (1911) وترجمه إلى الإنكليزية كل من أر . جورج & أر . أم . كيسولم (1978) .
سابعاً – تصنيف الظاهرة العقلية (1911) .
ثامناً – الصدق والدليل ، وترجمه إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم وأيس بوليتزر وكورت فيشر عام 1966 . وضم الجزء الأول من الكتاب في نشرته الإنكليزية ، محاضرة في غاية الأهمية ، قدمها فرانز برنتانو إلى الجمعية الفلسفية في فينا (في 27 آذار 1889) وكانت بعنوان مفهوم الصدق . وإحتوى الكتاب على مراسلات بين الأستاذ برنتانو والتلميذ أدموند هوسرل والذي عبرت من خلاله الفينومنولوجيا إلى تلميذه كارل ياسبرز . كما وفي الكتاب نقد وجهه برنتانو إلى الكانطي الجديد ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية ، والتي نشر عنها الأخير مقالة حملت خلاصة تحليلاته النفسية في مجلة الزايمر ، والتي كانت بعنوان مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية .
تاسعاً – البحث الفلسفي في المكان ، الزمان والظاهرة ، وترجمه إلى الإنكليزية بري سميث عام 1988 .
عاشراً – علم النفس الوصفي ، وترجمه إلى الإنكليزية بنيتو ميلر عام 1995 .
أحد عشر – أسس وبنية الأخلاق ، وترجمته إليزابيث سكينوند عام 1973 .
إثنا عشر – الأوجه الأربعة للفلسفة ووضعها الحالي ، وقام بتحقيقه والإشراف على نشره كل من ب . ميزي وبري سميث ، ونشر في العام 1998 .
ثلاثة عشر – حول وجود الله ، وقامت بترجمته إلى الإنكليزية سوزان كرانتز ، ونشر عام 1987 .
أربعة عشر – الحس والوعي العقلي ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية أم . شتل وأل . ماكلستر ، وتم نشره في العام 1981 .
خمسة عشر – نظرية المقولات ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم ونوربرت كوترمان ، ونشر عام 1981 . ونحسب إن هذا الكتاب الذي كتبه فرانز برنتانو قد لفت أنظار مارتن هيدجر ، وربما حفزه على إختيار عنوان إطروحته الثانية في مضمار نظرية المقولات إلا إنه إختار المنطقي في العصور الوسطى دنس سكوتس ، فكانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس وقد بينا حينها الإشكال في إطروحة هيدجر ونبهنا إليه. وكان المشرف على هيدجر الفيلسوف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، وهو زميل هوسرل ، ومن ثم زميل كارل ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، كما كان هنريخ وكارل ياسبرز يحضران سوية في مساء الأحد حلقة عائلة عالم الإجتماع ماكس فايبر ، وهنريخ هو الذي قاد الكانطيين الجدد ، في حملته على إزاحة كارل ياسبرز من رئاسة كلية الفلسفة ، ولكنهم فشلوا بعد نشر ياسبرز لثلاثيته في الفلسفة وهي قصة رددناها في أكثر من مقام .
ومن ثم جاءت طبعات جديدة عديدة لكتابه : علم النفس من زاوية تجريبية ، خذ مثلاً الطبعة الألمانية وللفترة ما بين 1924 و1928 والتي ظهرت في ثلاث مجلدات وبإشراف أوسكار كراوس ، ومن ثم جاءت النشرة الألمانية لعام 2008 ، والتي كانت بإشراف مارو أنتونيل هيوستام .
ولاحظنا بأن إثنين من طلاب الفيلسوف الأستاذ برنتانو من تحمل مسؤلية نشر مؤلفات الأستاذ بعد موته . وفعلاً فإن برنتانو ترك بعد موته عدداً كبيراً من المخطوطات غير المنشورة ، والتي تغطي مساحة واسعة من موضوعات الفلسفة . ومن ثم قام كل من الفريد كاسيتل (1874 – 1950) وأوسكار كراوس (1872 – 1942 وهو فيلسوف جيكي وقابل برنتانو عام 1893) . وهما من تلاميذ إنطون مارتي في جامعة براغ . والحقيقة إنهما (أي كاستيل وكراوس) إستهلا عملهما بنشر محاضرات برنتانو ، ومن ثم نشرا ملاحظاته والرسائل الذي تبادلها مع طلابه وفلاسفة أخرون (منا : وبالمناسبة إن هناك رسائل تبادلها مع تلميذه هوسرل) .
وكان هدف كاستيل وكراوس العمل على تقديم مخطوطات برنتانو في أحسن صورة لها . ولهذا قاما بترتيب نصوصه ، وضم بعضها إلى بعض وذلك إعتقاداً من إنهما يُشكلان أطرافاً من موضوع واحد . وكانا يتطلعان إلى تقديم نشرة كاملة لأعماله . ولكن مثل هذا العمل لا زال تحت النشر ، ولم يكتمل لحد الآن .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(7)
مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي
الدكتور محمد جلوب الفرحان
بداية البحث في مدرسة برنتانو الفلسفية ، إشارة إلى إن برنتانو كان فيلسوفاً أستاذاً ، وقد تحلق حوله مجموعة متميزة من الطلاب ، والذين كونوا معه مدرسة فلسفية ، عُرفت فيما بعد بإسم مدرسة برنتانو الفلسفية هذا طرف . أما الطرف الثاني فإنه كان حسب وصف طلابه على الإجماع ” كان معلماً كرازمياً غير إعتيادي ” فخلال حياته الأكاديمية قد ترك أثاراً عميقة على تفكير عدد من طلابه ، الذين أصبحوا فيما بعد فلاسفة وعلماء نفس وهم بدورهم أنشأوا مدارسهم الخاصة وتحلق حولهم عدد من الطلاب الحواريون . ولعل من النافع أن نقدم جرداً بأسماء اللامعين من طلاب برنتانو وأعضاء مدرسته . فقد كان من بينهم كل من أدموند هوسرل ، أليكسس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، إنطون مارتي ، كارل ساتمبف ، كازمير توردسكي ، وحتى سيجموند فرويد .
ونحسب إن الحديث عن حكاية مدرسة برنتانو لا تنتهي عند هذه الحدود ، بل تتعدى ذلك حيث الجامعات والعمل الأكاديمي . ففعل تُخبرنا الحكاية بأن عدداً من طلابه تحولوا إلى أساتذم متميزون في العدديد من الأكاديميات المنتشرة عبر الحدود الجغرافية للإمبراطورية النمساوية الهنغارية . فمثلاً مارتي وإهرنفيلز كانا أستاذين في جامعة براغ ، وميننك كان أستاذاً في جامعة كراز (منا : وهي ثاني أكبر مدينة نمساوية (بالطبع أكبر مدينة هي فينا) ، وتُعرف بجامعة كارل فرنسين كذلك) ، وتوردسكي في جامعة لفيف (منا : لفيف هي العاصمة التاريخية لمنطقة غاليسيا / جيكسلوفكيا) .
ولهذا الحضور الأكاديمي الواسع لطلاب برنتانو ، إن تحولت البرنتانونزم (نسبة إلى برنتانو) إلى موجة فلسفية – نفسية (ومنهجية فينومنولوجية) عارمة عمت كل زوايا الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية . وتعززت هذه الموجة في جيكسلوفاكيا ، وذلك عندما أصبح واحد من طلاب برنتانو ، وهو توماس ماسريك ، المؤسس وأول رئيس لجمهورية جيكسلوفاكيا (وبالتحديد للفترة من 1918 وحتى 1934) . وفعلاً فقد عمل توماس على إنشاء خلايا علمية وحلقات بحث لدراسة فلسفة برنتانو . إن كل هذه العوامل ، تقدم للدارس فهماً شاملاً للتطور الذي مرت به فلسفة برنتانو ، وخصوصاً في قلب القارة الأوربية ، والذي أصبح يُطلق عليه إصطلاح الفلسفة الكلاسيكية النمساوية .
لقد كان المعلم الفيلسوف برنتانو فعلاً يؤكد بإلحاح على تعليم طلابه طريقة التفكير النقدي وتمكينهم من تداول إسلوب علمي ، يرفض الإنحياز والتعصب الأعمى . وبالمقابل إحترام وجهات نظر جميع المدارس والتقاليد الفلسفية . فكان الحاصل من طريقة تعليم التفكير النقدي ، إن بدأ طلاب برنتانو بمراجعة تفكير إستاذهم ، وتوجيه نقد لعقائده الفلسفية ، ومن ثم قاموا بتحويرها لتتوائم وتوجهاتهم الفلسفية . إلا إن المفارقة التاريخية كشفت عن ضيق أفق صاحب التفكير النقدي ، فكان رد فعله سلبياً (فيه الكثير من السخط والإنفعال) ، ولم يقبل هذا النقد ، ورد عليهم بمرارة ، حتى وصلت إلى رفضه اللقاء بهم ومناقشة إنتقاداتهم . والنتيجة إن أخذ الفيلسوف فرانز برنتانو بالإنسحاب إلى دائرة الظل ، في حين تسارعت خُطى طلابه إلى الصفوف الأمامية ، وهم يسعون إلى تطوير نمط جديد من الفلسفة البرنتانوية .
صحيح إن مدرسة برنتانو ليست بمدرسة كلاسيكية (تقليدية) بالمعنى الحرفي . غير إن برنتانو سعى بكل جهوده للمحافظة على شكل من أشكال الإنسجام في المدرسة . إلا إن هذا الإنسجام كان أمنية المعلم برنتانو . وفعلاً فإن إثنين من حواريه المشاهير ، وهما أليكسس ميننك وأدموند هوسرل ، قد ذهبا في تفسير نظريات المعلم بإتجاه راديكالي ، فيه الكثير من التطرف ، والخروج على المسار الذي حدده المعلم برنتانو لها . وهنا نقدم خارطة تتوزع في داخلها كل مكونات مدرسة برنتانو وممثليها (وهم بالطبع طلابه وحوارييه) وبالصورة الآتية :
أولاً – كارل ستامبف (1848 – 1939) وأصبح رئيس مدرسة برلين لعلم النفس التجريبي .
ثانياً – أدموند هوسرل
ثالثاً – أليكسس ميننك / رئيس مدرسة كراز
رابعاً – كريستين فون أهرينفلز
خامساً – كازميرز تافردسكي (1866 – 1939) وهو الأب الروحي والمؤسس لمدرسة وارشو المنطقية
سادساً – إنطون مارتي (1847 – 1914) والذي يرتبط بمدرسة براغ
سابعاً – سيجموند فرويد (1856 – 1939) مؤسس مدرسة التحليل النفسي
ثامناً – ومن طلاب برنتانو ، كل من ألويس هوفلر (1853 – 1922) ، وبينو كيري (1858 – 1889) ، وتوماس ماسريك (1850 – 1937) وهو أول رئيس لجيكسلوفلكيا ، ورودلف شتاينر (1861 – 1925) .
فيلسوف الفينومنولوجيا كارل ستامبف
يصفُ الفيلسوف البراجماتي الأمريكي وعالم النفس وليم جيمس (1842 – 1910) صديقه فيلسوف الفينومنولوجيا وعالم النفس التجريبي الألماني كارل ستامبف ، في كتابه (أي كتاب جيمس) المعنون مبادئ علم النفس ، بالعبارات القائلة ” كان ستامبف الأكثر عُمقاً فلسفياً من بين جميع الكتاب ، وأنا مدين له بالكثير ” . كما إن أهمية الفيلسوف كارل ستامبف تكمن في إنه إرتبط تاريخياً بحركة الفينومنولوجيا ، وبالتحديد منذ بواكير القرن العشرين ، وذلك من خلال كونه الأستاذ المشرف على إطروحة الدكتوراه الثانية لتلميذه وصديقه إدموند هوسرل عام 1887 . ومن المعروف لدينا إن بحث هوسرل الإنجيلي ، كان كتابه المعنون أبحاث منطقية ، والذي أهداه إلى أستاذه المشرف ستامبف ، وذلك إعترافاً منه بصداقته وبمساهمة الأستاذ ستامبف في هذا الكتاب .
ويُعد كارل ستامبف واحداً من حواريي الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، غير إنه لم يقف عند حضرة فلسفة المعلم برنتانو ، وإنما قام بإنجاز مشروع فلسفي تجاوز مناطق فلسفة المعلم ، وتطلع إلى تكوين نظامه الفلسفي الخاص ، وذلك من خلال عملية مزج لفلسفة المعلم برنتانو بفلسفة ومنطق هرمان لوتزه . وهو فوق هذا وذاك مؤسس مدرسة برلين للفينومنولوجيا وعلم النفس التجريبي ، والتي كانت الحضن الدافئ الذي تولد فيه علم نفس الجشطالت . وإنه بنظر جميع الأكاديميين ، هو الرائد في مضماري علم الموسيقى المعاصرة وعلم موسيقى الشعوب . وفعلاً فقد درس ستامبف إصول المعرفة الإنسانية ، وترك سجلات فريدة في هذا المضمار . ولعل الشاهد على ذلك كتابه المعنون إصول الموسيقى ، الذي صدر في عام 1911 .
صحيح إن أدموند هوسرل هو واحد من تلاميذ برنتانو ، كما إن الأخير ومن خلال محاضراته في جامعة فينا هو الذي عرف هوسرل على تراث الفيلسوف بولزانو . ولكن من الصحيح جداً إن برنتانو هو الأب الروحي للفينومنولوجيا ، وإن هوسرل هو الذي أعاد تأسيس الفينومنولوجيا . وفعلاً فإن هوسرل أسس مدرسته في الفينومنولوجيا أو الأدق حركة الفينومنولوجيا ، والتي تمثلت في تيارين كبيرين :
الأول – فينومنولوجيا ميونخ : وهو تجمع فلسفي متنوع ضم فلاسفة وعلماء نفس وفينومنولوجيين ، وجميعهم درسوا وعملوا في جامعة ميونخ ، وبالتحديد في بداية القرن العشرين . فمن الملاحظ إنه ما إن نشر أدموند هوسرل رائعته المعنونة أبحاث منطقية حتى وبدأت معها موجة فلسفية منهجية (وتضمنت أبستمولوجيا ومباحث في الجمال) وعرفت هذه الموجة بالحركة الفينومنولوجية ، كما وتندرج وجهات نظر أصحاب هذه الحركة تحت عنوان جوهر الفينومنولوجيا . وقد رفعت هذه الحركة شعار العودة إلى الحدس الذي درسه هوسرل في أبحاثه المنطقية . وضمت كل من جوهانز ديوبرت (1877 – 1947) ، أدولف رينيخ (1883 – 1917) ، إليكسندر بافندر (1870 – 1941) ومورتيز كيجر (1880 – 1937) .
الثاني – فينومنولوجيا الوجودية : وهو تيار فلسفي بدأ بالفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، وبالتحديد مع نشرة رائعته الناقصة الوجود والزمن ، والتي ظهرت إلى النور في العام 1927 . وهيدجر تأثر بكتابة هذا العمل بكل من فرانز برنتانو وفينومنولوجياته الرائدة وخصوصاً إطروحته للدكتوراه الأولى المعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو ، وكتابات الرائد الوجودي سورين كيركيجارد وفينومنولوجيا أدموند هوسرل .
ومن النافع الإشارة إلى إن هناك إختلاف بين الأستاذ هوسرل وتلميذه هيدجر ، فهيدجر قدم الإنطولوجيا على الأبستمولوجيا ، وإعتقد إنه يجب على الفينومنولوجيا أن تنهض على الملاحظة وتحليل الوجود (أي الوجود – هناك) ، الوجود الإنساني والبحث في الإنطولوجيا الأساسية . وإضافة إلى هيدجر فقد ضمت قائمة الفلاسفة فينومنولوجيا الوجودية كل من الفيلسوفة حانا أرنديت (1906 – 1975) (وهي تلميذة كل من هوسرل ، وفيلسوفا الوجودية ؛ هيدجر وكارل ياسبرز) ، وعمانوئيل ليفينس (1906 – 1995) والذي درس تحت إشراف هوسرل ولكنه تحمس لهيدجر وخصوصاً وجوديته في الوجود الزمن ،
وجبريل مارسيل (1889 – 1973) وجان بول سارتر (1905 – 1980) وموريس ميرلو بونتي (1908 – 1961) .
ثم نشأت حركة فلسفية في أمريكا تابعت خُطى الفينومنولوجيا الوجودية ، ولكنها نزعت منزعاً مسيحياً (والأدق كتب لاهوتاً فينومنولوجياً وجودياً مسيحياً) . ومثلها رجل اللاهوت كريك بالو (1968 – معاصر) ، وهو أمريكي من إصول إيطالية ، وقد قام بصياغة عنوان لهده الحركة الفينومنولوجية ، وهو الفينومنولوجيا الأوغسطينية . ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن هذا الموضوع له جذور في كتاب هيدجر الوجود والزمن ، وفي إطروحة حانا أرنديت للدكتوراه والمعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين والتي أشرف عليها الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز .
وبالمناسبة إن الحديث عن الفينومنولوجيا الوجودية ، يتططلب منا أن نذكر بأن الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز كان أسبق من مارتن هيدجر في تطبيق الفينومنولوجيا الهوسرلية (نسبة إلى هوسرل) . فقد نشر خلاصة تحليلاته الفينومنولوجية على الأمراض النفسية (وهي خلاصة إطروحته للدكتوراه الثانية) في مجلة الزايمر وبعنوان مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية في العام 1912 ، أي قبل أن ينشر هيدجر رائعته الوجود والزمن بما يقارب العقد والنصف من السنين .
أما أليكسس ميننك (1853 – 1920) فله أهمية في البيئتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين اللتان نشأ فيهما كارل ياسبرز . فإضافة إلى كون ميننك أحد طلاب فرانز برنتانو الأب الروحي للفينومنولوجيا وأحد أعضاء مدرسته الفلسفية ، فهو مهم من الزاوية الأكاديمية الأكاديمية ، وذلك لكونه كتب إطروحتين للدكتوراه ؛ الأولى كان فيها فرانز برنتانو ممتحناً . والثانية كان فيها مشرفاً . كما إن أليكسس فيلسوف نمساوي ، إشتهر بواقعيته خصوصاً في مضمار إنطولوجياته . وكان للفترة ما بين 1875 و1878 رئيس مدرسة كراز / فينا . كما له مساهمات في فلسفة العقل ونظرية القيم .
لقد جاء ميننك إلى فينا طالباً على نفقته الخاصة وعمره لم يتجاوز العشرة سنوات ، ومن ثم بدأ دراسته في الجيمنزيم (الثانوية) في فينا . وخلال الفترة ما بين 1868 – 1870 تحول إلى طالباً رسمياً وذلك بعد حصوله على درجات عالية . وفي جامعة فينا حضر فصلين دراسين في الفلسفة مع فرانز برنتانو كما ودرس في فصول عدة الإقتصاد مع كارل منيجر . وفي العام 1874 حصل ميننك على دكتوراه فلسفة في التاريخ وفي علم فقه (الفيللوجيا) اللغة الألمانية (وهو إختاص مزدوج) . والحقيقة هي إطروحة الدكتوراه الأولى والتي كانت بعنوان تاريخ أورلوند البريشي (نسبة إلى بريشا) (1090 – 1155) وكان فرانز برنتانو واحداً من الممتحنين .
وفي العام 1875 حضر ميننك أربعة فصول دراسية في مواد فلسفية متنوعة مع البروفسور برنتانو ، ومن ثم في عام 1878 كتب أليكسس ميننك إطروحته الثانية للدكتوراه في جامعة فينا ، والتي كانت تحت إشراف البروفسور برنتانو ، وكانت بعنوان دراسات هيوم ( الفيلسوف التجريبي البريطاني) . وبعدها أصبح محاضراً في فينا ، ومن ثم حصل على درجة بروفسور في جامعة كراز .
ومن ثم أصبح رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة كراز ، كما وأسس في العام 1894 المعهد النفسي في كراز . وأنشأ مدرسة كراز لعلم النفس التجريبي . وكان أليكسس المشرف على إطروحة كريستين فون إهرنفيلز للدكتوراه . وبالمناسبة إن إهرنفيلز هو المؤسس لعلم نفس الجشتالت . وكذلك أشرف أليكسس على مجموعة من أطاريح الدكتوراه للتأهيل للتدريس الجامعي (وتعرف بإطروحة الدكتوراه الثانية) . منها إطروحة الدكتوراه الثانية التي كتبها الويس هوفلر وإنطوان أولزلت . وترك أليكسس تأثيراً تتحدث عنه كتابات الأكاديميين الغربيين على كل من ستيفن وتسيك (1870 – 1915) والويس هوفلر (1853 – 1922) وفيتوريو بينسي (1878 – 1927) وبرتراند رسل (1878 – 1972) .
تأمل في مؤلفات أليكسس ميننك
توفي الفيلسوف ميننك في العام 1920 وهو العام الذي إستلم فيه الفيلسوف الوجودي (وممكن الحديث عن كارل ياسبرز فيلسوفاً من مدرسة الفينومنولوجيا لفرانز برنتانو وأدموند هوسرل) رئاسة كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ؛ ما هي أهمية كل ذلك على تفكير ياسبرز الفلسفي والسايكولوجي عامة ، وعلى كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة خاصة ؟ الحقيقة في طرف من الإجابة عن هذا السؤال ، الحديث عن مؤلفات أليكسس ، ونحسب إن هذا الحديث له طعم خاص ، وذلك من جهة إن كارل ياسبرز سيُشارك الفيلسوف ميننك بالإهتمام بموضوعات نفسية أولاً ، ومن ثم فلسفية ثانياً ، وهي الموضوعات ذاتها التي تداولتها مؤلفات أليكسس ميننك . والبداية مقدمة نتحدث فيها عن علمانية ميننك ، والتي نظن إن لها صدى سيتردد في تفكير ياسبرز عامة ، وتشعر به وأنت تقرأ صفحات ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .
لقد نشأ أليكسس ميننك في أحضان عائلة كاثوليكية (شأنه شأن مارتن هيدجر ، وحاله حال كارل ياسبرز والفارق إن ياسبرز كان بروتستانتياً وهذا له أهمية في مضمار عملية التدوين النقدي للدين أي نقد الكاثوليكية …) ، ولكن ميننك بدأ في وقت مبكر ، وهو على مقاعد الدراسة الجامعية ، يُراجع العقيدة الكاثوليكية (وهذا الأمر سيتجدد فيما بعد لهيدجر وعقيدته الكاثوليكية) ، ويُثير الكثير من الأسئلة حول تكوينها العقيدي . وفعلاً بدأت يتخذ بعض المواقف النقدية منها . ومن ثم إختار شيئاً فشيئاً الإبتعاد عن الكنيسة الكاثوليكية . ولعل الشاهد على إطروحته الأولى للدكتوراه . فقد إختار موضوعاً لها ، شخصية وتفكير وأعمال الناقد والمتمرد (بل الثائر) الشهيد أرنولد البريشي (نسبة إلى مدينة بريشا) . هذا طرف من علمانية ميننك ، والذي سيحمله إلى ترك مضمار التاريخ والتحول إلى رحاب الفلسفة الواسع والتفكير النقدي …
أما الطرف الأخر من علمانية ميننك ، فيتمثل في مناصرته للدعوة القائلة ؛ بالفصل بين الديني والعلماني وفكرة المساواة السياسية في جميع المجالات . كما وتمثلت علمانيته في النقد الذي وجهه للتربية والتعليم الدينيين في النمسا (التعليم الثانوي) . وبين بصورة واضحة إن هذا النمط من التربية والتعليم غير ملائمين (أصبحا من الذمة التاريخية) . وأكد في نقده بأن في هذا الشكل من التربية والتعليم ، حجر على حريات الرأي . وإقترح بأنه من اللازم على المؤرخين (وليس رجال الدين) أن يتولوا عملية تعليم تاريخ تطور الأديان ، وبطرق متنوعة بحيث تلبي الحاجات الدينية للطلاب . بعد هذا الحديث عن علمانية الفيلسوف ميننك ، نتحول إلى مضمار مؤلفاته :
1 – كتب الفيلسوف أليكسس ميننك مقالاته المبكرة ، بعد إطروحته الأولى للدكتوراه في مضمار الفلسفة وليس في مضمار التاريخ (إختصاصه الأول وإن ظل مرتبطاً بصورة عضوية في إختصاصه الثاني ، وهو الفيللوجيا وذلك من خلال البحث الفلسفي الذي إختاره مسارأ مهنياً ومنهج حياة وتفكير ..) . وفعلاً فقد كتب مقالتين بعنوان دراسات هيوم (الفيلسوف التجربية البريطاني) . وكان الجزء الأول منها ، هي إطروحته للدكتوراه الثانية (1877) . أما الجزء الثاني فقد ظهر بعد خمسة سنوات وبعنوان دراسات هيوم : نظرية العلاقات (1882) . ومن الملاحظ إن ميننك قد كتب هاتين المقالتين تحت تأثير إستاذه المشرف الفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو . وفي كلتا المقالتين ، أظهر ميننك ميلاً نحو التجريبية البريطانية . وبالمقابل إبتعد عن الكانطية والمثالية الألمانية . والحقيقة إن هذا الميل نحو التجريبية يتوائم ونظرية ميننك في الموضوع . ولاحظنا خلال قراءتنا لثلاثية كارل ياسبرز في الفلسفة ، إن هناك صدى لأطراف من نظرية الموضوع التي صاغها الفيلسوف الفينومنولوجي أليكسس ميننك في عناوين وبعض نصوص ياسبرز .
2 – أما كتاب الفيلسوف ميننك الأول ، فقد كان بعنوان حول العلم الفلسفي وطبيعة دراسته (1885) والذي رأى النور بعد ثلاثة سنوات من نشره للجزء الثاني من رائعته دراسات هيوم . والواقع إن كتاب حول العلم الفلسفي … ، هو كتاب نقدي للتعليمات التي أصدرتها وزارة الثقافة ، والتي من خلالها قطعت ساعات تعليم الدراسات الفلسفية في التعليم الثانوي ، والتي شملت علم النفس ، وعلم المنطق والفلسفة . وهذا الكتاب حسب رأي الأستاذ جوهان بريك ، ما هو إلا مقالة كتبها الفيلسوف ميننك ليعرض فيها وجهات نظره حول الفلسفة وعلم النفس . أما فيما يخص الفلسفة ( منا : وهي مسألة في غاية الأهمية في تاريخ الفلسفتين الألمانية والنمساوية عامة ، والبيئة الثقافية والأكاديمية التي نشأ فيها كارل ياسبرز ، وتطور فيها فكره الفلسفي العلمي .) فقد تطلع ميننك إلى تأسيسها على قواعد علمية ، بدلاً من أن تكون نوعاً من التأمل . وفيما يتعلق بعلم النفس ، فإن ميننك نظر إليه مضمار أساس وفرع من الفلسفة (وهذا النهج الذي يحافظ على إرتباط علم النفس في رحم البحث الفلسفي ، هو ما سعينا إلى إرسائه في قسم العلوم التربوية والنفسية في بداية الثمانينيات من القرن العشرين أمام موجة ساذجة يقودها زملاء يتطلعون إلى إمكانية إخراج علم النفس من أحضان الفلسفة الدافئ إلى مضمار العلوم التجريبية … ومثلما فشل ماركس فشلاً ذريعاً في تحويل الماركسية إلى علم وقال ببؤس الفلسفة . فكان الحاصل بؤس الماركسية علماً وظلت رغم مزاعم ماركس واحداً ولا يوجد لها على الإطلاق قسم في كليات العلوم. فقد فشل زملاء الثمانينيات في دعوته البائسة في تحويل علم النفس إلى علم لا فلسفة له) .
وعلى أساس هذا التوجه (أي تأسيس الفلسفة على قواعد علمية وإبقاء علم النفس فرع أساس من الفلسفة) ذهب إلى إن تعليم علم النفس والفلسفة لا يمكن أن يكون محاولة تعرض نتائج نهائية ونظريات مقبولة . وعلى خلاف ذلك ، فإن الفيلسوف ميننك رأى إن تعليم علم النفس والفلسفة ينبغي أن ينهض على تجارب والإنخراط في مناقشات . وهذا التوجه قاد ميننك في النهاية إلى إقتراح مؤسسات لكل من المختبر السايكولوجي والسيمنار الفلسفي ، والتي تمثلت في معاهد أكاديمية في جامعة كراز . ومن طرف الفيلسوف الأكاديمي ميننك ، فقد عمل بجد على توفير الوقت الكافي لمناقشة الموضوعات الفلسفية مع الكلبة والأصدقاء والزملاء .
3 – ومن ثم جاء كتاب أليكسس ميننك المعنون البحث النفسي والإخلاقي في نظرية القيمة (1894) . والواقع إن الفيلسوف ميننك قد ناقش في هذا الكتاب نظريات القيمة الإقتصادية الذاتية ، والتي ترتبط بشخصية إثنين من الإقتصاديين النمساويين ، وهما كل من كارل مينجر (1840 – 1921 وهو مؤسس المدرسة النمساوية للإقتصاد) وفريدريك فون فيزر (1851 – 1926 وهو من الجيل الأول من المدرسة النمساوية للإقتصاد) . ولم يكتف ميننك بمناقشة نظرياتهما ، وإنما تبنى نهجهما الذاتي ، ومن ثم قام بتحويره ، ووسعه بحيث يعالج موضوع القيم بصورة عامة ، وبذلك تخطى ميننك مضمار القيم الإقتصادية وصعد إلى طوابق القيم العالية .
ومن ثم في العام ذاته (أي عام 1894) طور ميننك وبتفاصيل واسعة فكرته القائلة : بأن الأخلاق هي التي تقرر (وبالطبع تميز بين) ما له قيمة ، وما ليس له قيمة . ومن ثم كتب بحثه الصغير في عام 1895 والمعنون حول الإتجاهات القيمية والقيمة . ولاحظ الباحثون الأكاديميون إن في أعمال ميننك الأخرى من مثل العرض الإنفعالي (1917) وأعمال متأخرة أخرى قد عالج فيها أطراف متنوعة من نظرية القيمة . إلا إن ما وجده الباحثون ، هو تحول ميننك إلى معاقل النظرة الموضوعية . وعلى هذا الأساس يمكن فهم دواعي ربط ميننك بين التحليل السايكولوجي للقيم ونظريته في الموضوعات . كما ويمكن النظر إلى القيم والمعايير كأنواع خاصة للموضوعات . وبالطبع هذا لا يشمل القيم الشخصية فقط ، وإنما يضم القيم الموضوعية (خاصة قيم العلاقات مع الأخرين) .
4 – توزعت أبحاث ميننك (على الأقل في الفترة الممتدة من عام 1891 ونزولاً حتى وفاته وخلال أبحاث طلابه التي صدرت في تكريمه وهو حي يرزق ) في طرفين ؛ الفلسفة وعلم النفس أو بدقة الإنطولوجيا والظاهرة النفسية (وكلاهما كونا ركنين أساسيين من مدرسته الفينومنولوجيا التي نزلت إليه من أستاذه فرانز برنتانو الأب الروحي لحركة الفينومنولوجيا) .
فمثلاً في العام 1891 نشر بحثه ميننك المعنون في علم نفس العُقد والعلاقات . ومن ثم نشر بحثه في علم النفس والفيزيولوجيا ، والذي كان بعنوان حول أهمية قانون فايبر : مساهمات في علم نفس المقارنة والقياس (للتعريف بالطبيب الألماني إرنست هنريخ فايبر وقانونه الهامش رقم 304) ، والذي نشرته مجلة علم نفس وفيزيولوجيا الأعضاء الحسية .
وصدر له في العام 1899 بحثه المعنون حول موضوعات النظام الأعلى وعلاقتها بالإدراك الداخلي ، والذي نشرته له مجلة علم النفس والفيزيولوجيا . ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن أعمال ميننك السايكولوجية قد إهتمت بصورة غير إعتيادية بمنهجية علم النفس ، والتي أطلق عليها الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، إصطلاح علم النفس الوصفي ، وهي في الحقيقة نوع من التصنيف أو الجرد للمكونات العقلية ، من مثل : الأساس التجريبي ، النظرية السببية للحادثة العقلية (والسايكولوجية) . وقد كتبها تحت تأثير كتابات تاوردسكي (1894) ولكن بطريقية نقدية . وهنا تجدر الإشارة إلى إن ميننك قد ربط في بحثه حول موضوعات النظام الأعلى … بين الموضوعات النفسية الوصفية والموضوعات الأبستمولوجية والإنطولوجية .
ومن ثم جاء الكتاب المعنون أبحاث في نظرية الموضوعات وعلم النفس ، والذي صدر في عام 1904 ، وكان من منشورات مدرسة كراز لنظرية الموضوع وعلم النفس التجريبي ، وتلته مساهمة قام بها تلاميذ ميننك ، وبعنوان عشر مساهمات فلسفية ونفسية لتلاميذ ميننك ، وقام بمراجعتها الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ولعل من المساهمات المهمة جداً ، والتي لا يمكن إغفالها في الحديث عن الفيلسوف أليكسس ميننك ، مساهمة رودريك كويسهولم ، في نشر نظرية الموضوعات (وترجمتها إلى الإنكليزية) في الكتاب الذي أشرف على تحريره مع عدد من المختصين ، وبعنوان الواقعية والخلفيات التاريخية للفينومنولوجيا .
5 – غطت الأعمال التي كتبها الفيلسوف ميننك الأخيرة ، موضوعات فلسفية متنوعة ، منها
حول الإفتراضات ، وحول الإمكانية والإحتمال (1915) ، ومن ثم جاء كتابه حول العرض الإنفعالي (العاطفي) (1917) . كما ويندرج في كتابات هذه الفترة العمل الذي كتبه في العام 1904 ، والذي حمل عنوان نظرية الموضوعات ، وهو نوع من البيان الفلسفي . وإستمر في كتاباته اللاحقة ، يُدافع عن كتابه نظرية الموضوعات ، وبصورة منهجية ، وفي هذا الصدد يمكن ذكر كتابه المعنون حول الأسس التجريبية لمعرفتنا ، والذي نُشر عام 1906 ، ومن ثم ظهر في طبعة أعمال ميننك الكاملة ، وفيه إضافة تقول رسالة أبستمولوجية حول المعرفة التجريبية ، وإضافة أخرى تقول الإدراك الخارجي والداخلي في مغايرة للمعرفة الأولية وكذلك يمكن أن يُدرج في كتابات هذه الفترة كتابه المعنون مكانة نظرية الموضوعات في نظام العلوم ، والذي صدر عام 1907 . والحقيقة إن برتراند رسل قد ثمن ميننك وشكره على طرف من طريقته في بحث نظرية الموضوعات (وخصوصاً البدء من القاع) ، وبالتحديد فيما أسماه بالمسار التجريبي للبحث . وقبيل وفاته كتب سيرة فكرية مختصرة جاءت بعنوان ميننك : عروض ذاتية ، ومن ثم ظهرت بعنوان أخر الفلسفة الألمانية الراهنة : عروض ذاتية .

—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————
(8)
الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين
الدكتور محمد جلوب الفرحان        الدكتورة نداء إبراهيم خليل
تقديم :
تأتي أهمية هذا البحث ، من إن الحب والقديس أوغسطين ، كان أول عمل أكاديمي كتبته الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا إرنديت ، وتحت إشراف البروفسور الفيلسوف الوجودي (المسيحي – البروتستانتي) كارل ياسبرز . وهذا صحيحُ كل الصحة ولا خلاف عليه . ولكن وراء حب القديس أوغسطين ، قصة حب عارمة عاشتها حانا أرنديت مع أستاذها وحبيبها الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر ، في بيته الصيفي وخلال كتابة مارتن هيدجر لرائعته المشهورة الوجود والزمن ، والتي ساهمت حانا في مناقشة أطراف منها مع هيدجر في لقائاتهما في البيت الصيفي . ومثلما كان الحب الجنسي العارم الذي عاش تفاصيله القديس أوغسطين بعد إن كان على دين والده ، والذي يتمثل بالعقيدي اليوناني (الوثني بمنظار المسيحية) ، ومن ثم على العقيدي المانوي قبل أن يتحول إلى شواطئ المسيحية . كان نوعاً من الحب التابو (مُحرم) على رئيس القساوسة أوغسطين بُعيد تحوله من ضفاف المانوية إلى معاقل المسيحية . وفيما يُشابه ظروف أوغسطين ، كان الحب بين الفيلسوف الوجودي هيدجر وطالبته حانا فيه تابو خطير ، خصوصاً بعد شكوك الفريدا زوجة مارتن هيدجر . ومن ثم إدراك مارتن هيدجر بأن العاصفة قادمة لا محالة منها .
وهكذا رتب الفيلسوف الوجودي هيدجر ، للفيلسوفة حانا أن تكتب إطروحتها للدكتوراه عن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، ليس تحت إشرافه ، وإنما فكر بالبروفسور كارل ياسبرز ، ولذلك سافر مارتن هيدجر للقاء بالفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وأقنعه بالإشراف على طالبة الدكتوراه حانا أرنديت . وكان حينها كارل ياسبرز يعيش ضغوط نفسية عالية ، فقد إتهمه الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، بالعطب الفلسفي وعدم إمكانيته كتابة شئ مرموق في مضمار الفلسفة . وكان قدر حانا إن تأتي في ظل هذه الظروف لتكتب إطروحتها ، ولتُشارك البروفسور ياسبرز في مناقشة أطراف من رائعته المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وخصوصاً مناقشة عميقة لفعل التفلسف ، الذي صاغه كارل ياسبرز وتميز به ، رغم إن جذوره تصعد إلى فيلسوف العلم برنارد بولزانو ، وخصوصاً مناقشاته لفعل التفلسف في كتابه المعنون ما هي الفلسفة .
وهكذا تحول الحب عند القديس أوغسطين ، إلى جسر يربط بين حانا أرنديت ومارتن هيدجر والبروفسور كارل ياسبرز الذي أشرف على إطروحتها هذا من طرف . كما إن أوغسطين من طرف أخر ، هو موضوع التقريب واللقاء بين كارل ياسبرز وحانا أرنديت ، وثلاثية ياسبرز المعنونة ثلاث مجلدات في الفلسفة . وعلى هذا الأساس يمكن القول ، إن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، والوجود والزمن ، وثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هي ثلاثية ولدت في ظل ظروف حانا ومارتن وياسبرز .
ونحسب في ضوء هذا الواقع التي ولدت فيه هذه الروائع الفلسفية الثلاث ، نتفهم القضية التي أثارها كل من جونا سكوت وجوديث ستارك في المقدمة التي كتباها لنشرة الترجمة الإنكليزية لإطروحة الدكتوراه التي خطتها حانا أرنديت بالألمانية أصلاً ، وحملتها معها عندما هجرت بلدها الأصلي ألمانيا ، ولاذت بها إلى فرنسا ، ومن بعد ذلك إستقرت مع حانا في مهادها الأخير في الولايات المتحدة الأمريكية . ومن ثم بدأت حانا بجد في فترة ما قبل موتها بترجمتها إلى الإنكليزية . غير إنها غادرت هذا العالم ، ولم ترى النشرة الإنكليزية على الإطلاق . وبعد أكثر من عقدين من الزمن على وفاتها ، ظهرت النشرة الإنكليزية ، وبالتحديد في العام 1996 .
الحقيقة إن القضية التي أثارها الأكاديميتان كل من جونا ف . سكوت و جوديث س . ستراك ، تثير الإستغراب والإستهجان ، ومفادها ، هو : كيف تُقدم طالبة يهودية على كتابة إطروحتها للدكتوراه عن رئيس القساوسة (المسيحي) القديس أوغسطين ؟ وكيف تعمل طالبة يهودية مع رمزين من رموز الفلسفة الوجودية الألمانية ، وهما كل من الكاثوليكي مارتن هيدجر ، والبروتستانتي كارل ياسبرز ؟ ومن طرفنا القضية واضحة ، وهو إن دين الفلاسفة ، هو عقيدي فلسفي لا علاقة له بدين العامة والأمهات العجائز والأجداد الشيوخ . ورغم ذلك فسنترك هانز جونز (1903 – 1993) ، وهو زميل الفيلسوفة حانا لفترة طويلة (في ألمانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وعملا معاً في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي في جامعة مدينة نيويورك) ، يُدلي بشهادته ، والتي تضمنتها مقدمة كل من سكوت وستراك للنشرة الإنكليزية لإطروحة حانا للدكتوراه ، والتي جاءت بعنوان ” إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين ” . وفي شهادة جونز هانز ، يأتي الجواب الشافي على السؤالين المرفوعين أعلاه . فقال ” يبدو إن مثل هذا الموضوع ، لم يكن غريباً على الجامعات الألمانية في ذلك الوقت ” . ويحسبُ جونز إن عمل حانا أرنديت عن أوغسطين ” كان بحد ذاته مفهوماً تماماً ” وذلك منذ إن كان ” كل من من هيدجر وياسبرز قد حولوا إهتمامهم إلى عدد من المفكرين ، بحثاً عن جذور الوجودية . وفي هذا الإطار حولوا واجهتهم نحو أوغسطين ، وإستجابوا لرسالته الوجودية ” .
ومن الجدير بالذكر إن هانز جونز ، هو اليهودي الآخر ، الذي إختار أوغسطين ، ودرس مشكلة الحرية في تفكيره ، وهو أول عمل أكاديمي له في جامعة كوتنجن الألمانية عام 1930 . ويرى جونز ، إلى إن موضوع حانا أرنديت ، جاء نتيجة لقراءاتها المشروطة بإهتمامات كارل ياسبرز يومذاك ، وكان ياسبرز مُعتاداً على الكلام كثيراً عن المفكرين المسيحيين من أمثال أوغسطين ، باسكال وكيركيجارد ، والتي كانت موضوعات ذات حرارة عالية يومذاك في الجامعات الألمانية . ويُضيف جونز إلى ذلك ، فيفيد إلى إن من الموضوعات المركزية التي يجري الحديث عنها ، هو إعترافات أوغسطين . وبمنظار فلسفي وجدوا (على ألقل كل من ياسبرز وتلميذته حانا) في الإعترافات ، نمطاً من التفكير الأصيل الملفت للنظر مقارنة بالفكر الهيليني .
ولعل من الملفت للنظر في عالم الفلسفة ، الذي يزنُ الإمور بميزان علماني رحب وإنساني راقي ، هو إثارة الإستفهام والسؤال حول فكرانية حانا أرنديت الدينية ، وهي التي ولدت وترعرعت في أحضان عائلة (من جهة الوالد والوالدة) لا تهتم بالعقيدي ولا تُبالي بالطقوس والشعائر الدينية . كما إن العائلة إختارت الممرضة آد لتعمل ممرضة – مربية للطفلة حانا . إن و إن آد آمرأة مسيحية وإعتادت قراءة التراتيل المسيحية على الطفلة حانا ، وكانت حانا من طرفها تردد هذه التراتيل بإتقان ملفت للنظر … ، وتركت المربية آد الكثير من التأثير على حانا هذا طرف . ومن طرف أخر إن الوالدة مارثا آرنديت كانت من رفاق الفيلسوفة الماركسية (الشيوعية) روزا لوكسمبيرك (1871 – 1919) . وفعلاً فإن الفيلسوفة حانا تتذكر عندما حضرت بصحبة والدتها مناقشات روزا لوكسمبيرك ، والتي أشعلت فتيل الإنتفاضة التي عمت الشوراع ، وكانت الأم مارثا أرنديت من بينهم تركض وتنادي على إبنتها حانا قائلة : ” إنتبهي يا حانا ، هذه هي اللحظة التاريخية ” . وإن حانا من طرفها كانت زوجة الشيوعي الألماني السابق هنريخ بلوشر (1899 – 1970) .
ولكل هذا نحسب إن الحديث عن يهودية الفيلسوفة حانا أرنديت ، هي عودة إلى ذمة التاريخ ، التي فقدت معناها في قاموس حانا الفلسفي الإنساني الخالص . كما وفيها فكرانية سياسية ، خصوصاً بعد مواقفها المعلنة ، والتي أزعجت الكثير من رجلات السياسية في إسرائيل ، بعد حضورها لجلسات محاكمة الجنرال النازي رودلوف إيكمان (1906 – 1962) ، والذي تمت عملية إختطافه من الأرجنتين من قبل السلطات الإسرائيلية ، وجلبته إلى القدس للمحكمة . وفعلاً فقد كتبت الفيلسوفة حانا أرنديت سلسلة من المقالات لتغطية جلسات المحكمة لصالح صحيفة نيويورك الجديد الأمريكية ، ومن ثم صدرت فيما بعد في كتاب ، بعنوان إيكمان في القدس : تقرير عن تفاهة الشر . وهذا الكتاب أثار زوبعة من الجدل ، وذلك للأراء والحقائق التي أدلت بها الفيلسوفة أرنديت ، مما أزعجت دوائر الفكرانية السياسية الإسرائيلة . وبذلك تم جرد إسم الفيلسوفة حانا أرنديت في قوائم المحذور عليهم ، وربما تحدث بعضهم عنها ، وهي السامية الأصل ، بأنها أنتسيماتزم (ضد السامية) .
ومن ثم تبع ذلك جدل واسع في مجتمع نيويورك ومن ثم في العالم ، حول عبارتها في العنوان الفرعي من كتابها إيكمان ، والقائلة ” تفاهة الشر ” ، والتي لم يقبل أن يسمعها رجلات السياسة ومروجي الإعلام المضاد ، لكونها تتنافر وتوجهاتهم التي إبتكروها أساطيراً ، فنسوا مصادرها الإسطورية المخترعة . وعندما ذكرت الفيلسوفة حانا بمصادرها الواقعية ، إنقلبت الدنيا رأساً على عقب ، وإنزعج الأهل والأصحاب ، لكونهم آمنوا بأن الإسطورة حقيقة ، وإن الحقيقة التي قالتها حانا أرنديت ، هي محض تلفيق روائي خالص . وذلك حين أكدت الفيلسوفة حانا أرنديت على عبارة ” تفاهة الشر” بأن ” الرموز الكبيرة من رجالات اليهود تعاونوا مع رجالات السلطة النازية على تهجير الجماعة اليهودية ” . وبحثاً في قاموس الفيلسوفة حانا أرنديت ، وذلك للوقوف بدقة على عبارتها التي وصفت بها محكمة إيكمان ، والقائلة ” عدم أصالة الشر ” . تقول حانا ” إن إيكمان لم يكن نصيراً متحمساً ، ولا سايكوباثياً (مريضاً نفسياً) ، وإنما هو رجل عادي ، آمن بعقائد دولته ، ونفذ آوامرها ، وهي بالنسبة له أفعال عادية ” .
الحب والقديس أوغسطين : حكاية إطروحة دكتوراه
صحيح إن هذه الإطروحة – الكتاب ظهرت في نشرتها الإنكليزية بعد موت الفيلسوفة حانا أرنديت بأكثر من عقدين من السنيين (21 عاماً) . ولكن من الصحيح جداً بأن القارئ الإنكليزي ، قد عرف هذه الإطروحة في وقت مبكر ، وذلك من خلال كتاب إليزابيث يونك بروهيل ، والمعنون حانا أرنديت : من أجل حُب العالم ، والذي ظهر في طبعته الأولى عام 1982 ، أي بعد وفاة الفيلسوفة حانا ، بحدود السبعة سنوات فقط . وهذا يعني إن القارئ الإنكليزي قد عرف إطروحة حانا للدكتوراه بما يُقارب العقد والنصف من السنين قبل النشرة الإنكليزية لكل من سكوت وستارك (1996) . كما إن العنوان في هذه النشرة الإنكليزية ، قد ظهر فيه بعض الإختلاف عن النشرة الألمانية لعام 1929 ، والذي جاء بالصيغة الآتية : مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . والحال كذلك في ملخص إليزابيث بروهيل ونشرتها في عام 1982 . أما في نشرة سكوت وستراك (1996) فجاءت تحت عنوان الحب والقديس أوغسطين (ولذلك نحسب في هذا العنوان تغيير جذري للحدود المنهجية لبحث إطروحة الدكتوراه في عام 1929 والتي تتطلب منهجياً إن يكون على الأقل فصلاً موسوعاً عن حياة المعلم المانوي ومن ثم القديس أوغسطين).
واليوم تتوافر لدينا وثيقتان من إطروحة الدكتوراه التي كتبتها حانا أرنديت ؛ واحدة هي خلاصة للإطروحة ، والتي خصتها الكاتبة إليزابيث برهيل في الملحق رقم 3 . والإطروحة كاملة ، والتي جاءت بعنوان مختلف بعض الشئ ، وهو الكتاب الذي بدأت حانا أرنديت بتحضير ترجمته الإنكليزية قبيل موتها ، ثم راجعه وأشرف على إعداده في نشرة إنكليزية كل من سكوت وستراك .
والحق إن هذه النشرة مختلفة بالإضافة إلى إنها جاءت كاملة ، فقد إحتوت على مقدمة بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين . ومن ثم جاء نص الإطروحة ، والتي تكونت من مدخل . ومن ثلاثة أقسام (والحقيقة في هذه النشرة أضاف الناشران إليها قسماً رابعاً ، وهو في الأصل ليس جزء من الإطروحة في اساس نشرة سبرنكر الألمانية عام 1929) ؛ وكان القسم الأول بعنوان الحبُ حنين : المستقبل المأمول . وهذا القسم تكون من ثلاثة فصول – محاور ؛ الأول وجاء بعنوان تركيب أو بنية الحنين (الشهوات) . في حين كان عنوان الفصل – المحور الثاني الإحسان والرغبة . بينما جاء الفصل – المحور الثالث بعنوان نظام الحب .
أما القسم الثاني من إطروحة حانا أرنديت ، فحمل العنوان الأتي : الخالق والمخلوق: الماضي الحاضر في الذاكرة ، والذي تكون بدوره من ثلاثة فصول – محاور ، وجاءت على التوالي ؛ الأول وحمل عنوان الأصل . والثاني كان بعنوان الشفقة والحب . وحب الجار جاء عنوان الفصل – المحور الثالث . وجاء القسم الثالث والأخير من الأطروحة الأصلية ، بعنوان الحياة الإجتماعية . وهو قسم عام جاء وكأنه حديث عن عالم الإنسان وخال من الفصول المحاور التي عرفناها في القسم الأول والثاني .
وأشرنا في البداية إلى أن هناك قسماً رابعاً ، وهو من أضافة الباحثين – الناشرين والمراجعين لأطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت . وهو قسم ليس من أصل الإطروحة ، وأنما هو قسم شارح لأطراف منها ، وهو كما قلنا كُتب بقلم كل من سكوت وستراك . وجاء بعنوان إعادة إكتشاف حانا أرنديت . وهو تقريباً بحجم الإطروحة الأصلية ، وبالطبع إذا أضفنا المقدمة ، يكون حجم المكتوب بقلم سكوت وستراك أكثر بقليل من إطروحة حانا الأصلية . وتكون القسم الرابع من أربعة فصول – محاور . وجاءت بالصورة الآتية ؛ الأول بعنوان المدخل: البدايات الجديدة . وحمل الثاني عنوان قطار الأفكار . بينما كان عنوان الثالث هيدجر : ما بين الماضي والمستقبل . وجاء الفصل – المحور الرابع بعنوان ياسبرز: أرنديت والفلسفة الوجودية . وهناك في خاتمة القسم قائمة بالمصادر التي إستخدمها الباحثين .
ونشعر إن الخلاصة التي تقدمت بها الباحثة إليزابيث يونك بروهل من الأهمية بمكان ، وذلك لكونها إعتمدت على الإطروحة في أصلها الألماني . صحيح إنها جاءت في ملحق مستقل من كتابها عن الفيلسوفة حانا أرنديت ، والمعنون حانا أرنديت: من أجل حب العالم . وهكذا تحولت حانا من حب القديس أوغسطين المشروط بعقيدي مرة مانوي ومرة مسيحي ، إلى حب إنساني يلف العالم برمته . وقبل تقديم عرض لهذه الخلاصة عن إطروحة حانا أرنديت ، نقدم أشياء من سيرة الباحثة إليزابيث يونك بروهل (1946 – 2011) والتي لها علاقة عضوية بالفلسفة بصورة عامة ، وبالفيلسوفة حانا أرنديت بصورة خاصة .
فهي فيلسوفة ، وعالمة في التحليل النفسي ، وكاتبة سير ذاتية . فقد كتبت السيرة الذاتية لأثنين من النساء المؤثرات في ثقافة القرن العشرين . ألا وهما حانا أرنديت وآنا فرويد . بدأت إليزابيث بروهل مشوارها الأكاديمي ، بحضور دروس في كتابة الشعر مع الشاعرة الأمريكية ميوريل راكايس (1913 – 1980) في كلية سارا لورنس . ولكنها تركت دراسة الشعر ، وذهبت إلى مدينة نيويورك لدراسة الثقافات المضادة خلال منتصف الستينات . وبعدها أكملت دراساتها الأكاديمية الأولية في المدرسة الجديدة ، والتي ستُعرف فيما بعد بالمدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي . حيث هناك إلتقت بزوجها السابق روبرت بروهل (1946 – 2011) . وخلال هذه الفترة إلتحقت الفيلسوفة حانا أرنديت ، عضواً تدريسياً في كلية الخريجين للمدرسة الجديدة . ومن ثم سجلت إليزابيث إطروحتها للدكتوراه في الفلسفة . وكانت حانا الموجه الفكري لها ، والمشرفة على إطروحتها . وفي عام 1974 بدأت إليزابيث رحلتها الأكاديمية ، وذلك بتدريس الفلسفة في كلية لترز – جامعة وسيلاين في كونكتيك .
وبعد سنة واحدة (أي عام 1975) تُوفيت الفيلسوفة حانا أرنديت ، فإتصل بإليزابيث بروهل ، عدد من أصدقاء حانا ، وطلبوا منها كتابة سيرتها الذاتية . وفعلاً جاءت ولادة رائعتها ، والتي حملت عنوان حانا أرنديت : من أجل حب العالم ، والتي نُشرت عام 1982 ، والتي تُرجمت إلى لغات عديدة . كما إن كتاب سيرة حانا الذاتية ، قد لعب دوراً في تزايد إهتمام إليزابيث بروهل بالتحليل النفسي . وفعلاً تتوج هذا الإهتمام بقدومها على التسجيل في عيادة التدريب على التحليل النفسي . وكان مكاناً تعرفت فيه على عدد من زملاء آنا فرويد (1895 – 1982) وقد وجُهت لها الدعوة بكتابة السيرة الذاتية لآنا فرويد ، فكان حصيلتها كتابها الرائد ، والذي حمل عنوان آنا فرويد : سيرة ذاتية ، والذي نُشر عام 1988 .
ونحسب إن من أهم مؤلفات إليزابيث الفلسفية ، التي سبقت كتاباتها في السير الذاتية ، كتابها الشهير عن الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز ، والذي جاء بعنوان الحرية وفلسفة كارل ياسبرز ، والذي صدر عام 1981 . وما دام إهتمامنا بالفلسفة والمرأة (أو الأدق الفكر الفمنستي) ، ففي هذا المقام ، يجب الإشارة إلى كتابين مهمين في هذا المضمار كتبتهما الفيلسوفة المعاصرة إليزابيث يونك بروهل ، وهما ؛ فرويد والنساء ، وهو كتاب جماعي أشرفت عليه ، وصدر عام 1992 . والثاني بعنوان ؛ السيرة الذاتية : التحليل النفسي ، الفمنستية (النسوية) ، وحياة النساء الكاتبات ، والذي صدر عام 1999 . وكتب أخرى .
تكونت الخلاصة التي كتبتها إليزابيث بروهل من عشرة صفحات ، وحملت عنوان إطروحة حانا أرنديت للدكتوراه : موجز . ونرى في هذا الموجز بعض الأفكار المهمة ، في مضمار تفكير الفيلسوفة حانا أرنديت عامة ، وفي طرف وصف إطروحتها الخاصة عن موضوع الحب عند القديس أوغسطين . فالإطروحة بنسختها الألمانية طُبعت بخط قوطي (نسبة إلى اللغة القوطية) ، وهي مملوءة بإقتباسات لاتينية ويونانية غير مترجمة ، وكُتبت بإسلوب النثر الهيدجري (نسبة إلى الفيلسوف مارتن هيدجر) ، وهي بالتأكيد عمل غير ميسر وليس بالسهل . ومن النافع أن نذكر بأن إي . ب . أشتون قد أعد للإطروحة ترجمة في بداية الستينات من القرن الماضي (1960) . غير إن الفيلسوفة حانا أرنديت ، لم تقتنع بعد مراجعة الترجمة ، ولذلك لم توافق على نشرها . وأظن إن السبب لا علاقة له بترجمة الأستاذ إشتون (إرنست باش) والمشهود له بالدقة . وإنما بطبيعة إطروحة الحب عند القديس أوغسطين . ولهذا السبب كانت حانا أرنديت تتطلع في ضم إضافات جديدة إليها ، لتساعد في توضيح أطراف من الإطروحة . وفي عام 1965 تخلت حانا تماماً عن الموضوع ، وذلك لشعورها بالإحباط ، وإقتناعها بأن نشر إطروحتها يحتاج إلى جهد كبير هذا من طرف . ومن طرف أخر إنها كانت يومذاك مشغولة بمهمات أخرى .
والحقيقة إن هذا الموجز للأطروحة ، فيه أساس لفهم أطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، وكنت أتمنى على ستوك وستراك ، أن يقوما بنشر هذه الخلاصة مدخلاً لكتاب الحب والقديس أوغسطين ، في نشرة عام 1996 أو على الأقل الإشارة إليها ، ومن ثم تقديم عرض لما حملته من أفكار تُساعد في فهم إطروحة حانا . ولكن الذي حدث ، هو إهمال هذا النص وعدم الإشارة إليه . ونحسب في ذلك عيب أكاديمي لا مبرر له ، كما نرى في الخلاصة صوت له سلطة قوية في فهم إطروحة حانا أرنديت في وقت تفردت به ، فقد كانت الكتاب الوحيد في دائرة الثقافة الإنكليزية يومذاك ، بل وظل يمارس التأثير لمدة ما يُقارب القرن والنصف قبل إن يظهر كتاب الحب والقديس أوغسطين بنشرة كل من سكوت وستراك .
وهذا الموضوع سنعود إليه عند مناقشة بحث سكوت وستراك والمعنون إعادة إكتشاف حانا أرنديت ، وهو البحث الواسع ، والذي كون القسم الرابع من كتاب إطروحة حانا الحب والقديس أوغسطين . وقبل أن نغادر هذا الموضوع ، نرغب بالإشارة إلى إشكال منهجي ليس من طرف إطروحة حانل أرنديت للدكتوراه ، وإنما من جهة ضم البحث الواسع لكل من سكوت وستراك إلى لحمة كتاب الحب والقديس أوغسطين . ففي الواقع تكون البحث بحد ذاته من 102 صفحة / ص ص 113 – 215 ، إضافة إلى مقدمة كتبها سكوت وستراك ، وجاءت بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين وتكونت من 13 صفحة . وبذلك يكون مجموع ما كتبه سكوت وستراك ما مجموعه 115 صفحة ، فهي أكبر حجماً من إطروحة حانا . إما الإطروحة بحد ذاته فتكونت من 112 صفحة . ومن الزاوية المنهجية يظل السؤال يطرح نفسه حول درجات التوزان في كتاب – إطروحة عنوانها الحب والقديس أوغسطين ، خال من أي حديث عن سيرة القديس أوغسطين . ونظن كان من الأفضل أن يأتي الحديث في بحث سكوت وستراك عن سيرة أوغسطين التي أغفلتها الإطروحة ، كما وأغفلها الموجز في كتاب إليزابيث ، وذلك لأن مفهوم الحب عند أوغسطين وهو على دين والده مختلف ، عن مفهوم الحب وأوغسطين بدرجة معلم وهو معتنق للمانوية ، ومختلف بالتأكيد عن مفهوم الحب عند القديس المسيحي أوغسطين . هذه الأطراف لم تُعالج برمتها في إطروحة حانا . وتجاهلها كل من إليزابيث ، وستوك وستراك .
القديس أوغسطين : سيرة ذاتية غائبة
هذا هو الطرف الغائب من إطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، والحقيقة في هذه السيرة ، كشف عن ثلاث مراحل مهمة في حياة أوغسطين ، وكان لها الأثر العميق في التحولات التي طرأت على صياغة مفهوم الحب الأوغسطيني . ورغم إن القديس أوغسطين قطع علاقته كما يبدو ظاهرياً بالمرحلتين الأولى والثانية من حياته ، حين تحول إلى شواطئ المسيحية . ولكن قبول هذا الأمر على المستويين المثدولوجي والفلسفي هو إنكار وشطب مقصود ، وبدافع عقيدي متعمد أو جهل بحقيقة تفكير القديس أوغسطين . وفي كلا الحالين عيب منهجي وفكري في محاولة قراءة وفهم فكر رئيس القساوسة أوغسطين والمعلم المانوي السابق . ونرى منهجياً إن هذا الحضور القوي للعقيدي اليوناني في مرحلته الأولى ، والعقيدي المانوي في المرحلة الثانية ، شواهد دالة على إستمرارها تحت جلد أوغسطين وفي طبقات من تفكيره في المرحلة المسيحية الثالثة . ولكل ذلك نتفق مع بعض من الأكاديمين ، الذين أطلقوا عليها إصطلاح البعد الهرطقي في تفكير القديس أوغسطين .
وبالطبع البعد الهرطقي إشارة إلى دين والده اليوناني (في حين كانت والدته على العقيدي المسيحي وتكافح بجد على إيمانه بالمسيحة ولكن باب أوغسطين مسدودة أمامها) كما إن الهرطقة تعني الطرف المانوي من تفكير أوغسطين ، والذي وصل إلى درجة معلم مانوي . وهذه مسألة بالغة الأهمية في إدراك التحولات التي طرأت على مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، وقد فات إدراكها على كل من الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز وحانا أرنديت ، والثلاثي الثاني ؛ إليزابيث بروهل وسكوت وستارك .
ولوضع إطروحة حانا أرنديت المعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين بنشرتها الإلمانية الأصل عام 1929 وخلاصتها بالإنكليزية في كتاب إليزابيث بروهل عام 1982، والحب والقديس أوغسطين في النشرة الإنكليزية الكاملة ، والتي أشرف عليها وكتب لها مقدمة وبحث واسع كون القسم الرابع من الكتاب الذي صدر في عام 1996كل من سكوت وستراك . نقول لوضع الإطروحة ومفهوم الحب عند القديس أوغسطين في مناخها الأوغسطيني ، نقوم بتقديم رصد لحياة أوغسطين وأثر التحولات العقيدية الملونة والثلاثية على مفهوم الحب عنده , ونحسُب في هذا الرصد ملأ الهوة الكبيرة التي يحتاجها مثل هذا البحث – الإطروحة ، والتي غابت على الثلاتي الأكاديمي الألماني الأول ؛ هيدجر وياسبرز وتلميذتهما الفيلسوفة حان أرنديت . كما وغابت على الثلاثي الأكاديمي الثاني ؛ إليزابيث وسكوت وستارك .
وهذه هي أطراف من الغائب في تفكير الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز ، وبالطبع في إطروحة تلميذتهما حانا أرنديت ، والمعنونة مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . وكذلك الغائبة في خلاصة الأكاديمية إليزابيث بروهل ، وفي الكتاب الذي أشرف عليه الأكاديميين سكوت وستراك ، والمعنون الحب والقديس أوغسطين :
1- القديس أوغسطين : بين الرواية المانوية واللاهوت المسيحي
كتب الفيلسوف المانوي الجزائري المنبت أوغسطين (354 – 430م) أو رجل اللاهوت المسيحي القديس أوغسطينوس بعد تحوله من المانوية إلى المسيحية ، العديد من المؤلفات البالغة الأهمية سواء في مضمار تاريخ فلسفة التاريخ أو في تطوير العقيدي المسيحي والذي سيطلق عليه فيما بعد حشد من الأكاديميين وغير الأكاديميين إصطلاح الفلسفة المسيحية الغربية .
ونحسب إن الكثير من أفكار المرحلة المانوية (التي إستمرت على الأقل تسع سنوات وكان فيها أوغسطين على مستوى المستمع ومن ثم أصبح بدرجة معلم في صفوفها) من تفكير القديس أوغسطين وجدت لها مكانة قوية في داخل رائعته الفلسفية التاريخية المعنونة مدينة الله . كما إن من المهم لدينا في مضمار الدراسات في فلسفة التاريخ ، هو تأملات أوغسطين الفلسفية التي إستبطنت الكثير من مشروع إفلاطون في رائعته الجمهورية التي عبرت إلى القديس أوغسطين خلال مسارات متنوعة منها على سبيل التمثيل وليس الحصر شيشرون وجمهوريته ، إفلوطين وفلسفة ولاهوت الإفلاطونية المحدثة .
عاش وكتب أوغسطين في فترة دقيقة من تاريخ التحول في الثقافة الغربية ، التحول من العقيدي اليوناني – الروماني المتسور بالفلسفة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي إلى دائرة اللاهوت المسيحي المتنامي . وفعلاً فقد عاش وكتب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين (وهو تاريخ نضال دموي مع ما يسميه كتاب الكنيسة بالفكر الوثني اليوناني ومن ثم تسويات عقيدية مع الإمبراطورية وصلت إلى حد تلوين العقيدي بثوابت وثنية لم تتنازل عنها الإمبراطورية وطبعت العقيدي المسيحي بطابعها الوثني وإلى الأبد …) تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية التي إحتضنت مدارس فلسفية متنوعة ، وهذه المدراس ستظل لها أدوراً فاعلة في الدوائر الثقافية في عموم الإمبراطورية وحتى بعد وفاة القديس أوغسطين بما يُقارب القرن من الزمن ، وإستمرت حتى غلقها الإمبراطور الروماني جوستنيان (482 / 483 – 565م) في العام 529م .
إن محاولة فهم ماذا حدث في العقود الثلاثة الأولى من حياة القديس أوغسطين ، وبالتحديد أثنتين وثلاثين عام من عمره الفكري قبل أن يتحول إلى المسيحية ضرورة علمية . ففيها الكثير من الشواهد على المنعطفات العقيدية والفلسفية . صحيح إن الكتاب المسيحيين لا يرغبون في الكتابة عنها ، ويتمنون شطبها وإلغاءها من حياة القديس أوغسطين . ولكن من الزاوية الأكاديمية هي مطلب ملح لمعرفة المعارف التي تلقاها الرجل ، والتجارب التي عاشها ، والتحولات العقيدية من المانوية وإلى الشكية الأكاديمية التي إستقر فيها بعد تخليه عن المانوية والأدق تحوله عنها . فهي مرحلة مفيدة في فهم تحوله الأخير إلى المسيحية وتخليه عن الحياة والزواج والزوجة والعائلة … والسؤال : هل هذا التحول حمل قطيعة كاملة مع الحياة والمانوية والشكية الأكاديمية ؟ نحن لا نجد في كتابات القديس ما يقدم جواباً شافياً لصالح القطيعة ، بل على العكس هناك شواهد على إستمرار الأثر المانوي والفلسفي الشكي الأكاديمي على الأقل في رائعته مدينة الله .
ولذلك نحسب إن الطرف الوثني من حياة القديس أوغسطين جداً مهم في فهم الحياة العقلية والتحولات العقيدية والخط التطوري في فكره اللاهوتي وفي تحديد حجم مساهمته فيما يسمى بالفلسفة المسيحية الغربية . ومن الملاحظ إنه خلال هذه العقود الثلاث (32 سنة) قد عاش حياة جنسية صاخبة ، وتم فيها إنبات الكثير من البذور الأولى لحياته العقلية اللاحقة وذلك من خلال برنامج التعليم وإستلامه العقيدي المانوي ، ومن ثم تشربه للطرف الفلسفي المتمثل بالشكية الأكاديمية ، وتبنيه لأفكار إفلاطون من خلال جمهورية شيشرون وإفلوطين والإفلاطونية المحدثة وقراءته لكتاب أرسطو المنطقي وهو المقولات وهو أول رسالة منطقية في تحليل اللغة. ولهذا نحن نخلاف الكتاب المسيحين ولا نحسب إنها توقفت أو إنطفأت يوماً من الأيام بعد إن تحول إلى العقيدي المسيحي ، بل على العكس إنها ظلت تلعب دوراً قوياً تحت جلد القديس أوغسطين وتوجه تفكيره وتقود قلمه .
لقد إمتدت هذه الفترة منذ ولادة الطفل الجزائري أوغسطين عام 354 وإلى لحظة إنفتاحه على المسيحية عام 386 (وكان عمره إثنتين وثلاثين ربيعاً) وذلك من خلال سماعه بقصة باسليونس وأصدقائه عندما قرأوا لأول حياة القديس إنثوني الصحراوي أو إنثوني المصري (251 – 356م) . وهكذا تلاه تحول اوغسطيني من قصة حياة القديس إنثوني إلى الإنجيل ، وبالتحديد إلى إنجيل بولس والذي قرأ منه رسالة بولس إلى الرومان والمعنونة بتحولات المؤمنين .
2 – البيئة العائلية ومراحل التعليم الأولى
ولد أوغسطين في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي ، وبالتحديد في عام 354م في مدينة تكاست الجزائرية ، والتي كانت جزء من الإمبراطورية الرومانية . ومن الملاحظ إن الطفل أوغسطين قد ترعرع في أحضان عائلة ذات تكوين عرقي وعقيدي متنوع . فمن طرف الوالد باترسيوس كان وثنياً (منا = وربما كان على عقائد الدين الروماني ذات الإصول اليونانية ولهذا نتحفظ على كلمة وثني لأنها تتضمن تصنيف عقيدي مسيحي) . ومن جهة الأم مونيكا أو القديسة مونيكا (331 – 387م) فقد كانت مسيحية من البربر ، وهي ” من أوائل القديسات المسيحيات ” . وفعلاً فقد ذكر الباحثون الأكاديميون في إصول القديس أوغسطين ، إلى إن أسلافه ينتمون إلى تنوع عرقي متفرد ، فهم ينتمون إلى البربر ، واللاتين والفينيقيين . ولكن العائلة كانت من الناحية القانونية ، عائلة رومانية وهي تتمتع بالمواطنية الرومانية الكاملة ، وعلى الأقل قبل ولادة أوغسطين بأكثر من قرن من الزمن . كما إن عائلته كانت تنتمي إلى الطبقات العليا من المجتمع الروماني يومذاك ، وإن لغته الأولى هي اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية .
ويبدو لنا إن الطفل أوغسطين تلقى دروسه الأولى في التعليم في البيت وفي المنطقة التي تعيش فيها العائلة . ولما كانت المنطقة جزء من الإمبراطورية الرومانية ، فإن الثقافة التي كانت سائدة هي الثقافة الوثنية بالمفهوم المسيحي ، إضافة إلى إن الأم مونيكا كانت مسيحية ، فإن قدر الطفل أوغسطين كان موضوع تجاذب بين ثقافتين متقاطعتين حتى النخاع ، وهما ؛ الثقافة الوثنية (الرومانية – اليونانية) وهي ثقافة الوالد ، وثقافة مسيحية تبثها الأم من خلال قراءتها للإنجيل والصلوات والترانيم الدينية . وإن هذا التجاذب ظل فاعلاً في حياة وتفكير القديس أوغسطين على الأقل خلال العقود الثلاثة الأولى من حياته .
ولما بلغ الحادية عشرة من عمره رغبت العائلة إرساله للتعليم في المدارس الرسمية ، ولكن هذه الرغبة العائلية ليست باليسيرة وذلك لعدم توافر مدرسة يومذاك في المنطقة التي تعيش فيها العائلة ، فتم إرسال أوغسطين ليتلقى تعليمه في مدينة مدراس حيث توجد فيها مدرسة . وفعلاً كانت المدرسة فرصة تعليمية متفردة لأوغسطين ، التي إتصل من خلال دروسها بالأدب اللاتيني والذي يشمل مقالات ، وكتب تاريخية ، وقصائد ومسرحيات ونصوص كُتبت باللغة اللاتينية . وهذا التقليد التربوي بدأ في القرن الثالث قبل الميلاد ، ومن ثم أصبح بعد القراءة والكتابة باليونانية القديمة وحتى عصر ماركوس أورليوس (121 – 180م)) وضم الأدب اللاتيني في عصر أوغسطين قراءة وكتابة نصوص كل من الخطيب والفيلسوف شيشرون والشاعر الروماني فيرجيل (70 – 19 ق.م) والشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 18م) والشاعر والفيلسوف الأبيقوري لوكريتوس (99 – 55 ق.م) . إضافة إلى كل ذلك فإن أوغسطين تشرب الكثير من العقائد الرومانية (التي هي إحياء للعقيدي اليوناني) ومارس طقوسها اليومية كفعالية من المنهج الدراسي .
ولاحظ الدارسون وكتاب سيرته ، إنه خلال عودته من المدرسة إلى البيت ، وبالتحديد في عامي 369 و370 وكان في الخامسة عشرة من عمره ، قرأ واحدة من محاورات شيشرون والمعنونة هورتنسيوس أو حول الفلسفة (وكتبها شيشرون عام 45 ق.م وفيها إستبطان لأراء أرسطو وتوسيع ، وهي من المحاورات الضائعة والتي حملت أسم صديق شيشرون وهو الخطيب والسياسي الروماني هورتنسيوس (114 – 50 ق.م) وقد تركت هذه المحاورة أثاراً قوية على تفكير أوغسطين وخصوصاً توجهاته الفلسفية ، فيصفها أوغسطين قائلاً ” كانت محاورة هورتنسيوس مثل الشرارة التي قدحت في الإهتمام بالفلسفة ” . وهنا إنتهى فصل من حياة طالب العلم أوغسطين ، وستلعب الطروف دوراً إيجابياً في فتح أبواب التعليم العالي أمامه وهذا فصل جديد سيخوض غماره بعيداً عن مرابض الأهل والعشيرة ، حيث سيتوجه إلى قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا .
3 – الرحلة العلمية إلى قرطاج والتجربة المانوية والجنسية المبكرة
وفعلاً لما بلغ أوغسطين السابعة عشر ربيعاً ، حصل على منحة دراسية تقدم بها مُحسن روماني له ، فشد الرحال وذهب للدراسة في قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا الرومانية . وفعلاً فقد بدأ أوغسطين برنامجه التعليمي العالي في قرطاج في موضوع الخطابة والبيان وهو من الموضوعات المرغوبة في العصر الروماني ، إذ تُهيأ المتخصص في العمل في المرافعات والدفاع في المحاكم .
ونحسب من النافع أن نشير إلى إن رحلة أوغسطين إلى قرطاج لم تكن في جميع أطرافها رحلة في طلب العلم . وإنما كانت تجربة شخصية متنوعة ، ففي قرطاج حدث تحولاً جوهرياً في مضمار العقيدي حمله على الإيمان بالمانوية . ومن الملاحظ على صعيد التحول العقيدي ، إن أوغسطين تخلى عن الدين الروماني (الوثني بإصطلاحات المسيحية ) وهو دين والد أوغسطين ، ووضع وراء ظهره العقيدي المسيحي ، وهو يمثل ديانة مونيكا (القديسة مونيكا فيما بعد) وهي أم أوغسطين ، فكانت النتيجة خيبة للأم والأب وهذا الطرف سنتناوله في مقال قادم . كما إن أوغسطين عاش تجربة جنسية مع إمرأة إستمرت لأكثر من ثلاثة عشر سنة مملوءة بالحب العارم ، وكان حصيلتها ولادة ولده أديوداتوس (والتي تخلى عنها بعد ثلاثة عشر سنة حسب روايات البعض ، وهناك من يرى إنه تركها عندما ناهز ولده السابعة عشرة ربيعاً ، وبالتحديد في عام 389م وذلك عندما تحول إلى المسيحية ، وكان أوغسطين يومها إبن خمس وثلاثين ربيعاً) . وهذه العلاقة الجنسية وما إرتبط بها ستترك أثاراً على حياته الإجتماعية والفكرية ، وعلاقته بإمه التي ستكافح بإتجاه إنتخاب الزوجة المناسبة له … وهذا طرف سنبحثه في مقال خاص كذلك .
4 – الأكاديمي أوغسطين والتعليم العالي
بعد إكمال دراساته في قرطاج ، عاد أوغسطين إلى مدينة تكاست الجزائرية ، وأخذ يعلم فيها النحو وبالتحديد خلال عامي 373 و374 ، ولكنه لم يستقر فيها ، فقرر العودة إلى قرطاج ، وأدار هناك مدرسة للخطابة والبيان . وفعلاً إستمر هناك لمدة تجاوزت التسع سنوات . ومن ثم أخذ ينزعج من تصرفات الطلاب غير اللائقة ، فرأى إنه من الأسلم ترك قرطاج والتحول إلى روما عاصمة الثقافة الأولى للإمبراطورية الرومانية . وفعلاً في العام 383 إنتقل إلى روما ، وأسس فيها مدرسة له . وكان يعتقد أوغسطين إنه في روما يتوافر الكثير من أفضل رجال الخطابة . ولكن حال أوغسطين لم يسير بيسر في روما ، فسرعان ما خابت أماله بمدارس الخطابة فيها ، وخصوصاً عندما تجاهلته ولم تهتم به هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر فإنه مل من تصرفات الطلاب في روما ، وهي كثيرة . فمرة وهو ينتظر حلول إستلام الأجور الدراسية التي يدفعها طلاب الخطابة لمدرسته ، هرب الطلاب ولم يدفعوا له شيئاً .
ورغم هذا الحال المخيب للآمال ، فإن الصدفة لعبت دوراً في فتح أبواب جديدة أمام معلم الخطابة أوغسطين ، والتي فيها بوراق من الأمل . فقد كان له صديق من المانويين ، والذي لعب دوراً في تقديمه إلى محافظ مدينة روما ، وهو كونتويس أورليوس سامكيوس (345 – 402م) وحينها كان يبحث المحافظ عن بروفسوراً للخطابة ، وذلك ليشغل هذه الوظيفة في المحكمة الإمبراطورية في ميلانو . وفعلاً فقد نجح أوغسطين في الحصول على هذه الوظيفة الأكاديمية من بين عدد من المرشحين . وبدأ العمل بالتحديد في نهايات عام 384 .
ونحسب من المفيد الإشارة إلى إن أوغسطين في هذه الفترة أظهر ميولاً واضحة لصالح العقيدي المانوي مع محافظة على مستوى واطئ في تراتبية المانوية ، فقد ظل بمنزلة مستمع في الحلقات المانوية ، ومن ثم أصبح معلماُ . وأخذ بعد ذلك ينسحب شيئاَ فشيئاً منها (وهناك مؤشرات لبداية هذا الإنسحاب قد حدثت في قرطاج وهذه قصة سنبحثها في مقالنا المعنون مانوية القديس أوغسطين) وتحول إلى الضفاف الآمنة للمذهب الفلسفي الشكي الذي هيمن على مصير أكاديمية إفلاطون ، وبالتحديد فيما يُسمى بالمرحلة الوسطى للأكاديمية ، وأصبح من مناصري حركة الأكاديمية الجديدة .
ومن طرف أخر فقد كانت عيون مونيكا والدة أوغسطين تُراقب عن كثب تحولات ولدها أوغسطين العقيدي والفلسفي ، وحسبت إن في هذا التحول نحو معاقل الشكية الفلسفية تباشير مشجعة لها لتعمل من جديد على إقناع ولدها للتحول إلى شواطئ المسيحية . إلا إن أمالها تبددت حين فضل أوغسطين العمل بجد على إنجاز دراساته الخاصة حول الإفلاطونية المُحدثة خصوصاً وإن صديقه المحافظ ساميكوس كان يُشجعه بإلحاح على السير في هذا الإتجاه .
أوغسطين كاتب سيرة ذاتية وفيلسوف تاريخ
قبل الخوض في مسألتين مهمتين في تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما تقديم أولاً – أوغسطين كاتباً لأول سيرة ذاتية في تاريخ السير ، والتي تمثلت في رائعته التي حملت عنوان الإعترافات . وثانياً – التأمل في رائعته الفلسفية – التاريخية (وبالطبع اللاهوتية) المعنونة مدينة الله ، نود تعريف القارئ بأوغسطين مؤلفاً وكاتباً ، وهي مسألة في غاية الأهمية في بيان المكانة التي إحتلتها الإعترافات ومدينة الله بينها . في الحقيقة إن أوغسطين كتب قبل الإعترافات ومدينة الله العقيدي المسيحي ، فيها رد ونقد وتفنيد (هجوم) على المانوية التي إعتنقها لمدة تسع سنوات ، والوثنية اليونانية – الرومانية التي كانت دين والده (أي والد أوغسطين) . فمثلاً تشير الدراسات إلى إنه كتب ما يُقارب المئة عنواناً . وقد صنفها الباحثون في تراث أوغسطين إلى :
أولاً – الأعمال الدفاعية (دفاع عن العقيدي المسيحي ضد هرطقات صادرة من رجال لاهوت مسيحيين وغير مسيحيين) : والتي شملت هرطقات كل من الإريوسية (وهي فرقة مسيحية) ترتبط بإسم مؤسسها إريوس الإسكندراني المصري (250 – 336م) والذي سبب سخط الكنيسة عليه في مناقشة العلاقة بين الله – الأب والله – الأبن ، وإعتبر كلامه عن الله – الإبن وحدة منفصلة من الوحدة الكلية لله – الأب ، كلام هرطقة أيده مجمع نيكا عام 325م . وهذا الأمر حدث قبل ولادة القديس أوغسطين بحدود الثلاثين عاماً . ولكن يبدو إن هذه الفرقة كان لها وجود في العصر الذي تحول فيه أوغسطين إلى معاقل المسيحية ، فبدأ كتاباته في هذا المضمار والذي صدر عليه شجب من المجمع الكنسي كما قلنا .
والحركة المسيحية الهرطقية الثانية التي كتب عنها ، ويبدو إنها كانت منتشرة بين البربر ، وفي الجزائر خصوصاً ، فهي الدوناتاسية ، وهي فرقة مسيحية ترتبط بإسم الإسقف البربري دوناتاس مكنيوس (أصبح رئيس أساقفة في قرطاج عام 313م) . وهذه الحركة إنتشرت في الجزائر وجرى حولها الجدل ، على الأقل قبل ولادة القديس أوغسطين بنصف قرن من الزمن . ولعل الأمر الذي حمله على الكتابة عنها ، هو إن لها وجود مستمر في مرابض أهل أوغسطين في عنابة الجزائر .
ومن ثم جاء موضوع العقيدي الأول (المانوية) والذي تحول ليصبح الخصم اللاهوتي الهرطقي للمسيحية على يد أوغسطين ، وهو المؤمن بها (لفترة تجاوزت التسع سنوات وأثارها عليه ظلت إلى الآبد) وهو العارف الخبير بتفاصيلها وطقوسها ، قوتها ونقاط الهشاشة فيها . ومن المعروف إن المانوية خالطت العقيدي المسيحي ، وإنتشرت بين المسيحيين وغير المسيحيين وفي عموم الإمبراطورية الرومانية ، وخصوصاً في العاصمة روما (ولا تنسى قصة الصديق المانوي الذي كان صديق محافظ روما وصديق أوغسطين ، وهو الذي عرفه بالمحافظ ، ومن خلال ذلك حصل على وظيفة بروفسور…) .
صحيح إن العقيدي المانوي ، هو عقيد ثنائي ينهض على الإيمان بقوتين تحكمان كل شئ في العالم وحياة الإنسان ، وهما في حالة صراع مستمر ؛ الخير ، وهو عالم روحي يمثله الضوء ، والشر ، وهو عالم مادي تمثله العتمة . وهذا الصراع يغطي تاريخ الإنسانية برمته (مع وجود فترات يسود فيها الخير فيملأ الأرض عدلاً ، وفترات يهيمن الشر فيملأها ظلماً) . ومن الصحيح إن القديس أوغسطين تخلى عن العقيدي الثنائي المانوي ، إلا إنه إنتقل إلى العقيدي المسيحي الذي يؤمن بالثالوث (ثلاثة أقانيم : الأب والأبن وروح القدس) . وهكذا هرب أوغسطين من مشكل الثنائية المانوية ، ليجد نفسه أمام مشكل أكثر تعقيداً وهو مشكل الثالوث المسيحي .
ومن ثم كتب أوغسطين عن فرقة هرطقية أخرى ، وهي فرقة البيلاجيانية نسبة إلى مؤسسها الزاهد بيلاجيوس (354 – 420 / أو 420م) والذي كان معاصراً لأوغسطين ومن هنا تأتي أهميته . أثار بيلاجيوس النقاش حول قضية الخطيئة الأصلية حسب العقيدي المسيحي . وذهب في نقاشه مذهباً بعيداً عن شواطئ المسيحية . بل وفيه مخالفة لإعتقاد المسيحية في الخطيئة الأصلية . فهو يرى إن الخطيئة الأصلية لم تُفسد الطبيعة الإنسانية ، وإنما على العكس إن الإرادة الإنسانية (الفانية) لازالت قادرة على الإختيار بين ما هو خير وشر ، دون الحاجة إلى عون إلهي .
إن أهمية ما كتبه أوغسطين ، يأتي من إنه معاصر لهذا الناسك المسيحي ، وإن فرقته كان له الأثر في الحياة المسيحية يومذاك ، وهكذا سخر أوغسطين للرد عليهم وتفنيد دعواهم التي لا تتناغم والإنجيل وقوله بالخطيئة الأصلية التي لوثت الطبيعة البشرية ، ولهذا فهي محتاجة إلى عون إلهي ، وهذا ما يُقدمه الفادي (المسيح) للبشر ليخلصهم من خطيأتهم الأصلية ، والتي تحولت إلى عقيدة أصيلة في مشروع الإنقاذ المسيحي للبشرية . وهكذا وجد أوغسطين نفسه مسؤلاً في الرد عليهم وكشف هرطقتهم ، ومن ثم الدفاع عن عقيدة الخطيئة الأصلية التي يقوم عليها اللاهوت المسيحي برمته والنظر إلى المسيح مخلصاً وفادياً للإنسانية .
ثانياً – الأعمال العقيدية المسيحية (اللاهوتية المسيحية)
كتب أوغسطين مجموعة رسائل وكتب ، هدف منها إلى تعزيز ثقة المسيحيين في عقيدتهم الدينية وتقديم شرح وتبسيط لها ، وهدف من كتابة بعضها لظروف عصيبة مرت بها الإمبراطورية الرومانية . ولنبدأ بالنوع الأخير من الكتابات ، وهي كتابات التحديات والتي جاءت بعنوان قوط غربيون وكتبه للتحدي الذي قامت به هذه الجماعة للإمبراطورية ، ومن ثم إحتلال أراضيها ، حتى إنها تمكنت من إجتياح روما في العام 410م وكان القديس أوغسطين حياً ، وهو إبن الرابعة والستين .
ومن ثم كتب حول الثالوث والذي كان رسالة سايكولوجية ، ويُنظر إليها كواحدة من روائعه في اللاهوت . وألف في الإختيار والإرادة وعالج في هذه الرسالة قضية الشر التي تشغل الأديان جميعاً ، ولكن إوغسطين عالجها من خلال حرية الإرادة وفيه وجه نقد للمانوية عقيدة الأمس ، وجادل في تفضيل النزعة الفلسفية الشكية . كما كتب أعمالاً أخرى في مضمار اللاهوت ، منها العقيدة المسيحية ، ورسالة بولس إلى الرومان ، وسفر التكوين ، والمزامير ، ومجموعة خطب دينية ورسائل …
الإعترافات : السيرة الذاتية من زاوية فلسفة التاريخ
لم يكن كتاب الإعترافات (وفي عنوان أخر إعترافات القديس أوغسطين) هو أول الكتب التي كتبها أوغسطين كما بينا أعلاه . إلا إنه يتصدر قائمة الكتب التي تحدثت عن الحياة الشخصية في تاريخ الثقافة الغربية ، ومن بعده سار على هذا النهج الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 – 1650) خصوصاً في تجربته العقلية والتي أودعها كتابه المعنون تأملات في الفلسفة الأولى (حياة الشك في المحسوسات والعقليات وإقترب من الوثوقيات الدينية وتوقف خوفاً مما حدث لغاليلو غاليلي …) وجان جاك روسو (1712 – 1778) الذي كتب سيرته الجريئة تحت عنوان القديس أوغسطين ذاته الإعترافات . ولكن مع إضافة إسمه ، فجاءت بالصورة الآتية إعترافات جان جاك روسو ، والتي غطت الثلاثة والخمسين سنة الأولى من حياته ، والذي كتبه عام 1770 ، ولم ير النور إلا بعد موته بإثنتي عشر سنة (نشر عام 1782) … والقائمة طويلة .
كما إن أوغسطين كتب الإعترافات بالتأكيد قبل ملحمته مدينة الله . فقد كتب الإعترافات في العقد الأخير من القرن الرابع الميلادي . في حين كانت مدينة الله من إنتاج يراعه في القرن
الخامس الميلادي . وإن كتاب الإعترافات هو من أوائل النصوص التي كُتبت في مضمار السير الذاتية في دائرة الثقافة الغربية . ويتألف من ثلاثة عشر كتاباً (أو جزءً) . وكتبه أوغسطين باللغة اللاتينية ، والتي كانت يومها لغة السياسة والإدارة والعلم والثقافة في الإمبراطورية الرومانية (ومن ثم إستمرت لغة العلم والثقافة حتى العصور الحديثة . فمثلاً كتب ديكارت وكانط مؤلفاتهما بالاتينية …) . وصرف أوغسطين في إكمال كتاب الإعترافات ثمانية سنوات ، بدأت منذ عام 389 وإستمرت حتى عام 397 الميلادية .
أما نشرته الإنكليزية فقد حملت عنوان إعترافات القديس أوغسطين ، وذلك لتمييزها من كتب الإعترافات التي حملت العنوان ذاته . والحقيقة إن العنوان الأصلي لكتاب أوغسطين جاء بالعنوان الآتي : الإعترافات في ثلاثة عشر كتاباً . ويرى الباحثون في مضمار فلسفة التاريخ عامة ، وفي ميدان السير الذاتية خاصة ، على إن كتاب الإعترافات للقديس أوغسطين تحول ليكون موديلاً (إنموذجاً) لعدد من الكُتاب المسيحيين ، وفرض هيمنته وتأثيره في العصور الوسطى ولمدة تجاوزت العشرة قرون من الزمن .
مع الإشارة إلى أن كتاب الإعترافات ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة ، وذلك لأن المؤلف كتبه وهو في الأربعينيات من عمره (وإن هناك ما يُقارب الثلاثة عقود والنصف من عمره ، والتي لم يعيشها أوغسطين بعد ولذلك لم يكتب عنها شيئاً في الإعترافات) وعلى هذا الأساس ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة . والكتاب برمته من زاوية فلسفة التاريخ ، هو نوع من التأمل الفلسفي في تاريخ البطل أوغسطين ، أفعاله وإختياراته ، إنجازاته وكبواته ، خطاياه وندمه ومن ثم رحلة الإنقلاب والتحول إلى شواطئ المسيحية …
والكتاب فيه تجارب وفلسفة وعبر (وهذا الأمر يضمه إلى أحضان فلسفة التاريخ بإستحقاق عال) . فالإعترافات كتاب الندم من حياة الخطيئة التي عاشها (التي إستمرت لمدة سبعة عشر عاماً) والتي كادت أن تخنق فيه روح كل ماهو أخلاقي . وفيها عبرة وندم على متابعة العقيدي المانوي (والذي إستمر لمدة تسع من السنيين) ، وندم من الإعتقاد بالتنجيم ، وكشفه عن دور نبرايدوس (منا = وهو صديق لأوغسطين جاء ذكره في رسائل أوغسطين كذلك) في إقناعه بالإعتقاد بالتنجيم . ويرى أوغسطين إن اعتقاده بالتنجيم ليس خطأ فحسب ، بل هو شر بحد ذاته . وبالمقابل بين دور القديس إمبروز (340 – 397م) في إقناعه للتحول إلى شواطئ المسيحية . وبالمناسبة إن القديس إمبروز مات في السنة ذاتها التي أنجز القديس أوغسطين كتابه الإعترافات .
ونحسب من زاوية فلسفة التاريخ إن هناك إشكالاً في كتاب الإعترفات من طرف المنهج الذي إعتمد عليه القديس أوغسطين ، فالكتب التسعة الأولى هي فعلاً سيرة ذاتية تتحدث عن البطل القديس أوغسطين . في حين إن الكتب الأربعة الأخيرة ، هي شروح ومزامير . ويبدو إنه لا علاقة لها بالسيرة الذاتية . ولكن في الواقع إن هناك جسوراً من الإتصال بين الكتب التسعة الأولى والكتب الأربعة الأخيرة ، وهي إن خطيئة القديس (البطل) أوغسطين أو الأصح خطاياه حملته على البحث عن وسائل تكفيرعن الخطايا ، فكانت الكتب الأربعة الأخيرة هي الوسائل والتي تمثلت بالصلوات وترانيم التكفير ، والتي تتقدمها مزامير داود . وهنا نقدم جرداً مختصراً لكتاب الأعترافات ونقترح توزيعه في بابين :
الأول – ويضم الكتب التسعة الأولى من الإعترافات والتي غطت فعلاً سيرة القديس (البطل) أوغسطين الجزائري (ونحسب إنها سيرة الخطيئة والذنوب بلغة أوغسطين المسيحي) . وجاءت بالشكل الأتي :
الكتاب الأول والذي كان بعنوان السنوات الخمسة عشر الأولى .
الكتاب الثاني ركز على عمر أوغسطين في السادسة عشرة .
الكتاب الثالث عالج حياة أوغسطين من السادسة عشرة وحتى الثامنة عشرة .
الكتاب الرابع قدم وصفاً لما حدث لأوغسطين من الثامنة عشر وإلى السابعة والعشرين
الكتاب الخامس شرح فيه الأحداث التي عاشها في السنة الثامنة والعشرين من عمره .
الكتاب السادس وحمل عنوان التاسعة والعشرين .
الكتاب السابع وجاء بعنوان في الثلاثين .
الكتاب الثامن في عمر الحادية والثلاثين .
الكتاب التاسع في الثانية والثلاثين .
الثاني – وشمل الكتب الأربعة الأخيرة من الإعترافات ، والتي تناولت وسائل العزاء والتكفير عن خطايا وذنوب البطل أوغسطين ، وهي سيرة أوغسطين الحاضرة (وهو يعيش في رحاب المسيحية) والتي جاءت بالصورة الآتية :
الكتاب العاشر وحمل عنوان إعترافات أوغسطين عن حياته الراهنة (المسيحي الراهن مقابل ماضي الخطيئة والذي ضمته الفصول التسعة قبل أن يصبح مسيحياً والتي غطت إثنتين وثلاثين سنة من عمره) .
الكتاب الحادي عشر وجاء بعنوان حول الله والخلق وسفر التكوين .
الكتاب الثاني عشر وكان عنوانه الجنة (السماء) والأرض .
الكتاب الثالث عشر وقدم وصفاً لأيام الخلق (سفر التكوين) .
مدينة الله : بين التاريخ والفلسفة واللاهوت
من القار الثابت لدينا إن أوغسطين وكما أشار علانية في الكتاب الرابع من إعترافاته إلى إنه قرأ كتاب المقولات للفيلسوف اليوناني أرسطو . وأرسطو هو تلميذ إفلاطون لمدة أكثر من عشرين سنة و داينمو أكاديمية إفلاطون . وهذا الكلام له دلالات كثيرة في مضمار كتابة رائعة أوغسطين الشهيرة مدينة الله . وذلك من طرف إن الأستاذ إفلاطون كتب عن المدينة اليونانية المثالية ، وإن التلميذ أرسطو وكتابه المقولات كانا موضوع قراءة من طرف القديس أوغسطين . ولهذا نحسب إن مدينة الله التي كتبها القديس أوغسطين تحتاج إلى دراسة عربية تقارن بين أفكار إفلاطون وأرسطو والرواقية وشيشرون وأفكار أوغسطين وأسوارها الإنجيلية في تكوين مدينته أو مدينة الله .
كما إن أوغسطين يعترف في كتابه الإعترافات ، وبالتحديد في الكتاب الثالث على إنه قرأ شيشرون في بواكير حياته الدراسية ، وخصوصاً جمهوريته ، والتي نحسب إن فيها إستبطان كثير لرائعة الفيلسوف اليوناني إفلاطون . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الكثير من أفكار إفلاطون (إذا لم يقرأها أوغسطين مباشرة من إفلاطون وجمهوريته أو من خلال مدينة الرواقية والمواطن الرواقي العالمي الذي تبنته المسيحية) فتكون قد عبرت إلى أوغسطين عن طريقين : الأول جمهورية شيشرون . والثاني الإفلاطونية المحدثة التي كان أوغسطين ميالاً لها ، وخصوصاً من طرف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري الذي تقدم بشرح أو إختصار لجمهورية إفلاطون كما تشير إلى ذلك قائمة مؤلفاته .
صحيحُ إن أوغسطين كتب مدينة الله باللاتينية (ولذلك كان عنوانها اللاتيني هو دي سفيتاتي ديا كونترا بيكينز (مع بعض التحفظ على كونترا بيكنز ، والذي نعتقد إنها إضافة متأخرة والعنوان الأصلي هو دي سفيتاتي ديا أي بالعربية مدينة الله) ، ومن ثم تُرجم إلى الإنكليزية بعنوان مدينة الله المعارضة (ضد) الوثنيين (منا = اي مدينة الله المعارضة للمدن الوثنية) أو مدينة الله كتاب الفلسفة المسيحية كتبه أوغسطين في بواكير القرن الخامس الميلادي .
ويبدو لنا إن العنوانين الأخيريين جاءا من مخطوطة تعود إلى فترة متأخرة وذلك لأن الحديث عن معارضة المدن الوثنية (أو الوثنيين) أو الإشارة إلى الفلسفة المسيحية (في عنوان كتابه مدينة) في عصر أوغسطين يتعارض مع حقائق التاريخ التي تكشف بأن العالم الروماني (الوثني بعقائده من زاوية المسيحية) وفلسفاته المتنوعة عصر أوغسطين كان في مواقع القوة ، في حين كانت المسيحية في مواقع الدفاع . وإن هذا الأمر سيستمر حتى بعد قيام الإمبراطور الروماني جوستنيان بغلق المدارس الفلسفية عام 529 م (أي القرن السادس الميلادي) .
وكتاب مدينة الله في حساب الأكاديميين الغربيين ، هو واحد من أعمال أوغسطين الكبرى ، والذي يحتل مكانة بجوار رائعته الإعترافات ، وكتاب إنكريدين (باللاتينية) وبالعربية الكتاب الدليل (ويشمل الإعتقاد ، الأمل والحب) ، وكتابه العقيدة المسيحية (أو التعاليم المسيحية) ،
وكتابه الثالوث (والذي ناقش معانيه في ضوء المفهوم الفلسفي اللوغوس (العقل الكوني) .
كما وشكل كتاب مدينة الله من زاوية فلسفة التاريخ ، قلب المدنية الغربية ، وإن أوغسطين هو رمز من الرموز المسيحية الكبيرة في مضمار ما يُسمى بالمسيحية الغربية .
دوافع كتابة مدينة الله
يبدو إن فشل الإمبراطورية الرومانية في صد هجمات القوط الوثنيين بمنظار المسيحيين (وبالطبع أوغسطين واحداً منهم) كان الدافع وراء كتابة مدينة الله (الرسالة التي وجهها أوغسطين لعموم المسيحين بعد صدمة سقوط روما عاصمة الإمبراطورية بيد القوط الوثنيين) . ولذلك نحسب إن قضية سقوط الحضارة الرومانية (والسقوط تحول إلى موضوع دراسة لفلاسفة التاريخ وظهر عنواناً للعديد من مؤلفات فلاسفة التاريخ) هو الموضوع الذي حرك يراع أوغسطين ليكتب مدينة الله وليشرح فيها علاقة المسيحية (وهي في حالة تنافس) بالأديان والفلسفات الرئجة يومذاك هذا طرف . والطرف الثاني ليبين علاقة المسيحية بالإمبراطورية الرومانية ، والتي أخذت العلاقة بينهما تتداخل وتتشابك بدرجات متصاعدة يوماً بعد يوم . والشاهد على ذلك إنه كتب مدينة الله حال سقوط روما بيد القوط عام 410م ، وهي الحادثة التي هزت عالم الرومان والتي صاحبها إعتقاد شاع في الأوساط الرومانية ، إن سقوط روما رمز هيبة الإمبراطورية الرومانية جاء بسبب تخلي الرومان عن ديانة الأجداد التقليدية ، والتحول إلى شواطئ الكاثوليكية المسيحية .
إذن في ظل هذه الأجواء العصيبة ، كتب أوغسطين مدينة الله ، وذلك ليقدم العزاء والسلوى للمسيحيين ، وليبين لهم بأن القواعد الأرضية للإمبراطورية تعرضت للإنهيار (سقوط مدينة الأرض أو مدينة الإنسان) ، فإن في مدينة الله (المملكة المسيحية) سيكون الفوز والإنتصار المبين . وفعلاً فإن أنظار أوغسطين تحولت نحو السماء (الجنة) وهي مدينة الله . والحقيقة إن هذا الموضوع الذي كتب فيه أوغسطين سيكون موضوعاً مشتركاً للعديد من الكتاب المسيحيين يومذاك والفترة اللاحقة .
وبريشة فيلسوف التاريخ رسم أوغسطين تاريخ الإنسانية على إنه صراع بين ما أسماه مدينة الإنسان ومدينة الله . وإن قدر هذا الصراع محسوم لطرف مدينة الله ، وذلك لأن الناس في مدينة الله قد تخلوا عن المباهج واللذات الأرضية الزائلة ، ورهنوا بالمقابل حياتهم للحقائق الأزلية (الله = لاهوت مسيحي) وهي بالتأكيد تشكل مكونات العقيدي المسيحي . بينما الناس على شاطئ مدينة الأرض والإنسان قد غرقوا في المباهج واللذات الأرضية (لذات عالم زائل) .
صحيح جداً إن مدينة الله فيها متابعة واضحة للاهوت المسيحي . إلا إن الفكرة الأساس التي تدور حولها آليات المدينة ، هي فكرة الصراع ما بين قوتين الخير والشر . وهذه الفكرة بتقدير إجماع الأكاديميين الغربيين ، هي فكرة نزلت إلى مدينة الله من المانوية عقيدة أوغسطين السابقة (تذكر إن أوغسطين كما ذكرنا ظل في صفوف المانوية فترة تجاوزت التسع سنين ، وكان فيها بمستوى مستمع ، ومن ثم صعد إلى مصاف معلم) . وفي الحقيقة إن فلسفة المانوية تنهض على فكرة الصراع ما بين الضوء والظلمة (العتمة) أو الخير والشر . وفي حالة مدينة الله فإنها تمثل مدينة الضوء ، بينما مدينة الإنسان (الأرض) فهي مدينة الظلمة والعتمة . ونحسب على هذا الأساس (ونضيف إنه بقلمه إعترف في كتابه الإعترافات بعقيدته المانوية السابقة وهذا ما بيناه أعلاه) إستنتجوا إن أوغسطين إستبطن الأفكار المانوية في البناء الفلسفي لمدينة الله .
كما إنه من الصحيح عندما تخلى أوغسطين عن عقيدته المانوية السابقة ، تحول إلى ضفاف الشكية أولاً ومن ثم إستقر في أحضان فلسفة الإفلاطونية المُحدثة (أنظر معالجتنا لكتاب أوغسطين الإعترافات) . وهذا الكلام له دلالات مهمة ، منها إن أوغسطين لون فكرته عن مدينة الله بإطار فلسفي إفلاطوني مُحدث مع إستبطان لأفكار مانوية ، وخصوصاً في فكرة الصراع ما بين : الضوء والعتمة أو الخير والشر .
توزع كتاب مدينة الله في جزئين :
الأول – كان نقدياً (سلبياً) وضم عشرة كتب (من الأول وحتى العاشر) .
الثاني – بنائي (إيجابي تكويني) وشمل إثنتي عشر كتاباً (من الحادي عشر وحتى الثاني والعشرين) .
ركز الجزء الأول النقدي من كتاب مدينة الله على طرفين ؛ الأول وكان بعنوان نقد الرومان (وبكلماته نقد روما) وقدم فيه أوغسطين تقويماً نقدياً (وبالطبع من زاوية القس المسيحي أوغسطين) وخصص له خمسة كتب (من الأول وحتى الخامس) . وهو في الحقيقة نقد
لجوهر المكون الثقافي – الحضاري للرومان . والثاني كان بعنوان نقد الفلسفة الوثنية ، والذي تكون من خمسة كتب (من السادس وحتى العاشر) . وبالطبع جاء نقد الفلسفة اليونانية من زاوية رجل اللاهوت المسيحي أوغسطين .
أما الجزء الثاني من كتاب مدينة الله ، فدرس أطراف عدة ؛ الأول كان بعنوان إصول المدينتين (أي مدينة الإنسان ومدينة الله) وتألف من أربعة كتب (من الحادي عشر وحتى الرابع عشر) . والثاني جاء بعنوان تاريخ المدينتين (أي تاريخ مدينة الإنسان وتاريخ مدينة الله) وفكرة تطورهما (أو تقدمهما) . وتكون هذا الطرف من أربعة كتب (من الخامس عشر وحتى الثامن عشر) . والطرف الثالث والأخير من الجزء الثاني لكتاب مدينة الله فقد كان بعنوان قدر المدينتين المحتوم . وتشكل من أربعة كتب أيضاً (من التاسع عشر وحتى الثاني والعشرين) .
تعقيب
يبدو لنا إن القديس أوغسطين أو ما يسمى بفيلسوف المسيحية الغربية (وهو الشرقي الجزائري ، من مدينة عنابة) لم يكتب (أو على الأقل لم ينشر) شيئاً قبل تحوله إلى أحضان العقيدي المسيحي (وهو الذي قاوم محاولات والدته المسيحية القديسة مونيكا للإعتقاد بالمسيحية) ولمدة تجاوزت العشرين عاماً . وإذا صح هذا الإفتراض (إفتراض عدم الكتابة قبل عمر الثلاثين وقبل أن يكون مسيحياً) ، فإن كتاباته بالتأكيد تلونت بعقيدي مسيحي مُنحاز . وهذا أمر طبيعي في تاريخ حركة التفكير وتكوين العقول والذهنيات عامة وأوغسطين إنموذجاً . ولكل هذا فهناك الكثير من الأسئلة تُثار حول حيادية وموضوعية قلم القديس أوغسطين حين كتب عن الموضوعات الحساسة مثل المانوية التي كانت عقيدته لفترة تجاوزت التسع سنيين من عمره ، والديانات الرومانية – اليونانية (وهي ديانة الوالد والأصدقاء) والتي أصبحت بجرة قلم وثنية ، والإتجاهات الفلسفية من أكاديمية شكية وإفلاطونية مُحدثة ، والتي تحول إليها بُعيد إن تخلى من المانوية ، وأصبح بروفسوراً أكاديمياً للخطابة في المحكمة الإمبراطورية الرومانية في ميلانو ، نقول بجرة قلم تحولت إلى فلسفات هرطقية .
حقيقة هذا هو قدرنا في التعامل مع مؤلفات القديس أوغسطين . ولكن نحن من طرف أخر محظوظين بكتاب أوغسطين الإعترافات ، ففيه العديد من الإمكانيات التي تُساعدنا على تكوين معايير للتمييز بين الموضوعية واللاحيادية في تفكير أوغسطين بُعيد تحوله إلى معاقل المسيحية ، ومن ثم دخوله في دوامة المصالح والحسابات في عملية الإنشاء والتأليف ، خصوصاً بعد إحتلاله منزلة عالية في تراتبية الكنيسة (رئيس أساقفة) ورجل لاهوت مدافع عن العقيدي المسيحي ضد ما يُسمى بالهرطقة (وبالتحديد المانوية التي كانت عقيدته لمدة تسع سنوات وشغل فيها مستمعاً ومن ثم ترقى إلى درجة معلم) .
—————————————————————————————
أوراق فلسفية جديدة / المجلد السادس / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014
—————————————————————————————

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s