الفيلسوف البريطاني جلبرت رايل ورائعته الأبستمولوجية مفهوم العقل

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(19)

مارس  – نيسان  2017


تصدر مرة كل شهرين

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء إبراهيم خليل

رئيس التحرير                     سكرتيرة التحرير

————————————————————————————–

الفيلسوف البريطاني جلبريت رايل

ورائعته الإبستمولوجية 

مفهوم العقل (1949) [1].

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————————————————————

تقديم :

  لاحظنا إنه إضافة إلى المدخل ألذي كتبته جولي تاني (ص ص 9 – 57) . فقد تقدم هذا المدخل المحتويات (ص ص 5 – 7 حسب الترقيم الروماني) . ولعل الملفت للنظر إنه تقدم هذه المحتويات عبارة إعلانية إعلامية للفيلسوفة الأمريكية الفيتجنشتاينية كورا دايموند[2] (1937 – ) والتي كانت تعمل يوم كتبت هذه العبارة في جامعة فرجينا وقالت دايموند فيها ” هذه نشرة إلى عمل رايل الكلاسيكي . وضم دراسة نقدية جوهرية كتبتها جولي تاني والتي سهلت فيها إعادة تقويم عمل رايل الثوري (هكذا وردت) والذي حمل عنوان مفهوم العقل . وإن مقالة جولي تاني فيها تحدي لكل أوجه المفاهيم المتداولة عن فكر رايل (وهذا الكلام لا نتفق فيه مع الفيلسوفة الفيتجنشتاينية الأمريكية كورا دايموند) . إلا إننا نتفق معها في الجزء الأخير من عبارتها الإعلامية والتي قالت فيها ” غير إن معالجة جولي تاني إلى رايل ، هي معقدة وشفافة ، كما وإنها مُنفتحة إلى طرق جديدة من التفكير ، وخصوصاً في كل من فلسفة العقل وفلسفة اللغة [3]. وكذلك تقدمها تعريف مقتضب جدا جدا بالكاتبة جولي تاني ، وذهب إلى إن جولي تاني ” تعمل محاضرة سنير للفلسفة في جامعة كينت ، وهي محاضرة زائرة في كل من جامعة بيكاردي والسوربون – باريس ” [4].  

  ومن ثم جاءت عبارة تعريفية خجولة بحجمها عن الفيلسوف البريطاني جليبرت رايل والتي جاء فيها ” كان جليبرت رايل محاضراً للفلسفة في كلية المسيح – جامعة أكسفورد . وفي عام 1945 هم إنتخابه رئيساً لقسم الفلسفة الميتافيزيقية وظل يعمل في هذا المنصب حتى تقاعده سنة 1968 . كما وكان رئيس تحرير مجلة العقل ولفترة إمتدت أكثر من خمس وعشرين سنة ” [5]. وأخيراً جاءت الفقرة الإفتتاحية لهذا الكتاب وبعنوان مفهوم العقل ، وتم فيها الإشارة إلى إن ” كتاب رايل طُبع لأول مرة سنة 1949 . وهو واحد من كلاسيكيات فلسفة القرن العشرين . والتي وصفها رايل بأنها ” رائعة نهضت على التحليل الصارم (الذي يشبه فعلها فعل السكين الحاد القاطع) للثنائية الديكارتية لمفهوم العقل وهي مُثابرة راديكالية . صحيح إنها أثارت الجدل حول تحليلها لما يُسمى شبحُ في الماكنة . وهو وصف بالطبع لمقولة ديكارت والقائلة إن الجسم والعقل هما وجودان منفصلان . إضافة إلى رفض رايل إلى الثنائية الديكارتية ، فإنه ذهب إلى أبعد من ذلك كثيراً . حيث إنه جادل النظريات المادية والوظيفية المعاصرة للعقل ، والتي فشلت ولم تتمكن من حل لغز الديكارتية وخصوصاً في قضاياها الأساسية والخاطئة ، وبسبب إن هذه القضايا الخاطئة إرتبطت بمشكلات من مثل السببة العقلية والعقول الأخرى . كما وإن رايل بنى حالته على تفسير رائع وجميل للإرادة ، العاطفة ، المعرفة الذاتية ، الإحساسات ، الملاحظة ، الخيال والفكر . كما إن بعض المشكلات التي عالجها ومن مثل التمييز بين ” معرفة كيف ومعرفة ذلك ” فإن فيها تحد لبعض فرضيات الفلسفة والتي لازالت مستمرة وتمارس تأثيرها على الفلسفة المعاصرة [6].

تأمل في رائعة جليبرت رايل : مفهوم العقل

 تكون كتاب الفيلسوف البريطاني جليبرت رايل مفهوم العقل ” من مدخل كتبته جولي تاني وكان بعنوان إعادة التفكير برايل : مناقشة نقدية . وبالطبع هذا المدخل كُتب في مرحلة جداً متأخرة وكنا نتمنى أن يُكتب في حياة رايل وربما كان له صوت يقول رأيه فيما كتبت جولي تاني . تألف مفهوم العقل بحد ذاته وكما تركه الفيلسوف جليبرت رايل من عشرة فصول . ولأهمية هذا الكتاب في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة فضلنا أن نقف عند عتباته . وتعقيبنا الختامي خصصنا وقفة تأمل عن مدخل جولي تاني : إعادة التفكير بجليبرت رايل : مناقشة نقدية .

  بدأ كتاب مفهوم العقل ، بمدخل كتبه الفيلسوف جليبرت رايل في نشرته الأولى سنة 1949. ولهذ نحسب إن الكاتبة جولي أتاني عندما كتبت مدخلاً آخراً خلقت من الناحية الميثديولوجية  نوعاً من الأرباك غير المبرر وكان عليها بدلاً من ذلك أن تختار عنواناً أخر من مثل مقالة شارحة أو قراءة ومن ثم تضيف عنوانها إعادة التفكير برايل : مناقشة نقدية . وفعلاً فقد جاء الحل من الفيلسوف رايل وهو الميت الحي ، فكان مدخلاً مقتضباً تألف من صفحتين وبضعة أسطر ومر علينا مقاماً مريحاً [7]. ولذلك تلحظ إن المدخل لم يكن جزء من الفصل الأول وإنما ترقيمه جاء ترقيماً رومانيا وليس له جسور إتصال بالفصل الأول . وهذه مسألة فيها ضعف من الناحية المنهجية . على كل هذا قدرنا بعد موت الفيلسوف رايل وإعادة نشر الكتاب من جديد وبمدخل جديد تكتبه جولي تاني . 

  بدأ كتاب مفهوم العقل بترقيم جديد وبالفصل الأول (والذي إستمر الكتاب بترقيم الفصول معتمداً نظام الترقيم الروماني مثل الفصل الأول 1 ألفصل الثاني 11 ، الفصل الثالث 111 وهكذا) وكان عنوان الفصل الأول إسطورة ديكارت [8]. ودرس فيه جليبرت رايل خمسة قضايا وجاءت بالصورةالأتية : (1) العقيدة الرسمية [9]. (2) سخف (أو فساد) العقيدة الرسمية [10]. (3) أصل مقولة – الخطأ [11]. (4) الملاحظة التاريخية [12]. وتلاه الفصل الثاني وكان بعنوان معرفة كيف ومعرفة ذلك [13]. وتناول فيه عشرة مباحث ، وهي : (1) تصدير [14]. (2) الذكاء والعقل [15]. (3) معرفة كيف ومعرفة ذلك [16]. (4) دوافع الإسطوري العبقري [17]. (5) في ذهني (رأسي) [18]. (6) التفسير الإيجابي لمعرفة كيف [19]. (7) إمكانية العبقري تُعارض العادات [20]. (8) تدريب العبقري (الذكي) [21]. (9) الفهم وسوء الفهم [22]. (10) سولبسيزم أو نظرية الأنا [23].

  وتبعه الفصل الثالث والذي حمل عنوان الإرادة [24]. وعالج فيه الفيلسوف جليبرت رايل المحاور الآتية : (1) تصدير [25]. (2) إسطورة الإرادات [26]. (3) التمييز بين الإختيار والإجبار [27]. (4) حرية الإرادة [28]. (5) دونية (النزعة) الميكانيكية [29].

 ومن ثم جاء الفصل الرابع وكان بعنوان الإنفعال (أو العاطفة) [30]. وإستهله رايل بما يشبه المدخل أو : (1) التصدير [31]. وتبعته دراسات بحثت في أوجه مختلفة من الإنفعالات وجاءت بالتسلسل الذي إقترحه رايل (وهكذا) : (2) المشاعر تُعارض الميول [32]. (3) الميول تُعارض الهيجان (الإثارة) [33]. (49 المزاج [34]. (5) الإثارة والمشاعر [35]. (6) المتعة والرغبة [36]. (7) كرتريا (معايير) الدوافع [37]. (8) بواعث وأسباب الأفعال [38]. (9) الخلاصة [39].

  اما الفصل الخامس فقد لاحظنا إنه كان من خلال عنوانه ، مُخصصاً إلى بحث التصرفات والحوادث [40]. ووزعه في العديد من المحاور وبدأه بما يشبه المقدمة القصيرة وتلتها المحاور وجاءت بالصورة الآتية : (1) التصدير [41]. (2) منطق قضايا التصرفات [42]. (3) القدرات العقلية والنزعات (الميول) [43]. (4) الحوادث العقلية [44]. (5) الإنجازات [45]. وبعد ذلك خصص الفيلسوف جليبرت رايل ، الفصل السادس لمضمار معرفة الذات [46]. ووزعه في الأطراف الآتية  : (1) تصدير [47]. (2) الوعي [48]. (3) الإستبطان [49]. (4) معرفة الذات (دون إمتيازات) [50]. (5) الإستكشاف عن طريق الكلام (غير المدروس) [51]. (6) الذات [52]. (7) المرواغة المنهجية للأنا (مفهوم أنا) [53].

  وكان عنوان الفصل السابع الإحساسات والملاحظة [54] وتناول فيه العديد من الموضوعات الفلسفية والتي تخص أطراف من الأبستمولوجيا (نظرية المعرفة) وجاء بحثها تحت العناوين الآتية : (1) تصدير [55]. (2) الإحساسات [56]. (3) نظرية المعطيات الحسية [57]. (4) الإحساسات والملاحظة [58]. (5) الفينومونيلزم (الظاهراتية) [59]. (6) مراجعة التفكير (أو إعادة التفكير) [60]. ولاحظنا إن جليبرت رايل ردد ما قاله في بداية كتاب مفهوم العقل ، وأعاد ذكره هنا وأفاد ” أنا قلت في التصدير بأن هناك أشياء سيُعاد كشفها مع مناقشة هذا الفصل وبالتحديد عندما نُعالج ما نعرف وكيف نتداول مفهوم أو مفاهيم الحواس . وتكلمنا مع شعور بالندم وذلك لعدم توافر عبارات لشبكة حواسنا .. وخصوصاً للحواس التي تُركز على الرؤيا والنظر ، والحواس التي تُركز على الأصوات والسمع [61].

  ومن ثم درس الفصل الثامن من هذه الرائعة الفلسفية المعاصرة مضمار الخيال [62]. وبالطبع لاحظنا ، إنه حسب منهجية البروفسور رايل في كتابة هذه الرائعة (وبالتحديد فصولها) ، فإن هناك تصدير تقدمها ، وهو كما قلنا عبر هذا المقال إنه يشبه المقدمة والتي يسرت له مهمة الإنتقال إلى المحاور التي وزع فيها مادة كل فصل من هذه الفصول . وحقيقة إن هذا الفصل لم يختلف عن منهجية كل فصول الكتاب السابقة واللاحقة . ولهذا نعود إلى الفصل الثامن وبالتحديد إلى مضمار الخيال ونقف عند عتبات الزاويتين الأبستمولوجية والميثديولوجية . وبالطبع هما طرفان تميزت بهما رائعة جليبرت رايل والتي حملت عنوان مفهوم العقل . ولهذا لاحظنا الفصل الثامن  تكون من المحاور الآتية : (1) تصدير [63]. (2) التصوير والرؤية [64]. (3) نظرية التصوير ذات الطابع الخاص [65]. (4) التخيل [66]. (5) مفهوم التظاهر [67]. (6) التظاهر ، التخيل والتصوير [68]. (7) الذاكرة [69].

  وإنشغل الفصل التاسع من هذه الرائعة الفلسفية الأبستمولوجية ، بطرف أخر من الأبستمولوجيا والذي حمل عنوان الفكر [70]. ولاحظنا إنه في بداية التصدير لهذا الفصل ، قال جليبرت رايل : بإنه ” لحد الآن أنا قُلتُ القليل الإيجابي حول العقل ، أو الفهم ، حول الفكر ، الحكم ، الإستدلال أو المفهوم . حقاً إن ما قلته هو قليل . وهو بصورة كبيرة يحتوي على نزعة إنكماش ، ومنذ جادلت ضد الفرضية العامة .. ” [71]. تألف هذا الفصل من : (1) تصدير [72]. (2) ترسيم (أو خارطة) العقل [73]. (3) نظريات التركيب ، الإمتلاك (الحيازة) والإستثمار [74]. (4) تداول الحدود الأبستمولوجية وسوء إستعمالها [75]. (5) الكلام (القول) والتعليم [76]. (6) أسبقية الفكر [77]. (7) الأبستمولوجيا [78].

   وأخيراً جاء الفصل العاشر من رائعة الفيلسوف البريطاني جليبرت رليل ، والذي حمل عنوان السايكولوجيا [79]. وهو فصل جاء يحمل إشكالاً منهجياً إضافة إلى حجمه القصير مقارنة بحجم صفحات الفصول التسعة السابقة . ومن طرف الإشكال المنهجي لهذا الفصل ، فإننا لاحظنا إن الفيلسوف جليبرت رايل قد تخلى عن منهجيته التي إلتزم بها في عموم الفصول التسعة السابقة . فمثلاً بدأت الفصول التسعة بتصدير هو مقدمة أو ما يشبه المدخل إلى الفصل . إلا إن القارئ للفصل العاشر سيشعر بخيبة أمل لا مبرر لها وهو تغيب التصدير منها . وبدلاً من التصدير بدأ الفصل بالحديث عن ” بروغرام السايكولوجيا ” أو بالعربية ” برنامج علم النفس ” . وتضمنت مادة ” منهج علم النفس ” إعلان وتوضيح وربما إعتذار ، حيث قال الفيلسوف جليبرت رايل ” في مضمار هذا الكتاب قُلت القليل حول علم السايكولوجي [80].

تعقيب ختامي :

  يبدو إن هذا الفصل هو الفصل الناقص من رائعة مفهوم العقل التي كتبها الفيلسوف البريطاني جليبرت رايل في عام 1949 . وهو الفصل الوحيد من بين فصوله العشرة الذي تكون من محوريين ومحورين يتيمين فقط ؛ (1) بروغرام السايكولوجي [81]. (2) السلوكية [82]. وإنتهى هذا الفصل ناقصاً إلى الآبد وذلك لأنه إنطفأ عند عتبات السلوكية ولم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام [83].

   ورغم هذا الحال فإننا لاحظنا إن هناك ما يشبه الخاتمة والتي قال فيها جليبرت رايل ” وإذا ما حاولنا في النتيجة ، أن نُثابر ونعقد مقارنة للثمار النظرية التي جاءت بها قصة العقل عند كل من هوبز [84]وجاسندي [85]، والثمار التي حملتها رواية العقل عند الديكارتيون . فإننا دون شك سنمنحُ القصة الديكارتية بُعداً أكثر إنتاجية [86].  ومن ثم  إنتهت هذه الرائعة بفهرست للإصطلاحات التي وردت في الكتاب [87].

———————————————————————————————–  

الهوامش    

 – أنظر : جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل ، ط الأولى ، دار نشر هوشنسن ، سنة 1949 . ومن ثم ظهرت طبعة جديدة ، دار نشر روتليدج ، سنة [1]

2000 مع فصل وبعنوان ” إعادة التفكير بجليبرت رايل : مفهوم العقل مناقشة نقدية  ” كتبته جولي توني (وتكون من 48 صفحة وحسب الترقيم الروماني (اللاتيني) وفيها إعادة للمتدوال والشائع في الكتابات عن فلسفة رايل خلال القرن الماضي) . وفي النهاية جاءت في الهامش ، ص 57 إلى إن المدخل ترجمه (ب . إمبروز) إلى الفرنسية . 

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوفة الفيتجنشتاينية الأمريكية كورا دايموند ، دورية الفيلسوف ، العدد القادم . [2]

 – أنطر عبارة الفيلسوفة الأمريكية الفيتجنشتاينية كورا دايموند ، منشورة في الصفحات الأولى من كتاب جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل ، دار نشر [3]

روتليدج ، لندن سنة 2009 .  

 – أنظر : جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل (مصدر سابق) . [4]

 – أنظر المصدر السابق . [5]

 – المصدر السابق  ، [6]

 – المصدر السابق ، ص ص 1 – 3 . [7]

 – أنظر : جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل (مصدر سابق) ، ص ص 1 – 13 . [8]

 – المصدر السابق ، ص ص 1 – 5 . [9]

 – المصدر السابق ن ص ص 5 – 8 . [10]

 – المصدر السابق ، ص 8 – 12 . [11]

 – المصدر السابق ، ص ص12 – 13 . [12]

 – المصدر السابق ، ص ص 14 – 48 . [13]

 – المصدر السابق ، ص 14 . [14]

 – المصدر السابق ، ص ص 14 – 16 . [15]

 – المصدر السابق ، ص ص 16 – 20 . [16]

 – المصدر السابق ، ص ص 21 – 24 . [17]

 – المصدر السابق ، ص ص 24 – 28 . [18]

 – المصدر السابق ، ص ص 28 – 30 . [19]

 – المصدر السابق ، ص ص 30 – 33 . [20]

 – المصدر السابق ، ص ص 33 – 39 . [21]

 – المصدر السابق ، ص ص 39 – 47 . [22]

 – المصدر السابق ، ص ص 47 – 48 . [23]

 – المصدر السابق ، ص ص 49 – 68 . [24]

 – المصدر السابق ، ص 49 . [25]

 – المصدر السابق ، ص ص 50 – 55 . [26]

 – المصدر السابق ، ص ص 56 – 61 . [27]

 – المصدر السابق ، ص ص 61 – 62 . [28]

 – المصدر السابق ، ص ص 62 – 68 . [29]

 – المصدر السابق ، ص ص 69 – 99 . [30]

 – المصدر السابق ، ص ص 69 – 70 . [31]

 – المصدر السابق ، ص ص 70 – 77 . [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 77 – 83 . [33]

 – المصدر السابق ، ص ص 84 – 89 . [34]

 – المصدر السابق ، ص ص 89 – 91 . [35]

 – المصدر السابق ، ص ص 91 – 94 . [36]

 – المصدر السابق ، ص ص 94 – 97 . [37]

 – المصدر السابق ، ص ص 97 – 98 . [38]

 – المصدر السابق ، ص ص 98 – 99 . [39]

 – المصدر السابق ، ص ص 100 – 135 .[40]

 – المصدر السابق ، ص ص 100 – 101 . [41]

 – المصدر السابق ، ص ص 101 – 109 . [42]

 – المصدر السابق ، ص ص 109 – 118 . [43]

 – المصدر السابق ، ص ص 118 – 131 . [44]

 – المصدر السابق ، ص ص 131 – 135 . [45]

 – المصدر السابق ، ص ص 136 – 178 . [46]

 – المصدر السابق ، ص ص 136 – 138 . [47]

 – المصدر السابق ، ص ص 138 – 145 .[48]

 – المصدر السابق ، ص ص 145 – 149 . [49]

 – المصدر السابق ، ص ص 149 – 161 . [50]

 – المصدر السابق ، ص ص 162 – 166 . [51]

 – المصدر السابق ، ص ص 166 – 174 . [52]

 – المصدر السابق ، ص ص 175 – 178 . [53]

 – المصدر السابق ، ص ص 179 – 221 . [54]

 – المصدر السابق ، ص ص 179 – 181 . [55]

 – المصدر السابق ، ص ص 181 – 189 . [56]

 – المصدر السابق ، ص ص 189 – 200 . [57]

 – المصدر السابق ، ص ص 200 – 212 . [58]

 – المصدر السابق ، ص ص 212 – 217 . [59]

 – المصدر السابق ، ص ص 217 – 221 . [60]

 – المصدر السابق ، ص 217 . [61]

 – المصدر السابق ، ص ص 222 – 254 . [62]

 – المصدر السابق ، ص ص 222 – 223 . [63]

 – المصدر السابق ، ص ص 223 – 225 . [64]

 – المصدر السابق ، ص ص 225 – 232 . [65]

 – المصدر السابق ، ص ص 232 – 234 .  [66]

 – المصدر السابق ، ص ص 234 – 240 . [67]

 – المصدر السابق ، ص ص 240 – 248 . [68]

 – المصدر السابق ، ص ص 248 – 245 . [69]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 291 .[70]

 – المصدر السابق ، ص 255 . [71]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 256 . [72]

 – المصدر السابق ، ص ص 256 – 260 . [73]

 – المصدر السابق ، ص ص 260 – 266 . [74]

 – المصدر السابق ، ص ص 266 – 282 . [75]

 – المصدر السابق ، ص ص 282 – 287 . [76]

 – المصدر السابق ، ص ص 287 – 290 . [77]

 – المصدر السابق ، ص ص 290 – 291 . [78]

 – المصدر السابق ، ص ص 292 – 303 . [79]

 – المصدر السابق ، ص 292 . [80]

 – المصدر السابق ، ص ص 292 – 300 . [81]

 – المصدر السابق ، ص ص 300 – 303 . [82]

 – المصدر السابق ، ص 303 . [83]

 – الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1588 – 1679) وهو واحد من المؤسسين للفلسفة السياسية الحديثة . وهوبز مشهور برائعته التي حملت  [84]

عنوان لوياثان (وحش البحر أو مونستر البحر) والذي طبعه سنة 1651 . والإسم مشتق من لوثان الإنجيلي . وأسس فيه هوبز نظرية العقد الأجتماعي والتي يُنظر إليها إلى إنها من أسس الفلسفة السياسية الغربية . كما وساهم هوبز في حقول علمية متنوعة من مثل التاريخ ، فقه القانون ، الهندسة والفيزياء واللاهوت والأخلاق والفلسفة على وجه العموم . وبسبب وجهة نظره حول الدين في رائعته لوياثان ، فقد أتهم هوبز بالإلحاد . وهي قضية لا يزال الجدل حولها بين الأكاديميين . ومن مؤلفات هوبز الأولى ترجمته من اللاتينية لمسرحية ميديا (سنة 1602) التي كتبها الكاتب المسرحي اليوناني يوربيديس وهي اليوم من الكتب الضائعة . ومن مؤلفاته التي نُشرت بعد وفاته ، ثلاثية صدرت في عام 1682 . وهذه الثلاثية في الحقيقة هي محض ترجمات إلى الإنكليزية وجاءت بالشكل الآتي : المشكلات الفلسفية السبعة ، حديقة الأوراد الهندسية وبعض المبادئ والمشكلات الهندسية . للتفاصيل أنظر : 1 – أس . أي . لويد (الإشراف) ؛ صُحبة بلومزبري إلى توماس هوبز ، دار نشر أمب وبلاك ، سنة 2012 (تألف من 368 صفحة) . 2 – ج . روجرز وأي . راين (الإشراف) ؛ وجهات نظر حول توماس هوبز ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد سنة 1988 (تألف من 209 صفحة إضافة إلى المقدمة) .

 – الفيلسوف الفرنسي بيير جاسندي (1592 – 1655) وهو شخصية فرنسية متعددة الإهتمامات و متفردة . فقد لاحظنا إنه كان فيلسوفاً ورجل دين  [85]

(قس) . كما كان عالم فلك يعتمد على الملاحظات وعالم رياضيات . وكان في باريس التي صرف فيها الكثير من وقته ، يقود مجموعة من رجال الفكر الحر . وجاسندي كان واحد من أوائل المفكرين الذين صاغوا ” وجهة نظر علمية  ” . ووجد جاسندي طريقاً بين ” الشكية ” و ” اليقينية ” وبين ” الشكية ” و ” التجريبية ” . وتقاطع جاسندي مع معاصريه الفيلسوف الفرنسي ديكارت وبالتحديد حول المعرفة اليقينية . ومن مشاريع جاسندي العقلية المشهورة ، هو محاولته المصالحة بين  ” الذرية الأبيقورية ” و ” المسيحية ” . وكتب جاسندي عدد كبير من الأعمال من أهمها : شرح على سيرة أبيقور (الكتاب العاشر من موسوعة ديوجانس لارتيوس : سيرة أبيقور) . وله كتب نقدية على أرسطو ، ديكارت ، والطبيب الإنكليزي روبرت فلود (1574 – 1637) والفيلسوف والشاعر والدوبلوماسي في مملكة إنكلترا هربرت شروبري (1583 – 1648) . كما وله كتاب هو في الحقيقة مراجعة لمنطق أو ديالكتيك آرسطو . وله كتاب آخر هو إعتراضات على تأملات ديكارت . والحقيقة إن الأبيقوري الإنكليزي والتر شارلتون (1619 – 1707) قد أعاد إنتاج ” سيرة أبيقور ” سنة 1654 (وبالطبع هي جزء من موسوعة ديوجانس لارتيوس) . للتفاصيل أنظر : سول فيشر ؛ “ جاسندي ” ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة ، سنة 2009 .  

 – المصدر السابق ، ص 302 .[86]

 – المصدر السابق ، ص ص 304 – 314 . [87]

———————————————————————————————————————————————————–

نُشِرت في Uncategorized | الوسوم: , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

لودفيغ فيتجنشتاين فيلسوفاً مُلهماً لحركة فلسفية جديدة

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(18)

جنيوري – فبروري 2017


تصدر مرة كل شهرين

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء إبراهيم خليل

رئيس التحرير                     سكرتيرة التحرير

————————————————————————————–

لودفيغ فيتجنشتاين 

فيلسوفاً مُلهماً لحركة فلسفية جديدة

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————————–

المقدمة

  تُعدُ كتابات الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين برأي عدد من الأكاديميين الغربيين وخصوصا بمنظار صديق ورفيق فيتجنشتاين البروفسور جورج هنريك فون رايت (1916 – 2003) [1]، مثالاً وعينة ممتازة تُمكننا من دراسة تطور تفكير فيتجنشتاين الفلسفي . فمن المُلاحظ إن المرحلة الأولى المبكرة من تفكيره قدمها كتابه الذي حمل عنواناً باللغة اللاتينية وهو تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس وباللغة العربية رسالة فلسفية منطقية . بينما جسد المرحلة الثانية المتأخرة من تطوره الفلسفي كتابه الذي حمل عنوان أبحاث فلسفية . وعلى أساس هذا الفهم يمكن القول إن فيتجنشتاين الفيلسوف المبكر ، كان مهتماً بالعلاقة المنطقية ما بين القضايا والعالم . وحينها كان مؤمناً بأنه في الإمكان تقديم تفسير منطقي لمثل هذه العلاقة والتي يكمن في جوهرها الحل لكل المشكلات الفلسفية . أما فيتجنشتاين الفيلسوف المتأخر ، فقد رفض العديد من فرضيات رسالة فلسفية منطقية . ومن ثم جادل وذهب إلى إن معنى الكلمات هو بحد ذاته أفضل مفهوم ولكن بشرط أن يـأتي من خلال التداول والإستعمال وهو بالتأكيد الطرف الذي يحتل مكانة متقدمة في اللعبة اللغوية لديه حسب فهم الفلاسفة الفيتجنشتانيون الجُدد [2].

  ونظن إن هناك مرحلة ثالثة تتوسط بين المرحلة المبكرة (التي دشنها نشر كتاب رسالة فلسفية – منطقية عام 1921) والمرحلة المتأخرة وهي المرحلة  التي مثلها نشر كتاب أبحاث فلسفية والذي نُشر بعد وفاة الفيلسوف فيتجنشتاين وبالتحديد في عام 1953 . (والثابت المؤكد إن فيتجنشتاين أعد كتاب أبحاث فلسفية للنشر وقدمه للناشر قبل وفاته ومن ثم قام بسحبه ولم ينشره في حياته) . ولكل ذلك نحسب إن المرحلة الثالثة هي مرحلة التوسط والتي حملت مشروع التحول الفلسفي الفيتجنشتايني (والذي تتوج بالمناظرة التي حدثت في عام 1946 بين فيتجنشتاين والفيلسوف النمساوي – البريطاني كارل بوبر (1902 – 1994) والتي ظهرت فيما بعد في كتاب حمل عنوان بوكر فيتجنشتاين (أوراق لعب فيتجنشتاين) : قصة المًحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (فيتجنشتاين وكارل بوبر) [3].  

    كما ونُرجح إن المسألة الأخرى التي تلفُ تراث فيتجنشتاين ، هي المسألة التي تتمحور حول الأثر الذي تركه فيتجنشتاين على كل حقول الإنسانيات والعلوم الإجتماعية . وفعلاً فقد لاحظنا إن هناك تفسيرات متباينة قد ظهرت وتم تداولها عن تفكير فيتجنشتاين . ولعل عبارة صديقه الفيلسوف جورج رايت تعكس ذلك وحيث أفادت :

  إنه كان يعتقد (أي فيتجنشتاين) بالرأي الذي يذهب إلى إن هناك الكثير من الأفكار العامة والتي فيها سوء فهم ، وتشويه لتفكيره . وحتى إن بعض منها نزل من طرف المختصين من مريديه . وهو يشكُ في أن يكون حال المستقبل أفضل في فهم تفكيره . ومرة قال : إنه شعر بأنه يكتب لجمهور يُفكر بطريقة مختلفة ، ويتنفس هواء حياة مختلف من هواء الناس المعاصرين [4]

 هذا كتاب أكاديمي موجه إلى شريحة عريضة من القراء الأكاديميون والجمهور الذي يعشق قراءة الكتب الفلسفية والتي تكتب بأقلام أكاديميين متمرسين في عملية الإنشاء والكتابة الفلسفية . وهذا الكتاب هو حصيلة خبرة أكاديمية في فضاءات الفلسفة إمتدت أكثر من أربعة عقود من الزمن . ولهذا وزعنا مادة هذا الكتاب في ثلاثة أقسام :

الأول – وكان بعنوان لودفيغ فيتجنشتاين : فيلسوفاً ومُلهماً لحركة فلسفية

الثاني – وجاء بعنوان الفلاسفة الفيتجنشتانيون

الثالث – وحمل عنوان الفلاسفة الفيتجنشتانيون الجُدد

 

القسم الأول

لودفيغ فيتجنشتاين فيلسوفاً ومُلهماً لحركة فلسفية

1

نظرة تأملية في تحولات إصول عائلة فيتجنشتاين

  وفقاً للظروف السياسية والقرارات التي صدرت من قبل الإمبراطورية الهنغارية – النمساوية [5]، فإن عائلة فيتجنشتاين قد إختارت لها لقب عائلة لم يكن هو في الأصل لقب العائلة الأصلي ، وإنما تبنته لقباً لها ، وهو في الحقيقة إسم  صاحب العمل الذي كان جد فيتجنشتاين يعمل لديه . وكان وراء ذلك قصة سنقف عند حضرتها ونقدمها إلى القارئ . وتبدأ القصة مع شجرة عائلة فيتجنشتاين والتي تم إعدادها في القدس (أورشليم) وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية (أرجح على الأدق الحرب العالمية الأولى ولأسباب كثيرة منها إن والد فيتجنشتاين وفي حياته هو الذي حول العائلة من العقيدي اليهودي إلى الكاثوليكية ومنها إن وفاة والد فيتجنشتاين كانت سنة 1913 وذلك لتساوق الأحداث) . وعلى أساس رواية هذه القصة ، فإن الجد الأكبر لأب فيتجنشتاين هو موسى ماير وكان يهودياً ويعمل وكيلاً لبيع الأراضي ويومها كان يعيش مع زوجته برانديل سايمون في باد – لاسفه ، وهي مدينة تقع في شمال الراين وفي محافظة سيجن فيتجنشتاين . وفي عام 1808 أصدر نابليون (1769 – 1821) قراراً طالب فيه كل فرد (وبالطبع من ضمنهم اليهود) بضرورة تبني لقب عائلة يتوارثه الأبناء عن الأباء . وكان يومها إسم إبن ماير موسى كذلك ، وما كان أمامه من خيارات إلا أن يختار إسم صاحب العمل الذي كان يعمل فيه لقباً للعائلة ، وكان يُدعى سايان فيتجنشتاين . وعلى أساس هذا الخيار أصبح إسمه موسى ماير فيتجنشتاين [6].

  أما إبنه هيرمان فيتجنشتاين فإنه إختار له الإسم الثاني (الوسط) وكان كريستيان (وهكذا أصبح الأسم الكامل واللقب هو : هيرمان كريستيان فيتجنشتاين) . والحقيقة إن الإسم الوسط ” كريستيان) مكنه من أن ينأى بنفسه بعيداً عن خلفيته اليهودية . ومن ثم تزوج من فاني فيجدور وهي يهودية كذلك . إلا إنها تحولت إلى المسيحية حديثاً وإعتنقت البروتستانتية قبيل زواجهما بقليل . وإن الزوجين نجحا في تأسيس مشروعات تجارية في (بيع وأعمال) الصوف في مدينة لايبزك [7]. وبالمناسبة إن فاني فيجدور هي جدة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، كما وهي بنت العم الأول لعازف الكمان والموسيقار الهنغاري جوزيف يواكيم (1831 – 1907) [8].

  وفعلاً فقد ولد لكل من هيرمان وزوجته فاني أحد عشر طفلاً وكان والد الفيلسوف فيتجنشتاين واحداً من بينهم ، وكان يُدعى كارل أوتو كليمنس فيتجنشتاين (1847 – 1913) والذي تحول إلى قطب صناعي كبير ، بل وأصبح في نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر ، إلى واحد من أغنى رجال أوربا وكان يحتكر شركات (كارتل) صناعات الإستيل في النمسا [9]. وبجهود كارل إن أصبح آل فيتجنشتاين من أغنى العوائل في هنغاريا – النمسا ولا تتقدم عليهم سوى عائلة روتشيلد [10]. ونتيجة لقرار كارل فيتجنشتاين في عام 1898 والقاضي بإستثمار حجم معتبر من أرصدتها المالية في كل من هولندا وسويسرا ومناطق آخرى وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية ، فإن عائلة فيتجنشتاين وسعت من إستثماراتها مع نجاحها في توفير حماية لهذه الإستثمارات من التضخم الذي ضرب النمسا عام 1922 [11].

  وبالرغم من هذا الحال ، فإن ثروات آل فيتجينشتاين أخذت بالتلاشي وذلك بسبب حالة التضخم التي حدثت بعد عام 1918 والسنوات التي تلت والتي شهدت حالة الكساد الإقتصادي الكبير . إلا إن من الملاحظ إن عائلة آل فيتجنشتاين حتى في ظل هذه الأوضاع الإقتصادية المتردية ، ظلت حتى نهاية عام 1938 تمتلك ثلاثة عشرة قصراً ضخماً (مانشاً) في مدينة فينا وحدها [12].

  أما والدة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، فهي السيدة ليوبولدين[13]ماريا جوزيف كالمس وكانت معروفة بين أصدقائها بإسم بولدي (من اللغة الألمانية) . وكان والدها بوهيمي يهودي . وبوهيمي هو إصطلاح كان يطلقه الإنكليز على الجيك بلداً وسكاناً وظل إصطلاح بوهيما وبوهيمي متداولاً حتى بواكير القرن العشرين [14]. وكانت والدة ليوبولدين (وهي جدة الفيلسوف فيتجنشتاين) من النمساويين ذات الإصول السلوفينية ومن الكاثوليك (مسيحية) . وهي الجدة الوحيدة التي لم تكن يهودية . ووفقاً للقانون (التشريع) اليهودي ، فإن فيتجنشتاين على هذا الأساس ليس يهودياً [15].

  وبالمناسبة إن مجموع أطفال عائلة كارل فيتجنشتاين وزوجته بولدي ، تكونت من تسعة أطفال . وكان عدد البنات أربعة وهم كل من هيرماين ومارجريت (كراتل) وهيلين ودوري والتي ماتت وهي طفلة صغيرة . أما الأولاد فكانوا خمسة وهم كل من يوهانس (هانز) ، كورات ، رودولف (رودي) ، بول والذي كان عازفاً على البيانو والذي فقد ذراعه اليمين يوم كان في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى[16] . ومن ثم لودفيغ (الفيلسوف فيتجنشتاين) وهو أصغر أطفال عائلة آل فيتجنشتاين [17]

  ولد الطفل لودفيغ جوزيف يوهان فيتجنشتاين (أو فيتكنشتاين [18]) في الساعة الثامنة والنصف مساء 26 آبريل سنة 1889 ، وبالتحديد في قصر آل فيتجنشتاين الواقع في منطقة أليغاس 16 والتي تُعرف اليوم بإسم أرجنتيرشتراسا والتي تقع بالقرب من كارلسكيرج (وهي كنيسة القديس شارلز بوروميو والذي كان رئيس أساقفة للفترة من 1538 – 1584 وهو مصلح كبير في القرن السادس عشر) [19].

  ونحسبُ من المهم الإشارة إلى إن جميع أطفال كارل فيتجنشتاين قد تم تعميدهم على المذهب المسيحي الكاثوليكي . ولعل الحاصل من ذلك إنهم تشربوا التعاليم الدينية الكاثوليكية كما وترعرعوا جميعهم في بيئة عائلية إستثنائية مكثفة [20]. وفعلاً فقد كانت العائلة مركز الحياة الثقافية في فينا والشاهد على ذلك كلمات عازف البيانو الألماني برنو والتر (1876 – 1962)[21] التي وصف بها الحياة في قصر آل فيتجنشتاين فقال ؛ ” إن أطرافه وجوانبه المختلفة كانت مزينة بأجواء إنسانية ومطرزة بأطياف حضارية [22].

  ومن طرف رب العائلة كارل فيتجنشتاين فقد كان الراعي الرئيس لجميع الفنون ، وبالتخصيص منها أعمال النحات الفرنسي أوغست رودان (1840 – 1917) [23]. كما وكان كارل فيتجنشتاين الممول المالي لمعرض المدينة (فينا) وكالري الفن ، وبناية جماعة إنفصال فينا والتي مثلها الرسام النمساوي غوستاف كليمت (1862 – 1918)[24] وهو الذي رسم صورة أخت لودفيغ فيتجنشتاين ، مارجريت في فستان زفافها في عام 1905 . كما إن كل من الموسيقيين يوهانس برامس (1833 – 1897)[25] وغوستاف ملر (1860 – 1911)[26] إعتادا على تقديم عروضهم الموسيقية بصورة منتظمة في غرف عائلة آل فيتجنشتاين الموسيقية الضخمة [27].

  وإن الحديث عن مكانة الموسيقى في حياة عائلة آل فيتجنشتاين ، يحملنا على القول إن الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين قد ورث هذا التقليد الفيتجنشتايني من عائلته . فقد فتح عينيه وأفراد عائلته وخصوصاً أخواته وإخوته يعزفون الموسيقى على العديد من البيانوات العديدة المنتشرة في قصر آل فيتجنشتاين . وفعلاً فقد كان لودفيغ يحترم بتقدير عال الدقة والإنضباط . ولذلك فإن الموسيقى المعاصرة لا تُعدُ مقبولة لديه على الإطلاق . ومرة إنفتح على صديقه (وتلميذه) الطبيب النفسي (السايكايتري) الإنكليزي موريس آوكونور دروري (1907 – 1976)[28] وقال : ” إن الموسيقى وصلت مع برامس إلى نهايتها المحتومة تماماً . بل وحتى برامس فإنني كنت أسمع (في موسيقاه = منا ليستقيم الكلام) ضجيج الألات الموسيقية [29].

  وبالمناسبة فإن الفيلسوف فيتجنشتاين كان يتمتع بحس موسيقي عال ويمتلك معرفة تمكنه من إعادة إنتاج النغمة الموسيقية . وهي ظاهرة سماعية تُدلل على قابلية شخص ما على معرفة النغمة الموسيقية ، وعلى إمكانيته في إعادة إنتاجها دون الإنتفاع من النغمة المرجع (وأرجو أن لا تنسى دور الأخ الأكبر بول فيتجنشتاين عازف البيانو المتفرد) . كما ويمكن وصف حالة فيتجنشتاين بأنه كان ” يمتلك الطبقة الصوتية المثالية (المطلقة) [30]. وهو التعبير الذي كان يتداوله الباحثون الإنكليز والألمان في أواخر القرن التاسع عشر [31]. والطبقة الصوتية المثالية (أو المطلقة) تعني ” إمتلاك أذن موسيقية ” [32]. كما وتتضمن وعي بالنغمة الموسيقية [33]. أو قابلية موسيقية إيجابية [34]. مع الإنتباه إلى إنه في هذا الحال قد لاتتوافر المهارات الموسيقية بصورة شاملة ، كما وإنها قد تكون محددة للإدراك البشري كذلك [35].

  ولاحظ الأكاديميون الغربيون المهتمون بتراث لودفيغ فيتجنشتاين ، إلى إن إهتمامه بالموسيقى ظل طرفاً حيوياً بل ومهماً طول حياته . كما وإعتاد على تداول بعض الأمثلة الموسيقية (وإستخدم بعض الإستعارات الموسيقية) في كتاباته الفلسفية [36]. إضافة إلى إنه تعلم العزف على ألة الكلارنيت وهو في الثلاثينيات من عمره [37]. ومن ثم تم العثور على مقطوعة موسيقية كانت من تأليف الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، والتي أودعها في واحد من كتب ملاحظاته لعام 1931 . والذي إكتشف هذه المقطوعة الموسيقية مايكل نيدو [38]وهو مدير معهد فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج [39].

 ونود أن نقف عند عتبات المقاطع الموسيقية والتي حملت عنوان ثلاثة مقاطع موسيقية والتي كتبها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ومن ثم نشرها أريك هايجرمان بالصربية ومن ثم ترجمها إلى الإنكليزية هانس بيترس ونشرها في مجلة الكوسمولوجيا في عام 2005 [40]. وهنا سأقف عند أشياء من المقدمة ومن ثم أعود وأقف عند أشياء من الخاتمة . وفي أشياء المقدمة قال : ” إن لودفيغ فيتجنشتاين هو واحد من الفلاسفة الكبار في القرن العشرين . وكتب فيتجنشتاين مرة في جريدة يومياته (وبالتحديد في 28 آبريل سنة 1930) : أنا غالباً ما أفكر بشئ عال ، وأتطلع إلى إنجازه وهو الملدي أي تأليف اللحن . وأنا أتلذذ عندما أرغب أن أعمل ذلك ” . وفعلاً ففي نوفمبر سنة 2003 تم نشر مقاطع موسيقية قليلة سبق إن ألفها فيتجنشتاين في كلية إيمانويل – كيمبريدج . وهذه هي المقاطع التي إكتشفها الدكتور مايكل نيدو مدير معهد فيتجنشتاين – كيمبريدج ، والتي إكتشفها في كتاب ملاحظات فيتجنشتاين لعام 1931 . وهي المقاطع التي كتبها بحدود سنة واحدة فقط بعد كتاب مذكرات الذي تم الإشارة إليه أعلاه [41].

  وبالمناسبة إن مؤلف الموسيقي الكلاسيكية البريطاني  إنثوني بورز (ولد عام 1953) هو الذي صاغ مقاطع فيتجنشتاين الموسيقية في مضمار رسالة في الموسيقى على وزن رسالة منطقية فلسفية (وهي واحدة من روائع فيتجنشتاين) . ويومها قال المؤلف الموسيقي بورز ” إن مقاطع فيتجنشتاين الموسيقية ، كما يبدو ، هي إستمرار للجملة الموسيقية الناقصة (غير الكاملة بلغة الموسيقي بورز) . ويستمر بورز شارحاً فيرى إن فيتجنشتاين حاول التعبير عن أشياء ما . إلا إنه فشل في الإمساك بعبارات مناسبة فتركها وفضل الموسيقى . وهكذا كان خياره السكوت عن الكلام ومن ثم لجأ إلى كتابة اللحن . والسؤال هنا ؛ هل من الممكن للموسيقى أن تكون بديلاً عن اللغة [42]؟ حسناً ؛ ألم تكن أنت القائل ؛ بأن تكرار الفكرة النهائية يُعيدُ إلى الأذهان العبارات ” أنا أدمر ، أنا أدمر ؟ أو إننا هنا نملك مثالاً وحيداً على جرس موسيقي متشابه وينتمي إلى عائلة واحدة ؟ ولحد الآن فأنا أسمع اللا إستمرار في المقطع الشعري [43].  

  أما في الخاتمة فقد أشار أريك هايجرمان إلى إن حياة الإنسان (وفيتجنشتاين مثلاً) جاءت ملخصة في صورة اللحن . والتعبير عنه ما ذكرته أحد النقوش على القبور والذي يقول : ” إن الحياة هي الرعاية ” ولحن فيتجنشتاين ذهب مردداً ” تطلع وتنفس الصعداء بعاطفة ” . وهنا لا أرى إن هناك أي خيار ، ويظل السؤال ؛ ما هي القواعد التي إتبعها فيتجنشتاين هنا ؟ والجواب دون تردد : ” إن فيتجنشتاين لم يتبع أية قاعدة ” [44].

2

إسلوب الوالد فيتجنشتاين والمزاج العائلي والعواقب

  أشرنا إلى إن لودفيغ فيتجنشتاين ولد في أحضان عائلة غنية مترفة . إلا إنه رغم ثراء العائلة وترفها ، فإن الكآبة الشديدة والمزاج المتوتر كانا على الدوام سمة من سمات الجو العائلي الذي ولد وترعرع في ظله الفتى فيتجنشتاين . ولعل الشاهد على ذلك ما يرسمه لنا الفيلسوف الإنكليزي راي مونك (1957 – ) الذي كتب سيرة لودفيغ فيتجنشتاين وبعنوان لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري . وراي مونك لم يكن شاهد حقيقي ولم يكن كاتباً وفيلسوفاً معاصراً للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، بل على العكس إننا وجدنا إن هناك فارقاً زمنياً يفصل بينهما ولا يعمل لصالح كاتب السيرة راي مونك ، حيث نعرف إن الفيلسوف فيتجنشتاين مات عام 1951 أي قبل ولادة المؤلف راي مونك بست سنوات . فكانت مصادره تعتمد على الرواية والسماع وليست هي بالطبع مصادر أولية تعتمد المعايشة والملاحظة والتجربة الحياتية الحية . ورغم هذا الحال فإن أهمية روايات راي مونك تكمن في إنها نقلت لنا مجمل الثوابت عن حياة لودفيغ فيتجنشتاين والتي كانت متداولة في المصادر الأولية . وفيها بالتحديد كشف عن الكثير من المؤشرات عن شخصية الوالد والوالدة ، وطريقة إعدادهما لأولادهما ، وخصوصاً حرمان أولادهما من تجربة الإختلاط مع أقرانهم من العامة من الناس . ولذلك أشار راي مونك إلى إن هدف الوالد هو إعداد أولاده ” ليكونوا أقطاب كبيرة في الصناعة ” وهذا كان هدفه الرئيس الذي لايتقدم عليه هدف آخر . ولكل ذلك فإن الوالد كارل فيتجنشتاين لم يُفكر على الإطلاق إلى إرسال أولاده إلى التعليم في مدرسة إعتيادية ، ولم يتيح لهم فرصة الإختلاط مع أقرانهم ، وذلك لإعتقاده بأنهم سيكتسبوا من هذا الإختلاط والإندماج ، ما أطلق عليه ” العادات السيئة ” . وبدلاً من ذلك فضل التعليم الخاص ” فقدم لهم التعليم في البيت ، وأعدهم للعمل في إمبراطورية كارل الصناعية [45].

  ومن الملاحظ لقارئ سيرة فيتجنشتاين إن ثلاثة من أولاد كارل فيتجنشتاين الخمسة قد قتلوا أنفسهم إنتحاراً [46]. وإن بول فيتجنشتاين (1887 – 1961) قد بتر ذراعه اليمنى في الحرب العالمية الأولى (إلا إنه إصطنع تكنيكاً يُساعده على العزف على البيانو بيده اليسرى الوحيدة) وهو الأخ الأكبر للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين [47]. كما إن لودفيغ فيتجنشتاين هو الأخر كان كثيراً ما يُفكر في الإنتحار[48]. وتتوافر لدينا شهادة طبيب نفسي (السايكايتري) ، وهو مايكل فيتز الذي تأمل في حياة عائلة فيتجنشتاين ، وقال تشخيصه السايكولوجي لما حدث لها رغم الترف وحياة الثراء ، فقال مجادلاً : ” كان الوالد كارل فيتجنشتاين رجلاً يتطلع إلى الكمال ، فحمله هذا التطلع على أن يكون قاسياً جداً على أطفاله وينقصه الكثير من الحنان والعاطفة نحوهم . وكانت زوجته مسكونة بالقلق والشعور بعدم الأمان ، وإنها فاقدة الإرادة وعاجزة على مواجهة زوجها ” [49].

  وربما يُلقي الموسيقار يوهانس برامز الذي كان صديق عائلة أل فيتجنشتاين والزائر المواكب على الحضور والمشاركة في إحتفالاتهم الموسيقية بعض الضوء على الزوايا المعتمة في حياتهم الداخلية . خصوصاً إنه كان مُقرباً من بنات وأولاد كارل فيتجينشتاين ، والذين تدربوا جميعاً على العزف على البيانو على يديه ووصلوا معه (ومع عدد أخر من الموسيقيين) إلى درجات عالية من المهارة والإتقان . وكانوا يعزفون بصحبته في مناسبات كثيرة . وهذه المناسبات مكنته من الإستماع إلى ما يجول في خواطرهم (وخصوصاً الأفراح والهموم والمخاوف والتطلعات والترقبات لما سيأتي أو الذي لا يأتي على الإطلاق) . فذهب معلقاً على علاقاتهم وتفاعلهم مع بعضهم البعض ، ووصف ذلك بعبارات دقيقة موجزة تحمل الكثير من الدلالات ، فأفاد  ” يبدو لي إن أفراد عائلة فيتجنشتاين يتفاعلون مع بعضهم البعض ، بطريقة وآلية وكأنهم في أجواء محكمة [50].

   ومن الشواهد الدالة على الأعراض السايكولوجية التي تُعاني منها عائلة أل فيتجنشتاين وتركتها تفعل فعلها بحرية داخل حياة بناتها وأولادها دون حساب لمخاطرها القادمة ودون إستشارة سايكولوجية والبحث عن وسائل وآليات للتخيف منها أو التكيف معها بأمان سايكولوجي وعافية مأمونة . هو إن المخاطر التي لفت حياة أبناء وبنات أل فيتجنشتاين تمثلت بصور من الكآبة الشديدة التي هي قريبة جدا من الجلد الرقيق ، والتي أعلنت عن نفسها في صورة أخطار وكوارث وفواجع قادمة على الأبواب . وحيث لا أحد يتوقع متى ستُفاجأ أل فيتجنشتاين وتتحول إلى واقع بعد إن كانت في دائرة الأمكان . ولعل في رواية الكاتب البريطاني أنثوني جوتليب الكثير من الصدق وفيما قاله حق مبين ، فقد قرأ علينا قصة بول فيتجنشتاين ، وهو الأخ الأكبر للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، وكان حينها يتدرب على واحدة من البيانوات في أحد قصور (مانشات) أل فيتجينشتاين الرئيسية ، وحالاً بدأ بول يصرخ بصوت عال على أخيه لودفيغ فيتجنشتاين ، الذي كان في الغرفة المجاورة ، ويقول له بغضب ” أنا لا أستطيع أن أعزف على البيانو ، مادمت أنت في البيت . أنني أرى هواجسك وظنونك تزحف نحوي من تحت الباب [51].

   وفعلاً فقد كان قصر أسرة أل فيتجنشتاين يضم ” سبعة من البيانوات الموسيقية الكبيرة (الغراند) ” [52]. وكان كل واحد من الإخوة وواحدة من الأخوات يتدرب على العزف على البيانو بكل حماس في معظم الأوقات ، وبصورة تتحدى الحدود . ولاحظنا إنها تحولت  ” وتشكلت في صور من حالات مرضية[53]. والشواهد والأمثلة التي تتوافر من داخل عائلة فيتجنشتاين كثيرة . منها مثلاً إن الأخ الكبر هانز فيتجنشتاين (1877 – 1902) والذي كان طفلاً عبقرياً في أدائه الموسيقي . وفي عمر الرابعة وصفه الموسيقار الإنكليزي ألكسندر وو ، بأنه كان عبقرياً في إدراكه للنغمة الموسيقية ، وفي عمر الخامسة أخذ يصرخ محتجاً ويقول ” خطأ ، خطأ ” عندما سمع أثنين من الفرق الموسيقية ، تعزف في مهرجان ” النغمة الموسيقية الواحدة في نوطتين موسيقيتين مختلفتين ” . إلا إنه مات في ظروف غامضة في مايس سنة 1902 ، وذلك خلال هروبه إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث إختفى من القارب وبالتحديد في خليج تشيزبيك ، ويُرجح إنها على الأغلب كانت محاولة إنتحار [54].

   وبعد سنتين من مأساة هانز ، فإن الأخ الكبير الثالث وإسمه رودلوف فيتجنشتاين (ولقبه رودي) وكان عمره إثنتين وعشرين سنة ، ويدرس الكيمياء في أكاديمية برلين ، قد نجح في تنفيذ محاولة إنتحاره في بار في برلين ، بعد إن طلب من عازف البيانو ، أن يعزف له قطعة موسيقية (هي في الحقيقة أغنية) من ألحان الموسيقار النمساوي توماس كوسشات (1845 – 1914) والتي تقول ” منبوذ ، منبوذ ، منبوذ أنا [55]. وقبل أن يستمع رودي فيتجنشتاين إلى أغنية ” منبوذ أنا ” شرب مزيج من شراب الحليب الممزوج مع سيانيد البوتاسيوم . وترك العديد من الملاحظات المكتوبة ، والتي وجهها إلى والديه ، ويقول فيها ” إنه في حالة حزن وعزاء شديدين على موت صديق له ” . وكان خلال ذلك يقوم بحملة ضد التشريع الألماني ” الذي حرم الجنسية المثلية ” . وبالمناسبة إن والده (كارل فيتجنشتاين) كان يومها مكسوراً نفسياً ويُعاني من حالة نكوص وإذلال مما فعله ولده رودي ، فحرم الوالد على العائلة من ” ذكر وترديد إسم رودي في البيت مرة ثانية في المستقبل[56].

  وحال الأخ كورت فيتجنشتاين وهو الأخ الثاني الأكبر من عائلة فيتجنشتاين ، لايختلف عن حال إخوته الأخرين وبالتحديد في كرههم للحياة ومن ثم محاولتهم إنهاء حياتهم إختياراً بطريقة الإنتحار . ووراء ذلك قصة في الإمكان تلاوتها هنا ، فقد كان كورت يومذاك ضابطاً (وبالطبع كان مدير شركة كذلك) ، فقام بإطلاق النار على نفسه من سلاحه الخاص في 27 إكتوبر من عام 1918 ويومها كانت الحرب العالمية الأولى في نهايتها ، وحينها كان كورت فيتجنشتاين يقود القوات النمساوية ، إلا إنها تمردت على قيادته وإطاعة أوامره العسكرية فكان قراره بالتخلي عن القيادة العسكرية ومن ثم الإنتحار [57]. وكانت المصادر الأولى لهذه الرواية هيرمين فيتجنشتاين (أخت كورت) والتي علقت على المأساة ، فأفادت ” يبدو إن كورت كان يحمل في دمه جيرم (جرثومة) إحتقار الحياة ” [58]. ولاحظنا إن كورت فيتجنشتاين كتب بعد تخليه عن قيادة القوات العسكرية النمساوية التي كان يقودها ، فقال مبتهجاً بالقرار القادم عليه ” أنا كنت دائماً أتطلع إلى أن أكون كوكباً في السماء ، بدلاً من أظل ملتصقاً بالإرض [59].

3

سيرة الفليسوف لودفيغ فيتجنشتاين من زاوية أكاديمية

   ذكرنا سابقاً إن الصبي لودفيغ بدأ برنامجه التعليمي الأولي في قصور أل فيتجنشتاين وتحت إشراف معلمين خصوصيين وحتى وصل عمره الرابعة عشرة . وبعد ذلك حدثت مآسي هزت كيان العائلة وخصوصاً بعد موت ولدي كارل فيتجنشتاين ، كل من هانز ورودي . لم يكن أمام الوالد كارل من خيار إلا السماح لكل من ولديه بول ولودفيغ من الإلتحاق بالمدرسة . وهنا علق واحد من كتاب سيرة لودفيغ فيتجنشتاين ، وهو الموسيقار والكاتب الإنكليزي ألكسندر مايكل وو ، فأفاد ” إن قرار الوالد كارل فيتجنشتاين جاء متأخراً جدا جدا ” [60]، وخصوصاً إن الإمتحانات في الجمنازيوم (مدرسة أكاديمية عالية) في منطقة فينر توتشتاد كانت إمتحانات أكاديمية متشددة . وإن كل من بول ولودفيغ لا يمتلكان الخبرة في التعليم المدرسي الرسمي على الإطلاق . فكانت نتيجة الإمتحان الفشل (الرسوب) . إلا إنهما تمكنا بعد جهود إستثنائية وبمساعدة عدد من المعلمين الخصوصيين ، من إجتياز الأمتحانات في ريلشول في لينز ، وهي مدرسة ولاية صغيرة تضم 300 طالباً فقط [61].

  وفي عام 1903 عندما ناهز لودفيغ الرابعة عشرة من عمره ، بدأ رحلته التعليمية مع ثلاثة سنوات من الدراسة في المدرسة الرسمية ويومها كان يعيش في حدود جغرافية مجاورة للمدرسة . والواقع كان يسكن مع عائلة الدكتور سيرجل ، مدير الجمنازيوم (المدرسة الأكاديمية) وكانت عائلة دكتور سيرجل قد إعتادوا أن يطلقوا على لودفيغ لقب ” لوكي [62]. ومع بداية برنامج تعليم لودفيغ في مدرسة ريلشول ، فإن المدرسة قامت بتصعيده إلى سنة أكاديمية إلى الأمام [63]. وهذه الترقية في المستوى الدراسي ، حملت المؤرخة الألمانية – النمساوية برجيت هامان (1940 – ) على التعليق ، فأفادت ” كان لودفيغ طالباً متميزاً ، وهناك مسافة تفصله عن أقرانه من الطلبة الأخرين ، حيث كان يتكلم بلغة ألمانية صافية (وبصورة غير إعتيادية) وكشكل من اللغة الألمانية الراقية مع تلعثم ، وكان يتأنق في ملبسه مع حساسية وإنطواء على النفس ” [64].

   وكتب المؤلف راي مونك ، فذكر أشياء أخرى ربما كانت السبب وراء إنطواءه على الذات وذلك إستجابة منه على الأفعال الساخرة التي كان يقوم بها بعض من أقرانه الطلبة ، والتي تتمثل ، بتهكمهم منه وترديد الأناشيد الساخرة والغناء بخلفه . ولعل المثال الذي تذكره بعض الدراسات على ذلك ، هو ترديد بعض أقرانه من الطلبة المشاكسين له ، التهكم الذي يقول ؛ ” فيتجنشتاين يتمايل ويترنح بحزن في معابر فينا ..[65]. ومن طرف أخر فإن القارئ لواحدة من الوثائق التي تركها خلفه ، تبين إن لودفيغ قد حصل على خمسة علامات عالية (في القمة) والتي شملت الدراسات الدينية . وحصل المرتبة الثانية في كل من حسن السلوك والتصرف واللغة الإنكليزية . والمرتبة الثالثة في كل من اللغة الفرنسية ، الجغرافية ، التاريخ ، الرياضيات والفيزياء . والمرتبة الرابعة في كل من اللغة الألمانية ، الكيمياء ، الهندسة ، والأعمال الحرة والرسم [66]. إلا إن لودفيغ فيتجنشتاين كان يُعاني من مشكلات في التلفظ ، ورسب في إمتحان الإملاء باللغة الألمانية . ولذلك كتب في عام 1931 معلقاً على ما حدث ؛ ” إن ضبطي لإملاء اللغة الألمانية كان رديئاً جداً في مرحلة فتوتي ، وإستمر الحال حتى وصلت إلى عمر الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة . وكان لذلك من الأثر على مجمل خصائصي (وربما كان وراء ضعفي في الدراسة) [67].

   إستهل الشاب لودفيغ فيتجنشتاين دراساته الأكاديمية في 23 إكتوبر عام 1906 في جامعة برلين للتكنولوجيا (منطقة شارلوتنبيرك) وفي مضمار الهندسة الميكانيكية . وسكن مع عائلة البروفسور (دكتور) جوليس . وحضر ثلاثة فصول دراسية ومن ثم حصل في 5 مايس عام 1908 على شهادة الدبلوما . وخلال فترة دراسة فيتجنشتاين في جامعة برلين للتكنولوجيا ، تطورت لديه الإهتمامات بعلم الطيران [68].

   وفي ربيع عام 1908 وصل فيتجنشتاين إلى جامعة فيكتوريا في مانشستر – بريطانيا وذلك لدراسة الدكتوراه . وكان يومها متحمساً لعلم الطيران وجاء يحمل معه العديد من الخطط والمشاريع في مضمار الطيران ، والتي تشمل تصميم طائرته الخاصة ومن ثم الطيران بها . وفعلاً فقد بدأ البحث في سلوك الطيارات الورقية في الغلاف الجوي العلوي ، ومن ثم قام بتجارب في الإرصادات الجوية في موقع غلوسبي (شرق مانشستر – بريطانيا) [69].

  ومن ثم قام بتصميم مروحة للطيران مع ماكنة طيران جات صغيرة ، وهو عمل قام به سنة 1911 وحصل به على براءة إختراع والذي إستحق فيها على زمالة بحث من جامعة فيكتوريا (مانشستر – بريطانيا) خريف عام 1908 [70]. وخلال هذه الفترة بدأت تحولات في إهتمامات الشاب لودفيغ فيتجنشتاين ، فتوجه نحو ضفاف أسس الرياضيات . وخصوصاً بعد قراءته لكل من كتاب الفيلسوف البريطاني برتراند رسل ، والذي حمل عنوان مبادئ الرياضيات (1903) . وكتاب عالم الرياضيات والمنطق الألماني جوتلوب فريجة والذي كان بعنوان أسس علم الحساب (تكون من مجلدين ؛ الأول (1893) والثاني (1903) [71].

  وفعلاً فقد جاء منقولاً على رواية هرمين فيتجنشتاين وهي الأخت الأكبر للشاب لودفيغ فيتجنشتاين ، شهادة تؤكد فيها على هذا التحول الحاسم نحو ضفاف الرياضيات ومن ثم بداية تلاشي ولعه وإهتمامه بعلم الطيران . حيث جاء على لسانها إلى إن لودفيغ ” أصبح مسحوراً بمضمار الرياضيات وكان الحاصل من ذلك فقدانه الولع والإهتمام بالطيران ” [72]. وقرر بدلاً من ذلك بأنه يحتاج إلى دراسة علم المنطق وأسس الرياضيات . ووصف حاله فقال ” إنه موقف ثابت وغير قابل للوصف وعلى الأغلب إنه حالة مرضية فيها الكثير من الإهتياج والإثارة ” [73]

  وكان لولع وإهتمام فيتجنشتاين الجديد في علم المنطق وأسس الرياضيات ، إنه قرر في صيف عام 1911 الحج إلى مكة علم المنطق والرياضيات .وكان الحاصل من ذلك إن شد لودفيغ الرحال وذهب إلى ألمانيا وزار سادن علم المنطق وفيلسوف الرياضيات جوتلوب فريجة الذي كان يعمل في جامعة يينا . ومن ثم عرض فيتجنشتاين على فريجة عينة مماكتبه في مضماري فلسفة الرياضيات وعلم المنطق . وسأله النصيحة فيما كتب و” كشف له بإنه عازم على الإستمرار ؛ وهل هذه العينة من النصوص تستحق العمل والإستمرار في هذا المضمار ؟ ” [74].

  ومن بعد المقابلة بين جوتلوب فريجة وفيتجنشتاين كتب الأخير (أي فيتجنشتاين) واصفاً ما حدث ، فقال ” لقد عرضت على فريجة ، والذي كان في مكتبه ، عينة مما كتبت . والحقيقة كان فريجة رجلاً قصير القامة وضعيف البنية ، وذو لحية خشنة . وكان يتمشى داخل غرفته عندما يتكلم . وكنا سوية نحرث أرضية غرفته . وشعرت بالكآبة الشديدة ” . إلا إنه في النهاية قال ” إنه من الأفضل أن تأتي مرة آخرى ” . وفرحت وإبتهجت كثيراً على هذا الرد . ومن ثم كانت لي معه فيما بعد مناقشات عدة . والواقع إن فريجة لا يتكلم على الإطلاق ، إلا بما له علاقة بعلم المنطق والرياضيات . ومثلاً إذا حاولت أن أُغير الحديث إلى موضوع آخر ، فإن فريجة بكل لطف وجميل ، يعود بسرعة إلى علم المنطق والرياضيات ” [75].

  والتحول الجديد في حياة لودفيغ فيتجنشتاين الفكرية تمثل في نية فيتجنشتاين على الدراسة تحت إشراف جوتلوب فريجة . إلا إن هذا التحول لم يتحقق في هذا الطرف وهو الدراسة تحت إشراف فريجة . غير إن التحول أخذ مساراً مختلفاً وذلك عندما إقترح فريجة على فيتجنشتاين بالتوجه إلى جامعة كيمبريدج ومن ثم الدراسة تحت إشراف برتراند رسل . وفعلاً فقد شد فيتجنشتاين العزم ، وتوجه في 18 إكتوبر من عام 1911 نحو كيمبريدج ، ووصل إلى غرفة برتراند رسل في كلية الثالوث دون إعلان مسبق بقدومه [76]. وكان حينها الفيلسوف رسل يتناول قدحاً من الشاي مع زميله الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا الإنكليزي تشارلز كي أوغدن (1889 – 1957) [77]. ووفقاً لرواية رسل إنه في أجواء تناولنا للشاي ظهر أمام أنظارنا ” شخص ألماني غير معروف لنا ، ويتكلم القليل من الإنكليزية ، وغير راغب في الكلام باللغة الألمانية ، وعرفنا إنه تعلم أكاديمياً الهندسة في شارليتنبيرك . وخلال هذه الفترة عرف بنفسه ، وإنه واحد من مُحبي فلسفة الرياضيات . ولهذا الغرض جاء إلى كيمبريدج للإستماع لي ” [78].

  وحالاً تحول فيتجنشتاين إلى ظاهرة أقلقت البروفسور رسل ، فهو لم يحضر محاضرات رسل وحسب وإنما أصبح المهيمن على هذه المحاضرات . وبالمناسبة فإن محاضرات رسل يومها كانت فقيرة من الحضور ، وغالباً ما وجد رسل نفسه وحيداً مع ثلاثة من طلابه ، وهم كل من تشارلي دانبار برود (1887 – 1971) [79]، وإيرك هارولد نيفيل (1889 – 1961)[80] و أش . ت . نورتون [81]. وبحضور فيتجنشتاين في حياة أستاذه رسل الأكاديمية ، بدأ فصل جديد حيث أخذ التلميذ فيتجنشتاين يُتابع أستاذه رسل بعد فترة المحاضرات ، ويعود إلى غرفته من أجل المزيد من المناقشة في موضوعات الفلسفة ، ومرات تستمر المناقشات حتى تحين فترة تناول وجبات الطعام المسائية . ومن ثم بدأ الأستاذ رسل يتحسس ويشعر بالإنزعاج ، ولذلك كتب إلى أوتولاين مورل (1873 – 1938)[82] والتي بثها قلقه من تلميذه الألماني ، فقال ” إن صديقي الألماني تحول إلى حالة تهديد لي وبلاء علي ” [83].

  ومن ثم حالاً أخذ يعتقد برتراند رسل إن فيتجنشتاين كان عبقرياً ، وخصوصاً بعد إن قام رسل بالفحص والتدقيق في الأعمال التي كتبها فيتجنشتاين . ولهذا كتب في نوفمبر من عام 1911 ، فقال ” إنه كان في البداية يُفكر بأن فيتجنشتاين كان كرانك أي شخص جلف . وحالاً قرر رسل خلاف ما أعتقد (أي إن فيتجنشتاين ليس شخصاً جلفا) وإنما كان عبقرياً ولذلك قال ” إن بعض وجهات نظر فيتجنشتاين المبكرة لعبت دوراً في عمل القرار صعباً ” . وإستمر رسل يُعلق على قضية عبقرية فيتجنشتاين . فمثلاً ظل فيتجنشتاين متمسكاً برأيه ويقول ” إن القضايا الوجودية لا معنى لها . وهذا ما قاله في غرفة المحاضرات . ولذلك وجهت له الدعوة للتأمل في القضية ” . وفعلاً قال موضحاً ” إن ليس في الغرفة حضور إلى فرس النهر . وعندما رفض الإعتقاد بذلك ، أخذت أنظر تحت كل المقاعد الدراسية ، فلم أجد واحد من فرسان النهر . وظل فيتجنشتاين غير مقتنع بهذه القضية ” [84].

   وبعد مرور ثلاثة أشهر على وصول لودفيغ فيتجنشتاين إلى جامعة كيمبريدج ، كتب برتراند رسل إلى عشيقته أوتولاين مورل ، فقال ” أنا أحب لودفيغ فيتجنشتاين ، وأشعر إنه سيحل الكثير من المشكلات ، التي أنا في عمر كبير لتقديم حل لها ، وإن فيتجنشتاين رجل شاب وهو الأمل [85]. ولاحظنا إن حديث رسل عن دور فيتجنشتاين في المستقيل (أي إنه سيشغل مكانة برتراند رسل) جاء في شهادة مكتوبة تركها رسل في عام 1916 . وهذه الشهادة جاءت بعد إن وجه التلميذ فيتجنشتاين نقداً إلى أعمال أستاذه الفيلسوف الكبير برتراند رسل ، فقال رسل ” أنا أعتقد إن فيتجنشتاين لم يكن واع لما قاله يومذاك . إلا إن ما قاله حادثة جدا مهمة في حياتي ، وتركت أثراً على كل شئ عملته . ومنذ ذلك الوقت رأيت إن فيتجنشتاين كان على حق . وحينها أدركت بأنه لا يوجد لي أمل في أن أعمل شيئاً أساسياً في الفلسفة [86].

   ومن ثم إنضم لودفيغ فيتجنشتاين سنة 1912 إلى نادي العلوم الأخلاقية في جامعة كيمبريدج . والحقيقة إن هذا النادي اسسه مجموعة من المهتمين بشؤون الفلسفة وذلك لمناقشة قضايا الفلسفة (ومنذ سنة 1878) [87]. وكان يحضر هذه المناقشات الفلسفية عدد من الباحثين والطلاب . وفعلاً فقد قدم فيتجنشتاين أول بحث له في هذا النادي وكان بالتحديد في 29 نوفمبر سنة 1912 . وإستمر حديث فيتجنشتاين عن بحثه فترة أربعة دقائق وفيها عرف الفلسفة ، ومن خلال ” القضايا الأولية الصادقة والتي لا تحتاج إلى برهان ومن خلال علوم متنوعة [88].

  وتلت ذلك فترة فرض فيها فيتجنشتاين نوع من الهيمنة على فعاليات نادي العلوم الأخلاقية في جامعة كيمبريدج . وبعد ذلك توقف من الحضور إلى النادي تماماً وكان ذلك في بواكير الثلاثينيات من النصف الأول من القرن العشرين . والسبب وراء ذلك إحتجاجات وشكاوي بأن فيتجنشتاين لايمنح الأخرين فرصتهم للكلام [89]. ومن ثم ساءت سمعة النادي في دوائر الفلسفة بسبب الإجتماع الذي حدث في 25 إكتوبر سنة 1946 ، وبالتحديد في قاعة فيلسوف العلم الإنكليزي ريتشارد بيفان بريثويت (1900 – 1990)[90] في كلية كنك ، وهو الإجتماع بين الفيلسوف النمساوي الإنكليزي كارل بوبر والفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين والذي حدثت فيه مواجهة عاصفة بين الفيلسوفين . والحقيقة إن النادي وجه دعوة إلى الفيلسوف كار بوبر ليكون المتكلم الضيف وأن يكون فيتجنشتاين رئيس الجلسة . وكان بحث الفيلسوف كارل بوبر بعنوان ؛ هل توجد مشكلات فلسفية ؟

   والواقع إن الفيلسوف كارل بوبر وقف معارضاً للفيلسوف فيتجنشتاين ، وعبر عن موقفه المضاد لموقف فيتجنشتاين . وذهب إلى إن ” مشكلات الفلسفة هي مشكلات حقيقية ، وليست ألغاز لنكوستيكية كما جادل فيتجنشتاين ” . وكان الحاصل من جدلهما إن تنوعت تفسيرات الطرفين وإختلفت إلى حدود بعيدة . ويبدو إن فيتجنشتاين بدأ يُحرك ” البوكر (بطاقة القمار) الساخن أو الأكثر حرارة) ” وزعم بأن بوبر قدم له مثالاً على القاعدة الأخلاقية . وفعلاً فإن بوبر عرض مثالاً واحداً . إلا إن بوبر لم يُهدد المتكلمين الزائرين بأوراق البوكر ” . وعند حدود هذه القضية تدخل الفيلسوف برتراند رسل وأخبر فيتجنشتاين ” بأنه أساء الفهم ولذلك جاء رد فيتجنشتاين بترك الإجتماع ومغادرة القاعة ” .

   وظل كارل بوبر يؤكد على ” إن فيتجنشتاين إنسحب من المناقشة ” . ومن ثم أصبح الموقف مقبولاً لديه وذلك لكونه نهج إختاره فيتجنشتاين للتوقف من الكلام ومغادرة القاعة مبكراً (بسبب ما ذكره فيتجنشتاين سابقاً ، وبالتحديد حول هيمنته على المناقشات ولا يمنح الأخرين فرصهم في الكلام) . والحقيقة هذا الحضور المشترك لفلاسفة العصر كان ظاهرة نادرة ، وخصوصاً ثلاثة من أكثر الفلاسفة شهرة في العالم (منا وهم فيتجنشتاين وبوبر ورسل) . كما وإن مثل هذا الحضور للفلاسفة لم يحدث في غرفة واحدة سوية [91]. والمهم إن توثيق دقيق قد تم للإجتماع والذي ” كان إجتماعاً غير عادي ، بل ومشحوناً بدرجات عالية من روح الجدل ” [92]. وبالطبع إن المصدر الوحيد الذي يصور هذه المناظرة بين فيتجنشتاين وكارل بوبر هو كتاب كارل بوبر الميموار (السيرة الذاتية) والذي نشره بعد فترة من موت فيتجنشتاين وموت برتراند رسل وسبب موجة غاضبة وإعتراضات على كارل بوبر وقادها عدد من طلاب فيتجنشتاين وبالطبع كانت موضوع الإعلام البريطاني يومذاك .     

  ومن ثم وجه عالم الإقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز (1883 – 1946) دعوة إلى لودفيغ فيتجنشتاين للإنضمام إلى جمعية رُسل كيمبريدج ، وهي جمعية عقلية نخبوية ذات طبيعة سرية (تأسست عام 1820) [93]. وكان كل من برتراند رسل وجورج مور قد إنضما إليها يوم كانا مجرد تلميذين في جامعة كيمبريدج . إلا إن فيتجنشتاين لم يكن مُبتهجاً بالإنظمام إليها والشاهد على ذلك إنه لم يحضر بإنتظام إلى إجتماعاتها . كما كان برتراند رسل من طرفه يشعر بقلق عال ويتجاذبه التفكير ويُرجح (أو يحتمل) من إن فيتجنشتاين لم يكن مُعجباً بجدية جماعة رُسل كيمبريدج ، وإسلوبهم الفكاهي الساخر ، وعلاقات الحب مع بعضهم البعض [94]. وفعلاً فإن فيتجنشتاين إعترف في عام 1912 وأشار إلى أنه إستقال تقريباً مباشرة منها وذلك بسبب إنه لا يتسامح مع مستوى المناقشة التي تجري فيها . ويتذكر فيتجنشتاين فيذكر إلى إنهم عادوا إلى الإتصال به مرة ثانية وبالتحديد خلال العشرينيات من النصف الأول من القرن العشرين (وبالتحديد عندما عاد إلى جامعة كيمبريدج) . إلا إنه واجه مرة ثانية صعوبات في التسامح مع مناقشاتهم في نادي العلوم الأخلاقية [95].

4

لودفيغ فيتجنشتاين والأثار المبكرة للفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر

   بينما كان الفتى لودفيغ فيتجنشتاين طالباً في مدرسة ريلشول وقع تحت تأثير الفيلسوف الشاب النمساوي أوتو واينينغر (1880 – 1903) وخصوصاً كتابه الذي حمل عنوان الجنس والشخصية والذي صدر من المطبعة عام 1903 [96]. وبعد فترة قليلة من نشر كتابه ، إنتحر الفيلسوف الشاب واينينغر عن طريق إطلاق النار على نفسه [97]. ولعل السؤال ؛ من هو هذا الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر ؟ وما أهمية كتابه ؟ وما هي الأثار التي تركها على الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ؟ وخصوصاً إن فيتجنشتاين قرأ هذا الكتاب وهو إبن أربعة عشر ربيعاً وظل يتذكره في فترات مختلفة من حياته . وهذا دليل على عمق الأثار التي تركها الفيلسوف واينيغر وكتابه على فيتجنشتاين . والواقع إن كتاب الجنس والشخصية مس أطرافاً بالغة الأهمية من حياة لودفيغ فيتجنشتاين وهذا الأمر ستبينه الصفحات اللاحقة . صحيح إن الأثار التي تركها الفيلسوف أوتو واينينغر لم تبدو للقارئ على إن لها أثر فلسفي مباشر . إلا إن لها في الحقيقة أثر فلسفي غير مباشر . وذلك لأنه مس الطرف الجنسي من حياة الفيلسوف فيتجنشتاين .

  ولد الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر في فينا عام 1880 ، وكان إبن صائغ يهودي ويُدعى ليوبولد واينينغر . أما أم الفيلسوف أوتو واينينغر فكانت تُدعى أدلهايد . وبعد إلتحاق الفتى أوتو واينينغر بالمدرسة الإبتدائية ، ومن ثم الثانوية تخرج في تموز عام 1898 . وتلا ذلك إن سجل في جامعة فينا ، وبالتحديد في إكتوبر من السنة ذاتها (أي عام 1898) . ودرس في الجامعة الفلسفة وعلم النفس . إلا إنه إضافة إلى ذلك حضر بعض الفصول الدراسية في العلوم الطبيعية والطب . وتعلم واينينغر العديد من اللغات من مثل اليونانية ، اللاتينية ، الفرنسية والإنكليزية في وقت مبكر . ومن ثم تعلم في وقت لاحق الأسبانية والإيطالية . وكانت لديه معرفة بلغات أوربية أخرى .

  وفي خريف عام 1901 بدأ البحث عن ناشر لكتابه الذي حمل عنوان إيروس والنفس . وفي عام 1902 قدمه إطروحة للدكتوراه إلى كل من البروفسور فردريك جودي (1849 – 1914) والبروفسور لورنز مولينر (1848 – 1911) . ومن ثم قابل سيجموند فرويد (1856 – 1939) وعرض عليه كتاب ” إيروس والنفس ” . إلا إن الحاصل من هذه المقابلة إن فرويد خيب آماله حيث لم ينصحه بنشر النص (ويبدو لي إن السبب ، وهذا رأيي الشخصي ، إن فرويد يومذاك كان يشتغل على موضوع مشابه وهذا ما تدلل عليه عناوين موضوعات فرويد التي جاءت بعد ذلك والتي حملت عناوين قريبة من ذلك ..) . وفي هذه الأثناء قبل أساتذة واينيغر في جامعة فينا أطروحته للدكتوراه . وفعلاً فقد حصل على درجة الدكتوراه في تموز عام 1902 [98].

  وبعد ذلك تخلى الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر عن العقيدي العبري (اليهودي) وإعتنق البروتستانتية وكان فخوراً ومتحمساً لعقيدته الجديدة (وإنه شعر بسلام ودرجات من الأمان) ولكن يبدو إنه لا آمان ولاملاذ مؤكد في هذا العالم الفاني والذي تعصف به المتغيرات من كل الأطراف . وفعلاً فقد كان سعيداً بعد تخرجه وسعيداً أكثر في تحوله إلى ضفاف البروتستانتية الدافئة (كما يُعبر عنها) ، فقام برحلة إستجمام وترويح تنقل فيها خلال بعض الأقطار الأوربية . وإكتملت أجواء سعادته بحضور بعض العروض الموسيقية للموسيقار ريتشارد فاغنر (1813 – 1883)[99] وخصوصاً أوبرا بارسيفال والتي تركت فيه أنطباعات عميقة .

   ومن ثم ذهب إلى درسدن ، وكوبنهاكن وأسولو . وشاهد لأول مرة عروض دراما التحرير للكاتب المسرحي النرويجي هنريك أبسن (1828 – 1906) [100]. إلا إنه في أثناء عودته إلى فينا ، أخذ يُعاني من أعراض كآبة شديدة . وبدأت تتكون في ذهنه أوهام كان حاصلها قراره بإنهاء حياته . وبعد مناقشة طويلة مع صديقه الحميم آرثر جربر (تتوافر لدينا شهادة موجودة أون لاين) [101] ، قرر القيام بمحاولته بنفسه على مساعدة واينينغر وحمله على التخلي عن فكرته في إنهاء حياته . وطلب أرثر منه بدلاً من الذهاب (إلى المستشفى النفسي مثلاً) الذهاب معه لتناول العشاء والحديث وقضاء فترة من الزمن بعيداً من التفكير في الموت . وفعلاً فقد ذهبا سوية هناك ولم يأكل واينينغر سوى (لقمة واحدة) . ورغم تقديرنا لكل ما قام به الصديق أرثر . إلا إن الصحيح الذا كان عليه أن يفعله ، هو أن يطلب الصديق أرثر مساعدة من متخصصين في علم النفس والإرشاد النفسي وأن يأخذ تهديد وأعراض صديقه واينينغر محمل الجد . وأن يترك واينيغر بيد المتخصصين وليس بيد الأقدار وإسلوب النصيحة والفرضيات .. وذلك لسبب بسيط وهو إن صديقه وايننينغر مريض جدا جدا وحالته خطيرة . ومثل هذا سيحدث  لعائلة لودفيغ فيتجنشاين ولعل حالات أخوته الثلاثة الذين ماتو إنتحاراُ شاهد على ذلك حيث توافر لهم المال الكثير والجاه العريض ولكن لم يتوافر لهم فرصة مختص نفسي يتفهم مشكلاتهم ويضع لهم خطة قصيرة الأمد وطويلة الأمد بحيث تنقذهم من الموت القادم .. وما ينطبق على أبناء آل فيتجنشتاين ينطبق على حالة الصديق الفيلسوف أوتو واينينغر .

   وفعلاً ففي حزيران عام 1903 وبعد أشهر من العمل المكثف ، فإن كتاب واينينغر الذي حمل عنوان الجنس والشخصية : بحث أساسي (وبالطبع هو محاولة جديدة في النظر إلى العلاقات الجنسية) ، طُبع في دار نشر في فينا (وهي دار نشر برومولير المحدودة) . والكتاب ضم إطروحة الدكتوراه إضافة إلى ثلاثة فصول حيوية جديدة ، وهي الفصول الآتية : الثاني عشر والذي حمل عنوان طبيعة المرأة وعلاقتها بالكون . والفصل الثالث عشر والذي جاء بعنوان اليهودية . والفصل الرابع عشر والذي كان بعنوان النساء والإنسانية .

   صحيح إن الكتاب لم يطاله النقد السلبي ولهذا السبب لم يخلق هالة كبيرة متوقعة حوله . إلا إن المؤلف واينينغر تعرض إلى هجوم شديد وقاس قام به البروفسور المشهور بول يوليوس موبيوس (1856 – 1907) [102]، وهو بروفسور في جامعة لايبزك والمؤلف لكتاب بعنوان حول النقص الفسيولوجي عند المرأة ، والذي فيه أتهم واينينغر بالغش والإستحواذ . فكان الحاصل من ذلك خيبة أمل كبيرة وعوارض كآبة شديدة . فترك فينا وتوجه نحو إيطاليا . وعاد بعدها إلى فينا وقرر صرف أيامه الخمسة الأخيرة مع والديه .

    ومن ثم في 3 إكتوبر أجر غرفة في بيت شوارزسبانيرتزغ 15 وهو المكان الذي مات فيه الموسيقار لودفيغ فون بيتهوفن (1770 – 1827) . وأخبر واينينغر صاحبة البيت ، بأنه لا يحب أن يزعجه أحد في الصباح . وإن لديه هذا الليل خطة للعمل وبعد أكماله سيلوذ إلى فراش النوم متأخراً . وكتب في هذه الليلة رسالتين ؛ واحدة وجهها إلى أبيه . أما الأخرى فكانت لأخيه ريتشارد . وفي الرسالتين أخبرهما بأنه سيقوم بإطلاق النار على نفسه .

  وفي 4 إكتوبر وُجد واينينغر ميتاً وقد أطلق النار على قلبه . ومات في المستشفى العام في فينا وكانت الساعة العاشرة والنصف صباحاً . ودُفن في مقبرة البروتستانت في فينا . وكتب والده كلمات الرثاء بموته . وهذه ترجمة لها : هذه الصخرة تحدد مكان البقاء لهذا الشاب ، التي لم تجد روحه راحة على هذه الأرض . وعندما إطلع على وحي روحه ، وإنه سوف لن يكون من الأحياء على الإطلاق . فإن رحلته إنتهت إلى مكان الموت في مستشفى فينا الكبير . وهناك إنطفأ وجوده المادي .

  وهكذا كان عام 1903 عام النجاح والإزدهار وكان في الوقت ذاته عام المأساة والإنطفاء . ففي هذا العام نشر الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر كتابه الأول والذي ضم إطروحته للدكتوراه وثلاثة فصول جديدة . وهذا الكتاب كان بعنوان الجنس والشخصية : بحث أساسي . كما إنه في هذا العام إتهمه البروفسور بول يوليوس موبيوس بالغش والإستحواذ ، فكان حاصلها إنتحار الفيلسوف واينينغر وهو بعمر الثالثة والعشرين . واليوم يُنظر إلى الفيلسوف واينينغر على إنه فيلسوف ميسوجني (معادي للمرأة) ومعادي للسامية [103](وهو السامي القح قبل أن يتحول إلى البروتستانتية) . إلا إن هذا لا معنى له أمام حالة واينينغر الذي كان عبقرياً عظيماً بمنظار كل من الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين والكاتب السويدي أوغست سترندبيرك (1849 – 1912)[104] .

    ولعل المهم هو أن نقف عند عتبات رائعة أوتو واينينغر (الجنس والشخصية : بحث أساسي) ؛ ونتأمل في بعض أطرافها ؟ وكيف إستقبلها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وإحتفل بها ؟ في الواقع لاحظنا إن الفيلسوف النمساوي أوتو واينيغر قد جادل في رائعته الجنس والشخصية ، وذهب إلى إن كل الناس ” ما هم إلا مكونات ممزوجة من خصائص (جواهر) ذكورية وإنثوية ” . ومن ثم دعم مُثابرته بوجهة نظر علمية . فرأى إن المظهر الذكوري يتمثل بالنشاط ، الإنتاج ، والوعي الأخلاقي والمنطقي . بينما يحسبُ إن المظهر الإنثوي يتمظهر في السلبي ، العطالة (بمعنى غير منتج ” هكذا قال واينينغر”) [105]، ويفتقد إلى الشعور الأخلاقي والمنطقي [106].  

  ويستمر واينينغر في جدله ويذهب إلى إن ” التحرير الممكن الوحيد يكون من خلال المرأة المسترجلة . ومن ثم عدد أمثلة وشواهد ، وذكر ” من مثل بعض النساء المثليات (الليزبين) . ولإن مثل هذه الحياة الإنثوية تكون حياة مستهلكة بالعمل الجنسي ” . وتحدث عن حالتين تحكمان الحياة الإنثوية المستهلكة ، الأولى مستهلكة من جهة الفعل ، وهي من مثل ” العهر والمومسات ” . أو من جهة الإنتاج ” كما هي الحال عندما تكون المرأة أماً للولادة والإنجاب[107].

  ويتحول واينينغر نحو طرف أخر من عمل المرأة ويقارنه بعمل الرجل . وهذه المرة إختار مثالاً ذات طبيعة خاصة . فالعمل الذي تعمل فيه المرأة ، هو ” وسيطة في الزواج ” . ويرى واينينغر إن مثل هذا العمل الذي تقوم به المرأة ، هو إنها تكون مقام الرجل أو إن عملها هو عمل ذكوري . حيث فيه الكثير من أفعال الذكاء ، والتخلي عن الجنس لصالح الحب المجرد أو المطلق ، والذي يتماثل في حب الله الذي يجده في ذاته [108].

   ولعل الجزء الأكثر أهمية من كتاب الفيلسوف أوتو واينينغر الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، هو الجزء الذي بحث فيه في طبيعة العبقرية . وبالطبع فيه الكثير (برأي الدكتور محمد الفرحان) من النقد الشديد القاسي للشخصية اليهودية بقلم يهودي وسامي (ونقصد الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر) . ونحسب إن هذا النقد هو الذي حمل بعض النقاد إلى إتهام أوتو واينينغر (وهو اليهودي السامي) بمعاداة السامية (وهي تشبه في الإسلام حجة معاوية بقميص عثمان) . وعلى كل فإننا نحسبها قضية سياسية في طرفيها الديني والأيديولوجي (ونذكر القارئ الكريم إلى إن أوتو واينينغر هو اليهودي والسامي قبل عام 1902 . وهي حقيقة بديهية . ولكن عندما تخلى واينينغر عن اليهودية وإعتنق البروتستانتية ، تبدل مركز الكون وأصبح  مايقوله واينينغر بجرة قلم ضد السامية) إنها محنة التفكير الحر في بيئات التفكير العقائدي المنغلق على الذات والتي تُقاتل بصلابة ودموية  من أجل التعجيل في تحويل تفكيرها وحجره في خانة من خانات الماضي وذمة التاريخ .

  والحقيقة إن الفيلسوف النمساوي واينينغر يُجادل ويذهب إلى إنه لا يوجد شخص ما ” يمتلك عبقرية في الرياضيات أو عبقرية في الموسيقى . وإنما توجد عبقرية كلية في كل من يوجد . وإن هذه العبقرية من المحتمل أن تكون حاضرة في كل البشر وفي بعض من الدرجات ” [109]. والمشكلة التي أثارها واينينغر وأزعجت العشيرة والإخوان بسبب إنه خصص فصل من رائعته الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، لتحليل الشخصية اليهودية . وفي الأمس (أي ما قبل عام 1902) لم يكن مشكلاً أو هدفاً ” فهو اليهودي القح والسامي القح ” . إلا إنه مابعد عام 1902 تحول عقيدياً إلى ضفاف المسيحية البروتستانتية . فإنقلبت موازين ونواميس الكون ومن ثم دارت الدنيا . وهكذا كان قدر العبقري واينينغر إن يعيش هذه المحنة وأن يدفع ثمنها غالياً ، وهو الفداء والموت إختياراً (الإنتحار) .

     إن جوهر المشكلة هو إن واينينغر قام في طرف من رائعته بتحليل ” الشخصية اليهودية التوراتية ” ورأى إنها شخصية إنثوية . وعلى هذا الأساس إعتقد ” إن اليهودي هو شخصية لادينية بصورة عميقة ، ولا يمتلك شخصية (نفس) فردية [110]حقيقية ، وفارغة من معاني الخير والشر . وبالمقابل فإن المسيحية تُوصف (هكذا قال أوتو واينينغر) ” إنها تعبير عال للعقيدي العالي ” . في حين ” إن اليهودية (هكذا قال واينينغر وعلى ذمته) كما شائع عنها هي نوع من الجبن المتطرف ” . وبالطبع واينينغر يستهجن تعفن العصور الحديثة . ويعزو الكثير من ذلك إلى التأثير الذي تركته النزعة الإنثوية (الفيمنن) والتي هي عنده مرادفة (على ذمة واينينغر) لشخصية اليهودي . والحقيقة إنه في حساب واينينغر ” إن كل واحد من البشر يُظهر بعض الخصائص الإنثوية ، والتي يُسميها خصائص يهودية [111].

  كما إن إنتحار واينينغر في واحد من بيوتات فينا ، وبالطبع هو البيت الذي مات فيه الموسيقار بيتهوفن والذي كان واحداً من عباقرة عصره ، صنع من إنتحاره قضية مشهورة ، كما وكان الحاصل منها حالات عديدة من الإنتحارات اللاحقة ، وكل هذه الظروف كانت السبب الذي خلق مناخاً ثقافياً أصبح أكثر إهتماماً بكتاب أوتو واينينغر الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية . ولذلك جاء إهتمام الكاتب السويدي أوغست سترندبيرك والذي كتب العديد من المراجعات المثيرة ، والتي جاءت تقترح حلول ممكنة لأصعب المشاكل الإجتماعية ، وهي مشكلة المرأة [112].

    لاحظ عدد من الأكاديميين الغربيين والمهتمين بتفكير الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين إلى إن الفيلسوف النمساوي الشاب أوتو واينينغر قد ترك أثاراً قوية على تفكير فيتجنشتاين وفي وقت مبكر . ولذلك لم تتمكن الأيام من محوها بل ظل يتذكرها على الدوام ، والأكثر من ذلك إنه بعث برسائل إلى بعض من زملائه الفلاسفة البريطانيين يُشاركهم بالإعتراف بسلطتها المعرفية عليه . وتعود ذكرى قراءة فيتجنشتاين الأولى لكتاب أوتو واينينغر والمعنون الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية إلى مرحلة الصبا والتي حينها كان طالباً في المدرسة الأكاديمية في ريلشول لينز وكان عمره أربعة عشرة ربيعاً . وفعلاً فإن هذا الكتاب ترك إنطباعات عميقة على شخصية الفيلسوف فيتجنشتاين . وبعد ذلك سجله كواحد من الكتب التي تركت تأثيراً عليه ، ومن ثم نصح العديد من أصدقائه على قراءته [113] .

  والواقع إن فيتجنشتاين حمل إعجاباً كبيراً لكثير من الأفكار التي أدلى بها الفيلسوف أوتو واينينغر رغم إنه لا يتفق معه في عدد من أفكاره الأساسية وموقفه منها . ولهذا لاحظنا إن فيتجنشتاين كتب إلى زميله الفيلسوف البريطاني جورج أدورد مور (1873 – 1958) وأستاذه كذلك فقد كان جورج مور والفيلسوف برتراند رسل (1872 – 1970) من أعضاء مناقشة إطروحته للدكتوراه والتي كانت بعنوانها اللاتيني تركتاتوس لوجيكيو – فيلوسوفكيوس (وبالعربية : رسالة منطقية – فلسفية) . فقال فيتجنشتاين في وصف أفكار الفيلسوف أوتو واينينغر ؛ ” إنه ليس من الضروري ، أو من الممكن الموافقة معه . ولكن العظمة تكمن في إننا نختلف معه وإن من أعظم أخطائه إنها كانت عظيمة ” [114].

    ونحسبُ في ختام حديثنا عن أثر الفيلسوف النمساوي الشاب أوتو واينينغر على الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، أن نشير إلى إن واينينغر جادل وذهب إلى إن المفاهيم من مثل الذكر والإنثى هي توجد مجرد مُثل إفلاطونية . وإن اليهود يميلون إلى تجسيد الإنثوية الإفلاطونية . ولما كان الرجال حسب رأي واينينغر هم أساساً عقلانيون . وإن النساء بالمقابل يعملن فقط على مستوى عواطفهن وأعضائهن الجنسية . فاليهود حسب جدل واينينغر متشابهون ، وهم مشبعون بالإنوثة . ولايتوافر لديهم الإحساس بما هو صحيح وخطأ كما وليس لديهم نفس . وإن على الرجل أن يختار بين طرفه الذكوري وطرفه الإنثوي ، بين وعيه وبين لاوعيه ، بين الحب الإفلاطوني والطرف الجنسي . والحب والرغبة الجنسية في حالة تناقض . وإن الحب بين المرأة والرجل محكوم عليه بالبؤس أو الفجور . وإن الحياة الوحيدة التي تستحق العيش هي الحياة الروحية . وإذا رغبت أن تعيش إمرأة أو يهودي ، فإن ذلك يعني إنه ليس لك الحق أن تعيش على الإطلاق . والخيار أن تكون عبقرياً أو الموت . والفيلسوف الشاب أوتو واينينغر إختار الموت وفعلاً نجح في تنفيذ الإنتحار وذلك بإطلاق النار على قلبه في عام 1903 وبعد فترة قصيرة من طبع كتابه الأول الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية [115](الذي ضم إطروحته للدكتوراه وثلاثة فصول جديدة) .

   وبعد العديد من السنوات قام البروفسور لودفيغ فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج بتوزيع نسخ عديدة من كتاب واينينغر على مجموعة من زملائه الأكاديميين والذين كانوا في حيرة ويفكرون على الدوام بأفكار واينينغر ، وقال لهم فيتجنشتاين ” إن حجج واينينغر كانت خاطئة . لكن ذلك هو الطريق الذي كانت فيه خاطئة . إلا إنه حقاً كان طريقاً مثيراً للإعجاب [116].

5

الفلسفة وإشكالية العقيدي : حرب داخلية وسلام ظاهري

  قدم لنا تاريخ الفلسفة شهادات مختلفة حول تفكير عدد كبير من الفلاسفة ، وهم يُثابرون في التعامل سلباً وإيجاباً مع العقيدي الديني الذي ولدوا عليه (وكان في الحقيقة دين الأباء والأمهات) . وقسم من الفلاسفة (وهم رجال العقل النقدي) وضعوا العقيدي على طاولة النقد وحدث ما حدث ..ولذلك كانت مثابراتهم الفلسفية النقدية على شكل مشروع ثورة هادئة أو هائجة تتطلع إلى القطيعة ومن ثم إعادة قراءة تاريخ الفلسفة من زاوية منهج نقدي هرطقي . بينما لاحظنا بالمقابل إن هناك عدد آخر من الفلاسفة من قبل عقيدة الأمهات والأباء كما هي (وهكذا كان منهج التصالح وهو منهج ساد في تاريخ الفلسفة ولازال فاعل وحقق فلاسفته نجاحات ملحوظة مع تعطيل نسبي أو مطلق لمنهج النقد الذي فيه أوجاع كثيرة لعقول الفلاسفة الهادئة ويهز مصالحهم وبالتأكيد له تأثير محسوب على مصادر رزقهم ومواردهم المالية) . ولذلك قام هؤلاء الفلاسفة بضم العقيدي الديني للأباء والأمهات كما هو إلى البناء الفلسفي الذي شيدوه مع درجات من التجميل الفلسفي أو قل أضافوا إليها أملاحاً فلسفية جعلت من العقيدي الديني ذات مذاقات عقلانية .

  ولعل العجيب في تفكير بعض الفلاسفة هو إنهم وضعوا البناء الفلسفي الذي شيدوه والعقيدي الديني الذي تشربوه في إشكالية وذلك لأنهم عطلوا منهج العقل النقدي ، وتطلعوا لأسباب ملونة إلى النجاح في المصالحة بين العقيدي الديني التقليدي (الذي يصعد إلى ألفيات من السنين مضت من تجربة الإنسانية وتفكيرها الميثيولوجي ..) والتفكير الفلسفي الذي ينز بكل ما هو إنساني تاريخي مشروط . والحقيقة إن تاريخ الفلسفة شاهد على إن البعض من الفلاسفة ومن مراحل تاريخية مختلفة ، نجحوا بدرجات ما من الهروب من لحظة السقوط في مهاوي الإنغلاق والتعصب العقيدي الديني . ويبدو إنهم نجحوا بسبب تمسكهم بإطار فلسفي إنساني ومن هذا الطرف لعب دوراً ناجحاً في تلوين نظرتهم العقيدية الدينية ورفعها إلى درجات إنسانية عالية . لكن هذا النجاح لم يتوافر للبعض منهم . ولعل لودفيغ فيتجنشتاين هو واحد منهم . فقد ظل متعلقاً بأطياف وأحلام تفكير ديني قديم تجاوزته الإنسانية كما وتخطته مسيرة الفلسفة في تاريخها الطويل . وإن ما يُحزننا ونحن نقرأ فيتجنشتاين إنه أصر على البقاء مُعلقاً بقوة فاقدة لكل سلطة معرفية ، ولعل القوة الوحيدة التي تعلق بها هي سلطة حُلم يشده إلى العقيدي الديني (العبري) الذي تنكرت له عائلة فيتجنشتاين ورفضته أمام سلطتها المالية الكبيرة (حيث إن سلطة آل فيتجنشتاين المالية هي ثاني سلطة مالية في العالم يومذاك) ، وتحولت إلى الكاثوليكية قبيل ولادة فيتجنشتاين بزمن ، ومن ثم تم تعميده على الكاثوليكية ، وبعد ذلك إستقرت العائلة على العقيدي الكاثوليكي (رغم إن عقيدة جدة فيتجنشتاين كانت البروتستانتية . وهذه حقائق تاريخية ومجيرة في تاريخ أل فيتجنشتاين وتحولاتهم العقيدية .

  والحقيقة إن لودفيغ فيتجنشتاين فيلسوف وله كل الحق في العودة إلى الوراء وتصحيح ما إرتكبه الوالد كارل فيتجنشتاين الذي إختار الكاثوليكية عقيدة جديدة لعائلته . إلا إن لودفيغ ليس له خيار في تغيير عقيدة جدته فاني فيجدور التي كانت مسيحية بروتستانتية قبل أن تتزوج جده هيرمان كريستيان فيتجنشتاين . ولذلك فإن الثابت من زاوية العقيدي اليهودي إن أل فيتجنشتاين ” ليسوا بيهود ” لأن أمهم ليست يهودية [117]. والإرتباط والشد إلى العقيدي العبري محسوب على أساس عقيدة الأم . وفعلاً فقد واجه لودفيغ فيجنشتاين هذه القضية ، ورد عليها قائلاً ” ولكنني أنا مئة في المئة عبري ” . وهذه القضية عانى منها آل فيتجنشتاين الكثير مع هتلر والنازية رغم إنهم تحولوا إلى الكاثوليكية منذ زمن قبل ولادة لودفيغ فيتجنشاين كما إن جدته كانت مسيحية بروتستانتية . وهذه قضية كُتب عنها الكثير (وخصوصاً شجرة إصول عائلة آل فيتجنشتاين التي تم إعدادها قبل الحرب العالمية الثانية في أورشليم – القدس) .

  توفر لنا سيرة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، الكثير من الحقائق حول إشكالية العقيدي الديني في تكوين شخصيته ومن ثم تفكيره ودورها في خياراته اللاحقة . فمثلاً إن الطفل لودفيغ قد تم ” تعميده كاثوليكياً بعد ولادته بقليل من قبل قس كاثوليكي ، وذلك عندما كان طفلاً [118]. إلا إن من الملاحظ إن الفتى لودفيغ ، وخلال برنامج تعليمه في ريلشول – لينز قد فقد إيمانه بالله [119]. ومن المعلوم إن فكرة الخطيئة والإعتراف بها ، مسألة عقيدية مهمة في المسيحية . والشواهد المتوافرة لدينا عن حال لودفيغ تكشف عن إشكال عقيدي ، فهو من طرف لم يعتقد على الإطلاق بفكرة الإعتراف . إلا إن يومياته تدلل بصراحة إلى إنه مارس فكرة الإعتراف على الأقل مرتين ، واحدة إنه إعترف لإخته الكبرى هيرمين . والخطيئة حدثت خلال الفترة التي يدرس فيها في المدرسة الأكاديمية في مدينة ريلشول . وفعلاً فقد علق كاتب سيرته راي مونك على ذلك ، وكتب مشيراً إلى إن هذا الإعتراف ” كان حول فقدانه الإيمان بالله ” . والثانية إنه ناقش مسألة فقدانه الإيمان مع إخته غريتي ، وذكر بأن الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهور (1788 – 1860) وكتابه الذي حمل عنوان العالم كإرادة وصورة ، هما اللذان وجهاه نحو ذلك [120].

  ويُنقل عن لودفيغ فيتجنشتاين ، إنه مرة قال لصديق له معلقاً ” إنني لم أكن رجل متدين ، ولذلك لا أستطيع المساعدة في كل مشكلة ، لأنني لا أنظر إليها من زاوية دينية [121]. ولودفيغ خلال مراهقته تبنى حقاً المثالية الأبستمولوجية للفيلسوف الألماني شوبنهور . إلا إنه بعد دراسته لفلسفة الرياضيات ، تخلى عن المثالية الأبستمولوجية ، ووصفها بطريقة درامية ، ومن خلالها وصف شوبنهور بكلمات وألفاظ نقدية فيها الكثير من القسوة . فقال بحق شوبنهور ” إنه تماماً مفكر ضحل (أو سطحي) ” . ومن ثم ذهب مفصلاً أكثر ، فقال ” إنه يمتلك (أي شوبنهور) عقل فج جلف .. وهنا وصل إلى القعر حيث كانت نهايته الحقيقية [122]. لماذا هذا التبدل الدراميتكي تجاه شوبنهور ؟ نحسبُ إنه جزء من طبع ومزاج فيتجنشتاين الحاد والذي يعرفه وإختبره معظم معاصريه .

   ونُرجح إن السبب الحقيقي الذي حمل فيتجنشتاين على تخليه في السنوات الأخيرة من المثالية الأبستمولوجية لشوبنهور ، هو تحوله نحو ضفاف الواقعية المفهومية التي يُروج لها الفيلسوف وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجه (1848 – 1925) [123]. ويبدو لنا إن المسألة لم تقف عند هذه الحدود ، وإنما تعدت ذلك وإمتدت إلى كتابات فيتجنشتاين في مضمار أسس الرياضيات .

  كما إن المُتابع للتطورت التي حدثت على الطرف العقيدي الديني عند فيتجنشتاين ، يلحظ إنها مرت بتحولات مستمرة ، طوت حياته الفكرية بمجملها (وخصوصاً أفكاره الفلسفية) . حيث من الملاحظ إن علاقة فيتجنشتاين بالمسيحية والدين على العموم كانت علاقة فيها الكثير من الإخلاص وخصوصاً إلى المقدس والتكريس والتي فتح لها فيتجنشتاين طريق الإزدهار في نهاية المطاف . وفعلاً فإن فيتجنشتاين دون شك مقارنة بالمفكرين المسيحيين الأخرين ، هو أكثرهم تأثراً بالقديس أوغسطين (354 – 430م) . ولعل أثار ذلك ظهرت له صدى في رائعته التي حملت عنوان أبحاث فلسفية . وفيها ظهرت الكثير من المحاذات الأساسية مع الخطاب الديني [124]. ولذلك أصبح فيتجنشتاين واحد من النقاد المتشددين للطريقة العلمية (تحت لافتة الساينتيزم / العلمية) في القرن العشرين [125].

   ويُجمع عدد من الكتاب في سيرة فيتجنشتاين ، على إنه كلما طال به العمر ، فإن عقيدته المسيحية تعمقت وأصبحت أكثر وضوحاً وصفاءً . والشواهد كثيرة منها أنه قدم العديد من التوضيحات والشروح التي فيها فك لألغاز اللغة ومشكلاتها في الدين ، مع مهاجمته للإغراءات التي تحمل التفكير ومن ثم الإعتقاد على إن وجود الله هو موضوع دليل علمي [126]. وفي عام 1947 واجه مشكلة كبيرة في العمل ، فكتب وقال ” إستلمت رسالة من صديق قديم في النمسا ، وهو قس . وفي هذه الرسالة لديه الكثير من الأمال على إن عملي سيكون على أحسن حال ، وهو بيد الله . وإن كل هذا ما أتطلع إليه . إذا كانت حقاً هي إرادة الله [127].

   وفي عمل فيتجنشتاين الذي حمل عنوان ” الثقافة والقيمة ” وجدناه يُفيد ” إن ما أقوم به (أي عملي في مضمار الفلسفة) هو حقيقة ما يستحق بذل الجهد ؟ نعم بالتأكيد . لكن فقط إذا ما شع الضوء عليه من الأعلى ”  . ومن ثم كتب صديقه الحميم نورمان مالكولم ، فأفاد ” إن حياة فيتجنشتاين في مرحلة النضوج ، هي أكثر قوة ، وهي في الوقت ذاته ،عنوان دال على تفكيره الديني ومشاعره . وأنا ميال للتفكير بأن فيتجنشتاين ، كان أكثر عمقاً من الناس الذين يعتبرون بصورة صحيحة ، إنهم مؤمنون متدينون ” [128]. وكتب فيتجنشتاين مرة عن الموسيقار الألماني يوهان سباستيان باخ (1685 – 1750) فقال إن باخ كتب مرة على الصفحة الأولى وبالتحديد على عنوان رائعته الموسيقية أورغل بروشيلان ” أي إلى الله المجيد ، الذي هو أكثر علو ، ربما جيراني سينتفعون منه ” . ” و(أضاف فيتجنشتاين) ” وذلك ما أتطلع أن أقول حول عملي ” [129].

6

الثابت والمتحول في حياة وتفكير لودفيغ فيتجنشتاين

    لاحظنا إن من أهم التحولات التي تركت أثارها الدرامية على حياة لودفيغ وتفكيره سلباً وإيجاباً ، هي وفاة والده كارل فيتجنشتاين والذي كان واحد من أغنى رجال العالم يومذاك . وفعلاً ففي كانون الثاني عام 1913 توفي والده . وبعدها حصل لودفيغ على ميراثه وأصبح واحد من أثرياء أوربا [130].

   كما وإن من الأحداث التي كان حاصلها تحولاً في حياة لودفيغ فيتجنشتاين ، هي إنه عاش مغامرات رومانتيكية مع عدد من الرجال والنساء . ويعتقد بصورة عامة ” إنه وقع في حب إفلاطوني على الأقل مع ثلاثة رجال ” . وهم كل من ديفيد هيوم بينسنت (1891 – 1918) وكانت علاقتهما سنة 1912 [131]، وفرنسيس سكنير (1912 – 1941) وعلاقتهما كانت سنة 1930 [132]، وبن ريتشاردز وعلاقتهما حدثت في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين [133].

  وفيما بعد أباح لودفيغ ببعض من أسرار علاقاته الغرامية ، فأشار إلى إنه عندما كان مراهقاً في مدينة فينا ، عاش تجربة غرامية (جنسية) مع ” إمرأة من فينا [134]. إضافة إلى ذلك فإن لودفيغ في العشرينات من القرن العشرين ، كان مفتوناً في حب إمرأة سويسرية شابة وهي مارغريت راسبنجر ، وكانت تعمل موديلاً للنحاتين ، ووافقت على الزواج . ولكن بشرط أن لاينجبوا أطفالاً [135].

  ولعل من الثوابت التي طبعت علاقات حب فيتجنشتاين الإفلاطونية مع ديفيد بينسنت ، إنها حدثت خلال فترة زمنية كانت مطبوعة بنمط من التفكير العقلي المحض . كما تم توثيقها بصورة عالية جداً . فمثلاً إن الفيلسوف (والبروفسور يومذاك) برتراند رسل ، هو الذي قدم فيتجنشتاين إلى بينسنت وكان بالتحديد في صيف عام 1912 (وكما أشرنا هو من أقرباء الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم) . وحالاً تحول بينسنت إلى الصديق الحميم المقرب إلى فيتجنشتاين [136]. والحاصل من هذه العلاقة الحميميمة بين كل من فيتجنشتاين وبينسنت ، إن الأثنين عملا سوية في العديد من التجارب في مختبر علم النفس ، وبالطبع هي التجارب التي دارت حول الدور الذي يلعبه الرذم (الإيقاع) في تقدير الموسيقى . وفعلاً فقد قدم فيتجنشتاين بحثاً حول هذا الموضوع إلى الجمعية السايكولوجية البريطانية في كيمبريدج سنة 1912 .

   كما إن كلاهما (أي فيتجنشتاين وبينسنت) قاما برحلات سياحية سوية وشملت إيسلندا في سبتمبر سنة 1912 . ودفع فيتجنشتاين مصاريف الرحلة في القطار (الخاص الدرجة الأولى)، وملابس جديدة لهما . وبعد ذلك أكملوا الرحلة نحو النرويج . والحقيقة إن أوراق مذكرات بينسنت تُعدُ مصادر غنية بالكثير من المعلومات ووجهات النظر التي كتبها بينسنت حول شخصية فيتجنشتاين . وفيها تصوير دقيق لحساسية وعصبية فيتجنشتاين وخصوصاً سرعة تبدل مزاجه بسبب أبسط وأصغر الأمور من بينسنت [137].

  ولعل الأمثلة كثيرة منها ما كتبه بينسنت في أوراق مذكراته ، وبالتخصيص في ذهابه مع فيتجنشتاين لشراء بعض الأثاث إلى جامعة كيمبريدج ، وذلك بعد حصول فيتجنشتاين على غرف له في كلية الثالوث . وكل ما وجداه في محلات الأثاث ، هو ليس المناسب الذي يُرضي ذوق فيتجنشتاين الجمالي . فأفاد بينست موضحاً ” فذهبت لمساعدته ، فشاهدنا الكثير من الأثاث وفي محلات متنوعة … إنها لم تكن مسلية : إن فيتجنشتاين كان عصبياً بشكل رهيب (وكان الحاصل) إننا حملنا صاحب مخزن الأثاث إلى الرقص مرعوباً وأخذ يتلعثم ويخطأ في نطق الحروف [138].

  ومن ثم كتب بينسنت في مايس سنة 1912 وذهب إلى إن فيتجنشتاين بدأ يدرس تاريخ الفلسفة ، وقال : إن فيتجنشتاين ” عبر عن دهشته الأكثر سذاجة وذلك عندما ذكر بأن هؤلاء الفلاسفة الذين كانوا موضوع عبادة وتقديس بسبب جهله . وإنهم بعد ذلك مجموعة أغبياء تعوزهم الأمانة وإنهم إرتكبوا أخطاء شنيعة ” [139]. وكان هذا هو اللقاء الأخير بين فيتجنشتاين وبينسنت ، والذي كان في محطة قطار برمنغهام في 8 إكتوبر سنة 1913 ، وحينها قال الواحد للإخر ” مع السلامة ” . وغادر فيتجنشتاين ليعيش في النرويج .

  وإستكمالاً لهذه اللوحة نسعى إلى تقديم شواهد الشد النفسي وموجات الغضب الذي يُعاني منها فيتجنشتاين وإلتي كانت حاضرة وقريبة من سطح الجلد والتي تحتاج فقط إلى محرك لتنفجر وتتحول إلى ثورة جامحة تهدد سلام الصداقة وعلاقات المحبة . وهنا نستعرض الكثير من هذه الشواهد . ونقف أولاً عند شواهد الفيلسوف الإنكليزي جورج أدورد مور الذي ناقش إطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه التي حملت عنوان تراكتتس أو رسالة منطقية – فلسفية . فقد كان البروفسور مور بالإضافة إلى كونه أستاذ فيتجنشتاين ، هو صديق مُقرب وتربطه بفيتجنشتاين علاقات صداقة طيبة وحميمة . وكان مور يزور فيتجنشتاين خلال مكوث الأخير في النرويج . وكانت علاقتهما بعض الأحيان تُصف بالتوتر والجفاف . وهنا نستشهد بزيارة مور لفيتجنشتاين سنة 1914 . وخلفها قصة نحاول الوقوف عندها ، فمرة حاول مور ” أن يكون مساعداً لفيتجنشتاين ، وبدأ يُسجل ملاحظات الأخير ، وحينها وقع مور في خطأ . فكان الحاصل من ذلك ثورة وهيجان فيتجنشتاين [140].

  والشاهد الثاني الذي نقدمه من علاقة الفيلسوف مور بتلميذه فيتجنشتاين ، هو إنه عندما عاد مور من زيارته لفيتجنشتاين ، إلتحق بجامعته كيمبريدج ، وطلب من الجامعة قبول كتاب فيتجنشتاين ” المنطق ” ليكون مُعادلاً لدرجة البكلوريوس . إلا إن الجامعة رفضت الطلب بسبب إنه لم يكن منظماً بصورة مقبولة ، وتعوزه الهوامش وخال من مقدمة . وهذا الرفض سبب غضب فيتجنشتاين ، وحمله على أن يكتب رسالة غاضبة وأرسلها إلى مور في مايس سنة 1914 ، قال فيها ” إذا لم أستحق أن تعمل لي إستثناء بسبب بعض التفاصيل الغبية (هكذا جاءت) ، فإن الأفضل لي أن أذهب مباشرة إلى الجحيم . وإذا أستحق ذلك وأنت لم تعمله ، إذن بعون الله ، إنك من المفروض أن تذهب هناك (هكذا وردت) ” [141].

  وسببت هذه الرسالة ولغتها الغاضبة حالة الإندهاش والذهول إلى الفيلسوف جورج مور ، فكتب مور في مذكراته ، بأنه شعر بالمرض وظلت الرسالة محفورة ومسكونة في تفكيره وشاخصة لفترة من الزمن لقوة بشاعتها [142]. وكان الحاصل من هذه الرسالة إن الأثنين (أي مور وفيتجنشتاين) لم يتحدثا مرة ثانية حتى عام 1929 [143]. وحتى علاقته مع إستاذه برتراند رسل فقد مرت بفترات من التوتر والشد . ونتذكر النقد الحاد الذي وجهه فيتجنشتاين إلى رسل ورفضه نشر المدخل الذي كتبه رسل إلى رسالة منطقية – فلسفية بعد إن قام كل من فرانك رامزي وتشارلز أوغدن بترجمتها من الألمانية إلى الإنكليزية . وهذا أمر مجير في ثنايا البحث الحالي [144]. ونحسب إن من  حق بعض الباحثين أن يتحدثوا عن ذهنية فيتجنشتاين الماسوجينية (المعادية للمرأة) وخصوصاً تعليقاته على النساء الكاتابات . ولعل ماكتبناه عن الفيلسوفة الفيتجنشتاينية مارجريت إنسكومب يُعدُ شاهداً ومثالاً على تفكيره الماسوجيني حيت كان فيتجنشتاين يطلق على طالبته مارجريت إنسكومب عنوان الرجل الشيخ (وبالطبع هي إمرأة وليست رجل وليست شيخ ) . ونحن متفهمون لهذا العنوان (لأن صورة الفيلسوف الكلاسيكي هي دائماً شيخاً طاعن في السن) . ولهذا كان عنوان إنسكومب ، فيه إسثناء خصوصاً إنه صادر من الفيلسوف فيتجنشتاين المعروف عنه ” إنه لا يحب النساء الفيلسوفات[145].

  وإذا كانت هذه المواقف الماسوجينية تكون النقاط المظلمة من تاريخ فيتجنشاين التنويري الذي يشع بأنواره الإنسانية . فإن هناك نقاط معتمة أخرى تكشف عن مواقف تفتقد إلى روح الإخوة والتعاطف الإنسانيين . فمثلاً إن فيتجنشتاين بحكم وضع عائلته الثرية المترفة كانت له موازينه الخاصة في التعامل مع الناس العاديين . وهذا جاء في الرواية المنقولة عنه ، والتي تزامنت في شهر سبتمبر من عام 1922 ، وهو التاريخ الذي تحول فيه فيتجنشتاين ، للعمل في مدرسة متوسطة في قرية مجاورة تُدعى هاسباك . ومع الأسف إن هذا الفيلسوف الإنساني الكبير سقط في معاقل التمييز والنظرة الدونية ، فقال ” إن هؤلاء الناس ليسوا ببشر على الإطلاق ، بل إنهم مجرد ديدان كريهة ” . وذلك ما جاء في رسالة كتبها إلى صديق له ، ومن ثم بعد شهر واحد فقط ترك هذه القرية .

  وفي نوفمبر بدأ فيتجنشتاين يعمل في مدرسة إبتدائية وكانت تقع في منطقة بوشبيرك – سنيبيرك (جبال الألبز) النمسا . ومن هناك أرسل رسالة إلى برتراند رسل يُخبره عن أحوال القرويين . فقال ” إن ربع (1من أربعة)هؤلاء الناس القرويين هم حيوانات ، وثلاثة الأرباع الباقية هم بشر ” . وفي 17 سبتمبر من عام 1923 كتب فرانك رامزي رسالة أخبر عائلته وذكر فيها إن فيتجينشتاين يعيش في غرفة صغيرة جداً ، حيث تتسع لسرير منامه ، ومغسلة للأيدي ، وطاولة صغير وكرسي صغير خشن متواضع [146].

   وبعد عودة رامزي إلى جامعة كيمبريدج ، قام بحملة واسعة بدأت بأصدقاء فيتجنشتاين وذلك لإقناعه على العودة إلى كيمبريدج ومن ثم الإبتعاد بأسرع وقت من هذه البيئة العدائية الخطيرة على حياته . وفعلاً فقد قبل فيتجنشتاين المساعدة بشرط ” أن لا يكون لعائلته أي تدخل فيها ” [147]. ومن ثم كتب رامزي إلى عالم الإقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز وهو صديق فيتجنشتاين يُخبره بالجديد في قضية فيتجنشتاين ، فقال ” إن عائلة فيتجنشتاين من العوائل الثرية جداً . إلا إنها قلقة جداً على تقديم المال له أو عمل أي شي .. لأنه رفض رفضاً مطلقاً لكل عروضهم ، بل وحتى هدايا عيد الميلاد أو هدايا على شكل طعام . وبينما كان مريضاً رد هداياهم إليهم . والسبب ليس لأن عروضهم ليست جيدة . وإنما لا يُريد المال الذي لا يستحقه وإنه يعتقد إنها شفقة بغيضة [148].

   ومن التحولات الخطيرة التي حدثت في حياة فيتجنشتاين وهزت الثوابت ، هو إنه كان يعمل معلماً في مدارس أوترتهال وهي مدارس إبتدائية في قرية نمساوية تُدعى ترتنباخ . وكان المدير لهذه المدارس الإبتدائية ، هو الإشتراكي النمساوي جوزيف بوتري والذي أصبح واحد من أصدقاء فيتجنشتاين وخلال فترة عمل الأخير في ترتنباخ إلا إن هذه الصداقة تعرضت إلى هزة دراماتيكية قوية ووضعت المدير جوزيف بوتري وفيتجنشتاين أمام خيارات صعبة . وكان المدير جوزيف بوتري رجل مبادئ فوقف مع الحق ورجح كفته على صداقة فيتجنشتاين وبدأ يُرتب لدعوة الشرطة ومن ثم قدومها لإلقاء القبض على المعتدي فيتجنشتاين ومن محاكمته بجريمة العقاب الجسدي للإطفال . إلا إن القدر كان أقوى من الحق فمات المدير بوتري فجأة وهرب فيتجنشتاين بجلده دون قصاص . وعُرفت القضية بحادثة الطفل جوزيف هايدبوا (1915 – 1929) . وهايدبوا هو الطفل الضحية وخلاصة الحكاية التي حدثت في أبريل سنة 1926 ، هو إن الطفل جوزيف هايدوا كان بعمر 11 سنة وكان طالب في مدرسة أوترتهال – النمسا . حيث تناقلت التقارير إن الطفل جوزيف هايدوا (وهو طفل يتيم الأب وبطئ التعلم وأمه تعمل عاملة في البيوت) سقط فاقد الوعي بعد إن تعرض للضرب على رأسه في صف المعلم لودفيغ فيتجنشتاين (وخلال المحكمة أصبح الفيلسوف فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج) [149].

   ولاحظنا رغم تقديرنا لفلسفة فيتجنشتاين إنه كان مسؤولاً عما حدث للطفل جوزيف ، وبعد إن مرت سنوات عاد فيتجنشتاين  وإعتذر للمدرسة والطلاب والقرية . ولهذا نحسب إن سلطة إسرة فيتجنشتاين المالية على الأقل لعبت دوراً في إنقاذ وتحرير فيتجنشتاين من أي لوم ومن ثم فك الأرتباط ما بين ” فعل فيتجنشتاين وموت الطفل جوزيف هايدوا ” وتعليق الموت بشماعة سرطان الدم . ومن ثم شطب حالة الرعب والفزع التي تعرض لها الطفل جوزيف التي هي العامل الأقوى في تطور مرض سرطان الدم ومن ثم موته . ولنترك النص الذي نقله لنا الباحث الأكاديمي الإنكليزي راي مونك والذي يصف فيه الحال :

  مات جوزيف هايدوا بعمر الرابعة عشرة ، وهو ليس من الأطفال المشاغبين . إلا إنه من المحتمل إن جوابه على الأسئلة في نشاطات الصف كان بطيئاً . ففي يوم من الأيام كان المعلم فيتجنشتاين قد فقد صبره وينتظر بعجل على الجواب من جوزيف . فضرب فيتجنشتاين جوزيف مرتين أو ثلاث مرات على رأسه ، وسبب ذلك إنهيار الطفل [150].

  وتُضيف المصادر إلى سيناريو قصة إنهيار الطالب جوزيف هايدوا ، تفاصيلاً أخرى ، فتفيد إلى إن ” فيتجنشتاين حمل الطالب جوزيف إلى مكتب مدير المدرسة ، ومن ثم غادر بسرعة ” وتوجه إلى أهل هايدوا . وفي الطريق واجه فلاح المدرسة بيريباور والذي كان خارجاً هو الأخر . والحقيقة إن أطفال المدرسة طلبوا من بيريباور الحضور إلى الصف بعد إنهيار الطالب جوزيف . وبالمناسبة إن المعلم فيتجنشتاين في حادثة سابقة (أي إستخدام العقاب الجسدي) قام بسحب شعر بنت الفلاح بيريباور وإسمها هيرمين وقرص واحدة من آذانها وكان الحاصل نزيف الدم منها [151]. ومن ثم قال الفلاح بيريباور وذلك عندما قابل فيتجنشتاين في ساحة المدرسة ” أنا أطلقت عليه كل الأسماء الرديئة تحت الشمس ” وقال له ” إنك لست بمعلم ” وإنما ” مدرب حيوانات ! وأنا ذاهب أبحث عن الشرطة ، وذلك هو الطريق الصحيح ” [152].

  وفعلاً فإن الفلاح بيريباور كان يسعى بجد إلى إلقاء القبض على فيتجنشتاين . إلا إن الأخير كان محظوظاً حيث كان مركز الشرطة فارغاً . وحاول بيريباور مرة ثانية في اليوم التالي . غير إن الأخبار إنتشرت ” بأن فيتجنشتاين إختفى ” . وفي 28 أبريل سلم فيتجنشتاين إستقالته إلى ويلهلم كندت ، وهو مفتش المدارس المحلية . وحاول كندت إقناع فيتجنشتاين بالعدول عن قراره والبقاء والقيام بعمله . إلا إن فيتجنشتاين كان مدركاً لخطورة الظروف هذه المرة ، فأعلن بوضوح ” إن هذا اليوم كان نهاية عمله معلماً في المدرسة [153].

  ومن ثم بدأت محاكمة فيتجنشتاين في مايس . وحينها طلب القاضي تقرير الطبيب النفسي . وهنا إستهلت عائلة فيتجنشتاين مساعيها المؤثرة على قرار المحكمة . وفعلاً ففي أوغست (آب) سنة 1926 جاءت رسالة من لودفيغ هانس وهو صديق حميم لفيتجنشتاين تُشير إلى إن جلسات المحكمة بدأت ، و” لم يُعرف أي شئ حول القضية بعد ذلك ” . وكتب الكسندر وو ، فأشار إلى إن عائلة فيتجنشتاين وخلفهم سطوتهم المالية ، ربما رتبوا لسيناريو مختلف للقضية . وأضاف إلى إن هايديوا مات بعد فترة قصيرة بسبب الهموفيليا (مرض الدم) [154]. في حين قال راي مونك ” مات هايديوا بعمر الرابعة عشرة بسبب اللوكيميا (سرطان الدم) ” [155].         وبعد ما يُقارب العشرة سنوات ، وبالتحديد في عام 1936 وجزء من سلسلة ” إعترافات فيتجنشتاين ” ويومها قام فيتجنشتاين برحلة سافر خلالها إلى قرية أوترتهال ودون تحذير ظهر هناك وقال إنه يتطلع للإعتراف شخصياً ، ويطلب العفو من الأطفال الذين ضربهم . وزار على الأقل أربعة من الأطفال ضحايا عقابه الجسدي . وبالطبع من ضمنهم هارمين بيريباور (بنت فلاح المدرسة) والتي كما يبدو إنها رددت بالألمانية ” نعم ، نعم ” . وكان معظم طلاب فيتجنشتاين ” أهل كرم وضيافة ” . ورأى راي مونك إن الغرض من هذه الإعترافات ” ليس في جرح كبرياء فيتجنشتاين ، وإنما كان شكلاً من العقاب ، وهو شكل من التجريد ، وخصوصاً تحريره من الحواجز التي كانت فعلاً قائمة وتعوق الطريق للإعتراف بأمانته ومن ثم إحترام تفكيره ” . وحول هذا الإعتراف كتب فيتجنشتاين ، فقال ” إن هذا الإعتراف جلبني إلى المياه الهادئة ، وإلى المناطق الأكثر جدية [156].   

   وفي ذكرى الطفولة والأطفال نحسب إن نختتم هذا الطرف من البحث بالإشارة إلى إنه من الثوابت التي تُضاف إلى الثوابت التي لونت حياة فيتجنشتاين وكان لها من الأثر على مستقبله وخصوصاً الطرف التربوي المهني . هو إنه كتب قاموساً للأطفال في التهجئة والنطق والذي تألف من إثنتين وأربعين صفحة . وهو عمل إبداعي وطبعه فيتجنشتاين في فينا سنة 1926 (دار نشر هولد – بشلر – تمبسكي) وشركة نشرهس . وتزامن نشر قاموس الأطفال سنة محاكمته في قضية الطفل جوزيف هايديوا . وبالطبع هو الكتاب الذي جاء جزء من رائعة فيتجنشتاين تراكتتس والذي طبع في حياته [157]. والحقيقة إن فيتجنشتاين كان صادقاً في نيته الطيبة وذلك عندما أهدى هذا القاموس التعليمي إلى الأطفال في هذه المدارس الإبتدائية . ومن ثم تجددت الذكرى في عام 2005 أي ذكرى قاموس الأطفال والمعلم فيتجنشتاين وأطفال مدارس ترتنباخ . ولعل مقال جون إيزارد الذي حمل عنوان كتاب الفيلسوف النادر في البيع [158]هو النشيد التربوي الذي جدد الحياة والإهتمام بكتاب فيتجنشتاين قاموس الأطفال في التهجئة والنطق ومن ثم جدد الحديث عن أساليب العقاب الجسدي للأطفال في المدارس الإبتدائية والذين لا حول لهم ولا قوة أمام سلطة المعلم الغاشمة والخالية من الرحمة وسطوة المدير غير المسؤولة . وبالمناسبة إن هذا الكتاب بيع بمبلغ قدره خمس وسبعين ألف باون إسترليني [159].

7

عودة فيتجنشتاين إلى جامعة كيمبريدج والعمل الأكاديمي

  عمل عديد من أصدقاء الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين على تأمين عودته إلى جامعة كيمبريدج ، وكان في مقدمتهم كل من الفيلسوف وعالم المنطق الإنكليزي الشاب فرانك رامزي وعالم الإقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز . وفي محاولتهم هذه نجحوا ، ومن ثم عاد فيتجنشتاين إلى جامعة كيمبريدج سنة 1929 . وكتب جون كينز (وهو المذهب الكينزي في الإقتصاد المعاصر) رسالة إلى زوجته مُعلقاً على وصول فيتجنشتاين ، فقال ” حسناً ، الله (ويعني فيتجنشتاين) وصل . وأنا قابلته في محطة القطار في الساعة الخامسة وخمسة عشر [160].

وبالرغم من سمعة فيتجنشتاين ، فإنها لم تنفع ولم تمكنه من أن يبدأ العمل في جامعة كيمبريدج والسبب إنه لا يملك درجة أكاديمية عالية . ولذلك تقدم بطلب للدراسة وكطالب في مرحلة أكاديمية متقدمة . وفعلاً فقد لاحظنا إن برتراند رسل ساند طلب فيتجنشتاين ودعمه بتأييد حضوره الأكاديمي السابق ، وإنه كاف لمتطلبات القبول في دراسة الدكتوراه . وألح برتراند رسل على فيتجنشتاين بتقديم تراكتتس (رسالة منطقية – فلسفية) إطروحة دكتوراه له . وتم مناقشة إطروحة الدكتوراه في 1929 من قبل كل من برتراند رسل وجورج مور . والنهاية كان دفاع فيتجنشتاين عن رسالة منطقية – فلسفية . وبالمناسبة وفي أجواء المناقشة شد فيتجنشتاين على كتفي كل من رسل ومور وقال لهما ” لا تقلقوا ، أنا عارف إنكما سوف لن تفهما هذه الإطروحة [161] .

  ومن ثم كتب جورج مور تقريره كممتحن لإطروحة فيتجنشتاين ، وقال فيه ” وأنا من طرفي ، فأرى إن هذا العمل هو إنجاز عبقري . وحتى إذا كنت على خطأ تماماً ، وإن إطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه لا تحتوي على شئ من ذلك . فأنها عالية جداً ، وهي فوق المعايير التي تتطلبها درجة الدكتوراه ” [162]. ومن ثم عُين فيتجنشتاين محاضراً ، وأصبح زميلاً باحثاً في كلية الثالوث – جامعة كيمبريدج . وهذه خطوة بالغة الأهمية في مشواره الأكاديمي .

   وبعد إستقالة الفيلسوف والبروفسور جورج أدورد مور من رئاسة قسم الفلسفة ، تم إنتخاب فيتجنشتاين رئيساً للقسم ، ومن ثم حصل على الجنسية البريطانية . وفي عام 1939 سافر إلى فينا وذلك لمساعدة إخته كراتي (مارجريت) وأخواتها الأخريات . ومن ثم زار برلين ليوم واحد وقابل هناك بعض المسؤولين الحكوميين . وبعد ذلك سافر إلى نيويورك وذلك لإقناع أخيه بول فيتجنشتاين حول الوعود (والمواقف بين عائلة فيتجنشتاين والحكومة النازية) التي تتضمن التسهيلات التي تقدمها القوات النازية لعائلة آل فيتجنشتاين لقاء (ألف وسبعمائة كيلو من الذهب) [163].

  كما أفادت تقارير في إن فيتجنشتاين زار موسكو وللمرة الثانية سنة 1939 . وعلى حد رواية هذه التقارير إن فيتجنشتاين سافر من برلين وقابل الفيلسوفة الروسية صوفيا إلكسندروفانا يونوفسكا (1896 – 1966)[164] للمرة الثانية [165]. والفيلسوفة إلكسندروفانا هي التي أقنعت لودفيغ فيتجنشتاين خلال زيارته إلى الإتحاد السوفيتي سنة 1934 إلى التخلي عن فكرته للإستقرار والعيش في الإتحاد السوفيتي [166].

  وخلال هذه الفترة الأكاديمية من حياة فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج ، كان الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم (1911 – 1990)[167]طالب دراسات عليا في كيمبريدج ومن ثم عُين زميلاً باحثاً فيها . وفي خطاب له وصف إنطباعاته الأولى عن فيتجنشتاين عام 1938 وبالتحديد في إجتماع نادي العلم الأخلاقي فأفاد واصفاً الفيلسوف فيتجنشتاين : ” بعد قراءة البحث وبداية المناقشة ، فإن شخصاً بدأ يُقدم ملاحظاته وبصوت يتلعثم (أي تأتأة) . وكان يواجه صعوبات جمة في التعبير عن شخصه . وإن عباراته كانت مبهمة وبدت غير مفهومة بالنسبة لي ، فهمست إلى جاري وقلت له : من هو المتكلم ؟ فرد علي قائلاً إنه فيتجنشتاين . وحينها صعقني ما سمعت وذلك لأنني كنت أتصور مؤلف رائعة تراكتتس ، هو رجل كبير السن . وهذا الرجل الذي أراه اليوم ، هو شاباً وربما عمره لا يتجاوز الخامسة والثلاثين (وفي واقع الحال كان إبن التاسعة والأربعين) . كان وجهه يبدو للناظر هزيلاً وداكناً (بنياً) وكانت حواجبه معقوفة إلا إنها جميلة وتُلفت النظر . وكان رأسه مغطى بشعر كثيف يمتد إل مقدمة جبهته . وشعره يميل إلى اللون البُني . ولاحظت إن جميع الحضور في الغرفة يُظهر له الإنتباه والإحترام . وبعد بداية غير ناجحة وتعطل في الكلام بعض الوقت . والواضح إنه كان في حالة كفاح مع أفكاره . وكانت نظراته حادة ومتمركزة . وحركة ملامحه كانت متوافقة مع حركة يديه وكأنها في طقس حوار سواء كانت تقدم محاضرة أو في حالة جدل مع الذات وبصمت عال . وفيتجنشتاين دائماً يتكلم بإسلوب قاطع وبتلحين في النطق والكلام . وكان يتكلم بإنكليزية ممتازة مع لهجة المثقفين الإنكليزية ، وتتخللها بعض الأحيان ألفاظ وكلمات ألمانية ، وكان صوته رناناً ، وكلماته تتميز بقوة وتشديد وإن كانت غير طليقة . وكل مستمع له أدرك بأن هذا الرجل شخصية متفردة ويمكن وصفها بأنها ” شخصية تصدر الأوامر وكأنها شخصية إمبراطور [168].

   ومن ثم يُدقق مالكولم في شخصية فيتجنشتاين خلال هذه الإجتماعات واللقاءات ، والتي إعتاد أن يصفها بأنها محاضرات ، فأفاد مالكولم كشاهد حي على ما حدث في الإجتماعات (المحاضرات بلغة فيتجنشتاين) :

   إنه من الصعب أن نتكلم عنها وندعوها محاضرات (وإن كانت هناك درجات من الصحة) . ورغم ذلك فهذا ما إعتاد فيتجنشتاين أن يطلق عليها . مع الإشارة إلى شئ واحد ، وهو إن فيتجنشتاين كان يحمل معه البحث الأصلي الذي من المفروض أن يُقدمه في هذه الإجتماعات . إلا إن الغالب على هذه الإجتماعات ، إنها كانت جلسات حوار . وبعض الأحيان كان فيتجنشتاين يتوقف من الحوار ويُلفت الإنتباه إلى وجود فكرة في ذهنيته وإنه يحاول إطلاقها . كما وكانت تصاحب إثارة الأسئلة أو إطلاق الملاحظات حركات يديه . وتتخلل ذلك فترات طويلة ومتعددة من الصمت . وفيها فيتجنشتاين كان متوتراً ومشدوداً وفي حالات من الوجد أو التركيز . ووجه خلال ذلك كان مشعاً ومملوء بالحيوية والنشاط . ومن طرف يداه فقد كانتا تقبضان وتمسكان بكل الحركات . وبدت تعابير وجهه تُدلل على نوع من التعالي .  وإن كل واحد من الحضور أدرك بأنه في حالة حضور ودرجات من الجدية المتطرفة ، والتي كانت تُصاحبها أفعال من الإستغراق الذهني وترجيح لقوة العقل . وكانت شخصية فيتجنشتاين في هذه الصفوف ، شخصية مُخيفة وتُرعب الجميع [169].

  وكان من عادات فيتجنشتاين ، هو إنه بعد كل عمل أكاديمي مُضني ، يُخفف عن نفسه بالتمتع بفترات من الراحة والإستراخاء وذلك من خلال الذهاب إلى قاعات السينما ومشاهدة الويسترينز والتي تشمل أفلام رعاة البقر وأفلام العصابات … وكان يُفضل المقاعد الأمامية في قاعات السينما . وكان كذلك يُفضل في حالات الشد والتوتر والتعب ، قراءة قصص الجريمة والتحقيقات ، وخصوصاً القصص التي ألفها الكاتب الأمريكي نوربرت هاريسون ديفيس (1909 – 1949) [170]. وفعلاً فقد كان فيتجنشتاين من المعجبين بكتابات نوربرت ديفيس وخصوصاً الروايات التي تحولت إلى شاشة السينما . ومات الكاتب نوربرت في 28 تموز من عام 1949 وظهر إنها محاولة إنتحار ناجحة وكان عمره أربعين ربيعاً فقط [171]. وكتب نورمان مالكولم ، فقال ” كان فيتجنشتاين يهرع بسرعة إلى دار السينما بُعيد نهاية محاضراته ” [172].

  وخلال هذه الفترة فإن فيتجنشتاين قام بمراجعة أفكاره وجدد بحثه حول أسس الرياضيات وبصورة جدية ، فكان الحاصل من ذلك تعديل الكثير من تفكيره حولها . فمثلاً إنه في بواكير العشرينات إعتقد بأن علم المنطق قادر على توفير أسس وقواعد صلبة ، وكان يومها يُفكر في تجديد رائعة برتراند رسل والفريد نورث وايتهيد برنسبيا ماثماتكيا (مبادئ الرياضيات) . والآن فإن فيتجنشتاين تنكر لما كان يعتقد به سابقاً ، وهو وجود حقائق رياضية يمكن إكتشافها . ولذلك قدم سلسلة محاضرات حول الرياضيات ، وناقش فيها كل ذلك إضافة إلى موضوعات أخرى . ومن ثم قام بتوثيق ذلك في كتاب . وضم إليها محاضراته (أي محاضرات فيتجنشتاين) ومناقشاته مع عدد من طلابه ومن ضمنهم عالم الرياضيات  الإنكليزي والرائد في علم الكومبيوتر آلين مثيسون تورنغ (1912 – 1954) [173]الذي وصف لودفيغ فيتجنشتاين ، بأنه ” رجل غريب الأطوار ” . ومن ثم إنخرط الأثنان في مناقشات دارت حول العلاقة بين المنطق الحسابي (الرقمي / العددي) والمفاهيم اليومية للحقيقة [174].

  وفعلاً فقد لاحظنا إنه عندما عاد آلين تورنغ من جامعة برنستون وبعد إن أكمل كتابة إطروحته للدكتوراه ، إلتحق من جديد بجامعة كيمبريدج ، وحضر المحاضرات التي قدمها لودفيغ فيتجنشتاين سنة 1939 والتي كانت حول أسس الرياضيات [175]. وبالمناسبة إن هذه المحاضرات قد تم أعيد تحريرها ، والتي شملت بالطبع على مداخلات ألين تورنغ ومداخلات طلاب أخرين (من ملاحظات الطلبة) [176]. ومن ثم دخل كل من تورنغ وفيتجنشتاين في جدل وعدم إتفاق . فمثلاً دافع ألين تورنغ عن الصورية . وناقش فيتجنشتاين أرائه وبين له بأن الرياضيات لا تكتشف حقائق مطلقة وإنما تخترعها [177].

8

الأوجه المتنوعة لثورة الفلسفة التحليلية

فيتجنشتاين وفلاسفة أكسفورد حول اللغة الأعتيادية

  تتحدث أعداد من المؤلفات الإنكليزية عن حدوث العديد من الثورات الفلسفية . فهي تتحدث صراحة عن ثورة الفلسفة التحليلية . وتتكلم عن ثورة الفيلسوفين جورج مور وبرتراند رسل . فمثلاً كتب برتراند رسل في نهاية عام 1898 وقال :

جورج مور وأنا تمردنا على كل من كانط وهيجل . مور قاد الطريق وأنا تابعت خطاه ..

(برتراند رسل ؛ تطور فلسفتي ، دار نشر جورج ألين وإنوين ، لندن سنة 1959 ، ص 22) .

    تعاون كل من البروفسور جورج مور والبروفسور برتراند رسل في مناقشة وإمتحان تلميذهما الألماني (كما يطلق عليه رسل) والقادم من فينا النمسا وهو يحمل معه رائعته رسالة منطقية فلسفية إلى كلية الثالوث – جامعة كيمبريدج . وفعلاً فقد قبلها كل من رسل ومور إطروحة دكتوراه وكان كل من رسل ومور عضوين في لجنة المناقشة . إلا إن عنوان إطروحته للدكتوراه تحول ليكون لاتينياً ، وهو تركتاتوس لوجكيوفيلوسوفيكوس . وبالطبع إن جورج مور هو الذي إقترح على فيتجنشتاين هذا العنوان اللاتيني (وبتأثير الفيلسوف إسبينوزا ) . وإن أطراف من هذه الرواية تُدلل على العلاقة الفلسفية الحميمة بين جورج مور ورسل تصعد في بعض سجلاتها الموثقة إلى نهايات القرن التاسع عشر . وبالتحديد إلى نهاية عام 1898 . وفعلاً فقد لاحظنا إن رسل قد وصف علاقته يومها بالبروفسور جورج مور فقال ” لقد كنت أنا ومور ضد كل من كانط وهيجل . حقيقة إن مور هو الذي قاد الطريق . وإنني (أي رسل) كُنت أتابع خطوات مور .. وحينها شعرت .. بحرية غامرة ، وكنت مثل من تحرر من بيت ضنك مخنوق من شدة الحرارة ، وهربت إلى منطقة مفتوحة رحبة والتي وفرت لي الكثير من الحرية ، وكان حاصلها إن أصبحت واقعي ساذج ومن ثم إعتقدت بأن الفكر هو العشب الأخضر الحقيقي [178].

  والذي يبدو لنا هو إن الفلسفة التحليلية في هذه الفترة من تاريخ تطور فلسفة كل من مور ورسل قد فرضت هيمنتها على مضمار الفلسفة الأكاديمية في مناطق متنوعة وعلى الأغلب في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد منذ بواكير القرن العشرين . وكان الحاصل من ذلك هو إنه مع التحول إلى القرن العشرين فإن كل من مور ورسل إنفصلوا من المدرسة الفلسفية المهيمنة ” وهي المثالية المطلقة [179] والتي مارست تأثيراً واسعاً بسلطتها المعرفية على الجامعات البريطانية . والواقع إن مور ورسل لم يكونا الوحيدين من الفلاسفة البريطانيين والفلاسفة المعاصرين من إتخذوا هذا الموقف ، بل لاحظنا إن عدداً أخر من الفلاسفة ومن بينهم الفيلسوف وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجة وهو المؤسس الحقيقي للفلسفة التحليلية في أواخر القرن التاسع عشر كان واحداً من الفلاسفة الألمان وفلاسفة القارة الأوربية من الذين تخلوا عن الفلسفة المثالية . وفعلاً فقد لاحظنا إن كل من مور ورسل قد إختارا بديلاً فلسفياً لهم عن المثالية وتداولا عوضاً عنها تعبيراً لغوياً (لنكوستيكياً) وهو تعبير مؤسس بالطبع على حججهم التي تدور حول ” معاني ” الحدود والقضايا . إضافة إلى إن رسل إعتقد بأن قواعد نحو اللغة الطبيعية ، غالباً ما يُصاحبها شئ من التضليل من الزاوية الفلسفية . ولذلك تطلب إزالة الوهم من المثابرة التي تتطلع إلى ” إعادة التعبير عن القضايا في إطار لغة المنطق الرمزي . وهي بالطبع لغة صورية مثالية . وبهذه المثابرة كشفوا عن الصورة المنطقية الصادقة التي تطلعوا الوصول إليها [180].

   وبسبب هذا التأكيد على اللغة فإن الفلسفة التحليلية حققت إنتشاراً واسعاً ملحوظاً (ويحق لمن يعتقد ويذهب إلى أن هناك خطأ صاحب هذا الإنتشار) إلا إن الحاصل هو إن الفلسفة التحليلية حولت اللغة إلى أن تكون موضوعاً من موضوعات الفلسفة . ولكل ذلك نفهم صُحبة الفلسفة التحليلية لهذا التحول المنهجي (الميثديولوجي) ومن خلال ذلك إتجهت نحو التحليل اللنكوستيكي (اللغوي) . وعلى هذا الأساس تكونت وشاعت رؤية تقليدية تذهب إلى إن الفلسفة التحليلية ولدت في رحم وأحضان هذا التحول اللنكوستيكي . ومن هذا الطرف قد يحق لمن يعتقد بأن المفهوم اللنكوستيكي للفلسفة هو بدعة وإختراع ” في تاريخ الفلسفة .

  ونحسبُ إن كل هذه الأسباب ساعدت الفلسفة التحليلية ، أن تكتسب سمعة طيبة بسبب إنها ولدت في مناخات الثورة الفلسفية الشاملة ، التي تخطت حدود الثورة الفلسفية على المثالية البريطانية وحسب ، بل تجاوزت ذلك وكانت ثورة فلسفية على الفلسفة التقليدية برُمتها [181]. وإذا صح ذلك فإن الفلسفة التحليلية مرت في مناخات ثقافية لثورات داخلية عديدة . ولهذا لاحظنا إن الأكاديميين الغربيين يتحدثون في ضوء هذا الواقع والمناخات الثقافية للثورات الداخلية عن خمسة أوجه مرت بها الفلسفة التحليلية .

 ثورة الفلسفة : الواقعية الإفلاطونية بديلاً فلسفياً عن المثالية

  وشغل هذا الوجه الأول من ثورة الفلسفة الفترة من عام 1900 وحتى عام 1910 ، وهو عقد كامل بسنواته العشرة ، والذي يُوصف بكونه شكل من الواقعية الإفلاطونية . وفي بدايتها أيدها كل من جورج مور و برتراند رسل وقبلاها بديلاً فلسفياً عن المثالية . ولاحظ الباحث إن واقعية كل مور ورسل كانت محصورة بحدود تعبيراتهم ودفاعاتهم التي جسدتها الصيغة الإصطلاحية القائلة ” القضايا والمعاني ” . وبالطبع هي مؤشر ودليل واضح على التحول نحو مضمار اللغة . كما ويلحظ القارئ إن هناك تحولاً أخراً في هذا الوجه ، وفيه ما يُؤكد على التحول من المنهجية الضيقة التي لا تسمح بالمناقشة ومن ثم التحقق بصورة خاصة عن النتائج ، مما كان الحاصل عزل بعض القضايا والإهتمام بالتفاصيل . وهنا (أي في عام 1910) كانت سنة الإفول لشمس هذا الوجه ، حيث فيها هجر كل من مور ورسل الواقعية القضوية (واقعية القضايا) . والسبب إنه في هذه السنة حدث نوعاً من الإختلاف بين مور ورسل وكان لإختلافهما السبب في غروب شمسهما المشتركة . وكان الحاصل هو شروق صباح جديد شعت فيه شمس لودفيغ فيتجنشتاين . وفعلاً فقد لاحظنا إن مور فضل الفلسفة الواقعية للحس المشترك . في حين فضل رسل وجهة النظر التي طورها تلميذه لودفيغ فيتجنشتاين والتي شاعت تحت راية موجة منطقية جديدة هي الذرية المنطقية [182].

  ولاحظنا إن مواقف الفليسوفين وخصوصاً من طرف فيتجنشتاين لم تستمر في إتساقاً وتناغم . وفعلاً فقد إختلف فيتجنشتاين مع أستاذه رسل ومن ثم زميله ، وخصوصاً بعد إن قدم رسل محاضرة بعنوان حول الذرية المنطقية . إلا إنه مع الأسف إنقطعت علاقات الإتصال بين الفيلسوفين بسبب إندلاع الحرب العالمية الأولى . وبعد الحرب إلتقى رسل بفيتجنشتاين وساعده مرة ثانية على نشر رائعته تركتاتوس (كما جاء الحديث عنها في هذا البحث) وفعلاً فإن هذه الرائعة تحمل مساهمة فيتجنشتاين في الذرية المنطقية . والحقيقة إن فيتجنشتاين لم يتداول إصطلاح الذرية المنطقية على الإطلاق . وإن كتاب فيتجنشتاين (تركتاتوس) إعتنق معظم ذرية رسل ماعدا نظرية المعرفة . وفي عام 1918 تحول رسل من هذا الموقف ورأينا إنه بالرغم من علاقة تركتاتوس فيتجنشتاين بفلسفة رسل ، فإن فيتجنشتاين كان يعتقد على الدوام من إن ” رسل أساء فهم عمله (أي تركتاتوس) ” [183].

  كما وإن هناك إختلافات في التفاصيل بين فلسفة الفيلسوفيين (رسل وفيتجنشتاين) . ويبدو إن الإختلاف الحاسم والأساس بينهما يدور حول فهم كل منهما لوظيفة الفلسفة . فمثلاً من طرف فيتجنشتاين إنه كان يعتقد إن وظيفة الفلسفة هو تنظيف الأخطاء اللنكوستيكية (اللغوية) ومن ثم رفع قمامتها وطرحها خارجاً وبعيداً من مضمار الفلسفة . بينما كان رسل على الدوام مهتماً بتأسيس أسس أبستمولوجية صحيحة . في حين إن فيتجنشتاين لم يكن مهتماً بالأسئلة الأبستمولوجية وخصوصاً الأسئلة التي تدور حول المعرفة العملية . إلا إنه ركز أبحاثه في حدود العالم ومن ثم تحول أخيراً ليهتم بمضمار المعنى . وكذلك لاحظنا إن فيتجنشتاين يرى إن الميتافيزيقا والأخلاق لا معنى لهما بالرغم من إنه لم يقصد إلى خفض قيمتهما المهمة في الحياة . بينما إعتقد رسل من طرفه بأن هذه الموضوعات ، وخصوصاً الأخلاق فإنها لا تنتمي لا للفلسفة ولا للعلم . وإن فيها القليل من الأسس الأبستمولوجية وهي بالطبع أسس مهمة ويقينية [184].

ثورة الفلسفة : التحول نحو الذرية المنطقية وصعود فيتجنشتاين

   إن هذا التحول نحو الذرية المنطقية ومن ثم صعود نجم فيتجنشتاين ، وتحليل اللغة الإنموذج (المثالي) كان هو الوصف الحقيقي لهذا الوجه في تاريخ الفلسفة التحليلية والذي إمتد من سنة 1910 وحتى سنة 1931 [185]. إضافة إلى ذلك فإن هذا الوجه تميز بعمل برتراند رسل وفيتجنشتاين المشترك والساعي إلى تطوير نظام ميتافيزيقي . كما وشهدت هذه الفترة طبع عمل رسل الرائد في مضمار المنطق الرمزي (وللدقة فإن ذلك جاء في نهاية الوجه الأول ومع تباشير الوجه الثاني من تاريخ الفلسفة التحليلية) . كما وهي الفترة التي شهدت إكمال ومن ثم نشر عمل رسل والفريد نورث وايتهيد الذي حمل عنوان برنسبيا ماثماتكيا (1910 – 1913)[186] . وبالطبع بعدها جاءت الفترة التي بدأ فيها رسل يعمل بقرب فيتجنشتاين .

  ومن الملاحظ من الزاوية التاريخية وهذا شئ جدا مهم في تسجيل الريادة لبرتراند رسل في تداول إصطلاح الذرية المنطقية رغم قناعتنا من إن فيتجنشتاين تداولها في رائعته تركتاتوس وهي في نسختها الألمانية وقبل إن يأتي بها إلى جامعة كيمبريدج ويقدمها إطروحة للدكتواه إلى الفيلسوف برتراند رسل . إلا إن المنشور الإنكليزي يُدلل على إن برتراند رسل ، هو أول من تداول إصطلاح الذرية المنطقية ، وبالتحديد في محاضرته سنة 1911 والتي شهدتها رحاب الجمعية الفلسفية الفرنسية . وفعلاً فإن برتراند رسل وفقاً للمنشور الإنكليزي ، هو أول من قدم جماهيرياً وإعلامياً ، معالجة تفصيلية ومنظمة للذرية المنطقية . ومن ثم تلتها في عام 1918 مجموعة محاضراته التي كانت بعنوان فلسفة الذرية المنطقية [187]. وكل هذا صحيح إلا إن برتراند رسل يعترف بنفسه في الفقرة الأولى الإفتتاحية من محاضراته ويقول ” لقد كنت مشغولاً بصورة كبيرة في شرح بعض الأفكار ، وخلال ذلك فإنني تعلمت من صديقي وتلميذي السابق لودفيغ فيتجنشتاين[188]. وهذا إعتراف من الفيلسوف الكبير برتراند رسل بجهود ومساهمة تلميذه الفيلسوف فيتجنشتاين . وفعلاً فإن رائعة تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكس (بالعربية رسالة منطقية – فلسفية) والتي نشرها سنة 1921 كانت السجل الموثق لوجهات نظر فيتجنشتاين من طرف . وإنها من طرف ثان كانت رائعة بالغة الأهمية كُتبت حول الذرية المنطقية .

  ولاحظنا إن هناك إختلافات بين رسل وفيتجنشتاين وخصوصاً في بعض التفاصيل حول الذرية المنطقية . إلا إن هذه الإختلافات لا تُقلل من أهمية عملهما . وبالتخصيص على عمل فيتجنشتاين الريادي ومن ثم مكانة رائعته تركتاتوس وأهميتها في تاريخ الفلسفة التحليلية . والحقيقة إن تركتاتوس كشفت بصورة واضحة عن التطورات الجديدة في مضمار المنطق الرمزي ومن ثم أهمية المنهج الفلسفي المرتبط بهذا المنطق . وبالطبع هذا هو الطرف الذي تدور حوله رؤية الفيلسوف الإستاذ رسل ورؤية الفيلسوف الكبير التلميذ فيتجنشتاين ، وهي الرؤيا ذاتها التي تُشكل لُب الذرية المنطقية .

  ولعل أهمية الفيلسوف برتراند رسل في هذه التحولات الكبيرة التي شهدها تاريخ المنطق والرياضات والفلسفة ، هو إنه خط مسار جديداً في التحليل ، فبدلاً من التحليل اللغوي (اللنكوستيكي) ، إنه (أي رسل) ركز على التحليل المنطقي وبالرغم من إنه بدأ مع جورج مور إلا إن هذا التحول نحو التحليل المنطقي وتخليه عن التحليل اللنكوستيكي (وبالطبع منه التحليلي النحو أي من زاوية قواعد اللغة) وهي العتبة التي إنكفأ عندها جورج مور وكانت في الوقت ذاته جسر عبور تمكن خلالها برتراند رسل من معانقة مضمار التحليل المنطقي . وهذا هو الفارق ومضمار الإختلاف بين تحليل جورج مور والتحليل المنطقي لبرتراند رسل والذي بالطبع كشف عن الإختلاف بين فلسفتين ؛ فلسفة اللغة المثالية (برتراند رسل) ، وفلسفة اللغة العادية (جورج مور) [189].

  ويبدو إن ما ساعد رسل على إنجاز خطوة الإنتقال نحو فضاءات المنطق ، هو إنه جاء حاملاً معه تراثاً غنياً في التحليل المنطقي والرياضي وخصوصاً بعد إن أكمل رائعته المشتركة مع أستاذه نورث وايتهيد (البرنسبيا ماثماتكيا) . كما وإن رسل وكذلك وايتهيد قد طورا الكثير الكثير من مكونات نظام الإشارات (في كل من المنطق والرياضيات) والتي كان لها دوراً في تسهيل مهمة تطوير نظام كامل لعلم المنطق الرمزي .

  ومن هذا الطرف يمكن القول إن الحركة التحليلية إحتفلت بطريقتها الخاصة وذلك عندما تحقق نشر رائعة رسل ووايتهيد البرنسبيا ماثماتكيا [190]، فالإحتفالية تمثلت في عرض صور ونماذج من اللغة المثالية (الإنموذجية) والتي تمكنت بدرجات عالية من تخليص البناء اللغوي لرائعة برنسبيا من الغموض والتشويش الذي كانت تعج به اللغة العادية . كما وإن تحليلات رسل المنطقية ظهرت وكأنها أنماط من التحليلات الجديدة التي بدأها جورج مور . ولاحظ الكثير من المهتمين بالتحليل المنطقي بتفوق وعلو كعب هذه التحليلات على تحليلات جورج مور للغة العادية إضافة إلى إنها خالية من الإرباك والتشويش ولا تُسبب سوء فهم . وكان هذا هو الأساس وقاعدة التمييز بين فلسفة اللغة العادية وفلسفة اللغة المثالية الإنموذجية . كما وكان الحاصل منها تقسيم جديد للحركة التحليلية ، وبالتحديد خلال الفترة المبكرة من ستينات القرن العشرين .

   إن هذا المدخل الذي قدمته التحليلات المنطقية ، هو الذي صاغ الأسس العريضة للذرية المنطقية وكذلك للنظام الميتافيزيقي الجديد الذي طوره كل من برتراند رسل ولودفيغ فيتجنشتاين [191]. والحقيقة إن الإصول الفلسفية والمنطقية بل وحتى الرياضية لمساهمة رسل على الأقل في رائعة برنسبيا ماثماتكيا ، ومن ثم التحول من التحليل اللنكوستيكي وإعتناق التحليل المنطقي الذي قاده رسل (مع وايتهيد) كان هو جوهر المشروع الذي كونه رسل وبالإعتماد على قراءة غير إعتيادية لأعمال عالم المنطق الرياضي والفيلسوف الألماني جوتلوب فريجة (الذي ولد قبل رسل بأكثر من ربع قرن من السنين أي ولد سنة 1848 وإن رسل ولد سنة 1872) . وبالمناسبة إن فريجة هو الذي طور نظامه الخاص في المنطق الرمزي وهو الذي إصطنع نظامه الخاص في العلامات أو الإشارات [192]. وكان هدف فريجة الدفاع عن الروح المنطقية ومن ثم رد الرياضيات إلى علم المنطق (وكان رسل يتغنى دائماً وينشد في الليل والصباح بالطبع في قاعات الفلسفة في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج قائلاً : ” المنطق هو طفولة الرياضيات ، والرياضيات هي شباب المنطق “)  . وهذا فعلاً أصبح هدف رسل في البرنسبيا ماثماتكيا (كما وكان هو الموضوع الذي دار حوله ما يُعرف بالمنطق القضوي (أو منطق القضايا)[193] .

ثورة الفلسفة : الوضعية المنطقية ونشاط أعضاء حلقة فينا      

   وتميز هذا الوجه بإنبثاق الوضعية المنطقية [194]والتي ملئت تقريباً الفترة الممتدة ما بين سنة 1930 وسنة 1945 . ونشط في هذه الفترة أعضاء حلقة فينا [195]وفي الوقت ذاته عمل بدرجات أقل تأثيراً أعضاء حلقة برلين [196]وتتوجت هذه الفترة بإشعاعات وكتابات عالم المنطق والفيلسوف الأمريكي ويلارد أورمان كواين (1908 – 2000)[197] . كما هي الفترة التي إنتشرت فيها شعبية الفيلسوف البريطاني ألفريد آير (1910 – 1989) [198]، والذي عزز في مؤلفاته الوضعية المنطقية وخصوصاً في كتابه الذي حمل عنوان اللغة ، الصدق والمنطق (سنة 1936) [199]. والواقع إنه وراء هذا الكتاب قصة فريدة تحكي ولادة فيلسوف . والقصة تذهب إلى إن الفريد آير ذهب إلى جامعة فينا بعد تخرجه من جامعة أكسفورد ، وصرف سنة في جامعة فينا ودرس خلالها الوضعية المنطقية . وبعد عودته إلى إنكلترا ، طبع آير أول كتاب له بعنوان اللغة ، الصدق والمنطق كما ذكرنا أعلاه . وهذا الكتاب قدم لأول مرة باللغة الإنكليزية ، شرح إلى الوضعية المنطقية ، شكلاً فلسفياً جديد تطور في حلقة فينا . وهذا العمل صنع من الفريد آير ، وكان يومها إبن السادسة والعشرين ” الولد الشقي ” في عالم الفلسفة البريطانية [200] .  ونحتفل بالفيلسوف ألفريد آير وكتابه الإحتفالي الذي كان بعنوان لودفيغ فيتجنشتاين (1986) [201].

ثورة الفلسفة : اللغة العادية موضوعاً ودور فيتجنشتاين وفلاسفة أكسفورد   

   ويُوصف هذا الوجه بأنه المناخ الذي شهد التحول نحو تحليل اللغة العادية ، ومن ثم تطوير طرق متنوعة بأقلام فلاسفة كيمبريدج من مثل فيتجنشتاين وجون وزدم (1904 – 1993) وهو فيلسوف لغة وعقل وميتافيزيقا وتأثر بكل من جورج مور ، لودفيغ فيتجنشتاين وسيجموند فرويد . ولعل أهمية جون وزدم في تاريخ الإهتمام بفلسفة فيتجنشتاين بأنه كان من الرواد الذين إهتموا بفلسفة فيتجنشتاين المتأخرة . فقد لاحظنا إنه قبل نشر رائعة فيتجنشتاين أبحاث فلسفية سنة 1953 ، نشر جون وزدم واحد من المصادر القليلة ، والذي يُعد مصدر معلومات حول فلسفة فيتجنشتاين الأخيرة . ووفقاً لرواية ديفيد بول ” إن وزدم حمل عمل فيتجنشتاين إلى مناطق أبعد مما عمل فيتجنشتاين بنفسه بل وواجه نتائجها بصراحة عالية ” [202].   وكذلك فلاسفة أكسفورد وكان في طليعتهم الفيلسوف البريطاني غليبرت رايل (1900 – 1976) والحقيقة إن رايل يُمثل جيل من فلاسفة اللغة العادية ومن هذا الطرف شارك رايل فيتجنشتاين في مشروعه في النظر إلى المشكلات الفلسفية . ورايل مشهور في نقده للثنائية الديكارتية ، وهو الذي صاغ عبارته الذائعة الصيت ” شبح في الماكنة ” والتي حملت بعض الأفكار في فلسفة العقل من زاوية النزعة السلوكية . ولعل من المفيد التذكير بكتاب رايل الذي حمل عنوان مفهوم العقل والذي نشره سنة 1949 [203].

  ومن ثم تابع رايل ثلاثة فلاسفة أكسفورديين وهم كل من فيلسوف اللغة جون (لانجشو) أوستين (1911 – 1960) وهو رمز فلسفي قيادي في فلسفة اللغة العادية (بالرغم من إنه مات مبكراً حيث كان عمره ثمان وأربعين ربيعاً فقط) . ومعروف عنه إنه طور نظرية فعل الكلام (أو فعل اللغة) حيث إن لكل لفظة فعل وإصول هذه النظرية مبثوثة في عمل جون أوستين الذي حمل عنوان كيف تُصنع الأشياء بالكلمات [204]. والحقيقة إن إصول هذا العمل هو محاضرات قدمها جون أوستين (ضمن سلسلة محاضرات وليم جيمس) في جامعة هارفارد سنة 1955 [205] . كما وكان جون أوستين مهتماً بتراث عالم المنطق وفيلسوف اللغة الألماني جوتلوب فريجة ، وإن هذا الإهتمام حمله على ترجمة كتاب فريجة إلى الإنكليزية والذي كان بعنوان أسس علم الحساب : بحث رياضي – منطقي في مفهوم العدد [206].

   ولعل من أهم مؤلفات فيلسوف اللغة الأكسفوردي جون لانجشو أوستين ، كتابه الذي نُشر بعد وفاته بسنتين والذي حمل عنوان لاتينياً وهو الحاس والمحسوس (أو العقل والمعقول) والذي طُبع عام 1962 . وهو كما يصفه النقاد علامة مهمة في مضمار فلسفة اللغة العادية . وفيه هاجم أوستين نظريات المعطيات الحسية في الإدراك ، وخصوصاً نظريات الفيلسوف الوضعي المنطقي الفريد آير [207].

  وتم تركيب الكتاب بالإعتماد على الملاحظات المخطوطة التي تركها جون أوستين ، وقام بجمعها وترتيبها زميله الفيلسوف الأكسفوردي جيفري وارنوك (1923 – 1995) . وكونت محاضرات أوستين الأولى الأساس للمخطوطة . وهذه المحاضرات قدمها في جامعة أكسفورد (كلية الثالوث) الفصل الدراسي سنة 1947 وكان عنوانها يومذاك مشكلات حول الفلسفة [208]. وبالطبع كما هو واضح إن في العنوان إفادة واضحة من عنوان مجموع للفيلسوف اليوناني آرسطو والذي حمل العنوان ذاته أي الحاس والمحسوس ، وهو مجموع تألف من سبعة رسائل قصيرة وبعنوان الرسائل الفيزيائية أو الطبيعية [209]. كما ولاحظنا إن هناك صدى في العنوان ربما نزل إلى تفكير جون أوستين من رواية الكاتبة جين أوستين (1775 – 1817) والتي حملت عنواناً فيه الكثير من التشابه مع عنوان فيلسوف اللغة العادية جون أوستين [210].

  ومن طرف الإهتمام بتراث فيتجنشتاين في فلسفة اللغة ، فقد لاحظنا إن جون أوستين إحتل مكانة مهمة في مضمار فلسفة اللغة ، ولفترة مع كل من فيتجنشاين وزميله غليبرت رايل . وكان أوستين مثلهم يدعو بقوة إلى فحص طريق الكلمات (وتتضمن العبارات) العادية والتي تُستعمل بهدف توضيح المعنى . وبهذا الطريق تجنب أوستين التشويش (أو ما أطلق عليه) الإرتباك الفلسفي . كما وإن أوستين على خلاف العديد من فلاسفة اللغة العادية ، تخلى بصورة أكثر من المسؤولية والإهتمام بفلسفة فيتجنشتاين المتأخرة [211].

   والفيلسوف الأكسفوردي الإنكليزي الثاني الذي تابع غليبرت رايل هو بيتر فردريك ستراوسن (1919 – 2006) والذي عمل بروفسوراً للفلسفة الميتافيزيقية في جامعة أكسفورد وبالتحديد من سنة 1968 وحتى سنة 1987 . إلا إنه ظل فاعلاً أكاديمياً وفاعلاً في مضمار التأليف والإنشاء الفلسفي . والشاهد على ذلك مؤلفاته وإشرافه على العديد من المجلدات إضافة إلى تخرج العديد من فلاسفة أكسفورد على يديه . من أهم مؤلفاته ، مدخل إلى النظرية المنطقية (1952) [212]، الإفراد : مقالة في الميتافيزيقا الوصفية (1959) [213]، حدود العقل : مقالة حول نقد كانط للعقل الخالص (1966) [214]، أبحاث في اللوجستيكا المنطقية (1971) [215]، كتابات فلسفية (2011 نشرت بعد وفاته) [216]. ومن أبحاثه التي نحتفل بها ونحن نكتب عن الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين ، بحث ستراوسن الذي حمل عنوان كتاب فيتجنشتاين أبحاث فلسفية (1954) وهو البحث الذي نشره ستراوسن بعد ثلاث سنوات فقط من موت فيتجنشتاين [217] . وفي نعي الفيلسوف الأكسفوردي بيتر ستراوسن كتبت صحيفة الغارديان وقالت : ” كانت أكسفورد عاصمة الفلسفة ما بين سنة 1950 وسنة 1970 وحيث كان الأكاديميون الأمريكان يحجون إليها أفواجاً .. (وحينها كان) العصر الذهبي الذي لم يعرف فيلسوفاً فيه كان أعلى مقاماً من مقام السير بيتر ستراوسن[218].

    ومنهم فيلسوف اللغة الأكسفوردي بول غريس (1913 – 1988) [219]. والذي صرف العقدين الأخيريين من عمله المهني في الولايات المتحدة الأمريكية . ولاحظنا إن عمله حول طبيعة المعنى مارس تأثيراً واسعاً على الدراسات الفلسفية في مضمار السيمانطيقا . كما هو مشهور في نظريته في البراجماطيقا (وهي حقل فرعي من اللنكوستيكا) . وعاد سنة 1979 إلى بريطانيا وقدم محاضرة في إطار محاضرات جون لوك وكانت بعنوان واجهات العقل [220].  والحقيقة إن فيلسوف اللغة غريس كتب الكثير من الأبحاث والمقالات ، ومن ثم ظهر له كتاب بعنوان دراسات في طريق الكلمات (1989) وضم أهم مقالاته والتي سبق إن نشرها [221]. ولعل من أهم  مقالاته والتي ترسم خارطة لتطوره الفلسفي منها ؛ مفهوم الهوية (1941) [222]، المعنى (1957) [223]، النظرية السببية للإدراك الحسي (1961) [224]، مفهوم القيمة (وهي في الأصل محاضرة قدمها ضمن محاضرات بول كراوس سنة 1983)[225] وبالطبع هناك الكثير .

    ونحسبُ من المهم أن نُذكر هنا بأن هذه الفترة قد شهدت الإهتمام بفلسفة اللغة العادية . إلا إننا نعرف كذلك ونرغب قبل مغادرة هذا الموضوع أن نُشارك القارئ بأن هذا الإهتمام يصعد إلى الفيلسوف الريطاني التحليلي جورج مور والذي نجح (وبالطبع يُشكر على ذلك) في وضع الإهتمام بتحليل اللغة العادية في قلب حركة التحليل ومنذ البداية . وإدراكه إلى علو برج تحليل اللغة المثالية من أرض الواقع ولهذا السبب إنسحبت وغابت تماماً من دائرة الإهتمام لعقود عديدة [226].

   وفعلاً إنه مع بزوغ شمس الثلاثينات من القرن العشرين ، بدأ الإهتمام بتحليل اللغة العادية يتجدد والسبب وراء ذلك هو إن فيتجنشتاين تقدم الساحة وأهتم بها بصورة رئيسية . يُضاف إلى ذلك إن وجهات نظر فيتجنشتاين كانت في حالة حراك وتبدل وتغير ومنذ العشرينات من القرن العشرين [227]. كما وإن هذه الفترة شهدت بروز عدد من الفلاسفة المُبدعين ومن أمثال جون وزدم [228]، جون أوستين [229]، غليبرت رايل [230]، بيتر ستراوسن [231]وبول غريس [232]. ومن الصحيح الإعتراف بأن هناك إختلافات بينهم . إلا إن هذه الإختلافات لم تسد الطريق أمام إجماعهم على تبني مشروع اللغة العادية . والحقيقة إن هذا الأجماع الفلسفي باللغة العادية مثل في الوقت ذاته ، إجماع فلسفي ضد مشروع اللغة المثالية الذي فرض سطوته في البداية .

  وعلى أساس فهم منطق هذه التحولات ، فإن فلسفة اللغة العادية فرضت هيمنتها في مضمار فلسفة التحليل وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية فقط . ولذلك فإن الحديث عن تاريخ عصر اللغة العادية ، بدأ بمرحلة ما يُسمى الدخول والتي شغلت الفترة ما بين سنة 1945 وحتى سنة 1965 . وبالطبع مع بعض الإستثناءات لعدد من المقالات التي كتبها غليبرت رايل . إلا إن النصوص الأكثر أهمية في مضمار اللغة العادية قد تم نشرها في عام 1949 [233]. وربما بعض منها طُبع في فترات لاحقة . في حين لاحظنا إنه في بعض الحالات جاء نشر جزء منها في مراحل متأخرة أبعد من ذلك  . وخاصة بعد إفول شمس المشروع اللنكوستيكي في الفلسفة ومن ثم أصبحت أشكاله المتنوعة غائبة وخارج المضمار [234].

  كما ولاحظنا إنه في أوقات من هذه الفترة ، أصبح مُعتاداً الحديث عن فلسفة اللغة العادية بكونها ” فلسفة أكسفورد ” . ويبدو إن السبب معقول جداً وذلك بسبب إن رايل ، أوستين ، ستراوسن ومن ثم غريس كانوا جميعاً يومها هم ” سادة أكسفورد ” . كما هم الممثلين الأكثر أهمية لمعسكر اللغة العادية . وبالطبع بعد فيتجنشتاين (والذي كان من جامعة كيمبريدج وليس من جامعة أكسفورد) . وبعد موت فيتجنشتاين في بواكير عصر اللغة الإعتيادية ، فإن فلاسفة أو ” سادة أكسفورد ” عملوا بجد على تعزيز مكانة اللغة العادية خلال مرحلة ذروتها . وبالرغم من علاقة فيتجنشتاين القوية بفلاسفة أو سادة أكسفورد ، فإنه كان الفيلسوف الأكثر أهمية بين فلاسفة اللغة العادية [235].

ثورة الفلسفة : تأمل في المرحلة المتأخرة من تفكير فيتجنشتاين

   رغبنا أن تكون لنا وقفة عند عتبات المرحلة المتأخرة من تفكير ونشاطات الفيلسوف فيتجنشتاين [236]، وهدفنا هو التأمل فيما حملته من تحولات في مضمار فلسفته في اللغة العادية وما نبع منها وتلاها من توجهات فيتجنشتاينية جديدة أو في الحقيقة هي قديمة تصعد إلى بواكير العشرينات من القرن العشرين ونشط فيتجنشتاين أشياء من الحياة فيها . حيث لاحظنا في المناخ الفلسفي لهذه الفترة المتأخرة من حياة فيتجنشتاين ، إن الوضعية المنطقية كانت مشغولة جداً بحالة التداعي والتنافر في مرجعيتها الذاتية والتي كونت في الحقيقة مشكلة كبيرة لها . وكانت بالطبع هي المشكلة ذاتها التي واجهتها فلسفة اللغة المثالية بصورة عامة . ولاحظنا إن فيتجنشتاين بعد طبع رائعته تركتاتوس لوجكيو – فيلوسوفيكس (رسالة منطقية – فلسفية) أصبح مُتعباً ومُنهكاً كثيراً من الفلسفة . فجاء قراره بالتخلي عن الفلسفة وفعلاً ذهب يُعلم في الريف النمساوي وفي مدرسة مختلطة المستويات . وبالرغم من إنه لم يتخلى تماماً عن العمل الأكاديمي ، إلا إنه تيقن بأنه حمل على كتفيه الكثير من مشكلات الفلسفة التقليدية ولذلك قرر الراحة والسكون بهدوء .

  وخلال هذه الفترة التي كان فيها فيتجنشتاين بعيداً بدرجات ما عن العمل الأكاديمي الصرف ، فإنه كان في مناسبات عديدة يُعيد التفكير في وجهات نظره حول اللغة . ولعل ما خلص إليه ، هو إن ” اللغة أبعد ما تكون من صورة حساب دالي صادق[237]. ولعل السبب حسب رأي فيتجنشتاين ، هو إن اللغة لايتوافر لها تركيب كلي صحيح . ولهذا جاء حكم فيتجنشتاين القاطع وهو إنه لايوجد تركيب لغوي كلي صحيح ، وبغياب مثل هذا الشئ ، فإنه لاتوجد لغة مثالية . وبدلاً من ذلك فإن كل نظام لغوي هو مثل اللعب (الكيم بالإنكليزية) ، وسواء هذا النظام اللغوي هو لغة كاملة أو لهجة أو لغة تقنية متخصصة ، فإن هذا اللعب له قواعده والتي تُساعده على أداء وظائفه وفقاً لقواعده الخاصة . وبالطبع هذه القواعد غير موجودة في كتب قواعد النحو دائماً . وإنما هي في حقيقتها مجرد مثابرات تهدف إلى وصف القواعد التي توجد تماماً في تطبيقات أفراد من الجماعة اللنكوستيكية .

   والحقيقة إن فيتجنشتاين المتأخر كان له رأي مختلف عن رأيه في المرحلة المبكرة وبالتحديد في مرحلة نشر رائعته تركتاتوس (مرحلة رسالة منطقية – فلسفية) وهيمنتها لفترة زمنية . ورأي فيتجنشتاين المتأخر يذهب إلى إن قواعد اللنكوستيك لا يمكن بيانها وتوضحيها . إلا إنها تظهر إلى حد ما في التشابك المعقد خلال التطبيق اللنكوستيكي والتطبيق اللا لنكوستيكي . وهذا الحال يعكس صورة حياة الجماعة اللنكوستيكية أو المجتمع اللنكوستيكي . واللغة بالنسبة إلى فيتجنشتاين المتأخر هي ظاهرة إجتماعية في جوهرها العام . وإن ضروبها متنوعة ، وحالها حال الكثير من الضروب الناجحة والتي هي مشتركة للجميع في إطار الحياة الإنسانية . والخلاصة إنه ليس في الإمكان دراسة اللغة بصورة مجردة ، وجزء منفصل عن تجسيداتها الخاصة في المجتمعات البشرية [238].

  ولاحظنا إن فيتجنشتاين فعلاً عرض في المرحلة الأخيرة من حياته ، وجهة نظر تتغاير مع وجهة نظره في رائعته تركتاتوس . فمثلاً إنه لم يعد يعتقد على الإطلاق بأن المعنى هو صورة أو تصوير للعلاقة التي تنهض على تطابق العلاقات بين الذرات اللنكوستيكية والذرات الميتافيزيقية (وهذه وجهة نظر شارك فيها يومذاك مع أستاذه برتراند رسل) . وبدلاً من ذلك إعتقد إن الأنظمة اللغوية ، أو الألعاب اللغوية ، ليس في الإمكان تحليلها بصورة كلية . كما وإن بعض أجزاءها (من مثل بعض ألفاظها والمحذور من تداولها وفقاً لقواعد اللغة) لها معاني من خلال الدور الذي تقوم به – نعني الإستعمال والتداول – والمشاركة في الإنموذج الكلي لحياة الجماعة اللنكوستيكية (الجماعة المتخصصة بلغة الجماعة) . ولهذا رأينا إنه غالباً ما قيل بأن المعنى في مرحلة فيتجنشتاين المتأخرة كان التركيز فيها على الإستعمال والتداول . وعلى أساس هذه النظرة فإن أجزاء اللغة لا تحتاج إلى مرجعية أو تطابق إلى أي شئ أخر على الإطلاق . وإنما دورها الوحيد ، والوحيد هو أن تلعب هذا الدور في صورة من صور الحياة [239].

  ونحسب إنه من المهم أن نُنبه إلى إنه حتى في مرحلة تفكير فيتجنشتاين المتأخرة ، فإن فيتجنشتاين حافظ على وجهة النظر التي تذهب إلى إن المشكلات الفلسفية تنشأ من خطأ لنكوستيكي (لغوي) . وإن الفلسفة الحقيقية هي التي تتطلع إلى تحليل اللغة وإدراك حدود المعنى ومعرفة الخطأ ومن ثم الوقوف على حالات الإرتباك والتشويش وحتى على حالات اللامعنى . وعلى أية حال فإن هذا الفهم الجديد للغة يتطلب فهم جديد للتحليل . وهذا يعني إنه ليس في الإمكان تحويل بعض قضايا اللغة الإعتيادية إلى علامات رمزية (أو لغة رمزية) وهي اللغة التي يتداولها علم المنطق الرمزي ، ومن ثم بعد ذلك الزعم بأن صورتها صادقة . وبدلاً من ذلك يرى فيتجنشتاين ، إن المهم ، هو أن ننظر كيف إن اللغة الإعتيادية تنظر إلى مشكلات الفلسفة التقليدية (وخصوصاً كيف تنشأ هذه المشكلات) ؟ وكيف تتعامل معها ؟ ونحن نتخلى عن هذا الإستعمال .

  ولعل خير مرجعية لنا في هذا الطرف من البحث ، هي كتابات فيتجنشتاين في المرحلة المتأخرة من حياته وبالطبع نعني رائعته أبحاث فلسفية ، فهي سجل فلسفي يُجسد خير تجسيد المرحلة الفيتجنشتاينية المتأخرة . يقول فيتجنشتاين وهو يتحدث عن المشكلات الفلسفية ،  إن المشكلات الفلسفية لها شكل وصورة ” ولكنني شخصياً ، أنا لا أعرف طريقي المؤدي إليها [240]. ومن ثم يستدرك ويُفيد ” وأنا لا أعرف كيف أتحدث بصورة إعتيادية عنها ، وأنا لا أعرف طرح السؤال حولها ، وأنا لا أعرف كيف أعرض جوابي عن هذا السؤال . وإذا كان لي حق في تخطي وتجاوز قواعد لغتي ، وأن أنطق شيئاً نافعاً على أية حال . فإن ما أقوله سيكون نوع من الهراء الفارغ الذي لامعنى له . وهذا في الحقيقة هو خطاب الفلسفة الميتافيزيقية التقليدية . ولعل الناتج من ذلك هو حل المشكلات الفلسفية . أو بدلاً من ذلك تلاشيها وإلغاءها ” . وظهر لنا يومذاك إن النظر والتدقيق في مصادر وأعمال لغتنا ، بأنها الطريق الذي يفتح أمامنا الأبواب مُشرعة وبذلك يسهلُ علينا معرفة ” لُب هذه الأعمال وجوهرها . إلا إننا تعلمنا بأن حل المشكلات لا يمكن أن يكون عن طريق عرض معلومات جديدة ، وإنما عن طريق ترتيب ما نعرفه دائماً [241].

     ومن ثم أضاف فيتجنشتاين موضحاً أكثر ، فأفاد ” إن كل ما نعرفه ” هو في الحقيقة قواعد لغتنا . وإن ” عمل الفيلسوف ” كما يقول فيتجنشتاين ، هو ” جمع وتنسيق الشواهد التي فيها إجماع على غرض محدد [242]. وهذه الشواهد تأخذ صور ونماذج من الأمثلة على أطراف جزئية من اللغة الإعتيادية ، وهي ذاتها التي تم تداولها في اللعبة اللغوية وبالطبع كانت بعيدة عن مضمار الفيلسوف الذي أقحم نفسه فيه . وكان الهدف هو إقناع الفيلسوف بالملاطفة (عن طريق التملق له) وفي الوقت ذاته المحافظة على جوهر اللغة وعدم الإساءة إليها ، مع متابعة أسئلة الفلسفة التقليدية . وهكذا تحولت الفلسفة الحقيقية إلى نوع من العلاج يتطلع إلى تطبيب وعلاج الأمراض اللنكوستيكية (الأمراض اللغوية) . وهذه الأمراض ستشل قدرات الإنسان ، بل وتمنعه من الإنخراط بصورة كلية في إطار حياة الجماعة اللنكوستيكية . إلا إن الفلسفة الحقيقية كما يقول فيتجنشتاين ، هي ” معركة ضد سحر وفتتان ذكاءنا بالوسائل اللغوية [243].

 كما وإن الفيلسوف الحقيقي بمنظار فيتجنشتاين هو سلاح في هذه المعركة حيث ” يتحمل مسؤلية العودة بالكلمات (وفيها إحتمال اللغة برمتها) من مضمار تداولها الميتافيزيقي وشدها من جديد بقاع لغة الحياة اليومية [244]. ولعل من إيجابيات عمل الفلسفة الحقيقية برأي فيتجنشتاين ، هو الكشف عن طرف واحد أو قطعة آخرى من ” الهراء العادي أو معوقات الفهم والتي حصلت بسبب تدخل الميتافيزيقا والتي حشرت رأسها ضد حدود اللغة [245].

   والحقيقة إن هذه الأفكار جديدة حيث إنها لم تكن منشورة . إلا إنها من منظور فيتجنشتاين وتاريخ كتاباته فهي قصة أخرى تحكيها نصوصها المبكرة . والقصة تذهب إلى إن فيتجنشتاين طور هذه الأفكار في فترة مبكرة حيث إنها تصعد إلى فترة العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين . إلا إنه لم ينشرها رسمياً حينها وظلت غير متداولة وإن كونت جزء أساس من نصوص كتابه أبحاث فلسفية والذي أعده للنشر ، وسلمه للناشر في عام 1946 ، ومن ثم تردد وسحبه من الناشر . وقبل وفاته وبعد إن طلب من طالبته الفيلسوفة الفيتجنشاينية إيلزابيث إنسكومب (وكذلك طالبه الفيلسوف الفيتجنشتايني ريش رايس) أن يكونان الوكيلان الشرعيان على نشر تراثه ، فقدم لهما بعض التوجيهات بخصوص نشر مخطوطة أبحاث فلسفية . وفعلاً فإن الكتاب نُشر بعد موته بسنتين أي في عام 1953 . والواقع إن وجهات نظر فيتجنشتاين الجديدة كانت متداولة وإنتشرت سماعاً في حياته بين طلابه وبين آخرين كانوا لهم إهتمام بتفكير فيتجنشتاين .

إنطفاء الفلسفة التحليلة : نهضة الميتافيزيقا ودخول الذمة التاريخية                    

   وبدأ هذا الوجه تاريخياً (وهو بالطبع الوجه الأخير) منذ منتصف الستينات من القرن العشرين والذي إستمر إلى ما بعد نهاية القرن العشرين . ولاحظنا إن الأكاديميين الغربيين يتحدثون عن ثلاثة مراحل تتابعت تاريخياً وملئت الفترة التاريخية لهذا الوجه الخامس والأخير والذي كان شاهد على إنطفاء الفلسفة التحليلية . وهذه المراحل هي :  

أولاً – مرحلة الإعلان عن موت الفلسفة التحليلية .

ثانياً – مرحلة نهضة الميتافيزيقا .

ثالثاً – مرحلة دخول النهضة الميتافيزيقية في ذمة التاريخ [246].

   كما ويُوصف هذا الوجه بالإنتخابية حيناً والتعددية حيناً أخر . ومن الملاحظ إنه خلال الستينات ظهرت مثابرات نقدية من داخل وخارج حركة التحليل (الفلسفة التحليلية) وكان حاصلها إن تخلت حركة التحليل من شكلها اللنكوستيكي وكان البديل الحاضر يترقب ، وكان هذا البديل هو مضمار فلسفة اللغة (وبالطبع فلاسفة اللغة) إلا إن فلسفة اللغة أفرغت الطريق وشغلته بدلاً منها الميتافيزيقا . ومن ثم تخلت الأخيرة عن الطريق وحلت محلها مجموعة من المجالات الفسفية الفرعية . والحقيقة إن هذه الفترة ترسم ما يمكن أن نطلق عليها معالم ما بعد الفلسفة التحليلية اللنكوستيكية . كما ولم يُوفق الأكاديميون الغربيون من تحديد هذه المعالم في حدود فلسفية أو حصرها في مجموعة وجهات نظر فلسفية (أو حتى تشخيص الإهتمامات الفلسفية) . إلا إن الحق هو إنهم تمكنوا من تحديد الأساليب ومن ثم في بعض الأحيان عينوا الموضوع الضيق لإهتماماتها [247].

  لاحظ الأكاديميون الغربيون المهتمون بتاريخ الفلسفة التحليلية بأن هذه الصعوبة في تحديد معالم الفلسفة التحليلية هي القضية ذاتها التي واجهتها الفلسفة التحليلية في بداياتها المبكرة . ولهذا السبب حاولوا بيان وعرض الإختلافات بينها وبين المشروعات الفلسفية الأخرى ، وخصوصاً المشروعات الفلسفية التي وجدت نفسها أساساً في تعارض معها ، ولذلك ثابرت بجد في توضيح طبيعتها الخاصة . والشواهد كثيرة منها مثلاً ؛ إن الفلسفة التحليلية عارضت الفلسفة المثالية البريطانية [248]، كما وعارضت الفلسفة التقليدية بصورة عامة (وهذه القضايا تكلمنا عنها عند الحديث عن الفيلسوفين جورج مور وبرتراند رسل) . وأخيراً وجدت نفسها في مواجهة وتعارض مع الفينومنولوجيا الكلاسيكية (هوسرل إنموذجاً)[249] وكذلك الإتجاهات الفلسفية التي نبعت وتفرعت من فينومنولوجيا هوسرل من مثل الوجودية (مثل سارتر ، كامو وأخرين) . وكذلك عارضت إتجاهات فلسفية أوربية (قارية) من مثل مابعد الحداثة (هيدجر ، فوكو ودريدا) . ولاحظنا إن الفلسفة البراجماتية تندرج في هذه الطرف بالرغم من إنها تحمل الكثير من التشابه مع الفلسفة التحليلية في بواكيرها الأولى ، وخصوصاً في أعمال كل من تشارلز بيرس[250] والبراجماتي الأمريكي إيرفان لويس (1883 – 1964)[251] . والأخير (أي لويس) مشهور عنه في مصادر علم المنطق ، بأنه الأب الحديث لعلم منطق الموديلات والذي ذاع صيته بكتابه الذي حمل عنوان العقل ونظام العالم (1929) والذي قدم فيه موقفاً أطلق عليه المفهومية البراجماتية [252].             

9

السنوات العشرة الأخيرة وصراع فيتجنشتاين مع السرطان

   لاحظ الباحث الأكاديمي البريطاني راي مونك ، وهو من أهم كتاب سيرة فيتجنشتاين ، إلى إنه ليس من المقبول على الإطلاق إن الحرب تحرق اليابس والأخضر وتدمر كل شئ ، وهو مشغول بتعليم الفلسفة . كما وإن روحه تغلي ، خصوصاً عندما يستمع إلى أحاديث طلابه وهم في هذه الأحوال  يتطلعون بكل جد ومثابرة على إمتهان الفلسفة حرفة لهم ويكونوا فلاسفة [253]. وهذا الخطاب الفيتجنشتايني منبوت كما يبدو لنا في مشاعر ممزوجة فيها الخيبة واليأس تجاه السنوات الباقيات من حياة الفيلسوف لودفيغ . ولعل الشاهد على ذلك هو إنه في سبتمبر من عام 1941 سأل الطبيب جون الفريد رايل (1889 – 1950) [254]على مساعدته في إيجاد عمل يدوي له في مستشفى غاي[255] في لندن سنة 1721 . وجون رايل هو بروفسور الطب في جامعة كيمبريدج والذي ساعد المستشفى في الحرب العالمية الثانية وخلال القصف الألماني . وبالمناسبة إن فيتجنشتاين أخبر الطبيب جون رايل ” بأنه سوف يموت ببطأ إذا ترك جامعة كيمبريدج ، وهو بدلاً من ذلك يأمل أن يموت بسرعة ” . ومن ثم بعد ذلك بفترة قصيرة جداً ، بدأ العمل في مستشفى غاي مساعد نقل الأدوية أي نقلها من الصيدلية إلى ردهات المستشفى . إلا إن ما تذكره المصادر ” إن فيتجنشتاين كان ينصح المرضى بالإمتناع عن تناول هذه الأدوية [256].

  ولعل من المفارقات التي واجهها فيتجنشتاين في مستشفى غاي ، هو إن فريق العاملين فيها لا يعلمون كما لم يخبرهم أحد بأن فيتجنشتاين هو واحد من أشهر فلاسفة العالم . ولكن بعض من الفريق الطبي تمكن من التعرف عليه ، أو ربما على الأقل إن واحد منهم كان قد حضر إجتماعات نادي العلوم الأخلاقية وعلى العموم إن هذا الفريق كان كتوماً ومتحفظاً . ومرة توسل فيتجنشتاين بواحد منهم ، وقال : طيب ، بالله عليك لاتخبر أي واحد ؛ من أنا ؟ [257]. وبعض منهم لم يدعوه فروفسور فيتجنشتاين على الإطلاق . وكان مسموحاً لفيتجنشتاين إن يتناول طعامه مع الأطباء . وكتب في 1 أبريل سنة 1942 : ” أنا لم أشعر أبداً بأن هناك بارقة من الأمل وفرج حول مستقبل حياتي . وإنه لم يكن أمامي شئ أكثر من فُسحة من الزمن ، وإن الحياة ستنطفأ في وقت قريب . وأنا لا أستطيع أن أتخيل مستقبل لي غير مستقبل مُروع ، وخال من أي أصدقاء لي فيه ، ومملوء بالأحزان والكدر [258].

  ويبدو إنه خلال هذه الفترة طور فيتجنشتاين شكل من الصداقة مع كيث كيرك ، وهو فتى مراهق من طبقة العمال وكان قبل ذلك صديقاً إلى سدني جورج فرانسيس سكينر (تمت الإشارة إليه في ثنايا هذا البحث) وكان سكينر طالب رياضيات وإستمرت العلاقة بين الأثنين (كيث وسكينر حتى موت الأخير بمرض بوليو أو شلل الأطفال سنة 1941) . ويومها سكينر تخلى عن مضمار عمله الأكاديمي (وبالطبع إن جزء منه بسبب تأثير فيتجنشتاين) وتحول سكينر للعمل ميكانيكياً في عام 1939 . وكان سكينر يعمل بصحبة كيث كيرك الذي تدرب بإشرافه على العمل الميكانيكي . وكان كل من كيرك وفيتجنشتاين مسحوراً بصداقتهما والشاهد على ذلك إن فيتجنشتاين قدم إلى كيرك دروساً في الفيزياء وذلك لمساعدته على إجتياز إمتحان المدينة ونقابات الحرفيين (أو إمتحان معهد لندن للمدينة ونقابات الحرفيين) [259]. وخلال فترة العزلة والوحدة في مستشفى غاي ، تذكر فيتجنشتاين وإسترجع ما حدث وحضر كل شئ وكتب في مذكراته ، فقال : ” عشرة أيام مضت وأنا لم أسمع من كيرك شيئاً على الإطلاق . وقبل إسبوع حاولت إثارة كيرك بالأخبار إلا إنه لم يرد علي . وهواجسي حملتني على الإعتقاد بأنه قطع كل أواصر علاقته معي . إنها فكرة تراجيدية حقاً ! [260]. وفعلاً كانت فكرة تراجيدية ، فقد ظهر بالتأكيد إن كيث كيرك تزوج ، وإننا لم نتقابل ونرى الواحد الأخر مرة ثانية بل وإلى الأبد [261].

   وخلال عمل فيتجنشتاين في مستشفى غاي قابل بيزيل ريف (1912 – 1981) [262]وهو طبيب شاب كانت له إهتمامات بالفلسفة . ودرس مع رونالد غرانت ” الأثار التي تُسببها صدمة الجروح ” (أو أثار صدمة الإصابات في الغارات الجوية) . وبعد إنتهاء الحرب وتوقف الغارات الجوية ، تناقصت حالات الإصابات إلى حد لا تساعد على الإستمرار في إجراء الدراسات . وفعلاً ففي نوفمبر سنة 1942 تحول كل من غرانت وريف إلى مستوصف فيكتوريا الملكي (وهو جزء من المركز الطبي في نيوكاسل) . ومن ثم تحولت مهمتهم وتركزت على دراسة إصابات طرق المرور والإصابات الصناعية . وعرض غرانت على فيتجنشتاين وظيفة مساعد مختبر وبإجور تبلغ (أربعة باونات في الإسبوع) وعاش فيتجنشتاين في نيوكاسل (في 28 براندلنغ بارك – جيسموند[263]) خلال الفترة من 29 أبريل سنة 1943 وحتى شباط سنة 1944 [264].

  ولاحظ الباحث إن سنوات فيتجنشتاين الأخيرة والتي إمتدت من عام 1947 وحتى وفاته سنة 1951 فقد تفردت بحكاية أطراف من مأساة الفيلسوف فيتجنشتاين الذي كان ولا يزال يشغل مكانة رفيعة في عالم الفلسفة المعاصرة (وكذلك يحتل موقع متميز في عالم الحياة والمال) . وتبدأ الحكاية بتقديم البروفسور فيتجنشتاين إستقالته (بروفسوراً للفلسفة) من جامعة كيمبريدج سنة 1947 وتركيز وقته على كتاباته . وتلاها سفره خلال الفترة من عام 1947 وعام 1948 إلى إيرلندا ومن ثم مكوثه في فندق روس في دبلين فترة ، وفي بيت ريفي (فلاحي) في قرية الصليب الأحمر (مقاطعة ويكلاو) فترة آخرى . وهناك بدأ يكتب مجلده المخطوط والذي حمل عنوان بالإنكليزية (أم أس 137) . ويومها كان فيتجنشتاين يتطلع إلى العيش في عزلة ولذلك تحول إلى راسو وعاش في كوخ عطلة ويقع في كونيمارا (وهي مقاطعة في غرب إيرلندا) وكان يملكه موريس أوكونور دوروري [265]. وهو الطبيب النفسي وكان تلميذ وصديق الفيلسوف فيتجنشتاين . وأكونور سيكون واحد من أتباع فيتجنشتاين وسيكتب عنه مؤلفات في هذا المضمار (كما ستأتي الإشارة إليه) .

  كما وقبل فيتجنشتاين دعوة الزيارة التي قدمها الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم (وبالمناسبة زار مالكولم جامعة كيمبريدج  للفترة 1938 – 1939 وقابل الفيلسوف جورج مور والفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين) وحضر محاضرات فيتجنشتاين حول الأسس الفلسفية للرياضيات خلال عام 1939 . وإن نورمان قد ذكر ذلك في كتابه لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار الذي طُبع عام 1958 ورسم له صورة في غاية الدقة والموضوعية وبالتحديد حول شخصية فيتجنشتاين [266]. وبقدوم فيتجنشتاين سنة 1949 إلى أمريكا من خلال دعوة مالكولم ، أصبح بروفسوراً في جامعة كورنيل وبقي يسكن مع مالكولم وزوجته لبضعة أشهر وبالتحديد في أثيكا – نيويورك . وأخبر فيتجنشتاين مالكولم في هذه الفترة بأنه لم تكن لديه الرغبة على العمل الفلسفي وبالنص ” أنا لم أنجز أي عمل فلسفي منذ بداية آذار ، بل وحتى لم تكن لدي القوة على عمل أي شئ ” [267]. كما وذكر فيتجنشتاين إلى نورمان مالكولم إلى إن طبيبه (في دبلن – إيرلندا) قد شخص إنه ” يُعاني من الأنيميا أي فقر الدم وقد وصف له دواء للكبد وفيتامين الحديد ” [268].

   وبدأ فيتجنشتاين مناقشاته في الإبستمولوجيا ، وإنخرط خصوصاً في مناقشة النزعة الشكية في الفلسفة [269]. وكان الحاصل من هذه المناقشات فقرات نهائية من كتابه الذي حمل عنوان حول اليقينية . وجاءت إصول هذا الكتاب من ملاحظات فيتجنشتاين التي كتبها قبيل وفاته ، وبعض هذه الملاحظات تم العثور عليها في بيت طالبة فيتجنشتاين والوريثة بتكليف منه على نشر تراثه الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إيلزابيث إنسكومب والتي بدورها ضمتها إلى هذه الكتاب . والحقيقة إن فيتجنشتاين ركز بصورة كبيرة في كتابه حول اليقينية على مضمار الأبستمولوجيا [270].

  وعاد فيتجنشتاين من أمريكا إلى لندن وكان القدر يخفي له أخبار فاجعة ، منها مايخص مرض السرطان الذي يُعاني منه . وفعلاً فقد كانت أخبار فاجعة ، حيث أخبره طبيبه بأن سرطان البروستاتا من المتعذر إجراء عملية إستئصال له وهناك إحتمال ممكن على إنتشاره إلى نخاع العظم . حيث قرر صرف الشهرين اللاحقين في فينا . وخلال مكوثه هذه الفترة في فينا تُوفيت إخته هرمين في 11 شباط سنة 1950 . وكان غرضه من الذهاب إلى فينا ، هو زيارتها كل يوم إلا إن المُحزن له إنه لم تتمكن من الكلام معه بل وحتى لم تتعرف عليه . وكتب فيتجنشتاين يومها عن مشاعره الحزينة ، فقال ” إنها خسارة فادحة لي ولكل واحد منا ” وأضاف : بل هي ” أفدح مما كنت أفكر وأتوقع ” . وكان حاصل هذه الفاجعة ، ظل فيتجنشتاين يدور ويتنقل بعد موت هرمين حول فينا كثيراً ، ومكث هناك مع عدد متنوع من الأصدقاء [271]. ومن ثم عاد إلى كيمبريدج في أبريل سنة 1950 وعاش فترة مع زميله السابق البروفسور جورج هنريخ فون رايت [272].

  وقرر بعدها الذهاب إلى لندن ، ومكث فترة مع ريش رايس ، ومن هناك ذهب إلى أكسفورد وقابل تلميذته الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إيلزابيث إنسكومب وكتب من هناك إلى الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم وأخبره ” بأنه من الصعب علي أن أعمل أي شئ في مضمار الفلسفة ” . ومن أكسفورد ذهب مع بين ريتشارد في آب إلى النرويج . إلا إنه عاد إلى كيمبريدج في 27 نوفمبر . وتحول ليعيش مع طبيبه أدورد بيفن (1907 – 1988)[273] وزوجته جوان في شباط سنة 1951 وظل هناك حتى موته 29 آبريل سنة 1951 [274]. كما إن فيتجنشتاين أخبر من طرفه كل من الدكتور بيفن وزوجته جوان ” بأنه لا يرغب في الموت في المستشفى ” وكان ردهما ” إذا لم ترغب أن تموت في المستشفى ، فإنه في الأمكان لك أن تصرف أيامك الأخيرة في بيتنا بدلاً من ذلك ” . وفي البداية كانت جوان مترددة وخائفة من فيتجنشتاين . ” إلا إنهما حالاً أصبحا صديقين ” [275].

  ويبدو إنه في بداية عام 1951 أصبح واضحاً ، بأن هناك القليل من الوقت باقياً من حياة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وللأثار الفاجعة لهذا المتغير ومن ثم الترتيبات للمستقبل وخصوصاً تراث فيتجنشتاين الفكري ، كتب فيتجنشتاين وصية جديدة في أكسفورد . وكان ذلك بالتحديد في 29 كانون الثاني ، والتي عين فيها مثلاً ريش رايس على أن يكون المسؤول عن تنفيذ وصيته ، وكل من إيلزابيث إنسكومب و جورج فون رايت هما المسؤلان الإداريان عن تراثه . ومن ثم كتب في ذلك الشهر إلى صديقه الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم ، وقال ” إن عقلي مات تماماً . وهذه ليست شكوى بسبب إنني في الواقع لم أعاني منها . أنا عارف بأن هذه الحياة لابد أن تكون لها نهاية ما . وإن الحياة العقلية ممكن أن تتوقف قبل بقية أشكال الحياة الأخرى [276].

   وفي شباط عاد إلى بيت الدكتور بيفن للعمل في المخطوطتين المرقمتين 175 و176 . والحقيقة إن هاتين المخطوطتان ومخطوطات أخرى قد طبعا فعلاً في فترة لاحقة ، جزء من كتابي فيتجنشتاين : 

الأول حمل عنوان ملاحظات حول اللون [277]. وجاءت بعنوان أخر حمل تفاصيل تبيح الكثير من المعلومات عن مصادر فيتجنشتاين في كتابة مخطوطته ” ملاحظات حول اللون ” . والعنوان التفصيلي ذكرته مصادرنا بالصورة الأتية ” ملاحظات حول اللون (1991) ملاحظات حول نظرية غوته في الألوان [278]. وهو من مؤلفات فيتجنشتاين الأخيرة وكتبه خلال زيارته إلى مدينة فينا سنة 1950 . وكان يومها يحتضر من مرض السرطان . وفيه بث  فيتجنشتاين عقيدته حول اللون وذهب إلى إن اللغز الفلسفي حول اللون ممكن حله فقط من خلال الإنتباه إلى تدخل لعب اللغة فيها . وفعلاً فقد تأمل فيتجنشتاين في كل من قضايا يوهان غوتة (1749 – 1832)[279] والذي كان مصدرها رسالة غوتة حول اللون . والتي قال فيتجنشتاين بحقها فأفاد مُوضحاً ” إنها ليست بنظرية على الإطلاق ، حيث لاشئ يمكن التنبوء منها . إنها نوع من الإيجاز الشديد المنظم ، بالطبع والمبهم والغامض[280]. كما وإن فيتجنشتاين تأمل في ملاحظات الرسام الألماني الرومانتيكي فيليب أوتو رونغي (1977 – 1810)[281] وذلك في توضيح إستعمال اللغة حول اللون [282]. وهناك الكثير من المسكوت عليه في أعمال الرسام الألماني رونغي وخصوصاً في مخطوطته التي حملت عنوان في مجال اللون (أو كُريات اللون) والتي طبعها في بواكير عام 1810 . وتحسبُ ماري ماكغين إن كتاب فيتجنشتاين والذي حمل عنوان ملاحظات حول اللون هو من النصوص التي تواجه صعوبات جمة وذلك لكونه يتألف من فقرات . وذهبت في مقارنته بعمله الأخير (حول اليقينية) فرأت إنه من أعماله الأكثر وضوحاً [283].

والثاني جاء بعنوان حول اليقينية [284].  وكما قلنا هي مجموعة فقرات كتبها فيتجنشتاين قبيل موته ومن ثم طُبعت في كتاب حول اليقينية . وكان إهتمام هذه الفقرات هو الأبستمولوجيا [285]. والثيما الرئيسية لهذا الإهتمام الأبستمولوجي ، هو التأكيد على وجود أشياء ما تكون موجودة فوق أية شكوك ، وذلك لتسهيل الفعاليات الإنسانية وجعلها ممكنة . وكانت نقطة إنطلاق كتاب فيتجنشتاين حول اليقينية ، حجة أبستمولوجية تقول ” هنا توجد يد واحدة ” . والحقيقة هذه الحجة إصطنعها الفيلسوف جورج مور وذلك في رده على الشكية الفلسفية وفي دعم الحس المشترك . والحجة إتخذت الصورة الآتية :

أ – هنا توجد يدُ واحدة .

ب – هنا توجد يدُ آخرى .

ج –  وهنا توجد على الأقل إثنتان من الموضوعات الخارجية في العالم .

د – إذن العالم الخارجي موجود [286].

  والحقيقة إن حجة ” هنا توجد يد ” التي عملها الفيلسوف التحليلي جورج مور ، كان هدفها التدقيق وفحص الإدعاء الذي يذهب إلى أننا ” نعرفُ معرفتنا ” هذا طرف . والطرف الثاني من هذا الإدعاء ، هو الزعم ” إن كل شكوكنا منبوتة في كبد عقائدنا ” . وهذا الإدعاء يكون ” أغلب الأشكال الراديكالية (المتطرفة) للشك ” والتي يجب أن تُدحض (تُرفض) ما دام إنها ” تُشكلُ تناقضاً مع النظام الذي تنتمي إليه [287]. ولاحظنا إن فيتجنشتاين من طرفه ” قدم دحضاً خلاقاً (جديداً) لأنواع مختلفة من الشكية الفلسفية ” . وكتاب حول اليقينية كما ذكرنا طُبع لأول مرة في عام 1969 أي بعد وفاة فيتجنشتاين (تقريباً ست سنوات) . وأصبح معروفاً للقارئ إن إصول كتاب حول اليقينية جاءت من الملاحظات التي كتبها في السنتين الأخيرتين من حياته [288].        

   ولاحظنا إن الباحث الأكاديمي الأسباني خسيوس باديلا غالفير قد إهتم بتراث الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وذلك من خلال إشرافه ومن ثم المشاركة في تأليف الكتاب الجماعي الذي حمل عنوان اليقينيات الشكية ، ألعاب اللغة ، صور الحياة والنسبية والذي صدر عام 2012 . إلا إن المصادر تُخبرنا برواية أخرى تتخطى زمنياً هذا الإهتمام ومن ثم الإشراف على هذا الكتاب الجماعي . حيث وجدنا إن إهتمامه بتراث فيتجنشتاين يصعد إلى فترة تمتد إلى ست وعشرين سنة قبل إشرافه على هذا المشروع الجماعي ، فقد كتب بحثاً بعنوان فيتجنشتاين ، القواعد واللغة الخاصة : شرح أولي ونشرته المجلة الدورية المشهورة الثيوريا (النظرية) سنة 1986[289]. وهو على الأقل من الأبحاث الرائدة في اللغة الأسبانية ودوائر الفكر الأكاديمي الأسباني على حد سواء .

  ولاحظنا إن فيتجنشتاين خلال العمل في مخطوطتيه ملاحظات حول اللون وحول اليقينية ، بدأ يحتضر من مرض السرطان ومن ثم إقترب الموعد الذي تكهنه طبيبه لوفاته ، وفي هذه الأجواء العصيبة كتب فيتجنشتاين إلى صديقه البروفسور نورمان مالكولم (في 16 إبريل) أي قبل وفاته بثلاثة عشر يوماً ، يبثه بعض الأفكار عن تجربة إحتضاره ويصف له لحظات موته  

فقال :

حدث لي شئ غريب جداً ، فقبل شهر واحد وجدت نفسي وأنا أعمل في الفلسفة في الطرف الأيمن من عقلي . وأصبحت مُتيقناً تماماً من إنني لم أكن قادراً على عمل الفلسفة مرة آخرى . وهذه هي المرة الأولى بعد أكثر من سنتين ، إن ستار ذهني قد تلاشى . وبالطبع إنه خلال الأسابيع الخمسة الماضية قد أنجزت الكثير من العمل . وإن كل شئ ربما ينتهي غداً . وإنه على الأكثر سيطرحني أرضاً الأن [290].

   أما موت الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، فقد جاء مرتبطاً تاريخياً بأخر أعماله الفلسفية . ويومها كان يعمل في الجزء النهائي من مخطوطته التي حملت الرقم 177 وكان ذلك اليوم هو السادس والعشرين من أبريل سنة 1951 والذي تصادف فيه عيد ميلاد فيتجنشتاين الثاني والستين في يوم 26 أبريل وفيتجنشتاين ذهب فيه عصراً للمشي . وفعلاً فقد لاحظنا إنه تعرض إلى ذلك في آخر مدخل كتبه يراعه في 27 أبريل ، وهو المساء الذي أصبح فيه فيتجنشتاين مريض جداً . وبالمناسبة إن طبيبه سبق إن أخبره ” ربما تعيش بضعة أيام فقط ” . وحينها كان رده ” طيب ! ” وحينها كانت ” جوان ” زوجة الطبيب هناك والتي مكثت بجنب فيتجنشتاين طول ذلك الليل . وتماماً قبل أن يفقد وعيه لأخر مرة في 28 أبريل ، قال لها : ” أخبريهم : أنا عشت حياة رائعة ” . ويبدو لنا أن صديقه الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم كانت تُساوره الظنون حول ما حدث لفيتجنشتاين بعد فقدانه الوعي ، فوصف هذه الحادثة بقوله ” … غريب أن ينطق مثل هذه العبارة  ” [291].

   ومن ثم حضر أربعة من طلاب فيتجنشتاين السابقين وجلسوا حول سريره ، وهم كل من بين ريتشاردز ، إليزابيث إنسكومب ، يوريك سمايثيز [292]، وموريس أوكونر دروري . وكان كل من إنسكومب وسمايثيز مسيحيين كاثوليكيين . وعلى طلب سمايثيز حضر القس الدومينيكاني الأب كونراد (ستيفن) بيلر[293] . وفي البداية فإن الحضور كانوا غير متأكدين من رغبة فيتجنشتاين (وماذا يريد؟) . ومن ثم تذكروا بأنه قال ” إنه يأمل من أصدقائه الكاثوليك ، أن يصلوا لأجله ، وقد فعلوا ” . و بعد فترة قصيرة أعلنوا ” إن فيتجنشتاين مات ” . وعلى أساس هذا الخبر ، فقد تم ” دفنه على الطريقة الكاثوليكية في قبر أرضي ” في مقبرة القديسيين جايلز وبيتر في مقبرة كيمبريدج [294].  

  ولاحظنا إن هناك عدم إرتياح وشكوك ساورت نفوس بعض طلاب فيتجنشتاين الذين حضروا وكانوا شهوداً على إسلوب دفن جثمانه على الطريقة الكاثوليكية . فمثلاً تلميذه موريس دروري قال بعد دفنه ، بأنه (أي دروري) عانى من مشكلة نفسية عميقة من طريقة دفن فيتجنشتاين على الطريقة الكاثوليكية ، ومن ثم تساءل : ” هل كان ذلك صحيحاً ؟ [295]. وبعد مرور أربعة وخمسين سنة على موته ودفن جثمانه قامت جمعية فيتجنشتاين البريطانية (وبالتحديد في عام 2015) بتجديد بناء ضريحة وتقدمته صخرة كبيرة تُغطي جزء من سطح قبره ونُقش عليه إسم لودفيغ فيتجنشتاين وتاريخ ولادته ووفاته [296].

10

لودفيغ فيتجنشتاين وإشكالية التشويش على العقيدي الديني

   إن الإشكال حول عقيدة فيتجنشتاين الدينية بدأت بشكوك أثارها بعض من طلابه الذين حضروا دفن جثمانه . وفعلاً فقد ساورت بعضاً منهم الشكوك حول الطريقة الكاثوليكي التي تمت فيها مراسيم الدفن . وبالطبع إن إثنين من أربعة طلاب فيتجنشتاين قد حضروا المراسيم وكانوا على الديانة الكاثوليكية أو الأدق إنهم تحولوا إليها بوقت ليس ببعيد . وهما كل من الطالبة الفيتجنشتاينية المقربة إليزابيث إنسكومب والطالب  الفيتجنشتايني يورك سمايثز . أما من طلابه الذين أثاروا الشكوك حول طريقة الدفن الكاثوليكية ، فكان موريس دروري والذي قال بعد دفنه ، بأنه عانى من مشكلة نفسية عميقة وبالتحديد ” من طريقة دفن فيتجنشتاين على الطريقة الكاثوليكية ” . ومن ثم تساءل : ” هل كان ذلك صحيحاً ؟ [297].

  وفعلاً فقد قيل الكثير عن وجهات نظر فيتجنشتاين الدينية . وبالطبع هو المسؤول عن الإرتباك فيها ، وأشرنا في هذا البحث بأنه يعتبر نفسه مئة في المئة عبرياً وهذا طرف جداً مهم . ويأتي الطرف الثاني من التشويش والإرتباك الذي خلقه فيتجنشتاين وهذا ما خطه بيراعه (ومُجير عليه) وذلك عندما أكد على إنه مهتم بصورة كبيرة بالكاثوليكية . والحقيقة إن إصول هذا الطرف نزل إليه عن طريق والده الذي تحول إلى الكاثوليكية وحول معه العائلة وذلك عندما شارك في تعميد أولاده وبناته عليها (أي الكاثوليكية) . بالرغم من إن جدة فيتجنشتاين كانت مسيحية بروتستانتية . كما كان فيتجنشتاين يُردد كثيراً ” بأنه متعاطف مع الكاثوليكية ورموزها الكبار مثل القديس أوغسطين وهذا ما ذكرناه في هذا البحث . كما قيل إن فيتجنشتاين وبالتحديد خلال سنواته الجامعية إنه عبر عن عقيدة قيامة المسيح [298].

  ولاحظنا إن فيتجنشتاين لم يقف عند حدود فكرة القيامة المسيحية ، وإنما قدم هامشه الشارح عليها . فقال : ” والسؤال ؛ ماذا يحملني على الإعتقاد بقيامة المسيح ؟ وإذا حاولت اللعب مع هذه الفكرة ، ومن ثم إفترضت بأن المسيح عاجز ولا تتوافر لديه القدرة على النهوض والقيامة من بين الأموات . وبالطبع خلاف ذلك يكون قد مات وتفسخ (وهلك مثل بقية البشر إلى الأبد) . وفي هذا الحال يكون المسيح مجرد معلم وحاله مثل حال البشر سواء . وهنا إن فكرة المسيح تكون غير نافعة ، ولا حول لها ولا قوة ، بل وليس فيها إمكانية على المساعدة . ومرة أخرى نحن مجرد يتامى ونعيش في حالة وحدة وعزلة . والقدر المكتوب علينا ، هو أن نكون أكثر حكمة ونتأمل وخلاف ذلك فإننا في النهاية سنكون في مهاد الجحيم . وسنحلم مرة أخرى بأننا مطرودين من الجنة المُتعالية [299].  

ولكن إذا حصل لي الإفتداء (الخلاص) ، فأنا هنا مُحتاج إلى اليقين وليس إلى الحكمة والأحلام . وهذا التأمل واليقين هو الإيمان (العقيدة) . والإيمان هو إيمان يحتاج إليه قلبي ، وهو إيمان تحتاج إليه روحي . وقلبي وروحي لا يحتاجان إلى تفكير عقلي تأملي . وإن روحي وإنفعالاتها (عواطفها) حالها مثل لحمها ودمها فهي يجب أن تُفتدى (أي أن يحصل لها الخلاص) وطبعاً هذا لايكون من خلال التفكير العقلي المجرد . وربما كما يُردد شخص مؤمن بعقيدة القيامة وينشد قائلاً : إنه من خلال الحب الذي ينهض على عقيدة القيامة أو من خلال الحب الذي يؤمن بالقيامة [300]

  ولكن رغم كل ذلك ، فإن فيتجنشتاين في الحقيقة لايعتبر نفسه كاثوليكياً . وعلى أساس رواية صديقه البروفسور الأمريكي نورمان مالكولم الذي علق على هذه القضية وذهب إلى إن فيتجنشتاين ” رأى إن الكاثوليكية هي طريقة حياة أكثر من كونها مجموعة عقائد للإيمان . ولهذا السبب لم يقبل ويؤمن بأية عقيدة دينية ” [301]. ويحسبُ مالكولم إن فيتجنشتاين فعلاً قد أعد نفسه شخصياً ومن ثم وظف خبرته الأكاديمية بإتجاه ” التعبير الشامل عن فكرة الله الذي يُحاكم البشر وإن الله هو رمز الفداء (الخلاص) لهم ” . وفي الوقت نفسه رأى إن المفهوم  الكسمولوجي للإلوهية والذي نهض على مفاهيم من مثل السبب وااللانهاية ، فإنها ” من المفاهيم المكروه والبغيضة لديه ” . كما وإنه كان ساخطاً على محاولات تقديم ” البراهين على وجود الله ، بل وكارهاً لمجمل المثابرات التي تطلعت إلى صياغة الدين على أسس عقلية ” . ونبه مالكولم القارئ من عدم التسرع والإعتقاد أو تكوين أي إنطباع يذهب إلى ” إن فيتجنشتاين سلم وإعتقد بصورة من صور الإيمان الديني ” بل الواقع إنه لم يفعل مثل هذا ” وذلك لأنه ” لم يكن بشخصية دينية ” . إلا إنه إعتقد إن هناك في داخله (وبمعنى من المعاني) إمكانية دينية . وأنا أعتقد (مالكولم) بأن فيتجنشتاين كان ينظر إلى الدين على إنه ” شكل من أشكال الحياة ” وهي تعبير عن محاولات البحث في هذا الإتجاه . ويعترف فيتجنشتاين بأنه ” لم يُشارك بها الأخرين . إلا إنه متعاطف معها ومهتم بها بصورة كبيرة ” . وعبر فيتجنشتاين عن إحترامه للناس الذين يُشاركون فيها ، وهو في الوقت ذاته ” يحتقر النفاق الديني والمتدينين المنافقين [302].

  ولاحظنا إن نورمان مالكولم إستمر في إفتراضاته وترجيحاته الناشدة إلى الإقتراب من فهم عقيدة فيتجنشتاين الدينية ، فذهب مُعلقاً وقال : ” أنا أشك بأن فيتجنشتاين ينظر إلى العقيدة الدينية على إنها مؤسسة على سمات الشخصية وذلك لأن مثل هذه السمات والخصائص لا تتوافر في شخصية فيتجنشتاين ” . ولكن كل من سمايثيز وإنسكومب (وهما من طلاب فيتجنشتاين واللذان حضرا بجوار سريره حتى اللحظات الأخيرة من وفاته) فكلاهما تحولا إلى عقيدة الكاثوليك الروم . وإن فيتجنشتاين كما يُخبرنا نورمان مالكولم إنه قال مرة له : ” أنا غير قادر ، وليس في يدي إمكانية على حمل نفسي للإعتقاد بكل الأشياء التي يعتقدان بها (أي كل من تلميذيه سمايثيز وإنسكومب) ” [303]. ويُرجح مالكولم كعادته ” ويعتقد إن ملاحظة فيتجنشتاين هذه ، ليس فيها ذم أو تقليل من شأن عقيدتهما الدينية الكاثوليكية ، بل فيها إمكانية للحفاظ على عقيدة فيتجنشتاين الدينية الخاصة [304].     

   كما ولاحظنا إنه في السنوات الأخيرة من حياته شاعت روايات حول عقيدته الدينية الحقيقة ، والتي تُردد ” بأن فيتجنشتاين كان إغنوصياً بمعناها المهني الحرفي الدقيق ” [305]. والحقيقة إن الباحث وليم شايلد توقف عند عتبات غنوصية فيتجنشتاين ، ومن ثم أثار السؤال الأتي ” هل كان فيتجنشتاين متديناً ؟ وعلى أساس الإفتراض ، فلنتفق على ” إننا نعتبره غنوصياً ” . فإن هذا يتطلب نوع من الحذر بحيث ” ينبغي أن لا يُفهم في إطار المعنى الشائع للغنوصية (اللا أدرية) وهو المعنى الذي تُركز عليه الغنوصية وتتفاخر به . وبالطبع هذا المعنى للغنوصية (اللا أدرية) فيه إشكال ليس بقليل .

   والحجة التي أثارها وليم شايلد جاءت على شكل سؤال : ” هل إن الإنسان أحياناً ربما لا يعرف شيئاً على الإطلاق حول هذا الأمر ؟ ” . ومن ثم قدم وليم شايلد مثالاً وعلى أساسه ناقش فهم لودفيغ فيتجنشتاين وذهب مجادلاً ، فرأى إن فكرة الله بمعناها الإنجيلي ، هي صورة ” الله الخالق للعالم ” . ولاحظنا إنه على أساس هذه الفكرة الإنجيلية لله تكمن الصعوبة في تقديم ” فهم فيتجنشتاين لها .. ” . ولكن رغم ذلك فإننا وجدنا إن مفهوم ” يوم الحساب الأخير ” ، هو من المفاهيم العميقة والتي جذبت إهتمام فيتجنشتاين إليها [306].

  ولعل خير مساهمة نظرية نُقدمها هنا بهدف فهم عقيدة فيتجنشتاين الإغنوصية هو التعريف بها . ولنبدأ بالقول إن الإغنوصية أو اللا أدرية (والتي جاءت باللغة العربية من لست أدري بمعنى لا أعرف ) والتي هي لُبُ أو جوهر العلم . والإغنوصية هي وجهة نظر ترى ” إن قيم الصدق التي تتعلق بمزاعمنا اليقينية ، وخصوصاً مزاعمنا الميتافيزيقية ومزاعمنا الدينية ” . وإن من خير الأمثلة على هذه المزاعم ؛ هل إن الله له وجود إلهي ؟ أم إن وجود الله فوق طبيعي وبذلك هو وجود غير معروف أو ربما هو عصي على المعرفة وليس في الإمكان معرفته [307].

   وإرتبطت الإغنوصية أو الغنوصية تاريخياً بشخصية عالم البيولوجيا الإنكليزي توماس هنري هاكسلي (1825 – 1895)[308] وهو بالطبع مدافع عنيد عن تشارلز داروين (1809 – 1882) ونظريته في النشوء [309]. والحقيقة إن وجهة النظر الغنوصية هي وجهة نظر قديمة حالها حال الشكية الفلسفية [310]. أما الحدود من مثل إغنوصي وإغنوصية فهي إصطلاحات خلقها هنري هاكسلي ومن خلال خلاصة أفكاره التي دارت حول التطورات الميتافيزيقية في القرن التاسع عشر . وخصوصاً أفكاره التي دارت حول مفهوم ” اللامشروط ” عند الفيلسوف الميتافيزيقي الإسكتلندي وليم هاملتون (1788 – 1856)[311] ، وحول مفهوم ” لا سبيل لمعرفته ” عند الفيلسوف البايولوجي الإنكليزي هربرت سبنسر (1820 – 1903)[312] . وخلال هذه الفترة وبالتحديد في عام 1869 بدأ هاكسلي يتداول إصطلاح إغنوصي . ويبدو إن أفكاره تشكلت قبل هذا التاريخ . ففي رسالة له بعثها في 23 سبتمبر سنة 1860 إلى القس والبروفسور تشارلز كنجسلي (1819 – 1875)[313] ، ناقش فيها وجهة نظره بصورة واسعة ، فقال : ” أنا لا أستطيع التأكيد على خلود الإنسان ، كما وليس في إمكاني إنكاره . ولا أرى إن هناك سبب يحملني على الإعتقاد به . والحقيقة لا تتوافر لدي وسائل إلى دحضه ، بل وليس لدي إعتراضات أولية على هذا المبدأ … ” [314].  

   ووفقاً لفهم الفيلسوف الأمريكي وليم ليونارد روي (1931 – 2015)[315] فإن الإغنوصية هي وجهة نظر ترى إن العقل الإنساني غير قادر على تقديم فهم عقلاني كاف للإعتقاد على إن  ” الله موجود أو الإعتقاد بأن الله غير موجود [316]. والمعنى الأكثر تداولاً ، هو إن الإغنوصي هو الشخص الذي لا يؤمن بالله ، ولا يكفر بالله . بينما الملحد هو الشخص الذي يكفر بالله بهذا المعنى الضيق . والإغنوصية هي مجموعة عقائد عقلية فقط ، وهي كافية على مساعدة العقل الإنساني وبالطبع الفرد الذي أمن بالموقف الإغنوصي الذي يساعد الفرد أما الإعتقاد بأن الله غير موجود أو عدم الإعتقاد بأن الله غير موجود وبصورة عقلانية [317].

  ولاحظنا إن الفيلسوف برتراند رسل وهو إستاذ لودفيغ فيتجنشتاين تساءل في كتيب له ” لماذا أنا لست مسيحياً ؟ وهو في الأصل محاضرة قدمها سنة 1927 ومن ثم صدرت في كتاب له لاحقاً وحمل العنوان ذاته . وبعد ذلك تحول هذا الكتاب إلى خطاب كلاسيكي للإغنوصية [318].

11

تأمل في بعض أعمال وكتابات لودفيغ فيتجنشتاين

   الحقيقة إن الفيلسوف وعالم المنطق الكبير فيتجنشتاين قد ترك خلفه عدداً ضخماً من المخطوطات ، والتي تم مراجعتها (وتنقيحها) ومن ثم نشرها في عام 1953  بكتاب حمل عنوان أبحاث فلسفية . ومنذ هذا التاريخ حصل فيتجنشتاين على الإعتراف بأن أعماله الفلسفية والمنطقية ، هي واحدة من أهم الأعمال في مضمار الفلسفة في القرن العشرين [319]. وفعلاً فإن أستاذه الفيلسوف البريطاني الكبير برتراند رسل (1872 – 1970) يصفه بعبارات دقيقة ، حيث يقول ” إن فيتجنشتاين كان الإنموذج الكامل الذي لم أعرف مثله شبيهاً على الإطلاق ، فقد كان عبقرياً في إطار التقليد الفلسفي ، وكان الأكثر إدراكاً ، ويتمتع بعاطفة وعمقاً وشدة ، إضافة إلى إن له هيمنة وسطوة واضحتين [320].

  ونتطلع هنا أولاً التأمل في مجموع مخطوطات لودفيغ فيتجنشتاين والتي تركها محفوظة في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج . ومن ثم نركز بحثنا على ثلاثيته الفلسفية ، والتي تكونت من تركتاتوس ، بوكر فيتجنشتاين ، وأبحاث فلسفية . والحقيقة تكون مجموع مخطوطات فيتجنشتاين (كلية الثالوث – جامعة كيمبريدج) من عدد كبير من المخطوطات . إلا إننا لاحظنا بأنه ترك عملاً مبكراً وحمل عنوان كتاب أو كتب ملاحظات وكتبه قبل رائعته تركتاتوس . وفعلاً فقد بدأ كتابة ملاحظته فيه منذ سنة 1914 أي قبل تركتاتوس على الأقل بسبع سنوات وكان عمره يوم بدأ الكتابة في حدود الخامسة والعشرين ربيعاً .   

أولاً – لاحظنا إن لودفيغ فيتجنشتاين كتب قبل رائعته تركتاتوس ، كتاباً أودع فيه الكثير من الملاحظات وأطلق عليه فيتجنشتاين كتاب الملاحظات ، وهو في الحقيقة سجل بالغ الأهمية في الكشف عن المؤثرات الأولى ومنها الرئيسة على حياته الفكرية المبكرة . وبالطبع فيها الكثير من المعلومات خصوصاً عن مسار تطوره الفكري خلال الفترة الممتدة ما بين 1914 – 1916 وتألف من تسعين صفحة [321].

ثانياً – مخطوطة باللغة الألمانية وجاءت بالعربية (أي بترجمتنا إلى العربية) بعنوان مقالة وفي أصلها اللاتيني الذي إقترحه الفيلسوف البريطاني جورج أدورد مور وهو الأستاذ الممتحن لأطروحة الدكتوراه التي تقدم بها فيتجنشتاين تركتاتوس لوجيكيو – فيلوسوفيكوس أي بالعربية رسالة منطقية فلسفية [322]. وفعلاً فقد أشارت المصادر التي تحدثت عن مؤلفات فيتجنشتاين إلى عنوانها اللاتيني . إلا إنها لم تشير إلى الحقيقة الكاملة وراء قصة ترجمتها من الألمانية إلى الإنكليزية . والمصادر وربما إن فيتجنشتاين أساسها ، وهو العارف بالمترجم الرئيسي لها ، وهو التلميذ الأنكليزي الفذ (والذي كان مراهقاً بعمر السادسة عشرة أو في العتبات الأولى من السابعة عشرة) وهو عالم الرياضيات فرانك رامزي . صحيح إن عالم اللنكوستيك البريطاني تشارلز غي أوغدن هو الذي كلف رامزي بالتحضير لترجمتها كما وساعد في الترجمة وكل هذا مقبول . إلا إن من غير المقبول أن يتحول تشارلز أوغدن مترجماً إلى تركتاتوس ويُغيب إسم الفتى اليافع رامزي هذا ظلم ما بعده ظلم . والواقع إن رامزي مات مرتين ؛ الأولى مات شاباً بسبب المرض الذي إختطفه منا وهو في عقده الثالث . والثانية تم تغيب إسمه من الترجمة الإنكليزية التي إنجزها بجهده الإستثنائي (سنة 1922) وهو يتنقل بين لندن وفينا ليلتقي ويتحادث مع الفيلسوف فيتجنشتاين في كل التفاصيل التي تتعلق برائعة تركتاتوس . إلا إن حق الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق فرانك رامزي لم يضيع على الإطلاق ما دام هناك قلم موضوعي في هذا العالم الفاني يبحث ويُنقب عن الحق والحقيقية وديدنه الوحيد هو رد الحق إلى أهله وحسب [323].

ثالثاً – الإصطناع والتلفيق في حقيقة كتاب بوكر فيتجنشتاين : مناظرة بين فيتجنشتيان وكارل بوبر . حيث لا تتوافر على الإطلاق مخطوطة ألمانية ولا ترجمة إنكليزية لها . وإنما بالمقابل تتوافر حقائق وهي إن دعوة وجهت إلى الفيلسوف (والأدق المنظر السياسي) النمساوي – البريطاني الشاب كارل بوبر لألقاء محاضرة . والحقيقة الثانية هو إن رئيس الجلسة كان الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين . والحقيقة الثالثة هو إن رئيس الجلسة الفيلسوف فيتجنشتاين كان يحمل أوراق بوكر في يديه . هذا كل ما في الأمر وربما حدثت أطراف حديث أو مناظرة حول مواقف فلسفية مختلفة وكان الشاهد الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ومات فيتجنشتاين ولم نسمع شيئاً حول هذا المناظرة . ومات رسل ولم نسمع عن هذه الرواية الإسطورة التي يُعد مصدرها اليتيم الوحيد هو الفيلسوف كارل بوبر . ومن ثم نشر كارل بوبرميمواره الذي أثار الزوبعة العاصفة التي واجهها مُحبي فيتجنشتاين بالغضب والإعتراض والإحتجاج على كارل بوبر ومن وقف مع روايته ونشرها دون تدقيق ومناقشة مع طلاب فيتجنشتاين وفلاسفة حضروا تلك الجلسة التي قدم فيها كارل بوبر محاضرته وكان فيها فيتجنشتاين رئيس الجلسة [324].

رابعاً – المخطوطة الألمانية التي جاءت بالترجمة العربية بعنوان أبحاث فلسفية . والحقيقة هي مجموعة مخطوطات والتي أعدها للنشر بالألمانية وقدم المجلد الأول للمطبعة وتردد وسحبها سنة 1946 ومن ثم قبل موته قدم توجيهات لكل من إليزابيث إنسكومب وريش رايس وهما اللذان كلفهما قانونياً بالإشراف على نشر تراثه الفكري [325]. ومن ثم في عام 1953 وبعد سنتين من وفاته صدرت الطبعة الألمانية . ومن ثم صدرت الترجمة الإنكليزية والتي حملت إسم إليزابيث إنسكومب [326].

خامساً – المخطوطة الألمانية التي جاء بالعربية بعنوان مختارات فيتجنشتاين في فلسفة المنطق والرياضيات ، وهي أعمال كتبها خلال الفترة الممتدة ما بين 1937 – 1944 (1956)[327].

سادساً – ملاحظات حول علم المنطق [328].

سابعاً – ملاحظات حول أسس الرياضيات (1978)[329].

  وهذا الكتاب نهض على مجموعة ملاحظات تركها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وهي حقيقة ملاحظات حول فلسفة الرياضيات . وقامت بترجمتها من اللغة الألمانية إلى الإنكليزية الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إليزابيث إنسكومب وبالإشتراك مع الفيلسوف الفيتجنشتايني جورج هنريخ فون رايت والفيلسوف الفيتجنشتايني ريش ريس . ومن ثم طُبع عام 1956 أي بعد وفاة فيتجنشتاين بخمس سنوات تقريباً . وتم إنتاج النص بالإعتماد على نصوص من مصادر متنوعة وبطريقة الإختيار والإنتخاب . ولاحظنا إن فيتجنشتاين كتب هذه الملاحظات خلال السنوات ما بين 1937 – 1944 . وإن القليل القليل من النصوص وجدت في كتاب أبحاث فلسفية وهي بالطبع نصوص كُتبت في فترة زمنية متأخرة . ولما ظهر الكتاب وتم تداوله فلم يتلقى ترحيباً إيجابياً ، بل كُتبت عنه العديد من المراجعات السلبية [330] والتي جاءت أغلبها من أعمال علماء المنطق والرياضيات من أمثال الفيلسوف وبروفسور المنطق مايكل دوميت (1925 – 2011) [331]، عالم الرياضيات البريطاني – السويسري بول بيرنيز (1888 – 1977) [332]، وعالم المنطق الرياضي النمساوي – البريطاني جورج كرايسل [333](1923 – 2015) [334]

  أما الدكتور فيكتور روديج وبالتحديد في بحثه الموسوعي الرائد والذي حمل عنوان فلسفة الرياضيات عند فيتجنشتاين ، فقد زعم بعد جولة واسعة وتفصيلية فيه ، إلى إن كتاب فيتجنشتاين ملاحظات حول أسس الرياضيات ، يُقرأ اليوم على الأغلب من قبل فلاسفة متعاطفين مع فيتجنشتاين ، وهم على الأغلب ميالون إلى تبني موقف إيجابي [335]. والحقيقة إن فلسفة فيتجنشتاين في الرياضيات ، كما يرى كاتب سيرته راي مونك بأنها بلا شك هي من أغلب الأطراف المنسية والتي لم تلق إهتماماً من بين أعماله الفلسفية . مع العلم إن نصف كتابات فيتجنشتاين ، وبالتحديد منذ عام 1929 وخلال 1944 قد كرسها في مضمار الرياضيات . ولاحظنا فعلاً إن فيتجنشتاين قد أكد بقلمه في عام 1944 ، فقال ” إن مساهمته الرئيسة كانت في فلسفة الرياضيات [336].

   وحدث جدل حول فقرة من رائعة فيتجنشتاين ملاحظات حول أسس الرياضيات أو بالطبع حول فلسفة الرياضيات عند فيتجنشتاين وتحزب النقاد في أطراف من المعارضة لفيتجنشتاين ووقف أخرون في مواقف المؤيدين . ونحسب إن أحكام الطرفين حملت على تكوين إجماع أكاديمي فيه تقويم للطرفين وإنتصار إلى فلسفة فيتجنشتاين في الرياضيات ، والتي قدمت على حد رواية بعض الأكاديميين الغربيين عرضاً مبسطاً ، ومن ثم صاحبته مثابرات قدمت أمثلة بسيطة عليها . مما كان الحاصل تداول شروح وآراء لفها الشك . في حين إن النص قدم تحليلات ممتدة لمفهوم البرهان الرياضي ، وكشوف للمعارضات الفيتجنشتاينية للإعتبارات الفلسفية التي قدمت مشكلات كاذبة في ميدان الرياضيات . وفي الملاحظات تبنى فيتجنشتاين إتجاهاً شكياً فيه معارضة للكثير من تدخل الأرثذوكسية في فلسفة الرياضيات . وخصوصاً في ملاحظات فيتجنشتاين المُثيرة للجدل التي دارت حول مبرهنات عالم الرياضيات النمساوي – الأمريكي كورت غودل (1906 – 1978)[337] ، والتي يُطلق عليها بعض نُقاد فيتجنشتاين ” الفقرة سيئة الصيت ” والتي ضمت شرحاً غريباً لمبرهنات غودل في عدم الإكتمال[338] . وهي في الحقيقة مبرهنات في المنطق الرياضي .

  ويبدو إن عدداً من الشراح قد قرأوا فيتجنشتاين ، ورأوا ” إن فيتجنشتاين قد أساء فهم غودل ” . ومن ثم جاء عام 2000 وتدخل عالم الكومبيوتر والرياضيات والفيلسوف الأمريكي هيلري وايتهيل بنتام (1926 – 2016) في الجدل حول قضية فيتجنشتاين غودل وإقترح ” إن غالبية الشراح أساءوا فهم فيتجنشتاين [339]. وإستدرك هيلري بنتام وقال ” إلا إن تفسير فيتجنشتاين لم تحصل له موافقة وقبول[340]

  ومن الملاحظ من طرف فيتجنشتاين (الذي يكبر غودل بحدود سبعة عشرة سنة) إنه لم يذكر على الإطلاق إسم كورت غودل على إنه كان واحداً من أعضاء حلقة فينا وبالتحديد في الفترة التي كان فيتجنشتاين يتحدث في مناخات حلقة فينا عن لغة الفلسفة المثالية ، كما وهي الفترة التي شهدت هيمنة رائعة فيتجنشتاين تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس (رسالة منطقية – فلسفية) على تفكير أعضاء حلقة فينا . وفي الوقت ذاته إن كتابات غودل في أرشيفاته ومراسلاته المخطوطة قد إحتوت على مشاعر من النفور والكراهية إلى فيتجنشتاين . كما وضمت إشارات تُدلل على الإعتقاد بأن فيتجنشتاين أساء بقصد على قراءة المبرهنات (أي مبرهنات كورت غودل) [341]. وبعض الشراح من أمثال فيلسوفة العلم الأمريكي المعاصرة ربيكا غولدستين (1950 – ) تفترض بأن كورت غودل طور مبرهناته المنطقية بطريقة مُغايرة  لطريقة فيتجنشتاين [342].    

ثامناً – ملاحظات حول فلسفة علم النفس (مجلدان 1980) [343].

تاسعاً – الكتب الزرقاء والكتب البُنية (1958) [344]. ولاحظنا إنها ظهرت بعنوان فيه زيادة تحمل دلالة واضحة على إن هناك إختلاف بين النشرتين . والعنوان الجديد الكتاب الأزرق والبُني : دراسات أولية لأبحاث فلسفية . والشاهد على الإختلاف إن إسم بيتر دوشرتي ظهر على الغلاف بجنب لودفيغ فيتجنشتاين [345]. وهذه مسألة تُثير التساؤل والإستفهام من الزاوية الأكاديمية حيث نعرف والجميع يعرف إن فيتجنشتاين هو الكاتب الحقيقي للكتب الزرقاء والكتب البنية . وإذا كتب بيتر دوشرتي مقدمة طويلة حلل فيها أفكار فيتجنشتاين وبين علاقتها برائعته أبحاث فلسفية ، فإننا نحسب هذا حق له وكان من الشروط الأكاديمية في البحث أن لايكون مؤلفاً وإنما يقول مثلاً ” إشراف وتقديم بيتر دوشرتي” وهذا حق له وحق لفيتجنشتاين وحق للقارئ الذي سيضيع في معرفة ماذا حدث ؟ وكيف أصبح بيتر دوشرتي بجرة قلم سهلة مؤلفاً مُشاركاً لفيتجنشتاين في تأليف الكتب الزرقاء والكتب البُنية ؟ أننا أكاديميون كما قال نيتشه ! ونحن شهود على هذه الفبركة البغيضة التي لا نقبلها على الإطلاق . وإذا مات فيتجنشتاين بغدر مرض السرطان ، فإننا نقاوم ضياع حقه مؤلفاً ومؤلفاً وحيداً للكتب الزرقاء والبنية ، ولهذا نرفض مشاركة بيتر دوشرتي في التأليف على الإطلاق . وبالرغم من إننا نعرف باليقين إن بيتر دوشرتي أحب فيتجنشتاين وتراثه الفلسفي . إلا إن خطيئته التي لا تُغتفر إنه تلاعب بحقوق التأليف وفبرك رواية التأليف ونحن شهود أكاديميون على ما فعل . كما ونعرف إن أولاد وبنات الفيلسوفة الفيجنشتاينية إيلزابيث إنسكومب ، السبعة (ثلاثة أولاد وأربعة بنات) لازالوا أحياء وهم الورثة على تراثها . وبالطبع إن جزء كبير منه كان تحت إشرافها وبتوكيل قانوني من قبل فيتجنشتاين . ومن خلال إيلزابيث إنسكومب إنتقل التوكيل القانوني إلى إبنتها ماري كيج (وهي كذلك بنت الفيلسوف الفيتجنشتايني وعالم المنطق بيتر كيج) وزميلها الأكاديمي لوك كورملي . فهم اليوم مطالبون بتصحيح رواية التلفيق وإعادة توزيع الحقوق بصورة قانونية وخصوصاً في النشرات القادمة للكتب الزرقاء والبُنية والتي هي من تأليف فيتجنشتاين وحده ووحده فقط . أما بيتر دوشرتي فإن من حقه تماماً أن يشير على الغلاف وبصور واضحة وبالصيغة الأتية ” إشراف وتحرير وتقديم بيتر دوشرتي ” . والسلام على الجميع .

  إن أهمية الكتب الزرقاء والبُنية (وبالتخصيص الكتب البُنية بالتحديد) هو المدخل الواسع والتفصيلي الذي كتبه بيتر دوشرتي ، والذي بين فيه للأكاديمي والقارئ على حد سواء ، هو إن رائعة فيتجنشتاين التي حملت عنوان أبحاث فلسفية ، إنها في الحقيقة ” عمل لم ينتهي ، وإنه من أهم الأعمال الفلسفية وأكثرها تأثيراً في الوقت الحاضر ” .    

عاشراً – المخطوطة الألمانية والتي جاءت بعنوان ملاحظات فلسفية (1964) [346]. ومن ثم لاحظنا إنها صدرت باللغة الأنكليزية في عام 1975 [347]. ويبدو إنه وراء تأليف ملاحظات فلسفية رواية تاريخية تذهب إلى إن فيتجنشتاين عندما عاد إلى جامعة كيمبريدج سنة 1929 ، كثف عمله وكتب الكثير وذلك بتأثير أصدقائه من الإنكليز . إلا إن هذه الرواية لم تُفصح بصراحة أسباب عودته إلى الفلسفة في هذه الفترة . إلا إن الشاهد القوي على هذه العودة هو كتابه الذي حمل عنوان ملاحظات فلسفية والذي كتبه عام 1930 . ومن الثابت إن هذه العودة إلى الفلسفة ، هي التي حملت فيتجنشتاين للتقاطع وبصورة ملفتة للنظر ، مع أفكاره المبكرة التي أودعها في رائعته تركتاتوس . وهناك من يُرجح إلى إن هذا الإختلاف مع أفكاره المبكرة في تركتاتوس سببه قلق دائم وشعور بعدم الإرتياح من هذه الأفكار المبكرة . وهناك من يعتقد إلى إن عدم الإرتياح الذي إختبره وكابده فيتجنشتاين نزلت أثاره عليه من مصادر ثلاثة وهي كل من الفيلسوف وعالم الفيزياء الألماني مورتيز شيلك (1882 – 1936) [348]، والفيلسوف وعالم الفيزياء النمساوي فردريك ويزمان (1896 – 1959)[349] والفيلسوف وعالم الرياضيات الهولندي لويتسن بروير (1881 – 1966) [350]. وخصوصاً المحاضرة التي قدمها بروير في فينا سنة 1928 والتي حملت عنوان الرياضيات والعلوم واللغة [351]. وهي التي أثارت إهتمام فيتجنشتاين بمضمار الفلسفة مرة ثانية كما وهي التي حملته على إجراء مناقشات واسعة ومكثفة للمشكلات الرياضية في كتاب ملاحظات فلسفية . كما وكانت محاضرة بروير مصدر فيتجنشتاين للمناقشة التي كونت نصف كتاب تركتاتوس لوجكيو – فيلوسوفكيوس كما هو واضح لكل قارئ إطلع على هذا الكتاب [352].

  ولاحظنا إنه في كتاب ملاحظات فلسفية إن عمل فيتجنشتاين كان دراسة فيها نوع من التغاير مع نظرية الصورة للمعنى التي أنجزها برتراند رسل في مضمار نظرية المعنى . ووصف فيتجنشتاين الإختلاف بأن رسل إعترف بإن الواقعة المعطاة هي التي تعمل الفكر صادقاً ، وهو في الحقيقة شئ يتجاوز ويتخطى الفكر والواقعة . بينما في تركتاتوس فهو علاقة بين الفكر الذي يُطابق الواقعة وفي علاقة داخلية [353].  ولاحظنا إن ماثيو ماريون (قسم الفلسفة – جامعة كيبيك / كندا) وبالتحديد في بحثه الذي حمل عنوان فيتجنشتاين وبروير قد ذهب مذهباً مُخالفاً ، حيث رأى إلى إن العلاقة الفلسفية بينهما (أي بين فيتجنشتاين وبروير) أخذت إتجاهاً فيه نوع من التقاطع مع محاضرة بروير في 10 أذار سنة 1928 . ومن المُناسب إن نُشير إلى إن  فيتجنشتاين لم يُنجز حينها عملاً فلسفياً جدياً منذ سنين (وبالطبع الدكتور محمد جلوب الفرحان يُخالف رأي ماثيو ماريون ويذكره برائعة فيتجنشتاين التي نشرها قبل تركتاتوس ومن ثم كونت فيما بعد مقدمة لها وكانت بعنوان ملاحظات حول علم المنطق[354]) . وإذا إفترضنا إن شخص ما حاول فهم هذا الأثر الذي تركته محاضرة بروير ، فإنه بالتأكيد يكون من الأفضل مقارنة محتواه مع الملاحظات على منطقيات ورياضيات تركتاتوس . ومن ثم إنتهى ماثيو ماريون إلى القول بأن موقف فيتجنشتاين في تركتاتوس فيه الكثير من الكشوف التي تُدلل على التقارب (وبدرجات من التكامل) مع موقف بروير . كما وفيها بالطبع نقاط من الإختلاف ، والتي تُمثل الأطراف الأساسية من النقد الذي قدمه فيتجنشتاين إلى النزعة الحدسية عند بروير . إضافة إلى إن هناك موضوعات تدعو إلى التبصر ومن ثم المقارنة بين الأثنين ، ومن مثل دور الحدس في الرياضيات ، القواعد التي إتبعها الإثنان ، تسلسل الإختيار ، وقانون الثالث المرفوع ، وسلطة الحساب على علم المنطق [355].   

  ويبدو لنا إنه بصحبة كتاب ملاحظات فلسفية كانت هناك فصيلة من الإبحاث والتي ألفت فيما بعد عمل فيتجنشتاين الذي حمل عنوان النحو الفلسفي والذي ظهر باللغة الأنكليزية بترجمة إنثوني كيني [356]. ولاحظنا إن فيتجنشتاين ألف كتاب النحو الفلسفي خلال السنوات ما بين 1931 – 1934 . وهي الفترة التي سبقت قليلاً الفترة التي خصصها إلى إنجاز كتابه المعروف بالكتاب الإزرق . وكتاب النحو الفلسفي قريب جداً في بعض أطرافه من رائعته التي حملت عنوان أبحاث فلسفية كما إنه قريب كذلك من كتابه ملاحظات فلسفية وربما قريب من كتب آخرى . والحقيقة إن كتاب النحو الفلسفي هو بحد ذاته عمل مستقل وعالج موضوعات جديدة . وهو بالطبع مملوء بمعالجة فيتجنشتاين لعلم المنطق والرياضيات وعلاقتهما بفهمه للقضية (البربوزشن) والعلامة والنظام . كما وفيه مناقشة للإستنتاج .. ونقده وتقويمه لوجهات نظر جوتلوب فريجة وبرتراند رسل وكذلك نقده لوجهات نظره المبكرة (أي وجهات نظر فيتجنشتاين المبكرة) . كما درس فيه البرهان الرياضي وبصورة خاصة البراهين الإستقرائية والبراهين التي تُعرف ببراهين الإعادة أو التكرار (بالإنكليزية ريكرسيف) . وكانت دراسته لهذا النوع من البراهين في هذا الكتاب بصورة عميقة وتميزت بالكثير من التفاصيل مما درسه سابقاً [357]

إحدى عشر – ملاحظات حول اللون (أو ملاحظات حول نظرية غوتة في الألوان) [358].

إثنتا عشر – حول اليقينية [359].

ثلاثة عشر – محاضرات ومحادثات حول الجمال ، علم النفس والعقيدة الدينية [360].

أربعة عشر – لودفيغ فيتجنشتاين وحلقة فينا : أحاديث [361].

خمسة عشر – رسائل من فيتجنشتاين (مع ميموار) وتألف من سبع وخمسين صفحة [362].

ستة عشر – محاضرات فيتجنشتاين حول أسس الرياضيات : كيمبريدج سنة 1939[363] .  

سبعة عشر – الثقافة والقيمة . وهو في الأصل مجموعة ملاحظات شخصية ، كتبها فيتجنشتاين حول قضايا ثقافية مختلفة ، ومنها ما يخص القضايا الدينية والموسيقية . كما وفيها نقد لفلسفة الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد (1813 – 1855) [364].

ثمانية عشر – مُحادثات مع فيتجنشتاين وتألفت من ثمانية وسبعين صفحة . وقام بها الطبيب النفسي (السايكايتري) والفيلسوف الفيتجنشتاينني موريس أوكونور دروري [365].

تسعة عشر – مناسبات فلسفية 1912 – 1951 [366].

عشرون – رسائل كيمبريدج وهي مجموعة مراسلات مع رسل ، كينز ، مور ، رامزي وسيرفا [367].

إحدى وعشرون – حركات الفكر : مذكرات (1930 – 1932 و 1936 – 1937)[368] .

إثنتا وعشرون – لودفيغ فيتجنشتاين وفردريك ويزمان ، أصوات فيتجنشتاين ، حلقة فينا [369].

12

الملحمة الكاملة لرائعة فيتجنشتاين : تركتاتوس

رسالة منطقية فلسفية

  وصل فيتجنشتاين بعد مشوار من البحث المُكثف إلى الشعور بأنه لا يتوافر له جواب شاف على أسئلته الفلسفية الأساسية بالرغم من كونه مُحاط بالعديد من الفلاسفة الأكاديميين الكبار . ولهذا قرر في عام 1913 الإنسحاب والعودة إلى قرية سكولدن في النرويج وإختار حياة الإعتزال والتفرغ للبحث الفلسفي فيها ، وكان يومها قد أجر الطابق الثاني من بيت معروض للسكن ، وصرف فصل الشتاء هناك . وفيما بعد رأى إن العيش في هذا البيت هو فرصة بالغة الأهمية في حياته الفكرية ، بل وكانت فترة من أكثر الفترات إنتاجاً في حياته . وبالطبع كتب في هذا البيت عمله الذي حمل عنوان ملاحظات حول المنطق والذي كون مقدمة لرائعته التي حملت عنواناً لاتينياً وهو تركتاتوس[370] وبالعربية يعني الرسالة (أو مقالة) . 

   ومن ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وشغلته فترة من الزمن وعطلت همته من أكمال هذه الرائعة المنطقية – الفلسفية . وفعلاً فقد صرف في الحرب ردحاً من الوقت حيث إنخرط  فيها متطوعاً ، وتلتها فترة إنصرف خلالها في القتال في جبهات متنوعة مثل جبهة الحدود الروسية والجبهة الإيطالية وكان حصاده الحصول على العديد من ميداليات الشجاعة ، ومن ثم أعقبتها فترة الأسر والسجن في معسكرات أسرى الحرب . وهذه قصة تحتاج إلى بحث خاص لتناولها وإن كان للأحداث التي عاشها الكثير الكثير من الأثار العميقة على شخصية الفيلسوف فيتجنشتاين والتي لم تتمكن الأيام من دمل جروحها النازفة وعلى الخصوص جروحها النفسية التي ظلت تنزف على الدوام . ولعل الطرف المهم من هذه القصة هو إن فيتجنشتاين قد حصل في صيف عام 1918 على إجازة وذهب للعيش مع عائلته في فينا . والحقيقة إن فيتجنشتاين عاش مع عائلته في واحد من بيوت أل فيتجنشتاين الصيفية في منطقة نيوليدك . ووصل إلى هناك في آب (أوغسطس) سنة 1918 . وإنكب على كتابة رائعته التي حملت عنوان تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس أو رسالة منطقية – فلسفية . ومن ثم أكملها هناك وهذا الكتاب هو الوحيد الني نشره فيتجنشتاين في حياته (إضافة إلى قاموس صغير للإطفال)[371] .

  ولاحظنا إن هدف كتاب تركتاتوس المُعلن كان وراء إشكال ميثديولوجي لازم هذه الرائعة ومنذ أن نشرها فيتجنشتاين بالألمانية أولاً ومن ثم إن هذا الإشكال إنتقل مع ترجمتها إلى الإنكليزية ثانياً . ولعل السبب وراء هذا الإشكال المنهجي ، هو إن الفيلسوف الشاب فيتجنشتاين يومها ، أي في الفترة المبكرة من تأليف الكتاب ، قد صاغ له هدف واسع وعريض بحيث لا يتناغم هارمونياً وإمكانية وطبيعة وحدود المعرفة العلمية أو لنقل المعرفة الإنسانية . ومن المعلوم لدينا إن فيتجنشاين إختلف مع أعضاء حلقة فينا حول حدود المعرفة العلمية وتطلع إلى أن يكون صاحب رؤيا تقترب من رؤيا الأنبياء والعرافين كما بين رودلف كرناب وهذا أمر مُجير على فيتجنشتاين [372]. وذلك لإن فيتجنشتاين تطلع فيه إلى معرفة وإستكشاف العلاقة بين اللغة والحقيقة وذلك لبيان حدود وإمكانيات العلم . وهنا نحسب من الضروري أن نشير إلى إن فيلسوف اللغة البريطاني جورج أدورد مور (1873 – 1958) والذي كان بمقام أستاذ فيتجنشتاين (حيث كان واحد من الممتحنين لأطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه ) هو الذي إقترح أصلاً عنواناً لاتينياً وهو تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس وقد إستلهمه الفيلسوف مور من رائعة الفيلسوف باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) والذي حمل عنوان تركتاتوس ثيولوجيكو – بولتيكيوس  [373].

   كما ورأينا إن تاريخ إهتمام فيتجنشتاين بتأليف كتابه تركتاتوس يصعد إلى الفترة التي كتب فيها ملاحظاته الأولى حول تركتاتوس . ويومها كان فيتجنشتاين جندياً في قوات الجيش النمساوي والتي كانت تخوض معارك عنيفة في الحرب العالمية الأولى .  وبعد الإنتهاء من كتابته سلمها فيتجنشتاين إلى دار نشر يهودا وسيكل وكانت يومها تحمل عنواناً مُختلفاً وطويلاً إلى حد ما وجاء بالصيغة الآتية : ” القضية ، الجملة ، العبارة ، المجموعة [374].

  وبعد فترة أبلغت دار نشر ” يهودا وسيكل ” فيتجنشتاين ، وبالتحديد في 25 إكتوبر بقرارهما الذي ينص ” على عدم حصول موافقة خبراء دار نشر يهودا وسيكل على نشر كتاب تركتاتوس ” . وكانت النتيجة الخيبة من ثم عودة فيتجنشتاين إلى الجيش في الحامية الإيطالية . وتلاها خيبة أعمق وهي هزيمة الجيش النمساوي والتي كان من نتائجها السلبية إعتقال فيتجنشتاين من قبل قوات التحالف وأخذه أسير حرب فصرف ثمانية أشهر في معسكر إعتقال أسرى الحرب . وبعد إطلاق سراحه من الأسر تنقل في العمل في وظائف متنوعة . وفي ظل هذه الأجواء النفسية الصعبة إتخذ قراراً بتوزيع كل ممتلكاته التي ورثها من والده . وفعلاً فقد قام في البداية بتوزيع بعض المساعدات المالية على عدد من الأفراد المجهولين . ومن ثم وزع أمولاً على الفنانيين والكتاب النمساويين من بينهم كل من الروائي والشاعر البوهيمي – النمساوي راينر ماريا ريلكه (1875 – 1926) [375]، والشاعر النمساوي (المأسوف على شبابه) جورج تراكل (1887 – 1914) [376]. ومن ثم قسم كل ماورث من أموال (وبالطبع كانت كبيرة وأرجو أن لا تنسى بأن لودفيغ فيتجنشتاين كان يومها يُعد واحد من أكبر أثرياء أوربا) على إخوته وأخواته وإستثنى منها إخته مارجريت وألح على حرمانها وعدم مشاركتها في الإشراف على إدارة ممتلكاته بعد موته . وبالرغم من إن عائلته قد لاحظت إن ولدها لودفيغ فيتجنشتاين كان مريضاً فإنها رضخت لإرادته وقبلت وصيته دون مناقشة أو تحفظ [377].

  وإختار فيتجنشتاين حياة العزلة وفضل حياة العيش في الريف النمساوي . وخلال هذه الفترة طُبع كتابه رسالة منطقيةفلسفية . ولاحظنا إن طبعته الأولى كانت بالطبع بالألمانية وكان ذلك في عام 1921 . والحقيقة إن هذه النشرة طُبعت في مجلة عالم الكيمياء الروسي – الألماني ويلهلم أوسترالد (1853 – 1932) [378]. وكان الحاصل من هذه النشرة ، هو إن فيتجنشتاين عاش حياة خيبة وكآبة والسبب هو إنه لم يكن مُبتهجاً وسعيداً بهذه النشرة . وفعلاً فقد أطلق عليها عنواناً دالاً على خيبة أمله وخصوصاً من دور النشر ، فأسماها ” طبعة القراصنة ” . ومن ثم جاءت صور من الإنفراج الموقت وذلك حين وافق الفيلسوف برتراند رسل على كتابة مدخلاً لها وذلك ليُبين فيه أهمية الكتاب . وهذا هو التبرير الوحيد المقبول على إعادة نشرها من جديد . كما وإن هذا المدخل ساهم في حل مشكلة عدم الفهم الذي يلُفها من طرف . والطرف الثاني هو إن الكاتب فيتجنشتاين إسم غير معروف في عالم الفلسفة (يومذاك) [379].

   ولم ينفع هذا الإنفراج الموقت والذي تمثل بقبول برتراند رسل بكتابة مدخل لرائعته تركتاتوس ، بل تحول هذا المدخل إلى كابوس يُلاحق فيتجنشاين ليل نهار . والذي حدث هو إن الفيلسوف الأستاذ برتراند رسل قال في المدخل الذي كتبه لهذه النشرة ما لا يُرضي تلميذه لودفيغ فيتجنشتاين ، فكان الحاصل من ذلك رد نقدي متوتر وغاضب من التلميذ فيتجنشتاين على الأستاذ رسل . والسبب إن فيتجنشتاين لم يكن سعيداً من المساعدة التي قدمها برتراند رسل في كتابة المدخل إلى رائعة تركتاتوس . ومن ثم أخذت تتصاعد درجات غضب فيتجنشتاين حتى وصلت إلى حد ” إنه فقد إيمانه بالفيلسوف رسل ، ووجد إنه كان سطحياً ، وإن فلسفته ميكانيكية . وإنه أصلاً لم يفهم كتاب رسالة منطقية فلسفية [380].

   وتلت رواية النشرة الألمانية لكتاب تركتاتوس ، سيناريو النشرة الإنكليزية لرائعة فيتجنشتاين والتي حملت عنوان تركتاتوس أو رسالة منطقية فلسفية . وفعلاً فقد قام بالتحضير لها كل من الفيلسوف وعالم الرياضيات الإنكليزي فرانك رامزي (1903 – 1930) والذي كان يومها ” يافعاً في عمر السادسة عشرة أو السابعة عشرة ” [381]والتي جاءت في الأصل بتكليف من قبل الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا الإنكليزي تشارلز غي أوغدن (1889 – 1957) [382]والذي ساعد بدوره في الترجمة لكتاب تركتاتوس وبالطبع إن الترجمة كانت من الألمانية إلى الإنكليزية . والحقيقة إن العنوان تركتاتوس أي العنوان اللاتيني كان عنواناً فيه إشتراك كما قلنا مع عنوان الفيلسوف إسبينوزا الأصلي تركتاتوس ثيولوجيكا بوليتوكس باللاتينية وبالعربية رسالة لاهوتية سياسية [383].

  وفي البداية واجهت نشرة النسخة الإنكليزية لكتاب رسالة منطقية فلسفية ، صعوبات في إيجاد الناشر المناسب وذلك بسبب إلحاح فيتجنشتاين على نشر الكتاب دون المدخل الذي كتبه برتراند رسل بسبب إن المدخل إلى النشرة الألمانية الذي كتبه رسل لم يُرضي تطلعات فيتجنشتاين . ولهذا السبب لاحظنا مثلاً إن مطبعة جامعة كيمبريدج قد إعتذرت من نشره . وأخيراً وبالتحديد في عام 1922 تم الوصول إلى إتفاق مع فيتجنشتاين ودار نشر بول كاغان وبشرط أن تقوم دار بول كاغان بنشره بطبعة ثنائية (ألمانية – إنكليزية) ومع المدخل الذي كتبه برتراند رسل والترجمة الإنكليزية التي قام بها رامزي أوغدن [384].

  وبعد هذا الإتفاق أيد فيتجنشتاين هذه الترجمة بالرغم من إن هناك إشكالاً لازال يلفها ومن زوايا عديدة منها إن إنكليزية فيتجنشتاين ” كانت فقيرة يومذاك ” . وإن المترجم رامزي كان شاباً صغيراً (في عمر المراهقة) وكان قد تعلم الألمانية حديثاً . ولهذه الأسباب فإنه بعد نشرها ظل الفلاسفة والأكاديميون منهم على وجه الخصوص يُفضلون عليها لاحقاً وكذلك ينصحون طلابهم على تداول ترجمة سنة 1961 والتي أنجزها كل من ديفيد بيرز (1921 – 2009) [385]وبراين ماكغيوننيس (1927 – ) [386] والتي جاءت بعد ترجمة رامزي – أوغدن بتسع وثلاثين سنة . كما إن رامزي وهو المترجم الرئيس قد مات قبل إثنتين وثلاثين سنة وإن فيتجنشتاين هو الأخر قد مرت على وفاته أكثر من عشر سنوات (وكذلك لم نسمع شيئاً حول الترجمة الجديدة وبالتخصيص من قبل إيليزابيث إنسكومب وريش رايس وهم وكلاء فيتجنشاين الشرعيون على نشر تراثه) . ونحسب إن هذا الصمت لم يشتغل لفترة من الزمن لصالح نشرة رامزي – أوغدن كما وفيها نوعاً من التبرير والقبول لترجمة ديفيد بيرز وبراين ماكغيوننيس .

   إلا إننا لاحظنا إن هناك عدداً من الأكاديميين الغربيين لم يقتنعوا بالمبرر الذي حمل كل من ديفيد بيرز وبراين ماكغيوننيس على إعادة ترجمة رسالة منطقية – فلسفية من جديد . ولعل الشاهد على ذلك البحث الذي كتبه جون نيلسون والذي جاء بعنوان ” هل إن ترجمة ماكغيوننيس وبيرز لتركتاتوس فيتجنشتاين (أي رسالة منطقية – فلسفية) هي حقيقة كانت الأعلى من ترجمة أوغدن ورامزي ؟ [387]. وللقارئ العربي نبين الحقائق التي لفت نشر وترجمة رائعة فيتجنشتاين التي حملت عنوان رسالة منطقية – فلسفية :

1 – نشرها لودفيغ فيتجنشتاين أولاً بالألمانية سنة 1921 .

2 – ظهرت نشرة ترجمة رامزي – أوغدن سنة 1922 .

3 – بعد تسع وثلاثين سنة ظهرت نشرة ترجمة بيرز وماكغيوننيس سنة 1961 .

4 – ومن ثم بعد ثمانية وثمانين سنة أعادت جامعة ماسشيوست نشر النصوص الثالثة جنباً إلى جنب في 4 سبتمبر سنة 2010 . وهي مثابرة أكاديمية علمية عادلة توزعت فيها الحقوق للجميع وفيها بالطبع إنتصار وإنصاف إلى الترجمة الأنكليزية الأولى والتي قام بها بصورة رئيسية (مُتفردة) الفيلسوف الشاب فرانك رامزي .

  إن هدف تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) هو الكشف عن العلاقة بين اللغة والعالم . و” ماذا يمكن القول حول هذه العلاقة ؟ ” ، ” وماذا في الإمكان أن نكشف ونبين ؟ ” . وجادل فيتجينشتاين وذهب إلى ” إن اللغة تتألف من تراكيب منطقية ” . و” هذه التراكيب هي الحدود التي تُساعدنا على تحديد المعنى ” . ولهذا فإن ” حدود اللغة ” حسب رؤية فيتجنشتاين ، هي ” حدود الفلسفة ” . ولاحظ فيتجنشتاين ” إن الكثير من محاولات الفلسفة هي مجرد مثابرات تهدف إلى حملنا على قول ما لايمكن قوله ” . والسؤال الأساس من منظور فيتجنشتاين ؛ ” ماذا نستطيع أن نقول ؟ (بالطبع الجواب) هو ما نقوله بصورة واضحة ” . ويُجادل فيتجنشتاين ويذهب إلى إن كل شئ بعد ذلك ، هو تحديد ما له علاقة ” بالدين ، الأخلاق ، علم الجمال ، التصوف ، وهي بالطبع مجالات ليس في الإمكان مُناقشتها ” . وهي حقول بحد ذاتها ” فارغة من المعنى ” أو كما قال فيتجنشتاين صراحة : إنها ” هراء .. هراء ” أو ” مجرد كلام الحمقى ” . وإن ” كل قضية تدور حول هذه الحقول يجب أن تكون هكذا[388].

  والحقيقة إن قارئ كتاب فيتجنشتاين يلحظ بوضوح إن فيتجنشتاين تحدث في مقدمة كتاب تركتاتوس عن مهمة كتابه وذهب إلى إن هذا الكتاب يرسم بصراحة ” حدوداً للتفكير ” أو  كما عقب صراحة وقال إن من الأفضل هو ” أن لا تُفكر ” . وبدلاً من ذلك فإن الطريق المفتوح أمامنا ، هو ” التعبير عن الأفكار ” . وإن رسم الحدود للتفكير يستلزم أن يكون على وجهين من هذه الحدود  ؛ الأول ” هو أن نكون قادرين على التفكير ” . والثاني هو ” إن ليس لدينا قدرة على التفكير إطلاقاً[389]

  تألف كتاب رسالة منطقية – فلسفية من خمس وسبعين صفحة فقط . وفيه إعتذار أو ما يشبه الإعتذار حيث يقول فيتجنشتاين عنه ” أنا أسف بصورة فظيعة (هكذا كتب فيتجنشتاين) على ضغط الكتاب بهذه الصورة ، وإذا شأت وعصرتني مثل الليمون ، فسوف لا تحصل على شئ أكثر من ذلك ” . وفعلاً فقد أخبر فيتجنشتاين عالم اللنكوستيكا البريطاني تشارلز غي أوغدن بطريقته في تأليف كتاب تركتاتوس وعرض له سبعة قضايا (1 – 7) وهي (1 ، 1.1 ، 11 .1 .. وبالصورة التي جاءت في النص الذي كتبه فيتجنشتاين بيراعه .) [390] :

1 – العالم هو كل شئ . وهذه هي الحالة [391].

2 – ما هي الحالة ، الحقيقة ، وهي وجود الحقائق الذرية .

3 – الصورة المنطقية للحقائق ، هي الفكرة (أو الفكر) .

4 – الفكر (أو الفكرة) هي القضية (ذات الدلالة) .

5 – القضايا هي دالات الصدق ، وهي قضايا أولية .

6 – الصورة العامة لدالة الصدق هي

                                                                                        P, E, N (E)] .

7 – عندما لا نستطيع أن نتكلم ، فيجب أن نلتزم الصمت

    تداولت النشرات الإنكليزية التي إعتنت بالكتابة عن الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين هذا الفورم الإنكليزي (أي الصيغة المنطقية) للتعبير عن الدالة المنطقية (دالة الصدق) وحاولنا من طرفنا (أي الدكتور محمد الفرحان) أن نقدم رسماً تقريبياً لدالة الصدق ” . إلا إن هذه الصورة يعُوزها التطابق التام للرسم الإنكليزي لها (وإن آلة الطابعة المتوافرة لدينا لا تُساعدنا على إنجاز ذلك) . والرسم الدقيق يحتاج إلى التوضيح الآتي : وهو أن تكون الفتحة باللغة العربية  مثل ” – ” فوق كل من الحرف ” بي ” بالإنكليزية وكل من الحرف ” إي ” بالإنكليزية ، وبالطبع ستكون واحدة  من الفتحة ” – ” فوق ” إي ” مابين قوسين .

إهتمام فلاسفة الغرب برائعة فيتجنشتاين

تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية 

   تحولت تركتاتوس فيتجنشتاين إلى موضوع مناقشة طويلة وعريضة بين الفلاسفة الغربيين يومذاك (الربع الأول من القرن العشرين) . وكان الحاصل من ذلك تزايد الإهتمام برسالة منطقية – فلسفية وبالطبع تصاعدت معها درجات شيوع سمعة فيتجنشتاين في مضمار الفلسفة ومن ثم شهرته عالمياً . وبالمناسبة إن هذه المناقشات إمتدت فشملت مجموعة من الفلاسفة والعلماء عامة وعلماء الرياضيات خاصة . وهذه المجموعة كونت تجمعاً فلسفية في مدينة فينا النمساوية وعُرفت في تاريخ الفلسفة الغربية بحلقة فينا [392]. وكرست حلقة فينا حينها مناقشات خاصة لكتاب فيتجنشتاين تركتاتوس أو رسالة منطقية فلسفية . وعلى هذا الأساس تحولت هذه الرائعة إلى موضوع إلهام فلسفي ولهذا السبب إحتضنها فلاسفة حلقة فينا وتم تقديم قراءات خاصة لها في جلساتهم [393].

   ونحسب من النافع أن نشير هنا إلى الدور الذي لعبه الفيلسوف الشاب فرانك رامزي في الترويج لرائعة فيتجنشتاين ، فبالرغم من إن فرانك رامزي كان واحد من المترجمين لرائعة فيتجنشتاين تركتاتوس من الألمانية إلى الإنكليزية . إلا إن علاقته بفجتشتاين لم تقف عند ذلك ، فقد كان رامزي يتطلع إلى التأثير على فيتجنشتاين وحمله على العودة إلى جامعة كيمبريدج . ولهذا الهدف قام رامزي بزيارة فيتجنشتاين (وكان حينها في فينا) في 17 سبتمبر سنة 1923 .  ولكن الزيارة هذه المرة جاءت لأمر أخر له علاقة بكتاب تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) . وفعلاً فقد ناقش رامزي وفيتجنشتاين كتاب تركتاتوس وإتفقا على أن يقوم رامزي بكتابة مراجعة له في مجلة العقل [394].

    ومع تصاعد الإهتمام برائعة فيتجنشتاين تركتاتوس وخصوصاً بعد إهتمام حلقة فينا وتكريس قراءات عنها في إجتماعاتها ، فقد لاحظنا إنه صاحب قراءات حلقة فينا لكتاب فيتجنشتاين ، إعتقاد شعبي عام فيه تأكيد على إن فيتجنشتاين كان عضواً من أعضاء حلقة فينا . وهذا الأمر في الحقيقة لا يُعبر عن واقع الحال وهو موقف يعوزه الكثير من الصدق حيث إن فيتجنشتاين لم يكن عضواً من أعضاء حلقة فينا وإنما كان يحضر بعض نشاطاتها . كما ومن الصحيح إن كتابه تركتاتوس كان موضوع نقاشاتها وجلساتها. إلا إن هذا لايعني على الإطلاق إنه كان عضوا فيها . وإن إهتمام حلقة فينا بكتابه تركتاتوس وتركيزها عليه وتخصيص قراءات عنه ليس بدليل قاطع على إن فيتجنشتاين كان عضوا من أعضاءها العاملين . بل كل ما في الأمر إنه كان مجرد إهتمام من قبل حلقة فينا بهذه الرائعة والتي كانت بالنسبة لهم موضوع إلهام وحسب .

  ولعل الشهادة الحقيقية عن هذه القضية هو ما كتبه الفيلسوف الألماني إسوالد هانفلك (1926 – 2005) (وهو أستاذ الفلسفة في الجامعة المفتوحة في بريطانيا منذ 1970 وحتى وفاته عام 2005 [395]) والذي قال فيها بصراحة عن حقيقة عضوية فيتجنشتاين بحلقة فينا وعلاقته بها ، فأفاد : ” إن فيتجنشتاين لم يكن على الإطلاق عضواً من أعضاء الحلقة . وإن كان في فينا خلال فترة نشاطاتها  . ولكن الصحيح هو إنه كان لفيتجنشتاين تأثير على تفكير حلقة فينا ، وكان تأثيره على الأقل مثل تأثير كل عضو من أعضاءها [396]. وفعلاً فمنذ عام 1926 كانت لفيتجنشتاين مشاركات مع أعضاء حلقة فينا في المناقشات . وظهر من خلال هذه المناقشات ، دليل واضح على إن فيتجينشتاين يؤمن بإتجاهات مختلفة نحو الفلسفة من إتجاهاتهم ، وهم الذين إستلهموا عمله الذي حمل عنوان تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) . والشاهد على ذلك ، إنه خلال إجتماعات حلقة فينا ، فإن فيتجنشتاين عبر عن عدم الإتفاق مع جماعة فينا وخصوصاً فيما أسماه فيتجنشتاين ” سوء قراءتهم لعمله ” . وكان الحاصل من عدم الأتفاق ، هو إن فيتجنشتاين ” أدار كرسيه بحيث كان وجهه نحو الجدار وظهره إليهم ومن ثم بدأ يقرأ مقاطع شعرية للشاعر الهندي روبندرونات طاغور (1861 – 1941) بصوت جهوري عال ” (وهذا دليل على إن فيتجنشتاين تجاهلهم بطريقة كوميدية فيها الكثير من الدلالات العدائية المعلنة لهم ومن ثم الخلاف والتقاطع معهم) .

   ومن ثم جاءت الفصول الأخيرة لعلاقة فيتجنشتاين بأعضاء حلقة فينا ، فقرر فيتجنشتاين  قطع علاقته بهم وإزالة كل جسور الإتصال ما بينه وبينهم . ولم يلتقي بأعضاء حلقة فينا بصورة منتظمة كما كان في السابق [397]. إلا إنه لفترة قصيرة جداً ظل على إتصال ببعض منهم وخصوصاً بكل من موريتس شيليك ، رودلف كرناب (1891 – 1970) وفردريك وايزمان . ومن ثم لاحظنا إنه قام بقطع علاقته حتى بهذه الجماعة الصغيرة من أعضاء حلقة فينا ، وخصوصاً بعد إن إتهم فيتجنشتاين رودلف كرناب بأنه تداول بعض من أفكاره دون أن يطلب من فيتجنشتاين السماح له بتداولها [398]. ومسكُ الكلام إشارة إلى إن كتاب فيتجنشتاين تركتاتوس كان مصدر إلهام لعالم السيمانطيقا الأمريكي – البولندي ألفريد كروزبسكي (1879 – 1950) والذي إعترف صراحة بأنه كان موضوع إلهام ومصدر وحي فكري له وخصوصاً أثناء تأليف كتابه – الرائعة والذي حمل عنوان العلم والصحة العقلية : مدخل إلى الأنظمة اللا أرسطية والسيمانطيقا العامة [399].

    وفي الختام نحسبُ إنه من النافع العودة إلى الفيلسوف وعالم السنتاكس الألماني – الأمريكي رودلف كرناب والذي يُعد قطباً كبيراً من أقطاب حلقة فينا ومدافع متحمس عن الوضعية المنطقية [400]. وبالتحديد نعود إلى سيرته الذاتية والتي فيها يصف فيتجنشتاين ” بأنه مفكر كبير وملهم عظيم ” . ومن ثم علق كرناب وفصل أكثر في نقاط الإختلاف بين فيتجنشتاين وموريتس شيلك ورودلف كرناب وأعضاء حلقة فينا ، فقال بصراحة ” إن هناك ما يُدهشنا بشكل مُثير ، هو الإختلاف بين إتجاه فيتجنشتاين نحو المشكلات الفلسفية وبين إتجاه موريتس شيلك (مؤسس حلقة فينا) وموقفي (أي موقف رودلف كرناب) . الحقيقة إن موقفنا تجاه المشكلات الفلسفية ليس بمختلف عن مواقف العلماء نحو مشكلاتهم ” . أما بالنسبة إلى فيتجنشتاين :

   ” فإن وجهة نظره ، وإتجاهاته نحو الناس والمشكلات ، بل وحتى المشكلات النظرية ، فإنها تشبه كثيراً مواقف الفنانين المبدعين منه من مواقف العلماء . وهذا يحمل المرء على القول على الأغلب ، إن موقفه كان يشبه إلى حد ما مواقف الأنبياء والعرافة . كما وإن فيتجنشتاين صرف من الوقت الكثير وبذل من الجهد الشاق ، فجاءت إجاباته على صورة عبارات بينات شاخصة أمامنا ، وكأنها قطعة من الفن الخلاق الجديد أو الوحي الإلهي … وإن الإنطباع الذي تركه فينا ، هو ما يشبه البصيرة التي نزلت إليه من خلال الإلهام الإلهي . ولذلك فهو لا يُساعدنا على الشعور بتوافر أي شرح عقلاني رصين له أو إن كل تحليل له سيكون فيه نوع من التدنيس [401]

  وأخيراً فإن فيتجنشتاين ورائعته تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس جذبت إهتمام السينما والمخرجين السينمائيين . فمثلاً في عام 1992 عمل المخرج الهنغاري بيتر فوركج (ولد سنة 1950) فيلماً سينمائياً قصيراً بعنوان تركتاتوس فيتجنشتاين وفيه صور مقاطع من هذه الرائعة الفلسفية المعاصرة ، وخلال ذلك نشر نوع من الإشعاع على مؤلفات فيتجنشتاين الأخرى . وتألف هذا الفليم من سبع حلقات صغيرة عرضت كل واحدة منها قضية من القضايا السبعة المشهورة التي عالجها فيتجنشتاين في كتابه تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية [402]. ومن هذا الطرف ساهمت السينما بالترويج الجماهيري عن الفيلسوف فيتجنشتاين وتثقيف المشاهد بموضوعات منطقية – فلسفية والتي درسها في رائعته الفلسفية تركتاتوس لوجيكو – فيلوسوفيكوس والتي تُعد كما قلنا واحدة من الروائع الفلسفية في القرن العشرين  .

13

الأوجه المتنوعة لرواية مناظرة فيتجنشتاين والفيلسوف كارل بوبر

  صحيح جداً إن الفيلسوف فيتجنشتاين إلتقى في جامعة كيمبريدج بالفيلسوف الشاب كارل بوبر والقادم إلى كيمبريدج لألقاء محاضرة في عام 1946 وكان رئيس الجلسة فيتجنشتاين وكان من بين الحضور والشاهد على تفاصيل ما حدث شيخ الفلاسفة برتراند رسل وحشد كبير من طلاب فيتجنشتاين الذين سيحتجون بغضب ويتظاهرون ضد مانشره كارل بوبر في ميمواره الذي كون زوبعة عارمة يومذاك وعاش أطرافها عدد من الفلاسفة الفيتجنشتاينيون ومنهم على سبيل المثال أستاذنا البريطاني في جامعة ليدز وعالم المنطق الكبير بيتر كيج والذي قاد يومذاك الإعتراضات الغاضبة (سواء في الأعلام أو التظاهر) على الفيلسوف كارل بوبر .  

   ولنبدأ بحكاية السؤال الذي أثاره كل من جون إيدانو وديفيد إديمونز في كتابهما المشترك والذي ركز على المناظرة التي حدثت بين الفيلسوفين كل من الفيلسوف الكبير فيتجنشتاين والفيلسوف الشاب (يومذاك) كارل بوبر . وكان السؤال ؛ متى قابل لودفيغ فيتجنشتاين كارل بوبر ؟ بالطبع هذا سؤال يتكون من سؤالين أثارهما الباحثان جون إيدانو وديفيد إيدمونز . أما السؤال الثاني فقد جاء بالصيغة الآتية : هل فعلاً هدد الفيلسوف المعلم فيتجنشتاين (وهو الأكبر بثلاثة عشرة سنة) الفيلسوف الشاب بوبر (يوم المناظرة) ببطاقة البوكر الحمراء الساخنة في جامعة كيمبريدج (وبالتحديد قبل ما يُقارب السبعين سنة مضت) ؟ والتي وصفها الباحثان كل من إيدانو وإيدمونز ” بأنها حقيقة ” وكانت ” نقطة تحول وخط فاصل في فلسفة القرن العشرين ” . ومن ثم تعاون الإثنان أي إيدانو وإيدمونز في كتابهما المشترك والذي يدور حول حكاية بوكر فيتجنشتاين ، والذي حمل عنوان : بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة (المناظرة) لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة [403]. وكان حاصل هذه المحاججة ، مواجهة فكرية عنيفة بين الفيلسوف الكبير فيتجنشتاين والفيلسوف الشاب كارل بوبر .

   ولعل من الإنصاف أن نُعرف بالفيلسوف كارل بوبر بعد إن فصل بحثنا الحالي بصورة وافية بالفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . ولد الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل ريموند بوبر (1902 – 1994) في 28 تموز في مدينة فينا (النمسا) مثله مثل فيتجنشتاين . ولاحظنا إن هناك نقاط تشابه في حياة الفيلسوفين فمثلاً إن كلا الفيلسوفيين ينتميان إلى عائلتين يهوديتين وإن عائلتهيما تخليتا عن عقيدتهما اليهودية وتحولا إلى المسيحية ؛ إلا إن عائلة فيتجنشتاين إعتنقت الكاثوليكية قبل ولادته وتم تعميده على الطريقة الكاثوليكية ، أما  عائلة كارل بوبر فقد إعتنقت قبل ولادته اللوثرية [404].  كما سيُلاحظ القارئ إضافة إلى ذلك فإن هناك إختلاف في التكوين الفلسفي بين الفيلسوفين إضافة إلى حضور الماركسية المبكر في تفكير وحياة كارل بوبر ومن ثم تنكره لها وقطعه لكل علاقة بها لاحقاً . ويبدو إن هذه الرواية يدعمها ويُفسرها منطق التحولات التي حدثت في حياة كارل بوبر والتي نقلته إلى منازل عاجية عالية حيث أصبح من ” علية القوم ” وذلك خلال حصوله على لقب ” السير كارل بوبر ” .

    ويبدو إنه بعد المناظرة التي جرت بين بوبر وبين فيتجنشتاين والذي لايشكُ أحد على الأطلاق في  إن عائلة فيتجنشتاين كانت ثاني أغنى عائلة في العالم بالطبع بعد عائلة روتشيلد ، إن أخذ كارل بوبر يتحدث كثيراً (ويكتب كثيراً) بأنه جاء من عائلة من ” أعالي الطبقة الوسطى ” . وأرجو أن لا ينسى القارئ ذكاء وعبقرية فيتجنشتاين المتفردة في كل حسابات الإختلاف والتنوع والإنتاج الفلسفي والمنطقي مع تعادل فيتجنشتاين في الإهتمام في الرياضيات وفلسفة العلم وعودة كارل بوبر إلى الإستقرائية الكلاسيكية تقويماً ونقداً [405]. وتحول بوبر إلى مبدأ التكذيب التجريبي[406] بدلاً من معيار الصدق الذي إعتاد علماء المنطق على تداوله . بينما تفرد فيتجنشتاين بالإستدلالية والمنطق الرياضي . ويتشابه الفيلسوفان في إنهما كتابا إطروحتهما للدكتوراه بالإلمانية ومن ثم تحولا إلى العالم الإنكلوسكسوني وتمكنا من اللغة الإنكليزية وأخذا يُدرسان و يكتبان بها وكان فيتجنشتاين بروفسوراً في الفلسفة في جامعة كيمبريدج وعمل بوبر بروفسوراً في الفلسفة لاحقاً وبعد مغادرته فينا مُجبراً بعد صعود النازية . وهنا نسجل ملاحظتنا على الفارق الكبير في التكوين والتدريب الفلسفي بين الأثنين . فمثلاً إن البروفسور كارل بوبر كتب إطروحته للدكتوراه في علم النفس (وليس في الفلسفة) فقد كانت بعنوان سؤال المنهج في علم النفس المعرفي . بينما كتب لودفيغ فيتجنشتاين إطروحته للدكتوراه بعنوان  رسالة منطقية فلسفية وتحت إشراف الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ولهذا السبب ظل بوبر يسبح في شواطئ الفلسفة ومن ثم ثابر بجد على القيام بمحاولات فلسفية فيها إختبار للسباحة في فضاءات الفلسفة العميقة .ونحسبُ إن الشهادة الوحيدة على ذلك تُقدمها كتابات فيلسوف العلم النمساوي – البريطاني كارل بوبر الفلسفية المتنوعة …

   ولد السير كارل ريموند بوبر في فينا يوم كانت النمسا جزء من الإمبراطورية النمساوية الهنغارية . وكان كلا والديه على الديانة اليهودية . إلا إن عائلته تحولت في عقيدتها الدينية إلى اللوثرية (مسيحية – بروتستانتية)[407] قبل أن يولد الطفل كارل بوبر [408]. ومن ثم أكملت له عائلته مراسيم التعميد على المذهب اللوثري[409]. وكان هذا جزء من عملية الإندماج الثقافي وليس هو شكل من أشكال التعصب الديني [410].

   وكان والد الطفل كارل يعمل محامياً وإسمه الكامل سيمون سايموند كارل بوبر ، وفي الأصل جاء سيمون من بوهيميا (بولندا) ومن ثم حصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة فينا . أما والدة الطفل كارل فهي السيدة جيني شيف وإصولها القومية تعود إلى سليشين أو سليشيا (قومية تنتشر في ألمانيا ، بولندا والجيك وسلوفاكيا ..) وأجدادها هنغاريون . وبعد إن أسس الوالد سيمون والوالدة جيني الركائز الأساسية لحياتهما العائلية والمهنية ، بدأوا في الصعود وترقية مكانتهم الإجتماعية في فينا . فمثلاً الوالد سيمون أصبح شريكاً في أكبر مؤسسة قانونية والتي كان يديرها شريكه رجل القانون المعروف هير غرابيل ، وبعد موت هير غرابيل سنة 1898 إشترى ملكية الشركة كاملة سيمون بوبر . ولاحظنا إن المصادر التي تحدثت عن كل من هير غرابيل وسيمون بوبر قد خلطت في إسمهما الوسط ، فأضافت إليهما سوية إسم رايموند . ونحسب إن هناك إحتمالين ؛ الأول إن رايموند هو الإسم الوسط لرجل القانون هير غرابيل . الثاني إن تحريفاً حدث في إسم الوسط لوالد الفيلسوف كارل بوبر والذي كان سايموند فأصبح رايموند ومن ثم إنتقل هذا الإسم إلى كارل [411]. كما ولاحظنا إن ملاكي حاييم هكوهين قد أضافت رايموند إسماً أولاً لرجل القانون هير غرابيل [412].  والشاهد التاريخي على هذا التحريف في الأسماء الوسطى ، هو إن الفيلسوف كارل بوبر شارك دون وعي منه في تعزيز هذا التحريف . فمثلاً كارل في سيرته الذاتية ، أضاف خطأ الإسم الأول كارل لرجل القانون هير غرابيل [413].

   وكان كارل بوبر مثل والده مُحباً للكتب وبالمناسبة إن والده كان يقتني ما بين إثنتا عشر ألف – أربعة عشر ألف مجلداً في مكتبته الشخصية . وكانت هذه الكتب تتوزع في إهتمامات الوالد في مجالات الفلسفة والكلاسيكيات والقضايا السياسية والإجتماعية . وإن كارل ورث من والده المكتبة إضافة إلى ذوقه الثقافي وإهتمامه بالكتب . ووصف كارل فيما بعد هذا الجو الثقافي بعبارات دقيقة ، فأفاد ” إن الإهتمام بالكتب كان إسلوب حياتي ومفردة من مفردات تربيتي ” [414]

  ترك الفتى كارل بوبر المدرسة في عمر السادسة عشر ، وذهب إلى جامعة فينا وأخذ يحضر محاضرات في الرياضيات ، الفيزياء ، الفلسفة ، علم النفس وتاريخ الموسيقى وذلك بإعتباره طالباً زائراً . وفي عام 1919 أصبح مهتماً بالماركسية وتلاها حالاً إنتماؤه إلى رابطة الطلبة الإشتراكيون [415]. ومن ثم سجل عضواً فاعلاً في تنظيمات حزب العمال الديمقراطي النمساوي ويومها قد تبنى الحزب الأيديولوجيا الماركسية بصورة كاملة [416]. وبعد معركة الشوارع في هورغسا (فينا) في 15 حزيران سنة 1919 ، وخصوصاً عندما أطلقت الشرطة النار على ثمانية من رفاقه المسالمين ، خاب أمله بما رأى بأم عينه ، وما أطلق عليه الوهم العلمي للمادية التاريخية لماركس . فجاء قراره بالتخلي عن أيديولوجيتها . إلا إنه ظل مدافعاً عن الليبرالية الإشتراكية طول حياته .

   وعمل كارل بوبر في بناء الشوارع لفترة قصيرة من الزمن . إلا إنه لم يتمكن من التكيف مع هذا النمط من العمل الصعب ، فكان قراره بالعود إلى صفوف جامعة فينا طالباً زائراً ، ومن ثم بدأ التدريب على العمل صانع مكاتب منضدية . وفي هذا الوقت كان يُفكر في إنجاز مشروعه الحالم والذي يتمثل بفتح مؤسسة لرعاية الأطفال وكان يُفكر يومها بأن هذا المشروع قد ينتفع من تفكيره في صناعة المكاتب والأثاث . وبعد ذلك تحول صوب ضفاف مهنية أخرى . وفعلاً بدأ العمل متطوعاً في الخدمة في واحدة من عيادات الأطفال للطبيب والسايكولوجي النمساوي ألفرد أدلر (1870 – 1937) [417]. وفي عام 1922 حاول كارل بوبر أن يعدُ نفسه إلى إمتحان خارجي للحصول على شهادة الثانوية ، وهو بالطبع مسار تربوي ثان للتعليم . وأخيرأ تمكن من الإلتحاق بجامعة فينا طالباً إعتيادياً . وأكمل في العام 1924 الإمتحان والمتطلبات الأكاديمية وذلك ليكون معلماً في المدرسة الإبتدائية .

  وخلال هذه الفترة باشر العمل في نادي الرعاية بعد أوقات المدرسة ، خصوصاً في مساعدة الأطفال الذين يُعانون من ” عوق إجتماعي ” . كما ذهب في عام 1925 للعمل في معهد تربوي جديد . إلا إنه واكب على الإستمرار في جامعة فينا على دراسة الفلسفة وعلم النفس . ومن ثم تطورت علاقته الغرامية مع جوزفين أنا هينغر (1906 – 1985) وعقد خطوبته عليها والتي إنتهت فيما بعد بالزواج منها . وفي عام 1928 حصل على درجة الدكتوراه في علم النفس وكانت تحت إشراف عالم النفس واللنكوستيكا كارل لودفيغ بوهلر (1879 – 1963)[418] والتي حملت عنوان سؤال المنهج في علم النفس المعرفي [419].

  وفي عام 1929 حصل على تفويض رسمي على تدريس الرياضيات والفيزياء في المدارس المتوسطة . وفعلاً باشر التعليم وخلالها تزوج من خطيبته جوزفين وبالتحديد في سنة 1930 . وأخذت تتصاعد المخاوف من صعود النازية والتي صاحبتها بروبكاندا نازية عُرفت باللغة الألمانية إنشلوس وحرفياً تعني ضم النمسا إلى ألمانيا (والذي جاءت ترجمته في أذار سنة 1938) وبهدف تكوين ألمانيا العظمى [420]. وإستغل كارل بوبر هذه الظروف للتركيز على الكتابة والبحث ، وخصوصاً في المساءات والليالي والتي إستثمرها بصورة جدية وذلك بهدف إكمال تأليف كتابه الأول والذي كان بعنوان مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة . ويومها كان يُفكر بضرورة نشر كتاب واحد (وواحد فقط) وذلك من أجل الحصول على فرصة عمل أكاديمية في بلد يتوافر فيه الآمان لأشخاص من إصول يهودية من أمثاله . إلا إن قدر نشر هذا الكتاب الذي تألف من مجلدين ، لم يكن قدراً يحمل توقعات سارة ومن ثم لم يفتح باب الفرج إلى كارل بوبر على الإطلاق ، والسبب إن مجمل الإستجابات كانت سلبية بل ولم ترد دار نشر واحدة على نشر كتابه بحاله هذا . ويبدو إن هناك ملاحظات من الناشرين والتي إشترطت أولاً تكثيف مادة الكتاب بصورته التي قدمها للنشر أول مرة . وثانياً طالب خبراء دور النشر من كارل بوبر أن يُضيف مواد جديدة شرط النظر من جديد في إمكانية نشره . وفعلاً فقد عمل كارل بوبر كل ذلك وظهر الكتاب بعنوان جديد ، ونحن هنا نتحدث عن لغة كارل بوبر الأم وهي الألمانية ومن ثم قام كارل بوبر بإعادة كتابته باللغة ألإنكليزية فكان بعنوان منطق الإكتشاف العلمي[421] وصدر من دار نشر روتليدج سنة 1959 [422]. والحقيقة هذا عنوان مختصر . والعنوان التفصيلي هو منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث . وظهر بعنوان الترجمة العربية منطق البحث العلمي [423] . وهنا لا أقول شيئاً أو أشكك في دقة الترجمة العربية لعنوان كتاب فيلسوف العلم كارل بوبر . وإنما أترك القارئ يُقارن ويُدقق في الحقائق وهي واضحة مثل الشمس إذ هو يتحدث عن ” منطق الإكتشاف العلمي ” . ونحسب إن كارل بوبر قد ساهم بنفسه في هذا التشويش وبالتحديد بين حدود ” منطق الإكتشاف العلمي ” وبين حدود ” منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث ” . وهذه مشكلة لنجوستيكية ليست بقليلة وهي القضية التي دار حولها الجدل الغاضب بين الفيلسوفين لودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر في جامعة كيمبريدج في ” 25 إكتوبر سنة 1946 ” [424]. وهي بالطبع مشكلة فلسفية كبيرة . ولذلك نشعر (كباحث متممرس في البحث المنطقي لفترة أكثر من أربعين سنة) بأن ” منطق البحث العلمي ” العنوان العربي ليس بترجمة مرادفة وليس فيها تعادل لنجوستيكي مع عناوين كتاب كارل بوبر : ” منطق الإكتشاف العلمي ” أو ” منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث ” على الأقل من زاوية فلسفة اللغة الفيتجنشتاينية على الأقل . و نظن إنه من زاوية لنجوستيكية فيتجنشتاينية إن هناك فارقاً وليس تعادلاً بين حدود كل من ” الإكتشاف ” و ” البحث ” كذلك . وبعد إن مرت الأيام عاد كارل بوبر إلى أوراق كتابه القديم مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة ونشره بسهولة بعد إن أصبح مشهوراً وذاع صيته بلقب السيد الفيلسوف بالعربية أو السير الفيلسوف بالإنكليزية ، فصدرت له نشرة بالألمانية سنة 1979 وهو حي يُرزق وتلته ترجمة إنكليزية متأخرة بعد وفاته وبالتحديد سنة 2008 [425].

  وفي كتاب منطق الإكتشاف العلمي أو منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث والذي صدر بالإلمانية لأول مرة عام 1934 ، إنتقد فيه كارل بوبر النزعة النفسية ، الطبيعية ، الإستقرائية والوضعية المنطقية . وكان الحاصل من كل ذلك صياغة نظريته التي حملت عنوان التكذيب . ونحن نعلم إن أرسطو كان من أوائل علماء المنطق الذين فكروا في تكوين ” كراترين أو معيار للصدق والكذب ” وذلك بهدف التمييز بين ” القضية الصادقة ” و ” القضية الكاذبة ” . وهذا المعيار أطلق عليه إصطلاحاً ” معيار الصدق ” وهو معيار للتمييز بين ” الصدق والكذب ” . وبدلاً من أن يُطلق عليه للدلالة على الشمول ، تم إنتخابه ألة وأصطلح عليه ” معيار الصدق [426].

   وبالمناسبة إن حاصل مناقشة كارل بوبر للإستقرائية والوضعية المنطقية (وبالطبع النزعة السايكولوجية والطبيعية) إن وضع في الخطوط الأمامية نظريته التي عُرفت بنظرية (ونفضل تداول معيار) التكذيب ، وهي نوع من كراترين (أي مقياس = معيار) أو علم ترسيم الحدود وذلك بهدف التمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي . وتلت ذلك إنه حصل على إجازة دون راتب خلال 1935 – 1936 ورحل إلى المملكة المتحدة  للدراسة  باحثاً زائراً (وهي الرحلة التي سببت له إعتقال وصعوبات مع النظام النازي يومذاك )[427] .  والحقيقة إن وراء هذه الرحلة قصة ، حيث إن الفيلسوف الإنكليزي الفريد سيريل يوينغ (1899 – 1973)[428] كان المسؤول عن هذه الرحلة وذلك من خلال توجيهه الدعوة إلى كارل بوبر بزيارة جامعة كيمبريدج في سنة 1936 . وبالمناسبة إن الفريد سيريل يوينغ كان واحداً من النقاد البارزين إلى الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين [429].

  وفي عام 1937 حصل كارل بوبر على وظيفة أكاديمية مكنته من الهجرة إلى نيوزيلندا (أستراليا) وأصبح محاضراً في الفلسفة في الكلية الجامعية في كانتربيري (جامعة نيوزيلندا – كرايستشرش) . وهناك كتب كارل بوبر كتابه (في مضمار الفلسفة السياسية) المشهور المجتمع المفتوح وأعدائه . وفي مدينة ديندن (نيوزيلندا) قابل بروفسور الفيزيولوجيا جون كارو إيكلس (1903 – 1997) وهو مثل كارل بوبر من إصول نمساوية ومن فينا ، وأصبحا صديقان حميمان لفترة طويلة من حياتهما . وفي عام 1946 وبعد الحرب العالمية الثانية ، تحول كارل بوبر إلى بريطانيا وحصل على وظيفة باحث أكاديمي في علم المنطق والطريقة العلمية في كلية لندن للإقتصاد . وبعد ثلاث سنوات وبالتحديد في 1949 تم ترقيته إلى درجة بروفسور في علم المنطق والطريقة العلمية في جامعة لندن . وخلال الفترة 1958 – 1959 أصبح رئيس الجمعية الأرسطية [430].

   ومن ثم تقاعد عن العمل الأكاديمي سنة 1969 . إلا إنه ظل نشطاً في الحياة العقلية والبحث . وفي عام 1985 عاد إلى النمسا (بالطبع فينا) وذلك لأن زوجته كانت مريضة ، ورغبت أن تكون محاطة بأقربائها خلال الأشهر الأخيرة من حياتها . وفعلاً فقد توفيت في نوفمبر من هذه السنة . وكان كارل بوبر في هذه الفترة يتطلع للعمل مديراً لفرع الفلسفة في معهد لودفيغ بولتزمان [431]. إلا إن المعهد فشل في تعيينه ، فقرر في سنة 1986 العودة إلى المملكة المتحدة ، وأستقر في كينلي (وهي مقاطعة في جنوب لندن) [432]. وعاش فيها حتى إنطفأت حياته في 17 سبتمبر سنة 1994 وكان في الثانية والتسعين من عمره . وتنفيذاً لوصيته فقد تم نقل ” رماد رفاته ” إلى مدينة فينا ودُفن بقرب قبر زوجته جوزفين [433]. وبسبب ظروف الحرب في بواكير زواجهما فإن كل من كارل وجوزفين قرارا ” عدم إنجاب الأطفال ” . وظل بوبر مُحافظاً على وعده ، وربما قد يكون برأي البعض ” قراراً جباناً . إلا إنه بطريقة ما كان قراراً صحيحاً [434].

   هذه أشياء من سيرة فيلسوف العلم كارل بوبر الذي جاء من لندن إلى جامعة كيمبريدج ليُقدم بحثه – المحاضرة بعنوان هل توجد هناك مشكلات فلسفية ؟ [435]ويومها كان كارل بوبر ” قد عُين حديثاً مُحاضراً في علم المنطق والطريقة العلمية في كلية لندن للإقتصاد ” . وكانت مناسبة فلسفية مشهودة وذلك لأنها شهدت مواجهة فلسفية عاصفة بين الفيلسوفيين ؛ فيتجنشتاين وبوبر وبحضور شيخ الفلاسفة برتراند رسل والذي كان يومها يحمل من الإنطباعات الفلسفية الجيدة عن كلا الفيلسوفين . والحقيقة إن هذه المناسبة الفلسفية المتفردة في تاريخ الفلسفة (وخصوصاً في القرن العشرين) قد تم تغطيتها وتوثيقها بصورة عالية ومن مختلف الزوايا وخصوصاً في الكتاب المشترك الذي ألفه كل من ديفيد إديمونز وجون إيدانو والذي حمل عنوان بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة [436]. حدثت هذه المواجهة في مساء يوم الجمعة (25 إكتوبر سنة 1946 وفي نادي العلم الأخلاقي – كلية كنك التابعة إلى جامعة كيمبريدج) . وهذه المحاضرة كانت جزء من نشاطات جماعة المناقشة الإسبوعية والتي تتألف من عدد من فلاسفة وطلاب جامعة كيمبريدج . وفعلاً فإن أعضاء هذه الجماعة تجمعوا كعادتهم في كلية كنك الساعة ” الثامنة والنصف مساءً ” وفي غرف بناية غيبز – الرقم 3 [437].

   والواقع إن الكاتبين الإنكليزيين إيدانو وإديمونز قد نشرا في صحيفة الغارديان مقالاً مشتركاً قبل مقالهما في الغارديان والذي كان بعنوان (بوكر فيتجنشتاين : كتاب جائزة الغارديان ..) وبالتحديد بأكثر من سبعة أشهر وجاء بعنوان ” متى قابل لودفيغ كارل ؟ ” وفيه تساءل الكاتبان ” هل فعلاً إن لودفيغ فيتجنشتاين هدد كارل بوبر بكارت البوكر ” الحار الأحمر ” في كلية كنك ، جامعة كيمبريدج قبل خمس وخمسين سنة مضت (منا = من تاريخ نشر المقال في الغارديان) ؟ [438]” .

  ونحسبُ إن أهمية محاضرة كارل بوبر تاريخياً وفلسفياً ، هي إنها أول مناسبة في التاريخ المعاصر يشهدها ويُشارك فيها (فاعلاً وشاهداً) ثلاثة فلاسفة كبار من القرن العشرين . وبالطبع هم كل من ( برتراند رسل ولودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر) . ولعل من الحقائق التي أكد عليها كل من الكاتبين إيدانو وإديمونز :

أولاً – إن فينجنشتاين هو من ” أكثر فلاسفة عصره تألقاً وشهرة [439] .

ثانياً – كان كارل بوبر يومها مُحاضر في علم المنطق والطريقة العلمية ، وتم تعيينه حديثاً (أي 1946) في كلية لندن للإقتصاد .

ثالثاً – نشر كارل بوبر وقتها كتابين ؛ الأول المجتمع المفتوح و أعدائه . والثاني كتاب نقدي للأنظمة الشمولية . وبالطبع نشرهما حديثاً في بريطانيا . وأهميتهما إن كلا الكتابين جذبا إليهما أنظار نخبة من المعجبين من بينهم الفيلسوف البريطاني برتراند رسل [440](منا = وهو واحد من الفلاسفة الثلاثة الذين حضروا مناظرة فيتجنشتاين بوبر) .

رابعاً – إنه لأول مرة في التاريخ يجتمع ثلاثة فلاسفة كبار سوية (وبالطبع هم رسل ، فيتجنشتاين وبوبر) . وحتى هذا اليوم (أذار سنة 2001) ” لا واحد يوافق على ؛ ماذا حدث فعلاً ؟ [441] .

   إلا إن الواضح هو إن تراشقاً متبادلاً حاداً وعنيفاً  قد وقع بين كارل بوبر ولودفيغ فيتجنشتاين . وإن الثابت هو إن مادة هذا التراشق بين الفيلسوفين ” دارت حول الطبيعة الأساسية للفلسفة “. ومن ثم حالاً تحولت هذه اللحظات إلى مادة للكتابة والإنشاء . وتبعتها حركة واسعة لمعرفة فعلاً ما ذا حدث بين الفيلسوفين ؟ وما موقف كل من الفيلسوف الكبير رسل والذي كان شاهداً على كل التفاصيل ؟ . ونحسب إن صمت الفلاسفة الثلاثة ساهم بدوره في نسج العديد من الروايات الملفقة لأغراض الإعلام الصحفي . وكان حاصلها تحول هذه المناسبة الفلسفية إلى مادة ” إسطورة فلسفية ” في القرن العشرين [442].

  ويبدو إن الرواية المبكرة لأحداث هذه المناسبة الفلسفية ، هو إن كارل بوبر و لودفيغ فيتجنشتاين دخلا في صراع على القضية – السؤال ؛ من منهما سيتمكن الهيمنة ويفرض سلطته على أوراق البوكر الحارة الحمراء ؟[443] ولنبدأ بحثنا في هذا الطرف برواية كارل بوبر ، ومصدرها كتابه الذي حمل عنوان ” بحث لاينتهي : السيرة الذاتية العقلية [444]، والذي نشره في عام 1974 وبالتحديد بعد موت فيتجنشتاين بأكثر من عشرين سنة (وبالضبط بعد ثلاث وعشرين سنة من موته) [445]. وفي هذا الكتاب صاغ بوبر سلسلة من المشكلات والتي أطلق عليها ” المشكلات الفلسفية الحقيقية [446]. وهي المشكلات التي أهملها وتجاهلها فيتجنشتاين بصورة مطلقة حسب رواية كارل بوبر التي نشرها في كتابه هذا ويومها كان فيتجنشتاين قد غادر العالم قبل ثلاث وعشرين عاماً (فكان بوبر هو المدعي والحاكم لوحده وحكمه هو المسموع والمهيمن ولا صوت للفقيد فيتجنشتاين يسمعه أحد ويقول له : كلا بوبر هذا ليس عدلاً فقد ظلمت الرجل مرتين !) .

   وعلى أساس هذه السلسة من المشكلات الفلسفية ، قام كارل بوبر بوصف فيتجنشتاين بعبارته المشهورة ” كان يلعب بعصبية (مشدود ومتوتر) بأوراق لعبة البوكر (القمار)[447] ” . بينما صور جون إيدانو وديفيد إديمونز حال بوبر في هذه المواجهة مثل حال قائد الأوركسترا والذي يستعمل العصا بدلاً من ورق البوكر وذلك للتدليل على دوره القيادي في التشديد على إيقاعاته الموسيقية . إلا إنه عندما جاء السؤال حول مكانة الأخلاق ، فإن فيتجنشتاين تحدى كارل بوبر وطالبه بتقديم مثال على القاعدة الأخلاقية . فقال ” ردي : كلا ، ولا لتهديد المحاضرين الزائرين ” . ويبدو إن هذا الكلام أوصل فيتجنشتاين إلى درجات الغليان العالية ، والتي حملته على رمي أوراق البوكر على الأرض ومن ثم إندفع خارجاً من القاعة وهو في حالة ثورة وتلفه ما يشبه عاصفة من الغضب [448].

  وهذه الدقائق العشرة أو ما يُقاربها ، هي التي حدثت في إكتوبر سنة 1946 والتي لا تزال تُثير الكثير من الخلاف المرير . وفوق كل ذلك فإن المرء يستطيع أن يجادل مادام ظل حياً ، ويتساءل : هل كان كارل بوبر كذاباً فيما زعم ، وما نشره حول الإجتماع الذي حدث بينه وبين فيتجنشتاين ؟ وإذا كذب بوبر وإخترع في روايته الكثير أو القليل . فالحقيقة لا يتوافر أي دليل على إنه قام بتزيين وتجميل للحقائق . إلا إن الباحث لاحظ إن هناك إهتماماً واضحاً لدى بوبر بإثنين من تطلعاته الطامحة المركزية في الحياة وهما ؛ الأول – إنه كان يتطلع بتحقيق هزيمة على المستوى النظري لإسلوب الفلسفة اللنكوستيكية في القرن العشرين (ونحسبُ هذا هدف عام فيه رؤية نقدية شاملة وبالطبع فلسفة فيتجنشتاين جزء منه) . الثاني – إنجاز مشروع إنتصار على المستوى الشخصي على فيتجنشتاين (الذي وصفه بوبر) بالساحر الذي دقق في مسيرته المهنية ولاحقها (مثلما يُلاحق المحقق في الشرطة في أوراق المتهم) [449].

  ويُعلق الباحثان ديفيد إديمونز وجون إيدانو على رواية كارل بوبر ، ويُثيران الكثير من الشك حولها وخصوصاً من زاوية القارئ الموضوعي المستقل والذي هدفه الوحيد والوحيد فقط ، هو معرفة حقيقة ما حدث بين فيتجنشتاين وبوبر في مساءات 25 إكتوبر سنة 1946 . ويبدو من وجهة نظر الباحثين البريطانيين (إديمونز وإيدانو)  إن المواجهة العنيفة بين فيتجنشتاين وبوبر ” غير محتملة وليست مقبولة ” وذلك لأسباب منها ؛ إن كلاهما ” كانا يهوديان ومن أبناء مدينة فينا “. ومنها إنهما قدما من بيئة حضارية مشتركة (وبالطبع بيئة بدأت تتفكك وتتحلل) . ورغم إن فيتجنشتاين كان الأكبر سناً من بوبر (حيث فتجنشتاين أكبر من بوبر بثلاثة عشرة سنة) فإنهما يشتركان في حالة ” الإنبهار الحضاري للسنوات الأخيرة من أجواء الإمبراطورية النمساوية الهنغارية “. كما يشتركان ” بالخسارة الكبيرة ” التي ولدتها الحرب العالمية الأولى وما حملته من تأثيرات على حياتهما . وكانا يتطلعان مثل كل أبناء جيلهما نحو قيام ” جمهورية حديثة على أنقاض الملكية ” . كما وعاشا مع عوائلهما سوية ” محنة الوجود أو العدم مع هتلر والنازية ” . وكان لهما إهتمام بإصولهما اليهودية (رغم تحول عائلتيهما إلى المسيحية قبل ولادتهما) وولعهما بالموسيقى وإرتباطهما بالحركات الثقافية اليسارية (المتطرفة) . وتدرب فيتجنشتاين وبوبر ليكونا معلمان . ولهما إرتباطات بالينابيع الرائدة الأولى ” للوضعية المنطقية ، وحلقة فينا . وكان لفيتجنشتاين وبوبر الكثير الكثير من قنوات الإتصال المشتركة الممكنة ” . وإن هذا المشترك يدعو التساؤل ؛ كيف كل هذا المشترك ، ولم يلتقيا ويتقابلا من قبل ؟ “[450] .

  صحيح جداً إنه في حياة فيتجنشتاين بدأ مجموعة من طلبته (وخصوصاً إليزابيث إنسكومب ومن ثم زوجها عالم المنطق البريطاني بيتر كيج ..) يهتمون بفلسفة فيتجنشاين فتكونت بدايات تشكل حركة فلسفية ستُعرف بالفيتجنشتاينية أو الفلاسفة الفيتجنشتاينيون (ومن ثم جاء جيل جديد من الأكاديميين الشباب فكونو حركة فلسفية عُرفت بالفيتجنشتاينية الجديدة أو الفلاسفة الفيتجنشتاينيون الجدد) [451]. كما وتحلق عدد من الطلبة حول كارل بوبر وشكلوا حركة فلسفية أطلقوا عليها البوبورية (من أسم كارل بوبر) . والحق يُقال إن الحركة الفيتجنشتاينية بطرفيها كونت حركة فلسفية عارمة مقارنة بحركة البوبرية .

  وإستكمالاً لأطراف البحث عن حقيقة رواية كارل بوبر وما ذا حدث بينه وبين لودفيغ فيتجنشتاين . فإننا لاحظنا إنه بعد موت كارل بوبر بثلاث سنوات تم طبع ميموار كارل بوبر (سيرة ذاتية عقلية ) وفيه نُشرت رواية بوبر لما حدث في إجتماع كيمبريدج في 25 إكتوبر من سنة 1946 . وبالطبع صدر الكتاب من دار نشر محترمة ، وهي الأكاديمية البريطانية . إلا إن نشر هذه الرواية سبب عاصفة مدوية رافقتها إحتجاجات جماهيرية على المؤلف الرئيس البروفسور جون واتكنز (1924 – 1999) وبالطبع واتكنز كان من تلاميذ كارل بوبر ومن ثم وريثه على رئاسة القسم بعد تقاعد بوبر [452].

  وصاحبت هذه العاصفة من الإعتراضات تبادل رسائل على صفحات التايمز (وتم تخصيص صفحات إضافية في الصفحة الأدبية) . وساهم المؤيدون لفيتجنشتاين في الإجتماعات والنقاش وفيها أعلن بيتر كيج (وهو وزوجته الفيلسوفة الفيتجنشاينية إليزابيث إنسكومب من تلاميذ فيتجنشتاين) الإعتراض على ما فعله كارل بوبر . وقال الفيلسوف وعالم المنطق بيتر كيج ” إن تفسير كارل بوبر للإجتماع بفيتجنشتاين هو كذبة من البداية وحتى النهاية [453]. إلا إن هناك طرف من حديث منقول بين فيتجنشتاين وأستاذه برتراند رسل في داخل قاعة المحاضرة في كلية كنك نحب أن نُشارك به القارئ وفيه أشعاع على الغموض الذي يلف هذه المناسبة الفلسفية التاريخية . هو في الحقيقة مشهد فيه الفيلسوف برتراند رسل وقد سمع صوت يقول ” شئ ما ربما أزعج فيتجنشتاين ” . وتدخل رسل فكان مشهداً فيه رسل وفيتجنشتاين واقفين قرب موقد نار للتدفئة ، وفيتجنشتاين بيده أوراق لعبة البوكر . وقال فيتجنشتاين إلى رسل ” إنك دائماُ تُسئ فهمي ، رسل ! أنت دائماً تُسئ فهمي ” . ومن ثم رد رسل على فيتجنشتاين : ” إنك أنت الذي يخلط الأشياء ، فيتجنشتاين ! أنت دائماً تخلط الأوراق وتعمل منها ..[454] إن هذا الإشعاع بكلمات رسل وفيتجنشتاين تُضيف حساً وجواً سحرياً سرياً على أجواء هذا الأجتماع الفلسفي التاريخي المتفرد الذي جمع ثلاثة فلاسفة في غرفة محاضرات واحدة مع جمهور من فلاسفة وطلاب جامعة كيمبريدج وبالتحديد أعضاء نادي العلوم الإخلاقية .

   ونحسبُ إن ما قاله الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني بيتر كيج : ” إن تفسير كارل بوبر للإجتماع بفيتجنشتاين هو كذبة من البداية وحتى النهاية ” ، لم يُسهم في حل مشكلة ؛ ماذا حدث بين الفيلسوفين فيتجنشتاين وبوبر ؟ . وإنما هو مجرد محاولة للدفاع من فيلسوف فيتجنشتايني ، نعني بيتر كيج الذي أحب هو وزوجته الفيلسوفة إليزابيث إنسكومب ، الفيلسوف فيتجنشتاين ومن ثم قادوا وهو حي (وبعد وفاته) حركة فلسفية فيتجنشتاينية عارمة في القرن العشرين وإمتدت أثارها إلى أمريكا فتشكلت حركة جديدة هي الحركة الفلسفية الفيتجنشتاينية الجديدة .

14

تأمل في رائعة فيتجنشتاين أبحاث فلسفية

    لاحظنا من خلال عمليات الحفر والتنقيب في سيرة فيتجنشتاين ، إلى أنه خلال الفترة من 1936 وحتى 1937 عاش فيتجنشتاين مرة ثانية في النرويج [455]. وكان يعمل خلالها في رائعته أبحاث فلسفية . إلا إن الشئ المؤكد والموثق هو إننا وجدنا إن فيتجنشتاين وضع مجموعة ملاحظات في كتابه الذي عُرف بالكتاب الأزرق ، وهي بالطبع ملاحظات وجهها فيتجنشتاين إلى طلابه في الصف الذي درسه في جامعة كيمبريدج للسنة الدراسية 1933 – 1934 . وبالمناسبة إن هذه الملاحظات ضمت جذور أفكار فيتجنشتاين حول اللغة وتحديداً في الفترة الأخيرة من حياته . وفعلاً فقد أكتسبت هذه الأفكار الفيتجنشتاينية شهرة كبيرة والشاهد على ذلك إنها كانت موضوع قراءة واسعة كما وأعدها الأكاديميون الغربيون (ومن بينهم صاحب القلم) نقطة تحول في مضمار فلسفة اللغة .

   ومن المعروف والمتداول في الأوساط الفلسفية المعاصرة إن رائعة أبحاث فلسفية قد طُبعت في مجلدين عام 1953 أي بعد وفاة فيتجنشتاين بسنتين . وكان معظم المجلد الأول كامل ومُعد للطبع منذ عام 1946 . إلا إن فيتجنشتاين سحب المخطوطة من الناشر . وإن المجلد الثاني كان الأقصر وقد تم إضافته من قبل المشرفين والمسؤلين قانونياً عن نشر تراثه الفلسفي وهما كل من الفيلسوفين الفيتجنشتاينيين إيلزابيث إنسكومب وريش رايس . وفي هذا الكتاب طلب فيتجنشتاين من القارئ أن يُفكر بأن اللغة هي مجموعة ألعاب [456] (أو مباريات وتاريخياً إن فيتجنشتاين تعرف على إن اللغة لعبة أو بالإنكليزية كيم من الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر[457]) والتي هي أطراف من تطور اللغة وتطور وظيفتها . ويُجادل فيتجنشتاين ويذهب إلى إن المشكلات الفلسفية ما هي إلا نوع أو شكل من أوهام مسحورة والتي أنشأها الفلاسفة بسبب مثابراتهم الخاطئة والتى ترى إن معاني العبارات (أو الكلمات) أصبحت مستقلة ولا علاقة لها بنصوصها ، وتداولها وقواعد نحوها ، والتي يطلق عليها فيتجنشاين ” اللغة التي إنسحبت إلى منطقة إستراحتها وعطالتها [458]

 صحيح إن كتاب أبحاث فلسفية لم يُنشر قبل وفاة فيتجنشتاين سنة 1951 وذلك لكونه لم يكن مؤهلاً بصورة كاملة للنشر . بل كانت تعوزه بعض التعديلات ولهذا السبب وخصوصاً المجلد الأول الذي كان مُعد للنشر منذ عام 1947 قد سحبه فيتجنشتاين من الناشر قبيل وفاته وأجل نشره وإقترح بعض الملاحظات على إليزابيث إنسكومب وريش رايس وربما فون رايت (كذلك) . وقام الثلاثة بالتعاون معاً على ترجمة المخطوطة وطُبع في عام 1953 . واليوم تتوافر له نشرتان مشهورتان . وهما : أولاً – نشرة هول برنتيس سنة 1999 . وثانياً – نشرة دار بلاكويل للناشرين سنة 2001 . وهذه النشرة تتضمن النص الألماني إضافة إلى الترجمة الإنكليزية [459]. والحقيقة إن فيتجنشتاين ناقش في هذا الكتاب ، عدد كبير من المشكلات والألغاز التي تشمل حقول فلسفية متنوعة ، ومن مثل السيمانطيقا ، علم المنطق ، فلسفة الرياضيات ، فلسفة علم النفس ، فلسفة الفعل وفلسفة العقل . ووضع وجهة نظر بعيدة تذهب إلى إن التشويش والإرتبارك في الفهم الذي يدور حول اللغة هو الأساس في أغلب المشكلات الفلسفية ، وبالطبع التناقض . ومن الملاحظ إن فيتجنشتاين قام بعملية مراجعة إلى أفكاره السابقة في هذا الكتاب ، وتخلص من الكثير مما كان يُجادل فيه والذي صاغه في عمله المبكر والذي حمل عنوان (باللاتينية) تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس (وبالعربية) رسالة منطقية فلسفية .

   وزعم فيتجنشتاين بأنه في الإمكان ملاحقة إصول هذه المشكلات ، ومن ثم رأى إن إصولها جاءت من الإفتراضات التي دارت حول طبيعة اللغة ، وبالتحديد في طرف الفرضيات الذي ركز على مفهوم جوهر اللغة . وهذا المفهوم قد تم رفضه بسبب إنه مفهوم عام في حين إن التفسير الجوهري لطبيعة اللغة يتميز بكونه بسيط وضيق محدد . وهو المفهوم حسب عبارة فيتجنشتاين ” مكننا من تقديم تفسير إلى الأشياء المتنوعة . وفعلاً فإن هذا مانفعله في مضمار اللغة “. وفعلاً فإن فيتجنشتاين كان منتبه بدرجات عالية لكل ما يفعل ، فبدأ كتابه بنص من القديس أوغسطين (354 – 430 م) والذي كان نصيراً ومؤيداً لفعل التعميم مع توافر مفهوم محدد (ضيق) . وهذه هي خلاصة ما قاله :

  الكلمات الفردية في اللغة هي أسماء للموضوعات . والجمل هي تراكيب تتكون من هذه الأسماء . وفي هذه الصورة للغة ، فإننا سنمسك على جذور الفكرة الأتية : كل كلمة لها معنى . وهذا المعنى مترابط مع الكلمة . إنه الموضوع الذي تنهض عليه الكلمة .

  ومن ثم كشف ببيان واضح خلال بقية الكتاب (أي كتاب أبحاث فلسفية) ، الحدود التي تُقيد مفهوم اللغة . وأشار إلى الكثير من الألغاز الفلسفية التقليدية التي تُثير الإرتباك والتشويش ، والتي تنشأ برأيه لأسباب منها الصورة المحددة للغة والتقليد التحليلي المصاحب لها . وينظر الكثيرون إلى هذا الكتاب على إنه واحد من الأعمال الفلسفية الأكثر أهمية في القرن العشرين والذي إستمر ولايزال يمارس تأثيره على الفلاسفة المعاصرين ، وخصوصاً الذين يهتمون بدراسة العقل واللغة [460].

   ولاحظنا إن نص كتاب أبحاث فلسفية قد قُسم إلى قسمين ، (وبإلحاح على إن ذلك ما أكد عليه فيتجنشتاين بشخصه في المقدمة) . إلا إن طالبة فيتجنشتاين إليزابيث إنسكومب وهي المترجمة والوكيلة الشرعية على تراثه مع طالبه ريس رايش (وبتوصية قانونية من قبل فيتجنشتاين قبيل موته) قد ترجمت المقدمة بعنوان جديد وهو ملاحظات [461]. وبدت الملاحظات في الجزء الأول غريبة وذلك لأنها جاءت على صورة فقرة طويلة . وإن ترقيمها تابع تسلسل فقراتها . أما فقرات ملاحظات الجزء الثاني فقد كانت الأطول كما جاء ترتيب فقراتها بنظام ترقيم مختلف وحيث تم تداول نظام الترقيم الروماني .  وعلى هذا الأساس فإن فهرست فقرات كتاب أبحاث فلسفية قد جرى ترتيبها بنظامين من الترقيم مختلفين ، فالجزء الأول كان يجري على نظام عدد الفقرات . أما الجزءالثاني فسار على نظام ترقيم مختلف حيث يعتمد على رقم الصفحة .

  والحقيقة إن هذه المقارنة بين نظامين من الترقيم جعلت من الكتاب ذات طبيعة غير عادية أو لنقل بصراحة طبيعة غريبة . ويبدو لنا إن السبب وراء ذلك هو إن الجزء الثاني والذي بالطبع تألف من ملاحظات فيتجنشتاين إلا إن هدفه كان يتطلع إلى دمجها في الجزء الأول . والذي حدث بعد موته مباشرة هو طبعها الجزء الثاني من الطبعة الأولى . كما وتلتها الطبعات الثانية والثالثة في أجواء الشك وعدم اليقين بحقيقة نوايا فيتجنشتاين بما يتعلق بالمواد التي ضمتها مخطوطة أو مخطوطات أبحاث فلسفية . وفي الطبعة الرابعة [462] فقد تم العودة إلى الوراء ووضعت العناوين إلى الجزء الأول والذي كون مادة أبحاث فلسفية . أما الجزء الثاني فشكل مضماراً جديداً (لم يأتي له ذكر من قبل برأي الدكتور محمد الفرحان) وأصبح له عنوان جديد ، هو فلسفة علم النفس ، فقرات (أو منا مقتطفات) [463].  

  إن رائعة أبحاث فلسفية هي في واقع الأمر مشروع متفرد في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة وذلك يأتي لكونه نص فلسفي إنموذجي (مثالي) حيث قدم عرضاً للمُشكل الفلسفي الراهن وبدقة تاريخية خلال بداية الأربعينيات من القرن العشرين حيث إن فيتجنشتاين أعد هذه الرائعة للنشر لأول مرة سنة 1946 كما ذكرنا أعلاه . ولاحظنا إن فيتجنشتاين قام في رائعته أبحاث فلسفية بنقد العديد من أفكار عمله الأول تركتاتوس لوجكيو – فيلوسوفيكس (رسالة منطقية – فلسفية) . ومن ثم بين فيتجنشتاين خلال أبحاث فلسفية الحدود الضيقة لكل من مفهوم اللغة وطبيعة اللغة . ورأى إن العديد من الألغاز والتشويش في مفهوم اللغة يعود إلى التقاليد الفلسفية وتخصيصاً التقليد التحليلي الكلاسيكي . وعلى أساس هذا الفهم رأى الكثيرون من إن هذه الرائعة الفيتجنشتانية هي واحدة من أهم الأعمال الفلسفية في القرن العشرين . ويُجمعون على إن تأثيرها مستمر حتى هذه اللحظة وبالتخصيص على كل من يتطلع إلى دراسة العقل واللغة [464].

  إن عمل وجهد فيتجنشتاين الكبير في كتاب أبحاث فلسفية توزع حول مسألتين أساسييتين وفي الإمكان صياغتهما في سؤالين وهما ؛ ما هي الصعوبات التي تواجها اللغة ؟ وما هي الصعوبات التي يواجهها المعنى ؟ وعلى أساس ذلك تطلع بكل جهد إلى أن يُبين عملياً بأن الأدوات اللغوية هي بسيطة وأساسية . ولذلك إعتقد فيتجنشتاين إن كل شئ في اللغة بسيط وواضح . إلا إن الفلاسفة قاموا بالتعتيم ومن ثم التشويش ، فكان الحاصل من عملهم الإرباك والتشويش على بساطة اللغة وبساطة المعنى . والسبب هو إن الفلاسفة أساءوا إستعمال اللغة ، وذلك من خلال إثارة الكثير من الأسئلة التي لا معنى لها . وفعلاً فقد ثابر فيتجنشتاين بجهد فلسفي مُبدع بإزالة كل هذا التعتيم في إستعمال اللغة وبطريقة واضحة . ولعل المثال الإنموذج الذي قدمه جاء في رائعته تركتاتوس لوجيكو – فيلوسفيكوس . وفيتجنشتاين مشهور بين الفلاسفة المعاصرين في تداول النظرية الصورية للغة والمشهورة كذلك بالنظرية الصورية للمعنى . وهي في واقع الحال نظرية لنكوستيكية للإستدلال والمعنى . وفيها إقترح فيتجنشتاين بأن القضية يكون لها معنى وذلك عندما تنجز تصوير نظام ترتيب الموضوعات أو بتعبيره عندما ” تُصور الحقيقة الذرية ” [465]

  وبالمناسبة إن فيتجنشتاين قارن بين مفهوم الصور المنطقية وبين الصور المكانية [466]. وفي الحقيقة إن النظرية الصورية (أن نظرية الصورة) للغة هي واحدة من نظريات التطابق في الصدق[467]. ونظريات التطابق ترى إن صدق القضية أو كذبها يتقرران بطريق واحد (وواحد فقط) وهو كيف تتعلق بالعالم ، وهل وصفت العالم بدقة ووضوح (وهذه هو التطابق) [468]. ومن ثم زعم فيتجنشتاين ورأى بأن الفجوة غير قابلة للتجسير بين ما نُعبر عنه من خلال اللغة وما يمكن فقط التعبير عنه بطرق غير لفظية . ولذلك فإن نظرية الصورية (نظرية الصورة للغة) هي التي تُبين بأن العبارات يكون لها معنى إذا حددت أو صورت العالم الحقيقي . إلا إننا لاحظنا إن فيتجنشتاين في الفترة الأخيرة من حياته شغل نظرية المعنى المؤسسة على الممارسة . وبذلك دحض نظريته المبكرة وهي النظرية الصورية للصدق وأحل بدلاً عنها نظرية المعنى التي تنهض على الممارسة والعمل . وهذا تحول ملفت للنظر في مضمار نظريات الصدق عند فيتجنشتاين . وعلى أية حال فهذا مفهوم بعد إن ركز فيتجنشتاين في الجزء الثاني من رائعته أبحاث فلسفية على مضمار علم النفس حيث لاحظنا إنه فعلاً شغل مفهوماً مجازياً لخدمة علم النفس الإنساني . وأخذ يُردد بصراحة ما بعدها صراحة ، وقال ” إن الجسم البشري هو أفضل صورة للنفس الإنسانية [469].    

  وظهر لنا إن فيتجنشتاين في كتابه الذي حمل عنوان أبحاث فلسفية قد تخلى عن بعض أفكاره في رائعته الأولى تركتاتوس . ولذلك كان الدافع لعدد من المفسرين لتراثه الفكري هو تفضيل نهجه الجديد وهو بالطبع نهج ثربيوتك (علاجي) وتجمعوا حوله وأخذوا يتحدثون عن فيتجنشتاين الجديد وكتبوا العديد من الأبحاث وعقدوا مؤتمراً خصصوه للحركة الفيتجنشتاينية الجديدة ، وكان من بينهم كل من الفيلسوفة الأمريكية كورا دايموند (1937 – ) والفيلسوفة الأمريكية أليس كريري (1967 – ) والفيلسوف الأمريكي جيمس فيرغسن كوننت (1958 – ) [470]. وبالطبع هناك تنازعات وإختلافات بينهم بحيث حملت بعض النقاد إلى وصفهم ” إنهم جماعة تفتقد إلى الوحدة والإتلاف ” وأظهروا خصومة مع بعضهم البعض رغم إنهم جميعاً جاءوا من التراث الفلسفي التحليلي التقليدي . كما وضمت حركة الفيتجنشتاينية الجديدة فلاسفة آخرون وهذا موضوع سنبحث فيه في طرف من أطراف هذا الكتاب وتحت عنوان الفلاسفة الفيتجنشتانيون والفيتجنشتانيون الجدد .

15

ميراث فيتجنشتاين وإشكالية التفسير

  ترك لودفيغ فيتجنشتاين بعد وفاته أرشيفاً ضخماً تألف من العديد من المجلدات لأبحاثه التي لم تُطبع ، وشملت 83 مخطوطة ، 46 مجموعة من الفايلات لأوراق مطبوعة و11 مجموعة من الأوراق التي كُتبت إملاءً . ويٌقدر مجموعها عشرين ألف صفحة . كما وجدت نُسخ معادة ، ونسخ آخرى مُنقحة ، ونُسخ تم العمل على تصحيحها ، وملاحظات على أعمال مطبوعة له . وقُدر الثُلث من مجموعها مُناسباً للنشر . وفعلاً فقد سمحت جامعة بيرغن لخدمات الإنترنيت وإستضافتهم [471] ولذلك أصبحت العديد من صور المخطوطات وأغلب المواد التي تركها متوافرة للبحث والباحثين [472].

  ولاحظنا إن الفيلسوف البريطاني بيتر ستيفن هيكر وهو المتخصص في فلسفة وتراث فيتجنشتاين ، يُجادل ويؤكد على إن تأثير فيتجنشتاين قد إمتدت إلى الفلسفة التحليلية في القرن العشرين برُمتها . كما ويمكن ملاحظة تأثيراته المبكرة على حلقة فينا ، بل وإن تأثيراته المتأخرة وصلت إلى أكسفورد وبالتخصيص مضمار أبحاث كلية اللغة العادية وحضرت في تفكير فلاسفة كيمبريدج [473]. ويمكن ملاحظة تأثيرات فيتجنشتاين في عدد واسع من حقول الإنسانيات والعلوم الإجتماعية . وكذلك في نهج وأبحاث عدد متنوع من المفسرين لتفكيره . ولعل ذلك واضح في كلمات صديقه وزميله الفيلسوف والبروفسور جورج هنريخ فون رايت والذي وصف الحال فقال : ” كان هو وأفكاره .. (بل) وأفكاره على العموم موضوع سوء فهم وتشويه حتى من أولئك الذي يدعون حواريين له . وإنه يشك أن يكون الحال في المستقبل ربما أفضل . وقال مرة إنني لهذا الحال أخذت أعتقد إن فيتجنشتاين كتب لناس سيُفكرون بطرق مختلفة وذلك لأنهم يتنفسون هواء مختلف ليعيشوا الحياة ” [474].

  ولعل من ملاحظات الأكاديميين الغربيين هو إنهم وجدوا إنه بعد موت فيتجنشتاين بفترة قصيرة بدأ المفسرون الأكاديميون لفلسفته يختلفون حولها . وهم بالطبع أصلاً مختلفون حول تفكير فيتجنشتاين الفلسفي المبكر وتفكيره الفلسفي المتأخر . ولاجديد إذا قلنا بأن هذه الأختلاف تتوزع في رائعتي فيتجنشاين ؛ الأولى تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) وهي المبكرة . والثانية أبحاث فلسفية وهي المتأخرة . وعلى هذا الأساس رأى البعض من المفسرين إن هناك إختلافاً وقطيعة بين الإثنين . بينما أكد آخرون على حالة التحول التدريجي الهادئ بين العملين وخصوصاً خلال تحليلات فيتجنشتاين في أبحاثه غير المنشورة والتي حملت عنواناً بالألمانية ناخلس [475]. أي المخطوطة أو مجموعة المخطوطات (الملاحظات المكتوبة باليد) .

  ولعل واحدة من أهم المناقشات في دوائر الإهتمام الأكاديمي في فلسفة وتراث فيتجنشتاين ، هو التأمل في التفسير الذي تعرض له تراثه على يد مجموعة من المفسرين . وبالطبع إن البداية قام بها حواريون وتلاميذ مقربون للفيلسوف فيتجنشتاين ومن ثم تحولت إلى أولاً موجة فيتجنشتاينية شهدها القرن العشرين في كل من بريطانيا والولايات المتحدة (وجنوب أفريقيا) . وثانياً إلى مجموعة أخرى من المفسرين عملوا تحت شعار الفيتجنشتانيون الجدد أو المدرسة الفيتجنشتاينية الجديدة .

  ومن المفيد أن نشير في هذا المقام إلى إن الإهتمام بتفكير فيتجنشتاين كان مبكراً فمثلاً لاحظنا إن فيتجنشتاين وبالتحديد في عام 1938 سافر إلى إيرلندا وزار صديقه السايكيتري (الطبيب النفسي) موريس أوكونور دروري (1907 – 1976) [476]وهو في الحقيقة واحد من أتباع فيتجنشتاين والذي قام بتأليف كتاب بعنوان خطورة عبارات وكتابات فيتجنشتاين ومن ثم طُبع بعنوان خطورة الكلمات . وبالمناسبة إن موريس أوكونور ألف كتاباً أخر عن فيتجنشتاين وبالإشتراك مع جين بيير وكان بعنوان مُحادثات مع لودفيغ فيتجنشتاين . ويصف راي مونك كتاب دروري خطورة الكلمات ، بأنه ” واحد من أغلب الكتب الصادقة التي كُتبت عن فيتجنشتاين ” . وهذا الكتاب طُبع من قبل طلاب فيتجنشتاين [477]. وإن أهمية كتابات دروري ، هي إنها جلبت الإنتباه إلى نقد فيتجنشتاين للغة (وخاصة لغة الممارسة الطبية) وبالتحديد في مضمار علم النفس وكان دروري يتطلع بأمل بأنها ستمارس السيطرة على العقل ، مثلما مارست الفيزياء فعلها على المادة . وهذا الأمل الذي تمسك به دروري ، كون شكلاً من الحلم ” لوجود يتطلع إلى المستقبل[478].

  أما المدرسة الفيتجنشتاينية الجديدة فقد وجدنا إنها ضمت كل من الفيلسوفة الأمريكية المعاصرة كورا دايموند (1939 – ) والفيلسوفة الأمريكية المعاصرة أليس كرري (1967 – )

والفيلسوف الأمريكي المعاصر جيمس فيرغسون كوننت (1958 – ) . ولعل أهمية فلاسفة هذه المدرسة ، هو إنهم مسكوا بالإشكال الذي لف رائعة فيتجنشتاين تركتاتوس ، وخصوصاً فيما يتعلق بالنتيجة المحتومة التي رسمت قدرها ، والتي تمثلت كما يبدو ، بما حملته من ” تناقض وتقويض للتكوين الداخلي لهذه الرائعة (أي تقويض لتركتاتوس ذاتها) ” . وهذا الوضع هو الذي حرك مجموعة من الأكاديميين من المدرسة الفيتجنشتاينية الجديدة إلى أن يتقدموا خطوات نحو مضمار ” الفهم الثيربيوتك (العلاجي) لأعمال فيتجنشتاين . وعلى هذا الأساس فإن هذه المجموعة من الفلاسفة فهموا ” فيتجنشتاين على إنه موضوعاً للإلهام ، وليس موضوعاً للإنطلاق والتقدم نحو النظريات الميتافيزيقية . وإن هذا الفهم يُساعدنا على تحرير أنفسنا من كل تشويش وإرباك ، ونحن في اللحظة التي نمارس فيها فعل التفلسف[479].

   ولاحظنا إن الفيتجنشتاينيين الجدد في دعم هذا الهدف ، إقترحوا أن تكون البداية قراءة تركتاتوس على إنها ” نوع من الهراء العادي ” . ومن ثم جادلوا وذهبوا إلى ” إنها ليست بمثابرة تهدف إلى إقتراح مشروع فلسفي موضوعي (حقيقي) ، بل إنها بدلاً من ذلك حاولت ببساطة على تحريض القارئ على التخلي وهجران فعل التأمل الفلسفي ” . والحقيقة إن هذا المشروع الثيربيوتكي (العلاجي) تصعد جذوره إلى الأعمال الفلسفية التي كتبها كل من الفيلسوف البريطاني جون ويزدم (1904 – 1993) [480]و الفيلسوف الأمريكي من إصول هولندية أوتز كولك بوزما (1898 – 1978) والذي قام بالكتابة عن كتاب فيتجنشتاين الذي حمل عنوان الكتاب الأزرق [481].

   وبالطبع لاحظنا إن المشروع الثيربيوتكي (العلاجي) لم يسلم من النقد والتقريع . وفعلاً فقد وجدنا مثلاً إن الفيلسوف الألماني هانز يوهان غلوك (1960 – ) [482]جادل وذهب معلقاً على إن ” قراءة تركتاتوس هي نوع من الهراء العادي ” وهي بالطبع ” … على خلاف مع الدليل الخارجي ، الذي يُبين إن كتابات ومناقشات فيتجنشتاين في تركتاتوس ملتزمة بتفكيره وببصيرته على حد سواء [483].

16

تعقيب ختامي

    ورث لوفيغ فيتجنشتاين في عام 1913 من والده ثروة طائلة . وتنازل عن كمية معتبرة من ثروته إلى الفنانين الفقراء . وبعد الحرب العالمية الأولى عانى من ظروف شخصية عصيبة ، سببت له كآبة شديدة ، فكان حاصلها هو تنازله عن كل ثروته الكبيرة إلى إخوته وأخواته [484]. وبالمناسبة إن ثلاثة من إخوته قد ماتوا إنتحاراً وإن فيتجنشتاين هو الأخر كان كثيرا ما يُفكر في الإنتحار [485].

  ومن ثم إنخرط في العمل والبحث الأكاديمي إلا إنه تخلى عنه مرات عدة وتحول للعمل ضابطاً في الخطوط الأمامية . وفعلاً فإنه خلال الحرب العالمية الأولى حصد العديد من النياشين وأوسمة التكريم وذلك لشجاعته . كما وعلم في المدارس النائية في القرى النمساوية وواجه الكثير من الجدل بسبب ضربه الأطفال الذين يرتكبوا أخطاءً في الرياضيات . من ثم  عمل ممرضاً في المستشفيات في لندن وبالتحديد خلال الحرب العالمية الثانية وكان يحث مرضاه على عدم تناول الأدوية التي يصفها الأطباء .

  وبالرغم من إن فيتجنشتاين كان من أشهر فلاسفة العالم[486] ، فإنه لم يكترث بكل ذلك . وكان من الشائع عنه إنه كان يصف الفلسفة ” بأنها العمل الوحيد الذي منحه قناعة حقيقية [487]. ومن المفارقات في حياته وخصوصاً في عقيدته الدينية ،هو إنه جاء من عائلة يهودية ، فقد تم تعميد الطفل فيتجنشتاين من قبل قس كاثوليكي . وكان مثله مثل الفيلسوف آدموند هوسرل (1859 – 1938) الذي إختار اللوثرية [488]. إلا إن عائلة فيتجنشتاين إختارت الكاثوليكية لأطفالها وتم تعميدهم من قبل قس كاثوليكي . غير إن كل ذلك لم يشفع لفيتجنشتاين مع هتلر وسياساته العنصرية [489]… وفيتجنشتاين هو فيلسوف نمساوي – بريطاني ينتمي إلى مدرسة الفلسفة التحليلية . توزعت أعماله بصورة رئيسة في كل من مضمار علم المنطق ، الميتافيزيقا وفلسفة الرياضيات ، وفلسفة العقل ، فلسفة اللغة والإبستمولوجيا [490]. وكان أستاذاً في جامعة كيمبريدج للفترة من عام 1929 وحتى عام 1947 [491]. وإشتهر في حياته بكتابه الصغير والذي نشره في بواكير حياته الأكاديمية وبالتحديد عام 1921 وبعنوان رسالة فلسفية منطقية . ومات فيتجنشتاين عام 1951 ولم ينشر غير هذا الكُتيب الصغير ، ومقالاً واحداً ، ومراجعة كتاب واحد وكان قاموساً للأطفال [492].

   وتحولت حياة فيتجنشتاين في عام 1993 إلى موضوع فيلم كان بعنوان فيتجنشتاين . وهو في الحقيقة من إخراج الفنان والكاتب البريطاني مايكل ديريك إلوورثي جيرمان (1942 – 1994)[493]. وبالطبع هي قصة كتبها المخرج جيرمان بقلم حر ، إلا إنها مؤسسة على حياة فيتجنشتاين وتفكيره الفلسفي . ومثل شخصية فيتجنشتاين الرجل البالغ ، الممثل الويلزي كارل جونسن (1949 – ) [494]. كما وكتب المخرج السينمائي الأمريكي إيثان كواين (1957 – ) سنة 1979 إطروحته في جامعة برنستون ، وكانت بعنوان وجهتان من النظر حول فلسفة فيتجنشتاين المتأخرة والتي تألفت من إحدى وأربعين صفحة [495]. وهذه الإطروحة قادت النقاد إلى محاولة إعادة تركيب أثر فيتجنشتاين على الإسلوب الروائي لأعمال الأخوين كواين والتي إستلهمت لعبة اللغة عند فيتجنشتاين والتي أصبحت عند الأخوين كواين على صورة ألعاب لغوية سينمائية [496]

  ولاحظنا إن عملاً فلسفياً أخراً كتبه فيتجنشتاين وتحول إلى موضوع إهتمام كتاب الرواية والسينما والمخرجين . وكان هذا العمل هو رائعته التي حملت عنوان أبحاث فلسفية . وفعلاً فإن الروائي البريطاني فيليب كيرر (1956 – ) قد شغل موضوعات من رائعة فيتجنشتاين  في رواية الجريمة . حيث إن هناك يُوجد قاتل سفاك إرتكب سلسلة من جرائم القتل ، ويُعتقد إنه فيتجنشتاين التاريخي [497]. وبالمقابل فإن البروفسور البريطاني والناقد الأدبي تيري إيغلتون (1943 – ) يصف فيتجنشتاين بأنه كان فيلسوفاً لأجناس متنوعة من الأدب ، فهو عنده ” فيلسوفاً للشعراء ” و” فيلسوفاً للمؤلفين الموسيقيين ” و ” فيلسوفاً لكتاب المسرح ” و ” فيلسوفاً للروائيين [498].

  وكتب الفيتجنشتاينيون الجدد الكثير عن طرف مهم من فلسفة فيتجنشتاين ، وهو بالطبع مهم  في أبحاث ونصوص الفلسفة المعاصرة ، وهو النظر إلى الفلسفة على ” إنها ثربيوتك أي علاج ” . والحقيقة إن الفلاسفة الفيتجنشتاينيون الجدد (وكذلك فلاسفة ومفسرون من مدارس أخرى) قد أجمعوا على وصف فلسفة فيتجنشتاين بأنها ” فلسفة العلاج[499]. وهناك من وصف عمل فيتجنشتاين بأنه جنس من الإنتاج المطبوع بسمات الشعرية والأدبية [500]. كما كان فيتجنشتاين موضوع إستشهاد بصور مكثفة في أعمال الشاعرة الإسترالية جوين هاروود (1920 – 1995) والتي وصفت الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين بقولها إنه كان لي ” الفيلسوف المُفضل [501].

——————————————————————————-

الهوامش    

 – الفيلسوف الفيلندي جورج رايت هو الذي خلف فيتجنشتاين ، بروفسوراً في جامعة كيمبريدج . ومصادر إهتماماته الفلسفية جاءت من أساسين ؛ [1]

الأول – الفلسفة التحليلية . والثاني – المنطق الفلسفي بمفهومه الأمريكي – الإنكليزي . ومن أشهر كتبه التي صدرت سنة 1951 ، كل من : مقالة في منطق الموديلات . وكتابه الذي حمل عنوان منطق الدالات . وكلاهما شكلا البيئة الفكرية لفترة ما بعد الحرب ، والتي كان حاصلها ، نشوء منطق الموديلات الصوري ورؤيته الدلالية . وإمتلك البروفسور رايت سلطة معرفية مكنته من الإشراف على نشر مؤلفات فيتجنشتاين المتأخرة . كما هو رمز كبير في الفلسفة الفيلندية في عصره . وهو متخصص في المنطق الفلسفي ، التحليل الفلسفي ، فلسفة الفعل ، فلسفة اللغة وفلسفة العقل . وكانت دراساته قريبة من الفيلسوف الأمريكي البراجماتي تشارلز ساندروز بيرس (1839 – 1914) . ومن أهم مؤلفات رايت : المشكلة المنطقية للإستقراء (إطروحة دكتوراه) 31 مايس 1941 . التجريبية المنطقية 1945 ، حول الصدفة 1945 ، ورسالة حول الإستقراء والإحتمالات 1951 وغيرها .

 – أنظر : أيان بروبس ؛ الفيتجنشتانيون الجُدد : النقد (بالإنكليزية) ، مجلة الفلسفة الأوربية ، بلاكويل للناشرين 2001 ، ص ص 375 – 404 . [2]

 – أنظر : ديفيد آدموند وجون أيدانو ؛  بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة ، (بالإنكليزية) ، دار  [3]

نشر هاربر كولينز ، نيويورك 2001 . وبالمناسبة إن كلاً من أدموند وأيدانو يعملان في إذاعة البي . بي . سي . وهذه المحاججة تُعد من الأحداث البالغة الأهمية في تاريخ الفلسفة (وبالطيع يُثار حولها الكثير من الإحتجاجات والشكوك لأنها كُتبت بعد وفاة فيتجنشتاين بفترة ليست بالقصيرة ومصدرها الوحيد ميموار كارل بوبر وخلال البحث الحالي ستأتي الكثير من الشواهد). وكارل بوبر هو فيلسوف العلم النمساوي – البريطاني ولودفيغ فيتجنشتاين (موضوع بحثنا الحالي) . وكان حاصل هذه المحاججة ، مواجهة عنيفة حدثت بين الفيلسوفين في عام 1946 وبالتحديد في نادي العلوم الإخلاقية في جامعة كيمبريدج . والكتاب هو وصف لتفاصيل رواية هذه المحاججة الفلسفية بين الفيلسوفين . والأصل هو إنه في 25 إكتوبر 1946 وجهت دعوة إلى البروفسور كارل بوبر (وهو إستاذ في مدرسة الإقتصاد في لندن) بتقديم بحث بعنوان : هل هناك مشكلات فلسفية ؟ وفي إجتماع المحاججة كان رئيس الجلسة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . ومن ثم دخل الإثنان في جدل عنيف دار حول السؤال ؛ هل هناك فعلاً مشكلات جوهرية توجد في الفلسفة ؟ أم هي مجرد ألغاز لوجستيكية ؟ وهو الموقف الذي تبناه فيتجنشتاين . وفي تفسير بوبر المشهور ، هو إن فيتجنشتاين يستعمل ويتداول لعبة البوكر بقرب موقد النار وهدف فيتجنشتاين هو فرض وجهات نظره .. ومن ثم تصاعدت نيران المحاججة ووصلت إلى أعلى درجات حرارتها . وعندها تحدث فيتجنشتاين وبين بمثال على القاعدة الإخلاقية ، وفي النهاية فإن كارل بوبر زعم ومن ثم رد قائلاً ” لا لتهديد لاعبي ورق البوكر ” . ووفقاً لكارل بوبر فإن فيتجنشتاين ” رمى أوراق لعبة البوكر وإنسحب من المحاججة ” . وفي النهاية تم جمع أوراق فيتجنشتاين في لعبة البوكر وقُدم تفسير لحججها ومن ثم تم تأسيس نص لأعمال بوبر المهنية وأعمال فيتجنشتاين .  وبالمناسبة إن الفيلسوف برتراند رسل كان شاهداً وقد حضر هذا الإجتماع .

  والحقيقة إن كتاب بوكر فيتجينشتاين : قصة المحاججة … بين إثنين من كبار الفلاسفة ، هو نوع من المتابعة الفكرية لثلاثة خطوط روائية ، وكل واحد منها يعرض طرف من المواجهة التي حدثت في جامعة كيمبريدج بين الفيلسوفين ؛ فيتجنشتاين وبوبر ، والتي في الإمكان الحديث عنهما بالصورة الأتية : الأول – هو بحث توثيقي لما حدث بدقة ، ومن ثم بيان طبيعة الجدل حول التفسيرات المختلفة للمشاركين . الثاني – تدوين تاريخ شخصي ، يعتمد منهج المقارنة بين الفيلسوفين . مع بيان الإختلافات في إصولهم التي نزلت من فينا وبالتحديد من طرف لغتهم (أو لهجتهم) الفلسفية . الثالث – إستكشاف الأهمية الفلسفية لعدم الإتفاق بين الفيلسوفيين وبما يتناسب وهذه المناظرة الكبيرة وخصوصاً في مضمار فلسفة اللغة في بواكير القرن العشرين (والأدق برأينا في نهايات النصف الأول من القرن العشرين) .

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1958 ، ص 6 . [4]

 – هي وحدة دستورية قامت بين الإمبراطورية النمساوية ومملكة هنغاريا والتي ظهرت إلى الوجود خلال الفترة من 1867 وحتى 1918 . ومن ثم [5]

إنهارت بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى .. أنظر : ألن جون تايلور ؛ ملكية هابسبورغ : 1809 – 1918 : تاريخ الإمبراطورية النمساوية والإمبراطورية الهنغارية – النمساوية (السياسة والدوبلوماسية) ، ط 2 ، دار كتب بنجوين – لندن 1964 .

 – أنظر : وليم ويرن بارتلي ؛ فيتجنشتاين (بالإنكليزية) ، دار نشر الكورت المفتوح ، 1994 ، ص ص 199 – 200 . [6]

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (بالإنكليزية) ، المطبعة الحرة 1990 ، ص ص 4 – 5 . [7]

 – أنظر : المصدر السابق ،ص 5 . وجوزيف يواكيم هو واحد من أهم عازفي الكمان في القرن التاسع عشر . للتفاصيل أنظر : إيفانس را ؛ [8]

جوزيف يواكيم ، منشور في صُحبة أكسفورد للموسيقى (بالإنكليزية) ، إشراف إليسن لاثهام ، مطبعة جامعة أكسفورد 2002 ، ص ص 637 – 638 .

 – انظر : جون برامانا وكون موران ؛ كارل فيتجنشتاين : رجل الأعمال وراعي الفن ، جامعة ولاية فورستبيرك 2010 (أون لاين) . [9]

 – أنظر : ديفيد أدموند وجون أيدانو ؛ بوكر (أوراق لعب) فيتجنشتاين  : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة [10]

(مصدر سابق) ، ص 63 . وعائلة روتشيلد هي من العوائل الثرية ، والتي تصعد إلى ماير آمشيل روتشيلد (1744 – 1812) وهو مصرفي ألماني ويُعد المؤسس لسلالة رجال بنوك روتشيلد . ويُعتقد بأنها العائلة الأكثر ثراءً في تاريخ الإنسانية . ويُطلق على ماير روتشيلد لقب ” الأب المؤسس للمالية العالمية ” . ووفقاً لمجلة فوربس (وهي مجلة الأعمال الأمريكية ، ومقرها الرئيس في مدينة جرسي – نيوجرسي) والتي قدمت قائمة للأمريكان الأثرياء . للتفاصيل أنظر : ستيوارت بنكرسن ؛ سقوط بيت فوربس : القصة الداخلية لإنهيار الإمبراطورية الإعلامية ، مطبعة القديس مارتين ، نيويورك 2011 . وإحتلت عائلة روتشيلد المرتبة السابعة في قائمة العشرين . ورجال عائلة روتشيلد من أهم رجال الأعمال وأكثرهم تأثيراً في كل العصور ” . للتفاصيل أنظر : نويل ميشيل ؛ العشرون من رجال الأعمال الأكثر تأثيراً في كل العصور ، مجلة فوربس ، 3 / 11 / 2007 .

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 7 . [11]

 – أنظر : ديفيد أدموند وجون أيدانو ؛ بوكر فيتجنشتاين  (مصدر سابق) ، ص 102 . [12]

 – وكانت والدة لودفيغ فيتجنشتاين ، خالة عالم الإقتصاد والفيلسوف السياسي البريطاني – النمساوي فردريك فون هيك (1899 – 1992) والذي فاز [13]

بجائزة نوبل (مشاركة) في عام 1974 . وجاء فوزه بالجائزة ” لعمله الرائد في مضمار النظرية المالية .. ” . والبروفسور هيك هو فيلسوف سياسي في القرن العشرين ، وهو فيلسوف إغنوستك : شكي (لاأدري) . ومن أهم مؤلفاته : البنية الرأسمالية للأرباح ، الفائدة والإستثمار (1939) . وكتابه الذي حمل عنوان النظرية البحتة لرأس المال (1941) . وفي فلسفة العلوم نحتفل بكتابه الذي حمل عنوان الثورة المضادة للعلم : دراسات حول سوء إستخدام العقل (1952) .. للتفاصيل أنظر : رونالد هاموي (المشرف) ؛ الحرية الدستورية : النشرة التعريفية (أعمال فردريك فون هيك الشاملة) ، مطبعة جامعة شيكاغو 2011 (تألف من 688 صفحة) .

 – أنظر للتفاصيل : جيرك جارسولفا ؛ بوهيميا في نهايات الماضي ، منشور في كتاب : البيربول البرابرة المنسيين ، 2010 (أون لاين) . [14]

 – أنظر : رانجيت تشاترجي ؛ فيتجنشتاين واليهودية : إنتصار الإخفاء ، نيويورك 2005 ، ص 178 . وهو من الكتب المهمة في مناقشة الطرف [15]

العقيدي عند الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . والكتاب تألف من 207 صفحة .

 – بول فيتجنشتاين (1887 – 1961) هو الأخ الأكبر للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وبترت يده اليمنى خلال الحرب العالمية الأولى وكان يعزف [16]

بيده اليسرى الوحيدة . وفعلاً فقد طور تكنيكاً مكنه من التعويض عن يده اليمنى . وبحكم عائلته إتصل بول وتعلم من رموز الموسيقى الكبار في عصره ، ومن أمثال يوهانس برامس (1833 – 1897) ، غوستاف ميلر (1860 – 1911) ، جوزيف ليبر (1842 – 1924) وريتشارد شتراوس (1864 – 1949) والذين كانوا يزورن على الدوام عائلة آل فيتجنشتاين … للتفاصيل أنظر : إيفان إيليتش (عازف بيانو صربي) ؛ قصة بول فيتجنشتاين عازف البيانو بيد واحدة ، صحيفة الواشنطن تايمز ، كانون الثاني سنة 2013 .

 – أنظر : وليم ويرن بارتلي ؛ المصدر السابق ، ص 16 . [17]

 – كما يُلفظ بالإلمانية ، أنظر قاموس ويبستر ، إشراف جيسي ستين 1994 (وهو قاموس أمريكي كبير ، وطبع لأول مرة عام 1966 ، ويتألف من [18]

2256 صفحة) .  

 – أنظر : ستيفن بروك ؛ دليل شهود فينا ، لندن 2012 ، ص ص 146 – 147 . [19]

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ فيتجنشتاين : وجهة نظر دينية ، مطبعة جامعة كورنيل 1995 (تألف من 152 صفحة) . [20]

برنو والتر هو المؤلف الموسيقي وعازف البيانو الألماني ، والذي ولد في برلين . ومن ثم هجر بلده ألمانيا بعد صعود الرايخ الثالث وإستقر في  [21]

عام 1939 نهائياً في الولايات المتحدة الأمريكية . وعمل مع الموسيقار غوستاف ملر . وبرنو والتر هو من أشهر قائدي الأوكسترا في القرن العشرين . وتأثر والتر بصورة عميقة بالفيلسوف النمساوي رودلف شتاينر (1861 – 1925) ومن أهم مؤلفات الفيلسوف شتاينر ؛ إطروحته للدكتوراه والتي حملت عنوان الحقيقة والمعرفة (1892) ورائعته فلسفة الحرية (1894) . للتفاصيل أنظر : إريك رايدنك وربيكا بيشفسكي ؛ برنو والتر : عالم في مكان آخر ، نيوهيفن ، مطبعة جامعة ييل 2001 .  

 – لمزيد من التفاصيل أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 8 . [22]

 – أوغست رودان وهو من مشاهير النحاتين الفرنسيين . ومن أشهر أعماله أبواب الجحيم والتي إستلهمها من رائعة الشاعر الإيطالي دانتي [23]

الإليجري (1265 – 1321) والتي حملت عنوان الكوميديا الإلهية . ومن أعمال رودان  الأخرى في النحت ؛ المفكر والذي أنجز تصميمه المصغر عام 1880 ومن ثم أصبح من ممتلكات مدينة باريس . وفي عام 1889 جاء تصميم إنموذجه الذي حمل عنوان القبلة … للتفاصيل أنظر : هالين وليم هيل ؛ عالم رودان (1840 – 1917) ، مكتبة الفن حياة وزمن ، نيويورك 1969 .   

 – غوستاف كليمت وهو الرسام النمساوي الرمزي ، والذي يُعد واحداً من أشهر أعضاء جماعة حركة إنفصال فينا . وكان الموضوع الرئيس [24]  للوحاته هو جسد المرأة . وكانت أعماله موضوع جدل دائم . ومن أهم أعماله تلك التي كانت منشورة على سقوف قاعات جامعة فينا والتي بدأت تظهر في عام 1900 . وترك أثاراً على الشباب من الفنانين وخصوصاً الرسام النمساوي إيجون شيله (1890 – 1918) والذي إشتهر بلوحاته التي دشنت الحركة التعبيرية .. للتفاصيل أنظر : كارل شوشكا ؛ غوستاف كليمت : الرسم وأزمة الذات الحرة ، منشور في كتاب : في فينا : السياسة والثقافة ، كتب فانتج سنة 1981 .

 – يوهانس برامس وهو المؤلف الموسيقي وعازف البيانو النمساوي . ولد في هامبورك وفي أحضان عائلة لوثرية . وصرف معظم سنوات حياته [25]

في فينا . وذاعت شهرته الموسيقية الأفاق حتى صار إسمه يُذكر في عداد كل من يوهان سباستيان باخ (1685 – 1750) و لودفيغ فان بيتهوفن (1770 – 1827) . وتحولت أعمال برامس إلى نماذج لما عُرف بالموسيقى الحديثة . إلا إنه يُحسب من المحافظين على التقليد وفي الوقت ذاته يحمل نزعة نحو التجديد . ومن المؤسف إن برامس دمر وأتلف بعض من أعماله بحجة البحث عن الكمال ، كما وترك أعماله الأخرى دون أن ينشرها . وكان برامس في عقيدته إنسانياً وشكياً وإن ظل مواكباً على قراءة الإنجيل الذي ترجمه إلى الألمانية مارتن لوثر (1483 – 1546) . للتفاصيل أنظر : ستايرا إيفانس (المشرفة) ؛ يوهان برامس : الحياة والرسائل ، مطبعة جامعة أكسفورد 1997 .

 – غوستاف ملر وهو المؤلف الموسيقي النمساوي في أواخر عصر الرومانتيكية . ويُعد في عصره مايسترو رائداً ، وعمل جسوراً بين التقليد [26]

الألماني النمساوي في القرن التاسع عشر والحداثة في بواكير القرن العشرين . وهناك إعتراف بقيادته ومكانته الموسيقية في عصره والتي تمثلت بحصوله على شهرة موسيقية واسعة . وتعرضت موسيقاه إلى الإهمال والنسيان لفترة في أوربا وخصوصاً خلال الفترة النازية . إلا إنه بعد عام 1945 فقد تم إعادة إكتشاف مؤلفاته الموسيقية من قبل جيل جديد من المستمعين . ولذلك أصبح غوستاف ملر واحداً من أشهر الموسيقين وإستمر هذا الحال حتى القرن الحادي والعشرين .. للتفاصيل أنظر : جونالد مشل وأندرو نيكلسون ؛ صحبة غوستاف ملر ، مطبعة جامعة أكسفورد 1999 .

 – أنظر : براين ماككينس ؛ فيتجنشتاين : الحياة : لودفيغ الشاب (1889 – 1921) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1988 ، ص 18 . [27]

 – وموريس أوكونور دروري المشهور بين أصدقائه بلقب ” كون دروري ” وهو طبيب نفساني ومن أتباع الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . ولد [28]

موريس دروري في إكستر – ديفون – إنكلترا وكان والديه من الإيرلنديين . وتعلم في مدرسة النحو في إكستر ، ومن ثم درس الفلسفة في كلية الثالوث – كيمبريدج . وكان أساتذته كل من الفيلسوف جورج أدورد مور (1873 – 1958) والفيلسوف تشارلي دانبار برود (1887 – 1971) والفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وتحول دروري إلى صديق للفيلسوف فيتجنشتاين وحتى وفاة الفيلسوف عام 1951 . ولعل من أهم مؤلفات دروري كتابه والذي حمل عنوان خطورة الكلمات وكتابات حول فيتجنشتاين (دار نشر روتليديج وبول كاغان 1973 وتألف من 278 صفحة ) . أنظر : جون هايس ؛ دروري موريس أوكونور ، منشور في : معجم الفلاسفة الإيرلنديين ، نشر توماس دودي 2004 ، ص ص 105 – 106 . وراي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 264 .

 – أنظر : ثيودور ريدباث ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : ميموار تلميذ ، دار نشر دوكورث ، لندن 1990 ، ص 112 . [29]

 – أنظر : دبليو وارد : الطبقة الصوتية المثالية ، منشور عند : د . دوتسش ؛ سايكولوجيا الموسيقى ، المطبعة الأكاديمية ، سان ديغو 1998 ، ص [30]

ص 265 – 298

 – أنظر : ديفيد آدموند وجون أيدانو ؛ بوكر فتجنشتاين (مصدر سابق) . [31]

 – أنظر : أليس الكسندر ؛ حساسية الأذن إلى الطبقة الصوتية العالية وتغيير الطبقة في الموسيقى ، مجلة الجمعية الملكية الموسيقية ، المجلد [32]

الثالث ، العدد اللأول 6 نوفمبر 1876 .

 – أنظر : أوتو إبراهام ؛ وعي النغمة المطلقة والموسيقى ، ترجمها من الألمانية كريستفور أورفو ، مجلة مقتطفات من الجمعية الموسيقية الدولية ،[33]

المجلد الثامن 1907 ، ص ص 486 – 491 .

 – أنظر : إي . أف . كوب ؛ القابلية الموسيقية ، مجلة التراث ، المجلد السابع سنة 1916 ، ص ص 297 – 305 .  [34]

 – أنظر : كاثرين براون ؛ عزف النوطة الصحيحة ، مجلة العالم الجديد ، المجلد رقم 164 في 4 دسمبر 1999 ، ص ص 38 – 41 . [35]

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 442 – 443 . [36]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 14 – 15 . [37]

 – مايكل نيدو (ولد عام 1940) في باوتسن التي تسكنها الأقلية الصربية في ألمانيا . والأدق هو المدير لأرشيف فيتجنشتاين في كيمبريدج . وكان  [38]

نيدو أولاً يعمل في مضمار صناعة الألات المعدنية . ومن ثم درس الرياضيات والفيزياء وعلم الفيزيولوجيا (الحيوان) . ومنذ عام 1992 أصبح مدير أرشيف فيتجنشتاين . وركز عمله في مجاميع كتابات فيتجنشتاين وكتب ملاحظاته . والحقيقة إن عمل نيدو في تراث فيتجنشتاين ، كان موضوع جدل حاد وقد تناولته الصحافة . ومن الأعمال التي قام بها الدكتور مايكل نيدو : 1 – الملاحظات الفلسفية ، المجلد الأول 1999 . 2 – لودفيغ فيتجنشتاين ، طبعة فينا . وتكونت من 15 مجلداً . 3 – منقوشات (ملخصات) مختارة من مجلدات مخطوطة 2000 . 4 – لودفيغ فيتجنشتاين : ألبوم السيرة الذاتية (الناشر الألماني) فيرلاغ بيك ، ميونخ 2012 . أنظر : كورت أوسترلا : الماضي والمستقبل : معركة من أجل تراث فيتجنشتاين ، 8 كانون الثاني 1993 . 

 – أنظر : أريك هايجرمان ؛ ميوزكلوجيا (علم الموسيقى) ، بالصربية وترجمها إلى الإنكليزية هانس بيترس ، العدد الخامس سنة 2005 ، ص [39]

ص 393 – 395 . ونشر معها مخطوطة فيتجنشتاين لنوطة المقطوعة الموسيقية مع تعليق بخط يد فيتجنشتاين (أنظر ص 395) .

 – المصدر السابق . [40]

 – المصدر السابق [41]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 294 . [42]

 – أنظر المصدر السابق . [43]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 294 – 295 . [44]

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري ، المطبعة الحرة ، نيويورك 1990 ، ص 11 . [45]

 – إنظر : إنثوني كيني ؛ إمنحه العبقرية أو إمنحه الموت ، صحيفة نيويورك تايمز ، 30 ديسمبر سنة 1990 . [46]

 – أنظر : أليس إيفان ؛ قصة بول فيتجنشتاين عازف البيانو بيد واحدة ، صحيفة الواشنطن تايمز ، 4 ديسمبر سنة 2011 . [47]

 – أنظر : إنثوني جوتلوب ؛ روعة العصبي ، صحيفة أخبار نيويركر ، 9 أبريل سنة 2009 . [48]

 – أنظر : مايكل فيتز جيرالد ؛ هل لودفيغ فيتجنشتاين يُعاني من أعراض الأسبرغر (الإنعزالية) ؟ منشور في : الطفل الأوربي والطب النفسي [49]

للمراهقين ، المجلد التاسع ، العدد الأول ، ص ص 61 – 65 .  

 – أنظر : ديفيد إيدموندز وجون أيداناو ؛ بوكر فيتجنشتاين : قصة محاججة لعشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة ، مطبعة إيسسو ، سنة [50]

2001 ، ص 63 .  

 – إنثوني جوتليب ؛ روعة العصبي : عائلة فيتجنشتاين تمتلك عبقري للبؤس ، صحيفة نيويوركر الجديد ، 9 أبريل سنة 2009 . [51]

 – ألكسندر إيفلين مايكل وو ؛ بيت فيتجنشتاين : عائلة في حرب ، دار نشر راندم ، كندا سنة 2008 ، ص 38 . [52]

 – المصدر السابق ، ص 10 . [53]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 24 – 26 . [54]

 – أنظر : توماس كوسشات ، أغنية ” منبوذ أنا ” ، موجودة على اليوتيب ، 11 سبتمبر سنة 2010 . [55]

 – أنظر : ألكسندر مايكل وو ؛ المصدر السابق ، ص ص 22 – 23 . [56]

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 11 الهامش . [57]

 – ألكسندر مايكل وو ؛ المصدر السابق ، ص 128 . [58]

 – براين ماكغينيس ؛ فيتجنشتاين : الحياة ، لودفيغ الشاب (1889 – 1921) ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 1988 ، ص 156 . [59]

 – أنظر : ألكسندر مايكل وو ؛ المصدر السابق ، ص 33 . [60]

 – أنظر : براين ماكغينيس ، المصدر السابق ، ص 51 الهامش . [61]

 – أنظر المصدر السابق . [62]

 – أنظر المصدر السابق ، الهامش [63]

 – برجيت هامان وتوماس تورنتون ؛ فينا عصر هتلر : التلاميذ زمن الدكتاتور ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2000 ، ص ص 15 – [64]

16 ، وكذلك ص 79 (وظهر هذا الكتاب بالألمانية أولاً سنة 1996) .

 – راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 14 – 15 . [65]

 – أنظر : براين ماكغينيس ؛ المصدر السابق ، ص 51 . [66]

 – أنظر المصدر السابق . [67]

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 27 . [68]

 – انظر المصدر السابق ، ص 29 . [69]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 30 – 35 . [70]

 – مايكل بيني (إشراف) ؛ قارئ فريجة ، دار نشر بلاكويل ، سنة 1997 ، ص ص 194 – 223 ، 258 – 289 (تألف من 426 صفحة) . [71]

 – راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 30 ومابعد .[72]

 – المصدر السابق . [73]

 – المصدر السابق ، ص 36 الهامش . [74]

 – أدورد كانترين ؛ لودفيغ فيتجنشتاين ، دار كتب ريكشن ، سلسة الحياة النقدية ، سنة 2007 ، ص 36 (تألف الكتاب من 222 صفحة) . [75]

 – أنظر : جون أوكورنر وأدموند روبرتسن ؛ لودفيغ جوزيف يوهان فيتجنشتاين ، مطبعة جامعة سانت إندروز ، سنة 2010 [76]

(أون لاين) .  

 – تشارلز كي أوغدن هو عالم اللنكوستيكا الإنكليزي ، وهو كاتب واسع الثقافة ، وخبرته تمتد إلى مياين معرفية متنوعة من مثل الأدب ، السياسة ، [77]

الفنون والفلسفة . وهو ناشر ومترجم كما هو مدافع عن لغة إنكليزية مبسطة والتي دافع عنها في كتابه الذي حمل عنوان لغة إنكليزية مبسطة : مدخل عام (1930) . وأوغدن هو واحد من مؤسسي الجمعية الهرطقية سنة 1909 والتي فتحت أبوابها للنساء . وكان الرئيس للجمعية الهرطقية منذ سنة 1911 . وبالمناسبة إن إجتماع الهراطقة حدث في نوفمبر سنة 1929 وحينها كان لودفيغ فيتجنشتاين يلقي محاضرة بعنوان حول الأخلاق . وهذه المحاضرة أصبحت الجزء المبكر من التراث الفيتجنشتايني . ومن أهم مؤلفات تشارلز أوغدن ، رائعته التي حملت عنوان معنى المعنى ، سنة 1949 . وتعاون مع فرانك رامزي في ترجمة رائعة فيتجنشتاين وإطروحته للدكتوراه والتي حملت عنوان رسالة منطقية – فلسفية سنة 1922 . أنظر : مارك لينرنبي ؛ فيتجنشتاين المبكر حول الدين ، سنة 2006 . وكذلك : فيليب سيرجنت فلورنس وجون ريتشارد إندرسن ؛ تشارلز كي أوغدن : ميموار جمعي ، دار نشر أليك بي ، سنة 1977 (تألف من 252 صفحة) .

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 36 الهامش .  [78]

 – تشارلي دانبار برود وهو إبستمولوجي إنكليزي ، مؤرخ الفلسفة ، وفيلسوف العلم والأخلاق . بدأ تعليمه في كلية دولويتش (مدرسة ثانوية) من [79]

عام 1900 وحتى 1906 . وحصل على زمالة دراسية من كلية الثالوث – جامعة كيمبريدج سنة 1906 وتخرج عام 1910 بدرجة الشرف الأولى . وأصبح باحثاً في كلية الثالوث . وعين بروفسوراً في جامعة برستول سنة 1920 وعاد إلى كلية الثالوث . وكان رئيس الجمعية الأرسطية منذ 1927 – 1928 .  وأصبح محاضراً للأخلاق في كلية الفلسفة في جامعة كيمبريدج وحتى عام 1931 . وهو مشهور بمؤلفاته كل من الفكر العلمي (1923) ، العقل ومكانته في الطبيعة (1925) ، فحص فلسفة جون مكتاغرت إليس (1933) والأخلاق وتاريخ الفلسفة (1952) . أنظر للتفاصيل : بول شيلب (الإشراف) ؛ فلسفة تشارلز دانبار برود ، شركة نشر تودر ، نيويورك سنة 1959 .  

 – إيرك هارولد نيفيل وهو عالم الرياضيات الإنكليزي . درس في مدرسة وليم إليس ، وفيها نمت قابلياته في الرياضيات والتي تم الإعتراف بها . [80]

وكان معلمه في الرياضيات توماس بيرس نانا (فيما بعد السير توماس نانا) . وفي عام 1907 دخل إيرك نيفيل كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج ، وأصبح زميلاً إلى كل من الفيلسوف وعالم المنطق برتراند رسل وعالم الرياضيات غودفري هارولد هاردي (1877 – 1947) . وخلال الفترة التي قضاها في كلية الثالوث وقع تحت تأثير برتراند رسل وخصوصاً عمله في مضمار الأسس المنطقية للرياصيات . من أهم مؤلفات إيرك نيفيل : كتابه الذي حمل عنوان الأبعاد الأربعة (1921) والذي طور فيه الطرق الهندسية في المكان ذو الأبعاد الأربعة . وجاء بعد ذلك كتابه الذي كان بعنوان مقدمة في الهندسة التحليلية (1922) . وخلال الحرب العالمية الأولى رفض المشاركة في القتال بحجة ضعف نظره . والحاصل من ذلك رفض الجامعة في عام 1919 من تجديد عمله . ومن ثم حصل على رئاسة قسم الرياضيات في كلية ريدنغ الجامعية . للتفاصيل أنظر : ت . أي . أي . برودبينت : إيرك هارولد نيفيل ، مجلة جمعية الرياضيات – لندن ، سنة 1962 ، العدد 37 ، ص ص 479 – 482 .

 – أنظر راي مونك : المصدر السابق . [81]

 – اللدي أوتولاين فايولت أنان مورل وهي الإرستقراطية الإنكليزية والتي كانت راعية بصورة مؤثرة للدوائر الفنية والعقلية . وكانت صديقة [82]

لعدد من الكتاب من أمثال ؛ الكاتب الإنكليزي ألدوس هكسلي (1894 – 1963) ، الشاعر الإنكليزي سيغرفيد ساسون (1886 – 1967) ، الشاعر الأمريكي الإنكليزي توماس إليوت (1888 – 1965) ، والشاعر والروائي الإنكليزي ديفيد هربرت لورانس (1885 – 1930) . كما وكانت صديقة لعدد من الفنانين من أمثال ؛ الرسام البريطاني مارك غيرتلر (1891 – 1939) ، والرسامة البريطانية دورا غرينغتون (1893 – 1932) والرسام البريطاني غلبرت سبنسر (1892 – 1979) . ولاحظنا إن أوتولاين مورل قد ذاع صيتها بعلاقاتها الجنسية مع العديد من الجنسين . ولعل علاقتها مع فيليب مورل كانت أكثر شهرة ، واليوم تُعرف بالزواج المفتوح والذي إستمر طول حياتهما . وبالمناسبة إن أوتولاين مورل كانت لها علاقة طويلة الأمد مع الفيلسوف برتراند رسل وكانت بينهما مراسلات تكونت من أكثر من ألفين رسالة . كما وكانت لها علاقة حب مع الفنانة دورا غرينغتون . وتركت أوتلاين مجلدين من المذكرات والتي طبعت بعد وفاتها . للتفاصيل أنظر : ميراندا سيمور ؛ أوتولاين مورل : الحياة على نطاق واسع ، شركة نشر هورد وستوكتون ، لندن سنة 1992 .

 – أنظر : براين ماكغينيس ؛ فيتجنشتاين : الحياة : لودفيغ الشاب (مصدر سابق) ، ص ص 88 – 89 . [83]

 – أنظر المصدر السابق . [84]

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 41 .  [85]

 – برتراند رسل ؛ السيرة الذاتية ، شركة نشر روتليدج (سلسلة كلاسيكيات روتليدج) ، سنة 1998 (تألف من 768 صفحة) ، ص 281 . [86]

 – نادي العلوم الأخلاقية (جامعة كيمبريدج) وأسسته مجموعة وذلك لمناقشة الفلسفة عام 1878 . وكانوا يلتقون إسبوعياً في جامعة كيمبريدج [87]

وخلال فترة زمنية محددة . وكان النادي يدعو عدد من المتكلمين ويطلب منهم تقديم بحثاً ، ويُلزمهم بأن يكون الكلام خمس وأربعين دقيقة وتتبعها مناقشة لفترة ساعة واحدة . والكليات التي إستضافت النادي هي كل من كلية الثالوث ، كلية كنك ، كلية كلير ، كلية داروين ، وكلية سانت جون . وأنضمت إليهم في عام 2014 كلية نيوهام – كيمبريدج . وتأثر النادي بصورة قوية بالفلسفة التحليلية والسبب وراء ذلك هو إن التركيز كان على فلاسفة جامعة كيمبريدج . وكان عدد من أعضاء النادي من قمة الأسماء في الفلسفة البريطانية ، ومن مثل الفيلسوف الإنكليزي هنري سيدجويك (1838 – 1900) ، الفيلسوف جون مكتاغرت ، الفيلسوف برتراند رسل ، الفيلسوف جورج مور والفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . للتفاصيل أنظر : أحمد عريف (عراقي من كركوك تركماني 1927 – 1991) ؛ نادي العلوم الأخلاقيىة : تاريخ موجز ، كلية الفلسفة – جامعة كيمبريدج ، سنة 2013 (أون لاين) . 

 – أنظر : جاك بت ؛ رسل ونادي العلوم الأخلاقية في كيمبريدج ، منشور عند رسل : مجلة دراسات برتراند رسل ، شتاء 1982 ، العدد الثاني . [88]

 – أنظر : ديفيد إيدموندز وجون أيدانو ؛ بوكر فيتجنشتاين .. (مصدر سابق ) ، ص ص 22 – وما بعد . [89]

 – ريتشارد بيفان بريثويت وهو فيلسوف إنكليزي ومتخصص في فلسفة العلم ، الأخلاق وفلسفة الدين . كان محاضراً في العلم الإخلاقي في جامعة [90]

كيمبريدج منذ سنة 1934 وحتى سنة 1953 . ومن ثم أصبح بروفسوراً للفلسفة الأخلاقية منذ سنة 1953 وحتى سنة 1967 . وكان رئيس الجمعية الأرسطية منذ سنة 1946 وحتى سنة 1947 . وتم إنتخابه عام 1957 باحثاً في الأكاديمية البريطانية . من أهم أعماله ؛ التفسير العلمي (1953) . وجهة نظر التجريبي إلى طبيعة العقيدة الدينية (1955) . ونظرية اللعب وسيلة للفيلسوف الأخلاقي (1955) . وهو الذي أدخل نظرية اللعب إلى الإستدلال الأخلاقي . وبالمناسبة إن لودفيغ فيتجنشتاين إستخدم ” بوكر بريثويت ” في الهجوم على كارل بوبر . للتفاصيل أنظر : أليستر ماككريث ؛ اللاهوت العلمي ، أدنبرا ، سنة 2001 ، ص ص 74 – 75 .

 – أنظر : ديفيد أيدمونز وجون أيدانا ؛ متى قابل لودفيغ (لودفيغ فيتجنشتاين) كارل (كارل بوبر) ، صحيفة الكارديان ، 31 أذار سنة 2001 . [91]

 – أنظر دقائق إجتماع بوكر فيتجنشتاين ، جامعة كيمبريدج ، 7 سبتمبر سنة 2010 . [92]

 – جمعية رُسل كيمبريدج وهي جمعية عقلية تضم النخبة في جامعة كيمبريدج . أسسها عام 1820 رجل الدين الإنكليزي جورج توملينسون  [93]

(1794 – 1863) ويومها كان طالباً في كيمبريدج ومن ثم أصبح أسقف جبل طارق (من 1842 وحتى 1863) . وتألفت في البداية من إثنتي عشر عضواً وهم المؤسسين للجمعية . وكان بعضهم طلاباً يومها في حين كان البعض الأخر من الخريجين ويدرسون في الدراسات العليا . وكان أغلبهم من كليات المسيح ، سانت جون ، الثالوث ، كنك ، اليسوع في كيمبريدج .. للتفاصيل أنظر : بيتر ألين ؛ رسل كيمبريدج : السنوات المبكرة ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1975 . وكذلك : دونالد ماكورميك ؛ رسل كيمبريدج : تاريخ جمعية كيمبريدج العقلية النخبوية السرية ، دار نشر فارار وستراوس وجيرو ، سنة 1986 .  

 – براين ماكغينيس ؛ فيتجنشتاين : الحياة : لودفيغ الشاب (مصدر سابق) ، ص 118 . [94]

 – أنظر المصدر السابق [95]

 – أنظر : أوتو واينينغر ؛ الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، ترجمة لادسلويس لوب ، مطبعة جامعة إنديانا ، سنة[96]

2005 (تألف من 437 صفحة) . والكتاب طُبع بلغته الألمانية لستة طبعات متوالية .

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، خلاصة للصفحات 19 – 26 . [97]

 – أنظر : زنبوتا شانديك ؛ أوتا واينينغر : الجنس ، العلم والذات في إمبراطورية فينا ، مطبعة جامعة شيكاغو ، سنة 2000 ، ص [98]

163 .

 – ريتشارد فاغنر هو شخصية متعددة المواهب ، فهو مؤلف ألماني وموسيقي ومخرج مسرحي وقائد موسيقي للعديد من الأوبريتات . وينظر له [99]

على إنه كاتب ثوري في عالم الأوبرا . وهو رائد في مضمار العمل الشامل في الفن . وكتب العديد من المقالات خلال الفترة ما بين عام 1849 وحتى عام 1952 . ويُوصف بعض الأحيان بأنه أشر بداية جديدة في الموسيقى الحديثة . وفي سنواته الأخيرة عاش في المنفى وفي حالة فقر مدقع ولم يتمكن من تسديد ديونه . إضافة إلى إنه واجه تهم في معاداته للسامية . وكان الفيلسوف نيتشه من أصدقائه المقربين وخصوصاً خلال السبعينيات من القرن التاسع عشر . ونيتشه يصف فاغنر بانه ولادة للعصر الديونسي الجديد في الثقافة الأوربية . إلا إن نيتشه كان غير مقتنع بما يعمله فاغنر في مرحلته الأخيرة . للتفاصيل أنظر : 1 – نيتشه : ولادة التراجيديا وحالة فاغنر ، دار نشر راندم ، سنة 1967 . 2 – ديفيد كونوي ؛ اليهود في الموسيقى : مدخل إلى المهنة من عصر التنوير وحتى ريتشارد فاغنر ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2012 .

 – هنريك أبسن هو أكبر كاتب مسرح نرويجي في القرن التاسع عشر . وهو إضافة إلى ذلك مخرج مسرحي وشاعر . وغالباً ما يُطلق عليه لقب [100]

أب المسرح الواقعي ” وهو واحد من مؤسسي الحداثة في المسرح . وكذلك هو من أشهر كتاب الدراما في العالم بعد شكسبير . وتُعد مسرحيته بيت الدمية ، من أشهر المسرحيات التي إنجازها في القرن العشرين . ولذلك إحتل أبسن مكانة مرموقة بين كتاب المسرح الأوربيين . ومسرحه وفقاً لعدد من النقاد إحتوى على عناصر سريالية قوية . ويصف ريتشارد هورنبي أبسن ، فيقول ” إنه كان شاعر دراما وصاحب رؤية عميقة . وإنه الأحسن منذ عصر شكسبير ” . وترك أبسن أثاراً على عدد من الكتاب من مثل برنارد شو ، أوسكار وايلد ، أرثر ميلر ، جيمس جويس . وتم ترشيح أبسن إلى جاشزة نوبل للأداب خلال السنوات 1902 ، 1903 ، 1904 . للتفاصيل أنظر : توريل موي ؛ هنريك أبسن وولادة الحداثة : الفن ، المسرح والفلسفة  ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2006 .  

 – أنظر : أرثر جربر ؛ شهادة إلى واينينغر (أون لاين) . يقول أرثر ” إن واينينغر إعترف لي بأنه كان عازماً على قتل نفسه . إلا إنه رفض أن [101]

يُقدم لي أي سبب ” . وجاءت خاتمة الشهادة . يقول أرثر ” ما عانيناه خلال هذه الليلة ، إنني أستطيع أن أتذكره برعب . وإنه شئ غير قادر على وصفه ” . أرثر جربر : شهادة إلى واينينغر (مصدر سابق) .

 – بول يوليوس موبيوس هو عالم الأعصاب الألماني ، والذي ولد في لايبزك . وقبل أن يدرس الطب ، درس الفلسفة واللاهوت وفي كل من  [102]

جامعة لايبزك ، جامعة ينا وجامعة ماربورك . وبعد إن حصل على الدكتوراه في الطب عام 1876 أ أصبح رئيس الأطباء الجراحين في الجيش . وعاد إلى جامعة لايبزك بعد تركه الجيش . وبدأ مشروعه في مضمار فيزيولوجيا الأعصاب . وأهم كتاباته التي نحتفل بها ، كتابه الذي حمل عنوان دراسات سايكوباثولوجية ، والذي درس فيه عينات والتي ضمت كل من الشاعر الألماني غوتة والفلاسفة كل من روسو وشوبنهور ونيتشه . ومن مساهماته الأخرى دراسته النفسية وأبحاثه في الأمراض العقلية وخصوصاً الهستريا . وفرويد يذكره ويقول عنه ” إن موبيوس هو واحد من أباء العلاج النفسي ” . وموبيوس بنظر رواد الحركة الفيمنستية ، هو ضد الحركة الفيمنستية وخصوصاً برأي الفيمنست الألمانية مريانا هيدويغ دوم (1831 – 1919) . وجاء الرد على موبيوس ما كتبته أودا أولبيرك في عام 1903 وبعنوان النساء والعقلانية . وكذلك ردت الفيمنست جوانا إلبرسيكرجن (1864 – 1943) حيث قالت في 1902 ” عندما يعبر الأكاديميون الرجال عن أرائهم التي تتعلق بالنساء ، فإنهم يكونون أكثر رجولة ، ويتخلون عن إستدلالاتهم العلمية الإنسانية ” . كما إن موبيوس حاول في كتاب أخر دعم إطروحاته ، وكشف عن سوء فهم لتشريح المخ وفيزيولوجيا المخ . ولعل كتابه الذي جاء بعنوان حول فيزيولوجيا البلاهة عند النساء (وهو عنوان عدائي) والذي طُبع ثمانية طبعات . وفيه نشر رسائل بعثها إليه القراء من النساء والرجال والذين أعربوا عن معارضتهم للكتاب . وهذه الرسائل أكثر من نصف الكتاب . وبالمناسبة إن مسرحية جاءت بعنوان واينينغرز وكتبها المؤلف المسرحي جوشوا سوبول (1939 – ) والذي أظهر موبيوس واحد من أتباع الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر . أنظر : 1 – أش . ستينبيرك ؛ بول يوليوس موبيوس ؛ حول عيد ميلاده المئة والخمسين ، مجلة طب الأمراض العصبية (بالألمانية) ، المجلد 75 ، العدد الأول ، كانون الثاني سنة 2004 ، ص ص 97 – 100 .

 – أنظر : نانسي هراوتز وهيام بربارا (المشرفان) ؛ اليهود والجندر : إستجابة إلى أوتو واينينغر ، مطبعة جامعة تامبل ، فيلادليفيا ، سنة 1885 . [103]

ففي الصفحات 223 – 224 ينظر إلى أوتو واينينغر ماسوجني ووإن تفكيره يندرج في إطار الأيديولوجيات المعادية للسامية . وفي الصفحة 91 يُعيد تقويمه أي في إعتباره واينينغر ماسوجني وكونه كاره للذات اليهودية .

 – أوغست سترندبيرك هو ” أب الأدب السويدي الحديث ” . وهو في الأصل كاتب مسرحي ، روائي وشاعر . إضافة إلى إنه كاتب مقالات [104]

ورسام . وإشتهر بخبرته الشخصية وعمله المهني الذي إمتد لفترة طوت أربعة عقود . وخلال حياته كتب أكثر من ستين مسرحية ، وأكثر من ثلاثين عملاً روائياً ، كما وكتب السير والأعمال التاريخية والتحليل الثقافي والسياسي . . ومشهور عنه بأنه إختبر مجالات واسعة من التقنيات والأغراض الدرامية والتي شملت التراجيديا الطبيعية والمسرحيات التاريخية والتقنيات الدرامية السريالية . وعلى هذا الأساس يُعد ” أب الأدب السويدي الحديث ” . وإن عمله الذي حمل عنوان الغرفة الحمراء (1879) هو ” أول رواية سويدية حديثة ” . ومع الأسف مات مبكراً وبالتحديد في 14 مايس سنة 1912 وعمره ثلاثة وستين فقط . ومات بعد تمثيل عمله المسرحي الأول في الولايات المتحدة الأمريكية والذي حمل عنوان الأب ، والذي تم إخراجه في 9 نيسان عام 1912 (وعلى مسرح براكلي – نيويورك) . وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من أديث أولند وورنر أولند سنة 1912 . للتفاصيل أنظر :

1 – بريتا مورتسن وبراين دارنز ؛ ستريندبيرك : مدخل إلى حياته وعمله ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1965 . 2 – أفريت سبرنكشورن ؛ ستريندبيرك : كاتب دراما ، مطبعة جامعة ييل ، سنة 1982 .

 – ونعتقد إن الحركة الفيمنستية على الحق في غضبها على الفيلسوف أوتو واينينغر وإتهامه بأنه ضد الحركة الفيمنستية (كما قدم الدكتور [105]

محمد الفرحان شواهد على ذلك ومن خلال مناقشة أراء عالم الأعصاب الألماني بول يوليوس موبيوس الذي أصبح من المؤكد بدرجات هو المصدر الذي إستحوذ على معلوماته منه (كما إتهمه الدكتور موبيوس . وربما هي التي حملت الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر على الإنتحار) . أنظر الهامش رقم 74 من هذا البحث لتفاصيل أكثر) .  

 – أوتو واينينغر ؛ الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية (مصدر سابق) ، ص 131 . [106]

 – المصدر السابق ، ص 188 . [107]

 – المصدر السابق ، ص 148 . [108]

 – المصدر السابق ، ص 98 . [109]

 – والفردية هي [110]

 – أوتو واينينغر ؛ المصدر السابق ، ص 264 . [111]

 – أوتو واينينغر ؛ رسالة إلى الكاتب والناشر الألماني أميل شيرينغ (1873- 1951) ، سنة 1903 . [112]

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) . [113]

 – المصدر السابق . [114]

 – للتفاصيل أنظر ؛ راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 19 – 26 . [115]

 – مارتين كوهين ؛ حكايات فلسفية : وجود التاريخ البديل .. القصة الحقيقية للفلسفة ، دار نشر ويلي – بلاكويل ، سنة 2008 ، ص [116]

216 (والكتاب تألف من 296 صفحة) .

 – أنظر لكثير من التفاصيل ؛ رانجيت تشاترجي ؛ فيتجنشتاين واليهودية : إنتصار التخفي ، سلسلة دراسات يهودية ، شركة نشر بيتر لانج [117]

المحدودة ، سنة 2004 ، ص 178 .

 – نورمان مالكولم وبيتر وينش ؛ فيتجنشتاين : من زاوية نظر دينية ؟ ، مطبعة جامعة كورنيل ، سنة 1994 ، (تألف من 140 صفحة) .  [118]

 – راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 18 . [119]

 – أنظر المصدر السابق . [120]

 – أنظر : نورمان مالكولم وبيتر وينش ؛ المصدر السابق . وخصوصاً مقال نورمان مالكولم . [121]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ الثقافة والقيمة ، سنة 1933 – 1934 ، ص 24 . [122]

 – أنظر المصدر السابق . [123]

 – أنظر : بروس إشفورد ؛ فيتجنشتاين ورجال اللاهوت : دراسة مسحية عن تأثير فيتجنشتاين على اللاهوت ، مجلة الجمعية اللاهوتية  [124]

الأنجيليكانية ، حزيران سنة 2007 ، المجلد 50 ، العدد الثاني .

 – أنظر : راي مونك ؛ فيتجنشتاين : الدرس المنسي ، مجلة بروسبكت ، 20 تموز سنة 1999 . [125]

والساينتيزم هي النزعة العلمية التي ترى إن العلوم التجريبية ، هي الوحيدة التي تمتلك السلطة المعرفية ، والتي تقدم نظرة ممكنة إلى العالم . للتفاصيل أنظر : توماس سورل ؛ الساينتزم (العلمية) : فلسفة وإعجاب متطرف بالعلم ، دار نشر روتليدج ، سنة 1994 (تألف من 206 صفحة) .  

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ محاضرات حول الإعتقاد الديني (1938) ، منشور في كتاب : محاضرات ومناقشات حول [126]

علم الجمال ، علم النفس والعقيدي الديني ، إشراف كايرل بيرت ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 2007 (تألف من 80 صفحة) .  

 – أنظر : رش ريس ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : المجموعات الشخصية ، دار نشر بلاكويل ، سنة 1981 (تألف من 235 صفحة) . [127]

 – نورمان مالكولم ؛ فيتجنشتاين : وجهة نظر دينية ، مطبعة جامعة كورنيل ، سنة 1995 (تألف من 140 صفحة) . [128]

 – رش ريس ؛ المصدر السابق . [129]

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 71 .[130]

 – ديفيد هيوم بينسنت وهو خلف للفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) . وهو الصديق والشريك في الحب الإفلاطوني مع  [131]

الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين . والأخير أهدى رائعته التي حملت عنوان رسالة منطقية – فلسفية (1922) إلى ذكرى بينسنت . وحصل بينسنت على درجة الشرف الأولى في الرياضيات من جامعة كيمبريدج . وهناك قابل فيتجنشتاين . وكذلك درس بينسنت القانون . وتخرج عام 1912 . وكان طيار إختبار خلال الحرب العالمية الأولى وقُتل أثر حادث طيران سنة 1918 . للتفاصيل أنظر : ماكس كولبيل وبيرنهارد ويس ؛   

أهمية فيتجنشتاين الدائمة ، دار نشر روتليدج ، سنة 2004 ، ص 150 .

 – فرنسيس سكنير وهو ” سدني جورج فرنسيس غاي سكينر ” وكان صديق ومُحب ” مزعوم ” للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وتذهب الرواية  [132]

إلى إن سكنير وخلال دراسته للرياضيات في جامعة كيمبريدج سنة 1930 وقع تحت تأثير فيتجنشتاين ” بصورة كاملة ، ودون وعي كرس حياته للهيام بشخصية فيتجنشتاين .. ” . ويصف سكينر علاقتهما بقوله ” إن حنيني وولعي بفيتجنشتاين ، هو لإرضائه وتأييد أرائه …” . وتخرج سكينر من قسم الرياضيات – جامعة كيمبريدج سنة 1933 . وحصل على درجة باحث لفترة ثلاث سنوات في جامعة كيمبريدج وكان خلالها يُساعد فيتجنشتاين في التحضير لكتاب في الفلسفة والرياضيات (وهذا الكتاب لم يُطبع على الإطلاق) . وخلال السنة الدراسية 1934 – 1935 أهدى فيتجنشتاين إلى سكينر وأليس إمبروز نص الكتاب الأسمر . وعلى أية حال ، فإن إسلوب فيتجنشتاين العدائي القاسي ، حمل سكينر إلى ترك جامعة كيمبريدج . ومن ثم أخذ فيتجنشتاين يبتعد عنه شيئا فشيئاً وحتى وفاته سنة 1941 . أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 331 ، 334 . وكذلك : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ الكتب الزرقاء والكتب السمراء ، إشراف رش ريس ، دار نشر بلاكويل ، لندن سنة 1958 ، المقدمة ، ص 5 .

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 583 – 586 . [133]

 – المصدر السابق ، ص 369 . [134]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 238 – 240 وكذلك ص 318 . [135]

 – أنظر : لورنس غولديستين ؛ التفكير الواضح والغريب : تطورفيتجنشتاين وعلاقته بالفكر الحديث ، دار الناشرين رومان ولتلفيلد ، سنة 1999 [136]

، ص 179 .

 – أنظر : فون رايت وجون فون رايت (الإشراف) ؛ بورتريت (لوحة شخصية) فيتجنشتاين كرجل شاب : من مذكرات ديفيد هيوم بينسنت [137]

(1912 – 1914) ، دار نشر بلاكويل ، ط1 سنة 1995 (تألف من 242 صفحة) . وكذلك : راي مونك : المصدر السابق ، ص 58 الهامش وخصوصاً الكلام عن ديفيد هيوم بينسنت وفون رايت .

 – أنظر : أدوارد كانترين ؛ لودفيغ فيتجنشتاين (الحياة النقدية) ، كتب ريكشن ، سنة 2007 ، ص 40 (الكتاب تألف من 222 صفحة) . [138]

 – المصدر السابق ، ص 40 . [139]

 – أنظر : ديفيد أديدمونز وجون أيدانو ؛ بوكر فيتجنشتاين (مصدر سابق) ، ص ص 45 – 46 . [140]

 – راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 103 . [141]

 – أنظر : براين ماكغيوننيس ؛ فيتجنشتاين : الحياة : لودفيغ الشاب 1889 – 1921 (مصدر سابق) ، ص 200 . [142]

 – أنظر : ديفيد أديدمونز وجون أيدانو ؛ المصدر السابق .[143]

 – للتفاصيل عن مواقف فيتجنشتاين من إستاذه برتراند رسل أنظر ألمحور المعنون تأمل في أعمال لودفيغ فيتجنشتاين المحور الذي حمل عنوان [144]

الملحمة الكاملة لرائعة فيتجنشتاين : رسالة منطقية – فلسفية .

 – للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفلاسفة الفيتجنشتاينيون والفيتجنشتاينيون الجدد : 1- الفيلسوفة الفيتجنشتاينية مارجريت إليزابيث[145]

إنسكومب ، سيينشر في أعداد قادمة .

 – أنظر : ديفيد هوك ميلر ؛ فلاسفة كيمبريدج  : فرانك رامزي ، مجلة الفلسفة ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1990 ، العدد 70 ، ص ص [146]

343 – 262 .

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (المصدر السابق) ، خلاصة الصفحات 212 – 216 و 220 – 221 . [147]

 – أنظر المصدر السابق ، خلاصات الصفحات . [148]

 – أنظر للمزيد من التفاصيل : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 232 . [149]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 224 ، ص ص 232 – 233 . [150]

 – أنظر المصدر السابق . [151]

 – المصدر السابق . [152]

 – المصدر السابق . [153]

 – أنظر : ألكسندر وو ؛ بيت فيتجنشتاين : عائلة في حرب ، دار نشر راندم (كندا) ، سنة 2008 ، ص 162 . [154]

 – راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 232 . [155]

 – المصدر السابق ، ص ص 370 – 371 . [156]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ تراكتتس والتعليم أرشيف فيتجنشتاين في كيمبريدج ، 4 سبتمبر سنة 2010 . [157]

 – أنظر : جون إيزارد ؛ كتاب الفيلسوف النادر في البيع ، صحيفة الغارديان ، 19 شباط سنة 2005 . [158]

 – المصدر السابق . [159]

 – راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 255 .[160]

 – المصدر السابق ، ص 271 . [161]

 – ريتشارد بيفن بريثويت ؛ جورج أدورد مور ، منشورفي : إليس إمبروز وموريس ليزرويتز (الإشراف) ؛ جورج أدورد مور : مقالات في  [162]

تجديد الذكرى ، شركة نشر جورج إلين وإنوين ، نيويورك سنة 1970 (تألف من 376 صفحة) .

 – ديفيد أيدمونز وجون أيدانا ؛ المصدر السابق ، ص 98 . [163]

 – صوفيا إلكسندروفانا يونوفسكا هي عالمة الرياضيات والمنطق وفلسفة الرياضيات . وهذه هي الأطراف التي شدتها إلى أبحاث فيتجنشتاين . [164]

وأولت إهتماماً خاصاً إلى رائعة فيتجنشتاين أبحاث فلسفية والتي أشارت إليها في عدد من أبحاثها . والفيلسوفة إلكسندروفانا مشهورة في جهودها في تعزيز مكانة أبحاث المنطق الرياضي في الإتحاد السوفيتي . ولدت صوفيا في مدينة بروزاني وفي أحضان عائلة يهودية . ودرست خلال الفترة من 1914 وحتى 1918 في كلية النساء . وأصبحت شيوعية وعملت في مكاتب الحزب والحكومة وحتى عام 1924 . ومن ثم بدأت بالتعليم في معهد الدولة والقانون – الأكاديمية الروسية للعلوم . وعملت في جامعة ولاية موسكو حتى تقاعدها . كتبت إطروحتها للدكتوراه في عام 1934 وكانت حول مخطوطات كارل ماركس في الرياضيات . وأهم أعمالها كانت في تاريخ الرياضيات وفلسفة الرياضيات والمنطق الرياضي . وحصلت على العديد من ميداليات التكريم وماتت في موسكو بعد نزاع مع مرض السكري . للتفاصيل أنظر : إي . أش . إنليس ؛ ميراث صوفيا إلكسندروفانا يونوفسكا ، تاريخ وفلسفة علم المنطق ، العدد الثامن ، سنة 1987 ، ص ص 45 – 56 . وكذلك : فلانتين بازنوف ؛ تاريخ وفلسفة المنطق ، المجلد 22 ، 3 نوفمبر سنة 2001 ، ص ص 129 – 133 .  

 – أنظر : جون مارون ؛ فيتجنشتاين وروسيا ، مجلة مراجعات اليسار الجديد ، العدد 73 ، مايس – حزيران 1972 ، ص ص 83 – 96 . [165]

 – المصدر السابق [166]

 – الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم الذي ولد في سيلدن – كانساس (الولايات المتحدة الأمريكية) . ودرس الفلسفة مع الفيلسوف الأمريكي من [167]

إصول هولندية كات كولك بوزما (1898 – 1978) والذي كان في البداية مهتماً بتفكير فيتجنشاين فأرسل مجموعة من طلابه إلى جامعة كيمبريدج للدراسة مع كل من فيتجنشتاين ومور وكان نورمان مالكولم واحداً منهم . وبعد تخرج نورمان من نبراسكا سجل في جامعة هارفارد سنة 1933 وذهب إلى كيمبريدج للفترة من 1938 وحتى 1939 وقابل في كيمبريدج كل من الفيلسوفين مور وفيتجنشتاين . وحضر مالكولم محاضرات فيتجنشتاين حول الأسس الفلسفية للرياضيات خلال العام 1939 وظل واحد من اصدقاء فيتجنشتاين المقربين . وفي عام 1949 وجه مالكولم دعوة زيارة إلى فيتجنشتاين . وفعلاً جاء إلى جامعة كورنيل وقدم هناك بوزما إلى فيتجنشتاين ومنذ ذلك التاريخ كان بوزما من أصدقاء فيتجنشتاين المقربين وحتى موته سنة 1951 . وإن أهم مؤلفات نورمان مالكولم تكشف عن المكانة التي إحتلها فيتجنشاين . ومن هذه المؤلفات : 1 – لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار (مطبعة كيليردون ، ط2 سنة 2001 تألف من 144 صفحة) . 2 – فيتجنشتاين : وجهة النظر الدينية (مطبعة جامعة كورنيل ، سنة 1995 تألف من 140 صفحة) . 3 – لم يبقى شئ مخفي : نقد فيتجنشتاين لفكره المبكر (مطبعة بلاكويل سنة 1986 تألف من 250 صفحة) . 4 – مشكلات العقل : من ديكارت وحتى فيتجنشتاين (شركة نشر إلين وإنوين سنة 1972 وتألف من 103 صفحة وهي مقالات فلسفية) . 5 – فيتجنشتاين : علاقة اللغة بالسلوك الغريزي (مطبعة جامعة ويلز سنة 1981 وهي محاضرة تألفت من 26 صفحة) .

 – نورمان مالكولم ؛ إعترافات فيتجنشتاين ، مراجعات لندن للكتب ، المجلد الثالث ، العدد 21 ، 19 نوفمبر سنة 1981 . وأنظر كذلك : [168]

نورمان مالكولم : لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 1958

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ إعترافات فيتجنشتاين (المصدر السابق) ، ص 25 .  [169]

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 528 . [170]

     ولد الروائي الأمريكي نوربرت هاريسون ديفيس في 18 أبريل سنة 1909 في مدينة موريس ولاية إلينوي ونشأ فيها . وفي نهاية العشرينات تحولت عائلته إلى كليفورنيا الجنوبية ومن ثم في نهاية عام 1934 حصل على شهادة القانون من جامعة ستانفورد . إلا إنه لم يؤدي إمتحان التأهيل ليكون محامياً . وبدلاً من ذلك بدأ في عام 1932 بكتابة القصص القصيرة في مجلة القناع الأسود المشهورة . وفي عام 1943 بدأ بنشر رواياته البوليسية ومنه الثلاثية : فأر في الجبل (1943) وسالي في حارتنا (1943) وآه ، الألغام القاتلة (1946). وكتب بالإششتراك مع الروائي ويليس تودهنتر بيلارد (1903 – 1980) رواية القاتل إختار لجنة التحكيم (الجوري) سنة 1947 . أنظر : لي سيرفر ؛ إنسكلوبيديا كتاب الرواية ، نشر شركة فاكت حول الفايل ، سنة 2014 ، ص ص 77 – 79 .  

 – أنظر : جوزيف هوفمانا ؛ صعوبة غليان العبقري : لودفيغ فيتجنشتاين ونوربرت ديفيس ، الفايل الغامض ، 2 ديسمبر سنة 2011 (أون [171]

لاين) .

 – نورمان مالكولم ؛  المصدر السابق ، ص 26 . [172]

ألين ميثسون تورنغ هو عالم الرياضيات والمنطق الأنكليزي ، وإضافة إلى ذلك هو الرائد في علم الكومبيوتر . وترك ألين تورنغ أثاراً قوية  [173]

على تطور علم الكومبيوتر النظري (وكذلك البايولوجيا النظرية) . وعلى هذا الأساس حصل بإستحقاق على لقب الأب لعلم الكومبيوتر النظري .بدأ تورنغ دراسته الأكاديمية في كلية كنك – جامعة كيمبريدج من 1931 وحتى عام1934 وتخرج بدرجة الشرف الأولى في الرياضيات .وفي عام 1935 تم إختياره زميلاً باحثاً في كلية كنك . ومن ثم درس ألين تورنغ في جامعة برنستون (الولايات المتحدة لالأمريكية) وللفترة من سبتمبر عام 1936 وحتى تموز عام 1938 وتحت إشراف عالم الرياضيات الأمريكي ألونزو تشرتش (1903 – 1995) . وفعلاً فقد كتب تورنغ إطروحته للدكتوراه تحت إشراف ألونزو تشرتش وكانت بعنوان الأنظمة المنطقية المؤسسة على التراتبية (1938) . ومن طلاب ألين عالم الرياضيات البريطاني روبن غاندي (1919 – 1995) وكان عنوان إطروحته للدكتوراه التي أشرف عيها ألين تورنغ الأنظمة البديهية للرياضيات ونظريات الفيزياء (1953) . وإنضم تورنغ للعمل مع عالم الرياضيات البريطاني ماكسويل هيرمان الكسندر (1897 – 1984) في مختبر ماكسويل في جامعة فكتوريا – مانشستر وساعد ألين تورنغ على تطوير كومبيوترات مانشستر . ومات لين تورنغ مسموماً وقيل إنها محاولة إنتحار وكان من المثلين الجنسين وسبق إن حكم عليه بأن يختار بين السجن أو قبول الإخصاء كيمياوياً وقبل الخيار الأخير ..  للتفاصيل أنظر : أندرو هودجز ؛ ألين تورنغ : اللغز ، مطبعة جامعة برنستون ، سنة 2014 .

 – أنظر : أندرو هودجز ؛ ألين تورنغ : اللغز ، دار نشر فونتج ، لندن سنة 2014 ، ص 194 . وكذلك : كورا دايموند ؛ محاضرات فيتجنشتاين [174]

حول اسس الرياضيات ، مطبعة جامعة شيكاغو ، سنة 1989 .  

 – كيني إنثوني ؛ أمنحه العبقرية أو إمنحه الموت ، صحيفة نيويورك تايمز ، 30 ديسمبر سنة 1990 . [175]

 – أنظر : ميشيل فيتز جيرلاد ؛ هل فيتجنشتاين عانى من أعراض إسبرغر ؟ مجلة الطفل الأوربي وعلم نفس المراهقة ، المجلد التاسع ، العدد [176]

الأول ، آذار سنة 2000 ، ص ص 61 – 65 .

 – إنثوني جوتلوب ؛ عظمة العصبي : عائلة فيتجنشتاين ضمت عبقرياً للبؤس ، صحيفة نيويوركر ، 19 أبريل سنة 2009 . [177]

 – برتراند رسل ؛ تطور فلسفتي (بالإنكليزية) ، دار نشر جورج ألين وإنوين ، لندن سنة 1959 (تألف من 279 صفحة) . [178]

 – المثالية المطلقة وهي فلسفة إنطولوجية واحدية (وجودية للكون بكل تفاصيله) وترتبط بصورة رئيسية بكل من الفيلسوفين المثاليين الألمانيين [179]

جورج فردريك هيجل (1770 – 1831) وفردريك جوزيف شيلنج (1775 – 1854) . وكلاهما من فلاسفة المثالية في القرن التاسع عشر . وهناك جدل بين الأكاديميين الغربيين حول ؛ هل إن هيجل فعلاً تداول إصطلاح المثالية المظلقة في كتاباته وبالتحديد في كتابه الذي حمل عنوان علم المنطق ؟ وهناك من يشك في ذلك رغم إنه إقترب كثيراً من الملاحظة ص 124 (ترجمة جيوفاني دي سنة 2010) . كما ولاحظ الأكاديميون إنه في عروض الإنسكلوبيديا لمنطق هيجل يمكن العثور على شئ ما في الفقرة رقم 45 أر . كما ولاحظ سوشتنك وهاريس وبالتحديد في المدخل إلى ترجمتهما وخصوصاً النص الأخير ، فأشرا إلى إن الحد المثالية المطلقة هو مرتبط بقوة بالحركة الإنكليزية في أواخر القرن التاسع عشر .. للتفاصيل أنظر : 1 – فردريك بيزر (الإشراف) ؛ صُحبة كيمبريدج إلى هيجل ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1993 . 2 – جون بيورديج ؛ منطق هيجل في المنطق : مدخل ، مطبعة برود فيو ، سنة 2006 .   

 – أنظر : جورج مور ؛ دحض أو الرد على المثالية ، دورية العقل ، سنة 1903 ، المجلد رقم 12 ، ص ص 433 – 453 . وأنظر كذلك :[180]

برتراند رسل ؛ تطور فلسفتي (مصدر سابق) .

 – أنظر للتفاصيل عن ثورة مور ورسل : واقعية كيمبريدج والتحول اللنكوستيكي : 1 – جورج مور ؛ طبيعة الحكم ، دورية العقل ، سنة 1899 [181]

، ص ص 93 – 176 . 2 – جورج مور ؛ برنسبيا أثيكيا (مبادئ الأخلاق) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج ، سنة 1903 . 3 – جورج مور ؛ دحص أو الرد على المثالية (مصدر سابق) ، ص ص 433 – 453 . 4 – جورج مور ؛ دفاعاً عن الحس المشترك ، منشور في كتاب في الفلسفة البريطانية المعاصرة ، إشراف ج . اش . ميورهيد ، دار نشر ألين وإنوين ، سنة 1925 ، ص ص 193 – 223 . 5 – برتراند رسل ؛ تطور فلسفتي (مصدر سابق) .  

 – الذرية المنطقية وهي عقيدة فلسفية تم صياغتها في بواكير القرن العشرين وصاحبت تطور الفلسفة التحليلية . من دعاتها الرئيسسين الفيلسوف [182]

البريطاني برتراند رسل . ومن ثم ظهرت تطبيقاتها الأولى في الأعمال المبكرة لتلميذه وزميله الفيلسوف النمساوي البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين ونظيره الفيلسوف الألماني رودلف كرناب (أنظر : رودلف كرناب ؛ حول سمات المشكلات الفلسفية ، ترجمة دبليو . أم . ماليسوف ، منشور في فلسفة العلم ، المجلد الأول ، سنة 1934 ، ص ص 5 – 19 . ويعتقد الذريون المنطقيون إن العالم يتألف من حقائق منطقية أولية (أو ذرات) غير قابلة للإنقسام إلى أصغر منها . وكانت إطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه تركتاتوس لوجيكيو فيلوسوفيكس (باللاتينية) وبالعربية رسالة منطقية – فلسفية هي المثال الإنموذج عليها . ومن المعروف إن فيتجنشتاين في رائعته الأخيرة أبحاث منطقية قد رفضها (أنظر الأقسام أو المقاطع 46 – 49 والمقطع رقم 18) . أما إصظلاح الذرية المنطقية فقد نحته برتراند رسل سنة 1918 وذلك في رده وإستجابته على النزعة المنطقية (اللوجيكوهوليزم) وهي عقيدة مخالفة إلى الذرية المنطقية وإن فلاسفتها يعتقدون بأن العالم يعمل بطريقة كلية وإن لا جزء من إجزائه يكون معروفاً قبل الكل أولاً ( أنظر : كيفن كليمنت ؛ ذرية رسل المنطقية ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة ، سنة 2013 (بحث واسع وتفصيلي أون لاين) . وعادة يُطلق على هذا الإعتقاد مونيزم أي الواحدية وخصوصاً عند رسل (وكذلك مور) والتي جاءت في رد فعلهما على المثالية المطلقة التي هيمنت في بريطانيا وخصوصاً على أعمال كل من الفيلسوف المثالي البريطاني فرنسيس برادلي (1846 – 1924) ورجل الميتافيزيقا المثالي البريطاني جون مكتاغرت (1866 – 1925) (أنظر : كيفين كليمنت ؛ ذرية رسل المنطقية (مصدر سابق) .

 – أنظ للتفاصيل : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رائعة لودفيغ فيتجنشتاين : تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية ، موقع الفيلسوف ، مجلة [183]

فلسفية إلكترونية ، 2 أغسطس سنة 2016 .

 – إنه من الصعوبة بمكان تحديد مواقف برتراند رسل بصيغ وتعميمات عامة والسبب هو إن تفكيره مر بمراحل تطور عديدة وفيها تخلى عن [184]

وجهات نظر فلسفية مبكرة تبناها يومذاك ومن ثم تحول نحو مواقف جديدة ولذلك نحذر من الكتابة عن الفيلسوف برتراند رسل دون الإعتماد على المنهج التاريخي الذي يُساعد بدقة على فهم تطوره الفلسفي . والحقيقة إن رائعة رسل التي حملت عنوان تطوري الفلسفي (دار نشر جورج ألين وإنوين ، لندن سنة 1959) ومقاله الذي حمل عنوان تطوري العقلي (فلسفة برتراند رسل ، إشراف بول شيلب ، مطبعة جامعة شمال غرب إيفنستون سنة 1944) هما إنموذجان ينفعان الأكاديمي الورع في الحذر من إصدار حكم قطعي على فلسفة رسل دون الإعتبار لتطوره الفلسفي . ولهذا نحسب إن تطوره الفلسفي مر بست مراحل وهي : 1 – مرحلة الفلسفة المثالية والتي شغلت التسعينيات من القرن التاسع عشر (بدء من سنة 1890) وبالطبع مرت بتحولات متنوعة . 2 – مرحلة الواقعية الإفلاطونية والتي إمتدت من سنة 1901 وحتى سنة 1904 والتي شهدت تحولات كذلك . 3 – مرحلة الواقعية المنطقية والتي ملئت السنوات من 1905 وحتى سنة 1912 وفيها حدثت الكثير من التطورات . 4 – المرحلة التي يُطلق عليها مرحلة موس حلاقة أوكام (الفيلسوف المدرسي وليم أوكام 1287 – 1347) والذرية المنطقية والي شغلت الفترة من 1913 وحتى سنة 1918 . وهي فترة بدأت مع قدوم الشاب النمساوي لودفيغ فيتجنشتاين ودراسته المنطق مع رسل . كما وهي فترة تعاون رسل مع الفريد نورث وايتهيد في كتابة رائعة البرنسبيا ماثماتيكيا . وهي مرحلة مرت بتطورات بالغة الأهمية من مثل إهتمامه بطبيعة المنطق والحقيقة الفيزيائية والذرية المنطقية  . 5 – مرحلة الواحدية المحايدة ، العلم واللغة والتي إمتدت من سنة 1919 وحتى سنة 1927 . وهي مرحلة عالج فيها مفهومه للغة والمنطق ، وأبحاثه تجذرت في الواقعية وفرضياتها الميتافيزيقية . 6 – مرحلة الطبيعية المعارضة للوضعية والتي ملئت الفترة الممتدة من سنة 1930 وحتى سنة 1970 . وفي هذه الفترة إنبثقت الوضعية المنطقية والتي فرض فيها وجهات نظر أعضاء حلقة فينا . وتميزت أعمال رسل في هذه الفترة بأنها إلتحمت بواقعيته المبكرة والتي مثلها كتابه الذي حمل عنوان مبادئ الرياضيات والذي صدر سنة 1931 .

 – أنظر : ريك أريك (الإشرلف) ؛ من فريجة وحتى فيتجنشتاين : وجهات نظر حول بواكير الفلسفة التحليلية ، مطبعة جامعة أكسفورد ، [185]

أكسفورد سنة 2001 .

 – أنظر : برتراند رسل والفريد نورث وايتهيد ؛ برنسبيا ماثماتكيا (1910 – 1913) ثلاثة مجلدات ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط2 ، سنة 1925 .[186]

 – أنظر للمزيد من التفاصيل : برتراند رسل ؛ فلسفة الذرية المنطقية ، مجلة الواحدي (دار نشر الكورت المفتوح) إلينويز سنة 1918 – 1919 ، [187]

العدد 28 ، ص ص 495 – 527 ، العدد 29 ، ص ص 33 – 63 ، 190 – 222 ، 244 – 280 .  

 – أنظر المصدر السابق ، ص 35 . [188]

 – أنظر : الفريد آير ؛ رسل ومور : التراث التحليلي ، مطبعة جامعة هارفارد ، كيمبريدج سنة 1971 . [189]

 – أنظر الفريد نورث وايتهيد وبرتراند رسل ؛ برنسبيا ماثماتكيا (مصدر سابق) ثلاث مجلدات (نشرت لأول مرة ما بين 1910 – 1913) .[190]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رائعة لودفيغ فيتجنشتاين : تركتاتوس لوجيكو – فيلوسوفيكوس ، دورية الفيسوف ، مجلة إلكترونية ، [191]

2 أغسطس سنة 2016 .

 – أنظر للمزيد من التفاصيل : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ جوتلوب فريجة : فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي ، دورية الفيلسوف ، مجلة [192]

إلكترونية ، 6 يونيو سنة 2010 .

 – أنظر : إيميل بوست ؛ مقدمة في النظرية العامة للقضايا ، المجلة الأمريكية للرياضيات ، العدد 43 سنة 1921 ، ص ص 163 – 185 . [193]

 – الوضعية المنطقية و التجريبية المنطقية هما شكلاً أو صورة جديدة للوضعية (أو صورة لوضعية جديدة) . وهي حركة في تاريخ الفلسفة [194]

الغربية والتي تطلعت إلى منح الخطاب الفلسفي نوعاً من الشرعية وذلك من خلال تأسيسه على أسس تشترك وأسس العلوم التجريبية . ولعل المثال الإنموذجي لذلك هو نظرية إنشتاين (1879 – 1955) في النسبية العامة . ومن قضايا الوضعية المنطقية المركزية هو مبدأ التحقق ، ونظرية المعرفة التي تؤكد على إن القضايا تكون قابلة للتحقق فقط من خلال الملاحظة التجريبية . وبالطبع التحقق التجريبي يرى إن قضايا من مثل الميتافيزيقا ، اللاهوت ، الأخلاق وعلم الجمال ممكن أن يكون لها معنى وخصوصاً في تأثيرها العاطفي والسلوكي ، ولكن ليس لها معنى من طرف حدود قيم الصدق ، المعلومات والمضمون الواقعي . ومثل الوضعية المنطقية والتجريبية المنطقية أعضاء من حلقة برلين وحلقة فينا ، وهم في الواقع مجموعة فلاسفة وعلماء ورجال رياضيات والغالبية منهم جاءوا من برلين وفينا وعرضوا لأول مرة الوضعية المنطقية في أواخر العشرينيات من القرن العشرين . والوضعيون المنطقيون إنتخبوا بواكير فلسفة فيتجنشتاين في اللغة مبداللتحقق أو معياراً للمعنى . وفعلاً فقد نشط التجريبيون المنطقيون في العشرينات والثلاثينات في أوربا كما نشط عدداً منهم خلال الأربعينات والخمسينات في الولايات المتحدة الأمريكية . ولهذه الحركة العديد من القيادين والذين يحملون وجهات نظر مختلفة والتي تعرضت للتغيير خلال الزمن . والسبب هو إن التجريبية حركة وليست مجموعة عقائد . إلا إنهم جميعاً يشتركون في التجريبية وأن أغلبهم تجريبيون . ويظهر إنهم إختلفوا في الشكل الأفضل للتجريبية رغم إنهم جميعاً مهتمون بالميثديولوجيا العلمية وأهمية الدور الذي يلعبه العلم في تحديد هوية المجتمع وترجيح لدور علم المنطق والرياضيات . أما دور الفلسفة فهم يرون إنه جزء من المشروع العلمي . وقائمة فلاسفة الوضعية المنطقية طويلة وفي الإمكان أن نقف عند عتبات البعض منهم : الفريد آير وهو فيلسوف إنكليزي في التقليد التجريبي وإن كتابه ” اللغة ، الصدق والمنطق ” خير من يُمثل الوصعية المنطقية ، ورودلف كرناب (1891 – 1970) ، وفيلسوف العلم وعالم المنطق الألماني والتر دوبسلاف (1895 – 1937) ، وهربرت فايغل (1902 – 1988) ، وعالم الفيزياء وفيلسوف العلم النمساوي فيليب فرانك (1884 – 1966) ، كورت غودل ، كورت غريلنك ( 1886 – 1942) وهو من مؤسسي جمعية برلين للفلسفة التجريبية (أو العلمية مؤخراً) ، وفيلسوف العلم أدولف غرانبم (1923 – ) والمشهور بكتابه فلسفة الزمان والمكان ، والفيلسوف وعالم الرياضيات النمساوي هانز هان وهو برأي فيليب فرانك المؤسس الحقيقي لحلقة فينا وكان كورت غودل واحد من طلابه ، أولف هيلمر (1910 – ) وكان المشرف على إطروحته للدكتوراه رايخنباخ ، كارل هامبل (1905 – 1997) والمشرف على إطروحته للدكتوراه رايخنباح ، وفيلسوف العلم ريتشارد جيفري (1926 – 2002) في الماجستير أشرف عليه كرناب وفي الدكتوراه أشرف عليه كارل هامبل ، فيلسوف العلم النمساوي أوتو نيورث (1882 – 1945) ، وعالم المنطق وفيلسوف العلم بول أوبنهايم (1885 – 1977) وهو صديق أنشتاين المقرب والذي ساعد على تأسيس جمعية برلين للفلسفة التجريبية ، كارل بوبر عضو حلقة فينا وكان يحضر بعض إجتماعاتها . وهانز رايخنباخ (1891 – 1953) وهو مؤسس وقائد لجمعية برلين للفلسفة التجريبية . وبالطبع هناك أخرون .للتفاصيل أنظر : ج . باسمور ؛ الوضعية المنطقية ، منشور عند بي . أدوردز (الإشراف) ؛ إنسكلوبيديا الفلسفة ، المجلد الخامس ، دار نشر ماكميلان ، نيويورك ، سنة 1967 ، ص ص 52 – 57 .  

 – حلقة فينا وضمت مجموعة من الفلاسفة الذين تحلقوا حول مورتيز شيلك بعد إن جاء إلى جامعة فينا سنة 1922 . ونظموا في البداية رابطة [195]

فلسفية وأطلقوا عليها ” رابطة أرنست ماخ ” (وهو عالم الفيزياء والفيلسوف النمساوي 1838 – 1916) . وبدأوا في بواكير عام 1907 يجتمعون لمناقشة فلسفة العلم والأبستمولوجيا . وكان أعضاء حلقة فينا إضافة إلى شيلك كل من رودلف كرناب ، وعالم الفيزياء النمساوي فيليب فرانك (1884 – 1966) وعالم الرياضيات النمساوي هان هانز (1879 – 1934) وفيلسوف العلم النمساوي أوتو نيورث (1882 – 1945) والأخير هو الذي رتب دعوة شيلك للقدوم إلى جامعة فينا . إضافة إلى كل من الفيلسوف النمساوي هربرت فيجل (1902 – 1988) وكارل غودل وفردريك ويزمان (1896 – 1959) . وكانت لكل من كارل بوبر وهانز كيلسن إتصالات بحلقة فينا على الرغم من إنهم لم يكونوا أعضاء فيها . وفي إجتماعات حلقة فينا كانت إطروحة فيتجنشتاين تركتاتوس لوجكيو – فيلوسوفيكس موضوعاً للعديد من المناقشات . كما وإن هناك العديد من اللقاءات بين فيتجنشتاين وأعضاء حلقة فينا من مثل شيلك ، ويزمان وكرناب . وفي عام 1929 كتب بيان حلقة فينا كل من هان هانز ، أوتو نيورث ورودلف كرناب وكان بعنوان نظرة العالم العلمية ، حلقة فينا . وظلت حلقة فينا تعمل بنشاط في الإعلان عن الأفكار الفلسفية الجديدة للوضعية المنطقية . كما ونظمت الحلقة العديد من المؤتمرات الفلسفية والتي دارت حول الأبستمولوجيا وفلسفة العلم وكانت بمساعدة من حلقة برلين . كما ونظمت مؤتمرات فلسفية عديدة من مثل مؤتمرات كل من براغ (1929) ، كونسبيرك (1930) ، براغ (1934) . ومن ثم نظمت وعقدت المؤتمر الفلسفي الأول للفلسفة العلمية في باريس (1935) وتلاه مؤتمر كوبنهاكن (1936) وتبعه مؤتمر كيمبريدج – إنكلترا (1938) .. ومابين 1928 و 1937 فإن حلقة فينا نشرت عشرة كتب في سلسلة بعنوان أبحاث حول وجهة نظر العالم العلمية . وكان بإشراف مورتيز شيلك وفيليب فرانك وهذه السلسة نشرت الكتب الآتية  : 1 – ريتشارد فون ميزيس ؛ الإحتمالية ، الإحصاءات والصدق ، شركة نشر ماكميلان ، نيويورك سنة 1939 . 2 – رودلف كرناب ؛ هدم اللوجستيقا ، دار نشر سبرنكر سنة 1929 .3 – مورتيز سيلك ؛ مشكلات الأخلاق (1930) دار نشر برنتك هول – نيويورك سنة 1939 . 4 – أوتو نيورث ؛ السوسيولوجيا التجريبية (1931) منشور عند : أوتو نيورث ؛ مجموعة كتابات فلسفية وميثدولوجية ، الجزء الأول ، هولدر تمبسكي ، فينا (1981 – 1998) . 5 – فيليب فرانك ؛ قانون السببية وحدوده ، دار نشر كواور – بوسطن سنة 1997 . 6 – أو . كنت ؛ حول بايولوجيا الأخلاق ، دراسات سايكوباثولوجية في الشعور بالذنب والتشكل المثالي للأخلاق ومساهمة في جوهر الناس العصابيون ، دار نشر سبرنكر ، سلسلة كتابات حول وجهة نظر العالم العلمية ، المجلد السابع ، سنة 2000 . 7 – رودلف كارناب ؛ السنتاكس المنطقي للغة ، دار نشر الإنسانيات ، نيويورك سنة 1937 . 8 – كارل بوبر ؛ منطق الإكتشافات العلمية ، الكتب الأساسية ، نيويورك سنة 1959 . 9 – جوزيف شاشتر ؛ مقدمة إلى قواعد النحو النقدي ، شركة نشر دي رايدل ، بوسطن سنة 1979 . 10 – ف . كرافت ؛ أسس التحليل العلمي للقيم ، شركة نشر دي . رايدل – بوسطن سنة 1981 .  كما ونشرت سبعة كتب من سلسلة أخرى وبعنوان وحدة العلم وبإشراف كرناب وفرانك وهانز ونيورث (وبعد وفاة هانز هان) حل محله موريس (من سنة 1938). وهذه السلسلة نشرت الكتب الآتية : 1 – هانز هان ؛ المنطق ، الرياضيات ومعرفة الطبيعة (1933) . 2 – أوتو نيورث ؛ الوحدة وعلم النفس (1933) . 3 – رودلف كرناب ؛ الهدف من منطق العلم (1934) . 4 – فيليب فرانك ؛ نهاية الفيزياء الكلاسيكية (1935) . 5 – أوتو نيورث ؛ معنى الإعتبارات الإقتصادية العقلية (1935) . 6 – أوتو نيورث ، إي . برنسويك ، سي . هول ، جي . مانوري و جي . ويدجير ؛ إنسكلوبيديا وحدة العلم (محاضرات) سنة 1938 . 7 – ريتشارد فون ميزيس ؛ إرنست ماخ ووجهة النظر التجريبية للعلم (1939) . هذه الأعمال تُرجمت إلى العلم الموحد ، سلسلة دراسات حلقة فينا ، إشراف أوتو نيورث ، نشر كولور سنة 1987 . وتشتت أعضاء حلقة فينا عندما صعد الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا . ولذلك هاجر العديد منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأخذوا يُدرسون في العديد من الجامعات . أما شيلك فبقي في النمسا . إلا إنه في عام 1936 قتل بيد تلميذ له والذي كان متعاطفاً مع النازية ولكون شيلك لم يكن يهودياً ، فإن هذا الموضوع لم ينفع الإعلام النازي يومها . والقاتل هو يوهان نولبيك (أو الدكتور يوهان نولبيك) والذي أشرف على إطروحته للدكتواره الشهيد مورتيز شيلك والتي كانت بعنوان أهمية علم المنطق في التجريبية والوضعية (جامعة فينا سنة 1930) . للمزيد من التفاصيل أنظر : فردريك ستدلر (الإشراف) ؛ التوثيق : مقتل الفيلسوف مورتيز شيلك ، حلقة فينا ، دراسات في الإصول ، التطور وتأثير التجريبية المنطقية ، دار نشر سبرنكر ، فينا – نيويورك سنة 2001 .

 – حلقة برلين وضمت مجموعة من الفلاسفة والعلماء والذين تجمعوا حول فيلسوف العلم هانز رايخنباخ (1891 – 1953) في أواخر العشرينات [196]

من القرن العشرين . وضمت كل من ك . غرينلك والذي قُتل في معسكرات النازية ، وكارل هامبل (1905 – 1997) ، د . هلبرت ، وأر . فان ميسي وآخرون . وإسم حلقة برلين هو ” جمعية الفلسفة التجريبية ” . ومن ثم إلتحقت بحلقة فينا وأخذ فلاسفتها ينشرون سوية في مجلة واحدة والتي أشرف عليها كل من رودلف كرناب وهانز رايخنباخ . كما ونظموا العديد من المؤتمرات حول الفلسفة العلمية . وكان أعضاء حلقة برلين ناشطين في تحليل الفيزياء المعاصرة وخصوصاً النظرية النسبية وكذلك طوروا شروحاً حول الإحتمالية . وأغلبهم تركوا ألمانيا وإستقروا في الولايات المتحدة الأمريكية . أنظر : هانز رايخنباخ ؛ كتابات مختارة (1909 – 1953) مع مقاطع من سيرة ذاتية (مجموعة فينا) ، بوسطن سنة 1978 . وكذلك : رودلف كرناب وهانز رايخنباخ ؛ مجلة وحدة العلم (إركنتس) ، إشراف أو . نيرث ورودلف كرناب وآخرون ؛ مطبعة جامعة شيكاغو سنة 1939 / 1940

 – ويلارد أورمان كواين وهو الفيلسوف الأمريكي وعالم المنطق في إطار التقليد التحليلي . وهو ” واحد من أهم فلاسفة القرن العشرين ” . [197]

وإرتبط إسمه بجامعة هارفارد لفترة سبعين سنة وبالتحديد منذ سنة 1930 وحتى وفاته سنة 2000 . أولاً كطالب ومن ثم بروفسوراً للفلسفة ومعلم لعلم المنطق ونظرية المجموعات . من أهم مؤلفاته : 1 – النظام اللوجستيقي (1934) . 2 – المنطق الرياضي (1940) . 3 – المنطق الإولي (1941) . 4 – طرق المنطق (1950) . 5 – من وجهة نظر منطقية (1953) والذي ضم بحثه الرائد والذي حمل عنوان عقيدتان في التجريبية . 6 – نظرية المجموعات ومنطقها (1963) . 7 – أبحاث منطقية (1966) . وغيرها . أنظر للتفاصيل : روجر أف . غبسون (الإشراف) ؛ صُحبة كيمبريدج إلى كواين مطبعة جامعة كيمبريدج سنة 2004 .

 – الفيلسوف الوضعي المنطقي البريطاني ألفريد آير (الإسم الكامل : الفريد جول ويُلقب ” فريدي ” آير) . والمشهور عنه إنه عزز مكانة الفلسفة [198]

الوضعية المنطقية في كتابين من كتبه ؛ الأول – اللغة ، الصدق والمنطق ، والذي صدر لأول مرة عام 1936 وكان يومها إبن السادسة والعشرين . (أنظر : الفريد آير ؛ اللغة ، الصدق والمنطق ، دار نشر فيكتور غولنش ، سنة 1936 (تألف من 254 صفحة) . والثاني – كان بعنوان مشكلة المعرفة والذي ظهر إلى النور سنة 1956 (أنظر : ألفريد آير ؛ مشكلة المعرفة ، دار نشر ماكميلان ، لندن سنة 1956) . والحقيقة إن الفريد آير نشر قبل مشكلة المعرفة وبعد كتابه الأول اللغة ، الصدق والمنطق ، كتابين وهما كل من أسس المعرفة التجريبية (دار نشر ماكميلان ، لندن سنة 1940). والكتاب الأخر كان بعنوان مقالات فلسفية (دار نشر ماكميلان ، لندن سنة 1954) وهي مقالات حول الحرية ، الفينومنولوجيا ، القضايا الأساسية ، النفعية ، العقول الأخرى ، الماضي والإنطولوجيا . وجاء بعد كتاب مشكلة المعرفة ، فصل كتبه آير بعنوان مفهوم الإحتمال كعلاقة منطقية وكان جزء من كتاب مشترك حمل عنوان الملاحظة والتفسير في فلسفة الفيزياء ، إشراف أس . كورنر ، دار نشر دوفر ، نيويورك سنة 1957 . وتلت ذلك مجموعة أبحاث وكتب منها ؛ مفهوم الشخص ومقالات آخرى (ماكميلان ، لندن سنة 1963) ، إصول البراجماتية (ماكميلان ، لندن سنة 1968) ، الميتافيزيقا والحس المشترك (ماكميلان ، لندن سنة 1969) ، رسل ومور : الميراث التحليلي (ماكميلان ، لندن سنة 1971) ، الأحتمال والدليل (ماكميلان ، لندن سنة 1972) ، برتراند رسل (كتب فونتانا ، لندن سنة 1972 ، أسئلة الفلسفة المركزية (ويدينفيلد ، لندن سنة 1973) ، الردود (منشور في كتاب : الإدراك والهوية : مقالات قدمت إلى الفريد آير مع ردوده عليها (ماكميلان ، لندن سنة 1969) ، ديفيد هيوم (مطبعة جامعة أكسفورد سنة 1980) ، الفلسفة في القرن العشرين (ويدنفيلد ، لندن سنة 1982) ، الحرية والأخلاق ومقالات أخرى (كليرندون ، أكسفورد سنة 1984) ، تفاصيل اكثر عن حياتي (دار نشر كولينز ، لندن سنة 1984) ، الفيلسوف والمنظر السياسي الإنكليزي الأمريكي توماس بين (سيكر وأربورغ للناشرين ، لندن سنة 1988) ، هذا البلد المجهول (دورية الإنساني الحديد ، المجلد 104 ، العدد الأول ، مايس سنة 1989) ، معنى الحياة ومقالات أخرى (ويدنفيلد ونيكلسون ، سنة 1990) ، فلسفة الفريد آير (1992) ، عمل مشترك ، مكتبة الفلاسفة الأحياء ، المجلد رقم 21 ، إشراف لويس إدوين هان ، شركة الكورت المفتوح ، سنة 1992 .

 – أنظر : الفريد آير ؛ اللغة ، الصدق والمنطق (مصدر سابق) .  [199]

 – أنظر التفاصيل ، صحيفة لندن كزت (صحيفة إنكليزية حكومية) ، العدد 34957 ، 27 سبتمبر سنة 1940 . [200]

 – أنظر : الفريد آير : لودفيغ فيتجنشتاين ، دار نشر بنجوين ، لندن سنة 1986 . [201]

 – أنظر : ديفيد بول ؛ فلسفة فيتجنشتاين المتأخرة ، مطبعة إثلون ، لندن سنة 1958 ، ص 103 . [202]

 – أنظر : غليبرت رايل ؛ مفهوم العقل ، مطبعة جامعة شيكاغو ، شيكاغو سنة 2002 ، ص 327 . [203]

 – أنظر : جون أوستين ؛ كيف تُصنع الأشياء بالكلمات ، مطبعة جامعة هارفارد سنة 1962 . وكذلك أنظر : جون سيريل ؛ أفعال الكلام ، مطبعة [204]

جامعة كيمبريدج سنة 1969 .

 – أنظر : جون أوستين ؛ كيف تُصنع الأشياء بالكلمات ، محاضرات وليم جيمس ، جامعة هارفارد سنة 1955 ، إشراف وتحرير جيمس أوبي [205]

يورمسن ومرينا سابيسا ، مطبعة كليرندون – أكسفورد سنة 1962 .

 – أنظر : جوتلوب فريجة ؛ أسس علم الحساب : بحث رياضي – منطقي في مفهوم العدد ، ترجمة جون لانجشو أوستين ، مطبعة جامعة الشمال [206]

الغربي ، سنة 1980 (تألف من 144 صفحة) .

 – أنظر : جون أوستين ؛ الحاس والمحسوس ، إشراف وتحرير جيفري وارنوك ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 1962 . [207]

 – أنظر المصدر السابق . [208]

 – أنظر :  علم النفس عند أرسطو : رسائل حول مبدأ الحياة ، ترجمة وليم الكسندر هاموند ، شركة نشر سونسشين سنة 1902 . (تألف من [209]

339 صفحة) .

 – قارن ذلك : جين أوستين ؛ رواية الحس والحاسة ، شركة نشر وايت هيل ، سنة 1811 . [210]

 – أنظر : بيتر هاكر ؛ جون لانجشو أوستين (1911 – 1960) ، منشور في معجم أكسفورد للسر القومية ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة [211]

2004 (متوافر أون لاين) .  

 – أنظر : بيتر ستراوسن ؛ مدخل إلى النظرية المنطقية ، دار نشر ميثوين ، لندن سنة 1952 . [212]

 – أنظر : بيتر ستراوسن ؛ الأفراد : مقالة في الميتافيزيقا الوصفية ، دار نشر ميثوين ، لندن سنة 1959 . [213]

 – أنظر : بيتر ستراوسن ؛ حدود العقل : مقالة حول نقد كانط للعقل الخالص ، دار نشر ميثوين ، لندن سنة 1966 . [214]

 – أنظر : بيتر ستراوسن ؛ أبحاث في اللوجستيكا المنطقية ، دار نشر ميثوين ، لندن سنة 1971 . [215]

 – أنظر : بيتر ستراوسن ؛ كتابات فلسفية ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد سنة 2011 . وبالطبع هناك مؤلفات أخرى وقائمة واسعة بأبحاثه . [216]

 – أنظر : بيتر ستراوسن ؛ كتاب فيتجنشتاين أبحاث فلسفية ، دورية العقل ، المجلد رقم 63 ، سنة 1954 . [217]

 – أنظر نعيه في صحيفة الغارديان ، الأربعاء 15 شباط سنة 2006 . [218]

 – نُشرت الكثير عن الفيلسوف الأكسفوردي (ومن ثم الأمريكي) بول غريس منها على سبيل الشهادة والتمثيل : 1 – سبوبهان تشابمان ؛ بول [219]

غريس : الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا ، دار نشر ماكميلان ، سنة 2005 . 2 – تيلي ستيفن ؛ بول غريس وفلسفة اللغة ، دورية الفلسفة واللنكوستيكا ، العدد 15 ، سنة 1992 ، ص ص 509 – 559 .  

 – أنظر : بول غريس ؛ واجهات العقل ، إشراف وتحرير ريتشارد ورنر ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 2001 (وهي على الأغلب ذاتها التي قُدمت[220]

في محاضرات عمانوئيل كانط سنة 1977) .

 – أنظر : بول غريس ؛ دراسات في طريق الكلمات ، مطبعة جامعة هارفارد سنة 1989 . [221]

 – أنظر : بول غريس ؛ الهوية الشخصية ، دورية العقل ، العدد 50 ، سنة 1941 ، ص ص 330 – 350 . [222]

 – أنظر : بول غريس ؛ المعنى ، دورية مراجعات فلسفية ، المجلد 66 ، العدد الثالث . [223]

 – أنظر : بول غريس ؛ النظرية السببية للإدراك الحسي ، دورية الجمعية الأرسطية ، المجلد 35 ، ص ص 121 – 152 . [224]

 – أنظر : بول غريس ؛ مفهوم القيمة ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 1991 . [225]

 – أنظر : بول أرثر شيلب (الإشراف) ؛ فلسفة جورج مور ، مكتبة الفلاسفة الأحياء ، مطبعة جامعة شمال غرب ، سنة 1942 . [226]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ تركتاتوس لوجكيو – فيلوسوفيكوس ، ترجمة فرانك رامزي وس . أوغدن ، مطبعة روتليدج وبول كاغان ، سنة[227]

1922 .

 – أنظر : ديفيد بول ؛ فلسفة فيتجنشتاين المتأخرة (مصدر سابق) ، 103 . [228]

 – أنظر : جون أوستين ؛ كيف تُصنع الأشياء بالكلمات (مصدر سابق) . [229]

 – أنظر : ديفيد بول ؛ فلسفة فيتجنشتاين المتأخرة (مصدر سابق) . [230]

 – أنظر : بيتر ستراوسن ؛ كتاب فيتجنشتاين أبحاث فلسفية (مصدر سابق) . [231]

 – أنظر : تيلي ستيفن ؛ بول غريس وفلسفة اللغة (مصدر سابق) . [232]

 – أنظر : غيلبرت رايل ؛ مفهوم العقل ، مطبعة جامعة شيكاغو ، سنة 1949 (تألف من 334 صفحة) . [233]

 – أنظر : إرنست غيلنر ؛ الكلمات والأشياء : تفسير نقدي للفلسفة اللنكوستيكية ودراسة في الأيديولوجيا ، دار نشر غولينز ، لندن سنة [234]

1959 .

 – أنظر : شاول كريبك ؛ فيتجنشتاين : حول القواعد واللغة الخاصة (تفسير أولي) ، مطبعة جامعة هارفارد (تألف من 160 صفحة) . [235]

 – أنظر : بيتر هاكر ؛ البصيرة والوهم : موضوعات من فلسفة فيتجنشتاين ، مطبعة جامعة أكسفورد (كليرندون) ، سنة 1986 (تألف [236]

من 321 صفحة) .

 – في الحساب الدالي تكون القضية (أو الجملة في اللغة) أشبه بمصفوفة رمزية ويُطلق عليها دالة الصدق . ولعل خير مثال لها من كتاب [237]

فيتجنشتاين تركتاتوس والذي سيأتي الحديث عنها في ثنايا هذا البحث هو دالة الصدق الآتية :  

                                                                                                                                         P, E, N(E)]

  – أنظر : شاول كريبك ؛ فيتجنشتاين حول القواعد واللغة الخاصة ، مطبعة جامعة هارفارد سنة 1982 . [238]

 – أنظر : جيمس أر . كونلي ؛ فيتجنشالين وبواكير السيمانطيقا التحليلية : نحو فينومنولوجيا الصدق ، شركة نشر رومان ولتلفيلد ، لندن [239]

سنة 1982 .

 – لودفيغ فيتجنشاين ؛ أبحاث فلسفية (مصدرسابق نشرة 1953) ، الفقرة رقم 123 . [240]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 109 . [241]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 127 . [242]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 109 .[243]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 116 . [244]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 119 . [245]

 – للتفاصيل أنظر : 1 – إيان هاكنك ؛ لماذا اللغة موضوع مهم إلى الفلسفة ؟ مطبعة جامعة كيمبريدج سنة 1975 . 2 – كليمنت وليم كندي [246]

ماندل ؛ نقد الفلسفة التحليلية ، مطبعة كلبرندون – أكسفورد سنة 1970 . 3 – الفريد آير وآخرون ؛ ثورة في الفلسفة (جماعي) ، شركة

ماكميلان ، لندن سنة 1963 . 4 – د . أس . كلارك ؛ الثورة الثانية للفلسفة : بواكير وحاضر الفلسفة التحليلية ، شركة نشر الكورت المفتوح ، سنة 1997 .

إن الشواهد كثيرة منها : أولاً – إن لودفيغ فيتجنشتاين وأورمان كواين ساهموا من خلال نقدهما في موت مشروع اللغة المثالية (أنظر :   – [247]

كواين ؛ عقيدتان للتجريبية ، دورية مراجعات فلسفية ، العدد 60 ، سنة 1951 ، ص ص 20 – 43) . ثانياً – إن برتراند رسل من طرف آخر أعلن عن فشل مشروع اللغة الإعتيادية (أنظر : برتراند رسل ؛ فلسفة الذرية المنطقية ، مجلة الواحدي ، العدد 28 ، ص ص 495 – 527 ، العدد 29 ، ص ص 33 – 63 ، ص ص 190 – 220 ، ص ص 344 – 380 . ثالثاً – ومن الخارج إن مشروع اللغة العادية سبب حريق للحركة التحليلية في رأي كل من إرنست غلنر (1925 – 1995) وهو مشهور بهجومه على الفلسفة التحليلية وبالتحديد في كتاب الذي حمل عنوان الكلمات والأشياء (1959) (لندن سنة 1959) وركز هجومه على جون لانجشو أوستن (1911 – 1960) والعمل المتأخر للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين .وكان نقده لهما من طرف المنهج . والغريب كما لاحطت من خلال التدقيق في إطروحة دكتوراه هذا الأكاديمي إنها كانت بعنوان حول تنظيم ودور بربر الزوية (جمهوريةالجزائر) وهو موضوع في الإنثروبولوجيا أصبح بروفسوراً في الفلسفة والطريقة العلمية ؟ وشارك في نقد إرنست غلنر للتحليلية البروفسور كليمنت ماندل (1916 – 1989) (أنظر : كليمنت ماندل ؛ نقد الفلسفة التحليلية ، أكسفورد سنة 1970 . وأنظر كذلك : ماندل ؛ اللغة الخاصة وفيتجنشتاين ونوع من السلوكية ، دورية الفلسفة ، المجلد 16 ، العدد 62 ، سنة 1966 ، ص ص 35 – 46 وفي كتاب غلينر الأخير والذي نُشر بعد وفاته بثلاث سنوات وكان بعنوان اللغة والعزلة : فيتجنشتاين وملنوسكي ومعضلة هايسبيرك ، إشراف ديفيد غلينر ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1998 وهايسبيرك هو القاسم المشترك بين فيتجنشتاين وميلتوسكي حيث عاشا شبابهما في الإمبراطورية الهنغارية النمساوية (تألف الكتاب من 209 صفحة) و ترك كل من غلينر وماندل أثاراً على مساهمة ماإدعاه تومي يوشنوف الموت الغريب لفلسفة اللغة العادية ” . ونحتفل بالأكاديمي الفلندي يوشنوف من طرف إنه كتب عن الفيلسوف فيتجنشتاين في الببلوغرافيا الكندية وبعنوان فيتجنشتاين في كندا : ببلوغرافيا ، منشورات الجمعية الفليندية للفلسفة الأوربية ، هلسنكي ، سنة 2003 .

 – الفلسفة المثالية البريطانية هي حركة فلسفية كان لها تأثير في البيئة الثقافية البريطانية . ولاحظنا إنها بدأت تُباشر تأثيرها منذ منتصف القرن [248]

التاسع عشر وإستمرت حتى نهاية السبعينات من القرن العشرين . وضمت رموز فلسفية كبيرة منهم الفيلسوف توماس هيل غرين (1836 – 1882) . وهو مثل جميع أعضاء المثالية البريطانية متأثر بالتاريخية الميتافيزيقية للفيلسوف الألماني هيغل (1770 – 1831) ، ومنهم فرنسيس هربرت برادلي ( 1846 – 1924) وبرنارد بوزانكيت (1848 – 1924) . وتبعهم جيل ثان وتكون من الفلاسفة كل من جون مكتاغرت (1866 – 1925) ، هارولد يواكيم (1868 – 1838) ، جون هنري مورهيد (1855 – 1940) ، ومنهم فيلسوف التاريخ روبن جورج غولنغود (1889 – 1943) والرمز الأخير من هذا التقليد أو المدرسة الفلسفية هو الفيلسوف جيفري ريجنالد جيلكريست مور (1893 – 1979) وهو الأكاديمي في جامعة أكسفورد والمتخصص في فلسفة هيغل . ولاحظنا إنه في وقت مبكر خرج على مبادئ المثالية البريطانية كل من الفيلسوف الشاب جورج مور والفيلسوف الشاب برتراند رسل . وكان الحاصل من هذا الخروج إن بدأت معهما (أي مع مور ورسل) حركة أو تقليد فلسفي جديد عُرف بالفلسفة التحليلية . أنظر للتفاصيل : 1- هنري هاريس ؛ هل هيغل سيكون هيغلياً اليوم ؟ ، الكوسموس والتاريخ : مجلة الفلسفة الطبيعية والإجتماعية ، المجلد الثالث ، العدد الثالث ، سنة 2007 ، ص ص 5 – 15 . 2 – فردريك ويسس ؛ عمل حديث حول هيغل ، دورية النشر الفلسفي في أمركا الشمالية ، المجلد الثامن ، العدد الثالث ، تموز سنة 1971 ، ص ص 203 – 222 . 3 – نيكولاس غريفن ؛ رسل ومور والثورة ضد المثالية البريطانية ، كتاب أكسفورد لليد عن الفلسفة التحليلية ، إشراف مايكل بيني ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد سنة 2013 ، ص ص 383 – 406 .

 – الفينومنولوجيا هي لفظة يونانية تتكون من مقطعين ؛ الأول فينومنن وتعني بالعربية مايبدو أو ما يظهر . والثاني لوغوس وبالعربية تعني  [249]

دراسة . وتُفهم الفينومنولوجيا أو الفينومنولوجيا الكلاسيكية على العموم بأنها حقل أو طريقة بحث من طرق الفلسفة أولاً . ومن ثم ثانياً على إنها حركة في تاريخ الفلسفة . والفينومنولوجيا تدرس الخبرة الشعورية من زاوية ذاتية أو من وجهة نظر الشخص الأول (الفاعل) . وجاء تأسيسها في بواكير القرن العشرين وعلى يد الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (1859 – 1938) . ولاحظنا إن إعلان هوسرل عن الفينومنولوجيا تزامن مع نشر كتابه الذي حمل عنوان أبحاث منطقية ، والذي نشره في مجلدين ؛ الأول ظهر عام 1900 والثاني نشره عام 1901 وبالطبع في هذين المجلدين أودع هوسرل أفكاره حول الفينومنولوجيا (أنظر : إدموند هوسرل ؛ أبحاث منطقية ، ترجمة جون نيماير فيندلي ، دار نشر روتليدج ، سنة 1973 (مجلدان) . وبالمناسبة إن المترجم جون نيماير فيندلي (1903 – 1987) هو فيلسوف من جنوب أفريقيا وكان التابع الأول للفيلسوف فيتجنشتاين ومن ثم تحول ليكون ناقداً له . ولعل من أهم كتب جون فيندلي عن فيتجنشتاين ، كتابه الذي حمل عنوان فيتجنشتاين : النقد (دار نشر روتليدج وبول كاغان ، لندن سنة 1984) .   

 – تشارلز بيرس وهو عالم وفيلسوف وهو واحد من الرواد في الفلسفة البراجماتية . وترك أثاراً واضحة على البراجماتيين كل من وليم جيمس  [250]

وجون ديوي . ومارس في مضمار علم المنطق تأثيراُ على كل من شرودر وبيانو ورسل ووايتهيد وبالتحديد على رائعتهما التي حملت عنوان برنسبيا ماثماتكيا . وترك أثاراً واضحة على كل من رامزي ومن خلاله على فياجنشتاين وخصوصاً رائعته تركتاتوس لوجكيو فيلوسوفيكوس . وهناك من يرى إلى إن فيتجنشتاين تحول في فترته الأخيرة صوب البراجماتية . فمثلاً رامزي يعترف في مقالته سنة 1926 والتي حملت عنوان الصدق والإحتمالية إلى إن جزء منها نزل إليه من عمل بيرس .. للتفاصيل أنظر : 1 – ج . س . هوكوي ؛ بيرس ، دار نشر روتليدج وبول كاغان ، لندن سنة 1985 . 2 – أم . مورفي ؛ تطور فلسفة بيرس ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1961 .

 – إيرفان لويس وهو البراجماتي الذي تعلم في جامعة هارفارد ، ومن ثم علم في جامعة كليفورنيا من سنة 1911 وحتى سنة 1919 . وفي 1920 [251]

تحول إلى جامعة هارفارد وأخذ يُدرس فيها حتى تقاعده سنة 1953 . ومشهور لويس بكونه الأب الحديث لعلم منطق الموديلات . كما كان النصير للإبستمولوجيا وهو إضافة إلى ذلك رمز كبير في نظرية القيم والأخلاق . ولعب لويس دوراً مهماً في الثلاثينات والأربعينات في الزواج بين البراجماتية والتجريبية بحيث كونت موجة في الفلسفة التحليلية . ومن أعماله ؛ العقل ونظام العالم (1929) ، المنطق الرمزي (بالإشتراك مع س . أش . لانكفورد) ، شركة القرن – إبلتون ، سنة 1932 ، تحليل المعرفة والتقييم (محاضرات بول كراوس ) سلسلة 8 ، شركة الكورت المفتوح ، سنة 1946 ، أسس وطبيعة الحق (محاضرات وودبريدج) قُدمت إلى جامعة كولومبيا ، نوفمبر سنة 1954 (مطبعة جامعة كولومبيا ، سنة 1955) والقيم والأوامر ، دراسات في الأخلاق ، إشراف جون لينغ ، مطبعة جامعة ستانفورد (ستانفورد – كليفورنيا سنة 1969) . 

 – أنظر : إيرفان لويس ؛ العقل ونظام العالم : خلاصة نظرية المعرفة ، دار نشر تشارلز سكربنر وأولاده ، نيويورك سنة 1929 . [252]

 – أنظر : ديفيد إيدمونز وجون إيدانو ؛ المصدر السابق ، ص ص 98 ، 105 . [253]

 – وهو الأخ الأكبر للفيلسوف الإنكليزي غليبرت رايل (1900 – 1976) . وبالطبع إن الفيلسوف رايل يُشارك النهج الفلسفي ذاته الذي يعمل به [254]

فيتجنشتاين وخصوصاً في النظر إلى المشكلات الفلسفية ونقده للثنائية الديكارتية . أنظر : إنتوني غرايلنغ ؛ فيتجنشتاين ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 1988 ، ص 114 . وبعض أفكار رايل تصعد إلى السلوكية . ومن أهم مؤلفاته التي حملت الأثر السلوكي كتابه الذي حمل عنوان مفهوم العقل (1949) . والبعض يرى إن هذا الكتاب هو مقالة في الفينومنولوجيا . ومن كتبه الأخرى : تطور إفلاطون (1966) . والأوجه المعاصرة للفلسفة (1977) وكتابه حول التفكير (1979) . أنظر : غليبرت رايل ؛ مجموعة أبحاث ، دار نشر هوتسن ، لندن سنة 1971 .

 – وأسسها الناشر وبائع الكتب توماس غاي (1644 – 1724) وهو الناشر لكتب الإنجيل بصورة واسعة وبطريقة غير مرخصة . للتفاصيل أنظر [255]

: صامويل ويلكينز وجورج توماس بيتني ؛ تاريخ سير الحياة لمستشفى غاي ، نشر ورد ، لوك وبودين ، لندن سنة 1892 (تألف من 552 صفحة) .

 – راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 43 الهامش . [256]

 – المصدر السابق ، ص 432 . [257]

 – المصدر السابق ، ص 43 الهامش . [258]

 – ومعهد لندن للمدينة ونقابات الحرفيين هو مؤسسة في المملكة المتحدة وتأسست في 11 نوفمبر سنة 1878 من قبل مدينة لندن وستة عشرة [259]

شركة  . وكان الهدف تطوير نظام تربوي تقني قومي لمدينة لندن ونقابات الحرفيين . وكان تأسيسها بتوصية من الملكة فيكتوريا . والرئيس الأول لها كان أمير ويلز ومن ثم أصبح الملك أدورد السابع .. للتفاصيل أنظر : رسم تفصيلي للتدريب والمهن في بريطانيا (1851 – 1951) ، جامعة غلاسكو – متحف فكتوريا وألبرت ، سنة 2014 .

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 442 – 443 .[260]

 – أنظر المصدر السابق . [261]

 – والإسم الكامل إرنست بيزيل غلادن ريف وزوجته شيلا وليمز ولهما بنت (جين) وولد (دوروثي) . للتفاصيل أنظر : جونثان ريف ؛ إرنست [262]

بيزيل ريف : الطبيب الذي عمل على تخفيض حالات الوفاة في ساحة المعركة (وعمله الطبي رفع من فهمنا لحالة النزيف الدموي) ، صحيفة الإندبندت ، الخميس 10 ديسمبر سنة 2015 .

 – أنظر : بيل شارت ؛ فيتجنشتاين في تايون (المستوصف) ، الجمعية الفلسفية – نيوكاسل ، ديسمبر سنة 2011 (أون لاين) . [263]

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 44 الهامش . [264]

 – أنظر : وليم ويرن بارتلي ؛ فيتجنشتاين شركة نشر الكورت المفتوح ، سنة 1994 ، ص 107 (الطبعة الأولى سنة 1973 وتألف من 236 [265]

صفحة) .

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار ، مطبعة كليردون – جامعة أكسفورد ، سنة 2001 (تألف من 144 صفحة) . [266]

 – المصدر السابق . [267]

 – التفاصيل عن مكوث فيتجنشتاين في أمريكا ، أنظر : نورمان مالكولم ؛ المصدر السابق . [268]

 – الشكية الفلسفية هي على العموم مدراس فكرية وطرق في التفكير تدلولتها معظم العلوم والثقافات . إلا إنها على وجه التخصيص نزعة [269]

فلسفية إنبثقت داخل أكاديمية إفلاطون وبالتحديد عام 266 ق.م وذلك عندما أصبح الفيلسوف إركسيلاوس (316 – 241 ق.م) رئيساً للأكاديمية . وهو بالطبع مؤسس الأكاديمية الثانية أو الأكاديمية الوسطى (أو المتوسطة) وإستمرت الشكية بعده وحتى حوالي عام 90 ق.م وذلك عندما رفضها (أي رفض الشكية الفلسفية) رئيس الأكاديمية (ربما السادس أو السابع) الفيلسوف إنطيوخس العسقلاني (حوالي 125 – 68 ق.م) . والشكية الفلسفية هي ليست موقف فكري واحد وإنما هي مواقف فكرية متنوعة . وقد عرف منها تاريخ الفلسفة نوعين ، الشكية الأكاديمية والتي ظهرت كما قلنا حوالي سنة 266 ومن داخل رحم الإفلاطونية . والشكية البيرونية نسبة إلى الفيلسوف بيرو (حوالي 360 – 270 ق.م) والشكية الأكاديمية تعتقد بإستحالة أية معرفة . بينما الشكية البيرونية فهي ترفض أي موقف عقائدي منغلق حوا أية قضية من القضايا . وهنا شكيات أخرى مثل الشكية المحلية والشكية العالمية . ولعل من أشهر المدارس الفلسفية الشكية في تاريخ الفلسفة الحديثة ، هي الشكية الديكارتية . وبالكبع إن الشك قاد الديكارتية إلى اليقينية .. للتفاصيل أنظر : جولي أنناس ؛ الشكية القديمة والجديدة ، منشور عند : أم . فريد وج . ستركر (الإشراف) ؛ العقلانية في الفكر اليوناني ، مطبعة كليردون – أكسفورد ، سنة 1996 ، ص ص 239 – 254 .  

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ حول اليقينية ، ترجمة دينيس بول وإيلزابيث إنسكومب ، إشراف وتحرير إيلزابيث إنسكومب وفون رايت ، دار [270]

نشر بيزل بلاكويل ، أكسفورد (1969 – 1975) . وتألف الكتاب من مقدمة كتبها كل من إنسكومب ورايت . ولاحظنا إن الأقسام التي يتألف منها الكتاب (إفتراضاً) تحمل أرقاماً بدلاً من عناوين . وكان مجموع أقسام الكتاب هي فقرات كتبها فيتجنشتاين وجاء مجموعها 676 والفقرات على الأغلب قصيرة ، وإن بعض منها تتكون من سطر واحد ويتكون بعضها من عدة أسطر .. وهي من الأهمية بمكان وذلك لكونها أخر ماكتبه يراع الفيلسوف فيتجنشتاين .

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ الأيام الأخيرة ، أرشيف فيتجنشتاين في كيمبريدج ، 8 سبتمبر سنة 2011 . [271]

 – البروفسور رايت هو الذي شغل  محل لودفيغ فيتجنشتاين بروفسوراً في جامعة كيمبريدج . وبالطبع هو الذي كلفه فيتجنشتاين بوكالة شرعية [272]

بطبع ونشر أعماله الأخيرة . أنظر : جورج فون رايت ؛ صورة فيتجنشتاين شاباً : من مذكرات ديفيد هيوم بينست 1912 – 1914 ، شركة نشر بلاكويل ، سنة 1990 (تألف من 242 صفحة) .

 – هو الدكتور البريطاني ولاعب التجديف الذي فاز بالمدالية الذهبية في الأولمبياد الصيفي في أمستردام سنة 1928 . وكان بيفن طبيب  [273]

فيتجنشتاين خلال عمله في جامعة كيمبريدج . وبعد تشخيص دكتور بيفن إنتشار سرطان البروستاتا عند فيتجنشتاين ، تحول الأخير ليعيش مع عائلة بيفن وكان ذلك في شباط سنة 1951 وظل هناك حتى موته في 29 أبريل سنة 1951 . أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين : الأيام الأخيرة (مصدر سابق) .

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين : الأيام الأخيرة (مصدر سابق) . [274]

 – أنظر المصدر السابق . [275]

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار (مصدر سابق) ، ص 79 الهامش . [276]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ ملاحظات حول اللون إشراف وتحرير إليزابيث إنسكومب ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 1977 . وأنظر كذلك : [277]

ماري ماكغين ؛ ملاحظات فيتجنشتاين حول اللون ، مجلة الفلسفة ، المجلد 66 ، العدد 258 ، سنة 1991 ، ص ص 435 – 453 .

 – جاءت هذه التفاصيل عن مخطوطة فيتجنشتاين في قوائم كتبه . [278]

 – يوهان فولفغانغ فون غوته هو كاتب ورجل دولة ألماني . وتعددت أجناس كتاباته والتي توزعت بين الملاحم والشعر الوجداني والنثر . فمثلاً[279]

إن غوتة كتب الدراما والمذكرات والسير الذاتية إضافة إلى كونه ناقد في الأدب وعلم الجمال . كما وكتب أبحاث ورسائل متخصصة في علم النبات ، التشريح واللون . وألف أربعة روايات وكتب أكثر من عشرة ألاف رسالة . وكانت روايته الأولى الناجحة بعنوان آلام فرتر (1774) والتي كونت الأصول المبكرة للحركة الرومانتيكية . ومن كتاباته العلمية ، كتابه الذي حمل عنوان قصة دراساتي النباتية (1831) . ومن ثم طبع في عام 1810 نظريته في الألوان والتي تُعد بنظر النقاد من أهم الأعمال . وفعلاً ففي عام 1916 أثارت نظرية غوتة في الألوان شوبنهور فثابر على تطوير نظريته الخاصة حول الرؤية والألوان . والتي أسسها على ملاحظاته وبالأعتماد على كتاب غوتة . كما إن عمل غوتة (كما أشار هذا البحث) هو الذي ألهم لودفيغ فيتجنشتاين فكتب ملاحظات حول اللون . وبالطبع إن غوتة عارض تحليلات نيوتن للون . ورغم النقد الذي تعرضت له نظرية غوتة في الألوان . إلا إنها كانت الدراسة المنظمة الأولى وفيها بينت الأثار الفيزيولوجية للون . وبالمناسبة إن غوتة طور أول ويل أو عجلة للألوان . ولخص غوته نظريته في الألوان في دراساته التي حملت عنوان التجرية وسيط بين الذات والموضوع (1772) . كما إن رائعة غوته التي حملت فاوست (مجلدان) قد حملت مشروع ثورة في فلسفة التاريخ . ولعل الشاهد الأثر الذي تركه فاوست على إسوالد إشبنجلر وخصوصاً تقسيم التاريخ إلى مرحلة أبولو ، العصور السحرية والعصور الفاوستية .. للتفاصيل أنظر : جوزيف ماكابي ؛ غوتة : الرجل وخصائصه ، دار نشر إلفين ناش ، لندن سنة 1912 (تألف من 420 صفحة) . وكذل يوهان فون غوتة ؛ التجربة وسيط بين الذات والموضوع ، 28 أبريل 1792 (الترجمة الإنكليزية) متوافرة  (أون لاين) .  

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ ملاحظات حول اللون ، (مصدر سابق) ، الفقرة رقم 70 . [280]

 – فيليب أوتو رونغي وهو الرسام الألماني والذي مات في الأربعينيات من شبابه . وهو من أفضل الرسامين الألمان الرومانتيكيين . ولد في [281]

أحضان عائلة بروسية نبيلة تتألف من أحد عشر طفلاً وكان تسلسله التاسع بين إخوته . وبسبب نحافته وشحوبه (مرضه) كان غالباً ما يتغيب من المدرسة ويبقى قرب أمه فتعلم منها فن التصميم بإستخدام المقص والذي ظل يتداوله طيلة حياته . وفي عام 1795 بدأ العمل في شركة أخيه دانيال في هامبورك . وفي عام 1799 وبمساعدة أخيه دانيال مالياً ، بدأ رونغي بدراسة الرسم في أكاديمية كوبنهاكن وتحت إشراف الرسام الدنماركي ومدير الأكاديمية ينس جول (1745 – 1802) . ومن ثم أخذ رونغي يدرس كتابات القرن السابع عشر وهذه الدراسة حملته في عام 1803 على زيارة مدينة فايمر الألمانية . وصدفة قابل هناك الشاعر الألماني غوته  ومن ثم طور الإثنان صداقتهما والتي نهضت أساساً على إهتمامهما باللون والفن . وكانت بين غوتة ورونغي مراسلات وخاصة بعد تطوير رونغي لمفهوم مجال اللون . وفعلاً فقد أرسل رونغي رسومه حولها إلى غوتة في 3 تموز سنة 1806 . كما وأرسل إلى غوتة وبالتحديد في بواكير عام 1810 وصف تفصيلي لمضمار مجال اللون في مخطوطة والتي طبعت لاحقاً في هامبورك في بواكير عام 1810 . أنظر للتفاصيل : أش . ملتزن ؛ فيليب أوتو رونغي قابل غوتة في فايمر ، أرشيف جمعية غوتة (أسسها شارلز الأكسندر سنة 1885) ويُطبع الأرشيف دورياً . وطبع لأول مرة عام 1880 وبإشراف المؤرخ الألماني لودفيغ جيجر (1848 – 1919) .

 – أنظر : ماري ماكغين ؛ ملاحظات فيتجنشتاين حول اللون (مصدر سابق) . [282]

 – أنظر : ماري ماكغين ؛ ملاحظات فيتجنشتاين حول اللون ، مجلة الفلسفة ، المجلد 66 ، العدد 258 ، إكتوبر سنة 1991 ، ص ص 435 – [283]

453 .

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين : الأيام الأخيرة (مصدر سابق) . وكذلك : نورمان مالكولم ؛ المصدر السابق .  [284]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ حول اليقينية ، ترجمة دينيس بول وإليزابيث إنسكومب (مصدر سابق) . [285]

– أنظر : جورج أدورد مور ؛ دفاعاً عن الحس المشترك ، منشور في الكتاب الجماعي : الفلسفة البريطانية المعاصرة ، إشراف جون هنري [286]

مورهيد ، دار نشر جون ألين وأنوين ، السلسة الثانية ، سنة 1925 ، ص ص 336 – 359 .

 – أنظر المصدر السابق . [287]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ حول اليقينية (مصدر سابق) . من الأبحاث المهمة التي ناقشت فيتجنشاين وكتابه حول اليقينية ، كتاب صدر أولاً [288]

في باريس ومن ثم ظهرت له خلاصة بالإنكليزية (ولاحظنا بأن هناك وعد بترجمة الكتاب إلى الأنكليزية) وهذا الكتاب كان بإشراف كل من خسيوس باديلا غالفير ومارجريت غالفير (إشراف) وهو كتاب جماعي وبعنوان اليقينيات الشكية ، ألعاب اللغة ، صور الحياة والنسبية ، نيوبرانسويك ، سنة 2012 . والكتاب تكون من خمسة عشر بحثاً . وظهر لنا البحث الأول هو مقدمة ومدخلاً لهذا الكتاب الجماعي  . وفعلاً فقد جاء بعنوان اليقينيات الشكية ، ألعاب اللغة ، صور الحياة والنسبية . والحقيقة هذا هو عنوان الكتاب وهذا المدخل كتبه بالإشتراك المشرفان على هذا المشرع الجماعي وهما كل من خسيوس باديلا ومارجريت غالفير (ص ص 7 – 12) . وتلت المدخل الأبحاث الأتية ؛ الثاني وكان بعنوان حول (النظر) إلى ألعاب اللغة بجدية وكتبه إندريه موري (ص ص 13 – 24) . والثالث بعنوان هل هناك يقينية في صور حياتنا ؟ وكتبه خسيوس باديلا غالفيرز (ص ص 25 – 40) . وكتب البحث الرابع إنيس سالكيرو وبعنوان اليقينية وصور الحياة (ص ص 41 – 52) . والخامس وكتبه نيكولا كلوديو سلفانورا وبعنوان القضايا المعلقة والشكية المتطرفة (ص ص 53 – 62) . وجاء السادس بعنوان المنطق الحيواني والحجة الترانسندنتالية : مسويين من التبرير لكتا حول اليقينية وكتبه مادستو أم . غوميزو إلونسو (ص ص 63 – 74) . والبحث السابع كتبه ميشيل لي دو وبعنوان نص كتاب إلى علماء النفس (ص ص 75 – 90) . وتلاه البحث الثامن وكتبه ليفيا إندريه يورسيشي وبعنوان فيتجنشتاين ، الذريعة واللايقينية (ص ص 91 – 108) . ومن ثم جاء عنوان البحث التاسع هل كان فيتجنشتاين فيلسوف النسبية ، وكتبته مارجريت غالفير (ص ص 109 – 120) . وكتب البحث العاشر جيكب ماشا والذي حمل عنوان لقاءات اللغة ومقاييس الحقيقة (ص ص 121 – 128) . وحمل البحث الحادي عشر عنوان ما وراء النسبية : طريقة البحث النحوي (قواعد اللغة) عند فيتجنشتاين وتحديداً في كتاب أبحاث فلسفية وكتبه سبستيان كريف (ص ص 129 – 148) . وكتبت نيما أماهوني البحث الثاني عشر والذي كان بعنوان القضايا الروسية عند فيتجنشتاين (ص ص 149 – 180) . وجاء عنوان البحث الثالث عشر الحس المشترك واللغة : فيتجنشتاين وغرامشي وكتبه نوربرتو نيتو (ص ص 181 – 202) . أما البحث الرابع عشر فكتبه نونا فونترينا وحمل عنوان رفع الإلتباس عن التصوف : بروير وفيتجنشتاين (ص ص 203 – 213) . وإختتم آرثر غبسون هذا الكتاب ببحثه الذي كان بعنوان فيتجنشتاين ومستقبل العلوم الرياضية (ص ص 213 – 225) . 

 – أنظر : خسيوس باديلا غالفير ؛ فيتجنشتاين القواعد واللغة الخاصة : شرح أولي ، دورية الثيوريا (النظرية) ، المجلد الثاني ، العدد الأول ،[289]

سنة 1986 ، ص ص 207 – 210 .

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ المصدر السابق ، ص ص 80 – 81 . [290]

 – المصدر السابق ، ص 81 . [291]

 – يوريك سمايثيز (1917 – 1980) وهو من طلاب فيتجنشتاين ومن ثم عمل أمين مكتبة في جامعة أكسفورد  . درس العلوم الأخلاقية في كلية [292]

كنك – جامعة كيمبريدج من 1935 – 1939 وحصل على المرتبة الأولى . وكان يكتب ملاحظات على محاضرات عالم الرياضي الإنكليزي ماكسويل هيرمان الكسندر في علم المنطق وبالتحديد في الفصل الدراسي لعام 1934 . وكان سمايثيز واحد من طلاب قلائل من سمح لهم بكتابة ملاحظات فيتجنشتاين . وعانى سمايثيز من الكأبة وتم وصف عقار له وظل يعتمد عليه في حياته . وألف كتاباً عن فلسفته الخاصة . إلا إنه لم يفلح في نشرها في حياته . وتحول إلى الكاثوليكية . وتزوج من بكي بوفي وهي محاضرة في العمارة وبعد موته تزوجها طالب فيتجنشتاين ريش رايس . للتفاصيل أنظر : فولكر ميونز : لودفيغ فيتجنشتاين ويورك سمايثيز : علاقة غير معروفة ، أبحاث مختارة من سمبوزيوم فيتجنشتاين العالمي ، 30 تموز سنة 2015 (أون لاين) . وراي مونك : لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 463 . 

 – الأب كونراد (ستيفن) ببلر (1908 – 1993) وهو القس الدومينيكاني الإنكليزي . وهو إضافة إلى ذلك كاتب ومحرر وناشر  . كما وأسس [293]

مركز الكونغرس الكاثوليكي في بريطانيا . ولد في غرب لندن وكان والده يُدير نادي العمال في عام 1916 . وأقام كونراد علاقات مبكرة مع الكنيسة الكاثوليكية حيث تصعد إلى عام 1916 . ومن ثم دخل المدرسة الدومينيكانية ، وهي مدرسة هاكسير الداخلية (يعيش الطلبة في بيوتها) وتقع في ستافوردشاير . وبعد ترك المدرسة عمل مع والده في المطبعة وحتى عام 1927 ، حيث دخل النظام الدومينيكاني وإتخذ إسم كونراد . وفي عام 1948 تحدث في أكسفورد وبالتحديد في النادي السقراطي عن ” ضرورة التصوف المسيحي ” . من أهم مؤلفاته :1- ثلاث درجات : دراسة التصوف المسيحي ، دار نشر بلكفيرز ، لندن سنة 1957 . 2 – الثروات الحقيرة : دراسة في جذور الدين ، داركتب هاردر ، سانت لويس سنة 1957 . 3 – التراث الديني الإنكليزي ، دار كتب هاردر ، سانت لويس ، سنة 1958 .

 – نقلاً عن دكتور مارك كولدي ؛ الدليل إلى كلية شيرشل ، كيمبريدج : النص ، سنة 2009 ، الصفحات 62 ، 63 . [294]

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 576 ومابعد . [295]

 – فيديو بعنوان وجود فيتجنشتاين يكشف عن (صورة حية للصخرة التي نٌقش عليه لودفيغ فيتجنشتاين 1889 – 1951) وتفاصيل عن قبر [296]

فيتجنشتاين . والفيديو يبدأ من محطة قطار كيمبريدج وحتى مقبرة أبرشية العروج . ومن ثم الطريق المؤدي إلى ضريحة بين القبور الأخرى (مع دليل بالخارطة) . إعداد أيان كراوند وكورنيلا مارلاند ، سنة 2016 .

 – راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 576 . [297]

 – أنظر : بيتر فينش ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : الثقافة والقيم ، مطبعة جامعة شيكاغو ، سنة 1984 ، ص 33 . [298]

 – وهي فكرة توقف عندها تفكير فيتجنشتاين ولم يتقدم خطوة واحدة ونحسبه رفضها على الإطلاق ، بل ولا يرغب التفكير فيها . وهي بالطبع [299]

موجودة ومتداولة في أديان أخرى منها من سبقت المسيحية ومنها من جاءت بعدها . والسبب في حيرة فيتجنشتاين إنه ظل سجين فكرة الإفتداء المسيحية وبالرغم من عمق وتجذر العقيدي العبري الذي وصلت نسبة تجذره بتفكيره إلى مئة في المئة كما زعم فهنا حساباته تجانب هذه الحقيقة .

 – بيتر فينش ؛ المصدر السابق ، ص 33 . [300]

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار (مصدر سابق) ، ص ص 59 – 60 . وكذلك : تم لابرون ؛ وجهة نظر فيتجنشتاين [301]

الدينية ، دار نشر جماعة كوانتم العالمية ، سنة 2006 ، ص 47 .  

 – نورمان مالكولم ؛ المصدر السابق ، ص 59[302]

 – المصدر السابق . [303]

 – المصدر السابق ، ص 60 . [304]

 – أنظر : وليم شايلد ؛ فيتجنشتاين ، دار نشر تايلور وفرنسيس ، سنة 2011 ، ص 218 . وكذلك : أدورد كانترين ؛ لودفيغ فيتجنشتاين ،  [305]

دار كتب ريكشن ، سنة 2007 ، ص ص 145 – 146 .

 – وليم شايلد ؛ المصدر السابق . [306]

 – أنظر : رونالد هيبورن ؛ ألإغنوستزم ، منشور عند : دونالد بورشيرت ؛ إنسكلوبيديا الفلسفة ، المجلد الأول ، ط الثانية ، سنة 2005 ، ص [307]

92 .  

 – توماس هنري هاكسلي وهو مدافع عن الداروينية وطور التربية العلمية في بريطانيا . وكافح ضد الإتجاهات المتطرفة في الإرث والتقاليد  [308]

الدينية . ترك المدرسة وعمره عشرة سنوات وذلك لأسباب مالية . ورغم إن والده كان معلم رياضيات . إلا إنه كان صاحب إرادة فقام بتعليم وتثقيف نفسه بنفسه حتى أصبح واحد من رموز التعليم الذاتي في القرن التاسع عشر . وهاكسلي متخصص في علم التشريح المقارن والبايولوجيا إضافة إلى إن كان بروفسوراً للتاريخ الطبيعي . ولكونه متمكناً من الألمانية فقد إختاره تشارلز داروين ليكون مترجماً لتراثه إلى اللغة الألمانية . وقرأ كتابات كل من الفيلسوف الإسكتلندي توماس كارليل (1795 – 1881) والكتابات الجيولوجية للإسكتلندي جيمس هايتون (1726 – 1797) والكتابات المنطقية للميتافيزيقي الإسكتلندي وليم هاملتون . وكتب هاكسلي حول العلم والدين وبز معظم رجال اللاهوت في عصره . للتفاصيل أنظر : سيريل بيبي ؛ توماس هنري هاكسلي : العالم ، الإنساني والمربي ، دار نشر واطس ، سنة 1959 .   

 – تشارلز داروين وهو عالم الطبيعة (البايولوجيا والجيولوجيا) الأنكليزي . وجاءت شهرته بنشره نظريته في النشوء والتطور في عام 1859 [309]

والذي نشره في كتابه أصل الأنواع . والواقع إن إهتمام داروين المبكر بالطبيعة (البايولوجيا والجيولوجيا) حملاه على أن يتخلى عن دراسته في الطب والتي بدأها في جامعة إدنبرا . ومن ثم قام برحلته البحرية المشهورة والتي إستمرت خمس سنوات والتي نشرها في كتابه المشهور والذي حمل عنوان رحلة بيغل (1839) والذي تألف من ثلاث وعشرين فصلاً . وجاء بعده كتابه أصل الأنواع (1859) . ومن ثم كتابه نزول الإنسان والإنتخاب الطبيعي (1871) . وتلاه كل من كتابه التعبير عن الإنفعالات عند الإنسان والحيوانات (1872) . وقوة الحركة في النباتات (1880) . وإختتمها بعمل الأخير والذي جاء بعنوان حول ديدان الأرض وملاحظات حول عاداتها (1881) . للتفاصيل أنظر : فرنسيس داروين (الإشراف) ؛ حياة ورسائل تشارلز داروين ، دار نشر الكتب الأساسيىة ، سنة 1959 .

 – الشكية الفلسفية وهي بالإنكليزية سكبتسيزم والتي جاءت من كلمة سكبسيس اليونانية والتي تعني بالعربية البحث او التفكير . والشكية الفلسفية [310]

هي مدرسة فلسفية في التفكير كما وهي طريقة أو منهج يلف حقول علمية مختلفة وثقافات متنوعة . والشكاك على العموم يتفقون على إن المعرفة تحتاج إلى نوع من التبرير ، وإنه ليس بكاف في إنك تمتلك عقيدة صادقة .  والشكيون يزعمون بأنه ليس من الممكن أن يتوافر لديك تبريراً ملائماً . كما وإن الشكية هي ليست بموقف واحد ، بل هي مواقف مختلفة ومتنوعة . فمثلاً في تاريخ الفلسفة اليونانية نلحظ هناك تقليدين فلسفيين للشكية ؛ الأول يُمثل الشكية الأكاديمية وهي المدرسة الفلسفية التي ظهرت داخل الأكاديمية التي أسسها إفلاطون ، ويُطلق عليها الأكاديمية الثانية أو الوسطى أو الأكاديمية الشكية وأسسها سنة 266 ق.م الفيلسوف اليوناني أركسيلاوس (316 – 241 ق.م) وهو الذي تبنى الشكية . والشكية الأكاديمية تأخذ موقفاً ديموغاغياً (عقائدياً صلباً) فذهب إلى إن المعرفة غير ممكنة وشك في قابلية الحواس في الإمساك بالصدق حول العالم . ومن فلاسفة الشكية الأكاديمية كل من كارنياديس (214 – 128 ق.م) وفيلو لاريسي (154 – 84 ق. م) والذي حضر محاضراته شيشرون في روما . ومعروف عن الشكية الأكاديمية هجومها على عقائد الرواقية التي تذهب إلى إمكانية المعرفة وصدقها أو يقينها .  وتلاشت الشكية الأكاديمية سنة 90 ق.م وذلك عندما رفضها الفيلسوف إنطيخوس العسقلاني (125 – 68 ق.م) وبالطبع العسقلاني كان إستاذ الفيلسوف الروماني شيشرون في أثينا . وبالمناسبة إن من خصوم الشكية الأكاديمية فلاسفة الرواقية والذين إعتقدوا بأنه من الممكن إدارك الحقيقة والصعود إلى يقينيتها . للتفاصيل أنظر : كيمبي ألكيرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية ، مطبعة جامعة كيمبريدج سنة 1999 ، ص ص 48 – 49 . وكذلك : هارولد تارنت ؛ الشكية أو الإفلاطونية ؟ فلسفة القرن الرابع ، سلسلة دراسات كيمبردج الكلاسيكية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2007 (تألف من 197 صفحة) . والثاني كون الشكية البيرونية والتي حافظ فلاسفتها على الإعتقاد  إن معرفة الأشياء مستحيلة . وإن الأفكار والمفاهيم هي غير صادقة أبداً . ومن فلاسفة الأبيرونية كل من بيرون (حوالي 360 – حوالي 270 ق.م) وأنيسيديموس (القرن الأول قبل الميلاد) وسكيستوس إمبريقوس (حوالي 160 – حوالي 210 م) . أنظر للتفاصيل : فيرنيناد دكليفا كايزي ؛ أنيسيديموس والأكاديمية ، المجلة الكلاسيكية ، المجلد 42 ، العدد الأول ، سنة 1992 ، ص ص 176 – 189 . وكذلك : سكيستوس إمبريقوس ، موجزات الأبيرونية ، ترجمة أر . ج . بيري ، مطبعة جامعة هارفارد ، ماسشيوستس سنة 1933 . 

 – ولد الفيلسوف والميتافيزيقي الأسكتلندي السير وليم هاملتون في كلية غلاسكو . وجاء من عائلة أكاديمية فقد كان والده بروفسور التشريح في [311]

غلاسكو . وحصل وليم هاملتون على درجة البكلوريوس سنة 1811 ومن ثم حصل على درجة الماجستير سنة 1814 . وزار ألمانيا مرتين ؛ الأولى كانت عام 1817 . والثانية حدثت عام 1820 وحينها قرر دراسة اللغة الألمانية وبعد ذلك درس الفلسفة الألمانية المعاصرة والتي كانت يومها مهملة في الجامعات البريطانية . وفي عام 1820 عُين رئيساً لقسم الفلسفة الأخلاقية . ومن أهم مؤلفاته : فلسفة اللا إشتراط (1829) وهي نقد لكتاب الفيلسوف الفرنسي فيكتور كوزين (1792 – 1867) والذي كان بعنوان فصل دراسي في الفلسفة . وعلى أساسه تم تعييته سنة 1836 رئيساً لقسم المنطق والميتافيزيقا في جامعة أدنبرا . ومن أشرف على نشر أعمال الفيلسوف الأسكتلندي توماس ريد (1710 – 1796) والتي نشرت عام 1846 . ونشر مقالته التي حملت عنوان حول تحليل جديد للأشكال المنطقية ، وتلاه نشر أعماله كل من محاضرات في علم المنطق ، وفي الفلسفة ، والأدب والتربية . وتحولت فلسفة هاملتون إلى عنوان للواقعية الطبيعية والتي ربط فيها بين عمانوئيل كانط وتوماس ريد . وأخيراً ظهر بعد موته عمله الذي حمل عنوان محاضرات حول الميتافيزيقا وعلم المنطق ، أربعة مجلدات سنة 1860 . للتفاصيل أنظر : جون فينش ؛ هاملتون ، دار نشر بلاكوود ، سنة 1882 (تالف من 268 صفحة) .

 – هربرت سبنسر هو الفيلسوف وعالم البايولوجيا والسوسيولوجيا والمنظر السياسي الإنكليزي في العصر الفيكتوري . كما طور سبنسر الكثير من [312]

نظرية التطور والنشوء ولهذا السبب فإنه بدأ الكتابة في هذا المضمار قبل داروين . وإمتلك سبنسر سلطة معرفية في حقول معرفية متنوعة ولم يرقي لمكانته في هذا التنوع المعرفي سوى برتراند رسل وبالطبع مع فارق وهو إن سبنسر صرف معظم حياته في القرن التاسع عشر في حين صرف رسل معظم حياته في القرن العشرين . والحقيقة إن سبنسر بعد إن قرأ كتاب داروين أصل الأنواع ، صاغ مبادئ البايولوجيا وإقترح بقوة مفهوم الإنتخاب الطبيعي كما هو الذي وسع نظرية النشوء لتشمل علم الإجتماع والإخلاق . وبدأ سبنسر تعليمه على يد والده كما ولعب أعضاء الجمعية الفلسفية في دربي دوراً وذلك من خلال تقديمهم مفاهيم بايولوجيا النشوء إليه . وعمل مبكراً في تحرير صحيفة الإقتصادي وكان أول كتاب نشره في عام 1851 بعنوان الإحصاء الإشتراكي (أو الشروط الأساسية للسعادة ..) . ومن ثم نشر كتابه الثاني في عام 1855 وبعنوان مبادئ علم النفس . وأنتج في عام 1858 خلاصة لعمله الذي حمل عنوان النظام التركيبي للفلسفة وهذا العمل تألف من عشرة مجلدات وصرف من حياته عشرين سنة لأكماله . وجاءت خلال السنوات 1874 وما بعد نشرة مجلداته الثلاثة لرائعته مبادئ علم الإجتماع وإستمر في نشر عدد من المجلدات في أطراف أخرى من مضمار السوسيولوجيا .  وخلال السبعينات من القرن التاسع عشر أصبح سبنسر من أشهر فلاسفة العصر . للتفاصيل أنظر : جون أوفر ؛ هربرت سبنسر : تقويم نقدي ، شركة نشر روتليدج ، لندن سنة 2004 (أربعة مجلدات) .  

 – تشارلز كنجسلي وهو القس وبروفسور كيمبريدج والمصلح الإشتراكي . وإسمه يقترن بحركة الإشتراكية المسيحية كما هو صديق مقرب إلى[313]

تشارلز داروين وتبادل معه الرسائل . درس فس كلية كنك – جامعة كيمبريدج ومن ثم عاد إليها بروفسوراً . وهو المؤسس لجمعية العلم الطبيعي وعمل معلماً خاصاً إلى أمير ويلز . وتبادل الرسائل مع توماس هاكسلي وناقش معه أفكاره المبكرة حول الغنوصية . ولعل من مؤلفاته التي نحتفل بها كتابه هبيشا (1853) وهو عن الفيلسوفة الشهيدة المصرية . كما ونحتفل به لكونه من المتعاطفين مع فكرة النشوء والتطور عند داروين . وقام في 18 نوفمبر سنة 1859 بمراجعة كتاب أصل الإنواع لداروين  ونشر عنه مراجعة قبل أربعة أيام من موعد بيعه للجمهور . وكان القس كنجسلي هو أول من إستقبل ورحب بكتاب داروين أصل الأنواع . ومن مؤلفات كنجسلي : الخميرة (رواية سنة 1848) وهي من أعماله الأولى . هبيشا (رواية سنة 1853) ، الإسكندرية ومدارسها (1854) ، الأبطال : حكايات يونانية (1856) ، الزهاد (1869) ، الصحة والتربية (1874) وغيرها . للتفاصيل أنظر : تشارلز كنجسلي ؛ تشارلز كنجسلي : رسائله وذكريات من حياته (إشراف زوجته) ، شركة نشر لونغان وبول كيغان سنة 1878 (مجلدان) .  

 – توماس هنري هاكسلي ؛ أعمال هاكسلي النثرية الكبيرة ، مظبعة جامعة جورجيا ، سنة 1997 ، ص 357 وما بعد .  [314]

 – وليم روي هو بروفسور المتمرس في جامعة بيردو – الولايات المتحدة الأمريكية . وهو متخصص في فلسفة الدين ومشهور في خصومته مع [315]

الفلسفة التحلية منذ السبعينات من القرن العشرين وخصوصاً في تحليلات الفلسفة التحليلية للدين . والبروفسور وليم روي معروف بصورة واسعة في حجته حول مشكلة الشر . (أنظر : وليم روي ؛ مشكلة الشر وبعض أطرافها الإلحادية ، دورية الفلسفة الفصلية ، سنة 1979 المجلد 16 ، ص ص 335 – 341) .  من مؤلفاته : الحجة الكوسمولوجية ، مطبعة جامعة برنستون ، سنة 1975 ، فلسفة الدين : مدخل ، دار نشر ودسورث ، سنة 1978 ، توماس ريد : حول الحرية والفضيلة ، مطبعة جامعة كرونيل ، سنة 1991 . للتفاصيل : أنظر : جون شوك ؛ المعجم الجديد للفلاسفة الأمريكان ، مطبعة ثيوميس ، سنة 2005 .

 – وليم روي ؛ الإغنوصية ، منشور عند أدورد كريج : إنسكلوبيديا روتليدج ، دار نشر تايلور وفرنسيس ، سنة 1998 . [316]

 – المصدر السابق . [317]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ لماذا أنا لست مسيحياً ؟ ومقالات أخرى حول الدين وموضوعات متعلقة ، دار نشر روتليج ، سنة 1992 . [318]

 – أنظر للتفاصيل : دوكلس لكي ؛ ماهي الكلاسيكيات الحديثة ؟ إستفتاء باروخ حول الفلسفة العظيمة في القرن العشرين (بالإنكليزية) / منشور  [319]

في مجلة الفورم الفلسفي ، المجلد 30 ، العدد 4 ، ديسمبر 1999 ، ص ص 329 – 346 . وهذا الإستفتاء شمل على عينة تكونت من 400 أستاذ متخصص في الفلسفة ويعمل في الجامعات الأمريكية وكليات الفلسفة ، وإحتل فيتجنشتاين المرتبة الأولى .

 – أنظر : براين ماككينس ؛ فيتجنشتاين : الحياة : لودفيغ الشاب (1889 – 1921) (مصدر سابق) ، ص 118 . وأنظر كذلك : الدكتور محمد  [320]

جلوب الفرحان ؛ في صحبة الفلاسفة : لودفيغ جوزيف فيتجنشتاين ، الفيلسوف (مجلة فلسفية إلكترونية) ، 14 كانون الثاني ، سنة 2016 .

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ كتاب الملاحظات 1914 – 1916 ، ترجمة إليزابيث إنسكومب ، إشراف وتحرير فون رايت وإليزابيث [321]

إنسكومب ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1979 ، ص ص 2 – 91 .  

 – وورد في العنوان باللغة الألمانية تفاصيل إضافية تشير إلى مكان النشر ونحسب إن فيتجنشتاين صنفها خطأً تحت مضمار ” حوليات الفلسفة   [322]

” الطبيعية ، 14 (سنة 1921) . ونرجح إن الخطأ ربما وقع في النشرة الألمانية الأولى لكتاب تركتاتوس في مجلة عالم الكيمياء الروسي ويلهلم أوسترالد كما سنبين لاحقاً .

 – أنظر : الصورة المبكرة لتركتاتوس لوجيكو – فيلوسوفيكو ، ترجمة دي . أف . بيرز وماكغيوننس ، إشراف ب . ماكغيوننس وت . نايبيرك  [323]

وفون رايت ، دار نشر روتليدج وبول كاغان ، سنة 1971 .

 – أنظر التفاصيل المحور الثاني والذي حمل عنوان مناظرة فيتجنشتاين والفيلسوف كارل بوبر أو بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة [324]

عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلسفة .  

 – أنظر المحور الثالث من هذه الطرف من البحث . [325]

 – فيتجنشتاين ؛ أبحاث فلسفية ، ترجمة إليزابيث إنسكومب ، إشراف إليزابيث إنسكومب وريش رايس ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد ، سنة [326]

1953 .

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ مختارات فيتجنشتاين في فلسفة المنطق والرياضيات ، إشراف وتحرير فون رايت وريش رايس وإليزابيث إنسكومب ،[327]

سنة 1956 .  

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ ملاحظات حول علم المنطق ، إشراف أش . تي . كوستلو ، مجلة الفلسفة ، العدد 54 ، نيويورك سنة 1957 ، ص ص [328]

230 – 245 .

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ ملاحظات حول أسس الرياضيات ، ترجمة إليزابيث إنسكومب ، إشراف فون رايت وريش رايس وإليزابيث إنسكومب ، [329]

دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1978 .  

 – أنظر مثلاً : ماريون ماثيو ؛ فيتجنشتاين ، النهائية (الفينتزم) وأسس الرياضيات ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2008 . والفينتزم هي نزعة [330]

في الرياضيات ترفض أن يكون كل شئ في الواقع لانهائياً .. (أي هو موقف بين النهائية واللانهائية في الرياضيات ..) . أنظر للتفاصيل : جين بول بيندجيم ؛ النهائية (الفينتزم) في الهندسة ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة ، 3 أبريل سنة 2002 .

 – مايكل دوميت هو فيلسوف بريطاني ، وإنه واحد من أهم الفلاسفة في القرن الماضي . وهو ناشط سياسي في التسامح والمساواة . وكان أستاذا[331]

في علم المنطق في جامعة أكسفورد حتى عام 1992 . وكتب الكثير عن الفلسفة التحليلية . والبروفسور دوميت مشهور بكونه واحد من الشراح القلائل لفلسفة جوتلوب فريجة . ومن ثم إمتد إهتمامه بعالم الرياضيات والمنطق كورت غودل حيث أصبح شائعاً عن دوميت مايُعرف بمنطق غودل – دوميت . من أهم مرلفات مايكل دوميت : 1 – فريجة : فلسفة اللغة ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1973 . 2 – تفسير فلسفة فريجة ، دار نشر دوكورت ، سنة 1981 . 3 – فريجة : فلسفة الرياضيات ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1978 . 4 – فريجة وفلاسفة آخرون ، أكسفورد ، سنة 1991 . 4 – أصول الفلسفة التحليلية ، مطبعة جامعة هالرفارد ، سنة 1993 . 5 – الأسس المنطقية للميتافيزيقا ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1991 . 6 – حول الهجرة واللاجئين ، لندن سنة 2001 .

 – بول إسحاق بيرنيز وهو عالم رياضيات سويسري . وعمل مساهمات مهمة في المنطق الرياضي ، ونظرية المجموعات البديهية وكذلك في [332]

فلسفة الرياضيات . وفي بداية حياته الأكاديمية عمل مساعداً إلى عالم الرياضيات الأماني ديفيد هلبرت ( 1862 – 1943) . وتعاون بيرنيز مع هلبرت ونشر مجلدين . كما ونشر سبعة أبحاث خلال الفترة ما بين 1937 – 1954 ونشرها في مجلة المنطق الرمزي . ومن ثم أعاد نشرها ميلر سنة 1976 .  وقام كورت غودل بتحوير نظرية بيرنيز وظهرت بعنوان نظرية المجموعات عند نيومان – بيرنيز – غودل . ومن ثم ظهر إن مصادرها هي أعمال بيرنيز وهلبرت والتي حملت عنوان مفارقة هلبرت – بيرنيز . ومن أهم مؤلفات بول بيرنيز : دراسات في المنطق وأسس الرياضيات ، إمستردام ، سنة 1958 . وأنظر كذلك : هارتلي فيليد ؛ سلامة الصدق من المفارقة ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2008 ، ص ص 291 – 293 .

 – جورج كرايسل هو عالم المنطق الرياضي النمساوي – البريطاني – الأمريكي . درس وعمل في بريطانيا وأمريكا . أرسلته عائلته في بواكير [333]

شبابه للدراسة في بريطانيا . وفعلاً فقد درس كرايسل الرياضيات في كلية الثالوث في جامع كيمبريدج . وكتب إطروحته للدكتوراه فيها ومن ثم عاد إلى النمسا خلال الحرب العالمية الثانية وخدم في الجيش . ومن ثم عاد إلى بريطانيا وبدأ عمله الأكاديمي في جامعة ريدنغ وظل فيها حتى عام 1954 . ومن ثم حصل على فرصة عمل في جامعة ستانفورد (أمريكا) ومن ثم في عام 1962 أصبح بروفسوراً وظل فيها حتى تقاعده سنة 1985 . وعمل كرايسل في مجالات مختلفة من علم المنطق وخصوصاً نظرية البرهان . وخلال فترة التلمذة في جامعة كيمبريدج كان موضوع إحترام من قبل الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين .. أنظر : راي مونك ؛ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 498 . وكذلك : بيتر كونرادي ؛ إيرس مردوخ : الحياة ، دار نشر هاربر وكولينز ، سنة 2001 ، ص ص 264 – 265 . 

 – أنظر للتفاصيل : جورج كرايسل ؛ ملاحظات فيتجنشتاين حول أسس الرياضيات ، المجلة البريطانية لفلسفة العلم ، المجلد التاسع ، العدد 34 ، [334]

سنة 1958 ، ص ص 135 – 158 .  

 – أنظر : الدكتور فيكتور روديج ؛ فلسفة الرياضيات عند فيتجنشتاين ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة ، 23 شباط سنة 2007 . [335]

 – راي مونك ؛ مصدر سابق ، ص 466 . [336]

 – كورت فردريك غودل هو عالم رياضيات وعالم منطق وفيلسوف نمساوي ومن ثم أمريكي  . بدأ غودل حياته الأكاديمية بعمر الثامنة عشرة  [337]

حيث إلتحق بجامعة فينا والتي سبقه إليها (في عام 1920) أخيه الأكبر رودلف (ولد سنة 1902) . وكان مستواه في الرياضيات ما يعادل المستوى الجامعي . وحضر دروس في الفيزياء النظرية  ، كما وأخذ كورسات في الفلسفة وتبنى حينها أفكار الواقعية الرياضية . وقرأ كتاب عمانوئيل كانط الأسس الميتافيزيقية للعلم الطبيعي . ومن ثم شارك في حلقة فينا مع مورتيز شيلك وهانز هان ورودلف كرناب . ودرس نظرية الأعداد وإلتحق بسيمنار مورتيز شيلك والذي درس فيه كتاب برتراند رسل والذي حمل عنوان مدخل إلى الفلسفة الرياضية وأصبح مولعاً بالمنطق الرياضي  . ووفقاً لفهم غودل ” فإن العلم الأولي يتقدم كل العلوم ، وهو العلم الذي يحتوي على أفكار ومبادئ كل العلوم ” .  وحضر محاضرات ديفيد هلبرت في جامعة بولونيا وكانت حول التكامل والإنسجام في الأنظمة الرياضية . ويبدو إنها رسمت مجمل حياة غودل في هذا المضمار وإلى الأبد . وفي عام 1928 نشر هلبرت وفيلهلم أكرمان كتابهما الذي حمل عنوان مبادئ المنطق الرياضي ، والذي تم فيه دراسة مشكلة التكامل ومن ثم السؤال ؛ هل بديهيات النظام الصوري كافية بحيث تمكننا من إشتقاق كل القضايا الصادقة من كل موديلات النظام ؟ وهذا الموضوع تحول ليكون موضوعاً إختاره غودل لإطروحته للدكتوراه . وفعلاً ففي عام 1929 وكان عمره ثلاثة وعشرين ربيعاً أكمل كتابة إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان حول كمال حساب المنطق (1929) وتحت إشراف عالم الرياضيات النمساوي هانز هان (1878 – 1934) (أنظر : كورت غودل ؛ حول كمال حساب المنطق (1929) بالألمانية ، ترجمها إلى الإنكليزية ستيفان يبور مينكلبيرك وجين فان هايجينورت (ضمن مجموعة أعمال غودل كورت) ، المجلد الأول ، مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك سنة 1986 ، ص ص 61 – 101). ومن ثم في عام 1931 نشر عدد من أبحاثه بعنوان حول القضايا التي لايمكن دحضها أو تأييدها في برنسبيا ماثماتكيا (ثلاثة مجلدات كتبها الفريد نورث وايتهيد وتلميذه برتراند رسل) والنظم المتعلقة بها (ترجمها من الألمانية إلى الإنكليزية ب . ميلتزر ومدخل واسع تفصيلي بقلم رتشارد برايتويت ، مطبعة دوفر ، نشرة الكتب الأساسية ، سنة 1992) . ويُنظر إلى غودل وكل من أرسطو وجوتلوب فريجة على إنهم من أهم الرموز المنطقية الكبيرة في التاريخ . وترك غودل تأثيرات عميقة على التفكير العلمي والفلسفي في القرن العشرين ، وخصوصاً في وقت كان فيه كل من برتراند رسل وقبله أستاذه الفريد نورث وايتهيد ومن ثم ديفيد هلبرت الرواد في تداول علم المنطق ونظرية المجموعات وذلك بهدف فهم أسس الرياضيات . ولعل من أهم إسهاماته هي نظرية البرهان والتي نهضت على توضيح العلاقات بين المنطق الكلاسيكي ، المنطق الحدسي ومنطق الموديلات . للتفاصيل أنظر : 1 – جون داوسن ؛ المعضلات المنطقية : حياة وأعمال كورت غودل ، دار نشر تايلور وفرنسيس ، سنة 2005 (تألف من من 376 صفحة) . والمؤلف جون داوسن متخصص في حياة وكتابات كورت غودل . كما وكتب إطروحته للدكتوراه في المنطق الرياضي (جامعة شيكاغو) وكتب جون داوسن العديد من المقالات حول نظرية المجموعات البديهية وتاريخ المنطق الحديث . وأنظر كذلك ؛ بال يوركراو ؛ عالم بلا زمن : الإرث المنسي لغودل وإنشتاين ، الكتب الأساسية ، سنة 2006 (تألف من 224 صفحة) . وإستكمالاً للبحث نود أن نتعرض بصورة موجزة إلى عقيدة كورت غودل الدينية وفيها شواهد تُدلل على إن النازية لم تستدهف اليهود وحدهم وإنما إستهدفت المسيحيين من مذاهب مختلفة ، فكورت غودل مسيحي على المذهب اللوثري كان ضحية من ضحايا النظام النازي . صحيح جداً إن غودل هو توحيدي وفقاً للتقليد المسيحي إلا إنه يتمسك بمغهوم الله الشخصي . ويعترف غودل وفقاً للإستمارة التي قدمها بأنه مسيحي لوثري وعلى هذا الأساس تم تعميده . غير إنه لم يكن عضو في أي تجمع ولم يؤدي الصلوات خلال هذه التجمعات . ويقول إن عقيدتي هي التوحيد وليست هي وحدة الوجود . وكما يقول ” أنا أتبع ليبنتز بدلاً من إسبينوزا ” . وهو يصف الأديان على العموم ويقول ” الأديان على الأغلب سيئة . إلا إن الدين ليس بذلك ” . ووفقاً لزوجته أديل والتي قالت ” إن غودل لم يذهب إلى الكنيسة . إلا إنه متدين ويقرأ الإنجيل في الفراش صباح الأحد ” . وبينما الإسلام كما قال غودل ” أنا أحب الإسلام ، إنه متماسك في فكرته ودين مفتوح ” . أنظر : تكر ماكلوري ؛ رجال الرياضيات من ألف وحتي زد ، دار نشر إنفوبيس سنة 2005 ، ص 118 وتحدث عن طفولة غودل وتعميده على المذهب المسيحي اللوثري . وإنظر كذلك : هاو وينك ؛ الرحلة المنطقية : من غودل وإلى الفلسفة ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنلوجيا ، كيمبريدج – ماسشيوست ، سنة 1996 ، الصفحات 316 ، 51 و148  .

 – مبرهنات غودل في عدم الإكتمال والتي نشرها كورت غودل لأول مرة عام 1931 وهو لايزال في جامعة فينا . وبالطبع نبعت من وحي عمله  [338]

في إطروحته للدكتوراه ومن ثم بالتحديد من أبحاثه التي ركزت على القضايا غير المقررة في برنسبيا ماثماتيكيا (رائعة رسل ووايتهيد) .. وفي هذه الإبحاث برهن غودل على إنه في أي نظام بديهي حسابي (أو حاسوبي) فإنه من اللازم تقديم وصف لحساب الأعداد الطبيعية (من مثل بديهيات عالم الرياضيات الإيطالي جوزيب بيانو (1858 – 1932) أو نظرية المجموعات عند إرنست زيرميلو (1871 – 1953) وإبراهام فرانكيل (1891 – 1965) وبالطبع معها بديهية الإختيار . والتي نهضت على : 1 – إذا كان النظام متسقاً ، فإنه لايمكن أن يكون كاملاً . 2 – إن تناسق البديهيات لايمكن البرهنة عليها في النظام الذي تنتمي إليه . ومن المناسب أن نذكر بأن العديد من الترجمات الإنكليزية ظهرت لإطروحة غودل ، والتي ضمت مجموعتين من الأبحاث في المنطق الرياضي . فمثلاً الإطروحة ضمت مبرهنات لها العديد من التضمينات في براهين الإتساق في الرياضيات . كما وإحتوت على عدد من التقنيات التي أبدعها غودل للبرهنة على هذه المبرهنات .. للتفاصيل أنظر : 1 – جون داوسن ؛ حياة وأعمال كورت غودل (مصدر سابق) . 2 – إلونزو تشرتش ؛ مراجعة الكتاب المصدر في المنطق الرياضي ، مجلة المنطق الرمزي ، المجلد 37 ، العدد الثاني (حزيران سنة 1972) ، ص 405 .  

 – أنظر : جوليت فلويد ؛ هيلري بنتام ، ملاحظة على فقرة فيتجنشتاين سيئة الصيت والتي دارت حول مبرهنة غودل ، مجلة الفلسفة ، المجلد 97 [339]

، العدد 11 ، نوفمبر سنة 2000 ، ص ص 624 – 632 .

 – للتفاصيل أنظر : 1 – تيموثس بيز ؛ عدم إتفاق بين فلويد وبنتام حول فيتجنشتاين وغودل ، مجلة الفلسفة ، المجلد 101 ، العدد الرابع ، أبريل [340]

سنة 2004 ، ص ص 197 – 210 . 2 – فيكتور روديج ؛ سوء فهم غودل : حجج جديدة حول فيتجنشتاين وملاحظات فيتجنشتاين الجديدة ، مجلة الديالكتيكا ، المجلد 57 ، العدد الثالث ، سنة 2005 ، ص ص 279 – 313 .

 – أنظر : ربيكا نيوبيرغر غولدستين ؛ غودل وطبيعة الصدق الرياضي ، حافة معرفة العالم ، 13 ديسمبر سنة 2013 (أون لاين) وفيلسوفة العلم  [341]

ربيكا غولدستين من نقاد كورت غودل وتنتصر إلى فيتجنشتاين .

 – أنظر : ربيكا غولدستين ؛ المصدر السابق . [342]

 – أنظر : فيتجينشتاين ؛ ملاحظات حول فلسفة علم النفس ، المجلد الأول ، ترجمة إليزابيث إنسكومب وإشراف وتحرير فون رايت وإليزابيث  [343]

إنسكومب ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1980  . أما المجلد الثاني فترجمه كل من سي . جي . لوكهارت و أي . ماكسيملاين ، إشراف وتحرير فون رايت وهيكاكي نايمان ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1980 .

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ الكتب الزرقاء والبُنية ، سنة 1958 ، ملاحظات قدمت بالإنكليزية إلى طلاب جامعة كيمبريدج للفترة الدراسية 1933 [344]

– 1934 . وأنطر كذلك : فيتجنشتاين ؛ الكتب الزرقاء والبُنية ، إشراف ريش رايس ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1969 .

 – أنظر : بيتر دوشرتي ولودفيغ فيتجنشتاين ؛ الكتب الزرقاء والبنية : دراسات أولية لكتاب أبحاث فلسفية ، دار نشر ويلي وبلاكويل ، سنة[345]

1991 (تألف من 210 صفحة) .

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ ملاحظات فلسفية (بالألمانية) ، إشراف وتحرير ريش رايس ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1964 . [346]

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ ملاحظات فلسفية ، ترجمة رايوند هاجرفيز وروجر وايت ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1975 . [347]

 – هو الفيلسوف وعالم الفيزياء الإلماني  فردريك ألبرت مورتيز شيلك . وهو مؤسس الوضعية المنطقية وحلقة فينا . ولد في برلين وفي أحضان [348]

عائلة ثرية . ودرس الفيزياء في جامعة هيدلبيك ، جامعة لوزان (سويسرا) ومن ثم أخيراً في جامعة برلين . وكتب إطروحته للدكتوراه وأكملها عام 1904 وتحت إشراف عالم الفيزياء النظرية ماكس بلانك (1858 – 1947) وكانت بعنوان إنعكاسات الضوء على الوسائط غير المتجانسة . وبعد سنة من التدريب (محاضراً خارجياً) في جامعة غوتنجن ، عاد ودرس الفلسفة في جامعة زيوريخ . ونشر في عام 1908 كتابه الصغير والذي حمل عنوان حكمة الحياة والذي ركز فيه على نظرية السعادة وإنها الهدف الأعلى للأخلاق . أما مقالته للإعداد للتدريس في الجامعة فكانت بعنوان طبيعة الصدق وفقاً للمنطق الحديث والتي طبعها عام 1910 . ومن ثم نشر بعدها العديد من المقالات حول علم الجمال . وبعدها تحول إهتمام شيلك نحو الأبستمولوجيا وفلسفة العلم والأسئلة الأكثر شيوعاً حول العلم . وفعلاً فقد نشر في عام 1915 بحثه المتميز والذي كان بعنوان نظرية أنشتاين النسبية الخاصة . ومن ثم نشر بحثه الرائع والذي حمل عنوان المكان والزمان في الفيزياء المعاصرة والذي وسع فيه نتائجه السابقة ومن خلال تطبيق طريقة العالم الفرنسي هنري بوانكاريه (1854 – 1912) الهندسية الإتفاقية والتي شرح بها لماذا تبنى أنشتاين الهدسة اللا إقليدية في نظريته العامة للجاذبية . ومع صعود النازية فإن العديد من أعضاء حلقة فينا تركوا أعمالهم وهاجروا إلى بريطانيا وأمريكا . أما شيلك فهو لم يكن يهودياً فظل في جامعة فينا . وفي 22 حزيران سنة 1936 وبينما كان متوجهاً إلى المحاضرة واجهه تلميذ سابق ، وهو يوهان نيلباك (1903 – 1954) وأطلق عليه أربعة إطلاقات من مسدس يحمله ومات الفيلسوف شيلك حالاً وقبل وصول فريق الإسعاف وبالرغم من إن شيلك لم يكن يهودياً على الإطلاق . وإن يوهان نيلباك القاتل كتب إطروحته بعنوان أهمية علم المنطق في التجريبية والوضعية (جامعة فينا سنة 1930) . لمزيد من التفاصيل أنظر : 1 – ليسا سليفرمان ؛ أن تكون نمساوياً : اليهود والثقافة ما بين الحربين ، مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك ، سنة 2012 ، ص ص  60 – 65 . 2 – فردريك ستدلير ؛ توثيق قتل مورتيز شيلك ، منشور في كتاب حلقة فينا . دراسات في الإصول ، التطور وتأثير التجريبية المنطقية ، فينا ، نيويورك ، دار نشر سبرنكر ، سنة 2001 . 

 – فردريك ويزمان هو عالم رياضيات وفيزياء وفيلسوف نمساوي . ومن الشائع عنه إنه واحد من أعضاء حلقة فينا ومنظر رئيس في الوضعية [349]

المنطقية . ولد في فينا وتعلم الرياضيات والفيزياء في جامعة فينا . وبدأ بدراسة الفلسفة تحت إشراف مورتيز شيلك ومن ثم هاجر إلى بريطانيا سنة 1937 وأصبح محاضراً في فلسفة العلم في جامعة كيمبريدج وإستمر فيها حتى عام 1939 . ومن ثم عمل محاضراً لفلسفة الرياضيات في جامعة أكسفورد ومنذ 1939 وحتى وفاته . وكان لفرديك ويزمان علاقات مستمرة مع الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وبدأت منذ 1927 وإستمرت حتى 1936 . وهناك تسجيلات وتوثيقات لهذه المحادثات والتي دارت حول موضوعات في فلسفة الرياضيات وفلسفة اللغة . ومن ثم طُبعت في كتاب وبعنوان لودفيغ فيتجنشتاين وحلقة فينا (إشراف وتحرير ماكغنيوننس ، سنة 1979) وكذلد كانت لفيتجنشتاين أحاديث ومناقشات مع أعضاء آخرين من حلقة فينا من مثل شيلك ورودلف كرناب وهيلبرت فيجل وبالطبع إنها لم تكن بالصورة التفصيليلية والمكثفة التي كانت عليه بين ويزمان وفيتجنشتاين . ولاحظنا إن فيتجنشتاين وويزمان كانا يُفكران سنة 1934 على التعاون في تأليف كتاب مشترك . إلا إن جميع الخطط فشلت بعد تصاعد درجات الإختلاف والإفتراق في فلسفتهما كما يبدو . وبعدها إتهم ويزمان فيتجنشتاين بالتعتيم والظلامية في أوصافه عن الوضعية المنطقية والتجريبية . (للتفاصيل أنظر : ستيورت شانكر وف . شانكر ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : تقويم نقدي ، كروم هيلم ، لندن سنة 1986 ، ص ص 50 – 51) . وهذا المشروع للكتاب لم ير النور بالتعاون بين ويزمان وفيتجنشتاين . ولكن بدلاً من ذلك أنجزه ويزمان بمفرده ، ومن ثم طُبعه جوردن بيكر سنة 2003 (أنظر : جوردن بيكر (إشراف مع مدخل) ؛ لودفيغ فيتجنشتاين وفردريك ويزمان : أصوات فيتجنشتاين ، حلقة فينا ، دار نشر روتليدج ، سنة 2003 . كما ولاحظنا ونحن نتابع الإختلاف بين ويزمان وفيتجنشتاين ، فإن ويزمان يؤكد على مضمارين وهما الفلسفة اللنكوستيكية والوضعية المنطقية . فمثلاً وجدناه في كتاب مدخل إلى التفكير الرياضي : صياغة المفاهيم في الرياضيات الحديثة (سنة 1936) يُقرر بأن الحقائق الرياضية هي صادقة بالإتفاق بدلاً من أن تكون صادقة بالضرورة أو بالتحقيق . ويمكن ملاحظة ذلك أيضاً في مجموع محاضراته والتي حملت عنوان الفلسفة اللنكوستيكية (سنة 1965) وفي كتابه الذي كان بعنوان كيف أنا أرى الفلسفة ؟ (سنة 1968) (إشراف وتحرير هوراس رومانو هري) وهي مجموعة أبحاث طُبعت بعد وفاته .

 – لويتسن إغبرتوس جين بروير هو عالم رياضيات وفيلسوف هولندي ، ومشهور بين أصدقائه بلقب بيتروس . وتخرج من جامعة أمستردام  [350]

ومن ثم عمل في مضمار الطوبولوجيا (من اللاتينية) وهو حقل تطور من الهندسة ونظرية المجموعات وهدفه هو تحليل المفاهيم من مثل المكان ، والبعد .. ولاحظنا إن الطوبولوجيا تُقسم إلى أنواع من مثل : طوبولوجيا عامة ، طوبولوجيا جبرية ، وطوبولوجيا تفاضلية وكذلك يمكن الحديث عن طوبولوجيا هندسية (أنظر : ميشيل زوينكل ؛ الطوبولوجيا العامة ، إنسكلوبيديا الرياضيات ، دار نشر سبرنكر ، سنة 2001) . ويُعد بروير مؤسساً رائداً لمضمار فلسفة الرياضيات الحدسية . وفي عام 1912 وكان بروير بعمر الحادية والثلاثين تم إنتخابه عضواً في الأكاديمية الهولندية الملكية للفنون والعلوم (أنظر : لويتسن أي . ج . بروير (1881 – 1966) ، الأكاديمية الملكية الهولندية ، 5 حزيران سنة 1912) . وسببت نظرته الفلسفية التشاؤمية التي نزلت إليه من الفيلسوف الألماني أرثر شوبنهور (1788 – 1860) مشكلات أكاديمية بدايتها مع المشرف على إطروحته للدكتوراه ومن ثم إمتدت إلى أبحاثه ودفعت به إلى العزلة وربما كانت السبب في موته وذلك عندما صدمته سيارة وهو يهم بالعبور إلى بيته . الحقيقة إن بروير في وقت مبكر من حياته ، أخذ يُعبر عن نظرة تشاؤمية للحياة ويومها كان إبن الرابعة والعشرين فقط (وكان حينها مولعاً بقراءة شوبنهور) . وبتأثير نظرته التشاؤمية إن أخذ يؤكد في إطروحته للدكتوراه على إن المفاهيم مؤسسة على حاسة الحدس (أنظر : تيون كوسير (اشراف) ؛ الرياضيات والإلهي : دراسة تاريخية ، أمستردام سنة 2004) . وعلى هذا الأساس إستجاب بروير إلى قناعته الفلسفية إلا إن المشرف عبر عن تحفظه . وبعد قراءة الإطروحة رفض المشرف قبول الفصل الثاني من الإطروحة وقال له بصراحة ” إن بعض أطراف النظرة التشاؤمية والإتجاه الصوفي للحياة ليس هو جزء من الرياضيات ولا علاقة له بأسس الرياضيات ” . للتفاصيل أنظر : ديرك فان ديلن ؛ الصوفي ، رجل الهندسة والحدس : حياة أل . إي . ج . بروير ، مطبعة جامعة أكسفورد (المجلد ألأول بعنوان شروق الثورة ، سنة 1999) (المجلد الثاني بعنوان الأمل والخيبة ، سنة 2005) . وأنظر كذلك : ديرك فان ديلن ؛ أل . إي . ج . بروير : الطوبولجيست ، رجل الحدس والفيلسوف ، كيف الرياضيات متجذرة في الحياة ، دار نشر سبرنكر ، لندن سنة 2013 . (وهو مؤسس على المجلدين السابقين) . 

 – أنظر : لويتسن إغبرتوس جين بوير ؛ الرياضيات والعلوم واللغة ، دورية الرياضيات والفيزياء ، سنة 1929 ، المجلد السادس والثلاثين ،[351]

ص ص 153 – 164 .

 – أنظر : لودفيغ فيجنشتاين ؛ ملاحظات فلسفية ، إشراف وتحرير ريش رايس ، مراجعة أش . دي . سلوكا ، المجلة البريطانية لفلسفة العلم [352]

، المجلد السابغ عشر ، العدد الرابع ، شباط سنة 1967 ، ص ص 339 – 341 .  

 – أنظر المصدر السابق . [353]

 – أنظر : فيتجنشاين ؛ ملاحظات حول علم المنطق ، إشراف وتحرير أش . تي . كوستلو ، مجلة الفلسفة (مصدر سابق) . [354]

 – أنظر ؛ ماثيو ماريون ؛ فيتجنشتاين وبروير ، مجلة سنثيز (اي بالعربية التركيب) ، المجلد 137 ، العدد الأول ، نوفمبر سنة 2003 ، ص  [355]

ص 103 – 127 .

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ النحو الفلسفي ، ترجمة إنثوني كيني وإشراف وتحرير ريش رايس ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 1974 . [356]

 – أنظر المصدر السابق . [357]

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ ملاحظات حول اللون ، إشراف وتحرير إليزابيث إنسكومب ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 1977 . [358]

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ حول اليقينية ، ترجمة دينيس بول وإليزابيث إنسكومب ، إشراف وتحرير إليزابيث إنسكومب وفون رايت ، دار نشر [359]

بلاكويل ، أكسفورد سنة 1975 .

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ محاضرات ومحادثات حول علم الجمال ، علم النفس والعقيدة الدينية ، إشراف وتحرير سيريل باريتي ، دار نشر [360]

بلاكويل ، أكسفورد سنة 1965 .

 – فردريك وايزمان (التسجيل) ؛ لودفيغ فيتجنشتاين وحلقة فينا : أحاديث ، ترجمة يوكهايم سوشلت وبراين ماكغنيوننس ، إشراف [361]

وتحرير براين ماكغنيوننس ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1979 .

 – أنظر : بول إنجلمانا ؛ رسائل من فيتجنشتاين مع ميموار ، ترجمة فورث ميولر ، إشراف وتحرير براين ماكغيوننس ، دار نشر[362]

بلاكويل ، أكسفورد سنة 1967 ، ص ص 2 – 59 .

 – كورا دايموند (الإشراف) ؛ محاضرات فيتجنشتاين حول أسس الرياضيات : كيمبريدج سنة 1939 ، مطبعة هارفستر ، سنة [363]

1976 .  

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ الثقافة والقيمة ، ترجمة بيتر وينش ، إشراف فون رايت (وبالتعاون مع هيكاكي نايمان ، دار نشر [364]

بلاكويل ، أكسفورد سنة 1980 .

 – أنظر : موريس أوكونور دروري ؛ مُحادثات مع فيتجنشتاين ، منشور في كتاب مجموع فيتجنشتاين ، إشراف وتحرير ريش رايس ، دار [365]

نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1984 ، ص ص 97 – 171 ، ص ص 218 – 225 .

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ مناسبات فلسفية 1912 – 1951 ، إشراف وتحرير جيمس سي . كلاكا والفريد نوردمان ، إنديانابوليس (إنديانا) [366]

وكيمبريدج سنة 1995 ، ص ص 158 – 199 .  

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ رسائل كيمبريدج (مراسلات مع رسل ، كينز ، مور ، رامزي وسيرفا) ، إشراف وتحرير براين ماكغيوننيس وفون [367]

رايت ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد سنة 1995 .  

 – أنظر : فيتجنشتاين ؛ حركات الفكر : مذكرات 1930 – 1932 و 1936 – 1937 ، مناسبات عامة وخاصة ، إشراف وتحرير جيمس [368]

كلاكا والفريد نوردمان ، دار نشر رومان ولتلفيلد ، سنة 2003 (تألف من 252 صفحة) .

 – لودفيغ فيتجنشتاين وفردريك ويزمان ، أصوات فيتجنشتاين ، حلقة فينا ، ترجمة جوردن بيكر ومايكل ماكريت وجون كويلي وفيسيليس[369]

بوليتز ، دار نشر روتليدج ، لندن ونيويورك سنة 2003 .  

 – أنظر : جون جوزيف أوكونر وإدموند روبرتسن ؛ لودفيغ جوزيف يوهان فيتجنشتاين ، إكتوبر سنة 2003 (أون لاين) . [370]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ لودفيغ فيتجنشتاين والفلاسفة الفيتجنشتانيون بعده (مصدر سابق) . [371]

 – أنظر مناقشات أعضاء حلقة فينا وخصوصاً رودلف كرناب إنموذجاً . [372]

 – أنظر : باروخ إسبينوزا ؛ تركتاتوس ثيولوجيكو – بولتيكيوس ، إشراف وتقديم أر . أش . أم . ألويس ، ترجمها إلى الإنكليزية [373]

أي . أش . كوست ، دار نشر ج . بيل وولده ، لندن سنة 1883 .

 – أنظر : وليم ويرين بارتلي ؛ فيتجنشتاين ، دار نشر الكورت المفتوح ، سنة 1994 ، ص ص 33 وما بعد . [374]

 – أنظر : كارين ليدر وروبرت فايلن (الإشراف) ؛ صحبة كيمبريدج إلى راينر ريلكه ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2010[375]

ولد الشاعر والروائي البوهيمي – النمساوي راينر ماريا ريلكه في عاصمة بوهيميا براغ . ومن ثم صرف حياته المبكرة فيها وبالتحديد خلال الفترة من 1875 وحتى 1896 (واليوم هي جزء من جمهورية الجيك). وكان يحب السفر والترحال فصرف الفترة من 1902 وحتى 1910 في باريس . وعاش للفترة من 1919 وحتى 1926 في سويسرا . أهم مؤلفاته ؛ كتاب الساعات (1905 وهو مجموعة قصائد) ، كتب الملاحظات (1910) ، سوناتات (قصائد) إلى أورفيوس (1922) وتألفت من 55 قصيدة والسونتية تتألف من 14 بيتاً من الشعر . ومن رواياته الناجون الأربعة عشر (1918) ، مسحة على الوجه (1912) وطبعت الكثير من الأعمال والروايات بعد موته . أنظر للتفاصيل : صحبة كيمبريدج إلى راينر ريلكه (مصدر سابق) .

 – هو الكاتب والشاعر النمساوي جورج تراكل والذي يُعد واحد من أهم التعبيريين النمساويين . والمشهور بقصيدته الأخيرة قبل موته والتي حملت [376]

عنوان جروديك والتي تدور حول مأسي الحرب العالمية الأولى . وكتبها بعد هزيمة النمسا في الحرب العالمية الأولى . وكان الشاعر تراكل صيدلاني ويوم كتبها كان يعمل في مستشفى الأمراض النفسية . وكان يتألم عند سماعه بكاء وصراخ الجرحى من ألامهم . ولعدم تحمله كل ذلك تناول جرعة من الكوكايين (قصداً أو صدفة) . ومات وعمره سبعة وعشرين ربيعاً فقط . إنها مأساة من مأسي الحروب . أنظر للتفاصيل : فرانسيس مايكل شارب ؛ قراءة في شعر جورج تراكل ، مطبعة جامعة كورنيل ، سنة 1981 .  

 – أنظر : وليم ويرين بارتلي ؛ المصدر السابق ، ص ص 33 – 39 . [377]

 – وهو عالم الكيماء الفيزيائية ويلهلم أوسترالد ، والحائز على جائزة نوبل للكيمياء في عام 1909 . وإضافة إلى ذلك هو واحد من المؤسسين [378]

لحقل الكيمياء الفيزيائية . وحاصل على درجة الدكتوراه سنة 1878 وتحت إشراف عالم الكيمياء كارل شميت (1822 – 1894) . وفي عام 1887 تحول إلى لايبزك وعمل هناك بقية عمره . وبالمناسبة كان أوسترالد ملحداً وطلب دفنه في بيته ومن ثم نُقل رُفاته فيما بعد إلى المقبرة . أنظر : أف . إي . إنتون ؛ ويلهلم أوسترالد ، مجلة التربية الكيميائية ، العدد 25 ، سنة 1948 ، ص ص 1 – 2 .  

 – للتفاصيل عن المدخل ، أنظر : برتراند رسل ؛ المدخل إلى رسالة منطقية فلسفية ، مايس سنة 1922 (أون لاين) . [379]

 – أنظر : ديفيد إيدمونز وجون أيدانا ؛ بوكر فيتجنشتاين (مصدرسابق) ، ص 35 الهامش . [380]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف وعالم المنطق الرياضي الإنكليزي فرانك رامزي ، مجلة الفيلسوف (مجلة فلسفية إلكترونية) [381]

، 14 شباط سنة 2016 .  

 – أنظر للتفاصيل عن الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا تشارلز آوغدن : ميموار عام ، دار كتب إليك ، لندن سنة 1977 (تألف من 224 صفحة) . [382]

  – أنظر : إسبينوزا ؛ رسالة لاهوتية سياسية ، نشر وتقديم أر . أم . أليوس ، ترجمة أي . أش . غوست ، دار نشر ج . بيل وأولاده ، لندن  [383]

سنة 1883 .

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ تركتاتوس والتعليم ، أرشيف فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج ، 4 سبتمبر 2010 . [384]

 – ديفيد بيرز هو الفيلسوف البريطاني الذي إشتهر بعمله الذي حمل عنوان لودفيغ فيتجنشتاين (1970) ، مطبعة الفايكنك . وكتابه الذي جاء [385]

بعنوان السجن الكاذب : دراسة في تطور فلسفة فيتجنشتاين (مجلدان) 1987 / 1988 مطبعة جامعة أكسفورد .

 – أنظر : روجر وايت ؛ كتاب فيتجنشتاين رسالة منطقية فلسفية (تراكتتس ..) ، جماعة كوانتم للنشر العالمية ، سنة 2006 ، ص 145 . [386]

 – جون نيلسون ؛ هل ترجمة ماكغوننيس وبيرز لتركتاتوس فيتجنشتاين كانت حقيقة الأعلى من ترجمة رامزي وأوغدن ؟ ، مجلة أبحاث فلسفية ، [387]

المجلد رقم 22 ، العدد الثاني  ، أبريل سنة 1999 ، ص ص 165 – 175 .

 – أنظر : أي . س . غريلينك ؛ فيتجنشتاين : مدخل قصير جدا ، مطبعة جامعة أكسفورد ، ص 16 الهامش (الكتاب تألف من 160 صفحة) . [388]

 – لودفيغ فيتجنشتاين ؛ رسالة منطقية – فلسفية ، ترجمة فرانك رامزي وتشارلز أوغدن (مصدر سابق) ، المقدمة . [389]

 – للمزيد حول تعليق تشارلز غي أوغدن ، أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 207 . [390]

 – إعتمدنا في ترجمة هذه القضايا السبعة على ترجمة تشارلز أوغدن وفرانك رامزي . [391]

 – حلقة فينا أو حلقة فينا للتجريبية المنطقية وهي تتألف من مجموعة من الفلاسفة والعلماء ، والذين جاءوا من حقول العلوم الطبيعية  [392]

والإجتماعية ، علم المنطق ، والرياضيات . وكانوا يلتقون في إجتماعات منتظمة وخلال الفترة من 1924 وحتى 1936 وفي رحاب جامعة فينا . وكان يرأسها الفيلسوف وعالم الفيزياء الألماني مورتيز شيليك (1882 – 1936) وهو المؤسس والأب الروحي للوضعية المنطقية وحلقة فينا . وكان يزورها كل من فرانك رامزي ولودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر . وكانت تُدعى لفترة بحلقة شيليك .. أنظر للتفاصيل : فردريك ستدلير ؛ حلقة فينا ، دراسات في إصولها ، تطورها ، وتأثير التجريبية المنطقية ، ترجمة س . نيلسون ، ج. غلوب وأس . شميت ، دار نشر سبرنغر ، نيويورك ، سنة 2001 (تألف من 984 صفحة) .  

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص ص 212 ، 214 – 216 ، 220 – 221 . [393]

 – أنظر المصدر السابق . [394]

  – ومن أهم مؤلفات إسوالد هانفلك : كتابه الأول والذي كان بعنوان الوضعية المنطقية (دار نشر بلاكويل ، سنة 1981) وكتابه عن فيتجينشتاين  [395]

الذي حمل عنوان فلسفة فيتجنشتاين في المرحلة الأخيرة ( دار نشر ماكميلان ، سنة 1989) . وللتفاصيل عن إسوالد هانفليك أنظر : هانز جوهانا غلوك ؛ وفاة الفيلسوف الألماني إسوالد هانفلك ، صحيفة الغارديان ، 29 شباط سنة 2005 .

 – أنظر : إسوالد هانفليك ؛ قراءات أساسية في الوضعية المنطقية ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد ، سنة 1981 ، ص 3 . [396]

 – والحقيقة إنه بعد زيارة فيتجنشتاين إلى حلقتهم في فينا ، إنتهى ساخطاً على فلسفتهم وخصوصاً في تمييزهم بين القضايا التجريبية والتي يمكن [397]

التحقق منها تجريبياً وبين القضايا التي لا تكون تجريبية والتي تشمل قضايا الميتافيزيقا واللاهوت ، والتي تكون بمنظارهم قضايا لا معنى لها . ولذلك غضب فيتجنشتاين على فلسفتهم الوضعية المنطقية . ولهذا جاء رد فعله بتغيير وضع كرسيه وأدار ظهره إليهم وأخذ يقرأ الشعر بصوت عالي خلال إجتماعاتهم . ومرة ثانية أساءوا فهمه ومن ثم شرح لهم ، وذهب مبيناً بان القناعات الأخلاقية والقيم والأفكار الميتافيزيقية التي صنفوها ” قضايا لا معنى له ” و ” لا قيمة لها ” . في الحقيقة هي من ” القضايا والإعتبارات الأكثر أهمية في الحياة ” . أنظر للتفاصيل : حدود العلم – حدود العلماء ، 7 سبتمبر سنة 2012 (أون لاين) .

 – أنظر : ياكو هانتيكو (عالم منطق فينلندي) ؛ حول فيتجنشتاين دار نشر ودزورث ، سنة 2000 ، ص 55 . وفيه تضمين لأتهامات فيتجنشتاين [398]

ورد مطبوع من كرناب .

 – أنظر : ألفريد كروزبسكي ؛ العلم والصحة العقلية : مدخل إلى الأنظمة اللا أرسطية والسيمانطيقا العامة ، مع مقدمة بقلم روبرت بولا ، نشرة[399]

معهد السيمانطيقا العامة ، ط 5 ، سنة 1995 (تألف من 806 صفحات) .

 – للتفاصيل عن الفيلسوف رودلف كرناب أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رودلف كرناب : فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر ، مجلة [400]

أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الثالث ، العدد السادس ، ربيع سنة 2012 .

 – رودلف كرناب ؛ السيرة الذاتية ، منشور عند : بول آرثر شليب (الاشراف) ؛ فلسفة رودلف كرناب ، مكتبة الفلاسفة الأحياء ، شركة نشر [401]

الكورت المفتوح ، سنة 1963 ، المجلد 11 ، ص ص 25 – 27 .

 – أنظر : تركتاتوس فيتجنشتاين ، فيلم من إخراج بيتر فوركج (على فيميو) سنة 1992 . [402]

 – أنظر : جون إيدانا وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (مصدر سابق) . [403]

 – أدعو القارئ إلى مراجعة الحياة الشخصية لكل من فيتجنشتاين وكارل بوبر . [404]

 – رفض كارل بوبر وجهات نظر الإستقرائية حول الطريقة العلمية وفضل بدلاً منها مأسماه التكذيب التجريبي . ويعتقد بأن النظرية في [405]

العلوم التجريبية ليس في الإمكان إقامة البرهان عليها إطلاقاً . ولكن في الإمكان تكذيبها بمعنى التدقيق والتمحيص فيها من خلال تجارب حاسمة . وهنا إستخدم مثاله المشهور البطة السوداء لإثبات كذبها . أنظر : كارل بوبر ؛ منطق الإكتشاف العلمي ، دار نشر روتليدج ، سنة 2005 ، ص ص 47 – 50 . وسنعود إلى فيلسوف العلم كارل بوبر في الأيام القادمات ونُقدم دراسة شاملة عنه .

 – أنظر : كارل بوبر ” معنيان للتكذيب ” بالألمانية ، منشور عند هيلمت سيفرت وجيرارد رادنتزكي ؛ إنسكلوبيديا فلسفة العلم ، دار نشر رينوث [406]

، ميونخ سنة 1992 ، ص ص 82 – 85 .

 – إن لاهوت اللوثرية يرتبط برجل اللاهوت والمصلح الديني ومترجم الأنجيل إلى الألمانية مارتن لوثر (1483 – 1546) وبذلك وفره للحشود من[407]

المؤمنين بعد إن كان إحتكاراً بيد رجال الدين ومتوافر لهم بطبعاته اللاتينية .. للتفاصيل أنظر : دونالد ماككيم ؛ صُحبة كيمبريدج إلى مارتن لوثر ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك سنة 2003 .

 – أنظر : ملاكي حاييم هكوهين ؛ كارل بوبر ، سنوات التكوين 1902 – 1945 : السياسة والفلسفة في فينا ما بين الحربين ، مطبعة جامعة [408]

كيمبريدج ، سنة 2001 ، الصفحات 10 ، 23 .  

 – أنظر : كارل بوبر : سيرة تفصيلية لكارل بوبر ، قُدمت في كونغرس كنيسة المسيح ، نيوزيلندا خلال 12 – 14 سنة 2002 (أون لاين) . [409]

 – أنظر : براين ماغي ؛ قصة الفلسفة ، دار نشر دي وكي ، نيويورك سنة 2001 . [410]

 – أنظر : ملاكي حاييم هكوهين ؛ المصدر السابق . [411]

 – أنظر المصدر السابق . [412]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ بحث دائم : سيرة ذاتية ، دار نشر روتليدج ، سنة 1976 ، ص 6 . [413]

 – أنظر : راي مونك وفردريك رافائيل (إشراف) ؛ الفلاسفة الكبار : من سقراط وحتى ألين ترننغ ، دار نشر فينكس ، لندن ، ص 447 . وكذلك  [414]

: ستيفن نورنتن ؛ كارل بوبر ، موسوعة ستانفورد للفلسفة ، إشراف أدورد زلتا ، سنة 2015 .

 – ستيفن تورنتن ؛ المصدر السابق . [415]

 – أنظر المصدر السابق . [416]

 – ألفرد أدلر هو طبيب وسايكوثربيست نمساوي ومؤسس مدرسة علم النفس الفردي . وتعاون مع سيجموند فرويد وجماعة من زملاء فرويد .[417]

وأدلر هو واحد من المؤسسين لحركة التحليل النفسي وعضو في جمعية التحليل النفسي في فينا . صحيح إن فرويد كان الشخصية الوحيدة هناك . إلا إن أدلر كان الرمز الكبير الذي إنفصل من حركة التحليل النفسي وأسس مدرسة مستقلة للعلاج النفسي ونظرية الشخصية . وأدلر من أوائل علماء النفس الذين جادلوا في أهمية الفيمنستية والمحللة النفسية المرأة . كما أكد أدلر على أهمية مشاعر الدونية وإعترف بأن عقدة الدونية تلعب دوراً أساسياً في تطور الشخصية . وأدلر يرى إن البشر هم أفراد ولذلك أطلق على علم النفس عنوان علم النفس الفردي . من أهم مؤلفاته : النظرية والتطبيق في علم النفس الفردي (1927) ، فهم الطبيعة البشرية (1927) ، إنموذج الحياة (1930) ، ماذا تعني الحياة لك ؟ (1931) .. للتفاصيل أنظر : أش . أورغلر ؛ الفرد أدلر ؛ الرجل وعمله : إنتصار على عقدة الدونية ، دار نشر ليفرايت ، نيويورك سنة 1963 .   

 – كارل لودفيغ بوهلر وهو مشهور بعمله في مضمار علم نفس الغشتلتي . وإن زوجته شارلوت بوهلر (1893 – 1974) هي عالمة نفس كذلك .[418]

ولد بوهلر في قرية مغاشيم التي تقع في الجنوب الغربي من ألمانيا . وفي عام 1899 بدأ الدراسة في كلية الطب وفي جامعة فرايبورك وحصل على الدكتوراه عام 1903 . وعمل مساعداً وإستمر في الدراسة للحصول على درجة أكاديمية ثانية في علم النفس وتخرج سنة 1904 . وفي عام 1906 عمل بروفسوراً مساعداً في جامعة فرايبورك ن ومن ثم مساعداً للبروفسور إسوالد كولب (1862 – 1915) وهو الذي أشرف على إطروحته للدكتوراه . وفعلاً ففي عام 1907 أكمل إطروحته الثانية وللتأهيل الأكاديمي في علم النفس وكانت بعنوان حقائق ومشكلات علم نفس عمليات التفكير . وتحولت الإطروحة إلى نص أساس في كلية علم النفس – جامعة فورسبورغ . ومن ثم إندلع جدل عدائي وتصاعدت درجات الكراهية بينه وبين عالم النفس المشهور ويلهلم فونت (1832 – 1920) والذي يُعتبر مؤسس علم النفس الحديث . وفي عام 1918 أصبح بوهلر بروفسوراً للفلسفة والتربية . ومن ثم تحول هو وزوجته إلى فينا وعمل كلاهما بروفسوراً هناك . وبالمناسبة إن زوجته شارلوت هي تلميذة أدموند هوسرل (1859 – 1938) . وفي عام 1940 إتهمه النازيون بالهروب إلى لندن وتم إعتقاله لفترة قصيرة  . ومن ثم هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل بروفسورا في جامعة منسوتا . للتفاصيل أنظر : أش . بولغر ؛ كارل بوهلر : 1879 – 1963 ، المجلة الأمريكية لعلم النفس ، ديسمبر سنة 1964 ، ص ص 674 – 678 .   

 – أنظر : توماس ستارم ؛ بوهلر وبوبر : الثربيست الكانطيين للإزمة في علم النفس ، منشور في دراسات في تاريخ وفلسفة العلوم البايولوجية [419]

والبايولوجية – الطبية ، العدد 43 ، سنة 2012 ، ص ص 462 – 472 .

 – أنظر : ألفرد لوا ؛ حركة الأنشولس سنة 1918 – 1938 في الكتابات التاريخية الحديثة : القومية الألمانية والوطنية النمساوية ، دورية [420]

مراجعات الكندية في القومية ، سنة 1976 ، ص ص 212 – 225 .

 – أنظر : كارل بوبر ؛ منطق الإكتشاف العلمي ، دار نشر موهير زيبك – ألمانيا ، سنة 1934 . [421]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ منطق الإكتشاف العلمي ، دار نشر روتليدج ، سنة 1959 (روتليدج سنة 2002 تألف من 513 صفحة) . [422]

 – أنظر : كار بوبر ؛ منطق البحث العلمي ، ترجمة الدكتور محمد البغدادي ، مكتبة طريق العلم ، سنة 2015 . [423]

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (مصدر سابق) . [424]

الإجتماع هو جزء من نشاطات نادي العلم الأخلاقي – جامعة كيمبريدج (جماعة المناقشة : فلاسفة الجامعة وطلاب الجامعة) وحدث في كلية كنك الساعة الثامنة والنصف مساءً وفي قاعة بناية جينز ، الرقم 3 أش . أنظر المصدر السابق .  

 – أنظر : كارل بوبر ؛ مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة (إشراف وتحرير) ترويلس يغرز هانسن ، دار نشر روتليدج ، سنة 2011 (تألف[425]

من 544 صفحة) .  

 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، دار الحرية للطباعة (وزارة الثقافة والإعلام) ، بغداد سنة 1983 ، القسم الثاني ،  [426]

الفصل السادس والذي كان بعنوان البناء المنطقي للعلوم البرهانية ، وخصوصاً 4 – معيار الصدق الإستدلالي . 5 – شروط الإستدلال الصحيح . 6 – البناء البديهي للعلوم . ص ص 159 – 179 . وهي رسالة ماجستير كتبها صاحب القلم تحت إشراف عالم المنطق العراقي البروفسور الدكتور ياسين خليل عبد الله (تم مناقشتها في أواسط تموز سنة 1976 أي قبل أكثر من أربعين سنة مضت) . وكانت مناقشتها نوعاً من الإحتفال الفلسفي بالطالب والإستاذ المشرف وأعضاء لجنة المناقشة .

 – أنظر : ديفيد إيدمونز وجون إيدانو ؛ المصدر السابق ، ص 67 . [427]

 – الفيلسوف الفريد سيريل يوينغ هو الناقد المتعاطف مع المثالية . درس في جامعة أكسفورد وحصل على درجة محاضر في جون لوك . ومن ثم[428]

ربح الجائزة الخضراء في الفلسفة الأخلاقية . ودرس أربعة سنوات في سوانزي وويلز . وفي عام 1931 أصبح محاضراً في العلم الأخلاقي في كيمبريدج ، وتلاها مدرساً للعلم الأخلاقي سنة 1954 . وتفرغ للبحث في كلية اليسوع – جامعة كيمبريدج . ولعل أهميته في تاريخ الفلسفة ، هو إنه إعتقد بأن دراسة تاريخ الفلسفة مهم جداً في العمل الفلسفي . كما إنه لفت الإنتباه إلى أهمية الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط . والشاهد على ذلك مؤلفاته عن كانط . وهو مدافع عنيد عن الميتافيزيقا التقليدية ومعارض للحركات التي جاءت بعد الأخلاق الحديثة . كما يرتبط بإسمه مفهوم المثالية التحليلية وهو رائد في فلسفة الدين في القرن العشرين . وكان رئيس الجمعية الأرسطية وللفترة 1941 – 1942 ومن ثم في عام 1941 باحثاً زميلاً في الأكاديمية البريطانية . من أهم مؤلفاته : معالجة كانط للسببية (لندن 1924) ، شرح مختصر لكتاب كانط نقد العقل الخالص (لندن 1938) ، أخلاقية العقوبة (لندن 1929) . المثالية : بحث نقدي ( نيويورك 1936) . أسئلة الفلسفة الأساسية (روتليدج ، لندن سنة 1951) . الفلسفة اللا  لنجوستيكية (جورج ألين وأنوين سنة 1968) والتقليد المثالي : من براكلي وحتى بلانشرد (كتاب جماعي بإشراف الفريد يوينغ) ، لندن 1968 .  

 – أنظر : ديفيد إيدمونز وجون ؛  المصدر السابق . [429]

 – أنظر : ديفيد ميلر ؛ السير كارل ريموند بوبر 28 تموز 1902 – 17 سبتمبر 1994، ميموار السير الذاتية لزملاء الجمعية الملكية ، العدد 43   [430]

سنة 1997 ، ص ص 310 – 369 .  

 – لودفيغ أدورد بولتزمان (1844 – 1906) وهو عالم الفيزياء وفيلسوف العلم النمساوي . ولد في فينا وكان والده موظف ضرائب . وجده تحول [431]

من برلين إلى فينا وكان صانع ساعات . وتلقى تعليمه الأولي من معلم خاص في بيت والديه . وأكمل بولتزمان تعليمه الثانوي في مدينة لينتس والتي تقع في النمسا العليا . وعندما كان في عمر الخامسة عشرة مات والده . في عام 1863 بدأ بولتزمان بدراسة الفيزياء في جامعة فينا وكان من أساتذته كل من عالم الفيزياء والكيمياء يوهان جوزيف لوشميت (1821 – 1895) ، وعالم الرياضيات والفيزياء جوزيف ستيفان (1835 – 1893( وعالم الرياضيات والفيزياء الألماني أندريس فون أتينكسهاوزن (1796 – 1878) . وحصل بولتزمان على درجة الدكتوراه سنة 1866 وكانت في مضمار النظرية الحركية للغازات وتحت إشراف جوزيف ستيفان . ومن ثم عمل مساعداً إلى أستاذه جوزيف ستيفان . للتفاصيل أنظر : جون بلاكمور (إشراف) ؛ لودفيغ بولتزمان ، العبقري المُشكل والفيلسوف ، دورية سينثيسز (التركيب) ، المجلد التاسع عشر ، سنة 1999 ، ص ص 1 – 232 . وكذلك : ستيفن براش (الإشراف) ؛ بولتزمان : محاضرات حول نظرية الغازات ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، براكلي سنة 1964 . 

 – أنظر : ديفيد ميلر ؛السير كارل ريموند بوبر ، (مصدر سابق) . [432]

 – أنظر المصدر السابق . [433]

 – أنظر : أدورد زيرن ؛ كارل بوبر حول الله : المقابلة المفقودة ، دورية الشاك ، العدد السادس ، سنة 1998 ، 2 . [434]

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين : قصة المُحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (مصدر سابق) . [435]

وأنظر كذلك : ديفيد إديمونز وجون إيدانو ؛ بوكر فيتجنشتاين : كتاب جائزة الغارديان لسنة 2001 (صحيفة الغارديان في الأربعاء ، 21 نوفمبر سنة 2001) .

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين .. (مصدر سابق) . [436]

 – أنظر : ديفيد إديمونز وجون إيدانو ؛ بوكر فيتجنشتاين : كتاب جائزة الغارديان (مصدر سابق) . [437]

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ متى قابل لودفيغ كارل .. ، صحيفة الغارديان ، السبت 31 أذار سنة 2001 . [438]

 – المصدر السابق . [439]

 – المصدر السابق . [440]

 – المصدر السابق . [441]

 – المصدر السابق . [442]

 – المصدر السابق .[443]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ بحث لاينتهي : السيرة الذاتية العقلية ، دار نشر روتليدج ، لندن سنة 1976 (تألف من 315 صفحة) . [444]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فيلسوف العلم النمساوي – البريطاني كارل بوبر (1902 – 1994) ، بحث تحت الإنجاز وسيصدر [445]

في أعداد قادمة من مجلة الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة .

 – أنظر : كارل بوبر ؛ بحث لاينتهي : السيرة الذاتية العقلية (مصدر سابق) . [446]

 – جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ متى قابل لودفيغ كارل .. (مصدر سابق) . [447]

 – أنظر المصدر السابق . [448]

 – أنظر المصدر السابق . [449]

 – المصدر السابق . [450]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفلاسفة الفيتجنشتاينيون والفيتجنشتاينيون الجدد ، القسم الثاني من كتاب بعنوان لودفيغ [451]

فيتجنشتاين والفلاسفة الفيتجنشتاينيون بعده ، قيد الإنجاز .

 – جون وليم نفيل واتكنز وهو بروفسور في كلية الإقتصاد – جامعة لندن من سنة 1966 وحتى تقاعده سنة 1989 . وهو مؤيد لحركة [452]

العقلانية النقدية . حضر في بداية تعليمه الأكاديمي محاضرات كارل بوبر في المنطق والطريقة العلمية . من أهم ماكتبه عن كارل بوبر : 1 – ” كارل ريموند بوبر 1902 – 1994 ” ، دورية الأكاديمية البريطانية ، العدد 94 ، سنة 1996 ، ص ص 645 – 685 . 2 – ” وحدة تفكير بوبر ” ، منشور فصلاً في : بول سشيلب (الإشراف) ؛ فلسفة كارل بوبر ، المجلد الأول ، شركة نشر الكورت المفتوح ، سنة 1974 ، ص ص 371 – 412 .

 – أنظر التفاصيل عند : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ هل قابل لودفيغ كارل .. (مصدر سابق) . [453]

 – المصدر السابق . [454]

 – لودفيغ فيتجنشتاين : العودة إلى كيمبريدج ، أرشيف فيتجنشتاين – كيمبريدج . [455]

 – وبالطبع هذا الأثر نزل إليه بسلطة معرفية قوية من الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر . للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ لوفيغ [456]

فيتجنشتاين والأثار المبكرة للفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر ، مجلة الفيلسوف (مجلة فلسفية إلكترونية) 2 تموز سنة 2016 .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ لودفيغ فيتجنشتاين والأثار المبكرة للفيلسوف النمساوي الشاب أوتو واينينغر ، الفيلسوف ، مجلة [457]

فلسفية إلكترونية ، 2 تموز سنة 1916 .

 – لودفيغ فيتجنشاين ؛ أبحاث فلسفية ، ترجمة إيلزابيث إنسكومب وريش ريس وفون رايت ، دار نشر بلاكويل ، سنة 1953 ، الفقرة رقم 38 [458]

(وفيتجنشتاين يتابع النظام الفلسفي العتيد في ترقيم الفقرات والذي يتداوله الفلاسفة اليونان مثل إفلاطون وأرسطو ونزولاً ..) .

 – في سنة 2009 نشرت دار نشر بلاكويل الطبعة الرابعة لكتاب أبحاث فلسفية . والنشرتان الأوليتان كانتا في عام 1953 وعام 1958 . [459]

والنص كان بإسم إليزابيث إنسكومب , وفي الطبعة الثالثة في عام 2001 أضيفت أسماء كل من بيتر هاكر ويواكيم شولت (الإشراف على النشر) ، شركة نشر ويلي – وبلاكويل ، سنة 2009 (تأف من 592 صفحة) . والكتاب في نشرة 2009 ضم عرضاً على الصفحة الأولى لثلاثة أسماء هم المترجمون للكتاب . وفي النشرة الرابعة ظهرت إشارة إلى إنه من تنقيح ومراجعة بيتر هاكر ويواكيم شولت .

 – ديفيد سترين ؛ كتاب فيتجنشتاين أبحاث فلسفية  : مدخل ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2004 ، ص 1 . [460]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ أبحاث فلسفية ، ترجمة إليزابيث إنسكومب ، دار نشر بلاكويل ، سنة 1953 ، المقدمة . [461]

 – من المناسب أن نشير إلى إنه مع نشرة أبحاث فلسفية لطبعة سنة 2009 (نشرة بلاكويل ، الطبعة الرابعة) تم الإشارة لأول مرة إلى إن كل [462]

من بيتر هاكر ويواكيم شولت على إنهما بالإضافة إلى إليزابيث إنسكومب هم المترجمون للكتاب من الألمانية إلى الإنكليزية . بينما في نشرات 1953 و1958 فإن الإشارة كانت تدلل على إن إيلزابيث إنسكومب هي المترجمة الوحيدة وفعلاً هذا ما حدث على غلاف نشرة 1953 و1958 .  

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ أبحاث فلسفية ، نشرة سنة 1953 ، المقدمة . [463]

 – ديفيد ستيرن ؛ كتاب فيتجنشتاين أبحاث فلسفية (مصدر سابق) . [464]

 – أنظر : ديفيد كيت ؛ النظرية الصورية (الصورة) للغة عند فيتجنشتاين ، مجلة مراجعة الفلسفية ، المجلد رقم 73 ، العدد الرابع ، [465]

إكتوبر سنة 1964 ، ص ص 493 – 511 .

 – أنظر في . هوب ؛ النظري الصورية للمعنى تركتاتوس وتطور نظريات الحكم عند مور ورسل ، دورية الفلسفة ، المجلد رقم 44 ،[466]

العدد 168 ، أبريل سنة 1969 ، ص ص 140 – 148 .

 – أنظر : إيدنا ديتزا ؛ النظرية الصورية للمعنى ، دورية العقل ، المجلد رقم 62 ، العدد 246 ، أبريل سنة 1953 ، ص ص 184 – [467]

201 .

 – أنظر : بتريشا هانا وبرنارد هريسن ؛ الكلمة والعالم : تطبيقات وأسس اللغة ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة2004 ، الفصل الأول . [468]

 – لودفيغ فيتجنشتاين ؛ أبحاث فلسفية ، ترجمة وإشراف إيليزبيث إنسكومب ، دار نشر بلاكويل ، سنة 1968 ، ص 178 . [469]

 – أنظر : غي كاهانا وآخرون ؛ فيتجنشتاين والمفسرون له : مقالات في ذكرى جوردن بيكر ، مطبعة بلاكويل ، سنة 2007 ، ص ص [470]

37 – 65 .

 –  ديفيد سترين ؛ نشرة بيرغن الإلكترونية لإرث فيتجنشتاين ، المجلة الأوربية للفلسفة ، المجلد رقم 18 ، العدد الثالث ، سبتمبر سنة [471]

2010 . وبالمناسبة إن الباحث عريف أحمد قد كتب بحثاً مهماً عن فيتجنشتاين وبعنوان خيط أخر في حجة اللغة الخاصة ، منشور في الكتاب الذي حمل عنوان أبحاث فلسفية لفيتجنشتاين : دليل نقدي ، إشراف عريف أحمد ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2010 ، ص ص 178 – 196 . 

 – أنظر : أرشيف فيتجنشتاين في جامعة بيرغن (تحت عنوان دبليو إي بي) متوافر على صفحات الإنترنيت وفيه وصف للمكونات التي يضمها [472]

الأرشيف .

 – أنظر : بيتر هيكر ؛ الفلسفة اليوم ، 17 إكتوبر سنة 2013 . [473]

 – مالكولم ؛ مصدر سابق ، ص 6 . [474]

 – أنظر : يوهان هانز كلوك ؛ وجهات نظر حول فيتجنشتاين ، منشور عند غي كاهانا وآخرون ؛ فيتجنشتاين ومفسروه (مصدر سابق) ، ص[475]

ص 37 – 65 .

 – يُعرف الطبيب النفسي الإيرلندي موريس أوكونور دوروري بين أصدقائه بإسم ” كون دوروري ” . ولد في إكستر – ديفون (إنكلترا) ومن [476]

آب وأم إيرلنديين . ودرس في مدرسة النحو في أكستر . ومن ثم درس الفلسفة في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج . وكان من أساتذته المقربيين كل من جورج مور ، وشارلي دانبار برود ولودفيغ فيتجنشتاين .وأصبح صديقاً مقرباً إلى فيتجنشتاين وحتى موت الأخير سنة 1951 . وبعد التخرج إنخرط في كلية اللاهوت في كيمبريدج . إلا إنه بعد سنة واحدة تركها ومن ثم سجل في كلية الطب – كلية الثالوث في دبلن وتخرج سنة 1939 . وحاضر في علم النفس في كلية الثالوث وفي الكلية الملكية للجراحين . للتفاصيل أنظر : توماس دودي (الإشراف) ؛ معجم الفلاسفة الإيرلنديين ، برستول سنة 2004 ، ص ص 105 – 106 .  

 – راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 264 . [477]

 – جون هايز ؛ موريس أوكونور دروري ، منشور في : توماس دودي (الإشراف) ؛ معجم الفلاسفة الإيرلنديين ، برستول سنة 2004 ، [478]

ص ص 105 – 108 (وهو معجم سير ذاتي وتألف من 385 صفحة) .  

 – أليس كرري ؛ الفيتجنشتايني الجديد ، دار نشر روتليدج ، سنة 2007 ، ص 1 . [479]

 – وهو يُعد واحداً من عدد قليل من الأكاديميين الذين إهتموا في وقت مبكر بفلسفة فيتجنشتاين المتأخرة . أنظر : ديفيد بولي ؛ فلسفة فيتجنشتاين [480]

المتأخرة ، مطبعة إيثلون ، لندن سنة 1958 ، ص 103 . وجون ويزدم هو الذي تساءل وقال ” في حالة ما سألك شخص ما ؛ هل في إمكانك أن ترد على سؤالي بجملة واحدة فقط ؛ ماهي أهم مساهمة قدمها فيتجنشتاين إلى الفلسفة ؟ فإنني سأقول ، سؤاله : كيف تستطيع أن تلعب الشطرنج دون الملكة ؟ أنظر : جون ويزدم ؛ التعارض والإكتشاف ، مطبعة بلاكويل ، أكسفورد سنة 1965 ، ص 88 . وكذلك : جون ويزدم ؛ الفلسفة والتحليل النفسي ، دار نشر بلاكويل ، سنة 1953 .

 – أوتز كولك بوزما ؛ الكتاب الإزرق ، مجلة الفلسفة ، المجلد 58 ، العدد السادس ، 16 أذار سنة 1961 ، ص ص 141 – 162 . [481]

 – هانز يوهان غلوك هو فيلسوف ألماني وبروفسور الفلسفة في جامعة زيورخ (وهي من أكبر الجامعات في سويسرا) . وتعلم الفلسفة ، الدراسات  [482]

الألمانية والرياضيات في جامعة توبنكن ، جامعة أكسفورد والجامعة الحرة في برلين . وحصل في عام 1990 على درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد ومن ثم عمل محاضراً في كل من جامعة أكسفورد وجامعة ريدنغ . ومن ثم عُين في عام 2006 في جامعة زيورخ وشغل رئاسة قسم الفلسفة النظرية . وكان بروفسوراً زائراً في جامعة ريدنغ . وكان مجال إهتماماته كل من فلسفة اللغة ، فلسفة العقل والفلسفة التحليلية . من أهم أعماله : ماهي الفلسفة التحليلية ؟ (مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2008 . تألف من 306 صفحة) . وكتابه الذي حمل عنوان  كواين وديفيدسن ، حول اللغة ، الفكر والحقيقة (مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2003 ، تألف من 330 صفحة) . وكتابه مُعجم فيتجنشتاين (مطبعة ويلي – بلاكويل ، سنة 1996) . وأشرف على نشر ثلاثة مجلدات وهي ؛ الأول بعنوان ستراوسن وكانط (مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2003 ، تألف من 260 صفحة) . والثاني بعنوان خمسون سنة على كتاب كواين عقيدتان (بالإشتراك مع كاثرين غلوير وكيرت كيل ، نشرة شركة رودبي ، سنة 2003 ، تألف من 303 صفحة) . والثالث كان بعنوان فيتجنشتاين والفلسفة التحليلية ، مقالات لتكريم بيتر هيكر (بالإشتراك مع جون هايمن) ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2009 تألف من 296 صفحة) .

 – أنظر : هانز يوهان غلوك ؛ وجهات نظر حول فيتجنشتاين .. ، منشور عند : غي كوهانا ؛ فيتجنشتاين والمفسرون .. (مصدر سابق) ، ص ص [483]

37 – 65 .

 – أنظر : الكسندر وو ؛ فيتجنشتاين : دوامة فينا (بالإنكليزية) ، صحيفة الديلي تليغراف ، 30 أيلول 2008 . [484]

 – أنظر : إنثوني جوتلوب ؛ روعة العصبي (بالإنكليزية) ، صحيفة أخبار نيويركر ، 9 أبريل 2009 . [485]

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص ص 232 – 233 وكذلك ص 431 . [486]

 – أنظر : نورمان مالكولم ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار (مصدر سابق) ، ص 84 . [487]

 – أنظر مثلاً : آدموند هوسرل ؛ الفينومنولوجيا الترنسندتالية والسايكوجية والتحديات مع هيدجر (1927 – 1931) ، ترجمة ت . شيهان و أر . [488]

بالمر (بالإنكليزية) ، دوردريشت 1997 ، ص ص 485 – 500 .

 – للتفاصيل أنظر : برجيت هامان وتوماس ثورنتون ؛ هتلر في فينا : الدكتاتور تلميذاً (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2000 . [489]

 – أنظر : دانيال دينيت ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : فيلسوفاً (بالإنكليزية) ، مجلة الزمن 29 أذار 1999 . [490]

 – أنظر المصدر السابق . [491]

 – للتفاصيل عن منشورات فيتجنشتاين خلال حياته ، أنظر : راي مونك ؛ كيف نقرأ فيتجنشتاين ، شركة نشر دبليو . نورتن 2005 ، ص 5 . [492]

 – مايكل جيرمان هو فنان ومؤلف يوميات . ولد في مديلسكس – إنكلترا ، وهو إبن إليزابيث إيفلين وإلوورثي جيرمان وكان والده ضابطاً عسكرياً.[493]

ودرس في كلية كنك – لندن . ومن ثم درس أربعة سنوات في كلية الفنون – الكلية الجامعة في لندن . وكان يملك إستدويو في ورف – لندن . وفي 22 ديسمبر من عام 1986 تم تشخيص إصابته بالأيدز وتوفي سنة 1994 . وكان عمره إثنتان وخمسين سنة فقط . وهو ملحد إلا إنه دُفن في مقبرة كنيسة السانت كليمنت . وأخرج أحد عشر فيلماً سينمائياً منها فيلمه الأول بعنوان سبستيان (1976) ومن أخر أفلامه فيلمه الذي جاء بعنوان فيتجنشتاين (1993) . كما وأخرج ثمانية وثلاثين فيلماً قصيراً منها الجنية الكهربائية (1971) . للتفاصيل أنظر : توني بيكي ؛ ديريك جيرمان ، شركة نشر لتل براون ، سنة 2000 (سيرة ذاتية تألف من 600 صفحة) .

 – وكارل جونسن حاصل على دكتوراه شرف من جامعة مدينة بيرمنغهام . وقبل أن يمثل شخصية فيتجنشتاين مثل الفنان البريطاني فرنسيس [494]

بيكون (1909 – 1992) في الفيلم الذي حمل عنوان الحب هو الشيطان : دراسة لصورة فرنسيس بيكون (1998) .  

 – أنظر : إيثان جيسي كواين ؛ وجهتان من النظر حول فلسفة فيتجنشتاين المتأخرة (1979) ، قسم الفلسفة ، جامعة برنستون (تالفت من 41 [495]

صفحة) مجموعة أطاريح الفلسفة للفترة 1924 – 2015 .

 – أنظر للتفاصيل ؛ إيدي براولي ؛ ” ليباوسكي الكبير ” ، فيتجنشتاين وكومة القمامة (هذا خطاب أون لاين) 16 سبتمبر سنة 2015 (أون لاين). [496]

 – أنظر : فيليب كيرر ؛ أبحاث فلسفية ، دار نشر تشاتو ويندوس ، لندن سنة 1992 (تألف من 256 صفحة). [497]

 – أنظر : باريت سيريل ؛ فيتجنشتاين حول العقيدة الأخلاقية والدينية ، دار نشر بلاكويل ، سنة 1991 ، ص 138 . [498]

 – أنظر : جيمس بيترمان ؛ الفلسفة علاج ، مطبعة سوني ، سنة 1992 ، ص 13 الهامش . [499]

 – أنظر : مارجوري بيرلوف ؛ سلم فيتجنشتاين : اللغة الشعرية وسلطة العادية ، مطبعة جامعة شيكاغو ، سنة 1999 . [500]

 – تُعدُ جوين هاروود واحدة من الشاعرات الإستراليات الأكثر شهرة ، فقد نشرت أكثر من أربعمائة وعشرين عملاً . وكان من ضمنها ثلثمائة [501]

وست وثمانين قصيدة شعرية ، وثلاثة عشرة نصاً للأوبرا . وحصدت العديد من الجوائز وشهادات التكريم . وأعمالها الشعرية تُدرس بصورة واسعة في المدارس والفصول الدراسية الأكاديمية في الجامعات . والشاعرة جواين هي أم الروائي والناقد الأدبي جون هاروود (1946 – ) . وفي بداية حياتها أظهرت إهتماماً في الأدب والفلسفة والموسيقى . ولذلك أكملت تعليمها في مضمار الموسيقى وحصلت على  الدبلوما ومن ثم عملت معلمة في الموسيقى . وفي سبتمبر عام 1945 تزوجت من عالم اللنكوستيكا وليم هاروود . وبعد تعيين زوجها محاضراً في جامعة تسمانيا ، إهتمت جوان بأعمال الفيلسوف فيتجنشتاين وأصبح موضوع إهتمامها طيلة حياتها . وكان من أول أعمالها كتاب قصائد (1963) ومن ثم تلته كتب أخرى . وصدرت لها مجموعة رسائل بعنوان عاصفة المراسلات الدائمة : رسائل جواين هاروود المختارة ، إشراف وتحرير غريغوري غراتزمان ، مطبعة جامعة كوينزلاند ، سنة 2001 .

————————————————————————————————————————————————————

نُشِرت في Uncategorized | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

الفلسفة والمسرح : الشاعر المسرحي اليوناني سوفوكليس ومسرحياته

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(17)

نوفمبر – ديسمبر

2016

———————————————————————————-

تصدر مرة كل شهرين

الدكتور محمد جلوب الفرحان    الدكتورة نداء إبراهيم خليل

رئيس التحرير                سكرتيرة التحرير

——————————————————————————

الفلسفة والمسرح  

الشاعر اليوناني سوفوكليس ومسرحياته

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————–

تقديم :

يحسبُ الأكاديميون الغربيون إن سوفوكليس (حوالي 497 / 496 – 406 / 405 ق.م) هو واحد من ثلاثة من كبار الأدب المسرحي التراجيدي اليوناني (وهم كل من أسخليوس وسوفوكليس إضافة إلى يوربيديس) . ولعل من حسن الحظ إن جزءً من تراث سوفوكليس المسرحي ظل حياً خالداً . ولاحظنا إن سوفوكليس كتب مسرحياته في فترة متأخرة بعض الشئ مقارنة بالمسرحيات التي كتبها شيخ المسرح اليوناني أسخليوس . وبالمناسبة إن سوفوكليس تدرب كثيراً على تراث إسخليوس المسرحي في شبابه المُبكر وفعلاً فقد إجتاز سوفوكليس بنجاح مُبدع المراحل الثلاثة لتراث إسخليوس حسب تقديرات الفيلسوف الإفلاطوني الروماني بلوتارك (فلوطرخس بالعربية) . وبلوتارك نقل عن محادثات سوفوكليس التي وصف فيها تطوره الفكري والمسرحي على وجه الخصوص أفادات يعترف بها سوفوكليس ويذهب إلى إنه (أي سوفوكليس) عبر من مرحلة تقليد إسخليوس إلى مرحلة الإستقلال وتأسيس التجربة السوفوكليسية المبدعة (للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : تعقيب ختامي من هذا الفصل) . كما ومن المعروف إن مسرحيات سوفوكليس كانت متقدمة زمنياً على المسرحيات التي كتبها معاصره يوربيديس والذي كان أكثر شباباً منه . ويُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن سوفوكليس كتب ما يُقارب المئة والعشرين مسرحية خلال حياته . إلا إن الذي بقي منها بصورة كاملة سبعة مسرحيات فقط .

بعض المؤشرات من حياة الشاعر المسرحي اليوناني (الأثيني) سوفوكليس

وسوفوكليس ينتمي إلى عائلة ثرية وذات ثقافة عالية . ووالده سفلس كان يُدير مصنعاً لصناعة الأسلحة (الدروع) ولذلك كان عضواً ثرياً من جماعة صغيرة تُدعى الهيبيين كولونوس نسبة إلى المنطقة الريفية التي يعيشون فيها . ولاحظنا إنه كان يُطلق عليها ” منطقة الخيول ” وكانت تُبعد كيلو متر واحد من أثينا (والحقيقة تقع شمال غرب أثينا) إلا إنها قريبة من أكاديمية إفلاطون . ويذكر الباحثون إلى إن سوفوكليس صور منطقة الخيول على الأقل في واحدة من مسرحياته ، وهناك إحتمال إلى إن سوفوكليس ولد فيها [1].

وتُرجح المصادر الغربية إلى إن سوفوكلس ولد قبل سنوات معدودات من معركة الماراثون [2]التي حدثت في عام 490 قبل الميلاد ، بين الفرس الغزاة واليونان المدافعين عن تراب وطنهم . ونحسبُ إن هذه الإعتداءات الفارسية هي المحرك الذي سيدفع القائد اليوناني الإسكندر المقدوني (356 – 323) بعد أقل من قرن ونصف ، إلى أن يقود بنجاح عال حملته الواسعة وجيوشه الجرارة إلى الشرق ويدمر الإمبراطوريات الإيرانية ، ومن ثم يتوسع ويصل إلى أطراف من الهند . ومن المعلوم إن جنرالات الإسكندر هم الذين أقاموا دولهم السلوقية التي إستمرت بحدود ثلاثمئة سنة ونشروا مؤسساتهم في أطراف من إيران وتركيا والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين وتخوم من سعودية اليوم (وبالطبع مصر وشمال أفريقيا) [3].

وبحكم ظروف عائلة سوفوكلس الإقتصادية المزدهرة ، فقد حصل سوفوكليس على تعليم وثقافة عاليين . وساعده هذا الحال على الإنتصار الفني في عام 468 ق.م وذلك عندما فاز لأول مرة في المسابقة في مسرح ديونسيا على إسخليوس سيد الدراما الأثينية [4]. وإعتماداً على رواية بلوتارك فإن هذا الإنتصار الذي حصل عليه سوفوكلس (ومن ثم هزيمة إسخليوس) حدث في ظروف غير إعتيادية . فبدلاً من طريقة إختيار المحكمين بالأسلوب الشائع ، فقد تم توجيه الدعوة إلى رجل الدولة والقائد اليوناني الشهير سيمون (510 – 450 ق.م) [5]وعدد أخر من القواد اليونان للحضور وتقرير الفائز بهذه المسابقة . ويُضيف بلوتارك إلى إن إسخليوس بعد هذه الخسارة ترك مدينة أثينا حالاً ورحل إلى سيسلي (صقلية) [6].

وإعتماداً على رواية بلوتارك فإن سوفوكلس شارك في إحتفالات ديونسيا بعمله الأول . ومن الشائع إن سوفوكلس أنتج عمله الأول إحتمالاً في عام 470 ق.م . كما وإن الأكاديميين الغربيين يُرجحون إن مسرحيته التي حملت عنوان تربتولميس هي واحدة من مسرحيات سوفوكلس التي عُرضت في إحتفالات ديونسيا [7]. كما ولاحظنا إن المصادر التاريخية تتحدث عن سوفوكلس وتُشير إلى أن إختياره تم في عام 480 ليقود البيون (وهي إنشودة الشكر في التقاليد اليونانية القديمة) [8]. وهو إسلوب إنشاد يوناني تقليدي يقوم به مجموعة من المنشدين  للتسبيح لله وهو بالطبع طقس إحتفالي أقامته اليونان في أثينا بمناسبة إنتصاراتهم على الفرس في معركة سالاميس [9].

وعندما بدأ سوفوكلس يخطُ خطواته الأولى في عمله المهني للمسرح ، كان القائد اليوناني سيمون واحداً من أنصاره . وبالرغم من إن رجل الدولة الأثيني بركليس (495 – 429 ق.م)  كان واحداً من أنداد القائد سيمون إلا إنه لم يحمل أي نوع من الحقد عليه والشاهد على ذلك الحادث الذي نُبذ فيها سيمون عام 461 [10]. كما وإن الشاهد التاريخي الثاني ، هو إن سوفوكلس خدم في عام 443 – 442 ق.م واحداً من أمناء مالية أثينا وذلك للمساعدة في تدبير الشؤون المالية للمدينة وبالتحديد خلال فترة الصعود السياسي لرجل الدولة بركليس [11]. ووفقاً لسيرة حياة سوفوكلس فإنه في عام 441 ق.م فقد تم إنتخابه واحداً من الجنرلات العشرة الذين يشرفون بصورة رسمية على الإدارة التنفيذية لمدينة أثينا وكان بالطبع مجرد زميل صغير لبريكلس . كما وخدم في الحملة الأثينية ضد جزيرة ساموس اليونانية والواقعة في شرق بحر إيجة . وعلى أساس هذا الإفتراض فإن سوفوكلس قد تم إنتخابه لهذا الموقع نتيجة لإنتاجه لمسرحية أنتيجون [12].

وفي عام 420 ق.م تم إستقبال سوفوكلس بإحتفالية وإبتهاج ، ومن ثم إنتخبوا له مجلساً على المذبح وبجانب صورة البطل وإله الطب سقليبيوس في بيته وحينها قدم الآلهة إلى آثينا . ولهذا منح الأثينيون سوفوكلس بعد مماته لقب المُستلم (منا : أو الموحى إليه = أي الذي إستلم رسالة الوحي) [13]. وفي عام 413 حصل سوفوكلس بالإنتخاب على منصب المفوض الرسمي (والحقيقة كان سوفوكلس واحداً من مجموعة مفوضين تم إنتخابهم خلال هذ الفترة) وذلك إستجابة إلى التدمير الكارثي الذي تعرضت له قوات الحملة الأثينية في سيسلي (بالعربية صقلية) وخلال الحرب البيلوبونزية [14]. وهي الحرب التي إندلعت بين أثينا والتجمع البيلوبونزي بقيادة إسبارطيا والتي إستمرت منذ 431 وحتى 404 ق.م [15].

وتذكر المصادر الأكاديمية التي تناولت سيرة حياة سوفوكلس إلى إنه توفي في شتاء سنة 406 أو 405 وبعد إن ناهز التسعين أو الحادية والتسعين . وفعلاً فقد عاش وكان شاهد على تفاصيل كل من إنتصارات اليونان في الحروب الفارسية وكذلك عاش أكثر من ربع قرن من سنوات حياته المآسي وإراقة الدماء اليونانية التي سببتها الحروب البيلوبونزية التي حدثت بين الإخوة الأعداء ؛ الإثينيين والتحالف البيلوبونزي بقياده الإسبرطيين [16].

ومن المناسب أن نشير ونحن نُدقق في الروايات والقصص التي نسجها بعض الكتاب حول موت سوفوكلس في المرحلة اليونانية الكلاسيكية ، إلى إن موته ألهمهم ودفع بعضهم إلى الإختراع والتضخيم من الأحداث وإضافة أملاح ليست هي جزء من الحقيقة وخصوصاً من زاوية الأكاديمي الحذر والذي يبحث عن الحقيقة والحقيقة فقط . ولاحظنا إن أغلب المشاهير من مؤرخي السير ، وبالتحديد كُتاب سيرة سوفوكلس إقترحوا إن أسباب موته تقف وراءها ثلاثة روايات مشهورة ، وهي :

أولاً – إن موت سوفوكلس كان بسبب قيامه ” بسلسلة محاولات في قراءة جملة طويلة من رائعته أنتيجون دون توقف فترة للتنفس ” [17].

ثانياً – ورأى البعض إن سوفوكلس ” مات مختنقاً خلال أكله حبات العنب في المهرجان الأثيني والذي كان يُطلق عليه مهرجان أنثستريا ” [18]. ثالثاً – ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى إن ” سوفوكلس مات من الفرح الشديد والسعادة الغامرة وخلال الإعلان عن فوزه بالنصر النهائي في المسابقة الشعرية في مدينة ديونسيا ” [19]. وبعد موت سوفوكليس بأشهر معدودات قليلة ، كتب شاعر ساخر تعزية بموت سوفوكليس . وجاء نص التعزية في مسرحية لهذا الشاعر وكانت بعنوان التأمل ، فقال فيها ” المبارك سوفوكليس ، والذي عاش حياة طويلة ، وتمتع بالسعادة وتميز بالذكاء الفائق ، وكتب العديد من المسرحيات التراجيدية . وإنتهت حياته بصورة جيدة وخالية من المعاناة وسوء الحظ ” [20]. ولاحظنا من خلال التدقيق في سيرة حياته ، بأن هذه الرواية عامة وخالية من التفاصيل وخصوصاً في الفترة التي سبقت موت سوفوكليس . ولذلك وجدنا في روايات كُتاب أخرون شهادات تُلقي الضوء على ما حدث من تنازع بين سوفوكليس وأولاده . وفعلاً ووفقاً لهذه الروايات ، فإن أولاد سوفوكليس حاولوا الإعلان عن ” والدهم أصبح عاجزاً ، بل وفقد الأهلية ولم يكن كفوءً ” وخصوصاً في نهاية حياته ، وقيل بأن سوفوكليس رد على مزاعمهم في المحكمة وقام بقراءة مقاطع من عمله المسرحي الجديد الذي لم يتم إخراجه على خشبة المسرح وكان بعنوان أودبيوس في كولونيس [21].

ولأغراض التوضيح وإزالة الإلتباس فإن إثنين من ورثة سوفوكليس وهما كل من ولده إيفون وحفيده كانا شاعران مسرحيان ويُطلق عليهما سوفوكليس . وفعلاً فإن إيفون (عاش تقريباً 428 – 405 ق.م) وهو حقيقة إبن الشاعر سوفوكليس . وإيفون ربح الجائزة الثانية في مسابقة التراجيديا [22]، وفاز الشاعر يوربيديس في عام 428 ق.م بالجائزة الأولى بينما فاز الشاعر المسرحي إيون خيوس (تقريباً 480 – 420 ق.م) . ويبدو لنا إن إيون خيوس كان فيلسوفاً فيثاغورياً وذلك ما تؤكده قطع متبقية من أعماله النثرية التي حملت عنوان النص الفيثاغوري [23]. والخلاصة إن سوفوكليس كان شاعراً مسرحياً وولده إيفون وحفيده كانوا شعراء مسرحيون كذلك [24].

وذكرت العديد من المصادر القديمة بأن سوفوكليس كان هوملسكشويل أو بايوسكشويل [25]. وهذا ما ذكره رجل الخطابة والنحو اليوناني أثينايوس الناوكراتيسي (إزدهر في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين) . وناوكراتيس هي جزء من مصر القديمة وتقع على النيل وقريبة من الإسكندرية . ونشر إثينايوس العديد من المجلدات والتي ضاعت أغلبها . إلا إن مجلداته الخامسة عشر بقيت أغلبها محفوظة خالدة [26]. وفعلاً فقد كتب أثينايوس فأفاد بأن سوفوكليس يحب الصبيان مثلما يوربيديس يحب الفتيات . ونحسب إن أثينايوس إعتمد على رواية الشاعر الفيثاغوري إيون خيوس والذي كان معاصراً للشاعر سوفوكليس ، حيث لاحظنا إن رواية إيون خيوس تذهب إلى إن سوفكليس ” تورط في حالة إغراء صبي يعمل في مذبح السمبوزيوم ” [27]. ومن هذا الطرف تصبح مصادقية رواية أثينايوس الناوكراتيس أكثر قبولاً وذلك لسلطة مصدرها المعرفي المعاصر (أي الشاعر إيون خيوس) إلى الشاعر المسرحي سوفوكليس . ميراث سوفوكليس وتأمل في أهم أعماله المسرحية نلحظُ إن أهمية الشاعر المسرحي سوفوكليس تكمن في الأثار التي تركها على تاريخ المسرح اليوناني أولاً ، ومن خلال التأثير الذي خلفه ورائه على المسرح الروماني ثانياً . وبالطبع عن طريق المسرحيات التي أعاد كتابتها الفيلسوف الروماني لوسيوس سنيكا والتي صاغها بروح رواقية فيها الكثير من المقاربات والبذور لنزعة  وجودية ، وخصوصاً المسرحيات التي أعاد إنتاجها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في المسرح الفرنسي المعاصر على أقل تقدير . نقول إن أهمية سوفوكليس تعود إلى إنه أول من أبدع  شخصية الممثل الثالث ومن هذا الطرف عمل سوفوكليس على التقليل أو لنقل تخفيض دور الكورس . وبالطبع كان لعمل سوفوكليس هذا من الأهمية في خلق فرصة كبيرة لتطور الشخصية وحملها على الدخول في صراع مع الشخصيات الأخرى [28]. ونحسب إن الأهمية الثانية لعمل سوفوكليس هذا تكمن في إن الكاتب المسرحي إسخليوس كان يومذاك هو المهيمن  على المسرح اليوناني ، وإن سوفوكليس كان في بداية بواكير عمله المسرحي إلا إنه بذكاء مبكر مُبدع تبنى شخصية الممثل الثالث ، والتي إستمر يعتمدها خلال أعماله كافة وحتى نهاية حياته [29]. ومن المُلاحظ إن الفيلسوف اليوناني آرسطو الذي درس الأدب المسرحي وكان الرائد فيه وخصوصاً من زاوية التنظير الفلسفي ، قد منح سوفوكليس شرف الريادة في إدخال مضمار ” مشهد اللوحة ” . ولكن بسبب هيمنة شيخ المسرح اليوناني إسخليوس ، فإن صوت سوفوكليس ظل يعمل بجد ومن ثم ينتظر فرصة للخروج على هذه الهيمنة والإعلاء من مكانته في المسرح اليوناني . وهذه مهمة ليست ميسرة وشيخ المسرح حياً وأعماله تتصدر العروض المسرحية الأثينية . وفعلاً فإن باب الفرج لم تُفتح وصعود سوفوكليس لم يتحقق إلا بعد موت شيخ وسيد المسرح اليوناني إسخليوس في عام 456 ق.م ، والتي كانت سنة التحول والتي أخذ فيها سوفوكليس يفرض هيمنته كاتباً مسرحياً في آثينا [30].

ومع نهاية شتاء إسخليوس الطويل سطعت نجوم ربيع سوفوكليس المسرحية بقوة وشعت بأضواءها الساطعة على المسرح الأثيني . ولعل الشاهد على ذلك إنتصارات سوفوكليس المسرحية وخصوصاً في المنافسات الدرامية التي شهدتها مدينة آثينا عاصمة المسرح اليوناني يومذاك . وحقيقة إن تاريخ المسرح الإثيني  يتحدث عن فوز سوفوكليس في مهرجانات ديونسيا الثامنة عشرة [31]، ومهرجانات آثينا المشهورة والمعروفة بمهرجانات لينيا وكان فوز سوفوكليس في مهرجانات لينيا السادسة [32]. وإضافة الى الإختراع الذي أصاب البنية الدرامية ، فإن من الملاحظ إن عمل سوفوكليس نهض كما هو معروف على تطوير عميق للشخصيات مقارنة بشخصيات النصوص المسرحية المبكرة [33].

كما ولاحظنا إن شيوع سمعة سوفوكليس حمل العديد من الحكام الأجانب على التهافت عليه وذلك بتقديم طلاباتهم ودعوته للإنضمام إلى بلاط حاشيتهم . إلا إن سوفوكليس إعتذر ولم يستجيب لدعواتهم وفضل البقاء في أثينا . وهنا إختلف عن إسخليوس وإختار طريق التمسك بتراب المسرح الأثيني . بينما رحل إسخليوس إلى صقليا وهجر أثينا ومات أسخليوس في صقليا وبعيداً عن تراب أثينا . وكذلك لم يكن سوفوكليس مثل يوربيديس الذي صرف طوراً من حياته وأيامه في مقدونيا [34]. والحقيقة إن سوفوكليس لم يقبل على الإطلاق أية دعوة من هذه الدعوات ولم يُلبي طلباً واحداً من طلبات هجر أثينا ، حتى وإن كانت مشروطة لفترة أيام محدودات أو زمنها مُجير مُقيد . ولذلك لم يقتنع سوفوكليس بكل الأسباب ولم يستسلم للمغريات ولم يترك أثينا ومن ثم يرحل إلى الخارج . بل العكس وجدناه يُفضل العيش بقرب الأثينيين وإختار نمط الحياة معهم سواء في صحوها أو في مطرها . وبالمقابل رفض سوفوكليس كل الدعوات ومهما كان جنس السلطة السياسية التي تقدمت بها ، ومهما كان رصيد العطاءات المادية التي عرضتها والمنطق الدنيوي الذي يقف وراء ظهرها .

وإعتمد الفيلسوف اليوناني آرسطو على تراجيديا سوفوكليس التي حملت عنوان أودبيوس الملك ، مصدراً من مصادره في كتابة رائعته التي جاءت بعنوان حول الشعر أو في الشعر والتي كتبها سنة 335 ق.م [35]. والحقيقة إن آرسطو قيم في هذه الرائعة فعل سوفوكليس في تاريخ الأدب المسرحي التراجيدي وكذلك قدر قيمة عمله ” أودبيوس الملك ” ، وذهب إلى إن سوفوكليس كان المثال والإنموذج العالي في الأدب المسرحي التراجيدي ، وإن العديد من الكُتاب الذين جاءوا في الفترات المتأخرة بعده ، والذين كتبوا في مضمار فن التراجيديا اليونانية إحتفلوا به ونظروا إليه بتقدير عال [36] . ولاحظنا إن مسرحيتين إثنتين فقط من مسرحيات سوفوكليس السبعة والتي بقيت خالدة ومحفوظة ولم تتعرض للضياع  . نقول إن مسرحيتين فقط من هذه المسرحيات السبعة الخالدة هي التي منحتنا ثقة عالية في الحديث عن تاريخ تأليفهما أو الأدق تاريخ إخراجهما مسرحياً ، وهما كل من مسرحيتي ؛ فيلوكتيتس (سنة 409 ق.م)[37] وأودبيوس في كولونيس (سنة 401 ق.م) والأخيرة أخرجها مسرحياً بعد موت سوفوكليس حفيده والذي كان يُدعى سوفوكليس كذلك وفي إحتفالات ديونسيا سنة 401 ق.م) وهي تراجيديا أثينية وواحدة من ثلاثة مسرحيات طيبية (نسبة إلى طيبيا أو ثيبيا باليونانية) والتي كتبها سوفوكليس سنة 406 ق.م وبزمن قليل قبل موته [38]. ومن مسرحيات سوفوكليس الباقيات ، مسرحية إلكترا والتي لاحظ فيها الأكاديميون الغربيون ، إنها تحمل العديد من المُقاربات ، وفيها الكثير من نقاط التشابه خصوصاً في الإسلوب مع كل من مسرحيتي فيلوكتيتس وأودبيوس في كولونيس . وعلى هذا الأساس إقترحوا بأن هناك إحتمال عال من إن سوفوكليس كتبها في فترة ما من نهايات عمله المهني . بينما كانت مسرحياته كل من أيجاكس (أو أياكس) [39]، مسرحية أتيغون والتراخيس (أو نساء تراقيات) فيُعتقدُ إنها كانت على العموم من أعمال البلوغ المبكرة [40]. وبالطبع كان المعيار أو الميزان في تصنيف أعمال سوفوكليس المسرحية ، إصول إسلوبه في الكتابة والإنشاء المسرحي وكان الإعتماد خصوصاً على مسرحية أودبيوس في كولونيس . ولهذا تميزت الفترة المتوسطة من أعمال سوفوكليس بهيمنة تيار خفي وسيادة نزعة سرية باطنية (وإحتمال إعتقاد سوفوكليس بعقيدة فلسفية تؤكد على الجبرية أو القضاء والقدر والتي يُطلق عليها بالإنكليزية الفاتليزم) [41].

كتب سوفوكلس خلال حياته مئة وعشرين مسرحية وضاع الكثير منها وبقيت اليوم سبعة مسرحيات كاملة . ولذلك يشهدُ تاريخ المسرح الأثيني خاصة واليوناني عامة على المكانة الكبيرة التي شغلها سوفوكليس . فقد كان كاتباً مسرحياً لفترة خمسين سنة وظل مواكباً على الكتابة والإنشاء المسرحي لفترة قريبة جداً قبل وفاته . والشاهد على ذلك تراجيديا أودبيوس في كولونيس والتي كتبها سوفوكليس سنة  406 ق.م . كما إن سوفوكليس كان من أشهر كتاب المسرح اليوناني وأكثرهم مشاركة في مهرجانات وإحتفالات التنافس في دراما دولة – مدينة آثينا ، والتي كانت تُقام خلال المهرجانات الدينية في كل من لينيا وديونسيا . كما إن سوفوكليس تنافس في أكثر من ثلاثين مسابقة مسرحية ، وفاز بثمانية عشرة منها ، ولم يفوز بأقل من الجائزة الثانية . بينما فاز شيخ وسيد المسرح اليوناني إسخليوس بأربعة عشرة مسابقة ، وأحياناً تم هزيمته على يد سوفوكليس . بينما فاز يوربيديس بخمسة مسابقات فقط[42] . ونحاول هنا أن نقف عند عتيات مسرحياته أو تراجيدياته السبعة وبالصورة الأتية :

أولاً – مسرحية أيجاكس أو أياكس (أو أياس)

يحسبُ العديد من المهتمين بالتراث المسرحي التراجيدي الذي ألفه سوفوكليس إلى إن تراجيديا أياكس هي واحدة من التراجيديات اليونانية التي كُتبت في القرن الخامس قبل الميلاد . كما وإن هناك إعتقاد سائد يرى إلى إن أياكس هي من المسرحيات المبكرة الأولى من بين المسرحيات السبعة التي كتبها سوفوكليس والتي لم تتعرض للضياع ، بل ظلت محفوظة خالدة . وعندما تم إنجازها على المسرح كان قد مر على خبرته في الكتابة والإنشاء المسرحي ما يُقارب الربع قرن من الزمن . ويبدو إنها كانت تنتمي إلى الفترة ذاتها التي تنتمي إليها مسرحية أنتيغون . ومن المحتمل إن سوفوكليس قد أكمل كتابة هذه المسرحية في عام 442 أو 441 ق.م . وكان عمره يومذاك بحدود الخامسة والخمسين [43]. وتُركز مسرحية أياكس بصورة عامة على قدر المحارب أيجاكس بعد حوادث الإلياذة ، وبالتحديد قبل الحرب الطروادية (حصار طروادة) . وبالطبع الذي إنتحر بطريقة مآساوية [44].

وغالباً ما أثير السؤال حول عنوان هذه المسرحية ، وهل هو أيجاكس أو أياس ؟ والحقيقة إن عنوان المسرحية حسب ألف باء اللغة اليونانية ، هو أياكس أو أياس . وأيجاكس هو اللفظ الروماني أو اللاتيني . وأياس هو الترجمة الإنكليزية من الأصل اليوناني . وتقليدياً إن الأسماء العامة في اليونانية القديمة هي رومانية أو لاتينية قبل دخولها إلى اللغة الإنكليزية . وبالطبع هناك نزعة وميل نحو تداول وإستعمال اليونانية الأصلية . ولكن رغم ذلك فإن الرؤية اللاتينية قد حصلت على إجماعة وإعتراف واسع ، ومن ثم تجذرت في اللغة الإنكليزية وسد الطريق أمام تداول أسماء اللغة اليونانية القديمية [45]. وتألفت شخصيات هذه التراجيديا الأثنية من الكورس وهم مجموعة من الملاحين الذين جاءوا جزيرة سالاميس . إضافة إلى كل من الشخصيات الأتية ؛ آثينا ، آوديسيوس (وهو الدليل على إن مصدر هذه المسرحية هو واحدة من أعمال الشاعر اليوناني الملحمي هوميروس وملحمته الخالدة أوديسيا) ، أياكس أو أياس (وهو المحارب وبطل هذه المسرحية) ، تاكمسا (وهي بنت الملك التي هام بجمالها أياكس ومن ثم قتل والدها..) ، الرسول ، تيوسر (هو إبن تيلمان ملك جزيرة سالاميس) ، إجماممنون ، الحضور ، الخدم ، الجنود ، يورسيس (إبن أياكس وهو الذي أسر تاكمسا وإتخذها جارية له وأصبح ملكاً على جزيرة سالاميس بعد إنتحار والده أياكس) [46]. الواقع إن الأكاديمي المتابع لأدب الشاعر اليوناني هوميروس أو الأدق التراث اليوناني بأساطيره وملاحمه الشعرية النازلة إلى هوميروس والتي وجدت مكانة لها في ملحمة الإلياذة على الأقل ، يدرك حجم الحضور للملاحم اليونانية وشخصياتها في مسرحية سوفوكليس التراجيدية والتي حملت عنوان أياكس أو أياس . فمثلاً إن حبكة أياكس شاهد على مانقول . فقد بينت  إن المحارب العظيم آخيل والذي كان البطل اليوناني في الحرب الطروادية . كما وكان الشخصية المركزية والمحارب الكبير في إلياذة هوميروس . وذهبت إلى إن أمه (أي أم آخيل) هي حوراء (وباليونانية ومن ثم باللاتينية هي حورية وفي طبيعتها القليل من الإصول الإلهية الربانية) أي ذات روح ربانية وطبيعة حية [47]. أما والده فهو بيليوس والذي كان ملك جماعة يُعرفون بالمرميديين ، وهم شعب وفقاً للإسطورة اليونانية شارك في الحرب الطروادية ، وقادهم في القتال آخيل كما جاء في الإلياذة [48]. وجرت مناقشات بين الأكاديميين الغربيين حول تاريخ تأليف سوفوكليس لتراجيديا أيجاكس ، والمكانة التي تحتلها هذه المسرحية في السجل التاريخي لمجمل مسرحياته . ولاحظنا مثلاً إن مجموعة من الباحثين الأكاديميين ويقف في مقدمتهم البروفسور باتريك فنغلاس ، فيلب ويلي هارش ، جون مور وهيربرت غولدر قد إقترحوا تاريخ مسرحية أيجاكس مبدئياً ما بين سنتي 445 – 440 [49]. ولاحظنا إن بول وودريف يرى بأن ” نساء تراقيات وأيجاكس هما على العموم من بواكير مسرحيات سوفوكليس ” [50]. بينما يُجادل أدورد فيرشايلد ويتلنغ ومن ثم يُؤكد على إن ” الشكل العام وكذلك الإسلوب في تراجيديا أيجاكس يُدلل على إنها من الأعمال المبكرة ، وإن مكانتها في المجاميع القديمة ، فإنها تكون في مقدمة القائمة ، وفيها دليل قوي على إنها من المسرحيات المُبكرة ” [51]. في حين رأينا إن ريتشارد كليفرهاوس جيب وهو من الكُتاب في نهايات القرن التاسغ عشر (وهو واحد من رُسل كيمبريدج وهي جماعة ثقافية سرية ولد سنة 1841 ومات سنة 1905) قد جادل يومذاك وكان جدله ينهض على أساس مختلف وهو الإعتماد على مسرحية سوفوكليس التي حملت عنوان أنتيغون معياراً ومقياساً للمقارنة بين المتقدم والمتأخر من طرف الزمان ولذلك رأى إن تراجيديا أياكس هي واحدة من مسرحيات سوفوكليس المتأخرة مُقارنة بتراجيديا أنتيغون [52]. ثانياً – مسرحية أنتيغون هي مسرحية تراجيدية كتبها سوفوكليس قبل عام 441 ق.م (أو في عام 441 ق.م) . وهي المسرحية الثالثة من بين المسرحيات الطيبية الثلاثة . والحقيقة إن مسرحية أنتيغون قد كتبها سوفوكليس أولاً رغم إنه خطط على إن تكون واحدة من ثلاثية . وهذه الحقيقة تُبين للقارئ تاريخ كتاباتها ، ومن ثم تحديد مكانتها  وتسلسلها مقارنة بكتابته لمسرحياته الثلاثة [53]. ومن الملاحظ على مسرحية أنتيغون ، إن توسعاً قد حدث على شخصية الإسطوري ثيب (أو طيب) [54]. وهذا واضح عند مقارنة عمل أسخليوس الذي حمل عنوان سبعة ضد الطيبيين وبالتحديد في نهايتها ، وجاء ذلك في المسرحية الثالثة من أودبيوس (وهي بالطبع واحدة من ثلاثية) والتي أنتجها إسخليوس سنة 467 ق.م  [55]. وصورت بداية مسرحية أنتيغون ، إثنين من الأخوة يقودان جبهتين متعارضتين خلال الحرب الأهلية الطيبية ، ومات الأخوين وهما يُقاتلان أحدهما وذلك للفوز بالعرش . وكان يومذاك كريون ، وهو رمز كبير ومشهور في الميثيولوجيا اليونانية ، كما وكان كريون حاكم طيبية في عصر الإسطوري أودبيوس . وتذهب المسرحية إلى إن كريون إتخذ قراراً بأن يُكرم أحد الأخوين وهو أيتيوكليس ، وأن يحكم على الأخ الأخر ، وهو بولينيسس بالعار والخزي أمام أنظار الجميع . وإن جثة الأخ المتمرد لم يتم تطهيرها من الخطيئة ، بل تركت في العراء في ساحة المعركة ودون أن يتم دفنها ، وظلت جيفة فريسة تأكلها الحيوانات من مثل الديدان والنسور ، وكانت يومها من أقسى العقوبات . وكانت كل من أنتيغون وإيسميني هما أختي بولينيسس الهالك وأيتيوكليس المُكرم . وجلبت أنتيغون معها إيسميني إلى خارج بوابات القصر وذلك لأغراض إجتماع سري . وكانت إنتيغون تتطلع إلى دفن جثة أخيها بولينيسس وبالطبع في ذلك تحدي لقرار كريون . وفي هذا الحال رفضت إيسميني تقديم المساعدة لأختها أنتيغون وذلك خوفاً من عقوبة الموت . إلا إن إيسميني كانت عاجزة على منع أنتيغون من دفن أخيها بنفسها . وكان الحاصل من ذلك براءة أنتيغون من إختها إيسميني تحت موجة من الغضب العارم . وتذهب القصة إلى إن كريون قرر الحفاظ على إيسميني ودفن أنتيغون حية في الكهف . وفعلاً فقد جُلبت أنتيغون من البيت وهي تنوح على قدرها النهائي وتُدافع عن أفعالها للمرة الأخيرة . ومن ثم أُخذت أنتيغون إلى قبرها وبصحبة الكورس والذي كان يُعبر عن شدة حزنه عما حدث لأنتيغون . وفي هذه الأثناء دخل تيريسياس وهو النبي الأعمى وهو يُحذر كريون ويؤكد على إن جثة بولينيسس يجب الأن وبإلحاح على ضرورة دفنها بسبب إستياء الألهة ، وإنها ترفض قبول التضحيات والتضرعات والصلات من الطيبيين . وهنا إتهم كريون تيريسياس بالفساد ، فرد عليه تيريسياس بقوله ” إن كريون كان خاطئ عاصي ، وإنه سيخسر واحد من أولاده ومن صلبه ” [56]. وكتب سوفوكليس مسرحية أنتيغون في فترة الحماس الوطني (سنة 441 ق. م) . وبعد فترة قصيرة من إنتاج سوفوكليس لها مسرحياً ، تم تعيينه واحداً من الجنرالات العشرة الذين قادوا الحملة العسكرية ضد ساموس [57]. ولعل الشئ الملفت للنظر في هذه المسرحية التراجيدية ، والتي كُتبت في حالة صعود النهج السياسي الإمبريالي في الحكم وإدارة الحياة السياسية ، إن هذه المسرحية لم تحتوي على إعلام سياسي أو بروبغندا إلا الشئ القليل . والإستثناء الوحيد الذي جاءت الإشارة إليه ، هو حق البنت بالإحتفاظ بنسبها إلى والدها [58](ولكن في الحقيقة إن البنت في دولة – مدينة أثينا يومذاك ليس لها الحق في الإمتلاك على خلاف النساء في دولة – مدينة إسبارطا) . ويبدو إن الحجج ضد شيوع الفوضى عمل على غياب التلميح المعاصر يومذاك ومن ثم الإستشهاد بإنموذج دولة – مدينة آثينا [59].

وتكونت مسرحية تراجيديا أنتيغون من الكورس والذي ضم مجموعة شيوخ من طيبيا . أما الشخصيات فتألفت من أنتيغون (وهي بطلة التراجيديا . وبالطبع هي شخصية معقدة فقد كانت بنت أودبيوس وأخته وأمه وإسمها يحمل دلالة ذكورية والذي يشدها إلى كل من والدتها ووالدها) ، إيسمان (وهي بنت أودبيوس وإخته غير الشقيقة) ، كريون (حاكم طيبيا خلال حياة الإسطوري أودبيوس) ، يوريديس (زوجة كريون حاكم طيبيا) ، هايمون (إبن كريون وإبن زوجته يوريديس) ، تيرياس (هو النبي البصير (الأعمى) للإله أبولو في طيبيا) ، الخفير ، الرسول الأول ، الرسول الثاني ، إثنان من الحرس ، الصبي [60].

وبالمناسبة إن الشاعر الألماني فردريك هولدرلين (1770 – 1843) ترجم مسرحية إنتيغون إلى الألمانية . ومن هذا الطرف مارس تأثيراً كبيراً على الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر (1889 – 1976) وحمله على قراءة هذه المسرحية والإهتمام بها بصورة خاصة . وفعلاً فإن القراءة تناولت المكانة القانونية والسياسية لشخصية أنتيغون وفي إطار القصر الملكي ، ومن ثم من خلال ماتتمتع به من إمتيازات خاصة وذلك لكونها محمية من قبل الإله زيوس . ولاحظنا إنه وفقاً للنهج القانوني يومذاك ، فإن كريون مُلزم بأن يُرتب زواج واحد من إقربائه المقربين (وبالطبع هو هايمون) إلى بنت الملك وفعلاً تم ذلك في أجواء طقوس وشعائر الزواج المتوارثة والمتداولة يومذاك . كما وإن كريون مُلزم بترتيب ولادة وريث ووصي لوالد زوجته وذلك لأن كريون مُحرم عليه من أن يكون له أحفاد وورثة من صُلبه . وحرك هذا الحرمان الدافع الواقعي والقوي لدى كريون ويحمله على كراهية أنتيغون . وبالطبع هذه هي وجهة النظر الحديثة والتي ظلت محجوبة لفترة طويلة من الزمن [61].

ثالثاً – مسرحية نساء تُراقيات [62] .

وتُرجمت هذه المسرحية بعنوان التُراقيات فقط  ، ومرة بعنوان نساء تُراقيات شابات . وهي تراجيديا أثينية كتبها سوفوكليس . وهي على العموم بنظر الأكاديميين الغربيين من أعمال ومسرحيات سوفوكليس القليلة التي لم تتعرض إلى الكثير من التطورات والتغييرات في بنيتها مقارنة بمسرحيات سوفوكليس وأعماله الأخرى . ولاحظنا إن هناك عدم إتفاق بين الأكاديميين وكتاب المسرح حول تاريخ كتابتها وهناك ترجيحات متداولة بين الكتاب والتي تدور حول تاريخ كتابتها ومن ثم إنجازها على خشبة المسرح .

وتكونت هذه التراجيديا من كورس وضم مجموعة من النساء التراقيات . أما شخصياتها فضمت دينيرا (وهي زوجة هركليس ، وفي الإسطورة اليونانية هي رمز وترجم إلى اللغة الإنكليزية على إنها ” مدمرة الرجال ” أو ” مدمرة زوجها ” وذلك حين قامت بقتله بالسم ..) ، المرضعة (أبيا وهي مرضعة هولوس) ، وهولوس (إبن هركليس ودينيرا) وزوج يولا (بنت الملك يورتس) ، الرسول ، ليشس (خادم هركليس وهو الذي جلب القميص المسموم من دينيرا إلى هركليس وذلك لحقدها وحسدها على يولا وكان القميص سبباً في موت هركليس) ، هركليس (بطل يوناني .. وفي الإسطورة اليونانية هو إبن الإله زيوس ..) ومن شخصيات التراجيديا شيخ كبير طاعن في السن [63].

تبدأ القصة مع دينيرا [64]، زوجة هركليس وذلك عندما ذكرت قصة عن حياتها المبكرة وبالتحديد حول محنتها في التكيُف مع حياتها الزوجية . وكانت دينيرا في حالة ذهول وإضطراب من تصرفات زوجها الذي أهمل أوضاع عائلته بصورة مُسرفة . والشاهد على ذلك هو إنخراط هركليس[65] في العديد من المغامرات ، بينما كان من النادر أن يزور عائلته ويطمأن على أحوالهم وإحتياجاتهم .

وأخيراً إضطرت دينيرا إلى بعث ولدها هولوس للبحث عن والده هركليس . وفي الوقت ذاته كانت دينيرا دائمة التفكير بالنبؤات التي تدور حول حياة هركليس وخصوصاً البلاد التي إستقر فيها في الزمن الحاضر . وبعد عودة هولوس ، وصل الرسول وكان يحمل أخبار عن هركليس وإنتصاراته في المعارك الراهنة . وإن هركليس توجه إلى المذبح (مذبح الإله زيوس في سفح الجبل) وذلك لتقديم الضحايا [66]، ومن ثم العودة حالاً إلى بيته في تُراقيا . وكان ليشيس وهو خادم هركليس ورسوله والذي جلب موكب الأسرى ومعه الكثير من العطايا والغنائم التي تم حصادها من هناك . وعرض ليشيس قصة مُلفقة كاذبة على دينيرا ، والتي تدور حول ؛ لماذا فرض هركليس الحصار على مدينة أواليا (في أيبويا : وهي ثاني أكبر جزيرة يونانية تقع في الطرف الغربي من بحر إيجة ..[67]) ؟ وزعم ليشيس بأن يورتيس ملك أواليا كان هو المسؤول عن أسر هركليس وإتخاذه عبداً له . ولذلك أقسم هركليس على الإنتقام منه ومن شعبه . وكان الحاصل هو أسر العديد من الفتيات ومن ضمنهم الفتاة يولا بنت الملك يورتيس . وحالاً عرفت دينيرا الحقيقة ، وهو إن هركليس فرض الحصار على المدينة لغرض واحد ، وهو الحصول على يولا وفعلاً فإنه فاز بها وإتخذها صاحبة وعشيقة له [68].

ومن طرف دينيرا ، فإنها لم تتمكن من قبول هذا الحال ، ولم تقبل فكرة إن زوجها هركليس هام حباً وغراماً في هذه المرأة الفتية . ولهذا قررت إستخدام سحر الحب ، حيث هو السبيل الوحيد لإسترجاعه ورده إليها والفوز بحبه من جديد . وتذهب الإسطورة إلى إن دينيرا عندما كانت فتاة وفي بداية شبابها ، فقد جاء قنطور وإسمه نوسس (وهو كائن حيواني إسطوري ؛ نصفه العلوي إنسان بينما نصفه السفلي حصان) وإنتزعها ومن ثم حملها عبر النهر . إلا إن القنطور في نصف الطريق حاول التحرش بدينيرا وذلك من خلال إلقاء جسمه عليها ومحاولة الإستيلاء عليها . وكان هركليس يُراقب الموقف فجاء مُسرعاً لأنقاذها وتحريرها ، وذلك برمي القنطور نوسس بسهم فبدأ الأخير يحتضر وعند إقترابه من الموت ، قال : بأن دمه إختلط بسم عدار (أو هدار وهو كائن إسطوري له رؤوس متعددة) . وإن سهم هركليس إنغمس في هذا السم . وهذا الحال الجديد منح هركليس مناعة من السقوط في حُب إمرأة أخرى . كما وفيه سر يعمل لصالح محافظة هركليس على حُبه لدينيرا فقط . ولكن بشرط أن تلتزم دينيرا بالتعليمات وبدقة صارمة .

وقامت دينيرا بصبغ الرداء (الروب) بالدم ومن ثم سلمته إلى ليشيس والذي حمله إلى هركليس وكانت معه تعليمات صارمة تتكون من شقين ؛ الأول – أن لا يلبس هذا الروب شخص أخر . الثاني – إن يتم الحفاظ على الروب في منطقة معتمة (مظلمة) و يتم إرتداءه حالاً . وبعد وصول الهدية بدأت تُغالب دينيرا ظنون ومشاعر سيئة وتطلعت إلى تبديد هذه الشكوك ومن ثم النظر إليها بوضوح ” وتحت ضوء الشمس ” . وكان حال دينيرا وهي تتفاعل مع هذه الظنون مثل ” حامض الأسيد الذي يغلي ” .

وتذهب المسرحية إلى الكشف عن أطراف من الحقيقة التي تلف التراجيديا فيها ، وترى إن القنطور نوسيس كان كذاباً في حديثه عن ” سحر الحُب ” . وفي هذه اللحظة وصل هولوس والذي أخبر دينيرا ” بأن هركليس كان ممداً وهو يحتضر (يموت) بسبب وصول هديتها .   وإنه كان هناك فعلاً ، وهو يُعاني من الألم الشديد ، وفي حالة غضب عارم . وكان رد فعله ” إنه قتل ليشيس الذي جلب إليه الهدية ” .  و ” جعل المُخ الأبيض ينزُ في أرضية شعره ، وضرب الجمجمة حتى أصبحت على شكل شظايا ، ومن ثم إندفع الدم بغزارة وتناثر في كل مكان ” (هكذا جاء الوصف بترجمة السير ريشارد كليفرهاوس جيب) [69].

ولعل الحاصل من ذلك ،هو شعور دينيرا بالخزي والعار على ما فعلته ولذلك قتلت نفسها . وجاء وصف فعلها بقلم ولدها هولوس الذي لم يُقصر من التضخيم والمبالغة . إلا إن هولوس إكتشف حالاً ” بأن نية دينيرا لم تهدف قتل زوجها ” . وتم حمل هركليس الذي كان يحتضر إلى بيته ، وهو في حالة ألم فضيع ، وساخط على ما يعتقده بأنها محاولة قتل على يد زوجته . وحاول هولوس على شرح الحقيقة لوالده هركليس ، ومن ثم أدرك هركليس بأن النبؤات بموته كانت صادقة . وبالطبع هي النبؤات التي كانت تذهب إلى ” إن هركليس سيُقتل بيد شخص ميت “وإن ” هذا الشخص هو نوسس ” .

وفي النهاية فإن هركليس كان يُعاني من إلم فظيع لا يُحتمله أي إنسان ، فأخذ يتوسل من الحضور ، بإنهاء حياته وتحريره من هذا الوجع الشنيع . وفي هذه الحالة من الضعف ، قال هركليس بأنه ” يُحب إمرأة وكانت هي رغبته الأخيرة والتي وعده هولوس بتحقيقها رغم إعتراضه وتردده ، وهي أن يتزوج هولوس يولا ” . وجاءت النهاية التراجيدية لهركليس والتي صورتها المسرحية . وفعلاً فإن  ” هركليس تم حمله ليُحرق وهو حي وذلك لوقف وجعه وعذاباته ” [70].

ونحسب إنه من المناسب أن نذكر بأن تاريخ كتابة سوفوكلس لتراجيديا نساء تُراقيات أو تُراقيات لم تكن معروفة . كما وإن تاريخ إنجازها لأول مرة على المسرح هي الأخرى غير معروفة وهي موضوع جدل واسع بين الأكاديميين وغيرهم ، وكان الحاصل من ذلك فتح الباب إمام قبول وتداول إراء عديدة ، ووجهات نظر متنوعة وخصوصاً حول تعيين مديات زمنية عريضة لكتابة تراجيديا نساء تُراقيات ومن ثم إنجازها على المسرح . وهنا نستشهد ببعض منها . فمثلاً لاحظنا إن الباحث ت . أف . هاوي يعتقد بأنها كُتبت في الفترة المبكرة من عمل سوفوكليس المهني ، ويقترح بأنها كُتبت بحدود عام 450 ق.م [71]. وبالطبع إن السبب الذي حمل الباحث هاوي على هذا الإستنتاج يعود إلى إن الشكل الدرامي لمسرحية نساء تُراقيات بقي على حاله ولم تناله التطورات التي كانت علامة مميزة لمسرحياته الخالدة والتي ظلت محفوظة . مما حمل على التقدم خطوة إلى الأمام والإقتناع بأنها كُتبت في فترة من شبابه والتي كانت فيها مهارات سوفوكليس في الإنشاء والتدوين المسرحي محدودة (بل وإقل نضوجاً) [72]. إضافة إلى إن حبكة المسرحية فيها الكثير من التشابه مع قصة الشاعر العاطفي اليوناني باكيلايدز (القرن الخامس ق.م وهو واحد من أفضل تسعة شعراء في الشعر الغنائي – الوجداني اليوناني) [73]. بينما جادل أكاديميون أخرون ومنهم مثلاً الباحث سيدريك أش . وايتمان والذي رأى إن تاريخ إنتاجها مسرحياً كان حوالي ما بين الثلاثينيات من (عام 430 ق .م) . وعلى هذا الأساس ذهب إلى إن تاريخ نشر مسرحية نساء تُراقيات ، ربما كان قريباً من تاريخ نشر مسرحية الملك أوديب [74]. ولعل الشاهد على إن تاريخ كتابتها قريب من تاريخ كتابة الملك أوديب ، هو التشابه بين موضوعات (ثيمات) المسرحيتين [75]. كما ويضيف الباحث وايتمان ومن ثم يذهب إلى إن كلا المسرحيتين ، هما في الحقيقة يُقدمان سوية خطوة كبيرة إضافية ، فيما يُطلق عليها ميتافيزيقيات الشر وهو المضمار الذي رهن سوفوكليس حياته بمجملها لمثل هذا الجنس من الأدب المسرحي [76].

كما ولاحظنا إن الباحث توماس ويبستر قد حدد تاريخها في الثلاثينات (أي ثلاثينات 430 ق.م) وهي قريبة جداً من 431 وذلك لأسباب متنوعة [77]. والسبب الأول الذي حمل ويبستر إلى منح هذا التاريخ أهمية ، يعود إلى وجود حالات عديدة ، فيها تشابه ومسرحية نساء تُراقيات . إضافة إلى إن مسرحيات يوربيديس قد عرفت بأنها كُتبت ما بين سنة 438 وسنة 417 . وهذا ساعد من طرفه في تضييق الشُقة في التواريخ . كما وليس هناك دليل واضح يُثبت من هو الشاعر الذي إستعارمن الشاعر الأخر[78] .

ويبدو إن السبب الأقوى الذي قدمه ويبستر لهذا التاريخ ، هو إعتقاده بإن البنية التركيبية لمسرحية نساء تُراقيات ، فيها الكثير من التشابه مع البنية التركيبية لمسرحية سوفوكليس الضائعة والتي كانت بعنوان تيريس [79]. ولعل السبب الذي حمل توماس ويبستر إلى ترجيح هذا التأريخ ، هو إن ويبستر أسسه بصورة كبيرة على دليل غير مباشر ، والذي إستقاه من الجنرال والمؤرخ اليوناني – الأثيني الشهير ثوسيديديس [80](ولد حوالي سنة 460 – وتوفي حوالي سنة 400 ق.م) والمعروف برائعته التاريخية – الفلسفية التي حملت عنوان تاريخ الحرب البيلوبونزية ، والتي حدثت بين إسبرطة وأثينا وإستمرت للفترة ما بين عام 431 ق.م وعام 404 ق.م [81]. وأخيراً فإن ويبستر يعتقدُ بأن اللغة والبنية التركيبية لمسرحية نساء تُراقيات هي أكثر إتساقاً وإنسجاماً مع هذا التاريخ [82].

بينما تطلع أكاديميون أخرون من أمثال مايكل فيكرز إلى إفتراض تاريخ لمسرحية نساء تُراقيات ، ورأى إن تاريخها أما حوالي عام 424 ق.م أو حوالي عام 425 ق.م . وأخيراً فإن هناك إجماع تكون بصورة عامة ، ويقوم على قبول تاريخ أول إنجاز لمسرحية تُراقيات ، هو تاريخ أول إنجاز لمسرحية الملك أوديب [83]. والحجة التي تُرجح هذا التاريخ تنهض على الحقيقة التي ترى إن أحداث المسرحية ، كما يبدو إنها تعكس أحداثاً وقعت خلال الحرب البلوبونزية وبحدود ذلك التاريخ [84]. وبالمناسبة فإن الإسبارطيين يعتقدون بأنهم نزلوا من سلالة هراكليس . وفي عام 427 ق.م أو عام 426 ق.م أسست إسبارطة مستعمرة لها في تُراقيا وأطلقت عليها إسم هيركليا [85].

وتذكر المصادر إلى إن مستعمرة هيركليا حذرت الأثينيين ، والذين كانت تتملكهم الهواجس ومشاعر الخوف ، من إن المستعمرة ربما ستكون قاعدة للهجوم على وابية (بالعربية أو إيفيا وربما إيوبيا باليونانية) وهي ثاني أكبر جزيرة يونانية بعد جزيرة كريت في المنطقة . ويُقال إن الشاعر الإسطوري اليوناني هوميروس قد صرف جزء من حياته فيها [86]. ولاحظنا إنه في مسرحية نساء تُراقيات ، فقد قيل بإن هيراكليس أما شن الحرب على إيوبيا أو خطط بالقيام بالحرب ضدها [87]. ويعتقد فيكرز بإن هذا الإعتقاد يعود إلى الأحداث الراهنة وبالتفسير الإسبرطي الذي يتساءل ؛ لماذا صور هراكليس في حالة برود في هذه المسرحية [88]؟ كما وإن فيكرز جادل وذهب إلى إن سوفوكليس إختار الإسم ليشيس (وهو رسول هراكليس وخادمه) ، نتيجة هذا الربط بالأحداث الراهنة وليُشير بوضوح على إن ليشيس هو عنوان دال على البعثة الإسبرطية خلال الحرب [89].

رابعاً – مسرحية  أودبيوس (أوديب) الملك

وهي تراجيديا أثينية كتبها سوفوكليس يومذاك ومن ثم تم تنفيذها مسرحياً لأول مرة في عام 429 ق.م وعلى مسرح ديونسيوس في أثينا [90]. وكان العنوان الذي تداوله اليونان القدماء أودبيوس وذلك للسهولة وكما لاحظ الأكاديميون الغربيون إن أرسطو كان يُطلق عليها أودبيوس فقط في كتابه الشعر [91]. وهناك من يعتقد بأنه جرت محاولات لإعادة تسميتها وفعلاً فقد تم تسميتها بعنوان الملك أودبيوس وذلك للتمييز بينها وبين مسرحية أخرى كتبها سوفوكليس ، والتي كانت بعنوان تراجيديا أودبيوس في كولونيوس . وبالمناسبة فإنه في الماضي كان يُطلق على الملك عنوان التايرنت (بالعربية يعني حرفياً الطاغية) . ويبدو إنه نزل من اللاتينية ويومها كانوا يعتقدون ” إنه مجرد عنوان لا يحمل أية دلالة سلبية ” [92]. ونحن نتفق مع ما ذهب إليه الأكاديميون الغربيون وذلك حين تحدثوا عن جوهر ولب مسرحيات سوفوكليس الثلاثة والتي تُعرف بالمسرحيات الطيبية الثلاثة ، وبالطبع التي بقيت خالدة ولم تتعرض للضياع ، وهي المسرحيات التي تناولت شخصية أودبيوس . والحقيقة إن مسرحية أو تراجيديا أودبيوس الملك هي الثانية من بين هذه المسرحيات الطيبية التي كتبها سوفوكليس . ولكن رغم هذا الحال ، فإن مسرحية أودبيوس الملك من زاوية تسلسل الأحداث تأتي في المرتبة الأولى ، ومن ثم تتبعها مسرحية أودبيوس في كولونيوس وتليها في الأخير مسرحية أنتيغون [93]. وبدأت هذه الثلاثية بتراجيديا الملك أودبيوس والذي أصبح ملكاً على الطيبيين (أو باليونانية ثيبز أو بالعربية من أهالي طيبة والتي لاتزال أثارها حتى اليوم تقع في شمال أثينا – اليونان الحالية[94]) . إلا إنه نفذ ما جاءت به النبؤة حرفياً دون حذر أو منح ذاته فُسحة من الزمن للتفكير بما ستأتي به الأيام القادمات . وكان على عجل من أمره فأغلق جميع الأبواب حتى إنه لم يعمل التفكير ويرفع رايات الشك والظنون في صحة المسار الذي إختاره . كما إنه بقصد سد جميع الدروب التي تقوده بسلام إلى المرافئ الآمنة . وخلاف ذلك فضل ركوب الموجات العارمة وعطل فعل العقل وألغى كل الفرص التي تُرجح درجات من الذكاء في البحث والتحقيق عما سيترتب على هذا القرار من نتائج مدمرة وفاجعة . وكان الحاصل من ذلك إنه قتل والده الملك السابق لايوس ومن ثم تزوج من إمه جوكاستا بعد إن توصل إلى حل لغز إبي الهول . وكان جُل إهتمام مسرحية سوفوكليس وشغلها الشاغل هو البحث عن قاتل الملك لايوس وذلك لوقف وباء الطاعون والذي شل الطيبيين وخرب مدينة طيبة . مع غياب الوعي بأن القاتل يُفتش في الفراغ عن شخص أخر وهو القاتل الحقيقي . وفي نهاية المسرحية ، فإن الحقيقة تُكتشف في ضوء الشمس ، وإن جوكاستا تشنق نفسها بينما أودبيوس في حالة غضب وفزع شديديين وذلك عندما إكتشف بأنه القاتل الحقيقي لأبيه وإنه الفاجر الآثم والزاني بإمه . والحقيقة إن آرسطو غالباً ما إستشهد العديد من المرات بمسرحية الملك أودبيوس لسوفوكليس وإنتخب منها ما يُعزز رأيه في رائعته فن الشعر ، وبالتحديد إنتخب إمثلة ونماذج تُدلل على طبيعة التراجيديا اليونانية [95]. تكونت المسرحية من عدد من الكورس ، وهم بالطبع مجموعة منتخبة من الطيبيين . أما شخصيات المسرحية ، فهم كل من أودبيوس ، ومن ثم الكاهن ، كريون (وهو حاكم طيبية في عصر الإسطوري أودبيوس) وكان لكريون أربعة أولاد وثلاث بنات وكانت زوجة كريون هي يوريديس الطيبية . وفي المسرحية إشارة إلى إن يوريديس وولدها هايمون قد قتلا نفسيهما بسبب إن كريون قتل زوجة ولده هايمون ظلماً [96] ، تيرياس (النبي البصير للإله أبولو في طيبية . وهو في الأصل إبن الراعي إيفرز وأمه حوراء في الميثيولوجيا اليونانية . وتحول إلى إمرأة لفترة سبعة سنوات [97]) ، جوكوستا وهي زوجة الملك لايوس ووالدة أودبيوس ، الرسول ، الراعي ، الرسول الثاني ، بنات أودبيوس كل من أنتغيون وإيسميني [98]. ونحسبُ من المفيد إن نشير إلى إن الإصول المبكرة الأولى لمسرحية أو تراجيديا الملك أودبيوس التي كتبها سوفوكليس تصعد إلى رائعة الشاعر الملحمي اليوناني هوميروس أو هومر والتي حملت عنوان الأوديسا والتي أشارت إلى التفسير المبكر لإسطورة أودبيوس وذلك حين قابل أوديسيوس صدفة جوكوستا (والتي كانت تُدعى أبيكاستا) في العالم السفلي (أي العالم الأخر) . والحقيقة إن هوميروس قدم خُلاصات عن قصة أودبيوس والتي شملت قضايا من مثل السفاح (الزنا) بالمحارم ، وقاتل أبيه والخاتمة إنتحار جوكوستا . مع ملاحظة الفارق ، هو إن أودبيوس ظل حسب الرؤية الشعرية الهومرية (نسبة إلى هومر أو هوميروس) ملكاً على طيبية بعد إكتشاف الحقيقة ومعرفة حقيقة الوحي (وهو إنه تزوج أمه بعد قتل أبيه) . وإنه خلافاً لرؤية سوفوكليس لم يقلع عينيه ولم يفقد البصر ، ولم يتعرض إلى النفي كذلك . وبدلاً من كل ذلك فقد قيل إن الآلهة عملت مسألة إبوته معروفة . بينما لاحظنا إن الحال مختلف في مسرحية سوفوكليس الملك أودبيوس حيث إنها بينت بوضوح ” إن أودبيوس إكتشف الحقيقة بنفسه ” [99]. ويُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن سوفوكليس تابع شيخ التراجيديا اليونانية إسخليوس وكتب مسرحية مشابهة لها . وإن إسخليوس فاز بالجائزة الأولى في مدينة ديونسيوس عام 467 ق.م . ومسرحية إسخليوس كانت واحدة من ثلاثية ودارت حول بيت الملك لايوس ، والتي تألفت من لايوس ، أودبيوس و سبعة ضد الطيبيين (ولم تبقى منها سوى مسرحية سبعة ضد الطيبيين) [100]. ونحن نعرف إن سوفوكليس لم يكتب ثلاثية مثلما فعل وكتب إسخليوس . وبالرغم من إن ثلاثية إسخليوس فازت بالجائزة الأولى ، فإن إثنين من مسرحيات هذه الثلاثية ، وهما كل من لايوس و أودبيوس إضافة إلى المسرحية الكوميدية التي حملت عنوان أبي الهول قد غابت عن الوجود ولم يعدُ لها أثراً يُذكر [101].

وذكرنا إن ثلاثية سوفوكليس والتي ضمت الملك أودبيوس وهي التي فازت بالجائزة الثانية في مهرجانات مدينة ديونسيوس . كانت السبب وراء خسارة سوفوكليس الجائزة الأولى والتي فاز بها شاعر التراجيدي الأثيني الشاب فيلكليس (عاش خلال القرن الخامس قبل الميلادي) والذي كان أصغر سناً من سوفوكليس إلا إنه كان إبن إخت الشاعر الأثيني الشهير إسخليوس . والتي كانت تُدعى فيلابوتر . وفيلابوتر هي في الأصل أخت لكل من إسخليوس وساينغرييس (مات سنة 490 ق.م) والذي كان بطلاً يونانياً – أثينياً قديم ، وهو واحد من أبطال معركة المارثون[102]. وهي كذلك أخت إمينييس الأثيني وهو الأخ الأصغر لكل من إسخليوس وساينغرييس . وبالمناسبة إن إمينييس الأثيني هو بطل معركة سالاميس ضد الفرس [103]. وفاز الشاعر الشاب الأثيني فيلكليس على سوفوكليس بمسرحية كان موضوعها الملك التراقي تيريس وسبق إن ذكرنا بأن سوفوكليس كتب مسرحية بعنوان تيريس كذلك ، وهي اليوم من المسرحيات الضائعة [104]. كما إن الكاتب المسرحي الأثيني الساخر أرسطوفان (446 – 386) قد تناول الموضوع ذاته في مسرحيته الساخرة والتي حملت عنوان الطيور ، وهو الموضوع نفسه الذي بحث فيه الشاعر الأثيني سوفوكليس [105]. ولاحظ الأكاديميون الغربيون إن مسرحية فيلكليس والتي حملت عنوان تيريس ، هي في الحقيقة جزء من ثلاثية مسرحية حيث كشفت الفقرات المتبقية منها ، إن فيلكيس عالج قصة هيرميون وهي الطفلة الوحيدة للملك ميلنوس ملك إسبارطة وزوجته هيلين الطروادية (الجزء الأول) [106]، ونيوبتوليموس وهو إبن المحارب أخيل والأميرة دايدميا (الجزء الثاني) [107]، وأوريستيس وهو إبن كليمنسترا وإجمامنون (الجزء الثالث) [108]. ومن النافع الإشارة إلى قصة أوريستيس قد تناولها إضافة إلى فيلكليس كل من يوربيديس في مسرحيته التي حملت عنوان إندروماش وهي زوجة هكتور ومن ثم أصبحت عبدة لنيوبتوليموس وبالتحديد بعد سقوط طروادة [109]. وكذلك تداولها سوفوكليس في مسرحيته التي كانت بعنوان هيرميون (وهي في الميثيولوجيا اليونانية بنت ميلنوس وزوجته هيلين) [110].  ولاحظنا إن فيلكليس في إسطورة  هيرميون يخبرنا بإن هيرميون قد تم خطوبتها إلى نيوبتوليموس من قبل والدها ميلنوس وحينها كانت حاملة بطفلها أوريستيس [111]. وبالمناسبة إن فيلكليس كتب مسرحيتين في عنوانيهما الكثير من التشابه مع مسرحيات سوفوكليس وآخرون (من مثل يوربيديس) وهما مسرحيتي أودبيوس وفيلوكتيتيس [112].

خامساً – مسرحية إلكترا

وهي تراجيديا يونانية كتبها فعلاً سوفوكليس غير إن تاريخها غير معروف بالتحديد (متى كتبها سوفوكليس ؟ ومتى تم إنجازها على خشبة المسرح ؟) . وكان هم وكد العديد من الأكاديميين الغربيون هو الوصول بمنهج مقارن إلى تحديد تاريخ مقارب لتأليفها أو تاريخ تمثيلها على المسرح . وفعلاً فقد لاحظنا إن عدداً من هؤلاء الأكاديميين قد صرفوا غير قليل من وقتهم وذلك سعياً للمقارنة بينها وبين نصوص مسرحية كتبها سوفوكليس وإن تاريخ تأليفها أو تمثيلها على المسرح معروف بدقة وعليها إجماع . وكان الحاصل من ذلك إنهم وجدوا من خلال العديد من أوجه التشابه في الإسلوب مع مسرحية فيلوكتيتيس (سنة 409 ق.م) ومسرحية أودبيوس في كولونيوس (401 ق.م) . والحقيقة إن هذا التشابه هو الذي قاد الأكاديميون الغربيون إلى إفتراض إن سوفوكليس كتبها في نهاية عمله المهني [113].

ونحسبُ إن سوفوكليس إنتخب لمسرحية إلكترا بيئة (أو ستنغ)[114] تتحرك على أرضيتها الشخصيات والأحداث ، وهي مدينة أرغوس وتاريخها يصعد إلى بضع سنوات بعد حرب طروادة . وفي هذه المسرحية عرض يحمل تفسير لحكاية إلكترا وفكرة الإنتقام التي نفذتها وأخيها أوريستيس ضد كل من والدتهما كليمنسترا وزوجها إيجيسثوس . وفعلاً فقد تعاونت إلكترا مع أخيها أوريستيس على الإنتقام من قتلة أبيها إجمامنون ، ومن ثم نجحا في قتل أمها كليمنسترا وزوجها إيجيسثوس [115].

ولاحظنا إن الخلفية التاريخية لمسرحية أو تراجيديا إلكترا تذهب إلى إن إجمامنون (وهو عالي المكانة حيث كان والده الملك آتريوس) عندما عاد من الحرب الطروادية ، عاد ومعه محظية (صاحبة جديدة) والتي كانت تُدعى الكسندرا أو كاسندرا وهي بنت كل من الملك بريم والملكة هيكوبا الطروادية . وحينها كانت زوجته الملكة كليمنسترا قد إتخذت خلال غيابه في الحرب الطروادية إبن عمه إيجيسثون حبيباً لها ومن ثم قتلت كل من إجمامنون والكسندرا . وإعتقدت كليمنسترا إن فعل القتل لهما كان مبرراً مادام إجمامنون قد عرض إبنتهما ” إيفيجينا ”  أميرة أرغوس ، ضحية وفداءً إلى الحرب وذلك تبركاً منه وتنفيذاً إلى أوامر الألهة [116]. وإلكترا من طرفها (وهي بنت إجمامنون وكليمنسترا) قامت بإنقاذ أخيها الأصغر أوريستيس من أمها التي كانت تخطط على قتل ولدها أوريستيس كذلك . ولهذا السبب أرسلته إلكترا إلى ملك فوكيس المدعو ستروفيوس (فوكيس تقع في مركز اليونان وقرب خليج كورنثيا) . وبالمناسبة إن الملك ستروفيوس هو زوج إخت إجمامنون وهو الذي تعهد على حماية أوريستيس وإخفائه بعيداً من عيون الباحثين لتنفيذ خطة قتله [117]. والمسرحية بدأت في سنوات لاحقة وذلك حين عاد أوريستيس رجلاً بالغاً وتقوده خطة للإنتقام من قتلة أبيه وإقامة الحق ، ومن ثم العودة إلى العرش [118].

وتكونت مسرحية إلكترا من الكورس والذي ضم نساء ميسينيات (نسبة إلى المدنية الميسينية والميسينيين وتقع ميسينيا قرب أثينا في الطرف الجنوبي الغربي .. وهي أكبر مركز للحضارة اليونانية القديمة ..[119]) . كما وضمت المسرحية شخصيات من مثل أوريستيس ، إلكترا ، كريسوثوميس (وهي بنت إجمامنون وكليمنسترا وأخت إلكترا وأوريستيس . إلا إنها على خلاف إلكترا لم تعترض وتتظاهر ضد أمها ، ولم تسعى إلى الإنتقام من قتلة والدها إجمامنون مثل إلكترا من إمها وزوج أمها إيجيسثون وحبهما غير المشروع خلال غياب أبيها للمشاركة في الحرب الطروادية[120]) ، إيجيسثون (أو إيجيسثويس) ، شيخ كبير ، كليمنسترا ، بولادس (إبن الملك ستروفيوس وإنكسبيا وهي أخت إجمامنون) ، الخادمة ومجموعة من الحضور [121]. ولاحظ إن هناك خط مهم في مسرحية سوفوكليس إلكترا ، وفيه إعلان عن وصول أوريستيس مع صديقه بولادس وبصحبتهما مُربي أوريستيس (وهو شيخ كبير) وهو الذي أخذ أوريستيس إلى مكانه الأمن ليعيش في الخفاء عند ستروفيس . وكانت الخطة هو إعلان المربي بأن أوريستيس مات في حادثة إصطدام العربة . وخلال ذلك فإن الرجلين (وهما أوريستيس وبولادس) حضرا ليُقدما ما يشبه رُفات أورستيس (رماد جثته) . وفي هذه الأثناء كانت إلكترا تنوح وتبكي على والدها إجمامنون ، وهي تتهم أمها كليمنسترا بمسؤلية قتل والدها [122].

وبعد فترة حضر أوريستيس وهو يحمل رماده ، وحينها لم يدرك إن أخته إلكترا كانت حاضرة أمامه . كما إن إلكترا لم تتعرف على أخيها ، والذي قدم لها الرماد وهي تنوح حوله ، ودون أن تعي بأن أخيها في الحقيقة أمامها حي يُرزق . والأن حان وقت الإعلان وكشف الحقيقة . وفعلاً فإن أوريستيس كشف عن حقيقته ، فعم الفرح والسرور . وحينها جاء المربي من داخل القصر ودعاهم إلى داخل القصر . ودخل كل من أوريستيس وبولادس وقتلا كليمنسترا . ومن ثم جاء زوجها السفاح إيجيسثون وبسرعة أخفيا جثة كليمنسترا تحت غطاء ، وقدماه له على إنه جثة أوريستيس . وعندما أزاح الغطاء إكتشف الحقيقة ، وأعلن أوريستيس حقيقته . ومن ثم أخذا إيجيسثون وقتلاه في المكان الذي قُتل فيه إجمامنون . وهنا إنتهت المسرحية قبل الإعلان عن موت إيجيسثون [123].

سادساً – مسرحية فيلوكتيتس

هي مسرحية كتبها سوفوكليس ومن ثم تم إنجازها على المسرح في مهرجانات ديونسيا في عام 409 ق.م . وبالمناسبة إنه تحت هذا العنوان ذاته يُشير العديد من الأكاديميين الغربيين إلى إن كل من إسخليوس ومن ثم يوربيديس كتب كل منهما مسرحيته الخاصة تحت هذا العنوان . ولكن مع الأسف ضاعت مسرحيتي إسخليوس ويوربيديس ولم يبقى منها سوى ذكرى العنوان . أما مسرحية سوفوكليس فبقيت الوحيدة خالدة . والواقع إن سوفوكليس كتبها خلال الحرب البلوبونزية [124]. وهذه المسرحية هي بحد ذاتها واحدة من سبعة مسرحيات كتبها سوفوكليس والتي ظلت محفوظة كاملة وموضوع قراءة دائمة للأجيال وبالطبع للأكاديميين منهم على وجه الخصوص . كما ومن المعروف إن سوفوكليس فاز بمسرحية فيلوكتيتس بالجائزة الأولى في مهرجانات ديونسيا [125].

ولاحظنا إن قصة مسرحية فيلوكتيتس حدثت خلال الحرب الطروادية وبالتحديد بعد العديد من الأحداث الكبيرة التي وردت في ملحمة الإلياذة [126]وهناك ما يدلل على إن الإشارة إليها قد جاءت كذلك في ملحمة الأوديسا [127]. وهي الأحداث ذاتها التي وقعت قبل ما يُعرف بحصان طروادة [128].  وهذه الأعمال شاهد على مكانة الشاعر الملحمي اليوناني هوميروس [129] في مرحلة ما قبل التفكير الفلسفي . كما وفي الإمكان أن نضيف إليه الشاعر الملحمي اليوناني هزيود [130] كذلك والذي كان معاصراً لهوميروس مع ملاحظة الإختلاف في التكوين الإجتماعي والطبقي حيث كان هوميروس إرستقراطياً في حين كان هزيود راعياً أو مُزارعاً . وبالطبع كانا الإثنان (هوميروس وهزيود) المصدران المعرفيان الأساسيين لهذه المسرحية بل وكانا إنموذجان لهذه المسرحية ولمجمل التراث الملحمي الإسطوري للمسرح اليوناني عامة .  وبرأينا إن هذا الأمر لا يخص سوفوكليس وحده وإنما يشمل إسخليوس وربما يوربيديس وهو الأصغر سناً ، بالرغم من إننا نتردد حول يوربيديس والذي نحسب إن مصادره المعرفية لم تكن مباشرة مئة في المئة تصعد إلى كل من هوميروس أو هزيود ، وإنما هي مزيج من هوميروس وهزيود والتي نُرجح إنها إختلطت أولاً بريشة سوفوكليس وإسخليوس ومن ثم تسربت بوعي أو غير وعي إلى تراثهما المسرحي سوية . كما إن هناك إمكانية في عبورها من خلال مسرحياتهما إلى نصوص الشاب يوربيديس . ولكل ذلك نحسب إنها قضية معرفية بالغة الأهمية في تاريخ المسرح اليوناني ولذلك ندعو الأنظار الأكاديمية إلى البحث فيها ومن ثم الوصول خلالها إلى حقيقة وجوهر مصادر المسرح اليوناني وبالتخصيص مصادر الثلاثي كل من إسخليوس ، سوفوكليس ويوربيديس . وهي في الواقع مناسبة بالغة الأهمية نُلفت الإنتباه إليها ، وخصوصاً أنظار الأكاديميين الغربيين ومن ثم الأكاديميين العرب الحارثين في البحث عن العلاقة الحميميمة بين المسرح اليوناني والفلسفة اليونانية . ونعتقد بدرجات من اليقين وخصوصاً عند توافر شاهد  مكتوب وموثوق مُبكر على ما نذهب وهو في الحقيقة مصدر يوناني يتمتع بسلطة معرفية قوية وهو كتاب الفيلسوف اليوناني أرسطو والذي حمل عنوان فن الشعر [131]. تكونت مسرحية فيلوكتيتس من الكورس والذي ضم مجموعة من الملاحين اليونان . كما وتألفت من كل من الشخصيات الآتية ؛ أوديسيوس ، نيوبتوليموس ، فيلوكتيتس ، الجاسوس وهركليس (هرقل). ويصعد تاريخ هذه المسرحية إلى عام 409 ق.م . وتبدأ المسرحية وهركليس جالس أمام كهف في جزيرة ليمنوس [132]. والمسرحية في لُبها تصف محاولة كل من نيوبتوليموس (وهو محارب جديد) وأوديسيوس (أو أوديسا) في جلب المُعاق فيلوكتيتس (وهو رامي السهم) معهم إلى طروادة . وكان حينها هركليس قريباً من لحظات موته (وبالطبع هركليس كان موضوعاً لمسرحية أخرى كتبها سوفوكليس وهي مسرحية نساء تُراقيات) وكان لحظتها يتطلع هركليس إلى أن يُحرق جثمانه في محرقة الموتى وهو لايزال حياً وكانت عملية الحرق تجرى في إطار طقوس والتي ظلت مقبولة ويمارسها الناس علناً إلى إن تم تحريمها في العالم الغربي ، إلا إن الناس ظلوا يمارسونها سراً (ولا أحسب إنها مُحرمة في الهند حيث لا زالت تجري في طقوس معلنة وأمام أنظار الجميع وتُعرضها قنوات التلفزيون) [133]. والحقيقة إن تطلعات هركليس لم تتحقق لسبب وحيد ووحيد فقط ، وهو عدم توافر شخص واحد يُحقق له رغبته ، ويضعه في المحرقة ويشعل النار فيها . فما كان أمام هركليس من خيار إلا العودة إلى مُفضله فيلوكتيتس وسلمه قوسه ومجموعة من نباله ومن ثم غادر فيلوكتيتس مع الأخرين نحو الحرب الطروادية وخلال الرحلة تعرض فيلوكتيتس إلى عضات حية (أو عضات ثعبان) في قدمه بينما كان يمشي على الكرايس (وباليونانية هي الصورة الذهبية) وهي الأرض المُقدسة . ومن ثم أخذ يُعاني من ألام شديدة مستمرة وكان سببها قروح تنز وتنبعث منها رائحة رهيبة . ولهذا السبب نقله أوديسيوس إلى صحراء جزيرة ليمنوس [134]. ومن ثم مرت عشرة سنوات وحينها تمكن اليونان من القبض وأسر العراف (المتنبئ وقارئ المستقبل)هلينوس الطروادي [135] والذي تنبأ لهم ومن ثم قال لهم : ” بأنهم بحاجة مُلحة إلى كل من رامي السهم فيلوكتيتس وقوس هركليس ليتحقق لهم الإنتصار في الحرب ” . ولإنجاز هذه المهمة رحل أوديسيوس بحراً عائداً إلى جزيرة ليمنوس وكان برفقته نيوبتوليموس (إبن أخيل) وذلك لجلب فيلوكتيتس . وبالطبع إن المهمة ليست بالسهلة . كما إن فيلوكتيتس كان كارهاً لأوديسيوس وبدرجات عالية ، وفي الوقت ذاته حاقداً بشدة على اليونان الذين تخلوا عنه وتركوه وحيداً هناك [136]. والحقيقة إن قصة مسرحية فيلوكتيتس بدأت بوصول الجميع إلى جزيرة ليمنوس . وحينها أخذ أوديسيوس يشرح إلى نيوبتوليموس ، بأنه من اللازم أن يقوم بتنفيذ عمل مُشين من أجل كسب المجد في المستقبل . وفعلاً فقد كانت الفكرة هو أن يتم خداع فيلوكتيتس بقصة كاذبة مُختلقة وبينما أوديسيوس مُتخفي ولا أثر له . وتذهب القصة إلى إنه خلال ذلك قدم نيوبتوليموس شخصيته كرجل من الشرفاء (النبلاء) . وظهر إنه ليس من السهولة إقناع نيوبتوليموس للقيام بهذا الدور ولذلك تطلب بعض الوقت . ومن طرف فيلوكتيتس فإن ربح ثقته إحتاج إلى وقت إضافي ، ولذلك دبر نيوبتوليمس حيلة لخداع فيلوكتيتس وحمله على التفكير بأنه يكره أوديسيوس . ونجح نيوبتوليمس في هذه الخطة ومن خلال إخبار فيلوكتيتس بأن أوديسيوس قد سيطر وإمتلك دون وجه حق على درع والده آخيل . كما وفي هذه اللحظة أعلم  نيوبتوليمس فيلوكتيتس بأن هذا الدرع حق من حقوقه بالولادة ، وأخبره بأن أوديسيوس سوف يرفض من التنازل عن الدرع ومن ثم تسليمه له . وبعد الفوز بثقة فيلوكتيتس وعرض مساعدة نقله إلى البيت . فإن نيوبتوليمس حصل على فرصة مشاهدة قوس هركليس (هرقل) وخلال هذه الأثناء أخذ نيوبتوليمس القوس وحمله بيديه بينما كان فيلوكتيتس يُعاني من حالة ألم رهيب (لايُحتمل) في قدمه . بينما أخذت حالة الشعور بالخزي تُسيطر على نيوبتوليمس والذي دخل في حوار داخلي مع ذاته . وكان حاصلها سيطرة فكرة إسترجاع ورد القوس إلى فيلوكتيتس  . وخلال ذلك عاد أوديسيوس بينما كان نيوبتوليمس في حواره الداخلي . وفعلاً بعد سلسلة مناقشات مع الذات ، فإن ضمير نيوبتوليمس فرض سيطرته في الأخير ، فكان قرار نيويتوليمس برد القوس إلى فيلوكتيتس . ومن ثم دخل الطرفان في أفعال تهديد وكانت النهاية قرار أوديسيوس بالفرار . وحاول نيوبتوليمس الكلام مع فيلوكتيتس ودعوته إلى المجئ إلى طروادة بحريته الكاملة . إلا إن فيلوكتيتس رفض قبول العرض . وفي النهاية وافق نيوبتوليمس على نقل فيلوكتيتس والعودة به إلى اليونان بالرغم من إن هذا القرار سيؤدي إلى إثارة غضب الجيش . ويبدو إن هذه كانت خاتمة المسرحية . ولاحظنا فعلاً إن الجميع غادروا ، بينما كان هركليس (هرقل) الأن في رحاب الإلوهية ، وظهر مُطلاً من الأعالي فوق الجميع . ومن ثم أخبر فيلوكتيتس ” بأنه إذا ذهب إلى طروادة ، فإنه سوف يشفى من آلامه ، وإن اليونان سيربحون المعركة . وفعلاً فقد وافق فيلوكتيتس بإرادة قوية وأطاع هركليس . والمسرحية إنتهت هنا بينما ذهب فيلوكتيتس ليُقاتل في طروادة ، وإن قدمه قد شفت من القروح وإنطفأت ألامه وربح المجد وقتل العديد من الطرواديين [137] ومن ضمنهم باريس [138]. ونحسب إن مسرحية فيلوكتيتس التي كتبها سوفوكليس كانت في غاية الأهمية وذلك من طرف إنها إهتمت بسؤال الفلسفة وبالتحديد سؤال الإخلاق وذهبت تبحث وتدقق من خلال أفعال شخصيات المسرحية والمواقف التي إتخذتها ، وهي أسئلة من مثل ؛ ما هي المعايير الإخلاقية التي قادت شخصيات هذه المسرحية في أفعالها ومواقفها وتطلعاتها ؟ وفعلاً فإن القارئ يلحظ بوضوح إن هناك مفهوم إخلاقي عال يلف جميع شخصيات المسرحية والذي تمثل في السؤال حول جوهر الصراع ، وهو بالطبع ، الصراع بين ما هو صحيح للفرد ؟ وما هو صحيح للجماعة ؟ [139]وبالطبع إن مثل هذا الصراع الذي تحكمه هذه المعادلة وبطرفيها القائمين (ما هو صحيح للفرد ، وما هو صحيح للجماعة) هو أمر عصي على الحل وليس بضربة عصا سوف تتوافر جسور الجمع والتوفيق بينهما بسلام دائم . ومثلما كان هذا السؤال هم كُتاب التراجيديا اليونانية وفلاسفة اليونان على حد سواء ، فإنه ظل على الدوام سؤال جميع المجتمعات الإنسانية وخصوصاً أنظار المجتمعات المتمدنة والتي تحكمها قيم الحق والأخلاق والعدالة والإنصاف . وللتخصيص أكثر فإننا لاحظنا ما ذا حدث لشخصية فيلوكتيتس مُقارنة بحاجات اليونان . كما وإن التروما (الصدمة) التي عانى منها فيلوكتيتس الكثير على المستوى الشخصي ، فإنها ظلت جروحاً تنزف ولم تندمل . غير إنها ظلت جوهر مُلازم لشخصيته وحددت ملاحمها العامة . ومن تأثيراتها مثلاً إن نيوبتوليمس لم يتعرف أولاً على فيلوكتيتس . وإذا كان هذا الجانب السلبي ، فإن الجانب الإيجابي لهذه المعاناة والجروح والكدمات الفيزيوسايكولوجية قد عملت منه شخصية مشهورة . ورغم كل هذه التجربة وهذه الشهرة ، تلاشت شخصيته وإنطفأت عن الوجود [140].

سابعاً – مسرحية أودبيوس في كولونيس

تُعد مسرحية أودبيوس في كولونيس واحدة من ثلاث مسرحيات أثينية كتبها سوفوكليس والتي عُرفت بالمسرحيات الطيبية الثلاث أو المسرحيات الثيبية الثلاث . وإن الثابت إن هذه المسرحية كتبها سوفوكليس قبل موته عام 406 ق.م . ومن ثم قام بإنتاجها مسرحياً حفيده والذي كان يُدعى سوفوكليس كذلك . وفعلاً فقد لاحظنا إن الحفيد سوفوكليس قدمها في إحتفالات دينسيوس سنة 401 ق.م أي بعد خمس سنوات من وفاة جده سوفوكليس . وعلى هذا الأساس يُجمع الأكاديميون الغربيون إلى إن أحداث مسرحية أودبيوس في كولونيس قد حدثت بعد مسرحية الملك أودبيوس وقبل مسرحية أنتيغون . وإن مسرحية أودبيوس في كولونيس كانت المسرحية الأخيرة من المسرحيات الطيبية التي كتبها سوفوكليس [141].

ولاحظنا إن مسرحية أودبيوس في كولونيس قد قدمت وصفاً إلى النهاية التراجيدية لحياة أودبيوس . وهنا نود إن نُشير إلى حقيقة تخص مصادر هذه المسرحية أو بدقة أكثر مصادر قصتها ، فقد وجدنا إن مصادر هذه القصة تصعد إلى الأساطير اليونانية (الأثينية) . ومن المُلاحظ إن هذه الأساطير التي دارت حول أودبيوس تختلف وتتباين حول موته . ومن المتداول والشائع إن مكان موت أودبيوس كان في كولونيس وهي قرية قريبة من مدينة آثينا [142]. وبالمناسبة إن كولونيس هو المكان ذاته الذي ولد فيه الكاتب المسرحي اليوناني الأثيني سوفوكليس . وهو المكان ذاته الذي جاء إليه البصير أودبيوس وبصحبته جاء كل من إبنتيه أنتيغون وإيسمنه متوسلات من أرنيس[143] وثيسيوس ملك أثينا [144]. تألفت مسرحية أودبيوس في كولونيس من الكورس والذي ضم مجموعة من شيوخ (كبار) كولونيس . أما شخصيات المسرحية فتكونت من كل من أودبيوس ، أنتيغون ، رجل من كولونيس ، إيسمنه ، ثيسيوس (ملك أثينا) ، كريون (وهو رمز في الإسطورة اليونانية ، وهو حاكم طيبة في إسطورة أودبيوس) ، وبولونيكس (وفي الإسطورة اليونانية هو إبن أودبيوس وزوجته جوكاستا) ورسول . والمسرحية تم تمثيلها على خشبة المسرح لأول مرة سنة 401 ق.م وكان مكان تمثيلها لأول مرة في مدينة آثينا . والستنغ (البيئة) للمسرحية ، هو مشهد مثل الواجهة الأمامية لبستان آرنيز(وهي ألهة الإنتقام في الإسطورة اليونانية) [145].

ونحسب إن من المهم أن نتأمل في حبكة المسرحية والتي فيها الكثير من الأفكار التي سيكون لها مكانة في المناقشات الفلسفية وخصوصاً في محاورات الفيلسوف اليوناني إفلاطون وبالتحديد في محاورة طيماوس وكريتياس كما جاء ذكرها سابقاً . بدأت مسرحية أدبيوس في كولونيس بمشهد تتقدم فيه إنتيغون مسيرة والدها أودبيوس والذي دخل قرية كولونيس ، ومن ثم جلس على صخرة هناك . وخلال هذه الإثناء إقترب منهم قروي وطلب منهم مغادرة المكان وذلك لكونه جزء من الأرض المقدسة وبالطبع هو مكان إلهة الإنتقام آرنيز .

وحالاً أدرك أودبيوس بأن ذلك علامة دالة على ما لمحت إليه النبؤة التي إستلمها والتي ذهبت إلى إنه سيقتل والده وسيتزوج من إمه . وإن الإله آبولو[146] أوحى له في إن نهاية حياته ستكون في موته في المكان المقدس لإلهة الإنتقام . كما ستكون بركة للأرض التي سيتم دفنه في ثُراها [147]. وكان الكورس قد ضم مجموعة من شيوخ قرية كولونيس والذين قد وصلوا تواً إلى الأرض المقدسة ، وحاولوا إقناع أودبيوس بمغادرة الأرض المقدسة ، ومن ثم بدأوا يتحققوا من هويته . إلا إنهم صُعقوا بالذهول والرعب عندما علموا بأنه إبن لايوس ملك طيبة . وبالرغم من إنهم وعدوا من إنهم سوف لايمسوا أودبيوس ويُسببوا له أي ضرر . إلا إنهم تطلعوا إلى طرده من مدينتهم وذلك خوفاً من أن يُسبب لعنة لمدينتهم . وحاول أودبيوس أن يشرح لهم ، بأنه من الجانب الأخلاقي ، هو ليس مسؤولاً ، بل ولا يتحمل أي ذنب على الجرائم التي إرتكبها ، وخصوصاً قتله لوالده لأنه كان مجرد دفاع عن النفس . ومن ثم طلب منهم ” أن يُقابل ملكهم ثيسيوس ” . وإستمر أودبيوس في حديثه مع شيوخ قرية كولونيس وقال لهم ” لقد جئت شخصاً مقدساً ، شخصاً مليئاً بالتقوى والقوة . وجئت أحمل معي هدية عظيمة إلى جميع الناس ” [148]. وفي هذه اللحظة أثار الكورس (الجوقة) الدهشة والإستغراب وقرر الإلتزام والحفاظ على الحجة التر رفعوها على أودبيوس وحتى وصول ملك أثينا ثيسيوس . وخلال ذلك وصلت إيسمنه على حصانها ، وكانت في حالة فرح وبهجة وذلك عندما رأت والدها وإختها . ومع وصول إيسمنه وصلت الأخبار التي تُعلن عن قيام إيتوكلس (إبن أودبيوس) بإنتزاع عرش طيبة من أخيه الأكبر بولونيكس . وهذا الحال دفع بالملك بولونيكس بتجميع الحشود والأعوان من أرغوس وذلك للهجوم على المدينة .   وبالمناسبة إن كلا الأخوين (إيتوكلس وبولونيكس) قد سمعا من الوحي بأن العاقبة ستعتمد على المكان الذي سيُدفن فيه جثمان والدهما (أودبيوس) . وفعلاً فإن إيسمنة أخبرت والدها بأن خطة كريون تذهب إلى إنه سيأتي إليه ، ومن ثم سيُكمل إجراءات دفنه على حدود طيبة وستكون خالية من أية طقوس وشعائر عامة . وهنا تكمن سلطة الوحي والذي أعلن بأن قبره سوف لايكون من حظ أرض أخرى . وبعد سماع أودبيوس لهذه الأخبار ، أخذ يلعنُ ولديه لأنهما قصرا في العناية به بصورة جيدة . وأخذ يُقارن بين أفعالهما وبين إخلاص بناته .

ولذلك قطع أودبيوس على نفسه عهداً ، وهو إنه سوف لا يمنح ولاؤه لواحد من ولديه المتناحرين . وفضل الوقوف مع أهل كولونيس ، وهم الذين أحسنوا إليه وعاملوه بصورة جيدة . وطلب منهم أودبيوس بتوفير الحماية له من كريون . وبسبب إن أودبيوس تجاوز وتعدى على الأرض المقدسة ، فإن القرويين أخبروا أودبيوس بضرورة قيامه ببعض الطقوس والشعائر وذلك لترضيتهم . وهنا إيسمنة تطوعت إختياراً بالقيام بهذه الشعائر بدلاً من والدها ومن ثم غادرت ، بينما ظلت إنتيغون مع أودبيوس . وخلال ذلك أخذ الكورس يستجوب أودبيوس مرة أخرى وذلك بهدف معرفة المزيد من التقاصيل حول فعل السفاح (الإتصال الجنسي بالمحرمات) الذي مارسه بإمه ومن ثم قتله لوالده . وبعد إن أخبرهم بقصته الحزينة ،  . وبصورة مُغايرة فإن الكورس تطلع للحصول على المزيد من المعرفة . وهنا دخل ثيسيوس وقال ” أنا عارف بكل التفاصيل عنك يا إبن لايوس ” [149].

ومن ثم أظهر ثيسيوس تعاطفاً مع أودبيوس وعرض عليه مساعدة غير مشروطة . ومن طرف أودبيوس فإنه شكر وحمد ثيسيوس وقدم له هدية وهي عبارة عن مكان لدفنه . وبالطبع هو ضمان في حالة الإنتصار في الصراع القادم مع الطيبيين في المستقبل . وإعترض ثيسيوس وقال في رده على أودبيوس ” إن المدينتين صديقتين ” . أما إستجابة أودبيوس فكانت أشهر كلام في المسرحية ” أوه ثيسيوس ، صديقي العزيز . إن الألهة لا تمسها الشيخوخة ، ولا تموت أبداً . وكل شئ في العالم بيد القادر على كل شئ ، وهو الذي يُوقف الزمن ويسحق كل شئ ويحيله إلى عدم ” [150]. وعمل ثيسيوس من أودبيوس مواطناً أثينياً ، وترك في هذه اللحظات الكورس يُغني حول مجد أثينا وينشد لجمالها . ويأتي كريون ممثلاً لطيبة ، ويُظهر أسفه على ما حدث لأودبيوس وأولاده ويُخبره بضرورة العودة إلى طيبة . ولحظتها كان أودبيوس مصعوقاً بالرعب ، وأخذ يروي الإضرار التي صبها كريون عليه . وخلال ذلك تصاعدت درجات الغضب على كريون ، وحينها أباح لأودبيوس بأنه إستولى على إيسمنه بالقوة وكذلك أمر حراسه بالقبض على آنتيغون بالقوة . وبدأ رجاله فعلاً في حملهم وأخذهم إلى طيبة . وربما كانت خطة كريون هي فعل إبتزاز لأودبيوس وحمله على الخضوع لأوامره والإستسلام والعودة معه إلى طيبة . وكان بدافع تقوده رغبة بعودة الطيبيين إلى طيبة ، أو برغبة يُحركها الغضب . وهنا حاول الكورس إعتراض كريون . إلا إن كريون هدد باللجوء إلى القوة وذلك من أجل أخذ أودبيوس والعودة به إلى مدينة طيبة .

وأخذ الكورس يُنادي ويدعو ثيسيوس والذي جاء من تقديم الضحايا إلى بوسيدين ومُباركته والدعوة إليه بإدانة كريون ومن ثم قال : ” لقد آتيت إلى المدينة التي تُطبق العدالة ، والعقوبات لا قيمة لها دون قانون ” [151]. وبعدها رد كريون ووجه الإدانة إلى أودبيوس وأفاد ” إنني عارف (ومدينتك) لن ولا توفر ملاذاً وملجأً إلى من قتل والده .. والأسوء من ذلك إنه مخلوق فاسد جداً ، وإنه زوج غير مُقدس حيث تزوج من إمه ” [152]. وفي هذه اللحظة هاجت ثورة من الغضب العنيف وفرضت هيمنتها على شخص أودبيوس ، والذي أعلن من طرفه مرة ثانية ، بأنه ليس مسؤلاً أخلاقياً عما فعله وما حدث ! وخلال ذلك قاد ثيسيوس كريون بعيداً ، ومن ثم أخذ البنتين (كل من إيسمنه وإنتيغون) . وحالاً تغلب الأثينيين على الطيبيين وإسترجعوا البنتين إلى والدهما أودبيوس . وفي رد الإمتنان تقدم أودبيوس من ثيسيوس وقبله وإعترف بفضله وكرمه وشكره على أفعاله الحميدة ، وإنسحب إلى الوراء وأعلن ” بأنه لا يزال ملوثاً ” . ومن ثم أبلغ ثيسيوس أودبيوس بأن شخصاً متوسلاً قد حضر إلى معبد الإله بوسيدين ويتطلع إلى الحديث معه . وإن هذا المتوسل هو إيتوكليس ، إبن أودبيوس وملك طيبة السابق والذي تم نفيه من طيبة من قبل أخيه بولونيكس ، الملك الجديد لطيبة . وكان حينها أودبيوس غير راغب على الإطلاق في الحديث إليه ، وقال مُعقباً ” بأنه يحتقر سماع صوته ” . إلا إن إبنته إنتيغون أقنعته وطلبت منه أن يستمع إليه ، وقالت ” بأن هناك الكثير من الرجال ، والذين كان لهم أطفال متمردون ، وكان هؤلاء الأطفال أصحاب مزاج يتسم بالغضب السريع . إلا إن أباءهم إستمعوا إلى صوت العقل ” ومن ثم كانت العاقبة التوبة والتي تقدمتها صور من الليونة [153]. وفعلاً فإن أودبيوس قد إستمع إلى صوت العقل ومنح إبنته إنتيغون فرصة . وخلال ذلك دخل ولده بولونيكس وهو في حالة يُرثى عليها ، حيث كان يبكي وينوح ويتوسل لوالده ويطلب منه أن يتحدث إليه . وقال بولونيكس لوالده ” إن أخيه إيتوكلس طرده من طيبة ظلماً ، وإنه يستعد إلى مهاجمة المدينة ” . وإنه يعلم من إن هذه عاقبة من لعنة أودبيوس والتي نزلت على أولاده . ولذلك توسل بولونيكس إلى والده وسأله أن يلين ، بل وذهب إلى أبعد من ذلك . ومن ثم توجه إلى والده وقال ” نحن جميعاً نواجه القدر ذاته وسنُشارك المصير عينه ” [154]. إلا إن أودبيوس رد عليه وأخبره ” بأنه يستحق هذا المصير بسبب إنه نبذ والده وتنكر إليه ” . وبالمناسبة فإن أودبيوس كان يتوقع بأن ولديه سوف يُقاتل أحدهما الأخر في المعركة القادمة . ومن ثم توجه في كلامه إلى ولده بولونيكس وقال ” إنك سوف تموت ، سوف تموت بيد شقيقك في الدم .. (وأخذ أودبيوس يُردد) .. موت .. أقتل .. الرجل الذي أخرجك وطردك ، ولذلك سألعنُ حياتك ! ” [155]. وحاولت أنتيغون كبح جماح شقيقها بولونيكس وقالت له ، بأن يتخلى عن فكرة مهاجمة طيبة ، وأن يتجنب الموت بيد أخيه إيتوكلس . إلا إن بولونيكس رفض أية محاولة تُثنيه عن عزمه ومن ثم غادر . وهبت بعد نهاية حديثهما مباشرة ، عاصفة رعدية عنيفة ، وفسرها أودبيوس بأنها علامة من الإله زيوس (رب الأرباب عند اليونان) على إن موعد موته قد حان وهو وشيك . ولذلك سأل أودبيوس حضور ثيسيوس وأخبره بأن الوقت حان بالنسبة إليه ، وإن ينوي تقديم هدية آثينا التي وعد بها (والمعروفة بهدية القوة) . وحاول أودبيوس البصير الوقوف ، ومن ثم مشى بضع خطوات وطلب من أبنائه وثيسيوس بمتابعته . وخلال ذلك دخل الرسول وأخبر الكورس بأن أودبيوس غادر هذا العالم ومات . وأخذ أولاده ومعهم ثيسيوس بصحبته وذهبوا جانباً . وأكمل إستحمامه وأدى بعض الشعائر والطقوس من مثل سكب الخمر (أو سائل ما) بينما كانت بناته في حالة حداد وإكتئاب ، وأخبرهن بأن حملهن الثقيل في العناية بوالديهما قد وصلت إلى نهايتها . وبعد ذلك طلب من ثيسيوس أداء اليمين والذي ينص على أن لا يتخلى عن بنات أودبيوس ومن ثم سمح لهن بالمغادرة . وسأل ثيسيوس أن يبقى لوحده حتى يُعرفه بمكان موت أودبيوس . وإن ثيوسيوس سيكون مسؤلاً في نقل ذلك إلى ورثة أودبيوس . وعندما إلتفت الرسول إلى الوراء وذلك للنظر إلى المنطقة الأخيرة التي كان فيها أودبيوس ، قال ” نحن لا نستطيع رؤية الرجل حيث لايمكننا رؤية ما كان ، إنه ذهب حيث لا مكان ! والملك وحيداً ، يحمي عينيه ، وكلتا يديه إنتشرت خارجة أمام وجهه ، وهو في حالة إندهاش رهيب ، وهو غير قادر على النظر ” [156]. وخلال هذه اللحظات دخل ثيسيوس وبصحبته إبنتي أودبيوس كل من إنتيغون وإيسمنه وهما يبكيان وينتحبان وفي حالة حداد على وفاة والديهما . وكانت إنتيغون تتطلع إلى رؤية قبر والدها ، بل وحتى كانت تتمنى أن تُدفن معه بدلاً من أن تبقى حية بدونه . وأخذت الفتاتان تتوسلان بثيسيوس وتطلبان منه أن يسمح لهما بالذهاب إلى ضريح أودبيوس . وثيسيوس من طرفه ذكرهما بأن الضريح سراً من الأسرار ، ومن اللازم أن لا يذهب إليه أحد ما . ومن ثم قال لهما ” إذا حافظت على تعهدي ، فإنني سأحافظ على بلدي حراً ودون أن أجلب له الضرر إلى الآبد ” [157]. وفعلاً فقد وافقت إنتيغون وتسألت ؛ أين طريق العودة المؤدي إلى طيبة ؟ وكانت ترغب وتتمنى أن تكون هناك وذلك لتمنع السبعة ضد طيبة [158]من الزحف إليها . ومن ثم خرج الجميع وكانت وجهتهم نحو آثينا . ونحسبُ إن من النافع أن نختتم خطابنا عن مسرحية أودبيوس في كولونيس ، بالحديث عن الموضوعات التي عالجتها هذه المسرحية وخصوصاً مقدار العلاقة بين التراث المسرحي اليوناني والموضوعات التي كونت الأساس في الفلسفة اليونانية . فمثلاً لاحظ الأكاديميون الغربيون إن الأفعال في هذه المسرحية كانت قليلة مقارنة بأفعال مسرحية الملك أودبيوس . إلا إنها أخذت طابعاً فلسفياً تميز بكونه أكثر عمقاً . فهنا وجدنا إن أودبيوس ناقش قضية مصيره (قدره) وعلاقته بالوحي . فمثلاً زعم أودبيوس بأنه لم يكن مُجرماً على الإطلاق على الجرائم التي إرتكبها وذلك لأنه لم يكن مسؤولاً من الناحية الإخلاقية عن جريمة القتل والزنا بالمحرمات وذلك لأنها حدثت بسبب الجهل وغياب المعرفة . كما ولاحظنا إنه بالرغم من إن أودبيوس كان شخصاً بصيراً (أعمى) فقد تعرض إلى النبذ والطرد والنفي ، ومن ثم واجه موجة عاتية من العنف من كريون وكذلك من أولاده . وفي النهاية فإن الإله زيوس (رب الأرباب عند اليونان) شفع لأودبيوس وقبل برائته من أفعاله .

ولاحظنا إن الشروط التاريخية التي أحاطت بأجواء تأليف هذه المسرحية ، تُقدم لنا زاداً معرفياً يُساعدنا في فهم ما جرى في دولة – مدينة أثينا . فقد وجدنا إنه في السنوات ما بين تأليف هذه المسرحية وإنتاجها مسرحياً لأول مرة ، إن مدينة آثينا تعرضت إلى العديد من التغييرات . منها هزيمة أثينا على يد الإسبرطيين [159]. وفي هذه الظروف وقعت دولة – مدينة أثينا تحت حكم الطغاة الثلاثين [160]. والحقيقة إن المواطنيين الأثينيين عارضوا نظام حكمهم ومن ثم دفعوا ثمن معارضتهم غالياً والذي تمثل بالنفي والموت إعداماً [161]. وبالطبع هذا التأكيد ترك تأثيراً ملحوظاً على طريقة المشاهدين الأوائل الذين حضروا عروض المسرحية الأولى حيث كانت ردود أفعالهم على المسرحية وكأن الإحتلال الإسبرطي قد حدث تواً لدولة – مدينة أثينا وكان السبب وراء تلاشي سلطتها . وهو بالتأكيد الحال ذاته الذي عاشه سوفوكليس وهو يكتب المسرحية . وكان سوفوكليس ذكياً في تحريك ذاكرة المشاهدين حيث قارنت المسرحية بصورة واضحة حادة بين حالين ؛ حال دولة – مدينة أثينا وحال دولة – مدينة طيبة . فمثلاً لاحظنا إن أهالي دولة – مدينة طيبة يستخدمون الطبول الأثينية وكأن حدود أثينا مُنفلتة وهويتها غير مُصانة ومحفوظة . وهذا واضح في إن المسرحية سمحت في إمكانية إستكشاف موضوعات من مثل الزنا بالمُحرمات ، والقتل والغطرسة في أجواء بيئة آمنة . والواقع إن المسرحية من طرف أخر ألقت ضوءً ساطعاً على موضوع الذنب . ولعل الشاهد على ذلك إن مسرحية أودبيوس في كولونيس إجتهدت ومن ثم إقترحت بأن التجاوز على القانون الإلهي فيه حدود تُقيد فهم الحاكم وتحمله على الإعتقاد بأنه ” برئ تماماً ” . وإن القصور في وعيه سوف لا يُغير من الحقيقة الموضوعية وهو إنه مُذنب وخاطئ [162]. كما ولاحظنا إن الإعتراف بالذنب ومن ثم الإقرار بفعله هي قضية في غاية التعقيد ، وهو بالطبع الأمر الذي سيؤدي إلى حالة إستقطاب متعادل بين سلطتين أو قوتين ؛ قوة البركة ، وقوة اللعنة اللتان حلتا على أودبيوس .

وفعلاً فإن أودبيوس إرتكب جريمتين واللتان قدمتاه مونستراً (وحشاً) ومنبوذاً بين الرجال ، فهو خاطئ ومُذنب من طرف إنه تعدى جنسياً على المُحرمات (أمه) . ومن طرف آخر إن أودبيوس قاتل لأبيه . ولكل هذا كانت معاناته الفيزيائية (عذابه الطبيعي) شمل إطفاء بصره بيديه (أعمى نفسه) وتحول إلى متشرد وحيد وكان هذه هو عذابه الدائم . وكان في كل لحظة يُفضل الموت إختياراً . إلا إنه كان يرغب أن يموت في مكان مُبارك ولهذا فإن المسرحية إقترحت بأنه فعل إختياري وهو بالطبع جزء من الذنب . وأرجو من القارئ أن يتذكر بأن أودبيوس كان دائماً يُردد بأنه ليس مسؤول أخلاقياً عما حدث ، وإنه من الناحية العقلانية إنسان برئ . وللتخفيف من درجات ذنبه ، فإن أودبيوس سمح لنفسه أن تختبر العذاب وشكل من المكابدة الأرضية وذلك لتشتغل كشكل من أشكال الكفارة الكافية لتطهيره من ذنوبه [163]. ولاحظنا إن هناك من الأكاديميين الغربيين من يرى إن أودبيوس ممكن أن يُقدم بطلاً . وهذا الأمر وجدناه في تفسير الدكتور داريش بيرج (أستاذ التاريخ القديم وعالم الأثار والحفريات في منطقة البحر المتوسط) والذي جادل وذهب إلى إن أودبيوس في كولونيس إمكانية للتفسير على إنها رواية بطولة بدلاً من أن يُنظر إليها على إنها رواية تراجيدية [164]. ثامناً – كوميديا إسيونيتا (باليونانية) أو إكنويتا (باللاتينية) وتُلفظ بالإنكليزية إكنيوتي وبالعربية تعني الباحثون وهي مسرحية ساخرة . ولكونها الكوميديا الوحيدة التي كتبها سوفوكليس (أو الأدق الكوميديا الوحيدة والتي بقيت منها فقرات خالدة) فضلنا أن نوليها إهتماماً خاصاً في هذا المضمار من البحث . ولاحظنا إن كوميديا الباحثون أو إكنيوتي قد مرت بمرحلتين تاريخيتين ؛ الأولى والتي هيمن عليها الإعتقاد بأنه لم يبقى من هذه المسرحية الساخرة سوى ثلاثة فقرات فقط  ، وهي فقرات تم العثور عليها في نصوص كتاب قدماء أخرين وظل هذا الإعتقاد مهيمناً حتى عام 1912 [165]. والمرحلة التاريخية الثانية والتي بدأت مع عام 1912 والتي فيها أخذ الأكاديميون الغربيون يتحدثون عن العثور على بقايا ضخمة من مسرحية الباحثون (أو إكنويتي) والمكتوبة على لفات من أوراق البردي المصرية ، والتي تعود إلى القرن الثاني الميلادي ، وهي جزء من مجموع نُشر من بين برديات أوكسيرينكوس . وتألفت هذه البقايا من مسرحية سوفوكليس الساخرة (الباحثون) من أكثر من أربعمائة بيت من الشعر (الأدق خط) وهو الجزء الذي ظل خالداً من هذه الكوميديا الأثينية اليونانية [166]. وبالطبع هذا الجزء من الكوميديا هو مثال على هذا الجنس (الجنرا) من الكتابة المسرحية الكوميدية اليونانية . وربما كوميديا سوفوكليس التي حملت عنوان الباحثون قد تكون مثالاً متقدماً على كوميديا يوربيدس التي حملت عنوان سايكلوبس بالإنكليزية أو سيكلوبس باليونانية واللاتينية وبالعربية يعني العملاق [167]. ونحسب إن كوميديا الباحثون لسوفوكليس ربما إن لم تتقدم على كوميديا يوربيديس العملاق فإنها على الأقل معاصرة لها وهو إنموذج أخر ينفع للدراسة والمقارنة) . وبالمناسبة إن كوميديا يوربيديس العملاق هي المسرحية الساخرة الوحيدة التي تتوافر كاملة للقارئ والأكاديمي الباحث عن هذا الجنس من الكتابة  والإنشاء المسرحي اليوناني . تألفت كوميديا سوفوكليس التي حملت عنوان الباحثون من الكورس (الجوقة) وهي مجموعة من الساخرين . أما شخصياتها فتكونت من أبولو (وهو إله يوناني) [168]، سيلنوس (المرافق والمربي لإله الخمر ديونسيوس) [169]، كايليني[170] وهيرمس (وهو لم يظهر في هذه الفقرات الباقية . وهو إبن الإله زيوس (رب الأرباب عند اليونان) وهيرمس في الميثيولوجيا اليونانية هو ثاني إله أولومبي شاب . وهناك إعتقاد إلى إن ديونسيوس هو الإله الأكثر شباباً من هيرمس [171]) . ومن المناسب أن نُشير إلى إن إنجاز هذه المسرحية قد تم على خشبة المسرح في دولة – مدينة أثينا . وكان الستنغ (البيئة) لهذه الكوميديا ، هو جبل كايليني ، وهو جبل يقع على جزيرة البولوبونيز في اليونان وعلى حدود أركاديا [172]. ولاحظنا إن سوفوكليس قام بإشتقاق قصة (أو حبكة) كوميديا الباحثون من إسطورة مُقحمة (فيها إختراع) على تراتيل هوميروس التي وجهها إلى هيرميس . ومن ثم ذهبت قصة المسرحية في طرفها الكوميدي (الساخر) ، فأشارت إلى إن المولود الحديث هيرميس سرق قطيع (حيوانات) الإله أبولو . وإن الأله الأكبر أرسل الكورس وهم جوقة من الساخرين وطلب منهم إسترجاع الحيوانات المسروقة ، وقطع لهم الوعود بمضاعفة العطاء ، الحرية والذهب إذا ما نجحوا . ومن ثم إقترح الساخرون خطة للعثور على قطيع الحيوانات ، وأخذوا يُتابعون أثار حوافر (أقدام) الحيوانات حتى وصلوا إلى الكهف الذي يختفي فيه الطفل هيرميس ، وعند إقترابهم أكثر من الكهف سمعوا هيرميس يعزف على آلة القيثارة ، والتي إنتهى من صناعتها تواً ، فسيطر عليهم الخوف من الصوت الغريب . وأخذ يُناقش الساخرون بعضهم البعض حول خطوتهم القادمة . وخلال ذلك ظهرت حورية من الجبل الذي يختفي فيه هيرميس (وبالطبع الحورية كانت كايليني) وشرحت طبيعة هذه الألة الموسيقية . ولاحظ الساخرون وهم خارج الكهف بأن بعض البقر مختفيات ومن ثم إقتنعوا بأنهم وجدوا السُراق . وفي هذه اللحظة عاد الإله أبولو وأخذت أوراق البردي تتكسر أمامه [173].

الحقيقة إن كوميديا الباحثون هي واحدة من مسرحيات سوفوكليس التي تألفت من فقرات . وفعلاً فقد أشرنا إلى إن لفات مخطوطات البردي المصرية التي تم العثور عليها في نهاية القرن التاسع عشر (والتي كانت جزء من مجموع حمل عنوان برديات أوكسيرينكوس (وهي مدينة مصرية) والتي تعود إلى القرن الثاني الميلادي فقد تم تحقيقها ومن ثم نشرها من قبل كل من عالمي المصريات آرثر ساريدج هانت (1871 – 1934) وبرنارد باين غرينفيل (1869 – 1926) في عام 1898 (والتي تألفت من أكثر من أربعمائة بيت من الشعر (أو الأدق خط) وهي المصدر الجديد بعد عام 1912 لمخطوطات كوميديا الباحثون (وسبق إن أشرنا إلى إنه قبل عام 1912 كانت هناك ثلاثة فقرات فقط ووجدت محفوظة في نصوص كتاب قدماء أخرون) . وهنا نصحح الخطأ الذي وقع فيه الأكاديميون الغربيون ، وهو إن عام 1912 لم يكن التاريخ الصحيح الفاصل بين حقبتين تاريخيتين للتعامل مع المصادر القديمة والمصادر الجديدة لكوميديا الباحثون لسوفوكليس . وإنما التاريخ الصحيح هو عام 1898 وهو تاريخ نشر مخطوطة برديات أوكسيرينكوس والتي إشرنا إليها [174].

فعلاً لقد كتب الكاتب المسرحي الأثيني اليوناني سوفوكليس جنساً أخر من المسرحية وهو الكوميديا إضافة إلى هيمنة جنرا التراجيديا في تراثه المسرحي . ونحسب إن التراث الكوميدي اليوناني سيكون حاله مثل حال التراث التراجيدي اليوناني موضوع دراسة وإستلهام ومن ثم تكييف والمزاج الروماني ولغته اللاتينية وبقلم مبدع من قبل الفيلسوف الرواقي وكاتب المسرح الروماني لوسيوس سينيكا والذي كتب من طرفه جنس التراجيديا وكذلك كتب جنرا الكوميديا . وهذه قضية سندرسها في فصول قادمة من كتابنا الذي حمل عنوان الفلسفة والمسرح .

حول مسرحيات سوفوكليس بمقاطع (أو فقرات فقط)

صحيحُ إننا نعرف قائمة طويلة من أعمال سوفوكليس المسرحية ، والتي تتجاوز المئة والعشرين مسرحية [175]. كما وعرفنا إن التراث المسرحي الثري الذي تركه سوفوكليس ورائه ضم مسرحيات كاملة وهي المسرحيات الي سيق إن تناولها في هذا البحث . إلا إن هذه القائمة إحتوت على مسرحيات لم يبقى منها سوى فقرات وهي تُفصح بدرجات ما عن جوهرها الأصيل . والحقيقة إننا لا نعرف إلا القليل عن معظم هذه المسرحيات وبالتحديد عن تاريخها بدقة . ولكن هناك شواهد تُدلل مثلاً على إن مسرحية فيلوكتيتس كُتبت في عام 409 ق.م ، وإن مسرحية أودبيوس في كولونيس تم إنجازها مسرحياً في عام 401 ق.م وبعد موت سوفوكليس وإن حفيده هو الذي أنجزها مسرحياً (وبالمناسبة إن هذا الحفيد يحمل إسم سوفوكليس كذلك) .

وكانت التقاليد والأعراف المسرحية يومذاك ، هو أن يُقدم الكاتب في المهرجانات اليونانية ، مسرحيات ثلاثة أي ثلاثة تراجيديات ومسرحية ساخرة . ولاحظنا إنه رغم أهمية التراث المسرحي الذي خلفه سوفوكليس . إلا إن هناك إشكال يلفُ هذا التراث وذلك من طرف عدم توافر المعرفة بتواريخ الغالبية العظمى من هذه المسرحيات والبالغة مئة وعشرين مسرحية . وبالطبع إن هذه المسرحيات تحمل عنواين لها . ولما كانت المعرفة غائبة أو غير متوافرة لأغلبها والسؤال المشروع هنا ؛ إذن كيف تم تصنيفها ، ومن ثم شدها في مجموعات ؟ ولعل الطرف الأخر من هذا الإشكال ، هو إنه شاع في العصور الحديثة ، الكلام عن ثلاثية مسرحية سوفوكلية أي ثلاثة مسرحيات من تراث سوفوكليس ، والتي يُطلق عليها بالمسرحيات الطيبية ، وهي المسرحيات التي لم يتم إنجازها مسرحياً سوية في حياة سوفوكليس على الإطلاق . وهي في الواقع ليست بثلاثية ولكن يُنظر إليها بعض الأحيان وبصورة خاطئة على إنها ثلاثية [176]. أما أعمال سوفوكليس التي ظلت خالدة ومحفوظة ولم تتعرض للضياع والإندثار ، فهي مجموعة من المسرحيات والتي كانت بفقرات وتشمل :

1 – مسرحية أياس أو أياكس ليسر أو بالعربية الأهون . ويُرجح إلى إن إنجازها مسرحياً كان ما بين عام 468 وعام 406 ق.م . وهي تراجيديا وتم تمثيلها بصورة كاملة على مسرح ديونسيوس في أثينا (وبالطبع إن المعرفة عنها نزلت إلينا من حياة يوربيديس) [177]. ولاحظنا إن المصادر الأولية لهذه المسرحية هي كل من رائعتي هوميروس الإلياذ والأوديسا . وإن آياس أو ربما ” آجاكس ” هو بطل إسطوري يوناني . وأجاكس الأهون هو الذي إغتصب غاسندي كما ذكر ذلك هوميروس [178]. ولاحظنا إن يوربيديس قد أعاد ذكرها في نساء طرواديات [179]

2 – مسرحية أياس أو آياكس الجلاد (أو حامل السوط) .

3 – مسرحية إيجيوس . الحقيقة لا تتوافر معرفة لدى الأكاديميين الغربيين حول متى تم إنتاج مسرحية إيجيوس لأول مرة . إلا إن تاريخها ينتمي إلى الفترة المفتوحة التي تبدأ ما بين مشاركته المسرحية الأولى ونهاية عمله المسرحي أي بالتحديد ” ما بين عام 468 وعام 406 ق.م ” . ومصدرها ” حياة يوربيديس ” وعلى هذا المصدر تم الإفتراض بأنه مثلت لأول مرة في أثينا [180].

4 – مسرحية أيجيسثوس أو عاشق كليمنسترا كما جاء في الإسطورة اليونانية .

5 – مسرحية نساء أسيرات . وهي تراجيديا ويفترض إنها أنجزت مسرحياً في الفترة المسرحية التي طوت عمر سوفوكليس المهني ، وهي الفترة المفتوحة مابين عام 468 وعام 406 وهي سنة وفاته . وبالطبع هذه الفترة تلف ستة عقود أي بالتحديد إثنتين وستين سنة . كما ويُرجح إنها قدمت في مسرح ديونسيوس في أثينا [181]. والحقيقة إننا لا نعلم متى تم إنجازها مسرحياً بالتحديد . كما وإننا لا نعلم من إنها مثلت لأول مرة في أثينا وإنما هي مجرد فرضيات .

6 – مسرحية الإثيوبيين . وهي تراجيديا وتنتمي في إنجازها مسرحياً إلى ما يُعرف بالفترة المفتوحة من عمل سوفوكليس كاتباً مسرحياً (ما بين 468 – 406 ق.م) . والواقع لا يتوافر دليل واضح يُؤكد على تاريخ محدد لإنجازها مسرحياً بالضبط . وعلى أساس إنها تنتمي إلى مسرحيات الفترة المفتوحة ، إعتقد البعض إنها نُفذت مسرحياً في أثينا . وهناك من يرى إن مسرحية الأثيوبيين هي المسرحية ذاتها التي حملت عنوان أندروميدا [182].

7 – مسرحية إجتماع الإشنس أو الإشناسيون . تذكر المصادر التاريخية التي عنت بهذه المسرحية أو الفقرات المتبقية منها ، إلى إنه لايتوافر لدينا معرفة عن متى حدث هذا التجمع ؟ إلا إننا نعرف من خلال حياة يوربيديس إلى إنها أُنجزت مسرحياً في دولة – مدينة آثينا . ولاحظنا إن البعض يقترح بأن مسرحية الإشناسيون هي المسرحية ذاتها التي حملت عنوان الذين تناولوا العشاء معاً . اما تاريخ إنجازها مسرحياً فهو غير معروف بالتحديد ، إلا إننا وجدنا إنها تنتمي مثل أكثر مسرحيات سوفوكليس إلى الفترة الزمنية التي بدأ فيها يكتب مسرحياته وحتى الفترة النهائية (الأخيرة) من عمله كاتباً مسرحياً والتي إمتدت بحدود ستة عقود من الزمن وهي الفترة ما بين عام 468 وحتى عام 406 ق.م وهي سنة وفاته ، وهي المسرحيات التي أنجزها على مسرح ديونسيوس في أثينا [183]. ونحسب إن هذا إقتراح معقول لهذه الفترة المفتوحة وذلك لإحتضان وشمول كل أعمال سوفوكليس المسرحية والتي أنتجها في هذه الفترة الثرية من حياته [184].

8 – مسرحية عشاق أخيل أو آشيل . والتي أنجزها على مسرح ديونسيوس وخلال الفترة ما بين عامي 468 و406 ق.م . وهناك إعتقاد بأنها مسرحية ساخرة [185].

9 – مسرحية أكريسايوس ويُفترض إن إنجازها مسرحياً كان خلال الفترة المفتوحة والتي تطوي الفترة ما بين عام 468 وعام 406 ق.م . وهي تراجيديا وعلى أساس الإفتراض فإنها قُدمت لأول مرة على مسرح ديونسيوس في أثينا . وهناك إعتقاد إلى إنها كانت جزء من ثلاثية والتي ضمت بالإضافة إليها كل من مسرحية رجال من لاريسا ومسرحية داناي . ولاحظنا إن هناك من يقترح بأنها مطابقة إلى مسرحية داناي [186].

10 – مسرحية الكمين (باليونانية) أوالكمايون (باللاتينية) . ولاحظنا إن الأكاديميون الغربيون يترددون في تحديد تاريخ لأنتاج هذه المسرحية لأول مرة . وبالرغم من ذلك فإن المصادر تقترح وتذهب إلى إنها أنتجت مسرحياً في الفترة المفتوحة التي طوت أكثر من ستة عقود من عمل سوفوكليس في الكتابة والإنشاء المسرحي (وبالطبع هي الفترة الممتدة ما بين 468 – 406 ق.م) . وإن جنرا أو جنس هذه المسرحية ، هو تراجيديا وتفترض هذه المصادر إلى إنها قُدمت في أثينا [187].

11 – مسرحية أليدي (باليونانية) أو أليداي (باللاتينية) . وتذكر المصادر إلى إن أليدي أو أليداي هم ” أولاد ألاوس ” [188]. ولاحظنا إن في الميثولوجيا اليونانية ألاوس أو إلوس هو ملك إركديا وهي جزيرة وجزء من بلوبونيزيا . وإلوس هو مؤسس لنحلة أو طائفة إليا أثنا [189]. ولاحظنا إن هناك من يزعم بأن هذه المسرحية من الممكن أن تكون قد قُدمت جزءً من ثلاثية ضمت كل من مسرحية ميزنيز ، ومسرحية تيلفوس ومسرحية يوربيلاس [190]. وهي

المسرحيات التي قُدمت خلال الفترة المفتوحة (468 – 406 ق.م) . وهي تراجيديا ويُعتقد إنها قُدمت في أثينا [191]

12 – مسرحية آمفيروس وهي المسرحية الضائعة التي كتبها الشاعر اليوناني الأثيني سوفوكليس . ولاحظنا إن الحديث المتداول الذي يجري عنها (أو كما يُعتقد) على إنها مسرحية أثينية (ساتاير) ساخرة . كما وتذكر المصادر إلى إن إنجازها مسرحياً كان على مسرح ديونسيوس في آثينا . ويبدو إن هناك تعتيم يلف هذه المسرحية حيث لا يتوافر دليل واضح عن الحادثة التي تتعلق ببطل هذه المسرحية (أي آمفيروس) والذي دار موضوع المسرحية حوله . كما وليس هناك وضوح عن الحادثة التي وضعت بطل المسرحية أن يكون موضوع مسرحية ساخرة [192].

والحقيقة لا تزال شذرة واحدة من هذه المسرحية خالدة ومتوافرة وقام بترجمتها هيو جونز لايود والذي ترجمها بأنها ” نبوة الجوقة (الكورس) ” . وهي جملة واحدة من شذرة سوفوكليس (شذرة رقم 958) وهي الشذرة التي أخبرت عن موت آمفريس ، وإن أرض دولة – مدينة طيبة إنفتحت وإستلمت بالترحيب ذراع آمفريس وحصانه وعربته . وهناك إعتقاد إلى إن هذه الشذرة ربما جاءت من مسرحية آمفيروس أو ربما نزلت من عدة مسرحيات كتبها سوفوكليس ودارت حول آمفيروس وولده الكمين أو الكمايون [193].

إضافة إلى كل ذلك فإن الخطيب وعالم النحو اليوناني إثينايوس الناوكراتيسي (إزدهر في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين) والمشهور برائعته التي حملت عنواناً يونانياً ومن ثم لاتينياً ” ديبنوشوفيستا ” ومن ثم تُرجم إلى الإنكليزية بعنوان الدينوشوفست وتعني بالعربية السفسطائيون على مائدة العشاء أو الفلاسفة على مائدة العشاء [194]. وقد لاحظ أثينايوس وذكر إن ” آمفيروس هي مسرحية ساخرة ” . وإن سوفوكليس قد تعامل مع شخصية آمفيروس كشخصية ” ترقص على الحروف ” [195]. وإن تعليق أثينايوس جاء بعد ملاحظة عدة أمثلة وفي مسرحيات سوفوكليس الأخرى . وهي شواهد على إن آمفيروس كان شخصية جاهلة (أمية لاتعرف القراءة والكتابة) ولذلك وصف حروف الكلمة ، والتي ليس في إمكانه وقدرته على قراءتها . وإن إشارة سوفوكليس إلى ” الرقص ” هو وصف تردد في أماكن مختلفة ودالة على شخصية آمفيروس [196]. ولاحظنا من طرف آخر إن في الميثيولوجيا اليونانية هوامش شارحة لأفعال آمفيروس ، فقد أشارت إلى إن آمفيروس لم يكن راغب في المشاركة في الهجوم على مدينة طيبة ، ومن ثم قاده كل من أدرستوس وهو أخ زوجته وبولينكس وذلك عندما عرف آمفيروس إن الهجوم محتوم [197]. وبالمناسبة إن هذا الهجوم قام إسخليوس بصياغته درامياً في مسرحيته التي حملت عنوان سبعة ضد طيبة . وجاء بعده سوفوكليس وأعاد صياغته درامياً في مسرحية أنتيغون [198]. وبولينكس دفع رشوة إلى زوجة آمفيروس ” آريفيل ” على إكراه آمفيروس وحمله على الإشتراك في الهجوم [199]. وطلب آمفيروس من ولده الكيمن من الإنتقام من زوجته . وفعلاً فإن الكيمن قام بقتل آريفيل [200]. ورأى الأكاديميون الغربييون إن واحدة من حلقات إسطورة آمفيروس اليونانية ، شاهد حملهم على الإعاقاد بأن آمفيروس إقترب بمسافات قربة ملحوظة من أجواء قصة المسرحية الساخرة . وذلك عندما ذهب آمفيروس يبحث عن ملجأ ، يُعينه على التخفي ويُجنبه من المشاركة في الهجوم على طيبة . وفي حلقة أخرى من الإسطورة ، فإنه إستلهم أسس مسرحية آمفيروس وبالتحديد في البحث عن لعبة النيومين ، وهي لعبة يونانية تُقام كل سنتين أو ثلاثة سنوات [201]. ومنذ إن كتب سوفوكليس العديد من المسرحيات التي تعتمد على إسطورة آمفيروس وولده الكيمن ، فإن هناك إحتمال بأن المسرحية كانت ساخرة . وهناك إمكانية أن تكون ربما جزء من ثلاثية وإن مصادرها هي الإسطورة اليونانية . أما إذا كانت تراجيديا في ثلاثية ، فإن هناك إحتمال من إن كلاً من مسرحية آريفيل ومسرحية إبيجوني هما أجزاء من هذه الثلاثية . وربما مشاركة الكيمن في القتل هي إضافة حيث بعدها قام بملاحقة أريني إلى الكيمن . وهذا نوع من التطهير له فيما بعد موته [202].

13 – مسرحية إنتينوريدس (أولاد أنتينور) وهو إسم شخصي مركب ” أو بالإنكليزية باترونيم أو باترونميك ” . وهو مؤسس على إسم الأب أو الجد بل وحتى إنه ينتمي إلى ” الذكر من الأسلاف ” . ومصادر إنتينوريدس الأولى جاءت من الميثيولوجيا اليونانية وبالتحديد من شخصية إنتينورد [203]. كما وردت عند الشاعر الغنائي اليوناني القديم بندار (اليونانية) أو بنداروس (اللاتينية) (ولد حوالي سنة 522 – وتوفي سنة 443 ق.م) [204] ومن ثم على الشروح السكولائية على بندار[205] والتي تقترح بأن ” إنتينور كان يُعبد في سايرني أو قورنيا [206]. وبسبب إنه كان ” أي إنتينور ”  الرمز الإسطوري لهجرتهم إلى قورنيا من طروادة [207]. والحقيقة إن إشارات نزلت إلينا من المؤرخ والجغرافي والفيلسوف الروماني سترابو (حوالي 64 أو 63 ق.م – 24 ميلادية) تُدلل على إن مسرحية سوفوكليس التي حملت عنوان إنتينوريديس هي واحدة من مسرحيات سوفوكليس التي تعرضت إلى الضياع [208]. ولذلك إعتقد بعض من الأكاديميين الغربيين إلى إن مسرحية إنتينوريديس قد عالجت وركزت على تاريخ العائلة وخصوصاً بعد حرب طروادة [209]. ولاحظنا إنه وفقاً لرأي الكاتب والرسام في نهايات العصور الوسطى وليم كاكستون (حوالي 1422 – 1491م) وهو الذي ترجم الكتاب الذي حمل عنوان مجموعة تواريخ طروادة ، فقد أشار إلى إن إنتينور هو إسم لواحدة من بوابات طروادة الستة (ويبدو إن التسمية جاءت فيما بعد) . وهذا الأمر لم يكن مسجلاً ومعروفاً في المصادر القديمة . إلا إن هذه البوابة جاء ذكرها في مسرحية وليم شكسبير والتي حملت عنوان ترويلوس وكريسيدا [210].

14 – مسرحية إبيجوني أو بالاتينية بروجني (وبالعربية الذرية = الأولاد والأحفاد) وهي تراجيديا كتبها الشاعر المسرحي الأثيني اليوناني سوفوكليس في القرن الخامس قبل الميلاد وإصولها تصعد إلى إسطورة يونانية . وعلى أساس الإسطورة اليونانية فإن بولونيكس (وهو إبن أودبيوس وجوكستا) وكان معه ستة من الحلفاء والذين عُرفوا بعنوان سبعة ضد طيبة (وبالطبع هذا عنوان لمسرحية كتبها إسخليوس) هجموا على طيبة . والسبب هو إن إيتوكليس (وهو أخ بولونيكس) رفض التنازل عن العرش لأخيه بعد إن وعد بذلك . وإن جميع السبعة قتلوا في هذا الهجوم ما عدا واحد منهم وهو إدراستوس . وكان الحاصل من ذلك إن أقسم أولادهم بالإنتقام لهم وهاجموا طيبة . وعُرفت هذه الحرب بعنوان حرب إبيجوني . ومن المناسب هنا أن نشير إلى إن إبيجوني لفظة يونانية وتعني بالعربية ” الذرية ” أو ” الأجيال القادمة ” . والقصة حكاها سوفوكليس في مسرحيته الملحمة ، والتي تُعد اليوم من مسرحيات سوفوكليس الضائعة . وهذه المسرحية حملت عنوان إبيجوني . وكما عرفنا إن هؤلاء الإبيجونيين إنهزموا وقتل منهم ستة . وهناك من يذكر إلى إن الوحيد الذي نجا هو أيجلوس (ملك آرغوس) وهو إبن إدراستوس أو إن الوحيد الذي نجا هو الكيمن إبن إمفيروس كما جاءت الإشارة إليه [211].

ومن الشائع حول هذه المسرحية ، هو إن إمفيروس قد علم بإن هذا الهجوم ضد طيبة مكتوب عليه الفشل ولذك قرر عدم المشاركة فيه . إلا إن زوجته آريفيل أجبرته على المشاركة بعد رشوة إستلمتها من بولونيكس وهذه قصة قرأنها سابقاً . وهناك رواية أخرى لهذه القصة وتذهب إلى إن قبل حرب إبيجوني أو بعدها وبالتحديد بعد قتل الكيمون لوالدته آريفيل ، أخذت تلاحقه الألهة آرنيس وكان مصيره مثل مصير أوريست بعد قتله لإمه كليمنسترا [212]. ومن النافع أن نشير إلى إن مسرحية إبيجوني ولقرون عديدة هي بحكم المسرحية الضائعة ما عدا بضع شذرات منها . إلا إنه في أبريل من عام 2005 فقد قام الباحثون في مضمار الكلاسيكيات في جامعة إكسفورد ، بإستخدام تكنولوجيا جديدة ” الستلايت ” وكان الحاصل من ذلك إكتشافهم إلى شذرات إضافية من مسرحية إبيجوني [213]. فكانت تباشير نهضة جديدة في مجال البحث عن المضموم وغير المعروف من تراث الماضي .. والشذرة تُرجمت بالصورة الأتية :

المتكلم أ : … إلتهمه كله ، وشحذ الحديد الوضاء .

المتكلم ب : والخوذات تهتز في القمم المصبوغة باللون الإرجواني ، وكانوا يرتدون دروعاً منسوجة لتحافظ على الصدور والنساجون يضربون المكاوك على صورة أغاني حكيمة تستيقظ النائمون .

المتكلم أ : وإنه ربط خطوط السكة الحديدية للعربة معاً .

ولاحظنا إن العديد من الشذرات قبل هذا الإكتشاف قد تم تعيين هويتها والتأكد من إنها أجزاء من مسرحية إبيجوني . وفعلاً فإن واحدة منها قد قام بترجمتها هيو جونز لايود حيث قال : ” الأولاد الذين كابدوا الفواجع الأكثر فظاعة ، ما العبارة التي تلفظت بها ؟ ” [214]. ويبدو إن هذا الأمر ، هو ما بينته آريفيل إلى ولدها الكيمن بوقت قصير قبل أن يقتلها [215]. ومن ثم ترجم الشذرة الأخرى والتي كان موضوعها مشابها حيث أفاد : ” أوه ، أيها المرأة التي لا حياء لها ، والتي لا حدود لها ، والتي ذهبت بعيداً ، حيث لا يوجد شر أسوء من المرأة . والتي وُلدت لتسبب الألم إلى البشر (الفانيين) [216].  وبالطبع هي الشذرة السيئة الصيت والتي فيها الكثير من التعميم والقسوة والتجاوز على المرأة وهي الأفكار التي نُسجل تحفظنا عليها وهي الأفكار ذاتها التي حملت العديد من المناصرين لحقوق المرأة ، من إتهام سوفوكليس بالماسوجينية (المساجونست والمساجونية هي منظومة الأفكار الكارهة والمعادية للمرأة) [217].

كما وهناك شذرة ثالثة والتي حملت صور من الحوار وتبادل الخطاب بين ولد آريفيل الكيمن وإدراستوس . وبالمناسبة إن إدراستوس هو الأخ إلى إريفيل وخال الكيمن [218]. وفي هذا الحوار علق الكيمن ، فأفاد قائلاً : إن إدراستوس ” هو الأخ إلى إمرأة قتلت زوجها ” [219]. وحقيقة إن دراستوس رد بحسم ووجه الإتهام له وقال : إن الكيمن ” هو الذي قتل الأم التي ولدته “[220] . ولاحظنا إنه بالإضافة إلى الشذرات التي تم تشخيصها على إنها جزء من تراجيديا إبيجوني ، فإن هناك سبعة شذرات قد تم تعيينها إلى إنها تنتمي إلى سوفوكليس وبالتحديد إلى تراجيديا آريفيل . ولكن العديد من الأكاديميين الغربيين (الذين بحثوا في نصوص سوفوكليس) يعتقدون بأن تراجيديا آريفيل هي مجرد عنوان آخر (بديل) إلى مسرحية إبيجوني [221]. وعلى أساس هذا الفهم فهي شذرات تنتمي إلى إبيجوني والتي قام بترجمتها هيو جونز لاويد ، وهي بالطبع الشذرات التي شملت النصيحة (أو النصائح) من مثل ” حافظ على ضبط النفس أثناء الكلام كما هو الحال عن كبار السن (الشيوخ) ” وكذلك مثل النصيحة القائلة ” إن الإرث الوحيد الباقي ، هو الأشياء العالية الجودة “[222].

وبالرغم من هذا الحال فهناك إمكانية تذهب إلى إن تراجيديا آريفيل هي مسرحية مستقلة بذاتها ، وإن تراجيديا إبيجوني هي الأخرى مسرحية منفصلة ومستقلة بذاتها كذلك . وكلاهما جزءان من ثلاثية وربما يكون الجزء الثالث تراجيديا بعنوان الكيمن ومسرحية ساخرة بعنوان إمفيروس [223]. كما إن هناك عدد من الشذرات ربما تنتمي إلى تراجيديا إبيجوني . إلا إنه لا يتوافر يقين مؤكد حولها . فمثلاً هناك جملة واحدة يُعتقد بإنها تعود إلى سوفوكليس (وهي الشذرة رقم 958) والتي تتحدث عن موت إمفيروس ، والتي تذكر بأن أرض طيبة إنشقت وإنفتحت لتسقبل ذراعيه وحصانه وعربته . وهناك إمكانية إلى تعيينها شذرة تنتمي إلى إبيجوني ، آريفيل ، الكيمن أو إنها تنتمي إلى مسرحية إمفيروس [224].

15- مسرحية أوديسيوس المجروح (وكان مجروحاً في العمود الفقري لظهره) . وهي مسرحية كتبها سوفوكليس في فترة مبكرة من عمله المهني . ولاحظنا إنه من حسن حظ سوفوكليس والمهتمين بتراثه المسرحي إن بضع شذرات من هذه المسرحية ظلت محفوظة فكانت شاهد يُدلل على هذه المسرحية [225]. وقصة (أوحبكة) هذه المسرحية تُخبرنا عن موت أوديسيوس (وبالمناسبة إن أوديسا أو أوديسيوس هو بطل لقصيدة ملحمية طويلة للشاعر الملحمي اليوناني هوميروس) . وأوديسيوس قُتل خطأً بيد ولده الصغير تيلغون [226]. ويُرجح إلى إن إنجاز هذه التراجيديا على خشبة المسرح كان في مدينة أثينا وبالتحديد في حوالي عام 414 ق.م . ولاحظنا إن هناك بعض من الأكاديميين الغربيين من يعتقد بأن هناك عنوان آخر لهذه المسرحية ، وهو نابترا أو بالعربية غسل الأقدام (أو الغسل) وهي المسرحية ذاتها التي حملت عنوان أوديسيوس المجروح [227]. وإعترضت بروفسورة الكلاسيكيات الأمريكية دونا أف . ستون (في جامعة كليفورنيا) على رأي الأكاديميين الغربيين وجادلت ومن ثم إقترحت بأن نابترا هي مسرحية مستقلة ولا علاقة لها بمسرحية أوديسيوس ، وهي مسرحية مختلفة من حيث موضوعها وذلك لأن مسرحية نابترا عالجت عودة أوديسيوس إلى أتيكا (أثينا) ولا علاقة لها بموت أوديسيوس وهو الموضوع الذي ركزت عليه مسرحية أوديسيوس [228]. ورأينا إن توماس ويبستر يُخالف البروفسورة دونا ستون (بالرغم من إنه قال ذلك قبلها بزمن محسوب لصالحه) ويعتقد بأن مسرحية نابترا هي ذاتها مسرحية أوديسيوس المجروح ولذلك إعتقد كذلك بأن المسرحية بدأت بعودة أوديسيوس إلى بيته في أتيكا (أثينا) ومن ثم تعرف على إريكليا التي غسلت أقدام أوديسيوس [229]. وظهر لنا إن الفيلسوف اليوناني آرسطو ، وبالتحديد في رائعته التي حملت عنوان الشعر (أو ما الشعر؟) قد تداول قصة (حبكة) سوفوكليس أوديسيوس وتحت عنوان أوديسيوس المجروح كمثال من ثلاثة أمثلة إنموذجية إعتقد بأن لها تأثير في الحبكة التراجيدية حيث فيها قدمت الشخصية الأعمال البطولية (مع حالات إغفال نسبي) إلا إنها تعلمت الحقيقة في فترة متأخرة فيما بعد [230]. والإمثلة الأخرى التي عرضها أرسطو جاءت من مسرحية الملك أودبيوس لسوفوكليس ومن مسرحيات كتاب آخرين جاءوا من فترات لاحقة وبالتحديد من القرن الرابع قبل الميلاد وما بعد [231].

16 – مسرحية تيريس وهي تراجيديا كتبها الشاعر الإثيني سوفوكليس . وكان يُعتقد إن هذه التراجيديا ضاعت وتعرضت للإندثار . إلا إنها عادت إلى الحياة ومن ثم تم إدراجها في أعمال سوفوكليس الخالدة وذلك من خلال عنوانها والذي يحكي قصتها وبعض من شخصياتها وعدد من الشذرات التي تم إكتشافها [232]. وبالرغم من عدم توافر تاريخ دقيق يُعينُ زمن إنتاجها مسرحياً لأول مرة ، فإننا نعرف من خلال المتداول والشائع من معلومات ، إنها أنتجت مسرحياً قبل عام 414 ق.م وذلك بالإعتماد على رواية الكاتب المسرحي الكوميدي اليوناني إرسطوفان (446 – 386 ق.م) والذي أشار إليها من طرفه وبالتحديد في مسرحيته التي حملت عنوان الطيور والتي أنتجها لأول مرة عام 414 ق.م [233].

ومن النافع أن نُشير إلى إن إرسطوفان ينتمي إلى الكوميديا اليونانية القديمة (حيث إن تاريخ الكوميديا عرف ثلاثة إنواع من الكوميديا ؛ الكوميديا اليونانية القديمة وإرسطوفان هو أميرها [234] ، والكوميديا الوسطى ومعظم مسرحياتها ضاعت وظلت شذرات قليلة محفوظة في نصوص إثينيوس النيكريتسي (إزدهر حوالي نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين) (وتقع نيكريتس على النيل – مصر) [235]، والكوميديا الحديثة والمعروفة بصورة رئيسية من خلال الشذرات الباقيات على أوراق البردي المصرية ، وهي من الأعمال الكوميدية لكاتب الدراما اليوناني ميناندر (342 – حوالي 290 ق.م [236]) .

ولاحظنا إن توماس ويبستر قد خالف إرسطوفان وذهب إلى إن تاريخ مسرحية تيريس كان مُبكر أبعد من ذلك ورأى إنه ربما يعود إل فترة تصعد إلى ما قبل عام 431 ق.م . وجاء تأسيسه لهذا التاريخ على دليل ظرفي وهو بالتحديد تعليق نزل إلينا من المؤرخ اليوناني تيوسيديس والذي عمل في تعليقه تمييزاً وتفريقاً مهماً بين شخصيتين يحملان الإسم تيريس وعاشا في فترة زمنية واحدة ، وهما كل من تيريس سوفوكليس وتيريس الملك التُراقي . وإعتقد ويبستر إن من الضروري واللازم التمييز والتفريق بين الإثنين . وذلك لأن شهرة مسرحية سوفوكليس التي شاعت وهيمنت في هذه الفترة ، ربما كانت السبب وراء الإرتباك والتشويش بين الإسمين [237].

كما وإن مسرحية أو الأدق كوميديا الطيور قد عرفت بإن هناك كاتباً مسرحياً يونانياً آخر ، وهو فيلوكليس (شاعر أثيني وكاتب تراجيديا عاش في القرن الخامس قبل الميلاد وكان خاله الشاعر اليوناني إسخليوس) كتب هو الأخر مسرحية حول موضوع تيري