مجلة أوراق فلسفية جديدة / في الأبستمولوجيا والأبستمولوجيا الفلسفية / العدد السابع / صيف 2012

 أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————–

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

———————————————————————————–

(7)

صيف 2012

——————————————————————————————

نحو مدرسة فلسفية متجددة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب الجديد للدكتور محمد جلوب الفرحان

On Epistemology and Philosophical Epistemology

Dr. MOHAMAD FARHAN

في الأبستمولوجيا

والأبستمولوجيا الفلسفية 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

NEW PHILOSOPHICAL PAPERS

Dr. MOHAMAD FARHAN      Dr. NIDAA KHALIL

مجلة فصلية / يُصدرها مركز دريد للدراسات والأبحاث   

رئيس التحرير – الدكتور محمد الفرحان

سكرتيرة التحرير – الدكتورة نداء إبراهيم خليل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  تُعرفُ الفلسفة من زاوية الموضوعات التي تبحث فيها ، بأنها نظرية إنطولوجية ، أبستمولوجية وأكسيولوجية . واليوم مجلة أوراق فلسفية جديدة تحتفل بالتركيز على النظرية الثانية من نظريات الفلسفة ، وهي الأبستمولوجيا . ولتغطية هذا الموضوع المهم في تاريخ البحث الفلسفي ، خصصنا ثلاثة أعداد من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، وبالتحديد لكل ما توافر لنا من أبحاث الدكتور الفرحان ، والتي بدأ بنشرها في بداية الربع الأخير من القرن العشرين . وهي الأبحاث التي طوت جزء مهم من تاريخ الأبستمولوجيا الحديثة والمعاصرة ، والأبستمولوجيا اليونانية الهيلينية ، والأبستمولوجيا اليونانية الهيلينستية ، والأبستمولوجيا العلمية (الإسكندرانية نموذجاً) ومن ثم الأبستمولوجيا الفلسفية في ديار العرب في العصور الذهبية (والتي تُصنف خطأً بالعصور الوسطى) .

  حقيقة إن هذه الأجزاء الثلاثة ، هي التي تُشكل جوهر كتاب الفرحان الجديد المعنون

في الأبستمولوجيا والأبستمولوجيا الفلسفية

مع هوامش شارحة للمنبت الفلسفي الأبستمولوجي

 ضم هذا العدد من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، الأبحاث الآتية :

1 – مقدمة في الأبستمولوجيا : تاريخ ومدارس

2 – مصادر التجربة الإفلاطونية الأبستمولوجية الفلسفية

3 – الوافد الأبستمولوجي وتجربة الإقلاع الفلسفي العربي

4 – تجربة التأسيس الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني

5 – التجارب الفلسفية الأبستمولوجية الهيلينستية

6 – تأملات في التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الأبيقورية

7 – تأملات في التجربة الأبستمولوجية الرواقية

8 – التجارب الفلسفية الأبستمولوجية في عالم يوناني هيلينستي (روماني) متنوع

9 – رصيد التجربة الأبستمولوجية العلمية الإسكندرانية

10 – وكتبنا بالمشاركة مع الدكتور الفرحان ، البحث الرائد في دارنا الثقافية والمعنون كتابات المتصوفة الألمانية هيلدجارد بنجن من زاوية فلسفية – فمنستية .

فتمتعوا أعزائنا القراءة بهذا العدد المتميز

الدكتورة نداء إبراهيم خليل

سكرتيرة التحرير 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) 

مقدمة في الأبستمولوجيا : تاريخ ومدارس

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

  تعد الأبستمولوجيات اليوم من أمهات الموضوعات الفلسفية الأكثر حيوية ، والأشد إرتباطاً بالعلم ، وتشابكاً في نسيجه. وإنها المشهد الفلسفي الذي يعكس التبدلات العلمية في البناء المعرفي. وهي فوق كل هذا ، المقياس الذي يكشف عن إنتماء البناء الفلسفي إلى روح العصر . أو بالعكس يعلن عن إندراجه في خانة من خانات التاريخ الثقافي والمعرفي .

  وإذا كانت هذه هي حال الأبستمولوجيات ، فإننا نتساءل : أهي نظرية معرفة ؟ أم أبستمولوجيا ؟ نفضل أن تكون الخطوة الأولى ، النظر والتدقيق فيما تحمل كلمة أبستمولوجيا من ناحية الإشتقاق اللغوي . الحقيقة إن الأبستمولوجيا كلمة يونانية الأصل والإصطلاح والتداول الفلسفي ، ومن ثم وجدت طريقها إلى اللغات الأخرى ومنها اللغة العربية خلال عملية الترجمة والتفاعل الثقافي بين اليونان وشعوب الأرض المختلفة .

   إن الأبستمولوجيا هي كلمة مركبة من مقطعين أو إسمين :

الأول – أبستمي ويعني المعرفة

الثاني – لوكوس باليونانية (وبالإنكليزية : لوجي) وتعني العلم

فالأبستمولوجيا هي : علم المعرفة (1) . وهي تقليدياً فرع من مضمار الفلسفة ، إنشغل بدراسة طبيعة المعرفة ، وإطار (حدود) المعرفة . وهي تقليدياً تدور حول الأسئلة الأتية : ماهي المعرفة ؟ كيف نكتسب المعرفة ؟ ماذا يعرف الناس ؟ وكيف نعرف ” إننا نعرف ” ؟  

  حقيقة إن معظم الجدل والنقاش الذي جرى و يجري في هذا الحقل ،  يهدف إلى التركيز على تحليل طبيعة المعرفة ، وكيف إن المعرفة مشدودة بنوع من الإرتباط بمفاهيم من مثل : الصدق (أي صدق المعرفة) ، والإعتقاد (أي الإعتقاد بالمعرفة) ، والتبرير (أي تبرير المعرفة) . كما وإنها تدرس الوسائل التي تمكننا من إنتاج المعرفة ، والتدقيق في درجات الشك التي تثار حول المزاعم المعرفية المختلفة .

  ولما كان من زاوية نظر الباحث على الأقل ، أن مصادر ثقافتنا ومعارفنا المعاصرة تعتمد بنسبة عالية على المتولد من دوائر البحث المكتوب والمترجم إلى اللغة اإنكليزية ، لذلك حسبنا إنه من النافع أن نشير إلى البدايات الأولى لتداول مصطلح الأبستمولوجيا في ديار العم سام ، مع الإشارة إلى من تعود الريادة في إدخال هذا الإصطلاح إلى دائرة الثقافة الإنكلوسكسونية .

  لقد كان النصف الأول من القرن التاسع عشر ، هو البدايات التاريخية الأولى لتداول

مصطلح الأبستمولوجيا (وليس نظرية المعرفة) في بيئة الثقافة الأنكلوسكسونية . وذلك عندما أدخله الفيلسوف الإسكتلندي جيمس فردريك فريرر (1864- 1808) ، وهو أستاذ الفلسفة الأخلاقية في جامعة سانت أندروز والتي ظل يعمل فيها حتى وفاته . ولعل من أشهر مؤلفاته : كتابه المعنون ” مقدمة في فلسفة الوعي ” والذي كان في حقيقته سلسلة مقالات نشرها مابين العامين 1838 و1839 في مجلة ” بلاك وود ” ، وهو كتاب نقدي للفلاسفة وذلك ” لتجاهلهم الوعي في أبحاثهم النفسية ” . ومن مؤلفاته الأخرى : كتابه “أزمة التأمل الحديث” الذي ظهر في العام 1841 ، وكتابه ” باركلي والمثالية ” الذي صدر في العام 1842 (2) .                                                                                                                    

بين الأبستمولوجيا ونظرية المعرفة :

   ونبدأ الإجابة بإيضاح منهجي في غاية الأهمية ، يساعد في إزالة أللبس في الإستعمال المفهومي غير الدقيق فلسفياً بين إصطلاحي نظرية المعرفة التي جرى تداولها في دوائر تفكير ما بعد النهضة الأوربية وخصوصاً في دوائر التفكير الإنكلوسكسوني ،  وما ترجم منه إلى اللغة العربية . والإصطلاح الفلسفي العتيد الأبستمولوجيا أو المعرفيات .

   حقيقة إن ما نريد أن نؤكده هنا ، هو إن الترادف المتداول في بعض الكتابات الفلسفية الإبداعية التي انتجتها أقلام غير متمرنة فلسفياً ، سواء كانت أكاديمية أو غير اكاديمية قد جانبها الصواب من زاوية المصطلح الفلسفي الذي يشكل ألفباء اللغة الفلسفية . وإذا كان الباحث غير الأكاديمي معذوراً ونحمده على جهوده ، فأن الأكاديمي مسؤول والتحري عن الدقة غايته ووسيلته .

  على كل إن نظرية المعرفة هي  (ثيري أوف نولج) ، والأبستمولوجيا أو المعرفيات هي (الأبستمولوجيا ، وهي كلمتين = علم المعرفة)(3) . وهناك كما يظهر لك فارق كبير بين العلم وهو إصطلاح واسع وشامل الدائرة ، والنظرية التي تشكل طابقاً واحداً من طوابق العلم المتنوعة . والحقيقة أن هناك تحفظاً على تداول الإصطلاح الأول ” نظرية المعرفة ” في دوائر الفكر الفلسفي العلمي وبين أوساط الفلاسفة الناشطون في طوابقه المختلفة . وذلك لأنه إصطلاح لا يعبر بدقة ، وغير مستوعب لمجمل فعاليات دائرة المعرفيات وأدواتها ومستوياتها ومن ثم موضوعاتها …

   ولذلك يفضل العاملون في هذا المضمار من الدراسات الفلسفية العودة إلى إصطلاح ” الأبستمولوجيا ” وتفعيله من جديد وإحلاله محل ” نظرية المعرفة ” .  وذلك لأن الأبستمولوجيا (أو علم المعرفة) أو علم المعرفيات جمعاً ، هو الإصطلاح الأكثر دقة وشمولية . والقارئ في الابحاث والدراسات التي تتناول علم المعرفيات ، يجد أن الباحثين يستخدمون إصطلاح الأبستمولوجيا ويضعون بجواره كلمة نظرية المعرفة ، ويضعوها بين هلالين للإشارة إلى تحفظهم على تداول إصطلاح ” نظرية المعرفة ” (4) .

  إن نظرية المعرفة تقتصر إصطلاحاً ودلالة على طابق واحد أو جزئية صغيرة من البناء الأبستمولوجي المتعدد والمتنوع الطوابق ، لإنها تدل على الجانب النظري من علم المعرفيات . بينما هناك جوانب (طوابق) أخرى تقع خارج مضمار الجانب النظري ، لا يضمها أو يعبر عنها إصطلاح نظرية المعرفة مثل : موضوع المعرفة ، أدوات المعرفة ، مصادر المعرفة ، المعايير أو ما يسمى ب ” الإستاندرات أو الكريتريات ” (5) ، والموديلات المعرفية ، ومستويات المعرفة ودرجات يقينيتها .

  ويجري اليوم في دائرة علم المعرفيات ، لا في حقل نظرية المعرفة ، الحديث عن أنواع من الأبستمولوجيات :

أولاً – الأبستمولوجيات الفلسفية :

   وتشمل صوراً من المعرفيات التي ضمها تاريخ الفلسفة اليونانية والفلسفتين الإسلامية والمسيحية . وهي معرفيات عكست بحدود ما مرحلة التطور العلمي يومذاك ، كما ضمت في داخل أبنيتها الكثير الكثير من المفاهيم والتصورات العلمية وإستثمرت درجات يقينية النماذج المنطقية والرياضية . إلا أن المعالجة الفلسفية لها كانت من زاوية النفس وقواها أو ملكاتها . وشملت معرفيات غنوصية وصوفية (6) . وقد أنجز الباحث كتابين في هذا المضمار :

الأول- الأبستمولوجيا الفلسفية : تجربة الوافد اليوناني .

الثاني – الأبستمولوجيا الفلسفية : تجربة الرافد العربي .   

ثانياً – المعرفيات (الأبستمولوجيات) الحديثة :

  وهي مرحلة التأسيس الحقيقي لمسألة المعرفة ، ومن ثم نشوء مذاهب ومدارس معرفية لها ، وهي تضم التفسيمات الكلاسيكية التي كانت متداولة في دوائر المعرفيات وهي :

أ – المعرفيات (الأبستمولوجيات) الحسية :

  أو المعرفيات التجريبية وهي نوع من المعرفيات تعتمد ” الحس ” أو ” التجرية ” طريقاً وحيداً لإكتساب المعرفة . وهنا الإستناد جاء على طريق المعرفة وليس على نظرية المعرفة . وقد جاء التأسيس لهذا النوع من الأبستمولوجيات في كتاب ” فرنسيس بيكون ” (1561 – 1626 م) الذي عنوانه ” الأورغانون الجديد ” أي المنطق الجديد . والذي طبع في اللاتينية أولاً في العام 1620 م ، ومن ثم ترجم وطبع بالإنكليزية في العام 1863 م . وإن الأسم فيه إشارة إلى ” أورغانون أرسطو ” . فالأرغانون الجديد عند بيكون هو نظام جديد في المنطق يعتمد الإستقراء بدلاً من الإستدلال . ولهذا كان بيكون يعتقد أن أورغانونه له السلطة العليا على الأورغانون القديم (7) .

  وهكذا اختارت الأبستمولوجيات الحسية الإستقراء ، الطريق المنطقي الذي يتجاوب مع هذه التوجهات الحسية التجريبية (8) . كما وإرتبطت هذه المعرفيات بمجموعة من الفلاسفة الإنكليز من أمثال : ” توماس هوبز ” الذي قادته نزعته الأبستمولوجية الحسية التجريبية  إلى المادية ، والذي يعد رمزاً من رموز مؤسسيها (9) مع ” جون لوك ” (1632 – 1704) الذي يعتبر من مؤسسي الأبستمولوجيا الحديثة (وإن ظل مقيداً في حدود نظرية المعرفة إصطلاحاً) والذي بحث في أصل المعرفة وكونها تأتي من خلال الحواس . إن كل ذلك جاء في كتابه ” مقالة تتعلق بالفهم الإنساني ” والذي صدر في العام 1690 ، و” دافيد هيوم ” (1711- 1776) الذي تناول المعرفة الحسية وما إرتبط بها من مشكلات تولدت للإستقراء . درس هيوم ذلك في كتابه المعنون ” بحث يتعلق بالفهم الإنساني ” والذي نشره في العام 1748 .

  ومن ثم تتوجت بنزعة ” جون ستيوارت ميل ” (1806- 1873) الحسية المتطرفة والتي ظهرت في كتابه المعنون ” نظام علم المنطق ” والذي نشره في العام 1843 (ويتألف من مجلدين) . وقد صاغ فيه المبادئ الخمسة للإستدلال الإستقرائي (والذي عرف بطريقة ستيوارت العلمية) . في حين جاءت نزعته الحسية المتطرفة أكثر وضوحاً في المجلد الثاني ، وذلك عندما أعلن إن ” بديهيات الهندسة هي ليست حقائق فرضية ، وإنما هي حقائق تجريبية ” (10) .

ب – المعرفيات (الأبستمولوجيات) العقلية :

   إنه إتجاه معرفي حديث يعتمد ” العقل ” الطريق الوحيد لإكتساب المعرفة . إن هذا الإتجاه إرتبط بنخبة من الفلاسفة العقليين الذين إنتجوا لنا نصوصاً أبستمولوجية في غاية الأهمية في تاريخ الأبستمولوجيا عامة والنزعة العقلية على وجه الخصوص ، كان في طليعتهم الفيلسوف الفرنسي ” ديكارت “(1596- 1650) والذي ركز مشروعه الأبستمولوجي في كتابه المعنون ” تأملات في الفلسفة الأولى ” والذي صدر لأول مرة باللغة الاتينية في العام 1641 ، ومن ثم ظهرت له ترجمة فرنسية في العام 1647 ، وبعد أكثر من قرن ونصف جاءت الترجمة الإنكليزية (التي قام بها جون فيتش في العام 1901) .

   ومن ثم جاء ” باروخ إسبينوزا ” (1632- 1677) وهو من أكبر الفلاسفة العقلانيين ، وقد تأثر بكل من ” إقليدس ” (عاش بحدود 300 ق.م وهو صاحب كتاب الأصول في الهندسة) و” ديكارت ” . وفي أبستمولوجياته كان يتطلع إسبينوزا إلى صياغة مكوناتها على صورة موديل هندسي . وفعلاً نجح إسبينوزا في كتابه ” مبادئ الأخلاق ” في بناء الأخلاق على صورة مصفوفات هندسية تبدأ بتعريفات وبديهيات … (11) . وفي مضمار  عمله في الأبستمولوجيات العقلية ، أعتقد إسبينوزا ” في إمكانيته إمتلاك المعرفة الأولية ” ومن ثم حدد ثلاثة أنواع من المعرفة (12) .

   وكان الفيلسوف الألماني ” جوتفريد لايبنز ” (1646- 1716) وهو فيلسوف وعالم رياضيات ومنطق . وتوصل إلى إكتشاف ” حساب التفاضل والتكامل ” في الوقت ذاته الذي أعلن فيه ” إسحاق نيوتن ” (1643- 1727) عن إكتشافه هذا النوع من الحساب . وتصاعدت درجات الصراع بين المانيا وإنكلترا حول الأحقية بالإكتشاف وأقتربت من إعلان الحرب (13).

  ولايبنز سعى بكل جهد إلى تأسيس أبستمولوجياته العقلية على قواعد رياضية ومنطقية  ، ومن ثم تطلع إلى صياغة القضايا الأبستمولوجية بلغة الرياضيات الرمزية والملتزمة بقواعد المنطق الرمزي (14) . وقد أعاد هؤلاء الفلاسفة وخصوصاً لايبنز المكانة للإستدلال ، وخاصة الإستدلال الرياضي ، طريقاً لتأسيس المعرفة اليقينية (15).

ج- الأبستمولوجيات النقدية :

   إنها إتجاه أبستمولوجي حديث مارس عملية النقد للإتجاهين المعرفيين السابقين (أي نقد للأبستمولوجيا الحسية والعقلية على حد سواء) . ومثل هذه النزعة الأبستمولوجية في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة ، الفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” (1724- 1804) هو فيلسوف ألماني ، وهو آخر الفلاسفة المحدثين ،الذي كان له تأثيراً واسعاً في عموم البيئات الفلسفية الأوربية عامة والأبستمولوجية خاصة (16) .

  حقيقة إن تأثير كانط في المضمار الأبستمولوجي على الأقل ، لم يظل محبوساً في إطاره الجغرافي (قارة أوربا) ، أو سجيناً في معاقل عصر الأنوار ، بل تجاوز ذلك وأصبح كانط فيلسوفاً كونياً ، كما وتحول إلى فيلسوف الأبستمولوجيا المتجدد الذي تجاوز إنتماؤه الحدود الزمنية ، فطوت حركة الأهتمام في أبستمولوجياته القرنيين التاسع عشر والعشرين ، وأصبح الأهتمام بكانط شغل دوائر البحث الأبستمولوجي في القرن الحادي والعشرين (والباحث شاهد على إهتمام أقسام الفلسفة وكتاب فلسفة العلوم والأبستمولوجيات في أمريكا الشمالية : كندا والولايات المتحدة الأمريكية) .

   أشتغل كانط على ثلاثة عشر مشروعاً في البحث والكتابة قبل أن ينشر كتابه ” نقد  العقل النظري الخالص ” ، فقد ظهرت طبعته الأولى باللغة اللاتينية في العام 1781 ، وترجم إلى اللغة الإنكليزية في العام 1838 من قبل ” فرنسيس هايوود ” . وهذا يعني أن عمر كانط يوم صدور الطبعة اللاتينية ، كان سبعة وخمسين عاماً (وهذه هي مرحلة النضوج) . وهو في التقويم الأخير مساهمة كانطية عالية في الأبستمولوجيا (17) .

   وفعلاً أن كانط في طرف من كتابه أنتقد الأبستمولوجيا التقليدية : أبستمولوجيا التجريبين والعقليين . وفي طرف آخر القى الضوء على النهج الكانطي في تأسيس أبستمولوجيا نقدية . والحقيقة أن مشروع كانط النقدي سعى في جوهره إلى المصالحة بين الأبستمولوجيا التجريبية والأبستمولوجيا العقلية .

  لقد أعتقد التجريبيون أن أكتساب المعرفة يكون عن طريق وحيد هو التجربة (أو الحواس) فقط . في حين رأى العقليون أن مثل هذه المعرفة مفتوحة للشك الديكارتي ، وإن العقل هو الطريق الوحيد الذي يوفر لنا مثل هذه المعرفة .  جادل كانط التجريبين والعقليين ، ورأى إن إستعمال العقل وحده دون الأستعانة بالتجربة سيقودنا إلى الوهم . في حين إن الأعتماد على التجربة وحدها ، ستكون تجربة شخصية تماماً دون إخضاعها إلى العقل الخالص (18) . كما تطلع كانط إلى إصلاح الميتافيزيقا من خلال الأبستمولوجيا .

  لقد إختار كانط طريقاً أبستمولوجياً ثالثاً ، طريقا يمنح الحس والعقل على حد سواء دوراً في عملية تكوين المعرفة . إلا إنه لا يؤمن كما آمن الحسيون بأن العقل صفحة بيضاء (جون لوك مثلاً) قبل المعرفة . وإنما هناك أطر عقلية ، وإن المعرفة التي تأتي عن طريق الحس تنتظم وفق تلك الأطر العقلية وهي مثل : الزمان والمكان .. (19) .

ثالثاً- الأبستمولوجيات المعاصرة :

      تميز تاريخ الأبستمولوجيات في الحقبة المعاصرة بإستمرار المدارس الفلسفية الناشطة في صياغة إبستمولوجيات تعكس توجهاتها الفلسفية . وفي الوقت ذاته شهدت هذه الحقبة إنبثاق ما يعرف اليوم بدوائر الأبستمولوجيات الناهضة على ما توافر في دوائر العلوم المعاصرة ، من أساليب تجريبية تمثلت بأنواع معقدة من أجهزة في غاية التعقيد والتطور سواء في رصد الظواهر الكبيرة في الكون ، أم الظواهر الصغيرة التي لا نراها بالعين المجردة ، وإنما بمساعدة أجهزة في غاية الحساسية والدقة ، وبمصادر التنوير والتكبير العالية .

  وفي المقابل تطورت أساليب نظرية عالية تمثلت بأنواع من الرياضيات العالية ، التي تجاوزت حساب التفاضل والتكامل ، والتي إنتظمت على صورة مصفوفات رياضية عالية التجريد ، والتي صاحبها تطوير أنواع من المنطق الثلاثي القيم والمتعدد القيم .. وتطوير الإستنباط والإستقراء التقليديين إلى إستدلال تجريبي ونظري (20) . إن ما يميز الأبستمولوجيات المعاصرة ، إنها مشروع تعاون بين العلماء والفلاسفة ، وحصيلة تضافر جهودهما المشتركة والتي إنعكست في شكل المعرفيات العلمية أو الأبستمولوجيات المعاصرة .

   1- أبستمولوجيا الوضعية المنطقية :                                                 

تميزت الأبستمولوجيا المعاصرة في إطارها الفلسفي بطعم خاص عكس تنوع مدارسها الفلسفية المعاصرة . فمثلاً كانت هناك مساهمة أبستمولوجية عالية للوضعية المنطقية ، والتي كانت تعرف بالتجريبية المنطقية كذلك . وقد جاءت نتيجة لجهود أعضاء حلقة فينا (21) والتي ضمت مجموعة من علماء الرياضيات ، والعلماء والفلاسفة ، الذين جمعهم هدف واحد ، وهو مناقشة التطورات الحديثة في علم المنطق ، ومن ضمنها مناقشة كتاب فيتجنشتاين (1889- 1951) المعنون : ” رسالة منطقية – فلسفية ” والذي صدر في العام 1922، وكان يقودهم مورتيز شيلك (1882- 1936).

  وفيما يتعلق بالأبستمولوجيا المعاصرة ، نود أن نذكر بأن واحداً من أهم مؤلفات شيلك ، كان في مضمار الأبستمولوجيا ، والذي كان بعنوان : ” الأبستمولوجيا والفيزياء الحديثة” والذي صدر في العام 1925. وكذلك كتابه المعنون : ” النظرية العامة للمعرفة” والذي ترجم إلى الأنكليزية في العام 1985 . وبالإضافة إلى شيلك ، ضمت الحلقة كل من كرناب (1891- 1970) ، فيجل (1902- 1988) ، جودل (1906- 1978) ، هان (1879- 1934) ، نيروث (1882- 1945) وويزمان (1896- 1959). وبعد وفاة هان ومن ثم شيلك في العام 1939 ، تفرق أعضاء حلقة فينا ، فرحل بعضهم وأستقر في بريطانيا ، وذهب البعض الآخر إلى الولايات المتحدة الأمريكية .

   أن الوضعية المنطقية هي مدرسة فلسفية ، جمعت بين التجريبية (التي تعتمد على الملاحظة في معرفة العالم) والعقلانية التي تشمل البناء اللغوي ذو الطبيعة المنطقية الرياضية والإستدلال الأبستمولوجي . وإعتماداً على الكتيب الصادر عام 1929 والذي كتبه كل من نيروث وهان وكرناب ، فأننا نلحظ إن هذا الكتيب قد لخص مبادئ حلقة فينا عامة في حينها ، والوضعية المنطقية في مضمار الأبستمولوجيا خاصة . أن هذه المبادئ تتضمن معارضة لكل أنواع الميتافيزيقا ، خصوصاً الأنطولوجيا والقضايا التركيبية الأولية (التي إنشغلت بها الأبستمولوجيا عند كانط) . والحقيقة إن رفض الميتافيزيقا جاء ليس لكونها قضايا خاطئة ، بل لكونها فارغة من المعنى (25) .  

   وإستندت أبستمولوجيا الوضعية المنطقية إلى معيار المعنى الذي يعود في إصوله إلى الكتابات المبكرة لفيلسوف العلم واللغة لودفيغ فيتجنشتاين (أي كتابه رسالة منطقية – فلسفية) . ولعل مما يؤكد عليه معيار المعنى ، هو إن تتم صياغة المعرفة في لغة العلم الإنموذجية . كما وأن هذا المعيار يتطلع إلى إحلال المفاهيم الدقيقة للغة العلم محل مفاهيم لغة الحياة اليومية (23) . إذن معيار المعنى يسعى إلى تطهير الفلسفة والعلم من كل اللغو الذي ساد في تاريخهما العتيد ، والذي سبب سوء الفهم والتنازع ، و كان وراءه الجدل الطويل الذي ضاعت فيه جهود وفرص الفلاسفة والعلماء على حد سواء .

  كما وتعتمد أبستمولوجيا الوضعية المنطقية على مبدأ التثبت (أو التحقق) والذي تظهر عليه أثار ما كتبه فيتجنشتاين في الرسالة المنطقية – الفلسفية واضحة كذلك . أن مبدأ التحقق هو الطريق الذي يحدد أن هذه القضية أو هذا السؤال لهما معنى . فمثلاً القضية القائلة : ” أن العالم جاء إلى الوجود قبل فترة قصيرة ” . إن مثل هذه القضية ” لا معنى لها ” من زاوية مبدأ التحقق ، وذلك لأن مثل هذه القضية لا توفر لنا طريقاً ” يثبت بأن هذه القضية صادقة أم لا ” (24).

   إتخذ مبدأ التحقق مساراً خاصاً مع الفريد آير ، خصوصاً في كتابه المعنون : ” اللغة : الصدق والمنطق ” والصادر عام 1936. فهو فعلاً مبدأ أو معيار للمعنى ، ولكن ليس عن طريق التحليل اللغوي ، وإنما يكون عن طريق التثبت التجريبي . وحقيقة إن فكرة التحقق ، فكرة قديمة تصعد على الأقل إلى دافيد هيوم والتجريبيين الذين يعتقدون بأن الملاحظة هي الطريق الوحيد الى المعرفة (25) .

  واليوم يستعمل مبدأ التحقق بمعنى مبدأ التكذيب الذي ينظر إليه كإمكانية منطقية تسعى إلى تحديد قضية ما بأنها كاذبة ” عن طريق ملاحظة خاصة أو تجربة فيزيائية ” . وإن مبدأ التكذيب لا يعني ” إن شئ ما هو كاذب ، بل إنه يعني إن القضية كاذبة ، وتحتاج إلى برهان على كذبها ” .

   ثم أنبرى كارل بوبر (1902- 1994) فرفض إشتراطات مبدأ التحقق في النظر إلى ” معنى القضية ” ، وبالمقابل رأى أن تكون ” القضية تمتلك قابلية على التكذيب ” . وفي فترة لاحقة أوضح بوبر بأن غرضه من مبدأ التكذيب ، لا يسعى مطلقاً إلى تكوين ” نظرية في المعنى ” . وإنما أراد له أن يكون ” معيار منهجي للعلوم ” . وفي واقع الحال ينظر إلى  كارل بوبر اليوم على إنه واحد من المشايعين لمبدأ التحقق بدلاً من كونه ناقداً له (26) .

  كما تبنى عدد غير قليل من الوضعيين المنطقيين في مضمار الأبستمولوجيا ، ما يعرف ” بنظرية التطابق ” ، وهي النظرية التي دافع عنها فتجنشتاين في رسالته المنطقية الفلسفية . والحق يقال أن بعض الوضعيين المنطقيين من أمثال أوتو نيروث لم يقبلوا بنظرية التطابق ، بل فضلوا نظرية الإتساق (أو ألإنسجام) والتي ” ترى أن صدق القضية هو إتساقها أو إنسجامها مع مجموعة القضايا الأخرى في النظام الذي تنتمي إليه ” والإتساق يعني أن لا تثير القضية أي تناقض في النظام الذي دخلت إليه . والواقع إنه ليست هناك نظرية واحدة في مضمار نظرية الإتساق (أو الإنسجام) ، بل هناك وجهات نظر عديدة في مضمارها (27) .

   ونعود إلى نظرية التطابق في مضمارها الأبستمولوجي من زاوية الوضعيين المنطقيين المشايعين لها . فهذه النظرية ترى إن صدق قضية ما أو كذبها يتقرر من خلال علاقتها بالعالم الخارجي أو مدى نجاحها في وصف العالم الخارجي (أو تطابقها معه). ونظرية التطابق تتعارض مع نظرية الإتساق ، والتي ترى إن صدق قضية ما أو كذبها يعتمد على علاقتها مع القضايا الأخرى بدلاً من علاقتها مع العالم الخارجي (28).

   وتزعم نظريات التطابق في مضمارها الأبستمولوجي ، إلى أن الإعتقاد يكون صادقاً أو القضية تكون صادقة  بمقدار تطابقهما على الموضوعات والأشياء الواقعية . وهذا النمط من النظريات يفترض وجود علاقات بين الأفكار والقضايا من طرف ، وبين الأشياء والوقائع من طرف آخر . ويصعد الشكل الإبستمولوجي لنظرية التطابق ، على الأقل ، إلى فلاسفة اليونان الكلاسيكيون سقراط ، إفلاطون وارسطو ( والثلاثة يشكلون  طرفاً من مكونات كتابنا المعنون : تجربة الوافد في مضمار الأبستمولوجيا الفلسفية). وتعتقد هذه النظريات إن الصدق أو الكذب يتقرران من خلال إرتباطهما(أو عدم إرتباطهما) بالحقيقة أو وصفهما (أو عدم وصفهما) للحقيقة بدقة . وهناك أنواع من نظريات التطابق (29) :

أولاً- التطابق بالمعية (أي أن شيئان يحدثان معاً) . يرى الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872 – 1970) ، لكي تكون القضية صادقة ، ينبغي أن تتماثل في بنيتها وبنية موضوعات العالم الخارجي ، والتي تجعل منها قضية صادقة . والمثال الذي قدمه رسل ، هو المثال القائل : ” القطة (توجد) على البساط ” هي صادقة ، إذا وفقط إذا كان هناك في العالم الخارجي ؛ قطة وبساط ، وإن القطة مرتبطة بالبساط من خلال وجودها على البساط . وإذا غاب أي من هذه المكونات الثلاث ( القطة ، البساط ، والعلاقة بينهما والتي تتطابق بالتتابع : الموضوع والمحمول وفعل القضية) فأن القضية تكون كاذبة (30).

ثانياً- التطابق بالترابط العلاقي ؛ يعد فيلسوف اللغة البريطاني جون لانكشو أوستن (1911- 1960) هو المنظر لهذا النوع من التطابق (وله كتابان صدرا بعيد وفاته ، الأول – أوراق فلسفية والذي ظهر بنشرة اكسفورد عام 1961 . والثاني – كيف تعمل الأشياء بالكلمات والذي صدر من أكسفورد في العام 1962) ، فقد ذهب إلى إننا لا نحتاج إلى تركيب فيه توازي بين صدق القضية وموضوعات العالم الخارجي التي تمنحها الصدق . وإنما كل ما في الأمر ، هو البعد السيمانطيقي (بعد المعنى) للغة التي نستخدمها في التعبير عن القضية ، وهذا البعد السيمانطيقي هو الذي يركز على العلاقات الترابطية الكلية للقضية التي ترتبط بموضوعات العالم الخارجي . وإن كذب القضية حسب رأي أوستن ، عندما لا تكون واحدة من هذه القضايا موجودة (31).

2- أبستمولوجيا البراجماتية :

   إنبثقت البراجماتية ، موجة فلسفية تحمل إعلاناً أبستمولوجياً تجريبياً (حسياً) في نهايات القرن التاسع عشر ، وبالتحديد في النادي الميتافيزيقي ، فيما بين عامي 1872 و 1874 ، وهو النادي الذي كان كل من “تشارلز ساندروز بيرس” (1839- 1914) و”وليم جيمس” (1842- 1910) يمثلان من بين أعضائه الأتجاه الأبستمولوجي  التجريبي في الفلسفة في مقابل الأتجاه الأبستمولوجي الميتافيزيقي المثالي الذي كان يمثله أغلب أعضاء النادي .

  وقد قدم بيرس في النادي بحثاً أبستمولوجياً متفرداً ، نشر فيما بعد في  مقالين  :

 الأول – بعنوان ” تثبيت الإعتقاد ” الذي ظهر في العام 1877

الثاني – بعنوان ” كيف نوضح أفكارنا ” الذي صدر في العام 1878

وهما المقالان الأبستمولوجيان ، اللذان أعلنا عن ظهور حركة فلسفية أبستمولوجية  جديدة هي ” البراجماتزم ” (32) .

  أن إختيار بيرس للإصطلاح براجماتزم ، لم يكن أختياراً عفوياً ، بل جاء إنتخاباً مدروساً من الزاوية الأبستمولوجية . وذلك من حيث إن كلمة براجماتزم ، جاءت جواباً أبستمولوجياً على السؤال الأبستمولوجي الذي رفعه بيرس بداية وإستهلالاً . فقد تساءل بيرس : ما معنى الفكرة ؟ وما معنى العبارة ؟ ومتى يكون للفكرة معنى ؟ ومتى تكون العبارة صادقة ؟ ومتى يجوز لنا أن نتكلم عن العبارة بوصفها معبرة عن فكرة ما ؟ ومتى لا يجوز ؟

  جاء جواب بيرس واضحاً ومباشراً ، مؤكداً على إن ” الفكرة هي ما تعمله ” ، وهذا يعني أن معنى الفكرة مرتبط بقوة بالنتائج والآثار العملية المترتبة عليها . ولهذا التوجه الأبستمولوجي الناهض على العمل والنتائج العملية التي تفضي إليها الفكرة ، إنتخب بيرس لطريقه الفلسفي كلمة براجماتزم ، وهي في حقيقتها مشتقة من لفظة براكتس التي تدل على الممارسة والفعل ، وهي في أصلها مشتقة من اللفظ اليوناني ” براجما ” الذي يدل على الفعل أو العمل (33) .

   ونحسب أن كل هذا الكلام ، يحملنا على القول بإن براجماتية بيرس على الأقل ، هي أبستمولوجيا الفعل أو أبستمولوجيا العمل . وفي مضمار تقويم إنجاز بيرس ، وقف الفيلسوف الأمريكي بول ويس (1901- 2002) مراجعاً ما أنجزه بيرس في مضماري الفلسفة والمنطق الأمريكيين ، فقال : ” إن بيرس هو الأكثر أصالة بين الفلاسفة الأمريكان ، وهو في الوقت ذاته من أعظم علماء المنطق الأمريكان ” (34) . هذا صحيح كل الصحة إذا راجعنا ما كتبه بيرس في مجالي الأبستمولوجيا العملية ، والأبستمولوجيا الرياضية والمنطقية..  وصحيح جداً إن كل ماتركه بيرس من أعمال مكتوبة هي مقالات ومحاضرات . وإن الكتاب الوحيد الذي حمل إسمه ، هو ” دراسات في علم المنطق ” (1883) ، فقد كان هو الناشر والمؤلف لفصول بنفسه ، في حين كتب طلبته فصولاً أخرى . وترك مخطوطات لم تنشر تجاوزت صفحاتها (100000) صفحة ، ما عدا ما نشره هوسر تحت عنوان ” أوراق بيرس ” (35) .

  كتب بيرس في مضمار الأبستمولوجيا العملية ، مقاليه سابقي الذكر :” تثبيت الأعتقاد” و”كيف نوضح أفكارنا” واللذان حملا الإعلان الأبستمولوجي للبراجماتية . ولكن والحق يقال إن بيرس نشر مقالاً  أبستمولوجياً في غاية الأهمية ، قبل هذين المقالين وبالتحديد في العام 1868. وكان بعنوان ” أسئلة متعلقة بملكات الإنسان ” ، وهو بتقديرنا المقال الأبستمولوجي المفتاح لعمل بيرس عامة والأبستمولوجيا البراجماتية خاصة . ومن ثم تلاه في السنة ذاتها صدور مقاله الرافض للأبستمولوجيا الديكارتية والذي كان بعنوان “بعض نتائج العجز ” والذي جادل فيه طبيعة أن ” العام حقيقي ” .

   وبعد عشر سنوات وبالتحديد في العام 1878 نشر مقالاً بعنوان ” نظام الطبيعة ” .  ومن ثم نشر سلسلة مقالات تدور في مضمار أبستمولوجيا البراجماتية ، منها : مقال بعنوان “إختلافات صغيرة حول الحواس ” في العام 1884 ، ومقاليه : ” عمارة النظريات ” الذي نشره في العام 1891 و ” مبادئ الضرورة ” الذي ظهر في العام 1892 .

   وفي عام 1903  جاءت محاضراته في جامعة هارفارد حول البراجماتية والتي دافع فيها عن الأساس الأبستمولوجي للبراجماتية . وتبعها ثلاث مقالات راجعت الأساس الأبستمولوجي للبراجماتية وعرضت تفاصيل إضافية كما ودافعت عن الإطار البراجماتي للأبستمولوجيا ، وهي : ” ما هي البراجماتية ” في العام 1905 و ” قضايا البراجماتية ” في العام 1905 ومن ثم ” دفاع عن البراجماتية ” في العام 1906(36) .

  أما في مضمار الأبستمولوجيا الرياضية ، فقد تفردت كتاباته بالأصالة والإبتكار وذلك لكون بيرس واحداً من علماء الرياضيات ، ومن هنا تأتي أهمية أبحاثه في هذا الميدان . كان أول عمل نشر له بعنوان ” منطق التناسب ” والذي ظهر إلى النور في العام 1870  ، ودرس فيه نظرية العلاقات . ومن ثم جاءت محاضراته ومقالاته التي حملت عنوان “إيضاحات حول منطق العلم” في الفترة (1877- 1878) والتي ركز فيها على البراجماتية والإحصاءات .

   وتتوجت جهوده في مضمار الرياضيات بظهور عمله المعنون ” الرياضيات المبسطة ” في العام 1902 . وأشتغل في الرياضيات البحتة ، وفي الأسس المنطقية للرياضيات ، وفي الجبر الخطي وموضوعات هندسية متنوعة . وترك بيرس مخطوطة مهمة في ميدان الرياضيات بعنوان  ” مبادئ جديدة للرياضيات من وجهة نظر أصيلة ” . وفي العام 1976 صدرت بعنوان  “مبادئ جديدة للرياضيات” (37) .

  وفي حقل الأبستمولوجيا المنطقية ، فقد درس موضوعات رائدة شكلت مضمار التحديث في علم المنطق والتجديد في نظام إشاراته (العلامات أو الرموز) . في الحقيقة بدأ بيرس بحثه في علم المنطق وأبستمولوجياته ، في وقت مبكر ، فأولى محاضراته ومقالاته تصعد إلى العام 1869 . والتي جاءت بعنوان ” أسس سلامة القوانين المنطقية” ومن ثم تلتها سلسلة محاضراته في هارفارد حول ” علماء المنطق البريطانيون ” وكانت للفترة من 1869 وإلى 1870 . وفي هذه السنة ذاتها ظهرت رائعته المعنونة ” وصف لنظام الإشارات (العلامات) الخاصة بمنطق العلاقات ” والتي هي جزء مما يعرف بنظرية السيموطيقا عند بيرس .

   وتحول بحثه نحو جرف آخر من الإهتمام المنطقي . فظهرت في العام 1878 مقالته المتميزة  ، بعنوان ” إحتمالية الإستقراء ” . وتلتها في السنة ذاتها ، مقالته في ” الإستنباط ، الإستقراء والفرضيات ” . ومن ثم جاءت محاضراته في المنطق في جونز هوبكنس للفترة من 1879 وإلى 1884 . وفي العام 1880 صدرت رائعته الرائدة  في “جبر المنطق” . ومن ثم أخذت مقالاته المنطقية بالرواج بين المختصين والقراء ، منها : ” نظرية الإستنتاج الإحتمالي ” في العام 1883 ، و” حول جبر المنطق : مساهمة في فلسفة الإشارات ” في العام 1884 ، و” قانون العقل ” في العام 1892 ، و ” محاضرات في الإستدلال ومنطق الأشياء ” في العام 1898 بدعوة من وليم جيمس في كيمبريدج . ومن ثم جاءت ” القاعدة الأولى للمنطق ” في العام 1899 والتي كانت ضد معوقات البحث . وفي العام 1903 قدم ” محاضرات لول ومفردات علم المنطق” (38).

ولعل خير ما نختتم هذا المضمار الأبستمولوجي ، الإشارة إلى إن الأبحاث المنطقية قادت بيرس إلى تطوير نظرية في الإشارات (السيموطيقا) والتي تتألف من جهاز واسع من مفاهيم الإشارات وعمليات إستنتاجها (39) .

   كما و نحسب إن البراجماتية من الزاوية الأبستمولوجية ، هي نظرية في الصدق،  والتي هي في مجملها مجموعة ” تفسيرات ” و ” تعريفات ” و ” نظريات ” لمفهوم الصدق . وحقيقة إن هناك إجماعاً براجماتياً بين بيرس وجيمس و جون ديوي (1859- 1952) على إن البرجماتية في سماتها العامة( نظرية في الصدق) هي :

أولاً- أن البراجماتية هي مجموعة وسائل تهدف إلى توضيح معاني المفاهيم المتشاكلة ، ومنها بشكل خاص مفهوم الصدق ذاته .

ثانياً- إن الحقيقة بالمنظار البراجماتي ، هي ” منتوج ” ذات طبيعة متنوعة ، والذي يكون على شكل : إعتقاد ، يقين ، معرفة أو صدق . وإن كل هذا حاصل نتيجة لعملية البحث (الذي يهدف إلى توسيع المعرفة ، وحل مسألة الشك ، وفي الوقت ذاته إيجاد حل للمشكلة موضوع البحث) (40) .

   بعد هذا نسعى إلى تحديد معيار الصدق البراجماتي عند البراجماتيين الثلاثة . فمثلاً لفهم معيار الصدق عند بيرس ، يتطلب منا الإشارة إلى إن تفكير بيرس لا يمكن فهمه دون معرفة رأيه في ” طبيعة التفكير والأفكار ” . إنه يرى إن ” كل الأفكار هي إشارات” . ماذا يعني هذا الكلام ؟ إنه يعني بصورة واضحة إن تفكير بيرس ” لا يمكن فهمه خارج إطار علاقات الإشارات ” (41) . وإن علاقات الإشارات في حقيقتها هي موضوع نظرية الإشارات .  وإن نظرية بيرس في السيموطيقا ، هي نظريته في علاقات الإشارات ، والتي هي المفتاح الأساس لفهم فلسفته البراجماتية (42) .

   لقد حدد بيرس الصدق ، في مقال له يصعد إلى العام 1901 وكان بعنوان: ” الصدق والكذب والخطأ ” وبالشكل الآتي :

     الصدق هو إتفاق (أو إنسجام) القضية المجردة مع الحدود المثالية للبحث العلمي المستمر والهادف إلى توفير الإعتقاد العلمي . وإتفاق القضية المجردة ربما يتم الوصول إليه عن طريق الإعتراف بأن عدم دقتها من بعض الأوجه ، هو المكون الأساس للصدق (43) . 

  بينت هذه العبارة وجهة نظر بيرس التي تؤكد على إن ” أفكار المقاربة ” و ” عدم الكمال ” و” الجزئية ” والتي عبر عنها في مكان أخر ” بإمكانية الخطأ ” و ” الإحالة إلى المستقبل ” هي أساسيات مفهومه للصدق . كما وأستخدم في مناسبات مختلفة كلمات من مثل : الإنسجام والتطابق وذلك لوصف وجه من وجوه براجماتية ” العلاقة بين الإشارات ” . ومن طرف أخر فقد قال بيرس : ” أن تعريفات الصدق تقوم على التطابق الذي ليس هو أكثر من التعريف الإسمي ” ، وبيرس في هذا المجال تابع التقليد الفلسفي الطويل الذي يرد التعريف الإسمي إلى مستوى ليس أكثر من التعريفات الحقيقية . ولنقف نستمع إلى ما يقوله بيرس :

  إن ذلك الصدق هو تطابق الصورة مع موضوعها ، وهو كما قال كانط ، مجرد التعريف الأسمي لها . والصدق يرتبط بالقضايا فقط . والقضية تتألف من موضوع  (أو مجموعة موضوعات) ومن محمول  . ولما كان االموضوع هو إشارة ، والمحمول هو بدوره إشارة . فالجملة هي إشارة تتألف من ذلك المحمول الذي هو إشارة ومن المحمول الذي هو إشارة كذلك . وإذا كانت الجملة بهذا الشكل فهي صادقة . ولكن : ماذا يعمل هذا التطابق والإحالة إلى الإشارة ؟ إنه الإنسجام في القضية (إنسجام إشارة المحمول مع إشارة الموضوع وهما مكونات القضية : بين قوسين توضيح من الباحث) (44) .

  وخلاصة الموقف عند بيرس ومن خلال عبارته السابقة ، هو إنه كشف عن العلاقة بين التعريف البراجماتي للصدق وواحدة من نظريات الصدق العتيدة ، والتي ترى ” إن الصدق بشكل وحيد وبسيط ، هو تطابق الصور مع موضوعاتها ” . والحقيقة إن بيرس هنا حاله حال كانط ، فقد إعترف بالتمييز الذي وضعه أرسطو ” بين التعريف الإسمي والتعريف الحقيقي ” . والتعريف الإسمي في حقيقته كشف عن ” وظيفة المفهوم ، ودور العقل في الإدراك ، كما إنه يدل على جوهر الموضوع ” . إن هذا الموقف يحملنا على القول : ” أن بيرس كان مولعاً جداً بنظرية التطابق في الصدق ” (45) .

  وأما الفيلسوف البراجماتي وليم جيمس ، فقد تميز بمفهومه الخاص لمعيار الصدق البراجماتي . ونحسب أن تكون البداية الإشارة إلى تراث جيمس الفلسفي ، وخصوصاً تراثه الذي درس فيه المعيار البراجماتي للصدق . أولاً أن جيمس جاء من ميدان الطب والفيزيولوجيا والبايولوجيا إلى مضمار علم النفس ومن ثم إستقر في مرابض الفلسفة . كان أول فصل درسه في جامعة هارفارد ، هو علم النفس التجريبي للسنة الأكاديمية (1875- 1876)  . وخلال عمله في هارفارد أنضم إلى بيرس في العام 1872 في المناقشات الفلسفية التي جرت تحت مظلة النادي الميتافيزيقي . كان أول عمل نشره جيمس ، هو كتابه المعنون ” مبادئ علم النفس ” والذي صدر في العام 1890 (ويتألف من مجلدين) (46) .

    أما أهم مؤلفاته الفلسفية  فهي : إرادة الإعتقاد (1897) ، الخبرة الدينية : دراسة في الطبيعة البشرية (1902) ، عالم الخبرة (1904) ، البراجماتية (1907) ، الكون المتعدد 019099 ، بعض مشكلات الفلسفة (1911 توفي ولم يكمله) ، مقالات في التجريبية الراديكالية (1912) ومؤلفات أخرى . وفي مضمار معيار الصدق البراجماتي ، فقد نشر جيمس  في العام 1907 فصلاً بعنوان : المفهوم البراجماتي للصدق ، ضمه إلى كتابه البراجماتية ، وفي العام 1909 نشر كتابه المعنون : معنى الصدق .

  أخذت أبستمولوجيا نظرية الصدق البراجماتية عند جيمس ، بعداً جديداً ، فيه طعم جديد مختلف بالتأكيد عما هو عليه عند مؤسس البراجماتية بيرس . فمثلاً وليم جيمس في محاولته تحديد العقائد الصادقة ، أكد على إنها ” تلك العقائد التي ثبتت إنها نافعة للمؤمن بها ” هذا طرف . والطرف الثاني إن نظريته البراجماتية للصدق ، هي نظرية تركيبية ، جمعت بين نظرية التطابق ونظرية الإتساق (أو الإنسجام) مع بعد إضافي ، وهو ” إن الصدق ممكن التحقق منه خلال الأفكار والقضايا التي تطابق الأشياء الواقعية ” إضافة إلى ربطها سوية ” بحيث تتسق معاً ، كما هو الحال في أجزاء لغز متفرقة ، ينبغي أن تنسجم سوية” وإن هذه الأفكار ممكن التحقق منها عن طريق النتائج الملاحظة إثناء تطبيقات الفكرة في مضمار التجريب الواقعي (47) . ونلحظ في كتابات جيمس الأبستمولوجية صدى لمبدأ الوضعية المنطقية في التحقق أو التثبت .

   أما جون ديوي فقد فضل تعريف بيرس للصدق ، ففي كتابه المعنون  المنطق : نظرية البحث ، والصادر في العام 1938 ، جاء خال من أي مناقشة للمعيار البرجماتي للصدق . إلا إنه في هامش واحد قال : إنه ” يفضل تعريف الصدق من الزاوية المنطقية ، الذي قدمه بيرس ” (48) .    

هوامش البحث :

1- أنظر :

Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1967 Vol. 3

2- أنظر :

Chisholm, Hug. “Ferrier, James Frederick“, Encyclopaedia Britannica (Eleventh Ed.) CambridgeUniversity Press 1911

3- أنظر :

Woozley. A. D, Theory of Knowledge: An Introduction, London 1950, pp 8-10

4- أنظر :

Knowledge and Belief, In Encyclopaedia of Philosophy, London 1967, V. 4, pp 245 – 246

5- أنظر :

Popkin. R, Philosophy, made simple, London 1969, pp 177-178

6- أنظر :

– محمود زيدان ؛ نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصريين ،  ط1 ، بيروت 1989

– محمد غلاب ؛ المعرفة عند مفكري الإسلام ، القاهرة (بلا تاريخ)

7- أنظر :

Hesse. M .B, Francis Bacon’s Philosophy of Science, In A Critical History of Western Philosophy, ed. J. O’Conner, New York 1964, pp 141 – 152

8- أنظر :

Popkin R, Op. Cit, p. 186

9- أنظر:

Clarence. H. Bradford, An examination of Thomas Hobbes’ Theory of Knowledge, Chicago 1956

10- أنظر :

Anthony Kenny; the Rise of Modern Philosophy, Oxford, 2006

11- أنظر :

Jonathon Bennett, A study of Spinoza’s Ethics, Hackett, 1984

12- Edwin. Curley, the Collected Works of Spinoza, PrincetonUniversity Press 1985

12- أنظر :

Hall, A. R., Philosophers at War: The Quarrel between Newton and Leibniz, CambridgeUniversity Press 1980

13- أنظر :

Rutherford, Donald, Leibniz and Rational Order of Nature, CambridgeUniversity Press 1998

14- أنظر :

Ibid,

15- أنظر :

Popkin. R, Op. Cit, p. 190

16- أنظر :

Carne Brinton. “Enlightenment”, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1967, Vol. 2, P.519

17- أنظر :

Kant, Critick (Critique) of Pure Reason, Trans. By Francis Haywood, 2 ed. London 1848

18- أنظر :

Hartnack, Justus, Kant’s theory of Knowledge: An Introduction to the Critique of Pure Reason, Hactett publishing 2001

19- أنظر :

Kant, Op. Cit, pp 29 – 31, pp 23 – 28

20- أنظر :

– Ayer. A. J, the Problem of Knowledge, London 1933

– Popper. K, Objective Knowledge, London 1972

21- أنظر:

      محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر الألماني المعاصر ، الفصل الثالث المعنون : رودلوف كرناب: فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر ، القسم السابع : كرناب والإتجاهات الفلسفية لحلقة فينا (موجود على موقع الفيلسوف) .

22- أنظر مقال كرناب المعنون : إقصاء الميتافيزيقا ، عند :

Ayer, A. J. Logical Positivism, New York 1959, pp 60 – 80

23- أنظر :

Sarkar, Sahotra. Logical Empiricism at its peak, New York 1996, p. 38

24- أنظر :

A J Ayer, Language, Truth and Logic, 2nd with an important new Introduction, 1946

25- أنظر :

Ibid

26- أنظر :

Bryan Magee, Popper, Modern Masters Series, 1973

27- أنظر :

Benjamin, A. Cornelius, Coherence Theory of Truth, 1962

28- أنظر :

Kirkham, Richard L. Theories of Truth: A Critical Introduction, Cambridge 1992

29- أنظر :

Arthur. Prior, Correspondence Theory of Truth, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1969, Vol.3

30- أنظر :

Kirkham, Op. cit, section 4.2

31- أنظر :

Pitcher, George. “Austin:  personal memoir”. Essay on J. L. Austin, ed. IsaiahBerlin et al. Oxford 19730

32- أنظر :

   محمد جلوب الفرحان ؛ الخطاب الفلسفي التربوي الغربي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، ص ص 147 – 148

33- أنظر :

Peirce. C.S, How to make our Ideas Clear, Collected Papers, HarvardUniversity press 1959

34- أنظر :

Weiss, Paul “Peirce, Charles sanders” in the Dictionary of American Biography, Published by Charles Scribner’s sons 1934

35- أنظر :

Houser, Nathan, “The Fortunes and Misfortunes of the Peirce’s Papers, Perpignan 1989

36- أنظر :

Peirce, C.S., Writings of Charles S. Peirce, a Chronological Edition, IndianaUniversity

(ظهر منها ثمانية مجلدات ، والمجلد الثامن صدر في العام 2009 ويتألف من 824 صفحة) .

37- أنظر :

Peirce, C.S., The New Elements of Mathematics, 5 volumes, Ed. By Carolyn Eisele, Mouton Publishers 1976

(المجلد الأول في علم الحساب ، الثاني في الجبر والهندسة ، الثالث أوراق رياضية ، الرابع كتابات رياضية والخامس في فلسفة الرياضيات . ويتألف مثلاً المجلد الخامس من 393 صفحة) .

38- أنظر :

Peirce, C. S., Collected Papers, Eds. By Charles Hartshorne and Paul Weiss, Cambridge 1931- 1935

وضمت ثمانية مجلدات ، وما خص علم المنطق فهي ؛ المجلد الثاني والذي كان بعنوان أصول المنطق ، والذي نشر في العام 1932 ، والمجلد الثالث والذي كان بعنوان المنطق الدقيق والذي صدر في العام 1933.

39- أنظر :

Peirce, C. S., Semiotic and Signifies: Correspondence between C. S. Peirce and Victoria Lady Welby, Ed. By Charles S. Hardwick, IndianaUniversity Press 1977

40- أنظر :

Pragmatic Theory of Truth, Encyclopaedia of Philosophy, Macmillan 1969, Vol. 6

41- أنظر :

Deledalle, Gerard, C. S. Peirce’s Philosophy of Signs, Indiana University Press 2000

42- أنظر الكتاب الممتاز الذي عالج موضوع العلاقة بين نظرية بيرس في السيموطيقا والبراجماتية :

Fisch, Max, Peirce, Semeiotic and Pragmatism, IndianaUniversity Press 1986

وأنظر كتابنا : الفكر الألماني المعاصر ، الفصل الثالث والذي كان بعنوان : رودلوف كرناب : فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر . تناولنا فيه نظرية السيموطيقا (النظرية العامة للغة) وأقسامها . موجود على موقع الفيلسوف

43- أنظر :

Peirce, C. S., “Truth and Falsity and Error”, Collected Papers, Vol.5, p. 565

44- أنظر :

Ibid, p. 553

45- أنظر :

Pragmatic Theory of Truth, Op.Cit, Vol.5

46- أنظر :

Duane P Shultz, a History of Modern Psychology, Wordsworth 2004, p. 179

47- أنظر :

Pragmatic Theory of Truth, Op. Cit, Vol. 6, pp 427- 428

48- أنظر :

Dewey, John, Logic: Theory of Inquiry, New York 1938, p. 407

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2) 

مصادر التجربة الإفلاطونية

في مضمار الأبستمولوجي الفلسفي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

يضع هذا المدخل في متناولنا مجموعة مؤشرات، تحمل شواهداً على حضور الإرث الأبستمولوجي الفلسفي اليوناني قبل إفلاطون* (347 | 348 – 427 | 428

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ظهرت كتابات كلاسيكية في تاريخ الفلسفة اليونانية ، تؤرخ للمنقول شفهياً من التراث الفلسفي المتقدم زمنياً على سقراط . و إعتمدته هذه الكتابات حداً فاصلاً لتقسيم تاريخ الفلسفة اليونانية . وجاء ذلك الإعتماد لأسباب منها كون سقراط نقطة تحول في تاريخ الفلسفة  ، فهو شخصية متفردة ، فقد أشيع عنه بأنه أعقل وأحكم رجال زمانه وفقاً لتنبؤات وحي معبد دلفي . كما إنه صاحب نهج فلسفي جديد ، وأول شهيد في تاريخ الفلسفة ، إضافة إلى إن الشائع عنه في دوائر البحث الفلسفي ، بأنه أول من حول البحث الفلسفي من التأمل في السماء (الطبيعة وما بعد الطبيعة) إلى البحث والإهتمام بالإنسان . وهكذا كان سقراط فيصلاَ في تاريخ الفلسفة اليونانية، فقد شطر تاريخها إلى حقبتين: حقبة تاريخية عرفت بما قبل سقراط  وحقبة تاريخية سميت بما بعد سقراط . وعلى هذا الأساس نحسب إن  كلاً من كيرك وريفن كانا على حق في الكتابة عن الفلسفة اليونانية وعن الفلاسفة الذين عاشوا ونشطوا فلسفياً في هذه الحقبة تحت إصطلاح “البريسكراتيون : أي الفلاسفة قبل سقراط”. أنظر:

Kirk . G & Raven . J , The Presocratic Philosophers, (Cambridge, 1963)

ولكن عمل كيرك وريفن كان مسبوقاً بأعمال أصيلة قام بها باحثون ألمان ، كما نلحظ  أن ترجمتها إلى الأنكليزية هي الأخرى تتقدم بعقود من الزمن على عمل كيرك وريفن . أن أول بحث أكاديمي جامع للفقرات الفلسفية التي تنسب للفلاسفة قبل سقراط ، قام به الباحث الألماني هرمان الكسندر ديلز (1922 – 1848) ، وكان عنوان كتابه بالألمانية : Die Fragmente der Vorsokratiker, وهذا الكتاب لازال مصدراً متدوالاً بين أيدي الباحثين ، وقد ظهرت طبعته الأولى في العام 1903 . والكتاب يتالف من ثلاثة مجلدات . ومن ثم قامت كاثلين فريمن بترجمة كاملة لهذا الكتاب إلى اللغة الأنكليزية والذي طبع في العام 1948 . أنظر:

Acilla to the pre-Socratic philosophers; A complete Translation of Fragments in Diels, by Kathleen Freeman, (Cambridge, 1948)

ولاحظ الدارسون إن الحد “pre-Socratic” ، قد يصعد في تاريخ استخدامه إلى فترة زمنية أبعد من كتاب ديلز المذكور أعلاه . فقد وجدوا إن جورج كروت في كتابه :George Grote; Plato and other Companions of Sokrates,  إفلاطون ورفاقه السقراطيون الآخرون والمنشور في العام 1865 قد تداول أصطلاح الفكر ما قبل سقراط pre-Socratic .

ويبدو لنا إن فريدريك نيتشه في كتابه : الفلسفة في العصر التراجيدي اليوناني ، وهو كتاب ناقص تناول فيه : طاليس ، إنكسيمندر ، هرقليطس ، بارمنيدس ، إنكساغوراس . وكان يتطلع ليشمل ديمقريطس وإمبادقليس وسقراط . وعلى أساس خطة الكتاب الأصلية ، نحسب إن نيتشه كان قد خط طريقا جديداً أكثر دقة في تقسيم تاريخ الفلسفة اليونانية عامة، ومن ثم تحديد مكانة الفلسفة قبل إفلاطون وليس قبل سقراط  في تاريخ الفلسفة . وتأتي دقة نيتشه من أن فلسفة سقراط هي الأخرى حالها حال وضع الإرث الفلسفي قبله، حيث لم تكتب وكانت شفهية . كما وأنها تداخلت في فلسفة إفلاطون، بحيث يصعب التمييز الحاسم بين ما هو لسقراط وما هو لإفلاطون . صحيح إن أفلاطون حفظ لنا تراث سقراط . إلا أن هدا التراث السقراطي كتب من زاوية إفلاطون وليتناسب ومنهجه وذوقه وأهدافه . أنظر للإطلاع على أراء نيتشه:

Nietzschei; Philosophy in the Tragic Age of the Greeks

إن ملاحظات الكتاب تبين لنا إن نيتشه أكمل كتابة هذا القسم من كتابه الناقص في العام 1873 . ولكن تواجه الباحث صعوبة أخرى في الموقف التيتشوي ، خصوصاً في كتابه : مابعد الخير والشر ، فقد نظر إلى سقراط  على كونه فيلسوفاً فاسداً ، أفسد الشباب الأثيني وأفسد إفلاطون . ولذلك أستحق سقراط حسب نيتشه ” شرب كأس السم ” وهي طريقة الإعدام اليونانية يومذاك . وهذه هي التهمة التي أعدم على أساسها سقراط إضافة إلى قوله بآلهة غير آلهة المدينة . أن هذا الموقف يؤكد على ان نيتشه شاطر السفسطائية على حساب سقراط وتابعه إفلاطون . وحقيقة ان نيتشه ينظر بتقدير عال إلى الفلسفة قبل سقراط ، خصوصاً فلسفة هرقليطس وإمباذوقليس والفكر الفلسفي السفسطائي . أنظر :

Nietzsche; Beyond Good and Evil, (First published in 1886) Translated by Helen Zimmem (1906) , reprinted in Dover publication, New York, 1997, part 1

بالمناسبة أن كتاب نيتشه ” ما بعد الخير والشر ” يحمل مشروعه للثورة على الفلسفة  في تاريخها الأوربي العتيد . فمثلاً ثار على إفلاطون وفكره الفلسفي العقيدي المنغلق المنحاز . وثار على كانط و سخر من إختراعه لملكة الحكم الخاصة بالقضية الأولية التركيبية . وثورته شملت شوبنهور والقائمة طويل . ونحسب في ثورة نيتشه على تاريخ الفلسفة الأوربية ، قد دشن أرضاً بكراً للحركة النسوية (الفمنست) الأكاديمية في عموم العالم الغربي ، والتي نشطت تعمل بكل جد على نقد تاريخ الفلسفة وإتهامه ” بأنه تاريخ فيه تمييز وإنحياز لصالح الذكور وتسفيل للنساء ، وإنه تاريخ كتبه فلاسفة رجال أو هو في التقويم العام ، تاريخ فلسفة ذكورية ” . وحقيقة أن هذه الموجة الفلسفية النسوية العارمة  تشكل اليوم الأتجاهات الفلسفية الأكثر معاصرة في أقسام الفلسفة في جامعات أمريكيا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) . والباحث شاهد أكاديمي على نتائج الثورة النيتشوية على تاريخ الفلسفة . يقول نيتشه في كتابه مابعد الخيروالشر ” أن تاريخ الفلسفة يكشف لنا عن فشل الفلاسفة في فهم طبيعة المرأة …. ” . ومن ثم دعا إلى قيام جيل جديد من الفلاسفة أطلق عليهم إصطلاح ” فلاسفة الحاضر” و ” فلاسفة المستقبل ” . من مشروعات الباحث القادمة ، الكتابة عن تاريخ الفلسفة الأوربية من زاوية فمنستية (نسوية) . حقيقة إن تاريخ الفلسفة الأوربية عرف قائمة طويلة من الأسماء النسوية التي عملت في مضمار البحث الفلسفي مثل هبيشا الأسكندرية (415 – 370) التي قتلت بيد الرعاع الذين مزقوا جسدها إرباً إربا ، بعد سحلها في شوارع المدينة ، وهي حية إلى إن سلمت الروح لباريها ، فإنطمرت أسماء القتلة وطواها النسيان ، ولكن ظل إسم هبيشا رمزا خالداً وشهيدة تحتفل بها الأجيال وتذكرهم  بجريمة الرعاع الذين يقودهم ويوجههم رجل دين دعي ومسيح دجال (يخفي تحت جبته خنزير شهوة تقوده إلى ذبح مبادئ دينه ، في كل لحظة ينفرد فيها مع صبي أو صبية أو زوجة عفيفة إعتقدت خطاً إن في الإمام عون قريب وفرج سريع لمحنتها ، فكان حلمها كابوساً لا تتحمل آلامه الأرض والسماء ، بعد إن صعقت بمساومة الإمام على عفتها مقابل تيسير معاش لأيتامها وتدبيرحياتها اليومية بمساعدات الطيبين الأبرار) هذا ما قاله الزرادشت الصغيرفي رسالته المرسلة مع دعيه الأعور الدجال إلى أهالي شعسان الذين لا يعرفون ما يدور ويخطط لفتك عفة بناتهم في مذابح بيوت الظلام  .

  ولدى الباحث قائمة تضم أكثر من مئة فيلسوفة ، ينتمين إلى مراحل مختلفة من تاريخ الفلسفة الغربية . والحق إن مدوني وكتاب تاريخ الفلسفة الغربية قد همشوا بقصد تاريخ ودور هذا العدد الكبير من الفيلسوفات الناشطات . على كل هذا هو جزء من مشروع الكتابة عن الفلسفة الفمنستية (النسوية ) الذي ننشغل بالكتابة فيه بعض الأحيان ونتمنى أن يجد النور قريباً .

وعلى أساس نيتشه وجورج كروت والكسندر ديلز ومن ثم أخيراً كيرك وريفن ، نؤكد على ان الكتابة عن الفلسفة قبل سقراط هو عنوان أكاديمي مقبول وفي صفه تقف كل الشرعية المنهجية ، التاريخية والفلسفية . أما إذا قمنا بمحاولة ضم سقراط إلى القائمة ، ومن ثم سعينا  في الكتابة عن الفلسفة قبل إفلاطون ، فأن عنوان هذا المضمار هو عنوان علمي أكاديمي دقيق جداً وذلك لأنه سيتساند مع حشد من الأبحاث الناجزة في دوائر الفكر الفلسفي الغربي والتي حرثت ولا زالت تحرث وتنقب في التراث الفلسفي الذي ضاعت أصوله ، أو أنه كان يعلم شفهياً ولم يكتب حينها . اما فلسفة إفلاطون فلها شأن مختلف، فقد وصلتنا مكتوبة محفوظة . وعند إفلاطون بدأ التاريخ المكتوب للفلسفة . ولهذا يستغرب الباحث عندما يعثر في المكتبة العربية على عناوين كتب مثل : الفلسفة اليونانية قبل أرسطو (إنموذجاً على ذلك الكتاب الذي صدر في بغداد 1990) . لأن الثابت القار في دوائر البحث الفلسفي الأكاديمي ، هو تقسيم تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط ، أو قبل إفلاطون ، ومن ثم الفلسفة في العصر الهيليني وبذلك نشمل أرسطو ، والفلسفة في العصر الهيلينستي وتشمل = المدارس الفلسفية بعد أرسطو وما تولد منها من مزيج فلسفي خصوصاً بعد إنسياح عساكر الأسكندر نحو الشرق والتمازج الهيليني الشرقي والذي نطلق عليه إصطلاح الفلسفة  أو الثقافة الهيلينستية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ق.م) في المنظومات الأبستمولوجية الفلسفية التي تولدت من تجربته في مضمار الأبستمولوجي الفلسفي. ولمعرفة هذا المتولد من التجربة الإفلاطونية، نرفع السؤال الآتي: هل توجد مؤشرات في الإرث الفلسفي اليوناني قبل إفلاطون تفيدنا في ترتيب الأبستمولوجيات الفلسفية؟ أولاً وقبل كل شئ، نرغب في تحديد ما نعنيه بالأبستمولوجيات الفلسفية*. إننا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ينظر إلى الفلسفة من الزاوية الكلاسيكية على إنها نظرية في الإنطولوجيا والأبستمولوجيا والإكسيولوجيا . وقد جرى في تاريخ الفلسفة تحديداً ضيقاً للأبستمولوجيا في حدود نظرية المعرفة . ومن القار الثابت بأن الحديث عن نظرية المعرفة هو الحديث عن البناء النظري للأبستمولوجيا حصراً . وحقيقة إن الأبستمولوجيا تضم إضافة إلى البناء النظري ، أدوات المعرفة وطرق المعرفة ولغة المعرفة ومستويات المعرفة … ولما كانت هذه الأبستمولوجيا موضوعاً فلسفياً ، فأننا ميزناها عن نوع أخر من الأبستمولوجيا وهي الأبستمولوجيا العلمية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 نعني بها جملة المعرفيات التي أنتجها العصر يومذاك والتي وجدت طريقها إلى داخل المنظومات الفلسفية، فأصبحت هذه الأبستمولوجيات (أو المعرفيات وبالطبع العلوم جزءاً منها، وذلك لأن الأبستمولوجيات أشمل وأوسع من دائرة العلوم وتضم فنوناً ومناشط معرفية أخرى) تشكل قلباً وقالباً للنظام الفلسفي برمته.

وصحيح إن هذه العلوم هي علوم حس وعلوم عقل أو بمعنى أخر هي أبستمولوجيات حس أو أبستمولوجيات عقل… إلا أن الأبستمولوجي الفلسفي لا يقف عند حدود العلمي. بل يتجاوز مضماره، ويحفر في الباطن ويكون مضمار أبستمولوجيات الباطن وميدان التأويل. ومن ثم يتطلع نحو المتعالي، فيشكل أبستمولوجيات المتعالي الذي يلتحم بدائرة التجربة الدينية والعرفان والكشف وأصحاب الطرق…

 كما وإن هذه العلوم تحولت إلى موضوع تساؤل وتأمل، فطوتهما التجربة الفلسفية في داخل بناء فلسفي أعم وأشمل من مضمارهما، ومن ثم أصبحت هذه العلوم لحمة جزئية من طريق بحث أبستمولوجي عام، تتوسل به الفلسفة في أنجاز مهمتها، وفي الوقت نفسه تتقوى به في الدفاع عن نظامها الفلسفي، وفي الرد والمعاندة مع الأنظمة الفلسفية التي تم إنشائها في عصرها، والتي دخلت معها في صراع ومنازعة.

في الحقيقة إن الإرث الفلسفي اليوناني قبل إفلاطون، في مجمله عبارة عن مجموعة جمل فلسفية، يزعم إنها منتزعة من كتب مفقودة لفلاسفة تلك الحقبة التاريخية. وإن هذه الجمل، في واقعها الحالي، لا تعيننا على إفتراض أي شكل من أشكال الترتيب للأبستمولوجيات الفلسفية عند الفلاسفة قبل إفلاطون. إلا أنها تفيدنا في الوقت ذاته، في منحهم دور الريادة والسبق في تناول موضوعات الأبستمولوجيات الفلسفية، والتي سيوليها إفلاطون عناية غير إعتيادية، ويمنحها مكانة في الترتيب الذي تقدم به للأبستمولوجيات الفلسفية.

ونحسب على أساس هذا الضم الفلسفي لعلوم العصر يومذاك، إن تحولت هذه العلوم إلى شكل من أشكال الأبستمولوجيات الفلسفية. وهكذا نلحظ إن فلاسفة المدرستين الطبيعيتين الأولى والثانية(1)، وخصوصاً هرقليطس، قد بحثوا في عالم الظواهر، والذي كون الأساس المادي للأبستمولوجيات الطبيعية(2). كما وأشتغل الإيليون(3) في المنطق والميتافيزيقا(4). وإعتنى الفيثاغوريون في طوابق متنوعة من أبستمولوجيا الرياضيات(5). وتناول السفسطائيون أطرافاً مختلفة من الأبستمولوجيات العملية(6). وإستناداً إلى كل ذلك، نحسب إن الترتيب الذي تقدم به إفلاطون للأبستمولوجيات الفلسفية، على إنه أول إنموذج في تاريخ الأبستمولوجيات الفلسفية.

ونتساءل: هل كان للأبستمولوجيات الفلسفية، التي تلقاها إفلاطون في مراحل تكوين شخصيته، تحمل من الأثر في توجهاته نحو ترتيب الأبستمولوجيات الفلسفية ؟ تلقى إفلاطون(7) بحكم طبقته مختلف أطراف الأبستمولوجيات الفلسفية، والتي كانت تقدم للرجل الحر. إن المكون الثقافي والأبستمولوجي الفلسفي لذهنية إفلاطون، تشكلا من عدة مصادر؛ ثقافته الشعرية وقراءاته الأبستمولوجية، دروسه الفلسفية الأولى، دروس سقراط الشفهية، رحلاته العلمية، تجربته السياسية، وتأسيسه الأكاديمية.

أما ثقافته الشعرية فقد تكونت من خلال قراءاته لنتاج “شعراء اليونان، وعلى الخصوص هوميروس”. ولعبت هذه الثقافة دوراً فاعلاً في تكوين شخصية إفلاطون الشاعر. ومن المعروف إن الفيلسوف قد ساهم في “نظم الشعر التمثيلي”(8). وإعتماداً على إفادة كرم القائلة: إنه قرأ نتاج “شعراء اليونان”، فإننا نحسب إن الإفادة تتسع قائمة من شعراء اليونان، وفي مقدمتهم الشاعر الملحمي هزيود. وهذه مسألة فيها نظر وخصوصاً فيما يتعلق بالشاعر هزيود.

ولذلك نرى إنه من المفيد جداً أن نشير إلى أن البرنامج التعليمي الثقافي لعائلة إفلاطون خاصة، كان برنامجاً أرستقراطياً، وهوميروس كان شاعر الإستقراط هذا طرف من القضية. إلا أن الطرف الآخر منها، هو أن البرنامج الإستقراطي قد غيب من مكوناته، الملاحم الشعرية لشاعر معاصر لهوميروس، وهو هزيود، شاعر الفلاحين والرعاة. وهكذا حرمت العائلة والطبقة الإستقراطية إفلاطون من فرصة تعليمية ثقافية مهمة، يتعرف من خلالها على تجربة شعرية مهمة في تاريخ الثقافة والأبستمولوجيات اليونانيين.

كتب هومر أو هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) ملحمتين شعريتين: الأولى هي الإلياد (أو الإلياذة). والثانية الأوديسا. ويعتقد معظم اليونانيين القدماء، إن هومر شخصية تاريخية. في حين يعلق الأستاذ كيرك على ذلك، فيرى إنه “لا يوجد أي شئ يحدد شخصية هومر”(9). ويشكك أغلب الباحثين بالمعلومات المنقولة عنه في المصادر الكلاسيكية القديمة. كما ويبدو على القصيدتين هيمنة “روح التجميع لقصص تعكس ظروف قرون مختلفة”. وعلى هذا الاساس ذهب مارتن ويست إلى أن” هومر ليس إسماً لشاعر تاريخي، وإنما هو إسم مركب مختلق”(10).

أما الشاعر الملحمي هزيود، فيجمع الباحثون على إنه “ليس هناك تاريخ مؤكد للفترة التي عاش فيها”. إلا إنهم يرجحون إلى إنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد. وهذا يعني إنه كان معاصراً للشاعر هوميروس. وينسب إليه قصيدتان ملحميتان وكتابات أخرى. والقصيدة الأولى بعنوان الأيام والأعمال وهي تعرض وجهة نظر فلاح مستقل. أما القصيدة الثانية فكانت بعنوان أنساب الآلهة وهي تركز على أصل العالم والآلهة. ويرى الدارسون للقصيدتين إلى إن كتابات هزيود، تعد مصدراً أساسياً لأساطير اليونان، اساليب الفلاحين، بواكير الفكر الإقتصادي، ملاحظات فلكية، والتقاويم الزمنية القديمة(11).

 حقيقة إن التجربة الشعرية الملحمية الهزيودية، حملت في مكوناتها ثقافات وأبستمولوجيات وأساليب حياة وعقائد وطرق تفكير شرائح إجتماعية غير إرستقراطية. مما كان للملحمة الشعرية الهزيودية دوراً مهماً في تاريخ الإنشاء الفلسفي عامة والأبستمولوجي خاصة. فقد رسمت جانباً مكملاً للصورة التي رسمتها ملاحم هوميروس والتي أقتصرت على تصوير حياة وتفكير طبقة الإستقراط فقط. كما وأن الشاعر هزيود كان أكثر تسامحاً من هوميروس في التعامل مع المجلوب الثقافي والأبستمولوجي الوافد عبر المستعمرات اليونانية المنتشرة في أسيا الصغرى. وخصوصاً الوافد الزرادشتي الذي حملته عساكر المحتل الفارسي، والذي ظهر أثره في شعر هزيود التشاؤمي لحركة التاريخ، والتي نحسب إنها كانت أول تجربة فلسفية لتأويل التاريخ(12) في مضمار الأبستمولوجيات الفلسفية اليونانية خاصة والأبستمولوجيات الغربية عامة.

وتعددت المصادر التي أكتسب منها إفلاطون ثقافته الأبستمولوجية الفلسفية. إلا إن الملفت للنظر على التراث الأبستمولوجي الإفلاطوني، هو تقدم الأبستمولوجيات الرياضية على بقية الأبستمولوجيات الآخرى. ولعل هذا الترجيح لمكانة الأبستمولوجيات الرياضية يعود إلى مرحلة التلمذة والإكتساب المعرفي، والتي أظهر فيها إفلاطون “ميلاً نحو الرياضيات” (13). تحول هذا الميل إلى شرط تربوي لقبول المتقدمين إلى الدراسة في أكاديميته ، ولهذا ألزم إفلاطون هؤلاء الطلبة بمعرفة الأبستمولوجيات الرياضية شرطاً. وترجمة لهذا الشرط كتب فوق باب الأكاديمية: “لا يدخل أبوابي من لا يعرف الهندسة”(14).

تلقى إفلاطون دروسه الفلسفية الأولى على يد واحد من أتباع الفيلسوف هرقليطس. ويذكر تايلر، إن هذه التلمذة الإفلاطونية كانت من خلال أستاذية كراتيلوس Cratylus، والتي كان لها في الوقت ذاته من الآثر على بناء الموقف الإفلاطوني من فلسفة هرقليطس فيما بعد. وكراتيلوس هو فيلسوف أثيني (عاش في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد)، وهو تلميذ هرقليطس وفقاً للمصادر المتداولة، والتي لا تقدم من طرفها لنا، إلا القليل القليل من المعلومات عنه وعن أستاذه هرقليطس(15). والحقيقة إن كلاً من إفلاطون وأرسطو قد ذكرا كراتيلوس، وكلاهما كونا مصادرنا المعرفية الأولية عن كراتيلوس. فإفلاطون خصص محاورة من محاوراته للحديث عن كراتيلوس وفكره. ونقلت المحاورة على لسانه، عبارة أستاذه هرقليطس الشهيرة: “لا يستطيع الإنسان أن ينزل إلى النهر مرتين”(16). في حين وجدنا إن أرسطو هو الآخرقد ذكر في كتابه “مابعد الطبيعة أو الميتافيزيقا” إسم كراتيلوس وأكد علاقته بالفيلسوف هرقليطس.

تعد محاورة كراتيلوس من النصوص الفلسفية المبكرة في تاريخ الثقافة اليونانية ، والتي قدمت للقارئ نصاً أبستمولوجياً متفرداً في مضمار الإشتقاق اللغوي واللغويات (النكويستك). ففي هده المحاورة سأل كراتيلوس وزميل له سقراط عن العلاقة ما بين الأسماء والأشياء الدالة عليها، وهل الأسماء إتفاقية أم طبيعية ؟ وسؤال عن نظام اللغة والإشارات التي يضمها النظام . وقدمت المحاورة كراتيلوس صاحب مذهب مخالف لسقراط ، فكراتيلوس يعتقد إن الأسماء لها أصل إلهي . وسقراط من طرفه سخر من هذه النظرية وندد بها(17).

أما أرسطو فقد أشرنا قبل قليل إلى إنه ذكر كراتيلوس في كتابه “ما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا”، وأكد تلمذته للفيلسوف هرقليطس. إن إفادة أرسطو في غاية الأهمية ، حيث إنها تكشف عن رؤية كراتليوس المتطرفة للمذهب الذي علمه أستاذه هرقليطس. يقول أرسطو: “إن كراتيلوس، والذي كان من حواري هرقليطس، قد ذهب خطوة أبعد من إستاذه، فزعم بأننا حتى لا نستطيع أن ننزل النهر مرة واحدة”(18). وهكدا نشأ من خلاله المذهب الشكي العتيد .

إن تلمذة إفلاطون على يد كراتيلوس، قد جعلت من هرقليطس وفلسفته حاضران في تفكير إفلاطون. ولعل الشاهد القوي على ذلك محاورة كراتليوس التي كتبها إفلاطون في مرحلة الكهولة، والتي أخذ فيها تفكير إفلاطون يستقل نسبياً عن تفكير ومنهج أستاذه سقراط. إن حضور هرقليطس جاء في الإستنتاج الإفلاطوني القائل: “إن العلم الحقيقي يدرس شيئاً غير المظاهر الحسية التي هي في تيار Flux مستمر”(19). إلا أن تعاليم هرقليطس وذكرى دروس كراتيلوس قد شكلت خطاً واحداً من عدة خطوط أبستمولوجية تكونت منها فلسفة إفلاطون.

ولعل واحداً من الخطوط الأبستمولوجية المهمة، التي كان لها الدور الأساس في تكوين فلسفة إفلاطون، الخط الأبستمولجي الذي مثلته شخصية إستاذه سقراط (399 – 470|469ٌ ق. م)، ومنهجه في الحوار والتوليد، وصدى دروسه الشفهية، ومن ثم طريقة إعدامه وما ترتب على ذلك من سخط إفلاطوني متزمن ضد ديمقراطيات عصره. حقيقة إن محاورات إفلاطون قدمت لنا شخصية سقراط من زاوية التلميذ إفلاطون(20) . ولكن هناك تلميذ آخر لسقراط  ، وهو إكسنوفان (354 – 430 ق. م) شكل لنا مصدراً معرفياً في تشكيل ملامح غير إفلاطونية لشخصية سقراط، بل ونستطيع القول إن شهادات إكسنوفان كمؤرخ كونت ملامح إكسنوفانية لشخصية الأستاذ سقراط(21) . أما المصدر الثالث ، وهو في الحقيقة مسرحية ساخرة ، كتبت من قبل أرستوفان (386 – 446 ق.م) ، وكانت بعنوان السحب ، وهي تصور بطريقة ساخرة لأطراف من محاكمة سقراط ومن ثم إعدامه (22) .

 ونحسب إنه من النافع أن نشير إلى إن بعض المصادر العربية تذكر إن إفلاطون تعرف على سقراط في سن العشرين ولازمه حتى إعدامه(23). ولاحظنا إن الأستاد تايلر قد دقق في هذه القضية، ورأى إن ما قاله أصحاب السير الإسكندرانيين من “إن إفلاطون سمع لسقراط ، وهو في سن الثامنة عشر أو العشرين”. إنه لايعني إن الرجل تعرف على سقراط لأول مرة، وهو في هذه السن. وحجة تايلر إفادات إفلاطون ذاتها، فقد أشار إلى إن لسقراط “كانت صداقات حميمة مع عم إفلاطون، كما كانت له صداقات أخرى مع كريتياس، وهو أحد أقرباء إفلاطون. ونحسب إن ما تعنيه الحكاية الإسكندرانية ليست المعرفة الإولى، وإنما تعني تحول إفلاطون إلى واحد من حواري سقراط”(24). ومن المعروف إن إفلاطون قد تمثل شخصية سقراط ، وإستبطن منهجه خصوصاً في محاورات الشباب. ومن ثم في عموم المحاورات التي ظهر فيها سقراط المحاور الرئيس، وصاحب الموقف الحاسم في النقاش.

وتلخص الدراسات والأبحاث التي إعتنت بفلسفة سقراط ، مساهمته في تاريخ الأبستمولوجيا الفلسفية . فمثلاً نحسب إن سقراط إشتغل في مضمار الأبستمولوجيات المنطقية وخصوصاً في نظرية التعريف ، والتي تركت لها حضوراً قوياً في الأبستمولوجيات الفلسفية الإفلاطونية عامة والأبستمولوجيا المنطقية خاصة. ولعل أول مصدر معرفي لاحظ هذا الحضور ، هو الفيلسوف اليوناني أرسطو . فقد أشار إلى إن أستاذه إفلاطون قد تأثر ” بمحاولة سقراط في تعريف المفاهيم الأخلاقية “(25) . كما ودرس سميث في كتابه ” تاريخ الرياضيات “، الأبستمولوجيات الرياضية عند إفلاطون عامة وأبستمولوجيات الهندسة المنطقية خاصة . وقد وجد إن إفلاطون قد تابع خط إستاذه سقراط في “الإهتمام بالدور الدي تلعبه التعريفات في تطوير الهندسة المنطقية Logical geometry”(26) 

ومن القنوات الأبستمولوجية البالغة الأهمية في تكوين فلسفة إفلاطون، الرحلات العلمية التي قام بها والتي تركت أثراً واضحاً على مكانة الأبستمولوجيات الفلسفية في داخل البناء الفلسفي الإفلاطوني برمته. حقيقة إن هذه الرحلات أسهمت بصورة فاعلة في تكوين شخصية إفلاطون الثقافية خاصة والأبستمولوجية عامة. فقد منحته هذه الرحلات فرصة اللقاء ببعض الشخصيات، وحضوره إلى مواطن بعض المدارس الفلسفية والإتصال المباشر برموزها الفلسفية، ومن ثم التعرف عن قرب على المصادر الأبستمولوجية التي زودته بزاد معرفي خاص ببعض العلوم والفنون. إن كل ذلك حدث بعد موت سقراط . ولذلك نسعى هنا إلى وضع بعض المؤشرات المفيدة لصالح العلوم والمعارف التي ظهرت في إنمودج إفلاطون لترتيب الأبستمولوجيات الفلسفية.

لقد إتصل إفلاطون بالفلسفة الإيلية خلال اللقاء الذي حدث بينه وبين إقليدس الميغاري (365- 435 ق .م) . والحقيقة إن هذه الرحلة إلى ميغارى، لم تكن في جوهرها علمية خالصة، وإنما كانت بدواعي الخوف الذي سيطر على أتباع سقراط بعيد إعدامه ، فما كان أمامهم  إلا الرحيل إلى ميغارى، ومن ثم طلب الحماية من إقليدس الذي حضر موت سقراط(27) . حقيقة إن إقليدس الميغاري ، هو فيلسوف سقراطي ومؤسس المدرسة الميغارية في الفلسفة . كان إقليدس واحداً من تلاميذ سقراط ، ولهذا أعتقد ” إن الخير الأسمى هو الوجود الواحد ، وهو خالد وغير قابل للتبدل ، ورفض أي شئ يتعارض مع الخير ” . ومن المفيد الإشارة إلى إن مؤلفي النصوص ومترجميها في العصور الوسطى ، قد خلطوا إسم إقليدس الميغاري بإسم إقليدس الإسكندراني (الذي عاش بحدود 300 ق .م وهو صاحب كتاب الأصول في الهندسة)(28) .

ونلحظ إن إفلاطون في سنوات ما يسمى بالمرحلة المتوسطة من تأليفه لمحاوراته التي إتخذت من سقراط المحاور الرئيسي ، قد قدم إقليدس الميغاري في محاورته الشهيرة تيتياتوس والتي ركزت على الأبستمولوجيات العلمية (أو السؤال عن العلم) ، كاتباً للمحادثة التي جرت بين سقراط وتيتياتوس الشاب (29) . والخلاصة إن أراء إقليدس الميغاري الفلسفية هي مزيج من الفلسفة الإيلية ومبادئ سقراط في الخير (30) . ويبدو لنا إن قليدس الميغاري ومدرسته الفلسفية ، كانا المسار الذي عبرت خلاله الفلسفة الإيلية إلى دوائر تفكير إفلاطون ومن ثم وجدت طريقها لاحقاً إلى محاوراته .

ومن الثابت في دوائر الأبستمولوجيات الفلسفية، إن الفلسفة الإيلية كونت الطابق العلوي الثالث من طوابق العمارة الفلسفية الإفلاطونية، ونقصد بذلك عالم الوجود الحقيقي “عالم الوحدة والثبات والفكر” . مثل الفلسفة الإيلية كل من بارمنيدس (عاش في بواكير القرن الخامس ق . م) وتلميذه زينون الإيلي (430 – 490 ق . م) ومصدرنا الأول الوحيد عن بارمنيدس وزينون ، هو إفلاطون ، وبالتحديد محاورته  المعنونة بارمنيدس والتي تنتمي إلى المرحلة المتوسطة من كتابات إفلاطون . وفي هذه المحاورة يصف إفلاطون الزيارة التي قام بها بارمنيدس وتلميذه زينون إلى آثينا . وكان بارمنيدس في الخامسة والستين . في حين كان زينون في الأربعين من عمره . أما سقراط فقد كان يومذاك إبن العشرين ربيعاً(31) .

ينسب مؤرخو الفكر الفلسفي إلى بارمنيدس إبتكار طرف من الأبستمولوجيات المنطقية ، وبالتحديد المنطق الصوري Formal Logic وذلك سعياً منه إلى تطبيق الطرق الرياضية في البرهان على طبيعة مشكلة الوجود واللاوجود الفلسفية (32) . وجاء إستخدامه للمنطق ليبين إن ” الوجود لايتغير (ثابت) ولايتولد ، وهذه هي النتيجة الرافضة لإمكانية ظهور أي تنوع أو تغير ” (33) . وهذا الجهد البارمنيدي سيكون موضوع إهتمام إفلاطون ، خصوصاً في نتيجته المنطقية الرافضة لمبدأ هرقليطس القائل : ” بأن كل شئ يتغير ” والتي تؤكد في الوقت نفسه على المبدأ الإيلي البديل والذي يفيد : ” بأنه لا شئ يتغير ” (34) .

ويعتقد كيرك وريفن في أن بارمنيدس هو ” أول من أستعمل الأستدلال المنطقي ، وذلك عندما بدأ بحثه بالمقدمة التالية : الوجود موجود … لكي يستخلص منها كل معرفة حول الوجود ” (35) . وحقيقة هذا المبدأ هو واحد من قوانين المنطق والذي سيطلق عليه أرسطو فيما بعد أسم قانون الذاتية (أو الهوية) (36) . ويشرح ريد في كتابه المنطق الإستدلالي والمنطق الإستقرائي ، قانون الذاتية عند بارمنيدس ، وبصورة رمزية ، قائلاً : ” أ هو أ ، أو لا أ هو لا أ ” (37) .

أما زينون فقد ترك أثراً قوياً على إفلاطون . فقد ذكر الأخير كتاباً لزينون وذلك في محاورته بارمنيدس . وجاء على لسان إفلاطون : ” إن كتاب (زينون) هو الدفاع عن بارمنيدس في أن الوجود واحد ضد الخصوم ” (38) . ومن المعروف أن زينون يستخدم هذا البرهان في حججه لإنكار الكثرة والحركة . ونلحظ أن زينون من خلال عرض القضية التي يسعى إلى إثباتها ، يطرح القضية النقضية ، فمثلاص عندما يريد أن يبرهن على أن ” الوجود واحد ” ، فإنه يفترض النقيض ، أي إن ” الوجود متعدد ” ، ومن ثم ينتهي إلى إن النتيجة كاذبة أو متناقضة ، وإن تناقض النتيجة يؤدي إلى رفض المقدمة (39) . وقد منح الباحثون هذا البرهان قيمة مهمة ، فمثلاً نجد لي Lee يعتقد ” إن البرهان الذي إستخدمه زينون هو ذاته الذي تابع فيه إفلاطون خطى زينون في إستبعاد المقدمة الكاذبة ” (40) . إن كل هذا يدلل على إن الفلسفة الإيلية وخصوصاً الأبستمولوجيات المنطقية كانت حاضرة في ترتيب الأبستمولوجيات الفلسفية التي إشتغل عليها إفلاطون .

وقام إفلاطون بزيارة إلى مصر ، ومن ثم إتصل بالمدرسة الكهنوتية في عين شمس ، وأخذ منها ” بنصيب من علم الفلك “(41) . ويعلق تايلر على زيارته لمصر وأفريقيا ، فيرى إن إفلاطون ” لا يذكر شيئاً عن رحلاته هذه سوى بضع إشارات ، خصوصاً في محاورة القوانين ، إشارات عن الفن والموسيقى وعلم الحساب ، وألعاب الأطفال في مصر ” (42)

هوامش البحث : 

)1) ضمت المدرسة الطبيعية الأولى: طاليس (الفيلسوف اليوناني الأول، والذي عاش للفترة ما بين 546 – 624 قبل الميلاد)، إنكسيمندر (546 – 610 قبل الميلاد)، إنكسيمانس (528 – 585 قبل الميلاد)، وهرقليطس (475 – 535 قبل الميلاد).

أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفلسفة وأزمة الواقع | مجلة دراسات عربية، العدد المزدوج (10 – 11)، بيروت1985. وكان هذا البحث قراءة جديدة لنشوء الفلسفة اليونانية. ومن المضحك إن واحداً من الأكاديمين ، إتهم الباحث بالماركسية . في حين إن البحث نقب عن الأثر الزرادشتي وتحديات المحتل الإيراني للأراضي اليونانية كعامل مؤثر في نشوء الفلسفة اليونانية… 

أما المدرسة الطبيعية الثانية فقد شملت: إيمبادقليس (430 – 490 قبل الميلاد)، وإنكساغوراس (428 – 500 قبل الميلاد)، ولوسيبيوس (عاش في النصف ألأول من القرن الخامس قبل الميلاد)، وتلميذه ديمقريطس (370 – 460 قبل الميلاد). وإذا كانت المدرسة الأولى ذات منهج أحادي في التفسير الفلسفي، فأن الثانية كانت صاحبة رؤية فلسفية تعددية. أنظر للتفاصيل:

John Burnet , Greek Philosophy: Thales to Plato, 3rd ed. (London , 1920) pp 69 – 70

(2) أنظر:

Sambursky. S, The Phyiscal World of the Greeks, Trans. by M. Daugut , (London, 1963), pp 5 – 25

إنه فصل مفيد، يبحث في بداية الإسهامات الأبستمولوجية، وبالتحديد في مضماري العلوم البحتة والتطبيقية.

(3) ضمت المدرسة الإيلية: بارمنيدس (عاش في بدايات القرن الخامس قبل الميلاد)، وهو مؤسس المدرسة، وتلميذه زينون الإيلي (يرجح إنه عاش ما بين 430 – 490). أنظر: محمد جلوب الفرحان: تحليل أرسطو للعلم البرهاني، الفصل الأول المعنون: الفلسفة الرياضية قبل أرسطو، (بغداد 1983) ص ص 28 – 33

(4) أنظر:

Krik. G & Raven. J.E, The Presocratic Philosophers, Krik. G Cambridge, 1963), p. 266

(5) أسس المدرسة الفيثاغورية، عالم الرياضيات اليوناني فيثاغوراس (497 – 572 ق. م). أنظر في مساهمة الفيثاغورية في أبستمولوجيا الرياضيات:

محمد جلوب الفرحان: تحليل أرسطو للعلم البرهاني، الفصل الأول والمعنون: الفلسفة الرياضية قبل أرسطو، ص ص 18 – 28.

(6) السفسطائية وفقاً لرواية إفلاطون في محاورة ” بروتاغوراس “، مدرسة أسسها بروتاغوراس (420 – 490 ق. م)، وهو حسب الرواية الإفلاطونية، أول من أطلق أسم السفسطائي على نفسه. وهي تشمل جورجياس (380 – 485 ق.م)، وهيبياس (عاش في نهايات القرن الخامس ق.م) وكان معاصراً للفيلسوف سقراط (399 – 469 ق.م)، وهو الذي أستبطن فلسفته إفلاطون، وأتخذ منه المحاور الرئيس في محاوراته. وقد كتب إفلاطون محاورات بإسم بروتاغوراس، جورجياس وهيبياس الصغير وهيبياس الكبير…  أنظر للتفاصيل:

Burnet, Greek Philosophy , pp 105 – 11o, 117 – 113                     (7) إفلاطون بن إرستون Ariston، ولد في شهر مايس أو حزيران، من السنة الأولى للأولمبياد الثامن والثمانين، وتوفي وعمره ناهز الثمانين أو الحادية والثمانين عاماً.

أنظر للتفصيل:

Taylor. A. E, Plato: The man and his work, (USA, 1971     ), p.1

خصص المؤلف الفصل الأول والمعنون “حياة إفلاطون”، للحديث التفصيلي عن حياة الفيلسوف. وأحسب إنه فصل ممتاز ينفع الباحث في فهم التطورات التي حدثت في حياته، ومن ثم معرفة إنعكاسها في فلسفته عامة، وفي ترتيب الأبستمولوجيات الفلسفية خاصة. ولعل أهمية هذا الكتاب تعود إلى إنه صدر في الربع الأول من القرن العشرين، وأعيد طبعه مرات عدة.

(8) يوسف كرم ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية، (بيروت بلا تاريخ)، ص 62

(9) أنظر:

G. S. Kirk, The lliad: a commentary (Cambridge 1985, V.1

(10) أنظر:

Martin West, The Invention of Homer (Classical Quarterly, 1999, 49 , 364  

(11) أنظر:

Geregory Nagy , Greek Mythology and Poetics (Cornell 1990) , pp. 36 -82.

(12) أنظر:

محمد جلوب الفرحان ؛ النفس الإنسانية (الموصل 1986)، ص ص 24 – 25.

(13) يوسف كرم ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 12.

وينظر الباحث بعين الإحترام والتقدير للمرحوم يوسف كرم الذي يعد رائداً في مضمار الفلسفة اليونانية في الدار العربية في القرن العشرين. وإن كتابه ” تاريخ الفلسفة اليونانية ” كان مصدراً أكاديمياً (إنجيلاً) لأجيال من دارسي الفلسفة. وكان حشد من الأكاديمين العرب عيالاً على كتاب المرحوم كرم في كتابة مؤلفاتهم مادة ومنهجاً. فرحم الله يوسف وطيب ثراه.

(14) أنظر:

محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني، الفصل الثاني والمعنون: محاولة إفلاطون لوضع اسس العلم البرهاني، ص 38.

(15) أنظر:

David Sedley, Plato’s Cratylus, (Cambridge U press, 2003), pp. 6, 13 – 14

 

(16) Plato, Cratylus, Trans. By B. Jowett (New York, 1937), 402a

(17) Sedley, Op. cit, p. 8

(18) Aristotle, Metaphysica , In the works of Aristotle, (Oxford, 1963) 4.5 1010a 10 -15

(19) Taylor, Plato, The man and his work, p. 1

(20)  يتفق الباحثون على إن المحاورات التي كتبها إفلاطون في مرحلة الشباب والتي أطلقوا عليها المحاورات السقراطية ، تعكس بصور ما شخصية المعلم سقراط وفلسفته ، مثل : محاورة الدفاع ، وهي أول محاورة كتبها إفلاطون ، وتتضمن نص كلام سقراط في المحكمة ورده على تهم إفساد الشباب والقول بآلهة غير آلهة المدينة . أنظر :

Plato, Apology, Trans . by B. Jowett, (New York, 1937

(21)  كتب إكسنوفان المؤرخ الأثيني وتلميذ سقراط  كتاباً نقل فيه دفاع سقراط في المحكمة ، وفيه إختلاف عما ورد عند إفلاطون :

Xenophon, Memorabilia, Trans. By Amy L. Bonnette, (CornellUniversity press, 1994)

وكذلك أنظر :

Xenophon, Conversations of Socrates, Trans. By Hugh Tredennick and Robin Waterfield, (Penguin, 1990)

وقد ضم أعمال سقراط مكتوبة من زاوية إكسنوفان ، وهي تختلف عن الأسلوب الأدبي الخلاب الذي تتمتع به محاورات إفلاطون .   

(22)  أنظر:

Aristophanes, The Clouds Alan Sommerstein, (Penguin, 1973)

 أنظر: (23)

        يوسف كرم ؛ المصدر السابق

(24) Tylor, Op cit,

(25) Aristotle, Metaphysica, 987 b1-4

(26) Smith. D. E, A history of Mathematics, (New York, 1951), 1, p. 79

(27)Taylor, Op cit, p. 4

(28) Giovanni R, Caten ; A History of Ancient Philosophy, (Sunny press, 1987) p. 373

(29) Plato, Theatetus, Trans. By Benjamin Jowett , (New York, 1937) خصوصاً مقدمة المحاورة

(30) Tunner William, The Imperfectly Socratic Schools, (University of Notre Dame, 2008) Chapter VIII

(31) Harold Chemiss, Parmenides and Parmenides of Plato, In : American Journal of Philology, 53, 1932, S. 122- 138

(32) Brumbugh . R. S, Philosophy of Greece, (London, 1964), p. 50

(33) Farrington B. , Greek Science, (New York, 1944), p. 55

(34) Milton C., Selection From early Greek Philosophy, (New York, 1962), p. 91

(35) Krik G , Raven J, The Presocratic Philosophers, p. 266

(36) Watson D, An Outline of Philosophy , (New York, 1901), p .379

(37) Read C, Logic deductive and Inductive, (London, 1898), p. 61

(38) Plato, Parmenides, 128 C – E

(39) Ross D, Plato’s Theory of Ideas, (Oxford, 1966), p. 84

(40) Heath T. L, A History of Greek Mathematics (Oxford, 1965), V. 1, p.272

(41)  كرم ؛ المصدر السابق ، ص 63

(42) Tylor A . E, op  cit, p. 4

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3)

الوافد الأبستمولوجي

وتجربة الإقلاع الفلسفي العربي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

كتب العقل العربي الإسلامي نصوصاً أبستمولوجية عدة ، فيها بيان عن حقيقة التجربة التي عاشها مع المجلوبات الأبستمولوجية التي حملها الوافد الثقافي ، الذي تُرجم إلى دائرة الثقافة العربية الإسلامية في مراحل الصعود الحضاري . وفيها إعلان عن صور مختلفة للحوار المعرفي الذي أداره العقل الإسلامي مع التجارب الأبستمولوجية التي ولدها عقل الآخر . والتي كان من حصيلتها إنتاج أشكال من الأبستمولوجيات ومناهج مختلفة وتقنيات في البحث ملونة * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشرت إصول هذا البحث في مجلة المنطلق اللبنانية / العدد 120 ربيع – صيف 1998 ، ص ص 111 – 143 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نصطلحُ على هذه المرحلة التي عاشها العقل الإسلامي تجربة الحوار مع الوافد الأبستمولوجي ، وكتب فيها نصوصه الأبستمولوجية ، وأصطنع مناهجه ، وكوًن تقنيات بحثه ، نصطلح عليها بتجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي (إصطلاح ثقافي محظ وليست له دلالة عقيدية) . والحقيقة إن هذه التجربة حملت الكثير من الدروس والعبر ، دروس نتعلم منها الكيفية التي أدار فيها العقل الإسلامي عملية الحوار المعرفي ، ونستفيدُ عبراً تكشف عن إمكانيات العقل الإسلامي وقدرته على تحويل ما جاء به الوافد من زاد أبستمولوجي إلى عنصر لإغناء للتجربة الفلسفية الأبستمولوجية الإسلامية . وهي الإمكانات ذاتها التي مكنته من عزل وتعطيل حركة كل ما إحتواه الوافد من مثابرات إبستمولوجية متخفية في داخل أسوار المنظومة الأبستمولوجية ، وتسعى إلى تهديد الهوية الإسلامية .

كما وقدمت لنا هذه النصوص الأبستمولوجية كشفاً عن صور من المجاهدات الأبستمولوجية النازعة إلى إنشاء قاعدة ثقافية عريضة ، تمكنُ العقل الإسلامي من الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي . والحق إن هذه المجاهدات دلت على حجم المبذول من جهود ، والتي كانت تهدف إلى ضبط الظروف الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية بإتجاه إنجاز لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي*.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نحن بصدد إكمال مضمار بعنوان : الرافد الأبستمولوجي وتجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لهذا نلحظ إن مثابرات الإنشاء للقاعدة الثقافية للإقلاع قد لاذت إلى دائرة الوافد الأبستمولوجي ، تنهلُ منها كل ما يُحقق فعل الإنشاء . ولذلك يجدُ قارئ النصوص التي ولدتها هذه التجربة ، حضوراً للتوجيهات القرآنية التي تدعو للإهتمام بالعلم والمعرفة ، وإنتهاج طريق التفكير السليم ، وإنتخاب درب التدبر الصحيح ، وحضوراً لما أكدت عليه سيرة الرسول الكريم ، والأحاديث المروية عنه في مضمار التحمل والجلد في طلب العلم وإكتساب المعرفة ، إضافة إلى حضور دائرة الفقهيات وفي طرف منها ، وبالتحديد فيما يصحُ أن نسميه بمضمار الفقهيات العلمية المعرفية ، وما نتج خلال الحوار الإسلامي حول الأحداث والقضايا التي برزت في واقع العالم الإسلامي ، والتي سببت الحوار العقيدي والسجال الفكري المتنوع والمختلف ، مما كان الحاصل في طرف منه ، تنامي نزعات مهتمة بالعلم والتوجهات المعرفية والمنهجية وصور إبتدائية لتقنيات البحث .

ومن الحق علينا القول إن مناطقاً من تجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي لم يُسلط عليها ضوء البحث والتدقيق بما فيه الكفاية ، فظلت مناطق بكراً ، تحتاج إلى حارث في الأبستمولوجيات ، يحفر وينقب ، ومن ثم يستثمر ما فيها من مجاهدات أبستمولوجية حاورت المجلوبات المعرفية التي جاء بها الوافد . وفتحت لها أبواب التبادل المعرفي ، مما مكنها من تشييد عمارة فلسفية أبستمولوجية منفتحة على معرفيات العصر ، وفي الوقت ذاته إسلامية الهوية الثقافية .

ولهذا نحسب إن إعادة قراءة الماكث المتخفي ، وغير المقروء مما أنتجته هذه المناطق من تجربة العقل الإسلامي مطلب ثقافي مُلح ، فيه ما يُعيد التوازن إلى العقل الإسلامي وهو يتحرك وسط فيضان معرفي وفلسفي هائل ، فيه من التداخل بين التجارب ما يصل إلى عقل كل تجربة . وفيه من التخارج بحيث يصل إلى توديع جلد التجربة الآخرى ، والتقاطع معها إلى حد كسر العظم .

حقيقة إن التجربة الأولى للإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي ، قد ولدت فلسفات وعلوماً ومعرفيات ومنهجيات ومنطقيات ، وجهوداً ناجزة لصياغة مخططات رمزية لما يمكن أن يكون بداية لمضمار اللغات العلمية ، وموسوعات كانت مهمتها إستيعاب هذا الإنتاج الفلسفي الأبستمولوجي . ومما يؤكد على ذلك هذا التفكير الموسوعي ، الذي في جوهره ، هو نتاج محيط ثقافي زاخر بأبحاث رائدة في التاريخ الحضاري وعلى الأخص التاريخ الأبستمولوجي (المعرفي) ، وتطور في الفنون والصناعات ، وبحوث متقدمة في تقنين اللغة ، وضبط المعجم وجماليات طبعت الخط العربي وعمارة الشعر وأجناس الأدب الأخرى التي تتوجت بجنس الرواية الفلسفية التي يتنازعُ في ريادتها في تاريخ التدوين الروائي كل من إبن سينا والسهرودي وإبن طفيل …

لقد شكل كل هذا إطاراً عاماً لتجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي . وللوقوف على حقيقة هذه التجربة ، وخصوصاً منطقة الفراغ منها في دراساتنا الأبستمولوجية المعاصرة ، فإننا نسعى إلى كتابة أبحاث معرفية متنوعة ، نرجو لها المساهمة في ملأ هذه المنطقة الفارغة . وهذا البحث محاولة في ملأ مساحة منها ، ومن خلال رفع السؤال الآتي :

ما حجم المجلوبات الأبستمولوجية الوافدة إلى دائرة الثقافة الفلسفية الأبستمولوجية الإسلامية ؟ سؤال كبير نحسب إن الإمساك بجوانبه المتعددة فيه كشف عن طبيعة الثقافة الأبستمولوجية التي إمتصها العقل الإسلامي ، ومعرفة بما حملته من منهجيات وتقنيات في البحث ومخططات للغات علمية إعتمدت الترميز وإصطناع المصفوفات الرياضية ، وتربويات أبستمولوجية ، وتجارب صوفية إعتمدت الرياضيات والموسيقى ، وركبت طريق العرفان والصعود إلى الطوابق العليا من سماء الأبستمولوجيات .

إنه سؤال كبير يتطلب منا المثابرة على توزيعه في أسئلة فرعية عدة وبما يحقق كشفاً عن حجم المجلوبات الأبستمولوجية الوافدة إلى الدار الأبستمولوجية العربية . ولهذا نقترح إعادة إنتاج هذا السؤال بالصورة الآتية :

أولاً – ما هي النماذج التي قدمها الوافد الأبستمولوجي اليوناني ، وحاورها بدوره العقل الإسلامي ، وأفاد منها في إغناء تجربته في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي ؟

ثانياً – ما هي حقيقة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني ؟ وما حصيلة ما حملته من منتوج إلى دارنا الأبستمولوجية العربية ؟

ثالثاُ – ما طبيعة تجربة التأسيس الأبستمولوجي اليوناني ؟ وما هي الثمار الأبستمولوجية التي قدمتها هذه التجربة اليونانية للعقل العربي الإسلامي ؟

رابعاً – ما حجم التجارب الفلسفية الأبستمولوجية الهيلينستية ؟ وما هي الأشكال الأبستمولوجية التي عرضتها على طاولة الحوار الأبستمولوجي العربي الإسلامي ؟

تجارب الوافد الأبستمولوجي اليوناني

حمل الوافد الأبستمولوجي اليوناني إلى الدار الثقافية العربية شكلين من التجارب الفلسفية الأبستمولوجية ؛ شكل هيليني خالص ، وشكل هيلينستي فيه حضور بدرجات ما لحكمة الشرق (هندية فارسية – عراقية مصرية ..) بجوار التجربة اليونانية التي عاشها العقل اليوناني داخل أسوار اليونان الجغرافية يومذاك . مع العلم إن الشكل الهيلينستي للأبستمولوجيا الفلسفية ، يؤشر جغرافية جديدة لحركة الأبستمولوجيا الفلسفية اليونانية . فقد خرجت من أسوار اليونان التقليدية ، وإتسعت في إنتشارها إلى مناطق حضارية جديدة بسبب فتوحات الإسكندر ، وقيامه بإنشاء عواصم ثقافية ، أظهرت من الندية والتنافس مع أثينا عاصمة الثقافة التقليدية . ومن ثم قيام خلفائه بتأسيس إمبراطوريات مثل سلوقية العراق والشرق ، وبطالسة مصر وشمال أفريقيا*.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المخطوطات العربية للوافد الأبستمولوجي :

بين عبد الرحمن بدوي وبول كراوس وتحقيقنا لكتاب الكلم الروحانية من الحكم اليونانية

ومن النافع التذكير بأن دائرة الثقافة العربية قد وصل إليها شكل ثالث من الوافد الأبستمولوجي الهيليني – الهيلينستي ، فيه من الإنتحال وإعادة الإنتاج للنص الأبستمولوجي ، وتقديمه بصورة يكون فيها مقبولاً مع توجهات الثقافة الإسلامية . وللدلالة عل ذلك أنظر المصادر الآتية :

حنين بن إسحاق : نوادر الفلاسفة ، وصلنا برواية محمد بن على الأنصاري ، قام عبد الرحمن بدوي بتحقيقه ونشره بعنوان آداب الفلاسفة / معهد المخطوطات العربية ، الكويت 1985 , وكتاب العهود اليونانية المستخرجة من رموز كتاب السياسة لأفلاطون .. ، تأليف أحمد بن يوسف بن إبراهيم الداية ، نشرة عبد الرحمن بدوي في كتابه الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام ، ج1 ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة 1954 ، وكتاب أرسططاليس : سر الأسرار : السياسة والفراسة في تدبير الرئاسة ، تقديم سامي سلمان الأعور / دار العلوم العربية ، ط1 ، بيروت 1995 . وكتاب مسكويه : الحكمة الخالدة (جاويدان خرد) ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، دار الأندلس ، بيروت بلا تاريخ . وكتاب المبشر فاتك : مختار الحكم ومحاسن الكلم ، تحقيق عبد الرحمن بدوي / نشرة المعهد المصري للدراسات الإسلامية ، ط1 ، مدريد 1958 .

وكتاب أبو الفرج إبن هندو : الكلم الروحانية في الحكم اليونانية ، نشرة القباني 1900 . وقد تركه عبد الرحمن بدوي دون تحقيق ، وربما فكر طويلاً في إمكانية تحقيقه ولكن هذا الكتاب لا توجد له مخطوطات حتى يسهل تحقيقه بطريقة بدوي التي تقوم على المقارنة بين المخطوطات ، وتصحيح الأخطاء التي وقع فيها النساخ ، وتقديم مقدمة عن حياة المؤلف . وقد تحمل الدكتور محمد جلوب الفرحان المسؤولية بعيد وصوله إلى بيروت . وفعلاً حصل من مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت على نشرة القباني . وعمل جاداً بأخراجها في تحقيق بمنهج جديد مخالف لتقليد بدوي رحمه الله ، وفعلاً نشره بعنوان أبو الفرج بن هندو : الكلم الروحانية من الحكم اليونانية : العقل العربي الإسلامي والمؤسسة السياسية ، دراسة وتحقيق وشرح الدكتور محمد جلوب الفرحان / الشركة العالمية للكتاب ، ط1 ، بيروت 2001 . الكتاب تألف من 286 صفحة ، إن الدراسة التي كتبناها عن المؤلف والكتاب تكونت من 143 صفحة ، أما نص الكتاب فقد أخرجناه في 130 صفحة ضمت هوامش واسعة وبذلك تكون مجموع صفحات الكتاب 286 صفحة ، هي في الحقيقة دراسة مقارنة للنص مع مخطوطات الوافد الثقافي الأخرى .

وللتاريخ ولحق الأجيال أقول كلمة بحق المرحوم بدوي ، فقد عشت معه في العام 1973 وأثناء كتابة رسالتي للماجستير والتي كانت بعنوان ” تحليل أرسطو للعلم البرهاني ”  تجربة غير سارة ، خصوصاً مع تحقيق منطق أرسطو (النسخة العربية القديمة) التي حققها المرحوم بدوي ، وأثناء مقارنة النسخة العربية لمنطق أرسطو بالنسخة الأنكليزية ، وجدت الفرق كبير في الإخراج . فالنسخة الإنكليزية تمت بمشاركة وإشراف المرحوم الفيلسوف الأكاديمي الأسكتلندي ديفيد رص طيب الله ثراه (وبالمناسبة كان حفيده رئيس قسم الفلسفة في جامعة ليدز البريطانية يوم بدأت كتابتي لإطروحة الدكتوراه والتي كانت بعنوان المنطق الرمزي وإسهامات العرب المنطقية .. والتي لم تكتمل بسبب حرب الكويت ، فكتب إطروحة دكتوراه جديدة بعنوان تصنيف العلوم عند أبن خلدون : دراسة مقارنة يونانية إسلامية ، وهي تندرج في باب فلسفة العلوم والأبستمولوجيات) والحقيقة إن الأكاديمي رص على خلاف بدوي يعتمد على مصادر من علوم مختلفة في إيضاح القضايا التي يناقشها أرسطو في معظم كتب أرسطو ، وخصوصاً كتاب التحليلات الأولى والثانية . فمثلاً عندما يتحدث أرسطو عن محاولة بيرسون اليوناني في تربيع الدائرة يعتمد على مؤلف حجة هو الأستاذ هيث في كتابه تاريخ الرياضيات اليونانية . بينما بدوي عندما إقترب من قضية تربيع الدائرة جاء هامشه فقيراً ملتبساً هذا مثال والأمثلة كثيرة  .

وتكررت التجربة مع بدوي مرة أخرى أثناء كتابة بحثي عن منطق إبن سينا (التحليل المنطقي للغة عند إبن سينا) ، وكان كتاب البرهان الذي حققه عبد الرحمن بدوي . والحقيقة إن بدوي لم يكن شجاعاً فيخبر القارئ والباحث العربي ، إن هذا الكتاب وإن كان عليه في المخطوطات إسم إبن سينا فإنه لم يكن لأبن سينا ، ويصحح خطأً تاريخياً لا زال الكثيرون يتصورون إنه من نتاج فكر وقلم إبن سينا . إنه كتاب أرسطو المعنون التحليلات الثانية حمل بنسخته العربية القديمة عنوان البرهان وهو فعلاً خصصه أرسطو للبرهان وحمل خطأً إسم إبن سينا لأنه وجد في مكتبة إبن سينا مع مؤلفاته الأخرى . وعلى هذا الأساس أدعو أقسام الفلسفة في الوطن العربي :

أولاً – إلى عمل نشرة وتحقيق جديد للنسخة العربية القديمة لمنطق أرسطو .

ثانياً – إصدار نشرة جديدة لكتاب البرهان يتكون من دراسة مقارنة لكتاب التحليلات الثانية لأرسطو ، وكتاب البرهان الذي حمل خطأ إسم إبن سينا وقد قمت بهذا في نهاية السبعينيات من القرن الماضي ، واليوم أوراقي بعيدة عني في العراق العظيم . والذي نحسب إن إسم إبن سينا ورد على المخطوط هو مالكه وليس مؤلفه . هذا طرف من محنتي الطويلة مع المرحوم بدوي رحمه الله رغم إني لم أقابله ولم تسنح الفرص أن أتحدث إليه . إلا إنني تحدثت عن محنتي مع منطق أرسطو بتحقيق عبد الرحمن بدوي إلى أستاذي الفيلسوف العراقي ياسين خليل عبد الله في العام 1974 والذي إبتسم لتعليقي بسرور مُرضي ، لأن الدكتور ياسين كانت له مناقشات مع بدوي في أقسام الفلسفة في الكويت وليبيا حيث كان الأثنان يعملان سوية . وبالمناسبة كانت للمرحوم ياسين خليل مناقشات حول الوضعية المنطقية مع الدكتور زكي نجيب محمود ، وبحضور بدوي (والأدق إن بدوي رتب للمناقشات بين الوضعية المنطقية الألمانية التي مثلها أستاذي الدكتور ياسين خليل ، وبين الوضعية المنطقية الإنكليزية التي مثلها المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود يوم كان يعمل الثلاثة في جامعة الكويت . وبالطبع الوضعية المنطقية بدأت مع المناطقة وفلاسفة العلم الألمان ، ومن ثم تبلورت في مناقشات حلقة فينا ، وعبرت إلى العالم الإنكلوسكسوني من خلال جوتلوب فريجه وتلميذه فتكنشتاين ، الذي إقترح عليه فريجه بأن يتوجه إلى إنكلترا للدراسة مع برتراند رسل … ويبدو إن تمكن الفيلسوف العراقي ياسين خليل من المنطق الرياضي ورمزيته ، وهو العمود المهم في تطور الوضعية المنطقية ، أدهش المصريين زكي نجيب محمود وبدوي . وفعلاً فكنت شاهد عيان على قدوم طلبة ألمان إلى قسم الفلسفة ، يبحثون عن الدكتور ياسين خليل لإستشارته ، وقراءة فصول من أطاريحهم للدكتوراه .. وهكذا شدوا الرحال من ألمانيا إلى العراق ، ليلتقوا العلامة الفيلسوف ياسين خليل . ومعروف للجميع إن ياسين خليل كتب إطروحته للدكتوراه في ألمانيا ..) . وأنا الطالب الأول الذي تخصص في علم المنطق (منطق أرسطو) ، وتحت إشراف الدكتور ياسين خليل ، وأنا الطالب الوحيد الذي تابع الخط المنطقي الذي أرسى قواعده في مؤلفاته ومحاضراته المختلفة (أنظر للتفصيل ، نحو مدرسة منطقية عراقية معاصرة : الأستاذ والتلميذ ، منشور على موقع الفيلسوف ، 4 شباط (فبراير) 2010) .

وقبل أن أُغادر هذا الموضوع ، أدعو الجمعية الفلسفية المصرية ومن خلالها جيل من الفلاسفة المصريين خصوصاً الذي كانوا عن قُرب من المستشرق بول كراوس الذي كان في العام 1936 أستاذاً للغات السامية في كلية الآداب في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة) حسب إفادة بدوي في موسوعته عن المستشرقين ، إلى البحث الجاد عن مصير كتابات بول كراوس التي كانت في غرفته لحظة قتله أو موته إختياراً . والموت حق للجميع . لكن من الظلم أن يتم الإستحواذ على كتاباته دون وجه حق . إن الجميع معنيون في معرفة حقيقة أبحاث كراوس وبيد من إنتهت ؟؟؟

  ووفقاً لموسوعة بدوي ، فقد بدأت صداقة المرحوم عبد الرحمن بدوي بالعلامة كراوس منذ إن كان بدوي طالباً في الصف الثالث في قسم الفلسفة ، حيث كان يزوره كثيراً في شقته ، وكان بول كراوس قد أطلعه على كل مشاريعه المنشورة وقيد الإنجاز(حسب الإفادة التي كتبها عبد الرحمن بدوي عن المستشرق المستعرب بول كراوس ، في موسوعته عن المستشرقين التي صدرت في العام 1992) والتي سأعود إليها في البحث القادم وذلك لكونها إفادة غريبة عجيبة ضاع فيها حق كراوس على يد تلميذ إستفاد الكثير الكثير من معلمه العلامة كراوس . والذي يبدو منها بوضوح  ، هو عدم تورع عبد الرحمن بدوي في إفتراض الخيوط الإجرامية وراء الإنتحار ، وبدأ يكيل التهم للمستشرق بول كراوس في إختيار الموت إنتحاراً لأنه سيواجه الموت حتماً على يد المنظمة الإرهابية التي ينتمي إليها .

والحقيقة إن في هذه الإفادة كشف بدوي عن تصفية حسابات مع المستشرق بول كراوس . ولكن على خلاف ما توقع بدوي فإن الإفادة كشفت الكثير الكثير من المضموم والمتخفي بين كتابات عبد الرحمن بدوي وإصولها في منشورات بول كراوس .. إذن مطلوب من الباحثين المصريين من جيل بول كراوس أو تلامذته أن يتحدثوا عن تجربتهم عن المستشرق بول كراوس ومصير مشاريعه غير المنشورة وأوراقه . ونحن نعرف إن مشاريع بول كرواس في نشر التراث الفلسفي الإسلامي منها مانشر ومتداول . ومنها ما هو موضوع سؤال كبير ، فقد أشار الأستاذ بول كراوس في المنشور من مؤلفاته عن مشاريع قيد الإنجاز ، وفجأة إنتحر بول كراوس ، وإختفت مشاريع مؤلفاته وتحولت إلى سر لا يُعرف مصيرها أحد ، كيف ؟ . وأحسب إن الوحيد العارف بقصة مؤلفات بول كراوس هو المرحوم عبد الرحمن بدوي . والسؤال : هل تحرت الجامعة المصرية بجد عن مخطوطات بول كراوس ؟ وماذا كانت النتيجة ؟ سؤال لا نعرف جواب له لحد الأن ، هناك كلام كثير بين الجيل الأول من الأساتذة العراقيين الذي درسوا في الجامعات المصرية ، وسمعوا عما يُقال همساً وفي محافل خاصة عن مصير مشاريع بول كراوس بُعيد إنتحاره … وربما في هذه الإشارة ، باب أمل وبحث جديد عن مخطوطات المستشرق المتفرد بول كراوس الذي غُدر به مرتين ؛ مرة غيبه الدهر وهو في قمة نضوجه وتعامله مع التراث الفلسفي الإسلامي . ومرة ثانية غيبت مشاريع مؤلفاته المتفردة في تحقيق التراث الفلسفي الإسلامي إلى الآبد دون وخزة ضمير وحياء علميين . وسنظل نتابع البحث الأكاديمي المستمر ، البحث الذي يدافع عن أعمال المستشرق بول كراوس الذي خدم التراث الفلسفي العربي ، والذي نلحظ بين الحين والأخر  ، ظهور نشرات جديدة لمؤلفاته تحت تحقيق خائب جديد لرسائل الحدود بأسماء أكاديميين متسرعين لا يتحرون الدقة ، فيخلطوا الأوراق وبعناوين كبيرة مثل المصطلح الفلسفي … سامحهم الله . فأي مصطلح فلسفي يتحدثون ؟ الجواب الشافي الوحيد إنها رسائل الحدود التي حققها المستشرق بول كراوس طيب الله ثراه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قدم الوافد الأبستمولوجي اليوناني نماذج متنوعة من التجارب ، فيها حوار بين الفلسفة والعلم ، وتبادل المواقع ، وإستخدام مناهج وتقنيات بحث مختلفة ، وتوظيف الفلسفة للمعارف العلمية وذلك بهدف إنجاز هياكل عمارات فلسفية مذهبية ، ومن الملاحظ إن المتوقع من هذه القراءة الفلسفية الأبستمولوجية ، إنها ستكشف لنا عن حقيقة المادة الفلسفية الأبستمولوجية التي أطلع عليها العقل الإسلامي وتداولها ، والتي إنتقلت إلى دائرة الثقافة الإسلامية مع المجلوب من مصادر فلسفية أبستمولوجية .

ويمكن الوقوف على المادة الفلسفية الأبستمولوجية التي ولدها العقل اليوناني من خلال قراءة ما تركته المدارس الفلسفية اليونانية من معالجات للعلاقة بين الفلسفة والعلم . فمن الثابت في تاريخ الفلسفة اليونانية ، هو إن هناك مدارس فلسفية رجحت دور العقل سبيلاً منهجياً إلى تكوين المعرفة (الأبستمولوجيا) . ووجدت فيه الدرب القادر على وضعنا أمام الحقيقة وجه لوجه ، وإنه الدرب الذي يرتقي بنا إلى الطوابق العليا من اليقين . ولأكمال الوظيفة الأبستمولوجية لهذا الدرب ، جنحت هذه المدارس إلى المعالجات الفلسفية التي أنجزتها مستفيدة من الشئ الكثير مما توافر في عصرها من علوم النظر والعقل ، أو ما كان لها من إسهامات في تطوير هذه العلوم . وهذه العلوم هي الرياضيات بصورها البسيطة المتنامية ، والإعتماد على المنطق الإستنباطي طريقاً ومضماراً لتوسيع دائرة المعرفة ، ومنهجاً علمياً ونسقاً يهدف إلى الإرتقاء بالمعرفة بعد وضعها في نظام منطقي ، إلى درجات عالية من اليقين (أنظر أمثلة للمقارنة والمقاربة ؛ إطروحات فلاسفة المدرسة الإيلية : بارمنيدس و زينون الإيلي .. راجع عن ذلك : هانز رايخنباخ ؛ الأسس الفلسفية لميكانيكا الكم (بالإنكليزية) / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1965 ، ص 15) .

وبالمقابل نجد إن هناك مدارس فلسفية قد رجحت دور التجريب والملاحظة والمشاهدة الحسية درباً أبستمولوجياً لتكوين المعرفة . وذهبت إلى إنه الطريق المناسب الذي يُعرفنا بحقيقة العالم المحيط بنا أرضاً وسماءً . ولهذا نلحظ إن هذه المدارس قد ضمت في مثابرتها الأبستمولوجية الشئ الكثير من علوم الحس والمشاهدة والتجريب ، والتي هي علوم الطبيعيات وما إرتبط بها من فنون (أنظر أمثلة للمقاربة إطروحات فلاسفة المدرستين الطبيعيتين الأولى (الواحدية) والثانية (التعددية) ، راجع عن مواقفهم الأبستمولوجية : أس . سامبرسكي ؛ العالم الفيزيائي عند اليونان ، ترجمه إلى الإنكليزية أم . دوجت ، لندن 1968 ، ص ص 5 – 25 وهو فصل مفيد يبحث في بداية الإسهامات في العلوم البحتة والتطبيقية) .

ورأينا إن هناك درباً أبستمولوجياً ثالثاً قد إختارته بعض المدارس الفلسفية ، وهو درب يعمل فيه العقل بجوار الحس . وكان المتولد من هذا الدرب أنظمة فلسفية أبستمولوجية تتوسط بين علوم الحس (الطبيعيات) وعلوم العقل (الرياضيات) . ولهذا نجد فيه حضوراً واضحاً لعلوم ذات طبيعة مزدوجة ، وهي العلوم الفيزيائية الرياضية (أنظر أمثلة للمقاربة إطروحات فلاسفة المدرسة الفيثاغورية ، راجع عن ذلك : برتراند رسل ؛ معرفتنا بالعالم الخارجي (بالإنكليزية) ، لندن ، ص 29) .

والحقيقة إن العقل اليوناني كان من الناحية التاريخية يعمل في مرحلة إستثمار لما توصلت إليه البشرية في مختلف صنوف المعرفة والفنون . ولهذا فإننا ننظر إلى التقدم الذي أنجزه العقل اليوناني في مثابرته الفلسفية الأبستمولوجية ، نظرة من أستلم نتائج العلوم والأبستمولوجيات التي جاهدت الإنسانية وقدمت القرابين تلو القرابين من أجل الوصول إليها ، ومن ثم قام العقل اليوناني بقراءتها وتنظيمها في إطار منهجي جديد وصاغها في أنساق منطقية تتناسب وطبيعتها الأبستمولوجية الحسية أو العقلية أو الأثنين معاً . وهنا نخص بالذكر ما أنتجته حضارات وادي الرافدين التي جاء الإعتراف اليوناني مبكراً في إفادات أول فيلسوف يوناني ، وهو طاليس ، ومن ثم نصيحته لتلميذه فيثاغوراس بالرحلة إلى بابل والذي جلب معه ما يُعرف في تاريخ العلم المبرهنة الفيثاغورية ، وهي بابلية بإعتراف كل العلماء . وما أنتجته حضارة وادي النيل والتي جاء الإعتراف اليوناني مبكراً في إفادات الفيلسوف إفلاطون ، وخصوصاً في محاورة القوانين .

والحقيقة إن ما عمله العقل اليوناني في مثابرته الأبستمولوجية المبكرة ، هو نقل العلوم والأبستمولوجيات وأنظمة التفكير من واقعها العملي التجريبي إلى مستوى التأمل والتنظير ، فكانت نقلة في التفكير . وإن هذه النقلة يمكن فهمها في إطار الظروف الإجتماعية والإقتصادية والثقافية التي تولدت في مدينة ملطيا اليونانية . وهذا الحدث سبب إنعطافاً بمسيرة التفكير الإنساني ، نقله من مرحلة ما يُسمى بالتفكير ما قبل الفلسفي (أنظر المواقف المختلفة من أثر الحضارة البابلية والمصرية على الحضارة اليونانية وظهور الفلسفة : أم . كلاين ؛ الرياضيات في الحضارة الغربية (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1964 ، ص 24) إلى التفكير الفلسفي (أنظر في مناقشة آراء القائلين في معجزة العقل اليوناني في إنتاج الفلسفة : ت . هيث ؛ تاريخ الرياضيات اليونانية ، أكسفورد 1965 ، خصوصاً المجلد الأول)

لقد عرضت تجربة اليونان في المضمار الفلسفي نماذج عدة ، وهذه النماذج كانت دائماً في حالة حوار وسجال فكري فيما بينها ، مما كان الحاصل منها منظومات أبستمولوجية ، فيها العلم يتغذى من الفلسفة داخل بنية واحدة . كما ونؤكد على إن الفلسفة في الوقت ذاته كانت تتغذى من العلم ، بحيث يكون كلام قارئ الفلسفة صحيحاً كل الصحة عندما يقول إن هذا الحوار بين الفلسفة والعلم أدى إلى أن تكون الفلسفة هي العلم ، والعلم هو الفلسفة .  والحقيقة إن هذه الحال ظلت مهيمنة على تاريخ الفلسفة لفترات تاريخية لاحقة (أنظر لمعرفة ذلك : ت . دبليو . ستيس ؛ التاريخ النقدي للفلسفة اليونانية (بالإنكيزية) ، لندن 1969) .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هي التجارب التي عاشها العقل الفلسفي اليوناني (الهيليني – الهيلينستي) ، وكانت موضوع حوار معرفي ، وتبادل ثقافي بين العقل الإسلامي والعقل اليوناني ، والتي كان لها في طرف ما دور في المساهمة في تكوين محيط ثقافي ساهم في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي ؟ حقيقة إنها التجارب الفلسفية الأبستمولوجية الآتية :

تجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني

ما حقيقة تجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني ؟ وما حصيلة ما حملته هذه التجربة من منتوج أبستمولوجي إلى دارنا الثقافية الإسلامية ؟ لقد شكلت التجربة الفلسفية الأبستمولوجية التي عاشها الفيلسوف اليوناني إفلاطون (427 – 347 ق.م) (أنظر : أي . تايلر ؛ إفلاطون : الرجل وأعماله (بالإنكيزية) / نشرة الولايات المتحدة الأمريكية 1960 ، خصص المؤلف الفصل الأول والذي كان بعنوان حياة إفلاطون ، ونحسب إنه كان من الفصول الممتازة ، والذي يمكن الرجوع إليه لمعرفة تفاصيل عن حياة إفلاطون . وقد ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى في الربع الأول من القرن العشرين ، وأعيد طبعه مرات عديدة) ، تجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي اليونانية الحقيقية . وهي في الوقت ذاته إحتوت في داخلها التجارب الجزئية التي قامت بها مدارس مختلفة في المضمار الأبستمولوجي ، والتي ترتبت في المنظومة الفلسفية الأبستمولوجية التي كتبها إفلاطون على شكل طوابق أبستمولوجية ، تبدأ بطابق أبستمولوجي أرضي تعمل فيه علوم الحواس (وهنا كانت تتربع الأبستمولوجيا الفلسفية للمدرسة الطبيعية ممثلة بالفيلسوف هرقليطس) ، وطابق ثان أرقى في السلم المعرفي ، فيه حاضرة علوم الحس وممزوجة بعلوم الرياضيات ، وهي تتطلع للإرتقاء إلى علوم العقل الخالص(وهنا تُرابط الأبستمولوجيا الرياضية للفيثاغورية) ، وطابق ثالث عال تشتغل فيه علوم العقل (وهنا تتسيد الأبستمولوجيا المنطقية الإيلية ممثلة بفلسفة بارمنيدس وتلميذه زينون) .

والواقع إن هذه المنظومة الفلسفية الأبستمولوجية قد إحتوت في داخلها إنجازات الفلسفة قبل إفلاطون ، ومواقفه من هذه الإنجازات رفضاً ونقداً وتعديلاً . والتي سيتبنى بعض منها العقل الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي ، ويردد بعضاً أخراً في طرف ، ويبدع فيها في طرف من أطراف دائرته الثقافية الأبستمولوجية الإسلامية (مثالاً على ذلك موقف إفلاطون من الحركة السفسطائية ، ووضع برنامجاً تصفوياً لها في دائرة الثقافة اليونانية . وفعلاً نجد إن دائرة الثقافة الفلسفية الأبستمولوجية الإسلامية قد سارت مع إفلاطون في موقفه هذا . ولعل الشاهد على ذلك ، هو إنك تجد في كل كتاب فلسفي إسلامي كتب في مرحلة الصعود الحضاري الإسلامي ، فصلاً أو مقالة أفردها الفيلسوف المسلم يهاجم فيها السفسطائية ، إنه موقف يدعو للنظر والتأمل..) .

وعلى هذا الأساس كانت مجاهدة إفلاطون الفلسفية الأبستمولوجية بحق هي تجربة إقلاع فلسفي أبستمولوجي متفردة في تاريخ الفلسفة اليونانية . وذلك لكون إفلاطون أول فيلسوف يكتب تاريخ الفلسفة في محاوراته ، ويعرضه على هيئة منظومة فلسفية أبستمولوجية تتألف من ثلاث طوابق ؛ طابق أبستمولوجي أرضي في العمارة الأفلاطونية ، ضم إنجازات الفلاسفة الطبيعيين ، هرقليطس وأتباعه إنموذجاً (أنظر : أس . سامبرسكي ؛ المصدر السابق ، ص 5) . والطابق الأوسط ، والذي إحتوى إنجازات الفيثاغورية في الرياضيات (أنظر : أي . ميزرز ؛ فلسفة الرياضيات اليونانية (بالإنكليزية) ، نيويورك 1968 ، ص 14) . والطابق العلوي حيث أبحاث المدرسة الإيلية في المنطق والميتافيزيقا (أنظر : كيرك ورافن ؛ الفلاسفة قبل سقراط  (بالإنكليزية) / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1963 ، ص 266) .

حقيقة إن العقل الإسلامي قد عرف التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الإفلاطونية وتحاور معها ، وإن كانت هذه التجربة قد وصلت إليه عبر تعديلات وهوامش ، وإعادة إنتاج وإنتحال * وذلك بما يتناسب والأجواء التي تم فيها تداول النص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تراث إفلاطون : الأصل والمنتحل

تعامل العقل الإسلامي مع شكلين من تراث إفلاطون ؛ حقيقي ترجم بأصله ، ومنتحل فيه إصطناع وخلط بين ما هو حقيقي ومخترع على ما قاله إفلاطون . ونُرجح إن ذلك قد حدث في مدرسة الأسكندرية أولاً ، وعلى يد السريان ، ومن ثم على يد النقلة إلى العربية ، مما جعلها تتلون بألوان متنوعة ، وتمتزج بها أمشاج مختلفة . ولعل الشاهد على ذلك كتاب التساعيات الذي حمل مشروع المقاربة المخترعة بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية / منشور على موقع الفيلسوف في 3 أغسطس 2011) . ومن الكتب المهمة والخطيرة التي شكلت دائرة الثقافة الإسلامية ، وكانت من مصادرها عن إفلاطون المنحول المؤلفات الآتية : كتاب العهود اليونانية المستخرجة من رموز كتاب السياسة لأفلاطون ، تأليف إبن الداية (مصدر سابق) . إبن هندو : الكلم الروحانية من الحكم اليونانية (أنظر دراستنا وتحقيقنا ؛ مصدر سابق) . ومسكويه : الحكمة الخالدة (جاويدان خرد) (مصدر سابق) ، وكذلك إبن فاتك : مختار الحكم ومحاسن الكلم (مصدر سابق) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإفلاطوني . وهنا نقف ونرفع السؤال الآتي : ما رصيد التجربة الإفلاطونية ، تجربة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني ؟ وماذا قدمت للعقل الإسلامي من فرص للإفادة ، وتكوين إطار تجربة إقلاع فلسفي أبستمولوجي إسلامي يتناسب والجو الحضاري الجديد الذي كونته الرسالة الإسلامية ؟

نجد من الضروري أولاً القول بأن العلوم التي تلقاها إفلاطون في برنامجه التعليمي الأولي كان لها الدور المؤثر في تشكيل ظروف الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الذي أنجزه إفلاطون فيما بعد ، والذي دشن من خلاله تاريخ الفلسفة عامة واليونانية خاصة بدرب أبستمولوجي شامل . فقد كان برنامجه التعليمي متنوعاً بحيث مكنه من إمتصاص معظم علوم عصره وثقافته . ولهذا كان الظرف الثقافي والعلمي والفلسفي مهيأ لإحداث لحظة الإقلاع . ومن النافع الإشارة هنا إلى مصادر تكوين ذهنية إفلاطون ، والتي نحسب إنها توزعت في مجالات عدة نذكر منها : الثقافة العلمية ، الدروس الشفهية للفيلسوف سقراط ، رحلاته العلمية ، تجربته السياسية ، وتأسيسه الأكاديمية (أنظر : تايلر ؛ المصدر السابق) .

لقد أسهمت نوعان من المصادر في تكوين ذهنية إفلاطون ، وكان لهما الأثر في تجربته في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي ، كما كان لهما حضور في الوقت ذاته أمام العقل الإسلامي ، وهو يحاور إطروحات إفلاطون العلمية الأبستمولوجية المجلوبة إلى دائرة الثقافة الإسلامية :

النوع الأول مصادر تكوين ثقافته العلمية

توزعت هذه المصادر في حقول عدة ، ولكن من الملفت للنظر هو تقدم علوم الرياضيات على بقية الحقول الأخرى . وإن هذا الترجيح لمكانة الرياضيات يعود إلى مرحلة التلمذة . فقد أظهر إفلاطون فيها ” ميلاً نحو الرياضيات ” (يوسف كرم ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية ، بيروت بلاتاريخ ، ص 62) . وإن هذا الميل تحول في مراحل لاحقة إلى شرط تربوي في قبول الطالب في أكاديميته . فقد ذهب إفلاطون إلى حد الكتابة فوق باب الأكاديمية ، شعار يقول ” لا يدخل أبوابي من لا يعرف الهندسة ” (أي . د . سميث ؛ الرياضيات (بالإنكليزية) ، نيويورك 1963 ، ص 55).

النوع الثاني تأسيس الأكاديمية

ونعني بالتحديد الدروس التي كان يُقدمها إفلاطون للمتعلمين . والحقيقة إن تأسيس الأكاديمية يُعدُ نقطة تحول في حياة إفلاطون ، وهو من الأحداث التي لا تُنسى في تاريخ العلوم . وإنها في الوقت ذاته أفضل عمل مجيد قام به هذا الفيلسوف في حياته بعد إنتظار طويل . والواقع إن تأسيس الأكاديمية* كان من الشروط المهمة التي لعبت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الأكاديمية : تاريخ وفلاسفة

أسس إفلاطون الأكاديمية في أثينا عام 387 ق.م . وفيها درس الفيلسوف أرسطو بحدود العشرين عاماً ، والتي إمتدت ما بين 367 ق.م وإلى 347 ق.م . وبعيد ذلك ترك الأكاديمية ، وأسس مدرسته الخاصة التي عُرفت باللوقيون (وسنأتي للحديث عنها فيما بعد) . وإستمرت الأكاديمية في عملها خلال المرحلة الهيلينستية ، ولكنها تحولت إلى مدرسة للشكاك ، وذلك عندما أصبح الفيلسوف أركسيالوس (316 –  241 ق.م) رئيساً للأكاديمية بحدود العام 266 ق.م ، والذي يُنظر إليه كمؤسس لما يُعرف بالأكاديمية الثانية أو المتوسطة . وقد خلف كريتس الأثيني (مات ما بين 268 – 264 ق.م) والذي كان الرئيس السادس للأكاديمية الإفلاطونية . ومن ثم إنتهت هذه المرحلة من تاريخ الأكاديمية عام 83 ق.م ، وبالتحديد بعد موت رئيس الأكاديمية يومذاك الفيلسوف الشكي فيلو اللارسي ( 154 – 83 ق.م) … وإستمرت الأكاديمية في نشاطها الفلسفي والعلمي ، وتحولت في العام 410 م إلى مركز للإفلاطونية المحدثة ،  وحتى أغلق أبوابها وشتت الفلاسفة ونفاهم خارج الأمبراطورية ، الإمبراطور جوستنيان (482 – 565 ق.م) في العام 529 م .. ومن الملاحظ إن تاريخ الأكاديمية ، يمنحنا فرصة للحديث عن خمس مراحل كبرى مرت بها الأكاديمية ، وهي بالشكل الأتي : أولاً – الأكاديمية القديمة ، ثانياً – الأكاديمية الوسطى ، ثالثاً – الأكاديمية الجديدة ، رابعاً – تدمير الأكاديمية ، وخامساً – أكاديمية الإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الأكاديمية : تاريخ ونشاط فلسفي وعلمي مديد ، سيظهر في عدد خاص من مجلة أوراق فلسفية جديدة / في العام 2013) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دوراً في ترجيح لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي ، التي أُنجزت على يد إفلاطون . والسؤال الذي يُثار أمام الأنظار : ماذا حدث في الأكاديمية بحيث تحققت لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي ؟ أولاً التخطيط العلمي الدقيق الذي وضعه إفلاطون للنشاطات العلمية والأبستمولوجية للأكاديمية ، بحيث كان الحاصل منها تكوين محيط معرفي وثقافي ، وكانت لحظة تكوين هذا المحيط هي اللحظة ذاتها للإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي . وفعلاً إن هذا ما أنجزه إفلاطون . فقد قاد الرجل بنفسه هذه المؤسسة العلمية وبإتجاه سعى بكل ثقة بإعادة النظر الشاملة في علوم عصره ومن خلال عدة زوايا ؛ إنطولوجية (وجودية) ، ميثدولوجية (منهجية) ، وأبستمولوجية (معرفية) ، وبيداغوجية (تربوية تعليمية) وأكسيولوجية (قيمية : منطقية وأخلاقية وجمالية) . وإن كل ذلك حدث من خلال البحث الأصيل ، والإعتماد في تدريس العلوم على مخطط يستند إلى التربية . وفي الوقت ذاته تتلمس ” أملاً فلسفياً ” ينهض ” على وحدة السلطة السياسية والعلم الحقيقي . وبذلك نفهم لماذا الرياضيات شكلت العمود الفقري للمنهج في القرن الرابع قبل الميلاد ” (تايلر ؛ المصدر السابق) .

ومن الثابت في تاريخ الثورات العلمية إنه دائماً يُصاحبها تطور غير إعتيادي في مضمار العلوم الرياضية . وهذا فعلاً ما أدركه العقل الإسلامي وهو يُحضر المحيط الثقافي للحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي . والواقع إن لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي التي أنجزها إفلاطون قد أحكمت جميع الظروف ومنها التطور الحاصل في مضما الرياضيات . وإذا ألقينا نظرة على منهج تعليم العلوم في الأكاديمية ، فإننا نسلمُ بأنها حقاً كانت المحيط الثقافي الملائم للإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي . فقد تكون المنهج الدراسي للأكاديمية من العلوم التي تعرضها الصورة الآتية :

الرياضيات

الفلك

الموسيقى

البيان

الديالكتيك / الجدل

الأخلاق

السياسة

الجغرافية

التاريخ

الطب

التنجيم

إن هذا المنهج التعليمي لتدريس العلوم يحملنا على القول إن الأكاديمية فعلاً كانت المحيط الثقافي الأبستمولوجي ، وذلك لكونها وعت في داخل نشاطاتها المختلفة ” التراث اليوناني العقلي من هوميروس إلى سقراط ” (يوسف كرم ؛ المصدر السابق ، ص ص 63 – 64) . و الحقيقة إن المتأمل في علوم المنهج التعليمي في الأكاديمية يلحظ إن الرياضيات إحتلت مكانة متقدمة . كما وإن الأكاديمية قد ضبطت ظروف الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي وذلك عندما قدمت مثالاً للعلم والعلماء ، فكانت صورة العلم المثالي تجمع بين ” السياسة والعلم الحقيقي ” . والعلم الحقيقي بالفهم الإفلاطوني هو ” الديالكتيك ” * ، أما الصورة المثالية للعالم فتتمثل في شخصية ” الحاكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إن المقصود بالديالكتيك عند إفلاطون هنا هو ” علم الرياضيات البحتة ” والتي يُصطلح عليها بالرياضيات المثالية . كما وإن إفلاطون إستخدم الديالكتيك منهج رد للمبرهنات الرياضية إلى البديهيات الرياضية (أنظر الفصل الممتاز الذي كتبناه في رسالتنا للماجستير ، والمعنون ” محاولة إفلاطون لوضع أسس العلم البرهاني ” / محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، وزارة الإعلام العراقية ، بغداد 1983 ، ص ص 50 – 52) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الفيلسوف ” أو ” الفيلسوف الملك ” (أنظر : بوبكين وسترول ؛ الفلسفة ، لندن 1969 ، ص 178) والذي يمسكُ بيديه السلطة السياسية والعلم الحقيقي .

   يتوزع مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الذي أنجزه إفلاطون ، والذي سيكون موضوعاً أمام أنظار العقل الإسلامي ، يتوزع في محاوراته المشهورة والتي إحتضنتها الحضارة الإسلامية بعد إن غابت من دائرة الثقافة الغربية في بداية العصور الوسطى ، وضاع سبل الأتصال بها فيما عدا محاورة وحيدة يتيمة هي محاورة ” طيماوس ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور على صفحات موقع الفيلسوف / القسم الأول نشر في 5 سبتمبر 2011 والقسم الثاني نشر في 2 نوفمبر 2011) ونحسب إن إنتقال محاورات إفلاطون إلى العالم الإسلامي ، قد شاركت في تكوين المحيط الثقافي الذي أسهم في تشكيل ظروف الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي . وهذه المحاورات ضمت محاورة الجمهورية ، التي إعتمد فيها مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي على العلوم الآتية : الحساب والهندسة المستوية ، والهندسة المجسمة ، وعلم الفلك وعلم التوازن (التأليف الموسيقي) وعلم الديالكتيك (إفلاطون ؛ الجمهورية ، ترجمة حنا خباز ، دار القلم ، ط2 ، بيروت 1980 ، ص 206 . وصححنا ماوقع فيه المترجم من خطأ عندما ترجم علم الديالكتيك بالمنطق . إن الديالكتيك كمضمار أبستمولوجي أوسع من المنطق ، وإن ضم طريقاً منطقياً في رد الفروض إلى فروض أرقى ، وهذا الديالكتيك الصاعد . وطريقة منطقية في البرهنة على المبرهنات بالإعتماد على البديهيات (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق) .

   وإستند إفلاطون في محاورة فيليبوس ، في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي إلى نوعين من الحساب : حساب فلسفي وحساب عملي . ويُلاحظ إن ما يتناسب وفلسفته المثالية ، هو إهمال للحساب العملي ، والتركيز على الحساب الفلسفي (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة فيليبوس / منشورة ضمن محاورات إفلاطون ، نيويورك 1937 ، 56د – 57 أي) . وعمل الشئ ذاته في محاورة السياسي أو رجل الدولة ، فقد أسس مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي على العلوم المجردة أي العلوم النظرية ، والتي ميزها من العلوم التطبيقية ، وحسب إن العلوم الأخيرة قاصرة ولا تمتلك إمكانية الإقلاع (أنظر : إفلاطون ؛ رجل الدولة ، نقله إلى العربية أديب نصور ، بيروت 1959 ، ص 30 وما بعد) .

 والحقيقة إن هذه المحاورات قد وصلت إلى الدار الثقافية العربية الإسلامية ، وكانت موضوع دراسة من قبل العقل الإسلامي ، وقد أفاد منها وهو يخطط لمشروعه في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي . كما وإن هذه العلوم قذ سجلت لها حضوراً في المثابرات الأبستمولوجية الإسلامية التي نزعت إلى إنتخاب طريقها الإسلامي للإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4)

تجربة التأسيس الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني

الدكتور محمد جلوب الفرحان

   شكلت التجربة الفلسفية الأبستمولوجية التي عاشها الفيلسوف أرسطو (384 – 322 ق.م) موضوعاً للدرس العميق ، والإهتمام المتفرد للعقل الإسلامي ، وأفاد منها في تكوين المحيط الثقافي الذي عمل فيه وثابر بإتجاه تهيئة متطلبات ظروف الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي في الدار الثقافية الإسلامية . ولعل أول ما نشير إليه هو إن العقل الإسلامي (من الكندي وإلى إبن رشد) عرف كتابات أرسطو بصورة تفصيلية دقيقة ، ووقف على المكشوف في الأصيل منها ، ودرس المضموم وخصوصاً المنحول منها (للتعرف على أرسطو المنحول أنظر مثلاً : إبن هندو ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية ، بدراستنا وتحقيقنا (مصدر سابق) ، مسكويه ؛ الحكمة الخالدة (جاويدان خرد) (مصدر سابق) ، إبن فاتك ؛ مختار الحكم ومحاسن الكلم (مصدرسابق) . وهنا ينبغي أن نذكر الدور المُشكل الذي لعبته بعض من تساعيات إفلوطين في تاريخ الفلسفة الإسلامية في المشرق ، والتي ترجمت خطأً بعنوان أثولوجيا أرسطو ، فشيد الفلاسفة الإسلامين أنظمتهم الفلسفية الأبستمولوجية على الإعتقاد بأن هذا الكتاب لأرسطو . وهكذا حملت الفلسفة الأسلامية عامة ، ومشروعها في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي خاصة ، وهم الإعتقاد بفلسفة لأرسطو ، هي ليست فلسفته في الأصل ، وإنما فلسفة إفلوطين المؤسس للإفلاطونية الحديثة *. وعلى هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية ، منشور على موقع الفيلسوف / 3 أغسطس 2011 . وللإستشهاد ننقل لك مقطع من هذا البحث المعمق الواسع :

ونذكر القارئ بأن الإفلاطونية ، هو الإصطلاح الذي كان يطلق يومذاك على عموم أعلام الحركة الإفلاطونية المحدثة  . والإفلاطونية المحدثة ، هي ” مزيج فلسفي ، فيه أشياء من إفلاطون ، وأشياء من أرسطو ، وأشياء من الفيثاغورية (وربما المشروع الفيثاغوري الجديد في القرن الأول الميلادي) ، وأشياء من الرواقية وأشياء من الفكر

الهرمسي (تسرب من الإفلاطونية المحدثة السورية التي قادها إمبيلكوس وخصوصاً كتابه الأسرار المصرية) ..

لقد حمل المشروع الإفلوطيني أولاً ، ومن ثم الإفلاطوني المحدث لاحقاً ، بالإضافة إلى التقريب بين أرسطو (الإفلوطيني) وإفلاطون (الإفلوطيني) التوفيق ما بين الحكمة والشريعة أو التقريب ما بين العقل (الفلسفة) والدين . قُدمت أطراف هذا المزيج الفلسفي للعقل المسلم خلال كتاب منتحل غير أصيل ونسب إلى المعلم الأول ” أرسطو”  . ولعل الشاهد الإسلامي المتابع للإفلاطونية المحدثة ، عنوان كتاب الفارابي شهير الصيت ” الجمع بين رأيي الحكيمين ” .

ونرى إن سبب الإشكال الكبير في الفلسفة الإسلامية المشرقية ، وبالتحديد فلسفة الكندي ، والفارابي وإبن سينا ، هو بعض من تساعيات إفلوطين (وهي بعض من الأصل) والتي ترجمت إلى اللغة العربية خطأً تحت العنوان المُشكل ” أثولوجيا أرسطو ” (وهو المنتحل) . والذي جلب معه إلى الدار الثقافية الإسلامية ، ودوائر التفكير الإسلامي خاصة ” نظرية الفيض ” التي هي من نتاج إفلوطين والمدرسة الإفلاطونية المحدثة ، والتي ليست لها علاقة بأرسطو لا من بعيد أو قريب . وإن القارئ لنصوص الفلسفة الإسلامية وعلى الأخص نصوص الفارابي ، يلحظ ببساطة هيمنة هذه النظرية الفيضية ، وتراتبيتها المعروفة في كتاب التساعيات وفي نصوص الكتاب المنتحل ” أثولوجيا أرسطو ” .  ولذلك نرى إنه لايمكن فهم الفلسفة الإسلامية في المشرق ، وبالتحديد فلسفة الكندي والفارابي وإبن سينا .. دون الإطلاع على :

أولاً – كتاب أثولوجيا أرسطو ، وهو متوافر في نشرته العربية وتحت عنوان ” أرسطو عند العرب ” والتي قام بتحقيقها ونشرها لأول مرة عام 1947 الدكتور عبد الرحمن بدوي .

ثانياً – كتاب تساعيات إفلوطين التي جمعها ، ورتبها ، ووضع مدخلاً شارحاً لها  ونشرها لأول مرة عام 270م تلميذه وحواريه فرفريوس الصوري .

والحقيقة إن نشر فرفريوس الصوري لكتاب التساعيات تم فيه الإعلان التاريخي عن بزوغ حركة الإفلاطونية المحدثة في الثلث الأخير من القرن الثالث الميلادي . وبالتحديد في عام 270  ، وهو عام نشر كتاب التساعيات ، وهو كذلك العام الذي تحول كتاب التساعيات إلى إنجيل الحركة الفلسفية الجديدة التي يسميها الأكاديميون الغربيون في بداية العصر الحديث بالإفلاطونية المحدثة (أنظر: محمد جلوب الفرحان؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الأول / العدد الثاني ربيع 2011 ونشرت منه صفحات في مجلة أفيروس (إبن رشد) ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأساس ظهرت مواقف متنوعة ، توزعت بين القبول بمجملها على إنها لأرسطو ، وبين التحفظ والتدقيق والنقد وإنتخاب الشائع لأرسطو (ونسبة أشياء منها إلى إفلاطون) . والواقع إن الإفادات الفلسفية الأبستمولوجية التي أنتجها قلم أرسطو (الأصيل أو المنحول) كانت موضوع تأمل وحوار ، وأخذ وضم لها في مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الذي كونه العقل الإسلامي . ونقف هنا ونتساءل :

ما رصيد التجربة الأرسطية في مضمار الفلسفة الأبستمولوجية ؟ وماذا قدمت للعقل الإسلامي من إفادات فلسفية أبستمولوجية مكنته من إنجاز تجربته في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي ؟ ولنبدأ أولاً برصيد التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الأرسطية . ونحسب إنه من الضروري الإشارة إلى إن هذه التجربة قد رجحت علوماً سيكون لها مكانة في خارطة العلوم والأبستمولوجيات التي كونت رصيد التجربة برُمتها . ونرى من النافع كذلك أن نُذكر بأن هناك عوامل ثقافية وأبستمولوجية ولدها عصر أرسطو ، قد ساعدت على هذا التحول نحو ساحة علوم جديدة سيكون لها حيز داخل المشروع الفلسفي للأبستمولوجيات عند أرسطو . وإن كل هذا الرصيد كان في متناول العقل الإسلامي ، فقام بدراسته ، وتأمل فلسفياً في مكشوفه ومضمومه . وشرع من ثم يُخطط لمشروعه الإسلامي في الإقلاع في سماء الفلسفيات الأبستمولوجية أو الأبستمولوجيات الفلسفية على الأدق وهذا ما نفضلُ الإصطلاح عليه .

لا جديد إذا قلنا إن أرسطو ولد في عائلة تمتهن بالوراثة مهنة الطب . فقد كان والده ” نيقوماخوس ” الطبيب الخاص للملك المقدوني ” إمينتاس ” ، مما كان لذلك من الأثر في ” توجيه عقلية أرسطو ومنذ السنوات الأولى لتعليمه نحو البحث التجريبي ” (أنظر : أدورد زيلر ؛ موجز تاريخ الفلسفة اليونانية (بالألمانية) ترجمه إلى الإنكليزية بالمر ، نيويورك 1958 ، ص 173) . إذن من المتوقع ، ومن المعقول جداً أن يكون إهتمام أرسطو بالبايولوجيا* ثم العلم الطبيعي قد تكون بتأثير مهنة العائلة (والتي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أرسطو من البايولوجيا إلى الفلسفة

وصدى ذلك مكشوف في الهم الأرسطي المستبطن للبايولوجيا في مشروعه في تصنيف العلوم ، والذي دشنه في عمل تصنيف للكائنات الحية في سلسلة بدأت التصنيف بين ما أطلق عليه أرسطو ” كائنات دموية ” و ” كائنات غير دموية ” . فمثلاً في موسوعته الشهيرة ” تاريخ الحيوان ” صنف العضويات في سلم هرمي ، أطلق عليه سلم الحياة . أنظر : إرنست ماير ؛ نمو الفكر البايولوجي : التنوع ، النشوء والوراثة ، نشرة مطبعة هارفارد 1982 ، ص ص 201 وما بعد) . وبذلك يمكننا الحديث عن فيلسوف العلم أرسطو الذي جاء من البايولوجيا والفيزيولوجيا إلى مضمار الفلسفة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقف خلفها إسطورة الطبيب الإله إسكلبيوس / وهو جد العائلة الإسطوري .. أنظر للإطلاع على التفاصيل كتاب : الفكر اليوناني : دليل إلى المعرفة الكلاسيكية ، تُرجم تحت إشراف كاثرين بورتر ، نشرة الولايات المتحدة الأمريكية 2000) .

وفي رواية جالينوس ما يؤيد ذلك ، فقد ذهب إلى إن عائلة أرسطو كانت تقوم بتدريب أبنائها على مهنة الطب . ومن المحتمل أن يكون أرسطو قد حصل على مثل هذا التدريب . ومن الممكن كذلك أن يكون قد ساعد والده في إجراء بعض العمليات الجراحية (أنظر : ديفيد رص ؛ أرسطو ، لندن 1964 ، ص ص 21 – 22) . ولهذا نلحظ إن ظهور النزعة التجريبية في نصوص أرسطو إنموذجاً ، قابلاً للدراسة والتأمل والإفادة ، وعلى هذا الأساس تعامل العقل الإسلامي مع أرسطو ، وإستند إليه في جوانب عدة تتوجت في تأسيس مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي.

ومن الأحداث المهمة في حياة أرسطو ، هو إنتاج مشروع علاقة بين الفيلسوف والسلطان ، فقد قبل الفيلسوف دور المعلم للسلطان المأمول . وفعلاً فقد كان لهذا المشروع من الآثر على تراث أرسطو ، فمثلاً ظهر على تراثه في مضمار الفلسفيات الأبستمولوجية طابع تربوي . ومن هذا الطرف كان تراث أرسطو موضع إهتمام وتقدير العقل الإسلامي ، خصوصاً أثناء حواره مع الإفادات الأرسطية في هذا الميدان . والشاهد على مشروع العلاقة بين السلطان والفيلسوف ، دعوة الملك فيليب للفيلسوف أرسطو ليقوم بالإشراف على تعليم ولده الإسكندر السلطان المأمول (أنظر : ت . ستس ؛ التاريخ النقدي للفلسفة اليونانية ، ص 249) . فقد كان لهذه الدعوة من الأهمية في توجه أرسطو العلمي التربوي ، إذ كانت فرصة مفيدة ، من نتائجها تنامي خبرة تربوية عند الفيلسوف في مضمار التعليم * سيكون لها من الأهمية عندما يشرع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من النصوص التي تداولها العقل الإسلامي على إن أرسطو كتبها ، والتي فيها إنتحال حسب ما نظن ، كتاب تربوي يتناول تفاصيل من حياة الإسكندر ، وهو على صورة نصائح : أرسططاليس ؛ سر الأسرار (السياسة والفراسة في تدبير الرئاسة) (مصدر سابق) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أرسطو في تأسيس مدرسته الفلسفية العلمية ” اللوقيون ” . كما نلحظ إن هذه الخبرة التربوية قد سجلت حضوراً في نصوصه الفلسفية الأبستمولوجية .

والحقيقة إن العقل الإسلامي قد وقف على هذه النزعة التربوية في منهج أرسطو ، وفي مشروعه في الفلسفة الأبستمولوجية . ولهذا إعتمد العقل الإسلامي التربية والتعليم ، سواء في تجسير الهوة بين الفيلسوف والسلطان أو بين الفلسفة والبرنامج التربوي العام ، مدخلاً مهماً في تكوين المحيط الثقافي الذي بالتأكيد كان عاملاً في إنجاز لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي فيما بعد .

ومن الظواهر المهمة في حياة أرسطو وكانت موضوع إهتمام ودراسة من قبل العقل الإسلامي ، والذي فكر في إمكانية إعادة إنتاجها على الأرض الإسلامية ، هي ظاهرة إرتباط أرسطو بالبلاط المقدوني . فقد كان لها من الأثر في حياته الفلسفية والعلمية . وهنا نقف ونتساءل : ماذا وفرت علاقة الإرتباط بالبلاط المقدوني لأرسطو من فرص كان لها من الأثر في توجهاته في فلسفة الأبستمولوجيات ؟ وما أهميتها في كتابة النصوص الأبستمولوجية التي أسهمت في دعم مشروع أرسطو الفلسفي في الأبستمولوجيات ؟ نقول إن الحماية المقدونية لأرسطو وفرت له فرصة فريدة في البحث ، إذ تفيد الروايات بأن الإسكندر ما كان يمر بمنطقة إلا ويطلب بتوفير ما إحتوته بيئاتها من عينات نباتية وحيوانية ، ويقوم بإرسالها إلى أرسطو الذي كان له في البلاط قسم يجري فيه أبحاثه في علمي النبات والحيوان . ولعل الشاهد على ذلك إن مشروعه الفلسفي الأبستمولوجي قد سجل حضوراً متفرداً لهذين العلمين ، وبالتحديد في مجموعة رسائل كونت أول موسوعة علمية في هذا المضمار من البحث في ديار ثقافة بني يونان (أنظر: ستس ؛ المصدر السابق ، ص 254) .

والواقع إن هذه الرسائل كانت موضوع إهتمام وتقدير ومتابعة في دار الثقافة الإسلامية ، حيث نلحظ العديد من التجارب الفلسفية الأبستمولوجية الإسلامية قد فتحت حواراً مع هذا النتاج الأرسطي ، وضمنت نصوصها الكثير الكثير مما أدلى به أرسطو من آراء ، إضافة إلى تعديل إسلامي ومما يتناسب والعينات الحاضرة أمام العقل الإسلامي ، وكانت غائبة أمام أنظار فيلسوف إسطاغيرا .

ومن الجوانب المهمة في التجربة الأرسطية والتي كانت موضوع إهتمام العقل الإسلامي ، هي تأسيس أرسطو لمدرسته التي عُرفت باللوقيون والتي أصبحت تُعرف فيما بعد بالمدرسة المشائية * . وهذه التسمية هي المتداولة في كتاباتنا الإسلامية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* اللوقيون في الأصل ” جمنزيوم ” أي مكان عام للتعليم ، أو للإجتماعات العامة في أثينا القديمة . وجاء الإسم من المنطقة التي كانت تُعرف ببستان الإله أو اللوقيون أو لوقيون الإله أبولو (وهو الإله – الذئب) . ويرتبط اللوقيون بالفيلسوف أرسطو ، ومن ثم بمدرسته المشائية ، التي قادها هناك . واللوقيون على هذا الأساس كان لها وجود قبل أرسطو . إلا إنه هو المؤسس الحقيقي لها ، والتي أنشأها بالتحديد في عام 334 أو 335 ق.م . وإستمرت اللوقين تحت قيادات مختلفة ، وحتى إجتياح الجنرال الروماني ” سولا فيلكس ” ( 138 – 78 ق.م) لأثينا في العام 86 ق.م . وإن تاريخ اللوقيون (ومن ثم المشائية) يُحدثنا عن مراحل مختلفة : أولاً – اللوقيون قبل أرسطو ، ثانياً – مدرسة أرسطو ، ثالثاً – مكتبة اللوقيون (وتنظيم أرسطو لها) ، رابعاً – اللوقيون بعد أرسطو ، خامساً – رؤساء اللوقيون ، وسادساً – أعضاء اللوقيون (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ اللوقيون أو المشائية : تاريخ وفلاسفة / سيظهر في أعداد قادمة من مجلة أوراق فلسفية 2013) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يومذاك. ومن الملاحظ على التجربة الأرسطية ، إن ظهرت لها أثاراً قوية في أعماله المختلفة ، وعلى الأخص في مضمار فلسفة الأبستمولوجيات . فقد كانت المدرسة معهداً علمياً ، ترك أثاره في حياة اليونان ، وعلى الأخص الأثينيين منهم .  والشاهد على ذلك إنخراط العدديد من الشباب الأثيني في برامجه التعليمية ونشاطاته الفلسفية والعلمية . كما وشكل المعهد المناخ العلمي المناسب ، الذي مكن أرسطو من الإبداع وكتابة جميع إصول مؤلفاته المعروفة ( أنظر : ستس ؛ المصدر السابق ، ص ص 352 – 252) . ومن هاتين الزاويتين ؛ قبول الطلبة الأثينيين وتعليمهم ، ونشر مؤلفاته وترويجها في الشارع الثقافي الأثيني ، يكون أرسطو قد أسهم في تكوين محيط ثقافي أثيني ، ساعده على إستكمال تجربته التأسيسية في فلسفة الأبستمولوجيات.

ولذلك يعتقد زيلر ، وهو واحد من أهم الباحثين الألمان في تجربة أرسطو الفلسفية ، إن أرسطو في هذه الفترة (والتي إستمرت ثلاث عشرة سنة) ، إنشغل بتنظيم اللوقيون على أسس علمية ، وقام بتأسيس مكتبتها ، ومن ثم تنظيمها ، وأشرف بنفسه على هيئة التدريس التي كانت تُشاركه في التعليم . كما وقام بتنظيم محاضراته التي كان يُلقيها على طلبة اللوقيون ، والتي تحولت فيما بعد إصولاً لكتبه المختلفة (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 175) .

ومن المفيد التأكيد على إن أبواب اللوقيون قد فُتحت لقبول الطلبة ، وممارسة نشاطه العلمي في العام 335 أو 334 ق.م . وكانت إتجاهات البحث فيه محمية من قبل رجالات الدولة المقدونيين . فقد كان أرسطو عند الصباح يُحاضر في المنطق والفلسفة الأولى (الميتافيزيقا) . وهذه المحاضرات في الوقت ذاته كانت نوعاً من التدريب المنهجي لطلاب العلم ، وكان في المساء يقدم محاضرات عامة في الخطابة والسياسة والأخلاق (أنظر ج . راندل ؛ أرسطو ، نيويورك 1963 ، ص 19) .

إن الجانب الجذاب من التجربة الأرسطية النازعة إلى تأسيس فلسفة الأبستمولوجيات ، موسوعيتها التي إحتضنت جميع علوم العصر ، وشاركت في تنميتها ، إضافة إلى إنتاج علوم جديدة أو المساهمة عن الإعلان عنها ، والتي لم يسبق إن عرفتها دائرة الأبستمولوجيات اليونانية . والشاهد على هذه الموسوعية مؤلفات أرسطو المتداولة . وكما هو ثابت إن هذه المؤلفات نُقلت إلى العربية في صور وأشكال ملونة ، وقرأها العقل الإسلامي ووضعها على طاولة البحث والإفادة . وكانت له مُثيراً ثقافياً وأبستمولوجياً ، وإنموذجاً قابلاً للإحتذاء والإستثمار وإعادة الإنتاج بما يتناسب والجو الإسلامي .

ولهذا أدرك العقل الإسلامي في مناخ التبادل الثقافي مع مؤلفات أرسطو ، إن لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي ، تحتاج إلى محيط ثقافي يؤكد على موسوعية التفكير والمعرفة والعلوم والمناهج وتقنيات البحث* والفنون واللغويات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على جانب من مساهمات العقل الإسلامي ، أنظر بحثنا : الأبستمولوجيات وفلسفة المنهج عند جابر بن حيان / مجلة المنطلق ، العدد 118 ، ربيع 1997 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والتاريخ … ولذلك كتب العقل الإسلامي موسوعات معرفية فيها حضور لأرسطو ، قبولاً ومراجعة ، وقراءة من زاوية نقدية أملتها العينات المتوافرة في الأرض الإسلامية (للإستشهاد على جانب من العمل الموسوعي الذي أنجزه العقل الإسلامي ، أنظر : الجاحظ ؛ الحيوان ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون ، نشرة البابي الحلبي ، القاهرة ، بلا تاريخ ، أجزاء عدة ، وكذلك : إخوان الصفا ؛ الرسائل ، بيروت 1957 أربع أجزاء) . وكتب نصوصاً أبستمولوجية فيها من الإبداع والإضافة الشئ الكثير (للإستشهاد على الجانب الإنشائي الذي إصطنعه العقل الإسلامي ، أنظر : الكندي ؛ رسائل الكندي الفلسفية ، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة ، مصر 1950 ، وكذلك الفارابي ؛ إحصاء العلوم ، تحقيق عثمان أمين ، ط3 ، القاهرة 1968 ، والبغدادي (أبو البركات) ؛ المعتبر في الحكمة ، ط1 ، حيدر أباد 1357 هجرية) .

وبسهولة يقف قارئ مؤلفات أرسطو على حقيقة موسوعيتها الأبستمولوجية ، فقد بدأت بعلم المنطق ، وفي جوانب مختلفة من هذا المضمار الأبستمولوجي* ، ومن ثم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنجز العقل الإسلامي عبر عملية الحوار والدرس لمؤلفات أرسطو المنطقية مخططات منطقية إسلامية ، فيها من المتابعة وإعادة الإنتاج والإضافة والإبداع والتجديد ، بحيث شكلت جانباً كبيراً من مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي ، والتي يمكن الإصطلاح عليها بدائرة الأبستمولوجيات المنطقية الإسلامية . وللإستشهاد نُحيل القارئ إلى مجموعتنا المنطقية :

1 – محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق عند العرب / مديرية دار الكتب ، جامعة الموصل 1987 .

2 – محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي / مديرية دار الكتب ، جامعة الموصل 1988 .

3 – محمد جلوب الفرحان ؛ المشروع المنطقي للغة عند إبن سينا / مجلة الباحث ، بيروت العدد (19) سنة 1981 .

4 – محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد الفارابي في البحث المنطقي / دراسات عربية ، بيروت (1 -2) سنة 1984 .

5 – محمد جلوب الفرحان ؛ الدرس المنطقي عند الفارابي / المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، جامعة الكويت ، العدد (16) خريف 1984 .

6 – محمد جلوب الفرحان ؛ مقدمة في دارسة تأسيس منطقي لعلم الفقه عند إبن رشد / مجلة آداب المستنصرية ، جامعة المستنصرية ، العدد (9) سنة 1984 .

7 – محمد جلوب الفرحان ؛ البحث المنطقي لدى السهروردي / مجلة دراسات عربية ، بيروت ، العدد (1) سنة 1986 .

8 – محمد جلوب الفرحان ؛ نظرية التعريف عند إبن سينا / المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، جامعة الكويت ، العدد (25) شتاء 1987 .

9 – محمد جلوب الفرحان ؛ المنطق اللفظي والمنطق الفكري عند إخوان الصفا / مجلة الباحث ، العدد (51) سنة 1992 .

10 – محمد جلوب الفرحان ؛ الطريقة البديهية عند الغزالي / مجلة آدب الرافدين – جامعة الموصل ، العدد (11) 1979 .

11 – محمد جلوب الفرحان ؛ حول ريادة الكندي للفكر الفلسفي العربي / مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1984 .

12 – محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي والرياضي على فلسفة الفارابي / مجلة الباحث ، بيروت 1981 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن ثم بحث أرسطو في العلم الطبيعي ، وإهتم بعد ذلك في الأخلاقيات والسياسات . وأخيراً وضع كتبه في الميتافيزيقيات ، والتي تركها غير مكتملة (أنظر : ستس ؛ المصدر السابق ، ص 254) . كما وإحتضنت دائرة تفكيره الفلسفي الأبستمولوجي الموسوعي علوماً جديدة ، أصبح أرسطو فيها المؤسس على الأقل لإثنين من العلوم ، وهما علم المنطق و علم الحيوان أو الزيولوجيا (المصدر السابق) . وشملت كتبه مجموعة رسائل في الفن ورسالة في مبادئ الخطابة ، وأخرى في الفلك بعنوان ” في السماء ” ، ورسالة ” في علم الأرصاد الجوية أو الميتارولوجيا ” ، ورسائل تناولت جوانب عددة من علم الحيوان شملت كتباً بعنوان ” في أقسام الحيوانات ” و ” في حركات الحيوانات ” و ” في أصل الحيوانات ” . وفي هذه الكتب يُعد أرسطو مؤسس علم الحيوان . إذ لا يوجد أحد قبله قام بمثل هذه الأبحاث (المصدر السابق) . يُضاف إلى ذلك الأبحاث التي وضعها في الطبيعيات والتاريخ والتي تعود إلى مرحلة إنشاء اللوقيون (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 180) . ونحاول هنا تقديم تصوير لشجرة العلوم الفلسفية والأبستمولوجيات الأرسطية :

أولاً – شجرة العلوم التي كونت ذهنيته الأبستمولوجية :

الطب

البايولوجيا 

الفيزيولوجيا

العلم الطبيعي

التربية 

ثانياً – الشجرة الأبستمولوجية لعلوم اللوقيون :

علم المنطق

الميتافيزيقا

الخطابة

السياسة

الأخلاق

الفنون

اللغويات

التاريخ

علم الأرصاد الجوية

الرياضيات

الفلك

الموسيقى 

لقد كان العقل الإسلامي على حق عندما تناول مؤلفات أرسطو بالدراسة والبحث ، وتأمل ودقق في ترجمات مختلفة لها . وذلك لأنها مثلت يومذاك أبستمولوجيات العصر . والتي لا يجوز إهمالها ولهذا إنفتح عليها ، وحاورها دون خوف وتردد ، وأخذ منها ما يفيد ويُعين في إنشاء محيط ثقافي يمكنه من إنجاز لحظة الإقلاع في سماء الفلسفيات الأبستمولوجية . كما إن كتب أرسطو مثلت دور المثير للعقل الإسلامي ، فثابر على التدقيق فيما أنتجته ، وشطب الجوانب التي شعر فيها خطورة على العقيدي ، أو على الأقل وجه لها نقداً وحذر منها . وفي الوقت ذاته أعاد إنتاج الجانب الأبستمولوجي الذي يتناسب والمناخ الثقافي الإسلامي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5)

التجارب الفلسفية الأبستمولوجية الهيلينستية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

عرف العقل الإسلامي هذه التجارب الفلسفية ، وتفاعل معها وأفاد منها ، وقد وصل إليه نتاج هذه التجارب بطرق عدة مباشرة وغير مباشرة . فمثلاً وصلت إلى العقل الإسلامي من خلال هوامش شارحة للنص الفلسفي الأبستمولوجي الأرسطي(1) وعلى

مجاميع لإفلاطون ، أو على شكل رسائل منحولة لإفلاطون(2) وأرسطو(3) ، وهي في حقيقتها رواقية وأبيقورية(4) وإفلاطونية محدثة بصورتيها العلمانية (5) والمنفتحة على الأسرار المصرية والطقوسية(6) وفيثاغورية جديدة(7) كما وفيها حضور لحجج الشكاك(8)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – أنظر : ماكس مايرهوف : من الإسكندرية إلى بغداد ، بحث منشور في كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ، ترجمة عبد الرحمن بدوي ، بيروت 1980 ، ص 41 .

2 – أنظر : أبو الفرج بن هندو ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية ، تحقيق ودراسة محمد جلوب الفرحان ، الفصل الثالث المعنون ” من كلام إفلاطون ” ص ص 175 – 217) .

3 – أنظر : محمد جلوب الفرحان : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية (مصدر سابق) .

4 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس وموسوعته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ربيع 2011) .

5 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011 .

6 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الملك إمبيلكوس السوري : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011 .

7 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيثاغوري الجديد أبولونيوس / موقع الفيلسوف ، 6 يونيو 2011 .

8 – أنظر : محمد جلوب الفرحان : الأكاديمية المتوسطة (نزعة الشكاك) / (مصدرسابق) والنزعات السفسطائية ( أنظر : محمد جلوب الفرحان : السفسطائي فيلوستروتس : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والسؤال الذي يُثار هنا : ماذا قدمت هذه التجارب الفلسفية الأبستمولوجية للعقل الإسلامي بحيث أفادته في مشروعه في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي ؟ نحسب من الضروري أن نُقدم هنا بعض المؤشرات التي تنفعنا في فهم طبيعة الفكر الفلسفي في هذه المرحلة ، فقد وقعت أحداث كان لها الأثر في طبع تفكير المرحلة الفلسفي والأبستمولوجي ، طابعاً فيه إختلاف عن خصائص المراحل السابقة . فمثلاً إن هذه المرحلة شهدت إنحدار وبداية أُفول الحضارة اليونانية (الهيلينية) . مما كان لهذا الحدث من الأثر في توجيه عمل الإنسان على وجه العموم ، والمفكر والعالم والفيلسوف على وجه الخصوص نحو شواطئ لم يفكر بها من قبل أو على الأصح لم يجعلها مركز تفكيره يومذاك .

ومن الظواهر التي تولدت عما حدث في هذه المرحلة ، هو تنامي السلطة المقدونية وفتوحات الإسكندر الواسعة* ، والتي أدت إلى تفجير الثورة في حياة الشعب اليوناني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* النتائج الفلسفية والثقافية لإحتلال الأسكندر لبلاد فارس والعرب

إحتل الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م) بحدود ثلاثة قرون ونصف قبل الميلاد ، إحتل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر ، وفي عودته إلى بابل وضع خطة لإحتلال الجزيرة العربية إلا إنه مات قبل أن ينفذها … وبعد تدمير الإسكندر الإمبراطورية الفارسية (عام 334 ق.م) وزواجه من واحدة من بنات كسرى ، حول البلاط الكسروي إلى مدرسة فلسفية (أنظر : أن . ج . هاموند ؛ الإسكندر الكبير : ملك وقائد ورجل دولة / نشرة مطبعة بريستل الكلاسيكية ، لندن 1994) . وفعلاً فقد جلب معه الفلاسفة وعلماء المنطق وحدث حوار طويل بينهم وبين علماء الزرادشتية نتج عنه نمط جديد من التفكير فيه مزيج من الفلسفة والعقائد اليونانية والعقيدي الزرادشتي ، وكان المناذرة العرب في العراق حلفاء الفرس وقسم منهم قد إتخذ من الزرادشتية عقيدة له . وكان المناذرة يتقنون الفارسية مثلما يتقنون لغتهم العربية .

بعد موت الإسكندر المفاجئ (عام 323 قبل الميلاد) تمكن قواده في مصر من تأسيس حكم البطالسة ليحكموا مصر وشمال أفريقيا . أما قواده في الشرق فقد دارت بينهم حروب مريرة ، تمكن من بينهم القائد سلوقيا من تأسيس الحكم السلوقي عام 312 ق.م ، والذي بدأ به من بابل (ومن المفيد نشير إلى إن كهنة المعابد البابلية قد أتقنوا اليونانية وأخذوا يكتبون بها ، وللإستشهاد نذكر مثلاُ بيروسوس هو عالم فلك وكاهن للإله ” بل مردوك ” البابلي ، وكان بيروسوس يكتب باليونانية ، وكان ناشطاً في بديات القرن الثالث قبل الميلاد ، وضاعت مؤلفاته ولم يبقى منها سوى قطعتين (أنظر : فيربيك ووكرشيم (تقديم وترجمة) : بيروسوس ومانثيو : تقاليد الشعوب في بلاد مابين النهرين (العراق) ومصر ، نشرة مطبعة جامعة ميشغان سنة 2000) .  كما إن كتب التاريخ اليونانية عامة وتاريخ الفكر الديني خاصة تقدم لنا قائمة بأسماء النبيات اللائي تركن أثراً في طرف من الحياة اليونانية ، منهن  النبية ” هيروفيل ” والتي يقال إنها ” كلدانية ” تعود إصولها إلى جنوب بابل (أي عراقية الأصول) ، وهي بنت الكاتب والمؤرخ ” بيروسوس ” الذي إشتهر بكتابه ” التاريخ الكلداني ” (أنظر جيوفاني باكشيو ؛ مشاهير النساء ، ترجمة فرجينيا براون ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2001 ، ص 42 ، وراجع كذلك : محمد جلوب الفرحان ؛ الفلسفة والمرأة / وهي المقدمة التي كتبها للعد الرابع من مجلة أوراق فلسفية جديدة / خريف 2011) .

وقد أسس الحكام السلوقيين لهم مدن إنتشرت في كل أصقاع العراق وسوريا والفرس وأجزاء من تركيا . وكانت عاصمتهم في العراق هي سلوقيا التي تقع على دجلة في الضفة الغربية المقابلة لعاصمة الفرس في العراق ” طيسفون ” . وكانت في المدن السلوقية تنتشر المدارس الفلسفية اليونانية ، فقد كانت في سلوقيا على ضفاف نهر دجلة مدرسة رواقية معروفة تخرج منها ديوجانس الرواقي والذي يُعرف بالبابلي والمدرسة الرواقية تعرف بالرواقية البابلية . والذي عاد إلى أثينا ومن ثم ترأس المدرسة الرواقية هناك وكان له عدد من التلاميذ الذين أصبحوا من مشاهير الفلاسفة . وكانت في سوريا مدارس فلسفية كثيرة وفي لبنان وفلسطين (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في العدد الثاني من مجلة أوراق فلسفية جديدة ، ربيع 2011 وبالتحديد أنظر التحليل المقدم لموسوعته المعنونة حياة وأراء مشاهير الفلاسفة)  ومن ثم إنطفأت الدولة السلوقية في عام 63 ق.م ، والتي فيها تحولت سوريا إلى محافظة رومانية  (أنظر للإطلاع على جوانب من التاريخ السلوقي : دبليو . تارن ؛ ملاحظات على التاريخ السلوقي (بالإنكليزية) / مجلة الدراسات الهيلينية / العدد 60 عام 1940 / ص ص 84 – 94) .

يحدثنا التاريخ عن الإمبراطور الروماني ” فيليب العربي ” وعن الإمبراطورة الرومانية السورية العربية الأصول ” جوليا دومانا ” وهي فيلسوفة فيثاغورية جديدة أو ربما سفسطائية وهي التي طلبت من الفيلسوف السوفسطائي فيلوستروتس أن يكتب موسوعته الشهيرة عن الفيلسوف الفيثاغوري الجديد ” أبولونيوس ” الذي هو اليوم بنظر العديد من الأكاديميين المسيح التاريخي . وكانت جوليا تقتني كتاب مذكرات أبولونيوس الذي كتبه الموصلي (من أهل نينوى القديمة) الحواري ” ديمس ” الذي صاحب أبولونيوس وسجل أقواله ومذكراته (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ، ربيع 2011) . كما ونود أن نشير إلى إن مؤسس الإفلاطونية المحدثة الفيلسوف إفلوطين كان له تلميذاً وحوارياً من إصول عربية هو زيثوس ، وهو إفلاطوني محدث من القرن الثالث الميلادي ، والذي كان يعيش معه إفلوطين في ممتلكاته الريفية والتي أوصى بها لإفلوطين قبيل موته (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية / منشور على صفحات موقع الفيلسوف) .

بعد غلق الإمبراطور الروماني جوستنيان للمدارس الفلسفية في عام 529 م ، ومن ثم نفي الفلاسفة خارج الإمبراطورية ، إختار الفلاسفة منافي لهم مرابضاً جديدة لنشاطهم الفلسفي والعلمي ، وهي في الواقع أجزاء من مناطق جغرافية مهمة من الأراضي العربية والحدود المتاخمة لها . فمثلاً مدرسة جنديسابور (إزدهرت خلال القرنيين السادس والسابع الميلاديين ، وكانت مركزاً طبياً وفكرياً وأكاديمية تعليمية خلال الإمبراطورية الساسانية تحول إليها عدد من الفلاسفة ونقلوا معهم العديد من المصادر الفلسفية بعد قرار جوستنيان بغلق المدارس الفلسفية) والتي تخرج منها إبن عمة الرسول محمد (ص) وهوالطبيب الحارث بن كلدة شاهد تاريخي (وبالتأكيد لم يذهب الحارث إلى جنديسابور جزافاً وإنما ذهب هناك لشيوع مكانة هذه المدرسة في الأوساط العربية يومذاك . وإنه بالتأكيد يعرف الفارسية أو ربما اليونانية التي كان يجري فيهما التعليم والمقررات الدراسية التي هي مخطوطات الفلاسفة والعلماء) يرد على من يرى إن المحيط العربي الثقافي والمعرفي كان محيطاً معزولاً من الأثر اليوناني قبل الإسلام . ومدرسة الرها (في مدينة الرها التي أعاد تأسيسها سلوقس الأول ، وأصبحت عاصمة مملكة الرها في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد) ، ومدرسة نصبين (تأسست في عام 350 ومن ثم سقطت بيد الفرس عام 363 وتركت أثاراً قوية على مدرسة جنديسابور) ومدرسة إنطاكية (في مدينة إنطاكيا التي أسسها سلوقس الأول في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد ، وهو أحد قادة الإسكندر ومؤسس الإمبراطورية السلوقية ، وهي واحدة من ستة عشر مدينة أسسها وتحمل الإسم ذاته)  .. (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ محنة الفلسفة والفلاسفة بعد قرار جوستنيان 529 م بغلق المدارس الفلسفية / سيظهر قريباً على صفحات موقع الفيلسوف) ولهذا فإن المترجمين السريان الذين يتقنون العربية واليونانية إضافة إلى السريانية لغتهم الأم قد بدأوا بترجمة العديد من المؤلفات الفلسفية والعلمية والمنطقية إلى السريانية بزمن بعيد قبيل قيامهم بترجمتها إلى العربية ..

ولذلك يصبح التشكيك في مقام إبن المقفع مثلاً في ترجمته للكتب الفلسفية والمنطقية مردوداً .لأن الشك أقيم على عدم معرفة إبن المقفع لليونانية . وإذا صح ذلك ، فإن الرجل لم يترجمها من اليونانية وإنما ترجمها من الفارسية التي كانت متوافرة في مدرسة جنديسابور أو ربما قبل ذلك تعود إلى ترجمات تمت عصر سيطرة الإسكندر وزواجه ببنت كسرى دارا الثالث (أو داريوس) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية العدد الثاني ربيع 2011) . وبالمناسبة مات الإسكندر وكانت زوجته حاملاً بولي العهد . ولكن الإسكندر غادر الدنيا بموت مفاجئ ولم ير وجه ولي عهده . وكان هذا هو السبب الذي حمل قواده على التنازع ومن ثم تقاسم تركته بين السلوقيين والبطالسة .. (أقرأ القصة كاملة في مقالة الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ المعطيات التاريخية والثقافية لأوضاع العرب قبل ولحظة بزوغ شمس الإسلام ، منشور على صفحات موقع الفيلسوف ، 16 فبراير 2012) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

، فكان من نتائجها تطور العلم تطوراً عميقاً (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 225) . غير إن وفاة الإسكندر (سنة 323 ق.م) وإنقسام مملكته كان لها أثر أخر ، تمثل بإنتشار الثقافة اليونانية خارج حدود العالم اليوناني ، وإتصالها بثقافات شرقية كانت فاعلة في حياة شعوبها . وكان من ثمار هذا الإتصال حوار أبستمولوجي ، وتبادل ثقافي على الجبهتين ؛ جبهة الثقافة اليونانية (المتولد منها بالطبع ثقافة هيلينستية) ، وجبهة الثقافة الشرقية (مثلاً على صعيد العقيدي الإيراني الزرادشتي (الإله هوارمزدا) تفاعل مع العقيدي اليوناني (الإله زوس) ، وظهور عقيدي مركب جديد في الجيل الثاني هو (الإله زوس – هوارمزدا) . وفي العراق تحول الكثير من كهنة المعابد البابلية إلى علماء فلك يكتبون مؤلفاتهم باليونانية (خذ مثلاً بيروسوس وكتابه التاريخ الكلداني ، وإبنته النبية الكلدانية هيروفيل ..) .

وكان من أسباب هذه الأحداث نشوء مراكز علمية وثقافية ، وضعت نفسها في جو من التنافس مع عاصمة المعرفة والفلسفة التقليدية (أثينا) . وأصبحت نقاط جذب للفلاسفة والعلماء ، وفي طليعة هذه المراكز مدينة (الإسكندرية) ، وبالطبع هناك مدن أخرى حملت إسم الأسكندرية في العراق قرب بابل وعلى ضفاف نهر الفرات . كما أسس سلوقس خليفة الأسكندر العديد من المدن حملت إسمه ، منها عاصمته في العراق ” سلوقيا ” والتي تقع على نهر دجلة جنوب بغداد ، ومقابلة لعاصمة الفرس ” طيسفون ” . وفي سلوقيا كانت مدارس رواقية (خذ مثلاً ديوجانس البابلي ، فقد ولد في سلوقيا ، وتخرج من المدرسة الرواقية البابلية في سلوقيا ، ومن ثم شد الرحال إلى روما ، وأصبح زعيم المدرسة الرواقية هناك ، وأعتز ببابليته ، فكانت له لقباً) وسلوقيا وقواده كان لهم دور في تأسيس مدن أصبحت مراكز علمية وفلسفية تشع بثقافتها على المنطقة العربية مثل إنطاكية والرها ونصيبين ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واقع المدارس الفلسفية الأبستمولوجية في المرحلة الهيلينستية

يُحدثنا تاريخ الفلسفة اليونانية بطرفه الهيلينستي ، عن ظهور مدارس فلسفية متنوعة ، وبالتحديد في المرحلة الهيلينستية والرومانية . فمن المعروف إنه في هذه المرحلة قد أسهمت شعوباً مختلفة في تطوير الفلسفة الهيلينستية ، مثل اليونان والرومان والمصريين والسريان والعرب . كما ويلاحظ إن هناك أمشاجاً فكرية من الفلسفتين الفارسية والهندية ، قد عبرت إلى العالم الهيلينستي ، وإمتزجت في إرومة هذا التراث الضخم المتنوع . ولعل من أشهر المدارس الفلسفية التي عرفها العصر الهيلينستي ، المدارس الآتية :

المدرسة الفلسفية القورينائية

هي واحدة من أقدم المدارس السقراطية ، أسسها الفيلسوف القورينائي أرستبس (434 – 356 ق.م) ، والذي كان حوارياً من حواري الفيلسوف سقراط . ولكنه طور تعاليمه الفلسفية بعيداً عن فلسفة أستاذه سقراط . فمثلاً يرى أرستبس إن هدف الحياة ، هو البحث عن اللذة . ولذلك يُنظر إلى الفلسفة القورينائية إلى إنها أقدم مذهب فلسفي في اللذة . وكان من بين تلاميذ الفيلسوف أرستبس ، إبنته الفيلسوفة القورينائية أريتا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع ، خريف 2011) . وهناك إعتقاد بأن مبادئ المدرسة القورينائية قد تم صياغتها من قبل حفيده (إبن الفيلسوفة أريتا) والذي يحمل إسم جده ، وهو الفيلسوف القورينائي أرستبس الصغير (والذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد) . وبالمناسبة إن إسم المدرسة جاء من المكان الذي ولد فيه الفيلسوف المؤسس أرستبس ، وهي مستعمرة ” قورينا ” اليونانية ، والتي تقع في شمال أفريقيا (اليوم هي جزء من الأراضي الليبية)(للتفصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الفلسفية القورنائية ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / سيظهر في أعداد قادمة في العام 2013) .

المدرسة الفلسفية الميغارية : تُعدُ المدرسة الميغارية أو المدرسة الديالكتيكية ، واحدة من أقدم المدارس الفلسفية اليونانية التي نشأت وذاع صيتها بعد موت سقراط على وجه العموم ، والمدارس السقراطية على وجه الخصوص . فقد سبقت أكاديمية إفلاطون بسنين ، فمن الثابت تاريخياً إن إفلاطون عندما بدأ التفكير في تأسيس أكاديميته ، كانت المدرسة الميغارية من المشروعات التعليمية الأولى على قائمة إهتماماته ،  وفعلاً قرر إفلاطون أن يبدأ زيارته لها ويستكشف حقيقتها الأكاديمية  . فقد زارها وتعرف على نظمها الإدارية وبرامجها التعليمية ونظام قبول الطلبة فيها (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / القسم الأول ، منشور على موقع الفيلسوف ، 5 سبتمبر 2011) .

لقد كان إزدهار المدرسة الميغارية في القرن الرابع قبل الميلاد . وإن مؤسسها هو الفيلسوف إقليدس الميغاري (435 – 365 ق.م) (أرجو الإنتباه هنا إلى الإغلوطة التي سادت في العصور الوسطى ، والتي نهضت على وهم وسطوي ، خلط بين إقليدس الميغاري ، وإقليدس الإسكندراني صاحب كتاب الإصول في الهندسة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة آداب الرافدين (تصدرها كلية الآداب – جامعة الموصل) / العدد 9 سنة 1978) والحقيقة إن إقليدس الميغاري ، هو واحد من تلاميذ شهيد الفلسفة سقراط . ولذلك يُطلقُ على إقليدس الميغاري إصطلاح الفيلسوف السقراطي (للإطلاع على التفاصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان : المدرسة الفلسفية الميغارية : تاريخ وفلاسفة ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / أعداد قادمة ستظهر في عام 2013) .

المدرسة الفلسفية الكلبية : إن الإصول الفلسفية لهذه المدرسة تصعد إلى أراء وعقائد مجموعة من الفلاسفة اليونان القدماء ، والذين يُعرفون بالكلبيين . وفي إسم المدرسة وفلسفتها روح ساخرة ومتمردة على كل بهارج الحياة ومظاهرها الزائلة . ومن هنا جاء إسمها باليونانية والمترجم إلى الإنكليزية بلفظة سينك أي السخرية ، وللدلالة على سلوك الشخص وتفكيره  جاءت لفظة سينكل أي الساخر أو المُثير للسخرية والضحك هذا طرف من إشتقاق إسم المدرسة والفلسفة والفيلسوف . أما الطرف الأخر لإسم المدرسة ، فيكمن في المحاولات القديمة للإجابة عن السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟ ولعل واحدة من هذه المحاولات ترى بإن السبب وراء التسمية ، هو إن الفيلسوف الكلبي الأول أنتيسثينيس (445 – 365 ق.م) ، كان يُعلم ويلقي محاضراته في الجمنزيوم المسمى كاينوساركس في مدينة أثينا . وإن كلمة كاينوساركس تعني مكان ” الكلب الأبيض ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 الكتاب السادس ، ص 23)(للتفصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الفلسفية الكلبية / مجلة أوراق فلسفية جديدة /  سيظهر في أعداد قادمة من عام 2013) .

المدرسة الفلسفية الشكية البايرونية : إن الأب الروحي لهذه المدرسة ، هو الفيلسوف الشكي بيرو أو بيرون (360 – 270 ق.م) وهذا ما نفضل تداوله . وفي الحقيقة إن الفيلسوف الشكي أنيسديموس ، هو الذي أسس المدرسة في القرن الأول قبل الميلاد ، وأطلق إسم بيرون عليها . صحيح كما ذكرنا سابقاً إن هناك عدداً من الفلاسفة الشكيين قد فرضوا هيمنتهم على المدرسة الأكاديمية التي أسسها إفلاطون ، وبالتحديد في فترة الأكاديمية الوسطى أو الثانية . وهؤلاء الأكاديميون الشكيون يشاركون فلاسفة المدرسة البايرونية في نزعتهم الشكية . إلا إننا مع المدرسة البايرونية نجد فلاسفة بنوا لهم مدرستهم المستقلة ، وعبرو بوضوح عن مذهبهم الشكي ، ولم يعملوا تحت رايات مدارس أخرى مثل حال الأكاديميين الشكيين (أنظر : كيسلا سترايكر ؛ حول الإختلافات بين البايرونيين والأكاديميين / منشور في كتاب : مقالات في الأبستمولوجيا والأخلاق الهيلينستية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1996 ، ص ص 135 – 149) (للإطلاع على المدرسة البايرونية ، أنظر : مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013) .

الأكاديمية الوسطى أو الثانية : والتي هيمن عليها الشكيون ، فعُرفت بالأكاديمية الشكية (وبالطبع كانت هي ذاتها أكاديمية إفلاطون ، تذكر ذلك رجاءً) ، ومثلها عدد من الفلاسفة في المرحلة الهيلينستية ، منهم الفيلسوف ” أركسليوس ” (316 – 240 ق.م) ، وهو مؤسس الأكاديمية الوسطى أو الشكية ، وقد خلف الفيلسوف ” كريتيس ”  (توفي ما بين 268 – 264 ق.م) والذي كان الرئيس السادس للأكاديمية عام 264 ق.م (أنظر : الكرا وأخرون : تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 ، ص 48) .  والفيلسوف ” كرنيدس القورني الليبي ” (214 – 128 ق.م) وهاجر إلى أثينا وأصبح رئيساً للأكاديمية . كانت بدايته تفنيد ودحض الرواقية ، ومن ثم عمل على تفنيد الأبيقورية التي منها إنطلق الشكيون وإنتشروا (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 33 ، 48) ، ومن ثم الفيلسوف ” كليتوماكس ” (187 – 109 ق.م) وكان تلميذاً للفيلسوف السابق كرنيدس ، ولكنه في الوقت ذاته درس الرواقية والمشائية . وفي 127 وبالتحديد بعد موت إستاذه بسنتين أصبح رئيساً فاعلاً للأكاديمية (أنظر : المصدر السابق ، ص 49) . وبعد موته خلفه على رئاسة الأكاديمية ، الفيلسوف ” فيلو أو فيلون اللارسي ” (154 – 83 ق.م) والذي أظهر إعتدالاً في شكيته ، وعلى رأي ” ساكس إمبريكوس ” (160 – 210 م) فإن فلسفة فيلو ، هي رد فعل ضد أراء الأكاديمية الشكية (الوسطى) ، وفيها توجه نحو أكاديمية جديدة ، تفضل العودة إلى عقائد إفلاطون (أنظر : المصدر السابق ، ص 48 ، كذلك أنظر : شارلز بريتين ؛ فيلو اللارسي ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2001 ) (للإطلاع على أكاديمية إفلاطون أنظر : مجلة أوراق فليفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013) .

المدرسة المشائية : وهي واحدة من مدارس عديدة عرفها العالم اليوناني القديم . وتعاليمها مستمدة من التراث الفلسفي الذي تركه الفيلسوف الإسطاغيري أرسطو ، وهو المؤسس الحقيقي لها . وبربتاتك هي المشائية ، وفلاسفتها هم المشائيون . وجاء الإسم المشائية (أو اللوقيون وهو جمنزيوم = مدرسة) من المكان الذي يجتمع فيه أتباع الفيلسوف أرسطو .

والحقيقة إن الكلمة اليونانية ” بربتاتيكوس ” تدلُ على فعل المشي . وإن الصفة ” بربتاتك ” في الإستعمال اليوناني اليومي يومذاك ، تعني ” التجول ” أو ” المشي حول الشئ ” . وبعد موت أرسطو إنتشرت إسطورة ” المعلم أو المحاضر الجوال ” وذلك لتشير إلى إن أرسطو كان مُعتاداً على المشي خلال إلقاء محاضراته .

بدأت المدرسة نشاطها حوالي العام 335 ق.م ، وذلك عندما فتح أرسطو أبواب اللوقيون ، وإستهل التعليم فيها . والمدرسة كانت معهداً لأتباع أرسطو ، ينجزون فيه أبحاثهم الفلسفية والعلمية . وفعلاً فإن خلفاء أرسطو كل من ” ثيوفرستوس ” (371 – 287 ق.م) وهو رئيس المدرسة بعد وفاة أرسطو ، و ” ستراتو أو ستراتون ” (335 – 269 ق.م) وهو خليفة ثيوفرستوس على الأكاديمية قد حافظوا على تقليد المدرسة ، وإستمروا في مضمار الكشف عن نظريات علمية وفلسفية متنوعة . ولكن بعد منتصف القرن الثالث قبل الميلاد أخذت المدرسة بالذبول ، وكادت تنطفأ ، إلا إن بعثها من جديد قد تم في الفترة الرومانية (للفترة الممتدة من 27 ق.م – 476 م) (للإطلاع على المدرسة المشائية أنظر : مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013) .

مدرسة الفيثاغورية الجديدة : في الحقيقة الفيثاغورية الجديدة ، هي مدرسة فلسفية يونانية – إسكندرانية ، سعت إلى تجديد أو إحياء المبادئ الفيثاغورية . ومن ثم تحولت إلى مدرسة بارزة ، ملئت القرنين الثاني والأول قبل الميلاد . والأدق في رأينا إن فلاسفة الفيثاغورية الجديدة قد نشطوا ما بين 100 ق.م وحتى 300م . والواقع إن كلمة الفيثاغورية الجديدة (حالها حال الإفلاطونية المحدثة) إصطلاح إصطنعه الباحثون في العصر الحديث ، وأطلقوه على هذه المدرسة الفلسفية . ولاحظنا في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي ، إن الفلاسفة الرواد للحركة الفلسفية الجديدة ، التي ستُعرف بالإفلاطونية المحدثة ، قد بدأوا مسيرتهم الفلسفية مع الفيثاغورية الجديدة ، ومن ثم حملوها معهم مكوناً فلسفياً مهماً في داخل عمارة الفلسفة الإفلاطونية المحدثة (وهذه سمة من سمات التفكير الفلسفي الإفلاطوني الجديد أو المحدث) (للتفصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011 ، وكذلك : محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف الملك الأشوري إمبليكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011) (للإطلاع على الفيثاغورية الجديدة أنظر : مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013) .

مدرسة الإفلاطونية المحدثة : والتي تمثلت تباشيرها بالمحاضرات الشفهية التي كان يُلقيها مؤسسها الروحي ” أمونيوس ساكس ” (عاش في القرن الثالث الميلادي) وكان معلماً للمؤسس الحقيقي للفيلسوف المصري ” إفلوطين ” (205 – 270 م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان : كتاب أثولوجيا أرسطو وإشكالية الفلسفة الإسلامية : الأصل والمنحول / منشور على موقع الفيلسوف 3 أغسطس (آب) 2011) ، والفيلسوف الإفلاطوني الأول ” فرفريوس الصوري اللبناني ” (234 – 205 م) وهو المعلن الحقيقي عن الفلسفة الإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري اللبناني : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) ، والفيلسوف ” زيثوس العربي ” (إزدهر في القرن الثالث الميلادي) وهو تلميذ إفلوطين الحميم ، وتحدث عنه فرفريوس الصوري في كتابه ” حياة إفلوطين ” (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب أثولوجيا أرسطو … مصدر سابق) ، والفيلسوف السرياني أو الآرامي ” الملك إمبيلكوس ” (245 – 325 م) وهو مؤسس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الملك إمبيلكوس : مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ،   العدد الثاني ربيع 2011) ، والفيلسوف ” بروقلس ” (412 – 485 م) والذي ترك أثاراً واضحة على الفلسفتين الإسلامية والمسيحية (أنظر : ج . روسن ؛ فلسفة بروقلس : الوجه الأخير للفكر القديم (بالإنكليزية) ، نشر في هولندا 1973) (للإطلاع على الإفلاطونية المحدثة أنظر : مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)

تأملات في التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الأبيقورية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

  ظهر ” أبيقورس ” في أجواء إنسياح الثقافة اليونانية مع جيوش الإسكندر ، وقام بتجديد مذهب الفيلسوف ديمقريطس (460 – 370 ق.م)* . وفي الوقت ذاته قام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ديمقريطس البديري ، هو واحد من الفلاسفة الأكثر تأثيراً في الفترة التي تعرف بالبيروسكراطية (قبل سقراط) ، وكان تلميذاً للفيلسوف لوسيبيوس عاش في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد ، ولوسيبيوس هو الذي صاغ المذهب الذري للكون والذي سيرتبط بإسم ديمقريطس ( أنظر س . بيلي ؛ الذريون اليونان وأبيقور ؛ نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1928) . وبالمناسبة إن الفيلسوف إفلاطون يكره ديمقريطس ويتمنى لو حُرقت جميع كتبه (أنظر : برتراند رسل ؛ تاريخ الفلسفة الغربية ، نشرة دارسيمون 1972 ، ص ص 64 – 64) . ويُنظر إلى ديمقريطس كمؤسس للعلم الحديث ( أنظر : مجموعة باحثين بإشراف بالما كوسين ؛ إنسكلوبيديا الأدب والعلم ، نشرة دار كرين وود للناشرين 2002 ، ص ص 32 – 33) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

” زينون الأكتومي ” بتجديد مذهب الفيلسوف هرقليطس (535 – 475 ق.م) ، فكان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وهرقليطس هو من فلاسفة المرحلة البروسكراتية (ما قبل سقراط) ، وفي الإصل أيوني من مدينة إفسوس (تركيا) . والمصدر الوحيد عن حياته ، موسوعة ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة (للإطلاع أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011) . وهو فيلسوف النار والتبدل (ألا تتفق معي هنا بإن من أثار الحصار الفارسي الطويل ومن ثم الإحتلال وإنتشار معابد النار الزرادشتية المتنقله مع الجيش الفارسي قد تركت أثرها في البيئة الثقافية اليونانية ، ومن ثم تسربت إلى نظام هرقليطس الفلسفي) . ومن أهم أعماله التي ذكرها لارتيوس رسالته المعنونة ” في الطبيعة ” والتي تتألف من ثلاثة أقسام ؛ في الكون ، وفي السياسة ، وفي اللاهوت . ووفقاً للارتيوس وبالإعتماد على الفيلسوف ” ثيوفرستوس (371 – 287) المشائي وخليفة أرسطو على مدرسته المشائية ، إن هرقليطس هو الفيلسوف البكاء (الحزين) مقارنة مع الفيلسوف ديمقريطس الذي هو الفيلسوف الضاحك (المتفائل) (أنظر : شارلز كان ؛ فن وتفكير هيرقليطس : مقاطع مترجمة وشروح / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، لندن 1979 ، ص ص – 23) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك إعلان عن نشوء إتجاهين فلسفيين في الأبستمولوجيات فيهما روح التجديد للأبستمولوجيا الديمقريطية الذرية التعددية (نسبة إلى الفيلسوف ديمقريطس البديري) ، والأبستمولوجيا الهرقليطية الواحدية (النار) والتغيُر الأزلي . عُرف الأول بالأبيقورية ، وسُمي الثاني بالرواقية . والحقيقة إن العقل الإسلامي قد عرف هذين الإتجاهين مباشرة أو من خلال نقول فلسفية إفلاطونية محدثة ، وحاورهما وكان لهما من الأثر في الكثير من المقاربات داخل عمارة مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي .

والسؤال الذي نرفعه هنا : مارصيد الأبيقورية في مضمار فلسفة الأبستمولوجيات ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ديمقريطس البديري والأبيقورية :

  من الثابت إن أبيقور قد درس على يد نوسفانس (إزدهر سنة 325 ق.م) وكان واحداً من تلاميد الفيلسوف الذري ديمقريطس (أنظر ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب التاسع) . وهناك إعتقاد إلى إن أبيقور إستخلص من محاضرات نوسفانس ثلاثة معايير للصدق لقانونه المعروف (المصدر السابق ، الكتاب العاشر) (أنظر : ج . ويارن ؛ أبيقور وأخلاق ديمقريطس (أو الأخلاق الديمقريطية نسبة إلى ديمقريطس) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2002) . وبالإضافة إلى ديوجانس لارتيوس ، فإن مصادرنا عن الفيلسوف ديمقريطس تصعد إلى فترة أبعد بكثير من عصر ديوجانس ، وبالتحديد تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد ، فقد وردت إشارات عنه عند إفلاطون ومن ثم عند تلميذه أرسطو .

  صحيح إن مواقف إفلاطون كانت عدائية من الفيلسوف الذري ، فقد أظهر كراهية شديدة لديمقريطس ، وتمنى ” حرق جميع مؤلفاته ” وهذا إعتراف إفلاطوني على إن مؤلفات ديمقريطس كانت متداولة في عصر إفلاطون . أما أرسطو فقد كان يتابع ديمقريطس ، وذلك لكون الأخير كان فيلسوفاً عالماً ، وهذا ما يتماشى وتطلعات الفيلسوف العالم أرسطو (أنظر : برتراند رسل ؛ تاريخ الفلسفة الغربية (مصدر سابق) ، ص ص 64 – 65) . وعلى هذا الأساس أعتبر العديد من الباحثين ، إن ديمقريطس يستحق أن يكون ” أباً للعلم الحديث ” (أنظر : باملا كوسين ؛ إنسكلوبيديا الأدب والعلم 2002) . وإشتهر هرقليطس بلقب الفيلسوف الضاحك ، وذلك لسخريته من حماقات الناس (أنظر : كوبهام برور ؛ مُعجم الأقوال والحكايات ، نشرة دار أفنيل للكتب ، إنكلترا 1978 ، ص 3) .

  ولد ديمقريطس (460 – 370 ق.م) في مدينة إبديرا – تراقيا (وهي مستعمرة يونانية ، وقد ولد حسب رواية أبولودورس الأثيني (180 – ومات ما بعد 120 ق.م) وهو مؤرخ يوناني (وتلميذ الفيلسوف العراقي الرواقي ديوجانس البابلي) في الأولمبياد الثمانين (الواقع بين 460 – 457 ق.م) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب التاسع ، الفقرة رقم 41) . ولكن عالم النحو الإسكندراني ثيرليوس مانديس (نسبة إلى مدينته تل الربيع المصرية) (إزدهر في نهايات القرن الأول قبل الميلاد والأول الميلادي ، وتوفي عام 36 ميلادية) وهو الناشر لمؤلفات ديمقريطس (وكذلك مؤلفات إفلاطون)(أنظر : فردريك كرامر ؛ علم التنجيم والقانون والسياسة الرومانيين ، نشرة الجمعية الفلسفية الأمريكية 1954) يرى إن ولادة هرقليطس كانت عام 470 ق.م وهذا ما يتناغم ورواية ديوجانس لارتيوس السابقة (أنظر : جون برنيت ؛ الفلسفة اليونانية : من طاليس وإلى إفلاطون ، نشرة دار ماكميلان ، لندن 1955 ، ص 194) .

  لقد كان ديمقريطس فيلسوفاً محظوظاً ، فقد ورث من والده ثروة كبيرة ، مكنته من القيام برحلات إلى بلدان وحضارات متنوعة ، فزودته بمعارف وخبرات علمية مختلفة . وفعلاً فقد زار أسيا ، ووصل إلى الهند وأثيوبيا ، وزار بابل ومصر . ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، فإن ديمقريطس تعرف على ” الحكماء الكلدان ” . وهنا أود أن أشير إلى إن رواية ديوجانس قد وقع فيها إرتباك ، وذلك عندما خلطت بين ” علماء الفلك البابليون ، وهم الكلدان ” والأصطلاح الذي إستخدمه ديوجانس وبالترجمة الحرفية ” المجوسي الكلداني ” وهذا خطأ مكشوف وخلط وقع فيه ديوجانس . وبعد ذلك إستقامت عبارة ديوجانس عندما تحدث عن إتصال ديمقريطس أو تلمذته على يد ” الحكيم الزرادشتي = المجوسي ” ، وبالتحديد على يد واحد من الحكماء الإيرانيين المشتغليين بالخيمياء (والذي يطلق عليه إسم أوستن) والذي كان مصاحباًً لكسرى (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، التاب التاسع ، الفقرة رقم 35) .

  ومن ثم عاد إلى مدينته إبديرا ، وإنشغل بدراسة الفلسفة الطبيعية ، وقام برحلات متعددة لليونان ، وتعرف على ثقافاتها المتنوعة ، وذكر عدداً من فلاسفة اليونان في مؤلفاته . وفعلاً فإن ثروته الطائلة ، مكنته من شراء مؤلفاتهم . أما الحديث عن الفيلسوف الذري ليوسبيوس (أو ليوكبيوس) (إزدهر في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد) ، فهو حديث له طعم خاص ، يضعنا أمام أستاذ فيلسوف وهو ليوسبيوس ، وتلميذ فيلسوف هو ديمقريطس ، ومدرسة فلسفية هي المدرسة الذرية ، التي أسسها ليسبيوس حوالي عام 440 أو 430 ق.م في إبديرا ، وعُرفت بمدرسة إبديرا الذرية . وليسبيوس من أوائل الفلاسفة اليونان وفيلسوف رائد في مضمار  النظرية الذرية ، وفكرتها تنهض على ” إن كل شئ في العالم يتألف من عناصر صغيرة غير قابلة للإنقسام ، وأطلق عليها الذرات ” ومن بعده وسعها بتفاصيل ، وصاغها بصورة منظمة ، تلميذه وخليفته ديمقريطس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب التاسع ، الفقرات رقم 30 – 33) .

  أما مؤلفات الفيلسوف الذري ديمقريطس ، فهي من الكثرة والتنوع  ، ولذلك نصنفها بالشكل الآتي :

أولاً – كتب الأخلاق : فيثاغوراس ، في مزاج الإنسان العاقل ، في الأشياء في هاديس (العماء / مكان في الإسطورة اليونانية) ، في الفضيلة ، في القناعة ، والشروح الأخلاقية .

ثانياً – في العلم الطبيعي : نظام العالم (وهناك إعتقاد بأن لوسبيوس أستاذ ديمقريطس هو الذي كتبه) ، كوسموغرفي (وصف الخصائص الرئيسة للكون) ، في النباتات ، في الطبيعة ، في طبيعة الإنسان أو في الجسم (كتابان) ، في العقل ، في الحواس ، في الطعوم ، في الألوان ، في الأشكال المختلفة ، في الأشكال المتغيرة ، في الصور ، في المنطق (ثلاثة كتب) (في الحقيقة إن هذه العناوين كافية للقول إن ديمقريطس ألهم الفيلسوف أرسطو الكثير الكثير ، وبالطبع ألهم أبيقور وفلاسفة الأبيقورية) .

ثالثاً – الطبيعة : الأسباب العلوية (السماوية) ، الأسباب القارية (بين القارات) ، الأسباب الأقليمية (المناطقية) ، الأسباب المتعلقة بالنار والأشياء في النار ، الأسباب المتعلقة بالبذور والنباتات والفواكه ، الأسباب المتعلقة بالحيوانات (ثلاثة كتب) ، الأسباب المتنوعة ، وفي المغناطيس (سبق إن ذكرنا بأن أرسطو إعترف بمكانة ديمقريطس العلمية على خلاف أستاذه إفلاطون الذي أظهر كرهاً له . إن عناوين هذه المجموعة من مؤلفات ديمقريطس تحمل الباحث على القول إنها سجلت حضوراً في مادتها والموضوعات التي ناقشتها في كثير من المباحث التي درسها وكتب فيها أرسطو) .

رابعاً – الرياضيات : في إختلاف الزوايا أو تماس الدوائر ، في الهندسة ، في الأعداد ، في الخطوط والأجسام (كتابان) ، السنة العظيمة أو الفلك (تقويم) ، الساعة المائية ، وصف السماء ، الجغرافية ، وصف الأقطاب ، وصف أشعة الضوء ..

خامساً – الآدب : في الإيقاع والنغم ، في الشعر ، في جمالية بعض المقاطع الشعرية ، في هوميروس ، في الأغنية ، في الأفعال ، الأسماء ..

سادساً – أعمال مهنية : التكهن الطبي (موت المريض) ، في الحمية (نظام الأكل) ، الحكم الطبي ، في الزراعة ، في الرسم ، القتال في المدرعة ..

سابعاً – الشروح : في الكتابات البابلية المقدسة ، حول الذين في مراوه (مصر) ، في التاريخ ، الحسابات الكلدانية ، الحسابات الفرجية (نسبة إلى شعوب هندو – أوربية سكنت مناطق أسيا الصغرى مثل إنطاكيا..) في أمراض القحة وإرتفاع الحرارة ، الأسباب القانونية ، والمشكلات (أنظر جريدة مؤلفات ديمقريطس عند : جونثان بيرنز ؛ بواكير الفلسفة اليونانية ، نشرة دار بنكوين 1987 ، ص ص 245 – 246) .

  تابع ديمقريطس التقليد الفلسفي العلمي الذي وضعه أستاذه ليوسبيوس . ويبدو إنه حمله معه من مليطيا . وكلاهما إعتقدا إن كل شئ يتألف من ذرات ، وهي جسيمات غير قابلة للإنقسام ، وبين الذرات يوجد فراغ ، وهي دائمة الحركة . وهناك عدد لامحدود من الذرات ، وإنواع الذرات تختلف من ناحيتي الشكل والحجم (أنظر : رسل ؛ المصدر السابق ، ص ص 64 – 65) . ولهذا كانت فلسفتهما فلسفة جبرية – مادية (حتمية) تقوم على إن كل شئ في العالم هو نتيجة القوانين الطبيعية . وعلى هذا الأساس الذري (المادي) والحتمي(قوانين الطبيعة) ، رأوا إن تفسير العالم لا يحتاج إلى غرض أو محرك أول أو سبب نهائي (أي لايحتاج إلى تدخل خارجي مثل الله) (المصدر السابق) .

  وعلى هذا الأساس إعتقد ديمقريطس بأن الأرض مدورة ، وإن الكون ليس أكثر من ذرات دقيقة في حالة فوضى ، ومن ثم أخذت تتصادم بعضها بالبعض ، فتلتقي وتتجمع سوية في صورة كبيرة . وهذا التصور الميكانيكي للذرات يشمل الأرض وكل شئ (أنظر : جونثان برنز ؛ المصدر السابق) . وآمن ديمقريطس بوجود عوالم عديدة ، منها في حالة نمو ، ومنها من إندثر وتلاشى . ومنها دون شمس أو قمر ، وبعضها له شموس وأقمار عديدة ، وإن كل العوالم لها بداية ونهاية . كما ويرى إن العوالم ممكن تتعرض للدمار ، وذلك من خلال إصطدام بعضها بالبعض الأخر (أنظر : رسل ؛ المصدر السابق ، ص ص 71 – 72) . 

  ومن ثم ترتب على هذا الموقف الفلسفي المادي الحتمي ، نظرية في الأبستمولوجيا . فمثلاً إن معرفة الحقيقة (أوالصدق) وفقاً لديمقرطس من الصعوبة بمكان ، وذلك ما دمنا نعتمد على الإدراك الحسي . والحواس هي ذاتية إذ منها نحصل على إنطباعات ، وهي تختلف من فرد وأخر . ولهذا إعتقد ديمقريطس إن الإنطباعات الحسية لاتساعدنا على محاكمة الحقيقة . ولكن في الوقت نفسه إن كل مانقوم به ، هو تفسير المعطيات الحسية  من خلال الفكر (العقل) . وهذا هو طريق إدراك الحقيقة . ولعل ذلك يعود إلى إن الحقيقة دائماً هي في القاع . وحسب رواية أرسطو ، فإن ديمقريطس يقول : أما ليست هناك حقيقة ، أو بالنسبة لنا فإنه لا يوجد هناك دليل (أرسطو ؛ الميتافيزيقا ، الكتاب الرابع ، الفقرة رقم 1009 ب 7) .

  أما في الأخلاق والسياسة ، فكل ما وصلنا أمثال ، نحاول الإستشهاد ببعض منها . يقول ديمقريطس ” المساواة في كل مكان نبيلة ” . ويقول ” الفقر مع الديمقراطية أفضل من الإزدهار مع الطاغية ” (أنظر : جونثان برنز ؛ المصدر السابق) . كما إن ديمقريطس كان رائداً في الرياضيات ، والهندسة على وجه الخصوص . وإن كل معرفتنا جاءت من خلال الإقتباسات من أعماله في الأعداد ، وفي الهندسة (أنظر : فيليب ويلرايت ؛ الفلاسفة قبل سقراط ، نيوجرسي 1966 ، ص 183) . وهذا الموقف يكشف عن حجم الصعوبة التي تواجهنا في فهم الأسباب التي حملت أبيقور على كره الرياضيات .

  وتوافرت لنا بعض أسماء الفلاسفة ، الذين إنتموا إلى مدرسة ديمقريطس ، منهم الفيلسوف مترودورس (إزدهر في القرن الرابع قبل الميلاد) . وحسب رواية ديوجانس لارتيوس ، هو واحد من تلاميذ ديمقريطس  ، وقد قبل النظرية الذرية التي طورها ديمقريطس ، وفرضية الفراغ بين الذرات ، وتعدد العوالم . ويُنظر إلى أبيقور على إنه خلفاً له (أنظر : ديوجانس لارتيوس : حياة وآراء مضاهير الفلاسفة ، الكتاب التاسع ، الفقرة رقم 58) . وقيل إن مترودورس كان أستاذ الفيلسوف ديوجانس الساميراني ، الذي بدوره كان أستاذ الفيلسوف الذري إنكساراكس (380 – 320 ق.م) (المصدر السابق) ، وهو من مدرسة ديمقريطس ، وصاحب الإسكندر المقدوني إلى أسيا (أنظر : المصدر السابق ، الفقرتين رقم 60 و61) . وفلسفته بوجه عام فيها طرف من نظرية ديمقريطس الذرية ، وطرف من شكية بيرون (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد المنطقيين ، الكتاب السابع ، الفقرة رقم 88) .

    وأخيراً نشير إلى الفيلسوف وأستاذ أبيقور نوسفانس (كان حياً في عام 325 ق.م) وكان له إتصال بفلسفة ديمقريطس ، وفي الوقت نفسه كان تلميذاً للفيلسوف الشكي بيرون (أنظر : ديوجانس لارتيوس ، المصدر السابق ، الكتاب التاسع) وفي وقت من الزمن إستمع أبيقور إلى محاضراته (أنظر المصدر السابق ، الكتاب العاشر). 

   ونحسب من النافع إن نشير في مسك الختام عن ديمقريطس ومدرسته الذرية إلى إنها جسدت نوعاً من أشكال الحوار بين الحضارات في ذلك الوقت المتقدم . فمثلاً إن عناوين بعض مؤلفات ديمقريطس إضافة إلى زياراته إلى بابل ومصر والهند تدلل على التواصل الحضاري بين الحضارات العراقية والمصرية والحضارة اليونانية ، وقدمت شهادة على لسان الفيلسوف ديمقريطس على إن أثرهما في إنشاء علوم الفلسفة عند اليونان واضح ومكشوف  . ومعروف إن زيارات ديمقريطس على الأقل إلى بابل كانت مسبوقة ، فقد زار طاليس (فيلسوف اليونان الأول) بابل وجلب معه التقاويم الفلكية البابلية وإستفاد منها في تحديد سنة الكسوف ومانتج منها من فوائد مادية حصدها طاليس من تأجير معاصر الزيتون ، وزيارة الفيلسوف فيثاغوراس إلى بابل وتعرفه على الإنجازات الرياضية وبالتحديد على المبرهنة المعروفة مبرهنة فيثاغوراس والتي هي نظرية رياضية عراقية ، كما وجلب معه الأورفية من هناك أو من سوريا التي كانت جزء من إمبراطورية بابل يومذاك . وهذه الزيارات لم تكن الأخيرة ، وإنما إفلاطون سيقوم بزياراته إلى مصر . وإذا كانت هذه أمنيات الفلاسفة ولذلك قاموا برحلات حج علمية إلى العراق ومصر . فإن الإسكندر المقدوني حقق أمنيات العقل الجمعي اليوناني ، فزحف بجيوشه نحو الشرق ، وهكذا إمتزجت الحضارة اليونانية بحضارات الشرق ، فتكون مزيج فلسفي عجيب في سلوقيا العراق والشام الكبرى ، ومصر البطالسة . وإنتشرت مدارس الرواقية في العراق والشام ، وسادت الفيثاغورية الجديدة والإفلاطونية المحدثة في مصر والقورينائية في ليبيا ..

    ولعل الشاهد الأخر هو الفيثاغوري الجديد أبولونيوس التايني الذي تجول في العراق ، وزار نينوى وبابل وإصطحب معه حواريه الموصلي دميس الذي كتب مذكراته وأقواله وسيكون المصدر المهم الذي إعتمد عليه الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس في الكتابة عن حياة أبولونيوس التايني (بعد إن سلمته له الإمبراطورة الرومانية ذات الأصول العربي جوليا دومينا) . كما وتطلع الفيلسوف إفلوطين إلى زيارة الهند وبابل وإيران . ولكن أمنيته لم تتحق وذلك لأن الحملة العسكرية التي إلتحق بها فشلت ، ففر بجلده عائداً دون تحقيق أمنيته العلمية الفلسفية .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولاً نرى من النافع الإشارة إلى إن الأبيقورية قذ وضعت نفسها في موقف الند مع المدرسة الرواقية . وإن مؤسس الأبيقورية ، هو الفيلسوف أبيقور (341 – 270 ق.م) والذي أسس مدرسته قبل قيام زينون الأكتومي بتأسيس مدرسته الرواقية بسنة أو سنتين (أنظر : ستس ؛ مصدر سابق ، ص 354) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المدرسة الفلسفية الأبيقورية : فلسفة وأتباع

في الواقع إن الأبيقورية نظام فلسفي نهض على تعاليم الفيلسوف أبيقورس (والذي أسس المدرسة عام 307 ق.م) . وفعلاً فإن أبيقور أقام مدرسته في بيته وبالتحديد في حديقة البيت ولذلك عُرفت الأبيقورية بمدرسة أو فلسفة الحديقة والفيلسوف أبيقور بفيلسوف الحديقة ، وأتباعه بفلاسفة الحديقة . وإن كان في حياته عددهم صغيراً  ، من ضمنهم هرماركوس (325 – 250 ق.م) وهو خليفة أبيقور على المدرسة ، وله كتابات ضد إفلاطون وأرسطو وإنباذوقليس ، وقد حفظ لنا فرفريوس الصوري فقرة من معارضته لإنباذوقليس (أنظر : كابي ألكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 ، ص ص 51 – 52) . وأدومينيوس (325 – 270 ق.م) وهو صديق وحواري للفيلسوف أبيقور (المصدر السابق ، ص 51) ، وكولتس لامبسكينوس (320 – وتوفي ما بعد 268 ق.م) وهو واحد من أشهر حواري أبيقور ، حتى إنه كتب عملاً أثبت فيه إستحالة العيش وفقاً لمبادئ فلاسفة أخرين ، والتي أهداها إلى الملك بطلميوس الرابع (حاكم مصر للفترة مابين 221 – 205 ق.م) ، وقد فندها بلوتارك (46 – 120 ق.م) برسالة جاءت بعنوان : ضد كولتس ، برهن فيه على إستحالة العيش وفقاً لمبادئ أبيقور (أنظر : بلوتارك : ضد كولتس : حواري أبيقور المفضل ، مترجمة إلى الإنكليزية 2009 أون لاين) . وبولينيوس (340 – 285 ق.م) وهو عالم رياضيات وصديق حميم لأبيقور ، و ميترودوس (331 – 278 ق.م) وهو فيلسوف أبيقوري كان له مكانة عند أبيقور ، وتنسب له العديد من المؤلفات ، منها ضد الأطباء (3 مجلدات) ، ضد السفسطائيين (9 مجلدات) ، في الطريق إلى الحكمة ، ضد ديمقريطس … (كابي أليكرا وأخرون ؛ المصدر السابق ، ص 51) .

وبعد موت أبيقور ، قاد المدرسة الأبيقورية هرماركوس ، ومن ثم إزدهرت العديد من الجمعيات الأبيقورية ، خصوصاً في نهايات المرحلة الهيلينستية ، خلال الحكم الروماني ، وبالتحديد في إنطاكيا ، والإسكندرية ، ورودس … ولعل الفيلسوف والشاعر الأبيقوري لوكرتيوس (99 – 55 ق.م) هو الذي خلد عقائد الأبيقورية في قصيدته الملحمية المعنونة في طبيعة الأشياء أو طبيعة الكون (أنظر : هورد جونز ؛ التقاليد الأبيقورية ، نشرة دار روتلدج ، لندن 1989) .

وفي نهاية الإمبراطورية الرومانية عانت الأبيقورية الكثير من الإضطهاد والهجوم من أتباع الديانة المسيحية ، وكادت تتلاشى ، ولكن جاء القرن السادس عشر فطبع كتاب ديوجانس لارتيوس ، فعاد الإهتمام بالأبيقورية وخصوصاً إن الكتاب العاشر من موسوعة لارتيوس تناول الأبيقورية وأتباعها . ومن ثم في القرن السابع عشر فتم بعثها من جديد على يد الفيلسوف الذري بيير جاسندي (1592 – 1655) وخصوصاً في  الكتابين اللذين كتبهما وقدم فيهما شرحاً على الكتاب العاشر من موسوعة ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (المصدر السابق) .

وأبيقور مادي ذري ، تابع خُطى الفيلسوف ديمقريطس . ويبدو إن مادية ديمقريطس قادته إلى نقد الشائع من أراء حول تدخل الأله في العالم وحياة البشر . كما ويرى الباحثون في تاريخ الفلسفة ، إن أبيقور إستبطن أراء الفيلسوف أرستبس القورينائي (435 – 356 ق.م) والذي كان تلميذاً للفيلسوف سقراط ، وأرستبس أو حفيده أرستبس الصغير يُعدان مؤسسين للمدرسة القورينائية(اليوم جزء من ليبيا) في الفلسفة (وهي من المدارس السقراطية) . والحقيقة إن أبيقور إستبطن رأي أرستبس في اللذة ، حيث ذهب الأخير قائلاً : ” إن هدف الحياة هو البحث عن اللذة .. ” ولذلك إعتقد أبيقور بأن اللذة هي أعلى درجات الخير . إلا إن طريق الوصول إليها يكون من خلال الحياة المتواضعة وإكتساب المعرفة والحد من الرغبات . والحاصل من ذلك الوصول إلى حالة الهدوء ، والتحرر من الخوف وغياب الألم الجسدي . وهذا الحال جعل الأبيقوريين يتطلعون للوصول إلى أعلى درجات السعادة . ومن هذا الطرف يُنظر إلى الأبيقورية إلى إنها شكل من أشكال مذهب اللذة (هيدونزم) .

ولكن وفقاً لما تحدثنا عنه سابقاً نلحظ هناك إختلافاً بين الأبيقورية ومذهب اللذة . فمثلاً إن الأبيقورية أعلنت بأن اللذة هي الخير الحقيقي الوحيد . كما وأكدت على إن مفهومها عن غياب الألم هو أعلى درجات اللذة . وأخيراً جاء دفاعها عن الحياة البسيطة والحد من الرغبات . إن كل ذلك يجعلها تختلف عن مذهب اللذة في مفهومه العام .

والواقع إن أبيقور كان دائماً يؤكد على إن الصداقة هي مكون أساس من مكونات السعادة . ومن هذ الطرف كانت المدرسة الأبيقورية بأشبه ما تكون مجتمع أصدقاء يعيشون الحياة سوية . ورغم هذا الحال الأبيقوري ، فقد لاحظ الدارسون إن هناك نظاماً هرمياً وضعه أبيقور يحكم حياة الجماعة الأبيقورية ، يتألف من مستويات مختلفة يتوزع فيها الأصدقاء الأبيقوريين . وكان شرط من شروط أبيقور للإنتماء إلى مجتمع الأصدقاء أداء اليمين الذي ينص على التمسك والإلتزام بعقائد الأبيقورية .

ومن النافع أن نختتم كلاما عن الأبقورية بالأشارة إلى ما يتردد في المصادر الغربية التي إعتنت بتاريخ الفلسفة اليونانية عامة والأبيقورية خاصة ، والتي نحسبها غير دقيقة وفيها مجانبة لحقائق تاريخ الفلسفة اليونانية . فقد ذكرت هذه المصادر إلى إن مدرسة أبيقور هي أول مدرسة فلسفية سمحت للنساء بالدخول إليها قاعدة وليس إستثناءً . هذا الكلام عام فيه تشويش على القارئ ، فقد بينا في أبحاث عديدة بأن الفيثاغورية وبالتحديد قبل ولادة أبيقور بأكثر من قرنيين من الزمن فتحت أبواب مدارسها لكلا الجنسين . وإن البيت الفيثاغوري شهد حالة تاريخية متميزة وهي إن زوجته كانت فيلسوفة وإن بناته الثلاث كُن فيلسوفات وإن حفيدته الفيلسوفة باتيل كانت فيلسوفة ، وإن تاريخ الفيثاغورية المتوسطة والمتأخرة عرف فيلسوفات ، فمثلاً كانت أُم  الفيلسوف إفلاطون فيلسوفة فيثاغورية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع خريف 2011 وهو عدد خاص بعنوان الفلسفة والمرأة) . والمدرسة القورينائية التي أسسها أرستبس والتي سبقت الأبيقورية ، فتحت أبوابها لتعليم الفلسفة للنساء ، وكانت الفيلسوفة أريتا القورينائية (أنظر : محمد جلوب الفرحان : دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع خريف 2011 وتحول هذا البحث إلى موجة عارمة نشرته مجلات عديدة ومواقع إلكترونية كثيرة) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن ما يهمنا من رصيد الأبيقورية جانبان :

الأول – الموقف الفلسفي الأبيقوري من العلوم ، لأننا نحسب إن هذا الموقف سيظهر له صدى داخل بنية الفلسفة الأبستمولوجية لبعض الفلاسفة المسلمين .

الثاني – الخارطة الأبستمولوجية التي وزع فيها أبيقور العلوم داخل عمارة الفلسفة ، والتي كانت خارطة فلسفة الأبستمولوجيات الإنموذجية ، والتي سيكون لها حضوراً في داخل مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي * ، وخصوصاً ترجيح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عرف العقل الإسلامي ” أبيقورس ” وذلك كما قرأه حنين بن إسحاق في كتابه آداب الفلاسفة (مصدر سابق ، ص 47) . وقد قرأه الشهرستاني بصورة صحيحة ” البيقورس ” (الشهرستاني ؛ الملل والنحل ، تحقيق عبد الأمير علي مهنا وعلي حسن فاعور ، دار المعرفة ، ط3 ، بيروت 1993 ، ج1 ، ص 398 ، فقد تناوله وبحث في فلسفته ، ص ص 425 – 426) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعض العلوم وجعلها تتقدم برنامج تعليم فلسفة المعرفة .

أما فيما يتعلق بالجانب الأول ، فنرى إن الفلسفة الأبيقورية قد أعلنت عن إنكارها أن يكون للإنسان الحق في الإشتغال بالعلم من أجل العلم ، وذلك حسبما رأى أبيقور : إن ذلك ” لا يُفيد شيئاً ، إذا لم يكن تحته عمل أو إذا لم يؤدي عن طريق العمل والتطبيق إلى السعادة ” (عبد الرحمن بدوي ؛ خريف الفكر اليوناني ، ط5 ، بيروت 1979 ، ص 10) . ولعل السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو : ماذا ترتب على هذا الموقف الأبيقوري من العلم ؟ ترتب صدور أحكام أبيقورية صعبة ” تدعو إلى الإستغراب والإندهاش ” منها إنه أنكر ” على الفيلسوف الإشتغال بالرياضيات والتاريخ والموسيقى ” . ومن المبررات التي قدمها في شرح موقفه مثلاً من الرياضيات ، هو إنه يرى إن الرياضيات ما هي إلا إستنتاج ” من مصادرات كاذبة ، وإنها غير مفيدة إطلاقاً ” (المصدر السابق) . ونحسب إن هذه الموقف الأبيقوري الغريب من الرياضيات يتعارض مع تطلعات واحد من الأبيقوريين والصديق الحميم لأبيقور ، وهو عالم الرياضيات بولينيوس . ولاحظنا حتى ديوجانس لارتيوس يؤكد على إن ” بولينوس إتفق مع أبيقور على عدم جدوى الهندسة ” (ديوجانس لارتيوس : حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 ، الكتاب العاشر) * . وهذه مسألة ظلت محيرة في فهم التوفيق بين موقف أبيقور من الرياضيات وإتفاق عالم الرياضيات بولينيوس مع أبيقور على عدم جدوى الهندسة . صحيح إن البعض رأى إن بولينيوس هذا هو غير بولينيوس الأبيقوري  وفي هذا حل مؤقت يتطلب الكثير من البحث * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وفقاً لمصادرنا الأساسية مثل شيشرون ، بلوتارك وديوجانس لارتيوس يصبح من الصعوبة بمكان في الحديث عن بولينيوس الأبيقوري غير بولينيوس عالم الرياضيات وصديق ومساعد ابيقورس في قيادة مدرسته . على كل إن الحديث عن سيرة بولينيوس هو الحديث عن عالم الرياضيات اليوناني وصديق أبيقور ، وهو إبن إثنوديروس . بدأت صداقته مع أبيقور عندما هرب الأخير من مدينة ميتليني عام 307 ق.م أو 306 ، ومن ثم أسس مدرسة فلسفية في لامبسوكس ، وأقام علاقات مع عدد من المواطنين في المدينة من أمثال بيثوكلس ، كولتس وأديمونس . ومع هؤلاء رحل أبيقور إلى أثينا ، وهناك أسسوا مدرستهم الفلسفية التي قادها أبيقور . بينما أصبح بولينيوس ، هرماركوس وميترودورس مساعدين له (أنظر : ج . دونالد وأخرون ؛ إنسكلوبيديا الفلسفة الكلاسيكية ، 1997 ، ص 446) . ومن مؤلفات بولينيوس :

1 – في التعريفات (ويبدو إنه في المنطق)

2 – في الفلسفة

3 – ضد أرستو (إزدهر عام 260 ق.م) وهو فيلسوف رواقي وزميل لمؤسس الرواقية زينون الأكتومي

4 – حول القمر

5 – الألغاز

6 – ضد الخطباء (أنظر : وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ، بوسطن 1867 ، مادة الأبيقورية) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونحسب إنه من المفيد الإشارة إلى نظرة أبيقور إلى الفلسفة ، لأننا نظن إن هذه النظرة ستكون حاضرة بدرجات متفاوتة داحل تجارب إسلامية ساهمت في إنجاز لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي* . فأبيقور يُعرفُ الفلسفة على إنها ” طب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على هذا الموقف الإسلامي ، أنظر : الرازي ؛ كتاب الطب الروحاني ، منشور في كتاب : رسائل فلسفية لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي ، نشرة بول كراوس ، مصر 1939 ، ج1 ، ص 28 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للنفوس ” وإن هدف إكتساب ” المعرفة ليس من أجل المعرفة ، وإنما للتنظيم العملي للحياة ” وعلى هذا الأساس أظهر ” إحتقاره للعلوم الجزئية ” (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 249) .

أما ما يتعلق بالجانب الثاني ، أي الخارطة الأبستمولوجية التي وزع فيها العلوم داخل عمارة الفلسفة . فمن الملاحظ على علوم هذه الخارطة إنها ترتبت لتشكل مصفوفة أبستمولوجية تتحرك داخل العمارة الفلسفية . وكونت في الوقت ذاته منهجاً دراسياً ، يُفترض بطالب الفلسفة أن يدرسه ، علماً علماً وحسب ترتيبها في الخارطة . والحقيقة إن تجارب فلسفية إسلامية عدة قد فتحت حواراً مع هذه المواقف الأبيقورية . وضمت بعض هذه العلوم وبالترتيب الأبيقوري داخل بنية مشروع الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على حضور الترتيب الأبيقوري ، أنظر : إبن سينا ؛ الإشارات والتنبيهات ، تحقيق سليمان الدنيا ، القاهرة بلا تاريخ ، القسم الأول ، ص 159 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتقدم العلوم في الخارطة الأبيقوري ” علم المنطق ” والذي أسماه أبيقور بالعلم القانوني . وهذه التسمية ستتردد في أكثر من نص منطقي إسلامي * . ويرى أبيقور إن العلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على هذا الموقف المنطقي ، نشير إلى ما عمله إبن سينا ، ولبيان ذلك أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دراسة في المشروع المنطقي للغة عند إبن سينا ، مجلة الباحث العدد (19) بيروت سنة 1981 ، ص 89 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القانوني يهتم بالإدراك الحسي ، وهو معيار الصدق (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق) . وهنا ألفت الأنظار إلى أهمية هذا التوجه في المنطق والذي يختلف عن التوجه الأرسطي * ، مما يجعلنا أن نقول دون تردد إن العقل الإسلامي كان قارئا بمستوىً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على المواقف المنطقية الإسلامية المرجحة للمواقف الأبيقورية على المواقف الأرسطية ، راجع مثلاً : إبن تيمية ؛ كتاب الرد على المنطقيين ، بمباي 1947 ، ص ص 6 وما بعد . ومن المفيد أن نشير هنا إلى إن الأبيقورية حملت المذهب الذري إلى دائرة الثقافة الأسلامية عامة ودوائر علم الكلام خاصة ، ولذلك ستتشكل نزعة ذرية طاغية على المباحث الكلامية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عال للمواقف المنطقية الأرسطية والرواقية . وإن إنحياز بعض المواقف الإسلامية نحو جادة الإستقراء جاء من خلال ترجيح الموقف الأبيقوري على الموقف الأرسطي .

ونحسب من النافع الإشارة إلى إن العلم القانوني عند الأبيقورية يختلف عن المنطق الرواقي الذي يهتم بتحليل القضايا وأشكال الحجج ( أنظر : أرمسترونك ؛ مدخل إلى الفلسفة القديمة ، لندن 1955 ، ص ص 132 – 133) . كما وإن إشتغال أبيقور بالمنطق لا يدلل على إن لرجل كان معنياً بالمنطق العلمي . وإنما كان همه موجهاً إلى نقد المعرفة (الأبستمولوجيا) و ” النظر في علامات الحقيقة ” ( كرم ؛ المصدر السابق ، ص 215) .

ويأتي بعد علم المنطق في الخارطة الأبستمولوجية ، العلم الطبيعي (الفيزياء) وهو يشمل ” علم النفس واللاهوت ” (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 131) . والحقيقة إن إهتمام أبيقور بموضوعات الطبيعيات جاء لسبب وحيد ، وهو إن قوى الطبيعة يمكن الإعتماد عليها في تبديد المخاوف من العقول البشرية (أنظر : ستس ؛ المصدر السابق ، ص 355) . وإن نظرته الخاصة إلى العلم الطبيعي تقوم على إن ليس له قيمة ذاتية ، وإنما هو مع إستقلاليته يعمل لصالح علم الأخلاق (كرم ؛ المصدر السابق ، ص 226) .  والواقع إن ضم أبيقور لعلم النفس إلى العلم الطبيعي يعود إلى إن أبيقور تبنى الموقف الذري الذي يصعد إلى الفيلسوف الطبيعي اليوناني ديمقريطس ، والذي يرى إن النفس تتألف من ذرات وهي جسم . وإن دراسة الأجسام هي موضوع العلم الطبيعي (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 135) .

وعلم الأخلاق يحتل مكانة مهمة في الخارطة الأبستمولوجية التي وضعها الأبيقوريين . والأخلاق عندهم مركز الفلسفة وغايتها . ولهذا رفض أبيقور كل علم لا يكون له إتصال بعلم الأخلاق . وربما هذا الموقف ينفعنا في فهم رأي أبيقور السابق حول الرياضيات ، ولهذا جعل أبيقور العلم القانوني (المنطق) والعلم الطبيعي في خدمة الأخلاق (أنظر : كرم ؛ المصدر السابق ، ص 215) .

ونلحظ خارج إطار الخارطة الأبستمولوجية الأبيقورية ، إن هناك علماً ممكناً بالرؤية الأبيقورية ، وهو من العلوم المهمة ، ويُدعى اللنكوستيك أو فلسفة اللغة . ولعل الرأي الذي أدلى به أبيقور والموقف الذي ناقشه ، سيشكلان موضوعات سيهتم بها العقل الإسلامي ويوليها أهمية في مشروعه للإقلاع الفلسفي الإسلامي*  .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على إهتمام العقل الإسلامي بمضمار اللنكوستيك أو فلسفة اللغة ، راجع جميع مقدمات النصوص المنطقية الإسلامية . إلا إن مساهمة الفارابي مثالاً يُشار إليه ، أنظر : الفارابي ؛ كتاب الحروف ، حققه وقدم له وعلق عليه محسن مهدي ، بيروت بلا تاريخ . وكذلك الفارابي ؛ كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق ، حققه محسن مهدي ، بيروت بلا تاريخ . وأنظر أيضاً : محمد جلوب الفرحان : الدرس المنطقي عند الفارابي ، المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، جامعة الكويت ، العدد (16) خريف 1984 ، وكذلك : محمد جلوب الفرحان ؛ رصيد البحث المنطقي عند الفارابي  ، مجلة دراسات عربية ، بيروت ، العدد المزدوج (1 – 2) سنة 1984 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولذلك وجد ” زيلر ” إن الأبيقورية في فلسفة اللغة إبتعدت عن الموقف الذي قال به ديمقريطس ، وهو إن ” اللغة عمل إصطلاحي ” . وعلى خلاف ذلك رأت الأبيقورية إن اللغة ، هي ” شئ طبيعي وضروري ” ولهذا أوضحت أصل اللغة بالإعتماد على مقارنات بين الحيوانات في التعبير عن المشاعر (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 253) . وفي النهاية نقدم مشجراً أبستمولوجياً تتوزع فيه العلوم بالمنظار الأبيقوري :

العلم القانوني / علم المنطق ــــــــــــــــــــ الأخلاق  ــــــــــــــــــــ العلم الطبيعي

فلسفة اللغة اللنكوستيك                                        وتحت العلم الطبيعي يأتي

                                           علم النفس

                                            اللاهوت   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7)

تأملات في التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الرواقية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

ومثلما عملنا مع الفلسفة الأبستمولوجية الأبيقورية ، نحاول معرفة رصيد التجربة الرواقية في مضمار فلسفة الأبستمولوجيات . ونبدأ محاولتنا برفع السؤال الآتي : ما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المدرسة الفلسفية الرواقية : فلسفة وأتباع

هي مدرسة فلسفية هيلينستية أسسها في بواكير القرن الثالث الميلادي في مدينة أثينا الفيلسوف زينون الأكتومي (334 – 262 ق.م) . وفعلاً فقد بدأ زينون بالتعليم في عام 300 ق.م ، وعلى أساس التعاليم الأخلاقية للمدرسة الفلسفية الكلبية (الساخرة) . والرواقية بصورة عامة فلسفة تؤكد على الخير ، وهدوء (سلام) العقل ، والتي ترى إن ذلك يتحقق من خلال العيش وفقاً لحياة الفضيلة ، وفي التوافق مع الطبيعة . وحققت الرواقية نجاحات واسعة ، وملئت العصر الهيلينستي والعصور الرومانية . وكانت مقدمة فلسفية وثنية نافعة للمسيحين الأوائل ، اللذين كانوا رواقيون في الأصل ومن ثم تحولوا إلى المسيحية .

لقد قدم الرواقيون تفسيراً فلسفياً موحداً للعالم ، وأسسوا المنطق الصوري ، وصاغوا مفهوماً فيزيائياً (طبيعياً) خال من أي ثنائية ، وشيدوا علم الأخلاق على الطبيعة ، وبهذه المناسبة أكدوا على إن الإخلاق ، هي المركز الرئيس للمعرفة الإنسانية . وتحولت نظرياتهم المنطقية إلى موضوع إهتمام عدد ملحوظ من الفلاسفة وعلماء المنطق الذين إشتغلوا في تطوير منطق القضايا واللنكوستك (منطق اللغة) وحتى عصر جوتلوب فريجة وبرتراند رسل  .

والرواقية فلسفة علمت بأن الإنفعالات المدمرة سببها الأحكام الخاطئة . ولهذا إعتقدت بأن الحكيم ، والرجل الكامل من الناحيتين العقلية والأخلاقية سوف لا يُعاني من هذه الإنفعالات ، بل سيكون متحرراً ومعافياً منها (أنظر : موسوعة ستانفورد للفلسفة (مصدر سابق) ، مادة الرواقية (أون لاين)) . كما وأولى الرواقيون جُل إهتمامهم إلى قضية العلاقة بين الحتمية (الجبرية) الكونية والحرية الإنسانية . وعلى هذا الأساس إعتقدوا بأن الفضائل هي التي تحافظ على سلامة الإرادة وذلك يتحقق من خلال التوافق مع الطبيعة . ولهذا قدم الرواقيون فلسفتهم طريقاً للحياة ، وتيقنوا بأن أفضل مؤشر على صحة فلسفة الفرد ، ليست أقواله ، وإنما سلوكه (أنظر : جون سلرز ؛ الرواقية ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا ، باركلي 2006 ، ص 32) . وفي تأكيدهم على إن الفضيلة تتضمن الإرادة ، التي تكون في إتفاق مع الطبيعة ، سعوا إلى تطبيقه على العلاقات الإجتماعية بين الناس . ولذلك رددوا كن متحرراً من الغضب ، والحسد ، والغيرة ، وأعترف بحق العبيد بالمساواة مع جميع الناس ، وذلك بسبب إن كل الناس هم نتاج الطبيعة (أنظر : برتراند رسل ؛ تاريخ الفلسفة الغربية ، نشرة دار روتليدج 2004 ، ص ص 253 – 254 ، 264) .

في حين أكد الرواقيون المتأخرون مثل الفيلسوف سنيكا (4 ق.م – 65 م) وإبكتتيوس (55 – 135 م) على إن الفضيلة هي الضمان الكافي لتحقيق السعادات ، وإنها المناعة للحكيم من سوء الحظ . ويحسب الباحثون إن هذا الإعتقاد الرواقي مُشابه للمأثور المتداول في العبارة القائلة الهدوء الرواقي . مع الإنتباه إلى إن هذا الإعتقاد لا يتضمن على الإطلاق أي نوع من الأخلاقيات المتطرفة (الراديكالية) . ولكنه يتضمن أمراً واحداً ، وواحداً فقط ، وهو إن الحكيم هو الشخص الوحيد الذي يعتبر نفسه حُر بصدق . وإنه يرى إن الفساد الأخلاقي هو مجرد رذائل شريرة (أنظر : موسوعة ستانفورد للفلسفة (مصدر سابق)) .

وفعلاً فقد حققت المبادئ الفلسفية نجاحات وشهرة واسعة ، ومنذ بداية تأسيس المدرسة ؛ بدءً مع اليونان ، ومن ثم خلال الإمبراطورية الرومانية (وهذا يشمل الإمبراطور الرواقي ماركوس أورليوس (121 – 180 م) وحتى غلق المدارس الفلسفية في عام 529 م بقرار الإمبراطور جوستينيان الأول (482 – 565 م) بحجة إن الشخصية الوثنية أصبحت غريبة (ولا تتوافق مع) عن العقيدي المسيحي (أنظر : ديفيد سدلي ؛ الفلسفة القديمة (1998) / منشور عند أي . كريج ؛ موسوعة روتليدج للفلسفة ، 2008 ، ص 10 وما بعد) .

ويُقسم الأكاديميون الغربيون تاريخ الرواقية إلى ثلاثة مراحل متميزة ، وهي :

أولاً – مرحلة الرواقية الأولى (المبكرة) ، والتي تبدأ بالمؤسس زينون الأكتومي وحتى الفيلسوف الرواقي أنتيبيتر الطرسوسي (مات عام 130 أو 129 ق.م) ، وهو تلميذ الفيلسوف الرواقي العراقي ديوجانس البابلي ، وخليفته على المدرسة الرواقية .

ثانياً – مرحلة الرواقية المتوسطة ، وتشمل بينتيوس (185 – 110 أو 109 ق.م) وهو تلميذ الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي ، والفيلسوف الرواقي بوسيدنيوس (134 – 51 ق.م) .

ثالثاً – مرحلة الرواقية المتأخرة ، والتي ضمت الفيلسوف الرواقي كويس موسنيوس روفيس (فيلسوف رواقي من القرن الأول الميلادي) ، و سينيكا ، وأبكتتيوس ، وماركوس أورليوس .

ولما كانت أفكار زينون الأكتومي قد إمتصتها الأنظمة الفلسفية الرواقية التي إشتغل عليها كريسبس الصقلي (السيسلي / الإيطالي) (379 – 206 ق.م) والفلاسفة الرواقيين اللاحقون . فإنه من الصعوبة بمكان الحديث عن أفكار زينون منفصلة عن أفكار المدرسة الرواقية التي عمل على تطويرها عدد من الرواد الرواقيين الأوائل . وفعلاً فقد وجدنا الحديث في المصادر الفلسفية الرواقية ، عن زينون الأكتومي المؤسس الأول للمدرسة الرواقية ، وحديث عن كريسبس الصقلي كمؤسس ثان للمدرسة الرواقية  (أنظر : تايزينو دورندي ؛ الحوليات / منشور في كتاب الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 40) .

ولد المؤسس زينون عام 334 ق.م في إكتيوم / قبرص ، ويقدمه ديوجانس لارتيوس في روايات ذات طبيعة إسطورية . والحقيقة إن كتاب ديوجانس حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد الكتاب السابع ، كان المصدر الأساس الذي جاءت منه معظم المعلومات الخاصة بحياة زينون الأكتومي . فمثلاً يُخبرنا ديوجانس بأن زينون كان تاجراً ، وإن سفينته تحطمت في أعماق البحر ، وكان محظوظاً ، فبقي على قيد الحياة ، ومن ثم قادته الأقدار إلى أثينا ، وخلال تجوله في شوارعها ، دخل أحدى المكتبات فإنجذب إلى بعص الكتابات حول الفيلسوف سقراط ، فتقدم إلى صاحب المكتبة ، وسأله عن كيفية الوصول إلى هذا الرجل (سقراط) ، فكان جواب صاحب المكتبة ، الطريق ميسر من خلال كريتس الطيبي ، وهو الفيلسوف الكلبي المشهور في اليونان يومذاك (أنظر : ديوجانس لارتيوس : حياة وآراء … (مصدر سابق) ، الكتاب السابع الفقرتين رقم 2 و 3) .

وفعلاً فإن ديوجانس ينقل لنا وصف للفيلسوف الكلبي كريتس على لسان زينون ، فيقول كانت ملامح كريتس تدلل على التعب والمعاناة ، وكانت سحنته تميل للإسمرار وذلك بتأثير حرارة الشمس (حيث كان الفيلسوف يعيش على أرصفة مدينة أثينا) وحياة الزهد التي إختارها . وهذه المناسبة تدلل على تلمذة زينون على يد الفيلسوف الكلبي كريتس  ، ومن ثم إنتقال الأفكار الفلسفية الكلبية إلى داخل الفلسفة الرواقية وإستمرارها معها . ومن القصص التي يحكيها ديوجانس عن صحبة زينون للفيلسوف الكلبي كريتس ، إن الفيلسوف طلب من زينون أن يحمل صحناً مملوءً بشوربة العدس ، ويتجول معه في مدينة أثينا . وما إن حمل زينون الصحن ، ضرب كريتس الصحن بعصاه ، فإنهالت الشوربة تماماً على رأس التلميذ المذهول . فهرب زينون من حالة الخجل ، فأخذ أستاذه كريتس يناديه : لماذا أنت هارب صغيري الفينيقي ؟ لم يحدث شئ مزعج أو يدعو للخجل (المصدر السابق ، الكتاب السابع ، الفقرة رقم 3)

هذا من طرف التعاليم الفلسفية الكلبية ، أما الطرف الأخر فقد جاء من جهة التعاليم الفلسفية الميغارية . وفعلاً فقد درس زينون على يد عدد من الفلاسفة الميغاريين ، من ضمنهم ستلابو ، والديالكتكيين الميغاريين من أمثال ديودورس كرونيوس ، فيلو الميغاري (المصدر السابق ، الكتاب السابع ، الفقرات على التوالي : 24 ، 25 ، 16) . كما روى زينون بلسانه ، رواية دراسته للفلسفة الإفلاطونية تحت توجيهات عالم الرياضيات والفيلسوف إكسينكراتس خليفة إفلاطون الثاني ورئيس الأكاديمية يومذاك ، ومن ثم تعلم على يد الفيلسوف الإفلاطوني بوليمون خليفة إفلاطون الثالث ، ورئيس الأكاديمية بعد أستاذه إكسينكراتس (المصدر السابق ، الفقرة رقم 2) .

بدأ زينون الأكتومي بالتدريس عام 301 ق.م ، وأختار له مكاناً للتعليم رواقاٌ من أروقة إحدى البنايات في أثينا ، والتي عرفت فيما بعد بالمظلة الرواقية ، وعرف الرواقيون بأصحاب الرواق . وفي البداية كان يطلق على طلابه وحوارييه بالزينونيين (نسبة إلى زينون) ، ومن ثم أصبحوا يعرفون بالرواقيين (المصدر السابق ، الفقرة رقم 5) . ومن المعجبين بالفيلسوف زينون الأكتومي ، الملك المقدوني إنتكونوس الثاني كوناتس (319 – 239 ق.م) والذي إعتاد على زيارة زينون كلما قدم إلى أثينا . ونُقل عن زينون بأنه تلقى الدعوة من الملك على زيارة مقدونيا ، إلا إنه تردد في قبول الدعوة . ولكنه بدلاً من ذلك أرسل صديقه وحواريه برسيوس الأكتومي (307 – 243 ق.م) والذي كان يعيش في بيت زينون . وعلى الرغم من ذلك فقد حفظ لنا ديوجانس لارتيوس على عدد من المراسلات المفترضة بين الملك المقدوني والفيلسوف الرواقي زينون (المصدر السابق ، ص ص 6 – 9) .

وتردد المصادر التي إعتنت بسيرة الفيلسوف الرواقي زينون ، إلى إنه رفض حق المواطنة الأثينية عندما عرضت عليه ، وذلك خوفاً من أن يكون غير مخلصاً (منافقاً) في حبه لأرضه الفينيقية ، ويتنكر لأهله الذين يولونه إحتراماً عالياً . (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرتين رقم 12 و 6) . نقول كل هذا صحيح ، ولكن علينا أن لا ننسى بأن زينون كما ذكرنا كان تلميذاً للفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، وإن الفلسفة الكلبية تتنكر للمفهوم المحلي للمواطنة ، وتؤكد على المواطنة الكونية (المواطن العالمي) .

ونحسب إن هذا السبب هو الذي يقف وراء رفض زينون لقبول حق المواطنة الأثينية . والحقيقة إن فكرة المواطن العالمي ستلتصق بالفلسفة الرواقية ، وتصبح سمة جوهرية للمجتمع والمواطن الرواقي (ومن هنا نعتقد إن الكلبية سجلت حضوراً دائماً في الفلسفة الرواقية) وإن المسيحية ستتلقف فكرة المواطن العالمي (وبالتأكيد المجتمع العالمي) من الطريق الكلبي كما ذكرنا في حديثنا عن المدرسة الفلسفية الكلبية أو من الرواقية والتي هي الأقرب إليها من طرف إن عدداً من رواد المسيحية الأوائل كانوا رواقيين . كما وسيتردد صدى المواطن والمجتمع الكوني الكلبي أو الرواقي في فلسفات كونية مختلفة لاحقاً ، وبالتحديد في القرن التاسع عشر(خذ مثلاً الماركسية والبيان الشيوعي ودعوته عمال العالم ..) .

مات زينون حوالي عام 262 ق.م ، ويقدم لنا ديوجانس لارتيوس وصفاً للحظات موته ، فيقول : بعد إن غادر زينون مدرسته ، تعثر وسقط ، فكسر الأصبع الكبير لقدمه ، وضرب الأرض بيديه ، وحضرته كلمات للشخصية اليونانية الإسطورية ” نيوبي ” (منا : جاء ذكرها في ملحمة الإلياذ لهوميروس ، وهي أخت الملك بيلوبز ، وكان اليونانيون كثيراً ما يستشهدون بأقوالها ..) ، فأخذ زينون يُردد : أنا قادمُ ، أنا قادمُ ، فلماذا لا تدعوني ؟ ومات في المكان ذاته ، بعد أن مسك أنفاسه الأخيرة (المصدر السابق ، الفقرة رقم 28) .

وحصل زينون على كثير من التقدير والتقييم على تعاليمه الفلسفية والتربوية في حياته ، وبعد موته . ففي حياته كرمه اليونانيون بتاج من الذهب . وفي مماته أقاموا له ضريحاً ومزاراً وذلك تكريماً له ولأفكاره التي تركت أثاراً واضحة على جيل من الشباب في عصره (المصدر السابق ، الفقرات رقم 10 – 12) . وإذا كان ذلك بعض من مظاهر خلود زينون ، فإن كتاباته الفلسفية كانت المعلم الأبرز خلوداً في مسيرته الفلسفية . صحيحُ إنه لم يبقى محفوظاً من أعماله ، سوى بعض الإقتباسات التي حفظها لنا بعض الكتاب المتأخرين . إلا إننا في الوقت ذاته نشعر بغبطة عالية ، ونحن نقرأ عناوين جريدة مؤلفات زينون المفقودة ، وهي العناوين التي تداولتها العديد من المصادر التاريخية التي إعتنت بزينون وتراثه . وفي الإمكان أن نصنفها بالترتيب الآتي :

الكتابات الأخلاقية : وهي الجمهورية (ونحسب في هذا الكتاب ذكرى ومراجعة تقويمية للدروس التي تلقاها على يد إثنين من فلاسفة الإفلاطونية والأكاديمية ؛ الأول عالم الرياضيات وخليفة إفلاطون إكسينكراتس . والثاني بوليمون كما ذكرنا أعلاه) ، الأخلاق ، العيش وفقاً للطبيعة ، في الدافع أو في الطبيعة الإنسانية ، في الإنفعالات ، في الواجب ، في القانون ، في التربية اليونانية ، فن الحب .

الكتابات الفيزيائية : وهي في الكون ، في الوجود ، في الإشارات ، في النظر ، في اللوغوس .

الكتابات المنطقية : وهي  في الخطاب ، في الأسلوب الشفهي (الكلامي) ، الحلول والإعتراضات (التفنيد) .

أعمال أخرى : وهي القراءات الشعرية ، المشكلات الهوميروسية (نسبة إلى الشاعر الملحمي اليوناني هوميروس) ، ، أمور عامة ، في ذكرى كريتس (الفيلسوف الكلبي وأستاذ زينون وبالتأكيد في ذكرى للدروس والعبر في مصاحبته للفيلسوف الكلبي فترة من الزمن) ، المبادئ الفيثاغورية (هذا الكتاب عنوانه كاف للتنويه إلى مكون فيثاغوري في فلسفة زينون خصوصاً في المجتمع الرواقي أو ما يمكن أن نطلق عليه بلغة الفيثاغوريين مجتمع الإخوة الرواقي) .

ولعل من أشهر هذه المؤلفات ، جمهورية زينون ، والذي كتبه بهدف واع ، وهو صياغة الجمهورية الرواقية (أو المدينة الرواقية الفاضلة) . صحيح إن البعض من الباحثين تسرع ورأى إن زينون سعى إلى تقليد إفلاطون . ونحسب إن الإفتراض المقابل إن زينون سعى إلى الإعتراض على جمهورية إفلاطون بصياغة الجمهورية الرواقية . وعلى الرغم من إن هذا الكتاب قد ضاع وطواه النسيان ، فإننا نعرف عنه الكثير حتى أكثر من مؤلفات زينون الأخرى . فمثلاً إن زينون إعتمد على المفهوم الكلبي للمواطن والمجتمع العالمي ، وهو مفهوم رواقي (بعد تبني الرواقية له) معارض للمفهوم الأرستقراطي في الجمهورية هذا طرف . وبالتأكيد إن كتاب جمهورية زينون حمل مشروعاً موجزاً لرؤية زينون للمجتمع الرواقي المثالي (الذي يختلف بالطبع عن المجتمع الإفلاطوني الأرستقراطي المثالي) . فقد بنى زينون مجتمعه الرواقي المثالي على أسس المساواة بين الناس ، وخصوصاً في الجوانب السياسية والأقتصادية والحياة الإجتماعية بصورة عامة (للإطلاع على تفاصيل أكثر أنظر : أم . سكوفيلد ؛ فكرة المدينة الرواقية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1991) .

ولكن رغم هذا وذاك فإننا نُلاحظ على الفلسفة الرواقية في مفاصلها العامة ، فيها متابعة لأفكار الأكاديميين (أتباع الأكاديمية الإفلاطونية التي أسسها إفلاطون عام 387 ق.م) وعلى هذا الأساس قسم زينون الفلسفة إلى ثلاثة أقسام ؛ المنطق (وهو موضوع رواقي فيه إختلاف عن حدوده التي وضعها مؤسس علم المنطق أرسطو ، والمنطق الرواقي يشمل الخطابة ، والنحو ، ونظريات الإدراك الحسي والفكر) ، ومن بعد المنطق تأتي الفيزياء (الطبيعيات) (وهي ليست العلم فقط ، وإنما تشمل أبحاث في طبيعة الإلهي والكون كذلك . ويبدو لي هنا إن الرواقية تتابع خطى أرسطو ودمج أبحاثه في مضمار الطبيعيات و الميتافيزيك في آن واحد) ومن ثم تأتي الأخلاق ، وهي الهدف النهائي والساعي إلى تحقيق السعادات خلال طريقة العيش الصحيحة وفقاً للطبيعة .

أما في مضمار المنطق ، فلأبحاث زينون المنطقية لها قصة مختلفة ، فيها روح ومذاق ميغاري متميز(نسبة إلى المدرسة الميغارية وفلاسفتها الذين تعلم الفيلسوف الرواقي زينون على أيديهم من أمثال الفيلسوف الميغاري ستلابو ، والديالكتيكيين الميغاريين ديودورس كرونيوس ، وفيلو الميغاري كما ذكرنا ذلك أعلاه) . وفعلاً فأن أستاذه الميغاري ديودورس كرونيوس ، يُعد اليوم هو أول من أدخل وطور مشروعاً منطقياً سيُعرف بالمنطق القضائي (أي منطق القضايا الذي يختلف عن منطق أرسطو وهو منطق حدود) . وعلى هذا الأساس فإن المشروع المنطقي الجديد يُركز على العلاقات المنطقية بين القضايا بدلاً عن العلاقات المنطقية بين الحدود التي كانت هي جوهر المنطق الأرسطي (للمزيد من التفاصيل عن منطق الحدود الأرسطي ، أنظر رسالتنا للماجستير والمعنونة تحليل أرسطو للعلم البرهاني (نوقشت صيف 1976) ، ومن ثم طبعت في كتاب بنفس العنوان عام 1983 ، دار الحرية – وزارة الثقافة والأعلام ، بغداد ، وهي أول أطروحة في المنطق وتمت بإشراف الفيلسوف العراقي المرحوم الدكتور ياسين خليل ، وتعطل نشرها لأكثر من ثلاث سنوات بسبب الحرب العراقية الإيرانية) .

ومن ثم جاء الفيلسوف الرواقي كريسبس ، وطور هذا المشروع المنطقي الميغاري الروح ، إلى نظام وأصبح يُعرف بالمنطق الرواقي . ومثل المنطق الأرسطي فقد إحتوى المنطق الرواقي على نظامه الإستدلالي الخاص بالقضايا (أوالنظرية القياسية الرواقية والتي تقابل النظرية القياسية الأرسطية) . وهكذا تحول المنطق الرواقي إلى ند منافس للمنطق الأرسطي . ونحسب من النافع أن نشير إلى إن منطق القضايا الرواقي قد شغل تفكير المناطقة في القرن العشرين ، فإنكبوا على دراسته ، وعملوا تطويرات مهمة في جوانبه المتنوعة . ولعل الفيلسوفة الإنكليزية إيملي كونستنس جونز تتقدم صفوف علماء المنطق وخصوصاً كل من الألماني جوتلوب فريجة والإنكليزي برتراند رسل (للتفصيل أنظر المقال الممتاز الذي كتبته الدكتورة نداء إبراهيم خليل بعنوان : الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي كونستنس جونز ، مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثالث صيف 2011 ، المحور المعنون عملها في علم المنطق) .

كما وكتبت عالمة المنطق الألمانية سوزان بوبزين (1960- لازلت حية/ حصلت على ماجستير من جامعة بون ودكتوراه من أكسفورد) . نقول كتبت معلقة على متابعة فريجة لخطى الفيلسوف الرواقي كريسبس ، فقالت : إن هناك تشابه كبير بين المنطق القضائي الذي إشتغل عليه كريسبس ، والأبحاث المنطقية التي قام بها فريجة ، والتي تدعو للإندهاش (أنظر المقال الذي كتبته ، وكان بعنوان المنطق القديم / منشور في إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة (أون لاين)) .  كما ولاحظت بأن كريسبس كتب أكثر من 300 كتاب في المنطق (ونحن نشك في ذلك ، ونرجح إنها كانت مقالات صغيرة) ، عالج فيها موضوعات منطقية في غاية الأهمية ، واليوم هي من أمهات القضايا المنطقية التي يهتم بها البحث المنطقي المعاصر ، من مثل نظرية الفعل الكلامي ، تحليل الجمل (أو القضايا) ، العبارات الفردية والعبارات الجمعية ، نماذج من المحمولات ، القضايا الوجودية ، النفي ، البدل ، الإشتراط ، التتابع المنطقي ، أشكال الحجج السليمة ، نظرية الإستدلال ، منطق القضايا ، منطق الموديلات ، المنطق الأبستمولوجي ، منطق الإفتراضات ، الغموض والتناقضات المنطقية .. (أنظر المصدر السابق) .

فلاسفة الرواقية في القرن الثالث قبل الميلاد

يتقدم قائمة فلاسفة القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف الرواقي المؤسس زينون الأكتومي ، ومن الملاحظ إن أغلب الفلاسفة الرواقيين في هذا القرن كانوا حواريين وتلاميذ للفيلسوف زينون . منهم برسيوس الأكتومي (306 – 243 ق.م) ، و أريتيوس الصقلي (من سيسلي / إيطاليا) (315 – 245 ق.م) ، و أثنيدورس الصقلي (إزدهر عام 275 ق.م) ، و إرستو الكايوس (310 – 240 ق.م) ومن ثم تحول نحو الكلبية ، وأبولوفانيوس الإنطاكي (إزدهر عام 250 ق.م) ، و ديونسيوس الرنجيدي (325 – 250 ق.م) وتحول إلى الفلسفة القورنائية ، و سفريس (285 – 210 ق.م) وتحول إلى إسبرطا والإسكندرية ، وهرليوس القرطاجي (إزدهر عام 250 ق.م) وهؤلاء جميعاً كانوا تلاميذ المؤسس زينون . ومن ثم جاء كلينثيس (331 – 232 ق.م) وهو الرئيس الثاني للمدرسة الرواقية ، و أريتوسثينس القورينائي (إزدهر عام 225 ق.م) وهو تلميذ الفيلسوف الرواقي إرستو ، ورئيس المكتبيين في الأسكندرية ، و هارمكورس الأمفيبولس (إزدهر عام 225 ق.م) وهو من أتباع الفيلسوف الرواقي برسيوس الأكتومي ، و كريسبس الصقلي (280 – 206 ق.م) وهو الرئيس الثالث للمدرسة الرواقية ، وكتب 705 كتاباً ، و ديوسيكوردس (إزدهر عام 225 ق.م) وهو تلميذ كريسبس ووالد زينون الطرسوس ، وأخيراً أرستوكريون (إزدهر عام 210 ق.م) وهو إبن أخ كريسبس.

فلاسفة الرواقية في القرن الثاني قبل الميلاد

يتقدم قائمة الفلاسفة الرواقية في القرن الثاني ، الفيلسوف زينون الطرسوس (إزدهر سنة 200 ق.م) ، وهو الرئيس الرابع للمدرسة الرواقية في أثينا ، ويدروميس (تاريخ إزدهاره غير يقين) وهو رواقي كتب مؤلفاً بعنوان أصول الأخلاق ، وكريتس ماليوس (إزدهر سنة 175 ق.م) وهو عالم في النحو ، ورئيس المكتبة في بيركمون (عاصمة مملكة بيركمون ، والتي أسسها بإسمه جنرال من جنرالات الأسكندر) ، وديوجانس البابلي (230 – 150 ق.م) وهو الرئيس الخامس للمدرسة الرواقية في أثينا …(للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الفلسفية الرواقية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013 ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقول : ما رصيد الرواقية في مضمار فلسفة الأبستمولوجيات ؟ وما هي الإفادات التي قدمتها الرواقية ، وكان فيها إمكانية إفادة ، وفعلاً إستفاد منها العقل الإسلامي  في مشروعه للإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي ؟  معلوم لقارئ تاريخ الفلسفة اليونانية إن الرواقية جذبت العديد من الأتباع إلى صفوفها سواء من العامة أو النخب المثقفة أو الطبقات الحاكمة ، وظلت مزدهرة لقرون عدة ليس في العالم اليوناني وحسب ، وإنما في العالم الروماني وفي فترات لاحقة (أنظر : ستس ؛ المصدر السابق ، ص 344) . والواقع إن الفلسفة الرواقية وجدت لها مدارس في العراق والشام السلوقيين ، فمثلاً كانت لها مدارس في العاصمة سلوقيا (التي تقع على ضفاف دجلة الخالد والمقابل لعاصمة الفرس في العراق طيسفون) والتي تخرج منها الفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي ، والحقيقة إن مصادرنا التاريخية تتحدث عن الفيلسوف الرواقي أراكيدميس الطرسوس (إزدهر 140 ق.م) مؤسساً للمدرسة الرواقية البابلية . ومن المفيد الإشارة إلى إن هناك أكثر من عشرة مدن تحمل الإسم سلوقيا أسسها الجنرال سلوقيا (واحد من جنرالات الأسكندر ونجح في تأسيس الإمبراطورية السلوقية) ، وفي كل مدينة كانت مدرسة رواقية . ويبدو لي من خلال عدد الفلاسفة الرواقين الذين ظهروا من مدينة طرسوس ، فإن هناك (أي في الشام) كان عدداً من المدارس الرواقية . والشاهد على ذلك الفيلسوف الرواقي زينون الطرسوس (إزدهر سنة 200 ق.م) وهو الرئيس الرابع للمدرسة الرواقية في أثينا ، وهو أستاذ ديوجانس البابلي (وبالتأكيد هو غير زينون الأكتومي مؤسس المدرسة الرواقية)  . والشاهد الأخر يتمثل بالفيلسوف الرواقي إنتيبيتر الطرسوس (200 – 129 ق.م) وهو الرئيس السادس للمدرسة الرواقية في أثينا . وخذ كذلك مثلاً الفيلسوف الرواقي هركليديس الطرسوس (إزدهر سنة 125 ق.م) وهو تلميذ إنتيبيتر الطرسوس (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الفلسفية الرواقية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013 ) .

ويهمنا من فلسفة الأبستمولوجيات الرواقية أمران :

الأول – الموقف الفلسفي من العلوم ، وبالتحديد التشبيهات التي أطلقتها على العلوم (والتي سيظهر لها صدى في مكونات الأبستمولوجيات الإسلامية) ، والعلاقات بين العلوم بعضها بالبعض الأخر .

الثاني – خارطة العلوم التي إقترحتها الرواقية ، وعلى الأخص ترتيب العلوم داخل بناء الفلسفة . وكذلك في المنهج الدراسي الذي يُقدم للطالب الساعي إلى دراسة الفلسفة وعلومها . ونحسب من النافع هنا أن نذكر بأن العقل الإسلامي فعلاً قد تدارس هذين الأمرين ، ووضعهما على طاولة البحث والإفادة ، وظهر أثرهما في أركان مشروعه للإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي (أنظر للإستشهاد مثلاً : الغزالي ؛ جواهر القرآن ، ط3 ، بيروت 1978 ، ص 8 وما بعد ، ففيه مقاربة من تصنيف العلوم الرواقي ، وكذلك أبو البركات البغدادي : المعتبر من الحكمة ، ط1 ، حيدر آباد 1358 هجرية ، ص ص 2 – 3 ، ص 214) .

ونبدأ بالموقف الرواقي من الفلسفة وبالتحديد من علوم الفلسفة ، والتشبيهات التي أطلقتها عليها . فقد ذهبت إلى إن الفلسفة ليست هي ” وسيلة إلى الفضيلة وحسب ، بل هي السعادة ذاتها ” (أنظر : كريم متى ؛ الفلسفة اليونانية ، بغداد 1971 ، ص 264) . إن هذا الفهم الرواقي يقدم لنا تفسيراً للدوافع التي حملت الرواقية على تشبيه الفلسفة بالحيوان مرة ، وبالبستان مرة ثانية ، وبالبيضة مرة ثالثة . ولنقف هنا نستمع إلى لإفادات الرواقية وتشبيهاتها للفلسفة وعلومها ؛ فالفلسفة هي ” حيوان : المنطق عظامه وأعصابه ، والأخلاق لحمه ، والفيزياء روحه ” . والفلسفة في إفادات رواقية أخرى بستان ” المنطق سوره ، والفيزياء أشجاره ، وعلم الأخلاق ثماره ” . كما وذهبوا في تشبيهاتهم إلى إن الفلسفة ” كالبيضة : المنطق قشرها ، والفيزياء بياضها والأخلاق صفارها ” (أنظر : المصدر السابق) .

ونحسب إن حظ الرواقية في النجاح في إصابة الهدف في هذه التشبيهات لعلوم الفلسفة ، يتفاوت من تشبيه وتشبيه أخر . فمثلاً إذا أخذنا علم الإخلاق الذي تؤكد عليه جميع النصوص الرواقية بأنه الهدف الرئيس لها  ، تكون التشبيهات قد إرتبكت خطأً في تحديد مكانته بين علوم الفلسفة . ففي التشبيه الأول الأخلاق لحم الحيوان . هذا  في الواقع لايتناسب والإفادات الرواقية العامة ، وعلى هذا الأساس نعتقد إن الأخلاق هي روح الحيوان بدلاً من الفيزياء التي هي لحمه وليست روحه كما جاء في التشبيه . وحتى يستقيم التشبيه نُعيد كتابته بالشكل الآتي : الفلسفة ” حيوان : المنطق عظامه وأعصابه ، والفيزياء لحمه ، والأخلاق روحه ” . وهذا التعديل يتناغم مع التشبيه الثاني والثالث ويتساوق مع إعتبار إن الأخلاق هي الهدف النهائي وإن جميع علوم الفلسفة تعمل لخدمته .

ومن ثم تقدمت الرواقية بتعريف للفلسفة ، فهي تعني ” محبة الحكمة ومزاولتها ” . والحكمة هي ” علم الأشياء الإلهية والإنسانية ” ، وترى إن العقل (اللوغوس وهو مفهوم نازل إلى الرواقية من الفيلسوف هرقليطس ، وأحاديث الرواقية عن النار فيها إستبطان لمفهوم النار الهرقليطي ، وستتلقف المسيحية مفهوم اللوغوس الأبيقوري – الهرقليطي المنبت فيما بعد) مُنبث في العلم (يوسف كرم ؛ المصدر السابق ، ص 224) . وإن المعرفة العلمية حسبما يرى زينون الأكتومي ” حالة ضرورية للسلوك الإنساني ” ( أنظر : زيلر ، المصدر السابق ، ص 229) .

أما خارطة العلوم التي إقترحتها الرواقية ، ففيها من التشابه مع ما رسمته الأبيقورية وخصوصاً في الإطار العام . وفيها من التغاير في تفاصيل هذه الخارطة . ونلحظ إن هذا الموقف الرواقي تحول في دائرة الثقافة الإسلامية إلى موضوع إهتمام وبحث ، مما حمل العقل الإسلامي إلى التدقيق فيه ، والإفادة منه في صياغة مشروعه في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي (للإستشهاد على آثار الموقف الرواقي في المشروع الفلسفي الأبستمولوجي الإسلامي ، وخصوصاً في تقديم الدرس المنطقي وإعتباره على خلاف أرسطو ، جزء من الفلسفة ، أنظر : إبن سينا ؛ النجاة / مطبعة السعادة ، ط2 1938 ، وكذلك : السهروردي ؛ اللمحات ، تحقيق أميل معلوف ، بيروت 1969 ، ص ص 58 وما بعد) . ولبيان حقيقة هذه الخارطة نذكر أولاً إن الرواقية قد قسمت الفلسفة إلى ثلاثة أقسام : المنطق والفيزياء والأخلاق (أرجو الإنتباه إلى تراتبية العلوم التي لا تتساوق والتشبيه الأول الذي عدلناه) (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 120) . ويحسب زيلر إن الرواقية قد أخذت هذا التقسيم الثلاثي للفلسفة من مدارس أخرى (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق) .

  تبدأ الخارطة بعلم المنطق ، وهو يشمل الأبستمولوجيا (نظرية المعرفة)(أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق) . ومن المحتمل أن تكون الرواقية أول من أستعمل إصطلاح المنطق (الوجيك) (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 230) ، وجعلته جزءاً حقيقياً من الفلسفة على خلاف أرسطو الذي إعتبره ” أداة للفكر ” و ” فناً تمهيدياً ” (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 120) .

  وفوق كل ذلك فإن الرواقية أدخلت إلى المنطق ” نظرية خاصة في أصل المعرفة ونظرية في الصدق ” (ستس ؛ المصدر السابق ، ص 345) . كما وإن المنطق الرواقي فيه إستقرائية ، وجاء ذلك من خلال إعتقاد الرواقية من أن العالم مؤلف ” من ظواهر مرتبطة بعضها ببعض ، لا كالمنطق الأرسطوطاليسي القائل بإرتباط الماهيات ، وهو يشبه منطق الأطباء والمنجمين ، الذين يستدلون على الأمراض أو الطوالع بعلامتها ” (كرم ؛ المصدر السابق ، ص 226) . والمنطق الرواقي يتفرع إلى الخطابة والديالكتيك (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق) .

   ونحسب من المفيد الإشارة إلى الرواقية قد أعادت إنتاج فلسفة ومنهج (ديالكتيك) الفيلسوف اليوناني هرقليطس  (وخصوصاً اللوغوس والنار الهرقليطيين) وليتناسب ونبض فلسفتها الرواقية . وإن الرواقية بهذا الموقف (موقف ضم الخطابة والديالكتيك أو الجدل) قد عبرت بقوة إلى إتجاهات إسلامية عدة ، وسجلت حضوراً في بنية فلسفتها ، التي كونت جزء حيوي من مشروع الإقلاع الفلسفي الإبستمولوجي الإسلامي (للإستشهاد على المقاربة بين المواقف الإسلامية والموقف الرواقي ، أنظر : إبن تيمية ؛ كتاب الرد على المنطقيين (مصدر سابق)) .

   ويأتي بعد علم المنطق في الخارطة الأبستمولوجية الرواقية ، العلم الطبيعي ، وهو في حقيقته إعادة إنتاج نظريات الفيلسوف الطبيعي اليوناني هرقليطس المزينة بما قدمه أرسطو (أنظر : زيلر ؛ المصدر السابق ، ص 230) . وتشتمل الطبيعيات على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هرقليطس الأفسوسي والرواقية : هرقليطس (535 – 474 ق.م) هو من الفلاسفة الذي عاشوا وعملوا في الفترة التي تعرف بالبيروسكراتية (أي قبل سقراط) . صحيح إن إفلاطون ذكر بعض العبارات التي تنسب له في محاورة كراتليوس . إلا إن من الصحيح كذلك إن إفلاطون كان ناقداً (والأصح رافضاً) لمبادئ هرقليطس ولتلميذه كراتليوس . ولذلك فهناك حذر من تقويم إفلاطون لفلسفة هرقليطس التي مثلها كراتليوس في محاورة إفلاطون (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة كراتليوس ، ترجمة هورلد فلور ، نشرة مطبعة هارفارد 1921 ، الفقرة رقم 402 أ) . وفعل بطريقة مختلفة أرسطو في كتاب ألفا من الميتافيزيقا في التعامل مع هرقليطس . وهذا الكتاب في حقيقته رسالة (دراسة مسحية) في تاريخ الفلسفة ، وإن أرسطو بحدود ما عالج تاريخ الفلسفة أو الأدق الفلاسفة من طاليس وحتى إفلاطون ، بطريقة أكثر موضوعية من إفلاطون ، وأكثر ميلاً من إفلاطون لوضع نظرية هرقليطس في أطارفلسفته . في حين إن إفلاطون رفض هرقليطس في إطار قبوله لبارمنيدس في نظرية المثل الإفلاطونية التي تربعت في قمة فلسفة إفلاطون بينما إحتلت فلسفة هرقليطس الطابق الأرضي (عالم الحس والتغير والأضداد…) .

  وفعلاً فقد واجه أرسطو (مثل إفلاطون) نظريتين فلسفيتين يونانيتين تقليديتين ؛ نظرية هرقليطس (والأدق نظرية هرقليطس كما قدمها تلميذه كراتليوس الذي يُقال كان فترة معلماً لإفلاطون) ، و نظرية بارمنيدس (والأدق النظرية الإيلية التي تشمل : بارمنيدس (القرن الخامس ق.م) وتلميذه زينون الإيلي (490 – 430 ق.م) و ميلسوس الساموسي (القرن الخامس ق.م) وبعض الأحيان يدخل القائمة أكسانوفان (570 – 475 ق.م) . ومن ثم قام أرسطو بقراءة بارمنيدس من زاوية هرقليطس ، وقرأ هرقليطس من وجهة نظر بارمنيدس . وعلى أساس هاتين القراءتين ، جمع أرسطو بين النظريتين ، وفي إطار تعديل أرسطي منتج ، ووضعهما في مرجعية أرسطية ، تمثلت في مفهومي المادة (هرقليطس : الوجود المتغير) ، و الهيولى (بارمنيدس : الوجود المجرد الثابت) (أنظر : أرسطو ؛ الميتافيزيقا ، ترجمة ديفيد رص ، نشرة مطبعة كلليردون ، أكسفورد 1924 ، وأعيد طبعه مع تصحيحات عام 1953 ، كتاب ألفا) .

  ومن مصادرنا التقليدية الأولى في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة ، وعن الفيلسوف هرقليطس خاصة ، ديوجانس لارتيوس  ، وبالتحديد موسوعته المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب التاسع . وفعلاً فإنه إزدهر في الأولومبياد التاسع والستين (أي ما بين عامي 503 و 501 ق.م) ومات وعمره ستين عاماً (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء…(مصدر سابق) ، الكتاب التاسع ، الفقرتين رقم 1 و 3) . وجاء من عائلة إرستقراطية ، لها مكانة محترمة في مدينة إفسوس (ولهذا جاء لقبه الأفسوسي) ، ووالده كان يسمى أما بولسن أو هركون (المصد السابق ، الفقرة رقم 1) . وإفسوس كانت جزء من الإمبراطورية الفارسية ، وبالتحديد منذ عام 547 ق.م ، وكانت تحت حكم ساترب الفارسي ، والذي منح الأيونيين (ومنهم إفسوس) حكماً ذاتياً . وهذا الأمر جداً مهم في فهم سبب إختيار هرقليطس لمبدأ النار (وهنا أُنبه كما أشرت في مقال لنا قبل أكثر من سبع وعشرين إلى إن هناك إحتمال لأثر زرادشتي في مبدأ النار الهرقليطي ، خصوصاً إذا وضعنا في إعتبارنا إحتلال الجيوش الفارسي لمدينة إفسوس ، وحضور معابد النار الزرادشتية المتنقلة معها (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفلسفة وأزمة الواقع / منشور في مجلة دراسات عربية ، بيروت – لبنان ، العدد المزدوج (10 – 11) 1985) . ويطلق عليه بسب إسلوبه إصطلاح الفيلسوف الغامض أو المظلم ، الفيلسوف المتشائم أو البكاء (لاحظ وصف ديوجانس لارتيوس لغموض عبارات هرقليطس : المصدر السابق ، الكتاب التاسع ، الفقرة رقم 6) .

  أما الحديث عن تراث هرقليطس وكتاباته ، فهو حديث يعتمد على رواية ديوجانس لارتيوس ، والذي ذكر فيها إن لهرقليطس رسالة بعنوان في الطبيعة ، والتي قسمها إلى ثلاثة أقسام أو ثلاثة خطابات ؛ واحد في الكون ، والثاني في السياسات ، والثالث في اللاهوت . ويعلق ثيوفروستس (خليفة أرسطو على المدرسة المشائية) على كتاب هرقليطس في الطبيعة ، فيقول (نقلاً عن ديوجانس لارتيوس) : ” إن بعض أقسام هذا العمل ، نصفها كامل ، بينما الأقسام الأخرى ، فهي مزيج غريب ” (أنظر ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 6) . وإن هذا العنوان الهرقليطي سيتكرر عنواناً لرسائل عدد من الرواقيين .

  كما وإن من المفيد للدلالة على الطرف اللاهوتي ، أن نشير إلى إن هرقليطس ، قد أودع هذا الكتاب هدية إلى أكبر المعابد المخصصة للإلهة أرتيمس (وهي تعادل الإلهة ديانا عند الرومان) . ولعب هذا الكتاب في مضمار الدراسات اللاهوتية دوراً مرجعياً ، فقد إستفاد منه العديد من الفلاسفة في فترات لاحقة ، والذين أشاروا إليه في كتاباتهم . ويعلق على الموقف الأستاذ الباحث تشارلز كان ، فيقول : ” نزولاً إلى عصر بلوتارك (46 – 120م) وكليمنت الإسكندراني (150 – 215م وهو رجل اللاهوت المسيحي ، وربما إستمر تأثيره إلى فترات متأخرة ، وهذا الكتاب الصغير الذي كتبه هرقليطس ، كان متوافراً في نسخته الأصلية لكل قارئ يتطلع إلى البحث عنه  ” (أنظر : تشارلز كان ؛ الفن والفكر عند هرقليطس : مقتطفات مع ترجمة وشرح ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، لندن 1979 ، ص 1 وما بعد) .

  ونحتتم الكلام عن كتاب هرقليطس في الطبيعة ، بالتقويم الذي أورده ديوجانس لارتيوس له : ” لقد إكتسب هذا الكتاب على سمعة واسعة ، وجذب العديد من المناصرين لفلسفة هرقليطس ، والذين أصبحوا يدعون بالهرقليطيون (نسبة إلى هرقليطس) ” (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق) . ولكن مع الأسف إن هذا الكتاب لم يسلم من الضياع ، وبقيت اليوم منه فقرات فقط ، إقتبسها عدد من الكتاب .

 ولقد إشرنا سابقاً إلى إن ديوجانس لارتيوس ينسب إلى ثيوفروستس النظرية التي تقول بإن هرقليطس لم يكمل بعض أعماله ، وذلك بسب حزنه ويأسه . ومن ثم يضيف لارتيوس إلى هرقليطس إصطلاح الفيلسوف البكاء ، مقارنة بالفيلسوف الذري ديمقريطس ، المعروف عنه بالفيلسوف الضحاك (أنظر : سنيكا ؛ مقالات أخلاقية وسياسية ، ترجمة جون كوبر و أف . بركوب ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1995 ، ص 50 الهامش) .

درجات حضور هرقليطس في الفلسفة الرواقية

  يعترف الرواقيون بأن أغلب عقائدهم الفلسفية مستخلصة من فكر هرقليطس (أنظر : أي . أي . لونك ؛ دراسات رواقية ، نشرة مكبعة جامعة كليفورنيا 2001 ، الفصل الثاني) . ويحسب لونك إن أثر هرقليطس واضح ومكشوف في كتابات المتأخرين من فلاسفة الرواقية ، وخصوصاً على فلسفة ماركوس أورليوس (121 – 180م ، وهو الإمبراطور الروماني من 161 – 180م) (أنظر : المصدر السابق ، ص 56) . وليس هناك أي شك حول الإرتباط القوي بين فلسفة هرقلطيس والتفسيرات التي تقدم بها الرواقيين الأوائل . ولكن إن أغلب نصوصهم قد ضاعت ، ولم تبقى إلا شذرات غير كافية للدراسة والمقارنة . وعلى هذا الأساس وجدنا لونك يتحدث عما أسماه بالتعديل الرواقي لفلسفة هرقليطس لتتماشى وتوجهاتهم الرواقية (أنظر : المصدر السابق ، ص 51) .

  ونحسب إن الرواقية قد أولت إهتماماً خاصاً لمعالجة هرقليطس للنار . وأضافوا إلى ذلك رؤيتهم القائلة بأن النار ، هي من المبادئ الأربعة الأولى الأساسية ، إلا إنها  هي التي تحدد كمية ونوعية اللوغوس للمبادئ الثلاثة الأخرى (وهي بالطبع الماء والهواء والتراب) . كما وإهتموا بتقديم هرقليطس للنار كمفهوم كوني (أو إن النار هي الكون) والتي لم يخلقها إله أو إنسان ، والتي كما يقول هرقليطس ” كانت  ، وهي كائنة الأن ، وستبقى إلى الأبد نار حية ” . ومن النصوص الرواقية المبكرة ، والتي بقيت خالدة ، ترانيم إلى الإله زوس (الإله اليوناني ، والأدق رب الأرباب) ، كتبه الفيلسوف الرواقي كلينثيس ، وعلى الرغم من عدم وضوح المرجعية إلى هرقليطس فيها . إلا إن الواضح فيها إنه تبنى صورة مُعدلة لفكرة هرقليطس في اللوغوس . وهكذا أصبح الإله زوس يحكم الكون ومعه القانون (الناموس) ، والذي يلتحم بالنيابة عنه بالنار، التي هي ” برق حي إلى الآبد ” . وهنا أقدم ترجمة لمقطع من ترانيم كلينثيس الرواقي (أو صلواته) للإله زوس :

الله زوس لك المجد في العُلى

 وأنت أشرف الخالدين 

ولك الأسماء الحُسنى ، وأنت القوي العظيم إلى أبد الآبدين .

 زوس أنت السبب الأول للطبيعة 

والحاكم على كل الموجودات ، وبيدك القانون .

السلام عليك !

فأنت الصراط المستقيم لكل المخلوقات الفانية .

والكائنات الفانية تصلي لك ، وتطلب الشفاعة منك

وما دام وجودنا تولد من لدُنك ..

فإنه كثير علينا ، وكرم منك أن نكون على صورة الله …

(المصدر : الفيلسوف الرواقي كلينثيس : ترانيم أو صلوات إلى الإله زوس ، ترجمها إلى الإنكليزية أم . س . إليري 1976 (متوفرأون لاين) (والقراءة لمجمل الترانيم تحملنا على القول إن الفيلسوف الرواقي كلينثيس صور الكون وجود حي ، والله هو روح الكون ، والشمس قلبه . وأنبه القارئ إلى نظرية المسيحية في خلق الإنسان على صورة الله وما قاله الفيلسوف الرواقي في الكلمات الأخيرة من هذا الدعاء – الصلاة . ومعروف إن الفيلسوف الرواقي عاش وكتب هذه الترنيمة ، ومن ثم مات عام 220 ق.م أي مات قبل المسيحية بحدود القرنين والعقدين من السنيين) . ألا إن فكرة خلق الإنسان على صورة الله زوس ، هي فكرة رواقية ، والرواقية بلغة المسيحية فلسفة وثنية . والسؤال هنا كيف حل هذه المشكلة وتنزيه المسيحية من وثنيتها ؟ الحل الوحيد وهذا هو قدر المسيحية هو إن رواد المسيحيين الأوائل كانوا رواقيون ، وهكذا إلتحم العقيدي الوثني الرواقي بالعقيدي المسيحي وإلى الآبد) .

  ويبدو لنا هنا إنه لم يحدث أي تغيير في صورة الإله زوس كما رسمها الشاعر الملحمي هوميروس (عاش وكتب ثمانية قرون قبل ولادة السيد المسيح) . ولكن كل الذي قاله الفيلسوف الرواقي كلينثيس إن ” الإله زوس إستعمل النار (مفهوم هرقليطس) ليضع اللوغوس (مفهوم هرقليطس) في موضع يجعله ينتقل دائماً ، فهو مزيج من الضوء (البرق) بكميات كبيرة أوقليلة (الأجسام السماوية) . هذا هو اللوغوس الهرقليطي ، ولكنه ممزوج بالناموس العام ، والذي يستعمله الإله زوس ليحول الخطأ صحيحاً ، والفوضى نظاماً .

  ومن النافع أن نشير إلى التعديل الرواقي لفكرة هرقليطس في اللوغوس ، والتي تلقفها فلاسفة العبرية ، وخصوصاً الفيلسوف فيلو الإسكندراني (20 ق.م – 50 م) الذي تأثر بالرواقية (وبالتحديد مفهومها عن اللوغوس ، وهو إن الله مبدأ الخلق) ، والتي عبرت من خلاله إلى بواكير المسيحية كما يرى بعض الباحثين الأكاديميين .  في حين نفى الأثر المباشر لفيلو . وقالوا بأن الأثنين ؛ فيلو والمسيحية المبكرة قد إستعاروا الفكرة من مصدر واحد (وبالنسبة لفيلو فإن اللوغوس هو طبعة الله على العالم (وفق خطة محكمة) ( أنظر للتفاصيل : كريك كينر ؛ إنجيل حنا : شرح وثقافة وعباد ، نشرة دار هندركسن للناشرين 2003 ، المجلد الأول ، ص ص 343 – 347) .             

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللاهوت وعلم النفس ، وإن اللاهوت الرواقي هو لاهوت طبيعي (أنظر: أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 160) . ويرى ستيس إن المنطق والعلم الطبيعي ، حسبما يرى الرواقيون ، يعملان لخدمة الأخلاق ، وذلك لأن الرواقية في جوهرها نظام أخلاقي يستخدم المنطق نظرية في المنهج ويعتمد على الفيزياء قاعدة (أنظر : ستس ؛ المصدر السابق ، ص 345) .

  وعلى أساس خارطة العلوم التي إقترحتها الرواقية ، جاءت الأخلاق في المرتبة الثالثة . والواقع إن هذه المرتبة ليست مرتبة أهمية وإنما مرتبة في السلم التعليمي ، وذلك لأن الرواقية منحت الأخلاق مكانة مركزية في عمارتها الفلسفية وتذكر إنها جعلت المنطق والعلم الطبيعي يعملان لخدمتها . ومن الملاحظ إن الرواقية أقامت الأخلاق على مبدأين : الأول إن الكون محكوم بقانون مطلق . والثاني إن الطبيعة الجوهرية للإنسان هي العقل . والرواقية تمكنت من جمع المبدأين في مبدأ واحد إشتهرت به ، وتحول إلى نشيد رواقي ، يردده الرواقيون في كتاباتهم ” عش وفق الطبيعة ” (المصدر السابق ، ص 349) . ولعل خير كلام نختتم به حديثنا عن الأبيقورية والرواقية ، التقويم الذي توصل إليه ييجر بعد دراسته لمثابرتهما ، حيث لاحظ إنهما تحولا إلى ما يشبه العقائد ، مما كان الحاصل من ذلك إنهيار الفلسفة العلمية (أنظر : ييجر ؛ أرسطو ، ترجمه إلى الإنكليزية روبنسون ، أكسفورد 1960 ، ص 404) . وفي الأخير نقدم خارطة أبستمولوجية تتوزع فيها العلوم حسب الرؤية الفلسفية الرواقية :

المنطق   ــــــــــــــــــــــــــــــــ الأخلاق ــــــــــــــــــــــــــــ الطبيعيات / الفيزياء

تحته يأتي :                                                       وتحتها يأتي :

الخطابة                                                                علم النفس

الديالكتيك / الجدل                                                     اللاهوت

نظرية الإدراك الحسي والفكري

       (الأبستمولوجيا)

       وتحتها يأتي :

أصل المعرفة

نظرية الصدق  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(8)

التجارب الفلسفية الأبستمولوجية

في عالم يوناني – هيلنستي (روماني) متنوع

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

    من المعروف إن عاصمة الثقافة اليونانية التقليدية ، هي أثينا ، والتي نازعتها بتحد قصير إسبارطة ، وقدمت أثينا إنموذجاً ثقافياً مدنياً ، في حين أنتجت إسبارطة إنموذجاً ثقافياً عسكرياً . وظل الإنموذج الثقافي المدني فاعلاً متجدداً ، بينما إنطفأ النموذج الثقافي العسكري مع تلاشي النزعة العسكرية الإسبارطية التي طواها التاريخ اليوناني وحولها إلى مجرد صفحات تحكي ذكرى تجربة عسكرية طارئة (أنظر : إنطون باول ؛ أثينا وإسبارطة : بنية التاريخ الإجتماعي والسياسي اليوناني منذ عام 478 ق.م ، نشر دار روتليدج ، لندن 2001) .

أولاً – واقع العواصم الثقافية اليونانية قبل إحتلال الأسكندر للشرق

   وجاء إسم أثينا من الإلهة اليونانية أثينا ، وكان الأيونيون يطلقون عليها مدينة أثينا ، وإشتهرت بزراعة الزيتون ، وهو رمز السلام والإزدهار . وبالإنكليزية يعني الأسم أثينا ، المدينة العلية المجيدة . ولا نذهب بعيدنا لأن تاريخ المدينة يصعد إلى نقاط تاريخية بعيدة . وإنما نبدأ مع تاريخ إنبثاق الفلسفة اليونانية ، وهذا هو غرضنا ومرمانا ، وبالتحديد في تباشير القرن السادس قبل الميلاد . ففي هذا القرن ضربت الفوضى المدينة ، وعدم الإستقرار مما حملا رجل الدولة والحكيم سولون (638 – 558 ق.م) بالقيام بإصلاحاته المشهورة ، والتي بدورها قادت إلى الديمقراطية الأثينية فيما بعد (أنظر : أر . ج . ستانتون ؛ السياسات الأثينية من 800 – 500 ق.م : الكتاب الأساس ، نشرة دار روتليدج 1990 ، ص 76) .

   صحيح إن إنجاز الديمقراطية حدث على يد النبيل الأثيني كليسثينس (ولد عام 570 ق.م وبالمناسبة هو عم رجل الدولة الشهير بركليس (495 – 429 ق.م))     ، ولكن إصلاحات سولون وفشلها وضعت خيار الديمقراطية شرطاً حياتياً أمام أنظار كليسثينس والأثينيين . وهكذا كانت الديمقراطية نتاجاً يونانياً وأثينياً محضاً . ولعل أهمية كليسثينس في تاريخ إثينا ، يعود إلى إنه أصلح الدستور الأثيني ، ووضعه على أسس ديمقراطية ، وحدث ذلك في 508 / 507 ق.م . ولهذا الإنجاز يطلقُ عليه المؤرخون لقب ” أب الديمقراطية الآثينية ” (أنظر : بوني سميث ؛ تكوين الغرب : الناس والحضارات (تاريخ موجز) ، بوسطن 2007 ، ص 44) . هذا الوضع الديمقراطي لمدينة أثينا ، مكنها من أن تكون عاصمة الثقافة اليونانية ، ومحط أنظار الفلاسفة ومكة لكل الباحثين وطلاب المعرفة .

  وفعلاً فقد إحتظنت أثينا قائمة بأسماء مشهورة من المفكرين والكتاب والفلاسفة ورجالات الدولة . منهم على سبيل المثال الكاتب المسرحي إسخليوس (525 – 455 ق.م) (أنظر : موري كلبرت ؛ أسخليوس : صانع التراجيديا ، نشرة دار كليرندون ، أكسفورد 1978) وسوفكلس (497 – 405 ق.م) (أنظر : جوش بير ؛ سوفكلس وتراجيديا الديمقراطية الأثينية ، نشرة دار كرين وود 2004) و يوربيدس (480 – 406 ق.م) (انظر للتفصيل عن يوربيدس : إنطون باول ؛ يوربيدس : النساء والجنس ، نشرة دار روتليدج ، لندن 1990) والذين عاشوا وعملوا فيها .       كذلك فعل مؤرخا التاريخ اليوناني الرائدان ، كل من أب التاريخ هيرودوتس (484 – 425 ق.م) والذي إشتهر بكتابه المعنون التواريخ ، وهو وصف للحروب الفارسية (أنظر : ج . أس . إيفنس ؛ هيرودوتس : مُكتشف الماضي ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 1991) ، و ثيوسيديدس (460 – 395 ق.م) والذي إشتهر بكتابه المعنون تاريخ الحرب البولبونزية (والذي قدم فيه تفسير لحرب القرن الخامس ق.م ، والتي وقعت بين أثينا وإسبرطة في عام 411 ق.م) وهذا الكتاب بنظر الباحثين ، هو الذي منحه لقب ” أب التاريخ العلمي ” ، وذلك للمعايير الصارمة التي سار عليها في جمع معلوماته وتحليلها (أنظر : تم رود ؛ ثيوسيديدس : الرواية والتفسير ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 1998) .

  كما وكانت أثينا مدينة طبيب اليونان الشهير أبقراط (460 – 370 ق.م) وهو واحد من الرموز الكبيرة في تاريخ الطب ، والذي يُلقب أب الطب الغربي (أنظر : هربرت كولدبيرك ؛ أبقراط وإبوته للطب ، نشرة دار فرانكلين واطس ، نيويورك 1963) . وهي كذلك مدينة شهيد الفلسفة الأول سقراط (469 – 399 ق.م) ، وهو رمز فلسفي كبير ، نشأت على فلسفته التي لم يكتبها ، معظم المدارس الفلسفية فيما بعد ، فمن المعروف إن مؤسسي هذه المدارس كانوا تلاميذاً لسقراط أو تلاميذ لتلاميذه . واليوم نعتمد في الكتابة عنه ، على كتابات إثنين من طلابه ، وهما إفلاطون (448 – 324 ق.م) وخصوصاً في المحاورات السقراطية ، والتي لم تخلو من روائية قلم إفلاطون (أنظر : بنجامين جوت ؛ محاورات إفلاطون : ترجمة وتحليل ومقدمات ، نشرة دار شالز سكربنر ، نيويورك 1911) ، وأكسانوفان والذي يُعرف بالأثيني (330 – 354 ق.م) والذي كتب بعيون المؤرخ عن أستاذه سقراط ، وبالتأكيد إسلوبه في الكتابة يختلف عن جنس كتابة زميله إفلاطون . إن أهم عمل كتبه أكسانوفان ، هو كتاب الميموربيليا ، وهي مجموعة كتب ركزت في دفاع سقراط أمام المحكمة من زاوية أكسانوفان ، وهذا الكتاب يختلف عن محاورة سقراط الدفاع التي كتبها إفلاطون وكذلك التي كتبها أكسانوفان بالعنوان ذاته ونسبها إلى سقراط (أنظر : بول فاندر (مجموعة مقالات أشرف على جمعها ونشرها وهي من زاوية أكسانوفان) ؛ اللحظة السقراطية ، نشرة مطبعة جامعة كورنيل 1994) .

   كما ونعتمد في الكتابة عن سقراط على رواية الكاتب المسرحي الكوميدي الأثيني بالطبع أرسطوفان (446 – 386 ق.م) المعنونة السُحب ، ولكن بدرجات فيها حذر وذلك بسبب إسلوبه الساخر وطريقته في تصوير سقراط والتي فيها الكثير من الإفتراء ، ولعل هدفها الوحيد ، هو تحقيق أجواء المرح والبهجة للمشاهد الأثيني على حساب الحقيقة . ولهذا نحسب إن أرسطوفان قد جانب الحق ووقف مع السفسطائين خصوم سقراط ، والذين كان لهم طرف في إتهام سقراط ، ومن ثم إعدامه . وبالمناسبة إن أرسطوفان كتب مسرحياته في أثينا ومُثلت على حشبة مسارحها وحضرها الجمهور الأثيني في أيام ما يسمى بمهرجانات أثينا للدراما ، ومنها بالتحديد مسرحية السحب . وقد أُتهم أرسطوفان بالإفتراء على المجتمع الأثيني كذلك (أنظر : ديفيد إفرام ؛ أرسطوفان والمجتمع الأثيني في بواكير القرن الرابع قبل الميلاد ، هولندا 1984) .

  وفاتنا أن نذكر بأن إفلاطون كان أثينياً ، وأسس أكاديميته الفلسفية في أثينا في العام 387 ق.م ، وأصبحت قبلة فلسفية لكل طلاب الفلسفة والعلوم ، وتخرجت منها أجيال مختلفة من الفلاسفة والعلماء . ومن المعروف إن الفيلسوف أرسطو (384 – 322 ق.م) كان من مدينة أسطاغيرا ، إلا إنه درس على يد إفلاطون في الأكاديمية ، ما يُقارب العشرين عاماً (وللفترة 387 – 347 ق.م) وقبل أن يِؤسس مدرسته اللوقيون أو المشائية . والحقيقة إن الأكاديمية ظلت مستمرة بنشاطها العلمي في أثينا ، وبالتحديد خلال العصر الهيلينستي ، ومن ثم تحولت إلى مدرسة للشكاك ، وحتى وصلت إلى نهايتها بموت الفيلسوف فيلو اللارسي عام 83 ق.م .

  وأستمر الفلاسفة في تعليم فلسفة إفلاطون في أثينا خلال الحقبة الرومانية ، وتم تنشيط الأكاديمية في العام 410 م ، ولكن كمركز لحركة فلسفية جديدة ، أطلق عليها المحدثون إصطلاح الإفلاطونية المحدثة . وبقيت حتى عام 529 م ، حيث أغلق أبوابها الإمبراطور الروماني جوستنيان الأول وشتت الفلاسفة في أرض الشتات ، فوجد بعض منهم ملجأً في مدرسة إنطاكيا ، والرها ونصيبين (وربما قبل ذلك) ، ولكن قرار جوستنيان بغلق المدارس الفلسفية في عموم الإمبراطورية وليست في أثينا وروما وحسب ، حمل بعض منهم (وبتشجيع من الحُكام الفرس) بالإنتقال مع كتبهم إلى مدرسة جُندسابور (أنظر : محمد جلوب الفرحان : أكاديمية إفلاطون ، مجلة أوراق فلسفية ، أعداد قادمة ستظهر في عام 2013) .

  وبعد خيبة الفيلسوف أرسطو من الحصول على رئاسة أكاديمية إفلاطون بعيد موت أستاذه ، ونجاح إبن أُخت أفلاطون سيسبيوس (347 – 339 ق.م) على خلافته في رئاسة الأكاديمية ، أسس إرسطو مدرسته الفلسفية الخاصة به ، والتي عُرفت باللوقيون في أثينا وأصبحت نار على علم ، ومن ثم شاعت شُهرتها  تحت راية المدرسة المشائية . ويبدو إنه أسسها في العام 335 ق.م وبعيد عودته من أسيا ، وبالتحديد خلال الهيمنة الكلية للحكم المقدوني على أثينا . وبعد موت أرسطو عام 322 ق.م ، قادها زميله في أكاديمية إفلاطون ، ومن ثم تلميذه في اللوقيون ثيوفرستس (371 – 287 ق.م) والذي جاء يافعاً إلى أثينا ، والذي رأسها مدة ست وثلاثين . وبعد موته خلفه على المدرسة المشائية ستراتو اللامبسيوس ، ومن ثم أخذت المدرسة تضعف وتتداعى ، حتى إنتهت مع سقوط أثينا عام 86 ق.م (أنظر : محمد جلوب الفرحان : اللوقيون أو المدرسة المشائية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة ستظهر عام 2013) .

   ونحسب في الختام الإشارة إلى إن رجل الدولة والجنرال الأثيني الشهير بريكلس (495 – 429 ق.م) قد لعب دوراً في نمو مكانة أثينا السياسية (ومن ثم العسكرية) ، فبدأ برنامجه بتعزيز الفنون ، ورعاية الديمقراطية ، فأصبحت دولة مدينة محترمة بين المدن اليونانية الباقية ، فدعت المدن الأخرى للدخول في إتحاد ، عُرف بالإتحاد الديلي ، والذي إنبثق إلى الوجود في العام 477 ق.م ، وتحت قيادة أثينا ، وكان الغرض منه الإستمرار في مقاومة الفرس (أنظر : توماس مارتين ؛ اليونان القديمة : من ما قبل التاريخ وحتى العصور الهيلينستية ، مطبعة جامعة ييل 2001) .

  ولكن هذا الطموح الأثيني المتزايد ، سبب توتراً حاداً بين أثينا وإسبراطة ، كان من نتائجها حرب طويلة طاحنة ، عرفت بالحرب البولبونيزية ، والتي إستمرت سبع وعشرين سنة (للفترة من 431 وإلى 404 ق.م) ، وإنتهت بهزيمة أثينا على يد منافستها إسبارطة (أنظر : نايجل باكنال ؛ الحرب البولبونيزية : أثينا ، إسبارطة والكفاح من أجل اليونان ، نشرة دار توماس دان للكتب ، نيويورك 2006) .    

   وتاريخ الفلسفة اليونانية يوفر لنا معلومات تفصيلية عن الدور الثقافي الذي لعبته مدن يونانية أخرى كانت يومها مراكز ثقافية ترعرت فيها مدارس فلسفية معروفة مثل ملطيا ، وهي مدينة أيونية (مستعمرة يونانية في أسيا الصغرى) شهدت الولادة  الأولى للفلسفة اليونانية ، وولادة أول فيلسوف في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وهو طاليس المليطي (624 – 546 ق.م) وهو الذي أسس أول مدرسة فلسفية يونانية ، وهي المدرسة المليطية (القرن السادس ق.م) وهي جزء من مدرسة أوسع ، هي المدرسة الأيونية (والتي تضم طاليس ، إنكسيمندر ،إنكسيمانس ، هرقليطس ، إمباذوقليس (490 – 430 ق.م) ، إنكساغوراس (500 – 428 ق.م) ، أركليوس (القرن الخامس ق.م) ، وهيبو (حوالي 425 ق.م) ، وديوجانس الأبولوني (حوالي 425 ق.م) (أنظر : الأنسكلوبيديا الأمريكية العالمية ، نشرة شركة لتل ، نيويورك 1954 ، الملد 8) . ويُطلق على المدرسة المليطية إصطلاح المدرسة الطبيعية الأولى ، وهي مدرسة واحدية (أو أُحادية) ، فقد إنتخب الفيلسوف الطبيعي طاليس مبدأ واحد ، وهو الماء ، مبدأ لفهم التغيرات الحاصلة في العالم . وقد ضمت المدرسة الطبيعية ثلاثة فلاسفة من مدينة ملطيا ، وهم طاليس المؤسس ، وتلميذه إنكسيمندر (610 – 546 ق.م) والذي قال بالأبيرون أو اللامحدود (وتصور العالم صندوقاً يحتوي على مزيج من الأضداد الحار والبارد ، اليابس والرطب وغيرها) (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان : النفس الإنسانية ، نشرة مكتبة بسام 1986 ، ص 59) . ومن ثم تلميذ الأخير ، وهو الفيلسوف المليطي أنكسيمانس (585 – 528 ق.م) والذي عاد إلى موقف طاليس ، ووضع بدلاً من الماء الهواء أصلاً للأشياء (المصدر السابق ، 61) . والمدرسة الطبيعية ضمت فيلسوفاً من خارج ملطية ، وهو الفيلسوف الأفسوسي (نسبة إلى مدينة أفسوس) ، وهو هرقليطس (540 – 475 ق.م) والذي قال بالنار مبدأً طبيعياً لتفسير التبدل الواقع في الكون (أنظر : ج . كيرك وأخرون ؛ الفلاسفة البيروسكراتيون (ما قبل سقراط) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، 1983 ، ص ص 108 – 109) .

   و ساموس وهي دولة – مدينة ثرية وقوية (وهي جزيرة يونانية تقع على الجانب الشرقي من بحر إيجة)، وهي موطن الفيلسوف فيثاغوراس (حوالي 570 – 495 ق.م) ومدرسته الفيثاغورية ، ومن ثم تحول وجماعته الفيثاغورية إلى كروتون ، وهي مستعمرة يونانية في جنوب إيطاليا (أنظر : والتر بوكارت ؛ المعرفة السرية والعلم في الفيثاغورية القديمة ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1972) . ومن النافع أن نشير إلى إن بيت فيثاغوراس ذاته ، قد ضم مجموعة من الفلاسفة الفيثاغوريين ، وهم كل من فيثاغوراس شيخ الفلاسفة ، والأخت والعمة تيمستوكلي (إزدهرت عام 600 ق.م) وهي الفيلسوفة ومعلمة فيثاغوراس . وكانت الزوجة والأم ثيونا (القرن السادس ق.م) فيلسوفة فيثاغورية ، والبنات الأخوات كل من إيركنوتا (إزدهرت عام 500 ق.م) ، و مايا (500 ق.م) ، و ديمو (بحدود 500 ق.م) كن فيلسوفات . وكان الأبن والأخ تيلوكس (500 ق.م) فيلسوفاً ومعلماً للفيلسوف إمباذوقليس . وأخيراً كانت حفيدة فيثاغوراس باتيل فيلسوفة فيثاغورية ، ووريثة الصحائف الفيثاغورية التي تُشكل الإنجيل الفلسفي الفيثاغوري (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فلاسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد ، منشور على موقع الفيلسوف 3 مارس 2011) .

  أما الحديث عن الفثياغوريين المعاصرين لفيثاغوراس ، وخلفائه على المدرسة ، فهو حديث يبدأ بالإشارة إلى المصادر اليونانية الأولى التي حفظت لنا بعض المعلومات عن فيثاغوراس ، مدرسته ، تعاليمه ، أتباعه وخلفائه على المدرسة الفيثاغورية . فمثلاً الفيلسوف إفلاطون في محاوراته تناول الفيثاغورية ، وذكر بعض أعلامها ، وفعل ذلك أرسطو في كتاب الميتافيزيقا على وجه الخصوص وكتبه الأخرى . أما المصادر اليونانية التفصيلية عن حياة فيثاغوراس وتعاليمه ومدرسته وخلفائه ، فقد كتبت في القرون الثلاثة الأولى الميلادية :

1 – كتاب حياة الفيلسوف الفيثاغوري الجديد أبولونيوس / وهو موسوعة كبيرة . تناول فيها حياة فيثاغوراس بكثير من التفاصيل . كتبه السفسطائي لوكيوس فيلوستروتس (170 – 247م) (للتفاصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ السفسطائي فيلوستروتس وموسوعته حياة أبولونيوس التايني / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ، ربيع 2011) .

2 – كتاب ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، خصوصاً الكتاب الثامن ، وهو من المصادر التفصيلية الأولى عن فيثاغوراس ، تعاليمه ، مدرسته وخلفائه (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) .

3 – كتاب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري المعنون حياة فيثاغوراس (للتفاصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري اللبناني مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أورارق فلسفية جديدة ، العدد الأول ربيع 2011) .

4 – كتاب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ، ورئيس المدرسة السورية للإفلاطوني المحدثة الملك الفيلسوف إمبيلكوس (245 – 325م) المعنون حياة فيثاغوراس (للتفاصيل ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الملك إمبيلكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) .

  ومن النافع أن أشير إلى إن المصادر الفيثاغورية الأربعة : حياة أبولونيوس التايني ، حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، وحياة فيثاغوراس بقلم كل من فرفريوس الصوري والملك إمبيلكوس متوافرة في ترجمتها الإنكليزية . ومن ثم قام الباحث كينيث كوثري بجمع الكتب الثلاثة الأخيرة عن حياة فيثاغوراس في كتاب واحد ، والذي ضم الكتاب الثامن من موسوعة ديوجانس لارتيوس حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وكتاب فرفريوس الصوري حياة فيثاغوراس ، وكتاب الملك إمبيلكوس حياة فيثاغوراس ، وكتاب عن فيثاغوراس لكاتب مجهول ، ونصوص أخرى عن فيثاغوراس ( أنظر : الكتاب الفيثاغوري الأساس والمكتبة ، ترجمة كينث كوثري (وهناك جدل حول ترجمة كوثري ، وهل إنه ترجمها من اليونانية إلى الإنكليزية ؟ وهناك من يقول إنه ترجمها من الفرنسية إلى الإنكليزية) ، وهي بتقديم ديفيد فيدلر ، وبالطبع هناك نصوص فيثاغورية ترجمها أخرون / نشرة دار فانس 1987 و 1988) .

  ولاحظنا إن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس ، في كتابه حياة فيثاغوراس ، قد خصص الفقرة رقم 36 والمعنونة الخلافة الفيثاغورية ، قد قدم لنا قوائم طويلة بأسماء الفلاسفة الفيثاغورين ، أو الأدق بأسماء الفيثاغوريين من أجيال مختلفة ، ومن مدن يونانية وإيطالية متنوعة ، وخصوصاً خلفائه على المدرسة الفيثاغورية . فقد ذكر أرستيوس ، وهو معاصر للفيلسوف فيثاغوراس . وبرواية إمبيلكوس ” بإن أرستيوس هو أول خليفة على مدرسة فيثاغوراس بعد موته ، ومن ثم تزوج زوجته ثيونا ، وإعتنى بأطفاله ” (إمبيلكوس ؛ حياة فيثاغوراس ، ترجمة كينث كوثري (منشور في المصدر السابق) / الفقرة رقم 36) .

   ومن فلاسفة الفيثاغورية فيللوس (470 – 385 ق.م) والذي ولد في كروتن (أو تانتم أو ميتابونتم / والمدن الثلاثة هي إيطالية) (أنظر : كارل هيوفمان ؛ فيللوس كروتن : الفيثاغوري والفيلسوف قبل سقراط ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1993 ، ص 5 وما بعد) (للتفاصيل عن المدرسة الفيثاغورية ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الفيثاغورية : فلسفة وفلاسفة / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة) .

إيليا (وهي من المدن الإيطالية التي كانت من المستعمرات اليونانية) التي شهدت قيام واحدة من أهم المدارس الفلسفية اليونانية ، وهي المدرسة الإيلية ، والتي أسسها الفيلسوف بارمنيدس في بواكير القرن الخامس قبل الميلاد ، وضمت المدرسة كل من زينون الإيلي (490 – 430 ق.م) ، والفيلسوف ميلسوس الساموسي (القرن الخامس ق.م) وبعض الأحيان يضيف الباحثون في تاريخ الفلسفة اليونانية إلى المدرسة الإيلية ، الفيلسوف أكسانوفان (570 – 475 ق.م) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الإيلية : فلسفة وفلاسفة / مجلة أوراق فلسفية ، أعداد قادمة) .

غريكنتى (وهي مدينة يونانية في سيسلسي أو صقلية) ، وهي مدينة الفيلسوف الطبيعي إمباذوقليس (490 – 430 ق.م) والذي إقترح أربعة مبادئ طبيعية لتفسير الكون (الماء ، والهواء ، والنار والتراب إضافة إلى قوتي الحب والكراهية) على خلاف المدرسة الطبيعية الأولى (التي إعتقد كل فيلسوف منها بمبدأ طبيعي واحد ، مثل الماء عن طاليس ، واللامحدود عن إنكسيمندر ، والهواء عند إنكيسمانس ، والنار عند هرقليطس) . وهكذا كونت فلسفة إمباذوقليس مع الفيلسوف إنكساغوراس (500 – 428 ق.م) والذي ولد في مدينة كلازموني (وهي جزء من أيونية / المستعمرة اليونانية) ، وفلاسفة المدرسة الذرية (ليسبيوس ، وديمقريطس ..) أركان مدرسة الطبيعية الثانية . وبالمناسبة إن إنكساغوراس هو أول من أدخل الفلسفة والبحث العلمي إلى مدينة أثينا (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة الطبيعية الثانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، أعداد قادمة) .

   في أثينا خصوصاً (والمدن اليونانية الأخرى) إنبثقت نزعة فلسفية في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد ، مخالفة للحركة الفلسفية العامة التي ورثها وقادها الفيلسوف سقراط . وأُطلق على هذه النزعة (وخصوصاً خصومها) إصطلاح السفسطائية ، وعلى الفيلسوف الناشط فيها إصطلاح السفسطائي . وفي الأصل السفسطة جاءت من الكلمة اليونانية سوفس أو سوفيا والتي تعني الحكيم أو الحكمة . ولاحظ الباحثون إن هذا المعنى كان متداولاً منذ عصر الشاعر اليوناني الملحمي هومر أو هوميروس (عاش في القرن الثامن ق.م)

  وكانت الكلمة سوفيا و سوفس (أي الحكمة والحكيم) في الأصل لقبُ (أو وصف) لكل خبير في مجال من مجالات المعرفة والمهن . ولذلك كان على سبيل المثال  سائق العربة (عند اليونان العربة التي تجرها الخيول) أو النحات أو المقاتل هو سوفس أي حكيم  في مهنته . ومن ثم تدريجياً أصبحت كلمة سوفيا تدل على الحكمة بمعناها العام ، وبالتحديد الحكمة في الشؤون الإنسانية ، مثل الحكمة في السياسة ، والحكمة في الأخلاق ، والحكمة في إدارة شؤون المنزل .

  كما وإن إصطلاح الحكيم كان متداولاً في تاريخ الثقافة اليونانية منذ القرن السابع قبل الميلاد . فقد أُطلق على الحكماء السبعة ، وبالتحديد في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد ، من أمثال الحكيم سولون (638 – 558 ق.م) والفيلسوف طاليس … والقائمة تصل عند ديوجانس لارتيوس في الكتاب الأول من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة إلى أكثر من ذلك) . إضافة إلى إن هذا المعنى ظهر في كتابات مؤرخ اليونان الأول هيرودوتس ، وخصوصاً في موسوعته التاريخية التواريخ (أنظر : إفلاطون : محاورة بروتاغوراس / المقدمة التي كتبها أن . دانير ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2008 ، ص 1) .

  والسفسطائيون هو لقب كان يُطلق في اليونان القديمة ، على المعلمين الذين يتنقلون من مكان إلى أخر (معلمون جوالون) ، والذين تخصصوا في تعليم الفلسفة والخطابة وإستخدامهما أدوات إقناع ، وإن كان هدفهم المعلن ، هو تعليم الفضيلة ، والإعداد الممتاز لشباب رجالات الدولة والنبلاء . ولعل من الأسباب التي حملت فلاسفة الحركة الفلسفية اليونانية العامة ، على كره السفسطائيين ، هو إنهم كانوا يتقاضون إجوراً مقابل التعليم ودروس الحكمة (وهذه ظاهرة جديدة وطارئة على المجتمع الأرستقراطي اليوناني . وبالمناسبة إن نجم السفسطائية تصاعد مع صعود الديمقراطيين) . وهذا الأمر (أمر الأجور) هو الذي دفع فيلسوف الإرستقراط سقراط إلى شجبها والتنديد بها (وكوثري يعتقد بأن سقراط كان سفسطائياً إلى عمر الثلاثين) . وبالمناسبة إن جميع فلاسفة المدارس الفلسفية في فترة لاحقة دون إستثناء أخذوا يتاقضون الأجور على التعليم .

    وكل ذلك جاء خلال محاورات تلميذه إفلاطون العدو العنيد للحركة السفسطائية ، وخلال كتابات تلميذه أكسانوفان ، وخصوصاً في كتابه المعنون الميموربيلا . ومع الأسف إن هذه الأعمال العدائية للسفسطائية ، هي التي تصدرت في التعريف بهم وبمنهجهم الأبستمولوجي ، فضاعت حقيقتهم الأصلية خصوصاً بعد مشاركتهم في محاكمة سقراط ، ومن ثم إعدامه . ولكن السفسطائية ستُجدد في القرن الثاني بعد الميلاد على يد السفسطائي فيلوستروتس ، وخصوصاً في موسوعته المعنونة حياة السفسطائيين ، والتي ستشكل ما أُصطلح عليه بالسفسطائية الثانية (أنظر : فيلوستروتس ؛ حياة السفسطائيين ، ترجمة ويالمر كيف رايت ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921) . ومن ثم في كتابات السفسطائي يونبيوس (ولد عام 347م وعاش في القرن الرابع والخامس الميلاديين) ، وبالتحديد في كتابه المعنون حياة الفلاسفة والسفسطائيين والذي تناول فيه حياة ثلاثة وعشرين فيلسوفاً وسفسطائياً (أنظر : يونبيوس ؛ حياة الفلاسفة والسفسطائيين ، ترجمة ويالمر كيف رايت ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1921 (وهو منشور في كتاب واحد مع كتاب فيلوستروتس) ، ص ص 343 – 565) .

  نقول من خلال الأعمال العدائية التي كتبها إفلاطون وأكسانوفان تلميذا الشهيد سقراط ، تم تصوير السفسطائي بإصطلاحات مثل المخادع و المحتال . ومع الأسف هذا المعنى السلبي ، هو الذي ساد في دوائر الفكر الفلسفي والثقافي اليونانيين ، وإنتقل إلى دائرة الثقافة الفلسفية العربية خاصة والثقافة العربية عامة دون وجه حق مشروع . وإذا كان هناك مبرر لإفلاطون وإكسانوفان ، ومن ثم أرسطو بعد ذلك من العمل على تشويه الفكر الفلسفي السفسطائي وذلك لمشاركتهم في إعدام أستاذهم سقراط ، لا نجد هناك أي مبرر للفيلسوف المسلم من أن يكتب مقالات يندد فيها بالسفسطائيين والسفسطة لأنهم لم يشاركوا في قتل سقراط العربي المسلم (وهذا وهم عربي إسلامي جاء بتأثير كتاب أرسطو في السفسطة (وهو واحد من مجموعته المنطقية) . والحقيقة إن قوائم الفلاسفة العرب المسلمين لم تحمل إسم فيلسوف عربي مسلم إسمه سقراط ، شارك في إعدامه السفسطائين . وإنما كل ما في الأمر ، هو إن الفلاسفة المسلمين تابعوا أرسطو ، والذي أوقعهم في كره لا مبرر له للسفسطة والسفسطائيين) . 

  ضمت قوائم الفلاسفة السفسطائيين اليونانيين الأوائل ، أسماء مرموقة مثل برتاغوراس (490 – 420 ق.م) ، وهو السفسطائي الأول ، ويمنحه إفلاطون لقب السفسطائي الرسمي (المهني الأول) ، ويعني به ” معلم الفضيلة ” . وفعلاً فإن برتاغوراس سبب ضجة قوية في صفوف الفلاسفة ، وجدلاً واسعاً في دوائر الفكر الفلسفي والأبستمولوجي اليونانيين في عبارته الشهيرة القائلة ” الإنسان مقياس جميع الأشياء ”  (أنظر : كينث كوثري ؛ السفسطائيون ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1977 ، ص 262 وما بعد) . 

  أما السفسطائي برودكيوس (465 – 395 ق.م) وهو في الأصل من مدينة إلوس / جزيرة كيوس اليونانية (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة بروتاغوراس ، ترجمة بنجامين جوت (منشورة في محاورات إفلاطون) نشرة دار راندم ، نيويورك 1939 ، الفقرة رقم 316 د) . وهو سفسطائي من الجيل الأول . وجاء إلى أثينا سفيراً لمدينته ، ومن ثم إشتهر خطيباً ومعلماً . ويُعامله إفلاطون بتقدير وإحترام ، مقارنة بالسفسطائيين الأخرين (الأمثلة كثيرة وفي محاورات عديدة ، ولكن خذ مثلاً : إفلاطون : محاورة هيبياس الكبير (المصدر السابق) ، الفقرة رقم 282) .

  ولعل الملفت للنظر في بعض المحاورات الإفلاطونية ، إن سقراط يظهر صديقاً للسفسطائي برودكيوس (وهذا الحضور يقوي رواية كينث كوثري من إن سقراط كان حتى سن الثلاثين واحداً من السفسطائيين ومن ثم نضيف إنقلب عليهم) . كما وإن الكاتب المسرحي اليوناني أرسطوفان ، وبالتحديد في مسرحية السُحب (الغيوم) التي سخر فيها من سقراط (وكذلك مسرحية الطيور) ، كان يتحدث إلى السفسطائي بروكيوس أكثر مما يتحدث إلى سقراط (أنظر : أرسطوفان ؛ السحب ، ترجمة ألن سومرستين ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد) . وهذا الحال يحملنا على القول بإن أرسطوفان كان سفسطائياً أو بمعنى أخف كان متعاطفاً مع السفسطائيين وساخراً من خصمهم سقراط .

 وحال برودكيوس حال برتاغوراس والأخرين ، كان يتقضى أجراً على محاضراته ودروسه (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب التاسع ، الفقرة رقم 50) . وكان معلماً للفلسفة والسياسة (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة يوثيدموس ( وهو سفسطائي من كيوس) (المصدر السابق) ، الفقرة رقم 305 س) . ويبدو إن إفلاطون كان يُفضل تقديم السفسطائي برودكيوس ، رجل أخلاق في المقام الأول ، ولذلك عرض بصورة مفصلة لأفكاره الأخلاقية (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة مينو (المصدر السابق) ، الفقرة رقم 96 د) .

  لقد توزعت إهتمامات السفسطائي برودكيوس في ثلاثة جوانب :

أولاً – النظرية النكوستية (فقه اللغة)

   الحقيقة إن قدرنا في الحديث عن نظرية السفسطائي برودكيوس ، هو محاورات إفلاطون . وعلى الرغم من عداوة إفلاطون للسفسطائين ، فقد ركز في العديد من محاوراته على النظرية اللنكوستية التي قال بها السفسطائي برودكيوس . وفعلاً وجدنا إفلاطون يتحدث بصراحة عن إلحاح برودكيوس على الإستعمال الصحيح للأسماء (أنظر : إفلاطون ؛ محاورة ثيودموس ، الفقرة رقم 187 إي) . كما وألقى إفلاطون الضوء على طريقة برودكيوس في الإستعمال الصحيح للكلمات . وعلى تمييزه العبارات التي لها علاقة بالمحسوسات (أنظر : إفلاطون ؛ مينو ، الفقرة رقم 75 س).

ثانياً – نظريته الأخلاقية

    كما وعرضت المحاورات الإفلاطونية ، أفكار السفسطائي برودكيوس ، وخصوصاً تأكيداته على إن في الإمكان تعليم الفضيلة ، وتقديره لمهنة الزراعة . ومقارنته الحياة الأرضية بالحياة ما بعد الموت ، وبين بأنها تتضمن نوعاً من الحرية عن الإرتباط بالجسم . ورأى إن في الموت حرية من الخوف ، وهو لا يؤثر على الحياة ، ولا على الرحيل (أنظر : كينث كوثري ؛ المصدر السابق) .

ثالثاً – نظريته في تفسير الدين في إطار طبيعي

  حال السفسطائي برودكيوس مثل حال بعض السفسطائيين ، والذين عملوا على تفسير الدين في إطار طبيعي . وهكذا أصبحت الألهة بمفهومه ، هي تجسيد (أو تشخيص) للشمس ، والقمر ، والأنهار والشلالات . . وكل شئ يسهم في جعل حياتنا مريحة ميسرة ، ولهذا أُتهم في بعض الأحيان بالإلحاد (أنظر : ساكس إمبريكوس ؛ ضد الرياضيين (مصدر سابق) ، الكتاب الأول ، الفقرة رقم 52) . كما إن نظريته تؤكد على إن الإنسان الأول ، كان ممتناً وشاكراً الطبيعة على هباتها التي مكنته من طرف أن يعيش بيُسر ، ومن طرف ثان قادته إلى إكتشاف الألهة . وحملت نظريته نزعتين في غاية الأهمية في تاريخ اللاهوت والفكر الديني ؛ الأولى عقلانية . والثانية ربطت بين الدين والزراعة (أنظر : كينث كوثري ؛ المصدر السابق ، ص 179) .

 أما السفسطائي جورجياس (485 – 380 ق.م) فقد جاء من مدينة لونتني – سيسلي (بالعربية صقلية) ويُطلق عليه إصطلاح العدمي . وشكل هو وبرتاغوراس الجيل الأول من السفسطائيين . وكان تلميذاً للفيلسوف الطبيعي إمباذوقليس (على الرغم من إن عمرالأستاذ لم يكن أكبر كثيراً من عمرالتلميذ) . ومثله مثل السفسطائيين الأخرين  ، كان يتنقل في مدن عديدة ، مثل مراكز الأولمبياد ودلفي . يلقي المحاضرات ، ويدرب الطلاب على الكثير من المهارات التي يحتاجونها . وبالتأكيد كان جورجياس يتلقى إجوراً على دروسه ومحاضراته (أنظر : كينث كوثري ؛ المصدر السابق ، ص 270) (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المدرسة السفسطائية : تاريخ وتجديد / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، الأعداد القادمة) .

ثانياً – واقع العواصم الثقافية مع صعود الإسكندر وأثرها على مدارس الفلسفة

ومع صعود الإسكندر المقدوني أصبحت عاصمة مملكة مقدونيا اليونانية بيلا لها مكانة تنافس أثينا . والحديث عن العاصمة بيلا ، يحملنا على القول إنها أُنشأت عام 399 ق.م من قبل الملك المقدوني أريكلوس الأول ، والذي كان ملكاً من 413 وإلى 399 ق.م . وقد بناها عاصمة جديدة للمملكة بدلاً من العاصمة القديمة فيرجينا .

   وإستضافت العاصمة بيلا العديد من الشعراء والرسامين والموسيقيين . وعلى سبيل المثال إستضافت الشاعر يوربيدس ، والذي كتب فيها تراجيديا الملك أريكلوس الأول ، وكذلك تراجيديا الباكيا ، وخصوصاً خلال سنواته الأخيرة في مقدونيا (أنظر : رهام رش ؛ المسرح التراجيدي اليوناني ، دار نشر روتليدج ، لندن 1992) . وبعد ذلك إحتضنت العاصمة بيلا ، عرش الملك المقدوني فيليب الثاني 382 – 336 ق.م) (أنظر ك توماس ساندل ؛ سلالة الملوك : رواية فيليب المقدوني وولده الأسكندر ، نشرة دار كرووود 202) . وبالمناسبة الملك فيليب هو الذي إنتخبه اليونانيون لقيادة جيوش تحلاف دول – المدن اليونانية ضد جيوش الفرس  . ويبدو إن هذه المعارك ضد الفرس ، هي التي ألهمت الملك الأبن الإسكندر فيما بعد ، وحملته على أن يقود جيوشه ، زاحفاً عبر الشرق ليدمر إمبراطورية الفرس ، وينصب نفسه شاه شاه مقدونياً ، ويحول بلاط فارس إلى بلاط مقدوني ، مفعم بالثقافة اليونانية ، ويجلب معه الفلاسفة والعلماء والأدباء اليونانيون ، والذين سيفتحوا حواراً ثقافياً مع حكماء (مجوس بإصطلاح ديوجانس لارتيوس) والذي سيولد فيما بعد جيلاً من الإيرانيين الهيلينيين ، وجيلاً من اليونانيين المنفتحين على الثقافة الإيرانية هذا طرف ، وكان من طرف أخر لعقائد الجيوش اليونانية بالإله (رب الأرباب زوس) دوراً في التفاعل مع العقيدي الإيراني . وفعلاً فقد حدث تفاعل بين العقيدي اليوناني المتمثل بالإله زوس والعقيدي الإيراني المتمثل بالإله إهوارمزدا الزرادشتي ، وظهر من خلال هذا التفاعل جيل جديد من الإيرانيين يعبدون إهورارمزدا مع زوس في آن واحد (أنظر هامش سابق في هذا العدد والمعنون ؛ النتائج الفلسفية والثقافية لإحتلال الإسكندر لبلاد فارس والعرب)  .

    وعندما دخل الإسكندر في سن المراهقة ، بدأ والد الملك فيليب يُفكر بمعلم خاص له . وفي البداية تم إقتراح الأكاديمي إيسقراط (436 – 338 ق.م) ، وهو خطيب ، لكنه على خلاف معظم الخطباء ، لم تكن له علاقة بالسفسطائيين ، وإنما بالعكس كان خصماً لهم فكتب رسالته المعنونة ضد السفسطائيين (أنظر يانك لي تو ؛ الهوية الخطابية عند إيسقراط : النص والسلطة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1995) . إلا إن الملك فيليب فضل الفيلسوف الإسطاغيري أرسطو معلماً له (وبالمناسبة كان والد أرسطو طبيباً خاصاً للملك فيليب) . وكان شرط أرسطو إن يُعيد الملك فيليب  تجديد بناء مدينة الفيلسوف إسطاغيرا ، وتحرير مواطنيها من العبودية ، والسماح للمنفيين منهم بالعودة إليها . وفعلاً وافق الملك على شرط الفيلسوف (أنظر : روبن لين فوكس ؛ البحث عن الإسكندر ، نشرة شركة لتل براون ، بوسطن 1980 ، ص 65) .

  وبعد الموافقة على أرسطو معلماً للإسكندر ، تم إختيار معبد نمفس في ميزا مكاناً لتعليم الإسكندر ، (وبالمناسبة معبد نمفس ، هو عتبة مقدسة ، وهي في الحقيقة قرية مقدونية قديمة ، والتي علم فيها إرسطو اليافع الإسكندر للفترة ما بين 343 – 340 ق.م  ، وميزا في الأصل الميثالوجيا المقدونية القديمة (أنظر : بول ديكتكون وجي ستابفيلد ؛ الصحبة النقدية إلى جونثان سوفيت ، نشرة دار الناشرين ، 2006 ، ص 32) هذه كانت الفكرة الملكية في البداية . ولكن تحولت ميزا فيما بعد إلى ما يشبه المدرسة الداخلية للإسكندر وأولاد المقدونيين النبلاء ، من أمثال بطليموس الأول (367 – 283 ق.م) وهو جنرال من جنرالات الإسكندر ، وأصبح حاكم مصر للفترة من 323 – 283 ق.م) ، وهو مؤسس مملكة البطالسة والسلالة البطاليسية . وحصل في العام 305 أو 304 ق.م على لقب الفرعون (أنظر : روبن وترفيلد ؛ تقسيم غنائم الإسكندر الكبير ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2011 ، ص 273) . وهفستيون (356 – 324 ق.م) وهو جنرال في جيش الإسكندر ومن أصدقائه المقربين ، والذي تزوج الفارسية درابيتس ، أخت زوجة الإسكندر ستاتيرا ، وبنت الشاه الإمبراطور الشاه الفارسي داريوس الثالث (أنظر : اليزابيث كيرني ؛ الإسكندر الكبير والإرستقراطية المقدونية ، رسالة دكتوراه ، جامعة ديوك 1975) . وكاسندر (350 – 297 ق.م) والذي أصبح ملكاً لمقدونيا خلال الفترة (305 – 297 ق.م) والذي تعلم على يد الفيلسوف أرسطو في اللوقيون في مقدونيا (أنظر : روبن لين فوكس ؛ الإسكندر الكبير (مصدر سابق) ، ص 469) .

  وفعلاً فقد درس أرسطو الإسكندر وصحبه المقدونيين ، الطب ، والفلسفة ، والأخلاقيات ، والدين ، والمنطق ، والفن . وأهدى الإسكندر نسخة من كتاب الإلياد للشاعر الملحمي هوميروس ، والتي أحبها الإسكندر كثيراً ، وحملها معه في معظم حملاته العسكرية (المصدر السابق ، ص 65 – 66) .

   ومع إنسياح جيوشه جنوباً وشرقاً ، تكون واقعاً ثقافياً وعلمياً وفلسفياً جديداً أُطلق على عصره بإصطلاح العصر الهيلينستي ، وفي هذا العصر إلتقت ثقافة اليونان بثقافات جديدة ، كان حصيلتها بنية ثقافية جديدة  أُصطلح عليها بالثقافة الهيلينستية . ولعل البدايات كانت بإحتلال الإسكندر للشرق الذي كان واقعاً فيما قبل تحت سيطرة الجيوش الفارسية ، فتكون واقع ثقافي جديد ، وتم بناء عواصم ثقافية حملت إسم الإسكندر في مصر والشرق ، فكانت إسكندرية مصر ، وإسكندريات الشرق ، وخصوصاً إسكندرية بابل (التي كانت قريبة من مسقط رأس الباحث) .

   فعلاً لقد أسس الإسكندر ما يقارب العشرين مدينة إسكندرية (وبالطبع حملت إسمه) . ومعظم هذه الإسكندريات تقع على شرق دجلة (العراق اليوم) . ولعل من أولى هذه الإسكندريات ، هي إسكندرية مصر ، والتي أصبحت واحدة من أشهر مدن البحر المتوسط . والحقيقة إن مواقع الإسكندريات كانت محطات تمر بها طرق التجارة ، إضافة إلى كونها مواقع دفاعية . وبعد موت الإسكندر فإن الكثير من هذه الإسكندريات إزدهرت إزدهاراً كبيراً ، وتوسعت ، وخصوصاً بناياتها العامة ، وتزايد عدد سكانها اليونانيين أو المحليين (أنظر : روبرت ماركوت ؛ الأطلس التاريخي لليونان القديمة ، نشرة دار بنكوين 1996 ، ص 111) .

ثالثاً – واقع المدارس الفلسفية بعد موت الأسكندر

وبعد موت الإسكندر تكون واقع سياسي جديد ، فقد أقام جنرالاته :

أولاً – في مصر مملكة الباطلسة ، وكانت الإسكندرية ، وقورنيا وقرطاج عواصم للثقافة اليونانية . أما الإسكندرية ، فقد أسسها الإسكندر الكبير حول مدينة فرعونية صغيرة في العام 331 ق.م ، وظلت عاصمة مصر لحوالي الألف عام ، وحتى دخول المسلمين إليها في العام 641م ، ومن ثم تأسيسهم لعاصمة جديدة هي الفسطاط . وبعد أشهر من تأسيسها ، تركها الإسكندر ولم يعد إليها على الإطلاق . وبعد فترة نزاع بين خلفائه ، تمكن واحد من جنرالاته ، وهو بطليموس سوتر الأول من فرض هيمنته ،  وأصبح خليفة الإسكندر على مصر ، وأسس مملكة البطالسة ، وأصبحت الإسكندرية عاصمة المملكة ، ومن ثم نمت وأصبحت ثاني مدينة في العالم ، أي بعد روما (أنظر : لورن أوكونر ؛ بقايا الإسكندر الكبير : الله ، الملك والرمز ، 2009 / المقالة رقم 8) . وإزدهرت فيها مدارس الفلسفة القورينائية والفيثاغورية الجديدة ، والإفلاطونية المحدثة ، والسفسطائية (وخصوصاً ما يسمى بمدارس السفسطائية الثانية) والتي سنحاول العودة إليها في أبحاث قادمة .

ثانياً – في الإمبراطورية السلوقية ، في حين تمكن واحد من جنرالاته في العراق والشام الكبرى وبعد معارك طويلة ، أن يؤسس مملكته المعروفة بالمملكة السلوقية ، وكان الحاصل هو بناء عواصم ثقافية جديدة ، تحمل إسم الحاكم السلوقي ، منها العاصمة سلوقية بابل (وهي العاصمة ، التي تقع على ضفاف دجلة والتي ولد فيها الفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي أو السلوقي ، وتخرج من مدرستها الفلسفية ، وشد الرحال إلى أثينا لأكمال دراساته هناك وأصبح الرئيس الخامس للمدرسة الرواقية في أثينا) .

  وسلوقيا وتُعرف كذلك سلوقيا دجلة ، وهي واحدة من أعظم مدن العالم خلال العصرين الهيلينستي والروماني . وتقع في ميسابتوميا حسب المصادر الغربية (وتعني بلاد الرافدين ، أو مابين النهرين ؛ دجلة والفرات / العراق الحالي وبالطبع يومذاك أوسع من الحدود الجغرافية للعراق اليوم) ، وبالتحديد تقع سلوقيا على الضفة الغربية لنهر دجلة ، وهي الجهة المقابلة لعاصمة الفرس طيسفون (واليوم مدينة سلمان باك – جنوب بغداد) (أنظر للتفاصيل : جون كرينكر ؛ الإمبراطور المؤسس : سلوقس المنتصر (نيكاتر) / سلسلة التاريخ اليوم 1997، المجلد 43 ، ص 2) .

  وكان تأسيس سلوقيا في عام 305 ق.م وعلى يد سلوقس المنتصر (358 – 281ق.م) والذي أطلق إسمه عنوناً للمدينة ، ومن ثم أخذ يُعرف في الأجيال اللاحقة بالنيكاتر أي المنتصر . وهناك من يرى إن تأسيسها كان عام 307 ق.م ، وبعد إن حدث فيها توسع وإزدهار كبيرين ، تم إختيارها العاصمة الأولى للإمبراطورية السلوقية (أنظر : المصدر السابق ، ص ص 25 – 30) .

  وهناك قصة لطيفة تقف وراء بناء سلوقيا ، والمهم فيها أمرين : الأول إعتراف بالدور الفاعل للكهنة البابليون في حياة المنطقة وخصوصاً مستقبلها . والثاني هو إعتماد الحكام اليونانيون على مهارة الكهنة البابليون في علم الفلك البابلي (الكلداني مثلما إعتمد عليه أول فيلسوف يوناني طاليس قبلهم بحدود الثلاثة قرون ، ومن ثم الفيلسوف فيثاغوراس خصوصاً الطرف الرياضي) في التحديد الفلكي ليوم حظ البناء للعاصمة سلوقيا . والقصة تذهب إلى إن سلوقس سأل كهنة بابل عن ذلك . وهذا السؤال وضع الكهنة في موقف صعب . إلا إنهم تطلعوا إلى فشل محاولة البناء والحفاظ على مكانة بابل . فأخبروا سلوقيا بيوم مختلف . وجاء اليوم وباشر جنود سلوقس ببناء المدينة على وقعها الحالي على الضفاف الغربية لنهر دجلة . وبعد ذلك إكتشف سلوقس خطة كهنة بابل ، فبدأ التحقيق معهم ، فإعترفوا له بنيتهم الصادقة للحفاط على بابل عاصمة للمنطقة (أنظر : المصدر السابق ، ص 34) .

  وهكذا إزدهرت سلوقيا وتلاشت مدينتنا التليدة بابل ، والتي كانت العاصمة في بداية تأسيس الإمبراطورية السلوقية (وبالمناسبة مات الإسكندر الكبير في قصر الملك البابلي نبوخذنصر) . وقصة التحول من العاصمة بابل إلى العاصمة سلوقيا تعود إلى الإمبراطور الإبن إنطوكيوس الأول (توفي عام 261 ق.م) والذي حكم الإمبراطورية السلوقية (بعد وفاة والده الإمبراطور سلوقس) للفترة (281 – 261 ق.م) ، هو الذي نقل عام 275 ق .م سكان بابل إلى العاصمة سلوقيا . والمدينة ظلت مزدهرة حتى عام 165 ميلادية ، حيث دمرها الرومانيون (المصدر السابق ، ص 54) . 

 وخلال الإمبراطورية السلوقية نشأت وإزدهرت مدن ثقافية ، وكانت مراكزاً لنشاط العديد من المدارس الفلسفية مثل صور ، وطرسوس ، وإنطاكيا وأفاميا … وأُقيمت عواصم مملكات أخرى أقامها جنرالات أخرون مثل بيركامون (وهي عاصمة مملكة بيركامون) . والحقيقة في أغلب هذه العواصم والمدن ، كان نشاط متميز للمدارس الرواقية خاصة بصورة ملفتة للنظر (سنتناولها في أبحاث قادمة) .

رابعاً – واقع المدارس الفلسفية بعد قيام الإمبراطورية الرومانية

  وبعد قيام الإمبراطورية الرومانية ، صعد نجم روما ، ومن ثم القسطنطينية وإنطاكيا والرها ونصيبين ، ومن ثم جنديسابور (وحتى غلق جوستنيان مدارس الفلسفة في عام 529م) وهذا موضوع سنبحث فيه بالتفصيل في أعداد قادمة من مجلة أوراق فلسفية جديدة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(9) 

رصيد التجربة الأبستمولوجية العلمية الإسكندرانية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

تقديم :

   كونت هذه التجارب جزء من التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الهيلينستية العامة ، وهذا الشكل الفلسفي الأبستمولوجي خصوصاً تولد داخل أسوار مدرسة الإسكندرية ، والذي عبر عن ذاته في صورتين : علمية وفلسفية . والحق إن العقل العربي الإسلامي كان قريباً جداً من هاتين الصورتين * . وذلك يعود إلى إن الأجواء الثقافية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* شغلت معالجات علماء وفلاسفة مدرسة الإسكندرية حيزاً كبيراً من كتابات العقل العربي الإسلامي . وللتمثيل نستشهد هنا ببعض هذه الكتابات :

1 – حنين بن إسحاق ؛ آداب الفلاسفة ، بإختصار الأنصاري (مصدر سابق) ، ص ص 46 – 47 – 122 – 123 – 124 – 128 – 133 – 135 – 141 – 142 – 143 .

2 – إبن هندو ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية (مصدر سابق) ، ص ص100 – 124 – 127 .

3 – مسكويه ؛ الحكمة الخالدة (جاويدان خرد) (مصدر سابق) ، ص ص 214 – 215 – 217 – 233 – 261 .

4 – إبن فاتك ؛ مختار الحكم ومحاسن الكلم (مصدر سابق) ، ص ص 11 – 25 – 26 – 27 – 28 – 48 – 49 – 50 – 51 – 63 – 64 – 67 – 70 – 75 – 76 – 86 – 92 – 170 – 171 .

5 – الشهرستاني ؛ الملل والنحل ، ج1 (مصدر سابق) ، ص ص 438 – 440 – 441 – 471 – 475 – 482 – 483 – 484 – 487 .

6 – إبن النديم ؛ الفهرست ، دار المعرفة ، بيروت 1978 ، ص ص 353 – 354 – 355 – 356 – 357 – 371 – 375 – 401 – 405 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 في مدرسة الإسكندرية قد هيأت لصورة حوار فكري فريد من نوعه . فقد تمكنت الثقافة اليونانية من فتح أبواب التبادل الأبستمولوجي مع الحكمة والفكر الشرقيين ، فكان المتولد من ذلك نمطاً من الثقافة والعلوم ، سجل له قبولاً ، ومن ثم إنتشاراً واسعاً في الدوائر الثقافية الجديدة . وفعلاً هذا ما حدث داخل أروقة مدرسة الإسكندرية ومكتبتها ومتحفها (وصورة الحوار الأولى حدثت بين العلم والمعرفيات المصرية والثقافة اليونانية الوافدة..) . ولكون هذا الفكر والعلم فيهما الكثير من المقاربات وتوجهات العقل العربي الإسلامي ، فتح الأخير معها عملية حوار وأخذ أو ضم ، فشكلت جانباً من المحيط الثقافي الذي ساعد العقل العربي الإسلامي على إنجاز لحظة الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي .

  نقف ونتساءل : ما رصيد التجربة الأبستمولوجية التي عاشها العقل العلمي الإسكندراني ، وكان لها الأثر في التبادل الثقافي مع العقل العربي الإسلامي ؟ وما رصيد التجربة الفلسفية الأبستمولوجية التي عاشها العقل الفلسفي الإسكندراني ، وكان لها حضور في مشروع العقل العربي الإسلامي في الإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي ؟ (وهذا موضوع سيعالجه البحث اللاحق) .    

   لعبت مدرسة الإسكندرية* دوراً فاعلاً في حركة العلم والفكر الفلسفي العربي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بدأت مدرسة الإسكندرية نشاطها العلمي الحقيقي بعد منتصف القرن الثاني (أنظر : أرمسترونك ؛ المصدر السابق ، ص 170) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإسلامي ، وذلك من خلال تقديمها أنماطاً من المنظومات الأبستمولوجية والفلسفية التي ستكون موضوع دراسة للعقل العربي الإسلامي ، والتي سيجد في بعض منها ما يتناسب وتطلعاته ، وتتشابه في الأرضية الروحية التي إنطلق منها .

  وإذا كانت الإسكندرية أرض اللقاء بين فلسفة اليونان وحكمة الشرق ، فإنها في الوقت ذاته ظلت على إتصال مستمر مع العالم اليوناني ، ولم تقطع قنوات التواصل المعرفي والثقافي بينهما . والحقيقة إن الإتصال بين الإسكندرية والعالم اليوناني في بعده الزمني يصعد إلى الفترة المشائية من حياة أرسطو ، أي منذ قيامه بتأسيس اللوقيون . وعلى حد رأي ييجر ، فإن العلم الإسكندراني في حقيقته  ، إستمرار روحي لفترة أرسطو المتأخرة . وفي الإسكندرية تحقق الفصل بين العلم والفلسفة بصورة واضحة . ولهذا الفصل تُعزى معظم الإكتشافات المهمة للعلم القديم ، والذي كان ضرورياً لتحرير البحث ( أنظر ييجر ؛ المصدر السابق ، ص ص 404 – 405) .

  وما إن مرت سنوات حتى تمكنت الإسكندرية من إنتزاع مركز الفلسفة من أثينا بجدارة ، فأخذ العلماء يتقاطرون عليها ، و” إستمر العمل في العلوم والصناعات ” (أنظر كرم ؛ المصدر السابق ، ص 243) . فمثلاً وصل إليها إقليدس صاحب كتاب الإصول في الهندسة والذي كان أرسطياً في منهجه (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ أثر منطق أرسطو على هندسة إقليدس (مصدر سابق)) . والحقيقة إن العقل الإسلامي تداول هذا الكتاب وظهرت له ترجمات عدة * ، وضمن الكثير من كتاباته المنطقية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على بعض الكتابات العربية الإسلامية التي تداولت كتاب إقليدس  وهندسته أنظر :

1 – حنين بن إسحاق ؛ آداب الفلاسفة (مصدر سابق) ، ص 143 ، إبن هندو ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية (مصدر سابق) ، ص 127 ، القفطي ؛ كتاب أخبار العلماء بأخبار الحكماء (مصدر سابق) ، ص ص 45 – 48 .

2- كما وتضمنت معظم الكتب والفصول المنطقية والرياضية التي ألفها الفلاسفة ورجال الرياضيات والمناطقة العرب كتاب الأصول أو توظيفاً لبديهياته وبراهينه ، (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، نشرة مطابع جامعة الموصل 1986  . وكذلك محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق عند العرب ، نشرة مطابع جامعة الموصل 1987 . محمد جلوب الفرحان ؛ ملامح فلسفة الرياضيات عند الفارابي / مجلة أفاق عربية ، العدد الأول سنة 1981 . وايضاً محمد جلوب الفرحان ؛ الأسس الفلسفية للرياضيات عند إخوان الصفا / مجلة دراسات عربية ، بيروت 1988 ، وأنظر النشرة الإنكليزية لهذا البحث والتي فيها إختلاف طفيف بالعنوان فلسفة الرياضيات عند إخوان الصفا / مجلة العلم الإسلامي / الصادرة في الهند عام 1999 ، العدد 15 ، ص ص 25 – 53) .     

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدداً من بديهيات إقليدس وذلك لبناء فكر منطقي عربي إسلامي (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الطريقة البديهية عند الغزالي / مجلة آداب الرافدين ، كلية الآداب – جامعة الموصل ، العدد (11) سنة 1979) .

  كما وجاء إلى الإسكندرية عالم الميكانيكا أرخميدس (287 – 212 ق.م) والذي إهتم بدراسة المنحنيات الهندسية . وقد ضاعت الكثير من مؤلفاته . وقد وجد في وقت مبكر نص بالعربية لكتابات أرخميدس . وهناك شكوك أثيرت حول أصالة هذا النص  ، وساد إعتقاد بين الباحثين إلى إن هناك تحوير قد حدث فيه ربما بقلم كاتب أخر ، ومن ثم وصل إلى دائرة الثقافة العلمية العربية (أنظر : إي . ج . دجكستريس ؛ أرخميدس ، نشرة مطبعة جامعة برنكتن 1987)* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإستشهاد على بعض الكتابات العربية التي ذكرت أرخميدس ، أنظر : القفطي ؛ المصدر السابق ، ص ص 48 – 49 ، إبن النديم : الفهرست (مصدر سابق) ، ص 372 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ومن العلماء الذين نشطوا في أجواء الإسكندرية ثاون الأزميري ، والذي تكلمت عنه المصادر العربية الإسلامية كواحد من المبرزين في العلم يومذاك (أنظر : القفطي ؛ المصدر السابق ، ص 76 ، وإبن النديم ؛ الفهرست ، ص 375) . وكذلك عمل في الإسكندرية كلوديوس بطلميوس (90 – 168م) أو بطلميوس الإسكندراني وهو مواطن روماني يوناني مصري ، كتب باليونانية . وهو عالم في الرياضيات والفلك والجغرافيا والتنجيم . كتب العديد من الرسائل ، وتركت على الأقل ثلاث منها أثاراً على العالم الإسلامي والعلم الأوربي . الأولى كانت بعنوان المجسطي (وتعني باليونانية الرسالة العظيمة) وهي رسالة فلكية (وفي الأصل رسالة في الرياضيات أو علم الفلك الرياضي) (للتفاصيل عن كتاب المجسطي أنظر : مجسطي بطلميوس ، ترجمة ج . تومر ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 1998)* . والثانية في الجغرافية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * إن كتاب المجسطي لبطليموس يقدم لنا معلومات عن عالم فلك يوناني ، هو إبرخيوس (190 – 120 ق.م) والذي ترك أثاراً كبيرة على فلك بطليموس وخصوصاً إنموذجه الفلكي للكون ، وبالتحديد في ملاحظاته الفلكية الدقيقة والجداول الفلكية البابلية التي إعتمد عليها في تحديد خسوف الشمس والتي تميزت بدقتها العالية . ونحسب إنه من خلال إبرخيوس عبرت هذه الأثار الفلكية إلى بطليموس وتكشفت في كتابه المجسطي (أنظر : بطليموس ؛ المجسطي ، ترجمة ج . تومر / دار نشر سبؤنك ، نيويورك 1984) .

  وإبرخيوس هو عالم فلك يوناني ، وجغرافي ورجل رياضيات في العصر الهيلينستي . وبالإضافة إلى ذلك فهو مؤسس حساب المثلثات . وكل هذا مهم ، ولكن مهمتنا هو أن نتحدث عنه كعالم فلك ومن خلال ذلك بيان أثره على بطليموس الذي إحتفل به في كتابه المجسطي . وينظر له الباحثون على إنه من أكبر علماء الفلك في الماضي ، وذلك من خلال الملاحظات الفلكية التي قام بها . وفعلاً فهو أول من وضع نماذج كمية بالغة الدقة لحركة الشمس والقمر. ومن هذا الطرف فقد لاحظ الباحثون إن هذه الملاحظات الفلكية والأجهزة الرياضية المتعلقة بها قد جمعها الكلدان البابليون (أي علماء الفلك البابليون) (أنظر : ج . تومر ؛ إبرخيوس والفلك البابلي ، فيلادليفيا 1988)  كما طور إبرخيوس طريقة دقيقة في التكهن بخسوف الشمس معتمداً على سنوات خسوفها وفقاً للحسابات الفلكية البابلية (أنظر : ج . أم ستيلا وأخرون : الدقة في تحديد وقت الخسوف بالحسابات البابلية / مجلة تارخ الفلك ، العدد 28 ) . ومن المحتمل إن إبرخيوس قد إخترع آلة الإسطرلاب . ولكن مصادرنا عن هذا العالم تصعد إلى الفيلسوف والجغرافي والمؤرخ سترابو (24 – 64م) وبالتحديد في كتابه الجغرافيا. وكذلك وجدنا إن مصادرنا تمتد إلى ما بعد بطليموس ، وخصوصاً عند شراح كتاب المجسطي ، مثل بايبوس الإسكندراني (290 – 350م) وهو عالم رياضيات ، وثيون الإسكندراني (إزدهر في القرن الرابع الميلادي) (أنظر : جون دراير ؛ تاريخ الفلك ومن طاليس وحتى كبلر ، دار نشر دوفر ، نيويورك 1953) .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

، والتي إحتوت على مناقشات للمعرفة الجغرافية للعالم اليوناني الروماني . أما الثالثة فهي رسالة في التنجيم ، والتي تعرف باليونانية واللاتينية بالكتب الأربعة . وفيها عدل صورة القبة السماوية وحدد مكانة الكواكب والمسافات بينها ، وعلى أساس الملاحظات البصرية والفلسفة الطبيعية الأرسطية (أنظر للتفاصيل : فرانك روبنز ؛ كتب بطلميوس الأربعة ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 1994) .

 وينهض نظام بطلميوس للكون على فلسفة أرسطو الطبيعية المعدلة ، والتي ترى إن الأرض هي مركز الكون ، وهي ثابتة ، وأن جميع الكواكب والنجوم تدور حولها في حركات دائرية تامة ، وهذا يشمل الشمس والقمر وإن قال بأنها تدور حول الأرض بدوائر أصغر* . ومن النافع إن نذكر بأن كتاب المجسطي قد نقل إلى العربية ، وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ونحسب ما دمنا نتحدث عن النظام الفلكي للكون ، أن نشير إلى إن العلماء اليونان قد فكروا بنظام مختلف عما قدمته الفلسفة الطبيعية لأرسطو ، ومن ثم نظام بطليموس الذي تبنته الدوائر الكنسية بحجة إنه ملائم للصورة التي ترسمه الأناجيل المسيحية . وهذا النظام يصعد إلى القرن الثالث قبل الميلاد ، وإرتبط بإسم أرسطرخس الساموسي (310 – 230 ق.م) وهو عالم فلك ورياضيات يوناني ، وقدم أول إنموذج فلكي ، إقترح فيه إن الشمس مركز الكون ، وإن الأرض تدور حولها . وكان في هذا الإقتراح الفلكي ، يتابع الفيلسوف الرياضي فيللوس الكروتيني (470 – 385 ق.م) والذي قال بأن الأرض ليست مركزاً للكون . ولكن أرسطرخس وحد بين الشمس والنار المركزية ، ووضع الكواكب الأخرى في نظام صحيح حول الشمس . ومع الأسف إن أفكار أرسطرخس قد رُفضت ، وعلى حسابها تم تفضيل نظريات أرسطو ونظام بطلميوس الفلكي (للتفاصيل أنظر : السير توماس لتل هيث ؛ أرسطرخس الساموسي : كوبرنيكس القديم (تاريخ الفلك اليوناني مع نشر رسالة أرسطرخس في حجم ومسافة الشمس والقمر ) : نص يوناني جديد مع ترجمة وملاحظات / نشرة مطبعة جامعة أكسفورد ، لندن 1913) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في جوهره ” أول كتاب دون كل فروع علم الفلك القديم .. وكان المرجع الأكبر في هذا العلم ” (أنظر : نيلينو ؛ علم الفلك عند العرب ، روما 1911 ، ص 121) . وهناك جدل حول درجات حضور الفلك البابلي في تراث جُل علماء الفلك اليونان والرومان ، ومن ضمنهم بطلميوس* . والواضح إن المصادر العربية قد أعلت من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفصيل في درجات حضور الفلك البابلي (الكلداني) وإستبطانه في درجات مختلفة في الفلك اليوناني بطرفيه الهيليني والهيلينستي ، وخصوصاً في فلك بطلميوس :

1 – إسكر أبوي : فصول من بواكير تاريخ علم الفلك / نشرة دار سبرنك ، نيويورك 2001 .

2 – الكسندر جون ؛ تبني المناهج البابلية في علم الفلك اليوناني ، نشرة مطبعة جامعة شيكاغو 2000 .

3 – ريتا واطسن وواين هوريتز ؛ العلم المكتوب قبل اليونان : تحليل طبيعي لرسالة فلكية بابلية ، نشرة بريل 2011 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 مكانة بطلميوس وبينت أثر كتابه في دوائر الأبستمولوجيات الفلكية الإسلامية (أنظر : إبن هندو ؛ المصدر السابق ، ص 124، وإبن النديم ؛ الفهرست ، ص ص 374 – 375) .

  ومن النافع إن نذكر حقيقة تخص العقل الإسكندراني ، وهي التي كان لها حضور في النص الأبستمولوجي الذي كتبه العقل العربي الإسلامي . وهذه الحقيقة تبين لنا إن أبحاث علم الفلك قد سارت في الإسكندرية في إتجاه مغاير لما كانت عليه عند اليونان . فقد تم ربط ” حركة الإفلاك بمصير كل إنسان وبحياته ” وشكل هذا ” موضوع علم التنجيم الذي إبتدأ يشيع عند يونانيي الإسكندرية من القرن الميلادي الأول ، والذي يبدو إنه حل عند بعض مفكريه محل علم الفلك ، أو إختلط به على الأقل ” (أنظر : نجيب بلدي ، تمهيد لتاريخ مدرسة الإسكندرية وفلسفتها (المصدر السابق) ، ص 44) .

  كما ومن الإتجاهات المهمة التي ظهرت في الإسكندرية ، وإستمر حضورها في دائرة الأبستمولوجيات العربية الإسلامية ؛ الأبحاث الطبية والنزعات التي تتجاذبها . وهي في حقيقتها نزعات تتوزع في ثلاثة معاقل : تجريبية ، وعقلية وإنتخابية . ولعل أشهر من مثل هذه النزعات الطبية الفيلسوف الطبيب جالينوس كما كان يُطلق عليه  (129 – 200 أو 216 م) ، ولذلك فهو الأصل ليس من الإسكندرية ، وإنما جاء من مدينة بيركامون ، التي كانت عاصمة مملكة بيركامون* ، التي حكمتها  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بعد موت الإسكندر ، إستقل لايسماكوس (360 – 281 ق.م) ، وهو واحد من جنرالات الإسكندر الكبير في أناتوليا ، وأصبح ملكاً في العام 306 ق.م (أنظر : أش . أس . لوند : لايسماكوس : دراسات في الممالك الهيلينستية الأولى ، نشرة روتليدج 2002 ، ص 3) . وبعد موته فإن قائد بيركامون ، الجنرال فيلتريوس 343 – 263 ق.م) ، هو الذي أعاد بناء بيركامون ، وإتخذها عاصمة للملكة الجديدة . وأسس حكم الأسرة الأتالية في بيركامون (أنظر : ريني داريفوس وألين إسكاردولف ؛ بيركامون ، نشرة مطبعة جامعة تكساس 1996 ، ص 24) .

  ولوقوف الأسرة الأتالية مع روما في الحرب ، فقد منحتهم كل ممتلكات السلوقيين في أسيا الصغرى وإستقلالاً ذاتياً . وفعلاً فقد إستمرت هذه الأسرة في الحكم للفترة (281 – 133 ق.م) (أنظر : إليزابيث كوسمتاتو ؛ الأتاليون في بيركامون / منشور في كتاب صحبة العالم الهيلينستي (بإشراف أندرو إيرسكاين) ، نشرة دار بلاك ويل ، أكسفورد 2003 ، ص ص 159 – 174) . وإزدهرت بيركامون ، مركزاً للثقافة الهيلينستية لحوالي 150 عاماً. وكانت فيها مكتبة عامرة ، ومستشفى ، هو في الحقيقة مركزاً طبياً إقترن إسمه بالطبيب جالينوس .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العائلة الأتالية . 

 ولد جالينوس في أحضان عائلة ثرية متعلمة . فقد كان والده إليوس نيكون (القرن الثاني الميلادي) معمار ثري ، وعالم رياضيات من بيركامون . وكانت له إهتمامات بالبحث الأكاديمي . وفعلاً فقد كان الوالد نيكون هو المعلم الأول لولده جالينوس .  والذي كان يركز على دروس الفلسفة والسياسة . ولكن حدث ما لم يكن في حسابات الوالد . ففي العام 145 م زار الوالد في الحلم إله اليونان إسكالبيوس (إله الصحة والطب بالمثولوجيا اليونانية) وحسب رواية جالينوس ، إن إله الصحة عند اليونان إسكالبيوس قد طلب من والده أن يوجه ولده إلى دراسة الطب . ولذلك إلتحق جالينوس حالاً بمصح إسكالبيوس في بيركامون (وهو المركز الطبي) وبدأ بدراسة الطب وعمره كان ستة عشر ربيعاً ، وإستمرت دراسته أربعة سنوات .

   ولعل من المفيد أن نقدم هنا تحليل جالينوس للخصائص النفسية والشخصية لوالديه ، والتي كتب عنها في كتابه المعنون الإنفعالات وأخطاء النفس ، والتي فيها كشف عن الخصائص الشخصية التي إكتسبها من والده ، والمناسبة التي علمته الكثير من الخصائص المقابلة في شخصية أمه ، والتي إنتقدها ونند به . يقول جالينوس : ” كان جُل مهارات والدي العالية في علوم الهندسة والحساب ، العمارة والفلك ” . ومن ثم يقدم ملاحظاته عن سلوك ومزاج والديه ، مع تحليل ونقد . وإليكم ترجمتنا للنص الإنكليزي :

 لقد كنت محظوظاً جداً إن يكون لدي أطيب والد ، فقد كرس حياته جُلها لعائلته . في حين كان الغضب يسيطر على والدتي دائماً ، حيث إنها تعضُ الخادمات بعض الأحيان . وهي مستعدة دائماً للجدل والعراك مع والدي (مثلها مثل أكسنثيب مع زوجها الفيلسوف سقراط) . وعندم أحاول المقارنة بينهما ، فإن والدي رجل أعمال نبيلة عالية ، في حين إن إنفعالات أمي تُثير الكثير من الخجل . ولذلك أحببت خصال والدي وأعماله ، وكرهت إنفعالات أمي وهربت منها ، مع إحترامي لكل الإختلافات بينهما . والحقيقة التي كانت موضوع ملاحظاتي الدائمة ، هو إن والدي ، كما يبدو ، لم يحزن على فقدان وخسارة أي شئ على الإطلاق ، بينما كانت والدتي مُنكدة من أصغر الإمور وأبسطها (أنظر : جالينوس ؛ تشخيص إنفعالات النفس وعلاجها ، ترجمها إلى الإنكليزية بول هاركينز ، وتقديم وشرح ولتر رايس / نشرة مطبعة جامعة ولاية أوهايو 1963 ، الفصل الثامن (أون لاين)) .

  وفعلاً فقد ذكر في كتابه تشخيص الإنفعالات ، بأنه أكمل تدريباته وتعليمه على يد والده حتى سن الرابعة عشر . وبعدها بدأ المواكبة على حضور دروس ومحاضرات فلاسفة مدينته بيركامون ، وكان أغلبهم رواقيون ، من حواري فيلوبتر . ومن ثم تعلم على يد معلم إفلاطوني من أتباع كايوس (القرن الثاني الميلادي) . ودرس تحت إشراف معلم مشائي ، هو من حواريي إسبيوس* (100 – 150 م) . وأخيراً علمه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لقد وضع الفيلسوف المشائي إسبيوس برواية الفيلسوف بوثيوس (بواكير القرن السادس الميلادي) شروحاً على معظم كتب أرسطو ، مثل العبارة (المنطق) ، والطبيعيات ، والميتافيزيقا ، والمقولات (المنطق) ، والأخلاق النيقوماخية وقد تم نشرها في مجموعة كتب أرسطو . كما وأشار فرفريوس الصوري إلى إنه وضع شروحاً على محاورات إفلاطون . وإن شروحه على أرسطو كانت تقرأ في مدرسة إفلوطين (الإفلاطونية المحدثة بإصطلاحات المحدثين) (أنظر : إنطونين ألبرتا وروبرت شاربلس ؛ إسبيوس ؛ شرح مبكر على أخلاق أرسطو ، نشرة دي كروتير 1999) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 معلم من الأبيقوريين (المصدرالسابق) .

  ويتذكر جالينوس نصيحة والده بعد دراسته تحت معلمين من مدارس فلسفية مختلفة ، فيسجلها في كتابه تشخيص الإنفعالات وأخطاء النفس ، ويذهب إلى إن والده طلب منه أن لا يتعجل وينتمي إلى أي مدرسة منها . وإنما أن يتريث ويقوم ببحث مركز لكل منها ، وأن يتوقف عن إصدار الحكم عليها على الأقل لفترة معقولة من الزمن . ولذلك أفاد : وعلى أساس نصيحة والدي وضعت هذه المدارس موضع الدارسة والتأمل . وفعلاً لم أدعي اليوم بأنني واحد من أعضاء واحدة من هذه المدارس (جالينوس ؛ تشخيص الإنفعالات وأخطاء النفس وعلاجها (مصدر سابق)) . ونتطلع بمراجعة هذا الكتاب من زاوية أكاديمية ، وبنظرنا إن طرفاً منه يُعد ميمواراً يتحث فيه جالينوس عن حياته ووالديه وتعليمه .

  وجالينوس بالإضافة إلى كونه طبيب روماني ذاعت شهرته الأفاق ، فهو جراح وفيلسوف (أنظر : بيتر براين ؛ جالينوس ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1986 ، ص 1) . وباحث كتب العديد من الأبحاث الطبية ، وألم بمجالات علمية عديدة مكنته في عمله الطبي ، من مثل التشريح ، والفيزيولوجيا (وظائف أعضاء الجسم) ، وعلم الأمراض (أنظر : فيفيان نوتن ؛ يوميات عمل جالينوس المهني المبكر / المجلة الكلاسيكية 23 : 1 ، ص ص 158 – 171) ، والعقاقير الطبية والأعصاب ، إضافة إلى الفلسفة وعلم المنطق (أنظر : جالينوس ؛ في الملكات الطبيعية ، ترجمة وتقديم أرثر جون بروك ، نشرة إدنبرك 1916 / المدخل) .     

    وفي العام 148 مات والده ، وكان عمره تسعة عشر ربيعاً ، وترك له ثروة طائلة ، فأخذ يفكر في مستقبله المهني كطبيب ، فحضرته نصيحة أبي الطب اليوناني أبوقراط ، فقرر إتباعها ، وفعلاً قام برحلات علمية لمدن مختلفة من أجل الإطلاع  على مختلف التقاليد الطبية ، فزار سميرانا (تقع في الأناضول عل الساحل الإيجي) ، وكورنيث ، وكريت ، وسيسلي (صقلية بالعربية) ، وقبرص ، وأخيراً المدرسة الطبية العظيمة في الإسكندرية . وعن طريق هذه الرحلات العلمية ، تحقق له إتصال بمختلف المدارس الفكرية في الطب . وفي عام 157 م عاد إلى بيركامون وأصبح الطبيب الشخصي للكاهن الأعلى لعموم أسيا . وفي العام 162 زار روما وأصبح الطبيب الشخصي للإمبراطور ماركوس أورليوس (121 – 180 م) ومن ثم طبيباً لوريثه الإمبراطور الروماني كومديوس (161 – 192 م) ، وكذلك طبيباً للإمبراطور ستميوس سيفريوس (145 – 211 م) (أنظر : 1- دي . إيكهولز ؛ جالينوس وبيئته : اليونان وروما ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1951 ، ص 60 وما بعد . 2 – إليزابيث إيفنز ؛ جالينوس الطبيف / نشرة الجمعية الأمريكية للفيلولوجيا 1956 ، 49 : 3 ، ص 243 وما بعد) .

   وإعتماداً على رواية نوتن مات جالينوس وعمره 87 ، صرف منها سبعين سنة في التدريب والعمل الطبي ، وبالتحديد فقد مات عام 216 حسب ترجيحنا والذي يقوم على إن عمره ستة عشر عاماً عندما بدأ التدريب في المصح الطبي في بيركامون وإذا أضفنا سبعين عاماً التي لا خلاف حولها فتكون وفاته قد وقعت في عام 216  وعمره 86 عاماً (أنظر : فيفيان نوتن ؛ الطب القديم ، نشرة دار روتليدج 2004) .

  ونتحول الأن صوب الفلسفة وعلم المنطق ، وهما المجالان اللذان كتب فيهما . صحيح إنه تأثر بكتابات إفلاطون وأرسطو والرواقية (وهناك صدى للدروس التي تعلمها على واحد من فلاسفة الأبيقورية كذلك) . ولكن قبل ذلك نود أن نقول كلمة بحق المنهج الأبستمولوجي عند الفيلسوف الطبيب جالينوس . حقيقة إن جالينوس كان على الدوام يرى نفسه على صورة الطبيب الفيلسوف . ولذلك كتب رسالة بعنوان ” أفضل طبيب هو الذي يكون فيلسوفاً ” (أنظر : ب . براين ؛ جالينوس حول الطبيب المثالي / مجلة جنوي أفريقيا الطبية 1974، العدد 52 ، ص ص 936 – 938) . ومن الزاوية الأبستمولوجية وجد نفسه شغوفاً بالمناقشات الدائرة بين المدرستين الطبيتين ؛ العقلية والتجريبية (أنظر : س . كوسنس ؛ نقد جالينوس للتشريح العقلي والتجريبي / مجلة تاريخ البايولوجيا ، العدد 30 ، ص ص 35 وما بعد) أي الأبستمولوجيا العقلية والأبستمولوجيا التجريبية . ووفقاً للملاحظات (التجريب) التي قام بها ، وترجيحه لدور الإستدلال (العقل) ، توسط جالينوس بين النزعتين العقلية والتجريبية . وهذا التوسط يعني شئ واحد ، وهو ترجيح نزعة ثالثة ليس كلها نشاط عقلي ، كما وليس كلها عمل تجريبي . إذن هي نزعة عقلية – تجريبية . ولكن فيها حد لنشاط العقل الجامح ، وتقييد لطغيان التجريب (فهي بتعابير الفيلسوف الألماني كانط أبستمولوجيا نقدية) (أنظر محمد جلوب الفرحان : كانط والكانطية الجديدة / مجلة أوراق فلسفية جديدة أ العدد السادس ربيع 2012) .

  فعلاً كان جالينوس مهتماً جداً بإرساء نزعته الأبستمولوجية في عمله الطبي وفي نشاطه الفلسفي . وهذا الإهتمام تمثل في جمع جالينوس بين الفكر الفلسفي والتطبيق الطبي ، وكما بين ذلك في عنوان كتابه المختصر أفضل طبيب هو أن يكون فيلسوفاً . وقام بإختيار مجموعة سمات من كلا المعسكرين ومزجهما بتفكيره الأصيل . وعلى هذا الأساس نظر إلى الطب مجالاً متعدد الإختصاصات ، وإن أفضل تدريب يكون من خلال إطار نظري نافع ، وملاحظات مرتبطة بنوع من التجريب (أنظر : س . كوسنس ؛ الأسس التجريبية للاهوت عند جالينوس / مجلة دراسات في تاريخ وفلسفى العلم 1998 ، العدد 29 ، ص 63 – 80) .

  وما دمنا نتحدث عن مكانة جالينوس وتفكيره الطبي والفلسفي بين المدارس الأبستمولوجية (الطبية) في عصره ، نحسب من النافع الأشارة إلى إن هناك العديد من المدارس الأبستمولوجية التي كانت سائدة يومذاك ، ولكن الأبرز بينهما مدرستان كبيرتان ، وهما مدرسة التجريبيين ، ومدرسة العقليين (ويُطلق عليها مدرسة العقائديين (الدوكماتيون أو مدرسة الفلاسفة) ، ومدرسة ثالثة هي الطرائقية  والتي تضم جماعة صغيرة .

  ومن زاوية الأبستمولوجي المتابع ، إن التجريبيين يؤكدون على أهمية التطبيق السريري والتجريب أو ما يصطلح عليه بالتعليم الفعال في مضمار الطب . في حين إن العقليين ساروا بإتجاه مضاد للتجريبيين ، فقد إهتموا بالتعاليم المنظمة ، والتي تؤدي إلى صياغة نظريات تندرج تحت ميدان الإنجازات الطبية . أما الطرائقيون فقد إختاروا طريق التوسط بين التجريبيين والعقليين . وعلى هذا الأساس فهم تجريبيون بدرجات ، ولكن بالتأكيد ليس مثل التجريبيين . وهم نظريون بدرجات ، ولكن ليس حالهم حال العقليين . والطرائقيون بصورة عامة ينتفعون من الملاحظة الخالصة ، مع تركيز عال على دراسة الأمراض ، أكثر من بذل الجهود لإكتشاف العلاج .

  وفي مضمار الأبستمولوجيا الفلسفية ، فإن من الكلام المُعاد ، القول إن برنامج تعليم جالينوس ، مكنه من الإطلاع على أربعة مدارس أبستمولوجية كبرى في تاريخ الأبستمولوجيا اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي ، وهي الأبستمولوجيا الإفلاطونية ، والأبستمولوجيا المشائية ، والأبستمولوجيا الرواقية ، والأبستمولوجيا الأبيقورية . مع إتصال بأستاذة من المدارس العقلية ، والمدارس التجريبية (أنظر : فان دير إيجك ؛ الطب والفلسفة في التراث الكلاسيكي : الأطباء والفلاسفة حول الطبيعة ، النفس ، الصحة والمرض / نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 2005) .

  أما الحديث عن مكانة جالينوس في علم المنطق ، فهو حديث يتوزع بين منطق الحدود الأرسطي ، ومنطق القضايا الرواقي الأبيقوري . ومعلوم لنا إن منطق أرسطو جاء من خلال معلمه المشائي ، أما منطق القضايا فقد جاء من خلال معلمه الرواقي ومعلمه الأبيقوري (أنظر : جالينوس ؛ تشخيص إنفعالات النفس وعلاجها (مصدر سابق)) . ومن طرف منطق الحدود الأرسطي ، فإن من المعلوم إن أرسطو تحدث بصراحة عن ثلاثة أشكال قياسية في كتابه التحليلات الأولى ، وسكت عن الشكل القياسي الرابع على الرغم من إنه مدفون في نصوصه المنطقية . إلا إن جميع الكتب التي تتحدث عن تاريخ المنطق تنسب إلى جالينوس من إنه أول من إكتشف الشكل القياسي الرابع في نصوص أرسطو المنطقية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني (مصدر سابق) ، القسم الثاني ، الفصل الثاني المعنون البرهان في المنطق) .

   وفعلاً فقد إشتغل جالينوس ” بالمنطق وجعل أشكال القياس أربعة ، ولخص محاورات إفلاطون ، و ” نقل السريان والإسلاميون تلخيصاته ” (أنظر : يوسف كرم ؛ المصدر السابق ، ص 243) . أما منطق القضايا الرواقي الأبيقوري ذو النزعة الحسية والإستقرائية ، فقد إستبطنه جالينوس في معظم كتبه ورسائله الطبية (وهذا موضوع سنخصص له عدد خاص من مجلة أوراق فلسفية جديدة في المستقبل القريب) . والحقيقة إن إفادات جالينوس المتنوعة كانت موضوع حوار وتبادل معرفي مع العقل العربي الإسلامي ، وسجلت حضوراً في تكوينات المشروع الإسلامي للإقلاع الفلسفي الأبستمولوجي * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أما الكتابات الإسلامية التي تناولت جالينوس وتراثه فهي كثيرة منها :

إبن هندو ؛ المصدر السابق ، ص 100 ، إبن فاتك ؛ المصدر السابق ، ص ص 288 – 295 ، إبن النديم ؛ المصدر السابق ، ص ص 401 – 405 ، القفطي ؛ المصدر السابق ، ص ص 86 – 92) .

ــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ       

   الوافد الأبستمولوجي الكيميائي :

  إمتزج الوافد الأبستمولوجي الكيميائي بالثقافة العربية الإسلامية ، وتماهى فيها . وبما إن الذات العربية شغوفة بالألغاز والأسرار والسحر ، فإن الوافد الأبستمولوجي جلب معه كل ذلك ، فتلقفته الذات العربية ، بحثاً وعملاً . وفعلاً فقد لعبت الكيمياء أو الخيمياء دوراً في حياة الجمهور والنخب من العلماء والفلاسفة . وبالمقابل كانت هناك مواقف تندد بالعمل ، وتحرك السلطة وتحرضها للضرب بيد من حديد لكل من يتعامل بالكيمياء ، حتى وصل الإتهام بكل من يهتم بالكيمياء ، ودون تمييز ، بإنه تدخل في سنن الطبيعة ، وذلك من خلال تحويل المعادن الرديئة (النحاس والفضة .. ) إلى معادن كريمة (الذهب) . وإتهامهم بالعمل على تزييف العملة وتدمير إقتصاد الجمهور والدولة (أنظر للتفاصيل : إبن خلدون ؛ المقدمة ، تحقيق علي عبد الواحد وافي ، لجنة البيان العربي  ، ج4 1960 ، ص ص 1186 – 1199) .

  ونحسب من النافع أن نبدأ بالبحث عن أصل كلمة كيمياء ، فهو مدخل مهم يوضح لنا الكثير من الأمور التي تداخلت في مبحث الكيمياء ، وخصوصاً الأبعاد السرية والسحرية التي نسبت لكل من يعمل في مضمار الكيمياء أو الخيمياء . ولعل أول ما نبدأ به ، هو الإشارة إلى إن هناك جدل دائر في تاريخ العلم بين الباحثين حول أصل كلمة كيمياء ، ويرجحون إنها مشتقة من كلمة خيمياء ، وإنها إنتقلت من العربية إلى اللغات الأوربية (ونرجح عبر ترجمة القرن الثاني عشر أولاً والتي ترجم فيها التراث العلمي العربي إلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية ..) . ويرون إن الكلمة كيمياء العربية مشتقة من اليونانية (أنظر : ج . سمبسون و س . وينر ؛ الكيمي أو الخيمياء / معجم أكسفورد للغة الإنكليزية ، الطبعة 2 1989 ، المجلد الأول) . ولكن الأصول النهائية لجذر الكلمة كيمي غير يقينية بمنظار الباحثين (أنظر : الإنسكلوبيديا البريطانية ، نشرة 2002) .

  والنظرية السائدة ، وفقاً لمعجم أكسفورد للغة الإنكليزية ، هو إن كلمة كيمياء مشتقة من اللغة المصرية القديمة ، وبالتحديد من الأسماء المصرية ” كيمي ، كميا أو كاميا ” والتي تعني ” الأرض السوداء ” مقارنة بالصحراء المحيطة بها . ولهذا فإن الكيميا أو الخيميا هي ” فن مصري ” (أنظر : ج . سمبسون ووينر ؛ المصدر السابق) . ومن الممكن إن تكون كلمة الكيميا مشتقة من ” إمتزجا معاً ” (أنظر : إرنست ويكلي ؛ معجم إصول اللغة الإنكليزية الحديثة ، نشرة دار دوفر للنشر ، نيويورك 1967 ، كلمة الكيميا) .

   والحقيقة إن الحديث عن الأبستمولوجيا االكيميائية عند اليونان ، بطرفيها الهيليني والهيلينستي ، ومن ثم الكيمياء العربية ، هو حديث عن الخيمياء أكثر من الكيمياء بإصطلاحها الحديث . وذلك لأن الخيمياء تقليد فلسفي في تاريخ الفلسفة والعلوم اليونانيين ، وخصوصاً في صعود نجم مدرسة الإسكندرية . ومن هنا يستقيم الحديث عن أبستمولوجيا الكيمياء اليونانية ومن ثم العربية الإسلامية (فهي خيمياء أسرار وسحر وتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة) . وعلى هذا الأساس إرتبط هذا  التقليد الفلسفي اليوناني بإسطورة حجر الفلاسفة ، والتي تتضمن قوى خفية قادرة على تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة مثل الذهب والفضة . كما وتتطلع إلى الوصول إلى أكسير الحياة الذي يُجدد الشباب ويمنح الخلود .ولهذا فإن هذا الضبط لمفهوم الكيمياء المقابل لحجر الفلاسفة ، يختلف عن المفهوم الحديث لعلم الكيمياء . ومن هذا الطرف فإن الخيمياء تشمل على مبادئ هرمزية (نسبة إلى هرمز الهرامسة) ، ويتضمن عمل معجون بالإسطورة والدين والروحانيات* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لمزيد من التفاصيل ، أنظر المصادر الآتية :

1 – جاك لندزي ؛ إصول الخيمياء في مصر اليونانية – الرومانية ، نشرة دار ميلر ، لندن 1970 .

2 – ألين هيشكوك ؛ ملاحظات حول الخيمياء والخيميائيين ، نشرة دار كراسبي ، بوسطن 1857 .

3 – تاتيوس بوركهاردف ؛ الخيمياء : علم الكونيات ، وعلم النفس ، ترجمة وليم ستودرات ، نشرة دار بنكوين 1967 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وهكذا إمتزج البحث الكيميائي في العصر الهيلينستي عامة ، وفي تعاليم وبرامج المدرسة الإسكندرية بعقائد هرمس الهرامسة . والهرمسية * إنبثقت نزعة دينية ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على هرمس والهرمسية أنظر :

1 – هابيل كريستفور ووليم هير ؛ هرمس الهرامسة : بحث عن أصول الكتابات الهرمسية ، دار هولمز للناشرين 1997 .

2 – كارستين لنكفورد ؛ ثيورجيا أو العمل الهرمسي ، نشرة مطبعة إييس 2004 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي خط موازي للاأدرية ، والفيثاغورية الجديدة ، والإفلاطونية المحدثة ، وبواكير المسيحية . ولهذا الحال لم تكن الكيمياء (والأدق الخيمياء) في مجملها أبحاث علمية ، وإنما فيها سحر وأسرار وطقوس . وجرى الحديث عنها في العصور الوسطى تحت إصطلاح العمل (وليس العلم على الإطلاق) . كما وتسللت إلى داخل أكبر مدرسة فلسفية يومذاك ، ونقصد الإفلاطونية المحدثة ، وبالتحديد في فلسفة إمبيلكوس ، مؤسس ما يُعرف بالمدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الفيلسوف إمبيلكوس الملك مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع عام 2011) ، فكون كتاب الثيورجيا (أو كتاب الأسرار المصرية) جزء أساس من برنامج التعليم الفلسفي ، وجزء من طقوس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة ، والتي ندد بها بشدة الفيلسوف الإفلاطوني المحدث فرفريوس الصوري ، وهو أستاذ إمبليكوس (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري اللبناني مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011)  .

  وفي الواقع إن العقل العربي الإسلامي قد تدارس كل ما نُقل إليه من أبحاث في الكيمياء ، وخصوصاً التوليفة الإسكندرانية . وبدأ يُدشن منحى علمي جديد ينزع بالكيمياء نحو ضفاف العلمية الخالصة (أنظر جهود جابر بن حيان والأطباء العرب المسلمين)*.في حين إنتعشت التوليفة الإسكندرانية بين صفوف عدد أخر وظهرت في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لقد منح الغربيون جابر بن حيان (721 – 815م) لقب أب الكيمياء ومشاركة مع روبرت بويل (1627 – 1691م) (أنظر : مورين بروس ؛ المعرفة التحليلية (المختبرية) : الخيمياء ، الكيمياء والثورة العلمية ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2005) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 النصوص التي كتبوها . ونحسب في الختام القول إن دائرة الثقافة العربية الإسلامية لم تقبل البحث الكيميائي بصورة شاملة ، وإنما ظهرت لها مواقف مختلفة ، منها مواقف مؤيدة للبحث الكيميائي وتدعو إلى العمل من أجل تطويره (أنظرمثلاً من المواقف المؤيدة : جابر بن حيان ؛ الرسائل ، نشرة بول كراوس (مصدر سابق) ، ص 100 وما بعد) . ومواقف رافضة داعية السلطة إلى ملاحقة العاملين في هذا المضمار الأبستمولوجي ومعاقبتهم (أنظر مثلاً من المواقف المعارضة : إبن خلدون ؛ المقدمة (المصدر السابق) ، ج4 ، ص ص 1186 – 1199) . وهذه مسألة شغلتنا كثيراً في أبحاثنا الأبستمولوجية ، والتي تناولناها في محاور من موضوعات فلسفية مختلفة ، وتحت عنوان العلوم الممكنة والعلوم الباطلة (أنظر مثلاً بحثنا في العدد  القادم والمعنون حدود وسلطة المنهج الأبستمولوجي العقلاني عند إبن رشد) .

  ويوم كان العرب يشتغلون بالبحث الكيميائي ، ويتطلعون إلى تطويره على أسس علمية (حالة جابر بن حيان والأطباء العرب) ، كانت أوربا اللاتينية لاتعرف شيئاً عن هذا المضمار الأبستمولوجي العلمي الخالص . ولعل الشهادة القوية على جهود العرب جاءت على لسان المستعرب العربي روبرت شاستر (مترجم من القرن الثاني عشر الميلادي) ، وهو الذي ترجم إلى اللاتينية كتابات جابر بن حيان (وكذلك الخوارزمي) ، وبترجمته أدخل الكيمياء (أو الخيمياء) إلى أوربا اللاتينية (في شباط 1144م) ، وبالتحديد بعد وفاة جابر بن حيان بثلاثة قرون وثلاثة عقود من الزمن (أي بعد وفاة جابر 329 عاماً) . وفعلاً فقد حفظ تاريخ العلم عامة وتاريخ الكيمياء إسم روبرت شاستر مترجماً للكتاب العربي المعنون كتابات في الخيمياء . ووفقاً للمقدمة التي كتبها شاستر ، فإن أوربا اللاتينية لم تعرف شيئاً عن هذا المضمار الأبستمولوجي قبل نشر ترجمته (أنظر : جون إيرك هولمبارد ؛ الخيمياء ، نشرة دار كوير دوفر 1957 ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10)

  Hildegard of Bingen’s Writings

From Philosophical and Feminist Perspective

Dr. MOHAMAD FARHAN    Dr. NIDAA KHALIL  

كتابات المتصوفة – الفيلسوفة الألمانية هيلدجارد بنجن

من زاوية فلسفية – فمنستية

الدكتور محمد جلوب الفرحان   الدكتورة نداء إبراهيم خليل

تقديم :

   يرى الباحثون الغربيون الإنكليز (وما تُرجم إلى لغتهم الإنكليزية من كتابات لاتينية) ، إلى إن هيلدجارد وأعمالها بمجملها ، تُقدمها شخصية متنوعة الإهتمامات ، فهي قديسة ، ونبية الراين ، وكاتبة فيما يمكن الإصطلاح عليه باللاهوت الفمنستي ، ومؤلفة موسيقية (فقد كتبت مسرحية بعنوان الفضائل ووضعت الموسيقى لها ، وكتبت سمفونية تألفت من أكثر من سبعين أغنية) ، وهي فيلسوفة ، وصوفية مسيحية ، ورئيسة دير ، وفيلسوفة لغة أسهمت في إختراع لغة جديدة للراهبات ، وطبيبة أعشاب عارفة بأساليب العلاج والمحافظة على الصحة ، وشاعرة كتبت العديد من القصائد في الحب والعدل الإلهيين (للتفاصيل أنظر : سبينا فلانكن ؛ أسرار الله : كتابات هيلدجارد بنجن ، بوسطن 1996 ، ص 119 ، وكذلك أنظر : باملا شينكورن ؛ عالم المرأة أو نظام الفضائل عند هيلدجارد بنجن : دراسات نقدية ، مطبوعات معد العصور الوسطى ، مشيكان 1992 ، ص 52) .  

  هذا البحث هو الأول من نوعه في دائرة ثقافتنا العربية ، يتناول حياة وكتابات المتصوفة الألمانية هيلدجارد بنجن (1098 – 1179م) . والتي كانت برأينا نداً قوياً لشخصية المتصوفة العربية رابعة العدوية (717 – 801)، والتي تقدمت بتجربتها الصوفية على تجربة الألمانية هيلدجارد بأكثر من ثلاثة قرون ونصف . والحقيقة ليس لدينا دليل مباشر أو غير مباشر يثبت على معرفة المتصوفة الألمانية هيلدجارد بأخبار المتصوفة العربية رابعة العدوية . 

   ولكن تتوافر لدينا الحقائق الآتية :

أولاً – إن المتصوفة هيلدجارد ولدت خلال الحملة الصليبية الأولى (1095 – 1099) ، وترعرت ونضجت خلال أجواء الغرب العدائية ، وتحريض الجمهور المسيحي البسيط على الإنخراط في القتال وطرد المسلمين من الأراضي المقدسة . وفعلاً ففي الأربعينيات من عمر هيلدجارد ، لعب برنارد كليرفوكس (1090 – 1153) (وهو ناصح هيلدجارد ووقف مع كتاباتها وعمل على قبولها من قبل البابا رغم ما فيها من هرطقة من زاوية رجال اللاهوت في عصرها) . نقول إن برنارد هذا ، كان الموجه الديني للحملة الصليبية الثانية (1146 – 1147) والتي فشلت فشلاً ، وإنتهت إلى كارثة عام 1149 . كما ومن المعلوم إن معظم كتاب عصر هيلدجارد قد ساندوا أهداف الحرب الصليبية . 

ثانياً – إن الإمبراطور الروماني المقدس فردريك بربروسا (وهو ألماني ومساند للمتصوفة هيلدجارد قد قاد عساكره في الحملة الصليبية الثالثة 1189 وهو تاريخ متأخر وذلك لأن المتصوفة هيلدجارد قد توفيت قبل ذلك بعشرة سنوات) . إلا إن المهم هو إنها عاشت في أجواء الحروب الصليبية . فمثلاً الحملة الأولى (1096 – 1099) كانت هيلدجارد قد ولدت خلال سنواتها ، ومن ثم الحملة الصليبية الثانية (1145 – 1149) وخلالها كانت هيلدجارد في مرحلة نضوجها وبالتحديد في نهايات العقد الخامس (للتفاصيل عن الحروب الصليبية من وجهة نظر غربية أنظر : جونثان سميث رايلي : الحروب الصليبية : تاريخ موجز ، نشرة دار الفردوس الجديدة / جامعة ييل 2005) . ومن النافع أن نذكر بأن القديس أنسلم الكنتربري (1033 – 1109)، وهو الحكيم الوحيد الذي عارض الحروب الصليبية ، وإعتبرها نوعاً من المغامرة (للتفاصيل أنظر : سالي فوكن ؛ القديس أنسلم الكنتربري : الفيلسوف – القديس والسياسي / مجلة تاريخ العصور الوسطى / العدد الأول 1975 ، ص ص 279 – 306) .

   لقد كانت الحروب الصليبية قنوات إتصال حضاري (رغم مآسيها العسكرية) بين الغرب اللاتيني المسيحي والشرق العربي الإسلامي ، ونحسب من خلال ذلك جاءت الأخبار الكثيرة عن حضارة المسلمين ، ونظن إنها حملت في جنباتها أخباراً عن المتصوفة العربية رابعة العدوية ، وخصوصاً إذا ما عرفنا إن واحداً من كبار مستشاري صلاح الدين الأيوبي (الرمز العسكري الكبير المقاوم للصليبين) ، هو السهرودي الذي كان من رجال الصوفية (والذي قتله شنقاً بوتر إبن صلاح الدين الأيوبي بتهمة الشطح والكفر وبدفع من الفقهاء ، رغم تدخل صلاح الدين بنفسه في وقف تنفيذ الحكم .. لكن مات المتصوف شهيداً مقتولاً) . وبالتأكيد إن دائرة ثقافة الصليبين كانت عارفة بالتفصيل عن حياة صلاح الدين ومستشاريه ومن ضمنهم السهروردي (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ البحث المنطقي عند السهروردي / مجلة الباحث ، بيروت – لبنان 1987) .

   كما إن رابعة قد تشربت العقيدي الإسلامي ، وتمثلته تجربة صوفية خالصة . في حين إن هيلدجارد من طرفها قد تشربت العقيدي المسيحي حتى الثمالة ، وحولته تجربة صوفية متفردة . ونحسب من المفيد القول بأن كلا التجربتين الصوفيتين ، كانا موضوع تساؤل وتنديد  . فمثلاً ندد الإصوليون الإسلاميون بتجربة رابعة وإتهموها بالشطح (وهو إصطلاح فيه نوعاً من المقاربة من إصطلاح الهرطقة (فقد أسست رابعة العدوية في تاريخ التصوف الإسلامي ، مذهباً صوفياً أُصطلح عليه بمذهب العُشق الإلهي وكتبت شعر الحب الإلهي وغنته على إيقاع موسيقي ، أنظر للتفاصيل : ماركريت سميث : رابعة وأتباعها من القديسين في الإسلام / مجموعة مكتبة جامعة كيمبريدج 1928) . وكذلك لوح رجال اللاهوت المسيحي الأرثذوكسي بتهمة الهرطقة فيما يتعلق بتجربة هيلدجارد . وفي مذهبنا إن هيلدجارد هي رابعة العدوية التي ولدت بعد ثلاثة قرون ونصف بثياب ألمانية ، وتتكلم اللاتينية وتتغنى شعراً لاتينياً بحب الله (وولده الإله – المسيح) .

     يعود إهتمامنا بالمتصوفة هليدجارد إلى ثلاثة دوافع :

 الأول –  إنها كانت رمزاً روحياً (صوفياً) كبيراً  معاصراً للفيلسوف الفرنسي بيتر إبيلارد وحبيبته إلويزا (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة لويزا أرجنتيل والفيلسوف بيتر أبيلارد / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس شتاء 2012) ، وفي الوقت نفسه كانت معاصرة لفيلسوف قرطبة الكبير إبن رشد (1126 – 1198م) . صحيح إنها لم تقابله ولم يقابلها ، إلا إنها عاشت في فترة كان فيها فيلسوف قرطبة وخصوصاً كتابه الطبي الكليات ، عنواناً كبيراً في مضمار الطب والدواء الذي كتبت فيه هيلدجارد واحداً من أهم كتبها بعنوان الفيزيكا (أي في الصحة والعلاج) . ونظن إن شيوع إبن رشد وكتابه الكليات في أسبانيا القرن الثاني عشر ربما قد وصلت أخباره إلى دائرة مسامعها .

الثاني – إنها كانت صوتاً نسوياً (فمنستياً) قوياً في القرن الثاني عشر الميلادي ، ودار الجدل بين رجال اللاهوت المسيحي حول الهرطقة في تجربتها الروحية الصوفية ، وخصوصاً في حديثها عن مقابلة الحضرة الإلهية . ولكن إهتمام البابا يوجين الثالث بتجربتها الروحية وكتاباتها عنها ، كان له دوراً في إسكات كل هذه الأصوات ، وبذلك لم تتمكن من إصدار الحظر وتحريم كتاباتها . في حين الأصوات ذاتها هي التي وقفت بوجه الفيلسوف الفرنسي إبيلارد ، وإتهمته بالهرطقة وحرمت تعاليمه .

الثالث – نتطلع إلى توفير قراءة فلسفية – فمنستية لتراثها الكوسمولوجي ، والعلمي الطبي . كما ومن المعلوم إن السياسة منذ جمهورية إفلاطون وكتاب السياسة لتلميذه أرسطو ، كانت موضوعاً فلسفياً ، فسنحاول تقديم قراءة لمضمون رسائلها السياسية . وحال الموسيقى حال السياسة ، فهي درس فلسفي خالص منذ فيثاغوراس ومدرسته الفلسفية . وهنا سنُقدم قراءة لمجهودها الموسيقى بصورة عامة ، وأغانيها وتراتيلها الدينية المتعلقة بالحب الإلهي (وهو موضوع هيمن على الكتابات الصوفية الممزوجة بأنظار فلسفية تتردد عند عتبات وحدة الوجود) على وجه الخصوص .

    ومن باب الأهمية التاريخية والفلسفية للمتصوفة هيلدجارد ، وهي إنها ولدت قبل وفاة فيلسوف قرطبة العربي إبن رشد (1126 – 1198م) بقرن من الزمن ، ولكنها كانت معاصرة له فقد توفيت وعمر فيلسوف قرطبة بحدود الثالثة والخمسين (فقد كان في قمة نضوجه العلمي والفلسفي ، ونعرف بأن مؤلفاته الطبية قد ترجمت أولاً إلى العبرية واللاتينية لغة هيلدجارد) ، فكلاهما عاشا وكتبا روائعهم الفكرية في القرن الثاني عشر الميلادي . صحيح من الناحية المكانية ، إن المسافات بين ألمانيا والأندلس (أسبانيا) كانت لا تعمل لصالح توفير فرصة (خصوصاً للمتصوفة هليدجارد) للتعرف على كتابات فيلسوفنا الكبير إبن رشد . ولكن من الناحية الزمانية إن الغرب المسيحي ، وبالتحديد في ألمانيا المتصوفة هيلدجارد ، كانا مشغولين بصورة تلفت النظر بما يجري في الأندلس ، وخصوصاً في المواجهات المسيحية للوجود العربي الإسلامي (وهناك دعوات في الغرب وقريبة من القرار البابوي ، تشجع على مد الحروب الصليبية إلى الأندلس . وفعلاً فإنه في ربيع عام 1147 صدر قرار بابوي يدعو إلى توسيع الحروب الصليبية لتشمل الأندلس الإسلامية (أنظر للتفاصيل : سميث رايلي ، مصدر سابق ، ص 48)) ، وهي مواجهات كان الغالب فيها عسكري يتطلع إلى طرد العرب من أسبانيا ، والثاني عقيدي يتمثل في إنتزاع أسبانيا من السيطرة العربية الإسلامية ، وإعادتها إلى الحضرة المسيحية .

   وبالرغم من هيمنة هذين الطرفين ، فقد بدأت مع تباشير القرن الثاني عشر حركة ترجمة غربية حثيثة لنقل التراث العلمي العربي  ، وخصوصاً الفكر الفلكي والطبي ، المجلوب من الشرق العربي الإسلامي عامة إلى العبرية أولاً ومن ثم إلى اللاتينية ثانياً (للتفاصيل عن هذا الجانب ، أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ إبن رشد ورصيد الحركة الرشدية العبرية واللاتينية ، المحور المعنون حركة الترجمة للتراث العلمي العربي في القرن الثاني عشر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس شتاء 2012) . وهو المضمار الذي كتبت فيه هيلدجارد واحداً من أهم مؤلفاتها ، وهو كتاب الفيزيكا .

  صحيح إن الفيلسوفة الألمانية روزويث كاندرشيم  (935 – 1002) قد ولدت قبل ولادة المتصوفة الألمانية هيلدجارد بأكثر من قرن ونصف من السنين (وبالتحديد ولدت قبلها بمئة وثلاث وستين سنة) . وقد توفيت قبلها بحدود القرنيين من الزمن (وبالتحديد توفيت قبلها بمئة وست وتسعين سنة) . فإن دائرة تفكير الفيلسوفة روزويث قد وردت فيها تفاصيل عما يجري في الأندلس العربية ، وبالطبع من زاوية مسيحية . وقد وثقت الروايات الواصلة إليها في عدد من مسرحياتها ، وبالتحديد شخصيات الشهداء والشهيدات المسيحيات الذين لاقوا حتفهم على يد العرب المسلمين على حد روايتها (أنظر : محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة الألمانية روزويث كاندرشيم / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد السادس ، ربيع 2012) .

   وعلى أساس هذا الحوار السلبي بين الغرب المسيحي والشرق العربي المسلم ، فإننا نتوقع إن إمور الحوار قد تصاعدت درجات حرارتها الدموية على صعيد المواجهتين العسكرية والعقيدية . ولذلك نتوقع من المتصوفة هيلدجارد ، إن تكون هي الأخرى قد عالجت الحوار المسيحي العربي الإسلامي من زاويتها الصوفية المسيحية ، وقدمت لنا شواهد عنها بقلمها ، شواهد حفظتها نصوصها الكتابية عامة ، وأغانيها وترانيمها الدينية . على كل هذا إفتراض نتطلع إلى بيان مصداقيته من خلال نصوص وموسيقى ، وأغاني المتصوفة هيلدجارد . 

قراءة في السيرة الذاتية للمتصوفة هيلدجارد

  ونحسب في البداية الإشارة إلى إن هناك جدلاً بين الباحثين يدور حول تاريخ ولادة المتصوفة – الفيلسوفة الألمانية هيلدجارد فون بنجن . وفعلاً فقد عمل الباحثون بجد للمقارنة والإستنتاج وتوصلوا إلى إنها (ربما) ولدت عام 1098 (أنظر : فيونا ميدوكس ؛ هيلدجارد بنجن : المرأة وعصرها ، نشرة دار دبولدي ، نيويورك 2001 ، ص 317) . ونرى إن هذا التاريخ ستواجهه تحديات كبيرة ، خصوصاً من داخل كتاب مذكرات حياة هيلدجارد .

 على كل إنها ولدت في  بيرمارشيم ، وترعرت في أحضان عائلة أرستقراطية تنتمي إلى طبقة النبلاء المتنورين . وهذا الأمر جداً مهم في نمو شخصيتها ، وكيف أنها ستكون صوتاً نسوياً قوياً بين رجال الدين المهيمنين يومذاك على حياة وإدارة المؤسسات الدينية ، ومن ثم الكتابات الدينية ، وتفسير النصوص الدينية ضمن مضمار اللاهوت المسيحي . إن حالة المتصوفة هيلدجارد وكتاباتها ستعمق خطاً دشنته قبلها الفيلسوفة الألمانية روزويث كاندرشيم ، ومن ثم ستتلقفه صديقتها إليزابيث ساشونو (1129 – 1165) وستكتب كتاباً فيه متابعة واضحة لتجربة هيلدجارد وكتابها معرفة الطرق إلى الرب ، فقد كان عنوان كتاب إليزابيث الطرق إلى الرب (أنظر : آن كلارك ؛ كاهنات مريم العذراء : مشكلة الجندر في القرن الثاني عشر / مجلة دراسات فمنستية في الدين / المجلد 18 ، العدد الأول ربيع 2002). وهذا المضمار سيكون حقلاً جديداً ، في الأمكان أن نصطلح عليه بدائرة اللاهوت المسيحي الفمنستي (النسوي) .

   صحيح إن هناك لمز وغمز متخفي كان يجري حول تجربتها الروحية تحت باب الهرطقة . ولكن لم تحدث مواجهة بينها وبين رجال اللاهوت والسلطة الدينية ، وبتقديرنا إن ذلك يعود لسببين :

 الأول إنها تنتمي إلى عائلة إرستقراطية نبيلة لها سلطة ومكانة عالية في المجتمع المحلي والمناطقي الألمانيين .

والثاني إن تجربتها الروحية تدور في مضمار الدين المسيحي ومنطلقاته اللاهوتية ، ورؤية الله – المسيح . صحيح فيها خوارق قد لا يرتاح لها رجال اللاهوت . إلا إنهم عطلوا المواجهة بينهم وبينها ، وحولوها إلى البابا ، لتكون مواجهة مع رمز ديني مسيحي كبير . إلا إن الذي حدث ، هو إن البابا طلب منها إن تستمر في تجربتها ، وتشاركه في الجديد منها . وبهذا الخيار خسر خصومها المعركة ، وإنتصرت عليهم بقرار من أعلى السلطات الدينية ، فيه إعتراف بها رمزاً روحياً متميزاً .  

  لقد كانت الطفلة هيلدجارد العاشرة في الترتيب بين إخوتها وأخواتها ، وولدت  ضعيفة مريضة (أنظر : فيونا ميدوكس ؛ المصدر السابق ، ص 17) . وفي مذكرات حياتها ، شرحت هيلدجارد ذلك ، وأشارت إلى إنها من عمر صغير جداً ، بدأت تعيش حالة مشاهدات ورؤى (وحسب حالة هيلدجارد تتضمن وحي ونبؤة وإلهام (ومن زاوية علماء النفس أحلام اليقضة) ، وبالإصطلاحات الصوفية الكشف والإتصال والرؤيا ، مثلاً في المسيحية رؤية الله – المسيح أو العذراء)(أنظر : روزمري رادفورد ريثر ؛ المرأة الرؤيوية ، ميني بولس 2002 ، ص 7) . 

   وربما بسبب حالتها الرؤيوية المبكرة جداً ، كانت الدافع وراء إقدام والديها (كل من هيلدبرت وميشثيلد) إلى تقديمها أوبليت (نذرُ أو هدية) إلى الكنيسة (أنظر : بربارا نيومان ؛ صوت الضوء الحي ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1998 ، ص 53) . وهو تقليد مسيحي لقبول الإطفال في أديرة الكنيسة ، ولكن ليس كراهبة ، وذلك لكونها في الثامنة من عمرها ، وشروط الرهبنة ، هو أن تكون في سن الثامنة عشر ، فهي مرحلة تمهيد وإعداد ، ومن ثم الدخول في الرهبنة أو العودة إلى الحياة الإعتيادية (للتفاصيل أنظر : شارلز هريمان (الإشراف) ؛ الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، نشرة شركة روبرت إبليتون ، نيويورك 1913 / مادة أوبليت) . وبالحرف الواحد تشرح الإنسكلوبيديا الكاثوليكية كلمة أوبليت :

  تستعمل الكلمة لوصف الشخص الذي ليس راهباً أو راهبة ، وإنما هو وصف للأشخاص الذين نُذروا لله وخدمته .. وهم أحرار عندما يصلوا سن البلوغ بالبقاء بالدير أو تركه والعودة إلى الحياة الإعتيادية (المصدر السابق) .

  وتخبرُنا المتصوفة هيلدجارد في مذكرات حياتها ، بأنها كانت تحت رعاية راهبة كبيرة السن إسمُها جوتا ، وكان عمرها ثمانية سنوات . ولما كان تاريخ علاقتها بالراهبة جوتا معروف وثابت لدى الباحثين ، وهو 1112 م (أنظر : فيونا ميدوكس ؛ المصدر السابق) . ولهذا نحسب إن هناك مشكلة تتحدى تاريخ ولادتها ، وهو إننا إذا قبلنا تاريخ ولادتها على إنه كان عام 1098 ، فإنها دخلت الدير وأصبحت بصحبة الراهبة جوتا في عمر الرابعة عشر وهذا مايتناقض وتاريخ الولادة الذي إقترحه الباحثون ، وليس كما قالت المتصوفة بمذكرات حياتها ، إنها كانت بنت ثمانية عاماً .

  ونحن نعتقد بقوة وسلطة مذكرات حياة المتصوفة هيلدجارد ، وعلى هذا الأساس فإن الحل الوحيد ، هو قبول عمرها ثمانية سنوات عندما أصبحت بعناية الراهبة جوتا ، وتغيير سنة ولادتها من عام 1089 إلى عام 1104 . وهذا ما يتناغم ومذكرات حياتها وصحبتها للراهبة جوتا . وبذلك فإن المتصوفة هيلدجارد كانت بنت في بدايات قرن جديد هو القرن الثاني عشر (عصر إبن رشد في أسبانيا) ، وليست بنت القرن الحادي عشر . وهذا له أهمية كبيرة على تفكيرها العلمي والطبي . ففي هذا القرن بدأت حركة ترجمة واسعة في الغرب العبري واللاتيني للتراث العربي العلمي المجلوب من المشرق إلى الأندلس ، والمتوافر في مكتبات المدن الكبيرة مثل قرطبة وأشبيليا (أنظر : محمد جلوب الفرحان : إبن رشد والرشدية : أخطاء تاريخية وكبوة المنهج الإنتخابي / المحور المعنون ترجمة القرن الثاني عشر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الخامس شتاء 2012) .

  ومعلمة هيلدجارد جوتا ، هي الكونتيسة جوتا فون سبونهيم (1091 – 1136) وهي بنت الكونت ستيفن سبونهيم ، وكانت جوتا الأصغر سناً من بين أربعة نساء نبيلات فيما يُعرف بدولة الراين – بلاتين . وفي وقت مبكر كرست نفسها إلى الله ، فسجنت نفسها في كوخ يتكون من غرفة صغيرة ، لاتخرج إلى العالم ، وتستلم من نافذة صغيرة الطعام فقط .، وكانت مجاورة لدير القديس دايسبيرك ، ومن ثم أصبحت رئيسة دير القديس دايسبيرك  وحتى وفاتها عام 1136 . وقامت بتعليم العديد من الطالبات من إصول نبيلة ، واللائي عشن معها في الدير . وكانت من أشهرهن المتصوفة هيلدجارد . ويبدو إن أثار دروس المعلمة جوتا قد ظهر لها صدى في توجهات هيلدجارد ، وخصوصاً في الترانيم الدينية والإيقاع الموسيقي ، فقد كانت جوتا وهيلدجارد يقضيان الليل في قراءة مقاطع خاصة من الإنجيل ، وينشدان ترانيم بعنوان عمل الله . وعلمت جوتا هيلدجار العزف على ألة موسيقية ، هي القيثارة وكان أخوها مينهارد سبونهيم من أكبر المتبرعين مالياً لدير القديس روبرتسبيرك في خمسينات القرن الثاني عشر (أنظر : أن سيلفيستس ؛ جوتا وهيلدجارد : مصادر السير الذاتية ، نشرة مطبعة جامعة ولاية بنسلفانيا 1998) .

   صحيح إن الراهبة جوتا كانت غير مثقفة ، إلا إن أهميتها إنها علمت هيلدجارد في الدير القراءة والكتابة (وبالطبع القراءة والكتابة باللاتينية) . وهكذا بدأت مع معلمتها جوتا ، يقضيان يومهما في قراءة ، وكتابة الإنجيل باللاتينية (أنظر : هيلدجارد بنجن : الأعمال اللاهوتية ، ترجمة كولومبيا هارت وجين بشوب ، وكتبت بربارا نيومان له مدخلاً ، وكتبت المقدمة كرلوين ولكر بينام ، نشرة مطبعة بوليست ، نيويورك 1990 ، ص 11) .

  ومن معلمي هيلدجارد الراهب فالمير (توفي عام 1173) ، وهو راهب من دير القديس دايسبود ، وكان أباً ومستمعاً لإعترافات الراهبات في الدير . وهو المعلم الثاني للمتصوفة هيلدجارد (بعد جوتا) ، خصوصاً في سني حياتها الأولى . وبعد إن صمتت هيلدجارد طويلاً على تجربتها النبوية ، إعترفت بها إلى جوتا ، وجوتا من طرفها أخبرت فالمر . وفالمر من جانبه ساند هيلدجارد في تجربتها . وكان الناصح لها في فترة من الزمن ، وعندما هاجمتها الشكوك ، ألح عليها أن تتبع أوامر الله ، وتبدأ الكتابة عن تجربتها النبوية ، ومن ثم أصبح لاحقاً سكرتيرها الخاص وصديقها الحميم . وإمتدت معرفتهما لأكثر من ستين عاماً . وعندما توفي في عام 1173 ، حزنت عليه حزناً شديداً . وفالمر كان القارئ والمصحح لكتاباتها . وقد أشارت إليه  في كتابها المعنون الأعمال الإلهية ، حيث قالت : بينما كنت أعمل في هذا الكتاب ، كان فالمر يشجعني ويساعدني ، وهو راهب مخلص لقواعد القديس بنديكت ، وقد حزنت بشدة لموته ، وكان إنساناً سعيداً ، وساعدني في طرق مختلفة ، وخدم الله وذلك من خلال إستماعه لكلمات الله في هذه التجربة النبوية ، ووضعها ورتبها في نظام ، وكان المُحرك الدائم لي ، وحذرني من التوقف من الكتابة (هيلدجارد بنجن ؛ كتاب الأعمال الإلهية ) .   

  ولم يتوافر لنا شئ عن حياتها حتى عام 1136 ، وهي السنة التي تُوفيت فيها جوتا وإن هيلدجارد أنتخبت لتكون رئيس الدير بديلاً عنها . والحقيقة إن الباحثة كارول ريد قد دققت في كل السجلات التاريخية ، وذهبت إلى إنه لا يتوافر سجل مكتوب للفترة الأولى من حياة هيلدجارد ، وخصوصاً للفترة الممتدة من الطفولة وحتى بلوغها الرابعة والعشرين من عمرها . ولكن هناك إشارات إلى إنها كانت مع معلمتها الراهبة جوتا . وهناك إحتمال إلى إنها كانت تُشارك في الأناشيد الدينية ، وتعمل في الحقل لجمع عروق النباتات الجافة ، وتقوم بخزنها لأغراض العلاج والمحافظة على الصحة (أنظر : كارول جونز ريد ؛ هيلدجارد بنجن : أمرأة الوحي ، نشرة دار أوراق كارن ، واشنطن 2004 ، ص 8) .

  وبعد خمس سنوات جاءتها دعوة النبوة ، والتي قادتها إلى تأليف كتاب معرفة الطريق المؤدي إلى الرب ، فشاع أمرها رمزاً روحياً بين عامة الناس . وإعتماداً على ما جاء من مذكراتها ، فإن تجربتها الروحية كانت صوفية المنحى ، فهي ترى أشياء ، لا يستطيع رؤيتها الناس المحيطون بها ، كما إنها تتكلم عن أشياء ستقع في المستقبل ، ومن ثم إنتهت إلى الحديث عن ” رؤية الضوء الحي ” .

    لقد تنوعت أحاديثها عن الضوء الحي ، فقد رأته أو ظهر لها بأشكال وصور مختلفة ، بدأت بأشكال إنسانية ، وإتسعت لتتخذ موديلات معمارية ، والتي كانت قادرة على تفسيرها بمساعدة ما أسمته ” صوت من السماء أو الجنة ” . وفي النهاية ، وفي بعض المناسبات القليلة ، أصبحت على إتصال بما أسمته ” بالنور أو الإشعاع العظيم ” ، والذي أطلقت عليه إصطلاح الضوء الحي .

 ونحسب من النافع إن نُخبر القارئ هنا بأن هناك جدلاً دار حول هرطقتها المتعارضة مع العقيدي المسيحي المتداول يومذاك ، والذي يتعلق بالتحديد بالوصف الذي كتبته المتصوفة هيلدجارد لتجربتها الروحية (نبوتها) يوم كان عمرها سبع وسبعين عاماً . ففي هذا الوصف إفترضت مقابلة (رؤية) الحضرة الإلهية . وفعلاً ظلت كاتمة على سرها ولم تتقوى للحديث عنها لأي إنسان ، ولكنها في الأخير إطمأنت من حقيقتها فأباحت بها لمعلمتها جوتا وللراهب فالمر معلمها ، وفيما بعد سكرتيرها وصديقها الحميم (اأنظر : هيلدرجارد بنجن ؛ الأعمال اللاهوتية (مصدر سابق)) .

   وعلى الرغم من تناول بعض الدراسات لتجربتها الروحية وعلاقتها بالحالة المرضية التي عاشتها لفترة طويلة ، والتي تمثلت كما قال الباحث شارلز سنكر ، وكما أكدها لاحقاً أولفر ساكس ، من إنها شكل من المايكرين (صداع الشقيقة) (أنظر شارلز سنكر ؛ المواقف العلمية ورؤيا القديسة هيلدجارد / منشور في كتاب تاريخ وطريقة العلم ، أكسفورد 1917 ، ص ص 1 وما بعد ، وأنظر كذلك : أولفر ساكس : المايكرين : محاولة فهم للإضطراب الشائع ، براكلي 1985 ، ص  ص 106 – 108) ، فإنها عاشت حياتها بنشاط مُلفت للنظر ، كتبت فيها العديد من الأعمال الإحتفالية ، ومسرحية وأغاني وموسيقى إحتفالية ، وعمرت طويلاً حتى ناهزت الثمانين عاماً .    

البحث في مؤلفات ونصوص وموسيقى المتصوفة هيلدجارد 

  بدأت المتصوفة الرؤيوية هيلدجارد بنجن الكتابة في عمر متأخر إلى حد ما ، وبالتحديد عندما ناهزت الثالثة والأربعين ربيعاً ، وواجهتها صعوبات جمة في الكتابة ، ولكنها إستشارت عدد من المبرزين من الكتاب في عصرها ، من أمثال رجل الكنيسة الكبير الفرنسي برنارد كليرفوكس*. وفعلاً فقد أرسلت المتصوفة هيلدجارد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ولد في بوركندي ، وأصبح برنارد كليرفوكس من المشاهير بعد إن إرتبط إسمه بدير سسترين الذي أسسه في عام 1115 وظل رئيساً للدير حتى وفاته عام 1153 . والسسترين هو نظام ديني كاثوليكي روماني للرهبان والراهبات ، ويُعرف بعض الأحيان بنظام الرهبان البيض . وبرنارد كان واحداً من أشهر السسترينس في عصره ، وكتب العديد من الأعمال منها رسائل ، وخطب ومواعظ دينية وكتابات ساخرة ، وكان زاهداً متقشفاً في بداية حياته . إلا إنه أصبح أكثر إهتماماً بالسياسة خصوصاً بعد عام 1128 حين تدخل في النزاعات بين رموز مهمة في الكنيسة . ولعل من مواقفه سيئة الصيت ضد الفلسفة والفلاسفة ، إنه في عام 1140 مارس تأثيرة بأستصدار قرارات الشجب لتعاليم الفيلسوف بيتر إبيلارد . كما وإن مواقفه سيئة الصيت قيامه بعد إنتخاب البابا يوجينوس الثالث بجولات ضد الهرطقة . ومنها مواقفه التي شجعت الحملة الصليبية الثانية ، فقد عمل داعية وموجهاً لها (من 1146 وإلى 1147) والتي فشلت فشلاً ذريعاً في العام 1149 . وهو الذي لعب دوراً في قبول كتابات هيلدجارد في المؤتمر الديني للفترة من 1147 – 1148 (أنظر : كلاين إيفنس ؛ برنارد كليرفوكس (مفكرون وسطويون كبار) ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2000)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسالة إليه ، شرحت فيها أسباب مخاطبته ، فقالت : ” بالرغم من تواضع درجات تعليمي ، فإني أزعم بأنني أمتلك وجهات نظر لاهوتية عالية ، ولي منهج خاص في تفسير الإنجيل .. ولي تجربة في تأليف الأغاني ووضع الموسيقى لها ، والتي كانت تقدم في الكنيسة … وأتطلع للتدريب في اللغة والخطابة ، لأكون مثل برنارد كليرفوكس ، الذي لم أرى وأسمع على الإطلاق مثله أحد من قبل ” . ويبدو  واضحاً في الطلب الرسالة ، إطراء لشخصية برنارد ، فيها الكثير من التضخيم والمبالغة (هيلدجارد بنجن : كتابات مختارة ، ترجمة مارك أثيرتون / المدخل الذي كتبه مارك ، ص 9).

  المهم إن رد فعل برنارد كان قصيراً وإيجابياً ، وفيه نوع من الدهشة لعدد من المتشككيين في التجربة الصوفية لهيلدجارد ، خصوصاً بعد إن جاء من رجل كنيسة كبير في القرن الثاني عشر ، وهي الفترة التي ترى في كل جديد وغريب ، نوعاً من الهرطقة (كفر وبدع) . هذا من طرف ، ومن طرف أخر إن حال برنارد حال مختلف ، فهو لم يكن على الإطلاق رجلاً ليبرالياً (متحرراً) في هذه الموضوعات . فهو الذي حافظ على الحظر المفروض على تعاليم الفيلسوف الباريسي بيتر إبيلارد ، ونصيره أرنولد برشيا . وفي هذه الأجواء من الحظر والإدانة جاءت رسالة المتصوفة هيلدجارد .

  ومن المعلوم إن الهرطقة واحدة ، وإن ما حدث للفيلسوف بيتر إبيلارد ، كاد أن يتكرر في حالة المتصوفة هيلدجارد . ولكن الذي حدث إن برنارد تعامل مع هرطقة هيلدجارد بميزان مختلف عن ميزان إبيلارد . والسؤال : لماذا حدث ذلك ؟ وما هي الأسباب التي حملت برنارد إن يتصرف مع هرطقة هيلدجارد بمنطق مختلف عن هرطقة إبيلارد ؟ الجواب هو نفاق رجال الدين في كل مكان . وهذا فعلاً ما حدث مع برنارد . فقد أبلغنا برنارد بأن قضيتها العقيدية المرتبطة بتجربتها الروحية التي وصفتها في كتاب معرفة الطرق إلى الرب ، هي في حالة تمحيص ، وبرأينا إنه نفق تخفى ورائه برنارد ليجامل البابا على حساب اللاهوت المسيحي الأرثوذوكسي ، فقد كان برنارد عارفاً بأن البابا يوجينوس الثالث (كان بابا للفترة 1145 – 1153) وأخرون من رجال اللاهوت قد قرأوا مقاطع من الجزء الثاني من كتاب هيلدجارد . ولهذا تحدث برنارد لصالحها ، وحصلت الموافقة البابوية على طبع كتاب هيلدجارد المعنون معرفة الطرق إلى الله . وبعد بضع سنوات تحولت هليدجارد إلى مستشار وناصح ديني وأخلاقي وسياسي لنصف أوربا . ولأول مرة في تاريخ العصور الوسطى ، تقوم إمرأة بجولات أربع عبر الإمبراطورية الألمانية لإلقاء المحاضرات . فبدأت محاضراتها في العام 1158 وكان عمرها ستين عاماً (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ كتابات مختارة / المدخل ، ص 10 – 11) .     

 كتبت هيلدجارد العديد من المؤلفات والنصوص ، ومسرحية وترانيم ، وسير ذاتية ، وأعمالاً موسيقية . وجاءت بالصورة الآتية :

أولاً – معرفة الطرق إلى الرب  ، وهو كتاب كبير ، يتألف من مجلدين ، وتتجاوز صفحاته الخمسمائة صفحة في ترجمته من اللاتينية إلى الإنكليزية ، وهوكتاب لاهوتي مختلف عن الكتب اللاهوتية المتداولة ، ففيه شرح للمشاهدات التي تعرضت إليها في تجربتها الرؤيوية النبوية . وتحول في العصور الوسطى إلى كتاب إحتفالي . ولعل السبب يعود إلى دعم البابا يوجينوس الثالث له ولكاتبته ، ومن ثم طبع لاحقاً في باريس في العام 1513 . 

ثانياً – كتاب حياة الفضائل

ثالثاً – كتاب الأعمال الإلهية

رابعاً – كتاب الفيزيكا (في الصحة والعلاج) ، وهو كتاب موسوعي يتألف من تسعة كتب .

خامساً – سيرة القديس دايسبود

سادساً – سيرة القديس روبرت

سابعاً – سمفونية تناغم الإلهامات السماوية ، وهو كتاب ضم أعمالاً موسيقية لأكثر من سبعين أغنية . ومسرحية موسيقية ، هي مسرحية الفضائل .

ثامناً – رسائل هيلدجارد بنجن ، وهو عمل ضخم تألف من 400 رسالة تبادلتها مع سياسيين ورجال دولة ، ورجال دين ، من أمثال البابوات ، وعدد من الإمبراطورات ورؤساء أديرة ، ورئيسات أديرة (أنظر : جين فرنيت ؛ المراسلات / منشور في كتاب : صوت الضور الحي : هيلدجارد بنجن وعالمها / إشراف بربارة نيومان ، نشرة مطبعة كليفورنيا ، براكلي 1998 ، ص ص 91 – 109) . 

نضال هيلدجارد من أجل الأستقلال الفمنستي

  تكشفُ كتابات المتصوفة هيلدجارد ، وإنجازاتها الإبداعية الأُخرى عن نضالها المتنوع ، وعلى مُختلف الصُعد ، من أجل الإستقلال الفمنستي ، وفك الإرتباط من هيمنة غير عادلة لرجال الدين ، خصوصاً في شؤون المرأة عامة ، ومضمار الحياة اليومية للراهبات ، وأديرة الراهبات . ولعل الشاهد على نضالها ، أعمالها الأتية :

أولاً – أغانيها المُهداة إلى القديس دايسبود

  تشعر من خلال قراءة الأغاني التي أهدتها إلى القديس دايسبود ( وهو رئيس أساقفة  وزاهد من إصول إيرلندية ، عاش في القرن السابع الميلادي ، وهو المؤسس للدير الذي يحمل إسمه ، والذي بناه على سفح تل) ، وفي هذا الدير صرفت المتصوفة هيلدجارد نصف عمرها . والمهم إن المتصوفة في سعيها إلى الإستقلال بذاتها ولبنات جلدها من الراهبات ، تطلعت إلى إعتراف المجتمع المحلي بها وبمجموعة الراهبات العاملات معها . وفعلاً تحولن (وخصوصاً هيلدجارد) إلى مثال وقدوة للأخريات (والأخرين) ومصدر إلهام . وهذا يعود إلى إن المتصوفة هيلدجارد وبناتها من الراهبات ، كن بنظر المجتمع المحلي عامة والديني خاصة ، رمزاً للعلو والشموخ ، حالهن حال الدير المتعالي فوق قمة تل دايسبودنبيرك .

  وهنا أقدم شهادة العلو والشموخ في مقاطع من شعر أغانيها المهداة إلى القديس دايسبود ، رمز الإستقلال والزهد ، والرافض لكل مغريات الحياة (مغريات العبودية والخضوع والفساد التي كانت شائعة في ديار الدين والعباد) . حيث قالت :

آه يا إعجوبة العجائب

المتخفي من الشروق

إنهض بقامتك المجيدة

حيث العلو والشموخ

وإكشف عن أسرار الحقيقة

آه دايسبود ! سوف تُبعث في النهاية

وعندما تنهض مرة

فإن كل أشجار العالم ستُزهر من جديد (هيلدجارد بنجن ؛ كتابات مختارة ، ترجمة  (مع مدخل وملاحظات) بقلم مارك إيثرتن ، نشرة دار بنكوين ، لندن 2001 ، ص ص 35 – 36) .   

ثانياً – رسالة إلى هارتوك بريمان

  هذه الرسالة جداً مهمة ، فهي تختلف عن أغانيها المهداة إلى القديس دايسبود ، فالأغاني كانت منلوج الإستقلال بين المتصوفة والقديس دايسبود الذي غادر هذا العالم على الأقل ثلاثة قرون مضت يوم كتبتها هيلدجارد . أما هذه الرسالة ، فهي خطاب بين الأحياء ، بين هيلدجارد ورئيس الأساقفة القوي وصاحب السلطة هارتوك بريمان (أصبح رئيساً للأساقفة عام 1148) . وهو قريب معلمتها جوتا ، ولعب دوراً مساعداً عندما قررت هيلدجارد والرهبات العشرين معها ، الإستقلال والإنتقال إلى دير مستقل وهو دير روبرتسبيرك ، وذلك لأن الدير السابق فيه قسم للرهبان ، وقسم للراهبات ، ومن خلال قسم الرهبان ، كانت تُمرر قرارات الرجل على حساب شروط النساء .

   ومن الملاحظ إن هيلدجارد قد كتبت هذه الرسالة بعد صعود وتنامي سلطات رئيس الأساقفة بريمان شمالاً وشمال شرق ألمانيا . تقول المتصوفة هيلدجارد في رسالتها : تصور بأن شخصاً ما قابلك لأول مرة ، فأنه سيهبك بصره لترى خلاله ، وسيمنحك أجنحة كل الكائنات لتحلق بها . تصور الواحد الذي خلق البشر لتعكس حقيقة كل معجزاته ، ولذلك فإن معرفة الله ستشع عليهم . وكما كُتب : فأنت الألهة كُلها ، وأنت الوحيد من بين أبناء الألهة المتعالي . وربما الله يتطلع إليك ، أن تُنجز إرادته . إن الله يتطلع إليك أن تطارد الشر الذي يقف معارضاً لإرادة الله ، والشر من يومه الأول فاقد لإرادة الخير..

 ومرة ثانية ، تصور : أنا المرأة المسكينة ، دائماً تتطلع إليك ، حقاً إنك ضوء للخلاص ( المصدر السابق ، ص ص 37 38) .  

ثالثاً – أغنية إلى القديسة يورسلا

   إستثمرت المتصوفة هيلدجارد مناسبة إستشهاد القديسة يورسلا وصحبها في العصور المظلمة في كولونا على يد الهانز ، لتثور غاضبة على جريمة قتل بنات جنسها ، ولتصرخ أغاني تمجيد وتشريف لهن . والحقيقة كتبت أغنيتين لأحياء ذكرى شهادة المرأة القديسة يورسلا ، وكانت الأغنيتين نشيد تمجيد فمنستي لهما في أجواء كنسية مهابة . ويبدو إن هناك حس من التوحد بين المتصوفة هيلدجارد والقديسة الشهيدة يورسلا ، خصوصاً بين اللحظتين ، لحظة شهادة يورسلا ، ولحظة هجر هيلدجارد للدير القديم ، وإنتقالها مع الراهبات العشرين إلى دير الإستقلال الجديد . وإليكم مقاطع من أغنيتها إلى القديسة يورسلا :

في الإيمان الحق

يورسلا تحب إبن الله

ولحبه هجرت زوجها والحياة الدنيوية

وتطلعت إلى الشمس

وتطلعت إلى الشباب الأبدي وقالت :

أنا متشوقة وراغبة للمجئ إليك في الجنة

وأجلس بقُربك

بعد أن أسرع راكضةً بطريق الحج إليك مثل الغيوم

تتسابق مع الهواء الزاحف مثل الزفير

وبعد ما حكت يورسلا

إنتشرت بين الناس إشاعات تقول : إنها مجرد بنت بريئة

لا تعرف ماذا تقول ؟

فسخروا منها ، وأخذوا يتغنون بأغانيهم القديمة

حتى تهافت الجن عليها ، فإعترف الناس بمقامها الرافض

للعالم مثل جبل شامخ (المصدر السابق ، ص ص 39 – 40) .

رابعا – محاولات النفس

   وفيها كشف عن مثابراتها الروحية ، وجهودها المضنية في الكتابة ، واللتان أثمرتا في إنتزاع الإعتراف بها كقائدة روحية وكاتبة مبدعة (أنظر ؛ المصدر السابق ، ص ص41 – 46) .

خامساً – أغاني إلى القديس روبرت

  ترتبط هيلدجارد والقديس روبرت بعلاقة روحية عميقة ، فهو رمز للإستقلال الذي تطلعت إليه المتصوفة هيلدجارد ، فالدير الذي يحمل إسمه ، كان هو الدير الذي أحتضن هيلدجارد بعد إن قررت هجر الدير السابق ، ومن ثم بدأت حياتها مع جماعتها من الراهبات في دير روبرتسبيرك (أنظر المصدر السابق ، ص ص 47 – 50) . ولذلك خصته بمجموعة أغاني تمجده ، وتحتفل مع الراهبات بذكراه . 

سادساً ً- رحيل ريتشاردز ستيد

   كانت المتصوفة هيلدجارد شجاعة ، لا تترد في نقد الخطأ داخل الكنيسة أو في الحياة العامة . وهي مدركة للإدوار التي تلعبها القوى الإرستقراطية في التعيين والترقيات الدينية ، وعارفة إن ذلك فساد وخطيئة تتعارض وجوهر الدين المسيحي . ولذلك إعترضت على تعيين ريتشاردز ستيد رئيسة دير في باسيم ، لكون أخيها رئيس أساقفة ، وكانت ستيد راهبة ضمن جماعة المتصوفة هيلدجارد ، وبدورها أرسلت رسالة الإعتراض على التعيين . حيث قالت فيها : من الأمانة القول بصدق لا ريب فيه : إن هذه الفبركة القانونية ، ولدت سلطة لهذه البنت لا قيمة لها أمام الله . أما أنا ، فإنني الأعلى والأكثر عمقاً من بين أعضاء الدائرة ، وكوني الضوء الساطع  … وإن روح الله تقول بحماسة : أيها الرعاة ، إبكوا ونوحوا على هذه الأزمان .. (المصدر السابق ، ص 51) . 

سابعاً – الرؤية الأولى لمسرحية الفضائل

   في الحقيقة هذه المحاورة ، هي مسرحية أخلاقية رائدة في العصور الوسطى ، وهي بنظر الباحثين أول عمل مسرحي يتناول الأخلاق في أدب العصور الوسطى . والمسرحية فيها كفاح النفس ضد ظاهرة التجسد ، ونضالها من أجل التحرر من دائرة الخداع (أنظر ؛ المصدر السابق ، ص 53 وما بعد) .

   إضافة إلى كتاباتها ، فالحقائق التاريخية تؤكد إلى إنها أنجزت الكثير في طريق الإستقلال . وفعلاً فإن هيلدجارد كانت تفكر ليل نهار في ترك مجتمع الرجال من الرهبان ، وإنشاء دير خاص بها ورفيقاتها من الراهبات . صحيح إن الخطة واجهت معارضة من رئيس الدير ، وإمتعاض من بعض الراهبات اللائي أحببن الدير لفترة طويلة . إلا إن رغبة هيلدجارد هي الإستقلال من النواحي القانونية والمالية وحتى الروحية من دير الرهبان . كما إن من المعلوم إن هناك نزاع دائم بين هيلدجارد ورئيس دير القديس دايسبود (أنظر : هيلدجارد ؛ معرفة الطرق إلى الله / المدخل ، ص 13) .

  ولأنجاز الرحيل وبناء مجتمع ودير الراهبات المستقل ، وظفت ثلاثة عناصر عملت لتحقيق رغبتها : الأول مكانة عائلتها الإرستقراطية ، وعن طريقها حصلت على الأرض التي ستبني عليها مجتمع الراهبات وديرها الجديد . الثاني حالتها المرضية والتي وفرت التعاطف لها من الأهل والجميع لصالح تحقيق غرضها النبيل . والثالث عنصر روحي ، فقد أقنعت رئيس دير دايسبود بأنها رغبة الله ، وطلبه في مغادرة مجتمع الرهبان وبناء مجتمع الراهبات . ولما رفض ذهبت إلى درجات روحية عالية ، فحصلت لها الموافقة بالرحيل . وهكذا نجحت في الإنتقال إلى دير روبرتسبيرك (المصدر السابق) .

  وعملت خلال البدايات الأولى من النصف الثاني من القرن الثاني عشر إلى تأمين كل جوانب إزدهار ديرها ، فأسست برامج تدريب للدير ، وبرامج تعليم وتثقيف ديني ، وكانت هي المشرفة بنفسها على بناء الأقسام الجديدة من الدير . وكان الناتج الكثير من الهبات المالية التي أمنت الوضع المالي المستقل لديرها . وبدأت نضالاً جديداً من أجل إستصدار وثيقة الإستقلال لديرها من دير دايسبود وذلك لبناء مجتمع القديس روبرت . ومن نشاطاتها في طريق الإستقلال وبناء مجتمع روبرت ، كتبت مؤلفها المشهور حياة القديس روبرت . وكتبت العديد من الأغاني التي لعبت دوراً روحياً في إنعاش حياة الراهبات . كما إنها إخترعت لغة خاصة سرية للراهبات ، تجمعهن وتوحد هدفهن الفمنستي الروحي (المصدر السابق) .     

هيلدجارد : نبية الراين

    يعتقد معاصرو المتصوفة هيلدجارد بأنها كانت نبية تتلقى الوحي ، ولذلك أطلقوا عليها لقب نبية الراين . وفعلاً فقد جاءت دعوة النبوة في العام 1141 ، على صورة ضوء ناري ملأ كُل قلبها وعقلها ، ومنحها معرفة كلية بالكتب المقدسة (هيلدجارد بنجن ؛ معرفة الطرق إلى الرب (مصدر سابق) / المدخل ، ص 12) . وفي مقدمة كتابها ” معرفة الطرق إلى الله ” وصفت تجربة النبوة ، بأنها إشعاع أو نور . وكانت منتبهة بعناية عالية من عمرها لحظة النبوة ، وتاريخها ، وأسماء الشخصيات التي كانت في قمة الهرم السياسي والروحي يومذاك (مثل الإمبراطور الذي كان في الحكم ، ورئيس أساقفة ماينز ، ورئيس دير القديس دايسبود) . وهذا التمحيص التاريخي فيه متابعة لتاريخ أنبياء العبرية ، الذي سار عليه النبي جون باتموس (أو يوحنا البطمسي ، وهو الشخص الذي إرتبط بإسمه كتاب النبوة أو الوحي . وعلى أساس كتاب الوحي فإنه كان يعيش في جزيرة بتومس اليونانية ، كمنفى له بسبب معارضته لإضطهاد المسيحيين . أنظر : بيرت إيهارم ؛ مدخل تاريخي للكتابات المسيحية الأولى ، نيويورك 2004 ، ص 468) .

 وإستناداً إلى تجربة النبوة تطلع الكثيرون من معاصريها إلى الحصول على نصيحة منها في كل إمور الحياة ، بما في ذلك الصعوبات المادية ، والمشاكل الصحية وحتى السؤال عن مصير إرواحهم . وغالباً ما كانت هيلدجارد تعرض نصيحتها للشخصيات المساندة لها ، من أمثال الإمبراطور فردريك الأول (1122 – 1190) . وبالمناسبة إن هيلدجارد قد وبخته لتدخله في الصراع على كرسي البابوية (أنظر : هيلدجارد بنجن : معرفة الطرق إلى الرب / المدخل ، ص 9)* 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * وهو  الإمبراطور الروماني المقدس فردريك بربروسا / ويرتبط إسمه بالحروب الصليبية حاله حال عمه الأمبراطور الذي ورثه الحكم (ويبدو لي إن الكثير من المعلومات عن الشرق الإسلامي قد وصلت إلى مسامع المتصوفة هيلدجارد قد جاءت من خلال العساكر الألمانية التي شاركت في الحروب الصليبية) للتفاصيل عن الإمبراطور فردريك ومن ثم دوره في الحروب الصليبية ، أنظر : بيتر مينز : فردريك بربروسا : دراسة في سياسات العصور الوسطى ، نشرة مطبعة جامعة كورنيل ، لندن 1969 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيح إن كتابها اللاهوتي الموسوعي المتفرد ، المعنون معرفة الطرق إلى الرب ، قد حمل تفاصيل تجربتها الإلهامية ذات الطبيعة النبوية . ولكن من الصحيح جداً أن هناك نصوصاَ أخرى كتبتها المتصوفة هيلدجارد ، قد ناقشت فيها أطرافاً من الشواهد على نبوتها . وهذه النصوص هي :

أولاً – ثلاثة رسائل سياسية

  بعد إن أسست المتصوفة هيلدجارد نفسها بقوة في ديرها الجديد ” دير القديس روبرتسبيرك  ” ، بدأت تحقق نجاحات وسمعة عالية ، وذلك لكونها نبية وحكيمة سياسية ، وصاحبة نظرة لاهوتية خاصة ، وكل هذا الجوانب لعبت دوراً في حصولها على لقب ” نبية الراين ” .

  تميزت رسائلها السياسية بالنقد والتوجيه والنصيحة . وهنا نستشهد بثلاث رسائل ، بعثتها لشخصيات لعبت دوراً حيوياً ومؤثراً في حياة العباد والمؤسسة الدينية :

   1 – رسالة هيلدجارد إلى البابا يوجينوس الثالث (وهو بابا للفترة 1145 – 1153)  ، وفيها نغمة مختلفة عن نغمة رسائلها المبكرة . وفعلاً فإن لغتها تحمل تكهناً نبوياً بوقوع دراما في القريب العاجل ، وتحذيراً من الخوف من الله وقدر عدالته الإلهية ، مع صور مجازية للدب كإشارة إلى الملك الألماني الجديد فردريك بربروسا ، الذي وقع معاهدة سياسية مع البابا يوجينوس في عام 1153 (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ كتابات مختارة ، ص 65) .  وإليك ترجمة لبعض من مقاطع هذه الرسالة السياسية . تقول هيلدجارد :

هو الذي لم يصمت أبداً

وتكلم بسبب الضعف المنتشر بين العباد

والذي حولهم إلى ” فاقدي البصر ” فلم يبصروا حقيقة ما حولهم

وجعلهم صم ، فلم يسمعوا ما يُحبك ويدور

وحولهم إلى بكم (خرسان) عاجزون عن الكلام

واللصوص يتربصون ، وينتظرون بأسلحة الموت

وهو يقول السيوف وزعت ، ونحن بإنتظار لحظة قتل أشرار العقول

الجوهرة موجودة في الطريق ، ولكن الدب جاء من بعيد

وأخذها ووضعها في صدره . وفجأة ظهر الصقر ، فإنتزع الجوهرة

وذهب بها إلى قصر الملك .

والملك بدوره كافأ الصقر بأحذية من ذهب

وأنت الجالس على عرش الكنيسة

خير لك أن تختار : أما أن تكون صقراً وتغلب الدب 

أو بأحذيتك الذهبية ربما تصعد عالياً

ولكنك عاجز عن إسكات أصوات المتطفلين (المصدر السابق ، ص 66) .

2 – رسالة هيلدجارد إلى هنري رئيس أساقفة ليج (للفترة 1145 – 1164) ، وهي شبيهة برسالتها إلى البابا ، وتحمل مجازات دالة على سوء الطالع القريب ، فهي تتحدث عن غيوم سوداء تهدد جبل الأزهار والورود ، والهواء النسيم ، ومن المعلوم إن رئيس الأساقفة هنري كان مناصراً للإمبراطور فردريك . وهنا يكمن بمنظار هيلدجارد خطر هنري على كنيسة الله ، وكان هنري من المصاحبين للإمبراطور في حملته الحربية على إيطاليا عام 1154 ، وهو الذي حضر حفلة تتويج  فرديرك الأول أمبراطوراً من قبل البابا هدراين الرابع (بابا للفترة 1154 – 1159) (للتفاصيل عن حياة البابا هدراين الرابع أنظر : برندا بولتن و آن دوكن : البابا الإنكليزي هدارين الرابع : دراسات ونصوص ، دار نشر إشاكت 2003) .

 وهنا نقدم ترجمة لرسالتها السياسية ، التي بعثتها إلى رئيس الأساقفة هنري :

يقول الضوء الحي : الكتب المقدسة تقود دائماً إلى الجبل العالي

حيث هناك تنمو الزهور والأعشاب التي توفر العافية

ورياح النسيم ذات الروائح العبقة

وهناك حيث ورود الجوري والزنبق يكشفان عن سرهما ويشيحان عن جمالهما الآخذ …

ولكن الآن أيها الرعاة ، جاء زمن الحداد والعويل ، بسبب إن الجبل في عصرنا غطته غيوم سوداء ، فتوقف النسيم العليل ، وماتت رائحته العبقة . وأنت هنري ، راعي جيد ، ومن إصول نبيلة ، حدق عالياً مثل الصقر إلى الشمس ، وأدعو الجميع ، وأجعل الضوء يشع من جديد على الجبل. وأنت حي تسمع صوت الحاكم الحبيب في العُلى  يقول لك : ” إنك عملت حسناً ، وإنك عبد مخلص وخير ” . وفي هذه اللحظة ، فإن روحك ستشع بضوء مثل الجندي الذكي في ساحة القتال ، يبتهج مع رفاقه لحظة الإنتصار .. صحح الذين زلهم الخطأ ، ومسح التراب الذي غطى اللؤلؤ الجميل .. وأدعو اللؤلؤ الجميل إلى الجبل ، حيث أصول هبات الله . ربما الله يحفظك الآن ، ويحرر روحك من العذاب الأزلي (هيلدجارد بنجن ؛ كتابات مختارة ، ص 67) .

3 – رسالة من هيلدجارد إلى الباب هدراين الرابع ، وهذه الرسالة حملت تنبؤات غير سارة . والتي بعثتها بعد رسالة البابا في عام في إكتوبر عام 1157 ، والتي إعتبرها فردريك تهديداً لسلطته الأمبراطورية . وفعلاً فإن الرسالة توقعت أحداث مؤلمة . تقول هيلدجارد :

الواحد الذي منح الحياة للعباد يقول : ” أيها الإنسان ، حافظ على حالة الخوف مثل الأسود ، وأبقى قوياً مثل اللبوات ، وسوف تختبر تحطم السفينة ، إذا ما أخذت الغنائم . وأبقى الملاذ الوحيد لكل العباد ، رغم حالة التعب والإجهاد ، ولا تهتم  وكن مستعداً على الدوام في فهم الحال ، وكن شفوقاً على نفسك من سوء سلوك الرجال … وإن الله سوف يكون بعونك ، وسترى من خلال نوره (المصدر السابق ، ص ص 67 – 689) .             

ثانياً – أغاني مُهداة إلى الكنيسة ، وهي أغاني مناصرة للكنائس في روما بعد الإعتداء الذي تعرض له واحداً من رجال الدين (كاردينال) ، وقرر البابا هدراين الرابع غلق الكنائس . وقد كتبتها كما يُرجح في عام 1155 ( المصدر السابق ، ص 69) .

ثالثاً – تعاليم حول الكنيسة

  وهي نصيحة تقدمت بها هيلدجارد إلى الكنيسة ، يوم أصبح كتابها معرفة الطرق إلى الرب ، مشهوراً ومتداولاً ، وبالتحديد في خمسينات القرن الثاني عشر ، وكان من أكثر الكتب مطلوباً للقراءة (المصدر السابق ، ص ص 71 – 78) .

رابعاً – رسالة إلى إليزابيث ساشونو

  حال إليزابيث حال هيلدجارد ، فقد كانت حوارية صديقة لهيلدجارد ، والرسالة تكشف بأن إليزابيث كانت صاحبة رؤى مثلها مثل هيلدجارد . ويبدو إن تاريخ الرسالة يعود إلى 1152 وما بعد . وفيها تقول هيلدجارد لإليزابيث : أنا مجرد إمرأة ، ومزهرية معرضة للكسر ، وأنا أتكلم هذه الأشياء ، فهي ليست مني ، وإنما هي من الضوء الآمين . وإن الإنسان هو مزهرية ، بناها الله بنفسه ، وملئها بالآمال ، وبعمله جعلها كاملة … (المصدر السابق ، ص 79) .

خامساً – رسالة إلى كرتريود ستاهليك

  وهي أخت الملك كونراد الثالث (1093 – 1152) وهي عمة الإمبراطور فردريك الأول . وقد أهدت هي وزوجها الكثير من المنح المالية إلى دير روبرتسبيرك ، الذي تديره المتصوفة هيلدجارد . وبعد موت زوجها تحولت إلى راهبة . تقول هيلدجارد في الرسالة : بنت الله ، وصاحبة المعرفة الإيمانية الصافية ، إسمعي هذه الكلمات ، التي قيلت عنك بصوت الحب ، والتي سُمعت في أراضينا ، إن هذا هو إبن الله …  وأنا الآن جداً مبتهجة ، بسبب ما سمعته ، ورغبتي أن تكوني كاملة ، ولذلك شاركيني في هذا الفرح والإبتهاج ، وأنا آملة ، بأمل كله صدق ، ستكونين جداراً مرصعاً بالأحجار الكريمة واللؤلؤ  .. (المصدر السابق ، ص 83) . 

سادساً – رسالة إلى رئيسة دير بامبيرك

   صحيح إن هذه الرسالة لفها الغموض ، حيث لم يُعرف أي شئ عن رئيسة دير بامبيرك . ولكن المهم في هذه الرسالة سلطة هيلدجارد السياسية ، وخصوصاً في مجالات التدريب والتربية ، وما يخص عمر البنات قبل دخول الدير ، وهي التجربة التي خاضتها عندما أهداه والديها إلى الكنيسة ، ومن ثم تم إيدعاها تحت رعاية الراهبة جوتا ، ففي هذه الرسالة معارضة لقواعد النظام البنديكتاني الذي تخضع له الأديرة في عصرها ، والمناطق الألمانية ، مما يؤكد أنها عملت هذا النقد دون خوف أو تردد ، مدفوعة بمشروعية رسالتها النبوية . تقول في هذه الرسالة :

 تصوري أيها الأم ، الحقل مملوء بالخصب والثراء ، وتصوري إن الإنسان الذي يملك هذا الحقل ، توقف عن حرثه ، وتوقف عن عمله مثمراً . فإن هذا الإنسان مهمل . وبسسب إهماله فأنه لا يحصل على أية مكافأة من صاحب العمل . وفكري ؛ من هو الذي خلق الثور والحمار ؟  وبالتأكيد ستقولي الله خلقهما لخدمة الإنسان . ولهذا فإن السؤال : لماذا لا يعمل الإنسان لمنفعته ؟ ونحن نحسب إنه يد الله العاملة ، وإن الله لم يخلقه جُزافاً أو ليكون عاطلاً …

  ولكل هذا ينبغي أن تؤدبن بناتكن على كل الأعمال (منا = بالطبع هناك كلام يعكسصورة عصر هيلدجارد في التأديب والعقاب الجسمي الذي كان مقبولاً من الكنيسة ..) زيدي مكافأتك للحياة الأبدية ، وأعملي بتوجيهات الروح التي هي بالتأكيد ستصاحبك في رحلتك إلى الأبد (المصدر السابق ، ص ص 84 – 85) . 

مثابرة فمنستية في اللاهوت

  أمامنا كتاب ، هو في الحقيقة وصف للواقع الرؤيوي الذي عاشته المتصوفة الألمانية هيلدجارد بنجن ، وهو في نشرته الأنكليزية (الترجمة من اللاتينية) ، عمل ضخم (تكون من 545 صفحة) . وهو أول عمل فمنستي في مضمار اللاهوت في القرن الثاني عشر الميلادي . وجاء هذا العمل اللاهوتي بعنوان معرفة الطرق المؤدية إلى الرب (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ سكيفس أو معرفة الطرق المؤدية إلى الرب ، ترجمة كولومبيا هارت وجين بيشوب ، كتبت المدخل بربارا نيومان ، وتقديم كرولاين ولكر باينم ، نشرة دار بولست ن نيويورك 1990) . وهذا العمل له أهميته الخطيرة في تاريخ اللاهوت المسيحي لثلاثة أسباب :

أولاً – إنه تحدي لعمل رجال الدين واللاهوت المسيحيين الذين إحتكروا لفترة طويلة ، تفسير النصوص الإنجيلية ، ووضع نظريات لاهوتية متنوعة تعكس مصالحهم وتدافع عن مكانتهم ، وتعزز سلطتهم المعرفية . وإن تجربتها المتفردة كسرت فيها دائرة الإحتكار الرجولي لمضمار اللاهوتيات ، ودشنت درباً فمنستياً ، أصبحت له سلطة لاهوتية ، ولهذه السلطة اللاهوتية أخذ رجال اللاهوت يتقربون منها بمختلف منازلهم ، والحال ضمل رجال السلطة السياسية ممثلة بالملوك إضافة إلى حشود المؤمنين البسطاء .

ثانياً –  إن عملها فيه تحدي للمألوف المتداول في دائرة اللاهوت ، فهي لم تفسر نصاً إنجيلاً ، وتعارض وتؤيد مذاهب لاهوتية كانت سائدة يومذاك . وإنما خطت درباً فيه الكثير من المخاطر على دائرة اللاهوت التقليدية . فتجربتها اللاهوتية ونصوصها ، هي تجرية رؤيا ومشاهدات وكشف صوفي حي ، تمثلت كما قالت على صورة ” ضوء حي ..” . وبذلك صعدت إلى الطوابق العالية في التجربة الدينية المسيحية برمتها . ومنحتها سلطة حملت الصغير والكبير من رجال اللاهوت والسلطة الكهنوتية ، ممثلة بشخص البابا ، أن يطلب منها بالأستمرار في كتابة رؤياها ، ومشاركته في نسخ منها للقراءة والإطلاع .

ثالثاُ – إن كتاب معرفة الطرق المؤدية إلى الرب ، إحتوى الكثير من المعالجات الفلسفية ، وهنا نقدم شواهد من الكتاب . ففي المجلد الأول تناولت هيلدجارد قضية الخلق ، ومثل الفلاسفة قدمت نظرية كوسمولوجية (كونية) ، كما وعالجت مثل الفلاسفة قضية العلاقة بين النفس والجسم . وفي المجلد الثاني توجد معالجة لقضية الشر في العالم ، وهي قضية إشتغل عليها الفلاسفة في مضمار ما يُعرف بالأكسيولوجيات الأخلاقية . وفي المجلد الثالث قدمت دراسة للفضائل وهو موضوع فلسفي ملأ الكثير من قراطيس الفلاسفة .

 في الحقيقة إن هيلدجارد أكملت هذا العمل الضخم ، بعد وخلال تجربة متفردة  عاشتها (كما تقول بدأت تجربتها عندما كانت في عمر ثلاث سنوات إلا إنها كتمت سرها طويلاً) والمتمثلة برؤية ما أسمته بالضوء الحي . وحالها في التجربة الكتابية وفنونها لا يختلف عن حالها في التجربة الروحية ، فهي لا تعرف أساليب الكتابة ، والتعبير عن هذه التجربة الروحية . ولكن عاشت التجربتين وكابدتهما ، وأنتجت عملاً نسوياً تاريخياً متفرداً في مضمار اللاهوت ، بزت فيه كل الأعمال اللاهوتية ، التي كتبها رجال اللاهوت ومن طوابق روحية مختلفة .

   نقول أكملت هيلدجارد هذا العمل اللاهوتي الرؤيوي في عام 1151 أو 1152 م . والتي وصفت فيه تجربتها الروحية – الإلهامية ، وإستمرت في العمل في الملحمة اللاهوتي قرابة عشر سنوات ، والتي إمتدت من عام 1141 وحتى عام 1151 م .

 وتكونت من ستة وعشرين تجربة رؤيوية (المصدر السابق ، ص 22) .

  تألف كتابها اللاهوتي المعنون معرفة الطرق إلى الله من كتابين (في الحقيقة ثلاثة كتب في الترجمة الإنكليزية) : درست في الكتاب الأول (وهو خاص بالخالق) ، الموضوعات الآتية :

1 – في الأيام الستة الأولى للخلق .

2 – في الأسباب الأولية .

3 – في الثالوث .

4 – في إرادة الله وشواهدها .

5 – في خلق الملائكة والإرادة الحرة .

6 – في خلق الإنسان .

7 – في سقوط الإنسان الأول .

8 – في تمكين الإنسان من جديد .

9 – حول أسرار الكنيسة المقدسة .

10 – في عقيدة الإيمان .

11 – في القانون الطبيعي .

12 – في القانون المكتوب (الوصايا العشرة) (أنظر : هيلدجارد بنجن : معرفة الطرق إلى الله ، الكتاب الأول ، ص ص 62 – 143) .

  وتناولت في الكتاب الثاني (وهو الخاص بالفادي والإفتداء) الموضوعات الآتية :

1 – في تجسد الكلمة .

2 – في الكنيسة ونظمها ، والقوى العلمانية .

3 – في القوة الروحانية ، ومنازل رجال الدين .

4 – في الملابس المقدسة .

5 – في تكريس الكنيسة .

6 – في قداسة التعميد .

7 – في سر الميرون (سر كنسي : يتم مسح الجسم بزيت بعد التعميد) .

8 – في قداسة جسم ودم المسيح .

9 – في الحماية من الشر .

10 – في السيمونية (الشراء والبيع ودفع الأجور لرجال الدين …) .

11 – في قداسة الزواج .

12 – في أداء اليمين .

13 – في الرذائل وأعمال الشر .

14 – في الإعتراف .

15 – في معالجة المريض (طقس ديني يستخدم فيه بعض الزيت ..) .

16 – في الموت ، والجحيم والصلوات للموتى .

17 – في نهاية العالم .

18 – في بعث العالم من جديد (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثاني ، ص ص 145 – 303)

  وبالطبع في النشرة الإنكليزية (المترجمة من اللاتينية) المتوفرة لدينا ، يوجد كتاب ثالث ضمن الأعمال اللاهوتية للمتصوفة هيلدجارد ، جاء بعنوان تاريخ الخلاص مع رسوم توضحية رمزية ، وإحتوى هذا الكتاب على ثلاثة عشرة مشاهدة روحية مع رسوم لها (أنظر : المصدر السابق ، الكتاب الثالث ، ص ص 305 – 536) . 

  إن هذا العمل اللاهوتي في التقويم الأخير ، قدم شخصية المتصوفة هيلدجارد صوتاً لاهوتياً فمنستياً متميزاً ، وضعها في الواجهة الأمامية ، ولتكون نداً قوياً لرجال اللاهوت الذين إحتكروا العمل اللاهوتي والكتابة فيه ، وإن تكون موضوع تقدير وإحترام البابا ورجال الدين الذين دار في خلدهم في بداية الأمر إن في تجربتها نوعاً من الهرطقة .. إلا إنهم صمتوا عندما لاحظوا إهتمام البابا يوجينوس الثالث بتجربتها وطلب منها الإستمرار وموافاته بالجديد كتابة ، وهو الذي منح الموافقة على نشر كتاب معرفة الطرق إلى الرب ، والتي مهد لها برنارد معلم البابا يوجين قبل أن يُنتخب . وفي سلوك برنارد إزدواج ونفاق فقد كفر وإتهم الفيلسوف بيتر إبيلارد بالهرطقة وحرم كتاباته ، في نفس الوقت وقف بجانب تجربة هيلدجارد التي تنز بأطراف هرطقية كثيرة حسب ميزان برنارد الذي وزن فيه هرطقة الفيلسوف بيتر أبيلارد .

   إن تجربة هيلدجارد اللاهوتية لم تقتصر على الشرح اللغوي أو شرح الأنجيل بأطراف أخرى منها (الأناجيل البقية) أو العودة إلى العهد القديم . إن تجربتها التي بزت هذا العمل اللاهوتي الرجولي ، جاء من خلال الوحي وتجربة المشاهدة الصوفية الحية . ولذلك جاء لاهوتها شاهدة صوفية ، فقد زعمت بأنها رأت بالوحي ما عجز رجال اللاهوت من معاينته . صحيح هناك جدل دار حول هذه المشاهدت الصوفية . إلا إنها إنتصرت وساد لاهوتها وتحولت إلى نبية وناصحة للإمبراطور والسياسيين وتقريباً لنصف أوربا يومذاك . وهكذا يصح لنا الحديث مع كتاب معرفة الطرق إلى الرب ، عن لاهوت مسيحي فمنستي مكتوب بقلم المرأة هيلدجارد بنجن .  

مفهوم هيلدجارد للعدل والحب الإلهيين

  في المقدمة قلنا بأن المتصوفة رابعة العدوية قد تقدمت على المتصوفة الألمانية بحدود الثلاثة قرون ونصف ، وكتبت شعراً صوفياً في الحب الإلهي , وتغنت بهذا الشعر ، ووضعت الإيقاع له . صحيح لا يتوافر لدينا نص يثبت الأثر الذي تركته رابعة على اللاتينية هيلدجارد . ولكن الدليل الوحيد إن القرن الثاني عشر الذي عاشت وعملت وكتبت المتصوفة هيلدجارد أغانيها والتي تحولت إلى أناشيد تُنشد في الكنيسة ، هو القرن الذي بدأت فيه حركة ترجمة عارمة من العربية إلى العبرية ، ومن العبرية إلى اللاتينية ، ومن ثم من العربية مباشرة إلى اللاتينية . ونحسب إن تراث المتصوفة العربية رابعة العدوية قد مر بطرق متنوعة ووصل على الأقل إلى مسامع المتصوفة الألمانية هيلدجارد . صحيح إنه إفتراض ، ولكن تشابه التجربيتين في قضية الحب والعدل الألهيين ، تدعونا أن ننبه إلى ذلك ، وربما بهذا التنبيه ، نفتح باب البحث المعمق في هذا المضمار في المستقبل (إضافة إلى الحروب الصليبية وما وفرته من معارف حول ثقافة الشرق العربي وعلوم العرب في الأندلس) .

   فعلاً لقد إنشغل التصوف بمدارسه المختلفة ، بموضوعتي العدل والحب ، وبالطبع العدل والحب الإلهيين . ونحسب من اللازم هنا أن نؤكد بأن تجربة المتصوفات من النساء ، تختلف جذرياً في حسها وشدتها ، لغتها وطوابقها المستهدفة عن تجربة رجال التصوف . عرفنا هذا في تاريخ التصوف الإسلامي بتجارب متنوعة ، فمثلاً تجربة رابعة العدوية تختلف جذرياً عن تجربة الحلاج والشبلي والسهرودي .. وبذلك يمكن الحديث عن تصوف فمنستي (نسوي) ، وتصوف رجولي (ذكوري) وهكذا لعب الجندر دوراً في فهم التجربتين . وحال رابعة العدوية ينطبق على حال المتصوفة هيلدجارد . على كل كتبت الأخيرة مجموعة نصوص تناولت فيها مفهوم العدل والحب . وهذه النصوص هي :

أولاً – الجبل الحديدي

  هذا النص تم إنتخابه من كتابها المعنون معرفة الطرق المؤدية إلى الرب . ومن المفيد إن نشير هنا إلى إن حب الله أو بالتحديد العشق الإلهي ، قضية من وجهة المحافظين في الشرق والغرب قضية فيها الكثير من البدع والهرطقة . وعلى هذا الأساس كان منظار المحافطين من المسلمين لشعر أو أغاني رابعة العدوية في العشق الألهي (أحبك حبين ؛ حب الهوى وحباً لأنك أهلاً لذاك .. أما حب الهوى ..) يندرج في باب الشطح (بدعة وهرطقة) .

   وهذا الحال ينطبق على المتصوفة الألمانية هيلدجارد . مع التأكيد على إن رابعة العدوية لم تتحدث صراحة عن مشاهدة الله ورؤية وجه الكريم ، في حين إن العكس هو الصحيح في تجربة المتصوفة الألمانية هيلدجارد . فقد كشفت صراحة عن رؤية الحضرة الإلهية . وبالتحديد وصفته على شكل صورة نورانية مشعة ، جالس على جبل حديدي أو نحاسي  . وفعلاً فإن قارئ معرفة الطرق إلى الرب ، الكتاب الأول ،  المشاهدة الأولى والتي جاءت بعنوان الله جالس على العرش وعرض نفسه أمام أنظار هيلدجارد . يلحظ إن هيلدجارد تصف مشهد الحضرة الألهية ، والتي عاينتها بالصورة الأتية :

هو الذي على العرش محمولاً بقوة ، وكان عرشه جبلاً من حديد ، وقال بصوت عال : ” أو أيه الإنسان ، إنك تراب متطاير عل سطح البسيطة ، وإنك مجرد رماد الرماد … إنهض وإصدح بصوت مدوي في كل الجهات ، ما شاهدت بعون من الله ، وهو الذي بيديه حياة كل مخلوق ، وهو الذي يقرر الطوفان على العالم ، خاف الله ، وتعبد له بحب جميل ، وكن ذليلاً لمجده السماوي النوراني ، ووجه أنظار الذين يستحقون طريق العدل ويبتهجون بالخلود (هيلدجارد ؛ معرفة الطرق إلى الرب / الكتاب الأول ، ص 67).

   الحقيقة هذا الموضوع أي موضوع رؤية الله كان عنواناً  لموضوع الشطح الصوفي عند هيلدجارد بأصطلاحات الإسلاميين المتحفظين ، والهرطقة بإصطلاحات المحافظين من رجال اللاهوت المسيحي ومنهم ناصحها برنارد الذي إستخدمه مرة ضد الفيلسوف أبيلارد ، ولكنه عطله مرة ونافق مع هيلدجارد بسبب إن تلميذه وحواريه القديم ، والبابا الجديد يوجينوس الثالث كان مهتماً بتجربة هيلدجارد ، فتحول عدو الهرطقة برنارد إلى ممهد لقبول هرطقة هيلدجارد المكشوفة (رؤية الله) ، تجربة روحية تتقوى بها الكنيسة  .

ثانيا – مشاهدة الحبيب

  حال هيلدجارد حال المتصوفة رابعة العدوية ، فعندما تتحدث عن الله ، تتكلم عن  الحبيب الوحيد . وفعلاً أننا نجد هيلدجارد في كتاب الأعمال الإلهية ، والذي تمت كتابته في الفترة المتدة ما بين عامي 1163 – 1173 / 1174 ، بعون من النور أو الإشعاع الإلهي ، ترى بمشاهدة صوفية صورة الله على شكل يجتمع فيه الحب والحكمة والجبروت (القوة) ، وبالحرف الواحد تقول هيلدجارد واصفة حبيبها الألهي الوحيد :

  ورأيت سر الله على صورة إنسان في غاية الجمال والعظمة ، ووجهه كان جميلاً ونورانياً ، وكنت قادرة بيسر على التحليق كما أنني أنظر إلى الشمس … وهذا يدلل على إن حب الأب السماوي ، الذي فيه قوة للروح الإلهية التي لا تتوقف ، وهذا الجمال الأخذ ، وهباته اللامحدودة التي ظهرت في صورة إنسانية ، بسبب إن إبن الله جسم إنساني ، والذي سيضحي بنفسه لضياع الإنسانية ، وإن كل ذلك سيتحقق عن طريق عبادة الحبيب ..(هيلدجارد بنجن : كتابات مختارة ، ص ص 171 – 174) .

هيلدجارد ونظرية الخلق

   تناولت هيلدجارد نظرية الخلق ، ومن زوايا صوفية ممزوجة بلاهوت فيه مدح لعملية الخلق . ولكن فيه تصوير روائي فيه خروج على الإنجيلي المتداول . جاء كل ذلك في النصوص الآتية : 

أولاً – البيضة الكونية (الكوسمولوجية)

   إن من الصور الشائعة في كتابات هيلدجارد بنجن ، خصوصاً عندما تتحدث عن خلق العالم أو الخليقة ، هي إستخدامها لإصطلاح البيضة الكونية ، وتاريخ تداول هذا الإصطلاح ، يصعد إلى المشاهدة الصوفية الثالثة التي عاشتها ، والتي وردت في الكتاب الأول من عملها اللاهوتي المعنون معرفة الطرق إلى الرب . صحيح إنها تتحدث عن الكون كموضوع فيزيائي (طبيعي) ، إلا إنها أكثر إلتحاماً به في حياتها العقيدية وبالتأكيد في أحداث التاريخ . ويبدو إنها كانت مدركة للعلاقة الترابطية بين عالمي المايكروزم والميكروزم (أي الكون العالم الكبير والإنسان العالم الصغير) . وهذا الترابط بين العالمين كون نظرتها التي أعلت من الوجود الإنساني (وبالمناسبة إن أخوان الصفا في رسائلهم قد أكدوا على هذه العلاقة بين العالمين ؛ الكون والإنسان ، وقدموا صورة رائعة للترابط تبدأ من الجمادات وعالم النبات ، صعوداً إلى الإنسان ، ومن ثم الملائكة …) .

   ففي الكتاب الأول من معرفة الطرق إلى الرب ، وبالتحديد في القسم الثالث ، تقدم لنا وصفاً لمشاهدتها الصوفية ، فتقول :

  بعد كل هذه الأشياء ، رأيت شكلاً كبيراً جداً ، دائري الشكل مُعتماً ، يشبه البيضة ، مدبب في القمة ، واسع في الوسط ، ويضيق في الأسفل ، وطبقته الخارجية تتألف من مجال ناري ناصع ، وتحته طبقة معتمة ، وفي ذلك المجال الخارجي توجد كرة نارية حمراء كبيرة جداً ، وهي التي تنير االمناطق العالية فوقها . ومباشرة فوق الكرة النارية ، يوجد أفقياً ثلاثة أنوار متتابعة ، وهي ثابتة بنارها وطاقتها ، وتمنعها من السقوط .

   وفي الوقت الذي ترتفع فيه كرة النار إلى الأعلى ، فإنها ستواجه ناراً أكثر ، والحاصل منا حدوث لهب عظيم . وفي الوقت الذي تتحرك فيه كرة النار إلى الأسفل ، فإنها ستواجه منطقة من البرودة الشديدة ، والنتيجة إنطفاء لهيبها . ومن المجال الخارجي للنار ، تهب رياح فتسبب العواصف . ومن تحت المجال المعتم تهب رياح أخرى ، فتسبب عواصف أشد ، والتي تأخذ بالحركة في كل إتجاهات العالم … (هيلدجارد بنجن ؛ كتابات مختارة ، ص 89) .

  ورأيت تحت الطبقة الداكنة ، أثير خالص ، وشاهدت هناك كرة نارية ذات حجم عظيم مملؤة بالطاقة المشعة البيضاء . ويوجد تحت الأثير طبقة من الهواء المائي … ورأيت بين الشمال والشرق جبل فيه منطقة مظلمة في الشمال ، ومنطقة ضوء في الشرق . والظلمة لا تؤثر على المنطقة المنيرة ، ولا المنطقة المنيرة تؤثر على المنطقة المظلمة . ومرة أخرى سمعت صوتاً يتكلم إلي من السماء (المصدر السابق ، ص 90) .

  ومن ثم الله خلق كل شئ بإرادته ، وذلك لتشريف إسمه وعبادته . وخلال عملية الخلق ، لم يخلق فقط الأشياء المرئية والزائلة (الموقتة) ، وإنما خلق الأشياء العصية على الأدراك والأبدية (الخالدة) (المصدر السابق ، ص 91) . أما الحديث عن خلق العالم ، فيبدو إن هيلدجارد قد قبلت الكثير من الأراء اللاهوتية والفلسفية والعلمية التي كانت سائدة في القرن الثاني عشر . وهي الأراء التي تتمثل بالثنائية (المادة – الفاعل) إضافة إلى الصورة الخيالية للكون على أساس بيضة كونية . والحقيقة إن كتابها معرفة الطرق إلى الرب يحتوي على العدديد من النصوص الخاصة بالكون البيضة أو البيضة الكونية (الكوسمولوجية) (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ معرفة الطرق إلى الرب (مصدر سابق)) .

 ثانياً – طبيعة الله وفعل الخلق

  إن مشاهدة هيلدجارد الصوفية وهي تتحدث عن طبيعة الله وفعل الخلق تختلط مع ما تحفظه من نصوص من العهدين القديم والجديد . والشاهد على ذلك قولها :

   وكان الله قبل خلق العالم ، وليست هناك بداية له ، بسب إنه على الدوام ضوء ومتعالي (مجيد) . وهو على الدوام حياة . ولذلك فإن الله عندما رغب في خلق العالم ، فإنه خلقه من العدم ، بسبب إن كل مواد العالم موجودة في إرادته (هيلدجارد بنجن : كتابات مختارة ، ص 91) . وعندما كشفت إرادة الله عن نفسها ، جاء خلق الحقيقة كلية ، وإنه فقط عندما رغب في الخلق ، فإن كل مواد العالم خرجت من إرادته ولكن غير مُتشكلة ، مثلها مثل كتلة معتمة (المصدر السابق) .

  ومن ثم جاءت كلمات الرب الأب معلنة :  دع الضوء يكون هناك ، ومباشرة أصبح كل شئ منيراً ، والعالم إمتلاً بالملائكة (المصدر السابق ، ص 94) . ومن ثم جاء سقوط لوكفير (إبليس) ( المصدر السابق ، ص ص 94 – 95) . وعندما خلق الله العالم ، قرر أن يكون هو الإنسان (المصدر السابق ، ص 95) . ومن ثم جاءت عملية خلق النفس (المصدر السابق) …

قراءة في كتاب الفيزيكا (الصحة والعلاج)

   إمتلكت المتصوفة الألمانية هيلدجارد ، ذهنية ثاقبة ، فكانت لا تستسلم للتحدي ، وإنما تتفهم ظروفه ، وتسعى إلى تطوير معارفها ، وإصطناع وسائل لمواجهة هذا التحدي ، ومن ثم توظيفه إيجابياً لخدمة غرضها النبيل . فقد عملت وكتبت وصفات للحفاظ على الصحة والعلاج من الأمراض . وحقاً بزت هيلدجارد في مضمار الصحة والعلاج جميع معاصريها من رجال الدين والعلمانيين ، وقدمت رمزاً فمنستياً رائعاً في خدمة ديرها أولاً ومن ثم المجتمع المحيط . فعلاً حدث هذا في مضمار كتاباتها الطبية ، وبحثها عن وسائل علاج للمرضى في الدير الذي تعمل رئيسة له ، ومن ثم في المجتمع الألماني والمسيحي .

  ومن النافع الإشارة إلى إن المتصوفة هيلدجارد ، كانت مؤمنة هي ومعلمتها جوتا بروح النظام البندكتاني ، الذي نظم حياة الرهبنة والإديرة . وكانت هيلدجارد مستوعبة لجوانبه العقيدية والإدارية (مع الإنتباه إلى إن روحاً نقدية أخذت تتنامى لدى هيلدجارد للنظام البندكتاني كما أشرنا أعلاه) . ونحسب إنها قارءة جيدة ومتابعة لقواعده في حياة الراهبات وصحة الدير الذي تعمل فيه . ومن المعروف  إن القديس بنديكت (480 – 543 م) هو مؤسس جمعيات الرهبان الإثنا عشر ، وواضع القواعد لحياتهم (أنظر : الديفانسو سوشستر ؛ القديس بنديكت وعصره ، نشرة دار هريدر ، لندن 1951) . ومن قواعد القديس بنديكت ” رعاية المريض ، وهي واحدة من وسائل أعمال الخير ” . وفي ذلك الوقت بدأ الرهبان يزرعون الحدائق بأعشاب العلاج ، وكانوا أطباء عصرهم (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ الفيزيكا (الصحة والعلاج) ، ترجمها من اللاتينية إلى الإنكليزية براشيلا ثروب ، روشستر 1998  / مدخل المترجم ، ص 3) .

   وفي القرن التاسع الميلادي ، كان واحد من أسلاف المتصوفة هيلدجارد ، وهو لوتبارج ، الذي كان يعيش في صومعة معزولة في شرق سكسونيا  ، كان يعالج أبناء السبيل والفقراء ، ويجدد شروطهم الصحية . وكرس نفسه لرعاية المريض (المصدر السابق) . كما إن هيلدجارد في كتابها حياة القديس دايسبود الذي كتبته ، قد بينت بأنه زرع المكان ، الذي سيطلق عليه دايسبودنبيرك ، ووصفت دايسبود بالحرف الواحد :

إنه حافظ على صحته ، وصحة أصحابه بالإعتماد على جذور النباتات ، وذلك عندما لايتوافر لهم أي طعام ، وبذلك تصرف كرجل أعشاب خبير ، وهو الذي زرع في حديقته التوابل ، ونباتات عطرية ، وعمل بجهد على الحفاظ على حديقته خضراء وليست جافة  .. وكان يمر به الناس ، وهو يحفر في الأرض باحثاً عن جذور النباتات أو جامعاً الضروريات الأخرى ” و ” إن جميع المرضى والضعفاء من الناس الذين جُلبوا له ومن خلال أعشابه ، وبمساعدة من روح القدس ، شفوا من أمراضهم ” (المصدر السابق ، ص 4) .    

   وكانت هيلدجارد تتمتع بعقلية علمية منظمة ، فبدأت بقراءة واسعة لكل المتوافر من مؤلفات في اللاتينية ، والتي كانت لغتها ولغة الثقافة والعلم في عصرها . ومن الإنصاف القول إنها لم تكتف بالقراءة ، فحساسيتها العلمية الذكية ، دفعتها أن تلاحظ وتختبر ، وتعد الوصفات ، وتستخدمها وصفات للمرضى ، ومواد للحفاظ على صحة الدير . وهكذا جاءت كتاباتها الطبية ، والأدق في الصحة والعلاج بسيطة واضحة ومباشرة . ومن المفيد أن نذكر بأننا قد ذكرنا في سيرتها الذاتية أعلاه ، بأنها عملت في دير القديس دايسبود عاملة لجمع عروق النباتات الجافة وخزنها لأغراض العلاج والمحافظة على الصحة . إذن هذه الخبرة ربما تركت أثراً واضحاً في توجهاتها اللاحقة والتي تتوجت في كتابها الفيزيكا .

   ونحسب من النافع الإشارة إلى إن القرن الذي عاشت وكتبت فيه هو القرن الثاني عشر الذي شهد لأول مرة في تاريخ العالم اللاتيني ترجمة واسعة للتراث العلمي العربي ، وخصوصاً الطبي منه ، والوافد من الشرق إلى المكتبات في المدن الأندلسية (أسبانيا) من العربية إلى العبرية أولاً ، ومن ثم من العبرية إلى اللاتينية ومن العربية مباشرة إلى اللاتينية ، وهذه  المدن ومكتباتها أصبح بعض منها بأيدي المسيحيين ، بعد إن هجرها العرب وفروا منها . مع الإشارة إلى إن بعض العرب واليهود بقوا وعملوا مترجمين أو مساعدين في الترجمة ، فشاعت في اللاتينية ترجمات لمعظم كتب الطب والعلوم العربية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ المصدر السابق) .

  ونحن نرجح بأن المتصوفة هيلدجارد ، قد قرأت هذا الترجمات أو بعضها في مضمار الطب والأعشاب (العقاقير العربية) وكانت مصادراً في كتابة مؤلفها الشهير الفيزكيا أو في الصحة والعلاج . والحقيقة إن هيلدجارد إختارت لها العنوان الأتي : الصفات المتنوعة للأشياء الطبيعية  ، ومن ثم أُطلق عليه عنوان الفيزيكا . ونشره  جوهان سكوت عام 1533 م في ستراسبورك . وظل هذا الكتاب لفترة طويلة ، النص الوحيد المتداول . ولايعرف الباحثون المخطوطة التي إعتمد عليها سكوت في نشر الكتاب . وفيما بعد تم إكتشاف مخطوطات مختلفة ، فخلقت نوعاً من الحيرة حول نشرة سكوت ، خصوصاً عندما تمت مقارنة الكتب التسعة بالمخطوطات . فمثلاً في نشرة سكوت هناك حذف في كتاب الأحجار ، وفي كتاب مواد غير مجربة ، وأشياء أخرى كثيرة ، غير موجودة في نشرة سكوت ، إلا إنها موجودة في المخطوطات المكتشفة (هيلدجارد بنجن ؛ المصدر السابق ، ص 4) .

  كون هذا الكتاب موسوعة طبية صغيرة في العلاج  ، تألفت من تسع كتب ، وجاءت عناوينها بالشكل الآتي :

الأول – كتاب النباتات (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ الفيزيكا (الصحة والعلاج) (مصدر سابق) ، ص ص 9 – 97) وهذا الكتاب يُعد أوسع الكتب التي تألفت منها الموسوعة ، وأكثرها تفصيلاً . وإذا أضفنا إليه الكتاب الثالث والمعنون الأشجار (ص ص 105 – 135) ، والذي يدخل موضوعه ضمن مضمار المملكة النباتية ، فإن هذين الكتابيين كونا أكثر من نصف حجم هذا الموسوعة . 

    وتقصد هيلدجارد بمعالجة النباتات مصدراً من مصادر علاج الأمراض والمرضى ، وبيان دورها في الحفاظ على الصحة . وفي بداية هذا الكتاب تتحدث هيلدجارد عن نظرتها الإنسانية ، وذلك عندما تتحدث عن الحياة على الأرض ، وخصوصاً  في العلاقة بين الأعشاب الضارة وقضية الشر . وهي المسألة التي تواجه جميع الأديان بلا إستثناء ، وتسبب حرجاً ونقوصاً في تفسيرها . ويبدو لنا هنا إن المتصوفة لمحت لنظرية جديدة تسهم في فهم طرف من قضية الشر ، وفي تلميحها فائدة ، وفيه ريادة وذلك لكونه جاء من داخل تفسير بايولوجي (نباتي) لا علاقة له بالعقيدي فتقول :

مع الأرض خُلق الإنسان ، وإن كل العناصر تعمل لصالحه ، وتُحافظ على حياته ، وقد يُسئ البشر إستعمال هذه العناصر ، في تيسير حياتهم . وإن الإنسان من طرف يكون على الدوام مهموماً بها . وإن الأرض معطاء ، تهب الطاقة الحيوية على أساس جنس الإنسان ، طبيعته ، عاداته وتقاليده . وكذلك البيئة التي  يعيش فيها . ومن خلال الأعشاب النافعة ، فإن الأرض هي التي تجلب مدى عريض من القوى الروحية للبشر ، وهي في الوقت نفسه تقيم الحدود الفاصلة بين الأعشاب النافعة والأعشاب الضارة وسلوكها الشراني (المصدر السابق ، ص 9) .

الثاني – كتاب العناصر (المصدر السابق ، ص ص 99 – 103) ، ومادته جداً مقتضبة (ضمت خمس صفحات فقط) ، بحيث لاتشكل فصلاً من كتاب . مما تثير الشك حول المخطوطة الخاصة بهذا الفصل ، والشك حول حجم الضائع منها . وفيه تتحدث عن الهواء والماء ، والبحر ، والأنهار ومصادر المياه ونوعيتها في ألمانيا …

الثالث – كتاب الأشجار (المصدر السابق ، ص ص 105 – 135)  ، وفيه تتحدث  المتصوفة هيلدجارد (كباحثة في الصحة وعلاج الأمراض) عن وصفات نباتية ، فمثلاً ذكرت أشجار التفاح  ، ورأت إن مزجها مع أوراق العنب يمكن إن يستخدم المزيج علاجاً لجفون العيون (المصدر السابق ، ص 15) . وأشجار الخوخ بالنسبة لأشجار التفاح مثل الكبد إلى الرئتين ، والخوخ له مضار وبعض أجزائه لها منافع في علاج ألام الصدر والرئة (المصدر السابق ، ص ص 106 – 107) . ونقفز إلى أشجار التمر ولها فوائد ومضار ، فإن أكلها يمنح الجسم قوة ، وربما مضارها ألام في الصدر (المصدر السابق ، ص ص 134 – 135) .

الرابع – كتاب الأحجار (المصدر السابق ، ص ص 137 – 156) وبدأت الفصل بالإشارة إلى إن كل حجر يحتوي على نار ورطوبة  . وكلام لاهوتي ممزوج بخيالات جيولوجية ، هي الأساس الجيولوجي لتشكل الأحجار المتنوعة ، وتمييز الأحجار الكريمة عن سواها من الأنواع الأخرى (المصدر السابق ، ص 137) .

وتتحدث عن التكوين الجيولوجي لحجر الزمرد ، ومن ثم وظيفته العلاجية ، فتقول : يتشكل الزمرد في ساعات الصباح ، وبالتحديد مع بزوغ الشمس (المصدر السابق ، ص 138) . ويستخدم في علاج الجروح المتولدة من حشرات الأرض ، فتقترح وضع الزمرد على قطعة قماش قطنية فوق الجرح ، ولكون الزمرد حار ، فأنه يقتل الحشرة بعد علاج يستمر ثلاثة أيام (المصدر السابق ، ص 139) .

   ونقفز إلى حجر الكرستال ، فهو يتولد جيولوجياً حسب منظار المتصوفة هيلدجارد من مياه باردة بدرجات ثابتة (المصدر السابق ، ص 153) . وتشرح وظيفته لعلاج غشاوة النظر ، وذلك عن طريق إحماء الكريستال قرب العين . وبسبب طبيعته المائية ، فأنه يسحب الأخلاط الرديئة من العين ، فيحصل شفاء للعين (المصدر السابق ، ص 154) .

الخامس – كتاب الأسماك (المصدر السابق ، ص ص 159 – 175)

    وإستهلت هيلدجارد كتاب الأسماك ، بالإشارة إلى حقيقة حياة الأسماك ، فقالت : إن إنواعاً من الأسماك طبيعياً تعيش في أعماق البحار والأنهار . تنبش أعماق البحار والأنهار ، مثلها مثل حال الخنازير تنبش سطح الأرض (المصدر السابق ، ص 159) . وبهذه الطريقة فإن الأسماك تأكل طعاماً صحياً جيداً . وإن الشخص الذي يأكل هذه الأسماك سيتمتع بصحة جيدة (المصدر السابق) .

   ومن ثم تقدم وصفاً لأنواع الأسماك ، حياتها وأنواع الطعام الذي تأكله ، والفوائد التي يمكن الحصول عليها من تناول هذه الأسماك في وجبات الطعام . ومن الأمثلة على الأسماك الحوت (المصدر السابق ، ص ص 161 – 164) ، والسلمون (المصدر السابق ، ص 166) ، والإيل (المصدر السابق ، ص ص 174 – 175) .

السادس – كتاب الطيور (المصدر السابق ، ص ص 177 – 202)

   في بداية هذا الكتاب تتحدث المتصوفة هيلدجارد عن النفس الإنسانية وعلاقتها بالجسم ، وتعتقد بأن طبيعة النفس هوائية ، ولهذا السبب ترتفع عالياً في الهواء ، وإذا ما دخلت الجسم فإنها تختنق . وبدخولها الجسم الإنساني ، فهي التي تمتلك ملكة الذكاء والتوازن (الإستقرار) (المصدر السابق ، ص 177) .

   ويبدو إن الحديث عن النفس والجسم الإنساني ، كان مقدمة لمعالجة موضوع الطيور . وفعلاً فقد ذهبت هيلدجارد إلى إن الطيور ترتفع بواسطة ريشها في الهواء ، وبما إنها تسكن في كل مكان في الهواء ، فهي خُلقت من أجل النفس (المصدر السابق) . وما دام الكتاب عن الطيور ، فنترك الحديث عن النفس والجسم الإنساني ، ونتحول إلى أمثلة عن الطيور في هذا الكتاب .

  إن أول الأمثلة كان الحديث عن طير ميثولوجي (إسطوري) ، هو كرفين . وهنا إنحرف البحث في الطيور إلى بحث ميثولوجي ، لاعلاقة له بالعلاج والحفاظ على الصحة . ويبدو لنا إن دائرة ثقافة عصر هيلدجارد كانت مهتمة بالحديث عن هذا الطير الخرافي (الإسطوري) . أو إن المصادر التي إعتمدت عليها ، هي الأخرى وقعت في فخ هذا البحث الميثولوجي ، الذي لا يمت بصلة لعالم الطيور وفسلجتها ، ووظيفتها في علاج الأمراض التي يتعرض لها الأنسان ، وكيف إن الطيور تسهم من طرفها في المحافظة على صحته .

  تقول هيلجارد واصفة هذا الطير الميثولوجي كرفين : له طبيعتين ؛ واحدة مثل الطيور ، وواحدة مثل البهائم . ومن طرف الطيور هو ناعم ولذلك فإن حجم جسمه يمنع وزنه من الهبوط إلى الأسفل . ومن طرف البهائم ، إنه يأكل البشر .. وفي كلا الطبيعتين فإن أي جزء من جسمه يكون معيوباً وناقصاً ، ولهذا لا يمكن أن يكون دواء للبشر (المصدر السابق ، ص ص 177 – 178) .

  وهنا قائمة طويلة من الطيور ، وأفضل أن أتحول إلى مثال أخر تناولته هيلدجارد دواء وعلاجاً للأمراض التي تصيب البشر . وهذا المثال ركز على النعامة ، وهي بنظرها طير حار جداً ، وفيه طبيعة بهيمية ، وله ريش مثل الطيور ، ولكنه لا يطير ، وإنما يركض ويجري مثل البهائم . ومن ثم تتحول إلى الحديث عن الوظيفة العلاجية الطبية ، فتقول : إن النعامة نافعة للشخص المصاب بالصرع ، خصوصاً إذا تناول لحمها ، فإن ذلك سيكون طريقاً لشفائه من جنون الصرع (هكذا وردت) (المصدر السابق ، ص 178) . هذه المعارف الواردة في كتاب المتصوفة هيلدجارد ، تحولت بسبب تقدم الطب وألياته إلى مجرد حكايات لا تصمد أمام الإختبار الطبي وما يمتلكه من إمكانات تكنولوجية في التحليل والتشخيص والدرجات العالية في التحقق من فوائد العقاقير وتأثيراتها الجانبية وأضرارها البعيدة المدى ..    

السابع – كتاب الحيوان (المصدر السابق ، ص ص 205 – 227)

   تفصح هيلدجارد في المقدمة عن خصائص مشتركة بين الحيوان والإنسان ، حيث تقول : ” أنت (أو أنتم) مثل هذا الحيوان ، أو ذاك الحيوان “ . وذلك لأن الحيوانات تمتلك خصائص مشابهة لطبيعة الإنسان . ومن طرف أخر إن الحيوانات تأكل بعضها البعض ، وتتغذى على الأطعمة الفاسدة ، وتلدُ ولادات كثيرة (مثل الذئاب ، والكلاب والخنازير) ، وهي من طرف أخر تشبه الأعشاب الضارة ، التي تُسبب أضراراً للإنسان (المصدر السابق ، ص 205) .

  وهناك حيوانات الرعي التي تأكل الطعام النظيف مثل التبن ، وتلد وليداً واحداً ، وهي تشبه النباتات الجيدة والنافعة ، وتوفر حيوانات الرعي للإنسان الطعام من لحمها ومنتجاتها . وفي كلا النوعين السابقين من الحيوانات يتوافر علاج طبي معين (المصدر السابق) . والأمثلة كثيرة التي يدرسها كتاب الحيوان ، منها الفيل ، الذي فيه حرارة الشمس . وإن عظامه هي الجزء المهم في العلاج ، وذلك لأن فيها الكثير من الرطوبة التي فيها العلاج والشفاء . أما كبد الفيل ، ورئتيه والأجزاء الأخرى فلا قيمة لها من زاوية الطب والعلاج (المصدر السابق ، ص 206) .

  والمثال الأخر الذي نستشهد به من كتاب الحيوان ، النمل ، وهو حار ، وينمو من الرطوبة ، وطبيعته متشابهة إلى حد ما إلى طبيعة الطيور ، وذلك من حيث إنها تضع البيوض . وهي مهمة جداً من الناحية الطبية والعلاجية ، حيث تقول هيلدجارد : إن الشخص الذي يُعاني من برودة في الرأس ، ويوجد بلغم في الصدر والمعدة ، فإن الشفاء يكون بالنمل ، وذلك بطبخه في الماء ، ومن ثم يسكبُ على حجر ساخن ، ومطلوب من المريض أن يتنفس من الأنف والفم البخار المتصاعد ، وإن يكرر ذلك من عشر مرات إلى خمسة عشر مرة ، فإن البرودة والبلغم يختفيان (المصدر السابق ، ص 226) .      

الثامن – كتاب الزواحف (المصدر السابق ، ص ص 229 – 235)

  تبدأ هيلدجارد هذا الكتاب بمقدمة لاهوتية ، تفسر فيها اللعنة التي إرتبطت بالثعبان ، فتقول : في البدأ كل الكائنات التي خلقها الله كانت خيرة (بريئة) . ولكن الشيطان إستخدم الثعبان وسيلة خداع للإنسان ، ولهذا السبب طُرد من الجنة . والزواحف من طرفها كذلك ، وبعد إن تذوقت النعمة الإلهية ، تطلعت للأنتقام من الإنسان ، وجعل حياته أكثر صعوبة ، وذلك من خلال سمومها القاتلة (المصدر السابق ، ص 229) . وهناك زواحف تولد سماً قاتلاً للحيوانات والإنسان معاً . وهناك سموم تقتل الإنسان فقط (المصدر السابق) .

  ومن الشواهد التي درستها هيلدجارد في كتاب الزواحف ، الثعابين التي تكون حارة ، ولها القابلية على العيش على سطح الأرض وفي الماء . وتمتلك مهارات وفنون شرانية ، حيث تتخفى لتهاجم البشر . والثعبان زاحف مُعادي خطير للإنسان ، وهو ينفث السموم على فريسته … ولا يوجد علاج مناسب في كبده وبقية أعضاء جسمه (المصدر السابق ، ص ص 230 – 231) .

التاسع – كتاب المعادن (المصدر السابق ، ص ص 237 – 241)

  إستهلت هيلدجارد كتاب المعادن بمقدمة لاهوتية ، كونت الأساس الجيولوجي لتشكل المعادن . فقالت : في البداية كانت روح الله طافية على وجه المياه ، ومن ثم المياه غطت وجه الأرض . وبقيت المياه راكدة ، ولكن أنفاس الروح حملتها على الجريان ، وهذه المياه إنتشرت على كل الأراضي وأنعشتها .. وإن نار المياه حولت الأرض إلى ذهب . في حين إن المياه الطاهرة (الخالصة) التي إخترقت الأرض ، تحولت هي والأرض إلى فضة . بينما المياه المترددة التي إخترقت الأرض ، والتي تحركت بسبب الرياح تبدلت إلى ستيل (الصلب) وحديد . والحديد والستيل هي من أصلب المعادن .. (المصدر السابق ، ص 237) .

  ومن الأمثلة على المعادن التي عالجتها هيلدجارد في كتابها الخاص بالمعادن ؛ الذهب ، وهو معدن حار ، وإن طبيعته تشبه إلى حد ما الشمس ، وهو يشبه على الأغلب عنصر الهواء (المصدر السابق) . ويوصف مسحوق الذهب مع الطحين ،  للشخص الذي يُعاني الصمم ، وذلك بعمل عجينة ولصقها بأذن المريض . فإن الحرارة تنتقل إلى أذنه ، وإن إستعمالها سيؤدي إلى شفاء المريض (المصدر السابق ، ص 238) . والإمثلة كثيرة .

  إن هذه الكتب التسعة ، تمنح المتصوفة الألمانية هيلدجارد ، دور الخبير في الأعشاب والنبات والأحجار والزواحف ، والطيور .. الخبير العارف في إستخدامها وسائل علاج للأمراض ، ومصادر طبيعية في المحافظة على الصحة . وهذا مضمار قصر فيه رجال الدين في عصرها ، فضيعوا الوقت الثمين في الجدل اللغوي حول بعض الكلمات والمفاهيم التي ضمتها النصوص الدينية وشروح الرواد . في حين كانت تتقدم الصفوف المرأة المقاتلة هيلدجارد ، تعمل في عالم النبات والأعشاب .. وتدق الأرض ، وتحفر في بواطنها ، باحثة عن جذر نبات أو عرق شجرة .. وذلك بهدف إكتشاف عشب جديد ينفع في علاج مرض أوالسيطرة عليه والحد من إنشاره .

أعمال هيلدجارد في الترانيم (الأناشيد الدينية) والموسيقي

  أشرنا في السيرة الذاتية للمتصوفة – الفيلسوفة هيلدجارد ، إلى إنها تعلمت على يد معلمتها جوتا العزف على ألة القيثارة ، وكذلك أشرنا إلى إنهما كانا يقضيان وقتاً محدداً في الأسبوع لترديد الأناشيد والترانيم الدينية . وربما إن معلمها الثاني فالمر قد علمها كتابة النوطات الموسيقية وذلك من خلال زيارته لها وتعليمها الأناشيد الدينية . ويُلاحظ إنها في هذا الوقت بدأت بدراسة الموسيقى والتأليف الموسيقي . وهذه المرحلة بالتأكيد تركت أثرها اللاحق في مضمار عمل هيلدجارد الموسيقي (أنظر : كارول ريد جونز ؛ هيلدجارد بنجن : المرأة صاحبة الوحي ، نشرة دار أوراق كران ، واشنطن 2004 ، ص 6) .

    وفعلاً فقد  كتبت هيلدجارد العديد من الأعمال الموسيقية ، وسمفونية واحدة (هي مجموع مفتوح لعديد من الأغاني والأناشيد الدينية) ، والكثير الكثير من الأغاني التي وضعت موسيقاها بنفسها ، وكانت راهبات ديرها يتغنين بها قبل قراءة الإنجيل ، ومصاحبة له ، وفي هواجع الليل ، بحيث تحولت إلى ترانيم روحية وأناشيد دينية .

  إن قائمة مؤلفاتها تشير إلى عمل موسيقي في غاية الأهمية ، وكان بعنوان سمفونية تناغم الإلهامات السماوية ، وهي مجموعة أغاني ، إستهلتها هيلدجارد في الفترة المتوسطة من عملها المهني ، والتي تتوسط بين فترتين مهمتين في حياتها ؛ الأولى فترة إكمال عملها اللاهوتي المعنون معرفة الطرق إلى الرب ، والذي إكملته في العام 1151 . والثانية الفترة التي بدأت فيها عملها المعنون حياة الفضائل ، وبالتحديد في العام 1158 . وهي دراما موسيقية مبكرة في العصور الوسطى ، ومن حسن حظنا إنها بقيت خالدة نصاً وموسيقى . والسمفونية ضمت أكثر من سبعين أغنية . وبالمناسبة إن مسرحية حياة الفضائل قد تم تمثيلها من قبل راهبات دير روبرتسبيرك في حياة هيلدجارد ، وبالتحديد في عام 1152. وهناك نص مختصر دون موسيقى لمسرحية حياة الفضائل في نهاية كتاب معرفة الطرق المؤدية إلى الرب ( أنظر : سبينا فلانكن ، أسرار الله : كتابات هيلدجارد بنجن ( مصدر سابق) ، ص 119) . وكتبت مسرحية الفضائل شعراً ، وتكونت موسيقاها من إثنين وثمانين لحناً (أنظر : باليسكا كلود ؛ مجموع نورتن للموسيقى الغربية ، نشرة دار نورتن ، نيويورك 1996 ، المجلد الأول ، ص 35) .

  ومن ثم ضمت السمفونية بعض الأغاني التي ألفتها في فترة متأخرة ، وتم إضافتها إلى المجموع . ولاحظ الباحثون إن المخطوط الكامل للأعمال الموسيقية ، هو مخطوط رايزنكوديكس ، والذي يعود إلى ثمانينات القرن الثاني عشر . وهنا نقدم ترجمة لعينة مختارة من مجموع الأغاني :

1 – الأغنية الدينية الأولى

آه أيها الأب العظيم ، إن حاجاتنا كبيرة

ونحن نتوكل عليك

ونتوكل عليك من خلال كلمتك

وأنت الكريم الذي يُلبي ما نحتاج إليه

وبالتأكيد ستبتهج ربنا

وسترضى على أعمالنا

أعطف علينا بعونك وشفاعتك

وأنت عارف بأننا فانون

وإن إسمك سيبقى خالداً

ويكون سوراً لحمايتنا

وبإسمك ربنا إسرع لمساعدتنا (هيلدجارد بنجن ؛ كتابات مختارة (مصدر سابق ، 115) .

2 – الأغنية الثانية

آه أيها الإله السرمدي

الآن هناك إحتمال في إنها تُبهجكُ

إنها تحترق في الحب

ولهذا أصبحنا الحمل

تزين بالحب كلما شعرت

وبينما تُولد إبنك

في ساعات الفجر

وقبيل كل المخلوقات

وفكرت في هذه الحاجة التي هبطت إلينا

فإنتزعها منا لأجل ولدك

وأرشدنا إلى بهجة خلاصك (المصدر السابق ، ص 116) .

3 – الأغنية الثالثة : مريا (أو مريم) الحواء

السلامُ على مريا ، صانعة الحياة

أنت التي شيدت صرح خلاصنا

وأنت من جعل الموت يترنح

ومحقت الثعبان (منا = رمز الشر والشيطان في المسيحية)

ولهذا نهضت الحواء

ورأسها مرفوعاً عالياً بكل إفتخار

وعندما خطوتي بقوة

أنجبت إبن الله الذي جاء من السماء (الجنة)

بإلهام من روح الله

فسلام عليك ، أيتها الأم الحلوة المحبوبة

كرمك عظيم ، فقد وهبت العالم رضيعك الصغير

والذي جاء من السماء

بإلهام من روح الله

المجد إلى الأب ، والإبن وروح القدس

وبإلهام من روح الله (المصدر السابق) .

4 – الأغنية الرابعة

بقوة الخلود والسرمدية

رسمت كل الأشياء في قلبك

وخلال كلمتك ، كل الأشياء ظهرت إلى الوجود

وكما رغبت

…..

وكم هي عظيمة طيبة فادينا

الذي حرر كل الأشياء من خلال تجسده

ومن خلاله نفخ الله الروح الخالصة من الخطيئة

وحرر أجسامنا البشرية من الكرب العظيم

فالمجد إلى الأب والإبن وروح القدس

الذي حرر أجسامنا البشرية من الكرب العظيم (المصدر السابق ، ص 122) .

5 – الأغنية الخامسة : الفضائل

بقوة الحكمة

حركت جميع الأشياء

وأدركت جميع الأشياء

والصراط الوحيد ، هو صراط الحياة

ثلاثة أجنحة :

واحد يحلق في الأعالي

وواحد إنبثق من الأرض

وأخر يحلق في كل مكان

فالحمد لك ، يا حكيم (المصدر السابق) .

 ومن المفيد أن نختتم كلامنا عن موسيقى هيلدجارد ، بالإشارة إلى إن الأكاديميين الغربين اليوم يؤكدون على إن هيلدجارد قد ربطت ربطاً قوياً بين الموسيقى وجسم المرأة (أنظر : بروس هولسنكر ؛ الجسم والصوت / منشور في مجلة المرأة في الثقافة والمجتمع / العدد 19 خريف 1993 ، ص ص 92 – 125) . كما إن في الشعر والموسيقى في سمفونية هيلدجارد ، إهتمام برغبة المرأة . ومن هذا الطرف تم ربط هيلدجارد بتاريخ الخطاب النسوي (الفمنستي) (أنظر : بروس هولسنكر ؛ الموسيقى ، الجسم والرغبة في ثقافة العصور الوسطى / نشرة مطبعة جامعة ستانفورد 2001 ، ص ص 123 – 135) .

محاولة هيلدجارد في البحث اللنكوستي / فلسفة اللغة

  حال المتصوفة هيلدجارد شبيه بحال كل رواد الحركة الصوفية ، تطلعوا إلى إصطناع لغة خاصة بهم ، يتحدثون بها دون خوف من العامة ورجال السلطة . ولعل القارئ لتاريخ التصوف الإسلامي ، يلحظ إن رجال التصوف يتعاطون لغة خاصة بهم ، خصوصاً في الطعام ، وتسمية المأكولات ، وبالتأكيد لا يعرفها أحد سواهم ، وإن معرفتها جاءت من خلال نصوصهم . أما حال المتصوفة هيلدجارد فكانت رائدة في مضمار لغة خاصة للراهبات ، وذات أبجدية خاصة ، مما جعلها أن تكون رائدة في مضمار اللنكوستيات (فلسفة اللغة أو منطق اللغة / فقه اللغة) .

  يطلق الباحثون على اللغة التي إخترعتها المتصوفة هيلدجارد إصطلاح اللغة الجديدة (الغريبة) وباللغة اللاتينية تسمى لنكو أكنوتو (للتفاصيل أنظر : سارة هايلي ؛ هيلدجارد بنجن ولغتها الغريبة : نشرة وترجمة ومناقشة / طبع ماكميلان ، نيويورك 2007) ،  وهي تعني لغة الألغاز .  ومن زاوية اللنكوستك ومنطق اللغة ، فإن جميع اللغات هي لغات ألغاز أو جاركن بالنسبة للغير العارف بها ؛ وهي مثل لغات التخاطب اليومي أو اللغات العلمية مثل لغة الفيزياء ، الكيمياء ، الرياضيات والبايولوجيا .. فاللغة الصينية بالنسبة للعربي هي لغز أو مجموعة ألغاز ، والحال بالنسبة للغة الكيمياء بالنسبة لطالب التاريخ واللغة العربية . ولكن اللغة الصينية بالنسبة للصيني هي جهاز لغوي متين ، يُحقق أغراص التفاهم ونقل المعلومات . والحال كذلك بالنسبة للغة الكيمياء  بين علماء الكيمياء .. (تناول الدكتور الفرحان في كثير من أبحاثه وكتبه المنطقية مفهوم اللغة كجهاز يتألف من إشارات ورموز ، وهذه الرموز والإشارات تكون على هيئة ألغاز محيرة ، وغير مفهومة للمجموعة التي لا تمتلك معرفة بها ، وهناك قواعد تحكم الإشارات .. وعلى هذا الأساس فإن المجموعة التي تتداول هذه اللغة أو الإشارات تكون عارفة بسرها وملتزمة بقواعدها إذا تطلعت إلى إنجاز وظيفتها الإجتماعية وهي التفاهم ونقل المعلومات . وبخلاف ذلك فإن جميع اللغات تكون ألغازاً) .

   والحقيقة إن إصطلاح لنكو أكنوتو ” اللغة الجديدة “ يدل ويشير إلى فعل الإختراع والأصطناع لجهاز تخاطب بين هيلدجارد وبين الراهبات فقط . وهيلدجارد لم تقف عند إختراع كلمات من اللغة اللاتينية ومنحها معاني وإستخدامات جديدة . وإنما تجاوزت ذلك وإخترعت ألف باء لهذه اللغة الجديدة . ونحسب من باب فلسفة اللغة  إنها ليست بالمهمة اليسيرة في مضمار اللنكوستيات ، وهي تحتاج إلى جهود علماء عديدين ومن أجيال مختلفة حتى يصل هذا الإنجاز إلى لغة يمكن تداولها في الأستعمال والتفاهم ونقل المعلومات .

   ومن هذا الطرف يمكن القول إن هيلدجارد تمتعت بقوة ذكاء عالية ، مكنتها من التفكير والتخطيط لإنجاز هذه المهمة بنفسها ومن خلال تعاون بناتها الرهبات . وفعلاً فقد أصبحت اللغة الجديدة جهاز لغوي خاص للراهبات . وفي هذه اللغة شواهد على رغبة هيلدجارد ببناء لغة فمنستية ، توفر سرية عالية بين الراهبات ، وتمنع الأخرين وخصوصاً الرهبان من إختراق جدار اللغة الجديدة ، ومعرفة ما يدور بين الراهبات ، وما يتطلعن إليه في مضمار علم وثقافة ولاهوت فمنستي .

  ولعل من المناسب أن نشير إلى إن بعض الباحثين الذين إعتنوا بتفكير هيلدجارد ،  ومنهم الأستاذ مارك إيثرتون قد دقق في لغتها الجديدة ، ورأى بأنها نوع من الألغاز (أنظر المصدر السابق ، ص 161) . ويعود هذا العمل اللنكوستي الذي أنجزته هيلدجارد إلى الفترة المتوسطة من حياتها المهنية ، والممتدة من عام 1151 وإلى عام 1158 . وبالتحديد قبيل أن تبدأ العمل بكتابها المعنون حياة الفضائل . وقد رتبت هيلدجارد كلمات لغتها الجديدة بطريقة هايراركل ، أي بإسلوب تراتبي يبدأ من الأعلى وإلى الأسفل ، وبالتحديد يبدأ من زاوية عقيدية دينية من الله وهبوطاً . ولذلك بدأت قائمة اللغة الجديدة بتعابير مثل الله ، الملائكة ، والإنسان .. وتنهي بأساء مثل الأشجار ، والنباتات ، والأعشاب والحيوانات ..

  ونحسب من النافع الإشارة إلى إن هيلدجارد قد أنجزت بحثاً لغوياً عالياً ، هدفه بناء لغتها الجديدة ، فقد إستندت إلى اللغة اللاتينية لغة شارحة للغة لنكو أكنوتو . ومن طرف أخر كانت لغة لنكو أكنوتو ، هي جهاز لغوي شارح للغة اللاتينية . وقد تم إضافة اللغة الإنكليزية لغة ثالثة للشرح . أو الإعتماد على لغة لنكو أكنوتو جهازاً شارحاً لها . وهنا أقدم مثالاً من اللغات الثالثة مع ترجمة عربية مرافقة :

لغة لنكو أكنوتو         اللغة اللاتينية          اللغة الإنكليزية

أيكيونز (أي الله)        ديوز (أي الله)         كاد (أي الله)

أيجنز (أي الملائكة)     أنجليوز (أي الملائكة)  أنجلز (أي الملائكة)

 سيونز (القديس)        سانستيوس (القديس)    سانت (القديس)

ليونز (الفادي / المخلص)  سالفتور (الفادي)    سفير (الفادي)

ديولايز (الشيطان)        دايبولس (الشيطان)   ديفل (الشيطان)

أسبرايز (الروح)         سبرتيوس (الروح)    سبريتس (الروح)

إنومياز (الإنسان)        هومو (الإنسان)       هيومن (الإنسان)

(أنظر : هيلدجارد بنجن : كتابات مختارة ، ص 161) .

  وترى الباحثة بربارة نيومان المتخصصة في كتابات هيلدجارد بنجن ، بأن نصوص كتاباتها تكشف عن شكل محور من اللغة اللاتينية في العصور الوسطى ، وألف باء جديدة للغة الجديدة . وإن غرضها من إختراع اللغة الجديدة ، هو سعيها إلى التوحيد بين الرهبات (أنظر : بربارة نيومان : المدخل الذي كتبته لكتاب هيلدجارد معرفة الطرق إلى الرب (مصدر سابق) ص 13) . كل ذلك يدل بوضوح على نزعة هيلدجارد الفمنستية من إختراع اللغة الجديدة (وهو التوحيد بينها وبين بناتها الراهبات) .

   ويحسب الباحث مارك إثرتون ، بإن اللغة الجديدة ، هي لغة سرية ، إخترعتها كجهاز تخاطب بين الراهبات في دير القديس روبرتسبيرك ، وقد ورد مقطع من هذه اللغة في كتاب حياة الفضائل ، وهي لغة مقدسة . وكذلك فإن هيلدجارد قد تداولت هذه اللغة الجديدة في أغنية من أغانيها ، وبالتحديد في أغنية أهدتها إلى الكنيسة (وقد ترجمناها أعلاه) . المهم إنه في هذه الأغنية ، قدمت صورتين ، الأولى باللغة اللاتينية ، والثانية باللغة الجديدة لنكو أكنوتو . وهي القطعة المشهورة جداً ، والتي تقول فيها :

  وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة ، القدس الجديدة ، وقد هبطت إلى الأرض من جنة الله ، حاضرة كعروسة لزوجها .. (أنظر : هيلدجارد بنجن ؛ كتابات مختارة ، ص ص 161 – 162) .

    يبدو لي إن هذه الأغنية من مساهمات هيلدجارد في التحريض الصليبي للجمهور المسيحي ، ومنه الألماني خاصة للتأهب لتحرير القدس من السيطرة الإسلامية ، والتي تزامنت مع عمل ناصحها برنارد ، الذي كان الموجه الديني للحملة الصليبية الثانية ، والتي فشلت فشلاً ذريعاً وخابت فيها كل أماني برنارد ، وربما أمال هيلدجارد كذلك  ، والتي إنتهت في العام 1149 إلى كارثة ، حيث أصبحت مدينة القدس كاملة تحت سيطرة صلاح الدين الأيوبي (1137 – 1193) والتي بدأت بمعركة حطين عام 1187 والتي دحر فيها قوات الصليبيين وشتت قواتهم (أنظر للتفاصيل : السير هملتون جب ؛ صعود صلاح الدين / منشور في كتاب تاريخ الحروب الصليبية : السنوات المئة الأولى ، لندن 1969 ، ص ص 563 – 589) . وكان عمر المتصوفة هيلدجارد يومها 51 عاماً .

تعقيب

  بداية تعقيبنا توضيح ، نرغب إن يعرفه القارئ الكريم ، وهو إن مذهبنا في الحياة والتفكير يتعارض والتجارب الصوفية وما يدور حولها من إنكسارات وعلل نفسية متوطنة في اللاوعي ، ومن ثم الهروب إلى عالم عال تحصل فيه المشاهدة للذات الإلهية أو مشابهة لذلك من طرف . والطرف الثاني هناك الكثير الكثير من الفبركات اللاهوتية اللاحقة التي إمتزجت في الكتبات التي تناولت حياة المتصوفة الإلمانية هيلدجارد بنجن . ونحن لا نبغي فحص الفبركات اللاهوتية ، فهذا أمر نتركه لرجال اللاهوت الذين يسمحون لأنفسهم إصطناع الفبركات على حساب الحقيقة التي يتطلع إليها جمهور المؤمنين ، والتي تكون الفيصل الوحيد بين المسيح الحقيقي والمسيح الدجال (الأنتي كرايست) . ولكن هذا حالهم على الدوام لأن غرضهم الربح المؤقت ، والمتاجرة الدينية القائلة : إن ديني هو دين الصدق ، وإن الأديان الأخرى مجرد أساطير منتحلة ، وإن مذهبي هو خير المذاهب ، وإن المذاهب الأخرى هي مجرد بدع وأباطيل وباطنيات

   والمهم في مذهبنا ، إننا وجدنا في حالة المتصوفة هيلدجارد ، تمرداً على سلطة رجال الدين وإحتكارهم لدائرة اللاهوت ، فكانت صوتاً فمنستياً إعتمدت طريقة الكشف والمشاهدة الصوفيين ، فبزت بها كل رجال عصرها من اللاهوتيين ، ووضعتهم في إمتحان ومحنة ، فإستسلموا أخيراً لسلطتها ، وكاتبوا البابا الذي طلب منها الإستمرار في تجربتها والكتابة ، ومشاركته في الجديد من الرؤيا .   

صحيح ُ إن رجال اللاهوت المسيحي عملوا بجد على إحتكار سلطة الكنيسة ،  (وكانوا عنصراً في الإفساد والفساد وقتل الأبرياء بحجج الهرطقة وحجج ما أنزل الله بها سلطان ..) ومن ثم الإمساك بقوة بمفاتيح العمل في دائرة اللاهوت المسيحي في أيديهم ، ورفض للمرأة من خوض هذا المضمار . وكانت أصوات المقاومة مدعوة من الكرسي البابوي في أغلب الأحيان . ولكن حدثت إستثناءات ، فرضتها شخصيات فمنسيتية مسيحية شجاعة ، فتمكنت من إختراق جدار الحصار الكنسي ، وسجلن أسماءهن رموزاً وأصوات نسوية في قوائم مضمار اللاهوت المسيحي الفمنستي (النسوي) . ولم يمضي وقت طويل ، فقد تم الفاتيكان بالإعتراف بهن نساء قديسات شأنهن شأن الرجال القديسون .

 وحالة المتصوفة هيلدجارد مثال متميز ، وشاهد على صوتها الفمنستي ، الذي حمل الفاتيكان إلى الإعتراف بقداستها . وفعلاً فقد إنتزعت في حياتها ألقاب دينية عالية من حشود المؤمنين ، ومن درجات دينية متنوعة ، مثل القديسة هيلدجارد ، ونبية الراين . ومن ثم جاء الأعتراف بقداستها متأخراً جداً جداً وذلك بسبب جندرها (النسوي) . فقرر الفاتيكان البدأ بعملية منحها لقب القديسة ودرجة دكتوراه كنيسة ، ووصلت العملية إلى نهايتها . ومن المؤمل إن يمنحها البابا الحالي بندكت في 7 إكتوبر القادم 2012 هذا الإعتراف المتأخر ، وستكون دكتور كنيسة رقم 35 . وبالمناسبة هذا اللقب حصل عليه القديس توما الإكويني من قبل كذلك .

   ولعل المهم في الحركة النسوية داخل الأديرة المسيحية ، هو صعود الأصوات الحرة نتيجة لنهضة القرن الثاني عشر ، وهي النهضة التي عاشت في أحضانها المتصوفة والموسيقية هيلدجارد . فقد تمكنت بعد موت معلمتها الراهبة جوتا ، من أن تكون رئيس الدير ، ومن خلال عملية أختيار وترشيح حر لأول مرة ، ومن قبل معظم الراهبات . ونحسب إنها إستفادت من الترجمات اللاتينية للتراث العلمي العربي  والتي حدثت في القرن الثاني عشر ، وتشهد على ذلك نصوصها في مضماري الصحة والعلاج . صحيح ليست هناك إشارات واضحة للمصادر العربية التي إقتبست منها (أو من ترجماتها اللاتينية أو العبرية التي تُرجمت إلى اللاتينية لغة هيلدجارد قراءة وكتابة) . إلا إن القارئ للنصوص العربية الطبية وفي العقاقير والوصفات الطبية ، يشعر بقناعة بأن النص العربي الطبي والنباتي العلاجي ، مستبطن ومتخفي وراء نصوص هيلدجارد بنجن .

 الأمر الأخر الذي نود إن نناقشه قبل مغادرة هذا البحث ، وهو بيان مكانة المتصوفة هيلدجارد في مضمار نظرية طبية – سايكولوجية ، وهي نظرية الأخلاط أو المزاج ، وهي نظرية يونانية جذورها تصعد إلى إبي الطب اليوناني ” أبقراط ” والتقليد الطبي اليواني النازل إلى جالينوس ، والتي إرتبطت بنظرية الأخلاط الأربعة بشخصه . إن المهم الخطير في مسألة الأخلاط أو المزاج هو :

أولاً – إن نظرية المزاج أو الأخلاط الأربعة قد تبنتها المتصوفة الألمانية في كتابها الفيزيكا أو الصحة والعلاج .

ثانياً – إن جميع الدراسات التي تناولت هذه النظرية الطبية – النفسية عند هيلدجارد ، أشارت إلى إن مصادرها لم تكن يونانية ، وإنما شرقية (بالطبع مع الأسف إن الأكاديميين الغربيين الذي يدعون الموضوعية ، يخلطون الأوراق والإصطلاحات بقصد ، وذلك عندما يواجهون الحقيقة ، وإن هذا التراث ليس شرقياً ، وإنما عربياً) . أرجو التأكيد كما يقولون إن مصادرها شرقية (للإطلاع أنظر : هيلدجارد : كتاب الفيزيكا / مقدمة المترجم ، ص 5) .

ثالثاً – أشرنا سابقاً ، ونعيد إنتاج ذلك مرة أخرى ،  وهو إن هليدجارد بنت القرن الثاني عشر ، وإن لغتها وثقافتها كانتا لاتينيتين . وإن هذا القرن شهد ترجمة واسعة للتراث العلمي العربي المجلوب إلى أسبانيا (الأندلس) من الشرق العربي ، نؤكد على إن ترجمته قد تمت من العربية إلى العبرية أولاً ، ومن العبرية إلى اللاتينية ، ومن ثم من العربية مباشرة إلى اللاتينية .

رابعاً – بينا في أبحاث سابقة إن نظرية المزاج أو الأخلاط الأربعة للسيد جالينوس ، قد تدارسها العقل الطبي العربي ، وأثار الشكوك حولها ، وعمل تعديلات عليها ، فمثلاً ً:

1 – إن تجارب الرازي والزهراوي وإبن سينا تتناقض مع نتائج جالينوس .

2 – إن تجارب إبن الزهر وإبن النفيس تتناقض ونظرية الأخلاط الأربعة الجالينوسية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ حضور المنطق في الخطاب الرشدي / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الخامس شتاء 2012) وهذه الشكوك والتعديلات كانت مودوعة في الكتب الطبية والعلمية التي تُرجمت في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية ، لغة المتصوفة هيلدجارد . ماذا يعني كل هذا ؟ يعني شئ واحد ، وواحد فقط ، وهو إن مصادر هيدجارد في نظريتها في الأخلاط الأربعة ، ليست يونانية ، وهذا ما أجمعت عليه جميع الدراسات الغربية ، وإنما مصادر شرقية . وهذه المصادر الشرقية في جوهر الحقيقي مصادر عربية تُرجمت في القرن الثاني عشر الميلادي ، وتوافرت للمتصوفة هيلدجارد بلغتها اللاتينية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق فلسفية جديدة / المجلد الرابع / العدد السابع / صيف 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في Academic Skepticism, Ammonius Saccas, Aristotle, Cynicism, Cyrenaic School, Democritus, Dr. Mohamad Farhan, Philosopher, Eleatic Philosophy, Epicureanism, Epicurus, Epistemology and Philosophical Epistemology, Heraclitus, Hildegard of Bingen, Imblichus, Megarian School, Milesian School, Philosophy and Music, Philosophy and Woman, Plato, Plotinus, Pluralism and Atonism, Porphyry, Pre - Socratic Philosophy, Proclus, Pyrrhonian Skepticism, Pythagoreainism, Socrates, Sophistry, Stoicism, في الأبستمولوجيا والأبستمولوجيا الفلسفية, فيلوستروتس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية, قراءة في كتاب الفيزيكا, قراءة في السيرة الذاتية للمتصوفة هيلدجارد, كتابات في الخيمياء, كتابات وموسيقى وأغاني المتصوفة الألمانية هيلدجارد بنجن, لمحة في تاريخ الكلمة كيمياء, مفهوم هيلدجارد للعدل والحب الإلهيين, مقدمة في الأبستمولوجيا, مكانة جالينوس في تاريخ المنطق, موديل بطلميوس وموديل كوبرنيكوس, مأساة الفلسفة في العصور الوسطى, مثابرة فمنستية في اللاهوت, محاولة هيلدجارد في البحث اللنكوستي, مركز دريد للدراسات, مصادر التجربة الإفلاطونية في مضمار الأبستمولوجي الفلسفي, نشوء مدارس فلسفية على حدود وأجزاء الأراضي العربية مثل جنديسابور وإنطاكية والرها ونصيبين, نضال هيلدجارد من أجل الإستقلال, نظام بطلميوس الفلكي للكون وعلاقته بفلسفة أرسطو الطبيعية, هيلدجارد : نبية الراين, هيلدجارد ونظرية الخلق, هرمس الهرامسة, هزيود وملحمتيه الشعريتين أنساب الآلهة والأعمال والأيام, Zeno of Citium, Zethos (Arabic), أكاديمية إفلاطون, أوراق فلسفية جديدة / العدد 7, أبيلارد : إنساناً وفيلسوفاً والخيار الصعب, أثار جالينوس على دوائر الفكر العلمي العربي الإسلامي, أرسطرخس الساموسي كوبرنيكوس اليونان, أعمال هيلدجارد في الترانيم والموسيقى, إلويزا : إنسانة وكاتبة وضحية, إعتماد عالم الفلك إيرخيوس على الفلك البابلي, الفلاسفة قبل سقراط, الفلسفة والموسيقى, الفلسفة والمرأة, الفلسفة الفمنستية, الفلسفة الكلبية / الساخرة, الفلسفة اليونانية ومؤرخيها, الفلسفة الإيلية, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي, الفيلسوف الطبيب جالينوس, الفيلسوفة هبريشا الماروني, الفيلسوفة إريتا القورينائية, الفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إيملي جونز, الفيلسوفة السورية (عربية الأصول) جوليا دومانا, الفيلسوفة بيرستوني أو بيركتوني الأولى, الفيلسوفة باتيل, الفيلسوفة ثيموستوكلي, الفيلسوفة ثيونا, الفيلسوفة ديمو, الفيثاغورية الجديدة, الكاهن البابلي اليوناني بيروسوس, الكاهنة البابلية اليونانية هيروفيل, اللوقيون / الفلسفة المشائية, الملك الأشوري " إمبيلكوس السوري " مؤرخاً للفلسفة اليونانية, المدارس الفلسفية في العراقوالشام السلوقيين, المدرسة الفلسفية الشكية البيرونية, المدرسة القورينائية, المدرسة الميغارية, المدرسة الرواقية البابلية, المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة, المعطيات التاريخية والثقافية لأوضاع العرب قبل ولحظة بزوغ شمس الإسلام, الوافد الأبستمولوجي وتجربة الإقلاع الفلسفي العربي, الوافد الأبستمولوجي الكيميائي, الأكاديميون الشككاك, الإفلاطونية المحدثة, البحث في مؤلفات ونصوص وموسيقى المتصوفة هيلدجارد, التجارب الفلسفية في عالم يوناني هيلينستي متنوع, التجارب الفلسفية الأبستمولوجية الهيلينستية, التجربة الأرسطية والتأسيس الفلسفي الأبستمولوجي اليوناني, التصوف وقضية الجندر / الأنثى والرجل, الجغرافي والمؤرخ سترابو, الحروب الصليبية والمتصوفة الألمانية هيلدجارد بنجن, الدكتورة نداء إبراهيم خليل, السفسطائية, الغربيون وإبوة جابر بن حيان لعلم الكيمياء, بين تحقيق عبد الرحمن بدوي لمنطق أرسطو وتحقيق ديفيد رص, بين عبد الرحمن بدوي والمستشرق بول كراوس والإستحقاق الأكاديمي السلبي, بين عبد الرحمن بدوي والدكتور محمد جلوب الفرحان والإستحقاق الأكاديمي, بين عبد الرحمن بدوي والدكتور ياسين خليل والدكتور زكي نجيب محمود, بين عبد الرحمن بدوي وتحقيقنا لكتاب الكلم الروحانية من الحكم اليونانية, بايبوس وشرحه للمجسطي, بطلميوس الإسكندراني وكتابه المجسطي, تأملات في التجربة الفلسفية الأبستمولوجية الأبيقورية, تأملات في التجربة الأبستمولوجية الرواقية, تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم, ترجمة القرن الثاني عشر من العربية إلى اللاتينية, حضور هرقليطس في الفلسفة الرواقية, حضور الفلك البابلي في الفلك اليوناني, حضور ديمقريطس والفلسفة الذرية في الفلسفة الأبيقورية, دور الإسكندرية العلمي, ديوجانس لارتيوس وموسوعته " حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ", رابعة العدوية, رصيد التجربة الإبستمولوجية العلمية الإسكندرانية, شواهد تاريخية قوية على نشوء مدارس فلسفية يونانية زمن السلوقيين في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين, شواهد تاريخية على نشوء مدارس فلسفية يونانية في مصر وليبيا وشمال أفريقيا, عالم الميكانيكا أرخميدس, عالم الهدسة إقليدس, عبد الرحمن بدوي : بين كتاب التحليلات الثانية لأرسطو وإغلوطة كتاب البرهان لإبن سينا وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s