الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس / كانون الثاني – شباط 2015

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

(6)

2015 / جنيوري – فبروري

———————————————————————————–

فصيلة تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

رئيس التحرير                   سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد الفرحان                الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث للتحكيم الأكاديمي

بمناسبة عيد ميلاد ولدي دريد الفرحان

أهديها له وإلى جميع القراء

—————————————————————————————

Capital: Critique of Political Economy

From an Academic Point of View

Dr. MOHAMAD FARHAN

كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي

    دراسة أكاديمية في المضمون والمصادر

الدكتور محمد الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————–

تقديم :

  بين كتاب رأس المال والنصوص الفقهية الإقتصادية الإسلامية التي كُتبت في حُقب زمنية متباينة ، خيط سياسي مخملي مشترك ، فهناك فقه يُسور الإقتصاد الإسلامي ، وهنا في رأس المال إقتصاد متسور بالمنظور السياسي الماركسي (الذي هو بالطبع فقه ماركسي)  . صحيحُ جداً أن كارل ماركس (1818 – 1883) كتب رائعته الإقتصادية ” رأس المال ” ونشر المجلد الأول في حياته ، وبالتحديد في 14 سبتمبر 1867 [1]، وبعد موت ماركس  قام عضيده ” فردريك أنجلز ” (1820 – 1895) بجمع إصول المجلدين الثاني والثالث ، ومن ثم كتب لهما مقدمتين وأشرف على نشرهما بالألمانية . ومن بعد موت ” ماركس ” أشرف على ترجمة المجلد الأول إلى الإنكليزية وكتب مقدمة له وبمشاركة إبنة ماركس ” إيلينور ” (1855 – 1898) وخطيبها أو زوجها الدكتور البايولوجي آدورد إفيلنج (1849 – 1898) والذي مات بعد إنتحار ” إيلينور ” بأربعة أشهر فقط ، وبسبب سرطان الكلى . وترجم الدكتور ” إفيلنج ” القسم الثاني ، في حين إن صديق ماركس ” صامويل مور ” ترجم القسم الأول وبسبب مشاغله الكثيرة ، تم تكليف ” إفيلنج ” بإكمال الترجمة .

  ولعل القارئ للعنوان الكامل لكتاب رأس المال ، يلحظ بيُسر المقاربة الفقهية من زاوية الماركسية بين ما هو إقتصادي وما هو سياسي ، والتي دارت في ذهن ماركس لحظة خطه للعنوان . ولذلك جاء العنوان الكامل بالشكل الآتي : ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” في جميع النشرات الألمانية الأولى ومن ثم الروسية والفرنسية وكذلك في ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية على الأقل [2]. ولا تنسى بأن عضيده ” فردريك إنجلز ” قد وصف رائعة رأس المال بأنها ” إنجيل الطبقة العاملة [3].

  ومن الملاحظ إن هذه النزعة النقدية للإقتصاد السياسي سيُعاد إنتاجها في نصين إقتصاديين إسلاميين معاصرين ، وهما ” المشروع الأسلامي للإقتصاد ” [4] و ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” [5]. كما وإن كلاً من صاحب ” المشروع الإسلامي للإقتصاد ” و كاتب ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ”  قد تابعا ميثديولوجية ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” وتناولا في نصوصهم الإقتصادية نظرية النزعة الإستعمارية الحديثة . والأول أسس مشروعه الإسلامي للإقتصاد على مباني قرآنية على العموم وإن كان هناك صوت فقهي خافت . بينما الثاني إنطلق من أبحاث فقهية معمقة للإقتصاد الإسلامي ومن ثم شيد على أبحاثه الفقهية – المذهبية ، مباني المذهب الإقتصادي في الإسلام بطرفيه النقدي التقويمي [6] والبنائي التأسيسي [7]، وكان حاصلها المذهب الإقتصادي في الإسلام .

  ولعل من الصحيح القول أن كلاهما أي المشروع الإسلامي للإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام إلتحما بأواصر قوية في نص الفكر الفقهي للإقتصاد الإسلامي [8]، وبدرجات ما في نص أدب المرايا السياسية - الإجتماعية الإسلامية [9]، وبالتخصيص منهما المذهب الإقتصادي في الإسلام ، في حين لامسه بدرجات أضعف المشروع الإسلامي للإقتصاد . وكذلك من الصحيح القول إن كلاً من ” المشروع الإسلامي للإقتصاد ” و ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” قد مارسا نقداً وتقويماً للتجربتين الإقتصاديتين الغربيتين ؛ الرأسمالية والإشتراكية (الشيوعية) . كما ونلحظ بالمقابل إن ” كارل ماركس ” في كتابه ” رأس المال ” قد وضع الرأسمالية تحت منظار التحليل والنقد والتقويم وبالطبع من زاوية الماركسية ، وبصورة شاملة جامعة في المجلد الأول من كتاب رأس المال . حيث يُلاحظ القارئ لهذا المجلد ، إن ماركس لم يتحدث عن الإشتراكية أو الشيوعية . وهنا كان طرف النقد والتقويم الماركسي للرأسمالية . أما طرف التأسيس والبناء فقد جاء في مواد المجلدين الثاني والثالث والرابع من كتاب رأس المال .

  وهذه الميثديولوجيا سيسير عليها بدرجات من الشمول والعموم كل من المشروع الإسلامي للإقتصاد و المذهب الإقتصادي في الإسلام . وهذا يعني إن كتاب ” رأس المال ” سواء من خلال الترجمة الفرنسية  أو من خلال المتداول عنه في المنشور الثقافي والسياسي العربي (وعلى الخصوص منشورات الإحزاب الشيوعية العربية) ، كان مصدراً مهماً للعقل المسلم في عملية النقد للرأسمالية ، وهو بالطبع مصدر مهم في عرض الإشتراكية (والشيوعية نظاماً إقتصادياً) بديلاً عن الرأسمالية .

   وفعلاً قدمنا في هذا الكتاب ، معالجة فكرية نقدية للنظامين الإقتصاديين الغربين العتيدين ؛ الرأسمالية والإشتراكية – الشيوعية (الماركسية) من زاوية إسلامية ، وبالتحديد من زاوية المشروع الإسلامي للإقتصاد ، ومن طرف المذهب الإقتصادي في الإسلام . ولأكمال البحث من الزاوية الأكاديمية وهي الزاوية المحايدة التي تتوسط بميثديولوجيتها الموضوعية بين الرأسمالية والإشتراكية الماركسية من طرف ، والمشروع الإسلامي للإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام من طرف آخر . نٌقدم قراءة أكاديمية لكتاب ” كارل ماركس ” رأس المال . والسبب إن هذا المصدر كان ولايزال إنجيلاً في الإقتصاد السياسي الراهن ، وبالطبع لا تنسى العنوان الفرعي لأنجيل رأس المال ، وهو نقد الإقتصاد السياسي .

  والحقيقة إن في العنوان الفرعي ” نقد الإقتصاد السياسي ” الكثير من المعاني والدلالات ، فهو إعلان على إن كتاب رأس المال لايُعالج الإقتصاد من زاوية علمية ، وإنما يُراجع الإقتصاد السياسي من زاوية مذهبية نقدية – ماركسية . وهذا يدلُ بوضوح على إن هناك مقاربة عالية بين كتاب رأس المال لماركس والمشروع الإسلامي للإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام وخصوصاً في نقد الرأسمالية هذا طرف والطرف الثاني إن كتاب رأس المال والمشروع الإسلامي للإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام ، هي دراسات في النقد والتقويم والبناء والتأسيس ، والتي تسورت بمنطلقات مذهبية وليست علمية موضوعية خالصة على الشمول والإطلاق . فمثلاً ماركس في كتابه رأس المال عرض المذهب الإقتصادي – السياسي الرأسمالي ، ومن ثم وجه له نقداً وتقويماً من زاوية المذهب الماركسي ، وكان بالطرف المقابل يؤسس ويبني المذهب الإقتصادي الماركسي بطرفيه الإشتراكي والشيوعي . وفعلاً فإن المجلد الأول من رأس المال ، كان مشروع النقد والتقويم الماركسي للتجربة الرأسمالية . بينما جاء المجلدات الثاني والثالث والرابع تحمل مشروع البناء والتأسيس للإشتراكية والشيوعية . وهنا أنوه للدور الذي لعبه ” فردريك إنجلز ” في جمع مواد المجلدين الثاني والثالث من رأس المال . أما المجلد الرابع فله قصة سنقرأها لاحقاً .

  والواقع أن هذا المنهج المذهبي في النقد والتقويم تبناه بصورة غير واعية (وربما بدرجات ما) المشروع الإسلامي في الإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام ، إذ تلحظ بيسر في تجربة المشروع والمذهب ، لحظتين منهجيتين ؛ الأولى نقدية – تقويمية ، والثانية بنائية تأسيسة . ولذلك جاء بعد نقد التجربتين الإقتصاديتين الغربيتين ؛ الرأسمالية والماركسية (الإشتراكية والشيوعية) ، الإعلان عن ولادة المشروع الإسلامي في الإقتصاد ، والمذهب الإقتصادي في الإسلام .

  ومن أجل أن لا نكون ضحايا للميثديولوجيات الغربية ، وننسب ميثديولوجيا المشروع والمذهب إلى الغرب عموماً والماركسية خصوصاً . فإننا نحسب إن ميثديولوجيا المشروع والمذهب ، كانت ميثديولوجيا إسلامية خالصة (وإن تقاربت مع المنهج النقدي – الهدمي والتكويني – البنائي الماركسي) وأقصد بها الميثديولوجيا الأشعرية في تراثنا العربي – الإسلامي [10] وإن كان صاحب المذهب الإقتصادي جعفري في مذهبه الفقهي ، الذي يتقاطع مع المذهب الأشعري إلى حد كسر العظم ، ولكن هذا هو قدر الميثديولوجيات في الإقتصاد الإسلامي على أقل تقدير . 

  ولكون ” كارل ماركس ” نشر المجلد الأول من كتابه رأس المال في عام 1867 وكان حياً ، فقد تعرف العالم على لُب وجوهر النقد الماركسي للرأسمالية مبكراً ، ومن ثم توفي ماركس وتحمل إنجلز مهمة نشر المجلدات الثلاثة الباقيات ولكنه مات ولم يكمل مشواره مع المجلد الرابع . ولهذا نشعر بأن المجلد الأول من رأس المال هو الإنجيل الروحي في نقد الرأسمالية وبإصطلاحات عنوان كتاب ماركس  رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . ومن المهم التأكيد هنا بأن الكتاب ليس كله نقد وتقويم للإقتصاد السياسي ، وإنما في لُبه أطراف بنائية تأسيسية للإقتصاد الماركس بطرفيه الإشتراكي والشيوعي .

  والحقيقة إن هذا الأمر لا يقتصر على كتاب ” كارل ماركس ” رأس المال ، وإنما عبر هذا المنهج بجانبيه النقدي – التقويمي ، والبنائي التأسيسي إلى كل من المشروع الإسلامي للإقتصاد و المذهب الإقتصادي في الإسلام . كما عبر إليهما نهج مباطنة الخطاب السياسي في بنية الخطاب الإقتصادي . ويبدو إن هذه المباطنة كانت مشروعة من جهة إن السياسي فيه الكثير من المباطنة للإقتصادي ، وإن الإقتصادي فيه الكثير من المباطنة للستراتيجيات السياسية .

قصة نشر رائعة رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي  

  ونحنُ في كتابنا هذا لا نتطلع على الإطلاق إلى إختراق الزمن وحرق حقبه ، ومن ثم العبور بعيداً عن ظروف إنشاء ” كارل ماركس ” وتدوينه لكتابه ” رأس المال ” . وإنما بالعكس سنعود إلى نهايات العقد السابع من القرن التاسع عشر . وبالتحديد إلى حياة ماركس ، وبالتخصيص إلى 14 سبتمبر من عام 1867 وهو تاريخ نشر المجلد الأول بالألمانية . ومن ثم بعد ستة عشر عاماً من هذه النشرة ، مات ماركس وخلف وراءه تراثه المتنوع ، مادة من مواد رأس المال ، وكان يتطلع حينها إلى نشرها في طباعات واعدة ، تُكون أطراف هذه الرائعة في نقد اللإقتصاد السياسي . وفعلاً بعد موت ” ماركس ” بسنتين ، جمع ” فردريك أنجلز ” من مخطوطات ماركس ومن ملاحظاته ومن المجلد الأول ، أصول المجلد الثاني ونشره في عام 1885 . وبعد موت ماركس بإحدى عشرة سنة ، نشر ” أنجلز ” المجلد الثالث ، وبالتحديد في عام 1894 .

 ومن المفيد الإشارة إلى أن أنجلز وعد مرات عديدة بالتحضير ونشر المجلد الرابع ، غير إنه مات في عام 1895 دون أن يُنفذ وعده . والحقيقة إن هذا المجلد خاص بنظريات فائض القيمة . وبعد موت ” إنجلز ” بأكثر من عشرة سنوات ، أي في عام 1905 قام صديق ” إنجلز ” المنظر الماركسي والفيلسوف الألماني الجيكي كارل جوهان كاوتسكي (1854 – 1938) بالإهتمام بهذا المجلد ، فأولاً طبع جزءاً من نقد فائض القيمة ، ومن ثم نشر طبعة كاملة له في 3 مجلدات (مابين 1905 – 1910) . والمجلد الأول من هذه المجلدات الثلاثة (الخاصة بنظريات فائض القيمة) ، نشر باللغة الإنكليزية بعنوان ” تاريخ النظريات الإقتصادية ” وبالتحديد في عام 1952 [11].   

  ولعل الغرض الذي نتطلع إليه من هذه العودة ، هو توفير قراءة لكتاب رأس المال في مجلده الأول ، والذي كان من نتاج نهايات العقد السابع من القرن التاسع عشر ، ومن ثم حث القارئ الحصيف على قراءة النصوص الإقتصادية التي كتبها العقل المسلم في القرن العشرين بنهج مقارن ومن زاوية النقد الماركسي للإقتصاد السياسي الذي أودعه ” ماركس ” في رائعته رأس المال ، ومن ثم بيان حجم حضور كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي في النصوص الإقتصادية الإسلامية المعاصرة ، وبالتحديد حضوره في كل من ” المشروع الإسلامي للإقتصاد ” و ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” .

  والسؤال ؛ ماذا سيكون الحاصل من هذه العودة وهذه المقارنة ؟ الحاصل إن النصوص الإقتصادية التي كتبها المفكر المسلم في القرن العشرين حالها حال كتاب رأس المال ، دارت في إطار نقد الإقتصاد السياسي (العنوان الفرعي لكتاب رأس المال في نشرته الألمانية الأولى عام 1867) . ولكل هذا نحسبُ إن ” المشروع الإسلامي للإقتصاد ” و ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” ، هما رسالتان إقتصاديتان مؤسستان على الفقه الإسلامي ، وفي الفقه الكثير من النقد السياسي المذهبي ، وفيه بالطبع نقد فقهي للإقتصاد .

  تُشير الدراسات الأكاديمية التي عنت بتفكير ماركس ومؤلفاته الإقتصادية ، إلى إنه بعد دراسته الإقتصادية التي إمتدت العقدين من السنين ، أنجز التحضير والإعداد لعمله الرائع رأس المال ، ومن ثم نشر المجلد الأول في 14 سبتمبر عام 1867 بالألمانية . وجاءت النشرة الإنكليزية له بعد عشرين عاماً من نشرته الألمانية ، وبعد موت ماركس بأربعة سنوات ، أي عام 1887  [12]. ومن ثم بعد موت ماركس بسنتين ، أعد زميله ” فردريك إنجلز ” من مخطوطات ملاحظات ماركس التي تركها ومن المجلد الأول ، أصول المجلد الثاني والذي ظهر إلى النور عام 1885 [13]. وبعد أحدى عشرة سنة من وفاة ماركس نشر ” إنجلز ” المجلد الثالث من كتاب رأس المال ، وبالتحديد في عام 1894 [14]. وهذه هي المجلدات الثلاثة التي كونت الأطراف المختلفة من رائعة ماركس في نقد الإقتصاد السياسي والتي حملت عنوان رأس المال . أما المجلد الرابع فقد قرأنا قصة نشره وترجمته إلى الإنكليزية أعلاه وسنعود إليها فيما بعد كذلك .  ونحسب من الحق علينا أن نُخبر القارئ بأن ” فردريك إنجلز ” كان أسبق من ” ماركس ” في عملية التدوين في نقد الإقتصاد السياسي ، وهذه قضية سنوليها إهتماماً مادمنا نفتش عن مصادر ” ماركس ” في عملية التدوين في رأس المال ونقد الإقتصاد السياسي ، وهي قضية تتجاوز عصر ماركس وإنجلز . وهذه مساهمة بحثت في الطرف التاريخي لمصادر كتاب رأس المال ومؤلفات ” ماركس ” في الإقتصاد السياسي .

   ونحسبُ إن كتاب رأس المال ، إضافة إلى كونه رائعة إقتصادية ، ففيه سجلات وذكريات للكفاح السياسي الذي رهن ” ماركس ” و ” إنجلز ” وبعض من رفاقهم حياتهم للعمل في مضماره . فقد تعرض ماركس وإنجلز إلى النفي وصرفا أشواطاً من حياتهم في بريطانيا . كما وإن كتاب رأس المال وهو وثيقة تاريخية سجلت كل ذلك في إهداء المجلد الأول . وفعلاً فإن قارئ الإهداء ، يلحظ إن ماركس ، أهدى هذه الرائعة في ” نقد الرأسمالية أو نقد الإقتصاد السياسي ” إلى صديقه الوفي [15]ويلهلم وولف ” (1809 – 1864) الذي عاش ومن ثم مات في مانشستر - بريطانيا في 9 مايس عام 1864 [16]، أي قبل إنجاز ماركس كتابة ونشر رأس المال بثلاث سنوات .

  ولعل السؤال المهم هنا ؛ من هو هذا الصديق الوفي ” ويلهلم وولف ” الذي شارك ماركس المنفى في بريطانيا ومن ثم أهداه رائعته رأس المال ؟ ولد ” ويلهلم وولف ” في بولندا ، وتحول في عام 1831 إلى ناشط وعضو في منظمة الطلاب الراديكالية ، وتعرض للسجن خلال الفترة الممتدة ما بين عام 1834 و عام 1838 . وفي عام 1846 إلتقى ” وولف ” في مدينة بروكسل بكل من ماركس و إنجلز وأصبح صديقاً حميماً لهما . ومن ثم في عام 1849 هاجر إلى سويسرا وإستقر في منافاه في بريطانيا ، وبالتحديد في عام 1851 .

  وبعد وفاته (اي وولف) ترك ثروة محترمة لزميله ماركس ، ومن أهم مقالات ” ويلهلم وولف ” مقالته التي تحكي إنتفاضة عمال النسيج التي حدثت في سيسلي (تقع في بولندا وألمانيا ..) عام 1844 ، والتي كانت الأساس في مسرحية الروائي الألماني ” غرهارت هاوبتمان ” (1862 – 1946) والتي كانت بعنوان ” النساجون [17].

مؤلفات ماركس قبل كتابة رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي

   ونحسبُ إنه من النافع  ، ونحن نبحث في الطرف التاريخي لرائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي أن نُشارك مع القارئ الكريم ، حقيقة لفت هذه الرائعة الإقتصادية ، وهي إن  ” ماركس ” دشن الكتابة في مضمار نقد الإقتصاد السياسي ، قبل أن يكتب رائعته رأس المال بزمن بعيد ، فقد لاحظنا إن الرجل ركز أبحاثه في مضمار الإقتصاد السياسي ونقد الرأسمالية ، والشواهد والبينات على ذلك هي :

1 – إنه خلال الفترة التي عاشها ماركس في باريس ، وبالتحديد الفترة الممتدة ما بين 1843 – 1845 قد صرفها في دراسة الإقتصاد السياسي [18].

2 – كتب ” ماركس ” نصوصاً في الإقتصاد السياسي ، وخص بها كل من آدم سميث و ديفيد ريكاردو وجيمس ميل وأخرين [19]. وهذه المنشورات تفصح عن المصادر التي إعتمد عليها في نقد الإقتصاد السياسي . وبالطبع هي مصادر رائعته رأس المال .

3 – درس ” ماركس ” الإقتصاد السياسي في كتابات الإشتراكيين الفرنسيين ، من أمثال ” كلود هنري سانت سيمون ” (1760 – 1825) و ” فرنسيس شارلز فورييه ” (1772 – 1837) [20]. ومن المفيد أن نُعلم القارئ إلى إن ماركس لاذ على الأغلب إلى دائرة الصمت ، وسكت ولم يذكر شيئاً عن صاحب رائعة ” فلسفة البؤس أو الفقر ” والذي عارضه ” ماركس ” برائعته ” بؤس الفلسفة ” . وهذه قضية سنوفر لها قراءة هنا . وفي البدء سؤال ميثديولوجي بالغ الأهمية يخص كتابات ماركس الفلسفية وعلاقتها بمشروعه في نقد الإقتصاد السياسي ، وهو السؤال القائل ؛ ما هو المضموم في كتاب ماركس ” بؤس الفلسفة ” وما علاقته بكتاب الفوضوي الفرنسي ” بيير جوزيف برودن” (1809 – 1865) والذي حمل عنوان ” فلسفة البؤس ” ؟ نحسبً أولاً إن كتاب فلسفة البؤس (الفقر) له علاقة بمضمار نقد الإقتصاد السياسي عند ماركس ، وهذه هي الضميمة في كتاب ” بؤس الفلسفة ” . ففعلاً نشر ” ماركس ” كتابه المشهور ” بؤس الفلسفة ” عام 1847 ، وكان ماركس يومها في باريس ، وهو بالطبع رد على الحجج الإقتصادية والفلسفية للفوضوي (والأدق اللاسلطوي) برودن . وللحقيقة إن كتاب برودن هو الذي ألهم ماركس على كتابة ” بؤس الفلسفة ” . ولما كان كتاب برودن يعالج الفقر ، وهي قضية إقتصادية محضة وبالطبع تُعاني منها في مقدمة طبقات المجتمع ، الطبقة العاملة ، فإن ماركس دقق في هذه القضية وجادل برودن فيها وفي حججها الفلسفية . ولعل من المفيد أن نُضيف إلى معلومات القارئ الكريم إلى إن عنوان كتاب برودن الكامل جاء بالصيغة الآتية ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر (البؤس) ” .

  ونحسُب إن في كتاب برودن طاقة روحية في نقد الرأسمالية وإقتصادها السياسي . ولكن الذي حدث هو توتر ماركسي من هذا الكتاب الرائد في نقد الإقتصاد السياسي . على كل هذه قضية تخص الطرف السياسي من تفكير ماركس . أما الحقيقة الموضوعية ، فإن في كتاب برودن فلسفة الفقر ما يتعدى ذلك ويُشكل مصدراً من مصادر نقد الإقتصاد السياسي عند ماركس . ولعل الشاهد التاريخي هو تاريخ نشر كتاب برودون ومضمونه . ومن طرف تاريخ النشر ، فإن برودن نشره عام 1847 أي قبل رائعة ماركس بعشرين عاماً . بل وقبل نشرة البيان الشيوعي ، وهو العمل المشترك الثاني مع إنجلز بسنتين .

  وحتى إذا عدنا إلى الوراء وإلى نصوص ماركس الأولى في نقد الإقتصاد السياسي ، فإننا نواجه حقيقة أخرى تعمل لصالح برودن ولا تعمل لمصلحة ماركس . فمثلاً نشر ماركس بحثه الأول والذي حمل عنوان ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” في عام 1859 . وهذه الشهادة تقدمها لنا السيرة الذاتية وقوائم مؤلفات ماركس حسب تاريخ صدورها ، فإن هذه النشرة ، تمنح برودن السبق التاريخي على ماركس بحدود إثنتا عشر سنة [21]. وربما غاب هذا المصدر الإقتصادي المعاصر على دائرة تفكير ماركس عندما دشن مباحثه في نقد الإقتصاد السياسي ، أو تجاهله بقصد وهنا ندعو الباحثين الأكاديميين إلى إجراء أبحاث تقارن بين كتاب برودن تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر ” ونصوص ماركس الإقتصادية ، وبالتحديد في مضمار نقد الإقتصاد السياسي ، ومن ثم بيان مقدار وحجم الحاضر والغائب فيها من كتاب برودن ” فلسفة الفقر ” [22].   

4 – مؤلفات ” ماركس ” التي تناول فيها مضماري الإقتصاد عامة والإقتصاد السياسي خاصة وقبل أن يكتب رائعته رأس المال . وهي المؤلفات الآتية :

آ – ملاحظات حول جيمس ميل ، ظهر عام 1844 [23]، وهو دراسة ” ماركس ” النقدية لكتاب ” جيمس ميل ” المعنون ” مبادئ الإقتصاد السياسي ” . وهذا الكتاب جداً مهم في تتبع الأثار التي تركها في تفكير ” ماركس ” الأقتصادي عامة ، وكتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي خاصة . كما وإن هذا الكتاب حمل الأسس لكتابه اللاحق والمعنون ” الإقتصاد والمخطوطات الفلسفية ” . ونحسب إن في كتاب ” ملاحظات حول جيمس ميل ” بذور فكرة ” ماركس ” عن ” إغتراب العمل ” .

ب – الإقتصاد والمخطوطات الفلسفية ، والذي كتبه عام 1844 ، وصدر لأول مرة عام 1929 [24]. وإعتماداً على كتاب ” ملاحظات ماركس ” فإن أغلب تحليلاته الإقتصادية في هذا الكتاب قد مست آدم سميث وهذه قضية بالغة الأهمية من الطرف التاريخي الذي يكشف عن المرحلة التي أهتم بها ” ماركس ” بالفكر الإقتصادي لأدم سميث . كما وإن في الكتاب معالجات حول الملكية الخاصة والشيوعية والمال وإجور العمال [25]. وبالتأكيد سيكون لها حضور فيما بعد في كتاب رأس المال .

ج – إجور العمل و رأس المال والذي كتبه عام 1847 ، ونشره ” ماركس ” أولاً مقالة في أبريل عام 1849 . ومن ثم ظهر في كتاب مستقل لاحقاً ، وهو بتقدير الأكاديميين المعنيين بتطور فكر ماركس الإقتصادي ، هو من أهم المقالات التي سبقت كتاب رأس المال . وفيه علامات واضحة ودالة على تزايد إهتمام ” ماركس ” بالمنهج العلمي في دراسة ظاهرة ” الإغتراب في العمل ” والتي قادت الطبقة البروليتاريا إلى الثورة . كما وإحتضن بحث للسلع وكيف إن المبادئ الإقتصادية من مثل الفائض والطلب يؤثران على أسعار السلع . وكيف إن رأس المال والرأسمالية تعمل فقط لأغراض كسب المزيد من الأرباح ، وبيان الكيفية التي يشتغل بها الإقتصاد الرأسمالي ؟ ولماذا هو إقتصاد إستغلال ؟ ..[26].

د – كتاب ماركس وإنجلز البيان الشيوعي ” والذي ظهر إلى النور عام 1848 [27]. وفيه معالجات تحليلية وبالطبع إقتصادية وإجتماعية للصراع الطبقي ، ومشكلات الرأسمالية ، والشكل الرأسمالي للإنتاج وتوقعات بمسقبل الشيوعية . ونحسب إن في البيان الشيوعي أطرافاً إقتصادية وإجتماعية كثيرة والتي تساعد الباحث على فهم مقدمات ومصادر كتاب رأس المال [28].

ها – موجزات في نقد الإقتصاد السياسي ، وكتبه ” ماركس ” عام 1858 وتركه جانباً ، ولم يرى النور في حياته ، كما لم يعتني به عضيده ” فردريك أنجلز ” وظل في دائرة الظل حتى عام 1939 [29]. والحقيقة إن ” ماركس ” كتب قبل كتاب ” موجزات في نقد الإقتصاد السياسي ” ، مقالة بعنوان ” الصراع الطبقي في فرنسا ” وبالتحديد في عام 1850 [30]. وفيها مس ” ماركس ” بعض الأفكار الإقتصادية التي صاحبت الصراع الطبقي في فرنسا .

و – مُساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ، والذي ظهر عام 1859 . و كتابه ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” هو مقدمة أساس لرائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . وكتاب المساهمة فيه نقد ماركسي لرموز الإقتصاد الكلاسيكي ، كل من آدم سميث وديفيد ريكاردو . وحسب رأي العديد من الأكاديميين ، هو من أهم الكتب التي سبقت رأس المال ، ويأتي بعده في الأهمية في تاريخ نقد الإقتصاد السياسي الرأسمالي . كما ومس فيه ” ماركس ” التفسير الإقتصادي للتاريخ ، وأفكار حول العوامل الإقتصادية والشروط التي تحكم السياسة والإيديولوجيا [31].

ل – نظريات فائض القيمة ، ثلاثة مجلدات ، نشرت عام 1862 . وهو في الأصل أربعة مجلدات ، وهو تحليل إقتصادي للعمل والقيمة عند كل من آدم سميث وديفيد ريكاردو وتوماس مالتوس وآخرون . وجاء التركيز فيها على فائض القيمة والإختلاف بين قيم عمل العمال والإجور التي يتلقاها العمال لقاء عملهم . ونظريات فائض القيمة من المفاتيح الأساسية في تفكير ماركس الإقتصادي منذ قام بمراجعة سيطرة الرأسمالية على فائض القيمة [32]. ومعلوم إن نظريات فائص القيمة كونت أساسيات في كتاب رأس المال في المجلد الأول الذي ظهر لأول مرة بالألمانية عام 1867 . 

م – القيمة ، السعر والربح ، نشر لأول مرة عام 1865 . وهو في الأصل خطاب ألقاه ” ماركس ” في رابطة العمال العالمية في حزيران عام 1865 ، وكتبه ما بين نهاية مايس و27 حزيران عام 1865 . ومن ثم طبع في عام 1898 أي بعد وفاة ” كارل ماركس ” . وفيه ماركس جادل ” جون ويستن ” (وهو عضو مؤثر في مجلس العمال الإنكليزي) ودحض وجهة نظره ، التي ترى : أولاً – إن الزيادة العامة لنسبة الأجور غير نافعة للعمال . وثانياً – إن في الزيادة أثار مؤذية على نقابات الصناعة [33]

  هذه هي المقدمات والمصادر التي كتبها ” كارل ماركس ” قبل أن يُشرع في نشر رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، والتي كانت موضوع تأمل ومراجعة نقدية ، سواء من خلال قراءة للنص الفرنسي بالنسبة للمشروع الإسلامي في الإقتصاد . أو من خلال الترجمة العربية لكتاب رأس المال وما كتب عنه من مقالات إقتصادية أكاديمية ، نقدية وتقويمية في دار الثقافة العربية الإسلامية بالنسبة للمذهب الإقتصادي في الإسلام . ونحسب من الإنصاف لحقوق الجميع أن نقول إن كل هذا التراث الأقتصادي الذي كتبه ” ماركس ” قبل رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، لم يقترب منه على الإطلاق أو يمسه بلطف أو بنقد كل من المشروع الإسلامي للإقتصاد و المذهب الإقتصادي في الإسلام .

مقدمات ماركس لنشرات رأس المال : الحاضر والغائب

  ولعل الطرف التاريخي الذي لف وثيقة ” رأس المال ” ، المجلد الأول ، يحكي قصة تاريخ النشر الأولى ، وتفاصيل عن مقدمات ماركس لكل من النشرات الألمانية والفرنسية . ومن ثم المقدمات التي وضعها ” أنجلز ” لكل من النشرات الألمانية والأنكليزية . وبالصورة الآتية :

أولاً – مقدمة ” كارل ماركس ” للنشرة الألمانية الأولى لكتاب رأس المال ، والتي رأت النور عام 1867 . وما دمنا نبحث في الطرف التاريخي ، فإن هذه النشرة تحكي قصة التأليف ، والمراحل التي مر بها المجلد الأول ، ومن ثم حديث ماركسي عن المعوقات التي عطلت إنجاز هذا المشرع ، والتي تمثلت بحالات المرض التي تعرض لها ماركس . وكل هذا مهم إلا إن الأهم في هذا الطرف هو إن ماركس قدم شخصه ناقداً لميثديولوجيا تأليف رأس المال وهذا ما أباح به في مقدمته للنشرة الفرنسية هذا طرف . والطرف الثاني ، هو إن ماركس أفصح عن حقيقة تاريخ تأليف كتاب رأس المال ، فأشار إلى إنه نشر جزء من مشروع رأس المال في عام 1859 ، أي قبل ثمان سنوات من نشرته الأولى المعروفة عام 1867 . وكانت نشرة عام 1859 بعنوان ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي [34]. كما ولمح إلى ” فريدنناد لاسل ” والتي قادتنا إلى إكتشاف المضموم بين كتابات ” لاسل ” في رأس المال وكتاب ماركس رأس المال . وهي قضية بالغة الأهمية من الطرف التاريخي الذي يترصد الأسبقية في البناء والتأسيس في الكتابات التي إعتنت برأس المال قبل كتاب ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” .

 ولهذا نحسب من النافع أن نشير إلى أن ماركس وجه في الهامش من هذه المقدمة لكتابه ” رأس المال ” نقداً للإقتصادي ” فريدنناد لاسل ” (1825 – 1864) بسبب إن ” لاسل ” حسب رواية ماركس أخذ الكثير من أراء ماركس وضمها في كتاباته ، ووقع في أخطاء نوه إليها ماركس [35]. و ” لاسل ” هو فيلسوف ورجل قانون ، ومن أهم كتاباته ” رأس المال والعمل ” والذي صدر عام 1864 أي قبل كتاب ماركس رأس المال بثلاث سنوات . ومن مؤلفاته كذلك الذي يتنازع في عناوينها مع ماركس كتابه المعنون ” ما هو رأس المال ” الذي تُرجم إلى اللغة الإنكليزية ونُشر في نيويورك بعد موته ، وبالتحديد في عام 1900 [36]. ويبدو لنا إن لاسل وماركس قد أهتموا في الكتابة في موضوع رأس المال في فترة زمنية واحدة مع الأسبقية في النشر لصالح ” فردينناد لاسل ” . ويبدو لنا إن ماركس على حق فقد نشر مقالاً قبل ” فردينناد لاسل ” بحدود أربعة عشر سنة وكان بعنوان ” إجور العمل ورأس المال ” وبالتحديد نشره ماركس عام 1847 وقد تم الإشارة إليه أعلاه . وهذا الأمر يحملنا على الدعوة إلى إنجاز دراسة أكاديمية مقارنة تُبين حجم الحضور من بحث ماركس في كتاب فردينناد لاسل .

ثانياً – مقدمة ” كارل ماركس ” للنشرة الفرنسية لكتاب رأس المال ، والتي توفرت للقارئ الفرنسي عام 1872 ، أي بعد خمس سنوات من نشرتها الألمانية الأولى . وهي مقدمة مقتضبة جداً ، وإستهلها ماركس بما يشبه الإهداء ، فقال :

إلى المواطن موريس لايشر

عزيزي المواطن

من طرفي أنا أحتفل بفكرتك في نشر ترجمة كتاب رأس المال على حلقات ، وهي فكرة ستجعل من الكتاب مُيسراً للطبقة العاملة ، وهي هدف لا يتقدم عليه أي إعتبار  . ومن ثم رأى ماركس وهو يناقش ” موريس ” بأن هذا طرف جيد من حيث فكرة نشر الكتاب في حلقات . إلا إنه تحول إلى الطرف الأخر المعوق في نشره بهذه الصورة ، وهي تتعلق بميثديولوجيا ماركس في كتاب رأس المال وهذا طرف جداً مهم مسكنا به في هذه المقدمة الفرنسية . كما وفيها يكمن إعتذار ماركس من نشره على حلقات ، وهو إن الفصول الأولى التي إشتغلت عليها هذه المنهجية ، هي موضوعات ليست إقتصادية صرفة . وهذا الحال سيجعل من الفصول الأولى ، فصولاً مُتعبة ومملة للقارئ (أرجو الإنتباه إلى خطاب ماركس النقدي لميثديولوجيته في تأليف كتاب رأس المال) . (منا : ويستمر ماركس في تقديمه) وهنا يكمن خوفنا (أي خوف ماركس) على الجمهور الفرنسي الذي يتطلع دائماً للوصول إلى النتيجة بيسر وصبر قليل ، وهو جمهور يسعى بشوق إلى معرفة العلاقة بين المبادئ العامة والأسئلة التي تدور حولها . ولهذا الحال (أي نشر الكتاب في حلقات) سيجعل مهمة الإنتقال بين الفصول مهمة صعبة . ولعل هذه هي مساوئ المنهجية التي تم فيها تأليف الكتاب (هكذا يقول ماركس عن منهجيته في رأس المال) ، والتي لا حول لي من التغلب عليها . وفيما عدا ذلك فإن القراء المتحمسين يحكمهم ناموس وحيد ، وهو معرفة الحقيقة .

  ومن المعروف إنه لا يوجد طريق ملكي في العلم . وإن الشجعان وحدهم ، والذين يتمتعون بالصبر ، سيتسلقون الطريق صعوداً ، وهم بالطبع المحظوظون في الإمساك بلحظة الإنتصار والوصول إلى القمم النيرة العالية [37].

  ومن طرف الحديث عن  ” موريس لاشر ” (1814 – 1900) فهو المراجع والناشر للطبعة الفرنسية لكتاب ماركس رأس المال . والحقيقة إن هذه المقدمة المقتضبة والتي جاء فيها الإشارة إلى ” موريس لاشر” قادتنا إلى معرفة الكثير من المضموم من الحقائق ، وخصوصاً من زاوية الطرف التاريخي ، الذي لف كتاب ماركس ” رأس المال ” ومن ثم الإنتباه إليها ، وحجم علاقتها بالثقافة الفرنسية في نهايات العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر هذا طرف . والطرف الثاني إن الناشر ” موريس لاشر” كان واعياً جداً لقضية التنازع بين كل من ” فريدنناد لاسل ” و ” كارل ماركس ” حول أسبقية التدوين والكتابة في موضوع رأس المال .

  وفعلاً فإن السيرة الذاتية للناشر الفرنسي ” موريس لاشر ” تلقي الكثير من الضوء على قضية التنازع بين ” فريدنناد لاسل ” و ” كارل ماركس ” . فخلال الفترة ما بين 1870 – 1871 إنتقل ” موريس لاشر ” إلى أسبانيا وبدأ هناك بمراجعة ونشر الترجمة الفرنسية لكتاب ” كارل ماركس ” رأس المال . وربما إلتقى بكارل ماركس في سويسرا عندما إنتقل إليها الناشر ” موريس لاشر ” . ومن ثم عاد الأخير إلى باريس ونشر في عام 1880 كتابين مهمين ؛ الأول بعنوان ” تاريخ محاكم التفتيش ” والثاني وهو الأكثر أهمية لبحثنا ، وهو نشره لكتاب ” فريدنناد لاسل ” والمعنون رأس المال والعمل .

 وبذلك وفر الناشر ” موريس لاشر” للقارئ الفرنسي ، نصين إقتصاديين فيهما قضية تنازع حول الأسبقية في التأليف والإنشاء في مضمار رأس المال في القرن التاسع عشر . وهي بالطبع قضية عرفتها الثقافة الألمانية ، وكان فيها أسبقية من الطرف التاريخي للنشر لصالح ” فريدنناد لاسل ” ولا تعمل لصالح ” كارل ماركس ” [38].

ثالثاً – مقدمة ” كارل ماركس ” للنشرة الألمانية الثانية لكتاب رأس المال ، وبالطبع المجلد الأول ، والذي صدر عام 1873 [39]. وفي هذه الطبعة أشار ماركس إلى التعديلات التي أجراها على الطبعة الألمانية الأولى التي صدرت عام 1867 . وفعلاً فإن ماركس في هذه النشرة الجديدة ، أخبر القراء بمجمل التغييرات التي قام بها في الطبعة الجديدة ، إضافة إلى الملاحظات التي جهز بها هذه النشرة . وبالصورة الآتية :

1 – الفصل الأول / القسم الأول ، والمعنون ” عناصر السلعة : القيمة والقيمة الإستعمالية ” . وفعلاً فقد أضاف على نص هذا القسم في الطبعة الجديدة ، بحدود إثنا عشر نصاً ، وهي مذيلة بهوامشها المرجعية [40].

2 – الفصل الأول / القسم الثالث والمعنون ” صورة القيمة ” والذي تم مراجعته وتنقيحه تماماً ، وبالتحديد أُضاف إليه توسعتين شارحتين فقط [41]. وفعلاً فإن ” ماركس ” إعترف بصراحة ، إلى إن هاتين التوسعتين ، جاءتا إستجابة من ماركس لطلب صديقة ” الدكتور لودفيغ كوجلمان ” (1828 – 1902)[42] وذلك عندما زارالأخير ماركس في مدينة هانوفر في ربيع عام 1867 ، وحينها وصلت من مدينة هامبورك النسخ التجريبية الأولى لكتاب رأس المال . وقد قام الدكتور كوجلمان بإقناع ” كارل ماركس ” بضرورة إضافة ملاحق تشرح للقارئ ” أشكال القيمة ” ، وهو القسم الأخير من الفصل الأول والمعنون ” فتشية (صنمية) السلعة ” والذي راجعه ماركس بصورة واسعة [43].

 3 – أجرى ماركس تغييراً في القسم الأول من الفصل الثالث ، والذي جاء بعنوان ” مقياس القيمة ” والذي نقحه بعناية . وماركس يعترف إن الطبعة الأولى قد تجاهلت هذا القسم [44].

4 – ومن ثم أعاد ماركس كتابة القسم الثاني من الفصل التاسع مع توسيع له بعض الشئ . وكان عنوان هذا القسم طويلاً ، وهو ” عرض لمكونات قيمة المنتج وبمطابقة مع أجزاء من المنتج ذاته ” [45].

   ومن الناحية الميثديولوجية ، فإن ماركس يعترف بأن مراجعة النشرة الفرنسية لكتاب رأس المال والتي ظهرت في باريس ، قد كشفت بوضوح عن أن أجزاء عديدة من النشرة الألمانية الأصلية ، تحتاج إلى إعادة تنظيم ، وأجزاء أخرى تتطلب التدقيق ومراجعة الإسلوب بوزن ثقيل على حد تعبيره . كما وإن أجزاء أخرى ينبغي العمل على تهذيبها . إلا إنه يعترف بأنه لا يتوافر الوقت الكافي لإنجاز كل ذلك . خصوصاً وقد تم إبلاغه في خريف عام 1871 ، وهو منتصف الطريق في مراجعة الطبعة الأولى ، بأن الكتاب نفذ وبيعت نسخه على الإطلاق ، وإن الطبعة الثانية قد بدأت في كانون الثاني (جنيوري) من عام 1872 . وهذا يعني بإعتراف ماركس إن النص الألماني لا زال يُعاني من إعتلال ، وإن هذا الإعتلال إنتقل إلى الطبعة الألمانية الثانية إذ لم يتوافر الوقت لمعالجتها حسب إفادة ماركس .

  ويُخبر ماركس القارئ في هذه المقدمة بأن كتاب رأس المال قد حصل على تقويم واسع في دوائر الطبقة العمالية الألمانية . وهذا بحد ذاته ” مكافأة عالية ” لعمله . ومن ثم أستشهد بأمثلة ، منها ، هو إن الصناعي من فينا ” هرر ماير ” (عاش خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وجاء ذكر كتيبه في فينا في 26 ديسمبر 1875)[46] ويمثل ” هرر ماير ” من الزاوية الإقتصادية وجهة نظر البرجوازية ، وهو حسب رواية ماركس في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب ” رأس المال ” هو مؤلف لكتيب صغير ، طبعه خلال الحرب الفرنسية الألمانية ، وفيه شرح الإمكانية  الكبيرة للنظرية المتوافرة في كتاب ” رأس المال ” ، وهو بالطبع جزء من الإرث الألماني العتيد . وبالرغم من إنه تلاشى تماماً بين الطبقات الألمانية المثقفة . غير إنه على العكس ظل بين الطبقة العاملة إمكانية إحتفالية على خصومها [47].

  وإعتقد ماركس إنه حتى هذه اللحظة (لا تنسى إنه يتحدث في عام 1872) ، فإن الإقتصاد السياسي ، لا زال علم غريب . وهنا إستشهد ماركس بكتابات الفلاح والإقتصادي الإلماني ” غوستاف فون كولش ” (1791 – 1847) [48] وخصوصاً كتابه المعنون ” الخلفية التاريخية للتجارة والصناعة والزراعة في الدول التجارية المهمة [49]. والحقيقة إن المصادر التي إعتنت بالكتابات الإقتصادية التي تركها ” غوستاف كولش ” قد كشفت بأن ماركس في شبابه كان متأثراً بأعمل ” كولش ” ، بل وكانت موضوع إهتمامه والإفادة منها بالتخصيص في رائعته رأس المال [50].

  ونحسبُ من النافع أن نخبر القارئ بأن ماركس في هذه المقدمة للطبعة الجديدة لكتاب رأس المال ، قد إعترف بمصادر معرفية أخرى ، إستند إليها وهو يكتب هذه الرائعة الإقتصادية . وهي بالطبع مصادر عالجت في أطراف منها تطور فكر الإقتصاد السياسي ، وبالتخصيص في كل من إنكلترا وفرنسا . وكان في أعلى درجات الصراحة عندما أشار إلى رجل الإقتصاد السياسي الإنكليزي ” ديفيد ريكاردو [51](1772 – 1838) وهو من الرموز الإقتصادية المؤثرة في الإقتصاد الكلاسيكي [52]. ولعل أهمية إشارة ماركس إلى ” ديفيد ريكاردو ” وبالتحديد من الطرف التاريخي ، إنه أباح مرة أخرى عن مصادر إضافية مؤثرة على تفكير ماركس لحظة كتابته لرائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . ومنها كتاب رجل التنوير الإسكتلندي والرائد في الإقتصاد السياسي ” آدم سميث ” (1723 – 1790) والمعنون ” ثروة الأمم ” ومن ثم رائعته الإقتصادية التي نحسب إن لها علاقة وثيقة بعمل ماركس في ” رأس المال ” ، والتي حملت عنوان ” حول مبادئ الإقتصاد السياسي والضرائب ” والذي نشره عام 1817 [53].

  ومن الأسماء التي يمكن إضافتها إلى قائمة ” كارل ماركس ” كل من رجل الإقتصاد الكلاسيكي الإنكليزي ” توماس روبرت مالثيوس ” ( 1766 – 1834) وهو من الرموز الكبيرة في مضمار الإقتصاد السياسي . ولعل رائعته الإقتصادية التي تُذكر في هذا الباب ، والتي عالجت القانون الحديدي للإجور ، هي كتابه المعنون ” مقالة في مبادئ السكان ” والتي نشرها لأول مرة عام 1798 وتحت إسم قلمي ، هو ” جوزيف جونسن ” [54]. ورجل الإقتصاد والمنظر السياسي والفيلسوف الإسكتلندي ” جيمس ميل ” (1773 – 1836) وهو يُشارك ” ديفيد ريكاردو ” في تأسيس مضمار الإقتصاد السياسي . ولعل من أهم مؤلفاته التي تُذكر في هذا الصدد ، والتي نرجح إنها كانت مصدراً من المصادر التي قرأها ” كارل ماركس ” حين كان يعيش في إنكلترا ، رائعة ” جيمس ميل ” التي حملت عنوان ” مبادئ الإقتصاد السياسي ” والتي نشرها عام 1821 ، وكذلك عمله المعنون ” هل الإقتصاد السياسي مُفيد ” والذي نشره عام 1836 [55]. وبالطبع هذه المؤلفات الإقتصادية قسم منها نُشرت قبل ولادة ” كارل ماركس ” وقسم منها طبعت ورأت النور وماركس طفلاً مع الإشارة إلى إن الكتاب الأخير والمعنون ” هل الإقتصاد السياسي مفيد ” نُشر وعمر ماركس ثمانية عشر ربيعاً وهو في السنوات الأولى من دخوله الجامعة .

    أما من طرف  ” الإقتصادي ” جيمس ميل ” فهو والد الفيلسوف ورجل الإقتصاد السياسي ” جون ستيوارت ميل ” (1806 – 1873) وهو معاصر لكارل ماركس ، وكتاباته على العموم ، ونصوصه في الإقتصاد السياسي حملت نوعين من الأثار ؛ الأولى جاءت من خلال والده ” جيمس ميل ” ومؤلفاته . والثانية من خلال أثار ” جيرمي بنثام ” (1748 – 1832) الرائد في مذهب المنفعة الحديث ، والذي تأثر (أي بنثام) بدوره بآراء ” جيمس ميل ” كذلك [56] ، والأبن ” جون ستيوارت ميل ” تابع خط ” جيرمي بنثام ” في مذهب المنفعة . ومن أهم مؤلفات ” جون ستيوارت ميل ” التي ستكون موضوع نقد ” كارل ماركس ” وآخرين ، كتابه الأول والمعنون ” مقالات حول بعض الأسئلة في الإقتصاد السياسي ” والذي نشره عام 1844 . وكتابه الثاني والمعنون ” مبادئ الإقتصاد السياسي ” والذي نشره عام 1848 [57].

 وبالطبع جاء ذكر ” جون ستيوارت ميل ” في كتاب ” كارل ماركس ” رأس المال ” في الطبعة الثانية للنشرة الألمانية . وذلك عندما تحدث ” ماركس ” عن ” الثورة القارية (نسبة إلى قارة أوربا) ” والتي إندلعت خلال عامي 1848 – 1849 ، وبالتحديد عند حديثه عن ” الطبقات الحاكمة ” ومحاولاتها خلق نوع من الهارمونيا (الإنسجام) بين رأس مال الإقتصاد السياسي وإدعاءتهم .. بتجاهل البروليتاريا . ومثل هذا الخط من التفكير حسب رأي ” ماركس ” نجد خير من يمثله ” جون ستيوارت ميل ” ، وهو بحد ذاته (والكلام لماركس) هو ” إعلان عن إفلاس الإقتصاد البرجوازي ” . ومن ثم إستشهد ” ماركس ” بخطاب الأكاديمي الروسي ” الكبير ” آن . شيرنشوسكي ” الذي ألقى الضوء على عقل جون ستيوارت ميل الذي قاد مشروع المصالحة (خلق الهارمونيا) بين أطراف لا يمكن المصالحة بينهما . كل ذلك جاء في عمل ” شيرنشوسكي ” المعنون ” خلاصة الإقتصاد السياسي وفقاً لجون ستيوارت ميل ” (جاء في النص ميل فقط) [58].

  ومن زاوية الطرف التاريخي تحدث ” ماركس ” عن أوضاع الإقتصاد السياسي في كل من فرنسا وإنكلترا ، ومن ثم تحول نحو ألمانيا ، فأشار إلى ” إن العلم البرجوازي للإقتصاد السياسي يبدو ممكناً في ألمانيا ” وعاد وإستدرك فأفاد ” إلا إنه أصبح مستحيلاً مرة أخرى ” . وتحت هذه الظروف فإن الأكاديميين حسب رأي ” ماركس ” توزعوا ” في مجموعتين ؛ الأولى واجهت عبئاً كبيراً في الطرف التطبيقي ، ولذلك كانت أغلب عروضها فيها إعتذار للحالة المتردية للإقتصاد . والثانية كانت تتفاخر بكرامتها التخصصية في العلم ، ولهذا تابعوا محاولة ” جون ستيوارت ميل ” في مشروعه في المصالحة بين أطراف ليس في الإمكان المصالحة بينهما . وفي المرحلة الكلاسيكية فأن الإقتصاد البرجوازي ، وبالتحديد في فترة إنهياره ، فأن الألمان كان حالهم مثل فتيان المدارس ، يقلدون ويتابعون الأخرين [59].

  والحاصل من كل ذلك ؛ إن البرجوازين الألمان حاولوا أولاً قتل كتاب رأس المال وذلك من خلال صمتهم ، كما حاولوا (هكذا يقول ماركس) ” مع كتاباتي المبكرة ” حالما إكتشفوا إن فيها ستراتيجيات لم تعد تتوائم وشروط عصرهم . وثانياً كتبوا مشروعات نقدية سطحية لكتاب رأس المال ، وأعلنوا إن فيه ” عقار مهدأ للعقل البرجوازي ” . كما إنهم وجدوا في منشورات العمال مثل مقالات الفيلسوف الإشتراكي والصحفي الماركسي الألماني ” جوزيف ديتسكن ” (1828 – 1888) الذي كتب حسب ” ماركس ” مقالات أكثر عدائية من مواقفهم ” من ماركس وكتابه رأس المال [60]، والتي تتساند وستراتيجيات البرجوازية .

  وهذه الإشارة التي وردت عن الفيلسوف والإشتراكي ” جوزيف ديتسكن ” في كتاب رأس المال ، تحملنا على الإمساك بمصدر مهم من مصادر تفكير ” ماركس ” أو على الأقل من المصادر التي إقترح على ” إنجلز ” قراءتها ، ونحسب فيها ما يتعدى ذلك إلى طرف من الماركسية ، وهو المادية الديالكتيكية والإشتراكية العلمية . ومساهمة في إثراء الفكر الماركسي المعاصر . ولهذا نجد من اللازم أن نقف عند عتبات الفيلسوف والإشتراكي الألماني ” جوزيف ديتسكن ” . في الحقيقة ” ديتسكن ” شخصية متفردة في تاريخ الإشتراكية والفلسفة . فقد علم نفسه ذاتياً ، وطور مفهوم المادية الديالكتيكية بصورة مستقلة من كل من ” ماركس ” و ” أنجلز ” . كما هو فيلسوف مستقل بنظريته الإشتراكية . وإن كتاباته تركت أثراً كبيراً على تفكير ” فلاديمير لينين ” (1870 – 1924) والثورة الروسية عام 1917 .

  ومن المؤسف إن الفيلسوف والإشتراكي ” جوزيف ديتسكن ” مُغيبُ بصورة تكاد أن تكون مطلقة من الأدب الفلسفي والإشتراكي المعاصر . ونحسب وراء ذلك بروبكاندا سياسية تعمل لصالح كل من ” ماركس ” و ” إنجلز ” و لا تتسامح بكل من يمس أو يخدش مكانتهما العاجية العالية ، فكيف يكون مقبولاً الحديث عن ” جوزيف ديتسكن ” رائد مستقل لكل من المادية الديالكتيكية والإشتراكية العلمية . إنه منطق إستفزازي يتطلب إسكاته وإهماله وهكذا كان إهمال ” جوزيف ديتسكن ” وضمه إلى ذمة التاريخ .

  وقابل ” جوزيف ديتسكن ” ماركس لأول مرة خلال الثورة الألمانية عام 1848 . وبعد فشلها رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وعاش هناك للفترة ما بين 1849 وحتى 1851 . ومن ثم عاد إلى ألمانيا ، وزاره ماركس بصحبة إبنته ، وزعم ماركس إن ” ديتسكن ” تحول إلى فيلسوف للإشتراكية . وفي عام 1870 أتخذه ماركس صديقاً له ومدحه في نظريته في المادية الديالكتيكية ، وبالتحديد في المجلد الأول من كتاب رأس المال ، وفي الطبعة الألمانية الثانية .

  والحقيقة إننا نعلن هنا إلى إن كتابات كل من ماركس وإنجلز (بل وحتى لينين) تحتاج إلى دراسة أكاديمية تُراجعها في ضوء كتابات ” جوزيف ديتسكن ” وذلك لبيان الحاضر والغائب منها في كتاباتهم . خصوصاً إذا عرفنا أن ” جوزيف ديتسكن ” دشن عملية الكتابة والنشر في فترة مقاربة من الفترة التي بدأ بها ماركس الكتابة ، وهما بالطبع أبناء جيل واحد . وكارل ماركس نشر كتابه رأس المال عام 1867 وجوزيف ديتسكن نشر رائعته المعنونة طبيعة عمل العقل البشري عام 1869 . والحيرة إن هناك موقفين لماركس من ” جوزيف ديتسكن ” الأول فيه تردد ماركسي في تقييم إبداعه في مضمار المادية الديالكتيكية (ومنا والإشتراكية العلمية) ” . والثاني موقف ماركسي يُشيدُ ويمدح ” جوزيف ديتسكن ” في مضمار المادية الديالكتيكية في الطبعة الثانية من النشرة الألمانية لكتاب رأس المال [61].

  وكان ” جوزيف ديتسكن ” قارئ جيد لمؤلفات الفيلسوف الألماني ” لودفيغ فيورباخ ” (1804 – 1872) والتي مارست تأثيراً مبكراً على نظرياته . ولعل من أهم مؤلفات ” ديتسكن ” المبكرة كتابه الذي حمل عنوان ” طبيعة عمل العقل البشري ” والذي نشر تقريباً في أجواء تداول الجمهور الألماني لكتاب ماركس رأس المال في طبعة المجلد الأول الذي ظهر عام 1867 . والمهم هنا ، هو إن ماركس قرأ هذا الكتاب ، ومن ثم حوله إلى إنجلز ، وطلب منه قراءة الكتاب ، مع تعليق ماركسي ، يقول ” كان من الإفضل أن يُكثف ” .

  ومن مؤلفات ” جوزيف ديتسكن ” ، كتابه المعنون الإشتراكية العلمية والذي صدر عام 1873 . ومن ثم تلته مجموعة مؤلفات ، مثل ” الأخلاق والديمقراطية الإشتراكية ” عام 1875 و ” فلسفة الديمقراطية الإشتراكية ” عام 1876 ، و ” رسائل علم المنطق ” التي ظهرت خلال الفترة 1880 – 1884 . و مقالات فلسفية حول الإشتراكية والعلم والأخلاق[62]، و” النتيجة الإيجابية للفلسفة [63]. ومن محاولاته المتأخرة ، محاولته للمصالحة ما بين الفوضوية (الأدق اللاسلطوية) والماركسية [64].. وهذه قضية ستشغل تفكير عدد من المفكرين والفلاسفة المعاصرين ، منهم على سبيل المثال وليس الحصر ، مثابرة عالم اللنكوستيك الأمريكي نعوم شومسكي في كتابه المعنون حول الفوضوية أو الأدق اللاسلطوية [65].

  ولعل المهم في هذه المقدمة طرف أخر من تاريخ كتاب رأس المال ، وهو إن ” ماركس ” شارك القارئ في الأخبار الجديدة حول واقع إنتشار كتاب رأس المال ، فقد بث له في طبعته الثانية بالألمانية ، النجاحات الكبيرة  التي حققها الكتاب ، وذلك حين أعلن بأن طبعة روسية له ظهرت في ربيع عام 1872 . كما وأشار إلى إن النشرة الروسية تكونت من ثلاثة آلاف نسخة ، وهي في طريقها إلى النفاذ . ومن ثم أخبرنا بأنه في بواكير عام 1871 ظهر عمل ممتاز ، قام بكتابته البروفسور ” آن . سيبر ” أستاذ الإقتصاد السياسي في جامعة كييف ، والمعنون ” نظرية ديفيد ريكاردو ورأس المال ” . وفي هذا المقال أحال القارئ كما يقول ” ماركس ” ؛ إلى ” نظريتي القيمة وقيمة النقد (المال) ورأس المال ” ومن ثم عاد إلى عمل البروفسور ” آن . سيبر ” والذي أشار فيه إلى إن ” رأس المال (منا = أي كتاب ماركس) هو تكملة ضرورية أساس لتعاليم كل من آدم سميث وريكاردو ، وهو العمل الذي أدهش الأوربيين الغربيين . وإن قراءة هذا العمل ، فيها دلالة على إنسجام وإدراك ثابت للمؤلف للموقف النظري الخالص [66]

  وأختتم ” ماركس ” مقدمته للطبعة الألمانية الثانية ، بالحديث عن ميثديولوجيته في كتاب رأس المال . ولعل المهم إعتراف ” ماركس ” بأن هناك أطرافاً متنوعة من الأراء النقدية التي قيلت حول منهجيته التي توكأ عليها في كتابة رأس المال . فمثلاً أشار إلى إن هناك عدد قليل من فهم طريقة رأس المال . وهناك من يرى إنه تداول مفاهيم متنوعة ، وهي متناقضة بعض لبعض . كما وذكر ” ماركس ” إلى إنه في باريس فإن هناك من وبخه بسبب إنه عالج الإقتصاد بطريقة ميتافيزيقية . وهناك من تصور يقول ” ماركس ” ؛ ” بأنني سجنت نفسي في مضمار التحليل النقدي للحقائق الواقعية ، بدلاً من كتابة وصفات للمطاعم في المستقبل ” . ونحسب إن الإجابة على قضية التوبيخ حول تداول المنهج الميتافيزيقي ، إن البروفسور ” سيبر ” هو خير من عبر عنها بقوله ” لحد الآن فإن المثال على النظرية الواقعية ، هو طريقة ماركس ، وهي بالطبع الطريقة الإستنباطية للمدرسة الإنكليزية ، وهي المدرسة التي كان لها كبوات كما ولها فضائلها ، وهي على العموم الطريقة الأحسن للإقتصاديين النظريين [67].

   وإستمر ” ماركس ” يُناقش الإعتراضات النقدية على ميثديولوجيته في كتاب رأس المال . فذكر النقد الذي وجهه أم . بلوك ، والذي إصطنع إكتشافاً بلغة ” ماركس ” وذلك حين أكد على أن ” طريقتي هي نهج تحليلي ” . ومن ثم إستند إلى المراجعات الألمانية وإحتج بها. وذهب إلى أن هذه المراجعات تصرخ بصوت عال ، وتؤكد على إنها مجرد ” سفسطات هيجلية [68]. ومن ثم تحول ماركس إلى طرف آخر من تاريخ النقد لميثديولوجية رأس المال ، وهنا ركز على شخصية الناقد ، الذي أطلق عليه لقب ” الرسول الأوربي في بطرسبيرك ” والذي عالج في مقالة له طريقة رأس المال ، والذي وجد ” أن طريقتي في البحث كانت واقعية تماماً ” . من ثم رد ماركس عليه ، فقال ” ولكن طريقتي في العرض ، مع سوء الحظ ، هي الطريقة الديالكتيكية الألمانية ” . 

  وإنتقل ” ماركس ” إلى طرف آخر من الإعتراضات النقدية التي قيلت بحق ميثديولوجيا كتابه رأس المال . وهنا النقد إنطلق من الحكم المؤسس على الشكل الخارجي لعرض وتقديم الموضوع ، وذهب النقد مُحاججاً ، فأفاد ” فإذا كان ماركس على الأغلب مثالياً أكثر من الفلاسفة المثاليين ، وبالطبع دائماً في ألمانيا . وهذا هو المعنى السلبي لكلمة مثالي . ولكن في الحقيقة إن ماركس هو واقعي بصورة مطلقة ، وأكثر من أسلافه ، وخصوصاً في عمله النقدي في الإقتصاد . وهو على هذا الأساس لا يمكن أن نطلق عليه تسمية مثالي [69].

  ولاحظنا أنه بعد أن تأمل ” ماركس ” في أراء النقاد لمنهجيته في كتابة رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي  ، بين الإختلاف بين ميثديولوجيته في رأس المال والميثديولوجيا الهيجلية . فأفاد مفصلاً ؛ ” أن طريقتي الديالكتيكية ليست إنها تختلف عن الطريقة الهيجلية وحسب ، وإنما إتجاهها يسير بمسار معارض للطريقة الهيجلية ، فوفقاً لهيجل ، فإن الحياة هي التي تُشغل العقل البشري ، والعملية برُمتها هي التفكير والتي تندرج تحت إطار ” الفكرة ” والتي بدورها تتحول إلى موضوع مستقل ، وهو بالطبع العالم الحقيقي وهو خارجي فقط ، وهو الصورة الظاهرية للفكرة . ومعي (منا: اي ماركس) فإنه على العكس ؛ فالمثالي هو لاشئ أكثر من العالم المادي مُنعكساً في العقل البشري ، وتم ترجمته إلى صورة فكرية [70].

  وفعلاً فإن هذا هو الطرف المعتم المُلغز من الديالكتيك الهيجلي ، والذي وقف عند عتباته ” كارل ماركس ” ووجه له النقد كما أشار في المقدمة الثانية للنشرة الألمانية من كتاب رأس المال ، وبالتحديد من زاوية الطرف التاريخي ، والذي جاء ” قبل ما يقارب الثلاثين سنة مضت ” . وهنا كان ماركس يتحدث في لندن ، وبالتحديد في 24 كانون الثاني (جنيوري) من عام 1873 . وكان حينها مسكوناً بمشاعر البهجة وهو يُعالج هيجل ، فذهب ” ماركس ” مُفصلاً ، فأفاد ” وحينها كان الديالكتيك الهيجلي موضة العصر . إلا إنه من خلال عملي في المجلد الأول من رأس المال ، فإنه من البهجة والسرور أن اُعالج هيجل بالطريقة ذاتها ، شُجاعاً مثل ” موسى مندلسن [71] والذي كان معاصراً للسنج [72]، والذي عالج (أي مندلسن) إسبينوزا [73]” ككلب فطيسة ” . وأنا هنا أعترف صراحة بأنني تلميذ ذلك المفكر المتميز ، وحتى هنا وهناك ، فإن في الفصل حول نظرية القيمة ، كانت توليفة مقترنة بأشكال من التعبير المُعتم والمُشكل عليه (منا :أي على هيجل) . ولهذا نحسبُ أن هذه العُتمة التي لازمت الديالكتيك قد خلقت معاناة لهيجل ، ومن ثم عوقته من أن يكون الرائد في عرض أشكال من العمل العامة ، وبطريقة واعية وشاملة . والواقع إن الديالكتيك مع هيجل كان واقفاً على رأسه ، والأن من الضروري أن نُعيده إلى وضعه الصحيح (منا : أي يقف على قدميه) .. [74].

رابعاً – تصدير ” كارل ماركس ” للنشرة الفرنسية الثانية لكتاب رأس المال ، والتي رأت النور عام 1875 . والحقيقة ليس فيها شئ كثير يُضاف إلى ما قاله في النشرة الفرنسية الأولى ، سوى إنه أخبر القارئ عن بعض التعديلات التي تمت بشكل عام وسريع . ومن ثم أعلن بأن كتاب ” رأس المال ” في هذه النشرة ، قد طبع بصورة أجزاء . ولهذا إعترف بما حدث في هذه النشرة من عيوب . وفعلاً فقد أشار إلى فقدان الموازنة في العناية بالنص . مما كان الحاصل نقصان وخلل في الإنسجام و التناغم في الإسلوب .

 إستهل ” ماركس ” هذه المقدمة ، بالإشادة بجهود الفرنسي ” جوزيف روي [75]وهو المترجم لنشرة رأس المال الفرنسية الأولى ، والتي ظهرت عام 1872 [76]، وكانت مهمة ” روي ” إنتاج نشرة فرنسية دقيقة . إلا إنها كانت حرفية طبق الأصل قدر الإمكان . وفعلاً فقد أعلن ” ماركس ” بأن ” جوزيف روي ” قد أنجز مهمته حسب الإصول . إلا إن ” ماركس ” عاد وأعلن ، بأن مهمة ” روي ” قد حملته على عمل تكييفات للنص الفرنسي ليكون معقولاً للقارئ الفرنسي . وهذه التكييفات أو التعديلات كانت عملية مستمرة ما دام طبع الكتاب ، بسلسلة من الأجزاء .

  ونحسبُ إن ” ماركس ” إعتذر للقارئ عما حدث ، ووعده بأنه عندما يتوافر الوقت ، فإنه يتطلع إلى مراجعته في ضوء النص الأصلي للنشرة الألمانية الثانية . وهذا الخطاب الماركسي يحملنا على القول إلى إن النشرة الألمانية الثانية لكتاب رأس المال تحولت إلى ميزان وموديل ، تُقارن على أساسه النشرات الأخرى . كما وإعتذر عن الصعوبات في النص ، فوعد بتبسيط بعض الحجج وإكمال الحجج الأخرى ، وذلك بإضافة أطراف تاريخية ومواد إحصائية و مقترحات نقدية . وقدم تبريراً ماركسياً لا يستند على أساس ميثديولوجي ، وإنما في حقيقة الأمر يستند إلى فكرانية قبول الحال وإنه أحسن حال ممكن . فأعلن ” إنه مهما تكن العيوب في النشرة الفرنسية ، فهي ممكن أن تمتلك قيمة علمية مستقلة من النشرة الألمانية الأصلية (والحديث عن النشرة الألمانية الثانية بالطبع) . ومن ثم عاد الى القارئ ، وبالتخصيص ” القارئ العارف باللغة الألمانية ودعاه إلى المقارنة ” أي مقارنة النشرتين الفرنسية والألمانية . والواقع هذا الأمر لا يخص القارئ العام وأنما هذه مهمة الباحثين الأكاديميين . وهنا حصر ” ماركس ” هدف ووظيفة القارئ الفرنسي بفئة محدودة وهي فئة الأكاديميين الذين يعرفون اللغة الفرنسية ويمتلكون مهارات في اللغة الألمانية ، والتي تمكنهم من المقارنة والتقويم . والواقع إن في دعوة ” ماركس ” للقارئ الفرنسي بقراءة كتاب رأس المال باللغة الألمانية ، يكون قد سد الطريق على قراءة نص عليل باللغة الفرنسية . وفي هذه الدعوة الماركسية من طرف آخر إعلان عن موت النشرة الفرنسية وإنتصار للنشرة الألمانية الثانية .

  وكانت الخاتمة إعلان ماركسي ؛ بأنه في ” أدناه سأقدم نصوصاً من النشرة الألمانية ، والتي عالجت تطور الإقتصاد السياسي في ألمانيا وبطريقة تشتغل في العمل الراهن ” [77].

وعندما قرأنا النص ووصلنا إلى النهاية ، لم نجد نصوص ” ماركس ” من النشرة الألمانية التي عالجت تطور الإقتصاد السياسي في ألمانيا … وهذا فشل ماركسي ميثديولوجي في تصدير النشرة الفرنسية الثانية .

مقدمة إنجلز للنشرة الألمانية الثالثة لرأس المال : وبداية خط جديد

  في الواقع إن هذه المقدمة هي الأولى التي كتبها  ” فردريك إنجلز ” لكتاب ” كارل ماركس ”  رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . وبالتحديد للنشرة الألمانية الثالثة والتي ظهرت عام 1883 . وبالطبع هذه النشرة رأت النور بعد وفاة ” كارل ماركس ” . فقد توفي في 14 أذار من عام 1883 والكتاب ظهر في 7 نوفمبر 1883 أي بعد سبعة أشهر من وفاة ماركس [78]. وفيها إعلان من قبل ” أنجلز ” على إنه حافظ على النص كما تركه ” ماركس ” مع بعض الملاحظات الطفيفة . وبالمناسبة إن إنجلز متمرس في الكتابة عامة وفي الإقتصاد خصوصاً وكتاباته في الإقتصاد السياسي تقدمت تاريخياً في النشر على كتابات ماركس . وهذه كلها شهادات على مكانة إنجلز في مضمار الرأسمالية ونقد الإقتصاد السياسي .

  ونحسب من النافع أن نُشير إلى إن ” أنجلز ” ظهر لنا في هذه المقدمة ، وكأنه تحرر من هالة ماركس بعض الشئ والتي كان مفتوناً بها في حياته ، وبدأ يشق له مساراً جديداً فيه نقد وتقويم للنهج الماركسي في عملية الكتابة والتدوين . فمثلاً أشار إلى إن ماركس ” لم يكن قد أعد هذه النشرة للطبع . ومعلوم للجميع إن هذا المفكر الذي يعترف بمكانته العظيمة خصومه ، قد مات في 14 أذار من عام 1883 ” (هكذا جاء نص إنجلز) [79].

  ومن ثم تحدث عن عمق صداقته بالمفكر الراحل ، فأشار بألم ” بالنسبة لي إنها خسارة كبيرة أن أفقد صديق وفي ، صرفت معه سنوات صداقة إمتدت أربعين عاماً . وهو الصديق الذي أدين له بالكثير ، والتي تعجز كلماتي من إستيعابها والتعبير عنها . والآن فمن واجبي أن أتحمل مسؤولية إعداد نشرة الطبعة الألمانية الثالثة . وكذلك العمل على إكمال المجلد الثاني الذي تركه ” ماركس ” مخطوطاً . وهنا سأعتمد على القارئ ، وأطلب منه أن يمنحني فرصة تحمل واجبي ، وخصوصاً في الطرف الأول من واجبي ” (منا = أي إعداد ونشر الطبعة الألمانية الثالثة من المجلد الأول من كتاب رأس المال) [80].

  ولاحظنا إن الطرف النقدي التقويمي الذي بدأ ” إنجلز ” يباشره بحذر ، أخذ ينمو ويتصاعد نبضه كلما إنخرط ” إنجلز ” في الكتابة وكلما إبتعد شبح ماركس من ناظريه وتحرر من سطوته وسلطته الكرازمية التي يعترف بها الجميع وبالتحديد خلال كتابة ” إنجلز ” لمقدمة الطبعة الألمانية الثالثة . والواقع هذا حق من حقوق ” إنجلز ” . إلا إن أنجلز ظل وفياً لعضيده الكبير ” ماركس ” على طول حياته . وفي هذه المقدمة للطبعة الألمانية الثالثة ، يعترف ” إنجلز ” بصراحة فيقول ” إن ماركس أعاد كتابة الجزء الكبير من نص المجلد الأول من كتاب رأس المال ، كما راجع صياغة العديد من الأطراف النظرية بدقة عالية ، وأضاف مواد عديدة إلى النص ، وخصوصاً مواد تاريخية وإحصائية ، وجدد في مواد سابقة منها ” [81].

  وفي مضمار التقويم ، فإن ” إنجلز ” يُعلي من كعب ” ماركس ” في هذا الإنجاز الماركسي ، ويتخذ منه موديلاً ودليلاً موجهاً له في عمله القادم ، وهو إنجاز النشرة النهائية للمجلد الثاني المأمول من مشروع رأس المال : نقد الفكر السياسي . وهنا يعترف ” إنجلز ” بمصادر عمله والتي فيها عودة إلى ” ماركس ” وأعماله السابقة . فأشار ” أنجلز ” موضحاً بتفاصيل طريق العودة إلى دائرة تفكير ” ماركس ” . فقال ” ولعل من التغييرات الأكثر ألحاحاً ، والتي عملت على ضمها ، إنها جاءت من النشرة الفرنسية لكتاب رأس المال ، ترجمة ” جوزيف روي ” ونشرة موريس لاشر لعام 1873 ” والتي تم الإشارة إليها سابقاً [82]

  ولعل من المصادر التي أعانت ” إنجلز ” في مهمته بعد موت ” ماركس ” ، الكتب التي تركها ” ماركس ” المطبوعة منها والمخطوطة . وخصوصاً أولاً الكتب والمخطوطات الألمانية التي عمل عليها تصحيحات هنا وهناك والتي أنجزها بنفسه . وثانياً المراجع التي قدمها إلى النشرة الفرنسية ، وبعض المقاطع التي أضافها إلى النشرة الفرنسية وأكد عليها . ويعترف ” إنجلز ” بصراحة فيقول ” إن كل هذه التغييرات والإضافات تم إحتوائها مع القليل من الإستثناءات . وإنه أضاف إلى الجزء الأخير من كتاب رأس المال ، القسم المعنون ” تراكم رأس المال [83]

  ومن ثم تحول إلى أطراف أخرى من رؤيته التقويمية ، فأوضح حقيقة تخص النص ، فأشار إلى إن النص ” تابع النسخة الأصلية أكثر من أي مكان أخر . وإن الأقسام القديمة من النص إستمرت كما هي . أما من طرف الإسلوب ، فهو على العموم ممتع ، ولكنه لا يخلو من إهمال وهنات ، كما وإن هناك في بعض الأجزاء إلتباس وغموض ، وبعض الفراغات هنا وهناك ، وخصوصاً في عرض الحجج . وبعض الأجزاء هناك والتي جاءت على صورة تلميحات فقط . أما من طرف الإسلوب ، فإن ” إنجلز ” يعترف بأمانة وإخلاص العضيد الوفي ، فيُفيد ” بأن ماركس عمل بنفسه مراجعات للعديد من الإقسام الفرعية لكتاب رأس المال ” وإشار إلى ” إنجلز ” بعض الإقتراحات كتابة وبعضاً منها وهي كثيرة فقد إقترحها شفهياً .

  ومن باب الإقتراحات الشفهية التي تقدم بها ماركس ، فهو أمر يعتمدُ على زاوية نظر ” إنجلز ” ، وذلك لأن ” ماركس ” في عالم الغيب يوم كتب ” إنجلز ” مقدمة الطبعة الألمانية الثالثة . وإن ” أنجلز ” هو الحاضر الوحيد ولا شاهد آخر على الإطلاق .  وهذا يعني لنا بأن شاهدة  ” إنجلز ” متقردة في التاريخ (وهو الشاهد والحاكم ولا راد لشاهدته وحكمه) . و” إنجلز ”  بدوره يعتمد على نفسه ، فيقول  ” وبمقدار ما أستطيع من حذف الحدود الفنية الإنكليزية (منا ” بالطبع التي أضافها ماركس) ، ومن ثم فإن ماركس كان يتطلع إلى إضافة طرفاً فرنسياً شفافاً على نصه الألماني . وأنا (أي إنجلز) مقتنع بأنها ستوفر نوعاً من الهرمونيا (الإنسجام والتناغم) مع النص الأصلي ” [84].

  ومن زاوية الطرف التاريخي للمقدمة التي كتبها ” إنجلز ” للطبعة الألمانية الثالثة لكتاب رأس المال ، نلحظ فيها إعلان واضح ، وهو إن ” إنجلز ” أبقى نص ” رأس المال ” على حاله في النشرة الألمانية الثالثة ، وإنه لم يمسه بأية تغييرات ، دون قناعة ثابتة من المؤلف (أي ماركس) ، كما إن النص لم يحمل إنجلز على الإقتناع ، بإن المؤلف (أي ماركس) تطلع إلى تغييرها أو تعديلها . وإن مثل هذه ” التغييرات سوف لن تحدث على الإطلاق ، كما تمنى الإقتصاديون الألمان ، والذين يتطلعون إلى إحداث تعديلات على الإصطلاحات (الجاركن الألمانية) من مثل الدفع الفوري (الكاش) لإجور عملهم ، ومن مثل ” البائع للعمل ” (ليبر كفر) و ” المشتري للعمل (ليبر تكر) . كما هو الحال في العلوم الطبيعية ، فإذا كان السائد والمتداول في أسواق العالم ، المقياس الإنكليزي ، وخصوصاً في الوزن فإنه من الطبيعي أن تكون الوحدات الإنكليزية في المقاييس هي المتداولة في كتاب ، ختار ثوابته الواقعية بشمولية من العلاقات الصناعية البريطانية . وبسبب إن هذه العلاقات هي السائدة في عالم السوق ، فإنه من الصعوبة تغييرها . ولهذا فرضت المقاييس والموازين الإنكليزية هيمنتها على السوق تماماً ، وأصبحت مفتاح الصناعات في مضماري الحديد والقطن [85].

  ومن الطرف التقويم النقدي لنهج ” كارل ماركس ” ، ذهب عضيده ” إنجلز ” في المقدمة للطبعة الثالثة الألمانية مُعلقاً على الهنات التي لازمت ميثديولوجيته في رائعته في نقد الإقتصاد السياسي  ، فأفاد موضحاً ؛ ” في الخاتمة ، فهناك بعض الكلمات يمكن قولها عن فن ماركس في طريقة الإقتباس (منا : ونحسب إن إنجلز هنا أباح عن عيوب طريقة ماركس في الإقتباس) وهناك القليل جداً لفهمها ، فعندما تكون هناك قضايا حول الحقيقة أو الوصف ، فالإقتباسات من الكتب الإنكليزية الزرقاء (وغالباً كتب إعلانات تقدم إحصائيات ..) على سبيل التمثيل ، والتي قدمت شاهداً أو برهان توثيقي . ولكن هذا الحال يكون مختلفاً عند إقتباس آراء نظرية لعدد من الإقتصاديين الآخرين . وهنا إن الإقتباس تطلع إلى بيان أين ومتى وبواسطة من تم إدراك الفكرة الإقتصادية ، وهي في حالة تطور وكانت واضحة أولاً في المنصوص عليها [86].

  وفي نهاية هذا التقديم للطبعة الألمانية الثالثة ، الذي كتبه ” فردريك أنجلز ” إلى كتاب رأس المال : نقد الفكر السياسي ، تحول ” إنجلز ” صوب طرف آخر من نقده المكشوف لعضيده ” كارل ماركس ” ، فأفاد ” وهنا فأن الإعتبار الوحيد ، هو الفهم الإقتصادي في السؤال ، والذي يجب أن يكون له بعض الدلالات في تاريخ العلم . وربما هذا التعبير له ملائمة أكثر (أو أقل) في التعبير النظري للموقف الإقتصادي في عصره (أي عصر ماركس) . وسواء إن هذا الفهم لازال يمتلك نوعاً من الصدقية المطلقة (أو النسبية) من زاوية المؤلف (والمؤلف هو ماركس) . أو سواء إنها دخلت تماماً في ذمة التاريخ (وجزء من ذاكرة الماضي)” [87].

   ومُسك الختام في تقديم ” أنجلز ” ، هو نقد لميثديولوجيا ” كارل ماركس ” وبالتحديد في وظيفة الإقتباسات التي تداولها ” ماركس ” في النشرة الثالثة للطبعة الألمانية لرائعته ” رأس المال ” ، والتي وجد فيها ” أنجلز ” ، ” إنها إقتباسات كانت تشتغل لتقديم شروح للنص ، شروح تم إقتباسها من تاريخ علم الإقتصاد ، والتي بدورها كونت معطيات لعبت دوراً في إنجاز تقدم كبير لصالح النظرية الإقتصادية . وهذا كان أمراً ضرورياً في مضمار العلم ، والذي منح في الوقت ذاته مؤرخو العلم درجات من التسامي والعلو ، وأن يميزوا أنفسهم من الوصوليين المسكونيين بالجهل المتحيز[88].

مقدمة إنجلز للنشرة الإنكليزية الأولى : لماذا تأخرت ؟

   في الواقع إن لهذه النشرة تاريخ ، بدأ في حياة ماركس ، والذي عمل بكل جد لظهورها في حياته . وفعلاً فقد تحدث عنها مع زميله المترجم ” صامويل مور ” الذي تعهد بدوره من أجل إنجازها . إلا إن موت ” ماركس ” جاء سريعاً فعطل هذه النشرة . ومن ثم جدد إنجلز العمل على نشرها ، ومن ثم حث السير والهمم لإكمالها بسرعة .  والحقيقة إن أطرافاً من قصتها تحكيها مقدمة ” إنجلز ” للنشرة الإنكليزية الحالية لكتاب ” ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي والتي صدرت عام 1886 [89]. فمن الملاحظ إن ” إنجلز ” رفع في بداية المقدمة سؤالاً في غاية الأهمية من الطرف التاريخي لكتاب ” رأس المال ” . وسؤال ” أنجلز ” كان ؛ لماذا تأخرت النشرة الإنكليزية لكتاب رأس المال حتى هذا التأريخ ؟[90]. وأحسب إن أطرافاً من الأجابة على هذا السؤال ، يتحمل مسؤوليتها ” أنجلز ” فهو يتقنُ الإنكليزية والألمانية والفرنسية على حد سواء ، بل ويذكر الباحث ” بول لافيرجو ” في مقاله الذي نشره في عام 1905 أي بعد عشر سنوات من موت ” إنجلز ” وهي شهادة تاريخية جداً مهمة ، خصوصاً إن هناك عدداً من الأحياء الذين عاصروا ” إنجلز ” ، فقد أشار إلى إن ” أنجلز ” ” يتقن أكثر من عشرين لغة [91]. ويبدو من جهة أخرى إن ” ماركس ” يتحمل أطرافاً أخرى من هذه المسؤولية كذلك ، فقد كان يتقنُ الألمانية والفرنسية ومن ثم الأنكليزية وهذا الإشكال ربما سنجد له أسبابه . فمن المعروف أن كلاً من ” إنجلز ” ومن ثم ” ماركس ” عاشا في بريطانيا ردحاً من الزمن قبل أن يبدأ ” ماركس ” كتابة رأس المال . فمثلاً أن ” أنجلز ” وصل إليها ، وبالتحديد إلى مدينة مانشستر في عام 1842 أي قبل نشرة رأس المال بحدود الخمسة والعشرين سنة [92]. ومن طرف ” ماركس ” فقد وصل بريطانيا عام 1849 أي قبل كتابة ” رأس المال ” بحدود الثمانية عشرة سنة [93]. كما إن العضيد إنجلز كان سباقاً على ماركس في الكتابة في مضمار الإقتصاد ، وخصوصاً في مضمار نقد الإقتصاد السياسي .

   إستهل ” إنجلز ” المقدمة بالإشارة إلى إن هذه النشرة الإنكليزية لا تحتاج إلى الدفاع ، وإنما على العكس تتطلب التوضيح وبيان ” لمذا تأخرت لحد الآن ؟ ” وخصوصاً بعد شيوع نظريات في السنوات الماضية ، بعضها يُدافع عن كتاب رأس المال ، وبعضها يُهاجمه ، بعضها قدم تفسيراً لطرفه ، والآخر أساء تفسيره ووقع في دائرة التدجيل ، وبعضها نشرته مجلات دورية ، وبعضها صدر من دوائر الآدب الراهن وفي كل من إنكلترا وأمريكا [94].

   ومن ثم ألقى ” إنجلز ” الضوء على الظروف الملحة لتوافر نشرة إنكليزية لكتاب رأس المال : نقد اللإقتصاد السياسي ، وكان في مقدمتها ” موت ماركس ” عام 1883 ، وهو ظرف جديد يتطلب بإلحاح على ضرورة توافر نشرة إنكليزية حقيقية لهذه الرائعة الإقتصادية الماركسية . والواقع إن النشرة الإنكليزية لم يُترجمها ” ماركس ” ولم يُترجمها عضيده ” إنجلز ” وهذه قضية تُلفت الأنظار .

   والواقع إن ترجمة ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” قام بها حسب شهادة ” إنجلز ” السيد ” صامويل مور ” والذي ترجم القسم الأول أما القسم الثاني فله قصة سنقرأها فيما بعد . و” صامويل مور ” كان صديقاً لكارل ماركس وإنجلز لسنوات عديدة . وبالطبع السيد مور بعد سنتين من ترجمة القسم الأول من رأس المال ، ترجم كذلك البيان الشيوعي إلى الإنكليزية عام 1888 وبالتعاون مع ” فردريك أنجلز “) والذي صدر بالإنكليزية بعد أربعين سنة من ظهوره بالإلمانية وظهرت النشرة الإنكليزية بعد موت ماركس بخمسة سنوات فقط . والسيد ” مور ” هو كاتب معاصر ، وفي شخصيته ” الكثير من الإيجابيات ، وعلى حد تعبير إنجلز ربما لا أحد أكثر منه إلماماً بكتاب رأس المال بحد ذاته .

  وفعلاً فقد تعهد السيد ” مور ” بالترجمة ، ولما كانت ترجمته حرفية ، فإن ” ماركس ” كان حساساً ويسكنه بعض القلق ، في وضع هذه الترجمة بيد الجمهور . أما من طرفي (أي أنجلز) فسأقوم بمقارنة ترجمة السيد ” مور ” بالعمل الأصلي . وبالطبع سأقترح عليه تغييرات في الترجمة . وفي الوقت ذاته وجدنا إن مهام السيد ” مور ” المهنية ستمنعه من إكمال الترجمة . وبسرعة كما تمنينا فقد قبلنا بتعهد الدكتور إفيلنج بترجمة أجزاء من العمل (رأس المال) [95].

  ومن ثم أشار في الوقت ذاته إلى السيدة إفيلنج ( وهي البنت الصغرى لكارل ماركس) وحسب خطاب ” إنجلز ” هي التي قامت بالتدقيق في نصوص رأس المال في النشرة الألمانية ، ووجدت إنه أخذها من مؤلفين إنكليز ، وبالتحديد من نشرات الكتب الزرقاء ، والتي ترجمها ” ماركس ” من الإنكليزية إلى الألمانية ، وتم إنجازُها مع بعض الإستثناءات ” [96]. وهذه الإشارة من قبل ” إنجلز ” إلى بنت ماركس ، السيدة إيلينور صاحبة (أو زوجة) أدورد إفيلنج الذي ترجم أجزاء من رأس المال إلى الإنكليزية تحملنا على التدقيق فيها ، ولاحظنا الحقائق الآتية :

أولاً – إن ماركس لم يُكلف ” إنجلز ” بمهمة العناية بنشر مخطوطاته غير الكاملة ، أو العناية بالترجمة الإنكيزية لرائعته رأس المال (وهذا ما يتعارض وكلام إنجلز) .

ثانياً – إنما وجدنا إن ماركس حمل قبيل موته إبنته ” إيلينور ” بمسؤولية الإشراف على منشوراته وقد وثقت ذلك في كتاب سبارتكوس التربوي [97].

ثالثاً – إن علاقة إيلينور ماركس وصاحبها الدكتور آدورد إفيلنج كانت جداً قوية بإنجلز . والشاهد على ذلك إن إفيلنج قام بترجمة كتاب ” أنجلز ” المعنون ” الإشتراكية الطوباوية والعلمية . وهذا الكتاب له قصة ، فقد نشره ” إنجلز ” بالألمانية في حياة ” ماركس ” ، وبالتحديد قبل موت ” ماركس ” بخمس سنوات ، وبعنوان ” ضد دهرنك ” عام 1878 وهو كتاب ضد الفيلسوف الألماني والإقتصادي والإشتراكي يوجين دهرنك (1833 – 1921) ، ومن ثم بعنوان ” الإشتراكية الطوباوية والعلمية ”  والذي ترجم إلى الإنكليزية عام 1892 ، وهو في الأصل الفصوله الثلاثة الأولى التي تم إنتزاعها ونشرها من كتاب ” ضد دهرنك ” [98]. والحقيقة إن ” يوجين دهرنك ” ناقد عنيد للماركسية ، ومن أهم أعماله المبكرة ، كتابه المعنون ” رأس المال والعمل ” والذي نشره عام 1865 أي قبل نشر ” ماركس ” لرائعة ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” بحدود السنتين من الزمن . وهذا الحال يحملنا على المطالبة بإجراء دراسة نقدية لكتاب ماركس ” رأس المال ” من زاوية ” كتاب ” يوجين دهرنك ” والمعنون ” رأس المال والعمل [99].

  وعودة إلى مقدمة ” فردريك أنجلز ” للنشرة الإنكليزية لرائعة ” ماركس ” والتي نشرها إنجلز عام 1886 . فإننا نقف عند عتبات طرف أخر من الترجمة التي أنجزها الدكتور إفيلنج لأقسام من كتاب ” رأس المال ” والتي جاءت بالشكل الآتي :

1 – الفصول العاشر والمعنون ” يوم العمل ” ، والحادي عشر والمعنون ” النسبة وإجمال فائض القيمة ” .

2 – القسم السادس وبعنوان (الإجور) والذي يتألف من الفصول التاسع عشر وحتى الثاني والعشرين ) .

3 – من الفصل الرابع والعشرين ، القسم الرابع وبعنوان ” الظروف الخ .. ” وحتى نهاية الكتاب ، فإنه يضم الجزء الأخير من الفصل الرابع والعشرين .. الفصل الخامس والعشرين ، والقسم الثامن بمجمله ، الفصول السادس والعشرين وحتى الثالث والثلاثين .

4 – ضم مقدمتين (للترجمتين) .

  والبقية من الكتاب ترجمها السيد مور . وإن كل واحد من المترجمين كان مسؤولاً قانونياً عن القسم الذي قام بترجمته . وأنا (أنجلز) ” أتحمل المسؤولية المشتركة لمجمل الكتاب ” [100].

 ونحسبُ من النافع الإشارة إلى ” أنجلز ” لم يتردد من إخبار الباحثين والقراء بحقيقة ميثديولوجية تخص جوهر النشرة الحالية ، وهي تخص الأساس الذي تم الإستناد إليه في إنشاء النشرة الإنكليزية لكتاب رأس المال ، وهي القاعدة ذاتها ” للنشرة الألمانية الثالثة ، والتي تم ترتيبها بمساعدة المؤلف (أي ماركس) عام 1883 ، ومن خلال الملاحظات التي خلفها وراءه ، والتي دللت على إن بعض المقاطع من النشرة الثانية قد تم تغييرها بمقاطع جديدة، وبالتحديد هذا حدث إثناء إعداد نشرة النص الفرنسي عام 1873 [101]. وبالطبع هذه التغييرات قد أثرت على النص في النشرة الثانية ، والتي تم إعتمادها على العموم ، مع تغييرات عينها ماركس في مجموعة التعليمات التي وجهها إلى السيد مور للترجمة الإنكليزية التي كان يُخطط لها ، وبالتحديد قبل عشر سنوات مضت . وفي أمريكا تم إغفالها بصورة رئيسية تماشياً مع رغبة المترجم ” [102].

  ومن زاوية الطرف التاريخي المعني برصد ما جرى على ترجمات ونشرات رائعة ” ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، يحملنا على القول إن إنجلز هنا يتكلم عن وجود ترجمات إنكليزية آخرى لكتاب رأس المال حدثت في أمريكا ، وإن مصداقية ذلك ستبينها بعض التفاصيل في مقدمة ” إنجلز ” للنشرة الإنكليزية التي قام بترجمتها تعهداً كلاً من السيد صماويل مور ، والدكتور أدورد إفيلنج .

  وفي عتبات من المقدمة التي كتبها إنجلز للنشرة الإنكليزية ، أشار إلى صديق له في أمريكا ، وبالتحديد في هوبكن ، وهي مهمة جداً ، وذلك من حيث إن فيها كشف عن حقيقة النشرة الأمريكية ، فأشار إلى أن ” صديقنا السيد ” أف . أي . سورجي ” من ” هوبكن . ن . ج ” قد وضع بعض الإضافات محل الترتيبات التي قام بها السيد مور … ” . ونحسب هذه الإشارة إلى الصديق سورجي في مقدمة ” فردريك إنجلز ” ، فيها تدليس وغموض ، وتحتاج إلى بحث وتنقيب في شخصية الصديق سورجي للكشف عن المضموم وراء إشارة إنجلز المقتضبة الغامضة . ونظن إن السيد إنجلز قد صاغها بعناية لإخفاء حقيقة وراء النشرة الإنكليزية لكتاب رأس المال في أمريكا . وفعلاً فإن البحث عن شخصية الصديق سورجي قادتنا لطرف مضموم من تاريخ النشرة الإنكليزية لرائعة ” كارل ماركس ” رأس المال .

  وهنا ولأول مرة على الأقل في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة ، نكشف عن المضموم في نشرة السيد فردريك إنجلز ، التي أشرف عليها ، وبالصورة الآتية :

أولاً – إن نشرة رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، التي ترجمها إلى الإنكليزية كل من صماويل مور والدكتور أدورد إفيلنج ، وأشرف عليها العضيد إنجلز . لم تكن الأولى على الإطلاق ، وإنما تقدمت عليها نشرة بالإنكليزية ، وصدرت في أمريكا ، وبعنوان ” مختارات من رأس المال لكارل ماركس [103].

ثانياً – قام بترجمتها السيد أوتا ويدمير

ثالثاً – تم نشر الكتاب في أمريكا ، وبالتحديد في هوبكن - نيوجرسي .

رابعاً – إن هذه النشرة الأمريكية (وبالطبع ترجمتها) تقدمت على النشرة الإنكليزية التي أشرف عليها ” فردريك إنجلز ” والتي صدرت عام 1886 ، بحدود الإحد عشر سنة ، فقد صدرت في أمريكا عام 1875 . وبهذا مسكنا بسر سكوت ” إنجلز ” عن تقديم تفاصيل كافية عن النشرة الأمريكية لكتيب صغير (لم تتجاوز صفحاته 42 صفحة) وبعنوان ” مختارات رأس المال لكارل ماركس ” والذي قام بترجمته السيد أوتا ويدمير [104]، وأشرف عليها الصديق فردريك آدولف سورجي (1828 – 1906) . وهو شيوعي ألماني ، هرب إلى الولايات المتحدة ، ولعب دوراً في حركة العمل (العمال) الأمريكية . وهو في الأصل من الثوار الألمان عام 1848 وكان عمره يومذاك تسعة عشر ربيعاً ، وحكم عليه بالموت بألمانيا ، فهرب إلى بلدان أوربية مختلفة ، ومن ثم إستقر في لندن وأصيب بالكوليرا ، وبعد شفاءه سافر بحراً إلى نيويورك ، ووصلها عام 1852 ، وعمل معلماً للموسيقى ، وتزوج وإستقر في هوبكن – نيوجرسي . وفي عام 1857 إلتحق بكل من ” ألبرت كومب ” والذي كان يُراسل ماركس ، و ” فيرتز جاكوبي ” وشكلوا ” النادي الشيوعي في نيويورك ” وهو نادي ثقافي يعمل على إنهاء العبودية .

  وتحول سورجي إلى ناشط إشتراكي في عام 1865 ، ومن ثم تحول بعد الحرب الأهلية الأمريكية إلى واحد من المناصرين القيادين لوجهة نظر ماركس في الولايات المتحدة الأمريكية . وفعلاً فإن ” سورجي ” راسل ماركس بإنتظام ، وبالتحديد خلال الستينات من القرن التاسع عشر (1860) وحتى وفاة ماركس عام 1883 . وإنجلز بدوره زار سورجي في هوبكن عام 1888 ، وبعدها تقاعد سورجي من السياسة . وساهم سورجي في الكتابة في المجلة الماركسية الألمانية منذ عام 1891 وحتى عام 1898 ، ووفقاً لشهادة الدكتور أدورد إفيلنج (خطيب إبنة ماركس ومترجم جزء من رأس المال إلى الإنكليزية) ؛ إن ” سورجي واحد من المقربين ، بل وصديق حميم ، في السنوات الآخيرة لكل من ماركس وإنجلز [105].

   ومن ثم نعود إلى نشرة إنجلز الإنكليزية 1886 لنكشف عن إفاداته الأخرى الخاصة بهذه النشرة . وهذه المرة ركز إنجلز على الحدود (منا : وهي المفاهيم الأولية في العلوم المختلفة) وهو بالطبع طرف من مضمار لغة كتاب رأس المال . فأشار إلى أن واحدة من الصعوبات في “رأس المال ” ، هي الحدود وهذه مشكلة تواجهها جميع العلوم ، وبالتحديد في مضمار اللغة . واللغة تتألف من حدود معينة ، وفي ميدان العلوم إن الحدود لها معاني متنوعة تختلف مما هي عليه في التداول والإستعمال الشائع لها . وهذا الحال لا يقتصر على الحياة العامة اليومية وحسب ، بل يشمل الإقتصاد السياسي . ويرى إنجلز إن هذه القضية ليس في الإمكان تجاهلها أو تجنبها . فمثلاً إن كل العلوم تواجه ثورة في الحدود التقنية ، وهذا الأمر يمكن ملاحظته في أحسن الأحوال في مضمار الكيمياء ، حيث إن مجمل حدودها تتغير راديكالياً (منا : جذرياً) كل عشرين سنة . حيث من الصعوبة إن تجد ” مركب عضوي ” واحد يظل مستقر على حال ثابت ، بل يتعرض دائماً إلى التغيير ، وتجري عليه تبديلات متنوعة ، وتُستخدم للتعبير عنه سلسلة من الأسماء المختلفة . وفي مضمار الإقتصاد السياسي يظن إنجلز إنه في الإمكان السيطرة على هذه الحال . فمثلاً الحدود في الحياة الصناعية والتجارية يمكن أن تعمل ، ولكن قد تتعرض إلى العطالة ويمسها الفشل عند التداول والإستخدام . أو تقتصر بحد ذاتها في التعامل مع دائرة ضيقة من الأفكار التي ترتبط بهذه الحدود (أو المفاهيم) [106].

  ومن الملاحظ على ميثديولوجيا ” إنجلز ” ، إنها توقفت عن الحديث عن مضمار الحدود العام (ويبدو لنا إن قطعاً قد حدث في عبارة إنجلز) ، وتحولت للحديث عن مضامين وأمثلة إقتصادية ، دون أي تقديم تمهيدي لهذا التحول بحيث يربط السابق باللاحق . فتحدث إنجلز وفي كلامه نقداً للإقتصاد السياسي الكلاسيكي  فقال موضحاً : ” وهكذا فبالرغم من الوعي الكامل بأن هناك أرباح وريع ، وإن هناك تقسيمات فرعية من مثل أجزاء من القسم المنتوج ، والتي تتطلب من العامل أن يقوم بتوفيرها إلى رب العمل (هو المستولي الأول ، رغم إنه لم يكن المالك الوحيد) . ولحد الآن فإن الإقتصاد السياسي الكلاسيكي لم يتقدم خطوة إلى الأمام بالمفاهيم التي كانت متداولة حول الإرباح والريع ، بل ولم يفحص ويُدقق بالجزء غير المدفوع (منا أجره) من المنتوج ( والذي يطلق عليه ماركس فائض المنتوج) .. ولذلك لم يتمكن (منا الإقتصاد السياسي الكلاسيكي) من الوصول إلى فهم شامل ، سواء لإصوله وطبيعته ، أو (لفهم) قوانين تنظيم التوزيع اللاحق لقيمته [107].  

  وبطريقة مشابهة حسب شهادة ” إنجلز ” هذا ما حدث نتيجة للثورة الصناعية في كل من بريطانيا وفرنسا على الأقل وبصورة أقل في ألمانيا ، ومن خلال مقارنته للإقتصاد في فترة التصنيع التقليدي ، فإنه ذهب مُعلقاً ومقارناً بين فترتين مهمتين في تاريخ الإقتصاد الغربي ، فأفاد ” وبطريقة مشابهة فإن كل المصانع ، وليس الزراعة والحرف ، دون تمييز قد تم ضمها إلى حدود ” التصنيع ” . ولذلك تم الخلط بين فترتين كبيرتين من تاريخ الإقتصاد ، وهما بالطبع فترتان مختلفتان جوهرياً ؛ فترة التصنيع التقليدي ، والتي تنهض على تقسيم العمل اليدوي . وفترة التصنيع الحديث ، التي تنهض على إستخدام المكننة (المكائن الحديثة) وهذه شهادة على الإنتاج الرأسمالي الحديث ، وهي مرحلة مهمة في تاريخ الإقتصاد الذي عاشته الإنسانية . وعلى هذه الأساس ينبغي تداول حدود مختلفة (منا : ألف باء لغة إقتصادية جديدة) وبالطبع تختلف عن الحدود المألوفة التي إعتاد الكتاب التقليديين تداولها في نصوصهم وكتاباتهم . وهذا دليل واضح على إن النظرية التي تُراجع الإنتاج الرأسمالي الحديث قد تجاوزت مرحلة من تاريخ البشرية ، وهي المرحلة التي ترى إن صورة الإنتاج في عصرها خالدة ونهائية [108].

  ومن ثم يُنبه ” إنجلز ” إلى طريقة الإقتباس ، التي تداولها ماركس مرة أخرى . وبالطبع هنا نقدُ منهجي من العضيد ” إنجلز ” إلى العضيد ” ماركس ” ، فيقول ” ومع الإحترام لطريقة المؤلف في الإقتباس ، فهي في الواقع ليست خارج المكان . بل إن الإقتباسات في معظم الحالات قد تم توظيفها على شكل دليل توثيقي لدعم التأكيدات التي صُنعت في النص . ولكن في العديد من الأمثلة فإن النصوص التي تم إقتباسها من الكُتاب الإقتصاديين ، كان الغرض منها أن تدل على زمان ومكان وشخصية الكاتب الذي تداول هذه القضايا لأول مرة في النصوص  . وفعلاً فإن هذا تم إنجازه في حالات من الإقتباسات ، وفي أماكن أكثر أهمية (أو أقل) وفي تعابير أكثر ملائمة في شروط الإنتاج الإشتراكي ، كما وفي التبادل السائد في ذلك الوقت . وبصرف النظر من إعتراف ماركس بسلامتها ، فإن هذه الإقتباسات كونت بحد ذاتها ملاحق إضافية للنص ، وكونت مضماراً شارحاً لها ، وهي مستمدة من تاريخ العلم [109].

  ويبدو لنا إن لغة الخطاب في التقديم الذي كتبه ” إنجلز ” للنشرة الإنكليزية ، فيه إشكال للباحث الأكاديمي ، فهو خطاب يُعاني من إعتلال في تسمية الإشياء بمسمياتها . مثلاً إن ” إنجلز ” لم يكن مترجماً لكتاب رأس المال وهذا حق . وإن المترجمين هما كل من الصديق الوفي مور الذي ترجم الجزء الأول من المجلد الأول ، والدكتور البايولوجي وخطيب بنت ماركس ” أدورد إفيلنج ” الذي ترجم الجزء الثاني من المجلد الأول وهذا حق يعرفه ” إنجلز ” ، ويعرفه المترجمان و تعرفه بنت ماركس ” إيلينور ” بصورة مطلقة . والذي حدث هو إن ” أنجلز ” تكلم في مقدمته للنشرة الإنكليزية بضمير الجماعة ، فمرر الإشكال الإغلوطة بوعي أو دون وعي . وبحس ميثديولوجي أكاديمي نُنبه ونُلفت الأنظار إليه ونُسجل تحفظنا عليه ، حيث قال ” إنجلز ” وهو يفصل بأطراف من هموم النشرة الإنكليزية ، فأفاد ” وترجمتنا [110] والحقيقة هي ليست على الإطلاق ” ترجمتنا ” . وإنما هي ترجمة كل من ” الصديق الوفي صماويل مور ” و” الدكتور أدورد إفيلنج ” ، وهي حسب خطاب ” إنجلز ” تتألف من ” الكتاب الأول فقط (منا : والأدق المجلد الأول) . والكتاب الأول هو ميزان بالغ الأهمية للعمل كله (منا : أي رائعة رأس المال بمجلداتها الثلاث) والذي ظل (منا : أي المجلد الأول) لمدة عشرين سنة عملاً مستقلاً بحد ذاته . أما الكتاب الثاني (منا : أي المجلد الثاني) فقد قمت بطبعه (منا : أي أنجلز) بالألمانية في عام 1885 (منا : أي بعد وفاة ماركس بسنتين) . وهو بالتأكيد ظل عملاً ناقصاً دون نشر المجلد الثالث ، والذي لم يُنشر قبل نهاية عام 1887 . وفعلاً فإن الكتاب الثالث ظهر إلى الأنظار بطبعته الألمانية الأصلية . ولهذا أصبح من المناسب التفكير ، في إعدادهما لنشرة إنكليزية سوية [111].

  ولعل من النافع أن نُخبر القارئ العربي ، بحقيقة تخص ” إنجلز ” ورائعة ” ماركس ” رأس المال . فهو عندما يتحدث عن رأس المال ، فهو حديث له خصوصيته ، وبالتحديد حديث عن جمهور القارة (أي القارة الأوربية) ، ومن ثم بيان كيف تعامل هذا الجمهور مع هذه الرائعة الإقتصادية الماركسية ، فأفاد ” إعتاد الجمهور في القارة (منا : الأوربية) أن يطلق على كتاب رأس المال : إنجيل الطبقة العاملة ” (لا تنسى بإن هذه العبارة هي عبارة إنجلز كما بينا أعلاه). وهذه هي النتائج التي وصل إليها هذا العمل ، وأصبحت يوماً بعد يوم مبادئ أساسية لحركة الطبقة العاملة (العظيمة : هكذا جاءت في خطاب إنجلز) ، ليس في إلمانيا وسويسرا فقط ، بل وفي فرنسا وهولندا وبلجيكا وأمريكا ، وحتى في إيطاليا وأسبانيا ، وفي كل مكان تم الإعتراف بها أكثر فأكثر . وفي ظل هذه الأحوال أصبح شائعاً تداول التعابير التي تصف شروط الطبقة العاملة وطموحاتها . ولا أحد ممكن له أن يتجاهل حركتها .

  أما في إنكلترا فالحال كذلك ، فإن نظريات ماركس وحتى هذه اللحظة تُمارس تأثيراً قوياً على الحركة الإشتراكية ، التي إنتشرت وتحولت إلى ثقافة جماهيرية ، والتي من طرفها لم تقل شأناً عن ثقافة الطبقة العاملة . وهذا بالطبع ليس كل شئ ، فكلما أخذ الزمن يقترب بسرعة ، بدأت مثابرات الفحص والتدقيق في وضع الإقتصاد الإنكليزي ، والذي فرض نفسه ” ضرورة قومية ” لا يمكن مقاومتها . ومن ثم أصبح عمل النظام الصناعي في هذا البلد غير ممكن دون تسارع الإنتاج وبوتائر ثابتة ، وإن التوقف سينتهي بالإسواق إلى النهاية الميتة ” [112].

  ومن ثم لفت ” إنجلز ” في مقدمته لهذه النشرة الإنكليزية الأولى لكتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، الأنظار إلى حقيقة تخص التجارة ، وهو الطرف الإقتصادي المهم من التصنيع ، فذهب مُعلقاً ، فأفاد : إن ” التجارة الحرة إستنفذت مصادرها ؛ وإن الشكوك في مدينة مانشستر كان معينها الإنجيل الإقتصادي القديم [113]. أما واقع ” الصناعة الأجنبية فقد تطورت بوتائر سريعة ، وإن نجوم الإنتاج الإنكليزي (منا : تراهم) أمام أنظار الجميع في كل مكان . وإنه لم يكن انتاجاً محمياً ، بل والأهم أن تكون الأسواق محايدة كذلك ، وهذا يشمل هذا الجُرف من القنال . بينما القوى الإنتاجية تتزايد بنسبة هندسية ، في حين توسعت الأسواق بنسبة حسابية في أحسن الأحوال . كما أن الدورة العشرية (منا : الدورة الإقتصادية كل عشر سنوات) فهي (منا : محكومة بمحطاتها الآتية :) حالة ركود ، إزدهار ، تضخم في الإنتاج ، وإزمة (ومن ثم) إرتداد بإتجاه معاكس (وهذا حدث) منذ عام 1825 وحتى عام 1867 . ويبدو حقاً إنه مسار فاعل ، غير إنه وضعنا في مستنقع اليأس الدائم والكساد المزمن . وأخذت تتصاعد الحسرات على فترة الإزدهار والتي ربما لا تأتي مرة أخرى ، إلا إننا ندرك تباشير أعراضها ، والتي تطايرت ومن ثم تلاشت في الفضاء ” [114].

   وبعد ذلك وصل ” إنجلز ” إلى النتائج التي لا يتمنى أن يسمعها الجميع ، ولكن فيها تباشير آمل عريض للطبقة العاملة ، وخصوصاً للعاطلين منهم عن العمل . فقال : ” وفي كل شتاء قادم ، سيتجدد معه الإنتباه إلى السؤال القائل ؛ اذن ماذا سنعمل للبطالة ؟ وفعلاً فإن أعداد العاطلين عن العمل تتضخم من سنة إلى سنة ، وليس يتوافر عند أحد الجواب على ذلك السؤال . وإننا على الأغلب نتوقع اللحظة التي سيفقد فيها العاطلون عن العمل صبرهم ، ويُقرروا إمتلاك مصيرهم بأيديهم ، وبالتأكيد عند عتبات هذه اللحظة ، سيدوي صوتهم ، والذي ينبغي الإستماع إليه ، وهو بحد ذاته نظرية شاملة ، جاءت خلاصة لدراسة طويلة الآمد لتاريخ الإقتصاد وشروط إنكلترا ، وبالطبع هي النظرية التي ستقود إلى المصير المحتوم ، وهو أن أوربا على الأقل ، وإن إنكلترا هي البلد الوحيد الذي سيكون أرض الثورة الإشتراكية المحتومة . وبالتأكيد ستترك آثارها على الوسائل القانونية والسلمية . ويقيناً إنه لم ينسى (أحسبُ إنه يتحدث عن العضيد ماركس) أن يضيف إلى إنه من الصعوبة بمكان أن الطبقات الحاكمة ستُسلم أمرها بسهولة دون ” تمرد مناصر للعبودية ” . وهذه هي الثورة القانونية والسلمية[115].

مقدمة أنجلز للنشرة الألمانية الرابعة لرأس المال : بذور الخلاف  

  تأتي هذه المقدمة التي كتبها إنجلز لمقدمة النشرة الألمانية الرابعة ، والتي صدرت عام 1890 لتدشن مرحلة من مراحل التطور التي مر بها كتاب ” ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . وهي على هذا الأساس وثيقة تاريخية لذلك نحسبُ تُسجل تاريخ نمو وتطور الإفكار بين ماركس وإنجلز وهذا هو الطرف الأول . والطرف الثاني والأكثر أهمية ، هو بيان فهم إنجلز المتفرد ، والذي بدأت تباشيره تحمل بذور مخالفة خفيفة للعضيد ماركس . وهذا ما حاولنا إلقاء الضوء عليه خصوصاً بُعيد موت العضيد ” ماركس ” ولحظة تحرر ” إنجلز ” من  هالته الإسطورية المقدسة . ولكن الباحث الأكاديمي لاحظ إن لحظة التحرر والإنعتاق من سطوة ” ماركس ” وهالته الكرازمية لم تحدث على الإطلاق ، بل ظلت تٌقيد حركة ” إنجلز ” والشاهد على ذلك إن إنجلز كان متردداً بين الخضوع لشبح ماركس الرابض أمامه وبين لحظات الإنعتاق وهي لحظات نادرة ومحدودة . فمن المعروف إن ماركس فارق عالم إنجلز . إلا إن ماركس ظل شبحه متجسداً لأنجلز في شخصية إبنة ماركس إيلينور وصاحبها الدكتور آدور إفلينج (وهم ورثة ماركس الأحياء) . وهكذا كان قدر العضيد إنجلز الذي غالبه مرض سرطان الحنجرة وحتى مات عام 1895 . وبعد موت إنجلز سار القدر في إتجاه معاكس لوصية ماركس ، فقد أقدمت إيلنور إبنة ماركس على الإنتحار وهي وصيته الشرعية بتكليف قانوني من ماركس على كتاباته ومشاريعه غير المنشورة . وهذا الإنتحار جاء سريعاً ، وبالتحديد بعد موت العضيد أنجلز بسنتين (أي عام 1898) وبعد أربعة أشهر مات الدكتور إفلينج . وهكذا أشر موتهم نهاية محطة مهمة من تاريخ عملية نشر رائعة ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” . ولكنها بالتأكيد ليست المحطة الأخيرة . وإنما سيتحمل المهمة بعدهم المنظر الماركسي كارل كاوتسكي ، وسيقوم بمهمة نشر المجلد الرابع من رأس المال . وهذه قصة سنقرأ أطرافها فيما بعد .

  ولعل أهمية هذه المقدمة ، إنها جاءت بعد موت ” ماركس ” بسبع سنوات . وفيها إستهل ” أنجلز ” هذه المقدمة بإعلان أشار فيه إلى ” أن الطبعة الرابعة الألمانية تطلبت إنشاء الصورة النهائية (أي التقريبية الممكنة) لكل من النص والهوامش . وهنا نُقدم شرحاً للخطوات التي تم تنفيذها لإنجاز هذه المهمة . وفعلاً فبعد مقارنة النشرة الفرنسية مع ملاحظات ماركس على المخطوطة . قمت (أي أنجلز) بعمل بعض الإضافات المهمة على النص الألماني من تلك الترجمة . وفي الإمكان ملاحظة ذلك على الطبعة الحالية ص 80 (الطبعة الثالثة ، ص 88) والطبعة الحالية ، ص ص 117 – 118 ، ص ص 458 – 460 (الطبعة الثالثة ، ص ص 509 – 510) والطبعة الحالية ، ص ص 462 – 465 [116]، ص ص 547 – 551 (والطبعة الثالثة ، ص 600) والطبعة الحالية ، ص ص 548 – 551 ، ص ص 591 -593 (الطبعة الثالثة ، ص 644) والطبعة الحالية ، ص ص 587 – 589 و ص 596 (الطبعة الثالثة ، ص 648) والطبعة الحالية ، ص 591 في الهامش (1) [117].

  ومن ثم يُتابع ” فردريك أنجلز ” في حديثه عما جرى للنشرة الألمانية الرابعة ، وبالتحديد ما فعله في إنشاء نصها والإضافات التي أنجزها ، فذهب مُخبراً الباحث والقارئ الذي يتطلع إلى قراءة كتاب ” كارل ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” إلى الإنتباه إلى الطرف التاريخي الذي مرت به نشرات ” رأس المال ” وما جرى على النص وما حدث في الهوامش ، فقال : ” وأنا (أي أنجلز) فقد قمت مثلاً بمتابعة النشرتين الفرنسية والإنكليزية ، ووضعت هوامش طويلة لبضعة مقاطع من النص الأصلي ، مثالاً على ذلك (الطبعة الثالثة ، ص ص 509 – 515 ، والطبعة الرابعة ، ص ص 461 – 467) والطبعة الحالية ، ص ص 465 – 471 . كما وإن هناك بعض التغييرات الطفيفة تم القيام بها ، والتي كانت ذات طبيعة تقنية . وأكثر من ذلك ، فقد أضفت بعض الملاحظات التوضحية ، خصوصاً عندما تعرضت الشروط التاريخية إلى التغيير ، والتي تطلبت مثل هذه الملاحظات . وجميع هذه الملاحظات وضعناها في داخل مربعات ، في حين وضعنا علامة على ملاحظات آخرى تحمل حروف دالة على إسمي (أي إسم إنجلز) [118].

  وأباح ” إنجلز ” عن المصادر التي إعتمدها في التحضير للنشرة الرابعة ، وكذلك بين حجم المساعدة التي قدمتها إبنة ماركس ” إيلينور ” . ونحسبً هذه الإشارة والإعتراف بجهود ” إيلينور ” مساهمة مضيئة ، ونحن نُتابع الطرف التاريخي ، وذلك لتطور وملاحقة ما حدث على نشرات كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . فقال ” بينما التنقيح الكامل للإقتباسات المتنوعة ، والتي كانت ضرورية ، فقد تم إعتمادها من النشرة الإنكليزية (منا : والتي ترجمها كل من صديق ماركس الوفي صماويل مور والدكتور البايولوجي أدور إيفلينج خطيب إيلينور) . ولهذه النشرة فإن إبنة ماركس الصغيرة إيلينور ، قد تعهدت بمقارنة جميع الإقتباسات بإصولها ، التي جاءت من المصادر الإنكليزية ، وهي الغالبية العظمى منها ، والتي لم يتم إعادة ترجمتها من النشرة الألمانية ، بل من النسخة الأصلية ولأغراض التحضير للنشرة الرابعة . ولهذا كان يتحتم عليً الإستشارة بهذا النص ، الذي يحتلُ مكانة متميزة [119].

  وفعلاً فكانت إستشارة إنجلز بالنشرة الإنكليزية ، فرصة فيها حرية أكثر للعضيد ” إنجلز ” أن يوجه نقداً للعضيد ماركس ، ومن ثم تقويم عمله في النشرات المختلفة (وخصوصاً بالطرف الذي يخص النشرة الإنكليزية) . ولعل أهمية هذا النقد والتقويم للعضيد ماركس ، جاء في وقت محسوب لصالح إنجلز ، وذلك لأن إنجلز عندما قال ماقال ، كان عدد من الأحبة والمقربين من ماركس أحياء ، وهم كل من إبنته إيلينور ، وزوجها الدكتور أدورد إفيلنج والذي بدوره ترجم جزء مهم من كتاب رأس المال إلى الإنكليزية ، وصديق ماركس الوفي صامويل مور ، الذي ترجم الجزء الأول من رائعة ماركس رأس المال . وفعلاً فإن حضور هذا الإجماع زمن نشر المقدمة للطبعة الألمانية الرابعة ، يمنحها الكثير من الماصدقية ، وبالطبع يعطي نقد إنجلز التقويمي لعمل ماركس في نشرات رأس المال ، نوعاً من القبول والرضاء المشروعين .

  وبعد هذا نقف ونستمع لتقويم إنجلز النقدي ، حيث قال ” ففي المقارنة تكشفت أطراف طفيفة من عدم الدقة ، كما وأن أعداداً من الصفحات كانت صفحات مغلوطة (منا : من طرف الترقيم) . ويُعزى جزء منها إلى الإخطاء التي وقعت في الإستنساخ من كتب الملاحظات ، وربما جزء منها يعود إلى الإخطاء الطباعية في النشرات الثلاثة . وهناك إقتباسات وُضعت في أمكان غير الصحيحة ، وحُذفت منها علامات التنصيص ، وهي علامات ليس في الإمكان تجاهلها . بينما عدد هائل من الإقتباسات تم إستنساخها من كتاب الملاحظات . وكذلك فإن هنا وهناك بعض الترجمات غير السارة للكلمات ، وبالتخصيص مقاطع تم إقتباسها من كتاب الملاحظات الباريسي للفترة ما بين 1843 وحتى 1845 ” [120].   

  وتتصاعد درجات حرارة النقد الذي باشره العضيد أنجلز للعضيد ماركس . وهذه المرة تجاوزت ميثديولوجيا رأس المال ، وركزت على لغة ” ماركس ” الإنكليزية ، وفيها صوت الصدق الذي لا يشمل ماركس وحده ، وإنما فيها ما يشمل العضيد إنجلز . ولكن مع فارق ، وهو إن ماركس غائب ، وإنجلز حاضر وهو يتحدث بعد موت ماركس ، بسبع سنين فقط . ومثلما ” إنجلز ” عارف بمهارة ” ماركس ” الإنكليزية ، فإن ” ماركس ” لم يُفكر على الإطلاق بتكليف إنجلز بترجمة رأس المال إلى الإنكليزية ، ولذلك فتش عن مترجمين له ، وأخيراً كلف صماويل مور ، ومن ثم عرف مشاغل مور ، فتعهد خطيب إبنته ، الدكتور أدورد إفيلنج ، بترجمة القسم الثاني . وللقارئ نقول إضافة إلى كل ذلك فإن ” إنجلز ” لم يترجم بنفسه كتابه المعنون ” الإشتراكية : الطوباوية والعلمية ” وإنما قام بترجمته خطيب إبنة ماركس ، الدكتور إفيلنج . والشهادة الأخيرة لا تشتغل لصالح مهارة وتمكن إنجلز من الإنكليزية . وهنا يتساوى حال العضيدين في مهارات اللغة الأنكليزية التي إحتج بها إنجلز ضد ماركس .

  والحقيقة إن الباحث الأكاديمي متفهم لإطراف من دوافع العضيد إنجلز ، وهو على حق أن يغضب على العضيد ماركس ، فمن المعروف للجميع أن أنجلز كان كريماً على العضيد ماركس ، وكان مهموماً بتوفير الظروف المالية الإفضل له ، وذلك من جل أن يتفرغ للكتابة . وكان أنجلز يتوقع من ماركس التصرف بالمقابل وعلى الأقل معنوياً . إلا إن ما حدث ، هو أن ماركس قبيل موته بقليل حمل إبنته إيلينور المسؤولية الشرعية على نشرات مؤلفاته وأعماله غير المنشورة . ولهذا يتحسس القارئ ، درجات غضب أنجلز دون وعي وتنطلق دون رقابة على سطح خطابه القائل : ” وحينها لم يكن ماركس عارفاً باللغة الإنكليزية ، وأن قراءات ماركس للإقتصاديين الأنكليز ، كان يعتمد فيها على الترجمات الفرنسية . وهذا الحال خلق ترجمة مزدوجة ، كان حصيلتها ولادة معاني مختلفة بدرجات ما .. بينما النص الإنكليزي هو المتداول الآن .. ولكن كل من يُقارن النشرة الرابعة (منا : أي الألمانية) مع النشرات السابقة ، فإنه يقتنع بأن كل هذه الجهود التي بُذلت في التنقيح (أو التصحيح) لم تحدث تغييرات مشابهة في الكتاب الذي نتحدث عنه (أي كتاب رأس المال) . ويبقى هناك إقتباس واحد لم يتمُ ملاحقته بالبحث الكافي ، والذي نزل من ريتشارد جونز [121](الطبعة الرابعة ، ص 562 ، والملاحظة رقم 47) ومن المحتمل أن قلم ماركس زل عندما كتب عنوان الكتاب [122]. وكل الإقتباسات الأخرى حافظت على قوة حجتها بصورة كاملة ، أو عززتها وفقاً لحضور صورتها الدقيقة [123].

  وفعلاً إن قراءة ” إنجلز ” جاءت مستوعبة للأزمة الإعلامية والأكاديمية التي إستهدفت ” ماركس ” وميثديولوجيته في الإقتباس ، وبالطبع ليس في جميع أطرافها حق ، وإنما فيها فبراكات وتضخيم . وأولاً نحاول قراءة ماكتبه العضيد ” إنجلز ” وهذا هو المهم . يقول العضيد إنجلز في مقدمة النشرة الألمانية الرابعة (وبالطبع هي المقدمة ومن ثم النشرة التي ظهرت بعد موت ماركس بسبع سنوات ” أنا هنا ملتزم بالعودة إلى القضية القديمة ، وأنا أعرف بأن هناك حالة وحيدة ، تدور حول دقة الإقتباسات التي قدمها ماركس ، وهي القضية التي ظلت موضوع تساؤل (منا : موضوع جدل إستمر أكثر من عقد من الزمن ومات ماركس ، وبعد عقد ثان عاد إليها في مقدمته العضيد إنجلز) ولكن لما كانت القضية إنطوت مع عصر ماركس ، فأنا (أي إنجلز) لا أستطيع تجاهلها تماماً هنا [124].

  أما خصوم ” ماركس ” فهم يتربصون به ، وينتظرون زلات قلمه ومن ثم تضخيمها حقاً وباطلاً لتكون حجة عليه . وهذا فعلاً ما حدث بعد نشر رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، النشرة الألمانية الأولى بخمسة سنوات ، فقد أثيرت قضية ” عدم أمانة ماركس ” وبعنوان ” كيف يقتبس ماركس نصوصه ؟ ” وفعلاً كما يُخبرنا إنجلز في مقدمته للنشرة الألمانية الرابعة عام 1890 ، فإنه في 7 آذار عام 1872 ، وبالتحديد في برلين ، ظهرت مقالة مجهولة وحملت عنوان ” كيف ماركس يقتبس ” ، وهي قضية مؤلمة أتهم ماركس ، بعدم الآمانة ، ومزاعم الكذب وذلك بصياغة جملة كاذبة ، وعاشها لفترة أكثر من عقد من السنين ، وشاركت إبنته إيلينور في الدفاع عنه ، وتوضيح وشرح الصدق في القضية والفبركة فيها . وبالطبع ساهمت أطراف من الصحف الإنكليزية ، ودخل في أجواءها قلم أكاديمي من جامعة كيمبريدج وهو بالتأكيد إسم غير حقيقي ، وهو السيد سيدلي تايلور . وفيها طرفين ؛ طرف الصدق والحق الذي يتقاسمه ماركس والخصوم ، وطرف الفبركة والتضخيم من قبل خصوم ماركس وحدهم . فقد كانوا يراقبون ماركس بدقة ، ويقرأون ما يكتب بعناية ، ويفتشون فقط عن المناطق الرخوة في رائعته الإقتصادية السياسية رأس المال . وهنا نحن نتفق مع العضيد إنجلز في هذا الإقتباس الوحيد المُشكل ، إلا إننا على خلاف إنجلز ، نتفهم برؤية شمولية الظروف التي أحاط بهذا الإقتباس ، والإخطاء الطباعية التي صاحبت نشر خطاب مستشار الخزانة الأنكليزي السيد وليم إيورت كلادستون (1809 – 1898) [125]، الذي إقتبس منه ماركس هذا الإقتباس المشكل الوحيد ، والذي مسك به الخصوم حجة أو كما أسموها جملة ماركس الكاذبة [126].

  وفعلاً فإن إيلينور ماركس ردت في الصحيفة الشهرية “ تودي(اليوم) ” وبالتحديد في شباط عام 1884 أي بعد موت والدها بسنة واحدة ، وإن مجلة التايمز رفضت نشر رسالتها . وهي (أي إيلينور) الآن حسب أنجلز ، تُركز جهودها على إجراء مناقشة عامة لهذه القضية ، والتي تدور حول سؤال وحيد لا غير ، وهو ” هل أن ماركس حشر جملة واحدة وواحدة كاذبة أم كلا ؟ “[127]. والخلاصة إنه بعد هذا الجدل العاصف ، ظهرت الحقيقة ، وهي أن هناك جملة مفقودة من خطاب السيد وزير الخزانة البريطاني ، التي إقتبسها ماركس [128]، والتي سببت كل هذه العاصفة ضد ماركس  ومن ثم تم فبركتها وتضخيمها ووصفها ” مرة  جملة كاذبة ، ومرة آخرى مزاعم كاذبة ” . وفي هذا ظلم للجمهور ، قبل أن يطال العضيد ماركس .

  وأشعر إن مُسك الختام ، ضرورة بيان وكشف علاقة ماركس بالعضيد إنجلز ، وحقيقة هذا البيان ، رسالة ماركس إلى أنجلز ، وهي رسالة إعتراف بالجميل ، الذي قدمه أنجلز خلال حياة ماركس ، وخصوصاً خلال إنجاز رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . وهذه الرسالة جاءت مورخة في :

16 أغسطس 1867

الساعة الثانية صباحاً

العزيز فريد (منا : أي فردريك)

أنا أكملت الآن التصحيحات النهائية للملزمة الآخيرة (والتي تحمل رقم 49) من الكتاب .. ولذلك فإن هذا المجلد قد تم إكماله . وأنا مدين لك بالكثير ، ودون مساعدتك ، فإنه ليس في الواقع أن يكون ممكناً ، ودون تضحياتك الشخصية ، فإنه ليس في الممكن إنجاز هذا العمل الضخم ، والذي تطلب ثلاثة مجلدات .

أنا أعانقك وأشكرك كثيراً

وأحييك صديقي العزيز

إنك ذخر عال

ك . ماركس [129].

المجلدات الأربعة لرائعة رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي

   لاحظ الباحث الأكاديمي المواكب على رصد المنعطفات التي تعرضت لها رائعة ” كارل ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” ، إنها مرت بتاريخ طويل في التحضير . وحسب رواية ” ماركس ” إنه صرف عشرين سنة للإعداد والتحضير لها . كما وإن هناك شواهد بينات تؤكد على إن عضيده ” فردريك إنجلز قد نشر العديد من المشاريع الكتابية في موضوع نقد الإقتصاد السياسي قبل أن ينشر ” ماركس ” شيئاً في مضمار ” نقد الإقتصاد السياسي ” . بل والشاهد الذي قدمناه ، هو إن ماركس كان في باريس يصدر مجلته هناك ، وإن ” إنجلز ” أرسل له من لندن مقاله الذي حمل عنوان ” حول نقد الإقتصاد السياسي ” . وفعلاً إن ماركس نشر له هذه المقاله . إلا إن المُشكل من الطرف التاريخي ، إنه بعد فترة ظهرت مخطوطات لماركس تعود إلى تاريخ مقال إنجلز ، وفي مخطوطات ماركس توافرت موضوعات في الإقتصاد وفيها طرف يخص نقد الإقتصاد السياسي . وهذه المسألة بحثناها بالتفصيل في دراستنا ، التي حملت عنوان ” كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” دراسة أكاديمية في المضمون والمصادر ، والتي ستظهر في الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس ، كانون الثاني – شباط قريباً .

المجلد الأول : فائض القيمة والنظرية الحديثة للإستعمار

   تكون كتاب ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” المجلد الأول [130] من ثمانية أجزاء ، والتي تألفت من ثلاث وثلاثين فصلاً ، وملحق واحد . وهذا المجلد برمته ، فيه طرف نقدي تقويمي للرأسمالية ، وفيه طرف تركيبي تكويني ، سواء في مقدماته وشروحه والأمثلة التي إستشهد بها ، والتي نهضت على الإقتصاد الماركسي ؛ بطرفيه الإشتراكي والشيوعي . وبالطبع أن الباحث في المجلد الأول قد لا يقرأ شيئاً عن إقتصاد إشتراكي وشيوعي . غير أن النقد للرأسمالية له مضمون ماركسي يتطلع نحو بناء إقتصاد سياسي ماركسي . ولعل الشاهد على ذلك :

الجزء الأولالسلع والنقود

 والذي تكون من ثلاثة فصول ، وهي :

الفصل الأول – السلع  

الفصل الثاني – التبادل

الفصل الثالث – النقود أو تداول السلع

الجزء الثاني - تحويل النقود إلى رأس المال

 والذي تألف من ثلاثة فصول ، وهي :

الفصل الرابع – الصيغة العامة لرأس المال

الفصل الخامس – تناقضات الصيغة العامة لرأس المال

الفصل السادس – الشراء والبيع لقوة العمل

الجزء الثالث - إنتاج فائض القيمة المطلقة

 والذي تشكل من خمسة فصول ، وهي :

الفصل السابع – عملية العمل وعملية إنتاج فائض القيمة

الفصل الثامن – رأس المال الثابت ورأس المال المتغير

الفصل التاسع – معدل فائض القيمة

الفصل العاشر – يوم العمل

الفصل الحادي عشر – معدل ومقدار فائض القيمة

الجزء الرابع - إنتاج فائض القيمة النسبي

 وتكون من أربعة فصول ، وهي :

الفصل الثاني عشر – مفهوم فائض القيمة النسبي

الفصل الثالث عشر – التعاون

الفصل الرابع عشر – تقسيم العمل والصناعة اليدوية

الفصل الخامس عشر – المكائن والصناعة الحديثة

الجزء الخامس - إنتاج فائض القيمة المطلقة والنسبية

 وتألف من ثلاثة فصول ، وهي :

الفصل السادس عشر – فائض القيمة المطلقة والنسبية

الفصل السابع عشر – التغييرات الكبيرة في سعر قوى العمل وفائض القيمة

الفصل الثامن عشر – الصيغ المتنوعة لمعدلات فائض القيمة

الجزء السادس - الإجور

وتألف هذا الجزء من أربعة فصول ، وهي :

الفصل التاسع عشر – تحويل قيمة قوة العمل إلى إجور

الفصل العشرون – إجور الزمن

الفصل الحادي والعشرون – إجور القطعة

الفصل الثاني والعشرون – الإختلافات الوطنية للإجور

الجزء السابع - تراكم رأس المال

 وتكون من ثلاثة فصول ، وهي :

الفصل الثالث والعشرون – إعادة الإنتاج البسيط

الفصل الرابع والعشرون – تحويل فائض القيمة إلى رأس المال

الفصل الخامس والعشرون – القانون العام للتراكم الرأسمالي

الجزء الثامن - التراكم الأولي (البدائي)

ونحسب (الدكتور محمد جلوب الفرحان) إن هذا الجزء الكبير من كتاب ” كارل ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” يكون الطرف السياسي من رأس المال ، فهو بحد ذاته رسالة سياسية خالصة .. وهي مثابرة ماركسية نقدية للرأسمالية ، وهكذا إمتزج الإقتصاد والسياسة في كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . وتألف هذا الجزء البالغ الأهمية من مشروع ماركس النقدي ، من ثمانية فصول ، وهي :

الفصل السادس والعشرون – سر التراكم البدائي

الفصل السابع والعشرون – مصادرة (تجريد) ملكية المزارعين من الأرض

الفصل الثامن والعشرون – التشريع الدموي ضد مصادرة الأراضي ، والذي إمتد من نهايات القرن الخامس عشر ، وتخفيض الإجور بالقوة ومن خلال قرارات البرلمان

الفصل التاسع والعشرون – إصول الفلاح الرأسمالي

الفصل الثلاثون – رد فعل الثورة الزراعية على الصناعة ، وظهور السوق الوطني للرأسمالية الصناعية

الفصل الحادي والثلاثون – إصول الرأسمالي الصناعي

الفصل الثاني والثلاثون – النزعة التاريخانية للتراكم الرأسمالي

الفصل الثالث والثلاثون – النظرية الحديثة للنزعة الإستعمارية

 وهذا الفصل مساهمة ماركسية في فهم دوافع الإستعمار في إحتلال أراضي الغير وتحويلها إلى مستعمارات ومشاريع إستثمار وأسواق وقواعد .. وهذا الفصل سيلهم عدد من الماركسين وغير الماركسيين في دراسة الظاهرة الإستعمارية ، وخصوصاً كل من الماركسي والسايكيتري ” فرانز فانون [131] والمفكر الجزائري ” مالك بن نبي [132] والعلامة العراقي” محمد باقر الصدر [133] وآخرون … كما وضم كتاب رأس المال : نقد الإقتصادي السياسي ، ملحقاً جاء بعنوان ” صورة القيمة [134].

المجلد الثاني : تداول رأس المال

  أما مجلدات ” رأس المال : نقد الإقتصادي السياسي ” الباقية ، وهي الثاني والثالث والرابع ، والتي لم ترى النور في حياة ماركس . إلا إنه ترك ملاحظات وتوجيهات لعضيده إنجلز ، فكانت هذه الملاحظات والتوجيهات هادياً في إعدادها ونشرها فيما بعد . فمثلاُ إن العنوان الفرعي للمجلد الثاني ، له دلالته في تحديد هوية هذا المجلد والطرف الذي درسه ماركس فيه . فعنوانه الفرعي ” تداول رأس المال ” . وفعلاً فإن ” أنجلز ” أعد هذا المجلد من الملاحظات التي تركها ” ماركس ” ونشره إنجلز عام 1885 بالألمانية لأول مرة . وهناك ملاحظات تركها ماركس تُبيح لنا بحقيقة لفت الإعداد لهذا المجلد ، حيث تقول ” إن ماركس راجع المجلد الثاني وأعده للنشر للفترة ما بين 1863 – 1878 ” [135]

  ولاحظنا من زاوية الطرف التاريخي لنشرات هذا المجلد في حياة إنجلز (لأن ماركس مات ولم يرى طبعة هذا المجلد في حياته) إن هناك مقدمتين لهذا المجلد ؛ كتبهما إنجلز ؛ الأولى عام 1885 للطبعة الأولى . والثانية كتبها للطبعة الثانية عام 1893 [136]. وكان عنوان هذا المجلد كما ذكرنا ، هو ” عملية تداول رأس المال [137]. وتألف من ثلاثة أجزاء ، ومن أحد وعشرين فصلاً وملحق واحد . وجاءت هذه الفصول موزعة في الشكل الآتي :

1 – الجزء الأول وجاء بعنوان ” تحولات رأس المال وتداولها ”  وتكون من ستة فصول .

2 – الجزء الثاني وحمل عنوان ” دورة رأس المال ” وضم أحد عشرة فصلاً .

3 – الجزء الثالت وكان بعنوان ” إعادة الإنتاج وتداول رأس المال الإشتراكي الإجمالي ” وشمل على خمسة فصول . إلا إن من الملاحظ إن الفصل العشرين تكون من أربعة إجزاء بحد ذاته وكل جزء منها ، هو بوزن فصل كذلك [138].

المجلد الثالث : عملية الإنتاج الرأسمالي ومشكلة ميل معدل الربح

  أما المجلد الثالث ، فهو الآخر له قصة يتقاسمها كل من ” ماركس ” و العضيد إنجلز ، وعنوانه هو العنوان الفرعي الدال عليه ، وهو ” عملية الإنتاج الرأسمالي ” . ولاحظنا إن هذا المجلد برمته ، قام بتحضيره إنجلز بنفسه ، وإعتماداً على الملاحظات التي تركها ماركس ، والذي طبع بالإلمانية لأول مرة عام 1894 [139]. وهو في سبعة أجزاء وجاءت بالصورة الآتية :

1 – تحويل فائض القيمة إلى الربح ، ومعدل فائض القيمة إلى معدل الربح .

2 – تحويل الربح إلى متوسط الربح .

3 – قانون ميل معدل الربح إلى السقوط .

4 – تحويل رأس مال السلع ورأس مال النقد اللذان يتعاملان مع رأس مال التجاري .

5 – تقسيم الربح إلى الفائدة ، وربح المؤسسة التي تحمل فائدة رأس المال .

6 – تحويل فائض الربح إلى إيجار الأرض .

7 – الإيرادات ومصادرها [140].

  ومن الملاحظ إن طرفاً من المجلد الثالث ، قد واجه نقداً وتقويماً من قبل حشد من الإقتصاديين الغربيين المعاصرين ، لما أسماه ماركسميل معدل الربح إلى السقوط ” . والذي عُرف  ” بقانون ميل معدل الربح إلى السقوط ” (الجزء الثالث من الأجزاء السبعة التي تكون منها المجلد الثالث) . والحقيقة إن هذا الحشد من الإقتصاديين الغربيين لم يجدوا فيه قانوناً وإنما مجرد فرضية فيي الإقتصاد والإقتصاد السياسي ” . وعلى الرغم من وجود مثل هذا الميل فقد تم رفض هذا القانون ، والذي كان مقبولاً في القرن التاسع عشر .

 فمثلاً لاحظنا إن رجل الإقتصاد والسياسي الهولندي المعاصر ” تيديوس إنطونيوس (والذي يُعرف بإسمه المتداول كيرت ريتن) (1946) قد بين إلى ” إنه في عصر ماركس قد تم التسليم بهذا القانون (قانون ميل معد الربح إلى السقوط) بديهية دون مناقشة من قبل رجال الإقتصاد ، ومن كلا المعسكرين التجريبي والنظري على حد سواء ” [141].

  والواقع إن رجال الإقتصاد الغربيين ومن مدارس مختلفة قد أشاروا إلى نزعة ميل معدل الربح إلى النكوص (السقوط) ، ومن مثل رائد الإقتصاد السياسي ” آدم سميث ” ، ورجل الإقتصاد السياسي ” جون ستيوارت ميل ” وقبله والده الرائد في الإقتصاد السياسي ” جيمس ميل ” ، ورجل الإقتصاد السياسي ” ديفيد ريكاردو ” و رجل الإقتصاد ” وليم ستانلي جيوفنز ” (1835 – 1882)[142] وهو صاحب كتاب ” النظرية الرياضية العامة للإقتصاد السياسي ” (1862) وفيه بداية لتداول الطريقة الرياضية في الإقتصاد [143]. والتي حولت الأنظار إلى الإقتصاد ، بكونه علماً يهتم بالكم ، وهو مضمار الرياضيات الأساس [144]. وبالمناسبة إن كتاب ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” وفي مجلداته الأربعة ، يحتاج إلى دراسة أكاديمية نقدية ، يُقرأ من زاوية كتب وليم ستانلي جيوفنز ، ويبين فيها حجم حضورها في رائعة ماركس ” رأس المال ” وكتابات العضيد إنجلز في الإقتصاد السياسي .

  وبالرغم من إن هذا الحشد من رجال الإقتصاد السياسي (وهم كل من سميث وميل (الوالد والإبن) وريكاردو وجيوفنز جميعاً) إضافة إلى ” جون مينارد كينز ” (1883 – 1946) [145]، يعترفون بميل معدل الربح إلى النكوص (السقوط) . إلا أنهم يختلفون في أرائهم حول لماذا هذه هي القضية ؟ ووفقاً للنظرية الكلاسيكية في توزيع الدخل والتراكم ، فإن الأرباح والأجور سيصيبها السقوط لفترة محدودة في المدى الطويل ، بينما في الوقت ذاته إن إجور الأملاك سوف ترتفع وتتزايد [146].

  وفعلاً فقد أحدث قانون ماركس في ” ميل معدل الربح إلى السقوط ” جدلاً واسعاً في الدوائر الإقتصادية الغربية ، الأكاديمية منها وغير الأكاديمية ، والتي دارت مثلاً حول ” زيادة الإنتاج ” و ” دور التكنولوجيا في إختصار العمل ” واللذان بدورهما أن يسببان ” زيادة معدل الربح الصناعي أكثر مما يُقلل منه ” كما توقع ماركس . ولعل خير من مثل هذا الأتجاه الإقتصادي الروسي – الألماني (من إصول بولندية) لاديسلوس جوزيفكوش بروتكاويسكي (1868 – 1931) [147]. والذي بين فيه ” بأن برهان ماركس على قانون ميل معدل الربح إلى السقوط ” هو خاطئ مبدئياً بغض النظر عن العلاقة الرياضية بين إنتاجية العمل ومعدل فائض القيمة ” [148].

  بينما جادل ” يروغن هابرمس ” (1929 – لازال حياً) [149]عام 1973 وذهب إلى إن ” قانون ميل معدل الربح إلى السقوط ” ، ربما كان موجوداً في القرن التاسع عشر ، وهو عصر الرأسمالية الليبرالية ، ولكنه لا يتوافر ، بل وغير موجد في نهاية الرأسمالية ، ولسبب بسيط ، وهو إن العمل بحد ذاته يهدف إلى زيادة إنتاجية العمل [150].

المجلد الرابع : نظريات فائض القيمة   

  ومن ثم جاء المجلد الرابع والأخير والذي لم ينشره ماركس ولا إنجلز في حياته ، وله قصة نقرأها هنا . فمن المعروف إن ماركس مات وترك ملاحظات عن هذا المجلد مثلما ترك ملاحظات عن المجلد الثاني والثالث . وصحيح إن أنجلز إعتمد على تلك الملاحظات ونشر المجلد الثاني والثالث . ومن ثم مات أنجلز عام 1895 ولم تتوفر له فرصة لنشر المجلد الرابع . وهناك من يذهب إلى إن ” ماركس ” أعد مخطوطة المجلد الرابع خلال حياته ، وبالتحديد خلال الفترة الممتدة ما بين (كانون الثاني 1862 – وتموز 1863)[151] أي قبل نشر المجلد الأول من كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي بالألمانية بأكثر من أربعة سنوات .

  ومن الطرف التاريخي الذي نهتم فيه في الكشف عن إصول المنشور الماركسي وعلاقته برمة إرثه الإقتصادي  ، لاحظنا بأن ماركس نشر أطراف من نظريات فائض القيمة في فترة تصعد أبعد من نشرته للمجلد الأول من رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . وكان هذا الجزء بعنوان ” نظريات فائض القيمة ” وهو قسم من مخطوطة كبيرة إقترح لها ماركس عنوان ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” والتي كتبها مُلحقاً مكملاً للجزء الأول من مقالته التي حملت عنوان ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” والتي نشرها عام 1859 [152].

 كما ولاحظنا بأن هناك من يعتقد بأن ماركس أعد مخطوطة المجلد الرابع ، وبعنوان فيه إختلاف بدرجات ما عن عنوان المجلدات الثلاثة الأولى . وهذا حق فقد إختار له عنوان ” رأس المال : التاريخ النقدي لنظريات فائض القيمة ” ، بل وهناك إضافة مهمة إلى العنوان تقول ” في عصره ” أي ” عصر ماركس ” وبالتحديد في القرن التاسع عشر [153]. ووجدنا إنه طبع ضمن مجموعة كتب ماركس وإنجلز ، وبعنوان ” نظريات فائض القيمة ، رأس المال المجلد الرابع ” [154].

   وتحمل الفيلسوف كارل كاوتسكي (1854 – 1939) مسؤولية نشر جزء منه ، وبعنوان ” نقد ماركس لفائض القيمة ” . ومن ثم قام بنشره كاملاً في فترة لاحقة ، وفي ثلاثة مجلدات وبعنوان ” نظريات فائض القيمة ” وللفترة الممتدة ما بين (1905 – 1910) . والمجلد الأول من نظريات فائض القيمة ، والذي تُرجم إلى الإنكليزية وحمل عنوان ” تاريخ النظريات الإقتصادية [155].

  وتوزعت خطة ماركس في المجلد الرابع ” فائض القيمة ” في الأطراف الآتية

1 - رأس المال

1 – (مدخل : السلعة والمال) .

2 – رأس المال العام

   1 – عملية إنتاج رأس المال

      1 – تحويل النقود إلى رأس المال

      2 – فائض القيمة المطلق

      3 – فائض القيمة النسبي 

      4 – الجمع بين فائض القيمة المطلق والنسبي    

      5 – نظريات فائض القيمة

  2 – عملية تداول رأس المال

  3 – وحدة الإثنين ، أو رأس المال والربح  

3 – التنافس بين رؤوس الأموال

4 – الإئتمان

5 – الأسهم الرأسمالية

2الملكية العقارية

3إجور العمل

4 - الدولة

5التجارة الخارجية

6السوق العالمية

   وتكونت صفحات نشرة المجلدات الثلاثة من مخطوطة ماركس ” نظريات فائض القيمة ” ، والتي نشرها لأول مرة بالألمانية من (1754 صفحة) وبالطبع صدرت من دار ديتزارد للناشرين - شتاتكورت . وهناك من يعتقد من الأكاديميين إن كاوتسكي تعامل مع مخطوطات ماركس بطريق خاصة ، مما أثار السؤال حول الطرف العلمي ومقدار الدقة في التعامل ومنهج كاوتسكي . ويُلاحظ القارئ إن كاوتسكي قد عالج ملاحظات ماركس الخاصة بنظريات فائض القيمة وحتى آدم سميث في المجلد الأول . بينما درس ريكاردو (في القسمين الأخرين) . ووقف في القسم الأخير عند الإنشقاق في فكر ريكاردو وبزوغ المدرسة الريكاردوية ، كما ودرس فيه أنواع من الإقتصاديات العامة (المبتذلة) . وهذه الطبعة نفذت وتُعدُ من الطبعات النادرة . إلا أن نشرة كاوتسكي الألمانية ، تُرجمت كاملة إلى الفرنسية ، من قبل يوليوس موليتر ، ونشرت في الفترة الممتدة ما بين عامي 1924 و1925 وكان كاوتسكي حياً .

  ونحسبُ إن المهم هو صدور نشرة كاوتسكي بالإنكليزية ، وفعلاً فقد قام كل من ج . بوير و أي . بيرنز ، بترجمتها ونشرها في عام 1951 ، وتم نشرها في دار نشر لورنس وويشهاؤت في لندن ، ومن ثم في الدار الناشرين العالمية في نيويورك . ومشكلة هذه النشرة إنها لم تكن كاملة ، وإنما جاءت على مختارات من النشرة الألمانية والتي تم ترجمتها إلى الإنكليزية . وهي بالطبع نافذة ونادرة اليوم [156].

  ويبدو لنا من خلال القراءة والتدقيق ، إن سبب الإختلاف في عناوين نشر المجلد الرابع ، هو الترجمات وسوق النشر وجذب القراء إلى كل ما هو جديد . وفعلاً فقد وجدنا إن هذ المجلد حمل عنوان  ” نظريات فائض القيمة ” ومن ثم ” رأس المال : نقد نظريات فائض القيمة ” مرة ، و ” نقد ماركس لفائض القيمة ” و من ثم عنوان الترجمة الإنكليزية للمجلد الأول منه ، والذي حمل عنواناً مختلفاً ، وهو ” تاريخ النظريات الإقتصادية ” .     

تعقيب ختامي :

   وبالطبع كل هذا التطور التاريخي الذي حدث على كتاب ” رأس المال ” كان غائباً وبعيداً عن عتبات كل من المشروع الإسلامي للإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام ، وهما التجربيتين الإقتصاديتين العربيتين الإسلاميتين ، اللتان تحاورتا وبندية مع كتاب رأس المال ، نقداً وتقويماً ومن زاوية الفكرانية الإسلامية (مالك بن نبي من طرف الفكر القرآني الممزوج بإجتهاد فقهي محدود [157]والفقيه محمد باقر الصدر من زاوية فقهية مذهبية خالصة [158]) في العقد الأول من النصف الثاني من القرن العشرين .

  ونحسبُ إن مالك بن نبي ، قد قرأ كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي من مصادره الأصلية المترجمة إلى اللغة الفرنسية ، والتي بدأها يوم كان يدرس ويعيش في فرنسا في نهاية النصف الأول من القرن العشرين ، ونُرجح إنه قرأ كذلك مراجعات عن الكتاب في الدوريات الفرنسية ، والتي قدمت له خلاصات مفيدة ونافعة تفي بحاجته الثقافية لمناقشة رأس المال وإستيعاب حقيقة الرأسمالية ومن ثم الموقف الماركس (أو الشيوعي) المقابل لها ، ولهذا فنحن نتصور مثلاً وليس حصراً إن كتاب مالك بن نبي المعنون ” المسلم في عالم الإقتصاد ” هو بشكل أو أخر ، وبدرجات ما هو رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي من زاوية المشروع الإقتصادي في الإسلام (والذي ينهض على فكر قرآني خالص) [159]. ونحسب كذلك أن محمد باقر الصدر وكتابه إقتصادنا ، وكان رأس المال لماركس واحداً من مصادره المهمة ، إستيعاباً ونقداً وتقويماً . وعلى هذا الأساس نتصور كتاب إقتصادنا ، هو رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ؛ الرأسمالي والماركسي من زاوية المذهب الإقتصادي في الإسلام (الفقه الإسلامي) [160].

——————————————————————————-

الهوامش

 – أنظر للتفاصيل : كارل ماركس ؛ رأس المال ، المجلد الأول (بالإنكليزية) ، ترجمه من الألمانية بين فوكس ، تقديم إرنست ماندل ، دار بنجوين [1]

للكتب – لندن 1990 .

 – المصدر السابق [2]

 – أنظر تقديم ” فردريك إنجلز ” للنشرة الأنكليوية عند كارل ماركس : رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، ترجمة صماويل مور وأدورد إفيلنج [3]

سترد تفاصيلها لاحقاً .

 – أنظر للتفاصيل ، الفصل الثالث من هذا الكتاب والمعنون ” المشروع الإسلامي للإقتصاد ” .[4]

 – أنظر للتفاصيل ، الفصل الرابع من هذا الكتاب والمعنون ” المذهب الإقتصادي في الإسلام : النقد والتقويم ” . [5]

 – أنظر المصدر السابق . [6]

 – أنظر للتفاصيل ، الفصل الخامس من هذا الكتاب والمعنون ” المذهب الإقتصادي في الإسلام : البناء والتأسيس ” .[7]

 – أنظر للتفاصيل ، الفصل الثاني من هذا الكتاب والمعنون ” الفكر الفقهي للإقتصاد الإسلامي ” .[8]

 – أنظر للتفاصيل ، الفصل الأول من هذا الكتاب والمعنون ” في أدب المرايا السياسية – الإجتماعية الإسلامية ” .[9]

 – فصلنا في هذه المثديولوجيا الأشعرية في كثير من الأبحاث ، وهنا أحيل القارئ الكريم إلى بعض منها :[10]

1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب ، مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان 1986 .

2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ موقف الشهرستاني من الفكر الفلسفي العربي ، مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان 1987 .

3 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ البحث النفسي عند أبي البركات البغدادي ، مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان 1988 .

 – أنظر للتفاصيل : إنسكلوبيديا كولومبيا ، مطبعة جامعة كولومبيا ، ط4 ، 1993 ، ص 1707 ، والمجلد بعنوان ” نظريات فائض القيمة “[11]

ظهر له عرض لفصوله المتنوعة بالإنكليزية (أون لاين) .  

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، ترجمة بين فوكوس ، تقديم إرنست ماندل ، دار  كلاسيكيات بنجوين [12]

1990 ، المجلد الأول (تكون من1152 صفحة) .

 – للتفاصيل ، أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، ترجمة ديفيد فرنباخ ، تقديم إرنست ماندل ، دار [13]

كلاسيكيات بنجوين 1990 ، المجلد الثاني (تكون من 624 صفحة) .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، ترجمة ديفيد فرنباخ ، تقديم إرنست ماندل ، دار كلاسيكيات بنجوين[14]

1993 (تكون من 621 صفحة) .

 – أنظر ؛ كارل ماركس ، رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، المجلد الأول (مصدر سابق ) ، الإهداء حيث يقول فيه ” إلى صديقي الحاضر دائماً[15]

وليهلم وولف ، المخلص والنصير النبيل للبروليتاريا ” .

 – أنظر : المصدر السابق ، الإهداء [16]

 – أنظر للتفاصيل : فرانك أيك ؛ ثوار عام 1848 (بالإنكليزية) ، أدنبرا 1972 ، ص 19 .[17]

 – أنظر : ب . أن . فيدوسيف ومجموعة من المؤلفين ؛ كارل ماركس : سيرة ذاتية (بالإنكليزية) ؛ دار الناشرين التقدميين ، موسكو 1989 . [18]

 – المصدر السابق ، ص 63 [19]

 – أنظر للتفاصيل : إيزيا برلين ؛ كارل ماركس : حياته وبيئته (بالإنكليزية) ، مظبعة جامعة أكسفورد 1963 ، ص ص 90 – 94 .[20]

 – أنظر للمقارنة : بيير جوزيف برودن ؛ نظام التناقضات الإقتصادية أو فلسفة الفقر 1847 / منشور في فايل تاريخ الفكر الإقتصادي - جامعة [21]

ماك ماستر ، كندا ، ترجمه من الفرنسية بنجامين توكار عام 1888 (أون لاين) .  

 – أنظر للتفاصيل : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ كارل ماركس وفردريك إنجلز : الإقتصاد السياسي وهموم آخرى ، موقع الفيلسوف ، شباط[22]

2015 .

 – أنظر : نيكولاس شيرشيش ؛ الماركسية والإغتراب (بالإنكليزية) ، مطابع الجامعة المشتركة ، لندن 1990 (تكون من 371 صفحة) .[23]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ الإقتصاد والمخطوطات الفلسفية لعام 1844 (بالإنكليزية) ، طبعة الناشرين العالمية 1990 .[24]

 – أنظر  : ماركريت فاي ؛ تأثير آدم سميث على نظرية ماركس في الإغتراب (بالإنكليزية) ، دورية ” العلم والمجتمع ” صيف 1983 ، [25]

المجلد 47 ، العدد 2 ، ص ص 129 – 151 .

 – كارل ماركس ؛ إجور العمل ورأسمال ، والقيمة والسعر والربح (بالإنكليزية) ، شركة سينجري الأمريكية العالمية للمطبوعات ، 2006 ،[26]

(تألف من 108 صفحة) .

 – كارل ماركس وفردريك إنجلز ؛ البيان الشيوعي (بالإنكليزية) ، دار الكتب المنسية  .[27]

 – للتفاصيل ، أنظر : جوزيف سكامبيتر ؛ البيان الشيوعي من زاوية علم الإجتماع والإقتصاد (بالإنكليزية) ، مجلة الإقتصاد السياسي ، مطبعة [28]

جامعة شيكاغو 1997  ، المجلد 57 ، العدد 3 ، ص ص 199 – 212 .  

 – أنظر : إنطونيو نيكري ؛ ماركس بعد ماركس : دروس من كتاب موجزات في نقدالإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، بروكلاين 1989 .[29]

 أنظر : كارل ماركس ؛ الصراع الطبقي في فرنسا (1848 – 1850) بالإنكليزية ، دار الناشرين العالمية ، نيويورك 1964 (تألف من 158  -[30]

صفحة) . وهو في الأصل سلسة مقالات .

 كارل ماركس ؛ مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، مراجعة وتقديم موريس دوب ، منشورات بنجوين للكلاسيكيات 1979 ، -[31]

(تألف من 264 صفحة) .  

 – أنظر للتفاصيل : كارل ماركس ؛ نظريات فائض القيمة (بالإنكليزية) ، دار كتب برومثيوس 2000 (تألف من 1605 صفحة) .[32]

 – منشور في كتاب ؛ كارل ماركس ؛ إجور العمل ورأسمال / القيمة السعر والربح (بالإنكليزية) ، دار النشر العالمية 1975 (تألف من [33]

110 صفحة) .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، المجلد الأول ، مقدمة ماركس للطبعة الأولى . وهذه الملاحظة  [34]

جاءت مذيلة بالشكل الآتي ” ماركس ، لندن 25 تموز 1867 ” .

 – المصدر السابق [35]

 – للتفاصيل أنظر : ديفيد فوتمان ؛ المسار الواعد : السيرة الذاتية لرجل القانون فريدنناد لاسل ، لندن 1994 . [36]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، مقدمة النشرة الفرنسية . [37]

وخاتمة ماركس جاءت بالنص الآتي : ” ضع ثقتك بي أيها المواطن المخلص . كارل ماركس ، لندن 18 آذار 1878 ” .

 – أنظر للتفاصيل : فرنسيس كودين ؛ موريس لاشر (1814 – 1900) صورة الناشر الإشتراكي والمُعجمي ، إطروحة دكتوراه ، مجلدان ، 2004 [38]

وكذلك : الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه : جين كلود كارون وفرنسيس كودين ؛ العالم المفقود لموريس لاشر (1814 – 1900) ، باريس 2006 (تكون من 287 صفحة ) الترجمة الإنكليزية متوفرة أون لاين .   

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، المقدمة للنشرة الألمانية الثانية [39]

 – أنظر : المصدر السابق ، الفصل الأول ، القسم الأول ” عناصر السلعة : القيمة والقيمة الإستعمالية . [40]

 – أنظر : المصدر السابق ، الفصل الأول / القسم الثالث ” صورة القيمة ” . [41]

 – والدكتور لودفيغ (لويس) كوجلمان ، هو طبيب ألماني ، ومفكر إشتراكي ، وكان من الأصدقاء المقربين والثقات لكل من ” كارل ماركس ” و ” [42]

فردريك أنجلز ” . وإلتقى بماركس مرات عديدة ، وزاره في هانوفر وعرض ملاحظاته على النشرة الأولى لكتاب ” رأس المال ” وهي موضوع حديثنا هنا . وله إبنة إسمها ” فرانزيكا كوجلمان ” (1858 – 1939) وهي كاتبة . وتبادل ” لودفيغ كوجلمان ” الرسائل مع كل من ماركس وإنجلز وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1862 – 1893 . وكان عضواً في منظمة العمال العالمية ، ومن ثم عضو في الحزب الديمقراطي الإشتراكي الألماني . وله العديد من المؤلفات . للتفاصيل أنظر : فرانزايكا كوجلمان ؛ أطراف صغيرة من حياة عائلة ماركس وإنجلز من خلال عيون معاصريهم (بالإنكليزية) ، دار الناشرين التقدمية ، موسكو 1972 ، ص ص 180 – 192 .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، الفصل الأول / القسم الأخير ” صنمية السلعة ” .[43]

 – أنظر : المصدر السابق ، الفصل الثالث / القسم الأول ” مقياس القيمة ” . [44]

 – أنظر : المصدر السابق ، الفصل التاسع / القسم الثاني ” عرض مكونات قيمة المنتج بمطابقة بأجزاء من المنتج ذاته ” .[45]

 – أنظر : بريطانيا العظمى ؛ أوراق برلمانية ، مجلس العموم (بالإنكليزية) المجلد 45 سنة 1877 .[46]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ المصدر السابق ، [47]

 – وهو رجل الأعمال والفلاح والإقتصادي الألماني ” لودفيغ غوستاف فون كولش ” ، وهو الإبن الثاني للمصرفي وصاحب مصنع الملابس [48]

” يوهان كاسبر فون كولش ”  . كما أن أخيه ” وليم كولش ” كان تاجراً . وواكب غوستاف الدراسة في المدرسة الثانوية ، وركز دراسته على الإقتصاد ، ومن ثم إلتحق بجامعة غوتنجن  ، وإستمر فيها للفترة الممتدة ما بين 1810 وحتى 1812 . وبعد مشاركته في حرب ألمانيا ضد فرنسا ، وبالتحديد في عام 1817 درس في جامعة هومبولت في برلين . وفي عام 1825 عمل في جماعة كولش للتجارة والصناعة والزراعة . ومن ثم تحول ليكون مؤلفاً في الإقتصاد ، وكان يتطلع إلى وضع المعرفة النظرية موضع التطبيق . وفي عام 1827 سافر لدراسة الزراعة والصناعة والتجارة في كل من هولندا وفرنسا ، إنكلترا وإيرلندا . وعلى أساس هذه الخبرة كتب ونشر رائعته التي سيشير إليها ماركس في كتابه رأس المال ، وكانت بعنوان ” الخلفية التاريخية للتجارة والصناعة والزراعة في الدول التجارية المهمة في عصرنا ” والتي تكونت من مجلدين . ولعل أهمية كتاباته الإقتصادية على معاصرية واضححة ، فإضافة إلى ماركس ، فقد ترك أثراً على ” يوهان فولفغانغ فون غوته ” (1749 – 1832) فقد أشار إليه في يومياته ، وبالتحديد في عنوانها / مما يدلل على مقدار الأثر الذي تركه على الشاعر الألماني غوته . فقد كان يوميات غوته ” البداية بعد غوستاف كولش ، تفسير تاريخي للصناعة ” . أنظر للتفاصيل : هينز بيتر ثملر ؛ غوستاف فون وتطور مقتطفات كولش على يد ماركس (بالإنكليزية) منشورة في الكتاب السنوي السابع عن ماركس – إنجلز ، برلين 1984 ، ص ص 201 – 225 .

 – أنظر : كارل ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، المقدمة للنشرة الألمانية الثانية .[49]

 – أنظر للتفاصيل : هينز بيتر ثملر ؛ بعض المشكلات والخبرة في معالجة مقتطفات غاستوف فون كولش على يد ماركس (بالإنكليزية) ، منشور[50]

في ” مساهمات في أبحاث ماركس – إنجلز ” / العدد السادس ، برلين 1980 ، ص ص 159 – 164 .  

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، المقدمة للنشرة الألمانية الثانية . [51]

 – للتفاصيل عن حياة وكتابات ” ديفيد ريكاردو ” أنظر : صمويل هولندر ؛ إلإقتصاد عند ديفيد ريكاردو (بالإنكليزية) وهو كتاب موسوعي ، مطبعة[52]

جامعة تورنتو ودار نشر هينمان 1979 (تألف من 774 صفحة) .

 – للتفاصيل عن حياة وكتابات ” آدم سميث ” ، أنظر : مارك سكسون ؛ صناعة الإقتصاد الحديث : حياة وآراء المفكرين الكبار (بالإنكليزية) ،[53]

دار نشر شارب 2001 (تكون من 487 صفحة) .  

 – للتفاصيل عن حياة ومؤلفات ” توماس ماثيوس ” أنظر : بيتريشا جيمس ؛ سكان ماثيوس : حياته وعصره (بالإنكليزية) ، دار روتليدج وبول [54]

كيكن للنشر ، لندن 1979 .

 – للتفاصيل أنظر : بيل تيرنس ؛ جيمس ميل (بالإنكليزية) ، إنسكلوبيديا سترانفورد للفلسفة ، 19 حزيران 2014 (أون لاين) .[55]

 – للتفاصيل عن حياة ومؤلفات ” جيرمي بنثام ” ، أنظر : روس هيرسون ؛ بنثام (بالإنكليزية) ، دارنشر وتليدج وكيكن بول ، لندن 1983 . [56]

 –  أنظر : فريد ويلسن ؛ جون ستيوارت ميل (بالإنكليزية) ، إنسكلوبيديا سترانفورد للفلسفة ، 10 تموز 2007 (أون لاين) .[57]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، مقدمة النشرة الإلمانية الثانية .[58]

 – أنظر المصدر السابق [59]

 – المصدر السابق [60]

 – للتفاصيل أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، مقدمة الطبعة اللمانية الثانية .[61]

 – جوزيف ديتسكن ؛ مقالات فلسفية حول الإشتراكية والعلم والأخلاق (بالإنكليزية) ، دار كيسنجر للنشر 2004 [62]

 – جوزيف ديتسكن ؛ النتيجة الإيجابية للفلسفة (بالإنكليزية) ، دار نشر شارلز كيرر ، شيكاغو 1906 .[63]

 – للتفاصيل أنظر : إنطون باننكوك ؛ موقف ودلالة أعمال جوزيف ديتسكن الفلسفية (بالإنكليزية) ، شيكاغو 1928 . [64]

 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية ، الفصيلة من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العددان الثالث [65]

والرابع ، إكتوبر 2014 .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، مقدمة الطبعة الألمانية الثانية .[66]

 – أنظر المصدر السابق [67]

 –  نسبة إلى الفيلسوف الألمانية ” جورج ويلهلم فردريك هيجل ” (1770 – 1831) وهو رمز كبير في تاريخ الفلسفة الحديثة . وإن تفسيره [68]

المثالي والتاريخي يعد ثورة في مضمار الفلسفة الأوربية . وأثره واضح على ماركس والماركسية … للتفاصيل أنظر : فردريك بيسر (الناشر والمشرف) ؛ صحبة كيمبريدج إلى هيجل (كتاب جماعي) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1993 .  

 – أنظر : كارل ماركس ؛ المصدر السابق [69]

 – المصدر السابق [70]

 – وموسى مندلسن (1729 – 1786) هو من فلاسفة التنوير الألمان ، وهو معاصر للسنج وأصبحا  صديقيين حميمين بعد إن تقابلا عام 1754  [71]

وكتب مندلسن في موضوعات الفلسفة التقليدية من مثل الميتافيزيقا والأبستمولوجيا وعلم النفس العقلي واللاهوت الطبيعي وعلم الجمال والنظرية السياسية … من أهم مؤلفاته : ” حول الدليل على علوم الميتافيزيقا ” ، و ” حول خلود النفس ” وهو في الأصل دراسة لمحاورة إفلاطون ” فيدون “، و ” حول المبادئ الرئيسية للفنون الجميلة والعلوم ” ، و ” الكتابات الفلسفية ” … للتفاصيل ، أنظر : الكسندر ألتمان ؛ موسى مندلسن : دراسة في السيرة الذاتية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ألباما 1973 .

 – وهو جوتهولد إبراهام ليسنج (1729 – 1781) والذي تعددت إهتماماته في الفلسفة والدراما والشعر والنقد الفني ، وهو واحد من ممثلي حركة [72]

التنوير . من مؤلفاته الأولى ” الباحث الأكاديمي الشاب ” عام 1748 ، و ” المفكر الحر ” عام 1749 ، وكتب العديد من المسرحيات ، منها مسرحيته الشعرية ” ناثان الحكيم ” عام 1760 . كما وله مؤلفات في التربية ، منها ” التربية والجنس البشري ” عام 1780 . وكتب عنه وعن مؤلفاته ” صديقه موسى مندلسن ” وبعنوان ” كتابات ليسنج اللاهوتية ” وترجم إلى الإنكليزية عام 1957 . للتفاصيل أنظر : هيك بيتر نسبيت (المشرف) ؛ جوتهولد إبراهام ليسنج : حياته ، أعماله وتفكيره (كتاب جماعي) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة أكسفورد 2013 . ولاحظنا إن الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية حنا إرنديت قد كتبت تصديراً لمسرحية ليسنج ” ناثان الحكيم ومسرحيات أخرى وكتابات ” . للتفاصيل أنظر : ليسنج ؛ ناثان الحكيم ومسرحيات أخرى وكتابات (بالإنكليزية ) ، أشرف عليها بيتر ديمتز ، تقديم حانا إرنديت نيويورك 1991 .

 – وهو الفيلسوف الهولندي ” باروخ إسبينوزا ” (1632 – 1677) والذي تم إكتشافه بعد موته بسنوات عديدة . وإسبينوزا وصع الأساس لحركة  [73]

التوير في القرن الثامن عشر . ولعل الشائع عنه ، هو كتاباته النقدية للإنجيل . وهو فيلسوف كبير من فلاسفة العقلية في القرن السابع عشر ، وهو معارض للفيلسوف الفرنسي ديكارت وثنائيته بين الجسم والعقل . وكتب عنه الفيلسوف الألماني ” هيجل ” بعبارته الخالدة ” إن لم تكن إسبينوزا ، فأنت لست بفيلسوف على الإطلاق ” . وإتهم بوحدة الوجود والإلحاد . من أهم مؤلفاته : ” الرسالة السياسية – اللاهوتية ” والتي نشرت عام 1670 . و ” رسائل في السياسة ” 1675 – 1676 ، و ” الإخلاق ” عام 1677 والذي أسسه على مبادء هندسة إقليدس . للتفاصيل أنظر : ستيفت نادلر ؛ إسبينوزا : حياته (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2001 .

 –  أنظر : كارل ماركس ؛ المصدر السابق [74]

 – المترجم الفرنسي ” جوزيف روي ” (ولد عام 1830) وهو إبن خباز وسجن مدة شهرين لمعارضته لحكومة نابليون الثالث . وروي له خبرة [75]

بالترجمة من الألمانية إلى الفرنسية ، فقد سبق له إن ترجم بثلاث سنوات ” أعمال لودفيغ فيورباخ ” مجلدان . والحقيقة إن ماركس أرسل له مباشرة كتاب رأس المال لترجمته . ولكن ماركس حالاً عبر عن تحفظاته حول عمل ” جوزيف روي ” بالرغم من إن الترجمة قطعت أشواطاً على يد ” روي ” . فإن ماركس كان يُفكر بالبحث عن مترجم مختلف . ولكن لم يتوافر مترجم أخر . وفي الوقت ذاته فإن ” روي ” مستمر بالترجمة . وفعلاً ففي عام 1875 أتم الترجمة . ومنح ” روي ” ماركس سيطرة قانونية عليها . وكانت النشرة الفرنسية التي ترجمها ” جوزيف روي ” هي ثان ترجمة أجنبية . إذ سبقتها الترجمة الروسية والتي طبعت عام 1872 ، وكانت الأولى في مضمار ترجمة رأس المال إلى اللغات الأجنبية . للتفاصيل أنظر : ليسلي ديرفلير ؛ بول لفريجو وأساس الماركسية الفرنسية (1842 – 1882) ، مطبعة جامعة هارفرد 1991 ، ص ص 115 – 116 .

 – أنظر مثلاً : لويس ألتوسير وإنتيني بليبر ؛ قراءة رأس المال ، ترجمه إلى الإنكليزية بين بريستر ، دار فيرسو 2009 (تألف من 384 صفحة) .[76]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، تصدير النشرة الفرنسية الثانية . [77]

وجاءت خاتمة ماركس بالصورة الآتية ” كارل ماركس ، لندن ، 28 أبريل 1875 ” .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ المصدر السابق ، تصدير ” فردريك أنجلز ” للطبعة الألمانية الثالثة .[78]

 – المصدر السابق [79]

 – المصدر السابق [80]

 – المصدر السابق [81]

 – المصدر السابق ، وللتفاصيل عن نشرة ” موريس لاشر ” أنظر ” ثانياً ” من البحث الحالي .[82]

 – وهذه الإشارة من قبل ” أنجلز ” لها أهميتها التاريخية في عملية التدوين الإقتصادي في دائرة التفكير الماركسي ، وذلك لأن هناك ماركسيون [83]

أخرون سيكتبون عن ” تراكم رأس المال ” عنواناً لمؤلفاتهم  ، وهم ألمان وعاصروا ” ماركس ” وخصوصاً ” أنجلز ” مما يثير الفضول عند الباحث الأكاديمي لمعرفة الأثر الذي تركه  السابق على اللاحق . ونحن متأكدون من السابق ” كارل ماركس ” واللاحق كان كل من ” أنجلز ” و الماركسية البولندية الأصل اللمانية ” روزا لوكسمبيرك ” (1871 – 1919 ) والتي كتبت إطروحتها للدكتوراه بعنوان ” التطورات الصناعية في بولندا” والتي حصلت عليها في ربيع عام 1897 من جامعة زرويخ  ومن ثم صدر  لها كتاب بعنوان ” تراكم رأس المال ” عام 1913 ,من ثم تُرجم إلى الإنكليزية وهو ترجمة من الأصل الألماني . أنظر ؛ روزا لوكسمبيرك ؛ تراكم رأس المال ، ترجمه أي . سشيورزايشيلد ، كلاسيكيات روتليدج 1951 ، وكان هذا الكتاب موضوع جدل يوم ظهوره .. للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوفة الفمنستية الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا أرنديت (1906 – 1975) ، موقع الفيلسوف ، 12 إكتوبر 2012 .

 – كارل ماركس ؛ راس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، مقدمة أنجلز للنسرة الألمانية الثالثة .[84]

 – المصدر السابق [85]

 – المصدر السابق [86]

 – المصدر السابق [87]

 – المصدر السابق [88]

وإنتهت مقدمة إنجلز للنشرة الألمانية الثالثة لكتاب رأس المال بالكلمات الآتيات ” فردريك إنجلز ، لندن ، 7 نوفمبر 1883 ” .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، تقديم ” إنجلز ” للنشرة الإنكليزية ” 1886 .[89]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، من مقدمة لفردريك إنجلز للنشرة الإنكليزية 1886 .[90]

 – أنظر : بولا لافريجو ؛ فردريك إنجلز ، ترجمها إلى الإنكليزية جاك بوهيمي ، مجلة الديمقراطي الإشتراكي ، المجلد 9 ، العدد 8 ، 15 آب [91]

1905 ، ص ص 483 – 488 (أون لاين) .

 – للتفاصيل أنظر : تيرل كارفر ؛ فردريك أنجلز : حياته وتفكيره (بالإنكليزية) ، دار ماكميلان ، لندن 1989 .[92]

 – للتفاصيل أنظر : فرانز ميهرنك ؛ كارل ماركس : قصة حياته (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج 2003 . [93]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ المصدر السابق ، مقدمة إنجلز للنشرة الأنكليزية 1886 .[94]

 – الدكتور أدورد بايبينز إفيلنج (1849 – 1898) هو محاضر إنكليزي في البايولوجيا ، وهو ناشط جماهيري ومتحدث عن الثورة الداروينية [95]

والإلحاد ، وهو إضافة إلى ذلك كاتب إشتراكي ومترجم ، ومن أهم ترجماته : رأس المال / النشرة الإنكليزية عام 1886 بالإشتراك ، و الإشتراكية : الطوباوية والعلمية (أنجلز) النشرة الفرنسية (1892) والإنكليزية (1923) والكتاب تألف من الإقسام الثلاثة الآتية : تطور الإشتراكية الطوباوية (والذي ضم أفكار عن سانت سيمون ، فورييه وروبرت أوين ) ، والديالكتيك والمادية التاريخية ومات بعد ” إيلينور بأربعة أشهر بسبب مرض الكلى . للتفاصيل أنظر : فردريك إنجلز ؛ الإشتراكية الطوباوية والعلمية ، ترجمة أدورد إفلينج (أون لاين) . وعاش ” أدورد إفيلنج ” مع إيلينور (1855 – 1898) البنت الأصغر لكارل ماركس ، وبالتحديد بعد موت والدها بخمسة عشر سنة . وفي سيرة إيلينور وجدنا إن إسم بنت ماركس قد أضيف إلى إسمها أسم صاحبها وهكذا ” إيلينور ماركس إفيلنج ” ، وهي مترجمة وكاتبة إشتراكية . وإنتحرت في آذار عام 1898 بعد إن إكتشفت إن صاحبها قد تزوج عليها سراً في حزيران من العام الماضي (أي عام 1897) . وكانت إيلينور في الثالثة والأربعين ربيعاً . من أهم مؤلفاتها : جحيم المصنع بالإشتراك مع ” أدورد إفيلنج (1885) ، و سؤال المرأة مع أدورد إفيلنج (1880) ، و دمية البيت بالإشتراك مع إزريل زانكول (1891) ، وحركة الطبقة العاملة في أمريكا مع أدورد إفيلنج (1891) ، و حركة الطبقة العاملة في إنكلترا (1896) . أنظر للتفاصيل : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ إيلينور ماركس : الحب والمآساة وبعض من كتاباتها ، موقع الفيلسوف 2015 .   

 – كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، مقدمة إنجلز إلى النشرة الإنكليزية 1886 .[96]

 – أنظر للتفاصيل : إيلينور ماركس ؛ كتاب إسبارتكوس التربوي ، الناشر جون سمبايكن وجوديث هاريس (أون لاين) 1997 . [97]

 – أنظر : فردريك أنجلز ؛ الإشتراكية الطوباوية والعلمية (مصدر سابق) .[98]

 – أنظر : يوجين دهرنك ؛ رأس المال والعمل (بالألمانية ) لايبزك 1865 ، وظهرت له نشرة إنكليزية عام 1907 . [99]

 أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، ترجمه إلى الإنكليزية السيد صماويل مور والدكتور أدورد إفيلنج ، وتقديم  فردريك[100]

إنجلز (مصدر سابق) .

 – ورد في هامش تقديم ” فردريك إنجلز ” إشارة فيها تعليق مهم من الطرف التاريخي لترجمة رأس المال إلى الأنكليزية ، وهي إشارة كتبها إنجلز[101]

بنفسه ، حيث تألفت من 1 – إشارة إلى المصدر الذي إعتمد عليه ” إنجلز ” ، وهو : كارل ماركس ؛ رأس المال ، ترجمة أم . ج . روي ، مراجعة وتنقيح  موريس لوشير ، باريس . 2 – أشار ” إنجلز ” في الهامش ذاته إلى إن ” هذه الترجمة ، وخصوصاً الجزء الأخير من الكتاب ، تحتوي على تغييرات مهمة ، كما وضم إصافات إلى النص في طبعته الألمانية الثانية ” . أنظر : مقدمة إنجلز للطبعة الإنكليزية (مصدر سابق) .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ المصدر السابق ، من مقدمة إنجلز للنشرة الإنكليزية التي ترجمها كل من السيد صماويل مور والدكتور أدورد إفيلنج  [102]

زوج إيلينور إبنة ماركس .

 – أنظر : أوتو ويدمير (المترجم) ؛ مختارات من رأس المال لكارل ماركس ، إشراف ونشر فريدريك سورجي ، هوبكن – نيوجرسي 1875 . [103]

 – والمترجم أوتا ويدمير ، هو عضو مع الشيوعي فردريك سورجي ، وكارل سباير وآخرون في الحزب الديمقراطي للعمال في الولايات  المتحدة[104]

الأمريكية … للتفاصيل أنظر : بول بلانك (الناشر) ؛ العمل والنضال : أصوات من الراديكالية العمالية في الولايات المتحدة الأمريكية (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 2011 .

 – أنظر للتفاصيل : روبرت إرنست ؛ حياة المهاجر في مدينة نيويورك (1825 – 1863) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة سيركوز 1994 ، ص [105]

119 .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال ، نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) ، من مقدمة إنجلز للنشرة الإنكليزية . [106]

 – أنظر المصدر السابق [107]

 – أنظر المصدر السابق [108]

 – المصدر السابق [109]

 – المصدر السابق [110]

 – المصدر السابق [111]

 – المصدر السابق [112]

 – وهناك هامش  كتبه ” إنجلز ” وحمل معلومات مهمة من الطرف التاريخي لكتاب رأس المال ، ونرغب أن نُشارك القارئ العربي بها . حيث [113]

قال ” في الإجتماع الفصلي (كوارتري : كل ثلاثة أشهر) للجنة التجارة في مانشستر ، والذي عُقد هذا المساء . حدثت مناقشة حارة حول موضوع التجارة الحرة . وكان الحاصل قرار تحرك بهذا التأثير ” فبعد إنتظار في الفراغ ، إمتد 40 سنة . فإن الشعوب الآخرى تابعت التجارة الحرة ، مثال ذلك إنكلترا . وترى هذه اللجنة إن الوقت قد حان الآن للتسليم بهذا الموقف . غير إن القرار تم رفضه بغالبية صوت واحد فقط . فقد كان المؤيدون 21 صوتاً بينما كان المعارضون 22 صوتاً . والمصدر الذي إعتمد عليه ” إنجلز ” : ستاندر المساء ، 1 نوفمبر 1886 ، للتفاصيل أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال ، الترجمة الإنكليزية ، تقديم إنجلز (مصدر سابق) .

 – كارل ماركس ؛ المصدر السابق ، تقديم إنجلز .[114]

 – المصدر السابق [115]

وجاءت خاتمة إنجلز لمقدمة النشرة الإنكليزية بالشكل الآتي ” فردريك إنجلز ، 5 نوفمبر 1886 ” .

 – وفي النشرة الإنكليزية لعام 1887 ، فإن إنجلز عملها بنفسه .[116]

 – للتفاصيل أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقدد الإقتصاد السياسي ، من تقديم  إنجلز للنشرة الألمانية 1890 .[117]

 – وفي الهامش ذكر إنجلز إلى إنه ” في النشرة الحالية ، تم وضع بعض الملاحظات داخل علامات إقتباس مربعة ، وذيلت بعلامة دالة على حروف[118] الإسم (أي إسم إنجلز) . للتفاصيل أنظر المصدر السابق .

 – المصدر السابق [119]

 – المصدر السابق [120]

 – وبالمناسبة أن ماركس عالج مساهمة ” ريتشارد جونز في الفصل الرابع والعشرين ، وأشار إلى عمله المعنون ” مقالة حول توزيع الثروة “[121]

وحول مصادر الضريبة ، لندن 1831 ، الجزء الأول وبعنوان ” الريع ” . وفيه إعلاء لكعب جونز على ريكاردو ، خصوصاً في الأسئلة حول نظرية الريع ، والأخطاء التي وقع فيها في هذا الحقل . كما إن ماركس في نظريات فائض القيمة يتحدث عن ” تاريخ النظرية ” ، وبالتحديد إلى جيمس ستيوارت وإلى ريتشارد جونز . وللمقارنة أنظر : ماركس ؛ مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي (الترجمة الإنكليزية) ، نيويورك 1903 (تكون من 264 صفحة) . وريتشارد جونز (1790 – 1855) وهو الإقتصادي الإنكليزي، وبرفسور الإقتصاد السياسي ، في كلية كنك – لندن ، والذي ركز نقده على وجهات نظر ” يفيد ريكاردو ” و ” توماس مالثيوس ” حول الريع والسكان . للتفاصيل أنظر : دينس باتريك أوبراين ؛ الإقتصاديون الكلاسيكيون (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة برنستون 2004 .  

 – وفي الهامش تحدث إنجلز عن هذه القضية ، فأشار إلى ” أن ماركس لم يكن مُخطئاً في عنوان الكتاب ، ولكن في الصفحة ، فقد كتبها ماركس   [122]

ص 36 بدلاً من 37 (أنظر ص ص 560 – 561 من النشرة الحالية) .

 – كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، مقدمة ” فردريك إنجلز ” للنشرة الألمانية الرابعة (مصدر سابق) .[123]

 – من مقدمة إنجلز للطبعة الألمانية الرابع (مصدر سابق) .[124]

 وهو وزير الخزانة ومن ثم رئيس وزراء لمدة أربعة دورات غير متتالية . للتفاصيل أنظر : مايكل بركير ؛ كلادستون والريدكالية (1885 – [125]

1894) ، مطبعة هارفستر 1975 .

 – للتفاصيل عن هذه القضية ، والأطراف التي شاركت بها ، ودفاع إبنة ماركس إيلينور ، أنظر : مقدمة إنجلز للنشرة الألمانية الرابعة لكتاب[126]

ماركس رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (مصدر سابق) .

 – للتفاصيل ، أنظر المصدر السابق[127]

 – المصدر السابق [128]

 – كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، المجلد الأول ، رسالة ماركس إلى إنجلز عام 1867 [129]

 – وجاء بالشكل الآتي : المجلد الأول ، الكتاب الأول عملية الإنتاج الرأسمالي .[130]

أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاج السياسي ، ترجمة صامويل مور والدكتور أدورد إفيلينج ، وكتب مقدمة له فردريك إنجلز ، وقامت

إيلينور ماركس بمقارنة النصوص الألمانية بالإنكليزية (مصدر سابق) .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الماركسية والفانونية في خطاب مالك بن نبي / صحيفة البلاد اللندنية (كندا) / القسم الثاني / العدد[131]

111 ، أذار 2011 ، وكذلك ألقسم الثالث / العدد 113 ، أبريل 2011 .  

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي (تحت الطبع) .[132]

 – أنظر : الفصل الخامس والسادس من الكتاب الحالي .[133]

 – ترجمه الى الإنكليزية كل من مايك روث و ول سوشنك ، وقد ظهر في الطبعة الألمانية الأولى عام 1867 . ولكن في الطبعة الثانية فقد تم حذفه [134]

والسبب إن معظم مادته قد تم إستثمارها في إعادة كتابة الفصل الأول .  

 – أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، المجلد الثاني ، ترجمة أي . لاسكر ، دار الناشرين التقدمية ، موسكو 1956 .[135]

 – أنظر المصدر السابق [136]

 – أنظر المصدر السابق ، [137]

 – أنظر المصدر السابق (المحتويات) . [138]

- أنظر : كارل ماركس : رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، المجلد الثالث ، ترجمة إرنست إنترمان ، شركة شارلز وكيرر ، شيكاغو 1894 .[139]

 أنظر المصدر السابق [140]

 – للتفاصيل أنظر كيرت ريتن : معدل دورة الربح والمعارضة بين رأس المال النقدي (المالي) والإداري ، مناقشة المجلد الثالث ، لكتاب ماركس [141]

رأس المال ، الأجزاء الثلاثة وحتى الخامس ، منشور في الكتاب الجماعي الذي اشرف عليه كل من : مارثا كامبيل وكيرت ريتن ؛ دورة رأس المال : مقالات حول المجلد الثالث (لكتاب ماركس رأس المال) ، دار نشر ماكميلان ، لندن ونيويورك 2002 ، ص 174 .

وبالمناسبة إن الدكتور كيرت ريتن ، هو محاضر في جامعة إمستردام ، وهو من الخبراء العالميين في ماركس وهيجل . ومن أهم أعماله كتابه المشهور ، والمعنون ” النظام الرأسمالي ” والذي أعتمد كتاباً منهجياً في جامعة إمستردام ، ويدرس هذا الكتاب في الماجستير .

 – أنظر : وليم ستانلي جيوفنز ؛ نظرية الإقتصاد السياسي ، منشورات كتب بنجوين 1970 ، ص ص 243 – 244 .[142]

 – أنظر : إيرفنك فيشر ؛ البحث الرياضي في نظرية القيمة والأسعار ، الملحق الثالث ، جار نشر كوزما 2007 ، ومنشور كذلك في كتاب : [143]

المنفعة وتاريخ الطريقة الرياضية في الإقتصاد ، ص 109 .

 – أنظر : وليم ستانلي جيوفنز ؛ مبادئ الإقتصاد السياسي ، نيويورك 1965 ، وكذلك مجموعه : الكتابات الإقتصادية ، ماكميلان – لندن 2001 .[144]

 – وهو من المنظرين الإقتصاديين الكبار في القرن العشرين ، وأفكاره أسست مدرسة فكرية ، عُرفت بمدرسة الإقتصاد الكينزي ، ومن ثم قادت إلى[145]

فروع كينزية متنوعة ، ومن ثم نشأت حركة إقتصادية عُرفت بالكينزية الجديدة . و جون كينز كتب أكثر من عشرين كتاباً ومقالة ، ومن كتبه الأولى ، كتابه المعنون ” العملة الهندية والمال ” (1913) ، ومن كتبه الأخيرة ” النظرية العامة للعمالة : الفائدة والنقد ” (1936) ، وجون كينز هو من المثلين جنسياً والأدق بايوسكشول ، وله علاقات مختلفة ، رغم إنه تزوج من راقصة الباليه الروسية المشهورة ليديا لويكوفيا (المعروفة بالبارونة كينز) (1892 – 1981) . للتفاصيل أنظر : فينسنت بيرنت ؛ جون مينارد كينز ، دار نشر روتليدج ، لندن 2013 .  

 – أنظر : بيتر فليشر والفريد كرتير ؛ مستقبل الرأسمالية ، وجهات نظر الكينزية ، والكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة ، دار نشر أدور إيلجر ،[146]

المملكة المتحدة 2001 ، ص 39 .

 – وهو محاضر في جامعة برلين للفترة (1901 – 1931) . [147]

 – أنظر : لاديسلوس بروتكاويسكي ؛ القيمة والسعر في النظام الماركسي / منشور في ” أوراق إقتصادية ” ، ماكميلان ، لندن 1952 ، العدد [148]

الثاني ، ص 73 .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الإشكال الفلسفي في فكر هابرمس ، موقع الفيلسوف ، 3 مارس 2010 . [149]

 – أنظر : يوليوس سانست ؛ هابرمس والماركسية ، دار سيج ، لندن 1971 ، ص 61 .[150]

 – أنظر : إنريغ ديزل ؛ مخطوطات رأس المال الأربعة : نحو تفسير جديد لفكر ماركس الديالكتيكي ، مجلة التفكير الماركسي ، المجلد 13 ، [151]

العدد الأول ، ربيع 2001 ، ص ص 10 – 25 .  

 – هال دربير ؛ حوليات ماركس وإنجلز : حياتهما ونشاطاتهما يوم بيوم ، دار كتب سكوشن ، نيويورك 1985 ، ص ص 111 وما بعد .[152]

 – أنظر : إنسكلوبيديا كولومبيا ، الطبعة الخامسة ، 1994 ، ص 1707 . [153]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ نظريات فائض القيمة / رأس المال المجلد الرابع ، الجزء الأول (بالإنكليزية) ، دار النشر التقدمية 1969 .[154]

 – هو الفيلسوف الألماني – الجيكي كارل جوهان كاوتسكي ، والمنظر الماركسي ، ويعد واحد من رموز الماركسية الأرثوذوكسية بعد موت [155]

فردريك إنجلز عام 1895 وحتى الحرب العالمية الأولى عام 1914 . ويُطلق عليه ” بابا الماركسية ” . وأصبح ماركسياً في عام 1881 وزار ماركس وإنجلز في لندن . وفي عام 1883 أسس الصحيفة الشهرية ” العصور الجديدة ” ومن ثم في عام 1890 تحولت إلى صحيفة إسبوعية .ووقف بوجه الثورة البلشفية ، وذلك للتطرفات التي صاحبتها ، ودخل في مواجهة مع كل من لينين وتروتسكي حول طبيعة الدولة السوفيتية . من أهم مؤلفاته : مبادئ ماركس الإقتصادية (1887 – 1903) . و ” الإرهاب والشيوعية : مساهمة في التاريخ الطبيعي للثورة ، ترجمة دبليو كريج ، مطبعة العمل القومي ، لندن 1920 . و ” أسس المسيحية : دراسة في إصول المسيحية ، دار الناشرين العالمية – نيويورك 1925 . للتفاصيل أنظر : ماسيمو سلفادوري ؛ كارل كاوتسكي والثورة الإشتراكية ترجمها من الإيطالية إلى الإنكليزية جون روتشايلد ، كتب اليسار ، لندن 1979 .

 – للتفاصيل أنظر : دبليو . ت . هاتشسن ؛ نظريات فائض القيمة : ماركس ، كارل كاوتسكي ، بونر وأميل بيرنز ، دورية الإقتصاد ، السلسلة [156]

الجديدة ، المجلد 20 ، العدد 77 ، شباط 1953 ، ص ص 81 – 83 .  

 – للتفاصيل أنظر : الفصل الثالث من هذا الكتاب ، والمعنون ” المشروع الإسلامي للإقتصاد ” .[157]

 – للتفاصيل أنظر : الفصل  الرابع من هذا الكتاب ، والمعنون ” المذهب الإقتصادي في الإسلام : الحاضر والغائب ” ، وكذلك الفصل الخامس ، [158]

والمعنون ” المذهب الإقتصادي في الإسلام : البناء والتأسيس ” .  

 – أنظر الفصل الثالث من هذا الكتاب . [159]

 – أنظر الفصل الرابع والخامس من الكتاب الحالي .[160]

————————————————————————————————–

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس / نوفمبر – ديسمبر 1914

الفصيلة

من  أوراق فلسفية جديدة

(5)

 2014 / نوفمبر – ديسمبر

———————————————————————-

فصيلة تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

 رئيس التحرير                                 سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد الفرحان                        الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث التي تنشر فيها للتحكيم الأكاديمي

——————————————————————————

 المذهب الإقتصادي في الإسلام : الغائب والحاضر

من زاوية ميثديولوجية أكاديمية

الدكتور محمد  الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————--

تقديم :

  كونت الإفادات الإقتصادية التي كتبها يراع الفقيه محمد باقر الصدر (1933 أو 1935 – 1980) مضماراً معرفياً قابلاً للدراسة والقراءة المقارنة المتجددة ، وخصوصاً مع نصوص تراثية ومعاصرة تقدمت عليها من الناحية الزمنية ، وبالتحديد قبل ولادة الفقيه ” الصدر ” ومنها من نشر والصدر كان فتى يافعاً . وعلى هذا الأساس فإن إفادات ” الصدر ” لم تكن الأولى في تاريخ الفكر الإقتصادي الإسلامي بطرفيه التراثي والمعاصر[1] كما يتصورها ” نفر” من الكُتاب المُتعجلين والمعصوبة عيونهم عن رؤية حقيقة تاريخ الفكر الإقتصادي الإسلامي ، وبالتخصيص في مضمار الفقه الإقتصادي والتطورات التي حدثت على لُبه وهوامشه .

  كما ويصحُ لكل من قرأ الإفادات الإقتصادية التي كتبها ” محمد باقر الصدر ” ، بصورة منتزعة من أساسها التراثي والمعاصر ، من القول بأنها دشنت نهجاً جديداً في عملية التدوين والإنشاء في دائرة الإقتصاديات الإسلامية . وكذلك في الإمكان التصريح بأن في هذا النهج حوار تحسُ بدرجة حرارته الساخنة مع مذهبين إقتصاديين عتيدين ، ولدتهما دائرة الإقتصاديات الغربية بطرفيها الرأسمالية والماركسية . وفوق ذلك فيه عودة فكرية إلى الينابيع ، حيث دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية . ولعل الحاصل من هذا الحوار ولادة ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” والذي جاهد يراع ” الصدر ” وقبله تفكيره إلى العمل إلى إعادة إكتشافه .

  توزعت الإفادات الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” في مشروع فكري شامل في عملية التدوين والإنشاء في دائرة الإقتصاديات الإسلامية ومضمارها الفكري ، والتي شغلت في الحساب الثقافي لما أنتجه يراع ” الصدر ” عقداً من السنين . فقد كانت البداية كتاب ” إقتصادنا ” والذي صدر في طبعته الأولى عام 1961 ، ومن ثم تلاه كتاب ” الإنسان المعاصر والمشكلة الإجتماعية ” والذي صدر في طبعته الأولى عام 1964 . ومن بعد ذلك جاء كتاب ” ماذا تعرف عن الإقتصاد الإسلامي ” والذي رأى النور في طبعته الأولى عام 1964 . وتبعه بحدود الخمس سنوات كتاب ” البنك اللاربوي في الإسلام ” والذي نُشر في عام 1969 . وتلته سلسلة من الأبحاث والمقالات والخطب والتي طبعت بعنوان ” الإسلام يقود الحياة [2] .

  في الواقع إن ما يُميز ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” جانبين ؛ الأول هدمي - نقدي وتقويمي للتجربة الإقتصادية الغربية بطرفيها الرأسمالي والماركسي . والثاني بنائي - تكويني فيه رفض التبعية للتجربة الإقتصادية الغربية ، كما وفيه نزعة إلى الإستقلال وإختيار الطريق الخاص الذي يُؤكد على الهوية الإسلامية . ومن الناحية الميثدولوجية فإن هذا البحث في جوهره مُثابرة فكرية تُصاحب الإفادات الإقتصادية التي كتبها يراع ” الصدر ” وتُعيدُ قراءتها بحثاً عن إجابات على الأسئلة الآتية :

أولاً - ما هي الإتجاهات العامة للنصوص الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” ؟

ثانياً - ما طبيعة اللغة والأبجديات الإقتصادية التي تداولتها النصوص الإقتصادية التي ولدتها دائرة تفكير ” الصدر ” ؟

ثالثاً - ما حدود المثابرة النقدية التي أنجزها يراع ” الصدر ” للمذاهب الإقتصادية التي أنتجها العقل الإقتصادي الغربي ؟

رابعاً - ما جوهر المجاهدة التي أنجزها ” الصدر ” في مضمار التقويم النقدي للتجارب الإقتصادية في العالم الإسلامي ؟

خامساً - ما حقيقة العمارة الفكرية التي شيدها ” الصدر ” لما إصطلح عليه ” بالمذهب الإقتصادي في الإسلام ” ؟

سادساً - هل في الإمكان صياغة مُقاربة فكرية في ” الهم الإقتصادي الإسلامي ” بين ما أنتجته دائرة تفكير ” الصدر ” وما توصلت إليه الإفادات الإقتصادية التي دونها يراع المفكر الإسلامي مالك بن نبي (1905 – 1973) وهو يخُطُ ” المشروع الإسلامي في الإقتصاد ” ؟

الإتجاهات العامة للنصوص الإقتصادية

  تُشكل النصوص الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” أبحاثاً متعددة الواجهات ، وهي تتناول ” ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” . ولاحظ الباحث إنه في كل واجهة منها إشتغلت عمليتين متوازيتين ؛ الأولى هدمية ، فيها نقد وتقويم للتجربة الإقتصادية الغربية وبطرفيها الرأسمالي والماركسي . والثانية تكوينية ، فيها بناء وتشكيل قواعد المذهب الإقتصادي في الإسلام . ولهذا نحسبُ إن نصوص كتاب ” إقتصادُنا ” قد حملت المعالجتين ؛ التنظيرية والعملية (التطبيقية) لما يمكن أن نقترحه بمباني ” عمارة المذهب الإقتصادي في الإسلام ” ومقابل العمارتين الفكريتين الغربيتين ؛ الرأسمالية [3] والماركسية [4] . ولهذا نعتقد بأن ما جاء بعد كتاب ” إقتصادنا ” هو تفصيل وشروح للنظريات وإمكانيات التطبيق للمذهب الإقتصادي في الإسلام والذي جاهد ” الصدر ” من أجل إعادة إكتشافه في الربع الثالث من القرن العشرين .

  ومن الناحية الميثديولجية إن هذا الكلام ، يحملنا على القول إن كتاب ” إقتصادنا ” ليس برسالة إقتصادية واحدة ، وإنما هو مجموعة رسائل إقتصادية ، عالجت كل واحدة منها إتجاه من إتجاهات المذهب الإقتصادي في الإسلام . ولبيان حقيقة هذه الإتجاهات سنقوم بجولة فكرية في هذه الرسائل الإقتصادية . ولعل أول ما نلحظه على كتاب ” إقتصادنا ” إنه بدأ مشاوره ، بمقدمة كتبها ” الصدر ” ، وهي في الحقيقة رسالة إقتصادية ، ناقشت جملة من الإتجاهات للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وفيها عرض لحقيقة ” التجارب الإقتصادية في العالم الإسلامي ” . وبالتأكيد هي التجارب المستفيدة من تجربة البناء في ” الحضارة الغربية الحديثة ، وهما الإقتصاد الحر القائم على أساس رأسمالي والإقتصاد المُخطط القائم على أساس إشتراكي [5]. ومن ثم تبعية التخطيط للتنمية وإمكانية التخطيط خارج المنهجين المتولدين من الحضارة الغربية [6]، وحضور العقيدة الدينية في بناء المذهب الإقتصادي في الإسلام [7]،  وأخلاقية المذهب الإقتصادي في الإسلام [8]، والبعد الإجتماعي للتنمية [9]. وإن المذهب الإقتصادي هو جزء من بناء كلي وصيغة عامة هي الإسلام ، الذي يوجه بدوره الإقتصادي ، وكل صغيرة وكبيرة في حياة المسلم [10]. وذلك لأن الإسلام حسب مفهوم ” الصدر ” ، هو صرح والإقتصادي هو بنية من ” البنيات الفوقية في ذلك الصرح الإسلامي ” [11].

  وإذا كانت تلك الإتجاهات التي ضمتها مقدمة الطبعة الثانية ، فإن مقدمة الطبعة الأولى التي كتبها ” الصدر ” كونت بحد ذاتها رسالة إقتصادية . وفعلاً فإن القارئ الحصيف ، يمكن أن يتلمس فيها الإتجاهات الإقتصادية الآتية : محاولة ضبط دلالة ” الإقتصاد الإسلامي ” ، ومن ثم التمييز بين ” علم الإقتصاد ” و ” المذهب الإقتصادي ” وذلك سعياً إلى إدراك ” مدى التفاعل بين التفكير العلمي والتفكير المذهبي [12].

   والحقيقة وردت في هذه المقدمة إشارة مكثفة بقلم ” الصدر ” والتي كونت من الزاوية الميثدولوجية ، عائقاً معرفياً في حساب وزن المشاركة والمساعدة التي قام بها ” محمد باقر الحكيم ” في كتابة الرسائل الإقتصادية لكتاب ” إقتصادنا ” . ولنبدأ أولاً بقراءة النص الذي كتبه ” الصدر ” بيراعه ، حيث قال : ” بالرغم من الجهود التي بذلتها بالتضامن مع عضدي المفدى العلامة الجليل السيد محمد باقر الحكيم ، في سبيل إنجاز هذه الدراسة … (هكذا وردت ) ” [13]. والسؤال الميثديولوجي البالغ الأهمية ؛ ما حجم المساهمة (أو لنقل المساعدة) التي قدمها ” الحكيم ” في إنجاز كتابة ” إقتصادنا ” ؟

  ونحسب هذا حق ، خصوصاً وإن شهادة ” الصدر ” مسجلة في الكتاب ومحفوظة في كل الطبعات التي صدر بها الكتاب . ومات ” الصدر ” ولم يسأله كاتب عن دلالات هذا ” الخطاب الملغز ” . كما ولم تظهر دراسة أو بحث يبين حقيقة هذا المشكل الميثديولوجي الذي ورد صريحاً في خطاب ” الصدر ” . وكذلك لم يثير أحدُ هذا المُشكل أمام أنظار ” الحكيم ” وهو حي يرزق (والذي عاش بحدود الثلاثة عقود من الزمن بعد موت ” الصدر”) . وهكذا دُفن سر هذا المشكل الميثديولوجي مع وفاة الإثنين .

   والباحث هنا يحدوه آمل في أن يجري نقاش وتكتب أبحاث فيها مقابلات مع المقربين من ” الصدر ” و ” الحكيم ” وبالتحديد حول هذا المشكل الميثديولوجي . وعلى هذا الأساس يُحدد حجم ما أنتجه ” الصدر ” من كتاب إقتصادنا ، وهو بالتأكيد كبير و رئيس ، وإن يبين مقدار وحجم مساهمة ” الحكيم ” في كتابة إقتصادنا وذلك لترجمة خطاب ” الصدر ” السابق إلى حقيقة واضحة للجميع وخصوصاً للأكاديميين الذين يحملون ” فانوس ديوجانس ” وهم يتطلعون إلى رؤية الحقيقة في النهار ، فيكون مهادهم اليقين الذي يُبدد كل شكوك ما أدركته الحواس وما وعته العقول .

  ولعل من المنصف التأكيد على سمة تميز بها يراع ” الصدر ” ، وهي سمة التواضع ، وهو العالم والمفكر المتمكن من الدرب الذي يحرث فيه ، فيقول بتواضع العلماء : إن هذا الكتاب ” هو محاولة بدائية …للغوص في أعماق الفكرة الإقتصادية في الإسلام وصبها في قالب فكري ليقوم على أساسها صرح شامخ للإقتصاد الإسلامي ” [14] . إنه متواضع في محصول عصارة فكره وما خطه قلمه ، بالرغم من علو مكانته العلمية ، فهو يتحسس هنا مسؤوليته النازعة إلى تعليم الأجيال أخلاق الإسلام ، التي ترفض ” التكبر والتعالي ” .

  ولهذا كان كتاب إقتصادنا ” محاولة بدائية ” حسب خطاب ” الصدر ” . إنها كلمات مهمة من الزاوية الميثديولوجية من طرف . كما وإن لها دلالة عميقة في وجدان الباحث ، ودرس تربوي ينبغي أن نتعلمه من هذا المفكر الإسلامي . ونحسب إن المهم في هذه الأجواء من التواضع ، هو تأكيده على ما يميز المثابرة البشرية مهما كان إبداعها ، فيقول ” فيجب إذن أن يُدرس هذا الكتاب بوصفه بذرة بدائية لذلك الصرح الإسلامي [15] .

  والسؤال ؛ ماهي الإتجاهات التي ضمتها فصول كتاب إقتصادنا ؟ والجواب إن الفصل الأول كان رسالة إقتصادية تبحث في العمارة الفكرية للمذهب الماركسي [16] . وتوزع هذا الفصل بدوره في مضمارين ؛ الأول تدارس علم الإقتصاد والتاريخ الماركسي [17] . والثاني بحث في مذهب الماركسية في الإقتصاد [18] . وكان الفصل الثاني رسالة إقتصادية ركزت بحثها حول المذهب الرأسمالي [19] ، وتناولته من طرفين ؛ الأول ” الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية ” [20] . والثاني ” الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمها الأساسية ” [21] .

  أما الفصل الثالث فيكون بحد ذاته إتجاهاً خاصاً من المذهب الإقتصادي في الإسلام ، فهو مشروع دراسة كبير ، وتوزع في مجموعة رسائل إقتصادية تناولت كل واحدة منها مفصلاً من مفاصل ” إقتصادنا في معالمه الرئيسية [22] . ولاحظنا إن الرسالة الأولى قد درست ما أسماه ” الصدر ” الهيكل العام للإقتصاد الإسلامي [23] ، وفي ثلاثة جوانب ؛ الأول مبدأ الملكية [24] ، والثاني مبدا الحرية الإقتصادية [25] ، والثالث مبدأ العدالة الإجتماعية [26] .

  في حين جاءت الرسالة الثانية بعنوان ” الإقتصاد الإسلامي جزء من كل [27] والتي تناولت مضماراً في غاية الأهمية وذلك لأن الإقتصاد الإسلامي حسب رؤية ” الصدر ” يُشكل ” جزء من صيغة عامة للحياة ” ويعتقد إن في هذا التناول للإقتصاد ” يستقيم منهج البحث في الإقتصاد الإسلامي ، حيث يدرس الإقتصاد الإسلامي بما هو مخطط مترابط ، وبوصفه جزءاً من الصيغة الإسلامية العامة للحياة ” [28] .

  بينما بحثت الرسالة الثالثة ، والتي كانت بعنوان ” الإطار العام للإقتصاد الإسلامي [29] في سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام [30] . وعالجت الرسالة الرابعة موضوعاً في غاية الأهمية والذي جاء بعنوان ” الإقتصاد الإسلامي ليس علماً [31] وذلك لأن المذهب الإسلامي كما يعتقد الصدر ” لا يزعم لنفسه الطابع العلمي ، كالمذهب الماركسي ، كما إنه ليس مجرداً عن أساس عقائدي معين ونظرة رئيسية إلى الحياة والكون ، كالرأسمالية[32] .

  وتلت ذلك الرسالة الإقتصادية الخامسة ، والتي جاءت بعنوان ” علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج [33] والتي بحثت في عمليتين مختلفتين ، وهما عملية الإنتاج وعملية التوزيع [34] . أما الرسالة السادسة فدرست موضوعاً بالغ الأهمية ، وهو موضوع ” المشكلة الإقتصادية في نظر الإسلام ، وحلولها [35] .

  وإذا إنتقلنا إلى الفصل الرابع ، فإننا نُمسكُ بواحد من أهم الإتجاهات الإقتصادية في كتاب إقتصادنا . ونحسبُ على أساس الفهم العام لهذا الفصل ، إنه مثابرة صدرية عالية في التحليل المعرفي والكد الفكري النازع إلى ” إكتشاف المذهب الإقتصادي [36]. وهذا الفصل بحد ذاته تألف من جملة رسائل إقتصادية بحثت في جزئيات من فعل إكتشاف المذهب الإقتصادي في الإسلام . والشاهد على ذلك إنها درست ” المذهب الإقتصادي والإسلام ” [37]، و ” النظام المالي ” [38] ، و ” منطقة الفراغ في التشريع الإقتصادي ” [39] ، و ” عملية الإجتهاد والذاتية ” [40] .

  ولعل من النافع الإشارة إلى إن الفصول السابقة والتي كتبها ” الصدر ” مُجمعة ، وفي رسائلها الإقتصادية المتنوعة ، شكلت إتجاهاً إقتصادياً عاماً ، فيه حوار نقدي ساخن مع المذهبين الإقتصاديين الغربيين (أي الرأسمالية والماركسية) وبالإستناد إلى مرجعية إسلامية . وهذا صحيح بحدود الفصول السابقة ، إلا إن القضية تختلف حينما ندخل إلى عتبات الفصول اللاحقة ، والتي بدورها تعاملت فعلاً مع إتجاه إقتصادي من نوع مختلف ، إتجاه فيه رجعة فكرية إلى معاقل الروافد الفقهية الإقتصادية الإسلامية ، ونصوصها المتداولة لفترة قرون من الزمن مضت . وفعلاً فإن البحث في تفاصيل هذا الإتجاه الإقتصادي ، يحملنا على القول إن الفصل الخامس والذي حمل عنوان ” نظرية توزيع ما قبل الإنتاج ” ، هو نوع من البحث في الأحكام [41]. وبالطبع سيعود ” الصدر ” إلى هذه النظرية في الفصل السادس .

  والحقيقة إن الفصل الخامس ، هو رسالة إقتصادية إسلامية ، تحمل الكثير من المُقاربات مع جهود ناجزة في دائرة الإقتصاديات الإسلامية . وللإستشهاد التاريخي ، نذكر أمثلة ، منها ما قام به ” الماوردي ” (972 – 1058م) في كتاباته الإقتصادية [42] ، والنصوص التي عالجت الإقتصاديات في مضمار الأدب السلطاني ، من مثل نصوص ” الطرطوشي ” (1059 – 1127م) في كتابه الشهير المعنون ” السراج [43] ، و ” إبن الحداد ” (649 هجرية) في كتابه ” الجوهر النفيس [44].

  ومن الفصول التي كتبها قلم ” الصدر ” وفيها عودة فكرية إلى دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية ، الفصل السادس والذي حمل عنوان ” نظرية توزيع ما قبل الإنتاج [45]. وهو في حقيقته بحث في مضمون النظرية الإقتصادية . وفيه جهد معرفي في الإقتصاديات ، يعتمد نهجاً نقدياً تركيبياً ، ينزع فيه نحو شواطئ إنشاء نظرية إقتصادية إسلامية ، وفعلاً فإنه أسس عمارتها على قراءة عالية للنصوص الإقتصادية الإسلامية . وأحسبُ في عنوان متعلق بهذا الفصل ، والذي جاء بعنوان ” ملاحظات [46] ، يواجهنا إشكال من الزاوية الميثدولوجية فيه خلط لأوراق مبحث النظرية الإقتصادية في مضمار المعايير الإخلاقية . وهو من منظور ” الصدر ” من الموضوعات البالغة الأهمية في مضمار ” النظام الإقتصادي في الإسلام ” . وإن أهمية هذا الموضوع تأتي من طرف إنها ناقشت سمة من سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام . ونعني بها ” أخلاقية النظام الإقتصادي ” . وفعلاً عالج ” الصدر ” فيه الإتجاه الأخلاقي للإقتصاديات الإسلامية ، وتحت عنوان ” التفسير الخلقي للملكية في الإسلام [47].

  كما وقدم ” الصدر ” في الفصل السابع ، شهادة على إتجاه العودة الفكرية إلى دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية وهذا هو الطرف الأول من هذا الفصل ، أما الطرف الثاني فهو يقدم لنا شخصية ” الصدر ” وهو في الطوابق العالية من عمارة التكييف للإفادات الإقتصادية الإسلامية لتتناغم مع حركة الثروة والإنتاج في العالم الإسلامي ، ولذلك جاء هذا الفصل يحمل عنواناً دالاً ، وهو ” نظرية التوزيع ما بعد الإنتاج [48]. وفعلاً فإنه في هذا الفصل ناقش خصائص المذهب الإقتصادي في الإسلام ، مع ملاحظة إنه تخطى النصوص الإقتصادية الإسلامية ، وحلق عالياً ، فعقد مُقارنات مُستفيضة مع المذهبين الإقتصاديين الغربيين ؛ الرأسمالية [49] والماركسية [50]. ولاحظنا إن إشكالاً ميثدولوجياً واجه ” الصدر ” في هذا الفصل وهو يدرس أطرافاً أخرى من البحث ، ووجدناه يفضل مناقشتها تحت عنوان فرعي ، حمل يافطة ” ملاحظات[51] وتحت ظلالها ناقش قضايا إقتصادية أخرى ، وهي في جوهرها الأساس ، بعض من سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام . ونحسبُ من الزاوية الميثدولوجية إن هذا التقطيع لأوصال البحث ، فيه إنحياز غير مبرر لبعض السمات ، والتي وضعها فعلاً في قلب الواجهات الأمامية . في حين سحب سمات أخرى ووضعها في عنوان هامشي ” ملاحظات ” وهو هامش مقطوع الصلة ، ولا رابط يصله بوريد الواجهات .

  وكون الفصل الثامن والذي جاء بعنوان ” نظرية الإنتاج ” مُثابرة معرفية عالية ، وكد فكري فريد نزع إلى إستنباط موقف إقتصادي إسلامي تجاه قضية بالغة الأهمية في دائرتي الإقتصاديات الإسلامية والإقتصاديات الغربية الوافدة إلى دارنا الإسلامية . وفعلاً فإن هذا الموقف الإسلامي تولد خلال مجاهدة قلم ” الصدر ” وهو يبحث في ” وسائل الإنتاج في الإسلام ” وفي الرأسمالية والماركسية [52].

  وعندما نصل في رحلتنا المعرفية مع كتاب إقتصادنا ، عند عتبات الفصل التاسع ، والذي جاء بعنوان ” مسؤولية الدولة في الإقتصاد الإسلامي [53] ، فإننا ندخل إلى أجواء التأصيل النظري العالي ، الذي أنجزه ” الصدر ” للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وفعلاً فقد قام بفعل تكييف فكري للإفادات الإقتصادية والمدركات الإسلامية ، وذلك سعياً إلى توليد مجموعة سمات طبعت المذهب الإقتصادي في الإسلام . ومن خلالها رسم ” الصدر ” الطريق المستقل للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وكل ذلك جاء في مثابرته الباحثة في ” الضمان الإجتماعي وأسسه [54] ، و ” التوازن الإجتماعي [55] و ” مبدأ تدخل الدولة في الحياة الإقتصادية ” سمات مضافة إلى سمات المذهب الإقتصادي في الإسلام [56].

  ونواجه في الفصل الأخير والذي حمل عنوان ” الملاحق [57] ، عودة فكرية صدرية إلى دائرة الفقهيات الإقتصادية الإسلامية ، وهي في جوهرها فعل إعادة إنتاج لها لتكون جزءاً من مضمار المذهب الإقتصادي في الإسلام . والحقيقة هذه العودة الصدرية الفكرية تناولت بالبحث موضوعات إقتصادية ، من مثل ” بحث في إستثناءات من ملكية المسلمين لأراضي الفتح ” [58] ، و ” بحث في شمول حكم الأرض الخراجية لموات الفتح ” [59] ، و ” بحث في أثر إحياء الأرض هو الملكية أو الحق ” [60] ،  ومن ثم ” بحث في جواز الأرض المحياة ” [61] ، و بحث ” لا تمييز بين أنواع الأرض التي أسلم عليها أهلها ” [62] ، و ” حكم العيون النابعة في الأرض المملوكة ” [63] ، و ” بحث في تملك للعين التي يستنبطها ” [64] ، و ” بحث في وجوب إعارة القناة عند الإستغناء عنها ” [65] ، و ” إلحاق المعدن بالأرض ” [66] ، و ” الطير يُملك بالصيد وإن لم تتم حيازته ” [67] ، و ” الفرق بين التملك بالصيد والتملك بالحيازة ” [68] ، و ” بحث في تملك الشخص لما يحوزه المتبرع أو الوكيل أو الأجير ” [69] ، و ” بحث في إن المالك بالحيازة هو المحاز له لا الحائز ” [70] .

  وبالرغم من إنها نصوص إقتصادية ، فإنها تجاهلت حركة الزمن وقيام حكومات مختلفة وأنظمة سياسية متنوعة تدير شؤون البلدان الإسلامية عامة والعراق على وجه الخصوص ، ولها سياسات إصلاح زراعي حولت النصوص الفقهية الإقتصادية عامة ، والفقهيات الخاصة بملكية وحيازة الأرض إلى حكاية لفها التاريخ في ذمته . فهي في التقويم النهائي نصوص إقتصادية فقهية معجونة بطعم فقهي صدري ، يرقى إلى مصاف النصوص الإقتصادية التي ولدتها دائرة الإقتصاديات الإسلامية في عصرها الذهبي . وفي الوقت ذاته لاحظنا إنها مثابرة صدرية نزعت إلى إنشاء مذهب إقتصادي يتوسط بين المذهبين الإقتصاديين الغربيين (أي مذهب إقتصادي إسلامي يتوسط بين الرأسمالية والماركسية) . وهذا منح المذهب الإقتصادي في الإسلام ، إمكانية تخطى بها دائرة الفقهيات الإقتصادية ، ومس الواقع المتجدد للعالم الإسلامي . كل ذلك تحقق من خلال نجاح قلم ” الصدر ” في رصد وتحليل واقع العالم الإسلامي ، وقدرته في تكييف الإفادات الفقهية في الإقتصاد لتتناغم وتتوائم والمستجدات الحادثة في قشرته ولُبه .

طبيعة اللغة وأبجديتها الإقتصادية

  وفي البدء أسئلة ؛ ما هي طبيعة اللغة الإقتصادية التي سادت في النصوص الإقتصادية التي دونها قلم ” الصدر ” ؟ وما هو الطريق الذي إختاره لتحديد المفهوم الإقتصادي ؟ لاحظ الباحث إن اللغة التي تداولها ” الصدر ” في نصوصه الإقتصادية ، قد تميزت بدرجات عالية من الدقة والوضوح . ولعل ذلك يعود حسب إعتقادنا إلى علو كعبه في الدراسات المنطقية [71] ، وبالتحديد في مضمار نظرية التعريف [72] . فمن الملاحظ إن قلمه لم يبدأ مناقشة أي موضوع إقتصادي ، إلا وإستهلها بضبط معنى المفهوم الإقتصادي ودلالته . وهذا يعني من زاوية البحث المنطقي ، إن تحديد المفاهيم وضبط معانيها وتعيين دلالاتها ، هي الخطوة الأولى الصحيحة في مسار البحث .

  ونحسبُ إن ما يُميزُ عمل ” الصدر ” في مضمار التدوين والكتابة الإقتصادية ، إهتمامه غير الإعتيادي في تركيب الجملة الإقتصادية . فالقارئ لكتاب إقتصادنا مثلاً ، يلحظ إن التركيب اللغوي للجملة ينساب ، دون مبالغة أو تكلف ، إنسياب نهر حركته هادئة ، إلا إنها تروي ضمأ الأراضي العطشى . والحقيقة إن ما حملنا على تناول هذا المبحث المهم والخطير في مضمار العلوم عامة ، والعلوم الإنسانية خاصة ، إن قلم ” الصدر ” أكد بصورة صريحة على الدور الذي تلعبه المفاهيم في تحديد معالم المذهب الإقتصادي في الإسلام . فقد أشار بوضوح إلى أهمية المفاهيم ، وما لها من وظيفة ، فأفاد قائلاً : إنها ” تُشكل جزءاً مهماً من الثقافة الإسلامية [73].

  ولعل الشاهد على حضور نظرية التعريف في النصوص الإقتصادية التي كتبها ، إنه إستهل أبحاثه بتحديد للفظة ” المفهوم ” . فقد لاحظنا إنه يُعرفه بكونه ” كل رأي للإسلام يُفسرُ واقعاً كونياً أو إجتماعياً أو تشريعياً ” [74]. إن هذا الضبط لمعنى المفهوم ودلالاته المتنوعة ، يُعدُ مثابرة صدرية في صياغة المفاهيم والإصطلاحات الإقتصادية ، وذلك سعياً إلى وضع أو صياغة ” مُعجم إقتصادي ” حيث يشمل كل جوانب اللغة وأبجديتها الإقتصادية .

  كما وقدم في هذا المضمار كشفاً عن الدور الذي تلعبه المفاهيم ، فهي حسب رؤيته ، تُفيدنا في معرفة جوهر ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” ، وخصوصاً ذلك ” القسم من المفاهيم الإسلامية الذي يتصل بالحياة الإقتصادية وظواهرها .. ” [75]. ولاحظنا إنه لم يكتف بالتنظير ، وإنما تطلع إلى تقديم درس تطبيقي ، وذلك لبيان الدور الذي تلعبه المفاهيم . وفعلاً فإنه إختار مفهومين إسلاميين في الإقتصاد ؛ الأول هو مفهوم الملكية الخاصة [76]. والثاني مفهوم التداول [77]. ومن ثم بين إن وظيفة المفاهيم ، هي القيام ” بدور الإشعاع على بعض الأحكام ، وتيسير مهمة فهمها من نصوصها الشرعية ” [78].

 وبإلتفاتة صدرية بالغة الأهمية ، لاحظ ” الصدر ” الدور الذي تلعبه المفاهيم في شرح معالم الطريق الذي يُؤدي إلى إنارة ما يُسمى بالمناطق الفارغة والتي تحتاج إلى تدخل فقهي ، وذلك من حيث إن ” بعض المفاهيم يقوم بإنشاء قاعدة يرتكز على أساسها ملء الفراغ الذي أعطي لولي الأمر حق ملئه . فالمفهوم الإسلامي عن التداول … يصحُ أن يكون أساساً لإستعمال الدولة صلاحيتها في مجالات تنظيم التداول ، فتمنع … كل محاولة من شأنها الإبتعاد بالتداول عن الإنتاج وجعله عملية لإطالة الطريق بين المستهلك و السلعة المنتجة ، بدلاً عن أن يكون عملية إعداد للسلعة وإيصال لها إلى يد المستهلك ” [79].

  ومن ثم تابع الفقيه ” الصدر ” دراسته في تحديد موضوع المفاهيم . وهذه المتابعة جاءت بهدف إنجاح عملية الإجتهاد ، ولذلك أعلن إن ذلك لا يتحقق إلا من خلال الضبط اللغوي لمعاني المفاهيم ودلالاتها . ونحسب إن هذه العملية تُساعد بدورها على فهم النص ، ولذلك فصل ” الصدر ” في مستويات الضبط اللغوي لمعاني المفاهيم ، فأشار إلى إن ” من الإطارات الفكرية ” التي تلعب ” دوراً فعالاً في عملية فهم النص ؛ الإطار اللغوي ، كما إذا كانت الكلمة الأساسية في النص لفظاً مشحوناً بالتاريخ ، أي ممتداً ومتطوراً عبر الزمن … فمن الطبيعي أن يُبادر الممارس بصورة عفوية إلى فهم الكلمة ، كما تدل عليه في واقعها ، لا في تاريخها البعيد . وقد يكون هذا المدلول حديثاً في عمر الكلمة ، ونتاجاً لغوياً لمذهب جديد ، أو حضارة ناشئة ، ولأجل ذلك يجب عند تحديد معنى النص الإنتباه الشديد إلى عدم الإندماج في إطار لغوي حادث ، لم يعش مع النص منذ ولادته [80].

  ولاحظ الباحث الأكاديمي في نصوص ” الصدر ” الإقتصادية ، إلى إنه قدم في مضمار اللغة الإقتصادية ، مثابرة تطبيقية نزعت إلى تحديد المصطلح الإقتصادي . وهذه المثابرة برمتها تكشف عن إدراك واع لأهمية توافر المُعجم الإقتصادي ، ودوره في فهم المباني الشاملة للمذهب الإقتصادي في الإسلام . وفعلاً فقد أعلن في مثابرته التطبيقية ، عن ضرورة تحديد بعض الإصطلاحات ” منذ البدأ [81] ، أي الخطوة الأولى ، وبالتحديد من مثل ” مبدأ الملكية المزدوجة ” ، ومن ثم ذهب مُعرفاً هذا المصطلح بكونه ” المبدأ الإسلامي في الملكية الذي يُؤمن بأشكال ثلاثة لها وهي : الملكية الخاصة ، وملكية الدولة ، و الملكية العامة [82].

  ونلحظ إن ” الصدر ” وسع من مثابرته ، وفعلاً تناول بالتعريف إصطلاحات إقتصادية ، من مثل ” ملكية الأمة ” وعرفها بكونها ” نوعاً من الملكية العامة ” [83] و ” ملكية الناس ؛ وهي أيضاً نوع من الملكية العامة ” [84] و ” الحق الخاص ” والذي يعني به ” درجة من إختصاص الفرد بالمال ” [85] ، و ” الإباحة العامة ” ، وهي ” حكم شرعي يسمح بموجبه لأي فرد بالإنتفاع بالمال وتملكه ملكية خاصة ” [86].

  ومن الإصطلاحات المهمة التي إنشغل بها مُعجم الصدر الإقتصادي ، وتطلع فعلاً إلى ضبط معانيها ودلالاتها ، إصطلاح ” الثروة ” والتي كما يبدو فضلها على إصطلاح ” رأس المال ” ، بالرغم من ملاحظتنا من إن نصوصاً إقتصادية صدرية متنوعة قد تداولته . ومن الأمثلة التي تداول فيها إصطلاح ” الثروة ” ، المضمار الذي جاء بعنوان ” مفهوم الإسلام عن الثروة ” وفيه بحث عن هذا الإصطلاح ، فأشار إلى إن تنمية الثروة ” هدف من الأهداف المهمة ولكنه هدف طريق لا هدف غاية ، فليست الثروة هي الهدف الأصيل الذي تضعه السماء للإنسان الإسلامي على وجه الأرض ، وإنما هي وسيلة يؤدي بها الإنسان الإسلامي دور الخلافة [87]. ومن ثم يتابع في توضيح مسارات حركة ” الثروة ” ، فيذهب إلى إن الإسلام ” يريد من الإنسان الإسلامي أن يُنمي الثروة ليُسيطرعليها ، وينتفع بها في تنمية وجوده ككل ، لا لتسيطر عليه الثروة … وتمحو من أمامه الأهداف الكبرى [88].

  والحقيقة إن ما يُميز المثابرة الفكرية التي أنجزها ” الصدر ” في عملية التدوين الإقتصادية الإسلامية في القرن العشرين ، عن سواها من الدراسات الأخرى ، إنها تميزت بضبط معنى ودلالة المُفردة الإقتصادية . وهنا نحاول القيام بفعل مسح إستقرائي للمفاهيم الإقتصادية التي تداولها نص إقتصادنا ، وهدفنا توفير للقارئ مُعجماً إقتصادياً لهذا الكتاب . وبالتأكيد سنسعى إلى تقديم الإمثلة و الإستشهادات كلما كان ذلك ممكناً وساعدنا النص .

  فعلاً تداولت النصوص الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” مادة أولية لكتابة معجم يتألف من مفاهيم إقتصادية متنوعة ، من مثل : ” التخلف الإقتصادي ” و ” التقدم الإقتصادي ” و ” التبعية الإقتصادية ” و ” المجال الإقتصادي ” و ” الحياة الإقتصادية ” و ” التطوير الإقتصادي ” و ” البناء الإقتصادي ” و ” الإقتصاد الحر ” و ” الإقتصاد الإشتراكي ” [89] ، و ” التنمية ” و ” التنمية الإقتصادية ” [90]، و ” التحدي الإقتصادي ” و ” الصعيد الإقتصادي ” و ” المنهج الإسلامي ” و ” النظام الإقتصادي ” و ” النظام الإقتصادي في الإسلام ” و ” وجهة نظر إقتصادية ” [91]، و ” فاعلية الإقتصاد ” و ” المذاهب الإقتصادية ” و ” المنهج الإقتصادي ” [92].  وبالطبع ” علم الإقتصاد ” والتي جرد ” الصدر ” الإقتصاد الإسلامي منها ، وفضل إطلاق إصطلاح المذهب عليه بدلاً من إصطلاح العلم كما أشرنا سابقاً .

   لقد أسهمت دائرة تفكير ” الصدر ” في تكوين مُعجم إقتصادي ، وكان الهدف إشاعة لغة إقتصادية ، تتشكل من ألف باء إقتصادي ، وحصيلته النهائية إثراء الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة . وهنا نرغب في وضع القارئ في أجواء هذه المثابرة المعجمية التي أنجزها ” الصدر ” في مضمار ما إصطلح عليه ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” ، فأفاد ” بودي أن أقول هنا وفي المقدمة شيئاً عن كلمة … الإقتصاد الإسلامي … وما أعنيه بهذه الكلمة حين أطلقها لأن كلمة الإقتصاد ذات تاريخ طويل … وقد أكسبها ذلك شيئاً من الغموض نتيجة للمعاني التي مرت بها ، وللإزدواج في مدلولها بين الجانب العلمي من الإقتصاد والجانب المذهبي [93].

  صحيحُ جداً إن واحدة من أهم مشكلات اللغة في التداول اليومي وكذلك المعرفي ، هو تعدد معاني ودلالات المفردة الواحدة ، والتي أطلق عليها ” الصدر ” الإصطلاح المركب ” و” الإزدواج في المدلول ” . وإن حل هذا الإشكال اللغوي ، ونزعه من ساحة التداول في المضمار المعرفي ، يتطلب الإقدام على صياغة معجم متخصص ، يضبط معاني المفاهيم الإقتصادية ، ويُحددُ دلالاتها . وفعلاً تقدم ” الصدر ” بضبط معاني ودلالات ” علم الإقتصاد ” و ” المذهب الإقتصادي ” . وهي جزء من شواهد تطبيقية على النزعة المعجمية للإقتصاد في الإسلام ، والتي تطلع ” الصدر ” من خلالها إلى ضبط اللغة وأبجديتها الإقتصادية . ولهذا عرف ” علم الإقتصاد ” بكونه ” العلم الذي يتناول تفسير الحياة الإقتصادية وأحداثها وظواهرها ، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيها ” [94]. ومن ثم عرف ” المذهب الإقتصادي ” بكونه ” عبارة عن الطريقة التي يفضل المجتمع إتباعها في حياته الإقتصادية ، وحل مشاكلها العملية ” [95].

  وإذا كانت هذه التعريفات نماذج وأمثلة ، فإن الكتاب (أي إقتصادنا) نص ركز بحثه على مثل هذه التعريفات ، والتي سنشير إليها كلما إحتاج البحث إليها . غير إننا نعود إلى دائرة الإصطلاح الإقتصادي و المفردة الإقتصادية ، التي تداولتها النصوص التي كتبها ” الصدر ” . ومن هذه المفردات والأدق المفاهيم ، هي القائمة الآتية ؛ ” الحرية الإقتصادية ” و ” التفكير الإقتصادي ” و ” علم الإقتصاد السياسي ” و ” سياسة إقتصادية ” و ” القيمة والصادرات ” [96]، ومن ثم ” الإنتاج الزراعي ” و ” قيمة السلعة ” و ” الربح والتوزيع ” [97].

  ونحسب من الناحية الميثديولوجية ، إن من التعريفات المهمة ، التي كان يتوجب أن تتصدر المعجم الإقتصادي المأمول ، هو تعريف ” الإقتصاد الإسلامي ” وهو المفهوم المركزي والمفتاح في آن واحد والذي كان من الناحية المنهجية الأكاديمية أن يبدأ تعريفه في السطور الأولى من مقدمة كتاب إقتصادنا . وفعلاً إن ” الصدر ” إنتبه إلى أهمية هذا التعريف المفتاح ، فتقدم بصيغة تعريف له جاءت بُعيد ” سبع وعشرين صفحة من المقدمة ” ، وعرفه بأنه ” المذهب الإقتصادي للإسلام ، الذي تتجسد فيه الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الإقتصادية ، بما يملك هذا المذهب ويدل عليه من رصيد فكري ، يتألف من أفكار الإسلام الأخلاقية والأفكار العلمية الإقتصادية أو التاريخية التي تتصل بمسائل الإقتصاد السياسي أو بتحليل تاريخ المجتمعات البشرية ” [98].

  ومن النافع إخبار القارئ إلى إن قلم الفقيه ” الصدر ” ، قد ألم بإصطلاحات المذهب الإقتصادي الماركسي ، وكان في الواقع إلمام بدرجات عالية . ولهذا سنتابع مراجعة نصوص ” الصدر ” والتي كان فيها حضور للإقتصاد الماركسي . ولعل أول ما نشير إليه ، هو إن عينات النصوص الصدرية ، قدمت لنا الإصطلاحات الماركسية الآتية ؛ ” المسائل الإقتصادية “[99] و ” الحقائق الإقتصادية ” و ” قوانين الإقتصاد ” [100]. وضمت القائمة ” العامل الإقتصادي “[101] و ” الوضع الإقتصادي ” [102] و ” الإنتاج ” و ” علاقات الإنتاج ” و ” علاقات الملكية ” [103] و” القوى المنتجة ” و”وسائل الإنتاج ” [104] و” الأداة المنتجة ” [105] و ” الملكية الإشتراكية ” [106]و” الملكية الشيوعية ” و ” الظروف الإقتصادية ” [107]و” العلاقات الإقتصادية “[108] و ” الألوان الإقتصادية “[109] و ” النفوذ الإقتصادي ” و ” المصالح الإقتصادية “[110] و ” المصلحة الإقتصادية الطبقية [111] و ” قوى العامل الإقتصادي “[112] و ” الرأسمال الصناعي “[113] و ” الكيان الإقتصادي ” و ” الطابع الإقتصادي ” و ” فائض القيمة “[114] و ” العمليات الإقتصادية “[115] و ” التكوين الإقتصادي “[116] و ” الإطار الإقتصادي “[117] و ” الأساس الإقتصادي “[118] و ” الشروط الإقتصادية “[119] و ” القوى الإقتصادية “[120] و ” القاعدة الإقتصادية “[121] و ” الظاهرة الإقتصادية ” و ” القيمة التبادلية “[122] و ” القيم الإقتصادية “[123] و ” المفهوم الإقتصادي “[124] و ” الجهاز الإقتصادي ” و ” المداخيل “[125] و ” التحول الإقتصادي “[126] و ” الأشكال  الإقتصادية ” و ” التركيب الإقتصادي ” و ” إقتصاديات البيت “[127] و ” الإستثمار “[128] و ” التراكم الرأسمالي “[129] و ” الطبيعة الإقتصادية “[130] و ” الوجه الإقتصادي “[131] و ” ريع الأرض ” و ” الريع العقاري “[132] و ” الريع التفاضلي ” و ” الريع المطلق ” و ” القيمة الإستعمالية ” و ” القيمة التبادلية “[133] و ” قانون القيمة ” و ” قوانين العرض و الطلب “[134] و ” الندرة أو المنفعة الحدية “[135] و ” قيمة السلعة ” و ” القيمةالفائضة “[136] و ” الربح الرأسمالي “[137] و ” الحاجة والفاقة “[138] و ” الضرورة الإقتصادية “[139] و ” الإحتكار “[140] و ” العلوم الإقتصادية “[141] و ” التوزيع “[142] و ” الإقتصاد الرأسمالي ” و ” الإقتصاد الماركسي [143] و ” الإقتصاد المزدوج [144] و ” التخطيط الإقتصادي المركزي “[145] و ” التأميم ” و ” محو الملكية الخاصة “[146] و ” مبدأ التوزيع : من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ” [147]

  ونحسب إنه من المفيد الإشارة إلى إن  هذا الطرف من المعجم الإقتصادي ، ضم مثابرة نقدية للإصطلاحات الإقتصادية الماركسية  ، ومن ثم تقويم يستند إلى مرجعية المذهب الإقتصادي في الإسلام الذي كونه ” الصدر ” بيراعه الفقهية .

  كما وتكشف النصوص التي كتبها ” الصدر ” عن مثابرة نقدية تحليلية لإصطلاحات المذهب الإقتصادي الرأسمالي . وبينت هذه المثابرة في الوقت ذاته عن فعل إستيعاب لمضمون هذه الإصطلاحات ، التي تولدت ، ومن ثم نمت في أرض الثقافة الغربية ، التي كانت الأرض الشرعية الحاضنة لها . ولذلك نرى إن حضورها في المعجم الإقتصادي المأمول ، هو حضور الوافد الثقافي ، ولهذا جاء التعامل معه من زاوية نقدية تقويمية وبالإستناد إلى المذهب الإقتصادي في الإسلام . ومن هذه الإصطلاحات ؛ ” الملكية الخاصة “[148] و ” الحركة الإقتصادية ” و ” حرية الإستهلاك ” و ” حرية الإستغلال ” و ” الحرية في الإنفاق ” و ” حرية التملك “[149] و ” الأحداث الإقتصادية “[150] و ” قوانين الإقتصاد الطبيعية ” و ” الإقتصاد العلمي ” و ” الإقتصاد المذهبي [151] و ” قانون الغلة المتزايدة ” و ” قانون العرض والطلب “[152] و ” قوانين الإقتصاد الكلاسيكي ” و ” الإنسان الإقتصادي “[153] و ” قوانين توزيع الدخل ” و ” الربح والفائدة والريع ” و قوانين الأجور [154] و ” جهاز السوق ” و ” تحديد الأسعار “[155] و ” الحرية الإقتصادية ” و ” مصالح الفرد “[156] و ” تنمية الإنتاج “[157] و ” الموقف الإقتصادي “[158] و ” الشركة والشركات ” و ” النشاط الإقتصادي “[159] و ” المعترك الإقتصادي “[160] و ” المجال الإقتصادي “[161].

  وإن إستناد الباحث إلى صيغة الحساب الثقافي للإصطلاحات الواردة في المعجم الإقتصادي المأمول ، والذي نهض على قراءة إستقرائية للنصوص التي كتبها ” الصدر ” في كتاب إقتصادنا ، فإنه يلحظ بصورة واضحة ترجيحاً لإصطلاحات المذهب الإقتصادي في الإسلام ، وبالتخصيص في مثابرة التكوين والإستشهاد والتعريف . ولعل الشاهد على ذلك ، هو تصدر المعجم إصطلاحات من مثل ” مبدأ الملكية المزدوجة “[162] و ” الملكية الخاصة ” و ” الملكية العامة “[163] و ” مبدأ الحرية الإقتصادية في نطاق محدود “[164] و ” مبدأ العدالة الإجتماعية “[165] و ” المخططات الإقتصادية “[166] و ” المضاربة والتكافل العام والتوازن الإجتماعي ” و ” إلغاء رأس المال الربوي [167] و ” الفائدة الربوية ” و ” الإكتناز ” و ” الحياة الإقتصادية في المجتمع الإسلامي “[168] و ” علم الإقتصاد الإسلامي ” و ” التجارب الإقتصادية “[169] و” عملية الإنتاج ” و ” عملية التوزيع ” ، و ” أدوات الإنتاج ” و ” علاقات التوزيع ” و ” أشكال الإنتاج “[170] و ” المصلحة و الحاجة “[171] و ” المشكلة الإقتصادية “[172] و ” الصعيد الإقتصادي ” و ” جهاز التوزيع ” و ” العمل والحاجة “[173] و ” رأس مال تجاري أو ربوي[174] و ” ثروات خاصة وعامة “[175] و ” التداول “[176] .

  ومن الملاحظ إن ” الصدر ” حدد تعريف علم الإقتصاد بكونه ” علم قوانين الإنتاج [177] ، ومن ثم عرف المذهب الإقتصادي بأنه ” فن توزيع الثروة [178]. وهذا يعني إن ” الصدر ” جرد المذهب الإقتصادي في الإسلام من هويته العلمية وإنشغاله بقوانين الإنتاج ، وحول مهمته إلى أن تكون فن توزيع الثروة وحسب . ولذلك  نفهم الأسباب التي حملت رجل الفقه ” الصدر ” ، وبالطبع ليس عالم الإقتصاد إلى التحفظ من علم الإقتصاد ومن ثم تفضيل الحديث عن المذهب الإقتصادي كما أشرنا سابقاً . وهذا الحديث الصدري عن علم الإقتصاد يُثير إشكالاً ميثديولوجياً وفكرياً في بنية كتاب إقتصادنا وتفكير ” الصدر ” الإقتصادي على حد سواء .

  ونحسب أنه من المفيد الإشارة إلى إن هناك قائمة متنوعة من الإصطلاحات ، قد وردت في هذا الطرف من كتاب إقتصادنا ، وهي بالطبع تُشكل ركناً مهماً من المعجم الإقتصادي . وهذه الإصطلاحات من مثل ” النظام المالي [179] و ” إستثمار المال [180] و ” التشريع الإقتصادي “[181] و ” العلاقات الإقتصادية “[182] و ” توزيع الثروة “[183] و ” الثروة الأم ” و ” الثروة البنت ” و ” مصادر الإنتاج ” و ” السلع المنتجة ” و ” الدخل الأصلي “[184] و ” الإقطاع “[185] و ” الإنتفاع والإستثمار ” و ” الإحتكار والإستثمار ” و ” الحيازة “[186] و ” الصفة الإقتصادية “[187] و ” الثروات المنقولة “[188] و ” الإعمال المنتجة “[189] و ” إسلوب الأجرة ” و ” إسلوب المشاركة “[190] و ” الكسب ” و ” العمل المنفق “[191] و ” المال التجاري “[192] و ” رأس المال النقدي ” و ” الربا “[193] و ” قانون الغلة المتناقصة ” و ” السياسة الإقتصادية “[194] و ” تنمية الإنتاج “[195] و ” الإنفاق الإنتاجي ” و ” الإنفاق الإستهلاكي “[196] و ” ندرة مواد الإنتاج “[197] و ” عدالة التوزيع “[198] .

  ومن ثم تقدم ” الصدر ” بتعريف للإنتاج ، فذهب إلى إنه ” عملية تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان [199]. ويُعرف التداول بكونه ” نقل الأشياء من مكان إلى آخر “. وهذا هو المعنى المادي . أما معناه القانوني في حدود تعريف ” الصدر ” ، فهو ” مجموع عمليات التجارة التي تتم عن طريق عقود المقايضة ، من بيع ونحوه “[200] . ومن الإصطلاحات الأخرى التي سجلت حضوراً في النص الإقتصادي الصدري ، إصطلاحات من مثل ؛ ” التكافل العام “[201] و ” مصادر الثروة “[202] و ” رأس المال الفردي “[203] و ” الإستثمار الرأسمالي “[204] و ” الخمس [205] و ” الأرض الخراجية [206] و ” عقد الإجارة “[207] و ” الثروة الطبيعية ” و ” الثروة المحازة [208] و ” التفاوت [209] .

  ونحسبُ إن دراسة إمكانية صياغة معجم إقتصادي للإصطلاحات والمفاهيم التي تداولتها دائرة تفكير ” الصدر ” ، هو موضوع بكر ، حيث لم يسبق أحد ، إن حرث في أرضه وتناوله بدراسة أكاديمية في دائرة الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة . وهو بالتأكيد يتحمل إنجاز أبحاث عديدة ، تتسع لتناول كتب ” الصدر ” عينات للبحث ، والتي فيها إمكانية لصياغة معجم إجتماعي ، وإصولي ، وفلسفي وفقهي وسياسي .. فهو موضوع في غاية الأهمية نلفت الأنظار إليه .

مثابرة نقدية صدرية للمذاهب الإقتصادية الغربية

  والبداية سؤال ؛ ما حدود المثابرة النقدية التي أنجزها ” الصدر ” للمذاهب الإقتصادية التي ولدها العقل الغربي ؟ ونستهل الجواب على هذا السؤال ، بإشارة نلفت فيها الأنظار إلى إن المذهبين الإقتصاديين الغربيين ؛ أي الرأسمالية والماركسية ، ورصيدهما الفكري ، قد سجلا حضوراً إستعراضياً ، ومن ثم نقدياً في الإفادات الإقتصادية التي كتبها ” الصدر ” . وهنا نتطلع إلى معرفة حجم هذا الحضور ودرجات ميزانه . وإنجاز ذلك نعتمد على منهج الحساب الثقافي ، ومن ثم نضبط ميزان الحضور ، ونبين أية كفة من الميزان كانت هي الراجحة .

  وفعلاً فقد لاحظنا إن المثابرة النقدية التي أنجزها ” الصدر ” بدأت بالمذهب الإقتصادي الماركسي . وكان من المفروض من الزاوية الميثديولوجية أن تكون البداية بالرأسمالية ، وذلك لكونها من الطرف التاريخي هي الأسبق في النشوء ، والأسبق في الدخول إلى ساحة حياة العالم العربي الإسلامي ، وبالتحديد من خلال أنظمة حكومية متنوعة . بينما من المعروف تاريخياً إن الماركسية ظهرت لاحقاً ، ومن ثم حدث حوار معها ومن خلال توجه العقل العربي الإسلامي نحو شواطئها ، وحدث هذا التوجه نحو الماركسية بعد خيبة أمل بالرأسمالية . مع الإشارة إلى إن الماركسية وبطرفيها الشيوعي والإشتراكي وجدت لها مواقع قدم في طوابق متنوعة حكومية وشعبية خلال فترة تصعد بأشواط بعيدة من الخمسينات وصعوداً نحو المستقبل وعصر الدراما السياسية التي عاشتها الأيديولوجيات القومية العربية وعناوين لافتاتها الإشتراكية الملونة .

  ومن هذا الطرف ، فقد كشف منهج الحساب الثقافي الذي إعتمدناه ، والذي صاحب المثابرة النقدية التي دشنها الفقيه ” الصدر ” ، خطوة خطوة . نقول كشف عن إن الماركسية ، قد شغلت فعلاً مكانة كبيرة في كتاب إقتصادنا ، بل وسجلت حضوراً غير إعتيادي في الإفادات التي ضمها هذا الكتاب . ومن زاوية منهج الحساب الثقافي ، فقد ملئت أبحاث ” الصدر ” عن الماركسية ، الصفحات الممتدة ما بين الصفحة 35 وحتى الصفحة 236 من كتاب إقتصادنا . وإن القضية لم تقف عند هذه الحدود ، بل يُضاف إليها صفحات المقدمات التي كتبها ” الصدر ” وفي الحقيقة هي صفحات عالجت الماركسية من زاوية الميثديولوجيا النقدية .

 ونحسبُ هذا التغليب للماركسية ، له دواعي وأسباب تبرره وتدافع عنه . فيوم كتب ” الصدر ” كتاب إقتصادنا ، كانت المواجهة التي قادها ” الصدر ” وتنظيماته الدينية ضد الماركسية والمنظمات الشيوعية العراقية ، وخصوصاً في مدينتي النجف والكاظمية ، في أعلى درجاتها في الشارع الثقافي العراقي . ولذلك نظن إنه كان من الطبيعي ، وليس من زاوية المنهج ، أن يأتي الميزان الثقافي في بُعده النقدي ، قد إنحازت كفته وسجلت حضوراً لصالح الماركسية ، وعلى حساب كفة الزاوية المنهجية التي بحثت في الرأسمالية .

  كما وبين لنا ميزان الحساب الثقافي في الوقت ذاته ، بأن معالجة الرأسمالية بمنظار العرض والنقد الذي قام به قلم الفقيه ” الصدر ” ، قد شغلت مساحة إهتمام أقل من زاوية ميزان الماركسية . وفعلاً فإن أبحاث ” الصدر ” عن الرأسمالية ، ملئت الصفحات الممتدة من الصفحة 237 وحتى الصفحة 276 من كتاب إقتصادنا . مع الإشارة إلى إن الأجزاء الخاصة من كتاب ” إقتصادنا ” ، والتي تناولت المذهب الإقتصادي في الإسلام ، والممتدة من الصفحة 277 وحتى الصفحة 728 ، قد إحتوت على دراسات فيها مقارنات بين المذهب الإقتصادي في الإسلام والرأسمالية و الماركسية وبطول وعرض هذه الصفحات . وعلى هذا الأساس سنلتزم في بيان حجم المثابرة النقدية التي أنجزها قلم ” الصدر ” لكل من المذهبين الإقتصاديين الغربيين بالمنهج التاريخي . ونبدأ بالرأسمالية ، ومن ثم بالماركسية . وبذلك نُخالف في هذا المضمار ، المنهج الذي نهض عليه كتاب إقتصادنا .

المذهب الإقتصادي الرأسمالي في ميزان النقد والتقويم

  إن القراءة الأكاديمية لكتاب إقتصادنا ، قادتنا إلى الإمساك بالإشكال الأبستمولوجي و الميثدولوجي الذي يلف هذا النص الفكراني – الإقتصادي الإسلامي . والسؤال ؛ أي شكل من أشكال الرأسمالية يتحدث ” الصدر ” ؟ والجواب ؛ إن ” الصدر ” يتحدث عن الرأسمالية بمنطق العموم والشمول ، حيث يُوحي للقارئ وكأن الرأسمالية شكلاً واحداً خلال عمرها الذي يلف أكثر من خمسمائة وخمس عقود من السنين . وهذا ما نتطلع إلى بيانه ، ومن ثم إضافة مساهمة فكرية إلى مثابرة ” الصدر ” الإقتصادية المتفردة في دائرة الثقافة العربية الإسلامية في الربع الثالث من القرن العشرين .

  وقبل الدخول في بحث هذا الطرف ، نود إخبار القارئ الكريم ، إلى إن الأكاديميات الغربية ، طورت مضمار بحث أكاديمي جديد ، وبالتحديد في عام 2000 وبعنوان ” تاريخ الرأسمالية ”  ويتكون من فصول دراسية متنوعة ، ويُدرس في أقسام التاريخ ، وتشمل مواد هذه الفصول ؛ التأمين ، المصارف ، التعليمات والضوابط ، الأبعاد السياسية ، أثر الطبقة الوسطى ، الفقراء والنساء والأقليات [210].   

  وفي البدء تعريف بفكرانية الرأسمالية ، والمراحل التي مرت بها خلال تطورها في حياة الغرب الإقتصادية ، وبالتحديد في العصور الوسطى ، وخصوصاً من القرن الثاني عشر وصعوداً حتى  القرن الرابع عشر [211]. ونحسبُ وفقاً لشهادات وثائق التاريخ الإقتصادي العربي الإسلامي ، إلى إن الرأسمالية في نمطها التجاري ، تصعد إلى فترات أبعد من ذلك ، فتمس أطرافاً من تاريخ العرب المسلمين ، الذي شهد بزوغ شكل من أشكال الرأسمالية التجارية في القرن التاسع الميلادي[212]. والحقيقة إن هذا الفهم التاريخي لولادة أشكال من الرأسمالية في الحضارتين الوسطويتين ؛ العربية – الإسلامية ومن ثم الغربية – المسيحية ، له دلالته المهمة في إلتحام الرأسمالية في بداية تشكلها ، وبالتخصيص في شكلها التجاري بالمباني الإسلامية والمسيحية على حد سواء .

  مع الإشارة إلى إن الإسلام والمسيحية وخصوصاً الكاثوليكية ،  واجها بتحدي عقيدي كبير مشكلة ” الربا ” حين بدأ التفكير بإنشاء البنوك التي هي شريان الحياة الإقتصادية . والمسيحية البروتستانتية لم ترى هناك مشكلة ، بل هو دليل نجاح في هذا العالم ، فنشطت الحياة الإقتصادية وإزدهرت ومن ثم تم إنشاء البنوك . ولعل كتاب عالم الإجتماع الإلماني ” ماكس فايبر ” (1864 – 1920) والمعنون ” الإخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية [213] شاهد على ذلك . في حين نجد بالمقابل ، إن ” الصدر ” حل مشكلة ” الربا ” التي تواجه إنشاء بنوك في البلدان الإسلامية ، وبالطبع إنشاء نوع من البنوك اللاربوية التي تسهل المعاملات الإقتصادية ، وخصوصاً التجارية في الحياة الإسلامية . ولعل كتاب ” الصدر ” المعنون ” البنك اللاربوي [214] شاهد على هذا الحل الإسلامي .

  ولاحظنا إن المؤرخين المعنيون بشأن التاريخ الإقتصادي ، قد تداولوا في كتاباتهم إصطلاح ” الرأسمالية التجارية ” ويقصدون به الوجه المبكر لتطور الرأسمالية كنظام إقتصادي وإجتماعي . ويجمعون على إن الصور المبكرة للرأسمالية التجارية ، قد شهد تطورها العالم الإسلامي في العصور الوسطى ، وبالتحديد في القرن التاسع الميلادي ، أي قبل ظهورها في أوربا بثلاث قرون على الأقل . وكذلك لاحظوا إن هذه الصور من الرأسمالية التجارية ، قد تطورت في أوربا في القرن الثاني عشر ، ومن ثم تحولت الرأسمالية التجارية ، قوة إقتصادية مهمة في القرن السادس عشر [215].

  وفعلاً فإن هذه الصور المبكرة من الرأسمالية التجارية ، نمت وتطورت في أقطار أوربا الغربية خلال العصور الوسطى . إلا إنها أخذت تتطور في صورها الحديثة خلال الفترة الحديثة المبكرة ، وبالتحديد في البلدان البروتستانتية ، التي تقع في أوربا الغربية – الشمالية ، وخصوصاً في كل من هولندا وبريطانيا . فمثلاً التجار في إمستردام ولندن أسسوا شركات مساهمة ، وأخرى لبيع الأسهم ، ومصارف ومؤسسات للتأمين . وفعلاً فإنه خلال فترة الخمسمائة سنة الماضية (أو بحدود ذلك أو أكثر) ، قد تراكم رأس المال بطرق مختلفة ، وبمعايير متنوعة ، مما كان الحاصل من ذلك تركيز للقوة الإقتصادية والثروة [216]. ولاحظ المؤرخون إنه خلال هذه الفترة ذاتها ، قد حدث تطور للرأسمالية وأشكالها المتنوعة .

  كما ويشير بعض المؤرخين إلى إن النظام الرأسمالي الحديث ، له إصوله في ” أزمة القرن الرابع عشر ” ، وخصوصاً الصراع الذي حدث بين الإرستقراط من ملاك الأراضي والمزارعين (الفلاحين) ورقيق الأرض … وهذه التطورات قادت إلى بروز شكلاً من الرأسمالية ، هي الرأسمالية الزراعية (والرعوية) [217]. وبالمناسبة إن ماركس في كتابه رأس المال ، يتحدث عن هذه المرحلة ، ويصنفها تحت لافتة ” المرحلة ما قبل الرأسمالية ” وبالطبع تولدت في رحمها ” مرحلة الرأسمالية ” [218].

  والحقيقة إن هذا البحث كان من الممكن أن يتوافر للفقيه ” الصدر” ، وأن ينتفع منه في معالجة شكل من أشكال الرأسمالية ، وهي الرأسمالية الزراعية . ولو فعل ذلك لجعل كتاب إقتصادنا ، كتاباً إقتصادياً يمس بقوة واقع العراق والبلدان العربية . وفعلاً إن هذا الكتاب أو مصادر أخرى تناولت الرأسمالية الزراعية لو توافرت  للفقيه ” الصدر” لقدم بحثاً واقعياً يُعالج مضمار الرأسمالية الزراعية في العراق والعالم الإسلامي . على كل إنها مجرد أمنية أكاديمي . ولذلك لاحظنا إن الباحث ” ألين ميكسن وود ” درس عدة محاور في بالغ الأهمية لكتاب مثل كتاب إقتصادنا . منها :

1 – ما هي طبيعة الرأسمالية الزراعية ؟

2 – هل الرأسمالية حقيقة رأسمالية ؟

3 – ظهور الملكية الرأسمالية ؟

4 – دروس من الرأسمالية الزراعية [219]. والحقيقة إن ” الصدر” تناول أطرافاً من ذلك  وبالتحديد في إطار مفهوم ” الملكية ” كما ستبين ذلك الصفحات اللاحقة من هذا البحث .

  ومن المفيد الإشارة إلى إنه يجري بين المفكرين الإقتصاديين الغربين ، جدل حول أشكال الرأسمالية ، ويُفضل البعض أن يطلق عليها مراحل الرأسمالية .والواقع هي أشكال وفيها تتضمن مراحل تطور الرأسمالية . ونحسبُ إنها جداً مهمة في الحديث عن تاريخ الرأسمالية وتطورها . وبالتأكيد إن بحثها فيه إضاءة وإشعاع على كتاب مثل كتاب إقتصادنا . ولهذا السبب نود أن نمر عليها ، ومن ثم نُحرض الباحثين إلى دراستها وضمها توسعة على رسائل كتاب إقتصادنا . ونُفضل الحديث عن هذه الأشكال وربما الحقب الإقتصادية بالصورة الآتية :

أولاً – الرأسمالية الزراعية (والرعوية) ، وبعض الأحيان يُطلق عليها ” إقطاعية السوق ” . وهي بالطبع شكل رأسمالي كلاسيكي (تقليدي) يتوسط بين ” الإقطاعية ” و ” الرأسمالية” . ويبدو إن ” علاقات السوق ” قد شغلت بعض من مكانتها . ولكن ” العلاقات الإقطاعية ” ظلت فاعلة في المجتمع [220].

ثانياً – الرأسمالية المركنتالية أو التجارية ، وهي نزعة إقتصادية قامت بها الحكومات القومية بهدف المحافظة على التوزانات الإيجابية للتجارة والحصول على الملايين من الذهب . ولعل الشواهد على كتابات هذا الشكل من الرأسمالية ، مؤلفات الإقتصادي الإنكليزي ” توماس مان ” (1571 – 1641) ، وهو واحد من منظري الرأسمالية التجارية ، ومن دعواته الإقتصادية المشهورة ” زيادة الصادرات على حساب الواردات ” ومن خلال ذلك ساعد الرأسمالية بقوة . ومن مؤلفاته المبكرة ، كتابه المعنون ” الخطاب التجاري من إنكلترا وحتى الهند الشرقية ” والذي نشر عام 1921 . وكتابه المعنون ” ذخيرة إنكلترا في التجارة الخارجية ” [221].

ثالثاً - الرأسمالية الصناعية ، وهي موجة أقتصادية ، تميزت بإستعمالها الواسع للألات (التكنولوجيا) ، وظهر فيها تقسيم العمل بصورة واسعة . ومن النافع الإشارة إلى إن ظهور الرأسمالية الصناعية ، صاحبها بروز عدد من المنظرين الإقتصاديين الغربيين ، من أمثال الفيلسوف والإقتصادي ” ديفيد هيوم ” (1711 – 1776)[222] وفيلسوف الأخلاق والرائد في الإقتصاد السياسي ” أدم سميث ” (1723 – 1790) ومن أشهر مؤلفاته ، كتابه المعنون ” بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم ” [223]ومن ثم في فترة لاحقة إختصر عنوانه إلى ” ثروة الأمم ” وهو كتاب إنجيلي في الإقتصاد . ونحسب على أساس هذه المساهمة الرائدة ، منحه المؤرخون ، لقب ” أب الإقتصاد الحديث [224].

رابعاً – الرأسمالية الإحتكارية ، وهي في الأصل مفهوم ماركسي ، شاع وتم تداوله بعد الحرب العالمية الثانية . وهو يصعد إلى ” لينين ” وبالتحديد إلى عام 1916 . غير إنه لم ينشر نظريته في هذا الموضوع . والرأسمالية الإحتكارية تعود إلى البيئة التي تتدخل فيها الدولة في الإقتصاد ، وذلك لحماية الأعمال الإحتكارية الكبيرة من منافسة الشركات الصغيرة [225]. وهناك من يطلق عيها إصطلاح ” رأسمالية الدولة ” وهي من المراحل التاريخية النهائية للرأسمالية . وقد وجدت رأسمالية الدولة مجالاً لها في نظريات التروتسكية الجديدة . والشاهد على ذلك كتاب التروتسكي الجديد ” طوني كليف ” (1917 – 2000) والمعنون ” التروتسكية بعد تروتسكي “[226] و ” رأسمالية الدولة في روسيا ” [227]. ومن التروتسكيين الجدد ، الماركسي الأمريكي (من إصول بولندية) ” ماكس شكتمن ” (1904 – 1972) وأصبح عام 1928 من المؤازرين للزعيم الروسي ” ليون تروتسكي ” . وعلى أساس هذه العلاقة طُرد من الحزب الشيوعي ، وبالتحديد في إكتوبر عام 1928 . وزار ” تروتسكي ” في منفاه في جزيرة ” الأمير ” الروسية ، القريبة من إسطنبول التركية . إلا إن علاقته بتروتسكي لم تستمر طويلاً ، فقد إختلفا خلال الحرب العالمية الثانية ، وذلك عندما عارض ” المادية الديالكتيكية ”  [228].

خامساً – الرأسمالية المالية ، وهي شكل من أشكال الرأسمالية ، وهي تنهض على سلسلة عمليات مالية ، تبدأ بالمصارف ، التأمين والإستثمارات ، والعملات والسندات (الأوراق المالية) والأسهم والعقود الآجل وغيرها من العقود ، وتشمل القروض المالية ، والرهن والفوائد … [229].

سادساً – رأسمالية المجتمع ، ويتداول الأكاديميون في كتاباتهم إصطلاحات مرادفة لها ، من مثل ” الرأسمالية المستقرة ” أو ” رأسمالية العائلة ” أو ” رأسمالية أصحاب المصالح ” . وهي في الحقيقة مشروع في الرأسمالية ، يتطلع إلى نوع من الإستقرار للمجتمع برمته ، وليس الإستقرار للمحظوظين ، اللذين هم بالطبع القلة القليلة . والحديث هنا عن المجتمع قد يشمل مجتمع العاصمة ، أو المنطقة أو القطر برمته [230].

سابعاً – رأسمالية الأصحاب (ذوي العلاقات الحميمة) ، وهي مفهوم يُقدم وصفاً لحالة الإقتصاد ، الذي حقق نجاحات في المصالح والأعمال ، التي تعتمد على العلاقات الحميمة بين أصحاب المصالح والموظفين الحكوميين . وهذا الشكل من الرأسمالية ، ممكن ملاحظته في الدوائر الحكومية التي تمزج إنواع مختلفة من الإقتصاد . ويتمثل في إن الحكومة تُقدم منحاً ، تقدم عروضاً بضرائب خاصة ، وتشمل تدخلات الدولة الأخرى . ومن الأمثلة التي تذكرها الدراسات الأكاديمية على رأسمالية الأصحاب ، ما حدث في عام 2014 لثلاثة دول تعمل في إطار هذا الشكل من الرأسمالية ، والذي جاء ترتيبها بالصورة الهايرريكية الأتية :

هونكونك

روسيا

ماليزيا  [231].

ثامناً – الرأسمالية المتفوقة (السوبر) ، والحقيقة هذا هو القسم الأول من عنوان كتاب ، ألفه برفسور الإقتصاد السياسي الأمريكي ” روبرت برنارد رايش ” (1946) ، والذي كان وزير العمل فترة الرئيس ” كلينتون ” ، وكتبه ” رايش ” في الفترة التي هيمنت فيها الرأسماية المتفوقة . ومن المفيد أن نُعلم القارئ بالعنوان الكامل ، ففيه الكثير من الدلالات والإيضاح ” الرأسمالية المتفوقة : تحولات المصالح ، الديمقراطية والحياة اليومية [232]. وفعلاً ففي منتصف القرن العشرين ، تحولت الرأسمالية إلى رأسمالية عالمية . وعلى أساس هذا التحول ، يُحلل ” رايش ” في كتابه ، العلاقة بين الرأسمالية المعاصرة والديمقراطية ، ومن ثم يجيب على السؤال المرفوع والقائل ” لماذا إنتصرت الرأسمالية ؟ ولماذا ضعفت الديمقراطية وتخلفت ؟ .

تاسعاً – الرأسمالية التكنولوجية ، وواضح للقارئ ، إن هذا الشكل من الرأسمالية ، يتكون من طرفين ؛ الرأسمالية والتكنولوجيا . وهي تُشير وتُدلل على التغيرات الحادثة في بنية الرأسمالية بسبب إنبثاق أنواع من التكنولوجيات الجديدة ، ومن ثم تزايد سلطة المؤسسات التجارية ، وظهور أشكال جديدة من المنظمات . والحقيقة هذا الشكل من الرأسمالية ، ظهر عنواناً لكتاب البروفسور ” لويس سورزي فيلا ” والمعنون ” الرأسمالية التكنولوجية : وجهة نظر نقدية حول التجديدات التكنولوجية والمؤسسات التجارية [233]. وله كتاب أخر يتعلق بهذا الموضوع ، وحمل العنوان القائل ” العولمة والرأسمالية التكنولوجيا : الإقتصاد السياسي للسلطة التجارية وهيمنة التكنولوجيا [234]. والواقع إن البروفسور ” فيلا ” يستكشف في هذين الكتابين ، الرؤيا الجديدة للقرن الحادي والعشرين حول الرأسمالية المؤسسة على التكنولوجيا والعلم ، ومن ثم أثر الإتصاد السياسي لسلطة المؤسسات التجارية المرتبطة بها .

عاشراً – رأسمالية الرفاه ، وهي شكل من أشكال الرأسمالية ، وتشمل سياسات ترفيه إجتماعي شامل . وبالطبع تتضمن خدمات ترفيه للعاملين فيها . كما ويتداول الكتاب في الحديث عنها ، مصطلح ثان للدلالة عليها ، وهو ” الأبوية الصناعية ” وذلك من حيث إنها تُركز على الصناعيين الذين يمتلكون مهارات عمل عالية . وهذا الشكل من الرأسمالية إنبثق في منتصف القرن العشرين . واليوم ترتبط رأسمالية الرفاه بأشكال الرأسمالية ، التي تتواجد في القارة الأوربية ، وبالتحديد في شمال أوربا . ومن الملاحظ إنه في بعض حالات رأسمالية الرفاه ، هناك مزج لأقتصاديات متنوعة ، والدولة ربما تتدخل وتصدر تعليمات وضوابط [235]

سادساً – رأسماليات متنوعة ، ويجري الحديث اليوم في المصادر الإقتصادية الأكاديمية في الغرب ، عن أنواع مختلفة من الرأسماليات ، من مثل الرأسمالية الفوضوية (اللاسلطوية) ، وبعض الأحيان يُشار إليها بإصطلاح ” فوضوية السوق الحرة ” أو ” فوضوية السوق ” أو ” فوضوية الملكية الخاصة ” أو ” الفوضوية الليبرالية ” . وهي نزعة سياسية (وبالطبع إقتصادية) تُدافع عن إلغاء دور الدولة وتفضيل سلطة الفرد والملكية الخاصة والأسواق الحرة [236]. ومنها ” الرأسمالية المتأخرة ” . والحقيقة هو إصطلاح تداوله الماركسيون الجدد ، وذلك للإشارة إلى شكل من أشكال الرأسمالية إنبثق حوالي عام 1945 وصاعداً ، وتشعر فيه نقد تاريخي ، ومحاولة لإدخال الرأسمالية مرحلة في التاريخ ، بدلاً من تحديد خصائصها والتأكيد على إستمرارها في المستقيل في حياة المجتمع الإنساني . ولاحظ الناقد الأمريكي ” فردريك جيمسون ” (ولد عام 1934) إن هذا المصطلح (أو التسمية) جاءت في كتابات الإقتصادي الماركسي النمساوي ” رودلف هيلفيردنك ” (1877 – 1941)[237]. بينما يُفضل الفيلسوف الفرنسي ” جاك دريدا ” (1930 – 2004) تداول إصطلاح ” الرأسمالية الجديدة [238]على كل من إصطلاحي ” مابعد الرأسمالية ” و ” الرأسمالية المتأخرة ” .

  أما الرأسمالية الجديدة ، فهي أيديولوجيا إقتصادية ، قامت بدمج بعض مبادئ الرأسمالية في بنية أنظمة أخرى . والرأسمالية الجديدة هي شكل من أشكال الرأسمالية التي تصعد إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية . وإصطلاح الرأسمالية الجديدة ، إصطلاح تداوله الكتاب اليساريين الفرنسيين والبلجيكيين خلال فترة الخمسينات والستينات . وإن أول من تداوله ، هو الكاتب النمساوي ” أندري كورز ” وهو الأسم القلمي للكاتب ” جيرارد هورست ” (1923 – 2007) . ومن ثم قام بنشره في الثقافة الإنكليزية وبصورة واسعة ، الإقتصادي الماركسي ” إرنست ماندل ” في كتابه المعنون ” مدخل إلى النظرية الإقتصادية الماركسية [239]

  بينما جاء إصطلاح ” ما بعد الرأسمالية ” في حقيقته كما نحسبُ ، عنواناً كبيراً ، لا يخلو من الكثير من الخلط وإعادة صيغ من الماضي والذمة التاريخية لحركة الإقتصاد ، وبث الروح فيها . ويبدو إن المنظرين في هذا المضمار ، مشدودي الأعصاب وعلى عجل من أمرهم لخلق بديل للرأسمالية . ولعل الشاهد على ذلك عناوين مشاريعهم . وفعلاً إن القارئ لمجموعة المشاريع ، يلحظ ببساطة إنها بقيت مجرد عناوين تحت لافتة ” النظام الإقتصادي الجديد “.

  فمثلاً ووفقاً لرأي الماركسيين الكلاسيكيين ، وبعض منظري الثورة الإشتراكية ، فإنهم يحسبون إن ” المجتمع ما بعد الرأسمالية ” ربما يصل بعد ما تنحل الرأسمالية ، إلى تطوير عفوي لمشاريع إقتصادية أخرى ، ومن ثم إقتراح موديلات تتطلع إلى إحلالها محل الرأسمالية من مثل اليوتبيا التكنولوجية ، والإصلاحية . ولاحظنا إن الأمثلة التي يتحدث عنها المنظرون في فترة ما بعد الرأسمالية ، الأمثلة والنزعات الآتية :

أولاً – النزعات الفوضوية ، وهي على أشكال متنوعة [240].

ثانياً – النزعة الليبرالية [241].

ثالثاً – الإشتراكية ، وهي على أشكال مختلفة ، وأبرزها ” الإشتراكية الديمقراطية [242].

رابعاً – التكنوقراط .

خامساً – حركات ضد الرأسمالية ، وتشمل حركات متنوعة ، وأفكار وإتجاهات تُعارض الرأسمالية . وهي على العموم حركات تتطلع إلى إحلال أنماط من النظام الإقتصادي محل الرأسمالية[243].  كما وإن الرأسمالية إلتحمت منذ بدايتها بالنزعة الإستعمارية . وهذا مضمار سيشتغل عليه الفقيه محمد باقر الصدر من طرف نقده للرأسمالية . صحيح جداً قد غابت الكثير من أشكال الماركسية التي تكلمنا عنها أعلاه ، وذلك لسببين ؛ الأول إنه تكلم عن الماركسية على وجه العموم وليس على وجه التخصيص . والثاني إنه كتب مؤلفه إقتصادنا في الستينات ، وإن الكثير الكثير من التطورات قد حدثت على الرأسمالية بعد هذه الفترة . ولكل هذه التطورات التي حدثت في بنية الفكرانية الإقتصادية الرأسمالية ، يتطلب إنجاز قراءة جديدة لكتاب إقتصادنا وفق هذا التحول في تاريخ الرأسمالية . ولعل الأمر الذي نحتفل به في هذا الطرف من البحث ، هو إن الفقيه ” الصدر ” تكهن ” بموت الرأسمالية [244]. وهذا ما يكفي ، حيث إنه توقع بدخولها في ذمة التاريخ .   

  وفعلاً فإن الباحثُ لاحظ على وجه العموم ، وهو يقرأ النصوص التي كتبها ” الصدر ” ، إن منهجه السائد في مثابرته الإقتصادية ، قد توزع في ناحيتين إثنيين ؛ الأولى كانت هدمية نقدية مارسها وهو يُقوم الرأسمالية والماركسية . والثانية جاءت بنائية تكوينية ، وبالتحديد بعد إن صفى حسابه مع المذهبين الإقتصاديين الغربيين . وهما في الحقيقة يُشكلان اللحظتين الفكريتين من حركة المنهج عند ” الصدر ” . وهنا سنركز البحث حول اللحظة الفكرية الهدمية النقدية ، وسنؤجل الكلام عن اللحظة الفكرية البنائية التكوينية إلى مبحث المذهب الإقتصادي في الإسلام .

  تناول ” الصدر ” المذهب الإقتصادي الرأسمالي بقلم باحث علمي ، ديدنه الوحيد هو التدقيق بموضوعية في ركائز المذهب وأسسه الفكرية ، أو ما أطلق عليه ” الرصيد الفكري ” للرأسمالية . ووضع كل ذلك في ميزان النقد والتقويم ، والذي بالطبع يستند إلى مرجعية مُغايرة لمرجعية الرأسمالية ، مرجعية في الحقيقة هي واقع العالم الإسلامي ورصيده الفكري . ولهذا أبتعد قلم ” الصدر ” من نهج الإختراع والإصطناع على الرأسمالية والتكلف عليها . وعلى هذا الأساس فضل البحث أن يتناول في البداية الركائز الأساسية للرأسمالية ، ومن ثم يبين فعل التقويم النقدي الصدري لها . وفعلاً فقد رأى ” الصدر ” في إفاداته الإقتصادية ، إن المذهب الرأسمالي ينهض على ركائز رئيسية ثلاثة :

أولاً - الأخذ بمبدأ الملكية بصورة لا حدود لها .

ثانياً - السماح لكل فرد بإستغلال ملكيته وقابلياته بالصورة التي يُفضلها ، وبالطريقة التي يختارها لتنمية ثرواته ، وأنه حر في الإستعانة بكل الأساليب التي تحقق كل ذلك له .

ثالثاً - توفير كل الضمانات للفرد في حرية الإستهلاك والإستغلال ، حيث إن لكل فرد ” الحرية في الإنفاق من ماله ، وهو الذي يختار نوع السلع التي يستهلكها “[245].

  كما وإن ” الصدر ” أدرك بوعي عال ، الحقيقة الفكرية التي توجه حركة الإقتصاد الرأسمالي . فالمذهب الرأسمالي محكوم بكونه ” مذهب فردي ، يُقدس الدوافع الذاتية ، ويعتبر الفرد المحور الذي يجب على المذهب أن يعمل لحسابه ، ويضمن مصالحه الخاصة ” [246]. وعلى أساس هذه الحقيقة التي تعبر عن الجوهر الفكري للرأسمالية ، تولدت فكرتان أساسيتين ينهض عليهما المذهب الإقتصادي الرأسمالي :

الأولى – إن الحياة الإقتصادية ” تسير وفقاً لقوى طبيعية محددة ، تتحكم في كل الكيان الإقتصادي للمجتمع ” .

الثانية – إن القوانين الطبيعية ، هي التي يتطلع ” علم الإقتصاد ” إلى ” إستكشافها ” وهي التي تكون مسؤولة عن ضمان ” السعادة البشرية ، إذا … أتيح لجميع أفراد المجتمع التمتع بالحريات الرأسمالية ” والتي هي من مثل حرية ” التملك ، والإستغلال ، والإستهلاك [247].

  وبعد تدقيق ” الصدر ” في هاتين الفكرتين ، رد أولاً على مزاعم الرأسمالية ، والقائلة بوجود قوانين لعلم الإقتصاد ، ومن ثم كشف عن حقيقة هذا المذهب الإقتصادي وإدعاءاته ، فرأى إن المذهب الرأسمالي ” ليس له طابع علمي ، ولا يستمد مبرراته ووجوده من القوانين العلمية في الإقتصاد [248]. وهنا أرجو الإنتباه إلى إن ” الصدر ” يعترف بوجود قوانين علمية في الإقتصاد . إلا إنه جردها من المذهب الرأسمالي هذا طرف . والطرف الثاني إن الأراء التي أدلى بها ” الصدر ” تُشكل مضمار قراءة إسلامية للرأسمالية ، وبالتحديد ما لها وما عليها . وهي قراءة تحتل مكانة متقدمة بين القراءات التي قام بها العقل الإسلامي في القرن العشرين في دارنا الثقافية العربية والإسلامية على حد سواء .

  ولاحظنا إن منهج القراءة الذي إعتمده ” الصدر ” للرأسمالية ، هو منهج يستند على رؤية جدلية ، تفترض أولاً صحة مزاعم الخصم الفكرية ، ومن ثم الإنتقال معه ، خطوة خطوة ، وذلك لبيان تهافت هذه المزاعم . فمثلاً وجدنا قلم ” الصدر ” يفترض جدلاً وجود قوانين في علم الإقتصاد . ومن ثم تصورنا ” الصدر ” يثير السؤال القائل : ” إذن ، ماذا يترتب على ذلك من فهم لقوانين علم الإقتصاد ؟ ” نقول يترتب على ذلك ، حقيقة تطالب بتعديل الفهم الرأسمالي لهذه المسألة ، وهو أن يكون الحديث عن هذه القوانين ، أن يحتوي حديثاً عن ” قوانين الحياة الإقتصادية ” والتي تكون ذات صلة ” بإرادة الإنسان نفسه ، نظراً إلى إن الحياة الإقتصادية ليست إلا مظهراً من مظاهر الحياة الإنسانية العامة ، التي تلعب فيها الإرادة دوراً إيجابياً فعالاً ” [249]. وبهذه الطريقة الجدلية ، جرد ” الصدر ” الحياة الإنسانية من إمكانية صياغتها في صيغ مما يسمى بالقوانين العلمية . وبالطبع السبب بسيط ، وهو إن المكون الإفتراضي لجوهر الإنسان السحري الإرادة ” لا يمكن قياسه رياضياً من طرف الكم ، ولا يمكن ضبطه علمياً من طرف التجريب والملاحظة . وهكذا إنتهت مزاعم الرأسمالية حول قوانين علم الإقتصاد الرأسمالي إلى دائرة التهافت .

  صحيح جداً إن قلم ” الصدر ” قد وضع المذهب الرأسمالي تحت عدسات مجهره النقدي ، وكشف من خلال فعل التقويم عن تهافت هذا الأساس . وفي الوقت ذاته بين بحق عما يحمله من كوارث وفواجع للإنسانية عامة ، والشعوب الفقيرة خاصة ، وبالتخصيص بلدان العالم الإسلامي . وفعلاً فإن منهج ” الصدر ”  إستهل بحثه بإخضاع الإطروحة الفكرية للرأسمالية ، إلى منهج التدقيق والنقد والتقويم ، وكان الأساس الفكري الذي إستند إليه ، هو ” حرية الإنسان في الحقل الإقتصادي بمختلف مجالاته ، من تملك وإستغلال وإستهلاك . فالحرية … هي الأساس الذي تنبثق منه كل الحقوق والقيم المذهبية ، التي تنادي بها الرأسمالية ، بل إن القوانين العلمية للإقتصاد الرأسمالي نفسها ، ليست إلا تفسيراً للواقع الموضوعي … في إطار هذه الحرية “[250].

  ولاحظنا إن الإفادت التي كتبها ” الصدر ” قد إشتغلت على بيان حقيقة مزاعم التفكير الرأسمالي في الحرية . وبالطبع هي المزاعم التي أكدت على النواحي الآتية :

أولاً - التوافق بين ” مصالح الفرد ” و ” مصالح المجتمع ” .

ثانياً - التأكيد على إن الحرية الإقتصادية ، هي ” أفضل قوة دافعة للقوى المنتجة ” ، كما إنها ” أكفأ وسيلة لتفجير كل الطاقات والإمكانات ” و ” تجنيدها للإنسان العام ” .

ثالثاً - التشديد على إن الحرية على وجه العموم ، هي ” حق إنساني أصيل ” و ” تعبير عملي عن الكرامة البشرية ” ، وهي في المحط الأخير ” شعور الإنسان بها “[251].

  درس الفقيه ” الصدر ” هذه الأفكار التي ينهض عليها المذهب الإقتصادي الرأسمالي ، بمثديولوجيا بما يشبه المنهج التحليلي (التفكيكي) . وكانت البداية تفكيك منظومة أفكار المذهب الإقتصادي الرأسمالي ، ودراستها فكرة فكرة . فكان المتولد من ذلك موقفاً إسلامياً من الحرية الإنسانية . وهذا الموقف في الحقيقة ، بالغ الأهمية من طرف إن فيه نقض ونقد ، كما فيه من التقويم للرأسمالية ، وما أحدثته من أضرار للإنسانية . ولهذا السبب كانت ” الحرية التي تُنادي بها الرأسمالية ، مجردة من كل الإطارات والقيم الخلقية والروحية ” . ولذلك كانت الرأسمالية حسب الفهم الصدري ، محاولة إنكار ورفض للقيم الخلقية والروحية ، وذلك من جهة إنها ” لا تعترف بضرورة هذه القيم ” بهدف ضمان ” مصلحة المجتمع ” بل وتزعم الرأسمالية في إمكانية ” الإستغناء عنها (منا : الإستغناء من القيم الخلقية والروحية) عن طريق توفير الحريات للأفراد [252] . وفوق كل ذلك ، فإن الرأسمالية تحسب إنه ” لا حاجة للفرد ” أن يستمع ، ومن ثم يتغنى بمواعظ و حكم رنانة ” تحثه على المساهمة في أعمال البر و الإحسان ، والإهتمام بمصالح المجتمع ، لأنه يندفع إلى ذلك بدافع من مصلحته الخاصة ، بوصفه جزءاً من المجتمع “[253] .

  ونتسائل ؛ ما هو الموقف التقويمي ، الذي أصدره ” الصدر ” بحق المذهب الرأسمالي ، ومن ثم تقويم تجربته في الحياة الغربية ؟ وما حجم الكوارث التي سببتها الرأسمالية ، وطوت حياة شعوب البلدان المتخلفة ، ومنها الشعوب الإسلامية على وجه الخصوص ؟ بين ” الصدر ” أولاً تهافت المزاعم الرأسمالية ، وبالتحديد في حديثها عن إمكانية ” التوافق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية ، في الحرية الرأسمالية ” ورأى إن هذه المزاعم ، هي ” أدعى إلى السخرية [254]. وثانياً قال بصراحة لا لبس فيها ، في إن التجربة الرأسمالية قد سببت الكثير من الإضرار ، وعلى جبهتين ؛ جبهة الحياة الإقتصادية ، وجبهة المضمون الخلقي للمجتمع . فمثلاً على جبهة الحياة الإقتصادية للمجتمع الرأسمالي ، تحولت ” الحرية الرأسمالية المطلقة ” إلى سلاح جاهز ” بيد الأقوياء يشُق لهم الطريق … على جماجم الأخرين “[255] .

  أما على جبهة المضمون الخلقي للمجتمع ، فقد لاحظ ” الصدر ” ، إن ” الحرية المطلقة ” التي تُنادي بها الرأسمالية قد سببت ألاماً مريرة وأوجاعاً عميقة ” حيث تتلاشى بصورة عامة مشاعر البر والخير والإحسان ، وتطغى مفاهيم الإنانية والجشع [256]. إضافة إلى ذلك فقد خلقت الرأسمالية توتراً دائماً في ” علاقات المجتمع الرأسمالي بغيره من المجتمعات ” ، فكان الحاصل من كل ذلك ” أحوالاً مروعة ” عانت منها الشعوب ، وكابدتها الإنسانية على ” يد المجتمعات الرأسمالية ” وذلك ” نتيجة لخوائها الخلقي وفراغها الروحي ، وطريقتها الخاصة في الحياة ” [257].

  ومن ثم دقق في فكرة الرأسمالية القائلة ” الحرية سبب لتنمية الإنتاج ” ، وكان إسلوب التدقيق ، هو النهج التقويمي النقدي ، وبالطبع المستند إلى المذهب الإقتصادي في الإسلام . وهو المعيار الذي يُراقب بعيون موضوعية تجربة الرأسمالية ، وما إنتهت إليه من نتائج تتناقض وفكرة ” الحرية سبب لتنمية الإنتاج ” . وفعلاً مرة أخرى بين ” الصدر ” تهافت هذا الزعم الرأسمالي ، وذلك لأن النتيجة النهائية ليست ” تنمية الإنتاج ” وإن كان يبدو في خطواتها الأولى ، وإنما الإحتكار . فمن المعروف المتداول ، إن ” الحرية الرأسمالية في هذا الحال تفسح المجال للتنافس ، الذي سرعان ما يُؤدي إلى صراع عنيف ، تحطم فيه المشاريع القوية غيرها ، وتبدأ بإحتكار الإنتاج تدريجياً ، حتى تختفي كل ألوان التنافس وثمراته في مضمار الإنتاج ، فالتنافس الحر بالمعنى الذي يُنمي الإنتاج لا يواكب الحرية الرأسمالية إلا شوطاً محدداً ، ثم يُخلي الميدان بعد ذلك للإحتكار [258] .

  ومن ثم تحول صوب الفكرة الرأسمالية الثالثة ، والقائلة : إن ” الحرية تعبير أصيل عن الكرامة الإنسانية ” . والحقيقة هذا الإمتحان جرى لهذه الفكرة على أساس نوعين من الحريات ” الحرية الإجتماعية الجوهرية ” و ” الحرية الإجتماعية الشكلية ” . وكانت النتيجة لهذا الإمتحان ، هو إن المذهب الرأسمالي ” يتبنى الحرية الإجتماعية الشكلية ” وذلك لأنه يعتقد (أي المذهب الرأسمالي) بأن الحرية الشكلية هي التجسيد الكامل لمفهوم الحرية . أما الحرية الجوهرية … فهي تعني في رأيه القدرة على الإستفادة من الحرية “[259].

  ولعل الحاصل من كل ذلك ، بيان أعلنه ” الصدر ” بحق الرأسمالية . وهو بيان يكشف الموقف السلبي للرأسمالية ، وبالتحديد ” من فكرة الضمان والحرية الجوهرية ” . وإن هذا الموقف الرأسمالي جاء بسبب الموقف الإيجابي ، الذي إتخذته تجاه ” الحرية الشكلية [260] .

وهذا الموقف من الحرية يكشف بوضوح عن إرتباط الرأسمالية ” جذورها الفكرية ، ومفاهيمها الرئيسية عن الكون والإنسان ، عن التاريخ والدين والأخلاق [261] .

  هذه هي حقيقة الرأسمالية بميزان النقد والتقويم ، وخصوصاً بمنظار الإفادات التي كتبها ” الصدر ” . وإذا كان هذا هو رصيد الرأسمالية ؛ فما هو رصيد الماركسية بميزان النقد والتقويم الصدري ؟ هذا مضمار سنبحث في الطرف القادم من البحث .

المذهب الإقتصادي الماركسي في ميزان النقد

  ونحسبُ نقطة البداية ، إشارة إلى إن هناك إشكال أبستمولوجي وميثديولوجي في كتاب إقتصادنا ، وهو يتحدث عن الماركسية . والسؤال ؛ أي شكل من أشكال الماركسية يتحدث ” الصدر” ؟ من المعروف إن هناك أشكالاً متنوعة من الماركسية . صحيح إن ” الصدر ” تناول في أبحاثه الإقتصادية ، الماركسية الكلاسيكية ، والماركسية الأرثوذكسية ، وهي الماركسية اللينينية ، وهي ماركسية الأحزاب الشيوعية . ولتوسيع دائرة تفكير ” الصدر ” للقارئ، نتطلع إلى إنجاز دراسة شاملة لكل أشكال الماركسية ، وخصوصاً الماركسية الغربية ، والتروتسكية التي إلتحمت بها عندما إستقر ” ليون تروتسكي ” في أوربا (فرنسا ..) ومن ثم  إختار بعد ذلك المكسيك وكون خلايا التروتسكية الأمريكية .  

  تناولت المثابرة النقدية التقويمية ، التي أنجزها ” الصدر ” بالدراسة ، هذه المرة ، مضماراً لها جاء بعنوان ” المذهب الإقتصادي الماركسي ” وهو عنوان دقيق يتجاوز الخلط بين ما هو إشتراكي وما هو شيوعي . ولعل أول ما لاحظناه على حركة المثابرة الصدرية ، إنها بحثت في البناء الفكري الماركسي برُمته . ولذلك توسعت في ميثديولوجيتها ، فذهبت تدقق في عمارة الماركسية الفلسفية ، وفي منهجها ، وتفسيرها للتاريخ . جاء كل ذلك من خلال إفادات ماركسية متنوعة ، صادرة عن أقلام ماركسية مختلفة ، من مثل أقلام الجيل الأول ، وبالتحديد كل من الألمانيين ” كارل ماركس ” (1818 – 1883)[262] وعضيده ” فردريك إنجلز ” (1820 – 1895)[263] . ومن ثم من أقلام الجيل الثاني ، والتي ضمت الروسيين ” فلاديمير لينين ” (1870 – 1924)[264] و ” ليون تروتسكي “[265] وصحبهم الأخرين . أما أقلام الجيل الثالث التي إعتمد عليها ” الصدر ” في مناقشاته للماركسية (وأسسها الفلسفية) في كتابه إقتصادنا ، فقد شملت كل من الإنكليزي ” موريس كورنفورث ” (1909 – 1980)[266] و الهنغاري – الفرنسي ” جورج بوليتزر ” (1903 – 1942)[267] وآخرون . ولهذا سنحاول الوقوف بإختصار عند عتبات الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية) والماركسية الغربية ، وذلك لملء الفراغات التي سببتها نصوص ” الصدر ” في كتابه إقتصادنا .

  ولذلك نحسب إنه من الضروري فهم شكل الماركسية التي يتحدث عنها ” الصدر ” . وإن الإمساك بهذا الشكل من الماركسية ، يُسهل لنا فهم النقد والتقويم الذي خص به شكل محدد من الماركسية ، وهو بالطبع لا يتسع لأشكال أخرى من الماركسية التي لم تطلع عليها دائرة تفكير ” الصدر ” لحظة إنشاء إقنصادنا . صحيح جداً إن دائرة تفكير ” الصدر ” تداولت مصادر الماركسية في الستينات والتي كان بعض منها سائداً في العراق ودوائر النشر العربية . وبسبب هذه المصادر كانت على الأعم مصادر سياسية وليست هي دراسات أكاديمية ، فقد تحولت إلى عائق معرفي ، تمثل في تقديم الشكل الكلاسيكي للماركسية . وهو شكل فرض هيمنته في ستينات القرن المنصرم ، وفي الوقت ذاته سد طريق الإنفتاح على أشكال الماركسية الأخرى . ومع الأسف إن هذه المشكلة في مصادر الماركسية ، إنتقلت برمتها إلى بنية التفكير الصدري . وذلك لأنه سجن منهجه النقدي والتقويمي على الماركسية الكلاسيكية ، والسبب معلوم هو إنه دخل في منازلة حامية مع الحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين في مدينة النجف ، والتي إحتضنت يومذاك قيادات منها . وعلى هذا الأساس سنقدم مساهمة توسع من دائرة فهم ” الصدر ” وتتخطى معها معاقل الماركسية الكلاسيكية وتنفتح معها على شواطئ الماركسية الغربية التي غابت على الإطلاق من النص الصدري ..

  ولنبدأ أولاً بالتعريف بمفاصل الماركسية الكلاسيكية التي تداولتها نصوص ” الصدر ” . فمن الملاحظ إنه من الناحية التاريخية إن روسيا القيصرية ، قد أخذت تتخلى عن منظومتها الفكرية ، لنمط من التفكير الماركسي الوافد من الغرب ، وبالتحديد الوافد من ألمانيا وبريطانيا ، ومن ثم مع منتصف العقد الثاني من القرن العشرين المنصرم ، تفاقمت أزمات النظام القيصري بصورة دراماتيكية ، فكان الحاصل إندلاع الثورة الروسية[268] ، والتي صاحبتها بلورة نزعات داخل بنية الفكرانية الماركسية ، فيها خروج على التقليد الكلاسيكي للماركسية التي صاغتها مثابرة العضيدين المؤسسين ، كل من ” ماركس ” و ” إنجلز ” ، وهذا حدث بالتحديد مع تباشير الثورة الروسية عام 1917 . وفعلاً فقد أخذ الإعلام الروسي يروج لنمط جديد من الماركسية  فيها طعم شرقي ، هي الماركسية اللينينية (نسبة إلى لينين) . صحيح جداً إن الزعيم الشيوعي الروسي ” جوزيف ستالين ” (1878 – 1953) ، هو الذي إخترع إصطلاح الماركسية اللينينية ، ونحسب إن نوايا ” ستالين ” كانت تتطلع إلى منح الماركسية ، هوية روسية خالصة ، وفك إرتباطها بالتقليد الكلاسيكي الألماني . إلا إنه من الصحيح القول ، إلى إن ” ستالين ” هو أول من قاد فعل الخروج على النمط الماركسي اللينيني ، وتطلع إلى إقامة نزعة ستالينية بديلة عنها . ولعل الشاهد على ذلك ، الشعار الذي رفعه ، والقائل ” الإشتراكية في بلد واحد [269] وهو خروج على كل من الماركسية الكلاسيكية و الماركسية اللينينية .

  ومن ثم صاحبت الماركسية اللينينية بطعمها الستاليني ، خروج ماركسي جديد ، تمثل في نزعة التروتسكية ، والتي دشنها ” تروتسكي ” بإختلافه مع التقليد اللينيني والستاليني ، ولعل الشاهد على ذلك كتابه الشهير ” أخلاقهم وأخلاقنا [270] ، والتي إنتهت به إلى النفي وتصفية أفراد من عائلته ، ومن ثم تم إغتياله في المكسيك على يد عملاء يعملون لصالح ” ستالين “. هذه التحولات التي حدثت على الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية) في روسيا ، غابت عن ذاكرة ” الصدر ” وهو يكتب كتابيه ” فلسفتنا ” و ” إقتصادنا ” ، ولذلك جاء خطابه عن الماركسية يبحر في شواطئ بعيدة عن تاريخ التحولات التي صاحبت تاريخ الماركسية بطرفيها الأرثوذوكسي والغربي .

   ذلك ما خص الماركسية الأرثوذوكسية ، أما الماركسية الغربية ، فهي الأخرى كانت غائبة عن نصوص ” الصدر ” الفكرية للمذهب الإقتصادي الماركسي . وهنا نحاول أن نقدم دراسة مختصرة عنها ، وبهدف يُحقق ملءً للفراغات التي خلفتها النصوص الصدرية. في الحقيقة إن الماركسية الغربية ، هي إطار فكري ، يجمع عدد متنوع من المنظرين الماركسيين ، والذين نشطوا بالتحديد ، من زاوية النظر الجغرافية ، في وسط أوربا وأوربا الغربية ، وهي نزعة ماركسية تتخالف مع الفلسفة التي كانت مهيمنة في مرابض الإتحاد السوفيتي الذي دخل ذمة التاريخ .  

  لقد تبلورت الماركسية الغربية في العشرينات من القرن العشرين ، وبالتحديد في عملين أنجيليين ، نشرهما الماركسيان كل من الهنغاري  ” جورج لوكاش ” ( 1885 – 1971) و الألماني ” كارل كورش ” (1886 – 1961) ، فقد نشر ” لوكاش ” كتابه الإنجيلي للماركسية الغربية ، والذي حمل عنوان ” التاريخ والوعي الطبقي : دراسات في الديالكتيك الماركسي ” والذي صدر بالألمانية عام 1923 [271]. أما كتاب ” كورش ” فهو الأخر من المصادر الأولى للماركسية الغربية ، فقد جاء بعنوان ” الماركسية والفلسفة ” والذي صدر بالألمانية عام 1923 كذلك[272] .

  والحقيقة إن الماركسية الغربية ضمت نزعات وفلاسفة من مناهج معرفية مختلفة . وهنا نقدم شواهد ونترك التفصيل إلى بحث قادم ، وبعنوان ” تأملات في الماركسية الغربية ” . فمن الفلاسفة الذين يمكن الحديث عنهم تحت مظلتها ، كل من فيلسوف الفينومنولوجيا الفرنسي ” موريس مارلوبونتي ” ( 1908 – 1961) والذي ترك أثراً مبكراً على صياغة أطر الماركسية الغربية [273] . ومن ثم الفيلسوف الماركسي الإيطالي ” إنطونيو غرامشي ” (1891 – 1937) والذي ينتمي إلى الجيل الأول من رواد الماركسية الغربية ، والتي ظلت كتاباته بعيدة عن الأضواء ، إلى إن تم ترجمتها إلى الإنكليزية في فترة متأخرة نسبياً [274]. ولعل من أهم مساهماته المعاصرة في الماركسية ، وخصوصاً الماركسية الغربية ، نظريته في ” الهيمنة الثقافية (الحضارية) “[275].

  ومن الجدير بالذكر بأن العديد من مدارس التفكير الماركسي ، أخذت تُميز نفسها وتبتعد بصورة واضحة عن الماركسية - اللينينية ، من مثل الماركسية - النمساوية [276]، أو الشيوعية - اليسارية ، لكل من الماركسي الهولندي ” إنطوني بانكوك ” ( 1873 – 1960) و الماركسية البولندية – الألمانية ” روزا لوكسمبيرك ” (1871 – 1919) [277]. وبالطبع أخذت تتكون حركات ماركسية معارضة (معارضة للماركسية اللينينية) ، من مثل الشيوعية اليسارية البريطانية 1914 – 1945 ، والشيوعية اليسارية الروسية عام 1918 ، والشيوعية اليسارية الإيطالية عام 1926 ، والشيوعية اليسارية الهولندية - الألمانية عام 1933 ، ومن ثم الشيوعية اليسارية العالمية ، وفيه تم تبني إنتقادات ” روزا لوكسمبيرك ”  وخصوصاً أفكارها التي ضمها مقالها الشهير والمعنون ” ماركسية أو لينينية ” والتي فيها رفضت الحركة الشيوعية البلشفية . ومن ثم تبلورت الشيوعية اليسارية الفرنسية [278].

  كما ولعب الأكاديميون البريطانيون في الستينات دوراً في بلورة الماركسية الغربية ، وذلك من خلال مشاركتهم في كثير من أفكارها . والشاهد على ذلك أفكار الأكاديمي البريطاني ” ريموند وليمز ” (1921 – 1988) وبالطبع هو رمز كبير من حركة اليسار الجديد ، كما له مساهمات في نقد الماركسية في مضمار الثقافة والفنون [279].

  ويُضاف إلى هذا الرصيد ، النظريات التي عرضتها مدرسة فرانكفورت ، والتي كونت من طرفها ، مصدراً مهماً للدراسات الأكاديمية الثقافية البريطانية . ومن المفيد الإشارة هنا إلى إن واحداً من رموز مدرسة فرانكفورت ، وهو الفيلسوف الماركسي الألماني ” هربرت ماركوز ” (1898 – 1979) تحول ليصبح الأب الروحي لحركة اليسار الجديد [280]. كما يمكن الإشارة إلى دور الفيلسوف الوجودي الفرنسي ” جان بول سارتر ” (1905 – 1980) والشاهد على مساهمته في تيار الماركسية الغربية ، و تطويره شكلاً فلسفياً عُرف بالماركسية الوجودية . وجاء ذلك في كتابه المعنون ” نقد العقل الديالكتيكي [281] والذي صدر في ترجمته الإنكليزية في مجلدين[282]. والحقيقة إن كتاب ” سارتر ” يذكرنا بكتاب صديقه الفيلسوف ” موريس ميرلوبونتي ” والمعنون ” مغامرات الديالكتيك ” والذي نشره بالفرنسية عام 1955 [283] وكان حصيلة شكوكه في الماركسية ، و” ميرلوبونتي ” من طرفه ترك أثراً واضحاً على ” سارتر ” . والأخير يعترف بأن ” ميرلوبونتي ” هو الذي هداه إلى الماركسية .

  كما ويُضاف إلى هذا الرصيد من الفلاسفة الذين كان لهم مكانة في بنية الماركسية الغربية ، الفيلسوف الماركسي الفرنسي ” لويس بيير ألتوسير ” (1918 – 1990) ، والذي يُشار إليه بلقب ” الماركسي البنيوي [284] ، والفيلسوف الماركسي الفرنسي ” هنري لوفر ” (1901 – 1991) والتي دارت أعماله حول الديالكتيك و الإغتراب ونقد الستالينية ، والوجودية والبنيوية .. [285] والفيلسوف الماركسي الألماني ” إرنست بلوخ ” (1885 – 1977) ، وهو زميل للفيلسوف الماركسي ” جورج لوكاش ” وهو واحد  من رواد الماركسية الغربية [286]، ومن أهم مؤلفات ” إرنست بلوخ ” كتابه المعنون ” الإلحاد في المسيحية : دين العودة والمملكة [287] . كما وكونت الماوية والتروتسكية مصادراً للماركسية الغربية . والماوية في الأساس هي شكل ماركسي مقاوم للماركسية الينينية ، وتطورت خلال الخمسينات والستينات [288] .

   أما التروتسكية  فهي الأخرى قد تركت أثاراً بينة على الماركسية الغربية ، وذلك من طرف إن ” تروتسكي ” تحول إلى ناقد للماركسية اللينينية ، وعارض فكرة إقامة الإشتراكية في قطر واحد ، وندد بالبيروقراطية ، التي نمت في ظلال حكم ” ستالين “[289] . ومن ثم إلتحمت ” التروتسكية ” بالماركسية الغربية خلال الفترة التي قضاها في فرنسا ، ومن ثم رحيله إلى منفاه الجديد في المكسيك وإتصال بعدد من الماركسيين والشيوعين الأمريكان [290]، من أمثال الأمريكي المؤمن بالتروتسكية ” جيمس باتريك كانون ” (1890 – 1974) والذي كان عضواً في الحزب الشيوعي الأمريكي حتى عام 1928 ، ومن ثم تحول إلى التروتسكية . ومن أهم مؤلفاته ” كفاح البروليتاريا ودفاع تروتسكي عن الماركسية ” . ولهذا قرر ” ستالين ” معاقبة كل من ” كانون ” و ” تروتسكي ” وذلك لإنشقاقهم عن معسكر ” ستالين ” ، وفعلاً فقد تم إغتيال ” تروتسكي ” على يد عملاء يعملون لصالح ” ستالين ” . كما وإتهمت الحكومة الأمريكية ” كانون ” ورفاقه وحكمت عليهم بالسجن [291].

  ومن التروتسكيين الأمريكان ، القائد العمالي الإشتراكي الأمريكي (من إصول نرويجية) ” جوزيف لوري هانسن ” (1910 – 1979) وخلال فترة الكساد الإقتصادي ، إقتنع بالإشتراكية ، فإلتحق بجماعة التروتسكيين الأمريكيين ، الذين يقودهم ” جيمس كانون ” . وعمل ” هانسن ” سكرتيراً لتروتسكي وحارسه الشخصي ، وبالتحديد من عام 1937 ولفترة سنوات . وخلال هذه الفترة تمكن الشيوعي الإسباني ” رامون ميركادير ” من النجاح في قتل ” تروتسكي ” بفأس عام 1940 ، فعاد ” هانسن ” إلى الولايات المتحدة وخاض الإنتخاب وفاز بمقعد سنتور عن نيويورك . من أهم مؤلفاته ” دايناميك الثورة الكوبية : من وجهة نظر تروتسكية [292]. وكتابه عن ” تروتسكي ” والذي حمل عنوان ” ليون تروتسكي : الرجل وأعماله [293].

  ولعل الشاهد الأخر على حضور التروتسكية في الولايات المتحدة الأمريكية ، هو المؤرخ والسياسي التروتسكي الأمريكي ” فيريل دوبس ” (1907 – 1983) والذي كان جمهورياً محافظاً ، ومن ثم خلال فترة الكساد وملاحظته محنة العمال ، تحول نحو اليسار ، وإلتقى بالإخوة الثلاثة من عائلة دونا ، وهم كل من ” ميلز ، وفينست وكرانت دونا ” وإنضم إلى الجمعية الأمريكية الشيوعية . وفي عام 1939 عمل في حزب العمال الإشتراكي ، وقابل القائد الروسي الثوري ” ليون تروتسكي ” وذلك عندما زار المكسيك ، وبفترة قصيرة قبيل مقتل ” تروتسكي ” عام 1940 .

  ومن ثم أتهمت الحكومة الأمريكية ” فيريل دوبس ” مع مجموعة من رفاقه بسبب معارضته للحرب العالمية الثانية مع قيادين أخرين بتهمة الإنقلاب على الحكومة الأمريكية ، وسُجن أكثر من سنة ، وكان ذلك بالتحديد في عام 1944 وإستمر في السجن حتى عام 1945 . وكتب العديد من المؤلفات . وهنا نستشهد بالمجلدين التاريخيين ، اللذان أكملهما عن حركة الماركسية في الولايات المتحدة الأمريكية . وجاء المجلد الأول بعنوان ” إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : السنوات المبكرة 1848 – 1917 “[294] . أما المجلد الثاني فحمل عنوان ” إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : ولادة حركة الشيوعية 1918 – 1922″ [295].  

  وكل أطراف هذا التمهيد ، تُقدم لنا شواهد على غياب مصادر الماركسية الغربية برمتها ، بل وحتى غياب التروتسكية والتطورات التي حدثت عليها بعد مغادرة ” تروتسكي ” موسكو لاجئاً إلى فرنسا ومن ثم إستقراره في المكسيك وتبلور التروتسكية نمطاً من الماركسية الرافضة للماركسية اللينينية . والحقيقة إن غياب هذه المصادر عن دائرة تفكير ” الصدر ” جعل من كتاب إقتصادنا ومصادره الخاصة بالماركسية في ذمة التاريخ ، وذلك لأن مصادره في الماركسية ، هي الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية) وهي مصادر الحزب الشيوعي الروسي . ولهذا الحال ضاعت فرصة معرفية ممتازة لكتاب إقتصادنا ، وهي توفير مادة ثقافية نقدية وتقويمية لمصادر الماركسية الإرثوذوكسية . وهي بالتأكيد مادة ثقافية ثرية ، وهي التي حملت التروتسكية أولاً والماركسية الغربية ثانياً إلى التقاطع مع الماركسية الأرثوذوكسية (ويحق لك أن تُسميها الماركسية الشرقية أو الروسية).

    وعلى هذا الأساس فأن ” الصدر ” تعامل في إقتصادنا (وبالطبع هذا يشمل فلسفتنا) مع شكل واحد من الماركسية ، وهو الشكل الذي كان متوافراً له في الثقافة العربية ، وبالتحديد هو الشكل الماركسي الذي تنشره دوائر إعلام الأحزاب الشيوعية سواء في الإتحاد السوفيتي ونشراته في العربية أو من خلال المنشور العربي تأليفاً وعلى الأغلب ترجمة . وفعلاً فإن ” الصدر ” في ستينات القرن المنصرم ، واجه ما أسماه بهرطقات الماركسية ، وعاش يومه في مواجهة حامية معها ، سواء على الشارع الثقافي في مدينته النجف على وجه الخصوص أو في مدن العراق على وجه العموم . وهذا الحال تطلب منه ، وهو الفقيه والمرجع ، أن يشد العزم ويعمل مع خلايا طلابه ومريديه ، على كشف أوراق الخصم بكل تفاصيلها ، ومن ثم يُبينُ العقبات الأبستمولوجية (المعرفية) والميثديولوجية (المنهجية) ، وبالطبع الإقتصادية والخلقية والإنسانية ، وفوق كل ذلك العقيدية ، التي تقف عائقاً  بين الماركسية وواقع العالم الإسلامي ، وما إحتوته أرضه من تجارب روحية ، تتصادم بكل تفاصيلها مع التجربة الماركسية .

وفعلاً فقد نبه ” الصدر ” القارئ لكتاب إقتصادنا ، إلى إنه سبق إن تناول التجربة الماركسية بالنقد والتقويم في كتابه المعنون فلسفتنا . وهنا لاحظ الباحث إن قلم ” الصدر ” أعاد إنتاج أوراق كتاب ” فلسفتنا ” لُيُقدمها إستهلالات نقدية حتي يصل إلى بوابات المذهب الإقتصادي الماركسي ، وليس في ذلك عيب على الإطلاق ، ولكن نذكرها من باب تدقيقنا في المنهج ومصادر البحث . و” الصدر ” كان على حق في إنتخاب وصياغة هذه الإستهلالات ، وذلك لكونها ضرورية في كشف أوراق الماركسية من طرف ، ولكونها تبين بوضوح إن المذهب الإقتصادي الماركسي مرتبط بها ، وفيها يتحقق الكثير من الفهم عن طبيعة المذهب الإقتصادي الماركسي .

  وهنا نفترض إن تلك الإستهلالات النظرية حاضرة في ذهنيات غالبية القراء المتابعين ، وذلك لكثرة ما تم الحديث في المنشور الثقافي العربي حول حكاية الماركسية هذا طرف . ونريد من طرف آخر أن نكون مع أنفسنا أكثر صرامة بالإلتزام بحدود بحثنا ، وهو المضمار الإقتصادي . ولذلك سنمسكُ بقوة بحدود بحثنا ، ونركز مهمتنا على ميزان النقد والتقويم الذي أجراه ” الصدر ” للمذهب الإقتصادي الماركسي . وعلى هذا الأساس سنُصاحب قلم ” الصدر ” في تقويمه النقدي لركائز المذهب الإقتصادي الماركسي الأساسية ونظرياته الكبرى ، وبالصورة الآتية :

أولاً – نظرية القيمة الفائضة :

  نحسبُ إن هذه النظرية في حقيقتها ، عمارة يتداخل فيها الفكري في المضمار الإقتصادي . وهذا الحال يحملنا على القول بإن عمارة نظرية القيمة ، لها واجهات متنوعة في الفهم الماركسي . فهناك البناء الفكري الكلي لنظرية القيمة . كما إن هناك واجهة القيمة الإستعمالية ، وواجهة القيمة التبادلية . ولنبدأ البحث برفع التساؤلات الآتية :

  ما هي حدود الفهم الماركسي للقيمة الإستعمالية ؟ وما هي حدود القيمة التبادلية بالمنظار الماركسي ؟ وما هي الإعتراضات التي تقدم بها الفقيه ” الصدر ” وتحفظ عليها ؟ وما هو مسعاه إلى إعادة تعديل الفهم الماركسي ؟ كونت نظرية القيمة ، حجر الزواية في البناء الفكري للمذهب الإقتصادي الماركسي . وفعلاً إن ” ماركس ” في كتابه الإنجيلي ” رأس المال [296] قد تناولها بالبحث والتنظير ، وكان إستدلاله على ” جوهر القيمة ” يستند على التفريق بين ” القيمة الإستعمالية ” للشئ ، و ” القيمة التبدالية ” للشئ . ومن خلال إسلوب التمثيل والإستشهاد قدم فهماً ماركسياً لهذا الفرق بين القيمتين . يقول ماركس كما جاء في منقولات ” الصدر ” عنه : إن ” السرير والملعقة ورغيف الخبز ” هي ” مجموعة من السلع ” . وإن كل واحدة منا تتضمن ” قيمة إستعمالية معينة ” وذلك لأنها تُقدم منفعة . وإنها (أي القيمة الإستعمالية) تختلف بإختلاف المنفعة التي يحصل عليها الإنسان .

  كما إن لكل سلعة نوعاً آخر من القيمة ، فمثلاً : إن ” السرير الخشبي الذي ينتجه الصانع ” يمكن الإنتفاع منه في النوم ، وهذه هي القيمة الإستعمالية . وإن هذا السرير في الوقت ذاته يمكن إستبداله بثوب يلبسه الصانع . ” وهذا يعبر عن القيمة التبادلية ” . ولاحظ ماركس بأن هناك تناقضاً بين المنفعة والقيمة الإستعمالية لكل من الثوب والسرير . إلا إنهما من طرف آخر ” يشتركان في قيمة تبادلية واحدة ، أي إن كلاً منهما يمكن إستبداله بالآخر في السوق ” وذلك لأن ” سريراً خشبياً واحداً يساوي ثوباً حريرياً من نوع معين ” [297].

  ومن ثم يشرح ” ماركس ” بخطاب ” الصدر” حقيقة الإشتراك بين ” شيئين مختلفين ” ، فيذهب إلى إن هذا المشترك بينهما يساوي ” شئ ثالث ” هو في حقيقته ليس ” سريراً ولا ثوباً حريرياً ” وإنما هو ” العمل البشري ” وذلك من طرف إن كلاً من ” السرير والثوب ” يُعينان كم خاص من العمل . وعلى أساس تساوي الكميتان اللتان تم صرفهما على السرير والثوب ، فإن الحاصل ، هو ” تساويهما في القيمة التبادلية ” [298]. وهذا يعني في المحط الآخير ، إن ” العمل هو جوهر القيمة التبادلية “[299] ، ومن ثم على أساس هذا الفهم الماركسي ، يتحدد ثمن السلعة في السوق ، وذلك وفقاً ” لقانون القيمة التبادلية ” أي ” لكمية العمل البشري المتجسد فيها “[300].

  ومن الإختراقات التي تحدث في جدار قانون القيمة ، وتُعطل من فاعليته وشغله ” حالات الإحتكار ” وفي مثل هذا الظرف ، فإن القيمة تتحدد وفقاً ” لقوانين العرض والطلب ” وبالطبع يتحكم فيها المحتكرون ، ومن ثم يلفت الأنظار إلى إن هذا الأمر لا ينطبق ” على بعض ألوان الإنتاج الفني والأثري ” [301]. إنها شواهد كانت حاضرة أمام أنظار ” ماركس ” قبل غيره ، وهي شواهد تُدلل على توقف ” قانون القيمة ” وفك إرتباطه بكمية العمل المتجسد في السلعة . ونلحظ ذلك جاء في منقولة عن ماركس وردت في خطاب ” الصدر ” الذي أشار فيه إلى ” ثمن الألوان الفنية ” التي تتمثل بإرتفاع أثمانها ، وذلك بسبب ” طابعها الفني والتاريخي رغم الضآلة النسبية لكمية العمل الممثلة فيها ” . ولكل هذه الإشتراطات أعلنت الماركسية عن ” إن قانون القيمة القائم على أساس العمل يتوقف أولاًعلى توافر المنافسة التامة ” . وهذا بالطبع لا يسري على ” حالات الإحتكار ” . وثانياً يتوقف ” على كون السلعة نتاجاً إجتماعياً يمكن إيجاده عن طريق العمل الإجتماعي دائماً ” . إلا إنه يستدرك ، فيذهب إلى إن هذا القانون لا ” يسري … على الإنتاج الفردي الخاص ، كاللوحة الفنية والرسالة الخطية ” [302].

  وبعد ذلك إستلم قلم الفقيه ” الصدر ” نظرية القيمة بالفهم الماركسي بالنظروالتدقيق ، ومن ثم ركز في تقويمه النقدي على الربط بين القيمة التبادلية والعمل . ونحسب هنا إن المضموم في عملية النقد الذي أغفلته الماركسية ، وبينه ” الصدر ” بوضوح ، هو الطرف المشترك ” بين السلع ” واذي يجري على أساسه ” التبادل في السوق ” ، وهو بالطبع ” غير العمل المتجسد فيها ” وإنما هو طرف مشترك ” موجود في السلع المنتجة إنتاجاً فردياً ، كما يوجد في السلع التي تحمل طابع الإنتاج الإجتماعي ” [303].

  ولاحظنا إن المثال الذي إعتمده ” الصدر ” في مثابرته النقدية لنظرية القيمة وهو مثال جداً مهم من زاوية مصادر الماركسية الغربية التي غابت من مصادر ” الصدر ” قد وجهت نقداً لاذعاً لتراث الماركسيتين ؛ الكلاسيكية (ماركس وإنجلز) والماركسية اللينينية (ماركسية الإحزاب الشيوعية أي الماركسية الأرثوذوكسية : شرقية روسية) . وفي هذا المثال ، يستند ” الصدر ” إلى شواهد من مضمار الآثار والفن . فيذهب مثلاً إلى إن ” اللوحة الأثرية ” أو ” المخطوطة ” التي تباع بثمن لا يتحدد بالعمل المتجسد في اللوحة أو المخطوطة . هذه أمثلة وشواهد صارخة على توقف عمل قانون القيمة في هذا طرف .  ومن المفيد الإشارة إلى إن مصادر ” الصدر ” عن الماركسية كانت وراء الحدود الضيقة التي حاصرت مثابرته النقدية للماركسية .

  ولتوضيح هذه القضية ، نحسبُ إنه من الصحيح جداً القول ؛ إن الماركسية الكلاسيكية ، ماركسية ماركس وإنجلز قد أغفلت ذلك . كما ومن الصحيح القول إن الماركسية الأرثوذوكسية (الشرقية – الروسية) المتجسدة في أيديولوجيات الأحزاب الشيوعية ، والتي يصطلح عليها بالماركسية اللينينية قد أغفلت هي الأخرى ذلك . غير إن الغائب والمضموم في هذا النقد الصدري ، هو طرف الماركسية الغربية التي تأملت في الأعمال الفنية ، وإنتقدت الموقف الماركسي الكلاسيكي والأرثوذوكسي من الفن وعلم الجمال والإنتاج الفني ، وكونت تراثاً متعدد الطوابق في فلسفة الفن وعلم الجمال بوجه عام وعلم الجمال الماركسي بوجه خاص ..

   وعلى هذا الأساس ندعو إلى مراجعة كتابي ” الصدر ” وهما فلسفتنا وإقتصادنا من زاوية التراث الثري المتجدد للماركسية الغربية ، وبالطبع يضاف إلى ذلك التروتسكية لحظة إلتحامها بالماركسية الغربية ، وبالتحديد منذ حط ” تروتسكي ” الرحال لاجئاً في فرنسا والنرويج ، ومن ثم إستقراره في المكسيك ، وتكوينه حلقات التروتسكيين الأمريكيين . وفي مثل هذه المراجعات ما يثري الثقافة الماركسية العربية ويسهل لها فك إسرها من قيود الماركسية الأرثوذوكسية  ، كما ويثري الفكر الفلسفي والإقتصادي الإسلاميين الذي كد ” الصدر ” في تكوينه في الرائعتين التي أنجزهما ، وهما كل من فلسفتنا وإقتصادنا .

  أما الطرف الآخر النقدي لحدود الفهم الماركسي بطرفيه الكلاسيكي والأرثوذوكسي ، فهو الطرف ، الذي تعطل فيه عمل قانون القيمة ، حسب إفادات ” الصدر ” ، فإنه يتكشف في ” القيمة المضاعفة التي تحصل من إستخدام كل أرض فيما هي أكثر صلاحية له ” وليس نتيجة للعمل (الطاقة) الذي تم إنجازه ” في الإنتاج ” . وهكذا رجح ” الصدر ” الدور ” الإيجابي الذي تلعبه الأرض نفسها في تنمية الإنتاج وتحسينه ” [304]. كما وضع ” الصدر ” يديه على طرف ثالث ، يتعطل فيه عمل ” قانون القيمة ” وذلك عندما تتضائل الرغبة الإستعمالية ، مما يؤدي إلى تحديد القيمة التبادلية للسلعة . ومن ثم بين إن كل سلعة إذا ” تضاءلت الرغبة فيها ” فإنها تفقد ” جزءاً من قيمتها التبادلية ” [305].

 وكذلك لاحظ ” الصدر ” إن ” ماركس ” في صياغته لنظرية القيمة الفائضة ، قد إستند إلى قانونه الخاص في القيمة . وعلى أساس قانونه الخاص ، إنطلق يُفسرُ ” طبيعة الربح الرأسمالي ” ومن ثم خلص إلى القول بأن ” التناقض الأساس في الرأسمالية ، يكمن في الربح الرأسمالي ” وذلك بوصفه بالمقولات الماركسية ” سرقة يقتطعها المالك من القيمة التي يخلقها العامل المأجور [306].

  ولعل المحصلة النهائية التي إنتهى إليها التفسير الماركسي ، حسب منقولات ” الصدر ” المستمدة من مصادر الماركسية الكلاسيكية ومصادر الماركسية الأرثوذوكسية (الماركسية اللينينية) ، هي إن المناطق التي توصل إليها بعد صياغة ” قانون القيمة ونظرية القيمة الفائضة ” ، هي مناطق ” التناقض الأساس في الرأسمالية ” . وعلى أساس ” قانون التناقض ” فإن هذه المناطق ستشهد ” موت الرأسمالية ” المحتوم . وقانون التناقض حسب الصيغ الماركسية ، هو ” قانون الصراع والكفاح الطبقي الذي يخوضه العمال (الأجراء) ” ضد الرأسمالية ” [307].

  ومن ثم تحولت إفادات ” الصدر ” الإقتصادية صوب قانون أخر من قوانين الإقتصاد الماركسي ، وهو ” قانون إنخفاض الربح ” [308]. وهذا القانون حسب الماركسية ، يعمل عندما يعتمد الإنتاج الرأسمالي على ” الألات والمعدات ” . وإن الحاصل من ذلك ، هو نقصان في ” الكمية التي يحتاجها من العمل بصورة متناسبة ، مع تقدم الألات وتكاملها ، وهذا يعني إنخفاض القيمة الجديدة التي يخلقها الإنتاج ، تبعاً لإنخفاض كمية العمل المنفق في هذا السبيل ، فينخفض الربح الذي يعبر عن جزء من تلك القيمة الجديدة “[309].

  ولاحظ الفقيه ” الصدر ” ، وهو يُدقق في الإرتباط بين ” الصراع الطبقي ” و ” التناقض ” الحاصل في الربح ، إلى إن قانون الصراع الطبقي ” يتوقف مصيره على نظرية القيمة الفائضة ، فإذا إنهارت هذه النظرية … تلاشى التناقض العلمي المزعوم ، وبطلت فكرة الصراع الطبقي المستوحاة من ذلك التناقض ” [310].  

ثانياً – نظرية الماركسية في ظهور الإستعمار :

  يعزو الكتاب الماركسيون ، نشوء الرأسمالية إلى النزعة الإستعمارية لدى بعض الدول الأوربية ، مثل البرتغال وأسبانيا ، بريطانيا وهولندا ، روسيا وفرنسا . والإستعمار هو نظام مؤسساتي ، قائم على سياسات الإستغلال ، والهيمنة وتوسيع المستعمرات في أراضي الغير وإحتلالها بواسطة جماعات جاءت من مناطق أخرى . والحاصل قيام علاقات غير متساوية (وفيها الكثير من الإجحاف) بين القوى الإستعمارية والبلدان المستعمرة ، وغالباً بين المستعمرين والسكان الأصليين[311].

  وشغلت الفترة الإستعمارية من تاريخ الإنسانية ، الفترة الممتدة من القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن العشرين . وإن القارئ لتاريخ الفترة الإستعمارية ، يلحظ إن الدول الإستعمارية إعتادت على إشاعة ثقافة (فكرانيات سياسية) ملفقة بين الجمهور ، منها إن البلدان الإستعمارية في إستعمارها لبلدان الشعوب الأخرى ، ستجلب لها الكثير من المنافع ، من مثل إحداث ترقيات لمستويات حياة وعيش سكان هذه المستعمرات ، وتحسين مؤسسات الصحة والتربية ، وإرساء قواعد القانون والنظام … [312].

  ويبدو إن الأثار السيكولوجية للإستعمار على البلدان التي إستعمرتها لازالت عميقة ، ولم تُدرس بصورة كافية ، وعلى أساس ستراتيجيات علاج الشعوب المستعمرة  سيكولوجياً ، وخصوصاً في البلدان التي تم إستهداف هويتها الثقافية من خلال برامج مسخ للهوية الثقافية أو برامج التهميش والأهمال ، وهما ستراتيجيتان إستعمارتين ، مارسمتهما إنموذجاً كل من الإمبراطوريتين ؛ الفرنسية والبريطانية[313].

  ونحسب من النافع أن نشير إلى إن معالجة الفقيه ” الصدر ” للظاهرة الإستعمارية ، قد جاءت بمنطق العموم ، وليست بالتخصيص . إذ إن الظاهرة الإستعمارية ، لم تكن شكلاً واحداَ ، وإنما هي على أشكال . وهنا نقدم مساهمة نظرية عن هذه الأشكال التي غابت في النص الذي كتبه رجل الفقة ” الصدر ” . وبالصورة الآتية :

1 - الإستعمار الإستيطاني ، وهو شكل من الإستعمار يسعى إلى توطين مجاميع من العائلات الأجنبية في الأراضي التي تم إستعمارها . والمستوطنين من وجهة نظر السلطات الإستعمارية ، هم الأعلى في الرس من السكان الأصليين . وهذا الشكل من الإستعمار مختلف عن الأشكال الأخرى وذلك من طرف إن المستوطنين الإجانب كونوا جوهر وهوية هذا النوع من الإستعمار . والسلطات الإمبريالية ترى إن هجرة هؤلاء المستوطنين قد حصل لها موافقة من قبل الحكومة التي إمتلكت سلطة يومذاك . وتستخدم السلطات الإستعمارية وسائل متنوعة لتفريغ المنطقة التي يسكنها المواطنون الأصليون ، ومن ثم تعمل على توطين المهاجرين الجدد ..

  ومن النافع الإشارة إلى إن الأرض ، هي المصدر الأساس في الإستعمار الإستيطاني . وبالطبع الأرض هي مصدر ” الذهب والقطن والنفط ” . كما إن هناك مصدر بشري والذي يضم العمال وشبكة التجار . وهكذا فإن المصادر الطبيعية هي الأصول الأساس لهذا الشكل من الإستعمار [314].

2 – الإستعمار الإستغلالي ، وهي ستراتيجية سياسية – إقتصادية قومية للبلد المُستعمر ، وتهدف إلى إستغلال مصادره الطبيعية ، وبالطبع إستغلال سكانه الأصليين . والإستعمار الإستغلالي يختلف عن الإستعمار الإستيطاني .. والمثال على الإستعمار الإستيطاني ، الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط  [315].  

  وهذه المقدمة مهمة جداً ، حيث تقدم لقارئ كتاب إقتصادنا تعريفاً بإنواع الإستعمار التي عاشتها الدول العربية ، وبصورتيها ؛ الإستعمار الإستيطاني ومثالاً على ذلك الإستعمار الفرنسي للجزائر والإستعمار البريطاني الذي سهل الإستيطان الإسرائيلي في فلسطين . أما الإستعمار الإستغلالي ، فيتمثل بالإنتداب البريطاني للعديد من الأقطار العربية ومنها العراق .  

  كما وغابت عن دائرة تفكير ” الصدر ” واحداً من الإتجاهات الماركسية المعاصرة ، والتي درست الظاهرة الإستعمارية ، وقدمت إجتهاداً ماركسياً جديداً ، وهذا الإتجاه يُعرف بالماركسية – الفانونية ، التي إرتبطت بشخص الماركسي ” فرانز عمر فانون ” (1925 – 1961) . ولعل السؤال الذي يرفعه القارئ ؛ من هو المفكر الماركسي المجتهد فرانز فانون ؟ إنه الطبيب النفساني والفيلسوف والثائر الأسود ، وهو من جزيرة ” مارتنيك ” في البحر الكاريبي (وهي مستعمرة فرنسية) وأصبح جزائرياً خلال حرب التحرير . أكمل دراساته الثانوية في بلده جزيرة مارتنيك ، ودرس الطب في فرنسا ، ومن ثم تخصص في الطب النفسي . وفي الوقت ذاته درس الآدب والفلسفة . وكان بعض الأحيان يحضر محاضرات الفيلسوف الماركسي – الوجودي ” مارلو بونتي ” (1908 – 1961) .

  أصبح  ” فرانز فانون ” في العام 1951 طبيباً نفسياً ، وأثناء فترة الإقامة في المستشفى ، تعرف على الطبيب النفسي المشهور ” فرنسيس توكولس ” (1912- 1994) ، الذي لعب دوراً مهماً في توجيه تفكيره للإهتمام بالثقافة في علم النفس المرضي ، وذهب في العام 1953 للعمل  في الجزائر طبياً نفسياً في الجيش الفرنسي  فترة الإحتلال ، ومن ثم أصبح رئيس الأطباء النفسانيين  . وهناك كان فانون رائداً في إستخدام المؤثرات الثقافية الحضارية في معالجة مرضاه النفسيين .

  أصدر  فانون في فرنسا كتابه الأول المعنون ” الجلد الأسود والقناع الأبيض ” عام 1952 . وكان هذا الكتاب في الحقيقة إطروحته للدكتوراه التي قدمها إلى جامعة ليون الفرنسية والتي كانت بعنوان “ إندماج الإنسان الأسود ” والتي رفضتها جامعة ليون . فما كان أمام فانون من إختيار ليواجه الجامعة ، إلا أن يقوم بنشرها في كتاب . وفعلاً فإن الفيلسوف اليساري ” فرنسيس جونسن ” عمل على ذلك وإقترح على فانون عنواناً جديداً هو ” الجلد الأسود والقناع الأبيض ” وكتب له مقدمة . فكان هذا الكتاب هو باكورة  أعمال فانون في عالم الكتابة والتأليف [316].

  وأثناء عمله في الجزائر ، عرف عن قرب قسوة المستعمرين الفرنسيين في التعامل مع الشعب الجزائري ، فكتب في العام 1956 رسالة إستقالة ، ومن ثم طرد من الجزائر في العام 1957 .  وفي العام 1959 أصدر كتابه الشهير ” موت النزعة الإستعمارية ” . إن هذا الكتاب وصاحبه فانون لفتا أنظار شعوب العالم الثالث وأصبح فانون مفكراً رائداً في مناهضة النزعة الإستعمارية في القرن العشرين .

  وعاد إلى الجزائر سراً ، فدخل من تونس وعمل محرراً ومستشاراً صحفياً ، وناطقاً رسمياً لحركة التحرير الجزائرية ، ومن ثم سفيراً للجزائر في غانا . وبسبب التنقل المستمر داخل الصحراء والإجهاد ، أصيب بسرطان الدم وذهب للعلاج للإتحاد السوفيتي ، وقابل الفيلسوف الوجودي ” سارتر ” في روما أثناء فترة العلاج ، وكانت هذه المقابلة قد تمت قبل سفره للعلاج إلى أمريكا . ومات فانون في ولاية ميرلاند الأمريكية في 6 ديسمبر 1961 ، ودفن في تونس لفترة قليلة ، ومن ثم نقلت رفاته إلى مقبرة الشهداء في الجزائر.

  نشر فانون كتابه الشهير ” معذبو الأرض ” في عام 1961 والذي كتب له مقدمة الفيلسوف الوجودي ” جان بول سارتر ” (1905 – 1980) . والحقيقة إن فانون ناقش فيه دور ” الطبقة ” و ” الجنس / الأصل ” و ” الثقافة ” و ” العنف ” في حركة التحرير الوطني . ومن ثم نشر في العام 1961 وقبل موته قصة قصيرة . وبعد موته  جمعت أوراقه وصدر له في العام  1964  كتاب بعنوان ” علم إجتماع الثورة ” ، و ” نحو ثورة أفريقية ” ..

 لقد لعبت كتابات فانون دوراً مؤثراً في مضمار ” دراسات ما بعد المرحلة الإستعمارية ” والنظرية النقدية . وكماركسي فقد كان ينظر إليه كصاحب نزعة ” إنسانية راديكالية ” . كما إنه كان من الرواد في حقل ما عرف بدراسة الأمراض النفسية للإستعمار . وإذا كان هناك من كلمة تقال بحق فانون في التقويم الآخير ، فهي إن كتاباته كانت ” إنجيلاً ” ألهم الكثير من سياسي ومفكري العالم الثالث . كما أقتبست منه الحركات المناهضة للإستعمار الكثير الكثير ولمدة أكثر من أربعة عقود [317].  ونحسب إنه من المفيد التنويه إلى نصوص ” الصدر ” عن الماركسية و الظاهرة الإستعمارية تحتاج إلى دراسة أكاديمية مقارنة من زاوية مؤلفات ” فرانز فانون ” وخصوصاً كتابيه ؛ الأول – ” موت النزعة الإستعمارية [318]. والثاني – ” معذبو الأرض [319].

  كما إنه من الصحيح الإشارة إلى إن أشكال الإستعمار ” الإستيطاني والإستغلالي ، بل وحتى عملية التحرر وإنهاء الإستعمار ، ومن ثم الدخول في المرحلة التي تُعرف بمرحلة ما بعد الإستعمار [320]، والتي مرت بها الشعوب التي أبتليت بالإستعمار . كلها غابت برمتها من دائرة تفكير ” الصدر ” و كتابه إقتصادنا . وبالمقابل فإن القارئ يلحظ إن خطاب ” الصدر ” جاء عاماً ، وفيه متابعة للتفسير الماركسي .  وعلى هذا الأساس يستقيم خطاب ” الصدر ” في إقتصادنا ، وبالتحديد عندما تحدث عن الظاهرة الإستعمارية بمنظار ماركسي .. والحق إن ” الصدر ” وجه نقداً وتقويماً للتفسير الماركسي الإقتصادي في فهم الظاهرة الإستعمارية .

  وفعلاً فإن ” الصدر ” أشار إلى إن الظواهر التي أولتها الماركسية ، إهتماماً كبيراً في إطروحاتها عامة ، وإطروحاتها الإقتصادية خاصة ، هي ظاهرة ” الإستعمار ” . والماركسية كعادتها ، تسعى إلى رد كل الأحداث إلى ” العوامل الإقتصادية ” . وهكذا فإن نظرتها إلى الإستعمار ، أي ظهوره قد جرت بالطريقة ذاتها . ولعل القارئ لمنقولات ” الصدر ” عن الماركسية في النظر إلى ظاهرة الإستعمار ، يلحظ دون بذل جهد ، إن الماركسية فسرتها ” تفسيراً إقتصادياً خالصاً ” ورأت فيه نتيجة ” حتمية للمرحلة العليا من الرأسمالية ، حين تعود الأسواق والخيرات الداخلية ، غير كافية لتمشية مصالح الطبقة الرأسمالية . فتضطر إلى إمتلاك أسواق وخيرات البلاد الخارجية عن طريق الإستعمار [321].

  ومن ثم دقق في الفهم الماركسي لنشوء ظاهرة الإستعمار ، وذهب مذهباً مغايراً للماركسية ، وجلب الأنظار إلى حقيقة خفيت عليها ، وهي إن ” الإستعمار ليس تعبيراً إقتصادياً عن المرحلة المتأخرة من الرأسمالية ، وإنما هي التعبير العملي بصورة أعمق عن العقلية المادية بمقاييسها الخلقية ، ومفاهيمها عن الحياة ، وأهدافها وغاياتها “[322]. وهذا حق بدرجات ما ، وذلك لأن الماركسية تنطلق في معالجتها لأي ظاهرة ، ومنها ظاهرة الإستعمار بالإستناد إلى ركائزها الفلسفية . وهكذا تحولت هذه الركائز إلى قيود ميثديولوجية وفلسفية ، تُعيق حركة تفكير الماركسي ، وتجمد تفكيره ، لأن كل شئ مُقرر مسبقاً ، وحتى تفاصيل الجهاز اللغوي بإصطلاحته وتعابيره حاضراً ، وما على الباحث (أو المنظر) إلا أن يحفظ كل ذلك ويتدرب عليه .

  كما إلتفت دائرة تفكير ” الصدر ” إلى مسألة في غاية الأهمية ، تُلازم الفهم للظاهرة الإستعمارية ، وتُعينُ ظروف إنبثاقها . وهي في الواقع مسألة تكشف عن طبيعة العقلية الغربية ، التي كان الإستعمار وليداً شرعياً لها . وهي بالطبع ” العقلية ” التي ” جعلت الحصول على أكبر ربح مادي ممكن ، هو الهدف الأعلى ، بقطع النظر عن نوعية الوسائل ، وطابعها الخلقي ، ونتائجها في المدى البعيد “[323]. ولهذا فإن الإستعمار جاء نتيجة ومظهراً لهذه العقلية ، بل وتجسيداً لها في مضمار حصد الأرباح بعيداً عن أي حساب أخلاقي وتبكيت ضمير .

  ويختتم ” الصدر ” موقفه النقدي للظاهرة الإستعمارية بالمفهوم الماركسي ، بتقويم يحمل صورة تعديل للموقف الماركسي ، وبإتجاه يصله بعتبات الدرب الإسلامي . ولهذا بين إن السبب الأصيل لبروز ظاهرة الإستعمار ، هو ” الواقع الروحي والمزاج الخلقي للمجتمع ، لا في مجرد السماح بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج ” ومن ثم يفترض إنه إذا ” سمح بهذه الملكية في مجتمع يتمتع بواقع روحي وخلقي وسياسي ، يختلف عن الواقع الرأسمالي ، فليس الإستعمار بمفهومه الرأسمالي قانوناً حتمياً له “[324].

ثالثاً – الإشتراكية والشيوعية

  نحسبُ بداية ومن الناحية الميثديولوجية أن نبين للقارئ ، بأن من المقولات التي تداولتها الماركسية ، وبالطبع كان لها حضوراً غير إعتيادي في منقولات ” الصدر ” ، هي مقولتي ؛ الإشتراكية والشيوعية . والحقيقة هي ليست مقولات في الفهم الماركسي (وربما هي مراحل ومحطات) والأدق هي أنظمة حياة ، وفي الوقت ذاته هي أنظمة إقتصادية رسمت في بنيتها الماركسية كل تفاصيل الفعاليات الإقتصادية ، حيث يمكن القول عنها ، إنها أشكالاً وصوراً للحياة الإقتصادية .

  ونحاول هنا أن نبين حدود المثابرة النقدية التقويمية التي أجراهل ” الصدر ” للإشتراكية والشيوعية . ونظن من الطرف الميثديولوجي ، ملزمين أن نقوم بالعودة إلى المصادر المصادر الأكاديمية الغربية ، نستعين بها في تحديد الإشتراكية والشيوعية من زاوية الفهم الماركسي ، ومن ثم ننظر بعد ذلك في منقولات ” الصدر ” ونتعرف على كيفية فهمه لهما . ولنبدأ أولاً بالإشتراكية .

  يتداول الماركسيون في معجمهم السياسي – الإقتصادي ، إصطلاح الإشتراكية العلمية ، وخصوصاً فردريك إنجلز الذي يصفُها بكونها ” نظرية إقتصادية – سياسية وإجتماعية ” ويشيرون إلى إن الرائد فيها ، هو كارل ماركس . والسؤال الذي يُثار على الدوام ؛ لماذا هذا النمط من الإشتراكية ، هي إشتراكية علمية ؟ ويبدو إن السبب يعود إلى إنهم يعارضون شكلاً آخر من الإشتراكية ، وهي الإشتراكية الطوباوية . والإشتراكية الطوباوية هي ” وصف خيالي للمجتمعات المثالية ” ودخلت في تنافس حاد مع الماركسية من طرف ، وألهمت الحركات الديمقراطية – الإشتراكية الثورية . والحقيقة إن الإشتراكية الطوباوية عنوان كبير ، يضم العديد من الإشتراكيين المحدثين ، من أمثال ” سان سيمون ” (1760 – 1825) وهو الرائد الفرنسي لنظريات الإشتراكية وترك أثاراً واضحة على كل من الوضعية والماركسية[325] و ” شارل فورييه ” (1772 – 1837)[326] و ” روبرت أوين ” (1771 – 1858) وهو واحد من مؤسسي الإشتراكية الطوباوية[327].

   ويُعرف الأكاديميون الغربيون ، الإشتراكية العلمية بكونها بكونها ” منهج أو طريقة ” لفهم الظواهر الطبيعية (المادية) والإقتصادية والإجتماعية ، والتكهن بها ، وذلك من خلال التدقيق والنظر في إتجاهاتها التاريخية . ومن ثم الإستعانة بالطريق العلمية بهدف إستخلاص النتائج المترتبة عليها ، والتكهن بالتطورات المستقبلية المتوقعة . وهي تتعارض مع الإشتراكية الطوباوية ، كما وتتعارض مع الليبرالية الكلاسيكية والقانون الطبيعي الذي ينهض على المفاهيم الميتافيزيقية للإخلاق ، بدلاً من تأسيسها على المفهوم المادي الفيزياوي المتحرك للعالم [328].

  ولما كانت الإشتراكية بالمفهوم الماركسي ، هي نظرية ماركسية ، فإن الإشتراكية هي المرحلة الدنيا من الشيوعية ، وإعتاد الأدب الماركسي يتحدث عنها بإستخدام إصطلاح ” الشكل الإشتراكي للإنتاج ” وهو شكل تاريخي من التطور الإقتصادي ، ويصف مجموعة من العلاقات الإجتماعية . وعلى أساس الفهم الماركسي للإشتراكية ، والذي يُعرفها بأنها ” ضرب من الإنتاج ” . فإن المعيار الوحيد للإنتاج ، هو ” القيمة الإستعمالية ” . وهذا يعني إن قانون القيمة ، ليس له فعل في توجيه النشاط الإقتصادي على الإطلاق . وتوزيع الحاصل الإقتصادي على مبدأ ” كل وفقاً لمساهمته ” . كما إن العلاقات الإجتماعية للإشتراكية ، يتم وصفها عن طريق الطبقة العاملة ، التي تمتلك وسائل الإنتاج ، والتي تهدف إلى المحافظة على الحياة [329].  

  ونتساءل هنا ؛ ما مفهوم الإشتراكية في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية ؟ لخص ” الصدر ” الفهم الماركسي للإشتراكية ، وكان غرضه ، هو بيان حقيقتها كنظام إقتصادي . وعلى هذا الأساس ذهب إلى إن الإشتراكية تتطلع إلى تحقيق الجوانب الأتية :

1 – ” محو الطبيقية وتصفية حساباتها نهائياً ” وإن ذلك يتحقق من خلال تكوين ” المجتمع اللاطبقي ” .

2 – إمساك البروليتاريا بالسلطة السياسية ، وإنفرادها في تشكيل ” حكومة دكتاتورية ، قادرة على تحقيق الرسالة التاريخية للمجتمع الإشتراكي ” .

3 – السعي إلى ” تأميم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج الرأسمالي في البلاد وإعتبارها ملكاً للمجموع ” .

4 – الإلتزام بالتوزيع على قاعدة ” من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله [330].

  أما الشيوعية ، فأمرها مختلف ، فهي مرحلة مقترحة في تاريخ الإنسانية الغابر ، وأحلام فلاسفة الإفلاطونية ومدينته الفاضلة في كتاب الجمهورية ، وهو الإنجيل الفلسفي السياسي الذي كتبه الفيلسوف اليوناني ” إفلاطون ” (427/428 – 347/348ق.م) . كما وكانت شعارات أيديولوجية تتغنى بها الإحزاب الشيوعية ، ومثلما يتصورها المؤمن الزاهد ومن كل الإديان بجنة الخلد التي تجري من تحتها الإنهار ، وهي البلسم السرمدي والحياة الأبدية للجميع …

 وفعلاً فإن القارئ الحصيف لتاريخ لشيوعية ، يلحظ بيُسر إن هناك صور متنوعة من الشيوعية ، وليست هناك صورة واحدة كما تحدث عنها ” الصدر ” في كتاب إقتصادنا . وهنا نحاول أن نقدم مساهمة تملأ الفرغات التي ظهرت في خطاب ” الصدر ” وهو يتحدث عن الشيوعية ، ومن ثم سنتبعه ببيان مفهوم الشيوعية في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية . ولعل الصورة الأولى من الشيوعية التي يتحدث عنها مجموعة من المؤرخين ، هي الشيوعية البدائية (أو المشاعية الأولى) ، وعلى الأخص في المراحل التاريخية التي إقترحتها الماركسية في تصورها لحياة الإنسانية ومن ثم لحركة التاريخ . فمثلاً ” كارل ماركس ” والمنظرون الشيوعيون الأوائل ، يتحدثون عن نمط من الشيوعية ، عرفته مجتمعات ” الصيد واللقاطة ” خلال العصور الحجرية القديمة . وهي كانت على شكل جماعات متساوية ، تتقاسم وتشارك ما تحصل عليه من صيد وما تجمعه من ثمار الأشجار وطيبات النباتات [331]..

  ولاحظ المؤرخون إن المسيحية في نصوص ” العهد الجديد ” تقدم تصويراً لشكل من أشكال الشيوعية ، هي الشيوعية المسيحية أو الأدق المشاعية المسيحية (وفي كثير من الأحيان يجري الحديث عن الشيوعية الدينية) . فمثلاً إن المتداول في تاريخ المسيحية ، وبالتحديد في بواكير المسيحية ، إنها شجعت على شكل من الملكية المشتركة ، والتي نهضت على تعاليم العهد الجديد ، وهي التعاليم التي تؤكد على مشاركة الجميع في هذه الملكية ، والعيش المشترك في جماعات ، حيث تحكم حياتهم معايير من المساواة . ولازالت صور وصدى من هذه المشاعية بشكل وآخر ، في البيعات المسيحية وفي دور الرهبان والراهبات. [332]

  كما ويذكر المؤرخون إلى إن بعض الطوائف اليهودية القديمة من مثل الأسينيون كانت حياتهم تُجسد شكلاً من المشاعية القائمة على الزهد والتقشف والعزوبية ، وإزدهرت هذه الظائفة وذاع صيتها في القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي . وعاش الأسينيون في جماعات وفي مدن عديدة ، وبعض منهم فضل حياة العزلة فعاش في مناطق نائية صحراوية في القرب من البحر الميت . والسمة الطابعة على إسلوب حياتهم الزهد والتقشف . وبعض الجماعات منهم تُفضل حياة العزوبية والفقر ، والمصادر التي كتبت عنهم تذكر إنهم لا يتزوجون ولا يملكون أي شئ من المال . وكانت أعداد كبيرة منهم تعيش في منطقة يهودا في العصر الروماني[333].

  صحيح جداً إن هناك عدد من المفكرين الغربيين قبل ” ماركس ” و” إنجلز ” قد تكلموا وكتبوا عن شكل من أشكال الشيوعية ، وبالتحديد في ثلاثة قرون قبل ماركس وإنجلز . وعلى هذا الأساس يمكن تتبع أثار الفكر الشيوعي الحديث في كتابات القرن السادس عشر ، وبالتخصيص في أعمال الكاتب الإنكليزي ” توماس مور ” (1478 – 1535) ، وبالتحديد مقالته التي حملت عنوان اليوتبيا ، والتي كتبها عام 1916 . وفيها تصور المجتمع قائم على أساس الملكية المشتركة (الإشتراكية) وقواعدها تعتمد على التطبيق العقلاني [334].

  ومن ثم إنبثق الفكر الشيوعي مرة أخرى في إنكلترا وفي إطار الحركة الكالفينية في القرن السابع عشر ، حيث إرتبط بتفكير مجموعة من رجال الدين البروتستان (وبالطبع هذا تجديد وشكل أخر من الشيوعية المسيحية) والذين كانوا يتجمعون تحت لافتة البيورتان ، أي الطاهرون أو المتطهرون . وهم جماعة البروتستانت الكلفان ، نسبة إلى رجل اللاهوت الإنكليزي البروتستانتي ” جون كالفين ” ( 1509 – 1564) والذي قاد حركة الإصلاح البروتستانتي والتي يتحدث عنها المؤرخون بعنوان التقليد الكالفيني . وإطلق عليهم إصطلاح جماعة الحفارين ، وهي حركة دعت إلى محو الملكية الخاصة للأراضي [335]. وهي حركة إشتراكية زراعية ، بدأها ” جيرارد وينستنالي ” (1609 – 1670) في عام 1949 ، ومن ثم أصبحت تُعرف بالحفارين ، وذلك لمحاولتهم حراثة وزراعة الأرض العامة [336].

  ولاحظنا إن السياسي الألماني ” أدور بيرنستاين ” (1850 – 1932) والذي كان من المقربين جداً إلى كل من ” ماركس و ” إنجلز ” ، قد جادل في رائعته المعنونة ” كرومويل والشيوعية [337] ، وذهب إلى إن مجموعات في الحرب الأهلية الإنكليزية ، وخصوصاً مجموعة الحفارين ، قد تشربوا بصورة واضحة الأفكار الزراعية الشيوعية . وإن القيادي الإنكليزي العسكري والسياسي ” أوليفر كرومويل ” (1599 – 1658) قد عاملهم بتردد وعدائية [338].

  كما إستمر النقد لفكرة الملكية الخاصة في القرن الثامن عشر وخلال عصر التنوير[339]. ومن طرف عدد من المفكرين والفلاسفة ، من أمثال ” جان جاك روسو ” (1712 – 1778) في فرنسا ، وبعد فترة هيجان صاحبت الثورة الفرنسية ، إنبثقت الشيوعية عقيدة سياسية [340]. أما الشيوعية في صورتها الحديثة ، فقد تم صياغتها (وبالمفهوم الماركسي إكتشافها مثل إكتشاف قوانين الفيزياء …) خارج حدود الحركة الإشتراكية ، وبالتحديد في القرن التاسع عشر . ولما كانت الثورة الصناعية في أطوار التقدم والتصاعد ، فإن النقاد الإشتراكيين ، يلومون الرأسمالية على الحالة المزرية التي تعيشها البروليتاريا ، الطبقة الجديدة ، والتي تضم عمال  المصانع ، والذين يعملون في ظروف مُزرية غير إنسانية . وكان من بين هؤلاء النقاد كل من ماركس وعضيده إنجلز . وفعلاً فقد شهد القرن التاسع عشر ، تأسيس الشيوعية على أسس فلسفية (ويزعم ماركس وإنجلز إنهما أسسا الشيوعية على أسس علمية ) ، وهي الأسس الماركسية . وفي عام 1848 قدم كل ماركس وإنجلز تعريفاً جديداً للشيوعية ، ومن ثم قاما بنشره وترويجه من خلال كتاب حمل عنوان ” المنفستو (البيان) الشيوعي [341]. وهذه هي الشيوعية الماركسية (شيوعية ماركس وعضيده إنجلز). وذلك من خلال صياغتهما لأيديولوجيا الحركة الشيوعية . وحسب فهمهما إن الشيوعية هي تجسيد للإشتراكية العلمية ، وليس إنشاء إنموذجاً للمجتمع المثالي [342].

 ننتقل بعد ذلك للحديث عن أنواع من الشيوعيات الماركسية التي ظهرت بعد تحديد الشيوعية الماركسية في البيان الشيوعي الذي خطه يراع إنجلز أولاً ومن ثم راجعه وأضاف إليه ماركس . وسنتبعها بالحديث عن أنواع من الشيوعيات اللا ماركسية . وحديثنا عن الشيوعيات الماركسية ، نستهله بالشيوعية اليسارية [343]، وهي شكل من الإتجاهات الليبرالية المبكرة للماركسية ، وهي نزعة ماركسية تضم إطاراً إقتصادياً واسعاً ، وفلسفات سياسية ، وهي ضد نزعات التسلط التي عرفتها الشيوعية ، وبالتحديد هي معارضة لنزعة التسلط في الشيوعية الماركسية اللينينية  ، وإتجاهاتها من مثل الستالينية ، والماوية ، والتروتسكية في شكلها الروسي [344].

   والحقيقة إن الشيوعية اليسارية ، هي شيوعية نقدية للمواقف الإصلاحية التي تمسكت بها الديمقراطيات الإشتراكية . ولفتت الإنظار إلى أعمال كل من ماركس وإنجلز المتأخرة ، وخصوصاً ما يُسمى بالمخطوطة الناقصة ، والتي حملت عنوان ” خلاصات في نقد الإقتصاد السياسي ، وهي مخطوطة عام 1885 ، والتي أهملت ولم تر النور حتى في عام 1939 ، وكذلك مخطوطة ” الحرب الأهلية في فرنسا ” ، مخطوطة 13 حزيران عام 1871 [345].

كما ويمكن ضم تحت راية الشيوعية اليسارية ، عصبة سبارتكوز ، التي أسستها الإشتراكية الراديكالية ، البولندية – الألمانية ” روزا لوكسمبيرك ” (1871 – 1919) وأخرون [346].

  ومن أشكال الشيوعية ، شيوعية المجلس ، وهي حركة شيوعية يسارية (متطرفة) . تأسست في ألمانيا وهولندا في العشرينات من القرن العشرين . وشكلها الأولي ، هو حزب العمال الشيوعي الألماني ، وهو مستمر حتى اليوم ، بصورة موقف نظري في كل من جناح الماركسية اليسارية ، والإشتراكية الليبرالية على حد سواء . والحجر الأساس في مواقف شيوعية المجلس ، إنها تُعارض كل من الديمقراطية الإشتراكية والشوعية اللينينية (وأرجو الإنتباه إلى ما ذكرناه سابقاً ، وهو إن الماركسية اللينينية صيغة إخترعها ستالين) .

  والمبدأ الرئيس لشيوعية المجلس ، هو إن الحكومة والإقتصاد ، يتطلب بالضرورة ضبطهما من خلال جلس العمال ، والذي يتألف من مندوبين ، يتم إنتخابهم في مواقع العمل . ولهذا فشيوعية المجلس ، تُعارض الدولة السلطوية ، ودولة الإشتراكية ورأسمالية الدولة ، كما وتُعارض الحزب الثوري . وتعتقد شيوعية المجلس ، إن الثورة التي يقودها الحزب ، بالضرورة ستنتهي إلى دكتاتورية حزبية . وبالمقابل فإن شيوعية المجلس تدعم ديمقراطية العمال ، والتي تمارس من خلال إتحادات مجالس العمال . ولعل أفضل من يمثل شيوعية المجلس ، عالم الفلك والمنظر الماركسي الهولندي البروفسور إنطونيو بانخوخ (1873 – 1960) [347]

  ومنها الشيوعية الأوربية ، أو الشيوعية الغربية ، والتي يُصطلح عليها خارج حدود أوربا الغربية بإصطلاح الشيوعية الجديدة . ونحسبُ فيما يخص إصطلاح الشيوعية الجديدة ، فيه نزعة إلحاح على النظرية الشيوعية المستقلة . وهذه النزعة الشيوعية تبلورت خلال السبعينات والثمانينات من القرن العشرين في بُنى العديد من الأحزاب الشيوعية في بلدان أوربا الغربية . وبالتخصيص على المستويين ؛ النظري والتطبيق . ومن الملاحظ إن بلدان أوربا الغربية قد عاشت تحولات إجتماعية كبيرة من طرف ، كما إن هذه البلدان من طرف آخر كانت أقل إرتباطاً بالحزب الشيوعي السوفيتي  الذي مارس دوراً قياداً على الكثير من الأحزاب الشيوعي في العالم ، وبالتحديد على الأحزاب الشيوعية في بلدان أوربا الشرقية  . أما  سيطرته على أحزاب أوربا الغربية فتكاد أن تكون ضعيفة . ولذلك نظن إن إصطلاح الشيوعية الجديدة ، الذي يُطلق عليها ، هي رغبة منها للتأكيد على نظريتها المستقلة [348].

  والحقيقة إن الأسس النظرية الرئيسية للشيوعية الأوربية ، جاءت من كتابات الماركسي الإيطالي ” إنطونيو غرامشي ” (1891 – 1937) والتي دارت حول النظرية الماركسية ، التي أثارت السؤال حول الفرقية في حركة اليسار . ونحسبُ إن أهمية ” غرامشي ” لا تقتصر على النظرية السياسية والسوسيولوجيا ، وإنما تتعدى ذلك إلى اللنكوستيك . وهو مضمار نحتفل به . كما إنه كان عضواً مؤسساً للحزب الشيوعي الإيطالي ، وأصبح بعض الوقت القائد له . وغرامشي مشهور بنظريته في ” الهيمنة الثقافية [349].

  ومن ثم شهدت أوربا الغربية ، تحولاً سريعاً في مسارات الأحزاب الشيوعية الأوربية نحو معاقل الشيوعية الأوربية ، وقطع صلتها من هيمنة قيادات الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي . وفعلاً فقد تحول الحزب الشيوعي الإيطالي ، والأسباني ، ومن ثم الفرنسي بعد تأخر إلى أحضان الشيوعية الأوربية ، وبالتحديد بعد منتصف السبعينات ونهاياتها من القرن العشرين ، وتلتها الأحزاب الشيوعية في كل من بريطانيا ، وبلجيكا ، وهولندا والنمسا [350].

  غير إن الأحزاب الشيوعية الأوربية ، التي ظلت تتابع خط الحزب الشيوعي خلال فترة الإتحاد السوفيتي ، بقيت تؤمن بذلك المسار الشيوعي العتيد ، ونظرت إلى الشيوعية الأوربية ، على إنها نزعة ” ضد الشيوعية ” . ولعل الشاهد على ذلك كتاب ” إينفر هوكسا ” والمعنون ” الشيوعية الأوربية نزعة ضد الشيوعية : نقد ماركسي لينيني [351] و ” هوكسا ” هو السكرتير الأول للجنة المركزية لحزب العمل الألباني . ودخلت الأحزاب الشيوعية في ظل قيادة الإتحاد السوفيتي في ذمة التاريخ ، بينما بقيت أحزاب الشيوعية الأوربية حية تتجدد ..

   وأخيراً وجدنا من الضروري أن نقف عند عتبات إتجاه شيوعي غربي (ربما في حدوده أوسع من الشيوعية الأوربية) ألا وهو الشيوعية الفمنستية (النسوية) أو الفمنستية الحمراء . ونحسب أن نقدم أولاً تمهيداً موجزاً عن الماركسية الفمنستية ، ومن ثم ننتقل مباشرة إلى الشيوعية الفمنستية ، ونستشهد أخيراً بكتاب ” الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة ” وهو الرائعة النسوية ، التي كتبتها ” كيت ويند [352].

  و الماركسية الفمنستية (وممكن أن نتحدث عن الشيوعية الفمنستية كذلك) هي فرع من حركة أوسع هي الفمنستية أو الفلسفة النسوية ، التي تركز في بحثها على تقديم تفسير لطرق إضطهاد النساء خلال نظامي لرأسمالية والملكية الخاصة . ووفقاً لحركة الفمنستية الماركسية ، فإن طريق تحرير النساء الوحيد ، يكون من خلال إعادة بناء راديكالي للإقتصاد الرأسمالي ، وبالتحديد إنه يدور حول عمل النساء الذي لم يُعوض أو تُدفع أجره بعدالة على الإطلاق[353].

  صحيحُ جداً إن أعمال كل من ” ماركس ” وعضيده ” إنجلز ” الإنجيلية ، كونت الأساس الفلسفي والسياسي لملامح حركة ماركسية فمنستية . وبالتحديد كل من كتاب ” المنفستو الشيوعي ” والذي صدر عام 1848 [354]، وكتاب ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” والذي رأى النور عام 1859 [355]، وبالطبع فيهما الأسس لصياغة الخطاب الماركسي المبكر حول العلاقة بين الرأسمالية والإضطهاد ، وهي الطريقة التي طورها ” ماركس ” وعُرفت بالمادية التاريخية .

  ومن ثم في عام 1884 نشر ” إنجلز ” كتابه المعنون ” أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة [356] والذي بين فيه الإنتقال من الإقطاعية إلى الملكية الخاصة للأرض ، والذي ترك تأثيراً كبيراً على أوضاع النساء ، ونظام الملكية الخاصة ، والأفراد الذين لا يملكون الأرض أو أي نمط من أنماظ الإنتاج ، هم في حالة من العبودية . وجادل ” إنجلز ” وبين بأن تهميش المرأة ، هو ليس لأسباب بايولوجية ، ولكن بسبب العلاقات الإجتماعية ، وجهود الرجال التي تطلعت إلى إشباع حاجاتهم ، وعن طريق السيطرة على عمل النساء ، وخصوصاً فعالياتهن الجنسية ، والتي تم ضبطها في داخل العائلة النيوكليرية (المصغرة) .

  والواقع إن الحركة الفمنستية الماركسية (أو الشيوعية) قد إستوعبت التراث الماركسي حول شروط العمل النسوي ، وبدأت حملات من أجل ” إجور العمل المنزلي “وهي الحملات التي تصعد بجذورها إلى الفمنستية وعالمة الإجتماع الأمريكية شارلوت بيركينز كيلمان ” (1860 – 1935) والتي كان يُنظر إليها كفمنستية طوباوية . من أهم مؤلفاتها ، رائعتها التي حملت عنوان ” دينه ودينها : دراسة في إعتقاد آباؤنا وعمل آمهاتنا [357] ورائعتها النسوية ، التي جاءت بعنوان ” النساء والإقتصاد : دراسة في العلاقة بين الرجل والمرأة كعامل في التطور الإجتماعي [358] . وهي ظاهرة نسوية أمريكية متميزة وذلك لكثرة كتاباتها في مضمار تحقيق العدالة لعموم النساء . وربما نكتب عنها مقالاً مستقلاً في القادمات من الأيام .

  والمحط الأخير ، وقفة عند عتبات كتاب ” كيت ويند ” المعنون ” الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة ” . والحقيقة نمسه بخطاب لطيف ، فالكتاب على العموم ، هو بحث جديد في جوهره . وذلك من طرف إنه متابعة للإثار ، التي تركتها التطورات المتجددة ، التي حدثت للخط الشيوعي للحركة الفمنستية الأمريكية ، وخصوصاً بداياتها التي صاحبتها إشكالات في الثلاثينات من القرن العشرين . وبالطبع تطورت في صيغة كونكرس النساء الأمريكيات خلال السنوات المبكرة من الحرب الباردة . وكان الحاصل من ذلك إنبثاق دوائر الحزب الشيوعي في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين .

 ولاحظنا إن الكاتبة ” كيت ويند ” تُناقش بقناعة ، رغم الأثار المدمرة التي تركتها نزعات من مثل ” ضد الشيوعية ” و ” الستالينية ” على اليسار التقدمي في الخمسينات ، فإن مجموعة من المُنظرات في حركة الفمنستية الشيوعية ، من أمثال ” سوزان إنثوني ” و ” بيتي ميلارد ” و ” إلينور فليكسينر ” تمكنوا من الصمود والإستمرار ، عناصراً مهمة ، وخصوصاً في أعمالهم خلال الستينات . وكانت النتيجة ، ولادة أجيال جديدة ، إستلموا راية ” سوزان .. وبيتي .. وإلينور ” وشيدوا حركة مؤثرة من أجل تحرير النساء .

  والواقع إن كتاب ” الفمنستية الحمراء … ” يُقدم لنا عرضاً لوجهة نظر مركبة لتاريخ الحركة النسوية الحديثة ، ويضع في متناولنا عدداً من الناشطين الشيوعيين الرئيسيون ، الذين تمكنوا من فهم الجندر ، والجنسانية ، والرس ، مكونات للثقافة (الحضارة) والإقتصاد والسياسة في المجتمع الأمريكي [359].        

  أما الشيوعيات اللا ماركسية ، فتضم الشيوعية الفوضوية ، وهي الشيوعية الإنراكية ، والتي تُعرف بالشيوعية الحرة ، والشيوعية الليبرالية  ، والإنراكية الشيوعية (اللاسلطوية) [360]. والشيوعية اللاسلطوية (الفوضوية) ، هي نظرية تتطلع إلى إلغاء الدولة ، الرأسمالية ، الإجور والملكية الخاصة (مع إعتبار للملكية الشخصية)[361]. وهي تُفضل الملكية العامة (المشتركة) لوسائل الإنتاج ، والديمقراطية المباشرة . مع الإشارة إلى إنه في الفوضوية الشيوعية ، توجد جمعيات تطوعية ، ومجالس للعمال . أما الإنتاج والإستهلاك فينهضان على مبدأ رئيس ، وهو ” من كل حسب طاقته ، إلى كل حسب حاجته [362].

  وهناك أنواع من الشيوعية الفوضوية ، وهنا نفضل أن نُعرف بتاريخها ومن خلال المنظرين في الشيوعية اللاسلطوية . صحيح جداً إن الشيوعية اللاسلطوية تطورت خارج تيارات الإشتراكية الراديكالية ، وظهرت لها أشكالاً مبكرة ، وبالتحديد خلال الحرب الإنكليزيى الأهلية ، والثورة الفرنسية في القرنيين السابع عشر والثامن عشر . ففي بريطانيا مثلها ” جيرارد وينستلي ” ( 1609 – 1676) والذي كان جزءاً من حركة الحفارين الراديكالية . وفي عام 1649 كتب مؤلفاً صغيراً ، وبعنوان ” القانون الجديد للعدالة ” والذي كتب فيه بعض الأراء التي ستداولها الشيوعية اللاسلطوية ، من مثل ” سوف لا يوجد بيع وشراء ، ولا إجور ولا أسواق ، وإن الأرض برمتها ستكون كنزاً لكل البشر ” ، ومن ثم ” سوف لا يوجد سيد يده فوق الأخرين . بل كل واحد سيكون سيد بذاته “[363].

  أما خلال الثورة الفرنسية ، فقد كان الفيلسوف والإشتراكي الطوباوي ” سيلفان مارسيل ” (1750 – 1803) مثالاً يُستشهد به في هذا الصدد ، وخصوصاً رائعته ، التي حملت عنواناً دالاً ، وهو ” منفستو المساوات ” والذي رأى النور عام 1796 [364]. والذي كتبه قبل ولادة ” كارل ماركس ” بإثنين وعشرين سنة فقط ، و يُذكرنا برائعة ” كارل ماركس ” المعنونة ” المنفستو الشيوعي ” والذي نشره مع عضيده ” فردريك إنجلز ” في عام 1848 أي بعد خمس وأربعين سنة من وفاة صاحب كتاب ” منفستو المساواة ” . ألا إنها قضية تستدعي التأمل والنظر ومن ثم البحث والمقارنة .

  وفي الإمكان أن نذكر في هذا الطرف من البحث ، الكاتب والشاعر الفرنسي ” جوزيف جاك ” (1821 – 1864) الذي تداول لأول مرة كلمة ” التحررية ” والذي إنتقد عام 1857 السياسي الفوضوي ” بيير جوزيف برودون ” (1809 – 1865) وذلك لمواقف ” برودون ” الجنسية حول النساء[365]. إلا إن المؤرخ الفوضوي الألماني ” ماكس هنريخ نتيليو ” (1865 – 1944) هو أول من تداول ، إصطلاح ” الشيوعية التحررية ” وكان ذلك في نوفمبر عام 1880 وحينذاك أخذ الكونكرس الفرنسي للفوضويين بتداوله . ومن ثم بعد ذلك أسس الصحفي الفوضوي العلماني الفرنسي ” سبستيان فاوري ” (1858 – 1942) إنسكلوبيديا الفوضوية ، والذي كان المشرف عليها . وفعلاً فقد صدرت بأربعة مجلدات ، وكان عنوانها ” التحرير [366].

  ومن ثم صعد نجم حركة الفوضوية أو الأدق ” اللاسلطوية الجامعة ” والتي تركز عقيدتها على مبدأ لاسلطوي ، يُدافع عن محو الدولة ، وإنطفاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج . وتذكر المصادر التي تتحدث عنها ، على أن أول من صاغ أسسها مجموعة من المفكرين الإيطاليين ، ومنهم ” كارلو كافيرو ” (1846 – 1892) وأخرون . إلا إنها إرتبطت بالروسي الفوضوي الثوري ” ميخائيل باكونين ” (1814 – 1876) ويُعد برأي البعض ، هو المؤسس لها . ومن أهم مؤلفاته ” كتابه المعنون ” الله والدولة ” وهو جزء من مشروع كبير ، كان بعنوان ” الإمبراطورية والثورة الإشتراكية ” وهو يُصنف إبستمولوجياً تحت مضمار ” الإنراكية والدين ” … [367].

   ولعل من أبرز المنظرين في مضمار الشيوعية الإنراكية (اللا سلطوية) ، المنظر الروسي الثوري ، وعالم الفيللوجيا (فقه اللغة) ورجل الإقتصاد ” بيوتر كروبوتكين ” (1842 – 1921) والذي إشتهر برائعته التي ضمت أفكاره الإقتصادية (وهو بالطبع موضوع إهتمامنا ونحن نعالج كتاب إقتصادنا للفقيه محمد باقر الصدر) والتي كانت بعنوان ” الإستيلاء على الخبز ” والذي كتبه أصلاً بالفرنسية ، ومن ثم نشره بسلسة مقالات في صحيفة الإنراكي . ومن ثم جمعت وطبعت في كتاب في باريس عام 1892 ، وكتب له مقدمة الإنراكي الفرنسي ” أليس جاك ركلوس ” (1830 – 1905) ومن ثم في عام 1995 طبع باللغة الإنكليزية وبترجمة من الفرنسية [368]. وتحول كتاب ” الإستيلاء على الخبز ” إلى إنجيل الشيوعية الإنراكية (اللاسلطوية) .

  ومن ثم إستمر السجال والجدل بين الشيوعية الماركسية والشيوعية الإنراكية ، وخصوصاً الشيوعية الجمعية . ومن النافع أن نشير إلى عالم اللنكوستيك الأمريكي المعاصر ” نعوم شومسكي ” هو واحد من الإنراكية الأحياء ، ويشهد على ذلك كتابه الذي حمل عنوان ” حول الإنراكية (اللا سلطوية) [369].

   والشكل الآخر من أشكل الشيوعية اللا ماركسية ، هي الشيوعية المسيحية ، والتي هي نمط من الشيوعية الدينية ، والتي تنهض بالطبع في إصولها على المسيحية . وهي نظرية سياسية لاهوتية مؤسسة على تعاليم السيد المسيح . وهي نزعة تتطلع إلى إقناع المسيحين على قبول الشيوعية ، نظاماً إشتراكياً مثالياً . ومن الملاحظ إنه لا يوجد إتفاق عام على تاريخ مُحدد لتأسيس مثل هذه الشيوعية المسيحية .

  كما إن هناك عدد من المسيحيين الشيوعيين يؤكدون على توافر الدليل في الإنجيل على إن المسيحيين الأوائل ، وهذا بالطبع يشمل الرسل ، الذين أسسوا بأنفسهم ، مجتمعهم الشيوعي الصغير . وهذا حدث بالتحديد في السنوات التي تلت موت السيد المسيح ، ومن ثم عروجه إلى السماء . ولهذا فإن العديد من المدافعين عن الشيوعية المسيحية ، يجادلون ويؤكدون على إن ذلك كان جزءاً من التعاليم التي علمها السيد المسيح ، وجزء من التقاليد التي مارسها الرسل بأنفسهم .

   وهناك من ينظر إلى الشيوعية المسيحية على إنها صورة راديكالية من الإشتراكية المسيحية ، رغم إن عدداً من الشيوعيين المسيحيين ، قد يتفقون (أو لا يتفقون) مع أطراف متنوعة من الماركسية . وعلى العموم هم لا يتفقون معها (أي الماركسية) في نظرتها المعادية للدين ، وهي النظرة التي يتمسك بها الماركسيون العلمانيين . إلا إنهم يتفقون على بعض الأطراف الإقتصادية ، المتوافرة في النظرية الماركسية ، من مثل فكرة ، إن الرأسمالية تستغل الطبقة العاملة ، وذلك عن طريق إقتطاع فائض القيمة من العمال على صورة أرباح . وإن العمل المأجور ، هو آلة تغريب إنسانية ، وسلطة إستبدادية ظالمة .

  والشيوعية المسيحية مثل الماركسية ، تعتقد إن الرأسمالية تُشجع على تنمية مظاهر سلبية في الطبيعة البشرية . وبالمقابل تزيح قيماً إيجابية من مثل التراحم ، والطيبة والعدالة والتعاطف ، وتفضل الجشع والأنانية والطموح الأعمى . كما وتُشارك الشيوعية المسيحية  الماركسية في بعض من أهدافها السياسية ، من مثل إحلال الإشتراكية بديلاً عن الرأسمالية ، وإن الشيوعية ستتبعها في مرحلة ما في المستقبل المأمول .

  وبالرغم من إن الشيوعيين المسيحيين ، قد لا يتفقون مع الماركسيين (وخصوصاً اللينينيين منهم) على الطريق الذي سيسلكه المجتمع الإشتراكي أو الشيوعي . ولكن على العموم إن الشيوعية المسيحية تطورت بصورة مستقلة عن الماركسية . والحقيقة إن معظم الشيوعيين المسيحيين يشاركون الشيوعية الماركسية في النتائج ، ولكنهم لا يؤمنون بمقدمات الشيوعية الماركسية . ومن الملاحظ إن أغلب الشيوعيين المسيحيين كانوا أساقفة ورجال دين ، والذين طوروا نوعاً من اللاهوت عُرف بلاهوت التحرر ، والتي كانت إصوله كاثوليكية ، وخصوصاً في أمريكا اللاتينية . وهذا النوع من اللاهوت نمى في الستينات والسبعينات من القرن العشرين . وقد وقف رجال لاهوت التحرر ، مواقف ساندت الجبهة الساندينيية للتحرير الوطني في نيكاراغو ، وشجبوا إحتلال الولايات المتحدة الأمريكية لنيكاراغو .

  ومن مشاهير الشيوعية المسيحية ، القس الكاثوليكي الأمريكي ” توماس جوزيف هاكرتي ” (1862 – 1920؟) [370] ومن أهم مؤلفاته الإقتصادية ، كتابه المعنون ” السخط الإقتصادي وعلاجه [371]. ومنهم الراهبة الفرنسيسكانية الدكتورة الأكاديمية وعالمة الرياضيات ” ديان جويس روفنبروك ” (1929 أو 1930 – 2013) والتي تُعرف بإسمها الكنسي ” الأخت مادلين صوفي ” . وكانت إشتراكية مسيحية ، وهي نائب الرئيس عن الحزب الإشتراكي الأمريكي الذي خاض إنتخابات الرئاسة عام 1980 . وهي تحمل شهادة الدكتوراه في الرياضيات من جامعة إلينويز عام 1963 [372]. ومنهم القس الكولومبي كاميلو تورس ريستربو ” (1929 – 1966) وهو شيوعي مسيحي ، وعمل على المصالحة بين الكاثوليكية والماركسية والثورة الشيوعية . وهو رمز من رموز لاهوت التحرر . ولذلك كان يُطلق عليه لقب الشيوعي في كل من الفاتيكان ، والحكومة الأمريكية . كما إلتحق بصفوف المقاتلين في كولومبيا . وكان مشهوراً عنه ، عبارته القائلة ” إذا كان المسيح حياً اليوم ، فإنه سيكون في صفوف المقاتلين [373].

  إن هذه الأمثلة والنماذج التي قدمتها مساهمتنا النظرية عن تاريخ الشيوعية ، دللت على غيابها بدرجات من الشمول من دائرة تفكير الفقيه ” الصدر ” . بل وإن حديثه عن الشيوعية ، جاء حديثاً عاماً ، وخال من الإستشهاد بهذا التنوع الذي عرفه تاريخها الطويل . وللإنصاف إن حديثه وقف عند عتبات نمطين يتيمين ، هما الشيوعية التي نهضت على الماركسية الأرثوذوكسية (ماركس وإنجلز) و الشيوعية التي نبعت من الماركسية اللينينية (والتي صاغها ستالين) . والحقيقة إن تاريخ الشيوعية ، كشف عن شيوعيات متنوعة ، وليست شيوعية واحدة كما قدم خطاب ” الصدر ” فهماً عنها . وهي بالطبع ليست شيوعية ماركسية كما تحدث عنها كتاب إقتصادنا ، وكذلك كتاب فلسفتنا . صحيح جداً إن هناك شيوعيات ماركسية ، ولكن هناك شيوعيات غير ماركسية . وهكذا غاب الكثير من شيوعيات الماركسية ، وغابت الشيوعية الأوربية على الإطلاق ، كما وغابت بالميزان ذاتها كل إتجاهات الشيوعية غير الماركسية .

   ولكل هذا نتساءل ؛ ما مفهوم الشيوعية في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية ؟ ونحسب في البدء الإشارة إلى إن الشيوعية ، هي الفردوس الإرضي ، المُتخيل في العقل الماركسي ، وهي نظام حياة متكامل ، ويتفرع من نظام إقتصادي . كما إن إفادات ” الصدر ” التي حملت نقولاً للموقف الماركسي في فهم الشيوعية ، بينت بأن الإشتراكية ، هي خطوة في الطريق نحو ” الشيوعية ” . ولهذا فإن ما تحقق في الخطوة الإشتراكية ، فيه إمكانية إحتفاظ وتطوير في مرحلة الشيوعية . وجاءت الإشارة إليه في منقولات ” الصدر ” عن الماركسية ، وذهبت إلى إن الشيوعية تحتفظ بطرف ” محو الطبقية ” وتعمل على إطفاء ” حكومة البروليتاريا ” و ” تلغي الملكية الخاصة إلغاءً تاماً ” . وقبل ذلك تسعى بعزم إلى إلغاء نظام العائلة ، وتنفيذ التوزيع على مبدأ ” من كل حسب طاقته ، ولكل حسب حاجته ” [374].

  ومن الملاحظ من الزاوية الميثديولوجية إن مثابرة ” الصدر ” التقويمية للإطروحات الماركسية حول الإشتراكية والشيوعية ، بدأت بكشف مناطق الفراغ في التفسير الماركسي ، والتي ظلت فارغة ، ولم يتم إملاءها وذلك لعدم إمكانية ماركس (أو عزوفه بقصد) من الإستناد ” في تبرير الإشتراكية والشيوعية إلى قيم ومفاهيم خلقية معينة في المساواة ” . ولعدم توافر مثل هذه الإمكانية (أو إلغاءها أصلاً) في ملء الفراغ ، فإن ماركس تحول إلى ” قوانين المادية التاريخية ، التي تفسر حركة التاريخ في ضوء تطورات القوى المنتجة وأشكالها المختلفة ” [375].

  كما إن ” الصدر ” فعل مثلما فعل ” ماركس ” في الرد على الماركسية ، فعاد يُنقب في تاريخ الإنسانية ، وهي مسألة لام فيها ” ماركس ” ، فكانت العودة الصدرية إلى التاريخ مقبولة ، وعودة ” ماركس ” مرفوضة . والحقيقة إن ” ماركس ” ظل ملتزماً بحدود منهجه الإقتصادي . بينما نقل ” الصدر ” الموضوع الإقتصادي إلى مضمار الإخلاقيات والقيم ، وهو بالطبع مضمار مختلف على الإطلاق من موضوع ومنهج حركة الإقتصادي . على كل إن تحول ” الصدر ” إلى تاريخ الإنسانية ، مكنه من الرد على الرؤية الماركسية في التفسير الإقتصادي للأحداث ، وبالطبع ردها وكل شئ معها وبصورة حتمية إلى عامل وحيد ، هو ” العامل الإقتصادي ” .

   كما إن إستخلاص ” الصدر ” هو بحد ذاته فرضية مثل كل الفرضيات ، وليست حقيقة علمية وقانون رياضي . ولذلك إحتج ” الصدر ” بفرضيته القائمة على قراءة تاريخ الإنسانية بمنهج أسسه وفرضياته تتعارض إلى حد كسر العظم مع المنهج الماركسي . ومن ثم قدم فرضيته التي تذهب إلى إن ” الواقع التاريخي لإنسانية ، لا يسير في موكب المادية التاريخية ، ولا يستمد محتواه الإجتماعي من وضع القوى المنتجة وتناقضتها وقوانينها ” . والجزء الأخير الخاص بالمحتوى الإجتماعي يحتاج إلى ترويجه إلى تفاصيل إقتصادية ، وخلاف ذلك يظل زعم فرضي لأغراض المخاصمة والمخالفة .

  ونحن نعرف إن قلم ” الصدر ” يوم كتب كتاب إقتصادنا ، كان متوتراً بسبب المواجهة اليومية في الشارع العراقي بين الحزب الشيوعي العراقي ، وخصوصاً بعض قيادته النجفية والتي يمت بعضها بأوصر قرابة قوية لتاريخ المرجعية الشيعية يومذاك . ونحن متيقين لو توفرت ظروف هادئة لقلم الفقيه ” الصدر ” في كتابة إقتصادنا ، لتخلى عن أطراف وكتبها بروح نقدية مختلفة ، ولكن هذه هو قدرنا ، وهو إن هذه الرائعة الإقتصادية الإسلامية المعاصرة ، كتبت في فترة مواجهة يومية إن لم نقل لحظوية ، ولهذا تشعر وأنت تقرأ النص ، التوتر والدماء التي تقود القلم تغلي

تعقيب ختامي :

  والحقيقة إن خلاصة المثابرة الصدرية التقويمية النقدية للتجربتين الإقتصاديتين الغربيتين ؛ الرأسمالية والتجربة الماركسية ، هو الإعلان عن طريق مذهب إقتصادي ثالث ، وهو مسار ” المذهب الإقتصادي في الإسلام ” . ومن الثابت إن الإسلام لعب دوراً فعالاً ” في تغيير مجرى الحياة الإقتصادية وقوانينها الطبيعية ” وإن ذلك حدث من خلال تغيير ” الإنسان نفسه وخلق شروط روحية وفكرية جديدة له ” . ومن هنا ندرك حجم الخطأ وفداحة الضرر المتولد عند إخضاع المجتمع الذي ” يتمتع بهذه الخصائص والمقومات إلى القوانين ذاتها ، التي يخضع لها مجتمع رأسمالي ، زاخر بالإنانية والمفاهيم المادية ” [376]. ونحسب من الضروري الإشارة إلى إن هذا الحكم فيه عام وخاص ، والعام فيه تلميح إلى إن الماركسية هي حل لأزمة الرأسمالية في المجتمع الغربي ، والخاص إنها لا تتناغم وظروف المجتمع الذي يتسور بالإسلام وعقيدته . ومن ثم أردف ” الصدر ” مفصلاً ، فذهب إلى إن هذا الحال ينطبق على المجتمع الماركسي ، الذي نظر له الماركسيون ، وبالتأكيد إن المجتمع الإسلامي مختلف جذرياً عنه ، وذلك لأن قوانين المجتمع الإسلامي ، هي غير القوانين التي جرت بها إطروحات المذهب الماركسي . وكما هو ثابت ، إن المذهب الماركسي ” لا يعترف بالحريات الفردية ، بل يُهدرها في سبيل القضية الأساسية ، قضية المجتمع بكامله ” [377]. والحقيقة هذا النقد الصدري ، فيه عودة إلى معاقل الرأسمالية والتصالح مع نزعتها الفردية المُشبعة بالإنانية والجشع والتي سبق إن سأم منها ” الصدر ” في نقده لها في النص السابق كما يُلاحظ القارئ الحصيف …

  إن ما يُميز المذهب الإقتصادي في الإسلام ، هو إنه المذهب الجماعي ، الذي يُقابل ” النظرة الماركسية ” ، فالمذهب الإقتصادي في الإسلام ، هو ” المذهب الذي يُربي في كل فرد شعوراً عميقاً بالمسؤلية تجاه المجتمع ومصالحه ، ويفرض عليه لذلك أن يتنازل من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة ، في سبيل المجتمع وسبيل الأخرين ” ، إنه ” المذهب الذي يحفظ حقوق الأخرين وسعادتهم لا بلإثارة دوافعهم الذاتية ” [378]. وهذا خطاب فقيه مسلم ورع ، لا تخلو من أحلام بإقامة مجتمع العدالة الإسلامي ، وفيه إمكانية إجراء لدراسة مقارنة بأفكار الشيوعية الماركسية الطوباوية والشيوعية اللا ماركسية الطوباوية [379].

——————————————————————————————————–

الهوامش 

 – للتفاصيل أنظر :[1]

أ – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الإقتصادي في كتابات الماوردي ، مجلة الإجتهاد ، بيروت – لبنان ، العدد المزدوج 34 / 35 شتاء – ربيع 1997 ، ص ص 169 – 204

ب – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مالك بن نبي والمشروع الإسلامي للإقتصاد ، مجلة الإجتهاد، بيروت – لبنان ، العدد 37 ، خريف 1997 ، ص ص 15 – 57

ج – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ محمد باقر الصدر والمذهب الإقتصادي في الإسلام (نشرت خلاصة منه) ، مجلة البلاد ، بيروت – لبنان 1998

 – أنظر : محمد باقر الصدر ؛ الإسلام يقود الحياة ، بيروت 1990 [2]

 – للتفاصيل أنظر : جيمس فلوشر ؛ الرأسمالية : مدخل موجز (بالإنكليزية) ، أكسفورد 2004 . [3]

ولعل من الملفت في هذا الكتاب ، إن المؤلف أشار إلى التطورات التي صاحبت إزمة الرأسمالية في السبعينات ، فيقول ” إن الإنموذج الليبرالي الجديد للرأسمالية ، قد فرض هيمنته فكرياً وأيديولوجياً … ” ص 58  

 – للمزيد حول الماركسية ، أنظر : ديفيد ماكملين ؛ الماركسية بعد ماركس (بالإنكليزية) ، دار نشر ماكميلان 2007 [4]

  يكشف تاريخ الماركسية عن تطورات بنيوية قد حدثت في جوهر الماركسية ، تمثلت في نزعات متنوعة ومتخالفة . وللإستشهاد نشير إلى الماركسية الأرثوذوكسية والماركسية الغربية ، ومن ثم الماركسية التحليلية ، والماركسية الفرويدية ، والماركسية اللينينية ، والتروتسكية والماوية ، والماركسية اليسارية ، والماركسية الإنسانية ، والماركسية الفمنستية (النسوية) …

 – محمد باقر الصدر ؛ إقتصادنا ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت 1991 ، ص 9 [5]

 – المصدر السابق ، ص 11 وما بعد [6]

 – المصدر السابق ، ص 16 وما بعد [7]

 – المصدر السابق[8]

 – المصدر السابق ، ص 17 وما بعد [9]

 – المصدر السابق ، ص 23 [10]

 – المصدر السابق ن ص 25 [11]

 – المصدر السابق ، ص 26 [12]

 – المصدر السابق ، ص 26 [13]

 – المصدر السابق ، ص 32 [14]

 – المصدر السابق ، ص 33 [15]

 – المصدر السابق ، ص ص 37 – 236 [16]

 – المصدر السابق ، ص ص 39 – 211 [17]

 – المصدر السابق ، ص ص 213 – 236 [18]

 – المصدر السابق ، ص ص 239 – 276 [19]

 – المصدر السابق ، ص ص 244 – 254 [20]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 276 [21]

 – المصدر السابق ، ص ص 279 – 325 [22]

 – المصدر السابق ، ص ص 279 – 290 [23]

 – المصدر السابق ، ص ص 279 – 282 [24]

 – المصدر السابق ، ص ص 286- 290  [25]

 – المصدر السابق ن ص ص 291 – 298 [26]

 – المصدر السابق ، ص 292 [27]

 – المصدر السابق [28]

 – المصدر السابق ، ص ص 299 – 310 [29]

 – المصدر السابق [30]

 – المصدر السابق ، ص ص 311 – 315 [31]

 – المصدر السابق ، ص 311 [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 316 – 325 [33]

 – المصدر السابق ، ص 316 [34]

 – المصدر السابق ، ص ص 329 – 354 [35]

 – المصدر السابق ، ص ص 307 – 405 [36]

 – المصدر السابق ، ص ص 307 – 371 [37]

 – المصدر السابق ، ص ص 371 – 378 [38]

 – المصدر السابق ، ص ص 378 – 380 [39]

 – المصدر السابق ، ص ص 380 – 405 [40]

 – المصدر السابق ، ص ص 409 – 495 [41]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الإقتصادي في كتابات الماوردي ، مجلة الإجتهاد ، بيروت ، العددان 34 / 35 شتاء – ربيع 1977 ، [42]

ص ص 169 – 204  

 – الطرطوشي ؛ سراج الملوك ، تحقيق جعفر البياتي ، ط1 ، لندن 1990 [43]

 – إبن الحداد ؛ الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ، تحقيق رضوان السيد ، ط1 ، بيروت 1983 [44]

 – محمد باقر الصدر ؛ إقتصادنا ، ص ص 499 – 524 [45]

 – المصدر السابق ، ص ص 525 – 542 [46]

 – المصدر السابق ، ص ص 533 – 542  [47]

 – المصدر السابق ن ص ص 543 – 597 [48]

 – المصدر السابق ، ص ص 550 – 556 [49]

 – المصدر السابق ، ص ص 557 وما بعد  [50]

 – المصدر السابق ، ص ص 599 – 610 [51]

 – المصدر السابق ، ص ص 611 – 655 [52]

 – المصدر السابق ن ص ص 659 – 687 [53]

 – المصدر السابق ، ص ص 659 – 666 [54]

 – المصدر السابق ، ص ص 667 – 679 [55]

 – المصدر السابق ، ص ص 680 – 687 [56]

 – المصدر السابق ، ص ص 687 – 728 [57]

 – المصدر السابق ، ص ص 689 – 698 [58]

 – المصدر السابق ، ص ص 698 – 700  [59]

 – المصدر السابق ، ص ص 701 – 705 [60]

 – المصدر السابق ، ص ص 706 – 708 [61]

 – المصدر السابق ، ص ص 708 – 711 [62]

 – المصدر السابق ، ص 712 [63]

 – المصدر السابق ، ص ص 712 – 714 [64]

 – المصدر السابق ، ص ص 714 – 716 [65]

 – المصدر السابق ، ص ص 716 – 717 [66]

 – المصدر السابق ، ص 717 [67]

 – المصدر السابق ، ص ص 717 – 718 [68]

 – المصدر السابق ، ص ص 718 – 727 [69]

 – المصدر السابق ، ص 778 [70]

 – أنظر على سبيل المثال : محمد باقر الصدر ؛ الأسس المنطقية للإستقراء ، دار التعارف للمطبوعات ، ط4 ، بيروت 1983 [71]

 – أنظر لمعرفة الدور الذي تلعبه نظرية التعريف في بنية العلوم : [72]

أ – محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل آرسطو للعلم البرهاني (رسالة ماجستير 1976) ، دار الحرية ، بغداد 1983 ، القسم الثاني ، الفصل الخامس والمعنون ” نظرية التعريف ” ، ص ص 137 – 155

ب – محمد جلوب الفرحان ؛ نظرية التعريف عند إبن سينا ، المجلة العربية للعلوم الإنسانية – جامعة الكويت ، العدد 25 ، المجلد السابع ، شتاء 1987 ، ص ص 8 – 34  

 – الصدر ؛ إقتصادنا ، ص 374 [73]

 – المصدر السابق [74]

 – المصدر السابق ، ص 375 [75]

 – المصدر السابق [76]

 – المصدر السابق ، ص 376 [77]

 – المصدر السابق [78]

 – المصدر السابق ، ص 377 [79]

 – المصدر السابق ن ص 385 [80]

 – المصدر السابق ، ص 409 [81]

 – المصدر السابق [82]

 – المصدر السابق [83]

 – المصدر السابق [84]

 – المصدر السابق ، ص 410 [85]

 – المصدر السابق [86]

 – المصدر السابق ن ص ص 634 – 635 [87]

 – المصدر السابق ، ص 635 [88]

 – المصدر السابق ، ص 9 [89]

 – المصدر السابق ، ص 10 [90]

 – المصدر السابق ، ص 11 [91]

 – المصدر السابق ، ص 12 [92]

 – المصدر السابق ، ص 26[93]

 – المصدر السابق [94]

 – المصدر السابق ، ص 27 [95]

 – المصدر السابق [96]

 – المصدر السابق ، ص 28 [97]

 – المصدر السابق ، ص 29 [98]

 – المصدر السابق [99]

 – المصدر السابق ، ص 37 [100]

 – المصدر السابق ، ص 40 [101]

 – المصدر السابق ، ص 41 [102]

 – المصدر السابق ، ص 43 [103]

 – المصدر السابق ، ص 44 [104]

 – المصدر السابق ، ص 53 [105]

 – المصدر السابق ، ص 60 [106]

 – المصدر السابق ، ص 61 [107]

 – المصدر السابق ، ص 65 [108]

 – المصدر السابق ، ص 70 [109]

 – المصدر السابق ، ص 84 [110]

 – المصدر السابق ، ص 88 [111]

 – المصدر السابق ، ص 89 [112]

 – المصدر السابق ، ص 93 [113]

 – المصدر السابق ، ص 94 [114]

 – المصدر السابق ، ص 97 [115]

 – المصدر السابق ، ص 105 [116]

 – المصدر السابق ، ص 106 [117]

 – المصدر السابق ، ص 110 [118]

 – المصدر السابق ، ص 112 [119]

 – المصدر السابق ، ص 117 [120]

 – المصدر السابق ، ص 129 [121]

 – المصدر السابق ، ص 131 [122]

 – المصدر السابق ، ص 135 [123]

 – المصدر السابق ، ص 137 [124]

 – المصدر السابق ، ص 138 [125]

 – المصدر السابق ، ص 157 [126]

 – المصدر السابق ، ص 162 [127]

 – المصدر السابق ، ص 164 [128]

 – المصدر السابق ، ص 165 [129]

 – المصدر السابق ، ص 169 [130]

 – المصدر السابق ، ص 175 [131]

 – المصدر السابق ، ص 177 [132]

 – المصدر السابق ، ص 179 [133]

 – المصدر السابق ، ص 182 [134]

 – المصدر السابق ، ص 188 [135]

 – المصدر السابق ، ص 201 [136]

 – المصدر السابق ، ص 205 [137]

 – المصدر السابق ، ص 209 [138]

 – المصدر السابق ، ص 210 [139]

 – المصدر السابق ، ص 211 [140]

 – المصدر السابق ، ص 213 [141]

 – المصدر السابق ، ص 215 [142]

 – المصدر السابق ، ص 217 [143]

 – المصدر السابق ، ص 218 [144]

 – المصدر السابق ، ص 224 [145]

 – المصدر السابق ، ص 225 [146]

 – المصدر السابق ، ص 228 [147]

 – المصدر السابق ، ص 240 [148]

 – المصدر السابق ، ص 241 [149]

 – المصدر السابق ، ص 244 [150]

 – المصدر السابق ، ص 245 [151]

 – المصدر السابق ، ص 249[152]

 – المصدر السابق ، ص 251 [153]

 – المصدر السابق ، ص 253 [154]

 – المصدر السابق ، ص 254 [155]

 – المصدر السابق ، ص 255 [156]

 – المصدر السابق ، ص 256 [157]

 – المصدر السابق ، ص 263 [158]

 – المصدر السابق ، ص 269 [159]

 – المصدر السابق ، ص 270 [160]

 – المصدر السابق ، ص 271 [161]

 – المصدر السابق ، ص 279 [162]

 – المصدر السابق ، ص 280 [163]

 – المصدر السابق ، ص 282 [164]

 – المصدر السابق ، ص 286 [165]

 – المصدر السابق ، ص 291 [166]

 – المصدر السابق ، ص 296 [167]

 – المصدر السابق ، ص 314 [168]

 – المصدر السابق ، ص 315 [169]

 – المصدر السابق ، ص 316 [170]

 – المصدر السابق ، ص 320 [171]

 – المصدر السابق ، ص 329 [172]

 – المصدر السابق ، ص 331 [173]

 – المصدر السابق ، ص 341 [174]

 – المصدر السابق ، ص 342 [175]

 – المصدر السابق ، ص 345 [176]

 – المصدر السابق ، ص 359 [177]

 – المصدر السابق [178]

 – المصدر السابق ، ص 371 [179]

 – المصدر السابق ، ص 375 [180]

 – المصدر السابق ، ص 378 [181]

 – المصدر السابق ، ص 399 [182]

 – المصدر السابق ، ص 409 [183]

 – المصدر السابق ، ص 411 [184]

 – المصدر السابق ، ص 481 [185]

 – المصدر السابق ، ص 508 [186]

 – المصدر السابق ، ص 510 [187]

 – المصدر السابق ، ص 516 [188]

 – المصدر السابق ، ص 519 [189]

 – المصدر السابق ، ص 581 [190]

 – المصدر السابق ، ص584 [191]

 – المصدر السابق ، ص 589 [192]

 – المصدر السابق ، ص 591 [193]

 – المصدر السابق ، ص 613 [194]

 – المصدر السابق ، ص 615 [195]

 – المصدر السابق ، ص 619 [196]

 – المصدر السابق ، ص 637 [197]

 – المصدر السابق ، ص 640 [198]

 – المصدر السابق ، ص 643 [199]

 – المصدر السابق [200]

 – المصدر السابق ، ص 660 [201]

 – المصدر السابق ، ص 662 [202]

 – المصدر السابق ، ص 678 [203]

 – المصدر السابق ، ص 679 [204]

 – المصدر السابق ، ص 693 [205]

 – المصدر السابق ، ص 698 [206]

 – المصدر السابق ، ص 722 [207]

 – المصدر السابق ، ص 728[208]

 – المصدر السابق ، ص 729[209]

 – أنظر: جينفر شوسلر ؛ الرأسمالية : فصول دراسية في قسم التاريخ ، صحيفة نيويورك تايمس ، 6 نيسان 2013 .[210]

 – أنظر : رودني هلتون (المشرف) ؛ التحولات من الإقطاعية إلى الرأسمالية (كتاب جماعي بالإنكليزية) ، لندن 1976 ، مناظرة كل من موريس [211]

دوب وبول سويزي .

 – للتفاصيل ، أنظر: لبيب سبهي ؛ الرأسمالية في إسلام العصور الوسطى (بالإنكليزية) ، دورية التاريخ الإقتصادي / المجلد 29 / العدد الأول [212]

1969 ، ص ص 79 – 96 .  

 – للتفاصيل ، أنظر: روبرت كرين (المشرف) ؛ مُعضلات المدنية الأوربية : البروتستانية والرأسمالية (بالإنكليزية) ، بوسطن 1959 ، وفيه [213]

دراسة لكتاب ” ماكس بايبر ”  الأخلاق البروتستانية وروح الرأسماية ونقادها .  

 – أنظر : محمد باقر الصدر ؛ البنك اللاربوي في الإسلام (مصدر سابق) .[214]

 – أنظر : جيرس بناجي ؛ الإسلام وبلدان البحر المتوسط ونشوء الرأسمالية (بالإنكليزية) / دورية المادية التاريخية / المجلد 15 / العدد الأول[215]

، ص ص 47 – 74 .

 – أنظر : جون سكوت ومارشل جوردن ؛ ” الرأسمالية ” (بالإنكليزية) ، قاموس علم الإجتماع ، مطبعة جامعة أكسفورد 2005 (أون لاين) . [216]

 – للتفاصيل عن الرأسمالية الزراعية ، أنظر: ألين ميكسن وود ؛ الأصول الزراعية للرأسمالية (بالإنكليزية) / دورية مراجعات شهرية ، [217]

حزيران 1998 ، المجلد 50 ، العدد الثاني

 – أنظر : كارل ماركس ” رأس المال ، ترجمه إلى الإنكليزية بين فوكس ، كتب بنجوين – لندن 1976 .[218]

 – أنظر : ألين ميكسن وود ؛ المصدر السابق [219]

 – أنظر ؛ المصدر السابق  [220]

 – أنظر : ديفيد أونكنك ؛ الأيديولوجيا والسياسة الخارجية في بواكير أوربا الحديثة (1650 – 1750) (بالإنكليزية) ، دار أشكيت للناشرين ،[221]

2011 ، ص 257 .

 – ديفيد هيوم ؛ الخطابات السياسية (بالإنكليزية) ، دار دونالد – أدنبرة  1752 (صورة مصورة من جامعة أكسفورد 2008) .[222]

 – أنظر : آدم سميث ؛ بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1977 . [223]

 – أنظر : أيان سمبسون روس ؛ حياة آدم سميث (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1995 .[224]

 – أنظر: ديفيد ميلر (المشرف ) ؛ إنسكلوبيديا الفكر السياسي )بالإنكليزية) ، دار ويلي بلاك ويل ، 1991 (تألفت من 588 صفحة) .[225]

 – أنظر : طوني كليف ؛ التروتسكية بعد تروتسكي (بالإنكليزية) 1999 (أون لاين) .[226]

 – أنظر : طوني كليف ؛ رأسمالية الدولة في روسيا (بالإنكليزية) 1955 (أون لاين) .[227]

 – أنظر : بيتر دوكر ؛ ماكس شكتمن وحياته (بالإنكليزية) ، مطبعة الإنسانيات 1994 ، ص ص 246 – 247 [228]

 – أنظر : فردريك جيمسون ؛ الحضارة والرأسمالية المالية (بالإنكليزية) ، دار قارئ جيمسون 2005 . [229]

 – أنظر : كراهام كبسون ؛ سياسات ما بعد الرأسمالية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة مينسوتا 2006 . [230]

 – أنظر : ديفيد كنك ؛ أسعار التحويل ورأسمالية الأصحاب في شرق أسيا (بالإنكليزية) دورية السياسات المقارنة ، المجلد 35 / العدد 4 عام [231]

2003 .

 – أنظر : روبرت برنارد رايش ؛ الرأسمالية المتفوقة : تحولات المصالح ، الديمقراطية والحياة اليومية (بالإنكليزية) دار نوبف دبول دي [232]

وجماعة الناشرين ، سلسلة فانتج 2008 (تألف من 272 صفحة) .  

 – أنظر : لويس فيلا ؛ الرأسمالية التكنولوجيا : من وجهة نظر نقدية حول التجديدات التكنولوجية والمؤسسات التجارية (بالإنكليزية) ، مطبعة [233]

جامعة تمبل 2009 .  

 – أنظر : لويس فيلا ؛ العولمة والرأسمالية التكنولوجية : الإقتصاد السياسي لسلطة المؤسسات التجارية (بالإنكليزية) ، دار إشكات للنشر – [234]

لندن 2012 .  

 – أنظر : برانديز ستورت ؛ رأسمالية الرفاه الأمريكية (1880 – 1940) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1976 . [235]

 – أنظر للتفاصيل عن الرأسمالية الفوضوية (اللاسلطوية) : ريتشارد سليفان ؛ الفوضوية : صحبة مع الفلسفة السياسية المعاصرة (بالإنكليزية) ، [236]

دار نشر بلاك ويل ، 1995 . وكذلك : تري بيرلن ؛ الفوضوية المعاصرة (بالإنكليزية) ، دار نشر التقاطع ، نيوبرانزويك 1979 .

 – للتفاصيل عن الرأسمالية المتأخرة ، أنظر : إرنست ماندل ؛ الرأسمالية المتأخرة (بالإنكليزية) ، مطبعة الإنسانيات – لندن 1975 .[237]

 – أنظر : كاثرين مالبو وجاك دريدا ؛ الرحلة مع جاك دريدا ، ترجمه من الفرنسية إلى الإنكليزية ديفيد ويلز ، مطبعة جامعة ستانفورد  2004 [238]

(تألف من 330 صفحة) .

 – للتفاصيل أنظر : ميشيل ميلر ؛ ملاحظات حول الرأسمالية الجديدة (بالإنكليزية) / دورية النظرية والمجتمع ، ربيع 1975 / المجلد الثاني / العدد[239]

الأول ، ص ص 1 – 35  

 – أنظر : تشارلز مديسن ؛ الفوضوية في الولايات المتحدة الأمريكية (بالإنكليزية) ، دورية تاريخ الأفكار ، حزيران 1945 / المجلد 6 ، العدد[240]

الأول ، ص 53

 – أنظر : ميشيل ألبرت ؛ الحياة بعد الرأسمالية (بالإنكليزية) ، دار نشر بيرسو – لندن 2003 . [241]

 – أنظر : ألبرت لندمان ؛ تاريخ الإشتراكية الأوربية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ييل 1983 . [242]

 – أنظر : ديفيد لوز ؛ قاموس ضد الرأسمالية (بالإنكليزية) ، دار كتب زد – لندن 2006 . [243]

 – أنظر ؛ النص من هذا البحث هامشه رقم 307 .[244]

 – محمد باقر الصدر ؛ إقتصادنا (مصدر السابق) ، ص ص 240 – 241 [245]

 – المصدر السابق ن ص 241 [246]

 – المصدر السابق ، ص 244 [247]

 – المصدر السابق ، ص 248 [248]

 – المصدر السابق ، ص 249 [249]

 – المصدر السابق ، ص 255 [250]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 256 [251]

 – المصدر السابق ، ص ص 257 – 258 [252]

 – المصدر السابق ، ص ص 258 – 259 [253]

 – المصدر السابق ، ص 259 [254]

 – المصدر السابق [255]

 – المصدر السابق ، ص ص 260 – 261 [256]

 – المصدر السابق ، ص 261 [257]

 – المصدر السابق ، ص 263 [258]

 – المصدر السابق ، ص 269 [259]

 – المصدر السابق ، ص 271[260]

 – المصدر السابق ، ص 275 [261]

 – للتفاصيل عن حياة ماركس والتحولات في تفكيره ، أنظر : ديفيد ماكلين ؛ كارل ماركس : السيرة ذاتية (بالإنكليزية) ، دار ماكميلان ، ط 4 ،[262]

2006 .

 – للمزيد عن التحولات في حياة إنجلز ، أنظر : روي وايتفيلد ؛ الحياة المزدوجة لفردريك إنجلز (بالإنكليزية) ، دورية مراجعة تاريخ مانشستر ، [263]

1980 ، المجلد 2 / العدد الأول .  

 –  للإطلاع على سيرته الذاتية والتحولات في حياته ، أنظر : ديمتري فولكنوف ؛ لينين : سيرة ذاتية جديدة (بالإنكليزية) ، المطبعة الحرة (سيمون [264]

وشوستر) ، نيويورك 1994 .

 – للتفاصيل أنظر : روبرت سيرفس ؛ تروتسكي : سيرة ذاتية (بالإنكليزية) ، كيمبريدج (ماسشيوست) 2009 .[265]

 – ولعل من أشهر مؤلفاته المتأخرة ، كتابه المعنون ” الشيوعية والفلسفة : العقائد المعاصرة والتحولات في الماركسية (بالإنكيزية) ، دار نشر[266]

لورنس ويشهارت ، لندن 1980 وهو من أكبر أعماله المتأخرة .

 – وحاضر في الفلسفة وعلم النفس من وجهة نظر نقدية ، بالطبع وجهة نظر ماركسية ، وكتب الكثير عن الماركسية ، وتحولت نصوصه التي [267]

ترجمت في الستينات إلى العربية (وهي فترة المواجهة بين الإسلاميين والماركسيين أو الشيوعيين) إلى ثقافة شعبية رائجة في المدن العراقية ، وكاتب السطور كان شاهد على ذلك . كما وكتب ” بولتيزر” نصوص نقدية مهمة عن الفرويدية والبرغسونية . ولعل من أشهر مؤلفاته التي نُشرت بعد موته ، كتابه المعنون ” المبادئ الأساسية للفلسفة ” وهو في الحقيقة مجموعة محاضرات ألقاها في الجامعة العمالية التي أسسها في باريس ، وجمعها طلابه وتم نشرها في كتاب . أنظر : جورج بولتيزر ؛ المبادء الأساسية في الفلسفة (بالإنكليزية) ، دار النشر العالمية 1976 .

 – للتفاصيل عن أزمات النظام القيصري ، أنظر : روبرتا ميننك ؛ أزمة النظام القديم في روسيا : النبلاء والحكومة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة [268]

برنستون 2003 .

 – للمزيد أنظر : أدم برنو ألام ؛ البلاشفة : التاريخ الفكري والسياسي لأنتصار الشيوعية في روسيا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة هارفارد 1965 .[269]

 – أنظر : ليون تروتسكي ؛ أخلاقهم وأخلاقنا (بالإنكليزية) ، ط 5 ، مطبعة باثفايندر – نيويورك 1973 . وألف تروتسكي هذا الكتاب عام 1938 ، [270]

وتألف من 126 صفحة . وفيه رد من قبل الفيلسوف البراجماتي الأمريكي ” جون ديوي ” (1859 – 1952) وفيه جواب ماركسي تقدم به ، زميل تروتسكي ، السياسي الشيوعي التروتسكي الأمريكي ” جورج نوفاك ” (1905 – 1992) ومن أهم مؤلفاته ” النظرية الماركسية للإغتراب ” . للتفاصيل أنظر : جورج نوفاك وأرنست ماندل ؛ النظرية الماركسية للإغتراب (بالإنكليزية) ، ط2 ، مطبعة باثفايندر – نيويورك 1973 .

 – أنظر : جورج لوكاش ؛ التاريخ والوعي الطبقي : دراسات في الديالكتيك الماركسي (بالإنكليزية) ، مطبعة مارلين 1971 (تألف من 356 [271]

صفحة) .

 – أنظر : كارل كورش ؛ الماركسية والفلسفة (بالإنكليزية) ، لندن 1972 .[272]

 – أنظر : مارتن جي ؛ الماركسية والشمولية : من لوكاش وحتى هابرمس (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، 1984 (تألف من 576[273]

صفحة) وهو كتاب جامع ، ضم بين دفاته الحديث عن أجيال متنوعة من فلاسفة الماركسية الغربية .

 – للتفاصيل أنظر : كارل بوكس ؛ غرامشي ومعضلات الماركسية الغربية (بالإنكليزية) ، المطبعة الجنوبية – لندن 1984 .[274]

 – للتفاصيل عن نظرية غرامشي في ” الهيمنة الثقافية ” ، أنظر : أنطونيو غرامشي ؛ مختارات من كتاب ملاحظات السجن (بالإنكليزية) ، إشراف [275]  وتقديم جيفري نويل سميث ، دار نشر لورنس وويشهارت المحدودة – لندن 1998 .

 – للتفاصيل ، أنظر : ت . بوتمور و ب . كوود (الناشران) ؛ الماركسية النمساوية (بالإنكليزية) مطبعة كيرندن – أكسفورد 1978 . [276]

 – للتفاصيل ، أنظر : روزا لوكسمبيرك ؛ أعمال روزا لوكسمبيرك الكاملة (بالإنكليزية) ، 14 مجلداً ، نيويورك 2011 . [277]

 – للتفاصيل أنظر الكتاب الجماعي والمعنون ؛ الماركسية اللا لينينية (بالإنكليزية) ، دار الناشرين السوداء والحمراء ، سانت بطرسبيرك 2007 [278]

وفيه نصوص بالغة الأهمية لكل من الشاعر الهولندي ” هيرمان كورتر ” (1864 – 1927) ، والشيوعية اليسارية البريطانية ” سيلفيا بنكهارست ” (1882 – 1960) و الماركسي الألماني ” أوتو روهل ” (1874 – 1943) وهو من رفاق ” روزا لوكسمبيرك ” وعصبة بارتكوز .

 – أنظر : جون هاينز ؛ ريموند وليمز : الأدب ، الماركسية والمادية الثقافية 0بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 1999 .[279]

 – للتفاصيل ، أنظر : فان كوزي ” نشاطات حركة اليسار الجديد 1950 – 1975 : تاريخ موجز (بالإنكليزية) ، مطبعة إلينيوز1993 . [280]

 – أنظر : جان بول سارتر ؛ نقد العقل الديالكتيكي ، ترجمه إلى الإنكليزية ألين شيردين سميث ، الجزء الأول ، دار نشر فيرسو 1976 (تألف من [281]

835 صفحة) .

 – أنظر : سارتر : نقد العقل الديالكتيكي ، ترجمة ألين سميث ، دار فيرسو 1991 (تألف من 467 صفحة) . [282]

 – أنظر : موريس ميرلوبونتي ؛ مغامرات الديالكتيك ، ترجمه إلى الإنكليزية جوزيف بين ، مظبعة بيكون – بوسطن 1969 .[283]

 – أنظر : إنطونيو كيلري وديفيد روشو (المشرفان) ؛ المادية ما بعد الحداثة ومستقبل النظرية الماركسية : مقالات حول الإرث التوسيري (نسبة [284]

إلى الفيلسوف ألتوسير) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ويسلاين 1995 .

 – أنظر : مارك بوستر ؛ الماركسية والوجودية في فرنسا ما بعد الحرب (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة برنستون 1975 .[285]

 – أنظر : ديك هوارد وكارل كلير (المشرفان) ؛ الأبعاد غير المعروفة للماركسية الأوربية منذ لينين (بالإنكليزية) ، الكتب الأساسية ، نيويورك [286]

1972 .  

 – أنظر : أرنست بلوخ ؛ الإلحاد والمسيحية : دين النزوح والمملكة ، ترجمه إلى الإنكليزية ج . ت . سوان ، وتقديم بيتر تومسن ، دار نشر [287]

فيرسو 2009 (تألف من 258 صفحة) .

 – أنظر : جيمس كريكور ومريا هيسا شنك ؛ الماوية والماركسية من زاوية معاصرة (بالإنكليزية) / دورية مراجعات سياسية ، مطبعة جامعة [288]

كيمبريدج / المجلد 40 / العدد 3 ، تموز 1978 ، ص ص 307 – 327 .

 – أنظر : ليون تروتسكي ؛ مدرسة ستالين للإدعاء الكاذب (بالإنكليزية) ، دار نشر باثفايندر ، 1971 .[289]

 – أنظر : فيلدرز بيلدن ؛ التروتسكية والماوية : النظرية والتطبيق في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية (بالإنكليزية) ، دار نشر بريكر [290]

1989 .

 – أنظر : كونستنس إشتون مايرز ؛ الجيش النبوي : التروتسكية في أمريكا (1928 – 1941) بالإنكليزية ، مطبعة كرين وود 1977 .[291]

 – أنظر : جوزيف لوري هانسن ؛ ديناميك الثورة الكوبية : من وجهة نظر تروتسكية (بالإنكليزية) ، مطبعة باثفايندر ، 1978 .[292]

 – أنظر : جوزيف لوري هانسن ؛ ليون تروتسكي : الرجل وأعماله (بالإنكليزية) ، دار نشر ميرت – نيويورك 1969 . [293]

 – أنظر : فيرل دوبس ؛ إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : السنوات المبكرة 1848 – 1917 (بالإنكليزية) ، مطبعة موناد – [294]

نيويورك ، 1980 .

 – أنظر : فيرل دوبس ؛ إستمرار الثورة : القيادة الماركسية في الولايات المتحدة : ولادة الحركة الشيوعية 1918 – 1922 (بالإنكليزية) ، مطبعة [295]

موناد – نيويورك 1983 .  

 – إن العنوان الكامل لكتاب ” رأس المال ” الذي ظهر لأول مرة باللغة الألمانية ، هو ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” وكان يتطلع [296]

” ماركس ” إلى إنجازه في تسع مجلدات ، وهي في الأصل مقالات وأبحاث منشورة وأخذ يجمعها . وفعلاً فإنه جمع منها ثمان مجلدات ونشرها في عام 1867 . غير إنه لم ينشر المجلد التاسع في حياته . وبعد وفاته قام زميله فردريك إنجلز ، بجمع مقالات ومواد المجلد التاسع ، وكتاب ” رأس المال ” هو من أهم الكتب الفكرية التي صدرت في القرن التاسع عشر . ويُصنف مع الكتب الفكرية الكبرى ، ولكل من روح القوانين ، الذي كتبه شارلز مونتسكيو (1689 – 1755) ، وكتاب ثروة الأمم الذي كتبه آدم سميث (1723 – 1790) . وفيما يخص كتابي رأس المال لماركس ، وإقتصادنا للصدر ، فإن آدم سميث ، هو أول من بحث في القيمة الإستعمالية والقيمة التبدالية … للتفاصيل عن كتاب ” ماركس ” رأس المال ، والقيمتين الإستعمالية والتبادلية ، أنظر : كارل ماركس ؛ رأس المال ، نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية ) ترجمه من الألمانية كل من بين فوكس وديفيد فينباخ ، وتقديم إرنست مندل ، كلاسيكيات 1976 ، المجلد الأول (تألف من 1152 صفحة) .  

 – محمد باقر الصدر ، إقتصادنا (مصدر سابق) ، ص 179 [297]

 – المصدر السابق ، ص ص 179 – 180 [298]

 – المصدر السابق ، ص 180 [299]

 – المصدر السابق [300]

 – المصدر السابق ، ص 181 [301]

 – المصدر السابق [302]

 – المصدر السابق ، ص 183 [303]

 – المصدر السابق ، ص 185 [304]

 – المصدر السابق ، ص 186 [305]

 – المصدر السابق ، ص 205 [306]

 – المصدر السابق ، ص ص 205 – 206 [307]

 – المصدر السابق ، ص 206 [308]

 – المصدر السابق ، ص 207 [309]

 – المصدر السابق ، ص 208 [310]

 – أنطر للتفاصيل : فردريك كوبر ؛ النزعة الإستعمارية في سؤال : النظرية ، المعرفة ، التاريخ (عمل جماعي بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة [311]

كليفورنيا 2005 (تألف من 327 صفحة) .

 – المصدر السابق [312]

 – أنظر : جنيفر بيتس ؛ التحول إلى الإمبراطورية : صعود الليبرالية في بريطانيا وفرنسا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة برنستن 2005 . [313]

 – أنظر للتفاصيل : سوزان بيدرسون وكورالين اليكنز (المشرفان) ؛ الإستعمار الإستيطاني في القرن العشرين (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج [314]

2005 .  

 – أنظر  للتفاصيل : لويس روجر ؛ الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط  (1945 – 1951): حركة القومية العربية ، الولايات المتحدة  [315]

الأمريكية ، والإمبريالية ما بعد الحرب (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1980 .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الماركسية والفانونية في خظاب مالك بن نبي (ثلاث مقالات) : 1 – البلاد اللندنية – كندا / العدد[316]

110 شباط 2011 . 2 – البلاد اللندنية – كندا / العدد 111 آذار 2011 . 3 – البلاد اللندنية – كندا / العدد 113 أبريل 2011 .

 – للتفاصيل أنظر : باتريك إهلان ؛ فرانز فانون : السيرة الروحية (بالإنكليزية) ، دار طرق مفترقة – نيويورك 2001 . [317]

 – أنظر : فرانز فانون ؛ موت النزعة الإستعمارية ، ترجمه إلى الإنكليزية هاكون شفيلر ، مطبعة كروف – نيويورك 1965 [318]

 – أنظر : فرانز فانون ؛ معذبو الأرض ، ترجمه إلى الإنكليزية ريتشارد فيلكونس ، دار نشر إتلانتك وكروف 2005 (تألف من 320 صفحة) .[319]

وفي دوائر الثقافة الغربية عندما تذكر رائعة ” فانون ” معذبو الأرض ” تذكر معها رائعة العربي الأمريكي ” أدورد سعيد ” الإستشراق . وبالطبع هناك ترجمة عربية لكتاب ” معذبو الأرض ” قام بها سامي الدروبي وجمال الأتاسي … وبالمناسبة إن كاتب السطور أنجز دراسة عنه عندما كان طالباً في الصف الثالث في قسم الفلسفة وتحت إشراف البروفسور مدني صالح .  

 – للتفاصيل أنظر : ماركريت كوهن وكلي ميكبيرد ؛ النظريات السياسية لنهاية الإستعمار : ما بعد الإستعمار ومشكلة التأسيس (بالإنكليزية) ، [320]

مطبعة جامعة أكسفورد 2011 (تألف من 224 صفحة) .

 – الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 210 [321]

 – المصدر السابق [322]

 – المصدر السابق [323]

 – المصدر السابق ، ص 211 [324]

 – للتفاصيل أنظر ؛ ميشيل نيومان الإشتراكية : مدخل موجز (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2005 [325]

 – أنظر : جونثان بيشر وريتشارد بينفينو (المشرفان) ؛ الرؤيا الطوباوية لشارل فورييه : أعمال مختارة (بالإنكليزية) ، مطبعة بيكون – بوسطن [326]

1971 .

 – أنظر : أي . أل . مورتن ؛ حياة وأفكار روبرت آوين (بالإنكليزية) ، دار نشر لورنس وويشهارت – لندن 1962 .[327]

 – أنظر : فيري إينريكو ؛ الإشتراكية والعلم الحديث (داروين ، سبنسر وماركس) (بالإنكليزية) ، دار شارلز وكير – شيكاغو 1917 (متوفر أون[328]

لاين) .

 – أنظر : أريك فروم ؛ المفهوم الماركسي للإشتراكية (بالإنكليزية) ، دار نشر فردردريك إنكر – نيويورك 1961 (أمن لاين) .[329]

 – الصدر ؛ المصدر السابق ، ص 215 [330]

 – أنظر : جون سكوت وجوردن مارشيل ؛ معجم علم الإجتماع (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2007 ، مادة ” الشيوعية البدائية ” .[331]

وكذلك : فردريك إنجلز ؛ أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة (بالإنكليزية) ، تقديم إيفلين ريد ، مطبعة باثفايندر 1983 .

 للتفاصيل عن الشيوعية الماركسية ، أنظر : ميراندا بورفيرو جوز ؛ الشيوعية في الإنجيل (بالإنكليزية) ، دار ستوك ويبف للناشرين 2004 . -[332]

 – أنظر : عزرا بيرنز ؛ النزعة الطائفية للأسينيون والإختلاف الإجتماعي في يهودا بع عام 70 ق.م (بالإنكليزية) / دورية المراجعة اللاهوتية -[333]

جامعة هارفارد / المجلد 99 / العدد 3 ، ص ص 247 – 274 .

 – أنظر : توماس مور ؛ اليوتبيا / منشورة أعمال توماس مور ، ترجمة جون دولن ، المكتبة الأمريكية الجديدة – نيويورك 1967 [334]

 – أنظر : منفستو أو إعلان الحفارين ، وصد بأسماء تسعة من رجال الدين البروتستان من الكلفان ، منهم ريتشارد سميث ، وتحت شعار : الأرض [335]

أرضنا ، والأرض هي الحرية ، أنظر : ريتشارد سميث وأخرون ؛ منفستو الحفارين ، كليز كالفرت – لندن 1650

 – أنظر للتفاصيل : كوف كندي ؛ الحفارون ، الرافعون للتربة والرأسمالية الزراعية : الفكر السياسي الراديكالي في إنكلترا القرن السابع عشر [336]

(بالإنكليزية) ، الولايات المتحدة الأمريكية 2008 .

 – أنظر : أدورد بيرنستاين ؛ كرومويل والشيوعية : الإشتراكية والديمقراطية في الثورة الإنكليزية الكبرى (بالإنكليزية) ، دار سبوكمان – [337]

نوتنكهام 1980 (اون لاين) .

 – أنظر : المصدر السابق [338]

 – وعصر التنوير او عصر العقل ، هو حركة ثقافية وفكرية لعدد من المفكرين والفلاسفة الغربيين . وبدأت في القرن السابع عشر ، وبالتحديد في [339]

أوربا الغربية . وكان شعارها التأكيد على العقل والنزعة الفردية بدلاً من التراث والتقاليد . وإنتشرت في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . وإستمرت حتى نهاية القرن القرن الثامن عشر . وكان هدفها إصلاح المجتمع عن طريق إستخدام العقل ، وتحدي الأفكار المؤسسة على التقاليد والإعتقاد . وعملت بجد على تقدم المعرفة ومن خلال إستخدام الطريقة العلمية . كما عززت من مكانة التفكير العلمي ، والشك .. وهي في التقويم الأخير ثورة في الفكر الإنساني . ونمت وتطورت حول عدد من الفلاسفة والعلماء الغربيين ، من أمثال ” فرنسيس بيكون ” (1562 – 1626) و ” رينيه ديكارت ” (1596 – 1650) و ” باروخ إسبينوزا ” ( 1632 – 1677) و ” جون لوك ” ( 1632 – 1704) و (بيير بايل ” (1647 – 1706) و ” فولتير ” (1694 – 1778) و ” فرنسيس هاتشسن ” (1694 – 1746) و ” ديفيد هيوم ” ( 1711 – 1776) و الإيطالي ” سيزاري بيكاريا ” (1738 – 1794) و ” عمانوئيل كانط ” ( 1724 – 1804) و ” إسحق نيوتن ” (1643 – 1727) .. أنظر حول التنوير : دوريندا أوترم ؛ التنوير (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط2 ، 2005 .  

 – أنظر : جون سكوت وجوردن مارشيل ؛ الشيوعية / في معجم علم الإجتماع (مصدر سابق) .[340]

 – للإطلاع على المراحل التي مرت بها كتابة البيان الشيوعي ، ودور كل من إنجلز وماركس فيه ، ومكوناته ، أنطر : ماركس وإنجلز ؛ المنفستو[341]

الشيوعي (بالإنكليزية) ، وبتقديم مارتين مالي ، مطبعة بنجوين – نيويورك 1998 .

 – للتفاصيل ، أنظر : كارل ماركس ؛ الأيديولوجيا الألمانية (بالإنكليزية) ، شركة الكتاب الإلكتروني (تألف من 212 صفحة) .[342]

 – أنظر : جورتر هيرمان وآخرون ؛ الماركسية اللالينينية : كتابات حول مجالس العمال (بالإنكليزية) ، دار الأحمر والأسود للناشرين 2007 ،[343]

(تألف من 176 صفحة) .

 – أنظر : نورمان ديفيس ؛ الشيوعية : صحبة  أكسفورد للعالم الثاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2001 . [344]

 – أنظر : جورتر هيرمان وآخرون ؛ الماركسية اللا لينينية (بالإنكليزية) ، دار الأحمر والأسود للناشرين 2007 (تألف من 176 صفحة) .[345]

 – للتفاصيل ، أنظر : ج . ب . ناتي ؛ روزا لوكسمبيرك (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1969 ، ص ص 487 – 490 [346]

 – للتفاصيل أنظر : إنطونيو بانخوخ ؛ لينين فيلسوفاً : الفحص النقدي للأسس الفلسفية للينينية ، الترجمة الإنكليزية ، نيويورك 1948 (أون [347]

لاين) . ونشر أولاً بالهولندية في أمستردام عام 1938 . وتكون من مدخل وثمانية فصول ، وملحق كتبه كارل كورش عام 1938 وبالطبع للطبعة الهولندية وترجم كذلك للنشرة الإنكليزية .

 – أنظر مادة ” الشيوعية الجديدة ” ، قاموس مريم ويبستر  أون لاين ، مريم ويبستر 2013 .[348]

 – للتفاصيل عن ” غرامشي ” أنظر : إنطونيو غرامشي ؛ مذكرات السجن (بالإنكليزية) بإشراف جوزيف بوتكيج ، مطبعة جامعة كولومبيا – [349]

نيويورك (المدينة) 1992 ، وكذلك ؛ دانتي جيرمينو ؛ إنطونيو غرامشي : معمار علم السياسة الحديثة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة لويزيانا 1990

 – أنظر : نيكولاي بوكارين ؛ كتابات محتارة حول الدولة والتحولات في الإشتراكية (بالإنكليزية) ، دار شارب – نيويورك 1980 . [350]

 – أنظر : إينفر هوكسا ؛ الشيوعية الأوربية نزعة ضد الشيوعية (بالإنكليزية) ، أون لاين . [351]

 – أنظر : كيت ويند ؛ الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز 2002 (تألف من[352]

240 صفحة) .  

 – أنظر : آن فريكسن وروزمري هينسي ؛ وجهة نظر فمنستية حول الطبقة والعمل (بالإنكليزية) ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة (أون لاين) ، [353]

2010 .  

 – أنظر : ماركس وإنجلز ؛ البيان الشيوعي (بالإنكليزية) (مصدر سابق) . [354]

 – أنظر : ماركس ؛ مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي (بالإنكليزية) ، ترجمة أس . رايزنسكي ، دار التقدم للناشرين ، موسكو 1993 [355]

 – أنظر ؛ إنجلز ؛ أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة (بالإنكليزية) ترجمة أليك ويست 1942 (أون لاين) .[356]

 – أنظر : شارلوت كيلمان ” دينه ودينها : دراسة في عقائد أباؤنا وعمل آمهاتنا (بالإنكليزية) ، لندن 1923 .[357]

 – أنظر : شارلوت كيلمان ؛ النساء والإقتصاد : دراسة في العلاقة بين الرجل والمرأة كعامل في التطور الإجتماعي[358]

 – أنظر : كيت ويند ؛ الفمنستية الحمراء : الشيوعية الأمريكية وتحرير المرأة (مصدر سابق) .[359]

  – أنظر : جرجيس فونتنيس ؛ منفستو (بيان) الشيوعية التحررية (بالإنكليزية) ، نشر إتحاد الفوضويين ، 2009 (كتيب صغير تألف من 31 [360]

صفحة) . وكذلك : ماكس نتيليو ؛ تاريخ مختصر للإنراكية (الفوضوية) (بالإنكليزية) ، مطبعة الحرية 1996 .  

للتفاصيل : إلكسندر بيركمان ؛ ما هي الفوضوية الشيوعية ؟ أو ما هي الإنراكية ؟ (بالإنكليزية) ، دار الناشر المستقلة – أوكلاند   – أنظر [361]

2003  وهو روسي – أمريكي .  

 – أنظر : الإيطالي لوجي فابري ؛ الفوضوية والشيوعية (بالإنكليزية) 13 إكتوبر 2002 (أون لاين) . [362]

 – أنظر : روبرت كراهام ؛ اللاسلطوية : تاريخ موثق للأفكار التحررية (بالإنكليزية) ، الجزء الأول والمعنون ” من الفوضى وإلى الفوضوية ، [363]

(300م وحتى 1939) ، دار بلاك – روز للكتب 2005 .

 – أنظر : المصدر السابق [364]

 – أنظر : المصدر السابق ، والذي ضم ترجمة لرسالة ” جوزيف جاك ” التي أرسلها عام 1857 إلى ” برودون ” .[365]

 – أنظر : ماكس هنريخ نتيليو ؛ المصدر السابق ، ص 145 [366]

 – أنظر : بول مالفلاين ؛ ميخائيل باكونين : الأسس الفلسفية لنزعته اللاسلطوية (بالإنكليزية) ، دار نشر الكورا – نيويورك 2002 .[367]

 – أنظر : بيتر كروبوتكين ؛ الإستيلاء على الخبز وكتابات أخرى (بالإنكيزية) الناشر مارشل شاتز ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1995 (تكون من [368]

304 صفحة) .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية ، دورية الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة / العدد [369]

المزدوج الثالث والرابع / إكتوبر 2014 .  

 – للتفاصيل ، أنظر : روبرت دورتي ؛ توماس هاكرتي ، الكنيسة والإشتراكية (بالإنكليزية) ، دورية تاريخ العمل ، شتاء 1962 / المجلد [370]

3 / العدد الأول ، ص ص 39 – 56 .

 – أنظر : توماس هاكرتي ؛ السخط الإقتصادي وعلاجه (بالإنكليزية) ، شركة ستاندر للنشر 1902 (تألف من 48 صفحة) .[371]

 – أنظر : ديان جويس روفنبروك ؛ حملتنا (بالإنكليزية) 1980 (أون لاين) .[372]

 – أنظر : صحيفة س د س المناطقية / شتاء 1966 / المجلد الأول / العدد 8 [373]

 – الصدر ؛ إقتصادنا (مصدر سابق) ، ص ص 215 – 216 [374]

 – المصدر السابق ، ص ص 216 – 217 [375]

 – المصدر السابق ، ص 253 [376]

 – المصدر السابق ، ص 242 [377]

 – المصدر السابق ، ص ص 242 – 243 [378]

 – للتفاصيل ، راجع ما كتبناه سابقاً عن الشيوعية الماركسية الطوباوية ، والشيوعية اللا ماركسية الطوباوية …[379]

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / العدد المزدوج 3 و 4 / إكتوبر 2014

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

العدد المزدوج 3 /  4

إكتوبر/ 2014

———————————————————————-

فصيلة شهرية

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

     رئيس التحرير                             سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد الفرحان                             الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تخضع جميع الأبحاث التي تنشر فيها للتحكيم الأكاديمي

——————————————————————————

The CHOMSKY – FOUCAULT debate

ON HUMAN NATURE
Dr. MOHAMAD FARHAN PHILOSOPHER

شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية

    مع مرجعية إلى إصول نظرياتهم الفلسفية

الدكتور محمد الفرحان

 رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————

تقديم :

    قدمت لي إبنتي الباحثة البايولوجية ياسمين الفرحان (تحمل ماجستير في البايولوجيا من جامعة وسترن – كندا وتعمل حالياً في جامعة كوليف – كندا) هدية بمناسبة عيد ميلادي في الأول من تموز ، وهي عبارة عن كتاب صدر باللغة الإنكليزية بعنوان مناظرة بين شومسكي وفوكو : حول الطبيعة الإنسانية ، ويتقدمه تصدير بقلم البروفسور جون راجمان . ومن الملفت للنظر إن المناظرة جرت باللغتين الإنكليزية والفرنسية . وإن هذه المناظرة قد بثها التلفزيون الهولندي قبل نشرها في كتاب ، وهي واحدة من سلسلة مناظرات كانت في الأصل دعوة من قبل المفكر الهولندي والأدق البروفسور – الفيلسوف فونز أليدرز ، وكونت هذه المناظرات مشروع فلسفي متفرد أشرف عليه وركز فيه على دعوة إثنين من الفلاسفة في القرن العشرين ومن إتجاهات فكرية مختلفة وعلى الأغلب متعارضة ، والغرض هو تقديم مناظرة حية فيها يتحدي الفيلسوفان أحدهما الأخر ، وكل ذلك حدث أمام جمهور من الطلبة والأكاديميين والعامة وتم بثه على شاشة التلفزيون [1] .  

  ونحسبُ بعد طبع المناظرة في كتاب ، إنها لم تعد مناظرة ما بين شومسكي وفوكو ، أو مناظرة بين مدرستين لنكوستيكيتين [2] ، الأولى أمريكية مثلها ” نعوم شومسكي ” والثانية أوربية (فرنسية) مثلها ” ميشيل فوكو ” .  وإن ما لاحظناه إنه بين صوتي المدرستين ، إنبثق صوت ثالث ، وهو صوت الفيلسوف البولندي – الأمريكي البروفسور ” جون راجمان ” الذي تقدم على الصوتين وكتب تصديراً للمناظرة – الكتاب .

  ونحسب ُبالتصدير الذي كتبه الفيلسوف راجمان إكتملت ملامح المثلث الفلسفي (وهناك إمكانية للحديث عن مربع فلسفي في حالة إضافة الدور الذي لعبه البروفسور ” فونز أليدرز ” ولكن نكتفي بالثلاثي الفلسفي ونقف عند عتبات المثلث الفلسفي : راجمان شومسكي وفوكو) ، حتى أصبح الضلع الفلسفي الثالث الذي كتبه راجمان جزءً عضوياً من عملية فهم المناظرة – الكتاب ، بل واصبح تصدير راجمان عتبة دخول وإنتقال إلى عالمي شومسكي وفوكو . وهكذا كُتب على القارئ قدراً ثقافياً وهو أن يقرأ تصدير الفيلسوف راجمان أولاً ومن ثم الحاصل من ذلك إنه سيتأثر بكل أو بعض ما يحمله التصدير من أطياف فكرية وميثدولوجية وسيحمل كل ذلك معه وهو يعبر إلى عالمي شومسكي وفوكو . وبالطبع هذه الأطياف هي ليس أطياف شومسكية أو فوكوية بحتة ، وإنما فيها ملح بولندي راجماني خالص (نسبة إلى البروفسور جون راجمان) .

الفصل الأول

نعوم شومسكي : مؤشرات من سيرته وتكوينه الفكري

  ولد عالم اللنكوستيك الأمريكي ” إفرام نعوم شومسكي ” في 7 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1928 . ويطلقُ عليه الباحثون الأكاديميون المعاصرون لقب ” الأب الروحي المعاصر لمضمار اللنكوستيك ” .  وهو بالإضافة إلى ذلك يُعدُ من الباحثين القلائل الذين إمتلكوا ” منهجاً شمولياً متنوعاً ” ، منهجاً إنفتح به على أجناس مختلفة من العلوم ، حيث كان ” فيلسوف لغة ” و” عالم في المنطق ” و ” متخصصاً في المعرفيات ” ، وهو ” رمز كبير من رموز الفلسفة التحليلية [3] .

  كما إنه كان ” شارحاً وناشطاً سياسياً ” وخصوصاً ضد الحرب [4] ، حيث وقف مع الفلسطينيين في محنتهم وإنتقد بشدة سياسات إسرائيل العدوانية [5] . كما وندد بقوة بحرب الرئيس الأمريكي ” جورج بوش الإبن ” على العراق [6] الذي لم تكن له علاقة على الإطلاق بهجوم أسامة بن لادن والقاعدة على أمريكا في ” سبتمبر 11 من عام 2001 ” إلا بشرط واحد وواحد فقط ، وهو أن ” يكون معتوهاً تماماً ” يفكر في العراق مثلما يُفكر ويبحث عن قطة سوداء في ليل دامس وفي غرفة مظلمة . وكان الحاصل من هذه الجريمة اللا إنسانية تحويل بلاد الرافدين إلى خرائب مدمرة فعمت فوضى طائفية عارمة إحترق فيها اليابس والأخضر ، والتي لم تُعرف مديات إنتشارها في المنطقة وربما العالم ومنها بلاد العم سام .

  وبعدُ فإن المفكر (الفيلسوف بحق) نعوم شومسكي ، هو ظاهرة ثقافية فرضت هيمنتها على القرنين العشرين والحادي والعشرين . والشاهد على ما نقول ، هو إنه كتب ” أكثر من مئة كتاب ” ولذلك حصل بإمتياز على لقب ” الرمز الثقافي المهيمن ” في التصويت الذي جرى في عام 2005 ، والذي جاء فيه ” إن شومسكي هو من أشهر المفكرين الذين تمتعوا بشهرة شعبية في العالم [7].

  ولد الطفل ” إفرام نعوم شومسكي ” في أحضان عائلة أمريكية – يهودية ، وبالتحديد من اليهود الإشكناز[8] (وهي تعني ” اليهودية الألمانية ” وبالطبع هي تقسيمات طائفية في العقيدة اليهودية تصعد الى الألفية الأولى ، وخصوصاً فترة الإمبراطورية الرومانية المقدسة [9]) .

ومن طرف والده ” وليم شومسكي ” فهو يهودي يوكرني بالولادة ، ولكونه ” يهودي إشكنازي ” هرب في عام 1913 وإستقر في الولايات المتحدة الأمريكية . أما من طرف أم نعوم شومسكي ، فهي ” إليزا شومسكي ” فهي يهودية من بيلاروسيا (حدودها مع يوكرنيا وروسيا وبولندا) وكلاهما درس في جامعة جونز هوبكنز .

  ومن ثم أصبح والد نعوم مديراً لمدرسة دينية ، وتحول في عام 1923 ليكون محاضراً في كلية كارتز في فيلادليفيا . و بدأ الوالد ” وليم شومسكي ” خطواته الأولى في البحث في مضمار ” اللغة العبرية في العصور الوسطى ” ، ومن ثم كانت حصيلة البحث ” سلسلة من الكتب والأبحاث في اللغة العبرية ” . والحقيقة إن الوالد ” وليم ” والوالدة ” أليزا ” تقابلا في هذه الكلية ، حيث كان كل من هما يُدرس اللغة العبرية فيها [10] . وهذا الإهتمام ومن ثم تخصص الوالدين باللغة العبرية ، بحثاً وتدريسياً سيكون له الأثر الملحوظ على توجهات ” نعوم شومسكي ” نحو شواطئ اللنكوستيك وفلسفة اللغة ومن ثم الدراسات المنطقية على حد سواء .

  وكان من حظ الطفل ” إفرام نعوم شومسكي ” إنه ولد في أحضان عائلة ، يتمتعان فيها الوالدين بخصائص شخصية متميزة ، فظهرت أثارها على شخصية ولدهما إفرام فيما بعد . وبهذا الصدد نحسب من المفيد الإشارة إلى ” إن الوالدين شكلا كتلة عائلية موحدة متكاملة ، فيها الكثير من الحرية وأطياف الإستقلالية ، وخصوصاً في أطراف التفكير ، والمشاركة في العمل ، وهكذا كانت أجواء الحياة العائلية ذات معنى عال ، وإن لها قيمة يستحقها الجميع ” . وفعلاً فإن ” إفرام نعوم شومسكي ” قد تربى على كل ذلك وأصبح جزءً أساسياً من شخصيته [11] .

  ومن الأن سنترك الحديث عن ” إفرام ” ونركز حديثنا على ” نعوم ” الذي إرتبط به طول حياته . وفعلاً فقد كان نعوم الطفل الأول في عائلة آل شومسكي . ومن ثم ولد أخيه الأصغر ” ديفيد ألي شومسكي ” (ورغم مشاركة ديفيد لأخيه الأكبر نعوم في دراسة العبرية في مراحل مختلفة ، إلا إنه توجه نحو الطب وأصبح طبيباً) والذي ولد بعد نعوم بخمسة سنوات . وكانت علاقة الأخوين جداً حميمة رغم إن هناك سمة تنافسية من طرف الأخ الأكبر نعوم . ومن المعلوم إن لغة الوالدين هي اللغة اليديشية (ونحسب إن هذا جداً مهم في فهم إهتمام نعوم شومسكي في اللنكوستيك وفلسفة اللغة فيما بعد) . واليديشية هي اللغة التاريخية لليهود الإشكنازية ، والتي تطورت في القرن التاسع الميلادي . وبالتحديد في ” وسط أوربا ” وفيها الكثير من المفردات الألمانية . واليديشية تنهض على ألف باء لفظي نابع من العبرية وحال اللغة اليديشية كلغة منطوقة حال اللغة العربية [12]. وهذا أمر جداً مهم في ولع وإهتمام ” شومسكي ” باللغة العربية في وقت مبكر من حياته الأكاديمية .

  ويُنقل عن ” نعوم شومسكي ” قوله بإنه كان في داخل عائلته نوعاً من ” التابو ” (المُحرمات) ” الكلام باللغة اليديشية ” . ويبدو لنا من الكلام عن الزوجة والأم ” إليزا ” إن الزوج والأب كان يتداول الحديث باللغة اليديشية . بينما كانت ” إليزا ” على عكس زوجها تتكلم ” لغة نيويورك الإنكليزية [13] . وهذا التنوع في داخل العائلة سيترك بالتأكيد أثاره على الولدين كل من نعوم وديفيد من طرف . كما وإن الطفلين من جهة أخرى ترعرعا في بيئة يهودية ، كان التعليم فيها ” باللغة العبرية ” وكان من الإعتيادي في داخل أجواء العائلة أن تدور المناقشات حول ” النظريات السياسية للصهيونية ” وهذ الطرف جداً مهم في فهم التحولات التي ستحدث لاحقاً في مسيرة ” نعوم شومسكي ” وخصوصاً من طرف مواقفه من ” الصهيونية السياسية ” .

  وفعلاً فإن عائلة آل شومسكي كانت متأثرة بشكل خاص فيما يُسمى بالكتابات ” الصهيونية اليسارية ” وبالتحديد كتابات المفكر الصهيوني ” آحاد هعام ” (1856 – 1927) . وهذا هو الإسم القلمي ، أما إسمه الصحيح ، فهو ” هيريخ كنسبيرك ” وهو مؤسس ” الصهيونية الثقافية ” ، وهو صاحب نزعة علمانية [14] ، والتي كانت على خلاف مع نزعة اليهودي الهنغاري – النمساوي ” ثيودور هيرز ” (1860 – 1904) التي أنشأها تحت عنوان ” الصهيونية السياسية ” ، والذي يُعدُ ” الأب الحديث للصهيونية السياسية [15] . وكان ” هعام ” يناضل من أجل ” دولة يهودية وليس دولة لليهود [16] . وكل هذا الواقع السياسي والثقافي كان أمام مسامع وأنظار نعوم شومسكي وأخيه ديفيد شومسكي .

  ومن النافع أن نشير إلى طرف جداً مهم في فهم سُبة ستلتصق بالفتى ” نعمان شومسكي ” لاحقاً (ونحسب إنها ستلازم حياته برمتها) وهي ” ضد السامية ” التي يُطلقها اليهود على      المعارضين السياسيين سواء كانوا يهوداً أو غير يهود حتى تحولت إلى أعراض ” مرضية ” سياسية في تاريخ الحركة الصهيونية . والحقيقة أن ” شومسكي ” كان متأثراً بالصهيونية الثقافية ، التي أسسها ” آحاد هعام ” . وبالطبع تُعد اليوم صهيونية هعام الثقافية ، بنظر العديد من الصهاينة ، حركة ” ضد السامية ” . وربما هذه القضية تُلقي الضوء على دعوى إتهام ” نعوم شومسكي ” بكونه ” ضد السامية ” .

  وأن تكون يهودياً (منا : أو لا تكون يهودياً) هي القضية التي واجهت ” نعوم شومسكي ” منذ وقت مبكر من حياته ، بل وتصعد إلى أشواط من سنوات فتوته الأولى (كان عمر نعوم يومذاك إثنا عشر عاماً فقط) ، والتي إرتبطت بها ” دعوى سياسية غير بريئة ” ، وهو أما أن تكون ” سامياً ” أو أن تكون ” ضد السامية ” وأنت ” السامي القُح ” .  وفعلاً فإن ” نعوم شومسكي ” يتذكر جيداً سُبة ” ضد السامية ” التي سمعها من ” الجماعات الإيرلندية والإلمانية التي كانت تعيش في فيلادليفيا ” . وهي السُبة التي أطلقوها عليه عندما وصف حفلات الألمان ” بحفلات البيرة التي إبتهجت بسقوط باريس بيد النازيين [17] . وبالطبع هي الحادثة التي تُعرف بمعركة باريس (في 10 مايس 1940) والتي تلاها إحتلال الألمان لفرنسا وبلجيكا وهولندا [18] .

    ولعل ما جاءت به مصادر ” شومسكي ” من طرف العائلة ، وتركت أثاراً عميقة على شخصيته ومن ثم على توجهاته الأكاديمية و تفكيره وبالطبع على كتاباته لاحقاً ، هو إن والديه في التصنيف السياسي يومذاك ، كانوا يُحسبون مما يُعرف بديمقراطيي روزفلت [19] ، والذين ينتمون إلى ” مواقع الوسط ” من اليساريين في الطيف السياسي الأمريكي يومذاك . ولكن المصادر التي كانت مقربة من عائلة آل شومسكي ، تُشير إلى إن الأم ” إليزا ” كانت أكثر يسارية من زوجها ” وليم ” . ومن طرف الأم تشرب ولدها ” نعوم ” الكثير من الأفكار اليسارية . إضافة إلى إنه ورث منها شيئاً من الإنطواء والخجل [20] .

   كما يجب الإشارة إلى إن ” نعوم شومسكي ” تعرض إلى تأثير أخر من طرف العائلة ، جاء هذه المرة من إتجاه يساري أبعد من يسارية الوالدين ، وبالتحديد من واحد من أفراد العائلة ، والذي كان إشتراكياً ، وينتمي إلى ” إتحاد عاملات وعمال الخياطة العالمي [21] . وفعلاً فقد تأثر ” نعوم ” بعمه (أو خاله) الذي كان يمتلك ” صحيفة في نيويورك ” وهي موالية لليسار اليهودي ، وكان أعضاء هذا اليسار يُشاركون دائماً في المناقشات التي تًشغل الشارع الأمريكي يومذاك [22] .

   وأصبح الفتى ” نعوم شومسكي ” مسكوناً بهاجس قوي على زيارة أقاربه في مدينة نيويورك ، وهو هاجس متعدد الإغراض . فإضافة إلى زيارة الأقارب ، فرصة للإقتراب من اليساريين اليهود ، والإتصال بمحلات كتب الفوضويين ، والإطلاع بشغف على الأدب السياسي عامة . ونحسب إن هذه الزيارات المتكررة زرعت البذور الأولى لفكرة كتاب ” نعوم شومسكي ” حول ” الفوضوية [23] ، وكانت الفوضوية عتبة الدخول النقدي ، التي مكنت ” نعوم شومسكي ” من أن يكون ” ناقداً  لأيديولوجيات الجناح اليساري الراديكالي ، والمقصود الماركسية – اللينينية [24] .

مؤشرات عن برامج التعليم المدرسية والإكاديمية

  ذلك ما جاء من خلال حياة العائلة وتراثها وإتصالاتها السياسية بالديمقراطيين ، ومن خلال الأقاراب وعلاقاتهم الحميمة مع اليسار اليهودي ، وهو واضح في البنية الفكرية والسياسية للنتاج الثقافي الضخم الذي أنتجه قلم ” نعوم شومسكي ” خلال السنوات الطويلة من رحلته في البحث والعمل الأكاديمي . والسؤال بالتحديد ؛ ماذا جاء عن طريق التعليم المدرسي والأكاديمي ؟ الحقيقة إن شومسكي مر بمراحل تعليمية متنوعة ، وفي الإمكان توزيعها في محطات ، منها :

أولاً – التعليم ما قبل الجامعة

   وهذا النمط من التعليم شمل التعليم الإبتدائي والمتوسط والثانوي . ولاحظنا إنه بتأثير والديه وتخصصهما في التعليم من طرف ، وكونهما من حركة اليسار اليهودي من طرف ثان ، إن إختارا لولدهما التعليم الرسمي الأمريكي العام ، وهو نظام تعليمي يغلب فيه الطرف العلماني . وفعلاً فإن الطفل ” نعوم ” تلقى تعليمه الأولي في مدرسة ” أوك لين كنتري ” ، وهي مدرسة تركز على ” برامج تعليمية تلبي ميول ومصالح التلاميذ ” .

  ومن المفيد الإشارة إلى إن ” نعوم ” كتب في هذه المدرسة أول مقال له ، وكان عمره بحدود العاشرة ، وكان يدور حول ” إنتشار الفاشية [25] والتي جاءت إلى الحكم بعد سقوط برشلونه في الحرب الأهلية الأسبانية . وخلال المرحلة العمرية من  إثني عشر أو ثلاثة عشر تعرف نعوم ” بصورة كاملة على سياسات الفوضوية [26] . ومن ثم إنتقل ” نعوم ” وهو في عمر الثالثة عشر إلى المرحلة المتوسطة ، وبالتحديد إلى المدرسة الثانوية المركزية ، وإنضم إلى العديد من النوادي والجمعيات . إلا إنه واجه صعوبات جمة مع هرمية ومناهج النظام التعليمي السائدة يومذاك [27] .

ثانياً – التعليم الأكاديمي

  والذي إستمر فترة عشر سنوات ، وهي الفترة التي إمتدت بين عامي 1945 –  1955 . ومن المعروف إن ” نعوم شومسكي ” قد باشر الدراسة الأكاديمية في البرنامج العام في جامعة بنسلفانيا ، وكان عمره ستة عشر عاماً . وكانت رغبته الأولى دراسة اللغة العربية . وفعلاً فإن الباحث ” روبرت بارسكي ” وهو المتخصص في تفكير شومسكي يُخبرنا بأن ” شومسكي في السنة الأولى من الجامعة درس اللغة العربية أكاديمياً وكان الطالب الوحيد في الفصل الدراسي [28] . ومن ثم تمكن الطالب شومسكي من التخطيط لذلك بحكمة عالية ، وهو أن يظل يعيش في البيت ، وأن يُغطي النفقات المالية للدراسة من خلال تعليم اللغة العبرية في المدرسة العبرية في المساء وأيام الأحد [29] .

   وفي هذا الوقت لم يكن شومسكي مبتهجاً بالنظام الجامعي ولم يقتنع بصرامته الحديدية . إلا إنه في هذه الظروف الأكاديمية الصعبة ، تلقى تشجيعاً مُلفت النظر من عالم اللنكوستيك الأمريكي – الروسي بالولادة ” زيلخ سبتا هاريس ” (1909 – 1992) وكان شاباً حينذاك وهو أكبر من شومسكي ” بتسعة عشر عاماً ” . وهاريس في الأصل متخصص في اللغات السامية . ومن أهم مؤلفاته ” اللنكوستيك البنيوي ” وكتابه ” تحليل الخطاب ” وكتب أخرى  [30] . ومن ثم تحول ” زيلخ هاريس ” إلى الموجه الروحي والمشرف على ” نعوم شومسكي ” في مراحل مختلفة من تعليمه العالي (الماجستير والدكتوراه) [31] .

تأمل في بعض مصادر تفكير وكتابات شومسكي

   أحسبُ أولاً إن كتابات شومسكي ومشاريعه الأكاديمية تحتاج إلى دراسة تقويمية نقدية في ضوء مؤلفات عالم اللنكوستيك ” زيلخ هاريس ” وقبل ذلك من زاوية عالم اللنكوستيك والسيموطيقا السويسري ” فرديناند دي سوسور ” (1957 – 1913) والذي مارس تأثيراً قوياً على ” شومسكي ” وكذلك على إستاذه ” زيلخ هاريس ” . ولهذا أقترح وأنا المتخصص في علم المنطق ورصيد من أبحاث متنوعة عن منطق اللغة عند جوتلوب فريجه والسنتاكس والسيمنطيقا والبراجماطيقا عند رودلوف كرناب .. تصور أولي لمشروع بحث واسع يتم فيه مراجعة كتابات شومسكي في ضوء كتب عالم اللنكوستيك البنيوي ” زيلخ هاريس ” وما حضر فيها من أثار ” فرديناند دي سوسور ” وبالصورة الأولية الأتية :

أولاً – دراسة وتحليل كتب ” زيلخ هاريس ” قبل أن يكتب ” شومسكي ” بحثه للبكلوريوس والذي وسعه وأعاد تنقيحه وقدمه للماجستير ، ومن ثم مقارنة ذلك بإطروحته للدكتوراه . ولعل من أهم مؤلفات ” زيلخ هاريس ” التي نشرها وكانت متداولة أكاديمياً قبل عام 1955 وهو العام الذي حصل فيه شومسكي على درجة الدكتوراه وبإطروحة عنوانها يوحي على الكثير من التقارب مع إهتمامات ” زيلخ هاريس ” ، فقد كانت بعنوان ” النحو التحويلي ”  . ولنبدأ أولاً – التعريف بأبحاث ” هاريس ” قبل عام 1955 ، والتي جاءت بالشكل الأتي :

1 – نحو (قواعد) اللغة الفينيقية / إطروحة دكتوراه عام 1936 وكان عمر ” هاريس ” 25 ربيعاً) [32] .  

2 – تطور اللهجة الكنعانية : بحث في تاريخ اللنكوستيك [33] .

3 – من الصرف إلى التلفظ (وهو بحث في اللسانيات) [34] .

4 – طرق اللنكوستيك البنيوي [35] .

5 – تحليل الخطاب [36] .

 وللمقارنة هنا سنكتفي بعناوين ما كتبه شومسكي في البكلوريوس والماجستير والدكتوراه .

 وبالصورة الأتية :

1 – بحث شومسكي للبكلوريوس ، إطروحة شرف وكانت بعنوان ” الصرف (اللسانيات) في اللغة العبرية الحديثة ” .

2 – بحث شومسكي للماجستير وهو ذاته بعنوان ” الصرف في اللغة العبرية الحديثة ” وهو بحث منقح ومن ثم نشر في كتاب [37] . وألفت الأنظار إلى بحث ” زيلخ هاريس ” رقم 3 أعلاه والذي حمل عنوان ” من الصرف إلى التلفظ (بحث في اللسانيات) .

3 – بحث شومسكي للدكتوراه وكان بعنوان ” النحو (قواعد) التحويلي (1955) ، ومن ثم نشرها في عام 1975 بعنوان جديد ، وهو ” البنية المنطقية للنظرية اللنكوستية ” [38] . ويحملك عنوان الإطروحة بشكله الأول والثاني على الشعور بأن هناك مقاربة بين ما قام به شومسكي وجوهر أبحاث أستاذه ” زيلخ هاريس ” عامة والتي أنجزها قبل كتابة شومسكي لإطروحته للدكتوراه ، وبالتحديد بحثي ” زيلخ هاريس ” في عام 1946 و 1951 . وهذا موضوع سنعود إليه في بحث قادم . فبالنسبة لإطروحة الدكتوراه التي كتبها ” زيلخ ” فهي من الزاوية التاريخية تتقدم على إطروحة التلميذ شومسكي ” بتسعة عشر عاماً ” . أما كتاب زيلخ المعنون ” اللنكوستيك البنيوي ” فيتقدم على إطروحة شومسكي ” بأربعة سنوات ” .

ثانياً – مقارنة مؤلفات ” زيلخ هاريس ” بالمؤلفات التي كتبها شومسكي بعد الدكتوراه وخصوصاً مؤلفاته الفلسفية والمنطقية وكتبه وأبحاثه في اللنكوستيك وما له علاقة بها ، ولنبدأ أولاً بتعريف بالأبحاث والمؤلفات التي كتبها ” زيلخ هاريس بعد عام 1955 وهو العام الذي ناقش فيه ” نعوم شومسكي ” إطروحته للدكتوراه :

1- التحليل الخطي لتركيب الجملة [39] .

2 – البُنى الرياضية للغة [40] .

3 – أوراق في اللنكوستيك البنيوي والتحويلي [41] .

4 – أوراق حول السنتاكس [42] .

5 – قواعد اللغة الإنكليزية المؤسسة على مبادئ رياضية [43] .

6 – اللغة والمعلومات [44] .

7 – صورة المعلومات في العلم : تحليل للغة العصية [45] .

8 – نظرية اللغة والمعلومات : مشروع رياضي [46] .

  ومن كتب فيلسوف اللنكوستيك الحديث ” زيلخ هاريس ” والتي نحسبُ إنها مارست تأثيراً ملحوظاً على إهتمام ” نعوم شومسكي ” خارج مضمار اللنكوستيك ، هو كتاب ” زيلخ هاريس ” المعنون ” تحولات المجتمع الرأسمالي ” والذي نشره بالتحديد في عام 1997 ، وهو من أهم الكتب التي ظهرت في التسعينات [47] . وهذه مسألة تفتح عيون الباحث على الإنتباه إلى حجم المتوازي في كتابات ” نعوم شومسكي ” ومن ثم بيان حجم الأثار التي تركها البروفسور هاريس على تلميذه نعوم .

   والحقيقة نُفكر بالعودة إلى تفكير ” زيلخ هاريس ” السياسي ومن ثم بيان التوازي بين ما طرحه في كتابه ” تحولات المجتمع الرأسمالي ” من أفكار وما حضر منها في كتابات التلميذ ” نعوم شومسكي ” . وعودتنا سيتناولها مقالنا المعنون ” تأملات في مشروع اليسار الأمريكي – اليهودي الجديد : زيلخ هاريس من اللنكوستيك إلى السياسة ” .

  ومن ثم ظهر كتاب إحتفالي بعد رحيل فيلسوف اللنكوستيك ” زيلخ هاريس ” وبعنوان ” خلفيات تحليل اللغة الفوقية والتحويلية ، مدخل إلى ميراث زيلخ هاريس : اللغة والمعلومات في القرن الحادي والعشرين [48] .

   وبعد كل ذلك عقد دراسة تقويمية مقارنة لكل ذلك التراث الذي كتبه الأستاذ ” زيلخ ” ومن ثم التلميذ ” شومسكي ” من زاوية مؤلفات ” فرديناند دي سوسور ” . ولأهمية هذا الموضوع على الأقل في اللغة العربية ، أحاول هنا أن أقدم دراسة عن عالم اللنكوستيك السويسري ” سوسور ” وبما يتناسب وهذا البحث المتفرد في الثقافة العربية المعاصرة .

  يعترف حشدُ من الأكاديميين الغربيين ومن مختلف المدارس الفلسفية والميثدولوجية ، إلى إن أفكار عالم اللنكوستيك والسيموطيقا السويسري ” سوسور ” هي التي قادت إلى تأسيس ومن ثم تطوير ما يُعرف في تاريخ الفلسفة وفلسفة اللغة بصورة خاصة ، بحركة ” اللنكوستيك والسيموطيقا ” في القرن العشرين [49] .  ولهذا صح لهم بكل تأكيد ومشروعية أن يمنحوه بإستحقاق لقب ” الأب الشقيق ” للنكوستيك في القرن العشرين . وبالطبع يُشاركه في هذه ” الإبوة ” بطرفيها ” اللنكوستيك والسيموطيقا ” الفيلسوف المؤسس للفلسفة البراجماتية تشارلز ساندروز بيرس ” (1839 – 1914) [50] . ومن النافع أن نشير إلى إن كل من ” شومسكي ” و ” فوكو ” قد إنتفاعا في أبحاثهما في مضمار السيموطيقا واللنكوستيك من كل من ” سوسور ” و” بيرس ” [51] .

   تُشير المصادر التي كتبت عن سيرة حياته الأكاديمية ، إلى إنه أظهر علامات من الذكاء في سنوات مبكرة من تعليمه ، وبالتحديد في سن الرابعة عشر من فتوته ، وخصوصاً في مضمار اللغات ، وفعلاً بدأ يدرس اللغات اللاتينية و اليونانية والسنسكريتية ، ومن ثم درس في جامعة جنيفا بعض الفصول الدراسية ، ومن ثم إنتقل إلى جامعة زرويخ وتخرج منها عام 1876 . ولعل من الظواهر الملفتة للنظر والتأمل في الحياة العقلية والأكاديمية لفيلسوف اللغة بطرفيها اللنكوستيكي والسيمونطيقي ” سوسور ” هو إنه بعد سنتين من تخرجه من الجامعة نشر رائعته التي حملت عنوان ” نظام حروف العلة في اللغات الهندو – أوربية ” . وهي بالطبع رائعة رائدة من روائع تاريخ اللنكوستيك والسيمونطيقا [52] .

  ومن ثم ذهب إلى جامعة برلين ودرس لمدة سنة دراسية كاملة تحت إشراف البروفسور ” هنريخ زيمر ” وهو المتخصص في فقه اللغة السنسكريتية ، ومن أهم مؤلفاته ، كتابه المعنون ” الإسطورة والرموز : الفن الهندي والحضارة والفلسفات الهندية [53] . ومن ثم إشتغل ” سوسور ” في مضمار اللغة السنسكريتية وتحت إشراف البروفسور ” هرمان أولدنبيرك ” (1854 – 1920) وهو باحث ألماني متخصص بالدراسات الهندية وخصوصاً البوذية وكتبها المقدسة [54]. ومن أهم مؤلفاته ” سجل تاريخي بوذي قديم [55] .

  ومن ثم عاد ” سوسور ” من برلين إلى جامعة لايبزك للدفاع عن إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” إستعمال المضاف إليه في اللغة السنسكريتية ” وحصل على شهادة الدكتوراه في شباط عام 1880 . وعمل مباشرة في باريس وأخذ يُدرس السنسكريتية ، والقوطية والألمانية القديمة [56]. ودرس في أعلى المؤسسات التعليية الفرنسية ولمدة إستمرت أحد عشر عاماً وحصل على تشريف عال ومنح درجة فارس . ومن ثم عُرض عليه كرسي بروفسور في جامعة جنيفا ، فعاد “ سوسور ” إليها في العام 1891 ، وأخذ يدرس فيها السنسكرتية واللغات الهندو – أوربية [57] .

  ومن الملاحظ إن ” سوسور ” خلال هذه الفترة لم يُدرس اللنكوستيك ، ولم يبدأ تدريسها إلا في مرحلة متأخرة من عمله الأكاديمي ، وبالتحديد في عام 1907 ، حيث درس فصلاً دراسياً وبعنوان ” اللنكوستيك العام ” وهو فصل يُقدم ثلاثة مرات في السنة الدراسية ، ومن ثم توقف عن تقديمه في العام 1911 . وتوفي في عام 1913 . إلا إن سيرته الأكاديمية تكشف حقيقة مهمة فيما يخص مضمار اللنكوستيك ، وهي إنه حاول العديد من المرات على التأليف ، وبالتحديد في الثمانينات من القرن التاسع عشر (1880 وما بعد) والتسعينات (أي 1890 ومابعد) وكان يدور ” حول موضوعات اللنكوستيك العام ” .

  كما إن له محاضرات ” حول المبادئ المهمة في اللغة ” والتي قُدمت في جنيفا ما بين 1907 و1911 . وقد جُمعت وطبعت من قبل طلابه بعد موته في كتاب ظهر في عام 1916 وبعنوان ” فصل في اللنكوستيك العام ” . وبعض مقالات هذا الكتاب غير كاملة ، والتي تم إكتشافها في عام 1996 ، وطبعت في كتاب بعنوان ” كتابات في اللنكوستيك العام ” رغم إن إغلب مواد هذا الكتاب ، سبق إن نُشرت في طبعة نقدية وفي كتاب حمل عنوان ” فصل دراسي في عام 1967 وعام 1974 [58] .

  وهذا الكتاب وفقاً لتلميذي ” سوسور ” السابقين كل من عالم اللنكوستيك الفرنسي ” شارلز بيلي ” (1865 – 1947) وعالم اللنكوستيك السويسري ” إلبرت سيشهاي ” (1870 – 1946) واللذان قاما بجمع المواد ومن ثم الإشراف على طبعها في كتاب أستاذهما ” سوسور ” والمعنون ” فصل دراسي … ” ، هو مجرد ملاحظات على محاضرات ” سوسور ” التي قدمها في جامعة فينا ما بين عام 1906 وعام 1911 ، وطبعت عام 1916 بعد موته . وهي في الحقيقة تؤشر بداية ما يُعرف باللنكوستيك البنيوي ، وهو المشروع اللنكوستيكي الذي شاع في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين [59]

  ونحسب إن من الكتب المهمة التي صدرت باللغة الإنكليزية عن عالم اللنكوستيك والسيموطيقا ” سوسور ” كتاب في غاية الأهمية ولأطراف متنوعة من بحثنا الحالي ، وكان بعنوان ” صُحبة كيمبريدج مع سوسور ” وهو كتاب أكاديمي جماعي ، وتكون من 303 صفحة [60] . وإحتفالاً بعالم اللنكوستيك والسيموطيقا السويسري ” فريديناند دي سوسور ” نقف عند عتبات هذا الكتاب المتفرد .

1 – سوسور واللنكوستيك الهندو – أوربي ، والذي كتبته الباحثة ” آنا مورباكو ديفيز ” (ص ص 9 – 29) .

2 – سنوات سوسور في باريس ، وكتبته المشرفة على هذا الكتاب الجماعي ” كارول ساندرز ” (ص ص 30 – 44) .

3 – تنظيم فصل دراسي في اللنكوستيك العام (ص ص 47 – 58) .

4 – العلامات (الإشارات) اللنكوستيكية (ص ص 59 – 75) .

5 – اللغة والحرية المشروطة (ص ص 76 – 87) .

5 – نظام القيم اللازمة (ص ص 88 – 104) .

6 – وما بعد الفصل الدراسي (ص ص 105 – 1069 .

7 – سوسور واللنكوستيك الأمريكي (ص ص 107 – 123) .

8 – سوسور واللنكوستيك البنيوي الأوربي (ص ص 124 – 138) .

9 – النقد الروسي لسوسور (ص ص 139 – 155) .

10 – سوسور وعالم اللنكوستيك الفرنسي رونالد بيرث (1915 – 1980) والبنيوية (ص ص 156 – 173) .

11 – سوسور وإعادة ترتيب الحروف (ص ص 174 – 185) .

12 – سوسور و دريدا (186 – 202) .

13  – سوسور والسيمانطيقا الناقصة (ص ص 205 – 218) .

14 – نظرية اللنكوستيك عند سوسور وفلسفة العلم (ص ص 219 – 239) .

15 – سوسور وميراث السيموطيقا (ص ص 240 – 260) .

16 – أعمال سوسور (ص ص 267 – 272) . .

  والفصل السابع من الكتاب أعلاه  والمعنون ” سوسور واللنكوستيك الأمريكي ” لوحده يقدم شهادة على المسكوت عنه من مصادر كونت إصول نظرية اللنكوستيك عند ” نعوم شومسكي ”  . ورغم ذلك نحسب ُإن هذا الفصل يحتاج لوحده إلى دراسة تقويمية نقدية – مقارنة توزان بين ميراث ” شومسكي ” في اللنكوستيك والتراث اللنكوستيكي قبله وخصوصاً إنجازات جهابذة اللنكوستيك الأمريكيين من أمثال عالم الفيللولوجيا (فقه اللغة) واللنكوستيك (وليم وتني) (1827 – 1894) وهو من الرواد في المدرسة الأمريكية في اللنكوستيك .

  ونحسب إن ” وتني ” دشن هذا المضمار اللنكوستيكي ، ومن طرف تركيز دراساته على اللغة السنسكرتية قبل ” سوسور” بوقت يصعد إلى عام 1850 وكان يومها ” سوسور ” لم يُولد بعد فقد ولد بعد ذلك بسبع سنين(أي ولد عام 1857) ” . فقد ذهب ” وليم وتني ”  إلى ألمانيا لدراسة اللغة السنسكريتية لمدة ثلاث سنوات وفي الشتاء درس في برلين تحت إشراف ” البريشت فايبر ” (1825 – 1901) وهو متخصص بالسنسكريتية والأدب الهندي القديم … [61] وعمل ” وليم وتني ” كذلك تحت إشراف عالم اللنكوستيك الألماني ” فرانز بوب ” (1791 – 1867) والذي إشتهر بأعماله المقارنة بين اللغات الهندو – أوربية [62] .

  أما في الصيف فتوجه ” وتني ” إلى توبنكن ودرس تحت إشراف ” رودلوف فون روث [63] ودرس ما يُسمى الهندولوجيا أي علم الدراسات الهندية والذي يشمل التاريخ والحضارة واللغات ، وبالطبع السنسكريتية . ويظل السؤال يدور حول الطريقة التي إتصل فيها عالم اللنكوستيك السويسري ” سوسور ” بتراث عالم اللنكوستيك الأمريكي ” وليم وتني ” محل بحث وفرضيات رغم أسبقية ” وليم وتني ” على ” سوسور ” وكتاباته وتاريخ نشرها تشهد على ذلك …[64]

  ومن أهم مؤلفات ” وليم وتني ” في مضمار اللنكوستيك :

1 – بالإشتراك مع أستاذه المشرف ” رودلوف فون روث ” ؛ الكتب الهندوسية المقدسة (1856 – 1857) .

2 – اللغة ودراسة اللغة : إثنا عشر محاضرة حول مبادئ علم اللنكوستيك (1867) .

3 – المادي والصوري في اللغة (1872) .

4 – الدراسات اللنكوستيكية والإستشراقية ، السلسلة الأولى / الفيدا والفيستا وعلم اللغة (1872) .

5 – الدراسات اللنكوستيكية والإستشراقية ، السلسة الثانية / الشرق والغرب ، الدين والإسطورة وعلم الفلك الهندوسي (1874) .

6 – الدارونية واللغة (1874) .

7 – حياة ونمو اللغة : موجز لعلم اللنكوستيك (1875) .

8 – النحو السنسكريتي : في اللغة الكلاسيكية واللهجات القديمة في الفيدا والبراهما (ط2 1879) .

9 – اللغة ودراساتها : مع مرجعية خاصة إلى الهندو – أوربية (محاضرات) عام 1880 .

10 – الإتساق المنطقي في وجهات النظر اللغوية (1880) .

11 – الخلط (بين الفصحى واللهجات المحلية) في اللغة 1881 .

12 – مُعجم القرن (1889 – 1891) .

13 – ماكس ميلر وعلم اللغة : النقد (1892) [65] .

 وكل هذا التراث الذي أنجزه ” وليم وتني ” يحتاج إلى دراسة نقدية تقويمية مع مؤلفات ” سوسور ” و ” بلومفيلد ” و ” وزيلخ ” ومن ثم مقارنة مع مؤلفات التلميذ ” نعوم شومسكي ” .  كما وإن أبحاث ” شومسكي ” من طرف آخر تحتاج إلى دراسة نقدية توازن بين أبحاث البراجماتي ” تشارلز بيرس ” وأبحاثه في اللنكوستيك والسيموطيقا ، وابحاث ” زيلخ هاريس ” في اللنكوستيك ومقارنة مع دراسات اللنكوستيكي الأمريكي ” ليونارد بلومفيلد ” والتي إحتج بها ” شومسكي ” خصوصاً في معارضة توجهات أستاذه ” زيلخ ” اللنكوستيكية والتطلع نحو تأسيس نزعته المستقلة .      

  وهنا نتذكر بجد كتابات البراجماتي ” تشارلز بيرس ” في اللنكوستيك والأدق في فلسفة اللغة والسيموطيقا ، وبهذه الذكرى نكون قد مسكنا بقوة بمصدر أخر من المصادر المعرفية والتاريخية في مضمار اللنكوستيك في القرن العشرين ، وهو بالطبع مصدر أمريكي ، وهو الأقرب من أي مصدر أخر إلى الوريد اللنكوستيكي الشومسكي ، وهو مصدر في غاية الأهمية ، خصوصاً في الجدل عن إصول كتابات ” نعوم شومسكي ” في مضمار اللنكوستيك . والحقيقة إن هذا الحال يحملنا إلى الدعوة إلى إنشاء دراسة تقويمية تُلقي الضوء على المسكوت عليه من المصادر المتقدمة  ، وبالتحديد المصادر التي هي من إنشاء دائرة الثقافة الأمريكية في القرن العشرين ، والتي تعرف عليها ” شومسكي ” وتعلم في ظلالها الأكاديمية ، وثابر في قراءة مصادرها ، وإمتص الكثير من منابعها المعرفية والثقافية ، ومن ثم كتب بتأثيرها نصوصه في مضمار النكوستيك . وهذه قضية تحتاج إلى بحث مستقل .

  وإذا صح الحديث عن مدرسة أمريكية لنكوستيكية [66]جذورها الأكاديمية ألمانية و بدأت مع ” وليم وتني ” و” تشارلز بيرس ” وإستمرت حتى ” نعوم شومسكي ” عبر أبحاث ” بلومفيلد ” و ” زيلخ هاريس ” . فإنه يحق لنا أن نتحدث عن مدرسة أوربية في اللنكوستيك ، وبالتحديد مدرسة ألمانية – فرنسية مع ” سوسور ” ، ومدرسة ألمانية – بريطانية مع ” ماكس ميلر” ، وهو عالم الفيللوجيا والإستشراق الألماني  – البريطاني ” ماكس ميلر ” (1823 – 1900) ودرس في جامعة لايبزك ، ومن ثم درس وعاش جُل حياته في بريطانيا ، وتوفي في أكسفورد وهو متخصص في الدراسات الهندية . ولعل شهرته تأتي من إشرافه على المجلدات الخمسين في مضمار الهندولوجي والمعنونة الكتب المقدسة للشرق ، وخصوصاً الترجمة الإنكليزية [67] .

  درس ” ميلر ” الفيللوجيا في جامعة لايبزك عام 1841 وتخرج عام 1843 وكانت إطروحته للتخرج عن الفيلسوف إسبينوزا (1632 – 1677) وبعنوان ” الأخلاق عند إسبينوزا ” وفي الوقت ذاته كان مهتماً بتعلم اللغات مثل اليونانية و اللاتينية والعربية والفارسية والسنسكريتية [68] .

 ومن أهم مؤلفاته :

1 – تاريخ الأدب السنسكريتي ومرجعية إلى الديانة البراهمية القديمة (1859) .

2 – محاضرات حول علم اللغة (وهي سلسلة محضرات قدمت في المعهد الملكي البريطاني خلال نيسان ومايس وحزيران 1861) .

3 – محاضرات في علم اللغة (ترجم إلى الروسية ونشر لأول مرة في المجلة العلمية الروسية للنكوستيك عام 1866) .

4 – علم التفكير (مجلدان ونشر عام 1887) .

5 – الدين الطبيعي (وسبب جدلاً واسعاً ونشر في مجلدين عام 1889) .

6 – الدين الفيزيائي (1991) .

7 – الدين الإنثروبولوجي (1892) [69] .

مراجعة أكاديمية لبعض مؤلفات شومسكي

  وإكمالاً لأطراف هذا البحث سنقوم بالإستشهاد بالأبحاث والمؤلفات التي كتبها فيلسوف اللنكوستيك ” نعوم شومسكي ” وبالتحديد في مضمار اللنكوستيك وما يتعلق بها وخصوصاً في الفترة التي يطلق عليها الأكاديميون الغربيون بالفترة المبكرة من عمل نعوم شومسكي الأكاديمية ، وبالشكل الأتي :

1 – كتابه الأكاديمي الأول وبعنوان ” السنتاكس والبنية ” والذي صدر عام 1957 أي بعد إطروحته للدكتوراه بسنتين . وكان يومها أستاذه ” زيلخ هاريس ” حياً يُرزق وهو في قمة عطائه وكتاباته في مضمار اللنكوستيك . والحقيقة إن التلميذ شومسكي في هذا البحث بين فيه متابعة لطرف السنتاكس المنطقي ، مع الإشارة إلى إنه كان الرائد في مضمار اللنكوستيك في القرن العشرين . وبالمناسبة إن بحث ” السنتاكس والبنية قاد شومسكي إلى فكرته الأساس في النحو (قواعد) التحويلي [70] .

  وهذا الكتاب فيه مشروع معارضة مع أستاذه ” زيلخ هاريس ” وأرائه اللنكوستيكية التي تعود إلى مدرسة اللنكوستيكي الأمريكي ” ليونارد بلومفيلد ” (1887 – 1949) والتي عُرفت بالمدرسة البلومفيلدية ، ويومها فرضت هيمنتها على مباحث اللنكوستيك [71] . ومن المعلوم إن بلومفيلد ، هو الذي طور اللنكوستيك في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهيمن خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين . ولعل كتابه المعنون ” اللغة ” والذي صدر عام 1933 [72] ، هو من الكتب الأكاديمية التي مارست تأثيراً واسعاً في دوائر البحث اللنكوستيكي يومذاك  . ومن ثم أخذ اللنكوستيك البنيوي بالتلاشي من ساحة اللنكوستيك ، وبالتحديد في الخمسينات والستينات وذلك عندما بدأت تظهر أبحاث شومسكي في حقل ” النحو التوليدي [73] والتي أخذت بالهيمنة في مضمار اللنكوستيك .

  ومن المفيد الإشارة إلى إن شومسكي في هذه الفترة (أي عام 1957) ركز تفكيره نحو نقد النظريات السلوكية في مضمار اللغة وخصوصاً نظريات عالم النفس الأمريكي ” بورهوس فردريك سكينر ” (1904 – 1990) والذي كان بروفسوراً في جامعة هارفارد للفترة من 1958 وحتى تقاعده عام 1974 [74] . فقد نشر شومسكي مراجعة نقدية لأراء سكينر في السلوك اللفظي وبين  تجاهله للنشاط الإنساني ، ونشرها بالتحديد في مجلة اللغة وأكد فيها على دور الطرف الإنساني في الإبداعية اللفظية والتي تظهر في سن مبكر لدى الإطفال . ورفض الطريق السلوكي في وصف اللغة بحدود غامضة من مثل ” المثير ” و” الإستجابة ” و ” العادة ” و ” الإشتراط ” و” التعزيز ” [75] .

2- وكتب ” نعوم شومسكي ” كتابه المعنون ” اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني ” في العام 1960 [76] . وهذا الكتاب أثار للوهلة الأولى تفكير الباحث وحثه إلى التساؤل ؛ هل قرأ شومسكي كتاب فيلسوف الفينومنولوجيا الألماني ” أدموند هوسرل ” والمعنون ” تأملات ديكارتية ” والذي صدر في عام 1929 أي قبل نشرة كتاب ” اللنكوستيك الديكارتي ” بما يُقارب أكثر من ثلاثة عقود من الزمن . ولهذا يقترح الباحث إنجاز بحث يوازن بين الكتابين ؛ كتاب هوسرل ” تأملات ديكارتية ” [77] وهو بحث في الفينومنولوجيا الديكارتية ، وكتاب شومسكي المعنون ” اللنكوستيك الديكارتي … ” .

  ومن النافع الإشارة إلى إن غرض شومسكي من تأليف هذا الكتاب ، هو محاولة تعميق فهمنا بما يتعلق ” بطبيعة اللغة والعملية العقلية الملازمة لها ، وبيان التراكيب (أو البُنى) السائدة في اللغات الإنسانية ” . والكتاب فيه عودة تاريخية إلى أشكال من اللنكوستيك التي تطورت في عصر ” رينيه ديكارت ” وبالتحديد في القرن السابع عشر (ومن ديكارت وحتى الفيلسوف الألماني ويلهم فون همبولت (1767 – 1835)) [78] .

3- ومن ثم كتب شومسكي كتابه الذي حمل عنوان ” الواجهات المتنوعة لنظرية السنتاكس” والذي نشره لأول مرة عام 1965 ، وكان يُعرف في دوائر البحث اللنكوستي بصيغته المختصرة ” الواجهات ” [79] . والحقيقة إن شومسكي كتب هذا الكتاب ليقدم مراجعة لأفكاره ويكشف عن العيوب المتنوعة التي إكتشفها في ” النحو التحويلي التوليدي ” وليعرض نظرية جديدة في السنتاكس وبالتحديد في الخمسينات وخصوصاً مع نشرة كتابه ” البُنى السنتاكسية “. ونحسب فيها كذلك نقد مستبطن لكتاب أستاذه ” زيلخ هاريس ” المعنون ” أوراق في اللنكوستيك البنيوي والتحويلي ” . ولكن شومسكي في كتابه ” الواجهات ” وفر دراسة معمقة حملت في الوقت ذاته توسيعاً وصياغة لقواعد النحو التحويلي التوليدي[80] .

4- وكتب بحثاً وصدر في كتاب بعنوان ” موضوعات في نظرية النحو التوليدي ” في عام 1966 [81] . وكتب في عام 1967 بحثاً بعنوان ” اللغة والعقل ” [82] .

5 – الطرف السياسي من تفكير ” نعوم شومسكي “

  كتب ” شومسكي ” العدد الكبير من المقالات والكتب التي تناولت القضايا السياسية وحروب العالم وتورط بلده أمريكا فيما أسماه ” حروبها ضد الإنسانية ” . وكان هو العقل والضمير الإمريكي الشريف الذي يتألم مع الشعوب والإنسانية وينتقد بصراحة وقوة الإمبريالية الأمريكية ، ويفضح جرائمها سواء صدرت من قيادات جمهورية أو ديمقراطية . ولعل من مقالاته التي تعود إلى الستينات من القرن العشرين ونقدمها شاهداً على ذلك ، مقالته التي حملت عنوان ” مسؤولية المفكرين [83] والتي إكتسب من خلالها في عام 1967 سمعة عالمية ، وذلك كصوت معارض لحرب أمريكا على فيتنام ، وهي المقالة التي إرتبطت بحركة ما يسمى ” باليسار الجديد ” التي قادها الفيلسوف الماركسي ” هربرت ماركوز ” (1898 – 1979) [84] .  

   ولعل أهمية هذا المقال تعود إلى طرفين ؛ الأول – إن شومسكي هاجم ثقافة النخب الأمريكية والتي تضم علماء إجتماع وتكنوقراط والذين بإعتقاد ” شومسكي ” قدموا تبريرات علمية زائفة عن جرائم الحرب الأمريكية في فيتنام . والثاني – إن شومسكي إستلهم موضوع مقاله ” مسؤولية المفكرين ” من مقالات الفيلسوف الأمريكي والناقد السياسي الجذري ” ديوايت مكدونالد ” ( 1906 – 1982) والتي كتبها بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي تساءل فيها ” إلى أي حد يمكن الشعب الألماني والشعب الياباني مسؤولاً عن الجرائم العدوانية التي إرتكبتها حكوماتهم ؟ [85] . وفعلاً فإن ” شومسكي ” أعاد طرح سؤال ” مكدونالد ” على فضائح الحرب الفيتنامية ، وتساءل ” إلى أي حد يمكن أن يكون الشعب الأمريكي والشعب البريطاني مسؤولاً عن الجرائم العدوانية التي إرتكبتها حكوماتهم ؟ [86]. ويخلص إلى القول إلى إنه ” بالتأكيد إن الجرائم التي أرتكبت في هورشيما ونكازاكي هي من أبشع الجرائم المسكوت عنها في التاريخ ” [87] .

6 – ومن ثم جاء كتابه المعنون ” التركيب المنطقي للنظرية اللنكوستيكية ” عام 1975 [88] . وفي هذا الكتاب شرح ” شومسكي ” المبادئ الأساسية لقواعد علم النحو التوليدي – التحويلي وبين علاقته بالتراكيب العامة لنظرية اللغة . وقام بإجراء تطبيقات على اللغة الإنكليزية .

7 – وإشتغل في عام 1985 على بحث بعنوان ” معرفة اللغة : طبيعتها ، إصولها وتداولها ” [89]. وهذا الكتاب صدر مجلداً بحد ذاته ، ومن سلسلة بعنوان ” التقارب ” والذي أشرفت عليه الفيلسوفة الأمريكية المعاصرة ” روث ناندا أنشين ” (1900 – 2003) وهي أكبر من ” شومسكي ” بثمان وعشرين عاماً ومن أهم مؤلفاتها الأولى ” الحرية : معانيها[90] والذي صدر في عام 1940 وكان عمر ” شومسكي ” إثنا عشر عاماَ وهو من المصادر التي كانت متداولة بين ما يسمى باليسار اليهودي الذي إرتبط به ” شومسكي ” وهو فتى يافع . و ” تشريح الشر ” (نشرة 1985) [91] وفي نشرة عام 1972 ظهر بعنوان مختلف ” حقيقة الشيطان : الشر في الإنسان “. ونحسبُ إنها شاهد فلسفي ومصدر مهم في معرفة الكثير عن التطور الفكري الذي مر به البروفسور ” نعوم شومسكي ” .

  ولعل أهمية ” روث أنشين ” في حياة ” شومسكي ” تعود إلى إمرين ؛ الأول – إنها كانت تلميذة الفيلسوف البريطاني الأمريكي ” ألفرد نورث وايتهيد ” (1861 – 1947) وهو أستاذ وزميل فيلسوف الرياضيات (والمنطق فلسفة اللغة) البريطاني ” برتراند رسل ” (1872 – 1970) . ونظن على هذا الأساس إن ” روث ” و ” وايتهيد ” و” رسل ” تحتاج إلى دراسة لمعرفة حجم المصادر والأفكار التي تسربت إلى دائرة تفكير ” شومسكي ” من خلال أثار الثلاثة . والثاني – إن كتاب الفيلسوفة الأمريكية ” روث أنشين ” والمعنون ” اللغة : بحث في معناها ووظيفتها [92] هو من المصادر المهمة في فلسفة اللغة في الخمسينات . وهنا نكون قد مسكنا بمصدر مهم من مصادر ” شومسكي ” في مضمار فلسفة اللغة والذي نشر وهو بداية تلمسه طريقه الأكاديمي . وبالتحديد في عام 1957 وهي السنة ذاتها التي نشر فيها ” شومسكي ” إطروحته للدكتوراه والتي حملت عنوان ” السنتاكس والبنية [93] .

8 – كتاب ” شومسكي ” ” حول الفوضوية والأصح في مذهبنا اللاسلطوية “

 وهو واحد من كتب ” نعوم شومسكي ” المهمة في الفكر السياسي الأمريكي ، وعنوانه الكامل ” حول الفوضوية ومقالات أخرى ” [94]. وهذا الكتاب يُذكرنا بواحد من مصادر ” شومسكي ” في التفكير السياسي ، وهو الفيلسوف الأمريكي والكاتب السياسي ” ديوايت مكدونلاد ” . ونحسب إن كتاب الأخير المعنون ” الفوضوية الفردية ” [95] والذي نظن إنه كان أقرب إلى حبل الوريد الشومسكي يوم كتب رائعته ” حول الفوضوية ومقالات أخرى ” . ونحسب إنه ليس النزعة الفوضوية وحدها قد نزلت إلى ” شومسكي ” بل ونرى إن المصادر الماركسية غير الأرثوذكوسية قد وجدت طريقها من خلال ” ديوايت مكدونلاد ” إلى دائرة تفكير ” شومسكي ” كذلك .

  وبالمناسبة إنه قبل يتحول ” ديوايت مكدونلاد ” إلى شواطئ ” الفوضوية ” كان قريباً من الماركسي الثوري ” ليون تروتسكي ” (1879 – 1940)[96] ثم إختلفا وإنفصل عنه [97] ، وعارض الإنظمة الشمولية ومن ضمنها الفاشية والشيوعية ، وتحول صوب شواطئ الإشتراكية الديمقراطية [98]. ويظهر لنا إن ” شومسكي ” أخذ الكثير من ” ديوايت مكدونلاد ” وبالتحديد في إهتمامه بالفوضوية واليسار الجديد (ولا تنسى اليسار اليهودي الذي إرتبط به شومسكي كما بينا أعلاه) والتي كانت برمتها قنوات نقل لماركسية من نمط جديد فيها نقد وإنفتاح ماركسي إضافة إلى الدور الذي لعبته مدرسة فرانكفورت التي حل فلاسفتها بصعود النازية ضيوفاً على الولايات المتحدة الأمريكية وكان من بينهم الفيلسوف الماركسي الألماني ” هربرت ماركوز [99].

  ومع الفيلسوف والكاتب السياسي ” ديواين مكدونلاد ” نكون قد مسكنا بقوة بمصادر مهمة من مصادر تفكير ” نعوم شومسكي ” السياسي ، وبالتحديد في نزعته الفوضوية والماركسية واليسار الجديد . ولهذا ندعو إلى مراجعة كتابات ” شومسكي ” السياسية وخصوصاً الطرف الماركسي منه وكذلك نصوصه عن الفوضوية من زاوية كتابات الفيلسوف الأمريكي ” ديوايت مكدونلاد ” وتحديد حجم الإفادة الشومسكية منها . وهنا يتقارب ” شومسكي ” و ” فوكو ” من جديد . فمن المعلوم إن ماركسية ” فوكو ” جاءت من خلال الفيلسوف الفرنسي ” التوسير ” كما بينا لاحقاً ، وهي بالطبع الماركسية الغربية وليست الماركسية الأرثوذوكسية .

9 – ماذا يريد العم سام حقيقة ؟ : قصص حقيقية [100]

  حقيقة هذا هو عنوان كتاب الفيلسوف والمفكر السياسي ” نعوم شومسكي ” ونحن اليوم نحتفل بالبرفسور ” شومسكي ” في هذا الكتاب وذلك لشعورنا بالغبطة في إننا والمفكر ” شومسكي ” نشترك في منطقة واحدة من هموم ومشاغل التفكير . والمناسبة إننا تناولنا سياسات العم سام في مقالات تصعد إلى فترة بعيدة بحدود ما من هذا المقال [101].

    وهذا الكتاب هو سلسلة قصص حقيقية كتبها المفكر ” شومسكي ” بقلم إنساني وصاحب قيم عالية يتألم فيها على مصير الشعوب المغلوبة والتي لا حول لها وقوة ، وهي تتألم بسبب الإعتداءات الأمريكية وما تُحدثه من كوارث وتهديد لهويتها الوطنية ، والسبب كما يعتقد ” شومسكي ” هو الخروج على الجبروت والهيمنة الأمريكية . بسبب إنها فكرت وإختارت طريقها الخاص . فكانت النتيجة تدمير أمريكي حتى لايتحول هذا البلد إلى مثال يحتدى . والشواهد التي عرضها كثيرة ، مثل لاوس وجرينادا ونيكاراكوا والسلفادور وجواتيمالا وبنما وبلدان جنوب شرق أسيا وحرب الخليج وإيران وأوربا الشرقية(منا = وبالطبع لاتنسوا مآساة القرن الحادي والعشرين بإحتلال أمريكا للعراق بعد تدميره) [102] .

  ومن الملاحظ إن هذه البلدان هي بلدان فقيرة وضعيفة … والسبب حسب ما يرى ” شومسكي ” إن البلد الفقير والضعيف هو أكثر خطورة وذلك لأن بلد مثل جرينادا البلد الفقير والصغير والذي من الصعوبة معرفة مكانه على الخارطة ، فإذا ما نجح في خلق حياة جيدة لشعبه ، فإنه سيكون مثالاً قابل للإحتذاء من قبل الشعوب الأخرى ، والتي تبدأ بالسؤال ؛ لماذا نحن لا نقوم بالثورة ؟ ولهذا تعمل أمريكا إلى تدمير كل محاولة للتفكير في صياغة مثال للإقتداء وفيه خروج على القوة العظمى وجبروتها [103] .

 ومسك الختام سؤال ؛ ماذا يريد العم سام ؟ أو بمعنى أخر ؛ ماذا تريد أمريكا ؟ إنها تريد ” الإستقرار ” والذي يعني الأمن للطبقات العليا والشركات الأجنبية الكبيرة ، والتي تستطيع أن تنجز كل ذلك بالوسائل الديمقراطية المتداولة ، مثل ما هو حادث في بريطانيا . وإذا لم يحدث ذلك ، فإن خلافه ، هو ” تهديد للإستقرار ” وهذا يتطلب بالمنطق الأمريكي أن يُجابه دون تردد بالتدمير قبل أن يتحول إلى ” مثال جيد ” يتبعه الأخرون [104]

10 – أفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل [105].

  وفي هذا الكتاب قدم ” شومسكي ” مساهمة متفردة في دراسة اللغة والعقل ، وبالتحديد من زاوية فلسفية . وهذه المساهمة الشومسكية في حقيتها ، هي سلسلة مقالات بدد فيها ” شومسكي ” كل واجهات الغموض ، ودرجات الإنحياز التي لفت دراسة اللغة والعقل . وفيها عرض حلولاً جديدة للمشكلات الفلسفية الكلاسيكية ، ووفر في الوقت ذاته إطار فهم جديد ، فيه الكثير من المتعة والحرفة الفلسفية . ولعل من أبرز هذه المشكلات ؛ مشكلة العلاقة بين الجسم والعقل ، وفي مضمونه فكرة التجسير التي تقود إلى وحدة العلم [106].

  ومن المفيد إخبار القارئ بإن الطرف الميثدولوجي الذي إنتخبه ” نعوم شومسكي ” قد لعب دوراً في إنجاح تقنيات الدراسة للوصول بها إلى بر الآمان ، فقد مزج بين منهج التخيل وإسلوب المتعة الذي لايخلو من نهج اللعب والحيلة مع القارئ ، خصوصاً في تحليل العينات اللنكوستيكية . كما ودافع عن وجهة النظر التي تذهب إلى القول ، إن معرفة اللغة ، هي عملية جوانية (داخلية) للعقل البشري .

  ومما يُلاحظ على ” شومسكي ” في هذا الكتاب ، هو إستخدامه النهج الجدلي للدفاع عن رؤيته التي تؤكد على إن من المناسب في دراسة اللغة ، هو التركيز على التراكيب الذهنية أو لنقل العقلية . مع الإشارة إلى إن اللغة البشرية حسب الفهم الشومسكي ، هي ” موضوع البايالوجيا ” وعلى هذا الأساس تتطلب دراسته إستخدام ” ميثدولوجيات العلوم ” . وفعلاً فإن الأمثلة التي عرضها والتحليلات التي قدمها جاءت متساوقة ومتساندة في هذا الكتاب ، وبتداول نهج متفرد إمتلك سلطة عالية في مضماري اللغة والعقل على حد سواء [107] .  

  هذا بعض مُنتخب مما كتبه ” شومسكي ” في مضماري اللنكوستيك والسياسي وهو كثير ولكنه يكفي هنا للإستشهاد ، وربما سنعود إليه في قادمات الأيام ونخصه ببحث واسع مستقل أو ربما مشروع كتاب فالرجل يستحق منا أن نتفرغ له بعض الوقت ونتناول مساهماته في فلسفة اللغة أو كما نرغب في منطق اللغة بصورة عامة . ولعل خاتمة المسك في الحديث عن اللنكوستيكي ” نعوم شومسكي ” هو مشاركة القارئ العربي بمصدر معاصر مهم درس اللنكوستيك الأمريكي وفيه فصول عن ” شومسكي ” ومصادره في الكتابة والإنشاء في مضمار اللنكوستيك وما يتعلق بها وجاء بعنوان ” من وليم وتني وحتى شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيكس الأمريكي [108].  

الفصل الثاني

ميشيل فوكو : ملامح من حياته وتطور ذهنيته

    يُعدُ ” ميشيل فوكو” (15 إكتوبر 1926 – 25 حزيران 1984) واحداً من الرموز الأكاديمية الفرنسية المهمة في القرن العشرين ، وهو كاتب متعدد الواجهات ، فهو فيلسوف (ليس بالمعنى التقليدي) ومؤرخ للفكر ، ومنظر إجتماعي . إضافة إلى كونه فيللوجست – لنكوستيك [109]. وهذا مضمار فيه ” نقد أدبي وتاريخي ولنكوستيكي ” ، وهو الطرف الذي يُكونُ عتبة أساس في التقريب بين ” ميشيل فوكو ” وعالم اللنكوستيك ” نعوم شومسكي ” إضافة إلى ” الطبيعة الإنسانية ” الموضوع الذي دارت حوله المناظرة بين الرمزين الكبيرين ؛ نعوم الأمريكي وميشيل الفرنسي ، وهو طرف مهم في بحثنا الحالي .

  ولد ” ميشيل فوكو ” في بواتييه - والتي تقع في قلب فرنسا ، وجاء من عائلة فرنسية تعيش في ” بحبوبة وإزدهار إقتصادي ” وذلك من حيث إنها تنتمي إلى ” القشرة العليا ” من الطبقة الوسطى  . وكان في تسلسه الطفل الثاني من بين ثلاثة أطفال [110] . أما والد ” فوكو ” فهو الطبيب الجراح ” بول فوكو ” (1893 – 1959) وكان من الجراحين الناجحين في بواتييه ، وهو في الأصل من باريس وجاء إلى بواتييه ليمارس مهنة الطب ومن ثم إستقر فيها بعد إن تزوج من ” أنا ملابرت ” [111] والتي أنجبت له أبنائه الثلاثة . وهي في الحقيقة بنت الجراح الدكتور ” بوسير ملابرت ” وكان يمتلك عيادته الخاصة ، وفي الوقت ذاته يدرس ” علم التشريح ” في كلية الطب بجامعة بواتييه [112] .

   ذكرنا سابقاً إن ” ميشيل فوكو ” كان الطفل الثاني في حين كانت شقيقته ” فرانسين ” هي الطفل الأول في عائلة آل فوكو . أما الطفل الثالث ، فكان ” دينس ” [113] . والأطفال الثلاثة نشأوا على العقيدة ” الكاثوليكية للرومان ”  ،  وكانوا دائماً يُحافظون على حضور القُداس والشعائر الدينية في كنيسة القديس سانت بورجير ، ومن ثم أصبح ” ميشيل ” فتى المذبح [114] . وهذه إشارة مهمة ربما فيها تفسير خفي لحالة ” الجنوح ” التي ربما تعرض لها وهو ” فتى المذبح ” في الكنيسة ، والتي سيتحدث عنها بإختصار شديد في السنوات المتأخرة من حياته . وفعلاً فإن ” ميشيل فوكو ” أباح الشئ القليل حول طفولته ، فقد وصف شخصيته بصراحة ما بعدها صراحة ، فقال إنه كان ” فتى جانحاً [115]. وزعم إن والده كان ” صارماً ” وغالباً ماكان يُعاقبه بقسوة [116] .

  وبدأ ” ميشيل فوكو ” تعليمه الأولي في ” كلية هنري الرابع المحلية ” مبكراً ، وبالتحديد في عام 1930 وكان عمره يومها أربعة سنوات . ودرس فيها سنتين وقبل أن يدخل إلى ” كلية هنري الرابع الرئيسة ” والتي ظل فيها حتى عام 1936 ، ومن ثم بدأ تعليمه المتوسط والذي إستمر أربع سنوات ، وكان متميزاً في اللغات ؛ الفرنسية واليونانية واللاتينية والتاريخ . إلا إنه كان ضعيفاً في الرياضيات [117] . وفي عام 1939 إندلعت الحرب العالمية الثانية ، ومن ثم إحتلت قوات ألمانيا النازية فرنسا وحتى عام 1945 . وكان والدي ” ميشيل فوكو ” من المعارضين للإحتلال النازي وللنظام الفيشي (1940 – 1942) وهو الذي يُسيطر على الجزء الجنوبي من فرنسا ، والذي كان بقبضة ” فيليب بيتان ” (1856 – 1951) ، بينما يحتل النازيون شمال فرنسا . غير إن والدي ” فوكو ” لم يلتحقا بالمقاومة [118] .

  وفي عام 1940 سجلته والدته في كلية سانت ستانليز ، وهي معهد كاثوليكي للروم وتحت إدارة الجزيوت [119]. ومن ثم يتذكر ” فوكو ” هذه السنوات التي قضاها في مدرسة الجزويت ، ويصفها من طرف بأنها كانت ” محنة وبلاء ” في حياته . غير إنه يعود فيصفها من طرف أخر ، بأنها كانت ” ممتازة وعالية ” من الزاوية الأكاديمية ، وخصوصاً في مجالات ” الفلسفة والتاريخ والأدب [120] . وفي عام 1942 وصل إلى السنة النهائية ، وكان التركيز فيها على ” الفلسفة ” وفعلاً في عام 1943 حصل على شهادة ” البكلوريا [121] .

  عاد بعد ذلك إلى ” الكلية المحلية لهنري الرابع ” ودرس فيها ” التاريخ والفلسفة ” ولفترة سنة كاملة [122] . وكان المشرف عليه خلال هذه السنة الفيلسوف ” لويس جيرارد ” وهو بروفسور الفلسفة ومن تلاميذ الفيلسوف الوجودي موريس مارلوبونتي (1908 – 1961) [123] وهو فيلسوف الفينومنولوجيا – الوجودية ، والذي نزل إليه من طرف مارتن هيدجر (1889 – 1976) وإدموند هوسرل (1859 – 1938) وفيها طعم ماركسي تذوقه لأول مرة جون بول سارتر (1905 – 1980) من خلال ميرلوبونتي كما يزعم [124] . وهذه مصادر جداً مهمة في فهم القادم والوافد إلى دائرة تفكير ” ميشيل فوكو ”  .

  وخلال هذه الفترة طلب والد ” ميشيل فوكو ” منه أن يتخصص في الطب ، وبالتحديد أن يكون ” جراحاً ” ،  إلا إنه رفض رغبة والده . وفي عام 1945 رحل ” فوكو ” إلى باريس وسجل في واحدة من أشهر المدارس (المقصود الكليات) العالية ، وهي ” كلية هنري الرابع ” في باريس ، ودرس هناك تحت إشراف الفيلسوف الوجودي ” جين هيبولت ” (1907 – 1968) . والحقيقة هذا البروفسور الفيلسوف ترك أثاراً واضحة على توجهات وكتابات ” فوكو ” فيما بعد .

  وفعلاً فقد كان البروفسور ” هيبولت ” متخصصاً في أعمال وتفكير الفيلسوف الألماني ” جورج ويلهلم هيجل ” (1770 – 1831) وخلال إشرافه على ” فوكو ” كان يعمل على مشروع توحيد بين النظريات الوجودية والنظريات الديالكتيكية لكل من هيجل وكارل ماركس (1818 – 1883) . وهذه الأفكار تركت أثاراً قوية على ذهنية التلميذ الفيلسوف ” فوكو ” . ومن ثم تبنى التلميذ ” فوكو ” قناعات الإستاذ ” هيبولت ” والذي طالب الفلسفة ” أن تتطور من خلال دراسة التاريخ [125] . كما إنه وخلال فترة دراسة ” ميشيل فيكو ” كان يعمل الأستاذ ” هيبولت ” على كتابه المعنون ” إصول وبنية فينومنولوجيا الروح عند هيجل [126] .

  وهذا الكتاب لعب دوراً مهماً في الحياة الثقافية عامة والأكاديمية الفرنسية خاصة ، كما وترك أثاراً واضحة على عدد من الفلاسفة الفرنسيين ، والذين كانوا تلاميذ المعلم ” هيبولت ” والذي قدم لهم ولأول مرة ” هيجل ” بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة . وخصوصاً على كل من طلابه كل من ” فوكو ” و ” ديلوز ” و ” دريدا ” الذين درسوا تحت يديه [127] .

  لقد حصل ” فوكو ” على نتائج ” عالية ممتازة ” في عام 1946 وذلك عندما دخل إمتحانات الدخول والمناقشة التي أهلته للإنخراط في ” مدرسة الأساتذة العالية ” ، وكان الرابع في مستوى تفوقه للدخول من بين ” مئة ” من المتقدمين وحصل على السكن الجامعي . ولكنه ظل مغموراً وكان من أعضاء لجنة الإمتحان والمقابلة الشفهية كل من فيلسوف العلم والطبيب ” جورج كانكايلهم (1904 – 1995) وهو متخصص في الأبستمولوجيا ، ونظن إنه كان مصدراً من مصادر إهتمام ” فوكو ” في الإبستمولوجيا فيما بعد [128] والفيلسوف الفرنسي – اليهودي ” بيير ماكسيم ساهيل ” (1902 – 1984) والذي حصل على الدكتوراه عام 1934 وكانت بالتحديد في مضمار ” الفلسفة اليونانية ” وكان عنوان إطروحته ” مقالات حول تكوين الفكر اليوناني : مدخل تاريخي لدراسة الفلسفة الإفلاطونية [129] . كما وله كتابات في تاريخ العلم وتاريخ الفكر ، ويبدو إن كتابات ” ماكسيم ” قد لعبت دور الموجه لذهنية التلميذ ” ميشل فوكو ” وبالتحديد في إهتمامه بمضمار تاريخ الأفكار .     

  كما وإن من المُلاحظ إن حياة ” ميشيل فوكو ” خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1946 و 1951 قد تعرضت إلى حالات صعود من الزاوية الأكاديمية ، فقد أدى إمتحان الدخول إلى مدرسة الإساتذة ، وهي معهد أكاديمي عال في فرنسا تخرج منه عدد من الحاصلين على جوائز نوبل ورؤساء وزراء ووزراء . أما مشاهير الفرنسيين من الأكاديميين الذين تخرجوا منه فبالإضافة إلى ” ميشيل فوكو ” ، كان منهم كل من ” لويس ألتوسير ” و ” جاك دريدا ” والذين سيكون من طرفهم تأثير على ذهنية ” ميشيل فوكو ” وهذا ما سنشير إليه .

  ولكن حياة ” فوكو ” الشخصية من طرف آخر تعرضت إلى هبوط وعواصف فيها الكثير من المخاطر . فقد وصف زملائه إن تصرفاته إتسمت بنوع من العنف ومحاولات الإنتحار ، وذلك بسبب مثليته الجنسية ، والتي كانت مُحرمة في فرنسا يومذاك [130] . ومن ثم تدخل الوالد وعرض مساعداته ، وذلك بإرساله إلى الطبيب النفسي ” جين ديلي ” (1907 – 1987) وهو عالم أعصاب وكاتب وإشتغل على السكيزفرينيا [131] . ورغم كل هذا الحال ، فقد كان ” فوكو ” منكباً على برنامجه في القراءة المكثفة بصورة ملفتة للنظر ، إضافة إلى إنخراطه في نشاظات جنسية مثلية ، وفي محلات المثليين السرية والمخدرات وفقاً لكاتب سيرته ” جيمس ميلر [132] .

  صحيحُ جداً إن حضور ” فوكو ” في ” مدرسة الإساتذة العالية ” سواء في الدراسات الأكاديمية الأولية أو في الدراسات العليا قد لعبت دوراً فاعلاّ في تكوين ذهنيته الفلسفية والإهتمام بتاريخ الفكر والعلم وعلى وجه الخصوص بالأبستمولوجيا . ولعل الشاهد على ذلك ” دراسته الأكاديمية التي شملت موضوعات متنوعة ” . إلا إنه من الصحيح كذلك إن إهتمامات ” فوكو ” الشخصية في مضمار الفلسفة ، حددت إتجاهات قراءاته ، ومن ثم عينت جنس المصادر الفلسفية التي إنشغل بها . وفعلاً فقد أخذ يقرأ ” هيجل ” و ” ماركس ” وكذلك ” عمانوئيل كانط ” و ” أدموند هوسرل ” وبصورة إستثنائية قرأ ” مارتن هيدجر [133] .

  ذكرنا بأن تاريخ العلم والأبستمولوجيا كان لهما فعلاً مؤثراً في تكوين ذهنية ” فوكو ” وخصوصاً في مرحلة الدراسات العليا . ولاحظنا إنه أخذ يقرأ ويهتم بشغف أكاديمي عالي بمنشورات البروفسور وفيلسوف العلم الفرنسي المعاصر ” غاستون باشلار ” (1884 – 1962) . ونحسب من المفيد أن نقف عند عتبات هذا الفيلسوف – الكيميائي الشامخ ومؤلفاته التي تركت أثارها الواضحة على التلميذ ” فوكو ” . والبداية إشارة إلى إن ” باشلار” أصبح رئيساً لمضماري تاريخ العلوم وفلسفة العلوم في جامعة السوربون ، وبالتحديد في فترة أكاديمية جداً مهمة في حياة ” فوكو ” ، وهي الفترة الممتدة من 1930 وحتى 1940 .

  كما إن ” باشلار ” هو الذي أدخل الأبستمولوجيا ، وخصوصاً الأبستمولوجيا التاريخية في البرنامج التعليمي الأكاديمي في فرنسا . ولعل من أهم مؤلفاته التي نستشهد بها في هذا الصدد : الروح العلمية الجديدة  [134] ، فلسفة لا : فلسفة العقل العلمي الجديد [135] ، العلم والموضعية [136] ، صياغة العقل العلمي : مساهمة في التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية  [137]. ومن ثم كتب فصلاً رائعاً بعنوان ” المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم [138] وكان عن عالم الفيزياء النظرية الألماني والمبدع لمضمار ميكانيكا الكم ” فيرنر كارل هايزنبيرك ” (1901 – 1976) [139].

  ومن هذا الطرف ترك فيلسوف العلم والأبستمولوجيا ” غاستوف باشلار ” أثاراً على حشد من الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين ، يتقدم القائمة ” كانكايلهم ” وتلميذه ” فوكو ” و ” لويس ألتوسير ” و ” جاك دريدا ” . وهذه شهادة على عمق الأثر الذي مارسه ” باشلار ” على إتجاهات التفكير الفرنسي المعاصر عامة ، والتفكير الفلسفي العلمي خاصة [140]. وفعلاً فقد قرأ أو على أقل تقدير إطلع ” ميشيل فوكو ” على أعمال فيلسوف العلم ” غاستوف باشلار ” الإستكشافية لتاريخ العلم [141] .

  ونحسبُ من النافع أن نذكر بأن مصادر الماركسية نزلت إلى ” فوكو ” من خلال عدد من الفلاسفة الأكاديميين الفرنسيين والذين علموه وأشرفوا على دراساته للتأهيل في العمل الأكاديمي ، ومنهم الفيلسوف الفرنسي ” لويس ألتوسير ” الذي أصبح عام 1948 المشرف عليه . والمعروف إن ” التوسير ” كان ” فيلسوفاً ماركسياً [142].  وهذا مصدر يبوح لنا بالكثير عن ذهنية التلميذ ” ميشيل فوكو ” وذلك من خلال إشراف البروفسور ” لويس ألتوسير ” عليه وعلى عدد من زملائه ، وكذلك من خلال ما قدمه لطلابه من زاد من التفكير يجمعُ بين ” الماركسية والبنيوية ” وتأكيده على أثار النزعة التجريبية في مباني النظرية الماركسية ، وإشارته إلى دور الطرف الإنساني والإشتراكية الإصلاحية ، اللذان كونا المعلمان الواضحان وراء الإنقسامات في الأحزاب الشيوعية الأوربية [143] .

  كما ونجح البروفسور ” التوسير ” في إقناع تلميذه ” فوكو ” وعدد من زملائه الطلاب في الإنضمام إلى الحزب الشيوعي الفرنسي . وفعلاً فإن ” فوكو ” إنتمى إلى الحزب في العام 1950 . غير إنه لم ينخرط في نشاطات الحزب الشيوعي الفرنسي ، ولم يتبنى على الإطلاق وجهة النظر الأرثوذوكسية الماركسية ، كما وعارض ” لُب ” العقيدة الماركسية وبالتحديد في ” الصراع الطبقي [144]. ومن ثم فقد القناعة بالتعصب الأعمى لهرمية الحزب الشيوعي ، وتعرض إلى تجربة شخصية فيها الكثير من الخوف أو ” رهاب المثلية ” وعاش حالة رعب من عناوين تم تداولها وشيوعها ، من مثل ” ضد السامية ” خلال هيمنة الإتحاد السوفيتي ، والتي تجسدت خلال ما عُرف بمؤامرة الأطباء في عصر ستالين (1878 – 1953) والتي إستمرت ما بين عامي 1952 و 1953 والتي شملت الأطباء من ” اليهود وغير اليهود ” واللذين تم طردهم من وظائفهم وإعتقالهم [145] .

  وفي ضوء كل هذا الحال ، قرر ” ميشيل فوكو ” وبالتحديد في عام 1953 قطع علاقته بالحزب الشيوعي الفرنسي وغادره دون رجعة . إلا إنه ظل صديقاً للفيلسوف التوسير ومدافعاً عنه طول حياته  [146]. ومن ثم تقدم في عام 1950 بطلب للعمل في مضمار التعليم الثانوي في الفلسفة غير إنه لم يفلح في المرة الأولى ، وحاول مرة ثانية في عام 1951 [147]. وبعد ذلك أُعفي من الخدمة لأسباب مرضية . ولهذا عزم أمره لأكمال دراسته في الدكتوراه ، وكان مشروع بحثه في مضمار ” فلسفة السايكولوجي [148] .

  وبعد سنوات معدودات ، شرع ” ميشيل فوكو ” بالعمل في مشاريع أبحاث متنوعة ، ومن ثم بدأ تجربته في التدريس [149] . وفعلاً فإنه في الفترة ما بين عام 1951 وحتى عام 1955 كان يُدرس السايكولوجيا في مدرسة الأساتذة العليا في باريس وبدعوة ووجهها إليه أستاذه الفيلسوف ” لويس ألتوسير [150]. وكان يومها ” فيكو ” يُشارك أخيه في السكن والذي كان يتدرب ليصبح طبيباً جراحاً ، ويتنقل ” فوكو ” يومها كل ثلاثة أيام في الإسبوع من شقة أخيه في باريس إلى شمال فرنسا ، حيث مدينة ليل ليُدرس السايكولوجيا في جامعة ليل والتي إستمرت محاضراته فيها للفترة من 1953 وحتى 1954 [151]. وكانت هذه المحاضرات بتقدير الكثير من الطلبة إيجابية [152] .

  وفي الوقت ذاته كان مُنكباً على كتابة إطروحته للدكتوراه ، وكثيراً ما يتردد على المكتبة القومية الفرنسية في باريس [153] ، وذلك لقراءة أعمال علماء النفس من أمثال الروسي ” إيفان بافلوف ” (1849 – 1936) وبالتحديد في طرف الإنعكاس الشرطي [154] ، والفيلسوف وعالم النفس السويسري ” جان بياجيه ” (1896 – 1980) وصاحب الدراسات الأبستمولوجية وخصوصاً عند الأطفال [155] ، والفيلسوف والسايكايتري الألماني ” كارل ياسبرز ” (1883 – 1969) وخصوصاً في مجالات ” الهومسك والجريمة ” و ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” و ” علم النفس المرضي العام [156]  . وفعلاً فإن هؤلاء الثلاثة كونوا مرجعية معرفية لكتابات ومحاضرات ” فوكو ” ،  ولذلك نحسبُ إن هذا الثلاثي السايكولوجية يحتاج إلى دراسة أكاديمية تبين بموازنة نقدية حجم حضورها في النصوص التي دونها ” ميشيل فوكو ” في مضمار السايكولوجي وفلسفته على حد سواء .

   إضافة إلى ذلك فإن الأبحاث الأكاديمية التي قام بها ” فوكو ” في مضمار السايكايتري ، كشفت بصراحة عن مرجعية ومصادر معرفية بالغة الأهمية في تكوين ذهنيته السايكولوجية من طرف والتي لونت وحددت نمط كتاباته السايكايترية الأكاديمية من طرف آخر . فمثلاً لاحظنا إن عدداً من الباحثين الذين تخصصوا في الكتابة عن تفكير ” ميشيل فوكو ” عامة ، وتفكيره السايكايتري خاصة من أمثال ” إيربون إيدير ” و ” ديفيد ميسي ” و ” جيمس ميلر ” قد وضعوا أيديهم على المصادر التي جاءت من طرف علم النفس التحليلي الفرويدي (نسبة إلى سيجموند فرويد ” (1856 – 1939) . وأضافوا إلى إن ” ميشيل فوكو ” قام بإنجاز أبحاث سايكايترية وبين فيها العلاقة ما بين الطبيب (السايكايتري) والمريض [157]. وبالتخصيص أشاروا إلى إن ” فوكو ” إستند إلى نظريات فرويد في تفسير الأحلام [158].

  ومن ثم إرتبط ” فوكو ” بعلاقة رومانتيكية مع المؤلف الموسيقي السيريالي جين هنري الفونس باريك ” (1925 – 1973) وسوية إتفقا على تجاوز المحظور وتخطي الحدود الحمراء ، ومن ثم إنخرطا في تعاطي المخدرات وبصورة مبالغ فيها وذلك لأعتقادهما إن ذلك ربما ييسر لهما إنجاز أعمال كبيرة ، كما ومارسا معاً نشاطات جنسية مثلية ذات طبيعة سادية – مازوخية [159].

  وفي بواكير الخمسينات من القرن العشرين مارست مؤلفات الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” (1844 – 1900) تأثيراً غير إعتيادي على تفكير ” ميشيل فوكو ” وهذا الأثر صعده ” فوكو ” إلى مستوى ” الوحي والإلهام ” . وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة مستقلة تسعى إلى بيان الظاهر والمتخفي من أثار نيتشه على تفكير وكتابات ” ميشيل فوكو ” . وللإستشهاد نشير إلى إنه في عام 1953 وبينما ” فوكو ” وصاحبه الموسيقي ” باريك ” في إيطاليا لقضاء عطلة إستجمام ، عاش الفيلسوف ” فوكو ” تجربة إنغماس تام في عمل الفيلسوف ” نيتشه ” والمعنون ” تأملات سرمدية ” والتي جاءت بترجمة أخرى بعنوان ” الملاحظات الغريبة ” وبترجمة ثانية بعنوان ” أفكار خارج الموسم ” وتألفت من أربعة مقالات تتعلق بالظروف المعاصرة لأوربا ، وخصوصاً ألمانيا . والتي بدأها عام 1873 وأكملها عام 1876 [160] .

  وبعد هذه التجربة وصف ” ميشيل فوكو ” عملية الإنغماس في أعمال ” نيتشه ” بأنها ” إلهام ورسالة وحي ” . ونحسب إن قراءة هذا الكتاب وربما بتأثير المخدرات التي تناولها ” فوكو ” مع صاحبه الموسيقي السريالي ونشاطهما الجنسي المثلي ، جعله أن يُصعد هذا النص النيتشوي إلى مصاف نصوص إلهامية ذات تأثير روحي عميق ، فوصف التجربة برمتها ، بأنها كانت ” لحظة فاصلة ” في حياته [161] .

  ومن ثم تكررت تجربة الإلهام والوحي مرة أخرى ، وهذه المرة كانت في أطار ما أسماها ” تجربة إلهام ذاتي ” والتي عاش لحظاتها عام 1953 . وفعلاً حدثت كما يخبرنا ” ميشيل فوكو ” عندما كان يُشاهد عروض مسرحية للروائي  ” صامويل بيكت ” (1906 – 1989) والتي حملت عنوان ” في إنتظار جودو [162]. وهذه المسرحية هي من مسرحيات العبث ، ويُصنف  الروائي بيكت على إنه من أواخر جيل الحداثة ، والبعض يضعه في قائمة كتاب ما بعد الحداثة [163] . وعودة جودو هي محض ضرب من التفكير الغيبي العبثي وليس نوعاً من الإلهام ، وقد يكون نوعاً من الصرع سببه تناول المخدرات الثقيلة والخوف مما يأتي به المستقبل أو لا يأتي به على الإطلاق ويظل مجرد إنتظار ممل قد يُحرض على الإنتحار في مثل حالة وظروف ” ميشيل فوكو ” .

  ومن المصادر المعرفية التي تركت بصمات واضحة على تفكير ومن ثم كتابات ” ميشيل فوكو ” ، مصادر سايكيترية وسايكولوجية وسوسيولوجية وإنثربولوجية والتي كان ” فوكو ” فعلاً له إتصال بها . ومنها على سبيل الإستشهاد أعمال السايكيتري السويسري ” لودفيغ بنسونكر ” (1881 – 1966) وهو من تلاميذ كل من ” كارل يونك ” (1875 – 1961) و” سيجموند فرويد ” ، وهو الرائد في مضمار ” علم النفس الوجودي [164] ويعدُ واحداً من المتميزين في ” علم النفس الفينومنولوجي [165] وهو يتابع خطوات الفيلسوفين الألمانيين كل من ” مارتن هيدجر ” و أساتذه الفيلسوف الفينومنولوجي ” أدموند هوسرل ” . وكان لودفيغ بنسونكر عضواً في ” جماعة فرويد ” التي كان يقودها ” كارل يونك ” . ولعل من أهم مقالات ” لودفيغ بنسونكر ” ، مقالته المعنونة ” التحليل النفسي والسايكيتري العيادي [166] .

  وبالمناسبة إن ” فوكو ” وفقاً لرواية ” جيمس ميلر ” ساعد زميلة له ، وهي ” جاكلين فيردو ” على ترجمة أعمال ” لودفيغ بنسونكر” إلى الفرنسية ، ومنها على وجه الخصوص بحثه المعنون ” الحلم والوجود ” والذي نشره ” بنسونكر ” في عام 1930 ، وجاكلين من طرفها كانت تتطلع من ” فوكو ” أن يكتب مدخلاً له . وفعلاً وافق ” فوكو ” وكتب مدخلاً صفحاته كانت ضعف صفحات بحث ” بنسونكر ” [167] . وكان ” فوكو ” في هذا المدخل يُجادل ويذهب إلى إن الأحلام تتضمن ” ولادة العالم ” وبذلك عبر بعمق عن رغباته العقلية [168].

  وهذا الأمر يحملنا على الإشارة إلى إن المصادر الأكاديمية التي درست مساهمات ” فوكو ” في علم النفس والسايكيتري ، قد نظرت إليها من زاوية فينومنولوجية [169]. ونحسب إن أبحاث وكتب ” ميشيل فوكو ” تحتاج إلى دراسة أكاديمية تُراجعها وتُعيد تقويمها من زاوية سايكولوجية وسايكيترية فينومنولوجية مع متابعة أثار كل من الثلاثي الألماني أولاً ” مارتن هيدجر ” و ” أدموند هوسرل ” و ” كارل ياسبرز ” وثانياً بيان الأثر الذي تركه السويسري ” لودفيغ بنسونكر ” .

ميشيل فوكو والبيئة الأكاديمية لتفكيره ومصادر مؤلفاته

   البداية إعلان وإشارة إلى إن بعض الكُتاب والأكاديميين يحلوا لهم أن يُصنفوا تفكير  و كتابات  ” ميشيل فوكو ” على إنها ” جنس من الكتابة والإنشاء ” اللذان ينتميان إلى ” ما بعد البنيوية ” مرة [170] ، ومرة يُوصف  على إنه واحد من ” الفوضويين الجُدد ” وبالتحديد في ضوء كتاباته في ” الجنون ” و ” الجنسانية ” و ” السلطة والنفوذ ” [171] . ونحسبُ إنه في مضمار ” الفوضوي الجديد ” نتلمس مقاربة بين ” فوكو ” وشومسكي وكتابه المعنون ” حول الفوضوية [172] ، وكذلك كتابه ” ما بعد الحدائة ” مرة أخرى [173] . فإن ” فوكو ” بحد ذاته يرفض هذه ” اليافطات والعناوين ” ، ويُفضل أن يُصنف تفكيره في إطار ” تاريخ نقدي للحداثة ” . ونحسبُ إن كل ذلك التأويل جاء بسبب إنه مارس تأثيراً على المستويين ؛ الأكاديمي والجماعات الناشطة في الحياة العامة وعلى حد سواء .  

 وللتذكير فقد أشرنا إلى إن ” ميشيل فوكو ” تعلم في كلية هنري الرابع ، وهي مدرسة ثانوية عامة في باريس ، وهي واحدة من ست كليات في فرنسا ، والسنوات الأربعة الأولى منها هي مدرسة ثانوية ، وفيها صفوف لتأهيل الطلبة للدخول إلى التعليم العالي (وفقاً لنظام التعليم الفرنسي) ، ومن ثم تحول  إلى ” مدرسة الأساتذة العليا ” وهي نوع من التعليم الجامعي العالي . والتي تأسست في عام 1793 وتم الإعتراف بها من قبل ” نابليون بونابرت ” (1769 – 1821)  ، وتضم دراسات عليا للماجستير والدكتوراه  .

  وفعلاً لقد كانت ” مدرسة الأساتذة العليا ” هي المعهد العلمي الذي صاغ شخصية ” فوكو ” من طرف إنه كان المكان لولادة العديد من المنظرين الفرنسيين ، بالطبع من أمثال ” فوكو ” وزملائه الذين تبادل معهم الخبرة والإهتمام والبحث / ومن أمثال ” لويس ألتوسير ” (1918 – 1990) والذي كان أكبر منه بثمان سنوات . و ” جاك دريدا ” و ” بيير بورديو ” (1930 – 2002) اللذان كانا أصغر من ” ألتوسير ”  بإثني عشر عاماً .

  والسؤال ؛ ماذا قدمت هذه الأسماء وهي من الرموز الفكرية والثقافية الكبيرة التي عاصرت المفكر  ” ميشيل فوكو ” من زاد فكري وميثديولوجي أسهم في تكوين ذهنيته الفكرية سلباً وإيجاباً ؟ ، وماذا رسمت بفعلها من إتجاهات في تفكيره وبنية مؤلفاته في مضمار فلسفة اللغة (اللنكوستيك) والطبيعة الإنسانية ؟ وللإجابة على هذين السؤالين نسعى إلى تقديم دراسة عن مؤلفاتهم التي ربما لعبت دوراً في توجهات ” فوكو القادمة ” بعد إن قرأها وتتلمذ عليها وخصوصاً ” لويس ألتوسير ” مع الإشارة إلى إننا تناولنا ” التوسير ” أعلاه وخصوصاً في قضية تحريض ” فوكو ” للإنضمام إلى الحزب الشيوعي الفرنسي . وغايتنا هنا مختلفة ، وهي أن نركز على مؤلفات الأستاذ ” التوسير ” والتي إطلع عليها التلميذ ” فوكو ” . وبالصورة الأتية :

1 – ماركس وقراءة رأس المال ، وهو يتكون من مقالات الأربعينيات [174].

2 – المسيحية والماركسية وهي من مقالات 1946 و1951 [175].

3 – الماركسية والهيغلية ( وهي إطروحة التوسير عام 1947) .

4 – ماركس وليس هيغل ( وهي مقالات كتبها في بواكير الخمسينات) .

5 – الأعمال التاريخية : مونتسكيو وفيورباخ (كتابات منتصف الخمسينات) .

6 – الأعمال الكلاسيكية والتي كتبها في الستينات (ومنها منشور وغير منشور) ونشرت في التسعينات وبعد موت ” التوسير ” ، والتي شملت نصوص فلسفية في الميتافيزيقا والأبستمولوجيا وفلسفة العلم وعلم التاريخ والفلسفة السياسية . ومن الملاحظ إن معظمها جاءت إجابة على سؤال : كيف نقرأ ماركس ؟ [176]. ونحسب إن من المفيد أن نذكر القارئ بأن مباحث الفلسفة الكلاسيكية التي وصلت من الأستاذ ” التوسير ” إلى التلميذ ” فوكو ” لم تصل صافية بحيث تترك هامش من الإستقلال للتلميذ ” فوكو ” وإنما جاءت ملونة ببعدين ماركسيين ؛ الأول ما يسمى بالماركسية الغربية (ويصح القول الفرنسية) [177] وهي بالطبع ليست الماركسية الأرثوذوكسية أي ماركسية ماركس وإنجلز هذا طرف وإنها من طرف أخر قدمت شكلاً آخراً من الماركسية وهي ماركسية ألتوسير .

  وهكذا كان قدر التلميذ ” ميشيل فوكو ” من طرف ثالث أن يتعامل مع مباحث الفلسفة التقليدية والتي كتب عنها مباحثاً ومن ثم مؤلفات ، إن مصادرها الأكاديمية لم تقدم له نصوص موضوعية خالية من الطيف الماركسي إضافة إلى الطيف الألتوسري (نسبة إلى لويس ألتوسير) . وعلى هذا الأساس لم تكن مباحث الميتافيزيقا والأبستمولوجيا وفلسفة العلم وعلم التاريخ وفلسفة السياسية مباحث أكاديمية بحتة ، وإنما جاءت معروضة بخطاب مكتوب من زاوية ماركس وإنجلز مرة ، ومن زاوية ماركسية ألتوسير مرة أخرى . يُضاف إلى إن ألتوسير قدم لتلميذه ” فوكو ” خاصة والقارئ عامة شكلاً من التفكير البنيوي [178] ممزوجاً بماركسية ألتوسيرية [179] .

  كما وتبادل ” ميشيل فوكو ” الكثير من الأفكار والمثدولوجيات السائدة في الأكاديميات الفرنسية مع إثنين من الفلاسفة المعاصرين له ، وهم كل من ” جاك دريدا ” و ” بيير بورديو ” . ونحسب إنهم الثلاثة كونوا مثلثاً فلسفياً فرنسياً معاصراً وبالتحديد في تباشير النصف الثاني من القرن العشرين . إضافة إلى إنهم إشتركوا في إمتصاص الزاد الفلسفي – الأبستمولوجي عن طريق محاضرات وكتابات أستاذهم البروفسور ” لويس ألتوسير “.

  ومن طرف ” دريدا ” فهو فيلسوف فرنسي ولد في الجزائر وجاء من إصول يهودية جزائرية ، وترتبط بإسمه حركة أو نظرية السيموطيقا [180] ، والتي تتقاسم مباحثها الفلسفة والمنطق والإنثروبولوجيا ، ومن ثم شاع تداولها وعُرفت على يد ” جاك ألي دريدا ” بحركة ” التفكيكية [181] . وهو واحد من الرموز الكبيرة في مضماري الحركة الفلسفية الفرنسية ، وهما المضماران اللذان عُرفا بما بعد البنيوية [182] وما بعد الحداثة [183].

  لقد كتب الفيلسوف ” دريدا ” الكثير من المؤلفات والمقالات ، حتى وصلت مؤلفاته إلى أربعين كتاباً ، ونشر مئات المقالات وفي مجالات متنوعة من المعرفة مثل الفلسفة والأدب والقانون [184] والإنثروبولوجيا [185] وعلم التاريخ [186] واللنكوستيك [187]وخصوصاً اللنكوستيك السوسيولوجي [188] والتحليل النفسي [189] والنظرية السياسية والفمنست . كما له مناقشات حول الإنطولوجيا والأبستمولوجيا والأخلاق وعلم الجمال وفلسفة اللغة

   ونحسبُ إن علاقة الفيلسوف الجزائري الأصل ” جاك دريدا ” بزميله الأكبر ” ميشيل فوكو ” لم تكن مستقرة على حال واحد ، بل كانت على الأغلب علاقة فيها شدُ ونقد إن لم نقل إنها مرت بمراحل من التوتر والتنافر . وسببها برأينا ” عدم شفافية الفلاسفة ” في قبول النقد . وفعلاً إن ” دريدا ” وجه نقداً لكتابات ” ميشيل فوكو ” ، وهو النقد الذي حمله مقال ” دريدا ” المعنون ” تاريخ الجنون : من الكتابة والإختلاف ” والقسم الأول من عنوان ” دريدا ” يخص كتاب ” ميشيل فوكو ” (وهو في الوقت ذاته عنوان إطروحة فوكو للدكتوراه) ” الحماقة والجنون : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ” (1961) ومن ثم طبع عنها ملخص بالفرنسية وبعنوان ” الجنون والحضارة : تاريخ الحماقة في عصر العقل ” (1964) ، وتم  ترجمتها الكاملة إلى الإنكليزية عام 1961 ، وطبعت عام 2006 وبعنوان ” تاريخ الجنون [190] . وسنعود إلى كتاب ” ميشيل فوكو ” تاريخ الجنون لنقدم عنه دراسة من زاوية فلسفة الحضارة وهو موضوع نتطلع إلى إنجازه في الأيام القريبات .

  والحقيقة إن مقال ” جاك دريدا ” الذي جاءت الإشارة إليه أعلاه والمعنون ” تاريخ الجنون : من الكتابة والإختلاف ” هو في الأصل محاضرة قدمها الفيلسوف ” دريدا ” في 4 أذار عام 1963 في مؤتمر دارت جلساته حول الفيلسوف الفرنسي المعاصر ” جين أندري ويهل ” (1888 – 1974) وهو من طلاب الفيلسوف الفرنسي ” هنري برغسون ” (1859 – 1941) ، وهو في الوقت ذاته من المتابعين في نظامه الفلسفي لكل من الفيلسوفيين الأمريكيين ” وليم جيمس ” (1842 – 1910) والفيلسوف من إصول أسبانية ” جورج سانتيانا ” (1863 – 1952) [191] .     

 وبالمناسبة نحن نحتفل بالفيلسوف ” جاك دريدا ” فيلسوفاً عربياً (من إصول جزائرية) يهودياً فرنسياً ، حيث ولد وترعرع في الجزائر . ولكننا نعتز به أكثر لشيئين أخرين ، الأول إنه أسس علاقات مع المفكرين الفلسطينيين ، وقابلهم خلال زيارته للقدس عام 1988 . ونعتز به ثانياً بكونه إنساناً وقف ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ومن خلال مساندته ، والعمل مع نيلسون مانديلا وبالتحديد في بداية عام 1983 .

  ونضع أمام حضرة القارئ مختارات من كتابات ” جاك دريدا ” للمقارنة مع مؤلفات وأبحاث زميله الأكبر ” ميشيل فوكو ” مع الإشارة إلى إن رسالته في الماجستير كانت عن رائد الفينومنولوجيا الألماني ” إدموند هوسرل ” ولكنها كانت في الهندسة ولها علاقة جوهرية بتخصص هوسرل الأكاديمي الأول . ونُذكر إلى إن من أبحاث ” دريدا ” المبكرة ، بحث جاء بعنوان ” مشكلة إصول فلسفة هوسرل ” (1953) [192] . ومن ثم في عام 1962 جاءت رسالته للماجستير وكانت بعنوان ” مدخل إلى إصول الهندسة عند هوسرل [193] . ومن خلال أبحاث ” دريدا ” عن هوسرل عبر تراث سايكولوجي في تحليل الرياضيات ، والنازل إلى هوسرل من خلال مدرستين ألمانيتيين عريقيتين ، وهما مدرسة فرانز برنتانو (1838 – 1917) ، ومدرسة برنارد بولزانو (1781 – 1848) [194]

  ومن ثم نشر ” دريدا ” كتبه الثلاثة الأولى دفعة واحدة في عام 1967 ، فكان مقدمة دخول قوية له في عالم الفلسفة الفرنسية والقارة الأوربية ، وجاءت على التوالي ؛

الأول – الكتابة والإختلاف [195]. وهي مجموعة محاضرات مقالات مبكرة كتبها في الفترة الممتدة ما بين عامي 1959 و1966 ، وتكونت من :

1 – جدل حول البنيوية ، وهي في الأصل محاضرة قدمها ” دريدا ” عام 1966 في جامعة جونز هوبكنز ، وفيها غير عنوان الفصل الدراسي وأسماه ” جدل حول البنيوية ” [196] . وهذه المحاضرة حققت له سمعة كبيرة خارج فرنسا ، وكان عنوانها الأصلي ” الإشارة والمسرحية في خطاب العلوم الإنسانية ” والتي طبعت فصلاً في كتاب ” الكتابة والإختلاف ” وفيه مناقشة لعالم الإنثروبولوجيا ” كلود ليفي ستراوس ” (1908 – 2009) . وهذه المحاضرة أشرت تاريخاً لحركة ما بعد البنيوية [197] .

2 – كوجيتو وتاريخ الجنون ، وهي مقالة نقدية للفيلسوف ” ميشيل فوكو ” . وهي في الأصل محاضرة قدمها ” جاك دريدا ” في المؤتمر الفلسفي وبالتحديد في 4 آذار عام 1963 وحضرها ” ميشيل فوكو ” بدعوة من ” دريدا ” . وسببت هذه المحاضرة صعوبات بين الفيلسوفيين [198] . وكانت دافعاً حملت ” فوكو ” إلى تأليف إثنين من مؤلفاته المهمة ؛ الأول – نظام الأشياء (أو الكلمات والأشياء) والذي ظهر بالفرنسية عام 1966 ومن ثم ظهرت ترجمتها الإنكليزية [199].

 والثاني – حفريات المعرفة والذي ظهر بالفرنسية عام 1969 ومن ثم تُرجم إلى الإنكليزية [200] .

3 – العنف والميتافيزيقا ، وهي مقالة تعليقية – شارحة على كتابات الفيلسوف الوجودي الليثواني – الفرنسي ” إيمانويل ليفيناس ” (1906 – 1995) [201] . والنصف الأول من كتاب الكتابة والإختلاف مقالة إحتفالية بالفيلسوف الفرنسي ” رينيه ديكارت ” (1596 – 1650) [202].

الثاني – كتابه المعنون ” الكرامتولوجي ” بالفرنسية وموضوعه يبحث في العلاقة بين اللنكوستيك والكتابة . وكتبه ” جاك دريدا ” أولاً بالفرنسية وظهر عام 1967 ومن ثم تبعتها الترجمة الإنكليزية عام 1997 [203]. وقدم هذا الكتاب نص أساس فيما يسمى بالنقد التفكيكي الذي أبدعه ” دريدا ” والتي شاعت معه شهرته غرباً وشرقاً .

الثالث – كتاب ” دريدا ” المعنون ” الكلام والظاهرة ومقالات أخرى عن هوسرل ونظريته في الإشارات ” وظهر بالفرنسية عام 1967 ومن ثم جاءت ترجمته الإنكليزية عام 1973 [204] .

   أما من طرف ” بيير بورديو ” (1930 – 2002) فإضافة إلى كونه تلميذ الفيلسوف الماركسي ” لويس ألتوسير ” وحاله حال ” دريدا ” و “ميشيل فوكو ” . فقد كان ” بورديو ” فيلسوفاً فرنسياً وعالم في الإنثروبولوجيا والسوسيولوجيا . وهو من المعارضين للنزعة المثالية في الفلسفة الغربية . وبالرغم من إن تكوينه الفكري إمتص مما يمكن أن نسميه ” ماركسية ألتوسير ” فإنه شيد أساسه الفلسفي بالإعتماد على كل من الفيلسوف الألماني ” مارتن هيدجر ” والفيلسوف البريطاني – النمساوي ” لودفيغ فيتيجنشتاين ” (1889 – 1951) وعالم الرياضيات وفيلسوف الفينومنولوجيا ” أدموند هوسرل ” وفيلسوف العلم والإبستمولوجيا الفرنسي ” جورج كانكايلهم ” و ” كارل ماركس ” و ” غاستون باشلار ” والفيلسوف الألماني وعالم الإجتماع ” ماكس فايبر ” (1864 – 1920) … [205] .

   ومن أهم مصادر التأثير على ذهنية ” بورديو ” وكتاباته جاءت هذه المرة من طرف الفيلسوف الفرنسي وعالم الرياضيات ” بليز باسكال ” (1623 – 1662) . وعلى هذا الأساس يُعد كتاب ” بورديو ” المعنون ” التأملات الباسكيلية ” نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي وعالم الرياضيات ” بليز باسكال ” (1623 – 1662) واحد من أهم الأعمال في مضمار السوسيولوجيا في القرن العشرين بنظر جمعية السوسيولوجيا العالمية [206]. وهذا الكتاب كما يبدو ألفه ” بورديو ” في مراحل متأخرة من حياته ، حيث طبع باللغة الإنكليزية عام 2000 ، وهو من روائعه النقدية في القرن العشرين وفيها بحث أكاديمي معجون بمسحة ساخرة ، والكتاب ركز على الأبستمولوجيا والأخلاق وعلم الجمال والتي أخصعها إلى منهج نقدي من زاوية الميثدولوجيا .    

  ومن المعروف إن باسكال ولد وعمر الفيلسوف الفرنسي ” رينيه ديكارت ” كان سبع وعشرين سنة وإن كلاهما كان عالماً في الرياضيات . وإن فيلسوف الفينومنولوجيا الألماني ” أدموند هوسرل ” كتب كتاباً بعنوان ” التأملات الديكارتية : مدخل إلى الفينومنولوجيا ” [207]. وهو في الأصل مجموعة محاضرات قدمها في جامعة السوربون للفترة ما بين 23 – 25 شباط عام 1929 . وحينها لم يكن بعد الفيلسوف الفرنسي ” بورديو ” مولوداً بعد . وكتاب هوسرل فيه إستبطان على الأقل لعنوان كتاب ديكارت المعنون ” تأملات في الفلسفة الأولى ” والذي صدر باللاتينية لأول مرة عام 1641ومن ثم بالفرنسية عام 1647 وبعد ذلك ظهرت له ترجمة بالإنكليزية عام 1901 [208].

  ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن ” بورديو ” هو الرائد في مضمار التربية السوسيولوجية ، ونظرية السوسيولوجيا ، وسوسيولوجيا علم الجمال . ومن أشهر مؤلفاته ، كتابه المعنون ” التمييز : النقد السوسيولوجي وحكم الذوق ” وهذا الكتاب يُعد بنظر جمعية السوسيولوجيا العالمية ، واحد من أهم مصادر السوسيولوجيا في القرن العشرين [209]. ومن مؤلفاته في الفلسفة السياسية ، رائعته المعنونة ” الإنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر ” 1991 [210] . وكتابه الذي حمل عنوان ” اللغة والسلطة الرمزية ” وهو من الكتب المهمة التي تخص بحثنا الحالي من طرف إن ” بورديو ” ركز في جوانب منه على مساهمة كل من عالم السيموطيقا واللنكوستيك السويسري ” فرديناند دي سوسور ” (1857 – 1913) ، وعالم اللنكوستيك الأمريكي ” نعوم شومسكي ” [211] وأخرون .

  وبالإشتراك مع ” مونيك دي سينت مارتين ” و ” جين كلود بيرسون ” كتب ” بورديو ” الكتاب البالغ الأهمية في تاريخ اللنكوستيك ، وبعنوان ” الخطاب الأكاديمي : سوء فهم اللنكوستيك والسلطة المهنية ” 1996 [212] . ومن ثم جاء كتابه الذي حمل عنوان ” العقل العملي : حول نظرية الفعل ” 1998 [213] . وتلاه كتابه المعنون ” شرف الدولة : المدارس النخبوية في ميدان السلطة ” 1998 [214] . وإخترنا أخيراً كتابه المعنون ” أفعال المقاومة : ضد دكتاتورية السوق ” ، 1999 [215] .

  إذن هذه هي الملامح الرئيسية للبيئة الأكاديمية التي رعت ” ميشيل فوكو ” وتعلم في رحابها وتبادل الحوار مع رموزها الأكاديمية وبالتحديد مع كل من أستاذه ” لويس ألتوسير ” وزميليه ” جاك دريدا ” و” بيير بورديو ” ، وفي إطار هذه البيئة فكر ” ميشيل فوكو ” في مشروعاته الأكاديمية ، ومن ثم عزم أمره وبدأ رحلته في عالم الإنشاء والكتابة ومن ثم النشر …    

مراجعة أكاديمية لأهم كتابات ميشيل فوكو

1 – قصة ومحنة كتابه الأول والمعنون ” الأمراض العقلية والشخصية ”  

   ونحسب من النافع الإشارة إلى إن كتاب ” ميشيل فوكو ” الأول لم يكن على الأقل في عنوانه كتاباً في مضمار الفلسفة العتيد ، وإنما كان في ميدان السايكولوجيا والسايكيتري . وفعلاً فإن ” ميشيل فوكو ” نشر في عام 1954 أول كتاب له ، وكان بعنوان ” الأمراض العقلية والشخصية ” والذي عرض فيه الأثر النازل إليه من مصادر التفكير الماركسي والهيدجري . كما وكشف عن إفادته في الإطار العام للبحث من علم النفس الإشتراطي النازل إليه من ” بافلوف ” ومن مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية وبالتحديد من ” سيجموند فرويد ” . إضافة إلى إنه ضمن بحثه بآراء علماء الإجتماع والإنثروبولوجيا من أمثال ” أميل دوركهايم ” (1858 – 1917)[216] و ” مارجريت ميد ” (1901 – 1978) [217] . ومن ثم عرض نظريته حول ” الأمراض ” وأكد علاقتها بالطرفين الثقافي – الحضاري [218] . ونحسب من النافع أن نشير هنا إلى إن هناك عدد من المصادر الأكاديمية التي درست ” مساهمات فوكو في مضماري السايكولوجيا والسايكيتري ” قد أشارت إلى إمكانية ” النظر إليها من زاوية الفينومنولوجيا ” [219] .

    ومن المناسب أن نشير إلى إن كاتب سيرته الذاتية ، الأستاذ ” جيمس ميلر ” قد لاحظ بإن كتاب ” فوكو ” المعنون ” الأمراض العقلية ” ، كان ” شهادة على سعة إطلاعه ، ودليل على موهبته ” غير إن الكتاب في الوقت ذاته خال من ” الحرارة والمهارة ” ، واللتان سيهتم بهما ويمنحهما الكثير من الإهتمام في أعماله اللاحقة [220] . ويبدو إن ملاحظة ” ميلر ” كانت في محلها وتحمل الكثير من الحقيقة ، فإن هذا الكتاب من طرف لم يحتفل به النقاد وظل موضوع تجاهل من قبلهم ، حيث لم يتلقى سوى ” مراجعة يتيمة واحدة في ذلك الوقت ” [221] .

  والحاصل من ذلك إن تصاعدت درجات حرارة كراهية ” فوكو ” لكتابه ” الأمراض العقلية ” وربما ندم كثيراً على نشره . ولعل الشاهد على ذلك إنه أعلن مرات عديدة عن كرهه ومقته الشديد لهذا الكتاب . بل تجاوز هذا الكره خطوطه الحمراء ، حتى وصل إلى رفضه إعادة نشره من جديد ، كما ورفض ترجمته إلى الإنكليزية . غير إنه لم يفلح في محاولاته في ذلك الوقت [222] .

  كما إن قارئ سيرة ” ميشيل فوكو ” الذاتية ، يلحظ إنه صرف الفترة الممتدة ما بين عامي 1955 و1960 (بحدود الخمسة سنوات) في كل من ” السويد ” و ” بولندا ” و ” ألمانيا الغربية ” كما تعرف يومذاك . وكان يعمل فيها ” دبلوماسياً لشؤن الثقافة ” وهي فترة ممتازة من الناحية الأكاديمية فقد أنجز خلالها مجموعة نصوص في تاريخ الطب ، وهي جزء من أبحاثه التي كان مُثابراً على إكمالها في هذا المضمار [223]. هذا من طرف كما إنها من طرف آخر كانت مشواره المتفرد والذي تطلع فيه إلى الإنتهاء من كتابة إطروحته للدكتوراه والتي كان يأمل أن تقبلها جامعة أوبسلا (وهي من الجامعات السويدية العريقة) . إلا إن آماله ذهبت أدراج الرياح وذلك عندما رفض مؤرخ العلم ستين لندروث (1914 – 1980) منح ” فوكو ” الدكتوراه في جامعة أوبسلا . وجاء في تقرير رفضه إلى ” إنه لم يكن مقتنعاً بها ” ، وإنها جاءت متخمة بالتعميمات النظرية ” وتفتقر بصورة ملفتة إلى ” الطرف التاريخي ” . وربما لهذا السبب ولأسباب أخرى غادر ” فوكو ” السويد [224] وهذه المرة أنظاره كانت تتطلع نحو بولندا .

  وفعلاً وصل ” فوكو ” إلى مدينة وارشو البولندية وبالتحديد في إكتوبر من عام 1958 ، وبدأ العمل في المركز الفرنسي في جامعة وارشو [225] . إلا إنه إكتشف إن الحياة صعبة جدا في بولندا وذلك من طرف النقص الشديد في المواد الغذائية والخدمات ، وهي بالطبع نتيجة من نتائج التدمير الذي تعرضت له خلال الحرب العالمية الثانية . ورغم هذا الحال فإنه بقي في بولندا ، ومن ثم أصبح ” مُلحقاً ثقافياً ” وأخذ يتنقل في أرجاء بولندا ويُلقي فيها المحاضرات [226].

  ولعل السبب الأخر وراء بقائه في بولندا ، إنها كانت يومذاك حالها حال فرنسا والسويد ، متسامحة من الناحية القانونية مع ” المثليين جنسياً ” . إلا إنها لازالت من الناحية الإجتماعية تسود فيها وتهيمن عليها الكثير من المواقف المحافظة وذات درجات من الحساسية العالية . والشاهد على ذلك القصة التي عاشها ” فوكو ” وهي القصة التي تحكي الموقف البولندي العام من ” المثليين الجنسيين ” . والقصة تذهب إلى إن ” فوكو ” إنخرط في علاقات مع مجموعة من الرجال ، وكان واحد منهم ، رجل مخابرات سري ، وكان يتطلع الأخير من صيد ” فوكو ” في مواقف جنسية مُحرجة وهذا هو هدفه الإستخباري القريب ، ومن ثم وضع السفارة الفرنسية في موقف دبلوماسي صعب وهذا هدفه الإستخباري البعيد . ونجح رجل المخابرات البولندي وعُرفت القضية ” بالفضيحة الدبلوماسية الفرنسية ” . وكان من نتائجها أوامر صدرت ، تُطالب ” فوكو ” بمغادرة بولندا ونقله إلى مكان آخر [227] .

  وفعلاً كانت هناك مواقع دبلوماسية فرنسية فارغة في ألمانيا الغربية ، وهكذا تم تحويله للعمل الدبلوماسي في مدينة هامبورك (ثاني أكبر مدينة ألمانية) وأخذ يُدرس الفصول الدراسية ذاتها التي كان يُدرسها في جامعتي أوبسلا و وارشو [228] . وفي الوقت ذاته كان يصرف جُل وقته في الأماكن الجنسية الحمراء في مدينة هامبورك وإندمج في علاقات جنسية مع مجموعة من المثليين ، بل وتجاوز ذلك إلى ممارسة تقاليد الترانسفيستزم (وهي إرتداء ملابس الجنس الأخر ) [229] .

2 – قصة ومحنة إطروحة الدكتوراه

  ذكرنا قبل قليل أطراف من محنة ” فوكو ” مع إطروحته للدكتوراه في جامعة أوبسلا السويدية ، وكيف إن مؤرخ العلم السويدي ” ستين لندوف ” لم يكن مقتنعاً بها ورفض منحه درجة الدكتوراه . وأثناء تحوله في العمل الدبلوماسي إلى ألمانيا الغربية أكمل كتابة إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” الحماقة والجنون : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ” . وهي في الحقيقة (وبحدود ما) عمل فلسفي قام ” فوكو ” بتأسيسه على تاريخ الطب . ونحسب هنا إن ” فوكو ” قد جدد نهج فلسفي قديم ، وأنعش فيه روح معاصرة ، ونعني به نهج الفيلسوف – الطبيب جالينوس الذي يصعد إلى القرن الثاني الميلادي إذ إن من المعروف والمستقر إن جالينوس ولد عام 130م وتوفي عام 200م  ، وهو في الواقع إنموذج متفرد  حيث ربط كلاهما ؛ جالينوس وفوكو الطب والفلسفة بعلاقة أخوية حميمة [230].

  والواقع إن ” فوكو ” قد ناقش وبين ” كيف عالج المجتمع الأوربي الغربي ظاهرة الجنون ؟ ومن ثم ألقى الضوء على الدور الذي تلعبه الإوضاع الإجتماعية في تحديد هوية الإمراض العقلية . وفعلاً فقد أنجز رحلة بحث تاريخية ، صاحب فيها مفهوم الجنون ووقف على مراحل نشوءه وتطوره . وبالتحديد من خلال ثلاثة مراحل تاريخية ، وهي :

أولاً – عصر الرينساس (النهضة) .

ثانياً – من أواخر القرن السابع عشر .

ثالثاً – تجربة العصور الحديثة .

  ويعترف ” فوكو ” بصراحة بتأثير أفكار الشاعر الفرنسي والكاتب المسرحي ” إنطونين آرتو ” والتي تركت طباعات خاصة على تفكيره وكتاباته [231]. ونحسب إن لها تأثير خاص وإحتفالي على عنوان ومضمون إطروحته للدكتوراه حول تاريخ الجنون . ولعل ذلك جاء من طرف ” إنطونين آرتو ” الذي صرف فترات من حياته (مايُقارب الخمسة سنوات ) في مصح الأمراض النفسية ، ومات وحيداً في مستشفى الأمراض العقلية ، وهناك من يرى إنه مات منتحراً . ووفقاً للأعراض التي كان يُعاني منها من زاوية الطب النفسي (السايكيتري) ، فإنه كان يُعاني من الشيزوفرينيا [232] . ومن أهم مؤلفات ” إنطونين آرتو ” الشهيرة ” فون جوخ : الرجل الذي إنتحر بيد المجتمع ” والذي طبع في باريس قبيل وفاته بسنة واحدة (أي عام 1947) ، ومسرح القسوة ، والمسرح وإزدواجيته والذي طبع عام 1938 وبالمناسبة كان ” ميشيل فوكو ” يومذاك طفلاً  وبالتحديد إبن عشرة سنوات فقط . ومن النافع أن نشير إلى إن ” آرتو ” مات وعمر ” فوكو ” عشرين ربيعاً [233] . ونظن إن تراث ” فوكو ” وبالتحديد أطراف من إطروحته للدكتوراه يحتاج إلى دراسة نقدية تقويمية من زاوية حياة وكتابات ” إنطوين آرتو ”  .

  ويُعدُ كتاب – إطروحة ” ميشيل فوكو ” المعنون ” الحماقة والجنون : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ” من الكتب الضخمة ، فقد تألف في صورته الأولى من 943 صفحة في النص الأصلي إضافة إلى ببلوغرافيا [234] . ومن ثم سلمها إلى جامعة باريس ، ويومها كانت تعليمات الجامعة لمنح شهادة الدكتوراه تتطلب تسليم إطروحة الدكتوراه الأصلية كاملة ، وإن ترفق معها إطروحة دكتوراه ملخصة [235] . وفي عام 1964 قام بتلخيصها وفق شروط الناشر فتم طبعها ، وبعد سنة واحدة تُرجمت إلى الإنكليزية وظهرت بعنوان ” الجنون والحضارة [236] .

3 – إطروحة ” فوكو ” الثانية للدكتوراه

    وإطروحة ” فوكو ” كانت بعنوان ” مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط [237] وهي في الحقيقة ترجمة وشرح على مضمون كتاب الفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” والمعنون ” الإنثروبولوجيا من زاوية براجماتية ” والذي صدر في نسخته الألمانية عام 1788 . وإن إطروحة ” ميشيل فوكو ” برمتها مناقشة لنص كانط ، وإن كان في شرحه متأثر بأراء الفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه ” [238] . وهذه الإطروحة كانت بإشراف أستاذ ” فوكو ” القديم ” جان هيبوليت ” والذي كان متبحراً بتفاصيل الفلسفة الألمانية [239] .

4 – ولادة العيادة : حفريات في الإدراك الطبي

 هذا الكتاب نشر أولاً بالفرنسية عام 1963 ومن ثم ترجم إلى اللغة الإنكليزية سنة 1973 ، وموضوعاته لها علاقة بإطروحته للدكتوراه والتي صدرت في كتاب بعنوان ” الجنون والحضارة … ” . وفي كتابه ” ولادة العيادة .. ” يتتبع ” فوكو ” التطورات التي حدثت في مضمار العمل الطبي ، وخصوصاً المؤسسات الطبية (العيادات) والتي يقصد بها الطرف التعليمي من عمل المستشفيات ، والذي يدور حول مفهوم المعاينة الطبية [240] . وإن هذه الفكرة ستحتل حيزاً في كتابه اللاحق والذي سيحمل عنوان ” نظام الأشياء ” .

5 – الكلمات والأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية

  في عام 1966 ظهر بالفرنسية كتاب ” فوكو ” المعنون ” الكلمات والأشياء ” ومن ثم ترجم إلى الإنكليزية وبعنوان فيه إختلاف ” الكلمات والأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية ” [241] .

وفيه يستكشف ” فوكو ” الفترات التاريخية التي تحول فيها الإنسان إلى موضوع للمعرفة ، وكان هدفه وضع اليد على تراث الإنسانية وبالتحديد في طرف شروط الصدق في معرفة الإنسان ، وبيان ما هو مقبول من زاوية الخطاب العلمي . وجادل ” فوكو ” موضحاً بأن هذه الشروط الملازمة للخطاب العلمي قد تعرضت للتغيير والتبدل بصورة عامة ، كما إنها تغيرت من فترة أبستمولوجية وفترة أخرى [242] .

  ولعل المدهش حتى للفيلسوف ” فوكو ” إن هذا الكتاب كان من أفضل الكتب في قوائم البيع في فرنسا ، فمنحه سمعة قربته من العديد من الفلاسفة الفرنسيين في عصره ، ومن ثم ظهرت كتابات تصنفه من مدارس متنوعة من مثل البنيوية والوجودية [243]. ومن ثم رفض ” فوكو ” صياغة وتصنيف أفكاره في إطار هاتين المدرستين ، ودخل في صراع مع كل من ” سارتر ” و ” سيمون دي بوفوار ” واللذان هاجماه بعنف شديد ومن طرفه رد عليهما بهجوم نقدي ساخر [244] .

6 – حفريات المعرفة وخطاب اللغة

  وهذا الكتاب له قصة في النشر ، بدأت بنشر ” خطاب اللغة ” بالفرنسية عام 1971 أولاً ، ومن ثم ظهرت له ترجمة إنكليزية قام بها ” روبرت سوير ” في عام 1971 ذاته [245] . وبعد ذلك ظهرت له طبعة جديدة ، وكون ملحقاً من كتاب بعنوان ” حفريات المعرفة وخطاب اللغة ” [246] وطبع الملحق بحرف صغير مختلف عن حرف أجزاء ” حفريات المعرفة ” [247] مما سبب تعباً لرؤية القارئ وهو الجزء الذي نحتفل به من تفكير ” فوكو ” في هذا المقال وذلك لأن فيه جسور تقريب ومشاركة بين ” فوكو ” و ” نعوم شومسكي ” .

7 – الأخلاق : الذاتية والصدق

    في عام 1994 وبمناسبة مرور عشرة سنوات على وفاة الفيلسوف ” ميشيل فوكو ” قام ناشر أعماله بالفرنسية غليمار بإصدار أول مجموعة كاملة لأعماله ونشرها في ثلاثة مجلدات وبإشراف بول ربينو . ومن ثم قامت المطبعة الجديدة بطبع المجلد الأول والذي ضم ملخاصاته عن الفصول الدراسية التي كان يقدمها في الكلية الفرنسية وبالتحديد للفترة الممتدة من 1970 وحتى 1982 (إلا إنها ضمت أعمال تصعد إلى عام 1954) والتي لم تكن متوافرة باللغة الإنكليزية .

   والحقيقة إن هذا المجلد يكشف عن الخط التطوري لأفكار وكتابات ” فوكو ” وهي تضم مجالات من مثل السايكيتري (الطب النفسي) والبايوبوليتيك وموضوعات حديثة والقسم الثاني إحتوى على المقابلات التي أجراها وكتاباته الأساسية في الأخلاق ، ومن بين الأعمال التي ضمها هذا المجلد ” الأخلاق : الذاتية والصدق ” [248] .  وهو العمل الذي لم ير النور في حياة ” ميشيل فوكو ” .

8 – علم الجمال ، الميثدولوجيا (المنهج) والأبستمولوجيا

  وهذا الكتاب في حقيقته مجموعة مقالات نشرت في فترات سابقة ، وتقدمه مدخل كتبه ” جيمس فيبون ” [249] . وتألف من قسمين ؛ الأول درس فيه علم الجمال [250] . وتناول فيه ” الأب ” (لا) [251] ، والكلام والرؤية عند ريمون روسل [252]، ومدخل إلى محاورات روسو [253] ، إنها المعرفة القاسية [254] ، مدخل إلى الخطيئة [255] ، لغة إلى اللانهاية [256] … كما وخصص القسم الثاني لدراسة الطرائقية (المنهج) والأبستمولوجيا [257] . وبحث فيه موضوعات من مثل الفلسفة والسايكولوجيا [258] ، الكلمات والأشياء [259] ، نيتشه ، فرويد وماركس [260] ، في طرق كتابة التاريخ [261] ، في حفريات العلوم : إستجابة إلى دائرة الإبستمولوجيا [262] ، الجنون والمجتمع [263]

9 – في النقد الأدبي ” الموت والمتاهة : عالم ريمون روسل “

  وهو التجربة الوحيدة في مثل هذا الجنس من الإنشاء ، وخصصها ” ميشيل فوكو ” للشاعر والروائي الفرنسي ” ريمون روسل ” (1877 – 1933) . ونحسب إن إهتمام ” فوكو ” بالشاعر ” ريمون روسل ” يعود إلى إنه ” عينة سايكيترية ” ممتازة . فهو من طرف كاتب متفرد ومتنوع الإهتمامات ، فإضافة إلى كونه شاعر وروائي ، فهو كاتب مسرحي وموسيقي . ومن طرف أخر عانى من ” أزمة عقلية ” قادته إلى ” العيادة السايكيترية ” [264] . فمن المعروف إنه أخذ يتردد على الطبيب النفسي الفرنس الشهير ” بيير جانيه ” (1859 – 1947) وهو واحد من مؤسسي علم النفس الحديث (فهو يشارك الألماني ” ويلهلم فونت (1832 – 1920) والأمريكي ” وليم جيمس ” (1842 – 1910)) . وربما إهتم به ” فوكو ” كذلك بسبب موته التراجيدي ، فقد مات بتناوله جرعات زائدة من المخدرات [265]. وهذه قضية عاشها وإختبرها ” ميشيل فوكو ” كما بينا ذلك في الحديث عن سيرته الذاتية .

  من أهم أعمال ” ريمون روسل ” رواية بعنوان ” إنطباعات عن أفريقيا ” والتي تحولت إلى مسرحية . وقصيدته الشعرية الطويلة التي حملت عنوان ” إنطباعات جديدة عن أفريقيا ” والتي تألفت من 1274 بيتاً شعرياً [266] ، ولكل هذا وكتب وأعمال أخرى ، هي التي حملت ” ميشيل فوكو ” أن يخصص كتابه الوحيد في الأدب والنقد الأدبي والسيموطيقا للشاعر والروائي ” ريمون روسل ” . ومن الطرف السيموطيقي فإن هذا الكتاب يُقرب ” ميشيل فوكو ” كثيراً من عالم اللنكوستيك والسيموطيقا ” نعوم شومسكي ” .

10 – كتابات فوكو السياسية

  لقد أشرنا سابقاً إلى إنتماء ” ميشيل فوكو ” إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وبتأثير إستاذه ” التوسر ” ومن ثم إنفرطت علاقته بالحزب الشيوعي وغادره دون رجعة وإن ظل وفياً لإستاذه ” التوسر” . ومن المعلوم إن ” فوكو ” مس الطرف السياسي كثيراً في كتاباته المتنوعة وخصوصاً في كتابيه ” الحماقة والجنون … ” وكتابه المعنون ” الضبط والعقاب : تاريخ السجن ” [267] . ونحسب إنه من المهم في هذا المقام الإشارة إلى ” سلسلة محاضرات ” فوكو والتي حملت عنوان ” الأمن ، الأراضي والسكان والتي قدمها عامي 1978 و 1979 [268] . وكذلك يمكن التنبيه في هذا المضمار إلى مشروعه البحثي الذي حمل عنوان ولادة سياسات البايولوجيا (أو البايوبولتيك) [269] .

  وهذه أمثلة وشواهد على مشاغل ” فوكو ” في الطرف السياسي وهو الموضوع الفلسفي العتيد الذي نزل إليه وفقاً لكتابات الأدب السياسي التقليدي من إفلاطون ومحاورته الجمهورية الشهيرة وعصر بزوغ شمس الفلسفة السياسية [270] … وحسب ظننا إن الطرف السياسي في نصوص الأدب السياسي اليوناني تصعد إلى قرون عدة أبعد من عصر إفلاطون وتاريخ كتابته الجمهورية بزمن يتجاوز ذلك بقرون [271] .

  ومسك الختام الإشارة إلى إن الفيلسوف ” ميشيل فوكو ” مات في المستشفى ذاتها التي عمل فيها دراساته التي مهدت لكتابة رائعته الأولى والتي حملت عنوان ” الجنون والحضارة … ” فقد دخل المستفى في 9 حزيران عام 1984 وتوفي فيها في 25 حزيران من العام ذاته (أي عام 1984) . وكانت مناسبة دفن جثمانه إحتفالية خاصة ، فقد كان خلال المراسيم  يقرأ زميله الفيلسوف الفرنسي ” جيل دولوز ” مقطعاً من رائعة ” فوكو ” الشهيرة ” تاريخ الجنسانية ” في الوقت ذاته يوارى جثمانه بالتراب [272] .

    ومثلما إهتم ” نعوم شومسكي ” بالطرف اللنكوستيكي عند فيلسوف العقلانية الفرنسية ” رينيه ديكارت ” وبالتخصيص في كتابه المعنون ” اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني ” فإن ” ميشيل فوكو ” هو الأخر إهتم بطرف من العقلانية ، وهي ” عقلانية الألماني عمانوئيل كانط ” (1724 – 1804) وبالتحديد في كتابه ” مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط من زاوية براجماتية ” وهي بحثه للدكتوراه الثانية والذي قدمه عام 1961 [273] . وهذه الإطروحة من طرفها فيها الكثير من المقاربة بين شومسكي وفوكو عبر عقلانية ديكارت والعقلانية النقدية للفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” . وهناك إمكانية للتقارب بين مشروعي اللنكوستيك العقلاني بطرفيه الديكارتي والكانطي .

         كما إن هناك إهتمام مشترك بين الإثنين في مضماري اللنكوستيك والسيموطيقا (شومسكي) وحفريات اللغة وتحليل الخطاب (فوكو) .. ولا تنسى أطراف من الماركسية الغربية عند الإثنين تُشكل جسراً يربط بين شواطي التفكير الشومسكي والفوكي . ولعل كتاباتهما السياسية رغم التنوع والذي يعمل لصالح ” شومسكي ” فإن فيه درجات وحدود من التقريب بين الإثنين .

——————————————————————————-

الهوامش

 – أنظر ؛ نعوم شومسكي و ميشيل فوكو ؛ ” مناظرة بين شومسكي وفوكو حول الطبيعة الإنسانية ” بإشراف المفكر الهولندي ” فونز أليدرز ” ، [1]

(بالإنكليزية) ، المطبعة الجديدة – نيويورك 2006 ، التصدير الذي كتبه البروفسور جون راجمان ، ص 1 .  

 – واللنكوستيك (اللغويات) هي الدراسة العلمية للغة . واللنكوستيك يحلل اللغة الإنسانية من ثلاثة أطراف : الصوت والرمز (الإشارة) والمعنى . [2]

وتاريخياً ينسب العاملون في مضمار اللنكوستيك أولى المحاولات اللنكوستيكية إلى عالم النحو السنسكريتي ” بانيني ” (عاش 500ق.م) في الهند القديمة . وبانيني هو الذي قدم أول وصف للغة السنسكريتية في تاريخ اللنكوستيك ، وذلك من خلال صياغته قواعد النحو للغة السنسكريتية . كما وعرض تحليل للغة السنسكريتية من زاوية السنتاكس والسيمانطيقا . وفعلاً فإن عالم النحو السنسكريتي ” بانيني ” صاغ 3959 قاعدة نحوية .

  وإن هناك ثلاثة ميادين تركز عليها الدراسات اللنكوستيكية ، وهي :

أولاً – مضمار يدرس الأصوات المنطوقة من قبل المتكلم .

ثانياً – مضمار يدرس  التحولات الفيزياوية للصوت من المتكلم وإلى المستمع .

ثالثاً – مضمار يدرس إستقبال أصوات الكلام من قبل المستمع . للتفاصيل أنظر : فريست ستيل ؛ الكونيات : المنطق واللنكوستيك الهنديين (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1988 . وكذلك : ديفيد كريستل ؛ اللنكوستيك (بالإنكليزية) ، دار بنجوين للكتب 1990 .

 – أنظر : روبرت أويدي (الناشر) ؛ قاموس كيمبريدج للفلسفة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 (يتجاوز الألف صفحة) ، ص 138 [3]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الدول الفاشلة : سوء إستخدام القوة والإعتداء على الديمقراطية (مشروع الإمبراطورية الأمريكية) ، دار نشر كتب [4]

ميتروبوليتين 2006 (يتألف الكتاب من 314 صفحة) .

 – أنظر : نعوم شومسكي : 1 – إسرائيل ، هولكوست (المحرقة النازية) وضد السامية / حوار عام 1992 (أون لاين) . 2 – لماذا المفاوضات [5]

الفلسطينية الإسرائيلية تمثيلية  – مهزلة ، 2 سبتمبر (أون لاين) .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الدول الفاشلة … (مصدر سابق)[6]

 – أنظر للتفاصيل : كامبيل دونكن ؛ ” صوت العالم وكان شومسكي في القمة ” / الأخبار العالمية / صحيفة الكارديان في 29 مايس 2013 [7]

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ نعوم شومسكي : حياة المعارضة ، مطبعة ماسشيوست للتكنولوجيا 1998 ، ص 9  [8]

 – للتفاصيل أنظر : أليكسندر بيدار ؛ قاموس الأسماء الإشكنازية : إصولها ، تركيبها وتلفظها والهجرة ، إفتونيا 2001 [9]

 – أنظر : بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص ص 9 – 10 [10]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 11 [11]

 – للتفاصيل عن اللغة اليديشية ، أنظر : نيل جاكوبز ؛ اليديشية : مدخل لنكوستيكي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2005 [12]

 – أنظر : أمي كودمان ؛ حياة وزمن نعوم شومسكي / مقابلة (بالإنكليزية) ، 26 نوفمبر 2004 (أون لاين) .[13]

 – للتفاصيل أنظر : آحاد هعام ؛ الدولة اليهودية والمشكلة اليهودية (بالإنكليزية) ، ترجمة ليون سايمون ، الجمعية الأمريكية اليهودية للنشر 1912 .[14]

 – أنظر : شلمو أفينري ؛ ثيودور هيرزل وتأسيس دولة اليهود (بالإنكليزية) ، لندن 2013 .[15]

 – للتفاصيل أنظر : آحاد هعام ؛ المصدر السابق  [16]

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص 15 [17]

 – أنظر : جوليان جاكسن ؛ سقوط فرنسا والإحتلال النازي عام 1940 ، مطبعة جامعة أكسفورد 2003 [18]

 – نسبة إلى الرئيس الأمريكي الديمقراطي ” فرانكلين روزفلت ” (1882 – 1945) وهو الرئيس الثاني والثلاثين ، وتم إنتخابه أربع مرات ، وحكم[19]

أمريكا للفترة الممتدة من أذار عام 1933 وحتى وفاته في نيسان 1945 . وكان من الرموز السياسية الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين ، وقاد أمريكا خلال فترة الكساد الإقتصادي والحرب العالمية الثانية … لكثير من التفاصيل أنظر : ألين وينكلير ؛ فرانكلين روزفلت وصناعة أمريكا الحديثة (بالإنكليزية) ، دار نشر لونكمان 2006 .

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ نعوم شومسكي : حياة المعارضة (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا ، 1997 (237 صفحة) .[20]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 14 [21]

وإتحاد عاملات وعمال الخياطة العالمي ، هو من أكبر إتحادات العمل في الولايات المتحدة الأمريكية يومذاك ، وتأسس عام 1900 وضم في عام 1969 بحدود 250 ألف عاملة وعامل . وإقتصر أولاً على العاملات ومن ثم توسع ليضم العمال كذلك .  وكان الغالبية من العمال من المهاجرين اليهود والبولنديين والإيطاليين ، وممن كانت لهم ميول إشتراكية .. للتفاصيل أنظر : كيز تايلور ؛ نظرة إلى إتحاد العمال : تاريخ إتحاد عاملات الخياطة (بالإنكليزية) ، نييورك 1995 .  

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص 23 [22]

 – أنظر : نعوم شومسكي (والمشرف على النشر بيري بيتمان) ؛ نعوم شومسكي حول الفوضوية (بالإنكليزية) ، دار نشر اليسار والفوضوية 2005[23]

(الكتاب تألف من 256 صفحة) .

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص 17 وما بعد [24]

 – والفاشية هي شكل من أشكال السلطة القومية الراديكالية ، والتي إنبثقت في السنوات الأولى من القرن العشرين في أوربا . وفي الأصل تولدت [25]

الفاشية في إيطاليا ، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة . والفاشية مزجت سوية ” سياسات اليمين ” و ” مبادئ سياسات اليسار ” وهي تعارض الليبرالية والماركسية والنزعات المحافظة . وعلى هذا الأساس فإن الفاشية حلت محل اليسار واليمين في الطيف السياسي الأوربي . ويتطلع الفاشيون إلى توحيد شعوبهم من خلال دولة إستبدادية ، تعمل على إستقطاب الجمهور في مجتمع قوي يمتلك قياة تقود حركة سياسية ثورية ، وتهدف إلى الإعتراف بأن الشعب هو أساس السلطة في الإيديولوجيا الفاشية . والفاشية تتضمن عنف سياسي ، وحروب ، والإمبريالية تعني لديهم وسيلة لتجديد الشعب وقيادة قوية (مثل الرئيس الإيطالي موسليني) . كما تؤكد على شعب قوي له الحق في توسيع حدوده وضم أراضي الشعوب الضعيفة المجاورة … للتفاصيل أنظر : سابرين بليميرز ؛ فاشية العالم : موسوعة تاريخية (بالإنكليزية) ، كليفورنيا 2006 ، المجلد الأول .

-  والفوضوية حركة قديمة لها جذور تاريخية بعيدة في الحضارتين الصينية واليونانية ، إلا إنها في التعريف المتداول في الكتابات السياسية ، هي    [26]

فلسفة سياسية تُدافع عن مجتمعات ” بلا حكومات ” وتحكم ذاتها عن طريق ” مؤسسات تطوعية ” . وهناك من يرى ” إنها مؤسسات حرة خالية من أي شكل من أشكال الهرمية ” . والفوضوي يعتقد ” إنه لا حاجة ولا ضرورة إلى الدولة التي هي السبب وراء كل المشاكل والمآسي … وتاريخ الفوضوية يطوي تاريخ الإنسانية بحقبه المتنوعة … أما المدارس الفكرية للفوضية الكلاسيكية ، فهي الفوضوية المتبادلة ، الفوضوية الفردية ، الفوضوية الإجتماعية ، الفوضوية الإنتخابية … وهناك مدارس فكرية للفوضوية ما بعد الكلاسيكية ، منها ما بعد الفوضوية ، والفمنستية الفوضوية ، وما بعد الفوضوية اليسارية ، والرأسمالية الفوضوية .. وهذا يحتاج إلى مقال خاص . للتفاصيل أنظر : بول ماكليفلت ؛ الفوضوية والسلطة : مدخل فلسفي إلى الفوضوية الكلاسيكية (بالإنكليزية) ، إشكيت 2007 .

 – أنظر : بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص ص 21 – 22 [27]

 – المصدر السابق ، ص 47 [28]

 – أنظر المصدر السابق  [29]

 –  أنظر : نعوم شومسكي : حياة المعارضة (مصدر سابق) / القسم الخاص بعالم اللنكوستيك ” زيلخ هاريس ” .[30]

 – أنظر : روبرت بارسكي ؛ زيلخ هاريس : من اللنكوستيك الأمريكي وإلى الصهيونية الإشتراكية (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد بنسلفانيا للتكنولوجيا[31]

2011 (الكتاب يتألف من 376 صفحة) .

 – أنظر : زيلخ هاريس ” نحو اللغة الفينيقية (بالإنكليزية) ، سلسلة الإستشراق الأمريكية ، رقم 8 سنة 1936 [32]

 – أنظر: زيلخ هاريس ؛ تطور اللهجة الكنعانية : بحث في تاريخ اللنكوستيك (بالإنكليزية) ، سلسلة الإستشراق الأمريكية ، رقم 16 سنة 1939  [33]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ الصرف والتلفط (بالإنكليزية) ، دورية اللغة ، المجلد 22 ، العدد 3 ، عام 1946 ، ص ص 161 – 183 .[34]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ طرق اللنكوستيك البنيوي (بالإنكليزية) 1951 .[35]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ تحليل الخطاب (1952) ، منشور في ” أوراق في اللنكوستيك التحويلي والبنيوي ، نشرة سبرنك 1970 (ص ص 1 -[36]

30) .

 – أنظر: روبرت بارسكي ؛ المصدر السابق ، ص ص 51 – 52 .[37]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ البنية المنطقية للنظرية اللنكوستية (بالإنكليزي ) ، نشرة سبرنكر 1975 (ويتألف من 592 صفحة) .[38]

 – زيلخ هاريس ؛ التحليل الخطي لتركيب الجملة (بالإنكليزية) (1962) ، دار هيكو وشركاؤه 1965 (يتألف من 70 صفحة) .[39]

 – زيلخ هاريس ؛ البُنى الرياضية للغة (بالإنكليزية) ، دار الناشرين للعلوم 1968 ( تألف من 230 صفحة) .[40]

 – زيلخ هاريس ؛ أوراق في اللنكوستيك البنيوي والتحويلي (بالإنكليزية) ، دار رايدل 1970 (850 صفحة) .[41]

 – زيلخ هاريس ؛ أوراق حول السنتاكس (بالإنكليزية) ، دار رايدل 1981 .[42]

 – زيلخ هاريس ؛ قواعد اللغة الإنكليزية المؤسسة على مبادئ رياضية (بالإنكليزية) ، دار نشر ويلي وأولاده 1982 (تألف من 429 صفحة) .[43]

 – أنظر : ميراث زيلخ هاريس : اللغة والمعلومات في القرن الواحد والعشرين (بالإنكليزية) ، شركة نشر جون بنيامين 2002 .[44]

 – زيلخ هاريس ؛ صورة المعلومات في العلم : تحليل للغة العصية (بالإنكليزية) (1991) ، دار نشر سبرنكر 1989 (يتألف من 590 صفحة) .[45]

الأمريكية ، سبتمبر 1994 ، ص ص 585 – 588 .

 – زيلخ هاريس ؛ نظرية اللغة والمعلومات : مشروع رياضي (بالإنكليزية) ، دورية اللغة ، المجلد 70 ، العدد 3 ، الجمعية اللنكوستيكية[46]

 – أنظر : زيلخ هاريس ؛ تحولات المجتمع الرأسمالي (بالإنكليزية) ، شركة رومان والناشرين 1997 (256 صفحة) .[47]

 – أنظر : الكتاب الأحتفالي ” خلفيات تحليل اللغة الفوقية والتحويلية (مدخل إلى ميراث زيلخ هاريس) : اللغة والمعلومات في القرن الحادي [48]

والعشرين (بالإنكليزية) وبإشراف بروس نفين ، شركة نشر جون بنجامين 2002 ، وهو المجلد الأول / فلسفة العلم ، السنتاكس والسيمانطيقا) .

 – أنظر: روبرت روبنز ؛ تاريخ مختصر للنكوستيكا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إنديانا 1967 (تكون من 248 صفحة) .[49]

 – أنظر : نوث وينفريد ؛ في السيموطيقيا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إنديانا 1995 (تكون من 576 صفحة) .[50]

  ولكون هذا الكتاب مهم للقارئ العربي ودائرة الثقافة العربية على حد سواء ، أحاول تقديم عرض لفصوله بإيجاز شديد . تكون الكتاب من

1 – مدخل ناقش فيه ؛ السيموطيقا ، والتعددية في السيموطيقا ، وهل السيموطيقا علم أم حركة ؟ ، وبحث في مضمار السيموطيقا ، ومصادر السيموطيقا (ص ص 3 – 6) . 2 – ومن ثم بحث في قسم في غاية الأهمية وهو الأخطر في الكتاب ، وجاء بعنوان ” تاريخ السيموطيقا الكلاسيكية والحديثة ” ودرس فيه تاريخ السيموطيقا ، بيرس ، موريس و سوسور وأخرون (ص ص 9 – 77) . 3 – ودرس الإشارة والمعنى (ص ص 77 – 103) . 4 – وفي موضوع مهم جداً تناول ” السيمانطيقا والسيموطيقا ” (ص ص 103 – ومابعد) … 5 – ولعل الفصل البالغ الأهمية ، هو الفصل المعنون ” من البنيوية وحتى نص السيموطيقا ” (ص ص 292 – 305)

 – للإستشهاد أنظر مثلاً فيما يخص ” فوكو ” المحور المعنون ” ميشيل فوكو والتاريخ البنيوي للمعرفة ” (ص 303 وما بعد) والمحور المعنون [51]

” فوكو وتاريخ السيموطيقا ” (ص 305 وما بعد) . أنظر : نوث وينفريد ؛ المصدر السابق  .

 – أنظر : روي هاريس و ج . تايلور ؛ مؤشرات أساسية في الفكر اللنكوستيكي (1) : التقليد الغربي من سقراط وحتى سوسور (بالإنكليزية) ، [52]

مطبعة السايكولوجيا 1989 الفصل السادس عشر وبعنوان ” سوسور واللغة والفكر ” ص ص 209 – 224 .

 – أنظر : ماركريت كيس ؛ هنريخ زيمر القادم لوحده  (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة برنستون 1994 .[53]

 – أنظر : هرمان أولدنبيرك ؛ الكتب المقدسة (البوذية) (بالإنكليزية) ، ترجمة ماكس ميلر ، مطبعة كليمرندون – أكسفورد ، المجلد الأول 1896 ،[54]

المجلد الثاني 1892 .

 – أنظر : هرمان أولدنبيرك ؛ سجل تاريخي بوذي قديم ، ترجمة إنكليزية، الناشر وليمز ونةركيتا – لندن 1879 .[55]

 – أنظر : كارول ساندرز ؛ صُحبة كيمبريدج مع سوسور (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2004 ، الفصل الثاني والمعنون ” سنوات [56]

سوسور في باريس ” ، ص ص 30 – 44 .

 – أنظر : المصدر السابق [57]

 – أنظر : روي هاريس ؛ قراءة سوسور : شرح نقدي لكتاب ” فصل دراسي في اللنكوستيك العام (بالإنكليزية) ، مطبعة الكورت المفتوح – الينويوز[58]

1987 .

 – أنظر : سوسور ؛ فصل دراسي في اللنكوستيك العام (محاضرات عام 1916) إشراف شارلز بيلي و ألبرت سيشهاي وأخرون ، ترجمة دبليو [59]

بسكين ، غلاسكو 1977 .

 – كارول ساندروز  ؛ صحبة كيمبريدج مع سوسور (المصدر السابق)  [60]

 الموسوعة العالمية الجديدة ، نشرة عام 1905 ، مادة ” فايبر ” (بالإنكليزية) (أون لاين) .[61]

 – أنظر : هيك كيسهولم ؛ فرانز بوب (بالإنكليزية ) ، الموسوعة البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج  1911  العدد 11[62]

 – الموسوعة العالمية الجديدة ، (مصدر سابق) ، مادة ” رودلوف فون روث ” (بالإنكليزية) . [63]

 – للتفاصيل عن المدرسة الأمريكية في اللنكوستيك وخصوصاً عن عالم اللنكوستيك الأمريكي ” وليم وتني ” أنظر : جون أيرل جوزيف ؛ من وتني [64]

وحتى شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيك الأمريكي (بالإنكليزية) ، دار نشر جون بنجامين 2002 وتكون من تسعة فصول وبحدود 234 صفحة . وفيه إجابة عن سؤالنا كيف إتصل سوسور بعالم اللنكوستيك وليم وتني ؟ جاء الفصل الأول بعنوان ” الغموض المتنوع حول هوية المدرسة الأمريكية في اللنكوستيك ” ص ص 1 – 17 . والفصل الثاني وهو مهم جداً في علاقة ” سوسور” باللنكوستيكي الأمريكي ” وليم وتني ” وجاء بعنوان ” وتني الأمريكي وميراثه الأوربي ”  ص ص 19 – 46 . أما الفصل الثالث فبحث في ” لنكوستيك القرن العشرين في أمريكا وأوربا ” ص ص 47 – 70 . . وتلاه الفصل الرابع الذي درس في ” مصادر فرضيات ” سبير – ورف ” وأدور سبير (1884 – 1939) وبنجامين لي ورف (1897 – 1941) هم من الرموز المهمة في التطور المبكر لمضمار اللنكوستيك الأمريكي ” ص ص 71 – 106 . أما الفصل الخامس فإشتغل على ” إصول اللنكوستيك الإجتماعي الأمريكي ” ص ص 107 – 132 .ونحسب الفصل السادس من الفصول المهمة في بحثنا الحالي ، فقد كشف عن ” قراءات بلومفيلد وشومسكي لكتاب ” سوسور ” المعنون ” فصل دراسي في اللنكوستيك العام ” ص ص 133 – 156 . وبحث الفصل السابع في ” البنيوي والبنيوية الأمريكية ” ص ص 157 – 168 . وتحول الفصل الثامن نحو ضفاف ” السلوكي والسلوك اللفظي ” ص ص 169 – 180 . أما الفصل التاسع والأخير فكشف النقاب عن ” الشائع من التفسيرات الخاطئة عن بنجامين ورف ونعوم شومسكي ” و” ماهو المشترك بينهما ” وكيف ولماذا حدث ذلك ؟ ص ص 181 – 196 . وضم الكتاب مراجع ص ص 197 – 222 وفهارس ص 223 وما بعد .

 – للتفاصيل أنظر :[65]

أ – ستيفن ألتر : وليم وتني وعلم اللغة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز 2005 .

ب – جون أيرل جوزيف ؛ وتني الأمريكي وميراثه الأوربي / منشور في كتاب ؛ من وليم وتني وحتى نعوم شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيك الأمريكي ، دار نشر جون بنجامين 2002 ، ص ص 19 – 47 . 

 – هل فعلاً هناك مدرسة لنكوستيكية أمريكية ؟ سؤال واجه الباحث ” جون أيرل جوزيف ” وهو يبحث وينقب عن ملامح هذه المدرسة ، والحقيقة [66]

كان ” جوزيف ” أميناً جداً فقد تردد مرات كثيرة في الحديث عن مدرسة أمريكية لنكوستيكية ، ولعل الشهادة على ذلك يُقدمها الفصل الأول من كتابه المعنون ” من وتني وحتى شومسكي : مقالات في تاريخ اللنكوستيك الأمريكي ” وهو الفصل الذي جاء بعنوان صريح ” الغموض المتنوع حول هوية المدرسة الأمريكية اللنكوستيكية ” (مصدر سابق ، ص ص 1 – 17) . وتساءل المؤلف ” جوزيف ” عن هوية الطرف الأمريكي في عبارة ” اللنكوستيك الأمريكي ” . وفي تقديم الحجة تساءل مرة أخرى ” هل إن جاكبسون الذي صرف نصف حياته في أمريكا ، هو جزء من حركة اللنكوستيكين الأمريكية ؟ وبالمناسبة إن ” رومان جاكبسون (1896 – 1982) هو عالم اللنكوستيك الروسي – الأمريكي ، وهو من رواد التحليل البنيوي للغة ، وهو رمزاً كبيراً فرض هيمنته في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين … أنظر للتفاصيل : أي . هولنستاين ؛ مشروع جاكبسون للغة : البنيوية الفينومنولوجية ، مطبعة جامعة إنديانا 1975) وتساءل ” جوزيف ” ” كيف تحول مفهوم ” وليم وتني ” الحقيقي للغة إلى مفهوم للديمقراطية ؟ ” ” وكيف تطورت اللنكوستيكيات الأمريكية في القرن العشرين ؟ ” . ” وما علاقة هذه التطورات اللنكوستيكية الأمريكية بالنزعات الثقافية الحادثة خارج أمريكا ؟ ” . وهذا الكتاب هو تجربة بحثية إنجزها ” جوزيف ” لفترة إمتدت خمسة عشر عاماً ، والتي إكتشف من خلالها اللقاء الذي حدث بين ” وليم وتني ” و ” سوسور ” . كما وكشف فيها إصول فرضيات كل من ” سبير وورف ” واللنكوستيك الإجتماعي ، وتحديده لقراءات كل من بلومفيلد وشومسكي لسوسور . ومن ضن ما إكتشفه ، هو ” لماذا البنيوية الأمريكية لم تنتهي مع شومسكي ، وإنما بدأت معه ؟ وكيف نجح بلومفيلد في في قراءة سوسور كسلوكي ؟ ولماذا تجلى سكينر منتصراً على شومسكي ؟ … وكيف كانت مناقشة وتني وماكس ميلر في القرن التاسع عشر وعلاقتها بالإختلافات بين كتابات شومسكي اللنكوستيكية وكتاباته السياسية ” … أنظر : جون أيرل جوزيف ؛ المصدر السابق .

 – أنظر : جورجينا ميلر ؛ حياة ورسائل ماكس ميلر (بالإنكليزية) ، دار نشر لونكمان 1902 ، المجلد الأول .[67]

 – أنظر المصدر السابق [68]

 – أنظر : ستيفن ألتر ؛ المعركة مع ماكس ميلر / وليم وتني ، مطبعة جامعة جون هوبكنز 2005 ، ص ص 174 – 207 .[69]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ البُنى السنتاكسية (بالإنكليزية) ، دار نشر ماوتن وشركاؤه ، 1957 (ويتألف من 117 صفحة) .[70]

 – أنظر للتفاصيل : روبرت هول ؛ ليونارد بلومفيلد : مقالات في حياته وأعماله (بالإنكليزية) كتاب جماعي ، دار نشر جون بنجامينز – فيلادلفيا[71]

1987 .  

 – أنظر : ليونارد بلومفيلد ؛ اللغة (بالإنكليزية) ، دار نشر موتيلا باتريسايد 1994 (ويتألف من 566 صفحة) .[72]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ موضوعات حول النحو التوليدي (بالإنكليزية) ، دار نشر والتر ودي كروتير 1966 (تألف من 95 صفحة) .[73]

 – أنظر : الإكسندرا روثرفورد ؛ ما وراء الصندوق : المذهب السلوكي التكنولوجي لسكينر من المختبر إلى الحياة (الخمسينات – السبعينات من [74]

القرن العشرين) بالإنكليزية ، مطبعة جامعة تورنتو 2009 .

 – أنظر ” نعوم شومسكي ؛ السلوك اللفظي عند سكينر ، دورية اللغة ، المجلد 35 ، العدد 1 سنة 1959 ، ص ص 26 – 58 [75]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج – نيويورك 2009 [76]

(تكون من 164 صفحة) .

 – تم الإستشاهد به في ثنايا البحث الحالي .[77]

 – أنظر : هانز أرسيلف ؛ تاريخ اللنكوستيك والبروفسور شومسكي (بالإنكليزية) ، مجلة اللغة / المجلد 46 سنة 1970 / العدد 3 ، ص ص 570 [78]

- 585 .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الواجهات المتنوعة لنظرية السنتاكس (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا 1969 (وتكون من 261 [79]

صفحة) .

 أنظر للتفاصيل عن النحو التوليدي كمشروع دراسة للسنتاكس ؛ نعوم شومسكي ؛ الواجهات المتنوعة لنظرية السنتاكس ، مطبعة معهد ماسشيوست -[80]

للتكنولوجيا 1965 (مصدر سابق) .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ موضوعات حول نظرية النحو التوليدي (بالإنكليزية) ، دار نشر والتر دي كروتير 1966 (وتألف من 95 صفحة) .[81]

 أنظر : نعوم شومسكي ؛ اللغة والعقل (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2006 والكتاب في الأصل نشرت منه فصول في عام 1960 . -[82]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ مسؤلية المفكرين ، نشرت في ملحقاً خاصاً في مراجعات نيويورك للكتب في 23 شباط 1967 .[83]

 – للتفاصيل أنظر : ثيودور ماسيمو (الناشر المشرف) ؛ اليسار الجديد : تاريخ توثيقي (بالإنكليزية) ، دار نشر جونثان كب – لندن 1970 .[84]

واليسار الجديد هي حركة سياسية نشأت في بريطانيا وأمريكا خلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين وهي معارضة لليسار الماركسي ، ويُعد الفيلسوف الماركسي ” هربرت ماركوز ” الأب الروحي لحركة اليسار الجديد ، وهو من الرموز الكبيرة لمدرسة فرانكفورت .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ المصدر السابق . وبالمناسبة إن الفيلسوفة الأمريكية – الألمانية ” حانا إرنديت ” قد كتبت مدخلاً لكتاب ” ديوايت  [85]

مكدونالد ” المعنون ” السياسات ” والذي نشر أولاً مراجعة في ” مراجعات الكتب / نيويورك (هي مجلة نصف شهرية) 1 آب 1968 .  

 – المصدر السابق [86]

 – المصدر السابق [87]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ البنية المنطقية للنظرية اللنكوستيكية (بالإنكليزية) ، دار نشر سبرنكر 1975 (تكون من 592 صفحة) .[88]

أنظر : نعوم شومسكي ؛ معرفة اللغة : طبيعتها ، إصولها وتداولها (بالإنكليزية) ، مطبعة جماعة كرين وود للنشر 1986 (تكون الكتاب من 307 -[89]

صفحة) .

 – أنظر : روث ناندا أنشين ؛ الحرية : معانيها (بالإنكليزية) ، دار نسر بيرس وشركاؤه 1940 ( وتكون من 686 صفحة) .[90]

 – أنظر : روث ناندا أنشين ؛ تشريح الشر (بالإنكليزية) ، دار نشر موير بيل 1985 (تكون من 212 صفحة) .[91]

 – أنظر : روث ناندا أنشين ؛ اللغة : بحث في معناها ووظيفتها (بالإنكليزية) ، وهي من سلسلة علم الحضارة ، دارنشر هاربر 1957 (تكون من [92]

366 صفحة) وخصوصاً الفصل المعنون ” اللغة كفكرة ” ص ص 3 – 17 ، وطبيعة اللغة ، ص ص 18 – 40 ، ووظيفة اللغة ، ص ص 41 وما بعد

 – للمزيد من التفاصيل أنظر الصفحات السابقة .[93]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ حول الفوضوية ومقالات أخرى ، دار أقرأ كما تريد 2013 ( تكون من 500 صفحة) .[94]

 – أنظر : بيتر بروك ويانك نايجل ؛ الحركة السلمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة سيراكيوز – – نيويورك 1999 .[95]

 – خلال مكوث ” تروتسكي ” في منفاه في المكسيك ، أقام علاقات وثيقة بما سمي باليسار الثوري الأمريكي ، وبشكل خاص بجماعة من قيادي [96]

حزب العمال الإشتراكي الأمريكي من أمثال ” جيمس كانون ” (1890 – 1974) وهو قائد الحزب وفي حقيقته كان تروتسكياً أمريكياً ، وقبل ذلك كان عضواً في الحزب الشيوعي الأمريكي . ومن أهم مؤلفاته ، كتابه المعنون الثورة الأمريكية قادمة (دار نشر مطبعة الرواد – نيويورك 1947) . و” جوزيف هانس ” (1910 – 1979) وهو ” تروتسكي أمريكي ” ومن قيادي حزب العمال الإشتراكي الأمريكي ، وعمل سكرتيراً وحارساً شخصياً لتروتسكي من سنة 1937 ولمدة ثلاث سنوات . وكذلك ” فيرل دوبز ” (1907 – 1983) وهو تروتسكي أمريكي ومؤرخ وسياسي … للتفاصيل أنظر : بلامر براين ؛ جيمس كانون وإصول اليسار الثوري الأمريكي (1980 – 1928) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إلينويز 2007 .

 – للتفاصيل عن حياة ” تروتسكي ” وتفكيرة ، أنظر : إرنست ماندل ؛ تروتسكي وديناميكية تفكيره (بالإنكليزية) ، دار شوكن للكتب – نيويورك  [97]

1979 .

 – أنظر : كيفن ماتسن ؛ المفكرون في فعل : إصول اليسار الجديد والنزعة التحررية الراديكالية (1945 – 1970) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة  [98]

ولاية بنسلفانيا 2002 ، ص 34 .

 – للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ مدرسة فرانكفورت وإتجاهاتها الفكري ، مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد 3 ، العدد 6 ، ربيع[99]

2012 .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ ماذا يريد العم سام حقيقة : قصص حقيقية (بالإنكليزية) ، مطبعة أودنين 1992 (تكون من 111 صفحة) .[100]

 – الدكتور : محمد جلوب الفرحان ؛ خطاب أخر الليل في نعي ديمقراطية العم سام ، موقع الفيلسوف / 4 يوليو 2013 . وأنظر الدكتور محمد جلوب[101]

الفرحان ؛ وجع فلسفي خاص من ديمقراطية العم سام / ميموار فلسفي / الحلقة 12 / 11 نوفمبر 2011 .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ ماذا يريد العم سام (مصدر سابق) .[102]

 – أنظر المصدر السابق [103]

 – أنظر المصدر السابق [104]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ أفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل (بالإنكليزية) ، تصدير نيل سميث ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2000 (تكون من [105]

250 صفحة) .  

 – أنظر المصدر السابق [106]

 – أنظر المصدر السابق [107]

 – للتفاصيل أنظر : جون أيرل جوزيف ؛ من وليم توني وحتى نعوم شومسكي … (مصدر سابق) .[108]

 – هناك فصل في غاية الأهمية فيه بيان عن العلاقة بين ” الفيللوجيا واللنكوستيك ” ، للتفاصيل أنظر : إي . أف . كورنر ؛ مقالات في تاريخ [109]

اللنكوستيك : طرق وموديلات في اللنكوستيك (بالإنكليزية) ، نشرة جون بنجامينز 1989 (تكون من 454 صفحة) .

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ حياة ميشيل فوكو (بالإنكليزية) ، دار هيتشسن – لندن 1993 ، ص 3 [110]

 – المصدر السابق [111]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ الإعتداء وأتكون مثلياً (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ديوك 2004 (وخصص المؤلف 150 صفحة من الكتاب[111]

للحديث عن حياة ” ميشيل فوكو ” وأعماله .

 – أنظر المصدر السابق [112]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 5 [113]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 4  [114]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ عاطفة ميشيل فوكو (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة هارفارد 2000 (تكون من 496 صفحة) وهو سيرة ذاتية فيها الكثير [115]

من التفاصيل عن حياته المبكرة …

 – المصدر السابق [116]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 8 – 9 [117]

 – المصدر السابق ، ص 7 [118]

 – أسس مجتمع المسيح (الجزويت) الفارس الأسباني ” إغناطيوس دي لويلا ” (1491 – 1556) في 15 أب 1537 .. للتفاصيل أنظر : هيرو[119]

هوبفي ؛ الفكر السياسي للجزويت : مجتمع المسيح والدولة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2004 .

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 39 – 40 [120]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 10 [121]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 13 [122]

 – أنظر : ميشيل فوكو : الفيلسوف الفرنسي ، كلية الدراسات العليا الأوربية (مقال) (أون لاين) .[123]

 – أنظر : توماس بالدوين ؛ مدخل إلى مارلوبونتي وعالم الإدراك الحسي (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – نيويورك 2008 .[124]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 11 وما بعد [125]

  – أنظر ؛ جين هيبولت ؛ إصول وبنية فينومنولوجيا الروح عند هيجل (بالإنكليزية) ، ترجمه من الفرنسية  كل من صامويل شيرماك وجون [126]

هيكمان  ،  مطبعة جامعة ويست نورثن 1979 (تكون من 609 صفحة) .  

 – المصدر السابق [127]

 – أنظر : كري كينك ؛ كانكايهلم وتاريخ العلم (فصل في كتاب فوكو : أركيولوجيا العقل العلمي : العلم وتاريخ العقل ) ، مطبعة جامعة كيمبريدج [128]

1989 ، ص ص 32 – 52

 أنظر : بيير ماكسيم ساهيل ؛ مقالة حول تكوين الفكر اليوناني : مدخل تاريخي لدراسة الفلسفة الإفلاطونية (بالفرنسية) وهي إطروحة دكتوراه  – [129]

كتبها للفترة (1934 – 1949)  

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 55 [130]

 – أنظر : أر . أي . كاندل ؛ البحث في الذاكرة : ظواهر العلم الجديد للعقل ، نورتن 2007 [131]

 _ أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 55 – 56 [132]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 46 [133]

 – أنظر : غاستون باشلار ؛ الروح العلمية الجديدة ، ترجمه إلى الإنكليزية أ . كولدامر ، دار نشر بيكون 1986 (تكون من 214 صفحة) .[134]

 - أنظر : غوستاف باشلار ؛ فلسفة لا : فلسفة العقل العلمي الجديد ، ترجمه إلى الإنكليزية ج . س . وترستون ، مطبعة أورين – نيويورك 1968 .[135]

 – أنظر : غاستون باشلار : العلم والموضوعية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1985 ( تكون من 268 صفحة) .[136]

 – أنظر : غاستون باشلار ؛ صياغة العقل العلمي : مساهمة في التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية ، ترجمه إلى الإنكليزية ماري ماكلستر [137]

جون ، دار نشر كلنمان 2002 (تكون من 258 صفحة) .

 – أنظر : أف . دوجنت ؛ غاستون باشلار / منشور في قاموس السيرة العلمية (بالإنكليزية) ، دار نشر سكرنبر وأولاده – نيويورك 1970 ،[138]

  ص ص 365 – 366 .

 – أنظر : فيرنر هايزنبيرك ؛ المواجهة مع إينشتاين : ومقالات أخرى حول الناس والأماكن والجزئيات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة [139]

برنستن 1993 (تكون من 141 صفحة) .

 – للتفاصيل أنظر : دومنيك ليكورت ؛ الماركسية والأبستمولوجيا : باشلار ، كانكايلهم وفوكو (بالإنكليزية) ، نشرة دار كتب اليسار – لندن 1975 .[140]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 60 – 61 [141]

 – أنظر : بول روبرت ريسش ؛ التوسير وتجديد النظرية الإشتراكية الماركسية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا – براكلي 1992 .[142]

 – أنظر للتفاصيل : وليم لويس ؛ التوسير وتقاليد الماركسية الفرنسية (بالإنكليزية) ، دار نشر كتب ليكسنكن 2005 .[143]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 51 – 55 [144]

 – أنظر للتفاصيل : رومان بريكمان ؛ الفايل السري لجوزيف ستالين : الحياة الخفية (بالإنكليزية) ، دار نشر فرانك كيس 2001 .[145]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 39 – 40 [146]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 61 [147]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 45 – 46 [148]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 61 [149]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 50 [150]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 47 [151]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 56 [152]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 61 – 62[153]

 – أنظر : إي . إسراتين ؛ إيفان بافلوف : حياته وأعماله (بالإنكليزية) ، دار النشر باللغات الأجنبية ، موسكو 1953 .[154]

 – أنظر : جان بياجيه ؛ السايكولوجيا والأبستمولوجيا : نحو نظرية المعرفة (بالإنكليزية) دار نشر بنجوين 1977 .[155]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ حانا إرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز ، مجلة أوراق فلسفية جديدة [156]

المجلد الخامس ، العدد العاشر ، ربيع 2013 .

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 41 وما بعد ، وكذلك : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 56 وما بعد [157]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص30  ، وكذلك : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 62 – 63  [158]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 89 وما بعد [159]

 – أنظر : فردريك نيتشه ؛ الملاحظات الغريبة ، ترجمها وكتب لها مدخل ريتشارد كري (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ستانفورد 1995 ،  [160]

(تكون الكتاب من 432 صفحة) .

 – أنظر : إيربون إيدير ، المصدر السابق ، ص 52 [161]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص ص 64 – 65 [162]

 – للتفاصيل أنظر : رونان ماكدونالد (المشرف والناشر) ؛ مدخل كيمبريدج إلى صامويل بيكت (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2007 .[163]

 – أنظر : إرنست كارل بوهلير ؛ ” التحليل الوجودي والتحليل النفسي : الإختلافات النوعية والعلاقة الشخصية بين لودفيغ بنسونكر وسيجموند [164]

فرويد (بالإنكليزية) ، المجلة الأمريكية للعلاج النفسي / المجلد 58 / العدد الأول سنة 2004 ، ص ص 34 – 50 .

 – أنظر : هربرت شبيكلبيرك ؛ الفينومنولوجيا في علم النفس والسايكليتري (الطب النفسي) (بالإنكليزية) 1972 ، ص 197 .[165]

 – أنظر : أوتو فينشيل ؛ نظرية التحليل النفسي للعصاب (بالإنكليزية) ، لندن 1946 ، الصفحات 416 ، 598 .[166]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 76 .[167]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 76 – 77  [168]

 – أنظر : مي تود ؛ علاقة فوكو بالفينومنولوجيا ” ، منشور في كتاب ؛ في صحبة كيمبريدج مع فوكو، مطبعة جامعة كيمبريدج 2007 ، ص  [169]

287 .

 – وما بعد البنيوية ، هو عنوان صاغه الأكاديميون الأمريكيون ليدلل على أعمال مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين وأصحاب النظريات النقدية [170]

والتي هيمنت كتاباتهم في العلوم الإنسانية خلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين ، وبالتحديد في مضمار اللنكوستيك البنيوي ، من أمثال الفيلسوف الفرنسي ” جاك دريدا ” (1930 – 2004) و” ميشيل فوكو ” و ” جوديث بتلر ” (1956 – 58 عاماً) . للتفاصيل أنظر : لورنس كريتزمان (المشرف والناشر) ؛ تاريخ كولومبيا للفكر الفرنسي في القرن العشرين (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كولومبيا 2005 ، ص ص 92 – 93

 – للتفاصيل أنظر : جوسي جوبلهرم ماركيور ؛ فوكو (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1987 ، الصفحات 141 ، 119 ، 108 [171]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ الفوضوية (مصدر سابق) .[172]

 – ما بعد الحداثة  ، هي حركة ظهرت في أواخر القرن العشرين ، وهي في الأصل حركة إنفصلت من الحداثة ، وتشمل تأويلات ذات طابع[173]

شكي في الثقافة ، والأدب والفن والفلسفة والتاريخ والإقتصاد والعمارة والرواية والنقد الأدبي والموسيقى . وعادة إرتبطت بالتفكيكية وما بعد البنيوية ، وهي إنبثقت مع بزوغ شمس ما بعد البنيوية في القرن العشرين ، وهي رد فعل ضد نزعات الحداثة . للتفاصيل أنظر : بيري أندرسن ؛ إصول ما بعد الحداثة (بالإنكليزية) ، دار نشر فيرزو – لندن 1998 (يتكون من 143 صفحة) .

 – أنظر : لويس ألتوسير : ماركس وقراءة رأس المال ، ترجمه إلى الإنكليزية بن بريوستر ، دار نشر كتب اليسار الجديد 1961 [174]

 – أنظر : وليم لويس ؛ لويس ألتوسير (بالإنكليزية) ، موسوعة ستانفورد الفلسفية 2009 (أون لاين) .[175]

 – أنظر المصدر السابق [176]

 – أنظر : لويس وليم ؛ لويس ألتوسير وتقاليد الماركسية الفرنسية (بالإنكليزية ) ، دار كتب ليكسنكتن 2005 [177]

 – أنظر للتفاصيل : أليسن إسستر ؛ التوسير والبنيوية (بالإنكليزية) ، المجلة البريطانية للسوسيولوجيا ، لندن 1984 ، المجلد 25 ، العدد الثاني ،[178]

ص ص 272 – 296 .

 – أنظر : أليكس كلينكوس ؛ ماركسية ألتوسير (بالإنكليزية) ، مطبعة بلتو – لتدن 1976 .[179]

 – والسيموطيقا وهي في الأصل دراسة تولدت في أحضان علم المنطق المعاصر وبالتحديد مع البراجماتي الأمريكي ” تشارلز بيرس ” ومن ثم   [180]

أخذت مع عالم المنطق الألماني ” رودلوف كرناب ” بعداً تخصصياً في مبحث منطق اللغة والذي ركز على دراسة اللغة من ثلاثة زوايا وهي السنتاكس الذي بشتغل على الرموز والسيمانطيقا والتي تشتغل على المعاني التي تتولد من إرتباط الرموز والبراجماطيقا والتي تدرس البعد الإجتماعي للغة …. أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان : رودلف كرناب فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الثالث ،  العدد السادس ، ربيع 2012 .  

 – أنظر : جيفري بينكتون ” جاك دريدا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1993 .[181]

 – أنظر : لورنس كرتزمان (المشرف الناشر) ؛ تاريخ كولومبيا للفكر الفرنسي في القرن العشرين ، مطبعة جامعة كولومبيا 2005 ، ص ص[182]

92 – 93 .

 – أنظر : فينست ليش ؛ مابعد الحداثة : الأثار المحلية والعيوب العالمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ولاية نيويورك 1996 ، ص 27 .[183]

 – أنظر : جاك دريدا : ” سلطة القانون ” في كتاب : التفكيكية وإمكانية العدالة  (الناشرون دركيلا كوريل وآخرون) ، ترجمة ماري كونتيتس [184]

روتليدج – نيويورك 1992 ، ص ص 3 – 67 .

 – أنظر : روزلاند موريس ؛ ميراث دريدا : الإنثروبولوجيا ، دورية المراجعة الإنثروبولوجية ، 2007 المجلد 36 ، ص ص 355 – 389 .[185]

 – أنظر للتفاصيل : جشوا كيتس ؛ التاريخ الجوهري : جاك دريدا وتطور التفكيكية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ويسترن الشمالية 2005 .[186]

 – أنظر : برجيت بوسش ؛ الذخيرة اللنكوستيكية (بالإنكليزية) ، مجلة اللنكوستيك التطبيقي ، مطبعة جامعة أكسفورد 2012 [187]

 – أنظر : أديث إيسش ومارتين سولي (الناشران) ؛ اللنكوستيك السوسيولوجي في التربية اللغوية وفي نصوص عالمية (بالإنكليزية) ، دار[188]

نشر بيتلا لانك 2012 ، ص ص 31 – 46 .

 – أنظر : جاك دريدا ؛ معارضات التحليل النفسي ، ترجمه إلى الإنكليزية بكي كاموف وأخرون ، مطبعة جامعة ستانفورد 1998 .[189]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ تاريخ الجنون ، ترجمه إلى الإنكليزية جونثان مورفي ، دار نشر روتليدج 2009 (تكون من 776 صفحة) .[190]

 – أنظر : جين ويهل ؛ الفلسفات التعددية في إنكلترا وأمريكا (بالإنكليزية) ، نشر شركة الكورت المفتوح 1925 .[191]

 – أنظر : جاك دريدا ؛ مشكلة إصول فلسفة هوسرل (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 2003 .[192]

ونحسبُ ليس هناك مشكلة في ردنا على الفيلسوف ” جاك دريدا ” إذا ما قرأنا فلسفة هوسرل في ضوء مؤلفات الفيلسوفين ” برنارد بولزانو و فرانز برنتانو . ففيهما الكثير من إصول فلسفة هوسرل . أنظر الهامش رقم 194  .

 – أنظر : جاك دريدا ؛ مدخل إلى إصول الهندسة عند هوسرل ، ترجمة جون ليفي ، مطبعة جامعة نبراسكا 1989 (تكون من 205 صفحة) . [193]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفلسفة والعلم في تفكير الوجودي الألماني كارل ياسبرز (كتاب) مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد 6 /[194]

العدد 13 شتاء – ربيع 2014 ، الفصل الخامس والمعنون ” فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية ، ص ص 77 – 90 ، وأنظر الفصل السادس والمعنون ” مساهمة فرانز برنتانو في بيئة كارل ياسبرز الثقافية والأكاديمية ” ، ص ص 91 – 102 ، وقارن الفصل السابع والمعنون ” مدرسة فرانز برنتانو وأثرها الفلسفي والعلمي ” ، ص ص 103 – 115 .

 – أنظر : جاك دريدا ؛ الكتابة والإختلاف (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة شيكاغو 1978 (تكون من 342 صفحة) [195]

 – أنظر : ريتشارد ماكسي ويوجين دونتو ؛ جدل حول البنيوية : لغة النقد وعلوم الإنسان (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز 2007 .[196]

 – أنظر المصدر السابق [197]

 – أنظر : جاك دريدا ؛ الكتابة والإختلاف (مصدر سابق) .[198]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ نظام الأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية ، ترجمة بربارا كيبفر  ، دار رندم 1970 (تكون من 389 صفحة) .[199]

 – ميشيل فوكو ؛ حفريات المعرفة ، ترجمة شيردين سميث ، روتليدج – نيويورك 2002 .[200]

 – ميشيل فوكو ؛ الكتابة والإختلاف (مصدر سابق) ، ص 102 [201]

 – أنظر المصدر السابق [202]

 – جاك دريدا ؛ الكرامتولوجي ، ترجمة كايترايا شيكروفرتي ، نشرة مطبعة جامعة جونز هوبكنز (تألف من 360 صفحة) .[203]

 – جاك دريدا ؛ الكلام والظاهرة ومقالات أخرى عن نظرية هوسرل في الإشارات ، ترجمة ديفيد أليسن ، مطبعة جامعة ويسترن الشمالية 1989 ،[204]

(تكون من 166 صفحة) .

 – أنظر : ريتشارد جينكلز ؛ بيير بورديو (بالإنكليزية) ، دار روتليدج – نيويورك 2002 .[205]

 – أنظر : بيير بورديو ؛ التأملات الباسكلية ، ترجمة ريتشارد نايس ، مطبعة جامعة ستانفورد 2000 (تكون من 264 صفحة) .[206]

 – أنظر : أدموند هوسرل ؛ التأملات الديكارتية : مدخل إلى الفينومنولوجيا ، ترجمة دورين كايرنز ، دار نشر سبرنكر 1970 (تكون من 157 [207]

صفحة) .

 – أنظر : رينيه ديكارت ؛ تأملات في الفلسفة الأولى ، ترجمة جون فيتش ، 1901 ، وكذلك : ج . كوتنكهام (الناشر) ؛ تأملات في الفلسفة الأولى[208]

مع مختارات ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1986 .

 – أنظر : بيير بورديو ؛ التمييز : النقد السوسيولوجي وحكم الذوق ، ترجمة ريتشارد نايس ، دار روتليدج – نيويورك 1984 .[209]

 – أنظر : بيير بورديو ؛ الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر ، ترجمة بيتر كولير ، مطبعة جامعة ستانفورد 1991 (تكون من 138 صفحة) .[210]

 – أنظر : بيير بورديو؛ اللغة والسلطة الرمزية ، ترجمة كينو رايموند وماثيو أدمسن ، مطبعة جامعة هارفارد 1991 (وتكون من 302 صفحة) .[211]

 – أنظر : بيير بورديو ، مونيك مارتين وجين بيرسون ؛ الخطاب الأكاديمي : سوء فهم اللنكوستيك والسلظة المهنية ، ترجمة ريتشارد تيسي ، [212]

مطبعة جامعة ستانفورد 1994 (تكون من 144 صفحة)  

 – أنظر : بيير بورديو ؛ العقل العملي : حول نظرية الفعل ، ترجمة راندل جونسن ، مطبعة جامعة ستانفورد 1998 (تكون من 153 صفحة) .[213]

 – أنظر : بيير بورديو ؛ شرف الدولة : المدارس النخبوية في ميدان السلطة ، ترجمة لورتا كلوف ، مطبعة ستانفورد 1998 (تكون من 504 [214]

صفحة) .

 – أنظر : بيير بورديو ؛ أفعال المقاومة : ضد دكتاتورية السوق ، ترجمة ريتشارد نايس ، المطبعة الجديدة 1999 (تكون من 108 صفحة) .[215]

 – أميل دوركهايم هو الفيلسوف الفرنسي وعالم الإجتماع الشهير ، والذي يُعدُ الأب الحقيقي لعلم الإجتماع الحديث (ويُشاركه في هذه الأبوة كل من [216]

كارل ماركس (1818 – 1883) وماكس فايبر (1864 – 1920) . ومن أهم مؤلفات دوركهايم ” تقسيم العمل في المجتمع ” والذي صدر عام 1892 ، وهو إطروحته للدكتوراه . ومن مؤلفاته التي نشعر إنها مارست تأثيراً على ميشيل فوكو ، هو كتابه المعنون الإنتحار والذي نشر عام 1897 … للتفاصيل أنظر : ستيفن لوكس ؛ أميل دوركهايم : حياته وأعماله (دراسة نقدية – تاريخية) (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ستانفورد 1985 .

 – ماركريت ميد هي عالمة الإنثربولوجيا الأمريكية ودرست تحت يد إثنين من رواد الإنثربولوجيا في جامعة كولومبيا ،الأول فرانز بوس (1858 [217]

- 1942) والثانية روث بنديكت (1887 – 1948) ومن ثم حصلت ماركريت ميد على الماجستير (1924) والدكتوراه (1929) من جامعة كولومبيا . وكانت لها علاقة وصحبة بعالم اللنكوستيك ” أدور سبير ” . ومن أهم مؤلفاتها : ” الذكر والأنثى : دراسة كلاسيكية في الجنس ” (1949) . ونحتفل بها بالإضافة إلى الإنثروبولوجيا ، ككاتبة في مضمار السيموطيقا ، وهو المضمار الذي يشدها بقوة إلى كل من ” ميشيل فوكو ” و” نعوم شومسكي ” . للتفاصيل أنظر : 1 – جين هاورد ؛ ماركريت ميد : الحياة (بالإنكليزية) ، دار سايمون وشوستر 1984 . 2 – توماس ألبرت سيبوك ؛ السيموطيقا العالمية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة إنديانا 2001 ، من المدخل (ص 13) والفصل الأول ( ص ص 1- 16) . 

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 63 [218]

 – للتفاصيل أنظر : مي تود ؛ علاقة ميشيل فوكو بالفينومنولوجيا ، مقال منشور في كتاب ” صحبة كيمبريدج إلى فوكو ” (بالإنكليزية) ، مطبعة [219]

جامعة كيمبريدج 2007 ، ص 287 .  

 – أنظر المصدر السابق [220]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 67 [221]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 70 [222]

 – أنظر : ديفيد ميسي ، المصدر السابق ، ص 78 [223]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 79 – 80 [224]

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 91 [225]

 – أنظر : إيبرون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 88 .[226]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 86 – 87 [227]

 – أنظر المصدر السابق[228]

 – للتفاصيل عن الترانسفيستزم أنظر : فيرن بولف وبوني بولف ؛ تغيير الملابس ، الجنس والجندر (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة بنسلفانيا 1993. [229]

وإصطلاح الترنسفيستزم تم نحته في أواخر 1910 ، وهو في الأصل ليس بظاهرة جديدة ، فقد جاء ذكره فيما يسمى بالإنجيل العبري ، وفيه معاني تدل على الدونية ويشير إلى إرتداء ملابس الجنس الأخر ، فالمرأة ترتدي ملابس الرجال ، والرجال يرتدون ملابس النساء …

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد التجربة الأبستمولوجية – العلمية الإسكندرانية ، مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الرابع ، العدد [230]

السابع صيف 2012 .

 – أنظر : جيمس ميلر ؛ المصدر السابق ، ص 96 [231]

 – أنظر : مارتين إيسلين ؛ إنطونين أرتر (بالإنكليزية) ، دارنشر جون كالدر – لندن 1976 .[232]

 – أنظر : إنطوين آرتر ؛ مختارات من أعمال إنطوين آرتر ، ترجمة فيكتور كورني ، دارنشر كالدير وبويرز – لندن 1971 . [233]

 – أنظر : إيبرون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 101 [234]

 – أنظر : دبفد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 88 – 89 .[235]

إضافة إلى ذلك فإن الحصول على شهادة الدكتوراه في فرنسا يومذاك كان يمر بخطوات متعددة منها :

أولاً – الحصول على تمويل مالي للعمل و” ميشيل فوكو ” إختار الفيلسوف ” جورج كالكليهم ” .

ثانياً – أن يعثر على ناشر لها وفعلاً فإنه حصل على موافقة في مايس 1961 من قبل شركة بلون في ألمانيا بعد إن رفضتها دار النشر الجامعية في فرنسا والمعروفة غاليمار  . أنظر للتفاصيل : جيفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 103 وما بعد ، جيمس ميلر ، المصدر السابق ، ص ص 117 وما بعد .

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ الجنون والحضارة : تاريخ الجنون في عصر العقل ، ترجمة ريتشارد هاورد ، دار نشر فانتج – نيويورك 1988 (تكون [236]

من 320 صفحة) .

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط  ، ترجمة روبرتو نيكرو وكيت بريجز ، دار سيموتكست 2008 (تكون من 160 صفحة) .[237]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص 89 [238]

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص 101 [239]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ ولادة العيادة : حفريات في الإدراك الطبي ، ترجمة ألين شيردن ، لندن 1973 (وتكون من 266 صفحة) .[240]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ الكلمات والأشياء : حفريات في العلوم الإنسانية ، ترجمة ألين شيردين ، دار فانتج – نيويورك 1973 (تكون من [241]

448 صفحة) .

 – أنظر : إيربون إيدير ؛ المصدر السابق ، ص ص 158 – 159 [242]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 160 وما بعد [243]

 – أنظر : ديفيد ميسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 173 وما بعد [244]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ خطاب اللغة ، ترجمة روبرت سوير ، دورية معرفة العلم الإجتماعي / نيسان 1971 ، ص ص 7 – 30 .[245]

 – أنظر : ميشيل فوكو ؛ حفريات المعرفة وخكاب اللغة ، ترجمة