الثيولوجيا المسيحية والروايات المسيحية عن العدد اللامحدود من الأناجيل

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(34)

تموز – آب 2017

——————————————————————–


تصدر مرة كل شهرين

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء خليل إبراهيم

رئيس التحرير                      سكرتيرة التحرير

———————————————————————

الثيولوجيا المسيحية

والروايات المسيحية عن العدد اللامحدود من الأناجيل (؟)

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————-

القسم الأول

تقديم :

    لاحظنا إن الطرف الأخر من محنة الفيلسوفة المتصوفة البريطانية آني بيزنت مع المسيحية ، هي محنتها مع الأناجيل . وهي قضية شغلت ولا زالت تشغل حتى هذه اللحظة الكثير من الجدل الواسع المستمر (ولا نحسب إنه سيتوقف أو ينتهي مادامت هناك عقيدة مسيحية وكنيسة وآباء وبابا ومذبح وكتاب مقدس وإصول تاريخية له وهي الأناجيل الأربعة (؟)) . ولعل المقدمات التي تم تلخيصها والتي عرفت بالقضايا والتي أنجزتها الفيلسوفة – المتصوفة الإنكليزية المعاصرة آني بيزنت (1847 – 1933) في رائعتها ” المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها[1]وهي التي ألهمتنا على إنجاز هذا البحث وخصوصاً عندما أدرجت قائمة من الأناجيل اللامحدودة وليست الأناجيل الأربعة وحسب (؟) .ِ

  وبالمناسبة إن منهج آني بيزنت النقدي التقويمي للمسيحية ، توزع في خطوتين ؛ الأولى عرضت فيه الشواهد أو البراهين الخارجية . وثانياً بينت الشواهد أو البراهين الداخلية . وكان الحاصل من هذا المنهج النقدي التقويمي ، هو بالتأكيد منهج تطلع كما قالت آني بيزنت إلى ” تنقية معبد التاريخ من الخيالات والأساطير (أو كما أطلقت عليه ووصفته) تطهيره من عالم خيال حدائق الجنيات [2]. ولاحظنا إنها لم تقف عند هذه المحطات ، وإنما علقت على قضية وصف أطراف مبكرة من تاريخ المسيحية ، وأفادت بصراحة بأنه ” عالم خيال حدائق الجنيات ” . صحيح إن فيه بهجة إلى التلميذ كما وفيه فعل توجيه له ” إلا إنه خال من أي تضليل وخداع ، بل هو طريق مختلف يؤدي بالتلميذ وبنا إلى الحقيقة [3].

في مضمار القضايا والجدل حول الأناجيل الأربعة

  عُرف المضمار الذي دار فيه الجدل حول الأناجيل الأربعة بالقضايا والتي لخصتها آني بيزنت بالصورة الآتية :

أ – حمل ذلك التزوير (أفعال التلفيق والإختراع) أسماء من مثل ؛ المسيح ، الرسل والحواريون ، والأباء المبكرين . والذين كانوا أصاحب سمعة وشهرة في إطار ما يسمى الكنيسة الأولية أو البدائية [4].

ب –  عدم توافر ميزان أو معيار يُميز بين الشكل المقدس والكتابات المشكوك فيها .

ج – لا تتوافر أية معرفة حول ؛ أين ؟ متى ؟ ومن هو الذي إختارها كتابات مقدسة ؟

د – يبدو إنه قبل حوالي سنة 180 ميلادية ، لم يكن هناك ذكر لأي أثر للأناجيل الأربعة بين المسيحيين .

ح – وقبل هذا التاريخ لم يُذكر أحدُ بأن متى ، مرقص ، لوقا ويوحنا ، قد تم إختيارهم بعد على إنهم الأربعة من الإنجليين .

ط  – لا يتوافر لدينا أي دليل على إنه في ذلك الوقت ، جاء ذكر على تاريخ الأناجيل الأربعة ، كما هو متداول وشائع اليوم .   

ق – يتوافر دليل وشاهد تاريخي على إن إثنين من الإنجيليين الأربعة ، ليس هما بعينهما تماماً وحقيقة .

ل – يتوافر دليل على إن السجلات المبكرة للأناجيل الأربعة ، لم تذكر بأن قيمتها ترقى إلى درجة التقديس كما هو متداول وشائع اليوم .

م – جاء في هذه الكتب الإنجيلية ، إشارات وعلامات تّدلل على إصولها ومصادرها المتأخرة من الزاوية الزمنية .

و – إن اللغة التي كُتبت بها هذه الكتب الإنجيلية ، شاهد ودليل يُعارض على إنها حقيقية .

ز – حملت هذه الكتب معها شهادة تؤكد على إنها حرفياً لا تستحق أي رصيد ، ولا ثقة ومن زوايا مختلفة ؛ (1) المعجزات التي ترتبط بها . (2) التناقضات المتنوعة بين الأطراف المختلفة بعضها مع البعض . (3) حقيقة إن قصة البطل ، العقائد والمعجزات التي حدثت قبل التواريخ المفترضة للأناجيل ، تّدلل على إن هذه الأناجيل ، هي ببساطة مجرد كشكول مرقع ، وتم تأليفه من مواد قديمة [5].

  ولاحظنا إن الفيلسوف ورجل الدين الإيرلندي الإنكليزي وليم بيلي (1743 – 1805) وهو من المدافعين عن المسيحية وتكوينها العقيدي قد شاركته بنت جلدته آني بيزنت في هذا الهم . إلا إن آني بيزنت كانت غير مدافعة مثل وليم بيلي بل كانت على العكس خصماً ومعانداً إلى المسيحية في رائعتها المسيحية آدلتها … ” والتي كتبتها ونشرتها في عام 1893 أي بعد قرن كامل من نشر وليم لكتابه والذي حمل عنوان حقيقة تاريخ الكتاب المقدس للقديس بولص ، وبالطبع نشره سنة 1790 . وفيه عقد وليم بيلي مقارنة لرسائل القديس بولص مع أفعال الرسل الأخرين ، ومُستفيداً من ” بعض أحداث المصادفات غير المنتظمة ” وذلك لأغراض الجدل والمُحاجة . والذي تبعه برائعته التي جاءت بعنوان فيه الكثير من التشابه مع رائعة آني بيزنت التي جاءت بعده . وكان عنوان رائعة وليم بيلي ” مراجعة لبراهين المسيحية ” والذي صدر عام 1794 . وحمل هذا الكتاب التباشير المهمة لتفكيره في مضمار اللاهوت الطبيعي ومن ثم تبلور وتطور في كتابه الذي حمل عنوان اللاهوت الطبيعي أو براهين الوجود وسمات الربوبية  [6].

  وذكرت آني بيزنت بأن وليم بيلي جادل وذهب في حجته التي نهضت على الفرضية القائلة ؛  ” بأن الأول والرابع من الأناجيل قد كُتبت من قبل كل من متى ويوحنا وبالإعتماد على معرفتهم الشخصية وذاكرتهم ” . وعلى هذا الأساس رجحت آني بيزنت بأن ذلك يفتح باب الترجيح الذي ” يحتمل الصدق أو الكذب [7].  وعادت آني بيزنت ورفعت مُشكلاً جديداً ، ظهر أمام ناظريها وهي تقرأ وتُدقق في فرضية ؛ ” إن متى ويوحنا كتبا بعض من الأناجيل “

. ورأت إن مثل هذه الفرضية تحتاج إلى برهان يؤيد بأن ” الأناجيل المتوافرة اليوم ، وبالطبع التي كتبها متى ويوحنا ، هي حقيقة نُسخ طبق الأصل للأناجيل التي كُتبت ولم تتعرض إلى التبديل منذ إن تُركت بأيدي الرُسل [8].

   والقضية التي ظلت دون معالجة هو ؛ كيف الإنجيلي متى كان يروي ويتحدث عن الإنجيل ؟ إن متى كان صريحاً في جوابه وبالطبع حمل إشكالاً له وللإناجيل وللمسيحية على حد سواء . قال متى بصراحة ما بعدها صراحة ، وكان رجلاً صادقاً فيما قال وصرح ، فأفاد : بأنه كان يروي من مصادر ” معرفته الشخصية وما إحتفظت به ذاكرته ” . وهذا ما جاء به إنجيله (أي إنجيل متى) ” قبل أن يتحول ويكون جزء ولُب مهم من النص المقدس الذي جمعه متى [9]

قائمة الأناجيل المتوافرة بيد المسيحيين الأوائل

    بعد هذه المناقشة نعود إلى الأناجيل مرة أخرى . وبحثنا هنا سيتخذ مساراً ” إستقرائياً فيه إحصاء ودالات ” تتعلق بقائمة الأناجيل التي كانت متوافرة ومتداولة بيد المسيحيين الأوائل . وبالطبع إن هذه القائمة من الأناجيل تُقدم للقارئ فكرة فيها بيان واضح عن حجم وعدد الكتابات المزورة (بالإنكليزية : آباكرفيل ، وبالعربية المشكوك بأمرها) التي جاءت عن طريق الأناجيل الأربعة كما وفيها قائمة من كتب أخرى كونت أطرافاً بالغة الأهمية من لُب العهد الجديد . ومن ثم إنبثقت هذه القائمة من ” الكتب المقدسة ” أي الكتب التي قبلتها الكنيسة ووافقت عليها . ونحسب إن هذه القضية ، فيها حق وباطل ونحن نتحدث ونُدقق في جوهر ولُب المسيحية . ولنقف هنا ونُركز بحثنا في هذه  القائمة من الأناجيل وبالصورة الآتية :

1 – إنجيل العبرانيين .     

    وهو إنجيل مُركب ” يهودي – مسيحي ” . ويُعد من الأناجيل الضائعة . واليوم لا تتوافر منه سوى بضع شذرات . وسجلت لها حضوراً في نصوص مختصرة كتبها أباء الكنيسة الأوائل . كما ووردت لها إشارات في الكتابات الإنجيلية المشكوك بأمرها . وفيها مثلاً إشارة إلى قيامة (بالإنكليزية : رزركشن) توماس (أخ المسيح) . وتوماس رمز ريادي في الكنيسة المسيحية – اليهودية في القدس [10].

  وهناك إحتمال يُرجح بإن إنجيل العبرانيين كُتب باليونانية . وتحديداً في العقود الأولى من القرن الثاني الميلادي . ويُعتقد بأنه كان إنجيلاً للمسيحيين اليهود ، والذين كانوا يتكلمون اليونانية في مصر خلال ذلك القرن [11]. وهو بالطبع الإنجيل المسيحي اليهودي الوحيد وكان يُنسب إلى آباء الكنيسة الأوائل . وبالرغم من إنه كان الإنجيل الوحيد فقد كانت له نُسخ مختلفة عديدة [12].

2 – إنجيل يهوذا

    وهو إنجيل كتبه يهوذا الإسخريوطي (توفي حوالي سنة 30 أو 33 ميلادية) . وهو في حقيقته إنجيل غنوصي (معرفة ذات طبيعة صوفية باطنية) . ووفقاً إلى العهد الجديد فإن يهوذا الإسخريوطي هو واحد من الحواريين الأصليين الإثنتي عشر لليسوع المسيح . وهو إبن سايمون الإسخريوطي . وإرتبطت بشخصية يهوذا في تاريخ المسيحية عنوان ” حمله يهوذا بجدارة ”  ومن ثم شاع بصورة واسعة وتحول إلى عنوان ورمز للخيانة وهو ” قبلة يهوذا ” وبالتحديد عنوان دال على ” خيانته للمسيح ” وذلك بإستخدام ” فعل التقبيل طريقة تعريف بشخصية المسيح ” . ومن ثم تحولت قبلة يهوذا إلى عنوان يصف ” كما يبدو هو فعل محبة وصداقة ” . إلا إنه في الحقيقة ، هو ” فعل يهدف إحداث الضرر بشخص المستلم ” . وفعلاً فإن هذه القبلة هي التي قادت إلى التعريف بالمسيح وحملت الرومان إلى إلقاء القبض عليه خلال العشاء الأخير ومن ثم الحكم عليه بالموت ، ” فتم تجريده من ملابسه ، وقُدم له النبيذ الممزوج بالصفراء المرة ، وشربه قبل صلبه ، ومن بعد ذلك صُلب بين إثنين من اللصوص وفقاً إلى إنجيل مرقص . ومات بعد ستة ساعات لاحقاً . ووضع على رأسه علامة تقول ؛ يسوع الناصري ، ملك اليهود ، وكُتبت هذه العلامة بلغات ثلاث ” . وعُرفت هذه الحادثة  بعنوان  مسيحي فيما بعد ” صلب المسيح والتي تلتها القيامة ” وهما الطرفان المهمان في العقيدي المسيحي [13].

  والحقيقة إن إنجيل يهوذا الأسخريوطي ، هو مجموعة محادثات بين المسيح ويهوذا الإسخريوطي . وهناك إعتقاد يذهب إلى إن هذا الأنجيل تم تأليفه من قبل المسيحيين الغنوصيين [14] وإنه لم يُكتب بيراع يهوذا بطل هذه الرواية . ويحتوي هذا الإنجيل على لاهوت الفترة المتأخرة من القرن الثاني الميلادي . وهي النسخة الوحيدة التي كانت متداولة ومعروفة والنص كان مكتوباً باللغة القبطية ويصعد تاريخه إلى سنة 280 ميلادية وربما أكثر أو أقل بستين سنة (هكذا وردت حرفياً) . وكان إعتقاد سائد يذهب إلى القول من إن نص إنجيل يهوذا قد تم إشتقاقه من نسخة يونانية مبكرة .

   ومن ثم جاءت ترجمته في وقت متأخر جداً ونَشر لأول مرة في بواكير عام 2006 ومن قبل الجمعية الجغرافية الوطنية [15]. وفي حالة مقارنة إنجيل يهوذا بالأناجيل المقدسة المعروفة  الأخرى . فإن إنجيل يهوذا يبدو بوضوح إنجيل مختلف مُغاير عنها وذلك لأن الأناجيل الأخرى تُصور يهوذا على إنه حواري خائن وهو الذي سلم المسيح إلى السلطات الرومانية والتي قامت بصلبه ، ودفعت إلى يهوذا المال ثمناً إلى خيانته لليسوع . في حين إن رواية إنجيل يهوذا مختلفة تماماً ، حيث يصور أفعال يهوذا ما هي إلا مجرد خضوع مطلق إلى تنفيذ التعاليم التي طلب منه المسيح تنفيذها . ولم يزعم إنجيل يهوذا بأن الرسل الأخرين يعرفون حقيقة الإنجيل الصادق (الصحيح) . وهو بالطبع وفقاً إلى رواية يهوذا ، هو الوحيد الصادق ، وهو الوحيد الذي علمه المسيح ، وهو التابع الوحيد الذي ينتمي إلى جيل المقدسيين ” من بين الحواريين الرُسل [16].

3 – إنجيل الحقيقة ، والذي عمله وتداوله فلاتينوس الغنوصي (حوالي سنة 100 – حوالي 160 ميلادية) . وهناك إحتمال بأن إنجيل الحقيقة كُتب في اللغة اليونانية وخلال الفترة التي تمتد ما بين سن 140 وسنة 180 ومن قبل فلاتينوس الغنوصي [17]. وكان هذا الإنجيل معروفاً لدى القديس إيرينيئوس (ولد في أوائل القرن الثاني ومات حوالي سنة 202 ميلادية) وكان إيرينيئوس إسقفاً من الغال واليوم جزء من ليون الفرنسية . وهو من آباء الكنيسة الأوائل . وكتابات إيرينيئوس هي شكل أولي من تطور اللاهوت المسيحي [18]. والحقيقة إن القديس إيرينيئوس رفض إنجيل الحقيقة وتنكر له وذلك لكون ذات محتوى غنوصي وأعلنه كتاباً هرطقياً [19].

4 – إنجيل بطرس أو الإنجيل وفقاً إلى رواية القديس بطرس . وهو واحد من الأناجيل (التي لم تُقبل) وتم رفضها لكونها ” مشكوك فيها ” . والحقيقة جاؤ رفضها وعدم قبولها من قبل أباء الكنيسة ، ومن ثم جاء رفضها من قبل الكنيسة الكاثوليكية في كل من قرطاج وروما . وهي الكنيسة التي أسست ما يُسمى ” بقانون أو شريعة العهد الجديد ” أو ” شريعة القانون الكنسي ” أو ” لائحة الأسفار ” أو ” الإنجيل المسيحي [20]

5 – إنجيل المصريين (أو الأدق : الإنجيل وفقاً إلى المصريين) كما ورد بالضبط في قوائم الفيلسوفة والمتصوفة البريطانية آني وود بيزنت [21]. والحقيقة يبدو لنا إن هناك عناوين مختلفة للإناجيل المصرية أو للمصريين يجري الحديث عنها في هذا المضمار . منها العنوان الحالي ” الإنجيل وفقاً إلى المصريين ” ، ومنه الإنجيل اليوناني للمصريين [22]، وهو من النصوص الدينية المبكرة ، والتي يُرجح إن تاريخ هذا الإنجيل يعود إلى الفترة ما بين سنة 120 وسنة 150 وهو من نتاج مدينة الإسكندرية . ويبدو إن العنوان قد تم تبنيه من السطر الأول الإفتتاحي . وهو بالتأكيد يختلف عن الإنجيل القبطي الغنوصي للمصريين وهو العنوان غير الرسمي المتداول الذي يُطلق على الكتاب المقدس للروح العظيمة . والإنجيل اليوناني للمصريين تم أكتشافه سنة 1945  [23].

6 – إنجيل فلاتينوس

   وهو مجموعة أعمال ونصوص غنوصية ترتبط بشخص رجل اللاهوت المسيحي المبكر فلاتينوس . ووفقاً لرواية المؤلف المسيحي المبكر فلورنس ترتليان (ولد حوالي 155 – وتوفي حوالي 240 م) [24] ، فإن فلاتينوس أسس مدرسة في روما وهو في الواقع كان مُرشحاً إلى أن يكون إسقفاً إلى روما . غير إنه بدأ يُشكل مجموعته وخلال ذلك تم إختيار مرشحاً آخراً ليكون إسقفاً بدلاً منه [25].   

  ويتكون إنجيل فلاتينوس من مجموعة من النصوص القبطية والتي يُطلق عليها إنجيل الحقيقة وبعض الأحيان هذه المجموعة تحمل عنوان إنجيل الحقيقة . والروايات تؤكد على إن القديس إيرينيئوس هو الذي أضافه إلى نصوص فلاتينوس [26]. والحقيقة إن لاهوت فلاتينوس كونوا بعده نزعة عُرفت بإسم الفلاتينوسية ومن ثم تكونت مدرسة تحت عنوان ” الفلاتينوسية ” وهي في الواقع فلسفة غنوصية تصعد بجذورها إلى فلاتينوس . وهي في الواقع واحدة من الحركات الغنوصية الكبرى والتي إنتشرت بصورة واسعة خلال الأمبرلطورية الرومانية . وكان حاصلها ظهور الكثير من الكتابات بأقلام الباحثين والمهتمين بالهرطقة والهراطقة (والتي عُرفت الهيروسيولوجيا وهي دراسة للهرطقة والكتابات الهرطقية . وهي تنهض على التمييز بين المقبول من العقيدي المسيحي والمرفوض منه ..) [27] .

  ولاحظ الأكاديميون المسيحيون المهتمون بتاريخ الهرطقة عامة والنزعة الفلاتينوسية خاصة بأن عدد منهم إزدهر خلال الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي . وللإستشهاد نًشير إلى كل من هيراكليون (الذي إزدهر سنة 175) من المحتمل في جنوب إيطاليا . ويصفه كليمندس الإسكندري (حوالي سنة 150 – 215م) بأنه ” صاحب مقام عال في مدرسة فلاتينوس [28]. ومنهم بطليموس (الغنوصي) وهو من طلاب وحواريي المعلم فلاتينوس . والمعروف عنه بإنه ” صاحب الرسالة ” وتدلل على الحرفة والمهارة العالية في كتابة الرسائل ، وتحولت إلى تقليد هيلينستي عامة وتقليد يُتابع رسائل القديس بولص خاصة [29]. ومنهم ماركوس وهو مؤسس النحلة الغنوصية الماركوسية في القرن الثاني الميلادي والتي إرتبطت بإسمه . وكان ماركوس واحد من حواريي فلاتينوس . ومع ماركوس فقد تحقق لنظامه موافقة وقبولاً عالياً . وإن عقائده كانت بصورة عامة شائعة ومتداولة . والشاهد على ذلك إن إيرينيئوس في كتابه معارضة الهرطقة قد قدم تفسيراً إلى تعاليمه (وكذلك تعاليم مدرسته) مما يُدلل على إنه كان عارفاً بتفاصيلها . كما لاحظنا إن كليمندس الإسكندري هو الأخر عارف بماركوس والدليل إن كليمندس تداول بعض من إنظمة ماركوس اللاهوتية رغم إن كليمندس لم يعترف بها .

وإضافة إلى ذلك فقد لاحظنا إن إيرينيئوس يُثُير بعض المزاعم ضد ماركوس ، ويتهمه بأنه مارس تأثيراً على ” إمرأة متخلفة عقلياً ” وذلك طمعاً في إموالها وتحقيقاً لدوافعه الجنسية . والحقيقة هناك إشارات تُدلل على إنه مارس التأثير على عدد من طالباته النساء . والشاهد على ذلك لجوئه إلى الكنيسة راغباً في الإعتراف بالخطيئة ومن ثم التكفير عنها [30].      

7 – إنجيل مرقيون

    يطلق المعتنقون لهذا الإنجيل تسمية أخرى عليه وهي إنجيل الرب . وهذا النص كان يستعمله المعلم المسيحي مركيون أو مرقيون السينوبي نسبة إلى سينوب التركية (ولد في سينوب التركية حوالي 85 – وتوفي في روما الإيطالية حوالي 160 م) كتاباً تعليمياً لطلابه في منتصف القرن الثاني الميلادي . وكان مرقيون السينوبي رمزاً قيادياً مهماً في البواكير الأولى من المسيحية [31]. وإن لاهوت مرقيون رفض مفهوم الرب أو الله ، الذي تصفه الكتب السماوية العبرية (اليهودية) وذلك من طرف إن الرب هو ” الأب المسيح ” ومن ثم التأكيد على إنه ” الرب أو الإله الحقيقي ” . ولهذا جاء رفض أباء الكنيسة لأطراف من عقيدة مرقيون السينوبي وإستنكروا ما كان يُعلمه ويروجه . ولذلك قرر الإنفصال من حركة المسيحية المبكرة (والتي يُطلق عليها الإرثوذوكسية التي ترتبط بمسيحية الرسل الأوائل أو الإثناعشر) [32].

   ووفقاً إلى رواية الأسقف إبيفانيوس السلاميسي (حوالي 310 – 403م) والتي جاءت في سجلاته التي حملت عنوان سلة الخبز وهي رسالة في الهرطقة (وتحتمل أن تكون رسالة في الهرطقة والهراطقة) من إن “ مرقيون هو إبن إسقف محافظة بونتيوس وهي واحدة من المحافظات الرومانية ” ومن المعاصرين له كل من الكاتب المسيحي رودو والذي إزدهر عصر الإمبراطور الروماني لوسيوس أورليوس كومودوس (161 – 192م) [33]والكاتب المسيحي القرطاجي (الأفريقي) ترتليان الذي كتب ضد مرقيون وغنوصيته والهرطقة [34] . والشاهد على ذلك الكتب الخمسة التي ألفها ترتليان والتي حملت عنوان ضد مرقيون أو ضد جماعة وحركة مرقيون (أي ضد المرقونية) والتي كتبها في عام 207 (أو عام 208) وهي تُعد اليوم من أغلب أعماله الجدلية شهرة وشيوعاً . كما هي في الوقت ذاته ، تُعد مقياساً أو ميزاناً يُحدد فيه وزن وجهة النظر المسيحية من الغنوصية [35].

   ونحسب إن عنوان كتاب ترتليان المعنون ” ضد جماعة مرقيون أو ضد المرقونية ” تأكيد على إنها تحولت إلى حركة وأتباع [36]. وحينها كان مرقيون قد قدم تبرعاً إلى كنيسة روما [37]. ويبدو خلال ذلك نشب صراع بين مرقيون والكنيسة ، مما حمل الكنيسة إلى حرمانه ومقاطعته كنسياً وردت إليه تبرعاته التي تبرع بها إلى الكنيسة [38]. وبعد إنتهاء فترة المقاطعة الكنسية ، عاد مرقيون إلى أسيا الصغرى (تركيا) وباشر يقود حشود المصلين ، ويُعلم الإنجيل المسيحي بطريقته المرقونية . ونشر مرقيون السينوبي ، مجموعة مبكرة من الكتب التي تتعلق بإنجيل العهد الجديد . وهذا العمل منحه شهرة ومكانة مرموقة ، فتحول إلى رمز من رموز تطوير شريعة العهد الجديد [39].

  ولاحظنا إن هناك عدم إتفاق بين الأكاديميين المهتمين بالمسيحية المبكرة حول الطرف الغنوصي في لاهوت مرقيون . فمثلاً إن أدولف هارنيك لم يُصنف مرقيون السينوبي على ” إنه غنوصياً [40]. في حين إن المؤرخ الإنكليزي جورج روبرت ميد (1863 – 1933)  يُصنف رجل اللاهوت المسيحي مرقيون كواحد من الغنوصيين ” . وبالطبع المؤرخ جورج روبرت ميد متخصص بالإديان الغنوصية [41]. وفعلاً فإنه في وقت مبكر أخذت أفكار مرقيون اللاهوتية تجد طريقها للتحول إلى نزعة مذهبية ، حيث أخذ يُطلق عليها ” المرقونية ” وذلك بإعتبارها نظام عقيدي مزدوج خلال المسيحية المبكرة . وهذه شهادة تُدلل على الدور الخلاق الذي لعبته أفكار مرقيون اللاهوتية في روما وبالتحديد خلال ” حوالي عام 144 ميلادية ” [42].

8 – إنجيل الرُسل الإثنتي عشر

  وجاء في صيغة أخرى ” الإنجيل وفقاً إلى الرسُل الإثنتي عشر[43]. أو ” إنجيل الإثنتي عشر ” أو ” إنجيل الرُسل الأثنتي عشر ” [44]. وقد جاء ذكره عند الزاهد والباحث اليوناني أوريجانوس آدامانتيوس (ولد في الإسكندرية سنة 184 – 254م) وبالتحديد في كتاب ” نصائح لوقا ” وكجزء من قائمة الأعمال الهرطقية . ومن المعروف إن رجل اللاهوت البروتستانتي الألماني ويلهلم سنيلشر (1914 – 2003) وهو خبير في الأناجيل المنتحلة أو في العهد الجديد المُزيف ، قد بين بصراحة ” بأن رجل اللاهوت والمؤرخ جيروم (347 – 420) قد حدد بصورة غير صحيحة هوية إنجيل الأثنتي عشر (وقال) بأنه هو الإنجيل وفقاُ إلى الرُسل وهو ” إنجيل العبرانيين [45]. وفي هذا الربط الأخير نحسب إن جيروم وقع في مطب الإرتباك والخلط كما بين سنيلشر بينما أوريجانوس ميز بوضوح بين الإنجيلين [46].

9 – إنجيل باسيليدس (أو بازيليد)

  يبدو إن إنجيل باسيليدس هو العنوان الذي حمله نص إنجيلي كان يتمتع بسمعة جيدة من بين النصوص الإنجيلية التي يتكون منها العهد الجديد المنتحل . وإن الأخبار عنه جاءت من القرن الثالث الميلادي . وبعدها كان هذا الأنجيل متداولاً بين أتباع باسيليدس . وباسيليدس هو رجل لاهوت ورمز قيادي كان مشهوراً بنزعاته الغنوصية . وتعلم باسيليدس في الإسكندرية وبحدود الرُبع الثاني من القرن الثاني الميلادي . وكان باسيليدس معلماً للدين في إسكندرية مصر وإستمر في التعليم فيها لمجة تجاوزت العشرين عاماً (وبالتحديد من سنة 117 وحتى سنة 138م) [47].

  وزعم باسيليدس بأنه ورث تعاليمه من القديس الرسولي ماثيوس أو متى (مات حوالي 80 ميلادية) . وأخذ يُطلق على أتباع باسيليدس عنوان ” الباسيليدسيون ” ومن ثم كونوا حركة إستمرت على الأقل مدة قرنين من الزمن بعد وفاته [48]. والحقيقة إن تعاليم باسيليدس قد تم شجبها وإدانتها على أساس إنه هرطقية وخصوصاً من قبل إيرينئوس (حوالي 130 – حوالي 200م) [49]. كما وشجبها وآدانها كل من رجل اللاهوت في القرن الثالث الميلادي هيبوليتس الرومي (170 – 234م) والذي كان يُصف بإنه واحد من حواري إيرينئوس [50].

   ولاحظنا إن نظرة كليمندس الإسكندري إليهما كانت نظرة إيجابية حيث فيها ” نوعاً من الإعلاء ” من مكانة باسيليدس وحواريه هيبوليتس . إلا إنه رغم ذلك لا يتوافر دليل على إن هناك إتفاق بين الثلاثة (إيرينئوس وهيبوليتس وكليمندس الإسكندري) حول أراء باسيليدس اللاهوتية بصورة محددة بينهما . كما ولاحظنا إنه ” لا واحد من الثلاثة أشار أو ذكر بأن هناك إنجيلاً يحمل إسم باسيليدس ” [51]. ويبدو إن الإستشهاد المباشر الأول إلى إنجيل باسيليدس ، يمكن ملاحظته عند الباحث اليوناني أوريجانوس[52] (حوالي 185 – حوالي 254م) ، وهو من بواكير رجال اللاهوت المسيحيين وصرف نصف حياته المهنية في الإسكندرية . وأوريجانوس كتب بصراحة وقال : ” تمتلك الكنيسة أربعة أناجيل ، والهراطقة لهم أناجيل كثيرة . واحد منها بعنوان وفقاً إلى المصريين ” . وآخر بعنوان وفقاً إلى الرُسل الإثنتي عشر ” . ومن ثم تجرأ باسيليدس وكتب ” الإنجيل وفقاً إلى باسيليدس [53].

10 – إنجيل توما أو توماس (الوثيقة الخالدة)

   أو كما جاء في عنوان آخر ” الإنجيل وفقاً إلى توماس ” . ونحسب إنه يحتمل أن يكون بعنوان ربما ” الإنجيل وفقاً إلى رواية توما أو توماس ” . وهو إنجيل مسيحي مُبكر ويضم أقوال منتحلة بدرجات ما . وإن العديد من الأكاديميين المهتمين بالتراث المسيحي ، يعتقدون إنه يعرض بصيرة عن التقاليد الإنجيلية الشفوية . وجاء إكتشافه في ديسمبر سنة 1945 ومن بين مجموعة كُتب عُرفت بمكتبة نجع حمادي [54]. وهو المكان الذي يقع بقرب منطقة نجع حمادي (مصر العليا) والتي تبعد حوالي 80 كيلومتراً شمال غرب الأقصر (والتي فيها أثار مدينة طيبة المدينة المصرية القديمة) . ويعتقد الأكاديميون بأن هذه الأعمال دُفنت إستجابة إلى رسالة جاءت من الأسقف إثناسيوس الأول (حوالي 296 / 298 – 373م) وهو بابا الإسكندرية والتي أعلن فيها إن هذه الأعمال ” تكون الكتاب المقدس الكنسي ” [55].

  وبالطبع هذا الكتاب المقدس الكنسي مكتوب باللغة القبطية . وهو النص الثاني من بين سبعة نصوص ، وتكون في نظر الأكاديميون المعاصرون ، ما يُسمى ” بالإنكليزية الكودست الثاني أو بالعربية الدستور الثاني ” والذي تألف بدوره من 114 قولاً تُنسب إلى اليسوع [56]. ويبدو إن نصف هذه الأقوال تتشابه مع تلك التي وجدت في أناجيل الكتاب المقدس . بينما هناك آراء تذهبُ إلى إن الأقوال الأخرى ربما تم إضافتها من خلال التقليد الغنوصي [57]. وربما إصولها نزلت من سوريا حيث التقاليد المسيحية التوماوية (نسبة إلى القديس توماس أو توما) كانت قوية جداً هناك [58].

  وفي المدخل بيان ذكر بأن هناك كلمات مستورة (خفية) كان اليسوع الحي يتكلم بها . وأشارت إلى إن ” ديديموس جودز (يهوذا) توماس كتبها [59]و ” ديديموس (يونانية) وتوماس (آرامية) وكلاهما يعنيان ” التوأم ” . ويشك عدد من الباحثين فيما إن ذلك فيه أي إشارة إلى الرسول توماس ، بل إنهم يرون على عكس ذلك ويذهبون إلى إنها مجرد مزاعم كاذبة ” . ومن ثم إستنتجوا إلى ” إن المؤلف الحقيقي ربما مؤلف مجهول [60].

 ومن الصحيح القول بأن إنجيل توماس مختلف تماماً في نغمته وبنيته عن النسخ الأخرى للعهد الجديد المُنتحل وكذلك مختلف ايضاً من الأناجيل الأربعة للعهد الجديد . فهو مثلاً لا يشبه الأناجيل الكنسية وذلك من جهة إنه ليس بتفسير لرواية حياة اليسوع ، بل إنه بدلاً من ذلك يتألف من أقوال تُنسب إلى اليسوع . وتبدو بعض الأحيان إنها أقوال مستقلة بحد ذاتها . وأحياناً أخرى تراها مندمجة في البنية الداخلية لمحاورات قصيرة ، أوتأتي على صورة حكم وأمثال . كما إن النص يتضمن تلميح فيه إمكانية على موت اليسوع [61]. إلا إنه لم يأتي على ذكر ” صلب اليسوع وقيامته ” أو يوم الحساب وبالعربية ” يوم الدين ويوم قيامته . كما إنه لم يذكر شيئاً عن ” الفهم الميسياني لليسوع ” [62].  

   ومن المناسب الإشارة إلى إن مخطوطة النص القبطي (سي جي الثانية) قد تم العثور عليها عام 1945 في منطقة ناج حمادي (مصر) وهي تعود إلى (حوالي عام 340 ميلادية) . وإن أول نشرة لها كانت طبعة مصورة وصدرت سنة 1956  . وتبعتها بثلاث سنوات (1959) نشر الترجمة الإنكليزية الأولى لها مع النسخة القبطية [63]. وفي عام 1977 قام جيمس أم . روبنسن بالإشراف على نشر الترجمة الأنكليزية الإولى للمجموعة الكاملة لنصوص مكتبة ناج حمادي [64]. وبذلك أصبح إنجيل توماس مترجماً وحقق إنتشاراً عالمياً واسعاً الإنتشار واليوم هو متوافر في العديد من اللغات .

11 – إنجيل ماتياس

 وإنجيل ماتياس يختلف بالطبع عن إنجيل الرسولي المعروف متى بالرغم من الإثنين هما من الرسل الحواريين الإثنتي عشر . أما ماتياس فهو الذي حل محل الحواري الإثنا عشر يهوذا الإسخريوطي (30 – 33م) بعد إن خدع يهوذا المسيح وسلمه إلى الرومان لقاء رشوة مالية [65]. والحقيقة إن إنجيل ماتياس هو نص مفقود من محتويات العهد الجديد المُنتحل . ويجري الحديث عنه بأنه ” يُنسب إلى ماتياس ” . وهناك تأكيد على إسمه وإشارة تقول : هو الرسول المختار من قبل عدد ملحوظ وذلك ليحل إسمه محل يهوذا الإسخريوظي . وإن محتويات هذا الإنجيل وأوصافه نزلت إلينا من خلال أعمال قديمة متنوعة تصعد إلى أباء الكنيسة . ومع ذلك فإن هناك براهين قليلة جداً ، تتوافر بيد الباحثين لتقرير فيما إذا كانت تقاليد ماتياس هي ذاتها ، العمل نفسه الذي يتحدث عليه عالم اللنكوستيا الأمريكي جوزيف براون ماثيوز (1894 – 1966) وهو إنجيل ماتياس [66].

   يقُدر الباحثون بأن تقاليد ماتياس أو إنجيل ماتياس قد مرت بفترة من التطور ، حيث إنها شغلت الفترة الممتدة ما بين سنة 110 وحتى سنة 160 ميلادية . وبالرغم من إن هذا العمل يُعدُ اليوم من التراث الإنجيلي الضائع المفقود ، فإن كليمندس الإسكندري قد حفظ لنا وللأجيال منه بعض الجمل ، التي فيها تشجيع على الزهد . كما وجاء ذكر إنجيل ماتياس عند أوريجانوس الإسكندري[67]والذي وصفه بأنه واحداً من أناجيل الهراطقة . كما وأشار إليه المؤرخ اليوناني يوسابيوس القيصري (260 / 265 – 339 / 340م) [68]. كما وذكرجيروم إنجيل ماتياس[69]. وهناك إشارات كثيرة تؤكد على إنه منحول (مشكوك فيه) .

12 – إنجيل تاتيان الإشوري

   نحسب إن تاتيان شاركنا في الكثير ، فمثلاً إنه شاركنا في الإرتواء من مياه الفرات (وربما دجلة) الخالدان .  وأطفأ ضمأ عطشه من مياههما الفراتية . كما أكل من أملاح أرض الرافدين الكبرى (مسبوتميا / بين النهرين) سواء مما تحمله نخيلها من تمور متنوعة . أو مما تجود به أرضها المعطاء من ثمار وعطايا وفيرة .. ولذلك نحن نقرأ عن تاتيان وبالطبع نكتب ونشعر بمشدات وأواصر قوية تشده وتشدنا إليه . ولا جديد إذا قلنا إن تاتيان أشوري وإن جزء كبير من جيراننا وأصحابنا في عراق الرافدين هم أشوريون ..  

   تحدثنا كتب السير والتاريخ عن تاتيان الأدبيني [70] أو تاتيان السوري [71] أو تاتيان الأشوري [72]، وخصوصاً مؤلفات اللاهوت ورجاله والتي تذكر تحديداً وتقول ؛ إنه ” تاتيان أديابين ” وهو يوناني – سوري قديم (حوالي 120 – حوالي 180م). وهو إضافة إلى ذلك سوري مسيحي وكاتب ورجل لاهوت القرن الثاني الميلادي . وتاتيان الأشوري أو الأدبيني هو إسم عال المقام من طرف إن أديابين (حدياب)هي مملكة أشورية قديمة وعاصمتها أربيلا وبالعربية أربيل . وحُكام أديابين تركوا ديانتهم الوثنية ، وتحولوا في وقت مُبكر من القرن الأول وإعتنقوا اليهودية [73].

  ولاحظنا إنه لايتوافر لدى الأكاديميون معرفة بتاريخ ومكان ولادة تاتيان ، بل هناك القليل القليل المعروف عن حياته المبكرة ماعدا ما حكاه تاتيان بنفسه . فمثلاً إن تاتيان يُخبرنا عن ولادته ، ويقول : إنه ولد في ” أراضي أو بلاد الأشوريين [74]. وبالطبع هذه منطقة تشمل اليوم أجزاء من شمال سورية الشرقية وشمال غرب العراق . والباحثون يذكرون بأن تاتيان ولد ” في غرب نهر الفرات ” (سوريا) . ويجمعون على ” إنه مات سنة 185 ميلادية ” وربما في أبادينان (وهي مملكة أشورية وعاصمتها إربيلا واليوم هي محافظة أربيل العراقية) . وبالمناسبة إن الرومان إحتلوا أبادينان وأطلقوا عليها ” أشوريا [75].

  ومن ثم شد تاتيان الرحال وتوجه إلى روما . وهناك واجه المسيحية وجهاً لوجه ولأول مرة . وكان الحصل من ذلك ووفقاً لروايته ” بغض الوثنية وطوائفها ” ودخل في طقس من التفكير العميق حول المشكلات الدينية وخصوصاً خلال العقيدي اليهودي والعهد القديم . ومن ثم كتب مُعلقاً : بأنه أصبح مقتنعاً بما أطلق عليه يومها : إن  ” الوثنية غيرمعقولة ” . وعندئذ تخلى عن الوثنية وتبنى الدين المسيحي ، وأصبح واحد من تلاميذ الشهيد القديس جاستن (100 – 160م) [76]. وخلال هذه الفترة كان الفلاسفة المسيحيون في حالة تنافس وسباق مع السفسطائيين اليونان . وحالة تاتيان مثل حالة الشهيد جاستن فضل فتح مدرسة مسيحية في روما .

  ويبدو لنا إن كل معرفتنا عن حياة تاتيان وخصوصاً بعد موته سنة 160م كانت معرفة يُغلفها الكثير من الغموض والإلتباس . فمثلاً إن واحداً من آباء الكنيسة الأوائل وهو إيرينئوس (توفي سنة 202م) كان حياً عندما توفي تاتيان . وعلق إيرينئوس وقال ” إنه بعد موت جاستن طُرد من الكنيسة بسبب وجهات نظره الزهدية ” . بينما زعم ياسبيوس القيصري وذهب مُرجحاً إلى إن السبب هو تأسيس تاتيان إلى نحلة دينية (طائفة) ، وأصبح من أتباع الرمز القيادي الغنوصي فالانتينوس . إلا إن من الواضح إن تاتيان ترك روما وربما ذهب إلى اليونان أو الإسكندرية وإستقر فيها وهناك حيث درس كليمندرس الإسكندري والذي كان واحداً من تلاميذه [77]. وهناك من يرى إنه عاد إلى بلاده وأسس له مدرسة في مسبوتميا (بلاد ما بين النهرين / العراق) . ومنهم من لاحظ إن تيتان ربما حضر إلى إنطاكيا وذلك من خلال وضوح أثاره هناك ، وشعروا بحضور له في صقليا كذلك .  

   ومن أهم أعمال تاتيان والتي تركت تأثيراً كبيراً ، عمله الذي حمل عنوان الإنجيل الرُباعي [78].  والحقيقة إن له أعمال سبقت الإنجيل الرباعي (أو كما يُطلق عليه أحياناً الإنجيل الجامع أو إنجيل الأربعة) . منها كتابه الذي حمل عنوان ” خطابات إلى اليونانيين ” و الذي فيه شجب تاتيان الوثنية وعدم جدواها . ولعل أهمية خطابات إلى اليونيين ، إن فيه حمد وإثناء على ما أسماه تاتيان ” عقلانية التراث المسيحي ” . وأهمية تاتيان إنه واحد من الرموز الرواد للمسيحية ، ومثله مثل يوسابيوس القيصري . فمثلاً تاتيان يُحمد على المناقشات التي قام بها والتي شملت كل من النبي موسى والتشريعات اليهودية . وهذا الطرف مهم بسبب إنه جزء أساس من الحوليات في تاريخ الأديان ، وبسبب هذا الجزء ، فإن كتاب خطاب إلى اليونانيين لم يتعرض إلى الشجب والتنديد (بصورة عامة وشاملة وإنما حصلت له إستثناءات) [79].

  أما كتابه الذي حمل عنواناً باللغة الإنكليزية ” دياتيسارون ” أو ” هارمونيا الأنجيلية ” أو ” الأنجيل الرباعي ” أو ” الإنسجام في الأناجيل الأربعة “. كما وإن هناك ” دياتيسارون عربية ” ، قام بترجمتا أبو الفراج الطيب من السريانية إلى العربية في القرن الحادي عشر [80]. والهارمونيا الإنجيلية هو من أعمال تاتيان الأشوري الكبيرة . وهناك ترجيح على إن تأليفه جاء في الفترة (حوالي سنة 160 – 175م) . وهو من الأناجيل المبكرة . ولاحظنا إن هناك من يُشير إلى إن هذا العمل ، هو من ” إنشاء تاتيان ، وهو من المسيحيين الأشوريين ، وهو مدافع عن العقيد المسيحي ومن الزهاد ” [81].

   وكان تاتيان يتطلع من إنشاء الهارمونيا الإنجيلية أو الأنجيل الرباعي إلى إنجاز محاولة تشدُ كل مواد النصوص التي وجدها في الأناجيل الأربعة (وهي كل من إنجيل متى ، إنجيل مرقص ، إنجيل لوقا وإنجيل جون) في رواية واحدة متجانسة (متساوقة) تروي حياة المسيح وموته . ويبدو إن تاتيان لم يكن لديه دافع وراء طموحه من التحقق من صحة الأناجيل الأربعة على حساب التفسيرات التي يُقدمها الإنجيل الكنسي . كما وإنها عرضت الدليل على إن كل واحد منها خال من التناقض وخال من الخطأ . وهارمونيا تاتيان (أو إنسجام تاتيان) تابعت الأناجيل من قُرب وفي حدود النص وكانت متوافقة مع جميع المواد الكنسية . وفعلاً فإن تاتيان بإصطناع طريقة تسلسل خاصة به في سرد روايته . فكان الحاصل من ذلك ، إنها كانت رواية مختلفة من السرد الإزائي والذي كان متداولاً في الأناجيل الثلاثة الأولى (وهي كل من إنجيل متى ، مرقص ولوقا) وهي على هذا الإساس هي إناجيل إزائية . وبسبب إن جميع هذه الأناجيل الثلاثة ، تشمل عدد من القصص ذاتها . وغالباً ما تتداول طريقة السرد ذاتها ، وتستخدم نظاماً من العبارات المتشابهة .

  وهذه الأناجيل تقف مغايرة مع إنجيل يوحنا (أو بالإتكليزية إنجيل جون) والذي يكون طريقة سرد مغايرة ” تُعرف بطريقة سرد يوحنا أو بألإنكليزية طريقة سرد جون ” . وإن محتواها بالمقارنة متميز . وإن معنى الكلمة بالإنكليزية هو واحد إلى هذه الأناجيل الثلاثة . كما وإن هناك نوعاً من التوازي القوي بين الأناجيل الثلاثة ، والذي يشمل المحتوى ، الترتيبات واللغة الخاصة .. وبالمناسبة إن فعل إصطناع تاتيان لطريقتين سرديتين للأناجيل الأربعة ؛ طريقة سردية واحدة للأناجيل الثلاثة الأولى (متى ، مرقص ولوقا) وطريقة سردية مختلفة لأنجيل يوحنا (جون) ، كان حاصله إن خلق تاتيان الإشوري بيراعه إشكالاً إلى نهجه في تصنيف الأناجيل الأربعة ، منها ؛ ظهور فترات زمنية متداخلة بعضها مع البعض الأخر . وهذا الأمر لاوجود له حتى في مصدر واحد من المصادر التي تعرضت إلى تفسير الأناجيل [82].

  وأرجو أن لا تنسى بأن تاتيان هو الكاتب الإنجيلي ، لأنجيل عنوانه ” إنسجام الأناجيل الأربعة ” أو الهارمونيا الإنجيلية . وهكذا كانت فكرة ” الهارمونيا أو ألإنسجام ” هي الفكرة أو المبدأ الأساس الذي ركز عليها تفكيره ومن ثم عمله . ولهذا نحسب أن نشير إلى إن تاتيان فاته من إن السرد (طريقة سرد الروايات)هو منسجم ومتساوق مع ذاته فقط ، وليس من الضروري أن يكون منسجماً ومتوافقاً مع مجمل الأناجيل الكنسية برمتها . والظاهر إن تاتيان طبق المبدأ ذاته دون الإنتباه إلى حقيقة لفت الأناجيل الأربعة ؛ وهي ” إن طريقة سرد الروايات في الأناجيل الثلاثة الأولى مختلف عن طريقة سرد الروايات في إنجيل يوحنا (جون وهو الإنجيل الرابع) . وكذلك إن تاتيان لم يأخذ بالأعتبار طبيعة الرواية ذاتها . وكذلك إن الأناجيل مختلفة الواحد عن الأخر في تفاصيل الحدث أو التعاليم . ولهذه المهمة جاءت الهارمونيا الإنجيلية التي عملها تاتيان تحمل الحل لمثل هذه التناقضات الواضحة . وفعلاً فقد رجح تاتيان تداول طريقة الإختيار والإنتخاب (وبالطبع تتضمن فعل حذف وإستبعاد لروايات ليس فيها هرمونيا أو إنسجام) . فكان يُرجح بديلاً واحداً ومن ثم يضيف تاتيان تفاصيل فيها هرمونيا وإنسجام وتوافق من الأناجيل الأخرى . بينما قام بحذف المواد المتشابهة والتي تكون فيها إعادة للموضوع ذاته . ولعل الشاهد على فعل الحذف والإستبعاد الذي مارسه تاتيان في الهارمونيا الإنجيلية ، هو حذفه لأطراف من جينيولوجيا اليسوع (نسب اليسوع وسلالته مثلاً وليس حصراً) وبالتخصيص الواردة في كل من إنجيل متى وإنجيل لوقا [83].

13 – إنجيل ساثينس (أو إنجيل السكيثيون)

  ولا نعرف عنه إلا أشياء قليلة جداً وخصوصاً من خلال مخطوطات الأناجيل التي تم إكتشافها في منطقة ناج حمادي في مصر . ولذلك لاحظنا في الكتابات المعاصرة عن هذا الإنجيل دائماً يُشار إلى أناجيل حمادي ، وبالشكل الآتي : ” إنجيل ساثينز : أناجيل ناج حمادي ” وهي ترتبط بمنطقة الساثينز أو بالناس الذين سكنوا هذه المنطقة والذين يُطلق عليهم عنوان الساثينزين . ولذلك لاحظنا إن هذا الإنجيل يحمل إسم ” إنجيل الساثينز أو في قراءات أخرى السكيثينز ” [84]. ووجدنا إن البروفسور إدوين يماكاي وهو يبحث عن منطقة الساثينز والشعب السكيثيز ، رفع السؤال المفتاح ؛ من هم السكيثيز ؟ ولماذا ضمهم  القديس بولص إلى الكولوسينز ؟[85]  ونحسب إن البداية ، هو أن نُحدد جغرافياً منطقة الكولوسينز . ويبدو إنها منطقة من مدينة فريجيا القديمة التي كانت جزء من أسيا الصغرى (تركيا اليوم) . ولاحظنا إنه في كتاب العهد الجديد ، القديس بولص يتحدث عن كنيسة كولوسينز في فريجيا [86]. وفيما بعد كانت منطقة لجماعة مسيحية ، وهي الجماعة التي وجه إليها الرسول بولص الرسالة التي حملت عنوان رسالة إلى أهل كولوسي والتي يُشار إليها بإختصار الكولوسينز [87].

   والكولوسينز هو الكتاب الثاني عشر من العهد الجديد .والذي كُتب وفقاً إلى النص بيراع كل من الرسول بولص والقديس تيموثاوس (مات حوالي سنة 97م) وهو الأسقف المسيحي الأول في القرن الأول الميلادي . وولد في لوكوينا (ليسترا التركية) . ومن أخذ يتزايد دافع الباحثين الأكاديميين إلى إثارة السؤال حول حقيقية كون بولص الرسول هو المؤلف لهذه الرسالة . ومن ثم على أساس هذا السؤال حول من هو المؤلف الحقيقي ؟ أخذ ينسبُ الباحثون هذه الرسالة إلى مؤلف أخر وهو رفيق مُبكر إلى بولص بدلاً عنه . والحقيقة ظل عدد من الباحثين في حجم مساو ينسبونها إلى الرسول بولص [88].

  وخلال الجيل الأول بعد اليسوع ، وجه بولص الرسائل إلى عدد من الكنائس سهل مهمتها في تأسيس ما يمكن أن نطلق عليه يومذاك ” اللاهوت المسيحي المُبكر ” . ووفقاً إلى الأكاديمي الإنجيلي الأمريكي بروس ميتزجر (9 شباط سنة 1914 – 13 شباط سنة 2007)[89] فإن هذه الرسائل التي كتبها بولص كانت من نتاج الخمسينيات من القرن الأول الميلادي . ويُرجح إن بولص كتبها عندما كان في السجن . والكولوسينز في الحقيقة تتشابه و ” رسالة إلى أهل أفسس ” . وكتاب العهد الجديد ينسبها إلى الرسول بولص وتتألف من رسالة بعثها إلى كنيسة أفسس أو إلى الأفسيسيين . والتي كتبت كذلك خلال هذه الفترة (الخمسينيات) [90]. وبعض الباحثين الأكاديميين النقاد نسبوها إلى واحد من الأتباع المبكرين إلى القديس بولص . وفيها الكثير من التشابه وإسلوب بولص . والرسالة تُقدم وصفاً للمسيح (وهو بارز مع بداية الخلق) . بينما يعتقد بعض من الأكاديميين إنها ” تمثل خطوة متقدمة في مراحل نمو الفكر اللاهوتي المسيحي .(وعلى هذا الأساس) فهي لاتُمثل الفترة التي عاش فيها (القديس) بولص [91].

  ولاحظنا إن المدافعين عن تأليف بولص لهذه الرسالة ، يعتمدون على الإقتباسات منها والتي تؤكد على تشابهها مع رسالة بولص والتي حملت عنوان ” رسالة بولص إلى فليمون “. وهي الرسالة التي بعثها بولص من السجن . وفيلمون هو واحد من قادة كنيسة الكولوسينز . وتُعرف هذه الرسالة برسالة السجن وهناك من يرى إن بولص كاتب مشارك لها حيث شاركه تيموثي (سبق الإشارة إليه) . وتُعالج رسالة بولص إلى فيلمون موضوعات من مثل الغفران والعفو والمصالحة . وبالطبع هذه الرسالة لازال يدور الجدل حولها ، وهي موضوع تساؤلات الباحثين الأكاديميين وهناك عدد منهم يُثيرون حولها الشكوك وهي ليست بقليلة [92]. وبالرغم من هذا الواقع ، فإن هذه الرسالة تُعد مقبولة بصورة واسعة ، وهناك قناعة تدعمها بكونها حقيقية [93].

  ونحسب إن من المهم أن نشيرهنا إلى إن جنس من الأدب نشأ في التراث المسيحي وتحت عنوان رسائل السجن . وهي اليوم تشمل الرسائل التي بعثها كل من القديسيين ؛ بولص وتيموثي (أو القديس تيموثاوس) من السجن والتي تشمل كل من رسائل : الكولوسينز ، الأفسس أو الأفسيسينز ، الفيليبيز والفيلمونيز . وفعلاً فقد سبقت رسالة الكولوسينز ، رسالة الفيليبيز أو رسالة بولص وتيموثي إلى فيليبي (اليونان) والتي جاءت خلال زيارة التبشير الأولى (وهي بالطبع الرسالة الحادية عشر) والتي حدثت تقريباً ما بين سنة 49 – 51 ميلادية . وفيليبي هي المنطقة الأولى التي تأسست فيها الجماعة المسيحية الأولى (أو المجتمع المسيحي الأول) في أوربا . والباحثون في الإنجيل يتفقون بصورة عامة على إن الرسالة ” كتبها بولص الطرسوس ، ويُقدر تاريخها سنة 62 ميلادية . وهذا التقدير جاء بعد عشرة سنوات من زيارة بولص الأولى إلى فيليبي [94].   

  وقبل أن نُغادر بحثنا عن إنجيل الساثينز أو إنجيل الإسكيثينز (أو إنجيل الأسكيثينيون في قراءات أخرى) والإشكال الذي يلفه ، هو أن نشير إلى إن الإشارة التاريخية التي تُدلل عليه ، هو مجموعة أناجيل منطقة حمادي(في مصر) والتي يحقُ أن نطلق عليها الأناجيل القبطية . وفيها وجدنا حديث عن إنجيل الإسكيثينز . وخلاصته ” إنه حوار الخلاص أو محاورة المُخلص ” . (ويُضيف) وهو ” العنوان للكتابات التي تتعلق بالأحداث الآتية : وهو ” إن ثلاثة من الحواريين ، وهم كل من توماس (والمعروف بإنجيل توما وهو إنجيل شفوي) [95]، إندرو (وهو الرسول إندرو [96]وبالطبع هو أخو القديس بطرس) وماري المجدلية (أو مريم المجدلية وهي من أتباع المسيح وكانت ترحل وتتنقل معه)[97] ، وحينها جاءتهم تعليمات خاصة من اليسوع ، والذي وضع ماري المجدلية في المقام الأول ولتتقدم صفوف الرجال وتقودهم وذلك بسبب إنها تكلمت كأمرآة متفهمة كاملة . وهذه الكتب المقدسة ذاتها هي التي أطلقت عليها ” مريم المجدلية صاحبة رؤيا وحوارية متفوقة بزت الأخرين ” .

  ووفقاً إلى إنجيل فيليب فإن المنافسة إنفرطت بين الحواريين الذكور بسبب ماري المجدلية التي إعتبرها اليسوع هي رفيقته الأكثر عمقاً . كما وإنها رمز الحكمة وبسبب أخر هو إنه حبها أكثر من حوارييه الأخرين . وكان غالباً ما يُقبلها في الضوء العالي . ولهذا فهمنا الأن ؛ لماذا ظهر اليسوع لأول مرة إلى ماري المجدلية بعد قيامته ؟ كما ويمكن أن نُضيف بأن ماري المجدلية هي واحدة من حواريي اليسوع ، وواحدة من الحواريين الإثنتي عشر ، بالرغم من الرفض اليهودي – المسيحي ، للإعتراف بأنها حوارية اليسوع وواحدة من الرُسل الإثنتي عشر . وحتى هذا اليوم فهناك إصرار يهودي – مسيحي يُصور مريم المجدلية في عقلية المؤمن بأنها إمرأة بلا أخلاق وبلا ضمير ” .. [98].

14 – إنجيل بارثولماوس

   وهو من النصوص الضائعة من الإنجيل أو بالتحديد من العهد الجديد المنحول (المشكوك فيه) . ورغم فقدانه فقد جاء ذكره والإشارة إليه في العديد من المصادر المُبكرة . وهناك إمكانية في إعتباره بديلاً مماثلاً إلى كل من أسئلة بارثولماوس باللاتينية (أو أسئلة بارثولوميو باليونانية ومن ثم بالإنكليزية)، قيامة المسيح اليسوع (كتبه بارثولماوس) أو لا هذا ولا ذاك . وللتدقيق في قضية ضياعه وإنه بديلاً مماثلاً إلى كل من أسئلة بارثولماوس وقيامة المسيح اليسوع . وما دام هدفنا البحث عن إنجيل بارثولماوس الضائع ، فإننا لا نخسر إذا ما بحثنا في كل من ؛ أسئلة بارثولماوس وقيامة المسيح اليسوع . ونفضل أن نُعرف أولاً بشخصية بارثولماوس ، ونحسب إن هذا هو الطريق المنهجي الصحيح الذي يُعيننا في معرفة الكثير عن شخصية صاحب هذا الإنجيل وبالطبع معرفة الإنجيل بحد ذاته .

  يُعد بارثولوميو (باليونانية) أو بارثولماوس (باللاتينية) هو واحد من حواريي اليسوع الإثنتي عشر . ولاحظنا إن المصادر تذكر من إن شخصيته تتماثل أو تتطابق مع شخصية ناثانيال أو ناثنيل [99]. وناثانيال بالعبرية تعني ” ” هبة الله أو منحة الله ” وهو من سكان الجليل (فلسطين) . وناثانيال في الحقيقة هو تابع أو واحد من حواريي اليسوع وقد جاء ذكره في إنجيل يوحنا (الفصول الأول والحادي والعشرين) [100]. وظهر ناثانيال في الإنجيل وفقاً إلى رواية يوحنا وعرف بشخصية المسيح إلى فيليب (وهو الأخر أصبح رسولاً) . ويبدو إن بعض الشراح المحدثون يرفضون فكرة تماثل أو تطابق شخصية ناثانيال مع شخصية بارثولوميو [101].

     وإنحدر الحواري بارثولوميو من عائلة آرامية . وكان إسمه بالأرامية يُلفظ ” بار تولمي ” ويعني ” إبن تالمي ” . وهو إسم إنجيلي لجماعة صغيرة . وإسمه الآرامي له علاقة ما بإسم بطلميوس اليوناني [102]. وولد بارثولوميو في قانا – الجليل (فلسطين) [103]، وهو واحد من حواريي اليسوع الأثنتي عشر . وجاء ذكره في ثلاثة من الأناجيل التي يُطلق عليها عنوان ” الأناجيل السينوباتية أو بالعربية الأزائية ” أي الأناجيل الثلاثة التي تتشابه في ” شرح الأحداث من زاوية نظر واحدة والتي تختلف عن إنجيل يوحنا [104]. وهذه الأناجيل الثلاثة هي كل من إنجيل متى (10 : 1 – 4) ، إنجيل مرقص (3 : 13 – 19) وإنجيل لوقا (6 : 12 – 16) . ومن ثم ظهر كذلك كواحد من الشهود الذين شهدوا عروج (صعود) اليسوع إلى حضرة الله (المشهد 1 : 4 ، 12 ، 13) .

  وفي كل مناسبة من هذه المناسبات ، فإن (بارثولوميو) جاء ذكره وهو في صُحبة فيليب . والواقع إن بارثولوميو لم يُذكر إسمه في إنجيل يوحنا ، بل ولم يأتي ذكر له في أي مشهد مبكر [105]. وإن ذكره المبكر جاء في كتابات مؤلف (؟) نُسبت له أعمال منتحلة . وجاء إسم هذا المؤلف على أساس الإفتراض هو ” عباديس البابلي ” . ويبدو إن الأسطورة والخيال لعبا دوراً في عمل عابديس (أو عوبديا) وهو أسقف بابلي ، بل وكان واحداً من السعين من الرُسل الذي ذكرهم بصورة جماعية إنجيل لوقا (10 : 1 – 20) وإن القديسيين سايمون وجود إدعاءً هما اللذان رسماه أول أسقف (مطران) [106]. ويُذكر بأن القديس جيروم قد ذكر إنجيل بارثولوميو في المقدمة على الشرح الذي وضعه على إنجيل متى ن ووصفه بأنه واحد من الأناجيل المشكوك فيها (أو المنحولة) [107]. 

15 – إنجيل أبيليس

   وأبيلبس هو مسيحي غنوصي من منتصف القرن الثاني الميلادي . وكان من حواريي رجل اللاهوت والمعلم المسيحي مركيون أو مرقيون . كان أولاً من حوارييه في روما ، ومن ثم في الإسكندرية وأخيراً كان من حواريه عندما رجع إلى روما [108]. وكان إبيلبس يحضر في جمعية مرقيون والذي طرد ه (السيد الماسترمرقيون) منها . وكتب ترتليان وهو كاتب مسيحي مبكر (عاش ما بين 155 – 240م) [109] عن إبيلبس وهناك إحتمال بأنه كان معاصراً إلى  أبيلبس وترتليان هو الذي عرف بمحنة إبيلبس وأخبر عن قصته . ولذلك قدم ترتليان لنا تفسيراً لأسباب لا تتعلق بغنوصية أبيلبس وهي القضية التي عُرفت بهرطقية أبيليبس . وإنما ذكر ترتليان أسباباً أخرى ، ومنها إن أبيلبس أقام علاقة عاطفية حميمة مع أمرأة إسمها فيلومينا . وبالمناسبة إن فيلومينا كانت يومها تزعم بأنها مسكونة بواحد من الملائكة وإنها نبية  . وهذا الملك هو مصدر وحيها وإلهامها . وإن أبيلبس إقتنع بدورها ومن ثم قام بتلاوة وحيها وإلهاماته إلى الجمهور بصوت جهوري . ولهذا السبب تم طرده من مدرسة مرقيون [110]. ولاحظنا من خلال مقال ” فيليب سميث ” والذي أصدر فيه نوعاً من الموازنة والتقويم لشخصية ترتليان ورأى فيليب سميث ” إن ترتليان لم يكن شخصية بريئة في الكتابة عن إبيلبس ” . وفعلاً فقد لاحظ سميث إن ترتليان إصطنع وإفترى على أبيلبس وكان غرضه من ذلك إحداث أضرار كبيرة لشخصية إبيلبس الهرطقي حتى وإن كان عن طريق التلفيق والإختراع [111].

  وبعد طرده من مدرسة مرقيون ذهب إبيلبس إلى الإسكندرية . ويبدو إنه هناك طور عقيدته . كما قام إبيلبس بتكييف إلى المرقونية (أو الماركونية) وفقاً إلى ترتليان وهي قضية إن المسيح يمتلك لحم ودم إنسانيين حقيقة . إلا إن إبيلبس إستمر ينفي ولادة المسيح [112]. وكتب إبيلبس كتاباً بعنوان السايلوجزمز أو الأقيسة (أو الإستدلالات) والحقيقة إن هذه العناوين تدل على إنه كتاب في المنطق (وهذا موضوع كتبنا فيه رسالتنا للماجستر وإطروحتنا للدكتوراه وعشرات من الأبحاث وثلاثة كتب خصصناها لعلم المنطق … ) إلا إننا لاحظنا بالرغم من هذه العنواين الدالة على علم المنطق . فإننا وجدنا إبيلبس يتداول الكلمة ذاتها ، فإنها تقترح إن بليبس عازم على معارضة مرقيون إنتيثيسس ” أو ” نقيضة مرقيون ” والتي وضعت العهد القديم والعهد الجديد في معارضة أحدهما للأخر . وإعتماداً على المنقول من الروايات فإن ” أبيلبس قد سُمع عنه إنه كان في روما في الأجزاء الأخيرة من القرن الثاني الميلادي [113].

   وكان أتباع أبليبس لهم حضور بعد موته وذلك من جهة إنهم كانوا يحملون عناوين متنوعة من مثل “ أبليتي ” (هكذا وردت) ، ” أبليوكس ” (هكذا وردت) و ” أبليبستس ” وهي على الغالب تبدو غير معروفة . وفعلاً فإن ترتليان كتب مدخلاً ضدهم . إلا إنه (مع الأسف) ضاع وطواه النسيان . ولكن لاحظنا إن ” إمبروز الميلاني (من مدينة ميلان)” (من القرن الرابع الميلادي) [114]قد وجه بعض تعليقاته النقدية في عمله الذي حمل عنوان ” حول جنة عدن ” وهو فعلاً عمل خصصه ضد هذه الطائفة . والحقيقة لم يكن واضحاً يومذاك من إن الطائفة التي وجه التعليق إليها لازلت نشطة أم إنه يتكلم عن نسخة من عمل أخر لترتليان وهو الأن عمل ضائع وكان (هذا العمل) حول الموضوع ذاته (وهو عمل غير معروف) . وذكر ترتليان تعاليم هذه الطائفة ومنها (إعتقادهم) بأن الجسد (اللحم والدم) قد تم تركيبه بهدف جذب النفوس (وإستدراجها إلى) الأجسام وغرسها فيها بقوة أمير الشر الناري [115].

  إضافة إلى ذلك ، فإن هناك من بين عقائهم ، أفكار تذهب إلى إن ” جسم المسيح تألف من عناصر أرضية ” ، ولهذا إعتقدوا إنه بدلاً من العروج (الصعود) إلى الجنة ، فإن جسمه تحلل إلى عناصره (الأرضية) بعد موته [116]. وفي هذه العقائد يبدو إن هناك نوعاً من التفكير الغنوصي الذي آمن به كل من بازيليدس أو فلاتينوس . ومن ثم فيما بعد ظهرت في أفكار المرقيونية المتأخرة والتي وصفها الكاتب المسيحي الأرميني إزنيك كولب (القرن الخامس الميلادي) [117]والتي تتشابه مع هذه العقائد الغنوصية (وخصوصاً غنوصية بازيليدس أوغنوصية فلاتينوس) .

   ونحسبُ إن الكاتب المسيحي الأرميني إزنيك كولب مهماً لمضمار البحث الأكاديمي وهذا أمر لا نقاش حوله . إلا إنه فوق ذلك هو مهم لي شخصياً (الدكتور محمد الفرحان) ولأسباب منها إنه من كُتاب القرن الخامس الميلادي (أي عاش وكتب قبل الإسلام بزمن ليس ببعيد جداً) ومعروف في التراث الإسلامي الكثير من العناويين لمؤلفات ومجلدات حملت عنوان دحض الفرق والطوائف والملل . كما إن إزنيك مهم من جهة إنه كتب روائع بالغة الأهمية في تاريخ الفلسفة وخصوصاً الفلسفة اليونانية . صحيح إنه كتب رائعة حملت عنوان ” ضد الفرق ” أو ” حول طبيعة الله ” والتي كتبها ما بين سنة 441م وسنة 449م .

   تألفت رائعة دحض الفرق أو دحض الملل من أربعة كتب أو أربعة فصول [118]. ولاحظنا إن الكتاب تقدمه مدخلاً [119]. ثم تلاه الكتاب الأول وبعنوان طبيعة الله [120]. وبعده جاء الكتاب الثاني وبعنوان دحض الزرادشتية [121]. وتبع أثره الكتاب الثالث وبعنوان دحض فلاسفة اليونان [122]. وعالج في هذا الكتاب المدارس الفلسفية الكبرى وهي كل من : الفيثاغورية (أو الأدق الفيثاغوريون) ، الإفلاطونيون ، المشائيون ، الرواقية ومن ثم الأبيقورية (والأدق الأبيقوريين) . وكان حجته التي إعتمد عليها في عملية النقد الإنجيل بدلاً من العقل [123].   وختم هذه الرائعة بالكتاب الرابع والذي عين له عنواناً مهماً في مضمار نقد الفرق أو تفنيد الفرق ولذلك جاء بعنوان دحض المرقونية الهرطقية [124]ومن التعليقات التي كتبها الدكتور (محمد الفرحان) نستشهد بها هنا وحيث قال بحق هذه الرائعة ” إن الكتاب الرابع هو شرح إلى المرقونية ودحض لها وذلك لكونها هرطقة ثنائية [125]. ولاحظنا إن المضمار الذي حمل عنوان قراءات معمقة [126]، فهو مضمار تم إضافته حديثاً والشاهد على ذلك المصادر التي ضمها . فمثلاً رأينا إن الفيلسوف البريطاني المعاصر برتراند رسل (1872 – 1970) يتقدم قائمة المصادر . وبالطبع إن الحدود الزمنية التي تفصل بين الكاتب المسيحي الأرميني أزنيك كولب والفيلسوف البريطاني برتراند رسل تمتد لأكثر من أربع عشرة قرناً بحسابات الزمن . وبالطبع الفارق كبير ويصل إلى حد الإختلاف والتفاطع إلى حد العظم بين رائعة برتراند رسل التي حملت عنوان لماذا أنا لست مسيحياً ورائعة أزنيك كولب الأرميني (دحض الطوائف أو دحض الفرق) والتي نقترح لها عنواناً فيه إستبطان لعنوان رسل العلماني ويتناغم وفكرانية إزنيك المسيحية (وهكذا) ” لماذا أنا مسيحياً ” . ورسالة ” دحض الفرق” هي بالتأكيد  رسالة مسيحية دفاعية ضد الزرادشتية والفلاسفة اليونان كما وفيها دحض للمرقونية الهرطقية بلغة أزنيك الأرميني [127].

16 – الإنجيل الذي نشره كل من لوسيانوس وحسيشيوس (أو إسكيوس) .

   ولاحظنا ونحن نُدقق في متون التاريخ وخصوصاً المتوافر منها من معطيات تاريخية عن شخصية كل من لوسيان أي ” لوسيان الساموساطي ” وهو من أبناء القرن الثاني الميلادي وبالتحديد (عاش حوالي سنة 125 – بعد 180 م) وإسكيوس (أو حسيشيوس) وهو من إبناء القرن الثالث الميلادي ويُفترض إنه عاش بالتحديد في الفترة ما بين (سنة 280 – 300 ميلادية) وكتاباته تُدرج في إطار الكتابات المسيحية المبكرة [128].

   وعلى هذا الأساس فإننا نٌرجح إن هذا الربط بين كل من ” إنجيل لوسيان ” و ” إنجيل إسكيوس ” حدث في فترة تاريخية حديثة لاحقة . والسبب هو إن لوسيان الساموساطي ومن ثم ” إنجيل لوسيان الساموساطي ” يتقدم زمنياً بحدود ” أكثر من القرن من السنيين ” على ” إسكيوس (أو حسيشيوس) ومن ثم إنجيل إسكيوس . ولهذا نعتقد إن هذا الربط بين الإنجليين هو مجرد ربط (لغوي وحسب بل وغرضه التعديد والتصنيف ليس أكثر من ذلك) ولا يدعمهما تاريخ المؤلفان ولا تاريخ التأليف أو لنقل تاريخ حيازة الأنجيلين وذلك لأنهما أبناء قرنين مختلفين ونؤكد مرة أخرى ” لوسيان الساموساطي هو إبن القرن الميلادي الثاني وإسكيوس هو إبن القرن الميلادي الثالث ” . صحيح إن معلومات الباحث إعتمدت على قوائم الأناجيل عند الفيلسوفة المتصوفة الإنكليزية آني وود بيزنت والتي جاءت مدروجة فقط (ونقول مدروجة فقط) في رائعتها التي حملت عنوان المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها [129].

  ولنبدأ بحثنا بالإنجيلي لوسيان الساموساطي (الأشوري) وغرضنا هنا التعريف به ومن ثم التأمل في أعماله والمهم منها إنجيله (أي إنجيل لوسيان الساموساطي) أو الذي ” نشره لوسيان ” حسب العنوان الذي ورد في قوائم الفيلسوفة – المتصوفة آني وود بيزنت [130]. وجاء لوسيان الساموساطي من سميساط التي تقع في منطقة الفرات الأعلى والقريبة من الحدود السورية التركية . ولهذا السبب يُطلق عليه ” لوسيان سميساط أو الساموساطي ” . وهو خطيب (ومتبحر في علم البلاغة) [131]. وكان كاتباً ساخراً ويكتب باللغة اليونانية ، وعاش خلال الفترة التي عُرفت بعنوان ” حركة السفسطائية الثانية [132].

  وتميز لوسيان الساموساطي (الأشوري) بفطنته وذكائه وروحه المرحة الساخرة . وكتب باللغة اليونانية القديمة وبالتحديد باللهجة الأتكية [133](وهي بالطبع الموديل للغة اليونانية والتي كانت شائعة ومتداولة في آثينا) . وكتب لوسيان عن الإلهة السورية تراعتا [134]. ومن ثم جاء عنوانها بصيغة أخرى وباللغة اللاتينية التقليدية وبالصورة الآتية : ” فيما يتعلق بالإلهة السورية ” . وهي رسالة نزلت من القرن الثاني الميلادي . ولعل أهميتها إنها قدمت وصفاً إلى الطوائف الدينية وممارساتها في معبد منبج (السوري كما يُعرف اليوم) . وكُتب بالإسلوب الهيرودوتي (نسبة إلى المؤرخ اليوناني هيرودوتس (حوالي 484 – 425 ق.م) والذي كان معاصراً إلى الفيلسوف اليوناني سقراط (469 – 399 ق. م)) أي كتبه لوسيان باللهجة اليونانية الأيونية .وهذا العمل يُنسب إلى المؤلف السوري الهيلينستي لوسيان السميساطي والتي قدم فيها صورة حقيقة للحياة الدينية في سوريا في القرن الثاني الميلادي [135].

  والواقع إنه لا تتوافر معلومات كافية عن حياة لوسيان . إلا إننا لاحظنا بالرغم من ذلك ، فإن هناك بضعة تفاصيل دقيقة ويمكن الوثوق بها وذلك لكونها تتوافق مع الأدلة التي وردت في الكتابات التي تُنسب إلى لوسيان . فمثلاً إنه زعم في عدد من أعماله من إنه ولد في سميساط والتي كانت جزء من مملكة كوماجيني السابقة ، وهي مملكة أرمينية هيلينستية ومن ثم في عام 17 ميلادية إبتلعتها روما وإستمرت تحت حكم الإمبراطورية الرومانية وحتى عام 38 ميلادية  ومن ثم عادت مستقلة لفترة قصيرة وتلتها في سنة 72 ميلادية سنوات إحتلال طويل بعد إن ضمتها الإمبراطورية الرومانية إليها [136].

  واليوم تتوافر لدينا معلومات موثقة عن المؤلفات والأعمال التي كتبها لوسيان والتي ناهزت الإثنتا والثمانين عملاً والتي ظلت محفوظة خالدة (وهي بالطبع تُنسب إليه) وإن هناك شكوك تُثار حول بعض منها [137]. وهذه الأعمال تتوزع في ؛ خطابات ، مقالات خطابية في المدح والهجاء . وحوارات كوميدية ، مشاهد حوارية متنوعة ، وأعمال روائية . ولوسيان هو واحد من كُتاب الرواية المُبكرين في تاريخ الحضارة الغربية . ومن الملاحظ إن أعمال لوسيان الروائية قد إستفادت من القصص التي رواها الكاتب الملحمي اليوناني هوميروس (كتب ملاحمه الشعرية حوالي أواخر القرن الثامن قبل الميلاد وبداية القرن السابع قبل الميلاد) وكذلك إعتمد لوسيان في كتابة رواياته وقصصه على المؤرخ اليوناني ثيوسيديديس (حوالي 460 – 400 ق.م) [138]. ومن الشواهد على ذلك الإلهات السوريات ، قصة الصدق ، حوارات الموتى ، حوارات الألهة ، حوارات المحظيات (بائعات الهوى) ، الكسندر النبي الكذاب ، عقائد للبيع ومُحب الأكاذيب . وأعمال لوسيان تألفت من ثمانية مجلدات (ولاتنسى نشرة لوسيان إلى إنجيله) [139].

وإضافة إلى ذلك فإن لوسيان كتب رائعته الروائية التي حملت عنوان حوارات الألهة . وهي تتألف من 25 حواراً قصيراً . وفي هذه الحوارات سخر لوسيان من المفهوم الهوميروسي لألهة اليونان . وكتبها لوسيان باللهجة اليونانية الأتكية . ونختار منها على سبيل المثال ؛ حوار برومثيوس وزيوس (الحوار الأول) ، حوار إفروديت وزيوس (الحوار التاسع عشر) وحوار آبولو وحرميس (الحوار الخامس والعشرين) [140]. ولاحظنا إن هذه الرائعة التي كتبها لوسيان قد نشرت في مجموع ضم حوارات لوسيان الآتية : حوارات الموتى ، حوارات آلهة البحر ، حوارات الألهة وحوارات المحكمين [141]. وأخيراً نشير إلى رائعة لوسيان (المجموع) والتي حملت عنوان أعمال لوسيان الساموساطي [142]. والتي تألفت من أربعة مجلدات . ونحسب هذا موضوع يحتاج إلى دراسة خاصة به .

تعقيب ختامي 

    والخاتمة إشارة إلى إن لوسيان قد تأثر بالفيلسوف اليوناني أبيقور (341 – 270 ق.م) ومن ثم تشكلت ذهنيته الفكرية بتأثير فلسفة أبيقور(أي الفلسفة الأبيقورية) . وفعلاً فقد كان لوسيان معجباً أشد الإعجاب به . ولهذا السبب كتب لوسيان هجاءً ساخراً ضد المتصوف  (والمهتم بالوحي) اليوناني ألكسندر أبنوتيتشوس (105 – 170 ميلادية) والذي أحرق واحداً من كتب الفيلسوف أبيقور . ولذلك صرخ لوسيان قائلاً :

   ما البركات وما السلام الذي خلقه هذا الكتاب لدى القراء ؟ إنه وفر لهم الهدوء ، ومنحهم الحرية ، وحررهم من مخاوف الظواهر والحروف ، ومن آمال العبث والشهوة المتكلفة . وطور فيهم الذكاء وحب الحقيقة . حقاً إنه نقى (وطهر) فهمهم لا بالمشاعل والقمر ، ولا بنوع من الحماقات ، وإنما بالتفكير المستقيم والصدق والصراحة [143].

  ومن بعد حديثنا عن لوسيان الإشوري الإنطاكي نتحول إلى التعريف بالإنجيلي إسكيوس أو (حسيشيوس) وإنجيله الذي يُعرف بإسم ” إنجيل حسيشيوس ” وهو في الواقع نص مُنقح إلى نص  ” سبتواجنت ” . والمعلومات المتوافرة لدينا تشير (على الأقل) إلى إن إسكيوس أو حسيشيوس كان فعلاً يحتاز على إنجيل يُعرف بإنجيل إسكيوس (ومن ثم قام بنشره حسب قوائم الفيلسوف الإنكليزية آني وود بيزنت) . ونحسب على الأكثر إن إسكيوس هو المنقح والمُراجع إلى هذا الإنجيل والذي كان يحمل إسماً عبرياً وتُرجم إلى اليونانية ومن ثم إلى اللاتينية بعبارة ” سبتواجنت ” وبالعربية تعني ” السبعينية ” وهو إختصار إلى النصوص اليهودية المقدسة . والترجمة ظلت تحمل العنوان اللاتيني ” سبتواجنت ” حتى عصر القديس أوغسطين [144]. والذي نعرفه عن إسكيوس هو إنه كان أسقفاً مصرياً من القرن الثالث الميلادي (إلا إننا لا نعرف الأبرشية التي كان ينتمي إليها) . وهو بالطبع من أهالي الإسكندرية . وغالباً ما يُنسب خطأً بسبب لقبه إلى واحد من المعجميين (فقهاء اللغة) في القرن الثاني الميلادي والذي كان وثنياً . في حين إن إسكيوس كان أسقفاً مسيحياً . والشائع عنه إنه قام بتنقيح ومراجعة السبعينية . ويُذكر بأن إسكيوس كان مراجعاً إلى العهد الجديد . أو على الأقل إنه مراجع إلى الأناجيل الأربعة وخصوصاً التي كانت متداولة في مصر . والحقيقة إن هذا النص المنقح هو الذي ذكره القديس جيروم (عاش خلال القرنيين الرابع والخامس الميلاديين [145]). ونحسبُ إن الذي ذكره جيروم (كان فيه القليل القليل من الصحة) هو إنه عمل من أعمال حسيشيوس (عاش خلال القرن الثالث الميلادي) وأكد جيروم بأن حسيشيوس عمله بالتعاون مع لوسيان الأنطاكي (أي لوسيان الساموساطي الذي عاش خلال القرن الثاني الميلادي ) . الحقيقة إننا نقول إن هذه التواريخ مع الأسف لا تعمل لصالح حجة القديس جيروم والتي أكدت على مشروع التعاون بين حسيشيوس ولوسيان الإنطاكي على الإطلاق . ونعتقد إن مشكلة الفصل ممكنة بصورة جزئية وخصوصاً في بداية تأليف لوسيان الإنطاكي لإنجيله وكان يومها حي يرزق وحينها لم يولد حسيشيوس بعد ولم يكتب تنقيحه ويقوم بمراجعته . ومن ثم بعد ” أكثر من نصف قرن (على الأقل) من الزمن ” كتب حسيشيوس تنقيحه ومراجعته .

  صحيح إن المشكلة الوحيدة التي تواجهنا في إقتراح الفصل بين الإنجيلين هي عبارة القديس جيروم (وكما بينا إن هذه العبارة الجيرومية تتعارض ومسارات التاريخي إذ كيف الميت الفاني يتعاون مع الحي اللاحق . كما وإن فرضية جيروم من طرف آخر تنتمي إلى زمن ليس هو زمن التأيف الأول ولا زمن فعل التنقيح اللاحق . وهذه في الواقع محنة القديس جيروم وحده (سامحه الله على ذنوبه الكثيرة وخصوصاًعندما كان صاحب سلطة وحاكماً رومانياً قبل إن يكون قديساً وبالطبع عندما كان صاحب سلطة شارك في قتل الأبرياء من اليهود والوثنيين) [146].

  والحقيقة إن عبارة جيروم ذكرت إن ” إسكيوس تعاون مع لوسيان الإنطاكي في تأليف هذه الإنجيل ” . والسؤال : متى حدث هذا التعاون ؟ وكيف حدث ؟ وهل تتوافر وثيقة تاريخية تؤكد مثل هذا التعاون ؟ أم القضية في مجملها محض إفتراض من القديس جيروم (أو شيطان ما أوحى ذلك إلى جيروم بعد موت لوسيان الإنطاكي الإشوري بحدود ثلاثة قرون وبعد موت إسكيوس بحدود قرنين من الزمن) . إنها رواية جيرومية فنطازية وإختراع جيرومي محض .

   وبالرغم من إن هذه الإشارة الجيرومية تكون مُشكلة تسدُ إمكانية الحديث عن إنجيلين . فإننا في الواقع نؤكد على وجود إنجيلين وليس إنجيل واحد حيث لا يتوافر دليل على تعاون  لوسيان وأسكيوس في إنجازه  . والسبب بسيط وذلك لكونهما من أبناء قرنين مختلفين من الناحية الزمنية .  وإذا قبلنا إن إسكيوس هو مجرد منقح ومراجع فهذه قضية مختلفة وإنها بالطبع لا تتناغم على الإطلاق مع عبارة جيروم التي تؤكد على مشروع التعاون  .

  والشئ الواضح هو إن إنجيل لوسيان وإسكيوس حقيقة ” ليس بمشروع تعاون بين الأثنين “. وإنما هناك في القرن الثاني الميلادي مؤلف واحد ، وواحد فقط وهو لوسيان الإنطاكي  . والذي حدث لاحقاً وهذا طرف لا علاقة إلى لوسيان فيه وذلك لأن الرجل مات ودخل ذمة التاريخ . أما الطرف الأخر (وبالطبع لاعلاقة إلى لوسيان فيه كذلك) هو قيام إسكيوس بحريته وإختياره أن يُثابر ويقوم بمراجعة وتنقيح إلى إنجيل لوسيان في القرن الثالث الميلادي . وكان الحاصل من عمل إسكيوس ولادة عمل قديم جديد هو إنجيل لوسيان وإسكيوس . هذه هي قصة الإنجيل الذي نشره كل من لوسيان وحسيشيوس كما جاءت الإشارة إليه في قوائم الفيلسوفة المتصوفة آني وود بيزنت (وهي القوائم التي ضمها كتابها الذي حمل عنوان المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها [147]) . وتفاصيل هذه القصة لا تتضمن بأي صورة من الصورعلى إنه كان مشروع مشاركة وتعاون (في التأليف) بين المتقدم (لوسيان) والمتأخر (إسكيوس أو حسيشيوس) وهي القصة التي أشار إليها القديس جيروم .

  ووفقاً إلى رواية يوسبيوس القيصري (260 / 265 – 339 / 340م) وهو أسقف ومؤرخ وباحث مدرسي في الإنجيل الكنسي (أي المقبول من الكنيسة) ، فإن إسكيوس (حسيشيوس) قد أستشهد بيد الإمبراطور الروماني كلوديوس غايوس يوكليتانوس (245 – 313م) وكان إمبراطوراً للفترة (من سنة 284 وحتى سنة 305م) . والإمبراطور يوكليتاتوس هو الذي قاد عمليات الإضطهاد الأخيرة ضد المسيحيين سنة 303 [148]. والقصة تذهب إلى إن إسكيوس وثلاثة من معاصرية وهم كل من باشوميوس ، فبليس وثيودورس (والذين مع إسكيوس عُرفوا بالشهداء الأربعة) كتبوا رسالة في سنة 296 ودعوا فيها إلى الإنشقاق والخروج ووجهوها إلى الأسقف لايكابلص في مصر العليا وطلبوا منه رسم قسان جدد في حالة الطوارئ . ولاحظنا إن جوهانس كواستن(1900 – 1987) وهو باحث في رجل لاهوت كاثوليكي روماني كتب وقال ” إن من النافع إن نعرف بأنه خلال القرن الرابع الميلادي ، فإن الكنائس المصرية وكذلك الكنائس في الإسكندرية لم تتداول وتستعمل المراجعة والتنقيح الذي حدث على السبعينية . بل كانت تتداول نص إسكيوس . وفعلاً فإن القديس جيروم إنتقد إسكيوس بشدة وإتهمه بإقحام كتاب إشعيا . وفي مناسبة أخرى تكلم جيروم عن ما أسماه ” الإضافات الكاذبة التي أدخلها إسكسوس على نص الإنجيل . كما وتحدث مرسوم جيلاسيان عن ” الأناجيل التي لفقها إسكيوس ، ودعاها بالأناجيل المنحولة (المزورة) [149]. ولاحظنا إن كواستن إستمر في تعليقاته وقال ” وهكذا عمل إسكيوس مراجعات وتنقيحات على كل من سبتواجنت (السبعينية) والأناجيل . ومن المحتمل إنه عمل ذلك حوالي سنة 300 ميلادية . ومن خلال هذه الحقائق يمكن القول إن هذه النشرة كانت متداولة في الإسكندرية (مصر) . وهناك إحتمال إلى إن إصولها كانت إسكندرانية . والحقيقة إنه لا تتوافر لدينا معلومات كافية عن حياة إسكيوس . ولذلك يظل السؤال مرفوعاً ؛ هل إن إسكيوس هذا هو إسكيوس ذاته أم إن هناك إسكيوس أخر ؟ وبالرغم من هذا وذاك ، فإن من المؤكد هو إن واحداً من الأساقفة الذين وجهوا رسالة إلى الإمبراطور الروماني ديوكلتيانوس هو إسكيوس ومات شهيداً [150].

———————————————————————————————–

الهوامش

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوفة المتصوفة البريطانية المعاصرة آني وود بيزنت ، الفصيلة ، دورية أوراق فلسفية جديدة[1]

، العدد (20) مايس – حزيران سنة 2017 . وهو بحث واسع .

 – آني وود بيزنت ؛ المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها ، دار نشر أر . فوردر ، لندن سنة 1893 ، ص ص 235 – 236 . [2]

 – المصدر السابق ، ص 236 .[3]

 – أنظر المصدر السابق . [4]

 – أنظر المصدر السابق . [5]

 – أنظر للتفاصيل ؛ وليم بيلي ؛ اللاهوت الطبيعي أو براهين الوجود وسمات الربوبية ، دار نشر ج . فولدر ، لندن سنة 1809 . وللتفاصيل عن [6]

رجل الدين وليم بيلي ، أنظر : دانيال ماثسو أيدي ؛ اللاهوت الطبيعي في القرن التاسع عشر ، كتاب أكسفورد لليد في اللاهوت الطبيعي ، سنة 2013 ، ص ص 101 – 117 .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المسيحة براهينها .. (مصدر سابق) . [7]

 – المصدر السابق  ، ص ص 236 – 237 . [8]

 – المصدر السابق ، ص 237 . [9]

 – أنظر : فيليب فيلهور وجورج ستريكر ؛ الأناجيل المسيحية اليهودية ، منشور عند روبرت ماكميلان وآخرون ؛ العهد الجديد المنحول [10]

، المجلد الأول : الأناجيل وكتابات ذات علاقة ، مطبعة جون نوكس سنة 1991 ، ص ص 177 – 178 .  

 – أنظر : جيمس كيث إليوت ؛ العهد الجديد المنحول ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 2005 ، ص 5 ، ص ص 9 – 10 . [11]

 – أنظر : ألبرتوس فردريك كليين ؛ التقليد الإنجيلي المسيحي اليهودي ، مطبعة جامعة بريل سنة 1992 ، ص ص 134 – 137 . [12]

 – أنظر : جون دنيس ؛ موت اليسوع في إنجيل يوحنا : بحث مسحي ، مجلة تيارات في البحث الإنجيلي ، المجلد الرابع ، العدد الثالث ، سنة [13]

2006 ، ص ص 331 – 363 . وكذلك أنظر : كريستفر أم . توكت ؛ صُحبة كيمبريدج إلى اليسوع ، إشراف ماركوس بوكميهل ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2001 ، ص ص 123 – 124 .   

 – المسيحيين الغنوصيين هم بالمعنى الحرفي ” رجال المعرفة ” . والغنوصية في الأصل كلمة يونانية قديمة تعني ” المعرفة ” . كما وهو إسم [14]

حديث يرتبط بأفكار وأنظمة دينية قديمة متنوعة . ونشأ أولاً في البيئات اليهودية وبالتحديد في القرنيين الأول والثاني . وبدأت الغنوصية رحلتها مع قراءات اليهود إلى التوراة ومن ثم الكتب الإنجيلية الأخرى . وتوصلت إلى إن ” العالم المادي هو حاصل إنبعاث أو إنبثاق خفي (باطني) مجهول من الله الأعلى ” . وإنه يتضمن ” فعل حصر للشرارة الألهية في داخل جسم إنساني ” . ويرى الأكاديميون المهتمون بتاريخ الغنوصية ان ” أفكارها الغنوصية وأنظمتها الفكرية ، قد نشطت وإنتعشت في منطقة البحر المتوسط وبالتحديد في القرن الثاني الميلادي . وإرتبطت بأثار قوية إنبثقت وصاحبت الحركات المسيحية والإفلاطونية الوسطى ” . ومن ثم تبعتها مرحلة ذبول ، وعادت وتجددت مع النهضة الأوربية وعلى صورة حركة باطنية غربية أو حركة صوفية باطنية غربية ..وهناك العديد من النصوص التي تُنسب إلى المسيحيين الغنوصيين من مثل : 1 – أفعال توماس (تراتيل يهوذا ) وفيه مقطع من أفعال توماس (أنظر : ويلز بارنستون ومارفين ماير ؛ الإنجيل الغنوصي : نصوص غنوصية للحكمة الصوفية من القديم وحتى عالم العصور الوسطى ، دار نشر شامبهلا ، بوسطن سنة 2005 ، ص ص 386 – 394) 2 – أفعال يوحنا (وخصوصاً تراتيل اليسوع  للتفاصيل أنظر :  جين بريمر (الإشراف) ؛ أفعال يوحنا (المشكوك فيها) ، هولندا سنة 1995 (متوافر على اللاين) . وتألف الكتاب من أحى عشرة مقالة ، وكتبها عدد مختلف من المؤلفين . وبالطبه إن هذه المقالات دارت حول ” أفعال يوحنا ” ومصدارها .

 – الجمعية الجغرافية الوطنية وهي واحدة من المعاهد العلمية والتربوية غير النفعية الكبرى في العالم . ومقرها في واشنطن (دي . سي) الولايات  [15]

المتحدة الأمريكية . وإن جُل إهتماماتها تشمل الجغرافية والأثار والعلوم الطبيعية . وهي تعمل على دراسات ثقافات وتاريخ العالم . وأسسها وكان الرئيس الأول لها المحامي ورجل المال غاردينر غرين هوبارد (1822 – 1897) . وقام هوبارد بتأسيسها في 1 كانون الثاني سنة 1888 (أي قبل 129 سنة مضت) . ويبلغ عدد الأعضاء المنتمين إليها مايُقارب السبعة ملايين عضواً . وأصدرت الجمعية في إكتوبر سنة 1888 مجلة بعنوان المجلة الجغرافية الوطنية وهي تُطبع بإنتظام كل شهر . إضافة إلى إصدار مؤلفات جغرافية للأطفال وللرحالة والسياح . للتفاصيل أنظر : روبرت أم . بوول ؛ دار المستكشفين : الجغرافية الوطنية والعالم الذي صنعته ، دار نشر بنجوين ، نيويورك سنة 2004 .   

 – للتفاصيل عن محنة يهوذا : 1 – جيمس أم . روبنسن ؛ أسرار يهوذا : قصة سوء الفهم للرسول وضياع إنجيله ، دار نشر هاربر ، [16]

سان فرنسيسكو سنة 2006 . 2 – إلين بيجليز وغرين كنك ؛ قراءة يهوذا : إنجيل يهوذا وتشكيل صورة المسيحية ، دار نشر فايكنك ، نيويورك سنة 2007 .

 – أنظر للتفاصيل : سارة بريفس وبول فوستر (الإشراف) ؛ إيرينيئوس : الحياة ، الكتابات المقدسة والإرث ، مطبعة فورتريس ، سنة 2012 . [17]

 – أنظر المصدر السابق . [18]

 – بيرت دي . إهيرام ؛ الكتب المقدسة المفقودة ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد سنة 2003 ، ص 47 . [19]

 – أنظر : بروس ميتزجر ؛ شريعة العهد الجديد : إصولها ، تطورها وأهميتها ، دار نشر كليرندون ، أكسفورد ، سنة 1987 . [20]

 – أني وود بيزنت ؛ المسيحية : براهينها ، إصولها ، آخلاقها وتاريخها (مصدلر سابق) ص ص 240 وما بعد . [21]

 – أنظر : بول فوستر ؛ الأناجيل المشكوك فيها : مدخل قصير جداً ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد ، سنة 2009 ، ص ص 56 – 58 . [22]

 – أنظر : جون دي . تورنر؛ ” منذ أواخر الأربعينيات من القرن العشرين أصبح بصورة عادية يُشار بشكل غير مناسب إليه على إن إنجيل  [23]

المصريين ” ، منشور في : مارفين ماير ؛ الكتب المقدسة التي أكتشفت في منطقة ناج حمادي (مصر) ، الطبعة العالمية سنة 2007 ، ص 247 . وكذلك ؛ بول فوستر ؛ المصدر السابق .  

 – فلورنس ترتليان هو من قرطاج (المحافظة الرومانية الأفريقية) وهو من إصول البربر . وكان أول مؤلف مسيحي كتب نصوص أدبية مسيحية [24]

باللغة اللاتينية . إضافة إلى ذلك هو واحد من المدافعين الأوائل عن المسيحية ضد الهرطقة التي كانت معاصرة له ومن ضمنها الغنوصية المسيحية . وكان ترتليان يُلقب بالعديد من الألقاب ، منها ” أب المسيحية اللاتينية ” و ” مؤسس اللاهوت الغربي ” . وبالرغم من إن نظرة ترتليان إلى العالم كانت نظرة محافظة ، فإنه كان رائداً في تطوير مفاهيم لاهوتية جديدة . كما ونجح في إنجاز تطوير متقدم إلى عقيدة الكنيسة المبكرة . ولعل شهرة ترتليان جاءت من كونه أول كاتب تداول إصطلاح الثالوث (وباللاتينية ترينتاس) . وتأثر ترتليان بالفلسفة الرواقية وخصوصاً في حديثه عن الجوهر ..للتفاصيل أنظر : 1 – ت . د . بيرنز ؛ ترتليان : دراسة أدبية تاريخية ، مطبعة كليرندون ، أكسفورد سنة 1985 ، ص 58 . 2 – غوستو غونزالز ؛ من الكنيسة المبكرة وحتى فجر الإصلاح ، قصة المسيحية ، دار هربر كولينز للناشرين ، سنة 2010 ، المجلد الأول ، ص ص 91 – 93 .  

 – للتفاصيل أنظر عن التراث الفلاتينوسي : ويلز برينستون وماريفن ماير ؛ الإنجيل الغنوصي : تحقيق الطبعة الموسعة (كتب إصولية جديدة) ؛ [25]

سنة 2003 ، ص ص 239 – 355 .  

 – أنظر : سارة بريفس وبول فوستر ؛ إيرينئوس (المصدر السابق) . [26]

 – أنظر : روبرت رويالتي ؛ إصول الهرطقة : تاريخ الخطاب في المعبد اليهودي الثاني والمسيحية المبكرة ، دار نسر روتليدج سنة 2013 .  [27]

 – أنظر : هنري ويس ووليم بيرسي (الإشراف) ؛ هيراكليون الغنوصي ، معجم السير المسيحية والأدب المسيحي في نهاية القرن السادس ، دار[28]

نشر جون موري ، لندن سنة 1911 .  

 – وتسمى الرسائل البولينية أو رسائل بول (بالإنكليزية) ويقصدون القديس بولص . وبعض هذه الرسائل تحولت لتكون وثائق للمسيحية المبكرة .[29]

للتفاصيل أنظر : جوردن بهار ؛ بولص وكتابة الرسائل في القرن الأول ، مجلة التراث الإنجيلية ، سنة 1966 ، ص ص 465 – 477 .

 – أنظر : جورج سالمون ؛ ماركوس ، منشور عند : وليم سميث وهنري ويس (الإشراف) ؛ معجم السير المسيحية والأدب المسيحي : النحل [30]

والعقائد ، دار نشر جون مورفي ، لندن سنة 1882 ، المجلد الثالث ، ص ص 827 – 829 .  

 – أنظر : أدوين سيريل بلاكمان ؛ مرقيون وتأثيره ، دار ستوك للناشرين ، سن 2004 (وتألف من 192 صفحة) وخصوصاً الفصول التي حملت [31]

العناوين الآتية : مرقيون والعهد الجديد (ص ص 20 وما بعد) ، مرقيون والمسيحية (ص ص 98 وما بعد) ، مرقيون والعهد القديم (ص ص 121 – 126) ، ومرقيون والغنوصية (ص 129 وما بعد) .  

 – أنظر : براون شويلر ؛ إصول المسيحية : مدخل تاريخي إلى العهد الجديد ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 1993 . وكذلك أنظر : جيمس دون [32]

؛ الوحدة والتنوع في العهد الجديد : بحث في خصائص المسيحية المبكرة ، مطبعة سكام سنة 2006 .

 – أنظر للتفاصيل ؛ أم . بي . سبيدل ؛ كودمودوس : الإمبراطور الإله والجيش ، مجلة دراسات رومانية ، العدد 83 (سنة 1993) ، ص ص [33]

109 – 114 .  

 – أنظر : روبرت ديتر ؛ نص إنجيل مرقيون (أو ماركيون) ، دار نشر بريل ، بوسطن – ليدن سنة 2015 . وهو إمتداد لآطروحته في الدكتوراه [34]

التي قدمها سنة 2009 إلى جامعة إدنبرا ، والتي حملت عنوان ” نحو بناء جديد لنص إنجيل مرقيون : تاريخ البحث ، مصادره ، ومنهجية وشهادة ترتليان (حوالي 155 – 240م) . وترتليان هو مؤلف مسيحي مبكر ومن قرطاج ، المحافظة الرومانية الأفريقية .

 – أنظر : ترتليان ؛  ضد المرقونية (ضد مرقيون) ، الترجمة الإنكليزية (هولمز سنة 1870 ، خمسة كتب متوافرة أون لاين) . وسبقتها الترجمة [35]

الفرنسية (جينود سنة 1852 ، خمسة كتب) . وتلتها الترجمة الألمانية (كلينر سنة 1882 وكانت بمجلدات أربعة فقط) . ومن ثم جاءت الترجمة اللاتينية – الإنكليزية (إيفنس سنة 1972) .  

 – أنظر : ترتليان ؛ ضد المرقونية أو ضد مرقيون (مصدر سابق) ، المجلد الأول . ولاحظنا إن في الكتاب إعلان يقول ” إن مرقيون هو يهودي [36]

حاقد . ورفض العهدالقديم كما رفض أطرافاً من العهد الجديد .. ” .

 – أنظر : أدولف هارنيك ؛ مرقيون : إنجيل الله الغريب ، ترجمة جون إي . ستالي وليالي  دي . دايرما ،  دار نشر غراند ربيدز : بيكر  ، سنة   [37]

1924 ، ص 17 .  

 – أنظر : أدولف هارنيك ؛ المصدر السابق ، ص 18 . [38]

 – أنظر : فردريك فايفي بروس ؛ شريعة الكتاب المقدس ، مطبعة إنترفيرستي ، سنة 1988 ، ص 151 . [39]

 – أنظر : أدولف فون هارنيك ؛ تاريخ العقيدة ، ترجمة آن . بوكانان ، دار نشر لتل – بوسطن سنة 1901 ، الممجلج الأول ، ص ص 266 – [40]

281 .

 – أنظر : جورج روبرت ميد ؛ شذرات من عقيدة منسية : بعض مقاطع قصيرة متداولة بين الغنوصيين في القرنين الميلاديين الأوليين [41]

(مساهمة في دراسة إصول المسيحية) ، جمعية التصوف للنشر ، لندن سنة 1906 ، ص 246 (والكتاب تألف من 630 صفحة) .

 – وفقاً إلى ترتليان ” فإنه بعد 115 سنة وستة أشهر إنبثقت الحركة اللاهوتية المسيحية المرقونية ” . أنظر : ترتليان ؛ ضد مرقيون ، ترجمة [42]

وشرح إيفنس إرنست ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 1972 .  

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها (مصدر سابق) ، ص 240 . [43]

 – أنظر : ريتشارد فين ؛ أوريجانوس وتراثه الزهدي ، منشور في كتاب الزهدية في العالم اليوناني – الروماني ، مطبعة جامعة كيمبريدج سنة [44]

2009 ، ص ص 100 – 130 .  

 – أنظر للتفاصيل ؛ ويلهلم سنيلشر (الإشراف) ؛ العهد الجديد المُنتحل (مجلد واحد) : الأناجيل وكتابات ذات علاقة ، ترجمها إلى الإنكليزية أر . [45]

ويلسون ، دار نشرجيمس كلارك وشركاؤه ، الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2003 .

 – أنظر المصدر السابق . [46]

 – أنظر : هورت فينتون وجون إنثوني ؛ باسيليدس مؤسس النحلة الغنوصية ، منشور في : معجم السير المسيحية والأدب المسيحي في نهاية [47]

القرن السادس الميلادي (مصدر سابق) .

 – أنظر : جورج روبرت ميد ؛ ” الباسيليدسيون الغنوصيون ” ، منشور في كتاب : شذرات من العقيدة المنسية ، دار نشر التصوف ، [48]

سنة 1900 .

 – أنظر : جيمس كولهوفر ؛ مفاهيم الإنجيل وشرعية المسيحية المبكرة ، نشر موهر سيباك سنة 2014 . [49]

 – أنظر : كريستين تشارلز بونسن ؛ هيبوليتس وعصره أو العقيدة وتقليد كنيسة روما (…) ومقارنة بين المسيحية القديمة والحديثة [50]

والإلهية ، مطبعة فرونتبيس سنة 1854 ، ط الثانية ، المجلد الأول .

 – جيمس كولهوفر ؛ مفاهيم الإنجيل وشرعية المسيحية المبكرة (مصدر سابق) ، ص 87 .[51]

 – للتفاصيل أنظر : جوزيف ويلسون تريج ؛ أوريجانوس ، الإنجيل والفلسفة في كنيسة القرن الثالث الميلادي ، مطبعة سكام ، لندن [52]

سنة 1985 .  

 – جيمس كولهوفر ؛ المصدر السابق ، ص 85 . [53]

 – ولاحظنا إن هناك هامش يقول ” ويُعتقد إن رسالة البابا إثناسيوس وجدت مشدودة مع ملف الكتب والذي يُطلق عليه الملف القبطي ، ومن [54]

ثم وُضعت الكتب والرسالة والملف بمجمله في جرة مفخورة ودُفن في المنطقة . وبعد إكتشافه كُسرت الجرة وأخرجت المحتويات وأخذت تُعرف بعنوان مكتبة نجع حمادي .

 – أنظر : خالد إنطوليس ؛ إثناسيوس  ، دار نشر روتليدج ، لندن سنة 2004 ، وكذلك : خالد إنطوليس ؛ إثناسيوس : إنسجام تفكيره ، روتليدج ، [55]

نيويورك سنة 1998 .

 – إن الأكلديميين المعاصرون نظموا أقوال المسيح ، بل وإنهم صنفوا إجزاء من هذه الأقوال . غير إن النص بمجمله ظل خال من الترقيم . قارن [56]

ذلك عند : روبرت دبليو . فانك وروي دبليو . هوفر ؛ الأناجيل الخمسة : ماذا قال اليسوع ؟ البحث عن العبارات الحقيقية لليسوع ، مطبعة بولبيردج سنة 1993 .

 – أنظر : بارت إهرمان ؛ الكتب المقدسة الضائعة : الكتب لم تدخل نص العهد الجديد ، مطبعة جامعة أكسفورد (أمريكا) ، سنة 2003 ، ص ص [57]

19 – 20 .

 – أنظر : جيمس دونا ووليم روجرسن (الإشراف) ؛ شرح إيردمانز على الإنجيل ، دار نشر إيردمانز ، سنة 2003 (تألف من 1629 صفحة) . [58]

 – ستيفن باترسن ، جيمس روبنسن وهلفز جبهارد بيث ؛ إنجيل توماس ، العصر القادم ، مطبعة الثالوث العالمية سنة 1998 . [59]

 – أبريل دي . ديكونيك ؛ إنجيل توماس الأصلي في ترجمة : مع شرح وترجمة إنكليزية جديدة للإنجيل كاملة ، سلسلة دراسات مكتبة العهد [60]

الجديد ، نشر بلومزبري ، ط الأولى ، سنة 2007 ، ص 2 (الكتاب تألف من 376 صفحة) .

 – أبريل دي . ديكونيك ؛ المصدر السابق . [61]

 – هذا هو طرف من حضور جذور العقيدي العبري (اليهودي) في العقيدي المسيحي ، ومن ثم التساؤلات التي تدور حول ” ما هو البرهان على إن  [62]

اليسوع كان هو ” المسيح ” ؟ كما ويمكن ملاحظة ذلك في فكرة المسيح خلال الإنجيل العبري (اليهودي) وبصورة عامة من خلال نظرة اليهودية إلى اليسوع . أنظر : جيكب نوسنر ( الإشراف) ؛ الحاخام يتكلم مع اليسوع ، مطبعة جامعة ميغل – كوين ، سنة 2000 ، ص 4 . ويرى العقيدي اليهودي التقليدي إن المسيح لم يأتي زمنه بعد وإن عصر المسايا (المسيح) لم يحن لحد الأن . ويبدو إن الرفض اليهودي لليسوع يكمن في طرفين ؛ الأول إنه المسيح . والثاني هو البعد الربوبي الإلهي .. أنظر : زيف غاربر (الإشراف) ؛ اليسوع اليهودي : الوحي ، التأمل والعبرة ، مطبعة جامعة باردو سنة2011 ، ص 361 .

 – غليومونت بوش كيسيل تيل ومسيح ؛ الإنجيل وفقاً إلى توماس ، النص القبطي والترجمة ، دار نشر كولينز ، لندن سنة 1959 . [63]

 – أنظر : جيمس روبنسن (الإشراف العام) ؛ مكتبة ناج حمادي في الإنكليزية ، نشرة محققة ، دار نشر برايل وهاربر ورو ، سان فرانسيسكو  [64]

سنة 1988 .  

 – أنظر ماكتبناه أعلاه وبالتحديد : 2 – إنجيل يهوذا . [65]

 – أنظر : الكتابات المسيحية المبكرة : تقاليد ماتياس . ولانحتاج إلى القول بأنها مختلفة عن إنجيل متى . [66]

 – أنظر : أوريجانوس الإسكندري ؛ خطب دينية وآخلاقية (وعظية) حول الرسول لوقا ، ترجمة جوزيف لينهارد ، مطبعة الجامعة الكاثوليكية [67]

الأمريكية ، سنة 1996 (تألف من 246 صفحة) . وبالطبع أوريجانوس شمل إنجيل لوقا في خطبه .

 – يوسابيوس القيصري هو واحد من الباحثين المتعمقين في المسيحية وكتب العديد من المؤلفات في تاريخ المسيحية . ومن أهمها ؛الأول براهين [68]

الإنجيل . والثاني حول التناقضات بين الأناجيل . وباسابيوس القيصري هو واحد من أباء الكنيسة ومؤلفاته في غاية الأهمية للأكاديمي والقارئ على حد سواء . للتفاصيل أنظر : روبرت أم . غرانت ؛ يوسابيوس : مؤرخ الكنيسة ، مطبعة كليرندون – أكسفورد سنة 1980 . 

 – أنظر : سدني بي . أم . كولينغ ؛ مقدمة ماثيوس إرنولد (1853) : إصولها وعواقبها ، دورية دراسات فيكتورية ، المجلد الرابع ، العدد  [69]

الثالث (آذار سنة 1964) ، ص ص 233 – 263 .

 – أنظر : جيمس والترز ؛ تاتيان الأديابيني – السوري ، معجم السير السورية ، جامعة برنستون ، سنة 2016 . [70]

 – أنظر : توماس فان ؛ أباء الكنيسة : مدافعون يونانيون آخرون ، الثقافة الكاثوليكية سنة 2015 (أون لاين) . [71]

 – أنظر : جي . سي . هانت ؛ المسيحية في القرن الثاني الميلادي : تاتيان وحجته ، منشور عند: كاثي غاكا ؛ صناعة الزنا : إيروس ،   [72]

الأخلاق والإصلاح السياسي في الفلسفة اليونانية وبواكير المسيحية ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 2003 ، ص ص 221 – 246 .

 – جكيب نوسنر ؛ تحول الأديابيين إلى اليهودية : رؤية جديدة ، مجلة الأدب الإنجيلي ، سنة 1964 ، المجلد 83 ، العدد الأول ، ص ص   [73]

60 – 66 .

 – أنظر : جي . سي . هانت ؛ مصدرسابق . [74]

 – أنظر : حوليات أربيلا ، ص 115 . وكذلك : ” إبادينان ” ، إلإنسكلوبيديا اليهودية ، شركة فونك وويجنلز ، سنة (1901 – 1906)[75]  

عدة مجلدات .

 – أنظر : دينيس ماينز وبول دارفيز ؛ جاستن ، الفيلسوف والشهيد : الدفاعات ، إشراف هنري شادويك ، مصادر أكسفورد للمسيحية [76]

المبكرة ، أكسفورد سنة 2009 .

 – أنظر : جون فيرغسن ؛ كليمندس الإسكندري نشر إعلام إيردنت ، سنة 1974 ، ص 14 . [77]

 – أنظر : لسلي ماكفل ؛ إنجيل تاتيان الرباعي (أو الهرمونيا الإنجيلية) : مؤذ أو مضلل ؟ ، مجلة ويستمنستر اللاهوتية ، سنة 1995 ،[78]

ص ص 87 – 114 .

 – أنظر : خطابات تاتيان إلى اليونانيين ، دار نشر كيسنجر ، ط1 ، سنة 1982 . وكذل إنظر : تاتيان ؛ خطابات إلى اليونانيين ،[79]

ترجمة بنيامين بالمر بريتن ، المكتبى المسيحية ، سنة 1885 (موجود أون لاين) . وفصوله قصيرة عبارة عن شذرات تكونت من ” 42 فصلاً” .

 – أنظر : دياتيسارون ، ترجمها أبو الفراج الطيب من السريانية إلى العربية في القرن الحادي عشر ، نشرة أوغسطينوس سياسكا ، روما سنة[80]

1880 . ولاحظنا إن الدياتيسارون العربي يبدأ ” بسم الله الواحد الأب وإبن والروح القدس له المجد الدايما (هكذا وردت) …” .

 – أنظر ” تاتيان ” ، مقالة منشورة عند : أف . لي . كروس وإي . أي . ليفنجستون (الإشراف) ؛ معجم أكسفورد للكنيسة المسيحية ، [81]

الطبعة المنقحة ، جامعة أكسفورد سنة 2005 (تألف من 1840 صفحة) .

 – أنظر : لسلي ماكفل ؛ إنجيل تاتيان الرباعي : مؤذ أو مضلل ؟ (مصدر سابق) .[82]

 – أنظر المصدر السابق . [83]

 – للتفاصيل عن ساثينز والساثينزيين أنظر : رينيت رولي ؛ عالم الساثينز ، ترجمة أف . جي . ويلز [84]

؛ مطبعة جامعة كليفورنيا ، باركلي سنة 1989 .

 – أنظر : إدوين بماكاي ؛ سكايثينز في الإنجيل : الكولوسينز ، أبحاث بريسكيلا ، المجلد الحادي والعشرين[85]

، العدد الرابع ، خريف سنة 2007 .

 – أنظر : رينيت رولي ؛ المصدر السابق . [86]

 – أنظر : أف . أل . كروس (الإشراف) ؛ رسالة إلى أهل كولوسي ، معجم أكسفورد للكنيسة المسيحية ، [87]

مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك سنة 2005 .

 – أنظر التفاصيل : المصدر السابق . [88]

 – بروس ميننغ ميتزجر هو خبير في المخطوطات الإنجيلية اليونانية ولفترة تجاوزت الستين سنة . وهو باحث أكاديمي [89]

في الإنجيل ومترجم للإنجيل . كما هو ناقد للنصوص وبرفسور لفترة طويلة في الدراسات اللاهوتية في جامعة برنستون .

وهو رئيس تحرير الإنجيل ، وخدم في الجمعية الأمريكية للإنجيل وجمعيات الإنجيل المتحدة . وكتب بغزارة ووفرة في هذا  

الموضوع . ويُعد واحد من أغلب الأكاديميين الذين تركوا تأثيراً في القرن العشرين . ومن أهم مؤلفاته : 1 – دراسات في

كتاب الإنجيل اليوناني (وهي إطروحته للدكتوراه) ، مطبعة جامعة برنستون سنة 1942 . 2 – مقدمة إلى إبوغرافيا (المشكوك فيها)

، مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك سنة 1957 . 3 – قائمة بالكلمات التي تتردد في العهد الجديد القبطي ، مطبعة بريل ، ليدن سنة

1961 . 4 – دراسات أدبية وتاريخية : الوثنية ، اليهودية والمسيحية ، مطبعة بريل ، ليدن سنة 1968 . وهناك الكثير .

 – أنظر : هربرت ج . ماي وبروس ميتزجر؛ إنجيل أكسفورد الجديد مع حواشي وتعليقات وأشياء مشكوك فيها [90]

سنة 1977 .

 – أنظر : ستيفن هاريس ؛ محاولة فهم الإنجيل ، منشور عند : بيلو إلتو : مايفيلد ؛ ” الكولوسينز ” ، سنة 1985   [91]

 ، ص ص 337 – 338 .

 – للتفاصيل عن رسالة بولص إلى فيلمون أنظر : أف . أف . بروس ؛ رسائل إلى كولوسينز ، فيلمون والأفسينيز [92]

، شرح عالمي حول العهد الجديد ، سنة 1984 .

 – أنظر : كروس أف . أل . (الإشراف) ؛ ” رسالة الكولوسينز ” ، معجم أكسفورد للكنيسة المسيحية ، مطبعة جامعة[93]

أكسفورد ، نيويورك سنة 2005 .

 – أنظر : ستيفن هاريس ؛ محاولة فهم الإنجيل (مصدر سابق) . [94]

 – الرسول توماس أو توما ويعرف بلقب توماس الشكاك . ولد في القرن الأول الميلادي وقُتل في الهند سنة 72م . وهو الرسول توماس ويُطلق [95]

ديديموس والتي تعني ” التوأم ” أو مار توما بالسريانية . وهو واحد من الحواريين الإثنتي عشر للمسيح اليسوع وفقاً إلى العهد الجديد . ومن ألقابه الأخرى توماس الشكاك وأطلق عليه بسبب شكه في قيامة المسيح وذلك عندا سمع خبر القيامة لأول مرة .. للتفاصيل أنظر : غلين ويرن موست ؛ توماس الشكاك ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 2005 . وفيه دراسة عن إستقبال قصة توماس في الأدب والفن .

 – الرسول إندرو أو أندراوس (ولد في بواكير القرن الأول الميلادي ومات ما بين أواسط وأواخر القرن الأول الميلادي). وهو الأخ للقديس   [96]

بطرس . وهو واحد من حواريي اليسوع الإثنتي عشر . والقديس إندرو عند الأرثوذكوس هو الرسول المسيحي . وإندرو يعني الشخص الرجولي أو الشجاع .. للتفاصيل أنظر : بروس ميتزجر ومايكل غووغن (الإشراف) ؛ صُحبة أكسفورد إلى الإنجيل ، مطبعة جامعة أكسفورد (بريطانيا)، سنة 1993 .

 – مريم المجدلية أو ماري ماغديلا (تاريخ ولادتها وموتها غيرمعروفين). وهي إمرأة يهودية وفقاً إلى النصوص ومن ضمنها العهد الجديد . وكانت [97]

ترحل وتتنقل مع اليسوع وهي بالطبع واحدة من أتباعه . ويُنقل ريم المجدلية بأنها كانت شاهد حي على صلب المسيح وقيامته . وتردد إسمها في الأناجيل الأربعة على الأقل إثنتي عشرة مرة بل وإسمها تردد أكثر من معظم الرُسل الأخرين . وفي إنجيل لوقا قيل بأن الشاطين السبعة هجرتها وتخلت عنها . وفي إنجيل مرقص ذُكر بأن اليسوع طرد منها الشياطين السبعة . وتمتلك مريم المجدلية سلطة متفردة في رواية صلب اليسوع وذلك لأنها حضرت هذه الحادثة كما وكانت الشاهد على إن قبور الإنجيليين كانت فارغة من جثثهم وهي الحقيقة الأساس على قيامة اليسوع . ولاحظنا إنه خلال العصور الوسطى ، إن مريم المجدلية كانت تُعتبر من زاوية المسيحية الغربية ، هي مجرد ” عاهرة تائبة ” أو ” مرأة شاذة ” . وهي في الحقيقة مزاعم لا وجود لها في الأناجيل الأربعة الكنسية . للتفاصيل أنظر : كارول مايرز ؛ أسماء النساء : ثلاثة أسماء يحملن إسم ماري المجدلية ، منشور في كتاب : نساء الكتاب المقدس ، شركة هوتن ميفلن ، بوسطن سنة 2000 ، ص 122 .

 – أنظر : إنجيل السكيثينز : أناجيل ناج حمادي ، سنة 2009 (أون لاين) .[98]

 – أنظر : جول غرين ، سكوت ماكنايت وهوارد مارشل ؛ معجم اليسوع والأناجيل ، مطبعة سلسلة معاجم الأنجيل ، سنة 1992 ، ص 180 . [99]

 – أنظر : جيمس درلسكول ؛ ” ناثانيال ” ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة روبرت إبليتون ، نيويورك ، سنة 1911 ، المجلد العاشر . [100]

 – أنظر : سميث دي . مودي ؛ شروح أبنغدون للعهد الجديد ، جون شفيل ، مطبعة أبنغدون سنة 1999 . [101]

 – أنظر : ألبان بوتلر وبول بيرنز ؛ ” القديس بارثولوميو ” ، بوتلر : حياة القديسيين : أوغست ، أي وسي بلاك ، سنة 1998 . [102]

 – أنظر : القديس الرسول بارثولوميو ، (أون لاين) . [103]

 أنظر : مارك غودكير ؛ مشكلة السينوباتية : طريق خلال المتاهة ، دار نشر كوانتيم ، سنة 2001 ، ص 16 .  -[104]

 – أنظر : وليم سميث وصمويل شيثهام ؛ معجم الأثار المسيحية القديمة ، شركة نشر ج . بي . بوير ، سنة 1880 (3 مجلدات) . [105]

 – أنظر : جون جوزيف أبكيت ؛ ” عابديس البابلي ” ، إنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة نشر روبرت أبليتون ، نيويورك سنة [106]

1907 ، المجلد الأول . والمطران عابديس البابلي قد نُسبت إليه مخطوطة القديس تييري ومخطوطة عابديس (المشكوك فيها). كما ونُسب إليه مجموع تُرجم من اللاتينية ويتألف من عشرة كتب وعدد من الفصول . وكل كتاب منها يُقدم وصفاً عن حياة واحد من الرُسل . أنظر : متى سي . بالدوين ؛ ماهي أفعال بطرس ؟ نص ومضمونه التاريخي .. ، موهر سيبيك ، توبنغن – ألمانيا سنة 2005 .

 – أنظر : إنجيل بارثولوميو من العهد الجديد المنحول ، ترجمة أم . أر . جيمس ، أكسفورد سنة 1924 . [107]

 – أنظر : روبرت ت . ديتر ؛ إببليس : اللاهوتي المرقيوني (أو الماركوني) ، شركة جون ويلي وأولاده ، سنة 2012 (ومنشور كذلك في [108]

إنسكلوبيديا التاريخ القديم) .

 – للتفاصيل عن ترتليان أنظر : ت . دي . بيرنز ؛ ترتليان : دراسة تاريخية أدبية ، مطبعة كليرندون – أكسفورد سنة 1985 ، ص 58 . [109]

 – أنظر : فيليب سميث ؛ ” إبيليس ” ، منشور عند : وليم سميث ؛ مُعجم سير وأساطير اليونان والرومان ، سنة 1870 ، [110]

المجلد الأول ، ص 223 .

 – أنظر المصدر السابق . [111]

 – أنظر : ترتليان ؛ ضد المرقونية (أي صد مرقيون وطائفته) ، (المجلد الثالث  الجزء الأول وبالترقيم اللاتيني (هكذا) 111 ، 1 ) وقارن عند :  [112]

فيليب سميث  ؛ ” إبيلبس ” ، مصدر سابق .

 – أنظر : فيليب سميث ؛ المصدر السابق . [113]

 – القديس إمبروز وإسمه الكامل ” أورليوس إمبروسيوز ” . والمعروف بالإنكليزية  ” القديس إمبروز ” (حوالي 340 – 397م) وهو أسقف[114]

أو مطران ميلان . زكان قبل ذلك حاكماً لمنطقة ليغوريا (إيطاليا) . ومن ثم أصبح من الرموز المسيحية الكبيرة في القرن الرابع . وكان أسقفاً في سنة 374م . وهو خصم ومعادي للجنس الأراي (الأريين) ولهذا أتهم بأنه تبنى سياسة أضطهاد ضد الأرايين ، اليهود والوثنيين . وترك تأثيراً كبيراً على اللاهوت المسيحي . كما وترك تأثيراً واضحاً على القديس أوغسطين (354 – 430م) .. للتفاصيل أنظر : تشارلز هاربرمانا (الإشراف) ؛ ” القديس إمبروز ” ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة نشر روبرت إبلتون ، نيويورك سنة 1913 .  

 – خصص ترتليان مقالة بعنوان ” لحم المسيح ومخلفاته ” ، وترجمها إرنست إيفنز إلى الأنكليزية ، سنة 1956 ، وخصوصاً المدخل الذي كتبه  [115]

إرنست إيفنز .

 – أنظر : دورية ” أبائيات أو مجلة أباء الكنيسة ” ، الجامعة الكاثوليكية الأمريكية ، سنة 1955 ، المجلدات 88 – 90 ، ص 75 . [116]

 – أنظر : تشارلز هاربرمانا (الإشراف) ؛ ” أزنيك ” ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ن شركة نشر روبرت إبليتون ، نيويورك سنة 1913 . [117]

 – أنظر : إزنيك (كولب)؛ دحض الفرق ، أعدها وترجمها توماس ساميولين ، كلاسيكيات الكنيسة الأرمينية ، نيويورك سنة 1986 . [118]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 7 – 16 . [119]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 17 – 34 . [120]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 35 – 48 . [121]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 49 – 56 . [122]

 – أنظر المصدر السابق . [123]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 57 – 66 . [124]

 – تعليق مستقل تركه الدكتور الفرحان على هامش من بحث قصير عن رائعة أزنيك كولب الأرمني والتي حملت عنوان دحض الطوائف والفرق .[125]

كما وكتب معلقاً على مؤلفها ، فأفاد ” وأظهر أزنيك كولب تمكناً من اللغة الفارسية بجانب ثقافته اليونانية مع تضلع بلغته الأم الأرمينية . وكتاب ” دحض الفرق أو الطوائف ” طبع أولاً سنة 1792 في سميرنا (إزمير الأن – تركيا الحديثة) . ومن ثم أعيد طبعه في فينسيا سنة 1826 وأعيد طبعه فيها سنة 1865 . ومن ثم ظهرت ترجمة فرنسية له (باريس سنة 1853) . وبعدها ظهرت ترجمة ألمانية جيدة حسب تقويم الأكاديميون ، بيراع ج . أم . شميت (لايزبك سنة 1900) . كما وإن أزنيك كولب هو مؤلف لمجوع قصير بعنوان المبادئ الأخلاقية ونشرت معه مقالة مهمة معه إلى أزنيك كولب الأرميني .

 – أنظر : أزنيك كولب ؛ المصدر السابق ، ص  ص 67 وما بعد .[126]

 – ظهرت نسخة جديدة لكتاب دحض الفرق أو دحض الطوائف ، دار نشر القديس فارتن (الأرمني) ، سنة 1986 . [127]

 – وجاء ذكر ” إسكيوس ” أو حسيشيوس في قائمة الكتابات المسيحية المبكرة . والتي ضمت (العهد الجديد ، الأناجيل المشكوك فيها ، الأناجيل [128]

الغنوصية وأباء الكنيسة ) . أنظر : بيتر كيربي ، الكتابات المسيحية المبكرة (أون لاين) سنة 2001 . وهي قائمة تاريخية متفردة ..  

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها (مصدر سابق) ، ص 240 [129]

(رقم 16 من قائمة الفيلسوفة المتصوفة الإنكليزية آني وود بيزنت ) .  

 – أنظر المصدر السابق . [130]

 – أنظر : بول سميساط ؛ زنوبيا وأورليان : الكنيسة ، الثقافة المحلية والتحالفات السياسية في القرن الثالث : المؤلفون السريان .. ، مجلة [131]

دراسات رومانية (من روما)، المجلد (61) سنة 1971 ، ص ص 1 – 17 .

 – حركة السفسطائية الثانية وهي موجة أو مفهوم (أو عنوان تاريخي) يُشير إلى مجموعة من الكتاب اليونان والذين إزدهروا خلال فترة حكم [132]

الإمبراطور الروماني نيرون (كان إمبراطوراً من سنة 54 وحتى سنة 68م) . وإستمرت الحركة السفسطائية الثانية حتى حوالي (سنة 230م) وكان من فلاسفتها السفسطائيين فيلوستراتوس (حوالي 170 – 247م) والمشهور بكتابه الذي حمل عنوان ” حياة السفسطائيون (والذي ألفه سنة 481 م)” . للتفاصيل أنظر : أيون باوي وجاس إيلستر (الإشراف) ؛ فيلوستراتوس ، الثقافة اليونانية في العالم الروماني ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك سنة 2009 . وأنظر كذلك : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الأول ، العدد الثاني سنة 2011 . ولاحظنا إن هناك من يتحدث عن ظهور حركة سفسطائية ثالثة في القرن الخامس الميلادي (أنظر : جورجي ناجي ؛ الأدب اليوناني ، دار نشر روتليدج سنة 2001 ، ص 179) .  

 – اللهجة اليونانية الأتكية وهي اليونانية الأتكية القديمة وتشمل مدينة أثينا . واللهجات اليونانية القديمة مُشابهة إلى اليونانية المتأخرة . وكانت [133]

موديلاً للغة اليونانية في التدريس اللغة اليونانية القديمة . وبعض الأحيان اليونانية الأتكية تشمل اللهجة الأيونية . وسوية الأتكية والأيونية قد تركا تأثيرات مبكرة على اليونانية الحديثة .. أنظر : روجر دي . وودارد ؛ ” اللهجات اليونانية ” ، منشور في : اللغات القديمة في أوربا (إشراف) روجر وودارد ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2008 .

 – الألهة السورية (الأشورية) إتراعتا أو إتراتا . والإسم مشتق من الآرامية ” إتراتا ” والذي جاء في صور متنوعة . والإسم تم نحته في القرن [134]

الرابع قبل الميلاد . وتراعتا هي الألهة التي تسمع الصلاة والدعوى وتستجيب إليها . ومن ثم ظهر الإسم الكامل في نقوش ثنائية اللغة ووجدت في أثار مدينة تدمر . أنظر : هيو كيسهولم ؛ ” إتراعتا ” ، إنسكلوبيديا بريتنيكا ، إشراف هيو كيسهولم ، مطبعة جامعة كيمبريدج سنة 1910 ، ص 823 .  

 – أنظر : ستيفني ديلي ؛ الأساطير الميسابوتيمية : الخلق ، الفيضان ، غلغامش وآخرين ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 1998 ، ص[135]

97 .  

 – للمزيد من التفاصيل أنظر : مايكل بلومر وبنتر إنغلبيرت ؛ مملكة كوماجيني (الأرمنية) : أرض الألهة ما بين طرسوس والفرات ، [136]

سنة 2011 . وكذلك فرجوس ميلر ؛ الشرق الأدنى الروماني (خلال سنة 31 ق.م – 337 ميلادية) ، مطبعة جامعة هارفرد سنة 1993 .

 – أنظر : أي . أم . هرمان ؛ لوسيان السميساطي : مدخل ومخطوطات ، منشورفي : لوسيان : الأعمال ، مكتبة لوب الكلاسيكية ،   [137]

سنة 1913 .

 – أنظر : س . روبنسن ؛ لوسيان وتأثيره على أوربا ، لندن سنة 1979 ، ص ص 23 – 25 . [138]

 – ونشرها وترجمها كل من : أي . أم . هارمون ، كي كلوبيرن و أم . دي . ماكلود ، نشر مكتبة لوب للكلاسيكيات (1913 – 1967) . [139]

 – أنظر : كليمنس لوفلير ؛ البابا لو العاشر ، منشور عند : تشارلز هاربرمانا ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، دار نشر [140]

روبرت إبليتون سنة 1910 .  

 – أنظر : لوسيان ؛ حوارات الموتى ، حوارات ألهة البحر ، حوارات الألهة وحوارات المحكمين ، ترجمة أم . دي . ماكلود ، [141]

مكتبة لوب الكلاسيكية ، المجلد السابع سنة 1961 (تألف من 496 صفحة) .

 – أنظر : لوسيان ؛ أعمال لوسيان الساموساطي ، ترجمة أش . دبليو . فلور وأف . ج . فلور ؛ مطبعة كليرندون ، أكسفورد ، [142]

سنة 1905 (أربعة مجلدات) .

 – أم . أي . هارمون ؛ لوسيان المجلد الرابع ، مكتبة لوب الكلاسيكية (سنة 1925) ، مطبعة جامعة هارفارد ، ص 235 . [143]

 – أنظر : ماكدونالد ساندروز (الإشراف) ؛ مناقشة القانون الكنسي : أوغسطين : مدينة الله ، ص 72 . وأنظر كذلك :[144]

مارتين هينجل ؛ السبعينية : نص مسيحي ، دار نشر كوانتم سنة 2004 .

 – أنظر : مُعجم ويس : إسكيوس (حسيشيوس) من مصادر جيروم . وأنظر كذلك : يوهان كواستن ؛ الكتاب المسيحيون القدماء : أعمال الأباء [145]

في الترجمة ، العدد (7) سنة 1949 .

 – أنظر : ميغن هيل وليمز ؛ الراهب والكتاب : جيروم وعمل الأبحاث المسيحية ، مطبعة جامعة شيكاغو ، شيكاغو سنة 2006 . وأنظر كذلك : [146]

جاند كيلي ؛ جيروم : حياته ، كتاباته والخلافات ، دار نشر هاربر ورو ، نيويورك سنة 1975 .

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها (مصدر سابق) . [147]

 – أنظر : تيموثي بيرنز ؛ قسطنطين ويوسبيوس ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1981 . [148]

 – أنظر : جوهانس كواستن ؛ الحوليات : الأدب ضد نيسين بعد إيرينائس ، الكلاسيكيات المسيحية ،  [149]

سنة 1983 ، المجلد الثاني ، ص 118 .  

 – المصدر السابق . [150]

————————————————————————————————

نُشِرت في Uncategorized | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

الفيلسوفة المتصوفة البريطانية المعاصرة آني وود بيزنت

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(33)

مايس – حزيران 2017

———————————————————————————————


تصدر مرة كل شهرين

الدكتور محمد جلوب الفرحان  الدكتورة نداء إبراهيم خليل   

رئيس التحرير               سكرتيرة التحرير

—————————————————————————————

الفيلسوفة المتصوفة البريطانية المعاصرة  

آني وود بيزنت  

صفحات من تاريخ التصوف

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

————————————————————————————–

تقديم :

  تُعدُ الملحدة الإشتراكية والفيلسوفة – المتصوفة البريطانية (من إصول إيرلندية) المعاصرة آني بيزنت من الشخصيات المثيرة للإعجاب والجدل على حد سواء . فقد كانت متصوفة من طرف ، وإشتراكية وناشطة تُدافع عن حقوق النساء من طرف آخر وبالطبع قبل تحولها إلى مضارب التصوف . وكانت إضافة إلى ذلك كاتبة وخطيبة ومُدافعة عن إستقلال كل من إيرلندا والهند ، وتدعو بشجاعة إلى إن تُحكم  إيرلندا والهند حكماً ذاتياً . ولعل القارئ إلى سيرة حياة آني بيزنت ، يلحظُ التحولات الدراماتيكية التي حدثت في حياتها . وهذا ما نتطلع إلى بيانه في المحور الذي حمل عنوان ” تأمل في حياة الفيلسوفة – المتصوفة آني وود بيزنت ” .

  ونحتفل بالفيلسوفة آني بيزنت من طرف إنها كتبت بعض المؤلفات الفلسفية وبالتحديد في طرف من أطراف الفلسفة الغربية الحديثة ، وبالتخصيص عن فلسفة واحد من مؤسس علم الإجتماع الحديث ، وهو الرائد أوغست كومت (1798 – 1857) وبعنوان أوغست كومت : فلسفته ، عقيدته الدينية وعلم إجتماعه [1]. وكذلك نحتفل بالفيلسوفة آني بيزنت في رائعتها التي تناولت فيها الفلسفة اليونانية أو الأدق الكتب التي ألفتها أو أشرفت عليها ومن ثم كتبت لبعض منها مداخل ومقدمات . ولعل المدخل الذي كتبته إلى كتاب أشعار فيثاغوراس الذهبية شاهد على ذلك ، وكتابها الذي حمل عنوان الحكمة القديمة : موجز إلى التعاليم الصوفية[2] ، وكتابها الذي أشرفت على نشره بالإشتراك مع زميلها (ومن ثم صاحبها) تشارلز برادلف والذي حمل عنوان ثمار الفلسفة [3]. زائداً عدد من الكتب في مضمار فلسفة الدين والفابية (الإشتراكية)  والعلمانية والإلحاد والماركسية (والشيوعية ) بعد صداقتها الحميمة مع البايولوجي والمفكر الماركسي الإنكليزي أدورد أيفلنغ (1849 – 1898) والذي كان خطيب إيلنور ماركس (بنت كارل ماركس الصغيرة) والتي كان يُطلق عليها إيلنور ماركس إيفلنغ (1855 – 1898 والتي ماتت في يوم واحد مع حبيبها – زوجها إدورد إيفلنغ). وبالمناسبة إن المفكر الماركسي الشاب آدورد إيفلنغ هو أول من ترجم أعمال كارل ماركس (1818 – 1883) إلى الإنكليزية [4].  وبعد ذلك جاءت مرحلة الإنقلاب في حياة وتفكير آني بيزنت ، خصوصاً بعد تعرفها على المتصوفة الألمانية (من إصول روسية) هلينا بيتروفونا بلافتسكي (1831 – 1891)[5] ومعها تحولت وإستقرت في مضارب التصوف .  

تأمل في حياة الفيلسوفة المتصوفة الأنكليزية آني بيزنت

  ولدت آني بيزنت في عام 1847 بإسم آني وود ، وبالتحديد في لندن وفي أحضان عائلة تنتمي من الناحية الإقتصادية والأجتماعية إلى الطبقة الوسطى ، وكانت عائلتها من إصول إيرلندية . ولذلك كانت آني تتفاخر بتراثها الإيرلندي ، كما وكانت خلال فترة سنوات رُشدها المبكر تُدافع بصلابة عن الحكم الذاتي لإيرلندا . وعاشت عائلة آني بيزنت ، وبالتحديد في سنوات طفولة آني الأولى محنة إقتصادية صعبة وذلك عندما توفي والدها وهي في الخامسة من عمرها ، وترك العائلة في حالة إقتصادية صعبة . مما حمل والدتها حالاً على البحث عن مصادر لتوفير العيش لها ولعائلتها . وفعلاً فقد توفرت لها فرصة إدارة بيت داخلي للصبيان في مدرسة هارو ، والتي تقع شمال غرب لندن – إنكلترا [6].

  ولما فشلت والدة آني من مساعدة إبنتها (آني) ومن ثم توفير متطلبات حياتها الكريمة ، تمكنت من إقناع صديقتها آلين ماريت (ولدت سنة 1795 – ؟ ) وبالطبع الأخيرة هي أخت الكاتب الإنكليزي الروائي فردريك ماريت (1792 – 1848)[7] ، وطلبت من آلين ماريت العناية بإبنتها آني  . ومن طرف آلين ماريت فقد عقدت عهداً على نفسها ، وهو أن ترعى آني بيزنت وتُقدم لها تعليماً جيداً ، بل وإن آلين ماريت قامت بتربية آني بيزنت على التقليد البروتستانتي الأنجليكاني .  ومن ثم قدمت لها تعليماً واسعاً والذي شمل العديد من اللغات والسفر في عموم أوربا . وفعلاُ فقد نمت آلين ماريت من شخصية آني إمرأة قوية ورعت لديها معاني الواجب تجاه المجتمع ، والمساواة والمرأة المستقلة ، القادرة على تحقيق ما ترغب وتتطلع إليه [8].

  ولاحظنا إن آني بيزنت عندما كانت في بواكير شبابها ، كانت تتميز بكونها إمرأة ذات شخصية قوية وقادرة على السفر بمفردها والترحال بصورة واسعة في عموم آوربا . وإن كل هذا أكسبها مذاقاً دينيا خاصاً ، وبالتحديد فيما يتعلق بعقيدتها (مذهبها) “ كاثوليكية الروم وطريقتها الشعائرية ” . وإن هذا المذاق العقيدي كون سمة من سمات شخصيتها ، وظلت آني بيزنت مشدودة إليه طول حياتها ولم تتخلى عنه على الإطلاق [9].

  وفي عام 1867 وكانت آني بيزنت في عمر العشرين أو التاسعة عشر ربيعاً تزوجت من رجل الدين فرانك بيزنت (1840 – 1917) القس في الكنيسة الإنكليزية . وكان فرانك يومها في عمر السادسة والعشرين ، أي أكبر منها بستة سنوات فقط [10]. وكان فرانك هو الأخ الأصغر إلى الروائي والمؤرخ والكاتب المسرحي والتر هنري بيزنت (1836 – 1901)[11] وبالطبع كان لفرانك أخ آخر أكبر من والتر وهو عالم الرياضيات وليم هنري بيزنت (1828 – 1917) [12]. وبالتأكيد إن عائلة ” أل بيزنت ” التي إحتضنت هذه الرموز الأكاديمية والثقافية تركت الكثير أو بعض الأثار على المتصوفة والإشتراكية آني بيزنت والتي كانت زوجة لواحد من شباب عائلة بيزنت . ويبدو إن الأخ الشاب والتر بيزنت ، وكان مسيحي على المذهب الإنجيلكاني[13] ، يُشارك الكثير من إهتمامات آني بيزنت[14]      

    وكانت حصيلة زواج ” آني وود ” و ” فرانك بيزنت “ولادة إثنين من الأطفال لهما . وهما كل من ” آرثر ” و ” ميبل ” . إلا إن زواجهما كما وصفته آني وود بيزنت ” كان كارثة بحد ذاته ” والسبب برأي آني وود بيزنت ” إنه لم يتوافر أي إنسجام بينها وبين زوجها فرانك بيزنت [15]. ويبدو إن الصراع الأول الذي نشب بين الزوجين ، كان يدور ” حول المال وإستقلالية الزوجة آني وود ” . وخصوصاً بعد إن بدأت ” آني وود ” تكتب قصص قصيرة ، وتنشر كتب للإطفال وعدد من المقالات . ولما كانت آني إمرأة متزوجة ، فإنه لا يحق لها شرعياً (قانونياً) إن تحتاز (أو أن تملك) ملكية . وإن زوجها فرانك بيزنت هو الوحيد الذي بيده الحق في أخذ كل الأموال التي تسحتقها آني وود بيزنت (من كتابة القصص والمقالات ونشر الكتب) . وإذا المال والإقتصاد لعب دوراً في تفكيك وحدة عائلة آل بيزنت وتدمير علاقاتهما الروحية ، فإن السياسة أكملت مشروع تفكيك وحدة العائلة ودفعت به إلى مناطق أبعد وليصل إلى نهايته المحتومة حيث مات الحب في تخومها وإنتحرت القيم الإنسانية على مذابح المال والسياسة ومن ثم كانت السيطرة والهيمنة لقيم وأخلاقيات ديانات المال والسياسة الوثنية . والشواهد كثيرة وواضحة على دور السياسة في تفكيك الروابط الزوجية بين آل بيزنت . فمثلاً منها إن الزوجة آني بدأت تنحاز بصورة معلنة وتقف مع عمال الحقول وتساعدهم في نضالهم في الإنتظام في النقابة وذلك من أجل الحصول على شروط وظروف عمل أفضل .

  أما زوجها فرانك فكان قد إنضم إلى صفوف حزب التوري (حزب المحافظين) والذي يقف مع ملاكي الأرض والفلاحين . وأخذت تتصاعد درجات حرارة التوتر بين الزوجين ، ووصلت إلى مدياتها العالية وذلك عندما رفضت آني من حضور الطقوس الدينية (والتي تُعد من المقدسات اللازمة على الجميع في أغلب الكنائس) . وفي عام 1873 تركت آني زوجها فرانك وعادت إلى لندن . وعلى هذا الأساس فإنهما قانونياً قد إنفصلا . ولذلك أخذت آني معها طفلتها وغادرت بيت زوجها في قرية سيبسي (حيث كان زوجها يعمل يومذاك قساً في أبرشية القرية ) . وهنا بدأت آني وود بيزنت تُثير الكثير من الأسئلة حول عقيدتها الدينية . وخلال ذلك فكرت في طلب الإستشارة والنصيحة من رمز من الرموز القيادية في الكنيسة الإنكليزية . وفعلاً قررت التوجه إلى  إدوارد بوفري بسي (1800 – 1882) [16]وهو واحد من قادة حركة أكسفورد ، وسألته آني بيزنت عن الكتب التي يقترحها للإجابة عن الإسئلة التي تدور حول شكوكها في عقيدتها ؟ وأخبرها “ إلى إنها قرأت الكثير من هذه الكتب لحد الآن [17]. وفعلاً فقد سلمت أمرها وأخذت بنصيحة إدوارد بسي وعادت إلى زوجها فرانك بيزنت وذلك في محاولة أخيرة منها إلى اصلاح الزواج . إلا إن مسعاها مع زوجها لم يُكلل بالنجاح ، فغادرت قرية سيبسي وعادت إلى لندن .

  وبعد ذلك تمكنت آني وود بيزنت من الحصول على فرصة عمل في كلية بيركبيك جامعة لندن [18]وبدوام جزئي . وفعلاً فقد عملت فيه باحثة وقامت بإجراء عدد من الدراسات . إلا إن نشاطاتها السياسية كانت السبب في لفت إنتباه إدارة الجامعة ، ومن ثم دفعتها إلى مراقبة نتائج  نشاطاتها السياسية في الأيام القادمات . وفي مرحلة من هذه المراقبة لنشاطاتها السياسية وجدت إدارة الجامعة ” إنه من اللازم في هذه المرحلة منع نشر نتائج أبحاث لها [19].

  وكل هذه الظروف حملتها إلى الإعلان صراحة عن أفكارها الإصلاحية والعلمانية . ولذلك بدأت تناضل من أجل الأسباب التي كانت تعتقد إنها صحيحة . وتقف على قائمة هذه الأسباب ، حرية التفكير ، حقوق النساء ، العلمانية ، حبوب منع الحمل ، الإشتراكية الفابية ، حقوق العمال .. ومن ثم أصبحت عضواً قيادياً في الجمعية العلمانية الإنكليزية الوطنية وتعمل يد بيد مع تشارلز برادلف ، كما وكانت آني بيزنت عضواً في الجمعية الأخلاقية الإنكليزية (والتي كانت تُعرف جمعية كونري هول الأخلاقية ، وهي رسمياً تُعرف بإسم جمعية القصر الجنوبي للأخلاق ومقرها في لندن – كونري هول . واليوم يُطلق عليها عنوان الجمعية الإنسانية العلمانية) [20].

  وهنا بدأت مرحلة جديدة من التفكير في حياة آني وود بيزنت ، وهي مرحلة ترميم ما يمكن ترميمه من أطراف حياتها والتي عصف بها ” خلافها مع زوجها فرانك ” . صحيح إن الطلاق من زوجها هي قضية لايمكن مناقشتها مع فرانك ، بل ولا يمكن التفكير فيها من طرف فرانك القس الإنجيلكاني . كما وإنها ليست بعملية سهلة يمكن الوصول إلى حل لها في ظروف أبناء الطبقة الوسطى الإنكليزية يومذاك . وإنما تتطلب تنازلات وقبول واقع الحال ولذلك فإن آني وود بيزنت مثلاً بقيت طول حياتها هي ” السيدة بيزنت ” . وفي البداية نجحت في المحافظة على بعض الروابط مع أطفالها الإثنين . كما وسمح زوجها فرانك على أن تعيش مع طفلتها الصغيرة ميبل . وبالمقابل حصلت آني وود بيزنت على مساعدة مالية من زوجها .

  وبعد إن تحررت آني من زوجها فرانك بيزنت ، فإنها بدأت تعيش في أجواء من الحرية ، كما وتختبر تيارات فكرية جديدة . وكانت البداية ليست إثارة الأسئلة حول عقيدتها الدينية وحسب ، وإنما هذه الإسئلة طالت مجمل نظام تفكيرها . وإستهلت هذه المرحلة بالكتابة بمنهج هجومي على طريقة الكنائس في السيطرة على حياة الناس . وبالتحديد هاجمت مواقف كنيسة إنكلترا وركزت هجومها على إن الدولة هي المصدر الوحيد للعقيدة . كما وبدأت تنشر الكثير من المفاهيم الشكية حول المسيحية الأرثوذوكسية [21].

   وساعدت آني وود بيزنت الظروف الإقتصادية الجديدة التي تعيشها . حيث إنها بدأت تحصل على إجور إسبوعية لقاء كتابتها إلى عمود إسبوعي في صحيفة الإصلاح الوطني [22]، وهي صحيفة كانت تُدافع من أجل تأسيس دولة علمانية ، ومن ثم العمل على تصفية وإنهاء كل أوضاع المسيحية وإمتيازاتها الخاصة . وتلت ذلك مرحلة في غاية الأهمية حيث تم فيها السماح إلى آني وود بيزنت من أن تكون متحدثة جماهيرية للصحيفة . ولذلك أخذت تُقدم المحاضرات الجماهيرية ، والتي تحولت إلى محاضرات متعة وترفيه جماهيري في فترة العصر الفيكتوري [23].

  وبالمناسبة كانت آني وود بيزنت ، متحدثة ذكية فذة ، وتحولت حالاً إلى متحدثة مرغوبة على الدوام . وخلال هذه الفترة تم إفتتاح شبكة سكة حديد القطارات . وفعلاً فقد أخذت آني بيزنت تستعمل القطار وذلك لإلقاء المحاضرات في عموم بريطانيا . وكانت أحاديثها تشمل كل القضايا المهمة في عصرها . وهذه المحاضرات كانت تُركز على التجديد ، الإصلاح والحرية . وكانت آني بيزنت لعديد من السنوات صديقة إلى قائد الجمعية العلمانية الوطنية تشارلز برادلف (1833 – 1891) والذي كان يُطلق عليه الجندي المُصلح . وكان منفصلاً لفترة طويلة من زوجته . وإن آني عاشت معه ومع بناته . وكانا يعملان سوية في العديد من المشروعات البحثية . وبالمناسبة إن تشارلز برادلف كان مُلحداً [24] وجمهورياً يتطلع إلى أنتخابه عضواً في البرلمان لمنطقة نورثامبتون [25].

   وفي ظهورها الجماهيري الأول لخصت آني بيزنت وجهات نظرها ” حول الحقوق السياسية للنساء ” . وفي عام 1876 كونت مع تشارلز برادلف شركة نشر الفكر الحر. وقرر الأثنان مهاجمة القناعة الفيكتورية وذلك بنشر كتاب تشارلز نولتن والذي حمل عنوان ثمار الفلسفة [26].  وكان عام 1877 عاماً جداً مهم في حياة الفيلسوفة آني بيزنت وصاحبها تشارلز برادلف ، وذلك لإن الأثنين إمتلكا بإسمهما بيتاً مشتركاً وعلى هذا الأساس أصبح تشارلز برادلف ” رب البيت ” وتحولت آني بيزنت لتكون ” ربة البيت ” . كما إن كتاب حملة منع الحمل لمؤلفه الأمريكي تشارلو نولتن قد زعم ” بأن عوائل أبناء الطبقة العاملة ، سوف لا يكونوا سعداء ، حتى يمتلكوا القرار في عدد الأطفال الذين يرغبون ” . وفي الكتاب إقتراح في طرق لتحديد حجم عوائل أبناء الطبقة العاملة . ولهذا السبب كان وراء كتاب نولتن عاصفة كبيرة من الجدل . وتقدمت الكنيسة صفوف المعارضة وقادت العاصفة ووجهتها كما أشار إلى ذلك كل من آني بيزنت وتشارلز برادلف ، وكتبا في صحيفة الإصلاح الوطني ، وقالا : ” لم نهدف إلى شئ ما ، حين نشرنا الكتاب . وإننا لم نُفكر في إننا نستطيع الدفاع إخلاقياً . إن كل ذلك ما نشرناه ، وإننا سندافع عنه [27].

  وكان الحاصل من ذلك إن تم إلقاء القبض على كل من آني بيزنت وصاحبها الزميل تشارلز برادلف وإيداعهما السجن لحين محكمتهما وذلك بسبب نشرهما لكتاب نولتن والذي حمل عنوان ثمار الفلسفة (أو حملة منع الحمل) . وفعلاً فقد وجدت المحكمة ” بأنهما مجرمان ” . ولكن تم الإراج عنهما وذلك ” لإنتظار الإستئناف ” . وبالرغم من موجة المعارضة ، فقد حصل كل من آني وبرادلف على مساعدة وتشجيع من الإعلام والصحافة الحرة . ومن ثم لم يتوقف الجدل والناقش وإنما إستمر عبر مقالات ورسائل وأعمدة الصحف وقاعات المحاكم ، وتوزع الطرفان في معسكرين ؛ معسكر يُدفاع ومعسكر يُكفر ويحتج بالنصوص الدينية وما يلفها من تفسيرات . وهكذ إمتلئت الصحافة بكتابات معسكر المؤيدين لمنع الحمل ومعسكر المعارضين وخصوصاً أصوات الكنيسة ومؤيديها . وكانت آني بيزنت وسيلة وأداة بحث وتفتيش خلال فترة المحاكمة عن عون . وفعلاً فقد وجدت يومها في المنظمة المالثيوسية [28]، منظمة دفاع عن منع الحمل ، ومن ثم إلغاء العقوبات من أجل تعزيز وسائل منع الحمل [29].    وخلال هذه الظروف الصعبة التي عاشتها آني بيزنت وتشارلز برادلف في أجواء المحكمة ، كان إعتقاد بأن المحكمة ستحكم عليهما وتزج بهما في السجن . إلا المحكمة إختارت طريقاً ثالثاً ليس فيه إدانة وحكم وليس فيه رد الدعوة وإسقاط الحكم ، وإنما المحكمة علقت إصدار الحكم عليهما لأسباب تقنية . وهكذا بقيت التهم الموجهة إليهم ولم تنتهي وظلت محفوظة في ملفات المحكمة .

  من طرف آخر إن قضية منع الحمل كانت للفيلسوفة آني بيزنت بمجملها دراما دائمة ، ولم تتمكن الأيام من لفها ونسيانها ، بل كانت تتذكرها وتستشهد بها على الدوام . حيث كان الحاصل من ضجة منع الحمل ، إن خسرت آني بيزنت الحضانة على أطفالها وذلك لأن زوجها تمكن من إقناع المحكمة ” من إن زوجته غير مؤهلة للعناية ورعاية الأطفال . ولهذا سلمت المحكمة حضانة الأطفال إلى زوجها وبصورة دائمة ” . وفي 6 آذار سنة 1881 تكلمت آني بيزنت في إفتتاحية الجمعية العلمانية في مدينة لستر [30](مدينة تقع وسط شرق إنكلترا) وكان من بين المتحدثين كل من العلماني البريطاني جورج جاكوب هوليوك (1817 – 1906)[31] والعلمانية والمفكرة الحرة هنريت لو (1831 – 1897)[32] وتشارلز برادلف [33].      ولاحظنا من طرف آخر إن وجهات نظر تشارلز برادلف السياسية لم ينالها الضرر الكثير بسبب ما كان يومها يُسمى بفضيحة نشر كتاب تشارلز نولتن (ثمار الفلسفة أو فضحية منع الحمل) وفعلاً فقد تم إنتخاب تشارلز برادلف عضواً في البرلمان البريطاني في 1881 . والحقيقة إن هذه الإنتخابات ومن ثم فوز تشارلز برادلف فتح باباً واسعاً من الجدل والخلاف الجديدين ، والتي شملت البرلمان والصحافة والكنيسة ومن ثم الحياة السياسية البريطانية العامة . والسؤال الذي كان يدور يومها هو ؛ كيف سيؤدي تشارلز برادلف اليمين في البرلمان (وهو رجل مُلحد) ؟ وفعلاً فإن برادلف كان منتبهاً إلى ” قضية إلحاده ” . ولذلك طلب أن يُسمح له ” اليمين بالولاء والإخلاص والوطنية ” . إلا إن هذا الطلب تم رفضه هو الآخر . وهنا عاد برادلف وبين رغبته في أداء اليمين . إلا إن هذا الخيار هو الآخر تم تحديه ، بالرغم من إن العديد من المسيحيين ” كانوا في حالة دهشة من طلب برادلف ” . وكان الليبراليون يراقبون الموقف ومن بينهم وليم إيورت غلادستون (1809 – 1898) [34]، واللذين تحدثوا وأكدوا على الحرية في الإعتقاد . والحقيقة إن هذه القضية أخذت الكثير من الوقت حيث ” إستمرت لفترة ست سنوات وسلسلة من الإنتخابات والظهور أمام المحاكم ” قبل الوصول إلى حل لها ” وفعلاً فقد جاء الحل لصالح الليبراليين و تشارلز برادلف ” .

  وذكرنا في مقدمة هذا البحث بأن إصول الفيلسوفة – المتصوفة آني وود بيزنت تصعد إلى إيرلندا . ولهذا السبب كانت تتعاطف مع مطالب الإيرلنديين (بالحكم الذاتي) . وفعلاً فقد كانت لها علاقات قوية مع حركة “ الحكام الرئيسيين الأيرلنديين [35] ومن خلال عناوين من مثل ” تداول السلطة في إيرلندا ” . وعملت بكل جد في مساعدتهم في السنوات الصعبة وبالتحديد في مقالاتها وأعمدتها الصحفية التي كانت تكتبها . والإمثلة كثيرة منها إنه عندما شكل القوميون الإيرلنديون تحالفاً مع الليبراليين والراديكاليين ، فإن آني بيزنت قابلت القادة الإيرلنديين في حركة ” الحكام الرئيسسين الإيرلنديين ” . ولم تقف عند هذه الحدود ، وإنما ذهبت إلى مقابلة القائد الجمهوري الإيرلندي مايكل ديفيت (1846 – 1906)[36] والذي تطلع إلى تعبئة الفلاحين والمزارعين الإيرلنديين خلال ما أطلق عليه ” حرب الأرض ” وهو النضال المباشر ضد ملاك الأراضي . وإن آني بيزنت تكلمت وكتبت في تفضيل مايكل ديفيت ومنظمته التي تُعرف بمنظمة الأرض (أوبالإنكليزية ليغ أي عصبة الأرض) وساندتها في العديد من الأوقات وخلال عقود عديدة .  

  ويبدو إنه خلال هذه الفترة إن عمل تشارلز برادلف البرلماني (وهو رفيق وصاحب آني بيزنت ويعيشان سوية) أخذ أشكال وصور من التنافر ، فمثلاً إن أصواتاً صدرت من حوله تقول وتعلن ” إن النساء لا مشاركة لهن في السياسة البرلمانية ” بينما بالمقابل كانت آني بيزنت تبحث عن ” مخرج سياسي حقيقي ” . والحقيقة إن آني بيزنت كانت على حق وذلك لأنها تمتلك مهارات في الحديث والكتابة والتنظيم ، وربما يُمكنها من أداء أشياء حقيقية .     

آني وود بيزنت وتأمل في نشاطاتها السياسية : الفابية والماركسية  

   نحسبُ إن من النافع أن نبدأ هذا المحور بإشارة إلى جنس الكتابة أو العملية الإنشائية عند الفيلسوفة – المتصوفة آني بيزنت . الحق إن السياسة والصداقة والحب هي أطراف متداخلة ومتشابكة بعضها مع بعض ويؤلفان نسيجاً جميلاً في بنيته وشكله . والشواهد كثيرة على ما قلناه . فمثلاً منها إن قراراها في تفضيل الإشتراكية جاء بعد صداقتها الحميمة مع الكاتب المسرحي الإيرلندي جورج برنارد شو (1856 – 1950)[37] والذي كان يومها مجرد شاب مناضل ومؤلف إيرلندي يعيش في لندن وكان يرفع مشاعل الجمعية الفابية [38]. وكانت آني بيزنت حينها مولعة بما يكتب . ومن ثم نمت علاقة حميمة بينهما وحدث ذلك في بواكير الثمانينات (1880) من القرن التاسع عشر . وتقدمت آني بمبادرة له حيث وجهت له الدعوة للعيش معها . إلا إنه رفض العرض وبدلاً من ذلك قدم لها عرض الإنضمام إلى الجمعية الفابية . وكان هدف الجمعية الفابية في بواكير تأسيسها تجميع أعداد من الناس الذين يتطلعون إلى إستكشاف الأطراف الروحانية بدلاً من الجوانب السياسية وذلك كبدائل عن النظام الرأسمالي [39].

  وبدأت آني بيزنت تكتب إلى جمعية الفابيين . وإن إلتزامها الجديد وعلاقتها مع برنارد شو أخذت تتعمق أكثر وأكثر . فكان من نتائجها إنفصال أني من صاحبها برادلف والذي كان صاحب نزعة فردية ويُعارض الإشتراكية بكل أنواعها . كما وكان برادلف يُدافع عن حرية الكلام بكل ثمن . غير إنه كان في الوقت ذاته حذراً من تشجيع تشدد الطبقة العاملة [40].

  ويومها كانت البطالة من أهم القضايا المركزية . وفعلاً إن عام 1887 شهد أعداداً من اللندنيين العاطلين عن العمل ، بدأوا بالتظاهر في ميدان ترافلغار (في مركز لندن) . ووقتها وافقت آني بيزنت على الحضور والكلام في الإجتماع الذي حدث في 13 نوفمبر . وحاولت الشرطة من طرفها بوقف وتعطيل التجمع ومن ثم التظاهر . وبدأت معركة بين المتظاهرين والشرطة . وتم إستدعاء قوات إضافية من الجيش البريطاني لقمع المتظاهرين بقوة السلاح والعنف . وكان الحاصل رجل واحد تعرض للوفاة ، أعداد من الإصابات ومئات من المتظاهرين تم إلقاء القبض عليهم . ومن طرف آني بيزنت فقد سلمت نفسها إلى الشرطة . إلا إن الشرطة أهملت عرضها [41].  

  وخلقت هذه الأحداث حساسية عالية ، وأخذ الإعلام والأحاديث العامة تطلق عليها عنوان ” الأحد الدموي ” ولذلك وجه الكثير من اللوم إليها . في حين منحها عدد آخر إشارات من الإحترام والتقدير . ومن ثم عملت آني بجد على تنظيم طلبات لمساعدة قانونية للذين تعرضوا إلى السجن ومساعدة إلى عوائلهم [42]. ومن طرف الرجل السياسي والعلماني تشارلز برادلف هو إنه قرر الإنفصال عن آني بيزنت في هذه الظروف اللا إنسانية الصعبة . وكان مبرر الرجل البرلماني العلماني برادلف ” بسبب وسبب بسيط ” وهو إن آني بيزنت لم تسأله النصيحة قبل أن تتوجه إلى الإجتماع [43].

  ومن الأحداث الأخرى التي حدثت هذه الفترة الزمنية ، وكانت آني بيزنت مشاركة فيها ، هي إضراب الفتيات والعاملات في صناعة الشخاط في لندن سنة 1888 . ومن الملاحظ إنه تم دفع آني بيزنت إلى هذه المعركة من ” العمل النقابي الجديد ” بتشجيع ودعم من الإشتراكي والعلماني الشاب هربرت بروز (1845 – 1922)[44] وبالمناسبة إن الأخير كان المنظم المشارك (وبالطبع مع آني بيزنت) لأضراب الفتيات العاملات في صناعة الشخاط [45].

  كما وعمل هربرت بروز من طرفه إتصالاً بعدد من العمال والعاملات في براينت ومصانع ماي لصناعة الشخاط في بو ، لندن . وكانت الغالبية من العاملات من الفتيات المراهقات والنساء الشابات ، واللائي كانت إجورهن ” فقيرة جداً (هابطة) ” . إضافة إلى تعرضهن لأمراض صناعية (كيمياوية) من مثل ” تحشم العظام والفكوك ” وذلك بسبب المواد الكيمياوية المستعملة في صناعة الشخاط [46]. وطلب عدد من عمال مصانع الشخاط من كل من هربرت بروز وآني بيزنت المساعدة على تأسيس نقابة لهم . وفعلاً فإن بيزنت قابلت العاملات وألفت لهن لجنة وهي التي قادت التخطيط إلى إضراب النساء العاملات وذلك من أجل دفع إجور أفضل لهن مع تحسين لظروف عمل أفضل . والقرار كان مدعوماً بمساعدة عريضة من الجمهور . وأني بيزنت قادت بنفسها ما سمي ” بمظاهرة فتيات الشخاط ” . واللائي كن يتغنين وينشدن في الشوراع . وكانت ردود الفعل لهذه المشاهد ، إن كتب العديد من رجال الكنائس يُطالبون بمساعدتهن . وخلال إسبوع واحد (وواحد فقط) تم إجبار الشركة على تحسين الإجور وظروف العمل . كما وإن آني بيزنت ساعدتهن في تأسيس نقابة مناسبة ومركز إجتماعي .

  وكانت صناعة الشخاط في ذلك الوقت ” لوبي (قوة ضاغطة) يتمتع بقوة ” ، ومنذ إن كانت القداحة الكهربائية غير متوافرة بصورة واسعة ، فإن الشخاط كانت سلعة جماهيرية ضرورية . وفي عام 1872 فإن لوبي صناعة الشخاط تمكنوا من إقناع الحكومة البريطانية من تغيير خططها في سياسة الضرائب . في حين كانت الحملة التي تقودها آني بيزنت ، خصوصاً في البداية ترى إن أي فرد يتحدى بنجاح صناعات الشخاط ، هي قضية كبيرة بحد ذاتها . بل وكان يُنظر إليها في السنوات الأولى ، على إنها إنتصار حقيقي للإشتراكية البريطانية [47].      

   وإضافة إلى آني بيزنت كانت المتحدثة الرئيسة في الجمعية الفابية ، فإنها كانت متحدثة في الإتحاد الماركسي الديمقراطي الإشتراكي [48]. كما وخلال هذه الفترة تم إنتخابها عضواً في هيئة مدارس لندن ، وبالتحديد لمنطقة تورهاملت (والتي تقع في شرق لندن وشمال نهر التايمز) وفازت بنتائج عالية بالرغم من مشاركة عدد قليل من النساء المؤهلات للتصويت يومذاك . وخلال سنة 1884 طورت آني بيزنت علاقة صداقة قوية مع البايولوجي الإنكليزي الشاب أدورد إيفلنغ وهو خطيب لفترة طويلة إلى إيلنور ماركس (وهي بنت كارل ماركس الصغيرة ) [49]. وكان يومها أدورد إيفلنغ معلم إشتراكي شاب ، ويسكن وعاش لفترة قصيرة من الزمن في بيت آني بيزنت . ومن ثم تحول آدورد إيفلنغ حالاً وإنتقل ليعيش مع إيلنور ماركس . والحقيقة إن ادورد إيفلنغ قد مارس تأثيراً كبيراً على تفكير آني بيزنت كما وساعدها في أعمالها . (وبالطبع خلال هذه الفترة تحولت آني بيزنت إلى الحركة الفابية) .

  بينما إلتحق ادورد إيفلنغ وإيلنور ماركس بالإتحاد الديمقراطي الإشتراكي الماركسي ، ومن ثم إلى التجمع الإشتراكي [50](وهي مجوعة من مجاميع صغيرة تفرعت والأدق إنشقت من الماركسيين) والتي تشكلت حول الفنان الإنكليزي وليم موريس [51]. وكانت يومها آني بيزنت تضع ” شريطاً أحمرا ” على شعرها ، وتتحدث في الإجتماعات وتقول : ” لا ، لا لكثير من الأطفال الجائعين ” . وكان هذا هو المنفستو (البيان) الخاص بها . ومن ثم عملت آني بيزنت تجسيراً فكرياُ بالغ الأهمية بين تفكيرها السياسي وتفكيرها الفمنستي (الإنثوي النسوي) ، فقامت بفعل مبدع بربط أفكارها الإشتراكية بالفمنستية (النسوية) في هذه الفترة التاريخية المحسوبة لصالحها . ولذلك كانت تُردد : ” أنا أناشد الناخبين أن يصوتوا لي  . وإن على غير الناخبين أن يعملوا لهدفي ، وذلك لأن المطلوب أن يكون عدد من النساء في اللجنة (أي لجنة مدارس لندن) وهناك القليل ، القليل من النساء المرشحات ” .

  وفعلاً فازت آني بيزنت بتفوق ساحق ، وجاءت على رأس القائمة ، وحصلت على أكثر من خمسة عشرة ألف صوت . ومن ثم كتبت في جريدة الإصلاح الوطني فقالت : ” عشرة سنوات مضت ، وتحت قانون جائر ، فإن التعصب المسيحي سرق مني طفلتي الصغيرة . والأن تتوافر رعاية لأكثر من (763680) طفلاً من أطفال لندن . وهي في يدي الأمينة [52]

وبعد إضرابات لندن للنساء العاملات سنة 1888 ، تحولت آني بيزنت إلى متحدث قيادي للجمعية الفابية والإتحاد الديمقراطي الماركسي . وتم إنتخابها عضواً في لجنة مدارس لندن . وهناك من يُرجح فوز آني بيزنت في إنتخابات هذا المركز المهم ، هو إنه خلال هذه الفترة ” إرتبطت آني بيزنت بجماعة من الماركسيين البريطانيين [53]. وهذا كان له الأثر في إنتخابها سنة 1888 رغم إن التصويت يومذاك لم يُشارك فيه إلا عدد قليل من النساء المؤهلات للتصويت [54].

  وهناك من الكتاب من يؤكد على إن الفنان والروائي والشاعر الإنكليزي وليم موريس (1834 – 1896) هو الذي لعب دوراً رئيساً وكبيراً في إقناع آني بيزنت للإيمان بالماركسية (أي الإتحاد الديمقراطي الإشتراكي الماركسي) . وظلت آني بيزنت فيه لبضع سنوات وكانت من ” أفضل المتحدثين فيه ” وكان يومها نوعاً من التوافق بين الفابية وتجمع الماركسيين . ولم تتوافر لدينا أية إشارات على ” وجود تنافس بين الفابيين والماركسيين ” في هذا الوقت [55].

آني بيزنت : مثابرة نقدية للمسيحية والفكر الفقهي المسيحي تجاه المرآة

  كتبت الفيلسوفة – المتصوفة آني وود بيزنت الكثير في نقد المسيحية والفكر الفقهي المسيحي وخصوصاً فقه المسيحية والقديسيين المسيحيين تجاه المرآة . ويبدو لنا إن كتاب آني بيزنت والذي حمل عنوان الوضع السياسي للنساء ، والذي صدر سنة 1874 ، هو من كتبها الأولى وهذا شاهد يُدلل على إن إهتمامها بأوضاع النساء وشروط المرأة يومذاك ، جاء متقدماً على مشاغلها وإهتماماتها . ولعل المتأمل في قائمة مؤلفات آني بيزنت ، وبالتحديد التأمل في تاريخ نشرها ، يلحظ بشكل واضح إلى إن باكورة أعمالها ، كان كتابها الوضع السياسي للنساء والذي نُشر بعد إنفصالها من زوجها القس البريطاني فرانك بيزنت بسنة واحدة فقط  . وكانت بنت التاسعة والعشرين ربيعاً يُوم نشر كتابها ” الوضع السياسي للنساء ” .  

   ومن ثم نشرت بعد سنتين كتابها الذي حمل عنوان المسيحية : آدلتها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها والذي ظهر إلى النور سنة 1876 . وفعلاً فقد عبرت آني بيزنت عن فهمها لما حدث مع المسيحية وبكل صدق وأصالة . فقالت مثلاً : إن ” قادة الفكر المسيحي ” تكلموا بصوت عال ودون تردد قائلين  ؛ بأن النساء هن شر بالضرورة . وإن كبار القديسين المسيحيين كانوا يحتقرون النساء على العموم . ووقفت آني بيزنت ” ضد تعاليم التعذيب الأبدي ” و ” تعاليم التكفير المتنوعة ، وعصمة الإنجيل ” . ومن ثم شدت العزم وأفادت قائلة بصراحة خالية من أي دوران ومراوغة ؛ ” وصعدت قوة عقلي ولساني . وكشفت عن تاريخ الكنيسة المسيحية دون كلل وملل ، وبينت صور إضطهادها ، وحروبها الدينية ، وقسوتها وأنواع القمع التي مارستها ” . ولعل خطورة البحث الذي إنجزته المفكرة الحرة آني بيزنت ، يُلخصه سؤالها الذي رفعته والذي يُفيد : ” لماذا الأناجيل ليست حقيقية (وبالضبط حسب ترجمة لفظة آني بيزنت كما وردت إلى العربية ” ليست أصلية ” ؟) [56]. وتذهب آني بيزنت مفصلة وعارضة تفاصيل تاريخية موثقة ” قبل عام 180 ميلادية ، حيث لا يتوافر أي شكل من أشكال الوثائق التاريخية التي تدلل بأي صورة ما على وجود أربعة أناجيل قبل عصر إيرينيئوس [57] . والسؤال ؛ من هو هذا االشخص الذي يُدعى إيرينيئوس ؟ وهل فعلاً تتوافر بيده سلطة تاريخية حول جوهر المسيحية ؟ أم إن كل ما قاله هو مجرد حكاية لفها القليل من الحق والكثير من الإختراع والباطل ؟ نحسب إن الطريق الصحيح هو تقديم كشف تاريخي عن شخصية المطران المسيحي إيرينيئوس الذي يعدُ بنظرنا مؤرخ صادق للتحولات الأولى التي مر بها تاريخ العقيدة المسيحية . وذلك لكونه جزء من تكوينات المؤسسة الدينية المسيحية ويحتل مكانة مهمة في بنيتها العقيدية . ولد المطران إيرينيئوس في بواكير القرن الثاني الميلادي ، وتوفي حوالي سنة 202 ميلادية . ويُطلق عليه (أي على المطران إيرينيئوس) عنواناً فيه سمو وعلو من طرف المقدس المسيحي ، وهو ” القديس إيرينيئوس [58]. وهو مطران لوغدونوم (وهي مدينة رومانية مهمة) وهي جزء من بلاد الغال [59].

 ومن ثم أصبحت بلاد الغال جزء من الإمبراطورية الرومانية (والأن هي مدينة ليون – فرنسا) . وكان القديس إيرينيئوس من آباء الكنيسة الأوائل ، وبالطبع كان من بواكير المدافعين عن العقيدي المسيحي . كما كونت كتاباته ونصوصه ، المصادر الأولى لتطور اللاهوت المسيحي . وهو في الأصل كان من سكان مدينة سميرنا وهي مدينة قديمة ، وينهض موقعها اليوم بالقرب من مدينة آزمير التركية [60]. ويُذكر إلى إن المطران إيرينيئوس سُمع يخطب في كنيسة المطران المسيحي لبكاريوس (69 – 155 ميلادية) وهو واحد من حواريي الرسول يوحنا الإنجيلي (والذي ولد حوالي 15 ميلادية وتوفي حوالي 100 ميلادية ويُنسب إليه إنجيل يوحنا) [61].

  ولعل شهرة القديس إيرينيئوس جاءت خصوصاً من كتابه الإحتفالي والذي حمل عنوان ضد الهرطقات (أو ضد التعاليم الغنوصية) . وإن تاريخه يصعد إلى حوالي سنة 180 ميلادية . وهو بالطبع من المصادر المبكرة إلى اللاهوت المسيحي . وفيه أكد إيرينيئوس بصراحة على إن النص والتقليد هما المصدران الأساسيين للاهوت [62].

    ورأينا إنه في هذه الفترة التي يتحدث فيها ” القديس إيرينينوس ” عن المصادر الأساسية للاهوت المسيحي (وهما النص والتقليد) ربما نزلت إليه من يوحنا الإنجيلي وبالتحديد من خلال تلميذ يوحنا وهو المطران لبكاريوس والذي كان المطران إيرينيئوس من طرفه يخطب في كنيسته كما أكدت المصادر التي جاء ذكرها سابقاً وبالطبع هذه القنوات المعرفية التي مر بها الفكر اللاهوتي المسيحي شئ وهي حقيقة تؤكدها نصوص الإنجيل والشروح التي بدأت تبثق عليها . أما الوجود الفيزيائي – المادي للإناجيل الأربعة فهذا شئ مختلف .

   ولهذا لاحظت الفيلسوفة – المتصوفة آني بيزنت وأدركت إلى إنه لا يتوافر إنسجام وتوافق في واقعية بل ومصداقية التاريخ المقترح للفترة الزمنية للأناجيل الأربعة ، وتحديداً إنه ليس في الإمكان التأكد من وجود أناجيل أربعة في هذه الفترة . والسبب هو إن البعض جادل ورجح سنة 170 ميلادية بدلاً من 180 ميلادية . بينما إقترح آخرون منطقة وسطى بين الفترتين ، وحددوا مدها يقع ما بين 170 – 180 ميلادية . ورأت آني بيزنت إلى إنه ضاع الوقت والمكان لإقامة البرهان على حقيقة إعترف بها الجميع (أي لا توجد أناجيل أربعة قبل عام 180 أو 170 أو ما بين 170 – 180 ميلادية) . ومن ثم أكدت آني بيزنت على إن هذه الخطوة لحجتنا نهضت على قاعدة فهم صلدة وهو إنه قبل حوالي عام 180 ميلادية لا يوجد (بل ولايتوافر) أثر على وجود الأناجيل الأربعة وعلى إنها كانت متداولة بين المسيحيين . كما إنه قبل هذا التاريخ ، فإن الرُسل (متى ، مرقص ، لوقا ويوحنا) لم يتم بعد إختيارهم ” على إنهم الإنجيليون الأربعة ” . وبالضرورة إن الموقف بدأ بعد فترة من القرن الأول الميلادي . والتاريخ وكذلك المنطق لا يدعمان شئ مثل هذا ، مادام ” إن الإنجيليين الأربعة لا يمكن إختيارهم قبل الإعتراف بوجود أناجيل أربعة ” . وهنا أيد الأكاديمي والمؤرخ الإنكليزي ” الرف أو القس جون ألين جايلز ” (1808 – 1884)[63] هذه الحجة ، وقال ” إن الشهيد القديس جاستن (100 – 165)[64] لم يذكر إسم واحد من الإنجيليين الأربعة على الإطلاق . وإن الظروف كانت لها أهمية كبيرة خصوصاً لؤلئك الذين أكدوا على إن الإنجيليين الأربعة هي سجلات حقيقية معاصرة لقائمة الكتب المقدسة التي تُنسب إلى جماعة من الرسل الحواريين الذين كانوا يُرافقون المسيح (أو الأدق المخلص) والتي وصفتهم بأنهم كل من الرسل ” متى ، مرقص ، لوقا ، يوحنا (أو جون) والتي لم تُنسب إلى  كُتاب آخرين غيرهم [65].  

  وفعلاً فإن آني بيزنت كتبت لغرض نقد المسيحية ، رائعتها التي حملت عنوان المسيحية : آدلتها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها (1876) [66]. والحقيقة إن إهتمام تفكير الفيلسوفة آني بيزنت بالمسيحية جاء بحث أكاديمي من طرف وبعد تجربة شخصية قاسية مع زوجها السابق القس الأنجيلكاني البريطاني فرانك بيزنت والذي طردها من بيت الزوجية وحرمها من أطفالها الإثنين ” آرثر و ميبل ” وذلك بالإحتكام إلى الفقه المسيحي . ولهذا الأسباب فإن كتاب المسيحية الذي نشرتها في طبعته الأولى هو حصيلة كل هذه الظروف وما رافقها من محاكم وجلسات ونزاعات حول حضانة الأطفال وتشكيك الزوج بمشروعية وأهلية حضانة زوجته لأطفالها . وكان الحاصل من كل المرافعات ، إن الزوج تمكن من إقناع المحكمة من عدم أهليتها وسد الطريق أمام إمومتها لأطفالها ، فظلت جروحاً دامية تنزف على الدوام ولم تتمكن الأيام من لفها في سجلات المحاكم ، وإن نجحت فإنها بقيت كابوساً وذكرى مؤلمة تتذكرها وتحكيها آني بيزنت طول حياتها . هذه هي أطراف عاشتها آني بيزنت خلال كتابتها إلى رائعة المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها (تألف من مجلدين وتكون من 478 صفحة) .

   تألفت هذه الرائعة من العديد من الأقسام . وبدأ الكتاب بالقسم الأول والذي حمل عنوان براهينها التي لا يمكن الإعتماد عليها [67](وتعني آني بيزنت : براهين المسيحية) . وفيه قالت آني بيزنت بصراحة في السطور الأولى من القسم الأول من هذا المجلد (أي مجلد : المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها) ؛ ” إن إصول كل الأديان ، والجهل هو فكرة الله ، والتي تم معالجتها في المجلد الأول من نص هذا الكتاب ” [68]. ولذلك سأنتخب القضايا الأساسية التي عالجتها آني بيزنت والتي تكون جوهر المسيحية وبالصورة الأتية :

    ولذلك أعلنت آني بيزنت بصراحة وذهبت إلى إنه ” الأن أصبح من واجبنا البحث عن البراهين والأدلة على إصول المسيحية ونموها . وذلك بهدف التدقيق في آخلاقيتها وعقائدها ، ومن ثم دراسة تاريخ المسيحية المؤسس على الإفتراض ، ومتابعة الأثار التي تركها رموز المسيحية وبالتخصيص من خلال إحتفالات المسيحية ، وبيان السبب الذي حمل المفكرون الأحرار على التنكر ومن ثم رفض المسيحية . إن الأساس الصلب للمسيحية صُنع في الجنة ومن خلال حكاية خلق ” الإنسان وسقوطه والتي حدثت (حسب تقديرات المسيحية) قبل ستة آلاف سنة مضت والذي (هذا التاريخ جاء في حديث آني بيزنت سنة 1876 وهو تاريخ النشرة الأولى لكتابها المعنون : المسيحية : براهينها …) تم تقويضه في المجلد الأول من هذا العمل ، والذي تضمن معه تقويضاً للمسيحة ذاتها [69].

    وترى الفيلسوفة آني بيزنت ” إن إصول المسيحية هو الجوهر المسؤول ، ولذلك ستتم متابعة البحث في تاريخ إصول العقيدة المسيحية ، وهو بالطبع نقطة البداية الأولى في هذه البحث . والتي يمكن تقسيمها في طرفين :

 1 – الأدلة (أو البراهين) التي عرضها التاريخ على صورة إصول المسيحية ونموها المبكر .

2 – قصة المسيحية كما أخبرتها المسيحية بذاتها ، ومن خلال وثائق المسيحية نفسها [70].

  ولعل من أهم ما يُلاحظه الباحث كما تُفيد آني بيزنت عن قصة المسيحية ، هو إن ” الشئ الملازم في البراهين التي يُقدمها لنا التاريخ ، هي براهين معروضة من زاوية تاريخية وثنية (وفيها الكثير من الدنس والفارغة من أطراف المقدس) والتي تدور حول وجود المسيح (يسوع) ذاته ، والتي لا تتوافر أية إمكانية حول إقامة البرهان عليها من زاوية الوثائق التاريخية المعاصرة يومذاك [71].    

  فعلاً فقد لاحظنا إن الفيلسوفة المتصوفة آني بيزنت قد مارست فعل نقد للأدب الإسطوري واللغة الإسطورية التي صاحبت عمليت تدوين الأناجيل ومنذ اللحظات الأولى ودعت بشجاعة أكاديمية موضوعية إلى تنظيف تامبل (معبد) الإنجيل [72]من الأدران والشوائب التي تسللت إليه بصورة واعية أو غير واعية والتي كان دافعها الوحيد هو سد الفراغات في قصة المسيح ودون وجه حق ، ومن ثم إختيار طريق الدفاع المستميت عن أشياء غير حقيقة والتي لم تقع وتحدث ، بل والأكثر من ذلك لم يُسجل لها توثيق بل جاءت عارية ، ولم يرد لها في تاريخ التدوين الإنجيلي أي ذكر ، ولا يتوافر لها برهان أو شاهد تاريخي يدعمها ويؤيدها بل على العكس إن الشواهد الإنجيليلة والتاريخية تتعارض معها وتتنافر وتحكم عليها بكونها ” مجرد خيالات وأوهام لا علاقة لها بحياة اليسوع والحياة والناس والحيوانات عصر ولادته وما رافقها  ..فمثلاً كما أشارت آني بيزنت ” بأنه من الملاحظ إن البراهين التي قدمها التاريخ الوثني (غير المقدس) ، هو تاريخ ناقص وعاجز من خلال وثائقه التي عاصرت ولادة المسيح ، حيث ليس فيها إمكانية تُدلل وتبرهن بصورة يقينية على وجود اليسوع . وإنما كل ما في الأمر ، هو إن ولادة الطفل كانت بشارة (أي بشرى) وذلك من خلال ظهور ” نجم ” في السماء ، والذي أخذ يقود ويوجه الحكماء الأجانب إلى مملكة جودا (يهودا في فلسطين) . وكان الشائع يومها ، هو إن الإمبراطور الروماني أمر قواته بقتل كل طفل يولد . كما كان المعلم يومها يُشفي المجذوم ، الأعمى ، الأطرش والأخرس ، والأعرج ويُحيى الموتى . وحينها دخل ملك اليهود وقواته إلى مدينة القدس ، وكانوا مبتهجين بإنتصاراتهم ، ولم يواجهوا معارضة أو مقاومة من عساكر وقوات القيصر . ووجهت التهمة إلى زعيم الفتنة ، وتم إلقاء القبض عليه من قبل رجال ريفيون ينتمون إليه ، وسُلم إلى الحاكم الإمبراطورية الرومانية . ومن ثم حُكم على العاصي المتمرد بالموت وفقاً إلى القانون الروماني . وتلتها ثلاثة ساعات من الظلمة غطت العالم . وهزات أرضية شديدة ، وإنشقت الأرض وفُتحت القبور ، ونهض الموتى … وعدد من الأشباح أخذت تتطاير حول القدس ، وعدد من الجثث المصلوبة نهضت مرة ثانية وعادت لها الحياة . وكان ظهورها أمام جماعة تتألف من 500 فرداً . ومن ثم نهض رجل من بين الموتى وأخذ جسمه يرتفع متجهاً نحو السماء (الجنة) ولم يختفي بل ظل واضحاً . كل ذلك حدث بصورة واضحة من الجبل القريب من القدس ..” [73].

 ومن ثم إنتفضت آني بيزنت وتساءلت ؛ ” كيف سنتسامح مع عالم الوثنيون والفلاسفة  من هذا السهو وهذا إلإهمال لحالة الغفلة ، والتي قدمت في مناخاتها الأدلة والبراهين (أي براهين المسيحية والتي تمثلت في شهادات جبل القدس وأحداثه) والتي قُدمت لهم بقدرة الله الكلية ” ، ولم تُقدم لهم بطريقة عقولهم ، ولا بطريقة ما تراه إحساساتهم ؟ [74]. ولذلك ردت   آني بيزنت وأيدت ذلك من خلال الشاهد التاريخي الذي يذهب إلى ” إنه خلال عصر المسيح ، فإن رُسله وحوارييه الأوائل كانوا ينشرون عقائد عن معجزات لا تُعد ولا تُحصى حدثت من مثل : أشخاص عرجان أخذوا يمشون ، وعميان أخذوا يبصرون ، ومرضى شفوا من أمراضهم ، وموتى عادوا إلى الحياة ونهضوا من قبورهم ، وإن الشياطين تم طردهم ، وإن قوانين الطبيعة تعطلت وأخذت تعمل لمصلحة الكنيسة [75]. (ولسعة أطراف محنة الفيلسوفة المتصوفة آني وود بيزنت مع المسيحية وأناجيلها، خصصنا دراسة خاصة وبعنوان : المسيحية وحكاية الأناجيل الأربعة والعدد اللامحدود من الأناجيل (؟) [76].      

هلينا بتروفونا بلافاتسكي وآني بيزنت والتحول نحو التصوف

  الحقيقة إن إهتمام آني بيزنت بالتصوف جاء من خلال تكليفها بكتابة مقال وهذا المقال كان قدراً جديداً مع التصوف . والقصة تذهب إلى إن آني بيزنت كانت كاتبة غزيرة الإنتاج وخطيبة قوية [77]. وفي عام 1889 إنقلبت آني بيزنت مرة ثانية . وكان هذا الإنقلاب سبباً في 

حيرة الكثير من المعجبين بها ونُقادها على حد سواء ، وذلك عندما هجرت الموقف الإلحادي وإعتنقت التصوف . وفعلاً فقد لاحظنا إن صحيفة البول مول المسائية (وهي صحيفة تصدر في لندن) كلفت آني بيزنت بكتابة مراجعة إلى كتاب هلينا بلافاتسكي والذي حمل عنوان العقيدة السرية [78]. وبعد قراءة آني بيزنت لهذا الكتاب ، بدأت تُفتش عن هلينا بلافاتسكي وتتطلع إلى إجراء مقابلة معها . وتحقق ذلك وقابلتها في باريس . ومن ثم كان طريق التحول إلى التصوف وإعتنقاه مذهباً فكرياً وطريقة حياة . وإن رحلة آني بيزنت دائماً تتضمن أبعاداً روحانية . وهكذا جاء التحول بصورة كاملة .

  وفعلاً فإنه بعد لقاء آني بيزنت بالمتصوفة الروحانية هلينا بلافاتسكي أخذ إهتمامها بالتصوف يتعمق ، ومن ثم سمحت بشخصها إلى أن تصل بعضويتها في الجمعية الفابية أن تصل إلى أجلها المحتوم سنة 1890 . وتبع ذلك إنفراط كل آواصرها مع الماركسيين . وفي سيرة آني بيزنت الذاتية نلحظ إن هناك فصلاً بعنوان ” حول الإشتراكية[79] ومن ” خلال عاصفة السلام[80]. فالسلام كان التصوف . وفي عام 1888 تصف آني بيزنت نفسها وهي ” تباشر مسيرتها نحو التصوف ” فتصف ذلك فتقول : إنه كان ” المجد ” لحياتها . وبالمقابل تيقنت من إن طريق الإقتصاد (المادي) في حياتها ، هو ” نقص وعجز للبعد الروحي ” ولهذا بحثت عن عقيدة تنهض على ” الحب ” ووجدت ذلك في التصوف ولهذا إنضمت إلى جمعية التصوف . وهذا التحول كان الفيصل بينها وبين زملاء الأمس من أمثال البرلماني البريطاني برادلف والأخرين [81].

ولاحظنا إنه  فعلاً خلال هذه الفترة التي تصاعدت فيها درجات إهتمام آني بيزنت بالتصوف وأخذ معها يتلاشى تفكيرها في الشؤون العلمانية . وتلت ذلك فترة قصيرة أصبحت فيها ” آني وود بيزنت ” عضواً في جمعية التصوف [82]. وأخذت تُقدم المحاضرات في موضوع التصوف ، وتحولت إلى رمز كبير من رموز التصوف . وكان جزء من عملها في مضمار التصوف السفر إلى الهند . وفي عام 1898 ساعدت في تأسيس الكلية المركزية الهندية (والتي تُعرف بإسم الهندو) . كما وعملت على تأسيس هيئة الخريجين القومية في مدينة مومباي الهندية [83].

  ويبدو إن وجهة نظر التصوف قد أكدت على أطراف صوفية من جميع أديان العالم . إلا إن من الملاحظ إنها تأثرت بصورة خاصة بالهندو والفكر البوذي . وفي منتصف التسعينات من القرن التاسع عشر (1890) فإن آني بيزنت إختارت الهند وطناً لها . وعندما توفيت مدام هلينا بلافاتسكي سنة 1891 فإن آني بيزنت أصبحت واحداً من الرموز القيادية الكبيرة في حركة التصوف . وفي عام 1893 حضرت إلى المعرض العالمي الكولمبي في شيكاغو [84]. وتبع ذلك إنتخابها رئيسة لجمعية التصوف ، وهي الرئيسة الثانية في التسلسل ، والتي خلفت الرئيس الأول هنري ستيل أولكوت بعد وفاته (سنة 1907) . وعملت آني بيزنت مهمتها في الهند على ترقية وتصعيد المكانة الذاتية للهندو ، والتي تضررت كثيراً وبصورة درامية خلال الإمبريالية البريطانية وقدوم إرساليات التبشير المسيحية .

  كما ولعبت آني بيزنت دوراً أساسياً في تأسيس كلية الهندو المركزية ، والتي إلتحقت فيما بعد مكوناً أكاديمياً مهماً من جامعة هندو بيرنيز الجديدة . وكانت صوت مدوي يتحدث عن الإصلاحات الأجتماعية في الهند . وتعهدت منذ عام 1913 على القيام بحملات التحريض السياسي ، والذي يتطلع إلى إنشاء حكم وطني للهند . وفي عام 1918 تم إنتخابها رئيسة للكونغرس الوطني الهندي . وهي أول شخصية تحتل هذا المنصب الرفيع وأستمرت فيه بحدود سنة عمل واحدة . ولكن بعد ذلك مباشرة خسرت سمعتها السياسية بصعود مهاتما غاندي (1869 – 1948)[85] وبصورة مهيمنة في السياسات الهندية . وبعد الحرب العالمية الأولى ، إستمرت آني بيزنت بالحملة من أجل إستقلال الهند ودعم جمعية التصوف وحتى موتها سنة 1933 [86].

تأمل في مؤلفات الفيلسوفة المتصوفة آني وود بيزنت  

  تُعدُ الفيلسوف – المتصوفة الإنكليزية (الهندية) آني بيزنت كاتبة ذات قلم سيال خصب ، وهي خطيبة متمرسة ، والشاهد على ذلك إنها تُقدم كل سنة ست وستين محاضرة . وهي فوق كل ذلك تُشارك في مناقشات ومناظرات عامة [87]. توزعت مؤلفات الفيلسوفة العلمانية والمتصوفة والإشتراكية الإنكليزية الهندية آني بيزنت في مضامير عديدة . ولعل قائمة مؤلفاتها وعناوينها تُلفت أنظار الباحث الأكاديمي وتضعه أمام كاتبة معاصرة (وهي بنت القرنين التسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين) متفردة في نتاجها والذي تنوعت وتعددت مجالاته المعرفية ، وهي بالطبع تُقدم دليل واضح على التحولات التي تعرض لها تفكيرها  في الوقت ذاته. ونحسب إن خير سبيل هو تقديم هذه القائمة العريضة الواسعة من المؤلفات والتي خطها يراع المتصوفة آني بيزنت وبالشكل الآتي :

1 – الوضع السياسي للمرأة (1874) .

   نحسب من المهم أن نشير إلى إن هذه الرائعة هي أول محاضرة عامة قدمتها آني بيزنت [88].

2 – المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقيتها وتاريخها (1876) [89].

3 – الزواج : في الماضي ، الحاضر والمستقبل (1878) [90].

4 – طريقي إلى الإلحاد (1878) ومن ثم ظهرت طبعة ثالثة سنة 1885[91].

5 – المنبر الإلحادي : إثنتا عشرة محاضرة (1884) [92].

6 – قانون السكان : عواقبه وأثاره على السلوك الإنساني والأخلاق (1887) [93].

7 – مقاطع من الأوتوبايوغرافيا : السيرة الذاتية (1885) [94]. وتكون الكتاب من 169 صفحة وقسمته إلى سبعة عشرة قسماً [95].

8 – لماذا أنا إشتراكية (1886) [96].

9 – لماذا أصبحتُ متصوفة (1889) وهناك إشارة على غلاف الكتيب تُدلل على إنه طُبع سنة 1890 [97].

10 – المبادئ السبعة للإنسان (1892) [98].

11 – البهاغافاد غيتا أو أغنية الرب (1895) [99].

 – الكارما (1895) [100]. 12

13 – الحكمة القديمة (1897) [101].

14 – الدهرما أو الدرما (1898) [102].

15 – صور الفكر بالإشتراك مع تشارلز ويبستر ليدبيتر[103] (1901) [104].

16 – المشكلة الدينية في الهند (1901) [105].

17 – قوة الفكر : سلطتها وثقافتها (1901) [106].

18 – دراسة في الوعي : مساهمة في علم السايكولوجيا (1904) [107].

19 – المسيحية لفئة معينة : أو الأسرار الصغيرة (1905) [108].

20 – الكيمياء (وبالعربية الخيمياء) السرية (1908) وهناك عنوان فرعي للكتاب جاء بالشكل الآتي ” ملاحظات مستبصر حول العناصر الكيمياوية (يمتلك قدرات فائقة لابصرية) [109].

21 – مدخل إلى اليوغا (1908) [110].

22 – المحاضرات الأسترالية (1908) [111].

23 – الإنسان وأبدانه (1896) [112].

24 – دروس أولية حول الكارما (1912) [113].

25 – دراسة في الكارما (1912) [114].

26 – البداية وكمال الإنسان (1912) [115].

27 – حياة الإنسان في هذا العالم والعوالم الأخرى (1913) [116].

28 – الإنسان : من أين ، كيف وإلى أين ، سجلات عراف (المستبصر) التحقيق (1913)[117] .

29 – عقيدة القلب ، مقتطفات من رسائل الهندوس (1920) [118].

30 – مُستقبل السياسات الهندية : مُساهمة في فهم المشكلات اليومية الراهنة (1922) [119].

31 – حياة محمد وتعاليمه (1932) [120].

 جلبت آني بيزنت في محاضرتها – الكتاب فيما بعد ، الإنتباه إلى جمال تعاليم محمد (النبي هكذا جاء في النشرة الإنكليزية) وناقشتها من زاوية : إنه ” آخ لغير المسلمين ” . وقدمت المحاضرة في إنكلترا والهند في العشرينات من القرن العشرين . وأعيد نشر المحاضرة من جديد في 2 آبريل سنة 2013 ، آديرا – الهند [121].

32 – الذاكرة وطبيعتها (1935) [122].

  ولأهمية هذا الموضوع من الزاوية السايكولوجية الحديثة والمعاصرة ، نحسب إن آني بيزنت من الرواد الذين ناقشوا آراء الفلاسفة وعلماء النفس المعاصرين ومن أمثال الفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم (1711 – 1776) وخصوصاً في رسالته التي حملت عنوان رسالة حول الطبيعة البشرية [123]. والفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر (1820 – 1903) والمشهور بكتابه مبادئ علم النفس (مجلدان) سنة 1970 ، وبالتحديد حسب رأي آني بيزنت في مناقشته للإسس الطبيعية للعقل [124]، وبالطبع لم تتوقف آني بيزنت عند المحدثين والمعاصرين ، وإنما تذكرت مساهمة الفلاسفة اليونان وخصوصاً جهود الفلاسفة الفيثاغوريين بالتحديد في إهتمامهم باللوغوس ومناقشتهم للتذكر [125]. هذه أمثلة وهي كثيرة .

 لاحظنا إن آني بيزنت قد قسمت كتابها الذاكرة وطبيعتها إلى قسمين ؛ الأول كانت بعنوان الذاكرة [126]. والثاني حمل عنوان طبيعة الذاكرة [127]. وناقشت في القسم الأول ، الموضوعات الأتية : ما هي الذاكرة ؟ وما هو العقل ؟ وهل هناك ذات وأنا للعقل ؟ [128]، وهل إن العقل مجرد حُزمة من الإدراكات الحسية ؟ [129]، التذكر والنسيان [130]، ذاكرة الإحتضار أو ذكريات الماضي قبل الموت [131]، الأمراض تُثير الذاكرة [132]، النظرية المادية للذاكرة [133]، الطرف السايكولوجي (للذاكرة) [134] ، نظرية التصوف للذاكرة [135]، مشاعر اليقضة ومشاعر الحلم [136]، الوعي الترانسندنتالي (المتعالي) [137]، والأثيري المتطرف [138].  

 بينما درست آني بيزنت في القسم الثاني (أي طبيعة الذاكرة) الموضوعات الأتية : نحسب في البدء الإشارة إلى إن آني بيزنت خصصت بضع أسطر في إستهلال هذا القسم بما يشبه المقدمة ذكرت فيها همومها وهموم طلابها ، فأفادت ” إن طبيعة الذاكرة كانت بحد ذاتها مشكلة أزعجت طلبة التصوف للعديد من السنوات ” . ورأت إنها ربما ” نجحت في إزعاجهم أكثر وذلك عندما قدمت وعرضت عليهم نظرية في هذا الموضوع ” [139]. ومن ثم إعترفت فقالت ” إنه لأجل ذلك نجحت في مساعدتهم الشئ القليل من خلال تقديم وجهة نظر تُيسر لهم المساعدة في الفهم والتوضيح [140].

  ولهذا الغرض عادت آني بيزنت وتساءلت ؛ ما هي الذاكرة ؟ وكيف تعمل ؟ وبأية وسيلة تستطيع أن تسترجع الماضي ، القريب منه والبعيد على حد سواء ؟ وتحسبُ إن كل ذلك يتطلب توافر نظرية تضم كل حالات الذاكرة ، وتشمل الحالات الخاصة كذلك . وإن الخطوة الأولى إن تكون هذه النظرية معقولة وشاملة [141]. ومن ثم تأملت في اللوغوس على إنه جزء من الذات (أو النفس) الكونية [142] ، وذكريات الحياة في الماضي [143] ، إختبار الموضوعية [144]،

ومسك الختام جاء الوعي والتحول في إهتماماته [145]. وإنتهى كتاب الذاكرة وطبيعتها ، ولم تظهر عبارة آني بيزنت الختامية المشهورة ” السلام على كل الموجودات ” . ولاحظنا إنه في نشرة سنة 2005 ، ظهر إسم هلينا بتروفونا بلافتسكي (مؤلفة مشاركة) مع آني بيزنت على الغلاف ، مما أثار دهشتنا وسؤالنا [146].

33 – كما وكتبت آني وود بيزنت مجموعة من البامفلتز (أي كُتيبات صغيرة) وبلغ عددها (سبعة عشر كُتيباً وسنتاولها هنا على التوالي) والحقيقة إن تاريخ نشر أول كُتيب منها يصعد إلى سنة 1885 . وكان بعنوان (1) الخطيئة والجريمة : طبيعتها وعلاجها [147].

34 – (2) وجهة نظر الله حول الزواج كما جاء في العهد القديم [148].

35 – (3) عالم بدون الله : رد على الأنسة فرنسيس[149]بور كوبي [150].

36 – (4) الحياة ، الموت والخلود [151].

37 – (5) التصوف (1925 ؟) [152].

38 – (6) العالم وإلهه (1886) [153].

39 – (7) الإلحاد والأخلاق : مناظرة بين أني بيزنت والقس جورج فردريك هاندل روي [154].

ولاحظنا خلال البحث إن هذا الكتاب ورد بعنوان آخر : تعاليم المسيحية : مناظرة بين آني بيزنت والقس جورج فردريك هاندل روي [155].

40 – حول العذاب الأبدي (لم يُعرف له تاريخ) [156].  

41 – كُتيبات إصول التصوف : سنوات الإلحاد [157]. وتم نشر ثلاثة عشرة بامفلتز (كُتيب صغير) من كتابات آني بيزنت والتي نشرتها خلال السنوات 1883 – 1890 . ومنها : (1) إنجيل المسيحية وإنجيل الفكر الحر [158].

42 – (2) العقيدة المسيحية أو ما هو التجديف (الإلحاد) ؟ وماذا ينكر ؟ [159].

43 – (3) عالم بدون الله [160].

44 – (4) مسيح الأناجيل وأثره على المسيحية [161].

 – (5) العالم وآلهته [162]. وستنشره آني بيزنت في مجموعة كُتيبات آخرى . 45

46 – (6) الحياة ، الموت والخلود [163].

47 – (7) البايولوجيا الإنجيلية : مُساهمة في العلم (اللاديني) [164].

   إستهلت آني بيزنت كُتيبها الصغير هذه بالعبارة الآتية : ” تجنب التدنيس والفُقاعات الفارغة ، ومعارضة العلم ، فهو كذب كما يُقال ” . ومن ثم تساءلت : ماذا يوجد في الإنجيل ؟ حيث من الضروري أن نعرف : بأن هنك نفر ” حولوا خبز الحياة إلى أحجار ورموا بها أعدائهم [165]. وكل ما أقوله ، هو إن كُتيب البايولوجيا الإنجيلية ، كتاب صغير بصفحاته الثمانية . لكنه في الواقع كتاب كبير خطير . وهنا أدعو إلى ترجمته إلى اللغة العربية ومن ثم إجراء مناظرات ومناقشات حوله .

48 – (8) أعباء العمل [166].

49 – (9) مخلوق ولي العهد والبرلمان [167].

50 – (10) لماذا أنا لا أعتقد بالله [168].

51 – (11) تعاليم المسيحية [169].

52 – (12) ثمار المسيحية [170].

53 – (13) التقدم المسيحي [171].

54 – خطايا الكنيسة : التهديدات والمجازر [172].

  وهو في الواقع واحد من الكتب الإنكليزية النقدية البالغة الأهمية والتي ظهرت في السنوات الخمسة عشر الأخيرة من القرن التاسع عشر (طبع الكتاب – الرائعة سنة 1886) . وبدأت هذه النشرة بما يشبه التصدير (وإن لم يحمل عنواناً) . والذي إستهله بالإعلان عن إن جوهر هذا الكتاب ، وكما أفاد التصدير ، على إنه ” سلسلة من الكتب الصغيرة (وبالإنكليزية يُطلق عليها بالجمع بامفلتز) . وهي بالطبع كُتيبات نقدية إلى الكنائس في كل من إنكلترا ، إسكتلندا ، وويلز .. وبالتحديد خلال القرون الثلاثة الماضية والتي إستمر تأثيرها حتى يومنا الراهن (اي يوم نشر كُتيبات هذا الكتاب سنة 1886) . وإن السياسة الحكيمة لمعالجة الخصوم ، كان حينها الإعتقاد عن طريق الهجوم . ومن خلال توظيف الشعب كأسلحة هجوم . ومن الملاحظ إن هذه السياسة لم تُعالج بحكمة عقائد المسيحية كدين ، ولكن علاجتها شكلاً من جرائم الكنائس كمؤسسات .. ” [173].

   تكون كتاب خطايا الكنيسة : التهديدات والمجازر من ثمانية من الكُتيبات ، وتألف كل كُتيب من ستة عشرة صفحة مع إستثناء في الكتاب الخامس وكانت صفحاته عشرة صفحات فقط [174]. والقارئ سيلاحظ إلى إن آني بيزنت قد أعادت فنشرت مواد سبق إن نشرتها في كتابها الراهن ، والذي جاء بالشكل الآتي :

1 – التهديدات والمجازر (إنكلترا) [175].    2 – التهديدات والمجازر (القسم الثاني) [176].

3 – التهديدات والمجازر (القسم الثالث) [177]. 4 – التهديدات والمجازر (القسم الرابع) [178].

5 – التهديدات والمجازر (القسم الخامس) [179]. 6 – (هو جزء من 5 حسب تصنيف آني بيزنت) والتي ضمت إليه أجزاء من القسم الأول من كُتيب لصالح ولي العهد وضد الشعب (القسم الأول) [180].

7 – (6 حسب تصنيف آني بيزنت) لصالح ولي العهد وضد الشعب (القسم الثاني) [181].

8 – (وهو 7 حسب تصنيف آني بيزنت) والذي حمل عنوان أعباء العمل [182].

9 – (وهو 8 حسب تصنيف آني بيزنت) وبعنوان مخلوق ولي العهد والبرلمان [183]. والذي سبق إن نشرته آني بيزنت سابقاً (وكما جاء التنويه إليه) .

55 – لماذا أصبحت أنا متصوفة ؟ (1890) (وتألف من 28 صفحة) [184]. وبالطبع إختلفت صفحات هذا الكتاب وفقاً لنشراته . فمثلاً كانت صفحاته في نشرة شركة الفكر الحر كانت (31 صفحة) [185].

56 – الأديان الأربعة الكبرى : أربعة مُحاضرات (1889) [186]. ومن ثم ظهرت نشرة حديثة للكتاب سنة 2005 [187]. وكتاب الأديان الأربعة : أربعة محاضرات ، أمامنا ونحسب من النافع أن نَشارك القارئ بتعريف عن مكوناته . وفعلاً فقد لاحظنا إنه تكون من تصدير [188]، والذي قالت فيه ” إن هذه المحاضرات الأربعة لا تتطلع إلى أكثر من تقديم شرح إلى العقائد الأربعة الكبرى ، وهي تستهدف القارئ العادي أكثر من إستهدافها الطلبة [189]. وجاء بعد التصدير ، بحث حمل عنوان الهندوسية [190]، وتلته دراسة لا تخلو من تفسير إلى الزرادشتية [191]، وتأمل شارح في أطراف البوذية [192]ومن ثم أخيراً كانت وقفة العارف بتفاصيل وأسرار المسيحية [193].

57 – الأديان الإخوية (أو أديان الإخوة) : الأسياد والرجال المتفوقين (السوبر) : مختصر النصوص الدينية الكونية والأخلاق ، وكتابات آخرى(هناك إشارة إلى إنه نُشر في إجزاء من خمسينات القرن العشرين أي 195؟ هكذا وردت) [194].

58 – التصوف : وحدة أساسية للحياة القومية (1924) [195].

59 – أسس الأخلاق (1915) [196]. ومن ثم ظهرت نشرة جديدة في 16 مايس سنة 2016 [197]. ولاحظنا إن هناك مع الإعلان عن الكتاب ، ما يشبه التصدير للكتاب ، وجاء فيه ” هذا العمل تم إختياره من قبل الأكاديميين وذلك لأهميته الثقافية ، وكذلك لكونه جزء من معرفة أسس المدنية كما نعرف (هكذا وردت) . ومن ثم ورد تنبيه ” على إن هناك بعض الصفحات ضائعة وصفحات آخرى غير واضحة ..” .

60 – مكانة بريطانيا في الخطة الكبيرة : أربعة محاضرات (1921) [198].

  وفي الإمكان أن نُلقي بعض الضوء على هذه المحاضرات وبالصورة الآتية :

المحاضرة الأولى

    وكانت بعنوان الحكومة الداخلية للعالم أو السلطة التي تُقيم الصلاح والإستقامة [199]. وإستهلتها آني بيزنت بعبارة ” أصدقاء : سوف أضع أمامكم أربعة محاضرات ، والأولى منها ستكون هذا المساء . ويتقدم هذه المحاضرات ، سؤال صعب .. إلا إن هذه المحاضرات مؤسسة على نظرية الحياة والفعل . وهذه النظرية وراء كل ما سأقوله . والمحاضرة الأولى والثانية فهي تتكلم عن النظرية بدلاً من التطبيق (أي الفعل) . والسؤال الذي يتقدم هذه المحاضرات : هل من الممكن أن نُشيد العالي والعظيم وذلك بهدف أن يعيش الكائن البشري في حالة نبيلة وأكثر سعادة مما هو عليه اليوم ؟ ” [200]. وإختتمت محاضرتها بالقول ” إجلب إرادة الفرد في إنسجام وتوافق مع إرادة العالي . ومن ثم إحمل هذه الأرادة وإجعلها تعمل بين الناس . ولذلك فإن المعرفة لاتحمل ثمار الفعل إلى الإنسانية ، إلا إذا كانت هذه المعرفة تعمل لأجل مساعدة الإنسان بإتجاه خلاص العالم [201].

المحاضرة الثانية

   وكانت بعنوان الأساليب الخارجية فرصة العالم [202].

المحاضرة الثالثة

   وحملت عنوان الصراع بين الشرق والغرب [203].

المحاضرة الرابعة

  وإختارات لها آني بيزنت عنوان مثال أو إنموذج المستقبل [204]. وكان مسك الختام لهذه المحاضرة شعاع يحمل آمل عريض ، وفيه جاءت إفادات المتصوفة والإشتراكية الإنسانية آني بيزنت ” دع الشعوب تتمتع بحرياتها ، وتعامل معهم كأخوة لك وليس بتابعين لك . واعمل الكثير من أجل بناء الفيدرالية العظيمة (الإتحادية) ، وفي إمكانك أن تبني الكومنولث العظيم ، كما ومن الممكن أن تضع الموديل (الإنموذج) ، وستحمل العالم إن يختار طريقك ويسير في أثر خُطاك . وستبني معبد الإنسانية . وبما إنك تمتلك السلطة ، فإن في إمكانك أن تصنع الحرية وتحملها معك إلى كل العالم . وإصنع المديل لكل الشعوب ، وإنها ستختار مسارك .. وسوف لن تتمكن من ضم الشعوب بصدق ، إلا من خلال الشعوب ذاتها ، وعن طريق إعترافها (بمفهوم) الإخوة ، ومن خلال إمتلاكها للإرادة التي تحملها على الإنضمام إلى رابطة الأخوة . وفي رابطة الحب والوئام والحرية [205].

61 – إسطورة البعث (أي البعث من الموت الرزركشن بالإنكليزية) (1886) [206].

62 – مكانة المرأة وفقاً إلى الإنجيل (1885) [207].

63 – ثمار الفلسفة (1877) [208].

64 – مقالات فابية في الإشتراكية (1920) [209]. وظهر في نشرة حديثة وبعنوان مقالات

فابية في الإشتراكية : كلاسيكيات كازمو (2006) [210].

65 – (1) أخلاق العقاب (1887) [211].

الحقيقة هذا الكتاب هو الأول من مجموع ضم كتيبات صغيرة (والتي تُعرف بالإنكليزية بإسم بامفلتز) . وهو من منشورات آني بيزنت وتشارلز برادلف .

66 – (2) الخطيئة والجريمة : طبيعتها وعلاجها (1885) [212]. وتألف من خمسة أقسام وحملت الأرقام بالتسلسل من 1 – 5 . فمثلاً القسم الأول (1) شغل الصفحات 1 – 7 . وتلاه القسم الثاني (11) (ص ص 7 – 13) . القسم الثالث (111) (ص ص 13 – 18) ، القسم الرابع (ص ص 18 – 22) . والقسم الخامس (ص ص 22 – 24) .

67 – (3) وجهة نظر الله حول الزواج (1890) مُهداة إلى أسقف مانشستر[213].

68 – (4) عالم خال من الله : رد على الأنسة فرنسيس بور كوبي (1885) [214].

69 – (5) الحياة ، الموت والخلود (1886) [215].

70 – (6) العالم وآلهته (1886) [216]. والحقيقة هذا كتاب خطير وذلك لأن المؤلفة آني بيزنت كانت مسيحية على الكنيسة الإنكليزية ، وتحولت إلى إشتراكية فابية ، ومن ثم ملحدة (أنظر كتابها الذي حمل عنوان لماذا أنا لا أعتقد بالله ؟ وكتابها عالم خال من الله ) . هذه أمثلة ذكرناها في قائمة كتب آني بيزنت مثلاً وليس حصراً حيث إن الأمثلة كثيرة . وأخيراً إستقرت على التصوف . ولعل المتأمل في كتابها العالم وألهته يلحظ إنها وزعت موضوع العالم وآلهته إلى :

1 – العالم والآلهة اليهودية [217].     2 – العالم والآلهة الوثنية [218].

3 – العالم والآلهة المسيحية [219].    4 – العالم وإله المحمدية (نسبة إلى النبي محمد) [220].

وختمت كتابها الذي حمل عنوان العالم وآلهته بعنوان كُتيب سابق ” عالم بدون إله ” [221].

71 – الإلحاد وما يحمله إلى الأخلاق : مُناظرة [222].

   وبدأ كتاب الإلحاد وما يحمله إلى الأخلاق بملاحظة تمهيدية ، حيث أشارت إلى إن الصفحات اللاحقة ، تم طبعها من قبل المصحح الوطني والتي ذكرت : إن هذه المناظرة ضمت آني بيزنت (الملحدة) ورجل الدين جورج فردريك هاندل روي (توحيدي) والتي دارت حول القضية الآتية : ” هل ممكن الدفاع عن الإلحاد منطقياً ، وهل هناك قناعة بالنظام الإلحادي ، بحيث توفر موجهات للسلوك الإنساني ؟ [223]. وتكونت المناظرة – الكتاب من العديد من المقالات التي كتبتها آني بيزنت والتي كتبها رجل الدين جورج هاندل روي . فقد لاحظنا إن المناظرة بدأت :

1 – مقالة الفيلسوفة المتصوفة آني بيزنت والتي جاءت بعنوان مقالة آني بيزنت ألأولى [224].

2 – وتلا مقالة آني بيزنت الرد الأول للسيد روي [225]. 3- مقالة آني بيزنت الثانية [226].

4 – الرد الثاني للسيد روي [227]. 5 – مقالة آني بيزنت الثالثة [228].

6 – مقالة السيد روي الثالثة [229]. 7- مقالة آني بيزنت الرابعة [230].

8 – مقالة السيد روي الرابعة [231].

72 – مجموع من الكتيبات (البامفلتز) . ولاحظنا إن هذا المجمع قد تألف من بعض الكُتيبات التي سبق إن نشرتها آني بيزنت بصورة مستقلة أو نشرتها في مجموع تألف من عدد من الكتيبات الأخرى . ومنها (1) حول العذاب الأزلي (بلا تاريخ) [232].

 73 – (2) ثمار المسيحية (نُشر بصورة مستقلة : أنظر (رقم 63)) [233].

   وبدا كتاب ثمار المسيحية ، بالعبارة ألقائلة : ” كُن حذراً من الأنبياء الكذابين ، والذين يأتون متنكرين بملابس الكباش ، وهم في الحقيقة مجرد ذئاب . وإنك ستعرفهم من خلال ثمارهم … ” [234]. وختمت آني بيزنت المناظرتين بكلمات السيد المسيح ، وحسبت إن ذلك في جوهره نقد وتقويم فيه الكثير من العدالة ، فأفادت ” إن الشجرة الفاسدة لا تنتج إلا ثمار الشر . وإن الشجرة الطيبة لا تكون ثمارها ثمار شريرة (أو بكلمات أخرى إلا ثماراً طيبة) ” [235]

74 – (3) مسيح الأناجيل وتأثيره على المسيحية : تقرير عن مناظرتين مسائيتين [236]. والحقيقة كانت على شكل مناظرتين ليلتين :

الأولى – وكان موضوعها ” مسيح الأناجيل وشخصيته التاريخية [237].

الثانية – وحملت عنوان ” تأثير المسيحية على العالم مؤذي وجارح [238].

75 – (4) إنجيل المسيحية وإنجيل الفكر الحر (1883) [239].

  وتساءل أسقف بيتر بورو [240]مرة وهو يتحدث إلى حشد كبير من المؤمنين المسيحيين ، وقال ” أنا سوف لن أبحث فيما إذا كان الإنجيل كلام صدق أو كلام كاذب ، وإنما أتساءل إذا ما كانت هذه أخبار جيدة  . وفعلاً فقد تكلمت ربوبيته ، عما هو سار ومبهج إلى ما يمكن أن يُسمى بإنجيل العلم [241]. ومن ثم قارنت بين إنجيل الكنيسة وبين إنجيل الفكر الحر ، وذهبت تدقق في إنجيل الكنيسة ، فأفادت ” ولذلك فإن هذا الإنجيل (إنجيل الكنيسة) ليس بالجيد إلى البشر . وبالطبع هذه ليست بأخبار سارة إلى الفقير والإنسان المقهور (المضطهد) . وإن هذا الإنجيل يعرض عليهم الرشوة ، ويحملهم على القناعة بما يملكون ويبقون غير فاعلين بتأثير إضطهادهم . كما وإنها ليست بأخبار سارة إلى كل أولئك الذين يحبون الأنسان ، وذلك بسبب إنها حكمت على جزء كبير من أبناء جنسنا بالبؤس الذي لا نهاية له . وهي بالطبع ليست بأخبار سارة إلى الوطني والمصلح [242].

   وتحولت آني بيزنت صوب إنجيل الفكر الحر ، ورأت إنه ” ليس بجيد إلى كل واحد ، ولكنه  سيجلب حقيقة أخباراً جيدة ، وهي بشارة فرح وسرور والتي ستشمل جميع الشعوب . كما وفيها تطهير للطريق من إرهاب وترويع الظواهر الفوقطبيعية . وفيها إلزام إلى الإنسان إلى يتطلع فقط إلى الأرض وميراثها الوفير . وأن يعمل على تحسينها وإستثمارها من خلال ما يتوافر له من معرفة ومهارة وحب . كما وإنها ستجلب بشائر السلام ، وتُثقف الجميع على اللياقة واللطف والإخوة . وتجلب معا بشائر الحرية ، وبالطبع بشائر الحرية (التي ستنتزعها) من سلطة الطاغية السياسي . وستجلب بشائر الحرية ، وتحرر الجميع من أساطير القسان . إنها بشائر حرية القلب والعقل . وهي بشائر الإنسان الذي يتطلع ويأمل أن لا يبقى عبداً ، لا إلى الكنيسة أو لا إلى الملك [243].

76 – عقيدة القلب (1920) [244]. وجاء بعنوان آخر : التصوف : عقيدة القلب . وهو مقتطفات من رسائل الهندو . وأعلنت آني بيزنت في التصدير ” بأنه تحت عنوان عقيدة القلب ، تم طبع سلسلة من الأبحاث والتي تألف بصورة رئيسة من مقتطفات الرسائل التي إستلمتها آني بيزنت من الأصدقاء الهنود . وهي لا تحتوي على أي شكل من أشكال ” سلطة التأليف ” . إلا إنها تحتوي على مجرد آفكار . وإن بعض منا (هكذا قالت آني بيزنت) وجد فيها الكثير من العون والمساعدة ، ورغبنا أن نُشارك الأخرين بها . وهذه الأفكار تستهدف فقط أولئك الذين يبحثون ويتطلعون للعيش في الطوابق العالية من الحياة . وهي فعلاً موجهة بصورة خاصة إليهم .. والأفكار في هذه الرسائل تنتمي إلى كل الأديان . إلا إن صياغة العبارات ومن ثم الوجدان فقد لفها فهم وحس هندي . وتم تكريسها إلى النبيل والذي يُعرف في الشرق بعنوان أو إسم سنسكريتي وهو البهاكتي [245]، والبهاكتي هو الذي إستسلم كلية إلى الله (أو إنه الإنسان الإلهي) والذي تمظهر الله في لحمه . وإن هذا البهاكتي حصل على الكمال من خلال التعابير التي تتوافر في الهندوسية . كما إن كُتابها هم هندوسيون ، وفيها تناغم بين السنسكريتية والإنكليزية مع حضور حلاوة شعرية إلى اللغة الأم . والحقيقة إن مفهوم البهاكتي غالباً ما يُترجم بمعنى ” الإخلاص ” كما جاء في الأدب الإستشراقي [246].

  ويرى ديفيد لورنزن إلى إن البهاكتي هو مفهوم مهم ليس في الهندوسية وحسب ، بل وفي السيكية على حد سواء [247]. وحركة البهاكتي إكتسحت شرق وشمال الهند منذ القرن الخامس عشر ، ومن ثم وصلت إلى ذروتها في القرنين الخامس عشر والسابع عشر الميلاديين وما بعد [248]. وتألف كتاب ” عقيدة القلب ” من أربع وثمانين فقرة بحجم ورقة كتاب كبيرة مطبوعة ، وبالطبع إضافة إلى التصدير . ومن ثم إختتمت الكتاب بعبارتها المشهور ” السلام على كل الموجودات ” [249].  

77 – إنجيل الإلحاد : محاضرة (1877) [250].

  وهناك قصة وراء إلحاد أني بيزنت ، ومن ثم تأليف ” إنجيل الإلحاد ” . والحقيقة هي قصتها مع زوجها ” فرانك بيزنت “. وتذهب القصة إلى إن آني بيزنت تزوجت من رجل الدين فرانك بيزنت والتي إختارته زوجاً لها . وكانت يومها بنت التاسعة عشرة ربيعاً . إلا إن فرانك كان رجل دين متزمت وضيق الأفق . مما حمل زوجته أن تتساءل حول عقيدتها الدينية . ومن طرف زوجها فقد شعر بالتهديد من ” روحها المستقلة ” فطردها من بيت الزوجية . وفعلاً فإن آني بيزنت لم تترد وتركت البيت مع أطفالها الإثنين . وكان الحاصل من ذلك إنها إنقلبت على المسيحية وتنكرت لها تماماً . فقالت عبارتها المشهورة ، وبالتحديد في عام 1874 :

إن تعريف الله كانت بحدود غير ملموسة ، وهي حدود متناقضة مع ذاتها وفارغة من المعنى (سخيفة) . ولحد الأن فإن مفهوم الله كما جاء وصفه فإنه غير ممكن على الفهم البشري [251]. بينما بالمقابل إن موقف الملحد هو موقف متماسك واحد وواضح ومعقول . وأنا من طرفي لا أعلم شيئاً عن الله ولهذا فأنا لا أعتقد به وذلك لكونه لا يُصدق . أنا لا أنكر إلهك ، ولكونه مسيحيل . فأنا بلا إله [252].

  وتقريباً خلال الفترة التي نشرت آني بيزنت كتابها إنجيل الإلحاد ، فإن المجلة المتطرفة ، والتي كانت تحمل عنوان الإصلاح الوطني ، والتي كان يرأس تحريرها تشارلز برادلف ، والذي أصبح صديقاً إلى آني بيزنت ، فتحت لها باباً عريضة في نشر مقالاتها . وفعلاً فخلال السنوات القليلة اللاحقة ، كتبت العديد من المقالات ، منها حول الزواج وحقوق النساء . ومن ضمنها كُتيب صغير (بامفلت) بعنوان الزواج كما كان ، ويكون وسيكون ، والذي ظهر سنة 1879 . وفيه إحتجت (وتنكرت) للقوانين غير العادلة التي تحكم حياة النساء البريطانيات . وهي إستجابة إلى ” نصيحة بول ” والتي تقول ” إذا الرجال لم يستطيعوا السيطرة على غرائزهم ، دعهن يتزوجن ، ومن الأفضل أن تتزوجوا من أن تُحرقوا ” ( الكورنثيون ، 7 : 8 ، 9 ) [253].

  وفي عام 1877 أعادت آني بيزنت وبالإشتراك مع تشارلز برادلف ، نشر كتاب الطبيب والكاتب الملحد الأمريكي تشارلز نولتن وبعنوان ثمار الفلسفة : رسالة حول سؤال السكان [254]، وفيه دافع عن منع الحمل . وكلاهما (أي آني بيزنت وتشارلز برادلف) وجدتهما المحكمة ” مذنبين ” وتم الحكم عليهما بالسجن لمدة ستة أشهر . إلا إن الحكم اُلغي عندما تم الإعتراض عليه في المحكمة . غير إن زوجها ” رجل الدين فرانك بيزنت ” إستثمر الحكم والجدل حوله وكان يتطلع بعيداً ، وهو أن يربح قضية الوصاية على الأطفال ، ومن ثم دعمها بحجة إن زوجته النافرة آني بيزنت هي ملحدة ، ولهذا السبب فهي لا تُعد من الزاوية الأخلاقية ، مناسبة إلى تربية الأطفال .

  ووجدت آني بيزنت هذه فرصة مناسبة ، فطبعت كتابها الذي كان يدور موضوعه عن منع الحمل ، وجاء بعنوان قانون السكان : أثاره وعواقبه على سلوك الإنسان والأخلاق (1887) [255].  

78 – قانون السكان : آثاره وتبعاته على سلوك الإنسان والأخلاق (1887) [256]. ومن ثم ظهر في طبعة جديدة في سنة 2013 [257].

79 – الزواج كما كان ، والأن وفي المستقبل (1879) . وهو كُتيب صغير (بامفلت) . وفيه تأملت آني بيزنت في قوانين الزواج البريطانية خلال عصرها . وعارضت وجهات نظر النساء يومذاك والتي كانت ترى إن النساء جزء من ملكية أزواجهن . ومن ثم تقدمت بمجموعة إقتراحات بهدف تحسين قانون الزواج . وأسست مقترحاتها على المساواة بين الجنسين . وفي القسم الثاني من الكُتيب دافعت عن صياغة قانون للطلاق الكامل ، بدلاً من إنفصال الزوج عن زوجته (كما رفضت آني بيزنت) إن تكون الكنيسة هي التي تمنح الطلاق .

  وبالرغم من إن آني بيزنت ألفت الكُتيب في سنة 1882 ، فإن وجهات نظرها في المساواة بين الرجال والنساء في كل من الزواج والطلاق ، فإنه أثار الإعجاب والدهشة في العصر الراهن . كما إن أفكارها في المشاركة بين الوالدين في حالة الطلاق ، لم تُدرك أهميتها إلا في الوقت الحاضر [258].

80 – مظاهر (أوجه) المسيح ، وتوجد نشرتان ؛ واحدة قديمة والأخرى حديثة والحديثة حملت عنوان النشرة الأدبية المجازة (2014) [259]. وهناك إشارة إلى الكتاب القديم والذي نُشر سنة 1912 . والنشرة القديمة متوافرة (أون لاين) ولم تظهر في نهاية عبارة الفيلسوفة المتصوفة آني بيزنت  المشهورة ” السلام على جميع الموجودات (الكائنات) ” . وفي بداية الحديث عن الكتاب (أون لاين) ظهرت الإشارة المهمة الاتية ” بامفلت (كُتيب) آديرا ، الرقم 22 ” . ويبدو مما يشبه التصدير ، إن الكتاب كان في الأصل محاضرة ، حيث وجدنا آني بيزنت تقول ” أنا (أي آني بيزنت) إخترت لتفكيرنا هذه الليلة موضوعاً ، وهو يبدو لي إنه واحد من الإهتمامات البالغة الأهمية ، إضافة إلى أهميته العملية ، فهو من الموضوعات التي مست في العالم الغربي ، قلوب الكثير من الناس ، وأقصد موضوع المسيح [260].

  ولاحظتُ في نهاية كتاب صور المسيح أو مظاهر المسيح ، وبالتحديد في الفقرتين : رقم 23 و24 إن آني بيزنت أوردت تأكيدات على ما يشبه حديثها عن أديان الأخوة . فمثلاً في الفقرة رقم 23 ؛ أفادت ” سوف تلتقي بأخوك الهندو (الهندوسي) ، وأخوك العبري (اليهودي) ، وأخوك الفارسي (وأحسب إن آني بيزنت تعني الزرادشتي) ، وسوف تتيقن من إنهم جميعاً يعبدون المعلم ذاته . وهنا في إمكانك أن تتكلم قلب إلى قلب ، وروح إلى روح ، وإن معرفة الرب هي واحدة [261].  

  ونبهت آني بيزنت في الفقرة رقم 24 والأخيرة ، وقالت : ” سوف أتركك مع رسالتي (والتي ربما تنفع) في السنة القادمة . وأكرر متى ما سيُثار الجدل ، أو ربما سيُهاجمك شخص ما ، أو يفرض أفكاره الخاصة ، فإتخذ في هذه السنة حارس للكلمات أو العبارات التي قُلتها ، وضعها في فم المعلم العالي (والتي تُردد) : في أي طريق ، إذا ما إقترب منك إنسان ، فإنني في ذلك الطريق ، وسأرحب به ، حيث كل الطرق هي طُرقي [262].

81 – أديان الإخوة (1913) [263].   

   ويُعدُ هذا الكتاب من الروائع الرائدة التي كتبتها الفيلسوفة – المتصوفة الإنكليزية المعاصرة آني بيزنت في فلسفة الأديان (وتاريخ الأديان المقارن ونقد الفكر الديني المعاصر) في العقد الثاني من القرن العشرين .  وتكون الكتاب مما يشبه المقدمة (خصوصاً في صفحاته الأولى) . فمثلاً بدأت الصفحة الأولى بلفظة ” القارئ ” ومن ثم تلت ذلك وقفة لفترة دقيقة عند عتبات العنوان أعلاه (أي أديان الإخوة ” وهتف (القارئ) بكل قوة ، وقال : ” حسناً ! ومهما تكن الأديان الأخرى ، فهي بالتأكيد ليست بأديان أخوية ، وهذه حقيقة غير سارة . وإذا ما ثابرنا في التأمل في تاريخ الأديان في الماضي القريب ، فإننا سوف لانجد إلا قليل قليل من الإخوة . وبدلاً من ذلك فإننا نجد الأديان تُقاتل الواحد الآخر . (وبصورة) معارك دموية هائلة ، وفيها سحق لأديان الخصوم وحتى الموت . (ويومها) كانت الحروب الدينية من أفضع الحروب ضراوة وقسوة . (كما إن ) الإضطهاد الديني دون رحمة على الإطلاق ، وحروب صليبية ، ومحاكم تفتيش وتحقيق ، وكان الرعب بكل أنواعه منتشراً وشائعاً .وفي تاريخ الكفاح الديني (نلحظ) لطخات من الدم (تلفه) ، ودموع (تجري على صورة أنهار) ؛ ما هذه السخرية التي تبدو في المكان المأمون وسط ساحات المعارك ، (وتنتشر) نيران رهيبة ، (وتحيط بها) أوتاد لاتُعد ولا تُحصى . (ومن ثم تأتيك) ثرثرة من أديان الإخوة [264].

  وتستمر آني بيزنت في رائعتها ” أديان الإخوة ” وتصف الأفعال الدراماتيكية الدامية بين الإخوة ، فتفيد مُفصلة أكثر وتقول : ” إن هذا الكفاح مستمر ليس بين دين ودين آخر وحسب ، وإنما بين فروع دينية متنوعة داخل الدين الواحد . فمثلاً تشكلت طوائف وملل والتي غالباً ما شنت حروباً بينها وبين الطوائف والملل الأخرى . وهذا الحال جعل من المسيحية أن تتحول إلى عنوان بغيض بين الشعوب الغير المسيحية ، والتي حملت الحقد والكثير من الكراهية إلى أتباع أمير السلام [265].

  كما إن آني بيزنت كانت شجاعة وجريئة وإنتصرت إلى إنسانيتها وسجلت موقفاً نقدياً تاريخياً وذلك عندما راجعت مواقف ” أديان الإخوة ” وما سببتها من كدمات وجروح نازفة لم تتمكن العصور من وقف نزفها وحتى هذه اللحظة . فقالت ” الكاثوليك الرومان ، الإنجليكان ، اللوثريون ، الكالفنيون ، والوسلينيون (أتباع جون وسيلي وخصوصاً في أمريكا) ، والبايبتسيون ، .. وغيرهم عكروا صفاء السلام للشعوب ، وذلك بسبب جدلهم وخلافاتهم الغاضبة . (فمثلاً) الآن بريطانيا العظمى وإيرلندا يدفعان ثمن ميراث الكراهية ، وهو الميراث الذي إرتبط بالكاثوليك الروم ، ومن خلال قانون العقوبات الرهيب الذي إصطنعه البرلمان البروتستانتي . وحتى هذه اللحظة (1907) فإن المملكة المتحدة (بريطانيا) تواجه تحديات دستورية كبيرة (ونضالاً ضدها) وذلك بسبب الحقد والكراهية التي كان وراءها الإنجليكان والمسيحيين الذين إعتزلوا (ورفضوا) قبول الحد الأدنى من التعاليم المسيحية المشتركة ، والتي كان في الأمكان الإعتماد عليها في برامج التعليم في المدارس الوطنية ، والتي تُقدم إلى الأطفال من كل المسيحيين .

  (وفي حالة) فرنسا فقد حدث إنشقاق إلى معسكرين ومن ثم حروب أهلية . وكان الحاصل إنتقام المفكرين الأحرار من كنيسة الكاثوليك الروم . وذلك بسبب الأخطاء التي سببتها في أيام سيطرتها . (وفي حالة) بلجيكا فالقضايا السياسية كانت بيد الغالبية العظمى من الكتاب (الإداريين) من رجال الدين أو بيد الكتاب المعارضين لهم . (وفي حالة) الإسلام ، فقد شهد معارك ضارية بين شيعته وسنته من طرف . ومن طرف آخر توحد الشيعة والسنة ، وكونو جبهة رافضة للصوفية الكافرة [266] (هكذا جاء في وصف آني بيزنت) . (وتُتابع آني بيزنت وتقول) حتى الهندوسية فقد تولد الآن معسكران ؛ فاشنفز[267] وشيفز[268] واللذان شجبا وإتهما آحدهما الآخر مع إستثمار وإقتباس محدود من نماذج حملات التبشير (المسيحي) [269]. وتحول هذا الجدل الديني إلى نمط ونموذج إلى كل شئ ، وإتخذ شكلاً قاسياً ومرياً وغير أخوي (وخصوصاً) في إطار كفاح الإنسان مع أخيه الإنسان [270].  

82 – خلق الشخصية أو بناء الشخصية (ونُشر هذا الكتاب لأول مرة في بداية القرن العشرين أي السنوات الأول بعد 1900) [271].  وبالطبع كتبته بالإشتراك مع زميلها رجل الدين المسيحي الليبرالي (ومؤسس الكنيسة الكاثوليكية الليبرالية) ، وعضو جمعية التصوف المؤثر الإنكليزي تشارلز ويبستر ليدبيتر [272]. ومن ثم تم إعادة نشر الكتاب – المحاضرة بعد وفاة كل من آني بيزنت وزميلها تشارلز ويبستر ليدبيتر . وجاء في طبعته الأولى في إنه نُشر في بداية القرن العشرين (أي بعد سنة 1900) وبعنوان ” بناء الشخصية ” وهي محاضرة . والحقيقة هي محاضرتان مستقلتان ؛

الأولى – كتبتها وألقتها آني بيزنت وبعنوان خلق الشخصية [273].

الثانية – كتبها وألقاها بصورة مستقلة تشارلز ليدبيتر وبعنوان كيف تبني الشخصية [274].

83 – العاطفة ، العقل والروحانية (آذار 1911) [275].     

    وشعرت آني بيزنت بنوع من الغموض يلف عنوان هذا الكتاب وبالتحديد فيما يخص ” الشعور ” أو ” الوعي ” . ولذلك بينت في الصفحة الأولى ، فأفادت شارحة وقالت ” هناك الكثير من الغموض الفكري الذي يلفُ معاني المراحل الثلاث للشعور (الوعي) والتي وصفتها أسماء أو عناوين من مثل ” العاطفة العقل ” و ” الروحانية ” . ولذلك فأنا أحسب إن من الأفضل ، أن نحرس على ساعتنا هذا المساء ، ونخصصها إلى التأمل في مراحل الوعي . وسنحاول تحديدها بدقة وذلك من أجل توفير فهم دقيق إلى المقصود من إسم وعنوان كل واحدة من هذه المراحل ” [276]. ولاحظنا إنه في معالجة آني بيزنت ، إن الفهم البوذي والإصطلاحات البوذية قد سجلت حضوراً ملحوظاً في أطراف من هذا الكتاب [277].

  ومن ثم جاءت بما تشبه الخاتمة ، وفيها قالت آني بيزنت ” أنا لا أستطيع (؟) ولكن يمكن أن نفكر كطلاب ، (وحيث) إننا بعض الأحيان نتأمل بالموضوع بطريقة أكثر إنفتاحاً . ولهذا فإن معالجته ستكون في ضوء المعرفة الصوفية . ولهذا سنكون أكثر تعاطفاً ، وأكثر تسامحاً ، وأكثر سخاءً (لفهم) التنوع اللانهائي للتطور ، والذي نراه ونلاحظه حولنا وفي كل جانب . وهذا يُمكننا من مساعدة إخواننا ، وسنكون أكثر إمتناناً في المساعدة التي نحصل عليها [278].

84 – أشعار فيثاغوراس الذهبية ومقتطفات فيثاغورية آخرى (1904) [279]. وهو مجموع متفردة في تاريخ الفلسفة اليونانية وبالتحديد في بواكيرها الأولى والتي تصعد إلى الفترة التي تُعرف تاريخياً البيروسكراطية أو البيروسقراطية (أي الفلسفة قبل سقراط) .

85 – المستقبل القريب ومحاضرات آخرى (1911) [280]. وتكون من تصدير[281]، التغيُرات الطبيعية الوشيكة [282]، نمو الدين العالمي [283]، معلم العالم القادم [284]، المشكلات الإجتماعية : إنكار الذات أو الثورة ؟ [285]، المشكلات الدينية : العقائدية أو التصوف [286]، إنبثاق الدين العالمي (أو دين العالم)[287] وأخيراً إنكلترا والهند [288].  

86 – حياة الكيون (1924) [289]. وتكون الفايل من ثلاثة أجزاء ؛ الجزء الأول (الحياة من 1 – 15) . والجزء الثاني (الحياة من 16 – 31) . والجزء الثالث (الحياة من 31 وحتى 48) [290].

 والحقيقة إن تشارلز ويبستر ليدبيتر كان يتداول إسم إلكيون (إسماً مستعاراً يطلقه على)  جودو كريشنومورتي ، وهو الطفل إبن أربعة عشرة والذي إكتشفه على شاطئ البحر في الهند (ومن ثم أصبح الإبن بالتبني إلى الفيلسوفة المتصوفة آني بيزنت والتي أطلقت عليه عنوان المسيح الجديد) . وكان ليدبيتر يتداول عنوان ويطلقه على كريشنومورتي ، وهو ” إيجارات في حجاب الزمن ” ، وإنه ” معلم العالم ” الذي سيُعلن عن دين جديد . ويبدو إن العديد من أعضاء جمعية التصوف كانو يتوقعون من كريشنومورتي من إنه ” مثل موسى ، سيدهارتا غوتاما (بوذا) ، زرادشت ، المسيح الناصري ، ومحمد بن عبد الله ” . ومن ثم نشر ليدبيتر ثلاثين حياة لشخصية الكيون السابقة وعلى صورة سلسلة في مجلة التصوف (ومن بداية أبريل 1910) والتي حددت حياة الكيون ” من 22662 ق.م وحتى 624 ميلادية ” . وفي أواخر العشرينات (1920) تنصل كريشنومورتي من الدور الذي رسمه له تشارلز ليدبيتر وآخرين من جمعية التصوف . ومن ثم قطع علاقته من جمعية التصوف وعقائدها وطقوسها . وخلال العقود الستة اللاحقة تحول إلى خطيب ومتحدث عن الموضوعات الفلسفية والدينية [291].  

87 – بدايات الإنسان الكامل (1912) [292]. وتكون من تصدير[293]، ومن ثم تلاه ؛ الإنسان وخطواته الأولى [294]، البحث عن الشيخ (السيد) [295]. وهذا المبحث فيه دراسة وإستثمار إلى ” الصوفية في الإسلام ” إصطلاحاً عربياً ” الصوفية ” ومن ثم تأكيد على المعنى الإسلامي للتصوف وهو ” الطريق إلى الله [296]، وجاء بعد ” البحث عن الشيخ ” ، مبحث بعنوان ” إيجاد الشيخ (السيد) ” [297]. وفيه جاءت إشارة إلى ” الدين الذي ينتمي إليه الإنسان ” وإن الإنسان ” ربما يكون هندو أو بوذي ، أوربما مسيحي أو عبري (يهودي) ، أو ربما زرادشتي أو مسلم ” [298].  

  إن هذا الكتاب قدم شهادة على إن الفيلسوفة المتصوفة آني بيزنت قد قرأت الهندوسية ، البوذية ، الزرادشتية والإسلام ، اليهودية وبالطبع المسيحية قراة مكنتها من الإستشهاد بدقة وموضوعية ومن زاوية إنسانية عالية جداً . فمثلاً ذكرت وإستشهدت بحديث نبوي منقول عن الرسول محمد ، فقالت ” إعطوا الأجير آجره قبل أن يجف عرقه [299].  كما تحدثت جواهر الصوفية أو التصوف الستة  ، من مثل : السيطرة على العقل (أي المحافظة على العقل من كل الأشياء الشريرة ، وإستعمال العقل لكل الأشياء الخيرة ) ، والتحمل والتسامح والإيمان أو الإطمئنان (أي الإيمان بشيخك (معلمك) والثقة بنفسك [300].  وبعد إيجاد الشيخ (السيد) ، جاء مبحث بعنوان ” حياة المسيح ” [301]، ثم تلاه ” إنتصار المسيح والعمل والتسلسل الهرمي “[302] . والخاتمة جاء مبحث بعنوان ” لماذا نعتقد بأن معلم العالم قادم ” إلا إنه عاد كما صورته ريشة آني بيزنت التي تنقلت بين البوذية والهندوسية والزرادشتية .. لتستقر من جديد كما رغبت آني بيزنت في رحاب المعلم القادم (ربما المسيح لها) أو ربما بوذا أو هندو أو زرادشت أو موسى أو ربما محمد الرسول العربي (بتسميات آني بيزنت) [303].

88 – بعض مشكلات الحياة (1900) [304]. وتكون هذا الكتاب من تصدير [305]، ومن خمسة مباحث وجاءت بالشكل الآتي : الأول وكان بعنوان مشكلات علم الأخلاق [306]. بينما حمل المبحث الثاني عنوان مشكلات علم الإجتماع [307]. في حين درست في المبحث الثالث مشكلات الدين [308]. وخصص المبحث الرابع إلى معالجة وجود النفس [309].  وجاء المبحث الخامس بعنوان الإرادة الحرة والضرورة [310]. وتلاه مبحث سادس بعنوان ” الصلاة [311]. وفي بدايته سؤال يُفيد ” هل إن رجال التصوف يعتقدون بالصلاة ؟ ” [312]. وتبعه مبحث سابع وخصصت آني بيزنت له عنوان التكفير [313]. ولاحظنا في تصدير الكتاب إن قامت آني بيزنت بتوسيع حدود العنوان ، حيث أفادت ” إنها محاولة لمناقشة بعض مشكلات الحياة والعقل .. وهذه المشكلات سوف تُدرس من زاوية التصوف والحكمة الإلهية ..  ” [314]. وهناك الكثير الكثير من المؤلفات والنصوص التي كتبتها آني بيزنت في التصوف وتحتاج وحدها إلى دراسة خاصة . كما إن الفكر الهندي وعقائده وإتجاهاته التي بحثت فيها وخلال إقامتها في الهند هي الأخرى من الأبحاث الثرية التي تحتاج إلى مشاريع أبحاث متخصصة .

تعقيب ختامي :

  لاحظنا إن المتصوفة الإنكليزية آني وود بيزنت كانت أكثر شجاعة من المتصوف المسلم في الإعلان عن الإلحاد في نزعتها الصوفية . بينما ظل المتصوف المسلم يتلاعب في الإلفاظ واللغة ويتهرب من الإفصاح عن هرطقته والتي تكشفها ما يطلق عليها النقاد بألفاظ مخففة تحت عناوين الشطحات . صحيح إن الإلحاد في التصوف شرقاً وغرباً لم تقطع له الأعناق (أو أجزاء من الجسم) كما حدث لعدد من فرسان التصوف في تاريخ الحضارة الإسلامية (السهروردي المقتول (1155 – 1191)[315] مثالاً وليس حصراً) . إلا إن الفارق بين المعسكرين ؛ معسكر التصوف في الغرب والشرق ومعسكر التصوف في الحضارة الإسلامية . هو إن التصوف في الغرب والشرق ينكر وجود الله ولا تهمه الربوبية بقدر ما يتم التركيز على الجانب الروحي . وبالمقابل إن التصوف في الحضارة الإسلامي ، هو ” تصوف مملوء بالشطحات والهرطقة والتجسيم .. ” . ولعل قارئ أي كتاب في تاريخ التصوف الإسلامي يعرف بالتأكيد ، إن الحب الإلهي هو مضمار مملوء بالكفر والمروق . وبالطبع نحن ” لسنا ضد اليقين العقيدي ، ولسنا ضد الهرطقة ” ، وإنما ” نحن ضد الرياء ، ومن ثم التخفي وراء الإيمان بأشياء مخالفة ” . والشاهد العقيدي والتاريخي والوثائقي في ” رسالة التصوف الإسلامي بطرفيه الكبيرين ؛ التصوف الإسلامي السني ، والتصوف الإسلامي الشيعي .

  بينما كانت المتصوفة – الفيلسوفة الإنكليزية آني وود بيزنت صادقة كل الصدق في تحولاتها ” من العلمانية ، وإلى الفابية ، وثم الماركسية والإلحاد ” ومن ثم حطت الرحال ، وكان الخيار الأخير الذي لم يتقدم عليه خيار آخر ، هو ” الإستقرار في ضفاف التصوف الآمنة وبالطبع هي ضفاف التصوف الهرطقي الإلحادي ” والذي جاءت منابعه إليها ” من البوذية والفلسفة الروحية الهندية المتنوعة يوم كانت تعيش وتفكر وتمارس العقيدي البوذي في الهند ، وحتى سلمت الروح وغادرت عالم العماء والظلام وإنتقلت إلى عالم النور والإشعاع الرحماني – النوراني والخلود ” .

——————————————————————————————————————————————————

الهوامش

 – أنظر : آني بيزنت ؛ أوغست كومت (1798 – 1857) : فلسفته ، عقيدته الدينية وعلم إجتماعه ، دار نشر سي . واطس ، لندن سنة 1980 .[1]

ومن ثم صدرت طبعة جديدة مجازة ، سنة 2014 (وتألفت من 80 صفحة) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الحكمة القديمة : موجز إلى التعاليم الصوفية ، دار نشر جمعية التصوف ، لندن سنة 1897 (تألف من 338 صفحة) . [2]

 – أنظر : تشارلز نولتن ؛ ثمار الفلسفة ، إشراف آني بيزنت وتشارلز برادلف ، ط2 سنة 1891 (تالف من 104 صفحة) وسبب ضجة وجدل وتم [3]

على أساسه محاكمة وسجن كل من آني بيزنت وتشارلز برادلف . وتحدثنا عن هذه القضية في أطراف وهوامش هذا المقال .

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المفكر الماركسي الإنكليزي الشاب آدورد إيفلنغ : من دكتوراه البايولوجيا والإستقرار في الماركسية ،  [4]

مقال في طريقه إلى النشر .

 – أنظر للتفاصيل عن المتصوفة الألمانية – الروسية هلينا بيتروفونا بلافتسكي : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ من تاريخ التصوف : المتصوفة [5]

الألمانية – الروسية هلينا بيتروفونا بلافتسكي (1831 – 1891) رمز قيادي كبير في حركة التصوف النظري ، مجلة أوراق فلسفية جديدة (عدد تموز – آب سنة 2017 القادم) .

 – أنظر : كريستفور تايرمان ؛ تاريخ مدرسة هارو 1324 – 1991 ، أكسفورد سنة 2000 . [6]

 – فردريك  ماريت هو إبن جوزيف ماريت (1757 – 1824) وأمه الأمريكية شارلوتي والمعروفة بإسم ني فون غير (وهي من إصول ألمانية) . [7]

وفردريك هو كابتن بحري وكاتب روائي وكان من معارف الكاتب والناقد الإنكليزي تشارلز ديكنز (1812 – 1870) . واليوم يُعد فردريك ماريت من الرواد المبكرين في قصة (أو رواية) البحر وخصوصاً روايته التي إتخذت طابعاً يشبه السيرة الذاتية والتي حملت عنوان السيد إيزي الضابط البحري (1836) وفي الأصل تألفت من ثلاثة مجلدات ( أنظر : فردريك ماريت ؛ السيد إيزي الضابط البحري ، دارنشر أر . بينتلي ، لندن سنة 1838 (تألف من 416 صفحة)) . ومن ثم تحول إلى فليم سينمائي سنة 1915 ، وإعيد إخراجه في عام 1935 وكان مخرجه الإنكليزي كارول ريد (1906 – 1976) . ومن مؤلفات فردريك ماريت التي نحتفل بها كتابه الذي حمل عنوان المستوطنون في كندا (سنة 1844) . كما وإن فردريك ماريت مشهور برواياته إلى الإطفال ، ونذكر منها روايته التي حملت عنوان أطفال الغابة الجديدة (سنة 1847) . للتفاصيل أنظر : جي . كي . لافتن ؛ فردريك ماريت (1792 – 1848) ، مراجعة إندرو لامبرت ؛ معجم أكسفورد للسير القومية ، أكسفورد سنة 2004 .  

 – أنظر : آني تايلور ؛ آني بيزنت 1847 – 1933 ، معجم أكسفورد للسير القومية ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد سنة 2004 (أون لاين) . [8]

 – أنظر للتفاصيل ؛ توماس بوكنكوتر ؛ التاريخ الموجز للكنيسة الكاثوليكية ، دار نشر دبولدي ، سنة 2004 . [9]

 – أنظر للتفاصيل ؛ آني وود بيزنت ؛ سيرة ذاتية ، جمعية التصوف ، لندن سنة 1893 . وتألف من من مقدمة وأربعة عشرة فصلاً . وكذلك أنظر [10]

مراجعة الدكتور محمد جلوب الفرحان لهذا الكتاب ، الهامش رقم 12 من هذا البحث .

 – والتر هنري بيزنت وهو الروائي والمؤرخ الإنكليزي . ووالده كان تاجراً وكانت ولادة والتر في مدينة بورتسموث والتابعة إلى مقاطعة هامبشير [11]

. وبدأ تعليمه في مدرسة سانت بول وهي مدرسة القواعد (الغرمر بالإنكليزية) في لندن . ومن ثم إلتحق بكلية كنك في لندن . وفي سنة 1855 عمل وهو طالب جامع للتقاعد في كلية المسيح – جامعة كيمبريدج . ومن ثم تخرج منها بترتيب الثامن عشر رانجل (وهي درجة الشرف الأولى) . وعمل لمدة سنة أستاذاً للرياضيات في مدرسة روسل – فليتوود (لانكشير) . ومن ثم سنة آخرى في كلية (مدرسة) شمال ليمنغتون . ودرس لمدة ستة سنوات في الكلية الملكية في جمهورية موريشيوس . إلا إن صحته تدهورت فإضطر على تقديم إستقالته وعاد إلى إنكلترا . وإستقر في لندن عام 1867 . وخلال الفترة من 1868 وحتى 1885 عمل سكرتيراً إلى الجمعية البريطانية لصندوق إستكشاف فلسطين . وفي عام 1871 دخل إلى جمعية لنكولن وهي جمعية تشريفية تضم هيئة من القضاة والمحامين . وفي عام 1868 نشر دراسات في الشعر الفرنسي . وبعد ثلاث سنوات بدأ بالتعاون مع الكاتب والروائي الإنكليزي جيمس رايس (1843 – 1882) وتألفت أعمالهما المشتركة من عشرة مجلدات ، ومن أعمالهما الناجحة روايتهما التي حملت عنوان الفراشة الذهبية (1876) . كما وكتب والتر بيزنت المسرحية ومن أعماله ، رائعته التي حملت عنوان السحر وغرفة الرسم ومسرحيات أخرى (1896) وبالإشتراك مع دبليو بولوك . وفي مضمار الدراسات كتب والتر الكثير من الكتب عن مدينة لندن ، منها لندن الشرقية (1901) ، بواكير لندن : ما قبل التاريخ ، الرومان ، السكسون والنورمان (1908) ولندن في العصور الوسطى (مجلدان سنة 1912) ولندن في القرن الثامن عشر (1902) ولندن في القرن التاسع عشر (1909) . ويحتاج تراث والتر هنري بيزنت إلى دراسة عربية نقدية تقويمية .      

 – وليم هنري بيزنت وهو عالم رياضيات بريطاني . ولد وليم في مدينة بورتسموث وبالتحديد في 1 نوفمبر سنة 1828 . ووفقاً الى رواية أخيه   [12]

والتر فإن والدهما تحول إلى المذهب المسيحي البروتستانتي (الكالفيني) وكان مبهوراً بمذهبه الديني وكان يعمل في مكتب فخم . أما أمهما وكما يصفها والتر ” فقد ولدت في قرية في الغابة وكانت تتميز بالذكاء العالي .. وكانت مسرورة جداً عندما حصل ولدها الكبير (وليم) على زمالة دراسية في جامعة كيمبريدج . ويصف والتر أخيه وليم فيقول ” إن أخي هو أحسن رجل تخرج من المدرسة وكان الكابتن في عام 1946 وذهب إلى جامعة كيمبريدج في إكتوبر من هذه السنة ” . وفعلاً فقد حصل وليم بيزنت سنة 1844 على زمالة دراسية في كلية المسيح – كيمبريدج . وفي عام 1950 تخرج بتفوق وحصل على درجة شرف (رانجل) في الرياضيات من كيمبريدج . وربح جائزة سميث (وهي جائزة في الرياضيات والفيزياء النظرية) . وبعدها تدهورت صحة وليم فتوقف عن الدراسة لسنتين أو ثلاث سنوات . وفي سنة 1853 أصبح وليم هنري بيزنت باحثاً زميلاً في كلية سانت جون – كيمبريدج وأخذ يحاضر في الرياضيات وإستمر حتى عام 1889 وأشرف على العديد من الطلبة وحصل عشرة منهم على درجات الشرف العالية (رانجل) . وتزوج من مارجريت إليزابيث ويلز ، وهي بنت بروفسور الفلسفة الطبيعية روبرت ويلز وولد لهما ولدان وبنت واحدة . ومن ثم أصبح زميلاً في الجمعية الفلكية الملكية (10 شباط سنة 1854) وزميلاً في الجمعية الملكية (سنة 1871) . وتوفي في 2 جون سنة 1917 . ودفن في مقابر كيمبريدج . ومن كتبه : 1 – مبادئ الموائع ، دار نشر ديتن ، بيل وشركاؤه ، كيمبريدج سنة 1889 (تألف من 285 صفحة) . 2 – الفصول المختصرة التي تعالج الهندسة ، بيل ، لندن سنة 1895 . 3 – رسالة حول الموائع (بالإشتراك مع آرثر ستانلي رامزي) ، سنة 1913 . للتفاصيل أنظر : والتر هنري بيزنت : والتر بيزنت : سيرة ذاتية ، دار نشر هوتشسن سنة 1902 .

 – الإنجليكانية أو الإنجليكانيزم هي تقليدياً تقابل بين المسيحية وبين الكنيسة الإنكليزية والكنائس التي هي تاريخياً مرتبطة بالكنيسة الإنكليزية . أو [13]

تتمسك بالعقائد المشابهة لها ، وتمارس العبادات ذاتها ، وتركيب الكنيسة ذاته . وكلمة الإنجليكانية يصعد إلى المرحلة اللاتينية من العصور الوسطى ، وإلى الوثيقة العظيمة (مغنا شارتا) والتي تعني الكنيسة الإنكليزية وتاريخياً تصعد إلى عام 1215 أو ربما قبل ذلك . أنظر للتفاصيل : زكريا بروك ؛ الكنيسة الإنكليزية والبابوية : من الفتح وحتى عهد جون ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك سنة 1989 . 

 – أنظر : آني تايلور ؛ آني بيزنت 1847 – 1933 (مصدر سابق) . [14]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ سيرة ذاتية ، دار نشر إنوين سنة 1908 ، ص 81 . [15]

 – كان إدوارد بوفري بسي بروفسور اللغة العبرية في كلية المسيح – جامعة أكسفورد  ولمدة تجاوزت الخمسين سنة . وهو واحد من القياديين في [16]

حركة أكسفورد (وهي في الواقع مجموعة من الإنجيليكان المثيرين للجدل ، والذين يتطلعون إلى عودة الكنيسة الإنكليزية إلى العقائد الكاثوليكية التي كانت سائدة ما قبل الحركة الإصلاحية الإنكليزية . ولد إدوارد بوفري بسي في قرية بسي في بيركشاير . وكان والده فيليب بوفري (توفي سنة 1828) . وحصل على الإسم بسي وذلك لنجاحه على الحصول ” مزارع في القرية وقطعة أرض لبناء قصره ” . ومن معاصريه كل من الكاردينال جون هنري نيومان (1801 – 1890) وجون كيبل (1792 – 1866) وكلاهما قياديين في حركة أكسفورد . وفي عام 1824 تم إختيار إدوارد بوفري بسي زميلاً باحثاً في في كنيسة المسيح . وكان خلال الفترة ما بين 1825 و1827 يُدرس اللغات الشرقية واللاهوت الألماني في جامعة غوتنجن . وكان من أول أعماله التي طبعها سنة 1828 ، محاضراته في جامعة كيمبريدج ، والتي دارت حول النزعات العقلية في اللاهوت الألماني . والتي أظهر فيها تعاطفاً مع نزعات القسان الألمان . وهذا التعاطف قد أسئ فهمه ، فأتهم إدوارد بسي بإنه يعتقد بوجهات نظر عقلية .. للتفاصيل أنظر : هيو كيسهولم (الإشراف) ؛ بسي ، إدوارد بوفري ، إنسكلوبيديا بريتانيكا ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، المجلد 22 ، سنة 1911 .  

 – آني بيزنت ؛ سيرة ذاتية ، لندن سنة 1885 ، الفصل الخامس . [17]

 – معهد بيركبيك ، جامعة لندن وهي كلية بيركبيك وهي جامعة للبحث . ومقرها في بومزبري ، لندن – إنكلترا . وهي واحدة من الجامعات القيادية  [18]

في العالم . وتتفرد بنشطاتها البحثية وعلو كعبها في التعليم الأكاديمي . وتأسست في عام 1823 وكانت في البداية معهداً للميكانيك في لندن . وأسسها الطبيب والأكاديمي السير جورج بيركبيك (1776 – 1841) وبمساعدة آخرين . وكان جورج بيركبيك بروفسوراً للعلوم الطبيعية .. للتفاصيل أنظر : تاريخ بيركبيك ، جامعة لندن ، بيركبيك ، الأرشيف الأصلي ، سنة 2006 .  

 – أنظر : تاريخ بيركبيك ، جامعة لندن ، الأرشيف الأصلي سنة 2006 . وكذلك : آني وود بيزنت ؛ مقاطع من السيرة الذاتية ، دار نشر [19]

الفكر الحر ، سنة 1885 .

 – أنظر : أي . دي . ماككلوب ؛ الجمعيات الأخلاقية البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1986 (أون لاين) . [20]

 – انظر للتفاصيل : أني بيزنت ؛ سيرة ذاتية ، جمعية التصوف ، لندن سنة 1893 . وتألف من مقدمة وأربعة عشرة فصلاً .  [21]

  ولاحظنا إن آني وود بيزنت قد بينت في المقدمة بعض الأفكار المهمة عن كتابها وعن حياتها وعن الدروس التي يمكن أن تنفع الأخرين . فأفادت ” إن من الأشياء الصعبة ، هو أن تروي قصة الحياة . إلا إن من الأشياء الأكثر صعوبة هو أن تروي قصة حياتك .. وبالطبع هي قصة فيها الكثير من المحزن وغير السار . بل وفيها ما يخنق روح المعاصرين … وإن هناك الكثير لازال يواجهنا (ويتقدمه) الخوف من الخرافات والأوهام ، بل والأكثر خوفاً ، هو الخوف من الإلحاد . ومادام الجميع مسكون بالقلق ، والأحزان ذاتها ، فإن الأمل الذي نتطلع إليه ، هو الرغبة العنيفة إلى المعرفة . وربما قصة واحد منا قد تساعد الجميع . وقد تكون حكاية واحد منا قد وجدت طريقا إلى العتمة والظلام . إلا إنها من طرف آخر قد وجدت إشعاع من الضوء وهي تُكافح بوجه العاصفة ، وربما وجدت السلام . وربما تجلب إشعاع من الضوء والسلام إلى المناطق المعتمة . وهي المناطق ذاتها التي تعرضت فيها حياة الأخرين إلى عاصفة “. أنظر : آني بيزنت ؛ سيرة ذاتية (المصدر السابق) المقدمة (رجنت بارك ، لندن أوغسطس (آب) سنة 1893 .وجاءت فصول الكتاب حسب الترقيم اللاتيني وحملت العناوين الآتية :

1 – هكذا ورد عند أني بيزنت وهو الفصل الأول باللاتينية خارج المكان وإلى هنا . وتألف هذا الفصل من تسعة عشرة صفحة ( أنظر المصدر السابق ، ص ص 1 – 19) . وفيه تصوير بقلم آني بيزنت لما سمعته من روايات عن ولادتها . فمثلاً ذكرت ” من إن ولادتها كانت مساءً الساعة الخامسة وتسع وثلاثون دقيقة ” أنظر : آني بيزنت : سيرة ذاتية ، الفقرة الأولى من الفصل الأول وبعنوان ” خارج المكان وإلى هنا ” (مصدر سابق) . 11 – وهو الفصل الثاني بالاتينية الطفولة المبكرة (المصدر السابق ، ص ص 20 – 38) . 111 – وهو الفصل الثالث باللاتينية وبعنوان فترة الصبا (ص ص 39 – 52) . الفصل الرابع – الزواج (ص ص 53 – 109) . الفصل الخامس – عاصفة الشك (ص ص 110 – 153) . الفصل السادس – تشارلز برادلف (ص ص 154 – 173) . الفصل السابع – الإلحاد كما عرفته وتعلمته (ص ص 174 – 202) . الفصل الثامن – في العمل (ص ص 203 – 241) . الفصل التاسع – كُتيب تشارلز نولتن (ص ص 242 – 297) . الفصل العاشر – حرب حولك في كل مكان (ص ص 298 – 305) . الفصل الحادي عشر – كفاح السيد برادلف (ص ص – 306 – 323) . الفصل الثاني عشر – الحرب مستمرة (ص ص 324 – 343) . الفصل الثالث عشر –  الإشتراكية (ص ص 344 – 379) . الفصل الرابع عشر – خلال عاصفة السلام (ص ص 380 – 429) . وإختتمت الكتاب بعبارتها الشهيرة ” السلام على جميع الموجودات ” (المصدر السابق ، ص 429) . وإنتهى الكتاب بقائمة من المصادر وفهرست . 

 – صحيفة الإصلاح الوطني وهي صحيفة علمانية إسبوعية . كانت بداية صدورها في القرن التاسع عشر ، وكانت ” صوت قوي وتعرض وجهات [22]

نظر راديكالية ” . كما كانت تُدافع عن الإلحاد . وإرتبطت آني بيزنت بها في سنة 1874 ومن ثم أصبحت المحررة المشاركة للفترة من سنة 1887 وحتى منع الصحيفة سنة 1893 .. للتفاصيل أنظر : ثيودور بسترمان ؛ آني بيزنت : النبي الجديد ، دار نشر كيسنجر ، سنة 2003 .  

 – العصر الفيكتوري وهو يشمل فترة حكم الملكة فيكتوريا والذي إمتد أكثر من ستة عقود (من 20 حزيران سنة 1837 وحتى موتها في 22  [23]

كانون الثاني سنة 1901) وهي أطول فترة سلام وإزدهار وثقة ذاتية بالمملكة المتحدة .. أنظر للتفاصيل : إنطونيتي بورتن (الإشراف) ؛ السياسات والإمبراطورية في بريطانيا الفيكتورية ، دار نشر ماكميلان سنة 2001 .

 – كان الإلحاد قضية أساسية في تفكير آني وود بيزنت . وتتوافر لدينا شهادات واضحة ومؤكدة على حضور الإلحاد وبقوة في تفكيرها . والحقيقة [24]

إن آني بيزنت لم تتخلى عنه وعن نزعاته الهرطقية ، بل وظل جوهر ولب تفكيرها الديني . ولاحظنا إن آني بيزنت عندما تحولت إلى التصوف ، فقد إنتخبت التصوف المملوء بالهرطقة والتجديف والإلحاد . ولعل المتأمل في نصوصها ومؤلفاتها يلحظ ذلك واضحاً وقوياً . وهنا نقدم عينة من كتبها افلحادية : 1 – لماذا أنا لا أعتقد بالله (سنة 1887) . 2 – إسطورة المعاد (البعث من الموت) سنة 1886 . 3 – إنجيل المسيحية وإنجيل الفكر الحر (سنة 1883) . 4 – خطايا الكنيسة : التهديد والذبح (؟) . 5 – العالم بلا إله (1885) . 6 – الفصل السابع وبعنون الإلحاد كما أعرفه وتعلمته ، منشور في كتابها السيرة الذاتية . للتفاصيل أنظر : آني تايلور ؛ آني بيزنت : السيرة الذاتية ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد سنة 1991 .

  – تقع نورثامبتون في الأراضي الوسطى من إنكلترا وبالتحديد على ضفاف نهر نيني . وتبعد حوالي 67 ميلاً شمال غرب لندن . وهي واحدة من [25]

أكبر مدن المملكة المتحدة . ويبلغ سكانها أكثر من 212 ألفاً .. للتفاصيل أنظر : فيليب سوفورد : نورثامبتون : ذكرى عام 1918 ، المطبعة التاريخية ، سنة 2015 .  

 – أنظر : تشارلز نولتن ؛ ثمار الفلسفة ، ط2 ، إشراف آني بيزنت وتشارلز برادلف ، سنة 1891 . وتم نشره بعد وفاة الطبيب الملحد الأمريكي [26]

تشارلز نولتن بسبع وعشرين سنة . وتألف من 104 صفحة . وبالمناسبة أن آني بيزنت كتبت ونشرت كتاب بعنوان ثمار الفلسفة . آنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تأمل في جريدة مؤلفات الفيلسوفة المتصوفة الإنكليزية آني وود بيزنت ، الفصيلة (مجلة آوراق فلسفية جديدة) ، عدد قادم . 

 – آني بيزنت ؛ مقاطع من السيرة الذاتية ، دار نشر الفكر الحر ، سنة 1885 ، ص 116 . [27]

 – المنظمة المالثيوسية هي منظمة بريطانية تُدافع عن ممارسة وسائل منع الحمل ، وتعمل على تثقيف وتعليم الجمهور حول أهمية خطط [28]

الأسرة . وتأسست عام 1877 وتم حلها سنة 1927 . وهي منظمة علمانية وهي من مؤسسات المالثوسية العالية . والمؤسسة تولي إهتماماتها بفقر الطبقة  العاملة البريطانية . إضافة إلى إنها مهمومة بصورة غير عادية ” بزيادة السكان ” . وهي تعتقد بأن الفقر هو السبب الرئيس ” . وتم تأسيسها في تموز سنة 1877 وخلال محاكمة كل من آني بيزنت وتشارلز نولتن وبسبب نشرهما كتاب تشارلز نولتن ” ثمار الفلسفة ” والذي شرح فيه طرق متنوعة لمنع الحمل . كما إن المنظمة المالثوسية شكلت هيئة للدفاع  للدفاع وتخفيف وإلغاء الأحكام الصادرة بحق المؤيدين والمدافعين عن حقوق النساء في تناول حبوب منع الحمل . وبالمناسبة إن المحكمة برهنت على إهتمام الجمهور بموضوع منع الحمل . كما قامت المنظمة المالثوسية ببيع كتاب ثمار الفلسفة خلال المحاكمة . وأسس المنظمة المالثوسية كل من الطبيب الإنكليزي تشارلز روبرت درايسدل (1829 – 1907) وزوجته الطبيبة الإنكليزية أليس فيكري درايسدل (1844 – 1929) . ومن ثم حصرت المنظمة المالثوسية إهتمامها في ” الدور التربوي ” والذي أكد على أهمية الحجة الإقتصادية المالثوسية ، أكثر من المعرفة العملية حول منع الحمل . وبعد سنولت فيما بعد تأسست منظمات مالثوسية في العديد من البلدان الأوربية ومن مثل ألمانيا ، فرنسا وهولندا . ومن ثم أصبحت المنظمة المالثوسية الهولندية ، أول منظمة أسست عيادة طبية لأغراض تقديم المعلومات ونشر المعرفة الطبية بين الفقراء . للتفاصيل أنظر : 1 – مادلين سامس ؛ تاريخ المنظمة المالثوسية (1877 – 1927) ، دورية الإشتراكي ، 27 كانون الثاني سنة 1977 ، ص 221 . 2 – إنجوس ماكليرن ؛ منع الحمل في إنكلترا القرن التاسع عشر ، دار نشر تايلر وفرنسيس سنة 1978 . 3 – ديانا وياندهام ؛ نورمان هير ودراسة الجنس ، تصدير القاضي الإسترالي مايكل دونالد كبري ، مطبعة جامعة سدني سنة 2012 .

 – أنظر : أف . دارسي ؛ ” المنظمة المالثوسية ومقاومة إعلام منع الحمل في أواخر العصر الفيكتوري البريطاني ”  ، دورية الدراسات [29]

السكانية ، المجلد 31 ، العدد الثالث ، سنة 1977 ، ص ص 429 – 448 .

 – الجمعية العلمانية في لستر وهي من أقدم الجمعيات العلمانية في بريطانيا وتأسست سنة 1851 وبجهود العلماني والمحرر البريطاني جورج [30]

جاكوب هوليوك وهو الذي نحت إصطلاح ” العلمانية ” سنة 1851 . ومن ثم بعد ذلك بخمسة عشرة سنة (أي في عام 1866) تم تأسيس الجمعية العلمانية البريطانية . أنظر : الجمعية العلمانية في لستر : مبادئها وأهدافها ، 19 حزيران سنة 1914 (أون لاين) .  

 – المحرر والعلماني جورج جاكوب هوليك وهو محرر لصحيفة العلماني والتي حملت عنوان المفكر وللفترة من 1846 وحتى حزيران 1861 . [31]

ومن ثم أصبح محرراً مشاركاً في صحيفة القائد الإنكليزي وبالتحديد من 1864 وحتى سنة 1867 . والحقيقة إن جورج هوليك هو إبن صائغ وبدأ تعليمه مبكراً إلا إنه وزع وقته بين التعليم والعمل . ومن عمر الثامنة تعلم العمل في تجارة الذهي والصياغة . وفي عمر الثامنة عشرة أخذ يحضر بعض المحاضرات في معهد الميكانيك في بيرمنغهام . وهناك إكتشف كتابات الإشتراكي روبرت أوين (1771 – 1858) ومن ثم تحول حالاً إلى محاضر مساعد  . ومن ثم تزوج من إيلنور وليمز . وفي عام 1839 عمل معلماً متفرغاً بصورة كاملة إلا إن ترقيته رُفضت بسبب وجهات نظره الإشتراكية . إنتقل بعد ذلك للعمل في الحملة التبشيرية للنزعة الإشتراكية الأوينية (نسبة إلى الإشتراكي روبرت أوين) . كان أول عمل له في مدينة ووستر وبعد سنة تم نقله إلى موقع في غاية الأهمية في مدينة شيفيلد . تأثر جورج جاكوب هوليك بالفيلسوف وعالم الإجتماع أوجست كومت (1798 – 1857) وكان الأثر الأبرز الذي تركه كومت على هوليك ، محاولته العلمانية في تأسيس ” دين الإنسانية ” . ومن خلال كومت تعرف على أول عالمة إجتماع بريطانية وهي هاريت مارتينو (1802 – 1876) والتي ترجمت إلى الإنكليزية معظم أعمال أوغست كومت . للتفاصيل أنظر : 1 – ديفيد ديرمان ؛ تاريخ الإلحاد في بريطانيا : من هوبز وحتى رسل ، دار نشر روتليدج ، لندن سنة 1990 . 2 – جوزيف ماككيت ؛ حياة ورسائل جورج جاكوب هوليك ، شركة نشر ويتيز المحدودة ، لندن سنة 1908 (مجلدان) .  

 – المفكرة الحرة والعلمانية هاريت لو وتُعرف بإسم ” هاريت تريسا لو ” (1831 – 1897) . وكانت رمز قيادي ومفكرة حرة في لندن القرن [32]

التاسع عشر . وهي في الأصل بنت فلاح صغير وتم تربيتها على المذهب المسيحي ” البابتست أو مذهب المعمدان ” . إلا إنها تحولت إلى الإلحاد . وكانت خطيبة ومتحدثة وتتلفى إجور على كتاباتها وأحاديثها وبالطبع من خلال الحركة العلمانية . وكانت أحاديثها تُخاطب جمهور عريض معادي للعلمانية وفي عموم بريطانيا . ومن ثم وجهت لها الدعوة للإنظمام إلى المجلس العالمي العام الأول وبالمناسبة كانت المرأة الوحيدة في هذا المجلس . وهناك دخلت في جدل ومناظرة مع زعماء الحركة الشيوعية من أمثال كارل ماركس (1818 – 1883) وفردريك إنجلز (1820 – 1895) .ومنذ سنة 1877 وحتى عام 1878 كانت رئية تحرير دورية حوليات علمانية وكانت تغطي موضوعات من مثل العلمانية ، الإشتراكية ، الإلحاد وحقوق النساء … للتفاصيل أنظر : 1 – أدورد رويل ؛ الراديكاليون ، العلمانيون والجمهوريون : الفكر الحر الشائع في بريطانيا (1866 – 1915) ، مطبعة جامعة مانشستر سنة 1980 . 2 – بربارا تايلور ؛ حواء وأورشليم الجديدة : الإشتراكية والفيمنستية (النسوية) في القرن التاسع عشر ، مطبعة جامعة هارفارد سنة 1993 .   

 – أنظر : سدني غيمسن ؛ ذكريات عشوائية عن الجمعية العلمانية في لستر ، سنة 1932 من سجلات محوظة (أون لاين) . [33]

 – القائد الليبرالي وليم إيورت غلادستون والذي كان في بواكير حياته من المحافطين . وهو قائد الحزب الليبرالي منذ سنة 1867 . وإستمر في [34]

حياته السياسية فترة طويلة إستمرت أكثر من ستين سنة . وخلالها خدم رئيساً للوزراء لأربعة مرات وفي فترات منفصلة . وهو أقدم رئيس للوزاء . وتنازل للمرة الأخيرة عندما كان في عمر الرابعة والثمانيين . وهو فوق ذلك كان كاتباً ونحن نحتفل بمؤلفاته الخاصة في مضمار اليونانيات . وهنا نستشهد ببعض منها : 1 – الدولة وعلاقتها مع الكنيسة ، دار نشر جون موري وهاش وولده ، لندن سنة 1838 . 2 – دراسات حول هوميروس والعصر الهوميروسي ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 1858 (ثلاثة مجلدات) . 3 – الألهة والإنسان في العصر الهوميروسي . دار نشر ماكميلان (ط الثانية المنقحة) سنة 1870 . وللتفاصيل عن وليم إيورت غلادستون أنظر : رونالد كينو وأخرون ؛ وليم غلادستون : دراسات جديدة ووجهات نظر ، دار نشر فارنهام سنة 2012 (تألف من 350 صفحة زائداً 18 صفحة مقدمة) .

 – أنظر : أو هيرا برنارد ؛ ديفيت : الوطني الإيرلندي وأب عصبة الأرض ، مطبعة تودر غيت سنة 2009 . [35]

 – القائد القومي الإيرلندي مايكل ديفيت هو ” مايكل ماك ديفيت ” والذي جاء من إصول فلاحية فقيرة . إلا إن والده كان متعلماً بصورة عالية   [36]

ويتكلم الإنكليزية والإيرلندية . وفي البيت كانت اللغة الإيرلندية هي المتداولة . كما إن مايكل أخذ يتداولها في حياته وخصوصاً عند زيارته إلى إستراليا . وفي عام 1882 تم إنتخابه عضو في البرلمان ومن ثم أسقطت عنه لأنه كان حينها في السجن لأسباب سياسية تتعلق بإيرلندا . وهو قائد جمهوري إيرلندي وأسس عصبة الأرض القومية الإيرلندية . وهو قائد عمالي وسياسي وعضو برلمان وحليف قريب إلى السياسي القومي الإيرلندي تشارلز ستيوارت بيرنل (1846 – 1891) . وهو كاتب من أهم مؤلفاته : 1 – حياة مايكل ديفيت في السجن (1878) . 2 – مشروع عصبة الأرض ، دار نشر فرغسن وكاميرون ، غلاسكو سنة 1882 . 3 – مذكرات مغادرة السجن (مجلدان) سنة 1885 . 4 – سقوط الإقطاعية في إيرلندا ، سنة 1904 وغيرها .

 – جورج برنارد شو وهو كاتب مسرحي إيرلندي وناقد وترك آثاراً واضحة على المسرح والثقافة والسياسة الغربية . وتأثيره إستمر منذ الثمانينات [37]

من القرن التاسع عشر وحتى وفاته بل وإستمر فيما بعد . وكتب أكثر من ستين مسرحية من مثل الإنسان السوبرمان (سنة 1903) . ومن ثم تحول ليكون رمز كبير في الدراما في جيله . وفاز برنارد شو بجائزة نوبل للأداب سنة 1925 . ولد في دبلن ومن ثم إنتقل إلى لندن وأسس فيها سمعته وشهرته كاتباً وروائياً وناقداً مسرحياً وموسيقياً . وبعد النهضة السياسية إلتحق بالجمعية الفابية ومن ثم تحول ليكون واحداً من كتاب الكتب الصغيرة (البامفلتز) . وهو من معارضي الأديان الشائعة . من أهم مؤلفاته : 1 – برنارد شو (الناشر) ؛ مقالات فابية في الإشتراكية ، الجمعية الفابية ، لندن سنة 1889 . 2 – ما هي الإشتراكية ؟ ، غرانت ريتشاردز ، لندن سنة 1890 . 3 – الفابيون والإمبراطورية ، غرانت ريتشاردز ، لندن سنة 1900 . 4 – منظمة الشعوب الفابية ، غرانت ريتشاردز ، لندن سنة 1929 . 5 – المسرحيات الكاملة لبرنارد شو ، أودهامز ، لندن سنة 1934 .

 – أنظر : ادورد أر . بيس ؛ تاريخ الجمعية الفابية ، دار نشر أي . بي . دوتن سنة 1916 (وأعيد طبعها سنة 2014) ، ص 62  . [38]

الجمعية الفابية هي منظمة إشتراكية بريطانية ، وكان من أهدافها تعزيز وإرساء مبادئ الإشتراكية الديمقراطية وبصورة تدريجية وبنهج

إصلاحي بدلاً من الثورات والإنقلابات على الأنظمة السياسية والحكومات . وواحدة من المؤسسات التي إنبثقت منها هي لجنة تمثيل العمل والعمال سنة 1900 ، وهي في الحقيقة تحالف بين المنظمات الإشتراكية والإتحادات الليبرالية . وتركت الفابية تأثيراً كبيراً على حزب العمال البريطاني والذي نما وتطور من داخل الجمعية الفابية . كما إن من المعلوم إن الجمعية الفابية تركت أثاراً قوية على السياسات البريطانية . وإن العديد من أعضاء الجمعية الفابية جاءوا من بلدان كانت جزء من الإمبراطورية البريطانية . كما إن هؤلاء الأعضاء قد تداولوا المبادئ الفابية وإستثمروها لتطوير الديمقراطيات الإشتراكية في كل من الهند ، الباكستان ونايجريا وبالطبع دول أخرى والتي كانت في الأصل جزء من المستعمرات البريطانية ومن ثم تحررت بعد الحرب العالمية الثانية . للتفاصيل أنظر : 1 – أدورد بيس ؛ تاريخ الجمعية الفابية ، دار نشر دوتن وشركاؤه ، نيويورك سنة 1916 . 2 – مارجريت كول ؛ قصة الإشتراكية الفابية ، مطبعة جامعة ستانفورد ، سنة 1961 . 3 – أي . أم . ماكبرير ؛ الإشتراكية الفابية والسياسات البريطانية 1884 – 1918 ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج سنة 1966

 – أنظر المصدر السابق . [39]

 – أنظر : تريسا نوترا ؛ ثورة الأخلاقيات المسيحية ، دار نشر بروكويست سنة 2008 . [40]

 – أنظر : سالي بيترز ؛ برنارد شو : صعود (عروج) السوبرمان ، مطبعة جامعة ييل ، سنة 1996 ، ص 94 . [41]

 – للتفاصيل عن معركة الأحد الدموية أنظر : وليم موريس تومبسون ؛ من الرومانسية إلى الثورية ، مطبعة مارتين ، لندن سنة 1977 . [42]

 وهذه الأحداث الدامية حدثت في لندن وبالتحديد في 13 نوفمبر سنة 1887 . وهي في الأصل مظاهرة ضد البطالة والإضطهاد في إيرلندا . وفعلاٌ فقد وقعت مواجهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين . والتقارير المعاصرة تشير إلى إنه أكثر من 400 متظاهراً تم إلقاء القبض عليهم وإن 75 شخصاً قد تعرضوا إلى جروح دامية وبالطبع شملت الشرطة كذلك . أنظر : آني تايلور ؛ آني بيزنت : سيرة ذاتية ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 1991 .

 – أنظر : آني تايلور ؛ آني بيزنت : سيرة ذاتية (مصدر سابق) . [43]

 – الإشتراكي والعلماني هربرت بروز وهو إبن ” إموس ” والذي كان من قادة الجمعيات الخيرية . وعمل هربرت بروز لفترة قصيرة ومن ثم بدأ  [44]

الدراسة في جامعة كيمبريدج إل إن توقف منها . وفي عام 1877 تحول بروز إلى لندن وإنضم إلى الجمعية العلمانية القومية . وهو إضافة إلى ذلك عشو مؤسس إلى الجمعية الأرسطية سنة 1880 . ومن ثم إنضم إلى منظمة التربية السياسية والإجتماعية . وأصبح نائب الرئيس امنظمة مشاركة الرجال في التصويت سنة 1881 . وهو مساند إلى إلتزام الفيدرالية بالإشتراكية . وكان عضو مؤسس للفيدرالية الديمقراطية وأصبح الأمين المالي لها سنة 1883 . وتحول ليكون عضو في جمعية التصوف . ولم يحالفه الحظ في الإنتخابات البرلمانية ولدورتين فقرر الإستقالة لأسباب مرضية سنة 1911 . للتفاصيل أنظر : أي ” دي . ماككلوب ؛ الجمعيات الأخلاقية البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج سنة 1986 (أون لاين) .

 – أنظر : أي . دي . ماككلوب ؛ الجمعيات الإخلاقية البريطانية (مصدر سابق) ( أون لاين) . [45]

 – أنظر : ” العبودية البيضاء في لندن ”  ، العدد رقم 21 ، السبت 23 حزيران سنة 1888 . [46]

 – الإشتراكية البريطانية هي على العموم فكرة تمتد إلى القرن التاسع عشر . وجذورها نشأت بعد الحرب الأهلية الإنكليزية والتي إمتدت خلال [47]

الفترة ما بين ” 1642 – 1651 ” . ومفاهيم الإشتراكية في بريطانيا العظمى تتميز بكونها على أشكال متنوعة من مثل الإشتراكية الطوباوية أو الخيرية الطوباوية (من حب الخير) والتي ترتبط بروبرت أوين (1771 – 1858) . ومنها الإصلاحية والتي تتوجت بولادة حزب العمل ، والإشتراكية المسيحية والحركة الإصلاحية البرلمانية والتي تُعرف بالشارتيزم أو الوثائقية ، والإشتراكية الوطنية .. للتفاصيل أنظر : ماكس بير ؛ تاريخ الإشتراكية البريطانية ، دار نشر ج . بيل وأولاده سنة 1920 . وهو موسوعة رائدة في الإشتراكية البريطانية . وتألف من العديد من المجلدات .

 – الإتحاد (الماركسي) الديمقراطي الإشتراكي ، والذي كان في البداية يحمل إسم الإتحاد الإشتراكي الديمقراطي ، وتم تأسيسه أولاً حزباً إشتراكياً [48]

من قبل الكاتب والسياسي الإنكليزي هنري ميرس هيندمن (1842 – 1921) . وبعد خوضه الإنتخابات البرلمانية البريطانية ، ومن ثم أصبح له واضحاً بأن هزيمته قريبة ، قرر الإنسحاب من الإنتخابات . وبعدها قرأ هنري هيندمن رواية مؤسسة على حياة الفيلسوف الإشتراكي والمنظر القانوني الألماني فرديناند جوتلوب لاسل (1825 – 1864) والذي يُعدُ أول من تداول الإسلوب الإشتراكي في ألمانيا . وجاء قرار هنري هيندمن  يالبحث عن بطله الرومانتيكي والذي مع الأسف قُتل في مبارزة تحد في عام 1864 . ولعل المهم هو إن هنري هيندمن إكتشف بأن فرديناند لاسل كان إشتراكياً . وبعض الأحيان هو صديق حميم إلى كارل ماركس (1818 – 1883) ، وبعض الأحيان هو خصم لدود إليه (أي إلى ماركس) . كما وقرأ هنري هيندمن البيان الشيوعي ، وبالرغم من إنه أثار الكثير من الشكوك حول بعض أفكار ماركس ، إلا إنه تأثر بصورة كبيرة بتحليلات ماركس إلى الرأسمالية . كما وتأثر هنري هينمن بكتاب الفيلسوف وعالم الإقتصاد السياسي الأمريكي هنري جورج (1839 – 1897) والذي حمل عنوان التقدم والفقر : بحث في سبب الركود الصناعي وزيادة من تريد مع زيادة الثروة : العلاج (نيويورك سنة 1879 وتكون من 406 صفحة) . كما وكان مولعاً بأيديولوجية هنري جورج والتي تُعرف اليوم بعنوان الجورجية (أنظر : كوهل نوربرت (الإشراف) ؛ أوسكار وايلد : أعمال متمرد ملتزم . مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك سنة 2011) . ومن ثم قرر هنري هيندمن تأسيس أول حزب سياسي إشتراكي . وفعلاً فإن الإتحاد الديمقراطي إحتضن أول إجتماع له في 7 حزيران سنة 1881 . ولاحظنا إن العديد من الإشتراكيين كانت لديهم شكوك وبالتحديد حول ماضي هنري هيندمن حيث إنه أظهر العداء والمعارضة للإفكار الإشتراكية . إلا إن هنري أقنع العديد منهم من إنه غير وجهات نظره القديمة بصورة حقيقية . وكان الحاصل من ذلك إن إنتمى إلى الإتحاد الديمقراطي الإشتراكي كل من الناشط الإشتراكي والروائي الإنكليزي وليم موريس (1834 – 1896) وإبنة كارل ماركس إيلنور ماركس (1855 – 1898) . بينما رفض فردريك إنجلز (1820 – 1895) من التعاون مع مغامرة هنري هيندمن . وكتب هيندمن أول إعلان شعبي عن أفكار كارل ماركس باللغة الإنكليزية وبعنوان إنكلترا للجميع (صدر سنة 1881) . وكان كتاباً ناجحاً بصورة ملفتة للنظر . وتبعه في عام 1883 كتاب آخر بعنوان الإشتراكية ببساطة وفيه شرح سياسات الإتحاد الديمقراطي الإشتراكي . ومن ثم واجهت قيادة هنري هيندمن عاصفة من النقد وطلب منه الإستقالة . إلا إنه رفض فترك عدد من الأعضاء الحزب وكان منهم وليم موريس وإيلنور ماركس . للتفاصيل أنظر : دانيال كويت غلمان وأش . ت . ثورستن وأف . أم . كوبلي (الإشراف) ؛ هنري ميرس هيندمن ، الإنسكلوبيديا العالمية الجديدة ، دار نشر ميد دود ، نيويورك سنة 1905 .

 – أنظر : أدورد إيفلنغ وإيلنور ماركس إيفلنغ ؛ حركة الطبقة العاملة في أمريكا ، شركة سوان المحدودة ، ط2 ، سنة 1891 ، ص ص 21 [49]

– 22 .  

 – التجمع (أو المنبر) الإشتراكي هو منظمة إشتراكية ثورية ظهرت في بريطانيا . وفي الأصل إنشقت من الإتحاد الديمقراطي الإشتراكي (ومن [50]

ثم الماركسي لاحقاً) والذي أسسه هنري هاندمان في نهاية سنة 1884 (كما بينا في هامش آخر) . وهي لم تكن جماعة متجانسة في أيديولوجيتها . وتحول هذا التجمع أو الجماعة في تسعينات القرن التاسع عشر من الإشتراكية إلى الإنراكية (الفوضوية وهي ترجمة غير دقيقة) والأصح اللاسلطوية . وفي النهاية إنحلت وتلاشت هذه الجماعة في سنة 1901 . للتفاصيل أنظر : يوفوني كيب ؛ إيلنور ماركس : سيرة ذاتية ، كتب بانثون ، نيويورك سنة 1976 (وهو مجلدان) . والحديث عن التجمع الإشتراكي جاء في المجلد الثاني .

 – وليم موريس فنان مصمم ، شاعر ، روائي ومترجم وناشط إشتراكي . وهو عضو في حركة الفنون والحرف البريطانية . ولعب دوراً في بواكير [51]

حركة الإشتراكية في بريطانيا . ولد وليم موريس في أحضان عائلة ثرية من الطبقة الوسطى . وبتأثير عائلته حمل تراثا ثقافيا ضخما ينتمي إلى العصور الوسطى . ودرس وليم الكلاسيكيات في جامعة أكسفورد وبعد الجامعة تدرب ليكون معماراً . ويُعد واحد من الرموز الثقافية المشهورة في بريطانيا الفيكتورية . ومن أهم أعماله : العديد من المجاميع الشعرية والروايات والترجمات من اليونانية واللاتينية . ولعل من أولى قصائده الشعرية ، قصيدته التي حملت عنوان الأرض الفارغة (الجوفاء) سنة 1851 . وترجمته من اليونانية لرائعة هوميروس الأوديسا سنة 18887 . وترجمته لأنياد لفيرجل سنة 1876 . ولمزيد من التفاصيل أنظر : جون لي يورجيس ؛ الفن والثمار المحرمة : العاطفة الخفية في حياة وليم موريس ، مطبعة لوترورث ، كيمبريدج سنة 2006 .

 – جوتي شاندرا ؛ آني بيزنت : من التصوف إلى الوطنية ، شركة نشر كي . كي . نيو دلهي – الهند ، سنة 2001 ، ص 17 . [52]

 – أنظر : أدورد أر . بيس ؛ تاريخ الجمعية الفابية (مصدر سابق) ، ص 179 . [53]

  – أنظر المصدر السابق ،[54]

 – أنظر المصدر السابق . [55]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ السيرة الذاتية (مصدر سابق) ، الفصل السابع .[56]

 – آني بيزنت ؛ المسيحية : آدلتها ، إصولها ، آخلاقها وتاريخها ، سلسلة نصوص المفكر الحر (11 أي القسم الثاني) ، دار نشر آر . فوردر ، [57]

لندن سنة 1893 ، ص 261 .

 – أنظر للتفاصيل عن القديس إيرينيئوس : 1 – دينس ماينز ؛ إيرينيئوس ، مطبعة جامعة واشنطن ، واشنطن (دي . سي.) سنة 1994 . 2 – سارة [58]

بايتون وبول فوستر (الإشراف) ؛ إيرينيئوس : الحياة ، الكتاب المقدس والميراث ، مطبعة فوترس مينابولس سنة 2012 .

 – أنظر للتفاصيل ؛ جون درنكوتر ؛ بلاد الغال : ثلاثة محافظات (58 ق.م – 260 ميلادية) دار نشر روتليدج سنة 2014 . [59]

 – أنظر : روبرت غرانت ؛ إيرينيئوس الليوني (من ليون – فرنسا) ، دار نشر روتليدج سنة 1997 . [60]

 – أنظر : ألبيرت بونسيليت ؛ ” القديس إيرينيئوس ” ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ( الأجوبة الكاثوليكية) ، سنة 1917 . [61]

 – ويل ديورانت ؛ القيصر والمسيح ، قصة الحضارة ، دار نشر سيمون وشوستر ، سنة 2011 ، المجلد الثالث (تألف الكتاب من 752 صفحة) . [62]

 – الرف / القس جون ألين جايلز هو مؤرخ إنكليزي . وهو مشهور أولاً بسمعته الأكاديمية الواسعة في اللغة الإنجلو سكسونية والتاريخ . وهو  [63]

الذي راجع ونقح ترجمة الحوليات الإنجلو سكسونية للقديس بيد (672 أو 673 – 735م) والتي حملت عنوان ” التاريخ الكنسي للشعب الإنكليزي ” وهو الكتاب الذي منح القديس بيد لقب ” آب التاريخ الإنكليزي ” . ويُعتقد إن القديس بيد أكمله سنة 731 وحينها كان عمر بيد ” التاسعة والخمسين ” (أنظر : بيتر هنتر بلير ؛ عالم القديس بيد ، مظبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج سنة 1990) . وكان المؤرخ جون ألين جايلز زميلاً باحثاً في كلية المسيح جامعة أكسفورد . والقس جون ألين جايلز هو إبن وليم جايلز وزوجته صوفيا (ني ألين) . ولد جون في 28 إكتوبر سنة 1808 . وفي عمر السادسة عشرة دخل إلى مدرسة تشارترهوس . ومن ثم تم إنتخابه في 26 نوفمبر سنة 1824 طالباً لزمالة كلية المسيح – جامع أكسفورد  وفي فصل الأيستر حصل على ” درجة دبل من الفئة الأولى ” . وبعد فترة قصيرة حصل على درجة البكلوريوس . وتبعها حصوله على الماجستير وبالتحديد في عام 1831 . وتلاها حصوله على زمالة شرف وحصل على الدكتوراه في القانون المدني سنة 1838 . من أهم مؤلفاته : النحو اللاتيني (ط3) سنة 1933 ، المعجم اليوناني سنة 1939 . وما بين سنة 1837 و1843 نشر سلسلة تألفت من 34 مجلداً تتعلق بالتاريخ الكنسي الإنجيلي . وفي عام 1845 نشر حياة وعصر توماس بيكت (وهو إسقف كانتربري ولد سنة 1120 – قُتل سنة 1170) . ومن ثم نشر تاريخ بيد والحوليات الإنجلو سكسونية (سنة 1849 ) . أنظر : وليم هنت ؛ ” جون ألين جايلز ” ، معجم السير الوطنية ، المجلد 21 ، دار نشر سميث وإليدر المحدودة سنة 1885 – 1900 .

 – السانت جاستن أو القديس جاستن والمشهور بالشهيد جاستن . وهو من المدافعين الأوائل عن العقيدي المسيحي . إضافة إلى ذلك فهو من [64]

بواكير المفسرين لنظرية اللوغوس في القرن الثاني الميلادي . وإستشهد جاستن مع بعض من طلابه . ويُنظر له على إنه ” مات شهيداً قديساً ” وخصوصاً من زاوية كنيسة الكاثوليك الروم ، الكنيسة الإنجيلية ، وكنيسة الأرثوذوكس الشرقية .. وإن معظم أعماله تعرضت للضياع ما عدا ثلاثة أعمال ؛ إثنان منهما دفاعيين والثالث محاورة . وظهر جاستن في الدفاع الأول فيلسوفاً وكاتباً أخلاقياً . وكان غرض جاستن إقناع الإمبراطور الروماني إنطونيوس بيوس (86 – 161 ميلادية) على التوقف من إضطهاد الملل المسيحية . وحمل دفاع جاستن هذا بذوراً لمشروع القديس أوغسطين (354 – 430 ميلادية) الذي سيأتي فيما بعد بالطبع . وفي عمل جاستن الدفاعي حديث عن “ الدين الصحيح الصادق ” وبالطبع السابق على المسيحية وفيه شمول إلى كل من سقراط (469 – 399 ق.م) وإفلاطون (427 – 347 ق.م) وذلك على إن تفكيرهم شكلاً من أشكال الفكر المسيحي السابق على المسيحية . للتفاصيل أنظر : 1 – ديفيد روكيا ؛ الشهيد جاستن واليهود ، دار نشر برليل سنة 2002 . 2 – هالمت كوستر ؛ الأناجيل المسيحية القديمة : تاريخها وتطورها ، مطبعة الثالوث سنة 1990 . 3 – آرثر بيلنزوني ؛ أقوال اليسوع في كتابات الشهيد جاستن ، دار نشر بريل سنة 1967 .

 – آني بيزنت ؛ المسيحية : براهينها ، إصولها ، أخلاقها وتاريخها ، دار نشر أر فوردر ، لندن سنة 1893 ، ص 261 . [65]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المسيحية : آدلتها ، إصولها ، آخلاقها وتاريخها (مصدر سابق) .  [66]

 – أنظر المصدر السابق ، القسم الأول ، ص ص 193 – 349 . ولاحظنا إن منهجية آني بيزنت في الكتابة تعتمد النفس الطويل وهو نهج متعب [67]

للقارئ الأكاديمي المتخصص ، وربما هذه السمة تجعلها معوق كبير للقارئ العادي . وبالطبع نجد من الضروري أن نُخبر القارئ إلى ترقيم المجلد الأول إستمر وإمتد ليتواصل مع ترقيم المجلد الثاني . وهكذا يلحظ القارئ إن المجلد الثاني بدأت صفحاته بالرقم الذي حمل (صفحة 193) . 

 – المصدر السابق ، ص 193 . [68]

 – المصدر السابق ، ص 193 ذاتها . [69]

 – المصدر السابق . [70]

 – المصدر السابق .[71]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المسيحية : براهينها … (مصدر سابق) ، ص ص 235 – 236 . [72]

 – المصدر السابق ن ص ص 193 – 194 . [73]

 – المصدر السابق ، ص 194 . [74]

 – المصدر السابق . [75]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المسيحية وحكاية الإناجيل الأربعة والعدد اللامحدود من الأناجيل (؟) ، بحث واسع تحت الإنجاز .[76]

والحقيقة نفكر بنشره ربما بصورة حاقات ..  

 – أنظر : مارك بيفر ؛ صناعة الإشتراكية البريطانية ، مطبعة جامعة برنستون سنة 2011 ، ص 202 . [77]

 – أنظر : ماري لايتنس : كريشنامورتي : سنوات اليقضة (مصدر سابق) ، ص 13 . [78]

– أنظر : آني بيزنت ؛ السيرة الذاتية (مصدر سابق) ، الفصل الثالث عشر ، ص 379  .  [79]

 – المصدر السابق ، ص ص 380 – 429 . [80]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل العاشر وبعنوان ” الحرب حولك ” والفصل الحادي عشر وبعنوان ” كفاح السيد برادلف ” . [81]

 – جمعية التصوف وهي منظمة تأسست في بداية الربع الأخير من القرن التاسع عشر . وكان هدفها تعزيز مكانة التصوف . وتعرضت المنظمة  [82]

الأصلية إلى إنقسامات حادة . واليوم لها العديد من الخلفاء والأتباع . وكان تأسيسها بصورة رسمية في مدينة نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد في 17 نوفمبر سنة 1875 ومن قبل كل من هيلينا بتروفونا بلافاتسكي ، والكولنيل هنري ستيل أولكوت ووليم جاج وآخرون . ولعل من السمات التي تميزت بها هذه المنظمة ، هي إنها كانت ” هيئة غير طائفية ، ضمت مجموعة من الباحثين عن الحقيقة (أو الصدق) . وكانوا يتطلعون إلى تأسيس نوع من الإخوة وأهدافهم خدمة الإنسانية ” . وكان الكونوليل هنري أولكوت أول رئيس لها وظل رئيساً لها حتى وفاته سنة 1907 . وبعد سنوات هاجر أولكوت وبلافاتسكي إلى الهند وأسسوا مراكز عالمية لجمعية التصوف في أداير – الهند . كما وكانت لهم إهتمامات بدراسة الأديان القديمة . وهذا فعلاً كان جزء من برنامج جمعية التصوف . أما أهداف جمعية التصوف ، فهي أولاً – تكوين إخوة إنسانية عالمية ، دون تمييز في الجنس والعقيدة والطبقة واللون . ثانياً – التشجيع على دراسة الأديان المقارنة ، الفلسفة والعلم . ثالثاً – البحث والتحقيق عن تفسير للقوانين الطبيعية والقوى الكامنة في الطبيعة الإنسانية . ولما كانت الجمعية غير طائفية ، فهناك دستور وقواعد للجمعية . وكان لها فروع في إنكلترا وأمريكا وإيرلندا . ومن ثم تحولت الجمعية إلى حركة وبالتحديد خلال الفترة ما بين عام 1875 وحتى عام 1950 . للتفاصيل أنظر : 1 – هنري ستيل أولكوت ؛ دستور وقواعد جمعية التصوف ، دورية المتصوف ، المجلد الثاني عشر ، العدد الرابع ، سنة 1891 ، ص ص 65 – 72 . 2 – جوردن مليتون (الإشراف) ؛ جمعية التصوف ، إنسكلوبيديا عصر جديد ،هيلز فرامنغتون ، مشيغان سنة 1990 ، ص ص 458 – 461 . 3 – هيلينا بلافاتسكي ؛ ثلاثة مصادرات للعقيدة السرية ، العقيدة السرية : تركيب العلم ، الدين والفلسفة ، شركة التصوف للنشر ، لندن سنة 1888 ، ص ص 14 – 20 . 4 – بيتر واشنطن ؛ الصبيان والألهة : مدام بلافاتسكي بابون : تاريخ التصوف ، الوسطاء الروحانيين ، غير الأسوياء : من جلب الروحانية إلى أمريكا كتب سكوكن ، نيويورك سنة 1995 ، ص ص 126 – 144 .

 – آني تايلور ؛ آني بيزنت (1847 – 1933) ، معجم أكسفورد للسير القومية ، مطبعة جامعة أكسفورد سنة 2004 (متوافر أون لاين) . [83]

 – أنظر : إيميت غرينواط ؛ جماعة لوما في ولاية كليفورنيا (1897 – 1942) : التجربة الصوفية ، مطبعة جامعة كليفورنيا سنة 1955 ، ص [84]

10 ./ والمعرض العالمي الكولومبي في شيكاغو هو إستعراض إنعقد في شيكاغو سنة 1893 وذلك للإحتفال بمرور 400 سنة على وصول الإيطالي كريستفور كولومبوس (1451 – 1506) إلى العالم الجديد سنة 1492 . وإنتهت الإحتفالات قبل موعدها بسبب إغتيال المحافظ السير كارتر هاريسون (1825 – 1893) أي قبل يومين من نهاية الإحتفال الرسمي . للتفاصيل أنظر : ستانلي أيبلبيوم ؛ معرض شيكاغو العالمي لسنة 1893 ، دار نشر دوفر ، نيويورك سنة 1980 .   

 – أنظر : راجماهون غاندي ؛ غاندي : الإنسان ، شعبه والإمبراطورية ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 2006 . [85]

 – أنظر : آني تايلور ؛ آني بيزنت (مصدر سابق) . [86]

 – أنظر : مارك بيفير ؛ صناعة الإشتراكية البريطانية ، مطبعة جامعة بريستون ، سنة 2011 ، ص 202 . [87]

 – أنظر : كارول هانبيري ماككي ؛ السلبية الخلاقة : أربعة نماذج فيكتورية حول تحقيق مطالب المرأة ، مطبعة جامعة ستانفورد سنة 2001 ، ص[88]

ص 116 – 117 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المسيحية : شواهدها (إدلتها) ، إصولها ، آخلاقيتها وتايخها ، سلسلة نصوص المفكرين الأحرار ، دار نشر أر. دفورد ، [89]

سنة 1893 (مجلدان وتألف من 478 صفحة) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الزواج : في الماضي ، الحاضر وفي المستقبل ، سنة 1878 (تألف من 60 صفحة) . [90]

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ طريقي إلى الإلحاد ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن  سنة 1885 (تألف من 300 صفحة) . [91]

 – أنظر : س . برادلف وآخرون ؛ المنبر الإلحادي : إثنتا عشرة محاضرة ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1884 (تألف من 192 صفحة) . [92]

وكانت محاضرة آني بيزنت الخامسة والتي شغلت الصفحات 66 – 80 .

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ قانون السكان : عواقبه وأثاره على السلوك الإنساني والأخلاق ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1887 (تالف من [93]

84 صفحة ) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مقاطع من الإوتوبايوغرافي (السيرة الذاتية) ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1885 . [94]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 3 – 169 . [95]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ لماذا أنا إشتراكية ، الناشران آني بيزنت وتشارلز برادلف ، لندن سنة 1886 وهو مقال تألف من ثمانية صفحات والمقال [96]

أمامنا بأوراقه الثمانية الصفراء . وإن هناك إشارة في فهرست المقال تذكر بإنه تكون من عشرة صفحات . وهذا أمر يُثير حيرة القارئ الأكاديمي .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ لماذا أصبحت متصوفة ، مطبعة أيرن ، نيويورك سنة 1890 (تألف من 28 صفحة) . [97]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المبادئ السبعة للإنسان ، جمعبة التصوف للنشر ، لندن ، دار نشر الطريق ، نيويورك سنة 1892 تألف من 97 صفحة) . [98]

 – أنظر : آني بيزنت (المترجمة) ؛ البهاغافاد غيتا أو أغنية الرب ، جمعية التصوف للنشر ، دلهي ، جمعية التصوف ، بيرنيز ، وجمعية التصوف[99]

، المدرسة – آديرا ، سنة 1895 . وضمت إهداء وجاء فيه ” إلى كل الطامحين في الشرق والغرب ” . مع مقدمة كتبتها آني بيزنت (ص ص 5 – 12 حسب الترقيم اللاتيني . ومن ثم الترقيم يقفز إلى النظام الإنكليزي ويستمر في تسلسله) . وتكون الكتاب من ثمانية عشرة خطاباُ (أو مناجاة) والشخصيتين المهيمنتين ، هما سانجايا وآرجونا . والخطاب الأول تكون من عشرة صفحات (ص ص 13 – 23) . وتلاه الخطاب الثاني (ص ص 24 – 39) ، والخطاب الثالث (ص ص 40 – 48) ، والخطاب الرابع (ص ص 49 – 57) ، والخطاب الخامس (ص ص 58 – 64) ، والخطاب السادس (ص ص 65 – 74) ، والخطاب السابع (ص ص 75 – 80) ، والخطاب الثامن (ص ص 81 – 86) ، والخطاب التاسع (ص ص 87 – 94) ، والخطاب العاشر (ص ص 95 – 102) ، والخطاب الحادي عشر (ص ص 103 – 117) ، والخطاب الثاني عشر ( ص ص 118 – 121) ، والخطاب الثالث عشر (ص ص 122 – 128) ، الخطاب الرابع عشر (ص ص 129 – 134) ، والخطاب الخامس عشر (ص ص 135 – 139) ، والخطاب السادس عشر (ص ص 140 – 145) ، والخطاب السابع عشر (ص ص 146 – 151) وجاء أخيراً الخطاب الثامن عشر (ص ص 152 – 168) . والحقيقة هناك ما يشبه الخاتمة الموجزة للكتاب حيث جاء فيها ” هكذا كما (جاء) في الأوبنشاد المجيد البهاغادفاد غيتا ، علم البراهمي ، كتاب اليوغا ، والحوار بين شيري كريشنا وأرجونا وخطاب التنوير الذي عنوانه : يوغا التحرير عن طريق التنازل والنكران ” . وهكذا كانت نهاية البهاغافاد غيتا . والسلام على كل الموجودات . وفي الهامش جاءت إشارة إلى جمعية النساء للنشر المحدودة ، 66 ، وايتكومب (أنظر : المصدر السابق ، ص 168) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الكارما ، فاسميل ، سنة 2015 (وتألف من 93) . وهو إعادة نشر للنسخة الأصلية لعام 1895 . ومن ثم ظهرت نشرة أخرى[100]

سنة 1905 (أنظر : آني بيزنت ؛ الكارما ، جمعية التصوف للنشر ، سنة 1905 وتألف من 77 صفحة) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الحكمة القديمة ، دار نشر التصوف ، آداير سنة 1911 (تألف من مقدمة وإثنتا عشر فصلاً) . وجاءت الخاتمة بعبارة ” [101]

السلام على كل الموجدات ” ، ص 328 . وإحتوت الطبعة الأصلية للكتاب على مدخل واسع وبعنوان وحدة كل الأديان (وتطلق آني بيزنت عليها إصطلاح ” أديان الأخوة ” . وتألف هذا المدخل بحد ذاته من 39 صفحة ) . أنظر : المصدر السابق ، المدخل ، ملحق مع كتاب الحكمة القديمة . ونحسب إن من المفيد الإشارة إلى إن كتاب الحكمة القديمة تعرض إلى النقد والتقويم . أنظر مثلاً كتابات جيوفري فارثنغ (1909 – 2004) ونذكر منها كتابه الإلوهية ، الكون والإنسان ، نشرة بوينت لوما ، سنة 1993 (تألف من 253 صفحة) . للتفاصيل أنظر : كارلوس كاردوسو ؛ نار وضوء الأدب الصوفي ، سنة 2013 (تألف من 255 صفحة) . وأقترح هنا مقال جيوفري فارثنغ والذي حمل عنوان الإزدواجية الأثيرية : نتائج بعيدة نهضت على إفتراض زائف ، وفيه رد على آني بيزنت (وعدها من الجيل الثاني من المتصوفين) (متوافر أون لاين) . وهو مقال واسع وتفصيلي . ويبدو إنه منتزع من كتيب بعنوان عالم التصوف ، حزيران سنة 1995 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الدهرما أو الدرما ، دار نشر التصوف ، إديرا (الهند) ، سنة 1918 . وهو في الأصل ثلاثة محاضرات قدمتها في الإجتماع [102]

الدوري للقسم الهندي لجمعية التصوف ، والذي عُقد في بيرنيز في 25 ، 26 ، 27 إكتوبر سنة 1898 (متوافر أون لاين) . والدهرما أو الدرما هي دين هندي . وتعني القانون أو النظام الكوني .. للتفاصيل أنظر : باتريك أوليفل (الإشراف) ؛ الدهرما : دراسات في أبعادها السيمانطيقية وتاريخها الحضاري والديني ، دلهي سنة 2009 (كتاب جماعي تألف من 492 صفحة) .  

 – تشارلز ويبستر ليدبيتر (1854 – 1934) وكان عضو له وزن مؤثر في جمعية التصوف . وهو كاتب متخصص في شؤون الطوائف الدينية . [103]

كما وكان ناشطاً مع القس الأنجليكاني السابق جيمس إنجل يدجوود (1883 – 1951) المؤسس للكنيسة الكاثوليكية الليبرالية . وكان القس تشارلز ويبستر ليدبيتر في الأصل قس في الكنيسة الإنكليزية ، غير إن إهتمامه بالنزعة الروحية قاده إلى قطع كل روابطه بالمذهب الإنجليكاني ، ومن ثم فضل عليه جمعية التصوف . ومن ثم تحول ليُشارك إهتمامات آني بيزنت . وإحتل لاحقاً مكانة عالية في الترتيب الهرمي لجمعية التصوف . إلا إنه في عام 1906 إستقال من الجمعية بسسب فضيحة دارت حول إتهامات باللواط . وبعد إن أصبحت آني بيزنت رئيسة جمعية التصوف عاد إلى صفوف الجمعية . وتفرغ للكتابة فألف أكثر من 69 كتاباً وبامفلت (كتيب صغير) إضافة إلى مشاركته في إلقاء أحاديث دورية منتظمة . وفعلاً إن هذه المؤلفات والأحاديث أكدت مكانته كواحد من قيادي الجمعية وإستمر حتى وفاته عام 1934 . من أهم مؤلفاته الأولى ، كتابه الذي حمل عنوان الأحلام (1893) . ومنها كتابه الأخير والذي حمل عنوان الرُسل من عالم غير مرئي (1931) . للتفاصيل أنظر : جون جريجوري تيلات ؛ تشارلز ويبستر ليدبيتر 1854 – 1934 : دراسة بايوغرافية (سيرة ذاتية) ، ط1 ، مطبعة جامعة سدني ، سنة 1986 .

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر ؛ صور الفكر ، شركة نشر الندو – أوربية ، سنة 2012 (تألف من 96 صفحة) . [104]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المشكلة الدينية في الهند ، جمعية التصوف للنشر ، سنة 1909 . وهذا الكتاب في الأصل أربعة محاضرات قدمتها آني[105]

وود بيزنت خلال الدورة السادسة والعشرين لجمعية التصوف في آديرا ، المدرسة – الهند ، سنة 1901 . ولاحظنا إن المحاضرات والكتاب بينا إن آني بيزنت قد ركزت في محاضراتها على الإسلام إضافة إلى حديثها عن التصوف ، السيكية والجينيزم (تألف من 136 صفحة) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ قوة الفكر : سلطتها وثقافتها ، جمعية التصوف للنشر ، سنة 1901 (وضم عشرة فصول وتألف من 145 صفحة) . [106]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ دراسة في الوعي : مساهمة في علم السايكولوجيا ، جمعية التصوف للنشر ، سن 1904 (تألف من 463 صفحة ؟) . [107]

والكتاب أمامنا وبدأ بتصدير تقول فيه آني بيزنت ” إن هذا الكتاب هو جهد يتطلع إلى تقديم المساعدة إلى الطلبة في دراستهم إلى نمو وتطور الوعي … ” من تصدير الكتاب . والكتاب تألف من مدخل (ص ص 1 – 16) ومن ثم جاء عنوان دراسة الوعي وتكون من إثنتي عشر فصلاً ( ص ص 17 – 443 وليس 463) . وإنتهى الكتاب في ص 443 وبعبارة ” السلام على كل الموجودات ” وهي عادة آني بيزنت في كتابة ذلك في نهاية مجمل كتبها . كما لاحظنا في هذه النسخة إن هناك تخريب قد حدث على بعض الصفحات .

 – انظر : آني بيزنت ؛ المسيحية لفئة معينة : أو الأسرار الصغيرة ، جمعية التصوف للنشر ، سنة 1905 (تألف من 404 صفحة) . [108]

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر ؛ الكيمياء السرية ، ملاحظات مستبصر حول العناصر الكيمياوية ، جمعية التصوف للنشر ، لندن [109]

سنة 1919 . يبدأ هذا الكتاب المثير لكل قارئ تطلع أوراقه التي تجاوزت بمجملها المئة والعشرين صفحة بضمن ملحقها والبيانات . نقول يبدأ بمقدمة الناشر (ص ص 5 – 6) وهي صفحة ونصف الصفحة وجاءت بترقيم لاتيني . ومن ثم جاءت صفحة المحتويات ، وفيها إشارة واضحة تُدلل على إن الكتاب تكون من ثلاثة فصول غير متوازنة في عدد صفحاتها . وهذا ما سنبينه في هذه الصفحات . فمثلاً جاء الفصل الأول بعنوان جرد أو بحث أولي (ص ص 1 – 6 الترقيم الإعتيادي) . وتلاه الفصل الثاني بعنوان تفاصيل البحث المبكر (ص ص 7 – 14) . وتبعه عنوان موضوع جديد يُير الكثير من التساؤل والإستفهام (؟) وبعنوان الأجسام الصلبة الإفلاطونية (15 – 17) . ومن ثم لحقهما الفصل الثالث وبعنوان الباحثون المتأخرون (ص ص 18 – 109) . وهناك ملحق حمل عنوان أثير المكان (1 – 10 بنظام الترقيم اللاتيني) . وإنتهت بالإشارة إلى ” دار نشر أكسفورد ، لندن ” . ونحسب إن أوراق هذا الكتاب يحتاج إلى دراسة عربية معاصرة ، تقوم بمراجعته وتقويمه من زاوية علمية بحتة وخاصة من زاوية كيميائية وفيزياوية (وبالتحديد الأوزان الذرية التي وردت في قوائم متنوعة وأشكال وبيانات وتخطيطات مختلفة..) . وذلك لنعرف ما هو علمي حقاً وما هو مجرد فنطازيات محضة . 

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مدخل إلى اليوغا ، سنة 1908 . وهي مجموعة محاضرات قُدمت في الذكرى الثانية والثلاثين لتأسيس جمعية التصوف . [110]

وعُقدت في برنيز – الهند سنة 1907 .

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ المحاضرات الأسترالية ، شركة جورج روبرتسن المحدودة ، سدني سنة 1908 (تألف من 188 صفحة والحقيقة [111]

تكون من 163 صفحة وبضع صفحات إعلانات) . ومن الموضوعات التي عالجتها آني بيزنت ؛ المسيحية والتصوف (ص ص 1 – 25) ، هل نعيش على الأرض مرة ثانية ؟ (ص ص 26 – 54) ، الحياة بعد الموت (ص ص 55 – 79) ، قوة الفكر (ص ص 80 – 109) ، حراس (رعاة) الإنسانية (ص ص 110 – 137) ، قوى الطبيعة الرائعة (ص ص 138 – 163) . وهناك إعلانات وإنتهى الكتاب .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الإنسان وأبدانه (جسمه) ، دار نشر التصوف ، سنة 1896 ، أديرا ، المدرسة – الهند ، لندن إنكلترا ، سنة 1912 . وتكون [112]

من مقدمة ، ومدخل (أنظلر : آني بيزنت ؛ الإنسان وأبدانه ، ص ص 1 -4) ، الجسم الطبيعي (المصدر السابق ، ص ص 5 – 23) ، الثنائية الأثيرية (ص ص 24 – 32) ، السمو أو رغبة الجسم (ص ص 33 – 59) ، الأجسام العقلية (ص ص 60 – 81) ، أليات ووسائل أخرى (ص ص 82 – 84) ، هالة الإنسان (ص ص 85 – 89) ، الإنسان (ص ص 90 – 117) . وختمها ” بأن الحقيقة هي حياة واحدة ، وإن الإختلافات هي مجرد أوهام (يتطلب) قهرها ” (ص 117) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ دروس أولية حول الكارما ، دار التصوف للنشر ، آديرا (المدرسة) – الهند ، آذار سنة 1912 ، وأعيد نشره ، سنة 1919 . [113]

ومن ثم أعيد نشره حديثاً وبالإعتماد على النشرة الأصلية لسنة 1919 ، وهي نشرة مجازة (والمشهورة برموزها المختصرة أل أل سي)، سنة 2014 (وتألف من 22 صفحة) .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ دراسة في الكارما ، دار التصوف للنشر ، ط2 ، سنة 1917 . ومن ثم ظهرت نشرة حديثة معاصر (أنظر : آنب بيزنت ؛ [114]

دراسة في الكارما ، كريت سبيس ، بلاتفورم للنشر المستقلة ، سنة 2016) وتألف من 48 صفحة .

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ البداية وكمال الإنسان ، ط 1 ، جمعية التصوف للنشر ، لندن سنة 1912 (وتألف من 131 صفحة) . ووردت إشارة [115]

في نشرات الكتاب ” إلى إن الكتاب الأصلي نُشر قبل سنة 1923 ” . ولاحظنا إن الكتاب بنشرة سنة 1912 ، متوافر للقراء على اللاين .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ حياة الإنسان في هذا العالم والعوالم الأخرى ، دار نشر التصوف ، آديرا ، المدرسة – الهند ، سنة 1913 (وتألف من 101 [116]

صفحة) .  

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر ؛ الإنسان : من أين ، كيف وإلى أين ، وسجلات عراف التحقيق ، دار التصوف للنشر ، دايرا ، [117]

المدرسة – الهند ، لندن سنة 1913 (وتألف من 524 صفحة) . والكتاب هو دراسة للعصور المبكرة وسلاسل الكواكب ، وبدايات جذور الأجناس والمدنيات والإمبراطوريات الأولى والحياة الماضية للإنسان .

 – آني بيزنت ؛ عقيدة القلب ، مقتطفات من رسائل الهندوس (مع تصدير بقلم آني بيزنت) ، دار نشر التصوف ، آديرا ، سنة 1920 . وتقدم [118]

الكتاب ما يشبه ” الإهداء ” يقول ” تعلم وميز بين ما هو حقيقي ، وبين ما هو زائف كاذب ، وبين ما هو عابر وما هو أزلي . وتعلم قبل كل شئ التمييز بين ما تتعلمه من الرأس ، وما تتعلمه من حكمة الروح . وتعلم ما يأتي من العين ، وما يأتي من عقيدة ” القلب ” . إنه صوت الصمت . ونحسب إن من المناسب أن نذكر أشياء عن منهجية آني بيزنت في تأليف هذا الكتاب . الحقيقة إنها إعتمت على منهج كتابة الفقرات . فمثلاً التصدير تكون من ست فقرات تفاوتت في طولها إلا إنها لم تتعدى أطولها صفحة واحدة من كتاب مطبوع . وبالطبع الفقرة السادسة حملت إسمها . أمن نص الكتاب والذي حمل عنوان عقيدة القلب فقد تكون من ثمانية وسبعين فقرة . وإستمر الترقيم الذيبدأته آني بيزنت مع التصدير ، فكانت الفقرة السابعة خاصة بعنوان ” عقيدة القلب ” . ومن ثم إستمر الترقيم حتى وصل إلى الفقرة رقم 84 وهي الفقرة الأخيرة . وعلى أساس هذا الحساب ، فإن نص ” عقيدة القلب ” لوحده تكون من ثمانية وسبعين فقرة . وتفاوت حجمها ما بين نصف وربع صفحة على الأغلب . وبالطبع هناك فقرات تتألف من مجرد أسطر محدودات . وجاءت خاتمة الكتاب بعبارتها المشهورة ” السلام على كل الموجودات ” . وهي العبارة التي لاحظنا لم تظهر في نهاية كل نصوص آني بيزنت .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مُستقبل السياسات الهندية : مُساهمة في فهم المشكلات اليومية الراهنة ، دار نشر التصوف ، ىديرا – الهند ، سنة [119]

1922 (وتألف من 372 صفحة) . وهناك إشارة أثارت بعض الظنون حول دقتها وخصوصاً حديثها عن التواريخ ، فقد ذهبت إلى إن الكتاب يتعلق ” بالسياسات والحكومة خلال الفترة من 1919 – 1947 ” والفترة الأولى ” أي 1919 مقبولة تماما وذلك لأن تاريخ نشر الكتاب كان سنة 1922 . إلا إن الإشكال في التاريخ الثاني ” 1947 ” والذي يتعارض بصورة صارخة مع تاريخ نشر الكتاب سنة 1922 . فكيف هذا حدث ؟؟ . هذا طرف . والطرف الثاني إن كتاب مستقبل السياسات الهندية بطبعته سنة 1922 ، أمامنا ونحن نُقلب فيه ولم نلاحظ أي إشارة إلى السنوات ” 1919 – 1947 ” على الإطلاق . والمهم لدينا إن هناك إشارة ظهرت على الصفحة الأولى من نشرة 1922 ، تذهب إلى إن آني بيزنت كانت ” زميلة في جامعة بيرنيز .. وزميلة في الجامعة القومية ” . أنظر : المصدر السابق ، الصفحة الأولى من كتاب ” مستقبل السياسات الهندية ” . وتلت ذلك صفحة وجاء فيها ” حقوق الإستنساخ في إنكلترا ، الهند والولايات امتحة الأمريكية ” . ومن ثم تلت ذلك صفحة تشبه الإهداء وجاء فيها ” إلى الوطن الأم الأراي وإلى عالم الكومنولث القادم ، وإلى كل أطفال الوطن الأم من البيض والملونيين . والذين عملوا وتألموا وماتوا ، وكذلك الصعوبات التي يواجهها الجميع والذين يعيشون لأجل الوطن الأم . وكلهم حب وإخلاص ويعتقدون بمستقبلها وخدمتها . دعنا نضع على اقدامها هذا الكتاب الصغير ” . وتبع ذلك التصدير (ص ص 5 – 6) وبالتلاقيم اللاتيني . والتصدير يشبه في أطراف منه المدخل إلى الكتاب حيث فيه كلام عن فصول الكتاب بصورة موجزة وقضايا أخرى تتعلق بالهند وعلاقتها ببريطانيا . ومن ثم جاءت صفحة المحتويات وفيها تفصيل بالموضوعات التي درسها كتاب ” مستقبل السياسات الهندية ” . وتلا ذلك المدخل وبعنوان ” نظرة عامة ” (أنظر : آني بيزنت ؛ مستقبل السياسات الهندية ، ص ص 1 – 24) . ومن جاءت فصول الكتاب التسعة وبالصورة الأتية ؛ الفصل الأول وبعنوان خطوة بعد خطوة (ص ص 25 – 66) ، الفصل الثاني بعنوان الإنطلاقة الجديدة (ص ص 67 – 84) ، الفصل الثالث وبعنوان الإهتياج الكبير (ص ص 85 – 97) ، الفصل الرابع وبعنوان الإهتياج الكبير ، وهو إستمرار إلى الفصل الثالث وفيه تغطية للإهتياج في مناطق هندية أخرى (ص ص 98 – 129) ، الفصل الخامس وبعنوان روح الهند الجديدة (ص ص 130 – 195) . والحقيقة هذا الفصل ضم أطرافاً في غاية الأهمية ، منها : يقضة آسيا (ص ص 132 – 138) ، مناقشة واسعة حول القاعدة الإجنبية والتركيب الغريب (ص ص 138 – 147) ، تلاشي اللإعتقاد بروحانية الجنس الأبيض (ص ص 148 – 153) ، يقضة التجار (ص ص 153 – 170) ، ومن ثم جاء محور بالغ الأهمية في تاريخ الهند وبعنوان يقضة المرأة (ص ص 170 – 175) ، يقضة الشعب عامة (ص ص 175 – 181) ، مطالب الهند (ص ص 182 – 195) .   ومن ثم جاء الفصل السادس وبعنوان الكفاح حول الإصلاحات (ص ص 196 – 222) ، الفصل السابع وبعنوان الحركات الثورية (ص ص 223 – 259) ، الفصل الثامن وبعنوان القرار الذاتي والحكومة الذاتية (ص ص 260 – 293) ، ومن ثم جاء الفصل التاسع وبعنوان في عالم الكومنولث أو الإنفصال (ص ص 294 – 318) . وختمت آنب بيزنت كتابها بعبارتها المشهورة والقائلة ” السلام على كل الموجودات ” (ص 316) . وكان هناك ملحق وهو في الأصل 1 – كتيب حول الحكومة الذاتية في الهند ، طبع سنة 1915 (ص ص 319 – 323) . 2 – كتيب بعنوان قاعدة الوطن والإمبراطوريات ، وهي محاضرة قدمتها سنة 1916 (ص ص 324 – 334) . وإنتهى الكتاب بفهرست (ص ص 335 – 351) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ حياة وتعاليم محمد (نبي الإسلام) ، دار نشر التصوف ، آديرا (المدرسة) – الهند سنة 1932. [120]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ حياة محمد وتعاليمه (نبي الإسلام) ، آديرا – الهند سنة 2013 . [121]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الذاكرة وطبيعتها ، سلسلة كُتيبات آديرا ، دار نشر التصوف ، آديرا (المدرسة) – الهند ، نوفمبر سنة 1935 . [122]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المصدر السابق ، ص 2 . [123]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المصدر السابق ، ص ص 23 – 24 . [124]

 – أنظر : أني بيزنت ؛ المصدر السابق ، ص ص 56 – 57) . [125]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1 – 40 . [126]

 – أنظر المصدر السابق ن ص ص 41 – 68 . [127]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 1 . [128]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 3 – 6 . [129]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 7 – 10 . [130]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 11 – 14 . [131]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 14 – 19 . [132]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 19 – 23 . [133]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 23 – 29 . [134]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 29 – 32 . [135]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 32 – 35 . [136]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 35 – 37 . [137]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 37 – 40 . [138]

 – المصدر السابق ، ص 40 .[139]

 – المصدر السابق . [140]

 – المصدر السابق ، ص ص 41 – 44 . [141]

 – المصدر السابق ، ص 42 . [142]

 – المصدر السابق ، ص ص 48 – 58 . [143]

 – المصدر السابق ، ص ص 58 – 62 . [144]

 – المصدر السابق ، ص ص 62 – 68 . [145]

 – أنظر : هلينا بتروفونا بلافتسكي وآني بيزنت ؛ الذاكرة وطبيعتها ، ديسمبر 2005 (وتألف من 81 صفحة) . ولاحظنا في إعلانات كثيرة يُشار إلى[146]

هلينا بلافتسكي مؤلفاً مشاركاً . ولعل المدهش هو ظهور إسم هلينا بلافتسكي منذ طبعة دار نشر التصوف ، سنة 1935 . بينما في إعلان الأمزون ظهرت آني بيزنت مؤلفاً وحيداً وهي بالطبع نشرة دار التصوف سنة 1935 . إنه أمر غريب يُثير الحيرة الدائمة .

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ الخطيئة والجريمة : طبيعتها وعلاجها ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1885 (تألف من 24 صفحة) . [147]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ وجهة نظر الله حول الزواج كما جاء في العهد القديم ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1890 (تألف من 16 صفحة) . [148]

 – والأنسة فرنسيس بور كوبي (1822 – 1904) هي كاتبة إيرلندية فمنستية ، ومصلحة إشتراكية ، وهي قائدة ورمز كبير لحملة تحرير  [149]

المرأة . وأصبحت في عام 1898 عضو المجلس التنفيذي للجمعية القومية لتحرير المرأة في لندن . وهي مؤلفة للعديد من الكتب والمقالات منها : النظرية الحدسية للأخلاق (1855) ، حول نشاط النساء (1863) ، مدن الماضي (1854) ، المجرمون ، البلهاء ، النساء والقاصرون (1869) ، الدارونية والأخلاق (1871) ، الروح العلمية للعصر (1888) . للتفاصيل أنظر : 1 – بربارا كين ؛ الفمنستيات في العصر الفيكتوري ، أكسفورد سنة 1992 . 2 – سوزان هاملتون ؛ فرنسيس بور كوبي والفمنستية الفيكتورية ، دار نشر ماكميلان ، سنة 2006 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ عالم بدون الله : رد على الإنسة فرنسيس بور كوبي ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1885 (تألف  من 20 صفحة) . [150]  

 – أنظر آني وود بيزنت ؛ الحياة ، الموت والخلود ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1886 . [151]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ التصوف (1925 ؟) ورد في قوائم كتُيبات آني بيزنت . هذا كل ما توافر لدينا عن هذا الكتاب . [152]

 – أنظر : آني بيزنت ، العالم وإلهه (1886) . [153]

 – أنظر : آني وود بيزنت والقس جورج فردريك هاندل روي ؛ الإلحاد والأخلاق : مناظرة بين آني بيزنت وجورج هاندل روي ، شركة نشر الفكر [154]

الحر ، لندن سنة 1887) (تألف من 39 صفحة) .  

 – أنظر : آني بيزنت والقس جورج فردريك هاندل روي ؛ تعاليم المسيحية : مناظرة بين آني بيزنت والقس جورج فردريك هاندل روي ، سنة [155]

1887 . (كما جاء في إعلان الأمزون عن الكتاب) .

 – آني بيزنت ؛ حول العذاب الآبدي (بدون تاريخ) جاء ذكره عند : آني بيزنت ؛ الكتابات الصوفية ، وهو مجرد جرد لكتاباته (أون لاين) . [156]

 – أنظر : ج . جوردن ميلتون (الإشراف والتقديم) ؛ إصول التصوف : سنوات الإلحاد ، سلسلة إحياء روتليدج ، سنة 1990 .[157]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ إنجيل المسيحية وإنجيل الفكر الحر ، إصول التصوف : سنوات الإلحاد (المصدر السابق) ، ص ص 1 – 16 . ونُشر سابقاً[158]

في كتيب مستقل ، أنظر : آني بيزنت ؛ إنجيل المسيحية وإنجيل الفكر الحر ، شركة الفكر الحر للنشر ، سنة 1883 .  

 – أنظر : أني بيزنت ؛ العقيدة المسيحية ، إصول التصوف (مصدر سابق) ، ص ص 17 – 106 . وقارن ذلك : آني بيزنت ؛ العقيدة المسيحية  [159]

أو ما هو التجديف (الإلحاد) ؟ وماذا ينكر ؟ ، شركة الفكر الحر للنشر ، سنة 1883 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ عالم بدون الله ، إصول التصوف (مصدر سابق) ، ص ص 107 – 126 . وقارن ذلك : آني بيزنت ؛ عالم بدون الله ، [160]

شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1885 (تألف من 20 صفحة) .  

 – إنظر : آني بيزنت ؛ مسيح الأناجيل وأثره على المسيحية ، إصول التصوف (مصدر سابق) ، ص ص 127 – 198 . وقارن : أني بيزنت ؛ [161]

مسيح الأناجيل وأثره على المسيحية ، سنة 2016 .

 – آني بيزنت ؛ العالم وآلهته ، إصول التصوف (مصدر سابق ) . وقارن ذلك : آني بيزنت ؛ العالم وآلهته ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن [162]

سنة 1886 (تألف من 24 صفحة) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الحياة ، الموت والخلود ، إصول التصوف (مصدر سابق) ، ص ص 223 – 238 . وقارن : آني بيزنت ؛ الحياة ، الموت [163]

والخلود ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1886 .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ البايولوجية الإنجيلية ، إصول التصوف (مصدر سابق) ، ص ص 239 – وما بعد . وقارن ذلك : آني بيزنت ؛ [164]

البايولوجية الإنجيلية : مُساهمة إلى العلم اللاديني ، شركة الفكر الحر ، لندن سنة 1886 (تألف من ثمانية صفحات) والكتاب أمامي بصفحاته الثمانية ومجلد بكارتون أسود .

– أني بيزنت ؛ البايولوجية الإنجيلية : مُساهمة إلى العلم اللاديني ( المصدر السابق) ، ص 1 . [165]

– آني بيزنت ؛ أعباء العمل ، إصول التصوف (مصدر سابق) ، ص ص 247 – وما بعد . وقارن ذلك : آني بيزنت ؛ أعباء العمل ، منشور : آني [166]

بيزنت : خطايا الكنيسة : التهديد والذبح ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1886 ، ص ص 47 – 112 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مخلوق ولي العهد والبرلمان ، إصول التصوف (مصدر سابق) ص ص 263 – وما بعد . وقارن ذلك : آني بيزنت ؛ [167]

مخلوق ولي العهد والبرلمان ، منشور : آني بيزنت : خطايا الكنيسة : التهديد والذبح (مصدر سابق) ص ص 113 – 128 . وهذا الكتاب من الكتب الخطيرة في تاريخ الكنيسة عامة والعصر الفيكتوري خاصة . ويحتاج إلى ترجمة عربية .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ لماذا أنا لا أعتقد بالله ، إصول التصوف (مصدر سابق) ص ص 279 – وما بعد . وقارن ذلك : آني بيزنت ؛ لماذا أنا [168]

لا أعتقد بالله ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1887 (تألف من 23 صفحة) .

 – آني بيزنت وجورج هاندل روي ؛ تعاليم الكنيسة : مناظرة بين آني بيزنت وجورج هاندل روي ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1887 . [169]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ ثمار المسيحية ، منشور عند : آني بيزنت ؛ إصول التصوف (مصدر سابق) ، ص ص 361 – وما بعد . وقارن ذلك : آني [170]

بيزنت ؛ ثمار المسيحية ، الجمعية العلمانية الوطنية / شركة الفكر الحر للنشر ، لندن (تألف من 14 صفحة) .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ التقدم المسيحي ، إصول التصوف  (مصدر سابق) . وقارن ذلك عند : آني بيزنت ؛ التقدم المسيحي ، شركة الفكر الحر [171]

للنشر ، ط2 ، لندن سنة 1883 (تألف من 15 صفحة) .

 – آني وود بيزنت ؛ خطايا الكنيسة ؛ التهديدات والمجازر ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1886 (تكون من 128 صفحة) . [172]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 1 .[173]

 – المصدر السابق [174]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص  3 – 16 . [175]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 17 – 32 .  [176]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 33 – 48 .[177]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 49 – 64 . [178]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 65 – 70 . هنا كانت عدد الصفحات بمجموعها ست صفحات فقط وليس كما أشار ما يسمى التمهيد ،[179]

وهو إن كل كُتيب تألف من ستة عشرة صفحة . ولهذا نوهنا هنا . كما ولاحظنا إن الكتاب مزج أجزاء من كُتيب لصالح ولي العهد وضد الشعب في صفحات القسم الخامس مما خلق نوع من الشكوك حول منهجيته في تقسيم الكتاب إلى سبعة كُتيبات . ولهذا نرفع الإلتباس عند القارئ الكريم . إلا إننا إلتزمنا بمنهجيتنا وخرجنا بعض الشئ على منهجية الكتاب الأصلية وإضفنا رقم 8 لمعالجة الإشكالية في منهج الكتاب الأصلي ، وهو مزج أجزاء من موضوع التهديدات والمجازر (القسم الخامس والتي كانت صفحاته أقل من ستة عشرة صفحة) وأدخل عليها عنوان وأجزاء من مادة لصالح ولي العهد وضد الشعب (ليحل إشكالية النشر ومن ثم منهجيته في توزيع مادة الكتاب في سبعة كُتيبات) .  

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 71 – 80 . [180]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 81 – 96 . [181]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 97 – 112 . [182]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 13 – 128 . [183]

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ لماذا أنا أصبحت متصوفة ؟ نشر مكتب ” الطريق ” ، نيويورك سنة 1890 (تألف من 28 صفحة) . [184]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ لماذا أنا أصبحت متصوفة ؟ ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن ، سنة 1889 . وهي السنة التي يُرجح الكثير من الأكادميين [185]

الغربيين التي إلتحقت فيها إلى جمعية التصوف .

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ الأديان الأربعة الكبرى ، شركة التصوف للنشر ، لندن سنة 1887 (تألف من 197 صفحة) . وبالطبع الأديان الأربعة [186]

الكبرى حسب رأي آني وود بيزنت ، هى ” الهدوسية ، الزرادشتية ، البوذية والمسيحية ” . وهذه المحاضرات قُدمت لأول مرة في الذكرى الحادية والعشرين لتأسيس جمعية التصوف في آديرا ، المدرسة (الهند) سنة 1887 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الأديان الأربعة الكبرى : كلاسيكيات كوزمو للنصوص المقدسة ، شركة نشر كوزمو ، سنة 2005 (تالف من 208 [187]

صفحة) .  

 – أنظر : آني وود بيزنت ؛ الأديان الأربعة الكبرى : أربعة محاضرات ، ص ص 5 – 10 . [188]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 5 . [189]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 11 – 50 . [190]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 51 – 90 . [191]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 91 – 137 . [192]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 138 – 183 . [193]

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر ؛ الأديان الأخوة : الأسياد والرجل المتفوقون (السوبر) : مختصر النصوص الدينية الكونية [194]

والأخلاق ، وكتابات آخرى ، جمعية التصوف ، لندن سنة (195 ؟ هكذا وردت) وتكون من 16 صفحة .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ التصوف : وحدة أساسية للحياة القومية (أربعة محاضرات) ، دار نشر التصوف ، آديرا ، المدرسة (الهند) ، سنة [195]

1925 (تألف من 96 صفحة) . وهذه المحاضرات الأربعة قُدمت في بومباي في الذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس جمعية التصوف ، ديسمبر سنة 1924 (وبالإشتراك مع آخرين) من مجموعة دكتور جون كوبر للتصوف .

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر؛ أسس الأخلاق ، دار نشر التصوف ، آديرا ، المدرسة (الهند) سنة 1915 (مهوافر أون لاين) . [196]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ أسس الأخلاق  ، مطبعة بيلا ، سنة 2016 (ولم يظهر إسم تشارلز ويبستر ليدبيتر على الغلاف : لماذا ؟ لا أحد يعرف ! [197]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مكانة بريطانيا في الخطة الكبيرة : أربعة محاضرات ، دار نشر التصوف ،سنة 1921 . وهي محاضرات قُدمت في لندن  [198]

خلال حزيران وتموز سنة 1921 .

 – تألفت المحاضرة بصورتها المطبوعة من ثلاثة وعشرين صفحة (أو فقرة كبيرة) أنظر : آني بيزنت ؛ مكانة بريطانيا في الخطة الكبيرة (مصدر [199]

سابق) ، ص ص 1 – 23 .

 –  المصدر السابق ، الفقرة رقم 1 . [200]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 23 . [201]

 – المصدر السابق ، الفقرات رقم 24 – 53 . [202]

 – المصدر السابق ، الفقرات رقم 54 – 77 . [203]

 – المصدر السابق ، الفقرات رقم 78 – 104 . [204]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 104 . [205]

 – أنظر : آني بيزنت ، البعث ، شركة الفكر الحر للنسر (سلسلة منبر الإلحاد) ، لندن سنة 1886 . [206]

 – أنظر : آنب بيزنت وتشارلز ويبستر برادلف ؛ مكانة المرأة وفقاً إلى الإنجيل ، نشرة آني بيونت وتشارلز برادلف ، سنة 1885 (وتألف من [207]

ثمانية صفحات وضم ثمانية إقسام) .  

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز برادلف وتشارلز نولتن ؛ ثمار الفلسفة : مقالة حول سؤال السكان ، ط2 ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة [208]

1877 (تألف من 56 صفحة) .

 – برناد شو وآني بيزنت وآخرون ؛ مقالات فابية في الإشتراكية ، نشرة الجمعية الفابية ، لندن سنة 1920 (وتألف من 233 صفحة) . [209]

 – برنارد شو (الإشراف) ؛ مقالات فابية في الإشتراكية : كلاسيكيات كازمو ، شركة نشر كازمو ، سنة 2006 (تالف من 284 صفحة) . [210]

 – آني بيزنت ؛ أخلاق العقاب ، نشرة آني بزنت وتشارلز برادلف ، لندن سنة 1887 (وتألف من ثمانية صفحات) ومتوافر من مكتبة جامعة [211]

كليفورنيا – لوس إنجلس .  

 – آني بيزنت ؛ الخطيئة والجريمة : طبيعتها وعلاجها ، ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1995 (تألف من 24 صفحة) . [212]

 – آني بيزنت ؛ وجهة نظر الله حول الزواج (مهداة إلى اسقف مانشستر) ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1890 (تألف من 16 صفحة) . [213]

 – آني بيزنت ؛ عالم خال من الله : رد على الأنسة فرنسيس بور كوبي ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1885 ، (تألف من 20 صفحة) . [214]

 – آني بيزنت ؛ الحياة ، الموت والخلود ، شركة نشر الفكر الحر ، لندن سنة 1886 (تألف من 16 صفحة) . [215]

– آني بيزنت ؛ العالم وآلهته ، شركة نشر الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1886 (تألف من 24 صفحة) . [216]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ العالم والألهة اليهودية ، منشور عند : آني بيزنت ؛ العالم وآلهته (مصدر سابق) ، ص ص 5 – 11 . [217]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ العالم والآلهة الوثنية ، منشور عند : آني بيزنت ؛ المصدر السابق ، ص ص 11 – 13 . [218]

 – آنظر : آني بيزنت ؛ العالم والآلهة المسيحية ، منشور في : المصدر السابق ، ص ص 13 – 19 . [219]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ العالم وإله المحمدية (المصدر السابق) ، ص ص 19 – 24) . والكتاب الأخير كتاب جدا جدا خطير . [220]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المصدر السابق ، ص 24 . [221]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الإلحاد والأخلاق : مناظرة بين آني بيزنت ورجل الدين جورج فردريك هاندل روي ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن [222]

سنة 1887 , وجورج هاندل رجل دين / الكنيسة الإنكليزية (إنكلترا) . وكانت مقالات أني بيزنت أربعة ، وكانت ردود السيد روي أربعة . إلا إن رده الثالث حمل عنوان المقالة الثالثة ز وهذا يعني إنه إقتنع بمنهجية وعنواين آني بيزنت (لاحظ الصفحة اللاحقة مثلاً) .

 – أني بيزنت وجورج فردريك هاندل روي ؛ ألإلحاد و ما يحمله إلى الإخلاق : مناظرة بين آني بيزنت (الملحدة) ورجل الدين الإنكليزي جورج  [223]

فردريك هاندل روي (التوحيدي) ، ملاحظة تمهيدية (مقدمة الكتيب) ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1887 (تألف من 39 صفحة) .   

 – أنظر : مقالة آني بيزنت الأولى  ، المصدر السابق ، ص ص 3 – 7 . [224]

 – أنظر : رد السيد روي على مقالة بيزنت ، المصدر السابق ، ص ص 7 – 12 . [225]

 – أنظر : مقالة آني بيزنت الثانية ، المصدر السابق ، ص ص 12 – 17 . [226]

 – أنظر : الرد الثاني للسيد روي ، المصدر السابق ، ص ص 17 – 22 . [227]

 – أنظر : مقالة آني بيزنت الثالثة ، المصدر السابق ، ص ص 22 – 27 . [228]

 – أنظر : مقالة السيد روي ، المصدر السابق ، ص ص 27 – 31 . أرجو ملاحظة عنوان السيد روي فقد بدله من الرد إلى مقالة . [229]

 – أنظر : مقالة آني بيزنت الرابعة ، المصدر السابق ، ص ص 31 – 35 . [230]

 – انظر : مقالة السيد روي الرابعة ، المصدر السابق ، ص ص 35 – 39 . [231]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ حول العذاب الأزلي ، نشرة توماس سكوت ، لندن بلا تاريخ (وتألف من 23 صفحة) . [232]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ ثمار المسيحية ، نشرة الجمعية العلمانية الوطنية ن الرقم 10 ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن بلا تاريخ (تألف من [233]

14 صفحة) .

 – آني بيزنت ؛ ثمار المسيحية (مصدر سابق) ، ص 3 . [234]

 – آني بيزنت ؛ المصدر السابق ، ص 14 . [235]

 – آني بيزنت وكيث أي . هاشرد (رجل دين) ؛ مسيح الأناجيل وتأثيره على المسيحية : تقرير عن مناظرتين مسائيتيين (أو مناطرات [236]

الأربعاء) ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن . والمناظرة الأولى عُقدت في أربعاء 25 نوفمبر سنة 1880 . بينما أقيمت المناظرة الثاني في أربعاء 1 ديسمبر سنة 1880 (وتألف من ) . وأقيمتا في قاعة العلم رقم 142 . وبالمناسبة إن كيث أي . هاشرد هو مؤلف كتاب في صورة الإنسان : تأمل حول إنسانية المسيح ، دار نشر آرثر ستوكويل المحدودة ، سنة 2004 (تألف من 96 صفحة) .

 – أنظر : آني بيزنت وكيث هاشرد ؛ الليلة الأولى مسيح الأناجيل وشخصيته التاريخية ” ، منشور في ” مسيح الإناجيل وتأثيره على   [237]

(مصدر سابق) ، ص ص 3 – 35 .  المسيحية

 – أنظر آني بيزنت وكيث هاشرد ؛ الليلة الثانية تأثير المسيحية على العالم مؤذي وجارح ” منشور في ” مسيح الأناجيل وتأثيره على [238]

المسيحية (مصدر سابق) ، ص ص 37 – 72 .

 – انظر : آني بيزنت ؛ إنجيل المسيحية وإنجيل الفكر الحر ، شركة الفكر الحر للنشر ، سنة 1883 (وتألف من 16 صفحة) . [239]

  – أسقف بيتر بورو هو واحد من المنفذين للقانون في الكنيسة الإنكليزية وبالتحديد في محافظة كانتربري .  [240]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المصدر السابق ، ص 3 . [241]

 المصدر السابق ، ص 16 . [242]

 – المصدر السابق . [243]

 – أنظر : آني بيزنت (تصدير) ؛ عقيدة القلب : صوت الصمت ، مقتطفات من رسائل الهندو ، دار نشر التصوف ، آديرا ، المدرسة (الهند) ، [244]

سنة 1920 . وأعيد نشره سنة 1988 من الدار ذاتها (وتألف من 87 صفحة) .

 – البهاكتي هي كلمة سنسكريتية وتعني حرفياً ” العشرة ، المشاركة ، والولع (بأمر ما) ، الترحيب ، الإيمان أو الحب ، الإخلاص ، العبادة [245]

والتقوى . والبهاكتي في الهندوسية تُدلل على ” الإخلاص والحب إلى الإله الشخصي أو صورة الإله من قبل المخلص ” . وبهاكتي في الأديان الهندية ، هو ” الإخلاص العاطفي ” وخصوصاً إلى الإله الشخصي أو إلى الأفكار الروحانية . كما وإن مفهوم بهاكتي يشير إلى حركة ظهرت في الفترة ما بين القرن السابع والقرن العاشر بعد الميلاد في الهند . وهناك من يتحدث بأنها إستجابة إلى قدوم الإسلام إلى الأراضي الهندية . للتفاصيل أنظر : كاريل ويرنير ، الحب الإلهي : دراسات في البهاكتي وتصوف الإخلاص ، دار نشر روتليدج ، سنة 1995 .

 – أنظر : كرين بيشليز برينتيز ؛ تجسد البهاكتي ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2014 ، ص ص 15 – 24 . [246]

 – أنظر : ديفيد لورنزن ؛ الدين البهاكتي في شمال الهند : هوية الجماعة والفعل السياسي ، مطبعة جامعة ولاية نيويورك ، سنة 1995 ، ص   [247]

ص 1 – 2 .  

 – أنظر : كرين شومر ؛ القديسون : دراسات في تقليد الإخلاص في الهند ، سنة 1987 ، ص ص 1 – 2 . [248]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ عقيدة القلب (مصدر سابق) . [249]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ إنجيل الإلحاد : محاضرة ، شركة نشر الفكر الحر (تألف من ثلاثة عشرة صفحة) . [250]

 – آني بيزنت ؛ لماذا لا أعتقد بالله ، لندن سنة 1887 (مصدر سابق) . [251]

 – آني بيزنت ؛ إنجيل الإلحاد : محاضرة ، سنة 1877 (مصدر سابق) [252]

 – آني بيزنت ، كما كتبت (الإقتباس) . [253]

 – أنظر : تشارلز نولتن ؛ ثمار الفلسفة : رسالة حول سؤال السكان ، إشراف آني بيزنت وتشارلز بردلف ، بلاتفورم النشر المستقل [254]

(كريت سبس) سنة 2016 (تألف من 56 صفحة) وبالطبع أعادت نشره آني بيزنت وتشارلز برادلف وبعد سبع وعشرين سنة من وفاة الطبيب تشارلز نولتن . وظهرت نشرتهما في لندن سنة 1891. كما وكتب تشارلز نولتن كتاباً آخر وظهر بعنوان مبادئ المادية الحديثة ، دار نشر آدمز ، ماساشوستس ، سنة 1829 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ قانون السكان : أثاره وعواقبه على سلوك الإنسان والأخلاق ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1887 (وتألف من 40 [255]

صفحة) .  

 – أنظر : آني بيزنت ؛ قانون السكان : أثاره وعواقبه على سلوك الإنسان والأخلاق ، شركة الفكر الحر للنشر ، لندن سنة 1887 (وتألف من 40[256]

صفحة) .

 –  أنظر : آني وود بيزنت ؛ قانون السكان : أثاره وتبعاته على سلوك الإنسان والأخلاق ، كلاسيكيات الولايات المتحدة الأمريكية ، سنة 2013 ،[257]

(تألف من عشرين صفحة) .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ الزواج كما كان ، والأن وفي المستقبل ، ط2 ، سنة 1882 ، من مختارات كُتيبات آني بيزنت الإجتماعية والسياسية [258]

، إشراف جون سبفيلا ، نيويورك سنة 1970 .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مظاهر المسيح ، النشرة الأدبية المجازة ، سنة 2014 (وتألف من 30 صفحة) . [259]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مظاهر المسيح ، بامفلت آديرا ، الرقم 22 ، سنة 1912 (وتألف من 24 فقرة) وظهر على نشرة آون لاين ، معهد [260]

التصوف ، سنة 2009 ، الفقرة رقم 1 .

 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 23 . [261]

 – المصدر السابق ، الفقرة رقة 24 . [262]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ آديان الإخوة ، دار التصوف للنشر ، (بامفلت آديرا ، الرقم 24) ، ط1 ، آديرا ، المدرسة (الهند) ، شباط سنة 1913 .  [263]

ومن ثم أعيد نشره من جديد ، إكتوبر سنة 1919 . (وتألف من 31 صفحة) .

 – آني بيزنت ؛ آديان الإخوة (مصدر سابق) ، ص 1 . [264]

 – المصدر السابق ، ص ص 1 – 2  . [265]

 – المصدر السابق ، ص 2 . [266]

 – فاشنفز أو فاشنزم دراهما (الهندوسية) . وهي واحدة من التقاليد الكبيرة في الهندوسية وفي الشيفزم والسيكية . وكذلك يُطلق عليها بالعربية  [267]

فايشنافية . وأتباعها يسمون فاشنفز . وفاشنا هو الرب العالي . ومن كتبهم المقدسة الفيدا والأبنشياد .. للتفاصيل أنظر : كيفن فلود ؛ مدخل إلى الهندوسية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1996 .

 – شيفز أو شافزم وكذلك يُطلق عليها سافيزم . وهي فرع كبير من الدراهما (الهندوسية) . وشيفا هو الوجود المتعالي . وأتباع الشيفز يُطلق [268]

عليهم إسم الشافيز أو الشافيتز وهم يعتقدون إن ” الشيفا هو كل في كل ” وهو الخالق والحافظ والفاني لكل شئ . والذي يُعيد كل شئ إلى الحياة . وهو الذي يُخفي كل ذلك . والشافيزم مثل بعض أشكال الهندوسية الأخرى .. للتفاصيل أنظر : زايوك نيث (الإشراف) ؛ إصول وتطور الهندوسية ، مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك سنة 1989 .

 – آني بيزنت ؛ آديان الإخوة (المصدر السابق) . [269]

 – المصدر السابق . [270]

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر ؛ خلق الشخصية أو بناء الشخصية ، دار نشر التصوف للنشر ، آديرا ، المدرسة (الهند) سنة [271]

1951 (تألف من 95 صفحة) . والكتاب في الأصل محاضرة .

 – تشارلز ويبستر ليدبيتر (1854 – 1934) وهو واحد من الإعضاء المؤثرين في جمعية التصوف . ولد في 16 شباط سنة 1854 في      [272]

ستوكبورت (تشيشير – إنكلترا) . وكان الطفل الوحيد لعائلته . وعندما كان في الثامنة من عمره وبالتحديد في عام 1862 توفي والده بمرض السل وكان يومها يعمل كاتباً في مقاولات الخطوط الحديدية . وبعد تخرج تشارلز من المدرسة الثانوية وبتأثير عمه الإنجليكاني ، أصبح في عام 1879 قساً في الكنيسة الإنكليزية . إلا إن إهتمامه بالنزعة الروحانية سبب له القطيعة مع الكنيسة الإنجليكانية وبعدها فضل جمعية التصوف عليها . وهناك تعرف وإرتبط بصداقة طويلة بالفيلسوفة – المتصوفة آني بيزنت . ومن ثم ترقى إلى مواقع رفيعة في جمعية التصوف . إلا إنه في عام 1906 إستقال منها لفترة بسبب فضيحة إتهامه باللواط وحينها أصبحت آني بيزنت رئيسة جمعية التصوف . وكتب تشارلز ليدبيتر أكثر من 69 كتاباً وكُتيباً وألقى الكثير من المحاضرات . ورغم إن توقف لفترة من جمعية التصوف إلا إنه عاد إليها وإستمر فيها حتى وفاته سنة 1939 . من أهم مؤلفاته : الأحلام (1893) وهو من مؤلفاته الأولى . الحياة الخفية في الماسونية (1926) ، الروحانية والتصوف : فحص علمي ووصف دقيق (1928) ومن كتبه الأخيرة كتابه الذي حمل عنوان  رسائل من العالم اللامرئي (1931) . للتفاصيل أنظر : غريغوري جون تايلت ؛ تشارلز ويبستر ليدبيتر 1854 – 1934 : دراسة في السيرة الذاتية ، مطبعة جامعة سدني (قسم الدراسات الدينية) ، سنة 1986 .

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر ؛ خلق الشخصية (مصدر سابق) ، محاضرة آني بيزنت ، ص ص 1 – 41 .[273]

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر لبدبيتر ؛ خلق الشخصية (مصدر سابق) ، محاضرة تشارلز ويبستر ليدبيتر ، ص ص 41 – 64 . [274]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ العاطفة ، العقل والروحانية ، سلسة بامفلتز (كُتيبات) آديرا ، العدد (1) ، ط1 ، دار التصوف للنشر ، آديرا ، المدرسة [275]

(الهند) سنة 1911 . وتلته الطبعة الثانية في آذار سنة 1914 . (وتألف هذا الكُتيب من 35 صفحة) .

 – آني بيزنت ؛ العاطفة ، العقل والروحانية (المصدر السابق 1911) ، ص 1 . [276]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 5 ، 10 . [277]

 – المصدر السابق ، ص 35 . [278]

 – أنظر : فلورنس أم . فيرث (الإختيار والترتيب) ؛ أشعار فيثاغوراس الذهبية وشذرات فيثاغورية آخرى ، مع مدخل كتبته آني بيزنت ،  [279]

دار التصوف للنشر (الفرع الأمريكي) كروتنا – هوليوود ، سنة 1904 (سلسة كلاسيكيات النصوص المقدسة) . بالطبع متوافر أون لاين .

 – أنظر : آني بيزنت ؛ المستقبل القريب ومحاضرات آخرى ، جمعية التصوف للنشر ، لندن سنة 1911 . [280]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 5 (وترقيمها مختلف عن ترقيم الكتاب ، فقد تم إستخدام الأرقام اللاتينية) . [281]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1 – 25 . [282]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 26 –  . وفيه إشارات تتحدث عن الدين الإسلامي . وبلغة آني بيزنت ” إن المسيحية ليست الدين العالمي [283]

الأخير ” و” إنما النبي العظيم محمد كان الأخير ” (هكذا جاء في النص ، ص 26) . وذكرت آني بيزنت ” بأن دين المستقبل يجب أن تكون له فلسفة ، والسؤال ؛ ما هي الفلسفة ؟ هي جواب مقنع إلى العقل وإلى مجمل مشكلات الحياة ..” ص ص 35 – 40 . وإقترحت أن ” يكون لدين المستقبل فن ” وإن يهتم بالجمال (ص ص 40 – 43). وأن يكون لدين المسقبل ” علم ” (ص ص 43 – 46) .  

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 50 – 73 . [284]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 73 – 99 . [285]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 99 – 121 . [286]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 121 – 145 (وهو فصل في غاية الأهمية لمن يتطلع إلى ” أديان الإخوة ” ) . [287]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 145 – 176 . وفي حديث مهم لكل من يتطلع لمعرفة حياة التعايش بين المسلمين والهندوس وخصوصاً [288]

التعايش بين العوائل الهندية .. وقدوم نظام التربية والتعليم الإنكليزي والصحافة ونظام الضرائب ..

 – أنظر : آني بيزنت وتشارلز ويبستر ليدبيتر ؛ حياة الكيون ، معهد التصوف ، سنة 2009 ، وهو فايل ، وورد في قائمة مؤلفات تشلرلز [289]

ويبستر ليدبيتر (وكان تاريخ نشره سنة 1924) . وهناك جدل يدور حول شخصية القس السابق تشارلز ليدبيتر وخصوصاً جنسيته المثلية ومن ثم إستقالته من جمعية التصوف وبعد سنوات عاد إليها . وبالطبع هو الذي إكتشف الطفل الهندي جودو كريشنمورتي . أنظر للتفاصيل ؛ بيتر واشنطن ؛ المتصوفة مدام بلافتسكي ، لندن سنة 1993 ، ص 223 .  

 – متوافر (أون لاين) . [290]

 – للتفاصيل أنظر : ماري لوتنيز ؛ كريشنومورتي : سنوات اليقضة ، دار نشر كتب إيفون ، نيويورك سنة 1983 ، ص ص 20 – 21 ،  23 –  [291]

275 – 272  . 24 ،

 – أنظر : آني بيزنت ؛ بدايات الإنسان الكامل  ، نشر جمعية التصوف ، المدرسة ، آديرا (الهند) سنة 1912 . [292]

 – المصدر السابق ، ص 5 (حسب الترقيم اللاتيني) . [293]

 – المصدر السابق ، ص ص 1 – 23 . [294]

 – المصدر السابق ، ص ص 24 – 46[295]

 – المصدر السابق ، ص 24 . [296]

 – المصدر السابق ، ص ص 47 – 70 . [297]

 – المصدر السابق ، ص 53 . [298]

 – المصدر السابق ، ص 66 . [299]

 – المصدر السابق ، ص 60 . [300]

 – المصدر السابق ، ص ص 71 – 87 . [301]

 – المصدر السابق ، ص ص 88 – 105 .[302]

 – المصدر السابق ، ص ص 105 – 131 . [303]

 – أنظر : آني بيزنت ؛ مشكلات الحياة ، جمعية التصوف للنشر ، ط الأولى ، لندن سنة 1900 (وأعيد نشرها سنة 1912) . [304]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 5 – 7 . [305]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 9 – 31 . [306]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 31 – 71 . [307]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 71 – 81 . [308]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 81 – 90 . [309]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 90 – 99 . [310]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 99 – 109 . [311]

 – المصدر السابق ، ص 99 . [312]

 انظر المصدر السابق ، ص ص 109 – 116 . [313]

 – المصدر السابق ، التصدير ، ص 5 . [314]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ البحث المنطقي عند السهرودي ، مجلة الباحث ، بيروت – لبنان ، العدد الأول ، تشرين الثاني ، سنة [315]

1987 . وكذلك : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الجدل الثقافي عند العرب ، مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان سنة 1986 .

——————————————————————————————————————————————————

نُشِرت في Uncategorized | الوسوم: , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

الفيلسوف البريطاني جلبرت رايل ورائعته الأبستمولوجية مفهوم العقل

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(32)

مارس  – نيسان  2017


تصدر مرة كل شهرين

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء إبراهيم خليل

رئيس التحرير                     سكرتيرة التحرير

————————————————————————————–

الفيلسوف البريطاني جلبريت رايل

ورائعته الإبستمولوجية 

مفهوم العقل (1949) [1].

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————————————————————

تقديم :

  لاحظنا إنه إضافة إلى المدخل ألذي كتبته جولي تاني (ص ص 9 – 57) . فقد تقدم هذا المدخل المحتويات (ص ص 5 – 7 حسب الترقيم الروماني) . ولعل الملفت للنظر إنه تقدم هذه المحتويات عبارة إعلانية إعلامية للفيلسوفة الأمريكية الفيتجنشتاينية كورا دايموند[2] (1937 – ) والتي كانت تعمل يوم كتبت هذه العبارة في جامعة فرجينا وقالت دايموند فيها ” هذه نشرة إلى عمل رايل الكلاسيكي . وضم دراسة نقدية جوهرية كتبتها جولي تاني والتي سهلت فيها إعادة تقويم عمل رايل الثوري (هكذا وردت) والذي حمل عنوان مفهوم العقل . وإن مقالة جولي تاني فيها تحدي لكل أوجه المفاهيم المتداولة عن فكر رايل (وهذا الكلام لا نتفق فيه مع الفيلسوفة الفيتجنشتاينية الأمريكية كورا دايموند) . إلا إننا نتفق معها في الجزء الأخير من عبارتها الإعلامية والتي قالت فيها ” غير إن معالجة جولي تاني إلى رايل ، هي معقدة وشفافة ، كما وإنها مُنفتحة إلى طرق جديدة من التفكير ، وخصوصاً في كل من فلسفة العقل وفلسفة اللغة [3]. وكذلك تقدمها تعريف مقتضب جدا جدا بالكاتبة جولي تاني ، وذهب إلى إن جولي تاني ” تعمل محاضرة سنير للفلسفة في جامعة كينت ، وهي محاضرة زائرة في كل من جامعة بيكاردي والسوربون – باريس ” [4].  

  ومن ثم جاءت عبارة تعريفية خجولة بحجمها عن الفيلسوف البريطاني جليبرت رايل والتي جاء فيها ” كان جليبرت رايل محاضراً للفلسفة في كلية المسيح – جامعة أكسفورد . وفي عام 1945 هم إنتخابه رئيساً لقسم الفلسفة الميتافيزيقية وظل يعمل في هذا المنصب حتى تقاعده سنة 1968 . كما وكان رئيس تحرير مجلة العقل ولفترة إمتدت أكثر من خمس وعشرين سنة ” [5]. وأخيراً جاءت الفقرة الإفتتاحية لهذا الكتاب وبعنوان مفهوم العقل ، وتم فيها الإشارة إلى إن ” كتاب رايل طُبع لأول مرة سنة 1949 . وهو واحد من كلاسيكيات فلسفة القرن العشرين . والتي وصفها رايل بأنها ” رائعة نهضت على التحليل الصارم (الذي يشبه فعلها فعل السكين الحاد القاطع) للثنائية الديكارتية لمفهوم العقل وهي مُثابرة راديكالية . صحيح إنها أثارت الجدل حول تحليلها لما يُسمى شبحُ في الماكنة . وهو وصف بالطبع لمقولة ديكارت والقائلة إن الجسم والعقل هما وجودان منفصلان . إضافة إلى رفض رايل إلى الثنائية الديكارتية ، فإنه ذهب إلى أبعد من ذلك كثيراً . حيث إنه جادل النظريات المادية والوظيفية المعاصرة للعقل ، والتي فشلت ولم تتمكن من حل لغز الديكارتية وخصوصاً في قضاياها الأساسية والخاطئة ، وبسبب إن هذه القضايا الخاطئة إرتبطت بمشكلات من مثل السببة العقلية والعقول الأخرى . كما وإن رايل بنى حالته على تفسير رائع وجميل للإرادة ، العاطفة ، المعرفة الذاتية ، الإحساسات ، الملاحظة ، الخيال والفكر . كما إن بعض المشكلات التي عالجها ومن مثل التمييز بين ” معرفة كيف ومعرفة ذلك ” فإن فيها تحد لبعض فرضيات الفلسفة والتي لازالت مستمرة وتمارس تأثيرها على الفلسفة المعاصرة [6].

تأمل في رائعة جليبرت رايل : مفهوم العقل

 تكون كتاب الفيلسوف البريطاني جليبرت رايل مفهوم العقل ” من مدخل كتبته جولي تاني وكان بعنوان إعادة التفكير برايل : مناقشة نقدية . وبالطبع هذا المدخل كُتب في مرحلة جداً متأخرة وكنا نتمنى أن يُكتب في حياة رايل وربما كان له صوت يقول رأيه فيما كتبت جولي تاني . تألف مفهوم العقل بحد ذاته وكما تركه الفيلسوف جليبرت رايل من عشرة فصول . ولأهمية هذا الكتاب في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة فضلنا أن نقف عند عتباته . وتعقيبنا الختامي خصصنا وقفة تأمل عن مدخل جولي تاني : إعادة التفكير بجليبرت رايل : مناقشة نقدية .

  بدأ كتاب مفهوم العقل ، بمدخل كتبه الفيلسوف جليبرت رايل في نشرته الأولى سنة 1949. ولهذ نحسب إن الكاتبة جولي أتاني عندما كتبت مدخلاً آخراً خلقت من الناحية الميثديولوجية  نوعاً من الأرباك غير المبرر وكان عليها بدلاً من ذلك أن تختار عنواناً أخر من مثل مقالة شارحة أو قراءة ومن ثم تضيف عنوانها إعادة التفكير برايل : مناقشة نقدية . وفعلاً فقد جاء الحل من الفيلسوف رايل وهو الميت الحي ، فكان مدخلاً مقتضباً تألف من صفحتين وبضعة أسطر ومر علينا مقاماً مريحاً [7]. ولذلك تلحظ إن المدخل لم يكن جزء من الفصل الأول وإنما ترقيمه جاء ترقيماً رومانيا وليس له جسور إتصال بالفصل الأول . وهذه مسألة فيها ضعف من الناحية المنهجية . على كل هذا قدرنا بعد موت الفيلسوف رايل وإعادة نشر الكتاب من جديد وبمدخل جديد تكتبه جولي تاني . 

  بدأ كتاب مفهوم العقل بترقيم جديد وبالفصل الأول (والذي إستمر الكتاب بترقيم الفصول معتمداً نظام الترقيم الروماني مثل الفصل الأول 1 ألفصل الثاني 11 ، الفصل الثالث 111 وهكذا) وكان عنوان الفصل الأول إسطورة ديكارت [8]. ودرس فيه جليبرت رايل خمسة قضايا وجاءت بالصورةالأتية : (1) العقيدة الرسمية [9]. (2) سخف (أو فساد) العقيدة الرسمية [10]. (3) أصل مقولة – الخطأ [11]. (4) الملاحظة التاريخية [12]. وتلاه الفصل الثاني وكان بعنوان معرفة كيف ومعرفة ذلك [13]. وتناول فيه عشرة مباحث ، وهي : (1) تصدير [14]. (2) الذكاء والعقل [15]. (3) معرفة كيف ومعرفة ذلك [16]. (4) دوافع الإسطوري العبقري [17]. (5) في ذهني (رأسي) [18]. (6) التفسير الإيجابي لمعرفة كيف [19]. (7) إمكانية العبقري تُعارض العادات [20]. (8) تدريب العبقري (الذكي) [21]. (9) الفهم وسوء الفهم [22]. (10) سولبسيزم أو نظرية الأنا [23].

  وتبعه الفصل الثالث والذي حمل عنوان الإرادة [24]. وعالج فيه الفيلسوف جليبرت رايل المحاور الآتية : (1) تصدير [25]. (2) إسطورة الإرادات [26]. (3) التمييز بين الإختيار والإجبار [27]. (4) حرية الإرادة [28]. (5) دونية (النزعة) الميكانيكية [29].

 ومن ثم جاء الفصل الرابع وكان بعنوان الإنفعال (أو العاطفة) [30]. وإستهله رايل بما يشبه المدخل أو : (1) التصدير [31]. وتبعته دراسات بحثت في أوجه مختلفة من الإنفعالات وجاءت بالتسلسل الذي إقترحه رايل (وهكذا) : (2) المشاعر تُعارض الميول [32]. (3) الميول تُعارض الهيجان (الإثارة) [33]. (49 المزاج [34]. (5) الإثارة والمشاعر [35]. (6) المتعة والرغبة [36]. (7) كرتريا (معايير) الدوافع [37]. (8) بواعث وأسباب الأفعال [38]. (9) الخلاصة [39].

  اما الفصل الخامس فقد لاحظنا إنه كان من خلال عنوانه ، مُخصصاً إلى بحث التصرفات والحوادث [40]. ووزعه في العديد من المحاور وبدأه بما يشبه المقدمة القصيرة وتلتها المحاور وجاءت بالصورة الآتية : (1) التصدير [41]. (2) منطق قضايا التصرفات [42]. (3) القدرات العقلية والنزعات (الميول) [43]. (4) الحوادث العقلية [44]. (5) الإنجازات [45]. وبعد ذلك خصص الفيلسوف جليبرت رايل ، الفصل السادس لمضمار معرفة الذات [46]. ووزعه في الأطراف الآتية  : (1) تصدير [47]. (2) الوعي [48]. (3) الإستبطان [49]. (4) معرفة الذات (دون إمتيازات) [50]. (5) الإستكشاف عن طريق الكلام (غير المدروس) [51]. (6) الذات [52]. (7) المرواغة المنهجية للأنا (مفهوم أنا) [53].

  وكان عنوان الفصل السابع الإحساسات والملاحظة [54] وتناول فيه العديد من الموضوعات الفلسفية والتي تخص أطراف من الأبستمولوجيا (نظرية المعرفة) وجاء بحثها تحت العناوين الآتية : (1) تصدير [55]. (2) الإحساسات [56]. (3) نظرية المعطيات الحسية [57]. (4) الإحساسات والملاحظة [58]. (5) الفينومونيلزم (الظاهراتية) [59]. (6) مراجعة التفكير (أو إعادة التفكير) [60]. ولاحظنا إن جليبرت رايل ردد ما قاله في بداية كتاب مفهوم العقل ، وأعاد ذكره هنا وأفاد ” أنا قلت في التصدير بأن هناك أشياء سيُعاد كشفها مع مناقشة هذا الفصل وبالتحديد عندما نُعالج ما نعرف وكيف نتداول مفهوم أو مفاهيم الحواس . وتكلمنا مع شعور بالندم وذلك لعدم توافر عبارات لشبكة حواسنا .. وخصوصاً للحواس التي تُركز على الرؤيا والنظر ، والحواس التي تُركز على الأصوات والسمع [61].

  ومن ثم درس الفصل الثامن من هذه الرائعة الفلسفية المعاصرة مضمار الخيال [62]. وبالطبع لاحظنا ، إنه حسب منهجية البروفسور رايل في كتابة هذه الرائعة (وبالتحديد فصولها) ، فإن هناك تصدير تقدمها ، وهو كما قلنا عبر هذا المقال إنه يشبه المقدمة والتي يسرت له مهمة الإنتقال إلى المحاور التي وزع فيها مادة كل فصل من هذه الفصول . وحقيقة إن هذا الفصل لم يختلف عن منهجية كل فصول الكتاب السابقة واللاحقة . ولهذا نعود إلى الفصل الثامن وبالتحديد إلى مضمار الخيال ونقف عند عتبات الزاويتين الأبستمولوجية والميثديولوجية . وبالطبع هما طرفان تميزت بهما رائعة جليبرت رايل والتي حملت عنوان مفهوم العقل . ولهذا لاحظنا الفصل الثامن  تكون من المحاور الآتية : (1) تصدير [63]. (2) التصوير والرؤية [64]. (3) نظرية التصوير ذات الطابع الخاص [65]. (4) التخيل [66]. (5) مفهوم التظاهر [67]. (6) التظاهر ، التخيل والتصوير [68]. (7) الذاكرة [69].

  وإنشغل الفصل التاسع من هذه الرائعة الفلسفية الأبستمولوجية ، بطرف أخر من الأبستمولوجيا والذي حمل عنوان الفكر [70]. ولاحظنا إنه في بداية التصدير لهذا الفصل ، قال جليبرت رايل : بإنه ” لحد الآن أنا قُلتُ القليل الإيجابي حول العقل ، أو الفهم ، حول الفكر ، الحكم ، الإستدلال أو المفهوم . حقاً إن ما قلته هو قليل . وهو بصورة كبيرة يحتوي على نزعة إنكماش ، ومنذ جادلت ضد الفرضية العامة .. ” [71]. تألف هذا الفصل من : (1) تصدير [72]. (2) ترسيم (أو خارطة) العقل [73]. (3) نظريات التركيب ، الإمتلاك (الحيازة) والإستثمار [74]. (4) تداول الحدود الأبستمولوجية وسوء إستعمالها [75]. (5) الكلام (القول) والتعليم [76]. (6) أسبقية الفكر [77]. (7) الأبستمولوجيا [78].

   وأخيراً جاء الفصل العاشر من رائعة الفيلسوف البريطاني جليبرت رليل ، والذي حمل عنوان السايكولوجيا [79]. وهو فصل جاء يحمل إشكالاً منهجياً إضافة إلى حجمه القصير مقارنة بحجم صفحات الفصول التسعة السابقة . ومن طرف الإشكال المنهجي لهذا الفصل ، فإننا لاحظنا إن الفيلسوف جليبرت رايل قد تخلى عن منهجيته التي إلتزم بها في عموم الفصول التسعة السابقة . فمثلاً بدأت الفصول التسعة بتصدير هو مقدمة أو ما يشبه المدخل إلى الفصل . إلا إن القارئ للفصل العاشر سيشعر بخيبة أمل لا مبرر لها وهو تغيب التصدير منها . وبدلاً من التصدير بدأ الفصل بالحديث عن ” بروغرام السايكولوجيا ” أو بالعربية ” برنامج علم النفس ” . وتضمنت مادة ” منهج علم النفس ” إعلان وتوضيح وربما إعتذار ، حيث قال الفيلسوف جليبرت رايل ” في مضمار هذا الكتاب قُلت القليل حول علم السايكولوجي [80].

تعقيب ختامي :

  يبدو إن هذا الفصل هو الفصل الناقص من رائعة مفهوم العقل التي كتبها الفيلسوف البريطاني جليبرت رايل في عام 1949 . وهو الفصل الوحيد من بين فصوله العشرة الذي تكون من محوريين ومحورين يتيمين فقط ؛ (1) بروغرام السايكولوجي [81]. (2) السلوكية [82]. وإنتهى هذا الفصل ناقصاً إلى الآبد وذلك لأنه إنطفأ عند عتبات السلوكية ولم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام [83].

   ورغم هذا الحال فإننا لاحظنا إن هناك ما يشبه الخاتمة والتي قال فيها جليبرت رايل ” وإذا ما حاولنا في النتيجة ، أن نُثابر ونعقد مقارنة للثمار النظرية التي جاءت بها قصة العقل عند كل من هوبز [84]وجاسندي [85]، والثمار التي حملتها رواية العقل عند الديكارتيون . فإننا دون شك سنمنحُ القصة الديكارتية بُعداً أكثر إنتاجية [86].  ومن ثم  إنتهت هذه الرائعة بفهرست للإصطلاحات التي وردت في الكتاب [87].

———————————————————————————————–  

الهوامش    

 – أنظر : جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل ، ط الأولى ، دار نشر هوشنسن ، سنة 1949 . ومن ثم ظهرت طبعة جديدة ، دار نشر روتليدج ، سنة [1]

2000 مع فصل وبعنوان ” إعادة التفكير بجليبرت رايل : مفهوم العقل مناقشة نقدية  ” كتبته جولي توني (وتكون من 48 صفحة وحسب الترقيم الروماني (اللاتيني) وفيها إعادة للمتدوال والشائع في الكتابات عن فلسفة رايل خلال القرن الماضي) . وفي النهاية جاءت في الهامش ، ص 57 إلى إن المدخل ترجمه (ب . إمبروز) إلى الفرنسية . 

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوفة الفيتجنشتاينية الأمريكية كورا دايموند ، دورية الفيلسوف ، العدد القادم . [2]

 – أنطر عبارة الفيلسوفة الأمريكية الفيتجنشتاينية كورا دايموند ، منشورة في الصفحات الأولى من كتاب جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل ، دار نشر [3]

روتليدج ، لندن سنة 2009 .  

 – أنظر : جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل (مصدر سابق) . [4]

 – أنظر المصدر السابق . [5]

 – المصدر السابق  ، [6]

 – المصدر السابق ، ص ص 1 – 3 . [7]

 – أنظر : جليبرت رايل ؛ مفهوم العقل (مصدر سابق) ، ص ص 1 – 13 . [8]

 – المصدر السابق ، ص ص 1 – 5 . [9]

 – المصدر السابق ن ص ص 5 – 8 . [10]

 – المصدر السابق ، ص 8 – 12 . [11]

 – المصدر السابق ، ص ص12 – 13 . [12]

 – المصدر السابق ، ص ص 14 – 48 . [13]

 – المصدر السابق ، ص 14 . [14]

 – المصدر السابق ، ص ص 14 – 16 . [15]

 – المصدر السابق ، ص ص 16 – 20 . [16]

 – المصدر السابق ، ص ص 21 – 24 . [17]

 – المصدر السابق ، ص ص 24 – 28 . [18]

 – المصدر السابق ، ص ص 28 – 30 . [19]

 – المصدر السابق ، ص ص 30 – 33 . [20]

 – المصدر السابق ، ص ص 33 – 39 . [21]

 – المصدر السابق ، ص ص 39 – 47 . [22]

 – المصدر السابق ، ص ص 47 – 48 . [23]

 – المصدر السابق ، ص ص 49 – 68 . [24]

 – المصدر السابق ، ص 49 . [25]

 – المصدر السابق ، ص ص 50 – 55 . [26]

 – المصدر السابق ، ص ص 56 – 61 . [27]

 – المصدر السابق ، ص ص 61 – 62 . [28]

 – المصدر السابق ، ص ص 62 – 68 . [29]

 – المصدر السابق ، ص ص 69 – 99 . [30]

 – المصدر السابق ، ص ص 69 – 70 . [31]

 – المصدر السابق ، ص ص 70 – 77 . [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 77 – 83 . [33]

 – المصدر السابق ، ص ص 84 – 89 . [34]

 – المصدر السابق ، ص ص 89 – 91 . [35]

 – المصدر السابق ، ص ص 91 – 94 . [36]

 – المصدر السابق ، ص ص 94 – 97 . [37]

 – المصدر السابق ، ص ص 97 – 98 . [38]

 – المصدر السابق ، ص ص 98 – 99 . [39]

 – المصدر السابق ، ص ص 100 – 135 .[40]

 – المصدر السابق ، ص ص 100 – 101 . [41]

 – المصدر السابق ، ص ص 101 – 109 . [42]

 – المصدر السابق ، ص ص 109 – 118 . [43]

 – المصدر السابق ، ص ص 118 – 131 . [44]

 – المصدر السابق ، ص ص 131 – 135 . [45]

 – المصدر السابق ، ص ص 136 – 178 . [46]

 – المصدر السابق ، ص ص 136 – 138 . [47]

 – المصدر السابق ، ص ص 138 – 145 .[48]

 – المصدر السابق ، ص ص 145 – 149 . [49]

 – المصدر السابق ، ص ص 149 – 161 . [50]

 – المصدر السابق ، ص ص 162 – 166 . [51]

 – المصدر السابق ، ص ص 166 – 174 . [52]

 – المصدر السابق ، ص ص 175 – 178 . [53]

 – المصدر السابق ، ص ص 179 – 221 . [54]

 – المصدر السابق ، ص ص 179 – 181 . [55]

 – المصدر السابق ، ص ص 181 – 189 . [56]

 – المصدر السابق ، ص ص 189 – 200 . [57]

 – المصدر السابق ، ص ص 200 – 212 . [58]

 – المصدر السابق ، ص ص 212 – 217 . [59]

 – المصدر السابق ، ص ص 217 – 221 . [60]

 – المصدر السابق ، ص 217 . [61]

 – المصدر السابق ، ص ص 222 – 254 . [62]

 – المصدر السابق ، ص ص 222 – 223 . [63]

 – المصدر السابق ، ص ص 223 – 225 . [64]

 – المصدر السابق ، ص ص 225 – 232 . [65]

 – المصدر السابق ، ص ص 232 – 234 .  [66]

 – المصدر السابق ، ص ص 234 – 240 . [67]

 – المصدر السابق ، ص ص 240 – 248 . [68]

 – المصدر السابق ، ص ص 248 – 245 . [69]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 291 .[70]

 – المصدر السابق ، ص 255 . [71]

 – المصدر السابق ، ص ص 255 – 256 . [72]

 – المصدر السابق ، ص ص 256 – 260 . [73]

 – المصدر السابق ، ص ص 260 – 266 . [74]

 – المصدر السابق ، ص ص 266 – 282 . [75]

 – المصدر السابق ، ص ص 282 – 287 . [76]

 – المصدر السابق ، ص ص 287 – 290 . [77]

 – المصدر السابق ، ص ص 290 – 291 . [78]

 – المصدر السابق ، ص ص 292 – 303 . [79]

 – المصدر السابق ، ص 292 . [80]

 – المصدر السابق ، ص ص 292 – 300 . [81]

 – المصدر السابق ، ص ص 300 – 303 . [82]

 – المصدر السابق ، ص 303 . [83]

 – الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1588 – 1679) وهو واحد من المؤسسين للفلسفة السياسية الحديثة . وهوبز مشهور برائعته التي حملت  [84]

عنوان لوياثان (وحش البحر أو مونستر البحر) والذي طبعه سنة 1651 . والإسم مشتق من لوثان الإنجيلي . وأسس فيه هوبز نظرية العقد الأجتماعي والتي يُنظر إليها إلى إنها من أسس الفلسفة السياسية الغربية . كما وساهم هوبز في حقول علمية متنوعة من مثل التاريخ ، فقه القانون ، الهندسة والفيزياء واللاهوت والأخلاق والفلسفة على وجه العموم . وبسبب وجهة نظره حول الدين في رائعته لوياثان ، فقد أتهم هوبز بالإلحاد . وهي قضية لا يزال الجدل حولها بين الأكاديميين . ومن مؤلفات هوبز الأولى ترجمته من اللاتينية لمسرحية ميديا (سنة 1602) التي كتبها الكاتب المسرحي اليوناني يوربيديس وهي اليوم من الكتب الضائعة . ومن مؤلفاته التي نُشرت بعد وفاته ، ثلاثية صدرت في عام 1682 . وهذه الثلاثية في الحقيقة هي محض ترجمات إلى الإنكليزية وجاءت بالشكل الآتي : المشكلات الفلسفية السبعة ، حديقة الأوراد الهندسية وبعض المبادئ والمشكلات الهندسية . للتفاصيل أنظر : 1 – أس . أي . لويد (الإشراف) ؛ صُحبة بلومزبري إلى توماس هوبز ، دار نشر أمب وبلاك ، سنة 2012 (تألف من 368 صفحة) . 2 – ج . روجرز وأي . راين (الإشراف) ؛ وجهات نظر حول توماس هوبز ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد سنة 1988 (تألف من 209 صفحة إضافة إلى المقدمة) .

 – الفيلسوف الفرنسي بيير جاسندي (1592 – 1655) وهو شخصية فرنسية متعددة الإهتمامات و متفردة . فقد لاحظنا إنه كان فيلسوفاً ورجل دين  [85]

(قس) . كما كان عالم فلك يعتمد على الملاحظات وعالم رياضيات . وكان في باريس التي صرف فيها الكثير من وقته ، يقود مجموعة من رجال الفكر الحر . وجاسندي كان واحد من أوائل المفكرين الذين صاغوا ” وجهة نظر علمية  ” . ووجد جاسندي طريقاً بين ” الشكية ” و ” اليقينية ” وبين ” الشكية ” و ” التجريبية ” . وتقاطع جاسندي مع معاصريه الفيلسوف الفرنسي ديكارت وبالتحديد حول المعرفة اليقينية . ومن مشاريع جاسندي العقلية المشهورة ، هو محاولته المصالحة بين  ” الذرية الأبيقورية ” و ” المسيحية ” . وكتب جاسندي عدد كبير من الأعمال من أهمها : شرح على سيرة أبيقور (الكتاب العاشر من موسوعة ديوجانس لارتيوس : سيرة أبيقور) . وله كتب نقدية على أرسطو ، ديكارت ، والطبيب الإنكليزي روبرت فلود (1574 – 1637) والفيلسوف والشاعر والدوبلوماسي في مملكة إنكلترا هربرت شروبري (1583 – 1648) . كما وله كتاب هو في الحقيقة مراجعة لمنطق أو ديالكتيك آرسطو . وله كتاب آخر هو إعتراضات على تأملات ديكارت . والحقيقة إن الأبيقوري الإنكليزي والتر شارلتون (1619 – 1707) قد أعاد إنتاج ” سيرة أبيقور ” سنة 1654 (وبالطبع هي جزء من موسوعة ديوجانس لارتيوس) . للتفاصيل أنظر : سول فيشر ؛ “ جاسندي ” ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة ، سنة 2009 .  

 – المصدر السابق ، ص 302 .[86]

 – المصدر السابق ، ص ص 304 – 314 . [87]

———————————————————————————————————————————————————–

نُشِرت في Uncategorized | الوسوم: , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

لودفيغ فيتجنشتاين فيلسوفاً مُلهماً لحركة فلسفية جديدة

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(31)

جنيوري – فبروري 2017


تصدر مرة كل شهرين

الدكتور محمد جلوب الفرحان     الدكتورة نداء إبراهيم خليل

رئيس التحرير                     سكرتيرة التحرير

————————————————————————————–

لودفيغ فيتجنشتاين 

فيلسوفاً مُلهماً لحركة فلسفية جديدة

الدكتور محمد جلوب الفرحان 

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————————–

المقدمة

  تُعدُ كتابات الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين برأي عدد من الأكاديميين الغربيين وخصوصا بمنظار صديق ورفيق فيتجنشتاين البروفسور جورج هنريك فون رايت (1916 – 2003) [1]، مثالاً وعينة ممتازة تُمكننا من دراسة تطور تفكير فيتجنشتاين الفلسفي . فمن المُلاحظ إن المرحلة الأولى المبكرة من تفكيره قدمها كتابه الذي حمل عنواناً باللغة اللاتينية وهو تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس وباللغة العربية رسالة فلسفية منطقية . بينما جسد المرحلة الثانية المتأخرة من تطوره الفلسفي كتابه الذي حمل عنوان أبحاث فلسفية . وعلى أساس هذا الفهم يمكن القول إن فيتجنشتاين الفيلسوف المبكر ، كان مهتماً بالعلاقة المنطقية ما بين القضايا والعالم . وحينها كان مؤمناً بأنه في الإمكان تقديم تفسير منطقي لمثل هذه العلاقة والتي يكمن في جوهرها الحل لكل المشكلات الفلسفية . أما فيتجنشتاين الفيلسوف المتأخر ، فقد رفض العديد من فرضيات رسالة فلسفية منطقية . ومن ثم جادل وذهب إلى إن معنى الكلمات هو بحد ذاته أفضل مفهوم ولكن بشرط أن يـأتي من خلال التداول والإستعمال وهو بالتأكيد الطرف الذي يحتل مكانة متقدمة في اللعبة اللغوية لديه حسب فهم الفلاسفة الفيتجنشتانيون الجُدد [2].

  ونظن إن هناك مرحلة ثالثة تتوسط بين المرحلة المبكرة (التي دشنها نشر كتاب رسالة فلسفية – منطقية عام 1921) والمرحلة المتأخرة وهي المرحلة  التي مثلها نشر كتاب أبحاث فلسفية والذي نُشر بعد وفاة الفيلسوف فيتجنشتاين وبالتحديد في عام 1953 . (والثابت المؤكد إن فيتجنشتاين أعد كتاب أبحاث فلسفية للنشر وقدمه للناشر قبل وفاته ومن ثم قام بسحبه ولم ينشره في حياته) . ولكل ذلك نحسب إن المرحلة الثالثة هي مرحلة التوسط والتي حملت مشروع التحول الفلسفي الفيتجنشتايني (والذي تتوج بالمناظرة التي حدثت في عام 1946 بين فيتجنشتاين والفيلسوف النمساوي – البريطاني كارل بوبر (1902 – 1994) والتي ظهرت فيما بعد في كتاب حمل عنوان بوكر فيتجنشتاين (أوراق لعب فيتجنشتاين) : قصة المًحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (فيتجنشتاين وكارل بوبر) [3].  

    كما ونُرجح إن المسألة الأخرى التي تلفُ تراث فيتجنشتاين ، هي المسألة التي تتمحور حول الأثر الذي تركه فيتجنشتاين على كل حقول الإنسانيات والعلوم الإجتماعية . وفعلاً فقد لاحظنا إن هناك تفسيرات متباينة قد ظهرت وتم تداولها عن تفكير فيتجنشتاين . ولعل عبارة صديقه الفيلسوف جورج رايت تعكس ذلك وحيث أفادت :

  إنه كان يعتقد (أي فيتجنشتاين) بالرأي الذي يذهب إلى إن هناك الكثير من الأفكار العامة والتي فيها سوء فهم ، وتشويه لتفكيره . وحتى إن بعض منها نزل من طرف المختصين من مريديه . وهو يشكُ في أن يكون حال المستقبل أفضل في فهم تفكيره . ومرة قال : إنه شعر بأنه يكتب لجمهور يُفكر بطريقة مختلفة ، ويتنفس هواء حياة مختلف من هواء الناس المعاصرين [4]

 هذا كتاب أكاديمي موجه إلى شريحة عريضة من القراء الأكاديميون والجمهور الذي يعشق قراءة الكتب الفلسفية والتي تكتب بأقلام أكاديميين متمرسين في عملية الإنشاء والكتابة الفلسفية . وهذا الكتاب هو حصيلة خبرة أكاديمية في فضاءات الفلسفة إمتدت أكثر من أربعة عقود من الزمن . ولهذا وزعنا مادة هذا الكتاب في ثلاثة أقسام :

الأول – وكان بعنوان لودفيغ فيتجنشتاين : فيلسوفاً ومُلهماً لحركة فلسفية

الثاني – وجاء بعنوان الفلاسفة الفيتجنشتانيون

الثالث – وحمل عنوان الفلاسفة الفيتجنشتانيون الجُدد

 

القسم الأول

لودفيغ فيتجنشتاين فيلسوفاً ومُلهماً لحركة فلسفية

1

نظرة تأملية في تحولات إصول عائلة فيتجنشتاين

  وفقاً للظروف السياسية والقرارات التي صدرت من قبل الإمبراطورية الهنغارية – النمساوية [5]، فإن عائلة فيتجنشتاين قد إختارت لها لقب عائلة لم يكن هو في الأصل لقب العائلة الأصلي ، وإنما تبنته لقباً لها ، وهو في الحقيقة إسم  صاحب العمل الذي كان جد فيتجنشتاين يعمل لديه . وكان وراء ذلك قصة سنقف عند حضرتها ونقدمها إلى القارئ . وتبدأ القصة مع شجرة عائلة فيتجنشتاين والتي تم إعدادها في القدس (أورشليم) وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية (أرجح على الأدق الحرب العالمية الأولى ولأسباب كثيرة منها إن والد فيتجنشتاين وفي حياته هو الذي حول العائلة من العقيدي اليهودي إلى الكاثوليكية ومنها إن وفاة والد فيتجنشتاين كانت سنة 1913 وذلك لتساوق الأحداث) . وعلى أساس رواية هذه القصة ، فإن الجد الأكبر لأب فيتجنشتاين هو موسى ماير وكان يهودياً ويعمل وكيلاً لبيع الأراضي ويومها كان يعيش مع زوجته برانديل سايمون في باد – لاسفه ، وهي مدينة تقع في شمال الراين وفي محافظة سيجن فيتجنشتاين . وفي عام 1808 أصدر نابليون (1769 – 1821) قراراً طالب فيه كل فرد (وبالطبع من ضمنهم اليهود) بضرورة تبني لقب عائلة يتوارثه الأبناء عن الأباء . وكان يومها إسم إبن ماير موسى كذلك ، وما كان أمامه من خيارات إلا أن يختار إسم صاحب العمل الذي كان يعمل فيه لقباً للعائلة ، وكان يُدعى سايان فيتجنشتاين . وعلى أساس هذا الخيار أصبح إسمه موسى ماير فيتجنشتاين [6].

  أما إبنه هيرمان فيتجنشتاين فإنه إختار له الإسم الثاني (الوسط) وكان كريستيان (وهكذا أصبح الأسم الكامل واللقب هو : هيرمان كريستيان فيتجنشتاين) . والحقيقة إن الإسم الوسط ” كريستيان) مكنه من أن ينأى بنفسه بعيداً عن خلفيته اليهودية . ومن ثم تزوج من فاني فيجدور وهي يهودية كذلك . إلا إنها تحولت إلى المسيحية حديثاً وإعتنقت البروتستانتية قبيل زواجهما بقليل . وإن الزوجين نجحا في تأسيس مشروعات تجارية في (بيع وأعمال) الصوف في مدينة لايبزك [7]. وبالمناسبة إن فاني فيجدور هي جدة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، كما وهي بنت العم الأول لعازف الكمان والموسيقار الهنغاري جوزيف يواكيم (1831 – 1907) [8].

  وفعلاً فقد ولد لكل من هيرمان وزوجته فاني أحد عشر طفلاً وكان والد الفيلسوف فيتجنشتاين واحداً من بينهم ، وكان يُدعى كارل أوتو كليمنس فيتجنشتاين (1847 – 1913) والذي تحول إلى قطب صناعي كبير ، بل وأصبح في نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر ، إلى واحد من أغنى رجال أوربا وكان يحتكر شركات (كارتل) صناعات الإستيل في النمسا [9]. وبجهود كارل إن أصبح آل فيتجنشتاين من أغنى العوائل في هنغاريا – النمسا ولا تتقدم عليهم سوى عائلة روتشيلد [10]. ونتيجة لقرار كارل فيتجنشتاين في عام 1898 والقاضي بإستثمار حجم معتبر من أرصدتها المالية في كل من هولندا وسويسرا ومناطق آخرى وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية ، فإن عائلة فيتجنشتاين وسعت من إستثماراتها مع نجاحها في توفير حماية لهذه الإستثمارات من التضخم الذي ضرب النمسا عام 1922 [11].

  وبالرغم من هذا الحال ، فإن ثروات آل فيتجينشتاين أخذت بالتلاشي وذلك بسبب حالة التضخم التي حدثت بعد عام 1918 والسنوات التي تلت والتي شهدت حالة الكساد الإقتصادي الكبير . إلا إن من الملاحظ إن عائلة آل فيتجنشتاين حتى في ظل هذه الأوضاع الإقتصادية المتردية ، ظلت حتى نهاية عام 1938 تمتلك ثلاثة عشرة قصراً ضخماً (مانشاً) في مدينة فينا وحدها [12].

  أما والدة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، فهي السيدة ليوبولدين[13]ماريا جوزيف كالمس وكانت معروفة بين أصدقائها بإسم بولدي (من اللغة الألمانية) . وكان والدها بوهيمي يهودي . وبوهيمي هو إصطلاح كان يطلقه الإنكليز على الجيك بلداً وسكاناً وظل إصطلاح بوهيما وبوهيمي متداولاً حتى بواكير القرن العشرين [14]. وكانت والدة ليوبولدين (وهي جدة الفيلسوف فيتجنشتاين) من النمساويين ذات الإصول السلوفينية ومن الكاثوليك (مسيحية) . وهي الجدة الوحيدة التي لم تكن يهودية . ووفقاً للقانون (التشريع) اليهودي ، فإن فيتجنشتاين على هذا الأساس ليس يهودياً [15].

  وبالمناسبة إن مجموع أطفال عائلة كارل فيتجنشتاين وزوجته بولدي ، تكونت من تسعة أطفال . وكان عدد البنات أربعة وهم كل من هيرماين ومارجريت (كراتل) وهيلين ودوري والتي ماتت وهي طفلة صغيرة . أما الأولاد فكانوا خمسة وهم كل من يوهانس (هانز) ، كورات ، رودولف (رودي) ، بول والذي كان عازفاً على البيانو والذي فقد ذراعه اليمين يوم كان في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى[16] . ومن ثم لودفيغ (الفيلسوف فيتجنشتاين) وهو أصغر أطفال عائلة آل فيتجنشتاين [17]

  ولد الطفل لودفيغ جوزيف يوهان فيتجنشتاين (أو فيتكنشتاين [18]) في الساعة الثامنة والنصف مساء 26 آبريل سنة 1889 ، وبالتحديد في قصر آل فيتجنشتاين الواقع في منطقة أليغاس 16 والتي تُعرف اليوم بإسم أرجنتيرشتراسا والتي تقع بالقرب من كارلسكيرج (وهي كنيسة القديس شارلز بوروميو والذي كان رئيس أساقفة للفترة من 1538 – 1584 وهو مصلح كبير في القرن السادس عشر) [19].

  ونحسبُ من المهم الإشارة إلى إن جميع أطفال كارل فيتجنشتاين قد تم تعميدهم على المذهب المسيحي الكاثوليكي . ولعل الحاصل من ذلك إنهم تشربوا التعاليم الدينية الكاثوليكية كما وترعرعوا جميعهم في بيئة عائلية إستثنائية مكثفة [20]. وفعلاً فقد كانت العائلة مركز الحياة الثقافية في فينا والشاهد على ذلك كلمات عازف البيانو الألماني برنو والتر (1876 – 1962)[21] التي وصف بها الحياة في قصر آل فيتجنشتاين فقال ؛ ” إن أطرافه وجوانبه المختلفة كانت مزينة بأجواء إنسانية ومطرزة بأطياف حضارية [22].

  ومن طرف رب العائلة كارل فيتجنشتاين فقد كان الراعي الرئيس لجميع الفنون ، وبالتخصيص منها أعمال النحات الفرنسي أوغست رودان (1840 – 1917) [23]. كما وكان كارل فيتجنشتاين الممول المالي لمعرض المدينة (فينا) وكالري الفن ، وبناية جماعة إنفصال فينا والتي مثلها الرسام النمساوي غوستاف كليمت (1862 – 1918)[24] وهو الذي رسم صورة أخت لودفيغ فيتجنشتاين ، مارجريت في فستان زفافها في عام 1905 . كما إن كل من الموسيقيين يوهانس برامس (1833 – 1897)[25] وغوستاف ملر (1860 – 1911)[26] إعتادا على تقديم عروضهم الموسيقية بصورة منتظمة في غرف عائلة آل فيتجنشتاين الموسيقية الضخمة [27].

  وإن الحديث عن مكانة الموسيقى في حياة عائلة آل فيتجنشتاين ، يحملنا على القول إن الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين قد ورث هذا التقليد الفيتجنشتايني من عائلته . فقد فتح عينيه وأفراد عائلته وخصوصاً أخواته وإخوته يعزفون الموسيقى على العديد من البيانوات العديدة المنتشرة في قصر آل فيتجنشتاين . وفعلاً فقد كان لودفيغ يحترم بتقدير عال الدقة والإنضباط . ولذلك فإن الموسيقى المعاصرة لا تُعدُ مقبولة لديه على الإطلاق . ومرة إنفتح على صديقه (وتلميذه) الطبيب النفسي (السايكايتري) الإنكليزي موريس آوكونور دروري (1907 – 1976)[28] وقال : ” إن الموسيقى وصلت مع برامس إلى نهايتها المحتومة تماماً . بل وحتى برامس فإنني كنت أسمع (في موسيقاه = منا ليستقيم الكلام) ضجيج الألات الموسيقية [29].

  وبالمناسبة فإن الفيلسوف فيتجنشتاين كان يتمتع بحس موسيقي عال ويمتلك معرفة تمكنه من إعادة إنتاج النغمة الموسيقية . وهي ظاهرة سماعية تُدلل على قابلية شخص ما على معرفة النغمة الموسيقية ، وعلى إمكانيته في إعادة إنتاجها دون الإنتفاع من النغمة المرجع (وأرجو أن لا تنسى دور الأخ الأكبر بول فيتجنشتاين عازف البيانو المتفرد) . كما ويمكن وصف حالة فيتجنشتاين بأنه كان ” يمتلك الطبقة الصوتية المثالية (المطلقة) [30]. وهو التعبير الذي كان يتداوله الباحثون الإنكليز والألمان في أواخر القرن التاسع عشر [31]. والطبقة الصوتية المثالية (أو المطلقة) تعني ” إمتلاك أذن موسيقية ” [32]. كما وتتضمن وعي بالنغمة الموسيقية [33]. أو قابلية موسيقية إيجابية [34]. مع الإنتباه إلى إنه في هذا الحال قد لاتتوافر المهارات الموسيقية بصورة شاملة ، كما وإنها قد تكون محددة للإدراك البشري كذلك [35].

  ولاحظ الأكاديميون الغربيون المهتمون بتراث لودفيغ فيتجنشتاين ، إلى إن إهتمامه بالموسيقى ظل طرفاً حيوياً بل ومهماً طول حياته . كما وإعتاد على تداول بعض الأمثلة الموسيقية (وإستخدم بعض الإستعارات الموسيقية) في كتاباته الفلسفية [36]. إضافة إلى إنه تعلم العزف على ألة الكلارنيت وهو في الثلاثينيات من عمره [37]. ومن ثم تم العثور على مقطوعة موسيقية كانت من تأليف الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، والتي أودعها في واحد من كتب ملاحظاته لعام 1931 . والذي إكتشف هذه المقطوعة الموسيقية مايكل نيدو [38]وهو مدير معهد فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج [39].

 ونود أن نقف عند عتبات المقاطع الموسيقية والتي حملت عنوان ثلاثة مقاطع موسيقية والتي كتبها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ومن ثم نشرها أريك هايجرمان بالصربية ومن ثم ترجمها إلى الإنكليزية هانس بيترس ونشرها في مجلة الكوسمولوجيا في عام 2005 [40]. وهنا سأقف عند أشياء من المقدمة ومن ثم أعود وأقف عند أشياء من الخاتمة . وفي أشياء المقدمة قال : ” إن لودفيغ فيتجنشتاين هو واحد من الفلاسفة الكبار في القرن العشرين . وكتب فيتجنشتاين مرة في جريدة يومياته (وبالتحديد في 28 آبريل سنة 1930) : أنا غالباً ما أفكر بشئ عال ، وأتطلع إلى إنجازه وهو الملدي أي تأليف اللحن . وأنا أتلذذ عندما أرغب أن أعمل ذلك ” . وفعلاً ففي نوفمبر سنة 2003 تم نشر مقاطع موسيقية قليلة سبق إن ألفها فيتجنشتاين في كلية إيمانويل – كيمبريدج . وهذه هي المقاطع التي إكتشفها الدكتور مايكل نيدو مدير معهد فيتجنشتاين – كيمبريدج ، والتي إكتشفها في كتاب ملاحظات فيتجنشتاين لعام 1931 . وهي المقاطع التي كتبها بحدود سنة واحدة فقط بعد كتاب مذكرات الذي تم الإشارة إليه أعلاه [41].

  وبالمناسبة إن مؤلف الموسيقي الكلاسيكية البريطاني  إنثوني بورز (ولد عام 1953) هو الذي صاغ مقاطع فيتجنشتاين الموسيقية في مضمار رسالة في الموسيقى على وزن رسالة منطقية فلسفية (وهي واحدة من روائع فيتجنشتاين) . ويومها قال المؤلف الموسيقي بورز ” إن مقاطع فيتجنشتاين الموسيقية ، كما يبدو ، هي إستمرار للجملة الموسيقية الناقصة (غير الكاملة بلغة الموسيقي بورز) . ويستمر بورز شارحاً فيرى إن فيتجنشتاين حاول التعبير عن أشياء ما . إلا إنه فشل في الإمساك بعبارات مناسبة فتركها وفضل الموسيقى . وهكذا كان خياره السكوت عن الكلام ومن ثم لجأ إلى كتابة اللحن . والسؤال هنا ؛ هل من الممكن للموسيقى أن تكون بديلاً عن اللغة [42]؟ حسناً ؛ ألم تكن أنت القائل ؛ بأن تكرار الفكرة النهائية يُعيدُ إلى الأذهان العبارات ” أنا أدمر ، أنا أدمر ؟ أو إننا هنا نملك مثالاً وحيداً على جرس موسيقي متشابه وينتمي إلى عائلة واحدة ؟ ولحد الآن فأنا أسمع اللا إستمرار في المقطع الشعري [43].  

  أما في الخاتمة فقد أشار أريك هايجرمان إلى إن حياة الإنسان (وفيتجنشتاين مثلاً) جاءت ملخصة في صورة اللحن . والتعبير عنه ما ذكرته أحد النقوش على القبور والذي يقول : ” إن الحياة هي الرعاية ” ولحن فيتجنشتاين ذهب مردداً ” تطلع وتنفس الصعداء بعاطفة ” . وهنا لا أرى إن هناك أي خيار ، ويظل السؤال ؛ ما هي القواعد التي إتبعها فيتجنشتاين هنا ؟ والجواب دون تردد : ” إن فيتجنشتاين لم يتبع أية قاعدة ” [44].

2

إسلوب الوالد فيتجنشتاين والمزاج العائلي والعواقب

  أشرنا إلى إن لودفيغ فيتجنشتاين ولد في أحضان عائلة غنية مترفة . إلا إنه رغم ثراء العائلة وترفها ، فإن الكآبة الشديدة والمزاج المتوتر كانا على الدوام سمة من سمات الجو العائلي الذي ولد وترعرع في ظله الفتى فيتجنشتاين . ولعل الشاهد على ذلك ما يرسمه لنا الفيلسوف الإنكليزي راي مونك (1957 – ) الذي كتب سيرة لودفيغ فيتجنشتاين وبعنوان لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري . وراي مونك لم يكن شاهد حقيقي ولم يكن كاتباً وفيلسوفاً معاصراً للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، بل على العكس إننا وجدنا إن هناك فارقاً زمنياً يفصل بينهما ولا يعمل لصالح كاتب السيرة راي مونك ، حيث نعرف إن الفيلسوف فيتجنشتاين مات عام 1951 أي قبل ولادة المؤلف راي مونك بست سنوات . فكانت مصادره تعتمد على الرواية والسماع وليست هي بالطبع مصادر أولية تعتمد المعايشة والملاحظة والتجربة الحياتية الحية . ورغم هذا الحال فإن أهمية روايات راي مونك تكمن في إنها نقلت لنا مجمل الثوابت عن حياة لودفيغ فيتجنشتاين والتي كانت متداولة في المصادر الأولية . وفيها بالتحديد كشف عن الكثير من المؤشرات عن شخصية الوالد والوالدة ، وطريقة إعدادهما لأولادهما ، وخصوصاً حرمان أولادهما من تجربة الإختلاط مع أقرانهم من العامة من الناس . ولذلك أشار راي مونك إلى إن هدف الوالد هو إعداد أولاده ” ليكونوا أقطاب كبيرة في الصناعة ” وهذا كان هدفه الرئيس الذي لايتقدم عليه هدف آخر . ولكل ذلك فإن الوالد كارل فيتجنشتاين لم يُفكر على الإطلاق إلى إرسال أولاده إلى التعليم في مدرسة إعتيادية ، ولم يتيح لهم فرصة الإختلاط مع أقرانهم ، وذلك لإعتقاده بأنهم سيكتسبوا من هذا الإختلاط والإندماج ، ما أطلق عليه ” العادات السيئة ” . وبدلاً من ذلك فضل التعليم الخاص ” فقدم لهم التعليم في البيت ، وأعدهم للعمل في إمبراطورية كارل الصناعية [45].

  ومن الملاحظ لقارئ سيرة فيتجنشتاين إن ثلاثة من أولاد كارل فيتجنشتاين الخمسة قد قتلوا أنفسهم إنتحاراً [46]. وإن بول فيتجنشتاين (1887 – 1961) قد بتر ذراعه اليمنى في الحرب العالمية الأولى (إلا إنه إصطنع تكنيكاً يُساعده على العزف على البيانو بيده اليسرى الوحيدة) وهو الأخ الأكبر للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين [47]. كما إن لودفيغ فيتجنشتاين هو الأخر كان كثيراً ما يُفكر في الإنتحار[48]. وتتوافر لدينا شهادة طبيب نفسي (السايكايتري) ، وهو مايكل فيتز الذي تأمل في حياة عائلة فيتجنشتاين ، وقال تشخيصه السايكولوجي لما حدث لها رغم الترف وحياة الثراء ، فقال مجادلاً : ” كان الوالد كارل فيتجنشتاين رجلاً يتطلع إلى الكمال ، فحمله هذا التطلع على أن يكون قاسياً جداً على أطفاله وينقصه الكثير من الحنان والعاطفة نحوهم . وكانت زوجته مسكونة بالقلق والشعور بعدم الأمان ، وإنها فاقدة الإرادة وعاجزة على مواجهة زوجها ” [49].

  وربما يُلقي الموسيقار يوهانس برامز الذي كان صديق عائلة أل فيتجنشتاين والزائر المواكب على الحضور والمشاركة في إحتفالاتهم الموسيقية بعض الضوء على الزوايا المعتمة في حياتهم الداخلية . خصوصاً إنه كان مُقرباً من بنات وأولاد كارل فيتجينشتاين ، والذين تدربوا جميعاً على العزف على البيانو على يديه ووصلوا معه (ومع عدد أخر من الموسيقيين) إلى درجات عالية من المهارة والإتقان . وكانوا يعزفون بصحبته في مناسبات كثيرة . وهذه المناسبات مكنته من الإستماع إلى ما يجول في خواطرهم (وخصوصاً الأفراح والهموم والمخاوف والتطلعات والترقبات لما سيأتي أو الذي لا يأتي على الإطلاق) . فذهب معلقاً على علاقاتهم وتفاعلهم مع بعضهم البعض ، ووصف ذلك بعبارات دقيقة موجزة تحمل الكثير من الدلالات ، فأفاد  ” يبدو لي إن أفراد عائلة فيتجنشتاين يتفاعلون مع بعضهم البعض ، بطريقة وآلية وكأنهم في أجواء محكمة [50].

   ومن الشواهد الدالة على الأعراض السايكولوجية التي تُعاني منها عائلة أل فيتجنشتاين وتركتها تفعل فعلها بحرية داخل حياة بناتها وأولادها دون حساب لمخاطرها القادمة ودون إستشارة سايكولوجية والبحث عن وسائل وآليات للتخيف منها أو التكيف معها بأمان سايكولوجي وعافية مأمونة . هو إن المخاطر التي لفت حياة أبناء وبنات أل فيتجنشتاين تمثلت بصور من الكآبة الشديدة التي هي قريبة جدا من الجلد الرقيق ، والتي أعلنت عن نفسها في صورة أخطار وكوارث وفواجع قادمة على الأبواب . وحيث لا أحد يتوقع متى ستُفاجأ أل فيتجنشتاين وتتحول إلى واقع بعد إن كانت في دائرة الأمكان . ولعل في رواية الكاتب البريطاني أنثوني جوتليب الكثير من الصدق وفيما قاله حق مبين ، فقد قرأ علينا قصة بول فيتجنشتاين ، وهو الأخ الأكبر للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، وكان حينها يتدرب على واحدة من البيانوات في أحد قصور (مانشات) أل فيتجينشتاين الرئيسية ، وحالاً بدأ بول يصرخ بصوت عال على أخيه لودفيغ فيتجنشتاين ، الذي كان في الغرفة المجاورة ، ويقول له بغضب ” أنا لا أستطيع أن أعزف على البيانو ، مادمت أنت في البيت . أنني أرى هواجسك وظنونك تزحف نحوي من تحت الباب [51].

   وفعلاً فقد كان قصر أسرة أل فيتجنشتاين يضم ” سبعة من البيانوات الموسيقية الكبيرة (الغراند) ” [52]. وكان كل واحد من الإخوة وواحدة من الأخوات يتدرب على العزف على البيانو بكل حماس في معظم الأوقات ، وبصورة تتحدى الحدود . ولاحظنا إنها تحولت  ” وتشكلت في صور من حالات مرضية[53]. والشواهد والأمثلة التي تتوافر من داخل عائلة فيتجنشتاين كثيرة . منها مثلاً إن الأخ الكبر هانز فيتجنشتاين (1877 – 1902) والذي كان طفلاً عبقرياً في أدائه الموسيقي . وفي عمر الرابعة وصفه الموسيقار الإنكليزي ألكسندر وو ، بأنه كان عبقرياً في إدراكه للنغمة الموسيقية ، وفي عمر الخامسة أخذ يصرخ محتجاً ويقول ” خطأ ، خطأ ” عندما سمع أثنين من الفرق الموسيقية ، تعزف في مهرجان ” النغمة الموسيقية الواحدة في نوطتين موسيقيتين مختلفتين ” . إلا إنه مات في ظروف غامضة في مايس سنة 1902 ، وذلك خلال هروبه إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث إختفى من القارب وبالتحديد في خليج تشيزبيك ، ويُرجح إنها على الأغلب كانت محاولة إنتحار [54].

   وبعد سنتين من مأساة هانز ، فإن الأخ الكبير الثالث وإسمه رودلوف فيتجنشتاين (ولقبه رودي) وكان عمره إثنتين وعشرين سنة ، ويدرس الكيمياء في أكاديمية برلين ، قد نجح في تنفيذ محاولة إنتحاره في بار في برلين ، بعد إن طلب من عازف البيانو ، أن يعزف له قطعة موسيقية (هي في الحقيقة أغنية) من ألحان الموسيقار النمساوي توماس كوسشات (1845 – 1914) والتي تقول ” منبوذ ، منبوذ ، منبوذ أنا [55]. وقبل أن يستمع رودي فيتجنشتاين إلى أغنية ” منبوذ أنا ” شرب مزيج من شراب الحليب الممزوج مع سيانيد البوتاسيوم . وترك العديد من الملاحظات المكتوبة ، والتي وجهها إلى والديه ، ويقول فيها ” إنه في حالة حزن وعزاء شديدين على موت صديق له ” . وكان خلال ذلك يقوم بحملة ضد التشريع الألماني ” الذي حرم الجنسية المثلية ” . وبالمناسبة إن والده (كارل فيتجنشتاين) كان يومها مكسوراً نفسياً ويُعاني من حالة نكوص وإذلال مما فعله ولده رودي ، فحرم الوالد على العائلة من ” ذكر وترديد إسم رودي في البيت مرة ثانية في المستقبل[56].

  وحال الأخ كورت فيتجنشتاين وهو الأخ الثاني الأكبر من عائلة فيتجنشتاين ، لايختلف عن حال إخوته الأخرين وبالتحديد في كرههم للحياة ومن ثم محاولتهم إنهاء حياتهم إختياراً بطريقة الإنتحار . ووراء ذلك قصة في الإمكان تلاوتها هنا ، فقد كان كورت يومذاك ضابطاً (وبالطبع كان مدير شركة كذلك) ، فقام بإطلاق النار على نفسه من سلاحه الخاص في 27 إكتوبر من عام 1918 ويومها كانت الحرب العالمية الأولى في نهايتها ، وحينها كان كورت فيتجنشتاين يقود القوات النمساوية ، إلا إنها تمردت على قيادته وإطاعة أوامره العسكرية فكان قراره بالتخلي عن القيادة العسكرية ومن ثم الإنتحار [57]. وكانت المصادر الأولى لهذه الرواية هيرمين فيتجنشتاين (أخت كورت) والتي علقت على المأساة ، فأفادت ” يبدو إن كورت كان يحمل في دمه جيرم (جرثومة) إحتقار الحياة ” [58]. ولاحظنا إن كورت فيتجنشتاين كتب بعد تخليه عن قيادة القوات العسكرية النمساوية التي كان يقودها ، فقال مبتهجاً بالقرار القادم عليه ” أنا كنت دائماً أتطلع إلى أن أكون كوكباً في السماء ، بدلاً من أظل ملتصقاً بالإرض [59].

3

سيرة الفليسوف لودفيغ فيتجنشتاين من زاوية أكاديمية

   ذكرنا سابقاً إن الصبي لودفيغ بدأ برنامجه التعليمي الأولي في قصور أل فيتجنشتاين وتحت إشراف معلمين خصوصيين وحتى وصل عمره الرابعة عشرة . وبعد ذلك حدثت مآسي هزت كيان العائلة وخصوصاً بعد موت ولدي كارل فيتجنشتاين ، كل من هانز ورودي . لم يكن أمام الوالد كارل من خيار إلا السماح لكل من ولديه بول ولودفيغ من الإلتحاق بالمدرسة . وهنا علق واحد من كتاب سيرة لودفيغ فيتجنشتاين ، وهو الموسيقار والكاتب الإنكليزي ألكسندر مايكل وو ، فأفاد ” إن قرار الوالد كارل فيتجنشتاين جاء متأخراً جدا جدا ” [60]، وخصوصاً إن الإمتحانات في الجمنازيوم (مدرسة أكاديمية عالية) في منطقة فينر توتشتاد كانت إمتحانات أكاديمية متشددة . وإن كل من بول ولودفيغ لا يمتلكان الخبرة في التعليم المدرسي الرسمي على الإطلاق . فكانت نتيجة الإمتحان الفشل (الرسوب) . إلا إنهما تمكنا بعد جهود إستثنائية وبمساعدة عدد من المعلمين الخصوصيين ، من إجتياز الأمتحانات في ريلشول في لينز ، وهي مدرسة ولاية صغيرة تضم 300 طالباً فقط [61].

  وفي عام 1903 عندما ناهز لودفيغ الرابعة عشرة من عمره ، بدأ رحلته التعليمية مع ثلاثة سنوات من الدراسة في المدرسة الرسمية ويومها كان يعيش في حدود جغرافية مجاورة للمدرسة . والواقع كان يسكن مع عائلة الدكتور سيرجل ، مدير الجمنازيوم (المدرسة الأكاديمية) وكانت عائلة دكتور سيرجل قد إعتادوا أن يطلقوا على لودفيغ لقب ” لوكي [62]. ومع بداية برنامج تعليم لودفيغ في مدرسة ريلشول ، فإن المدرسة قامت بتصعيده إلى سنة أكاديمية إلى الأمام [63]. وهذه الترقية في المستوى الدراسي ، حملت المؤرخة الألمانية – النمساوية برجيت هامان (1940 – ) على التعليق ، فأفادت ” كان لودفيغ طالباً متميزاً ، وهناك مسافة تفصله عن أقرانه من الطلبة الأخرين ، حيث كان يتكلم بلغة ألمانية صافية (وبصورة غير إعتيادية) وكشكل من اللغة الألمانية الراقية مع تلعثم ، وكان يتأنق في ملبسه مع حساسية وإنطواء على النفس ” [64].

   وكتب المؤلف راي مونك ، فذكر أشياء أخرى ربما كانت السبب وراء إنطواءه على الذات وذلك إستجابة منه على الأفعال الساخرة التي كان يقوم بها بعض من أقرانه الطلبة ، والتي تتمثل ، بتهكمهم منه وترديد الأناشيد الساخرة والغناء بخلفه . ولعل المثال الذي تذكره بعض الدراسات على ذلك ، هو ترديد بعض أقرانه من الطلبة المشاكسين له ، التهكم الذي يقول ؛ ” فيتجنشتاين يتمايل ويترنح بحزن في معابر فينا ..[65]. ومن طرف أخر فإن القارئ لواحدة من الوثائق التي تركها خلفه ، تبين إن لودفيغ قد حصل على خمسة علامات عالية (في القمة) والتي شملت الدراسات الدينية . وحصل المرتبة الثانية في كل من حسن السلوك والتصرف واللغة الإنكليزية . والمرتبة الثالثة في كل من اللغة الفرنسية ، الجغرافية ، التاريخ ، الرياضيات والفيزياء . والمرتبة الرابعة في كل من اللغة الألمانية ، الكيمياء ، الهندسة ، والأعمال الحرة والرسم [66]. إلا إن لودفيغ فيتجنشتاين كان يُعاني من مشكلات في التلفظ ، ورسب في إمتحان الإملاء باللغة الألمانية . ولذلك كتب في عام 1931 معلقاً على ما حدث ؛ ” إن ضبطي لإملاء اللغة الألمانية كان رديئاً جداً في مرحلة فتوتي ، وإستمر الحال حتى وصلت إلى عمر الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة . وكان لذلك من الأثر على مجمل خصائصي (وربما كان وراء ضعفي في الدراسة) [67].

   إستهل الشاب لودفيغ فيتجنشتاين دراساته الأكاديمية في 23 إكتوبر عام 1906 في جامعة برلين للتكنولوجيا (منطقة شارلوتنبيرك) وفي مضمار الهندسة الميكانيكية . وسكن مع عائلة البروفسور (دكتور) جوليس . وحضر ثلاثة فصول دراسية ومن ثم حصل في 5 مايس عام 1908 على شهادة الدبلوما . وخلال فترة دراسة فيتجنشتاين في جامعة برلين للتكنولوجيا ، تطورت لديه الإهتمامات بعلم الطيران [68].

   وفي ربيع عام 1908 وصل فيتجنشتاين إلى جامعة فيكتوريا في مانشستر – بريطانيا وذلك لدراسة الدكتوراه . وكان يومها متحمساً لعلم الطيران وجاء يحمل معه العديد من الخطط والمشاريع في مضمار الطيران ، والتي تشمل تصميم طائرته الخاصة ومن ثم الطيران بها . وفعلاً فقد بدأ البحث في سلوك الطيارات الورقية في الغلاف الجوي العلوي ، ومن ثم قام بتجارب في الإرصادات الجوية في موقع غلوسبي (شرق مانشستر – بريطانيا) [69].

  ومن ثم قام بتصميم مروحة للطيران مع ماكنة طيران جات صغيرة ، وهو عمل قام به سنة 1911 وحصل به على براءة إختراع والذي إستحق فيها على زمالة بحث من جامعة فيكتوريا (مانشستر – بريطانيا) خريف عام 1908 [70]. وخلال هذه الفترة بدأت تحولات في إهتمامات الشاب لودفيغ فيتجنشتاين ، فتوجه نحو ضفاف أسس الرياضيات . وخصوصاً بعد قراءته لكل من كتاب الفيلسوف البريطاني برتراند رسل ، والذي حمل عنوان مبادئ الرياضيات (1903) . وكتاب عالم الرياضيات والمنطق الألماني جوتلوب فريجة والذي كان بعنوان أسس علم الحساب (تكون من مجلدين ؛ الأول (1893) والثاني (1903) [71].

  وفعلاً فقد جاء منقولاً على رواية هرمين فيتجنشتاين وهي الأخت الأكبر للشاب لودفيغ فيتجنشتاين ، شهادة تؤكد فيها على هذا التحول الحاسم نحو ضفاف الرياضيات ومن ثم بداية تلاشي ولعه وإهتمامه بعلم الطيران . حيث جاء على لسانها إلى إن لودفيغ ” أصبح مسحوراً بمضمار الرياضيات وكان الحاصل من ذلك فقدانه الولع والإهتمام بالطيران ” [72]. وقرر بدلاً من ذلك بأنه يحتاج إلى دراسة علم المنطق وأسس الرياضيات . ووصف حاله فقال ” إنه موقف ثابت وغير قابل للوصف وعلى الأغلب إنه حالة مرضية فيها الكثير من الإهتياج والإثارة ” [73]

  وكان لولع وإهتمام فيتجنشتاين الجديد في علم المنطق وأسس الرياضيات ، إنه قرر في صيف عام 1911 الحج إلى مكة علم المنطق والرياضيات .وكان الحاصل من ذلك إن شد لودفيغ الرحال وذهب إلى ألمانيا وزار سادن علم المنطق وفيلسوف الرياضيات جوتلوب فريجة الذي كان يعمل في جامعة يينا . ومن ثم عرض فيتجنشتاين على فريجة عينة مماكتبه في مضماري فلسفة الرياضيات وعلم المنطق . وسأله النصيحة فيما كتب و” كشف له بإنه عازم على الإستمرار ؛ وهل هذه العينة من النصوص تستحق العمل والإستمرار في هذا المضمار ؟ ” [74].

  ومن بعد المقابلة بين جوتلوب فريجة وفيتجنشتاين كتب الأخير (أي فيتجنشتاين) واصفاً ما حدث ، فقال ” لقد عرضت على فريجة ، والذي كان في مكتبه ، عينة مما كتبت . والحقيقة كان فريجة رجلاً قصير القامة وضعيف البنية ، وذو لحية خشنة . وكان يتمشى داخل غرفته عندما يتكلم . وكنا سوية نحرث أرضية غرفته . وشعرت بالكآبة الشديدة ” . إلا إنه في النهاية قال ” إنه من الأفضل أن تأتي مرة آخرى ” . وفرحت وإبتهجت كثيراً على هذا الرد . ومن ثم كانت لي معه فيما بعد مناقشات عدة . والواقع إن فريجة لا يتكلم على الإطلاق ، إلا بما له علاقة بعلم المنطق والرياضيات . ومثلاً إذا حاولت أن أُغير الحديث إلى موضوع آخر ، فإن فريجة بكل لطف وجميل ، يعود بسرعة إلى علم المنطق والرياضيات ” [75].

  والتحول الجديد في حياة لودفيغ فيتجنشتاين الفكرية تمثل في نية فيتجنشتاين على الدراسة تحت إشراف جوتلوب فريجة . إلا إن هذا التحول لم يتحقق في هذا الطرف وهو الدراسة تحت إشراف فريجة . غير إن التحول أخذ مساراً مختلفاً وذلك عندما إقترح فريجة على فيتجنشتاين بالتوجه إلى جامعة كيمبريدج ومن ثم الدراسة تحت إشراف برتراند رسل . وفعلاً فقد شد فيتجنشتاين العزم ، وتوجه في 18 إكتوبر من عام 1911 نحو كيمبريدج ، ووصل إلى غرفة برتراند رسل في كلية الثالوث دون إعلان مسبق بقدومه [76]. وكان حينها الفيلسوف رسل يتناول قدحاً من الشاي مع زميله الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا الإنكليزي تشارلز كي أوغدن (1889 – 1957) [77]. ووفقاً لرواية رسل إنه في أجواء تناولنا للشاي ظهر أمام أنظارنا ” شخص ألماني غير معروف لنا ، ويتكلم القليل من الإنكليزية ، وغير راغب في الكلام باللغة الألمانية ، وعرفنا إنه تعلم أكاديمياً الهندسة في شارليتنبيرك . وخلال هذه الفترة عرف بنفسه ، وإنه واحد من مُحبي فلسفة الرياضيات . ولهذا الغرض جاء إلى كيمبريدج للإستماع لي ” [78].

  وحالاً تحول فيتجنشتاين إلى ظاهرة أقلقت البروفسور رسل ، فهو لم يحضر محاضرات رسل وحسب وإنما أصبح المهيمن على هذه المحاضرات . وبالمناسبة فإن محاضرات رسل يومها كانت فقيرة من الحضور ، وغالباً ما وجد رسل نفسه وحيداً مع ثلاثة من طلابه ، وهم كل من تشارلي دانبار برود (1887 – 1971) [79]، وإيرك هارولد نيفيل (1889 – 1961)[80] و أش . ت . نورتون [81]. وبحضور فيتجنشتاين في حياة أستاذه رسل الأكاديمية ، بدأ فصل جديد حيث أخذ التلميذ فيتجنشتاين يُتابع أستاذه رسل بعد فترة المحاضرات ، ويعود إلى غرفته من أجل المزيد من المناقشة في موضوعات الفلسفة ، ومرات تستمر المناقشات حتى تحين فترة تناول وجبات الطعام المسائية . ومن ثم بدأ الأستاذ رسل يتحسس ويشعر بالإنزعاج ، ولذلك كتب إلى أوتولاين مورل (1873 – 1938)[82] والتي بثها قلقه من تلميذه الألماني ، فقال ” إن صديقي الألماني تحول إلى حالة تهديد لي وبلاء علي ” [83].

  ومن ثم حالاً أخذ يعتقد برتراند رسل إن فيتجنشتاين كان عبقرياً ، وخصوصاً بعد إن قام رسل بالفحص والتدقيق في الأعمال التي كتبها فيتجنشتاين . ولهذا كتب في نوفمبر من عام 1911 ، فقال ” إنه كان في البداية يُفكر بأن فيتجنشتاين كان كرانك أي شخص جلف . وحالاً قرر رسل خلاف ما أعتقد (أي إن فيتجنشتاين ليس شخصاً جلفا) وإنما كان عبقرياً ولذلك قال ” إن بعض وجهات نظر فيتجنشتاين المبكرة لعبت دوراً في عمل القرار صعباً ” . وإستمر رسل يُعلق على قضية عبقرية فيتجنشتاين . فمثلاً ظل فيتجنشتاين متمسكاً برأيه ويقول ” إن القضايا الوجودية لا معنى لها . وهذا ما قاله في غرفة المحاضرات . ولذلك وجهت له الدعوة للتأمل في القضية ” . وفعلاً قال موضحاً ” إن ليس في الغرفة حضور إلى فرس النهر . وعندما رفض الإعتقاد بذلك ، أخذت أنظر تحت كل المقاعد الدراسية ، فلم أجد واحد من فرسان النهر . وظل فيتجنشتاين غير مقتنع بهذه القضية ” [84].

   وبعد مرور ثلاثة أشهر على وصول لودفيغ فيتجنشتاين إلى جامعة كيمبريدج ، كتب برتراند رسل إلى عشيقته أوتولاين مورل ، فقال ” أنا أحب لودفيغ فيتجنشتاين ، وأشعر إنه سيحل الكثير من المشكلات ، التي أنا في عمر كبير لتقديم حل لها ، وإن فيتجنشتاين رجل شاب وهو الأمل [85]. ولاحظنا إن حديث رسل عن دور فيتجنشتاين في المستقيل (أي إنه سيشغل مكانة برتراند رسل) جاء في شهادة مكتوبة تركها رسل في عام 1916 . وهذه الشهادة جاءت بعد إن وجه التلميذ فيتجنشتاين نقداً إلى أعمال أستاذه الفيلسوف الكبير برتراند رسل ، فقال رسل ” أنا أعتقد إن فيتجنشتاين لم يكن واع لما قاله يومذاك . إلا إن ما قاله حادثة جدا مهمة في حياتي ، وتركت أثراً على كل شئ عملته . ومنذ ذلك الوقت رأيت إن فيتجنشتاين كان على حق . وحينها أدركت بأنه لا يوجد لي أمل في أن أعمل شيئاً أساسياً في الفلسفة [86].

   ومن ثم إنضم لودفيغ فيتجنشتاين سنة 1912 إلى نادي العلوم الأخلاقية في جامعة كيمبريدج . والحقيقة إن هذا النادي اسسه مجموعة من المهتمين بشؤون الفلسفة وذلك لمناقشة قضايا الفلسفة (ومنذ سنة 1878) [87]. وكان يحضر هذه المناقشات الفلسفية عدد من الباحثين والطلاب . وفعلاً فقد قدم فيتجنشتاين أول بحث له في هذا النادي وكان بالتحديد في 29 نوفمبر سنة 1912 . وإستمر حديث فيتجنشتاين عن بحثه فترة أربعة دقائق وفيها عرف الفلسفة ، ومن خلال ” القضايا الأولية الصادقة والتي لا تحتاج إلى برهان ومن خلال علوم متنوعة [88].

  وتلت ذلك فترة فرض فيها فيتجنشتاين نوع من الهيمنة على فعاليات نادي العلوم الأخلاقية في جامعة كيمبريدج . وبعد ذلك توقف من الحضور إلى النادي تماماً وكان ذلك في بواكير الثلاثينيات من النصف الأول من القرن العشرين . والسبب وراء ذلك إحتجاجات وشكاوي بأن فيتجنشتاين لايمنح الأخرين فرصتهم للكلام [89]. ومن ثم ساءت سمعة النادي في دوائر الفلسفة بسبب الإجتماع الذي حدث في 25 إكتوبر سنة 1946 ، وبالتحديد في قاعة فيلسوف العلم الإنكليزي ريتشارد بيفان بريثويت (1900 – 1990)[90] في كلية كنك ، وهو الإجتماع بين الفيلسوف النمساوي الإنكليزي كارل بوبر والفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين والذي حدثت فيه مواجهة عاصفة بين الفيلسوفين . والحقيقة إن النادي وجه دعوة إلى الفيلسوف كار بوبر ليكون المتكلم الضيف وأن يكون فيتجنشتاين رئيس الجلسة . وكان بحث الفيلسوف كارل بوبر بعنوان ؛ هل توجد مشكلات فلسفية ؟

   والواقع إن الفيلسوف كارل بوبر وقف معارضاً للفيلسوف فيتجنشتاين ، وعبر عن موقفه المضاد لموقف فيتجنشتاين . وذهب إلى إن ” مشكلات الفلسفة هي مشكلات حقيقية ، وليست ألغاز لنكوستيكية كما جادل فيتجنشتاين ” . وكان الحاصل من جدلهما إن تنوعت تفسيرات الطرفين وإختلفت إلى حدود بعيدة . ويبدو إن فيتجنشتاين بدأ يُحرك ” البوكر (بطاقة القمار) الساخن أو الأكثر حرارة) ” وزعم بأن بوبر قدم له مثالاً على القاعدة الأخلاقية . وفعلاً فإن بوبر عرض مثالاً واحداً . إلا إن بوبر لم يُهدد المتكلمين الزائرين بأوراق البوكر ” . وعند حدود هذه القضية تدخل الفيلسوف برتراند رسل وأخبر فيتجنشتاين ” بأنه أساء الفهم ولذلك جاء رد فيتجنشتاين بترك الإجتماع ومغادرة القاعة ” .

   وظل كارل بوبر يؤكد على ” إن فيتجنشتاين إنسحب من المناقشة ” . ومن ثم أصبح الموقف مقبولاً لديه وذلك لكونه نهج إختاره فيتجنشتاين للتوقف من الكلام ومغادرة القاعة مبكراً (بسبب ما ذكره فيتجنشتاين سابقاً ، وبالتحديد حول هيمنته على المناقشات ولا يمنح الأخرين فرصهم في الكلام) . والحقيقة هذا الحضور المشترك لفلاسفة العصر كان ظاهرة نادرة ، وخصوصاً ثلاثة من أكثر الفلاسفة شهرة في العالم (منا وهم فيتجنشتاين وبوبر ورسل) . كما وإن مثل هذا الحضور للفلاسفة لم يحدث في غرفة واحدة سوية [91]. والمهم إن توثيق دقيق قد تم للإجتماع والذي ” كان إجتماعاً غير عادي ، بل ومشحوناً بدرجات عالية من روح الجدل ” [92]. وبالطبع إن المصدر الوحيد الذي يصور هذه المناظرة بين فيتجنشتاين وكارل بوبر هو كتاب كارل بوبر الميموار (السيرة الذاتية) والذي نشره بعد فترة من موت فيتجنشتاين وموت برتراند رسل وسبب موجة غاضبة وإعتراضات على كارل بوبر وقادها عدد من طلاب فيتجنشتاين وبالطبع كانت موضوع الإعلام البريطاني يومذاك .     

  ومن ثم وجه عالم الإقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز (1883 – 1946) دعوة إلى لودفيغ فيتجنشتاين للإنضمام إلى جمعية رُسل كيمبريدج ، وهي جمعية عقلية نخبوية ذات طبيعة سرية (تأسست عام 1820) [93]. وكان كل من برتراند رسل وجورج مور قد إنضما إليها يوم كانا مجرد تلميذين في جامعة كيمبريدج . إلا إن فيتجنشتاين لم يكن مُبتهجاً بالإنظمام إليها والشاهد على ذلك إنه لم يحضر بإنتظام إلى إجتماعاتها . كما كان برتراند رسل من طرفه يشعر بقلق عال ويتجاذبه التفكير ويُرجح (أو يحتمل) من إن فيتجنشتاين لم يكن مُعجباً بجدية جماعة رُسل كيمبريدج ، وإسلوبهم الفكاهي الساخر ، وعلاقات الحب مع بعضهم البعض [94]. وفعلاً فإن فيتجنشتاين إعترف في عام 1912 وأشار إلى أنه إستقال تقريباً مباشرة منها وذلك بسبب إنه لا يتسامح مع مستوى المناقشة التي تجري فيها . ويتذكر فيتجنشتاين فيذكر إلى إنهم عادوا إلى الإتصال به مرة ثانية وبالتحديد خلال العشرينيات من النصف الأول من القرن العشرين (وبالتحديد عندما عاد إلى جامعة كيمبريدج) . إلا إنه واجه مرة ثانية صعوبات في التسامح مع مناقشاتهم في نادي العلوم الأخلاقية [95].

4

لودفيغ فيتجنشتاين والأثار المبكرة للفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر

   بينما كان الفتى لودفيغ فيتجنشتاين طالباً في مدرسة ريلشول وقع تحت تأثير الفيلسوف الشاب النمساوي أوتو واينينغر (1880 – 1903) وخصوصاً كتابه الذي حمل عنوان الجنس والشخصية والذي صدر من المطبعة عام 1903 [96]. وبعد فترة قليلة من نشر كتابه ، إنتحر الفيلسوف الشاب واينينغر عن طريق إطلاق النار على نفسه [97]. ولعل السؤال ؛ من هو هذا الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر ؟ وما أهمية كتابه ؟ وما هي الأثار التي تركها على الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ؟ وخصوصاً إن فيتجنشتاين قرأ هذا الكتاب وهو إبن أربعة عشر ربيعاً وظل يتذكره في فترات مختلفة من حياته . وهذا دليل على عمق الأثار التي تركها الفيلسوف واينيغر وكتابه على فيتجنشتاين . والواقع إن كتاب الجنس والشخصية مس أطرافاً بالغة الأهمية من حياة لودفيغ فيتجنشتاين وهذا الأمر ستبينه الصفحات اللاحقة . صحيح إن الأثار التي تركها الفيلسوف أوتو واينينغر لم تبدو للقارئ على إن لها أثر فلسفي مباشر . إلا إن لها في الحقيقة أثر فلسفي غير مباشر . وذلك لأنه مس الطرف الجنسي من حياة الفيلسوف فيتجنشتاين .

  ولد الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر في فينا عام 1880 ، وكان إبن صائغ يهودي ويُدعى ليوبولد واينينغر . أما أم الفيلسوف أوتو واينينغر فكانت تُدعى أدلهايد . وبعد إلتحاق الفتى أوتو واينينغر بالمدرسة الإبتدائية ، ومن ثم الثانوية تخرج في تموز عام 1898 . وتلا ذلك إن سجل في جامعة فينا ، وبالتحديد في إكتوبر من السنة ذاتها (أي عام 1898) . ودرس في الجامعة الفلسفة وعلم النفس . إلا إنه إضافة إلى ذلك حضر بعض الفصول الدراسية في العلوم الطبيعية والطب . وتعلم واينينغر العديد من اللغات من مثل اليونانية ، اللاتينية ، الفرنسية والإنكليزية في وقت مبكر . ومن ثم تعلم في وقت لاحق الأسبانية والإيطالية . وكانت لديه معرفة بلغات أوربية أخرى .

  وفي خريف عام 1901 بدأ البحث عن ناشر لكتابه الذي حمل عنوان إيروس والنفس . وفي عام 1902 قدمه إطروحة للدكتوراه إلى كل من البروفسور فردريك جودي (1849 – 1914) والبروفسور لورنز مولينر (1848 – 1911) . ومن ثم قابل سيجموند فرويد (1856 – 1939) وعرض عليه كتاب ” إيروس والنفس ” . إلا إن الحاصل من هذه المقابلة إن فرويد خيب آماله حيث لم ينصحه بنشر النص (ويبدو لي إن السبب ، وهذا رأيي الشخصي ، إن فرويد يومذاك كان يشتغل على موضوع مشابه وهذا ما تدلل عليه عناوين موضوعات فرويد التي جاءت بعد ذلك والتي حملت عناوين قريبة من ذلك ..) . وفي هذه الأثناء قبل أساتذة واينيغر في جامعة فينا أطروحته للدكتوراه . وفعلاً فقد حصل على درجة الدكتوراه في تموز عام 1902 [98].

  وبعد ذلك تخلى الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر عن العقيدي العبري (اليهودي) وإعتنق البروتستانتية وكان فخوراً ومتحمساً لعقيدته الجديدة (وإنه شعر بسلام ودرجات من الأمان) ولكن يبدو إنه لا آمان ولاملاذ مؤكد في هذا العالم الفاني والذي تعصف به المتغيرات من كل الأطراف . وفعلاً فقد كان سعيداً بعد تخرجه وسعيداً أكثر في تحوله إلى ضفاف البروتستانتية الدافئة (كما يُعبر عنها) ، فقام برحلة إستجمام وترويح تنقل فيها خلال بعض الأقطار الأوربية . وإكتملت أجواء سعادته بحضور بعض العروض الموسيقية للموسيقار ريتشارد فاغنر (1813 – 1883)[99] وخصوصاً أوبرا بارسيفال والتي تركت فيه أنطباعات عميقة .

   ومن ثم ذهب إلى درسدن ، وكوبنهاكن وأسولو . وشاهد لأول مرة عروض دراما التحرير للكاتب المسرحي النرويجي هنريك أبسن (1828 – 1906) [100]. إلا إنه في أثناء عودته إلى فينا ، أخذ يُعاني من أعراض كآبة شديدة . وبدأت تتكون في ذهنه أوهام كان حاصلها قراره بإنهاء حياته . وبعد مناقشة طويلة مع صديقه الحميم آرثر جربر (تتوافر لدينا شهادة موجودة أون لاين) [101] ، قرر القيام بمحاولته بنفسه على مساعدة واينينغر وحمله على التخلي عن فكرته في إنهاء حياته . وطلب أرثر منه بدلاً من الذهاب (إلى المستشفى النفسي مثلاً) الذهاب معه لتناول العشاء والحديث وقضاء فترة من الزمن بعيداً من التفكير في الموت . وفعلاً فقد ذهبا سوية هناك ولم يأكل واينينغر سوى (لقمة واحدة) . ورغم تقديرنا لكل ما قام به الصديق أرثر . إلا إن الصحيح الذا كان عليه أن يفعله ، هو أن يطلب الصديق أرثر مساعدة من متخصصين في علم النفس والإرشاد النفسي وأن يأخذ تهديد وأعراض صديقه واينينغر محمل الجد . وأن يترك واينيغر بيد المتخصصين وليس بيد الأقدار وإسلوب النصيحة والفرضيات .. وذلك لسبب بسيط وهو إن صديقه وايننينغر مريض جدا جدا وحالته خطيرة . ومثل هذا سيحدث  لعائلة لودفيغ فيتجنشاين ولعل حالات أخوته الثلاثة الذين ماتو إنتحاراُ شاهد على ذلك حيث توافر لهم المال الكثير والجاه العريض ولكن لم يتوافر لهم فرصة مختص نفسي يتفهم مشكلاتهم ويضع لهم خطة قصيرة الأمد وطويلة الأمد بحيث تنقذهم من الموت القادم .. وما ينطبق على أبناء آل فيتجنشتاين ينطبق على حالة الصديق الفيلسوف أوتو واينينغر .

   وفعلاً ففي حزيران عام 1903 وبعد أشهر من العمل المكثف ، فإن كتاب واينينغر الذي حمل عنوان الجنس والشخصية : بحث أساسي (وبالطبع هو محاولة جديدة في النظر إلى العلاقات الجنسية) ، طُبع في دار نشر في فينا (وهي دار نشر برومولير المحدودة) . والكتاب ضم إطروحة الدكتوراه إضافة إلى ثلاثة فصول حيوية جديدة ، وهي الفصول الآتية : الثاني عشر والذي حمل عنوان طبيعة المرأة وعلاقتها بالكون . والفصل الثالث عشر والذي جاء بعنوان اليهودية . والفصل الرابع عشر والذي كان بعنوان النساء والإنسانية .

   صحيح إن الكتاب لم يطاله النقد السلبي ولهذا السبب لم يخلق هالة كبيرة متوقعة حوله . إلا إن المؤلف واينينغر تعرض إلى هجوم شديد وقاس قام به البروفسور المشهور بول يوليوس موبيوس (1856 – 1907) [102]، وهو بروفسور في جامعة لايبزك والمؤلف لكتاب بعنوان حول النقص الفسيولوجي عند المرأة ، والذي فيه أتهم واينينغر بالغش والإستحواذ . فكان الحاصل من ذلك خيبة أمل كبيرة وعوارض كآبة شديدة . فترك فينا وتوجه نحو إيطاليا . وعاد بعدها إلى فينا وقرر صرف أيامه الخمسة الأخيرة مع والديه .

    ومن ثم في 3 إكتوبر أجر غرفة في بيت شوارزسبانيرتزغ 15 وهو المكان الذي مات فيه الموسيقار لودفيغ فون بيتهوفن (1770 – 1827) . وأخبر واينينغر صاحبة البيت ، بأنه لا يحب أن يزعجه أحد في الصباح . وإن لديه هذا الليل خطة للعمل وبعد أكماله سيلوذ إلى فراش النوم متأخراً . وكتب في هذه الليلة رسالتين ؛ واحدة وجهها إلى أبيه . أما الأخرى فكانت لأخيه ريتشارد . وفي الرسالتين أخبرهما بأنه سيقوم بإطلاق النار على نفسه .

  وفي 4 إكتوبر وُجد واينينغر ميتاً وقد أطلق النار على قلبه . ومات في المستشفى العام في فينا وكانت الساعة العاشرة والنصف صباحاً . ودُفن في مقبرة البروتستانت في فينا . وكتب والده كلمات الرثاء بموته . وهذه ترجمة لها : هذه الصخرة تحدد مكان البقاء لهذا الشاب ، التي لم تجد روحه راحة على هذه الأرض . وعندما إطلع على وحي روحه ، وإنه سوف لن يكون من الأحياء على الإطلاق . فإن رحلته إنتهت إلى مكان الموت في مستشفى فينا الكبير . وهناك إنطفأ وجوده المادي .

  وهكذا كان عام 1903 عام النجاح والإزدهار وكان في الوقت ذاته عام المأساة والإنطفاء . ففي هذا العام نشر الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر كتابه الأول والذي ضم إطروحته للدكتوراه وثلاثة فصول جديدة . وهذا الكتاب كان بعنوان الجنس والشخصية : بحث أساسي . كما إنه في هذا العام إتهمه البروفسور بول يوليوس موبيوس بالغش والإستحواذ ، فكان حاصلها إنتحار الفيلسوف واينينغر وهو بعمر الثالثة والعشرين . واليوم يُنظر إلى الفيلسوف واينينغر على إنه فيلسوف ميسوجني (معادي للمرأة) ومعادي للسامية [103](وهو السامي القح قبل أن يتحول إلى البروتستانتية) . إلا إن هذا لا معنى له أمام حالة واينينغر الذي كان عبقرياً عظيماً بمنظار كل من الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين والكاتب السويدي أوغست سترندبيرك (1849 – 1912)[104] .

    ولعل المهم هو أن نقف عند عتبات رائعة أوتو واينينغر (الجنس والشخصية : بحث أساسي) ؛ ونتأمل في بعض أطرافها ؟ وكيف إستقبلها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وإحتفل بها ؟ في الواقع لاحظنا إن الفيلسوف النمساوي أوتو واينيغر قد جادل في رائعته الجنس والشخصية ، وذهب إلى إن كل الناس ” ما هم إلا مكونات ممزوجة من خصائص (جواهر) ذكورية وإنثوية ” . ومن ثم دعم مُثابرته بوجهة نظر علمية . فرأى إن المظهر الذكوري يتمثل بالنشاط ، الإنتاج ، والوعي الأخلاقي والمنطقي . بينما يحسبُ إن المظهر الإنثوي يتمظهر في السلبي ، العطالة (بمعنى غير منتج ” هكذا قال واينينغر”) [105]، ويفتقد إلى الشعور الأخلاقي والمنطقي [106].  

  ويستمر واينينغر في جدله ويذهب إلى إن ” التحرير الممكن الوحيد يكون من خلال المرأة المسترجلة . ومن ثم عدد أمثلة وشواهد ، وذكر ” من مثل بعض النساء المثليات (الليزبين) . ولإن مثل هذه الحياة الإنثوية تكون حياة مستهلكة بالعمل الجنسي ” . وتحدث عن حالتين تحكمان الحياة الإنثوية المستهلكة ، الأولى مستهلكة من جهة الفعل ، وهي من مثل ” العهر والمومسات ” . أو من جهة الإنتاج ” كما هي الحال عندما تكون المرأة أماً للولادة والإنجاب[107].

  ويتحول واينينغر نحو طرف أخر من عمل المرأة ويقارنه بعمل الرجل . وهذه المرة إختار مثالاً ذات طبيعة خاصة . فالعمل الذي تعمل فيه المرأة ، هو ” وسيطة في الزواج ” . ويرى واينينغر إن مثل هذا العمل الذي تقوم به المرأة ، هو إنها تكون مقام الرجل أو إن عملها هو عمل ذكوري . حيث فيه الكثير من أفعال الذكاء ، والتخلي عن الجنس لصالح الحب المجرد أو المطلق ، والذي يتماثل في حب الله الذي يجده في ذاته [108].

   ولعل الجزء الأكثر أهمية من كتاب الفيلسوف أوتو واينينغر الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، هو الجزء الذي بحث فيه في طبيعة العبقرية . وبالطبع فيه الكثير (برأي الدكتور محمد الفرحان) من النقد الشديد القاسي للشخصية اليهودية بقلم يهودي وسامي (ونقصد الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر) . ونحسب إن هذا النقد هو الذي حمل بعض النقاد إلى إتهام أوتو واينينغر (وهو اليهودي السامي) بمعاداة السامية (وهي تشبه في الإسلام حجة معاوية بقميص عثمان) . وعلى كل فإننا نحسبها قضية سياسية في طرفيها الديني والأيديولوجي (ونذكر القارئ الكريم إلى إن أوتو واينينغر هو اليهودي والسامي قبل عام 1902 . وهي حقيقة بديهية . ولكن عندما تخلى واينينغر عن اليهودية وإعتنق البروتستانتية ، تبدل مركز الكون وأصبح  مايقوله واينينغر بجرة قلم ضد السامية) إنها محنة التفكير الحر في بيئات التفكير العقائدي المنغلق على الذات والتي تُقاتل بصلابة ودموية  من أجل التعجيل في تحويل تفكيرها وحجره في خانة من خانات الماضي وذمة التاريخ .

  والحقيقة إن الفيلسوف النمساوي واينينغر يُجادل ويذهب إلى إنه لا يوجد شخص ما ” يمتلك عبقرية في الرياضيات أو عبقرية في الموسيقى . وإنما توجد عبقرية كلية في كل من يوجد . وإن هذه العبقرية من المحتمل أن تكون حاضرة في كل البشر وفي بعض من الدرجات ” [109]. والمشكلة التي أثارها واينينغر وأزعجت العشيرة والإخوان بسبب إنه خصص فصل من رائعته الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، لتحليل الشخصية اليهودية . وفي الأمس (أي ما قبل عام 1902) لم يكن مشكلاً أو هدفاً ” فهو اليهودي القح والسامي القح ” . إلا إنه مابعد عام 1902 تحول عقيدياً إلى ضفاف المسيحية البروتستانتية . فإنقلبت موازين ونواميس الكون ومن ثم دارت الدنيا . وهكذا كان قدر العبقري واينينغر إن يعيش هذه المحنة وأن يدفع ثمنها غالياً ، وهو الفداء والموت إختياراً (الإنتحار) .

     إن جوهر المشكلة هو إن واينينغر قام في طرف من رائعته بتحليل ” الشخصية اليهودية التوراتية ” ورأى إنها شخصية إنثوية . وعلى هذا الأساس إعتقد ” إن اليهودي هو شخصية لادينية بصورة عميقة ، ولا يمتلك شخصية (نفس) فردية [110]حقيقية ، وفارغة من معاني الخير والشر . وبالمقابل فإن المسيحية تُوصف (هكذا قال أوتو واينينغر) ” إنها تعبير عال للعقيدي العالي ” . في حين ” إن اليهودية (هكذا قال واينينغر وعلى ذمته) كما شائع عنها هي نوع من الجبن المتطرف ” . وبالطبع واينينغر يستهجن تعفن العصور الحديثة . ويعزو الكثير من ذلك إلى التأثير الذي تركته النزعة الإنثوية (الفيمنن) والتي هي عنده مرادفة (على ذمة واينينغر) لشخصية اليهودي . والحقيقة إنه في حساب واينينغر ” إن كل واحد من البشر يُظهر بعض الخصائص الإنثوية ، والتي يُسميها خصائص يهودية [111].

  كما إن إنتحار واينينغر في واحد من بيوتات فينا ، وبالطبع هو البيت الذي مات فيه الموسيقار بيتهوفن والذي كان واحداً من عباقرة عصره ، صنع من إنتحاره قضية مشهورة ، كما وكان الحاصل منها حالات عديدة من الإنتحارات اللاحقة ، وكل هذه الظروف كانت السبب الذي خلق مناخاً ثقافياً أصبح أكثر إهتماماً بكتاب أوتو واينينغر الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية . ولذلك جاء إهتمام الكاتب السويدي أوغست سترندبيرك والذي كتب العديد من المراجعات المثيرة ، والتي جاءت تقترح حلول ممكنة لأصعب المشاكل الإجتماعية ، وهي مشكلة المرأة [112].

    لاحظ عدد من الأكاديميين الغربيين والمهتمين بتفكير الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين إلى إن الفيلسوف النمساوي الشاب أوتو واينينغر قد ترك أثاراً قوية على تفكير فيتجنشتاين وفي وقت مبكر . ولذلك لم تتمكن الأيام من محوها بل ظل يتذكرها على الدوام ، والأكثر من ذلك إنه بعث برسائل إلى بعض من زملائه الفلاسفة البريطانيين يُشاركهم بالإعتراف بسلطتها المعرفية عليه . وتعود ذكرى قراءة فيتجنشتاين الأولى لكتاب أوتو واينينغر والمعنون الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية إلى مرحلة الصبا والتي حينها كان طالباً في المدرسة الأكاديمية في ريلشول لينز وكان عمره أربعة عشرة ربيعاً . وفعلاً فإن هذا الكتاب ترك إنطباعات عميقة على شخصية الفيلسوف فيتجنشتاين . وبعد ذلك سجله كواحد من الكتب التي تركت تأثيراً عليه ، ومن ثم نصح العديد من أصدقائه على قراءته [113] .

  والواقع إن فيتجنشتاين حمل إعجاباً كبيراً لكثير من الأفكار التي أدلى بها الفيلسوف أوتو واينينغر رغم إنه لا يتفق معه في عدد من أفكاره الأساسية وموقفه منها . ولهذا لاحظنا إن فيتجنشتاين كتب إلى زميله الفيلسوف البريطاني جورج أدورد مور (1873 – 1958) وأستاذه كذلك فقد كان جورج مور والفيلسوف برتراند رسل (1872 – 1970) من أعضاء مناقشة إطروحته للدكتوراه والتي كانت بعنوانها اللاتيني تركتاتوس لوجيكيو – فيلوسوفكيوس (وبالعربية : رسالة منطقية – فلسفية) . فقال فيتجنشتاين في وصف أفكار الفيلسوف أوتو واينينغر ؛ ” إنه ليس من الضروري ، أو من الممكن الموافقة معه . ولكن العظمة تكمن في إننا نختلف معه وإن من أعظم أخطائه إنها كانت عظيمة ” [114].

    ونحسبُ في ختام حديثنا عن أثر الفيلسوف النمساوي الشاب أوتو واينينغر على الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، أن نشير إلى إن واينينغر جادل وذهب إلى إن المفاهيم من مثل الذكر والإنثى هي توجد مجرد مُثل إفلاطونية . وإن اليهود يميلون إلى تجسيد الإنثوية الإفلاطونية . ولما كان الرجال حسب رأي واينينغر هم أساساً عقلانيون . وإن النساء بالمقابل يعملن فقط على مستوى عواطفهن وأعضائهن الجنسية . فاليهود حسب جدل واينينغر متشابهون ، وهم مشبعون بالإنوثة . ولايتوافر لديهم الإحساس بما هو صحيح وخطأ كما وليس لديهم نفس . وإن على الرجل أن يختار بين طرفه الذكوري وطرفه الإنثوي ، بين وعيه وبين لاوعيه ، بين الحب الإفلاطوني والطرف الجنسي . والحب والرغبة الجنسية في حالة تناقض . وإن الحب بين المرأة والرجل محكوم عليه بالبؤس أو الفجور . وإن الحياة الوحيدة التي تستحق العيش هي الحياة الروحية . وإذا رغبت أن تعيش إمرأة أو يهودي ، فإن ذلك يعني إنه ليس لك الحق أن تعيش على الإطلاق . والخيار أن تكون عبقرياً أو الموت . والفيلسوف الشاب أوتو واينينغر إختار الموت وفعلاً نجح في تنفيذ الإنتحار وذلك بإطلاق النار على قلبه في عام 1903 وبعد فترة قصيرة من طبع كتابه الأول الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية [115](الذي ضم إطروحته للدكتوراه وثلاثة فصول جديدة) .

   وبعد العديد من السنوات قام البروفسور لودفيغ فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج بتوزيع نسخ عديدة من كتاب واينينغر على مجموعة من زملائه الأكاديميين والذين كانوا في حيرة ويفكرون على الدوام بأفكار واينينغر ، وقال لهم فيتجنشتاين ” إن حجج واينينغر كانت خاطئة . لكن ذلك هو الطريق الذي كانت فيه خاطئة . إلا إنه حقاً كان طريقاً مثيراً للإعجاب [116].

5

الفلسفة وإشكالية العقيدي : حرب داخلية وسلام ظاهري

  قدم لنا تاريخ الفلسفة شهادات مختلفة حول تفكير عدد كبير من الفلاسفة ، وهم يُثابرون في التعامل سلباً وإيجاباً مع العقيدي الديني الذي ولدوا عليه (وكان في الحقيقة دين الأباء والأمهات) . وقسم من الفلاسفة (وهم رجال العقل النقدي) وضعوا العقيدي على طاولة النقد وحدث ما حدث ..ولذلك كانت مثابراتهم الفلسفية النقدية على شكل مشروع ثورة هادئة أو هائجة تتطلع إلى القطيعة ومن ثم إعادة قراءة تاريخ الفلسفة من زاوية منهج نقدي هرطقي . بينما لاحظنا بالمقابل إن هناك عدد آخر من الفلاسفة من قبل عقيدة الأمهات والأباء كما هي (وهكذا كان منهج التصالح وهو منهج ساد في تاريخ الفلسفة ولازال فاعل وحقق فلاسفته نجاحات ملحوظة مع تعطيل نسبي أو مطلق لمنهج النقد الذي فيه أوجاع كثيرة لعقول الفلاسفة الهادئة ويهز مصالحهم وبالتأكيد له تأثير محسوب على مصادر رزقهم ومواردهم المالية) . ولذلك قام هؤلاء الفلاسفة بضم العقيدي الديني للأباء والأمهات كما هو إلى البناء الفلسفي الذي شيدوه مع درجات من التجميل الفلسفي أو قل أضافوا إليها أملاحاً فلسفية جعلت من العقيدي الديني ذات مذاقات عقلانية .

  ولعل العجيب في تفكير بعض الفلاسفة هو إنهم وضعوا البناء الفلسفي الذي شيدوه والعقيدي الديني الذي تشربوه في إشكالية وذلك لأنهم عطلوا منهج العقل النقدي ، وتطلعوا لأسباب ملونة إلى النجاح في المصالحة بين العقيدي الديني التقليدي (الذي يصعد إلى ألفيات من السنين مضت من تجربة الإنسانية وتفكيرها الميثيولوجي ..) والتفكير الفلسفي الذي ينز بكل ما هو إنساني تاريخي مشروط . والحقيقة إن تاريخ الفلسفة شاهد على إن البعض من الفلاسفة ومن مراحل تاريخية مختلفة ، نجحوا بدرجات ما من الهروب من لحظة السقوط في مهاوي الإنغلاق والتعصب العقيدي الديني . ويبدو إنهم نجحوا بسبب تمسكهم بإطار فلسفي إنساني ومن هذا الطرف لعب دوراً ناجحاً في تلوين نظرتهم العقيدية الدينية ورفعها إلى درجات إنسانية عالية . لكن هذا النجاح لم يتوافر للبعض منهم . ولعل لودفيغ فيتجنشتاين هو واحد منهم . فقد ظل متعلقاً بأطياف وأحلام تفكير ديني قديم تجاوزته الإنسانية كما وتخطته مسيرة الفلسفة في تاريخها الطويل . وإن ما يُحزننا ونحن نقرأ فيتجنشتاين إنه أصر على البقاء مُعلقاً بقوة فاقدة لكل سلطة معرفية ، ولعل القوة الوحيدة التي تعلق بها هي سلطة حُلم يشده إلى العقيدي الديني (العبري) الذي تنكرت له عائلة فيتجنشتاين ورفضته أمام سلطتها المالية الكبيرة (حيث إن سلطة آل فيتجنشتاين المالية هي ثاني سلطة مالية في العالم يومذاك) ، وتحولت إلى الكاثوليكية قبيل ولادة فيتجنشتاين بزمن ، ومن ثم تم تعميده على الكاثوليكية ، وبعد ذلك إستقرت العائلة على العقيدي الكاثوليكي (رغم إن عقيدة جدة فيتجنشتاين كانت البروتستانتية . وهذه حقائق تاريخية ومجيرة في تاريخ أل فيتجنشتاين وتحولاتهم العقيدية .

  والحقيقة إن لودفيغ فيتجنشتاين فيلسوف وله كل الحق في العودة إلى الوراء وتصحيح ما إرتكبه الوالد كارل فيتجنشتاين الذي إختار الكاثوليكية عقيدة جديدة لعائلته . إلا إن لودفيغ ليس له خيار في تغيير عقيدة جدته فاني فيجدور التي كانت مسيحية بروتستانتية قبل أن تتزوج جده هيرمان كريستيان فيتجنشتاين . ولذلك فإن الثابت من زاوية العقيدي اليهودي إن أل فيتجنشتاين ” ليسوا بيهود ” لأن أمهم ليست يهودية [117]. والإرتباط والشد إلى العقيدي العبري محسوب على أساس عقيدة الأم . وفعلاً فقد واجه لودفيغ فيجنشتاين هذه القضية ، ورد عليها قائلاً ” ولكنني أنا مئة في المئة عبري ” . وهذه القضية عانى منها آل فيتجنشتاين الكثير مع هتلر والنازية رغم إنهم تحولوا إلى الكاثوليكية منذ زمن قبل ولادة لودفيغ فيتجنشاين كما إن جدته كانت مسيحية بروتستانتية . وهذه قضية كُتب عنها الكثير (وخصوصاً شجرة إصول عائلة آل فيتجنشتاين التي تم إعدادها قبل الحرب العالمية الثانية في أورشليم – القدس) .

  توفر لنا سيرة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، الكثير من الحقائق حول إشكالية العقيدي الديني في تكوين شخصيته ومن ثم تفكيره ودورها في خياراته اللاحقة . فمثلاً إن الطفل لودفيغ قد تم ” تعميده كاثوليكياً بعد ولادته بقليل من قبل قس كاثوليكي ، وذلك عندما كان طفلاً [118]. إلا إن من الملاحظ إن الفتى لودفيغ ، وخلال برنامج تعليمه في ريلشول – لينز قد فقد إيمانه بالله [119]. ومن المعلوم إن فكرة الخطيئة والإعتراف بها ، مسألة عقيدية مهمة في المسيحية . والشواهد المتوافرة لدينا عن حال لودفيغ تكشف عن إشكال عقيدي ، فهو من طرف لم يعتقد على الإطلاق بفكرة الإعتراف . إلا إن يومياته تدلل بصراحة إلى إنه مارس فكرة الإعتراف على الأقل مرتين ، واحدة إنه إعترف لإخته الكبرى هيرمين . والخطيئة حدثت خلال الفترة التي يدرس فيها في المدرسة الأكاديمية في مدينة ريلشول . وفعلاً فقد علق كاتب سيرته راي مونك على ذلك ، وكتب مشيراً إلى إن هذا الإعتراف ” كان حول فقدانه الإيمان بالله ” . والثانية إنه ناقش مسألة فقدانه الإيمان مع إخته غريتي ، وذكر بأن الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهور (1788 – 1860) وكتابه الذي حمل عنوان العالم كإرادة وصورة ، هما اللذان وجهاه نحو ذلك [120].

  ويُنقل عن لودفيغ فيتجنشتاين ، إنه مرة قال لصديق له معلقاً ” إنني لم أكن رجل متدين ، ولذلك لا أستطيع المساعدة في كل مشكلة ، لأنني لا أنظر إليها من زاوية دينية [121]. ولودفيغ خلال مراهقته تبنى حقاً المثالية الأبستمولوجية للفيلسوف الألماني شوبنهور . إلا إنه بعد دراسته لفلسفة الرياضيات ، تخلى عن المثالية الأبستمولوجية ، ووصفها بطريقة درامية ، ومن خلالها وصف شوبنهور بكلمات وألفاظ نقدية فيها الكثير من القسوة . فقال بحق شوبنهور ” إنه تماماً مفكر ضحل (أو سطحي) ” . ومن ثم ذهب مفصلاً أكثر ، فقال ” إنه يمتلك (أي شوبنهور) عقل فج جلف .. وهنا وصل إلى القعر حيث كانت نهايته الحقيقية [122]. لماذا هذا التبدل الدراميتكي تجاه شوبنهور ؟ نحسبُ إنه جزء من طبع ومزاج فيتجنشتاين الحاد والذي يعرفه وإختبره معظم معاصريه .

   ونُرجح إن السبب الحقيقي الذي حمل فيتجنشتاين على تخليه في السنوات الأخيرة من المثالية الأبستمولوجية لشوبنهور ، هو تحوله نحو ضفاف الواقعية المفهومية التي يُروج لها الفيلسوف وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجه (1848 – 1925) [123]. ويبدو لنا إن المسألة لم تقف عند هذه الحدود ، وإنما تعدت ذلك وإمتدت إلى كتابات فيتجنشتاين في مضمار أسس الرياضيات .

  كما إن المُتابع للتطورت التي حدثت على الطرف العقيدي الديني عند فيتجنشتاين ، يلحظ إنها مرت بتحولات مستمرة ، طوت حياته الفكرية بمجملها (وخصوصاً أفكاره الفلسفية) . حيث من الملاحظ إن علاقة فيتجنشتاين بالمسيحية والدين على العموم كانت علاقة فيها الكثير من الإخلاص وخصوصاً إلى المقدس والتكريس والتي فتح لها فيتجنشتاين طريق الإزدهار في نهاية المطاف . وفعلاً فإن فيتجنشتاين دون شك مقارنة بالمفكرين المسيحيين الأخرين ، هو أكثرهم تأثراً بالقديس أوغسطين (354 – 430م) . ولعل أثار ذلك ظهرت له صدى في رائعته التي حملت عنوان أبحاث فلسفية . وفيها ظهرت الكثير من المحاذات الأساسية مع الخطاب الديني [124]. ولذلك أصبح فيتجنشتاين واحد من النقاد المتشددين للطريقة العلمية (تحت لافتة الساينتيزم / العلمية) في القرن العشرين [125].

   ويُجمع عدد من الكتاب في سيرة فيتجنشتاين ، على إنه كلما طال به العمر ، فإن عقيدته المسيحية تعمقت وأصبحت أكثر وضوحاً وصفاءً . والشواهد كثيرة منها أنه قدم العديد من التوضيحات والشروح التي فيها فك لألغاز اللغة ومشكلاتها في الدين ، مع مهاجمته للإغراءات التي تحمل التفكير ومن ثم الإعتقاد على إن وجود الله هو موضوع دليل علمي [126]. وفي عام 1947 واجه مشكلة كبيرة في العمل ، فكتب وقال ” إستلمت رسالة من صديق قديم في النمسا ، وهو قس . وفي هذه الرسالة لديه الكثير من الأمال على إن عملي سيكون على أحسن حال ، وهو بيد الله . وإن كل هذا ما أتطلع إليه . إذا كانت حقاً هي إرادة الله [127].

   وفي عمل فيتجنشتاين الذي حمل عنوان ” الثقافة والقيمة ” وجدناه يُفيد ” إن ما أقوم به (أي عملي في مضمار الفلسفة) هو حقيقة ما يستحق بذل الجهد ؟ نعم بالتأكيد . لكن فقط إذا ما شع الضوء عليه من الأعلى ”  . ومن ثم كتب صديقه الحميم نورمان مالكولم ، فأفاد ” إن حياة فيتجنشتاين في مرحلة النضوج ، هي أكثر قوة ، وهي في الوقت ذاته ،عنوان دال على تفكيره الديني ومشاعره . وأنا ميال للتفكير بأن فيتجنشتاين ، كان أكثر عمقاً من الناس الذين يعتبرون بصورة صحيحة ، إنهم مؤمنون متدينون ” [128]. وكتب فيتجنشتاين مرة عن الموسيقار الألماني يوهان سباستيان باخ (1685 – 1750) فقال إن باخ كتب مرة على الصفحة الأولى وبالتحديد على عنوان رائعته الموسيقية أورغل بروشيلان ” أي إلى الله المجيد ، الذي هو أكثر علو ، ربما جيراني سينتفعون منه ” . ” و(أضاف فيتجنشتاين) ” وذلك ما أتطلع أن أقول حول عملي ” [129].

6

الثابت والمتحول في حياة وتفكير لودفيغ فيتجنشتاين

    لاحظنا إن من أهم التحولات التي تركت أثارها الدرامية على حياة لودفيغ وتفكيره سلباً وإيجاباً ، هي وفاة والده كارل فيتجنشتاين والذي كان واحد من أغنى رجال العالم يومذاك . وفعلاً ففي كانون الثاني عام 1913 توفي والده . وبعدها حصل لودفيغ على ميراثه وأصبح واحد من أثرياء أوربا [130].

   كما وإن من الأحداث التي كان حاصلها تحولاً في حياة لودفيغ فيتجنشتاين ، هي إنه عاش مغامرات رومانتيكية مع عدد من الرجال والنساء . ويعتقد بصورة عامة ” إنه وقع في حب إفلاطوني على الأقل مع ثلاثة رجال ” . وهم كل من ديفيد هيوم بينسنت (1891 – 1918) وكانت علاقتهما سنة 1912 [131]، وفرنسيس سكنير (1912 – 1941) وعلاقتهما كانت سنة 1930 [132]، وبن ريتشاردز وعلاقتهما حدثت في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين [133].

  وفيما بعد أباح لودفيغ ببعض من أسرار علاقاته الغرامية ، فأشار إلى إنه عندما كان مراهقاً في مدينة فينا ، عاش تجربة غرامية (جنسية) مع ” إمرأة من فينا [134]. إضافة إلى ذلك فإن لودفيغ في العشرينات من القرن العشرين ، كان مفتوناً في حب إمرأة سويسرية شابة وهي مارغريت راسبنجر ، وكانت تعمل موديلاً للنحاتين ، ووافقت على الزواج . ولكن بشرط أن لاينجبوا أطفالاً [135].

  ولعل من الثوابت التي طبعت علاقات حب فيتجنشتاين الإفلاطونية مع ديفيد بينسنت ، إنها حدثت خلال فترة زمنية كانت مطبوعة بنمط من التفكير العقلي المحض . كما تم توثيقها بصورة عالية جداً . فمثلاً إن الفيلسوف (والبروفسور يومذاك) برتراند رسل ، هو الذي قدم فيتجنشتاين إلى بينسنت وكان بالتحديد في صيف عام 1912 (وكما أشرنا هو من أقرباء الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم) . وحالاً تحول بينسنت إلى الصديق الحميم المقرب إلى فيتجنشتاين [136]. والحاصل من هذه العلاقة الحميميمة بين كل من فيتجنشتاين وبينسنت ، إن الأثنين عملا سوية في العديد من التجارب في مختبر علم النفس ، وبالطبع هي التجارب التي دارت حول الدور الذي يلعبه الرذم (الإيقاع) في تقدير الموسيقى . وفعلاً فقد قدم فيتجنشتاين بحثاً حول هذا الموضوع إلى الجمعية السايكولوجية البريطانية في كيمبريدج سنة 1912 .

   كما إن كلاهما (أي فيتجنشتاين وبينسنت) قاما برحلات سياحية سوية وشملت إيسلندا في سبتمبر سنة 1912 . ودفع فيتجنشتاين مصاريف الرحلة في القطار (الخاص الدرجة الأولى)، وملابس جديدة لهما . وبعد ذلك أكملوا الرحلة نحو النرويج . والحقيقة إن أوراق مذكرات بينسنت تُعدُ مصادر غنية بالكثير من المعلومات ووجهات النظر التي كتبها بينسنت حول شخصية فيتجنشتاين . وفيها تصوير دقيق لحساسية وعصبية فيتجنشتاين وخصوصاً سرعة تبدل مزاجه بسبب أبسط وأصغر الأمور من بينسنت [137].

  ولعل الأمثلة كثيرة منها ما كتبه بينسنت في أوراق مذكراته ، وبالتخصيص في ذهابه مع فيتجنشتاين لشراء بعض الأثاث إلى جامعة كيمبريدج ، وذلك بعد حصول فيتجنشتاين على غرف له في كلية الثالوث . وكل ما وجداه في محلات الأثاث ، هو ليس المناسب الذي يُرضي ذوق فيتجنشتاين الجمالي . فأفاد بينست موضحاً ” فذهبت لمساعدته ، فشاهدنا الكثير من الأثاث وفي محلات متنوعة … إنها لم تكن مسلية : إن فيتجنشتاين كان عصبياً بشكل رهيب (وكان الحاصل) إننا حملنا صاحب مخزن الأثاث إلى الرقص مرعوباً وأخذ يتلعثم ويخطأ في نطق الحروف [138].

  ومن ثم كتب بينسنت في مايس سنة 1912 وذهب إلى إن فيتجنشتاين بدأ يدرس تاريخ الفلسفة ، وقال : إن فيتجنشتاين ” عبر عن دهشته الأكثر سذاجة وذلك عندما ذكر بأن هؤلاء الفلاسفة الذين كانوا موضوع عبادة وتقديس بسبب جهله . وإنهم بعد ذلك مجموعة أغبياء تعوزهم الأمانة وإنهم إرتكبوا أخطاء شنيعة ” [139]. وكان هذا هو اللقاء الأخير بين فيتجنشتاين وبينسنت ، والذي كان في محطة قطار برمنغهام في 8 إكتوبر سنة 1913 ، وحينها قال الواحد للإخر ” مع السلامة ” . وغادر فيتجنشتاين ليعيش في النرويج .

  وإستكمالاً لهذه اللوحة نسعى إلى تقديم شواهد الشد النفسي وموجات الغضب الذي يُعاني منها فيتجنشتاين وإلتي كانت حاضرة وقريبة من سطح الجلد والتي تحتاج فقط إلى محرك لتنفجر وتتحول إلى ثورة جامحة تهدد سلام الصداقة وعلاقات المحبة . وهنا نستعرض الكثير من هذه الشواهد . ونقف أولاً عند شواهد الفيلسوف الإنكليزي جورج أدورد مور الذي ناقش إطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه التي حملت عنوان تراكتتس أو رسالة منطقية – فلسفية . فقد كان البروفسور مور بالإضافة إلى كونه أستاذ فيتجنشتاين ، هو صديق مُقرب وتربطه بفيتجنشتاين علاقات صداقة طيبة وحميمة . وكان مور يزور فيتجنشتاين خلال مكوث الأخير في النرويج . وكانت علاقتهما بعض الأحيان تُصف بالتوتر والجفاف . وهنا نستشهد بزيارة مور لفيتجنشتاين سنة 1914 . وخلفها قصة نحاول الوقوف عندها ، فمرة حاول مور ” أن يكون مساعداً لفيتجنشتاين ، وبدأ يُسجل ملاحظات الأخير ، وحينها وقع مور في خطأ . فكان الحاصل من ذلك ثورة وهيجان فيتجنشتاين [140].

  والشاهد الثاني الذي نقدمه من علاقة الفيلسوف مور بتلميذه فيتجنشتاين ، هو إنه عندما عاد مور من زيارته لفيتجنشتاين ، إلتحق بجامعته كيمبريدج ، وطلب من الجامعة قبول كتاب فيتجنشتاين ” المنطق ” ليكون مُعادلاً لدرجة البكلوريوس . إلا إن الجامعة رفضت الطلب بسبب إنه لم يكن منظماً بصورة مقبولة ، وتعوزه الهوامش وخال من مقدمة . وهذا الرفض سبب غضب فيتجنشتاين ، وحمله على أن يكتب رسالة غاضبة وأرسلها إلى مور في مايس سنة 1914 ، قال فيها ” إذا لم أستحق أن تعمل لي إستثناء بسبب بعض التفاصيل الغبية (هكذا جاءت) ، فإن الأفضل لي أن أذهب مباشرة إلى الجحيم . وإذا أستحق ذلك وأنت لم تعمله ، إذن بعون الله ، إنك من المفروض أن تذهب هناك (هكذا وردت) ” [141].

  وسببت هذه الرسالة ولغتها الغاضبة حالة الإندهاش والذهول إلى الفيلسوف جورج مور ، فكتب مور في مذكراته ، بأنه شعر بالمرض وظلت الرسالة محفورة ومسكونة في تفكيره وشاخصة لفترة من الزمن لقوة بشاعتها [142]. وكان الحاصل من هذه الرسالة إن الأثنين (أي مور وفيتجنشتاين) لم يتحدثا مرة ثانية حتى عام 1929 [143]. وحتى علاقته مع إستاذه برتراند رسل فقد مرت بفترات من التوتر والشد . ونتذكر النقد الحاد الذي وجهه فيتجنشتاين إلى رسل ورفضه نشر المدخل الذي كتبه رسل إلى رسالة منطقية – فلسفية بعد إن قام كل من فرانك رامزي وتشارلز أوغدن بترجمتها من الألمانية إلى الإنكليزية . وهذا أمر مجير في ثنايا البحث الحالي [144]. ونحسب إن من  حق بعض الباحثين أن يتحدثوا عن ذهنية فيتجنشتاين الماسوجينية (المعادية للمرأة) وخصوصاً تعليقاته على النساء الكاتابات . ولعل ماكتبناه عن الفيلسوفة الفيتجنشتاينية مارجريت إنسكومب يُعدُ شاهداً ومثالاً على تفكيره الماسوجيني حيت كان فيتجنشتاين يطلق على طالبته مارجريت إنسكومب عنوان الرجل الشيخ (وبالطبع هي إمرأة وليست رجل وليست شيخ ) . ونحن متفهمون لهذا العنوان (لأن صورة الفيلسوف الكلاسيكي هي دائماً شيخاً طاعن في السن) . ولهذا كان عنوان إنسكومب ، فيه إسثناء خصوصاً إنه صادر من الفيلسوف فيتجنشتاين المعروف عنه ” إنه لا يحب النساء الفيلسوفات[145].

  وإذا كانت هذه المواقف الماسوجينية تكون النقاط المظلمة من تاريخ فيتجنشاين التنويري الذي يشع بأنواره الإنسانية . فإن هناك نقاط معتمة أخرى تكشف عن مواقف تفتقد إلى روح الإخوة والتعاطف الإنسانيين . فمثلاً إن فيتجنشتاين بحكم وضع عائلته الثرية المترفة كانت له موازينه الخاصة في التعامل مع الناس العاديين . وهذا جاء في الرواية المنقولة عنه ، والتي تزامنت في شهر سبتمبر من عام 1922 ، وهو التاريخ الذي تحول فيه فيتجنشتاين ، للعمل في مدرسة متوسطة في قرية مجاورة تُدعى هاسباك . ومع الأسف إن هذا الفيلسوف الإنساني الكبير سقط في معاقل التمييز والنظرة الدونية ، فقال ” إن هؤلاء الناس ليسوا ببشر على الإطلاق ، بل إنهم مجرد ديدان كريهة ” . وذلك ما جاء في رسالة كتبها إلى صديق له ، ومن ثم بعد شهر واحد فقط ترك هذه القرية .

  وفي نوفمبر بدأ فيتجنشتاين يعمل في مدرسة إبتدائية وكانت تقع في منطقة بوشبيرك – سنيبيرك (جبال الألبز) النمسا . ومن هناك أرسل رسالة إلى برتراند رسل يُخبره عن أحوال القرويين . فقال ” إن ربع (1من أربعة)هؤلاء الناس القرويين هم حيوانات ، وثلاثة الأرباع الباقية هم بشر ” . وفي 17 سبتمبر من عام 1923 كتب فرانك رامزي رسالة أخبر عائلته وذكر فيها إن فيتجينشتاين يعيش في غرفة صغيرة جداً ، حيث تتسع لسرير منامه ، ومغسلة للأيدي ، وطاولة صغير وكرسي صغير خشن متواضع [146].

   وبعد عودة رامزي إلى جامعة كيمبريدج ، قام بحملة واسعة بدأت بأصدقاء فيتجنشتاين وذلك لإقناعه على العودة إلى كيمبريدج ومن ثم الإبتعاد بأسرع وقت من هذه البيئة العدائية الخطيرة على حياته . وفعلاً فقد قبل فيتجنشتاين المساعدة بشرط ” أن لا يكون لعائلته أي تدخل فيها ” [147]. ومن ثم كتب رامزي إلى عالم الإقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز وهو صديق فيتجنشتاين يُخبره بالجديد في قضية فيتجنشتاين ، فقال ” إن عائلة فيتجنشتاين من العوائل الثرية جداً . إلا إنها قلقة جداً على تقديم المال له أو عمل أي شي .. لأنه رفض رفضاً مطلقاً لكل عروضهم ، بل وحتى هدايا عيد الميلاد أو هدايا على شكل طعام . وبينما كان مريضاً رد هداياهم إليهم . والسبب ليس لأن عروضهم ليست جيدة . وإنما لا يُريد المال الذي لا يستحقه وإنه يعتقد إنها شفقة بغيضة [148].

   ومن التحولات الخطيرة التي حدثت في حياة فيتجنشتاين وهزت الثوابت ، هو إنه كان يعمل معلماً في مدارس أوترتهال وهي مدارس إبتدائية في قرية نمساوية تُدعى ترتنباخ . وكان المدير لهذه المدارس الإبتدائية ، هو الإشتراكي النمساوي جوزيف بوتري والذي أصبح واحد من أصدقاء فيتجنشتاين وخلال فترة عمل الأخير في ترتنباخ إلا إن هذه الصداقة تعرضت إلى هزة دراماتيكية قوية ووضعت المدير جوزيف بوتري وفيتجنشتاين أمام خيارات صعبة . وكان المدير جوزيف بوتري رجل مبادئ فوقف مع الحق ورجح كفته على صداقة فيتجنشتاين وبدأ يُرتب لدعوة الشرطة ومن ثم قدومها لإلقاء القبض على المعتدي فيتجنشتاين ومن محاكمته بجريمة العقاب الجسدي للإطفال . إلا إن القدر كان أقوى من الحق فمات المدير بوتري فجأة وهرب فيتجنشتاين بجلده دون قصاص . وعُرفت القضية بحادثة الطفل جوزيف هايدبوا (1915 – 1929) . وهايدبوا هو الطفل الضحية وخلاصة الحكاية التي حدثت في أبريل سنة 1926 ، هو إن الطفل جوزيف هايدوا كان بعمر 11 سنة وكان طالب في مدرسة أوترتهال – النمسا . حيث تناقلت التقارير إن الطفل جوزيف هايدوا (وهو طفل يتيم الأب وبطئ التعلم وأمه تعمل عاملة في البيوت) سقط فاقد الوعي بعد إن تعرض للضرب على رأسه في صف المعلم لودفيغ فيتجنشتاين (وخلال المحكمة أصبح الفيلسوف فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج) [149].

   ولاحظنا رغم تقديرنا لفلسفة فيتجنشتاين إنه كان مسؤولاً عما حدث للطفل جوزيف ، وبعد إن مرت سنوات عاد فيتجنشتاين  وإعتذر للمدرسة والطلاب والقرية . ولهذا نحسب إن سلطة إسرة فيتجنشتاين المالية على الأقل لعبت دوراً في إنقاذ وتحرير فيتجنشتاين من أي لوم ومن ثم فك الأرتباط ما بين ” فعل فيتجنشتاين وموت الطفل جوزيف هايدوا ” وتعليق الموت بشماعة سرطان الدم . ومن ثم شطب حالة الرعب والفزع التي تعرض لها الطفل جوزيف التي هي العامل الأقوى في تطور مرض سرطان الدم ومن ثم موته . ولنترك النص الذي نقله لنا الباحث الأكاديمي الإنكليزي راي مونك والذي يصف فيه الحال :

  مات جوزيف هايدوا بعمر الرابعة عشرة ، وهو ليس من الأطفال المشاغبين . إلا إنه من المحتمل إن جوابه على الأسئلة في نشاطات الصف كان بطيئاً . ففي يوم من الأيام كان المعلم فيتجنشتاين قد فقد صبره وينتظر بعجل على الجواب من جوزيف . فضرب فيتجنشتاين جوزيف مرتين أو ثلاث مرات على رأسه ، وسبب ذلك إنهيار الطفل [150].

  وتُضيف المصادر إلى سيناريو قصة إنهيار الطالب جوزيف هايدوا ، تفاصيلاً أخرى ، فتفيد إلى إن ” فيتجنشتاين حمل الطالب جوزيف إلى مكتب مدير المدرسة ، ومن ثم غادر بسرعة ” وتوجه إلى أهل هايدوا . وفي الطريق واجه فلاح المدرسة بيريباور والذي كان خارجاً هو الأخر . والحقيقة إن أطفال المدرسة طلبوا من بيريباور الحضور إلى الصف بعد إنهيار الطالب جوزيف . وبالمناسبة إن المعلم فيتجنشتاين في حادثة سابقة (أي إستخدام العقاب الجسدي) قام بسحب شعر بنت الفلاح بيريباور وإسمها هيرمين وقرص واحدة من آذانها وكان الحاصل نزيف الدم منها [151]. ومن ثم قال الفلاح بيريباور وذلك عندما قابل فيتجنشتاين في ساحة المدرسة ” أنا أطلقت عليه كل الأسماء الرديئة تحت الشمس ” وقال له ” إنك لست بمعلم ” وإنما ” مدرب حيوانات ! وأنا ذاهب أبحث عن الشرطة ، وذلك هو الطريق الصحيح ” [152].

  وفعلاً فإن الفلاح بيريباور كان يسعى بجد إلى إلقاء القبض على فيتجنشتاين . إلا إن الأخير كان محظوظاً حيث كان مركز الشرطة فارغاً . وحاول بيريباور مرة ثانية في اليوم التالي . غير إن الأخبار إنتشرت ” بأن فيتجنشتاين إختفى ” . وفي 28 أبريل سلم فيتجنشتاين إستقالته إلى ويلهلم كندت ، وهو مفتش المدارس المحلية . وحاول كندت إقناع فيتجنشتاين بالعدول عن قراره والبقاء والقيام بعمله . إلا إن فيتجنشتاين كان مدركاً لخطورة الظروف هذه المرة ، فأعلن بوضوح ” إن هذا اليوم كان نهاية عمله معلماً في المدرسة [153].

  ومن ثم بدأت محاكمة فيتجنشتاين في مايس . وحينها طلب القاضي تقرير الطبيب النفسي . وهنا إستهلت عائلة فيتجنشتاين مساعيها المؤثرة على قرار المحكمة . وفعلاً ففي أوغست (آب) سنة 1926 جاءت رسالة من لودفيغ هانس وهو صديق حميم لفيتجنشتاين تُشير إلى إن جلسات المحكمة بدأت ، و” لم يُعرف أي شئ حول القضية بعد ذلك ” . وكتب الكسندر وو ، فأشار إلى إن عائلة فيتجنشتاين وخلفهم سطوتهم المالية ، ربما رتبوا لسيناريو مختلف للقضية . وأضاف إلى إن هايديوا مات بعد فترة قصيرة بسبب الهموفيليا (مرض الدم) [154]. في حين قال راي مونك ” مات هايديوا بعمر الرابعة عشرة بسبب اللوكيميا (سرطان الدم) ” [155].         وبعد ما يُقارب العشرة سنوات ، وبالتحديد في عام 1936 وجزء من سلسلة ” إعترافات فيتجنشتاين ” ويومها قام فيتجنشتاين برحلة سافر خلالها إلى قرية أوترتهال ودون تحذير ظهر هناك وقال إنه يتطلع للإعتراف شخصياً ، ويطلب العفو من الأطفال الذين ضربهم . وزار على الأقل أربعة من الأطفال ضحايا عقابه الجسدي . وبالطبع من ضمنهم هارمين بيريباور (بنت فلاح المدرسة) والتي كما يبدو إنها رددت بالألمانية ” نعم ، نعم ” . وكان معظم طلاب فيتجنشتاين ” أهل كرم وضيافة ” . ورأى راي مونك إن الغرض من هذه الإعترافات ” ليس في جرح كبرياء فيتجنشتاين ، وإنما كان شكلاً من العقاب ، وهو شكل من التجريد ، وخصوصاً تحريره من الحواجز التي كانت فعلاً قائمة وتعوق الطريق للإعتراف بأمانته ومن ثم إحترام تفكيره ” . وحول هذا الإعتراف كتب فيتجنشتاين ، فقال ” إن هذا الإعتراف جلبني إلى المياه الهادئة ، وإلى المناطق الأكثر جدية [156].   

   وفي ذكرى الطفولة والأطفال نحسب إن نختتم هذا الطرف من البحث بالإشارة إلى إنه من الثوابت التي تُضاف إلى الثوابت التي لونت حياة فيتجنشتاين وكان لها من الأثر على مستقبله وخصوصاً الطرف التربوي المهني . هو إنه كتب قاموساً للأطفال في التهجئة والنطق والذي تألف من إثنتين وأربعين صفحة . وهو عمل إبداعي وطبعه فيتجنشتاين في فينا سنة 1926 (دار نشر هولد – بشلر – تمبسكي) وشركة نشرهس . وتزامن نشر قاموس الأطفال سنة محاكمته في قضية الطفل جوزيف هايديوا . وبالطبع هو الكتاب الذي جاء جزء من رائعة فيتجنشتاين تراكتتس والذي طبع في حياته [157]. والحقيقة إن فيتجنشتاين كان صادقاً في نيته الطيبة وذلك عندما أهدى هذا القاموس التعليمي إلى الأطفال في هذه المدارس الإبتدائية . ومن ثم تجددت الذكرى في عام 2005 أي ذكرى قاموس الأطفال والمعلم فيتجنشتاين وأطفال مدارس ترتنباخ . ولعل مقال جون إيزارد الذي حمل عنوان كتاب الفيلسوف النادر في البيع [158]هو النشيد التربوي الذي جدد الحياة والإهتمام بكتاب فيتجنشتاين قاموس الأطفال في التهجئة والنطق ومن ثم جدد الحديث عن أساليب العقاب الجسدي للأطفال في المدارس الإبتدائية والذين لا حول لهم ولا قوة أمام سلطة المعلم الغاشمة والخالية من الرحمة وسطوة المدير غير المسؤولة . وبالمناسبة إن هذا الكتاب بيع بمبلغ قدره خمس وسبعين ألف باون إسترليني [159].

7

عودة فيتجنشتاين إلى جامعة كيمبريدج والعمل الأكاديمي

  عمل عديد من أصدقاء الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين على تأمين عودته إلى جامعة كيمبريدج ، وكان في مقدمتهم كل من الفيلسوف وعالم المنطق الإنكليزي الشاب فرانك رامزي وعالم الإقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز . وفي محاولتهم هذه نجحوا ، ومن ثم عاد فيتجنشتاين إلى جامعة كيمبريدج سنة 1929 . وكتب جون كينز (وهو المذهب الكينزي في الإقتصاد المعاصر) رسالة إلى زوجته مُعلقاً على وصول فيتجنشتاين ، فقال ” حسناً ، الله (ويعني فيتجنشتاين) وصل . وأنا قابلته في محطة القطار في الساعة الخامسة وخمسة عشر [160].

وبالرغم من سمعة فيتجنشتاين ، فإنها لم تنفع ولم تمكنه من أن يبدأ العمل في جامعة كيمبريدج والسبب إنه لا يملك درجة أكاديمية عالية . ولذلك تقدم بطلب للدراسة وكطالب في مرحلة أكاديمية متقدمة . وفعلاً فقد لاحظنا إن برتراند رسل ساند طلب فيتجنشتاين ودعمه بتأييد حضوره الأكاديمي السابق ، وإنه كاف لمتطلبات القبول في دراسة الدكتوراه . وألح برتراند رسل على فيتجنشتاين بتقديم تراكتتس (رسالة منطقية – فلسفية) إطروحة دكتوراه له . وتم مناقشة إطروحة الدكتوراه في 1929 من قبل كل من برتراند رسل وجورج مور . والنهاية كان دفاع فيتجنشتاين عن رسالة منطقية – فلسفية . وبالمناسبة وفي أجواء المناقشة شد فيتجنشتاين على كتفي كل من رسل ومور وقال لهما ” لا تقلقوا ، أنا عارف إنكما سوف لن تفهما هذه الإطروحة [161] .

  ومن ثم كتب جورج مور تقريره كممتحن لإطروحة فيتجنشتاين ، وقال فيه ” وأنا من طرفي ، فأرى إن هذا العمل هو إنجاز عبقري . وحتى إذا كنت على خطأ تماماً ، وإن إطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه لا تحتوي على شئ من ذلك . فأنها عالية جداً ، وهي فوق المعايير التي تتطلبها درجة الدكتوراه ” [162]. ومن ثم عُين فيتجنشتاين محاضراً ، وأصبح زميلاً باحثاً في كلية الثالوث – جامعة كيمبريدج . وهذه خطوة بالغة الأهمية في مشواره الأكاديمي .

   وبعد إستقالة الفيلسوف والبروفسور جورج أدورد مور من رئاسة قسم الفلسفة ، تم إنتخاب فيتجنشتاين رئيساً للقسم ، ومن ثم حصل على الجنسية البريطانية . وفي عام 1939 سافر إلى فينا وذلك لمساعدة إخته كراتي (مارجريت) وأخواتها الأخريات . ومن ثم زار برلين ليوم واحد وقابل هناك بعض المسؤولين الحكوميين . وبعد ذلك سافر إلى نيويورك وذلك لإقناع أخيه بول فيتجنشتاين حول الوعود (والمواقف بين عائلة فيتجنشتاين والحكومة النازية) التي تتضمن التسهيلات التي تقدمها القوات النازية لعائلة آل فيتجنشتاين لقاء (ألف وسبعمائة كيلو من الذهب) [163].

  كما أفادت تقارير في إن فيتجنشتاين زار موسكو وللمرة الثانية سنة 1939 . وعلى حد رواية هذه التقارير إن فيتجنشتاين سافر من برلين وقابل الفيلسوفة الروسية صوفيا إلكسندروفانا يونوفسكا (1896 – 1966)[164] للمرة الثانية [165]. والفيلسوفة إلكسندروفانا هي التي أقنعت لودفيغ فيتجنشتاين خلال زيارته إلى الإتحاد السوفيتي سنة 1934 إلى التخلي عن فكرته للإستقرار والعيش في الإتحاد السوفيتي [166].

  وخلال هذه الفترة الأكاديمية من حياة فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج ، كان الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم (1911 – 1990)[167]طالب دراسات عليا في كيمبريدج ومن ثم عُين زميلاً باحثاً فيها . وفي خطاب له وصف إنطباعاته الأولى عن فيتجنشتاين عام 1938 وبالتحديد في إجتماع نادي العلم الأخلاقي فأفاد واصفاً الفيلسوف فيتجنشتاين : ” بعد قراءة البحث وبداية المناقشة ، فإن شخصاً بدأ يُقدم ملاحظاته وبصوت يتلعثم (أي تأتأة) . وكان يواجه صعوبات جمة في التعبير عن شخصه . وإن عباراته كانت مبهمة وبدت غير مفهومة بالنسبة لي ، فهمست إلى جاري وقلت له : من هو المتكلم ؟ فرد علي قائلاً إنه فيتجنشتاين . وحينها صعقني ما سمعت وذلك لأنني كنت أتصور مؤلف رائعة تراكتتس ، هو رجل كبير السن . وهذا الرجل الذي أراه اليوم ، هو شاباً وربما عمره لا يتجاوز الخامسة والثلاثين (وفي واقع الحال كان إبن التاسعة والأربعين) . كان وجهه يبدو للناظر هزيلاً وداكناً (بنياً) وكانت حواجبه معقوفة إلا إنها جميلة وتُلفت النظر . وكان رأسه مغطى بشعر كثيف يمتد إل مقدمة جبهته . وشعره يميل إلى اللون البُني . ولاحظت إن جميع الحضور في الغرفة يُظهر له الإنتباه والإحترام . وبعد بداية غير ناجحة وتعطل في الكلام بعض الوقت . والواضح إنه كان في حالة كفاح مع أفكاره . وكانت نظراته حادة ومتمركزة . وحركة ملامحه كانت متوافقة مع حركة يديه وكأنها في طقس حوار سواء كانت تقدم محاضرة أو في حالة جدل مع الذات وبصمت عال . وفيتجنشتاين دائماً يتكلم بإسلوب قاطع وبتلحين في النطق والكلام . وكان يتكلم بإنكليزية ممتازة مع لهجة المثقفين الإنكليزية ، وتتخللها بعض الأحيان ألفاظ وكلمات ألمانية ، وكان صوته رناناً ، وكلماته تتميز بقوة وتشديد وإن كانت غير طليقة . وكل مستمع له أدرك بأن هذا الرجل شخصية متفردة ويمكن وصفها بأنها ” شخصية تصدر الأوامر وكأنها شخصية إمبراطور [168].

   ومن ثم يُدقق مالكولم في شخصية فيتجنشتاين خلال هذه الإجتماعات واللقاءات ، والتي إعتاد أن يصفها بأنها محاضرات ، فأفاد مالكولم كشاهد حي على ما حدث في الإجتماعات (المحاضرات بلغة فيتجنشتاين) :

   إنه من الصعب أن نتكلم عنها وندعوها محاضرات (وإن كانت هناك درجات من الصحة) . ورغم ذلك فهذا ما إعتاد فيتجنشتاين أن يطلق عليها . مع الإشارة إلى شئ واحد ، وهو إن فيتجنشتاين كان يحمل معه البحث الأصلي الذي من المفروض أن يُقدمه في هذه الإجتماعات . إلا إن الغالب على هذه الإجتماعات ، إنها كانت جلسات حوار . وبعض الأحيان كان فيتجنشتاين يتوقف من الحوار ويُلفت الإنتباه إلى وجود فكرة في ذهنيته وإنه يحاول إطلاقها . كما وكانت تصاحب إثارة الأسئلة أو إطلاق الملاحظات حركات يديه . وتتخلل ذلك فترات طويلة ومتعددة من الصمت . وفيها فيتجنشتاين كان متوتراً ومشدوداً وفي حالات من الوجد أو التركيز . ووجه خلال ذلك كان مشعاً ومملوء بالحيوية والنشاط . ومن طرف يداه فقد كانتا تقبضان وتمسكان بكل الحركات . وبدت تعابير وجهه تُدلل على نوع من التعالي .  وإن كل واحد من الحضور أدرك بأنه في حالة حضور ودرجات من الجدية المتطرفة ، والتي كانت تُصاحبها أفعال من الإستغراق الذهني وترجيح لقوة العقل . وكانت شخصية فيتجنشتاين في هذه الصفوف ، شخصية مُخيفة وتُرعب الجميع [169].

  وكان من عادات فيتجنشتاين ، هو إنه بعد كل عمل أكاديمي مُضني ، يُخفف عن نفسه بالتمتع بفترات من الراحة والإستراخاء وذلك من خلال الذهاب إلى قاعات السينما ومشاهدة الويسترينز والتي تشمل أفلام رعاة البقر وأفلام العصابات … وكان يُفضل المقاعد الأمامية في قاعات السينما . وكان كذلك يُفضل في حالات الشد والتوتر والتعب ، قراءة قصص الجريمة والتحقيقات ، وخصوصاً القصص التي ألفها الكاتب الأمريكي نوربرت هاريسون ديفيس (1909 – 1949) [170]. وفعلاً فقد كان فيتجنشتاين من المعجبين بكتابات نوربرت ديفيس وخصوصاً الروايات التي تحولت إلى شاشة السينما . ومات الكاتب نوربرت في 28 تموز من عام 1949 وظهر إنها محاولة إنتحار ناجحة وكان عمره أربعين ربيعاً فقط [171]. وكتب نورمان مالكولم ، فقال ” كان فيتجنشتاين يهرع بسرعة إلى دار السينما بُعيد نهاية محاضراته ” [172].

  وخلال هذه الفترة فإن فيتجنشتاين قام بمراجعة أفكاره وجدد بحثه حول أسس الرياضيات وبصورة جدية ، فكان الحاصل من ذلك تعديل الكثير من تفكيره حولها . فمثلاً إنه في بواكير العشرينات إعتقد بأن علم المنطق قادر على توفير أسس وقواعد صلبة ، وكان يومها يُفكر في تجديد رائعة برتراند رسل والفريد نورث وايتهيد برنسبيا ماثماتكيا (مبادئ الرياضيات) . والآن فإن فيتجنشتاين تنكر لما كان يعتقد به سابقاً ، وهو وجود حقائق رياضية يمكن إكتشافها . ولذلك قدم سلسلة محاضرات حول الرياضيات ، وناقش فيها كل ذلك إضافة إلى موضوعات أخرى . ومن ثم قام بتوثيق ذلك في كتاب . وضم إليها محاضراته (أي محاضرات فيتجنشتاين) ومناقشاته مع عدد من طلابه ومن ضمنهم عالم الرياضيات  الإنكليزي والرائد في علم الكومبيوتر آلين مثيسون تورنغ (1912 – 1954) [173]الذي وصف لودفيغ فيتجنشتاين ، بأنه ” رجل غريب الأطوار ” . ومن ثم إنخرط الأثنان في مناقشات دارت حول العلاقة بين المنطق الحسابي (الرقمي / العددي) والمفاهيم اليومية للحقيقة [174].

  وفعلاً فقد لاحظنا إنه عندما عاد آلين تورنغ من جامعة برنستون وبعد إن أكمل كتابة إطروحته للدكتوراه ، إلتحق من جديد بجامعة كيمبريدج ، وحضر المحاضرات التي قدمها لودفيغ فيتجنشتاين سنة 1939 والتي كانت حول أسس الرياضيات [175]. وبالمناسبة إن هذه المحاضرات قد تم أعيد تحريرها ، والتي شملت بالطبع على مداخلات ألين تورنغ ومداخلات طلاب أخرين (من ملاحظات الطلبة) [176]. ومن ثم دخل كل من تورنغ وفيتجنشتاين في جدل وعدم إتفاق . فمثلاً دافع ألين تورنغ عن الصورية . وناقش فيتجنشتاين أرائه وبين له بأن الرياضيات لا تكتشف حقائق مطلقة وإنما تخترعها [177].

8

الأوجه المتنوعة لثورة الفلسفة التحليلية

فيتجنشتاين وفلاسفة أكسفورد حول اللغة الأعتيادية

  تتحدث أعداد من المؤلفات الإنكليزية عن حدوث العديد من الثورات الفلسفية . فهي تتحدث صراحة عن ثورة الفلسفة التحليلية . وتتكلم عن ثورة الفيلسوفين جورج مور وبرتراند رسل . فمثلاً كتب برتراند رسل في نهاية عام 1898 وقال :

جورج مور وأنا تمردنا على كل من كانط وهيجل . مور قاد الطريق وأنا تابعت خطاه ..

(برتراند رسل ؛ تطور فلسفتي ، دار نشر جورج ألين وإنوين ، لندن سنة 1959 ، ص 22) .

    تعاون كل من البروفسور جورج مور والبروفسور برتراند رسل في مناقشة وإمتحان تلميذهما الألماني (كما يطلق عليه رسل) والقادم من فينا النمسا وهو يحمل معه رائعته رسالة منطقية فلسفية إلى كلية الثالوث – جامعة كيمبريدج . وفعلاً فقد قبلها كل من رسل ومور إطروحة دكتوراه وكان كل من رسل ومور عضوين في لجنة المناقشة . إلا إن عنوان إطروحته للدكتوراه تحول ليكون لاتينياً ، وهو تركتاتوس لوجكيوفيلوسوفيكوس . وبالطبع إن جورج مور هو الذي إقترح على فيتجنشتاين هذا العنوان اللاتيني (وبتأثير الفيلسوف إسبينوزا ) . وإن أطراف من هذه الرواية تُدلل على العلاقة الفلسفية الحميمة بين جورج مور ورسل تصعد في بعض سجلاتها الموثقة إلى نهايات القرن التاسع عشر . وبالتحديد إلى نهاية عام 1898 . وفعلاً فقد لاحظنا إن رسل قد وصف علاقته يومها بالبروفسور جورج مور فقال ” لقد كنت أنا ومور ضد كل من كانط وهيجل . حقيقة إن مور هو الذي قاد الطريق . وإنني (أي رسل) كُنت أتابع خطوات مور .. وحينها شعرت .. بحرية غامرة ، وكنت مثل من تحرر من بيت ضنك مخنوق من شدة الحرارة ، وهربت إلى منطقة مفتوحة رحبة والتي وفرت لي الكثير من الحرية ، وكان حاصلها إن أصبحت واقعي ساذج ومن ثم إعتقدت بأن الفكر هو العشب الأخضر الحقيقي [178].

  والذي يبدو لنا هو إن الفلسفة التحليلية في هذه الفترة من تاريخ تطور فلسفة كل من مور ورسل قد فرضت هيمنتها على مضمار الفلسفة الأكاديمية في مناطق متنوعة وعلى الأغلب في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد منذ بواكير القرن العشرين . وكان الحاصل من ذلك هو إنه مع التحول إلى القرن العشرين فإن كل من مور ورسل إنفصلوا من المدرسة الفلسفية المهيمنة ” وهي المثالية المطلقة [179] والتي مارست تأثيراً واسعاً بسلطتها المعرفية على الجامعات البريطانية . والواقع إن مور ورسل لم يكونا الوحيدين من الفلاسفة البريطانيين والفلاسفة المعاصرين من إتخذوا هذا الموقف ، بل لاحظنا إن عدداً أخر من الفلاسفة ومن بينهم الفيلسوف وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجة وهو المؤسس الحقيقي للفلسفة التحليلية في أواخر القرن التاسع عشر كان واحداً من الفلاسفة الألمان وفلاسفة القارة الأوربية من الذين تخلوا عن الفلسفة المثالية . وفعلاً فقد لاحظنا إن كل من مور ورسل قد إختارا بديلاً فلسفياً لهم عن المثالية وتداولا عوضاً عنها تعبيراً لغوياً (لنكوستيكياً) وهو تعبير مؤسس بالطبع على حججهم التي تدور حول ” معاني ” الحدود والقضايا . إضافة إلى إن رسل إعتقد بأن قواعد نحو اللغة الطبيعية ، غالباً ما يُصاحبها شئ من التضليل من الزاوية الفلسفية . ولذلك تطلب إزالة الوهم من المثابرة التي تتطلع إلى ” إعادة التعبير عن القضايا في إطار لغة المنطق الرمزي . وهي بالطبع لغة صورية مثالية . وبهذه المثابرة كشفوا عن الصورة المنطقية الصادقة التي تطلعوا الوصول إليها [180].

   وبسبب هذا التأكيد على اللغة فإن الفلسفة التحليلية حققت إنتشاراً واسعاً ملحوظاً (ويحق لمن يعتقد ويذهب إلى أن هناك خطأ صاحب هذا الإنتشار) إلا إن الحاصل هو إن الفلسفة التحليلية حولت اللغة إلى أن تكون موضوعاً من موضوعات الفلسفة . ولكل ذلك نفهم صُحبة الفلسفة التحليلية لهذا التحول المنهجي (الميثديولوجي) ومن خلال ذلك إتجهت نحو التحليل اللنكوستيكي (اللغوي) . وعلى هذا الأساس تكونت وشاعت رؤية تقليدية تذهب إلى إن الفلسفة التحليلية ولدت في رحم وأحضان هذا التحول اللنكوستيكي . ومن هذا الطرف قد يحق لمن يعتقد بأن المفهوم اللنكوستيكي للفلسفة هو بدعة وإختراع ” في تاريخ الفلسفة .

  ونحسبُ إن كل هذه الأسباب ساعدت الفلسفة التحليلية ، أن تكتسب سمعة طيبة بسبب إنها ولدت في مناخات الثورة الفلسفية الشاملة ، التي تخطت حدود الثورة الفلسفية على المثالية البريطانية وحسب ، بل تجاوزت ذلك وكانت ثورة فلسفية على الفلسفة التقليدية برُمتها [181]. وإذا صح ذلك فإن الفلسفة التحليلية مرت في مناخات ثقافية لثورات داخلية عديدة . ولهذا لاحظنا إن الأكاديميين الغربيين يتحدثون في ضوء هذا الواقع والمناخات الثقافية للثورات الداخلية عن خمسة أوجه مرت بها الفلسفة التحليلية .

 ثورة الفلسفة : الواقعية الإفلاطونية بديلاً فلسفياً عن المثالية

  وشغل هذا الوجه الأول من ثورة الفلسفة الفترة من عام 1900 وحتى عام 1910 ، وهو عقد كامل بسنواته العشرة ، والذي يُوصف بكونه شكل من الواقعية الإفلاطونية . وفي بدايتها أيدها كل من جورج مور و برتراند رسل وقبلاها بديلاً فلسفياً عن المثالية . ولاحظ الباحث إن واقعية كل مور ورسل كانت محصورة بحدود تعبيراتهم ودفاعاتهم التي جسدتها الصيغة الإصطلاحية القائلة ” القضايا والمعاني ” . وبالطبع هي مؤشر ودليل واضح على التحول نحو مضمار اللغة . كما ويلحظ القارئ إن هناك تحولاً أخراً في هذا الوجه ، وفيه ما يُؤكد على التحول من المنهجية الضيقة التي لا تسمح بالمناقشة ومن ثم التحقق بصورة خاصة عن النتائج ، مما كان الحاصل عزل بعض القضايا والإهتمام بالتفاصيل . وهنا (أي في عام 1910) كانت سنة الإفول لشمس هذا الوجه ، حيث فيها هجر كل من مور ورسل الواقعية القضوية (واقعية القضايا) . والسبب إنه في هذه السنة حدث نوعاً من الإختلاف بين مور ورسل وكان لإختلافهما السبب في غروب شمسهما المشتركة . وكان الحاصل هو شروق صباح جديد شعت فيه شمس لودفيغ فيتجنشتاين . وفعلاً فقد لاحظنا إن مور فضل الفلسفة الواقعية للحس المشترك . في حين فضل رسل وجهة النظر التي طورها تلميذه لودفيغ فيتجنشتاين والتي شاعت تحت راية موجة منطقية جديدة هي الذرية المنطقية [182].

  ولاحظنا إن مواقف الفليسوفين وخصوصاً من طرف فيتجنشتاين لم تستمر في إتساقاً وتناغم . وفعلاً فقد إختلف فيتجنشتاين مع أستاذه رسل ومن ثم زميله ، وخصوصاً بعد إن قدم رسل محاضرة بعنوان حول الذرية المنطقية . إلا إنه مع الأسف إنقطعت علاقات الإتصال بين الفيلسوفين بسبب إندلاع الحرب العالمية الأولى . وبعد الحرب إلتقى رسل بفيتجنشتاين وساعده مرة ثانية على نشر رائعته تركتاتوس (كما جاء الحديث عنها في هذا البحث) وفعلاً فإن هذه الرائعة تحمل مساهمة فيتجنشتاين في الذرية المنطقية . والحقيقة إن فيتجنشتاين لم يتداول إصطلاح الذرية المنطقية على الإطلاق . وإن كتاب فيتجنشتاين (تركتاتوس) إعتنق معظم ذرية رسل ماعدا نظرية المعرفة . وفي عام 1918 تحول رسل من هذا الموقف ورأينا إنه بالرغم من علاقة تركتاتوس فيتجنشتاين بفلسفة رسل ، فإن فيتجنشتاين كان يعتقد على الدوام من إن ” رسل أساء فهم عمله (أي تركتاتوس) ” [183].

  كما وإن هناك إختلافات في التفاصيل بين فلسفة الفيلسوفيين (رسل وفيتجنشتاين) . ويبدو إن الإختلاف الحاسم والأساس بينهما يدور حول فهم كل منهما لوظيفة الفلسفة . فمثلاً من طرف فيتجنشتاين إنه كان يعتقد إن وظيفة الفلسفة هو تنظيف الأخطاء اللنكوستيكية (اللغوية) ومن ثم رفع قمامتها وطرحها خارجاً وبعيداً من مضمار الفلسفة . بينما كان رسل على الدوام مهتماً بتأسيس أسس أبستمولوجية صحيحة . في حين إن فيتجنشتاين لم يكن مهتماً بالأسئلة الأبستمولوجية وخصوصاً الأسئلة التي تدور حول المعرفة العملية . إلا إنه ركز أبحاثه في حدود العالم ومن ثم تحول أخيراً ليهتم بمضمار المعنى . وكذلك لاحظنا إن فيتجنشتاين يرى إن الميتافيزيقا والأخلاق لا معنى لهما بالرغم من إنه لم يقصد إلى خفض قيمتهما المهمة في الحياة . بينما إعتقد رسل من طرفه بأن هذه الموضوعات ، وخصوصاً الأخلاق فإنها لا تنتمي لا للفلسفة ولا للعلم . وإن فيها القليل من الأسس الأبستمولوجية وهي بالطبع أسس مهمة ويقينية [184].

ثورة الفلسفة : التحول نحو الذرية المنطقية وصعود فيتجنشتاين

   إن هذا التحول نحو الذرية المنطقية ومن ثم صعود نجم فيتجنشتاين ، وتحليل اللغة الإنموذج (المثالي) كان هو الوصف الحقيقي لهذا الوجه في تاريخ الفلسفة التحليلية والذي إمتد من سنة 1910 وحتى سنة 1931 [185]. إضافة إلى ذلك فإن هذا الوجه تميز بعمل برتراند رسل وفيتجنشتاين المشترك والساعي إلى تطوير نظام ميتافيزيقي . كما وشهدت هذه الفترة طبع عمل رسل الرائد في مضمار المنطق الرمزي (وللدقة فإن ذلك جاء في نهاية الوجه الأول ومع تباشير الوجه الثاني من تاريخ الفلسفة التحليلية) . كما وهي الفترة التي شهدت إكمال ومن ثم نشر عمل رسل والفريد نورث وايتهيد الذي حمل عنوان برنسبيا ماثماتكيا (1910 – 1913)[186] . وبالطبع بعدها جاءت الفترة التي بدأ فيها رسل يعمل بقرب فيتجنشتاين .

  ومن الملاحظ من الزاوية التاريخية وهذا شئ جدا مهم في تسجيل الريادة لبرتراند رسل في تداول إصطلاح الذرية المنطقية رغم قناعتنا من إن فيتجنشتاين تداولها في رائعته تركتاتوس وهي في نسختها الألمانية وقبل إن يأتي بها إلى جامعة كيمبريدج ويقدمها إطروحة للدكتواه إلى الفيلسوف برتراند رسل . إلا إن المنشور الإنكليزي يُدلل على إن برتراند رسل ، هو أول من تداول إصطلاح الذرية المنطقية ، وبالتحديد في محاضرته سنة 1911 والتي شهدتها رحاب الجمعية الفلسفية الفرنسية . وفعلاً فإن برتراند رسل وفقاً للمنشور الإنكليزي ، هو أول من قدم جماهيرياً وإعلامياً ، معالجة تفصيلية ومنظمة للذرية المنطقية . ومن ثم تلتها في عام 1918 مجموعة محاضراته التي كانت بعنوان فلسفة الذرية المنطقية [187]. وكل هذا صحيح إلا إن برتراند رسل يعترف بنفسه في الفقرة الأولى الإفتتاحية من محاضراته ويقول ” لقد كنت مشغولاً بصورة كبيرة في شرح بعض الأفكار ، وخلال ذلك فإنني تعلمت من صديقي وتلميذي السابق لودفيغ فيتجنشتاين[188]. وهذا إعتراف من الفيلسوف الكبير برتراند رسل بجهود ومساهمة تلميذه الفيلسوف فيتجنشتاين . وفعلاً فإن رائعة تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكس (بالعربية رسالة منطقية – فلسفية) والتي نشرها سنة 1921 كانت السجل الموثق لوجهات نظر فيتجنشتاين من طرف . وإنها من طرف ثان كانت رائعة بالغة الأهمية كُتبت حول الذرية المنطقية .

  ولاحظنا إن هناك إختلافات بين رسل وفيتجنشتاين وخصوصاً في بعض التفاصيل حول الذرية المنطقية . إلا إن هذه الإختلافات لا تُقلل من أهمية عملهما . وبالتخصيص على عمل فيتجنشتاين الريادي ومن ثم مكانة رائعته تركتاتوس وأهميتها في تاريخ الفلسفة التحليلية . والحقيقة إن تركتاتوس كشفت بصورة واضحة عن التطورات الجديدة في مضمار المنطق الرمزي ومن ثم أهمية المنهج الفلسفي المرتبط بهذا المنطق . وبالطبع هذا هو الطرف الذي تدور حوله رؤية الفيلسوف الإستاذ رسل ورؤية الفيلسوف الكبير التلميذ فيتجنشتاين ، وهي الرؤيا ذاتها التي تُشكل لُب الذرية المنطقية .

  ولعل أهمية الفيلسوف برتراند رسل في هذه التحولات الكبيرة التي شهدها تاريخ المنطق والرياضات والفلسفة ، هو إنه خط مسار جديداً في التحليل ، فبدلاً من التحليل اللغوي (اللنكوستيكي) ، إنه (أي رسل) ركز على التحليل المنطقي وبالرغم من إنه بدأ مع جورج مور إلا إن هذا التحول نحو التحليل المنطقي وتخليه عن التحليل اللنكوستيكي (وبالطبع منه التحليلي النحو أي من زاوية قواعد اللغة) وهي العتبة التي إنكفأ عندها جورج مور وكانت في الوقت ذاته جسر عبور تمكن خلالها برتراند رسل من معانقة مضمار التحليل المنطقي . وهذا هو الفارق ومضمار الإختلاف بين تحليل جورج مور والتحليل المنطقي لبرتراند رسل والذي بالطبع كشف عن الإختلاف بين فلسفتين ؛ فلسفة اللغة المثالية (برتراند رسل) ، وفلسفة اللغة العادية (جورج مور) [189].

  ويبدو إن ما ساعد رسل على إنجاز خطوة الإنتقال نحو فضاءات المنطق ، هو إنه جاء حاملاً معه تراثاً غنياً في التحليل المنطقي والرياضي وخصوصاً بعد إن أكمل رائعته المشتركة مع أستاذه نورث وايتهيد (البرنسبيا ماثماتكيا) . كما وإن رسل وكذلك وايتهيد قد طورا الكثير الكثير من مكونات نظام الإشارات (في كل من المنطق والرياضيات) والتي كان لها دوراً في تسهيل مهمة تطوير نظام كامل لعلم المنطق الرمزي .

  ومن هذا الطرف يمكن القول إن الحركة التحليلية إحتفلت بطريقتها الخاصة وذلك عندما تحقق نشر رائعة رسل ووايتهيد البرنسبيا ماثماتكيا [190]، فالإحتفالية تمثلت في عرض صور ونماذج من اللغة المثالية (الإنموذجية) والتي تمكنت بدرجات عالية من تخليص البناء اللغوي لرائعة برنسبيا من الغموض والتشويش الذي كانت تعج به اللغة العادية . كما وإن تحليلات رسل المنطقية ظهرت وكأنها أنماط من التحليلات الجديدة التي بدأها جورج مور . ولاحظ الكثير من المهتمين بالتحليل المنطقي بتفوق وعلو كعب هذه التحليلات على تحليلات جورج مور للغة العادية إضافة إلى إنها خالية من الإرباك والتشويش ولا تُسبب سوء فهم . وكان هذا هو الأساس وقاعدة التمييز بين فلسفة اللغة العادية وفلسفة اللغة المثالية الإنموذجية . كما وكان الحاصل منها تقسيم جديد للحركة التحليلية ، وبالتحديد خلال الفترة المبكرة من ستينات القرن العشرين .

   إن هذا المدخل الذي قدمته التحليلات المنطقية ، هو الذي صاغ الأسس العريضة للذرية المنطقية وكذلك للنظام الميتافيزيقي الجديد الذي طوره كل من برتراند رسل ولودفيغ فيتجنشتاين [191]. والحقيقة إن الإصول الفلسفية والمنطقية بل وحتى الرياضية لمساهمة رسل على الأقل في رائعة برنسبيا ماثماتكيا ، ومن ثم التحول من التحليل اللنكوستيكي وإعتناق التحليل المنطقي الذي قاده رسل (مع وايتهيد) كان هو جوهر المشروع الذي كونه رسل وبالإعتماد على قراءة غير إعتيادية لأعمال عالم المنطق الرياضي والفيلسوف الألماني جوتلوب فريجة (الذي ولد قبل رسل بأكثر من ربع قرن من السنين أي ولد سنة 1848 وإن رسل ولد سنة 1872) . وبالمناسبة إن فريجة هو الذي طور نظامه الخاص في المنطق الرمزي وهو الذي إصطنع نظامه الخاص في العلامات أو الإشارات [192]. وكان هدف فريجة الدفاع عن الروح المنطقية ومن ثم رد الرياضيات إلى علم المنطق (وكان رسل يتغنى دائماً وينشد في الليل والصباح بالطبع في قاعات الفلسفة في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج قائلاً : ” المنطق هو طفولة الرياضيات ، والرياضيات هي شباب المنطق “)  . وهذا فعلاً أصبح هدف رسل في البرنسبيا ماثماتكيا (كما وكان هو الموضوع الذي دار حوله ما يُعرف بالمنطق القضوي (أو منطق القضايا)[193] .

ثورة الفلسفة : الوضعية المنطقية ونشاط أعضاء حلقة فينا      

   وتميز هذا الوجه بإنبثاق الوضعية المنطقية [194]والتي ملئت تقريباً الفترة الممتدة ما بين سنة 1930 وسنة 1945 . ونشط في هذه الفترة أعضاء حلقة فينا [195]وفي الوقت ذاته عمل بدرجات أقل تأثيراً أعضاء حلقة برلين [196]وتتوجت هذه الفترة بإشعاعات وكتابات عالم المنطق والفيلسوف الأمريكي ويلارد أورمان كواين (1908 – 2000)[197] . كما هي الفترة التي إنتشرت فيها شعبية الفيلسوف البريطاني ألفريد آير (1910 – 1989) [198]، والذي عزز في مؤلفاته الوضعية المنطقية وخصوصاً في كتابه الذي حمل عنوان اللغة ، الصدق والمنطق (سنة 1936) [199]. والواقع إنه وراء هذا الكتاب قصة فريدة تحكي ولادة فيلسوف . والقصة تذهب إلى إن الفريد آير ذهب إلى جامعة فينا بعد تخرجه من جامعة أكسفورد ، وصرف سنة في جامعة فينا ودرس خلالها الوضعية المنطقية . وبعد عودته إلى إنكلترا ، طبع آير أول كتاب له بعنوان اللغة ، الصدق والمنطق كما ذكرنا أعلاه . وهذا الكتاب قدم لأول مرة باللغة الإنكليزية ، شرح إلى الوضعية المنطقية ، شكلاً فلسفياً جديد تطور في حلقة فينا . وهذا العمل صنع من الفريد آير ، وكان يومها إبن السادسة والعشرين ” الولد الشقي ” في عالم الفلسفة البريطانية [200] .  ونحتفل بالفيلسوف ألفريد آير وكتابه الإحتفالي الذي كان بعنوان لودفيغ فيتجنشتاين (1986) [201].

ثورة الفلسفة : اللغة العادية موضوعاً ودور فيتجنشتاين وفلاسفة أكسفورد   

   ويُوصف هذا الوجه بأنه المناخ الذي شهد التحول نحو تحليل اللغة العادية ، ومن ثم تطوير طرق متنوعة بأقلام فلاسفة كيمبريدج من مثل فيتجنشتاين وجون وزدم (1904 – 1993) وهو فيلسوف لغة وعقل وميتافيزيقا وتأثر بكل من جورج مور ، لودفيغ فيتجنشتاين وسيجموند فرويد . ولعل أهمية جون وزدم في تاريخ الإهتمام بفلسفة فيتجنشتاين بأنه كان من الرواد الذين إهتموا بفلسفة فيتجنشتاين المتأخرة . فقد لاحظنا إنه قبل نشر رائعة فيتجنشتاين أبحاث فلسفية سنة 1953 ، نشر جون وزدم واحد من المصادر القليلة ، والذي يُعد مصدر معلومات حول فلسفة فيتجنشتاين الأخيرة . ووفقاً لرواية ديفيد بول ” إن وزدم حمل عمل فيتجنشتاين إلى مناطق أبعد مما عمل فيتجنشتاين بنفسه بل وواجه نتائجها بصراحة عالية ” [202].   وكذلك فلاسفة أكسفورد وكان في طليعتهم الفيلسوف البريطاني غليبرت رايل (1900 – 1976) والحقيقة إن رايل يُمثل جيل من فلاسفة اللغة العادية ومن هذا الطرف شارك رايل فيتجنشتاين في مشروعه في النظر إلى المشكلات الفلسفية . ورايل مشهور في نقده للثنائية الديكارتية ، وهو الذي صاغ عبارته الذائعة الصيت ” شبح في الماكنة ” والتي حملت بعض الأفكار في فلسفة العقل من زاوية النزعة السلوكية . ولعل من المفيد التذكير بكتاب رايل الذي حمل عنوان مفهوم العقل والذي نشره سنة 1949 [203].

  ومن ثم تابع رايل ثلاثة فلاسفة أكسفورديين وهم كل من فيلسوف اللغة جون (لانجشو) أوستين (1911 – 1960) وهو رمز فلسفي قيادي في فلسفة اللغة العادية (بالرغم من إنه مات مبكراً حيث كان عمره ثمان وأربعين ربيعاً فقط) . ومعروف عنه إنه طور نظرية فعل الكلام (أو فعل اللغة) حيث إن لكل لفظة فعل وإصول هذه النظرية مبثوثة في عمل جون أوستين الذي حمل عنوان كيف تُصنع الأشياء بالكلمات [204]. والحقيقة إن إصول هذا العمل هو محاضرات قدمها جون أوستين (ضمن سلسلة محاضرات وليم جيمس) في جامعة هارفارد سنة 1955 [205] . كما وكان جون أوستين مهتماً بتراث عالم المنطق وفيلسوف اللغة الألماني جوتلوب فريجة ، وإن هذا الإهتمام حمله على ترجمة كتاب فريجة إلى الإنكليزية والذي كان بعنوان أسس علم الحساب : بحث رياضي – منطقي في مفهوم العدد [206].

   ولعل من أهم مؤلفات فيلسوف اللغة الأكسفوردي جون لانجشو أوستين ، كتابه الذي نُشر بعد وفاته بسنتين والذي حمل عنوان لاتينياً وهو الحاس والمحسوس (أو العقل والمعقول) والذي طُبع عام 1962 . وهو كما يصفه النقاد علامة مهمة في مضمار فلسفة اللغة العادية . وفيه هاجم أوستين نظريات المعطيات الحسية في الإدراك ، وخصوصاً نظريات الفيلسوف الوضعي المنطقي الفريد آير [207].

  وتم تركيب الكتاب بالإعتماد على الملاحظات المخطوطة التي تركها جون أوستين ، وقام بجمعها وترتيبها زميله الفيلسوف الأكسفوردي جيفري وارنوك (1923 – 1995) . وكونت محاضرات أوستين الأولى الأساس للمخطوطة . وهذه المحاضرات قدمها في جامعة أكسفورد (كلية الثالوث) الفصل الدراسي سنة 1947 وكان عنوانها يومذاك مشكلات حول الفلسفة [208]. وبالطبع كما هو واضح إن في العنوان إفادة واضحة من عنوان مجموع للفيلسوف اليوناني آرسطو والذي حمل العنوان ذاته أي الحاس والمحسوس ، وهو مجموع تألف من سبعة رسائل قصيرة وبعنوان الرسائل الفيزيائية أو الطبيعية [209]. كما ولاحظنا إن هناك صدى في العنوان ربما نزل إلى تفكير جون أوستين من رواية الكاتبة جين أوستين (1775 – 1817) والتي حملت عنواناً فيه الكثير من التشابه مع عنوان فيلسوف اللغة العادية جون أوستين [210].

  ومن طرف الإهتمام بتراث فيتجنشتاين في فلسفة اللغة ، فقد لاحظنا إن جون أوستين إحتل مكانة مهمة في مضمار فلسفة اللغة ، ولفترة مع كل من فيتجنشاين وزميله غليبرت رايل . وكان أوستين مثلهم يدعو بقوة إلى فحص طريق الكلمات (وتتضمن العبارات) العادية والتي تُستعمل بهدف توضيح المعنى . وبهذا الطريق تجنب أوستين التشويش (أو ما أطلق عليه) الإرتباك الفلسفي . كما وإن أوستين على خلاف العديد من فلاسفة اللغة العادية ، تخلى بصورة أكثر من المسؤولية والإهتمام بفلسفة فيتجنشتاين المتأخرة [211].

   والفيلسوف الأكسفوردي الإنكليزي الثاني الذي تابع غليبرت رايل هو بيتر فردريك ستراوسن (1919 – 2006) والذي عمل بروفسوراً للفلسفة الميتافيزيقية في جامعة أكسفورد وبالتحديد من سنة 1968 وحتى سنة 1987 . إلا إنه ظل فاعلاً أكاديمياً وفاعلاً في مضمار التأليف والإنشاء الفلسفي . والشاهد على ذلك مؤلفاته وإشرافه على العديد من المجلدات إضافة إلى تخرج العديد من فلاسفة أكسفورد على يديه . من أهم مؤلفاته ، مدخل إلى النظرية المنطقية (1952) [212]، الإفراد : مقالة في الميتافيزيقا الوصفية (1959) [213]، حدود العقل : مقالة حول نقد كانط للعقل الخالص (1966) [214]، أبحاث في اللوجستيكا المنطقية (1971) [215]، كتابات فلسفية (2011 نشرت بعد وفاته) [216]. ومن أبحاثه التي نحتفل بها ونحن نكتب عن الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين ، بحث ستراوسن الذي حمل عنوان كتاب فيتجنشتاين أبحاث فلسفية (1954) وهو البحث الذي نشره ستراوسن بعد ثلاث سنوات فقط من موت فيتجنشتاين [217] . وفي نعي الفيلسوف الأكسفوردي بيتر ستراوسن كتبت صحيفة الغارديان وقالت : ” كانت أكسفورد عاصمة الفلسفة ما بين سنة 1950 وسنة 1970 وحيث كان الأكاديميون الأمريكان يحجون إليها أفواجاً .. (وحينها كان) العصر الذهبي الذي لم يعرف فيلسوفاً فيه كان أعلى مقاماً من مقام السير بيتر ستراوسن[218].

    ومنهم فيلسوف اللغة الأكسفوردي بول غريس (1913 – 1988) [219]. والذي صرف العقدين الأخيريين من عمله المهني في الولايات المتحدة الأمريكية . ولاحظنا إن عمله حول طبيعة المعنى مارس تأثيراً واسعاً على الدراسات الفلسفية في مضمار السيمانطيقا . كما هو مشهور في نظريته في البراجماطيقا (وهي حقل فرعي من اللنكوستيكا) . وعاد سنة 1979 إلى بريطانيا وقدم محاضرة في إطار محاضرات جون لوك وكانت بعنوان واجهات العقل [220].  والحقيقة إن فيلسوف اللغة غريس كتب الكثير من الأبحاث والمقالات ، ومن ثم ظهر له كتاب بعنوان دراسات في طريق الكلمات (1989) وضم أهم مقالاته والتي سبق إن نشرها [221]. ولعل من أهم  مقالاته والتي ترسم خارطة لتطوره الفلسفي منها ؛ مفهوم الهوية (1941) [222]، المعنى (1957) [223]، النظرية السببية للإدراك الحسي (1961) [224]، مفهوم القيمة (وهي في الأصل محاضرة قدمها ضمن محاضرات بول كراوس سنة 1983)[225] وبالطبع هناك الكثير .

    ونحسبُ من المهم أن نُذكر هنا بأن هذه الفترة قد شهدت الإهتمام بفلسفة اللغة العادية . إلا إننا نعرف كذلك ونرغب قبل مغادرة هذا الموضوع أن نُشارك القارئ بأن هذا الإهتمام يصعد إلى الفيلسوف الريطاني التحليلي جورج مور والذي نجح (وبالطبع يُشكر على ذلك) في وضع الإهتمام بتحليل اللغة العادية في قلب حركة التحليل ومنذ البداية . وإدراكه إلى علو برج تحليل اللغة المثالية من أرض الواقع ولهذا السبب إنسحبت وغابت تماماً من دائرة الإهتمام لعقود عديدة [226].

   وفعلاً إنه مع بزوغ شمس الثلاثينات من القرن العشرين ، بدأ الإهتمام بتحليل اللغة العادية يتجدد والسبب وراء ذلك هو إن فيتجنشتاين تقدم الساحة وأهتم بها بصورة رئيسية . يُضاف إلى ذلك إن وجهات نظر فيتجنشتاين كانت في حالة حراك وتبدل وتغير ومنذ العشرينات من القرن العشرين [227]. كما وإن هذه الفترة شهدت بروز عدد من الفلاسفة المُبدعين ومن أمثال جون وزدم [228]، جون أوستين [229]، غليبرت رايل [230]، بيتر ستراوسن [231]وبول غريس [232]. ومن الصحيح الإعتراف بأن هناك إختلافات بينهم . إلا إن هذه الإختلافات لم تسد الطريق أمام إجماعهم على تبني مشروع اللغة العادية . والحقيقة إن هذا الأجماع الفلسفي باللغة العادية مثل في الوقت ذاته ، إجماع فلسفي ضد مشروع اللغة المثالية الذي فرض سطوته في البداية .

  وعلى أساس فهم منطق هذه التحولات ، فإن فلسفة اللغة العادية فرضت هيمنتها في مضمار فلسفة التحليل وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية فقط . ولذلك فإن الحديث عن تاريخ عصر اللغة العادية ، بدأ بمرحلة ما يُسمى الدخول والتي شغلت الفترة ما بين سنة 1945 وحتى سنة 1965 . وبالطبع مع بعض الإستثناءات لعدد من المقالات التي كتبها غليبرت رايل . إلا إن النصوص الأكثر أهمية في مضمار اللغة العادية قد تم نشرها في عام 1949 [233]. وربما بعض منها طُبع في فترات لاحقة . في حين لاحظنا إنه في بعض الحالات جاء نشر جزء منها في مراحل متأخرة أبعد من ذلك  . وخاصة بعد إفول شمس المشروع اللنكوستيكي في الفلسفة ومن ثم أصبحت أشكاله المتنوعة غائبة وخارج المضمار [234].

  كما ولاحظنا إنه في أوقات من هذه الفترة ، أصبح مُعتاداً الحديث عن فلسفة اللغة العادية بكونها ” فلسفة أكسفورد ” . ويبدو إن السبب معقول جداً وذلك بسبب إن رايل ، أوستين ، ستراوسن ومن ثم غريس كانوا جميعاً يومها هم ” سادة أكسفورد ” . كما هم الممثلين الأكثر أهمية لمعسكر اللغة العادية . وبالطبع بعد فيتجنشتاين (والذي كان من جامعة كيمبريدج وليس من جامعة أكسفورد) . وبعد موت فيتجنشتاين في بواكير عصر اللغة الإعتيادية ، فإن فلاسفة أو ” سادة أكسفورد ” عملوا بجد على تعزيز مكانة اللغة العادية خلال مرحلة ذروتها . وبالرغم من علاقة فيتجنشتاين القوية بفلاسفة أو سادة أكسفورد ، فإنه كان الفيلسوف الأكثر أهمية بين فلاسفة اللغة العادية [235].

ثورة الفلسفة : تأمل في المرحلة المتأخرة من تفكير فيتجنشتاين

   رغبنا أن تكون لنا وقفة عند عتبات المرحلة المتأخرة من تفكير ونشاطات الفيلسوف فيتجنشتاين [236]، وهدفنا هو التأمل فيما حملته من تحولات في مضمار فلسفته في اللغة العادية وما نبع منها وتلاها من توجهات فيتجنشتاينية جديدة أو في الحقيقة هي قديمة تصعد إلى بواكير العشرينات من القرن العشرين ونشط فيتجنشتاين أشياء من الحياة فيها . حيث لاحظنا في المناخ الفلسفي لهذه الفترة المتأخرة من حياة فيتجنشتاين ، إن الوضعية المنطقية كانت مشغولة جداً بحالة التداعي والتنافر في مرجعيتها الذاتية والتي كونت في الحقيقة مشكلة كبيرة لها . وكانت بالطبع هي المشكلة ذاتها التي واجهتها فلسفة اللغة المثالية بصورة عامة . ولاحظنا إن فيتجنشتاين بعد طبع رائعته تركتاتوس لوجكيو – فيلوسوفيكس (رسالة منطقية – فلسفية) أصبح مُتعباً ومُنهكاً كثيراً من الفلسفة . فجاء قراره بالتخلي عن الفلسفة وفعلاً ذهب يُعلم في الريف النمساوي وفي مدرسة مختلطة المستويات . وبالرغم من إنه لم يتخلى تماماً عن العمل الأكاديمي ، إلا إنه تيقن بأنه حمل على كتفيه الكثير من مشكلات الفلسفة التقليدية ولذلك قرر الراحة والسكون بهدوء .

  وخلال هذه الفترة التي كان فيها فيتجنشتاين بعيداً بدرجات ما عن العمل الأكاديمي الصرف ، فإنه كان في مناسبات عديدة يُعيد التفكير في وجهات نظره حول اللغة . ولعل ما خلص إليه ، هو إن ” اللغة أبعد ما تكون من صورة حساب دالي صادق[237]. ولعل السبب حسب رأي فيتجنشتاين ، هو إن اللغة لايتوافر لها تركيب كلي صحيح . ولهذا جاء حكم فيتجنشتاين القاطع وهو إنه لايوجد تركيب لغوي كلي صحيح ، وبغياب مثل هذا الشئ ، فإنه لاتوجد لغة مثالية . وبدلاً من ذلك فإن كل نظام لغوي هو مثل اللعب (الكيم بالإنكليزية) ، وسواء هذا النظام اللغوي هو لغة كاملة أو لهجة أو لغة تقنية متخصصة ، فإن هذا اللعب له قواعده والتي تُساعده على أداء وظائفه وفقاً لقواعده الخاصة . وبالطبع هذه القواعد غير موجودة في كتب قواعد النحو دائماً . وإنما هي في حقيقتها مجرد مثابرات تهدف إلى وصف القواعد التي توجد تماماً في تطبيقات أفراد من الجماعة اللنكوستيكية .

   والحقيقة إن فيتجنشتاين المتأخر كان له رأي مختلف عن رأيه في المرحلة المبكرة وبالتحديد في مرحلة نشر رائعته تركتاتوس (مرحلة رسالة منطقية – فلسفية) وهيمنتها لفترة زمنية . ورأي فيتجنشتاين المتأخر يذهب إلى إن قواعد اللنكوستيك لا يمكن بيانها وتوضحيها . إلا إنها تظهر إلى حد ما في التشابك المعقد خلال التطبيق اللنكوستيكي والتطبيق اللا لنكوستيكي . وهذا الحال يعكس صورة حياة الجماعة اللنكوستيكية أو المجتمع اللنكوستيكي . واللغة بالنسبة إلى فيتجنشتاين المتأخر هي ظاهرة إجتماعية في جوهرها العام . وإن ضروبها متنوعة ، وحالها حال الكثير من الضروب الناجحة والتي هي مشتركة للجميع في إطار الحياة الإنسانية . والخلاصة إنه ليس في الإمكان دراسة اللغة بصورة مجردة ، وجزء منفصل عن تجسيداتها الخاصة في المجتمعات البشرية [238].

  ولاحظنا إن فيتجنشتاين فعلاً عرض في المرحلة الأخيرة من حياته ، وجهة نظر تتغاير مع وجهة نظره في رائعته تركتاتوس . فمثلاً إنه لم يعد يعتقد على الإطلاق بأن المعنى هو صورة أو تصوير للعلاقة التي تنهض على تطابق العلاقات بين الذرات اللنكوستيكية والذرات الميتافيزيقية (وهذه وجهة نظر شارك فيها يومذاك مع أستاذه برتراند رسل) . وبدلاً من ذلك إعتقد إن الأنظمة اللغوية ، أو الألعاب اللغوية ، ليس في الإمكان تحليلها بصورة كلية . كما وإن بعض أجزاءها (من مثل بعض ألفاظها والمحذور من تداولها وفقاً لقواعد اللغة) لها معاني من خلال الدور الذي تقوم به – نعني الإستعمال والتداول – والمشاركة في الإنموذج الكلي لحياة الجماعة اللنكوستيكية (الجماعة المتخصصة بلغة الجماعة) . ولهذا رأينا إنه غالباً ما قيل بأن المعنى في مرحلة فيتجنشتاين المتأخرة كان التركيز فيها على الإستعمال والتداول . وعلى أساس هذه النظرة فإن أجزاء اللغة لا تحتاج إلى مرجعية أو تطابق إلى أي شئ أخر على الإطلاق . وإنما دورها الوحيد ، والوحيد هو أن تلعب هذا الدور في صورة من صور الحياة [239].

  ونحسب إنه من المهم أن نُنبه إلى إنه حتى في مرحلة تفكير فيتجنشتاين المتأخرة ، فإن فيتجنشتاين حافظ على وجهة النظر التي تذهب إلى إن المشكلات الفلسفية تنشأ من خطأ لنكوستيكي (لغوي) . وإن الفلسفة الحقيقية هي التي تتطلع إلى تحليل اللغة وإدراك حدود المعنى ومعرفة الخطأ ومن ثم الوقوف على حالات الإرتباك والتشويش وحتى على حالات اللامعنى . وعلى أية حال فإن هذا الفهم الجديد للغة يتطلب فهم جديد للتحليل . وهذا يعني إنه ليس في الإمكان تحويل بعض قضايا اللغة الإعتيادية إلى علامات رمزية (أو لغة رمزية) وهي اللغة التي يتداولها علم المنطق الرمزي ، ومن ثم بعد ذلك الزعم بأن صورتها صادقة . وبدلاً من ذلك يرى فيتجنشتاين ، إن المهم ، هو أن ننظر كيف إن اللغة الإعتيادية تنظر إلى مشكلات الفلسفة التقليدية (وخصوصاً كيف تنشأ هذه المشكلات) ؟ وكيف تتعامل معها ؟ ونحن نتخلى عن هذا الإستعمال .

  ولعل خير مرجعية لنا في هذا الطرف من البحث ، هي كتابات فيتجنشتاين في المرحلة المتأخرة من حياته وبالطبع نعني رائعته أبحاث فلسفية ، فهي سجل فلسفي يُجسد خير تجسيد المرحلة الفيتجنشتاينية المتأخرة . يقول فيتجنشتاين وهو يتحدث عن المشكلات الفلسفية ،  إن المشكلات الفلسفية لها شكل وصورة ” ولكنني شخصياً ، أنا لا أعرف طريقي المؤدي إليها [240]. ومن ثم يستدرك ويُفيد ” وأنا لا أعرف كيف أتحدث بصورة إعتيادية عنها ، وأنا لا أعرف طرح السؤال حولها ، وأنا لا أعرف كيف أعرض جوابي عن هذا السؤال . وإذا كان لي حق في تخطي وتجاوز قواعد لغتي ، وأن أنطق شيئاً نافعاً على أية حال . فإن ما أقوله سيكون نوع من الهراء الفارغ الذي لامعنى له . وهذا في الحقيقة هو خطاب الفلسفة الميتافيزيقية التقليدية . ولعل الناتج من ذلك هو حل المشكلات الفلسفية . أو بدلاً من ذلك تلاشيها وإلغاءها ” . وظهر لنا يومذاك إن النظر والتدقيق في مصادر وأعمال لغتنا ، بأنها الطريق الذي يفتح أمامنا الأبواب مُشرعة وبذلك يسهلُ علينا معرفة ” لُب هذه الأعمال وجوهرها . إلا إننا تعلمنا بأن حل المشكلات لا يمكن أن يكون عن طريق عرض معلومات جديدة ، وإنما عن طريق ترتيب ما نعرفه دائماً [241].

     ومن ثم أضاف فيتجنشتاين موضحاً أكثر ، فأفاد ” إن كل ما نعرفه ” هو في الحقيقة قواعد لغتنا . وإن ” عمل الفيلسوف ” كما يقول فيتجنشتاين ، هو ” جمع وتنسيق الشواهد التي فيها إجماع على غرض محدد [242]. وهذه الشواهد تأخذ صور ونماذج من الأمثلة على أطراف جزئية من اللغة الإعتيادية ، وهي ذاتها التي تم تداولها في اللعبة اللغوية وبالطبع كانت بعيدة عن مضمار الفيلسوف الذي أقحم نفسه فيه . وكان الهدف هو إقناع الفيلسوف بالملاطفة (عن طريق التملق له) وفي الوقت ذاته المحافظة على جوهر اللغة وعدم الإساءة إليها ، مع متابعة أسئلة الفلسفة التقليدية . وهكذا تحولت الفلسفة الحقيقية إلى نوع من العلاج يتطلع إلى تطبيب وعلاج الأمراض اللنكوستيكية (الأمراض اللغوية) . وهذه الأمراض ستشل قدرات الإنسان ، بل وتمنعه من الإنخراط بصورة كلية في إطار حياة الجماعة اللنكوستيكية . إلا إن الفلسفة الحقيقية كما يقول فيتجنشتاين ، هي ” معركة ضد سحر وفتتان ذكاءنا بالوسائل اللغوية [243].

 كما وإن الفيلسوف الحقيقي بمنظار فيتجنشتاين هو سلاح في هذه المعركة حيث ” يتحمل مسؤلية العودة بالكلمات (وفيها إحتمال اللغة برمتها) من مضمار تداولها الميتافيزيقي وشدها من جديد بقاع لغة الحياة اليومية [244]. ولعل من إيجابيات عمل الفلسفة الحقيقية برأي فيتجنشتاين ، هو الكشف عن طرف واحد أو قطعة آخرى من ” الهراء العادي أو معوقات الفهم والتي حصلت بسبب تدخل الميتافيزيقا والتي حشرت رأسها ضد حدود اللغة [245].

   والحقيقة إن هذه الأفكار جديدة حيث إنها لم تكن منشورة . إلا إنها من منظور فيتجنشتاين وتاريخ كتاباته فهي قصة أخرى تحكيها نصوصها المبكرة . والقصة تذهب إلى إن فيتجنشتاين طور هذه الأفكار في فترة مبكرة حيث إنها تصعد إلى فترة العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين . إلا إنه لم ينشرها رسمياً حينها وظلت غير متداولة وإن كونت جزء أساس من نصوص كتابه أبحاث فلسفية والذي أعده للنشر ، وسلمه للناشر في عام 1946 ، ومن ثم تردد وسحبه من الناشر . وقبل وفاته وبعد إن طلب من طالبته الفيلسوفة الفيتجنشاينية إيلزابيث إنسكومب (وكذلك طالبه الفيلسوف الفيتجنشتايني ريش رايس) أن يكونان الوكيلان الشرعيان على نشر تراثه ، فقدم لهما بعض التوجيهات بخصوص نشر مخطوطة أبحاث فلسفية . وفعلاً فإن الكتاب نُشر بعد موته بسنتين أي في عام 1953 . والواقع إن وجهات نظر فيتجنشتاين الجديدة كانت متداولة وإنتشرت سماعاً في حياته بين طلابه وبين آخرين كانوا لهم إهتمام بتفكير فيتجنشتاين .

إنطفاء الفلسفة التحليلة : نهضة الميتافيزيقا ودخول الذمة التاريخية                    

   وبدأ هذا الوجه تاريخياً (وهو بالطبع الوجه الأخير) منذ منتصف الستينات من القرن العشرين والذي إستمر إلى ما بعد نهاية القرن العشرين . ولاحظنا إن الأكاديميين الغربيين يتحدثون عن ثلاثة مراحل تتابعت تاريخياً وملئت الفترة التاريخية لهذا الوجه الخامس والأخير والذي كان شاهد على إنطفاء الفلسفة التحليلية . وهذه المراحل هي :  

أولاً – مرحلة الإعلان عن موت الفلسفة التحليلية .

ثانياً – مرحلة نهضة الميتافيزيقا .

ثالثاً – مرحلة دخول النهضة الميتافيزيقية في ذمة التاريخ [246].

   كما ويُوصف هذا الوجه بالإنتخابية حيناً والتعددية حيناً أخر . ومن الملاحظ إنه خلال الستينات ظهرت مثابرات نقدية من داخل وخارج حركة التحليل (الفلسفة التحليلية) وكان حاصلها إن تخلت حركة التحليل من شكلها اللنكوستيكي وكان البديل الحاضر يترقب ، وكان هذا البديل هو مضمار فلسفة اللغة (وبالطبع فلاسفة اللغة) إلا إن فلسفة اللغة أفرغت الطريق وشغلته بدلاً منها الميتافيزيقا . ومن ثم تخلت الأخيرة عن الطريق وحلت محلها مجموعة من المجالات الفسفية الفرعية . والحقيقة إن هذه الفترة ترسم ما يمكن أن نطلق عليها معالم ما بعد الفلسفة التحليلية اللنكوستيكية . كما ولم يُوفق الأكاديميون الغربيون من تحديد هذه المعالم في حدود فلسفية أو حصرها في مجموعة وجهات نظر فلسفية (أو حتى تشخيص الإهتمامات الفلسفية) . إلا إن الحق هو إنهم تمكنوا من تحديد الأساليب ومن ثم في بعض الأحيان عينوا الموضوع الضيق لإهتماماتها [247].

  لاحظ الأكاديميون الغربيون المهتمون بتاريخ الفلسفة التحليلية بأن هذه الصعوبة في تحديد معالم الفلسفة التحليلية هي القضية ذاتها التي واجهتها الفلسفة التحليلية في بداياتها المبكرة . ولهذا السبب حاولوا بيان وعرض الإختلافات بينها وبين المشروعات الفلسفية الأخرى ، وخصوصاً المشروعات الفلسفية التي وجدت نفسها أساساً في تعارض معها ، ولذلك ثابرت بجد في توضيح طبيعتها الخاصة . والشواهد كثيرة منها مثلاً ؛ إن الفلسفة التحليلية عارضت الفلسفة المثالية البريطانية [248]، كما وعارضت الفلسفة التقليدية بصورة عامة (وهذه القضايا تكلمنا عنها عند الحديث عن الفيلسوفين جورج مور وبرتراند رسل) . وأخيراً وجدت نفسها في مواجهة وتعارض مع الفينومنولوجيا الكلاسيكية (هوسرل إنموذجاً)[249] وكذلك الإتجاهات الفلسفية التي نبعت وتفرعت من فينومنولوجيا هوسرل من مثل الوجودية (مثل سارتر ، كامو وأخرين) . وكذلك عارضت إتجاهات فلسفية أوربية (قارية) من مثل مابعد الحداثة (هيدجر ، فوكو ودريدا) . ولاحظنا إن الفلسفة البراجماتية تندرج في هذه الطرف بالرغم من إنها تحمل الكثير من التشابه مع الفلسفة التحليلية في بواكيرها الأولى ، وخصوصاً في أعمال كل من تشارلز بيرس[250] والبراجماتي الأمريكي إيرفان لويس (1883 – 1964)[251] . والأخير (أي لويس) مشهور عنه في مصادر علم المنطق ، بأنه الأب الحديث لعلم منطق الموديلات والذي ذاع صيته بكتابه الذي حمل عنوان العقل ونظام العالم (1929) والذي قدم فيه موقفاً أطلق عليه المفهومية البراجماتية [252].             

9

السنوات العشرة الأخيرة وصراع فيتجنشتاين مع السرطان

   لاحظ الباحث الأكاديمي البريطاني راي مونك ، وهو من أهم كتاب سيرة فيتجنشتاين ، إلى إنه ليس من المقبول على الإطلاق إن الحرب تحرق اليابس والأخضر وتدمر كل شئ ، وهو مشغول بتعليم الفلسفة . كما وإن روحه تغلي ، خصوصاً عندما يستمع إلى أحاديث طلابه وهم في هذه الأحوال  يتطلعون بكل جد ومثابرة على إمتهان الفلسفة حرفة لهم ويكونوا فلاسفة [253]. وهذا الخطاب الفيتجنشتايني منبوت كما يبدو لنا في مشاعر ممزوجة فيها الخيبة واليأس تجاه السنوات الباقيات من حياة الفيلسوف لودفيغ . ولعل الشاهد على ذلك هو إنه في سبتمبر من عام 1941 سأل الطبيب جون الفريد رايل (1889 – 1950) [254]على مساعدته في إيجاد عمل يدوي له في مستشفى غاي[255] في لندن سنة 1721 . وجون رايل هو بروفسور الطب في جامعة كيمبريدج والذي ساعد المستشفى في الحرب العالمية الثانية وخلال القصف الألماني . وبالمناسبة إن فيتجنشتاين أخبر الطبيب جون رايل ” بأنه سوف يموت ببطأ إذا ترك جامعة كيمبريدج ، وهو بدلاً من ذلك يأمل أن يموت بسرعة ” . ومن ثم بعد ذلك بفترة قصيرة جداً ، بدأ العمل في مستشفى غاي مساعد نقل الأدوية أي نقلها من الصيدلية إلى ردهات المستشفى . إلا إن ما تذكره المصادر ” إن فيتجنشتاين كان ينصح المرضى بالإمتناع عن تناول هذه الأدوية [256].

  ولعل من المفارقات التي واجهها فيتجنشتاين في مستشفى غاي ، هو إن فريق العاملين فيها لا يعلمون كما لم يخبرهم أحد بأن فيتجنشتاين هو واحد من أشهر فلاسفة العالم . ولكن بعض من الفريق الطبي تمكن من التعرف عليه ، أو ربما على الأقل إن واحد منهم كان قد حضر إجتماعات نادي العلوم الأخلاقية وعلى العموم إن هذا الفريق كان كتوماً ومتحفظاً . ومرة توسل فيتجنشتاين بواحد منهم ، وقال : طيب ، بالله عليك لاتخبر أي واحد ؛ من أنا ؟ [257]. وبعض منهم لم يدعوه فروفسور فيتجنشتاين على الإطلاق . وكان مسموحاً لفيتجنشتاين إن يتناول طعامه مع الأطباء . وكتب في 1 أبريل سنة 1942 : ” أنا لم أشعر أبداً بأن هناك بارقة من الأمل وفرج حول مستقبل حياتي . وإنه لم يكن أمامي شئ أكثر من فُسحة من الزمن ، وإن الحياة ستنطفأ في وقت قريب . وأنا لا أستطيع أن أتخيل مستقبل لي غير مستقبل مُروع ، وخال من أي أصدقاء لي فيه ، ومملوء بالأحزان والكدر [258].

  ويبدو إنه خلال هذه الفترة طور فيتجنشتاين شكل من الصداقة مع كيث كيرك ، وهو فتى مراهق من طبقة العمال وكان قبل ذلك صديقاً إلى سدني جورج فرانسيس سكينر (تمت الإشارة إليه في ثنايا هذا البحث) وكان سكينر طالب رياضيات وإستمرت العلاقة بين الأثنين (كيث وسكينر حتى موت الأخير بمرض بوليو أو شلل الأطفال سنة 1941) . ويومها سكينر تخلى عن مضمار عمله الأكاديمي (وبالطبع إن جزء منه بسبب تأثير فيتجنشتاين) وتحول سكينر للعمل ميكانيكياً في عام 1939 . وكان سكينر يعمل بصحبة كيث كيرك الذي تدرب بإشرافه على العمل الميكانيكي . وكان كل من كيرك وفيتجنشتاين مسحوراً بصداقتهما والشاهد على ذلك إن فيتجنشتاين قدم إلى كيرك دروساً في الفيزياء وذلك لمساعدته على إجتياز إمتحان المدينة ونقابات الحرفيين (أو إمتحان معهد لندن للمدينة ونقابات الحرفيين) [259]. وخلال فترة العزلة والوحدة في مستشفى غاي ، تذكر فيتجنشتاين وإسترجع ما حدث وحضر كل شئ وكتب في مذكراته ، فقال : ” عشرة أيام مضت وأنا لم أسمع من كيرك شيئاً على الإطلاق . وقبل إسبوع حاولت إثارة كيرك بالأخبار إلا إنه لم يرد علي . وهواجسي حملتني على الإعتقاد بأنه قطع كل أواصر علاقته معي . إنها فكرة تراجيدية حقاً ! [260]. وفعلاً كانت فكرة تراجيدية ، فقد ظهر بالتأكيد إن كيث كيرك تزوج ، وإننا لم نتقابل ونرى الواحد الأخر مرة ثانية بل وإلى الأبد [261].

   وخلال عمل فيتجنشتاين في مستشفى غاي قابل بيزيل ريف (1912 – 1981) [262]وهو طبيب شاب كانت له إهتمامات بالفلسفة . ودرس مع رونالد غرانت ” الأثار التي تُسببها صدمة الجروح ” (أو أثار صدمة الإصابات في الغارات الجوية) . وبعد إنتهاء الحرب وتوقف الغارات الجوية ، تناقصت حالات الإصابات إلى حد لا تساعد على الإستمرار في إجراء الدراسات . وفعلاً ففي نوفمبر سنة 1942 تحول كل من غرانت وريف إلى مستوصف فيكتوريا الملكي (وهو جزء من المركز الطبي في نيوكاسل) . ومن ثم تحولت مهمتهم وتركزت على دراسة إصابات طرق المرور والإصابات الصناعية . وعرض غرانت على فيتجنشتاين وظيفة مساعد مختبر وبإجور تبلغ (أربعة باونات في الإسبوع) وعاش فيتجنشتاين في نيوكاسل (في 28 براندلنغ بارك – جيسموند[263]) خلال الفترة من 29 أبريل سنة 1943 وحتى شباط سنة 1944 [264].

  ولاحظ الباحث إن سنوات فيتجنشتاين الأخيرة والتي إمتدت من عام 1947 وحتى وفاته سنة 1951 فقد تفردت بحكاية أطراف من مأساة الفيلسوف فيتجنشتاين الذي كان ولا يزال يشغل مكانة رفيعة في عالم الفلسفة المعاصرة (وكذلك يحتل موقع متميز في عالم الحياة والمال) . وتبدأ الحكاية بتقديم البروفسور فيتجنشتاين إستقالته (بروفسوراً للفلسفة) من جامعة كيمبريدج سنة 1947 وتركيز وقته على كتاباته . وتلاها سفره خلال الفترة من عام 1947 وعام 1948 إلى إيرلندا ومن ثم مكوثه في فندق روس في دبلين فترة ، وفي بيت ريفي (فلاحي) في قرية الصليب الأحمر (مقاطعة ويكلاو) فترة آخرى . وهناك بدأ يكتب مجلده المخطوط والذي حمل عنوان بالإنكليزية (أم أس 137) . ويومها كان فيتجنشتاين يتطلع إلى العيش في عزلة ولذلك تحول إلى راسو وعاش في كوخ عطلة ويقع في كونيمارا (وهي مقاطعة في غرب إيرلندا) وكان يملكه موريس أوكونور دوروري [265]. وهو الطبيب النفسي وكان تلميذ وصديق الفيلسوف فيتجنشتاين . وأكونور سيكون واحد من أتباع فيتجنشتاين وسيكتب عنه مؤلفات في هذا المضمار (كما ستأتي الإشارة إليه) .

  كما وقبل فيتجنشتاين دعوة الزيارة التي قدمها الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم (وبالمناسبة زار مالكولم جامعة كيمبريدج  للفترة 1938 – 1939 وقابل الفيلسوف جورج مور والفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين) وحضر محاضرات فيتجنشتاين حول الأسس الفلسفية للرياضيات خلال عام 1939 . وإن نورمان قد ذكر ذلك في كتابه لودفيغ فيتجنشتاين : الميموار الذي طُبع عام 1958 ورسم له صورة في غاية الدقة والموضوعية وبالتحديد حول شخصية فيتجنشتاين [266]. وبقدوم فيتجنشتاين سنة 1949 إلى أمريكا من خلال دعوة مالكولم ، أصبح بروفسوراً في جامعة كورنيل وبقي يسكن مع مالكولم وزوجته لبضعة أشهر وبالتحديد في أثيكا – نيويورك . وأخبر فيتجنشتاين مالكولم في هذه الفترة بأنه لم تكن لديه الرغبة على العمل الفلسفي وبالنص ” أنا لم أنجز أي عمل فلسفي منذ بداية آذار ، بل وحتى لم تكن لدي القوة على عمل أي شئ ” [267]. كما وذكر فيتجنشتاين إلى نورمان مالكولم إلى إن طبيبه (في دبلن – إيرلندا) قد شخص إنه ” يُعاني من الأنيميا أي فقر الدم وقد وصف له دواء للكبد وفيتامين الحديد ” [268].

   وبدأ فيتجنشتاين مناقشاته في الإبستمولوجيا ، وإنخرط خصوصاً في مناقشة النزعة الشكية في الفلسفة [269]. وكان الحاصل من هذه المناقشات فقرات نهائية من كتابه الذي حمل عنوان حول اليقينية . وجاءت إصول هذا الكتاب من ملاحظات فيتجنشتاين التي كتبها قبيل وفاته ، وبعض هذه الملاحظات تم العثور عليها في بيت طالبة فيتجنشتاين والوريثة بتكليف منه على نشر تراثه الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إيلزابيث إنسكومب والتي بدورها ضمتها إلى هذه الكتاب . والحقيقة إن فيتجنشتاين ركز بصورة كبيرة في كتابه حول اليقينية على مضمار الأبستمولوجيا [270].

  وعاد فيتجنشتاين من أمريكا إلى لندن وكان القدر يخفي له أخبار فاجعة ، منها مايخص مرض السرطان الذي يُعاني منه . وفعلاً فقد كانت أخبار فاجعة ، حيث أخبره طبيبه بأن سرطان البروستاتا من المتعذر إجراء عملية إستئصال له وهناك إحتمال ممكن على إنتشاره إلى نخاع العظم . حيث قرر صرف الشهرين اللاحقين في فينا . وخلال مكوثه هذه الفترة في فينا تُوفيت إخته هرمين في 11 شباط سنة 1950 . وكان غرضه من الذهاب إلى فينا ، هو زيارتها كل يوم إلا إن المُحزن له إنه لم تتمكن من الكلام معه بل وحتى لم تتعرف عليه . وكتب فيتجنشتاين يومها عن مشاعره الحزينة ، فقال ” إنها خسارة فادحة لي ولكل واحد منا ” وأضاف : بل هي ” أفدح مما كنت أفكر وأتوقع ” . وكان حاصل هذه الفاجعة ، ظل فيتجنشتاين يدور ويتنقل بعد موت هرمين حول فينا كثيراً ، ومكث هناك مع عدد متنوع من الأصدقاء [271]. ومن ثم عاد إلى كيمبريدج في أبريل سنة 1950 وعاش فترة مع زميله السابق البروفسور جورج هنريخ فون رايت [272].

  وقرر بعدها الذهاب إلى لندن ، ومكث فترة مع ريش رايس ، ومن هناك ذهب إلى أكسفورد وقابل تلميذته الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إيلزابيث إنسكومب وكتب من هناك إلى الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم وأخبره ” بأنه من الصعب علي أن أعمل أي شئ في مضمار الفلسفة ” . ومن أكسفورد ذهب مع بين ريتشارد في آب إلى النرويج . إلا إنه عاد إلى كيمبريدج في 27 نوفمبر . وتحول ليعيش مع طبيبه أدورد بيفن (1907 – 1988)[273] وزوجته جوان في شباط سنة 1951 وظل هناك حتى موته 29 آبريل سنة 1951 [274]. كما إن فيتجنشتاين أخبر من طرفه كل من الدكتور بيفن وزوجته جوان ” بأنه لا يرغب في الموت في المستشفى ” وكان ردهما ” إذا لم ترغب أن تموت في المستشفى ، فإنه في الأمكان لك أن تصرف أيامك الأخيرة في بيتنا بدلاً من ذلك ” . وفي البداية كانت جوان مترددة وخائفة من فيتجنشتاين . ” إلا إنهما حالاً أصبحا صديقين ” [275].

  ويبدو إنه في بداية عام 1951 أصبح واضحاً ، بأن هناك القليل من الوقت باقياً من حياة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وللأثار الفاجعة لهذا المتغير ومن ثم الترتيبات للمستقبل وخصوصاً تراث فيتجنشتاين الفكري ، كتب فيتجنشتاين وصية جديدة في أكسفورد . وكان ذلك بالتحديد في 29 كانون الثاني ، والتي عين فيها مثلاً ريش رايس على أن يكون المسؤول عن تنفيذ وصيته ، وكل من إيلزابيث إنسكومب و جورج فون رايت هما المسؤلان الإداريان عن تراثه . ومن ثم كتب في ذلك الشهر إلى صديقه الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم ، وقال ” إن عقلي مات تماماً . وهذه ليست شكوى بسبب إنني في الواقع لم أعاني منها . أنا عارف بأن هذه الحياة لابد أن تكون لها نهاية ما . وإن الحياة العقلية ممكن أن تتوقف قبل بقية أشكال الحياة الأخرى [276].

   وفي شباط عاد إلى بيت الدكتور بيفن للعمل في المخطوطتين المرقمتين 175 و176 . والحقيقة إن هاتين المخطوطتان ومخطوطات أخرى قد طبعا فعلاً في فترة لاحقة ، جزء من كتابي فيتجنشتاين : 

الأول حمل عنوان ملاحظات حول اللون [277]. وجاءت بعنوان أخر حمل تفاصيل تبيح الكثير من المعلومات عن مصادر فيتجنشتاين في كتابة مخطوطته ” ملاحظات حول اللون ” . والعنوان التفصيلي ذكرته مصادرنا بالصورة الأتية ” ملاحظات حول اللون (1991) ملاحظات حول نظرية غوته في الألوان [278]. وهو من مؤلفات فيتجنشتاين الأخيرة وكتبه خلال زيارته إلى مدينة فينا سنة 1950 . وكان يومها يحتضر من مرض السرطان . وفيه بث  فيتجنشتاين عقيدته حول اللون وذهب إلى إن اللغز الفلسفي حول اللون ممكن حله فقط من خلال الإنتباه إلى تدخل لعب اللغة فيها . وفعلاً فقد تأمل فيتجنشتاين في كل من قضايا يوهان غوتة (1749 – 1832)[279] والذي كان مصدرها رسالة غوتة حول اللون . والتي قال فيتجنشتاين بحقها فأفاد مُوضحاً ” إنها ليست بنظرية على الإطلاق ، حيث لاشئ يمكن التنبوء منها . إنها نوع من الإيجاز الشديد المنظم ، بالطبع والمبهم والغامض[280]. كما وإن فيتجنشتاين تأمل في ملاحظات الرسام الألماني الرومانتيكي فيليب أوتو رونغي (1977 – 1810)[281] وذلك في توضيح إستعمال اللغة حول اللون [282]. وهناك الكثير من المسكوت عليه في أعمال الرسام الألماني رونغي وخصوصاً في مخطوطته التي حملت عنوان في مجال اللون (أو كُريات اللون) والتي طبعها في بواكير عام 1810 . وتحسبُ ماري ماكغين إن كتاب فيتجنشتاين والذي حمل عنوان ملاحظات حول اللون هو من النصوص التي تواجه صعوبات جمة وذلك لكونه يتألف من فقرات . وذهبت في مقارنته بعمله الأخير (حول اليقينية) فرأت إنه من أعماله الأكثر وضوحاً [283].

والثاني جاء بعنوان حول اليقينية [284].  وكما قلنا هي مجموعة فقرات كتبها فيتجنشتاين قبيل موته ومن ثم طُبعت في كتاب حول اليقينية . وكان إهتمام هذه الفقرات هو الأبستمولوجيا [285]. والثيما الرئيسية لهذا الإهتمام الأبستمولوجي ، هو التأكيد على وجود أشياء ما تكون موجودة فوق أية شكوك ، وذلك لتسهيل الفعاليات الإنسانية وجعلها ممكنة . وكانت نقطة إنطلاق كتاب فيتجنشتاين حول اليقينية ، حجة أبستمولوجية تقول ” هنا توجد يد واحدة ” . والحقيقة هذه الحجة إصطنعها الفيلسوف جورج مور وذلك في رده على الشكية الفلسفية وفي دعم الحس المشترك . والحجة إتخذت الصورة الآتية :

أ – هنا توجد يدُ واحدة .

ب – هنا توجد يدُ آخرى .

ج –  وهنا توجد على الأقل إثنتان من الموضوعات الخارجية في العالم .

د – إذن العالم الخارجي موجود [286].

  والحقيقة إن حجة ” هنا توجد يد ” التي عملها الفيلسوف التحليلي جورج مور ، كان هدفها التدقيق وفحص الإدعاء الذي يذهب إلى أننا ” نعرفُ معرفتنا ” هذا طرف . والطرف الثاني من هذا الإدعاء ، هو الزعم ” إن كل شكوكنا منبوتة في كبد عقائدنا ” . وهذا الإدعاء يكون ” أغلب الأشكال الراديكالية (المتطرفة) للشك ” والتي يجب أن تُدحض (تُرفض) ما دام إنها ” تُشكلُ تناقضاً مع النظام الذي تنتمي إليه [287]. ولاحظنا إن فيتجنشتاين من طرفه ” قدم دحضاً خلاقاً (جديداً) لأنواع مختلفة من الشكية الفلسفية ” . وكتاب حول اليقينية كما ذكرنا طُبع لأول مرة في عام 1969 أي بعد وفاة فيتجنشتاين (تقريباً ست سنوات) . وأصبح معروفاً للقارئ إن إصول كتاب حول اليقينية جاءت من الملاحظات التي كتبها في السنتين الأخيرتين من حياته [288].        

   ولاحظنا إن الباحث الأكاديمي الأسباني خسيوس باديلا غالفير قد إهتم بتراث الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وذلك من خلال إشرافه ومن ثم المشاركة في تأليف الكتاب الجماعي الذي حمل عنوان اليقينيات الشكية ، ألعاب اللغة ، صور الحياة والنسبية والذي صدر عام 2012 . إلا إن المصادر تُخبرنا برواية أخرى تتخطى زمنياً هذا الإهتمام ومن ثم الإشراف على هذا الكتاب الجماعي . حيث وجدنا إن إهتمامه بتراث فيتجنشتاين يصعد إلى فترة تمتد إلى ست وعشرين سنة قبل إشرافه على هذا المشروع الجماعي ، فقد كتب بحثاً بعنوان فيتجنشتاين ، القواعد واللغة الخاصة : شرح أولي ونشرته المجلة الدورية المشهورة الثيوريا (النظرية) سنة 1986[289]. وهو على الأقل من الأبحاث الرائدة في اللغة الأسبانية ودوائر الفكر الأكاديمي الأسباني على حد سواء .

  ولاحظنا إن فيتجنشتاين خلال العمل في مخطوطتيه ملاحظات حول اللون وحول اليقينية ، بدأ يحتضر من مرض السرطان ومن ثم إقترب الموعد الذي تكهنه طبيبه لوفاته ، وفي هذه الأجواء العصيبة كتب فيتجنشتاين إلى صديقه البروفسور نورمان مالكولم (في 16 إبريل) أي قبل وفاته بثلاثة عشر يوماً ، يبثه بعض الأفكار عن تجربة إحتضاره ويصف له لحظات موته  

فقال :

حدث لي شئ غريب جداً ، فقبل شهر واحد وجدت نفسي وأنا أعمل في الفلسفة في الطرف الأيمن من عقلي . وأصبحت مُتيقناً تماماً من إنني لم أكن قادراً على عمل الفلسفة مرة آخرى . وهذه هي المرة الأولى بعد أكثر من سنتين ، إن ستار ذهني قد تلاشى . وبالطبع إنه خلال الأسابيع الخمسة الماضية قد أنجزت الكثير من العمل . وإن كل شئ ربما ينتهي غداً . وإنه على الأكثر سيطرحني أرضاً الأن [290].

   أما موت الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، فقد جاء مرتبطاً تاريخياً بأخر أعماله الفلسفية . ويومها كان يعمل في الجزء النهائي من مخطوطته التي حملت الرقم 177 وكان ذلك اليوم هو السادس والعشرين من أبريل سنة 1951 والذي تصادف فيه عيد ميلاد فيتجنشتاين الثاني والستين في يوم 26 أبريل وفيتجنشتاين ذهب فيه عصراً للمشي . وفعلاً فقد لاحظنا إنه تعرض إلى ذلك في آخر مدخل كتبه يراعه في 27 أبريل ، وهو المساء الذي أصبح فيه فيتجنشتاين مريض جداً . وبالمناسبة إن طبيبه سبق إن أخبره ” ربما تعيش بضعة أيام فقط ” . وحينها كان رده ” طيب ! ” وحينها كانت ” جوان ” زوجة الطبيب هناك والتي مكثت بجنب فيتجنشتاين طول ذلك الليل . وتماماً قبل أن يفقد وعيه لأخر مرة في 28 أبريل ، قال لها : ” أخبريهم : أنا عشت حياة رائعة ” . ويبدو لنا أن صديقه الفيلسوف الأمريكي نورمان مالكولم كانت تُساوره الظنون حول ما حدث لفيتجنشتاين بعد فقدانه الوعي ، فوصف هذه الحادثة بقوله ” … غريب أن ينطق مثل هذه العبارة  ” [291].

   ومن ثم حضر أربعة من طلاب فيتجنشتاين السابقين وجلسوا حول سريره ، وهم كل من بين ريتشاردز ، إليزابيث إنسكومب ، يوريك سمايثيز [292]، وموريس أوكونر دروري . وكان كل من إنسكومب وسمايثيز مسيحيين كاثوليكيين . وعلى طلب سمايثيز حضر القس الدومينيكاني الأب كونراد (ستيفن) بيلر[293] . وفي البداية فإن الحضور كانوا غير متأكدين من رغبة فيتجنشتاين (وماذا يريد؟) . ومن ثم تذكروا بأنه قال ” إنه يأمل من أصدقائه الكاثوليك ، أن يصلوا لأجله ، وقد فعلوا ” . و بعد فترة قصيرة أعلنوا ” إن فيتجنشتاين مات ” . وعلى أساس هذا الخبر ، فقد تم ” دفنه على الطريقة الكاثوليكية في قبر أرضي ” في مقبرة القديسيين جايلز وبيتر في مقبرة كيمبريدج [294].  

  ولاحظنا إن هناك عدم إرتياح وشكوك ساورت نفوس بعض طلاب فيتجنشتاين الذين حضروا وكانوا شهوداً على إسلوب دفن جثمانه على الطريقة الكاثوليكية . فمثلاً تلميذه موريس دروري قال بعد دفنه ، بأنه (أي دروري) عانى من مشكلة نفسية عميقة من طريقة دفن فيتجنشتاين على الطريقة الكاثوليكية ، ومن ثم تساءل : ” هل كان ذلك صحيحاً ؟ [295]. وبعد مرور أربعة وخمسين سنة على موته ودفن جثمانه قامت جمعية فيتجنشتاين البريطانية (وبالتحديد في عام 2015) بتجديد بناء ضريحة وتقدمته صخرة كبيرة تُغطي جزء من سطح قبره ونُقش عليه إسم لودفيغ فيتجنشتاين وتاريخ ولادته ووفاته [296].

10

لودفيغ فيتجنشتاين وإشكالية التشويش على العقيدي الديني

   إن الإشكال حول عقيدة فيتجنشتاين الدينية بدأت بشكوك أثارها بعض من طلابه الذين حضروا دفن جثمانه . وفعلاً فقد ساورت بعضاً منهم الشكوك حول الطريقة الكاثوليكي التي تمت فيها مراسيم الدفن . وبالطبع إن إثنين من أربعة طلاب فيتجنشتاين قد حضروا المراسيم وكانوا على الديانة الكاثوليكية أو الأدق إنهم تحولوا إليها بوقت ليس ببعيد . وهما كل من الطالبة الفيتجنشتاينية المقربة إليزابيث إنسكومب والطالب  الفيتجنشتايني يورك سمايثز . أما من طلابه الذين أثاروا الشكوك حول طريقة الدفن الكاثوليكية ، فكان موريس دروري والذي قال بعد دفنه ، بأنه عانى من مشكلة نفسية عميقة وبالتحديد ” من طريقة دفن فيتجنشتاين على الطريقة الكاثوليكية ” . ومن ثم تساءل : ” هل كان ذلك صحيحاً ؟ [297].

  وفعلاً فقد قيل الكثير عن وجهات نظر فيتجنشتاين الدينية . وبالطبع هو المسؤول عن الإرتباك فيها ، وأشرنا في هذا البحث بأنه يعتبر نفسه مئة في المئة عبرياً وهذا طرف جداً مهم . ويأتي الطرف الثاني من التشويش والإرتباك الذي خلقه فيتجنشتاين وهذا ما خطه بيراعه (ومُجير عليه) وذلك عندما أكد على إنه مهتم بصورة كبيرة بالكاثوليكية . والحقيقة إن إصول هذا الطرف نزل إليه عن طريق والده الذي تحول إلى الكاثوليكية وحول معه العائلة وذلك عندما شارك في تعميد أولاده وبناته عليها (أي الكاثوليكية) . بالرغم من إن جدة فيتجنشتاين كانت مسيحية بروتستانتية . كما كان فيتجنشتاين يُردد كثيراً ” بأنه متعاطف مع الكاثوليكية ورموزها الكبار مثل القديس أوغسطين وهذا ما ذكرناه في هذا البحث . كما قيل إن فيتجنشتاين وبالتحديد خلال سنواته الجامعية إنه عبر عن عقيدة قيامة المسيح [298].

  ولاحظنا إن فيتجنشتاين لم يقف عند حدود فكرة القيامة المسيحية ، وإنما قدم هامشه الشارح عليها . فقال : ” والسؤال ؛ ماذا يحملني على الإعتقاد بقيامة المسيح ؟ وإذا حاولت اللعب مع هذه الفكرة ، ومن ثم إفترضت بأن المسيح عاجز ولا تتوافر لديه القدرة على النهوض والقيامة من بين الأموات . وبالطبع خلاف ذلك يكون قد مات وتفسخ (وهلك مثل بقية البشر إلى الأبد) . وفي هذا الحال يكون المسيح مجرد معلم وحاله مثل حال البشر سواء . وهنا إن فكرة المسيح تكون غير نافعة ، ولا حول لها ولا قوة ، بل وليس فيها إمكانية على المساعدة . ومرة أخرى نحن مجرد يتامى ونعيش في حالة وحدة وعزلة . والقدر المكتوب علينا ، هو أن نكون أكثر حكمة ونتأمل وخلاف ذلك فإننا في النهاية سنكون في مهاد الجحيم . وسنحلم مرة أخرى بأننا مطرودين من الجنة المُتعالية [299].  

ولكن إذا حصل لي الإفتداء (الخلاص) ، فأنا هنا مُحتاج إلى اليقين وليس إلى الحكمة والأحلام . وهذا التأمل واليقين هو الإيمان (العقيدة) . والإيمان هو إيمان يحتاج إليه قلبي ، وهو إيمان تحتاج إليه روحي . وقلبي وروحي لا يحتاجان إلى تفكير عقلي تأملي . وإن روحي وإنفعالاتها (عواطفها) حالها مثل لحمها ودمها فهي يجب أن تُفتدى (أي أن يحصل لها الخلاص) وطبعاً هذا لايكون من خلال التفكير العقلي المجرد . وربما كما يُردد شخص مؤمن بعقيدة القيامة وينشد قائلاً : إنه من خلال الحب الذي ينهض على عقيدة القيامة أو من خلال الحب الذي يؤمن بالقيامة [300]

  ولكن رغم كل ذلك ، فإن فيتجنشتاين في الحقيقة لايعتبر نفسه كاثوليكياً . وعلى أساس رواية صديقه البروفسور الأمريكي نورمان مالكولم الذي علق على هذه القضية وذهب إلى إن فيتجنشتاين ” رأى إن الكاثوليكية هي طريقة حياة أكثر من كونها مجموعة عقائد للإيمان . ولهذا السبب لم يقبل ويؤمن بأية عقيدة دينية ” [301]. ويحسبُ مالكولم إن فيتجنشتاين فعلاً قد أعد نفسه شخصياً ومن ثم وظف خبرته الأكاديمية بإتجاه ” التعبير الشامل عن فكرة الله الذي يُحاكم البشر وإن الله هو رمز الفداء (الخلاص) لهم ” . وفي الوقت نفسه رأى إن المفهوم  الكسمولوجي للإلوهية والذي نهض على مفاهيم من مثل السبب وااللانهاية ، فإنها ” من المفاهيم المكروه والبغيضة لديه ” . كما وإنه كان ساخطاً على محاولات تقديم ” البراهين على وجود الله ، بل وكارهاً لمجمل المثابرات التي تطلعت إلى صياغة الدين على أسس عقلية ” . ونبه مالكولم القارئ من عدم التسرع والإعتقاد أو تكوين أي إنطباع يذهب إلى ” إن فيتجنشتاين سلم وإعتقد بصورة من صور الإيمان الديني ” بل الواقع إنه لم يفعل مثل هذا ” وذلك لأنه ” لم يكن بشخصية دينية ” . إلا إنه إعتقد إن هناك في داخله (وبمعنى من المعاني) إمكانية دينية . وأنا أعتقد (مالكولم) بأن فيتجنشتاين كان ينظر إلى الدين على إنه ” شكل من أشكال الحياة ” وهي تعبير عن محاولات البحث في هذا الإتجاه . ويعترف فيتجنشتاين بأنه ” لم يُشارك بها الأخرين . إلا إنه متعاطف معها ومهتم بها بصورة كبيرة ” . وعبر فيتجنشتاين عن إحترامه للناس الذين يُشاركون فيها ، وهو في الوقت ذاته ” يحتقر النفاق الديني والمتدينين المنافقين [302].

  ولاحظنا إن نورمان مالكولم إستمر في إفتراضاته وترجيحاته الناشدة إلى الإقتراب من فهم عقيدة فيتجنشتاين الدينية ، فذهب مُعلقاً وقال : ” أنا أشك بأن فيتجنشتاين ينظر إلى العقيدة الدينية على إنها مؤسسة على سمات الشخصية وذلك لأن مثل هذه السمات والخصائص لا تتوافر في شخصية فيتجنشتاين ” . ولكن كل من سمايثيز وإنسكومب (وهما من طلاب فيتجنشتاين واللذان حضرا بجوار سريره حتى اللحظات الأخيرة من وفاته) فكلاهما تحولا إلى عقيدة الكاثوليك الروم . وإن فيتجنشتاين كما يُخبرنا نورمان مالكولم إنه قال مرة له : ” أنا غير قادر ، وليس في يدي إمكانية على حمل نفسي للإعتقاد بكل الأشياء التي يعتقدان بها (أي كل من تلميذيه سمايثيز وإنسكومب) ” [303]. ويُرجح مالكولم كعادته ” ويعتقد إن ملاحظة فيتجنشتاين هذه ، ليس فيها ذم أو تقليل من شأن عقيدتهما الدينية الكاثوليكية ، بل فيها إمكانية للحفاظ على عقيدة فيتجنشتاين الدينية الخاصة [304].     

   كما ولاحظنا إنه في السنوات الأخيرة من حياته شاعت روايات حول عقيدته الدينية الحقيقة ، والتي تُردد ” بأن فيتجنشتاين كان إغنوصياً بمعناها المهني الحرفي الدقيق ” [305]. والحقيقة إن الباحث وليم شايلد توقف عند عتبات غنوصية فيتجنشتاين ، ومن ثم أثار السؤال الأتي ” هل كان فيتجنشتاين متديناً ؟ وعلى أساس الإفتراض ، فلنتفق على ” إننا نعتبره غنوصياً ” . فإن هذا يتطلب نوع من الحذر بحيث ” ينبغي أن لا يُفهم في إطار المعنى الشائع للغنوصية (اللا أدرية) وهو المعنى الذي تُركز عليه الغنوصية وتتفاخر به . وبالطبع هذا المعنى للغنوصية (اللا أدرية) فيه إشكال ليس بقليل .

   والحجة التي أثارها وليم شايلد جاءت على شكل سؤال : ” هل إن الإنسان أحياناً ربما لا يعرف شيئاً على الإطلاق حول هذا الأمر ؟ ” . ومن ثم قدم وليم شايلد مثالاً وعلى أساسه ناقش فهم لودفيغ فيتجنشتاين وذهب مجادلاً ، فرأى إن فكرة الله بمعناها الإنجيلي ، هي صورة ” الله الخالق للعالم ” . ولاحظنا إنه على أساس هذه الفكرة الإنجيلية لله تكمن الصعوبة في تقديم ” فهم فيتجنشتاين لها .. ” . ولكن رغم ذلك فإننا وجدنا إن مفهوم ” يوم الحساب الأخير ” ، هو من المفاهيم العميقة والتي جذبت إهتمام فيتجنشتاين إليها [306].

  ولعل خير مساهمة نظرية نُقدمها هنا بهدف فهم عقيدة فيتجنشتاين الإغنوصية هو التعريف بها . ولنبدأ بالقول إن الإغنوصية أو اللا أدرية (والتي جاءت باللغة العربية من لست أدري بمعنى لا أعرف ) والتي هي لُبُ أو جوهر العلم . والإغنوصية هي وجهة نظر ترى ” إن قيم الصدق التي تتعلق بمزاعمنا اليقينية ، وخصوصاً مزاعمنا الميتافيزيقية ومزاعمنا الدينية ” . وإن من خير الأمثلة على هذه المزاعم ؛ هل إن الله له وجود إلهي ؟ أم إن وجود الله فوق طبيعي وبذلك هو وجود غير معروف أو ربما هو عصي على المعرفة وليس في الإمكان معرفته [307].

   وإرتبطت الإغنوصية أو الغنوصية تاريخياً بشخصية عالم البيولوجيا الإنكليزي توماس هنري هاكسلي (1825 – 1895)[308] وهو بالطبع مدافع عنيد عن تشارلز داروين (1809 – 1882) ونظريته في النشوء [309]. والحقيقة إن وجهة النظر الغنوصية هي وجهة نظر قديمة حالها حال الشكية الفلسفية [310]. أما الحدود من مثل إغنوصي وإغنوصية فهي إصطلاحات خلقها هنري هاكسلي ومن خلال خلاصة أفكاره التي دارت حول التطورات الميتافيزيقية في القرن التاسع عشر . وخصوصاً أفكاره التي دارت حول مفهوم ” اللامشروط ” عند الفيلسوف الميتافيزيقي الإسكتلندي وليم هاملتون (1788 – 1856)[311] ، وحول مفهوم ” لا سبيل لمعرفته ” عند الفيلسوف البايولوجي الإنكليزي هربرت سبنسر (1820 – 1903)[312] . وخلال هذه الفترة وبالتحديد في عام 1869 بدأ هاكسلي يتداول إصطلاح إغنوصي . ويبدو إن أفكاره تشكلت قبل هذا التاريخ . ففي رسالة له بعثها في 23 سبتمبر سنة 1860 إلى القس والبروفسور تشارلز كنجسلي (1819 – 1875)[313] ، ناقش فيها وجهة نظره بصورة واسعة ، فقال : ” أنا لا أستطيع التأكيد على خلود الإنسان ، كما وليس في إمكاني إنكاره . ولا أرى إن هناك سبب يحملني على الإعتقاد به . والحقيقة لا تتوافر لدي وسائل إلى دحضه ، بل وليس لدي إعتراضات أولية على هذا المبدأ … ” [314].  

   ووفقاً لفهم الفيلسوف الأمريكي وليم ليونارد روي (1931 – 2015)[315] فإن الإغنوصية هي وجهة نظر ترى إن العقل الإنساني غير قادر على تقديم فهم عقلاني كاف للإعتقاد على إن  ” الله موجود أو الإعتقاد بأن الله غير موجود [316]. والمعنى الأكثر تداولاً ، هو إن الإغنوصي هو الشخص الذي لا يؤمن بالله ، ولا يكفر بالله . بينما الملحد هو الشخص الذي يكفر بالله بهذا المعنى الضيق . والإغنوصية هي مجموعة عقائد عقلية فقط ، وهي كافية على مساعدة العقل الإنساني وبالطبع الفرد الذي أمن بالموقف الإغنوصي الذي يساعد الفرد أما الإعتقاد بأن الله غير موجود أو عدم الإعتقاد بأن الله غير موجود وبصورة عقلانية [317].

  ولاحظنا إن الفيلسوف برتراند رسل وهو إستاذ لودفيغ فيتجنشتاين تساءل في كتيب له ” لماذا أنا لست مسيحياً ؟ وهو في الأصل محاضرة قدمها سنة 1927 ومن ثم صدرت في كتاب له لاحقاً وحمل العنوان ذاته . وبعد ذلك تحول هذا الكتاب إلى خطاب كلاسيكي للإغنوصية [318].

11

تأمل في بعض أعمال وكتابات لودفيغ فيتجنشتاين

   الحقيقة إن الفيلسوف وعالم المنطق الكبير فيتجنشتاين قد ترك خلفه عدداً ضخماً من المخطوطات ، والتي تم مراجعتها (وتنقيحها) ومن ثم نشرها في عام 1953  بكتاب حمل عنوان أبحاث فلسفية . ومنذ هذا التاريخ حصل فيتجنشتاين على الإعتراف بأن أعماله الفلسفية والمنطقية ، هي واحدة من أهم الأعمال في مضمار الفلسفة في القرن العشرين [319]. وفعلاً فإن أستاذه الفيلسوف البريطاني الكبير برتراند رسل (1872 – 1970) يصفه بعبارات دقيقة ، حيث يقول ” إن فيتجنشتاين كان الإنموذج الكامل الذي لم أعرف مثله شبيهاً على الإطلاق ، فقد كان عبقرياً في إطار التقليد الفلسفي ، وكان الأكثر إدراكاً ، ويتمتع بعاطفة وعمقاً وشدة ، إضافة إلى إن له هيمنة وسطوة واضحتين [320].

  ونتطلع هنا أولاً التأمل في مجموع مخطوطات لودفيغ فيتجنشتاين والتي تركها محفوظة في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج . ومن ثم نركز بحثنا على ثلاثيته الفلسفية ، والتي تكونت من تركتاتوس ، بوكر فيتجنشتاين ، وأبحاث فلسفية . والحقيقة تكون مجموع مخطوطات فيتجنشتاين (كلية الثالوث – جامعة كيمبريدج) من عدد كبير من المخطوطات . إلا إننا لاحظنا بأنه ترك عملاً مبكراً وحمل عنوان كتاب أو كتب ملاحظات وكتبه قبل رائعته تركتاتوس . وفعلاً فقد بدأ كتابة ملاحظته فيه منذ سنة 1914 أي قبل تركتاتوس على الأقل بسبع سنوات وكان عمره يوم بدأ الكتابة في حدود الخامسة والعشرين ربيعاً .   

أولاً – لاحظنا إن لودفيغ فيتجنشتاين كتب قبل رائعته تركتاتوس ، كتاباً أودع فيه الكثير من الملاحظات وأطلق عليه فيتجنشتاين كتاب الملاحظات ، وهو في الحقيقة سجل بالغ الأهمية في الكشف عن المؤثرات الأولى ومنها الرئيسة على حياته الفكرية المبكرة . وبالطبع فيها الكثير من المعلومات خصوصاً عن مسار تطوره الفكري خلال الفترة الممتدة ما بين 1914 – 1916 وتألف من تسعين صفحة [321].

ثانياً – مخطوطة باللغة الألمانية وجاءت بالعربية (أي بترجمتنا إلى العربية) بعنوان مقالة وفي أصلها اللاتيني الذي إقترحه الفيلسوف البريطاني جورج أدورد مور وهو الأستاذ الممتحن لأطروحة الدكتوراه التي تقدم بها فيتجنشتاين تركتاتوس لوجيكيو – فيلوسوفيكوس أي بالعربية رسالة منطقية فلسفية [322]. وفعلاً فقد أشارت المصادر التي تحدثت عن مؤلفات فيتجنشتاين إلى عنوانها اللاتيني . إلا إنها لم تشير إلى الحقيقة الكاملة وراء قصة ترجمتها من الألمانية إلى الإنكليزية . والمصادر وربما إن فيتجنشتاين أساسها ، وهو العارف بالمترجم الرئيسي لها ، وهو التلميذ الأنكليزي الفذ (والذي كان مراهقاً بعمر السادسة عشرة أو في العتبات الأولى من السابعة عشرة) وهو عالم الرياضيات فرانك رامزي . صحيح إن عالم اللنكوستيك البريطاني تشارلز غي أوغدن هو الذي كلف رامزي بالتحضير لترجمتها كما وساعد في الترجمة وكل هذا مقبول . إلا إن من غير المقبول أن يتحول تشارلز أوغدن مترجماً إلى تركتاتوس ويُغيب إسم الفتى اليافع رامزي هذا ظلم ما بعده ظلم . والواقع إن رامزي مات مرتين ؛ الأولى مات شاباً بسبب المرض الذي إختطفه منا وهو في عقده الثالث . والثانية تم تغيب إسمه من الترجمة الإنكليزية التي إنجزها بجهده الإستثنائي (سنة 1922) وهو يتنقل بين لندن وفينا ليلتقي ويتحادث مع الفيلسوف فيتجنشتاين في كل التفاصيل التي تتعلق برائعة تركتاتوس . إلا إن حق الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق فرانك رامزي لم يضيع على الإطلاق ما دام هناك قلم موضوعي في هذا العالم الفاني يبحث ويُنقب عن الحق والحقيقية وديدنه الوحيد هو رد الحق إلى أهله وحسب [323].

ثالثاً – الإصطناع والتلفيق في حقيقة كتاب بوكر فيتجنشتاين : مناظرة بين فيتجنشتيان وكارل بوبر . حيث لا تتوافر على الإطلاق مخطوطة ألمانية ولا ترجمة إنكليزية لها . وإنما بالمقابل تتوافر حقائق وهي إن دعوة وجهت إلى الفيلسوف (والأدق المنظر السياسي) النمساوي – البريطاني الشاب كارل بوبر لألقاء محاضرة . والحقيقة الثانية هو إن رئيس الجلسة كان الفيلسوف النمساوي – البريطاني لودفيغ فيتجنشتاين . والحقيقة الثالثة هو إن رئيس الجلسة الفيلسوف فيتجنشتاين كان يحمل أوراق بوكر في يديه . هذا كل ما في الأمر وربما حدثت أطراف حديث أو مناظرة حول مواقف فلسفية مختلفة وكان الشاهد الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ومات فيتجنشتاين ولم نسمع شيئاً حول هذا المناظرة . ومات رسل ولم نسمع عن هذه الرواية الإسطورة التي يُعد مصدرها اليتيم الوحيد هو الفيلسوف كارل بوبر . ومن ثم نشر كارل بوبرميمواره الذي أثار الزوبعة العاصفة التي واجهها مُحبي فيتجنشتاين بالغضب والإعتراض والإحتجاج على كارل بوبر ومن وقف مع روايته ونشرها دون تدقيق ومناقشة مع طلاب فيتجنشتاين وفلاسفة حضروا تلك الجلسة التي قدم فيها كارل بوبر محاضرته وكان فيها فيتجنشتاين رئيس الجلسة [324].

رابعاً – المخطوطة الألمانية التي جاءت بالترجمة العربية بعنوان أبحاث فلسفية . والحقيقة هي مجموعة مخطوطات والتي أعدها للنشر بالألمانية وقدم المجلد الأول للمطبعة وتردد وسحبها سنة 1946 ومن ثم قبل موته قدم توجيهات لكل من إليزابيث إنسكومب وريش رايس وهما اللذان كلفهما قانونياً بالإشراف على نشر تراثه الفكري [325]. ومن ثم في عام 1953 وبعد سنتين من وفاته صدرت الطبعة الألمانية . ومن ثم صدرت الترجمة الإنكليزية والتي حملت إسم إليزابيث إنسكومب [326].

خامساً – المخطوطة الألمانية التي جاء بالعربية بعنوان مختارات فيتجنشتاين في فلسفة المنطق والرياضيات ، وهي أعمال كتبها خلال الفترة الممتدة ما بين 1937 – 1944 (1956)[327].

سادساً – ملاحظات حول علم المنطق [328].

سابعاً – ملاحظات حول أسس الرياضيات (1978)[329].

  وهذا الكتاب نهض على مجموعة ملاحظات تركها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وهي حقيقة ملاحظات حول فلسفة الرياضيات . وقامت بترجمتها من اللغة الألمانية إلى الإنكليزية الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إليزابيث إنسكومب وبالإشتراك مع الفيلسوف الفيتجنشتايني جورج هنريخ فون رايت والفيلسوف الفيتجنشتايني ريش ريس . ومن ثم طُبع عام 1956 أي بعد وفاة فيتجنشتاين بخمس سنوات تقريباً . وتم إنتاج النص بالإعتماد على نصوص من مصادر متنوعة وبطريقة الإختيار والإنتخاب . ولاحظنا إن فيتجنشتاين كتب هذه الملاحظات خلال السنوات ما بين 1937 – 1944 . وإن القليل القليل من النصوص وجدت في كتاب أبحاث فلسفية وهي بالطبع نصوص كُتبت في فترة زمنية متأخرة . ولما ظهر الكتاب وتم تداوله فلم يتلقى ترحيباً إيجابياً ، بل كُتبت عنه العديد من المراجعات السلبية [330] والتي جاءت أغلبها من أعمال علماء المنطق والرياضيات من أمثال الفيلسوف وبروفسور المنطق مايكل دوميت (1925 – 2011) [331]، عالم الرياضيات البريطاني – السويسري بول بيرنيز (1888 – 1977) [332]، وعالم المنطق الرياضي النمساوي – البريطاني جورج كرايسل [333](1923 – 2015) [334]

  أما الدكتور فيكتور روديج وبالتحديد في بحثه الموسوعي الرائد والذي حمل عنوان فلسفة الرياضيات عند فيتجنشتاين ، فقد زعم بعد جولة واسعة وتفصيلية فيه ، إلى إن كتاب فيتجنشتاين ملاحظات حول أسس الرياضيات ، يُقرأ اليوم على الأغلب من قبل فلاسفة متعاطفين مع فيتجنشتاين ، وهم على الأغلب ميالون إلى تبني موقف إيجابي [335]. والحقيقة إن فلسفة فيتجنشتاين في الرياضيات ، كما يرى كاتب سيرته راي مونك بأنها بلا شك هي من أغلب الأطراف المنسية والتي لم تلق إهتماماً من بين أعماله الفلسفية . مع العلم إن نصف كتابات فيتجنشتاين ، وبالتحديد منذ عام 1929 وخلال 1944 قد كرسها في مضمار الرياضيات . ولاحظنا فعلاً إن فيتجنشتاين قد أكد بقلمه في عام 1944 ، فقال ” إن مساهمته الرئيسة كانت في فلسفة الرياضيات [336].

   وحدث جدل حول فقرة من رائعة فيتجنشتاين ملاحظات حول أسس الرياضيات أو بالطبع حول فلسفة الرياضيات عند فيتجنشتاين وتحزب النقاد في أطراف من المعارضة لفيتجنشتاين ووقف أخرون في مواقف المؤيدين . ونحسب إن أحكام الطرفين حملت على تكوين إجماع أكاديمي فيه تقويم للطرفين وإنتصار إلى فلسفة فيتجنشتاين في الرياضيات ، والتي قدمت على حد رواية بعض الأكاديميين الغربيين عرضاً مبسطاً ، ومن ثم صاحبته مثابرات قدمت أمثلة بسيطة عليها . مما كان الحاصل تداول شروح وآراء لفها الشك . في حين إن النص قدم تحليلات ممتدة لمفهوم البرهان الرياضي ، وكشوف للمعارضات الفيتجنشتاينية للإعتبارات الفلسفية التي قدمت مشكلات كاذبة في ميدان الرياضيات . وفي الملاحظات تبنى فيتجنشتاين إتجاهاً شكياً فيه معارضة للكثير من تدخل الأرثذوكسية في فلسفة الرياضيات . وخصوصاً في ملاحظات فيتجنشتاين المُثيرة للجدل التي دارت حول مبرهنات عالم الرياضيات النمساوي – الأمريكي كورت غودل (1906 – 1978)[337] ، والتي يُطلق عليها بعض نُقاد فيتجنشتاين ” الفقرة سيئة الصيت ” والتي ضمت شرحاً غريباً لمبرهنات غودل في عدم الإكتمال[338] . وهي في الحقيقة مبرهنات في المنطق الرياضي .

  ويبدو إن عدداً من الشراح قد قرأوا فيتجنشتاين ، ورأوا ” إن فيتجنشتاين قد أساء فهم غودل ” . ومن ثم جاء عام 2000 وتدخل عالم الكومبيوتر والرياضيات والفيلسوف الأمريكي هيلري وايتهيل بنتام (1926 – 2016) في الجدل حول قضية فيتجنشتاين غودل وإقترح ” إن غالبية الشراح أساءوا فهم فيتجنشتاين [339]. وإستدرك هيلري بنتام وقال ” إلا إن تفسير فيتجنشتاين لم تحصل له موافقة وقبول[340]

  ومن الملاحظ من طرف فيتجنشتاين (الذي يكبر غودل بحدود سبعة عشرة سنة) إنه لم يذكر على الإطلاق إسم كورت غودل على إنه كان واحداً من أعضاء حلقة فينا وبالتحديد في الفترة التي كان فيتجنشتاين يتحدث في مناخات حلقة فينا عن لغة الفلسفة المثالية ، كما وهي الفترة التي شهدت هيمنة رائعة فيتجنشتاين تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس (رسالة منطقية – فلسفية) على تفكير أعضاء حلقة فينا . وفي الوقت ذاته إن كتابات غودل في أرشيفاته ومراسلاته المخطوطة قد إحتوت على مشاعر من النفور والكراهية إلى فيتجنشتاين . كما وضمت إشارات تُدلل على الإعتقاد بأن فيتجنشتاين أساء بقصد على قراءة المبرهنات (أي مبرهنات كورت غودل) [341]. وبعض الشراح من أمثال فيلسوفة العلم الأمريكي المعاصرة ربيكا غولدستين (1950 – ) تفترض بأن كورت غودل طور مبرهناته المنطقية بطريقة مُغايرة  لطريقة فيتجنشتاين [342].    

ثامناً – ملاحظات حول فلسفة علم النفس (مجلدان 1980) [343].

تاسعاً – الكتب الزرقاء والكتب البُنية (1958) [344]. ولاحظنا إنها ظهرت بعنوان فيه زيادة تحمل دلالة واضحة على إن هناك إختلاف بين النشرتين . والعنوان الجديد الكتاب الأزرق والبُني : دراسات أولية لأبحاث فلسفية . والشاهد على الإختلاف إن إسم بيتر دوشرتي ظهر على الغلاف بجنب لودفيغ فيتجنشتاين [345]. وهذه مسألة تُثير التساؤل والإستفهام من الزاوية الأكاديمية حيث نعرف والجميع يعرف إن فيتجنشتاين هو الكاتب الحقيقي للكتب الزرقاء والكتب البنية . وإذا كتب بيتر دوشرتي مقدمة طويلة حلل فيها أفكار فيتجنشتاين وبين علاقتها برائعته أبحاث فلسفية ، فإننا نحسب هذا حق له وكان من الشروط الأكاديمية في البحث أن لايكون مؤلفاً وإنما يقول مثلاً ” إشراف وتقديم بيتر دوشرتي” وهذا حق له وحق لفيتجنشتاين وحق للقارئ الذي سيضيع في معرفة ماذا حدث ؟ وكيف أصبح بيتر دوشرتي بجرة قلم سهلة مؤلفاً مُشاركاً لفيتجنشتاين في تأليف الكتب الزرقاء والكتب البُنية ؟ أننا أكاديميون كما قال نيتشه ! ونحن شهود على هذه الفبركة البغيضة التي لا نقبلها على الإطلاق . وإذا مات فيتجنشتاين بغدر مرض السرطان ، فإننا نقاوم ضياع حقه مؤلفاً ومؤلفاً وحيداً للكتب الزرقاء والبنية ، ولهذا نرفض مشاركة بيتر دوشرتي في التأليف على الإطلاق . وبالرغم من إننا نعرف باليقين إن بيتر دوشرتي أحب فيتجنشتاين وتراثه الفلسفي . إلا إن خطيئته التي لا تُغتفر إنه تلاعب بحقوق التأليف وفبرك رواية التأليف ونحن شهود أكاديميون على ما فعل . كما ونعرف إن أولاد وبنات الفيلسوفة الفيجنشتاينية إيلزابيث إنسكومب ، السبعة (ثلاثة أولاد وأربعة بنات) لازالوا أحياء وهم الورثة على تراثها . وبالطبع إن جزء كبير منه كان تحت إشرافها وبتوكيل قانوني من قبل فيتجنشتاين . ومن خلال إيلزابيث إنسكومب إنتقل التوكيل القانوني إلى إبنتها ماري كيج (وهي كذلك بنت الفيلسوف الفيتجنشتايني وعالم المنطق بيتر كيج) وزميلها الأكاديمي لوك كورملي . فهم اليوم مطالبون بتصحيح رواية التلفيق وإعادة توزيع الحقوق بصورة قانونية وخصوصاً في النشرات القادمة للكتب الزرقاء والبُنية والتي هي من تأليف فيتجنشتاين وحده ووحده فقط . أما بيتر دوشرتي فإن من حقه تماماً أن يشير على الغلاف وبصور واضحة وبالصيغة الأتية ” إشراف وتحرير وتقديم بيتر دوشرتي ” . والسلام على الجميع .

  إن أهمية الكتب الزرقاء والبُنية (وبالتخصيص الكتب البُنية بالتحديد) هو المدخل الواسع والتفصيلي الذي كتبه بيتر دوشرتي ، والذي بين فيه للأكاديمي والقارئ على حد سواء ، هو إن رائعة فيتجنشتاين التي حملت عنوان أبحاث فلسفية ، إنها في الحقيقة ” عمل لم ينتهي ، وإنه من أهم الأعمال الفلسفية وأكثرها تأثيراً في الوقت الحاضر ” .    

عاشراً – المخطوطة الألمانية والتي جاءت بعنوان ملاحظات فلسفية (1964) [346]. ومن ثم لاحظنا إنها صدرت باللغة الأنكليزية في عام 1975 [347]. ويبدو إنه وراء تأليف ملاحظات فلسفية رواية تاريخية تذهب إلى إن فيتجنشتاين عندما عاد إلى جامعة كيمبريدج سنة 1929 ، كثف عمله وكتب الكثير وذلك بتأثير أصدقائه من الإنكليز . إلا إن هذه الرواية لم تُفصح بصراحة أسباب عودته إلى الفلسفة في هذه الفترة . إلا إن الشاهد القوي على هذه العودة هو كتابه الذي حمل عنوان ملاحظات فلسفية والذي كتبه عام 1930 . ومن الثابت إن هذه العودة إلى الفلسفة ، هي التي حملت فيتجنشتاين للتقاطع وبصورة ملفتة للنظر ، مع أفكاره المبكرة التي أودعها في رائعته تركتاتوس . وهناك من يُرجح إلى إن هذا الإختلاف مع أفكاره المبكرة في تركتاتوس سببه قلق دائم وشعور بعدم الإرتياح من هذه الأفكار المبكرة . وهناك من يعتقد إلى إن عدم الإرتياح الذي إختبره وكابده فيتجنشتاين نزلت أثاره عليه من مصادر ثلاثة وهي كل من الفيلسوف وعالم الفيزياء الألماني مورتيز شيلك (1882 – 1936) [348]، والفيلسوف وعالم الفيزياء النمساوي فردريك ويزمان (1896 – 1959)[349] والفيلسوف وعالم الرياضيات الهولندي لويتسن بروير (1881 – 1966) [350]. وخصوصاً المحاضرة التي قدمها بروير في فينا سنة 1928 والتي حملت عنوان الرياضيات والعلوم واللغة [351]. وهي التي أثارت إهتمام فيتجنشتاين بمضمار الفلسفة مرة ثانية كما وهي التي حملته على إجراء مناقشات واسعة ومكثفة للمشكلات الرياضية في كتاب ملاحظات فلسفية . كما وكانت محاضرة بروير مصدر فيتجنشتاين للمناقشة التي كونت نصف كتاب تركتاتوس لوجكيو – فيلوسوفكيوس كما هو واضح لكل قارئ إطلع على هذا الكتاب [352].

  ولاحظنا إنه في كتاب ملاحظات فلسفية إن عمل فيتجنشتاين كان دراسة فيها نوع من التغاير مع نظرية الصورة للمعنى التي أنجزها برتراند رسل في مضمار نظرية المعنى . ووصف فيتجنشتاين الإختلاف بأن رسل إعترف بإن الواقعة المعطاة هي التي تعمل الفكر صادقاً ، وهو في الحقيقة شئ يتجاوز ويتخطى الفكر والواقعة . بينما في تركتاتوس فهو علاقة بين الفكر الذي يُطابق الواقعة وفي علاقة داخلية [353].  ولاحظنا إن ماثيو ماريون (قسم الفلسفة – جامعة كيبيك / كندا) وبالتحديد في بحثه الذي حمل عنوان فيتجنشتاين وبروير قد ذهب مذهباً مُخالفاً ، حيث رأى إلى إن العلاقة الفلسفية بينهما (أي بين فيتجنشتاين وبروير) أخذت إتجاهاً فيه نوع من التقاطع مع محاضرة بروير في 10 أذار سنة 1928 . ومن المُناسب إن نُشير إلى إن  فيتجنشتاين لم يُنجز حينها عملاً فلسفياً جدياً منذ سنين (وبالطبع الدكتور محمد جلوب الفرحان يُخالف رأي ماثيو ماريون ويذكره برائعة فيتجنشتاين التي نشرها قبل تركتاتوس ومن ثم كونت فيما بعد مقدمة لها وكانت بعنوان ملاحظات حول علم المنطق[354]) . وإذا إفترضنا إن شخص ما حاول فهم هذا الأثر الذي تركته محاضرة بروير ، فإنه بالتأكيد يكون من الأفضل مقارنة محتواه مع الملاحظات على منطقيات ورياضيات تركتاتوس . ومن ثم إنتهى ماثيو ماريون إلى القول بأن موقف فيتجنشتاين في تركتاتوس فيه الكثير من الكشوف التي تُدلل على التقارب (وبدرجات من التكامل) مع موقف بروير . كما وفيها بالطبع نقاط من الإختلاف ، والتي تُمثل الأطراف الأساسية من النقد الذي قدمه فيتجنشتاين إلى النزعة الحدسية عند بروير . إضافة إلى إن هناك موضوعات تدعو إلى التبصر ومن ثم المقارنة بين الأثنين ، ومن مثل دور الحدس في الرياضيات ، القواعد التي إتبعها الإثنان ، تسلسل الإختيار ، وقانون الثالث المرفوع ، وسلطة الحساب على علم المنطق [355].   

  ويبدو لنا إنه بصحبة كتاب ملاحظات فلسفية كانت هناك فصيلة من الإبحاث والتي ألفت فيما بعد عمل فيتجنشتاين الذي حمل عنوان النحو الفلسفي والذي ظهر باللغة الأنكليزية بترجمة إنثوني كيني [356]. ولاحظنا إن فيتجنشتاين ألف كتاب النحو الفلسفي خلال السنوات ما بين 1931 – 1934 . وهي الفترة التي سبقت قليلاً الفترة التي خصصها إلى إنجاز كتابه المعروف بالكتاب الإزرق . وكتاب النحو الفلسفي قريب جداً في بعض أطرافه من رائعته التي حملت عنوان أبحاث فلسفية كما إنه قريب كذلك من كتابه ملاحظات فلسفية وربما قريب من كتب آخرى . والحقيقة إن كتاب النحو الفلسفي هو بحد ذاته عمل مستقل وعالج موضوعات جديدة . وهو بالطبع مملوء بمعالجة فيتجنشتاين لعلم المنطق والرياضيات وعلاقتهما بفهمه للقضية (البربوزشن) والعلامة والنظام . كما وفيه مناقشة للإستنتاج .. ونقده وتقويمه لوجهات نظر جوتلوب فريجة وبرتراند رسل وكذلك نقده لوجهات نظره المبكرة (أي وجهات نظر فيتجنشتاين المبكرة) . كما درس فيه البرهان الرياضي وبصورة خاصة البراهين الإستقرائية والبراهين التي تُعرف ببراهين الإعادة أو التكرار (بالإنكليزية ريكرسيف) . وكانت دراسته لهذا النوع من البراهين في هذا الكتاب بصورة عميقة وتميزت بالكثير من التفاصيل مما درسه سابقاً [357]

إحدى عشر – ملاحظات حول اللون (أو ملاحظات حول نظرية غوتة في الألوان) [358].

إثنتا عشر – حول اليقينية [359].

ثلاثة عشر – محاضرات ومحادثات حول الجمال ، علم النفس والعقيدة الدينية [360].

أربعة عشر – لودفيغ فيتجنشتاين وحلقة فينا : أحاديث [361].

خمسة عشر – رسائل من فيتجنشتاين (مع ميموار) وتألف من سبع وخمسين صفحة [362].

ستة عشر – محاضرات فيتجنشتاين حول أسس الرياضيات : كيمبريدج سنة 1939[363] .  

سبعة عشر – الثقافة والقيمة . وهو في الأصل مجموعة ملاحظات شخصية ، كتبها فيتجنشتاين حول قضايا ثقافية مختلفة ، ومنها ما يخص القضايا الدينية والموسيقية . كما وفيها نقد لفلسفة الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد (1813 – 1855) [364].

ثمانية عشر – مُحادثات مع فيتجنشتاين وتألفت من ثمانية وسبعين صفحة . وقام بها الطبيب النفسي (السايكايتري) والفيلسوف الفيتجنشتاينني موريس أوكونور دروري [365].

تسعة عشر – مناسبات فلسفية 1912 – 1951 [366].

عشرون – رسائل كيمبريدج وهي مجموعة مراسلات مع رسل ، كينز ، مور ، رامزي وسيرفا [367].

إحدى وعشرون – حركات الفكر : مذكرات (1930 – 1932 و 1936 – 1937)[368] .

إثنتا وعشرون – لودفيغ فيتجنشتاين وفردريك ويزمان ، أصوات فيتجنشتاين ، حلقة فينا [369].

12

الملحمة الكاملة لرائعة فيتجنشتاين : تركتاتوس

رسالة منطقية فلسفية

  وصل فيتجنشتاين بعد مشوار من البحث المُكثف إلى الشعور بأنه لا يتوافر له جواب شاف على أسئلته الفلسفية الأساسية بالرغم من كونه مُحاط بالعديد من الفلاسفة الأكاديميين الكبار . ولهذا قرر في عام 1913 الإنسحاب والعودة إلى قرية سكولدن في النرويج وإختار حياة الإعتزال والتفرغ للبحث الفلسفي فيها ، وكان يومها قد أجر الطابق الثاني من بيت معروض للسكن ، وصرف فصل الشتاء هناك . وفيما بعد رأى إن العيش في هذا البيت هو فرصة بالغة الأهمية في حياته الفكرية ، بل وكانت فترة من أكثر الفترات إنتاجاً في حياته . وبالطبع كتب في هذا البيت عمله الذي حمل عنوان ملاحظات حول المنطق والذي كون مقدمة لرائعته التي حملت عنواناً لاتينياً وهو تركتاتوس[370] وبالعربية يعني الرسالة (أو مقالة) . 

   ومن ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وشغلته فترة من الزمن وعطلت همته من أكمال هذه الرائعة المنطقية – الفلسفية . وفعلاً فقد صرف في الحرب ردحاً من الوقت حيث إنخرط  فيها متطوعاً ، وتلتها فترة إنصرف خلالها في القتال في جبهات متنوعة مثل جبهة الحدود الروسية والجبهة الإيطالية وكان حصاده الحصول على العديد من ميداليات الشجاعة ، ومن ثم أعقبتها فترة الأسر والسجن في معسكرات أسرى الحرب . وهذه قصة تحتاج إلى بحث خاص لتناولها وإن كان للأحداث التي عاشها الكثير الكثير من الأثار العميقة على شخصية الفيلسوف فيتجنشتاين والتي لم تتمكن الأيام من دمل جروحها النازفة وعلى الخصوص جروحها النفسية التي ظلت تنزف على الدوام . ولعل الطرف المهم من هذه القصة هو إن فيتجنشتاين قد حصل في صيف عام 1918 على إجازة وذهب للعيش مع عائلته في فينا . والحقيقة إن فيتجنشتاين عاش مع عائلته في واحد من بيوت أل فيتجنشتاين الصيفية في منطقة نيوليدك . ووصل إلى هناك في آب (أوغسطس) سنة 1918 . وإنكب على كتابة رائعته التي حملت عنوان تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس أو رسالة منطقية – فلسفية . ومن ثم أكملها هناك وهذا الكتاب هو الوحيد الني نشره فيتجنشتاين في حياته (إضافة إلى قاموس صغير للإطفال)[371] .

  ولاحظنا إن هدف كتاب تركتاتوس المُعلن كان وراء إشكال ميثديولوجي لازم هذه الرائعة ومنذ أن نشرها فيتجنشتاين بالألمانية أولاً ومن ثم إن هذا الإشكال إنتقل مع ترجمتها إلى الإنكليزية ثانياً . ولعل السبب وراء هذا الإشكال المنهجي ، هو إن الفيلسوف الشاب فيتجنشتاين يومها ، أي في الفترة المبكرة من تأليف الكتاب ، قد صاغ له هدف واسع وعريض بحيث لا يتناغم هارمونياً وإمكانية وطبيعة وحدود المعرفة العلمية أو لنقل المعرفة الإنسانية . ومن المعلوم لدينا إن فيتجنشاين إختلف مع أعضاء حلقة فينا حول حدود المعرفة العلمية وتطلع إلى أن يكون صاحب رؤيا تقترب من رؤيا الأنبياء والعرافين كما بين رودلف كرناب وهذا أمر مُجير على فيتجنشتاين [372]. وذلك لإن فيتجنشتاين تطلع فيه إلى معرفة وإستكشاف العلاقة بين اللغة والحقيقة وذلك لبيان حدود وإمكانيات العلم . وهنا نحسب من الضروري أن نشير إلى إن فيلسوف اللغة البريطاني جورج أدورد مور (1873 – 1958) والذي كان بمقام أستاذ فيتجنشتاين (حيث كان واحد من الممتحنين لأطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه ) هو الذي إقترح أصلاً عنواناً لاتينياً وهو تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس وقد إستلهمه الفيلسوف مور من رائعة الفيلسوف باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) والذي حمل عنوان تركتاتوس ثيولوجيكو – بولتيكيوس  [373].

   كما ورأينا إن تاريخ إهتمام فيتجنشتاين بتأليف كتابه تركتاتوس يصعد إلى الفترة التي كتب فيها ملاحظاته الأولى حول تركتاتوس . ويومها كان فيتجنشتاين جندياً في قوات الجيش النمساوي والتي كانت تخوض معارك عنيفة في الحرب العالمية الأولى .  وبعد الإنتهاء من كتابته سلمها فيتجنشتاين إلى دار نشر يهودا وسيكل وكانت يومها تحمل عنواناً مُختلفاً وطويلاً إلى حد ما وجاء بالصيغة الآتية : ” القضية ، الجملة ، العبارة ، المجموعة [374].

  وبعد فترة أبلغت دار نشر ” يهودا وسيكل ” فيتجنشتاين ، وبالتحديد في 25 إكتوبر بقرارهما الذي ينص ” على عدم حصول موافقة خبراء دار نشر يهودا وسيكل على نشر كتاب تركتاتوس ” . وكانت النتيجة الخيبة من ثم عودة فيتجنشتاين إلى الجيش في الحامية الإيطالية . وتلاها خيبة أعمق وهي هزيمة الجيش النمساوي والتي كان من نتائجها السلبية إعتقال فيتجنشتاين من قبل قوات التحالف وأخذه أسير حرب فصرف ثمانية أشهر في معسكر إعتقال أسرى الحرب . وبعد إطلاق سراحه من الأسر تنقل في العمل في وظائف متنوعة . وفي ظل هذه الأجواء النفسية الصعبة إتخذ قراراً بتوزيع كل ممتلكاته التي ورثها من والده . وفعلاً فقد قام في البداية بتوزيع بعض المساعدات المالية على عدد من الأفراد المجهولين . ومن ثم وزع أمولاً على الفنانيين والكتاب النمساويين من بينهم كل من الروائي والشاعر البوهيمي – النمساوي راينر ماريا ريلكه (1875 – 1926) [375]، والشاعر النمساوي (المأسوف على شبابه) جورج تراكل (1887 – 1914) [376]. ومن ثم قسم كل ماورث من أموال (وبالطبع كانت كبيرة وأرجو أن لا تنسى بأن لودفيغ فيتجنشتاين كان يومها يُعد واحد من أكبر أثرياء أوربا) على إخوته وأخواته وإستثنى منها إخته مارجريت وألح على حرمانها وعدم مشاركتها في الإشراف على إدارة ممتلكاته بعد موته . وبالرغم من إن عائلته قد لاحظت إن ولدها لودفيغ فيتجنشتاين كان مريضاً فإنها رضخت لإرادته وقبلت وصيته دون مناقشة أو تحفظ [377].

  وإختار فيتجنشتاين حياة العزلة وفضل حياة العيش في الريف النمساوي . وخلال هذه الفترة طُبع كتابه رسالة منطقيةفلسفية . ولاحظنا إن طبعته الأولى كانت بالطبع بالألمانية وكان ذلك في عام 1921 . والحقيقة إن هذه النشرة طُبعت في مجلة عالم الكيمياء الروسي – الألماني ويلهلم أوسترالد (1853 – 1932) [378]. وكان الحاصل من هذه النشرة ، هو إن فيتجنشتاين عاش حياة خيبة وكآبة والسبب هو إنه لم يكن مُبتهجاً وسعيداً بهذه النشرة . وفعلاً فقد أطلق عليها عنواناً دالاً على خيبة أمله وخصوصاً من دور النشر ، فأسماها ” طبعة القراصنة ” . ومن ثم جاءت صور من الإنفراج الموقت وذلك حين وافق الفيلسوف برتراند رسل على كتابة مدخلاً لها وذلك ليُبين فيه أهمية الكتاب . وهذا هو التبرير الوحيد المقبول على إعادة نشرها من جديد . كما وإن هذا المدخل ساهم في حل مشكلة عدم الفهم الذي يلُفها من طرف . والطرف الثاني هو إن الكاتب فيتجنشتاين إسم غير معروف في عالم الفلسفة (يومذاك) [379].

   ولم ينفع هذا الإنفراج الموقت والذي تمثل بقبول برتراند رسل بكتابة مدخل لرائعته تركتاتوس ، بل تحول هذا المدخل إلى كابوس يُلاحق فيتجنشاين ليل نهار . والذي حدث هو إن الفيلسوف الأستاذ برتراند رسل قال في المدخل الذي كتبه لهذه النشرة ما لا يُرضي تلميذه لودفيغ فيتجنشتاين ، فكان الحاصل من ذلك رد نقدي متوتر وغاضب من التلميذ فيتجنشتاين على الأستاذ رسل . والسبب إن فيتجنشتاين لم يكن سعيداً من المساعدة التي قدمها برتراند رسل في كتابة المدخل إلى رائعة تركتاتوس . ومن ثم أخذت تتصاعد درجات غضب فيتجنشتاين حتى وصلت إلى حد ” إنه فقد إيمانه بالفيلسوف رسل ، ووجد إنه كان سطحياً ، وإن فلسفته ميكانيكية . وإنه أصلاً لم يفهم كتاب رسالة منطقية فلسفية [380].

   وتلت رواية النشرة الألمانية لكتاب تركتاتوس ، سيناريو النشرة الإنكليزية لرائعة فيتجنشتاين والتي حملت عنوان تركتاتوس أو رسالة منطقية فلسفية . وفعلاً فقد قام بالتحضير لها كل من الفيلسوف وعالم الرياضيات الإنكليزي فرانك رامزي (1903 – 1930) والذي كان يومها ” يافعاً في عمر السادسة عشرة أو السابعة عشرة ” [381]والتي جاءت في الأصل بتكليف من قبل الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا الإنكليزي تشارلز غي أوغدن (1889 – 1957) [382]والذي ساعد بدوره في الترجمة لكتاب تركتاتوس وبالطبع إن الترجمة كانت من الألمانية إلى الإنكليزية . والحقيقة إن العنوان تركتاتوس أي العنوان اللاتيني كان عنواناً فيه إشتراك كما قلنا مع عنوان الفيلسوف إسبينوزا الأصلي تركتاتوس ثيولوجيكا بوليتوكس باللاتينية وبالعربية رسالة لاهوتية سياسية [383].

  وفي البداية واجهت نشرة النسخة الإنكليزية لكتاب رسالة منطقية فلسفية ، صعوبات في إيجاد الناشر المناسب وذلك بسبب إلحاح فيتجنشتاين على نشر الكتاب دون المدخل الذي كتبه برتراند رسل بسبب إن المدخل إلى النشرة الألمانية الذي كتبه رسل لم يُرضي تطلعات فيتجنشتاين . ولهذا السبب لاحظنا مثلاً إن مطبعة جامعة كيمبريدج قد إعتذرت من نشره . وأخيراً وبالتحديد في عام 1922 تم الوصول إلى إتفاق مع فيتجنشتاين ودار نشر بول كاغان وبشرط أن تقوم دار بول كاغان بنشره بطبعة ثنائية (ألمانية – إنكليزية) ومع المدخل الذي كتبه برتراند رسل والترجمة الإنكليزية التي قام بها رامزي أوغدن [384].

  وبعد هذا الإتفاق أيد فيتجنشتاين هذه الترجمة بالرغم من إن هناك إشكالاً لازال يلفها ومن زوايا عديدة منها إن إنكليزية فيتجنشتاين ” كانت فقيرة يومذاك ” . وإن المترجم رامزي كان شاباً صغيراً (في عمر المراهقة) وكان قد تعلم الألمانية حديثاً . ولهذه الأسباب فإنه بعد نشرها ظل الفلاسفة والأكاديميون منهم على وجه الخصوص يُفضلون عليها لاحقاً وكذلك ينصحون طلابهم على تداول ترجمة سنة 1961 والتي أنجزها كل من ديفيد بيرز (1921 – 2009) [385]وبراين ماكغيوننيس (1927 – ) [386] والتي جاءت بعد ترجمة رامزي – أوغدن بتسع وثلاثين سنة . كما إن رامزي وهو المترجم الرئيس قد مات قبل إثنتين وثلاثين سنة وإن فيتجنشتاين هو الأخر قد مرت على وفاته أكثر من عشر سنوات (وكذلك لم نسمع شيئاً حول الترجمة الجديدة وبالتخصيص من قبل إيليزابيث إنسكومب وريش رايس وهم وكلاء فيتجنشاين الشرعيون على نشر تراثه) . ونحسب إن هذا الصمت لم يشتغل لفترة من الزمن لصالح نشرة رامزي – أوغدن كما وفيها نوعاً من التبرير والقبول لترجمة ديفيد بيرز وبراين ماكغيوننيس .

   إلا إننا لاحظنا إن هناك عدداً من الأكاديميين الغربيين لم يقتنعوا بالمبرر الذي حمل كل من ديفيد بيرز وبراين ماكغيوننيس على إعادة ترجمة رسالة منطقية – فلسفية من جديد . ولعل الشاهد على ذلك البحث الذي كتبه جون نيلسون والذي جاء بعنوان ” هل إن ترجمة ماكغيوننيس وبيرز لتركتاتوس فيتجنشتاين (أي رسالة منطقية – فلسفية) هي حقيقة كانت الأعلى من ترجمة أوغدن ورامزي ؟ [387]. وللقارئ العربي نبين الحقائق التي لفت نشر وترجمة رائعة فيتجنشتاين التي حملت عنوان رسالة منطقية – فلسفية :

1 – نشرها لودفيغ فيتجنشتاين أولاً بالألمانية سنة 1921 .

2 – ظهرت نشرة ترجمة رامزي – أوغدن سنة 1922 .

3 – بعد تسع وثلاثين سنة ظهرت نشرة ترجمة بيرز وماكغيوننيس سنة 1961 .

4 – ومن ثم بعد ثمانية وثمانين سنة أعادت جامعة ماسشيوست نشر النصوص الثالثة جنباً إلى جنب في 4 سبتمبر سنة 2010 . وهي مثابرة أكاديمية علمية عادلة توزعت فيها الحقوق للجميع وفيها بالطبع إنتصار وإنصاف إلى الترجمة الأنكليزية الأولى والتي قام بها بصورة رئيسية (مُتفردة) الفيلسوف الشاب فرانك رامزي .

  إن هدف تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) هو الكشف عن العلاقة بين اللغة والعالم . و” ماذا يمكن القول حول هذه العلاقة ؟ ” ، ” وماذا في الإمكان أن نكشف ونبين ؟ ” . وجادل فيتجينشتاين وذهب إلى ” إن اللغة تتألف من تراكيب منطقية ” . و” هذه التراكيب هي الحدود التي تُساعدنا على تحديد المعنى ” . ولهذا فإن ” حدود اللغة ” حسب رؤية فيتجنشتاين ، هي ” حدود الفلسفة ” . ولاحظ فيتجنشتاين ” إن الكثير من محاولات الفلسفة هي مجرد مثابرات تهدف إلى حملنا على قول ما لايمكن قوله ” . والسؤال الأساس من منظور فيتجنشتاين ؛ ” ماذا نستطيع أن نقول ؟ (بالطبع الجواب) هو ما نقوله بصورة واضحة ” . ويُجادل فيتجنشتاين ويذهب إلى إن كل شئ بعد ذلك ، هو تحديد ما له علاقة ” بالدين ، الأخلاق ، علم الجمال ، التصوف ، وهي بالطبع مجالات ليس في الإمكان مُناقشتها ” . وهي حقول بحد ذاتها ” فارغة من المعنى ” أو كما قال فيتجنشتاين صراحة : إنها ” هراء .. هراء ” أو ” مجرد كلام الحمقى ” . وإن ” كل قضية تدور حول هذه الحقول يجب أن تكون هكذا[388].

  والحقيقة إن قارئ كتاب فيتجنشتاين يلحظ بوضوح إن فيتجنشتاين تحدث في مقدمة كتاب تركتاتوس عن مهمة كتابه وذهب إلى إن هذا الكتاب يرسم بصراحة ” حدوداً للتفكير ” أو  كما عقب صراحة وقال إن من الأفضل هو ” أن لا تُفكر ” . وبدلاً من ذلك فإن الطريق المفتوح أمامنا ، هو ” التعبير عن الأفكار ” . وإن رسم الحدود للتفكير يستلزم أن يكون على وجهين من هذه الحدود  ؛ الأول ” هو أن نكون قادرين على التفكير ” . والثاني هو ” إن ليس لدينا قدرة على التفكير إطلاقاً[389]

  تألف كتاب رسالة منطقية – فلسفية من خمس وسبعين صفحة فقط . وفيه إعتذار أو ما يشبه الإعتذار حيث يقول فيتجنشتاين عنه ” أنا أسف بصورة فظيعة (هكذا كتب فيتجنشتاين) على ضغط الكتاب بهذه الصورة ، وإذا شأت وعصرتني مثل الليمون ، فسوف لا تحصل على شئ أكثر من ذلك ” . وفعلاً فقد أخبر فيتجنشتاين عالم اللنكوستيكا البريطاني تشارلز غي أوغدن بطريقته في تأليف كتاب تركتاتوس وعرض له سبعة قضايا (1 – 7) وهي (1 ، 1.1 ، 11 .1 .. وبالصورة التي جاءت في النص الذي كتبه فيتجنشتاين بيراعه .) [390] :

1 – العالم هو كل شئ . وهذه هي الحالة [391].

2 – ما هي الحالة ، الحقيقة ، وهي وجود الحقائق الذرية .

3 – الصورة المنطقية للحقائق ، هي الفكرة (أو الفكر) .

4 – الفكر (أو الفكرة) هي القضية (ذات الدلالة) .

5 – القضايا هي دالات الصدق ، وهي قضايا أولية .

6 – الصورة العامة لدالة الصدق هي

                                                                                        P, E, N (E)] .

7 – عندما لا نستطيع أن نتكلم ، فيجب أن نلتزم الصمت

    تداولت النشرات الإنكليزية التي إعتنت بالكتابة عن الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين هذا الفورم الإنكليزي (أي الصيغة المنطقية) للتعبير عن الدالة المنطقية (دالة الصدق) وحاولنا من طرفنا (أي الدكتور محمد الفرحان) أن نقدم رسماً تقريبياً لدالة الصدق ” . إلا إن هذه الصورة يعُوزها التطابق التام للرسم الإنكليزي لها (وإن آلة الطابعة المتوافرة لدينا لا تُساعدنا على إنجاز ذلك) . والرسم الدقيق يحتاج إلى التوضيح الآتي : وهو أن تكون الفتحة باللغة العربية  مثل ” – ” فوق كل من الحرف ” بي ” بالإنكليزية وكل من الحرف ” إي ” بالإنكليزية ، وبالطبع ستكون واحدة  من الفتحة ” – ” فوق ” إي ” مابين قوسين .

إهتمام فلاسفة الغرب برائعة فيتجنشتاين

تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية 

   تحولت تركتاتوس فيتجنشتاين إلى موضوع مناقشة طويلة وعريضة بين الفلاسفة الغربيين يومذاك (الربع الأول من القرن العشرين) . وكان الحاصل من ذلك تزايد الإهتمام برسالة منطقية – فلسفية وبالطبع تصاعدت معها درجات شيوع سمعة فيتجنشتاين في مضمار الفلسفة ومن ثم شهرته عالمياً . وبالمناسبة إن هذه المناقشات إمتدت فشملت مجموعة من الفلاسفة والعلماء عامة وعلماء الرياضيات خاصة . وهذه المجموعة كونت تجمعاً فلسفية في مدينة فينا النمساوية وعُرفت في تاريخ الفلسفة الغربية بحلقة فينا [392]. وكرست حلقة فينا حينها مناقشات خاصة لكتاب فيتجنشتاين تركتاتوس أو رسالة منطقية فلسفية . وعلى هذا الأساس تحولت هذه الرائعة إلى موضوع إلهام فلسفي ولهذا السبب إحتضنها فلاسفة حلقة فينا وتم تقديم قراءات خاصة لها في جلساتهم [393].

   ونحسب من النافع أن نشير هنا إلى الدور الذي لعبه الفيلسوف الشاب فرانك رامزي في الترويج لرائعة فيتجنشتاين ، فبالرغم من إن فرانك رامزي كان واحد من المترجمين لرائعة فيتجنشتاين تركتاتوس من الألمانية إلى الإنكليزية . إلا إن علاقته بفجتشتاين لم تقف عند ذلك ، فقد كان رامزي يتطلع إلى التأثير على فيتجنشتاين وحمله على العودة إلى جامعة كيمبريدج . ولهذا الهدف قام رامزي بزيارة فيتجنشتاين (وكان حينها في فينا) في 17 سبتمبر سنة 1923 .  ولكن الزيارة هذه المرة جاءت لأمر أخر له علاقة بكتاب تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) . وفعلاً فقد ناقش رامزي وفيتجنشتاين كتاب تركتاتوس وإتفقا على أن يقوم رامزي بكتابة مراجعة له في مجلة العقل [394].

    ومع تصاعد الإهتمام برائعة فيتجنشتاين تركتاتوس وخصوصاً بعد إهتمام حلقة فينا وتكريس قراءات عنها في إجتماعاتها ، فقد لاحظنا إنه صاحب قراءات حلقة فينا لكتاب فيتجنشتاين ، إعتقاد شعبي عام فيه تأكيد على إن فيتجنشتاين كان عضواً من أعضاء حلقة فينا . وهذا الأمر في الحقيقة لا يُعبر عن واقع الحال وهو موقف يعوزه الكثير من الصدق حيث إن فيتجنشتاين لم يكن عضواً من أعضاء حلقة فينا وإنما كان يحضر بعض نشاطاتها . كما ومن الصحيح إن كتابه تركتاتوس كان موضوع نقاشاتها وجلساتها. إلا إن هذا لايعني على الإطلاق إنه كان عضوا فيها . وإن إهتمام حلقة فينا بكتابه تركتاتوس وتركيزها عليه وتخصيص قراءات عنه ليس بدليل قاطع على إن فيتجنشتاين كان عضوا من أعضاءها العاملين . بل كل ما في الأمر إنه كان مجرد إهتمام من قبل حلقة فينا بهذه الرائعة والتي كانت بالنسبة لهم موضوع إلهام وحسب .

  ولعل الشهادة الحقيقية عن هذه القضية هو ما كتبه الفيلسوف الألماني إسوالد هانفلك (1926 – 2005) (وهو أستاذ الفلسفة في الجامعة المفتوحة في بريطانيا منذ 1970 وحتى وفاته عام 2005 [395]) والذي قال فيها بصراحة عن حقيقة عضوية فيتجنشتاين بحلقة فينا وعلاقته بها ، فأفاد : ” إن فيتجنشتاين لم يكن على الإطلاق عضواً من أعضاء الحلقة . وإن كان في فينا خلال فترة نشاطاتها  . ولكن الصحيح هو إنه كان لفيتجنشتاين تأثير على تفكير حلقة فينا ، وكان تأثيره على الأقل مثل تأثير كل عضو من أعضاءها [396]. وفعلاً فمنذ عام 1926 كانت لفيتجنشتاين مشاركات مع أعضاء حلقة فينا في المناقشات . وظهر من خلال هذه المناقشات ، دليل واضح على إن فيتجينشتاين يؤمن بإتجاهات مختلفة نحو الفلسفة من إتجاهاتهم ، وهم الذين إستلهموا عمله الذي حمل عنوان تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) . والشاهد على ذلك ، إنه خلال إجتماعات حلقة فينا ، فإن فيتجنشتاين عبر عن عدم الإتفاق مع جماعة فينا وخصوصاً فيما أسماه فيتجنشتاين ” سوء قراءتهم لعمله ” . وكان الحاصل من عدم الأتفاق ، هو إن فيتجنشتاين ” أدار كرسيه بحيث كان وجهه نحو الجدار وظهره إليهم ومن ثم بدأ يقرأ مقاطع شعرية للشاعر الهندي روبندرونات طاغور (1861 – 1941) بصوت جهوري عال ” (وهذا دليل على إن فيتجنشتاين تجاهلهم بطريقة كوميدية فيها الكثير من الدلالات العدائية المعلنة لهم ومن ثم الخلاف والتقاطع معهم) .

   ومن ثم جاءت الفصول الأخيرة لعلاقة فيتجنشتاين بأعضاء حلقة فينا ، فقرر فيتجنشتاين  قطع علاقته بهم وإزالة كل جسور الإتصال ما بينه وبينهم . ولم يلتقي بأعضاء حلقة فينا بصورة منتظمة كما كان في السابق [397]. إلا إنه لفترة قصيرة جداً ظل على إتصال ببعض منهم وخصوصاً بكل من موريتس شيليك ، رودلف كرناب (1891 – 1970) وفردريك وايزمان . ومن ثم لاحظنا إنه قام بقطع علاقته حتى بهذه الجماعة الصغيرة من أعضاء حلقة فينا ، وخصوصاً بعد إن إتهم فيتجنشتاين رودلف كرناب بأنه تداول بعض من أفكاره دون أن يطلب من فيتجنشتاين السماح له بتداولها [398]. ومسكُ الكلام إشارة إلى إن كتاب فيتجنشتاين تركتاتوس كان مصدر إلهام لعالم السيمانطيقا الأمريكي – البولندي ألفريد كروزبسكي (1879 – 1950) والذي إعترف صراحة بأنه كان موضوع إلهام ومصدر وحي فكري له وخصوصاً أثناء تأليف كتابه – الرائعة والذي حمل عنوان العلم والصحة العقلية : مدخل إلى الأنظمة اللا أرسطية والسيمانطيقا العامة [399].

    وفي الختام نحسبُ إنه من النافع العودة إلى الفيلسوف وعالم السنتاكس الألماني – الأمريكي رودلف كرناب والذي يُعد قطباً كبيراً من أقطاب حلقة فينا ومدافع متحمس عن الوضعية المنطقية [400]. وبالتحديد نعود إلى سيرته الذاتية والتي فيها يصف فيتجنشتاين ” بأنه مفكر كبير وملهم عظيم ” . ومن ثم علق كرناب وفصل أكثر في نقاط الإختلاف بين فيتجنشتاين وموريتس شيلك ورودلف كرناب وأعضاء حلقة فينا ، فقال بصراحة ” إن هناك ما يُدهشنا بشكل مُثير ، هو الإختلاف بين إتجاه فيتجنشتاين نحو المشكلات الفلسفية وبين إتجاه موريتس شيلك (مؤسس حلقة فينا) وموقفي (أي موقف رودلف كرناب) . الحقيقة إن موقفنا تجاه المشكلات الفلسفية ليس بمختلف عن مواقف العلماء نحو مشكلاتهم ” . أما بالنسبة إلى فيتجنشتاين :

   ” فإن وجهة نظره ، وإتجاهاته نحو الناس والمشكلات ، بل وحتى المشكلات النظرية ، فإنها تشبه كثيراً مواقف الفنانين المبدعين منه من مواقف العلماء . وهذا يحمل المرء على القول على الأغلب ، إن موقفه كان يشبه إلى حد ما مواقف الأنبياء والعرافة . كما وإن فيتجنشتاين صرف من الوقت الكثير وبذل من الجهد الشاق ، فجاءت إجاباته على صورة عبارات بينات شاخصة أمامنا ، وكأنها قطعة من الفن الخلاق الجديد أو الوحي الإلهي … وإن الإنطباع الذي تركه فينا ، هو ما يشبه البصيرة التي نزلت إليه من خلال الإلهام الإلهي . ولذلك فهو لا يُساعدنا على الشعور بتوافر أي شرح عقلاني رصين له أو إن كل تحليل له سيكون فيه نوع من التدنيس [401]

  وأخيراً فإن فيتجنشتاين ورائعته تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس جذبت إهتمام السينما والمخرجين السينمائيين . فمثلاً في عام 1992 عمل المخرج الهنغاري بيتر فوركج (ولد سنة 1950) فيلماً سينمائياً قصيراً بعنوان تركتاتوس فيتجنشتاين وفيه صور مقاطع من هذه الرائعة الفلسفية المعاصرة ، وخلال ذلك نشر نوع من الإشعاع على مؤلفات فيتجنشتاين الأخرى . وتألف هذا الفليم من سبع حلقات صغيرة عرضت كل واحدة منها قضية من القضايا السبعة المشهورة التي عالجها فيتجنشتاين في كتابه تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية [402]. ومن هذا الطرف ساهمت السينما بالترويج الجماهيري عن الفيلسوف فيتجنشتاين وتثقيف المشاهد بموضوعات منطقية – فلسفية والتي درسها في رائعته الفلسفية تركتاتوس لوجيكو – فيلوسوفيكوس والتي تُعد كما قلنا واحدة من الروائع الفلسفية في القرن العشرين  .

13

الأوجه المتنوعة لرواية مناظرة فيتجنشتاين والفيلسوف كارل بوبر

  صحيح جداً إن الفيلسوف فيتجنشتاين إلتقى في جامعة كيمبريدج بالفيلسوف الشاب كارل بوبر والقادم إلى كيمبريدج لألقاء محاضرة في عام 1946 وكان رئيس الجلسة فيتجنشتاين وكان من بين الحضور والشاهد على تفاصيل ما حدث شيخ الفلاسفة برتراند رسل وحشد كبير من طلاب فيتجنشتاين الذين سيحتجون بغضب ويتظاهرون ضد مانشره كارل بوبر في ميمواره الذي كون زوبعة عارمة يومذاك وعاش أطرافها عدد من الفلاسفة الفيتجنشتاينيون ومنهم على سبيل المثال أستاذنا البريطاني في جامعة ليدز وعالم المنطق الكبير بيتر كيج والذي قاد يومذاك الإعتراضات الغاضبة (سواء في الأعلام أو التظاهر) على الفيلسوف كارل بوبر .  

   ولنبدأ بحكاية السؤال الذي أثاره كل من جون إيدانو وديفيد إديمونز في كتابهما المشترك والذي ركز على المناظرة التي حدثت بين الفيلسوفين كل من الفيلسوف الكبير فيتجنشتاين والفيلسوف الشاب (يومذاك) كارل بوبر . وكان السؤال ؛ متى قابل لودفيغ فيتجنشتاين كارل بوبر ؟ بالطبع هذا سؤال يتكون من سؤالين أثارهما الباحثان جون إيدانو وديفيد إيدمونز . أما السؤال الثاني فقد جاء بالصيغة الآتية : هل فعلاً هدد الفيلسوف المعلم فيتجنشتاين (وهو الأكبر بثلاثة عشرة سنة) الفيلسوف الشاب بوبر (يوم المناظرة) ببطاقة البوكر الحمراء الساخنة في جامعة كيمبريدج (وبالتحديد قبل ما يُقارب السبعين سنة مضت) ؟ والتي وصفها الباحثان كل من إيدانو وإيدمونز ” بأنها حقيقة ” وكانت ” نقطة تحول وخط فاصل في فلسفة القرن العشرين ” . ومن ثم تعاون الإثنان أي إيدانو وإيدمونز في كتابهما المشترك والذي يدور حول حكاية بوكر فيتجنشتاين ، والذي حمل عنوان : بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة (المناظرة) لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة [403]. وكان حاصل هذه المحاججة ، مواجهة فكرية عنيفة بين الفيلسوف الكبير فيتجنشتاين والفيلسوف الشاب كارل بوبر .

   ولعل من الإنصاف أن نُعرف بالفيلسوف كارل بوبر بعد إن فصل بحثنا الحالي بصورة وافية بالفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . ولد الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل ريموند بوبر (1902 – 1994) في 28 تموز في مدينة فينا (النمسا) مثله مثل فيتجنشتاين . ولاحظنا إن هناك نقاط تشابه في حياة الفيلسوفين فمثلاً إن كلا الفيلسوفيين ينتميان إلى عائلتين يهوديتين وإن عائلتهيما تخليتا عن عقيدتهما اليهودية وتحولا إلى المسيحية ؛ إلا إن عائلة فيتجنشتاين إعتنقت الكاثوليكية قبل ولادته وتم تعميده على الطريقة الكاثوليكية ، أما  عائلة كارل بوبر فقد إعتنقت قبل ولادته اللوثرية [404].  كما سيُلاحظ القارئ إضافة إلى ذلك فإن هناك إختلاف في التكوين الفلسفي بين الفيلسوفين إضافة إلى حضور الماركسية المبكر في تفكير وحياة كارل بوبر ومن ثم تنكره لها وقطعه لكل علاقة بها لاحقاً . ويبدو إن هذه الرواية يدعمها ويُفسرها منطق التحولات التي حدثت في حياة كارل بوبر والتي نقلته إلى منازل عاجية عالية حيث أصبح من ” علية القوم ” وذلك خلال حصوله على لقب ” السير كارل بوبر ” .

    ويبدو إنه بعد المناظرة التي جرت بين بوبر وبين فيتجنشتاين والذي لايشكُ أحد على الأطلاق في  إن عائلة فيتجنشتاين كانت ثاني أغنى عائلة في العالم بالطبع بعد عائلة روتشيلد ، إن أخذ كارل بوبر يتحدث كثيراً (ويكتب كثيراً) بأنه جاء من عائلة من ” أعالي الطبقة الوسطى ” . وأرجو أن لا ينسى القارئ ذكاء وعبقرية فيتجنشتاين المتفردة في كل حسابات الإختلاف والتنوع والإنتاج الفلسفي والمنطقي مع تعادل فيتجنشتاين في الإهتمام في الرياضيات وفلسفة العلم وعودة كارل بوبر إلى الإستقرائية الكلاسيكية تقويماً ونقداً [405]. وتحول بوبر إلى مبدأ التكذيب التجريبي[406] بدلاً من معيار الصدق الذي إعتاد علماء المنطق على تداوله . بينما تفرد فيتجنشتاين بالإستدلالية والمنطق الرياضي . ويتشابه الفيلسوفان في إنهما كتابا إطروحتهما للدكتوراه بالإلمانية ومن ثم تحولا إلى العالم الإنكلوسكسوني وتمكنا من اللغة الإنكليزية وأخذا يُدرسان و يكتبان بها وكان فيتجنشتاين بروفسوراً في الفلسفة في جامعة كيمبريدج وعمل بوبر بروفسوراً في الفلسفة لاحقاً وبعد مغادرته فينا مُجبراً بعد صعود النازية . وهنا نسجل ملاحظتنا على الفارق الكبير في التكوين والتدريب الفلسفي بين الأثنين . فمثلاً إن البروفسور كارل بوبر كتب إطروحته للدكتوراه في علم النفس (وليس في الفلسفة) فقد كانت بعنوان سؤال المنهج في علم النفس المعرفي . بينما كتب لودفيغ فيتجنشتاين إطروحته للدكتوراه بعنوان  رسالة منطقية فلسفية وتحت إشراف الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ولهذا السبب ظل بوبر يسبح في شواطئ الفلسفة ومن ثم ثابر بجد على القيام بمحاولات فلسفية فيها إختبار للسباحة في فضاءات الفلسفة العميقة .ونحسبُ إن الشهادة الوحيدة على ذلك تُقدمها كتابات فيلسوف العلم النمساوي – البريطاني كارل بوبر الفلسفية المتنوعة …

   ولد السير كارل ريموند بوبر في فينا يوم كانت النمسا جزء من الإمبراطورية النمساوية الهنغارية . وكان كلا والديه على الديانة اليهودية . إلا إن عائلته تحولت في عقيدتها الدينية إلى اللوثرية (مسيحية – بروتستانتية)[407] قبل أن يولد الطفل كارل بوبر [408]. ومن ثم أكملت له عائلته مراسيم التعميد على المذهب اللوثري[409]. وكان هذا جزء من عملية الإندماج الثقافي وليس هو شكل من أشكال التعصب الديني [410].

   وكان والد الطفل كارل يعمل محامياً وإسمه الكامل سيمون سايموند كارل بوبر ، وفي الأصل جاء سيمون من بوهيميا (بولندا) ومن ثم حصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة فينا . أما والدة الطفل كارل فهي السيدة جيني شيف وإصولها القومية تعود إلى سليشين أو سليشيا (قومية تنتشر في ألمانيا ، بولندا والجيك وسلوفاكيا ..) وأجدادها هنغاريون . وبعد إن أسس الوالد سيمون والوالدة جيني الركائز الأساسية لحياتهما العائلية والمهنية ، بدأوا في الصعود وترقية مكانتهم الإجتماعية في فينا . فمثلاً الوالد سيمون أصبح شريكاً في أكبر مؤسسة قانونية والتي كان يديرها شريكه رجل القانون المعروف هير غرابيل ، وبعد موت هير غرابيل سنة 1898 إشترى ملكية الشركة كاملة سيمون بوبر . ولاحظنا إن المصادر التي تحدثت عن كل من هير غرابيل وسيمون بوبر قد خلطت في إسمهما الوسط ، فأضافت إليهما سوية إسم رايموند . ونحسب إن هناك إحتمالين ؛ الأول إن رايموند هو الإسم الوسط لرجل القانون هير غرابيل . الثاني إن تحريفاً حدث في إسم الوسط لوالد الفيلسوف كارل بوبر والذي كان سايموند فأصبح رايموند ومن ثم إنتقل هذا الإسم إلى كارل [411]. كما ولاحظنا إن ملاكي حاييم هكوهين قد أضافت رايموند إسماً أولاً لرجل القانون هير غرابيل [412].  والشاهد التاريخي على هذا التحريف في الأسماء الوسطى ، هو إن الفيلسوف كارل بوبر شارك دون وعي منه في تعزيز هذا التحريف . فمثلاً كارل في سيرته الذاتية ، أضاف خطأ الإسم الأول كارل لرجل القانون هير غرابيل [413].

   وكان كارل بوبر مثل والده مُحباً للكتب وبالمناسبة إن والده كان يقتني ما بين إثنتا عشر ألف – أربعة عشر ألف مجلداً في مكتبته الشخصية . وكانت هذه الكتب تتوزع في إهتمامات الوالد في مجالات الفلسفة والكلاسيكيات والقضايا السياسية والإجتماعية . وإن كارل ورث من والده المكتبة إضافة إلى ذوقه الثقافي وإهتمامه بالكتب . ووصف كارل فيما بعد هذا الجو الثقافي بعبارات دقيقة ، فأفاد ” إن الإهتمام بالكتب كان إسلوب حياتي ومفردة من مفردات تربيتي ” [414]

  ترك الفتى كارل بوبر المدرسة في عمر السادسة عشر ، وذهب إلى جامعة فينا وأخذ يحضر محاضرات في الرياضيات ، الفيزياء ، الفلسفة ، علم النفس وتاريخ الموسيقى وذلك بإعتباره طالباً زائراً . وفي عام 1919 أصبح مهتماً بالماركسية وتلاها حالاً إنتماؤه إلى رابطة الطلبة الإشتراكيون [415]. ومن ثم سجل عضواً فاعلاً في تنظيمات حزب العمال الديمقراطي النمساوي ويومها قد تبنى الحزب الأيديولوجيا الماركسية بصورة كاملة [416]. وبعد معركة الشوارع في هورغسا (فينا) في 15 حزيران سنة 1919 ، وخصوصاً عندما أطلقت الشرطة النار على ثمانية من رفاقه المسالمين ، خاب أمله بما رأى بأم عينه ، وما أطلق عليه الوهم العلمي للمادية التاريخية لماركس . فجاء قراره بالتخلي عن أيديولوجيتها . إلا إنه ظل مدافعاً عن الليبرالية الإشتراكية طول حياته .

   وعمل كارل بوبر في بناء الشوارع لفترة قصيرة من الزمن . إلا إنه لم يتمكن من التكيف مع هذا النمط من العمل الصعب ، فكان قراره بالعود إلى صفوف جامعة فينا طالباً زائراً ، ومن ثم بدأ التدريب على العمل صانع مكاتب منضدية . وفي هذا الوقت كان يُفكر في إنجاز مشروعه الحالم والذي يتمثل بفتح مؤسسة لرعاية الأطفال وكان يُفكر يومها بأن هذا المشروع قد ينتفع من تفكيره في صناعة المكاتب والأثاث . وبعد ذلك تحول صوب ضفاف مهنية أخرى . وفعلاً بدأ العمل متطوعاً في الخدمة في واحدة من عيادات الأطفال للطبيب والسايكولوجي النمساوي ألفرد أدلر (1870 – 1937) [417]. وفي عام 1922 حاول كارل بوبر أن يعدُ نفسه إلى إمتحان خارجي للحصول على شهادة الثانوية ، وهو بالطبع مسار تربوي ثان للتعليم . وأخيرأ تمكن من الإلتحاق بجامعة فينا طالباً إعتيادياً . وأكمل في العام 1924 الإمتحان والمتطلبات الأكاديمية وذلك ليكون معلماً في المدرسة الإبتدائية .

  وخلال هذه الفترة باشر العمل في نادي الرعاية بعد أوقات المدرسة ، خصوصاً في مساعدة الأطفال الذين يُعانون من ” عوق إجتماعي ” . كما ذهب في عام 1925 للعمل في معهد تربوي جديد . إلا إنه واكب على الإستمرار في جامعة فينا على دراسة الفلسفة وعلم النفس . ومن ثم تطورت علاقته الغرامية مع جوزفين أنا هينغر (1906 – 1985) وعقد خطوبته عليها والتي إنتهت فيما بعد بالزواج منها . وفي عام 1928 حصل على درجة الدكتوراه في علم النفس وكانت تحت إشراف عالم النفس واللنكوستيكا كارل لودفيغ بوهلر (1879 – 1963)[418] والتي حملت عنوان سؤال المنهج في علم النفس المعرفي [419].

  وفي عام 1929 حصل على تفويض رسمي على تدريس الرياضيات والفيزياء في المدارس المتوسطة . وفعلاً باشر التعليم وخلالها تزوج من خطيبته جوزفين وبالتحديد في سنة 1930 . وأخذت تتصاعد المخاوف من صعود النازية والتي صاحبتها بروبكاندا نازية عُرفت باللغة الألمانية إنشلوس وحرفياً تعني ضم النمسا إلى ألمانيا (والذي جاءت ترجمته في أذار سنة 1938) وبهدف تكوين ألمانيا العظمى [420]. وإستغل كارل بوبر هذه الظروف للتركيز على الكتابة والبحث ، وخصوصاً في المساءات والليالي والتي إستثمرها بصورة جدية وذلك بهدف إكمال تأليف كتابه الأول والذي كان بعنوان مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة . ويومها كان يُفكر بضرورة نشر كتاب واحد (وواحد فقط) وذلك من أجل الحصول على فرصة عمل أكاديمية في بلد يتوافر فيه الآمان لأشخاص من إصول يهودية من أمثاله . إلا إن قدر نشر هذا الكتاب الذي تألف من مجلدين ، لم يكن قدراً يحمل توقعات سارة ومن ثم لم يفتح باب الفرج إلى كارل بوبر على الإطلاق ، والسبب إن مجمل الإستجابات كانت سلبية بل ولم ترد دار نشر واحدة على نشر كتابه بحاله هذا . ويبدو إن هناك ملاحظات من الناشرين والتي إشترطت أولاً تكثيف مادة الكتاب بصورته التي قدمها للنشر أول مرة . وثانياً طالب خبراء دور النشر من كارل بوبر أن يُضيف مواد جديدة شرط النظر من جديد في إمكانية نشره . وفعلاً فقد عمل كارل بوبر كل ذلك وظهر الكتاب بعنوان جديد ، ونحن هنا نتحدث عن لغة كارل بوبر الأم وهي الألمانية ومن ثم قام كارل بوبر بإعادة كتابته باللغة ألإنكليزية فكان بعنوان منطق الإكتشاف العلمي[421] وصدر من دار نشر روتليدج سنة 1959 [422]. والحقيقة هذا عنوان مختصر . والعنوان التفصيلي هو منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث . وظهر بعنوان الترجمة العربية منطق البحث العلمي [423] . وهنا لا أقول شيئاً أو أشكك في دقة الترجمة العربية لعنوان كتاب فيلسوف العلم كارل بوبر . وإنما أترك القارئ يُقارن ويُدقق في الحقائق وهي واضحة مثل الشمس إذ هو يتحدث عن ” منطق الإكتشاف العلمي ” . ونحسب إن كارل بوبر قد ساهم بنفسه في هذا التشويش وبالتحديد بين حدود ” منطق الإكتشاف العلمي ” وبين حدود ” منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث ” . وهذه مشكلة لنجوستيكية ليست بقليلة وهي القضية التي دار حولها الجدل الغاضب بين الفيلسوفين لودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر في جامعة كيمبريدج في ” 25 إكتوبر سنة 1946 ” [424]. وهي بالطبع مشكلة فلسفية كبيرة . ولذلك نشعر (كباحث متممرس في البحث المنطقي لفترة أكثر من أربعين سنة) بأن ” منطق البحث العلمي ” العنوان العربي ليس بترجمة مرادفة وليس فيها تعادل لنجوستيكي مع عناوين كتاب كارل بوبر : ” منطق الإكتشاف العلمي ” أو ” منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث ” على الأقل من زاوية فلسفة اللغة الفيتجنشتاينية على الأقل . و نظن إنه من زاوية لنجوستيكية فيتجنشتاينية إن هناك فارقاً وليس تعادلاً بين حدود كل من ” الإكتشاف ” و ” البحث ” كذلك . وبعد إن مرت الأيام عاد كارل بوبر إلى أوراق كتابه القديم مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة ونشره بسهولة بعد إن أصبح مشهوراً وذاع صيته بلقب السيد الفيلسوف بالعربية أو السير الفيلسوف بالإنكليزية ، فصدرت له نشرة بالألمانية سنة 1979 وهو حي يُرزق وتلته ترجمة إنكليزية متأخرة بعد وفاته وبالتحديد سنة 2008 [425].

  وفي كتاب منطق الإكتشاف العلمي أو منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث والذي صدر بالإلمانية لأول مرة عام 1934 ، إنتقد فيه كارل بوبر النزعة النفسية ، الطبيعية ، الإستقرائية والوضعية المنطقية . وكان الحاصل من كل ذلك صياغة نظريته التي حملت عنوان التكذيب . ونحن نعلم إن أرسطو كان من أوائل علماء المنطق الذين فكروا في تكوين ” كراترين أو معيار للصدق والكذب ” وذلك بهدف التمييز بين ” القضية الصادقة ” و ” القضية الكاذبة ” . وهذا المعيار أطلق عليه إصطلاحاً ” معيار الصدق ” وهو معيار للتمييز بين ” الصدق والكذب ” . وبدلاً من أن يُطلق عليه للدلالة على الشمول ، تم إنتخابه ألة وأصطلح عليه ” معيار الصدق [426].

   وبالمناسبة إن حاصل مناقشة كارل بوبر للإستقرائية والوضعية المنطقية (وبالطبع النزعة السايكولوجية والطبيعية) إن وضع في الخطوط الأمامية نظريته التي عُرفت بنظرية (ونفضل تداول معيار) التكذيب ، وهي نوع من كراترين (أي مقياس = معيار) أو علم ترسيم الحدود وذلك بهدف التمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي . وتلت ذلك إنه حصل على إجازة دون راتب خلال 1935 – 1936 ورحل إلى المملكة المتحدة  للدراسة  باحثاً زائراً (وهي الرحلة التي سببت له إعتقال وصعوبات مع النظام النازي يومذاك )[427] .  والحقيقة إن وراء هذه الرحلة قصة ، حيث إن الفيلسوف الإنكليزي الفريد سيريل يوينغ (1899 – 1973)[428] كان المسؤول عن هذه الرحلة وذلك من خلال توجيهه الدعوة إلى كارل بوبر بزيارة جامعة كيمبريدج في سنة 1936 . وبالمناسبة إن الفريد سيريل يوينغ كان واحداً من النقاد البارزين إلى الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين [429].

  وفي عام 1937 حصل كارل بوبر على وظيفة أكاديمية مكنته من الهجرة إلى نيوزيلندا (أستراليا) وأصبح محاضراً في الفلسفة في الكلية الجامعية في كانتربيري (جامعة نيوزيلندا – كرايستشرش) . وهناك كتب كارل بوبر كتابه (في مضمار الفلسفة السياسية) المشهور المجتمع المفتوح وأعدائه . وفي مدينة ديندن (نيوزيلندا) قابل بروفسور الفيزيولوجيا جون كارو إيكلس (1903 – 1997) وهو مثل كارل بوبر من إصول نمساوية ومن فينا ، وأصبحا صديقان حميمان لفترة طويلة من حياتهما . وفي عام 1946 وبعد الحرب العالمية الثانية ، تحول كارل بوبر إلى بريطانيا وحصل على وظيفة باحث أكاديمي في علم المنطق والطريقة العلمية في كلية لندن للإقتصاد . وبعد ثلاث سنوات وبالتحديد في 1949 تم ترقيته إلى درجة بروفسور في علم المنطق والطريقة العلمية في جامعة لندن . وخلال الفترة 1958 – 1959 أصبح رئيس الجمعية الأرسطية [430].

   ومن ثم تقاعد عن العمل الأكاديمي سنة 1969 . إلا إنه ظل نشطاً في الحياة العقلية والبحث . وفي عام 1985 عاد إلى النمسا (بالطبع فينا) وذلك لأن زوجته كانت مريضة ، ورغبت أن تكون محاطة بأقربائها خلال الأشهر الأخيرة من حياتها . وفعلاً فقد توفيت في نوفمبر من هذه السنة . وكان كارل بوبر في هذه الفترة يتطلع للعمل مديراً لفرع الفلسفة في معهد لودفيغ بولتزمان [431]. إلا إن المعهد فشل في تعيينه ، فقرر في سنة 1986 العودة إلى المملكة المتحدة ، وأستقر في كينلي (وهي مقاطعة في جنوب لندن) [432]. وعاش فيها حتى إنطفأت حياته في 17 سبتمبر سنة 1994 وكان في الثانية والتسعين من عمره . وتنفيذاً لوصيته فقد تم نقل ” رماد رفاته ” إلى مدينة فينا ودُفن بقرب قبر زوجته جوزفين [433]. وبسبب ظروف الحرب في بواكير زواجهما فإن كل من كارل وجوزفين قرارا ” عدم إنجاب الأطفال ” . وظل بوبر مُحافظاً على وعده ، وربما قد يكون برأي البعض ” قراراً جباناً . إلا إنه بطريقة ما كان قراراً صحيحاً [434].

   هذه أشياء من سيرة فيلسوف العلم كارل بوبر الذي جاء من لندن إلى جامعة كيمبريدج ليُقدم بحثه – المحاضرة بعنوان هل توجد هناك مشكلات فلسفية ؟ [435]ويومها كان كارل بوبر ” قد عُين حديثاً مُحاضراً في علم المنطق والطريقة العلمية في كلية لندن للإقتصاد ” . وكانت مناسبة فلسفية مشهودة وذلك لأنها شهدت مواجهة فلسفية عاصفة بين الفيلسوفيين ؛ فيتجنشتاين وبوبر وبحضور شيخ الفلاسفة برتراند رسل والذي كان يومها يحمل من الإنطباعات الفلسفية الجيدة عن كلا الفيلسوفين . والحقيقة إن هذه المناسبة الفلسفية المتفردة في تاريخ الفلسفة (وخصوصاً في القرن العشرين) قد تم تغطيتها وتوثيقها بصورة عالية ومن مختلف الزوايا وخصوصاً في الكتاب المشترك الذي ألفه كل من ديفيد إديمونز وجون إيدانو والذي حمل عنوان بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة [436]. حدثت هذه المواجهة في مساء يوم الجمعة (25 إكتوبر سنة 1946 وفي نادي العلم الأخلاقي – كلية كنك التابعة إلى جامعة كيمبريدج) . وهذه المحاضرة كانت جزء من نشاطات جماعة المناقشة الإسبوعية والتي تتألف من عدد من فلاسفة وطلاب جامعة كيمبريدج . وفعلاً فإن أعضاء هذه الجماعة تجمعوا كعادتهم في كلية كنك الساعة ” الثامنة والنصف مساءً ” وفي غرف بناية غيبز – الرقم 3 [437].

   والواقع إن الكاتبين الإنكليزيين إيدانو وإديمونز قد نشرا في صحيفة الغارديان مقالاً مشتركاً قبل مقالهما في الغارديان والذي كان بعنوان (بوكر فيتجنشتاين : كتاب جائزة الغارديان ..) وبالتحديد بأكثر من سبعة أشهر وجاء بعنوان ” متى قابل لودفيغ كارل ؟ ” وفيه تساءل الكاتبان ” هل فعلاً إن لودفيغ فيتجنشتاين هدد كارل بوبر بكارت البوكر ” الحار الأحمر ” في كلية كنك ، جامعة كيمبريدج قبل خمس وخمسين سنة مضت (منا = من تاريخ نشر المقال في الغارديان) ؟ [438]” .

  ونحسبُ إن أهمية محاضرة كارل بوبر تاريخياً وفلسفياً ، هي إنها أول مناسبة في التاريخ المعاصر يشهدها ويُشارك فيها (فاعلاً وشاهداً) ثلاثة فلاسفة كبار من القرن العشرين . وبالطبع هم كل من ( برتراند رسل ولودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر) . ولعل من الحقائق التي أكد عليها كل من الكاتبين إيدانو وإديمونز :

أولاً – إن فينجنشتاين هو من ” أكثر فلاسفة عصره تألقاً وشهرة [439] .

ثانياً – كان كارل بوبر يومها مُحاضر في علم المنطق والطريقة العلمية ، وتم تعيينه حديثاً (أي 1946) في كلية لندن للإقتصاد .

ثالثاً – نشر كارل بوبر وقتها كتابين ؛ الأول المجتمع المفتوح و أعدائه . والثاني كتاب نقدي للأنظمة الشمولية . وبالطبع نشرهما حديثاً في بريطانيا . وأهميتهما إن كلا الكتابين جذبا إليهما أنظار نخبة من المعجبين من بينهم الفيلسوف البريطاني برتراند رسل [440](منا = وهو واحد من الفلاسفة الثلاثة الذين حضروا مناظرة فيتجنشتاين بوبر) .

رابعاً – إنه لأول مرة في التاريخ يجتمع ثلاثة فلاسفة كبار سوية (وبالطبع هم رسل ، فيتجنشتاين وبوبر) . وحتى هذا اليوم (أذار سنة 2001) ” لا واحد يوافق على ؛ ماذا حدث فعلاً ؟ [441] .

   إلا إن الواضح هو إن تراشقاً متبادلاً حاداً وعنيفاً  قد وقع بين كارل بوبر ولودفيغ فيتجنشتاين . وإن الثابت هو إن مادة هذا التراشق بين الفيلسوفين ” دارت حول الطبيعة الأساسية للفلسفة “. ومن ثم حالاً تحولت هذه اللحظات إلى مادة للكتابة والإنشاء . وتبعتها حركة واسعة لمعرفة فعلاً ما ذا حدث بين الفيلسوفين ؟ وما موقف كل من الفيلسوف الكبير رسل والذي كان شاهداً على كل التفاصيل ؟ . ونحسب إن صمت الفلاسفة الثلاثة ساهم بدوره في نسج العديد من الروايات الملفقة لأغراض الإعلام الصحفي . وكان حاصلها تحول هذه المناسبة الفلسفية إلى مادة ” إسطورة فلسفية ” في القرن العشرين [442].

  ويبدو إن الرواية المبكرة لأحداث هذه المناسبة الفلسفية ، هو إن كارل بوبر و لودفيغ فيتجنشتاين دخلا في صراع على القضية – السؤال ؛ من منهما سيتمكن الهيمنة ويفرض سلطته على أوراق البوكر الحارة الحمراء ؟[443] ولنبدأ بحثنا في هذا الطرف برواية كارل بوبر ، ومصدرها كتابه الذي حمل عنوان ” بحث لاينتهي : السيرة الذاتية العقلية [444]، والذي نشره في عام 1974 وبالتحديد بعد موت فيتجنشتاين بأكثر من عشرين سنة (وبالضبط بعد ثلاث وعشرين سنة من موته) [445]. وفي هذا الكتاب صاغ بوبر سلسلة من المشكلات والتي أطلق عليها ” المشكلات الفلسفية الحقيقية [446]. وهي المشكلات التي أهملها وتجاهلها فيتجنشتاين بصورة مطلقة حسب رواية كارل بوبر التي نشرها في كتابه هذا ويومها كان فيتجنشتاين قد غادر العالم قبل ثلاث وعشرين عاماً (فكان بوبر هو المدعي والحاكم لوحده وحكمه هو المسموع والمهيمن ولا صوت للفقيد فيتجنشتاين يسمعه أحد ويقول له : كلا بوبر هذا ليس عدلاً فقد ظلمت الرجل مرتين !) .

   وعلى أساس هذه السلسة من المشكلات الفلسفية ، قام كارل بوبر بوصف فيتجنشتاين بعبارته المشهورة ” كان يلعب بعصبية (مشدود ومتوتر) بأوراق لعبة البوكر (القمار)[447] ” . بينما صور جون إيدانو وديفيد إديمونز حال بوبر في هذه المواجهة مثل حال قائد الأوركسترا والذي يستعمل العصا بدلاً من ورق البوكر وذلك للتدليل على دوره القيادي في التشديد على إيقاعاته الموسيقية . إلا إنه عندما جاء السؤال حول مكانة الأخلاق ، فإن فيتجنشتاين تحدى كارل بوبر وطالبه بتقديم مثال على القاعدة الأخلاقية . فقال ” ردي : كلا ، ولا لتهديد المحاضرين الزائرين ” . ويبدو إن هذا الكلام أوصل فيتجنشتاين إلى درجات الغليان العالية ، والتي حملته على رمي أوراق البوكر على الأرض ومن ثم إندفع خارجاً من القاعة وهو في حالة ثورة وتلفه ما يشبه عاصفة من الغضب [448].

  وهذه الدقائق العشرة أو ما يُقاربها ، هي التي حدثت في إكتوبر سنة 1946 والتي لا تزال تُثير الكثير من الخلاف المرير . وفوق كل ذلك فإن المرء يستطيع أن يجادل مادام ظل حياً ، ويتساءل : هل كان كارل بوبر كذاباً فيما زعم ، وما نشره حول الإجتماع الذي حدث بينه وبين فيتجنشتاين ؟ وإذا كذب بوبر وإخترع في روايته الكثير أو القليل . فالحقيقة لا يتوافر أي دليل على إنه قام بتزيين وتجميل للحقائق . إلا إن الباحث لاحظ إن هناك إهتماماً واضحاً لدى بوبر بإثنين من تطلعاته الطامحة المركزية في الحياة وهما ؛ الأول – إنه كان يتطلع بتحقيق هزيمة على المستوى النظري لإسلوب الفلسفة اللنكوستيكية في القرن العشرين (ونحسبُ هذا هدف عام فيه رؤية نقدية شاملة وبالطبع فلسفة فيتجنشتاين جزء منه) . الثاني – إنجاز مشروع إنتصار على المستوى الشخصي على فيتجنشتاين (الذي وصفه بوبر) بالساحر الذي دقق في مسيرته المهنية ولاحقها (مثلما يُلاحق المحقق في الشرطة في أوراق المتهم) [449].

  ويُعلق الباحثان ديفيد إديمونز وجون إيدانو على رواية كارل بوبر ، ويُثيران الكثير من الشك حولها وخصوصاً من زاوية القارئ الموضوعي المستقل والذي هدفه الوحيد والوحيد فقط ، هو معرفة حقيقة ما حدث بين فيتجنشتاين وبوبر في مساءات 25 إكتوبر سنة 1946 . ويبدو من وجهة نظر الباحثين البريطانيين (إديمونز وإيدانو)  إن المواجهة العنيفة بين فيتجنشتاين وبوبر ” غير محتملة وليست مقبولة ” وذلك لأسباب منها ؛ إن كلاهما ” كانا يهوديان ومن أبناء مدينة فينا “. ومنها إنهما قدما من بيئة حضارية مشتركة (وبالطبع بيئة بدأت تتفكك وتتحلل) . ورغم إن فيتجنشتاين كان الأكبر سناً من بوبر (حيث فتجنشتاين أكبر من بوبر بثلاثة عشرة سنة) فإنهما يشتركان في حالة ” الإنبهار الحضاري للسنوات الأخيرة من أجواء الإمبراطورية النمساوية الهنغارية “. كما يشتركان ” بالخسارة الكبيرة ” التي ولدتها الحرب العالمية الأولى وما حملته من تأثيرات على حياتهما . وكانا يتطلعان مثل كل أبناء جيلهما نحو قيام ” جمهورية حديثة على أنقاض الملكية ” . كما وعاشا مع عوائلهما سوية ” محنة الوجود أو العدم مع هتلر والنازية ” . وكان لهما إهتمام بإصولهما اليهودية (رغم تحول عائلتيهما إلى المسيحية قبل ولادتهما) وولعهما بالموسيقى وإرتباطهما بالحركات الثقافية اليسارية (المتطرفة) . وتدرب فيتجنشتاين وبوبر ليكونا معلمان . ولهما إرتباطات بالينابيع الرائدة الأولى ” للوضعية المنطقية ، وحلقة فينا . وكان لفيتجنشتاين وبوبر الكثير الكثير من قنوات الإتصال المشتركة الممكنة ” . وإن هذا المشترك يدعو التساؤل ؛ كيف كل هذا المشترك ، ولم يلتقيا ويتقابلا من قبل ؟ “[450] .

  صحيح جداً إنه في حياة فيتجنشتاين بدأ مجموعة من طلبته (وخصوصاً إليزابيث إنسكومب ومن ثم زوجها عالم المنطق البريطاني بيتر كيج ..) يهتمون بفلسفة فيتجنشاين فتكونت بدايات تشكل حركة فلسفية ستُعرف بالفيتجنشتاينية أو الفلاسفة الفيتجنشتاينيون (ومن ثم جاء جيل جديد من الأكاديميين الشباب فكونو حركة فلسفية عُرفت بالفيتجنشتاينية الجديدة أو الفلاسفة الفيتجنشتاينيون الجدد) [451]. كما وتحلق عدد من الطلبة حول كارل بوبر وشكلوا حركة فلسفية أطلقوا عليها البوبورية (من أسم كارل بوبر) . والحق يُقال إن الحركة الفيتجنشتاينية بطرفيها كونت حركة فلسفية عارمة مقارنة بحركة البوبرية .

  وإستكمالاً لأطراف البحث عن حقيقة رواية كارل بوبر وما ذا حدث بينه وبين لودفيغ فيتجنشتاين . فإننا لاحظنا إنه بعد موت كارل بوبر بثلاث سنوات تم طبع ميموار كارل بوبر (سيرة ذاتية عقلية ) وفيه نُشرت رواية بوبر لما حدث في إجتماع كيمبريدج في 25 إكتوبر من سنة 1946 . وبالطبع صدر الكتاب من دار نشر محترمة ، وهي الأكاديمية البريطانية . إلا إن نشر هذه الرواية سبب عاصفة مدوية رافقتها إحتجاجات جماهيرية على المؤلف الرئيس البروفسور جون واتكنز (1924 – 1999) وبالطبع واتكنز كان من تلاميذ كارل بوبر ومن ثم وريثه على رئاسة القسم بعد تقاعد بوبر [452].

  وصاحبت ه