الفلسفة والعلم في رائعة كارل ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة

 

—————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية مُتخصصة

يُصدرها

مركز دُريد الفرحان للأبحاث والدراسات

(كندا)

————————————————————————–

العدد

(68)

مايس (أيار)

(2022)

——————————————————————————

الفلسفة والعلم  

في رائعة كارل ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

————————————————————————————-

   صحيح إن ياسبرز كتب العديد من المؤلفات والمقالات في حياته الأكاديمية قبل نشر رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . كما إنه من الصحيح جداً إنه لم ينشر شيئاً ذات وزن في مضمار الفلسفة حتى عام 1931 وهو تاريخ ظهور ثلاثة مجلدات فلسفية إلى دائرة النور . ولكن من الحق الإشارة إلى إن ياسبرز ألم بصورة عميقة وتفصيلية في طرف واحد من أطراف العلاقة بين الفلسفة والعلم ، ونعني طرف العلم منها ومعلوم للجميع إن ياسبرز هو الطبيب ، ويحمل دكتوراه في الطب النفسي . وللقارئ نقول إنه نشر أول كتاب له ، وهو إطروحة الدكتوراه الأولى والتي كانت بعنوان الهومسك والجريمة في العام 1909 ، ونشر مقالته العلمية المتفردة في مجلة الزايمر عام 1912، والتي جاءت بعنوان فينومنولوجيا الأمراض النفسية . ومن ثم نشر إطروحته للدكتوراه الثانية والتي جاءت بعنوان علم النفس المرضي العام في سنة 1913 ، ومن ثم نشر كتابه سيكولوجيا النظر إلى العالم في عام 1919 . وبعد هذا الكتاب ، وبالتحديد في سنة 1920 عُين رئيساً لكلية الفلسفة في هيدلبيرك (7) .

وتكشف قائمة مؤلفاته بأنه نشر كتاب حول الفن ، وكان بعنوان ستراندبيرك وفان جوخ في عام 1922 . ومن ثم نشر مقالته الشهيرة فكرة الجامعة ، والتي ظهرت في العام 1923 ، والتي حصد منها ملايين الماركات الألمانية يومذاك (قُدرت بأكثر من ثمانية ملايين) . وهناك شعور بين النقاد من إن الفيلسوف الوجودي هيدجر قد أستفاد منها في الخطاب الذي ألقاه  في 27 مايس 1933 بعد إنتخابه رئيساً لجامعة فيربيرك (8) . وفي العام 1924 ألقى ياسبرز خطاباً في الإحتفال بمرور مائتي عام على ولادة الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط  (1724 – 1804) . وختم هذه الفترة من نشاطاته البحثية والكتابية ، بنشر كتابه الرائعة ، الذي حمل عموان ؛ (الإنسان في العصر الحديث) ، والذي صدر عام (1931)  .

والحقيقة إنه نشاط بالغ الأهمية في مسيرة الوجودي كارل ياسبرز ، ولكنه من زاوية نظر الكانطيين الجدد ، وخصوصاً رمزهم الكبير (الفيلسوف هنريخ ريكارت) ، والذي قاد بنفسه عملية الإحتجاج ضد ياسبرز ، وإتهمه بعجزه ونضوب أفكاره ، وإنه لم يكتب شيئاً في مضمار الفلسفة ومنذ لحظة تعيينه ، عام (1920) رئيساً لكلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك وحتى عام (1932) ، وهو عام المفاجأة للكانطيين الجدد ، وذلك بعد ظهور رائعة كارل ياسبرز ، والتي حملت عنوان ؛ (ثلاثة مجلدات في الفلسفة) ، فلاذوا ولاذ معهم رمزهم الكبير البروفسور هنريخ ريكارت إلى دائرة الصمت (9) .

وقبل مغادرة هذا الموضوع ، والتركيز على العلاقة بين الفلسفة والعلم في تفكير ياسبرز في رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، نود أن نشير إلى قضية تاريخية مهمة تلف أبحاث ياسبرز وصلتها بالفينومنولوجيا وفيلسوفها آدموند هوسرل (1859 – 1938) . والحقيقة بعد إن نشر ياسبرز إطروحته للدكتوراه الأولى الهومسك والجريمة عام 1909 ، ظهرت لياسبرز مقالته الشهيرة ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” ، والتي نشرت في العام 1912 . وهذه المقالة هي جزء من مجموعة تحليلات ياسبرز الرئيسية (في إطروحته الثانية للدكتوراه ، والمعنونة علم النفس المرضي العام) . والكلمة المفتاح هي الفينومنولوجيا ، وهي طبعة مكثفة لنتائج بحثه التي سيضمها الكتاب الذي كلفه بكتابته يوليوس سبرنكر في العام (1911) ، وليكون كتاباً أساسياً (مصدراً) للأطباء والطلبة خلال التدريب (10) . وكان هذا الكتاب المصدر ، هو الطبعة الأولى لمؤلفه الشهير الذي حمل عنوان ” علم النفس المرضي العام ” والذي نشر في مطبعة يوليوس سبرنكر ، برلين ، سنة (1913) . وفي حينها طبع وبعنوان فرعي ” دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس (السيكولجست) ” (11) .

وكان هذا الكتاب المصدر برأي (سوزانا كيركبرايت) ، يقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد :

إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان (12) .

لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل ، والتي صدرت في العام (1900) . ولم يكتف ياسبرز بذلك فقد سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 (13) .

وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) لياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه (منا : وهنا يلتقي ياسبرز وهيدجر وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :

” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911

الوالدان العزيزان

أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …

تحياتي وأشواقي

ولدكم

كلي ” (14) .

في ظل إعتراضات الكانطيين الجدد ، والضغط النفسي على ياسبرز ، والذي لازمه خلال دعوتهم في إن ياسبرز لم ينشر شيئاً مهماً في مضمار الفلسفة منذ أن أستلم رئاسة كلية الفلسفة (ولأكثر من عقد من السنيين / بحدود إثنتي عشر سنة) . ومن ثم تدخلت زوجته كيرترود ، وتخطيطها لمشروع إستثمار عقل هيدجر ، ومساهمته في مساعدة ياسبرز على الأقل كما هو معلن وشائع في أبحاث فعل التفلسف في كتاب ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والذي هو الطرف المهيمن في مقالات ياسبرز في هذا الكتاب . وبعد تحسس هيدجر من زوجته ألفريدا هيدجر ، وتخوفه من إكتشاف علاقته بطالبته حانا أرنديت ، رتب هيدجر موضوع قبول حانا أرنديت لدراسة الدكتوراه في جامعة هيدلبيرك بدلاً من جامعة ماربورك ، وأقنع ياسبرز على الإشراف على إطروحة حانا والتي كانت بعنوان مفهوم الحب عند القديس أوغسطين (15).

وهكذا أصبح ياسبرز المشرف على حانا بدلاً من هيدجر ، الذي كانت حانا تتطلع أن يكون مشرفاً على إطروحتها للدكتوراه . وما إن وصلت حانا إلى جامعة هيدلبيرك ، فقد وجدت نفسها منخرطة في مناقشات والترتيب لكتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وكذلك فقد أسهم الصديق أرنست ماير (وهو أخو كيرترود وزميل ياسبرز منذ سنوات كلية الطب) في التعاون مع ياسبرز في قراءة مخطوطة ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والذي شكره ياسبرز وإعترف بفضله . في حين أغفل فضل الفيلسوفة حانا أرنديت ، وبالطبع أهمل أية إشارة إلى هيدجر ودوره في مناقشة فعل التفلسف وتحديد حجم دوره . إلا إن رسائل ياسبرز إل زوجته كيرترود فضحت أمر هذا التعاون وسخاء آل ياسبرز في دفع تكاليف ما أسموها زيارات هيدجر للقاء بياسبرز في هيدلبيرك (16) .

إن القارئ للتصدير الذي كتبه كارل ياسبرز للطبعة الألمانية الأولى لكتاب ثلاثة مجلدات في الفلسفة والتي ظهرت للنور عام 1931 (بالطبع نعتمد علن النشرة الإنكليزية) لم يجد حديث أو إشارة عن علاقة الفلسفة بالعلم . إن كل ما يدركه ، هو دفاع ياسبرز عن مفهومه للفلسفة ، والأصح هو دفاعه عن مفهومه الخاص للفعل يتفلسف ، وهو جوهر كتابه هذا ، وهو في الوقت ذاته مجاهدة ياسبرزية للكشف عن معاني كلمة التفلسف . فيقول صراحة وبالنص : ” في التفلسف ، أنا لم أكن باحثاً على الإطلاق عن القناعة التي توفرها لي معرفة الأشياء في العالم الخارجي . إن ما يدفعني للبحث عنه (أي فعل التفلسف) ويهمني كثيراً ، هو إنه تفكير يعمل على تحويل وعيي بالوجود وكحالة إستيقاض لي ، ويجلبني إلى ذاتي بدوافع أصيلة ، وتظل محاولة بحث في الوجود بحيث تصنع مني أن أكون أنا . وبالطبع إن المعرفة الموضوعية ليس في إمكانها أن تعمل ذلك ” (17) .

ولما كان هذا هو مفهوم الفعل يتفلسف عند رجل اللاهوت الوجودي ياسبرز (ويبدو إن الفلسفة بالمفهوم التقليدي حدُ لا يُفضله ياسبرز) وذلك لكونه يتضمن عدم توافر قناعة ياسبرزية بالمعرفة الموضوعية . وكما هو متداول في دوائر الفلسفة العلمية ، إن العلم هو معرفة موضوعية . فالسؤال الذي يرفع نفسه هنا ؛  ما هي طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم في ضوء مفهوم كارل ياسبرز الخاص للفعل يتفلسف ؟ ونحسب في البداية أن نُخبر القارئ بأن ياسبرز في تصدير عام 1931 لكتاب ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، كان صريحاً في موقفه من المعرفة الموضوعية ، فقال بوضوح : ” إن ما نعنيه بالمعرفة الموضوعية ، هي العامل الوحيد ، بدلاً من الوعي بالوجود الذي يخلق الفعالية الفلسفية ” (18) .

  والحقيقة إن ياسبرز كان عارفاً بأنه يتصارع مع تاريخ طويل للمفهوم التقليدي لإصطلاح الفلسفة (وهي الطرف الأول في موضوع بحثنا العلاقة بين الفلسفة والعلم في تفكير ياسبرز)

. ولذلك حاول مجاهداً ضبط معنى ودلالات الفعل يتفلسف (وكذلك رسم معنى كلمة التفلسف) . ولهذا ذهب شارحاً ، فأفاد : ” إن التفلسف هو طريق الإنسان لملامسة الوجود تاريخياً . وفي عصره ، إن الوجود كما يبد ظاهرياً ، وليس الشئ بذاته ، وهو الطريق إلى الوجود . والتفلسف هو التعبير عن الأيمان دون وحي ، وهو يخص الأخرون الذين إختاروا الرحلة في الطريق ذاته … وفي عالم ألقى الشك حول كل شئ ، فإن التفلسف (منا : وليس الفلسفة بمعناها التقليدي) هو محاولتنا في الإمساك بفرصتنا دون الحاجة إلى معرفتنا بمصيرنا النهائي ” (19) .

المهم في تصدير عام 1931 ، هو إنه قدم ياسبرز ناقداً لتاريخ الفلسفة العتيد ، وذلك من خلال إهتمامه بالفعل يتفلسف بدلاً من الفلسفة ، ونقده للفلاسفة بصورة عامة ، مع إهتمام خاص بعدد قليل منهم . ونحن نفهم موقف ياسبرز والأسباب التي حملته إلى التحول من الفلسفة وتاريخها العتيد إلى الفعل يتفلسف ومنها إلى كلمته الشهيرة البديلة التفلسف . وحتى لا نظلم ياسبرز نقول إن سيرته الذاتية والتي كانت موضوع تآملاتنا الطويلة ، كشفت لنا جملة حقائق ؛ منها إن ياسبرز لم يتخرج من قسم الفلسفة ، وإنما درس القانون وحضر ثلاثة فصول دراسية ، ومن ثم تحول إلى دراسة الطب ، وأنهى إثنا عشر فصلاً دراسياً ، وكتب إطروحته للدكتوراه في الطب النفسي (وبالطبع ليس في الفلسفة) وكانت بعنوان الهومسك والجريمة  . وكتب إطروحته للدكتوراه الثانية وكانت بعنوان علم النفس المرضي العام ، ولم يكتب بحثاً فلسفياً حتى نشر ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، التي هي موضوع بحثنا ، والتي حملت الخروج على الفلسفة التقليدية ونقدها ونقد فلاسفتها (20) .

والسؤال : ما هي الدواعي التي حملت ياسبرز إلى نقد الفلسفة بالمعنى التقليدي والتحول بدلاً منها إلى مضمار التفلسف ؟ ولماذا لم يهتم بتاريخ الفلسفة الذي هو المدخل الحقيقي للدرس الفلسفي ؟ نحن نعرف الدوافع الحقيقية وراء ذلك وهذا الأمر بيناه أعلاه . ولكن المهم وهذه حقيقة كشفتها سيرة ياسبرز الذاتية إنه قرأ عدد قليل من كتب الفلسفة ، وهذا العدد غيركاف وهذا ما سنثبته بنصوص ياسبرز ، وبالتحديد من كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة .

وفعلاً إن ياسبرز يعترف بأنه لم يتتلمذ أكاديمياً في فصول فلسفية عادية ، وإنما تتلمذ على عدد قليل من الفلاسفة الكبار من الماضي (عن طريق القراءة والإستماع) ، إلا إنه رأى في الوقت ذاته  إن الفلسفة الحقيقية هي ليست فلسفة الماضي ، ولذلك لاذ إلى فعل التفلسف بدلاً من المفهوم التقليدي للفلسفة ، إعتقاداً منه إن التفلسف لصيق الحاضر والحياة الراهنة بينما الفلسفة بالمفهوم التقليدي حسب ياسبرز هي بنت الماضي ومدفونة فيه . إن كل هذا قاد  ياسبرز إلى الإعتقاد بأن  ” الوعي الفلسفي هو الطريق الوحيد للإستماع إلى عدد قليل جدا من عظام الفلاسفة ، الذين تكلموا لنا من الماضي  . ولكن فلسفة الماضي هي ليست الفلسفة الحقيقية ” (21) . في حين إن فعل التفلسف يحتاج على الدوام مصادر الحاضر ، كما إن تفلسف المعاصرين بين لنا كيف إنهم تابعوا الوجود في مساعدة أنفسهم ، كما إن مشاركتهم في الفرص ذاتها مكنتهم من إخبار بعضهم إلى البعض دون اللجوء إلى مصادر أخرى ، وهي التي صنعت من الحاضر جديداً ” (22) .  

   ونشكر ياسبرز جدا جدا على الدليل الذي وفره لنا في الكشف عن مصادره الفلسفية في صياغة مفهوم التفلسف ، فقد أشار في نص مكشوف عن ذلك فقال : ” إن تفلسفنا متجذر في التقليد الذي يمتد ألاف من سنين عمر التفكير الحر     

وإعتماداً على الترجمة الأنكليزية لكتاب ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، نقول إن ياسبرز قد فشل في طريقة التوثيق الأكاديمي ، فجاء كتابه خال من أية إشارة إلى المصادر الفلسفية التي إعتمدها في تأليف كتابه . صحيح إنه ذكر أثناء الحديث بعض المصادر ، إلا إنها تؤشر حقيقة مصادر ياسبرز وهذا دليل إضافي دامغ على جنس الكتابة وطريقة التأليف التي سار عليها الأكاديمي ياسبرز في تدوين رائعته الفلسفية ثلاثة مجلدات في الفلسفة . أقول هذا وإن مترجم الكتاب من الألمانية إلى الإنكليزية لم يذكر في مقدمته للترجمة شيئاً فيما يخص قيامه بحذف مصادر الكتاب على الإطلاق .      

الفلسفة والعلم في توسعة نشرة عام 1955

الهوامش

1 – أنظر :

Karl Jaspers, Philosophy, Trans. By E.B. Ashton, The university of Chicago Press1969, Vol. 1, Epilogue 1955, pp. 12 – 16

2 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013 .

3 – أنظر :

Martin Heidegger, Being and Time, Trans. By John Macquarrie & Edward Robinson, Oxford: Basil Blackwell 1962

4 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع ، 2013 .

5 – أنظر : المصدر السابق

6 – أنظر :

Karl Jaspers, Op. Cit, Translator’s Note, p. 18

7 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ المصدر السابق .

8 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Karl Jaspers: A Biography Navigations In Truth, Yale University Press 2004, p. 136 and p. 133

9 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ المصدر السابق .

10 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, p. 66

11 – أنظر :

Karl Jaspers, General Psychopathology, Julius Springer, Berlin 1913, and published under subtitle ‘ A Guide for Student, Doctors, and Psychologist’ .

See also Suzanne Kirkbright, Op. Cit, p. 297

12 – أنظر :

Kirkbright, Op. Cit, pp. 67 – 68

13 – أنظر :

Ibid, p. 68 and p. 297

14 – أنظر :

Ibid, pp. 68 – 69

وللإطلاع على الرسالة الأصلية أنظر الملاحق :

Ibid, p. 297

15 – للإطلاع على القصة ، أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف كارل ياسبرز (مصدر سابق) .

16 – أنظر للإطلاع على القصة :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ المصدر السابق .

17 – أنظر :

Karl Jaspers, Philosophy, Vol. 1, (Op. Cit), Foreword 1931, p. 1

18 – أنظر :

Ibid,

19 – أنظر :

Ibid,

20 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز : معلماً ومشرفاً على حانا أرنديت / محور من البحث المعنون الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013 .

21 – أنظر :

Karl Jaspers, Op. Cit, pp. 1- 2

22 – أنظر :

Ibid, p. 2

———————————————————————————–

 

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

حضور الفيلسوف وعالم النفس الآلماني فرانز برنتانو في البيئة الأكاديمية الألمانية

 

——————————————————

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية مُتخصصة

يُصدرها

مركز دُريد الفرحان للدراسات والأبحاث

(كندا)

رئيس التحرير            سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء إبراهيم خليل

————————————————————-

العدد

(67)

نيسان

(2022)

———————————————————————

الفيلسوف وعالم النفس الألماني

فرانز برنتانو

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————-

  لعب الفيلسوف وعالم النفس الألماني فرانز برنتانو (1838 – 1917) دوراً مؤثراً في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تطور فيها تفكير الفيلسوف وعالم النفس الوجودي كارل ياسبرز . كما ونزل إلى ياسبرز الكثير من أراء برنتانو أولاً النفسية ومن ثم ثانياً الفلسفية من خلال أساتذة ياسبرز المباشرين وغير المباشرين ، فقد كان أدموند هوسرل مثلاً واحداً من تلاميذ برنتانو إضافة إلى كازمير تاودرسكي وأليكس مينيك (وبالطبع ترك أثراً على سيجموند فرويد) . وهؤلاء لم يكتفوا بالتأثر به ، بل تابع بعض منهم خُطاه ، وعملوا تعديلات لها لتتوائم وتطلعاتهم الفلسفية والنفسية .

   صحيح  جداً إن كارل ياسبرز كتب ونشر أبحاثه الأولى ، وكان فيها برنتانو حياً يُرزق ، وأفكاره ومؤلفاته لها وقع كبير في الساحتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين . فمن المعروف إن برنتانو مات عام 1917 وكان ياسبرز قد نشر ثلاثة من أعماله الأكاديمية الرئيسية في علم النفس (الطب النفسي) ، الأول وكان بعنوان الهومسك والجريمة ، وهي إطروحته للدكتوراه الأولى والتي دافع عنها عام 1909 . والثاني كان مقالته الأكاديمية الشهيرة والمعنونة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ، والتي نشرها في مجلة الزايمر عام 1912 ، وهو خلاصة لتحليلاته النفسية في إطروحته للدكتوراه الثانية . ومن ثم ظهر كتابه علم النفس المرضي العام ، والذي ظهر في العام 1913 ، وهو إطروحته للدكتوراه الثانية وكانت بإشراف الفيلسوف وعالم النفس الكانطي الجديد ويندلباند (1848 – 1915) . وفي المقال والكتاب أظهر ياسبرز أثار هوسرل وطريقته في الفينومنولوجيا على تفكيره وتحليلاته ، وبالطبع من خلاله أثر الأب الروحي للفينومنولوجيا وأستاذ هوسرل ، الفيلسوف وعالم النفس فرانز برنتانو . كما ونحسب إن ياسبرز كتب أجزاء من كتابه الشهير سايكولوجيا النظر إلى العالم ، وكان الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو حياً . إلا إن هذا الكتاب نشر بعد وفاة برنتانو بأقل من سنتين ، فقد ظهر الكتاب إلى النور في عام 1919 (1) .

  والسؤال : من هو الفيلسوف فرانز برنتانو ؟ هو فرانز كليمنس هندورتس هرمان برنتانو ، ويرى الباحث ماريو بوكليسيا ، في مقاله المعنون ” فرانز برنتانو : شذرات من سيرته الذاتية ” إلى إن إسم مؤسس علم النفس والأب الروحي للفينومنولوجيا ، برنتانو يُخبرنا بأنه من إصول عائلة إيطالية مشهورة . وهي تقليدياً ترتبط بإسم الفارس برنتايوس ، والذي كان يسكن في العام 1166 في قلعته الواقعة على ضفاف نهر برنتا ، والتي هي جزء من مقاطعة (أو إمارة) تايرول الإيطالية .

  ويبدو إن الإسم برنتا ظهر لأول مرة في العام 1465 ، ومن ثم تحول إلى برنتانو . وفي القرن السابع عشر وإعتماداً على سجلات الحروب ، فإن عائلة برنتانو التي يصعد إليها الفيلسوف الروحي للظاهراتية فرانز برنتانو ، كانت مسجلة في قيودها . ومن ثم غادرت العائلة أراضيها الإيطالية ، وإستقرت في محافظة الراين (2) .

   جاءت ولادة الطفل فرانز في مقاطعة مارينبيرك / الراين ، وبالتحديد في 16 كانون الثاني من العام 1838 . وترع في أحضان عائلة ذات ثقافة عالية ، فقد كان والده كاتباً ، وأمه إرنيلا جنجر كانت زاهدة متعففة ، وسيدة عالية الثقافة . كما وأحاطت الطفل فرانز دائرة من أسماء الأقارب اللامعة يومذاك من أمثال أعمامه كل من سافكني وكليمنس برنتانو ، وسوفيا ، ولورشي ، وبيتني فون أرتيما . فمثلاً كان عمه كليمنس وخالته بيتني من كبار الكتاب في مرحلة الرومانتيكية الألمانية .  وكان عمر فرانز ثلاثة عشر ربيعاً عندما توفي والده .

   ويُلاحظ إن فرانز أظهر منذ بواكير شبابه ميلاً غير إعتيادي نحو الدراسة ، كما وكرس أطرافاً من سنوات شبابه للحياة الدينية ، وهذا جاء نتيجة التربية الدينية التي زرعتها أمه بحُب في برنامجه التعليمي المبكر . وفي الثانوية إتصل بفلاسفة السكولاستيكية (الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى) . وبعد فترة ذهب ليعيش مع عمه سافكي في برلين وليحضر بعض الفصول الدراسية في الجامعة . وخلال حضوره الفصول الدراسية تعرف على البروفسور فردريك أدولف ترندلنبيرك (1802 – 1872) (3) . وفرانز يحترم بتقدير عال

أستاذه الفيلسوف ترندلنبيرك ، فهو الذي عرفه على أرسطو ، وزرع فيه حب وإحترام الفيلسوف اليوناني . وسنلاحظ لاحقاً إن دروس ترندلنبيرك ستوجه برنتانو نحو شواطئ الفلسفة ، وبالتحديد نحو معاني الوجود عند أرسطو (إطروحة برنتانو الأولى للدكتوراه) وعلم النفس عند أرسطو (إطروحة الدكتوراه الثانية للدكتوراه) .  

   وفي خريف من عام 1856 سجل فرانز برنتانو في كلية الفلسفة في ميونخ ، وأصبح على معرفة بمؤرخ الكنيسة الكبير إكناتيوس دولنكر (1799 – 1890) (4) الذي كان يُعد في ذلك 

 الوقت واحداً من كبار رجال اللاهوت الأرثذوكس في مرحلة الكاثوليكية الألمانية . ومن ميونخ ذهب برنتانو إلى جامعة توبنكن وهناك حصل على درجته في 17 تموز من عام 1862 . وفي العام ذاته نشر أول كتاب له ، وأهداه إلى أستاذه ترندلنبيرك (5) .

الإطروحات الأكاديمية ومؤلفات فرانز برنتانو

  صحيح جداً عندما يُذكر إسم الفيلسوف فرانز برنتانو ، يتبادر إلى أذهان الباحثين الأكاديميين كتاباته الرائدة في مضمار فلسفة علم النفس ، وخصوصاً في إدخاله لمفهوم القصدية (ومن خلاله سينتقل إلى تلميذه أدموند هوسرل …) وإلى الفلسفة المعاصرة . كما وتستذكره دوائر التفكير الفلسفي بمساهماته المهمة المتنوعة في ميادين مثل الأخلاق ، الإنطولوجيا ، المنطق ، تاريخ الفلسفة ، وكذلك في اللاهوت الفلسفي . ومن النافع أن نذكر هنا ، حقيقة مهمة لفت تفكير برنتانو بمجمله ، وهي إنه تأثر بقوة بأرسطو والسكولائية (والشاهد على ذلك إطروحتيه للدكتوراه الأولى والثانية) . وهو يعترف بأنه تأثر بالحركة الوضعية والتجريبية في بواكير القرن التاسع عشر .

  ولاحظ الأكاديميون الغربيون إن مكانة برنتانو في تاريخ الفلسفة الغربية (وبالطبع علم النفس) ، تكمن في إنه دشن إستخدام مناهج وطرق بحث متنوعة . فمثلاً إنه إعتمد على منهج الإستبطان في وصف الوعي (الشعور) ومن وجهة نظر الشخص الأول من ناحية . ومن ناحية أخرى تطلع إلى إستخدام إسلوب بحث فعال للفلسفة ، ولذلك دعا إلى أن تسخدم الفلسفة طرائق بحث دقيقة مثل الطرق التي تستخدمها العلوم . كما يُنظر إلى برنتانو إلى إنه الأب الروحي (الرائد) للحركتين الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية .

  ويشهدُ تلاميذه الذين كونوا ما يُعرف في تاريخ الفلسفة الغربية بمدرسة برنتانو ، على إنه كان معلماً جذاباً (كرازما) يمتلك مهارات عالية في التدريس والحوار . وفعلاً فقد ترك أثاراً قوية على أعمال كل من أدموند هوسرل ، أليكس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، كازمير تاوردسكي ، كارل ستامبف وإنطون مارتي وأخرون ، والذين لعبوا دوراً فعالاً في تطور الفكر الفلسفي في قلب القارة الأوربية في بواكير القرن العشرين () .

 أولاً – حول المعاني المتعددة للوجود عند آرسطو (1862) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1975 () ، وهي إطروحة الدكتوراه الأولى . وقد قرأها فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر في مراحل أكاديمية مختلفة ، وإستفاد منها في تأليف كتابه الإنجيلي الوجود والزمن () .

ثانياً – علم النفس عند آرسطو (1867) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1978 () . ومن المفيد الإشارة إلى إن الكانطي الجديد ويندلباند قد ألف في علم النفس ، ومن ثم أشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام () .

ثالثاً – علم النفس من وجهة نظر تجريبية (1874)

—————————————————–

الهوامش :

1 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013

2 – أنظر :

Mario Puglisi, ‘Franz Brentano: A Biographical Sketch, The American Journal of Psychology, Vol. 35, No. 3 (Jualy. 1924), p. 14  

3 –  وترندلنبيرك هو فيلسوف وفيللوجست وكان من المهتمين بدراسة إفلاطون وأرسطو (وخصوصاً إطروحته للدكتوراه التي كتبها في العام 1826 وهي محاولة إعتمدت على نقد أرسطو للوصول إلى المعرفة الدقيقة عن الفلسفة الإفلاطونية) . ورائد الوجودية سورين كيركيجارد يصفه ؛ بأنه ” من أكبر عقلاء الفيللوجيا الفلسفية اللذين عرفتهم ” . ومن مؤلفاته : مختارات من الأورغانون مع ترجمة لاتينية وملاحظات (1836) ويحتوي على عقيدة أرسكو المنطقية . وكتاب النفس لأرسطو ، وهو كتاب تجاوز الخمسمائة صفحة (1833) . وكتاب موجز المنطق (1898) وهو كتاب صغير (30 صفحة) . أنظر :

A – Friedrich Adolf Trendelenburg, A contribution to the history of the word person: a posthumus treatise, Open Court 1910

B – Soren Kierkegaaed, Jornals and Papers 1844, V A 98

4 – إكناتيوس دولنكر هو رجل اللاهوت الألماني ، وهو في الأصل قس كاثوليكي ، وصاحب نظرات ليبرالية ، ومؤرخ الكنيسة الذي رفض عقيدة إن البابا معصوم من الخطأ . ومن الملفت للنظر (والتساؤل) إن إكناتيوس هو من المحافظين على العقيدة المسيحية من الأمشاج الغريبة . وفي الوقت نفسه من المساهمين في نمو وتطوير الكنيسة الكاثوليكية القديمة . ويبدو إن هذين السمتين المتعارضتين ستطبعان حياة وتفكير إكناتيوس ، فمثلاً جاء إكناتيوس من عائلة من المفكرين ، فجده ووالده كانو من الأطباء والمتخصصين في علم الطب . وكانت عائلة أمه بذات المواصفات التي تتمتع بها عائلة أبيه .

  كما إن دراسات إكناتيوس الأكاديمية والمهنية تسير في الإتجاه ذاته ؛ فقد بدأ بدراسة الفلسفة الطبيعية في جامعة ورزبيرك ، حيث كان والده بروفسوراً فيها . وفي عام 1817 بدأ بدراسة الفلسفة العقلية والفيللوجيا . ومن ثم في العام 1818 تحول إلى دراسة اللاهوت ، وبعدها رهن حياته للدراسات الإلهية (السماوية) . وفي العام 1823 أصبح بروفسوراً لتاريخ الأبحاث الإلهية والقانون السماوي (الإلهي) . وحصل على درجة الدكتوراه وأصبح بروفسوراً للاهوت في جامعة ميونخ . حيث صرف بقية حياته هناك .

  وخلال هذه الفترة تعرض إلى إنتقادات شديدة من قبل الأكاديمي في الكلاسيكيات والبروتستانتي كريستين جوتلوب هايين (1729 – 1812) وهو رئيس تحرير مجلة أوراق ميونخ . كما وبسبب نظراته الليبرالية فقد تصدى له الجزيوت ، وخصوصاً في تعاليمه في تاريخ الإلهيات . ومن ثم أقام علاقة مع الكاثوليكي الليبرالي الفرنسي لامنياس (1782 – 1854) وهو فيلسوف وصاحب نظريات سياسية ليبرالية تدعو للمصالحة بين الكنيسة الكاثوليكية للروم ومبادئ المجتمع الحديث … وفي النهاية إتهم الفاتيكان إكناتيوس في رفضه لعصمة البابا من الخطأ بالهرطقة ، وصدر بحقه قرار المقاطعة من قبل الكنيسة الكاثوليكية . للتفاصيل أنظر :

Hugh Chisholm (Ed.), ‘Dollinger, Johann Joseph Ignaz Von’, In Encyclopedia Britannic (11th ed), Cambridge University Press 1911 (On Line)

5 – أنظر :

Mario Puglisi, Op. Cit,

Also see, Huemer Wolfgang, ‘Franz Brentano’, In Stanford Encyclopedia of Philosophy 2010 (On Line)

(6) – أنظر :

Mario Puglisi, Op. Cit,

(7) – أنظر :

Franz Brentano, On The Several Senses of Being in Aristotle, Ed. & Trans. By RolfGeorge, University of California Press 1975 (197 Pages) .

(8) – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013

(9) – أنظر :

Franz Brentano, The Psychology of Aristotle, Trans. By Rolf George, university of California Press 1978 (150 Pages).

—————————————————————————

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

حضور فيلسوف العلم الآلماني برنارد بولزانو في البيئة الثقافية الآلمانية

—————————————————————————–

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية متخصصة

يُصدرها

مركز دُريد الفرحان للدراسات والأبحاث

(كندا)

رئيس التحرير           سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان      الدكتورة نداء إبراهيم خليل

—————————————————————–

العدد

(66)

آذار

(2022)

—————————————————————————-

تكون البحث الحالي من (17 صفحة) .

——————————————————————————-

مكانة فيلسوف العلم برنارد بولزانو

في البيئة الأكاديمية الألمانية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————–

هذا بحث رائد وجديد في اللغة العربية ، صحيح إن الدكتور محمد الفرحان ، سبق إن نشره قبل عقدين من السنين . إلا إنه يظل واحد من البحوث الأكاديمية الأكثر طلباً على القراءة ..

————————————————————————————–

تقديم :

    يُلاحظ القارئ لسيرة فيلسوف العلم بولزانو ، إنه ترعرع في أحضان عائلة ذات تركيب إثني متنوع ، فالوالد برنارد بومبيز بولزانو جاء من إصول إيطالية . وفعلاً فقد تحول إلى براغ (عاصمة جيكيا) ومن ثم تزوج ميريا سيسليا ميرار ، وهي تتكلم الألمانية ، ووالدها تاجر من مدينة براغ . وأنجبا أثنتا عشر طفلاً ، ولكن لم يبقى منهم على قيد الحياة لمرحلة النضوج سوى طفلين فقط . وكان الفيلسوف بولزانو واحداً منهما (1) .

  دخل بولزانو جامعة براغ في العام 1796 ودرس الرياضيات والفلسفة والفيزياء (لاحظ توجهات بولزانو العلمية الأولى : رياضيات وفيزياء ومن ثم الفلسفة التي توسطت في مرحلة طلب العلم الأكاديمي . وهذا الأمر جداً مهم في علاقة الفلسفة بالعلم وهو الأمر الذي قدمه هوسرل المعلم إلى تلميذه بالقراءة والتبني الفكري كارل ياسبرز وذلك من خلال حديثه عن معلمه فرانز برنتانو وما قدمه له من رموز فلسفية علمية في محاضراته ، ومنهم خصوصاً برنارد بولزانو) .   

  وفي سيرة بولزانو ماهو إيجابي تمثل في صعوده الأكاديمي وإن كان بعكاز لاهوتي كاثوليكي ، فهو مبهج ومُسر . ولكن فيها ماهو سلبي ينز بالألم وعدم شفافية السلطات الأكاديمية والسياسية والذي تمثل بقرارها بطرده من الجامعة ووقفه من النشر ومن ثم تعريضه إلى النفي . وهذا الطرف يكون ما نصطلح عليه بالتحولات الفكرية (وبالطبع فيها ربح وخسارة وهذا ما حدث لرمزنا الكبير برنارد بولزانو) التي أصابت ذهنية الفيلسوف بولزانو . وفعلاً ففي بداية عام 1800 تحول من جادة الفلسفة والرياضيات والفيزياء ، وتوجه إلى شواطئ اللاهوت ، وكرس نفسه لدراسته لمدة أربع سنوات ، ومن ثم أصبح قسيساً في العام 1804 . وهكذا بدأ يتسلق في سلم الصعود ؛ فعين في عام 1805 رئيساً لقسم فلسفة الدين (وهو قسم جديد تم فتحه) (2) .

  والخطوة التالية في صعوده تمثلت بأنه أخذ يُقدم محاضرات جماهيرية ، فأظهر مهارات المحاضر الناجح ، فذاعت سمعته في الأطراف . وهذه المحاضرات لم تقتصر على ميدان الدين واللاهوت الكاثوليكي ، وإنما شملت مضمار الفلسفة . وعلى هذا الأساس تم إنتخاب بولزانو رئيساً لقسم الفلسفة ، وذلك في العام 1818. ولكن بعد ذلك أخذ نجم بولزانو يكسف وسمعته تضعف شيئاً فشيئاً ، وإنتهت به المسيرة في حالة إغتراب (وتقاطع) مع الرموز القيادية الكبيرة في الكلية والكنيسة ، والسبب هو تعاليمه التي هاجمت الطرف العسكري والدعوات إلى الحرب . إضافة إلى كونه قاد حملة تطالب بالإصلاح الشامل للإنظمة الإقتصادية والإجتماعية والتربوية ، وبرأيه هي التي ستقود الأمة نحو شواطئ السلام بدلاً من النزاع المسلح بين الشعوب (الأمم) (3) .

   ويبدو إن كل محاولات رجال اللاهوت الكاثوليكي والسياسة الهادفة إلى عودة النعجة التائهة إلى قطيع اللاهوت ، قد باءت بالفشل الذريع ، وذلك لتمسك بولزانو بمبادئه ، وإيمانه بسلامة ما يعتقد ، ورفضه القاطع على تغيير عقائده ، فقد قررت القيادات الكاثوليكية والسياسية طرد بولزانو من الجامعة وذلك في العام 1819 . كما إن قناعاته السياسية (والتي كان على الدوام ينشرها بين زملائه) قد كانت دليلاً كافياً على إنه كان ليبرالياً متطرفاً كما بدى للسلطات النمساوية . ولذلك قررت نفيه إلى الريف ، حيث كرس كل طاقاته هناك لكتاباته الإجتماعية والدينية والفلسفية وفي علوم الرياضيات . كما كان من شروط النفي ، منعه من النشر في المجلات العامة . غير إن بولزانو إستمر في تطوير أفكاره وتمكن من نشرها على حسابه الخاص أو في مجلات أوربا الشرقية . وفي العام 1842 عاد من نفيه إلى براغ ، ومات هناك في عام 1848 (4) .

     لقد ضيعت علينا السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والإدارات الأكاديمية السياسية وذلك لعدم شفافيتها في التعامل مع فيلسوف العلم بولزانو ، كما وحرمت أجيال من الشباب الألمان ، من الفرص العديدة التي كان يخطط بولزانو من الكتابة والإبداع فيها وبالتحديد في مضماري الفلسفة والمنطق والرياضيات ، وهي الفضاءات التي كان فيلسوف العلم وعالم المنطق برنارد بولزانو في أعلى درجات نضوجه فيها ، وبقرار لا إنساني فيه الكثير من الجبروت قامت بطرده من الجامعة ، ومن ثم نفيه ، وعطلت تفكيره وقلمه من الإبداع ، وفوق كل ذلك منعته من النشر والتعليم لمدة تجاوزت العقدين من السنيين (وبالتحديد ثلاث وعشرين عاماً) وربما ثلاثة عقود إذا وضعنا في حساباتنا عام 1819 عندما طردته السلطات اللاهوتية الكاثوليكية من التعليم الأكاديمي وسنة وفاته ، وهي عام 1848 .

  تراث فيلسوف العلم والمنطق والرياضيات بولزانو في ميزان التقويم

   ونحسب في البداية الإشارة إلى إن فيلسوف اللغة وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجه ، قد قرا تراث بولزانو وإستفاد منه الكثير (5) . وهذه الإشارة جداً مهمة في تقويم ما تركه بولزانو من تراث في فلسفة العلم والمنطق على أقل تقدير . وفعلاً فبعد وفاة بولزانو بقليل ، ظهر إلى النور كتابه الشهير ” معارضات (تناقضات) اللانهاية ” ، وهو كتاب أثار إعجاب العديد من علماء المنطق المبرزين ، والذين جاءوا بعد وفاته وعملوا في هدا المضمار ، ومنهم الفيلسوف البراجماتي الأمريكي (وعالم المنطق والرياضيات) شارلز سندروز بيرس (1839 – 1914) (6) وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية المجموعات) جورج كانتور (1845 – 1918) (7) ، وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية العدد الجبري) ريتشارد ديدكيند (1831 – 1916) (8) .

   وينظر مؤرخو الرياضيات إلى كتاب بولزانو المعنون معارضات اللانهاية ، على إنه عمل خص به بولزانو نظرية المجموعات . فمثلاً مؤرخ الرياضيات ديفيد بورتن ، يُعلق على أهمية هذا الكتاب في تايخ نظرية المجموعات ، فيقول : نشر كتاب معارضات اللانهاية لبولزانو في عام 1851 ، أي بعد وفاة بولزانو بثلاث سنوات فقط ، وقام بنشره أحد أصدقائه الأوفياء . وهذا الكتاب إحتوى على نتائج بالغة الأهمية في مضمار نظرية المجموعات . وللإنصاف فإن بولزانو يعترف بأن عمله ، هو إمتداد موسع لعمل غاليلو غاليلي (1564 – 1642) المعنون : معارضة غاليلو . إلا إنه والحق يُقال إن بولزانو عرض تفاصيل واسعة وأمثلة كثيرة تدلل على التطابق بين مبادئ المجموعة اللانهائية والمجموعات الفرعية للمجموعة اللانهائية . والأهم من كل ذلك إن بولزانو يُسجل التاريخ إسمه على إنه أول من نحت بنفسه إصطلاح المجموعة (9) .

   ولعل من أهم مؤلفاته التي ظهرت خلال محنته مع السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والذي كتبه بولزانو في فترة نفيه في الريف ، هو كتابه الرائعة المعنون نظرية العلم ، والذي صدر في عام 1937 ويتألف من أربعة مجلدات . وهو عمل إنجيلي في مضمار فلسفة العلم والمنطق بالمعنى الحديث . إضافة إلى كونه بحث في الأبستمولوجيا والبيداغوجيا العلمية (نظرية التربية العلمية) . ولعل المهم في هذا العمل الإشارة إلى إنه طور نظرية منطقية كونت بحد ذاتها تحولاً جذرياً (ثورياً) في مضمار البحث المنطقي . والشاهد على ذلك إنه حاول صياغة الأسس المنطقية لكل العلوم . وهذه المحاولة بتقدير الباحثين ، هي إمتداد وتطوير لأفكاره في حقل فلسفة الرياضيات ، والتي تصعد إلى عام 1810 .

  لقد بدأ بولزانو عمله في نظرية العلم بشرح منهجي عال لما يعنيه بنظرية العلم ، والعلاقة بين معرفتنا ، والحقائق والعلوم . وفيما يخص المعرفة البشرية ، فقد ذهب موضحاً ، فقال : إن المعرفة تتكون من الحقائق (أو القضايا الصادقة) وهي التي يعرفها البشر أو سبق إن عرفوها . وهي على أي حال ، تكون جزء صغير من الحقائق في هذا العالم . وهذا يعني إن الطريق أمام الإنسان طويل لمعرفة مجمل الحقائق . وعلى هذا الأساس فإن معرفتنا يمكن تقسيمها إلى مجموعة من الأجزاء التي في الإمكان إدراكها . ومثل هذه المجموعة من الحقائق ، هو ما يُطلق عليها بولزانو معنى العلم . ومن الملاحظ أن تعرف بأن ليس كل القضايا الصادقة قد تم معرفتها من قبل البشر . وعلى هذا الأساس فإننا نعمل في هذا الميدان ، ونتطلع إلى الإكتشافات المستمرة في العلم .

  ولعل من أفضل السُبل لإدراك وفهم حقائق العلم ، أن يكون عن طريق إصطناع مرجعيات ، وهي الوسيلة الوحيدة التي نُسجل فيها القضايا الصادقة للعلم ، والتي تم معرفتها من قبل البشر . ولكن السؤال الذي يظل مرفوعاً ؛ ما هو السبيل الذي يحملنا على تقسيم معرفتنا ؟ وبالتأكيد يتبعه سؤال مهم أخر ، وهو ؛ كيف نعرف إن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ؟ إن جواب بولزانو حملته كلماته الأتية ؛

  في النهاية فإننا سنعرف كل ذلك من خلال التفكير ، وإننا سنصل إلى القواعد التي تم إشتقاقها من عملية تقسيم معرفتنا بالعلوم ، وسندرك بأن هذا مجال علم خاص بذاته ، وهذا هو العلم الذي سيخبرنا بأن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ، وإن شرحها سيتم على أساس كتاب علم مرجع ، وهو نظرية العلم (10) .

   كما عالج بولزانو في كتابه نظرية العلم ، موضوع الميتافيزيقا ، وقبل ذلك نود أن نشير  .إن أراءه في الميتافيزيقيا يمكن الوقوف عليها (بالإضافة إلى نظرية العلم) في بحثين مهمين كتبهما بولزانو في فترتين تاريخيتين مختلفتين ؛ الأول كتبه قبل نظرية العلم ، وكان بعنوان إثنسيا أو أسباب خلود النفس ، والذي نشره عام 1827 . والثاني كتابه الشهير نقائض (معارضات) اللانهاية والذي نشر بعد موته في العام 1851 . أما كتاباته الأخرى فظلت بعيدة عن النور إلى أن قام تلميده فرينسكي بتقديم شرح موسع عنها وبعنوان ذرية بولزانو ، والذي نشره عام 1857 .

  ومن النافع الإشارة إلى إن كتاب الإثنسيا أو أسباب خلود النفس قد نشر في عام 1827 بإسم مجهول ، ولكن الطبعة الثانية ، والتي ظهرت عام 1838 (وكان بولزانو حياً يُرزق) قد حملت إسم بولزانو ، وفيها عبارة بقلم المؤلف (وكأنها عنوان فرعي) تقول : هو كتاب لكل شخص مثقف يتطلع إلى سلام العقل … (+) .

   والميتافيزيقا هو من الموضوعات التي سيشتغل عليها الوجودي كارل ياسبرز في كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي إشتغل  عليها مارتن هيدجر في كتابه الوجود والزمن قبله بعدة سنوات وكذلك قبلهما حفر فيها ملهمهما أدموند هوسل في الفينومنولوجيا . ونشعر بأن هناك شيئاً مشتركاً في بحث الإثنين ؛ بولزانو وياسبرز بالرغم من إن ياسبرز أدخل مفهوم الأصفار وهو مضمار جديد على مبحث الميتافيزيقا كذلك .

والحقيقة إن إهتمام بولزانو بمبحث الميتافيزيقا هدف إلى معالجة ثلاثة حقول يبدو فيها شيئاً من الجدة (أو الخروج) على موضوعات الميتافيزيقا منذ إن كتب فيها أرسطو رسائله (أو كتبه) الأربعة عشر ، ومن ثم نحت طلاب مدرسته المشائية إصطلاح الميتافيزيقا ليكون عنواناً لأبحاثه التي جاءت بعد أبحاثه في الفيزيقا (الطبيعة) (11) ، ولعل من النافع ، الإشارة إلى إن حقول الميتافيزيقا عند بولزانو هي :

أولاً – مضمار اللغة ، والتي تتألف من الكلمات والجمل .

ثانياً – مضمار الفكر ، والذي يتكون من الأفكار الذاتية والأحكام (أو الحجج) .

ثالثاً – مضمار المنطق ، والذي يتألف من الأفكار الموضوعية (أو الأفكار بذاتها) والقضايا بذاتها .

   كما إن بولزانو كرس أطراف من موسوعته الرائعة ، والتي حملت عنوان ؛ نظرية العلم ، فإن (بولزانو) خصصه إلى شرح هده الحقول الثلاثة من الميتافيزيقا ، ومن ثم بين العلاقة بين بعضهما البعض . كما إنه أشار إلى حقيقتين متميزيتين في نظامه وهما : الأولى التمييز بين الأجزاء والكليات ، والمثال على ذلك الكلمات التي هي أجزاء من الجمل ، والأفكار الذاتية التي هي جزء من الحجج (الأحكام) ، والأفكار الموضوعية التي هي أجزاء من القضايا بذاتها . ثانياً إن كل الموضوعات تُقسم إلى هذه الموجودات . وهذا يعني إنها مرتبطة سببياً ، وتوجد في زمان ومكان . أما الموضوعات التي لاتوجد في زمان ومكان فيزعم بولزانو إنها في الأصل تكون موضوعات المنطق (12)  

  ونحسب في نهاية حديثنا عن موسوعة بولزانو الفلسفية المعنونة نظرية العلم ، الإشارة إلى إن كتابات برنارد بولزانو في مضمار ؛ فلسفة العلم ، فإنها في الحق ، ظلت في دائرة النسيان لفترة طويلة ، إلى أن تم أكتشافها على يد إثنين من تلاميذ فرانز برنتانو ، وهما كل من أدموند هوسرل ، والفيلسوف وعالم المنطق البولندي كازميرز تاوردسكي (1866 – 1938) . وبعد ذلك أصبح واضحاً تأثير بولزانو على المدرستين الفلسفيتين ؛ الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية (13) . ونكتفي بهدا الطرف ونتحول للكلام عن جوانب أخرى من تراث بولزانو .

   أما أبحاث بولزانو في مضمار فلسفة الرياضيات ، فقد  ضمتها رائعته في (الرياضيات) ، والتي  جاءت بعنوان نظرية الكميات ، وهو عمل رائد إلا إنه مع الأسف من الأعمال التي لم يكملها بولزانو . ومن الجدير بالإشارة إلى إن أولى الأعمال التي نشرها بولزانو في العام 1804 كان بعنوان ؛ (إعتبارات حول بعض موضوعات الهندسة الأولية) . وبعد ستة سنوات من هذه النشرة عاد فنشر في الفترة الممتدة ما بين عام 1810 وعام 1817 أعمالاً في مضمار الرياضيات أكثر عمقاً . ويبدو إن هذه العودة إلى الرياضيات كانت محكومة بدافع صياغة أسس جديدة للرياضيات بصورة شاملة . وفعلاً فقد نجح في عمل ذلك ، إلا إن عمله لم يكن كاملاً ، وإنما جاء جزئياً وفي أطراف صغيرة (شدرات) (14) .

  صحيح جداً إن بواكير أعماله في فلسفة الرياضيات ، بدأت ببحثه في الهندسة . ولكن من الصحيح جداً إنه صاغ معايير حديثة في بحثه المعنون ؛ (برهان تحليل نظري (خالص)) ، والذي يصعد إلى عام 1817 . وهذا العمل بحد ذاته إحتوى على ما سيعرف بمبرهنة بولزانو – ويرستراس (وهو كارل ثيدور ويرستراس 1815 – 1897 وهو عالم رياضيات ألماني ، وهو أبو التحليل الحديث) . ولاحظ الباحثون إن في هذ البحث (أي برهان تحليلي ..) وردت أمثلة على ما يسمى بدالات المتغيرات . كما إن من الصحيح جداً إن ويرستراس ، هو أول من إكتشف  الدالات .

  كما لاحظ الباحثون إن طرف أخر من أبحاثه الرائدة في فلسفة الرياضيات ، ترتبط بنظرية المجموعات . وفعلاً فإن بولزانو في كتابيه ؛ الأول ؛ (نقائض اللانهاية (1851)) ، وكتابه الثاني ، والذي حمل عنوان ؛ نظرية الكميات ، قام بأول خطوة في مضمار تطوير ؛ (نظرية المجموعة) وعرض الكثير من الأفكار المتعلقة (+) إضافة إلى برهان بولزانو على وجود

. (+) مجموعة اللانهاية ، وبالطبع كان معروفاً لعدد من رجال الرياضيات ، وهو فعلاً كان مرجعاً لكل من كانتور ،  وبالتحديد عام 1883 / 1884 ، وديديدكيند عام 1888 ورسل عام 1903 (++) . كما أسهم في صياغة أسس جديدة للرياضيات وهذا ما جاء ذكره أعلاه .

  ومن ثم جاء كتابه المعنون مصدر في علم الدين ، والذي نشره طلابه في العام 1834 (دون أن يذكروا إسم المؤلف لأن بولزانو كان ممنوعاً عليه النشر خلال فترة النفي) . وهذا الكتاب بحث جرئ في مضمار فلسفة الدين واللاهوت . وفيه عرض بولزانو وجهات نظر متقدمة على عصره (وفيها روح مستقلبية) . ولهذا واجهت اراءه الرفض والمعارضة لأن فيه ، نقاط كثيرة منها تقاطع مع عقائد الكنيسة وهنا تكمن خطورة أفكاره (15) .

  وبحق هذا الفيلسوف المتفرد المتنوع الإهتمامات ، والذي بدأ رحلته فيلسوف رياضيات ، ومن ثم تحول إلى دائرة اللاهوت وكتب رائعته المعنونة علم الدين أو فلسفة الدين ، والتي أزعجت الدوائر الكاثوليكية التي إنتمى إليها أولاً ، ومن ثم إنقلبت عليه وحركت السلطان الى طرده من التعليم الأكاديمي ، ومنعه من النشر ومن ثم نفيه إلى الريف . نقول بحق هذا الفيلسوف نود توضيح الحقائق الآتية :

أولاً – متابعة كارل ياسبرز للفيلسوف بولزانو في مضمار الميتافيلوسفي   

    إن قارئ رائعة كارل ياسبرز المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة (كانت طبعته الأولى عام 1931) يلحظ إن هناك ما يشبه المتابعة الحرفية من قبل ياسبرز ، وبالتحديد لمضمار التفلسف الدي درسه بولزانو في عمله المعنون ما هي الفلسفة ؟ (من كتبه التي ألفها فترة المنع عليه والتي بدأت منذ عام 1819 وحتى موته ) وهذا الكتاب نشر بعد موته بعام واحد ، أي بالتحديد عام 1849 .

   والحقيقة إن بولزانو في هذا الكتاب تجاوز مضمار الفلسفة ، وتطلع إلى إنشاء بحث رائد وهو ما يطلق عليه الباحثون مضمار الميتافيلوسفي (أو الفلسفة الفوقية) وإذا كانت الفلسفة تتداول في مباحثها لغة رقم 1، وهي لغة التداول الفلسفي اليومي والتي تتألف من إصطلاحات معينة (ويحدد معانيها ودلالاتها قاموس المصطلاحات الفلسفية) ، فإن مضمار الفلسفة الفوقية تسودها لغة عالية ، ويطلق عليها إصطلاح اللغة رقم 2 ، وهي مضمار يعرض تحليلاً فلسفياً عالياً للإصطلاحات التي تتداولها اللغة رقم 1 ومثالاً على ذلك إن اللغة رقم 1 ، إستخدمت إصطلاح التفلسف ، فإن لغة الميتافيلوسفي ، تقدم تحليلاً عالياً لمفهوم التفلسف . والحقيقة إن ياسبرز في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة ، تحدث عن هذه المستويات المتنوعة للغة ، وذكر المستويات اللغوية (اللغة رقم 1 واللغة رقم 2) والتي تحدث عنها بولزانو . إلا إن ياسبرز تحدث عن اللغة رقم 3 ، وخصوصاً في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة (+). وياسبرز ربما أطلع على عمل بولزانو من خلال هوسرل ، والذي قام هو وزميله البولندي (تاوردسكي) بإكتشاف أعمال بولزانو ، وبتوجيه من قبل أستاذهما الفيلسوف الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .

  والحقيقة إن أهمية عمل بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ تعود إلى إنه أوضح مفهوم الفلسفة والتفلسف (16). وبالمناسبة إن كتاب ياسبرز موضوع بحثنا ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، قد عالج بشكل واسع ، وعبر المجلدات الثلاثة ، فعل التفلسف وكلمة تفلسف ، وفضلها على الفلسفة الإصطلاح التقليدي (بالرغم من عنوان ثلاثيته حملت عنوان في الفلسفة) . وهنا أود أن  أشير إلى إن مارتن هيدجر ساعد صديقه كارل ياسبرز في تحديد معاني التفلسف وهو علم في الفيللوجيا وهذا التعاون رتبت له زوجته كيرترود (أي زوجة كارل ياسبرز) ودفعت مساعدة بمقدار ألف مارك لتغطية نفقات سفر هيدجر إلى هيدلبيرك (17) . وهذا الأمر ساعدت فيه من طرفها الفيلسوفة (طالبة الدكتوراه يومها) حانا أرنديت أستاذها ياسبرز حين جاءت إلى جامعة هيدلبيرك ليشرف على إطروحتها الأولى للدكتوراه والتي كانت بعنوان الحب في مفهوم القديس أوغسطين ، وهي طالبة هيدجر والمتمرسة في التحليل الفيللوجي (18) . وكذلك فقد إنتبه مترجم كتاب ياسبرز إلى الإنكليزية المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، الأستاد إي . ب . أشتون حين إعتمد على رأي الفيلسوفة حانا أرنديت في شرح معاني الفعل يتفلسف في مقدمة المترجم التي كتبها (19) . ولكن فات الثلاثة هيدجر وأرنديت وأشتون من إكتشاف متابعة ياسبرز الحرفية للفعل يتفلسف وكلمة تفلسف عند بولزانو كما وفاتهم العودة إلى بحثه المعنون ماهي الفلسفة ، ويقفوا على المعاني التي قدمها بولزانو للفعل يتفلسف ويكتشفوا بأنفسهم حقيقة متابعة ياسبرز لبرنارد بولزانو ، ويعترفوا بأن بولزانو كان مصدر ياسبرز (وربما المصدر الوحيد) لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة وعلى الأقل في مضمار الفعل يتفلسف وكلمة التفلسف التي شغلت أجزاء ملحوظة من المجلدات الثلاثة . وللإنصاف نقول إن ياسبرز سيعيد إنتاجها وبتفاصيل وصورة موسعة .

  وفعلاً فإن القارئ لبحث بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ يلحظ بأنه صاغ مجموعة أفكار تطلع من خلالها إلى تحديد وظيفة الفلسفة ، ومن ثم تحول إلى شواطئ التفلسف ، وهو فعل ليس مقيد بمضمار محدد من المعرفة . وإنما هو حالة إستفسار وتساؤل عن الأسباب ، ووفقاً لبولزانو ، فإنك تكون في حالة تفلسف . وهذا ممكن أن يحدث في كل مجالات العلوم والتي تقع خارج الميدان الحقيقي للفلسفة (20) . وعلى الرغم من إن ياسبرز يتقدم جميع الفلاسفة الذين تابعوا بولزانو (21) . فإن هناك عدداً من الفلاسفة والمناطقة قد فعلوا مثلما فعل بولزانو ، وبالتحديد من أمثال لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) ، مورتيز شيليك (1882 – 1939) ورودلف كرناب (1891 – 1970) (22) .

    كما نحسب إن بولزانو كان موضوع إهتمام مشترك لكل من جوتلوب فريجه وأدموند هوسرل . وإن هوسرل (وتارودسكي) هما اللذان إكتشفا كتابات بولزانو . وإن فريجه من طرفه ، قد قرأ بولزانو . ولعل الكتاب الذي وضعه ب . ج . ساندهولم والمعنون : متى ، ولماذا قرأ فريجه بولزانو ؟ (23) هو شاهد أخر على عبور بولزانو وتفكيره الفلسفي في الرياضيات والمنطق إلى فريجه ، وهو واحد من جهابدة فلاسفة العلم والمنطق الرياضي في الربع الأول من القرن العشرين . وعلى أساس فهم بولزانو لمعنى كلمة يتفلسف (والتي ستشغل ياسبرز في ثلاثيته الفلسفية) ، فإنه لا يوجد مضمار محدد للمشكلات الفلسفية والموضوعات الفلسفية (24) وهذا المعنى تلقفه ياسبرز مباشرة من بولزانو أو ربما عن طريق هوسرل (وهناك إحتمال إنه جاء من خلال مؤرخ الفلسفة بولسين الدي تفرد كتابه محاضرات في الفلسفة (والذي يحتمل أن يكون المصدر الوحيد) في ثلاثية ياسبرز .

ثانياً – كارل ياسبرز ومؤرخ الفلسفة برنارد بولزانو 

   سهلت لنا مهمة الإمساك بالمصدر الذي إتصل به كارل ياسبرز ، وهو يدرس الفعل يتفلسف وكلمة تفلسف واللذان تفردت بهما رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب بولزانو المعنون ماهي الفلسفة ؟ كما عرفنا خلال الأوراق السابقة بأن بحث ياسبرز في الميتافيزيقا والذي كان ذات طبيعة متفردة (بإستثناء بحث الأصفار) بأن إصوله تصعد إلى أبحاث بولزانو ، وبالتحديد في كتابي بولزانو ؛ نظرية العلم ، و نقائض اللانهاية . وهنا نتطلع إلى تقديم بولزانو مؤرخاً للفلسفة ، ويبدو إن دائرة تفكير ياسبرز قد تشربت الكثير من معارفه الفلسفية  من خلال مؤلفات بولزانو ، وخصوصاً في رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي كان فيها ياسبرز ظنيناً علينا في الإباحة عنها ، وإن تخفى وراء عبارة عامة فيها تكمن الكثير من أسرار مصادر ياسبرز المسكوت عليها ، وهي العبارة القائلة : ” إن تطلعنا قاد إلى الوعي الفلسفي الهادف ، والذي حملنا إلى الإستماع فقط إلى عدد قليل جداً (منا : ؟ لماذا عدد قليل) من الفلاسفة الكبار اللذين تحدثوا إلينا من الماضي . ولكن معرفتنا بفلسفة الماضي ، هي ليست الفلسفة الحقيقية . بينما التفلسف يحتاج دائماً إلى مصادر الحاضر . كما إن تفلسف المعاصرين بين لنا كيف إنهم تابعوا الوجود لإعانة أنفسهم . إن الإشتراك في فرص الإنجاز المتساوية ، مكنتهم من إخبار الأخرين عما سمعوهم من مصادر متفردة . وعلى هذا الأساس قام فعل التفلسف في الحاضر بتحويل عظمة الماضي الفلسفية وعملها حاضر جديد ” (25) . تشعر وأنت تقرأ نص ياسبرز عن ” تفلسف المعاصرين ” إنه يتكلم عن بولزانو ومثابرته الرائدة في كتابه المعنون ما هي الفلسفة ، والتي خط فيها مساراً جديداً ، هو مسار التفلسف ، والذي لم يكتف بذلك ، وإنما قدم تفسيرات لمعانيه ودلالاته خارج الحدود التقليدية لإصطلاح الفلسفة .

  وفعلاً إن الشواهد كثيرة في كتابات بولنزانو ، والتي تدلل بعمق على إنه درس تاريخ الفلسفة ، وإمتلك معرفة تاريخية واسعة ، والتي ظهرت في العديد من أعماله . فمثلاً في الطبعة الثانية من كتابه إثنيسيا (أسباب خلود النفس) قد أضاف ملحقاً ، فيه الكثير من التفاصيل التاريخية الواسعة ، والذي جاء بعنوان ” بحث نقدي للتراث المتعلق بالخلود ومنذ عم 1827 ” . إضافة إلى إن مقالة بولزانو المعنونة ” مفهوم الجمال ” هي الأخرى إحتوت على تفاصيل لقائمة من التعريفات لمفهوم الجمال (أو الجمالي) ، والتي صاغها عدد متنوع من الفلاسفة . وفوق كل ذلك فإن كتابه الشهير نظرية العلم ، ضم مادة تاريخية ثرية بحيث ترشحه مصدراً أساسياً لمؤرخ علم المنطق (26) .

ثالثاً – كارل ياسبرز وحلقة بولزانو

  الحقيقة إن بولزانو لم يكن شخصاً مغموراً ، وإنما كان نار على علم ، فقد عرفه هوسرل ومن خلال محاضرات الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، كما إن بولزانو كان له حواريين وأصدقاء يتحلقون حوله في حلقة علمية مشهورة في عصره ، وربما تكلم هوسرل عنها لياسبرز أو ربما ذكرها له أستاده المشرف على إطروحته الثانية البروفسور ويندلباند . وهنا نقدم بعض المعلومات عن هده الحلقة .

    لقد تكونت هذه الحلقة في وقت مبكر من حياة بولزانو ، والتي ضمت أصدقاء وطلاب ، والذين تحملوا مهمة نشر أفكاره وظلوا محافظين على علاقتهم به رغم قرار الطرد من الجامعة ، ومنعه من النشر ، وهو القرار الذي أصدرته الإمبراطورية النمساوية يومذاك . وفعلاً فقد ذكر الباحثون ثلاثة حواريين للفيلسوف بولزانو . منهم كل من مايكل جوزيف فيسل (1788 – 1864) و فرانز فرينسكي (1788 – 1859) (27) . والأول فيسل كان التلميذ والصديق الحميم للفيلسوف بولزانو . وكان من المعجبين والمتحمسين لأراء أستاذه ، ومن المعلوم إن الأستاذ بولزانو كان قساً كاثوليكياً ، وبروفسور العقيدة الدينية في كلية الفلسفة في جامعة براغ هذا طرف . والطرف الثاني إن أفكار بولزانو اللاهوتية والسياسية التقدمية قد سببت للأستاذ بولزانو الكثير من المشكلات له مع رؤسائه ورجال الدين (كلريكس) . وعلى هذا الأساس قرروا طرده من الجامعة عام 1819 ونفيه إلى الريف ومنعه من النشر في المجلات العامة . ونحسب إن هذه الظروف وضعت التلميذ والصديق فيسل في دائرة الضوء . وفعلاً عندما أقدم على تأليف جماعة عُرفت بعنوان ؛ (تحالف المسيحيين) ، والتي كانت وراء إتهامه بالخيانة ، فحكم عليه بالسجن .

   إن المهم في (علاقة الأستاذ بولزانو والتلميذ فيسل) ، مجموعة رسائل تبادلها الطرفان خلال الفترة الممتدة ما بين ؛ (عام 1815 وعام 1827) . وهذه الفترة شهدت صعود الفيلسوف الأستاذ بولزانو إلى الطوابق العليا في لاهوت الكنيسة الكاثوليكية وجامعة براغ ، كما وسجلت حالات التقاطع مع الكنيسة والطرد من الجامعة والنفي هذا طرف ، ودخول التلميذ السجن بسبب تهمة الخيانة العظمى . صحيح إن بولزانو وتلميذه فيسل تبادلا الرسائل لفترة إمتدت لأكثر من إثنتي عشر سنة . إلا إن هذه الرسائل لم تتطرق للقضايا الفلسفية والرياضية التي أبدع فيها الأستاذ بولزانو . وإنما جاء فيها نقاش للموقف السياسي ، وأسئلة تتعلق بالإيمان والأزلية . وهي بشكل عام تكشف عن الظروف السياسية غير المستقرة في بوهيميا ، وبالتحديد خلال القرن الثامن عشر . كما وتصور هذه الرسائل عمق الصداقة بين الأستاذ والتلميذ في تلك الفترة ، وحجم تبادل الأفكار بين الطرفين . ونحسب إن قيمة هذه الرسائل عالية لكل من المؤرخين ورجال اللاهوت (28) . 

  أما الحواري الثاني فهو (فرانز فرينسكي) والذي عمل مع الحواري السابق فيسل في مساعدة المعلم بولزانو على نشر مؤلفاته خلال فترة النفي والمنع الذي أصدرته السلطات النمسارية . كما وكتبا المقدمات للعديد من طبعات أعماله ، ووضعا مراجعات لكتبه ، وشاركا في العديد من المناقشات التي دارت حول كتبه ، وردا على بعض المراجعات العدائية . والحقيقة إن بولزانو كان من خلف الستار يقدم لهما بعض الأفكار المختصرة (29) .

   في حين كان الحواري الثالث البروفسور روبرت زيمرمان (1824 – 1894) ، وهو جيكي بالولادة وفيلسوف نمساوي ، وعندما مات أستاذه بولزانو في عام 1848 كان عمره أربعة وعشرين ربيعاً (30) .  وكان في الأصل أحد طلاب بولزانو في الفلسفة والرياضيات . والحقيقة إن بولزانو كان معلمه الخصوصي . وزيمرمان هو الطالب الوحيد الذي حصل على مكانة أكاديمية (31) . وفعلاً فقد عين أولاً رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة براغ وبالتحديد في عام 1852 (32) .  وفي العام 1859 إستدعاه الوزير (النمساوي المسؤول عن التعليم العالي) ليشغل رئاسة قسم الفلسفة في جامعة فينا ، ومن ثم مارس العمل الفعلي في عام 1861 . وبالمناسبة كان الفيلسوف الكبير فرانز برنتانو زميلاً له في القسم خلال هذه الفترة (33) .

   ويبدو إن البروفسور التلميذ لم يجري أبحاثاً كافية في أوراق أستاذه بولزانو الفلسفية والرياضية وذلك لأن إهتماماته محددة بمجال فلسفي واحد ، وهو علم الجمال (ولكن هذا الأمر لم يعفيه من المسؤولية . وذلك لأن بولزانو كتب في علم الجمال وفلسفة الفن) . على كل إن أهمية الحواري زيمرمان تكمن في إنه حافظ على معظم مخطوطات بولزانو والتي كان يملكها وحتى عام 1882 ، وحينها قام بتسليمها إلى الأكاديمية النمساوية للعلوم (أي حافظ عليها شخصياً مدة أربع وثلاثين سنة وبالتحديد بعد موت أستاذه بولزانو) (34) .

    وفعلاً إن إهتمام زيمرمان الرئيسي ، كان بعلم الجمال ، وهو المضمار الذي حمله شيئاً فشيئاً إلى التحول من مضمار فلسفة أستاذه بولزانو ، والتوجه نحو شواطئ فلسفة يوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) (35) . ويوهان هربرت هو فيلسوف وعالم نفس الماني ، ومؤسس البيداغوجيا (أي التربية والتعليم) مجالاً أكاديمياً . وهو من فلاسفة ما بعد الكانطية . والمشهورعنه ، إنه كانت له مخالفته للفيلسوف الألماني هيجل في علم الجمال (وهذه المخالفة لا تندرج في تفسير فكرة التربية) . ومن أهم كتاباته في علم الجمال ، كتابه المعنون علم التربية والإلهام الجمالي للعالم ، والذي تُرجم إلى الإنكليزية في العام 1892 . ويلاحظ إن بحثه الجمالي قد كان فيه خلط بين الأخلاق والتربية (35) . ويبدو إن هذا الربط بين الجمالي والأخلاق والتربية ، كان هو السبب في تحول زيمرمان إلى معسكر هربرت وتخليه عن أستاذه بولزانو .

  والحواري البروفسور زيمرمان ، كان عارفاً كل المعرفة ، وذلك من طرف ؛ كونه الحافظ على مخطوطات إستاذه بولزانو ولفترة ، إمتدت إلى (أربعة وثلاثين عاماً) ، نقول كان عارفاً بأن (إستاذه بولزانو) ، واحداً من فلاسفة علم الجمال ،  ولعل الشاهد الذي لا يختلف حوله إثنين ، هو نشر (بولزانو) لرسالتين في علم الجمال ؛ الأولى كانت بعنوان ؛ (حول مفهوم الجميل) ، والتي نُشرت في حياته . والثانية التي كانت بعنوان ؛ (حول تقسيم الفنون الجميلة) ، والتي قدمها في الجمعية الملكية البوهيمية للعلوم في (عام 1847) ، والتي نشرت بعد وفاته (36) .

    ونحسب إن هذا التحول من (علم جمال بولزانو إلى علم جمال هربرت) كانت سبباً غير كاف لأقناع فضول الباحث الأكاديمي . ويبدو إن هناك أسباباً أعمق من ذلك ، وقد تكون الظروف السياسية التي لفت قضية الأكاديمي بولزانو الذي طردته السلطات النمساوية من الجامعة ونفته ومنعته من النشر ، أو قد يكون السبب هو إتهام حواريه الحميم فيسل بالخيانة العظمى ومن ثم الحكم عليه بالسجن … أو قد يكون كل ذلك ، فقرر زيمرمان التحول نحو جادة فلسفية أخرى ، وتبرئة نفسه من كل العلاقات بالأستاذ بولزانو وذلك بتسليم مخطوطاته إلى السلطات النمساوية ممثلة بالأكاديمية النمساوية للعلوم ، وفي هذا الخيار آمان وراحة بال

————————————————————————.         

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

حضور الفيلسوف الآلماني إدموند هوسرل في تفكير كارل ياسبرز

 —————————————————————-

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية مُتخصصة

يُصدرها 

مركز دُريد الفرحان للدراسات والأبحاث

(كندا)

رئيس التحرير                سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان    الدكتورة نداء إبراهيم خليل

——————————————–

العدد

(65)

شباط

(2022)

———————————————————————–

عالم الرياضيات وفيلسوف الفينومنولوجيا أدموند هوسرل

   إعترف ياسبرز إلى والديه برسائل عديدة بمكانة الفيلسوف أدموند هوسرل مؤسس الفينومنولوجيا ، وتقويمه العالي لمنهجه الفينومنولوجي . وفعلاً فقد إستخدم  ياسبرز طريقة الفينومنولوجيا في إطروحته للدكتوراه الثانية والتي كانت بعنوان علم النفس المرضي (حصل عليها عام 1913) ، والتي أشرف عليها الكانطي الجديد ويندلباند ، والتي نشر  ياسبرز خلاصة عنها في مقالته المشهورة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية (نشرت عام 1912) . ومن ثم تحول هذا الكتاب الإطروحة إلى دليل للطلبة والأطباء وعلماء النفس في الأمراض النفسية (1) .

   وكان هذا الكتاب المصدر برأي سوزانا كيركبرايت يقدم رؤية جديدة ، ليست لها علاقة بأية مدرسة من مدارس علم النفس المتداولة يومذاك . إضافة إلى إنه إعتمد على مصادر متنوعة ، مكنت ياسبرز من عرض تفسير للعلوم الطبيعية والإنسانيات على حد سواء . وكان سائداً في عصر ياسبرز المثال القائل : ” الفهم محدود والتفسير لامحدود ” . وسعى ياسبرز إلى توسيع حدود هذا المثال ، فأفاد : ” إنه من الخطأ الإقتراح بأن النفس هي مضمار للفهم ، وإن العالم الطبيعي هو ميدان التفسير السببي . في الحقيقة إن كل حادثة واقعية سواء كانت طبيعة فيزياوية أو طبيعة نفسية ، هي مفتوحة للتفسير السببي في المبدأ ، وإن العمليات النفسية ممكن أيضاً أن تخضع إلى مثل هذا التفسير . وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك حدود في إكتشاف الأسباب ، ونحن مع كل حادثة نفسية نبحث دائماً عن السبب والنتيجة . ولكن مع الفهم فإن هناك حدود في كل مكان ” (2) .

    لقد لعبت مساهمة ياسبرز في إستخدام الأفكار في عرض الملاحظات التجريبية ، دوراً مهماً ، وبطريقة محترمة عالية ، في تقديم النقد للأبحاث المنطقية للفيلسوف أدموند هوسرل (1859 – 1938) ، والتي صدرت في العام 1900 . ولم يكتف ياسبرز بذلك فقد سعى إلى تقديم جواب سليم وبسيط للأسئلة التي أثارتها مقالة هوسرل المعنونة ” فلسفة العلوم الدقيقة ” والتي نشرت عام 1911 (3) .

     وإدموند غوستاف البريشت هوسرل ، هو فيلسوف وعالم رياضيات ، ومؤسس لأهم مدرسة فلسفية في القرن العشرين ، ألا وهي مدرسة الفينومنولوجيا (الظاهراتية) . وهوسرل إنشق عن النزعة الوضعية في الفلسفة والعلم في عصره ، ومن ثم قام بنقد النزعتين التاريخية والنفسية في المنطق (منا : مع الإنتباه إلى إن هوسرل في بواكير بحثه كان مناصراً للنزعة النفسية في المنطق ولهذا وجه إليه جوتلوب فريجة نقداً في حينها) . كما إنه وسع من حدود التجريبية ولذلك إعتقد إن التجربة هي مصدر كل المعرفة … (4) .

  ونحسب إن المهم في مراجعة سيرة الفيلسوف وعالم الرياضيات هوسرل ، هو إلقاء الضوء على التحولات الأكاديمية التي حدثت له ، والتي تشابهت في مسارها العام مع التحولات في حياة الطبيب النفسي – الوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً في تركهما الإختصاص الأول (بالنسبة لهوسرل الرياضيات ، والطب النفسي بالنسبة لكارل ياسبرز) وتحولهما إلى شواطئ الفلسفة الدافئة . وبالطبع في هذا التحول فهم عميق لعلاقة الفلسفة بالعلم عند المعلم هوسرل والتلميذ ياسبرز (بالطبع الأستاذية والتلمذة هنا لا نعني بها بالطريقة المباشرة وإنما بالقراءة والتبني للفينومنولوجيا في حالة التلميذ ياسبرز) (5) . ولعل المهم في حياة هوسرل الأكاديمية ، وما حملته من دروس ، وأثر الرموز الأكاديمية في تطور تفكيره الفلسفي ، والتي نظن إن التلميذ ياسبرز من طرفه قد وضعها موضع الدراسة والإستثمار . ولهذا فضلنا عرضها بالصورة الآتية :

أولاً – بعد إن تخرج هوسرل من الجومنزيوم في فينا (منا : تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك وللفترة ما بين 1876 وحتى عام 1878 وخلالها درس الرياضيات ، والفيزياء ، و علم الفلك . وهناك إفتتن هوسرل بمحاضرات الفلسفة ، التي كان يُقدمها الفيلسوف الطبيب وعالم النفس الألماني (والفيزيولوجي) وليهلم فونت (1832 – 1920) ، وهو واحد من من مؤسسي علم النفس الحديث +. ولعل أهمية فونت في مضمار البحث عن علاقة الفلسفة بالعلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ في ثمانينات القرن الماضي كنت أعمل أستاذاً مساعداً للفلسفة في قسم العلوم التربوية والنفسية ، وحينها صدر كتابي المعنون النفس الإنسانية : الأصول الفلسفية اليونانية ، ومن ثم صدر بحثي الرائد في بيروت والمعنون البحث النفسي عن إبي البركات البغدادي (وبالطبع يمكن تصنيفه في إطار الأصول الفلسفية الإسلامية . وكان خلال السيمنار الذي إعتدت تقديمه لأساتذة القسم بين الحين والأخر ، يُثار جدل رافض للأسس الفلسفية لعلم النفس وهو الموقف الذي أدافع عنه ، أمام  موقف (فيه الكثير من السذاجة الإيديولوجية لعلمنة العلوم الإنسانية ، وبالتحديد للتربية وعلم النفس ، يقودهم خريج اللغة العربية الذي ذهب إلى بولونيا وهو يحلم بدراسة الطب فتحول إلى التربية وظل لحد التسعينات وحتى وصل إلى درجة الأستاذية وهو لا يحب التربية ويحن إلى الطب وما وراءه من مردود مادي وهو المهم عنده) صادر من حشد من الزملاء الذين يتطلعون في حسم قضية علم النفس علماً من العلوم الطبيعية (وكنت خلال السيمنارات أبين بأن هذه مجرد أحلام لا يؤيدها تاريخ وحاضر علم النفس ومدارسه المتنوعة) ، وخلال ذلك إقترح علي زميلي المرحوم فاضل محسن الزريجاوي (وهو من أول من أنشأ في القسم مختبر بسيط لعلم النفس التجريبي) / أستاذ علم النفس المعرفي (وفي هذا البحث : هوسرل هو من الرواد في هذا المضمار) ، أن أكمل السلسلة بكتابة بحث عن الأصول الفلسفية الحديثة والمعاصرة للبحث في مضمار علم النفس . وقد وعدته حينها ودارت بنا الأيام وتركت التعليم الأكاديمي في موصل العراق ورحلت إلى لبنان حيث التعليم الأكاديمي الحر والنشر الواسع  ، وإستقرت الرحال بنا في كندا بلاد الفردوس والسلام . واليوم وأنا أكتب عن كارل ياسبرز ومصادر تفكيره ، خصوصاً في مضمار علم النفس تذكرت وعدي للمرحوم الأستاذ فاضل الزريجاوي . وقلت مع نفسي وأنا أستذكر إقتراحه : أبا مصطفى هذا طرف من وعدي لك وربما في هذه الجزئية أكون قد وفيت بوعدي وبحثي شاهد ، وأقدمه هدية لك ومن خلالك للكادر التدريسي النجيب في قسم العلوم التربوية والنفسية في ثمانينيات القرن المنصرم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وخصوصاً أهميته بالنسبة لرجل الفينومنولوجيا هوسرل (وبالطبع من خلاله على كارل ياسبرز) ، إنه ينظر إلى علم النفس بمنظار ثنائي ، فهناك جزء منه ينتمي إلى البايولوجيا (علم الأحياء) . وهناك جزء ثان يلتحق بالفلسفة (6) .

   وتصعد البدايات التاريخية لفينومنولوجيا هوسرل الأستاذ ، وفينومنولوجيا ياسبرز التلميذ إلى هذه الفترة من طلب العلم من حياة هوسرل ، فقد صادف إن كان الموجه الأكاديمي لهوسرل ، هو توماس ماسريك (1850 – 1937) ، وهو تلميذ سابق للفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو (1838 – 1917) . وهذا موضوع سنتناوله في محور خاص فيما بعد إكمال حديثنا عن هوسرل على الرغم من إنه أستاذ هوسرل . ولعل المهم هنا أن نذكر ما تركه تلميذ فرانز برنتانو ، توماس ما سريك عل تفكير هوسرل المنطقي ، فقد كتب المعلم ماسريك كتاباً مهماً في علم المنطق وكان بعنوان أسس المنطق الحقيقي (1885) ومن ثم صدر بالألمانية في فينا في عام 1887 (7) .

  وكان تفكير هوسرل في هذه الفترة ، في حالة تحول دائم بين طرفين ؛ طرف الفلسفة وطرف العلم ممثلاً بالرياضيات . وفعلاً في هذه الفترة تحول إلى جامعة هامبولت في برلين وبالتحديد في عام 1878 . ومن ثم إستمر في دراسة الرياضيات ، وتحت إشراف ليوبولد كرونكر (1823 – 1891) ، وهو عالم رياضيات وواحد من العاملين في مضماري نظرية الأعداد والجبر . ويُنظر إليه كناقد لعالم الرياضيات جورج كانتور (1845 – 1918) ونظريته في المجموعات (8) .

ثانياً – كما إن هوسرل حضر محاضرات فردريك بولسين (1846 – 1908) في الفلسفة . وهذه المحاضرات ستكون كتاب بولسين (وبالعنوان ذاته) والذي سيعتمده  كارل ياسبرز مصدراً أساسياً (ونبالغ إذا قلنا الوحيد) لرائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والحقيقة إن بولسين فيلسوف ألماني ومربي ، بداية تلقى تعليمه العالي في جامعتي بون وبرلين ، ومن ثم أصبح بروفسوراً (متميزاً) للفلسفة والبيداغوجيا (علم التربية) وكان ذلك في العام 1878 (9) .  ويقترن إسم التلميذ بولسين بإسم أستاذه الفيلسوف وعالم النفس التجريبي غوستاف ثيدور فشنر (1801 – 1887) (10) بل وينظر إلى بولسين على إنه واحد من أكبر حواريي فشنر . ويبدو إنه من خلال كتابات بولسين قد عبرت إلى دائرة تفكير كارل ياسبرز الكثير من الحقائق التي سيضمها كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وخصوصاً فيما يخص مضمار علم النفس ، والذي سيشغل مباحث مهمة من المجلد الثاني / القسم الثاني ، والذي جاء بعنوان علم نفس الإرادة وحدوده (ص ص 133 وما بعد) (11) .

   ولاحظ الأكاديميون إن تحولاً قد حدث في حياة البروفسور بولسين الأكاديمية ، وذلك عندما تقاعد في العام 1895 بروفسور الفلسفة أدورد زيلر (1814 – 1908) من جامعة برلين ، فشغل مقعده البروفسور بولسين أستاذاً للفلسفة الأخلاقية في جامعة برلين . ولعل أهمية زيلر في حياة بولسين ومن ثم في عمل الأكاديمي ياسبرز ، وبالتحديد مصدراً لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب زيلر الموسوعي ، والمعنون فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي صدر خلال الفترة ما بين عامي 1944 و1852 . والواقع إن هذا الكتاب مر بتاريخ من التطور والبحث الموسع ، حتى وصل إلى أخر نشرة له صدرت في العام 1902(12) . أي قبل أن ينشر ياسبرز كتابه ثلاثة مجلدات بأقل من ثلاثة عقود من الزمن . وبالتأكيد قد تحدث عنه أولاً بولسين ومن ثم إن هناك إحتمالاً قوياً إن ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام قد لفت إليه أنظاره . أو ربما جاءت الإشارة إليه في أبحاث فيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، والذي تبنى طريقته الفينومنولوجيا ياسبرز في إطروحته الثانية كما سبق إن أشرنا إليها سابقاً .

    وتكمن أهمية بولسين في موضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم ، في أنه تجاوز أستاذه فيشنر ، وحاول تقديم (في العام ) 1892 تفسيراً أبستمولوجياً للمعرفة الفيزيائية – السايكولوجية . وهذا التفسير قاده إلى التسليم بفرضية كانط  في المعنى الداخلي ، والتي مفادها ” إننا حالات عقلية واعية ” . وإنطلاقاً من هذه الفرضية إعتقد بولسين بأن ” الوعي هو معرفة الشئ بذاته ” . ومن المعلوم للجميع إن هذه القضية قد نفاها كانط على الإطلاق . وعلى الرغم من إن ياسبرز قد إعتمد على كتاب بولسين المعنون محاضرات في الفلسفة ، مصدراً لثلاثيته في الفلسفة (أنظر : كارل ياسبرز ؛ الفلسفة / التوسعة للطبعة الألمانية الثالثة / عام 1955 ، وهي توسعة لم تظهر في الطبعة الأولى لعام 1931) (13) . فإن شهرة بولسين قد تجاوزت فضاء الفلسفة ، ولامست مضمار البيداغوجيا / التربية . ولعل الشاهد على ذلك كتابه الذائع الصيت : التربية الألمانية : الماضي والحاضر ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ أ . لورنز) في العام 1907 (14) . )

   وقبل إن نغادر حضرة الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة بولسين ، نود أن نذكر حقيقة بالغة الأهمية ، والتي نحسب إنها سجلت حضوراً قوياً في نصوص كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة (وربما عبرت بصورة مباشرة أو من خلال التلميذ أدموند هوسرل) . وهي إن بولسين تحدث عن النفس ومن خلال ربطها بمفهوم الإرادة الشوبنهوري (15) . والحقيقة إن هذا الطرف ستظهر أثاره  على نصوص ياسبرز وبالتحديد على مضماري الإرادة وعلم نفس الإرادة (16) . وفعلاً فإن بولسين إستنتج على أساس دور الوعي الأبستمولوجي (أنظر أعلاه) ، إن النفس هي حقيقة عملية (وهنا يتفق بولسين مع شوبنهور (1788 – 1860)) ، والتي يمكن معرفتها من خلال فعل الإرادة . ولكن هذه الإرادة بالفهم البولسيني (نسبة إلى بولسين) ، هي ليست برغبة عقلية ، أو إرادة لا عقلية لا واعية ، ولا إرادة ذكية واعية . وإنما هي غريزة والتي هي إراداة الحياة ، والتي غالباً ما تكون الضمير ، الذي يتطلع نحو شواطئ الغايات … (17) .

ثالثاً وفي العام 1884 حضر هوسرل وبالتحديد في جامعة فينا ، محاضرات فرانز برنتانو في مادتي الفلسفة وعلم النفس الفلسفي . وخلال هذه المحاضرات عرف برنتانو تلميذه هوسرل على كتابات الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق برنارد بولزانو (1781 – 1848) والذي ترك أثراً واضحاً على الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (تحدثنا عنه أعلاه) ، والفيلسوف وعالم المنطق الإستقرائي جون ستيوارت مل (1806 – 1873) والفيلسوف التجريبي الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) (18) . وهنا يكمن التحول العميق في مضماري الفلسفة والعلم في كتابات المعلم هوسرل اللاحقة ، ومن ثم ستطبع توجهات التلميذ كارل ياسبرز كذلك .

رابعاً كتب هوسرل إطروحته الأولى للدكتوراه ، وإطروحته للدكتوراه الثانية في مضمار العلاقة بين الفلسفة والعلم  ، وبالتحديد في العلاقة بين الفلسفة والرياضيات . فقد كان عنوان إطروحته الأولى مساهمات في حساب المتغيرات ، وكانت تحت إشراف ليو كونكسبيرك (1837 – 1921) والتي حصل عليها من جامعة فينا عام 1883. أما إطروحته للدكتوراه الثانية فكانت بعنوان مفهوم العدد ، والتي حصل عليها من جامعة هيل كما ذكرنا أعلاه ، وبالتحديد في عام 1887 . وكونت الإطروحة الأخيرة الأساس لعمله المهم الأول والمعنون فلسفة الحساب ، والذي صدر عام 1891 (19) .

  والحقيقة إن هوسرل في هذا الكتاب قد ربط بين الرياضيات والفلسفة على أساس سايكولوجي ، وهو الذي أثار حفيظة فيلسوف العلم وعالم المنطق الرمزي جوتلوب فريجه ، وحمله على توجيه نقد حاد لنزعة هوسرل السايكولوجية ، والتي سيتبرأ منها هوسرل لاحقاً ويتحول إلى ناقد للنزعة السايكولوجية (20) .   

   وما دام الحديث عن ياسبرز وفيلسوف الفينومنولوجيا هوسرل ، فإنه قبل أن ينشر ياسبرز مقالته المعنونة ” مشروع فينومينولوجي ” ، فإن هوسرل رحب بحماس بالدراسات السايكيترية (الطبية – النفسية) لياسبرز ، وإعتبرها شاهد على إن ياسبرز واحد من حوارييه (منا : وهنا يلتقي ياسبرز وهيدجر وبالتحديد تحت مظلة فينامينولوجيا هوسرل) . وفعلاً فإن ياسبرز قبل أن ينشر مقالته في مجلة الزايمر ، وبالتحديد في ربيع عام 1912 ، أخبر والديه برسالة ، ذكر فيها إنه إستلم رسالة من هوسرل ، ومن ثم وجهها لوالديه ، وفيها كلام مملوء بالفخر والإعتبار . وهذا نص رسالة ياسبرز :

” هيدلبيرك 20 / 10 / 1911

الوالدان العزيزان

أرفق لكم رسالة هوسرل التي بعثها لي ، إستجابة إلى عملي ، وهوسرل هو واحد من الفلاسفة الأوائل المشهورين في العصر الحاضر . وفوق كل ذلك ، فهو يعمل في مضمار علم المنطق . وأنا طبقت بصورة جزئية لطريقته التي يستخدمها في أبحاثه ، والتي نطلق عليها ” الفينومنولوجيا ” . وأنا بكل تواضع كتبت إليه ” بأن تحليلاته تبدو لي جداً مقنعة ” . ولكن في الواقع أنه لم تكن لدي أية فكرة واضحة عن الفينومنولوجيا ، والتي كانت تواجه الهجوم . ولهذا أعتقد إن هوسرل بنفسه لا يعرف ذلك . وانا كتبت لكم هذه الرسالة لتفهموا المرجعية لرسالتي في رسالته التي بعثها لي . وأنا جداً مسرور برسالته ، لأنها أكثر من رسالة أبوية ، إنها رسالة من هوسرل ، الذي هو الأول والخبير الأحسن في هذا الميدان ، والذي إعترف بعملي . إنه يستحق مني الكثير من الإحترام …

تحياتي وأشواقي

ولدكم

كلي ” (21) .

————————————————————————-

الهوامش :

1 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتوره نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013

2 – أنظر :

Suzanne Kirkbright, Karl Jaspers: A Biography, Navigations In Truth, Yale university Press, New York 2004, pp. 67 – 68

3 – أنظر :

Ibid, p. 68 and p. 297

4 – للتفاصيل أنظر :

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ جوتلوب فريجة : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس / ربيع 2012 .

2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا أرنديت (1906 – 1975) / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012 . 

5 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز (مصدر سابق) .

6 – أنظر :

A – Alen Kim, ‘Wilhelm Maximilian Wundt’, In Stanford Encyclopedia of Philosophy 2006 (On Line).

B – Christian Beyer, ‘Edmund Husserl, In Standford Encyclopedia of Philosophy 2013 (On Line).

7 – أنظر :

Joseph Kockelmans (Ed.), The Philosophy of Edmund Husserl and Its Interpretation, Doubleday 1967. (555 pages)

8 – أنظر :

Harold Edwards, An Appreciation of Kronecker, Mathematical Intelligencer, 1987, Vol. 9, No.1, pp. 28 -35

9 – أنظر :

Hugh Chisholm (Ed.), ‘Friedrick Paulsen’, In Encyclopedia Britannica (11th), Cambridge University Press 1911 (On Line)

10 – أنظر للتفاصيل عن الفيلسوف والرائد في علم النفس التجريبي ومؤسس النزعة الفيزيوسايكولوجية ، والذي ينظر إليه كواحد من حواريي شيلنج ، إسبينوزا ، لايبنز ، جوهان فردريك هربارت وشوبنهور …

Michael Heidelberger. Nature From Within: Gustave Theoder Fechner and His Psychphysical Worldview, Trans. By Cynthia Kloher, University of Pittsburgh Press 2004, Chapter One: Life & Work, pp. 19 – 71

11 – أنظر :

Karl Jaspers, Philosophy, Trans. By E. B. Ashton, University of Chicago 1970, Vol.2, pp. 133 – 153

12 – أنظر :

Eduard Zeller, The Philosophy of Greeks in their Historicsl Development, Last Editation of 1902

13 – أنظر :

Karl Jaspers, Op. Cit, Epilogue 1955, Vol. 1, p. 12

14 – أنظر :

Hugh Chisholm, Op. Cit,

15 – أنظر :

Hugh Chisholm, ‘Friedrick Paulsen’, (Op. Cit),

16 – أنظر :

Karl Jaspers, Philosophy, (OP. Cit), Vol. 2, pp. 133 – 153

17 – أنظر :

Hugh Chisholm, Op. Cit,

18 – أنظر :

Christian Beyer, Op. Cit,

19 – أنظر :

Ibid,

20 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان : جوتلوب فريجه : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي (مصدر سابق)

21 – أنظر الرسالة الأصلية في ملاحق كتاب سوزانا كيركبرايت :

Suzanne Kirkbright, Op. Cit, pp. 68 – 69 and p. 297

——————————————————–

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

أثر الفيلسوف الكانطي الجديد الألماني ويلهلم ويندلباند على كارل ياسبرز

——————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية متخصصة

يُصدرها

مركز دُريد للأبحاث والدراسات

(كندا)

رئيس التحرير         سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان      الدكتورة نداء إبراهيم خليل

—————————————————————–

العدد

(64)

جنيوري

(2022)

——————————————————————————

أثر الفيلسوف الكانطي الجديد الألماني

ويلهلم ويندلباند

(على كارل ياسبرز)

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

——————————————-

   لقد كان الكانطي الجديد ويلهلم ويندلباند (1848 – 1915) المشرف على إطروحة كارل ياسبرز للدكتوراه الثانية المعنونة علم النفس المرضي العام ، والتي أنجزها في كلية الفلسفة – جامعة هيدلبيرك عام 1913 وقبيل وفاة أستاذه ويندلباند بسنتين فقط . وعلى هذا الأساس يكون الإستاذ ويندلباند هو أول معلم أكاديمي في مضمار الفلسفة للفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . ونحسب إن البروفسور ويندلباند ومؤلفاته لعبت دوراً مؤثراً في تكوين ذهنية الطالب كارل ياسبرز الفلسفية ، وبالتحديد في علاقة الفلسفة بالعلم . ولبيان ذلك الأثر العميق ، نلقي بعض الضوء على إهتمامات الدكتور ويندلباند الفلسفية والعلمية (وبالطبع أساتذته وعلاقاته بفلاسفة عصره) ، والتي تساعدنا في معرفة ما تركه الأستاذ على التلميذ كارل ياسبرز .

  والحقيقة إن ويندلباند قبل أن يشرف على إطروحة كارل ياسبرز ، كان معروفاً في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك خاصة ودائرة الثقافة الألمانية عامة بإهتماماته الخاصة بعلم النفس ، ومحاولاته الجدية في صياغة حدود جديدة له . ومن الطرف الفلسفي الذي ستظهر أثاره على ياسبرز ، هو إن ويندلباند كان كانطياً جديداً من أعضاء مدرسة بايدن للكانطية الجديدة .  إلا إنه كان معارضاً للكانطيين الجدد في عصره ، ولهذا حافظ على حد تعبيره على ” فهم كانط بصورة صحيحة ، وذلك عن طريق تجاوز كانط ” .

  ومن الملاحظ إن ويندلباند في نزعته الكانطية الجديدة ، الهادفة إلى تخطي كانط ، قد إستندت إلى مجموعة من الفلاسفة ، من أمثال جورج ويلهلم هيجل (1770 – 1831) ، والفيلسوف التربوي وعالم النفس جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) وهربرت من فلاسفة ما يُعرف بحقبة ما بعد الكانطية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (1817 – 1881) . وويندلباند كان زميلاً مقرباً من الكانطي الجديد (الرمز القيادي لمدرسة بايدن) هنريخ ريكارت ، والذي سيقود الكانطيين الجدد في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ضد كارل ياسبرز (كل ذلك حدث بعد موت ويندلباند بأكثرمن عقد من السنين ، ومن النافع الإشارة إلى إن الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر قد وقف مع زميله الوجودي كارل ياسبرز ضد الكانطيين الجدد ، ومن بينهم أستاذه المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه ، وهو الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، ولا تنسى بأن هيدجر سيدخل هو الأخر في جدل حامي الوطيس مع الكانطيين الجدد ممثلاً بالفيلسوف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر (1874 – 1945)) . وكان من حواريي ويندلباند يومذاك عالم الإجتماع ماكس فايبر .

  ومن القضايا البالغة الأهمية التي جادل فيها ويندلباند ، وستترك أثرها على العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ودور الفلسفة في تنشيط الحوار بينهما . هي ضرورة إنخراط الفلسفة في حوار إنساني مع العلوم الطبيعية . كما كان لإهتماماته بعلم النفس والعلوم الحضارية (الثقافية) إن وقف بوجه المدرستين النفسية والتاريخية . ولعل من أهم مؤلفات ويندلباند :

1 – تاريخ الفلسفة (1893) وأعيد طبعه في مجلدين عام 1901 .

2 – تاريخ الفلسفة القديمة (1899) .

3 – مدخل إلى الفلسفة (1895) .

4 – النظريات المنطقية .

5 – التاريخ والعلم الطبيعي (1)

أنظر للتفاصيل :

!-Wilhelm Windelband and Guy.Oakes, History and Natural Sciences (History and Theory) Feb . 1980, Vol . 19 , No .2 , pp . 165 – 168     

وفي هذا الكتاب مقدمة عن حياة ويندلباند الأكاديمية ونشاطاته العلمية ومؤلفاته .

———————————————————-


نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

الفيلسوف وعالم المنطق الآلماني رودلوف هرمان لوتزه

———————————————————————

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية دورية

يُصدرها

مركز دُريد للأبحاث والدراسات

(كندا)

رئيس التحرير                    سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء إبراهيم خليل

————————————————————————

العدد

(63)

ديسمبر

(2021)

——————————————————————————–

الفيلسوف وعالم المنطق الألماني

رودلوف هرمان لوتزه

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————–


تقديم :


   إما الفيلسوف وعالم المنطق رودلوف هرمان لوتزه الذي كتب عنه ويندلباند بحثه المعنون هرمان لوتزه في جامعة كوتنكن (وهو القسم الثاني من بحثه الواسع والمعنون كينو فيشر في يانا وهرمان لوتزه في كوتنكن) فقد ترك تأثيراً ملحوظاً في البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية خاصة والتي تطور فيها تفكير كارل ياسبرز شأنه شأن أبناء جيله . ولهذا نود أن نستذكر لوتزه فيلسوف علم وعالم منطق ، وخصوصاً إذا تذكرنا بأن ياسبرز قرأ أبحاث هوسرل المنطقية ومقالته في العلوم الدقيقة والتي نحسب فيها حضور للأثر المنطقي الذي خطه عالم المنطق لوتزه . كما إن لوتزه هو عالم المنطق الذي ظهرت أثاره واضحة على كتاب النظريات المنطقية الذي ألفه ويندلباند أستاذ ياسبرز .

  ومن طرف الفيلسوف الألماني وعالم المنطق رودلوف هرمان لوتزه ، والذي حمل تفكيره ويندلباند وقدمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تلميذه كارل ياسبرز ، سواء في الحديث عنه أو من خلال قراءة ياسبرز لما كاتبه ويندلباند عن لوتزه . هو في الأصل يحمل درجة دكتور في الطب شأنه شأن كارل ياسبرز ، وحاله حال ياسبرز فإن دراساته الطبية مكنته من أن يكون رائداً في مضمار علم النفس المؤسس على قواعد علمية . وهناك قصة تقف وراء دراسته للطب ، فبعد إن تخرج من الجيمنزيوم (تعادل الثانوية) ، إلتحق بجامعة لايبزك كطالب في الفلسفة والعلوم الطبيعية . إلا إنه ما بلغ السابعة عشر ربيعاً من عمره ، حتى حزم أمره وتحول إلى دراسة الطب .

   ومن ثم سارت دراسات لوتزه المبكرة بإتجاهين متميزين ؛ الأول نهض على الأبحاث الرياضية والفيزيائية (منا : هذه أجناس من العلوم) وأنجزها تحت إشراف كل من الطبيب إرنست هنريخ (1795 – 1878) وهو مؤسس علم النفس التجريبي ، وعالم الفيزيولوجيا ويلهلم فولكمان (1801 – 1877) ، وعالم النفس التجريبي غوستاف فيشنر (1801 – 1887) . والثاني فني جمالي (منا : هذه أجناس من الفلسفة) وطوره لوتزه تحت رعاية الفيلسوف البروتستانتي كريستين هرمان ويس (1801 – 1866) . وكريستين كان مُشايعاً في البداية للهيجلية ، ومن ثم تحول إلى شواطئ فلسفة فردريك ويلهلم شيلنج (1775 – 1854) .

  وهنا تأتي حكاية بالغة الأهمية في حديثنا عن لوتزه وربما نبه الأستاذ ويندلباند أنظار تلميذه ياسبرز إليها ، وهي حكاية تتعلق بموضوع العلاقة بين الفلسفة والعلم . فمن الملاحظ إن لوتزه كان مفتوناً مثل ياسبرز بالعلم والتفلسف ، ولكن بالتخصيص إن إهتمام لوتزه كان إهتماماً مشروطاً بالإنتماء إلى التقاليد الفلسفية العريقة ، ولذلك كان مفتوناً بالعلم وبمثالية (منا : فلسفة) جوهان جوتلوب فيخته (1762 – 1814) ، وفردريك ويلهلم شيلنج ، وجورج هيجل . وكانت أولى مقالات لوتزه ، هي إطروحته للدكتوراه في الطب (منا : لاحظ علاقة الفلسفة بالعلم ممثلة بالطب أو الأدق البايولوجيا) والمعنونة الأسس الفلسفية للبايولوجيا (1838) ، والذي حصل عن طريقها على درجة الدكتوراه في الطب . وقبلها بأربعة أشهر حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة (وذلك لكون إطروحته ذات طبيعية ثنائية ، فيها طرف علمي طبي (بايولوجي) . وطرف فلسفي وعلى هذا الأساس حصل على درجتي الدكتوراه في الفلسفة والطب)  .

   ونحسب إنه من النافع الإشارة إلى إن هذه الدراسة الأكاديمية المزدوجة في مضمار الطب (أو البايولوجيا) والفلسفة (والتي تم إنجازها في عام 1838) كونت إنموذجاً من الأبحاث الأكاديمية المبكرة ، التي عنت بالعلاقة بين الفلسفة والعلم (الفلسفة والطب أو البايولوجيا) . وقد كتبها لوتزه قبل ولادة كارل ياسبرز بأقل من نصف قرن (وبالتحديد خمسة وأربعين عاماً) . ويبدو إن أستاذ ياسبرز المشرف ويندلباند قد وجه أنظار تلميذه إليها خاصة ، كما وجهه إلى قراءة مؤلفات لوتزه المهمة في مضمار علم النفس والتي ستعين ياسبرز في كتابة إطروحته الثانية . وبالمناسبة إن أبحاث لوتزه كونت حقلاً جديداً أخذت دوائر البحث تصطلح عليه بفلسفة علم النفس .   

  ومن ثم صاغ لوتزه أسس نظامه الفلسفي في الميتافيزيقا (لايبزك 1841) (منا : وهذا الموضوع جدا جدا مهم لكارل ياسبرز والذي نزل إليه مباشرة من كتب لوتزه أو من خلال أستاذه ويندلباند ، وبالتحديد مهم للمجلد الثالث من رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة . وبالمناسبة المجلد الثالث جاء بعنوان الميتافيزيقا) . وفعلاً فقد نشر أولاً بالألمانية ، ومن ثم ترجم نظام لوتزه الفلسفي في الميتافيزيقا إلى الإنكليزية ، وحمل عنوان الميتافيزيقا في ثلاثة كتب : الإنطولوجيا ، الكوسومولوجيا ، وعلم النفس) . وأحسب إن طرف من المجلد الثاني لكتاب ياسبرز ، قد حمل عنوان علم نفس الإرادة ، والذي يثير السؤال في دائرة البحث في تفكير الطبيب ياسبرز وعلاقته بأبحاث الطبيب لوتزه في علم النفس ، ومن ثم  في الميتافيزيقا .  وفي العام 1843 ظهر إلى النور بحثه المنطقي ، والذي نشره بالإنكليزية وبعنوان المنطق في ثلاثة كتب : الفكر ، البحث ، والمعرفة . وبالمناسبة يُنظر إلى لوتزه على إنه الخليفة الحقيقي للفيلسوف الألماني لايبينز (1646 – 1716) . وهذا موضوع (أي منطق لوتزه ولايبينز) سنتناوله في مقال أخر+ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ للإطلاع على التفاصيل أنظر :

1 – Henry Jones, A Critical Account of the Philosophy of Lotze, Glasgow 1895

2 – Hugh Chisholm (Ed.), Lotze, Rudolf Hermann, Encyclopaedia Britannica, Cambridge University Press 1911

3- David Sullivan, ‘Hermann Lotze’, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2012 (on Line)

————————————————————————————–

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة الألماني كينو فيشر

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية دورية

يُصدرها

مركز دُريد للدراسات والأبحاث

(كندا)

رئيس التحرير             سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان    الدكتورة نداء إبراهيم خليل

———————————————————-

العدد

(62)

نوفمبر

(2021)

———————————————————————————–

 الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة الألماني كينو فيشر

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————-


  ونحسب إنه بالإضافة إلى تأثير ويندلباند ، فإن الكانطي كينو فيشر (1824 – 1907) والذي كتب ويندلباند عنه بحثاً بعنوان كينو فيشر في جامعة يانا (+) ، قد ترك أثراً على ياسبرز وذلك من خلال قراءة ياسبرز لهذا البحث أو من خلال ما تركه فيشر من أثر في كتبه ومحاضراته وأحاديثه مع تلميذه الدكتور النفسي (السايكايتري) كارل ياسبرز . ولعل أهمية فيشر على تفكير ياسبرز تكمن في إنه كانطي (ينتمي للمدرسة الهيجلية) ومن الكتاب الذين كتبوا عن حياة كانط وفلسفته ، ومن نتائج كتاب فيشر ، إنطلقت على أساسه حركة العودة إلى كانط ، ومن ثم ظهرت الكانطية الجديدة ومدارسها المتنوعة (2) . وإن ياسبرز بدوره سيحتفل في جامعة هيدلبيرك ، ويلقي خطاباً بمرور مائتي عام على ولادة الفيلسوف عمانوئيل كانط  (3) .

   والفيلسوف الألماني كينو فيشر ، هو مؤرخ أكاديمي للفلسفة وناقد . وبعد دراسة الفلسفة في جامعتي لايبزك وهيل ، عمل في العام 1850 محاضراً في جامعة هيدلبيرك . إلا إنه واجه في العام 1853 (أي بعد ثلاث سنوات من عمله الأكاديمي) قراراً بمنعه من التعليم ، والذي أصدرته حكومة بايدن ، وذلك بحجة أن أفكاره تحررية (ليبرالية) . ولكن هذا المنع عمل لصالخ الفيلسوف الكانطي فيشر ، فقد سبب تنامي تعاطف الجمهور الكبير مع وجهات نظره . ومن ثم تزامن مع حصوله على درجة بروفسور في جامعة يانا (وبالتحديد في العام 1856) ونتيجة لذلك إكتسب سمعة في الأوساط الأكاديمية والشعبية . وفي العام 1872 وبعد إنتقال البروفسور أدورد زيلر (1814 – 1908 ، والذي إشتهر يومذاك بكتابه فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي أصبح مرجعاً أكاديمياً في معظم الجامعات الأوربية بعد ترجمته إلى معظم اللغات الأوربية . وإن أخر نشرة له كانت عام 1902) (4) إلى جامعة برلين ، خلفه فيشر بروفسوراً للفلسفة وتالريخ الأدب الألماني الحديث في جامعة هيدلبيرك وهي الجامعة التي عمل فيها ويندلباند فيما بعد وسيعمل فيها كارل ياسبرز وسيكتب إطروحته للدكتوراه الثانية فيها .

  إن أهمية فيشر في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تعلم فيها ياسبرز ، وتطور تفكيره الفلسفي ، ومن ثم كتب ثلاثيته في الفلسفة ، تعود إلى الأطراف الآتية : أولاً إن كينو فيشر بنظر معظم الأكاديميين الألمان ، هو واحد من أتباع المدرسة الهيجلية ، وإن كتاباته في هذا المسار ، وخصوصاً محاولته في تفسير كانط ، حملته على الدخول في جدل عريض حاد مع البروفسور الفيلسوف والفيللوجي فردريك أدولف ترندلينبرك (1802 – 1872) في جامعة برلين وطلابه . فكان جدلاً عاشته البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية على وجه الخصوص .

ثانياً إن ترندلينبرك كان موضوع تقدير الرائد الوجودي سورين كيركيجارد (1813 – 1855) ، والذي ألهم  الوجودي كارل ياسبرز . فقد قيم سورين كيركيجارد طريقة تدريس كينو فيشر بتقدير عال ، وقال عنه بالحرف الواحد : ” إنه واحد من أفضل العقلاء في مضمار الفيللوجيا الفلسفية الذين عرفتهم في حياتي ” (+) .

ثالثاً إن كينو فيشر هو نقطة إنطلاق لحركة أكاديمية وثقافية عارمة ستُعرف بالكانطية الجديدة ، والتي طبعت البيئة الثقافية التي تعلم فيها كارل ياسبرز ، كما وكان الكانطيون الجدد أساتذة له (مثل ويندلباند) ومن ثم زملاء وخصوم كما عرفنا (مثل هنريخ ريكارت) . وفعلاً فإن كتاب فيشر المعنون كانط : حياته وأسس عقيدته ، والذي نشره في العام 1860 ، وهي أول محاولة أكاديمية سعت وألهمت الأنظار الألمانية إلى تكوين حركة فلسفية  رفعت شعار العودة إلى كانط (5) . كما إنه لم يكتف بذلك بل كتب واحداً من أهم كتبه عن كانط (بالطبع بعد كتابه الأول : كانط : حياته …) وهو كتابه المعنون شرح على كانط ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ ج . ب . ماهفي وبعنوان الناقد والعقل الخالص ، والذي صدر في العام 1866 (6) .

رابعاً وتكمن أهمية كينو فيشر في مساهمته المتفردة في تاريخ الفلسفة ، والتي ليس في الإمكان محوها من ذاكرة الفلسفة . ونعني مساهمته التي ميزت بين التجريبية (منا : العلوم التجريبية) والعقلية (منا : العلوم العقلية) في مقولات الفلاسفة ، خصوصاً فلاسفة القرنيين السابع عشر والثامن عشر ، والتي شملت كل من جون لوك (1632 – 1704) ، جورج باركلي (1685 – 1753) وديفيد هيوم (1711 – 1776)  في مقولات التجريبية (منا : وبالطبع تصعد إلى تراث الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561 – 1626) . وضمت كل من رينيه ديكارت (1596 – 1650) ، باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) ، وكوتفريد لايبنز (1646 – 1716) في مقولات العقلية . فالتجريبية تزعم إن المعرفة البشرية تأتي عن طريق الحواس (أو التجربة) . بينما العقلية تدعي بأن المعرفة اليقينية يمكن إكتسابها عن طريق مبادئ نظرية (خالصة) وهذا يحدث قبل التجربة (7) .

خامساً ونحسب إن شخصية كينو فيشر / مؤرخ الفلسفة في غاية الأهمية للوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً لمعرفة مصادر ثلاثيته في الفلسفة (على الأقل في النسخة الإنكليزية) التي لاتحمل إلا إشارات نادرة إليها . ولعل موسوعية كينو فيشر المؤرخ في مضمار تاريخ الفلسفة ، ربما أعانت ياسبرز في كتابة ثلاثيته (وهناك إحتمال إلى إن الكانطي الجديد الدكتور ويندلباند (وهو تلميذ كينو فيشر) قد لفت أنظار تلميذه ياسبرز ومن خلال جلسات الإشراف على إطروحته للدكتوراه الثانية ، ولا تنسى إن ويندلباند قد كتب كتابه الشهير عن كينو فيشر وبعنوان كينو فيشر في جامعة يانا) . وهنا سنحاول ذكر عناوين كتب كينو فيشر والتي غطت تاريخ أطرافاً مهمة من تاريخ الفلسفة (وبالمناسبة قد ترجمت أغلبها إلى الإنكليزية) . وذلك لنوفر لقارئ الفلسفة  فرصة لمعرفة حجم المستبطن من كتب فيشر في ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .

   وهذه المصادر الفيشرية هي : دايتما : فكرة الجمال (صدر في العام 1849) . وبالمناسبة دايتما أو دايتيما المنتينية هي معلمة سقراط  ، وقد خصها إفلاطون في سمبوزيوم (المآدبة) . وقد كتبنا عنها بحثاً واسعاً بعنوان الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الرابع / خريف 2011 . كما إن ياسبرز درس موضوع الفن (والجمال) في كتابين : الأول ستراندربيك وفان جوخ والثاني محاضرات عن نيتشه . ولكن الغائب هو قفز ياسبرز على صفحات تاريخ الفن وعلم الجمال … ثم جاء كتاب كينو فيشر الثاني والذي حمل العنوان الاتي ” نظام المنطق والميتافيزيقا أو عقيدة المعرفة ” (صدر في عام 1852) . والحقيقة إن ياسبرز خص الميتافيزيقا في المجلد الثالث . ومن كتبه الخطيرة والتي تكشف علاقة الأكاديمي بالسلطة السياسية ، كتابه المعنون تحريم محاضراتي (صدر عام 1854) .

  ومن ثم جاء المصدر المهم لكل باحث أكاديمي في عصر كارل ياسبرز ، وهو في الحقيقة موسوعة فلسفية ، والتي جاءت بعنوان تاريخ الفلسفة الحديثة (صدر في 6 مجلدات ، ونشر للفترة مابين 1854 – 1877) . وهذه الملحمة الفلسفية تُعد بنظر الأكاديميين من المساهمات البالغة الأهمية ، ونتوقع أن ياسبرز مؤلف ثلاثة مؤلفات في الفلسفة ، قد إطلع عليها (وخلاف ذلك فقد أغفل مصدر أكاديمي لا عذر له على الإطلاق) . ونرى على الأكثر إن أستاذه وينجلباند قد لفت نظره إليه . وهذا الكتاب الموسوعة ، قد ضم مجموعة رسائل متخصصة عن ديكارت ، كانط ، فيخته ، شيلنج وعدد أخر من كبار الفلاسفة ونزولاً حتى شوبنهور . وكتابه المعنون مدرستان لفلسفة كانط في جامعة يانا (صدر عام 1862) . وكتابه المعنون  باروخ إسبينوزا : حياته وشخصيته . وأخيراً إنتخبنا من كتبه الكثيرة ، كتابه المعنون شرح على كانط : نقد العقل النظري ، والذي ترجمه الأستاذ ج . ماهفي عام 1866 . ومسك الختام كتابه المعنون ديكارت ومدرسته ، والذي ترجمه ج . ب كوردي عام 1887 (8) .

—————————————————————————

الهوامش :

1 – للتفاصيل أنظر :

Wilhelm Windelband & Guy Oakes, History and Natural Sciences, (History and Theory), Vol. 19, No. 2 (Feb. 1980), pp. 165 – 168

وفيه مقدمة عن حياة ويندلباند الأكاديمية ونشاطاته العلمية ومؤلفاته …

+ أنظر :

Wilhelm Windelband, Kuno Fischer, Heidelberg 1907

2 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الأصول الفلسفية وأشكال الكانطية الجديدة / العدد السادس / ربيع 2012 .

3 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013

4 – أنظر :

Hugh Chisholm (Ed.), ‘Eduard Zeller’, In Encyclopedia Britannica, (11th ed.), Cambridge University Press 1911

+ أنظر :

Richard Purkarthofey, Kierkegaard Studies Year book, 2005, p. 192

وكذلك أنظر :

Jornals and Papers of Soren Kierkegaard, 1944, 98 VA

5 – أنظر :

Alexander, A. B. D., ‘Kuno Fischer. An Estimte of His Life and Work’, In Jaournal of Philosophy, Psycology and Scientific Methods, New York 1908, Vol. 5, p. 57

6 – أنظر :

Kuno Fischer. A Commentary of Kant’s “Critic of Pure Reason”, Trans. By J. P. Mahaffy, London – Dubline 1966

7 – أنظر :

Alexander, Op. Cit, Vol. 5

8 – أنظر :

Ibid,

—————————————————–

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

المدرسة الأبستمولوجية الشكية البايرونية

—————————————————————————————

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية دورية

يُصدرها

مركز دُريد الفرحان للدراسات والأبحاث

(كندا)

رئيس التحرير          سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان    الدكتورة نداء إبراهيم خليل

——————————————————————————–

العدد

(61)

إكتوبر

(2021)

—————————————————————————————

The School of Pyrrhonian Scepticism

Dr. MOHAMAD FARHAN

المدرسة الأبستمولوجية

 الشكية – البايرونية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة


————————————————————————– 

تقديم :

إن الأب الروحي لهذه المدرسة ، هو الفيلسوف الشكي بيرو أو بيرون (360 – 270 ق.م) وهذا ما نفضل تداوله . وفي الحقيقة إن الفيلسوف الشكي أنيسديموس ، هو الذي أسس المدرسة في القرن الأول قبل الميلاد ، وأطلق إسم بيرون عليها . صحيح كما ذكرنا في أبحاث سابقة إن هناك عدداً من الفلاسفة الشكيين قد فرضوا هيمنتهم على المدرسة الأكاديمية التي أسسها إفلاطون ، وبالتحديد في فترة الأكاديمية الوسطى أو الثانية . وهؤلاء الأكاديميون الشكيون يشاركون فلاسفة المدرسة البايرونية في نزعتهم الشكية . إلا إننا مع المدرسة البايرونية نجد فلاسفة بنوا لهم مدرستهم المستقلة ، وعبروا بوضوح عن مذهبهم الشكي ، ولم يعملوا تحت رايات مدارس أخرى مثل حال الأكاديميين الشكيين (أنظر : كيسلا سترايكر ؛ حول الإختلافات بين البايرونيين والأكاديميين / منشور في كتاب : مقالات في الأبستمولوجيا والأخلاق الهيلينستية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1996 ، ص ص 135 – 149) .

بيرون المؤسس الروحي للمدرسة الشكية الأبيرونية

  قلنا قبل قليل إن بيرون هو المؤسس الروحي للمدرسة الشكية الأبيرونية . وبيرون هو أول فيلسوف شكي بايروني . وإن أفكاره قد ألهبت وألهمت فلاسفة المدرسة البايرونية . جاء بيرون من منطقة إليا ، والتي تقع في جنوب اليونان ، ويحدها من الغرب البحر الأيوني . ووفقاً لديوجانس لارتيوس (والذي إقتبس من أبولودورس الأثيني (180 – وتوفي ما بعد 120 ق.م) وهو تلميذ الرواقي ديوجانس البابلي العراقي) بأن بيرون في الأصل كان رساماً ، وإن لوحاته كانت معروضة في الجمنزيوم في إليا ، ومن ثم تحول إلى الفلسفة بعد قراءة أعمال الفيلسوف ديمقريطس . كما وإن بيرون كان مطلعاً على الجدل (المنطق) الميغاري (نسبة إلى المدرسة الميغارية التي أسسهاالفسلسوف إقليدس الميغاري (435 – 365 ق.م)) . وهذا الإطلاع جاء من خلال الفيلسوف الميغاري برايسون الأكي (إزدهر عام 330 ق.م) الذي كان معلماً للفيلسوف بيرون (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب التاسع) . وبالمناسبة فإن الفيلسوف الميغاري برايسون كان تلميذاً للفيلسوف الميغاري ستلابو (360 – 280 ق.م) الذي كان معاصراً للفيلسوف المشائي ثيوفروستس (أنظر : ألكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 52) .

  ولعل من النافع أن نشير إلى صفحات من إنفتاح العقل اليوناني ودائرته الثقافية على ثقافات الشرق ، والتي ظهر لها صدى في حياة ومن ثم في كتابات بيرون . فقد أشارت المصادر إلى إن بيرون والفيلسوف إنكساركوس (380 – 320 ق.م) كانا مرافقين للإسكندر المقدوني في حملاته الحربية في الشرق (وإنكساركوس هو فيلسوف من مدرسة ديمقريطس . وإن أفكاره تمثل ربطاً بين ذرية ديمقريطس وشكية بيرون) . وقد درس كل من بيرون وإنكساركوس على يد الفلاسفة الهنود العراة ، وعلى يد حكماء المجوس في بلاد فارس .

  ويبدو إن إطلاع بيرون على الفلسفة الشرقية ألهمه في تبني إسلوب الحياة المتواضعة والعزلة . وفعلاً عندما عاد إلى مدينته إليا ، عاش في ظروف متواضعة جداً . ولكنه كان محترماً من قبل الأيليين أولاً ، ومن قبل الأثينيين ثانياً ، واللذين كانوا يتشاورون في منحه حق المواطن الأثيني . ولم تبقى أشياء من كتابات بيرون ، والتي هي في رأي الأكاديميين الغربيين ليس لها وجود حقيقي ، وذلك لأن بيرون لم يكتب شيئاً . ولكن هناك سجلات لأرائه وردت في الكتابات الساخرة لتلميذه تايمون فيلس (سيأتي الكلام عنه لاحقاً) وهذه الأعمال مع الأسف هي الأخرى طواها النسيان ، وأصبحت من الأعمال الضائعة . واليوم نحن نعرف آراء بيرون من خلال عمل رئيس جاء بعنوان : خلاصات عن البايرونية ، كتبه الطبيب اليوناني ساكس إمبريكوس (سيأتي الحديث عنه لاحقاً) (للإطلاع على البايرونية ، أنظر : توني لونك وديفيد سادلي ؛ الفلاسفة الهيلينستيون (ج1 ترجمات ومبادئ رئيسة وشرح فلسفي) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1987 ، ص ص 14 – 17) .

الفيلسوف الشكي الأبيروني تايمون فيلس

  ومن فلاسفة المدرسة الشكية البايرونية ، الفيلسوف تايمون فيلس (320 – 230 ق.م) . وهو في الواقع تلميذ بيرون ، وكان شاعراً مشهوراً بقصائده التهكمية ، والتي يُطلق عليها سيلويا ، وهو شكل من التهكم الفلسفي عند اليونان القدماء . وشعر تايمون الفلسفي ، شعر ساخر من فلسفات الفلاسفة الأخرون ، وليس من الفلاسفة أنفسهم (أنظر : أليكس بريمنكر ؛ سيلويا ، منشور في  إنسكلوبيديا برنكتون الجديدة للشعر (بإشراف ت . ف . بروغن) ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 1993 ، 1148) ولد الفيلسوف تايمون في فيلس ، ومن ثم تحول إلى ميغارى ، وعاد إلى بلده وتزوج . وكان راقصاً على المسرح ، ومن ثم هجر هذا العمل وبدأ بدراسة الفلسفة . وفعلاً صرف بعض الوقت مع الفيلسوف الميغاري ستلابو ، وبعد ذلك ذهب مع زوجته إلى إليا ، وبدأ يستمع إلى بيرون . وتايمون تشرب عقائد بيرون الفلسفية وإتخذ منها مذهباً فلسفياً له . وطُرد من إليا ، فذهب إلى هيلسبوت ، وعلمً في شالكيدون ، ومن ثم تحول إلى أثينا التي صرف حياته فيها وحتى وفاته . ولكن أثناء إستقراره في أثينا ، رحل إلى طيبة اليونانية ، وكان معلماً جوالاً يدرس الفلسفة والخطابة ، وخلال ذلك تعرف على عدد من الشخصيات والملوك ، مثل إنتكونوس المقدوني (319 – 239 ق.م) ، وملك مصر بطلميوس الثاني (309 – 246 ق.م) . ومات الفيلسوف البايروني تايمون وعمره ناهز التسعين عاماً .

  تميزت مؤلفات تايمون بأهميتها البالغة ، حيث تناولت عدداً من الفلاسفة الأحياء والأموات ، وتايمون كتب الشعر ، والتراجيديا ، والشعر الساخر والذي لم يبقى منها إلا القليل . ومن أشهر مؤلفاته سيلويا ، والتي كانت في حقيقتها تفسيراً ساخراً للفلاسفة المشاهير الأحياء والموتى . وسيلويا هي الأخرى طواها النسيان ، ولكن جاء ذكرها في عدد من المؤلفات ، وإقتبس منها عدد من المؤلفين القدماء . واليوم يُعد كتاب ديوجانس لارتيوس المعنون حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، من أهم مصادرنا الباقية ، والذي قدم لنا فيه تفسير عادل لحياة تايمون . كما إن أهمية كتاب ديوجانس تعود إلى إنه إقتبس من سوشن الإسكندري (إزدهر 200 – 170 ق.م) والذي كان في الأصل من فيلس مدينة الفيلسوف تايمون كذلك (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب التاسع ، صفحات متنوعة) .

  ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، فإن كتابات تايمون كانت متنوعة تمثلت في قصائد غنائية وأخرى ملحمية ، وتراجيديا ، ودراما ساخرة ، وثلاثين عملاً كوميدياً ، وستين عملاً تراجيدياً ، وسيلويا وقصائد أخرى .

  كما يرى ديوجانس إن تايمون كتب النثر ، والذي تجاوز العشرين ألف سطراً ، وهي بلاشك كتابات فلسفية ، وعددها ديوجانس وقد شملت : المحسوسات ، في الأبحاث ، نحو الحكمة . ومن بين أعماله المفقودة كتابه ضد رجال الطبيعيات (الفيزيزتس). وحسب رأي ديوجانس ” إن البايرونية الشكية إتخذت شكلها الأصيل مع تايمون ” (المصدر السابق) .

  وكذلك إقتبس من كتابات تايمون الفيلسوف والطبيب ساكس إمبريكوس ، وهو واحد من خلفاء بيرون . والحقيقة إن مقاطع من سيلويا ، والتي بقيت خالدة ، جاءت من مختارات إقتبسها ساكس إمبريكوس (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد علماء الهندسة وضد الإختصاصيين (الأساتذة) ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1949 ، ص 245 ، وكذلك أنظر : الكرا وأخرون ؛ المصدر السابق) .

الفيلسوف الشكي الأبيروني أنيسديموس

  ومن الفلاسفة الشكيين البايرونيين المشهورين ، الفيلسوف أنيسديموس والذي له مكانة مهمة في تاريخ المدرسة البايرونية ، فهو الذي أسسها وبعث فلسفتها في القرن الأول قبل الميلاد ، وألف كتاباً بعنوان البايرونية . واليوم تتوافر لدينا القليل من المعلومات عن حياته . كما وأن من المؤسف إن جميع مؤلفاته قد تعرضت للضياع . ومع ذلك فقد جاء ذكره في بعض المصادر ، والتي من حُسن حظنا إنها ناقشت أفكاره بدرجات متفاوتة من التفصيل . ومن المؤلفين الذي إعتنوا بحياة وكتابات أنيسديموس ، كل من فيلو الإسكندري (20 ق.م – 50 م) ، و ساكس إمبيركوس (160 – 210م) ، و ديوجانس لارتيوس (إزدهر في القرن الثالث الميلادي) وفوتوس (810 – 893م) .

  ولد أنيسديموس في كنسوس االتي هي جزء من جزيرة كريت . وعاش في القرن الأول قبل الميلاد ، وإزدهر بعيد موت شيشرون (106 – 43 ق.م) بقليل . وتذكر المصادر بإنه من المحتمل كان عضواً ” في أكاديمية إفلاطون ” . والأدق برأينا عضواً في الأكاديمية الثانية أو الوسطى التي هيمن على مُقدراتها الشكيون . إلا إنه كما يبدو إختلف معهم ورفض نظرياتهم ، وقام بتجديد مبدأ تعليق الحكم ، الذي هو في الأساس مبدأ يرتبط بكل من الفيلسوفين بيرون وتلميذه تايمون . ومبدأ تعليق الحكم أبدعه بيرون وتايمون لحل مشكلات الأبستمولوجيا العصية على الحل .

  والواقع إن مدرسة أنيديموس ، هي مدرسة شكية بايرونية ، والمصادر عندما تتكلم عنه تشير إلى إنه فيلسوف المدرسة الشكية الثالثة . ومن أهم مؤلفاته كتابه المعنون البايرونية ، والذي ناقش فيه الأفكار الأربعة التي ترتبط بالبايرونية ، وهي : أسباب الشكية والشك ، الحجج ضد السببية والحقيقة (وهنا أود التنبيه إلى إن حجج البايرونية ضد السببية قد إنتقلت إلى العالم الإسلامي بطريق مباشر أو غير مباشر ، ووجدت لها صدى في الفكر الكلامي الإسلامي ، وخصوصاً الأشعري ، وعلى وجه الخصوص في فكر الإمام الغزالي وموقفه المشهور في نقد السببية) ، والنظرية الفيزيائية (الطبيعية) والنظرية الأخلاقية .

  ولأهمية أنيسديموس في تاريخ البايرونية ، نحاول في أطراف من هذا البحث إلقاء الضوء على أفكاره الفلسفية الشكية البايرونية ، ونركز هنا على كتابه البايرونية . إن هذا الكتاب يُعد من أعمال أنيسديموس الرئيسة . وقد أهداه إلى المحامي المشهور لوكيوس توبرو (إزدهر في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد) ، وهو قريب لشيشرون (للتفصيل أنظر : مانفريد فيورمان ؛ شيشرون والجمهورية الرومانية ، ترجمه إلى الإنكليزية دبليو . أي . يول ، نشرة دار بلاك ويل ، أكسفورد 1990 ، ص 5) ، وكان لوكيوس توبرو عضواً في أكاديمية إفلاطون (أي الأكاديمية الوسطى) وعلى هذا الأساس إفترض بعض الباحثين إن أنيسديموس كان هو الأخر عضواً في الأكاديمية ، وذهبوا إلى أبعد من ذلك وإفترضوا إن أنيسديموس كان نشطاً في فترة رئاسة فيلو لارسي (راجع أعلاه الأكاديمية الثانية أو الشكية) . ومن ثم إستنتجوا إلى إنه من المحتمل أن يكون أنيسديموس قد طور مذهبه الشكي كرد فعل على خطأ فلسفة فيلو .

 إن عنوان الكتاب باللغة اليونانية القديمة بايرونيا لوجيا ، وهو بالأنكليزية يعني الخطابات البايرونية أو المبادئ البايرونية . والكتاب يُعالج في الأساس حاجة الإنسان إلى تعليق الحكم وذلك بسبب حدودنا (قصورنا) الأبستمولوجية . والكتاب كما يبدو موسوعة تتألف من ثمانية كتب ، ولكن مع الأسف ضاعت ولم يبقى منا شيئاً على قيد الحياة . وجاء الكتاب رد فعل على العقائد االدوكماتية في أكاديمية إفلاطون في عصر أنيسديموس .

   لقد جادل أنيسديموس عدداً من معاصريه من فلاسفة الأكاديمية ، وبين لهم بإن تأكيداتهم القوية على بعض نظرياتهم يعوزها التبريرات المقنعة . وشمل في جدله أفكار الرواقية ، الذين تنكروا لنظريات الأخرين . وجادل بإن شخصاً ما إذا ما  ” قرر إن لا شئ هناك ” . فإن ذلك يعني ” إن لا شئ ” أما أن يثبت أو يرفض . ولبيان ذلك بإستخدام الطريقة الرمزية ، فإن أنيسديموس (علق الحكم) ولم يِؤكد على الإطلاق القضايا مثل :

 ل هي دائماً ق أو ل لا تكون على الإطلاق هي ق

   ولكن عوضاً عن ذلك فإن ذهب إلى إن القضايا الوحيدة ، هي مثل :

 إنه ليس بحال بأن تكون ل هي دائماً ق أو إنه ليس بحال أن تكون ل ليست على الإطلاق هي ق .

  ويبدو إنه في إطارشكيته البايرونية ، فإن القضايا التي تكون مقبولة فقط ، هي القضايا السلبية . ولذلك أقام حجته القائلة : بأن البشر غير قادرين على معرفة أي شئ . ولهذا الغرض طور صيغة ما أسماه الضروب العشرة .

الضروب العشرة :

  وللأسباب السابقة ، فإن تعليق الحكم هو في حقيقته الضروب العشرة . ولعل الحجة التي عرضها أنيسديموس تبين ذلك ، والتي جاءت بالشكل الأتي :

1 – تتمظهر الحيوانات المختلفة بضروب مختلفة من الإدراك الحسي .

2 – يمكن ملاحظة الإختلافات ذاتها بين الأشخاص الأفراد .

3 – إن المعلومات بالنسبة للشخص الواحد تُدرك بواسطة الحواس ، والتي تكون متناقضة بحد ذاتها .

4 – وأن هذه المعلومات تكون مختلفة من وقت لأخر مع تغيرات فيزيائية .

5 – إضافة إلى إن المعطيات تختلف وفقاً لعلاقتها المحلية .

6 _ إن الموضوعات تُعرف فقط بصورة غير مباشرة ، وخلال وسائط مثل الهواء ، والرطوبة .. وغير ذلك .

7 – وإن هذه الموضوعات في حالة تغير دائم في اللون ، ودرجة الحرارة ، والحجم والحركة .

8 – كل الإدراكات الحسية نسبية ، وتتفاعل بالإعتماد على الأخر .

9 – إن إنطباعتنا تصبح عصية على النقد بسبب التكرار والتقليد .

10 – إن جميع الأشخاص ترعرعوا في طل عقائد مختلفة ، وعاشوا تحت قوانين مختلفة ، وشروط إجتماعية مختلفة .

  وخلاصة القول إن أنيسديموس جادل بأن الحقيقة تكون مختلفة ولانهائي ومشروطة بالظروف ، ولذلك لايمكن محاكمتها بدقة من قبل المراقب . وعلى هذا الأساس رفض مفاهيم المعرفة المطلقة وذلك ما دام كل إنسان يمتلك إدراكات حسية مختلفة  ، وهو بشخصة ينظم ما تأتي به الحواس من معطيات وبطرقه الخاصة به .

حججه ضد السببية :

  إما الجزء الثاني من عمل أنيسديموس ، فقد ركزه في الهجوم على نظرية السببية . ويبدو إن البراهين في حجته ، تحمل نوعاً من المقاربة القوية لأراء الشكية الحديثة . فمثلاً جادل أنيسديموس بأن السبب ليس له وجود أصلاً . ولكنه يوجد فقط في عقل الشخص الدي يقوم بفعل الإدراك . ومثل هذا الحال فإن سلامة مبدأ السببية مجرد سلامة ذاتية . وبالنسبة للعقل الإنساني ، فإن صدق العلاقة بين السبب والنتيجة يكاد تقريرها من المستحيلات .

  ومن ثم ذهب مجادلاً ؛ إذا إفترضنا إن السبب والنتيجة مختلفان ، إذن يجب أن يحدثا معاً أو بالتتابع . وإذا حدثا معاً أي في وقت واحد ، إذن في الجوهر سيكون السبب هو النتيجة ، والنتيجة هي السبب . وإذا حدثا بالتتابع ، إذن السبب يسبق النتيجة . وكنتيجة فإنه ليس بإمكانها أن تسبق سببها . وهذا يعني إن هناك مجالاً من الوقت ، لا يكون فيه السبب في الواقع فاعلاً . وذلك يعني إن السبب ليس هو بحد ذاته سبب . وخلال هذه الحجج توصل أنيسديموس إلى المبدأ الأساس للشكية : وهو مبدأ الرفض الجذري للأسباب . والذي لخصه في عبارته القائلة : لكل حجة توجد حجة مقابلة ، تُعارضها بنفس القوة * .

ــــــــــــــــــــــــــــ

 * وهنا أدعو أقسام الفلسفة في العالم العربي ، إلى توجيه أنظار طلبتها في الدراسات العليا ، إلى إعادة دراسة الفكر الكلامي الإسلامي عامة ، والفكر الكلامي الأشعري خاصة ، وعلى وجه الخصوص فكر الإمام الغزالي من زاوية حجج الشكاك ، وبالتحديد حجج الفيلسوف البايروني أنيسديموس . ومع حجج الشكاك وبالتحديد حجج أنيسديموس تتكشف حقيقة المضموم المتخفي في الفكر الكلامي الأشعري ، وخصوصاً في طرفه الكلامي الغزالي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

نظريات أنيسديموس الفيزيائية (الطبيعية) والأخلاقية

   تتكشف لنا في هذا الطرف من تفكير الفيلسوف الشاك البايروني أنيسديموس ، حقيقة مهمة ، فيها مخالفة لأطراف من حججه ضد الدوكماتيات الفلسفية في طرفيها الإفلاطوني والرواقي اللذان خاصمهما ، كما من جهة مصادره نحسب إن فيهما طرف لا يُرضي أنيسديموس ، وذلك لأنه تجاهل هذا المصدرفي نقده للنظريات الرواقية . وهنا عاد أنيسديموس ووضع يده في يد الرواقية وذلك بطريقة مكشوفة ومن خلال الفيلسوف هيرقليطس (535 – 475 ق.م) .

  إن ضميمة أنيسديموس ، هو إنه قد تشرب نظرية الفيلسوف هرقليطس الفيزيائية . وهذا الطرف إشترك أنيسديموس مع الرواقية في المصادر والمنابع الفلسفية . فمن المعروف إن الرواقية أعادت تجديد فلسفة هرقليطس في منظومتها الفلسفية (وهذا ما نعمل على معالجته في جانب الرواقية لاحقاً) . والحقيقة إن أنيسديمس قد وجه نقداً  للرواقية ودوكماتيتها . وهنا عاد إلى هرقليطس مصدر الرواقية ومنبعها الفلسقي .

  والواقع إن مصدرنا هو ساكس إمبريقوس ، وهو من أعضاء المدرسة البايرونية ، وهو الذي حفذ الكثير من أراء أنيسديموس الفلسفية التي أودعها في كتابه البايرونية المفقود مع الأسف . وبالمناسبة إن ساكس إمبريكوس له كتاب بعنوان خلاصات البايرونية ، وهو من مصادرنا ، وفيه إقتبس إمبريكوس الكثير من أراء أنيسديموس وبذلك حافظ لنا على أراء هذا الفيلسوف المؤسس الحقيقي للمدرسة الشكية البايرونية .

  ونحسب على أساس رواية ساكس إمبريكوس ، إن أنيسديموس قد إنتهى إلى نتائج لا تتناغم ونزعته الشكية البايرونية . فمثلاً وفقاً لإمبريكوس ، إن أنيسديموس قبل تأكيد هرقليطس على تعايش أو تواجد المتناقضات في الموضوع المُدرك ، ومن هذا الطرف أكد بأثر هرقليطي على تعايش أو تواجد الصفات المتعارضة في الموضوع ذاته . وهكذا كان أنيسديمس ميالاً لأفكار الحقيقة والسببية (وهي الأفكار التي جادل ضدها كما بينا أعلاه) .

  كما وفي هذا العمل تدمير للمعايير الأخلاقية ، ورفض إن يكون الإنسان نازع بطبعه إلى الخير . والقول بأن اللذة أو السعادة هي مطلقة (وهذه الإطلاقية تتعارض مع ضرب من ضروبه العشرة لتعليق الحكم والتي ذكرناها أعلاه) . وإن المثال الواقعي هو كل الأفعال هي نتائج اللذة والألم ، الخير والشر (أنظر : 1 – فيراندا كايزا ؛ أنيسديموس والأكاديمية / بحث منشور في مجلة الكلاسيكا الفصلية ، المجلد 42 ، العدد (1) سنة 1992 ، ص ص 176 – وما بعد . 2 – هارولد ثورسورد ؛ الشكية اليونانية القديمة / إنسكلوبيديا الفلسفة سنة 2007 (أون لاين)) .

   ولعل خير كلام نختتم به الحديث عن أنيسديموس ، هو القول إن نظرياته الفيزيائية والأخلاقية فتحت شقاً كبيراً في جدار منظومته الفلسفية ، لا يمكن ترميمه بأي حال من الأحوال . والشئ الوحيد هو القول إن هذه النظريات الدوكماتية ليست هي بجزء من منظومة تفكير أنيسديموس المعارض لكل ما هو دوكماتي سواء إفلاطوني أو رواقي ، وهي في المحط الأخير تلفيق لا علاقة له بفكره الفلسفي البايروني العام .  وإذا قبلنا هذا التلفيق ، جزءً أصيل من منظومة أنيسديموس الفلسفية ، فمن هذا الطرف قد حملت معها الفلسفة الرواقية المستبطنة لفكر الفيلسوف اليوناني هرقليطيس إلى العالم الإسلامي ، وخصوصاً إلى الفكر الكلامي الإسلامي عامة والأشعري خاصة ، والذي تهيمن عليه حجج الشكاك والإطروحات الرواقية بدرجات متفاوتة .

الفيلسوف الأبيروني إكريبا الشكي

   ومن فلاسفة المدرسة الشكية البايرونية ، الفيلسوف إكريبا الشكي ، والذي من المحتمل وفقاً للمصادر التي إعتنت بحياته ، إنه عاش في نهايات القرن الأول الميلادي (أنظر : بنجامين جوت ؛ إكريبا / منشور عند وليم سميث ؛ معجم الأساطير والسير اليونانية والرومانية ، نشرة لتا وبراون وشركاؤه ، بوسطن 1867 ، ص 77) . وهو مؤلف ” الأسس أو الضروب الخمسة للشك ” . وبرأي المحدثين من أمثال فكتور بروشارد ، هو من الشكين الراديكاليين ، والأكثر دقة في المذهب الشكي على أساس هذه الضروب الخمسة للشك  . ويعتقد بورشارد إن هذه الضروب لا تزال فاعلة حتى اليوم ، وهي عصية على الإعتراض والنقض (أنظر : فكتور بروشارد ؛ الشكاك اليونان (بالفرنسية) لم نتمكن من العثور على ترجمة إنكليزية له / الكتاب الثالث والمعنون الشكية الجدلية / الفصل السادس ، والذي كان بعنوان إكريبا : خليفة أنيسديموس) . وهذا الكتاب ، أي كتاب الفيلسوف إكريبا ، كان الركيزة الأساس  لدعوته إلى إستحالة قيام المعرفة اليقينية .

  والحقيقة إن من المصادر الأولى التي حفظت لنا هذه الضروب ، هو الفيلسوف الشكي البايروني التجريبي ساكس إمبريكوس ، وبالتحديد في كتابه خلاصات البايرونية أو الشكية كما جاء في الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب . وحسب رأي ساكس فإن هذه الضروب الخمسة تُنسب إلى ما أسماهم ” بالشكيين الأكثر حداثة ” وبالطبع يشمل الفيلسوف إكريبا واحداً منهم . ووفقاً لمؤرخ الفلسفة اليونانية ، وصاحب موسوعة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، فهي ” تنسب إلى إكريبا ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس : المصدر السابق / الكتاب التاسع) . وهذه الضروب – الأسس هي بالشكل الآتي :

1 – أساس أو ضرب الإعتراض : والذي ينصُ على إنه

     لا يقينية في قواعد الحياة العامة ، ولا يقينية في آراء الفلاسفة .

2 – أساس أو ضرب الرد إلى اللانهاية : والذي ينصُ على إن

    كل البراهين تتطلب براهين أخرى ، وهكذا تستمر العملية إلى اللانهاية .

3 – أساس أو ضرب العلاقة (النسبية) : والذي ينصُ على إن

   إن كل الأشياء في حالة تغير وتبدل ، وعلى هذا الأساس فإن علاقاتها هي الأخرى متغيرة ، أو كما ننظر إلي الأشياء ذاتها من زوايا نظر مختلفة .

4 – أساس أو ضرب الإفتراض : والذي ينصُ على إن

   إن الحقيقة هي تأكيد مزعوم ، وهو تأكيد على الفرضية .

5 – أساس أو ضرب الدوران : والذي ينصُ على إن

   إن الحقيقة تتضمن الدوران المقرف (أنظر : ساكس إمبريكوس : خلاصات البايرونية ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1933 ، ص ص 27 وما بعد) .

ونحسب بالإعتماد على ديوجانس لارتيوس إن الضربيين الأول والثالث يعودان إلى الشكية البايرونية في شكلها المبكر ، وبالتحديد مع الفيلسوف تايمون فيلس وضروبه العشرة في تعليق الحكم (أنظر أعلاه) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياو وآراء .. مصدر سابق / الكتاب التاسع) . أما الضروب الثالثة الباقية من هذه الضروب الخمسة ، فهي تدلل على الجهود الحثيثة للشكاك البايرونيين المتأخرين ، وخصوصاً إكريبا على دفع البحث في الشك خطوات إلى الأمام . وفعلاً فإن هذه الضروب الثالثة تكشف عن شواهد واضحة على الإنتقال من النقد العام لقضية عدم عصمة الحس والرأي من الخطأ ، إلى البحث المجرد في عملية الشك على أساس ميتافيزيقي .

الفيلسوف الشكي – الأبستمولوجي ساكس إمبريكوس

  أما الفيلسوف الشكي البايروني ساكس إمبريكوس (160 – 210 م) ، فقد شكل نزعة شكية خاصة به ، عُرفت بالشكية التجريبية ، ونحسب إن إختصاصه كطبيب وجه هذا التوجه التجريبي في شكيته (أنظر : فكتور بروشارد ؛ الشكاك اليونان (مصدر سابق) / الكتاب الرابع وهو مخصص عن ساكس إمبريكوس ، وبعنوان الشكية التجريبية) . عاش ساكس في الإسكندرية ، وروما ومن ثم في أثينا . ونحسب ساكس كان من الفلاسفة المحظوظين ، فقد بقيت معظم مؤلفاته محفوظة ، ولم تتعرض للضياع (ولكن بالطبع ضاعت علينا الرسائل الخمسة ، وهي مهمة جداً جداً في في تاريخ المدرسة الشكية والمعنونة الرسائل الشكية) .

  الحقيقة إن مؤلفات ساكس إمبريكوس مهمة جداً لدارس الفلسفة عامة ،  والفلسفة الهيلينستية خاصة ، والمدرسة الشكية البايرونية على وجه التخصيص . فهو يتقدم على قائمة من مؤرخي للفلسفة ، وهم كل من السفسطائي فيلوستروتس الصوري (170 – 247 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) ، و ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) (أنظر : ديوجانس لارتيوس وموسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) ، ويتقدم على فرفريوس الصوري (233 – 306 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) ، كما ويتقدم على إمبيلكوس السوري (245  – 325 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إمييلكوس السوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) .

  ونحسب إنه من الزاوية الطبية المهنية لعمل ساكس ، ما يُفيدنا في فهم طبيعة فلسفته ، ومن ثم نزعته التجربية في تاريخ المدرسة الشكية البايرونية التي ينتمي إليها . وفعلاً فإن مؤلفاته تنتمي إلى التقليد الطبي ، الذي يُطلق عليه إصطلاح  المدرسة التجريبية * . وبالمناسبة إن إسم الفيلسوف الأخير إمبريكوس ، يحمل دلالة على التجريبية

ــــــــــــــــــــــــ

* سادت في تاريخ الطب اليوناني – الروماني ثلاث نزعات أو مدارس ؛ الأولى  هي المدرسة التجريبية ، وهي مدرسة طبية قديمة في اليونان والرومان ، وجاءت من الكلمة اليونانية إمبريا ، والتي تعني الخبرة أو التجربة . وبسبب إن الأطباء حصلوا على معارفهم عن الخبرة فقط . ويُعدان المؤسسان لهذه المدرسة ، كل من الطبيبين فيلانوس كوس (عاش في القرن الثالث قبل الميلاد) وسيربين الإسكندري (عاش في القرن الثالث قبل الميلاد) والقائمة طويلة ، وبالطبع ساكس إمبريكوس واحداً منهم . وهذه المدرسة أو النزعة ، وضعت نفسها معارضة لمدرسة أ نحلة طبية عُرفت بالمدرسة الدوكماتية (الوثوقية) ، وبعض الأحيان يُطلق عليها إصطلاح المدرسة العقلية . وهي من أقدم المدارس الطبية ، وهي مشتقة من الإسم اليوناني دوكما ، والذي يعني العقائد والأراء الفلسفية ، وبسبب إنهم تابعوا آراء الطبيب اليوناني هيبوكراتس (460 – 370 ق.م) (أنظر : ج . بيرنز وأخرون ؛ العلم والتأمل ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1982 ، ص ص 1 – 20) .

   ومن ثم ظهرت نزعة ومدرسة طبية ثالثة ، هي المدرسة الطرائقية  ، وهذه المدرسة نشأت رد فعل على المدرستين السابقتين ؛ الدوكماتية والتجريبية (المصدر السابق ، ص 2) . ويبدو إن ساكس إمبريكوس رغم تجربيته ، فقد كان كلامه في كتابه خلاصات البايرونية ،  يُدلل على الأرضية المشتركة للمدرسة الطرائقية والبايرونية (أنظر : أس . إيثريدج ؛ الشكية : الإنسان والله ، نشرة مطبعة جامعة وسلاين 1964 ، ص 98) .               

ـــــــــــــــــــــــــ

التجريبية . ويبدو إن إمبريكوس ليس إسماً لوالده ، وإنما إسماً مهنياً . كما وإن إثنين من مؤلفات البايروني ساكس تحملان معاني ، تدلل على إنه كان قريباً من تفكير المدرسة الطرائقية (ميثودك سكول) ، وتُدعمُ هذا الترجيح وجهات نظر ساكس الفلسفية .

  ومن أهم مؤلفات ساكس ، كتابه خلاصات البايرونية ، وكتابه المعنون ضد رجال الرياضيات . وإن الكتب الستة الأولى من هذا الكتاب ، تُعرف بعنوان الأساتذة (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد الأساتذة ، ترجمة أر . ج . بيري ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1949) . ولكل كتاب له عنوان تقليدي ، فالكتاب الأول كان بعنوان ضد النحويين (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد النحويين ( الكتاب الأول من ضد رجال الرياضيات) ، ترجمة ديفيد بلانك ، نشرة دار كلارندن ، أكسفورد 1998) ، والثاني ضد رجال الخطابة ، والثالث ضد رجال الهندسة ، والرابع ضد رجال الحساب ، والخامس ضد المنجمين ، والسادس ضد الموسيقيين . ويعتقد الباحث ريتشارد بيت ، المتخصص في كتابات ساكس إمبريكوس ، إن هذه المؤلفات ، هي من النصوص الآخيرة التي كتبها سكس ، وتعكس مرحلة النضوج التي وصل إليها (أنظر : ساكس إمبريكوس ، ترجمة ريتشارد بيت ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2005 ، من  المدخل الذي كتبه المترجم) .

  ونحسب من الأهمية الإشارة إلى إن الكتب من السابع وحتى الحادي عشر ، مما يمكن إن نطلق عليها موسوعة ضد رجال الرياضيات ، هي مؤلفات لم تكتمل . ويعتقدُ الباحثون إنها تُشكل كتاباً واحداً . ولكن ممكن أن تكون خمسة كتب وقد ضاعت . وينبغي أن ننبه هنا إلى إن جريدة مؤلفات ساكس إمبريكوس تتضمن ما يسمى بالرسائل الشكية ، فربما هي التي شكلت هذا الجزء ، وهي التي ضاعت وطواها النسيان .

  وتقليدياً فإن الكتب الأخرى تحمل عنوان ضد المنطقيين (وهي تُشكل الكتاب السابع والثامن) (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد المنطقيين (التاب السابع والثامن من ضد رجال الرياضيات) ، ترجمة ريتشارد بيت ، نشرة دار كلارندن ، أكسفورد 2000) ، وإعتماداً على تجربتنا المنطقية التي عمرها ناهز الأربعين عاماً ، فنحن نخالف ذلك ونعتقد بأن المنطقيات تحتل تقليدياً مقدمة للعلوم ، ونحسب في مجموعة مؤلفات ساكس ضد رجال الرياضيات ؛ إن المنطقيات يبدأ بها الكتاب أولاً)*، وكتاب

 ـ————————————————-

* وكتاب ساكس إمبريكوس ضد المنطقيين ، يُثير لدينا التساؤل : هل كتاب إبن تيمية الرد على المنطقيين ، النسخة العربية لكتاب ساكس إمبريكوس ؟ هي مجرد سؤال ، وهو دعوى إلى أقسام الفلسفة في العالم العربي ، إلى توجيه أنظار طلبتها في الدراسات العليا ، لإجراء أبحاث أكاديمية مقارنة بين النصين ؛ ضد المنطقيين والرد على المنطقيين ، وبالطبع هذا يشمل كتاب مقاصد الفلاسفة للإمام الغزالي ، جزء المنطقيات ، وكل المقدمات المنطقية التي كتبها علماء الأشاعرة ، وذلك لأن حجج الشكاك وتجريبيتها حاضرة فيها بسلطة قوية ، كما إن المنطق الرواقي (وكذلك الأبيقوري) بينُ فيها … فهذا الخلط حدث في المرحلة الهيلينستية ، وبالتحديث في فترة صعود الإفلاطونية المحدثة . ويبدو إن السريان رحبوا بهذا بهذا المزيج الفلسفي والذي ترجموه أولاً إلى السريانية ومن ثم قاموا بنقله إلى العربية ثانياً . ويبدو إن الإنتحال في بعض النصوص الفلسفية التي شكلت مصادر رئيسة للفيلسوف المسلم ،  وعلى سبيل المثال كتاب أثولوجيا أرسطو الذي لم يكتبه على الأطلاق أرسطو ، وإنما هو بعض من تساعيات الفيلسوف إفلوطين (المؤسس للإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية : الأصل والمنحول ، منشور على موقع الفيلسوف 3 أغسطس (أب) 2011) .

————————————————-ِ

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

العلاقة بين الفلسفة والعلم في تفكير الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز

————————————–

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية متخصصة

يُصدرها

مركز دُريد الفرحان للدراسات والأبحاث

رئيس التحرير                سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان      الدكتورة نداء إبراهيم خليل

———————————–

العدد

(60)

سبتمبر

(2021)

—————————–

العلاقة بين الفلسفة والعلم

في تفكير الفيلسوف الوجودي الألماني

كارل ياسبرز

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

——————————————————————– 

(1)


تقديم :

  تكتسي الكتابة عن العلاقة بين الفلسفة والعلم في تفكير الوجودي الألماني المعاصر كارل ياسبرز (1883 – 1969) أهمية ذات طابع خاص في تاريخ الفكر الفلسفي الغربي المعاصر عامة ، وتاريخ الفكر الفلسفي الوجودي خاصة ، وذلك من نواح عديدة :

أولاً – إن الوجودية لم تكن معنية بالعلاقة بين العلم والفلسفة (أو ما يُسمى  بمضمارالفلسفة العلمية) في نصوصها على الإطلاق . غير إن جُل إهتمامها كان متمركزاً حول الإنسان المحكوم بمواقفه . ومن هنا تأتي مكانة ياسبرز وزميله الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر (1889 – 1976) . فقد لاحظنا إن الأول (أي ياسبرز) شغل نفسه في العلاقة بين العلم والفلسفة ، وبالتحديد في كتابه ثلاث مجلدات في الفلسفة (1931) (1) . أما الثاني (أي هيدجر) فقد ركز أبحاثه الأكاديمية الأساس على آلة الفلسفة ولُب الفلسفة العلمية ، وهو علم المنطق ، وخصوصاً في إطروحته للدكتوراه الأولى ، والتي جاءت بعنوان نظرية الحكم في النزعة السايكولوجية : مساهمة نظرية نقدية في المنطق (1914) وإطروحته للدكتوراه الثانية ، والتي كانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس (1265 – 1308) وكتبها هيدجر تحت إشراف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت (1863 – 1936) في العام 1916 (2) . ومن ثم نشر كتابه الإنجيلي المعنون الوجود والزمن (1927) (3) . 

ثانياً – إن ياسبرز لم يدرس الفلسفة دراسة أكاديمية ، فهو لم يتخرج من قسم الفلسفة ، بل ولم يدخل أبوابها ، ولم يدرس فصلاً دراسياً في الفلسفة .

ثالثاً – بدأ ياسبرز دراسته الأكاديمية طالباً في القانون والتشريع ، وبعد ثلاثة فصول دراسية وبسبب مرضه المزمن أقنع والده رجل القانون وبتوصية من طبيبه بالإنتقال من دراسة القانون إلى دراسة الطب .

رابعاً – بعد إكماله لإثنتي عشر فصلاً دراسياً تخرج من كلية الطب ، وأخذ يعمل طبيباً متدرباً في العيادة النفسية في مستشفى جامعة هيدلبيرك . وفي الوقت ذاته تفرغ لكتابة إطروحته في الدكتوراه وفي إختصاص الطب النفسي . وفعلاً فقد كان عنوان إطروحته للدكتوراه الأولى ” الهومسك (الحنين إلى الوطن) والجريمة ” (1909) . ومن ثم كتب إطروحته الثانية للدكتوراه (وهي شرط للتأهيل في التدريس الأكاديمي) وكانت بعنوان علم النفس المرضي العام (1913) وكانت بإشراف الكانطي الجديد وليهلم ويندلباند (1848 – 1915) . ومن ثم جاء في العام 1931 ظهور رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة . والذي جاء ظهورها إلى دائرة النور بعد إنتظار طويل . إذ إنه لم ينشر شيئاً على الإطلاق منذ إن أصبح في العام 1920 رئيساً لكلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك .

   لقد كان إنجاز رائعته ثلاثة مجلدات في الفلسفة في أجواء إحتجاجات الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك على الأهلية الأكاديمية للبروفسور ياسبرز في مضمار البحث الفلسفي . وكان يقود الكانطيين الجدد في إحتجاجاتهم ، بروفسور الفلسفة المتمرس ، والرمز الكبير في حركة الكانطية الجديدة في هيدلبيرك هنريخ ريكارت ، والذي إتهم ياسبرز بعجزه وعدم إمكانيته في الكتابة بعد إن أخذته الشؤون الإدارية ، ونضبت أفكاره من عملية الإبداع في مضمار الفلسفة . وهكذا جاء نشر الكتاب صدمة للبروفسور هنريخ ريكارت (وبالطبع لمجموعة الكانطيين الجدد في جامعة هيدلبيرك) والذين لاذوا إلى دائرة الصمت (4) .

   كما وتزامن التحضير لكتابة رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، وصول الفيلسوفة (الطالبة يومذاك) حانا أرنديت (1906 – 1975) إلى جامعة هيدلبيرك ، لكتابة إطروحتها للدكتوراه تحت إشراف كارل ياسبرز ، وقد شاركت في مناقشات أطراف من موضوعات الكتاب خلال السيمنارات والمناقشات المباشرة مع ياسبرز أثناء إعدد مقالاته للنشر ، وخصوصاً في طرف رئيس من فصول هذا الكتاب ، وهو الخاص بالفعل يتفلسف . ومن الملاحظ إن ياسبرز قد أغفل الإعتراف بجهود حانا أرنديت (والتي تدربت في التحليل الفيللوجي على يد مارتن هيدجر) أو الإشارة إليها مباشرة أو غير مباشرة (5) . ولكن مترجم الكتاب إلى الإنكليزية الأستاذ أي . ب . أشتون قد إشار إلى حانا أثناء حديثه عن المعنى الفيللوجي لكلمة التفلسف ، والفعل يتفلسف . وذلك جاء في مقدمة المترجم إلى النشرة الإنكليزية (6) .

الإتجاهات الفلسفية والعلمية في عصر كارل ياسبرز

  في البيئة الثقافية الألمانية التي تعلم فيها صاحب اللاهوت الوجودي كارل ياسبرز ، وكاتب مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية وزميله فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر ، ومن ثم في ظلها كتابا نصوصهما الفلسفية التي مست طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم ، كانت إتجاهات فلسفة العلم أو الفلسفة العلمية قد نمت نمواً مطرداً سواء في الجامعات الألمانية (والكلام هنا أوسع من البعد الجغرافي لألمانيا كدولة وإنما يشمل جميع البلدان التي تتكلم الألمانية) . فمثلاً نبدأ ؛

أولاً بأسماء المعلمين الأكاديميين (الروحيين) الذين أشرفوا عليهما في كتابة أطاريحهما للدكتوراه والرموز الأكاديمية التي تركت لمساتها القوية على تفكيرهما ومنهجهما الفلسفي ، والتي ستعرفنا بعمق على الإتجاهات العلمية التي حكمت علاقة الفلسفة بالعلم خلال فترة طلب العلم وتكوين الذهنية الفلسفية والتدريب الأكاديمي .  

ثانياً من الرموز الألمانية التي عملت في مضمار فلسفة العلم في عصر كارل ياسبرز ومارتن هيدجر ، كل من ويندلباند ، وهوسرل (وكان مساعده مارتن هيدجر / زميل كارل ياسبرز) ، وماكس فايبر ، وهنريخ ريكارت وتلميذه مارتن هيدجر الذي كان بالطبع زميلاً للوجودي كارل ياسبرز . ولنبدأ الرحلة مع هذه الأسماء ، والتي هي بالطبع ستوسع من دائرة المصادر التي أثرت على ياسبرز في قضية العلاقة بين الفلسفة والعلم .

 أثر الكانطي الجديد ويلهلم ويندلباند على كارل ياسبرز

   لقد كان الكانطي الجديد ويلهلم ويندلباند (1848 – 1915) المشرف على إطروحة كارل ياسبرز للدكتوراه الثانية المعنونة علم النفس المرضي العام ، والتي أنجزها في كلية الفلسفة – جامعة هيدلبيرك عام 1913 وقبيل وفاة أستاذه ويندلباند بسنتين فقط . وعلى هذا الأساس يكون الإستاذ ويندلباند هو أول معلم أكاديمي في مضمار الفلسفة للفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز . ونحسب إن البروفسور ويندلباند ومؤلفاته لعبت دوراً مؤثراً في تكوين ذهنية الطالب كارل ياسبرز الفلسفية ، وبالتحديد في علاقة الفلسفة بالعلم . ولبيان ذلك الأثر العميق ، نلقي بعض الضوء على إهتمامات الدكتور ويندلباند الفلسفية والعلمية (وبالطبع أساتذته وعلاقاته بفلاسفة عصره) ، والتي تساعدنا في معرفة ما تركه الأستاذ على التلميذ كارل ياسبرز .

  والحقيقة إن ويندلباند قبل أن يشرف على إطروحة كارل ياسبرز ، كان معروفاً في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك خاصة ودائرة الثقافة الألمانية عامة بإهتماماته الخاصة بعلم النفس ، ومحاولاته الجدية في صياغة حدود جديدة له . ومن الطرف الفلسفي الذي ستظهر أثاره على ياسبرز ، هو إن ويندلباند كان كانطياً جديداً من أعضاء مدرسة بايدن للكانطية الجديدة .  إلا إنه كان معارضاً للكانطيين الجدد في عصره ، ولهذا حافظ على حد تعبيره على ” فهم كانط بصورة صحيحة ، وذلك عن طريق تجاوز كانط ” .

  ومن الملاحظ إن ويندلباند في نزعته الكانطية الجديدة ، الهادفة إلى تخطي كانط ، قد إستندت إلى مجموعة من الفلاسفة ، من أمثال جورج ويلهلم هيجل (1770 – 1831) ، والفيلسوف التربوي وعالم النفس جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) وهربرت من فلاسفة ما يُعرف بحقبة ما بعد الكانطية ، والفيلسوف وعالم المنطق هرمان لوتزه (1817 – 1881) . وويندلباند كان زميلاً مقرباً من الكانطي الجديد (الرمز القيادي لمدرسة بايدن) هنريخ ريكارت ، والذي سيقود الكانطيين الجدد في كلية الفلسفة في جامعة هيدلبيرك ضد كارل ياسبرز (كل ذلك حدث بعد موت ويندلباند بأكثرمن عقد من السنين ، ومن النافع الإشارة إلى إن الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر قد وقف مع زميله الوجودي كارل ياسبرز ضد الكانطيين الجدد ، ومن بينهم أستاذه المشرف على إطروحته الثانية للدكتوراه ، وهو الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، ولا تنسى بأن هيدجر سيدخل هو الأخر في جدل حامي الوطيس مع الكانطيين الجدد ممثلاً بالفيلسوف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر (1874 – 1945)) . وكان من حواريي ويندلباند يومذاك عالم الإجتماع ماكس فايبر .

  ومن القضايا البالغة الأهمية التي جادل فيها ويندلباند ، وستترك أثرها على العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ودور الفلسفة في تنشيط الحوار بينهما . هي ضرورة إنخراط الفلسفة في حوار إنساني مع العلوم الطبيعية . كما كان لإهتماماته بعلم النفس والعلوم الحضارية (الثقافية) إن وقف بوجه المدرستين النفسية والتاريخية . ولعل من أهم مؤلفات ويندلباند :

1 – تاريخ الفلسفة (1893) وأعيد طبعه في مجلدين عام 1901 .

2 – تاريخ الفلسفة القديمة (1899) .

3 – مدخل إلى الفلسفة (1895) .

4 – النظريات المنطقية .

5 – التاريخ والعلم الطبيعي (1) .

الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة الألماني كينو فيشر

  ونحسب إنه بالإضافة إلى تأثير ويندلباند ، فإن الكانطي كينو فيشر (1824 – 1907) والذي كتب ويندلباند عنه بحثاً بعنوان كينو فيشر في جامعة يانا (+) ، قد ترك أثراً على ياسبرز وذلك من خلال قراءة ياسبرز لهذا البحث أو من خلال ما تركه فيشر من أثر في كتبه ومحاضراته وأحاديثه مع تلميذه الدكتور النفسي (السايكايتري) كارل ياسبرز . ولعل أهمية فيشر على تفكير ياسبرز تكمن في إنه كانطي (ينتمي للمدرسة الهيجلية) ومن الكتاب الذين كتبوا عن حياة كانط وفلسفته ، ومن نتائج كتاب فيشر ، إنطلقت على أساسه حركة العودة إلى كانط ، ومن ثم ظهرت الكانطية الجديدة ومدارسها المتنوعة (2) . وإن ياسبرز بدوره سيحتفل في جامعة هيدلبيرك ، ويلقي خطاباً بمرور مائتي عام على ولادة الفيلسوف عمانوئيل كانط  (3) .

   والفيلسوف الألماني كينو فيشر ، هو مؤرخ أكاديمي للفلسفة وناقد . وبعد دراسة الفلسفة في جامعتي لايبزك وهيل ، عمل في العام 1850 محاضراً في جامعة هيدلبيرك . إلا إنه واجه في العام 1853 (أي بعد ثلاث سنوات من عمله الأكاديمي) قراراً بمنعه من التعليم ، والذي أصدرته حكومة بايدن ، وذلك بحجة أن أفكاره تحررية (ليبرالية) . ولكن هذا المنع عمل لصالخ الفيلسوف الكانطي فيشر ، فقد سبب تنامي تعاطف الجمهور الكبير مع وجهات نظره . ومن ثم تزامن مع حصوله على درجة بروفسور في جامعة يانا (وبالتحديد في العام 1856) ونتيجة لذلك إكتسب سمعة في الأوساط الأكاديمية والشعبية . وفي العام 1872 وبعد إنتقال البروفسور أدورد زيلر (1814 – 1908 ، والذي إشتهر يومذاك بكتابه فلسفة اليونان وتطورهم التاريخي ، والذي أصبح مرجعاً أكاديمياً في معظم الجامعات الأوربية بعد ترجمته إلى معظم اللغات الأوربية . وإن أخر نشرة له كانت عام 1902) (4) إلى جامعة برلين ، خلفه فيشر بروفسوراً للفلسفة وتالريخ الأدب الألماني الحديث في جامعة هيدلبيرك وهي الجامعة التي عمل فيها ويندلباند فيما بعد وسيعمل فيها كارل ياسبرز وسيكتب إطروحته للدكتوراه الثانية فيها .

  إن أهمية فيشر في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تعلم فيها ياسبرز ، وتطور تفكيره الفلسفي ، ومن ثم كتب ثلاثيته في الفلسفة ، تعود إلى الأطراف الآتية : أولاً إن كينو فيشر بنظر معظم الأكاديميين الألمان ، هو واحد من أتباع المدرسة الهيجلية ، وإن كتاباته في هذا المسار ، وخصوصاً محاولته في تفسير كانط ، حملته على الدخول في جدل عريض حاد مع البروفسور الفيلسوف والفيللوجي فردريك أدولف ترندلينبرك (1802 – 1872) في جامعة برلين وطلابه . فكان جدلاً عاشته البيئة الثقافية الألمانية عامة والأكاديمية على وجه الخصوص .

ثانياً إن ترندلينبرك كان موضوع تقدير الرائد الوجودي سورين كيركيجارد (1813 – 1855) ، والذي ألهم  الوجودي كارل ياسبرز . فقد قيم سورين كيركيجارد طريقة تدريس كينو فيشر بتقدير عال ، وقال عنه بالحرف الواحد : ” إنه واحد من أفضل العقلاء في مضمار الفيللوجيا الفلسفية الذين عرفتهم في حياتي ” (+) .

ثالثاً إن كينو فيشر هو نقطة إنطلاق لحركة أكاديمية وثقافية عارمة ستُعرف بالكانطية الجديدة ، والتي طبعت البيئة الثقافية التي تعلم فيها كارل ياسبرز ، كما وكان الكانطيون الجدد أساتذة له (مثل ويندلباند) ومن ثم زملاء وخصوم كما عرفنا (مثل هنريخ ريكارت) . وفعلاً فإن كتاب فيشر المعنون كانط : حياته وأسس عقيدته ، والذي نشره في العام 1860 ، وهي أول محاولة أكاديمية سعت وألهمت الأنظار الألمانية إلى تكوين حركة فلسفية  رفعت شعار العودة إلى كانط (5) . كما إنه لم يكتف بذلك بل كتب واحداً من أهم كتبه عن كانط (بالطبع بعد كتابه الأول : كانط : حياته …) وهو كتابه المعنون شرح على كانط ، والذي ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ ج . ب . ماهفي وبعنوان الناقد والعقل الخالص ، والذي صدر في العام 1866 (6) .

رابعاً وتكمن أهمية كينو فيشر في مساهمته المتفردة في تاريخ الفلسفة ، والتي ليس في الإمكان محوها من ذاكرة الفلسفة . ونعني مساهمته التي ميزت بين التجريبية (منا : العلوم التجريبية) والعقلية (منا : العلوم العقلية) في مقولات الفلاسفة ، خصوصاً فلاسفة القرنيين السابع عشر والثامن عشر ، والتي شملت كل من جون لوك (1632 – 1704) ، جورج باركلي (1685 – 1753) وديفيد هيوم (1711 – 1776)  في مقولات التجريبية (منا : وبالطبع تصعد إلى تراث الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561 – 1626) . وضمت كل من رينيه ديكارت (1596 – 1650) ، باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) ، وكوتفريد لايبنز (1646 – 1716) في مقولات العقلية . فالتجريبية تزعم إن المعرفة البشرية تأتي عن طريق الحواس (أو التجربة) . بينما العقلية تدعي بأن المعرفة اليقينية يمكن إكتسابها عن طريق مبادئ نظرية (خالصة) وهذا يحدث قبل التجربة (7) .

خامساً ونحسب إن شخصية كينو فيشر / مؤرخ الفلسفة في غاية الأهمية للوجودي كارل ياسبرز ، وخصوصاً لمعرفة مصادر ثلاثيته في الفلسفة (على الأقل في النسخة الإنكليزية) التي لاتحمل إلا إشارات نادرة إليها . ولعل موسوعية كينو فيشر المؤرخ في مضمار تاريخ الفلسفة ، ربما أعانت ياسبرز في كتابة ثلاثيته (وهناك إحتمال إلى إن الكانطي الجديد الدكتور ويندلباند (وهو تلميذ كينو فيشر) قد لفت أنظار تلميذه ياسبرز ومن خلال جلسات الإشراف على إطروحته للدكتوراه الثانية ، ولا تنسى إن ويندلباند قد كتب كتابه الشهير عن كينو فيشر وبعنوان كينو فيشر في جامعة يانا) . وهنا سنحاول ذكر عناوين كتب كينو فيشر والتي غطت تاريخ أطرافاً مهمة من تاريخ الفلسفة (وبالمناسبة قد ترجمت أغلبها إلى الإنكليزية) . وذلك لنوفر لقارئ الفلسفة  فرصة لمعرفة حجم المستبطن من كتب فيشر في ثلاثية ياسبرز في الفلسفة .

   وهذه المصادر الفيشرية هي : دايتما : فكرة الجمال (صدر في العام 1849) . وبالمناسبة دايتما أو دايتيما المنتينية هي معلمة سقراط  ، وقد خصها إفلاطون في محاورة ؛ سمبوزيوم (المآدبة) . وقد كتبنا عنها بحثاً واسعاً بعنوان الفيلسوفة اليونانية دايتيما المنتينية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الرابع / خريف 2011 . كما إن ياسبرز درس موضوع الفن (والجمال) في كتابين : الأول ستراندربيك وفان جوخ والثاني محاضرات عن نيتشه . ولكن الغائب هو قفز ياسبرز على صفحات تاريخ الفن وعلم الجمال … ثم جاء كتاب كينو فيشر الثاني والذي حمل العنوان الاتي ” نظام المنطق والميتافيزيقا أو عقيدة المعرفة ” (صدر في عام 1852) . والحقيقة إن ياسبرز خص الميتافيزيقا في المجلد الثالث . ومن كتبه الخطيرة والتي تكشف علاقة الأكاديمي بالسلطة السياسية ، كتابه المعنون ؛ تحريم محاضراتي (صدر عام 1854) .

  ومن ثم جاء المصدر المهم لكل باحث أكاديمي في عصر كارل ياسبرز ، وهو في الحقيقة موسوعة فلسفية ، والتي جاءت بعنوان ؛ تاريخ الفلسفة الحديثة (صدر في 6 مجلدات ، ونشر للفترة مابين 1854 – 1877) . وهذه الملحمة الفلسفية تُعد بنظر الأكاديميين من المساهمات البالغة الأهمية ، ونتوقع أن ياسبرز مؤلف ثلاثة مؤلفات في الفلسفة ، قد إطلع عليها (وخلاف ذلك فقد أغفل مصدر أكاديمي لا عذر له على الإطلاق) . ونرى على الأكثر إن أستاذه ويندلباند قد لفت نظره إليه . وهذا الكتاب الموسوعة ، قد ضم مجموعة رسائل متخصصة عن ديكارت ، كانط ، فيخته ، شيلنج وعدد أخر من كبار الفلاسفة ونزولاً حتى شوبنهور . وكتابه المعنون ؛  مدرستان لفلسفة كانط في جامعة يانا (صدر عام 1862) . وكتابه المعنون ؛  باروخ إسبينوزا : حياته وشخصيته . وأخيراً إنتخبنا من كتبه الكثيرة ، كتابه المعنون ؛ (شرح على كانط : نقد العقل النظري) ، والذي ترجمه الأستاذ ج . ماهفي عام 1866 . ومسك الختام كتابه المعنون ؛ ديكارت ومدرسته ، والذي ترجمه ج . ب كوردي عام 1887 (8) .

——————————————————————————————-

الهوامش والإحالات :

1 – للتفاصيل أنظر :

Wilhelm Windelband & Guy Oakes, History and Natural Sciences, (History and Theory), Vol. 19, No. 2 (Feb. 1980), pp. 165 – 168

وفيه مقدمة عن حياة ويندلباند الأكاديمية ونشاطاته العلمية ومؤلفاته …

+ أنظر :

Wilhelm Windelband, Kuno Fischer, Heidelberg 1907

2 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الأصول الفلسفية وأشكال الكانطية الجديدة / العدد السادس / ربيع 2012 .

3 – أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013 .

4 – أنظر :

Hugh Chisholm (Ed.), ‘Eduard Zeller’, In Encyclopedia Britannica, (11th ed.), Cambridge University Press 1911

+ أنظر :

Richard Purkarthofey, Kierkegaard Studies Year book, 2005, p. 192

وكذلك أنظر :

Jornals and Papers of Soren Kierkegaard, 1944, 98 VA

5 – أنظر :

Alexander, A. B. D., ‘Kuno Fischer. An Estimte of His Life and Work’, In Jaournal of Philosophy, Psycology and Scientific Methods, New York 1908, Vol. 5, p. 57

6 – أنظر :

Kuno Fischer. A Commentary of Kant’s “Critic of Pure Reason”, Trans. By J. P. Mahaffy, London – Dubline 1966

7 – أنظر :

Alexander, Op. Cit, Vol. 5

8 – أنظر :

Ibid,

——————————————————

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

تأمل في كتاب صامويل هنتنجتون : تصادم الحضارات

———————————————–

أوراق فلسفية جديدة

مجلة فلسفية أكاديمية متخصصة

يُصدرها

مركز دُريد للدراسات والأبحاث

(كندا)

رئيس التحرير           سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء إبراهيم خليل

——————————————————–

العدد

(59)

تموز – آب

(2021)

—————————————————————————————–

نُشر هذا المقال لأول مرة في مجلة أوراق فلسفية جديدة  ، العدد الخامس عشر ، أيلول ، سنة (2014) .

——————————————————————————————–

تأمل في

 كتاب صامويل هنتنجتون ” تصادم الحضارات “

Samuel P. Huntington: The Clash of Civilization

الدكتور محمد جلوب الفرحان          الدكتوره سارة الفرحان

—————————————————————————————

تألف هذا المقال من (53 صفحة) .

————————————————————————————–

 تقديم :

  يُشكل موضوع ” تصادم الحضارات ” مادة نافعة في تصنيف علوم الفلسفة التي شغلها التاريخ والحضارة موضوعاً من موضوعات التأمل الفلسفي الكلاسيكية . وهذا الموضوع  يندرج في مجالين فلسفيين عتيدين مُتداخلين ويعملان سوية ، وهما ” فلسفة التاريخ ” و” فلسفة الحضارة ” . ونحسبُ إن هذا التداخل بين مضماري فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة في الموضوع الحالي ، سببه عنوان مقال كتبه بروفسور العلوم السياسية الأمريكي ” صامويل هنتنجتون ” (1927 – 2008) والذي حمل عنوان ” تصادم الحضارات ” [1] وظهر لأول مرة في صيف عام 1993 ومن ثم عاد فنشره مرة أخرى في كتاب موسع عام 1996 ضم معه مناقشات متنوعة ومن شواطئ مثديولوجية وفكرية ملونة وثم ظهر إسم البروفسور هنتنجتون مُؤلفاً (النص الذي كتبه هنتنجتون بحدود 300 صفحة) وناشراً لكتاب ” تصادم الحضارات ” في نشرته الجديدة عام 1996 .

  ونحن نعرف بالتأكيد لا الكاتب البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” فيلسوفاً في التاريخ  ، ولا البروفسور ” فؤاد عجمي ” فيلسوفاً في الحضارة . ولكن نحسب في الوقت ذاته إن لهما الحق في القراءة والكتابة والمعارضة ومن ثم الأتفاق خصوصاً من طرف البروفسور عجمي . وإذا كان لهما الحق في الكتابة في مضمار الفلسفة ، فلنا الحق (على الأقل من طرف الدكتور محمد الفرحان) نحن طلاب الفلسفة وسدنتها ، ومحبي الحكمة وراهني حياتنا في محبتها لأكثر من أربعة عقود ونصف من السنيين ، أن نراجع كتاب ” تصادم الحضارات ” ومن ثم مناقشة البروفسور ” هنتنجتون ” والبروفسور ” عجمي ” خصوصاً على المعارضة والمعاندة في طور مبكر من حياة البروفسور عجمي الأكاديمية ، ومن ثم عاد في مرحلة متأخرة إلى جادة الإتفاق والقبول بإطروحة ” هنتجتون ” تصادم الحضارات . وهي المرحلة العجمية التي حكمتها قوانين التحول والتغير في حياة الأكاديمي ” فؤاد عجمي ” طيب الله ثراه [2] . وهذا الجانب يُشكل ما إصطلحنا عليه ” بالطرف الفلسفي والإستشراقي في نهج فؤاد عجمي ” وهو طرف سنمسه بلطف في مضمار مقال قادم [3] . ومن النافع أن نُذكر هنا بأن المفكر الأمريكي – العربي ” أدورد سعيد ” طيب الله ثراه قد تصدى أكاديمياً لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وفي وقت مبكر جداً وعارضه أكاديمياً ، بمقالة حملت عنواناً نقدياً ألا وهو ” تصادم الجهل [4] ولأهمية معارضة المرحوم ” أدورد سعيد ” للبروفسور هنتنجتون ، فستكون لنا وقفة عند عتبات مقالته ” تصادم الجهل ” . كما ذكرنا بمشروع الكاتب الباكستاني – البريطاني ” طارق علي ” والمعنون ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة ” .

  والحقيقة سبقت محاولتنا لتحليل مثابرة المفكر ” أدور سعيد ” والبروفسور عجمي النقديتين ، وقفة تأملية عند عتبات بعض الإتجاهات النقدية الغربية العامة لكتاب – مقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” . ومن ثم تلاها عرض لمثابرتين أكاديميتين ، واحدة جاءت من مرابض الحضارة اليابانية (الناهضة على أسس عقيدية بوذية) وهي مثابرة البروفسور ” سيزابارو ساتو ” والمعنونة ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات من خلال التعليم المتبادل ” .  ومن ثم وقفة عند الموقف النقدي لكل من الأكاديميين الأمريكيين ” إيرول هندرسن ” و ” ريتشارد توكر ” والذي حمل عنوان ” الوضوح وحضور الغرباء : تصادم الحضارات والصراع الدولي ” .

صامويل هنتنجتون من زاوية أكاديمية

  تعود أهمية البروفسور هنتنجتون إلى إنه في مقاله ” تصادم الحضارات ” ظل عالم سياسة وتنكب بعيداً من أن يكون فيلسوف تاريخ وفيلسوف حضارة . والحق إنه لأغراض العلم السياسي قام بمحاولة تجسير بين السياسة والفلسفة أو الأدق توظيف موضوع فلسفة الحضارة لصالح السياسة وأغراضها . والدليل على ذلك إن ” تصادم الحضارات ” هي إطروحة لما أسماه هنتنجتون ” ما بعد الحرب الباردة وإعادة بناء نظام العالم ” [5] . وهو إصطلاح ساد في التداول بعد لقاءات الرئيس الروسي ” ميخائيل كورباتشوف ” (1931 لازال حياً ويبلغ من العمر83 عاماً) [6] والرئيس الأمريكي ” جورج بوش الأب ” (1924 ولازال حياً) [7] وهو اللقاء الذي حدث خلال نهاية الحرب الباردة [8] .

  والحقيقة إن هنتنجتون هو أستاذ أمريكي متخصص في العلوم السياسية ، وهو محافظ متزمت في رؤيته وميثدولوجيته الأكاديمية . ولد صامويل هنتنجتون في 18 نيسان (أبريل) من عام 1927 في مدينة نيويورك ، وهو إبن ” دورثي سانبورن (فيلبس) ” ، كاتبة القصة القصيرة الأمريكية المشهورة . وهو إبن ” ريتشارد توماس هنتنجتون ” ناشر مجلات التجارة الفندقية . كما إن جده من طرف أمه ، كان هو الأخر ناشراً مشهوراً ، وهو ” جون سانبورن فيليبس ” (1861 – 1949) [9] .

  إلتحق هنتنجتون بجامعة ييل وتخرج منها بإمتياز . وفي عمر الثامنة عشر خدم في صفوف الجيش الأمريكي . ومن بعد التخرج من جامعة ييل سجل في جامعة شيكاغو وحصل منها على درجة الماجستير . وكتب إطروحته للدكتوراه في جامعة هارفرد ، ومن ثم بدأ فيها التعليم وكان عمره ثلاثة وعشرين ربيعاً [10] . ومن أول مؤلفاته الأكاديمية ، كتابه المعنون ” الجندي والدولة : النظرية السياسية للعلاقات العسكرية – المدنية ” والذي نُشر عام 1957 ، وكان موضوع جدل واسع حين صدوره . ولكن ” اليوم يُعدُ من أهم الكتب الكلاسيكية التي تركت أثراً واضحاً على العلاقات العسكرية – المدنية في أمريكا ” [11] .

  ونسعى هنا إلى أن نبين للقارئ العربي الكريم ، بإن كتاب أو مقالة هنتنجتون المعنونة ” تصادم الحضارات ” لم يكن من كتبه ومقالاته الأولى ، وإنما سبقته مقالات وتأليفات عدة ، وبالتحديد جاء نشره بعد ” تسع وثلاثين سنة ” من نشر كتابه الأول ” الجندي والدولة … ” والذي نشره عام1957 . ولذلك نقدم هنا جرداً بكتبه التي كتبها قبل ” تصادم الحضارات ” ومن ثم نشير إلى كتبه أو مقالاته التي كتبها بعد مقالته ” تصادم الحضارات ” :

 أولاً – الكتب والمقالات التي كتبها قبل صدور ” تصادم الحضارات “

1 – ” الجندي والدولة : نظرية سياسات العلاقات العسكرية – المدنية ” والذي صدر عام 1957 .

2 – ” الدفاع المشترك : برامج سيتراتيجية في السياسات القومية ، ونشر عام 1961 وتقريباً صدر بعد ما يُقارب الأربعة سنوات من كتابه الأول ” الجندي والدولة … ” .

3 – ” النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة ” ، وصدر عام 1968 أي ظهر إلى النور بعد سبع سنين من كتابه الثاني ” الدفاع المشترك … ” .

4 – ” أزمة الديمقراطية : حول قابلية الحكومة في النظم الديمقراطية ” والذي نُشر في عام 1976 وجاء تداوله في المكتبات بعد ثمان سنوات من كتابه المعنون ” النظام السياسي …” .

5 – ” السياسات الأمريكية : الواعدة بالتنافر ” وصدر عام 1981 أي بعد خمسة سنوات من كتابه ” أزمة الديمقراطية … ” .

6 – ” الموجة الثالثة : الديمقراطية في نهايات القرن العشرين ” والذي توافر للقارئ الأمريكي في عام 1991 ، وبالتحديد نشر بعد عشر سنوات من كتابه ” السياسات الأمريكية … ” .

ثانياً – الكتب والمقالات التي كتبها بعد صدور ” تصادم الحضارات ” والذي كان المقال رقم (7) في التسلسل والذي صدر في عام 1993 وأعاد نشره في كتاب موسع للمقال ، ومعه مناقشات ومناظرات لباحثين أخرين عام 1996 .

8 – ” قضايا حضارية : كيف تُشكل القيم التطور الإنساني ” والذي طبع عام 2000 وجاء بعد نشر مقال ” تصادم الحضارات ” في طبعته الأولى بسبع سنوات ، وأربعة سنوات بعد نشرته الثانية في كتاب .

9 – ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” وهو مقال ظهر في عام 2004 أي بعد النشرة الأولى لمقال ” تصادم الحضارات ” بإحدى عشرة سنة ، وبعد النشرة الثانية بثمانية سنيين ، وبعد كتابه أو مقاله ” قضايا حضارية … ” بأربعة سنوات . هذا هو تراث البروفسور هنتنجتون ومن ثم مكانة مقاله ” تصادم الحضارات ” بينها من طرف تاريخ النشر .

تصادم الحضارات بعيون أكاديمية

   نحاول هنا تقديم قراءة لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” بصورته الأولى التي عرفها القارئ والأكاديمي على حد سواء . وبدايتنا التأكيد على إن بروفسور العلوم السياسية ” هنتنجتون ” نشر هذا المقال لأول مرة في دورية ” قضايا أجنبية ” [12] . وتكون المقال من عدة محاور مختصرة (ويبدو لنا المقال هو مخطط مستقبلي لبحث أكثر شمولاً أو كتاب وهذا فعلاً ما حدث بعد ما دار جدل حول المقال ومن ثم تتوج في توسعة ضمها الكتاب مع مناقشات متنوعة والذي نُشرعام 1996) . وجاء المقال في نشرة عام 1993 بالشكل الأتي :

1 – إنمودج أو نمط الصراع القادم [13] .

2 – طبيعة الحضارات [14] .

3 – لماذا ستتصادم الحضارات [15] .

4 – المناطق الرخوة (المتصدعة) ما بين الحضارات [16] .

5 – الحضارة الجامعة : الأعراض المرضية للقطر القريب [17] .

6 – الغرب في مواجهة البقية [18] .

7 – الأقطار المُمزقة [19] .

8 – الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي [20] .

9 – الأثار المترتبة على الغرب [21] .

    هذا فيما يخص مقال ” تصادم الحضارات ” في نشرة دورية ” قضايا أجنبية ” . إلا إن البروفسور هنتنجتون توسع فيه ومن ثم ضم إليها مناقشات متنوعة ومن ثم صدرت نشرة جديدة ، هي نشرة عام 1996 والتي ظهر فيها إسم هنتنجتون مشرفاً وناشراً وليس مؤلفاً فحسب . وهنا سنقدم دراسة مركزة لمقال ” تصادم الحضارات ” [22] . ومن النافع أن نعود إلى نشرة عام 1993 ، والتي كانت فكرة المقال في الأصل محاضرة قدمها البروفسور هينتنجتون عام 1992 في معهد المشروع (الأنتبرايز) الأمريكي ، ومن ثم طورها إلى مقال عام 1993 .

  ولكن في الحقيقة إن كل ذلك غير كاف  ، فإن مقال البروفسور هينتنجون بجملته جاء إستجابة إلى كتاب تلميذه السابق ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [23] . وفرنسيس فوكياما هو بروفسور العلوم السياسية ومدير برنامج ” الإنماء العالمي ” التابع لمعهد الدراسات العالمية المتقدم في جامعة هوبكنز .

  وكما ذكرنا إن البروفسور هينتنجون قام بتوسيع مقاله ” تصادم الحضارات ” والذي نشره لأول مرة في مجلة ” قضايا أجنبية ” عام 1993 ، ومن ثم نشر التوسعة في كتاب عام 1996 مع تغييرات طفيفة في العنوان ” تصادم الحضارات وإعادة بناء النظام الجديد ” . ويبدو إن عبارة عنوان كتاب البروفسور هنتنجون ” تصادم الحضارات ” لم تكن من إنشائه الخاص ، بل إنها وردت قبل ذلك بثلاث سنوات في مقال للمؤرخ والباحث في الإستشراق  الأمريكي – البريطاني ” برنارد لويس ” (1916 – تناهز عمره الآن 98 عاماً) ، وبالتحديد في مقاله المعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي ظهر في مجلة ” إتلانتك ” الشهرية وبالتحديد في عام 1990 [24] .

  ومن ثم إنكب الأكاديميون الغربيون في البحث عن جذور ومصادر عبارة أو عنوان هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” فوجدوا إنها كانت متداولة في مصادر تصعد إلى فترة بعيدة عن  كتابات ” برنارد لويس ” التي تم الإشارة إليها سابقاً . وهذا الحال يحملنا على القول بإن ” برنارد لويس ” هو الأخر ربما تلقفها من العنوان الفرعي لكتاب ” باسيل ماثيوس ” والمعنون ” الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات ” والذي صدر في عام 1926 [25] . أي قبل مقال ” برنارد لويس ” بما يُقرب ستة عقود ونصف (قبل أربع وستين عاماً) .

  وكذلك لاحظنا إن هناك عدداً أخر من الباحثين من أمثال المستشرق الفرنسي ” لويس ماسينيون ” (1883 – 1962) صاحب دعوة الحوار المسيحي – الإسلامي ، الذي يرى إن تعبير ” تصادم الحضارات ” يصعد حتى إلى فترة تتخطى تاريخ صدور كتاب ” باسيل ماثيوس ” ويعود بها إلى الفترة الإستعمارية [26] ، والتي تم فيها إشتقاق التعبير من ” صراع الثقافات ” ، وهي الفترة ذاتها التي يُطلق عليها في فرنسا بالحقبة الجميلة ، والتي بدأت عام 1871 وإنتهت مع الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، والتي يُحدد هويتها الأكاديميون ” بالتفاؤل والسلام في الوطن وفي عموم أوربا ، والتي صاحبتها تكنولوجيا جديدة وإكتشافات علمية … والتي تُصف على إنها العصر الذهبي [27] .

   بينما إستهل هنتنجتون بحثه في ” تصادم الحضارات ” بتقديم عرض متنوع لطبيعة ” السياسات الكونية لفترة ما بعد الحرب الباردة ” ، فإن هناك عدداً من الباحثين ومنهم تلاميذ للبروفسور هنتنجتون ، من أمثال البروفسور ” فرنسيس فيوكاما ” يحسبون إن ” التاريخ وكذلك الإنسان وصلا إلى نهايتهما بالمفهوم الهيجلي ” [28] . في حين إن هنتنجتون بالمقابل يعتقد إنه مادام ” عصر الأيديولوجيا قد إنتهى ، فإن العالم عاد إلى الدولة التي تُعالج شؤون الصراع الحضاري ” . ومن ثم يجادل في ” إن المحاور الرئيسة لمثل هذا الصراع ستتخذ في المستقبل صوراً حضارية ودينية ” [29] .

التنوع الحضاري وتصادم الحضارات

  لاحظ الباحث إن هنتنجتون يفترض بأن مفهوم ” الحضارات المختلفة ” ، هو بحد ذاته من المفاهيم التي تنتمي إلى ” القشرة العالية ” التي يسميها ” بالهوية الحضارية ” . وإعتقد بإن هذا المفهوم سيلعب دوراً ذات أهمية متزايدة في تحليل ” إحتمالية الصراع ” . وفعلاً عالج ذلك في مقاله السابق والمعنون ” تصادم الحضارات ” . ونقف عند عتبات الأسئلة التي أثارها هنتنجتون ونقدم لها إجابات ملخصة مختارة من النصوص التي كتبها هنتنجتون بقلمه :

 ما نمط الصراع القادم في العالم الجديد ؟ 

ونحسب إن هنتنجتون رد على هذا السؤال وأفاد موضحاً : ” إن فرضيتي ترى إن المصدر الرئيس للصراع في هذا العالم الجديد ، سوف لن يكون أيديولوجياً كما لن يكون إقتصادياً ، بل إن المصدر الرئيس في تقسيم الناس ، والمصدر المهيمن في الصراع هو المصدر الحضاري . كما إن دول الشعوب والأمم ستبقى من أغلب العوامل القوية والأكثر فاعلية في شؤون العالم ، ولكن الصراع الأساس في سياسات العالم سيحدث بين الشعوب والأمم وجماعات من حضارات مختلفة . ولهذا فإن تصادم الحضارات سوف يُهيمن على سياسات العالم . وإن خطوط التصدع بين الحضارات ستكون هي خطوط المعركة في المستقبل ” [30] .

 ما هي طبيعة الحضارات ؟

   نحسبً في البداية الإشارة إلى إن ” هنتنجتون ” تخلى عن تقسيم دول العالم إلى ” ثلاثة عوالم ” كما كان سائداً في الأدب السياسي الكلاسيكي خلال ” الحرب الباردة ” . وهو الأدب الذي إعتاد على الحديث عن ” العالم الأول ” والذي يضم الدول الرأسمالية . والعالم الثاني والذي يضم منظومة ما كان يُسمى ” بالدول الشيوعية أو الإشتراكية على النمط الروسي ” . والعالم الثالث الذي يشمل ما كان يُصطلح عليه ” بدول عدم الإنحياز ” وبتسميات أخرى مثل ” الحياد الإيجابي ” والتي كانت متداولة يومذاك .

  ولهذا يرى هنتنجتون إن هذه ” التقسيمات لدول العالم ” لم تعد ” مناسبة ، بل وفقدت معناها اليوم ” . وإن الحديث عن تقسيم دول العالم ” على أساس نُظمها الإقتصادية والسياسية أو حتى الحديث عن حدود تطورها الإقتصادي ” فإنه حديث لا معنى له في عالم اليوم . وإن التصنيف الدقيق أن ينهض على أساس ” مستواها الثقافي والحضاري [31] .

  ويتساءل هنتجتون ؛ ماذا نعني بإصطلاح ” الحضارة ” في حديثنا ؟ ومن ثم يذهب موضحاً ، فيُفيد إلى إن ما نعنيه ، هو إن الحضارة بطبيعتها هي ” وحدة حضارية ” ومن هذا الطرف هي تضم ” قرى ومناطق وجماعات إثنية وقوميات وجماعات دينية ” والتي تمتلك ” مستويات مختلفة من عدم التجانس الحضاري ” . ولم يقف هنتجتون عند عتبات التنظير ، وإنما عززها بأمثلة حضارية . فمثلاً لاحظ إن ” الحضارة في قرية في جنوب إيطاليا مختلفة عما هو الحال عليه في قرية في شمال إيطاليا . ولكن كلاهما يُشاركان الحضارة الإيطالية ، والتي تُميزهما عن القرى الألمانية ” [32] .

ويخلص هنتنجتون من بحثه إلى الحقيقة القائلة ؛ إن ” الحضارات في دايناميك ” حيث إنها في حركة صعوداً وهبوطاً ، تبدأ بما أسماه ” بصعود ” ومن ثم يتلوها ” سقوط ” . وبعد ذلك تتعرض إلى ناموسي ” الإنقسام ” و ” الإندماج ” . والخاتمة التي يعرُفها طلاب التاريخ ، هو إن ” الحضارات ستتلاشى من الوجود ” فتنطفأ و ” تُدفن في رمال الزمن ” . ويحسبُ هنتنجتون بأن ” الغربيين ميالون إلى الإعتقاد بإن الدول ستظل من العوامل الرئيسة الفاعلة في تقرير مصير العالم ، وستبقى حية لبضع قرون ، ومن ثم تصل إلى مدياتها في تاريخ الإنسانية الذي هو بالطبع مضمار تاريخ الحضارات ” [33] . ومما لاحظه الباحث على المنهج الميثدولوجي للدكتور هنتنجتون إنه أشار إلى مصدره اليتيم في معالجة هذا الطرف من بحثه ” تصادم الحضارات ” وهو إعتماده على كتاب فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” (1889 – 1975) المشهور والمعنون ” دراسة التاريخ ” [34] ، والذي حدد فيه توينبي 21 حضارة من الحضارات الكبرى ، والتي بقيت منها 6 حضارات حية في عالمنا المعاصر [35] .

  ويبدو لنا إن البروفسور هنتنجتون قد إستبطن بصورة واعية فكرة توينبي في ” الجيل الثالث ” من نشوء الحضارات ، وبالتحديد المجلد الثالث من موسوعته الفلسفية – التاريخية ، الموسومة ” دراسة التاريخ [36] . وكان عنوان المجلد الثالث ” تنامي الحضارات [37] . وهنا نقف ونترك  القارئ الحصيف يُقارن بنفسه بين أفكار وردت في أطراف متنوعة من مقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وعناوين ومضمونات المجلدات العشرة الأولى من موسوعة ” توينبي ” دراسة التاريخ ” . 

 لماذا تتصادم الحضارات ؟

  يعتقد هنتنجتون إن ” هوية الحضارة ” ستُشكل طرفاً بالغ الأهمية في مستقبل العالم الجديد ، وذلك لأن الصورة الجوهرية للعالم ستتكون من خلال ” تفاعل سبع أو ثمان حضارات كبرى ، وهي الحضارة الغربية ، والكونفوشيوسية (منا : الصينية) ، واليابانية (منا : البوذية) ، والإسلامية ، والهندوسية (منا : الهند) ، وسلافك أورثوذوكس ، والأمريكية اللاتينية ، وإحتمال الحضارة الأفريقية ” [38] . ويتأمل هنتنجتون في قضية تصادم الحضارات في العالم الجديد ، فيرى إن الصراعات الأكثر أهمية التي ستحدث في المستقبل ، هي الصراعات التي ستندلع نيرانها فيما أسماه ” بالمناطق الرخوة (أو المتصدعة) ، وهي المناطق التي تفصل الحضارات بعضها عن البعض الأخر ” [39] . والحقيقة إن الشواهد والأمثلة التي إستشهد بها كثيرة ، منها :

أولاً – إن الإختلافات الظاهرة على سطح الحضارات وواجهاتها الأمامية ، هي ليست مجرد إختلافات وحسب ، بل هي إختلافات أساسية . ولعل الباحث يلحظ إن الحضارات تتميز كل واحدة منها عن الأخرى بالتاريخ ، واللغة ، والثقافة ، والتقاليد والأعراف . وإن الطرف الأكثر أهمية في الإختلاف هو الدين . والشواهد على ذلك كثيرة منها ، إن الشعوب من جميع الحضارات ، يختلفون في نظرتهم للعلاقات بين ” الله والإنسان ” وبين ” الفرد والجماعة ” وبين ” المواطن والدولة ” وبين ” الأباء والأبناء (الأطفال) ” وبين ” الزوجة والزوج ” . إضافة إلى إنهم يختلفون في وجهات نظرهم حول ” الحقوق والواجبات ” و ” الحرية والسلطة ” و ” هرمية (أو منازل) المساوات (منا الهرمية السياسية والإجتماعية والإقتصادية …) ” . وهذه الإختلافات هي نتاج قرون عديدة من السنيين . وبالتأكيد سوف لن تختفي حالاً أو في المستقبل القريب . وهي إختلافات جوهرية ومترسخة في الأعماق ، وهي بالطبع ليست مجرد ” إختلافات في الأيديولوجيات والأنظمة السياسية ” [40] .

ثانياً – كما إن العالم أصبح مكاناً جغرافياً صغيراً ، حيث سهل هذا الحال ” تزايد التفاعل بين الشعوب من حضارات مختلفة ” ، وبدوره أدى إلى ” تزايد حدة الوعي الحضاري ” ومن ثم ” الإلتفات إلى الإختلاف بين الحضارات ” [41] .  وقدم هنتنجتون العديد من الأمثلة والشواهد ، وعلى سبيل الإختيار والإنتخاب ، منها ” الهجرة من شمال أفريقيا إلى فرنسا ، والتي ولدت مواقف عدائية بين الفرنسيين ” في حين بالمقابل ” تزايدت درجات الإستقبال للمهاجرين من الدول الأوربية الكاثوليكية ” . والحال كذلك بالنسبة ” للأمريكان فقد كانت لهم مواقف سلبية تجاه المستثمرين من اليابان ، مقارنة بالعدد الكبير من المستثمرين من كندا والبلدان الأوربية ” [42] .

ثالثاً – أدت عملية التحديث الإقتصادي والتغيير الإجتماعي التي حدثت في بنية العالم ، إلى ” فصل الشعوب من هويتها المحلية ” . وبالمقابل سببت ” ضعف الدولة الوطنية ” من أن تكون مصدراً من ” مصادر الهوية ” . ولملاً هذا الفراغ تحركت ديانات العالم ، وفعلاً جسرت وملأت هذه ” الهوة ” بصورة حركات دينية ، يمكن الإصطلاح عليها ” بالحركات الإصولية أو النزعات المتطرفة ” . ومن الأمثلة التي يستشهد بها هنتنجتون ” المسيحية الغربية ، واليهودية ، والبوذية ، والهندوسية ، إضافة إلى الإسلام (منا : مع نسيان هنتنجتون للكونفوشيوسية ” [43] .

  ومن الملاحظ إن ” الفئة الأكثر فعالية ” في الحركات الأصولية / المتطرفة ، وبالطبع في أغلب البلدان ، وأغلب الديانات ، هي ” فئة الشباب الذين تخرجوا من الكليات ، والإختصاصيون والمهنيون ورجال الأعمال من أبناء الطبقة الوسطى ” . وعلى أساس هذا الحال ” فإن العالم لم يعد علمانياً ” بحدود ما .  ويحسب هنتجتون إن هذا الواقع ، هو الذي حمل ” جورج فيجل ” (1951 – ) وهو متخصص في الكتابة عن الكنيسة والكاثوليكية [44] ، إلى ملاحظة إن واحدة من الحقائق الإجتماعية التي هيمنت على أواخر القرن العشرين ، هي ” إنتعاش الدين ” وبلغة كيلز كيبل [45] هي الحقيقة التي شكلت ” أساساً للهوية ، وهذا الإلتزام قاد إلى تخطي الحواجز القومية والتوحيد بين الحضارات ” [46] . أي التوحيد بين الحضارات على أساس ديني عقيدي .

رابعاً – تعزز نمو ” الوعي الحضاري ” عن طريق ” الدور المزدوج الذي لعبه الغرب ” . فمن طرف إن الغرب في قمة ” القوة والسلطة ” . ومن طرف أخر إن الغرب عاد إلى ” جذور الظاهرة التي حدثت بين الحضارات اللاغربية ” . ولعل الشاهد على ذلك إن المرء بدأ يسمع عن ” نزعات عادت إلى مايُسمى ” بالأسيوية في اليابان ” و ” نهاية تراث نهرو ” و ” النزعة الهندوسية في الهند ” و ” فشل الأفكار الإشتراكية الغربية ” و ” فشل الأفكار القومية ” و الحديث عن ” نزعة التحويل الإسلامي للشرق الأوسط ” ، ومن ثم الكلام عن المنافسة الدائرة بين ” النزعتين الغربية والروسية في بلاد بوريس بولسن ” وإن ” الغرب في قمة قوته يتحدى اللاغرب ” ومن ثم ” تزايد الرغبة والإرادة والمصادر إلى إعادة تشكيل العالم بطرق لاغربية ” [47] .

    كما إن من الملاحظ إن النخب في المجتمعات اللاغربية في الماضي ، كانت دائماً مهتمة بشكل غير إعتيادي في الغرب . فمثلاً هذه النخب شدت الرحال وذهبت تتعلم في جامعات الغرب ، من مثل ” أكسفورد ” و” السوربون ” وغيرها ، ومن ثم تشربوا الإتجاهات والقيم الغربية . وفي الوقت ذاته فإن ” الجمهور العريض من هذه الأقطار اللاغربية ظلت منغمسة ومتشربة حتى النخاع في ثقافة السكان الأصليين ” . أما اليوم فإن حال العلاقات بين الطرفين إنقلبت بإتجاه معاكس ، حيث إن النخب في العالم اللاغربي أخذت ” بالإبتعاد عن الغرب والإنغماس في نزعات الثقافة المحلية للسكان الأصليين ” .  وفي الوقت ذاته إن الغرب ، وخصوصاً في أمريكا ، فإن الثقافات ، وأساليب الحياة والعادات أصبحت سائدة ومهيمنة بين صفوف الجمهور الواسع [48] .

خامساً – تتميز الخصائص والإختلافات الحضارية ” بنوع من الثبات النسبي ” ، وهي ” أقل قبولاً للمساومات والحلول ” مُقارنة بالأطراف السياسية والإقتصادية . فمثلاً في الإتحاد السوفيتي السابق ، ممكن أن يكون ” الشيوعيون ديمقراطيون ” و ” الأغنياء ممكن أن يصبحوا فقراء ” و ” ممكن أن يتحول الفقراء إلى أغنياء ” . ولكن ” من غير الممكن أن يتحول الروس إلى إستونيين ” ، و ” من غير الممكن أن يتحول الأذربجانيون إلى أرمن ” . إلا إنه في ” الصراع الطبقي والأيديولوجي ”  يُثار السؤال الأساس ، وهو ” مع من ستصطف ؟ ” .

  وفعلاً فإن الشعب يستطيع أن يختار من بين الأطراف ، وقادر على أن يُغير هذه الأطراف . بينما السؤال في مضمار الصراع مختلف ، وهو ” من أنت ؟ ” وذلك لأن الأمر غير قابل للتغير والتبدل . ومن خلال معرفتنا التي تمتد من ” بوسنيا وإلى القوقاس وحتى السودان ” نستطيع القول ” إن الجواب الخطأ على السؤال ممكن أن يكون إطلاقة نار في الرأس ” بل وأكثر حدة من التمييز العنصري بين الناس على أساس الإثنيات والدين ” . فمثلاً ” الشخص ممكن أن يكون نصفه فرنسياً ونصفه الأخر عربياً ” وبذلك ممكن أن يكون ” مواطناً في بلدين ” . ولكن من الصعوبة ” أن يكون نصفه كاثوليكياً ونصفه مسلماً ” [49] .

وأخيراً – نلحظ إن النزعة الإقليمية (أو نزعة المجموعات) الإقتصادية أخذت بالنمو المتزايد وهذ ما نتوقعه في المستقبل القريب . وإن نجاح المجموعات الإقتصادية سيؤدي إلى ” تعزيز الوعي الحضاري ” الذي أخذ يضرب بجذوره في الأبعاد العميقة ” للحضارة المشتركة ” . فمثلاً إن ” الجماعة الأوربية ” ستستقر على ” أسس مشتركة من الحضارة الأوربية والديانة المسيحية الغربية ” . كما إن نجاح ” التجارة الحرة في شمال أمريكا سيعتمد على شكل من التجمع الذي هو في دور التطور حالياً ، والذي يضم الحضارات الثلاثة ؛ الأمريكية – الكندية – المكسيكية ” . في حين بالمقابل ” إن اليابان تواجه صعوبات في خلق وحدة إقتصادية في شرق أسيا ، وذلك بسبب إن المجتمع الياباني ، والحضارة اليابانية ، هما شكلان متفردان بطبعهما ” ونظن إن البروفسور هنتنجتون لم يلتفت إلى البوذية وأطيافها التي كونت الأساس الديني الذي هو طريق التقريب والتوحيد من اليابان وحتى التبت والصين وروسيا وعبر الهند ومنكوليا ودول جيران عديدة [50] . ورغم هذه الإختلافات الحضارية حسب فهم هنتنجتون ، فإن ” قوة التجارة والإستثمارات اليابانية ، ربما تحمل اليابان إلى تطوير نوع من العلاقات مع البلدان الأسيوية الشرقية ، مما يكون الحاصل تعزيز شكل من أشكال التكامل الإقتصادي مثل ما حدث في أوربا وأمريكا الشمالية ” [51] . وعلى عكس ما ذهب إليه هنتنجتون نرى إن الأساس العقيدي البوذي كان سوراً روحياً قوياً لتقريب اليابان وشدها مع مجموعة عريضة من دول أسيا الشرقية .

  ويُلخص هنتنجتون حديثه عن المستويات التي ” تتصادم فيها الحضارات ” ويحددها في مستويين إثنين :

الأول – صدام الحضارات على مستوى ” مايكرو ” أي صدام الحضارات على مستوى (جزئي – صغير) . والمثال النظري الذي قدمه هنتنجتون ، هو إن ” الجماعات المتجاورة في المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ، تدخل في كفاح مع بعضها البعض من أجل السيطرة على أراضي الجماعات الأخرى ” [52] .

الثاني – صدام الحضارات على مستوى ” ماكرو ” أي صدام  الحضارات على مستوى (كلي – شامل) . والشاهد الذي عرضه هنتنجتون ، هو إن ” دول من حضارات مختلفة ” تدخل في تنافس من أجل ” هيمنتها العسكرية والإقتصادية ” ، ولهذا ” تدخل في صراع ” ، وهي تتطلع إلى ” مكانة عالمية لها ” . وهدفها من كل هذا التنافس هو ” تعزيز ومن ثم فرض قيمها السياسية والدينية ” [53] .

ماهي المناطق الرخوة (المتصدعة) ما بين الحضارات ؟

   تُعدُ قضية ” المناطق الرخوة أو المتصدعة  ما بين الحضارات ” من القضايا البالغة الأهمية في الرؤية ” الجيوسياسية ” المُتشابكة مع مضماري ” فلسفة التاريخ ” و” فلسفة الحضارة ” والتي تجعل من بحث البروفسور هنتنجتون موضع تساؤل تتجاذبه ثلاثة مجالات لها مناهج أبستمولوجية (معرفية) مختلفة . صحيح جداً إن هنتنجتون جاء من فضاء ” العلوم السياسية ” وهذا هو مجاله الذي تخصص فيه ونجح فيه من زاوية الأبستمولوجيا للعلوم السياسية إلى حد ما . غير إنه ظل ” غريباً ” في الفضاءات الأبستمولوجية لمضماري ” فلسفة التاريخ ” و ” فلسفة الحضارة ” وبقي في أحسن الأحوال التي بحث فيهما ، يسبح على السطح ولم يتمكن من الغوص بعيداً في أعماق فلسفتي التاريخ والحضارة .

  ولعل السبب إنه لم يتدرب أكاديمياً في عوالم فلسفتي التاريخ والحضارة ، وبالتحديد في ” ميتافيزيقا التاريخ ” و” ميتافيزيقا الحضارة ” [54] . ولكن والحق يُقال إن الرجل إقترب من موضوعات فلسفية عالجتها فلسفة التاريخ والحضارة وعلى الأقل في التصنيف الحضاري والعناوين المرتبطة بها . ونحسب إن مصادر هنتنجتون المعرفية في فلسفة التاريخ على الأقل كانت يتيمة ، حيث إقتصرت على موسوعة فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” والمعنونة ” دراسة التاريخ ” .

  ولكل هذا فإن الباحث الأكاديمي المتخصص في أبستمولوجيات فلسفتي التاريخ والحضارة يشعر بالخيبة عندما يحاول تقويم أبحاث هنتنجتون من زاويتي فلسفتي التاريخ والحضارة ، وبالتحديد قراءة مقاله المعنون ” تصادم الحضارات ” ومن ثم كتابه الذي حمل العنوان ذاته . ونحسب من المفيد أن نخبر القارئ العربي إلى إن هذا الطرف من مقال هنتنجتون مهم جداً جداً ، ففيه أدلى البروفسور صماويل هنتنجتون بالكثير من الأمثلة عن الصراع أو بإصطلاحه ” المناطق الرخوة ” التي حدث فيها التصادم الحضاري بين ” عرب – الإسلام والغرب ” ولذلك ستكون لنا وقفة تأمل بحدود ما وذلك لتعريف القارئ العربي على الأراء التي أنتجها هنتنجتون ودونها بقلمه في هذا الصدد .

  وبعد هذا الإيضاح المنهجي نعود إلى دائرة التساؤل ، ونرفع السؤال من جديد ؛ ما هي المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ؟ بدأ هنتنجتون بحثه لهذا المحور بالإشارة إلى ” إن المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” حولت ” الحدود الأيديولوجية والسياسية للحرب الباردة ” إلى ” نقاط ساخنة ومناطق أزمات شهدت الكثير من المجازر الدموية ” . ومن ثم حفر في تاريخ العالم المعاصر ، فخلص إلى إن ” الحرب الباردة بدأت مع الأثار التي ولدها ” الجدار الحديدي ” والتي تمثلت ” بشطر أوربا سياسياً وأيديولوجياً ” . ومن ثم ” إنتهت الحرب الباردة ، ومعها تلاشى الجدار الحديدي كذلك ” [55] .

  وعلى هذا الأساس وصل هنتنجتون إلى النتيجة الطبيعية ، وهي إن ” التقسيم الأيديولوجي لأوربا ، هو الأخر تلاشى ” ، ففسح المجال لتقسيم جديد ” وهو التقسيم الحضاري ” الذي فرض هيمنته وسطوته ، فكان الحاصل من ذلك إستقطاب ” وتقسيم حضاري ” بين ” المسيحية الغربية من طرف ” و ” المسيحية الأرثوذوكسية والإسلام من طرف أخر ” [56] . وللتذكير نقول أن هنتنجتون وقع في مطب ميثدولوجي وفكري عندما ربط هنا بين ” المسيحية الأورثوذكسية والإسلام ” ومن ثم سيربط في محور لاحق بين ” الكونفوشيوسية والإسلام ” ونحسب في هذا الربط تنافر صارخ بين عقيدي أورثوذكسي (وفيه درجات من المشاركة العقيدية بدرجات ما) وعقيدي كونفوشيوسي يتعارض حتى العظم مع العقيدي الأرثوذكسي وبالطبع مع الإسلام كذلك  . فكيف حدث هذا ؟ سؤال يحتاج إلى حضور هنتنجتون من العالم الأخر ليقدم لنا فهماً لهذه الحيرة الأكاديمية بطرفيها الميثدولوجي والعقيدي . ونحن نعرفُ بأن العودة مستحيلة مثلما عملية التعادل بين الكونفوشيوسية من خلال العامل المشترك وهو الإسلام .

   كما ولاحظنا إن هنتنجتون قد رسم بدقة ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” وذلك من خلال الرسم ” الجيوسياسي ذو المنبت الحضاري – الديني ” الذي قسم حدود أوربا ” وهي بالطبع مسألة بالغة الأهمية من الزاوية الميثدولوجية . إلا إن من الحق أن نُشير إلى إن فكرة  ” حدود التقسيم ” الحضاري – الديني ، قد نزلت إلى هنتنجتون عن طريق إطروحة ” وليم ويلس ” وهو الأكاديمي البريطاني (1941 – ) [57] التي ناقشها عندما إقترح  ” الحدود الشرقية للمسيحية الغربية في عام 1500 ” [58] .

  وهذه الحدود أو المناطق الرخوة تُشكل في الحقيقة مضمار حدودها التخوم الفاصلة ما بين ” فنلندا وروسيا ” و” دول البلطيق وروسيا ” وتقطع ” بيلاروسيا ويوكرينيا ” والتي تفصل ” معظم يوكرينيا الغربية الكاثوليكية ” من ” يوكرينيا الشرقية الأورثوذكسية ” . كما وتميل هذه الحدود غرباً لتفصل ” ترانسيلفانيا (وهي الجزء المركزي من رومانيا) من بقية رومانيا ” . ومن ثم ” تمتد إلى يوغسلافيا وتمتد على طول لتفصل كرواشيا وسلوفينيا من بقية يوغسلافيا ” . وفي ” البلقان فإن هذه الحدود تتطابق والحدود التاريخية بين إمبراطورية هايسبورغ (مملكة النمسا) والإمبراطورية العثمانية ” [59] .  ولعل ما يُميز هذه الشعوب ، وبالطبع التي تسكن في الشمال والغرب من هذه الحدود ، إنهم أما ” بروتستانت ” أو ” كاثوليك ” وهم جميعاً ” يشاركون خبرات وتجارب التاريخ الأوربي ، والفترة الإقطاعية ، وعصر النهضة ، والإصلاح والتنوير والثورة الفرنسية ، والثورة الصناعية ” . كما إن ” أحوالهم الإقتصادية بصورة عامة ، هي أفضل بكثير من الشعوب التي تعيش في الشرق . وفي الوقت ذاته فهم يتطلعون لزيادة إنخراطهم في الإقتصاد الأوربي ، والتمسك بالإنظمة السياسية الديمقراطية ” [60] .

  ويحسبُ هنتنجتون بالمقابل إن الشعوب التي تعيش في الشرق والجنوب من هذه الحدود ، فهم أما ” أرثوذوكس ” أو ” مسلمين ” وهم تاريخياً  ينتمون إلى ” الإمبراطورية العثمانية ” أو ” الإمبراطورية الروسية القيصرية ” . وإن إتصالهم كان ضعيفاً في الأحداث الواقعة في بقية أوربا ، وهم على العموم ” أقل تقدماً إقتصادياً ” . كما إنهم ” أقل نزوعاً نحو تطوير أنظمة سياسية ديمقراطية مستقرة ” [61] .

   كما وتداول هنتنجتون في مُعجمه التاريخي (وبالطبع الحضاري – السياسي) إصطلاحات من مثل ” الصمام الحديدي للحضارة ” و ” الجدار الحديدي الأيديولوجي ” ورأى إن ” الصمام الحديدي للحضارة ” أزاح ” الجدار الحديدي الأيديولوجي ” وحل مكانه ومن ثم إستشهد ” بالأحداث التي وقعت في يوغسلافيا ” وهي بالطبع لا تمثل ” حدود الإختلاف ” وإنما هي تمثل البعد الزمني ” لحدود الصراع الدموي ” [62] .

  وفعلاً إن هذا الصراع حدث حسب فهم هنتنجتون ” في المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ، والذي إمتد لفترة 1300 سنة ، وبالتحديد مع بزوغ شمس الإسلام ، وإنسياح العرب والمورو (المورش) [63] غرباً وشمالاً ، والذي توقف في عام 732م عند عتبات تور ” [64] . ومن ثم حدث تحول كبير في ” المناطق الرخوة ” فمن القرن الحادي عشر وحتى القرن الثالث عشر الميلاديين ” نجح الصليبيون بصورة موقتة من السيطرة على مناطق من الأراضي المقدسة (فلسطين) وجلبوا معهم المسيحية (منا المسيحية الغربية أو الأوربية) والحكم المسيحي ” . ولاحظ هنتنجتون إلى إنه مع ” تباشير القرن الرابع عشر وحتى القرن السابع عشر ، تمكن الأتراك العثمانيون من إعادة التوازن في المنطقة ” ، ومن ثم تقوت شوكتهم ” فإمتدت سلطتهم إلى الشرق الأوسط وبلاد البلقان ، وفرضوا هيمنتهم على القسطنطينية (إسطنبول) وتمكنوا من حصار مدينة فينا مرتين ” [65] .

  ومن ثم يستشهد بالأحداث التي وقعت في ” المناطق الرخوة ما بين الحضارات ” فيذهب مفسراً وموضحاً إلى إنه مع ” القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين أخذت السلطة العثمانية بالضعف والإعتلال ” ، فبدأت ملامح تاريخ جديد يفرض ظلاله على المنطقة . وفعلاً فإن ” البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين جاءوا إلى المنطقة ، وأعادوا السيطرة الغربية على معظم شمال أفريقيا والشرق الأوسط ” [66] .

  ولعل الشواهد التاريخية على ” تصادم الحضارات ” التي إستشهد بها هنتنجتون تحت مظلة ما أسماه ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ” شواهد ذات أهمية منها النزعات التي هزت الطرف العربي من منطقة الشرق الأوسط . وهنا ينبغي نحتفل بالبروفسور ” صماويل هنتنجتون ” وبالتحديد على ” صوته الشجاع ” الذي يُشكل صورة مضيئة في تاريخ رجل أكاديمي قال كلمة ” الحق ” التي صمتت عنها الغالبية العظمى من ” عقول أكاديمية ” بوعي وبقصد إرضاء ” الفكرانيات الأكاديمية ” ومغازلتها على حساب الحقيقة . يقول هنتنجتون بصراحة ما بعدها صراحة وهو يُعلق على الحروب بين  ” العرب وإسرائيل ” كطرف من أطراف النزاع في ” المناطق الرخوة والمتصدعة ما بين الحضارات ” بأن ” إسرائيل هي من صنع الغرب[67] وكلام هنتنجتون يعني بقوة بأن ” الحروب المستمرة بين العرب وإسرائيل هي من صنع الغرب ” . وأشعر بصوت خفي ما بين سطور هنتنجتون تهمس وتقول ” وكذلك فإن مأساة اليهود الغربيون على يد هتلر وما ترتب عليها من بحث الغرب عن وطن قومي لهم والذي تتوج بوعد بلفور هي من صنع الغرب ” وبتأييد ومباركة ملكية حجازية – عربية [68] .

  هذه بعض من الشواهد على ” تصادم الحضارات ” والأمثلة كثيرة التي إستشهد بها البروفسور صماويل هنتنجتون ومنها ماحدث بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي أخذ فيها ” صراع الحضارات ” وجهة جديدة أكثر بربرية ودموية . فالغرب ” أخذ يعتمد على الدول العربية في طاقته ” وبالتحديد على ” نفط العرب ” . والعرب من طرفهم تطلعوا إلى ” إمتلاك السلاح الغربي ” . ولعل ما قلناه عن ” حروب العرب مع إسرائيل ” مثالاً حياً نعيش مآساته اليوميه وهو شريان إقتصادي نازف وفيه تبديد للإقتصاد العربي وفيه ضحايا وتضييع لفرص حضارية يمكن أن تُستثمر لصالح الإنسانية . والأمثلة كثيرة منها إن ” فرنسا قاتلت بدموية مع الشعب الجزائري في الخمسينات من القرن العشرين ” . كما وإن ” فرنسا وبريطانيا (ومعهم إسرائيل) إحتلوا مصر في عام 1956 ” ، ومن ثم ” في عام 1958 تحركت القوات الأمريكية صوب لبنان ” [69] . كلها شهادات بقلم البروفسور الأمريكي ” صماويل هنتنجتون .

  والحقيقة إن القائمة طويلة وتتخطى العرب وصراعهم مع الغرب ، فهناك أمثلة على ” تصادم الحضارات ” مع إيران سواء في تصادمها مع الغرب أو تصادمها مع العرب (العراق إنموذجاً) . كما إن ” عودة أمريكا إلى لبنان ” ، والهجوم على ليبيا ” و ” مواجهة إيران ” ، ومن ثم تصاعد الحرب بين العرب والغرب في عام 1990 وذلك عندما ” أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها المسلحة الضاربة إلى الخليج بسبب إحتلال قطر عربي لقطر عربي أخر ” . كما يصف هنتنجتون مشاعر العرب وبالتحديد ” مشاعر الفخر والزهو وذلك عندما هاجم صدام حسين إسرائيل ووقف بوجه الغرب ” . ولاحظ إن ” حالة من التعقيد أصابت العلاقات بين الإسلام والغرب ، وخصوصاً في مضماري ” الديمقراطية ” و” الإصلاح السياسي ” وعلى هذا الأساس كانت مظاهر ” تصادم الإسلام والغرب ” … [70]

 ما هي الحضارة الجامعة ؟ وما هي الأعراض المرضية للقطر القريب ؟

      لاحظ الباحث إن البروفسور هنتنجتون قد إستهل بحثه لهذا المحور بما يشبه المقدمة النظرية ، وفي معظمها كانت ” تعميم إفتراضي ” في أحسن الأحوال من الزاوية الميثدولوجية يظل موضوع ” تمحيص ومراجعة وتدقيق ” يندرج في مضمار ” التأملات ” التي يلعب فيها ” الخيال الإنساني ” دوراً ملحوظاً وبذلك خلت من عملية المسح الإستقرائية التي يتميز بها البحث في طرفيه التاريخي والحضاري . وربما هذا التأمل والإفتراض يكون مقبولاً في مضمار العلوم السياسية وهو المجال الأكاديمي الذي تخصص فيه البروفسور هنتنجتون .

  ولنبدأ بإفتراض هينتنجتون والذي يذهب فيه إلى إن ” جماعات أو دول ، والتي تنتمي إلى حضارة واحدة ، تدخل في حرب مع شعب من حضارة مختلفة . وطبيعياً إن هذه الجماعات والدول تحاول أن تستقطب أعضاء من حضارتها ، وتطلب منهم الدعم والمساعدة ” [71].

ويرى هنتنجتون إن هذا حدث في الفترة التي أعقبت ” الحرب الباردة ” ، والتي تميزت بسمة ” الحضارة الجامعة (أو المشتركة) والأعراض المرضية للقطر القريب ” وهذه العبارة الواصفة لهذه السمة ، قد تبناها هتنجتون من الكاتب الصحفي المخضرم في شؤون الحروب والصراعات  ” هيك ديفيد سكوت كرينوي ” [72] .

  ومن النافع الإشارة إلى إن عبارة – إصطلاح ” هيك كرينوي ” حسب هنتنجتون قد حلت مكان العبارات التقليدية من مثل ” الأيديولوجيا السياسية ” و ” إعتبارات قوى التوازن التقليدية ” ومن ثم تحولت إلى ” أسس مبدئية في التعاون والتحالف ” . وفعلاً فإن هذا تم ملاحظته في ” إندلاع صراعات في فترة ما بعد الحرب الباردة في منطقة الخليج الفارسي (هكذا وردت وفيها إنحياز غربي وإصرار غربي على عدم تسميتها بالخليج العربي رغم إن معظم الدول المُطلة عليه هي دول عربية وإنما بقصد غربي لزرع ألغام جغرافية وإصطلاحات سياسية – حضارية وترويجها لتفجير موجات عداء مستمرة …) كذلك في القوقاز وبوسنيا ”  .

  وحسب عقيدة هنتنجتون إن ” لا واحدة من هذه البلدان في حروبها ” تندرج تحت ما أسماه ” بالحروب ما بين الحضارات ” [73] . إلا إنه يعود ويؤكد على ” إن كل واحدة من هذه البلدان تُشارك في مبادئ وأطراف من الحضارة الجامعة (أو المشتركة) ” . والتي كما تبدو ” إنها أصبحت أكثر أهمية في الصراع الجاري ، ومن المحتمل إن تحمل دليلاً مُنذراً للمستقبل ” . ومن الأمثلة التي يستشهد بها هينتنجتون :

أولاً – إن ما حدث في ” حرب الخليج العربي ، إن واحدة من الدول العربية إحتلت دولة عربية أخرى . ومن ثم إندلع قتال قادته قوى تحالف عربي وغربي وشاركت به دول أخرى ” . وبينما ساند ” صدام حسين (1937 – 2007) عدد قليل من الحكومات الإسلامية ” ، فإن ” العديد من النُخب العربية ” كانت ” مُبتهجة وتُعبر عن سعادتها الشخصية له ” ، والذي كان (أي صدام حسين) على حد تعبير هنتنجتون : شخصية شعبية لفئات عريضة من الجمهور العربي ” . وكذلك ” ساندت العراق الحركات الإصولية الإسلامية ” . بينما كانت ” حكومة الكويت والسعودية مدعومتين بمساندة الحكومات الغربية ” [74] .

  ونحسبُ إن البروفسور هنتنجتون وهو يبحث في تفاصيل ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” قد واجه مُعضلة منهجية كبيرة ، وهوكيف يُصنف الحرب بين العراق والغرب (ومع الغرب العرب المستغربين) هذا طرف . والطرف الثاني الذي يحمل تحدياً للبروفسور إن عنوان مقاله وكتابه ، هو ” تصادم الحضارات ” وإن عنوان المضمون الداخلي للمقال والكتاب ، هو ” صراع الحضارات ” . فما كان عليه إلا إن يقف موقف المتشكك ، ويحسم القضية بترجيح يُفيد بأن هذه الحرب ليست ” حرب حضارات ” [75] .

  وهنا أشعر كأكاديمي متمرس في البحث بحجم المعضلة المنهجية التي واجهها هنتنجتون ، وهي كيفية إقناع القارئ الأكاديمي وكذلك القارئ العام بأن هناك ” تصادم حضارات ” و ” حرب حضارات ” . وبجرة قلم قرر إنها ” حرب حضارات ” . حقيقة إننا ندرك إنه من الصعوبة بمكان على هنتنجتون أن يتخلى عن إصطلاحاته وعنوان مقاله وكتابه ” تصادم الحضارات ” ومن ثم يتخلى عن المضمون الداخلي لهما ، وهو ” صراع الحضارات ” . فجاء حله السحري وليس الأكاديمي بالطبع ، فقام برمي الحجر على الشاطئ الأخر ، وإستشهد بإفادة عربية ومن ثم إسلامية ، ودفع بأصحابها أن يتكلموا بإسمه ويصفون الحرب بإصطلاحاته السابقة والتي تخلى عنها في هذا المحور من مقاله ” تصادم الحضارات ” . والسبب رغبة غربية عند هنتنجتون في تعطيل إصطلاحه وتشغيل بدلاً عنه عنوان جديد ، هو ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” وذلك ليتخفى خلفه ويضع إطروحته الحضارية في تناقض صارخ .  

  هذا قدرنا نحن الأكاديميون الإنسانيون في الحوار والتعامل مع إطروحات حضارية صادرة من دوائر أكاديمية غربية موجهة توجيهاً أيديولوجياً سياسياً . فمن الملاحظ إن هنتنجتون قد جاهد في هذا المقال – الكتاب على ” فصل الطرف الحضاري عن الطرف الإيديولوجي والسياسي ” وهذا هو الأساس لإطروحته ” تصادم الحضارات ” . إلا إن هنتنجتون عندما جاء إلى ما حدث في الخليج العربي خصوصاً (ويشمل مناطق القوقاز والبوسنه) عاد وجدد الروح في الطرف الأيديولوجي – السياسي الذي تعطل حسب إعلان هنتنجتون ومات مع ” الحرب الباردة ” . ونحسبً إن الأكاديمي هنتنجتون قد تخلى عن منهجه الأكاديمي في هذه اللحظة من البحث ، و” عانق صنمه الأيديولوجي – السياسي ” ودثره بإصطلاح تبناه من الصحفي الأمريكي ” هيك ديفيد سكوت كرينوي” وهو ” الحضارة الجامعة والأعراض المرضية للقطر القريب ” [76] .

   يقول هنتنجتون ولما تنكر العرب وداروا ظهورهم (إلى صدام حسين) ، فإن صدام حسين مال إلى المسلمين وناشدهم صراحة ” ولذلك يحسب البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” إن صدام حسين وكل الذين وقفوا معه حاولوا تحديد الحرب بأنها ” حرب حضارات ” وإنها ” ليست بحرب العالم ضد العراق ” . وهذا الأمر وصفه ” الشيخ السعودي الدكتور سفر عبد الرحمن الحوالي ” [77] وهو عميد الدراسات الإسلامية في جامعة ” أم القرى ” في مكة ، بأنها ” حرب الغرب ضد الإسلام ” [78] . ويؤكد هنتنجتون على إن المسلمين تناسوا عداوتهم وتنافسهم وبالتحديد ما حدث بين ” العراق وإيران ” والشاهد على ذلك ” دعوة القائد الديني الإيراني آية الله علي خامنئي إلى الحرب المقدسة ضد الغرب ” ومن ثم ناشد خامنئي (1939 – لايزال حياً وعمره جاوز 75 عاماً ” المسلمين للكفاح ضد الإعتداء الأمريكي ، والطمع والخطط والسياسات الأمريكية ، وسنحسبه (هكذا قال خامنئي) جهاداً ، وإن أي شخص سيُقتل في هذا الطريق هو شهيد ” [79] .

  وقدم هنتنجتون مثالاً عربياً مُعاصراً له دلالته ومصداقيته على مضمون ” الحرب التي قادها الغرب وشارك فيها الأشقاء العرب ” وهو المثال الذي لازال شاخصاً أمام أنظار العالم عرباً وشرقاً وغرباً ، فذهب مُشيراً إلى إن ” الملك حسين ” (1935 – 1999) ملك الأردن والذي جادل في هذه القضية ، وذهب إلى إن هذه الحرب ” ضد العرب جميعاً ، وضد المسلمين جميعاً ، وهي ليست ضد العراق لوحده ” [80] .

  كما لاحظ هنتنجتون بأن مجاميع ملحوظة من ” النُخب العربية والشعبية قد وقفت مع صدام حسين ” . وهذ الحال ” سبب للحكومات العربية التي شكلت تحالفاً مُعارضاً للعراق (مآزقاً) ولذلك أخذت تُخفف من نشاطاتها وتُعدل من خطاباتها للجمهور العريض ، ومن ثم سعت إلى أن تنأى بنفسها بعيداً من الضغوط الغربية على العراق ، وخصوصاً فيما يخص منطقة الحظر الجوي التي فرضتها في صيف 1992 ، وكذلك في قصف العراق في كانون الثاني عام 1993 ” . والحاصل من ذلك إن تحول ” التحالف الغربي – الروسي التركي العربي ” ضد العراق في 1993 . نقول تحول إلى مجرد تحالف ” يقتصر فقط على الغرب والكويت ضد العراق ” [81] .

  ومن ثم أشار هنتنجتون إلى إن ” المسلمين أخذوا يُقارنون بين أفعال الغرب ضد العراق ” ومعايير الغرب المزدوجة . فمثلاً إن ” الغرب فشل فشلاَ ذريعاً في حماية البوسنيين من هجمات الصرب ” . كما فشل ” الغرب في فرض عقوبات على إسرائيل في عنفها وإختراقها لقرارات الأمم المتحدة ” . ولذلك (كما يذكر هنتنجتون) زعم المسلمون بأن ” الغرب يستخدم معايير مزدوجة ” وإن ” عالم تصادم الحضارات ” هو ” عالم محتوم عليه أن يكون عالم ذات معايير مزدوجة ” . فالشعوب ” تستخدم معايير خاصة لأقطارها الغربية ، ومعايير أخرى مختلفة للأخرين ” [82] .

ثانياً – إن الأعراض المرضية للقطر القريب قد ظهرت كذلك في ” بلدان الإتحاد السوفيتي السابق ” . وفعلاً كما يقول هنتنجتون ” إن الجيش الأرميني نجح في عامي 1992 و1993 من إثارة الأتراك ودفعهم إلى أن يُصعدوا من مساعدتهم لإخوانهم في الدين والإثنية واللغة في أذربيجان ” . وتأتي مصاداقية ذلك في ما قاله في عام 1992 واحد من الساسة القيادين الأتراك ، فأفاد ” إن شعبنا التركي يشعر بتعاطف عال وكأنهم أذربيجانيين ” . وكل هذا جاء متناغماً مع ما صرح به ” الرئيس التركي تورغوت أوزال ” (1927 – 1993) والذي أفاد ” إننا نواجه ضغوط كبيرة ، وإن صحفنا مملوءة بالصور التي تفصح عن الفضائح العدوانية ، وشعبنا يتساءل ؛ هل إننا لا نزال جادون في سياستنا الحيادية ، وإنه من الأفضل أن نبين للأرمن بأن تركيا الكبرى لازالت في المنطقة ” [83] .

  ومن الملاحظ إنه في السنوات الأخيرة من وجود الإتحاد السوفيتي ” إن الحكومة الروسية قد ساعدت الأذربيجانيين بسسب إن الغالبية في الحكومة الأذربيجانية كانوا شيوعيون ” . ولكن مع نهاية الإتحاد السوفيتي ، فإن ” الإعتبارات السياسية أخذت طريقاً جديداً ، فحلت محلها الإعتبارات الدينية ، فالقوات الروسية أخذت تقاتل جنباً بجنب الأرمن ، والأذربجانيون إتهموا الحكومة الروسية بأنها تغيرت 180 درجة ووقفت مع الأرمن المسيحيين [84] .

ثالثاً – يحترم هنتنجتون كل الإعتبارات التي رافقت ” القتال في يوغسلافيا السابقة ” كما إنه متفهم ” لتعاطف الجمهور الغربي مع البوسنيين المسلمين ، وهذا كان واضح في مساعدتهم في لحظات الرعب والخوف التي سببها لهم الصرب ” . وبالمقابل فإن الإهتمام الغربي أخذ نبرة عدم المبالات ” حول إعتداءات الكرواشيون على المسلمين ، وتقطيعهم البوسنه – والهرسك إلى أوصال ممزقة ” . ولاحظ هنتنجتون بأنه ” في بداية تفكك يوغسلافيا ” ، فإن ألمانيا لعبت دوراً غير معهود لها ” فقامت بمبادرة دبلوماسية ، حيث دعت 11 عضواً من الجماعة الأوربية ، وقادتهم للإعتراف بسلوفانيا وكرواشيا ” . ونتيجة لذلك فإن البابا قرر ” مساعدة هذين القطرين الكاثوليكيين ، بل وإن الفاتيكان إعترف بهما قبل إعتراف الجماعة الأوربية ” . ومن ثم ” تابعت الولايات المتحدة الأمريكية القيادات الأوربية ” . وهكذا كما يحسب هنتنجتون ” إن القيادات الفاعلة في الحضارة الغربية قد تجمعت بصف هذا التحالف ” [85] .

  وفعلاً فإن التقارير جاءت لتكشف عن تسليح ” كرواشيا بالعتاد العسكري ، وإن التجهيزات العسكرية وصلت من بلدان أوربا المركزية . كما إن حكومة بوليس يلسن قد لعبت دوراً وسطاً ، فمن جهة كانت متعاطفة مع الصرب الأرذوكس ، ومن طرف أخر كانت غير راغبة في عزل روسيا عن الغرب ” . كما إن ” الجماعات الروسية المحافظة والقوميين الروس قد هاجموا الحكومة في ترددها في مساعدة الصرب ، ويبدو إن رد الفعل تمثل في بواكير عام 1993 فقد ذكرت التقارير بإن بضعة مئات من المقاتلين الروس قد شاركوا القوات الصربية في القتال . ومن ثم أكدت التقارير بأن الجيش الروسي أخذ يُساعد الصربيين بالتجهيزات العسكرية ” [86] .   

  ومن طرف أخر كما يرى هنتنجتون إن الجماعات والحكومات الإسلامية وبخت الغرب بشدة على تأخرها في الدفاع عن البوسنيين . فمثلاً إن القادة الإيرانيون ألحوا على جميع الأقطار الإسلامية بتقديم المساعدات إلى البوسنيين . بل وخرقت قرارات الأمم المتحدة المفروضة على حظر توريد الأسلحة إلى المناطق المتنازعة عليها في يوغسلافيا السابقة ، فمثلاً إن إيران قامت بتوفير التجهيزات العسكرية والرجال المتطوعين للقتال مع البوسنيين . كما إن الجماعات الإيرانية واللبنانية قامت بإرسال ” رجال العصابات ” من أجل تدريب وتنظيم القوات البوسنية . وفعلاً فإن التقارير تشير إلى إن أعداد المسلمين المسلحين قد وصلت إلى 4000 مقاتل جاءوا من أقطار إسلامية متنوعة وكان جميعهم يُقاتلون في البوسنه  .

  وفي ظل هذه الأجواء ، وجدت حكومات مثل المملكة العربية السعودية وأقطار أخرى نفسها تحت ضغوط شعبية وخصوصاً من جماعات إصولية تطالب مجتمعاتها بالمزيد من المساعدات  الجدية إلى البوسنيين . وفعلاً ففي نهاية عام 1992 إن المملكة العربية السعودية – كما تذكر التقارير – قامت بتقديم التجهيزات الأساسية ، ودعم بالمال من أجل توفير التجهيزات العسكرية والمعدات للبوسنيين وذلك لزيادة قدراتهم الدفاعية ضد الصرب [87] .

  ويُعلق هنتنجتون على ما حدث في أقطار يوغسلافيا السابقة ، ويُقارن ذلك بما رافق الحرب الأهلية الأسبانية في الثلاثينات من القرن المنصرم (1930) فيقول ” إن الحرب الأهلية الإسبانية ، حملت العديد من الأقطار للتدخل في الحرب ، والتي كانت ذات أنظمة سياسية مختلفة ، منها أنظة فاشية وشيوعية وديمقراطية . وفي تسعينيات القرن المنصرم (1990) فإن الصراع اليوغسلافي أثار ودفع بتدخل أقطار إسلامية ، ومسيحية أرذوكسية وأقطار مسيحية غربية ” . ومن جهة أخرى ” إن الحرب في البوسنه والهرسك أصبحت مُعادلاً من الناحية العاطفية للحرب ضد الفاشية في الحرب الأهلية الأسبانية ” . وهذا ما لاحظه واحداً من الكتاب السعوديين فقال ” إن هؤلاء الذين قاتلوا هناك (منا : أي في البوسنه والهرسك) يُعدون شهداء وحاولوا إنقاذ إخوانهم من المسلمين ” [88] .

 ولاحظنا إن البروفسور هنتنجتون في خاتمة هذا المحور يعود إلى عنوان مقاله – الكتاب ” تصادم الحضارات ” ويصيغ طريق العودة على شكل ” توقع أو تكهن ” ، فيقول ” ويبدو إنه في السنوات القادمات ، إن هذه الصراعات المحلية على الأغلب ستتصاعد إلى صورة حروب كبرى ، وهي الصراعات في البوسنه والقوقاز ، والتي تُشكل اليوم مناطق ” الحدود الرخوة أو المتصدعة بين الحضارات ” . وإن ” الحرب العالمية القادمة إذا ما حدثت فإنها ستكون بين الحضارات [89] .  

كيف ستكون مواجهة الغرب للبقية ؟

  نحسب بداية أن نشير إلى الحقيقة التي تناساها البروفسور هنتنجتون ، وهي حقيقة يعرفها كل من إشتغل في مضماري ” فلسفة التاريخ والحضارة ” غرباً وشرقاً ، وهي مساهمة ومشاركة الشعوب ومن ثم النتاج الحضاري لأمم متنوعة في الحضارة الغربية ، وخصوصاً في مرحلة التأسيس والإنطلاق . ولعل القارئ الأكاديمي المتخصص يعرف مقدار وحجم الإنجاز الحضاري العربي ومن ثم العبري والأسيوي في إنشاء قاعدة الإقلاع الحضاري الغربي هذا طرف . وإن المتابع المعاصر للحركة العلمية والفكرية في الغرب يلحظ إن أسماء كبيرة تقود عملية التطوير العلمي سواء في الأكاديميات الغربية أو في المخابر العلمية . ولهذا فإن السؤال الملحاح ؛ هو أي حضارة غربية يتحدثون عنها ، إنها لم تعد غربية بالمعنى التقليدي إنها نتاج إنساني متوارث وصل إلى درجات من الرقي العلمي والتقني في بلاد الغرب .

  هذه مسألة غابت (وليس لدينا شك بأن البروفسور هنتنجتون تناساها بقصد) من ذهنية بروفسور العلوم السياسية ولهذا نظن إن هنتنجتون لو تدرب أكاديمياً ليكون ” فيلسوف تاريخ أو حضارة ” لقدم بحثاً في مضمار ” تصادم الحضارات ” إنسانياً يتعالى على الحدود الضيقة التي سجن نفسه فيها ، فظل بحثه مخنوقاً ولم يتمكن من الصعود إلى الطوابق العالية الإنسانية من البحث الفلسفي في التاريخ والحضارة .

  وفعلاً فقد بدأ هنتنجتون بحثه في هذا المحور بالإشارة إلى إن ” الغرب اليوم هو في مصاف القوى الكبرى (منا : التي إنفردت بالعالم مع كل الأسف) والتي تحتل ” قمة الهرم العالي ” في ” علاقاتها مع الحضارات الأخرى ” [90] ، ومن ثم يستمر فيضيف إلى إن ” القوى الكبرى التي كانت تُعادي الغرب قد إختفت من الخارطة (منا : هذا كلام إنشائي عام غير صحيح مع الأسف أن نقول للبروفسور هنتنجتون) ، كما إن الصراعات العسكرية بين الدول الغربية بعضها مع البعض الأخر غير واردة . كما إن القوى الغربية العسكرية هي ليست في حالة تنافس وتمحور وإستقطاب [91] .

  حقيقة لقد تناسى البروفسور هنتنجتون حقيقة إقتصادية خطيرة ، منها هي إن إقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية (الدولة العظمى الغربية) مرهون ومُجير إلى أجل غير مسمى بيد الحكومة الأسيوية – الشرقية الصين (التي أطلق عليها هنتنجتون وعلى مجموعتها إصطلاح الدول الكونفوشيوسية) البُعبع المتخفي في المصباح السحري لعلي بابا ، إن أمريكا أصبحت عاجزة من تسديد ديونها للمارد الإقتصادي الصيني وإنها لم تتمكن من إطفاءها لعقود من السنيين ، وإستسلمت فقط إلى دفع الفوائد الباهضة على ديونها منذ سنيين . إن كُتاب السياسة عاجزون عن إدراك عوامل النخر والتصدع في جسم الحضارات … أو إنهم بقصد يحاولون ”  تضليل الشعب الأمريكي ” ومن خلاله الشعوب الأخرى ومسخ الحقيقة وتسمية الأشياء بغير مسميتها …

     ويبدو إن الغرب في حيرة ويعيش ” صدمة حضارية جديدة ” ، فهناك ” بعبع جبار جديد متخفي في مصباح علاء الدين السحري  وهو ” المارد الإقتصادي الياباني ” (والذي هو مرشح لقيادة مجموعة الدول البوذية) [92] وهي (أي اليابان) عدو الماضي القريب و ” الحليف مع ألمانيا النازية ” . وهناك بُعبع ثالث يتنامى بنبض متوالية هندسية سريعة وهو بعبع كوريا الشمالية ، إضافة إلى بُعبع الهند الرابع (والمتسور بهندوسية والمُرشح بقيادة الدول الهندوسية أو البراهمية) [93] والذي لا يتوقع أحد متى سيُفاجئ الجميع بنهوضه .. زائداً بُعبع خامس نهض وتم قمعه وتحدث عنه المفكر الإسلامي النهضوي المعاصر ” مالك بن نبي ” ، وهو محور ” دول طنجا – جكارتا ولا أحد يعرف متى سيطل من جديد مارداً عالمياً جباراً …[94]

  وعودة إلى البُعبع والمارد الياباني فإن الغرب وخصوصاً أمريكا ، يسعيان بقوة جبرية إلى ضمه تحت تحالف ينسف مفهوم ” الغرب والحضارة الغربية المُتسيدة ” ، وبدلاً من ذلك حل محله الحديث إذا ما تم تداول إصطلاحات غربية جديدة ، من مثل ” الجماعة أو المجموعة العالمية ” . وهي المظلة السياسية التي تسمح بضم اليابان إليها ، وهو المارد الإقتصادي المنفلت والمتخفي من سيطرة الغرب .

  وفعلاً فقد لاحظنا إن البروفسور هنتنجتون قد تابع التطور في حركة نمو الإصطلاحات ، وتخلى عن إصطلاح الغرب (وبالطبع نحسب إن هذا يتضمن تخليه عن إصطلاح الحضارة الغربية وهذا يشمل تصادم الحضارات عنوان كتابه الذي سيكون فيه غياب للحضارة الغربية كذلك…) مثلما تخلى رئيس الوزراء البريطاني ” جون ميجر ” عنه في حديثه الذي أورده هنتنجتون في هامش (ص 39) من مقاله ” تصادم الحضارات ” . وفعلاً فإن ” ميجر ” قام بتصحيح نفسه عندما ذكر ” الغرب ” وكأنه أصبح إصطلاح ينتمي إلى ” ميراث الماضي المطمور ” وإن إصطلاح ” المجوعة أو الجماعة العالمية (الدولية) ” هو الإصطلاح المناسب والمنسجم مع ” النبض السياسي والحضاري للنظام العالمي ” الذي تكون جديداً وخلف وراءه  التراث السياسي والحضاري للغرب دون رجعة .

  يقول رئيس الوزراء السابق ” جون ميجر ” وإعتماداً على رواية البروفسور هنتنجتون ، ” إن قادة الغرب يزعمون بأنهم غالباً ما يتصرفون نيابة عن الجماعة الدولية ، ولكن زلة اللسان أو هفوة حدثت خلال حرب الخليج (ومن زاوية علم النفس الفرويدي وهو غربي لحماً ودماً وتفكيراً إن زلة اللسان والهفوة هي كل الحقيقة قبل أن تتدثر بغطاء من الزيف والكذب) . ففي مقابلة مع جريدة ” صباح الخير أمريكا ” ، وفي 21 ديسمبر 1990 قال رئيس الوزراء البريطاني السابق ” جون ميجر ” وهو يشير إلى أفعال الغرب التي إتخذتها يومذاك ضد الرئيس العراقي صدام حسين ، وبسرعة سحرية ينتبه ” ميجر ” من صحوته ، ويقوم بتصحيح هفوته ، ويشير بدلاً من الغرب إلى الإصطلاح السياسي المعتم الجديد ، وهو ” الجماعة أو المجموعة الدولية ” . ومن ثم يُعلق البروفسور هنتنجتون على ذلك المشهد ، فيقول ” لقد كان جون ميجر ، على أية حال ، على صح عندما أخطأ ” [95] . وهناك تفاصيل على هذا المحور ونكتفي بهذه الأمثلة في كيف إن الغرب واجه العالم وبلغة هنتنجتون ” البقية ” [96] .        

ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟

  يبدو لنا إن عنوان هذا المحور ومن ثم مضمونه يتعارض من الزاوية الميثدلوجية مع عنوان ومضمون محور سابق عالجه البروفسور هنتنجتون بقلمه ، وهو محور كان بعنوان ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” . وهذا الحال ما كنا نتمناه للبروفسور وهو الأكاديمي المتمرس أن ينتهي إليه في فهم ” مسيرة الحضارات ومناطق إختناقاتها ” . ولعل هذا الحال فيه حق كثير ، يحملنا على القول ” إن السبب هو بسيط ، وهو إن قلم هنتنجتون في معالجة الموضوع كان بيراع رجل السياسة ، الذي لم يكن مؤهلاً أكاديمياً من الصعود إلى الطوابق العالية لمبحثي ” فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة ” وهما المبحثين العتيدين في ” دراسة قضايا الحضارات ” . ومن المعلوم لقارئ هذا البحث ، إن عنوان مقال وكتاب هنتنجتون هو ” تصادم الحضارات ” والمضمون فيه معالجة طاغية لصراع الحضارات . والذي كان مقبولاً إلى حد ما في المحور السابق .

  غير إن عنوان المحور الحالي يتضمن معنى أساس متخفي وهو ” تعاون الحضارات ” أو ” تقارب الحضارات ” والذي سيكون المقياس المخرمي لمعرفة ” الحضارات المتعاونة أو المتقاربة ” وبالمقابل تشخيص ” الحضارات المفككة ” و ” الحضارات المتوارية ” والتي إنتهت أقطارها إلى ” حالة من التمزق والتشرذم ” بعد إن غادرت بقصد أو بإجبار حالة ” المشاركة الحضارية أو التجمع الحضاري ” .

  ولنعود إلى النص الهنتنجتوني (نسبة إلى البروفسور هنتنجتون) وذلك من أجل البحث عن جواب وماصدق ودلالة على سؤاله ” ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟ ” [97] . إستهل هنتنجتون حديثه عن الأقطار الممزقة ، بالكلام عن ” المستقبل ” وهذا الكلام يدخل في باب ” الذي يأتي ولا يأتي ” [98] وفقاً لعنوان الشاعر العراقي الكبير ” عبد الوهاب البياتي ” (1926 – 1999) ، وهو باب يعمل ويشتغل فيه الخيال الإنساني أكثر مما يعمل فيه عالم السياسة الذي يتعامل مع الواقع ويحلل مايجري ويُحاكمه ومن ثم يُقيمه . وفي أضعف الإيمان هو مضمار يـتأمل فيه فيلسوف التاريخ والحضارة . وفي كلا الحالين غابت شخصية البروفسور هنتنجتون وهو يبحث عن إجابة من الناحية الميثدولوجية لسؤاله (ما هي ماهية الأقطار الممزقة ؟) لقد قلنا قبل قليل إن هنتنجتون إستهل جوابه بالحديث عن ” المسقبل ” وهو باب ” الخيال والأحلام ” ، يقول هنتنجتون ” في المستقبل ستُميزُ الشعوب نفسها بالحضارة ، وإن الأقطار التي تتكون من عدد من الشعوب ذات الحضارات المختلفة من مثل الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا ، فهي مُرشحة ” للإنقسام والتشرذم ” [99] .

 ومن ثم يُجادل هنتنجتون ، فيذهب إلى إن ” بعض من البلدان إمتلكت بدرجات ما بعض التجانس الحضاري ” . غير إنها منقسمة حول قضية إن ” مجتمعاتهم تنتمي مرة إلى واحدة من الحضارات ، ومرة إنها تنتمي إلى حضارة أخرى ” . وهذا الأمر ” مزق هذه البلدان ” ، إلا إن ” قادتهم مارسوا ضغوطاً ستراتيجية حقيقية وعملوا من بلدانهم أعضاء من مجموعة الدول الغربية ” . وبالمقابل إن ” تاريخ وحضارة وتقاليد وإرث بلدانهم ، تدلل بصورة واضحة على إنها ليست ببلدان غربية ” . ومن الأمثلة الإنموذجية على البلدان الممزقة هي تركيا [100] .

  ومن النافع الإشارة هنا إلى إنه ” في نهاية القرن العشرين تابع القادة الأتراك التقليد الأتاتوركي [101] ، وعرفوا تركيا بأنها دولة غربية حديثة ، وإنها دولة علمانية ، وشعبها شعب غربي . كما إن تركيا تحالفت مع الغرب من خلال حلف النتو في حرب الخليج . إضافة إلى إنهم تقدموا بطلب الإنضمام عضوا في المجموعة الغربية (الأوربية) ” . وفي الوقت ذاته فإن ” هناك جزء من المجتمع التركي ساند الخصم المسلم ، وهذا الجزء جادل بأن تركيا هي مجتمع إسلامي شرق أوسطي ” . في حين إن ” النُخب التركية تُعرف تركيا بأنها مجتمعاً غربياً . إلا إن النُخب الغربية ترفض قبول تركيا كما هي ” . وعلى هذا الأساس فإن ” تركيا سوف لن تكون عضواً في الجماعة الأوربية ” والسبب الحقيقي كما قال الرئيس التركي أوزال ” إننا مسلمون ، وهم مسيحيون وإن لم يقولوها ” وإنا ” رفضنا مكة (منا : أي رفضنا الإنتماء إلى الإسلام) ، فإن بروكسل (عاصمة بلجيكا والإتحاد الأوربي) سترفضنا (منا : أن نننتمي إلى الغرب) ، إذن ماذا تتطلع إليه تركيا ؟ [102] .

  ويشترط هنتنجتون في إعادة تعريف ” الهوية الحضارية للبلدان الممزقة ” أن تتوافر فيها ثلاثة من المؤهلات ، وهي :

أولاً – أن تكون نُخبها السياسية والإقتصادية على العموم متحمسة ، بل وتساعد على أن تسير الحركة بهذا الإتجاه .

ثانياً – أن يكون جمهورها صاحب إرادة على قبول إعادة التعريف .

ثالثاً – أن تمتلك الجماعات المهيمنة والمستلمة للحضارة ، الإرادة على تبني هذا التحول .

  ومن الملاحظ إنه في ” البلدان الممزقة ” إن الجزء الأكبر من هذه المؤهلات الثلاثة كانت متوافرة مثلاً على ذلك بلد مثل المكسيك . أما الجزء الأكبر من المؤهلات الأولى والثانية فكانت متوافرة لتركيا . وبالمقابل فليس هناك وضوح كاف في أن هذه المؤهلات متوافرة لروسيا لتكييفها ولنقل تطبيعها لتلتحق بركب الغرب . فمثلاً هناك صراع بين ” الديمقراطية الليبرالية ” و ” الماركسية – اللينينية ” رغم إنهما يشتركان في الإهداف النهائية في ” الحرية والمساواة والإزدهار ” . ولكن (منا : واللعنة على لكن) إن ” روسيا التقليدية ، الإستبدادية (الدكتاتورية) والقومية ، ربما تكون لها أهداف مختلفة تماماً ” [103] .   

   وبعد هذا العرض نحسب البروفسور هنتنجتون وقع في ” مطب منهجي وأكاديمي كبير ” وذلك عندما غابت من أنظاره ” حالتين غربيتين ” تتناغمان على الأقل (إذا إستثنيا تركيا لأغراض الجدل) مع إيقاع حالتي ” الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا ” ، وهما ” الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا ” . فأمريكا وفقاً لإحصاءات السكان في هذا العام ” كشفت عن نسبة السكان من إصول أسبانية – لاتيننو تُشكل الأكثرية ، وهم بالطبع ينتمون إلى ” حضارة مختلفة ويتكلمون لغة مختلفة ” . كما وإن واقع ألمانيا ليس بأحسن حالاً من الولايات المتحدة ، فإن الأحصاءات الرسمية ” كشفت بتنامي أعداد الألمان من إصول غير ألمانية بصورة ” تهدد الهوية الحضارية الألمانية التقليدية (والحال يشمل فرنسا كذلك) . وهذا يُشكل تحدياً لمفهوم ” الحضارة الجامعة ” .

  ولكل ذلك نحسب إن هنتنجتون كان مُتعجلاً في هذه القضية ولم يُفكر بنتائجها المدمرة على مستوى ” وحدة الدول الأوربية ” و ” وحدة الولايات المتحدة الأمريكية ” . ولو سمح هنتنجتون لنفسه وأخذ وقت من التفكير لتخلى عن هذا العنوان وذلك لأن فيه التوقع الحتمي ” لمصير الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن ثم ألمانيا وكذلك فرنسا …وبالطبع هو ” مستقبل ” معتم إذا ما تخيل هنتنجتون ” الولايات المفككة (أو بإصطلاحه الممزقة) الأمريكية ” و ” ألمانيا المفككة (الممزقه بإصطلاحه) ” و” فرنسا الممزقة ” …

  ونظن إن هذا أمر سيرفضه المهيمنون من الجمهوريين ومن ثم الديمقراطيون الأمريكيون على شؤون السياسة في ” بلاد العم سام ” ، وسيلومون البروفسور هنتنجتون على ترويج مثل الأفكار الخطيرة على الأقل على ” وجود الولايات المتحدة الأمريكية ” وعلى وجود حلفاءها من الألمان والفرنسيين ولو دققنا في هذه الأطروحة الهنتنجتونية لشملت معظم الدول الأوربية ولم ينجو أحد بسلام منها إلا بشرط واحد وواحد فقط ، وهو رفض مفهوم ” تصادم الحضارات ” ومفهوم ” صراع الحضارات ” وإحلال محلهما مفهوم ” تعاون الحضارات ” . وفعلاً فإن القارئ لكتاب هنتنجتون الأخير والمعنون ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” والذي صدر في عام 2004 ، يقف على ” توقعات هنتنجتون لمصير الولايات المتحدة الأمريكية ” . وفي هذا الكتاب ” يُحذر هنتنجتون من موجات المهاجرين اللاتينو ” والذي ” سيؤدي إلى تقسيم الولايات المتحدة الأمريكية إلى شعبين وحضارتين ولغتين [104] .  

  هذا ما قاله البروفسور هنتنجتون صراحة ، ونحسب إنه أمر صمت عنه الكثير ، ونحن متفهمون لأشاراته ومنها إشارته التي ذكرناها سابقاً ، وهو ” إن الغرب هو المسؤول ” عن الصراع العربي – الإسرائيلي . وعلى أساس هذا الهم الهنتنجتوني يمكن ” أن نتوقع في المسقبل غير المنظور إنقسامات عميقة في المجتمع الإسرائيلي ومن ثم تفككه إلى أوصال حسب مفهوم هنتنجتون ، وذلك لأنه يضم يهوداً جاءوا من حضارات متنوعة ” ومنهم من جاء من روسيا ومنهم من جاء من أوربا الشرقية ، ومن ألمانيا ، ومن البلاد العربية ومن أفريقيا ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن كل بقاع العالم . وهذا التجمع الحضاري سيكون حسب إطروحة هنتنجتون مرشحاً بالتفكك والإنقسام والتشرذم ” . وإن ما قاله هنتنجتون عن الولايات المتحدة الأمريكية وإنقسامها إلى شعبين وحضارتين ولغتين ، فإن إسرائيل مرشحة (والتي يُشكل فيها العرب المسلمون والمسيحيون والدروز أكثر من 22 % من السكان) لهذا الحال قبل الولايات المتحدة إذا سلمنا وقبلنا بإطروحة هنتنجتون التي أودعها كتابه المعنون ” من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية ” [105] .

ما طبيعة العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ؟

  نحسب من خلال تجربتنا الأكاديمية التي تمتد أكثر من أربعة عقود من الزمن ، إنه لا يتوافر لدينا أي دليل علمي على ” وجود علاقات تواصل عقيدي بين الكونفوشيوسية والإسلام ” . ورغم هذا الحال سنقبل بصورة أولية فرضية البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” ونذهب معه فيما زعم ما دام هو أكاديمي وحاله حالنا هو البحث عن الحقيقة وليس أقل من الحقيقة حكماً فيصلاً بين الطرفين . وبالمناسبة إن لدينا كتاب أكاديمي رائد في هذا المضمار ، وفيه فصل بعنوان ” القدوة في الحضارة الصينية ” [106] .  وهذا الكتاب فاز بإختيار كلية التربية – جامعة الموصل والذي تم إختياره من مجاميع من المشروعات التي تقدمت بها الأقسام العلمية المختلفة يومذاك . وهذا الكتاب كان بعنوان ” القدوة : دراسة تحليلية في مواصفات الشخصية المثالية ” والذي صدر قبل ما يُقارب الربع قرن من الزمن [107] .

  ولنعود إلى مقال – كتاب هنتنجتون ونرفع السؤال من جديد ؛ ما طبيعة العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ؟ بدأ هنتنجتون هذا المبحث كعادته المثدولوجية بمقدمة عامة ، أشار فيها إلى ” المعوقات ” التي تسدُ الباب أمام ” البلدان غير الغربية ” من الإرتباط والإلتحاق بركب ” الغرب المتنوع ” والذي يضم على الأقل بُلداناً من  ” أمريكا اللاتينية ” و ” أوربا الشرقية ” . وفي كلتاهما فإن هذه البلدان تتمتع ” بمكانة كبيرة ” وبالتحديد في ” البلدان الأرثوذكسية في الإتحاد السوفيتي السابق ” . وإن هذه ” البلدان لا تزال لها مكانة كبيرة في المجتمعات الإسلامية والكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية [108] .

   ونحسبُ إن هذه القضية التي أثارها هنتنجتون تحتاج إلى تدقيق أكاديمي ودراسة تفصيلية وذلك لأنه قفز من شاطئ إلى شاطئ ، وإن من الصعوبة بهذا الكلام المكثف العام ” تجسير الهوة ” بين ” شاطئ البلدان الأرثوذكسية ” و ” شواطئ حضارية متنوعة تضم مجتمعات إسلامية ، وكونفوشيوسية وهندوسية وبوذية ” . وإذا قبلنا من الزاوية الميثدولوجية وضع ” البلدان الأرثوذكسية ” في سلة منفردة . فإنه من الصعوبة مثدولوجياً قبول شد ” مجتمعات وعقائد متنوعة وفيها إختلافات تصل إلى كسر العظم العقيدي في سلة واحدة ” .

  ومن المعلوم إن اليابان بوذية وبوذيتها هوية حضارية وهي كتلة ثقافية متفردة . وهنا عاد إليها هنتنجتون بمنهج ” غير حضاري ” بل منهج ” سياسي – أقتصادي (وهو منهج حسب رؤية هنتنجتون أصبح عاطل وجزء من ذمة التاريخ) ليقطع جذورها البوذية الضاربة في قواعد حضارتها إلى أوصال ، ويقفز بها لتكون ” شريكاً ” للغرب . فحسب رؤيته إن ” اليابان أسست لها مكانة متفردة ” فكانت ” عضواً مشاركاً مع الغرب ” [109]. والسؤال المشروع أكاديمياً ؛ كيف تخلت اليابان عن هويته البوذية الخاصة والتي تُشكل البعد الحضاري العميق للهوية اليابانية ؟ سؤال لا جواب له إلا بالإشارة إلى إن خطاب هنتنجتون ليس خطاباً وتحليلاً حضارياً ، وإنما هو مجرد خطاب سياسي .

  وهكذا شطب بجرة قلم هنتنجتوني جذورها البوذية الشرقية ، ورفع منها ” عضواً مهيأً لمشروع المشاركة الغربية ” . ونظن إن هنتنجتون بفعل التجريد للخصوصية الحضارية التي تتمتع بها اليابان وبالطبع شطب ” الهوية البوذية ” يكون قد شطب بيده عنوان مقاله وكتابه ” تصادم الحضارات ” . وإنه لا شعورياً يتحدث عن عنوان جديد هو ” تعاون الحضارات ” وعلى الأقل بين ” الحضارة اليابانية المتسورة بالعقيدي البوذي ” و” الحضارة الناهضة على مسيحية غربية ” . فهل من الممكن شد هذين الحضارتين المختلفتين برباط واحد ، والتوفيق بين العقيدتين البوذية والمسيحية الغربية في مذبح واحد . إنها ” تلفيق لا منطقي على الإطلاق ” وفيها إشكالية فلسفية ومثدولوجية وعقيدية معقدة لا يقبلها ” الياباني البوذي ” ولا ” الأوربي صاحب العقيدة المسيحية الغربية ” [110] .

  ويبدو لنا إن هذا التلفيق اللامنطقي وهذا الإشكال الفلسفي الميثدولوجي والعقيدي المعقد ، لا يقبله ” المسلم ” ولا ” الكونفوشيوسي ” . وهذ ما سنحاول معالجته في هذا الطرف من البحث وبالطبع خلال الحوار مع البروفسور هنتنجتون . ونحسب إنه من المفيد أن نشير إلى إن العلاقة الوحيدة التي نتصورها ، هي ” علاقة سياسية إقتصادية بين الصين (وربما بحدود جيوسياسية بحيث تتسع لبلدان يمكن ضمها تحت مظلة الكونفوشيوسية) والبلدان الإسلامية ” وبالتحديد في مضمار ” توريد السلاح التقليدي وتطوير السلاح غير التقليدي ” وفي إطار التعاون الكونفوشيوسي – الإسلامي محور إتحاد جيوسياسي وحسب . وفي هذا الباب يمكن فهم ما أسماه هنتنجتون ” بالعلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية ” .

  وربما هنا مسكنا طرفاً من ” ضميمة بروفسور العلوم السياسية الأمريكي صامويل هنتنجتون ، وهو ليس الحديث عن ” تلفيق عقيدي كونفوشيوسي – إسلامي ” بقدر ما هو إصطلاح سياسي أراد به التصنيف لمجموعة دول أو محور مُخاصم للغرب . وهذا هو ” جوهر وكبد الخطاب الأيديولوجي السياسي الهنتنجتوني) . ولنعود إلى مقال هنتنجتون ” تصادم أو صراع الحضارات ” نقدم منه شواهد وأمثلة على مفهوم ” الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي ” الذي تحدث عنه هنتنجتون وبالصورة الأتية :

أولاً – مهد هنتنجتون للحديث عن الترابط أو العلاقات الكونفوشيوسية – الإسلامية بالكلام عن ” علاقة اليابان بالغرب ” ومنها أقلع لمعالجة الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي . وفي الحديث عن علاقات اليابان بالغرب كشف هنتنجتون عن حقيقة مهمة تخص علاقة اليابان بالغرب وتمتد لتشمل كذلك ” المحور الكونفوشيوسي – الإسلامي ” .

  يقول هنتنجتون ” إن اليابان في بعض الإعتبارات هي مع الغرب ، ولكن اليابان بصورة واضحة ليست مع الغرب في مستوايات بالغة الأهمية ” . ولهذا السبب ” الحضاري وتوازن القوى ” فإن هذه البلدان ” لا ترغب ، بل ولا تستطيع أن تدخل في تنافس مع الغرب (وهي تتطلع) إلى تطوير إقتصاديات ، وقدرة سياسية وعسكرية لوجودها ” . وإنهم يسلكون هذا الطريق ” من أجل تعزيز تطورهم الداخلي ، وعن طريق التعاون مع بلدان غير غربية ” ومن النماذج المشهورة في مثل هذا التعاون ، هو ” الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي ” والذي إنبثق حسب رأي هنتنجتون ” لتحدي سلطة وقيم ومصالح الغرب [111] .

  وهذا الترابط الكونفوشيوسي – الإسلامي حسب فرضية هنتنجتون يضم ” مجموعة الدول الكونفوشيوسية التي تتمحور مع الصين وربما تشمل بحدود ودرجات ما الهند ” (وربما تتطلع في بعض الحلات إلى التحالف مع اليابان البوذية) و ” مجموعة الدول الإسلامية وبالتحديد إيران والعراق والباكستان وليبيا والجزائر … ” . ولعل التحدي الذي يواجه تصنيف هنتنجتون ، هو إن أبوابه الحديدية مغلقة تماماً أمام دول إسلامية حليفة للغرب من مثل ” الكويت وقطر والإمارات العربية ومملكة البحرين والمملكتين العربية السعودية والأردن إضافة إلى المملكة المغربية. إن كل هذه المجموع الإسلامي العربي يقع خارج حدود ” الترابط الكونفوشيوسي الإسلامي ” هذا من طرف .

  ونحسب من طرف ثان إن هذا التصنيف ، جاء تصنيفاً سياسياً على الأقل  ” من وجهة نظر الخصم المعادي ” وليس تصنيف ” حضاري ” قائم على ” خصائص التقارب الحضاري الذي فيه روح تعبير عن مقاربة حضارية تعكس القواسم المشتركة ما بين ” جوهر ولب الحضارتين الكونفوشيوسية والإسلامية ” . ولهذا نلحظ في هذه المحطة من تفكير البروفسور هنتنجتون تراجع إلى الوراء حيث ” الذمة التاريخية” وبالتحديد إلى أجواء ” الحرب الباردة ” التي ودعها هنتنجتون بقلمه وقبل ذلك بتفكيره عندما كتب مقاله – الكتاب وإختار لهما عنوان ” صراع الحضارات ” في المضمون أو كما جاء على غلاف الكتاب ” تصادم الحضارات ” .

  إن خطاب هنتنجتون هذا فتح لنا الباب للحديث عن ” تعاون حضاري ” أوسع مما تحدث عنه هنتنجتون ، وعلاقات أوسع ، هي ” علاقات بوذية – إسلامية ” (وذلك لأن اليابان بوذية وهي حليف متخفي للترابط الكونوفوشيوسي – الإسلامي) إضافة إلى ” علاقات حضارية كونفوشيوسية – إسلامية ” . ونحن نلتزم ” بالطرف الحضاري ” ولا نتخلى عنه مثلما تخلى عنه البروفسور هنتنجتون وعاد إلى ” المحاور الأيديولوجية – السياسية ” التي هجرها عندما خط عنوان مقاله ” تصادم الحضارات ” ومضمونه المهيمن على النص هو ” صراع الحضارات ” . ولهذا نُخالف هنتنجتون ونؤكد على ” التعاون الحضاري ” بين البوذية والإسلام ، وبين الكونفوشيوسية والإسلام وهي أشد وأقوى من ” العلاقات السياسية والإقتصادية والتقنية وأسلحة الدمار الشامل … ” .

ثانياً – ركز الصراع  حسب رأي بروفسور العلوم السياسية على العلاقات بين ” الغرب والدول الكونفوشيوسية – الإسلامية بصورة كبيرة رغم إنه لم يكن شمولياً على الأسلحة النووية والكيميائية والبايولوجية والصواريخ البلاستيكية والوسائل غير التقليدية والأكثر ذكاءً ، والخطط للإنتاج المتقدم والعمليات الإستخبارية والقدرات التكنولوجية في إنجاز الهدف [112].  ومن المعلوم إن الغرب صاغ ” معايير وفرض معاهدات ” لعدم إنتشار مثل هذه الأسلحة ، وإبتكر ” وسائل التفتيش ” عن هذه الأسلحة بهدف ” تحقيق هذه المعايير وإلتزام الدول بهذه المعاهدات ” . كما إن الغرب هدد بفرض ” عقوبات متنوعة على البلدان التي تُعزز وتنشر مثل هذه الأسلحة ” وبالمقابل لوح ” الغرب بتقديم فوائد للبلدان التي توقفت عن مشاريعها في تطوير ونشر مثل هذه الأسلحة ” .

  والواقع إن إهتمام الغرب كان على البلدان والشعوب المعادية أو على الشعوب والبلدان التي ممكن أن تفكر في مضمار ” تحدي الغرب ” . ولاحظ هنتنجتون إن ” الشعوب غير الغربية ” من طرفها أكدت على حقها الطبيعي ” في الحصول ونشر كل أنواع الأسلحة ، التي تعتقد إنها ضرورية لحماية آمنها القومي ” . وفي ظل هذه الأجواء فإن هذه الشعوب كانت ” متفهمة بصورة عالية لإستجابة وزير الدفاع الهندي عندما تساءل : ” ما هو الدرس الذي تعلمه من حرب الخليج ؟ ” فقال بصراحة واقعية ” لا تُقاتل الولايات المتحدة الأمريكية إذا لم تمتلك أسلحة نووية [113] .

ثالثاً – يتصور البروفسور هنتنجتون إن الترابط والإتصال العسكري الكونفوشيوسي – الإسلامي أخذ يتنامى ويتطور بحدود فهمنا الذي فيه تعديل للرؤية الهنتنجتونية من ” الإمكان ” إلى ” الفعل ” وحسب تعابير هنتنجتون ” إن هذا الإتصال العسكري الكونفوشيوسي – الإسلامي تحول إلى وجود [114] . وهذا النمط من الإتصال العسكري ” تم تصميمه عن طريق إمتلاك أعضائه للإسلحة وتنكنولوجيا الأسلحة التي تحتاجها في مواجهة القوة العسكرية للغرب ” . وهنا عزز البروفسور هنتنجتون رأيه بتعبير عضو الكونكرس الأمريكي الديمقراطي ” ديف ما ككيوري ” [115] والذي قال ” إنها في صورتها الراهنة إتفاق ودعم متبادل بين المتمردين ، والذي يتم فيه تصريف شؤونهم عن طريق طرفين هم ناشري الأسلحة والمراهنين عليهم [116] . وهي بالطبع ” شكل جديد من التنافس العسكري الذي يحكم علاقة الدول الكونفوشيوسية – الإسلامية والغرب ، وهو جنس عسكري من الطراز القديم ، وفيه يحاول كل طرف تطوير أسلحته من أجل التوازن أو إنجاز فعل تفوق على الطرف الأخر ” . بينما في الشكل الجديد من التنافس العسكري ، فإن واحداً من الأطراف يطور أسلحته ، في حين إن الطرف الأخر لا يطور أسلحته من اجل التوازن ، بل للحد ومنع الأسلحة وتخفيض القدرات العسكرية [117] .

ما هي الآثار المترتبة على الغرب ؟

   كشف البروفسور هنتنجتون عن حدود مقالته ، فأشار إلى إنه ” لم تكن من مهمة هذا المقال ، الجدل بأن الهويات الحضارية ستحل محل جميع هويات الأخرين ” . كما وإنه لم يزعم بأن ” الدول الوطنية سوف تتلاشى من الوجود . وإن كل حضارة ستتحول إلى وحدة (منا : كتلة) سياسية متجانسة ومتفردة ” . وإن ” الجماعات في الحضارة الواحدة سوف لا تتصارع ولا تدخل في عراك ولا تتقاتل مع بعضها البعض ” .

  وإنما هذا البحث إنطلق من ” فرضيات ” تؤكد على إن ” الإختلاف بين الحضارات حقيقي وذات أهمية بالغة ، وإن ” الوعي الحضاري آخذ بالتزايد ، وإن الصراع بين الحضارات سوف يُزيحُ من الطريق الأشكال الأيديولوجية للصراع وغيرها ، والذي كان الشكل العالمي للصراع ”  والذي كان بدوره مهيمناً على ” العلاقات الدولية التي كانت اللعبة التاريخية وبالتأكيد لعبتها مع الحضارة الغربية . ومن طرفها سوف تتزايد بحيث لايكون صراعاً غربياً ، وإنما سيصبح لعبة للحضارات غير الغربية ” . وبالطبع هذه ليست من الموضوعات البسيطة ، ولكن كما يبدو إن ” المؤسسات الإقتصادية والأمنية والسياسية ، هي المؤسسات الأكثر نجاحاً ونمواً في داخل الحضارات بدلاً من أن تكون عبر الحضارات [118] .

  وتنبأ البروفسور هنتنجتون بصورة الصراع القادم ، فذهب إلى إنه سيحدث ” بين الجماعات في الحضارات المختلفة ” وسيكون هو السائد وسيستمر لفترات طويلة ، ويكون ” أكثر عنفاً ” في الصراعات الحادثة بين ” الجماعات في حضارة واحدة ” . كما إن ” الصراعات الأكثر عنفاً ” بين ” الجماعات من حضارات مختلفة ” والذي سيُشكل ” مصدراً خطيراً ” وسيقود إلى ” حروب عالمية ” قادمة [119] .

 ومن ثم يعود ليؤكد على إن المحور الأساس للسياسات العالمية ، هو ” العلاقات بين الغرب والبقية ” . وبالمقابل إن النُخب في بعض البلدان ” غير الغربية الممزقة ” ستحاول العمل على ” جعل بلدانها جزء من الغرب ” إلا إنها في معظم الحالات ستواجه صعوبات كبيرة لإنجاز هذه المهمة . ويبدو إن الصراع المركزي في المستقبل القريب ، سيندلع بين ” الغرب والدول الكونفوشيوسية – الإسلامية [120] .

   وهذا لايعني بأية صورة من الصور ، هو الدفاع عن ” الرغبة في الصراع الحضاري ” وإنما هي ” مجموعة إفتراضات وصفية ” من مثل ما هي الصورة التي سيكون عليها المستقبل ؟ وإذا كانت هذه فرضيات معقولة (أو صادقة بحدود ما) ، فمن الضروري ” التأمل في تطبيقاتها على السياسات الغربية ” . وهذه التطبيقات يمكن تقسيمها إلى قسمين ؛ ” المنافع قصيرة الآمد ، وتكييفات طويلة الأمد ” . ومن طرف المنافع القصيرة الآمد ، فهي بالتأكيد تعمل ” لصالح الغرب الذي يتطلع إلى تعزيز تعاون واسع ” ، وتوحيد لأطراف من العالم تحت ” إطار الحضارة الغربية ” وبصورة خاصة بين ” البلدان الأوربية وبلدان أمريكا الشمالية ” . ومن ثم العمل على إندماج ” مجتمعات أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية ” والتي تكون ” حضاراتها قريبة إلى الغرب ” .

   وكذلك العمل على المحافظة وتعزيز ” علاقات التعاون مع روسيا واليابان ” . إضافة إلى العمل الجاد على منع تصاعد ” الصراعات الداخلية – المحلية ” والحد منها ووقف ” تحولها إلى حروب حضارية داخلية كبيرة ” . وفي الوقت ذاته الحد من ” توسع القوة العسكرية للدول الكونفوشيوسية – الإسلامية ” . ومقابل ذلك العمل الجاد على ” تحديث القُدرات العسكرية الغربية ، والمحافظة على التفوق العسكري في الشرق وجنوب غرب أسيا ” ، و إستثمار كل الإختلافات وجميع أشكال الصراعات بين ” الدول الكونفوشيوسية – الإسلامية ” .

   ومن ثم ينتهي هنتنجتون إلى التأكيد على المرامي الغربية التي لا يستطيع أن يتخلى عنها البروفسور هنتنجتون عالم السياسة الغربي والعامل في ” مختبرات التنظير السياسي الغربية ” . وهكذا وصلت الرحلة الهنتنجتونية إلى شواطئها النهائية التي ليس فيها ” أمل للحضارات اللاغربية ” من التعايش والإستمرار في الحياة مع ” الحضارة الغربية الحديثة ” وحسب رأي هنتنجتون إن الحضارة الغربية ، هي ” الحضارة الوحيدة الحديثة ” وإن الحداثة الحضارية هي غربية . وعلى هذا الأساس إن الحضارات اللاغربية سائرة إلى نهايتها حيث ” الذمة التاريخية ” .  

   هذا هو قدر الحضارات اللاغربية في رؤية البروفسور هنتنجتون . ولكننا وجدنا إن هناك نوعاً من الأمل لجماعات من الحضارات الأخرى (أي اللاغربية) في مشروع ” تصادم الحضارات ” ، آملُ فيه تجاوز لشواطئ ” الذمة التاريخية ” والموت الحضاري الهنتنجتوني . إلا إن هذا الأمل الهنتنجتوني والأصح الغربي مشروط  ، حيث يتحقق بمساعدة غربية ومشروع تعاون غربي ” للجماعات من الحضارات الأخرى والمتعاطفة مع المصالح والقيم الغربية ” هذا من طرف ومن طرف ثان هذا يتحقق من خلال مسار سياسي ناهض على ” تقوية المؤسسات الدولية التي تعكس المشروعية الغربية والمصالح والقيم الغربية ” و تشجيع إنضمام ” الدول اللاغربية في هذه المؤسسات الدولية [121] .

  كما وإن هنتنجتون يختتم مقاله – الكتاب لا بمسك الختام الحضاري ، وإنما بخطاب أيديولوجي – سياسي ، حيث يعلن فيه صراحة إلى إنه ” لم يعد هناك مكاناً بعد اليوم للحديث عن معايير أخرى ” والسبب برأيه إن الحضارة الغربية قد سدت كل الأبواب على الحضارات الأخرى ، وتحولت إلى ” حضارة غربية حديثة ” . ويحسبُ إن جميع الحضارات اللاغربية حاولت أن تصبح ” حديثة ولكن دون أن تصبح غربية ” . ولعل الحضارة اللاغربية الوحيدة التي نجحت تماماً في مطلبها ، هي ” اليابان ” . وهذا مجرد لعبة سياسية فارغة من أي أساس حضاري ، حيث البوذية اليابانية ضاربة بجذورها في الأعماق وعصية الإدراك على رجل السياسة الغربي .

  ويتوقع عالم السياسة والمتخصص في أيديولوجياتها المعاصرة هنتنجتون (وبالطبع ليس الحارث في أخاديد الحضارات وفلسفاتها في التاريخ والحضارة) بأن ” الحضارات اللاغربية ” ستستمر في مثابرتها للحصول على المزيد من ” الثروات والتكنولوجيا والمهارات والعُدد الميكانيكية والأسلحة ” وهذا برأيه هو الطرف الوحيد من ” وجودها الحديث ” . كما إنها ستحاول من طرف آخر على ” التصالح ” مع هذا الشكل من ” الحداثة الحضارية ” و ” حضارتها وقيمها التقليدية ” . ومن المعلوم للجميع بأن القوة العسكرية والإقتصادية لدول الحضارات اللاغربية ستكون ” محدودة نسبياً ” إلى قوة الغرب المتزايدة . وعلى هذا الأساس فإن الغرب سيحاول على الدوام ” تكييف هذه الحضارات اللاغربية ” والتي أخذت بالتقارب من الغرب ، ولكن ” قيمها ومصالحها ” مختلفة بصورة ملفتة للنظر عن ” قيم ومصالح الغرب [122] .

  ولكل هذا يتكهن هنتنجتون ، ويقترح على الغرب أن يُحافظ على الدوام ” على قوته الإقتصادية والعسكرية الضرورية لحماية مصالحه في علاقاتها مع هذه الحضارات ” . كما وإن هذا الحال يشترط على الغرب ، تطوير ” فهم معمق ” للأسس ” الدينية والفلسفية ” التي تعمل في مضمار هذه الحضارات . إضافة إلى فهم الطرق التي تستخدمها شعوب هذه الحضارات وهي تنظر إلى مصالحهم . وفوق كل ذلك يتطلب معرفة ” العناصر المشتركة ” في لب الحضارة الغربية والحضارات اللاغربية . وقبل أن يتوقف قلم البروفسور هنتنجتون من الكتابة باغتنا بتوقع جديد مفاده ؛ إنه ” في المستقبل القادم سوف لا تكون هناك حضارة كونية ” . ولكن بدلاً من ذلك ستكون ” حضارات عالمية مختلفة ” كل واحدة منها ستتعلم كيف ” تتعايش ” مع الحضارات الأخرى [123] . وبالطبع ليس على أسس حضارية مشتركة بين حضارات العالم ، وإنما على أسس أيديولوجية وسياسية فيها إعتراف بهيمنة الغرب على مُقدرات العالم ، وتفوقه الحضاري على حضارات العالم الأخرى التي فقدت سمة المعاصرة ، التي هي السمة الوحيدة التي تتميز بها حضارة الغرب [124].

  ونحسبُ إن هذا النص الهنتنجتوني هو ” نصيحة وإستشارة للحكومات الغربية ” تقدم بها بروفسور العلوم السياسية صامويل هننجتون ، وهي مع الآسف فعل إغتيال لأمكانيات ظهرت هنا وهناك في مثابرته الحضارية ” تصادم الحضارات ” والتي سبق أن أعلن فيها عن شطب التفسير الأيديولوجي والسياسي اللذان ينتميان إلى الحرب الباردة والتي غادرها العالم دون رجعة ومن ثم دخلت الذمة التاريخية . إلا إنه مع الأسف (مرة أخرى) عطل التفسير الحضاري في النهاية ، وشغل التفسير الأيديولوجي السياسي ، وهكذا إنكفأت هذه المثابرة الحضارية على وجهها وعانقت ” المضامين اللا حضارية ” التي ظلت نسغاً أيديولوجياً يعمل في واجهة وهوامش ” تصادم الحضارات ” . ونشعر بالخيبة الأكاديمية على هذا المشروع ” الذكي الممتاز ” وذلك لتعثره الأيديولوجي ومن ثم توقفه عند عتبات ” فلسفة التاريخ ” و ” فلسفة الحضارة ” ولم يتقدم إنملة واحدة إلى الأمام حيث المذبح المقدس الذي يؤدي إلى ” تعايش الحضارات ” و ” تعاون الحضارات ” و ” تفاهم الحضارات ” و ” تقارب الحضارات ” و ” إتصال الحضارات ” …

هنتنجتون وتصادم الحضارات ومواقف النقاد

   تعرض البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” وبالتحديد في كتابه ” تصادم الحضارات ” إلى موجة عريضة من النقد الأكاديمي . ونحاول هنا أن نمسها بلطف وتعريف وكشوف . ولعل البداية الإشارة إلى إن مقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” والمعنون ” تصادم الحضارات ” أحدث مناقشة واسعة بين الأكاديميين وغير الأكاديميين [125] وبالتحديد منذ صدوره في مجلة ” قضايا أجنبية ” في عام 1993 . ومن ثم تصاعدت حرارة الجدل حوله بين الأكاديميين المتخصصين في ” العلاقات الدولية ” وصدرت عنهم ردود فعل متنوعة ومتباينة . والحقيقة إن أطراف من هذه المناقشات ضمها الكتاب الذي حمل عنوان ” تصادم الحضارات : وإعادة بناء العالم الجديد [126] وهو صورة موسعة للمقال السابق .

  ولكن من الصحيح جداً القول إن المقال في تصنيفه الأكاديمي العام ، هو ليس بحث في ” فلسفة التاريخ ” أو في ” فلسفة الحضارة ” كما يوحي العنوان الذي يُذكرنا بكتب وإطروحات شهيرة تداولناها قراءةً وتعليماً وبحثاً وكتابةً ، والتي تصعد إلى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين وصعوداً وبالتحديد مع كتاب فيلسوف التاريخ والحضارة الألماني ” إسوالد إشبنجلر ” (1880 – 1936) والمعنون ” إفول الغرب ” أو ” تدهور الحضارة الغربية ” [127] والذي يُعد وليداً شقيقاٌ لكتاب فيلسوف التاريخ والحضارة ” هرمان دي كيسرلنج ” (1880 – 1946) والمعنون ” موزائيك أوربا ” وهو الأخر إشتغل على قدر الحضارات [128] .  

   وكذلك فإن مقال هنتنجتون المعنون ” تصادم الحضارات ” والمضمون ” صراع الحضارات يُذكرنا بموسوعة فيلسوف التاريخ ” أرنولد توينبي ” ” دراسة التاريخ ” وبالتخصيص المجلد الرابع والمعنون ” إنهيار الحضارات ” [129] والمجلدان الخامس والسادس واللذان يحملان عنواناً مشتركاَ وهو  ” إنحلال الحضارات ” [130] إضافة إلى كتاب الفيلسوف الوجودي الإنكليزي ” كولن ويلسون ” والمعنون ” سقوط الحضارة ” [131] .

  كما إن تاريخ الحضارتين اليونانية والإسلامية يقدم لنا شواهد تُدلل على فكرة ” الإتصال والتواصل الحضاري ” فمثلاً ” إنسياح قوات الإسكندر المقدوني حتى وصلت إلى الهند ” قد حملت معها ” الحضارة اليونانية ووطنتها في العراق نظاماً سياسياً إدارياً (خلال الفترة السلوقية) أولاً في بابل ومن ثم في سلوقيا دجلة وإيران وشمال الهند والتي إمتدت بحدود أقل من ثلاثة قرون وبالتحديد من عام 312 ق.م وحتى عام 63 ق.م [132] . والشاهد الثاني هو إن إنسياح الإسلام إلى أسبانيا والبرتغال وأجزاء من فرنسا وحتى صقلية إيطاليا ، والذي سجل حضوراً للعرب والمسلمين منذ عام 711م وحتى 1492م ، ومن ثم إستمر حضورهم في أسبانيا رغم إجبارهم على التحول إلى العقيدي المسيحي وحتى عام 1727 حيث تم محاكمة المسلمين ” في محاكم التفتيش ” بعد إكتشافهم يتعبدون ويمارسون الطقوس الإسلامية سراً  [133] .   غير إن مقال ” هنتنجتون ” لا يُصنف في قائمة هذه الكتب التي يتتوج بها تاريخ فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة في القرن العشرين . وإنما هو مقال في العلوم السياسية ، وفيه ” وصف جيوسياسي لما بعد الحرب الباردة ” هذا من طرف . ومن طرف آخر إن هذا المقال الذي كتبه الأستاذ جاء إستجابة بل ورد فعل ثقافي على كتاب إطروحة التلميذ البروفسور ” فرنسيس فيكوياما ” والمعنونة ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [134] .

  ومعلوم إن البروفسور هنتنجتون قام بتوسيع هذا المقال ” تصادم الحضارات ” إلى شكل كتاب ، وصدر عام 1996 وبعنوان فيه إضافة بحدود ما وبالصورة الأتية ” تصادم الحضارات : إعادة تشكيل النظام العالمي ” . والحقيقة إن هذا الكتاب – المقال في أصله بين بشكل مخالف للإطروحات السابقة والمتداولة في الأدب السياسي ، وذهب إلى إن الصراع والعنف الحادثان ، سببهما ” حضاري ” وليس ” الإختلافات الأيديولوجية ” . وبينما كانت الحرب الباردة ، حرب بين ” الغرب الرأسمالي ” و ” الشرق الشيوعي ” فإن اليوم لم يكن الصراع حادثاً ” لأسباب أيدولوجية ” وإنما حادث بين ” حضارات كبرى ” وفي الإمكان حصرها ” في سبع حضارات ” ، وهناك إحتمال أن تكون ” ثمان حضارات ” وهي :

1 – الحضارة الغربية     2 – الحضارة الأمريكية اللاتينية     3 – الحضارة الإسلامية

4 – الحضارة الصينية (وفي نص ” تصادم الحضارات تداول هنتنجتون الكونفوشيوسية)      5 – حضارة الهند (وكما وردت حضارة الهندو)

6 – الحضارة الأرثوذوكسية    7 – الحضارة اليابانية (منا أو البوذية)

8 – الحضارة الأفريقية

  وحسب فهم هنتنجتون إن هذه التكوينات أو الأشكال الحضارية تُولدُ تعارضاً بين ” العالم المعاصر ” و ” الشعوب التقليدية ” و ” الدول ذات السيادات ” . ولفهم ” الصراعات في الحاضر والمستقبل ” وما يرافقها من ” تصدعات حضارية ” يجب أن يُفهم ” في ضوء الحضارة ” وليس في ” إطار الدولة ” . وعلى هذا الأساس يتطلب قبول ” الطرف الحضاري ” سبباً لفهم الحروب . وإن الشعوب الغربية سوف لن ” تستمر في الهيمنة ” إذا ما فشلت في تشخيص طبيعة ” التوترات الحضارية ” . وفعلاً فإن هنتنجتون يجادل ويذهب إلى إنه ما بعد الحرب الباردة تم التحول من التركيز على ” البنية والتنظيم الجغرافي ” إلى ” البنية والتنظيم الحضاري ” . وإن هذا الفهم يتطلب من الغرب أن ” يقوي ذاته حضارياً ” [135] .

   فعلاً لقد واجه هنتنجتون موجة من النقد الأكاديمي المتنوع ، والذي صدر من مجموعة من الكتاب ، والذين تحدوا مزاعمه تجريبياً وتاريخياً ومنطقياً وأيديولوجياً . وهنا سنشير إلى بعض منها :

تأمل في بعض الأراء النقدية الغربية

   ألقت أراء النقاد الغربيين الضوء على النقاط الرخوة والضعيفة في الإطروحة التي حملها عنوان ومضمون مقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” . وفي الإمكان حصرها بالشكل الأتي :

المواقف الغربية العامة من مقال تصدام الحضارات  

  يحسبُ بعض النقاد الغربيون إن مقال ” تصادم الحضارات : وإعادة بناء النظام العالمي ” هو محاولة نظرية مشروعة تطلعت إلى وضع الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى منفردة ، وكانت لها اليد الطولى والضاربة في الخطوط الأولية للعدوانية الغربية وبالتحديد على كل من ” الصين ” و” العالم الإسلامي ” و ” الحضارات الأرثوذوكسية ” . بينما جادل عدد أخر من النقاد ، وذهبوا إلى إن ” مشروع هنتنجتون في ” تصنيف الحضارات ومن ثم الدول التي تنتمي إلى هذه الحضارات ” هو مشروع ” مُبسطُ ” فيه ” روح من السيطرة والإنفراد بالعالم ” . وإنه في الوقت ذاته مشروع يتجاهل ” الديناميكا الداخلية ” و ” التوترات بين الدول ” وبالتحديد في مضمار الحضارات وتنوعاتها .

  كما لاحظ نُقاد أخرون من إن هنتنجتون قد تعمد بقصد إلى تجاهل ” الإستقطابات الأيديولوجية ” التي تقوم بها النُخب . إضافة إلى إنه شطب بوعي ” الحاجات الإقتصادية والإجتماعية ” و” الإختلافات السياسية ” التي تُشكل ” الأسباب الحقيقية للصراع ” . وفي الوقت ذاته إستبعد ” الصراعات ” التي لا تتطابق ومقولاته ، وخصوصاً في مضمار ” المناطق الرخوة أو المتصدعة ما بين الحضارات ” . ولفت عدد من النقاد الأنظار إلى مسألة في غاية الأهمية ، وذلك عندما أشاروا إلى إن كل ما قام هنتنجتون ، هو إحلال إصطلاح ” الحضارات ” محل إصطلاح ” الدول [136] وفي هذه العملية سهلت له مهمة الإنتقال إلى المضمار ” الحضاري ” وتخلى إلى الأبد من المضمار ” السياسي والإقتصادي ” الذي فيه صدى للبعبع الماركسي المتخفي . ورغم هذا الحال فإن قلم هنتنجتون لم يتمكن على الدوام من التخفي وراء الحضاري ، بل في مناطق كثيرة من مقاله ومن ثم في كتابه عاد وعانق من جديد الأطراف الأطراف الأيديولوجية والسياسية ومن ثم الإقتصادية .

  وأخيراً إنتبه النقاد إلى الأثر الذي تركه هنتنجتون على السياسات الأمريكية ووجدوا إن هذا الأثر فيه مُقاربة مع ” النظريات الدينية ” التي قال بها المؤرخ البريطاني وفيلسوف التاريخ ” توينبي ” وخصوصاً حول ” القيادات الصينية في بواكير القرن العشرين ” . كما وإن ست من ثمان من الحضارات المعاصرة التي ذكرها هنتنجتون في تصنيفه قد أخذها من توينبي حرفاً ونصاً ، وبالتحديد من كتاب الأخير المعنون ” دراسة التاريخ ” كما سبق إن ذكرنا ذلك سابقاً .

تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات من خلال التعليم المتبادل

  كتب البروفسور ” سيزابارو ساتو ” (1932 – 199) مقالاً بعنوان ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل ” . والبروفسور ساتو هو مدير معهد دراسات السياسات الدولية في جامعة طوكيو . من مؤلفاته ” مصادر مستقبل الصراع العالمي : تحديات الأمن لليابان وأوربا ” 1994 . و” الأساطير الثمانية حول الإصلاح السياسي في اليابان ” 1994 ، و” مستقبل العلاقات الأمريكية اليابانية ” 1988 ، و ” بعض خصائص عملية التحديث في اليابان ” 1983 .

   ولعل المهم في هذا المقال عنوانه الفرعي والذي جاء بالصورة الأتية ” هل أنجز هنتنجتون نظرية القدر ؟ [137]. وتكون البحث برُمته من عدة محاور ، وكل محور منها عالج طرف من أطراف البحث المعنون ” تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل ” . وهذه المحاور جاءت بالشكل الآتي :

1 – صورة نظام العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة

2 – نماذج من الإتصالات ما بين الحضارات الكلاسيكية

3 – الحضارة الكلاسيكية والحضارة الصناعية الحديثة

4 – عالم ما بعد الحرب الباردة

5 – المجابهات بين الحضارات المنضوية

    ونحسبُ إن البحث الحالي بدأ فيما يشبه التمهيد ، وفيه جاءت الإشارة إلى أهم المحاولات في هذا المضمار ، وهما في الحقيقة محاولتان ؛ الأولى محاولة ” فرنسيس فيكوياما ” والمعنونة ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” [138] . والثانية محاولة ” صامويل هنتنجتون ” والمعنونة ” تصادم الحضارات : إعادة بناء النظام العالمي ” [139] . وهما المحاولتان المهمتان من طرف إنهما عرضا موقفين متغايرين في فهم ” الديمقراطية الليبرالية ” أو ” الحضارة الغربية ” بوجه عام .

   ومن طرف فيكوياما فإنه إعتقد إن الديمقراطية الليبرالية تفوقت بنجاح على جميع الأيديولوجيات . وبهذا النجاح رسمت نهاية التاريخ ومن ثم خطت المحطة الأخيرة للمواجهة بين الأيديولوجيات . ويلفت البروفسور ساتو الأنظار إلى أن التعبير الأخير من عنوان كتاب فيكوياما ، وهو ” الإنسان الأخير ” هو العنوان ذاته الذي تداوله الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) والذي كان بدوره من أوائل المفكرين الغربيين الذين فقدوا إيمانهم بمستقبل العصر الحديث الغربي [140].

  ومن الصحيح القول بأن ” نيتشه ” إمتلك رؤية خاصة لمفهوم الديمقراطية الليبرالية ، والتي بدورها كانت الوليد الشرعي من ” رحم الحضارة الغربية ” . ومن ثم تحول مفهوم الديمقراطية الليبرالية إلى ” مفهوم كوني مقبول ” ، واليوم حسب ما يرى ” فيكوياما ” إن العالم أخذ ” يتحرك بصورة أساسية نحو إعتناق هذا المفهوم للديمقراطية ” [141] .

  أما من طرف ” صماويل هنتنجتون ” فإن الصورة مختلفة تماماً حسب رؤية البروفسور ” ساتو ” ، والذي يعتقد إن هنتنجتون جادل وذهب إلى ” إنه ليس من الخطأ وحسب ، بل ومن الغطرسة والخطورة التفكير بأن الحضارة الغربية إمتلكت طبيعتها العالمية ” . كما إن كتابه المعنون ” تصادم الحضارات ” (منا : نشرة 1996 وهو توسيع لمقال 1993) تكون من ” أكثر من 300 صفحة في النص فقط (منا : هناك مناقشات وتعليقات تم ضمها إلى النشرة) ” [142] .

  وفي تقويم البروفسور الياباني ” ساتو ” لكتاب هنتنجتون ” تصادام الحضارات ” فقد ذهب إلى أنه ” كتاب يعوزه التناسق والإنسجام ، خصوصاً من طرف تحليلات هنتنجتون ، والتي جعلت من الكتاب من زاوية القارئ ، مملوء بصعوبات جمة بحيث سدت الطريق في متابعة مسار الأفكار ، وكان من الأفضل أن يقوم بتركيز البحث ويتجنب الإطناب وذلك لتحقيق التتابع ” [143] .

   ويحسبُ البروفسور ” ساتو ” إن هنتنجتون قسم الحضارات الكبرى المعاصرة إلى ” ستة حضارات محورية ” (منا : في نص مقال هنتنجتون ثمانية وليست ستة ، كما وإن البروفسور ” ساتو ” لم يلتفت إلى مصادر هنتنجتون ، وهو كتاب فيلسوف التاريخ البريطاني ” توينبي ” المعنون ” دراسة التاريخ ” والذي إستمد منه الحضارات الست المعاصرة ومن ثم إضاف إثنين من الحضارات الممكنة وهذا الأمر أشرنا إليها في أطراف سابقة من هذا البحث)، وهذه الحضارات هي ” الحضارة الغربية التي نهضت على الكاثوليكية والبروتستانتية (وتضم أوربا الغربية وأمريكيا الشمالية) والحضارة التي قامت على قواعد الكنيسة الأرثوذوكسية (وتشمل روسيا وأوربا الشرقية) والحضارة الإسلامية ، والحضارة الهندوسية ، والحضارة الصينية والحضارة اليابانية . بينما أمريكا الجنوبية وشبه الصحراء الأفريقية ، فهي موجودة ومرشحة أن تكون حضارات . وهناك إحتمال إن تكون حضارات متميزة بذاتها ” [144] .

  ونتوقع إن القارئ الأكاديمي سيتأمل في نصوص كل من البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” والبروفسور ” ساتو ” . وسيدرك بأن هذا التقسيم للحضارات تم على أساس ديني عقيدي في حين فات الأثنين الإشارة إلى إن المفهوم الحضاري أوسع من العقيدي الديني هذا طرف . وإن الحضارات مهما كانت أسسها العقيدية الدينية ، فإنها تمكنت من تكوين أفق علماني شمولي ، ضم الجماعات الدينية التي تنتمي إلى طوائف ملونة في داخل العقيدة الواحدة وهذا ما أشار إليه كل من صاحب المصدر هنتنجتون والمستفيد بروفسور ساتو في التمثيل على تقسيم الحضارات ، مثلاً الكاثوليكية والبروتستانتية . ومن المعلوم إن الخلافات العقيدية بينهما تصل إلى كسر العظم العقيدي ومن ثم تتصاعد إلى درجات التكفير والإتهام بالمروق والخروج من دائرة الإيمان المسيحي وضياع فرصة الخلود في جنة المسيح .

   كما إن في هذا التقسيم خروج على قواعد تقسيم الحضارات على أسس دينية عند تصنيف كل من حضارات الهند ، والصين واليابان ، فهناك طرف ديني عقيدي وضعه البروفسور هنتنجتون على هامش الباحث ، وهو إن هذه الحضارات الثلاثة الكبرى يجمعها في أطراف مهمة موحد عقيدي ديني وهي الكونفوشيوسية (رغم إن هنتجتون أشار إلى الصين وإستبعده من اليابان ومن الهند بدرجات أقل وبلدان شرق – أسيوية تكون كتلة ثقافية كونفوشيوسية ذات وزن ثقيل) .

      ومن الملاحظ كذلك إن كلا الباحثين ؛ الأصل هنتنجتون والمستفيد في كتابة مقاله البروفسور الياباني ساتو قد أغفلا حضارة قارة كاملة وهي قارة إستراليا من هذا التقسيم الحضاري وهي قضية فيها نظر من التقسيم الحضاري ، كما وتجاهلا الطيف الحضاري في دولة ” جنوب أفريقيا ” التي تصادمت فيها الحضارة الغربية مع الحضارة الأفريقية المنفتحة على الحضارة الهندوسية (يوم حضور مهاتما غاندي وقيادته لحركة التمرد المدني هناك وبعد ذلك حملها معه في عودته للهند ليؤسس حركة عالمية سيجددها في أمريكا القس الدكتور مارتن لوثر كنج سنير ، ومن ثم سيحمل شعلتها في جنوب أفريقيا الراحل نيلسن مندلا وينجزها بنجاح باهر) .

   لقد كشف البروفسور الياباني ” ساتو ” الخطورة في إطروحة البروفسورالأمريكي ” هنتنجتون ” ولذلك ذهب ساتو أولاً مُدققاً في تفاصيل إطروحة هنتنجتون ، ومن ثم ثانياً سيبين الأطراف الخطيرة فيها . ومن طرف التدقيق رأى إن خمسة حضارات من بين الحضارات الستة أو الثمانية التي ذكرها هنتنجتون ، ” تمحورت في إطار دول ، وهي الحضارة الغربية والتي تضم دول الإتحاد الأوربي ودول أمريكا الشمالية . والحضارة الأرثوذكسية والتي تضم روسيا (منا : إلفت نظر القارئ هنا إلى إنه تم شطب من التقسيم الهنتنجتوني للحضارات دول أوربا الشرقية وهي بالطبع أرثوذوكسية حتى النخاع) والحضارة الهندوسية (الهند) والحضارة الصينية (الصين) (ولا أعرف لماذا جردها من عقيدتها الدينية التي إعتمدها في تقسيم الحضارات ، وهي الحضارة الكونفوشيوشية عند توينبي المصدر وعند هنتنجتون المستفيد) والحضارة اليابانية (اليابان) (ولانعرف لماذا جردها من النمط العقيدي اليابانية الخاص للعقيدة البوذية وهو الياباني) ” [145] .

  بينما يعتقد البروفسور ساتو إن هنتنجتون قد جرد الحضارة الإسلامية المعاصرة من إطار الدولة المركزية . وفعل هنتنجتون أمراً مختلفاً فيما يخص دول أمريكا الجنوبية ودول شبه الصحراء الأفريقية (هذه هي إصطلاحات البروفسور ساتو وبدرجات أقل إصطلاحات هنتنجتون) فهي لم تمتلك لحد الأن الشروط الضرورية لتكوين حضارات كبرى هذا طرف من الخطورة في إطروحات هنتنجتون .

  ولكن الطرف الأكثر خطورة حسب البروفسور ” ساتو ” هو إن ” هنتنجتون ” يروج في كتابه ” تصادم الحضارات ” رأياً سياسياً لا علاقة له بإطروحتة الحضارية التي شطبت إلى الأبد الطرفيين الأيديولوجي والإقتصادي ومن المعروف إنهما من تركات فترة الحرب الباردة . إلا إن هذه العودة إلى الإيديولوجيا فيها الكثير من الأسئلة حول درجات الصدق في إطروحة تصادم الحضارات . وبقلم بروفسور العلوم السياسية وليس بروفسور الحضارة ، يقول هنتنجتون برواية البروفسور ” ساتو ” : ” إن الحضارتين الصينية والإسلامية من أخطر التحديات للحضارة الغربية [146] .  

  ومن ثم يستنتج هنتجتون الأطراف الخطيرة القادمة من الحضارتين الصينية والإسلامية  حسب رواية البروفسور الياباني ” ساتو ” ، فيرى إن ” إن الحضارة الصينية ستشكل تهديد كبير للغرب ، خصوصاً بعد إن تحولت الصين على عتبات الدولة ذات القوة العسكرية الضاربة (منا : بل والمارد الإقتصادي العالمي في حين تختنق الولايات المتحدة بالديون الصينية الغير قادرة على تسديدها وإنها قادرة فقط على تسديد الفوائد الباهضة عليها ، هنا حقاً يكمن الخطر القادم في المستقبل الذي يأتي بالتأكيد ، وفي أحشائه صورة نظام عالمي جديد ، وهي صورة الكابوس الذي يتعمد علماء السياسة الأمريكيون من أمثال هنتنجتون أن يديروا ظهورهم عنه ويدثرونهُ بخطاب حضاري ملتبس .. لا ينفع بقدر ماهو في أحسن الأحوال تعتيم للحقيقة القادمة وستدق الأبواب وتعلن عن ولادة نظام عالمي جديد …) بينما الدول الغربية تدخل في صراعات حضارية داخلية … [147] .

  ويستنتج البروفسور ” ساتو ” وبالطبع بالإعتماد على التحليل السابق ، بأن هنتنجتون ” ليس دقيقاً وحسب ، أو إنه على خطأ في إدراكه لبعض الحقائق التاريخية ، وإنما مشكلته إنه يقدم تحليلاً خطيراً جداً ، خصوصاً إذا ما تم الإعتماد عليه كمشروع سياسي ” وبالتحديد بعد ” إنفراد الولايات المتحدة بمقدرات العالم ” فإن الخطورة تكمن إذا ما حاولت ” الولايات المتحدة الأمريكية أن تبث الروح في أفكار هنتنجتون ، وتقبل صورة العالم كما رسمها وتتبناها ، ومن ثم ستعزز سياسات مؤسسة عليها ” فإن ردود الأفعال من بلدان تنتمي إلى عالم حضاري مختلف عن الحضارة الغربية ، ستقوم بفرض وإختبار معايير مختلفة لمواجهة مثل هذا التوجه الأمريكي ، ومن طرفها ستولد ردود أفعال ، وربما ستحول تحليلات هنتنجتون في إطروحة ” تصادم الحضارات ” إلى حقيقة واقعة . وكما يبدو إن أفكار هنتنجتون ” ستترك أثاراً قوية ” وبرأينا مدمرة وواسعة على عموم العالم [148] .                

الموقف النقدي لكل من إيرول هندرسن وريتشارد توكر

  شارك كل من البروفسور ” إيرول هندرسن ” (جامعة مشيغان 1993) والبروفسور ” ريتشارد توكر ” ( جامعة زايد – الإمارات العربية) في بحث بعنوان ” الوضوح وحضور الغرباء : تصادم الحضارات والصراع الدولي ” . بينً الباحثان فيه ، بأن هنتنجتن ذهب في إطروحته ” تصادم الحضارات ” إلى إن ” الدول التي تنتمي إلى حضارات مختلفة ، يبدو إنها على الأغلب تتورط في صراعات مع الدول الأخرى ” [149] . ولإختبار دقة مزاعم هنتنجتون من الزاوية التجريبية الإختبارية ، قام الباحثان بالتدقيق ” في العلاقات بين الدول من أعضاء حضارة معينة ومقارنة ذلك مع دول متداخلة حضارياً وهي في حالة حرب ، وبالتحديد منذ عام 1816 وحتى عام 1992 ” . وتوصل الباحثان إلى إن ” الدول الإعضاء في حضارة ما لا تدلل بصورة ذات أهمية عند مقارنتها مع الدول التي تورطت في حروب خلال الحرب الباردة ، وللفترة الممتدة من 1946 وحتى 1988 ، وهي واحدة من ثوابت إطروحة هنتنجتون ” .

  وعلى أية حال فإن الباحثين وجدا بأن ” الفترة التي سبقت الحرب الباردة ، والتي تمتد ما بين عامي 1816 و 1945 كشفت بأن ” الدول التي تنتمي إلى حضارات متشابهة ، هي الأكثر دلالة على قتال بعضها الأخر ، بل وأكثر دلالة من دول الحضارات المختلفة ” . وهذا بالطبع يتناقض وإطروحة هنتنجتون .

  ولعل الأمر الأكثر أهمية ودلالة ، هو إن تحليلات الباحثين كشفت عن ” إنه خلال فترة ما بعد الحرب الباردة (1989 – 1992) ، وهي الفترة التي شملها بحث هنتنجتون ، تبدو على الأكثر إن فيها دول الحضارات المتشابهة لا تدخل في حروب مع دول منخرطة فيها ، كما إقتنع هنتنجتون بأنها هي الفترة ذاتها التي سيحدث فيها تصادم الحضارات بصورة واضحة . إلا إن نتائج البحث الحالي تحدت مزاعم هنتنجتون ، وقوضت بصورة أكيدة التوصيات السياسية التي تقدم بها ، ودفعت بها إلى خارج مضمار إطروحة ” تصادم الحضارات ” [150] .

الموقف النقدي للمفكر الأمريكي – العربي ” أدورد سعيد “

    ولد أدورد وديع سعيد في أحضان عائلة عربية مسيحية في القدس (1935 – 2003) وبالتحديد خلال ما عُرف بفترة الإنتداب الإستعماري للبلاد العربية وبالطبع لفلسطين كذلك . وأدور سعيد مفكر فلسطيني أمريكي ، وساهم في تأسيس ” النظرية النقدية ما بعد الفترة الإستعمارية ” . وأدورد ووالده يحملان الجنسية الأمريكية . وصرف سنوات طفولته وتعليمه الأولى في القدس والقاهرة حيث إلتحق بالمدارس البريطانية . ومن ثم رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وحصل على بكلوريوس في الأداب من جامعة برنستن . ومن ثم الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنكليزي من جامعة هارفارد

  ومن ثم بدأ مشواره الأكاديمي في جامعة كولومبيا عام 1963 وحتى وصل إلى درجة بروفسور في اللغة الإنكليزية والأدب المقارن عام 1991 . وإشتهر بكتابه ذائع الصيت والمعنون ” الإستشراق ” والذي صدر عام 1978 وفي هذا الكتاب عارض سعيد شيخ المستشرقين برنارد لويس ، ومن ثم إستمرت المعارضة وعدم الإتفاق حتى وفاة سعيد عام 2003 . ومن مؤلفات سعيد الأولى ، كتابه المعنون ” جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية ” والذي صدر عام 1966 . وهو إمتداد لإطروحته للدكتوراه . ومن مؤلفاته الشهيرة والتي لها علاقة بدرجات كبيرة بكتابه الإستشراق ، كتابه المعنون ” تغطية الإسلام : وكيف وسائل الإعلام والخبراء يطلبون منا أن ننظر إلى العالم ” والذي صدر عام 1997 . وله كتب أربعة في الموسيقى ومن المعروف إن سعيد عازف ممتاز على البيانو … [151] .

   كتب الدكتور ” سعيد ” مقالاً مُعارضاً  لمقال البروفسور ” صماويل هنتنجتون ” والمعنون ” تصادم الحضارات ” . ولعل عنوان مقال ” سعيد ” شهادة كافية على تلك المعارضة ، فقد جاءت تحت راية ” تصادم الجهل ” أو ” تصادم الأمية ” وتبعه عنوان فرعي في غاية الأهمية من الزاويتين الفكرية والميثدولوجية ، يُفيد إلى ” إن عناوين وتسميات مثل ” الغرب ” و” الإسلام ” هي تعمل لإرباكنا حول حقيقة الفوضى أو عدم النظام فقط [152]، ومن المعلوم إن مقال المفكر ” أدورد سعيد ” قد نُشر في 22 إكتوبر عام 2001 . والذي ركز فيه على المفهوم الغامض ، المتداول في مقال ” هنتنجتون ” ، وهو مفهوم ” الهوية الحضارية ” .

  لقد ذهب هنتنجتون كما بينا في هذا المقال ، إلى إن ” التفاعل وردود الأفعال ” في العالم المعاصر ، حادث بين ” سبعة أو ثمان من الحضارات الكبرى ” ، ونضيف إلى كلام ” سعيد ” ليستقيم ميثدولوجياً ، إلى إن هنتنجتون إعتمد على ” أرنولد تويبي ” مصدراً معرفياً ، إستقى منه هذا التقسيم للحضارات المعاصرة (صحيح إن توينبي قال بست حضارات معاصرة وقد تبناها هنتنجتون ومن ثم أضاف السابعة وإلحق بها بتردد الثامنة ، وهي الحضارة الأفريقية [153]) ، وبالتحديد إعتمد سعيدعلى رائعة ” تويبي ” الإنجلية ” دراسة التاريخ ” وهذا جانب ناقشناه في طرف من هذا البحث وزودناه بهامش عرضنا فيه بصورة مختصرة المجلدات الثانية عشر من هذه الرائعة التوينبية .  

  إلا إن هنتنجتون برأي ” أدورد سعيد ” قد منح ” حصة الأسد ” للصراع بين ” الإسلام والغرب ” هذا من طرف . ومن طرف أخر وهو الأساس في رأينا من الزاوية الميثدولوجية ، هو إن ” سعيد ” كشف للقارئ ، بأن هنتنجتون إعتمد بصورة رئيسية على مقال شيخ المستشرقين ” برنارد لويس ” والمعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي صدر عام 1990 والذي تم الإشارة إليه في ثنايا البحث الحالي . وحسب رأي ” سعيد ” الناقد للطرفين ، وهما كل من ” هنتنجتون ” و ” برنارد لويس ” سوية ، قد بين إلى إن ” مقال لويس قد تلون بأراء أيديولوجية ” ، وهذا واضح في عنوان المقال ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” .

 ويرى ” سعيد ” إن كلا المقالين (أي مقال برنارد لويس وصماويل هنتنجتون) مملوءان بأراء شخصية كثيرة ” حول ” الغرب  ” و ” الإسلام ” وخصوصاً فيما يتعلق بطرفي المصطلحين الهنتنجتونيين على الأقل ” الهوية ” و ” الحضارة ” .

  وبحصافة ” أدور سعيد ” أشار في نقده لكل من ” برنارد لويس ” المصدر ، وللبروفسور هنتنجتون المستفيد من المصدر في كتابة مقاله ” تصادم الحضارات ” ، فقال بالتأكيد لا لهنتنجتون ولا لبرنارد لويس ، وحسب إنه لو كان يتوافر لهما الوقت الكافي لوقفا عند عتبات الدايناميك الداخلي والتعددية المتنوعة في كل حضارة ، وإنه من أجل الحقيقة القول إن التنافس الكبير كان في أغلب الحضارات الحديثة ، هو ” تعريف ” أو ” تأويل ” كل حضارة . ولعل من المحاولات غير المقبولة ، هي المعالجة الديموغاجية و الجهل والأمية وذلك عند التورط في الحديث بفرضيات عن الأديان ككل والحضارات ككل . كلا ! إن الغرب هو الغرب ، والإسلام هو الإسلام [154] .  

  ولعل في النتيجة الميثدولوجية النهائية من مقال “سعيد ” خير الكلام في خاتمة الحديث عن ” تصادم الحضارات ” و ” تصادم الأمية أو الجهل ” ، وخصوصاً بعد إن أشار إلى ” حقيقة التواصل بين الأديان السماوية الثلاثة ؛ اليهودية والمسيحية والإسلام ، وإن الإسلام هو خاتمة هذا الخط الديني [155] وشبهها بمياه من محيط التاريخ الواسع .

   لقد صور المفكر ” آدورد سعيد ” للقارئ ” نقاط الخلاف ” بين رؤية ” هنتنجتون ” ورؤية صاحب ” تصادم الجهل ” بوصف روائي رائع فقال ” كلنا إختبر السباحة في تلك المياه ، الغربيون والمسلمون وكذلك الآخرون ، ومادامت المياه هي جزء من محيط التاريخ ، فإن محاولة الجرف والتقسيم بحواجز هي محاولة عقيمة . ولعل من الأفضل التفكير بحدود الجماعات الأكثر قوة ، وبحدود الجماعات التي لا حول لها ولا قوة ، ومن ثم التفكير خلال سياسات علمانية وسياسات الجهل والأمية ، والتأمل من خلال المبادئ الكونية للعدالة والمبادئ الكونية للظلم . ولهذا فإن البحث في المجردات الضخمة ربما يوفر قناعة موقتة . ولكن قليل من المعرفة بالذات والتحليل في إطروحة ” تصادم الحضارات ” تحملك على القول إنها ” حيلة ذكية ” من مثل ” حروب العالم ” . وإنه من الأفضل تعزيز كبرياء وفخر دفاعي بدلاً من تقديم فهم نقدي  لعصرنا في مصفوفة كلام مُحير ” [156] .

فؤاد عجمي والموقف المتردد من كتاب ” تصادم الحضارات “ 

  لقد أنهى الفتى ” فؤاد عجمي ” دراساته الثانوية في لبنان ” في عمر الثامنة عشرة ، ومن ثم شد الرحال في السنة التالية (التاسعة عشرة) نحو الولايات المتحدة ، ووصلها بالتحديد في ” خريف عام 1963 ” وسجل في بعض ” الفصول الدراسية ” في ” كلية أورغن الشرقية ” والتي أصبحت فيما بعد ” جامعة أورغن الشرقية ” . ومن ثم أكمل متطلبات التخرج في ” جامعة واشنطن ” والتي كتب فيها مشروع إطروحته للدكتوراه في ” العلاقات الدولية ” و ” الحكومة العالمية ” وحصل على ” درجة الدكتوراه ” [157] .

  لقد كتب البروفسور ” فؤاد عجمي ” العديد من المؤلفات ذات النهج الأكاديمي ، ولكن بعضها تم بإختيار ” لاشعوري ” ومحرك لا يخلو من إنحياز عرقي ” فارسي ” ورائحة ” طائفية – شيعية ” لم تتمكن سنوات الكد الأكاديمي في الجامعات الأمريكية من تعطيل فعله المؤثر تحت الجلد الإنساني والتي تظهر بوعي ودون وعي في نصوص وعناوين مؤلفات ومشاريع كتب ومقالات . وهذا ما وجدناه في المشاريع التي إشتغل عليها المرحوم البروفسور ” فؤاد عجمي ” . وهنا نقدم شواهداً وأمثلة دالة .

  كتب فؤاد عجمي في شتاء عام 1980 / 1981مقالة بعنوان ” مصير عدم الإنحياز ” ونشرته مجلة ” الشؤون الأجنبية ” . وفيها لخص الطريق الذي سلكه ” العالم الثالث ” وكيف إنه تخلى من سياسات ” عدم الإنحياز ” وهجرها ، وبالتحديد في النص السياسي لفترة ” ما بعد الحرب الباردة ” [158] . وقد لقى هذا الكتاب رضاء الدوائر الأكاديمي الموجهة بستراتيجيات ” الكاوبوي ” . وفعلاً فقد جاء العطاء الأكاديمي كريماً ، وتمثل في تعيين ” الدكتور فؤاد عجمي مديراً لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز … ” [159] .

   نشر الدكتور عجمي ، بعد سنة واحدة من وصوله إلى ” معهد الدراسات العالمية العالي ” في جامعة جونز هوبكنز ، كتابه الأول والذي كان بعنوان ” المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 ” . وفيه تحليل ووصف للأزمة الفكرية والسياسية التي إجتاحت العالم العربي بعيد هزيمتها على يد القوات الإسرائيلة في ” حرب الأيام الستة ” عام 1967 [160] .

   وبعد فترة إنشغال إمتدت ما يُقارب الخمسة سنوات ، نشر كتاباً بعنوان ” الإمام المُغيب : موسى الصدر وشيعة لبنان ” والذي صدر في العام 1986[161] . وهو من الموضوعات التي حيرت الجميع ، وظلت أسرارها مقيدة ضد مجهول ثنائي ” القوى السياسية الشيعية في لبنان والقذافي وحكومته في ليبيا ” .

  وكان بيروت : مدينة الندم  ، كتاب بالإشتراك مع المصور إيليا ريد ، وصدر هذا الكتاب بعد سنتين من صدور كتاب ” الإمام المُغيب … ” . والكتاب من القطع الصغير ، وتألف من 128 صورة ملونة ، ونص كتبه البروفسور فؤاد عجمي وتكون من 47 صفحة [162] . ومن كتب فؤاد عجمي ، كتابه المعنون ” قصر العرب الوردي (الحالم) : جيل أوديسا ” ، وصدر عام 1998 [163] . ومن كتبه الأخيرة ، كتابه المعنون ” هبة الإجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق ” ، والذي صدر في عام 2006 . وهو يدور حول إحتلال أمريكا للعراق [164] .       

     أشرنا في مقالين سابقين ؛ الأول كان بعنوان ” في رحيل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي ” [165] . والثاني حمل عنوان ” الطرف السياسي من عمل الأكاديمي اللبناني فؤاد عجمي ” [166] . نقول أشرنا إلى إن البروفسور عجمي رفض في الطور الأول من حياته الأكاديمية أراء البروفسور ” صماويل هنتنجتون ” في مقاله ” تصادم الحضارات ” . ولكن عندما دارت حركة الكواكب والأفلاك وعمل البروفسور عجمي في واجهات الحزب الجمهوري الأمريكي ومن ثم أصبح مُقرباً من وزيرة الخارجية الأمريكية ” كوندليزا رايس ” ومن ثم أيد وشجع على إحتلال العراق ، فعاد وقبل كل ” إطروحات هنتنجتون دون تحفظ ” .

  ولعل الشاهد على ذلك مقال البروفسور ” فؤاد عجمي  ” الصادر في 6 كانون الثاني 2008 والمنشور في جريدة ” نيويورك تايمز ” وبعنوان ” التصادم ” والذي قال فيه بالنص ” إن إطروحة هنتنجتون حول التصادم الحضاري تبدو لها سلطتها علي اليوم ، وليس كما بدت لي من قبل  ” . والعبارة الأخيرة من كلام الدكتور عجمي ” وليس كما بدت لي من قبل ” هي إشارة إلى مواقفه النقدية للبروفسور هنتنجتون وكتابه ” تصادام الحضارات ” التي وردت في مقاله المبكر والذي نشره عجمي في مجلة ” شؤون أجنبية ” وبالتحديد في العدد المؤرخ في سبتمبر – إكتوبر 1993 . وفيه يجد القارئ بصورة مكشوفة إن هناك شخصيتين مختلفتين للبروفسور عجمي ؛ الأولى صورة البروفسور عجمي الناقد والرافض لمقال هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” وفيها ” كسر عظم نقدي ” ومن ثم أدلى بأفكار مخالفة لهنتنجتون ” في دور الحضارات في العلاقات والصراعات الدولية ” . في حين إن عجمي يؤكد على إستمرار ” الدول والعلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة ” [167] .

  ومن ثم أكد البروفسور عجمي في هذا المقال على نقده للبروفسور هنتنجتون وذلك لتجاهله ” للصعوبات التجريبية ومصالح الدول التي هي وراء الصراعات بين الحضارات ” . وعجمي يومذاك كان متيقناً على خلاف هنتنجتون بأن ” الدول ستبقى عاملاً مهيمناً على العالم وتفاعلاته ” . ويجادل الدكتور عجمي فيؤكد على إن ” الروابط الحضارية سوف تستفيد وتتقوى فقط من خلال الدول والجماعات ” وبالتحديد عندما يكون من ” مصلحة هذه الدول والجماعات أن تُشغل العلاقات الحضارية ” . وإستشهد البروفسور عجمي بمثال من الطبقة الوسطى الهندية ، فبين بأن ” الحضارات سوف لن تتمكن من السيطرة على الدول ، وإنما العكس هو الصحيح إن الدول ستسيطر على الحضارات [168].

  أما في مقال عجمي المعنون ” التصادم ” فنحسب إنه عودة عجمية جديدة لمقال البروفسور ” صامويل هنتنجتون ” المعنون ” تصادم الحضارات ” وتقويم جديد لجهوده ومشروعه السياسي حول تصادم الحضارات . فقد لاحظنا في ما يمكن أن نسميه مقدمة المقال رؤية إيجابية فيها إنقلاب على ما أدلى به عجمي من أراء نقدية سابقة ، خصوصاً في مقال 1993 . يقول البروفسور عجمي بالنص ” إن صامويل هنتنجتون ، هو رجل جاد وصارم ، وصاحب صنعة عالية ، إضافة إلى كونه عالم سياسي أصيل ، وطبع بأثاره فترة شغلت النصف الإخير من القرن . وكان على الدوام يسبح ضد تيار الأراء المتداولة والشائعة ” [169] .   

  وفي أدلة التعديل للموقف النقدي الذي أدلى به البروفسور عجمي في عام 1993 ، وفيه تخلي في الوقت ذاته عن طرفين من معادل تكوين هويته ؛ الأول تخليه عن إيرانيته الإسلامية من طرف والديه وأجداده ، ومن ثم تخليه عن لبنانيته العربية بالولادة والتربية في مضارب الجنوب اللبناني حيث قرية عرنون التي شهدت مسقط رأسه . يقول عجمي في تعديله للموقف النقدي لهنتنجتون ، فيقول : ” قبل ما يُقارب الخمسة عشر عاماً (كان عجمي يتكلم عام 2008) ، فإن إطروحة هنتنجتون ” تصادم الحضارات ” لها سلطة وسطوة ، أكثر مما كنت أراه يوم كتبت النقد في ذلك الوقت ” ومن ثم قدم تفاصيل حول مصداقية نظرية هنتنجتون ، فأشار إلى أمثلة تتساوق وأراء هنتنجتون وتوقعاته ، فمثلاً قال ” إن البناء الضخم للكمالية (نسبة إلى النظام السياسي العلماني الذي شيده مصطفى كمال أتاتورك في تركيا) تعرض إلى إعتداءات مُهينة ، وذلك عندما تم في تركيا إنتخاب رئيس إسلامي لتركيا ، وبالطبع فيه تحدي مكشوف للنخب البيروقراطية والعسكرية [170] .  وهذا حمل دليل على هيمنة الإسلاميين والذي يتعارض مع توجهات الأتاتوركية ومن ثم جيل من السياسيين الأتراك الذين يتطلعون في إنضمام تركيا العلمانية إلى الإتحاد الأوربي . وهذا برأي عجمي يأتي دليلاً أخر على قوة أراء هنتنجتون لقضية علاقة ” الغرب والبقية ” والتي رددتها مقولة هنتنجتون ” نشيداً حضارياَ يحكم علاقة ” الغرب والبقية ” وخصوصاً ” الغرب والإسلام ، فقال ” سبق إن رفضت تركيا مكة (إشارة إلى الإسلام) ، بينما رفضت بروكسل (إشارة إلى الغرب) إنضمام تركيا إليها [171] .  

  ومُسك الختام إشارة إلى إن البروفسور عجمي ، كان أمريكياً جمهورياً حتى النخاع الأخير ، ولم تبقى في خلايا تفكيره ” دماء إيرانية إسلامية ” تجري  ، ولا ” دماء لبنانية عربية ” رعتها مناخات ” قرية عرنون ” . ولكل ذلك رأى عجمي إن ” مخاوف هنتنجتون ” ؛ ” هو إن الإسلام سيبقى إسلاماً كما هو ” . بينما ” شكوك هنتنجتون ” تتركز حول ” هل إن الغرب سيبقى حقيقة كما هو ، وإنه سيبقى ملتزماً بمهمته كما هي [172] .

طارق علي و ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة  

  ومن المفيد الإشارة إلى مثابرة مهمة لاحقة  ، حملت عنواناً فيه الجزء الأول من عنوان مقال – كتاب ” صامويل هنتنجتون ” ” تصادم الحضارات ” وهو كتاب البريطاني من إصول باكستانية طارق علي (1943 وبعمر 71 عاماً) والمعنون ” تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة [173] ومن مؤلفات الإعلامي طارق علي ، كتاب ” الباكستان : قواعد العسكر أو سلطة الشعب ” والصادر عام 1970 ، وكتاب ” بوش في بابل ” والذي رأى النور عام 2003 وكتاب ” مناقشات مع أدور سعيد ” والذي ظهر عام 2005 ومن ثم كتابه المعنون ” الأعراض المرضية للرئيس الأمريكي أوباما ” والذي صدر عام 2010 [174].

  وهذا الكتاب ينهض على مجموعة فرضيات صاغها ” طارق علي ” ، وهي في غاية الأهمية وإن كانت تًصاحبها موجة من الإثارة في الوقت ذاته . حقيقة إن أهمية هذا الكتاب تأتي من إنه محاولة تنهض على الجدل الذي يذهب إلى إن ” ما إختبرناه من العودة إلى التاريخ في أشكاله البطولية ” هو إن هناك ” رموز دينية ملأت مساحات جزئية ” منه ، والذي تمظهرعلى مستوى طرفين ؛ الأول طرف إنتقام الله . والثاني طرف الله معنا والله يحفظ أمريكا . ومن ثم مسكنا بطرف ثالث متخفي في كتابات ” طارق علي ” وهو إن العنف المرئي الملموس في سبتمبر 11 ، هو إستجابة إلى العنف اللامرئي واللا ملموس الذي عانت منه الشعوب في أفغانستان وباكستان والعراق والعربية السعودية ومصر وفلسطين والشيشان .

  ويحسبُ ” طارق علي” على إن ما حدث لهذه البلدان بصورة مباشرة ، هو من مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا . وإن هذا الكتاب يُقدم تفسيراً واسعاً لصعود موجات المتطرفين المسلمين والأشكال الجديدة للنزعة الإستعمارية [175] .    

تعقيب ختامي :

أولاً – هل هو ” تصادم حضارات ؟ ” أم هو ” صراع حضارات ؟ ” . الحقيقة إن القارئ الأكاديمي للمقال الذي كتبه هنتنجتون في عام 1993 أو في توسعته اللاحقة والذي نشره في كتاب عام 1996 ، يلحظ إن عنوان المقال وكذلك عنوان الكتاب جاء تحت شعار سحري دراماتيكي هو  ” تصادم الحضارات ” . وهذا في الحقيقة الأمر الأول . إلا إن قارئ الكتاب من زاوية المضمون يجد بأن هنتنجون قد تداول كلمة ” الصراع أو الكونفلكت بالإنكليزية ” في شرح قضية تصادم الحضارات أو  ” كلاش أوف زفلايزشين ” بالإنكليزية ” وهذا الأمر الثاني . وعلى هذا الأساس نحسب إن كتاب هنتنجتون على مستوى عنوان المقال والكتاب هو ” تصادم الحضارات ” . أما على مستوى مضمون المقال والكتاب ، فهو ” صراع الحضارات ” .

ثانياً – ظهر لنا بصورة واضحة إن هنتنجتون لم يكن الرائد والكاتب الأول الذي نحت وتداول أكاديمياً إصطلاح ” تصادم الحضارات ” بل تقدم عليه عدد من الأكاديمين والكتاب الرواد من طرف نحت إصطلاح ” تصادم / كلاش ” وكذلك إصطلاح ” صراع / كونفلكت ” وتداولوه في كتاباتهم وبالتحديد قبل هنتنجتون بسنوات قريبة من عمله الأكاديمي ، وسنوات أخرى بعيدة حتى قبيل ولادته . فمثلاً إننا بينا في هذا المقال إن عبارة ” تصادم الحضارات ” قد وردت قبل مقال هنتنجتون (1993) بثلاث سنوات ، وبالتحديد في مقال المؤرخ وشيخ المستشرقين الأمريكي – البريطاني ” برنارد لويس ” والمعنون ” جذور الغضب الإسلامي العارم ” والذي ظهر في مجلة ” إتلانتك ” الشهرية في عام 1990 .

 ولاحظ الباحثون الأكاديميون الغربيون بأن ” برنارد لويس ” هو الأخر تلقفها من العنوان الفرعي لكتاب ” باسيل ماثيوس ” والمعنون ” الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات ” والذي ظهر في عام 1926 ، وبالتحديد قبل ظهور مقال ” برنارد لويس ” بما يُقارب ستة عقود ونصف من السنين . بينما لاحظ المستشرق الفرنسي ” لويس ماسينيون ” (1883 – 1962) إن تعبير ” تصادم الحضارات ” وكذلك ” صراع الحضارات ” يصعدان إلى فترة زمنية تتخطى تاريخ صدور كتاب ” باسيل ماثيوس ” بل ويعانقا الفترة الإستعمارية ، وهي الفترة التي يُطلق عليها الفرنسيون ” بالفترة الجميلة ” والتي بدأت عام 1871 .

ثالثاً – سعينا في همنا الأكاديمي النازع إلى معرفة الجذور التاريخية والفكرية لإصطلاح ” تصادم الحضارات ” الذي إنتخبه وتداوله البروفسور صماويل هنتنجتون عنواناً أولاً لمقاله الذي صدر عام 1993 ومن ثم ثانياً عنواناً رئيساً مع إضافة عنوان فرعي لكتابه الذي ظهر عام 1996 ، نقول إن الفكرة الأصلية والمصدر الحقيقي  للمقال ومن ثم للكتاب ، هي محاضرة قدمها هنتنجتون في عام 1992 وبالتحديد في ” معهد الأنتربرايز الأمريكي ” . والمحاضرة (ومن ثم المقال) جاء إستجابة هنتنجتونية أكاديمية لكتاب تلميذه السابق ، البروفسور ” بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ” والمعنون ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” . وعلى أساس هذه المصادر الثلاثة (اي النقاط الثلاث من تعقيبنا) يمكن فهم وتقويم إصطلاح ” تصادم الحضارات ” والمستبطن صراحة لإصطلاح ” صراع الحضارات ” في كل من متن المقال والكتاب عند البروفسور صامويل هنتنجتون . ِ 


——————————————————————————

الهوامش والإحالات

 – أنظر : صامويل هنتجتون ؛ صدام الحضارات (بالإنكليزية) ، مجلة قضايا أجنبية (بالإنكليزية) / المجلد 72 ، العدد 3 صيف عام 1993 ، ص   [1]

ص 22 – 49

 – أنظر : أ – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الطرف السياسي من عمل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي / موقع الفيلسوف 2 يونيو 2014 [2]

ب – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ في رحيل الأكاديمي الأمريكي – اللبناني فؤاد عجمي / موقع الفيلسوف 27 يونيو 2014

 – أنظر مشروع المقال القادم للدكتور محمد جلوب الفرحان ” برنارد لويس وظلال النزعة الإستشراقية ” [3]

 – للتفاصيل أنظر : أدور سعيد ؛ تصادم الجهل (بالإنكليزية) ، مجلة الأمة الأمريكية / 22 إكتوبر 2001 [4]

 – أنظر هنتنجتون ؛ المصدر السابق [5]

 – وهو أخر رؤساء الإتحاد السوفيتي السابق وفي وقتها كان السكرتير العام للحزب الشيوعي للإتحاد السوفيتي .. للتفاصيل أنظر ” إنكوس [6]

روكسبيرك ” الثورة الروسية الثانية : الكفاح من أجل السلطة في الكرميلن (بالإنكليزية) ، لندن 1991  

 – وفي الأصل كان مديراً للمخابرات المركزية الأمريكية ، ومن ثم أصبح رئيس الولايات المنحدة الأمريكية الواحد والأربعين .. للتفاصيل أنظر :[7]

جورج بوش : الأشياء الجميلة ، جورج بوش : حياتي في رسائل وكتابات أخرى (بالإنكليزية) ، دار نشر سكرنبر – نيويورك 1991  

 – للتفاصيل أنظر : رالف بيترس ؛ القتال من أجل المستقبل : هل ستنتصر أمريكا (بالإنكليزية) ، دار نشر كتب ستاكبوت ، بنسلفانيا 1999 [8]

 – أنظر : دان هارت ؛ صامويل هنتنجتون : عالم السياسية في هارفاد (وفاة) (بالإنكليزية) ، أخبار بلومبرك ، 27 ديسمبر 2008 .[9]

 – أنظر مقال جريدة التايمز اللندنية ، وبعنوان ” البروفسور صامويل هنتنجتون : مؤلف تصادم الحضارات ، 29 ديسمبر 2008 .[10]

 – مايكل ديسش ؛ الجنود والدول والبُنى : نهاية الحرب الباردة وضعف السيطرة المدنية الأمريكية ، نشرة جمعية القوى العسكرية ، العدد الثالث [11]

1998 ، ص ص 389 – 405

 – أنظر : صماويل هنتنجتون : تصادم الحضارات ، دورية ” قضايا أجنبية ” (بالإنكليزية) ، صيف 1993 ، ص ص 22 – 49 [12]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 22 – 23 [13]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 23 – 25 [14]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 25 – 29 [15]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 29 – 35 [16]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 35 – 39 [17]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 39 – 41 [18]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 42 – 45 [19]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 45 – 48 إشارة إلى العقيدة الكونفوشيوسية ، للتفاصيل أنظر ؛ الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدوة : دراسة  [20]

تحليلية تاريخية في مواصفات الشخصية المثالية ، نشرة وزارة التعليم العالي – جامعة الموصل 1990 ، الفصل الرابع والمعنون ” القدوة في الحضارة الصينية ” ، وخصوصاً الصفحات 50 – 54  . وهذا الكتاب فاز به المؤلف بترشيح مجلس كلية التربية – جامعة الموصل وتم إنتخابه من بين عدد من الترشيحات من أغلب أقسام كلية التربية ، وطبع على حساب وزارة التعليم العالي ، وحصل المؤلف على منحة مالية مجزية وكتاب شكر من عميد كلية التربية الدكتور خضر جاسم الدوري طيب الله ثراه .

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 48 – 49 [21]

 – أنظر صماويل هنتنجتون ، تصادم الحضارات وإعادة بناء النظام الجديد (بالإنكليزية) ، نشرة دار سايمون وشستر ، نيويورك 1996 [22]

 – أنظر : بوشاهيرو فرنسيس فوكيما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير (بالإنكليزية) ، نشرة المطبعة الحرة 1992 [23]

 – أنظر : برنارد لويس ؛ جذور الغضب الإسلامي العارم (بالإنكليزية) ، مجلة إيتلانتيك الشهرية ، مجلد رقم 266 ، سبتمبر 1990 [24]

 – أنظر : باسيل ماثيوس ؛ الإسلام الفتي في رحلته الهادئة : دراسة في تصادم الحضارات (بالإنكليزية) ، دار نشر كيسنجر 2007 ، ص 196 [25]

والكتاب يتألف من 248 صفحة .

 – أنظر : لويس ماسينيون ؛ علم النفس الإسلامي (بالفرنسية) ، باريس 1931[26]

 – والعصر الذهبي ، هو مفهوم صاغه كل من مارك توين وشارلز دودلي ويرنر في كتابهما المشترك والمعنون ؛ العصر الذهبي : حكاية اليوم  [27]

(بالإنكليزية) وهو رواية ، مطبعة أكسفورد 1873 وأعيد طبعه عام 2007 (ويتألف من 268 صفحة) .

 – بوشاهيرو فرنسيس فوكياما ؛ نهاية التالريخ والإنسان الأخير ( مصدر سابق) .[28]

 – أنظر : رشاد ماهبلوي ؛ الحضارات ، طبيعتها وإمكانية تصادمها ، الجامعة الأوربية المركزية – بودباست (هنكاريا) ، خريف 2010 [29]

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (المصدر السابق) ، ص 22 [30]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 23 [31]

 – المصدر السابق ، ص ص 23 – 24 [32]

 – المصدر السابق ، ص 24[33]

 – للتفصيل عن فيلسوف التاريخ البريطاني ” أرنولد توينبي ” أنظر : [34]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ ، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 90 – 97 

 – صماويل هنتنجتون ؛ المصدر السابق ، ص 25 [35]

 – تكون هذا العمل الإنجيلي في فلسفة التاريخ من 12 مجلداً ، وتألف من 7000 صفحة ، وجاء بالشكل الأتي : [36]

الأول – مدخل وبعنوان ” تكوين الحضارات ” – القسم الأول (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الثاني – تكوين الحضارات – القسم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الثالث – نمو الحضارات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1934

الرابع – إنهيار الحضارات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

الخامس – إنحلال الحضارات – القسم الأول (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

السادس – إنحلال الحضارات – القسم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1939

السابع – الدول العالمية والكنائس العالمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954 ومن ثم ظهر بمجلدين .

الثامن – العصر البطولي : إتصال الحضارات في المكان (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954

التاسع – إتصال الحضارات في الزمان (النهضات : القانون والحرية في التاريخ وواجهات الحضارة الغربية) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة أكسفورد

1954

العاشر – إلهام المؤرخين : ملاحظة على الكرونولوجيا أو التسلسل الزمني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1954

الحادي عشر – أطلس تاريخي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1959

الثاني عشر – مراجعات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1961

  ومن ثم قام الكاتب ” ديفيد شرشل سومرفيل ” (1885 – 1965) بتلخيصه في مجلدين ، ومن مؤلفاته المشهورة ” التاريخ المختصر لديننا ” 1922 و ” الفكر الإنكليزي في القرن التاسع عشر ” 1929 ، وجاء هذين المجلدين بالصورة الأتية :

الأول – دراسة التاريخ : موجز للمجلدات الستة الأولى وبتقديم توينبي ، مطبعة جامعة أكسفورد 1946

الثاني – دراسة التاريخ : موجز للمجلدات من السابع وحتى العاشر ، مطبعة جامعة أكسفورد 1947

ومن ثم ظهر مجلد واحد ضم خلاصة المجلدات العشرة وبتقديم توينبي ، مطبعة جامعة أكسفورد 1960 .

 – أنظر : توينبي ؛ نمو الحضارات (مصدر سابق) [37]

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [38]

 – المصدر السابق[39]

 – المصدر السابق [40]

 – المصدر السابق [41]

 – المصدر السابق ، ص ص 25 – 26 [42]

 – المصدر السابق ، ص 26 [43]

 – وهو كاتب أمريكي وناشط سياسي وإجتماعي ، له العديد من المؤلفات في الأديان وخصوصاً المسيحية الكاثوليكية وإصلاح الكنيسة الكاثوليكية[44]

منها : 1 – الكاثوليكية وتجديد الديمقراطية الأمريكية (بالإنكليزية) ، مطبعة بوليست 1989  2 – مجرد حرب وحرب الخليج والأخلاق (بالإنكليزية) ، منشورات مركز السياسة الجماهيرية 1991  3 – الثورة الأخيرة : مقاومة الكنيسة وإنهيار الشيوعية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1992

4 – الإيمان والعقل ، والحرب ضد الجهادية : الدعوة إلى فعل (بالإنكليزية) ، دار نشر دبلدي 2007  5 – الكاثوليكية الإنجيليكانية : الإصلاح في القرن الحادي والعشرين للكنيسة الكاثوليكية (بالإنكليزية) ، دار نشر الكتب الأساسية 2013

 – وكيلز كيبل (1955 – ) بروفسور فرنسي في العلوم السياسية ، ومتخصص في الإسلام والعالم العربي المعاصر ، من مؤلفاته المشهورة : 1 -[45]

 إنتقام الله : عودة الإسلام ، المسيحية واليهودية في العالم الحديث (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة كيمبريدج 1994   2 – الله في الغرب : الحركات الإسلامية في أمريكا وأوربا (بالإنكليزية) ، نشرة أكسفورد 1997  3 – حرب العقول الإسلامية : الإسلام والغرب (الترجمة الإنكليزية من الفرنسية) ، نشرة كيمبريدج 2004  4 – جذور التطرف في الإسلام (بالإنكليزية) ، دار نشر الساقي – لندن 2005  5 – ما بعد الإرهاب واالشهادة : مستقبل الشرق الأوسط  (بالإنكليزية) ، كيمبريدج 2008  

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 26 [46]

 – المصدر السابق [47]

 – المصدر السابق ، ص ص 26 – 27 [48]

 – المصدر السابق ، ص 27 [49]

 – لمزيد من التفاصيل عن البوذية  وأساسها في الحضارة الأسيوية أنظر : بيتر هارفي ؛ مدخل إلى البوذية : تعاليم وتاريخ وطقوس (بالإنكليزية) ،[50]

مطبعة جامعة كيمبريدج 1990  

 – المصدر السابق ن ص ص 27 – 28 [51]

 – المصدر السابق ، ص 29 [52]

 – المصدر السابق [53]

 – للتفاصيل أنظر المثابرة الرائدة في دائرة الثقافة العربية في أبستمولوجيات فلسفتي التاريخ والحضارة :[54]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدر والإنسان : بحث أبستمولوجي في تواريخ اليعقوبي وإبن الأثير ، دار الطليعة – بيروت 1986 ، المقدمة ، ص ص 5 – 14

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق  [55]

 – المصدر السابق ، ص ص 29 – 30 [56]

 – هو وليم جون لورنس ويلس ، وهو أكاديمي بريطاني ، سافر إلى الولايات المتحدة ، وصرف ثلاث سنوات في كتابة إطروحته للدكتوراه ،    [57]

والتي ركزت إهتمامها على ” إحياء الليبرالية من عام 1955 وحتى عام 1966 . ومن ثم عمل مديراً للمعهد الملكي للشؤون العالمية وللفترة من 1978 وحتى عام 1990 . وفي عام 1999 أصبح بروفسوراً للعلاقات الدولية في ” مدرسة لندن للعلوم السياسية والإقتصادية ” . ومن أهم مؤلفاته ” تحولات أوربا الغربية ” والذي صدر في نيويورك عام 1992 . وهو كتاب صغير بحدوما إذ تألف من 128 صفحة فقط . وهو المصدر الذي إعتمد عليه هنتنجتون في الحديث أعلاه عن ” الحدود الشرقية للمسيحية الغربية في عام 1500م . وصدرت له مؤلفات وأبحاث قبل هذا الكتاب منها : السياسة الخارجية والعملية السياسية : دراسة في السياسة المقارنة ، نيويورك 1991 (وهو كتاب صغير تألف من 80 صفحة) . ومنها ؛ الباب المفتوح : توسيع النيتو والوحدة الأوربية ، مركز الإصلاح الأوربي 1996 (وتألف من 49 صفحة) وغيرها كثير .

  والحقيقة إن أسم الأكاديمي البريطاني ” وليم ويلس ” يتداخل مع إسم القائد العسكري الإسكتلندي ” وليم ويلس ” (1270 – 1305م) وهو القائد خلال حرب التحرير الإسكتلندية ، والذي أُلقي القبض عليه في أب 1305 وسلم إلى ملك إنكلترا ” أدورد الأول ” وإتهم وليم ويلس بالخيانة وعذب بصورة تتنافى والقيم الإنسانية ، وشتق إلا إنه ظل حياً ، فقطع جثمانه إلى أربعة أجزاء ، فظل رمزاً من الرموز الإسكتدلندية الخالدة  … وللتفاصيل أنظر : كريست براون ؛ وليم ويلس : القصة الصادقة للقلب الشجاع ، شركة ناميس للنش 2005 .  

 – للتفاصيل أنظر هنتنجتون المصدر السابق ، ص 30 [58]

 – المصدر السابق [59]

 – المصدر السابق [60]

 – المصدر السابق ، ص ص 30 – 31 [61]

 – المصدر السابق ، ص 31[62]

 – والمورو أو المورش جاءوا من شمال أفريقيا (المغرب) وعبروا مضيق جبل طارق وإستقروا في شبه جزيرة ليبريا (الأندلس – أسبانيا ) ومن ثم[63]

إنساحوا شمالأ . وهم في الأصل من إصول عربية وبربرية وأجدادهم عاشوا في ظل الدولة الأموية في الأندلس وبالتحديد في بداية القرن الثامن الميلادي . وهناك من يرى إن المورش هم المسلمون في العصور الوسطى ، والذين سكنوا المغرب وشبه جزيرة ليبريا وصقلية ومالطا . وفعلاً فإن المورش إحتلوا شيه جزيرة ليبريا عام 711 وأطلقوا عليها بلاد الأندلس ، والتي شملت حينها كل من مضيق جبل طارق ، ومعظم أسبانيا والبرتغال وأجزاء من جنوب فرنسا . كما كان لهم حضور في جنوب إيطاليا ، وخصوصاً في سيسلي (صقلية) . ومن ثم إحتلوا مازر الصقلية في عام 827 . وفي عام 1224م تم طرد المسلمون إلى مستوطنة لوتشرا، ومن ثم تم تدمير المستوطنة عام 1300 . والحقيقة إن الإختلافات الدينية للمسلمين المورش قد سبب صراعاً طويلاً مع الممالك المسيحية الأوربية ، والذي إمتد لقرون عديدة ومن ثم إنتهى بسقوط غرناطة رمز المسلمين في الأندلس عام 1492 والذي سجل نهاية للمسلمين في الأندلس (ليبريا / أسبانيا) . للتفاصيل أنظر : 1 – مريا روزا مينوسيل ؛ جوهرة العالم : كيف كون المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة التسامح في أسبانيا العصور الوسطى (بالإنكليزية) ، دار نشر ليتل براون 2002 . 2 – ديفيد كولدنبيرك ؛ لعنة حام : التمييز العنصري والعبودية في بواكير اليهودية والمسيحية والإسلام (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة برنستن 2003 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [64]

وهي من أكبر مدن المركز الفرنسي يومذاك والتي تقدم إلى إحتلالها القائد العربي عبد الرحمن الغافقي . وفعلاً فإنه في عام 732 قاد قوات ضاربة من الفرسان المسلمين ، ومن ثم تغلغلوا بحدود 500 كيلومتر في أعماق الأراضي الفرنسية . غير إنهم واجهوا مقاومة شديدة وإنتهت بمعركة التور (بلاط الشهداء) وكانت نتيجتها إندحار القوات الإسلامية . وكان يقود القوات الفرنسية القائد العسكري الفرنسي شارل مارتيل (688 – 741م) … للتفاصيل أنظر : ماستينك توماز ؛ السلام الصليبي : المملكة المسيحية والعالم الإسلامي والنظام السياسي الغربي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا 2002 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق[65]

 – المصدر السابق [66]

 – المصدر السابق [67]

 وعد بلفور (أو إعلان بلفور) هو في الأصل الرسالة التي أرسلها ” أرثر جيمس بلفور ” (1848 – 1930 وعمل وزير خارجية لبريطانيا ومن  – [68]

ثم رئيس وزراء) بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ” ليونيل ولتر دي روتشيلد ” وفيها تأييد الحكومة البريطانية على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين . وقد صدر بعد إتفاق الأمير فيصل ممثل ملك الحجاز مع ” حاييم وازيزمان الصهيوني ” والتي وقعت عام 1915 ، وتم إعتمادها في إتفاقية باريس 1919 وذلك لتطبيق وعد بلفور … للتفاصيل أنظر : جونثان سكينر ؛ وعد بلفور : إصول الصراع العربي الإسرائيلي (بالإنكليزية) ، دار نشر راندم 2010 .  

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [69]

 – المصدر السابق ، ص ص 31 – 32 ولتفاصيل أكثر أنظر ص ص 31 – 35 [70]

 – المصدر السابق ، ص 35 [71]

 – وهيك كرينوي  تخرج من أكاديمية ميلتون ، جامعة ييل ، وجامعة أكسفورد وجامعة هارفارد ومن ثم عمل زميلاً باحثاً فيها . وخدم في القوات [72]

البحرية الأمريكية من عام 1958 وحتى عام 1960 . ومن ثم بدأ عمله الصحفي وإستهله مع صحيفة ” تايم لايف ” في لندن ، وفي الواشنطن ، وبوسطن ، والأمم المتحدة . وعمل منذ عام 1972 وحتى عام 1978 في ” الواشنطن بوست ” . ومنذ عام 1978 وحتى عام 2000 عمل ناشراً للقضايا الأجنبية ، وناشراً للقضايا القومية . ومن ثم ناشراً في مجلة ” قضايا أجنبية ” . أنظر : مايك مينهان ؛ الإعلامي هيك ديفيد سكوت كرينوي (بالإنكليزية) ، أون لاين ، ربيع 2006 . ومن ثم نشر” هيك كرينوي ” مذكراته تحت عنوان ” مراسل أجنبي : ميموار ” (بالإنكليزية) دار نشر سايمون وشوستر 2014 (320 صفحة) .  

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [73]

 – المصدر السابق [74]

 – المصدر السابق [75]

 – أنظر الهامش رقم 64 من هذا البحث [76]

 – وهو من الأكاديميين السعوديين والذي كان من الرموز الكبيرة والرائدة في ” حركة الصحوة السلفية ” والتي عارضت تواجد القوات الأمريكية [77]

في الجزيرة العربية . والأكاديمي ” سفر عبد الرحمن الحوالي (1950) يحمل شهادة الدكتوراه في اللاهوت الإسلامي (علم الكلام) – جامعة أم القرى بمكة عام 1986 . وفي التسعينات من القرن الماضي ألقت السلطات السعودية القبض عليه وأودعته السجن لفترة ، وذلك بسبب نقده للحكومة ودعوته إلى إسقاطها . وفي العام 1994 أصدر عالم الدين الوهابي ” الشيخ عبد العزيز بن باز ” فتوى شجب فيها تصرفات الشيخ سفر الحوالي وجماعته وطلب منهم بوقف هذه التصرفات وخلاف ذلك حرم عليهم المحاضرات والإجتماعات ونشر التسجيلات الصوتية .

  من أهم مؤلفات الشيخ سفر الحوالي ؛ رسالته للماجستير والتي كانت بعنوان ” العلمانية ” وهذه الرسالة كانت بإشراف المصري محمد قطب (1919 – 2014) وهو شقيق المفكر الإسلامي ” سيد قطب ” (1906 – 1966) . وفي رسالة الماجستير تابع الأكاديمي سفر الحوالي ” تاريخ الفصل بين الكنيسة والدولة ” وبين أهمية ” هذه الفكرة للعالم الإسلامي ” . وفي إطروحته للدكتوراه قام بتحليل قضية ” الفصل ما بين  العقيدة وإعمال العبادة ” . ولعل أهمية هذا الشيخ إنه بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي الأبن ” جورج بوش ” عارض فيها تبرير الحرب على العراق . وهي محاولة (أي تبرير الحرب) قام بها ما يُقارب 66 من المفكرين الأمريكيين … للتفصيل أنظر : 1 – منصور جاسم الشمسي ؛ الإسلام والإصلاح السياسي في المملكة العربية السعودية : مطالب في التغيير السياسي والإصلاح (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 2011  2 – روبرت لاسي ؛ في داخل المملكة العربية السعودية : الملوك ، رجال الدين والمُجددون والإرهابيون والكفاح من أجل المملكة  (بالإنكليزية) ، فايكنك 2009 .

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ صدام الحضارات ، ص 35 [78]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 35 – 36 [79]

 – المصدر السابق ، ص 36 [80]

 – المصدر السابق [81]

 – المصدر السابق [82]

 – للتفاصيل أنظر : المصدر السابق [83]

 لمصدر السابق ، ص ص 36 – 37 [84]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص 37 [85]

 – أنظر المصدر السابق [86]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 37 – 38 [87]

 – المصدر السابق ، ص 38 [88]

 – المصدر السابق ، ص 39 [89]

 المصدر السابق [90]

 – المصدر السابق [91]

 – للتفاصيل أنظر : روبرت باسويل ؛ إنسكلوبيديا البوذية (بالإنكليزية) ، دار كتب ماكميلان 2003 [92]

 أنظر : أرثر نويلاين باشم ؛ إصول وتطور الهندوسية الكلاسيكية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1989 [93]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مالك بن نبي والمشروع الإسلامي للإقتصاد / مجلة الإجتهاد ، بيروت ، العدد 37 ، خريف 1997   [94]

 – أنظر الهامش في هنتنجتون ؛ المصدر السابق ، ص 39 [95]

 – المصدر السابق ، ص 39 [96]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 42 – 45 [97]

 – عبد الوهاب البياتي ” الذي يأتي ولا يأتي ، الطبعة الأولى ، دار الأداب 1969 (69 صفحة) .[98]

 – نتنتجتون ؛ المصدر السابق ، ص 42 [99]

 – المصدر السابق [100]

 – وهو التقليد الذي أرسى قواعده الرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك (1881 – 1938) وهو في الأصل ضابط تركي ، ومن ثم رجل سياسي [101]

من الإصلاحين ، وهو أول رئيس وزراء ورئيساً لتركيا الحديثة . ولكونه المؤسس لتركيا الحديثة ، فيُطلق عليه لقب ” الأب لتركيا ” وقد حصل على هذا اللقب عام 1934 وحرم البرلمان التركي من إطلاق هذا اللقب على أي شخص بعده . وفعلاً فقد كان ضابطاً في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى ، وبعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، قاد أتاتورك الحركة القومية التركية وخصوصاً خلال حرب الإستقلال التركية ، وأسس حكومة محافظة أنقره . ومن ثم هزم قوات التحالف وإنتهت حملته العسكرية بإنتصار تركيا في حرب الإستقلال . ومن ثم باشر أتاتورك برنامجاً سياسياً إقتصادياً ، وإصلاح حضاري تتوج بتحويل الإمبراطورية العثمانية السابقة إلى دولة قومية علمانية حديثة . وتحت قيادته أسس ألاف المدارس وجعل التعليم الأولي مجاني وإجباري ، ومن ثم منح النساء حقوقهن المدنية والسياسية المتساوية ، وخفف الضرائب من المزارعين . والحقيقة إن مبادئ أتاتورك في الإصلاح هي التي نهضت عليها تركيا الحديثة والتي يُطلق عليها ” تركيا الكمالية ” نسبة إلى الرئيس التركي ” مصطفى كمال أتاتورك ” . للتفاصيل أنظر : أندرو جيمس مانكو ؛ أتاتورك : السيرة الذاتية لمؤسس تركيا الحديثة (بالإنكليزية) ، مطبعة أوفرلوك 2002 .

 – هنتنجتون ؛ المصدر السابق [102]

 – المصدر السابق ، ص 44 [103]

 – للتفاصيل أنظر : صماويل هنتنجتون ؛ من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية (بالإنكليزية) ، دار نشر سايمون وشوستر 2004 (يتألف من[104]

448 صفحة) .

 – أنظر المصدر السابق [105]

 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القدوة : دراسة تحليلية في مواصفات الشخصية المثالية ، نشرة وزارة االتعليم العالي – جامعة الموصل ، مطابع [106]

التعليم العالي 1990 ،  وفيه حديث عن الكونفوشيوسية ،  ص ص 50 – 54  

 – أنظر للتفاصيل المصدر السابق (والكتاب من القطع الكبير وتألف من 168 صفحة) .[107]

 – هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 45  [108]

 – أنظر المصدر السابق [109]

 – أنظر للتفاصيل : أوليفر ألفانسو برنكلي ؛ المسيحية الغربية وإنتشار الشيوعية (بالإنكليزية) ، جامعة فرجينيا 1951 (تألف من 176 صفحة) .[110]

 – أنظر : هنتنجتون ؛ المصدر السابق [111]

 – المصدر السابق ، ص 46 [112]

 – المصدر السابق [113]

 – المصدر السابق ، ص 47 [114]

 – وهو ” ديفيد كيث ماككيوردي ” (ولد في 30 أذار 1950) محامي وسياسي محافظ عضو ديمقراطي في الكونكرس الأمريكي ، ورئيس مؤسسة [115]

الغاز الأمريكية . تخرج من  جامعة مدينته أوكلاهوما عام 1972 ومن ثم حصل في العام 1975 على درجة القانون من الجامعة ذاتها . ودرس الإقتصاد العالمي في جامعة أدنبرا في إسكتلندا . وخدم في القوات الجوية الأمريكية ووصل إلى درجة كابتن ، وعمل مساعداً للمدعي العام لولاية أوكلاهوما وبالتحديد من عام 1975 وحتى عام 1977 . وكان عضواً في الكونكرس الأمريكي للفترة الممتدة من عام 1981 وحتى عام 1995 ، وهو متخصص في الأمن القومي وقضايا المخابرات … للتفاصيل أنظر : جورج ستيفن أبولص ؛ كلهم إنسانيون : التربية السياسية (بالإنكليزية) ، دار نشر لتل بروان وشركاؤه 2000  

 – هنتنجتون ؛ صدام الحضارات (مصدر سابق) [116]

 – المصدر السابق ، ص ص 47 – 48 [117]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 48 [118]

 – أنظر المصدر السابق [119]

 – المصدر السابق [120]

 – للتفاصيل أنظر المصدر السابق ، ص ص 48 – 49 [121]

 – المصدر السابق ، ص 49 [122]

 – المصدر السابق [123]

 – أنظر للتفاصيل : المصدر السابق [124]

 – مثلاً حدث في عالمنا العربي والإسلامي جدل حول ” تصادم الحضارات ” قاده رجال دين وكانت مصادرهم على الأغلب خلاصات ونُقول  [125]

مترجمة من الإنكليزية وترجمات من لغات أوربية متنوعة .

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادام الحضارات : إعادة بناء النظام العالمي (بالإنكليزية) ، دار نشر سايمون وشوستر 1996 [126]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف والتاريخ : نماذج من التأويل الفلسفي للتاريخ ، مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، [127]

الفصل الثالث والمعنون ” التأويل الجيولوجي – البايولوجي للتاريخ ” ، ص ص 41 – 69

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور فيلسوف التاريخ الألماني هرمان دي كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي / ثلاثة أقسام / جريدة[128]

البلاد اللندنية – كندا الأعداد التالية : 117 سبتمبر 2011 ، 118 إكتوبر 2011 و119 نوفمبر 2011 ، وكذلك أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ موزائيك إسلامي : دعوة لصياغة مشروع سياسي نهضوي مدني / صحيفة الناس البغدادية / العدد 90 الأربعاء 7 أيلول 2011 .

 – أنظر : توينبي ؛ إنهيار الحضارات ، المجلد الرابع من موسوعته ” دراسة التاريخ (مصدر سابق) [129]

 – أنظر : المصدر السابق ، المجلد الخامس والسادس (مصدر سابق) .[130]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ ” نموذج من التأويل الوجودي للتاريخ ” ، المصدر السابق ، الفصل الرابع ، ص ص 71 – 114 [131]

 – للتفاصيل أنظر : بول كوسمين ؛ أرض الملوك الفيلة : المكان والأرض وأيديولوجيا الإمبراطورية السلوقية ، مطبعة جامعة هارفرد 2014 [132]

 – لأكثر من التفاصيل أنظر : ستيفن أوشي ؛ بحر الإيمان : الإسلام والمسيحية في البحر المتوسط خلال العصور الوسطى ، شركة والكر ، [133]

نيويورك 2006  

 – أنظر : فرنسيس فيكوياما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير (مصدر سابق) . وهو في الأصل مقالة ومن ثم قام بتوسيعها ، وسبق إن نشرها [134]

وبعنوان ” نهاية التاريخ ” ، مجلة ” المصالح القومية ” ، صيف 1989  

 – للتفاصيل أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات : إعادة بناء النظام العالمي (مصدر سابق)  [135]

 – للتفاصيل أنظر : ريتشارد روبنسن وجاري كروكر ؛ تحديات هنتنجتون (بالإنكليزية) ، منشور في مجلة ” السياسة الأجنبية ” ، العدد 96 ،   [136]

خريف 1994 ، ص ص 113 – 128

 – أنظر : سيزابارو ساتو ؛ تصادم الحضارات أو إعادة بناء الذات خلال التعليم المتبادل (بالإنكليزية) ، معهد أوكاموتو للبحث والشؤون الدولية ،[137]

طوكيو ، إكتوبر 1997

 – أنظر : فرنسيس فيكوياما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير (مصدر سابق)[138]

 – أنظر : صامويل هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات : إعادة تشكيل النظام العالمي (مصدر سابق) [139]

 – أنظر : سيزابارو ساتو ؛ المصدر السابق [140]

 – أنظر المصدر السابق [141]

 – أنظر : المصدر السابق [142]

 – المصدر السابق [143]

 – المصدر السابق [144]

 – المصدر السابق [145]

 – المصدر السابق [146]

 – المصدر السابق [147]

 – المصدر السابق [148]

 – أنظر : إيرول هندرسن وريتشارد توكر ؛ الوضوح وحضور الغرباء : صدام الحضارات والصراع الدولي ، المجلة الفصلية ” دراسات دولية ” ،[149]

العدد 45 سنة 2001 ، ص ص 317 – 338

 – أنظر ألمصر السابق [150]

 – أنظر للتفاصيل : روبن أندرو (المشرف والناشر) ؛ الإنسانية ، الحرية والنقد : أدورد سعيد وما بعد (كتاب جماعي بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة[151]

جورج تاون ، واشنطن 2005 ، ومن الجدير بالذكر إن شقيقة الدكتور سعيد ، الدكتورة ” روزماري سعيد زحلان ” (1937 – 2006)هي الأخرى أكاديمية ولها مؤلفات عن دول الخليج العربي مثل ” الكويت “و ” البحرين “و ” قطر ” و” الإمارات العربية ” و ” عمان ” و ” فلسطين ودول الخليج ” وهي ممثلة وكاتبة مسرح كذلك …

 – أدورد سعيد ؛ تصادم الجهل (بالإنكليزية) ، مجلة الأمة ، 22 إكتوبر 2001 [152]

 – أنظر : هنتنجتون ؛ تصادم الحضارات (مصدر سابق) ، ص 25 [153]

 – أنظر المصدر السابق [154]

 – المصدر السابق [155]

 – المصدر السابق [156]

 – أنظر : كليبرت مويلر ؛ قارئ العالم الجديد : التفكير والكتابة عن المجتمع العالمي ، دار هوفتن مايفلين 2007 [157]

 – فؤاد عجمي ؛ مصير عدم الإنحياز (بالإنكليزية) ، مجلة الشؤون الأجنبية ، شتاء 1980 / 1981 [158]

 – أنظر : الأخبار الأمريكية وتقرير العالم ، 24 آب عام 2010 [159]

 – فؤاد عجمي ؛ المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1992 وتألف من [160]

300 صفحة ، والنشرة الأولى صدرت عام 1981 .

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ الإمام المُغيب : موسى الصدر وشيعة لبنان (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة كورنيل – نيويورك 1986 ، والكتاب يتألف[161]

من 228 صفحة .

 – أنظر إيليا ريد و فؤاد عجمي ، بيروت : مدينة الندم (بالإنكليزية) ، نشرة دار نورتن 1988 .[162]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ قصر العرب الوردي (الحالم) : جيل أوديسا (بالإنكليزية) ، نشر در كتب فاينتج 1999 [163]

 – أنظر ؛ فؤاد عجمي ؛ هبة الأجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق (مصدر سابق)[164]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ في رحيل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي ، موقع الفيلسوف 27 حزيران 2014 [165]

 – أنظر: الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الطرف السياسي من عمل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي ، موقع الفيلسوف ، 2 تموز 2014 [166]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ الإستدعاء (بالإنكليزية) ، مجلة شؤون أجنبية ، 74 / 4 ، سبتمبر – إكتوبر 1993 ، ص 2[167]

  أنظر : فؤاد عجمي ؛ المصدر السابق  -[168]

 – فؤاد عجمي ؛ مقالة التصادم (بالإنكليزية) ، منشورة في ” نيويورك تايمز ” / مراجعة كتاب ، 6 كانون الثاني 2008 [169]

 – المصدر السابق [170]

 – المصدر السابق [171]

 – المصدر السابق [172]

 – أنظر : طارق علي ؛ تصادم المتطرفين : الصليبيون والجهاديون والحداثة (بالإنكليزية) ، دار نشر فيرسو 2003 (يتكون من 432 صفحة) [173]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ طارق علي وتصادم المتطرفيين : الصليبيون والجهاديون والحداثة ، موقع الفيلسوف / مقالات قادمة[174]

 – للتفاصيل أنظر : طارق علي ” المصدر السابق [175]

———————————————————————————————–

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق