الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / الفلسفة والمسرح : الإصول اليونانية والنصوص اللاتينية / العدد 13/ آذار – نيسان 2016

الفصيلة

أوراق فلسفية جديدة

(13)

أذار – نيسان 2016

———————————————————-

تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

رئيس التحرير                             سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان                     نداء إبراهيم خليل

—————————————————————————————

PHILOSOPHY & THEATRE; Greek Roots and Latin Texts

Dr. MOHAMAD FARHAN, PHILOSOPHER

الفلسفة والمسرح

الأصول اليونانية والنصوص اللاتينية

دراسة في الأدب المسرحي عند الفيلسوف الرواقي

لوسيوس سينيكا

الدكتور محمد جلوب الفرحان

المقدمة

   نحسب بدرجات ما إن الفيلسوف الروماني الرواقي لوسيوس آنيس سينيكا (4 ق.م – 65 ميلادية) هو جان بول سارتر (1905 – 1980م) القرن الأول بعد الميلاد ، وإن سارتر هو سينيكا القرن العشرين . فمن المعروف إن كلاهما كتب مسرحياته في إطار فلسفي . فمثلاً إن سينيكا ألف مسرحياته بهدي فلسفته الرواقية بل وتضمنت معالجة رواقية لبعض المواقف التي مرت بها أبطال وشخصيات مسرحياته ، ومفاهيم رواقية عن الإنسان والطبيعة وعلاقة الإنسان بالطبيعة والله والقدر والمستقبل والمحط الأخير للإنسان . وإن سارتر مثل سينيكا وظف الكثير من شخصيات ومناخات المسرح الروماني لمعالجة قضايا الحرية الإنسانية والموقف من الله وعلاقة الإنسان بالله ، بل إن الكثير من المفاهيم وأسماء الألهة الرومانيين قد حضرت في بعض مسرحيات سارتر ، والشاهد على ذلك مسرحية سارتر والتي حملت عنوان الذباب ، حيث الإله الروماني جوبيتر ، وشخصيات رومانية مثل إجمامنون وإلكترا وأورستس وكليمنسترا … وغيرها كثير كثير ..

  ولا تنسى إن سارتر كتب مسرحياته بوحي فلسفته الوجودية ، وسينيكا بدوره عالج الكثير من القضايا في مسرحياته في ضوء فلسفته الرواقية . وما بين الفلسفة الرواقية والفلسفة الوجودية الكثير من المستبطن والمضموم وخصوصاً حول الإرادة وفعل الإنسان وحريته وعلاقته بالله والقدر .. كما إن العلاقة ما بين الرواقية والمسيحية كانت قوية حيث إن الكثير من آباء الكنيسة الأوائل كانوا رواقيون ..[1] كما ولا تنسى إن العلاقة بين الوجودية والمسيحية عميقة جدا جدا ، والوجودية نمطين وجودية هرطقية والتي مثلها كل من هيدجر وسارتر . ووجودية مؤمنة أو قل مسيحية مثلها سورين كيركيجارد (1813 – 1855) ، وكارل ياسبرز (1883 – 1969) وجبريل مارسيل (1889 – 1973) ..  ومفاهيمهم الوجودية ليس فيها إلحاد وإنما كل مافي الأمر فيها تأكيد على حرية الإنسان .. وفي كل من الوجودية الهرطقية والوجودية المسيحية مناقشات عريضة حول حرية الإنسان وحرية الله … وهذا المقال سيقدم مادة وشواهد فيها مشاركة ما بين سينيكا وسارتر بل ويصح أن نقول إن سارتر إستخدم التراث المسرحي والعقيدي الروماني وهو عقيدة سينيكا ليُعالج الكثير من أطراف فلسفته الوجودية .. كما ولعبت رواقية شيشرون (107 – 43 ق.م) القريبة إلى الفيلسوف الرواقي سينيكا دوراً فاعلاً في تشكيل البيئة الثقافية الرومانية التي تلقى فيها سينيكا تعليمه بعد إن جاء إلى روما من أسبانيا . وبالمناسبة إن شيشرون كان من أبناء القرن الأول قبل الميلاد وقد ملآه شيشرون بكتاباته وخصوصاً كتاباته عن الفلسفة الرواقية وبالتحديد كتابه النقدي الذي حمل عنوان برادكس أوف ستوك فيلوسوفي وبالعربية تناقضات الفلسفة الرواقية [2].

   ومن المعلوم إن الفيلسوف الرواقي سينيكا ولد في نهاية القرن الأول قبل الميلاد وكان فيلسوف الرواقية في القرن الأول الميلادي . ونفترض إنه عرف مؤلفات شيشرون وخصوصاً كتابه تناقضات الرواقية ، حيث إن روما والعالم الروماني عامة كان مشغولاً بكتابات الشهيد شيشرون . والشاهد على ذلك إن شيشرون قاد حركة ثقافية عرفت بالنزعة الشيشرونية والتي قامت أولاً بنشر تراث شيشرون ومن ثم تجديد هذا التراث والدفاع عن شيشرون ضد خصومه السياسيين يومذاك . كما وبتوجيه سياسي تم تكليف مساعده والمدعو ماركوس تيليوس تيرو (توفي عام 4 ق.م وكان عبداً وحرره شيشرون وحمل الأسم الأول والثاني من إسم الفيلسوف) [3] بكتابة سيرته الذاتية ومن ثم قام بنشرها ومعها نشر تراثه الفلسفي والسياسي ورسائله وكل ذلك حدث بإشراف الجمهورية الرومانية … وهذا الإهتمام بشيشرون ونزعته الشيشرونية إمتد خلال القرون العشرين اللاحقة وحتى اليوم [4].  

لوسيوس سينيكا : الكتابات الرواقية الروائية والمسرحية

    يُعد الفيلسوف الروماني الرواقي لوسيوس سينيكا ظاهرة فلسفية وأدبية متفردة في مضمار عملية الإنشاء في جنسي الكتابة الفلسفية والروائية – المسرحية بطرفيها التراجيدي والكوميدي . فقد كتب ما يُقارب العشرة تراجيديات وكوميديا واحدة ، وبث فيها الكثير من فكره الفلسفي الرواقي . وشيد بهذه المثابرة الشعرية المسرحية ، تجربة فلسفية رائدة في تاريخ المسرح والمسرح الروماني (اللاتيني) وتاريخ الفلسفة على حد سواء .

  صحيح كل الصحة إن الفيلسوف الشاعر الرواقي الروماني سينيكا قد إتخذ من المسرح اليوناني (وخصوصاً إسخيلوس (525 / 524 – 456 / 455 ق.م) وسوفوكليس (497 / 496 – 406 / 405) ويوربيديس (480 – 406 ق.م) ..) قاعدة وموديلاً ، أسس على هديهما آدبه المسرحي . فمثلاً إن سينيكا تبنى مسرحية أودبيوس وكييفها لصالح رواقيته من سوفوكلس . وتبنى إصول مسرحيته إجاممنون من أسخيلوس . أما معظم مسرحياته الباقية فقد تابع إصولها وموديلها من يوربيديس . إلا إنه إختلف عنهما في فكره الفلسفي والموضوعات الفلسفية التي تعرضت لها الفلسفة الرواقية ، وبذلك أضاف أملاحاً رواقية إلى نصوصه المسرحية ، منحتها مذاقاً فلسفياً جديداً إضافة إلى إسلوبه المسرحي الذي تميز به في معالجة المناخ المسرحي حين وضع شخصياته تتحرك في إطاره ومن ثم تواجه قدرها ونهاية تراجيديتها ..

  ولاحظنا فوق كل ذلك إن سينيكا في بعض قليل من مسرحياته ، لم يتابع إصولاً مسرحية يونانية في كتابة مسرحياته . ولهذا فإن هذا العدد القليل من المسرحيات تُعد روائع أصيلة أبدعها يراع الفيلسوف سينيكا بشخصه وهذه قضية سنشير إليها فيما بعد . وذهب عدد من  الباحثين الأكاديميين الغربيين إلى إن هناك أثاراً واضحة على إسلوب سينيكا في الكتابة المسرحية يصعد إلى كل من الشاعريين الرومانيين فيرجل (70 – 19 ق.م) [5] وأوفيد (43 ق.م – 17 أو 18 ميلادية) وخصوصاً مسرحية سينيكا التي حملت عنوان ميديا والتي نُرجح  إن بعض إصولها نزلت من شخصية ميديا الأوفيدية (نسبة إلى الشاعر الروماني أوفيد) [6] بالرغم من إن مصادر أوفيد ومصادر سينيكا هو الشاعر اليوناني يوربيدس .. وهنا سنخصص هذا المحور للحديث عن جنرا أو جنس أو أدب الرواية – المسرحية عند الفيلسوف الرواقي لوسيوس أنيس سينيكا . وستكون البداية التعريف بالروايات التي كتبها الفيلسوف سينيكا ، ومن ثم نتبعها بتحليل المضمون لكل واحدة منهما . وهنا نود من الناحية الميثديولوجية أن نصحح سوء فهم لف واحد من أهم المصادر التي كتبت عن ما يمكن أن نصطلح عليه الأدب المسرحي الفلسفي عند الفيلسوف الرواقي الروماني لوسيوس آنيس سينيكا . وهذا المصدر هو المدخل الذي كتبه الأستاذ أي . أف . وتلنك للكتاب الذي قام بترجمته وبعنوان أربعة تراجيديات وأوكتفيا [7].

  ونحن نسعى هنا ونتطلع إلى تصحيح العنوان ومن ثم نكشف عن سوء الفهم الذي لف التراث المسرحي التراجيدي للفيلسوف الرواقي سينيكا ، ونقترح عنواناً بديلاً ربما ينطبق أكثر على مثابرتنا الأكاديمية الحالية والتي دافعت وأكدت على إن مسرحية أوكتفيا هي جزء من تراث الفيلسوف الرواقي سينيكا المسرحي ، وهي فعلاً مسرحية كتبها سينيكا بريشته الخلاقة وليس غيره . وعنوانا الإفتراضي هو : سينيكا : تسعة تراجيديات وأوكتفيا (والأدق على أساس دفاعنا عن مسرحية أوكتفيا : سينيكا : عشرة تراجيديات رومانية) . وإذا إضفنا إليها كوميديا سينيكا التي حملت عنوان السانت (القديس) كلوديوس : اليقطين [8]، وهي كوميديا سياسية جريئة إستهدف بها القيصر الروماني كلوديوس (10 ق.م – 54 ميلادية) ، فإن العنوان الحالي يصبح عشرة تراجيديات وكوميديا السانت كلوديوس اليقطين  .

القسم الأول

مصادر لوسيوس سينيكا في كتابة مسرحياته

الفصل الأول

الشاعر اليوناني يوربيديس وأدبه المسرحي

     يُعد يوربيديس من كتاب التراجيديا الكلاسيكية في آثينا القلائل الذين ظل عدد من مسرحياته خالدة محفوظة . ومن الإنصاف التأكيد على إن يوربيديس شارك معاصريه كل من كاتب التراجيديا إسخليوس و كاتب التراجيديا سوفوكلس في بقاء أجزاء من تراثه المسرحي خالداً مع الإشارة إلى إن يوربيديس كان الأصغر سناً بينهما .  كما ولاحظنا إن يوربيديس كان معاصراً حتى لكاتب التراجيديا إيبورين (وهو إبن إسخليوس) حيث إن الأخير (إيبورين) فاز بالجائزة الأولى عام 431 ق.م في إحتفلات ديونسيا في آثينا .  

   كتب يوربيديس أكثر من تسعين مسرحية ونحسب إن أفكار يوربيديس في تراجيدياته الأخرى قد عبر منها الكثير إلى دائرة تفكير الفيلسوف الرواقي الروماني سينيكا . ولكل ذلك وجدنا من النافع أن نُعرف القارئ بشئ من سيرة يوربيدس وأعماله التراجيدية والتي نُرجح أن سينيكا كان له حظ ما بالإطلاع عليها وربما الكثير منها قد ترك أثراً ملحوظاً على حرفة كاتب الدراما الروماني سينيكا بصورة عامة فقد أجمع الأكاديميون الغربيون على إن يوربيديس وتراجيدياته كان لها وله حصة الأسد في الحضور ومن ثم التأثير على نصوص سينيكا المسرحية ، مقارنة بكل من إسخليوس وسوفوكلس . وبداية نقول إن يوربيديس هو شاعر مسرحي آثيني حيث ولد في عاصمة الثقافة والفلسفة آثينا ، وفي أجواءها تحول إلى واحد من أشهر كتاب الدراما في تاريخ الثقافة اليونانية الكلاسيكية . وكتب تسعين مسرحية ، وظل منها خالداً تسعة عشرة وبالطبع من خلال مخطوطاتها اليونانية [9].

   ولد يوربيديس في جزيرة سالاميس في عام 480 ق.م وكان أبويه كل من والدته كليتو (باللاتينية) أو كلايتون (باليونانية) ووالده مينساروش (بالاتينية) أو مينسارشس (بالإنكليزية) وكان مينساروش تاجراً صغيراً (بالمفرق) وكان يومها يعمل ويعيش مع عائلته في قرية قريبة إلى مدينة آثينا . ووفقاً لنبؤة الوحي ، فإنها توقعت بأن إن الولد يوربيديس سيفوز ” ويتوج بالنصر ” . وعلى أساس النبؤة ألح الوالد مينساروش على ولده ببدأ الدراسة والتدريب في مضمار الرياضة والرياضيين . إلا إن الولد يوربيديس إختار قدره المهني في المسرح . وفعلاً فقد فاز بخمسة إنتصارات وواحدة منها ربحها بعد موته [10]. ومن النافع أن نذكر ما دمنا نبحث في بدايات عمل يوربيديس المهني إلى إنه عمل في بداية حياته المهنية المبكرة ولفترة قصيرة راقصاً وحامل المشعل خلال الطقوس والشعائر الدينية التي تُقدم إلى الإله آبولو [11].

   أما إذا إنتقلنا إلى البرنامج التعليمي الذي خضع إليه الشاعر اليوناني يوربيديس في فتوته ، فإننا نلحظ إنه لم يكن مُقيداً ومحصوراً على الرياضة وحسب . وإنما تخطى كل ذلك وشمل الفنون وخصوصاً الرسم إضافة إلى الفلسفة . ونحسب إن الرسم في مفهومه العام سيُساعده على عمله المستقبلي أي المسرح الذي هو نوع من الرسم بالكلمات . ولاحظنا كذلك إنه درس الفلسفة على يد إثنين من مشاهير وأسياد الفلاسفة في عصره ، وهما كل من الفيلسوف اليوناني بروديكس الكيوسي (أو السيوسي باللاتينية) (حوالي 465 – 395 ق.م) وكانت سيوس أو كيوس جزيرة في بحر إيجة . وبروديكس بمنظار العديد من الباحثين الأكاديميين الغربيين ، كانت له مكانة في تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط ، حيث إن الفيلسوف بروديكس الكيوسي كان من بواكير الحركة السفسطائية بل ورائداً من روادها وهذه مسألة في غاية الأهمية تمكننا من معرفة حجم الأثار التي تركها بروديكس على الشاعر المسرحي اليوناني يوربيديس [12].

  أما الفيلسوف الثاني الذي درس الشاعر اليوناني يوربيدس الفلسفة على يديه ، فهو الفيلسوف اليوناني إنكساغوراس (حوالي 510 – 428 ق.م) وهو أول فيلسوف جلب الفلسفة إلى مدينة آثينا وفقاً لشهادة كل من بلوتارك (45 – 120 ميلادية) ومؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) . وفعلاً فإن  يوربيديس تأثر بإنكساغوراس وإكتسب منه روح الحماس إلى العلم والإنسانية [13]. وهكذا نحسب إن نزعتين فلسفيتين نزلتا إلى دائرة تفكير يوربيديس ومن خلال ذلك تركا أثراً أو كان لهما حضوراً بمنازل ودرجات متفاوتة في حبكة مسرحياته ، وهما كل من النزعة السفسطائية التي نزلت من الفيلسوف بروديكس الكيوسي والنزعة الطبيعية التي هبطت من الفيلسوف الطبيعي إنكساغوراس .

  كما لاحظنا إلى إن حياته الخاصة قد تركت أثاراً واضحة على عمله المسرحي وخصوصاً بعض مواقفه من المرأة والتي حملت بعض النقاد (كما بينا في نهاية هذه الفصل) إلى إتهامه بالنزعة الماسوجينية (النزعة المعادية للمرأة أو النظرة التي تحط من مكانتها) . ولعل الشاهد الخاص الذي أعتمد عليه النقاد (وبالطبع أغفل هؤلاء النقاد مواقف يوربيديس المضيئة من المرأة) ، هو إن يوربيديس عاش حياة زوجية عاصفة ، وكان حاصلها زواجه مرتين ؛ الأولى من ” ميليتا (بالاتينية) أو ملايت (الإنكليزية) ” . والثانية من ” سورينا (باللاتينية) أو شورين (بالإنكليزية) ” والأخيرة شورين قد ولدت له ثلاثة أولاد وكان يوربيديس ” يشُكُ بإخلاصهن ” ولهذا السبب إنفصل عن زوجته الثانية مثلما فعل مع زوجته الأولى وهجر بيت الزوجية ولعن الزواج ” وعاش في كهف وأصبح يُعرف هذا الكهف بكهف يوربيديس ” . وبعد موته تحول هذا الكهف إلى مقام طائفة حملت عنوان طائفة يوربيديس والتي شاعت وإنتشرت . كما إن يوربيديس في حياته أسس في هذا الكهف مكتبة واسعة وأخذ يقود فيها تجمع من أتباعه وبالتحديد في المنطقة المواجهة إلى البحر والمنفتحة إلى السماء [14].

   صحيح إن يوربيديس كان معاصراً لكل من كبار كُتاب المسرح ، وهم إسخليوس وسوفوكلس . كما ومن الصحيح القول إنه دخل المسابقات معهم . إلا إن يوربيديس كان أصغر سناً منهما وعلى هذا الأساس يصبح حديث نقاد المسرح الغربيين ، له الكثير من الصحة وذلك من طرف إن مسرحياته حملت طبعات مميزة ، فيها إختلاف واضح عن مسرحيات كل من إسخليوس ومسرحيات سوفوكلس . ويُرجحون إلى إن هذا الإختلاف فيه علامات فارقة تتحدث عما يُسمى بالفجوة الحضارية بين أجيال من كُتاب المسرح اليوناني . يُضاف إلى كل ذلك إن يوربيديس عاش وكتب في عصر النهضة الفلسفية السفسطائية ، والتي فرضت هيمنتها عصر يوربيديس ، وهو العصر الذي شغل العقود الوسطى من القرن الخامس قبل الميلاد . ومن ثم عقد نقاد المسرح الأثيني مقارنة بين كل من إسخليوس وسوفوكلس ويوربيديس ، وذهبوا إلى إسخليوس كان مشدوداً بقوة إلى الماضي . في حين إن سوفوكلس كان يعيش ويكتب في مرحلة تحول . وإن الوحيد من بينهم كان يوربيديس الذي تشرب بصورة تامة الروح الجديدة للعصر الكلاسيكي [15].  

   وبالرغم من إن يوربيديس كان واحداً من أكبر ثلاثة كتاب وشعراء الدراما اليونانية ، وهم كل من إسخليوس و سوفوكلس وبالطبع يوربيديس . فقد كان يوربيديس الحبة الأخيرة من عنقود عنب المسرح التراجيدي اليوناني ، فإنه كان الأكثر تأثيراً بينهم . كما ولاحظنا ومن خلال المتداول والشائع بين صفوف الأكاديميين الغربيين ، هو إن معظم تراجيدياته كانت إعادة إنتاج إلى الأساطير اليونانية القديمة ، وفيها ألقى الضوء على الأطراف المعتمة من الطبيعة الإنسانية . وكان  يوربيديس مثل كل كُتاب الدراما اليونان ، يتنافس ويدخل المسابقات في الإحتفالات الأثينية ، ويحصد الجوائز ورموز التشريف في إحتفالات الإله ديونسيوس . والحقيقة هو أول من دخل هذه الإحتفالات عام 455 ق.م وربح أول جائزة له عام 441 وهي واحدة من أربعة جوائز ربحها في هذه الإحتفالات ولكن تراجيدياته ظلت تحصد الجوائز بعد وفاته كما سنبين ذلك لاحقاً [16].

   وكان الحاصل من ذلك إن إسم يوربيديس إقترن مع أسماء فلاسفة اليونان الكبار في القرن الخامس قبل الميلاد ومن أمثال سقراط (470 / 469 – 399 ق.م) و بروتاغوراس (487 – 420 ق.م) و إنكساغوراس (500 – 438 ق.م) . وحقق يوربيديس له بفعل ذلك ، شخصية كبيرة ومستقلة حرة [17].. وفي عام 408 ق.م غادر يوربيديس مدينته آثينا وذهب للعيش والكتابة في مقدونيا بدعوة من الملك المقدوني آرخليوس الأول والذي حكم من سنة 413 وحتى سنة 399 ق. م  ولم يعود إلى آثينا ومات في مقدونيا . ولاحظنا إن هناك عدداً من الباحثين من يحتمل إلى إن يوربيديس إختار مقدونيا منفى إختياري له في شيخوخته ومات فيها [18]. وحديثاً أثار عدد من كتاب السير الكثير من الشكوك حول آراء القدماء من كتاب سيرة يوربيديس ، وإحتملوا إلى إن ” يوربيديس لم يزور مقدونيا على الإطلاق ” [19]. بل وهناك من يجادل ويرى إذا هذه الزيارة قد حدثت فعلاً ، فإنهم يعتقدون بأن الدافع وراءها ” هو تشجيع الملك المقدوني أورخليوس الأول ” والتي سبق إن عرضها على عدد من الفنانين والأدباء الآخرين [20]

  وتعود أهمية الشاعر الملحمي يوربيديس إلى الفيلسوف الرواقي والشاعر الملحمي الروماني (اللاتيني) سينيكا ، هو إن يوربيديس تحول في الفترة الهيلينستية إلى مدرسة كلاسيكية من طرف . ومن طرف ثان إن سينيكا تبنى أعمال يوربيديس المسرحية وقدمها إلى المشاهد الروماني وبلغته اللاتينية . ونحسبُ بهذا الفعل الذي قام به سينيكا ، قد قلب المعادلة القديمة التي كانت سائدة في تاريخ المسرح اليوناني وإنتزع مركزه من مسرح إسخليوس وسوفوكلس ووضعه في مسرح يوربيديس . ولهذا صح الرأي الذي يذهب إلى إن ” يوربيديس وليس إسخليوس ولا سوفوكلس أصبح سيد المتعة التراجيدية ، كما وكان يوربيديس هو السبب وراء إعادة ولادة التراجيديا في عصر النهضة الأوربية [21].

  والحقيقة إن يوربيديس بحد ذاته أصبح مشكلة وظل مشكلة عبر العصور ومنذ إن أنتج على خشبة المسرح أولى مسرحياته . ولذلك حصل على العديد من الألقاب من مثل : يوربيديس شاعر التنوير اليوناني وكذلك يوربيديس (ومسرح = منا) اللامعقول . كما كان يُنظر إليه على أنه شاعر مسكون بنزعة شكية دينية إلا إنه لم يكن هرطقياً (مُلحداً) من طرف . وإنه من طرف آخر مؤمن بالنعمة الإلهية وعدالة التدبير الإلهي . وكان يُنظر إليه من طرف ثالث على إنه شاعر يتطلع إلى إستكشاف أسرار النفس الإنسانية وصاحب خطاب شعري فيه هامش من التوافق بين ما هو شخصي وبين ما هو من نتائج الفعل . وهو فوق كل ذلك كان شاعر تتجاذبه نزعات متناقضة ؛ فهو مثلاً شاعر صاحب نظرات ماسوجينية (نظرات تسفيل لمكانة المرأة) من جهة ومن جهة مقابلة فهو شاعر فيمنستي (مناصر للمرأة وحقوقها) . وهو شاعر واقعي ولذلك نقل الفعل التراجيدي إلى مستوى الحياة اليومية . في حين إنه من زاوية نظر آخرى شاعر رومانتكي وذلك من طرف إنتخابه الأساطير غير المألوفة وغير الإعتيادية وفضل التعامل مع الأجواء المسرحية الغريبة [22].

  كما وكانت المسرحيات التي كتبها يوربيديس بمفهوم الجمهور الواسع ما هي  ” إلا مقاطع من  أناشيد وطنية تمجد آثينا وتعاضدها في الحرب ضد إسبارطة وغيرها من القوى الأخرى ” . في حين كان عدد ملحوظ آخر يرى فيها نزعات ضد الحرب . بل وتعدى نفر آخر ذلك ، وذهبوا بعيداً بعض الشئ ، حيث صرحوا بأنهم وجدوا فيها نصوص معارضة للنزعة الأمبريالية الأثينية . وكل هذا حقق للشاعر المسرحي اليوناني يوربيديس إعترافاً بأنه ” كان مُبلغاً ومبشراً بنمط جديد من الكوميديا ” . بل ولاحظنا إنه حتى الفيلسوف اليوناني آرسطو فقد وصف يوربيديس في رائعته التي حملت عنوان في الشعر ، إلى إنه كان ” من أغلب الشعراء تراجيدية[23]، وعلى حد تعبير برنارد نوكس ، ” فإن لا واحد من هذه الأوصاف  هي محض أكاذيب على الإطلاق ” [24].   

 أهم مسرحيات يوربيديس التراجيدية :

    من الصحيح جداً القول مرة ثانية إلى إن جهابذة المسرح اليوناني الثلاثة (إسخليوس ، سوفوكليس ويوربيديس) قد تركوا أثاراً واضحة على المسرح الروماني . كما كان لهم حضوراً قوياً في مسرحيات الفيلسوف الروماني سينيكا الشاب . إلا إن مثل هذا الكلام هو خطاب عام تعوزه الدقة والتخصيص . ونحسبُ إن الصحيح هو القول إن يوربيديس وتراجيدياته هي التي مارست دوراً أكثر تأثيراً بل وهيمنة مقارنة بعل تأثير مسرحيات آسخليوس وسوفوكليس .  ولهذا نظن إن المنهج التاريخي هنا غير نافع في معرفة حجم ووزن التأثير الذي تركه كل من يوربيديس وإسخليوس وسوفوكليس . وخلافاً لنهجنا فإنه بالتأكيد يقف المنهج التاريخي بقو وسلطة لا تقاوم وذلك لأن كل من إسخليوس وهو الأكبر سناً وهو شيخ المسرح اللأثيني ، ومن ثم سوفوكليس وبالطبع يأتي فتى المسرح الأثيني يوربيديس . إلا إننا هنا معنيون برصد حجم الأثر والسلطة المعرفية على عموم تراث الفيلسوف الروماني والكاتب المسرحي القرطبي الأسباني سينيكا وهذا الحال هو الذي يمنح منهج التحليل ومعرفة آوزان التأثير تحملنا على تعطيل المنهج التاريخي في هذه الجزئية فقط .

  فعلاً ومن خلال عملية مسح إستقرائية لنصوص الفيلسوف سينيكا المسرحية وجدنا إن حضور مسرحيات يوربيديس كان لها مكانة الأسد ، وفرضت هيمنتها وسادت روحاً وأضافت ملحاً مسرحياً على مسرحيات إسخليوس ومن بعده على مسرحيات سوفوكلس .

   ولهذ الحال نحسب إن منهجية هذا البحث قد تخطت وتجاوزت المنهج التاريخي ، وإلتزمت بمنهج تحليل وإستقراء يُحدد حجم الأثر وسلطته المعرفية ولذلك بدأت بالشاعر اليوناني يوربيديس مصدراً معرفياً متسلطاً في قراءات وإستلهام وفعل تكييف قام به الفيلسوف سينيكا ، ومن ثم تأتي ألأوزان المؤثرة لكل من إسخليوس وسوفوكليس بالرغم من إننا عارفون علم اليقين بأن يوربيديس إستلهم الكثير الكثير من تراث سوفوكليس أولاً وإسخليوس ثانياً والشواهد كثيرة منها :

أولاً – مسرحية (تراجيديا – كوميديا) ألسيتيس وهي شكل يوناني قديم . وفعلاً فقد تخلى  الرومان عن هذا الجنس من المسرح . وهي من مسرحيات يوربيديس الأولى وقد أنتجها أولاً في إحتفالات مدينة ديونسيا في عام 438 ق.م وفازت بالجائزة الثانية . وهي مسرحية ذات إشكالية أو هي كما قيل ” مسرحية مُشكلة ” ولذلك أطلق هذا العنوان على يوربيديس كذلك حيث إن المسرحية أما تراجيديا أو كوميديا . وفي حال هذه المسرحية وكاتبها يوربيديس إنه مزج في مسرحية واحدة التراجيديا والكوميديا في وقت واحد وعلى حد سواء وهذا التركيب جعل من هوية المسرحية أن تكون تراجيديا – كوميديا [25].

ثانياً – مسرحية ميديا وهي تراجيديا قديمة كتبها يوربيديس على أساس إسطورة جيسون وميديا . وأنتجها لأول مرة عام 431 ق.م  وفازت بالجائزة الثالثة[26].

ثالثاً – تراجيديا أطفال هيركليز وهي تراجيديا أثينية كتبها يوربيدس وتم تمثيلها لأول مرة حوالي عام 430 ق.م . وهي مسرحية تتابع أطفال هيركليز وهم يبحثون عن ملجأ آمن لهم ملك تيرنر القوي الغاشم يورثيس . وهذه المسرحية هي واحدة من أثنين من تراجيديات يوربيديس الخالدات . وأطفال هيركليدز هي دراما سياسية وطنية [27].

رابعاً – مسرحية هيبوليتوس وهي تراجيديا كتبها يوربيديس على أساس إسطورة هيبوليتوس ، وهو إبن الملك الأثيني الإسطوري ثيسيوس . والمسرحية تم تمثيلها لأول مرة في عام 428 ق.م وفي مدينة ديونسيا الأثينية ، وفازت بالجائزة الأولى وهي جزء من ثلاثية . واليوم تُعد واحدة من مسرحيات يوربيديس الضائعة [28].

خامساً – مسرحية إندروماش أو إندرومكي وهي تراجيديا آثينية . وتحكي قصة إندروماش زوجة الأمير الطروادي هيكتر والتي أصبحت من العبيد بعد سقوط طروادة وهي بنت مقاتل طروادي لشجاع . وتاريخ تمثيلها غير معروف إلا إن الأكاديميين الغربيين يرجحون إلى تمثيلها على خشبة المسرح كان ما بين عام 428 و425 ق.م . أما المدرسيون البيزنطيون فيذهبون إلى إنتاجها مسرحياً حدث لأول مرة خارج أثينا . بينما الأكاديميون الغربيون المحدثون يثيرون الشكوك حول كل ما قيل [29].

سادساً – مسرحية هيكوبا وهي تراجيديا كتبها يوربيديس عام 424 ق.م وتم تمثيلها مسرحياً بعد الحرب الطروادية . ولكن قبل أن يُغادر اليونانيون طروادة . ويبدو في هذه الفترة ذاتها تم تمثيل مسرحية يوربيديس نساء طرواديات . والشخصية الرئيسية في المسرحية هي هيكوبا زوجة الملك بريم ملك طروادة خلال الحرب الطروادية . والمسرحية تصف حال ملكة سابقة ولمملكة سقطت وتصف حزنها على موت بنتها الشابة بوليكسينا وعزمها على الإنتقام لمقتل ولدها الشاب بوليدورس [30].

سابعاً – مسرحية المتوسلات أو نساء متوسلات وفي عنوان آخر ” العوانس المتوسلات ” . كما إن مضمون التراجيديا يقترح عنواناً موافقاً للنص ، وهو الإمهات الشافعات وهي دراما وطنية سياسية . وأنجزها يوربيدس مسرحياً عام 423 وهي مسرحية يونانية قديمة . وتذهب قصة المسرحية إلى إن أثيرا وهي أم الملك الأثيني ثسيوس وصلت أمام مذبح الإله ديميتر وبرفقتها عدد من نساء أركوس واللائي قُتل أولادهن في معركة خارج أبواب مدينة طيبيا . وسبب توسل النساء هو إن كراين أصدر قراراً طالب فيه بترك جثث الموتى في العراء ومنع من دفنها . وثسيوس من طرفه رفض السماح للنساء المتوسلات من رؤية جثث أولادهن بسبب تعفنها . ووعدهن بإستلام رماد جثث الموتى … وفي النهاية عبر النساء عن إمتنانهن من مساعدة الملك ثسيوس ومن ثم غادرن المدينة [31].

ثامناً – إلكترا وهي مسرحية كتبها يوربيديس في أواسط السنوات العشرة الأولى من القرن الخامس قبل الميلاد (410 ق.م) . وربما كتبها قبل عام 413 ق.م . وهناك عدم وضوح يدثر حقيقة هذه المسرحية وظلت الأسئلة تدور في أذهان الأكاديميين الغربيين ومن مثل ؛ هل إن يوربيديس أنتجها لأول مرة قبل أو بعد مسرحية إلكترا التي كتبها سوفوكلس ؟ وفعلاً فإن المسرحية قبل أن تبدأ وبالتحديد في بداية الحرب الطروادية ، قام الجنرال اليوناني إجاممنون بتقديم إبنة كليمنسترا وإبنته إيفيجينا قُرباناً – ضحية وذلك لإسترضاء الإلهة أرتميس[32] وهناك إعتقاد  بأن أرتميس هي أخت الإله ديميتر وهي تقابل عند الرومان الإلهة ديانا [33]. إلا إن فعل إجاممنون سبب معاناة كبيرة لزوجته كليمنسترا من طرف ، وسهل للجيش اليوناني من الإبحار إلى طروادة . وبعد عشرة سنوات من غياب إجاممنون ومشاركته في الحرب ، عاد وكان في إنتظاره زوجته كليمنسترا وعشيقها إيجيسثوس فقتلا إجاممنون . ومن ثم إلكترا وأخيها أروست قتلا أمهما كليمنسترا .. وجنس هذه المسرحية مزيج من الإسطورة التقليدية وأنواع متعددة من الدراما [34].

تاسعاً – مسرحية هيركليز وتعرف كذلك بعنوان جنون هيركليز . وهي تراجيديا آثينية . وفعلاً فقد تم تمثيلها على المسرح لأول مرة وفي إحتفالات مدينة ديونسيا في عام 416 ق.م [35]. كما وسيرد الحديث عنها في هذا البحث لاحقاً وعند الكلام عن تراجيديا أودبيوس عند الفيلسوف الرواقي سينيكا .  

عاشراً – مسرحية الطرواديات أو النساء الطرواديات وهي تراجيديا كتبها يوربيديس وأنتجها مسرحياً في عام 415 وبالتحديد خلال الحرب البولبونزية والتي حدثت للفترة من سنة 431 ق.م وإمتدت حتى سنة 404 ق.م . وبالمناسبة إن هذه المسرحية فازت بالجائزة الثانية . وهذه المسرحية شرحت إحتلال جزيرة ميلوس اليونانية والتي تقع على بحر إيجة . ومسرحية النساء الطرواديات هي التراجيديا الثالثة من هذه الثلاثية المسرحية والتي عالجت الحرب الطروادية [36]. أما المسرحية الأولى فكانت بعنوان الكسندروس ودارت حول الإعتراف بالأمير الطروادي باريس والذي ضيعه والديه حين كان رضيعاً ومن ثم تم إكتشافه وهو رجلاً . بينما كانت التراجيديا الثانية بعنوان بلميدز وهي معالجة مسرحية للمعاملة السيئة التي قام بها اليونان لأتباعهم البلميدز اليونان . وهذه الثلاثية شارك فيها يوربيديس في إحتفلات ديونسيا ، وفاز بها يوربيديس بالجائزة الثانية [37]. في حين حصل على الجائزة الأولى كاتب التراجيديا سينكلس وهو شاعر يلفه الكثير من الغموض وذلك لأن هناك إثنين من الشعراء الأثينيين الذين يحملون هذا الأسم وواحد منهم هو سينكلس الكبير والأخر هو سينكلس الصغير . وإن سينكلس الكبير هو الذي كتب مسرحية حول أودبيوس . وهذا كل ما نعرفه عن شخصيته وشعره المسرحي [38].

أحد عشر – مسرحية إيفجينيا في توريس وهي دراما رومانتيكية ثلاثية كتبها الشاعر المسرحي اليوناني يوربيديس ما بين عامي 414 و412 ق.م . ويظهر إن هناك الكثير من الإشتراك بينها وبين مسرحيتيه كل من هيلين والتي أنتجها مسرحياً أولاً في إحتفالات مدينة ديونسيا وبالتحديد في عام 412 ق.م ، ومسرحيته الضائعة والتي حملت عنوان إندروميديا . وربما مسرحية إندروميديا هي من أول هذه المسرحيات تم تمثيلها على خشبة المسرح . وهي تحكي قضة رجل شاب يسقط في حب إمرأة [39]. وبالرغم من ضياع مسرحية إندروميديا فقد بقيت بعض المقاطع محفوظة ، كما وأشارت إليها بعض المصادر القديمة . فمثلاً جاءت العديد من الإشارات إليها في مسرحيات الأثيني آرسطوفان (حوالي 446 – 386 ق.م) وهو سيد الكوميديا القديمة [40]. وبالطبع شاعر الدراما اليوناني ميندر (342 / 341 – 290 ق.م) هو سيد الكوميديا الحديثة ، وهو مؤلف لأكثر من مئة كوميديا وحصد جوائز عديدة ، منها ثمانية مرات فاز بجوائز في إحتفالات لينيا في مدينة آثينا ، ولكن لا يوجد له ذكر في سجلات إحتفالات مدينة ديونسيا [41].

إثنتا عشر – مسرحية اليتيم أياون وهي دراما رومانتيكية ويُعتقد بأن يوربيديس كتبها ما بين عام 414 ق.م وعام 412 ق.م وهي تدور حول قصة الطفل اليتيم أياون الذي يبحث عن إصوله بعد إن كان ضحية قدره الذي رسمه الإله أبولو وإمه كروازا والتي إختلى بها الإله أبولو وحملت بالطفل أياون وهي قصة أخفتها كروازا وخوفاً من الفضيحة فإنها تخلت عنه في الكهف ، إلا إن للإله أبولو خطته مع الطفل أياون وتركه لإكتشاف الحقيقة بنفسه بعدما ذهب إلى أثينا . وإن شهادة الألهة أقنعوا أياون بأنه إبن الإله آبولو وإن إمه كروزا . وإن آثينا من طرفها أخبرتهم بعدم إخبار إكسوثوس زوج كروزا بأي شئ وحمله على الإعتقاد بأن أياون هو ولده الحقيقي . وإن المسرحية هي دراما بحث أياون عن إصوله الحقيقية ومن ثم في النهاية إكتشافه لها [42].

ثلاثة عشر – مسرحية هيلين و دراما رومانتيكية وتدور حول شخصية هيلين الطروادية أو هيلين الإسبارطية [43]. وهي دراما كتبها يوربيديس وأنتجها مسرحياً في إحتفالات مدينة ديونسيا ، وبالتحديد في عام 412 ق.م . وهي ثلاثية ضمت معها مسرحية يوربيديس الضائعة والتي كانت بعنوان إندرومكي أو إندروماش . ومسرحية هيلين من طرف موضوعها تشارك فيه عمل مسرحي آخر ، كتبه يوربيديس ويحمل عنوان إيفيجينيا في أوليس . ودراما هيلين كُتبت بعد الإستعراض العسكري الأثيني في مدينة سيسلي (صقلية بالعربية) والذي حدث للفترة ما بين 415 ق.م و 413 ق.م وتحديداً خلال الحرب البلوبونيزية [44].

  ومن الزاوية التاريخية فإن مسرحية هيلين كُتبت في الفترة التي كانت تُعاني فيها مدينة آثينا من هزيمة كبيرة . وهي بالطبع حملت السفسطائيين [45]على الجدل وإثارة الأسئلة حول القيم التقليدية والعقائد الدينية . وفي ظل هذه الأجواء الثقافية كتب يوربيديس هذه المسرحية ، ومن ثم ذهب إلى إن الحروب هي جذور كل الشرور [46]. وحسب الميثالوجيا اليونانية فإن هيلن هي بنت الإله زيوس وأمها ليديا . وهيلن هي من أجمل نساء العالم ومن خلال زواجها من الملك ميلاوس أصبحت ملكة لاكونيا (محافظة في يونان هوميروس) ومن ثم إختطفها باريس أمير طروادة .. [47].

   والحقيقة إن هناك جدلاً بين الأكاديميين الغربيين ، سببه إشكال كبير في مسرحية هيلن ، ويصعد إلى مصدر قديم وله سلطة معرفية . وهذا المصدر هو المؤرخ اليوناني هيرودتس حيث كان يجادل قبل مسرحية هيلن بحدود ثلاثين سنة وفي كتابه المشهور التواريخ [48]، ويذهب إلى إن هلين ” لم تصل إلى طروادة على الإطلاق . إلا إنها كانت في مصر وخلال فترة الحرب الطروادية كاملة . ومن الملاحظ إن مسرحية هيلن تكلمت عن صور مختلفة من قصة هيلن ؛ منها إنها بدلاً من الذهاب مع باريس إلى طروادة ، فإن الألهة في الواقع قادتها إلى  مصر . ومنها إن هيلن هربت مع باريس وخانت زوجها وتنكرت لبلدها .. ومنها إن هلين فتحت باب صراع إستمر سنوات عشر .. ومنها إن باريس وعد هلين أجمل إمرأة في العالم بإسم الإلهة إفروديت (إلهة الحب والجمال والشهوة ..) [49]ولذلك وازن بين عدالة إفروديت مقارنة بأفعال الإلهات كل من أثينا (إلهة الحكمة والشجاعة والإلهام والعدل والقانون ..)[50] والإلهة حيرا (إلهة النساء والزواج ..) وترتب على ذلك إن الإلهة حيرا[51] أمرت هيرمس (وهو إبن رب الأرباب زيوس .. وبالطبع هيرمس هو رسول الألهة ويتوسط بين عالم الأموات والعالم الإلهي ..)[52] أن يُغير مكانة هلين . وفعلاً فإن هلين إختفت في مصر لسنيين . بينما أخذ اليونانيون والطرواديون يلعنون هلين لأنهم تصوروا إنها مجرد زانية . والطرف الآخر من قصة هلين يحكي أطراف حياتها في مصر ، حيث إن الملك المصري بروتيوس وفر حماية إلى هلين ، إلا إنه توفي ومن ثم أصبح ولده ثيوكليمنيوس ملكاً جديداً ، وكان صاحب نزعة معادية إلى اليونان ويميل إلى قتلهم ، ويتطلع إلى الزواج من هلين . غير إن هلين بعد كل هذه السنيين ظلت آمينة لزوجها مينلاوس ومحافظة على إخلاصها له [53].   

رابعة عشر – تراجيديا النساء الفينيقيات وكتبها يوربيديس[54] إعتماداً على القصة ذاتها التي كتبها إسخليوس والتي حملت عنوان ” سبعة ضد طيبيا [55] وهي المسرحية الثالثة من ثلاثية إسخليوس التي حملت عنوان أودبيوس والتي كتبها عام 467 ق.م وحصلت على الجائزة الأولى في إحتفالات مدينة ديونسيا . وإن المسرحيتين الأوليتين وهما مسرحية لايوس ومسرحية أوديب إضافة إلى كوميديا سيفنك (أبو الهول) فإن لاوجود لها [56].

  وعنوان النساء الفينيقيات هو إشارة إلى الكورس اليوناني أي مجموعة المنشدات وهو في الحقيقة تكون من النساء الفينيقيات اللائي كن في طريقهن إلى معبد دلفى . إلا إنهن وقعن في حصار طيبيا بسبب الحرب . والواقع إن هذه المسرحية لا تشبه مسرحيات يوربيديس الأخرى ؛ فالكورس لم يلعب دوراً مهماً في حبكة المسرحية . وإنما كان يمثل مجموعة ناس أبرياء ومحايدون ، وجدوا أنفسهم في مواقف الحرب . وبالطبع إن موضوع المسرحية (الثيما) الأساس هو المشاعر الوطنية والتي كانت مهيمنة وأكثر أهمية في حكاية المسرحية . والأمثلة على ذلك كثيرة منها إن بولوتيكوس (وهو إبن أودبيوس) كان يتكلم بفخر عن حبه لمدينة طيبيا بالرغم من إنه جلب معه جيشاً جراراً لتدميرها . وكراين مثلاً آخر فقد أجبر على الإختيار الصعب بين إنقاذ المدينة وإنقاذ حياة ولده . ومن الثابت تاريخياً إن يوربيديس كتب هذه المسرحية حوالي عام 408 أي قبل وفاته بسنتين وبتأثير هزيمة بلده آثينا والتي كانت بالطبع حاصل هزيمة عسكرية كبيرة [57].

    ولاحظنا إن نص هذه المسرحية على حد عدد من الأكاديميين الغربيين ، كان نصاً فقيراً ، ولذلك ذهب البعض منهم إلى الإعتقاد بأن المسرحية كاملة تعود إسلوب الفترة التي جاءت بعد يوربيديس (أو مابعد اليوربيديسية) وهذا جاء من ملاحظتهم إلى سيطرة إسلوب يوربيديس المتأخر . وفعلاً هذا ما لاحظه البروفسور دونالد ج . ماستروندا وهو أستاذ الكلاسيكيات في جامعة كليفورنيا – براكلي [58]

خامسة عشر – تراجيديا أورستس وهي مسرحية أنتجها يوربيديس على خشبة المسرح سنة 408 ق.م . وهي تتابع الأحداث التي عاشها بطلها أورستس بعد قتله لأمه (وهو إبن كل من إجاممنون وكليمنسترا) [59]. وعلى أساس نصيحة تلقاها أورستس من الإله جوبيتر قام بقتل إمه  كليمنسترا وذلك لقتلها والده إجاممنون . وإدعت إلكترا (أخت أورستس) بأن أخيها مجنون في حين إن السياسيين كانوا يتطلعون إلى إنزال عقوبة الإعدام بحقه . إلا إن آمل أورستس الوحيد لإنقاذ حياته ، هو الإتكال على عمه ميلاوس ملك ميسينيا (إسبرطا) وزوج هلين الطروادية والذي عاد بعد سنوات من طروادة وبضع سنوات من الحياة المترفة في مصر .

  ولاحظ الأكاديميون الغربيون إن مصادر هذه المسرحية جاءت أحداثها بعد حوادث وردت في مسرحيات من مثل إلكترا التي كتبها يوربيديس بقلمه . وكذلك جاءت من مسرحية إسخيلوس والتي حملت عنوان أورستيا وكذلك لها علاقة بأحداث مسرحية يوربيديس التي حملت عنوان إندروماش والتي أنتجها يوربيديس مسرحياً ما بين 428 و425 ق.م [60].     

سادسة عشر – تراجيديا الباكاي أو الباكوسيات وتم تمثيلها سنة 405 ق.م وعلى مسرح ديونسيوس وبعد سنة واحدة من موت الشاعر اليوناني يوربيديس وفازت بالجائزة الأولى [61]. وهذه المسرحية هي واحدة من ثلاثية وكانت تضم إليها كل من تراجيديا إيفيجينيا في أوليس وألسمون في كورنثيا . وتراجيديا ألسمون في كورنيثيا ضاعت ولم تبقى منها سوى فقرات . ومن ثم قام الكاتب المسرحي الإيرلندي المعاصر كولن تيفن (ولد سنة 1968 – حياً) بإعادة تركيبها عام 2005 [62]. وبالمناسبة إن الباكاي وكذلك الباكوسيات هم مجموعة من أتباع الديانة اليونانية الديونسيوسية (أتباع ديونسيوس) [63]. وكتبها يوربيديس في سنواته الآخيرة حيث يومها كان يعيش في مقدونيا ، وفي بلاط الملك المقدوني آرخليوس الأول (والذي إستمر حكمه للفترة من 413 ق.م وحتى 399 ق.م [64].

سابعة عشر – تراجيديا إيفيجينيا في أوليس وهذه المسرحية تُرجمت العديد من المرات ومن ضمنها إلى اللغة اللاتينية (ولذلك نحسب إنها توفرت للفيلسوف الروماني باللغتين اليونانية واللاتينية وهي لغته الأم وبوزن اللغة اليونانية) . وكتبها يوربيديس ما بين عام 408 ق.م وبعد مسرحية أورستس وعام 406 ق.م وهي السنة التي مات فيها يوربيديس . وأنتجت تراجيديا إيفيجينيا في أوليس مسرحياً في السنة التي تلت موت يوربيديس وهناك رأي يذهب إلى إن إبنه (أو إبن إخيه أو إخته) يوربيديس الصغير هو الذي أعدها إلى المسرح وفازت بالدرجة الأولى في إحتفالات مدينة ديونسيا الآثينية [65].

  وتدور المسرحية حول شخصية إجاممنون وهو قائد التحالف اليوناني قبل وخلال الحرب الطروادية ، وقراره بتقديم إبنته إيفيجينيا قربان إسترضاء إلى الإلهة آرتيمس وذلك لتسمح لقوات الجيش بالإبحار بسلام وشرف حتى تذهب للقتال ضد طروادة . وهناك كما يبدو نوعاً من  التشابه في صراع إجاممنون في تراجيديا إيفيجينيا في أوليس والصراع بين إجاممنون وآخيل والذي كان يدور كذلك حول مصير إمرآة شابة تم نذرها قرباناً ، وهو الصراع بين الأثنين في بداية الإلياذة التي كتبها هوميروس [66]. وبالتحديد في تصوير يوربيديس للشخصيات الرئيسية حيث غالباً ما يستعمل المفارقة التراجيدية من أجل التأثير الدرامي [67].

ثامنة عشر – تراجيديا رسوس[68] وهي تراجيديا آثينية كتبها أو أنتجها يوربيديس حوال عام 445 ق.م حسب التاريخ الذي وضعه المترجم على غلاف التراجيديا [69]. ويجري الحديث عن هذه المسرحية في دوائر الغرب الثقافية وخصوصاً المعنية بمسرح يوربيديس ، إلى إنها تنتمي إلى فترة التحولات التي حدثت على مسرحيات يوربيديس ولذلك فإن نسبتها إلى يوربيديس هي موضوع جدل مستمر وحالها مثلما كان حالها في الماضي حيث لم يُحسم الجدل حول حقيقة مؤلفها الأصلي  [70].

   ويصعد تاريخ الجدل حول حقيقة مؤلف هذه المسرحية تقريباً إلى القرن السابع عشر وبالتحديد مع رجل الدين الإيطالي والباحث الأكاديمي جوزيف يوستس إسكاليه (1540 – 1609)[71] الذي تحدى نسبة هذه المسرحية إلى يوربيديس ومن ثم تابعه عدد من الأكاديميين . وكان تحديه ينهض على العديد من الأسس ، منها أسس جمالية . ومنها أسس الغرابة حيث تداولت المسرحية مفردات غريبة . ومنها أسس الإسلوب والتقنيات [72]

تاسعة عشر – تراجيديا سيكلوبس أو العملاق[73] وحالها حال مسرحية يوربيديس الأولى حيث عاد يوربيديس إلى مزج الترجيديا بعناصر كوميدية وهو شكل تخلى عنه لفترة بعيدة . وإن هذه العودة إلى الإسلوب القديم تثير الكثير من الأسئلة حول تاريخ تأليف هذه المسرحية ومعروف إن تاريخ كتابة هذه المسرحية غير معروف . ونحن نُرجح إنها من النصوص القديمة التي كتبها في مرحلة متقدمة وتركها في حينها جانباً .

  ولاحظنا إن المترجم الإنكليزي لمسرحية سيكلوبس أو العملاق ، السيد جورج ثيودوريدس يقترح تاريخ تمثيلها هو عام 428 ق.م وفعلاً فقد وضع ذلك على غلاف المسرحية [74]. ومن المعروف تاريخياً إن يوربيديس مات سنة 406 ق.م ، فهذا مؤشر يدلل على إنه كتبها ومن ثم تم تمثيلها قبل موته بإثنتين وعشرين سنة هذا طرف . ومن طرف مقارنة تاريخها مع تاريخ مسرحيته الأولى ألسيتس (وبالطبع إن جنسها الأدبي مشابه تماماً إلى جنس مسرحية سيكلوبس) وكتب ألسيتس عام 438 ق.م . فهذا يدلل على إن يوربيديس كتب مسرحية سيكلوبس بعد عشر سنوات من مسرحيته أليستس . وعلى أساس منهج المقارنة التاريخي ، نحسب إنه إنتج سيكلوبس مسرحياً في الفترة ذاتها التي كتب وأنتج مسرحياً تراجيديته الرابعة والتي حملت عنوان هيبوليتوس أي عام 428 ق.م .

  ويبدو إن يوربيديس لم يُكمل نص مسرحية سيكلوبس بصورة كاملة وتركها ناقصة ، وإن القسم الوحيد الذي ظل محفوظاً وخالداً ، هو الجزء الكوميدي من المسرحية ويبدو إن الجزء التراجيدي لم يكمله أو إنه ضاع لأسباب شتى . وعلى النص الكوميدي الباقي يُرجح الأكاديميون الغربيون إن إصوله أو ربما تفاصيل قصته مشابهة لتفاصيل قصة أوديسا التي كتبها الشاعر اليوناني هوميروس في الكتاب التاسع [75].

  ولاحظنا إن الحديث يجري بصورة واسعة في الأوساط الأكاديمية الغربية ، عن ضياع الكثير من الأعمال المسرحية التي كتبها الشاعر اليوناني يوربيديس . ولهذا سنركز في هذا الطرف من البحث على المسرحيات اليوربيديسية الضائعة والتي وصلتنا عنها معلومات عنها . والواقع إن هناك العديد من المقتطفات تتوافر لدينا عنها . وهي مقتطفات وردت في بطون أعمال كتها آخرون . وبعض هذه المقتطفات لا يتجاوز البيت الشعري الواحد وبعضها قطع شعرية أو نثرية وتصعد إلى تاريخ بعيد ويوم إكتشافها كانت مكتوبة على أوراق البردي . وكان بعضها نُسخ جزئية من مخطوطة . بينما كان بعض منها أجزاء من مجموع جاء على صورة موجزات في حين إكتشافها كانت مكتوبة على أوراق البردي . والبعض الأخر من هذه المقتطفات جاءنا من خلال أعمال الكاتب المسرحي الكوميدي آرسطوفان .

   كما وتوافرت بعض المقتطفات الكبيرة بدرجات ما ، حيث سمحت لبعض الكتاب من العمل الجاد على إعادة تركيبها وتقديمها نصوصاً مفقودة للكاتب اليوناني يوربيديس . وفعلاً فقد لاحظنا إن هذا العمل في مقتطفات يوربيديس المحفوظة ألف مجلدين مع ترجمة لها ومداخل وملاحظات ، والتي قام بنشرها كريستفور كولر وآخرون ، وضمت مسرحيات يوربيديس من مثل مسرحيات ؛ تلفوس ، وكريتين (أو النساء الكريتيات) ، إستينبويا ، بليرفون ، كريفونتس ، إركثوس ، فيثون ، الحكيم أو الفيلسوف ميلنبيب ، والسجين ميلنبيب [76].

  وكذلك فقد نشرت مكتبة لوب الكلاسيكية ، مجلدين من مسرحيات يوربيديس والتي بقيت منها مقتطفات فقط [77]. وهناك دراسات نقدية قام بها معجم ويبستر وبعنوان تراجيديات يوربيديس القديمة [78]. ويُعتقد إن تأسيسها كان على أفضل المسرحيات التي تم إعادة تركيبها من هذه المقتطفات .

  وإستكمالاً للبحث نسعى إلى الوقوف على قائمة من مسرحيات يوربيديس التي تم تأسيسها على بعض المقتطفات والتي وردت في كتابات ومصادر الأكاديميين الغربيين وبالشكل الآتي :

1 – تراجيديا بلياديس وهي من تراجيديات يوربيديس المبكرة ، والتي شارك بها في إحتفالات مدينة ديونسيا الأثينية عام 455 . إلا إنه لم يفوز بأي جائزة . وهي تنهض على إسطورة يونانية بعنوان بلياديس وهن بنات الملك بيلياس ملك مدينة إياولكس اليونانية القديمة [79].

2 – مسرحية تلفوس وكتبها يوربيديس سنة 438 ق . وفعلاً فقد ألفها مع مسرحية ألسيتس . وتلفوس تعني ” الأكثر إشعاعاً وإشراقاً ” . وهو إبن هيركلز (هرقل بالعربية) وتطلع إلى أن يكون ملكاً حسب الإسطورة على ” تكي – كريت ” في اليونان القديمة إلا إنه أصبح ملكاً على ميسيا وتقع على الساحل الجنوبي لبحر مرمرة (اليوم تركيا الحديثة) . ومن ثم جُرح تلفوس عندما الهجوم على طروادة الأشنس (وهم من العبيد) وجلبوا معهم هلين إلى إسبرطا [80].

3 – مسرحية الكميان في بيسوفس وهي مسرحية كتبها يوربيديس ، وتُعد اليوم من المسرحيات الضائعة . إلا إن من حسن الحظ بقيت فقرات قليلة منها . وقد تم إنتاجها للمسرح لأول مرة عام 438 ق.م . وهي واحدة من رباعية شملت بالإضافة إليها كل من مسرحية ألسيتس والمسرحية الضائعة نساء كريتيات و تلفوس [81].

4 – المسرحية الضائعة نساء كريتيات وكل ما نعرف عنها إنها كانت جزء من رباعية ونشرت مع مسرحية ألسيتس ويُرجح تاريخها يصعد إلى عام 438 ق.م [82].

5 – مسرحية كريتيون أو ربما كريتيات ويبدو لنا إن هذه المسرحية هي ذاتها المسرحية التي جاء ذكرها أعلاه وهي مسرحية نساء كريتيات . غير إن هناك تحدي يواجهنا في هذا الإفتراض وهو تاريخها فقد ذكرنا سابقاً إلى إن تاريخ نساء كريتيات يصعد إلى عام 438 وعلى إفتراض إنها نُشرت مع مسرحية ألسيتس . أما تاريخ الكريتيون أو الكريتيات فيصعد إلى ” حوالي عام 345 ق.م ” . ولاحظنا إن الحديث عن هذه المسرحية جاء عارياً ودون مصدر أو سند تاريخي .

6 – تراجيديا فيلوكتيتيس وهي دراما كتبها الشاعر الأثيني يوربيديس . ويحتمل الأكاديميون الغربيون إلى إن يوربيديس أنتجها مسرحياً لأول مرة عام 431 ق.م وبالتحديد شارك فيها في إحتفالات مدينة ديونسيا الأثينية . ويومها كانت مسرحية فيلوكتيتيس جزء من مسرحية رباعية ضمت بالإضافة إليها مسرحية ميديا المشهورة والتي حصل بها على الجائزة الثالثة . ويتحدث الأكاديميون الغربيون اليوم عن مسرحية فيلوكتيتيس على إنها من المسرحيات الضائعة إلا إن القليل من الفقرات ظلت محفوظة خالدة تحكي قصة هذه المسرحية . وإضافة إلى كل ذلك فإننا اليوم نعرف حبكة مسرحية فيلوكتيتيس من خلال كتابات السفسطائي ديو كريسستم (باليونانية تعني ديو أبو فم الذهب) (حوالي 40 – 115 ميلادية) [83]. وقام الفيلسوف ديو أبو فم الذهب بالمقارنة بين مسرحيات فيلوكتيتيس عند كل من إسخليوس [84] وسوفوكلس [85] ويوربيديس [86]. وعلى الأخص إجراء المقارنة مع نص إقتباس يوربيديس لبداية مسرحية فيلوكتيتيس ومن ثم قيامه بإعادة صياغتها من جديد والإشكال الذي وقع فيه برأي واحد من الكتاب الغربيين [87].

  ومن المفيد الإشارة إلى إن عشرين فقرة من فيلوكتيتيس يوربيديس ظلت محفوظة وخالدة ، وهي تؤلف أربعين بيتاً (أو سطراً) . كما يعرف الأكاديميون الغربيون إن حبكة المسرحية جاءت من خلال الموجز المقارنة التي عقدها السفسطائي ديو أبو فم الذهب مع فيلوكتيتيس يوربيديس وإسخليوس (وهناك إحتمال إلى إن إسخليوس كتبها في سبعينيات القرن الخامس ق.م) وسوفوكلس (كتبها عام 409 ق.م) إضافة إلى إقتباسات ديو المبكرة [88].

7 – مسرحية ديتيس أو ديتيس الكريتي ونشرها يوربيديس سوية مع مسرحية ميديا سنة 431 ق.م . وكان ديتيس الكريتي كاتب حوليات الحرب الطروادية وهي عمل نثري تألف من ستة كتب وهي بنظر الأكاديميين الغربيين أول نسخة كُتبت وإحتوت على أول تفسير للحرب الطروادية بقلم ديتيس الذي خدم في الحرب مع الملك الكريتي الخيالي أيادمينيس [89].

8 – مسرحية ترستي وتعني الحصادون ، وهي مسرحية ساخرة ضائعة . ويُذكر إلى إنها نُفذت مسرحياً في إحتفالات مدينة ديونسيا الأثينية سنة 431 . وهي واحدة من أربعة مسرحيات والتي شملت بالإضافة إليها مسرحيات من مثل ؛ ميديا وفيلوكتيتيس وديتيس . وحصل بها يوربيديس على الجائزة الثالثة وجاءت بعد تراجيديات كل من يورفوريان وهو إبن الكاتب المسرحي الأثيني إسخليوس ويوفوريان فازة بالجائزة الأولى وتبعه سوفوكلس الذي فاز بالجائزة الثانية ومن ثم يوربيديس [90].

 وفي بواكير عام 200 ق.م ضاعت هذه التراجيديا (أي تراجيديا الحصادون) كما أشار آرسطوفان البيزنطي (ولد حوالي 250 في بيزنطيا – ومات حوالي 185 / 180 ق.م)[91]ولم تبقى منها فقرة واحدة على الإطلاق . ولكن لاحظنا إن هناك من يعتقد بأن الحصادون هو عنوان بديل لمسرحية يوربيديس الضائعة والتي كانت بعنوان سايلس والتي بقيت منها فقرات خالدة [92].

9 – تراجيديا إستينبويا وكتبها يوربيديس أو أخرجها مسرحياً قبل عام 429 ق.م وهي من المسرحيات الضائعة [93]. وتعني إستينبويا بالعربية البقرة القوية ، وهي بالإسطورة اليونانية بنت إيابوتس أو جوبتس ملك لقيا (تركيا الحالية) [94]. كما إن إستينبويا من طرف آخر ، هي واحدة من الرموز الإنثوية (بإصطلاحات عصرنا شخصية فمنستية) ولذلك أطلق على هذا النمط من النساء هذا الإسم (إستينبويا) ليعني ” ملكات القطيع ” والذي يشمل فيربويا ويعني ” جلب القطيع ” ومن ثم بوليبويا وتعني ” تستحق الكثير من القطيع [95]. وكان القطيع في عالم اليونان يومذاك مصدر الثروة والغناء ومن المعلوم إن اليونانيين إعتادوا على وصف الغنى والثروة بكلمات من مثل ” غني بالقطيع ” . وكل هذا حمل دلالة على السلطة الإجتماعية والسلطة الدينية والمتمثل بحضور الإلهة حيرا . كما وإن عنوان ملكات القطيع هو رمز يدل على المهر العالي (الصداق) للعروس [96].

10 – تراجيديا بيلليروفون وهي مسرحية كتبها يوربيديس حوالي سنة 430 ق.م وأنشأها على أساس إسطورة بيلليروفون . وإن أغلب هذه التراجيديا قد ضاع في نهايات العالم القديم ، ولم يبق منها سوى تسعين بيتاً من الشعر والذي يضم بمجمله تسع وعشرين فقرة فقط ، وهي الفقرات الوحيدة التي ظلت خالدة منها . ولاحظنا إن هناك جدلاً بين معظم النقاد الغربيين في العصر الحديث ، وإنه لا يوجد إتفاق بينهم حول حقيقة حبكة تراجيديا بيلليروفون . إلا إن المتبقي من المسرحية كشف عن إن بدايتها المسرحي كانت مع بيلليروفون وهو على ظهر فرسه المجنح بيغاسوس والطائر في الفضاء . ويبدو إن بيلليروفون بعد إن خسر كل شئ ، فإن الحياة والعيش مع والده غلوكوس وحصانه بيغاوس قد وصلت إلى درجات اليأس العالية . وهذا الحال حمل بيلليروفون على الإعتقاد ” بأن الألهة غير موجودة على الإطلاق ” . إلا إن بيلليروفون قرر الإستمرار في رحلته ومن ثم العروج إلى قمة جبل الأولمبس وتقديم شكره على نعمة وقابلية طيران بيغاسوس (الحصان المجنح) . والحقيقة إن الدافع لفعل العروج إلى قمة جبل الأولمب تظل غير واضحة . ورغم ذلك فإن بيغاسوس حط بسلام مع خياله وجلب معه بيلليروفون الجريح . وعندها شعر بيلليروفون بالندم من سلوكه الهرطقي (الإلحادي) وفي النهاية مات بيلليروفون [97].

11 – تراجيديا كريسفونتس وهي واحدة من تراجيديات يوربيديس الضائعة والتي كتبها أو ربما أنتجها مسرحياً لأول حوالي عام 425 ق.م . وهي مؤسسة على إسطورة يونانية قديمة تتحدث عن قصة ميروبي ملكة ميسينيا بعد مقتل زوجها كريسفونتس ملك ميسينيا وإثنان من أولاده الكبار وأولاد ميروبي وإرغام ميروبي على الزواج من القاتل بوليفوتنس . والإسطورة اليونانية تذهب إلى نجاح ميروبي إلى إخفاء ولدها الصغير إيبايتس والذي تمكن بعد سنين من الإنتقام وقتل القاتل بوليفوتنس وبالتعاون مع والدته ميروبي . وهكذا إنتقم ” بوليفوتنس لوالده وإخوته ومن الإعتداء على والدته ” [98].

12 – تراجيديا إركثيس وهي مسرحية ضائعة كتبها يوربيديس ما بين عامي 423 و422 ق.م ولاحظنا إن الأكاديميين الغربيين يتحدثون عن إمساكهم بمقطع مهم من تراجيديا إركثيس الضائعة . ولعل ما يُميز هذا المقطع هو إنه عرض مثال إنموذج على النساء البطلات في القرن الرابع . وفعلاً فإن هذا المقطع ورد في كتابات الخطيب الأثيني يكورغوس الأثيني (390 – 324 ق.م) [99]وفيه وردت توقعات الإسطورة والتي ذهبت إلى إن الجيش التراقي الذي يقوده بومولبس هدد الأثينيين ، مما حمل ملك آثينا إركثيس على إستشارة وحي معبد دلفي وعلم بأن المدينة ستكون آمنة بشرط أن يُضحي الملك بواحدة من بناته الثلاث . ومن طرف زوجته براكسثيا فقد عرضت موافقتها على قرار زوجها ، وبدأت جدلها بإفتراض إن واحدة من بناتها كان ولداً فهي سوف لن تمانع وسترسله إلى الخطوط الأمامية للحرب . أمامن طرف بناتها فقد أقسمن اليمين على إن التضحية بواحدة منهن فإن ذلك يتطلب موت الباقيات كذلك . وخلال هذا الجدل هاجم التراقيون المدينة . وكان الحاصل موت الملك إركثيس وقد فاز هو وبناته بشرف الطائفة وتحولت الوالدة براكسثيا إلى القديسة الأولى لآلهة آثينا [100].  ويحسبُ الأكاديميون الغربيون إن شخصية إركثيس الإسطوري قد تم مزجها بشخصية  إركثيس التاريخي في شخصية واحدة في تراجيديا يوربيديس إركثيس . إلا إن بلوتارك دمج الأسمين سوية في صياغة الإسطورة ومن ثم أعاد ولادة إركثيس من جديد [101]. وبالطبع إن بلوتارك عمل ذلك بعد وفاة الفيلسوف الروماني سينيكا حيث إن عمر بلوتارك كان إبن العشرين ربيعاً وأن سينيكا كان يومها إبن التاسعة والستين وقد أرغم على الإنتحار بشرب السم وذلك لإعترافه بأنه شارك في مناقشة أطراف من مؤامرة إغتيال الإمبراطور الروماني الطاغية نيرون (37 – 68 ق.م) [102].

13 – تراجيديا فايتون [103]هي مسرحية كتبها يوربيديس حوالي عام 420 ق.م . وفايتون هو شخصية من شخصيات الإسطورة اليونانية وكان مشهوراً عنه بإنه إبن إيوس وأمه ميروبي . والإسم فايتون يعني ” الشخص المُشع ” .  والحقيقة إن هذا النص إعتمد كما صرح بروفسور الأدب اليوناني واللاتيني جيمس ديكل على فقرات قام بإعادة تركيبها من مصدرين ؛ الأول مخطوطة يوربيديس التي كُتبت بحدود 500 ميلادية . والثاني مخطوطة مكتوبة على ورق البردي وجاءت من القرن الثالث قبل الميلاد . وهذه المصادر كانت تضم العديد من الإقتباسات من المؤلفين الكلاسيكيين ومن ثم طُبعت حديثاً على صورة فقرات . وبعد ذلك قام البروفسور ديكل بفحصها ومن ثم التدقيق في كل أطراف المخطوطات ومن خلال تفكيك الرموز وحل شفرتها . ومن ثم قدم شروحاً وأرفقها بإضافات إضافة إلى إنه قدم معالجة لأسطورة فايتون في ضوء الأدب الكلاسيكي كما وثابر في إعادة تركيب حبكة المسرحية [104].

14 – تراجيديا الحكيمة أو الفيلسوفة ميلينبي ونشرها يوربيديس حوالي سنة 420 ق.م غير إننا وجدنا إن هناك من يعتقد إن يوربيديس كتبها قبل عام 411 ق.م [105]. ونحسب إن لا خلاف في التاريخين (أي تاريخ الكتابة وتاريخ النشر) وذلك لسبب بسيط وهو إن تاريخ نشر تراجيديا الحكيمة ميلينبي أو إنتاجها مسرحياً كان متوافقاً مع نشر وإنتاج تراجيديا نساء طرواديات .

15 – تراجيديا إلكسندروس [106]ويبدو لنا إن يوربيديس نشرها أو إنتهى من كتباتها في عام 415 ق.م ونشرها أو أنتجها مسرحياً بصحبة تراجيديا نساء طرواديات . وتفترض هذه المسرحية إن العبد والراعي إلكسندروس شارك في جمناستيك المنافسة الذي أقيم لتشريف إبن الملك باريس في طروادة . وإن الأمير الطروادي هُزم وخسر النزال . وهناك جدل حول إنتصار العبد إلكسندروس ، وهل يمكن الإعتراف بفوزه ؟ أم لا ؟ ومن ثم تحول الجدل نحو شواطئ مخالفة حيث إنها إفترضت إن إلكسندروس هو الذي يُعتقد إن مات على يد باريس . والسؤال كيف ؟ وذلك بسبب النبؤة فإن الأمير تمظهر في قمم جبال إيدا (تركيا الحالية) فأخذه الرعاة وإعتنوا بتربيته وبعد التعرف عليه وظهر إن إبن الملك جُلب إلى طروادة . وبها تكون قد تحققت النبؤة وتم تدمير طروادة [107].

16 – تراجيديا بالميديس كتبها يوربيديس أو ربما أنتجها مسرحياً في سنة 415 ق.م بالتزامن مع تراجيديا نساء طرواديات . ولم تبقى منها مع الأسف إلا بضع شذرات [108]. وفي الإسطورة اليونانية بالميديس هو إبن الملك ناوبليوس ملك إيبويا وحينها قد إلتحق بالميديس مع حشود اليونانيين في حملة الحرب ضد طروادة . ويوربيديس حاله مثل حال إفلاطون وآخرون ركز على قدر بالميديس أي الحديث عن تراجيديا موت بالميديس . ومن المناسب أن نذكر هنا إلى إن أوديسا لعب دوراً عدائياً ضد بالميديس بعد أن تحركت مشاعر الحسد في دواخل أوديسا وخصوصاً الحسد من ذكاء بالميديس وإختراعه للألف باء فكتب رسالة فيها دليل إتهام بالميديس بالتأمر مع الأعداء .. وهكذا رسم أوديسا نهاية بالميديس التراجيدية [109].    وكما قلنا سابقاً إنه لم يبقى من هذه التراجيديا سوى بضع شذرات قليلة . وكذلك ضاعت تراجيديا بالميديس التي كتبها إسخليوس وايضاً كم نحن غير محظوظين فقد ضاعت تراجيديا سوفوكلس والتي حملت عنوان ناوبليوس (وهو والد بالميديس) [110]. ولعل الحاصل من كل ذلك خيبة آمل حيث ضاعت علينا فرصة الحفر المعرفي عن حقيقة تراجيديا بالميديس .

17 – كوميديا سيزيف وظلت منها شذرة يتيمة والمسرحية بجملتها تصعد إلى القرن الخامس قبل الميلاد . وهي مسرحية ساخرة ونشرها يوربيديس أو ربما أنتجها مسرحياً مع تراجيديا نساء طرواديات سنة 415 قبل الميلاد [111]. ويُعتقد إن مسرحية سيزيف قد إحتوت على حجة إلحادية . والحقيقة إن هناك جدل بين الأكاديميين الغربيين حول المؤلف الحقيقي لهذه الشذرة من إسطورة سيزيف ، وظل السؤال قائماً ولم يُحسم تماماً . وبالمقابل وجدنا ترجيحات تسود البحث الأكاديمي الغربي في هذا المضمار . فمثلاً لاحظنا إن عدداً من الباحثين وبنسبة ملحوظة ينسبونها إلى الكاتب والرمز السياسي الأثيني الكبير كريتياس (حوالي 460 – 403 ق.م) [112]وبالطبع من بينهم الفيلسوف الشكي سكستوس إمبيريكوس (160 – 210 م) . وفعلاً فقد جاء في شذرة كريتياس المنتزعة من رسالة إمبيريكوس والتي حملت عنوان ” ضد رجال الرياضيات ” فقد إفترض ” إن كريتياس هو كريتياس ذاته خال إفلاطون (منا : الحقيقة هو خال أم إفلاطون) وكان قائداً للطغاة الثلاثين والذين حكموا آثينا في نهاية الحرب البولبونزية . وهذا الإقتباس على العموم منقول من تراجيديا أو دراما ساخرة تُدعى سيزيف ، وهو في جوهره خطاب وضع على لسان واحدة من الشخصيات . وإذا كان كريتياس التاريخي هو مصدرها ، فإن هذه المخطوطة تعود إلى القرن الخامس ق.م . وهي على أية حال تعكس تقريباً أفكار ذلك العصر ” [113].

  بينما زعم عدد آخر من الباحثين بأن يوربيديس هو المؤلف الحقيقي لتراجيديا سيزيف . وجادل آخرون وذهبوا إلى إن كريتياس إكتسب سمعة واسعة على أساس إنه كان ملحداً في تاريخ التراث اليوناني القديم . وإن هذه السمعة قد إرتبطت بتأليفه لهذه الشذرة من إسطورة سيزيف [114].

18 – تراجيديا السجينة أو المُعتقلة ميليبني (وبالطبع ميليبني هي أنثى) وكتبها يوربيديس أو أنتجها مسرحياً سنة 412 أو 413 ق.م [115]. وهي اليوم من المسرحيات الضائعة والتي لم يبقى منها سوى شذرة يتيمة واحدة . ولاحظنا في هذه الشذرة قد وضع يوربيديس على لسان بطلة المسرحية دعوة تذهب إلى توصيف عمل المرأة الأساس وهو الإهتمام بالقضايا الدينية والتي تبدأ منذ اللحظة الأولى للنبؤة وإلإعلان عن إشارات الوحي وحتى قيامها بإنجاز كل الخدمات والشعائر الدينية للألهة [116].

19 – تراجيديا إندروميدا وهي من مسرحيات يوربيديس الضائعة ، وهي بالطبع مؤسسة على إسطورة إندروميدا وأنتجها مسرحياً لأول مرة عام 412 ق.م . وهي في الأصل جزء من ثلاثيية وضمت بالإضافة إليها مسرحية يوربيديس التي حملت عنوان هلين [117]. وإندروميدا تحول فيما بعد إلى إسم لاتيني ويعني حاكمة الرجال وهي بنت الملك الأثيوبي شيفوس وبنت زوجته كاسوبيا . وخطيئة إندروميدا إنها كانت الأكثر جمالاً ، فإن وحش البحر إنتقم من آثيوبيا عقوبة إلهية [118]. ولذلك تم تجريدها من ملابسها وربطها عارية إلى صخرة كبيرة وتقديمها ضحية إلى وحش البحر . إلا إن البطل الإسطوري بيرسيوس الشهم تدخل وأنقذها من عذابها على يد وحش البحر .

   وعلى الرغم من إن المسرحية ضاعت ، فقد لاحظنا إن هناك عدد من الشذرات منها ظلت محفوظة [119]. إضافة إلى إن عدداً من المصادر القديمة قد أشارت إليها ومن ضمنها إشارت وردت عنها في مسرحيات آرسطوفان [120]. ولعل من التعليقات التي نحتفل بها ، والتي صدرت بحق تراجيديا إندروميدا . التعليق الذي كتبه باحث الكلاسيكيات الأسترالي البريطاني الولادة جورج جيلبرت موري (1866 – 1957) حيث قال ” إن ما بقي لدينا من تراجيديا إندروميدا بضع شذرات فقط . إلا إنها بحق شذرات جميلات جداً . والمسرحية بمجملها واضحة في حبها الرومانسي . وكما يبدو إن يراع يوربيديس لم يكتب مثلها في مسرحياته [121].

  كما نحتفل بمناسبة إن الباحث الأسترالي أعترف بأنه إعتمد على تعليقات إبن جلدتنا الباحث الأشوري (العراقي) لوقيان السميساطي (حوالي 125 – 180 ميلادية) والذي قال ” ومنذ خمسمائة سنة بعد إنتاج تراجيديا إندروميدا مسرحياً ، فإن الناس في إبديرة – تراقيا مدهوشين من تأثير المسرحية وما سببته لهم ” وكأنهم يعيشون في حلم ” وإنهم يرددون مع أنفسهم كلاماً من المسرحية والذي يبدأ ” آه أيها الحب ، إنك ملكياً عالياً ، ولا تعلو عليك آلهة أو بشر .. ” [122].

20 – تراجيديا إنتيوبي والتي كما شاع إن يوربيديس إنتجها مسرحياً عام 410 ق.م وهناك من يرى إنه قدمها على المسرح لأول مرة حوالي سنة 408 ق.م [123]. ومن المتداول في الدراسات الأكاديمية الغربية إن إفلاطون كثيراً ما إقتبس منها أطرافاً والشاهد على ذلك إنه ضمن محاورة جورجياس بأشياء منها [124]. كما وإقتبس منها مؤلفون آخرون . وكان الحاصل من ذلك إن العديد من الشذرات الكبيرة المنتزعة من تراجيديا إنتيوبي ظلت محفوظة [125].

21 – دراما إرخيلاوس والتي كتبها يوربيديس حوالي عام 410 ق.م . ويُعتقد إنه كتبها وأنتجها مسرحياً في مقدونيا وذلك لتكريم وتشريف ملك مقدونيا إرخيلاوس الأول (حكم من سنة 413 – وحتى مقتله خلال الصيد سنة 399 ق.م) [126]. وهو مؤسس السلالة المقدونية والدولة المقدونية العسكرية القوية ، وهو جد الملك الإسكندر المقدوني (356 – 323 ومات في بابل – العراق) [127]. وليس هناك شك في تفكير الأكاديميين الغربيين في إن يوربيديس ” غير إسم كارنوس إلى أرخيلاوس ” بحيث يعني في المسرحية ” قائد الشعب ” وذلك مثابرة من يوربيديس لخلق أجواء المتعة إلى أرخيلاوس مقدونيا الأول [128].

  وفي هذه الدراما كان آرخيلاوس هو إبن تيمنوس [129]. وقد تم نفيه إلى تراقيا من قبل إخوانه وكان يومها ملك تراقيا كاسيوس وكانت بلاده في حرب مع جيرانه ، فوعد أرخيلاوس بأنه سيوفر الحماية له ولأبنته إذا وقف معه ضد أعدائه . ومن طرف أرخيلاوس فإنه فعل كل ما طُلب منه . وبعد ذلك ذهب أرخيلاوس إلى كاسيوس يسأله تحقيق وعده إلا إن كاسيوس تنكر له وقرر قتله ومن خلال مؤامرة ولذلك أمر بترتيب مكيدة للقبض عليه . غير إن عبداً من عبيد الملك أخبر أرخيلاوس بالمؤامرة . والبطل سأل الملك بمقابلة سرية وعندما إختلى أرخيلاوس به رمى العبد الشرك عليه وأوقعه في المصيدة ومن ثم هرب العبد إلى مقدونيا . إلا إن أرخيلاوس كان محظوظاً فقادته معزة (وبأوامر من الإله أبولو) إلى مدينة إيجا (فيرغيا / شمال اليونان) وكانت المعزة تمشي أمامه وهو يسير خلفها [130]. ومن المناسب أن نذكر في هذا الطرف من المقال إلى أن مسرحيات ؛ الكمانيا ، وتيمنيوس وتيمندايا وإرخيلاوس (سوية) كونت الثلاثية المقدونية التي كتبها يوربيديس [131]

22 – مسرحية هيبسبيلا (باللاتينية) وهيبسبيل (بالإنكليزية) وكتبها يوربيديس عام 410 ق.م وهناك من يرى إلى إن إنتاج وتمثيل مسرحية هيبسبيلا على خشبة المسرح قد حدثت بعد موت يوربيديس بسنتين وبالتحديد سنة 408 ق.م [132]. وفعلاً فقد أنشأها يوربيديس على إسطورة يونانية قديمة ، والتي تذهب قصتها إلى إن الملكة المنفية بيعت عبدة في أسواق النخاسة (أسواق بيع العبيد) وذلك بسبب إنقاذها لوالدها من موت محقق ، حيث كان من المفروض أن يُقتل مع بقية الرجال في جزيرة لايمنز اليونانية بأيادي نساء الجزيرة وذلك بسبب هجرهن للرجال بعد لعنة نزلت عليهن من قبل الألهة إفروديت [133].   

23 – مسرحية الكاميان في كورنثيا والتي كتبها يوربيديس عام 405 ق.م وربح الجائزة الأولى كجزء من ثلاثية وضمت بالإضافة إليها كل من التراجيديتين ؛ الباكي أو الباكوستات وإيفيجينيا في أوليس . ويبدو إن هنا بعض الخلط فهذا الجزء من الثلاثية فاز بالجائزة الأولى بعد وفات يوربيديس وهذا يعني إنه كتبها عام 405 إلا إن إنتاجها على خشبة المسرح كانت بعد وفاته عام 406 حيث شارك بها في إحتفالات ديونسيا في آثينا وضاعت ولم يبقى منها سوى شذرات [134]. وبهذا التوضيح يستقيم الكلام .

بعض مسرحيات يوربيديس : ظلت مجرد ذكرى وعناوين

   تترددُ في كتابات عدد من الأكاديميين الغربيين أسماء مجموعة من الأعمال المسرحية التي ربما كتبها يوربيديس أو ربما لم يكتبها على الإطلاق . إلا إننا نعترف بوجود بعض منها عندما نقرأ إشارات يوربيديس إليها في متون بعض من مسرحياته المشهورة . ولاحظنا إن هناك عدد من الأكاديميين الغربيين من يعتقد بدرجات ما إلى إن يوربيديس قد كتبها فعلاً غير إنها ضاعت أو إنها في إفتراضهم كانت مسرحيات فعلاً إلا إنه لم يبقى من بعضها شئ يدلل على وجودها سوى شذرة واحدة أو شذرتين فقط . كما إن المشكلة الأخرى التي تلفها إنه لا يُعرف لها تأريخ في الإنشاء ولا تُعرف لها حبكة بحيث تُيسر الطريق نحو توصيف موضوعها أو على الأقل يُساعد على تصنيف جنسها وآدبها بين مسرحياته الآخرى . بل وحتى يعوزها الإشارة إلى الإسطورة اليونانية القديمة أو أطراف منها والتي تم الإعتماد عليها في تكوين مسرحيته . إن كل هذا غائب مع الأسف من هذه المسرحيات مما جعل عمل الباحث ، كما نظن ، يكاد أن يكون مستحيلاً وخلاف ذلك يتحول إلى حطاب ليل وفيه إمكانيات التدمير أكثر من التوليد المثمر والإنتاج المفيد .. ومن الأمثلة على هذا النمط من المسرحيات التي كتبها يوربيديس :

أولاً – مسرحية أيجيوس وهي مؤسسة على إسطورة آثينية قديمة ، وهي إسطورة ” الرجل المعزة ” وهو واحد من ملوك آثينا . ولعل من النافع أن نذكر بأن مصادرنا في معرفة هذه المسرحية هي ؛ أولاً مسرحية أيجيوس التي كتبها سوفوكلس . إلا إن ضياع هذه المسرحية سد الطريق أمامنا من الإعتماد على مسرحية سوفوكلس . ثانياً مسرحية يوربيديس والتي حملت عنوان ميديا والتي فيها صور خصائص آيجيوس [135].

  ومن النافع الإشارة إلى الإشكال الذي يلف يوربيدس وهذه المسرحية . صحيح إن مسرحية ميديا هي واحدة من ” المسرحيات العظيمة وفقاً لمعايير التقليد المسرحي الغربي ” . إلا إن إنتاج يوربيديس لها ” لم تحمل المُشاهد الأثيني على تفضيلها كثيراً ولذلك إحتلت المرتبة الثالثة في مهرجان المنافسة المسرحية في مهرجان إحتفالات ديونسيا في عام 431 ق.م .” . ولعل السبب الذي يقف وراء ذلك هو درجات تذوق المشاهد لهذه المسرحية ، والذي يمكن العثور عليه في تذوق وتقويم الشراح لها وخصوصاً في القرن الأول قبل الميلاد وبالتحديد في البيت الشعري رقم 264 من أبيات المسرحية ، والذي يؤكد على إن أطفال ميديا قد تم قتلهم بأيدي الكورنوثيين بعد هروبها [136].

  ويبدو إن يوربيديس إخترع بصورة مقصودة قضية قتل ميديا لأطفالها ولذلك سبب فعلها إستياء وغضب المشاهدين . والحقيقة إن يوربيديس لم يفعل هذا لأول مرة ، فقد عمل ذلك في مسرحية هيبوليتوس وهي اليوم تُعدُ من مسرحيات يوربيديس الضائعة [137]. وبعد إكتشاف النص في القرن الأول ، فإن مسرحية ميديا تم تكييفها في روما (أو تكييفها للذوق اللاتيني الروماني) من قبل عدد من التراجيديين من أمثال إنيوس كوانتيوس (حوالي 239 – 169 ق.م) والذي يُعرف بأبي الشعر الروماني [138] ، وشاعر التراجيديا لوسيوس أوكيوس (حوالي 170 – 86 ق.م) والذي عاصر شيشرون وتحاور معه كما أشار [139]، ومن بينهم الشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 17 / 18 ميلادية) [140]، وبالطبع من ضمنهم الفيلسوف الرواقي وكاتب التراجيديا الرومانية لوسيوس سينيكا (وهو موضوع هذا البحث الحالي) . والكاتب المسرحي الروماني أوسديوس جيتا (إزدهر في أواخر القرن الثاني وبواكير القرن الثالث) ومعروف عن جيتا إنه كان مؤلفاً لتراجيديا تتألف من 462 فقرة من الشعر وبعنوان ميديا وهو مثال مبكر على مجاميع شعرية فيرجلية (نسبة إلى الشاعر الروماني فيرجل (70 – 19 ق.م) [141].

  كما وأثارت مسرحية ميديا قضايا مختلفة بين صفوف مختلف النقاد والكتاب في القرن العشرين وبالتحديد الكتاب الذين بحثوا عن تفسير لردود أفعال مجتمعاتهم في ضوء إفتراضات هذا الجنس الأدبي . وعلى هذه الأساس ظهرت نزعات تفسيرية للموضوعات الكونية من مثل الإنتقام والعدالة في مجتمع غاشم غير عادل . ولعل الأمثلة كثيرة نذكر منها نماذج ، منها تبني كاتب الدراما الفرنسي جان أنويه للإسطورة اليونانية [142]. والمثال الثاني الشاعر المسرحي الأمريكي جون روبنسن جفريز (1887 – 1962) والذي تبنى مسرحية ميديا وأنتجها على مسرح برادوي في عام 1947 [143] 

ثانياً – مسرحية عولس (أو أولس) والملاحظ إن هناك حيرة معرفية تلف هذه المسرحية التي ربما ذكرها يوربيديس في نصوص من مسرحياته الأخرى [144]. وإن السبب هو إن هناك ثلاثة شخصيات إسطورية تمتلك سلطة التحكم والسيطرة على حركة الرياح التي هي بالطبع الموضوع الرئيس لهذه المسرحية . ولعل الحيرة الملازمة لهذه المسرحية هو إن هذه الشخصيات الثلاثة من الصعوبة بمكان الفصل بينها . بل ووجدنا حتى إن الباحثين القدماء قد عاشوا هذه الحيرة التي تتعلق بتحديد شخصية أولس . فمثلاً إن المؤرخ اليوناني ديودور (أو ديودورس) الصقلي (عاش حوالي في القرن الأول قبل الميلاد) والذي إشتهر برائعته التي حملت عنوان التاريخ الكوني[145]أو المكتبة التايخية [146]. وفيها دشن الصقلي مثابرة فكرية حددت كل واحدة من هذه الشخصيات الثلاثة وبالطبع تحولت هذه المثابرة الفكرية إلى موديل لتقسيم التاريخ إلى ثلاثة حقب ولذلك يحق لنا أن نصفها بلغة يوربيديس ثلاثة حقب أولسية [147].

ثالثاً – الكمانا (باللاتينية) والسمن (بالإنكليزية) وهي تراجيديا كتبها يوربيديس وهي من المسرحيات الضائعات والتي يتوافر منها شذرات اليوم ويجري الحديث حول إعادة تركيبها مسرحياً . ويُرجح إن يوربيديس كتبها مابين سنة 455 و 408 ق.م وأنتجها مسرحياً في إحتفالات ديونسيا في آثينا . والكمانا أو السمن هي أم هيركليز [148]. والكمانا هي زوجة إمفتريان (باللاتينية) وهو الجنرال الثيبي (أو الطيبي) وفي الأصل جاء من تيرينس تقع في الجزء الشرقي من بيلوبونيز . وإمفتريان قتل بالخطأ والد زوجته الملك المسيني إلكترون فحمله هذا الخطأ إلى الفرار [149].

رابعاً – تراجيديا ألوبي (باللاتينية) أو ألوب (بالإنكليزية) ويُطلق عليها سيرساين كذلك . وهي اليوم تُعد من مسرحيات يوربيديس الضائعة . ورغم هذا الحال فقد بقيت تقريباً سبعة شذرات خالدة منها وهي الوحيدة المتوافرة لدينا من هذه التراجيديا اليونانية في نشرة حديثة [150]. والحقيقة إن إصول هذه المسرحية تصعد إلى إسطورة يونانية قديمة تدور حول إمرأة فانية وهي ألوبي وتتمتع بجمال فائق وهي بنت سيرسيان وهو ملك إليسوس . وتذهب الإسطورة إلى إن بوسيدون إله البحر قلب شخصه وتخفى في صورة صياد سمك ومن ثم أغرى حفيدته ألوبي وإتصل بها جنسياً فحملت منه طفلاً أطلق عليه إسم إيبوثن . إلا إن ألوبي تركته ليهلك في العراء غير إن الرعاة عثروا عليه وإهتموا برعايته . وحدث جدل حول جمال الطفل إيبوثن فجلبت قضيته أمام سيرسيان . وعرف سيرسيان الطفل فأمر بسجن ألوبي وحكم عليها بالموت وأن يترك الطفل إيبوثن في العراء ليهلك . ومن ثم عثر الرعاة على إيبوثن مرة أخرى وهكذا عاش مثل المرة السابق وأطلق علية الإسم إيبوثن . أما جثة أمه ألوبي فقد حولها الإله بوسيدون إلى فصل الربيع (وهكذا أصبحت رمز الحياة والتجدد) وحملت إسم ألوبي مرة أخرى [151].

خامساً – دراما أنتيجون وهي من مسرحيات يوربيديس الضائعة . ولكن بقي منها خالداً ومحفوظاً عدد من الشذرات . وهناك شواهد تُدلل على إن تاريخ كتابتها يعود إلى الفترة المتأخرة من عمل يوربيديس المسرحي . ويُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن تاريخ كتابتها ينتمي إلى الفترة ما بين عام 420 ق.م وعام 406 ق.م (وهي سنة وفاة يوربيديس) . والحقيقة إن الشذرات المتبقية منها لا تُبيح لنا بالكثير عن حبكة المسرحية [152] كما لاحظ بعض آخر من الباحثين إن ” إنتيجون لعبت دوراً في مسرحية نساء فينيقيات ” (منا : وهي متوافرة اليوم بصورة كاملة) [153]. ووفقاً إلى الباحث أرسطوفان البيزنطي (والذي عاش خلال القرن الثالث والثاني قبل الميلاد) ، فإن حبكة مسرحية أنتيجون ليوربيديس مشابهة لحبكتها في مسرحية أنتيجون عند سوفوكليس مع ملاحظة أرسطوفان إلى وجود ثلاثة إختلافات بين المسرحيتين . وهما :

أولاً – إن هايمون (أحد أبطال المسرحية) وجد جثمانه مدفوناً مع جثمان إنتيجون في قبر واحد في مقابر بولينيكس .

ثانياً – كان هايمون وإنتيجون متزوجان .

ثالثاً – كان لكل من هايمون وزوجته إنتيجون ولد إسمه مايون [154].

سادساً – مسرحية أوجا (باللاتينية) أو أوجيه (بالإنكليزية) وهي من مسرحيات والأدق من كوميديات يوربيديس الضائعة [155]. ووفقاً إلى الإسطورة اليونانية أوجا هي بنت ملك أركيديا إليوس وأمها نيرا وكانت أوجا كاهنة في أوليا آثينا (وهي جزء من مستوطنة تيكي اليونانية) وتذهب الإسطورة إلى أوجا حملت من هيركليز طفلها تيلفوس . وتصادف إن الوحي أخبر والدها الملك إليوس بأن حفيده سينتفض على حكمه ويزيله من العرش . فقامت أوجا بإخفاء خبر طفلها وسراً وضعته في مخزن الحبوب في معبد آثينا . إلا إن الملك إكتشف الطفل [156]

  ولكن منذ عام 1875 تغير الحال وأصبح متدولاً الحديث عن وجود ملخص عام لمسرحية يوربيديس أوجا الضائعة . وفعلاً فقد تم إحيائه من خلال إسطورة أرمينية تنسب إلى موسى الكورني . ومن ثم في عام 1905 تجدد الحديث عن إكتشاف ورقة بردي في القاهرة ، وفيها نص لميندار وبعنوان إبيتربونتيس وفيه بيتين من الشعر ليوربيديس يتعلقان بصورة خاصة بمسرحية أوجا والتي تدلل على إن مسرحية أوجا هي جنس من الأدب الكوميدي الذي كتبه الشاعر الملحمي اليوناني يوربيديس [157].

سابعاً – مسرحيات يوربيديس بشذرات وهي مجموعة مسرحيات وتشمل كل من مسرحية إتولايكس وبقيت منها فقرتان وحملت الرقم 282 [158]و مسرحية (أو ربما كوميديا) بوزيريس (ملك مصر) وهي من المسرحيات الضائعة التي كتبها يوربيديس [159] ومسرحية كادموس والتي من المحتمل إن يوربيديس كتبها ما بين عام 455 وعام 408 ق.م وأنتجها مسرحياً في إحتفالات ديونسيا في آثينا [160]وتراجيديا كريسبوس وهي من مسرحيات يوربيديس الضائعات . والمسرحية تنتهي بعودة جثمان كريسبوس [161]، وتراجيديا داناي وتراجيديا ديكتيس [162]و تراجيديا إيباوس (باللاتينية) أو إيبيس (بالإنكليزية) وهي اليوم في عداد مسرحيات يوربيديس الضائعات [163]. وذكر الباحثون في تراث يوربيديس إلى إن يُريستيس هي شخصية (وليست مسرحية) في التراجيديا الأثينية التي حملت عنوان أطفال هيركليز والتي كتبها يوربيديس وأنتجها مسرحياً حوالي للفترة ما بين عامي 427 – 430 ق.م ولم يُعرف عنها إنها فازت باية جائزة [164].

   ومن ثم جاءت تراجيديا هيبوليتوس (أو هيبوليتوس الملثم)  والتي أسسها يوربيديس على إسطورة يونانية قديمة تحمل إسم هيبوليتوس وهو إبن الملك الأثيني  ثيسيوس . والمسرحية تم إنتاجها أولاً على خشبة المسرح في إحتفالات ديونسيا في مدينة آثينا سنة 428 ق.م . وفازت بالجائزة الأولى جزءً من ثلاثية وهي اليوم من مسرحيات يوربيديس الضائعات [165]. ويعتقد الكثير من الأكاديميين الغربيين بأن الأطراف التي ضاعت من هذه المسرحية ، هي الأطراف التي صور فيها يوربيديس بفضاحة مكشوفة شهوانية فيدرا الجنسية وهي بالطبع زوجة الملك ثيسيوس والتي راودت هيبوليتوس (وهو إبن زوجها) والذي كان مصدوماً من إيغال فيدرا في الرذيلة ، والذي لم يتوافر لديه من خيار إلا إن يغطي وجهه بوشاح ليخفي حالة الرعب التي عصفت بكيانه [166].

  وتلت تلك المسرحيات ، مسرحيات من مثل مسرحية آيون والتي كتبها يوربيديس كما يعتقد الباحثون الغربيون ما بين عام 414 وعام 412 ق.م أي تقريباً في الفترة الأخيرة من حياته ، والتي جاءت بعد إكتشاف اليتيم آيون إلى إصوله (إكتشافه لوالديه) . ولعل مايميز مسرحية آيون هو إنها ظلت خالدة بصورتها كاملة حيث إنها بدأت بمقدمة تتألف من سبعة أبيات من الشعر . ومن ثم بدأ النص الذي تألف من 1600 بيتاً من الشعر . وإنتهت المسرحية بالبيت الشعري الذي حمل الرقم ألف وستمائة وكانت النهاية كلام الكورس والذي كان يُردد ” وهؤلاء الذين ولدوا أشرار ؛ فإنهم سوف لا يجدوا السعادة [167]. ولعل من المفيد أن نشير إلى إن الفيلسوف اليوناني إفلاطون قد كتب محاورة بعنوان آيون وكان إفلاطون إبن ثمانية عشر ربيعاً ومات يوربيديس . وهي تنتمي إلى المحاورات السقراطية (التي كتبها في الفترة من 399 وحتى 387 ق.م وفيها فعلاً ناقش سقراط مع آيون الشعر الملحمي وكذلك حاضر حول هوميروس . ومحاورة آيون هي واحدة من أقصر محاورات إفلاطون [168]. وهذه المحاورة الإفلاطونية ومناقشات سقراط للشعر الملحمي مع آيون فيها الكثير من المضموم . صحيح إن سقراط حاضر عن الشاعر الملحمي هوميروس . إلا إن إفلاطون نسي بقصد (أو ربما لاندري) صاحب مسرحية آيون الخالدة والتي كتبها الشاعر الملحمي الأثيني يوربيديس وسبق إن ذكرنا فيها إلى إن إفلاطون إقتبس من يوربيديس أشياء في محاورته التي حملت عنوان جورجياس [169]. ومن المعلوم إن إفلاطون ولد ومات في أثينا وأسس أشهر أكاديمية للفلسفة في مدينة آثينا كذلك [170].

  ومن مسرحيات يوربيديس الضائعات تراجيديا إيكسون والتي يُرجح إلى إنه كتبها في الفترة ما بين عامي 455 و408 ق.م (وهي فترة بعيدة ولا تحتمل بالترجيح أو حتى في الإفتراض ؟) ويُذكر بأنه أنتجها مسرحياً في إحتفالات ديونسيا في آثينا . ويبدو إن هذه المسرحية قد أثعيد إنتاجها مسرحياً خلال الإمبراطورية الرومانية . إلا إن الغريب هو جرى الحديث عنها على إنها كوميديا . وهذا الأمر سبب إشكالاً لشخصية إيكسون فقد آخذ النظر إليه على إنه شخصية ذات إشكالية . كما وجد لهذه المسرحية صدى وحضور في مسرحيات يوربيديس الأخرى . فمثلاً لاحظنا إن كلاً من الروماني بلوتارك والفيلسوف وكاتب الدراما الروماني سينيكا ينسبان إلى شخصية إيكسون أدواراً في مسرحية يوربيديس التي حملت عنوان داناي [171].

    كما وجرى الحديث في كتابات الأكاديميين الغربيين عن مسرحية آخرى كتبها يوربيديس وهي في قائمة المسرحيات الضائعات وهي مسرحية لاميا [172]. ولاحظنا إن هناك إشكالاً يلف جنرا (جنس) هذه المسرحية حيث هناك من ينظر إليها على إنها مسرحية دراما ساخرة وهناك من يعدها ساتاير (ساخرة فقط) . كما وهناك من يُرجح التاريخ الغريب الذي لف مسرحيات يوربيديس (؟) حيث يقترح إن يوربيديس كتبها ما بين عامي 455 و408 ق.م . ويضيفوا إلى إنه قدمها مسرحياً في إحتفالات ديونسيا في آثينا . ولعل المهم هو إنه لم يبقى من هذه المسرحية سوى شذرة واحدة يتيمة [173].

     أما مسرحية ليشمنيوس فقد كتبها يوربيديس كما يفترض الباحثون الغربيون في الفترة ما بين عام 455 وعام 430 ق.م . والحقيقة إن هذه المسرحية لم يبقى منها إلا الشئ القليل . ويتردد في الحديث عن مؤلفات يوربيديس إلى إنه أنتجها في إحتفالات ديونسيا في آثينا [174].

ومن المسرحيات التي كتبها يوربيديس وهي في عداد المسرحيات الضائعة ، مسرحية أودبيوس (أو أوديب) ويُرجح الباحثون الغربيون بأنه كتبها خلال الفترة ما بين 415 ق.م و406 ق.م والتي بقي منها شذرات خالدة . ودللت هذه الشذرات على إنها تُعالج أطرافاً فيها الكثير من الشبه من مسرحية سوفوكلس والتي حملت عنوان الملك أودبيوس .

   إلا إن الأكاديميين والمؤرخين لهم رأي فيها حيث لاحظوا وجود إختلافات مهمة بين أودبيوس يوربيديس ومسرحية سوفوكلس الملك أودبيوس . فمثلاً في مسرحية الملك أودبيوس ، إن أودبيوس شخصية فخرية حيث قام بإطفاء بصره (أعمى نفسه) بعد إن عرف أصله الحقيقي وإنه قتل والده خطأ وتزود من إمه جوكاستا . أما في مسرحية يوربيديس ، فيبدو إن فقدان  أودبيوس لبصره كان بفعل ملك طيبيا لايوس والذي كان يعمل خادماً للملك أودبيوس . إضافة إلى إن مسرحية أودبيوس تتضمن بأن عماء أودبيوس قد حدث قبل أن يعرف بأن لايوس هو والده . بينما في مسرحية سوفوكلس ، نلحظ إن جوكاستا تقتل نفسها . غير إن الشذرات الباقية من مسرحية يوربيديس تصور جوكاستا حية خالدة والتي صاحبت أودبيوس إلى المنفى [175].  

   ولاحظنا إن من مسرحيات يوربيديس الضائعات ، مسرحية ثايستيس والتي تركت أثراً على مسرحية الفيلسوف الرواقي الروماني سينيكا الصغير والذي كتب مسرحية باللاتينية وحملت عنوان ثايستيس كذلك . وثايستيس في الأصل اليوناني اليوربييسي (نسبة إلى يوربيديس) هو إبن الملك الأولمبي بيلوبس . ووفقاً للأصل اليوناني فإن ثايستيس وأخيه أتريوس قد نفاهما والدهما بيلوبس بعد إقدامهما على قتل إخيهما غير الشقيق كريسبيوس وذلك لطمعهما في وراثة عرش والدهما .

  وفعلاً فإن هذه المسرحية اليوربيديسية تركت أثاراً واضحة على النصوص المسرحية التي كتبها الفيلسوف الرواقي الروماني . فقد كتب في القرن الأول الميلادي تراجيديا وأطلق عليها عنوان ثايستيس وألفها سينيكا في عام 62 ميلادية . والمسرحية بنظر النقاد ، هي من جنرا (جنس) تراجيديا الإنتقام . وبالطبع هذه المسرحية اليوربيديسية ألهمت الأساطير والملاحم اليونانية . ومن المفيد أن نشير إلى مسرحية سينيكا وفقاً للشذرات الباقية ، تحمل الكثير من الإختلاف عن الأصل اليوناني الذي كتبه يوربيديس [176].  

تعقيب ختامي :          

  عقد بعض الأكاديميين الغربيين مقارنة بين عمالقة المسرح اليوناني الثلاثة ؛ إسخليوس وسوفوكلس ويوربيديس . ولاحظوا مثلاً إن إسخليوس فاز بثلاثة عشر جائزة ، بينما فاز

سوفوكلس على الأقل بعشرين جائزة . في حين فاز يوربيديس خلال طول حياته بأربعة جوائز فقط [177] ولكن مسرحياته ظلت تفوز بجوائز بعد وفاته [178]. والمقارنة على أساس عدد الجوائز بين جهابذة المسرح اليوناني الثلاثة ، كانت مؤشراً عند البعض ، فحملتهم على الإعتقاد بأن يوربيديس كان الأقل شهرة وسمعة من معاصريه كل من أسخليوس وسوفوكلس ولعل الصحيح برأينا هو إن يوربيديس كان الأصغر سناً من أسخليوس (أكثر من أربعين سنة) وكان الأصغر سناً من سوفوكلس (بحدود ستة عشر سنة) واللذان إستهلا عملهما المسرحي قبله بردح من الزمن وهذا هو معيار الشهرة ..[179] .

  ولهذا نحسب إن الفوز بالجائزة الأولى لم يكن معياراً على النجاح يومذاك . كما وإن هناك أسباب آخرى برأي الأكاديميين الغربيين ، كان لها دور في تعطيل عملية إنتخاب الأكثر منها إن نظام إختيار الجوري (لجنة التحكيم) لم يكن نظاماً عصياً ومنضبطاً وخال من عيوب التحكيم .. كما إن لجنة الجوري في الإنتخاب كانت مقيدة جدا جدا ، حيث لا خيار أمامها إلا أن تختار المسرحية المتميزة والمتميزة فقط [180]. وهذه علامة تُدلل برأينا على إن عملية التحكيم غير دقيقة وغير شاملة بحيث تتكون قائمتها في التحكيم من علامات رقمية تُحدد قيم رقمية لكل أطراف المسرحية ومن ثم في النهاية فإن حاصل مجموع هذه القيم الرقمية هي التي تحدد المسرحية الفائزة .

  ومن المفيد أن نشير إلى شهادة كاتب مسرحي كان معاصراً إلى يوربيديس ، وهو الكاتب المسرحي الكوميدي الأثيني آرسطوفان[181](446 – 386 ق.م) وهو بالطبع الأصغر من يوربيديس بأربع وثلاثين سنة . وفي طرف من شهادته قيمة تاريخية ، وحيث إن الكثير الكثير من إهتمام آرسطوفان الكوميدي (ذات طعم تهكمي ساخر) في النظر والتقويم لأعمال يوربيديس [182]. أما من طرف شهادة سوفوكلس والذي كان معاصراً ليوربيديس ويومها سوفوكلس سيد المسرح اليوناني بعد موت إسخليوس عام 455 ق.م ، فهي شهادة لها طعم خاص ، فقد كان سوفوكلس ممتناً كثيراً وبما فيه الكفاية من الشاعر الشاب يوربيديس الذي إعترف بصراحة بالتأثير الذي تركه سوفوكلس على مسرحياته المتأخرة وخصوصاً كل من مسرحية فيلوكتيتيس ومسرحية أودبيوس في كولونيوس [183].

  كما ولاحظ الباحثون الغربيون في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة وتاريخ الفلسفة الأرسطية خاصة ، إلى إنه بعد أقل من مئة عام طور الفيلسوف اليوناني آرسطو ، نظرية بايولوجية وبالتحديد خلال دراسته لتطور التراجيديا في آثينا والتي ذهب فيها إلى ” إن فن التراجيديا ولد وتطور تحت تأثير إسخليوس ، ومن ثم وصل إلى مرحلة رجولته (منا) ونضوجه على يد سوفوكلس ، وبدأ يتدهور في مرحلة يوربيديس [184].

  ونحسبُ إنه رغم درجات صدقية النظرية البايولوجية الأرسطية بحدود ما . إلا إن التاريخ وخصوصاً تاريخ المسرح اليوناني وبالطبع تاريخ المسرح الأثيني على وجه التخصيص يشهد على إن مسرحيات يوربيديس إستمرت موضوع إحتفال الجمهور الأثيني بعد موت كل من إسخليوس وسوفوكليس . حيث تحول آدب يوربيديس المسرحي إلى مدرسة مسرحية كلاسيكية في الفترة الهيلينستية . والشاهد على ذلك إن الشاعر المسرحي الروماني والفيلسوف الرواقي سينيكا قد تبنى العديد من مسرحيات يوربيديس ومن ثم قام بتكييفها وقدمها لجمهور المسرح الروماني (اللاتيني) . وعلى هذا الأساس يمكن القول ” إن يوربيديس كان من إمتلك مصدر وحي التراجيديا ، وليس إسخليوس أو سوفوكلس ، وكان يوربيديس إضافة إلى ذلك سيد إعادة ولادة التراجيديا في عصر النهضة الأوربية [185].

————————————————————————

الهوامش  

الفلسفة الرواقية والمسيحية : قائمة مصادر وأبحاث [1]

أولاً – رونار أم . ثورسنتنسن ؛ المسيحية الرومانية والرواقية الرومانية : دراسة مقارنة للأخلاق القديمة ، دراسات أكسفورد الأكاديمية 2010 (أون لاين ) . ولعل أهمية هذه الدراسة المهمة والخطيرة ، إلى إنها سعت في الفحص والتدقيق في التعاليم الأخلاقية لكل من المسيحية الرومانية والفلسفة الرواقية الرومانية وخلال القرن الأول الميلادي . وتوزعت في ثلاثة أقسام رئيسية : القسم الأول وتكون من مقدمات ومناقشات للتعاليم الأخلاقية الرواقية الرومانية وبالتحديد عند كل من الفلاسفة الرواقيين ؛ سينيكا ، وموسنيس روفس (ولد حوالي 20 أو 30 ميلادية – وتوفي 101 ميلادية) ، وأبكتيتوس (حواي 55 – 135 ميلادية) . أما القسم الثاني فركز على تقديم عرض للتعاليم الأخلاقية المسيحية الرومانية ، ومن خلال رسالة القديس بول أو بولس (5 ميلادية – وتوفي 67 ميلادية) إلى الرومان ، والرسالة الأولى للقديس بطرس (؟ – توفي حوالي 64 ميلادية) ، والرسالة الأولى للقديس كليمنت (توفي عام 99 ميلادية) . وعلى أساس القسم الأول والثاني ، جاء القسم الثالث ليُنقب ويبحث عن التشابه والإختلاف بين الرواقية الرومانية والمسيحية الرومانية وبالطبع في مضمار الأخلاقيات . وفعلاً فقد لاحظنا إن الكتاب درسها في ضوء تساؤلات المسيحية ووجهات نظر الرواقية وفي المحاور الآتية :

1 – الأخلاق التي تتعلق بإسلوب الحياة والذي يتمثل بنمط من الطقوس والعبادات للألهة .

2 – الإحتذاء بشخصيات مثل اليسوع وسقراط نماذجاً أو أطر حياة مثالية .

3 – التأكيد على أهمية الربط بين الحب المتبادل والعناية والرعاية المتبادلة .

4 – فكرة اللا إنتقام و ” حب الأعداء ” .

5 – البعد الإجتماعي للأخلاق .

   وإن هذا الفهم يتضمن إن هناك تشابه أساس بين التعاليم المسيحية الرومانية والرواقية الرومانية . كما إن الإختلافات الأساسية الغالبة موجودة في النظرة الإخلاقية للطرفين ؛ فبينما تعاليم الرواقية لم تكن مؤهلة لتشمل الإنسانية كافة ، فقد لاحظنا إن المسيحية الرومانية تشترط في رؤيتها الأخلاقية الإنتماء والإلتزام بالعقيدي المسيحي الديني . 

ثانياً – جيمس بلدوين براون ؛ الرواقيون والقديسون المسيحيون الأوائل (بالإنكليزية) ، دار نشر مالكهوز وأولاده 1893 ،  .

ثالثاً – دكتور ديفيد ناكل ؛ المفاهيم الرواقية والمسيحية حول السعادة (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة بابتست ، دلس بلاتاريخ (أون لاين) .

رابعاً – أدوين هاش ؛ تأثير الأفكار اليونانية على المسيحية (بالإنكليزية) ، دار نشر هاربر وإخوان ، نيويورك 1957 .

خامساً – كولش مارسي ؛ التقليد الرواقي من القديم وحتى العصور الوسطى المبكرة ، وخصوصاً البحث الذي حمل عنوان دراسات في تاريخ الفكر المسيحي (بالإنكليزية) ، دار نشر بريل ، ليدن 1985 .

سادساً – واين إي . ميكز ؛ إصول الأخلاق المسيحية في القرنيين الأول والثاني الميلاديين (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ييل ، نيوهفن 1993 .

سابعاً – ج . ب . لايتفون ؛ القديس الرسول بولس والفيلسوف سينيكا (بالإنكيزية) منشور في رسائل بولس إلى فيليبينز ، 1953  .

ثامناً – القديس بولس والرواقية (بالإنكليزية) ، منشور في مجلة العالم الإنجيلية ، العدد 45 ، سنة 1915  .

تاسعاً – وليم فاينوذر ؛ اليسوع واليونان أو المسيحية المبكرة في المسار الهيليني (بالإنكليزية) ، دار نشر تي كلارك ، أدنبرا 1924  .

عاشراً – هيرمان ريدربوز ؛ بولس : موجز لتفكيره اللاهوتي ، ترجمة جون ريتشارد ديوت ، أردمانز 1975 .

أحد عشر – مارثا نوسباوم ؛ هشاشة الطيبة : الرسول لوقا والأخلاق في التراجيديا والفلسفة اليونانية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1986 .

إثنا عشر – إبراهيم مرحبا ؛ بولس ومشاهير الفلاسفة (بالإنكليزية) ، مطبعة فورتريز 1989 .

ثلاثة عشر – العالم الأخلاقي عند المسيحيين الأوائل (بالإنكليزية) ، مطبعة ويستنمنستر ، فيلادليفيا 1986 .

 – أنظر : شيشرون ؛ مفارقات الرواقية (ستوك برودوكسس) ، منشور في ؛ شيشرون ؛ حول الخطيب : الكتاب الثالث ، ترجمة أش راغهام ، مكتبة[2]

لوب الكلاسيكية 349 ، مطبعة جامعة هارفارد ، كيمبريدج 1942 .

 – وهي السنة التي ولد فيها الفيلسوف الرواقي لوسيوس أنيس سينيكا … للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الروماني [3]

لوسيوس سينيكا في إطار فلسفته الرواقية ، موقع الفيلسوف الإلكتروني ، عدد قادم .

 – للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف ماركوس شيشرون والتحولات في النزعة الشيشرونية بعده ، الفصيلة من مجلة  [4]

أوراق فلسفية جديدة ، العدد العاشر ، سبتمبر – إكتوبر 2015 ، وهو بحث واسع وتفصيلي .

 – أنظر : ريشارد جنكينز ؛ الملحمة الكلاسيكية : هوميروس وفيرجل ، دار نشر دوكورث ، لندن 2007 . [5]

 – أنظر : فيكتوريا رايميل ؛ عشاق أوفيد : الرغبة والإختلاف والخيال الشعري ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2006 . [6]

 – أنظر للتفاصيل : لوسيوس أنيس سينيكا ؛ أربعة تراجيديات وأوكتفيا (بالإنكليزية) ، ترجمة ومدخل أي . أف . وتلنك ، كلاسيكيات بنجوين ، [7]

ط1 ، 1966 وخصوصاً المدخل الذي كتبه الأستاذ وتلنك .

: سينيكا الأصغر ؛ كوميديا السانت كلوديوس اليقطين ، ترجمها من اللاتينية إلى الإنكليزية ألين بيرلي بول ، مطبعة جامعة كولومبياً ،   – أنظر [8]

1902 ووفرها مشكوراً على اللاين ديفيد كاميدن 2003 .

 – أنظر : ماري لافكوتيز ؛ حياة الشعراء اليونان ، دار نشر دوكورث 1981 .[9]

 – أنظر : كليبرت موري ؛ يوربيديس وعصره ، مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن 1946 . وكذلك : ماري لفكاوتز ؛ حياة الشعراء اليونان ، [10]

دار نشر ريكورث ، لندن 1981 .

 – والإله آبولو هو واحد من أهم الألهة الأولمبيين وأكثرهم تعقيداً في الدين والإسطورة اليونانية والرومانية . وهو رب الإنجاب ورب الرياضيين [11]

الشباب . كما إنه إله الموسيقى والنبوة والحقيقة (الصدق) ورب الطب والعلاج والشمس والضوء والطاعون والشعر .. وإنه رب لأكثر من ذلك . وآبولو هو إبن رب الأرباب زيوس وأمه لاتو وله أختين توأم ومعابده ومراقده كثيرة ومنتشرة في اليونان . ولعل من أهمها ؛ معبد الوحي في دلفي وكريت وقورنيا (ليبيا) وصقلية … أنظر للتفاصيل : ولتر بوركت ؛ الدين اليوناني ، مطبعة جامعة هارفارد 1985 وكذلك : هيك باودن ؛ آثينا الكلاسيكية ووحي دلفي : الإلوهية والديمقراطية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2005 .  

 – والحقيقة إن الفيلسوف اليوناني بروديكس الكيوسي هو من الجيل الأول من السفسطائيين وجاء إلى أثينا من كيوس وأصبح متكلماً ومعلماً [12]

وذاعت شهرته . وإفلاطون عندما يذكره يتحدث عنه بكل إحترام ويُعلي من مقامه أكثر من أي سفسطائي آخر . وكتب إفلاطون العديد من المحاورات وفيها يظهر سقراط صديقاً إلى بروديكس . ولاحظنا إن المصادر الغربية تذكر إن واحداً من الكتاب يزعم إن سقراط قد تبنى طريقة بروديكس ذاتها في التعليم .. وأدخل بروديكس في المنهج الدراسي الذي كان يُدرسه لطلابه اللنكوستيك والأخلاق بصورة غالبة وإعتمد مرجعية فلسفية طبيعية في تفسير الفضيلة والرذيلة . للتفاصيل أنظر : هربرت أرنست كوشمان ؛ تاريخ الفلسفة ، مطبعة جامعة هارفارد 1918 ، المجلد الأول ، ص 68 . وكذلك : وليم كوثري ؛ السفسطائيون ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1971 ، ص 276 .

 – أنظر : ماري ألين سنودكراس ؛ ملاحظات حول الكلاسيكيات اليونانية ، شركة ويلي للنشر 1998 ، ص ص 147 – 148 . [13]

 – أنظر المصدر السابق . [14]

 – إنظر : بي . أم . نوكس ؛ يوربيديس ، منشور في تاريخ كيمبريدج لتاريخ الأدب الكلاسيكي : الأدب اليوناني ، إشراف ب . إستريلنك [15]

و ب. نوكس ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1985 ، ص ص 316 – 317 .

 – أنظر : ألين سومرستين ؛ الدراما اليونانية وكتاب الدراما ، دار نشر روتليدج ، لندن 2002 . [16]

 – أنظر : جون دايلون ؛ يوربيديس والفلسفة في عصره ، مجلة الكلاسيكيات – إيرلندا ، المجلد 11 سنة 2004 ، ص ص 47 – 73 . [17]

 – أنظر : دانيز بيج ؛ يوربيديس : مسرحية ميديا ، مطبعة جامعة أكسفورد 1976 ، ص ص 9 – 12 . [18]

 – روبين ميتشل بويسك ؛ يوربيديس : ميديا ، ترجمة ديانا سافرلين ، شركة هاشت للطباعة والنشر 2008 ، المقدمة ، ص 12 . [19]

 – أنظر : يوستينا كريكور ؛ التراجيديا اليوربديسية (نسبة إلى يوربيديس) ، منشور في كتاب : صحبة إلى التراجيديا اليونانية ، دار نشر بلاكويل [20]

المحدودة 2005 ، ص 253 .  

 – برنارد ماككريكور ويكلر نوكس ؛ يوربيديس ، منشور في تاريخ كيمبريدج للأدب الكلاسيكي ، المجلد الأول الأدب اليوناني ، بإشراف بيتريشا[21]

إليزابيث إيسترلنج وبرنارد نوكس ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1985، ص 339 .   

 – أنظر : برنارد نوكس ؛ يوربيديس (مصدر سابق) ، ص 317 . [22]

 – تتألف أعمال أرسطو في مضمار الجماليات من الشعر والخطابة . وإن الشعر عند آرسطو يعني بصورة خاصة بالدراما . وتوزع عمل آرسطو [23]

في كتابين . وكل واحد منهما كُتب مفصلاً على أوراق البردي . والأول ركز بحثه حول التراجيديا والذي ظل محفوظاً وخالداً . بينما الثاني والذي عالج الكوميديا ضاع مع الأسف . أنظر : ريتشارد جانكو ؛ آرسطو حول الكوميديا : نحو إعادة تركيب كتاب الشعر الثاني ، دار نشر دوكورث ، لندن 1984 ، ص 20 من المقدمة . ويفترض الأكاديميون الغربيون ويذهبون إلى إن مخطوطة يونانية قديمة وبعنوان تراكتاتيوس كوسلانيوس قد حملت تلخيصاً لنظرية آرسطو في الكوميديا . ومن ثم بينت بأن الكوميديا تسبب الضحك والمرح وتصقل المشاعر أو تطهرها وتنقيها من الأدران . وبطريق متوازية وصف التراجيديا في كتاب الشعر (القسم الأول) . وهذه المخطوطة موجودة في باريس – فرنسا وبالتحديد في قسم الببلوغرافيا الوطنية وتحت عنوان ” كوسلاينوس رقم 120 ” وهي تصعد إلى مخطوطة القرن العاشر . وفي عام 1643 أرسلها شخص يدعى آثينسيوس راهتور من قبرص إلى رجل الدولة والمستشار الفرنسي بيار سغير (1588 – 1672) . أنظر للتفاصيل ؛ لين كوبر ؛ النظرية الأرسطية في الكوميديا مع كتاب الشعر وترجمة إلى تراكتاتيوس كوسلاينوس ، دار نشر هركورت – بريس ، نيويورك 1922 (تكون من 356 صفحة) .   

 – أنظر : برنارد نوكس ؛ يوربيديس (مصدر سابق) ، ص ص 317 – 318 . [24]

 – أنظر : روجر كرين لانسلين ؛ إثنان من مسرحيات التراجيديا – الكوميدية : يوربيديس وسوفوكليس وأخرون ، دار كتب بنجوين 1957 . [25]

 – أنظر : دونالد ماسترونارد ؛ ميديا يوربيديس ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2002 . [26]

 – أنظر : يوربيديس ؛ ميديا ومسرحيات يوربيديس الآخرى ، ترجمة جون ديفيد ، دار نشر بنجوين ، نيويورك 2003 . [27]

 – أنظر : أس . دبليو . بيريت ؛ يوربيديس ، هيبوليتوس ، ترجمة مع مدخل وشرح مظبعة كلاريدون ، أكسفورد 1964 . [28]

 – أنظر : يوربيديس ؛ إندرومكي أو إندروماش ، ترجمة روبرت كانون وإشراف مايكل ولتون ، لندن 1979 ، ص ص 1 – 62 .[29]

 – أنظر : دي . جي . كونشر ؛ هيكوبا يوربيديس ، مجلة الفيللوجيا الأمريكية ، سنة 1961 ، المجلد 82 ، العدد الأول ، ص ص 1 – 26 . [30]

 – أنظر : يوربيديس ؛ المتوسلات أو النساء الشافعات ، ترجمة أي . بي . كوليريدج ، دار نشر راندم 1938 . [31]

 – وأرتميس هي إلهة الصيد والحياة البرية والعذرية وحماية النساء الشابات وشفاء النساء من الأمراض .. أنظر : ويلتر بوركرت ؛ الدين اليوناني [32]

، مطبعة جامعة هارفارد ، كيمبريدج 1985 .

 – أنظر : أي . الفولدي ؛ الألهة ديانا ، المجلة الأمريكية للأثار ، العدد 64 ، ص ص 137 – 144 .[33]

 – أنظر : فردريك سولمسن ؛ إلكترا وأورستس : ثلاثة شهادات في التراجيديا اليونانية ، أمستردام 1967 . [34]

 – أنظر : فيليب فالكوت ؛ يوربيديس : ميديا ومسرحيات آخرى (مصدر سابق) .[35]

 – أنظر : نيل كرولي ؛ إشكالية المسرح اليوربيديسي (نسبة إلى الشاعر يوربيديس) : النساء الطرواديات ووظيفة التراجيديا ، مطبعة جامعة [36]

كيمبريدج 2007 .

 – أنظر المصدر السابق . [37]

 – أنظر : وليم سميث (الناشر والمشرف) ؛ الإساطير والسير الذاتية اليونانية والرومانية ، شركة نشر لتل بروان المحدودة ، 1870 ، المجلد [38]

الثالث ، ص ص 1289 – 1290 .  

 – أنظر : أم . رايت ؛ تراجيديات الهروب عند يوربيديس : دراسة في هيلين وإندروميديا وإيفيجينيا بين التوريسين ، مطبعة جامعة أكسفورد[39]

2005 ، ص ص 7 – 14 .

 – أنظر : أس . أم . سيلك ؛ أرسطوفان وتعريف الكوميديا ، مطبعة جامعة أكسفورد 2002 .  [40]

 – أنظر : ديفيد كونستان ؛ ميندر الأثيني ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد 2010 ، ص ص 3 – 7 . [41]

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحية أوين ، ترجمة روبرت بويتر (النص الكامل) 1781 (أون لاين) . [42]

 – إنظر : بيتاني هيوز ؛ هيلين الطروادية : إلهة وأميرة وعاهرة ، ط1 ، الولايات المتحدة الأمريكية 2005 (تكونت من 458 صفحة) . [43]

 – أنظر : دونالد كاغن ؛ سلام نيكياس (470 – 413 ق.م وهو سياسي وجنرال أثيني) والإستعراض العسكري في صقلية (سيسلي) ، مطبعة  [44]

جامعة كورنيل 1981 .

 – إن كلمة سفسطائي جاء إشتقاقها من كلمات من مثل سوفيا و سوفوس وتعني الحكمة والحكيم . وتأصل معنى السفسطة منذ عصر هوميروس [45]

وأخذ يصف الخبرة في معرفة خاصة أو حتى في مهنة معينة . ومن ثم تطور الإصطلاح تدريجياً حتى أصبح يدل على الحكمة عامة . وتبع ذلك تداول خاص له ، حيث تعلق بالموضوعات الإنسانية من مثل السياسة والأخلاق والتدبير المنزلي .. وهذا المفهوم يُنسب إلى الحكماء السبعة والذين عاشوا في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد ومنهم على سبيل المثال كل من سولون (حوالي 640 – 560 ق.م) وطاليس (حوالي 624 – 546 ق.م) .. كما إن هذا المعنى ظهر في تواريخ هيرودوتس (حوالي 484 – 425 ق.م) . والسفسطائية هي طريقة في التعليم . والسفسطائيون هو عنوان في اليونان القديمة ليشير إلى مجموعة من المعلمين الذين تخصصوا في إستخدام تقنيات الفلسفة والخطابة وذلك لأغراض تعليم الأخلاق للرجل السياسي الشاب . وهذا النوع من التعليم يُقدم أجر يدفعه المتعلم .. وهذا الغرض المادي المعلن حمل سقراط (470 – 399 ق.م) ومن خلال محاورات إفلاطون (424 – 348 ق.م) إلى التنديد بالسفسطة والسفسطائيين … أنظر للتفاصيل : سوزان جارات ؛ قراءة السفسطائيون : إعادة تشكيل الخطاب الكلاسيكي مطبعة جامعة جنوب إلينويز 1991 .  

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحية هيلن ، ترجمة ومدخل جورج ثيدورديس ، 2011 (النص كاملاً أون لاين) . [46]

 – أنظر : بيتاني هيوز ؛ هيلن الطروادية : ألهة وأميرة وعاهرة (مصدر سابق) .[47]

 – للتفاصيل عن هيرودتس أنظر : جوستين مارزو ؛ طريقة هيرودتس : رحلات مع الرجل الذي إخترع التاريخ ، مطبعة دا كابو ، كيمبريدج[48]

كيمبريدج .  

 – أنظر : ميروسلاف ماركوفيتش ؛ من عشتار وإلى إفروديت ، مجلة التربية الجمالية ، المجلد 30 ، العدد الثاني ، صيف 1996 ، وهو عدد [49]

خاص لمجموعة من المحاضرات المتميزة في مضمار الإنسانيات .  

 – أنظر : الألهة آثينا ، وليم سميث ؛ أساطير وسير اليونان والرومان ، شركة لتل بروان ، بوسطن 1844 وتقابل الآلهة أثينا عند الرومان الألهة  [50]

مينيرفا والتي ولدت من رأس والدها الإله جوبيتر ومعها أسلحتها .

 – وهي في الدين والإسطورة اليونانيين ، زوجة وواحدة من ثلاث أخوات الإله زيوس ، وهي تُقابل عند الرومان الإلهة جونو . أنظر للتفاصيل ؛ [51]

ريشارد لويس فارنيل ؛ طوائف الدول اليونانية : زيوس حيرا وآثينا ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط1 ، 2010 (تألف من 504 صفحة) .

 – أنظر : رفائيل لوبيز بيدرازا ؛ هيرمس وأولاده ، دار نشر دايمون فيرلج ، سويسرا 1989 وتكون من مقدمة وستة فصول ومتابعة وتجاوزت  [52]

صفحاته 216 صفحة .

 – أنظر : بيتاني هيوز ؛ مسرحية هيلن الطروادية : آلهة وأميرة وعاهرة (مصدر سابق) . [53]

 – أنظر : يوربيديس ؛ النساء الفينيقيات ، ترجمة ومدخل جون ديفيد ، كتب بنجوين 2005 (نثر) . [54]

 – أنظر : إسخيلوس ؛ الفرس (الإيرانيون) ومسرحيات أخرى ، ترجمة كريستفور كولارد ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سلسلة كلاسيكيات عالم [55]

أكسفورد ، 2009 (تالفت من 384 صفحة) .  

 – أنظر : هربرت سمث وير ؛ إسخيلوس : إجاممنون ومسرحيات آخرى : فقرات ، مطبعة جامعة هارفارد 1930 ، ص ص 437 – 438 . [56]

 – أنظر : يوربيديس : النساء الفينيقيات ، ترجمة ومدخل جون ديفيد (مصدر سابق) . [57]

 – أنظر : يوربيديس ؛ فينيشيا (النساء الفينقيات) ، تحرير ومدخل وشرح دونالد ج . ماستروندا ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1994 .  [58]

 – أنظر : يوربيديس ؛ أورستس (حوالي 408 ق.م) ، ترجمة جورجي ثيودورديس 2010 (النص كاملاً أون لاين) . [59]

 – أنظر للتفاصيل : ليفي كراهام ؛ الإنجاز المسرحي للتراجيديا اليونانية : خشبة المسرح والكورس ، مطبعة جامعة شيكاغو 2007 . [60]

 – أنظر : يوربيديس ؛ تراجيديا الباكوسيات ومسرحيات آخرى ، ترجمة فيليب فالكوت ، كتب بنجوين المحدودة ، 1979 .  [61]

 – والحقيقة إن الكاتب المسرحي كولن تيفن قام بتركيب مسرحية ألسمون في كورنثيا من ثلاث وعشرين فقرة من فقراتها الباقية ، والتي تغطي [62]

أربعين بيتاً من الشعر . وبالرغم من ذلك فليس هناك يقين على إن كل هذه الفقرات تنتمي إلى مسرحية ألسمون في كورنثيا . كما ليس هناك مشهد واحد من المسرحية كاملاً إضافة إلى النقص الواضح في شخصياتها . أنظر : 1 – كولن تيفن ؛ يوربيديس : ألسمون في كورنثيا ، نشر دار كتب أوبرين 2005 . 2 – إيديث هول ؛ التراجيديا اليونانية : آلام تحت الشمس ، مطبعة جامعة أكسفورد 2010 ، ص ص 341 – 343 .

 – للتفاصيل عن الديانة الديونسيوسية (أتباع ديونسيوس) أنظر : 1 – مارسيل داتيئن ؛ ديونسيوس المتجول الحر ، ترجمة آرثر كولدهامر ، [63]

مطبعة جامعة هارفارد 1989 . 2 – كارل كيرني ؛ ديونسيوس : الصورة الإنموذجية للحياة الخالدة ، برنستن 1976 .

 – أنظر : كيسهولم هيك (الناشر والمشرف) ؛ الملك آرخليوس ، ملك مقدونيا ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 ، 1911 [64]

، المجلد الثاني .

 – أنظر : هانز كريستين غونثر ؛ يوربيديس : إيفيجينيا في أوليس ، لايبزك 1988 وكذلك : يوربيديس ؛ إيفيجينيا في أوليس ، ترجمة جورجي [65]

ثيودورديس ، 2007 (النص كاملاً أون لاين) .

 – أنظر : هوميروس ؛ الإلياذة ، ترجمة ريشموند ليتمور ، مطبعة جامعة شيكاغو 1951 .[66]

 – أنظر : يوربيديس ؛ الباكي أو الباكوسيات ومسرحيات آخرى ، ترجمة جون ديفيد ، كتب بنجوين ، لندن 2005 ، ص ص 326 – 327 . [67]

 – أنظر : يوربيديس ؛ رسوس ، ترجمة جورجي ثيودورديس 2010 (النص ترجم نثراً بصورة كاملة / أون لاين) . [68]

 – أنظر المصدر السابق / الصفحة الأولى من غلاف المسرحية . [69]

 – أنظر : برنارد ماككريكور ويلكر نوكس ؛ التراجيديون الصغار ، ص ص 86 – 93 ، منشور في كتاب : بيتريشا إليزابيث إيسترلنك  وبرنارد [70]

نوكس ؛ تاريخ كيمبريدج للأدب الكلاسيكي ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1989 ، المجلد الأول الأدب اليوناني ، ص ص 90 – 91 .

 – وجاء جوزيف إسكالجيه من عائلة إيطالية أكاديمية حيث كان والده يوليوس قيصر إسكاليه باحثاً أكاديمياً . وقام جوزيف إسكالجيه بتوسيع مفهوم[71]

التاريخ الكلاسيكي حيث ضم اليونان وتاريخ الرومان القديم ، وأضاف الفرس والبابليين واليهود والمصريين القدماء . وصرف نهاية عمره في هولندا . وبعد موت والده صرف أربعة سنوات دراسية في جامعة باريس حيث درس اليونانيات وتحت إشراف الباحث الفرنسي في الكلاسيكيات البروفسور أدريانوس تيرنبيس (1512 – 1565) . ومن ثم ركز قراءته على هوميروس وشعراء آخرون ورجال خطابة ومؤرخين يونانيين .. وعل توجيهات البروفسور وعالم اللنكوستيكا الفرنسي غيوم بوستل (1510 – 1581) بدأ نقده الهجومي على العبرية ومن ثم شمل العربية ومنهما إمتلك سلطة معرفية محترمة . وكتب العديد من الكتب التاريخية النقدية . ولعل أهميته إنه صاغ قواعد للنقد التاريخي والتي تحولت على يديه إلى إجراء عقلي يخضع لقوانين ثابتة . وعلى هذا الأساس رأى إن التاريخ يشمل اليونان والرومان والفرس والبابليين والمصريين واليهود . وهذه الطريقة التاريخية وضعته وجه لوجه مع الكاثوليك وجدلهم وخصوصاً أصالة العديد من دفاعاتهم التي يستندون إليها . وهنا دخل الجزويت بالرغم من إنهم كانوا مصدراً للدراسات والنقد الأكاديميين . غير إنهم وجدوا في سلطته المعرفية معوقاً لمزاعمهم ولذلك تحولوا إلى حركة معارضة له وبدأوا يتصيدوا النقاط الرخوة في كتاباتهم وخصوصاً كتاباته عن عائلته ووالده . وأخيراً ألف كتاباً دفاعياً صرف فيه جهداً وإتهمه الجزويت بالكذب فكان هذا الكتاب هو سبب موته . وفعلاً ففي 21 كانون الثاني وفي الساعة الرابعة صباحاً مات كمداً من إنتقادات الجزويت .. أنظر للتفاصيل : إنثوني ت . كريفتن ؛ جوزيف يوستس إسكاليه : دراسة في تاريخ الأبحاث الأكاديمية الكلاسيكية ، مطبعة جامعة أكسفورد 1983 .

 – أنظر : دبليو ريتشي ؛ أصالة مسرحية رسوس ليوربيديس ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1964 ، من المقدمة ، ص 7 . [72]

 – أنظر : يوربيديس ؛ سيكلوبس ، السيتس وميديا ، ترجمة ديفيد كوفيكس ، مكتبة لوب الكلاسيكية 1994 ، المجلد الأول (تألف من 432 صفحة).[73]

 – أنظر : يوربيديس ؛ تراجيديا سيكلوبس أو العملاق ، ترجمة جورج ثيودوريدس ، 2008 (أون لاين) . [74]

 – أنظر : يوربيديس ؛ سيكلوبس ، السيتس وميديا ، ترجمة ديفيد كوفيكس (مصدر سابق) . [75]

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحيات بمقتطفات مختارة ، ترجمة وتحرير كريستفور كولر و أم . ج . كروب و ك . أش . لي وجليبرت ؛ دار نشر  [76]

آريس وفيليبس المحدودة ، المملكة المتحدة ، المجلد الأول  1995 . وأنظر : يوربيديس ؛ مسرحيات بمقتطفات مختارة ، ترجمة وتحرير كريستفور كولر وأخرون ن دار نشر آريس وفيليبس ، المجلد الثاني 2005 .

 – أنظر : يوربيديس ؛ مقتطفات – أوجيس ميليجر ، مكتبة لوب الكلاسيكية رقم 504 ، مطبعة جامعة هارفارد ، كيمبريدج 2008 . وكذلك : [77]

يوربيديس ؛ أودبيوس – كريسبيوس ومقتطفات آخرى ، مطبعة جامعة هارفارد ، كيمبريدج 2009 .  

 – أنظر : توماس ب . أل . ويبستر ؛ تراجيديات يوربيديس ، لندن 1967 ، ص 316 . [78]

 – أنظر : أبولودورس ؛ مكتبة الإسطورة اليونانية ، ترجمة روبين هارد ، مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك 1997 ، ص ص 48 – 49 .[79]

 – أنظر : توماس ويبستر ؛ تراجيديات يوربيديس ، دار نشر ماثن وشركاؤه 1967 وكذلك : وليم سميث ؛ تلفوس ، معجم الأساطير والسير  [80]

اليونانية والرومانية ، لندن 1873 .

 – أنظر : يوربيديس ؛ مقتطفات : أوكيوس ميليجر(مصدر سابق) ، ص ص 77 – 99 .[81]

 – أنظر ثالثاً من هذا البحث .[82]

 – وهو الفيلسوف والسفسطائي ديو كريسستم أو ديون البريسا أو ديو كوكيانس وهو يوناني ومتخصص في الخطابة ، وكاتب وفيلسوف ومؤرخ[83]

الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول . وإشتهر بعمله الذي حمل عنوان ثمانية خطابات وله بعض من الرسائل ومقالات ساخرة بعنوان في مديح الشعر (مثل شعر رأس الإنسان وليس فن الشعر) وظلت منه مجموعة فقرات خالدة . أما إسمه الثاني كريسستم فيعني باليونانية حرفياً فم الذهب . وكتب العديد من المقالات في الخطابة وحول السفسطائية ومن ثم كرس نفسه إلى دراسة الفلسفة . إلا إنه لم يتقيد بعقائد مدرسة فلسفية معينة . غير إنه فيما بعد أظهر ميلاً نحو شواطئ الرواقية والإفلاطونية . وتحول إلى ناقد عنيد للإمبراطور الروماني دوميتان (51 – 96 م) ويُعتقد بسبب ذلك تم إخفائه إلى الأبد . وكانت له علاقات حميمة مع رموز عصره في القرن الأول الميلادي من مثل الفيلسوف الفيثاغوري الجديد أبولونيوس التايني (15 – 100م) والذي يُعرف بالمسيح التاريخي ، وديو أبو فم الذهب كان صديق الفيلسوف الرواقي فرات الصوري (عاش للفترة من 35 – 118م) . وكان السفسطائي أبو فم الذهب يحمل دائماً في جيبه محاورة إفلاطون فيدون .. ويُرجح بأنه مات بعد عام 111 ميلادية  ..أنظر : سيمون سواين ؛ ديو كريسستم ، السياسة ، الرسائل والفلسفة ، مطبعة جامعة أكسفورد 2000 (تكون من 308 صفحة) . وكذلك : سيمون سواين ؛ الهيلينية والإمبراطورية ، اللغة ، الكلاسيكية والسلطة في العالم اليوناني من سنة 50 – 250م ، مطبعة كليرندون ، أكسفورد 1998 ، ص ص 187 – 241 .

 – أنظر : إسخليوس ؛ إجاممنون (مقتطفات) ، ترجمة هربرت وير سمايث ، مطبعة جامعة هارفارد 1930 ، ص ص 464 – 467 . [84]

 – أنظر : أن . ويستن ؛ فيلوكتيتيس سوفوكلس وروح الإستحواذ الكبيرة ، مطبعة جامعة ويسكنسن 2011 ، ص ص 142 – 143 بالطبع الكاتب [85]

ويستن إختار عنوان مثيراً وهو : فيلوكتيتيس سوفوكلس وروح السرقة الكبيرة . ففضلنا بدلاً من روح السرقة عبارة روح الإستحواذ الكبيرة . ويبدو لنا إن نقد السفسطائي في القرن الأول الميلادي ديو أبو فم الذهب إلى يوربيديس ومقارنته مع كل من أسخليوس وسوفوكلس ربما شجع الكاتب ويستن إلى أن يذهب بعيداً ويقترح فعل السرقة في عنوان كتابه …أنظر عن آراء السفسطائي ديو أبو فم الذهب : دبليو . ب . هارش ؛ الدراما الكلاسيكية (كتاب اليد) ، مطبعة جامعة ستانفورد 1944 ، ص ص 142 – 143 .

 – أنظر : يوربيديس ؛ فيلوكتيتيس ، منشورة في : مسرحيات مقتطفات مختارة ، ترجمة وتحرير كريستفور كولراد وآخرون ، المجلد الثاني[86]

2004 ، ص ص 1 – 12 .

 – أنظر للتفاصيل : أن ويستن ؛ فيلوكتيتيس وروح السرقة الكبيرة (مصدر سابق) .[87]

 أنظر للتفاصيل : يوربيديس ؛ مقتطفات : أودبيوس وكريسبس (مصدر سابق) ، ص ص 368 – 373 . وكذلك : يوربيديس ؛ مقتطفات مسرحيات [88]

مختارة ، المجلد الثاني ، ص ص 1 – 12 . وايضاً : يوربيديس ؛ فيلوكتيتيس (مصدر سابق) ، ص ص 15 – 25 .

 – أنظر : الحرب الطروادية ، حوليات ديتيس الكريتي وديرس الفرجين ، ترجمة أم . فريزر جنير ، مطبعة جامعة آنديانا 1966 . [89]

 – أنظر : ك . أوسبورن و د . بوركس ؛ الدليل الكامل للإسطورة الكلاسيكية ، دار نشر بنجوين 1998 . [90]

وتخصص في دراسة أعمال الشاعر اليوناني القديم بندار (522 – 443 ق.م) والشاعر اليوناني هزيود (والذي كان ناشطاً للفترة 750 – 650 ق.م) وعاش أرسطوفان البيزنطي فترة بعد ولادته في مدينته بيزنطيا ، ومن ثم تحول مبكراً إلى الإسكندرية ودرس تحت إشراف زندوتس وهو أول ررئيس للمكتبيين في مكتبة الإسكندرية . وخلف آرسطوفان رئاسة مكتبة الإسكندرية بعد عالم الرياضيات آراتوستينس (276 – 194 ق.م) وكان عمر آرسطوفان يومذاك ستين عاماً فقط . أنظر للتفاصيل : كيسهولم هيك (المشرف) ؛ آرسطوفن الناقد ، ألإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ط11 ، سنة 1911 ، المجلد الثاني ، ص 501 .

 – وأرسطوفان البيزنطي هو باحث مدرسي يوناني هيلينستي وناقد وعالم نحو ومتخصص في دراسات الشاعر الملحمي اليوناني هوميروس .   [91]

كما تخصص في أعمال الشاعر اليوناني القديم بندار (522 – 443 ق.م) والشاعر الملحمي اليوناني هزيود (كان ناشطاً ما بين 750 – 650 ق.م) . وولد وعاش آرسطوفان في بيزنطيا ومن ثم تحول إلى الأسكندرية ودرس تحت إشراف زندوتس وهو أول رئيس للمكتبيين في مكتبة الإسكندرية . وخلف أرسطوفان رئاسة مكتبة الإسكندرية بعد عالم الرياضيات آرتوستينس (276 – 194 ق.م) . وأصبح أرسطوفان البيزنطي رئيس مكتبة الإسكندرية في الستين من عمره … أنظر للتفاصيل : كيسهولم هيك (المشرف) ؛ آرسطوفان الناقد ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 ، سنة 1911 ، ص 501 .   

 – أنظر : يوربيديس ؛ مقتطفات أودبيوس – كريسبس (مصدر سابق) ، ص ص 170 – 171 . [92]

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحيات مقتطفات مختارة : تلفوس وكريتيون وإستينبويا .. (مصدر سابق)  . [93]

 – أنظر : بيير جرايمل وستيفن كيرشو ؛ إستينبويا ، المعجم المختصر للإسطورة الكلاسيكية ، دار نشر بلاكول 1990 (تكون من 456 صفحة) . [94]

 – أنظر : ستيفن لونزديل ؛ الإتجاهات نحو الحيوانات في عالم اليونان القديم ، منشور في كتاب اليونان وروما ، السلسلة الثانية ، المجلد 26 ، [95]

العدد الثاني ، 1979 ، ص ص 146 – 159 .

 – أنظر : جون هيث ؛ حديث اليونان : الخطاب ، الحيوانات وأشياء آخرى عند هوميروس ، إسخليوس وإفلاطون ، مطبعة جامعة كيمبريدج ،[96]

2005 .

 – أنظر : ب . ديشارم ؛ يوربيديس والروح في مسرحياته ، دار نشر كيسنجر 2006 ، ص 263 . [97]

 – أنظر : يوربيديس : مسرحيات مقتطفات مختارة (مصدر سابق) ، المجلد الأول ، ص ص 121 – 147 . [98]

 – أنظر : شميتز ليونهارد ؛ الخطيب الأثيني يكوغوس ، منشور في : سميث وليم ؛ معجم أساطير وسير اليونان والرومان ، بوسطن 1867 ، [99]

المجلد الأول ، ص 858 .

 – أنظر : ماري ليفكاوتز ؛ النساء في الإسطورة اليونانية ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز 1986 ، ص ص 95 – 100 ، وكذلك : آن . لوركس ؛ [100]

الطرق التراجيدية لقتل النساء ، مطبعة جامعة هارفارد 1987 ، ص ص 47 – 48 .

 – أنظر : كارل كيرني ؛ أبطال اليونان ، دار نشر تايمس وهديسون 1959 ، ص ص 21 – 46 . [101]

 – أنظر : مريم كريفن ؛ نيرون : نهاية السلالة ، مطبعة جامعة ييل ، لندن 1985 . [102]

 – أنظر : جيمس ديكل ؛ فايتون يوربيديس ، كيمبريدج 1970 . [103]

 – أنظر المصدر السابق . [104]

 – أنظر : وليم نيكرسون بيتس ؛ يوربيديس : تلميذ الطبيعة الإنسانية ، شركة بيرنز للنشر ، نيويورك 1961 . [105]

  – أنظر : ديفيد كوفكس ؛ حول مسرحية إلكسندروس ليوربيديس ، مجلة دراسات هارفارد في الفيللوجيا الكلاسيكية ، مطبعة جامعة هارفرد ،  [106]

1984 ، ص ص 47 – 70 .

 – أنظر للتفاصيل ؛ المصدر السابق ، ص ص 47 – 70 .[107]

 – إنظر : مادة ” بالميديس ” ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 ، سنة 1911 (أون لاين) .[108]

 – أنظر : كارلوس بريدا وميكر فورلج ؛ الدليل الجينولوجي إلى الإسطورة اليونانية ، 1997 (أون لاين) .[109]

 – أنظر : الإنسكلوبيديا البريطانية (مصدر سابق) . [110]

 – أنظر : شارلز خان ؛ الدين اليوناني والفلسفة في شذرة سيزيف الخالدة ، دورية فرونسيس ، المجلد 42 ، العدد الثالث ، دار نشر بريل ،  [111]

1997 ، ص ص 247 – 262 .

 – ولد كريتياس في آثينا وهو إبن كيلاسكروس وكان الأخير إبن عم أو خال أم الفيلسوف إفلاطون المشهورة بيركشوني (أو بيرستوني) . وأصبح [112]

كريتياس عضواً قائداً في فترة حكم الطغاة الثلاثين وكانت تربطه علاقة قوية بالفيلسوف سقراط . ولعل المهم هو الإشارة إلى إن كريتياس إشتهر بعدد من مسرحياته التراجيدية كما وكتب المراثي والأعمال النثرية . وبعد سقوط آثينا بيد الإسبارطيين فإن إسم كريتياس كان من بين أسماء الطغاة الثلاثين الذين أدرجت أسمائهم في القائمة السوداء . وقتل كريتياس في المعركة التي حدثت بين جماعات الديمقراطيين الأثينيين الذين كانوا في المنفى واعضاء الطغاة الثلاثين ومناصريهم .. وعلى حد رأي المؤرخ اليوناني بوليبيوس (حوالي 200 – 118 ق.م) والذي ” أكد على إن الدين قد إستخدم بصورة مدروسة وسيلة للدجل والإحتيال لتحقيق غايات سياسية ” . للتفاصيل أنظر : بوليبيوس ؛ صعود الإمبراطورية الرومانية ، دار بنجوين 1979 ، ص 25 . وكذلك : توماس روزنمير ؛ عائلة كريتياس ، منشور في المجلة الأمريكية للفيللوجيا ، مطبعة جامعة جونز هوبكنز ، 1949 ، المجلد 70 ، العدد الرابع ، ص ص 404 – 410 . وظهر كريتياس شخصية في بعض محاورات إفلاطون مثل كارميديس ومحاورة بروتاغوراس . ووفقاً إلى مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس فإن كاريتياس هو الخال الأكبر لأم إفلاطون . أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكز ، مكتبة لوب الكلاسيكية ، 1925 .

 – أنظر : سكستوس إمبيريكوس ؛ ضد الرياضيين (رجال الرياضيات) ، ترجمة أر . ج . بيري و ج . كارتي ، 2009 وتألفت من أربعين فقرة . [113]

وفي نهاية الفقرة أربعين ورد الكلام عن شذرة كريتياس وبالطبع جاء الحديث عن شذرة سيزيف .  

 – أنظر : شارلز خان ؛ الدين اليوناني والفلسفة في شذرة سيزيف (مصدر سابق) . [114]

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحيات مقتطفات مختارة : تلفوس ، كريتيون ، إستينبويا ، بيلليرفون ، كريسفونتس ، إركثيس ، فايتون ، الفيلسوفة [115]

أو الحكيمة ميليبني والسجينة أو المعتقلة ميليبني ، ترجمة وتحرير كريستفور كولر وآخرون (مصدر سابق) ، المجلد الأول . وهذه المسرحيات التي كتبها يوربييس قد ضاعت واليوم تم تركيبها من شذرات باقيات وتكون نصوصاً بالغة الأهمية ، والعمل مستمر وعدد المسرحيات بمجملها تتكون من خمسة عشر مسرحية وهي في تزايد . ونشرت هذه المسرحيات في مجلدين وهي متوافرة في طبعتها باللغة الإنكليزية . ولاحظنا إن كل مسرحية منها قد تقدمتها مقدمة وبيبللوغرافيا موجزة ومقالة حللت الخلفية الإسطورية وحبكة المسرحية . كما ضمت مناقشة لموضوع المسرحية والشخصيات وتاريخ تقديمها مسرحياً ودراسة نقدية وقراءات ..

 – أنظر : جوان بريتن كونلي ؛ صورة الكاهنة : النساء والشعائر الدينية في اليونان القديمة ، مطبعة جامعة برنستون 2007 (تألف من 415[116]

صفحة) .

 – أنظر : إيديث هول ؛ يوربيديس وتراثه : مسرحيات ميديا ، هيبوليتوس ، إلكترا وهلين ، مطبعة جامعة أكسفورد 1997 ، ص 9 ، و كذلك   [117]

ص 23 .  

– أنظر : ميشيل كرانت وجون هيزل ؛ من هو الذي في الإسطورة الكلاسيكية ، مطبعة جامعة أكسفورد 1993 ، ص 31 .  [118]

 – أنظر : كارل كيرني ؛ الأبطال اليونانيون : الإسطورة والإنسان ، دار نشر تامس وهيدسن 1959 حيث يقول ” إن دراما إندروميدا ضاعت [119]

إلا إن بعض الشذرات ظلت محفوظة ” . ص 53 .  

 – أنظر : آرسطوفان ؛ أعمال آرسطوفان المسرحية الكاملة ، ترجمة ب . ب . روجرز و أش . دبليو . ويب ، كتب بنتام 1962 ، ص ص [120]

357 – 364 .  

 – أنظر : جورج جيلبرت موري ؛ يوربيديس وعصره ، دار نشر هولت 1913 ، ص ص 140 – 144 . [121]

 – أنظر : ب . ديشارم ؛ يوربيديس وروح تراجيدياته ، دار نشر كيسنجر 2006 ، ص ص 15 ، 204 ، 278 .[122]

 – أنظر : جوليانا ك . ويل ؛ إنتيوبي يوربيديس والثلاثية الطيبية (أو الثيبية نسبة إلى مدينة ثيبيا أو طيبيا) ، وهي جزء من متطلبات درجة [123]

ماجستير في الأداب – جامعة كوين / كنكستن – إنتاريو / كندا أبريل 2015 ، الفصل الأول المدخل ، ص 1 .

 – وقام إندريه ويلسون في التدقيق في محاورة جورجياس ، أنظر : جورجياس إفلاطون وإنتيوبي يوربيديس : دراسة في التحولات النوعية ، [124]

دورية الماضي الكلاسيكية ، المجلد 11 ، العدد الأول ، آبريل 1992 ، ص ص 121 – 141 . كما لاحظ ذلك : أي . أر . أوديز ؛ إفلاطون ؛ جورجياس أكسفورد 1959 ، ص 276 .

 – ونحن لا نتفق مع أحكام وإستنتاجات جوليانا المتعجلة . ونقترح عليها ولأغراض تقويم أحكامها وإستنتاجاتها إن تعيد قراءة المصادر         [125]

 الأتية : أولاً – زد . ريتوك ؛ المشكلات في تراجيديا إنتيوبي يوربيديس ، دورية إكتا إنتكويا ، بودبست 2008 ، العدد 48 ، ص ص 29 – 40 . وهو سابق على بحث جوليانا بسبع سنوات . ثانياً – دبليو . روثرفورد ولويس كامبيل ؛ بعض الملاحظات حول شذرات جديدة لتراجيديا إنتيوبي ، دورية مراجعات الكلاسيكية 1891 ، المجلد الخامس ، العدد الثالث ، ص ص 123 – 126 . وهي سابقة على رسالة جوليانا بمئة وأربعة وعشرين سنة. ثالثاً – إفلاطون ؛ محاورة جورجياس ، مطبعة جامعة أكسفورد 1959 ، ص 276 . وبالمناسبة إن إفلاطون إعتمد على يوربيديس في تناول تراجيديا إنتيوبي في محاورة جورجياس . ومن الثابت إن إفلاطون ألف محاورة جورجياس سنة  380 ق.م أي قبل أن تكتب جوليا رسالتها للماجستير بألفين وثلثمائة وخمس وتسعين سنة فقط . رابعاً – ولعل أحدث إعادة تركيب شاملة لمجمل شذرات تراجيديا إنتيوبي هي المحاولة التي قام بها جان كامبتسس وبعنوان إنتيوبي يوربيديس ، آثينا 1972 . أي قبل عمل جوليانا بثلاث وآربعين سنة فقط .   

 – أنظر : ميشيل كاكرين ؛ إنسكلوبيديا اليونان وروما القديمتين ، مطبعة جامعة أكسفورد 2010 ، المجلد الأول ، ص 229 . [126]

 – أنظر : أي . ب . بوسورث ؛ إسطورة الإسكندر : السياسات ، الرفاهية ودعاية خلفائه ، مطبعة جامعة أكسفورد 2005 (تألف من 307 [127]

صفحة) .

 – أنظر : ميشيل كاكرين ؛ المصدر السابق . [128]

 – وليم سميث (المشرف والناشر) ؛ معجم آساطير وسير اليونان والرومان ، دار نشر هابر وأخوان ، نيويورك 1870 ، المجلد الأول ، ص[129]

305 . وهو حسب الإسطورة اليونانية من أحفاد هيركليدس (أو هيركليد) حسب الإسطورة اليونانية وأصبح ملك أركوز . وهو والد كارنوس المقدوني وهو الملك المقدوني الأول ومؤسس السلالة الملكية المقدونية .

 – أنظر : إرنيت هردر ؛ يوربيديس : كريسفونتس وأرخيلاوس : مدخل ونص وشرح ، دار نشر أي . ج . بريل 1985 (تألف من 302[130]

صفحة) .

 – أنظر : يوربيديس ؛ الثلاثية المقدونية ، مناقشة وتحرير ريتشارد جونسن ولكير ، مطبعة نوب 2010 (تألف من 156 صفحة) . [131]

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحيات فقرات مختارة ؛ الكسندوس (سوية مع بالميديس وسيزيف) أودبيوس ، إندروميدا وإنتيبوني ، هيبسبيلا [132]

وإرخليوس (415 إلى حوالي 407 ق.م) ، المجلد الثاني ، مع مداخل ، ترجمات وتعليقات ، ترجمة وتحرير كريستفور كولارد وكروب زجيبرت ، دار نشر أريس وفيليبس ، المملكة المتحدة 2005 .

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحية هيبسبيلا (المصدر السابق) . [133]

 – أنظر : جورج موري جيلبرت ؛ يوربيديس وعصره (مصدر سابق) ، ص 171 . [134]

 – أنظر : كيسولم هيك (الناشر والمشرف) ؛ أيجيوس ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مكبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 ، سنة 1911 . [135]

 – أنظر : مايكل إيوانس ؛ أوبرا من اليونان : دراسات في شعر الإعتمادات ، دار نشر إشكات المحدودة 2007 . [136]

 – أنظر : إيما كريفيثس ؛ مسرحية ميديا ، دار نشر تايلر وفرنسيس 2006 ، ص 81 . [137]

 – أنظر : وليم يونك سيلر ؛ شعراء الجمهورية الرومانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2011 ، ص 64 .[138]

 – أنظر : كيهولم هيك (المشرف) ؛ إكيوس لوسيوس ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 ، سنة 1911 ، [139]

المجلد الأول ، ص 114 .

 – أنظر للتفاصيل : بيتر نوكس (إشراف) ؛ قراءات أكسفورد في أوفيد ، مطبعة جامعة أكسفورد 2006 . [140]

 – أنظر : أن داني ؛ ميديا أوسديوس جيتا ، المجلة الكلاسيكية ، العدد 46 ، سنة 1950 ، ص ص 75 – 78 . [141]

 – أنظر : نيد شارليت ؛ مسرحيات جان أنيه ، ترجمة جيرمي سامس وأخرون ، دار نشر ماثيون ، لندن 1997 ، خصوصاً المدخل . [142]

 – أنظر : راديكليف سكوايرز ؛ إخلاص روبنسن جفريز ، مطبعة جامعة ميشغان 1956 . [143]

 – أنظر : جورجيا زانتاكي كارمونا وألينا إميماديو ؛ أولس يوربيديس : المفاهيم والزخارف ، معهد الدراسات الكلاسيكية ، جامعة لندن  [144]

2014 (أون لاين)

 – تألفت رائعة ديودور الصقلي من أربعين كتاباً وتوزعت في ثلاثة أقسام ؛ وكانت الكتب الستة الأولى ذات موضوع جغرافي . والكتاب الأول [145]

منها قدم وصفاً إلى تاريخ وحضارة مصر . أما الكتاب الثاني فركز مهمته البحث في ميسوبتوميا (حضارة وادي الرافدين أو بين النهرين أي دجلة والفرات) والهند وسكيثيا (وهي منطقة تشمل شرق إيران ومركز أسيا وشمال وشرق أوربا وحتى البحر الأسود) . والعربيا وتضم الجزيرة العربية (الكبرى) وحتى شمال وشرق أفريقيا . وعالج الكتاب الثالث شمال أفريقيا . وتأمل في الكتاب الرابع وحتى السادس في كل من اليونان وأوربا … ومع الأسف ضاعت أجزاء مهمة من هذه الرائعة . وبقيت منها الكتب (من الأول – الخامس) والكتب (من الحادي عشر – وحتى العشرين) . وبقيت شذرات من الكتب المفقودة محفوظة عند بطريرك القسطنطينية فوتيوس الأول (حوالي 810 – 893 ميلادية) كما وبقيت شذرات آخرى في كتابات الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع (905 – 959 م) … أنظر للتفاصيل عن هذه الرائعة : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تأمل في رائعة ديودوريس الصقلي : التاريخ الكوني أو المكتبة التاريخية ، موقع الفيلسوف الإلكتروني ، بواكير سنة 2016 .  

 – وأغلب أجزاء رائعة المكتبة التاريخية ظل محفوظاً خالداً وهو يغطي الفترة التاريخية من 60 إلى 30 ق.م ، وهو يتألف من ثلاثة أجزاء [146]

وبإيجاز فإن أولس الأول هو إبن هلين وهو مؤسس سلالة الأولسينية . والثاني هو إبن بوسيدون وهو واحد من إثنتي عشر رباً أولمبياً في الإسطورة اليونانية ، وهو الذي يُسبب الهزة الأرضية وبسلطته يُدير المستعمرة ويقودها إلى الجزائر في البحر التيراني . وأولس الثالث وهو إبن هيبوتس حافظ الرياح والذي جاء ذكره في أوديسا (هوميروس) .. وكل أسماء أولس الثلاثة يبدو إنها مرتبطة بصورة نسبية . وبالرغم من العلاقة الدقيقة فيما يتعلق بشخصية أولس التاريخية الثانية والثالثة فهي على الأغلب غامضة وغير واضحة . أنظر : ولتر بوركارت ؛ دين اليونان ، مطبعة جامعة هارفارد    1985 (تكون من 512 صفحة) .

 – أنظر : ليونهارد سشميتز ؛ أولس ” ، منشور في : وليم سميث ؛ معجم الأساطير والسير اليونانية والرومانية (مصدر سابق) ، المجلد الأول [147]

، ص 35 .  

 – أنظر : يوربيديس ؛ نشرة الشذرات ، ترجمة كريستفور كولارد ومارتين كروب ، مطبعة جامعة هارفارد (مصدر سابق) ، المجلد الأول ،   [148]

ص ص 100 – 113 .  

 – أنظر : وليم سميث ؛ إمفتريان ، منشور في : معجم أساطير وسير اليونان والرومان ، لندن 1873 . [149]

 – أنظر : يوربيديس ؛ نشرة الشذرات (مصدر سابق) ، ص ص 115 – 123 . [150]

 – أنظر : بوسانياس ؛ وصف اليونان ، ترجمة دبليو أش . جونز وأمورد ، مكتبة لوب الكلاسيكية 1918 (يتألف من خمسة مجلدات) .[151]

وبوسانياس كاتب يوناني إزدهر في القرن الثاني الميلادي وقدم وصف تفصيلي شامل للمعابد اليونانية والمراقد المقدسة مع مناقشات للأساطير المحلية والطوائف والشعائر والطقوس الدينية …

 – أنظر : يوربيديس ؛ نشرة الشذرات (مصدر سابق) ، ص ص 156 – 169 . [152]

 – أنظر : يوربيديس ؛ نساء فينيقيات ، ترجمة إندرو ويلسون ، منشورة على صفحات كلاسيكية ، 1994 (أون لاين) . [153]

 – أنظر : يوربيديس ؛ نشرة الشذرات (مصدر سابق) . [154]

 – أنظر : وليم أس . إندرسون ؛ أوجا يوربيديس و إبيتربونتيس ميندار ، جامعة كليفورنيا يراكلي 1982 ، ص ص 165 – 177 .[155]

 – أنظر ك وليم سميث (المشرف) ؛ أوجا ، منشور في معجم أساطير وسير اليونان والرومان (مصدر سابق) ، المجلد الأول ، ص 419 . [156]

 – للتفاصيل : أنظر : وليم أس . إندرسون ؛ أوجا يوربيديس وإبيتربونتيس ميندار (مصدر سابق) ، ص 165 . [157]

 – أنظر : يوربيديس ؛ شذرات يوربيديس (نص كامل) ، أصلحه ريتشارد جونسن ويلكر ، لندن (موجود أون لاين) . [158]

 – أنظر : س . دبليو . مارشل ؛ إعادة تركيب وإنجاز تراجيديا هلين ليوربيديس ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2014 . [159]

 – أنظر : يوربيديس ؛ عشرة مسرحيات ، تقديم موسى هاديس وترجمة موسى هاديس وجون ماكلين ، كلاسيكيات بنتام 2006 ، ص ص [160]

322 – 325 .  

 – أنظر : يوربيديس ؛ شذرات من أودبيوس وكريسبوس ومسرحيات آخرى ، ترجمة وتحرير كريستفور كولارد ومارتين كروب ، مكتبة[161]

لوب الكلاسيكية رقم 506، المجلد الثامن 2009 .

 – أنظر : أيونا كارموني ؛ يوربيديس وتراجيديا داناي وتراجيديا ديكيتس ، مدخل ونص وشرح (بالإنكليزية) ، منشورات ك . ج . سور  [162]

2006 (تألف من 316 صفحة) . وهذا الكتاب جاء نتيجة إطروحة دكتوراه تقدمت بها أيونا كارموني إلى جامعة كيمبريدج . وهو مساهمة قيمة في دراسة مسرحيات يوربيديس وبالتحديد كل من مسرحيتي داناي وديكيتس .. وبالرغم من ضياع هاتين المسرحيتين إلا إن أيونا تمكنت من جمع شذرات لهما كانت مبثوثة في كتابات جون إستوبايوس (عاش في القرن الخامس الميلادي ولكنه لم يكن مسيحياً) ومن نصوص الفيلسوف والشاعر الأبيقوري فيلودميوس (110 – حوالي 40 أو 35 ق.م) وبلوتارك (حوالي 46 – 120م) أنظر المصدر السابق ، المدخل ، ص ص 13 – 21 .

 – أنظر : يوربيديس ؛ نشرة الشذرات (مصدر سابق) ، المجلد الأول ، ص 361 . [163]

 – أنظر : يوربيديس ؛ أطفال هيركليز ، ترجمة جورج ثيودورديس 2010 (أون لاين) . [164]

 – أنظر : يوربيديس ؛ هيبوليتوس ، ترجمة وتقديم وشرح وليم سبنسر بريت ، مطبعة كليرندون ، أكسفورد 1964 . [165]

 – أنظر : أنا كارسون ؛ دروس في الحزن : أربعة مسرحيات ليوربيديس ، مجلة مراجعات الكتب الكلاسيكية ، نيويورك 2006 . [166]

 – أنظر : يوربيديس ؛ مسرحية آيون ، ترجمة جورج ثيودورديس 2006 (كاملة منشورة أون لاين) . [167]

 – أنظر : ت . ج . ساندرز ؛ مدخل إلى محاورة آيون ، كتب بنجوين ، لندن 1987 . [168]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حضور الفلسفة في مسرحيات الفيلسوف الرواقي لوسيوس سينيكا ، موقع الفيلسوف ، 5 ديسمبر [169]

2015 . وهو بحث واسع شامل .

  – أنظر : دبرا نيلس ؛ حياة إفلاطون في آثينا ، منشورفي : بينسن هيك ؛ صحبة مع إفلاطون ، دار نشر بلاكويل 2006 . [170]

 – أنظر : س . دبليو . مارشل و توم هيكنز (المشرفان) ؛ الكوميديا الآثينية في الإمبراطورية الرومانية ، نشرة بلومزري أكديميا 2015 ، [171]

(تألف من 304 صفحة) .

 – أنظر : ألين أش . سمورستين ؛ كلام حول الضحك ودراسات في الكوميديا اليونانية ن مطبعة جامعة أكسفورد 2009 . وخصوصاً  [172]

المدخل ، ص ص 1 – 14 ، والكوميدون القدماء والكوميديا القديمة ، ص  116 وما بعد .

 – أنظر : إيزابيل تورتس ؛ الشعر الفوقي (ميتا بوتري) عند يوربيديس ، مطبعة جامعة أكسفورد 2013 ، ص 279 . [173]

 – أنظر : يوربيديس ؛ ليشمنيوس يوربيديس ، جامعة أكسفورد 2015 .[174]

 – أنظر : يوربيديس ؛ شذرات من أودبيوس وكريسبوس ومسرحيات آخرى (مصدر سابق) ، ص ص 9 – 27 . [175]

 – أنظر : ب . ج . دافيس ؛ كورس سينيكا في مسرحية ثايستيس (بالإنكليزية) ، المجلة الفصلية للكلاسيكيات ، المجلد 39 ، العدد الثاني سنة [176]

1989 ، ص ص 421 – 435 .  

 – أنظر : جوستينا غريغوري ؛ التراجيديا اليوربيديسية (نسبة إلى يوربيديس) ، منشور في كتاب في صحبة التراجيديا اليونانية ، دار نشر[177]

بلاكول 2005 ، ص ص 252 – 253 .

 – أنظر كل من مسرحية الباكوسيات ومسرحية إيفيجينيا في أوليس والتي فازت كل منهما بالجائزة الأولى بعد وفاته كما بينا هذا في ثنايا البحث [178]

الراهن .

 – فمثلاً ولد أسخليوس (525 – 455 ق.م) وولد سوفوكلس (497 – 405 ق.م) وولد يوربيديس (480 – 406 ق.م) . وعلى هذا الأساس فإن [179]

أسخليوس ولد قبل يوربيديس بأكثر من أربعين سنة وإن كان معاصراً له بسنوات قليلة . وإن سوفوكلس ولد قبل يوربيديس بستة عشر سنة . إلا إنه مات بعد سنة واحدة فقط من وفاة يوربيديس .  

 – أنظر : يوستينا كريكوري (المشرفة) ؛ تراجيديا يوربيديس (مصدر سابق) ، ص ص 252 – 253 .[180]

 – أرسطوفان أو أرستوفان هو كاتب مسرحي كوميدي أثيني ويُعرف بلقب أبي الكوميديا وكذلك آمير الكوميديا القديمة . كما ويجري الحديث عن[181]

أرسطوفان على إنه جدد الحياة في آثينا القديمة أكثر من أي كاتب آخر . وإن سلطته المعرفية في كتابة المسرحية مكنته من إشاعة الفكاهة والسخرية في المجتمع الأثيني مما حملت معاصريه بالإعتراف بتأثيره  . فمثلاً خص في مسرحياته الفلاسفة كل من سقراط وإفلاطون وبالتحديد في مسرحيتيه السحب والإفتراء .. وكتب آرسطوفان ثلاثين مسرحية كوميدية وظلت منها محفوظة وخالدة ثلاثة عشر ومجموعة فقرات من مسرحيات آخرى تقدم للباحثين الأكاديميين شواهد وأمثلة على جنرا أو جنس الدراما الكوميدية والتي يعرف بالكوميديا القديمة .. أنظر : 1 – دوكلص ماكدويل ؛ آرسطوفان والأثينيين : مدخل إلى مسرحياته ، مطبعة جامعة أكسفورد ، أكسفورد 1995 . 2 – ديفيد إفرام ؛ آرسطوفان والمجتمع الأثيني في بواكير القرن الرابع قبل الميلاد ، هولندا ، أبريل 1984 .  

 – أنظر : ديفيد بيرت ؛ آرسطوفان : مسرحية الضفادع ومسرحيات آخرى ، كتب بنجوين 1964 ، ص 98 . [182]

 – أنظر : روبين ميتشل بويكس ؛ يوربيديس : ميديا ، دار نشر هاشت 2008 ، المقدمة ، ص 12 .[183]

 – أنظر للتفاصيل ؛ أل . ب . أي . بيركر (المشرف والناشر) ؛ يوربيديس : مسرحية إلسيتس مع مدخل وشرح ، 2007 (تألف من 360 [184]

صفحة) .

 – برنارد نوكس ؛ يوربيديس ، منشور في تاريخ كيمبريدج للأدب الكلاسيكي (مصدر سابق) ، ص 339 . [185]

————————————————————————————

      

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / الفيلسوفة حانا إرنديت والقديس أوغسطين / العدد 12 / كانون الثاني – شباط 2016

الفصيلة 

 أوراق فلسفية جديدة

(12)

كانون الثاني – شباط 2016

————————————————————————-

تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للابحاث والدراسات

   رئيس التحرير                             سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان                  الدكتورة نداء إبراهيم خليل

————————————————————————–

الفيلسوفة حانا أرنديت والقديس أوغسطين

الدكتور محمد جلوب الفرحان    الدكتورة نداء إبراهيم خليل

—————————————————————————————-

تقديم :

   تأتي أهمية هذا البحث ، من إن الحب والقديس أوغسطين ، كان أول عمل أكاديمي كتبته الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية المعاصرة حانا إرنديت ، وتحت إشراف البروفسور الفيلسوف الوجودي (المسيحي – البروتستانتي) كارل ياسبرز .  وهذا صحيحُ كل الصحة ولا خلاف عليه . ولكن وراء حب القديس أوغسطين ، قصة حب عارمة عاشتها حانا أرنديت مع أستاذها وحبيبها الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر [1] ، في بيته الصيفي وخلال كتابة مارتن هيدجر لرائعته المشهورة الوجود والزمن[2]، والتي ساهمت حانا في مناقشة أطراف منها مع هيدجر في لقائاتهما في البيت الصيفي . ومثلما كان الحب الجنسي العارم الذي عاش تفاصيله القديس أوغسطين بعد إن كان على دين والده ، والذي يتمثل بالعقيدي اليوناني (الوثني بمنظار المسيحية) ، ومن ثم على العقيدي المانوي قبل أن يتحول إلى شواطئ المسيحية . كان نوعاً من الحب التابو (مُحرم) على رئيس القساوسة أوغسطين بُعيد تحوله من ضفاف المانوية إلى معاقل المسيحية . وفيما يُشابه ظروف أوغسطين ، كان الحب بين الفيلسوف الوجودي هيدجر وطالبته حانا فيه تابو خطير ، خصوصاً بعد شكوك الفريدا زوجة مارتن هيدجر[3]. ومن ثم إدراك مارتن هيدجر بأن العاصفة قادمة لا محالة منها .

   وهكذا رتب الفيلسوف الوجودي هيدجر ، للفيلسوفة حانا أن تكتب إطروحتها للدكتوراه عن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين [4]، ليس تحت إشرافه ، وإنما فكر بالبروفسور كارل ياسبرز ، ولذلك سافر مارتن هيدجر للقاء بالفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز وأقنعه بالإشراف على طالبة الدكتوراه حانا أرنديت . وكان حينها كارل ياسبرز يعيش ضغوط نفسية عالية ، فقد إتهمه الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، بالعطب الفلسفي وعدم إمكانيته كتابة شئ مرموق في مضمار الفلسفة . وكان قدر حانا إن تأتي في ظل هذه الظروف لتكتب إطروحتها ، ولتُشارك البروفسور ياسبرز في مناقشة أطراف من رائعته المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة [5]، وخصوصاً مناقشة عميقة لفعل التفلسف ، الذي صاغه كارل ياسبرز وتميز به ، رغم إن جذوره تصعد إلى فيلسوف العلم برنارد بولزانو ، وخصوصاً مناقشاته لفعل التفلسف في كتابه المعنون ما هي الفلسفة [6] .

  وهكذا تحول الحب عند القديس أوغسطين ، إلى جسر يربط بين حانا أرنديت ومارتن هيدجر والبروفسور كارل ياسبرز الذي أشرف على إطروحتها هذا من طرف . كما إن أوغسطين من طرف أخر ، هو موضوع التقريب واللقاء بين كارل ياسبرز وحانا أرنديت ، وثلاثية ياسبرز المعنونة ثلاث مجلدات في الفلسفة . وعلى هذا الأساس يمكن القول ، إن مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، والوجود والزمن ، وثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هي ثلاثية ولدت في ظل ظروف حانا ومارتن وياسبرز .

  ونحسب في ضوء هذا الواقع التي ولدت فيه هذه الروائع الفلسفية الثلاث ، نتفهم القضية التي أثارها كل من جونا سكوت وجوديث ستارك في المقدمة التي كتباها لنشرة الترجمة الإنكليزية لإطروحة الدكتوراه التي خطتها حانا أرنديت بالألمانية أصلاً ، وحملتها معها عندما هجرت بلدها الأصلي ألمانيا ، ولاذت بها إلى فرنسا ، ومن بعد ذلك إستقرت مع حانا في مهادها الأخير في الولايات المتحدة الأمريكية . ومن ثم بدأت حانا بجد في فترة ما قبل موتها بترجمتها إلى الإنكليزية . غير إنها غادرت هذا العالم ، ولم ترى النشرة الإنكليزية على الإطلاق . وبعد أكثر من عقدين من الزمن على وفاتها ، ظهرت النشرة الإنكليزية ، وبالتحديد في العام 1996[7] .

 الحقيقة إن القضية التي أثارها الأكاديميتان كل من جونا ف . سكوت و جوديث س . ستراك ، تثير الإستغراب والإستهجان ، ومفادها ، هو : كيف تُقدم طالبة يهودية على كتابة إطروحتها للدكتوراه عن رئيس القساوسة (المسيحي) القديس أوغسطين ؟ وكيف تعمل طالبة يهودية مع رمزين من رموز الفلسفة الوجودية الألمانية ، وهما كل من الكاثوليكي مارتن هيدجر ، والبروتستانتي كارل ياسبرز ؟ ومن طرفنا القضية واضحة ، وهو إن دين الفلاسفة ، هو عقيدي فلسفي لا علاقة له بدين العامة والأمهات العجائز والأجداد الشيوخ . ورغم ذلك فسنترك هانز جونز (1903 – 1993) ، وهو زميل الفيلسوفة حانا لفترة طويلة (في ألمانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وعملا معاً في المدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي في جامعة مدينة نيويورك)  ، يُدلي بشهادته ، والتي تضمنتها مقدمة كل من سكوت وستراك  للنشرة الإنكليزية لإطروحة حانا للدكتوراه ، والتي جاءت بعنوان ” إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين ” . وفي شهادة جونز هانز ، يأتي الجواب الشافي على السؤالين المرفوعين أعلاه . فقال ” يبدو إن مثل هذا الموضوع ، لم يكن غريباً على الجامعات الألمانية في ذلك الوقت ” . ويحسبُ جونز إن عمل حانا أرنديت عن أوغسطين ” كان بحد ذاته مفهوماً تماماً ” وذلك منذ إن كان ” كل من من هيدجر وياسبرز قد حولوا إهتمامهم إلى عدد من المفكرين ، بحثاً عن جذور الوجودية . وفي هذا الإطار حولوا واجهتهم نحو أوغسطين ، وإستجابوا لرسالته الوجودية [8] .

  ومن الجدير بالذكر إن هانز جونز ، هو اليهودي الآخر ، الذي  إختار أوغسطين ، ودرس مشكلة الحرية في تفكيره ، وهو أول عمل أكاديمي له في جامعة كوتنجن الألمانية عام 1930[9] . ويرى جونز ، إلى إن موضوع حانا أرنديت ، جاء نتيجة لقراءاتها المشروطة بإهتمامات كارل ياسبرز يومذاك ، وكان ياسبرز مُعتاداً على الكلام كثيراً عن المفكرين المسيحيين من أمثال أوغسطين ، باسكال وكيركيجارد ، والتي كانت موضوعات ذات حرارة عالية يومذاك في الجامعات الألمانية . ويُضيف جونز إلى ذلك ، فيفيد إلى إن من الموضوعات المركزية التي يجري الحديث عنها ، هو إعترافات أوغسطين . وبمنظار فلسفي وجدوا (على ألقل كل من ياسبرز وتلميذته حانا) في الإعترافات ، نمطاً من التفكير الأصيل الملفت للنظر مقارنة بالفكر الهيليني [10].

  ولعل من الملفت للنظر في عالم الفلسفة ، الذي يزنُ الإمور بميزان علماني رحب وإنساني راقي ، هو إثارة الإستفهام والسؤال حول فكرانية حانا أرنديت الدينية ، وهي التي ولدت وترعرعت في أحضان عائلة (من جهة الوالد والوالدة) لا تهتم بالعقيدي ولا تُبالي بالطقوس والشعائر الدينية . كما إن العائلة إختارت الممرضة آد لتعمل ممرضة – مربية للطفلة حانا . إن و إن آد آمرأة مسيحية وإعتادت قراءة التراتيل المسيحية على الطفلة حانا ، وكانت حانا من طرفها تردد هذه التراتيل بإتقان ملفت للنظر … ، وتركت المربية آد الكثير من التأثير على حانا هذا طرف . ومن طرف أخر إن الوالدة مارثا آرنديت كانت من رفاق الفيلسوفة الماركسية (الشيوعية) روزا لوكسمبيرك (1871 – 1919) . وفعلاً فإن الفيلسوفة حانا تتذكر عندما حضرت بصحبة والدتها مناقشات روزا لوكسمبيرك ، والتي أشعلت فتيل الإنتفاضة التي عمت الشوراع ، وكانت الأم مارثا أرنديت من بينهم تركض وتنادي على إبنتها حانا قائلة : ” إنتبهي يا حانا ، هذه هي اللحظة التاريخية [11] . وإن حانا من طرفها كانت زوجة الشيوعي الألماني السابق هنريخ بلوشر (1899 – 1970)[12].  

  ولكل هذا نحسب إن الحديث عن يهودية الفيلسوفة حانا أرنديت ، هي عودة إلى ذمة التاريخ ، التي فقدت معناها في قاموس حانا الفلسفي الإنساني الخالص . كما وفيها فكرانية سياسية ، خصوصاً بعد مواقفها المعلنة ، والتي أزعجت الكثير من رجلات السياسية في إسرائيل ، بعد حضورها لجلسات محاكمة الجنرال النازي رودلوف إيكمان (1906 – 1962) ، والذي تمت عملية إختطافه من الأرجنتين من قبل السلطات الإسرائيلية ، وجلبته إلى القدس للمحكمة . وفعلاً فقد كتبت الفيلسوفة حانا أرنديت سلسلة من المقالات لتغطية جلسات المحكمة لصالح صحيفة نيويورك الجديد الأمريكية  ، ومن ثم صدرت فيما بعد  في كتاب ، بعنوان إيكمان في القدس : تقرير عن تفاهة الشر [13]. وهذا الكتاب أثار زوبعة من الجدل ، وذلك للأراء والحقائق التي أدلت بها الفيلسوفة أرنديت ، مما أزعجت دوائر الفكرانية السياسية الإسرائيلة . وبذلك تم جرد إسم الفيلسوفة حانا أرنديت في قوائم المحذور عليهم ، وربما تحدث بعضهم عنها ، وهي السامية الأصل ، بأنها أنتسيماتزم (ضد السامية) .

  ومن ثم تبع ذلك جدل واسع في مجتمع نيويورك ومن ثم في العالم ، حول عبارتها في العنوان الفرعي من كتابها إيكمان ، والقائلة ” تفاهة الشر ” ، والتي لم يقبل أن يسمعها رجلات السياسة ومروجي الإعلام المضاد ، لكونها تتنافر وتوجهاتهم التي إبتكروها أساطيراً ، فنسوا مصادرها الإسطورية المخترعة . وعندما ذكرت الفيلسوفة حانا بمصادرها الواقعية ، إنقلبت الدنيا رأساً على عقب ، وإنزعج الأهل والأصحاب ، لكونهم آمنوا بأن الإسطورة حقيقة ، وإن الحقيقة التي قالتها حانا أرنديت ، هي محض تلفيق روائي خالص . وذلك حين أكدت الفيلسوفة حانا أرنديت على عبارة ” تفاهة الشر” بأن ” الرموز الكبيرة من رجالات اليهود تعاونوا مع رجالات السلطة النازية على تهجير الجماعة اليهودية [14]. وبحثاً في قاموس الفيلسوفة حانا أرنديت ، وذلك للوقوف بدقة على عبارتها التي وصفت بها محكمة إيكمان ، والقائلة ” عدم أصالة الشر ” . تقول حانا ” إن إيكمان لم يكن نصيراً متحمساً ، ولا سايكوباثياً (مريضاً نفسياً) ، وإنما هو رجل عادي ، آمن بعقائد دولته ، ونفذ آوامرها ، وهي بالنسبة له أفعال عادية ” [15].

الحب والقديس أوغسطين : حكاية إطروحة دكتوراه

  صحيح إن هذه الإطروحة – الكتاب ظهرت في نشرتها الإنكليزية بعد موت الفيلسوفة حانا أرنديت بأكثر من عقدين من السنيين (21 عاماً)  . ولكن من الصحيح جداً بأن القارئ الإنكليزي ، قد عرف هذه الإطروحة في وقت مبكر ، وذلك من خلال كتاب إليزابيث يونك بروهيل ، والمعنون حانا أرنديت : من أجل حُب العالم ، والذي ظهر في طبعته الأولى عام 1982 ، أي بعد وفاة الفيلسوفة حانا ، بحدود السبعة سنوات فقط . وهذا يعني إن القارئ الإنكليزي قد عرف إطروحة حانا للدكتوراه بما يُقارب العقد والنصف من السنين قبل النشرة الإنكليزية لكل من سكوت وستارك (1996) . كما إن العنوان في هذه النشرة الإنكليزية ، قد ظهر فيه بعض الإختلاف عن النشرة الألمانية لعام 1929 ، والذي جاء بالصيغة الآتية : مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . والحال كذلك في ملخص إليزابيث بروهيل ونشرتها في عام 1982 . أما في نشرة سكوت وستراك (1996) فجاءت تحت عنوان الحب والقديس أوغسطين (ولذلك نحسب في هذا العنوان تغيير جذري للحدود المنهجية لبحث إطروحة الدكتوراه في عام 1929 والتي تتطلب منهجياً إن يكون على الأقل فصلاً موسوعاً عن حياة المعلم المانوي ومن ثم القديس أوغسطين).

  واليوم تتوافر لدينا وثيقتان من إطروحة الدكتوراه التي كتبتها حانا أرنديت ؛ واحدة هي خلاصة للإطروحة ، والتي خصتها الكاتبة إليزابيث برهيل في الملحق رقم 3 . والإطروحة كاملة ، والتي جاءت بعنوان مختلف بعض الشئ ، وهو الكتاب الذي بدأت حانا أرنديت بتحضير ترجمته الإنكليزية قبيل موتها ، ثم راجعه وأشرف على إعداده في نشرة إنكليزية كل من سكوت وستراك .

  والحق إن هذه النشرة مختلفة بالإضافة إلى إنها جاءت كاملة ، فقد إحتوت على مقدمة بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين [16]. ومن ثم جاء نص الإطروحة ، والتي تكونت من مدخل [17]. ومن ثلاثة أقسام (والحقيقة في هذه النشرة أضاف الناشران إليها قسماً رابعاً ، وهو في الأصل ليس جزء من الإطروحة في اساس نشرة سبرنكر الألمانية عام 1929) ؛ وكان القسم الأول بعنوان الحبُ حنين : المستقبل المأمول [18]. وهذا القسم تكون من ثلاثة فصول – محاور ؛ الأول وجاء بعنوان تركيب أو بنية الحنين (الشهوات)[19] . في حين كان عنوان الفصل – المحور الثاني الإحسان والرغبة[20] . بينما جاء الفصل – المحور الثالث بعنوان نظام الحب[21] .

    أما القسم الثاني من إطروحة حانا أرنديت ، فحمل العنوان الأتي : الخالق والمخلوق: الماضي الحاضر في الذاكرة [22]، والذي تكون بدوره من ثلاثة فصول – محاور ، وجاءت على التوالي ؛ الأول وحمل عنوان الأصل[23] . والثاني كان بعنوان الشفقة والحب[24] . وحب الجار جاء عنوان الفصل – المحور الثالث [25]. وجاء القسم الثالث والأخير من الأطروحة الأصلية ، بعنوان الحياة الإجتماعية [26]. وهو قسم عام جاء وكأنه حديث عن عالم الإنسان وخال من الفصول  المحاور التي عرفناها في القسم الأول والثاني .

  وأشرنا في البداية إلى أن هناك قسماً رابعاً ، وهو من أضافة الباحثين – الناشرين والمراجعين لأطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت . وهو قسم ليس من أصل الإطروحة ، وأنما هو قسم شارح لأطراف منها ، وهو كما قلنا كُتب بقلم كل من سكوت وستراك . وجاء بعنوان إعادة إكتشاف حانا أرنديت [27]. وهو تقريباً بحجم الإطروحة الأصلية ، وبالطبع إذا أضفنا المقدمة ، يكون حجم المكتوب بقلم سكوت وستراك أكثر بقليل من إطروحة حانا الأصلية . وتكون القسم الرابع من أربعة فصول – محاور . وجاءت بالصورة الآتية ؛ الأول بعنوان المدخل: البدايات الجديدة [28]. وحمل الثاني عنوان قطار الأفكار[29] . بينما كان عنوان الثالث هيدجر : ما بين الماضي والمستقبل [30]. وجاء الفصل – المحور الرابع بعنوان ياسبرز: أرنديت والفلسفة الوجودية [31]. وهناك في خاتمة القسم قائمة بالمصادر التي إستخدمها الباحثين [32].

 ونشعر إن الخلاصة التي تقدمت بها الباحثة إليزابيث يونك بروهل من الأهمية بمكان ، وذلك لكونها إعتمدت على الإطروحة في أصلها الألماني . صحيح إنها جاءت في ملحق مستقل من كتابها عن الفيلسوفة حانا أرنديت ، والمعنون حانا أرنديت: من أجل حب العالم . وهكذا تحولت حانا من حب القديس أوغسطين المشروط بعقيدي مرة مانوي ومرة مسيحي ، إلى حب إنساني يلف العالم برمته . وقبل تقديم عرض لهذه الخلاصة عن إطروحة حانا أرنديت ، نقدم أشياء من سيرة الباحثة إليزابيث يونك بروهل (1946 – 2011) والتي لها علاقة عضوية بالفلسفة بصورة عامة ، وبالفيلسوفة حانا أرنديت بصورة خاصة .

   فهي فيلسوفة ، وعالمة في التحليل النفسي ، وكاتبة سير ذاتية . فقد كتبت السيرة الذاتية لأثنين من النساء المؤثرات في ثقافة القرن العشرين . ألا وهما حانا أرنديت وآنا فرويد . بدأت إليزابيث بروهل مشوارها الأكاديمي ، بحضور دروس في كتابة الشعر مع الشاعرة الأمريكية ميوريل راكايس (1913 – 1980) في كلية سارا لورنس . ولكنها تركت دراسة الشعر ، وذهبت إلى مدينة نيويورك لدراسة الثقافات المضادة خلال منتصف الستينات . وبعدها أكملت دراساتها الأكاديمية الأولية في المدرسة الجديدة ، والتي ستُعرف فيما بعد بالمدرسة الجديدة للبحث الإجتماعي . حيث هناك إلتقت بزوجها السابق روبرت بروهل (1946 – 2011) [33]. وخلال هذه الفترة إلتحقت الفيلسوفة حانا أرنديت ، عضواً تدريسياً في كلية الخريجين للمدرسة الجديدة . ومن ثم سجلت إليزابيث إطروحتها للدكتوراه في الفلسفة . وكانت حانا الموجه الفكري لها ، والمشرفة على إطروحتها . وفي عام 1974 بدأت إليزابيث رحلتها الأكاديمية ، وذلك بتدريس الفلسفة في كلية لترز – جامعة وسيلاين في كونكتيك [34].

  وبعد سنة واحدة (أي عام 1975) تُوفيت الفيلسوفة حانا أرنديت ، فإتصل بإليزابيث بروهل ، عدد من أصدقاء حانا ، وطلبوا منها كتابة سيرتها الذاتية . وفعلاً جاءت ولادة رائعتها ، والتي حملت عنوان حانا أرنديت : من أجل حب العالم ، والتي نُشرت عام 1982 [35]، والتي تُرجمت إلى لغات عديدة . كما إن كتاب سيرة حانا الذاتية ، قد لعب دوراً في تزايد إهتمام إليزابيث بروهل بالتحليل النفسي . وفعلاً تتوج هذا الإهتمام بقدومها على التسجيل في عيادة التدريب على التحليل النفسي . وكان مكاناً تعرفت فيه على عدد من زملاء آنا فرويد (1895 – 1982)[36] وقد وجُهت لها الدعوة بكتابة السيرة الذاتية لآنا فرويد ، فكان حصيلتها كتابها الرائد ، والذي حمل عنوان آنا فرويد : سيرة ذاتية ، والذي نُشر عام 1988[37] .

  ونحسب إن من أهم مؤلفات إليزابيث الفلسفية ، التي سبقت كتاباتها في السير الذاتية ، كتابها الشهير عن الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز ، والذي جاء بعنوان الحرية وفلسفة كارل ياسبرز ، والذي صدر عام 1981[38] . وما دام إهتمامنا بالفلسفة والمرأة (أو الأدق الفكر الفمنستي) ، ففي هذا المقام ، يجب الإشارة إلى كتابين مهمين في هذا المضمار كتبتهما الفيلسوفة المعاصرة إليزابيث يونك بروهل ، وهما ؛ فرويد والنساء ، وهو كتاب جماعي أشرفت عليه ، وصدر عام 1992[39] . والثاني بعنوان ؛ السيرة الذاتية : التحليل النفسي ، الفمنستية (النسوية) ، وحياة النساء الكاتبات ، والذي صدر عام 1999[40] . وكتب أخرى .

  تكونت الخلاصة التي كتبتها إليزابيث بروهل من عشرة صفحات ، وحملت عنوان إطروحة حانا أرنديت للدكتوراه : موجز[41] . ونرى في هذا الموجز بعض الأفكار المهمة ، في مضمار تفكير الفيلسوفة حانا أرنديت عامة ، وفي طرف وصف إطروحتها الخاصة عن موضوع الحب عند القديس أوغسطين . فالإطروحة بنسختها الألمانية طُبعت بخط قوطي (نسبة إلى اللغة القوطية) ، وهي مملوءة بإقتباسات لاتينية ويونانية غير مترجمة ، وكُتبت بإسلوب النثر الهيدجري (نسبة إلى الفيلسوف مارتن هيدجر) ، وهي بالتأكيد عمل غير ميسر وليس بالسهل . ومن النافع أن نذكر بأن إي . ب . أشتون [42] قد أعد للإطروحة ترجمة في بداية الستينات من القرن الماضي (1960) . غير إن الفيلسوفة حانا أرنديت ، لم تقتنع بعد مراجعة الترجمة ، ولذلك لم توافق على نشرها . وأظن إن السبب لا علاقة له بترجمة الأستاذ إشتون (إرنست باش) والمشهود له بالدقة . وإنما بطبيعة إطروحة الحب عند القديس أوغسطين . ولهذا السبب كانت حانا أرنديت تتطلع في ضم إضافات جديدة إليها ، لتساعد في توضيح أطراف من الإطروحة . وفي عام 1965 تخلت حانا تماماً عن الموضوع ، وذلك لشعورها بالإحباط ، وإقتناعها بأن نشر إطروحتها يحتاج إلى جهد كبير هذا من طرف . ومن طرف أخر إنها كانت يومذاك مشغولة بمهمات أخرى [43].

 والحقيقة إن هذا الموجز للأطروحة ، فيه أساس لفهم أطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، وكنت أتمنى على ستوك وستراك ، أن يقوما بنشر هذه الخلاصة مدخلاً لكتاب الحب والقديس أوغسطين ، في نشرة عام 1996 أو على الأقل الإشارة إليها ، ومن ثم تقديم عرض لما حملته من أفكار تُساعد في فهم إطروحة حانا . ولكن الذي حدث ، هو إهمال هذا النص وعدم الإشارة إليه . ونحسب في ذلك عيب أكاديمي لا مبرر له ، كما نرى في الخلاصة صوت له سلطة قوية في فهم إطروحة حانا أرنديت في وقت تفردت به ، فقد كانت الكتاب الوحيد في دائرة الثقافة الإنكليزية يومذاك ، بل وظل يمارس التأثير لمدة ما يُقارب العقد والنصف (خمسة عشرة سنة) قبل إن يظهر كتاب الحب والقديس أوغسطين بنشرة كل من سكوت وستراك .

   وهذا الموضوع سنعود إليه عند مناقشة بحث سكوت وستراك والمعنون إعادة إكتشاف حانا أرنديت ، وهو البحث الواسع ، والذي كون القسم الرابع من كتاب إطروحة حانا الحب والقديس أوغسطين . وقبل أن نغادر هذا الموضوع ، نرغب بالإشارة إلى إشكال منهجي ليس من طرف إطروحة حانل أرنديت للدكتوراه ، وإنما من جهة ضم البحث الواسع لكل من سكوت وستراك إلى لحمة كتاب الحب والقديس أوغسطين . ففي الواقع تكون البحث بحد ذاته من 102 صفحة / ص ص 113 – 215 ، إضافة إلى مقدمة كتبها سكوت وستراك ، وجاءت بعنوان إعادة إكتشاف الحب والقديس أوغسطين وتكونت من 13 صفحة . وبذلك يكون مجموع ما كتبه سكوت وستراك ما مجموعه 115 صفحة ، فهي أكبر حجماً من إطروحة حانا . إما الإطروحة بحد ذاته فتكونت من 112 صفحة . ومن الزاوية المنهجية يظل السؤال يطرح نفسه حول درجات التوزان في كتاب – إطروحة عنوانها الحب والقديس أوغسطين ، خال من أي حديث عن سيرة القديس أوغسطين . ونظن كان من الأفضل أن يأتي الحديث في بحث سكوت وستراك عن سيرة أوغسطين التي أغفلتها الإطروحة ، كما وأغفلها الموجز في كتاب إليزابيث ، وذلك لأن مفهوم الحب عند أوغسطين وهو على دين والده مختلف ، عن مفهوم الحب وأوغسطين بدرجة معلم وهو معتنق للمانوية ، ومختلف بالتأكيد عن مفهوم الحب عند القديس المسيحي أوغسطين . هذه الأطراف لم تُعالج برمتها في إطروحة حانا . وتجاهلها كل من إليزابيث ، وستوك وستراك .

القديس أوغسطين : سيرة ذاتية غائبة

  هذا هو الطرف الغائب من إطروحة الفيلسوفة حانا أرنديت ، والحقيقة في هذه السيرة ، كشف عن ثلاث مراحل مهمة في حياة أوغسطين ، وكان لها الأثر العميق في التحولات التي طرأت على صياغة مفهوم الحب الأوغسطيني . ورغم إن القديس أوغسطين قطع علاقته كما يبدو ظاهرياً بالمرحلتين الأولى والثانية من حياته ، حين تحول إلى شواطئ المسيحية . ولكن قبول هذا الأمر على المستويين المثدولوجي والفلسفي هو إنكار وشطب مقصود ، وبدافع عقيدي متعمد أو جهل بحقيقة تفكير القديس أوغسطين . وفي كلا الحالين عيب منهجي وفكري في محاولة قراءة وفهم فكر رئيس القساوسة أوغسطين والمعلم المانوي السابق  . ونرى منهجياً إن هذا الحضور القوي للعقيدي اليوناني في مرحلته الأولى ، والعقيدي المانوي في المرحلة الثانية ، شواهد دالة على إستمرارها تحت جلد أوغسطين وفي طبقات من تفكيره في المرحلة المسيحية الثالثة . ولكل ذلك نتفق مع بعض من الأكاديمين ، الذين أطلقوا عليها إصطلاح البعد الهرطقي في تفكير القديس أوغسطين .

  وبالطبع البعد الهرطقي إشارة إلى دين والده اليوناني (في حين كانت والدته على العقيدي المسيحي وتكافح بجد على إيمانه بالمسيحة ولكن باب أوغسطين مسدودة أمامها) كما إن الهرطقة تعني الطرف المانوي من تفكير أوغسطين ، والذي وصل إلى درجة معلم مانوي . وهذه مسألة بالغة الأهمية في إدراك التحولات التي طرأت على مفهوم الحب عند القديس أوغسطين ، وقد فات إدراكها على كل من الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز وحانا أرنديت ، والثلاثي الثاني ؛ إليزابيث بروهل وسكوت وستارك .

  ولوضع إطروحة حانا أرنديت المعنونة مفهوم الحب عند أوغسطين بنشرتها الإلمانية الأصل عام 1929 وخلاصتها بالإنكليزية في كتاب إليزابيث بروهل عام 1982، والحب والقديس أوغسطين في النشرة الإنكليزية الكاملة ، والتي أشرف عليها وكتب لها مقدمة وبحث واسع كون القسم الرابع من الكتاب الذي صدر في عام 1996كل من سكوت وستراك . نقول لوضع الإطروحة ومفهوم الحب عند القديس أوغسطين في مناخها الأوغسطيني ، نقوم بتقديم رصد لحياة أوغسطين وأثر التحولات العقيدية الملونة والثلاثية على مفهوم الحب عنده , ونحسُب في هذا الرصد ملأ الهوة الكبيرة التي يحتاجها مثل هذا البحث – الإطروحة ، والتي غابت على الثلاتي الأكاديمي الألماني الأول ؛ هيدجر وياسبرز وتلميذتهما الفيلسوفة حان أرنديت . كما وغابت على الثلاثي الأكاديمي الثاني ؛ إليزابيث وسكوت وستارك .

  وهذه هي أطراف من الغائب في تفكير الثلاثي الأول ؛ هيدجر وياسبرز ، وبالطبع في إطروحة تلميذتهما حانا أرنديت ، والمعنونة مفهوم الحب عند القديس أوغسطين . وكذلك الغائبة في خلاصة الأكاديمية إليزابيث بروهل ، وفي الكتاب الذي أشرف عليه الأكاديميين سكوت وستراك ، والمعنون الحب والقديس أوغسطين :

1- القديس أوغسطين : بين الرواية المانوية واللاهوت المسيحي

   كتب الفيلسوف المانوي الجزائري المنبت أوغسطين (354 – 430م) أو رجل اللاهوت المسيحي القديس أوغسطينوس بعد تحوله من المانوية إلى المسيحية [44] ، العديد من المؤلفات البالغة الأهمية سواء في مضمار تاريخ فلسفة التاريخ أو في تطوير العقيدي المسيحي والذي سيطلق عليه فيما بعد حشد من الأكاديميين وغير الأكاديميين إصطلاح الفلسفة المسيحية الغربية .

  ونحسب إن الكثير من أفكار المرحلة المانوية (التي إستمرت على الأقل تسع سنوات وكان فيها أوغسطين على مستوى المستمع ومن ثم أصبح بدرجة معلم في صفوفها) من تفكير القديس أوغسطين وجدت لها مكانة قوية في داخل رائعته الفلسفية التاريخية المعنونة مدينة الله . كما إن من المهم لدينا في مضمار الدراسات في فلسفة التاريخ ، هو تأملات أوغسطين الفلسفية التي إستبطنت الكثير من مشروع إفلاطون في رائعته الجمهورية التي عبرت إلى القديس أوغسطين خلال مسارات متنوعة منها على سبيل التمثيل وليس الحصر شيشرون وجمهوريته [45] ، إفلوطين وفلسفة ولاهوت الإفلاطونية المحدثة [46] .

  عاش وكتب أوغسطين في فترة دقيقة من تاريخ التحول في الثقافة الغربية ، التحول من العقيدي اليوناني – الروماني المتسور بالفلسفة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي إلى دائرة اللاهوت المسيحي المتنامي . وفعلاً فقد عاش وكتب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين [47] (وهو تاريخ نضال دموي مع ما يسميه كتاب الكنيسة بالفكر الوثني اليوناني ومن ثم تسويات عقيدية مع الإمبراطورية وصلت إلى حد تلوين العقيدي بثوابت وثنية لم تتنازل عنها الإمبراطورية وطبعت العقيدي المسيحي بطابعها الوثني وإلى الأبد …) تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية التي إحتضنت مدارس فلسفية متنوعة ، وهذه المدراس ستظل لها أدوراً فاعلة في الدوائر الثقافية في عموم الإمبراطورية وحتى بعد وفاة القديس أوغسطين بما يُقارب القرن من الزمن ، وإستمرت حتى غلقها الإمبراطور الروماني جوستنيان (482 / 483 – 565م) في العام 529م [48]

  إن محاولة فهم ماذا حدث في العقود الثلاثة الأولى من حياة القديس أوغسطين ، وبالتحديد أثنتين وثلاثين عام من عمره الفكري قبل أن يتحول إلى المسيحية ضرورة علمية . ففيها الكثير من الشواهد على المنعطفات العقيدية والفلسفية . صحيح إن الكتاب المسيحيين لا يرغبون في الكتابة عنها ، ويتمنون شطبها وإلغاءها من حياة القديس أوغسطين . ولكن من الزاوية الأكاديمية هي مطلب ملح لمعرفة المعارف التي تلقاها الرجل ، والتجارب التي عاشها ، والتحولات العقيدية من المانوية وإلى الشكية الأكاديمية التي إستقر فيها بعد تخليه عن المانوية والأدق تحوله عنها . فهي مرحلة مفيدة في فهم تحوله الأخير إلى المسيحية وتخليه عن الحياة والزواج والزوجة والعائلة … والسؤال : هل هذا التحول حمل قطيعة كاملة مع الحياة والمانوية والشكية الأكاديمية ؟ نحن لا نجد في كتابات القديس ما يقدم جواباً شافياً لصالح القطيعة ، بل على العكس هناك شواهد على إستمرار الأثر المانوي والفلسفي الشكي الأكاديمي على الأقل في رائعته مدينة الله .

  ولذلك نحسب إن الطرف الوثني من حياة القديس أوغسطين جداً مهم في فهم الحياة العقلية والتحولات العقيدية والخط التطوري في فكره اللاهوتي وفي تحديد حجم مساهمته فيما يسمى بالفلسفة المسيحية الغربية . ومن الملاحظ إنه خلال هذه العقود الثلاث (32 سنة) قد عاش حياة جنسية صاخبة ، وتم فيها إنبات الكثير من البذور الأولى لحياته العقلية اللاحقة وذلك من خلال برنامج التعليم وإستلامه العقيدي المانوي ، ومن ثم تشربه للطرف الفلسفي المتمثل بالشكية الأكاديمية ، وتبنيه لأفكار إفلاطون من خلال جمهورية شيشرون وإفلوطين والإفلاطونية المحدثة وقراءته لكتاب أرسطو المنطقي وهو المقولات وهو أول رسالة منطقية في تحليل اللغة. ولهذا نحن نخلاف الكتاب المسيحين ولا نحسب إنها توقفت أو إنطفأت يوماً من الأيام بعد إن تحول إلى العقيدي المسيحي ، بل على العكس إنها ظلت تلعب دوراً قوياً تحت جلد القديس أوغسطين وتوجه تفكيره وتقود قلمه .

   لقد إمتدت هذه الفترة منذ ولادة الطفل الجزائري أوغسطين عام 354 وإلى لحظة إنفتاحه على المسيحية عام 386 (وكان عمره إثنتين وثلاثين ربيعاً) وذلك من خلال سماعه بقصة باسليونس وأصدقائه عندما قرأوا لأول حياة القديس إنثوني الصحراوي أو إنثوني المصري (251 – 356م) . وهكذا تلاه تحول اوغسطيني من قصة حياة القديس إنثوني إلى الإنجيل ، وبالتحديد إلى إنجيل بولس والذي قرأ منه رسالة بولس إلى الرومان والمعنونة بتحولات المؤمنين [49] .

2 – البيئة العائلية ومراحل التعليم الأولى

   ولد أوغسطين في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي ، وبالتحديد في عام 354م في مدينة تكاست الجزائرية ، والتي كانت جزء من الإمبراطورية الرومانية . ومن الملاحظ إن الطفل أوغسطين قد ترعرع في أحضان عائلة ذات تكوين عرقي وعقيدي متنوع . فمن طرف الوالد باترسيوس كان وثنياً [50] (منا = وربما كان على عقائد الدين الروماني ذات الإصول اليونانية ولهذا نتحفظ على كلمة وثني لأنها تتضمن تصنيف عقيدي مسيحي) . ومن جهة الأم مونيكا أو القديسة مونيكا (331 – 387م) فقد كانت مسيحية من البربر ، وهي ” من أوائل القديسات المسيحيات ” [51] . وفعلاً فقد ذكر الباحثون الأكاديميون في إصول القديس أوغسطين ، إلى إن أسلافه ينتمون إلى تنوع عرقي متفرد ، فهم ينتمون إلى البربر ، واللاتين والفينيقيين . ولكن العائلة كانت من الناحية القانونية ، عائلة رومانية وهي تتمتع بالمواطنية الرومانية الكاملة ، وعلى الأقل قبل ولادة أوغسطين بأكثر من قرن من الزمن [52] . كما إن عائلته كانت تنتمي إلى الطبقات العليا من المجتمع الروماني يومذاك ، وإن لغته الأولى هي اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية [53] .

  ويبدو لنا إن الطفل أوغسطين تلقى دروسه الأولى في التعليم في البيت وفي المنطقة التي تعيش فيها العائلة . ولما كانت المنطقة جزء من الإمبراطورية الرومانية ، فإن الثقافة التي كانت سائدة هي الثقافة الوثنية بالمفهوم المسيحي ، إضافة إلى إن الأم مونيكا كانت مسيحية ، فإن قدر الطفل أوغسطين كان موضوع تجاذب بين ثقافتين متقاطعتين حتى النخاع ، وهما ؛ الثقافة الوثنية (الرومانية – اليونانية) وهي ثقافة الوالد ، وثقافة مسيحية تبثها الأم من خلال قراءتها للإنجيل والصلوات والترانيم الدينية . وإن هذا التجاذب ظل فاعلاً في حياة وتفكير القديس أوغسطين على الأقل خلال العقود الثلاثة الأولى من حياته .

  ولما بلغ الحادية عشرة من عمره رغبت العائلة إرساله للتعليم في المدارس الرسمية ، ولكن هذه الرغبة العائلية ليست باليسيرة وذلك لعدم توافر مدرسة يومذاك في المنطقة التي تعيش فيها العائلة ، فتم إرسال أوغسطين ليتلقى تعليمه في مدينة مدراس حيث توجد فيها مدرسة . وفعلاً كانت المدرسة فرصة تعليمية متفردة لأوغسطين ، التي إتصل من خلال دروسها بالأدب اللاتيني [54] والذي يشمل مقالات ، وكتب تاريخية ، وقصائد ومسرحيات ونصوص كُتبت باللغة اللاتينية . وهذا التقليد التربوي بدأ في القرن الثالث قبل الميلاد ، ومن ثم أصبح بعد القراءة والكتابة باليونانية القديمة وحتى عصر ماركوس أورليوس (121 – 180م)) وضم الأدب اللاتيني في عصر أوغسطين قراءة وكتابة نصوص كل من الخطيب والفيلسوف شيشرون والشاعر الروماني فيرجيل (70 – 19 ق.م) والشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 18م) والشاعر والفيلسوف الأبيقوري لوكريتوس (99 – 55 ق.م) [55] . إضافة إلى كل ذلك فإن أوغسطين تشرب الكثير من العقائد الرومانية (التي هي إحياء للعقيدي اليوناني) ومارس طقوسها اليومية كفعالية من المنهج الدراسي [56].

ولاحظ الدارسون وكتاب سيرته ، إنه خلال عودته من المدرسة إلى البيت ، وبالتحديد في عامي 369 و370 وكان في الخامسة عشرة من عمره ، قرأ واحدة من محاورات شيشرون والمعنونة هورتنسيوس أو حول الفلسفة (وكتبها شيشرون عام 45 ق.م وفيها إستبطان لأراء أرسطو وتوسيع ، وهي من المحاورات الضائعة والتي حملت أسم صديق شيشرون وهو الخطيب والسياسي الروماني هورتنسيوس (114 – 50 ق.م) وقد تركت هذه المحاورة أثاراً قوية على تفكير أوغسطين وخصوصاً توجهاته الفلسفية ، فيصفها أوغسطين قائلاً ” كانت محاورة هورتنسيوس مثل الشرارة التي قدحت في الإهتمام بالفلسفة ” [57] . وهنا إنتهى فصل من حياة طالب العلم أوغسطين ، وستلعب الطروف دوراً إيجابياً في فتح أبواب التعليم العالي أمامه وهذا فصل جديد سيخوض غماره بعيداً عن مرابض الأهل والعشيرة ، حيث سيتوجه إلى قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا .   

 3 – الرحلة العلمية إلى قرطاج والتجربة المانوية والجنسية المبكرة

  وفعلاً لما بلغ أوغسطين السابعة عشر ربيعاً ، حصل على منحة دراسية تقدم بها مُحسن روماني له ، فشد الرحال وذهب للدراسة في قرطاج عاصمة الثقافة الرومانية في شمال أفريقيا الرومانية . وفعلاً فقد بدأ أوغسطين برنامجه التعليمي العالي في قرطاج في موضوع الخطابة والبيان [58] وهو من الموضوعات المرغوبة في العصر الروماني ، إذ تُهيأ المتخصص في العمل في المرافعات والدفاع في المحاكم .

  ونحسب من النافع أن نشير إلى إن رحلة أوغسطين إلى قرطاج لم تكن في جميع أطرافها رحلة في طلب العلم . وإنما كانت تجربة شخصية متنوعة ، ففي قرطاج حدث تحولاً جوهرياً في مضمار العقيدي حمله على الإيمان بالمانوية . ومن الملاحظ على صعيد التحول العقيدي ، إن أوغسطين تخلى عن الدين الروماني (الوثني بإصطلاحات المسيحية ) وهو دين والد أوغسطين ، ووضع وراء ظهره العقيدي المسيحي ، وهو يمثل ديانة مونيكا (القديسة مونيكا فيما بعد) وهي أم أوغسطين ، فكانت النتيجة خيبة للأم والأب [59] وهذا الطرف سنتناوله في مقال قادم  . كما إن أوغسطين عاش تجربة جنسية مع إمرأة إستمرت لأكثر من ثلاثة عشر سنة مملوءة بالحب العارم ، وكان حصيلتها ولادة ولده أديوداتوس (والتي تخلى عنها بعد ثلاثة عشر سنة حسب روايات البعض ، وهناك من يرى إنه تركها عندما ناهز ولده السابعة عشرة ربيعاً ، وبالتحديد في عام 389م وذلك عندما تحول إلى المسيحية ، وكان أوغسطين يومها إبن خمس وثلاثين ربيعاً) [60] . وهذه العلاقة الجنسية وما إرتبط بها ستترك أثاراً على حياته الإجتماعية والفكرية ، وعلاقته بإمه التي ستكافح بإتجاه إنتخاب الزوجة المناسبة له … [61] وهذا طرف سنبحثه في مقال خاص كذلك .   

4 – الأكاديمي أوغسطين والتعليم العالي

   بعد إكمال دراساته في قرطاج ، عاد أوغسطين إلى مدينة تكاست الجزائرية ، وأخذ يعلم فيها النحو وبالتحديد خلال عامي 373 و374 ، ولكنه لم يستقر فيها ، فقرر العودة إلى قرطاج ، وأدار هناك مدرسة للخطابة والبيان . وفعلاً إستمر هناك لمدة تجاوزت التسع سنوات [62] . ومن ثم أخذ ينزعج من تصرفات الطلاب غير اللائقة ، فرأى إنه من الأسلم ترك قرطاج والتحول إلى روما عاصمة الثقافة الأولى للإمبراطورية الرومانية . وفعلاً في العام 383 إنتقل إلى روما ، وأسس فيها مدرسة له . وكان يعتقد أوغسطين إنه في روما يتوافر الكثير من أفضل رجال الخطابة . ولكن حال أوغسطين لم يسير بيسر في روما ، فسرعان ما خابت أماله بمدارس الخطابة فيها ، وخصوصاً عندما تجاهلته ولم تهتم به هذا طرف من القضية . أما الطرف الآخر فإنه مل من تصرفات الطلاب في روما ، وهي كثيرة . فمرة وهو ينتظر حلول إستلام الأجور الدراسية التي يدفعها طلاب الخطابة لمدرسته ، هرب الطلاب ولم يدفعوا له شيئاً .

  ورغم هذا الحال المخيب للآمال ، فإن الصدفة لعبت دوراً في فتح أبواب جديدة أمام معلم الخطابة أوغسطين ،  والتي فيها بوراق من الأمل . فقد كان له صديق من المانويين ، والذي لعب دوراً في تقديمه إلى محافظ مدينة روما ، وهو كونتويس أورليوس سامكيوس (345 – 402م) [63] وحينها كان يبحث المحافظ عن بروفسوراً للخطابة ، وذلك ليشغل هذه الوظيفة في المحكمة الإمبراطورية في ميلانو . وفعلاً فقد نجح أوغسطين في الحصول على هذه الوظيفة الأكاديمية من بين عدد من المرشحين . وبدأ العمل بالتحديد في نهايات عام 384 . 

  ونحسب من المفيد الإشارة إلى إن أوغسطين في هذه الفترة أظهر ميولاً واضحة لصالح العقيدي المانوي مع محافظة على مستوى واطئ في تراتبية المانوية ، فقد ظل بمنزلة مستمع في الحلقات المانوية ، ومن ثم أصبح معلماُ . وأخذ بعد ذلك ينسحب شيئاَ فشيئاً منها[64] (وهناك مؤشرات لبداية هذا الإنسحاب قد حدثت في قرطاج وهذه قصة سنبحثها في مقالنا المعنون مانوية القديس أوغسطين) وتحول إلى الضفاف الآمنة للمذهب الفلسفي الشكي الذي هيمن على مصير أكاديمية إفلاطون ، وبالتحديد فيما يُسمى بالمرحلة الوسطى للأكاديمية ، وأصبح من مناصري حركة الأكاديمية الجديدة [65] .

  ومن طرف أخر فقد كانت عيون مونيكا والدة أوغسطين تُراقب عن كثب تحولات ولدها أوغسطين العقيدي والفلسفي ، وحسبت إن في هذا التحول نحو معاقل الشكية الفلسفية تباشير مشجعة لها لتعمل من جديد على إقناع ولدها للتحول إلى شواطئ المسيحية . إلا إن أمالها تبددت حين فضل أوغسطين العمل بجد على إنجاز دراساته الخاصة حول الإفلاطونية المُحدثة [66] خصوصاً وإن صديقه المحافظ ساميكوس كان يُشجعه بإلحاح على السير في هذا الإتجاه[67] .   

أوغسطين كاتب سيرة ذاتية وفيلسوف تاريخ

  قبل الخوض في مسألتين مهمتين في تاريخ فلسفة التاريخ ، وهما تقديم أولاً – أوغسطين كاتباً لأول سيرة ذاتية في تاريخ السير ، والتي تمثلت في رائعته التي حملت عنوان الإعترافات . وثانياً – التأمل في رائعته الفلسفية – التاريخية (وبالطبع اللاهوتية) المعنونة مدينة الله ، نود تعريف القارئ بأوغسطين مؤلفاً وكاتباً ، وهي مسألة في غاية الأهمية في بيان المكانة التي إحتلتها الإعترافات ومدينة الله بينها . في الحقيقة إن أوغسطين كتب قبل الإعترافات ومدينة الله العقيدي المسيحي ، فيها رد ونقد وتفنيد (هجوم) على المانوية التي إعتنقها لمدة تسع سنوات ، والوثنية اليونانية – الرومانية التي كانت دين والده (أي والد أوغسطين) . فمثلاً تشير الدراسات إلى إنه كتب ما يُقارب المئة عنواناً [68] . وقد صنفها الباحثون في تراث أوغسطين إلى :

أولاً – الأعمال الدفاعية (دفاع عن العقيدي المسيحي ضد هرطقات صادرة من رجال لاهوت مسيحيين وغير مسيحيين) : والتي شملت هرطقات كل من الإريوسية (وهي فرقة مسيحية) ترتبط بإسم مؤسسها إريوس الإسكندراني المصري (250 – 336م) والذي سبب سخط الكنيسة عليه في مناقشة العلاقة بين الله – الأب والله – الأبن ، وإعتبر كلامه عن الله – الإبن وحدة منفصلة من الوحدة الكلية لله – الأب ، كلام هرطقة أيده مجمع نيكا عام 325م . وهذا الأمر حدث قبل ولادة القديس أوغسطين بحدود الثلاثين عاماً . ولكن يبدو إن هذه الفرقة كان لها وجود في العصر الذي تحول فيه أوغسطين إلى معاقل المسيحية ، فبدأ كتاباته في هذا المضمار والذي صدر عليه شجب من المجمع الكنسي كما قلنا [69] .

  والحركة المسيحية الهرطقية الثانية التي كتب عنها ، ويبدو إنها كانت منتشرة بين البربر ، وفي الجزائر خصوصاً ، فهي الدوناتاسية ، وهي فرقة مسيحية ترتبط بإسم الإسقف البربري دوناتاس مكنيوس (أصبح رئيس أساقفة في قرطاج عام 313م) . وهذه الحركة إنتشرت في الجزائر وجرى حولها الجدل ، على الأقل قبل ولادة القديس أوغسطين بنصف قرن من الزمن . ولعل الأمر الذي حمله على الكتابة عنها ، هو إن لها وجود مستمر في مرابض أهل أوغسطين في عنابة الجزائر [70] .

  ومن ثم جاء موضوع العقيدي الأول (المانوية) والذي تحول ليصبح الخصم اللاهوتي الهرطقي للمسيحية على يد أوغسطين ، وهو المؤمن بها (لفترة تجاوزت التسع سنوات وأثارها عليه ظلت إلى الآبد) وهو العارف الخبير بتفاصيلها وطقوسها ، قوتها ونقاط الهشاشة فيها . ومن المعروف إن المانوية خالطت العقيدي المسيحي ، وإنتشرت بين المسيحيين وغير المسيحيين وفي عموم الإمبراطورية الرومانية ، وخصوصاً في العاصمة روما (ولا تنسى قصة الصديق المانوي الذي كان صديق محافظ روما وصديق أوغسطين ، وهو الذي عرفه بالمحافظ ، ومن خلال ذلك حصل على وظيفة بروفسور…) .

  صحيح إن العقيدي المانوي ، هو عقيد ثنائي ينهض على الإيمان بقوتين تحكمان كل شئ في العالم وحياة الإنسان ، وهما في حالة صراع مستمر ؛ الخير ، وهو عالم روحي يمثله الضوء ، والشر ، وهو عالم مادي تمثله العتمة . وهذا الصراع يغطي تاريخ الإنسانية برمته (مع وجود فترات يسود فيها الخير فيملأ الأرض عدلاً ، وفترات يهيمن الشر فيملأها ظلماً) . ومن الصحيح إن القديس أوغسطين تخلى عن العقيدي الثنائي المانوي ، إلا إنه إنتقل إلى العقيدي المسيحي الذي يؤمن بالثالوث (ثلاثة أقانيم : الأب والأبن وروح القدس) . وهكذا هرب أوغسطين من مشكل الثنائية المانوية ، ليجد نفسه أمام مشكل أكثر تعقيداً وهو مشكل الثالوث المسيحي [71] .

  ومن ثم كتب أوغسطين عن فرقة هرطقية أخرى ، وهي فرقة البيلاجيانية نسبة إلى مؤسسها الزاهد بيلاجيوس (354 – 420 / أو 420م) والذي كان معاصراً لأوغسطين ومن هنا تأتي أهميته . أثار بيلاجيوس النقاش حول قضية الخطيئة الأصلية حسب العقيدي المسيحي . وذهب في نقاشه مذهباً بعيداً عن شواطئ المسيحية . بل وفيه مخالفة لإعتقاد المسيحية في الخطيئة الأصلية . فهو يرى إن الخطيئة الأصلية لم تُفسد الطبيعة الإنسانية ، وإنما على العكس إن الإرادة الإنسانية (الفانية) لازالت قادرة على الإختيار بين ما هو خير وشر ، دون الحاجة إلى عون إلهي .

   إن أهمية ما كتبه أوغسطين ، يأتي من إنه معاصر لهذا الناسك المسيحي ، وإن فرقته كان له الأثر في الحياة المسيحية يومذاك ، وهكذا سخر أوغسطين للرد عليهم وتفنيد دعواهم التي لا تتناغم والإنجيل وقوله بالخطيئة الأصلية التي لوثت الطبيعة البشرية ، ولهذا فهي محتاجة إلى عون إلهي ، وهذا ما يُقدمه الفادي (المسيح) للبشر ليخلصهم من خطيأتهم الأصلية ، والتي تحولت إلى عقيدة أصيلة في مشروع الإنقاذ المسيحي للبشرية . وهكذا وجد أوغسطين نفسه مسؤلاً في الرد عليهم وكشف هرطقتهم ، ومن ثم الدفاع عن عقيدة الخطيئة الأصلية التي يقوم عليها اللاهوت المسيحي برمته والنظر إلى المسيح مخلصاً وفادياً للإنسانية [72] .

ثانياً – الأعمال العقيدية المسيحية (اللاهوتية المسيحية)

  كتب أوغسطين مجموعة رسائل وكتب ، هدف منها إلى تعزيز ثقة المسيحيين في عقيدتهم الدينية وتقديم شرح وتبسيط لها ، وهدف من كتابة بعضها لظروف عصيبة مرت بها الإمبراطورية الرومانية . ولنبدأ بالنوع الأخير من الكتابات ، وهي كتابات التحديات والتي جاءت بعنوان قوط غربيون وكتبه للتحدي الذي قامت به هذه الجماعة للإمبراطورية ، ومن ثم إحتلال أراضيها ، حتى إنها تمكنت من إجتياح روما في العام 410م وكان القديس أوغسطين حياً ، وهو إبن الرابعة والستين [73] .

  ومن ثم كتب حول الثالوث والذي كان رسالة سايكولوجية ، ويُنظر إليها كواحدة من روائعه في اللاهوت [74] . وألف في الإختيار والإرادة وعالج في هذه الرسالة قضية الشر التي تشغل الأديان جميعاً ، ولكن إوغسطين عالجها من خلال حرية الإرادة [75] وفيه وجه نقد للمانوية عقيدة الأمس ، وجادل في تفضيل النزعة الفلسفية الشكية . كما كتب أعمالاً أخرى في مضمار اللاهوت ، منها العقيدة المسيحية [76] ، ورسالة بولس إلى الرومان [77] ، وسفر التكوين [78] ، والمزامير ، ومجموعة خطب دينية ورسائل …

الإعترافات : السيرة الذاتية من زاوية فلسفة التاريخ

   لم يكن كتاب الإعترافات (وفي عنوان أخر إعترافات القديس أوغسطين) هو أول الكتب التي كتبها أوغسطين كما بينا أعلاه . إلا إنه يتصدر قائمة الكتب التي تحدثت عن الحياة الشخصية في تاريخ الثقافة الغربية ، ومن بعده سار على هذا النهج الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 – 1650) خصوصاً في تجربته العقلية والتي أودعها كتابه المعنون تأملات في الفلسفة الأولى (حياة الشك في المحسوسات والعقليات وإقترب من الوثوقيات الدينية وتوقف خوفاً مما حدث لغاليلو غاليلي …) [79] وجان جاك روسو (1712 – 1778) الذي كتب سيرته الجريئة تحت عنوان القديس أوغسطين ذاته الإعترافات . ولكن مع إضافة إسمه ، فجاءت بالصورة الآتية إعترافات جان جاك روسو ، والتي غطت الثلاثة والخمسين سنة الأولى من حياته ، والذي كتبه عام 1770 ، ولم ير النور إلا بعد موته بإثنتي عشر سنة (نشر عام 1782) [80] … والقائمة طويلة .

   كما إن أوغسطين كتب الإعترافات بالتأكيد قبل ملحمته مدينة الله . فقد كتب الإعترافات في العقد الأخير من القرن الرابع الميلادي . في حين كانت مدينة الله من إنتاج يراعه في القرن

الخامس الميلادي . وإن كتاب الإعترافات هو من أوائل النصوص التي كُتبت في مضمار السير الذاتية في دائرة الثقافة الغربية . ويتألف من ثلاثة عشر كتاباً (أو جزءً) . وكتبه أوغسطين باللغة اللاتينية ، والتي كانت يومها لغة السياسة والإدارة والعلم والثقافة في الإمبراطورية الرومانية (ومن ثم إستمرت لغة العلم والثقافة حتى العصور الحديثة . فمثلاً كتب ديكارت وكانط مؤلفاتهما بالاتينية …) . وصرف أوغسطين في إكمال كتاب الإعترافات ثمانية سنوات ، بدأت منذ عام 389 وإستمرت حتى عام 397 الميلادية .

  أما نشرته الإنكليزية فقد حملت عنوان إعترافات القديس أوغسطين ، وذلك لتمييزها من كتب الإعترافات التي حملت العنوان ذاته . والحقيقة إن العنوان الأصلي لكتاب أوغسطين جاء بالعنوان الآتي : الإعترافات في ثلاثة عشر كتاباً [81] . ويرى الباحثون في مضمار فلسفة التاريخ عامة ، وفي ميدان السير الذاتية خاصة ، على إن كتاب الإعترافات للقديس أوغسطين تحول ليكون موديلاً (إنموذجاً) لعدد من الكُتاب المسيحيين ، وفرض هيمنته وتأثيره في العصور الوسطى ولمدة تجاوزت العشرة قرون من الزمن .

  مع الإشارة إلى أن كتاب الإعترافات ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة ، وذلك لأن المؤلف كتبه وهو في الأربعينيات من عمره (وإن هناك ما يُقارب الثلاثة عقود والنصف من عمره ، والتي لم يعيشها أوغسطين بعد ولذلك لم يكتب عنها شيئاً في الإعترافات) وعلى هذا الأساس ظل مشروع سيرة ذاتية غير كاملة . والكتاب برمته من زاوية فلسفة التاريخ ، هو نوع من التأمل الفلسفي في تاريخ البطل أوغسطين ، أفعاله وإختياراته ، إنجازاته وكبواته ، خطاياه وندمه ومن ثم رحلة الإنقلاب والتحول إلى شواطئ المسيحية …

  والكتاب فيه تجارب وفلسفة وعبر (وهذا الأمر يضمه إلى أحضان فلسفة التاريخ بإستحقاق عال) . فالإعترافات كتاب الندم من حياة الخطيئة التي عاشها (التي إستمرت لمدة سبعة عشر عاماً) والتي كادت أن تخنق فيه روح كل ماهو أخلاقي . وفيها عبرة وندم على متابعة العقيدي المانوي (والذي إستمر لمدة تسع من السنيين) ، وندم من الإعتقاد بالتنجيم ، وكشفه عن دور نبرايدوس (منا = وهو صديق لأوغسطين جاء ذكره في رسائل أوغسطين كذلك) في إقناعه بالإعتقاد بالتنجيم .  ويرى أوغسطين إن اعتقاده بالتنجيم ليس خطأ فحسب ، بل هو شر بحد ذاته [82] . وبالمقابل بين دور القديس إمبروز (340 – 397م) في إقناعه للتحول إلى شواطئ المسيحية [83] . وبالمناسبة إن القديس إمبروز مات في السنة ذاتها التي أنجز القديس أوغسطين كتابه الإعترافات .

  ونحسب من زاوية فلسفة التاريخ إن هناك إشكالاً في كتاب الإعترفات من طرف المنهج الذي إعتمد عليه القديس أوغسطين ، فالكتب التسعة الأولى هي فعلاً سيرة ذاتية تتحدث عن البطل القديس أوغسطين . في حين إن الكتب الأربعة الأخيرة ، هي شروح ومزامير . ويبدو إنه لا علاقة لها بالسيرة الذاتية . ولكن في الواقع إن هناك جسوراً من الإتصال بين الكتب التسعة الأولى والكتب الأربعة الأخيرة ، وهي إن خطيئة القديس (البطل) أوغسطين أو الأصح خطاياه حملته على البحث عن وسائل تكفيرعن الخطايا ، فكانت الكتب الأربعة الأخيرة هي الوسائل والتي تمثلت بالصلوات وترانيم التكفير ، والتي تتقدمها مزامير داود . وهنا نقدم جرداً مختصراً لكتاب الأعترافات ونقترح توزيعه في بابين :

الأول – ويضم الكتب التسعة الأولى من الإعترافات والتي غطت فعلاً سيرة القديس (البطل) أوغسطين الجزائري (ونحسب إنها سيرة الخطيئة والذنوب بلغة أوغسطين المسيحي) . وجاءت بالشكل الأتي :

الكتاب الأول والذي كان بعنوان السنوات الخمسة عشر الأولى [84] .

الكتاب الثاني ركز على عمر أوغسطين في السادسة عشرة [85] .

الكتاب الثالث عالج حياة أوغسطين من السادسة عشرة وحتى الثامنة عشرة [86] .

الكتاب الرابع قدم وصفاً لما حدث لأوغسطين من الثامنة عشر وإلى السابعة والعشرين [87]

الكتاب الخامس شرح فيه الأحداث التي عاشها في السنة الثامنة والعشرين من عمره [88].

الكتاب السادس وحمل عنوان التاسعة والعشرين [89].

الكتاب السابع وجاء بعنوان في الثلاثين [90].

الكتاب الثامن في عمر الحادية والثلاثين [91].

الكتاب التاسع في الثانية والثلاثين [92].

الثاني – وشمل الكتب الأربعة الأخيرة من الإعترافات ، والتي تناولت وسائل العزاء والتكفير عن خطايا وذنوب البطل أوغسطين ، وهي سيرة أوغسطين الحاضرة (وهو يعيش في رحاب المسيحية) والتي جاءت بالصورة الآتية :

الكتاب العاشر وحمل عنوان إعترافات أوغسطين عن حياته الراهنة (المسيحي الراهن مقابل ماضي الخطيئة والذي ضمته الفصول التسعة قبل أن يصبح مسيحياً والتي غطت إثنتين وثلاثين سنة من عمره) [93] .

الكتاب الحادي عشر وجاء بعنوان حول الله والخلق وسفر التكوين [94] .

الكتاب الثاني عشر وكان عنوانه الجنة (السماء) والأرض [95] .

الكتاب الثالث عشر وقدم وصفاً لأيام الخلق (سفر التكوين) [96] .

مدينة الله : بين التاريخ والفلسفة واللاهوت

  من القار الثابت لدينا إن أوغسطين وكما أشار علانية في الكتاب الرابع من إعترافاته إلى إنه قرأ كتاب المقولات للفيلسوف اليوناني أرسطو [97]. وأرسطو هو تلميذ إفلاطون لمدة أكثر من عشرين سنة و داينمو أكاديمية إفلاطون . وهذا الكلام له دلالات كثيرة في مضمار كتابة رائعة أوغسطين الشهيرة مدينة الله . وذلك من طرف إن الأستاذ إفلاطون كتب عن المدينة اليونانية المثالية ، وإن التلميذ أرسطو وكتابه المقولات كانا موضوع قراءة من طرف القديس أوغسطين  . ولهذا نحسب إن مدينة الله التي كتبها القديس أوغسطين تحتاج إلى دراسة عربية تقارن بين أفكار إفلاطون وأرسطو والرواقية وشيشرون وأفكار أوغسطين وأسوارها الإنجيلية في تكوين مدينته أو مدينة الله .  

   كما إن أوغسطين يعترف في كتابه الإعترافات ، وبالتحديد في الكتاب الثالث على إنه قرأ شيشرون في بواكير حياته الدراسية [98] ، وخصوصاً جمهوريته ، والتي نحسب إن فيها إستبطان كثير لرائعة الفيلسوف اليوناني إفلاطون . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الكثير من أفكار إفلاطون (إذا لم يقرأها أوغسطين مباشرة من إفلاطون وجمهوريته أو من خلال مدينة الرواقية والمواطن الرواقي العالمي الذي تبنته المسيحية) فتكون قد عبرت إلى أوغسطين عن طريقين : الأول  جمهورية شيشرون . والثاني الإفلاطونية المحدثة التي كان أوغسطين ميالاً لها ، وخصوصاً من طرف الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري الذي تقدم بشرح أو إختصار لجمهورية إفلاطون كما تشير إلى ذلك قائمة مؤلفاته [99] .

  صحيحُ إن أوغسطين كتب مدينة الله باللاتينية (ولذلك كان عنوانها اللاتيني هو دي سفيتاتي ديا كونترا بيكينز (مع بعض التحفظ على كونترا بيكنز ، والذي نعتقد إنها إضافة متأخرة والعنوان الأصلي هو دي سفيتاتي ديا أي بالعربية مدينة الله) ، ومن ثم تُرجم إلى الإنكليزية بعنوان مدينة الله المعارضة (ضد) الوثنيين (منا = اي مدينة الله المعارضة للمدن الوثنية) أو مدينة الله كتاب الفلسفة المسيحية كتبه أوغسطين في بواكير القرن الخامس الميلادي [100] .

   ويبدو لنا إن العنوانين الأخيريين جاءا من مخطوطة تعود إلى فترة متأخرة وذلك لأن الحديث عن معارضة المدن الوثنية (أو الوثنيين) أو الإشارة إلى الفلسفة المسيحية (في عنوان كتابه مدينة) في عصر أوغسطين يتعارض مع حقائق التاريخ التي تكشف بأن العالم الروماني (الوثني بعقائده من زاوية المسيحية) وفلسفاته المتنوعة عصر أوغسطين كان في مواقع القوة ، في حين كانت المسيحية في مواقع الدفاع . وإن هذا الأمر سيستمر حتى بعد قيام الإمبراطور الروماني جوستنيان بغلق المدارس الفلسفية عام 529 م (أي القرن السادس الميلادي) .

   وكتاب مدينة الله في حساب الأكاديميين الغربيين ، هو واحد من أعمال أوغسطين الكبرى ، والذي يحتل مكانة بجوار رائعته الإعترافات ، وكتاب إنكريدين (باللاتينية) وبالعربية الكتاب الدليل (ويشمل الإعتقاد ، الأمل والحب)[101] ، وكتابه العقيدة المسيحية (أو التعاليم المسيحية) ،

وكتابه الثالوث (والذي ناقش معانيه في ضوء المفهوم الفلسفي اللوغوس (العقل الكوني) .

  كما وشكل كتاب مدينة الله من زاوية فلسفة التاريخ ، قلب المدنية الغربية ، وإن أوغسطين هو رمز من الرموز المسيحية الكبيرة في مضمار ما يُسمى بالمسيحية الغربية [102] .

دوافع كتابة مدينة الله

   يبدو إن فشل الإمبراطورية الرومانية في صد هجمات القوط الوثنيين بمنظار المسيحيين (وبالطبع أوغسطين واحداً منهم) كان الدافع وراء كتابة مدينة الله (الرسالة التي وجهها أوغسطين لعموم المسيحين بعد صدمة سقوط روما عاصمة الإمبراطورية بيد القوط الوثنيين) . ولذلك نحسب إن قضية سقوط الحضارة الرومانية (والسقوط تحول إلى موضوع دراسة لفلاسفة التاريخ وظهر عنواناً للعديد من مؤلفات فلاسفة التاريخ) هو الموضوع الذي حرك يراع أوغسطين ليكتب مدينة الله وليشرح فيها علاقة المسيحية (وهي في حالة تنافس) بالأديان والفلسفات الرئجة يومذاك هذا طرف . والطرف الثاني ليبين علاقة المسيحية بالإمبراطورية الرومانية ، والتي أخذت العلاقة بينهما تتداخل وتتشابك بدرجات متصاعدة يوماً بعد يوم . والشاهد على ذلك إنه كتب مدينة الله حال سقوط روما بيد القوط عام 410م [103] ، وهي الحادثة التي هزت عالم الرومان والتي صاحبها إعتقاد شاع في الأوساط الرومانية ، إن سقوط روما رمز هيبة الإمبراطورية الرومانية جاء بسبب تخلي الرومان عن ديانة الأجداد التقليدية ، والتحول إلى شواطئ الكاثوليكية المسيحية .

  إذن في ظل هذه الأجواء العصيبة ، كتب أوغسطين مدينة الله ، وذلك ليقدم العزاء والسلوى للمسيحيين ، وليبين لهم بأن القواعد الأرضية للإمبراطورية تعرضت للإنهيار (سقوط مدينة الأرض أو مدينة الإنسان) ، فإن في مدينة الله (المملكة المسيحية) سيكون الفوز والإنتصار المبين . وفعلاً فإن أنظار أوغسطين تحولت نحو السماء (الجنة) وهي مدينة الله . والحقيقة إن هذا الموضوع الذي كتب فيه أوغسطين سيكون موضوعاً مشتركاً للعديد من الكتاب المسيحيين يومذاك والفترة اللاحقة .

  وبريشة فيلسوف التاريخ رسم أوغسطين تاريخ الإنسانية على إنه صراع بين ما أسماه مدينة الإنسان ومدينة الله . وإن قدر هذا الصراع محسوم لطرف مدينة الله ، وذلك لأن الناس في مدينة الله قد تخلوا عن المباهج واللذات الأرضية الزائلة ، ورهنوا بالمقابل حياتهم للحقائق الأزلية (الله = لاهوت مسيحي) وهي بالتأكيد تشكل مكونات العقيدي المسيحي . بينما الناس على شاطئ مدينة الأرض والإنسان قد غرقوا في المباهج واللذات الأرضية (لذات عالم زائل) .

  صحيح جداً إن مدينة الله فيها متابعة واضحة للاهوت المسيحي . إلا إن الفكرة الأساس التي تدور حولها آليات المدينة ، هي فكرة الصراع ما بين قوتين الخير والشر . وهذه الفكرة بتقدير إجماع الأكاديميين الغربيين [104] ، هي فكرة نزلت إلى مدينة الله من المانوية عقيدة أوغسطين السابقة (تذكر إن أوغسطين كما ذكرنا ظل في صفوف المانوية فترة تجاوزت التسع سنين ، وكان فيها بمستوى مستمع ، ومن ثم صعد إلى مصاف معلم) . وفي الحقيقة إن فلسفة المانوية تنهض على فكرة الصراع ما بين الضوء والظلمة (العتمة) أو الخير والشر . وفي حالة مدينة الله فإنها تمثل مدينة الضوء ، بينما مدينة الإنسان (الأرض) فهي مدينة الظلمة والعتمة [105] . ونحسب على هذا الأساس (ونضيف إنه بقلمه إعترف في كتابه الإعترافات بعقيدته المانوية السابقة وهذا ما بيناه أعلاه) إستنتجوا إن أوغسطين إستبطن الأفكار المانوية في البناء الفلسفي لمدينة الله .

   كما إنه من الصحيح عندما تخلى أوغسطين عن عقيدته المانوية السابقة ، تحول إلى ضفاف الشكية أولاً ومن ثم إستقر في أحضان فلسفة الإفلاطونية المُحدثة (أنظر معالجتنا لكتاب أوغسطين الإعترافات) . وهذا الكلام له دلالات مهمة ، منها إن أوغسطين لون فكرته عن مدينة الله بإطار فلسفي إفلاطوني مُحدث [106] مع إستبطان لأفكار مانوية ، وخصوصاً في فكرة الصراع ما بين : الضوء والعتمة أو الخير والشر .  

  توزع كتاب مدينة الله في جزئين :

الأول – كان نقدياً (سلبياً) وضم عشرة كتب (من الأول وحتى العاشر) .

الثاني – بنائي (إيجابي تكويني) وشمل إثنتي عشر كتاباً (من الحادي عشر وحتى الثاني والعشرين) .

  ركز الجزء الأول النقدي من كتاب مدينة الله على طرفين ؛ الأول وكان بعنوان نقد الرومان (وبكلماته نقد روما) وقدم فيه أوغسطين تقويماً نقدياً (وبالطبع من زاوية القس المسيحي أوغسطين) وخصص له خمسة كتب (من الأول وحتى الخامس) [107] . وهو في الحقيقة نقد   

لجوهر المكون الثقافي – الحضاري للرومان [108] . والثاني كان بعنوان نقد الفلسفة الوثنية ، والذي تكون من خمسة كتب (من السادس وحتى العاشر) [109] . وبالطبع جاء نقد الفلسفة اليونانية من زاوية رجل اللاهوت المسيحي أوغسطين [110] .

  أما الجزء الثاني من كتاب مدينة الله ، فدرس أطراف عدة ؛ الأول كان بعنوان إصول المدينتين (أي مدينة الإنسان ومدينة الله) وتألف من أربعة كتب (من الحادي عشر وحتى الرابع عشر) [111] . والثاني جاء بعنوان تاريخ المدينتين (أي تاريخ مدينة الإنسان وتاريخ مدينة الله) وفكرة تطورهما (أو تقدمهما) . وتكون هذا الطرف من أربعة كتب (من الخامس عشر وحتى الثامن عشر) [112] . والطرف الثالث والأخير من الجزء الثاني لكتاب مدينة الله  فقد كان بعنوان قدر المدينتين المحتوم . وتشكل من أربعة كتب أيضاً (من التاسع عشر وحتى الثاني والعشرين) [113] .

تعقيب

  يبدو لنا إن القديس أوغسطين أو ما يسمى بفيلسوف المسيحية الغربية (وهو الشرقي الجزائري ، من مدينة عنابة) لم يكتب (أو على الأقل لم ينشر) شيئاً قبل تحوله إلى أحضان العقيدي المسيحي (وهو الذي قاوم محاولات والدته المسيحية القديسة مونيكا للإعتقاد بالمسيحية) ولمدة تجاوزت العشرين عاماً . وإذا صح هذا الإفتراض (إفتراض عدم الكتابة قبل عمر الثلاثين وقبل أن يكون مسيحياً) ، فإن كتاباته بالتأكيد تلونت بعقيدي مسيحي مُنحاز . وهذا أمر طبيعي في تاريخ حركة التفكير وتكوين العقول والذهنيات عامة وأوغسطين إنموذجاً . ولكل هذا فهناك الكثير من الأسئلة تُثار حول حيادية وموضوعية قلم القديس أوغسطين حين كتب عن الموضوعات الحساسة مثل المانوية  التي كانت عقيدته لفترة تجاوزت التسع سنيين من عمره ، والديانات الرومانية – اليونانية (وهي ديانة الوالد والأصدقاء) والتي أصبحت بجرة قلم وثنية ، والإتجاهات الفلسفية من أكاديمية شكية وإفلاطونية مُحدثة ، والتي تحول إليها بُعيد إن تخلى من المانوية ، وأصبح بروفسوراً أكاديمياً للخطابة في المحكمة الإمبراطورية الرومانية في ميلانو ، نقول بجرة قلم تحولت إلى فلسفات هرطقية .

  حقيقة هذا هو قدرنا في التعامل مع مؤلفات القديس أوغسطين . ولكن نحن من طرف أخر محظوظين بكتاب أوغسطين الإعترافات ، ففيه العديد من الإمكانيات التي تُساعدنا على تكوين معايير للتمييز بين الموضوعية واللاحيادية في تفكير أوغسطين بُعيد تحوله إلى معاقل المسيحية ، ومن ثم دخوله في دوامة المصالح والحسابات في عملية الإنشاء والتأليف ، خصوصاً بعد إحتلاله منزلة عالية في تراتبية الكنيسة (رئيس أساقفة) ورجل لاهوت مدافع عن العقيدي المسيحي ضد ما يُسمى بالهرطقة (وبالتحديد المانوية التي كانت عقيدته لمدة تسع سنوات وشغل فيها مستمعاً ومن ثم ترقى إلى درجة معلم) .

——————————————————————————————

الهوامش

 – أنظر :[1]

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Letters 1925 – 1975, Ed. By Ursula Ludz, Trans. By Andrew Shields, printed in USA, 2004

أنظر كذلك :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رسائل حب وخطابات فلسفية : حانا أرنديت ومارتن هيدجر ، موقع الفيلسوف / 2 يناير 2013 .

 – أنظر :[2]

Martin Heidegger, Sein und Ziet (In German), 1927,( In English), Being and Time, Trans. By John Macquarrie & Edward Robinson, London: SCM Press, 1962 (589 pages). 

 – أنظر :[3]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013

 – هذا هو العنوان الأصلي لأطروحة الدكتوراه التي كتبتها حانا أرنديت بالألمانية ، أنظر :[4]

Hannah Arendt, Saint Augustine’s Concept of Love, Reprinted By Springer Verlag in 1n 1927

للتفاصيل ، أنظر :

Elisabeth Young – Bruehl, Hannah Arendt : For Love of the World, Yale University Press, 1982, p. xIvii, Also, see appendix number, 3 , pp. 490 – 500

 – أنظر :[5]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد المزدوج  الحادي عشر – لثاني عشر / صيف – خريف 2013  

 – أنظر :[6]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فيلسوف العلم برنارد بولزانو وأثره في البيئة الثقافية الألمانية / مجلد أوراق فلسفية جديدة / العدد الثالث عشر / شتاء – ربيع 2014 / وخصوصاً المحور المعنون متابعة كارل ياسبرز للفيلسوف بولزانو .

 – أنظر :[7]

Hannah Arendt, Love and Saint Augustine, Edited and with Interpretive Essay by Joanna V. Scott & Judith C. Stark, The university of Chicago Press, 1996

 – للتفاصيل ، أنظر :[8]

Ibid, p. xv

 – للتفاصيل ، أنطر :[9]

David Levy, Hans Jonas: The Integrity of Thinking, University of Missouri Press, 2002

 – أنظر :[10]

Hannah Arendt, Love and Saint Augustine, Preface by Scott and Stark, p. xv 

 – أنظر :[11]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الألمانية – الأمريكية حانا آرنديت والفيلسوف الوجودي سورين كيركيجارد / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012 / المحمور المعنون مؤشرات مهمة من السرة الذاتية للفيلسوفة حانا أرنديت .

 – أنظر :[12]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013  .

 – أنظر :[13]

Hannah Arendt, Eichmann in Jerusalem: A report on Banality of Evil, New York: Penguin Books, 1967

 – :[14]

Hannah Arendt, Love and Saint Augustine, Preface: Rediscovering Love and Saint Augustine By Scott & Stark, p. xiv

 – :[15]

 David Bird, “Hannah Arendt, Political Scientist Dead”, The New York Times, Dec. 6, 1975

 – انظر :[16]

Hannah Arendt, Love and Saint Augustine, (Op. Cit), pp. vii – xvii

 – أنظر :[17]

Ibid, pp. 1 – 7

 – أنظر :[18]

Ibid, pp. 9 – 44

 – أنظر : [19]

Ibid, pp. 9 – 17

 – أنظر :[20]

Ibid, pp. 18 – 35

 – أنظر :[21]

Ibid, pp. 36 – 44

 – أنظر :[22]

Ibid, pp. 45 -97   

 – أنظر :[23]

Ibid, pp. 45 – 76

 – أنظر :[24]

Ibid, pp. 77 – 92

 – أنظر :[25]

Ibid, pp. 93 – 97

 – أنظر :[26]

Ibid, pp. 98 – 112

 – أنظر : [27]

Ibid, pp. 113 – 215

 – أنظر :[28]

Ibid, pp. 115 – 141

 – أنظر :[29]

Ibid, pp. 142 – 172

 – أنظر :[30]

Ibid, pp. 173 – 197

 – أنظر : [31]

Ibid, pp. 198 – 211

 – أنظر :[32]

Ibid, pp. 213 – 215

 – وروبرت أصغر من زوجته السابقة إليزابيث ، فقد ولد بعدها بثمان شهور . وتوفي قبلها بثلاثة شهور .[33]

 – أنظر :[34]

Margalit Fox, Elisabeth Young – Bruehl, Who Probrd Roots of Ideology and Bias, Dies at 65, The New York Times, Dec. 5, 2011

 – أنظر :[35]

Elisabeth Young – Bruehl, Hannah Arendt: For Love of the World, (Op. Cit), 

 – أنظر :[36]

Margalit Fox, Op. C.t,

 – أنظر :[37]

Elisabeth Young – Bruehl, Anna Freud: A Biography, Summit Books, New York, 1988

 – أنظر :[38]

Elisabeth Young – Bruehl, Freedom and Karl Jaspers’ Philosophy, Yale University Press, 1981

 – أنظر :[39]

Elisabeth Young – Bruehl (ed.), Freud on Women, Norton, 1992

 – أنظر :[40]

Elisabeth Young – Bruehl, Subject to Biography: Psychoanalysis, Feminism, and Writing Women’s Live, Harvard University Press, 1999

 – أنظر :[41]

Elisabeth Young – Bruehl, Hannah Arendt: For Love of the World, Appendix 3, pp. 490 – 500

 – والحقيقة إن الأسم إي . ب . إشتون ، ليس الأسم الحقيقي ، وإنما الإسم القلمي الذي إشتهر به . وإسمه الحقيقي إرنست باش ، وله مؤلفات عديدة ،[42]

وهو الزوج الثاني  للكاتبة والصحفية (والممثلة) النمساوية هيرثا بولي (1906 – 1973) والذي شارك معها في تأليف كتابهما المعنون تركت مصباحي : طريق الرمز (1948) . ولعل من أشهر ترجمات إشتون  ، ترجمته لمؤلفات الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز ؛

1 – سؤال عن الذنب الألماني       2 – الفلسفة (ثلاث مجلدات)       3 – القنبلة الذرية ومستقبل الإنسان    4 – الفلسفة والعالم : مقالات مختارة ..

 – أنظر :[43]

Arendt’s Doctoral Dissertation: A Synopsis, In Elisabeth Young – Bruehl, Hannah Arendt: For Love of the World, Op. Cit, Appendix 3, p. 40

 – للتفاصيل عن المرحلة المانوية من تفكير القديس أوغسطين ، أنظر :[44]

Jason David BeDuhn, Augustine’s Maaichaean Dilemma: Conversion and Apostasy, 273 – 388 C. E, University of Pennsylvania Press, 2009, p. 163

 – أنظر :[45]

Johannes Brachtendore, Cicero and Augustine on the Passions, 43 (1977), pp. 289 – 308

 – أنظر : [46]

Frank Cross & Elizabeth Livingstone (Eds.), Platonism, In The Oxford Dictionary of the Christain Church, Oxford University Press, 2002

وللتفاصيل عن إفلوطين ومدرسته المعروفة بالإفلاطونية المحدثة ، أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة (كتاب) فصول متنوعة / منشور على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012 .

 – للإطلاع على تفاصيل حياة القديس أوغسطين الجزائري ورئيس أساقفة عنابة ، أنظر :[47]

Peter Brown, Augustine of Hippo: A Biography, University of California Press, 2000

 – أنظر :[48]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق / المحور المعنون دمسقس الرئيس الأخير لمدرسة أثينا الفلسفية

 – أنظر :[49]

Augustine of Hippo,Confessions, Trans. By Henry Chadwick, Oxford University Press, 2008, pp. 153 –

 – أنظر :[50]

Kim Power, “Family, Relatives”, In Augustine through the ages:An Encyclopedia, Ed. By Allan Fitzgerald, Grand Rapid, 1999, pp. 353 – 354

 – أنظر :[51]

A – Michael Brett & Elizabeth Fertress, The Barbers, Wiley – Blackwell, 1997

B – Paula Scott, Santa Monica: a history on the edge, Arcadia Publishing, 2004

 – أنظر :[52]

Serge Lancel, Saint Augustine, Hyms Ancient & Midern, SCM Press, London, 2002, p. 5

 – أنظر :[53]

Kim Power, Op. Cit,

 – أنظر :[54]

Andrew Knowles & Pachomis Penkett, Augustine and his World, Lion Publishing , England, 2004, Ch. 2 (Saved without Power),

 – أنظر :[55]

A – Charles Eliot, Letters of Marcus Cicero and Letters of Gaius Plinus, Kesinger Publising, 2004

B – Susanna Morton Braund, Latine Literature, Routledge, 2002

 – أنظر :[56]

Andrew Knowles & Pachomis Penkett, Op. Cit,

 – أنظر :[57]

Encyclopedia Americana, Graier, Danbury, 1997, Vol. 2, p. 685

 – أنظر :[58]

Ibid,

 – أنظر :[59]

Hugh Pope, “Saint Monica”, In Ctholic Encyclopedia, 2012, (On Line)

وهناك نص في غاية الأهمية ، فيه كشف عن حالة الألم التي عاشتها الأم المسيحية ، بُعيد تحول ولدها إلى العقيدي المانوي . وهذه ترجمتنا لهذا النص ” في قرطاج تحول إلى المانوية . وعندما عاد إلى البيت ، أخذ يُردد عدداً من القضايا العقيدية المانوية (الهرطقية من زاوية الأم المسيحية) ، والتي سببت لها الكثير من الإنزعاج . فطرته من مائدتها . وبعد ذلك جاءت الرؤيا (الحلم) وكلب منها أن تستدعي ولدها . وذهبت الأم في ذلك الوقت إلى واحد من رؤساء الأساقفة (لم تذكر أسمه) وطلبت منه العون والنصيحة . بالطبع النصيحة في كيفية التعامل مع ولدها الذي تحول إلى المانوية ، فجبر رئيس الأساقفة بخاطرها ، وواساها ، وقال كلماته الشهيرة : ” إن هذا الطفل الذي تذرفين عليه الدموع ، سوف لن يهلك ” .

 – أنظر :[60]

A – Heinman Uta Rank, Eunuchs for the Kingdom of Heaven: the Catholic Church and Sexuality, Penguin Book, 1998

B – John A Beckt, ” Adeodatus”, In Catholic Encyclopedia, Op. Cit,

 – أنظر :[61]

John ABeckt, Op. Cit,

وهناك نص له علاقة بولد أوغسطين ، نود ترجمته للقارئ ، ويدور حول ذكائه : ” إن رؤية الذكاء الإعجوبي لولده ، أشعر أوغسطين بنوع من الصدمة . فقال أوغسطين : ” إن عظمة عقله ، وضعتني في حالة من الرعب ” .

 – أنظر :[62]

Encyclopedia Americana, Op. Cit, Vol. 2, p. 685

 – وكونتويوس أورليوس ساميكوس ، هو رجل الدولة الروماني (نسبة إلى روما) ، وخطيب وكاتب رسائل . عمل في مكتب الحاكم في أفريقيا عام[63]

373م . ومن ثم محافظاً لروما خلال عامي 384 و385م ، ومستشاراً عام 391م ز وكان من الجيل الأخير ، الذي حافظ بصلابة على الديانات الرومانية التقليدية أمام إجتياح العقيدي المسيحي . وخصوصاً في الوقت الذي تخلت عنه الطبقة الإستقراطية ، وتحولت إلى شواطئ المسيحية . وله مواقف شجاعة في هذا التوجه ، فقد إعترض على قرار الإمبراطور الروماني جراتيان (359 – 383م) والقاضي بإزالة مذبح النصر من بناية الجمعية العامة (البرلمان) في روما . للتفاصيل ، أنظر :

Cristiana Songna, Q Aurelius Symmachus: A Political Biography, University of Michigan Press, 2006 

 – أنظر :[64]

Eugene Portalie, A Guide to the Thought of St. Augustine, Trans. By Ralph J. Bastian with an Introduction By Vernon J. Bourke, Henry Regnery Co. , Chicago, 1960 (428 pages).

 – أنظر :[65]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الخلفيات الفلسفية – الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012 / سابعاً – حضور فلاسفة الأكاديمية في أجواء الإفلاطونية المُحدثة .

 – للتفاصيل عن الإفلاطونية المُحدثة ،أنظر :[66]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المُحدثة (مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي)/ مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد الثامن / خريف 2012  

 – أنظر :[67]

Encyclopedia of Americana, Op. Cit,

 – أنظر :[68]

  1. A. Wright & T. A. Sinclair, A History of Later Latin Literture, London, 1931, pp. 56 –

 – للتفاصيل أنظر :[69]

Rowan Williams, Arius: Heresy and Tradition, Eerdmans Publishing, 2002

 – للتفاصيل أنظر :[70]

Maureen Tilley (Ed.), Donatist Martyer Stories: The Church in Confilct in Roman North Africa, Liverpool University Press, 1996

 – للتفاصيل أنظر :[71]

Jason David BeDuhn, The Manichean Body: In Discipline and Ritual, Johns Hopkins University Press, 2000

 – أنظر :[72]

Eleonore Stump & Norman Kretzmann (Eds.), The Cambridge Copanion to Augustine, Cambridge University Press, 2001, pp. 130 – 135

 – أنظر :[73]

  1. N. Hillgarth, The Visigoths in History and Legend, Pontifical Institute of Mediaval Studies, Toronto, Canada, 2009

وكتاب القوط الغربيون في التاريخ والإسطورة ، هو من الكتب البالغة الأهمية في هذا الطرف من الحضارة الغربية  ، وتألف من 252 صفحة ، وتكون من مقدمة وثمان فصول وفهارست . وفي المقدمة بيان عن مضمون الكتاب ، فهو بحث إستكشافي للأساطير الأسبانية التي كونت الثقافة الأسبانية التي نشأت مع صعود القوط الغربيون … أما فصول الكتاب الثمانية ، فجاءت بالصورة الآتية ؛ الأول وكان بعنوان القوط ( ص ص 1 – 20) . والثاني جاء بعنوان القوط والرومان (ص ص 21 – 56) . والثالث ما بعد عام 711 (ص ص 57 – 81) . والرابع التراث الغوطي في القرن الحادي عشر (ص ص 82 – 94) . والخامس القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر (ص ص 95 – 118) . والسادس بعنوان قوة الذاكرة : القرن الخامس عشر (ص ص 119 – 139) . والسابع فحمل عنوان التاريخ الخيالي : القرن السادس عشر والسابع عشر (ص ص 140 – 160) . وجاء الفصل الثامن والأخير بعنوان صور من الماضي القوطي الغربي (ص ص 161 – 176) . أما الفهارست فكانت واسعة (ص ص 177 – وما بعد) .  

– أنظر : [74]

Augustine, On the Trinity, Trans. By Arthur West Haddan, Ed. By Philp Schaff, Buffalo, 1887

وهذا كتاب واسع يتألف من خمسة عشر جزءً أو كتاباً .

 – أنظر :[75]

David Roberts, Augustine’s Earliest Writings, Journal of Religion, Vol. 33, No. 3 July 1953, pp. 61 – 81

 – أنظر :[76]

  1. P. H Green, Introduction to De Doctrina Christinana, Oxford University Press, 1995

 – أنظر :[77]

  1. F. Bruce, The Epistle of Paul to Romans: An Introduction and Commontary, England, 1983

 – أنظر :[78]

Karen Armstrong, In the Beginning: A New Interpretation of Gnesis, New York, 1996

 – أنظر :[79]

Rene Descartes, Meditations on First Philosophy, Ed. with Introducation By Stanley Tweyman, Routledge, London, 1993

 – أنظر :[80]

The Confessions of Jean Jacques Rousseaue, Trans. By W. Conyngham Mallery, University of Adelaide, 2012 (On Line).

 – أنظر :[81]

Saint Augustine, Confessions, Trans. By F. J. Sheed, With Introduction By Peter Browen, Hacktt Publishing, 2007, pp. 17 –

كذلك أنظر حديثنا عن كتاب الإعترافات في الفقرة اللاحقة من هذا البحث .

 – أنظر :[82]

Saint Augustine, Op. Cit, 

 – أنظر :[83]

Saint Augustine of Milan:Political Letters and Speeches, Trans. By JHWG Liebeschuetz, Liverpool University Press, 2005

 – أنظر :[84]

Saint Augustine, Confessions, (Op. Cit), Book 1, pp. 3 – 24

 – أنظر :[85]

Ibid, Book 2, pp. 25 – 36

 – أنظر :[86]

Ibid, Book 3, pp. 37 – 53

 – أنظر :[87]

Ibid, Book 4, pp. 55 – 73

 – أنظر :[88]

Ibid, Book 5, pp. 75 – 94

 – أنظر :[89]

Ibid, Book 6, pp. 95 – 116

 – أنظر :[90]

Ibid, Book 7, pp. 117 – 140

 – أنظر :[91]

Ibid, Book 8, pp. 141 – 162

 – أنظر :[92]

Ibid, Book 9, pp. 163 – 187

 – أنظر : [93]

Ibid, Book 10, pp. 189 – 230

 – أنظر :[94]

Ibid, Book 11, pp. 233 – 260

 – أنظر :[95]

Ibid, Book 12, pp. 261 – 288

 – أنظر :[96]

Ibid, Book 13, pp. 289 – 322

 – أنظر :[97]

Ibid, Book 4,

 – أنظر :[98]

Ibid, Book 3,

 – أنظر :[99]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الأول / العدد الثاني / ربيع 2011  

 – قارن للتفاصيل الترجمتين الإنكليزيتين (الأولى قديمة بعض الشئ ، والثانية حديثة بحدود ما) :[100]

A – Augustine, The City of God, Trans. By John Healy, With an Introduction By Ernest Barker, New York, 1945

B – Augustine, The City of God against the Pagen, Trans. By R. W. Dyson, Cambridge University Press, 1998

وتلاحظ إن عنوان النشرة الثانية ، جاء مختلفاً وهو ” مدينة الله مقابل (ضد) مدينة الوثنيين ” . وفيه مشروع قطيعة مع عقيدة الوالد والفتى أوغسطين . ونحسب إن القطيعة في العنوان ، ولكن في خلفيات الوعي الأوغسطيني ظلت الكثير من الأفكار الوثنية (العقيدي الروماني) تشتغل والشواهد كثيرة ، وهي التي حملت البعض إلى النظر والتدقيق في الطرف الهرطقي من تفكير القديس أوغسطين .

 – وهذا الكتاب – الدليل كان من مصادر إطروحة الدكتوراه التي كتبتها الفيلسوفة الألمانية حانا أرنديت ، والتي كانت بعنوان مفهوم الحب عند [101]

القديس أوغسطين

 – للتفاصيل عن المسيحية الغربية ، والتي تُقابل مسيحية أخرى ، هي المسيحية الشرقية ، أنظر :[102]

Edward Peter, Heresy and Authority in Medieval Europe, Scholar Press, 1980

وعنوان ومادة الكتاب جداً مهمة للقارئ في تاريخ التفكير والثقافة في العصور الوسطى ، فقد كان عنوانه ” الهرطقة والسلطة في أوربا العصور الوسطى ” .

 – للتفاصيل عن القوط وسقوط الإمبراطورية الرومانية ، أنظر :[103]

Adrain Goldsworth, How Rome Fell: Death of a Superpower, Yale University Press, 2009, pp. 405 – 415

 – أنظر مثلاً :[104]

Augustine, The City of God, Trans. By G. Grald & et al., Introduction By Etienne Gilson, New York, 1958

خصوصاً المقدمة التي كتبها إيتني جيلسون .

 – أنظر :[105]

Ibid, Book X1, Chapter 22

 – أنظر :[106]

Ibid, Ch. 4,

 – يبدو لي (رأي الدكتور محمد الفرحان) إن القديس أوغسطين من الطرف المنهجي ، كان متوازناً على طول كتابه مدينة الله . ولعل ذلك جاء بتأثير[107]

قراءاته الفلسفية الواسعة . وبالتحديد لكل من شيشرون وفلسفته الإنتخابية ، وخصوصاً كتابه الجمهورية (وهو الكتاب التوأم لجمهورية إفلاطون و مدينة الرواقية) ومن ثم إطلاعه على مناهج الشكين في تاريخ أكاديمية إفلاطون ، وبصورة خاصة في المرحلة الوسطى ، حيث سيطر الشكيون على مقاليد الأكاديمية . ومعرفته بالإفلاطونية المُحدثة ، وعلى الأخص فرفريوس الصوري (وهناك إحتمال إلى إنه قرأ كتابه ضد المسيحيين) . كما وكانت للقديس أوغسطين قراءات لكتاب المقولات للفيلسوف ومؤسس علم المنطق آرسطو . ومن طرف أوغسطين إعترف بأنه قرأ كتاب المقولات في مراحل من حياته الدراسية . ونحسب إن كتاب المقولات قد ترك أثراً في منهجية القديس أوغسطين (إذ فيه درجات من الصرامة المنهجية (المنطقية) ، صرامة مع النفس وحركة القلم ومعالجة الموضوع المدروس) .

 – أنظر :[108]

Ibid, Books I – V

 – أنظر :[109]

Ibid, Books VI – X

 – ورغم هذا الحال ، نحسبُ (رأي الدكتور محمد الفرحان) إن الكتب الخمسة التي كونت الطرف الثاني من مدينة الله ، والذي ننظرُ إليه طرفاً في [110]

غاية الأهمية ، من جهة إنه أولاً يُقدم لنا القديس أوغسطين مؤرخاً لتاريخ الفلسفة اليونانية (على الأقل للفلسفات اليونانية التي كانت متداولة عصر أوغسطين) . وثانياً إنه يعرض نقد أوغسطين للفلسفات اليونانية من زاوية العقيدي المسيحي والمستبطن للعقيدي المانوي . وهي خطوة مهمة في فهم الأساس للنزعة الفلسفية ، التي سترتبك بتفكير أوغسطين ، والتي ستكون جوهر ما يُسمى بالفلسفة المسيحية الغربية (وهو الشرقي الجزائري – الأفريقي) .

 – أنظر :[111]

Ibid, Books XI – XIV

 – أنظر :[112]

Ibid, Books XV – XVIII

 – أنظر :[113]

Ibid, Books XIX – XXII

———————————————————————————————————

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / القس الكاثوليكي الأسباني يُنبير سيري ومحنة الأمريكيين الأصليين / العدد الحادي عشر/ نوفمبر – ديسمبر 2015

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

(11)

نوفمبر – ديسمبر 2015

———————————————————————————————————

———————————————————————————————————

تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

رئيس التحرير                             سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان             الدكتورة نداء إبراهيم خليل

—————————————————————————-

——————————————————————————-

القس الكاثوليكي الأسباني يُنبير سيري 

ومحنة السكان الإمريكيين الأصليين (الهنود الحمر؟)      

الدكتور محمد جلوب الفرحان      طالبة الدكتوراه سارة الفرحان

———————————————————————————

تقديم :

  إن الطرف الذي نحتفل به من حياة الراهب الفرنسسكاني يُنبيري سيري ، هو إنه درس الفلسفة أكاديمياً في كلية لولين وحصل على إجازته في التعليم الأكاديمي في اللاهوت . ومن المعلوم إن جُل أطراف اللاهوت هي موضوعات تندرج في إطار الأبحاث الفلسفية والتي نطلق عليها بإصطلاحات الفلسفة العتيدة الميتافيزيقا . كما وإنه درس في مرحلة التلمذة والإعداد للحصول على إجازته الأكاديمية موضوعات فلسفية شملت علم المنطق ، والميتافيزيقا ، والكوسمولوجيا . إضافة إلى إنه بعد التخرج شغل كرسي الفيلسوف دنس سكوت [1](1266 – 1308) للفلسفة في كلية لولين التي حصل منها على درجة الدكتوراه في اللاهوت .

يُعدُ القس الكاثوليكي الأسباني المشهور بإسم يُنبيري سيري (إسمه الكاثوليكي أو الكنسي ) من الرموز الدينية الكاثوليكية المثيرة للجدل في تاريخ الحضرة الفاتيكانية خاصة وتاريخ حركة الجزويت في القرن الثامن عشر عامة . وذلك لأنه قاد بشخصه حملات الكاثوليك الدموية الأولى إلى كليفورنيا ، والتي هدفت إضطهاد المواطنين الأمريكان الأوائل (أو سكان أمريكا الأصليون / الهنود الحمر ؟) المظلومين ، ومن ثم تدمير ثقافتهم بصورة منظمة وبالتعاون مع الكنائس الكاثوليكية والسلطات الأسبانية يومذاك . واليوم مع كل آسف إنحاز السياسيون الأمريكان إلى كاثوليكيتهم وإحتفلوا مع البابا فرنسيس في تقديس القس يُنبيري الذي تعدى على جزء أساسي من الشعب الأمريكي  . ولعل طرف من المهزلة الأمريكية إن الرئيس الأمريكي (وإن لم يكن كاثوليكياً) براك أوباما وعائلته كانوا من الأطراف الأولى التي شاركت في هذه الإحتفالية اللا إنسانية المتفردة في التاريخ .

والحقيقة إنني فرحت كثيراً حين تنفس واحد من مشاهير كُتاب سير الرؤساء الأمريكان وقال يوم الأحتفال ومن خلال قناة السي آن آن . وبتندر ساخر ” إن البابا فرنسيس هو بابا أوباما ” حقاً إنه كان بابا أوباما وبابا عائلته وهذا هو المهم في المظاهر والترويج السياسي والإعلامي . إن الفرصة كانت بيد الرئيس الأمريكي في تصحيح حركة التاريخ ومن ثم الوقوف مع المظلومين من الأمريكيين الأصليين . ولكن البراجماتية الأمريكية يحكمها منطق خاص ، وكعادتها تخلت عن الحق وإن كان حق جزء مهم من الشعب الأمريكي (كما هو طرف مهم من التاريخ الأمريكي) وإستسلمت للمنطق البراجماتي النفعي وتصالحت مع البابا لمنافع سياسية آنية ..

ولاحظنا من الزاوية التاريخية إن دوائر البحث الأكاديمي الفاتيكاني بدأت حملة للتحضير منذ زمن لأصدار قرارات كنسية في الإعتراف بالدور الذي قام به القس يُنبيري ضمناً في تدمير الهوية الثقافية للسكان الأصليين في أمريكا ومحاولة تحويل أطفالهم إلى الكاثوليكية . وفعلاً فإن البابا جون الثاني (1920 – 2005)) أصدر قرارارته الكنسية بتطويب القس يُنبيري في 25 سبتمبر سنة 1988 . ويبدو لنا إن الفاتيكان كان يعمل بهدوء من أجل إصدار قرارات خجولة لتقديس القس اللامقدس يُنبيري سئ الصيت . وفعلاً بعد حوالي ما يُقارب أقل من ثلاثة عقود جاء البابا الحالي فرنسيس (1936 – حياً) إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإحتفل ومعه الكاثوليك وخصوصاً الجزويت من الأمريكان والكنديين في تقديس يُنبيري بتاريخ 23 سبتمبر 2015  وبالمناسبة إن تمثال القس يُنبيري ينتصب دون وجه حق في قاعات الكونكرس الأمريكي . إنه تحد إنساني لجماعات حقوق الإنسان وجمعيات الأمريكان الأصليين . وإن البابا قام بفعل تمويه في إمتصاص غضبهم بالدعوة إلى اللقاء بهم في خلف أبواب مغلقة . إنها فعلاً إشارة إعتراف بحقوق الأمريكان الأصليين الذين إعتدى عليها القس يُنبيري . إلا إنها لاتكفي ومطلوب من البابا إن يعلن للملأ وبصراحة المؤمن الذي يخاف الله إن ما فعله القس يُنبيري جريمة ضد جزء مهم من الشعب الأمريكي وإنها جريمة حضارية إنسانية نفذها بصورة منظمة وبدعم من الكنائس الكاثوليكية والسلطات الأسبانية . إن هذا المقال مساهمة أكاديمية خالصة للتعريف بالقس سئ الصيت يُنبير سيري وبيان دوره في محنة السكان الأمريكان الأصليون (الهنود الحمر ؟) .

بعض المؤشرات من سيرته الذاتية

ولد ميكيل جوزيف سيري (1713 – 1784م) والمشهور يُنبيري سيري في أحضان عائلة من الفلاحين الكاثوليك المتواضعين في قرية بيتر – جزر البليا والتي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط من الطرف الأسباني . وبعد ساعات قليلة من ولادته تم تعميده وبالتحديد في كنيسة القرية . ووفقاً لسجلات تعميده ، فإن إسمه كان ميكيل جوزيف سيري . أما من طرف أمه فهي السيدة ماركريت روزا فيرر والتي عانت الكثير من موت طفلين لها أثناء الولادة وبالطبع قبل ولادة الطفل ميكيل سري . بينما كان والده هو السيد إنطونيو نادل سيري . وكان الوالدان يتكلمان بلغتهم الأم وهي اللغة الميكلية ، ومن ثم تعلموا اللغة الأسبانية والتي أصبحت لغتهم الثانية .

ولما بلغ الطفل ميكل السابعة من عمره ، فقد أخذ يعمل مع والديه في الحقول ، ويُساعدهم في حصاد القمح والحبوب الأخرى ، كما وكان الفتى ميكل يرعى القطيع . إلا إنه أظهر ولعاً وإهتماماً غير إعتيادي في زيارة الدير الفرنسسيكاني . وفعلاً فقد تعلم في الدير القراءة والكتابة والرياضيات والدين والأغاني والموسيقى الدينية .

وفي عمر الخامسة عشرة قام والديه بتسجيله في المدرسة الفرنسسيكانية في العاصمة ، حيث درس فيها الفلسفة . وبعد سنة واحدة إنخرط في النظام الفرنسسيكاني ، ومن ثم أصبح عضواً فيه . وتلت ذلك سنة من التحضيرات النشطة ، أصبح ميكل عضواً أساسياً في النظام الفرنسسيكاني ، وتحولت حياته إلى روتين محكوم بجدول زمني منضبط دقيق ، يتكون من الصلوات ، والتأملات ، وغناء جماعي (كورس) ورياضات جماعية (كورس) ، وقراءات دينية وتعليمات . وكان عليه لإكمال كل هذه المتطلبات ، أن يستيقظ في منتصف الليل ليقوم بسلسلة آخرى من التراتيل الدينية . وكان المشرفون عليه يحثونه على التوقف من المراسلة وكتابة الرسائل والزيارات .

ومن الملاحظ إن الفتى ميكل سيري كان خلال أوقات فراغه يركز على قراءة القصص التي تدور حول نشاطات الفرنسسكانيين في المحافظات الأسبانية والعالم ، والتي كانت تبهر مسامعه عندما يقرأها وتصعد درجات تحمسه وخصوصاً أخبار نجاحات الفرنسسكانيين في التبشير وفلاحهم بضم أعداد من الناس إلى الكنيسة. وهي قصص فيها تضحيات وتعذيب وربما موت يُتوج بالشهادة . وهذا فوز وربح روحي كبير للكنيسة . كما كان مولعاً بمتابعة بطولات وأخبار حملات التبشير الدينية والتي غالباً ما تنتهي بالفوز بلقب القداسة وقبلها الحصول على التطويب (أي دخول الجنة) [2].

الراهب سيري وتجربة دير الرهبنة

دخل سيري دير الرهبنة في 14 من نوفمبر سنة 1730 ميلادية ، وكان قبل أيام مضت قد إحتفل بعيد ميلاده السابع عشر . ويومها كان دير الرهبنة يُعرف بدير الراهب القديس بيتر الكنترا (1499 – 1562) أو الفرع الكنتراني للرهبان الشباب [3]. والكنترانية في الحقيقة حركة إصلاح في النظام الفرنسسكاني . وبعد سنة كاملة من التحضيرات أصبح الراهب سيري عضواً كاملاً في النظام الفرنسسكاني . ومن ثم حصل على إسمه الديني وهو يُنبيري وذلك في تشريف الأخ يُنبير (توفي عام 1258) والذي كان من أوائل الفرنسسكانيين الذين رافقوا القديس فرنسيس الأسيزي (1181 / 1182 – 1226) .

والأسيزي هو راهب إيطالي والذي أسس مجموعة من أنظمة الرهبان والراهبات . فمثلاً هو مؤسس نظام الرجال للرهبان الشباب ، ونظام القديسة كلير (توفيت عام 1253) للنساء ، والنظام الثالث للقديس فرنسيس للرجال والنساء أو حياة الرهبان والراهبات الفقراء [4]. ويُعد القديس فرنسيس واحداً من الشخصيات الدينية الأكثر إحتراماً وتبجيلاً في تاريخ المسيحية [5].

وتتحدث المصادر التي رصدت حياة الشاب الراهب يُنبيري ، عن إنه أقسم مع مجموعة من الرهبان الشباب ، يمين إحتقار الملكية والراحة والدعة ، وأن يظلوا عُزاباً . وفعلاً فقد عاش سبعة سنوات على هذا النمط من الحياة وشروطها ، ومن ثم تم رسمه قساً كاثوليكياً . وبعد ذلك إنخرط في دراسات معمقة شملت علم المنطق ، والميتافيزيقا والكوسمولوجيا واللاهوت . كما إنه في عام 1737 أصبح الراهب يُنبيري سيري قساً ، وبعد ثلاثة سنوات حصل على إجازة التعليم اللاهوتي وبدأ يُدرس الفلسفة ، وكان فصله الدراسي يضم أكثر من ستين طالباً وإستمر يُدرسه لمدة ثلاث سنوات . ومن طلابه كل من فرنسسكو بلو (1723 – 1789) وجين كريسبي (1721 – 1782) واللذان ذهبا معه في حملات التبشير إلى كليفورنيا [6].

وعندما وصل الفصل الدراسي إلى محطاته النهائية ، أخبر الراهب يُنبيري سيري طلابه ، فقال لهم ” لا أرغب منكم شيئاً ، سوى إن وصلت إلى مسامعكم أخبار موتي ، فإنني أسألكم أن تقولوا شيئاً ربما ينفع روحي في رحلتها الأخيرة وترددوا : إرقدي بسلام في مثواك الأخير [7].  

  والواقع إن الراهب سيري من الشخصيات العقلية المتميزة بين زملائه ، حيث كان يتمتع بذكاء عال ولذلك حصل على درجة الدكتوراه في اللاهوت من كلية لولين[8] (وهي من الكليات القديمة والتي تأسست في القرن الرابع عشر) وكان هدفها تدريب المبشرين الفرنسسكانيين . ومن ثم شغل سيري كرسي الفيلسوف ورجل اللاهوت دنس سكوت للفلسفة لفترة أكاديمية إستمرت فترة ثلاث سنوات وحتى إلتحاقه بكلية التبشير في المكسيك عام 1749 [9]. والحقيقة هي كلية سان فيرناندو دي مكسيكو . وهي كلية تبشير فرنسسكانية كاثوليكية ، وأسسها نظام الفرنسسكان للرهبان الشباب وبالتحديد في 15 إكتوبر سنة 1734 . وكانت مهمتها تقديم تدريب خاص إلى القساوسة الذين يعملون في التبشير الكاثوليكي بين السكان الأصليين . وبالمناسبة هي لازلت تعمل في المكسيك حتى هذا اليوم [10].

وفي عام 1748 تداول يُنبير سيري وزميله وطالبه السابق في كلية لوين ، فرنسسكو بلو بصورة سرية بعض المعلومات حول خطتهما بضرورة أن يتحولا إلى مُبشرين . وكان عمر سيري خمس وثلاثين عاماً وحينها كان يعتقد إنها مهمة لا تتقدم عليها مهمة أخرى في عمل القس وكذلك في الوقت ذاته كان باحثا أكاديميا ، وبشرط أن يبقى في ميورقة بالعربية (وباللاتينية ما جوركا) [11]. وهي تعني الجزيرة الأكبر وتقع في البحر الأبيض المتوسط (وهي بالطبع جزيرة أسبانية) وعاصمتها بيلما (وبالعربية ميورقة) [12].

غير إن أنظار سيري كانت تتطلع نحو صوب الأراضي الوثنية . وفعلاً فقد تقدم كل من سيري وبلو بطلب إلى الإدارة في مدريد بحيث يُسمح لهما بمباشرة مهمة أجنبية . وبعد معوقات إدارية حصلا على السماح لهما بالإبحار من قادس (بالعربية) [13]، وهي عاصمة وميناء يقع في جنوب أسبانيا (الإندلس بالعربية) . وهي واحدة من ثمانية مدن أندلسية [14]. وقادس كانت ميناء الرحيل نحو المستعمرات الأسبانية في أمريكا [15].

وبينما كان سيري وزميله بلو ينتظران مباشرة الإبحار نحو أمريكا ، كتب سيري رسالة تفصيلية طويلة إلى زميل له في ميورقة (جوركا) يلحُ عليه بالمساعدة للتخفيف من حزن والديه الكبيرين وخصوصاً عند ما يسمعان برحيل ولدهما الوحيد إلى ما أسماه بأسبانيا الجديدة ، وكان هدفه من ذلك هو أن  يُحول من حزنهما إلى شكل من السعادة وكان يتطلع للتأكيد لهما بأن كل ذلك هو جزء من إرادة الله ، وإن يكون خطوة و تمهيدا إلى قبولهما لحالة الموت السعيد ، وهو المحط النهائي لكل أشكال الحياة [16].

أهم الأعمال التي قام بها الراهب يُنبير في أسبانيا الجديدة

سنحاول هنا أن نتأمل في أهم الإنجازات والأعمال التي قام بها الراهب الفرنسسكاني في أسبانيا الجديدة (كليفورنيا والمكسيك) والتي كانت تعمل على جبهتين ؛ نشر الكاثوليكية بين الأمريكان الأوائل وحملهم على التخلي عن هويتهم الثقافية وتدمير حضاراتهم ومعتقداتهم ونشر العديد من الأمراض القاتلة مثل الطاعون والسفلس بينهم والتي سببت ضحايا تندرج في مجازر التصفية العنصرية وهي بالطبع مجازر ضد الإنسانية كان حاصلها فناء جماعات كاملة من الشعب الأمريكي الأصلي وإلى الأبد  :

أولاً –  يُنبير سيري والعمل في كلية سان فيرناندو للتبشير الفرنسسكاني

وفعلاً ففي 1749 وصل الراهب يُنبير سيري ومعه فريق التبشير الفرنسسكاني إلى ميناء فيروكروس[17]والذي يقع على خليج المكسيك ، وهو جزء من ولاية فيروكروس المكسيكية [18].  ورفضوا ركوب عربة تنقلهم من ميناء فيروكوس إلى مدينة مكسيكو ، وفضل سيري الرحيل على الأقدام ، فشق طريقه بتسلق المنطقة الجبلية ، ومن ثم خلال الغابات الإستوائية وحتى وصل إلى العاصمة . وتعرض سيري إلى إلتهابات في ساقه وكان سببها لسعات الحشرات ، ومن ثم تطورت على شكل قروح وكان حاصلها ألاماً شديدة لازمته طول حياته وخصوصاً في رحلاته القادمة مشياً على الأقدام [19].

وبعد وصول سيري ورفاقه إلى مدينة مكسيكو ، إنخرطوا في كلية سان فيرناندو ، وهي مركز تدريبي رئيس للتبشير الفرنسسكاني في المنطقة . وتقدم بطلب سأل فيه إعادة برنامج إعداده لمدة سنة أخرى بالرغم من مكانته الأكاديمية العالية وكانت الكلية يومها تضم رجالا شبابا فقط . إلا إن طلبه لم يُقبل وتم رفضه . فألح على أن يعيش مبتدأ في سان فيرناندو وهو بروفسور الجامعة . وأخذ يحمل بتواضع أطباق الطعام ، وينتظر على المائدة .. [20].

وإضافة إلى الروتين اليومي والذي يشمل الصلوات ، والتراتيل والتأملات ، فإن الحياة في هذه الكلية المنعزلة تتكون من صفوف في تعليم اللغات المكسيكية للهنود (؟ هكذا وردت) وإدارة الحملة واللاهوت . وقبل إكمال سيري لمتطلبات تدريبه السنوي ، عمل متطوعاً للمساعدة في شغل محلات العامليين الذين ماتوا حديثاً ، والذين كانوا يعملون في المناطق الوعرة النائية . ومن ثم قبل مهمة الإشراف على الحملة وأصبح مساعده زميله الراهب فرنسسيكو بلو . وفعلاً ففي حملة  سيري الأولى في التبشير كان فرنسسيكو بلو المساعد له [21].

ثانياً – حملات الراهب سيري في التبشير الفرنسسكاني بين الهنود

  لقد بدأت حملات التبشير الأولى في منطقة سيري كوردا الهندية المكسيك ، والتي تقع بحدود تسعين ميلاً إلى شمال سانتا يوكورتوروكورتورو وهي منطقة جبلية ، وموطن أصلي للهنود الباما ، وهي مركز المكسيك . ويتكلمون لغة الباما وهي بالطبع لغتهم الأصلية [22]. والحقيقة إن الأقليم الذي يعيش فيه الهنود الباما ، إقليم واسع وتنتشر فيه العديد من المستعمرات الأسبانية . والباما منذ قرون مضت شيدوا مدنيتهم ومعابدهم وأصنامهم وكان لهم رجال دين يشرفون على شعائرهم وطقوسهم الدينية . وعاشوا على الصيد وإلتقاط ما تجود به الطبيعة . إلا إنهم فيما بعد تحولوا إلى الزراعة . وتبنت بعض الجماعات منهم حرب العصابات لمقاومة الإحتلال العسكري الأسباني [23].

وفي هذا الوقت وصل الراهب يُنبيري سيري وزميله فرنسيسكو بلو إلى قرية جبلن دي سيري والتي تم تنظيمها ما بين 1751 و 1758 ، قاعدة إنطلقت منها الحملات التبشيرية الفرنسيسكانية الخمسة الأولى . وبالطبع إنطلقت منها الحملة التبشيرية الأولى وبالتحديد في منتصف القرن الثامن عشر [24]. وحين وصولهما وجد الراهب سيري وزميله بلو إن الحملة التبشيرية في حالة فوضى . كما إنهما عرفا بالتأكيد الأعداد المتواجدة ” من أبناء الرعية من الهنود الباما ، وفعلاً فقد كان عددهم بحدود الألف ولم يحضروا لا الإعترافات ولا القداس [25]. وهذه مشكلة عقيدية وتُدلل على حالة الفوضى في حملات التبشير الفرنسيسكاني بين الأمريكان الأصليين (الهنود الحمر ؟) من وجهة نظر الراهبين يُنبير وزميله بلو .

ولاحظنا من زاوية الوثائق الفرنسيسكانية إلى إن كلا المبشرين (أي الراهب سيري وزميله بلو) قد كرسا نفسيهما ” إلى تعلم لغة الباما من المكسيكيين ، الذين عاشوا معهم في مناطق الباما ” . ولكن وجدنا في الوقت ذاته بأن ” هناك مزاعماً من طرف الزميل بلو ، أثارت من طرفها الأسئلة (بل والشكوك) حول حقيقة قيام الراهب سيري بترجمة التعاليم المسيحية إلى لغة الباما . وفعلاً فإن الراهب يُنبيري سيري إعترف أخيراً بأنه كان يُواجه صعوبات كبيرة في تعلم لغة السكان الأصليين [26].

ومن ثم إنخرط الراهب سيري بصورة عميقة وتفصيلية في حياة الرعايا من الهنود الباما . وبالتحديد في طرف الشعائر والطقوس المسيحية والتي تُعيد تصوير مسيرة موت اليسوع القسرية على الصليب ، ولهذا الغرض أنشأ سيري أربعة عشرة محطة (مقاماً) لإقامة الشعائر وقادها بشخصه وكان يحمل بنفسه الصليب الثقيل على كتفه ، وفي كل مقام تتوقف الجموع وتؤدي الصلوات . وفي النهاية يُقدم الراهب سيري خطبة يصف فيها آلام وموت اليسوع . والذي يُسمى بالخميس المقدس ، كما وخلاله قام ” إثنتا عشر من رجال الباما الشيوخ ، بدور الرسل ، ولعب الراهب سيري بدور المسيح وبعد نهاية الطقوس يتناول الراهب سيري طعامه مع الجموع ” [27].

كما وحمل سيري نفسه مسؤولية الطرف العملي والإداري من حملة التبشير المسيحي الفرنسيسكاني ، ولذلك كان يعمل بالتنسيق مع كلية سان فيرناندو والتي مكنته من إمتلاك قطيع من الماعز والخرفان وأدوات الفلاحة ، والتي جلبها معه من حملة التبشير في سيري كوردا. وكان زميله بلو يشرف على عمل الحقل من حملة تبشير الهنود الرجال . أما النساء الهنديات فقد تم تدريبهن على الغزل والخياطة والنسج ، وكان الناتج من هذه الأعمال يتم جمعه ويوزع على سكان الحملة ، ووفقاً لحاجاتهم الشخصية . وكان الباما المسيحيون يبيعون الفائض من منتوجاتهم إلى المراكز التجارية القريبة . وكل هذه الفعاليات تجري تحت إشراف الرهبان وذلك من أجل حمايتهم من المتلاعبين والمحتالين . والباما المسيحيون كانوا يستلمون بصورة منتظمة على حقائب الأرض لزراعة الذرة والحمص والفاصوليا ، وبعض الأحيان كانوا يستلمون الثيران والبذور [28].

وبعد سنتين حاول الراهب سيري القيام ببعض المثابرات الناجحة ضد الأنظمة العقيدية التقليدية للباما . وكان مسروراً بكل إنجازاته ولعل الشاهد على ذلك ، هو إنه في زيارته في عام 1752 إلى مركز سيري كوردا للتبشير في كلية سان فيرناندو في مدينة مكسيكو ، كان سيري يحمل بكل فرح وإبتهاج تمثال إلهة الهنود الحمر الباما والذي يُجسد بالنسبة له الباما المسيحيون . والتمثال يكشف عن وجه كاجوم أم الشمس والذي ينتصب بقامته في ضريح قمة التل ، والذي كان يحيط به العديد من مراقد وقبور رؤساء الباما [29].

والعودة بعض الشئ إلى ما قبل سيركودا ، فإن الراهب سيري واجه بنفسه صراعاً مع الجنود الأسبان والمستوطنين من طرف ، والهنود المبشرين من طرف آخر . وبعد تفوق الجيش الأسباني على الباما في عام 1743 ، فإن السلطات الأسبانية لم تكتف بإرسال المبشرين الفرنسيسكان ، بل وأرسلت الجنود المكسيكيون الأسبان وعوائلهم إلى سيري كوردا وإستوطنوا فيها . وكان عمل الجنود حراسة طريق الهنود المبشرين وتوفير الأمان لأقليم التاج الأسباني . إلا إن مزاعم الجنود بإمتلاك الأراضي سبب تصادماً مع الباما المسيحيين والذين كانوا من سكانها الأصليين .

وحاولت بعض عوائل الجنود تأسيس مدينة لهم ، وتلقوا دعم وتأييد من الضابط المسؤل عن إنتشارهم . وفعلاً فقد أيد خطتهم ووافق على تنفيذها . إلا إن خطتهم واجهت معارضة ورفضاً من قبل الباما ، والذين هددوا بالدفاع عن أراضيهم بالقوة إذا كانت مطلوبة . ومن طرف الجنود المستوطنين ، فإنهم سمحوا لقطعانهم من الرعي في أراضي الباما المسيحيين وفي حقولهم كذلك . كما قام الجنود المستوطنين بتشغيل الباما في عمليات البناء . والمصادر المكتوبة من زاوية الراهب يُنبير سيري وكلية سان فيرناندو تُشير إلى ” إن كل من سيري وكلية سان فيرناندو وقفوا مع الباما وإستندوا إلى قانون الهنود[30] والذي يُحرم من المساس والتحرش بأراضي حملات التبشير ” .

ومن ثم جاء الإنتصار بقرار من السلطات الأسبانية العليا في المكسيك بتعليق بناء المستعمرة المتطفلة . ولكن سكان المدينة لم يقبلوا القرار ، وإعترضوا عليه وبقوا في المدينة ، مما حمل الحكومة إلى إرسال لجنة للنظر في مواقع بديلة لمستعمرة المستوطنيين ، وطالبت المستوطنيين في الوقت ذاته ” بعدم السماح لرعي قطعانهم في حقول الباما ، ودفع إجور الباما لقاء عملهم وطالبت الرهبان بالإشراف على دفع الأجور . وبعد هذه الحماية القانونية ، غادر المستوطنين هذه المنطقة . وفي عام 1755 فإن الباما والرهبان إدعوا بملكية أراضيهم [31].

وتتويجاً لحملة سيري كوردا التبشيرية ، فإن الراهب سيري أشرف بشخصه على عمليات بناء كنيسة جبلن الرائعة . والشاهد على ذلك إنه جمع العديد من البنائين والنجارين وعدد آخر من المهنيين والحرفيين من مدينة مكسيكو . كما قام سيري بتشغيل عدد من الباما المسيحيين في البناء الموسمي ، والذي إمتد مدة تجاوزت السبعة سنوات لإكمال بناء الكنيسة برمته. وبالمناسبة فإن الراهب سيري كان يعمل بهمة ونشاط عاليين . فمثلاً كان يحمل بنفسه العوارض الخشبية ، ويضع الجسور بين الصخور وذلك لبناء جدران الكنيسة قوية وثابتة [32].

ثالثاً – عمل الراهب يُنبير سيري في محاكم التفتيش

يعرفُ الراهب سيري بوعي كامل ماذا يتطلع إليه ؟ ، وما ذا يُفكر أن يقوم به ؟ ، ولذلك عمل بجد ووفق خطة منظمة إلى  أن يشرف ويقود محاكم التفتيش في العالم الجديد (أمريكا أو بلغته أسبانيا الجديدة) . ونحسبُ إن من اللازم علينا أن نُعرف بفكرة تفيد القارئ بتاريخ محاكم التفتيش سيئة الصيت في تاريخ الغرب والتي عانى منها السكان الأصليين (الهنود في أمريكا) ولم تسلم منها الفرق المسيحية التي ليست كاثوليكية . ويصعد تاريخ محاكم التفتيش إلى البابا غريغوري التاسع (1145 – 1241) وهو الذي أسس المحكمة الكنسية وبالتحديد عام 1232 وذلك لكبح الهرطقة . والتي يومها كانت قد إنتشرت في شمال إيطاليا وجنوب فرنسا . وأصبحت هذه المحاكم سيئة الصيت وذلك عندما إستخدمت التعذيب وسيلة لها . ومن المؤسف إن تحولت إلى وسيلة إضطهاد إلى الفرق المسيحية الأخرى . فمثلاً في عام 1542 تم إعادة تأسيس محاكم التفتيش البابوية التي قادت معركة ضارية ضد المسيحيين البروتستانت . واليوم تكون هذه المحاكم جزء أساس من مكونات الحكومة البابوية [33].

ومن الملاحظ إنه خلال زيارة الراهب سيري إلى مدينة مكسيكو وبالتحديد في عام 1752 أرسل طلباً من كلية سان فيرناندو إلى الأقسام المحلية لمحاكم التفتيش الأسبانية ، وسأل فيه إلى تعيين محققاً لمحكمة التفتيش ليرأس المحكمة في منطقة سيري كوردا (وهنا ألفت الإنتباه إلى أهداف تفكير الراهب سيري في هذه المنطقة التي يعرفها جيداً وبدأ حملة التبشير المسيحية الفرنسيسكانية فيها والتي تنتشر فيها عقائد السكان من الأمريكان الأصليين) . وفعلاً ففي اليوم التالي عين المسؤولون الرسميون عن محاكم التفتيش ، الراهب سيري ليكون بنفسه المحقق العام للإقليم برمته كافة ، وأضافوا إليه سلطات يمكن أن يمارسها في أية منطقة يقوم فيها بعمل التبشير المسيحي الفرنسيسكاني والتي تدخل في حدود ما يُسمى بأسبانيا الجديدة [34].

ونحسبُ إن التقرير الذي كتبه الراهب سيري ، وثيقة تاريخية رسمية خالدة ، ومناسبة أكاديمية جيدة ، فيها الكثير الكثير من الأدلة على طبيعة تفكيره . وهذا التقرير أرسله سيري من جبلن في سبتمبر عام 1752 إلى محاكم التفتيش الأسباني في مدينة مكسيكو . وبالطبع يكشف عن عقلية الراهب سيري وإيمانه بقوة السحر وسلطته وتخليه عن المنطق وعلوم الفلسفة التي درسها وعلمها لطلابه ولمدة ثلاث سنوات قبل أن يتخلى عن عمله الأكاديمي ويرهن نفسه إلى برنامج الترويج العقيدي الكاثوليكي الفرنسيسكاني ويأتي إلى كليفورنيا ويبدأ رحلة اللا منطق واللا معقول . و(الآن) ونقصد في سبتمبر 1752 يُعلن بصورة مطلقة إلى تحوله إلى مضمار محاكم التفتيش عن السحر والهلوسنشن .

إنها يا دكتور اللاهوت سيري عملية إنتحار للعقل والمعقول ونحر للمنطق وذبح للفلسفة وجلد لكل من كتب في الكوسمولوجيا (ومن ضمنهم سيري بشخصه قبل أن يأتي إلى ما يُسمى بأسبانيا الجديدة) وحتى جلد للميتافيزيقا وظلها في اللاهوت ومنهجه الذي يُعقل كل ما لا يتعقل . والخير أن نترك القارئ يقف بنفسه على تقرير الراهب سيري ويُدقق بلغته ، يقول الراهب سيري في تقريره :

حول أدلة على السحر في مركز سيري كوردا لحملات التبشير ” ومن ثم أعلن إلى إنه ” تنكر لسلوك ” عدد من المسيحيين من غير الهنود (هكذا وردت في التقرير) ، والذين يعيشون في مركز الحملة وحولها ” . وأشار إلى الجرائم التي رصدها ، وبالطبع أنها كانت من ” أكثر الجرائم الممقوتة ، والتي تتمثل بالسحر والشعوذة وعبادة الشيطان … وإذا كان من الضروري أن نتحدث عن شخص مذنب معين من بين الرجال ، قد إرتكب هذه الجرائم ، فأنا (أي الراهب سيري) أتهم بالإسم ميلكورا دي لوس رييس أكوستا ، وهي مولاتوية (خلاسية) ، متزوجة وتعيش في حضرة الحملة التبشيرية ، وإسمها كيتانا (بالأسبانية) ، وهي إمرأة مكسيكية تتمتع بدرجات عالية من الذكاء ، وهي متزوجة من واحد من البيريز ، وهو مولاتو (خلاسي) [35]، وإنها كانت تحت المراقبة وقد إعترفت ووجهت لها تهمة بالجرائم المشابهة ، وقد تم  إلقاء القبض عليها من قبلنا لبضعة أيام (أي من قبل الراهب سيري).. وهذا حدث في الحملة التي تضم أعداد كبيرة (من المسيحيين الهنود وغير الهنود) ، وإن بعض الهنود قد إنضموا إليهم ، وإن هذه المجموعة من الأشخاص كانوا يطيرون في الفضاء في فترات من الليل ، وكانوا عادة يجتمعون في كهف على التلة ، وقرب إصطبل القطيع ، والذي يُطلق عليه بالساوسيللو (هكذا جاء في تقرير الراهب سيري) ، والذي يقع في قلب مركز الحملة التبشرية الفرنسيسكانية .

وكانت هذه المجموعة تتعبد وتقدم التضحيات إلى الدايمونز ( الشياطين) والذين كانوا يتجسدون لهم بصورة مرئية وعلى شكل مجموعة من الماعز اليافعين ، وأشياء أخرى من مثل هذه الطبيعة … وإذا مثل هذه الشرور لم تواجه بحزم ، فإن هذا الفساد الفظيع سوف ينتشر بين الفقراء الهنود والذين هم جزء من مسؤليتنا ” [36].

ووفقاً لعدد من المؤرخين الفرنسيسكانيين في العصر الحديث ، فإن تقرير الراهب يُنبير سيري إلى محاكم التفتيش ، هو الرسالة الوحيدة التي ظلت خالدة من عمله في حملة التبشير في منطقة سيري كوردا ، وهي الحملة التي إمتدت لفترة ثمانية سنوات [37].

ومن زاوية نظر فرانسيسكو بلو ، وهو زميل الراهب يُنبير سيري ، وأول من كتب سيرة ذاتية له ، فقد كتب عن دور سيري في محاكم التفتيش ، وذهب قائلاً : إلى إن سيري ” كان يعمل في أجزاء عديدة من المكسيك ، ويُسافر لمسافات طويلة ” . وهذا واضح من الأرشيف العام لمدينة مكسيكو ، والذي يتجاوز ألف مجلد من الوثائق المفهرسة حول محاكم التفتيش . والتي كما يبدو فيها إشارتين إثنتين فقط إلى عمل الراهب سيري في محاكم التفتيش وخصوصاً بعد تعيينه منذ عام 1752 ؛ الأولى خطابه الوعظي عام 1764 في أواكساكا [38]. والثانية معالجته الجزئية لقضية المُولاتو في مركز التبشير في سيري كوردا ، والتي دارت حول تهمة السحر في عام 1766 [39].

وفي عام 1758 عاد سيري إلى كلية سان فيرناندو ، وبعد فترة إمتدت بحدود تسعة سنوات ، وكان خلالها يعمل في إدارة الكلية وحملات التبشير وكذلك في محاكم التفتيش وفي الأبرشيات المكسيكية وفي كل من بوبيلا [40] ، أواكساكا ، فالي دوليد[41] وغوادا لاكارا [42]. فإن الراهب سيري غالباً ما كان يُفضل في رحلاته التبشيرية التنقل بالمشي على الأقدام ، بالرغم من الألام التي يُعانيها في ساقه والتقرح في قدميه [43].

الراهب يُنبيري سيري وطقوس العقاب الجسماني الذاتي  

  إن هذا الطرف من المقال يكشفُ عن جانب مهم من شخصية الراهب الفرنسيسكاني سيري ، وهو شعوره بالخطيئة (وربما بالشرور) ومحاولته تطهير الروح من كل أدرانها وذلك بممارسة العقاب الذاتي الجسماني . وفعلاً فإنه بدأ بتقليد ومحاكاة نمط حملة التبشير الفرنسيسكانية ، وخصوصاً تقليد القديس فرانسيس سولنس (1549 – 1610) [44]، ولهذا تبنى سيري إسلوب التعذيب الجسمي عادة لمعاقية نفسه ذاتياً وبهدف الوصول إلى حالة تطهير روحي . ومن أساليب التعذيب التي كان يمارسها إنه كان يرتدي ملابساً خشنة قاسية من وبر البعير ، أو يرتدي سترة منسوجة من قطع من السلك المكسور إلى أجزاء وبالطبع كان يضعها تحت رداء الرهبان ذات اللون الرمادي (الأشيب) [45].

كما وإعتاد أن يضع في غرفته البسيطة ، سلسلة حديدية تتكون من أطراف حادة ومدببة ، وعلقها على جدار غرفته وبجانب سرير نومه ، وإعتاد أن يستخدمها لجلد نفسه بها في الليل ، وخصوصاً عندما تراوده في الليل أفكار الخطيئة ، وتفرض سيطرتها على تفكيره . والشاهد على ذلك هو إنه إعتاد على ممارسة عادته الليلية في جلد الذات . ومثلاً خلال عمله في كلية سان فيرناندو ، قد لاحظها وإستمع إليها بعض زملائه من الرهبان . كما وتدلل على ذلك بعض رسائله التي بعثها في تلك الفترة إلى أصحابه من الرهبان الفرنسيسكانيين ، حيث غالباً ما يتداول الراهب سيري عبارات لتوبيخ الذات والحط منها، وبالتحديد من مثل ” رجل الخطيئة ” و ” القس الجائر والذي لا يستحق الإحترام ” .

والشاهد الأخر على شعوره بالذنب والخطيئة وتبكيت الضمير ، إنه في واحدة من خطاباته الوعظية لجمهور في مدينة مكسيكو ، وبينما سيري يحثُ مستمعيه إلى التكفير عن خطاياهم ، وكان قد جلب معه سلسلته الحديدية معه ، كشف عن كتفه وبدأ يجلد نفسه . وكان عدد من أبناء الرعية (من هنود وغير هنود يراقبون المشهد ؟؟ ) ، ومن ثم وقف الرعايا بإندهاش وبدأوا ينتحبون ويبكون ، وأخيراً جاء رجل من الحضور وتسلق المنبر ، وإنتزع السلسة الحديدية من يد الراهب ، وبدأ الرجل يجلد نفسه ، ويعلن للحضور ” أنا الخاطئ ، والناكر لنعمة الله ، وينبغي أن يُكفر عن ذنوبه ، وليس القس القديس سيري ” وإستمر الرجل يجلد نفسه حتى إنهار أمام الحضور وإستلم أسرار القربان المقدس ، ومن ثم توفي الرجل من محنته [46].    

كما وقام الراهب سيري في تقديم خطب وعظية أخرى ، وفي موضوع التكفير عن الذنوب ، وبإستخدام أساليب متنوعة من التعذيب الجسماني الذاتي . منها مثلاً جلب معه في خطبة له ، صخرة كبيرة يحملها بيد واحدة ، ويحمل باليد الأخرى الصليب ، ومن ثم بدأ يضرب صدره بهذه الصخرة . وكان الكثير من الحضور في حالة رعب ، ويتوقعون بأن الراهب سيقتل نفسه ويموت . وكان الحاصل من ذلك برواية زميله الراهب بلو ، والحاصل من ذلك أن الراهب سيري بدأ يُعاني من آلام الصدر وصعوبة التنفس ، ويعتقد بلو ” بأن الكدمات التي سببها التعذيب الذاتي هي السبب . وبينما كان الراهب سيري يخطب مرة حول النار ويوم الحساب ” فإنه أحرق جسده بلهب شمعة ومن أربعة أطراف ” ، وهذا هو التقليد الذي إشتهر به الواعظ الفرنسيسكاني القديس جون كابيسترانو[47] (1386 – 1456) [48].

ويصف الراهب الفرنسيسكاني فرانسيكو بلو ، بأن هذه الأعمال تتسم ” تماماً بالعنف ، والألام ، وإنها خطيرة حيث تنتهي بجروح للصدر [49]. ويبدو إن الراهب سيري ” لم يكن الحالة الوحيدة التي تمارس هذه الأعمال بين المبشرين الكاثوليك ، وإنما كان التعذيب الجسماني الذاتي على المنبر ، حالة يمارسها أكثر الفرنسيسكانيين المتحمسين ، كما وكان المبشرون الجزويت يقومون بمثل ذلك ، وإن القلة منهم ذهبت به إلى حالات متطرفة مثلما فعل الراهب يُنبير سيري . في حين إن تعليمات كلية سان فيرناندو تؤكد على إن التعذيب الجسمي الذاتي ، ينبغي أن لا يُحملُ إلى الحالة التي تؤدي إلى عجز دائم للشخص الذي يُمارسُها [50]. وفي الختام نود الإشارة إلى إن بعضاً من زملاء الراهب سيري ، قد عاتبوه على إسلوبه في التعذيب الجسمي الذاتي ، وذلك ” لأنه ذهب به بعيدا وإلى حالات متطرفة جداً ” .

الملك كارلوس : وطرد الجزويت والتحولات في الحملات التبشرية

بدأت هذه التحولات ، مع التغييرات الحادثة في سياسة المملكة الأسبانية من الجزويت وحملات التبشير في أسبانيا الجديدة (والتي تشمل كليفورنيا والمكسيك ..) . وفعلاً فإن نائب الملك كارلوس فرانسيسكو دي كروا (1699 – 1786) ، قد قام في 24 حزيران عام 1767 بقراءة المرسوم الملكي على رئيس أساقفة المكسيك وعلى جموع ممثلي الكنائس الرسميون والذي جاء فيه : ” إصلاح بيوت الجزويت بالقوة المسلحة ، وإلقاء القبض على كل الأشخاص منهم وبحدود أربع وعشرين ساعة . ويتم نقلهم مساجيناً إلى ميناء فيراكروز ، وغلق السجلات والبيوت وتسجيل هؤلاء الأشخاص مع دون السماح لهم بنقل أي شئ ، ما عدا كُتب الأدعية اليومية وملابسهم الضرورية للرحلة . وبعد الصعود إلى السفن فإذا تم العثور على أي شئ آخر عند شخص واحد من الجزويت ، حتى وإن كان مريضاً او يحتضر (يموت) ، فإنه سيواجه عقوبة الموت [51].

وفعلاً فإن ملك أسبانيا كارلوس الثالث (1716 – 1788) قد تأمر على إبعاد الجزويت ، ووضع خطة كاملة على إخراجهم من أراضي إمبراطوريته وبالتحديد قبل خمسة أشهر من بدأها . وإن نائب الملك في أسبانيا الجديدة ، وخلال أيام بعد قراءة المرسوم الملكي ، تم إبعاد كبار الرسمين من الكاثوليك . وإن الجنود الأسبان نقلوا الجزويت الذين لم يُقاوموا المرسوم من ستة عشر مركزاً من مراكز حملات التبشير ، ومن إثنتان وثلاثين محطة من عموم المكسيك . وإن كثيراً من القسان الجزويت ماتوا خلال رحلة الأراضي الجبلة الوعرة وهم يتوجهون إلى ميناء فيراكروز . ومن هناك تم ملأ السفن بهم ، والتي كانت تنتظر حمل الناجون منهم ، ومن ثم عبور المحيط الأطلسي بإتجاه الولايات البابوية في شبه الجزيرة الإيطالية [52].

والسؤال ؛ ماذا حدث لحملات التبشير الكاثوليكي الفرنسيسكانية بعد مرسوم الملك كارلوس الثالث بطرد الجزويت من أسبانيا الجديدة ؟ بالتأكيد الذي حدث ولد فراغاً كبيراً بعد رحيل الجزويت من المكسيك  . إلأ إن من الملاحظ في الوقت ذاته إن كلاً من حملات التبشير  الفرنسيسكانية والدومينكانية قد إنتفعت كثيراً مما حدث ، فحاولت ملآ الفراغ . فمثلاً في عام 1768 وبالتحديد بعد أقل من سنة تم تعيين الراهب سيري رئيساً لحملة باها كليفورنيا (وهي بالطبع ولاية مكسيكية) ، وتوجه مجموعة من خمسة عشر من الرهبان الفرنسيسكان يقودهم الراهب فرنسيسكو بلو إليها . غير إن الظروف الصعبة للمنطقة وسيطرة العسكر بعد رحيل الجزويت ، حالت من عمل كل من سيري وبلو ، فتحولا إلى العمل الروحي فقط  . وفي آب 1768 آمر المفتش العام الأسباني بنقل حملة التبشير كاملاً إلى الرهبان الفرنسيسكانيين .

ولعل المأساة التي أخذ يُعاني منها السكان الأمريكان الأصليين (الهنود) هو إن أعدادهم بدأت تتناقص بصورة ملفتة للنظر . فمثلاً كتب الراهب بلو ، في الفترة التي إنتقل فيها الفرنسيسكان إلى الشمال وتركوا المنطقة إلى الدومينكان كان عددهم سبعة آلاف وخمسين ، إلا إنهم تناقصوا إلى خمسة آلاف فقط . وإذا ” ذهبت على هذه النسبة ” كما كتب الراهب بلو ” فإنه لفترة قصيرة من الزمن ، سوف تأتي نهاية باها كليفورنيا ” . غير إن بلو كان له تبريره الخاص ، حيث يعتقد إن سبب ذلك يعود إلى إنتشار مرض السفلس ، الذي إبتلى الله به الهنود لقتلهم إثنين من القسان الجزويت قبل ثلاثين سنة مضت [53]. لاحظ كيف يُقرأ التاريخ ، فالمظلوم هو المُبتلى ، والله مع الظالم على الدوام .. والصحيح هو إن الإنسان هو الظالم لأخيه الإنسان .

ومن ثم في عام 1768 إختار المفتش الأسباني العام الجديد خوسيه دي غالفيرغالاردو (1720 – 1787) الراهب سيري رئيساً لفريق التبشير في بعثة كليفورنيا . وسيري يومها قد بلغ الخامسة والخمسين . وكان يتطلع لمثل هذا المنصب وهدفه هو تحويل آلاف من الوثنيين إلى المسيحية في أراضي لم تمسها من قبل الكنيسة . إلا إن الألام التي يُعاني منها في ساقه وقدمه كانت موضوع تفكير ومشاغل بروثيل المشرف على الرحلة . وفعلاً حاول بروثيل أن يتخلى عن الراهب سيري من الإلتحاق بالبعثة وكتب عن ذلك إلى المفتش العام . كما إن بلو زميل سيري وتلميذه السابق أصبح مهموماً بصحة سيري وإقترح عليه البقاء في باها كليفورنيا . وأن يذهب الأكثر شباباً والذين يتمتعوا بصحة للإشراف على الحملة . إلا إن سيري زجر كل من بلو وبروثيل حول شكوكهما . كما وبخ بلو على إقتراحه ، وقال : ” دعنا لا نتكلم عن ذلك ” . أما ” أنا فأضع كل ثقتي بالله ، وإن رحمته واسعة وستشملني بها إلى أن أصل إلى سان دييغو (كليفورنيا) لأرفع هناك الصليب المقدس وبالتحديد في الميناء وحتى مونتيري الساحلية ” [54].

وإقترح سيري عليهم بالرحيل بدلاً منه ، وإنه سيدبر أمره ، وسيتقابل معهم في كليفورنيا ، وكتب سيري فقال ” سوف لن أخذ معي الكثير من المؤنة لهذه الرحلة سوى رغيف خبز وقطعة من الجبن … ” [55]. وكان إثنان من الشباب الهنود يرافقانه ويساعدانه على ركوب البغل والذي كان هو الأخر (أي البغل) مسناً ومريضاً ..  وفي الصباح التالي  وصل سيري إلى مركز تبشيرالقديسة ماريا  حيث قابل هناك الإداري لأسبانيا الجديدة غاسبار دي بورتولا (1716 – 1786) والراهب ميكل دي كمبا وعدد من جماعته .. وفي يوم الأحد 7 مايس ، أخذ سيري ينشدُ بعدد من المصلين ، وخطب بهم ووعظهم في مركز حملة تبشير الكنيسة ، وهي الخط الأمامي للكاثوليكية الأسبانية [56].

وبعد مغادرة سيري مركز حملة تبشير القديسة ماريا ، ذهب مع بورتولا ليؤسس مركز حملة تبشير فيلكانا والتي أسسها في مراحل مبكرة من بعثة بورتولا . ولاحظ الراهب سيري إن هذه الحملة ينقصها أعداد الهنود الراغبين في التحول إلى الكاثوليكية ، ورغم ذلك فقد وصلت أعداد قليلة منهم ، وكان سيري سعيداً بوصولهم وإندفع يُرحب بهم ، وكانوا إثنتا عشر هندياً من الرجال والفتيان . وعبر عن مشاعره ؛ فقال ” إذن أنا أرى ما كنت في البداية أعتقد إنه من الصعب .. حتى أن قرأت عنه ” . إنهم ” جاءوا عراة مثل آدم في الجنة .. وإستقبلناهم لفترة طويلة ، ونظروا إلينا ونحن نرتدي ملابسنا ، ولم يظهر عليهم الخجل من طريقة التعري التي كانوا عليها . ووضع سيري كلتا يديه على رؤسهم علامة على المشاعر الأبوية ، ومن ثم قدم لهم التين ، وبدأوا يأكلونه مباشرة ، وأعطى واحد من الرجال الهنود إلى سيري ، سيقان نباتات محمصة وأربعة سمكات . وفي رد جميل مقابل ، عرض بورتولا وجنوده أوراق من التبغ وأنواع من الطعام ” [57].

ومن خلال المترجم الهندي المسيحي ، نقل سيري إلى الهنود خبراً عن مهمة السيد دي لي كمبا ، فقال لهم بأنه سيمكث في مركز الحملة التبشيرية ليُقدم لهم الخدمة التي يحتاجونها . وبالمقابل طلب سيري منهم أن يحثوا عوائلهم وأصدقاءهم على المجئ إلى مركز الحملة التبشيرية . كما وسألهم سيري بأن لا يتحرشوا بالقطيع أو يقومون بقتلهم . وبورتولا من جانبه أعلن لهم بأنه أصبحت لرئيس قبيلتهم مكانة شرعية وقانونية بإسم ملك أسبانيا [58].

  ويبدو إن هذه التحولات كان لها من التأثير السلبي والإيجابي على صحة الراهب يُنبير سيري . فمثلاً إن سيري وجد بأن قدمه اليسرى قد ” إلتهبت وحالة الآلم التي يُعاني منها  مستمرة لأكثر من سنة ، والآن أخذ الإلتهاب ينتشر ووصل إلى النصف الأعلى من ساقه . و بورتولا من جانبه يحاول إقناع سيري على أن يتخلى من البعثة إلا إن سيري وضع قدره على الله ، وقال : ” إن الله سيمنحني القوة للذهاب إلى أبعد مسافة .. حتى إذا واجهت الموت في الطريق ، فإنني سوف لن أعود إلى الوراء . (ووجه كلامه إلى زملائه) وتستطيعوا أن تدفنوني في أي مكان ترغبون ، وأنا سوف أكون سعيداً أن أموت بين الوثنيين ، إذا كانت هذه هي إرادة الله ” . وفعلاً فقد أحضر بروتولا حمالة لهذا الغرض ولذلك فإن الهنود المسيحيين مع الحملة ، كان يمكنهم حمل سيري بها طول الرحلة ” [59].

وكان سيري لا يتطلع على الإطلاق ، أن يكون عبئاً على أصحابه في الرحلة ، ويومها إعتاد على عدم تناول أي دواء ، إلا إنه أخذ يسأل واحداً من العاملين (وكان يعمل في تحميل البغال وسائقاً لها) وكان إسمه خوان إنطونيو كورنيل ؛ فيما إذا كان بإمكانه تحضير وصفة علاج لقدمه وساقه المصابتين بقروح ؟ ورد كورنيل ” بأنه يعرف كيف يُعالج جروح الحيوانات ” ورد عليه سيري ” حسناً ! إذن يا ولد ؛ أنا أطلب منك أن تتخيل فقط : إنني حيوان .. وأصنع لي هذه الوصفة . وحالاً قام كورنيل بسحق بعض من الشحم الحيواني وعشب نباتي صحراوي أخضر (وسحقهما) بين صخرتين ، ومن ثم سخن هذا المزيج ونشره على قدم وساق سيري . وفعلاً فإن سيري نام تلك الليلة بسلام وهدوء ولأول مرة منذ شهور . وفي اليوم التالي تحدث الراهب سيري عن مشاعره ، وإن قدمه وساقه أخذا بالتحسن ، والأن يستطيع المشي خلال الحملة التبشيرية ، دون ورم في الساق أو ألم في القدم [60].

ولعل المهم في رحلتهم ، إنهم إستكشفوا طريقهم المؤدي إلى المحيط الهادئ . وفعلاً فمن خلال منطقة تلية عالية ، وبالتحديد في 20 حزيران ، رأوا المحيط الهادئ . وفي 22 حزيران وصلوا إلى قرية هندية كبيرة ، وفرح الراهب سيري وفريقه وكانت هي محطتهم السعيدة . ويبدو فيها إن الهنود كانوا في صحة تامة ، وإنهم في درجات عالية من النشاط ويتميزون  بروح من الود والصداقة . والشاهد على ذلك إنهم قاموا بترديد الكلمات الأسبانية التي سمعوها ، وأخذ بعض منهم بالرقص بهدف التجمع والدعوة إلى الإحتفال ، وعرضوا على سيري وجماعته السمك وصدف البحر. وكتب الراهب سيري عن ذلك فقال : ” جميعنا كان يكنً حباً كثيرا لهم ” . ومن ثم أضاف ” الحقيقة إن جميع الوثنيين أفروحوني وأحاطوني بالبهجة . وإنهم سرقوا قلبي مني [61].

ومن ثم أخذ الجنود في الصباح التالي بالمقايضة معهم . فمثلاً عرض الجنود على الهنود مناديل اليد ، وقطع كبيرة من القماش مقابل المقايضة بالأسماك ، و” كانت حقاً مقايضة حية ” ويبدو إن الهنود ” الأن وجهاً إلى وجه مع فريق قريب إلى الشاطئ ، إلا إنهم أطعمونا جيداً ، وهم يُفضلون إستلام الملابس على الطعام ” . وفي 25 حزيران بدأ الفريق كفاحه من أجل عبور سلسلة من الوديان الوعرة . وفي الوقت ذاته لاحظوا إن العديد من الهنود يتبعونهم . وعندما عسكر الفريق في الليل ، فإن الهنود كانوا يتجولون قريباً من منطقتهم . وكلما ” وضع الراهب سيري يديه على رؤوسهم ، وضعوا يديهم على رأسه . وكان أمل الهنود هو الحصول على المزيد من قطع القماش . وبعض منهم توسل إلى سيري بالحصول على رداء الراهب الذي يرتديه . وبعض النساء أخذن نظارات سيري وبدأن ينقلنها من يد إلى يد ، وهن مسرورات بها حتى جاء واحد من الرجال إليهن . وفي الحال إندفع أصحاب الراهب سيري من أجل المحافظة على هذه النظارات وذلك لأن الراهب سيري لا يمتلك زوجاً آخر منها ” [62].

وفي 28 حزيران جاء السيرجن خوسيه فرانسيسكو أورتيجا (1734 – 1798)[63] إلى مقابلة الفريق في سان دييغو ، وجلب معه مجموعة من الحيوانات الحية ورسائل إلى الراهب سيري من كل من الراهب المبشر الفرنسيسكاني خوان كريسبي (1721 – 1782)[64] والراهب فيرناندو بيرون . والراهب سيري عرف بأن إثنين من السفن الأسبانية ، بدأت بالإبحار من باها كليفورنيا وهي تحمل التجهيزات للحملات التبشيرية الجديدة والتي وصلت إلى ميناء سان دييغو . وإن واحدة من سفن كارلوس والتي أبحرت من قبل أربعة أشهر ، قد وصلت إلى سان دييغو ، وحاولت الرسو ولكن البحارة فيها واجهوا مواقف صعبة ، إذ لم تتوافر الطاقة لتزيل القوارب . وإن الرجال على ساحل سان إنطونيو ، كانوا يحاولون مساعدة بعض الأفراد الناجين من الطاقم [65].

لقد عانى كل من بورتولا وسيري وجماعته الكثير وذلك للحركة البطيئة التي إمتدت لمسافة تسعمائة ميل ، والتي بدأًت من لوراتو – ياها كليفورنيا (وهي أول مستعمرة أسبانية) ومن أولى الأسباب لمحنتهم هو تناقص تجهيزات الطعام على طول طريق الرحلة . ومن ثم وصلوا إلى سان دييغو في الأول من تموز عام 1769 . وفعلاً فقد لاحظنا إن الراهب الفرنسيسكاني قد سجل ملاحظاته عن فرحة الوصول ، فقال ” إنه كان يوماً عظيماً ، مملوء بالإبتهاج للجميع . وإن كل فرد شارك في هذه الرحلة عانى من الصعوبات ذاتها .. وإن إجتماعهم يُدلل بصورة ملموسة على تفسيراتهم المتبادلة وهي أساس خبراتهم جميعاً ” [66].

  وتكونت البعثة (التي كانت تعمل على الأرض البرية والملاحة البحرية) من حوالي 300 رجلاً . غير إن أكثر من نصفهم وصلوا إلى ميناء سان دييغو . وإن أغلب الهنود المسيحيين الذين عملوا على الأرض البرية ماتوا أو تم هجرهم .. ولذلك فإن الضباط العسكريون تنكروا لهم عندما بدأت حصص توزيع الطعام تتناقص . وإن نصف هؤلاء الذين فلحوا في الوصول إلى ميناء سان دييغو صرفوا أشهراً وهم غير قادرين على البداية في العمل في البعثة لأسباب مرضية . كما إن أعداداً منهم ماتوا هناك من داء الإسقربوط [67].

الحملات الفرنسيسكانية التبشيرية : تأمل تاريخي[68]

  لاحظ الباحث إن الراهب يُنبير سيري كان يُفكر ليل نهار بحملات التبشير وهدفه هو تحويل أعداد كثيرة من الهنود الأمريكيين إلى الكاثوليكية . وفعلاً فإن المصادر تذكر إلى إنه ما إن حطت البعثة الرحال في سان دييغو ، وبالتحديد في الأول من تموز 1769 ، إلا إنه بدأ يُنفذ خطته ، وفضل أن يمكث هناك ليُباشر حملاته الفرنسيسكانية التبشرية بنفسه . وكانت هذه الحملة هي الأولى من إحدى وعشرين حملة من حملات كليفورنيا وتحت قيادة الراهب سيري[69]. وفي 1770 تحرك سيري إلى منطقة تُعرف اليوم بإسم مونتيري وأسس حملة تبشير سان كارلوس ، وظل هناك يمارس عمله بعنوان الآب الرئيس لحملات تبشير كليفورنيا العليا . ومن ثم في عام 1771 حول سيري الحملة إلى مدينة كارميل وأصبحت تُعرف بحملة مدينة كارميل وإنتقل مكتب القيادة العامة هناك وتحت رئاسته . وفي الإمكان أن نلقي نظرة عامة على الحملات التبشرية ومراكزها التي كان يشرف عليها الراهب سيري :

أولاً – بعثة سان دييغو دي الكالا :

وهي أول بعثة فرنسيسكانية تبشيرية إستهدفت المظلومين من الأمريكيين الأصليين (الهنود ؟) في محافظة كليفورنيا يومذاك . وكانت في الأصل مستعمرة من مستعمرات مايُعرف حينها بأسبانيا الجديدة . واليوم تقع في سان دييغو – كليفورنيا . وأسس هذه البعثة الراهب الأسباني يُنبير سيري وبالتحديد في 16 تموز عام 1769 . وهي في الأصل منطقة كان يسكنها الهنود الأمريكيون الأصليون . والبعثة إستمرت ما بين عامي 1769 – 1833 [70].

ثانياً – بعثة سان كارلوس والتي تُعرف ببعثة كارميل :

وهي ثاني بعثة أسسها المبشرون الفرنسيسكانيون ، وهي بعثة كنيسة كاثوليك الروم وكانت تقع قريبة من قرية للأمريكان الأصليين (النيتف = الهنود ؟) . والبعثة كانت تُشكل القيادة العامة لحملات التبشير في كليفورنيا العليا . وكان يرأسها الراهب يُنبير سيري وإستمرت منذ عام 1770 وحتى وفاته عام 1784 . ومن المفيد الإشارة إلى إن سيري قد حصل في مايس عام 1771 على موافقة رسمية من السلطات الأسبانية (أو سلطات أسبانيا الجديدة) على تأسيسها قرب نهر كارميل . وفي نهاية عام 1771 كان سكان البعثة خمسة عشر مع إثنتان وعشرين هندي من الهنود الأمريكيين الذين تم تحويلهم إلى المسيحية وإكملت عمليات تعميدهم . ومجموع سكان كليفورنيا الشمالية كان ستيناً . ويومها كان الراهب سيري يكره زج الهنود المسيحيين في الصراع على السلطة وذلك لعدم رغبته التأثير على الهنود المسيحيين ومن ثم ردود أفعالهم من السلوك السلبي للجنود الأسبان . كما وإن الأرض الزراعية المحيطة بالبعثة كانت جيدة للزراعة [71].

ثالثاً – بعثة إنطونيو دي بادوا :

وهي بعثة أسبانية للنظام الفرنسيسكاني ، واليوم تقع في منطقة مونتيري – كليفورنيا وقرب مدينة جولن . وأسسها الراهب يُنبير سيري ، وبالتحديد في 14 تموز عام 1771 . وهي ثالثة حملة أسسها في كليفورنيا العليا . وهي موقع شهد أول زواج مسيحي . وبالمناسبة إن القديس إنثوني (أو إنطونيو) ولد في عام 1195 في لسبن – البرتغال وكان يُعرف بقديس الفقراء .  وبالمناسبة إن الراهب سيري ترك خلفه في هذه البعثة الأب مكيل بيرس وزميل له ليقوما بالإستمرار في بناء البعثة . وكانت تضم 178 من الأمريكان النيتف – الهنود وكان يعيشون في البعثة [72].

رابعاً – بعثة سان غابرييل أركانغيل :

وهي بعثة مغلقة للكاثوليك الروم ، وهي أرض تاريخية للقديس سان غابرييل – كليفورنيا . والمستوطنة تم تأسيسها من قبل المملكة الأسبانية ، وبالتحديد في 8 سبتمبر عام 1771 . وهي رابعة حملة تبشيرية من إحدى وعشرين حملة أسبانية في كليفورنيا . وبالمناسبة صمم كنيسة البعثة الأب إنطونيو كروزادوا ، وهو من المبشرين الفرنسيسكانيين الأسبان وكان بتصميمه قد جلب أثر العمارة الإسلامية (المورش بإصطلاحات الغرب عندما يتحدثون عن العرب والمسلمون الأسبان = الأندلسيون) وظهرت بقوة في بناء كنيسة بعثة سان غابرييل أركانغيل ، ووالتي كانت تتسم بالتفصيل في دعامات التيجان الطويلة ، والشبابيك الضيقة والتي كانت تختلف من سلسلة كنائس الحملات التبشيرية الأخرى في كليفورنيا .

ومن الملاحظ على ماتذكره المصادر التي تحدثت عن حملات التبشير التي إنطلقت من سان غابرييل أركانغيل إلى إنها ذكرت بأنه ما يُقارب خمسة وعشرين ألفاً من الهنود الأمريكيون تم تعميدهم كاثوليكاً في كنيسة سان غابرييل وبالتحديد ما بين 1771 و 1834وهذا العدد من المسيحيين الجدد هو بالطبع يشمل نسبة عالية من المظلومين من الأمريكيين الأصليين (الهنود؟) [73].

خامساً – بعثة سان لويس أوبيسبو دي تولوسا (أو تولوز) :

وهي بعثة أسستها حملة التبشير الأسبانية التي يقودها الراهب الفرنسيسكاني يُنبير سيري في مدينة سان لويس أوبيسبو في عام 1772 . وأطلق عليها في الأساس إسم قديس القرن الثالث عشر ورئيس القساوسة لويس تولوز (1274 – 1297) وهو إبن بنت ملك هنغاريا الملك ستيفن الخامس (1239 – 1272) والذي مات وعمره ثلاثة وعشرين ربيعاً فقط [74]. وذكرت المصادر التاريخية إلى أن الراهب سيري قد إستلم قراراً جاء إليه من أسبانيا يُطالبه بالعمل على نقل ونشر العقيدة الكاثوليكية بين السكان الأصليين (النيتف = الهنود ؟) وبالتحديد في أعالي كليفورنيا . والفكرة من ذلك هي توحيد الإمبراطورية الأسبانية وتحت دين واحد ولغة أسبانية واحدة . وكانت حملة سان دييغو أول حملة أسبانية أسسها الراهب سيري في أعالي كليفورنيا في هذه السنة .

وبعد هذه الحملة قرر سيري بأن كندا دي لوس أوسس ستكون المكان المثالي للحملة (البعثة) الخامسة . وفي الأول من سبتمبر عام 1772 إحتفل بأول صلاة أُقيمت للمؤمنين ، ورفع الصليب بقرب سان لويس كريك . ومن ثم ترك سيري جوز كافلير في مهمة صعبة وهي بناء الحملة هناك . وفعلاً فإن جوز كافلير وخمسة جنود إضافة إلى إثنان من الهنود المسيحيين الجدد بدأوا في حملة بناء بعثة سان لويس أوبيسبو دي تولسا والتي تحولت فيما بعد إلى مدينة سان لويس أوبيسبو [75].

سادساً – بعثة سان خوان (أو جون) كابيسترانو :

وهي حملة قام بتأسيسها مجموعة من القديسين الكاثوليك الفرنسيسكانيين في الأول من نوفمبر عام 1776 ، وأطلقوا عليها إسم الراهب الهنغاري جون كابيسترانو (1386 – 1436) وهو قس كاثوليكي من مدينة كابيسترانو الإيطالية التابعة لأقليم أبروتسو ، وهو الإقليم الأخضر . وهو واعظ مشهور ورجل متخصص في اللاهوت المسيحي ، ومحقق في محاكم التفتيش ، وحصل على لقب ” القديس الجندي ” … وكان الراهب يُنبير سيري يُقيم صلاته الإحتفالية فيها . ومن المناسب أن نذكر بأن فعاليات الرهبان الفرنسيسكان كانت نشطة ومتسارعة بإتجاه تحويل أكبر عدد من الهنود إلى المسيحية ومن ثم إنجاز مهمة تعميدهم . وفعلاً فقد وصل عدد المتحولين إلى المسيحية إلى أربعة آلاف وستمائة وتسع وثلاثون في هذه البعثة فقط (وبالطبع العدد محسوب للفترة ما بين 1776 – 1847) [76]. وحملة سان خوان كابيسترانو هي من الحملات القليلة جداً التي أعيد تأسيسها مرتين في أعالي كليفورنيا . ومن ثم تم هجرها وذلك لعدم إستقرار أوضاع السكان الأصليين (الهنود؟) فيها [77].

ومن المفيد أن نشير إلى إن زواجا هنديا في هذه البعثة وقد تم في أجواء إحتفالية مسيحية ، وهو الزواج الذي أشرف عليه الأب موكرتيكي والذي باركه في 23 كانون الثاني من عام 1777 ، وحافظت هذه البعثة على سجلات للتعميد والزواج والوفيات كذلك . والراهب يُنبير سيري زار هذه الحملة لأول مرة منذ تأسيسها ، وقاد قُداساً في 22 إكتوبر وتم توثيقه ايضاً [78].

سابعاً – بعثة سان فرانسيسكو دي أسيس :

وكذلك يُطلق عليها ” بعثة دولوريوس [79] وظل بنائها قائماً في سان فرانسيسكو . وهي واحدة من سبعة مستوطنات دينية تم تأسيسها ، كجزء من سلسلة حملات تبشير كليفورنيا . والواقع إن هذه البعثة أسسها كل من لوتنت (الضابط العسكري) خوسيه خواكين (أو جواكين) مورجا (1745 – 1785) والراهب الأب فرانسيسكو بلو زميل الراهب يُنبير سيري . وكلاهما (أي بلو وسيري) كان مسؤولاً عن جلب المزيد من المستوطنين الأسبان إلى شمال كليفورنيا بهدف تمسيح هوية السكان الأمريكيين الأصليين (النيتف = الهنود ؟) [80].

وكان لوتنت خوسيه مورجا يعمل في جيش آسبانيا الجديدة . كما كان عضواً في حملة كليفورنيا العليا . وإشتهر إسمه بتأسيس مدينة سان خوسيه (جوزيه) كليفورنيا . وهي ثالث أكبر مدينة في كليفورنيا من جهة السكان [81]. والتي تم تأسيسها لتشريف القديس جوزيف زوج مريم أم المسيح ، وبعض المصادر التاريخية تعتبره هو الأب الحقيقي للمسيح [82]. واليوم ينتصب في مقدمة بعثة سان فرانسيسكو دي أسيس تمثال للراهب الفرنسيسكاني يُنبير سيري . وهو تمثال عمله النحات الأمريكي آرثر بونتام (1873 – 1930) من البرونز وأكمله عام 1909 ويظهر فيه الراهب سيري ، وهو يرتدي روب الرهبنة ، ويتمنطق بحزام ومسبحة حول رقبته ، ويتطلع بناظريه إلى الأرض[83] (منا وليس إلى السماء حيث مواجهة الرب وحسابه وهي تتضمن لحظة هروب من مواجهة الديان …) وأحسب إن الراهب سيري كان صادقاً كل الصدق وأميناً كل الآمانة .. إذ إن اليقين آت لامحالة .. وهو يشعرُ بخجل من الرب وما فعله لإخوانه المظلومين ، وهم سكان أمريكا الأصليون (الهنود ؟) والذين وثقوا برسالته ولكن المبشرين تخلوا عنهم في محنتهم ، وتركوهم يموتون بمرض السفلس والإسقربوط وهجروهم دون طعام في سفن مهجورة ، وليصاحبوا الفئران ، فماتوا والله شاهد على فعل الإنسان وقسوة الإنسان .. الذي يتحدث عن الله ورسالة الإيمان في الليل والنهار .. فماذا تقولون ؟ إن الجواب بإختصار نفاق ورسالة نفاق ..

ثامناً – بعثة سان بوينافينتورا :

وهي حملة أسبانية أسسها النظام الفرنسيسكاني في مدينة سان بوينافينتورا قبل عام 1891. وفي الإصل كان سكانها من النيتف (الأمريكيون الأصليون = الهنود) وهم الشيماش وبلغتهم الشيماشية تدل وتعني ” في الوحل أو الوحل [84]. ومن زاوية نظر الأبحاث الأركيولوجية (الآثارية) فقد برهنت على إن الشيماش كانت لهم جذوراً عميقة في مركز وجنوب المناطق الساحلية من كليفورنيا . كما توافرت لدى الباحثين الآثاريين الذين إعتنوا بدراسة هذه المناطق ،  وفرة من المعطيات الفنية والتي تعود إلى أطراف من حضارتهم ، وقدروا عمرها الحضاري ، فوجدوا إنها تصعد إلى مابين ” أكثر من ألفين سنة وأكثر من عشرة آلاف سنة ” [85]. والشيماشيون (الفنتورا) كانو يعيشون في هذه المنطقة عندما وصل إليها المستوطنون الأسبان وكان أول إتصال لهم بالسكان الأصليين في جزيرة سانتا كروز ، وهي أكبر جزيرة من بين ثمان جزر في قناة كليفورنيا [86].

وكانت بعثة الأسباني بورتولا في عام 1769 ، هي أول سجل أوربي لفريق من الزوار الذين دخلوا إلى أراضي كليفورنيا . وفعلاً فقد جاءوا إليها نزولاً من وادي نهر سانتا (القديسة) كليرا ، وعسكروا قرب نهر فنتورا في 14 آب ، وكان الراهب الفرنسيسكاني خوان (جون) كريسبي يُسافر معهم (وهو بالطبع زميل الراهب يُنبير سيري) . وذكر كريسبي بأنه شاهد مع زملائه ” مدينة إعتيادية مكتظة بالسكان ، وإمتدت بصورة منظمة ، وهي أفضل ما رأينا طول رحلتنا وحتى الآن ” [87].

وإن الراهب يُنبير سيري كان أول قائد فرنسيسكاني في كليفورنيا ، وهو الذي قام بتأسيس حملة (بعثة) سان بوينافينتورا ، وكان بالتحديد في عام 1782[88]. ولهذا يُعد هو من وضع الأسس الأولى لمدينة سان بوينافينتورا . ومن المناسب أن نشير إلى إن تسميتها جاءت تشريفاً للقديس بوينافينتورا ، وهو قديس فرنسيسكاني من القرن الثالث عشر وكان دكتور كنيسة [89]. والحقيقة إن الحملة الأولى تعرضت إلى حريق مدمر عام 1801 ومن ثم أعيد بناءها من الحجر والصخور وأكملت في عام 1809 ومن ثم وضعت لها أجراس وجددت الواجهة الأمامية وهي حملة جديدة بعد إن دمرتها الهزات الأرضية عام 1812 [90].

يُضاف إلى كل ذلك فإن الراهب يُنبير سيري يُعدُ في الوقت الحاضر المؤسس لحامية سانتا (القديسة) باربرا ، والموقع مشهور أكثر بإسم الحامية الملكية للقديسة بربارا ، وهي فعلاً حامية عسكرية أسبانية سابقة ، وتم بناءها من قبل أسبانيا في 31 آذار عام 1782 ولأغراض دفاعية تخص المنطقة العسكرية في كليفورنيا ، وهي ثاني أقدم بناية خالدة في كليفورنيا [91]. إلا إن الحاكم الأسباني لكليفورنيا فيليبي دي نيفي (1724 – 1784)[92] والذي حكم للفترة من 1775 وحتى 1784 قد رفض ” لأسباب عدائية ؟ ” التأسيس في هذه المنطقة ، فتم نقلها لمسافة ميل ونصف [93].

ومن المفيد أن نشير إلى إن فترة حكم فيليبي قد شهدت صراعاً مع قائد الحملة التبشيرية الفرنسيسكانية يُنبيري سيري بسبب إن المحافظ فيليبي صاحب نزعة علمانية ويتطلع إلى توزيع الأراضي . إلا إن نجاح فيليبي منحه فرصة للحصول على ترقية ، فأصبح القائد العسكري العام للمحافظات الشمالية ومن ضمنها كليفورنيا . وبذلك خلف في هذا المنصب الحاكم العسكري السابق ثيودور دي كروا (1730 – 1792)[94] بينما خلف فيليبي في منصبه السابق القائد العسكري بيدرو فاج .

وظلت العلاقة بين الراهب سيري والقائد العسكري الجديد بيدرو فاج (1734 – 1794) مثلما كانت سيئة مع القائد القديم . وفعلاً ففي عام 1773 تفاقمت المشكلات بين القائد العسكري بيدرو فاج [95] والراهب يُنبيري سيري ، فقرر سيري السفر إلى مدينة مكسيكو لعرض المشكلة ومناقشة الحال أمام نائب الملك الأسباني إنطونيو ماريا دي باكيرلي (أورسوا) (1717 – 1779)[96] وطالبه في التحقيق في إثنتي وثلاثين تهمة ، ومن ثم على أساس ذلك تم تنحية الحاكم بيدرو فاج من منصبه حاكماً لكليفورنيا . وفعلاً فإن نائب الملك أصدر حكماً لصالح الراهب سيري . وكانت النتيجة إن ثلاثين تهمة من مجموع التهم التي وجهها سيري قد تم إثباتها ولذلك أزيل الحاكم بيدرو فاج من منصبه في عام 1774 . وبعد فترة عاد الراهب سيري إلى كليفورنيا . ومُنح سيري في عام 1778 بعض الإمتيازات وذلك لكونه كان آميناً لكليفورنيا ، وبعد ممارسة حقه في هذه الإمتيازات لمدة سنة ، علقها الحاكم الجديد فيليبي دي نيفي والذي شغل وظيفة الحاكم المعزول بيدرو فاج .

ولعل الطرف الأهم من ذلك هو ؛ كيف ينظر الفرنسيسكانيون إلى السكان الأمريكيين الأصليين (الهنود) ؟ في الحقيقة إن الفرنسيسكانيين ينظرون إلى الهنود على إنهم ” أطفال الله والذين يستحقون فرص الخلاص ، ويعتقدون إن هناك إمكانية عالية في أن يكونوا مسيحيون جيدون ” وبشرط واحد وواحد فقط ، وهو أن لا يتعرضوا إلى ” إنتكاس أو نكوص ” . وهذا الطرف يتناغم ويتساوق مع ” الدوافع وراء جهود الفرنسيسكانيين من عمليات التبشير في القرن الثامن عشر ” والتي دارت ” حول خلاص الأطفال الذين ماتوا ولم يتم تعميدهم (وأرجو الإنتباه إلى العلاقة في العقيدي المسيحي بين الخلاص والتعميد والأخير هو الطريق الوحيد والوحيد فقط للخلاص) .

والحقيقة إن هناك الكثير من الجدل في تاريخ الكنيسة حول مصير الأطفال الذين ماتوا ولم يتم تعميدهم . وكُتبت الأطنان من الكتب ، وهي من زاوية العقيدي المسيحي الذي سجن ذاته في معاقل هذا المشكل اللاهوتي ، وأصبح مطالب من المؤمنين وغير المؤمنيين إلى تقديم حل ضروري محدد له ، ولاحظنا إنه بين حدي الضرورة ورضاء جمهور المؤمنين تسللت نزاعات براجماتية كثيرة منها ما يُرضي الكنيسة ولا يُرضي العباد . وفي البراجماتية الكثير الكثير من النفاق الذي لا يتساوق ومبادئ السماء .. ولهذا فإن الكاثوليك وجدوا أنفسهم أحراراً في التفكير فعرضوا وجهات نظر متنوعة حول مسألة الخلاص . وإن معظم تأملات الكاثوليك في القرن الثامن عشر كانت تدور حول مسألتين ؛ الأولى المحطة النهائية في رحلة الوجود الإنساني . والثانية الأطفال الذين ماتوا ولم يتعمدوا . وهما القضيتان اللتان يشغلان الواجهة الأمامية من إهتمام اللاهوت المسيحي المتنوع ، مثلما شغلت تفكير آباء الكنيسة الأوائل ، ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر ، القديس أوغسطين (354 – 430م)[97] الذي إعتقد ” إن الأطفال الذين ماتوا ولم يتم تعميدهم ، فإن عقوبتهم في الجحيم ستكون خفيفة ” . بينما رأى عدد آخر من رجال اللاهوت في القرن الثاني عشر فصاعداً (وبالطبع منهم بيتر أبيلارد [98](1079 – 1142م)) ؛ ” بأن الأطفال الذين ماتوا ولم يتعمدوا فإنهم في الأبدية ، وسيعيشون في سعادة طبيعية في منطقة ألمبو [99]. وبعض الزهاد ذهبوا إلى ” إن الأطفال الذين لم يُعمدوا وماتوا ، فإن مهادهم الأخير حتماً ، هو الجنة ” .

أما الراهب الفرنسيسكاني يُنبيري سيري وصحبه ، فقد رأوا إن ” الهنود وأطفالهم ” كانوا مشروع تفكير الفرنسيسكان ، والذي يدور حول مصيرهم وخلاصهم . ومن هنا جاء القرار الفرنسيسكاني ” بالقيام بحملات التبشير ، وهي بالطبع الطريق لخلاصهم [100].

وعلى أساس العقيدي المسيحي الفرنسيسكاني طريقاً لخلاص الهنود وأطفالهم ، تحول إلى منهج كنيسي صارم ، حيث إن الهنود الذين تحولوا إلى المسيحية ، فإنه ليس من المسموح لهم ترك العقيدة المسيحية والتخلي عنها برغبتهم . ومن هنا أدركنا أسباب الخلاف الذي نشب بين الحاكم الأسباني فيليبي دي ينفي أولاً ومن ثم الحاكم البديل بيدرو فاج والراهب يُنبير سيري . فقد لاحظنا إن سيري ” قاوم جهود الحاكم فيليبي دي نيفي في جلب مشروع وسياسات النهضة إلى عمل التبشير . كما إن علمانية الحاكم فاج ونزعته إلى توزيع الأراضي كانت وجه آخر للصراع بين بيدرو فاج والراهب سيري . ولذلك إعتقد الراهب سيري إن سياسات فيليبي ستقوض الأهداف الإقتصادية والدينية للفرنسيسكانية [101].

ومن الملاحظ إن الراهب يُنبيري سيري قد مارس نواعاً من التأثير وذلك من طرف إن حملاته التبشيرية خدمت الأغراض الإقتصادية والسياسية للسلطات الأسبانية إضافة إلى إنها حققت الغايات الدينية للفرنسيسكانية . والشاهد على ذلك إن أعداد المستوطنيين المدنيين (من الأسبان أو إصول أسبانية) لم تتخطى ثلاثة آلاف ومئتين مستوطناً . كما إن من الملاحظ إن حملاتهم التبشيرية مع السكان الهنود مرت بمواقف محرجة وذلك لإصرار المستوطنيين على المحافظة على  الإقليم جزءً من الفلك السياسي لأسبانيا . ومن الزاوية الإقتصادية فإن البعثات التبشيرية أنتجت كل ما تحتاج إليه من قطيع الحيوانات والحبوب التي تلبي طلبات المستعمرات في الثمانينيات من عام 1780 . كما وكان هناك فائض ولذلك قاموا بعمليات تجارية مع مكسيكو ، مقابل حصولهم على كل بضائع الحياة المترفة [102].

جدل مستمر حول العلاقات المسيحية الفرنسسكانية الكاثوليكية مع الكليفورنيين الأوائل

لخصت صحيفة نييوريك تايمز العلاقة بين المسيحية الفرنسسكانية الكاثوليكية والكليفورنيين الأوائل (الهنود ؟) ، فقالت بالنص ” إن بعض المؤرخين والكتاب الهنود (أي الأمريكان من إصول النيتف (الأوائل)) لاموا الأب يُنبير سيري على فعل الإضطهاد لهم (لأجدادهم) وقمعهم من ممارسة ثقافتهم . كما وكانوا (أي الراهب سيري والراهب بلو) وراء حالات الموت المبكرة ولأعداد كبيرة من أجدادهم من الهنود الأمريكان وخلال الحملات التبشيرية ، والتي تجاوزت أعداد الضحايا بحدود الألاف [103].

ووفقاً إلى البروفسور جورج تنكر[104] (وهو من إصول الأمريكيين الأوائل) وهو مسيحي لوثري الآن (نتيجة لتحويل جده إلى المسيحية في حملات التبشير) وهو اليوم من نقاد حملات التبشير الكاثوليكية وخصوصاً الأب يُنبير سيري (سلباً وإيجاباً) حيث يقول بالنص ، فإن ميراث الأب الكاثوليكي ” سيري يشمل فرض العمل الإجباري على الهنود الذين تم تحويلهم إلى الكاثوليكية وذلك لمساعدة ودعم حملات التبشير . وهناك أدلة هائلة تدلل وتؤكد على إن مقاومة الشعب الأمريكي الأصلي كانت منذ البداية للتدخلات الأسبانية ” (وبالطبع هي إشارة إلى الأب سيري الأسباني وحملاته المدعومة من السلطات الأسبانية يومذاك) [105].

  ونحسبً إن مشكلة الراهب يُنبيري سيري تتكشف في طرف من عمله خلال السنوات الثلاث الباقيات من حياته ، فقد كان نشطاً وعازماً على أكمال متطلبات عمله التبشيري الهادف إلى تحويل الأمريكيون الأصليون وعوائلهم وأطفالهم إلى الكاثوليكية وإلى الأبد . وفعلاً فقد لاحظنا إن الأب سيري يعمل بكد ليل نهار ولا يعطله تعب أو عوق من الوصول إلى الضفاف الكاثوليكية الأمنة من رحلته التبشيرية مع المظلومين من الأمريكان الأصليين . ولهذا لاحظنا إن سيري خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من حياته ، يقوم بزيارة واحدة مباشرة أو ربما أكثر إلى مراكز حملات التبشير وبالتحديد من سان دييغو (كليفورنيا) وحتى سان فرنسيسكو (شمال كليفورنيا) . وكان يُسافر مسافة أكثر من 600 ميل في عملية مستمرة من أجل أن يتأكد من أن كل الهنود الأمريكيون الذين تم تحويلهم إلى الكاثوليكية ، قد تم تعميدهم وأصبحوا مسيحيون . وكان يومذاك يُعاني من الكثير من الألام بسبب العرج وآلام الصدر وأثناء ذلك لم يتعاطى أي نوع من الدواء لتخفيف شدتها . وأكد بلسانه ، هو إن مجموع المسيحيين الجدد قد بلغ خمسة ألاف وثلثمائة وتسعة والغالبية الساحقة منهم هم من الأمريكان الأصليين (مع إستثناء جدا جدا قليل) .

وكما قال يُنبير سيري ؛ إن كل ذلك حدث ” خلال الأربعة عشرة سنة ومنذ عام 1770 ” . وإن هؤلاء المسيحيين الجدد بدأوا يقومون بدورهم في التبشير لتحويل أعداد أخرى من الأمريكيين الأصليين إلى معاقل العقيدة الكاثوليكية . وفي 28 آب سنة 1784 وفي عمر السبعين ، توفي يُنبير سيري في مركز حملة التبشير في سان كارلوس بوروميو في كليفورنيا ، وهي مركز التبشير بقيادة الراهب يُنبير سري ، ودفن هناك في طرف من مركز التبشير في بوروميو – كليفورنيا [106].

الكتابات الأكاديمية الأمريكية وإبادة الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر ؟)

سنُحاول في هذا الطرف من البحث أن نركز على عرض آراء الأكاديميين الأمريكيين (من إصول الهنود الحمر) . وهذا حق أكاديمي وإنساني وذلك لأن صوتهم قد تم تغيبه بقصد خلال أكثر من خمسمائة سنة . فقد جاء المستوطنون الأسبان وقاموا بإحتلال أراض الأمريكيين الأصليين دون دعوة منهم أو موافقة منهم على طلب قُدم لهم وأخذ رأيهم في مباشرة عمليات التبشير الجزيوتي الفرنسيسكاني ، ومن ثم كان الحاصل من كل ذلك تشتيت الأمريكيون الأصليون وتدمير حضارتهم ، وقطع كل جذورهم بعقائدهم الدينية وتراثهم الثقافي وبحجة نشر الكاثوليكية – الفرنسسيكانية – الدومنيكانية (مشروع التعاون بين الفرنسيسكان والدومنيكان في حملات التبشير وتحويل الهنود الحمر إلى الكاثوليكية) . كما وأرتكبت جرائم إبادة من أنواع مختلفة لم يشهد لها التاريخ على الإطلاق من قبل .

ونظن إن من حق اليهود أن يُدافعوا عن حقهم في وصف ما حدث لهم بأنه هوليكوست متفرد في التاريخ لكننا نعرف وهم يعرفون إنهم لم يكونوا وحدهم ضحايا الهوليكوست فقد كان الجبسيون (الكاولية أو النور) والمثليون جنسياً (الهوملسكشويل) وتذكر بعض الدراسات بأن نسبة من الجنس الأسود كانوا ضحايا الهوليكوست (وتذكر العزيز القارئ إن إصول اليهود من أثيوبيا الأفريقية والتي لازال يحمل سُحنتها جُل اليهود الشرقيون…) بل وحتى طوائف مسيحية غير كاثوليكية (…) كانوا ضحايا الهوليكوست . إذن هنا توجد مشاركة إنسانية واسعة في هوليكوست اليهود بينما تفردت هوليكوست الهنود فكانت هوليكست هندية أمريكية بحتة ، حيث إستهدف فيها الهنود الأمريكان والهنود الأمريكان وحدهم ولا غير .

أولاً إن ما حدث من مأساة للأمريكان الأصليين (الهنود الحمر؟) يمكن وصفها بإصطلاحات وتسميات وعناوين تم تداولها في كتابات المؤلفين الذين كتبوا عن مأساة ومحنة اليهود (وليس اليهود وحدهم بل وتشمل ضحايا محرقة الجبسيين والهوملسكشول والسود وطوائف مسيحية غير كاثوليكية ..) مع هتلر ونظامه النازي وذلك لفضاعتها ، وبالتحديد إصطلاحات من مثل جنسايد إنسانية أي إبادة إنسانية [107]، وديستركشن بشري أي تدمير بشري[108] وكراهية جماعية [109]، وفايرز أوف هيترد أي نيران الحقد أو التطهير العرقي (العنصري) [110]، وويلنك إيكسكيوشنرز أي رغبة القتلة [111]، وماس هيت أي الكراهية الجماعية [112]، و وُر أوف نايلشن أي حرب الإبادة [113]ومن ثم ننتهي عند عتبات الإصطلاح المثير للجدل بين معسكرين ؛ معسكر الأكاديميون الأمريكيون من إصول (الهنود الحمر) وعدد قليل من الأكاديميين الإسرائيليين الذين يكتبون من زاوية الإيديولوجيا الإسرائيلية والتي لا تعبر عن رأي اليهود كافة (وخصوصاً الفيلسوفة الإنسانية الراحلة هانا إرنديت) وهو الإصطلاح المثير للجدل أي الهوليكوست [114]أي المحرقة الجماعية وإن الإسرائيليين يسعون دون وجه حق إلى إحتكاره لهم . إلا إن الأمريكيين الهنود وجدوا من طرفهم إن في هذا الإصطلاح إمكانية تفسيرية وقوة وسلطة معرفية تصف ما حدث لهم على يد الأسبان الكاثوليك هذا هو كل ما في الأمر وليس أكثر من مُشاركة في وصف المآساة والألم والنزيف المستمر حسب ما نرى …

والحقيقة ومن زاوية التاريخ ومنطقه نرى أنه من اللازم أن نُذكر القارئ الكريم بإن مأساة الهنود الحمر قد وقعت لهم قبل مأساة اليهود بأكثر من خمسمائة سنة ولا زال نزيفها المدمر مستمر وهو واقع قائم في مستوطناتهم التي تحولت إلى عينات للمشاهدة والزيارة . بينما اليهود والجبسيون والهوملسكشول والسود وإبناء من طوائف مسيحية غير كاثوليكية عاشوا المأساة وضحوا بالكثير إلا إنهم أكثر حضاً من الهنود الحمر ، فهم أحياء خالدون وحضارتهم ولغتهم وثقافتهم حية في حين دخل الهنود الحمر ولغاتهم وحضاراتهم بل ووجودهم أو كادوا يدخلون ذمة التاريخ وإلى الأبد والباقي قصة ترويها كتب التاريخ …

وعلى هذا الأساس فإن من حق الأمريكييين الهنود (الحمر؟) أن يصفوا ما حدث لهم بإصطلاحات وموازين من مثل  الهوليكوست ، والهوليكوست وصف لجريمة إنسانية بشعة ، وليس إمتياز أو براءة إختراع . ولا يحق لأحد من أن ينتزعها من اليهود والجبسيين … ، كما ولا يحق لليهود والجبسيين والهوملسكشول … من أن ينتزعونها من الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) وذلك بسبب إنهم تداولوا الإصطلاح ذاته لوصف ما حدث لهم على يد المستوطنين الأسبان الفرنسيسكان والدومنيكان (الجزويت – الكاثوليك) . ولا تنسى بأن ما حدث من هوليكوست لليهود والجبسي والمثليين والسود وطوائف مسيحية أخرى ، قد حدث على يد هتلر الكاثوليكي والذي ولد في أحضان أم كاثوليكية وأب كاثوليكي . كما ودرس في مدرسة كاثوليكية ، وكان يتردد على الكنائس الكاثوليكية [115]. ونحن هنا لا ندافع عن الكاتب ديفيد أدورد إستانرد وكتابه الذي حمل عنوان الهوليكوست الأمريكية وإنما لنقدم شاهد على المشاركة الإنسانية في بشاعة جريمة الجنساي / الإبادة والتصفية العنصرية التي يرفضها كل إنسان متمدن .

ولهذا نحسب أن التاريخ سيردُ على كل من لا يعترف بجنسايد (الإبادة / الهوليكوست) التي كان من ضحاياه شعوب وأجيال ، نساء وأطفال ، شيوخ وشباب من الأمريكيين الأصليين أو ما أطلق عليها بروفسور التاريخ الأمريكي ديفيد أدورد ستانارد في رائعته التي حملت عنوان ؛ هوليكوست الهنود الحمر أو الهوليكوست الأمريكية : إحتلال العالم الجديد [116]؛ فالتاريخ هو رواية الزمن الذي فلت منا وأصبح ماضي ودخل في ذمة الإنسانية . ومن زاوية المنهج التاريخي ؛ فإن الجنسايد (إبادة = محرقة = هوليكوست) حيث بدأت في العصر الحديث بالهنود الحمر والتي شهدها القرن الخامس عشر ، وإستمرت لتطوي القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين وحصادها ونزيفها مستمر . ومقارنة مع هوليكوست أو جنسايد اليهود والجبسي والهوملسكشول … وهي بالطبع جريمة إبادة ومحرقة بالغاز للأبرياء من النساء والأطفال من اليهود والجبسيين والهوملسكشول والسود وطوائف مسيحية غير كاثوليكية (هم هرطقة بالمفهوم الكاثوليكي المتفرد) كذلك .

   وهي (أي جنسايد اليهود والجبسي ..) من زاوية المنهج التاريخي وقعت بعد إبادة (جنسايد = التطهير العنصري = هوليكوست) التي طالت حياة الهنود الحمر بصورة شاملة وإستمرت ولا زالت منذ إكثر من خمسمائة سنة . وبالرغم من إن جريمة الهوليكوست بطرفيها الأوربي والأمريكي ، هي جريمة لا إنسانية وفيها ذبح للناس الأبرياء لا لشئ سوى إنهم مختلفون في الجلد والرس واللغة والثقافة والعقيدة … فإن الحاصل من هذه الجريمة اللإنسانية التي لاتُغتفر ، إن اليهود خرجوا منها بقوة وظلوا يهوداً ولا زال لهم وجود على خارطة الحضارة والتاريخ وكيان ومؤسسات سياسية. أما الأمريكيون الأصليون (الهنود الحمر) وبالطبع معهم (الإستراليون الأصليون كذلك) ، فهم العينة الوحيدة في تاريخ الإنسانية التي عانت وإن رغبت ممكن أن تسميها بواحدة من هذه المقولات أو العناوين مثل جنسايد / إبادة / جوع حتى الموت ، أو موت بالسفلس والطاعون أو بنزف الدم حتى الموت والذي يُعرف بالأسقربوط ، أوغرق في سفن مهجورة بعد أن تركها المستوطنون مع الهنود وفروا منها ، أو محرقة هي هوليكوست . بمعنى إنه موت هندي أحمر شامل وبصورة تطهير عنصري منظم طال كل شئ .. وإن مابقي هو أمشاج جديدة من الأمريكان من إصول هندية وقد تحولوا إلى المسيحية بأطيافها المختلفة … ومستوطنات منعزلة تقاوم الإنقراض مع كل الأسف .. ورغم كل ماحدث للأمريكيين من السكان الأصليين فإن الواقع الأكاديمي والثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية ، يشهد بصورة ملفة للنظر الجهود الفكرية التي يقوم بها الأكاديميون الأمريكيون النيتف (الهنود الحمر ؟) خاصة ، ومنهم بصورة عامة الشعراء والروائيون وكتاب القصة القصيرة ومؤلفي السير الذاتية وكل أجناس الإنشاء والثقافة . ولعل الطرف الذي نحتفل به هو الأدب النسوي الذي كُتب بأقلام نسوية أمريكية من النيتف (الأمريكيين الأصليين أو الهنود الحمر ؟) [117].

تعقيب ختامي :

يُقسمُ تاريخ حياة الراهب ورجل اللاهوت الفرنسيسكاني يُنبيري سيري إلى حقبتين مختلفتين وكأنهما منفصلتين ولا علاقة بينهما وليس في الإمكان تجسير الهوة العميقة التي تفصلهما . وكما ذكرنا إن تاريخ 1749 هو التاريخ الفاصل بين الحقبتين ، وهو التاريخ الذي شد فيه الرحال الراهب يُنبيري سيري وذهب إلى المكسيك .  ومن ثم ترك الفلسفة وهجر منطق العقل ونظريات الكوسمولوجيا التي كتب في أطراف منها إطروحته للدكتوراه ، وكان يُدرسها لطلابه لمدة ثلاث سنوات في كلية لولين ، ومن ثم ترك العمل الأكاديمي إلى الأبد ودون رجعة أو تبكيت ضمير فيلسوف خابت أحلامه الفردوسية لا لسبب سوى أجبرته سياسات الفرنسيسكان الجزويتية الكاثوليكية والتي فشلت الفلسفة في ترويضها وعقلنتها في إطار إنساني متمدن .

ولذلك نحسب إن المرحلة الأولى إستمرت بحدود السبعة سنوات وهي مرحلة روحية عالية غايتها رضاء المسيح والإنتصار إلى القيم الإنسانية المحكومة بحب الحكمة . بينما كانت المرحلة الثانية فترة إنطفاء شعلة الفلسفة وحكمة العقل ، والدخول في مرحلة الإنغلاق العقيدي والترويج لقيم العسكرية والقتل وسياسات التطهير العنصري وغسل العقول وقطع أواصل التواصل بين الأطفال من الأمريكان الأوائل وعوائلهم وثقافتهم وحملهم على تغيير عقائدهم وإعتناق الكاثوليكية ديناً جديداً وإسلوب حياة .

ولكل ذلك نفترض إن هناك مرحلتين تاريخيتين تقاسما حياة الراهب يُنبيري سيري ، وهما مرحلة الراهب الدكتور الأكاديمي الفيلسوف ، ورجل المنطق وصاحب النظريات الفلسفية الكوسمولوجية والتي إستمرت في مرحلة صعودها وذروتها إلى ما يُقارب سنوات سبع . وهي مرحلة تشعُ بقيمها الإنسانية رغم إنها كانت تتدثر بدثار عقيدي فرنسيسكاني (جزويتي) كاثوليكي . ومرحلة التحول وهي مرحلة عسكرة الكاثوليكية وتحويلها إلى موجة ميليشيات مهمتها حرق اليابس والأخضر وتدمير حياة ناس أبرياء لا حول ولا قوة لديهم سوى إنهم أمريكان من إصول هندية وبتسميات الكاثوليك وثنيون (وبالطبع الكاثوليكية مليئة بالوثنية وبدءً بعقيدة الثالوث (الأب والإبن والروح (؟القدس)) التي ظلت عنوانا يونانيا أصيلا والذي تمت على أساسه المساومة وبقي عقيدي جوهري في العقيدة المسيحية وفرضته الإمبراطورية الرومانية) [118]. وهذه الموجة العسكرية الكاثوليكية الوحشية وصلت إلى ذروتها في عام 1749 على مستوى تفكير الراهب سيري أولاً ، ومن ثم إستهل برنامجه بتنفيذها برحلته إلى المكسيك وهو يقود حملات التبشير الجزويتي الفرنسسكاني الكاثوليكي إلى العالم الجديد .

وبالطبع هي مرحلة ظلام وتظليم ، وهي المرحلة التي تعطلت فيها حكمة الفلسفة ، وإنطفأت فيها أنوار المنطق وإشعاعات العقل ، وفيها إنخرط الراهب يُنبيري سيري في عمل عسكري منظم يقوده منطق سياسي للترويج العقيدي الخاوي والفارغ من كل القيم الإنسانية والذي يعود بالحياة وخصوصاً حياة الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ من الأمريكان الأصليين إلى دياجير العصور المظلمة التي تحكمها سلطة وقوة السيف وجبروت الطاغوتفخسر الدكتور يُنبيري سيري سماحة المسيح وحكمة الفلسفة على حد سواء .. إنها حقاً محنة إنسانية عاشها المظلمون من الأمريكان الأوائل ..

وستبقى ذكرى خطأ تاريخي وعار ولعنة تُلاحق كل دجال من رجال الدين ..

—————————————————————————————————————-    

 الهوامش

 – يُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن إصول الفيلسوف ورجل اللاهوت دنس سكوت ، هي إصول إسكتلندية . ويذهبون إلى إنه درس في الأستوديوم[1]

الفرنسسكاني في أكسفورد (وهي ماتشبه الجامعة) . ويذكرون إلى إن الرهبان الشباب تحولوا إليها من جامعة باريس خلال الفترة ما بين عامي 1229 – 1230 وهي الفترة التي تُعرف بفترة التشتت . ويبدو إن دنس سكوت كان موجوداً في عام 1300 في أكسفورد . ومن ثم في عام 1304 عاد إلى باريس . وبعد ذلك  وفي عام 1307عاد فجأة إلى الأستوديوم الفرنسسكاني ، ومات بصورة غريبة في نوفمبر عام 1308 . ومن أهم أعمال دنس سكوت الشرح الذي وضعه على كتاب الجمل لرجل اللاهوت المدرسي (الإسكولائي) بيير لومبارد (1096 – 1160) والذي يتألف من أربعة كتب أو مجلدات . وهذا الكتاب أو الشرح هو سلسلة محاضرات قدمها سكوت على طلبة البكلوريوس في أكسفورد . ويُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن سكوت ربما كتب أعمال في الفلسفة وعلم المنطق في مراحل مبكرة من عمله الأكايمي ، منها منطق أرسطو ، وإيساغوجي فرفريوس وكتب من مثل كتاب المقولات والعبارة والسفسطة لأرسطو والتي يعود تاريخها إلى عام 1295 . كما وله شرح على ميتافيزيقا أرسطو والذي مر بمراحل بدايتها عام 1297 .. وبالمناسبة إن واحدة من إطروحات الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر للدكتوراه كانت عن دنس سكوت  إلا إن هيدجر مزج بين ما هو صحيح وباطل يُنسب إلى دنس سكوت . وبينا ذلك في أبحاثنا منشورة عن حضور هيدجر في فلسفة حانا إرنيت . للتفاصيل ، أنظر : وليم توماس ؛ صُحبة كيمبريدج إلى دنس سكوت ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2002 ، وإنطونيو فوس ؛ فلسفة جون دنس سكوت ، مطبعة جامعة إدنبرا 2006 .

 – أنظر : دون دينفي ونويل فرنسيس مولي ؛ القصة الواضحة لمؤسس الفرنسسيكانية في مهمة كليفورنيا ، دار نشر هاربر ورو 1985 ، ص [2]

15 .

 – للتفاصيل ، أنظر : نيكولاس ريجن ؛ القديس بيتر الكنترا ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية  ، شركة نشر روبرت  إبليتن ، نيويورك ، 1911 ، المجلد[3]

الحادي عشر .

 – أنظر : شارلز برادي ؛ القديس فرنسيس الأسيزي ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، 2010 (أون لاين) . [4]

 – أنظر المصدر السابق . [5]

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ حياة وعصر يُنبيري سيري ، مطبعة ريشموند وليم بايرد 1959 ، ص 26 . [6]

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ المصدر السابق ، المجلد الثاني ، ص 375 . [7]

 – وهي من الكليات التي أسسها ريموند لول (1232 – 1315) وهو فيلسوف وعالم منطق وملهم الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني لايبنتز [8]

(1646 – 1716) . للتفاصيل أنظر : ج . أن . هيلغرت ؛ رامون لول ونزعة الويلزم في القرن الرابع عشر الفرنسي ، مطبعة جامعة أكسفورد 1971 .

 – أنظر ؛  ألإنسكلوبييا الكاثوليكية (مصدر سابق) . [9]

 – للتفاصيل أنظر ؛ الحملة الفرنسسكانية ، كلية سان فيرناندو ، مكسيكو 1749 ، مجلة أمريكيا ، المجلد 5 ، العدد الأول ، تموز سنة [10]

1948 ، ص ص 48 – 60 .

 – أنظر : أم . تابسر (الناشر) ؛ كتابات يُنبيري سيري ، تاريخ الأكاديمية الفرنسسكانية الأمريكية 1749 ، المجلد الأول ، ص 5 . [11]

 – أنظر : ستيف كينيين ؛ ماجوركا (ميورقة) هي الصحيح ، التايمز ، لندن 6 تموز 2009 . [12]

 – أنظر : أم  . تابسر ؛ المصدر السابق .[13]

 – أنظر : ديفيد جليمور ؛ قادس ، المدن الأسبانية ، دار نشر راندم 2010 . [14]

 – أنظر : أم . تابسر ؛ المصدر السابق . [15]

 – أنظر المصدر السابق . [16]

 – أنظر المصدر السابق .[17]

 – للتفاصيل عن ولاية فيروكروس ، أنظر : لي ستسي ؛ المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية ، شركة نشر كافنديش ، نيويورك 2003 ،[18]

ص 845 .

 – أنظر : أز . إنجيلهارت ؛ الراهب ينبيري سيري ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة نشر روبرت إبليتون ، 2015 . [19]

 – أنظر : إيرك أوبراين ؛ حياة الأب سيري ، منشور في كتاب : كتابات يونبيري سيري (مصدر سابق) ، المجلد الأول ، ص 32 . [20]

 – أنظر المصدر السابق . [21]

 – أنظر : لايل كامبل ؛ لغات الهنود الأمريكيين ، الدراسات اللنكوستيكية للأمريكان الأوائل ، دراسات أكسفورد في اللتكوستيكا الإنثروبولوجية ، [22]

مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك 1997 .

 – أنظر : فريند كوك ؛ الصراع بين الهنود الكليفورنيين والمدنية البيضاء ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1976 . والحقيقة كوك لم يناقش حالة سيري [23]

وحملاته التبشرية ، وإنما نظر إلى الحملات كنظام عام .

 – أنظر : دانيال روبلز ؛ مشاهد القديسيين في المكسيك ، 2002 ، ص 4 . [24]

 – دون دينفي ونويل فرنسيس موهولي ؛ يُنبيري سيري : القصة الواضحة لمؤسس حملات التبشير الفرنسيسكانية في كليفورنيا ، دار نشر [25]

هاربركولينز ، نيويورك 1985 ، (تألف من 224 صفحة) .

 – أنظر : روز ميري بيبي وروبرت سينكوشيز ؛ يُنبيري سيري : كليفورنيا ، الهنود وتحولات التبشير المسيحي ، مطبعة جامعة أوكلاهوما [26]

2015 (تألف من 514 صفحة) .

 – أنظر : دون دينفي ونويل فرنسيس موهولي ؛ المصدر السابق ، ص 501 . [27]

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ المصدر السابق ، المجلد الأول ، ص ص 116 – 117 . [28]

 – أنظر : دون دينيفي ونويل موهولي ؛ المصدر السابق ، ص 52 . [29]

 – قانون الهنود وهي مجموعة القوانين التي أصدرتها حكومة التاج الأسباني والمتعلقة بالممتلكات الإمبراطورية في أمريكا والفلبين ، والتي نظمت [30]

الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية في هذه المناطق . وكانت الغاية منها محاولة تنظيم التفاعل بين المستوطنين والسكان الأصليين . والأمثلة على ذلك قوانين ضبط سلوك الأسبان في أمريكا وخصوصاً فيما يتعلق بالسكان الأصليين (الهنود) ، وهي قوانين 1512 . وكذلك القوانين الجديدة  وهي قوانين 1542 . وهذه القوانين كثيراً ما تعرضت إلى المراجعة والتعديل .. أنظر للتفاصيل : لايمن تايلر ؛ السبب الهندي في القوانين الأسبانية المتعلقة بالهنود : مع مدخل وترجمة إنكليزية أولى ، مركز غرب أمريكا ، مطبعة جامعة يوتا 1980 .

 – أنظر : دون دينفي ونويل موهولي ؛ المصدر السابق ، ص ص 55 – 56 . [31]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 55 . [32]

 – أنظر للتفاصيل : بكي مارك غريغوري ؛ فساد الملائكة : محاكم التفتيش الكبرى 1245 – 1245 ، مطبعة جامعة بريستون 2001 . [33]

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ حياة وعصر الراهب يُنبير سيري (مصدر سابق) ، المجلد الأول ، ص 115 . [34]

 – مُولاتو  أو بالعربية خلاسي ، هو الشخص المولد ، وهو أسمر ضارب إلى الصفرة . وإن واحدا من والديه أبيض والأخر أسود . ونحسبُ إن فيه [35]

شئ مما يُثير حساسية البعض . إلا إننا هنا في أجواء دراسة حضارية وفي فترة حساسة وفيها بعض الألغام التي تخدش المشاعر .. للتفاصيل عن مُولاتو أو مولادو  أنظر : ستيفن تالتي ؛ أمريكا الملاتو : طرق تقاطع الحضارة السوداء والبيضاء : التاريخ الإجتماعي ، دار هاربر وكولنز للناشرين 2003 .

 – الراهب يُنبير سيري ؛ تقرير إلى محاكم التفتيش – مدينة مكسيكو ، 1 سبتمبر 1752 ، منشور في : كتابات يُنبير سيري ، الناشر إنطونين[36]

تابيسر ، الأكاديمية الأمريكية للتاريخ الفرنسيسكاني 1955 ، المجلد الأول ، ص ص 19 – 21 .

 – أنظر المصدر السابق ، ص 410 من ملاحظة المصادر . [37]

 – وهي واحدة من الولايات المكسيكية الحادية والثلاثين ، وتقع في الجنوب الغربي وعلى المحيط الهادئ ، وتضم السكان الأصليين (الهنود) وتنتشر[38]

فيها حضاراتهم … أنظر : جون شمايل ؛ أواكساكا : بلاد التنوع ، نشر مركز الدراسات اللاتينية للتعليم ، 2007 . والمؤلف (جون شمايل) منكب على إنجاز كتابه الذي يحمل عنوان : السكان الأصليون المكسيكيون .

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ حياة وعصر الراهب يُنبير سيري (مصدر سابق) ، ص 149 . [39]

 – وهي واحدة من خمسة مستعمرات إسبانية في المكسيك ، وتقع في الجنوب الشرقي لمدينة مكسيكو .. أنظر : جوليا هابرشبيرك ؛ الخبرات [40]

الإجتماعية في أسبانيا الجديدة : دراسة في الإستيطان المبكر في بوبيلا ، مجلة المراجعة التاريخية الأمريكية الأسبانية 1979 ، المجلد التاسع والخمسون .

 – وهي مدينة تقع في شبه جزيرة ياكتن ، وتقع في الجنوب الشرقي من ولاية ياكتن المكسيكية .. أنظر للتفاصيل : رونالد رايت ؛ القارات [41]

المفقودة : 500 سنة من الإحتلال والمقاومة في أمريكا ، دار مارينر للكتب 1992 (تألف من 430 صفحة) .

 – وهي مدينة تقع في غرب المكسيك ، وهي العاصمة وأكبر مدينة لولاية كاليسكو .. للتفاصيل أنظر : غوادا لاكارا ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، [42]

2010 (أون لاين) .

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ المصدر السابق . [43]

 – والقديس فرانيس سولنس أو فرانسيسكو سولاني جيمينيز هو الراهب الأسباني التبشيري في أمريكا الجنوبية . ولد في مونتيلا قرب قرطبة ، [44]

وتعلم على يد الجزويت كما ودرس الفلسفة واللاهوت وكان موهباً في الموسيقى ومن ثم أكمل دراساته اللاهوتية وعين واعظاً في القرى المحيطة لمدينته مونتيلا . وتقدم بطلب للذهاب إلى شمال أفريقيا لتبشير العقيدة الكاثوليكية إلا إن طلبه رفض ، فتحول نحو الحملة التبشيرية الأمريكية . وبعد سماعه بموت والده عاد إلى مدينته مونتيلا ليعتني بإمه المريضة . ومن ثم تعرضت الأندلس إلى مرض الطاعون وتعرض المبشرون إلى العدوى ومات عدد منهم . إلا إن من حسن حظ سولاني إنه كان الوحيد الذي نجى من بين ثلاثة من المبشرين . واليوم يحمل واحداً من شوارع المدينة إسم سولاني تشريفاً له وللأعمال التي قام بها خلال محنة الطاعون . للتفاصيل أنظر : شارلز هاربرمانا (الناشر المشرف) ؛ القديس فرنسيس سولنس ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة روبرت أبليتون 1913 .

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ المصدر السابق ، ص ص 146 – 147 . [45]

 – أنظر : جيجر ماينراد ؛ المصدر السابق ، المجلد الأول ، ص ص 171 – 172 . ومن المناسب أن نُعلم القارئ إلى إن المؤلف جيجر ماينراد [46]

إعتمد على روايات الراهب الأسباني فرانسيسكو بلو وهو الزميل الذي رافق الراهب يُنبير سيري في حملته إلى أمريكا وكتب سيرته الذاتية .

 – والقديس جون كابيسترانو يُعرف بلقبه الذي إشتهر به ، وهو القديس الجندي أو القديس المقاتل والذي شاع عنه خلال عام 1456 وكان يومها [47]

بعمر سبعين عاماً ، والذي قاد الحملة الصليبية ضد إحتلال العثمانيين ومحاصرة بيلغراد . وهو الذي قاد الحملات التبشيرية إلى مناطق الأمريكان الأصليين (الهنود) في جنوب كليفورنيا وتكساس .. للتفصيل أنظر : هيس لورنس ؛ القديس جون كابيسترانو ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة روبرت إبيلتون ، نيويورك 1910 ، المجلد الثامن . كما وكان القديس جون كابيسترانو من المشهورين بتحريضاته بإستخدام العنف ضد اليهود .. للتفاصيل أنظر : ريتشارد كوثميل ؛ جون كابيسترانو ، الإنسكلوبيديا اليهودية 1906 .  

 – أنظر : دون ديفني ونويل موهولي ؛ المصدر السابق ، 59 . [48]

 – جيجر ماينراد ؛ المصدر السابق ، ص ص 172 – 173 . [49]

 – جيمس رولز وبين ويلتون ؛ كليفورنيا : تاريخ تفسيري ، دار نشر ماككرو – هيل ، 2003 ، ص 34 . [50]

 – دون ديفني ونويل موهولي ؛ المصدر السابق ، ص ص 6 -7 . [51]

 – أنظر : مانفريد بريثل ؛ الجزويت : تاريخ وإسطورة مجتمع يسوع ، ترجمها من الألماني إلى الإنكليزية مارك هاوسن ، دار وليم مورو 1984 [52]

، ص ص 223 – 224 . وكذلك ديفني وموهولي ؛ المصدر السابق ، ص 7 .

 – نقلاً عن تقرير فرانسيسكو بلو في 24 نوفمبر 1769 وقدمه إلى المشرف العام على كلية سان فيرناندو ، مكتبة براكلي – كليفورنيا 1847 . [53]

 – دوني دينفي ونويل موهولي ؛ المصدر السابق ، ص 75 . [54]

 – دون دينفي ونويل موهولي ؛ المصدر السابق ، ص 74 .[55]

 – المصدر السابق ، ص 78 . [56]

 – المصدر السابق ، ص 80 . [57]

 – أنظر المصدر السابق . [58]

 – المصدر السابق ، ص ص 80 – 81 . [59]

 – المصدر السابق ، ص 81 . [60]

 – المصدر السابق ، ص 84 . [61]

 – المصدر السابق ، ص ص 85 – 86 .[62]

 – وخوسيه فرانسيسكو أورتيجا هو جندي أسباني ومن المستوطنين الأوائل في منطقة كليفورنيا العليا ، وهي بالطبع الجزء الشمالي من آسبانيا [63]

الجديدة . وأصبحت محافظة مستقلة عام 1804 . ولد في عام 1734 في سيلا – المكسيك . وفي عام 1755 تطوع وعمل في باها كليفورنيا . ومن ثم ترك الجيش وعمل محافظاً لمعسكرات المناجم . ثم عاد فإلتحق بالجيش عام 1768 . وكان عضواً في بعثة بورتولا في عام 1769 . وهو الأب المؤسس لعائلة أورتيجا الكليفورنية المشهورة . وكان مفضلاَ لدى رجال التبشير وخصوصاً الراهب الفرنسيسكاني يُنبير سيري … أنظر للتفاصيل : كيفن ستار ؛ كليفورنيا : التاريخ ، دار نشر المكتبة الحديثة ، نيويورك 2005 .

 – وخوان كريسبي هو المبشر الفرنسيسكاني ومؤسس كليفورنيا ، ودخل النظام الفرنسيسكاني في عمر السابعة عشرة . وجاء إلى أسبانيا الجديدة[64]

في عام 1749 . ورافق المبشرين كل من فرانسيسكو بلو وزميله الراهب يُنبير سيري . وكريسبي أصبح أول كاتب يوميات رسمي في حملات التبشير . وهو واحد من أول ثلاثة كتاب اليوميات الذين وثقوا حملات الإستكشاف في محافظة كليفورنيا العليا . ونشرت يومياته لأول مرة بالأسبانية وبعنوان أوصاف الطرق البعيدة : المجلات الأصلية للبعثة الأولى 1769 – 1770  وهي بالطبع تعرض سجلات قيمة عن هذه البعثات .. للتفاصيل أنظر : خوان كريسبي ؛ أوصاف الطرق البعيدة : المجلات الأصلية للبعثة في كليفورنيا 1769 – 1770 ، ترجمة ألين بروان ، مطبعة جامعة ولاية سان ديغو 2001 .

 – أنظر : جيمس راولس وبين والتون ؛ كليفورنيا : تاريخ تفسيري (مصدر سابق) ، ص ص 35 – 36 . [65]

 – دون دينفي ونويل موهولي ؛ المصدر السابق ، ص 87 . [66]

 – أنظر : جيمس راولس وبين والتون ؛ كليفورنيا : تاريخ تفسيري (مصدر سابق) ، ص 36 .[67]

والإسقربوط هو مرض يُسببه نقص في فيتامين سي ، وغالباً ما يُرافقه شعور بإرهاق شديد ، ويتبعه تشكل بقع تبدو ملتهبة على الجلد ، وبالتحديد في الساقين وفي المنطقة العليا منها.. ويبدو الشخص المصاب شاحب اللون وكئيب ، وتبدأ تنتشر تقرحات ، وفقدان الأسنان . ومن ثم يأخذ لون الجلد بالإصفرار وترتفع درجة الحرارة .. وربما النهاية الموت بسبب النزف الدموي .. أنظر : كينث كاربنتر ؛ تاريخ الإسقربوط وفيتامين سي ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1988 ، ص 172 .

 – تاريخ الحملات الفرنسيسكانية : لم تكن الحملات الفرنسيسكانية التي إستهدفت الأمريكيون الأصليون هي الأولى في تاريخ التبشير المسيحي[68]

الفرنسيسكاني ، بل سبقتها حملاتهم التي أرغمت بالقوة أعداد من العرب المسلمين الأندلسيين واليهود الأندلسيين إلى التحول نحو شواطئ الكاثوليكية . والشواهد التاريخية المتوافرة جاءت من مصادر كاثوليكية فرنسيسكانية . وهكذا فإن العرب المسلمين الأندلسيين واليهود الأندلسيين كانوا تجربة الفرنسيسكانيين الأولى . كما إن نجاحهم في إرغام العرب واليهود الأندلسيين (الأسبان) إلى قبول الكاثوليكية ، هي التي كانت الدافع لجيل جديدة من الفرنسيسكان (والدومنيكان كذلك) أن يتوجهوا نحو العالم الجديد ، ويقوموا بحملاتهم التبشيرية التي إستهدفت الأمريكان الأصليون (الهنود الحمر) . فمثلاً لاحظنا مع كل أسف ، إن الفيلسوف وعالم المنطق الأسباني رامون لول (1232 – 1315م) لعب دوراً في تحويل العديد من المسلمين إلى المسيحية . ومن أعماله في هذا المضمار ، إنه أسس معاهد تعليم دينية من أجل تعليم اللغات الأجنبية . كما وألف كتابا درس فيه الإعتراضات والصعوبات التي تواجهه في عملية البشير المسيحي . وتحول رامون لول إلى النظام الفرنسيسكاني ، وكان ملهمه مؤسس النظام الفرنسيسكاني القديس فرنسيس الأسيزي (1181 / 1182 – 1226م) . وبعد إستلامه الإلهام من القديس فرنسيس الأسيزي ، قام بشراء المسلمين العبيد وذلك ليتعلم منهم اللغة العربية … وهذه حكاية طويلة سنتناولها في مقال خاص . أنظر للتفاصيل : نايجل تيزدل ؛ مايوركا ، الإيطاليون المحليون ، رامون لول ، مصادر عن حياته وعمله ، دار نشر توماس كوك 2003 .

 – مادة يُنبير سيري ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة روبرت إبليتون ، نيويورك 1921 . [69]

 – للتفاصيل عن العلاقة بين السكان الأصليين (الهنود) والمستوطنين الأسبان ، أنظر : شارلس شاميمان ، تاريخ كليفورنيا : الفترة الأسبانية ، [70]

شركة نشر ماكميلان 1921 (وهي إطروحة دكتوراه) .

 – أنظر : جونز تيري وكاثرين كلير (المشرفان) ؛ كليفورنيا ما قبل التاريخ : النزعة الإستعمارية ، الحضارة والعقدة ، مطبعة التماير ، لاندهام [71]

2007 ، كذلك : دورثي كريل (الإشراف) ؛ بعثات كليفورنيا : تاريخ تأملي ، دار نشر شركة الغروب 1979 .

 – أنظر : راندي ليفينكيول ؛ الحملات الكليفورنية للتبشير والسجون العسكرية : التاريخ وحملات التبشير الأسبانية ، مطبعة المهاجر 2005 . [72]

 – تحدثت عن عمارة الكنائس التي بناها المبشرين الأسبان عامة والتي حملت روح العمارة العربية الأسلامية (وبإصطلاح الأسبان المورش) أنظر [73]

المصادر الأتية : 1 – كورت بير ؛ عمارة كنائس حملات التبشير الكليفورنية ، مطبعة جامعة كليفورنيا – لوس أنجلس 1958 . 2 – وليم ماكويلي ؛ ألأنجليسيون الأوائل ، الهنود وغابرييل في لوس أنجلوس ، مطبعة متحف مليكي وبيلاني 2006 . 3 – ريكسفورد نيوكمب ؛ عمارة الحملة الفرنسيسكانية في كليفورنيا العليا ، دار نشر دوفر ، نيويورك 1973 .

 – أنظر : لفيريس أوليكر ؛ سان لويس تولوز ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة نشر روبرت إبليتون ، نيويورك 1910 . [74]

 – أنظر : هربرت بولتب ؛ فراي خوان كريسبي : إستكشاف المبشرين لسواحل الهادئ 1769 – 1774 ، المكتبة الديجلتية ، ص ص 184 – [75]

187 .

 – زفرين إنجيلهاردت ؛ حملة سان دييغو ، سان فرانسيسكو ، شركة جيمس بيري 1922 ، ص 183 . [76]

 – أنظر : 1 – هيس لورنس ؛ القديس جون كابيستراتو ، شركة روبرت إبليتون ، نيويورك 1910 ، المجلد الثامن . 2 – اليفرد كروبير ؛ سجل[77]

حملة هنود كليفورنيا ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، المجلد الثامن ، العدد الأول ، ص ص 1 – 27 .

 – أنظر : زفرين إنجيلهاردت ؛ المصدر السابق ، ص 22 . [78]

 – أنظر : برذر كوري كليري ؛ بعثة دولوريس وعلاقتها بسان فرانسيسكو وجذورها في القرن الثامن عشر ، دار فرانسيسكو الكاثوليكية [79]

2003 .

 – بول جونسن ؛ حملات التبشير الكليفورنية ، شركة كتب لين 1964 . [80]

 – أنظر : راندل ميلكين ؛ عصر الخيارات الصغيرة : تفكك ثقافة القبيلة في منطقة خليج سان فرانسيسكو (1769 – 1910) ، مطبعة بلانا[81]

للناشرين 1995 .

 – أنظر : شارلز سوفي ؛ القديس جوزيف ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة روبرت إبليتون ، نيويورك 1910 ، المجلد 8 . [82]

 – هذه هي أوصاف الراهب يُنبير سيري بعيون الكاتب وهو يقف أمام تمثاله ويتأمل في بعض من ملامحه . ولعل الحاصل كثير في شاطئ سيري [83]

وربعه من المستوطنين الأسبان ، وآهات وأحزان ومأسي وموت يهتز لها عروش السابقين والحاضرين ، وأمام الديان ستبيض وجوه وتسود آخرى وعلى الأرض السلام …

 – أنظر : ليني ماككل وروزلايند بيري ؛ الهنود الشيماش الكليفورنيون ، مركز تعليم التاريخ الطبيعي ، سلسلة كتب الطبيعة 2002 .[84]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 11 . [85]

 – إعتماداً على تقرير رابطة كليفورنيا والصادر في 25 آب 2014 . [86]

 – أنظر : هربرت بولتون ؛ الراهب خوان كريسبي : المكتشف التبشيري حول سواحل الهادئ (1769 – 1774) (مصدر سابق) 1927 ، ص[87]

ص 159 – 160 .

 – أنظر : أرنولد مورفي (المشرف والناشر) ؛ القصة الشاملة لمنطقة فينتورا ، كليفورنيا ، مطبعة أن وأم 1979 ، ص 8 . [88]

 – القديس بوينا فينتورا هو رجل اللاهوت والفيلسوف الإيطالي في العصور الوسطى ، ورسم كاردينالاً في عام 1482 ومنح لقب دكتور الكنيسة [89]

في عام 1588 . وهو مشهور باللاتينية بلقب الدكتور السيرافي . ولا نعرف الكثير عن طفولته سوى أسماء والديه وهما كل من جيوفاني دي فيدنسا وماريا رتيلا . وإنخرط في النظام الفرنسيسكاني في عام 1243 ، ودرس في جامعة باريس وعلى يد كل من اليكسندر هيلز (1185 – 1245) والذي طور الإسكولائية والمدرسة الفرنسيسكانية . كما ودرس بوينا فينتورا رجل اللاهوت الفرنسيسكاني الفرنسي جون لاروشيل (1200 – 1245) . وفي عام 1253 كان رئيس قسم الفرنسيسكان في باريس . ومن ثم تعرض إلى محنة جدل سببت تأجيل إستلامه لدرجة الماجستير . وقام بتقديم محاضرات حول كتاب رجل اللاهوت الإسكولائي بيتر لومبارد (1096 – 1160) والذي حمل عنوان أربعة كتب في الجمل . وفي عام 1255 إستلم درجة الماجستير وهي تعادل الدكتوراه … وبعد ذلك حدثت بتوجيه منه عمليات التدقيق والسماح بالكتب التي تنشر ، وظهرت صراعات كان هو طرف فيها حول النشر والهرطقة والمسموح واللا مسموح .. ومات فجأة واليوم يرجح البعض إنه مات مسموماً . ومشهور عنه إنه مزج بين العقل والإيمان  ، ومن أهم مؤلفاته : شرح على كتاب الجمل لبيتر لومبارد ، وشرح على الإنجيل ، وعدد من الأعمال من مثل : طريق العقل إلى الله ، وموجز اللاهوت ، وشجرة الحياة  وغيرها . للتفاصيل أنظر : مرينا سكلوسر ؛ بونافينتورا : حياته وأعماله ، منشور في : جي هاموند وهيلمانا واين ؛ الصحبة مع بونافينتورا : صحبة بريل مع التقليد المسيحي ، بوسطن 2013 .

 – أنظر : كين هوجل ؛ الكتاب الأخضر لرحلات الساحل الهادئ ، نادي النقل القومي 1931 ، ص 25 . [90]

 – أنظر : حامية القديسة بربارا ، البارك التاريخي للولاية 2007 . [91]

 – فيليبي دي نيفي وهو الحاكم الأسباني لكليفورنيا والتي كانت يومذاك تشمل كليفورنيا الولايات المتحدة الأمريكية وكليفورنيا المكسيك  . وإستمر [92]

حاكم لها للفترة الممتدة ما بين 1775 – 1782 . وفيليبي يُعد المؤسس لكل من لوس إنجلس وكليفورنيا ، كما وساعد في تأسيس مدن المستوطنات من مثل سانتا بربارا و سان هوزيه – كليفورنيا … للتفاصيل أنظر : أدوين بيلهارز ؛ فيليبي دي نيفي : الحاكم الأول لكليفورنيا ، الجمعية التاريخية ، كليفورنيا 1971 .

 – أنظر : أدوين بيلهارز ؛ المصدر السابق . [93]

 – أنظر للتفاصيل ؛ الفريد توماس بارنابي ؛ ثيودور دي كروا والحدود الشمالية لأسبانيا الجديدة ( 1776 – 1783)، مطبعة جامعة أوكلاهوما ،[94]

1941 .

 – وبيدرو فاج هو مقاتل أسباني ومستكشف وكاتب عن كليفورنا والحاكم لمحافظة كليفورنيا في أسبانيا الجديدة وللفترة من 1770 – 1774 ، ومن [95]

ثم عاد وحكمها ثانية للفترة  من 1782 وحتى 1791 . وكان لقبه الشائع ” الدب ” . وعين بيدرو فاج حاكماً لكليفورنيا في عام 1782 ليحل محل فيليبي دي نيفي . ومن ثم رقي فاج إلى درجة كولونيل في عام 1789 . وإستقال عام 1791 من منصبه بناءً على طلب الراهب يُنبير سيري . وعاد إلى المكسيك ومات فيها عام 1794 . . وتزوج فاج من أيولاليا كاليس في 3 حزيران عام 1780 في المكسيك ، والتي جاءت إلى المكسيك مع أمها وأخيها وإلتحقوا بوالدها أغسطين كاليس وهو قبطان في الشركة الحرة للمتطوعين الكتالين . وأيولاليا كانت تحب الأزياء وتشارك بالتبرعات للأعمال الخيرية في حملة سان كارلوس . وعندما شاهدت أوضاع الهنود تبرعت بكل ملابسها . أنطر للتفاصيل : 1 – بيدرو فاج ؛ بعثة خليج سان فرنسيسكو في عام 1770 ، ترجمة هربرت يوجين ، دار نشر بولتن 1911 وأعيد نشره في مطبعة جامعة كليفورنيا ، براكلي عام 2014 . 2 – بيدرو فاج وهربرت إنكرام بريستلي ؛ الوصف التاريخي والسياسي والطبيعي لكليفورنيا ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، براكلي 1937 .

 – إنطونيو ماريا دي باكيرلي أورسوا هو قائد عسكري أسباني وحاكم لكوبا ونائب ملك أسبانيا الجديدة خلال الفترة (1771 – 1779) . وولد في [96]

مدينة إشبيلية (التي أسسها العرب في الأندلس – أسبانيا) ومات في مدينة مكسيكو في أسبانيا الجديدة. وكان فارس العدالة في نظام فرسان مالطا . وهو نظام ديني ينهض على قواعد الكاثوليك الروم وينتمي طبقياً إلى النبلاء … للتفاصيل أنظر : 1 – مورشيو بورلماكي ؛ النبلاء ، الشرف والمجد ، تاريخ عسكري موجز لنظام مالطا ، ترجمها من الإيطالية إلى الإنكليزية مارك روبرتس ، دار نشر  أولشكي 2013 . 2 – برنارد بوب ؛ إنطونيو ماريا باكيرلي : نائب الملك في أسبانيا الجديدة ، مظبعة جامعة تكساس 1962 .

 – للتفاصيل عن القديس أوغسطين أنظر : الدكتور محد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا إرنديت ومفهوم الحب [97]

عند القديس أوغسطين ، سينشر في عدد قادم من الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة . وهو بحث واسع .

 – للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ تراجيديا الفلسفة في العصور الوسطى : الفيلسوفة إلويزا[98]

والفيلسوف بيتر أبيلارد ، موقع الفيلسوف ، 1 يناير 2012 وهو بحث واسع يتألف من ثلاث حلقات .

 – إن ألمبو هي من زاوية لاهوت كنيسة الكاثوليك الروم ، منطقة حافات أو حدود للنار . وهي فكرة خيالية لرحلة ما بعد الحياة . وهي شرط[99]

لأولئك الذين ماتوا وإرتكبوا خطيئة أصلية . ورجال اللاهوت يصفونها بأسماء من مثل ” النار والعماء (هادس وهي منطقة تُغادر فيها النفوس الأجسام) والجحيم ” . وقسموها إلى أربعة أقسام متميزة ، وهي 1 – الكيهانا (باللاتينية) أو الجحيم وهي منطقة الأشرار . 2 – بوركوتري وهي منطقة التطهير . 3 – لمبو الأباء وهي حالة موقتة ، ويموتون فيها كأصدقاء لله ، ولكنهم لا يدخلون إلى الجنة إلا بعد فداء . 4 – لمبو الأطفال الذين ماتوا ولم يعمدوا . إلا إنهم لم يكونوا أحراراً من الخطيئة الأصلية ، ويسكنهم الأمل بالعودة إلى الحياة الطاهرة التي كانت قبل مرحلة السقوط . ولمبو الأطفال لم تكن من المبادئ الرسمية للكنيسة الكاثوليكية . أنظر للتفاصيل : 1 – فرنسيس أكسفاير شوبي ؛ فصل موجز للتعاليم الدينية (الدفاعات ، العقائد والأخلاق) : نص للمدارس والكليات الكاثوليكية ، دار نشر بيرنز أوتس ، 2010 . 2 – أنا كلارك برتيلت وتوماس هورد بيستل ؛ ثقافات الرحمة : آدب التكريس الديني المترجم إلى الإنكليزية في العصور الوسطى ، مطبعة جامعة كورنيل 1999 .

 – كيست فرنسيس ؛ يُنبير سيري ومشروعه إلى الهنود ، المجلة الدورية لكليفورنيا الجنوبية 1985 ، المجلد 67 ، العدد الثالث ، ص ص [100]

223 – 261 .

 – المصدر السابق . [101]

 – من الدراسات النقدية للحملات التبشيرية الأسبانية ، أنظر : 1 – شربون فريند كووك ؛ الصراع بين الهنود الكليفورنيين والحضارة البيضاء [102]

، مطبعة جامعة كليفورنيا 1976 . 2 – أليس كاستلو ؛ الصليب الشائك : إستعباد الحملات التبشيرية الأسبانية للهنود في ولاية كليفورنيا ، دار كتب درايفر كويل 2015 .

 – أنظر : كارول بوغش ؛ إلى البعض في كليفورنيا : مؤسس حملات تبشير الكنيسة بعيداً من القداسة ، صحيفة النييورك تايمز ، 21 كانون [103]

الثاني سنة 2015 .

 – والبروفسور جورج تنكر هو رجل اللاهوت ومن الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر ؟) ، وهو باحث أكاديمي متميز ويحمل بكلوريوس من [104]

جامعة مكسيكو الجديدة ، وحصل على الماجستير من حلقة الأبحاث اللوثرية اللاهوتية . وكتب إطروحته للدكتوراه في دراسات الإنجيل من قسم اللاهوت عام 1983 . وهو بروفسور في الحضارات والتقاليد الأمريكية الهندية في مدرسة اللاهوت في دينفر – كولارادو ، وفيها بدأ التدريس الأكاديمي منذ عام 1985 . والحقيقة ولد البروفسور تنكر من أم على المذهب المسيحي اللوثري ، ووالده من الهنود الأمريكيين الأصليين . وإنحاز الولد جورج إلى والده أكثر من إنحيازه إلى أمه ولذلك كان عمله في مضمار الثقافة الهندية الأمريكية تسير بخط متوازي وعمله الأكاديمي . وهو دائماً ما يُوصف بالناقد للعقلية الغربية والإقتصاد السياسي والفكر الديني والأنظمة الإجتماعية الغربية من زاوية نظر الأمريكان الأصليين . ومن أهم أعماله : 1 – التبشير للإحتلال : الإنجيل والإبادة الحضارية للأمريكيين الأصليين (1993) . 2 – الروح والمقاومة : اللاهوت السياسي وحركة التحرير للأمريكيين الأصليين (2004) . 3 – تحرير الإمريكيين الأصليين : لاهوت السيادة والإستقلال (2008) . 4 – لاهوت الأمريكيين الأصليين (بالإشتراك مع كلارا سو كيدويل وهومر نولي) .

 – جورج تنكر ؛ تبشير للإحتلال : الإنجيل وإبادة حضارة الأمريكيين الأوائل ، ط1 ،  مطبعة فورتريز 2006 (تألف من 196 صفحة) .وهو من[105]

الكتب البالغة الأهمية حيث إن المؤلف من إصول الأمريكيين الأوائل وتعرضت عائلته للتبشير الكاثوليكي والتحويل إلى المسيحية وهو اليوم بروفسور وستكون لنا عودة إلى البروفسور جورج تنكر وكتابه هذا . ومن الكتب الأخرى ، كتاب نيكولاص روجر ؛ السكان الأصليون في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ، ط 2 ، مطبعة جامعة أوكلاهوما 2014 (تألف من 216 صفحة) ، وكذلك كتاب نيكولاص روجر (إشراف) ؛ الأمريكان الأوائل (الهنود) : الماضي والحاضر ، ط السادسة ، مطبعة جامعة أوكلاهوما 2008 (تألف من 448 صفحة) . وكتاب ماركريت جاكوب ؛ الأم البيضاء والرس الأسمر : الإستعمار الإستيطاني ، المادية وفصل أطفال السكان الأصليين في غرب أمريكا وإستراليا 1880 – 1940 ، مطبعة جامعة نبراسكا 2011 (تألف من 592 صفحة) . ومنها كتاب : ستيفن نيوكمب ؛ الوثنيون والأرض الموعودة ، دار نشر فولكرم 2008 (تألف من 224 صفحة) . وكتاب : بيتر إيفرسن ؛ لا نزال نحن هنا : الأمريكيون الأصليون منذ عام 1890 ، ط 2 ، دار نشر ويلي وبلاكويل 2014 (تألف من 360 صفحة) . وكتاب : جودي بايرد ؛ تحولات الإمبراطورية : نقد السكان الأصليون للنزعة الإستعمارية ، مطبعة جامعة مينسوتا 2011 (تألف من 320 صفحة) .

 – أنظر : الراهب يُنبيري سيري 1713 – 1784 ، نادي بيت لحم ، بنسلفانيا 2013 (أون لاين) . [106]

 – أنظر للتفاصيل : مكيري جيفري ؛ حرب النايلشن (الإبادة) : المعركة والجنسايد (الإبادة) الجماعية للحافات الأمامية الشرقية ، لاتهام ، دار  [107]

نشر رومان وليتلفيلد 2007 .

 – أنظر : أريك فروم ؛ تشريح التدمير البشري ، دار كتب بنجوين ، لندن 1977 . [108]

 – أنظر : نيل كريسل ؛ الكراهية الجماعية : التصاعد العالمي للإبادة الجماعية والإرهاب ، دار نشر الكتب الأساسية 2002 . [109]

 – أنظر : نورمان نامرك ؛ نيران الحقد : التطهير العرقي (العنصري) في أوربا القرن العشرين ، مطبعة جامعة هارفارد 2002 .[110]

 – أنظر : دانيال كولدنيجن ؛ رغبىة هتلر في الإعدام : الألمان العاديون والهوليكوست دار نشر نوب ، نيويورك 1996 . [111]

 – أنظر : نيل كريسل ؛ المصدر السابق . [112]

  – أنظر : مكيري جيفري ؛ حرب النايلشن (الإبادة) ، مصدر سابق .  [113]

 – أنظر : دونالد نيوك ونيغوسيا فرنسيس ؛ دليل كولومبيا إلى الهوليكوست ، مطبعة جامعة كولومبيا ، نيويورك 2001 . [114]

 – أنظر : ديفيد نيكلوص ؛ آدولف هتلر : صُحبة للسيرة الذاتية ، مطبعة جامعة شمال كليفورنيا 2000 .[115]

 – أنظر : ديفيد أدورد ستانارد ؛ الهوليكوست الأمريكية : إحتلال العالم الجديد ، مطبعة جامعة أكسفورد 1992 . [116]

 – يتوزع الأدب الأمريكي للسكان الأصليين (الهنود الحمر؟) في الأطراف الآتية : [117]

1 – مؤلفو السير الذاتية .

2 – كُتاب الأطفال .

3 – كُتاب المقالات .

4 – مؤلفو الدراما والمسرح .

5 – كُتاب الروايات .

6 – الشعراء .

7 – كتاب القصة القصيرة .

8 – الأدب النسوي .

في الحقيقة هذا مشروع كتاب نتطلع إلى إنجازه بجانب مهمتنا الفلسفية التي هي شغلنا الشاغل ولا يتقدم عليها شئ آخر ..

 – قارن عقيدة التثليث وقصة ديونسيوس (إبن الله زيوس) وموته وبعثه من جديدة ، والعلاقة بين النبيذ والعقيدي المسيحي . والتشابه بين العقيدي[118]

المسيحي والنحلة الدينية الديونسيوسية ، أنظر : 1 – ريتشارد سيفورد ؛ الإله ديونسيوس : الآلهة والأبطال في العالم القديم ، دار نشر روتليدج ، أكسفورد 2006 . 2 – روزمري تايلور بيري ؛ الإله القادم : أسرار ديونسيوس ، مطبعة الكورا ، نيويورك 2003 .

—————————————————————————————————————–

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / الفيلسوف ماركوس شيشرون والتحولات في النزعة الشيشرونية بعده / العدد العاشر / سبتمبر – إكتوبر 2015

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

(10)

سبتمبر – إكتوبر 2015

—————————————————————

تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

رئيس التحرير                                  سكرتيرة التحرير

الدكتور محمد جلوب الفرحان                        الدكتورة نداء إبراهيم خليل

—————————————————————————————

CICERO & CICERONIANS

Dr. MOHAMAD FARHAN, PHILOSOPHER

الفيلسوف ماركوس شيشرون

والتحولات في النزعة الشيشرونية بعده

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————————-

هذا بحثُ رائد وجديد في تاريخ الفلسفة اليونانية

 يُهديه الكاتب إلى حلقة المسيب الفلسفية 

التي إزدهرت في ستينيات القرن الماضي

——————————————————————————–

تقديم :

   ينظرُ الأكاديميون الغربيون المعاصرون بعيون الإكبار والتقدير إلى الفيلسوف ورجل الخطابة والمنظر السياسي ماركوس تيلوس شيشرون وذلك للأثار العميقة التي تركها على أطراف متنوعة من الثقافة اللاتينية عامة والفلسفة اليونانية التي إنتشرت وشاعت خلال الإمبراطورية الرومانية خاصة [1]. بل ونلحظ إن أثره إمتد إلى عصور الحداثة الأوربية ، فقد مارس تأثيراً واضحاً على فلاسفة القرن الثامن عشر وخصوصاً على فيلسوف التنوير الفرنسي فولتير والذي أعلى من مكانة شيشرون ورفعه إلى الطوابق العالية وذلك عندما تكلم عن كتابه حول الكهانة ورأى إنه أفضل كتاب ولدته دوائر الثقافة والإنشاء في العالم القديم .

مؤشرات عن سيرة الفيلسوف والخطيب شيشرون  

  ولد الطفل ماركوس شيشرون في 3 كانون الثاني من عام 106 ق.م ، وكانت ولادته في مدينة آربينو الإيطالية ، وهي مدينة تلال تبعد أكثر من ستين ميلاً إلى جنوب العاصمة روما . ويوم ولادة شيشرون كان يتمتع المواطنون الأربينونيين بالجنسية الرومانية وتاريخ حصولهم على الجنسية الرومانية يصعد إلى عام 188 ق.م وبالتحديد قبل ولادة شيشرون بأكثر من ثمانين عاماً. ولاحظ علماء اللنكوستيكا إن الأربينونيين بدأوا يستخدمون اللغة اللاتينية بدلاً من لغته الفولسين الأصلية (وهي فرع من اللغات الهندو أوربية..) وبالتحديد قبل منحهم الحق بأن يكونون مواطنين رومان[2].

  وهذا الحال يحملنا على القول بأن الجماعات الإيطالية الأصلية التي عاشت وإندمجت بالمجتمع الروماني ، قد صرفت ما يُقارب القرنيين في عملية هضم وتمثل اللغة والثقافة اللاتينيين ، وغطت بالتحديد القرنيين الثاني والأول قبل الميلاد . وهذا القدر الثقافي لعب دوراً مهماً في تحديد هوية ومستقبل شيشرون ؛ رجل دولة وخطيب ومن ثم كاتب مأمول متفرد . كما صنع هذا القدر من شيشرون ” أن يكون سيداً عظيماً للخطابة والإنشاء اللاتينيين ” .  والحقيقة إن شيشرون ” لم يكن رومانياً بالمعنى التقليدي ” وهذا الحال رفع من درجات وعيه

وزاد من حساسيته من هذه القضية طول حياته [3].

  ومن المفيد الإشارة إلى إنه خلال هذه الفترة من تاريخ الرومان إذا تطلع شخص ما إلى أن يكون مثقفاً فما عليه إلا أن يكون متمكناً وبدرجات عالية من الحديث والكتابة في كل من اللغتين اللاتينية واليونانية . مع العلم إن أبناء الطبقات العليا من الرومان ، كانوا ” يفضلون اليونانية على اللغة اللاتينية في مراسلاتهم الشخصية . بل ويحسبون إن اليونانية أكثر صفاءً وإشعاعاً وتتميز بدقة تعابيرها مقارنة باللاتينية ” . ويضيفون إلى إن اليونانية تتسم بالثراء والعمق المعرفيين . وعلى هذا الأساس فضلها أبناء الطبقات العليا ثقافة وأدباً لهم . ومن هذا الطرف تركت طبعات واضحة على شخصياتهم ومجتمعاتهم . والشاهد على ذلك خطاب يوليوس قيصر والذي إستشهد بكلمات الكاتب المسرحي التراجيدي الأثيني ميناندر (342 – 290 ق.م) والذي قال ” بأن كل من اللغة والثقافة اليونانيين قد تم تعليمهما في مدينة آربينو قبل أن تنضم وتتوحد مع روما ” . وهذا الفعل السياسي يسر عملية التمثل الثقافي في المجتمع الروماني وخاصة بين أبناء النخب الثقافية المحلية [4].

  ولد شيشرون في أحضان عائلة نبيلة تنتمي إلى ما يُعادل طبقة الفرسان . وكان والده ماركوس تيلوس شيشرون من رجال أملاك الأرض الأثرياء . أما أمه هلفيا فكانت ربة بيت . وكان والده يُعاني من بعض العوق والذي كان السبب وراء عدم إنخراطه في الأعمال الحكومية والعامة . ولذلك ركز إهتمامه على الدراسة بصورة مكثفة وذلك تعويضاً عن عوقه . أما والدته هلفيا ففي الحقيقة لا يتوافر لدينا الكثير من المعلومات حولها سوى إنها كانت مثل حال نساء عصرها ، مواطنة رومانية ووظيفتها الرئيسية هي ” إدارة شؤون البيت ” . ومن المفيد أن نشير إلى كلمات ولدها الصغير كونتيوس تيلوس شيشرون (102 – 43 ق.م) [5]والذي وصف والدته في رسالة له فقال ” إنها كانت ربة بيت ذات مواصفات عالية وتتمتع بذكاء وشخصية محترمة ” [6].

    أما كونتيوس شيشرون فهو الأخ الأصغر للفيلسوف ماركوس تيليوس شيشرون وبالتحديد كان الفيلسوف أكبر منه بأربع سنوات فقط . وعلى أساس إهتمام والدهما بتعليمهما الأكاديمي ، فقد تم إرسالهما سوية إلى الدراسة في كل من روما وأثينا ومن المحتمل درسا في رودس كذلك وللفترة من 79 – 77 ق.م) [7]. ووفقاً لرواية الفيلسوف الإفلاطوني فلوطرخس (بلوتارك) فإن الفيلسوف شيشرون ” كان تلميذاً فذاً ويتمتع بذكاء خارق ، وإن طريقته في الدراسة لفتت إنتباه الجميع في روما [8].

  لقد حصل ماركوس شيشرون في روما على عرض لدراسة القانون الروماني ، وتحت إشراف الأكاديمي والسياسي من أتباع الجمهورية الرومانية كونتيوس سكافيلو (حوالي 159 – 88 ق.م) [9]وهو متخصص في القانون الروماني ودرس الفلسفة على يد الفيلسوف الرواقي من جزيرة روديسا بانتيوس الرواقي أو الروديسي (185 – 110 ق.م) [10]. والحقيقة ونحن نقرأ في أعمال الفيلسوف الرواقي بانتيوس وجدنا إنه ألف كتاباً بعنوان حول الواجبات وكما نعلم إن واحداً من كتب شيشرون جاء بهذا العنوان بالضبط . ولذلك نحسب إنه من خلال أستاذ شيشرون كونتيوس قد تعرف شيشرون على كتاب بانتيوس والذي كان المصدر الأساس أو ربما الوحيد لكتاب شيشرون الذي جاء بالعنوان ذاته [11]

  وبعد مرور سنة واحدة على دروسه التي تلقاها من إستاذه سكافيلو [12]، تحول التلميذ شيشرون إلى معلم ومشرف على برنامج تعليم عدد من الطلبة الشباب ومنهم الخطيب والسياسي (الجمهوري اليوناني) ماركوس كاليوس روفس (82 – 48 ق.م) [13]ومجموعة أخرى من رجال المحاماة الشباب [14]. كما وكانت له ميولاً نحو الشعر وفعلاً فقد حاول في شبابه كتابة الشعر ، ودفعه هذا الهم الشعري إلى ترجمة أعمال شاعر اليونان الملحمي هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) ، وترجم قصيدة الشاعر اليوناني آراتوس (315 – 240 ق.م) والتي حملت عنوان الظاهرة (الفينومنا) ومن ثم تأثر بالشاعر الملحمي الروماني فيرجل (70 – 19 ق.م) وقرأ له قصيدته الطويلة (الملحمة) التي حملت عنوان جيريكا والتي تكونت من اربعة كتب والتي ظهرت عليها آثاراً فلسفية أبيقورية[15].

  وحال شيشرون مثل أغلب معاصريه من الرومان ، فقد تعلم باليونانية وترجم منها مفاهيم الفلسفة اليونانية إلى اللغة اللاتينية وبذلك وفر لطلاب الفلسفة والمثقفين الرومان مُعجماً فلسفياً منثورة مادته في نصوصه وكتاباته . إضافة إلى إنه ترجم العديد من الأعمال الفلسفية وقدمها للجمهور الروماني . ومن الملاحظ إن شيشرون بدأ بدراسة اللغة والثقافة اليونانية وهو في سن الصبا ولذلك كانت العوائل والأصدقاء المقربين لعائلته ، يطلقون عليه في مرحلة الصبا وللتندر إصطلاح ” الولد الصغير اليوناني ” . وكل هذا صحيح ، ولكن للدقة إننا لاحظنا إن هاجس شيشرون كان على الدوام ، هو الإرتباط بأواصر قوية تشده إلى ” النُخب الرومانية التقليدية ” . وهذا فعلاً ما تطلع إليه وعمل على تحقيقه بكل جد ومثابرة في حياته وبدرجات عالية من النجاح [16].

شيشرون والنزعة الشيشرونية بعده

  إهتمت دوائر البحث الأكاديمية الغربية بتراث الفيلسوف ورجل الدولة والخطيب ماركوس شيشرون في وقت مبكر . فمثلاً إنها بينت لنا بأنه لم ينقضي وقت ملحوظ من الزمن على وفاة شيشرون ، وإن واحداً من معاصري شيشرون ورفيق حياته ماركوس تيليوس تيرو (توفي عام 4 قبل الميلاد) والذي كان في البداية عبداً يعمل في بيت شيشرون ومن ثم حرره من العبودية . وهو غالباً ما يًذكر في رسائل شيشرون . وبعد موت شيشرون قام بنشر أعمال سيده . كما وإن تيرو كتب العديد من الكتب وبطريقة مختصرة . إلا إن الكتاب الغربيين يترددون في التأكيد على تاريخ ولادة تيرو . ولكن القديس جيروم (347 – 420م) إقترح تاريخ ولادته عام 103 ق.م وبذلك جعله أصغر من شيشرون قليلاً [17]. وربما ولد تيرو في فترة متأخرة من ذلك التاريخ والسبب إن شيشرون بنفسه كان يُشير إلى تيرو بكلمات ” الرجل الشاب وكان ذلك في عام 50 ق.م ” [18].

  ومن المحتمل أن يكون تيرو قد ولد عبداً يعمل في بيت شيشرون في أربينم وجاء مع عائلة شيشرون إلى روما . إلا إننا لا نعلم علم اليقين بأنه كان عبداً . غير إن المؤكد إن شيشرون غالباً ما يُشير إليه في رسائله . وإن واجباته تتضمن الكتابة والإملاء والتنقيط ، وترتيب مائدة الطعام وحديقة البيت والإمور المالية . وغالباً ما يشير شيشرون إلى مكانته ودوره المساعد لشيشرون خاصة في عمله ودراساته [19]. وفعلاً فإنه تم تحرير تيرو من العبودية عام 53 ق.م ومن ثم رافق شيشرون إلى صقلية خلال عمل شيشرون محافظاً لها . وبعض الأوقات يتغيب تيرو عن صاحبه شيشرون بسبب ضعف صحته . وغالباً ما يكون شيشرون قلقاً من المرض الذي يعانيه تيرو [20].

  وبعد موت شيشرون إشترى تيرو أملاكاً له في بوتسولي القريبة من مدينة نابولي الإيطالية والتي قال عنها القديس جيروم ” بأنها المدينة التي مات فيها تيرو وكان ذلك في عام 4 ق.م وحينها ناهز من العمر تسع وتسعين عاماً ” [21].

   وكتب تيرو أول سيرة ذاتية عن سيده وصاحبه شيشرون . إلا إن هذه السيرة مع الأسف تُعد اليوم من المفقودات [22]. والسؤال ؛ هل كانت سيرة شيشرون التي كتبها تيرو متوافرة في عصر بلوتارك (فعلاً إنها كانت متوافرة وظلت متداولة حتى عصر القديسيين جيروم وأغسطين) ومن ثم بعد ذلك فقدت وضاعت ؟ ولا أحد يعرف الجواب . ويعرف كيف حدث ذلك وشيشرون هو واحد من أعظم رجال الرومان الذين تم مناقشتهم وتركوا أثاراً واضحة على أجيال من الخطباء وكتاب الرسائل . ورغم هذا الحال فإن بلوتارك (46 – 120 ميلادية) هو من المصادر المبكرة التي تتحدث عن سيرة  شيشرون (وبالطبع كتاب بلوتارك يأتي بالمرتبة الثانية بعد كتابات تيرو . وفعلاً فقد إعتمد عليها بلوتارك وأشار إليها في كتابه حول حياة شيشرون[23]) .

  ويُعدُ بلوتارك اليوم بنظر الأكاديميين الغربيين ، هو واحد من الإفلاطونيين الذين ينتمون إلى المدرسة الإفلاطونية الوسطى (أو الإفلاطونية في المرحلة المتوسطة) . وجاء بلوتارك من عائلة عريقة معروفة في مدينة كيرونيا اليونانية القريبة من معبد دلفي . ودرس بلوتارك الرياضيات والفلسفة في أكاديمية أثينا وتحت إشراف أمونيوس الأثيني (درس في القرن الأول الميلادي) وبالتحديد من 66 وحتى 67 . ويبدو من خلال رواية بلوتارك ، إن أمونيوس كان متخصصاً بأعمال أرسطو . ونرجح بالإعتماد على رواية بلوتارك إن أمونيوس لم يكن إفلاطونياً وإنما كان مشائياً (ينتمي إلى مدرسة أرسطو) . وهذا الأمر يحملنا على الترجيح بأن بلوتارك كان إفلاطونياً إلا إنه إنفتح على المشائية وتأثر بها كما إن هناك أثاراً رواقية في كتاباته [24]. وتنسب إلى بلوتارك العديد من المحاورات و78 مقالة والتي تؤلف رائعته التي تحمل عنوان الأداب أو الأخلاق [25].

   ومن مؤلفات بلوتارك ، كتابه الذي حمل عنوان حياة الأباطرة الرومان : من الأمبراطور أغسطس وحتى الإمبراطور فيتليوس [26]. ومن ثم ألف بلوتارك موسوعته التي حملت عنوان الحياة المتوازية في أواخر القرن الأول الميلادي (ولهذا الحال قدمنا الحديث عن بلوتارك على الكلام عن الشيشروني كونتليان) .  وكتاب الحياة المتوازية من ثلاثة وعشرين زوجاً من السير ؛  فواحدة من السير تخص شخصية يونانية بينما السيرة الثانية تتعلق بشخصية رومانية ، وضمت إضافة إلى ذلك أربعة سير فردية مستقلة [27]. والحياة المتوازية موسوعة تتألف من كتب عديدة ، وواحد منه كان بعنوان حياة شيشرون [28]. وهذا الكتاب يحملنا على القول إن بلوتارك كان من المهتمين الأوائل بفكر شيشرون وأعماله . ولاحظنا إن هناك من يُرجح

 إلى إن بلوتارك قد كتبه في نهايات القرن الأول الميلادي [29]. وكان هذا المجموع من المصادر اليونانية المبكرة التي وصلت إلينا عن الفلسفة اليونانية عامة وحياة شيشرون خاصة .

  ومن المعروف إن فلوطرخس / بلوتارك ولد في نهايات النصف الأول من القرن الأول الميلادي (ولد عام ست وأربعين ميلادي) وتوفي تقريباً في الربع الأول من القرن الثاني الميلادي . وهذه الحقيقة تحملنا على القول بأن كتاب الحياة المتوازية يتقدم على رائعة ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) والتي حملت عنوان حياة وآراء مشاهير الفلاسفة بحدود القرنيين من الزمن [30].

  ونحسب من النافع أن نعرف بشخصية بلوتارك ومن ثم برائعته الحياة المتوازية وخصوصاً حياة شيشرون . وإسمه الكامل لوكيوس ماستريوس بلوتكريس خصوصاً بعد إن أصبح مواطناً رومانياً . وبلوتارك واحد من الفلاسفة الإفلاطونيين المشاهير في مرحلة الإفلاطونية المتوسطة [31]، إضافة إلى كونه مؤرخاً وكاتب مقالات وسير يونانية [32]. وسبق إن ذكرنا إلى إن  كتابه ” حياة شيشرون ” هو جزء من مجموع بعنوان ” الحياة المتوازية ” [33] والعنوان الكامل لهذه الرائعة هو حياة وسير ذاتية لمشاهير الرجال وركز فيه على قيمهم الأخلاقية ونكوصهم ، والتي كتبها في أواخر القرن الأول الميلادي .

  تألفت رائعة بلوتارك هذه من ثلاث وعشرين زوجاً من السير المتوازية ، زوج واحد يخص اليونان وزوج ثان يخص الرومان (ولذلك كانت حياة متوازية) ، كما وضمت أربع سير لا تندرج تحت التوازي . وهذه السير مهمة في حديثها عن الأشخاص إلا إنها أكثر أهمية في إنها تتحدث عن العصور التي عاش فيها هؤلاء الرجال والفلاسفة [34]. أما كتاب بلوتارك حياة شيشرون فقد تألف من تسع وأربعين فقرة تفاوتت في حجمها وكذلك إحتوت على هوامش . وهي بالتقويم الأخير سيرة تفصيلية . ونحسب إنها من المصادر المبكرة التي إعتنت بالكتابة عن حياة الفيلسوف والسياسي الروماني شيشرون [35].

  ومن النافع أن نشير إلى إن عدداً من الأكاديميين الغربيين من يرى إن بلوتارك قد مزج في كتاباته بين ما هو صحيح منقول وما هو مخترع دون أن يخضع تلك الروايات إلى محاكمة نقدية . وإن تفسيره يحتوي على العديد من الإمور لم تكن معروفة ومتداولة في مصادرنا ، ولكن وجهة نظر شيشرون هي في الجوهر صحيحة تماماً [36].

   أما الخطيب الروماني ماركوس فابيوس كونتليانوس (35 – 100 ميلادية) فهو الأخر كان شيشرونياً ، وهو من إصول أسبانية وأرسله والده إلى روما لدراسة الخطابة ، وأقام علاقة طيبة مع الخطيب الروماني دومتيوس أفير (مات عام 59 ميلادية) وهو من الشيشرونيين . وإن كونتليان مثل شيشرون يعتقد ” بأن التاريخ والفلسفة يلعبان دوراً في تعميق إسلوب الخطيب ” . وكان كونتليان رمز من رموز مدارس الخطابة في العصور الوسطى ، إلا إن كتاباته تنتمي إلى عصر النهضة . وغالباً ما يعتمد كونتليان على شيشرون مصدراً ويشير إليه في نصوصه ، بل وينصح القراء لكتاباته إلى أن يقيسوا ويوازنوا مستويات تقدمهم في مضمار الخطابة على شيشرون [37]. ويبدو إن دموتيس أفير وهو أستاذ وموجه كونتليان ، كان يوُصف بكونه متكلم شيشروني ، وربما هو الذي ألهم كونتليان ” في حب شيشرون ” [38].

  ومن المفيد الإشارة إلى إن كونتليان قد فتح مدرسة عامة للخطابة ، وكان من بين طلابه الشيشروني بيلني الشاب ” ومن المحتمل أن يكون من طلابه كل من تكتيوس والإمبراطور فسبازيان (17 – 79) ومن مؤلفات كونتليان المهمة ، كتابه الذي حمل عنوان معهد الخطابة والذي نشره حوالي عام 95 والذي درس فيه الطرفين النظري والعملي من نظرية الخطابة ، وتألف من 12 مجلداً . وكان إسلوب كونتليان في الخطابة ، هو إسلوب شيشرون والذي لم يكن شائعاً عصر الإمبراطور أوغسطس [39]. ولاحظنا إن كونتليان قد بخس حق الفلسفة والفيلسوف وذلك حين تحدى تفوق الفلسفة وعلو كعبها على الخطابة . وإنه من طرف آخر إقترح على الخطيب أن يقرأ الفلسفة  . بينما حزم شيشرون أمره مقارنة بكونتليان وتحول إلى ضفاف الفلسفة وظل في الوقت ذاته خطيباً كبيراً [40].

   وضمت دائرة الثقافة اليونانية الرومانية خطيباً وكاتباً آخر كان تلميذاً لكونتليان وهو بيلنيوس الأصغر (61 – 113م) والذي إهتم من طرفه بدراسة شيشرون . وبلينيوس أو بيلني هو الذي كتب مئات الرسائل ومن حسن حظنا إن الكثير منها لازال محفوظاً وخالداً ويتمتع بقيمة تاريخية حيث تعكس ظروف العصر الذي كُتبت فيه . وكان بيلنيوس يتميز بالأمانة والإعتدال . كما وكانت له علاقات بالفيلسوفين  كل من أرطميدروس الأفسوسي (عاش في القرن الثاني الميلادي) والمشهور بكتابه تفسير الأحلام أو أحلام اليونان ، والفيلسوف فرات الرواقي (عاش ما بين عامي 35 – 118الميلاديين).

  ودرس بيلنيوس الأصغر (لأن عمه أو خاله بيلنيوس الأكبر وهو خطيب كذلك) على يد كونتلينان . ومعروف عنه إنه بدأ الكتابة وعمره أربعة عشر عاماً وكتب تراجيديا باليونانية ومع الأسف ضاع هذا الكتاب . أما في الخطابة فقد كان بيلنيوس يقتفي خطوات شيشرون إلا إنه أكثر مباشرة منه [41].        

    وكإن غايوس بيلني أو بيلينوس في الأصل محامياً وقاضياً في روما القديمة . إضافة إلى كونه خطيب وكاتب رسائل مثله مثل شيشرون . وإن عمه بيلني الأكبر (23 – 79 ميلادية) قد رعاه وإعتنى بتربيته . وإن بيلني الأكبر مؤلف وفيلسوف طبيعي ، وهو قائد بحري في بواكير الإمبراطورية الرومانية . وكتب بيلني الكبير موسوعة بعنوان التاريخ الطبيعي وتحولت إلى إنموذج إحتذت به الكثير من الإنسكلوبييات الطبيعة اللاحقة [42]

  ولاحظنا إن بيلني الشاب قد إختار شيشرون وإسلوب حياته بوعي ، كما وعمل مقارنات بينه وبين شيشرون . ونشر مجموعة من الرسائل ووجهها إلى الأصدقاء وكان في مضمونها غالباً ما يقتفي خطوات شيشرون . وبعضاً منها موجهة إلى الأباطرة ، وبعضا منها ووجه إلى مؤرخي عصره من أمثال تاسيتس (56 – بعد سنة 117 ميلادية) وهو مؤرخ الإمبراطورية الرومانية . وبالطبع لازال العديد من هذه الرسائل محفوظة وخالدة [43].

  ويبدو إن بيلني الأصغر بدأ الكتابة وعمره لم يتجاوز الرابعة عشرة . ومن كتاباته الأولى التراجيديا وكتبها باليونانية [44]. كما وكتب خلال حياته الكثير من القصائد الشعرية ، إلى إن أغلبها قد ضاع وطواه النسيان ولم يبقى إلا ألقليل النادر . ومن طرف مهنة الخطابة فهو يعد نفسه من أتباع شيشرون . وفعلاً فإن نثره يتميز ” بالفصاحة وأقل مباشرة من نثر شيشرون ” [45].

   ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن الإهتمام بتراث شيشرون جاء بعد موته مباشرة وكان لأسباب ودوافع سياسية . ولعل الشاهد على ذلك إن الإهتمام بتفكير شيشرون وهو حي يُرزق لم يكن موضوع دراسة وإهتمام مقارنة بالإهتمام الذي حظي به بُعيد موته . والحقيقة إن جزء من الإهتمام بشيرون وتراثه جاء بروبكاندا أو إعلام مُضاد ضد الجنرال مارك إنتوني (خصم شيشرون وقاتله). وفعلاً فإن الإهتمام الغربي بتراث شيشرون جاء قُبيل نهاية القرن الأول قبل الميلاد ، وبالتحديد لاحظنا إنه بُعيد موت شيشرون بعشرة سنوات تم توظيف شيشرون وتراثه من قبل الإمبراطور الروماني أوغسطس (والمعروف أوكتفين) (63 ق.م – 14 ميلادية) وهو أول أمبراطور روماني وحكم لمدة أربعين عاماً وللفترة ما بين عام 27 ق.م وحتى وفاته عام 14 ميلادية ويجري الحديث في المصادر التاريخية على إن زوجته ليفيا (58 ق.م – 29 ميلادية)  كانت السبب وراء موته حيث دست له السم سراً [46]. وتتوج هذا العمل الإعلامي المضاد  بنشر تيرو مُساعد شيشرون لأول سيرة ذاتية لسيده شيشرون ومن ثم تحولت سيرته إلى إنجيل روماني يقرأه المواطنون الرومانيون [47].

  والحقيقة إنه خلال حكم الإمبراطور الروماني أوغسطس الطويل ، تحول شيشرون إلى موديلاً لفن الخطابة ، وموضوع دراسة لنظرية الأدب والتي كان الرومان يطلقون عليها بإصطلاحاتهم الخطابة والتي أصبحت يومذاك شكلاً من أشكال التربية للجمهور العام . ومن الشواهد التاريخية على ذلك ، هو إن الخطيب الروماني ماركوس فابيوس كونتليان (من شبه جزيرة ليبريا = أسبانيا) هو أول من عُين رئيساً لقسم الخطابة اللاتينية في روما وركز جهوده على أساس كونه واحد من أتباع شيشرون ” ومن ثم كان هدف كونتليان هو تدريب الخطيب ، وهو عنوان رسالته التي كونت المنهاج الدراسي الذي كتبه والذي نهض بصورة كاملة على أعمال شيشرون . وكان هدف كونتليان من هذا المنهج الدراسي كما ذكرنا ، هو إنتاج الخطيب الموديل (المثالي) وهو في الوقت ذاته موديلاً أو مثالاً أخلاقياً . ومن الملاحظ إن هذا الهدف عند كونتليان كان هدفاً مزدوجاً ولذلك كان شيشرون فعلاً قد جسد شخصيتين رومانيتين في آن واحد وعلى حد سواء ؛ شخصية ديموستيني الروماني (في الأصل هو أثيني وكان رجل دولة وخطيب وعاش للفترة ما بين 384 ق.م – 322 ق.م) [48]، وشخصية إفلاطون الروماني[49] (وهو في الأصل الفيلسوف اليوناني إفلاطون وتم إضافة أملاح رومانية على فلسفته)[50] .

الإهتمام بشيشرون وتراثه تحت ظلال المسيحية

  ومع تواصل النجاحات التي حققتها المسيحية ، تزايد الإهتمام بشيشرون وتراثه . وفعلاً فقد لاحظنا إن شيشرون مارس تأثيراً قوياً على المفكرين والفلاسفة الذين عاشوا وكتبوا تحت ظلال المسيحية من أمثال أوغسطين (354 – 430م) [51]وكان من إهتمامات الأخير هو العناية الخاصة بمحاورة شيشرون التي حملت عنوان هورتنسيوس أو حول الفلسفة والتي قرأها القديس أوغسطين واليوم تُعد من المحاورات المفقودة مع الأسف [52] . وكتب شيشرون هذه المحاورة في العام 45 ق.م ، وهدف فيها إلى إشاعة تعليم الفلسفة وبين فيها إن السعادة الإنسانية الحقيقة تأتي من خلال ” إعتناق الفلسفة وتداولها في الحياة اليومية ” . وبالمناسبة إن شيشرون أطلق إسم صديقه هورتنسيوس عليها وذلك تخليداً له بعد موته [53]. أما الشخصيات الأخرى التي شاركت في هذه المحاورة ، فهم كل من الجنرال والقنصل في الجمهورية الرومانية والخطيب كونتيوس لاتتيوس كاتليوس (149 – 87 ق.م) [54]، و السياسي والقنصل في الجمهورية الرومانية المتأخرة ليوسيس لسنيوس ليسليوس (118 – 57 ق.م) والذي كان نصيراً للجنرال الروماني (والدكتاتور) لوسيوس سولو فيلكس (138 – 78 ق.م) [55].

   أما مكان الإجتماع بين كل من ليسليوس وكاتليوس فقد حدث في فيلا ليسليوس . ومحاورة هورتنسيوس أو حول الفلسفة ظلت خالدة ومحفوظة حتى القرن السادس الميلادي . واليوم لم تبقى منا سوى شذرات في نصوص مؤلف النثر والشاعر اللاتيني مارتينيس مينيوس فيلكس كابيلا (والذي كان حياً خلال الفترة  ما بين 410 – 420 ميلادية) [56].   

   وإضافة إلى القديس أوغسطين كان القديس جيروم (350 – 420) من أتباع النزعة الشيشرونية ، حيث كان يجري في شرايينهما الكثير من الأوكسجين الشيشروني . والقديس جيروم ، هو القديس يوسبيوس جيروم ، وجاء من إصول إيطالية حيث ولد في قرية سترايدون . وهو قس مسيحي لاتيني إضافة إلى كونه رجل لاهوت ومؤرخ . وحصل على لقب دكتور الكنيسة . وأهميته في تاريخ المسيحية تكمن في أطراف متنوعة ، منها ترجمته للإنجيل إلى اللاتينية ومن ثم شرحه على الكتاب المقدس . وإسلوب حياته الذي أصبح إسلوب الحياة المسيحية . وإهتمامه بشروط حياة النساء والتي أثيرت حولها الكثير من الأسئلة ، والتي دارت حول علاقاته بالنساء وخصوصاً علاقاته بالنساء المسيحيات الناسكات . كما إن أهمية جيروم تكمن في إنه إقتبس من المؤلفين الوثنيين الكلاسيكيين الكثير . فمثلاً إقتبس من الشاعر الملحمي الروماني فيرجل (70 – 19 ق.م) وملحمته الإنياد (والتي إستلهم وإستبطن فيها ملحمة الشاعر اليوناني هوميروس المعروفة بالإلياذة ..) [57].

  ولعل أهمية أوغسطين وجيروم في تاريخ المسيحية تتركز في إهتمامهما بتراث شيشرون (وسبق إن أشرنا إلى حال أوغسطين ومحاورة شيشرون حول الفلسفة) . وفعلاً فقد كان للرجلين إتصالات ومراسلات واسعة وعميقة . وتكشف عن ذلك عدد من رسائل جيروم وعدد من رسائل أوغسطين . فمثلاً رسائل جيروم إلى أوغسطين كانت أكثر من ثمانية رسائل وهي 56 ، 67 ، 102 – 105 ، 110 – 112 ، 115 – 116 . أما رسائل أوغسطين فقد تجاوزت رسائل جيروم والشاهد على ذلك الرسائل الأتية ؛ 28 ، 39 ، 40 ، 67 – 75 ، 71 – 75 و 81 – 82 [58]. وهذه الرسائل تحتاج إلى دراسة أكاديمية مستقلة ويُفترض أن تنهض على منهج تحليل المحتوى .

  والواقع إن حال القديس جيروم حال القديس أوغسطين ، كان مغرماً بتراث شيشرون . والشاهد على ذلك إعترافات جيروم ، فهي تكشف عن عمق علاقته بشيشرون وتفكيره بالرغم من إن شيشرون كان رومانياً وثنياً من زاوية العقيدي المسيحي والذي إستبطن الكثير من عقيدة شيشرون الرومانية . فمثلاً كان جيروم مريضاً بالحمى ، فجاءته الرؤيا ، فتصور نفسه جالساً على كرسي الحساب (يوم القيامة وتقرير المصير) . وكانت التهمة هو إن جيروم ” كان شيشرونياً ولم يكن مسيحياً ” . وهذه بالطبع خطيئة كبيرة والسبب وراء الخطيئة هو إن القديس جيروم ” لم يتخلى عن قراءة شيشرون حتى في أيام الصيام ” . هذه هي سلطة كتابات شيشرون على القديس جيروم ، وبالتحديد سلطة أعمال شيشرون الفلسفية وهي الأعمال التي أسرت روح القديس جيروم . وبالطبع القديس جيروم ليس الوحيد من آباء الكنيسة الذين كرسوا حياتهم وجُل وقتهم إلى قراءة ودراسة مؤلفات شيشرون ، بل إن القديس أوغسطين فعل ذلك . ولعل شهادته (أي إعترافات أوغسطين) تكشف عن عمق الأثر الذي تركته كتابات شيشرون على تفكير القديس أوغسطين ، حيث يعترف بأنه تحول إلى ضفاف المسيحية من خلال قراءة محاورة هورتنسيوس أو حول الفلسفة التي كتبها شيشرون ، والتي طواها الزمن وأصبحت من عداد المحاورات الشيشرونية الضائعة .

  ولاحظنا إن الباحث الأكاديمي أم . أس . سلاتر (جامعة وسكنسن) يؤكد في مقاله الذي حمل عنوان ” شيشرون ونقاده ” إلى إن فلسفة شيشرون إنتقلت إلى أحضان الكنيسة ، وكونت عموداً من أعمدة تعاليمها ، بل وتم أمتصاص الفلسفة الشيشرونية من قبل مفكري الكنيسة بحيث كونت الحياة الفكرية لهم . وفعلاً فبعد أربعة أو خمسة قرون من سقوط الإمبراطورية الرومانية ، تحول شيشرون إلى موضوع إهتمام آباء الكنيسة ، بل وأخذوا يقتبسون منه الكثير ، ولم يخفت هذا الإهتمام بشيشرون ، حيث شارك شيشرون الفيلسوف اليوناني أرسطو في تكوين مناهجهم الدراسية وخصوصاً في الجامعات الغربية في العصور الوسطى ، وتحديداً خلال القرون ؛ الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر [59]. والشاهد التاريخي على ذلك هو إن المؤلفين الكلاسيكيين من أمثال رجل اللاهوت الإنكليزي والمربي والدبلوماسي جون سالسبيري (1120 – 1180) قد إعتمد عليهم ومنهم بالطبع شيشرون . وجون سالسبيري إشتكى من الطلاب ولامهم عندما مالوا نحو أرسطو وتخلوا عن شيشرون [60].

وبالمناسبة فقد كان لكل من أوغسطين وجيروم الكثير من الفضل على الحفاظ على الفلسفة الكلاسيكية وخلودها بعد تحويلها لخدمة المسيحية وأغراضها . وبفضلهما أصبحت كنيسة الرومان متمكنة وراغبة على تقديم ذاتها وريثة لتراث روما وكما هو واضح بشهادة قوية في مثال دانتي (1265 – 1321) [61].

  ومن الملاحظ إن مصادر دانتي الريادية في كتابة الكوميديا الإلهية [62]، قد ضمت كل من الشاعر الملحمي الروماني فيرجل وكذلك آرسطو ، والشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 18 ميلادية) كذلك [63]. و كان أوفيد معاصراً لكل من فيرجل والشاعر الغنائي هوارس (65 – 8 ق.م) . وكتب أوفيد الملاحم الشعرية مثل ميتا ماورفوسس أو كتب التحولات الذي تألفت من خمسة عشر كتاباً [64]. ورغم إن دانتي قد إقتبس من هذه المصادر في كوميدياه الإلهية ، فهو بنفسه إعترف وكتب بقلمه ” على إن كتاب شيشرون الذي حمل عنوان حول الصداقة كان له الأثر الفلسفي الرئيس كما شعرت (هكذا يقول دانتي) ” وإن دانتي ” إقتبس من شيشرون خمسين مرة ” ومن مصادر منهجية للمعلمين الكارولنجيين (تعود إلى القرن التاسع وما بعد) [65]. ومن مصادر تعود إلى الراهب الأيرلندي سيدليوس سكوتس [66] أو سيدليوس الشاب (القرن التاسع الميلادي)  وذلك تميزاً له من كوليوس سيدليوس شاعر القرن الخامس الميلادي . وكان سيدليوس سكوتس متبحراً في النحو اللاتيني وشارحاً للنصوص الدينة ، كما وله شرح مشهور على كتاب إيساغوجي لفرفريوس الصوري (في علم المنطق) [67].

  وشملت أعمال الراهب الإيرلندي سيدليوس على مجموعة من خطابات شيشرون وعمل فلسفي مهم من أعماله الفلسفية وكان جزء من مجموع لشيشرون وبعنوان مناظرات تسلكن (وهي فيلا شيشرون التي إحتضنت هذه المناظرات) . ومناظرات تسلكن في حقيقتها سلسلة من الكتب التي ألفها شيشرون عام 45 ق.م تقريباً . وكان يتطلع منها إلى إشاعة ونشر الفلسفة الرواقية في العالم الروماني القديم . ومن الملاحظ إنه مرات عديدة قد تم التأكيد على إنها كُتبت في فيلا شيشرون في تسكلن . وتألفت من خمسة كتب ، وهي على التوالي :

الأول – حول إحتقار الموت .

الثاني – حول تحمل الألم .

الثالث – حول حزن العقل .

الرابع – حول إضطرابات العقل الأخرى .

الخامس – هل الفضيلة كافية وحدها للحياة السعيدة [68].

  ويبدو إن مناظرات تسكلن عامة وحول إحتقار الموت خصوصاً قد ألهمت الفيلسوف الروماني بوثيوس (480 – 524 ميلادية) وهو يكتب رائعته الفلسفية التي حملت عنوان عزاء الفلسفة [69] والتي يُنظر إليها على إنها من الأعمال الكبيرة المتأخرة في العالم القديم [70]. وكتبها بوثيوس في القرن السادس الميلادي ، وألفها وهو في السجن ممتحناً بتهمة التأمر وينتظر إعدامه .

شيشرون وواقع الشيشرونية بعد الألفية الأولى

   لاحظ الأكاديميون الغربيون إنه بعد الألفية الميلادية الأولى ، بدأت المدن الأوربية في التنافس بعضها مع البعض الأخر ، فكانت ولادة مرحلة جديدة في العصور الوسطى ، والتي شهدت صعوداً عالياً ، وبدأت التفتيش ” والبحث عن الهوية في إطار عالم السيد الإقطاعي وقيادة الكنيسة لسكان المدن في الجمهورية الرومانية . ومن زاوية شيشرون فإن مثاله كان يعمل بإتجاه مغاير ، فهو مثال يُؤكد على خدمة الجماعة ، وتقييم الإنسان على أساس ما يقوم به من إنجازات عملية بدلاً من الإصول النبيلة التي ورثها بالولادة . كما إن شيشرون في الوقت ذاته بغض العنف وعارض التطرف وتحدث للجمهور وعمل على تلبية حاجاتهم . وعلى هذا الأساس كان برنامج شيشرون يتطلع نحو الأخلاق العملية ، وإحترام العقل ، والتربية والثقافة وبذلك أنشأ هدف بديل مختلف عن إسلوب البحث الذي ينهض على حياة الزهد والنسك والذي يقود إلى الخلاص من خلال العزوبية والإنسحاب والعزوف من الحياة والعالم [71].

  والشاهد التاريخي على أهمية شيشرون والدور الذي لعبته كتاباته وأعماله في أنحاء أوربا بعد وفاته ، يأتي من إنكلترا القرن الثالث عشر الميلادي ، حيث لاحظنا توافر مخطوطة تُنسب إلى الباحث الإنكليزي إلكسندر نكهام أو نكام (1157 – 1217) وكان معلماً ورجل لاهوت إضافة إلى كونه رئيس دير سيرنسيستر وبالتحديد للفترة من عام 1213 وحتى وفاته عام 1217 [72]، وفي هذه المخطوطة عدد نكهام قائمة من مؤلفات شيشرون تتألف من ثمانية أعماله ، وإقترحها مشروع قراءة للطلاب في المرحلة الثانية من المنهاج المدرسي . كما إن القوائم (الكتلوكات) التي طبعها أم . مانتيوس قد بينت ” بأن شيشرون هو من أشهر المؤلفين الذين تردد ذكرهم في مكتبات آوربا على الإطلاق ، وبالطبع كانت أعمال شيشرون في الخطابة لوحدها تتفوق على مؤلفات الكتاب الأخرين ” [73].

  وشهد القرن الرابع عشر الميلادي مرحلة جديدة من الإهتمام بشيشرون وكتاباته . وفعلاً فإن الباحث الأكاديمي لاحظ إنها الفترة التي بدأ فيها التأثير الكبير لتراث وتفكير شيشرون على دوائر الثقافة الأوربية عامة والإيطالية على وجه الخصوص . فمثلاً إن هذه الفترة قد إحتضنت الرائدين الإيطاليين كل من فيلسوف ورائد النزعة الإنسانية فرانشيسكو بترارك (1304 – 1374) [74] والكاتب الإنساني النهضوي جيوفاني بوكاشيو (1313 – 1375) [75]، وكانا من إبناء جيل واحد ، وكانت بينهما مراسلات . وبترارك في الأصل باحث أكاديمي وشاعر ، وهو فوق ذلك من الرموز المبكرة في الحركة الإنسانية . ولعل أهمية  بترارك في موضوع إهتمامنا بالإيطالي الروماني شيشرون ، هو إنه جدد الإهتمام برسائل شيشرون ، بل وعلى حد تعبير شارلز ناورت ، إن بترارك هو الذي أعاد إكتشاف رسائل شيشرون [76]. وكتب بترارك الكثير من الأعمال منها ملحمة أفريقيا ، وهي ملحمة شعرية لاتينية دارت حول حياة الجنرال الروماني الكبير سكيبيو الأفريقي . وهذه الملحمة هي التي قدمت بترارك شاعراً أوربياً إحتفالياً . وفي 8 نيسان من عام 1341 أصبح الشاعر الأول وتُوج بلقب سنتوراً رومانياً [77]. وبعد ذلك بأربعة سنوات وبالتحديد في عام 1345 إكتشف بترارك شخصياً مجموعة رسائل لشيشرون ، وهي رسائل لم تكن معروفة من قبل وهي مجموعة رسائل أتيكوس الروماني  ، وهو صديق مخلص لشيشرون [78]. وبالمناسبة فإن بترارك في أجواء إكتشافه لرسائل شيشرون ، نحت مفهوم العصور المظلمة [79].

  ومن أشهر أعمال بترارك الشعرية كتاب الأغاني أو لورا [80]، وكتابه المعنون أسراري ، ومحاورة خيالية مع القديس أوغسطين ، ومجموعة سير بعنوان حول الرجال المشاهير [81]، وكتابه حول الفسحات الدينية [82].

  أما بوكاشيو فهو شيشروني حاله حال معاصره بترارك [83]. إضافة إلى إنه مثل بترارك من رواد الحركة الإنسانية الإيطالية . وكان بوكاشيو كاتباً وشاعراً ، وكتب العديد من الأعمال المهمة منها ديكاميرون ، وهي مجموعة روايات تألفت من مئة حكاية ، والرواة فيها سبعة من النساء الشابات ، وثلاثة رجال شباب ، وقد تم عزلهم في فيلا منفردة تقع خارج فلورنسا وذلك بسبب الموت الأسود (مرض الطاعون) [84]. ودرس بوكاشيو اللغة اليونانية ومن ثم ترجم أعمال كل من هوميروس ، ويوربيدس وآرسطو . وأصبح بروفسوراً للغة اليونانية في جامعة فلورنسا [85]. ومن أهم مؤلفاته كتابه الذي حمل عنوان مشاهير النساء ، وفيه تحدث عن مئة وستة من النساء في العالم القديم ومنهم زنوبيا [86] ومنها كتابه المُثير للجدل والذي حمل عنوان الغراب ، والذي أكمله عام 1355 وهو رواية وأُتهمت بكونها شكلاً من الأدب الماسوجيني (فيه كره للمرأة والنساء) . كما هناك جدل بين الأكاديميين يدور حول هوية آدب هذه الرواية ؛ وهل هو آدب ينتمي إلى عصر النهضة ؟ أو إنه نوع من آدب العصور الوسطى ؟ [87]. ومن مؤلفاته الأخرى ؛ كتابه الذي حمل عنوان حياة دانتي [88] وكتاب أخر عن كوميديا دانتي وبالطبع كتب أخرى متنوعة في السير الذاتية ..

  ولاحظنا فعلاً إن القرن الرابع عشر الميلادي ، هو القرن الذي شهد وعاش بداية تأثير شيشرون الكبير ، وخصوصاً على كل من بترارك وبوكاشيو والتي بدأت معهما الحركة الإنسانية . وكان البروفسور لاسي على حق عندما قارن بين ” التأثير الذي تركه فيرجيل على دانتي ، والتأثير الذي مارسه شيشرون على بترارك ” وذلك لأن ” بترارك حصل على إعتراف مبكر بكونه شاعراً مبدعاً ، إضافة إلى إنه كان شيشرونياً بطبيعته ، كما وتبنى شيشرون مثالاً وإنموذجاً . وإعتقد بأن تقليده لشيشرون ، هو شكل من الأمانة العالية والإعجاب ، وبهذا الإعتقاد ألح بترارك على تقليد شيشرون ، بل إن تقليده لشيشرون هو مثال إنموذجي على الفصاحة التي صنعت من الخطيب أن يكون سيداً متمكناً من كل أنماط الكتابة النثرية ، وتداول أفكاراً كافية ومفردات لغوية وافية للتعبير عن وجهات نظره وبصورة تتناسب والموضوع . وتحت تأثير بترارك فإن الإنسانيات أنجزت الفصاحة من خلال دراسة شيشرون (وكونتليان) ودعم الإنسانيون موقفهم من خلال التأكيد على إن الفضيلة يمكن إدراكها من خلال الفصاحة ، وذلك إنه مادام الشخص السئ لا يمكن أن يكون خطيباً جيداً والعكس بالعكس[89].

   وشهد النصف الثاني من القرن الرابع عشر والعقد الأول من القرن الخامس عشر صعود نجم من رواد الحركة الإنسانية والنهضة في مدينة فلورنسا ، وهو السياسي كولشوكو سلوتاتي (1331 – 1406) وكان يعمل مستشاراً للجمهورية الرومانية . ولعل أهمية سلوتاتي في تاريخ الترويج للفكر والتراث الشيشروني ، هو إنه كان من مريدي بترارك وله علاقة صداقة مع تلميذه بوكاشيو وكما بينا سابقاً إن كلاهما من الشيشرونيين . ولد كولشوكو سلوتاتي في قرية زراعية صغيرة تابعة لمحافظة قلورية .  وكان يومها والده يعيش في المنفى ، ودرس الصبي كولشوكو سلوتاتي في بولونيا الإيطالية ومن ثم عادت العائلة إلى منطقة سكناها الأصلية ، ولتصبح جزءً آمناً من جمهورية فلورنسا . وتمكن سلوتاتي من التبحر في عوالم اللغة اللاتينية ، وأصبح باحثاً أكاديمياً في فلورنسا ، ومن ثم كاتب رسائل مشهور . كما إنه إستكمل دراساته لتراث شيشرون ، بل وكان معجباً بشيشرون إلى حد الإلهام والتقليد ، وكان يحب أن يُطلق عليه لقب ” قرد شيشرون [90].

  وسلوتاتي هو رمز مهم من رموز الحركة الإنسانية الإيطالية [91]، وكاتب رسائل وقائد سياسي وعضو من أعضاء الحركة الثقافية للنهضة في فلورنسا . وكان مستشاراً للجمهورية وسكرتيراً للدولة قبل صعود عائلة ميديشي التي تمتلك وتُدير العديد من البنوك [92]. وعمل سلوتاتي كاتباً للعدل وواصل دراسته للأدب وإتصل بعدد من الإنسانيين الفلورنسيين من أمثال بوكاشيو وفرانشيسكو نيل (كان عام 1363 في كل من فلورنسا – نابولي) . ومن المناسب الإشارة إلى إن نيل أخذ يُراسل كثيراً الشيشروني فرانشيسكو بترارك والشاهد على ذلك رسائله التي بعثها إلى بترارك والتي لازلت خالدة ومحفوظة ، والتي بلغت الخمسين رسالة . أما رسائل بترارك إليه فقد بلغت ثمانية وثلاثين رسالة [93]. وإضافة إلى رسائله ومكانته في النهضة والحركة الإنسانية في فلورنسا ، فإننا سنظل نتذكر سلوتاتي كلما قرأنا عن الطاغية والطغيان ، فقد كانت رائعته التي حملت عنوان حول الطاغية [94]، والتي طبعها في عام 1400 هي في الحقيقة رائعة القرن الخامس عشر ، وهي بالطبع رائعة سياسية نقدية جريئة ، وفيها نقد لكل أنواع الطغيان (والذي يشمل طغيان الكنيسة والبابوية) .

  وإضافة إلى ذلك فإن سلوتاتي كرس نفسه لإهتمام بترارك بشيشرون وتراثه . وفعلاً فقد أخذ سلوتاتي يقتبس من شيشرون بقدر ما يتمكن بل ووصلت إقتباساته بحجم إقتباساته من الإنجيل (العهد الجديد) وبإسلوب تميز بدرجات من الوضوح والأناقة على حد سواء . وعلى هذا الأساس قدم شيشرون موديلاً (مثالاً) ومن ثم إعتمد على شيشرون في خط معايير للمراسلات الدبلوماسية ، والتي إرتبطت بشخصه مستشاراً لفلورنسا من سنة 1375 وحتى 1400 (لفترة تجاوزت الربع قرن من التقليد الدبلوماسي الذي إستبطن إسلوب شيشرون) . وهذا الحال حمل الأخرين على محاولة تقليده . وسلوتاتي من طرفه كان المسؤول ” عن إلهام جميع الدبلوماسيين وحملهم على دراسة شيشرون . وكان الحاصل من كل ذلك إن الدبلوماسية الأوربية لقرون عديدة إعتمدت ليس على اللغة الشيشرونية فقط ، وإنما إستثمرت المفردات الدقيقة ، ونظام ترتيب العبارة والخاتمة وإيقاعها الموسيقي اللاتيني الشيشروني . بل وإن جميع الإنسانيين حاولوا الكتابة مثل شيشرون ، بل وإن التقليد أصبح أكثر دقة وصرامة خصوصاً بعد إن بدأ الكاردنال بيمبو (1470 – 1547) بتطبيق يقوم على رفض العبارات اللا شيشرونية التي لايوجد لها دليل موازي في أعمال شيشرون [95]. وخلال هذه المعايير الجديدة وعمليات التمحيص ، لاحظنا مثلاً إن ” عمل بترارك فشل في أن يكون شيشرونياً [96].

 وإحتضن القرن الخامس عشر الميلادي ، شخصية شيشرونية مهمة ، والتي سعت من طرفها إلى ترويج الكثير عن شيشرون وتراثه وفكره . وهي شخصية الباحث الأكاديمي الإيطالي والإنساني المبكر بوجيو براشيوليني (1380 – 1459) والذي ولد في قرية تيرنوفا (ومنذ عام 1862 وتشريفاً له اُطلق عليها إسم تيرنوفا براشيوليني) . ومن ثم أخذه والده إلى فلورنسا لمتابعة دراسته اللاتينية وتحت إشراف الإنساني والنساخ الإيطالي جيوفاني مالبيجينو (خلال 1346 – 1417) وكان صديقاً لبترارك (1364 – 1365) . وتميز براشيوليني بقابليات متميزة في إستنساخ المخطوطات ، مما جعله أن يكون مُقرباً من الباحثين الأكاديميين في فلورنسا ، وخصوصاً كل من سلوتاتي و الإنساني النهضوي الإيطالي نيكولو دي نيكولي (1364 – 1437) وأصبحا صديقان له . ودرس القانون العدلي ، وبعمر إحدى وعشرين ربيعاً كان عضواً في نقابة العدلية الفلورنسية . وفي عام 1403 وبتوصية من سلوتاتي والإنساني ليورنادو برني (1370 – 1444) دخل في خدمة الكاردنال لاندولفو مارملدو ومن ثم أصبح سكرتيره ، وترقى ليكون الناسخ الأول للبابوات (وخلال الفترة من 1404 وحتى 1415) وعمل خلال الخمسين عاماً لسبعة من البابوات .

  وفي عمر السادسة والخمسين تزوج براشيوليني من فتاة في الثامنة عشرة من عمرها ، ومن عائلة نبيلة ، وكان زواجاً سعيداً ، وأنجبت له خمسة أولاد وبنت واحدة . وكتب العديد من الرسائل الطويلة يتحدث فيها عن قناعته بهذا التحول في حياته . ومن ثم كتب عدد من المحاورات ومنها محاورة مشهورة بعنوان حول الزواج في عمر متأخر ونشرها عام 1436 وأخر مؤلفاته كتاب بعنوان تاريخ فلورنسا ، ومات في عام 1459 وقبل أن يُنهي المراجعة النهائية لهذا الكتاب [97]. وهو المسؤول عن إعادة إكتشاف عدد كبير من المخطوطات اللاتينية الكلاسيكية ، والتي كانت تعج بها مكتبات الأديرة في كل من ألمانيا وسويسريا وفرنسا . ومن أشهر إكتشافاته الإحتفالية ، مخطوطة قصيدة حول طبيعة الأشياء للشاعر الروماني والفيلسوف الأبيقوري لوكريتيوس (99 – 55 ق.م) وهذا العمل إختفى في العصور الوسطى إلا إن براشيوليني إكتشفه في دير ألماني عام 1417 [98]. وبالمناسبة هذا العمل لعب دوراً مهما فيما بعد وبالتحديد في تجديد النزعة الذرية عند الفيلسوف الفرنسي بيير جاسندي (1592 – 1655) وفي تطوير ما يُسمى النزعة الإنسانية المسيحية [99].

  ومن أهم مؤلفات بوجيو براشيوليني، كتابه الأول الكبير والذي حمل عنوان حول الطمع (1428 – 1429) ، وكتابه حول الزواج المتأخر (تجربته الشخصية) ونشره عام 1436 ، وكتابه حول الأميرات الشقيات (1440) ومن ثم تلاه كتابه حول الحياة النبيلة (1440) ، وكتابه حول تقلبات الحظ (1447) ، وكتابه ضد النفاق (1448) ، وكتابه مناقشات تاريخية حول المائدة (عام 1450) وتألف من ثلاثة أجزاء . ومن ثم جاء كتابه الأخير حول مآساة الحياة الإنسانية وطبع عام 1455 . كما وله مجموعة من الرسائل [100].  

  ولعل أهمية بوجيو براشيوليني ، ونحن نعيد قراءة تاريخ حركة الإهتمام بشيشرون وفكره وتراثه ، هو إنه إحتفل بشيشرون والأجيال من الشيشرونيين الذين جاءوا بعده . فمثلاً لاحظنا إنه أظهر عاطفة قوية تشده بمعلميه الذين إهتموا بالكتب والكتابة ، وخصوصاً الذين تحلقوا حول فرانشيسكو بترارك ، والذي من طرفه جدد الإهتمام بالروائع التي كاد يلفها النسيان ، وبالتحديد روائع شيشرون وجيوفاني باكشيو وسالوتاتي . وينتمي براشيوليني إلى الجيل الشيشروني الثاني والذي نشط الحركة الإنسانية المدنية والتي تحلقت حول سالوتاتي ، وكان دراسة النزعة الإنسانية هو الشعار الذي رفعه ونشره ليوناردو برني . وبراشيوليني هو الذي جدد الحياة في مخطوطة شيشرون التي حملت عنوان خطاب شيشرون في الدفاع عن سيكسوس روسكيوس (وهو من القرن الأول قبل الميلاد) [101].

  ومن الملاحظ إن رجال الحركة الإنسانية كانوا من جامعي المخطوطات المتحمسين ومن مكتشفيها الأوائل ، ونحن من هذا الطرف أكثر حظاً بهم ونشكرهم على تحمسهم الذي كان المحرك للحفاظ على غذاء الإنسانية الروحي وبدءً من بترارك وبوكاشيو و كولشوكو سلوتاتي وبوجيو براشيوليني وغيرهم من الذين تبحروا في الأدب اللاتيني وكان لهم الفضل في زيادة البحث والتعمق في إتجاهاته المتنوعة ، ولهم الفضل في إكتشاف العديد من أعمال شيشرون ، ومن بينها ” رسائله إلى أتكيوس وإلى إخيه كونتيوس والتي عثر عليه بترارك بنفسه ، ورسائل إلى الأصدقاء وكان كولشكو سلوتاتي أول من إمتلكها من الإنسانيين ” . وهذه الرسائل تحولت حال إكتشافها إلى إنموذج وموديل للمراسلات ، وأصبحت جزءً من المنهاج الدارسي ” [102].

تراث شيشرون والشيشرونيون في القرن السادس عشر

 ولاحظنا من الزاوية التاريخية إن رجل اللاهوت والإصلاح البروتستانتي الألماني فيليب ملانكتون (1497 – 1560)[103] والذي تعاون مع رجل الإصلاح الديني الألماني مارتن لوثر (1483 – 1546) في تأسيس حركة الإصلاح الديني ، قد أنتج (أي ملانكتون) كتاباً جامعاً حمل أثاراً قوية ، وتألفت الأجزاء الكبيرة منه ، من كتاب شيشرون الذي حمل عنوان حول الواجبات وكذلك الرسائل . والحقيقة هذا العمل يُعد نقطة تحول جوهرية في الإهتمام بإسلوب شيشرون ولغته والتحول نحو محتوى ومضمون الفكر الكلاسيكي للمؤلفين الذين تطلعوا إلى إنجاز مهمات الإصلاح [104].      

  صحيح جداً إن حركة الإصلاح الديني دفعت بالإهتمام بشيشرون وفكره وتراثه في إتجاهات جديدة في القرن السادس عشر ، إلا إن بواكير القرن السادس عشر قد سطع فيها نجم خصم ومعادي للشيشرونية الوثنية كما أطلق عليها وتمنى أن يحدث تبني لجهاز لغوي ومفردات بحيث يتم تكييفها لتتناغم والعقيدي المسيحي فتصبح شيشرونية مسيحية كما نظن . وحمل راية هذه الدعوة القس الكاثوليكي الهولندي الأصل دسيدريوس إراسموس (1466 – 1536) . وإراسموس هو إنساني نهضوي ويومها كان يُطلق عليه لقب ” أمير الإنسانيين ” مرة ويُطلق عليه مرة أخرى ” المجد المتوج بالإنسانيين المسيحيين [105].

   وإرتبطت بإسم إراسموس رسالة بعنوان شيشرونيوس أي الشيشروني وكتبها عام 1528م [106]. وهي رسالة هجومية في منطقها العام ، وهاجم فيها الإسلوب الأكاديمي اللاتيني في الكتابة خلال بواكير القرن السادس عشر ، وهو النمط الذي حاول تقليد إسلوب شيشرون في الكتابة باللاتينية . وكما هو معروف إن شيشرون عاش قبل السيد المسيح ولهذا يعتقد إراسموس ، إن شيشرون وثني (وهذا واقع الحال بالنسبة إلى العقيدي المسيحي) ولذلك رأى إنه ليس هناك إمكانية توافق بين عقيدة شيشرون والنصوص المقدسة [107].

  وإن إراسموس لم يتمكن من الخروج من فضاءات عقيدته المسيحية (مثلما حدث للقديسين أوغسطين وجيروم) وعلى الأقل أن يعتقد بأن شيشرون مؤمن بالعقيدي الروماني الذي فيه مشاركة وإن كان مختلف عن العقيدي المسيحي (ونسى إراسموس أوتغافل بقصد فترة المساومة بين العقيدي الروماني والعقيدي المسيحي وخلالها تم قبول بعض الأطراف من العقيدي الرومانيالوثني (؟) ، ومن ثم تحول كل هذا النسيج العقيدي المسيحي المتنوع إلى الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية) .

  كما إن إراسموس إعتقد إن شيشرون تعوزه مفردات ومفاهيم اللاهوت المسيحي ، ولهذا أقترح بأن متابعة الشيشروني الجديد ستؤدي بالتأكيد إلى تداول اللغة الوثنية [108]. ومن ثم ذهب إراساموس مُجادلاً ، فعرض بعض الأمثلة التي تؤيد حجته ، ومنها إن الشيشرونيين يُسمون ” الله المسيحي ” بإسم ” جوبيتر ماكسميوس ” ، ويطلقون على ” اليسوع ” ذاته إسم الإله ” أبولو [109]. ويُحاججهم إراسموس أكثر ، فيفترض (لو) إذا شيشرون ذاته تحول و أصبح مسيحياً ، (ماذا سيحدث ؟ وجوابه) إنه بالتأكيد سيتبنى لغة تعتمد أسماء الإنجيل ومفاهيمه . ورأى إن الدفاع عن اللاتين في العصور الوسطى ، وإسلوبهم البربري أي الشيشروني هو قضية تُثير السخرية ، كما إن التمسك الزائد بشيشرون ، يقود إلى تجديد شكل من الإسلوب المسخ (اللاشرعي) . ومن ثم تحول إلى قضية أخرى تخص لغة الإسلوب الشيشروني ، فرأى إن اللغة اللاتينية تحولت إلى ” لغة ميتة ” بدلاً من من أن تكون ” لغة حية ، ووسيلة إتصال عقلية عالمية [110]

  ورسالة شيشرونيس هي في الأصل محاورة كتبها إراسموس ، وشخصياتها كل من الشيشروني نوسبونيس وخصمه بلوفوريس (والذي كان يعرض وجهات نظر إراسموس) وكان مدعوماً من قبل هيبلوغيس وهو في الواقع شبح إراسموس والذي قدم حجته بإسلوب ساخر . وفيها تخيل الشيشروني وهو يُتابع كتابته للنثر في غرفة محكمة حيث لا تتيح لأحد غيرهما من الإستماع إلى حوارهما [111].

   ويبدو لنا أن في محاولة إراسموس قبول للشيشرونية في الأصل وفيها دعوة إلى تعديل لشبكة الخطاب الشيشروني ليتناسب وتوجهات العقيدي المسيحي . ولاحظنا إن هنالك إشكال كبير في هذه الدعوة ؛ فقد قبل القديسان أوغسطين وجيروم وآباء الكنيسة بعدهما شيشرون وتراثه جزءً من تراث ومن مفردات المناهج الدراسي في مدارس الكنيسة . ولهذا نحسب إنها (أي دعوة إراسموس) محاولة فارغة من أي محتوى ودعوة متأخرة جداً . وهي مجرد محاولة هدفت إلى إثارة التناقض وعدم التوافق بين العقيدي الشيشروني والعقيدي المسيحي وبالطبع هذا حق ، وذلك لأن شيشرون وثني من الزاوية المسيحية ، إلا إن العقيدي الشيشروني يشع بأيمان روماني ومتسور بأسوار الدين الروماني وهذا الأمر هو الذي حمل كل من القديسين أوغسطين وجيروم إلى قبولها وفتح أبواب الكنيسة لتعاليم شيشرون ولقرون عديدة ولم تُغلق على الإطلاق بالرغم من بروز هذه الدعوة في بواكير القرن السادس عشر .

  وسبق إن قلنا إن إراسموس نشرها عام 1528 ولم تمض إلا ثلاث سنوات فقط ، فظهر رد عليها وفيه إنتصار إلى شيشرون والشيشرونية ، وجاء هذا الرد في عام 1531 وكتبه الباحث الأكاديمي الإيطالي والطبيب يوليوس سكاليجر (1484 – 1558) والذي صرف معظم حياته في فرنسا . وكان عنوان رده ” خطاب ضد إراسموس ” وهو دفاع عن شيشرون والشيشرونية . إلا إنه أهمل كتاب إراسموس النقدي الساخر وبعنوان شيشرونيس ولم يمسه بشئ من النقد والتقويم [112]. ومن المفيد الإشارة إلى إن يوليوس سكاليجر قد إطلع على كتابات الشيشروني لورنزو فيلا (1407 – 1457)والذي يُصرح بأنه  قرأ شيشرون وكونتليان وقارن بينهما وإنه فضل كونتليان على شيشرون وهذه مسألة فيها نظر . وفيلا في الأصل هو إنساني إيطالي ، وأهميته في تاريخ الشيشرونية تكمن في إنه قام بإصلاح النثر اللاتيني وعلى أساس كلاسيكي يستند على شيشرون والأسس العلمية وأطلق عليه إصطلاح اللاتين الإنساني [113].

  ومن الشيشرونيين في القرن السادس عشر ، شهيد النزعة الأكاديمية العلمية اللاتينية (الفرنسي) إيتني دولت (1509 – 1546) والذي أحرقته قوى الحقد في كلية الإلهيات في جامعة السوربون ، وبالتحديد في 3 آب من عام 1546 وفي عيد ميلاده السابع والثلاثين وبحجة الإلحاد . وكان طيب الله ثراه باحثاً أكاديمياً ومترجماً وناشراً . وإضافة إلى ذلك هو رمز مثير للجدل خلال حياته القصيرة والسبب وراء ذلك نزعته الأكاديمية العلمية التي أثارت الشكوك حول وجهات نظره الدينية . 

  وفعلاً فقد تعرض إيتني دولت للسجن مرات عديدة . ومن ثم تم إلقاء القبض عليه وصدر قرار بحرقه وهو حي مع كتبه وبآوامر من عمادة كلية اللاهوت في جامعة السوربون . وكان إيتني دولت شاعراً يكتب قصائده باللغة اللاتينية ومن أشهرها قصائد حب إلى ألينا . أما أهميته في تاريخ الحركة الشيشرونية فيكمن في إنضمامه إلى التجمع المعادي لإراسموس ومن ثم دخل في الجدل حول الشيشرونية . وكان يومها شيشرون الإنموذج في النثر اللاتيني . وكان حاصلها نشر رائعته في عام 1535 والتي حملت عنوان حوارات في التقليد الشيشروني وفي السنة التالية ظهر له مجلدان لغويان شارحين للغة اللاتينية [114]. وفي هذه السنة ذاتها نشر إيتني دولت رداً على إراسموس ودافع عن الإسلوب اللاتيني الشيشروني [115].

  ومن الذين وقفوا مع شيشرون وإنتصروا إلى الشيشرونية وردوا على إراسموس ، الباحث الأكاديمي والفيلسوف الإيطالي جيولو كامليو (1480 – 1544) . وهو في الأصل من فريولي من الشمال الشرقي الإيطالي حيث ولد فيها ، وصرف سنوات طفولته في مدينة بورتوغرو التابعة لمحافظة فينيسيا . ودرس الفلسفة وفقه القانون في جامعة بادوفا ولسنوات قريبة من عام 1500 ، ومن ثم بدأ يدرس البلاغة والمنطق في أكاديمية فريولي . وخلال العقد الأول من القرن السادس عشر عاش كامليو في فينيسيا وكانت له علاقات مع عدد من الكتاب والفنانين الأوربيين المشاهير . وتعرف خلال هذه الفترة على الفيللوجي دسيدريوس إراسموس ، وكان يومها مشغولاً بأفكاره حول المسرح [116]. وعمل رئيساً لقسم الديالكتيك في جامعة بولونا وبالتحديد للفترة من عام 1521 وحتى عام 1525 . وفي عام 1530 رحل إلى باريس بدعوة من ملك فرنسا فرنسيس الأول (1494 – 1547) وظل في فرنسا حتى عام 1537 . وبدأ يعمل في رائعته فكرة المسرح والتي أكملها في عام 1544 وبعد ثلاثة أشهر توفي كامليو . وفي عام 1550 نُشرت رائعته فكرة المسرح . وفيها إستشهد كامليو بآراء شيشرون وخصوصاً فكرته ” قوة أو ملكة الذكاء [117].

  ومن طرف إراسموس فمن المحتمل إنه قابل كامليو في فينسيا للفترة ما بين 1506 – 1509) وذكر إنه ” شارك بعض الموضوعات ” مع كامليو (وبالطبع منها موضوعات تخص شيشرون والشيشرونية) [118]. كما إن إراسموس تكلم عن كامليو بالإسم في محاورته شيشرونيوس أو الشيشروني في نشرة عام 1528 وأشار إلى عمل كامليو وذكر رسالة كامليو له والمؤرخة في 5 تموز من عام 1532 وبحدود مثل ” الوجود المثير والتراجيديا الكبيرة في الدراسة ” وشبه مثابرة شيشرون بما يشبه ” عمل مارتن لوثر في الدين ” [119].

  أما إستجابة كامليو على مثابرة إراسموس ، فقد حملتها عبارته الشهيرة ” المسرح هو تقليد ” وفيها بالطبع لفظة ” تقليد ” التي تُذكر بشيشرون والتي كتبها كامليو في باريس ، ومن ثم نُشرت في عام 1544 وهي السنة التي مات فيها كامليو [120].

  ومن المناسب أن نشير إلى إن القرن السادس عشر إحتفل بشيشرون وتراثه أكاديمياً ، وبالتحديد في ألمانيا وبالتخصيص في جامعة وتنبيرك . فقد لاحظنا إنه في عام 1546 وفي رحاب هذه الجامعة ، تحول شيشرون إلى مؤلف النثر الرئيس الذي يُدرس في الفصول الدراسي في موضوع اللغة اللاتينية في هذه الجامعة . فمثلاً إن تسعة من عشرة من الفصول الدراسية التي يقدمها فيليب ملانكتون هي مخصصة إلى شيشرون ، بل إن مُثل شيشرون للحياة العامة وضعت في متناول الشباب من البروتستان الألمان ومن ثم كونت معاييراً وموجهات لحياتهم [121].

   كما وإن من الملاحظ إن الحال في أوربا الكاثوليكية ليس بمختلف عن حال أوربا البروتستانتية . فمثلاً الجزيوت [122]فضلوا شيشرون وأولو تراثه إهتماماً ودراسة ، وإنتخبوا مختارات من رسائل شيشرون ، وكان العمل الأولي لهم في الصفوف التي تدرس النحو (قواعد اللغة) . وفي السنة اللاحقة فإن كتابه حول الصداقة أو رسالته التي حملت عنوان حول الشيخوخة كانا مشروع قراءة بجانب الشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م – 17 / 18 ميلادية) [123] والكاتب المسرحي الروماني ترنتيوس (195 – 159 ق.م) [124] و المؤرخ الروماني سولست [125].

   ولاحظ الأكاديميون الغربيون إنه في صفوف الإنسانيات كانت رائعة شيشرون والتي حملت عنوان مناظرات تسكلن (وهي المناقشات التي جرت في فيلا تسكلن التي يمتلكها شيشرون) أو رسائل حول طبيعة الألهة وحول الكومنولث [126] فقد تم إستخدامها مصدراً من المصادر الدراسية بجانب أراسموس ورائعة الشاعر الروماني هواراس والتي حملت عنوان حول فن الشعر ، ومن ثم بعد ذلك فإنه في دروس الخطابة كان المصدر المتداول شيشرون وإنموذجه . ومن الملفت للنظر إن اليسوعيين قد أنتجوا وكتبوا سلسلة مهمة من مصادر الإنسانيات ، والكثير منها كانت شيشرونية ، وكذلك منها كتابات كل من الشاعر الإيطالي توركوانو تاسو (1544 – 1595) [127]، والفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596 – 1650) ، وكاتب التراجيديا الفرنسي بيير كورني (1606 – 1684) ، والخطيب ورجل اللاهوت الفرنسي جاك بنيني بوسه (1627 – 1704) ، وفيلسوف السياسة والقانون الفرنسي مونتسكيو (1689 – 1755) ، وفيلسوف التنوير فولتير (1694 – 1778) ، وبالطبع القائمة طويلة وتضم آخرون [128].

  ومن الملاحظ إنه خلال فترات من نهايات القرن الخامس عشر وبواكير القرن السادس عشر ، وهي فترات المواجهة ما بين البروتستانتية والكاثوليكية ، بدأت رياح النزعة الإنسانية تجد طريقها الرحب إلى المدارس (ومع بواكير القرن السادس عشر تحديداً) . ومن المعلوم إن وصول إراسموس في عام 1499 كان الدافع الحيوي الأولي في هذا الإتجاه . وفعلاً فقد تلقف كل ذلك رجل اللاهوت الإنساني – النهضوي الإنكليزي جون كولت (1467 – 1519) ومن ثم قام بإعادة تنظيم مدرسة سانت بول [129]، وفعل مثل ذلك الكاردينال الإنكليزي توماس ولسي (1473 – 1530) في مدرسته في مدينة إبسوتش الإنكليزية [130].

  وبالمناسبة إن إراسموس كان مُربياً متحمساً وكتب العديد من الملازم الدراسية لطلابه ، كما إنه كان شيشرونياً متحمساً [131]بالرغم من دعوته إلى الإلتفات إلى فارق الإختلافات بين تسميات شيشرون الوثنية وإصطلاحات المسيحية وتمنيه إلى تكييفها مع الإصطلاح المسيحي العقيدي . وهذا يعني إن إراسموس تمنى من إضافة أملاح مسيحية إلى الشيشرونية . وهذه مسألة فيها من لايتفق معه من داخل رواد الفكر المسيحي من أمثال القديسين أوغسطين وجيروم مثلاً وليس حصراً ، وبالطبع هذه قضية سبق إن أشرنا إليها في صفحات سابقة .

  ولاحظنا إنه خلال هذه الفترة ظهرت بعض الرموز التربوية الألمانية والتي كانت تنتمي إلى الشيشرونية ، والتي لعبت من طرفها دوراً في إصلاح النظام التربوي الثانوي ، ومنها شخصية المربي الألماني الشيشروني جونز أو جين سترام (1507 – 1589) والذي تلقى تعليمه في مدرسة القديس جيروم وللفترة ما بين عامي 1521 – 1522 وإنتقل بعد ذلك للدراسة في جامعة ليوفن الألمانية القديمة ، ومن ثم أصدر العديد من الأعمال باللغة اليونانية . وفي عام 1529 إنتقل إلى باريس ووجهت له الدعوة بالتدريس وإلقاء المحاظرات حول شيشرون والخطيب اليوناني ديموستيني (384 – 322 ق.م) . ومن ثم في عام 1537 عاد إلى ألمانيا بدعوة للتعليم في ستراسبيرك وكذلك الإشراف على المدارس البروتستانتية وإستمر لفترة إمتدت ثلاثة وأربعين سنة وخلالها جذبت المدرسة العديد من الرموز التربوية الإحتفالية وتحولت إلى مدرسة إنموذجية للإنسانيات في ألمانيا . وهو من دعاة الإنجيل الإنساني ولذلك تحولت وجهات نظره الإنسانية إلى موضوع جدل ، وكونت إتجاهاً أخذ يُعرف بما يسمى بمسيحية منفتحة بديلة أو مسيحية غير دوكماتية ، وكان بسبب هذه الدعوة موضوع شك وريبة بعيون اللوثريين [132]. وقام جين سترام في ستراسبيرك بنشر العديد من المختارات لتحل محل مؤلفات الشيشروني فيليب ملانكتون (سبق الإشارة إليه) [133]ولتصبح العمل النثري الأول في هذا الفصل الدراسي [134].

 وتصاعد الإهتمام بشيشرون وتراثه في الجامعات البريطانية ، وخصوصاً في جامعتي أكسفورد وكيمبريدج وبصور متحمسه . فمثلاً كان محاضر اللاتينية ريتشارد فوكس (1448 – 1528) وهو المؤسس لكلية المسيح في أكسفورد وكان لفترة عميداً لها [135]. وأخذ فوكس يحاضر رسالة شيشرون المشهورة حول الواجبات ، ومن ثم درس أعمال شيشرون في الخطابة للطلاب في المراحل المتقدمة في الدراسة في الكلية ذاتها [136].

  أما في جامعة كيمبريدج فقد كان شيشرون واحداً من المؤلفين اللاتين في قائمة أعمال توماس شيك [137](توفي في آذار من عام 1659) ، وهو سياسي إنكليزي وعضو في مجلس العموم للفترة الممتدة مابين 1604 – 1659 [138]. وكان توماس شيك ” إنساناً ممتازاً .. ” و كان  يعمل معه عدد من مؤلفي الإنجيل واليونانية ، ويبدو هذا الإختيار ممكناً بصورة عامة وفي عمر يتعلم فيها الطلاب لغات الإنجيل التي لاقت تشجيعاً ملفت للنظر عندما تم تأسيس أقسام ريجس في جامعة كيمبريدج [139].

  كما وإن دراسة شيشرون كانت موضوع إهتمام عام ، وهي لذلك ليست بحاجة إلى التشجيع الخاص بها . فمثلاً إن أفضل الكتاب باللاتينية كان لهم عمل مضمون في الخدمة الدبلوماسية ، وإن الأساتذة في الجامعات غالباً ما يدعون إلى الخدمة والعمل في الحياة العامة بل وحتى يتم إختيارهم لتعليم أولاد العائلة الملكية [140]. والشاهد على ذلك إن توماس شيك كان المعلم الخاص إلى ملك إنكلتراآدورد السادس ” (1537 – 1553) عندما كان صبياً ، والذي توج ملكاً لإنكلترا وإيرلندا في 28 كانون الثاني عام 1547 وكان عمره تسعة سنوات فقط ومات وعمره ستة عشرة سنة [141] . وكذلك كان الباحث الأكاديمي والكاتب التربوي روجر إشام (1515 – 1568) معلماً خاصاً إلى إليزابيث الأولى (1533 – 1603) والتي أصبحت ملكة إنكلترا وإيرلندا من 17 نوفمبر 1558 وحتى وفاتها [142]

  لقد تميزت طريقة تعليم روجر إشام بكونها طريقة تعليم حديثة وذلك لأن هدفه ” ليس تمكين طلابه من الكلام باللاتينية ، وإنما ضبط قواعد (سنتاكس) اللغة اللاتينية ، ومن خلال ترجمة شيشرون إلى اللغة الإنكليزية ، ومن ثم إعادة ترجمته مرة ثانية إلى اللغة اللاتينية ” [143]. والحقيقة إن حديثنا عن إقدام إشام على ترجمة أعمال شيشرون في مشروعه التربوي ، يحملنا على الإشارة إلى أهم أعمال وكتابات إشام حيث نحسب فيها الكثير من الكشوف والدلالات . فمثلاً لاحظنا إن كتابه الأول كان بعنوان عاشق القوس (منا : من القوس والرمح) والذي نشره عام 1545 وأهداه إلى هنري الثامن (1491 – 1547) وهو ملك إنكلترا من 21 نيسان 1509 وحتى وفاته ، وهنري كان الملك الثاني من سلالة أسرة تيودور ، وخلف والده الملك هنري السابع (1457 – 1509) [144].

وفعلاً فقد قدم إشام كتابه عاشق القوس إلى الملك هنري الثامن في غرينتش حال عودته من بولوني . وكان هذا العمل على إسلوب المحاورة الإفلاطونية ، وبين شخصيتين ، وهما كل من تيكفيلس وفيلولوكس ، ونُشر العديد من المرات وللفترة الممتدة ما بين عامي 1571 و1902 [145]. ومن ثم بدأ إشام في عام 1563 العمل في رائعته التربوية والتي حملت عنوان مدير المدرسة والتي نُشرت بعد وفاته وبالتحديد في عام 1570 والتي كتب لها مقدمة السير ريتشارد ساكفيل (1507 – 1560) وهو الإداري الإنكليزي وعضو البرلمان [146]. والذي قال في المقدمة ” إن مدير المدرسة كان جريئاً وصاحب طريقة قاسية ، وحمله على أن يكره التعليم ، وكاد يخسر فرص تعليمه ، واليوم لديه ولد ويتمنى له أن يتعلم ، فإنه سيعرض عليه إشام معلماً ، وسيدفع نفقات تعليم أولاده ، وسيدعو إشام إلى كتابة رسالته التربوية وبعنوان النظام الصحيح للتعليم ، وإن الحاصل من كل ذلك هو كتاب مدير المدرسة [147].

  ومن الصحيح القول إلى إن رسالة مدير المدرسة ليست على العموم تدور حول الطريقة التربوية ، ولذلك ركز الكتاب على تعليم اللغة اللاتينية ، وبهذا الحال فإنه لم يكن معنياً بالمدارس ، بل هو معني في تنشئة الشباب في بيوت الأسياد والنبلاء . والطريقة التربوية هنا تُدافع عن إسلوب الترجمة المزدوجة للكتاب المثالي . وبالطبع الكتاب المثالي المقترح من قبل الإنساني جوانز ستارم (1507 – 1589) كان بعنوان مختار رسائل شيشرون [148]. كما إن من الملاحظ إنه خلال حكم سلالة أسرة تيودور في إنكلترا ، فإن كلاً من البروتستانت والكاثوليك كانو يُفضلون الكلاسيكيات وشيشرون على حد سواء . ومن الملفت للنظر إلى إن روجر إشام كان بروتستانتياً . إلا إنه في الحقيقة كان أكثر كاثوليكية . ولذلك قرر منح كل من ستيفن كاردينر و توماس ولسي درجة بروفسور من كلية أكسفورد ، ومن كلية الثالوث في كيمبريدج والتي أسسها الملك هنري الثامن . كما إنه في عصر إليزابيث تم إنشاء كرسي محاضر اللغة اللاتينية وهو أساساً يدور حول شيشرون [149].

 وإن المتابع للتحولات التي حدثت لشيشرون والشيشرونية خلال هذه الفترة من تاريخ إنكلترا ، يلحظ إن البروتستانت من طرفهم قد نشطوا البحث في تراث شيشرون بصورة متصاعدة وبوتائر أكثر فاعلية . فمثلاً رسالة شيشرون حول الواجبات تحولت إلى غذاء يومي للرجال الذين كانوا على إستعداد للدفاع عن عقيدتهم وتحمل مسؤليتهم الفردية ، وهي العقيدة التي تتسور بمعاييرهم الإخلاقية الخاصة . وفعلاً فإن اللورد وليم سيسل بيركلي (1520 – 1598) كان كبير مستشاري الملكة إليزابيث الأولى ، ومؤسس سلالة أل سيسل التي جاء منها العديد من السياسيين وإثنان من رؤساء الوزارات البريطانيين [150]. ويُنقل عن اللورد وليم سيسل قوله ” غالباً ماكنت أحمل نسخة من كتاب الجيب الصغير لشيشرون والمعنون حول الواجبات ، وكنت أضعه في جيب من جيوب سترتي القريب إلى صدري” [151].

  أما موقف البيورتانز (المُطهرون أو أصحاب النزعة التطهيرية) من شيشرون وتراثه والنزعة الشيشرونية بعده ، فقد إتخذت مواقف متباينة . فمن المعروف إن البيورتانيين ، هم من البروتستانت الإنكليز (المسيحيون الإصلاحيون) في القرنيين السادس عشر والسابع عشر ، وكانوا يتطلعون إلى تطهير وتنقية الكنيسة الإنكليزية من تطبيق كاثوليكية الروم . ومن المعروف إن البيروتانز كانت حركة نشطة بُعيد صعود الملكة إليزابيث الأولى العرش عام 1558 [152].  والحقيقة إن البيورتانز على وجه العموم هاجموا الكلاسيكيون وإعتبروهم من الوثنيين ، ولذلك حاولوا تركيز جُل إهتمامهم على دراسة وتعليم الإنجيل . غير إن الإحيائيين جلبوا معهم حماس جديد إلى شيشرون بصورة خاصة ، وإلى رسالته التي حملت عنوان حول الواجبات والتي تُرجمت من اللاتينية إلى الإنكليزية بعنوان واجبات تيلو أو تيلوس (وهو الإسم الثاني لشيشرون) ومن طبعاته نشرة عام 1720 وتألف من ثلاثة كتب [153]. وهكذا عاد كتاب حول الواجبات إلى مكانته القديمة كتاب يد للجميع والذين يؤمنون بكونهم بشر متحضرون [154].

شيشرون والشيشرونية خلال أشواط الحداثة والمعاصرة

   وحالما سيطرت اللغات المحلية وفرضت هيمنتها على اللغة اللاتينية لغة وخطاب الدبلوماسية ، فإن رسائل شيشرون بدأت تتلاشى من المنهج في المدارس ، وهذا الإسلوب أصبح نهج تطبيع مع جميع لغات القارة الأوربية . والأمثلة كثيرة فالإيطاليون بدأوا عملية التطبيع منذ جيوفاني بوكاشيو (والذي ولد ومات في القرن الرابع عشر) والذي كتب شعره بالإيطالية المحلية [155]. وفي فرنسا كان بلزاك (1597 – 1632) يتقدم الصفوف والذي إشتهر بقصصه القصيرة ورواياته ومسرحياته . ولعل رائعته التي حملت عنوان الكوميديا الإنسانية (والتي تذكرنل برائعة دانتي الكوميديا الإنسانية) [156] ، ومن ثم جاء رجل اللاهوت والخطيب جاك بيني بوسيه (ولد في القرن السابع عشر ومات في بواكير القرن الثامن عشر) وهو من المدافعين عن النظام السياسي الشمولي (المطلق) والحق الإلهي للملوك ، ويعتقد إن الحكومة مؤسسة إلهية وإن الملوك يستمدون سلطتهم من الله . ومن أهم أعماله مؤلفه الذي حمل عنوان خطاب حول تاريخ الكون (1681) وهو بنظر عدد من رجال الكاثوليك هو النسخة الواقعية أو الطبعة الثانية لرائعة القديس أوغسطين مدينة الله . وكتاب بوسيه هو فهم واقعي لميتافيزيقا التاريخ العالمي ، والذي هو حرب واقعية بين الله والشيطان [157]، وتلاه رئيس أساقفة الكاثوليك الروم فرانسوا فنلون (1651 – 1715) والمشهور بروايته التي ألهمت الإنسانيون والتي كانت بعنوان مغامرات تيليماكوس والتي نشرها في عام 1699 بإسم مستعار ومن ثم قامت عائلته بعد وفاته بنشرها بإسمه عام 1717 . وهي الرواية التي مارست تأثيراً كبيراً على رائعة جان جاك روسو أميل أو التربية ” والتي نشرها عام 1762 [158]. وهؤلاء (أي كل من بوكاشيو وبلزاك وبوسيه وفنلون ) كانوا جميعاً شيشرونيون[159].

   أما فولتير فقد قرر التعبير عن وجهة نظره الدينية اللا أرثوذوكسية على صورة رسائل من  ميميوس الأبيقوري إلى شيشرون [160]. وهي بالطبع عملية روائية فيها الكثير من الإختراع رغم إن ” ميميوس الأبيقوري ” ( مات سنة 49 ق .م) وكان معاصراً إلى شيشرون . وميميوس كان خطيباً وشاعراً رومانياً ، وهو نصير الفيلسوف والشاعر الملحمي الأبيقوري لوكرتيوس (99 – 55 ق.م ومات وعمره أربع وأربعين ربيعاً) والمشهور بقصيدته الملحمية التي حملت عنوان حول طبيعة الأشياء والتي ناقش فيها العقيدة الفلسفية الأبيقورية . والحقيقة إن كل ما نعرفه من علاقة ميميوس الأبيقوري بالفيلسوف الأبيقوري لوكرتيوس ، هو إن صاحب ملحمة حول طبيعة الأشياء قد أهداها إلى ميميوس الأبيقوري [161].

  ومن الملاحظ إنه خلال الفترة الممتدة ما بين العقدين الأخيريين من القرن السابع عشر والعقدين الأوليين من القرن الثامن عشر ، قد إهتم عدد من المفكرين والباحثين الإنكليز بتراث الخطيب شيشرون وكانوا من أتباعه . فمثلاً إن كل من الكاتب الساخر والشاعر الإيرلندي الإنكليزي جونثان سويفت (1667 – 1745)[162] والكاتب المُعجمي والناقد الأدبي الإنكليزي صمويل جونسن (1709 – 1784) والمشهور بلقب دكتور جونسن [163]. وكلاهما إقتفى ظل شيشرون وتابع خطاه [164]. وكذلك فعل المؤرخ وعضو البرلمان الإنكليزي آدورد جيبون (1737 – 1794) والذي إشتهر برائعته التي حملت عنوان تاريخ تداعي وسقوط الإمبراطورية الرومانية ، والتي نشرها في ستة مجلدات وخلال الفترة ما بين 1776 و1788 [165]. إلا إن جيبون في الواقع لم يكن شيشرونياً بصورة كاملة ، فقد فشل على حد تقويم  الأكاديمي لاسي في تقديم إيقاع موحد ونسيج مشترك يلمُ المكونات الجوهرية لعمله الخاص[166].

   أما الخطيب والفيلسوف الإيرلندي – الإنكليزي أدموند بيرك (1729 – 1797) فهو من الشيشرونيين في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . صحيح إن أدموند ولد في مدينة دبلن إلا إنه من الصحيح كذلك إنه إنتقل إلى إنكلترا وعمل لسنوات عديدة في مجلس العموم البريطاني . إضافة إلى إنه لعب دوراً مساعداً للثوار الأمريكان وحركة التحرير الكاثوليكية . ولهذا السبب كان أدموند بيرك يحتل مكانة محترمة بين صفوف المحافظين والأحرار في القرن التاسع عشر على حد سواء [167]. وخلال القرن العشرين يُنظر إلى إدموند بيرك على إنه المؤسس الفلسفي لحركة المحافظين [168]. ومن أهم مؤلفاته التي نحتفل بها ؛ تبرئة المجتمع الطبيعي : وجهة نظر للمآسي والشرور التي واجهها البشر ، والتي نشرها عام 1756 [169]. وهو بالطبع عمل ساخر ، وبتقدير وليم كودين ” إنه أول عمل آدبي فيه تعبير عن مفهوم الإنراكية الفلسفية (النزعة اللاسلطوية) [170]. وربما آدموند بيرك ” هو من أعظم الخطباء الذين يتكلمون الإنكليزية ، حيث كان يتكلم بثروة لغوية شيشرونية ويتداول إسلوب شيشرون وجرس صوته الموسيقي المتفرد ، وسلطة وقوة أفكاره ؛ وإن إسلوبه في المحاكاة كان مدروساً وواضحاً وذلك من خلال إقامة الدعوى ضد الحاكم العام الإنكليزي على الهند وارين هاستينغز (1732 – 1818) [171]وإتهامه عام 1788، والتي تم صياغتها بالإعتماد على إنموذج شيشرون في إدانة الحاكم الروماني غايوس فيريس [172](120 – 43 ق.م) وبالتحديد في سوء إدارته لصقلية [173].

    كما ولاحظ الباحث الأكاديمي دبليو . ك . لاسي إن هناك عدداً من معاصري ومنافسي الخطيب الشيشروني أدموند بيرك ، كانوا من الشيشرونيين [174]. وهم كل من السياسي وأصغر رئيس وزارء بريطاني ويليام بيت الأصغر (1759 – 1806) والذي درس الفلسفة السياسية والكلاسيكيات في كلية بيرمبرك في كيمبريدج . ولعل أهميته في مضمار الفلسفة واللغات الكلاسيكية هو إنه كان موهوباً في صباه ، حيث تمكن من اللغة اللاتينية وهي لغة شيشرون وتراثه مكتوب فيها وكذلك تمكن من اللغة اليونانية على حد سواء [175].

  ومن الشيشرونيين البريطانيين في القرن الثامن عشر والعقد الأول من القرن التاسع عشر السياسي البريطاني ووزير الخارجية لفترة قصيرة شارلز جيمس فوكس (1749 – 1806) وهو خصم رئيس الوزراء وليام بيت الصغير . ودرس فوكس في كلية هرتفورد في أكسفورد ، إلا إنه تركها قبل حصوله على أي درجة أكاديمية . ومن ثم قام بجولات في أنحاء أوربا ، وإستقر به المطاف في باريس وأصبح من رواد الصالونات الأدبية الباريسية وتأثر بكل من فولتير وآدورد جيبون وكلاهما شيشرونيان . ويبدو إنه من هذا الطرف تعرف على شيشرون وتراثه . ونظن إن هناك طرف آخر قدم له شيشرون ، فمن الثابت إن فوكس كان مولعاً بالكلاسيكيات والشاهد على ذلك إنه إعتاد على حمل نسخة من كتاب الجيب وكان عن الشاعر الغنائي الروماني هوارس وبالمناسبة إن هوارس كان معاصراً لشيشرون . وربما إن هوارس هو الذي فتح الطريق لقراءة شيشرون أو إن شيشرون هو الذي فتح الطريق لفوكس لقراءة الشاعر هوارس فوقع في حب شعره الغنائي [176].

  وكان من الشيشرونيين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الكاتب المسرحي والشاعر الإيرلندي ريتشارد برينسلي شرايدن (1751 – 1816) ومن ثم عضو مجلس العموم البيريطاني لفترة إمتدت إثنتا وثلاثين سنة . كما كان يملك في لندن المسرح الملكي ، وذاع صيته من خلال العديد من مسرحياته ، من مثل مسرحيته الأول (الكوميدية) والتي حملت عنوان المتنافسون ، والتي عرضت لأول مرة في 17 كانون الثاني من عام 1775 . وهي اليوم تُعد بنظر النقاد واحدة من روائع شرايدن المبكرة [177]. وتلتها مسرحية مدرسة الفضيحة والتي عرضت على خشبة المسرح في 8 آيار من عام 1777 [178]. كما كتب أوبرا دونا والتي عرضت على المسرح لأول مرة في 21 نوفمبر من عام 1775 وعرضت خلال موسمها الأول خمس وسبعين مرة . وهي بنظر الشاعر الإنكليزي جورج جوردن بايرن (1788 – 1824) ” أفضل أوبرا كُتبت على الإطلاق ” [179].

  وعلى هذا الأساس نحسب من المفيد أن نردد مع الأكاديمي لاسي ، فنقول ؛ إن معاصري ومنافسي آدموند بيرك ، وهم كل من وليام بيت الأصغر و شالرز جيمس فوكس وريتشارد برينسلي شرايدن قد عملوا بكل ما إستطاعوا وليس بأقل من ذلك على إعداد مريدهم إلى أن يكونوا ” أتباع مخلصين إلى شيشرون ، وإنهم جميعاً تداولوا وتوسلوا بالوسائل الخطابية الشيشرونية والتي تتمثل بزوج من المرادفات والهوموفون (ألفاظ لها الصوت ذاته وتختلف في المعنى)… ” [180].

  كما كان شيشرون موديلاً (مثالاً) لخطباء الثورة الفرنسية والشواهد المتوافرة عديدة ، منها مثلاً عندما هاجم الروائي الفرنسي جان بابتست لوفيه [181](1760 – 1797) السياسي الفرنسي الراديكالي ماكسميليان روبسبير (1758 – 1794) في عام 1792 فإن شيشيرون كان حاضراً إنموذجاً قوياً في خطاباتهم ، فقد أطلق لوفيه على روبسبير إسم ” كاتلين [182]، و دانتون كراسوس ” وأسس خطابه على خطابات شيشرون ضد كاتلاين . وروبسبير من طرفه أنشأ رده على شيشرون وبالتحديد على خطابات شيشرون إلى سولا [183]، مقارنة بين خصومه من أصحاب المنابر الديموغاجية [184]من طرف ، وتحول أسماء من مثل كلوديوس [185]، كاتلين و شيشرون إلى عناوين للعداوة السياسية و أصدقاء في الثورة . وحينما مسك نابليون بالسلطة ، أخذ يطلق على نفسه عناوين من مثل ” قنصل ” و ” سانتور ” و ” صاحب منبر ” و ” إمبراطور ” (أو جنرال) . ومعلوم إن كل هذه المفردات كانت متداولة في ذلك العصر .. والحال تكرر في الولايات المتحدة الأمريكية ، فأصبح جورج واشنطن (1732 – 1799) الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية ، مثل شيشرون الأب المؤسس لبلده ، وكان توماس جيفرسن (1743 – 1826) شيشرونياً ، وفي مرحلة لاحقة أصبح خطاب إبراهام لينكون (1809 – 1865) الذي قدمه في عام 1863 ليس بأكثر من خطاب شيشروني [186].

   وبالمقابل لاحظنا إن القوميين الألمان لم يكن لديهم الكثير من التعاطي مع شيشرون وتراثه . والشواهد كثيرة منها مثلاً إن الشاعر والكاتب ورجل الدولة الألماني يوهان فولفغانغ غوته (1749 – 1832) قد تلقى دروسه الأولى على يد والده ونفر من المعلمين الخاصين ، والذين قدموا له دروساً في كل علوم عصره ، وخصوصاً اللغات ومنها اللاتينية (وهي بالطبع لغة شيشرون الأم) والكلاسيكيات ، واليونانية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية والعبرية [187].

  وفي عمر مبكر وبالتحديد في الخامسة والعشرين تحول غوته إلى رمز آدبي إحتفالي وذلك من طرف إنه كان كاتباً متعدد المواهب والإهتمامات ، فقد كتب الملحمة والشعر الغنائي والنثر والدراما والميماور (السيرة الذاتية) والنقد الأدبي والجمالي . إضافة إلى إنه كتب المقالات العلمية في مضماري علم النبات والتشريح والألوان . وله أربعة روايات وكتب الرسائل والتي بلغت العشرة آلاف رسالة . وإنضم غوته إلى حركة أدبية حملت عنوان العاصفة والدافع وهي حركة نشأت قبل الحركة الرومانتيكية . وكانت روايته الأولى بعنوان ألام فارتر والتي نشرها عام 1774 والتي تركت أثاراً ملحوظة على حركة الأدب الرومانتيكي . وبعد عودته من جولة في إيطاليا (1788) نشر أول عمل علمي له وبعنوان تحولات النباتات وكان في عام 1790 . ومن ثم نشر خلال عامي 1795 – 1796) ثاني رواية له وكانت بعنوان سنوات تعلم فلهلم مايستر . وبالمناسبة إن الفيلسوف الألماني شوبنهور يحسبُ إن هذه الرواية هي واحدة من أعظم أربعة روايات كُتبت على الإطلاق  [188]. وفي عام 1808 نشر الجزء الأول من عمله الدرامي الإحتفالي فاوست ، والتي تألفت من جزئين [189].

  ويرى الأكاديمي لاسي إلى إن غوته لم يكن معنياً بالتحديد بالتراث الروماني عامة ولا بتراث شيشرون خاصة ، وإنما كان معنياً بكل ما هو إنساني وذلك لكونه ” واحد من الإنسانيين الحقيقيين ” ولهذا ركز شغله الأساس على ” الدراسات اليونانية ” بل ويذهب لاسي إلى  أكثر من ذلك  فيرى إن الأكاديميين الغربيين الذين دققوا في تراث غوته ، قد مسكوا بقوة ” بحضور العناصر اللا رومانية في أعماله ” [190]. ونشعرُ بأن هناك تضخيماً وتعميماً مطلقاً في عبارة الأكاديمي لاسي . فمثلاً إن حضور العناصر اللا رومانية ليس بدليل على إنكار العناصر الرومانية والأدق اللاتينية التي جلبتها دروس تعلم غوته للغة اللاتينية إضافة إلى الكلاسيكيات التي كانت لغتها بالطبع هي اللاتينية . كما إن غوته هو واحد من الإنسانيين وإن جلُ الإنسانيين كما بين هذا البحث بشهادات قوية كانوا على الأغلب شيشرونيون .

   كما إن الشاهد الألماني الثاني الذي قدمه لاسي ، هو ما حدث في ألمانيا بسمارك ، فإنها شهدت عودة قوية إلى ما يمكن أن نسميه بلغة لاسي ” إلى المناخ الثقافي الشيشروني و ” العناصر الرومانية ” في تراث ألمانيا بسمارك [191]وهموم سياسيه ومؤرخيه ، والتي طبعت روح ومنهجية عملية الإنشاء والكتابة الألمانيتين ، وبالتحديد في نماذج متفردة ومبدعة فرضت هيمنتها على دوائر البحث الأكاديمي الأوربي . فمثلاً المؤرخ والباحث الأكاديمي الألماني في الكلاسيكيات ثيودور مومسن (1817 – 1903) [192]والذي كتب رائعته عن التاريخ الروماني ، وعالج فيها ما يُسمى بعقيدة ” يوليوس قيصر ” . وهذه الرائعة الألمانية تُعد اليوم ” مصدراً أكاديمياً أساسياً للبحث المعاصر ” والتي على أساسها فاز مومسن بجائزة نوبل عام 1902 [193]. ويُعلق لاسي على إهتمام كل من بسمارك ومعاصره المؤرخ مومسن بنحلة (طائفة) القيصر ، وهي صورة ” تعكس تطلعات رجاله من الإصول الريفية ، والتي توازي في درجات الإخلاص والتفاني ، إخلاصهم إلى تاسيتس (وهي إشارة صريحة إلى شيشرون والتي  تُنسب له محاورة  تحت عنوان تاسيتس ، كما إن هناك السنتور الروماني والمؤرخ بابليوس (أو غايوس) كورنيلوس تاسيتس (ولد عام 57 ميلادية – وتوفي بعد 107 ميلادية) [194] من طرف و إسطورة ألمانيا التي لا تُقهر والعيون اليقضة التي تُراقب الراين من طرف آخر [195]. ونحسبُ بيقين عال إن لا علاقة بين تاسيتس شيشرون وتاسيتس بابليوس كورنيلوس تاسيتس وذلك لأن شيشرون مات قبل بابليوس تاسيتس بأكثر من قرن من الزمن . وعلى أساس هذه الحقيقة التاريخية نُرجح تاسيتس أخر كان معاصراً لشيشرون والذي خصه بهذه  المحاورة .

  ونعرف إن شيشرون أهدى بعض من محاوراته إلى صديقة الخطيب والفيلسوف الروماني كوانتيس تاتيوس بومبونيوس أتكيوس (ولد نهاية 110 – وتوفي سنة 32 ق.م) وهو بالطبع لا علاقة له بكلا تاسيتس . وفعلاٌ فقد أهدى له رسالته التي حملت عنوان حول الصداقة ، والتي كتبها عام 44 ق .م  ومن الشائع عن أتكيوس صاحب ذوق عالي ويمتلك حجة سليمة وتميز برجاحة فطنته وحذاقته المالية ، وكان أتكيوس من المتعاطفين مع الأبيقورية [196] . كما وهناك مراسلات بين شيشرون وأتيكيوس [197].

تعقيب ختامي :

    لاحظ الأكاديميون الغربيون إن بريطانيا القرن التاسع عشر قد تعاملت مع اللغات الكلاسيكية ، على صورة نمط من التدريب العقلي الفعال في المدارس ، ونوع من الفاعلية الذهنية في الإنشاء والتأليف ورجحتها بديلاً على فهم الأداب اليونانية والرومانية (اللاتينية) . وكان الحاصل من كل هذا التحول إن تخلت الكثير من العقول ، مثل الدارونيين من مضمار الكلاسيكيات . والحال كذلك في المدارس العامة ، فإن دفاع شيشرون عن الملكية جاء على حساب هجومه على ” دعاوي الميلاد وسياسات الرواية السرية ، وكان مثاله الأوبتميست [198] أي النبيل والذي إقترن بالشخص الثري بدلاً من معارضي الطغمة العسكرية والإنقلابات [199]. وحتى في القرن العشرين ، وإن كانت دروس اللغة اللاتينية هي دروس مساعدة لطلاب المدارس على الإطلاق ، فإن مقاومة الطغيان التي قادها الخطباء الذين سواء كانوا واعين إلى ذلك أم لا ، فإنهم وجدوا أنفسهم يستعملون رسائل شيشرونية [200].

————————————————————————

الهوامش

 – أنظر : إليزابيث راوسن ؛ شيشرون : صورة شخصية (بالإنكليزية) ، مطبعة برستول للكلاسيكيات 1994 (تكون من 357) . [1]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 1 . [2]

 – أنظر المصدر السابق .[3]

 – المصدر السابق ، ص 7 . [4]

 – كونتيوس تيلوس شيشرون أرسله والده مع أخيه الأكبر ماركوس شيشرون للدراسة في روما وأثينا وربما إلى رودس . وتزوج حوالي 70 ق.م  [5]

من بومبونيا وهي أخت أتسيوس بومبونيوس (110 – 31 ق.م) وهو صديق الفيلسوف شيشروب المقرب .وكانت بومبونيا إمرأة قوية مهيمنة ومزاجية وطلقها بعد زواج غير منسجم . وتدخل أخيه الفيلسوف شيشرون للتوفيق ولكنه لم يوفق بينهما فطلقها وكان حصيلة زواجهما ولادة إبنه ” كونتيوس تيلوس شيشرون ” الذي يحمل الإسم ذاته . ويصف يوليوس قيصر الأخ كونتتيوس ” بأنه كان جندياً شجاعاً وقائد عسكري ملهم ” وتنسب له العديد من المسرحيات وقصائد الشعر .. أنظر إنثوني إيفرت ، المصدر السابق ، ص 15 .

 – المصدر السابق ، ص ص 5 – 6 . [6]

 – أنظر : هنري جوزيف هاكسل ؛ هذا هو شيشرون ، 1964 ، ص 83 . [7]

 – أنظر : فلوطرخس (بلوتارك) ؛ حياة شيشرون (من كتاب الحياة المتوازية) ، مطبعة لوب للكلاسيكيات 1919 ، المجلد السابع (أون لاين) . [8]

 – أنظر المصدر السابق .[9]

 – والفيلسوف بانتيوس الرواقي هو تلميذ كل من الفيلسوف العراقي (بالولادة وبدراسة الفلسفة في المدرسة الرواقية في مدينة سلوقيا الواقعة على  [10]

ضفاف دجلة والمقابلة لمدينة سلمان باك جنوب بغداد) ديوجانس البابلي أو السلوقي (ولد حوالي150 أو 140 – ومات حوالي 230 ق.م) والفيلسوف الرواقي إنتبيتر (مات عام 130 ق.م) وهو كذلك تلميذ ديوجانس البابلي وخليفته على المدرسة الرواقية في أثينا … أنظر : كيمب أليكرا وأخرون (المشرفون) ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدح 2008 ، ص ص 41 – 42 .

 – أنظر : كيمب أليكرا ؛ المصدر السابق . [11]

 – كونتيوس سكافيلو وهو رجل التشريع خلال الحرب الأهلية التي حدثت للفترة ما بين عامي 91 – 88 ق.م . إضافة إلى كونه متبحراً في القانون[12]

الروماني بل وله سلطة ومرجعية مبكرة فيه . وكان معلماً ومشرفاً على السياسي والخطيب شيشرون . ودرس سكافيلو القانون أولاً على يد والده . أما في مضمار الفلسفة فقد كان معلمه والمشرف عليه الفيلسوف الرواقي بانتيوس الرواقي الروديسي . وقد خلد شيشرون أستاذه في ثلاثة من أعماله وهي على التوالي ؛ أولاً – محاورة بعنوان حول الخطابة ومن ثم جاءت بعنوان الخطيب المثالي في ترجمتها الإنكليزية (أنظر : شيشرون حول الخطيب المثالي ، ترجمة ج . أم . ماي و ج . ويس ، مطبعة جامعة أكسفورد 2001 . وثانياً – مقالة (أو رسالة) بعنوان حول الصداقة وهي مقالة فلسفية تابع في كتابتها الإسلوب المبكر الذي تداوله الفلاسفة اليونان (وهي محاورة كذلك) . أنظر : شيشرون ؛ حول الصداقة ، ترجمها إلى الإنكليزية دبليو . أي . فليكونر مع مقدمة ، مكتبة لوب الكلاسيكية ، مطبعة جامعة هارفرد 1923 (وتمت مراجعتها عام 1978) . وثالثاً – محاورة جاءت بعنوان حول الجمهورية ومن ثم بعنوان حول الكومنولث وهي محاورة فلسفية أثارت الكثير من الجدل . أنظر : شيشرون ؛ حول الجمهورية ، ترجمة ج . إي . ريتزل ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1995 .   

 – وماركوس روفس هو الخطيب والسياسي الإيطالي في أواخر الجمهورية الرومانية . وفي العشرينات من عمره إرتبط  بكل من الجنرال   [13]

ماركوس كراسوس (115 – 53ق.م) والفيلسوف شيشرون . وفعلاً فقد كانت له مراسلات مع شيشرون . ووقف روفس مع يوليوس قيصر ضد القائد العسكري والسياسي بومبيوس الكبير (106 – 48 ق.م) في الحرب الأهلية .. أنظر : توم هولند ؛ الإنتصار وتراجيديا الجمهورية الرومانية ، لندن 2004 .   

 – أنظر : إليزابيث راوسن ؛ المصدر السابق ، ص ص 14 – 15 . [14]

 – أنظر : ريتشارد توماس ؛ قصيدة جيريكا ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1988 . [15]

 – أنظر : إنثوني إيفرت ؛ شيشرون : وعصر السياسيين الرومان العظماء ، دار نشر رندم 2001 ن ص 35 .[16]

 – أنظر : ميكن هيل وليمز ؛ الراهب والكتاب : جيروم والدراسات الأكاديمية المسيحية ، شيكاغو 2006 . [17]

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى إيتكيوس (ثلث مجلدات) ، ترجمها إلى الإنكليزية إي . أو . وتستدت ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات 1912 ،   [18]

الفقرة 7 . 2 .

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى الأصدقاء ، ترجمة شكلتن بيلي ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات  ، المجلد الأول وضم الرسائل من 1 وحتى  [19]

113 .

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى إيتكيوس (المصدر السابق) .[20]

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى الأصدقاء (مصدر سابق) ، الفقرة رقم 16 .21 .  [21]

 – أنظر: تورستن بيترسن ؛ شيشرون : سيرة ذاتية ، دار نشر بابلو وتانن ، نيويورك 1963 ، ص 2 .[22]

 – إنظر : بلوتارك ؛ حياة شيشرون ، (من الحياة المتوازية) ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات 1919 ، المجلد السابع ، الفقرة 49 (ص 209) .[23]

 – أنظر : أدورد زيلر ؛ موجز تاريخ الفلسفة اليونانية ، دارنشر روتليدج 2014 ، ص 306 . [24]

 – أنظر للتفاصيل : أي . دي . رسل ؛ بلوتارك ، دار نشر ديوكورث 1972 وكذلك كريستوفر بيلينغ ؛ بلوتارك والتاريخ : ثمان دراسات ، [25]

لندن 2002 .  

 – أنظر : روبرت لامبرتون ؛ بلوتارك ، دار نشر نيو هيفن ، مطبعة جامعة ييل 2001 . [26]

 – أنظر : بلوتارك ؛ الحياة المتوازية ، ترجمة ونشر مكتبة لوب للكلاسيكيات 1914 (من مقدمة المترجم) .[27]

 – أنظر : بلوتارك ؛ حياة شيشرون ، وهو جزء من كتاب بلوتارك الحياة المتوازية (المصدر السابق) ، ص ص 83 – 209 وتكون حياة شيشرون [28]

من 49 فقرة ومن ملاحظات الناشر التي تكونت من 24 ملاحظة .

 – أنظر : ديفيد ستوكتن ؛ شيشرون : سيرة سياسية ، مطبعة جامعة أكسفورد 1971 ، الببلوغرافيا ، ص 346 .[29]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخ الفلسفة اليونانية ، موقع الفيلسوف ، 2 ديسمبر 2010 .[30]

 – الإفلاطونية المتوسطة هي إصطلاح أطلقه المحدثون على مرحلة من تطور فلسفة إفلاطون . وهذه المرحلة شغلت الفترة ما بين عام 90 ق.م [31]

وبالتحديد عندما رفض فيلسوف الأكاديمية إنطوكيوس إسكيلون (تقريباً 125 – 68 ق.م) النزعة الشكية التي هيمنت على الأكاديمية الجديدة ، وإمتدت حتى تطور الإفلاطونية الجديدة على يد إفلوطين في القرن الثالث الميلادي . والحقيقة إن الإفلاطونية المتوسطة ضمت مبادئ فلسفية لمدارس متنافسة للإفلاطوني ، وهما مبادئ المشائية والرواقية . أما بلوتارك فقد دافع عن حرية الإدرادة وخلود النفس … للتفاصيل أنظر : جون مايلز ديلون ؛ الإفلاطونيون في المرحلة المتوسطة ، مطبعة جامعة كورنيل 1977 .  

 – أنظر : روبرت لامبرتن ؛ بلوتارك ، دار نشر نيوهيفن ، مطبعة جامعة ييل 2001 . [32]

 – إنظر : بلوتارك ؛ الحياة المتوازية (مصدر سابق) . [33]

 – إنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ بلوتارك مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، سيظهر فصلاً في كتابنا المعنون تأملات في الفلسفة اليونانية .[34]

 – أنظر بلوتارك ؛ المصدر السابق ، الفقرات من 1 – 49 .[35]

 – أنظر : تورستن بيترسن ؛ المصدر السابق . [36]

 – أنظر : أرثر ويلزر ؛ كونتليان ، جمعية الخطابة ، المجلد 33 ، العدد الرابع ، سنة 2003 ، ص ص 36 – 37 . [37]

 – أنظر : جورج كندي ؛ كونتليان ، دار تاوين للناشرين ، نيويورك 1969 . [38]

 – أنظر : كوين أويبري ؛ التربية الرومانية : من شيشرون وحتى كونتليان ، مطبعة كلية المعلمين ، نيويورك 1926 . [39]

 – أنظر : بول هالسل ؛ المصدر الأساس للتاريخ القديم : كونتليان : التربية المثالية 90 ميلادية ، 1998 . [40]

 – أنظر : بيتي راديس ؛ رسائل بليني (أو بيلنيوس) الأصغر ، كلاسيكيات بنجوين ، لندن 1963 . [41]

 – أنظر : تيفور مورفي ؛ التاريخ الطبيعي لبيلني الكبير : الإمبراطورية في الإنسكلوبيديا ، مطبعة جامعة أكسفورد 2004 [42]

 – أنظر : بيتي راديس ؛ رسائل بيلني الشاب ، كلاسيكيات بنجوين 1975 . [43]

 – أنظر : بيلني ؛ رسائل بيلني الشاب ، ترجمة بيتي راديس ، كلاسيكيات بنجوين 1975 ، ص 114 .[44]

 – المصدر السابق . [45]

 – أنظر : إنثوني إيفريت ؛ أوغسطس : حياة الإمبراطور الأول لروما ، دار نشر رندم ، نيويورك 2006 ، ص ص 312 – 320 .[46]

 – أنظر للتفاصيل ؛ دبليو . ك . لاسي ؛ شيشرون ونهاية الجمهورية الرومانية ؛ دار نشر هودر وستوكتن ، لندن 1978 ، ص ص 170 وما بعد .[47]

 – للتفاصيل عن الخطيب ديموستيني الأثيني ، أنظر : دوكلس ماكيدول ؛ الحطيب ديموستيني ، مطبعة جامعة أكسفورد 2009 .[48]

 – أنظر : دبليو لاسي ؛ المصدر السابق ، ص 170 .[49]

 – للتفاصيل عن الفيلسوف إفلاطون ، أنظر: كيل فاين ؛ إفلاطون : الأخلاق ، السياسة والدين والنفس ، مطبعة جامعة أكسفورد 1999 ، ص ص[50]

1 – 33 .

 – أنظر للتفاصيل حول القديس أوغسطين : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ القديس أوغسطين : بين الرواية المانوية واللاهوت المسيحي ، موقع[51]

الفيلسوف ، 1 ديسمبر 2013 .

 – أنظر للتفاصيل : جون هاموند تايلور ؛ سانت أوغسطين وهورتنسوس (أو حول الفلسفة) لشيشرون ، دراسات في الفيللولوجيا ، مطبعة جامعة[52]

شمال كارولونيا ، المجلد الستون ، العدد الثالث ، تموز 1963 ، ص ص 487 – 498 .

 – أنظر : روب كودمان وجيمي سوني ؛ المواطن الروماني الأخير ، حياة وميراث كوتو : العدو الفاني لقيصر، مطبعة القديس مارتين ، الولايات[53]

المتحدة الأمريكية ، 2012 . وهو القنصل ماركوس كوتو (95 – 46 ق.م) وكان سياساً ورجل دولة في أواخر الجمهورية الرومانية ، وهو من أتباع الفلسفة الرواقية في عصره ، ودخل في صراع طويل مع القيصر ، وإنتحر في عام 46 ق.م . وتفسير كوتو كان يجري في خط معارض للفهم اليوناني للفلسفة الرواقية ، وهو عدم المشاركة في الحياة العامة . إلا إن الرومان حاولوا دمج التعاليم الرواقية في إطار حياتهم المدنية . وألف القيصر كُتيباً معادياً لكوتو وبعنوان ضد كوتو . إلا إنه ضاع وطواه النسيان . غير إن بعض المقاطع منه ظلت محفوظة في عمل بلوتارك والذي حمل عنوان حياة كوتو . أنظر : روب كودمان وجيمي سوني ؛ المصدر السابق .

– أنظر : أي . كلارك ؛ الخصائص الإلهية : الطائفية والجماعة في روما الجمهورية ، مطبعة جامعة أكسفورد 2007 ، ص 127 .[54]

 – أنظر : آرثر كيفيني ؛ ليسليوس : الحياة ، دار نشر روتليدج ، لندن 1992 . [55]

 – أنظر : أش . باركر ؛ الفنون السبعة الحرة ، مجلة المراجعة التاريخية الإنكليزية ، المجلد الخامس ، العدد التاسع عشر ، ص ص 417 -[56]

461 . ومن الملاحظ إن كابيلا هو واحد من الذين طوروا منهاج الفنون السبعة الحرة ، والذي كون الصورة المبكرة للتربية في العصور الوسطى . وجاء كابيلا من المحافظة الرومانية الأفريقية (الجزائر) . ويبدو إنه كان يعمل في القضاء في قرطاج . وعرض وجهات نظر فلسفية نهضت على  أساس الإفلاطونية الجديدة وهي المدرسة الفلسفية التي كان الرائد في تأسيسها إفلوطين (205 – 270 ميلادية) وطلابه . أنظر : دناتي شانزر ؛ شرح فلسفي وآدبي حول كتاب مارتينوس كابيلا حول الفنون السبعة ، الكتاب الأول ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1986 ، الصفحات 14 ، و136 .

 – أنظر للتفاصيل : ريتشارد جانكيز ؛ الملحمة الكلاسيكية : هوميروس وفيرجل ، دار نشر دوكورث ، لندن 2007 . [57]

 – أنظر : ج . أن . كيلي ؛ جيروم : حياته ، كتاباته والجدل حولها ، بيبودي 1998 . [58]

 – أنظر : أم . أس . سلاتر ؛ شيشرون ونقاده ، المجلة الكلاسيكية (تصدر عن الرابطة الكلاسيكية للغرب والجنوب) ، المجلد 17 ، العدد[59]

3 ، ديسمبر 1921 ، ص ص 120 – 121 .

 – أنظر : ميشيل ولكس (الناشر) ؛ عالم جون سالسبيري ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد 1997 .[60]

 – أنظر : دبليو لاسي ؛ المصدر السابق .[61]

 – للتفاصيل عن مصادر الكوميديا الإلهية ، بالطبع هناك من يتحدث عن أثر إسلامي في الكوميديا الإلهية  أنظر : كميل الكيلاني و ج . [62]

يرالينبري ؛ مدخل إلى رسالة الغفران : الكوميديا الإلهية ، طبعة المعارف 1943 ، ص 8 .وكذلك أنظر : وليم مونتكمري واط وبيير كاشي ؛ الأثر العربي في أوربا العصور الوسطى ، مطبعة أتيكا 1996 ، ص 70 . وأنظر المناقشات الغربية التي ترجح إن الكوميديا الإلهية هي ولادة البيئة الثقافية الأوربية ، أنظر : بيتر هوكينز وريشل جاكوف (الناشران) ؛ الشاعر دانتي : إستجابة القرن العشرين ، دار نشر فارر ، نيويورك 2001 .

 – أنظر : دبليو لاسي ؛ المصدر السابق .[63]

 – للتفاصيل عن كتب التحولات للشاعر أوفيد ، أنظر : بروكيز مور ؛ شرح وليم بوير على كتاب أوفيد التحولات (الترجمة) ، شركة جونز [64]

مارشال 1978 ، ص 353 وما بعد . وكتاب التحولات هو قصيدة شعرية ملحمية لاتينية تدور حول تاريخ العالم منذ الخليقة وحتى تأليه يوليوس قيصر . وهذه الملحمة الشعرية ألهمت العديد من الشعراء والروائيين منهم دانتي وشكسبير مثلاً . وصدر أول مرة باللغة اللاتينية وبالتحديد عام 8 ق.م ومن ثم تُرجم العديد من المرات إلى اللغة الإنكليزية .

 – نسبة إلى الإمبراطورية الكاررولنجية (التي حكمت للفترة من 800 – 924 ميلادية) وكانت بيد السلالة الكارولنجية. انظر للتفاصيل : سايمون [65]

ماكلين ؛ المملكة والسياسة في نهاية القرن التاسع الميلادي : مصير شارلز ونهاية الإمبراطورية الكارولنجية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2003 .

 – أنظر : دبليو لاسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 170 – 171 . [66]

 – ومن أهم أعمال سيدليوس سكوتس شرحه على كتاب إيساغوجي لفرفريوس الصوري أو مدخل إلى منطق أرسطو . كما وكانت له قبل ذلك    [67]

رسالة بالغة الأهمية في الأخلاق المسيحية . ويبدو إنها كانت رسالة بيداغوجية تهدف إلى تعليم الأمراء والحكام المسيحيين . وكذلك كانت له رسالة في الوادبات بعنوان مرآة الأمراء . أنظر : شارلز هربرمانا ؛ سيدليوس سكوتس ، الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة روبرت إبلينتون 1913 .

 – أنظر للتفاصيل : ج . كنك ؛ مناظرات تسلن : المدخل ، مكتبة لوب الكلاسيكية 1927 . وكذلك مرسيا كولش ؛ التقليد الرواقي من العصور[68]

القديمة وحتى بواكير العصور الوسطى (1 – الرواقية في الأدب اللاتيني الكلاسيكي) ، ليدن 1990 .

 – أنظر للتفاصيل : فيكتور واطس ؛ بوثيوس : عزاء الفلسفة ، كلاسيكيات بنجوين 1999 (تألف من 154 صفحة) .[69]

 – أنظر : جون مارينبون ؛ صحبة كيميريدج مع بوثيوس ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2009 .[70]

 – أنظر : دبليو لاسي ؛ المصدر السابق ، ص 171 . [71]

 – أنظر مادة ” الكسندر نكهام ” ؛ إنسكلوبيديا روتيليدج للعصور الوسطى 2005 . وكذلك أر . دبليو هانك ، مركريت جبسن ؛ المدارس والأديرة [72]

: حياة وكتابات الكسندر نكام (1157 – 1217) 1984 .  

 – دبليو لاسي ؛ المصدر السابق . [73]

 – أنظر للتفاصيل : شارلز ناورت ؛ النزعة الإنسانية وثقافة النهضة الأوربية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط2 2006 .[74]

 – أنظر : بارتليت كينث ؛ حضارة النهضة الإيطالية ، دار هيث وشركائه 1992 ، ص ص 43 – 44 .[75]

 – أنظر شارلز ناورت ؛ المصدر السابق . [76]

 – أنظر للتفاصيل : توماس بيرجن وآخرون ؛ أفريقيا بترارك (الترجمة الإنكليزية) ، دار نشر نيو هيفن ، مطبعة جامعة ييل 1977 ، وأنظر[77]

كذلك : ألداو برناردو ؛ بترارك ، سكيبو وأفريقيا : ولادة حلم الإنسانية ، مطبعة جونز هوبكنز 1962 ، ص ص 127 – 167 .

 – شيشرون ؛ رسائل إلى إتكيوس ، المجلد الأول ، مكتبة لوب الكلاسيكية 1999 .[78]

 – ثيودور أي . مامسن ؛ مفهوم بترارك للعصور المظلمة ، مجلة تاريخ الأفكار ، كانون الثاني 1943 ، المجلد الرابع ، العدد الأول ، [79]

ص ص 69 – 74 .

 – أنظر : مدخل إلى كتاب الأغاني ، ترجمة إنثوني مورتايمر ، دارنشر بنجوين ، لندن 2002 ، ص 14 من المدخل .[80]

والموضوع الرئيسي لكتاب الأغاني لبترارك ، هو حب لورا ، وهو موضوع مثير للجدل . ففي 6 نيسان من عام 1327 تخلى بترارك من مهنته

قساً في الكنيسة بعد مشاهدته لوجه لورا في كنيسة سانت كلير . وهذه المشاهدة أيقضت الشاعر وحركة مشاعره .. ولورا ربما هي لورا دي نوفز ، وهي زوجة الكونت هيجوز دي ساد ، ولا يتوافر إلا القليل من المعلومات حول عمل بترارك وعلاقته بلورا .. للتفاصيل أنظر : مايكل سبلير ؛ تطور السونات ، دار نشر روتليدج ، لندن 1992 .   

 –  أنظر : فيكتوريا كيركهام ؛ بترارك : دليل نقدي إلى الأعمال الكاملة ، مطبعة جامعة شيكاغو 2009 .[81]

 – أنظر : فرانشيسكو بترارك ؛ حول الفسحات الدينية ، ترجمة سوزان سيشرر ، مقدمة رونالد وط ، دار نشر أتيكا ، نيويورك 2002 .[82]

 – أنظر دبليو لاسي ؛ المصدر السابق .[83]

 – أنظر : جوزيف كونسلي ؛ جيوفاني بوكاشيو : سيرة ذاتية ، دار نشر جيرلاند ، نيويورك 1992 . [84]

 – أنظر : برنكا فيتور ؛ بوكاشيو : الإنسان وأعماله ، ترجمة ريتشارد مونكر ، مطبعة جامعة نيويورك 1976 . [85]

 – أنظر : جيوفاني بوكاشيو ؛ مشاهير النساء ، ترجمة فيرجينا براون ، مطبعة جامعة هارفارد 2001 . [86]

 – أنظر : جيوفاني بوكاشيو ؛ الغراب ، ترجمة وإشراف إنثوني كاسيل ، مطبعة جامعة بنسلفانيا 1975 . [87]

 – جيوفاني بوكاشيو ؛ حياة دانتي ، ترجمة فانسيزو زن بولتانيو ، دار نشر جيرلاند ، نيويورك 1990 . [88]

 – دبليو لاسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 171 – 171 . [89]

 – لورنزو تنزاني ؛ رسائل (145 / 146) (المصدر السابق) ، ص 100 . [90]

– أنظر للتفاصيل عن إصول الحركة الإنسانية الإيطالية : رونالد وط ؛ لمسات القدماء : إصول الإنسانية من لافتو لافتي وحتى لينارد برني ،  [91]

بوسطن 2000 .

 – للتفاصيل عن عائلة مديشي ودورها في الحياة الأيطالية ، أنظر : هارولد إكتن ؛ الميديشي الأخير ، دار نشر ماكميلان ، لندن 1980 . [92]

 – أنظر : نورمان زاكور (المترجم) ؛ بترارك 1973 والرسائل باللاتينية ومنها ؛ 6 ، 9 ، 10 ، و19 ومعنونة إلى القس فرانشيسكو نيل [93]

(فلورنسا) .  

 – أنظر : لورنزو تنزاني ؛ رسائل (145 / 146) ، ص 103 . [94]

 – أنظر : لاسي ؛ شيشرون ونهاية الجمهورية الرومانية (مصدر سابق) ، ص 172 .[95]

 – أنظر المصدر السابق .[96]

 – أنظر لمزيد من التفاصيل : ألبرت كلارك ؛ إكتشاف بوجيو براشيوليني الأدبي ، مجلة المراجعة الكلاسيكية ، كيمبريدج 1899 ، ص ص 119 [97]

– 130 . وكذلك : جون أوبيل ؛ الأسس الأخلاقية لسياسات النهضة : دراسة في فلسفة بوجيو براشيوليني السياسية الإنسانية والإجتماعية

(1380 – 1459) ، إطروحة دكتوراه ، جامعة برنستون 1972 . وأيضاً : ريكاردو فيابوني ؛ النزعة الإنسانية والعلمانية : من بترارك وحتى فيلا ، ترجمة مارثا كنك ، مطبعة جامعة ديوك 2003 . وبنجامين كوهل وآخرون ؛ الجمهورية الدنيوية (الأرضية) : الإنسانيون الإيطاليون حول الحكومة والمجتمع ، مطبعة جامعة بنسلفانيا 1978 .

 – أنظر للتفاصيل : لوكريتيوس ؛ حول طبيعة الأشياء (وترجمته كلاسيكيات أكسفورد بصورة أخرى ، وبعنوان حول طبيع الكون أو العالم)  [98]

وتألف من سبعة ألاف وأربعمائة بيتاً من الشعر وطبعت في ستة كتب ) والكتاب جبع لأول مرة عام 1473 . وأنظر : جيمي سو ؛ الكتاب الذي غير العالم ، بيست اليومية 7 إكتوبر 2011 .

 – أنظر : أي . ج . كيني ؛ مدخل إلى لوكريتيوس حول طبيعة الأشياء ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1971 .[99]

 – أنظر مثلاً : رسائل بوجيو براشيوليني إلى نيكولو دي نيكولي ، مطبعة جامعة كولومبيا 1991 . [100]

 – أنظر : شيشرون ؛ خطاب الدفاع عن سيكسوس روسكيوس أمريا ، جمعية اللغة القديمة 2007 (أون لاين) .[101]

 – لاسي ، المصدر السابق .[102]

 – وفيليب ملانكتون هو ألماني و من المؤسسين الأوائل مع مارتن لوثر لحركة الإصلاح الديني البروتستانتي ، ومن ثم كان بروفسوراً في    [103]

 اللغة اليونانية في جامعة ويتنبيرك ،  وكان عمره يومذاك أحد وعشرين ربيعاً ، ومن ثم تزوج من كاثرين كاربي بنت محافظ ويتنبيرك عام 1520. وكان مهتماً بالرياضيات اليونانية وعلم الفلك والتنجيم والفلسفة الطبيعية وبالمناسبة رفض فلسفة أرسطو . ويُعد الأب الروحي للإنسانية المسيحية . وكان يردد دائماً ” إننا لم نعد مهتمين بأرسطو مثلما نهتم بشيشرون وكان شغوفاً بكتاب شيشرون الواجبات . للمزيد ، أنظر : ديفيد باكش وديفيد ستينمتس (الناشران ؛ صحبة كيمبريدج إلى اللاهوت الإصلاحي ، مطبعة الجامعة الكاثوليكية الأمريكية 2004 (300 صفحة) .

 –  لاسي ؛ المصدر السابق .[104]

 – كيت روبنسن ؛ الشهرة واللسان أو هبة الثرثرة (ساخرة) ، نشرت عام 1528 (أون لاين) . [105]

 – أنظر : بول مونرو ؛ المدخل ، شيشرونيوس (أو الشيشروني) أو محاورة حول الأسلوب الأحسن في الخطاب ، كلية المعلمين 1908 . [106]

 – أنظر المصدر السابق .[107]

 – أنظر المصدر السابق .[108]

 – المصدر السابق ، ص 9 . [109]

– أنظر للتفاصيل : إراسموس ؛ شيشرونيس أو حوار حول أحسن إسلوب في الخطاب ، ترجمة إيزورا سكون ، كلية المعلمين – جامعة [110]

كولومبيا ، نيويورك  1908 (تكون من 130 صفحة) .  

 – أنظر : كيت روبنسن ؛ المصدر السابق . [111]

 – أنظر : يوليوس سكاليجر ؛ خطاب ضد إراسموس ، باريس 1531 وفيه تحليل لكتابات شيشرون .[112]

 – أنظر : لودي نيوتا ؛ لورنزو فيلا ، موسوعة ستانفورد للفلسفة 2013 (أون لاين) . [113]

 – للتفاصيل أنظر : ريتشارد كوبلي كريستي ؛ إيتني دولت : شهيد النهضة ، ط2 1889 ، وضم سيرة ذاتية كاملة وقائمة بأعماله الكاملة [114]

المنشورة .

 – أنظر : كيسهولم هيك ؛ إيتني دولت ، الإنسكوبيديا البريطانية ، ط11 ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 . [115]

 – للتفاصيل أنظر : أي . ك . روبنسون ؛ بحث عن مصدر دوامة الفبركة : كوسمولوجيا (كونيات) جيلو كامليو ، المطبعة الجامعية ، أدنبرا [116]

2006 .

 – أنظر : لينا بولزاني ؛ مسرح الذاكرة ، ترجمة جيرمي بارزن ، مطبعة جامعة تورنتو 2001 ، ص ص 23 وما بعد . وكذلك : فرنسيس [117]

يتس ؛ فن الذاكرة ، دار نشر روتليدج – لندن 1966 الفصول السادس والسابع .

 – أنظر : ييتس ؛ المصدر السابق ، ص ص 129 – 134 ، وكذلك : روبنسن ؛ المصدر السابق ، ص ص 40 – 53 . [118]

 – أنظر : أش . أم . ألن (الناشر) ؛ رسائل إراسموس ، مطبعة جامعة أكسفورد 1937 ، الرسالة رقم 3032 ، ص ص 219 – 222 وفيها [119]

كلام عن شيشرون  

 – أنظر : روبنسن ؛ البحث عن مصدر دوامة الفبركة : كوسمولوجيا جيلو كامليو ، إطروحة دكتوراه ، جامعة كلاسكو 2002 ، ص ص[120]

182 وما بعد .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق ، ص 172 . [121]

 – الجزيوت أو اليسوعيون وهي تجمع ديني للرجال في الكنيسة الكاثوليكية . ويطلق على الأعضاء فيها إسم اليسوعيون وينتشرون في [122]

112 بلد وفي ستة قارات . وهي مؤسسة تربوية تعمل على تشييد المدارس والكليات وإقامة الحلقات الدرارسية وإدارة البحوث الفكرية ، ولها مساهمات في المستشفيات وشعارها العدالة الإجتماعية والحوار وبالطبع الحوار بين المؤسسات المسيحية المتنوعة . وأسسها تاريخياً الفارس الإسباني أغناطيوس دي لوبولا (1491 – 1556) في عام 1534 وشاركه عدد أخر … أنظر للتفاصيل : جونثان رايت ؛ جنود الله ، المغامرة ، السيسة والسلطة : تاريخ اليسوعيين 2004 .

 – وكان الشاعر الروماني أوفيد معاصراً لكل من فيرجيل والشاعر الغنائي الروماني هوارس . ومن أعمال أوفيد ” فن الحب ” والتي كان لها [123]

تأثير كبير في أواخر العصور القديمة والعصلر الوسيط والأدب الغربي عامة . أما رائعته التي حملت عنوان ميتامورفيوس أو كتب التحولات فهي من المصادر المهمة عن الميثيولوجيا حيث ضمت 250 إسطورة . أنظر : أوفيد ؛ الميتامورفيوس أو كتب التحولات ، ترجمة أي . دي . ميلفيلا ، مع ملاحظات ج . كيني ، مطبعة جامعة أكسفورد 2008 .

 – وهو الكاتب المسرحي بيوبليوس ترنتيوس أفير وهو من إصول أفريقية ، ومسرحياته الكوميدية بدأت طريقها إلى المسرح لأول مرة مابين [124]

170 – 160 ق.م . ولعل أهم مايُنسب إليه قوله ” أنا إنسان وليس هناك شيئاً في هذا العالم ما يجعلني غريباً عن الإنسان ” . وبالمناسبة ظهر هذه العبارة في مسرحيته الثانية أو الثالثة والتي حملت عنوان ” العذاب الذاتي ” . والحقيقة إن للشاعر اليوناني ميناندر (342 – 290 ق.م) مسرحية بالإسم ذاته وهناك إعتقاد بين الأكاديميين إلى إن ترنتيوس قام بتبنيها وتكييفها .. أنظر : لورنس ريتشاردسن ؛ ترنتيوس وتكييفه لعمل ميناندر العذاب الذاتي ” ، مجلة دراسات يونانية – رومانية وبيزنطية ، العدد 46 سنة 2006 ، ص ص 13 – 36 .

 – وهو المؤرخ والسياسي الروماني غايوس سولست كراسبيوس ، ومن أشهر أعماله مؤامرة كاتلاين والذي نشره لأول مرة عام 63 ق.م وفيه [125]

وجهة نظر كاتلاين التي تُدعم حزب سولست . وفيها تظهر إمكانياته الخطابية على حساب الإرستقراطية الرومانية . ويُرجح الأكاديميون بأن هذا العمل كُتب ما بين عامي 42 أو 41 قبل الميلاد . ومن مصادر هذا العمل رسالة شيشرون بعنوان حول القنصلية .. أنظر : أر . سايمي ؛ سولست ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1964 .

 – أنظر : شيشرون ؛ مناظرات تسكلن أو حول طبيعة الألهة وحول الكومنولث ، ترجمة س . دي . يونك ، دار نشر هاربر وإخوان ، نيويورك [126]

1877 (أون لاين) .

 – والمشهور بقصيدته التي حملت عنوان ” تحرير القدس ” عام 1581 والتي فيها إخترع الكثير من المعارك غير الحقيقية بين المسيحيين [127]

والمسيحيين خصوصاً في نهاية الحرب الصليبية الأولى وخلال حصار القدس . وكان يعاني من أمراض عقلية وحتى قبل أن يتوجه البابا ملكاً للشعراء . وتأثر تاسو بكتاب الشعر لبتتراك وللفترة الممتدة مابين عامي 1567 و1593 . وكتب تراجيديا في عام 1587 وظلت ناقصة وفيها تأثر بكل من كاتب التراديديا اليوناني سوفكلس (497 – 406 ق.م) والفيلسوف الؤواقي الروماني سنيكا (4 ق.م – 65 ميلادية) . وكتب العديد من المحاورات للفترة مابين 1578 و 1594 وتكونت من ثمانية وعشرين نصاً وعالجت قضايا مثل الأخلاق والحب والفضيلة والنبل والجنون والدين والحرية الفكرية والمسيحية ضد الإسلام (العثمانيون) . أنظر : بيير براند وشارلز بيير براند ولينو بيرتيل ؛ تاريخ كيمبريدج للأدب الإيطالي ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 .  

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق ، ص 173 . [128]

 – أنظر للتفاصيل : جونثان أرانولد ؛ جون كولت : إصلاح كاتدرائية سانت بول 1505 – 1519 ، مجلة دراسات الإصلاح ، المجلد الخامس ،[129]

العدد الثاني ، سنة 2003 ، ص ص 204 – 209 .  

 – أنظر للتفاصيل : بيتر كواين ؛ الكاردينال الملك : صعود وسقوط توماس ولسي ، دار نشر بيير جينكنز ، لندن 1992 . [130]

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [131]

 – أنظر : جورج أدوين نيز (الناشر) ؛ جونز سترام ، الإنسكلوبيديا الأمريكية 1920 . [132]

– وإرتبطت بإسم فيليب ملانكتون حلقة فكرية أطلق عليها عنوان حلقة ملانكتون الفكرية ، وهو زميل وشريك مارتن لوثر في حركة الإصلاح  [133]

البروتستانتي . وهي حركة إنتشرت خلال القرن السادس عشر وركزت إهتمامها في جامعة ويتنبيرك في ألمانيا . وكان فيليب ملانكتون المفكر الرئيسي لهذه الحلقة . وأخذت مع المؤرخ الأمريكي ليون ثورنديك (1882 – 1965) تركز إهتمامها بالفلسفة الطبيعة ، وهو متخصص في تاريخ العلم في العصور الوسطى وخصوصاً الخمياء أو الكيمياء القديمة . وكتب ثورنديك فصلاً بعنوان حلقة ملانكتن وهو مجلد متعدد بعنوان تاريخ السحر والعلم التجريبي ، ويشمل عدد من مؤسسي الموديل الفلكي الشمسي الكوبرنيكي ، ومنهم المصلح الديني والطبيب كاسبير بيوكر (1525 – 1602) وهو زوج إبنة ملانكتن ، وعالم الفلك والرياضيات الألماني إراسموس رينهولد (1511 – 1553) . أنظر : كاسكو ساكيلو (الناشر) ؛ فيليب ملانكتن : خطابات حول الفلسفة والتربية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 (تكون من 272 صفحة) ، ص 33 من المقدمة .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [134]

 – أنظر : أي . ب . فرايد وآخرون ؛ كتاب الحوليات البريطاني ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط3 المنقحة 1996 . [135]

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق .[136]

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق ، ص 173 .[137]

 – أنظر : جون سترابت ووليم إيلستوب وجون شيك ؛ حياة المثقف السير جون شيك ، المعلم الأول ، أكسفورد 1860 ، الفصل الأول . [138]

 – لاسي ؛ المصدر السابق . [139]

 – أنظر المصدر السابق .[140]

 – أنظر : ستيفن الفورد ؛ الملكية والسياسة في عهد أدورد السادس ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2007 . [141]

 – أنظر : نفيل وليمز ؛ حياة إليزابيث الأولى وعصرها ، دار نشر ويدنفيلد ونيكلسون 1972 . [142]

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [143]

 – أنظر : جون باول ؛ هنري الثامن : دراسة السلطة في الفعل ، شركة نشر لتل براون 1964 . [144]

  – أنظر : هيك كيسولم (الناشر) ؛ روجر إشام ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، ط11 سنة 1911 .[145]

 – أنظر : بي . دبليو . هاسل (الناشر) ؛ تاريخ البرلمان 1558 – 1603 ، دار نشر سيكر وودبيرك 1982 ، المجلد الثالث . [146]

 – ومن الملاحظ إن كتاب روجر إشام والذي حمل عنوان مدير المدرسة قد نُشر العديد من المرات ؛ فقد نشر عام 1571 وأعيد طبعه عام 1589 [147]

. ومن ثم أعاد نشره جيمس أبتون في عام 1711 و1743 . وبعد ذلك نشره أياتن بيكرستيث المحافظ في عام 1863 واعاد طبعة آدور آربير عام 1870 . أنظر مثلاً : راين لورنس ؛ روجر إشام ، مطبعة جامعة ستانفورد 1963 . كما وقام إلين كايلز بنشر أربعة مجلدات عنه وللفترة مابين عامي 1864 – 1865 والتي ضمت مختار من رسائله وعمله عاشق القوس وكتابه مدير المدرسة وحياته التي كتبها أدورد كرانت .

– أنظر : ماركوس تيليوس شيشرون ؛ رسائل ماركوس تيليوس شيشرون : مع مقالاته حول الصداقة والشيخوخة (ترجمة إيفلين شوكبرو)  [148]

ورسائل غايوس بلانيوس (ترجمة وليم ميلموث) ، نشر هارفارد للكلاسيكيات ، نيويورك 1909 ومتوافرة أون لاين .   

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 173 – 174 . [149]

 – أنظر : كونيرز ريد ؛ الورد بيركلي والملكة إليزابيث ، دار نشر الفريد ونوبف ، نيويورك 1961 . [150]

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق ، ص 174 .[151]

 – للتفاصيل عن البيورتانزم أنظر : جون كوفي وبول لايم ؛ صحبة كيمبريدج للبيورتانزم (التطهيرية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2008 .[152]

 – أنظر : ماركوز تيلوس شيشرون ؛ واجبات تيلو (الترجمة الإنكليزية من اللاتينية) ، كتاب من مجموعة جامعة أكسفورد 1720 (تكون من 287 [153]

صفحة) .  

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق .[154]

 – أنظر : جوزيف كونسيل ؛ جيوفاني بوكاشيو : شرح بيبلوغارفي ، دار نشر جيرلاند ، نيويورك 1992 . [155]

 – أنظر : فيليب بيرتولت ؛ بلزاك والكوميديا الإنسانية ، نيويورك 1963 . [156]

 – أميل بيريه سوساني ؛ لماذا تشتق السياسة من الكتاب المقدس ؟ بوسيه والحق الإلهي للملوك ، دراسات هابريك السياسية ، شتاء 2006 ،[157]

المجلد الأول ، العدد الثاني ، ص ص 224 – 237 .

 – أنظر : فرانسوا فنلون ؛ مغامرات تيليماكوس ، إبن يولسيوس ، إشراف باتريك رايلي ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك 1994 (الترجمة [158]

قديمة تصعد إلى سنة 1776) .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [159]

 – أنظر المصدر السابق [160]

 – أنظر : رونالد ميلفيل وأخرون (الناشرون) ؛ لوكرتيوس : حول طبيعة الأشياء ، كلاسيكيات أكسفورد ، مطبعة جامعة أكسفورد 2008 . [161]

– ومن أهم أعمال جونثان سويفت والتي نشرها بإسم مستعار ؛ رحلات غوليفر (1726) ، ومشروع متواضع (1729) ، وجريدة إلى ستيلا (وهي [162]  مجموعة رسائل تألفت من 65 رسالة وكتبها ما بين 1710 و1713 ونشرت عام 1766 أي بعد وفاته) ، وحجة ضد موت المسيحية وحكاية الحوض وهي عمل ساخر من الدين ونشرها عام 1704 ، ومعركة الكتب والتي نشرها عام 1704 وهي معركة بين القدماء والمحدثين  للتفاصيل أنظر : جونثان سويفت ؛ مشروع متواضع وكتابات أخرى ، مع مدخل كتبه جورجي ليفين ، المكتبة المفتوحة 1995 .  

 – وهو كاتب إنكليزي له إسهامات في الأدب الإنكليزي ، وشاعر ومؤلف مقالات وكاتب سير ورسائل . ومن أهم مؤلفاته ؛ معجم اللغة الإنكليزية [163]

والذي صرف عليه تسع سنوات من العمل ونشره عام 1755 ، وسيرة ذاتية بعنوان حياة السيد ريتشارد سافج ، والتي نشرها عام 1744 . وكتب القصائد الشعرية ومنها قصيدته التي كانت بعنوان لندن والتي كتبها عام 1738 ونشرها بإسم مستعار .. للتفاصيل أنظر : مارجريت لين ؛ صمويل جونسون وعالمه ، دار هربر ورو للناشرين ، نيويورك 1975 .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [164]

 – أنظر : أدورد جيبون ؛ تاريخ تداعي وسقوط الإمبراطورية الرومانية ، دار نشر ستراهن وكادل – لندن ، المجلد الأول (سنة 1776) ، المجلد [165]

الثاني والثالث (سنة 1781) ، المجلدات الرابع والخامس والسادس (1788 – 1789) . وللتفاصيل عن حياة أدورد جيبون أنظر : أدورد جيبون ؛ ميموار حياتي ، دار نشر تانك ويجنلز – نيويورك 1969 .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [166]

 – أنظر : رسل كيرك ؛ العقل المحافظ : من بيرك وحتى أليوت ، دار نشر ريجنري  ط7 2001 (تألف من 534 صفحة) .[167]

 – أنظر : أندرو هايود ؛ الأيديولوجيات السياسية : مدخل ، دار نشر ماكميلان ، ط3 2003 ، ص 74 . [168]

 – أنظر : مراجعة كتاب أدموند بيرك ؛ تبرئة المجتمع الطبيعي : نظرة إلى المآسي والشرور التي وادهه العنصر البشري ، مجلة تاريخ الأفكار ، [169]

المجلد رقم 19 ، العدد الأول ، ص ص 114 – 118 .  

 – أنظر : وليم كودين ؛ بحث يتعلق بالعدالة السياسية وتأثيرها على الأخلاق والسعادة ، لندن 1793 (مجلدان) . [170]

 – وارين هاستينغز هو الحاكم الإنكليزي العام على الهند خلال الفترة 1773 – 1785 ، وإتُهم بالفساد وتم إدانته في عام 1787 وبعد محاكمة [171]

طويلة إنتهت بغلق الدعوة في عام 1795 . ومن ثم بعد ذلك وبالتحديد في عام 1814 عين مستشاراً خاصاً (؟) للحكومة البريطانية ، أنظر : بيتر جيمس مارشل ؛ وارين هاستينغز (1732 – 1818) ، معجم أكسفورد للسير القومية ، مطبعة جامعة أكسفورد 2004 .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [172]

 – غايوس فيريس هو الحاكم الروماني سئ الصيت على صقلية ، وقبل ذلك عمل موظفاً في مناطق رومانية في أسيا ، ومشهور عنه بسوء إدارته[173]

ومعاملته السيئة للمواطنين خلال حكمه لصقلية . وكان معروفاً عنه بتلقي الرشاوي والضغط على المواطنين بدفع الرشاوي أو السجن . وفي عام 70 ق.م عاد إلى روما وفي السنة ذاتها طلب شيشرون بمحاكمته بالفساد ، وخطاب شيشرون في المحكمة طُبع لاحقاً وبعنوان خطاب فيريس .. وبعد تأجيل المحاكمة مرات عديدة ومثابرة شيشرون بمحاكمته بالفساد ذهب فيريس إلى المنفى … للتفاصيل أنظر : هيك كيهسولم ؛ غايوس فيريس ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 سنة 1911 .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [174]

– أنظر : بول كندي ؛ صعود وسقوط القوى العظمى : التغيير الإقتصادي والصراع العسكري (1500 – 2000)، دار فانتج للكتب 1989 ، [175]

ص ص 128 – 129 (والكتاب تالف من 677 صفحة) .

 – أنظر مثلاً : لورن دودلي ريد ؛ شارلز جيمس فوكس : الإنسان والشعب ، ط1 ، مطبعة جامعة ميزوري 1969 وكذلك : لسلي ميتشل ؛  [176]

شارلز جيمس فوكس ؛ معجم أكسفورد للسير القومية 2007 .  

 – أنظر : ريتشارد برينسلي شرايدن ؛ المتنافسون ، الناشرة إليزابيث دوني ، نيومارميدس 1979 . [177]

 – أنظر : رامب أريك (الناشر) ؛ شريدان : مدرسة للفضيحة ومسرحيات آخرى ، دار بنجوين للكتب ، لندن 1988 ، ص ص 281 – 284 .  [178]

 – أنظر : ميشيل بيلنكتون ؛ مئتان وثلاثين سنة على هروب دونا ، صحيفة الجارديان ، 30 سبتمبر 2010 .[179]

 – لاسي ؛ المصدر السابق ، ص ص 174 – 175 .  [180]

 – هو الروائي والسياسي وبائع الكتب الفرنسي جان لوفيه ، والذي ولد في شارع الكتب في باريس . وهو الولد الأصغر لبائع الملابس الرجالية [181]

لويس لوفيه . ومن طرف أمه فهي ماري لويس والتي كانت تعمل في الريف . وكثيراً ما يتذكر جان لوفيه طفولته وحياته غير السعيدة مع والده ، والذي كان يصفه ” قاسياً ووحشياً ” . وكان الأنسان المفضل لديه ، أخوه بيير لويس وكان تاجر ورق فيما بعد . ودرس جان لويس في الكلية وإكتسب معرفة واسعة حول المؤلفين اللاتين قبل أن يبلغ السابعة عشرة من عمره . ومن ثم عمل سكرتيراً للباحث الأكاديمي فيليب فردريك دي ديرش (1748 – 1793) وكان جيولوجي وكيمائي وعضو أكاديمية العلوم . ونشر لوفيه في عام 1787 عمله الأول وبعنوان سنة من حياة فارس الخرافات . وهو الجزء الأول من روايته العطيمة والتي كانت بعنوان حب فارس الخرافات والتي حققت نجاحاً كبيراً . ومن ثم نشر في عام 1788 ستة أسابيع من حياة فارس الخرافات . وفي عام 1790 نشر نهاية حياة فارس الخرافات . وفي عام 1791 نشر روايته الثانية وبعنوان ضرورة الطلاق وحب القس سيفان . وفي عام 1795 بعض الوثائق للتاريخ وقصة المخاطر التي تلف بلدي منذ 31 مايس 1793 وهي جزء من سيرته الذاتية والتي تُعرف بالميموار . ومن ثم تم تحويل روايته حب فارس الخرافات إلى أوبرا حققت نجاحاً فائقاً . للتفاصيل أنظر : بيتر هيرمانا (المشرف) ؛ جان بابتست لوفيه ، مركز دراسات التنوير ، مطبعة جامعة ستراسبورك 1997 (تألف من 276 صفحة) .

 – هو السنتور الروماني لوسيوس سركيوس كاتلين(108 – 62 ق.م) والمشهور بمشاركته في الكاتلينية الثانية ، وهي محاولة للإنقلاب على [182]

الجمهورية الرومانية ، وبالتحديد إنقلاب على سلطة السنتورات الإرستقراطيين . وقد أحيل على القضاء في قضايا كثيرة منها قتل زوجته وإبنها ، والزنا مع العذراء فاستيل وهي الأخت غير الشقيقة لزوجة شيشرون . وبالطبع تنتهي المحاكم بالإفراج عنه . وتحول في الفترة الأخيرة إلى نصير إلى لوسيوس كورناليس سولا في الحرب الأهلية للفترة 84 – 81 ق.م . وبالمناسبة إن شيشرون هو الذي قاد التحقيق في مشاركة كاتلين في مؤامرة الكاتلينية الثانية وعرض الأدلة والشهود مماحمل كاتلين ألى الفرار من روما إلى المنفى .. ويصف شيشرون كاتلين فيقول ” كان رجلاً ملغزاً ، فهو من طرف كان رجلاً يملك الفضائل العظيمة ومن طرف آخر كان مسكوناً برذائل شريرة كثيرة .. ” . أنظر : شيشرون ؛ خطبة كاتلين ، ترجمة س . د . يونك 1852 ، المجلد الثاني . وكذلك : دونا مارش ؛ شيشرون وعصابة الخمسة ، عالم الكلاسيكيات 1989 ، المجلد 82 ، ص ص 224 – 225 . وهناك شكو من قبل عدد ملحوظ من المؤرخين حول مشاركة كاتلين في المؤمارة الكاتلينية الأول والتي هدفت إلى قتل القتصلة في عام 65 ق.م والسيطرة على السلطة . أنظر : فرانز ستينر فيرلج ؛ المؤامرة الكاتلينية الأولى ، مجلة تاريخ ، تموز 1964 ، المجلد 13 ، العدد 3 ، ص ص 338 – 347 .   

 – هو الجنرال والسياسي الروماني لوسيوس كورناليزس سولا فيلكس (138 – 78 ق.م) والذي كان قنصلاً لدورتين ، وهو مجدد الدكتاتورية .[183]

وحصل لمكانته العسكرية على ميدالية رومانية عالية وتسمى بالتاج العسكري (وتصنع عادة من مواد متوافرة من أرض المعركة) . وبلوتارك في موسوعته المشهورة الحياة المتوازية ، وضعه بمصاف الجنرال الأسبرطي والستراتيجي العسكري ليساندر (توفي عام 395 ق.م) . وفي نزاع سولا حول قيادة الجيش ، فقاد قواته بإتجاه روما وهزم القائد ماريوس وجدد الدكتاتورية . وبعد القنصلية الثانية تقاعد وتوفي بعد فترة قصيرة . وقد ألهم سولا يوليوس قيصر في إستخدام القوة للإمساك السياسية .. أنظر : أرثر كيفيني ؛ سولا : الجمهوري الأخير ، ط2 ، دار نشر روتليدج 2005 .

 – والديماغوجية والديماغوجي لفظتات في إصولهما الحديثة جاءتا من الفرنسية ، والتي هي بالطبع مشتقة من اليونانية . وكلمة ديماغوجي [184]

لفظة مركبة تتألف من لفظتين ؛ الأولى ديمو أو ديموز والتي تعني الناس والحشود وربما (الشعب) . والثانية لفظة أوغو أو أوكو والتي تعني التعامل أو المناورة أو التلاعب ببراعة . وبذلك فإ الحديث عن الديموغاجية تعني مناورة الشعب ، والديموغاجي هو الشخص الذي يتلاعب ببراعة في الشعب . وفيها مفاهيم تتضمن السيطرة والإستثمار والإستغلال ، وتحتمل معاني مثل الإحتيال والخداع .. أنظر للتفاصيل : ميشيل سكنر ؛ الديماغوجية : الكفاح لإنقاذ الديمقراطية من أسوء أعداءها ، دار نشر ماكميلان بلاكريف ، نيويورك 2009 .  

 – هو السياسي الروماني بابليوس كلوديوس بولشير (93 – 52 ق.م) والذي ذاع صيته بمشروعه التشريعي الطموح . وهو خصم تقليدي وعدو  [185]

لكل من شيشرون وتاتيوس آنيوس ميلو والأخير أتهم بقتل عوه السياسي كلوديوس . ودافع عنه شيشرون في المحكمة إلا إنه لم ينجح . وشيشرون له خطاب بعنوان خطاب ميلو والذي كتبه في عام 52 ق.م .. للتفاصيل : أنظر ب . راوسن ؛ سياسات الصداقة : بومبي وشيشرون ، دار نشر لاشورت 1978 . وكذلك : أي . أم . كلارك و ج. أس . روبيل ؛ الفلسفة والخطابة في خطاب ميلو لشيشرون ، 1985 ، ص ص 57 – 72 (مقالة) .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق ، ص 175 . [186]

 – أنظر : يوهان فون غوته ؛ سيرة غوتة : الصدق والشعر ، ترجمة كون أوكسينفورد ، المجلد الأول 1897 ، ص ص 114 وما بعد .[187]

 – أنظر : غوته ؛ مسرحيات غوته ، ترجمها إلى الإنكليزية وكتب مقدمة لها شارلز باسج ، دار نشر بين المحدودة 1980 . وكذلك أنظر : والتر[188]

كوفمان ؛ من شكسبير وحتى الوجودية ، مطبعة جامعة برنستون 1980 .  

 – ترجمها الباحث والبروفسور كليفن توماس (1854 – 1919) وهو إستاذ اللغات الألمانية والأدب الألماني في جامعة كولومبيا . وترجم الجزء [189]  الأول من فاوست إلى الإنكليزية عام 1892 وترجم الجزء الثاني عام 1897 . كما توافرت لنا ترجمة إنكليزية آخرى قام بها فيليب وايني وبالشكل الأتي : 1 – الجزء الأول ترجمه لأول مرة عام 1949 . أنظر : غوته ؛ فاوست الجزء الأول ، ترجمة فيليب وايني ، كلاسيكيات بنجوين 1949 (وتألف من 197 صفحة من الحجم الصغير) . 2 – الجزء الثاني وترجمه لأول مرة عام 1959 . أنظر : غوته ؛ فاوست الجزء الثاني ، ترجمة فيليب وايني ، كلاسيكيات بنجوين 1959 (تألف من 288 صفحة) وضم مدخلاً ص ص 7 – 20 .

 – لاسي ؛ المصدر السابق . [190]

 – هو رجل الدولة والسياسي المحافظ أوتو فون بسمارك (1815 – 1898) وبعد دراسته الإبتدائية والثانويى درس القانون في جامعة كوتنكن [191]

وللفترة من 1832 وحتى 1833 ومن ثم سكل في جامعة برلين للفترة من 1833 – 1835 . وتحول إلى دراسة الزراعة . وكان في جامعة كوتنكن صديقاً لزميله الأمريكي جون لوثرب موتلي (1814 – 1877) وهو المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي ، وكتب موتلي رواية عن حياته في ألمانيا وبعنوان أمل لوثرب ووصف فيها بسمارك بأن : كان شاباً موهياً بدرجات فائقة وشاباً يُثير الإعجاب ” . وبسمارك هو رمز سياسي ألماني فرض هيمنته على السياسة الألمانية والأوربية خلال ستينات القرن التاسع عشر (1860) وحتى عام 1890 . وقاد في الستينات من القرن التاسع عشر سلسلة حروب وحد فيها الدول الألماني (ماعدا النمسا) وضمها تحت لواء إمبراطورية ألمانية قوية وبقيادة الزعامة البروسية . وفي عام 1871 حقق ببراعة دبلوماسية توازن القوة والتي حققت لألمانيا هيمنة على أوربا . وأخذ يُطلق عليه لقب المستشار الحديدي . وتحول بسمارك إلى بطل للقوميين الألمان . ونحسب من هذا الطرف ترك بسمارك آثارأ قوية على قادة وتفكير حركة القومية العربية .. وما تميز به بسمارك هو إنه كان صاحب خطاب متفرد (وهذا الطرف يشده إلى شيشرون والشيشرونيين) حيث كان بسمارك يتقن العديد من اللغات . فإضافة إلى لغته الألمانية كاين يتقن بطلاقة الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والبولندية والروسية . أنظر لمزيد من التفاصيل : جونثان ستينبيرك ؛ بسمارك : الحياة ، مطبعة جامعة أكسفورد 2011 ، خصوصاً ص ص 39 – 41 وكذلك : أوتو بفلانز ؛ بسمارك والقومية الألمانية ، مجلة مراجعات التاريخية الأمريكية ، المجلد 60 ، العدد الثالث ، ص ص 548 – 566 .  

 – هو كريستين ماثيوس ثيودور مومسن ، والحاصل على درجة الدكتوراه في القانون الروماني ، وأصبح بروفسور للقانون في جامعة لايبزك . [192]

ومن ثم حصل على درجة بروفسور في القانون الروماني من جامعة زرويخ وتعرض إلى النفي لمدة سنتين . على كل هذه هي محنة الأكاديميين الحقيقيين (وليس منظفي الإتربة الأكاديميين كما يصفهم إشبنجلر) في كل مكان وزمان .. كتب مومسن 1500 عملاً وأسس شبكة بحث لدراسة التاريخ الروماني . ورائعته تاريخ روما كتبها في وقت مبكر من حياته الأكاديمية رغم إنه من أهم أعماله الرئيسية . وظهر تاريخ روما في ثلاثة مجلدات . وغطى تاريخ روما وحتى نهاية الجمهورية الرومانية وحكم يوليوس قيصر . وبالمناسبة فإن مومسن معجب كثيراً بيوليوس قيصر . إلا إنه رغم ذلك فقد شعر بالعجز وعدم الإمكانية في وصف موت بطله قيصر . وهناك ظروفاً لفت المجلد الرابع من تاريخ روما . أما المجلد الخامس فقد نشر في عام 1885 وبعنوان محافظات الأمبراطورية الرومانية من قيصر وحتى ديوكلتياس . وكتابه المشترك مع أخيه أوغسطس مومسن وبعنوان حوليات رومانية وحتى عصر قيصر (عام 1858) وكتابه القانون الدستوري الروماني وظهر في ثلاثة مجلدات (1871 – 1888) ومؤلفات أخرى . أنظر : كي بيتر وفيكتور فاكسلر ؛ المؤرخون في مضمار العمل ، المجلد الثالث 1975 ، ص 271 وما بعد . وكذلك ؛ ليونيل كوسمان ؛ أورفيوس فقيه اللغة : يوهان باخوفن ضد مومسن حول دراسة الماضي ، المعية الفلسفية الأمريكية 1983 .

 – أنظر : ج . أش . ميلر ؛ فايبر ومومسن : والمادية اللا ماركسية ، المجلة البريطانية للسوسيولوجيا ، المجلد السابع والثلاثين ، العدد الأول ، [193]

ص ص 1 – 20 .

[194] – أنظر : شيشرون ؛ مناقشات توسكلن ، ترجمة س . دي . يونك ، دار هاربر للناشرين وإخوان ، نيويورك 1877 . وضم معه رسالتان ؛ [194]

الأولى حول الألهة والثانية حول الكومنولث . وفيها إشارة إلى عنوان عمل شيشرون تاسيتس . كما إن المصادر تنسب إلى مؤرخ الإمبراطورية الرومانية والسنتور بابليوس كورنيلوس تاسيتس عمل بعنوان تاسيتس . وله أي للمؤرخ تاسيتس أجزاء باقية من عملين ؛ الأول الحوليات (أنظر : رونالد سايمي ؛ تاسيتس ، مطبعة جامعة أكسفورد 1958 . والثاني التواريخ (أنظر : رونالد أش . مارتين ؛ تاسيتس وكتابة التاريخ 1981 ، ص ص 104 – 105 .

 – أنظر : لاسي ؛ المصدر السابق . [195]

وهو شعار ونشيد وطني ألماني تم صياغته مع ما سُمي أزمة الراين في عام 1840 . وإصول الأغنية تجذرت خلال العداوة التاريخية بين ألمانيا وفرنسا وبالتحديد خلال البروسية الفرنسية والحرب العالمية . وإنتهت هذه العداوة في عام 1963 في معاهدة ليسيه وبالتحديد في 22 كانون الثاني 1963 والمعاهدة حملت عنوان الصداقة الفرنسية الألمانية .

 – أنظر : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ أتكيوس ، تيتوس بومبونيس ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 سنة 1911 . [196]

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل شيشرون ، ترجمة إيفلين شوكبير (متوافرة أون لاين) . وتكونت من ستة عشر كتاباً ، ومثالاً على ذلك كان [197]

الكتاب الأول يتألف من عشرين رسالة ، والكتاب الثاني تكون من خمس وعشرين رسالة ، وضم الكتاب الثالث سبع وعشرين رسالة . وشمل الكتاب الرابع على تسعة عشرة رسالة . وهذه الرسائل تحتاج إلى دراسات أكاديمية تنهض على منهج تحليل المحتوى وذلك لمعرفة المضموم فيها من موضوعات فلسفية وسياسية ، وعالجها شيشرون مع أصدقائه وخصوصاً صديقه الفيلسوف تيتوس بومبونيس أتكيوس ذو الميول الأبيقورية.

 – والأوبتمست أو النبلاء وصلوا إلى قمة صعودهم السياسي في الجمهورية الرومانية في عصر الدكتاتور والجنرال الروماني لوسيوس  [198]

كورنليوس سولا (138 – 78 ق.م) ومنهم ماركوس كاتو والمشهور كاتو الأصغر (95 – 46 ق.م) (تمييزاً عن جده كاتو الأكبر) والسياسي النبيل لوسيوس ليسنيوس لوكلوس (118 – 56 ق.م) وتايتوس إينوس ميلو بابنيس ، وشيشرون دافع عن صديقه ميلو في خطاب مشهور بعنوان الدفاع عن ميلو والذي قتل بابليوس بولشر . ومن الأوبتمست السياسي ماركوس بابليوس (102 – 48 ق.م) والذي كان معارضاً ليوليوس قيصر . ومنهم السياسي ماركوس بروتس الأصغر (85 – 42 ق.م) والذي أتهم بإغتيال يوليوس قيصر . ومنهم بومبي الكبير (106 – 48 ق.م) وهو قائد مجموعة النبلاء في الحرب الأهلية ضد يوليوس قيصر . للتفاصيل أنظر : 1 – أنثوني إيفريت ؛ شيشرون ، دار نشر راندم 2001 . 2 – روبرت مورستين ماركس ؛ خطاب العامة والسلطة السياسية في أواخر الجمهورية الرومانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2003 ، ص ص 204 – 205 .

 – لاسي ؛ المصدر السابق .[199]

 – (الأدق صدى شيشروني ) أنظر المصدر السابق . [200]

——————————————————————————————-

Posted in Uncategorized | Tagged , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة / الإقتصاد السياسي الإسلامي : دراسة في مصادره الغربية والتراثية / العدد التاسع / تموز – آب 2015

الفصيلة

من أوراق فلسفية جديدة

(9)

تموز – آب 2015 

———————————————————————————————————

 تصدر كل شهرين

مركز دريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

  رئيس التحرير                                سكرتيرة التحرير          

   الدكتور محمد جلوب الفرحان                  الدكتورة نداء إبراهيم خليل 

———————————————————————————————————

The Islamic Political Economy: Study of Its Resources

Dr. MOHAMAD FARHAN, PHILOSOPHER

الإقتصاد السياسي الإسلامي

دراسة في المصادر الغربية والتراثية

 الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————————————

الفهرست

المقدمة

القسم الأول

المصادر الغربية

للإقتصاد السياسي الإسلامي المعاصر

الفصل الأول

رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي

   حكاية المصادر والثابت والمُتغير في النشرات المتنوعة

القسم الثاني

المصادر الفقهية

السياسية الإقتصادية الإسلامية

الفصل الثاني

أدب المرايا

السياسية الإجتماعية والإقتصادية الإسلامية

الفصل الثالث

الفكر الفقهي الإقتصادي الإسلامي

القسم الثالث  

 الإقتصاد السياسي الإسلامي المعاصر

الفصل الرابع

المشروع الإسلامي للإقتصاد

الفصل الخامس

المذهب الإقتصادي في الإسلام

           الحاضر والغائب

الفصل السادس

المذهب الإقتصادي في الإسلام

        البناء والتأسيس

الخاتمة

المشاركة الفكرية

في الإقتصادي السياسي الإسلامي المعاصر

المصادر

الفهرست

———————————————————————————————————

المقدمة

  صحيحُ جداً إن الإصطلاحات الإقتصادية على وجه الخصوص ، و إن اللغة الإقتصادية على وجه العموم ، هما طرفان من ظاهرة حضارية مركبة ، تحكي قصة النمط الإقتصادي الذي تولد في الديار العربية الإسلامية . وهو النمط الذي لبى حاجات النمو والتطور الذي أصاب الحياة قُبيل بزوغ رسالة الإسلام وبعدها . إلا إنه من الصحيح كذلك القول إن الحياة العربية يومذاك قد عرفت مناطق إقتصادية متنوعة ؛ فهناك في العراق مناطق إقتصادية للمناذرة ، وهناك في سوريا مناطق إقتصادية للغساسنة ، وهناك في الجنوب الشرقي للجزيرة العربية مناطق إقتصادية في اليمن . بينما تتوسط هذه المناطق ، وتُشكل قلبها النابض والمُحرك مناطق إقتصادية في كل من مكة ويثرب مثلاً وليس حصراً .

  ومن المعلوم تاريخياً إن لكل منطقة من هذه المناطق الإقتصادية خصوصية إقتصادية سياسية (نرجو الإنتباه إلى جنينية الإقتصاد السياسي في المنطقة العربية وبهذا العُمق التاريخي قبيل الإسلام ) . فمثلاً إن المناطق الإقتصادية للمناذرة ، كانت محكومة بشروط سياسية فيها شد وجذب مع الحلفاء الساسانيين ، وجذب يُحركه رابط دموي ولغوي وإرث ثقافي يشدهم بقوة لا تتقدم عليها قوة أخرى إلى أبناء عمومتهم العرب ، وخصوصاً في المناطق الإقتصادية في قلب الجزيرة العربية (مكة ويثرب والمناطق المحيطة ، والتي فيها إمتداد جغرافي حيث ديار اليمن السعيد) .

  وبالمقابل فإن المناطق الإقتصادية للغساسنة ، كانت محكومة بشروط سياسية فيها شد وجذب مع الحلفاء البيزنطينيين ، وشعور بالإخوة يربطهم بقوة إلى المناطق الإقتصادية في قلب الجزيرة العربية (مكة ويثرب وربما تمتد إلى اليمن في أطراف منها) . إذن في هذا المحيط العربي المتفردة ، نشأت علاقات إقتصادية وتطورت مواثيق إقتصادية (وصاحبتها تكوين مصطلحات إقتصادية ، ومن ثم إنشاء مُعجم إقتصادي جنيني يحتوي المفاهيم والإصطلاحات الإقتصادية التي تصف حركة الإقتصاد والأسواق والصناعات والمهن والعاملين والوسطاء والتبادل والبيع والشراء والعقود والودائع والقروض والربح أو الربا ..) . والشاهد التاريخي مدعوم بتأييد قرآني ، هو رحلة الشتاء والصيف [1]، وهي بالطبع ليست رحلة نُزهة على الإطلاق ، وإنما رحلة تجارية (إقتصادية سياسية) .

   وأحسبُ إنه من النافع التأكيد على هذه المناطق الإقتصادية الأربعة في المحيط الجغرافي العربي قبيل الإسلام ، وهي على التوالي ؛ المناطق الإقتصادية العربية للمناذرة ، والمناطق الإقتصادية العربية للغساسنة ، والمناطق الإقتصادية العربية في اليمن ، والمناطق الإقتصادية العربية في قلب الجزيرة (مكة ويثرب) ، وهي التي كونت البيئة التي رعت نمو أنماط من الإقتصاد الزراعي الرعوي ، وإقتصاديات تجارية ، وإقتصاديات مهن وصناعات مساعدة لكل منها .

  والسؤال ؛ ماذا يعني كل ذلك من الطرف التاريخي لنمو نمط من الإقتصاد العربي سيتحاور معه الإطار الإقتصادي المتولد من العقيدي الإسلامي سلباُ وإيجاباً ، نقداً وتقويماً وتعديلاً ، ومن ثم إعادة تأسيسه على فكرانية عقيدية إسلامية ؟ . هذا يعني إن شوطاً من تاريخ الإقتصاد في المناطق الإقتصادية الأربعة ، إنتهى وهو بالطبع إقتصاد متسور بشروط سياسية ، تُحركها وتوجهها وفي الوقت ذاته تلجم حركتها ، ظروف العرب المناذرة وعلاقة الشد بينهم وبين الساسانيين والتنافر بينهم وبين البيزنطينين ، وتوتر علاقتهم مع إخوة الدم الغساسنة حياناً وبدافع سياسي مشدود إلى حسابات الفكرانية السياسية البيزنطية والساسانية على حد سواء .

  كما وهذا يعني إن النمط الإقتصادي في اليمن إنفتح وتحاور مع المنطقة الإقتصادية في قلب الجزيرة العربية (مكة ويثرب) وإمتد خارج المحيط الجغرافي والحضاري العربي ، فإنفتح على الحبشة سلباً وإيجاباً .. وتطور من هذا الحوار نمطاً إقتصادياً فيه إستثمار وفيه إنتفاع مما توفره مصادر الأخر الزراعية والرعوية وفي المهن والصناعات وإمكانيات التبادل التجاري ، وهكذا كانت أسواق تجارية عامرة محكومة بشروط رحلتي الشتاء والصيف ، وأسواق أخرى سنوية دائمة ، وذات بعد ثقافي وحضاري أوسع من الإقتصادي ، حيث يحضره الشعراء ويُتوج  شعرهم بإحتفالية يتم فيها تهذيب معلقاتهم الشعرية العربية وتكريم هؤلاء الشعراء في طقس إحتفالي متفرد  ..

  وبالطبع الحديث عنه قصة تحكيها كتب التاريخ والأدب ودواوين الشعر والشعراء ، والفقه وبالتحديد الفقه الإقتصادي(وهو ليس مضمار إقتصادي خالص وإنما إقتصاد سياسي) وهذه سمة ستطبع كل الكتابات الإقتصادية الإسلامية وسيمتد أثرها إلى الكتابات الإسلامية المعاصرة ، وبطرفيها ؛ المشروع الإسلامي للإقتصاد ، والمذهب الإقتصادي في الإسلام (وهنا نرجو الإنتباه إلى لفظتي : المشروع والمذهب ، عناوين الكتابات الإقتصادية الإسلامية المعاصرة ، فهي عناوين دالة على مضمار الإقتصاد السياسي ، وهي ليست أبحاث إقتصادية علمية خالصة وبريئة) .

  وفعلاً لما جاء الإسلام حمل معه تنظيم عقيدي للحياة العربية عامة ، ومنها الطرف الإقتصادي بالطبع ، وقام بتقنينها وفق قوائم الحلال والحرام ، والمستحب والمكروه . وعلى هذا الأساس لاحظ الباحث إن الإسلام وضع (إن لم نقل إشترط ) على المضمار الإقتصادي ، شروطاً عقيدية ، كان حاصلها ولادة إصطلاحات إقتصادية جديدة ، تعكس الحياة الإقتصادية الجديدة ، التي يقودها الإسلام والذي سعى منذ اللحظة الإولى إلى تحويلها من عالم المأمول إلى عالم الواقع الناجز .

  ولعل من أهم الركائز العقيدية التي تسور بها الإقتصاد الإسلامي . والتي تحملنا على إمكانية الحديث عن الإقتصاد السياسي الإسلامي ، هو كونه محكوم وموجه بالعقيدي الإسلامي . والشاهد على ذلك :

1 – إن أسوار الإقتصاد السياسي الإسلامي ، هي أسواراً عقيدية ، والتي تتمثل بمعايير سلوكية وأسس خُلقية مُستنبطة من القرآن والسنة النبوية .

2 – ضريبة الزكاة ، وهي أساس الستراتيجية الإقتصادية الإسلامية .

3 – تحريم الربا [2]. وهي المُشكل المخملي في الإقتصاد السياسي الإسلامي ، والذي يعكس حالة الإنفصام بين ما تحكيه النصوص الإقتصادية الإسلامية المعاصرة ، وبين سلوك المسلم المعاصر الذي إستجاب لمتغيرات الحياة المعاصرة ، فقام بإستلام رواتبه الشهرية من البنوك ومن ثم إيداع أمواله فيها ، وأخذ يستلم عليها ربحاً ، ويقترض من المصارف ويدفع عليها فائدة

  ومن ثم جاء الفقه الإسلامي ولعب دوراً فاعلاً في تنمية وتطوير المضمار الإقتصادي الإسلامي ، وظهر فقه إقتصادي متخصص ، وتبعته دراسات فكرية عمقت من مباحثه ، وإجتهدت في توسيع إهتماماته إلى مناطق أرحب وأوسع ، وذلك لتواكب متغيرات الحياة العملية والمهنية الإسلامية . ولعل من أهم الدراسات الإقتصادية الإسلامية المبكرة ، كتاب الفقيه الإقتصادي الإسلامي ” أبو يعقوب بن إبراهيم ، المعروف أبي يوسف ” (731 – 798م) والذي إشتهر بكتابه في الفقه الإقتصادي (والذي يندرج في إصطلاحات ماركس في القرن التاسع عشر بالإقتصاد السياسي) والذي جاء بعنوان ” كتاب الخراج [3] .

  والواقع إن أبا يوسف كتبه للخليفة ” هرون الرشيد ” (763 – 809م) وهو في حقيقته إستجابة على رسالة بعثها الخليفة الرشيد إليه . وفعلاً فإن كتاب الخراج ، هو رسالة إقتصادية سياسية تبحث في مالية الدولة ، كما وتضمنت كشفاً بموارد الدولة المختلفة ، والناهضة على أساس العقيدي الإسلامي ، وتطرق فيها إلى مصارف الأموال ، وبين الطريقة المثالية لجمعها ، وحدد الواجبات التي تُلزم بيت المال من القيام بها .

  إضافة إلى كل ذلك فإن كتاب الخراج لأبي يوسف الإقتصادي ، هو من الوثائق الإقتصادي (المالية) الرائدة في تاريخ الإقتصاد السياسي الإسلامي ، وذلك لكونه مكتوب من قبل فقيه إقتصادي يعمل ومرتبط بالخلافة العباسية ، وهو إستجابة على رسالة الخليفة العباسي الرشيد . وكتاب الخراج من الطرف التاريخي ، وثيقة إقتصادية بالغة الأهمية ، حيث تجدُ فيها تصويراً للأحوال المالية والأوضاع الإجتماعي في العصر العباسي . وفيها نقد وتنديد لبعض ممارسات الولاة مع أهل الخراج . وفيها يقترح أبو يوسف على الخليفة أن يجلس في النظر في مظالم الرعية ، وأن يُخصص مجلساً في الشهر أو الشهرين ، ويسمع فيه من المظلوم وينكر على الظالم أفعاله والتي سببت أضراراَ للمظلوم . وبذلك تطلع أبو يوسف إلى سد الطريق على الولاة الظالمين وفي الوقت ذاته نصر الرعية ورد لهم حقوقهم . كما وفي هذه الوثيقة المالية حث للخليفة على الإستجابة لمطالب المزارعين وأهل الخراج في كل ما فيه فائدة لهم وللجمهور والدولة ، من مثل حفر الإنهار ومساعدة المزارعين في تيسير عملهم ، ويُطالب بيت المال أن ينفق على إنجاز كل ذلك من الميزانية المالية للدولة . و لعل الحاصل من هذه الرسالة الإقتصادية ، أن أبا يوسف قدم مخططاً شاملاً لنظام الخراج يتناغم وأحكام العقيدي الإسلامي [4].

   كما وإشتغلت كتب السير والأحاديث والسنن على أطراف متنوعة من الحياة الإقتصادية العربية الإسلامية ، وسجلت توثيقاً للنشاطات والفعاليات المالية التي صاحبتها ، وقدمت إنموذجاً وتطبيقاً في مادة الإقتصاد السياسي ، وبالطبع سيقرأها أبناء الأجيال اللاحقة ، وسيعتمدونها مصادراً معرفية للقراءة والتأمل ، ومن ثم تقويمها بعد المقارنة والتدقيق ومن ثم الإحتذاء بها في صياغة النماذج الإقتصادية الجديدة . وهنا نستشهد بالنصوص الإقتصادية التي وفرتها هذه الكتب . فمثلاً هنا نحتفل بكتاب إبن هشام (توفي عام 833م) والذي حمل عنوان ” السيرة النبوية [5] ، وهو في الأصل من تأليف إبن إسحاق (توفي عام 768م) ، ورواه ” إبن هشام ” وهو ” أبو محمد بن عبد الملك بن أيوب الحميري البصري “[6] . وهناك أفكار إقتصادية كثيرة مبثوثة على صفحات أجزائه المختلفة . فمثلاً هناك حديث جاء بعنوان ” مقاسم خيبر وأموالها [7] ، و ” عهد الرسول إلى نسائه بنصيبهن في الغنائم [8] . وتناول في الجزء الرابع موضوعات إقتصادية ، وبالتحديد حديث عن الموارد المالية للغزوات ، فأشار إلى ” أموال هوازن وسباياها ” و ” عطايا المؤلفة قلوبهم “[9] . هذه أمثلة منتخبة وهي كثيرة يعج بها الكتاب وهو يقدم جرداً وتوصيفاً للموارد المالية الحاصلة من الغزوات .

  ونحسبُ إن كتاب إبن سعد (توفي عام 844م) المعنون ” الطبقات الكبرى [10] ، هو وثيقة إقتصادية ، وبالتحديد في الجزء الأول الذي ألقى الضوء فيه على أهمية الإنتصار السياسي في تكوين قوة إقتصادية جديدة ، والتي تمثلت في ” ذكر مؤاخاة رسول الله بين المهاجرين والأنصار [11]، و ” ذكر بعثة رسول الله الرسل بكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام [12] و ” ذكر وفادات العرب على رسول الله [13] . إذن في ظل هذا الواقع السياسي الجديد بدأت تتشكل صورة جديدة لعالم إقتصادي مختلف لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل . وفعلاً فقد رسم ” إبن سعد ” في الجزء الثاني واقعاً إقتصادياً إسلامياً جديداً ، وبالتحديد عندما بين فيه ، الموارد المالية لما أسماه ” ذكر مغازي رسول الله [14] ، ومن ثم حديثه في الجزء الثالث عن المكانة الإقتصادية لما أطلق عليه ” طبقات البدريين من المهاجرين [15] و ” طبقات البدريين من الأنصار [16] .

  وكذلك نستشهد بكتاب الإمام أبي عبد الله البخاري (810 – 870م) والمعنون ” صحيح البخاري ” والذي يتألف من عدة كتب . إلا إننا سنقف وننظر في الكتب ذات الطبيعة الإقتصادية من هذه الموسوعة التي بحثت في ” الصحيح لسنن رسول الله ” [17]. منها ” كتاب الزكاة “[18] و ” كتاب البيوع “[19] و ” كتاب الشفعة “[20] و ” كتاب الإجارة “[21] و ” كتاب الحوالات “[22] و ” كتاب الوكالة “[23] و ” كتاب المزارعة “[24] و ” كتاب المساقات “[25] و ” كتاب في الإستقراض “[26] و ” كتاب الخصومات “[27] و ” كتاب اللقطة “[28] و ” كتاب الشركة “[29] و ” كتاب المكاتب “[30] و ” كتاب الهبة .. “[31] و ” كتاب الصلح “[32] و ” كتاب الشروط “[33] و ” كتاب الخمس “[34] .

  ودرس في الجزء السابع مضماراً مهماً من الإقتصاد السياسي الإسلامي ، وهو مضمار إقتصاديات الأسرة ، والذي يتألف من كتب متنوعة منها ” كتاب النكاح “[35] و ” كتاب الطلاق “[36] و ” كتاب العدة “[37] و ” كتاب النفقات “[38] … وبحث في الجزء الثامن أطرافاً من الأحكام الإقتصادية والتي تندرج في إطار المقدمات للفقه الإقتصادي السياسي الإسلامي ، من مثل ” كتاب الفرائض ” وفيها باب تحدث فيه عن الميراث[39] و ” كتاب الحدود “[40] و ” كتاب المحاربين “[41] . ويستمر في الجزء التاسع في مناقشة قضايا إقتصادية ترتبط بالأحكام الشرعية الإسلامية الصادرة بحق بعض الجرائم من مثل القتل والإحتيال والإكراه . ولعل الشاهد على ذلك ؛  ” كتاب الديات “[42] و ” كتاب الإكراه “[43] و ” كتاب الحيل “[44]

    كما ويقدم لنا تاريخ العقيدي والفكر الإقتصادي السياسي الإسلاميين ، وثيقة إقتصادية بالغة الأهمية تصعد إلى النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي . ونقصد بها الوثيقة الإقتصادي التي كتبها الإمام مسلم (874م) ، وهو ” أبو الحسن مسلم بن الحجاج ” ، والتي تحمل عنوان ” صحيح مسلم [45]، والتي تتألف من أربعة مجلدات ، وكل مجلد يضم مجموعة كتب . ونحسبُ إن المجلد الثاني والثالث قد عالجا أطرافاً من الإقتصاد السياسي الإسلامي (أو الفقه الإقتصادي) . فمثلاً هنا نستشهد بالمجلد الثاني ، وخصوصاً في كتاب الزكاة والذي درس فيه الطرف الإقتصادي لضريبة الزكاة [46]، وكذلك لاحظنا بأن هناك كتباً أخرى لم تخلو من مضامين وأحكام إقتصادية ، من مثل كتاب النكاح [47]، وكتاب الرضاع [48]، وكتاب الطلاق [49]، وكتاب العتق [50].

  أما المجلد الثالث فقد إحتوى على مجموعة كتب ، كون كل واحد منها وثيقة عالجت أطرافاً من الإقتصاد الإسلامي . والشاهد على ذلك كتاب البيوع [51]، وكتاب المساقاة [52]، وكتاب الفرائض [53]، وكتاب الهبات [54]، وكتاب الوصية [55]، وكتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات [56]، و كتاب الحدود [57]، وكتاب اللقطة [58]، وكتاب الإمارة [59]. هذه شواهد والشواهد كثيرة ..

  ثم جاءت بعد ذلك وثيقة إقتصادية سياسية ، كتبها البيهقي ، وهو ” أبوبكر أحمد بن الحسين ” (توفي 1066م) وكانت بعنوان ” السنن الكبرى [60] وهي تندرج في مضمار الإقتصاد السياسي الإسلامي . ولعل أهميتها التاريخية تعود إلى إنها تألفت من كتب عدة ، ناقشت في كل كتاب مضماراً إقتصادياً خاصاً . مثالاً على ذلك ” كتاب البيوع [61]، وتتمة كتاب البيوع [62]، وكتاب الرهن [63]، وكتاب التفليس [64]، وكتاب الحجر [65]، وكتاب الصلح [66]، وكتاب الحوالة [67]، وكتاب الضمان [68]، وكتاب الشركة [69]، وكتاب الوكالة [70]، وكتاب الإقرار [71]، وكتاب العارية [72]، وكتاب الغصب [73]، وكتاب الشفقة [74]، وكتاب القراض [75]، وكتاب المساقاة [76]، وكتاب الإجارة [77]، وكتاب المزارعة [78]، وكتاب إحياء الموات [79]، وكتاب الوقف [80]، وكتاب الهبات [81]، وكتاب جماع أبواب عطية الرجل ولده [82]، وكتاب اللقطة [83]، وكتاب الفرائض [84]، وكتاب الوصايا [85]، وكتاب الوديعة [86]، وكتاب قسم الفئ والغنيمة [87].

 ولاحظنا إن تفكير ” البيهقي ” الإقتصادي الذي ينهض على الشريعة الإسلامية ، إستمر في البحث في أطراف أخرى مما نقترح عليه بالإقتصاد السياسي الإسلامي . وفعلاً ففي الجزء السابع تناول العديد من هذه الأطراف بالدرس ، فمثلاً خصص كتاباً بعنوان كتاب قسم الصدقات [88]، وكتاب النكاح [89]، وكتاب الصداق [90]، وكتاب القسم والنشوز [91]، وكتاب الخلع والطلاق [92]، وكتاب الرجعة [93]، وكتاب الإبلاء [94]، وكتاب الظهار [95]، و كتاب العدد (العدة للمرأة) [96]، وكتاب الرضاع [97]، وكتاب النفقات [98]. ومن ثم أكمل ” البيهقي ” في الجزء الثامن ” كتاب النفقات ” وبعنوان تتمة النفقات [99]، وكتاب الخراج [100]، وكتاب الديات [101]، وكتاب القسامة [102]، وكتاب الحدود [103]، وكتاب السرقة [104].. هذه شواهد وإن الأجزاء الأخرى لا تخلو من أطراف وتفاصيل إقتصادية تُضاف إلى المباني العامة للإقتصاد السياسي (العقيدي – الفقهي) الإسلامي في منعطفاته التاريخية الأولى .

  ولعل من الوثائق التاريخية الإقتصادية الإسلامية ، التي نحتفل بها ونحن ننقب في الطرف التاريخي للإقتصاد السياسي الإسلامي في مراحله اللاحقة . ومن ثم معرفة حجم ما تركه الجيل الأول إلى الأجيال اللاحقة من إفادات إقتصادية ، والتي كونت مصادر معرفية لتدوين نصوصهم الإقتصادية ، كتاب الطرطوشي (451 – 520 هجرية / 1059 – 1126م) المعنون سراج الملوك ، وهو ” أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي ” [105]. صحيح جداً إن كتاب ” سراج الملوك ” جاء بعد النصوص الإقتصادية التي كتبها الماوردي(364 – 450 هجرية / 972 – 1058م) بفترة تتجاوز القرن والعقدين من الزمن (120عاماً) على الأقل [106]. وذلك من طرف إن الماوردي توفي قبل ولادة الطرطوشي بسنة واحدة . وفعلاً فإن الطرطوشي يستشهد بنصوص إقتصادية من كتابات الماوردي في كتابه سراج الملوك [107].

    ونحسب إن هذا الإختيار من قبل الطرطوشي لنصوص إقتصادية من كتابات الماوردي ، له أهميته ودلالته التاريخية في الإعتراف بالسبق في عملية التدوين والإنشاء في مضمار الإقتصاد السياسي (السلطاني) . كما وفيها دلالة تاريخية تفصح عن حقيقة مهمة تخص تاريخ الإقتصاد الإسلامي ، وهي إن كلاً من الماوردي أولاً والطرطوشي ثانياً (وهو بالطبع المستفيد) ، كانا واعيين ، وهما يبحثان في الإقتصاد الإسلامي ، وبالتحديد من طرف إطاره المتسور بفكرانية السلطان وسياسته السلطانية . وفي إطار هذا الفهم يقول الطرطوشي وهو ينقل عن الماوردي (أو كما يقول الماوردي بخطاب الطرطوشي) ؛ ”  أيها الملك من طال عدوانه زال سلطانه . أعلم إن المال قوة السلطان وعماد المملكة ومادة الملك ، والمال أقوى العدة على العدو وهو ذخيرة الملك وعماد المملكة وحياة الأرض ومن حقه أن يؤخذ من حقه ويوضع في حقه ويمنع سرف ، ولا يؤخذ من رعية إلا ما فضل من معايشها ومصالحها ثم ينفق ذلك في الوجوه التي يعود على نفعها ” [108]. فهذه سياسة إقتصادية وإقتصاد سياسي وهذا ما يندرج تحته معظم النصوص الإقتصادية التي أنتجها العقل واليراع الإسلاميين .

  ومثلما كان البخاري مصدراً من مصادر ” الطرطوشي ” في كتابه ” سراج الملوك ” [109]. فإن الماوردي وكتاباته الإقتصادية وخصوصاً في الإنفاق المالي كونا مصدراً معرفياً مضافاً إلى مصادر ” سراج الملوك ” [110] ومن خلال ذلك سينتقل فكر الماوردي والطرطوشي في الإقتصاد السلطاني إلى مقدمة إبن خلدون وبالتأكيد ستحمل نصوصها الإقتصادية إلى مباني المقدمة الخلدونية أملاحاً ماوردية وطرطوشية متفردة .

   إضافة إلى كل ذلك فإن الطرطوشي أولى في كتابه ” سراج الملوك ” أهمية متفردة إلى إصلاح الأرض وأحوال المزارعين [111] وإدارة شؤون الدولة وفنون تداول السلطة ، وقواعد التدبير السلطاني للأعوان والجند والرعية ، ولعل الشاهد على ذلك ” الباب السادس والأربعون ” من كتابه ” سراج .. ” [112] و ” الباب الرابع والخمسون ” والمعنون ” في هدايا العمال والرشا على الشفاعات ” [113] ، و ” الباب الخمسون ” والذي يحمل عنوان ” في سيرة السلطان في تدوين الدواوين وفرض الأرزاق وسيرة العمال ” [114]. هذه أمثلة والأمثلة كثيرة ، والتي تُكون بمجملها أطرافاً من ” الفقه الإقتصادي والإداري السلطاني ” والتي تُقارب حسب ظننا بدرجات ما مضمار ” الإقتصاد السياسي ” بلغة كارل ماركس (1818 – 1883) ، وبالتحديد في كتابه رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي [115].

  بل ونلحظ إنها تتخطى ماركس ورأسماله ونقده للإقتصاد السياسي ، وتعانق كتابات الإقتصادي اللا ماركسي الفرنسي بيير جوزيف برودن (1809 – 1865) وبالتحديد رائعتيه اللتان نشرهما قبل رأسمال ماركس بفترة زمنية ملحوظة ، الأولى كانت بعنوان ” ما هي الملكية ؟ أو بحث في مبدأ الحق والحكومة ” والتي نشرها بالفرنسية عام 1840 . أي قبل رأسمال ماركس بحدود سبع وعشرين سنة . والثانية كانت بعنوان ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس (الفقر) ” والتي طبعها بالفرنسية عام 1846 . أي قبل رأسمال ماركس بإحدى وعشرين سنة . وبالمناسبة إن ماركس يتقن يومها الفرنسية مثلما يتقن لغته الأم الألمانية [116].

  ونرى إنه من النافع  أن تكون لنا وقفة عند عتبات الطرطوشي ، وكتابه سراج الملوك في تاريخ السلطة والسلطان والفقه الإقتصادي في دار الثقافة العربية الإسلامية . ولهذا نحسب إن من اللازم إن نقدم بعض الشواهد التاريخية الدالة على المكانة التي شغلها ” الطرطوشي ” وخصوصاً كتابه ” سراج .. ” . ولأجل ذلك رغبنا أن نقف عند عتبات الثوابت التاريخية الآتية :

أولاً – زار الطرطوشي المشرق وإتصل بالإمام الغزالي (450 – 505 هجرية / 1058 – 1111م) . وفعلاً فقد كانت للطرطوشي أراء نقدية على كتابات الإمام الغزالي ، وخصوصاً كتاباته الصوفية . فقد صرح في خلاصة نقدية له ، إلى إن الغزالي ” .. لما عمل الإحياء عمد يتكلم في علوم الأحوال الصوفية ، وكان غير أنيس بها ولا خبير بمعرفتها ” .

ثانياً – وضع ” الطرطوشي ” كتاباً عارض فيه كتاب الإحياء للإمام الغزالي ، وبعنوان ” معارضة إحياء الغزالي ” . وذلك للإهمية التي لعبها هذا الكتاب في عملية النقد العقيدي المذهبي في دائرة الثقافة العربية الإسلامية . ومن هنا تأتي المكانة التي إحتلها كتاب ” الطرطوشي ” معارضة إحياء الغزالي ” .

ثالثاً – لاحظ الباحثون الأكاديميون ، وهم يسعون إلى تقويم محاولة الغزالي في كتاب الإحياء ، ومثابرة الطرطوشي النقدية لها بميزان النقد المقارن ، فوجدوا إن واحدة من مخطوطات كتاب سراج الملوك ، قد وضعت في هامشها متن ” كتاب الإمام الغزالي ” التبر المسبوك في نصيحة الملوك [117]. وهذا الفعل الثقافي له أهمية في الكشف عن الأثر الذي تركه كتاب الغزالي على كتاب الطرطوشي ” سراج الملوك ” . وهو دليل على إن الطرطوشي قد قرأ كتاب الإمام في مضمار السلطة والسلطان ، والفقه الإقتصادي السلطاني ، بل وتدارسه وإحتضنه مصدراً معرفياً بجوار كتابه ” سراج .. ” وقدمه مشروع قراءة في العصور الوسطى الإسلامية ، نصاً معرفياً سلطانياً بجوار نص معرفي سلطاني آخر …

رابعاً – كما ولاحظنا إن الأهمية الكبيرة لكتاب الطرطوشي ” سراج الملوك ” تأتي من حيث إنه كون مصدراً مهماً من مصادر مقدمة إبن خلدون (1332 – 1406) [118]. بل وإن واحدة من مخطوطات المقدمة قد وجد في هامشها كتاب ” الطرطوشي ” منشوراً مما يُدلل على أهمية الكتاب ، وإعتقاد الناسخ أو ” إبن خلدون ” بأهمية أن يجعل كتاب ” سراج الملوك ” مصدراً معرفياً مجاوراً لكتاب المقدمة .

خامساً – وهنا ندعو إلى إجراء بحث أكاديمي ، يتدارس الفقه الإقتصادي السلطاني الإسلامي في النصوص الثلاثة ؛ كتاب التبر المسبوك في نصيحة الملوك ، وسراج الملوك وفصول المعرفيات السلطانية في مقدمة إبن خلدون .

   وعلى أساس هذا الحضور لمصادر الفقه الإقتصادي السلطاني (السياسي) الإسلامي ، ومنه على وجه الخصوص مقدمة إبن خلدون ، نتطلع هنا إلى الوقوف بعض الشئ عند عتبات مقدمة إبن خلدون من زاوية الإقتصاد السياسي ، وهدفنا هو التعريف بالقضايا الإقتصادية السياسية التي تطرق لها إبن خلدون في رائعته المقدمة وهذا ما سنبحثه لاحقاً . بينما نتطلع هنا إلى ذكر بعض الحقائق عن الفترة الزمنية التي إستقبل فيها الغرب مقدمة إبن خلدون ومن ثم عمد على ترجمتها وتوفيرها لدوائر البحث الأوربية . لأننا نشعر بأن ماركس (وشعورنا يمتد ليشمل إقتصاديون غربيون قبل ماركس وبالتحديد في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر ..) كان قريباً منها أو من البيئة الثقافية الأوربية التي إحتفلت بها ، والتي أولتها أهمية غير إعتيادية وخصوصاً في حركة الإستشراق التي عمت القارة الأوربية ومن ثم تحولت إلى موضة من الموضات الثقافية يومذاك.

  ولهذا نحسبُ إن رجلاً مفكراً وفيلسوفاً مثل ماركس ، بل وكاتباً في فلسفة التاريخ ، ورائداً في علم الأجتماع ومنظراً إقتصادياً في مضمار نقد الإقتصاد السياسي ، وبقربه يجري الحديث عن المقدمة الخلدونية ، فإننا لا نستطيع أن نتصور على الإطلاق إنه دار ظهره لها وسد آذانه من الإستماع إلى ما يقوله الغرب عنها . ولكل هذا نحن نرُجح بأن ماركس إطلع على ماكُتب عن المقدمة في اللغة الألمانية أولاً ومن ثم ثانياً وهو بالتأكيد (أي ماركس) قرأ ماكتب عنها أو إطلع على ترجماتها الفرنسية التي كانت متداولة يوم إستقراره في فرنسا (باريس) . وهنا نُقدم الشاهد والبينة على ذلك :

أولاً – الترجمة الفرنسية عام 1810 والتي قام بها البارون إنطوان إسحق سيفستري دي سي (1758 – 1838) والتي إحتوت على ترجمة مقاطع من مقدمة إبن خلدون [119] ويومها لم يولد ماركس بعد . والبارون ” دي سي ” هو مستشرق وبروفسور ومتخصص باللغة العربية والفارسية . ومعلوم للجميع أن ماركس عاش وعمل وكتب في باريس ما يُقارب الثلاثة سنوات ، وبالتحديد ما بين 1845 وحتى 1847 [120]. فمن المُرجح إنه جدد معرفته بإبن خلدون التي تصعد إلى بلده ألمانيا ولغته الأم الألمانية . فقد فتح عينه ودائرة الثقافة الألمانية مشغولة بمقدمة إبن خلدون .

ثانياً – الترجمة الألمانية عام 1818 ، وبالطبع هي السنة التي ولد فيها ماركس (وبالتحديد في 5 مايس) وهي بالطبع الفترة [121] ذاتها التي إنشغلت بها دائرة الثقافة الفرنسية . وفعلاً فقد لاحظنا إن المستشرق جون فون هامر برجشتال (1774 – 1856) قد قام بترجمة مقتطفات من مقدمة إبن خلدون [122] إلى اللغة الألمانية . و برجشتال هو في الأصل مستشار في الحكومة وشارك في الحرب الإلمانية – الفرنسية ، ومتمكن من اللغات العربية والفارسية والتركية ، وله كتب عن الإمبراطورية العثمانية [123].

ثالثاً – الترجمة الفرنسية الكاملة والتي طُبعت ما بين عامي 1862 و 1868 ، والتي قام بترجمتها وطبعها البارون وليم ماكيوسكين دي سلان (1801 – 1878) [124]. وهو إيرلندي الأصل ، وبعد تخرجه من جامعة دبلن ، رحل إلى باريس ودرس اللغات الشرقية وتحت إشراف المستشرق إنطوان سيفستري . و ما كيوسكين هو متخصص في فيللوجيا اللغة العربية ، وترجم العديد من النصوص العربية من العصور الوسطى . ومن ترجماته الأولى من العربية إلى الفرنسية ، كتاب ” أبي الفداء ” الجغرافي ” تكوين البلدان ” عام 1840 ، ومن ثم ترجم سيرة إبن خلدون في أربعة مجلدات للفترة ما بين 1843 و1871 ونشر العديد من المنشورات عن تراث إبن خلدون وعن آخرين [125]. ومن المفيد الإشارة هنا إلى إن البارون دي سلان قد بدأ بنشر مقدمة إبن خلدون في عام 1862 أي قبل نشر ماركس لرائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي بخمس سنوات فقط . ومن ثم أكمل نشرتها وبالطبع بالفرنسية في عام 1868 أي بعد عام واحد من نشرة ماركس لكتابه رأس المال .

رابعاً – الترجمة الإنكليزية الكاملة لمقدمة إبن خلدون عام 1958 (الطبعة الأولى) [126]، فقد جاءت متأخرة جداً جداً ، وقام بها ووضع لها مدخلاً المستشرق والمهتم بالتراث العربي فرانز روزنثال (1914 – 2003) وهو بروفسور ألماني ومن ثم أمريكي الجنسية ، وكان أستاذ اللغات السامية في جامعة ييل . ومن مؤلفاته الأولى والتي سبقت ترجمته لمقدمة إبن خلدون ،  رائعته علم التاريخ عند المسلمين ، والتي نشرها عام 1952 ، والتي ترجمها العلامة العراقي صالح أحمد العلي (طيب الله ثراه) [127]. ومن كتب روزنثال الأخرى ، كتابه الذي حمل عنوان المفهوم الإسلامي للحرية ، وكتابه التراث الكلاسيكي في الإسلام ، ومن ثم جاء كتابه إنتصار المعرفة : مفهوم المعرفة في الإسلام (في العصر الوسيط) [128].

  ومن الجدير بالذكر إن الدكتور طه حسين هو الرائد في الكتابة عن إبن خلدون في القرن العشرين ، فقد كتب إطروحته للدكتوراه الثانية في جامعة السوربون عام 1919 ، وكانت بعنوان فلسفة إبن خلدون الإجتماعية [129]. وعلى هذا الأساس يكون طه حسين سباقاً على روزنثال في الكتابة الأكاديمية عن إبن خلدون وبحدود ثمان وثلاثين سنة . كما وتقدم على روزنثال العراقيين كل من الدكتور محسن مهدي في إطروحته للدكتوراه التي حملت عنوان ” فلسفة التاريخ عند إبن خلدون ” وإطروحة الدكتوراه التي قدمها عالم الإجتماع العراق الدكتور علي الوردي وبعنوان منطق إبن خلدون [130]. فالمرحوم الوردي أنجز إطروحته للدكتوراه في منطق إبن خلدون في جامعة تكساس عام 1950 أي قبل أن ينشر روزنثال ترجمته لمقدمة إبن خلدون بحدود الثمانية سنوات . بينما أكمل المرحوم محسن مهدي إطروحته للدكتوراه عام 1954 في جامعة شيكاغو ، أي قبل نشرة روزنثال لترجمته بحدود الأربعة سنوات [131]. ومن ثم طبعت إطروحة محسن مهدي بالإنكليزية في لندن عام 1957 أي قبل نشرة روزنثال بعام واحد [132].

  ومن الحق أن نشير إلى إن الأكاديميات العربية والإسلامية ، قد رعت وإحتضنت أبحاثاً أكاديمية مبكرة عن إبن خلدون عامة ، والطرف الإقتصادي في مقدمته خاصة . وفي فترة تتقدم على ترجمة ونشرة المستشرق الألماني الأمريكي روزنثال وترجمته الإنكليزية لمقدمة إبن خلدون . فمثلاً لاحظنا :

أولاً – إن محمد عبد الله عنان كتب مؤلفاً في عام 1941 وبعنوان ” إبن خلدون : حياته وعمله [133]. وفي القسم الأول تناول حياته ، وفي القسم الثاني درس كتبه ، ومن ضمنها المقدمة . وفي القسم الثالث عرض آراء الغربيين في إبن خلدون ، وأثره في مؤلفات أوربا في العصور الوسطى (؟) . ونحن نتحفظ على لفظة العصور الوسطى التي وردت في عنوان القسم الثالث من كتاب ” الإستاذ محمد عنان ” ، بسبب إن إبن خلدون مات في العقد الأول من القرن الخامس عشر الميلادي (وبالتحديد مات إبن خلدون عام 1406) وكان الأدق أن يتحدث عن تأثيره في مؤلفات أوربا في عصر النهضة (وهو العصر الذي بدأ من القرن الرابع عشر(وهناك من يرى إن عصر النهضة بدأ عام 1453 وهو تاريخ سقوط القسطنطينية [134]) وإستمر حتى القرن السابع عشر) [135].   

ثانياً – محمد نشأت والذي كتب إطروحته المتفردة عام 1945  وكانت بعنوان ” إبن خلدون رجل الإقتصاد الرائد [136]. واللذان (أي محمد عنان ومحمد نشأت) كان لهما السبق في البحث الأكاديمي على المستشرق فرانز روزنثال ، بحدود سبعة عشر عاماً لصالح نشرة محمد عنان . وثلاثة عشر عاماً ، وهي الفترة الزمنية التي تقدمت فيها نشرة محمد نشأت على ترجمة ونشرة المستشرق فرانز روزنثال .

  ومن الطرف التاريخي لترجمة روزنثال الإنكليزية لمقدمة إبن خلدون ، يحملنا على القول  إن الألماني ” روزنثال ” بالتأكيد قد إطلع قبل ترجمته الإنكليزية على الأقل على الترجمة الألمانية التي قام بها جون هامر برجشتال . وربما قرأ الترجمة الفرنسية الأولى لمقتطفات من مقدمة إبن خلدون التي قام بها سيفستري عام 1810 (وهناك من يرى 1806) . كما وهناك إحتمال كبير إنه أطلع أو قرأ ترجمة البريطاني الفرنسي وليم ماكيوسكين دي سلان ، والتي نشرها مابين 1862 و1868 .

  ويبدو لنا إن المستشرق روزنثال كان عارفاً بلعبة الإستشراق ، وهو اللاعب الماهر فيها ، وهكذا إنتفع من الترجمة الألمانية وهي لغته الأم ، وإستفاد من الترجمة الفرنسية الأولى ، والثانية والتي فيها مضموم كبير ، حيث إن المترجم الإيرلندي وليم ماكيوسكين دي سلان ، هو الإيرلندي القح ، ولغته الأم هي اللغة الأنكليزية والتي ولد عليها وتعلم بها وتخرج من جامعة دبلن الإيرلندية الإنكليزية .   

   كما ولاحظنا في مقال الباحث الأكاديمي الماليزي ” سيد فريد ألتس ” إشارة تاريخية بالغة الأهمية وفيها شئ من الحق إلا إن الحق الشامل سجلته وثائق التاريخ التي قدمت لنا شواهد وبينات فيها الكثير من اليقين . ولكل ذلك نحسب إن إشارة ” سيد ألتس ” جاءت خافتة وليست كافية ، وذلك عنما إفترض إلى إنه من المحتمل إن الترجمات اللاتينية قد سمعت شيئاً عن إبن خلدون لأول مرة عام 1636 ، ومن ثم بعد مئة عام ظهرت مقتطفات من مقدمته في ترجمة فرنسية ” [137].

  ونحسب إن الحديث عن الترجمات اللاتينية (والتي بالطبع سبقتها ترجمات عبرية) للتراث العلمي والفلسفي العربي عامة والرشدي خاصة ، والتي تصعد إلى فترة أبعد من تخمين السيد الماليزي (مع تقديرنا لإشارته) ، وربما كان هناك  إتصال بمقدمة إبن خلدون عبري أولاً ومن ثم لاتيني ثانياً ، والذي يتجاوز التاريخ الذي إقترحه ” سيد ألتس ” بشوط زمني أبعد من ذلك بكثير ، والسبب بسيط وهو إن الترجمة اللاتينية من العربية تطوي عمراً طويلاً ، وكان حاصلها مدارس للترجمة متخصصة في ترجمة التراث العربي في صقلية وطليطة من العربية إلى العبرية ومن ثم من العبرية إلى اللاتينية أولاً ومن ثم من العربية إلى اللاتينية مباشرة هذا طرف .

  والطرف الثاني ، هو إن مؤلفات إبن رشد (1126 – 1198) ومن ضمنها رائعته الفلسفية ” تهافت التهافت ” قد ترجمت إلى اللاتينية في البندقية في عام 1497 ، ومقدمة إبن خلدون (1332 – 1406) فيها فصل بعنوان ” إبطال الفلسفة ” سار فيه على المنهج الأشعري في الإبطال والذي أرسى قواعده الأمام الغزالي (1058 – 1111) في كتابه الشهير ” تهافت الفلاسفة [138] وإن ” تهافت التهافت ” هو رد فلسفي رشدي على كتاب الغزالي .  وفي ضوء هذا الواقع الثقافي تعرف المترجمون من العربية إلى العبرية واللاتينية على مقدمة إبن خلدون التي تندرج ضمن مضمار تهافت الفلاسفة أو إبطال الفلسفة وهو عنوان فصل من فصول ” مقدمة إبن خلدون ” [139].  

  ولنكون أكثر دقة ونكشف عن الطرف التاريخي من حقيقة إتصال اللاتين بالتراث العربي ، فقد لاحظنا إن من الترجمات اللاتينية الأولى للكتب العلمية من التراث العربي ، قد تخطت بحد ذاتها ولادة إبن خلدون (1332 – 1406) بأشواط زمنية بعيدة ، وبحساب السنين ، فإنها تتجاوز المئة والسبعين عاماً . وفعلاً فقد وجدنا الدراسات الأكاديمية الغربية تتحدث عن  المترجم الإيطالي جيرارد كيرمونة (1114 – 1187) الذي قام لأول مرة بترجمة كتاب المجسطي من العربية إلى اللاتينية عام 1160 في صقلية [140].

  وهذه الحقيقة تُقدم لنا فهماً دقيقاً للطرف التاريخي من إتصال الغرب اللاتيني بالتراث العربي . وعلى أساسها يمكن قبول الجزء الأول من عبارة ” سيد فريد ألتس ” والقائلة ” إن الترجمات اللاتينية قد سمعت عن إبن خلدون ” . أما القسم الثاني من العبارة ، وهي ” سمعت عن إبن خلدون لأول مرة عام 1636 ” فنحن نشك في هذا التاريخ المحدد ، وخصوصاً إن ” سيد فريد ألتس ” قد ذكرها جملة مائعة دون بينة تاريخية ، وهنا نترك المترجمون اليهود الذين سبقوا اللاتين في الترجمة من العربية ونقف عند عتبات الحقيقة الموثقة تاريخياً في العبرية واللاتينية وهي بينة متداولة ، فقد حدثت للتراث العربي ترجمة أولاً من العبرية إلى اللاتينة قبل الترجمة من العربية إلى اللاتينية مباشرة [141].

  وإذا أخذنا تراث إبن رشد وترجمته إلى اللاتينية بينة ومعياراً نقيس عليه إهتمام الغرب بتراث إبن خلدون (أو كما طرق سمعهم على حد رواية الماليزي سيد فريد ألتس) . فإننا نقترح إن حالة إبن رشد وإهتمام اللاتين بترجمة تراثه هي حالة إستثناء ، وذلك عندما بدأت ترجمة عبرية ولاتينية بعد موته بأقل من خمسين عاماً (وبالتحديد في العقود الثلاثة من القرن الثالث عشر) ، فنحن نُرجح إنه بعد موت إبن خلدون بمئة عام قد سمع اللاتين به .    

  وبعد هذا عودة إلى مقدمة إبن خلدون ، وبالتحديد إلى الطرف الإقتصادي السياسي فيها ، وهو جوهر كل هذا المهاد التاريخي ، والذي نتطلع منه إلى معرفة ؛ هل قرأ ماركس ، وهو في باريس للفترة التي إمتدت ثلاثة سنوات ، شيئاً عن مقدمة إبن خلدون ؟ وبالطبع هنا ليس المهم إن القراءة  كانت لنص الترجمة  أم لمقتطفات منها . ولكن من الثابت تاريخياً إن المقتطفات كانت متداولة في دائرة الثقافة الفرنسية قبيل ولادة ماركس بإثنتي عشرة سنة وهو عارف باللغة الفرنسية ويكتب بها ، فقد عاش مع زوجته للفترة من (1845 – 1847) وفي باريس ولدت إبنته الأولى . كما وإن الترجمة الألمانية هي الأخرى كانت متداولة سنة ولادته في دائرة الثقافة الألمانية ، واللغة الألمانية هي اللغة الأم للسيد ماركس .

  إضافة إلى كل ذلك فإن المستشرق وليم ماكيوسكين دي سلان قد بدأ بترجمتها ونشرها عام 1862 أي قبيل نشر ماركس لرائعته ” رأس المال ” بخمس سنوات ، وإنتهى من نشرها بعد سنة واحدة من نشر ماركس المجلد الأول من كتاب رأس المال . إن كل هذه الشواهد تدلل على إن ماركس قد إطلع على الأقل بصورة ما على مقدمة إبن خلدون بلغته الأم الألمانية ، ومن ثم في باريس ربما عرف مرتين بنشرتها في مقتطفات بطبعة شيخ المستشرقين إنطوان سيفستري ، ومرة ثانية بنشرتها الكاملة التي ترجمها المستشرق البريطاني – الفرنسي وليم ماكيوسكين دي سلاين .

   المهم إن قارئ ” مقدمة إبن خلدون ” والتي كتبها في العقدين الأخيرين من القرن الرابع عشر الميلادي ، يلحظ إنها كانت ولا تزال موضوع إهتمام متجدد بين الأكاديميين وغير الأكاديميين . والشاهد على ذلك إنها تناولت فصولاً متنوعة دارت مادتها المعرفية حول مفاهيم إقتصادية من مثل ” الكسب ” و ” المعاش [142]، وتناول أحوال العمران في ” الخصب ” و ” الجوع[143].ومن ثم أضاف مفاهيم إقتصادية أخرى ، وهي ” الضروري ” و ” الحاجي (من الحاجة) ” و ” الكمالي [144]. وتقف على رأس هذه المفاهيم الإقتصادي ، مفهومي ” الترف ” و ” النعيم ” . فمثلاً كان يستند إلى الترف وهو مستوى إقتصادي في الحديث عن الدولة وهي مؤسسة سياسية ، ومن ثم بيان الدور الذي يلعبه الترف في التمييز بين أنواع الدول ، فذهب في الفصل السادس عشر إلى أن ” الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها ” [145].

  غير إن إبن خلدون لم يقف عند هذا الطرف من الترف . ومن ثم إنتبه إلى طرف آخر منه ، ولعل الحاصل منه ، هو الدعة والسكون [146]. والذي يتمثل في ” إستكثار الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت وختطاط المدن والأمصار للتحضر ثم تزيد أحوال الرفاه والدعة . ومن هؤلاء من ينتحل معاشه من الصنائع ، ومن ينتحل التجارة وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو لأن أحوالهم زائدة على الضروري ومعاشهم ” [147].

  ولاحظ إبن خلدون وهو يدقق في دور ” الترف ” و ” النعيم ” إلى إن كل منهما ممكن أن يتحول إلى ما أسماه ” عائق ” من عوائق ” الملك وذلك عندما ينغمس فيه القبيل (أي الحشود) ” [148]. وهذه خطوة في الطريق نحو المصير النهائي المحتوم ، وبكلمات ” إبن خلدون ” إن الأمة إذ غلبت وصارت في ملك غيرها ، أسرع إليها الفناء [149].

  ومن الناحية الميثديولوجية ، نحسب من الضروي إن نشير إلى واحد من مصادر إبن خلدون في كتابة مقدمته ، وبالتحديد في كتابة هذا الطرف من الإقتصاد الممزوج بالسياسي ، هو المسعودي (896 – 956) وهو ” أبو الحسن بن الحسين بن علي ” والمشهور برائعته التي تحمل عنوان ” مروج الذهب ” والتي كتبها في صورتها الأولى عام 947 [150]. وفعلاً فقد إقتبس منه إبن خلدون منقولة ربطت بين فعل السلطان وحركة الإقتصاد (المال بإصطلاحات إبن خلدون وكذلك المسعودي) فأفاد ” أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة .. ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ، ولا قوام للرجال إلا بالمال ، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل . والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب وجعل له قيماً وهو الملك ” [151].

  والشاهد المعرفي على مكونات هذه الرسالة الخلدونية ، والتي نحسبها خطاب في الإقتصاد السياسي الإسلامي ، هي إنها تكونت من ستة أقسام :

الأول – في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض .

الثاني – في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية .

الثالث – في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية .

الرابع – في العمران الحضري والبلدان والأمصار .

الخامس – في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه . ونحسب هذا القسم رسالة خلدونية في الإقتصاد السياسي عينة ومثالاً ، وإن كانت المقدمة برمتها مملوءة بالطرف الإقتصادي السياسي .

والسادس – في العلوم وإكتسابها وتعلمها [152].  

  حقيقة إن العلاقة بين الطرف الإقتصادي والسلطاني (السياسي) قوية جداً في فصول مقدمة إبن خلدون ، حيث كان المتولد منها هو بروز مؤسسات إقتصادية سياسية تعمل لتسييرعمل الدولة ، ومن هذه المؤسسات نظام الحسبة والسكة [153]، وديوان الأعمال والجبايات [154]وهي من الوظائف الضرورية للملك . ومن ثم مراقبة الأموال من مثل ” مقدار الدرهم والدينار الشرعين ” [155]، وضرب المكوس [156] وهذه أمثلة وشواهد بينات وليس حصراً وتحديداً .

   كما وإن المسح الإستقرائي لأبواب وفصول مقدمة إبن خلدون ، تحمل الباحث الأكاديمي إلى القول ، بأنها نمطاً رائداً في الإقتصاد السياسي الإسلامي ، ولهذا نُرجح إن ماركس إطلع على ماكتب عنها في الترجمة الألمانية لمقتطفات منها والتي بدأت تروج وتنتشر في دوائر الثقافة الألمانية وماركس كان يومها طفلاً صغيراً . ومن ثم نُرجح كذلك إنه قرأ أو سمع على الأقل عن الترجمات الفرنسية لمقتطفات من المقدمة أولاً والترجمة الكاملة لها وهو يعيش ويكتب في باريس وهو بالطبع قارئ متمكن باللغة الفرنسية يومذاك .

  وعلى هذا الأساس نقدم هنا جرداً للموضوعات الإقتصادية السياسية التي درسها إبن خلدون في مقدمته . فمثلاً بحث في التجارة من زاوية السلطان والرعايا والجباية [157]، ودرس ثروة السلطان وحاشيته في إطار الدولة [158]، وكشف عن العلاقة الإقتصادية بين ” عطاء السلطان ” والجباية ، وكأنه تطلع إلى صياغة قانون إقتصادي (أو ما شابه ذلك) ، وهو إن نقص العطايا السلطانية يؤدي إلى نقص الجباية [159]. وفي الإمكان إعادة صياغة هذا القانون الخلدوني بالصورة الأتية ؛ وهو إن زيادة عطايا السلطان يترتب عليه زيادة في الجباية . وفي الوقت ذاته حذر من الظلم وبالطبع حذر من غياب العدالة ، فإن النتيجة في المحط الأخير ، هو ” خراب العمران [160].

  وتناول موضوعات إقتصادية أخرى من مثل ” في أسعار المدن ” ، وحاجات الناس والتي يمكن تصنيفها في ثلاثة مراتب إقتصادية ، وهي بالترتيب حسب خطاب إبن خلدون ، منها ” الضروري ” ومنها ” الحاجي (من الحاجة) ” و ” الكمالي [161]. ومن ثم تأمل من زاوية إقتصادية في ” العقار ” و ” الضياع ” ونظر في ” فوائدها ومستغلاتها ” [162].

  وعندما نقترب من عتبات الباب الخامس من مقدمة إبن خلدون ، فإننا حقيقة ندخلُ مضماراً خلدونياً متخصصاً ، والذي يصحُ لنا إن نطلق عليه مضمار الإقتصاد السياسي الخلدوني . وهنا سنقدم شواهد وبينات دالة عليه . فمثلاً إن عنوان الباب الخامس وحده شهادة كافية ، فقد حدد إبن خلدون مبحثه ” في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع [163]. ومن ثم قسم هذا الباب إلى فصول إقتصادية ، يبحث كل واحد منها في مضمار محدد . فمثلاً درس ” حقيقة الرزق والكسب ” ، وذهب إلى ” أن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية ” [164]. وتلاه حديث خلدوني عن ” وجوه المعاش [165]، وحديث عن ” الأموال والكنوز [166].

  ومن ثم تحولت أنظار إبن خلدون نحو شواطئ جديدة من الإقتصاد السلطاني (السياسي بلغة الإقتصاديين الأنكليز والفرنسيين الطوباويين وعلى رأسهم بيير برودن بل وحتى في لغة ماركس كذلك) ، فقد وجدنا ونحن نُدقق في مباحث إبن خلدون الإقتصادية ، إنه يتأمل في العلاقة بين السلطة (الجاه) و المال ، ويُعلي من مكانة الجاه إلى حد إنه يرى ” أن الجاه مُفيدُ للمال ” [167]. وكذلك تأمل في العلاقة بين السلطة ونمو الثروة . إلا إن حصيلة تأملاته تحولت إلى مضمار ماينبغي أن يكون عليه سلوك رموز السلطة . وعلى هذا الأساس توقف الوصف الخلدوني الواقعي لحركة تعاظم (تراكم وتضخم) ثروات رجال السلطة والعاملين في مؤسساتها . ومن ثم لاذ إلى دائرة المأمول وما ينبغي ، وذهب مؤشراً ، فأفاد ” أن القائمين بأمور الدين من القضاء والفتيا والتدريس والإمامة والخطابة والأذان ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب ” [168]. وعلى خلاف هذا النص من الخطاب الخلدوني ، فإن التاريخ السياسي والإقتصادي الإسلاميين يؤيدان إن ثروات هذا الحشد من رموز السلطة والعاملين في مراتبها تتراكم وتتضخم ثرواتهم بنسب هندسية متسارعة في الغالب .

   كما وبحث إبن خلدون في موضوعات إقتصادية أخرى ، وألقى الضوء من خلالها على العلاقات الإقتصادية التي تنهض بين المهن والمعاش (الطرف الإقتصادي) ، وبالتخصيص العلاقة ما بين الفلاحة و ” معاش المتضعين وأهل العافية من البدو ” [169]. ومن ثم عرج إلى مهنة التجارة ، فدرس ” معنى التجارة ومذاهبها وأصنافها ” [170]، وبين ” أصناف الناس ” المؤهلة إلى إحتراف التجارة ، ونبه إلى ” أصناف الناس ” التي هي بعيدة من إحترافها [171]. ودرس التجارة وعلاقتها بالسلع وذلك من طرف ” نقل التجار للسلع ” [172].

  ومن ثم بحث في موضوع إقتصادي بالغ الأهمية لا للإقتصاد السياسي الإسلامي وحسب ، وإنما للإقتصاد السياسي الغربي وبالتحديد في كتاب ماركس رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . حيث نحسب إن أثره إمتد إلى مصادر ماركس الإقتصادية ، ونقصد بالتحديد كتاب برودن ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر (البؤس) ” [173]. فمثلاً خصص برودن فصلاً درس فيه الإحتكار ، ومن الثابت لدينا إن إبن خلدون كان سباقاً في هذا المضمار ، إذ نلحظ إنه بحث في مقدمته الإحتكار مفهوماً إقتصادياً [174]. ومن بعد ذلك بحث إبن خلدون في الأسعار وذهب منبهاً بعيون الخبير الإقتصادي ، فإفاد إلى ” أن رخص الأسعار مضر بالمحترفين .. ” [175].

  ومن الملاحظ على ميثديولوجيا إبن خلدون ، وهذا طرف نحتفل به ، هو إنه درس المهن أو الصنائع في باب المضمار الإقتصادي السلطاني (السياسي) . وهذا باب يمكن الإصطلاح عليه بمضمار إقتصاديات الصنائع ، وهو بالطبع مضمار يختلف عن إقتصاديات الزراعة والرعي الذي عرفه التاريخ الإقتصادي الإسلامي . وفعلاً فقد وجدنا إبن خلدون قد خصص مجموعة فصول خص بها الصنائع ، منها مثلاً الفصول السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر ، والتي خصصهم ” للصنائع ورسوخها برسوخ الحضارة وطول العدة ” [176]. وتلاه بدراسة لطرف أخر من الصنائع ، والذي بحث فيه العلاقة بين الصناعة أو المهنة والطلب عليها ، والذي جاء بعنوان ” الصنائع تكثر إذا كثر طالبها ” [177].

   وينبه إبن خلدون إلى العلاقة بين نمو المهن والصناعات (الصنائع) والتطور الحضاري وبالطبع طرفاً منه التطور الإقتصادي وإن المقابل المعاكس لحركة التطور الحضاري والإقتصادي ، بكلمات إبن خلدون ؛ الخراب ونقصان الصنائع . فإشار إلى ” أن الأمصار إذا قاربت الخراب إنتقصت منها الصنائع ” [178]. ومن ثم قدم قائمة بالصناعات التي كانت مزدهرة في عصره وبالطبع هي الصناعات التي لعبت دوراً فاعلاً في تنمية الإقتصاد الإسلامي ومن خلال ذلك حافظت على تصاعد عمليات البناء الحضاري في المنطقة الإسلامية ، وهذه الصناعات هي ؛ صناعة الفلاحة [179]، صناعة البناء [180]، صناعة النجارة [181]، صناعة الحياكة والخياطة [182]، صناعة التوليد [183]، صناعة الطب [184]، صناعة الخط والكتابة (وبخطابه أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية) [185]، صناعة الوراقة [186]، وصناعة الغناء [187].

     وبالتأكيد إن الخطاب الخلدوني في الصنائع فاته الكثير من الصناعات التي كان يتداولها العرب المسلمون قبل عصر إبن خلدون وفي عصره ، مثل صناعة الصياغة والحدادة مثلاً وليس حصراً … كما إن كل هذه الصناعات والمهن تكون إطاراً عاماً للمفهوم الإقتصادي والحضاري الإسلاميين للعمل والعمال . وهي مفاهيم (إضافة إلى مفاهيم إقتصادية أخرى جاء ذكرها في ثنايا البحث من مثل الأسعار ، والإيجار ، والعمل ، والتجارة والإحتكار .. والتي يُشارك بها أبن خلدون وفكره الإقتصادي مع عدد من الإقتصاديين في المرحلة الكلاسيكية التي سبقت كل من الإقتصادي الفرنسي (الطوباوي ؟) جوزيف برودن ورائعته التي حملت عنوان ” تناقضات النظام الإقتصاد السياسي أو فلسفة الفقر ” وكارل ماركس وفي أطراف من رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي هذا طرف . وبالطبع مات ” جوزيف برودن ” قبل أن ينشر ماركس كتابه رأس المال بالألمانية بسنتين فقط .

   كما ولاحظنا من طرف آخر إن هذا الربط الخلدوني بين ما هو إقتصادي وسياسي ، هو سمة ستفرض هيمنتها على مباحث المقدمة بحيث تحمل الباحث على القول وفق هذه المعطيات ، أنها جنس من الفقه الإقتصادي السلطاني ، وإن فكرها الإقتصادي هو بالطبع نوعاً من الفقه الإقتصادي السياسي ، وهو بالتأكيد ليس فكراً إقتصادياً محضاً بريئا . والشواهد على ذلك كثيرة ولعل قارئ المقدمة وعناوين فصولها بينات تُدلل على ذلك . وللإستشهاد نذكر مثلاً ، الفصل الثالث والعشرون والذي حمل عنوان ” في حقيقة الملك وأنواعه ” [188]. والفصل السابع عشر والمعنون ” في أطوار الدولة وإختلاف أحوالها وخلق أهلها بإختلاف أطوارها ” [189]. ولعل المحطة الأخيرة من حركة الإقتصادي المصاحب للفعل السلطاني (السياسي) فيها هزيمة لنمط (إقتصادي سلطاني) قديم إستسلم إلى الدعة والسكون ومن ثم إنتصار لقوى (إقتصادية سلطانية) جديدة . وبتداول إصطلاحات خلدونية مقابلة ، وهي إصطلاحي الغالب والمغلوب (وبالطبع الغالب هو الغالب سياسياً وإقتصادياً ، والمغلوب هو المغلوب سياسياً وإقتصادياً) . ونحسبُ إن إبن خلدون كان دقيقاً جداً عندما تحدث عن كل ذلك في الفصل الثالث والعشرون من مقدمته ، وجعله أشبه بقانون يحكم الحياة وحركة التاريخ والحضارة ، فأفاد ” في أن المغلوب مولع أبداً بالإقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده .. ” [190].

    كما ويرى بعض الأكاديميين العامليين في الجامعات الغربية ، إلى إن المقدمة إحتوت على نصوص إقتصادية سياسية ، عالجت العديد من القضايا والهموم الإقتصادية من مثل : نظريات القيمة ، والتوزيع ، والنمو والتطور ، والمال ، والأسعار ، والمالية العامة ، والعمل ، والدورة الإقتصادية ، والإيجار ، والربح والتجارة [191]… وهذه أمثلة وشواهد . ومن هذا الباب فهي قضايا إقتصادية تشدُ مقدمة إبن خلون في نصوصها الإقتصادية – السياسية ، بدرجات ما إلى نصوص وكتابات رواد الإقتصاد السياسي الغربيين ومن مدارس إقتصادية متنوعة من أمثال ” آدم سميث ” و ” ديفيد ريكاردو ” و ” جيمس ميل ” و ” بيير جوزيف برودن ” و ” فردريك إنجلز ” ومن ثم ” ماركس ” والقائمة طويلة .

  لقد نظر ” إبن خلدون ” إلى الظاهرة الإقتصادية بمنظار الشمول وشدها بمنبتها الأجتماعي والسياسي ، وبإطار متفهم لطرفها التاريخي ، وبنهج عقلاني واقعي ، لا يخلو من نفعية قراراتها التي تلتحم بقوة بفكرانية أشعرية تصعد إلى الإمام الغزالي . ولذلك لاحظنا إن إبن خلدون في ضوء النهج الأشعري ، درس وتأمل في قضايا إقتصادية ، كونت بمجملها عظمة ولحمة الإقتصاد السياسي الإسلامي في القرن الرابع عشر والعقد الأول من القرن الخامس عشر الميلاديين . ومن هذه القضايا :

أولاً – نظريات القيمة

أ – نظرية قيمة العمل

ب – نظرية القيمة الموضوعية والذاتية

ثانياً – نظريات نمو الدخل وتوزيعه

ثالثاً – نظريات النمو (التطور) الإقتصادي

   وعالج فيها قضية في غاية الأهمية ، وهي ” الدورة الإقتصادية الأربعينية ” التي تستمر لمدة أربعين سنة أو بلغة إبن خلدون أربعة أباء …

رابعاً – النظريات المالية [192].    

   وإن الحاصل من ذلك على صعيد الإقتصاد السياسي الإسلامي المعاصر ، إن كل من مقدمة إبن خلدون ، ورائعة ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” ، ومن الممكن أن نضيف بدرجة أقل رائعة برودن ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر (البؤس) ” .. كونت مصادراً معرفية متفردة لتجربتي المشروع الإسلامي للإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام [193]، وكان التعامل على الأقل مع كتاب ماركس ” رأس المال ” بطريقة الإنتخاب ، كما وإن الحديث عنهما جاء على منهج العموم والشمول وليس منهج المتابعة والتقصي والتدقيق ، وفي أحيان كثيرة الإعتماد على المنشور العربي المترجم عن رأس المال وعلى المقالات النقدية له ومن زاوية المذاهب المخاصمة من الشرق والغرب وهذا فيما يخص المذهب الإقتصادي في الإسلام . بينما تفرد المشروع الإسلامي في الإقتصاد بالإعتماد على المنشور الفرنسي لكتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي وماتُرجم إلى دائرة الثقافة الفرنسية نصاً وشرحاً ونقداً وتلخيصاً .

  ولعل خير مثال على المقاربة بين رأس المال ومقدمة إبن خلدون ، هو ظاهرة الإستعمار مثلاً وليس حصراً ، والتي عالجها ماركس في المجلد الأول كما سنشير إليها في القسم الأول ، الفصل الأول من هذا الكتاب  . ومن طرف إبن خلدون فإنه درسها في المقدمة ، وفي إطار ما يُصطلح عليه بنظرية الغالب والمغلوب ، ومن ثم تقليد المغلوب للغالب ، والتي طورها ” مالك بن نبي ” إلى نظرية القابلية للإستعمار ، وهي النظرية التي تفرد بها المشروع الإسلامي للإقتصاد . في حين خصص كتاب إقتصادنا فصولاً لدراسة الإستعمار من الزاوية الإقتصادية وهذا ما عالجناه في المذهب الإقتصادي في الإسلام في كتابنا الحالي .                           

  يتألف كتابنا الحالي من مجموعة أبحاث ، أنجزها الباحث ونشر بعضاً منها في دوريات لبنانية ، يوم إقامته في بيروت ، وهي تكون مضمارأ سياسياً إسلامياً متفرداً حيث فيه أطراف من الإقتصادي ، ومضماراً إقتصادياً إسلامياً فيه الكثير من الأطراف السياسية . ونحسبُ بتواضع إن مباحث هذا الكتاب يمكن شدها بعضاً إلى بعض تحت عنوان ” مباحث في الإقتصاد السياسي الإسلامي ” . والذي تألف بدوره من ثلاثة أقسام ؛

الأول درس المصادر الغربية للإقتصاد السياسي الإسلامي المعاصر ، وتكون من الفصل الأول الذي جاء بعنوان ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” . وهو في الواقع قراءة في المصادر وحكاية الثابت والمُتغير في النشرات المتنوعة .

والثاني وحمل عنوان ” المصادر الفقهية السياسية الإقتصادية الإسلامية ” . وتكون من فصلين ؛ الأول كان بعنوان ” آدب المرايا السياسية والإجتماعية الإقتصادية الإسلامية ” . والثاني أطلقنا عليه ” الفكر الفقهي الإقتصادي الإسلامي ” .

أما القسم الثالث ، فحمل عنوان ” الإقتصاد السياسي الإسلامي المعاصر ” وتألف من ثلاثة فصول والتي جاءت بالشكل الآتي : الأول وبعنوان ” المشروع الإسلامي للإقتصاد ” وحمل الفصل الثاني عنوان ” المذهب الإقتصادي في الإسلام : الحاضر والغائب ” . بينما جاء الفصل الثالث بعنوان ” المذهب الإقتصادي في الإسلام : البناء والتأسيس ” .

  ومن ثم جاءت خاتمة الكتاب ، وكانت بعنوان ” المشاركة الفكرية في الإقتصاد السياسي الإسلامي المعاصر ” . إضافة إلى ذلك فقد ضم الكتاب جريدة بالمصادر وفهرست .

———————————————————–

الهوامش 

 – القرآن : سورة قريش [1]

 – القرآن ؛  2 : 275 ، 3 : 130 ، 4 : 161 [2]

وللتفاصيل عن الإقتصاد الإسلامي ، أنظر : تيمور كيران ؛ النظام الإقتصادي في الإسلام : تفسير وتقويم (بالإنكليزية) ، الدورية العالمية لدراسات الشرق الأوسط ، مايس 1986 / المجلد 18 / العدد 2 ، ص ص 135 – 164 .

 – أنظر : أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ؛ كتاب الخراج ، دار المعرفة (تكون من 244 صفحة) . [3]

 – للتفاصيل أنظر : محمد ضياء الدين الريس ؛ الخراج والنظام المالي للدولة الإسلامية ، دار المعارف ، القاهرة 1969 . [4]

 – للتفاصيل أنظر : إبن هشام ؛ السيرة النبوية ، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي ، دار إحياء التراث ، ط1 ، بيروت ، [5]

1971 .  

 – أنظر المصدر السابق [6]

 – أنظر المصدر السابق ، ج 3 ، ص 363 . [7]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 367 وما بعد . [8]

 – أنظر المصدر السابق ، ج4 ، ص 130 .[9]

 – أنظر : إبن سعد ؛ الطبقات الكبرى ، تقديم إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت ، بلا تاريخ . [10]

 – المصدر السابق ، ج1 ، ص 238 .[11]

 – المصدر السابق ، ص 258 .[12]

 – المصدر السابق ، ص ص 291 – 359 .[13]

 – المصدر السابق ، ج 2 ، ص ص 11 – 62 .[14]

 – المصدر السابق ، ج 3 ، ص ص 6 – 418 .[15]

 – المصدر السابق ، ص ص 419 – 627 . [16]

 – البخاري ؛ صحيح البخاري ، عالم الكتب ، بيروت ، بلا تاريخ ، ج1 ، ص 8 .[17]

 – المصدر السابق ، ج 2 ، كتاب الزكاة ، ص ص 214 – 336 . ولاحظنا إن في هذا الكتاب إشكال منهجي ، ففي ص 265 الموضوع ركز على [18]

الحج ، وفيه أطراف إقتصادية ، إلا إن البخاري (أو ربما حدث خلال الطبع) لم يضع له عنوان كتاب الحج . وبالطبع الكلام عن الحج يستمر إلى صفحات الجزء الثالث .

 – المصدر السابق ج 3 ، ص ص 111 – 178 . [19]

 – المصدر السابق ، ص ص 179 – 180 . [20]

 – المصدر السابق ، ص ص 180 – 190 .[21]

 – المصدر السابق ، ص ص 191 – 197 .[22]

 – المصدر السابق ، ص ص 198 – 207 . [23]

 – المصدر السابق ، ص ص 208 – 219 . [24]

 – المصدر السابق ، ص ص 220 – 231 . [25]

 – المصدر السابق ، ص ص 232 – 241 . [26]

 – المصدر السابق ، ص ص 242 – 248 . [27]

 – المصدر السابق ، ص ص 249 – 254 . [28]

 – المصدر السابق ، ص ص 274 – 285 . [29]

 – المصدر السابق ، ص ص 301 – 304 . [30]

 – المصدر السابق ، ص ص 304 – 341 . [31]

 – المصدر السابق ، ج4 ، ص ص 18 – 28 . [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 29 – 45 . [33]

 – المصدر السابق ، ص ص 176 – 220 . [34]

 – المصدر السابق ، ج 7 ، ص ص 2 – 72 . [35]

 – المصدر السابق ، ص ص 73 – 100 .[36]

 – المصدر السابق ، ص ص 101 – 110 . [37]

 – المصدر السابق ، ص ص 112 – 120 . [38]

 – المصدر السابق ، ج 8 ، ص ص 264 – 280 . [39]

 – المصدر السابق ، ص ص 281 – 289 . [40]

 – المصدر السابق ، ص ص 290 – 312 . [41]

 – المصدر السابق ، ج 9 ، ص ص 2 – 31 . [42]

 – المصدر السابق ، ص ص 34 – 35 .[43]

 – المصدر السابق ، ص ص 40 – 47 . [44]

 – أنظر : مسلم بن الحجاج ؛ صحيح مسلم ، دار إحياء الكتب العربية ، ط1 ، القاهرة 1955 (ويتكون من أربعة أجزاء والجزء الخامس فهارس) . [45]

 – أنظر المصدر السابق ؛ كتاب الزكاة ، ج2 ، ص ص 673 – 757 . [46]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1018 – 1067 .[47]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1068 – 1092 . [48]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1093 – 1128 .[49]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1139 – 1148 . [50]

 – أنظر المصدر السابق ، ج3 ، ص ص 1151 – 1185 . [51]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1186 – 1232 .[52]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1233 – 1238 . [53]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1239 – 1248 . [54]

  – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1249 – 1259 .[55]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1291 – 1311 . [56]